Tafsir Al-Razi — آل عمران 3:97 – آل عمران 3:139
المحتويات
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:98
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:116
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:124
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:129
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:131
- آل عمران 3:132
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:136
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:138
- آل عمران 3:139
آل عمران 3:97
وقَوْلُهُ: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ ومَعَ ذَلِكَ فَهو مَقامُ إبْراهِيمَ ومَقَرُّهُ والمَوْضِعُ الَّذِي اخْتارَهُ وعَبَدَ اللَّهَ فِيهِ، لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الخِلالِ الَّتِي بِها يُشَرَّفُ ويُعَظَّمُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ تَفْسِيرَ الآياتِ مَذْكُورٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: هي مَقامُ إبْراهِيمَ.
فَإنْ قِيلَ: الآياتُ جَماعَةٌ ولا يَصِحُّ تَفْسِيرُها بِشَيْءٍ واحِدٍ، أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ بِمَنزِلَةِ آياتٍ كَثِيرَةٍ، لِأنَّ ما كانَ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهو دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وحَياتِهِ وكَوْنِهِ غَنِيًّا مُنَزَّهًا مُقَدَّسًا عَنْ مُشابَهَةِ المُحْدَثاتِ، فَمَقامُ إبْراهِيمَ وإنْ كانَ شَيْئًا واحِدًا إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ فِيهِ هَذِهِ الوُجُوهُ الكَثِيرَةُ كانَ بِمَنزِلَةِ الدَّلائِلِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] . الثّانِي: أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ اشْتَمَلَ عَلى الآياتِ، لِأنَّ أثَرَ القَدَمِ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ آيَةٌ، وغَوْصَهُ فِيها إلى الكَعْبَيْنِ آيَةٌ، وإلانَةَ بَعْضِ الصَّخْرَةِ دُونَ بَعْضٍ آيَةٌ، لِأنَّهُ لانَ مِنَ الصَّخْرَةِ ما تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَقَطْ، وإبْقاؤُهُ دُونَ سائِرِ آياتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ آيَةٌ خاصَّةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحِفْظُهُ مَعَ كَثْرَةِ أعْدائِهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ والمُلْحِدِينَ أُلُوفَ سِنِينَ، فَثَبَتَ أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ آياتٌ كَثِيرَةٌ. الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ مِن بَقِيَّةِ تَفْسِيرِ الآياتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ وأمْنُ مَن دَخَلَهُ، ولَفْظُ الجَمْعِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الِاثْنَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الِاثْنانِ فَما فَوْقَهُما جَماعَةٌ» “ ومِنهم مَن تَمَّمَ الثَّلاثَةَ فَقالَ: مَقامُ إبْراهِيمَ وأنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، وأنَّ لِلَّهِ عَلى النّاسِ حَجَّهُ، ثُمَّ حَذَفَ (أنْ) اخْتِصارًا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩] أيْ أمَرَ رَبِّي بِأنْ تُقْسِطُوا. الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ هاتانِ الآيَتانِ ويُطْوى ذِكْرُ غَيْرِهِما دَلالَةً عَلى تَكاثُرِ الآياتِ، كَأنَّهُ قِيلَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ، وأمْنُ مَن دَخَلَهَ، وكَثِيرٌ سِواهُما. الخامِسُ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ في رِوايَةِ قُتَيْبَةَ: (آيَةٌ بَيِّنَةٌ) عَلى التَّوْحِيدِ. السّادِسُ: قالَ المُبَرِّدُ: (مَقامُ) مَصْدَرٌ فَلَمْ يُجْمَعْ كَما قالَ: ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] والمُرادُ مَقاماتُ إبْراهِيمَ، وهي ما أقامَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أُمُورِ الحَجِّ وأعْمالِ المَناسِكِ ولا شَكَّ أنَّها كَثِيرَةٌ وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالآياتِ شَعائِرُ الحَجِّ كَما قالَ: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] .
صفحة ١٣٢
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ. أحَدُها: أنَّهُ لَمّا ارْتَفَعَ بُنْيانُ الكَعْبَةِ وضَعُفَ إبْراهِيمُ عَنْ رَفْعِ الحِجارَةِ قامَ عَلى هَذا الحَجَرِ فَغاصَتْ فِيهِ قَدَماهُ. والثّانِي: أنَّهُ جاءَ زائِرًا مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ، وكانَ قَدْ حَلَفَ لِامْرَأتِهِ أنْ لا يَنْزِلَ بِمَكَّةَ حَتّى يَرْجِعَ، فَلَمّا وصَلَ إلى مَكَّةَ قالَتْ لَهُ أُمُّ إسْماعِيلَ: انْزِلْ حَتّى نَغْسِلَ رَأْسَكَ، فَلَمْ يَنْزِلْ، فَجاءَتْهُ بِهَذا الحَجَرِ فَوَضَعَتْهُ عَلى الجانِبِ الأيْمَنِ، فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ حَتّى غَسَلَتْ أحَدَ جانِبَيْ رَأْسِهِ، ثُمَّ حَوَّلَتْهُ إلى الجانِبِ الأيْسَرِ، حَتّى غَسَلَتِ الجانِبَ الآخَرَ، فَبَقِيَ أثَرُ قَدَمَيْهِ عَلَيْهِ. والثّالِثُ: أنَّهُ هو الحَجَرُ الَّذِي قامَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ عِنْدَ الأذانِ بِالحَجِّ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ قامَ عَلى ذَلِكَ الحَجَرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِرُ: مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] وقالَ إبْراهِيمُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: لَمّا كانَتِ الآياتُ المَذْكُورَةُ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ مَوْجُودَةً في الحَرَمِ ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ جَمِيعَ الحَرَمِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَوْ قَتَلَ في الحَرَمِ فَإنَّهُ يُسْتَوْفى القِصاصُ مِنهُ في الحَرَمِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الحَرَمَ لا يُفِيدُ الأمانَ فِيما سِوى النَّفْسِ، إنَّما الخِلافُ فِيما إذا وجَبَ القِصاصُ عَلَيْهِ خارِجَ الحَرَمِ فالتَجَأ إلى الحَرَمِ فَهَلْ يُسْتَوْفى مِنهُ القِصاصُ في الحَرَمِ ؟ قالَ الشّافِعِيُّ: يُسْتَوْفى، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُسْتَوْفى، بَلْ يُمْنَعُ مِنهُ الطَّعامُ والشَّرابُ والبَيْعُ والشِّراءُ والكَلامُ حَتّى يَخْرُجَ ثُمَّ يُسْتَوْفى مِنهُ القِصاصُ، والكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: ظاهِرُ الآيَةِ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِهِ آمِنًا، ولَكِنْ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ إذْ قَدْ لا يَصِيرُ آمِنًا فَيَقَعُ الخُلْفُ في الخَبَرِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الأمْرِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في الجِناياتِ الَّتِي دُونَ النَّفْسِ لِأنَّ الضَّرَرَ فِيها أخَفُّ مِنَ الضَّرَرِ في القَتْلِ، وفِيما إذا وجَبَ عَلَيْهِ القِصاصُ لِجِنايَةٍ أتى بِها في الحَرَمِ، لِأنَّهُ هو الَّذِي هَتَكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ، فَيَبْقى في مَحَلِّ الخِلافِ عَلى مُقْتَضى ظاهِرِ الآيَةِ.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانَ آمِنًا﴾ إثْباتٌ لِمُسَمّى الأمْنِ، ويَكْفِي في العَمَلِ بِهِ إثْباتُ الأمْنِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ مَن دَخَلَهُ لِلنُّسُكِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى كانَ آمِنًا مِنَ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن ماتَ في أحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ آمِنًا» “ وقالَ أيْضًا: ”«مَن صَبَرَ عَلى حَرِّ مَكَّةَ ساعَةً مِن نَهارٍ تَباعَدَتْ عَنْهُ جَهَنَّمُ مَسِيرَةَ مِائَتَيْ عامٍ» “ وقالَ: ”«مَن حَجَّ ولَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» “ . والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أوْدَعَ اللَّهُ في قُلُوبِ الخَلْقِ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى كُلِّ مَنِ التَجَأ إلَيْهِ ودَفَعَ المَكْرُوهَ عَنْهُ، ولَمّا كانَ الأمْرُ واقِعًا عَلى هَذا الوَجْهِ في الأكْثَرِ أخْبَرَ بِوُقُوعِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ مُطْلَقًا وهَذا أوْلى مِمّا قالُوهُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا نَجْعَلُ الخَبَرَ قائِمًا مَقامَ الأمْرِ وهم جَعَلُوهُ قائِمًا مَقامَ الأمْرِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا لِبَيانِ فَضِيلَةِ البَيْتِ وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِشَيْءٍ كانَ مَعْلُومًا لِلْقَوْمِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى فَضِيلَةِ البَيْتِ، فَأمّا الحُكْمُ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ في شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى اليَهُودِ والنَّصارى في إثْباتِ فَضِيلَةِ الكَعْبَةِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّ المَعْنى مَن دَخَلَهُ عامَ عُمْرَةِ القَضاءِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ كانَ آمِنًا لِأنَّهُ تَعالى
صفحة ١٣٣
قالَ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] الرّابِعُ: قالَ الضَّحّاكُ: مَن حَجَّ حَجَّةً كانَ آمِنًا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي اكْتَسَبَها قَبْلَ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ طُرُقَ الكَلامِ في جَمِيعِ هَذِهِ الأجْوِبَةِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانَ آمِنًا﴾ حُكْمٌ بِثُبُوتِ الأمْنِ وذَلِكَ يَكْفِي في العَمَلِ بِهِ إثْباتُ الأمْنِ مِن وجْهٍ واحِدٍ وفي صُورَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا حَمَلْناهُ عَلى بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ فَقَدْ عَمِلْنا بِمُقْتَضى هَذا النَّصِّ فَلا يَبْقى لِلنَّصِّ دَلالَةٌ عَلى ما قالُوهُ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِأنَّ حَمْلَ النَّصِّ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يُفْضِي إلى تَخْصِيصِ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ القِصاصِ، وحَمْلُهُ عَلى ما قالُوهُ يُفْضِي إلى ذَلِكَ فَكانَ قَوْلُنا أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ فَضائِلَ البَيْتِ ومَناقِبَهُ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ إيجابِ الحَجِّ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿حِجُّ البَيْتِ﴾ بِكَسْرِ الحاءِ والباقُونَ بِفَتْحِها، قِيلَ: الفَتْحُ لُغَةُ الحِجازِ، والكَسْرُ لُغَةُ نَجْدٍ وهُما واحِدٌ في المَعْنى، وقِيلَ هُما جائِزانِ مُطْلَقًا في اللُّغَةِ، مِثْلُ رَطْلٍ ورِطْلٍ، وبَزْرٍ وبِزْرٍ، وقِيلَ المَكْسُورَةُ اسْمٌ لِلْعَمَلِ والمَفْتُوحَةُ مَصْدَرٌ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَكْسُورَةُ أيْضًا مَصْدَرًا، كالذِّكْرِ والعِلْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”مَن“ خَفْضٌ عَلى البَدَلِ مِنَ ”النّاسِ“ والمَعْنى: ولِلَّهِ عَلى مَنِ اسْتَطاعَ مِنَ النّاسِ حَجُّ البَيْتِ. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ إنْ نَوَيْتَ الِاسْتِئْنافَ بِمَن كانَتْ شَرْطًا وأُسْقِطَ الجَزاءُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ مَنِ اسْتَطاعَ إلى الحَجِّ سَبِيلًا فَلِلَّهِ عَلَيْهِ حَجُّ البَيْتِ. الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَن“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى التَّرْجَمَةِ لِلنّاسِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَنِ النّاسُ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ حَجُّ البَيْتِ ؟ فَقِيلَ هم مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الزّادَ والرّاحِلَةَ شَرْطانِ لِحُصُولِ الِاسْتِطاعَةِ، رَوى جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَ اسْتِطاعَةَ السَّبِيلِ إلى الحَجِّ بِوُجُودِ الزّادِ والرّاحِلَةِ، ورَوى القَفّالُ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: إذا كانَ شابًّا صَحِيحًا لَيْسَ لَهُ مالٌ فَعَلَيْهِ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَهُ حَتّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، فَقالَ لَهُ قائِلٌ: أكَلَّفَ اللَّهُ النّاسَ أنْ يَمْشُوا إلى البَيْتِ ؟ فَقالَ: لَوْ كانَ لِبَعْضِهِمْ مِيراثٌ بِمَكَّةَ أكانَ يَتْرُكُهُ ؟ قالَ: لا بَلْ يَنْطَلِقُ إلَيْهِ ولَوْ حَبْوًا، قالَ: فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ حَجُّ البَيْتِ، عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الِاسْتِطاعَةُ هي صِحَّةُ البَدَنِ، وإمْكانُ المَشْيِ إذا لَمْ يَجِدْ ما يَرْكَبُهُ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن كانَ صَحِيحَ البَدَنِ قادِرًا عَلى المَشْيِ إذا لَمْ يَجِدْ ما يَرْكَبُ فَإنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ لِذَلِكَ الفِعْلِ، فَتَخْصِيصُ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةِ بِالزّادِ والرّاحِلَةِ تَرْكٌ لِظاهِرِ اللَّفْظِ، فَلا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولا
صفحة ١٣٤
يُمْكِنُ التَّعْوِيلُ في ذَلِكَ عَلى الأخْبارِ المَرْوِيَّةِ في هَذا البابِ لِأنَّها أخْبارُ آحادٍ، فَلا يُتْرَكُ لِأجْلِها ظاهِرُ الكِتابِ لا سِيَّما وقَدْ طَعَنَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في رُواةِ تِلْكَ الأخْبارِ، وطَعَنَ فِيها مِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنَّ حُصُولَ الزّادِ والرّاحِلَةِ لا يَكْفِي في حُصُولِ الِاسْتِطاعَةِ، فَإنَّهُ يُعْتَبَرُ في حُصُولِ الِاسْتِطاعَةِ صِحَّةُ البَدَنِ وعَدَمُ الخَوْفِ في الطَّرِيقِ، وظاهِرُ هَذِهِ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مُعْتَبَرًا، فَصارَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مَطْعُونًا فِيها مِن هَذا الوَجْهِ بَلْ يَجِبُ أنْ يُعَوَّلَ في ذَلِكَ عَلى ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ قالُوا: لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، وعَدَمُ الإيمانِ لا يَصْلُحُ مُعارِضًا ومُخَصِّصًا لِهَذا العُمُومِ، لِأنَّ الدَّهْرِيَّ مُكَلَّفٌ بِالإيمانِبِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ حاصِلٍ، والمُحْدِثُ مُكَلَّفٌ بِالصَّلاةِ مَعَ أنَّ الوُضُوءَ الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلاةِ غَيْرُ حاصِلٍ، فَلَمْ يَكُنْ عَدَمُ الشَّرْطِ مانِعًا مِن كَوْنِهِ مُكَلَّفًا بِالمَشْرُوطِ، فَكَذا هاهُنا واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، فَقالُوا: لَوْ كانَتْ الِاسْتِطاعَةُ مَعَ الفِعْلِ لَكانَ مَن لَمْ يَحُجَّ مُسْتَطِيعًا لِلْحَجِّ، ومَن لَمْ يَكُنْ مُسْتَطِيعًا لِلْحَجِّ لا يَتَناوَلُهُ التَّكْلِيفُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مَن لَمْ يَحُجَّ أنْ لا يَصِيرَ مَأْمُورًا بِالحَجِّ بِسَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ.
أجابَ الأصْحابُ بِأنَّ هَذا أيْضًا لازِمٌ لَهم، وذَلِكَ لِأنَّ القادِرَ إمّا أنْ يَصِيرَ مَأْمُورًا بِالفِعْلِ قَبْلَ حُصُولِ الدّاعِي إلى الفِعْلِ أوْ بَعْدَ حُصُولِهِ، أمّا قَبْلَ حُصُولِ الدّاعِي فَمُحالٌ، لِأنَّ قَبْلَ حُصُولِ الدّاعِي يَمْتَنِعُ حُصُولُ الفِعْلِ، فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِهِ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وأمّا بَعْدَ حُصُولِ الدّاعِي فالفِعْلُ يَصِيرُ واجِبَ الحُصُولِ، فَلا يَكُونُ في التَّكْلِيفِ بِهِ فائِدَةٌ، وإذا كانَتْ الِاسْتِطاعَةُ مُنْتَفِيَةً في الحالَيْنِ وجَبَ أنْ لا يَتَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أحَدٍ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكُتِبَ الحَجُّ عَلَيْنا في كُلِّ عامٍ ؟ ذَكَرُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، فَسَكَتَ الرَّسُولُ ﷺ، ثُمَّ قالَ في الرّابِعَةِ: ”لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ما قُمْتُمْ بِها، ولَوْ لَمْ تَقُومُوا بِها لَكَفَرْتُمْ. ألا فَوادِعُونِي ما وادَعْتُكم وإذا أمَرْتُكم بِأمْرٍ فافْعَلُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ وإذا نَهَيْتُكم عَنْ أمْرٍ فانْتَهُوا عَنْهُ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ اخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ“»، ثُمَّ احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذا الخَبَرِ عَلى أنَّ الأمْرَ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ الأمْرَ ورَدَ بِالحَجِّ ولَمْ يُفِدِ التَّكْرارَ. والثّانِي: أنَّ الصَّحابَةَ اسْتَفْهَمُوا أنَّهُ هَلْ يُوجِبُ التَّكْرارَ أمْ لا ؟ ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ تُفِيدُ التَّكْرارَ لَما احْتاجُوا إلى الِاسْتِفْهامِ مَعَ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ بِاللُّغَةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اسْتِطاعَةُ السَّبِيلِ إلى الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ إمْكانِ الوُصُولِ، قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] وقالَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقالَ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَيُعْتَبَرُ في حُصُولِ هَذا الإمْكانِ صِحَّةُ البَدَنِ، وزَوالُ خَوْفِ التَّلَفِ مِنَ السَّبُعِ أوِ العَدُوِّ وفِقْدانِ الطَّعامِ والشَّرابِ، والقُدْرَةُ عَلى المالِ الَّذِي يُشْتَرى بِهِ الزّادُ والرّاحِلَةُ وأنْ يَقْضِيَ جَمِيعَ الدُّيُونِ ويَرُدَّ جَمِيعَ
صفحة ١٣٥
الوَدائِعِ، وإنْ وجَبَ عَلَيْهِ الإنْفاقُ عَلى أحَدٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الحَجُّ إلّا إذا تَرَكَ مِنَ المالِ ما يَكْفِيهِمْ في المَجِيءِ والذَّهابِ، وتَفاصِيلُ هَذا البابِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفُقَهاءِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ووَعِيدٌ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى تارِكِ الحَجِّ ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى مَن لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَ الحَجِّ، أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى تارِكِ الحَجِّ فَقَدْ عَوَّلُوا فِيهِ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ الأمْرُ بِالحَجِّ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّ هَذا الكُفْرَ لَيْسَ إلّا تَرْكَ ما تَقَدَّمَ الأمْرُ بِهِ، ثُمَّ إنَّهم أكَّدُوا هَذا الوَجْهَ بِالأخْبارِ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إنْ شاءَ يَهُودِيًّا وإنْ شاءَ نَصْرانِيًّا» “ وعَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإسْلامِ ولَمْ تَمْنَعْهُ حاجَةٌ ظاهِرَةٌ أوْ مَرَضٌ حابِسٌ أوْ سُلْطانٌ جائِرٌ فَلْيَمُتْ عَلى أيِّ حالٍ شاءَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا» “ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَوْ ماتَ جارٌ لِي ولَهُ مَيْسَرَةٌ ولَمْ يَحُجَّ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ بِسَبَبِ تَرْكِ الحَجِّ ؟
أجابَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّغْلِيظَ، أيْ قَدْ قارَبَ الكُفْرَ وعَمِلَ ما يَعْمَلُهُ مَن كَفَرَ بِالحَجِّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] أيْ كادَتْ تَبْلُغُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن تَرَكَ صَلاةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ» “ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أتى امْرَأةً حائِضًا أوْ في دُبُرِها فَقَدْ كَفَرَ» “ وأمّا الأكْثَرُونَ: فَهُمُ الَّذِينَ حَمَلُوا هَذا الوَعِيدَ عَلى مَن تَرَكَ اعْتِقادَ وُجُوبِ الحَجِّ، قالَ الضَّحّاكُ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحَجِّ جَمَعَ الرَّسُولُ ﷺ أهْلَ الأدْيانِ السِّتَّةِ المُسْلِمِينَ، والنَّصارى واليَهُودَ والصّابِئِينَ والمَجُوسَ والمُشْرِكِينَ فَخَطَبَهم وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا“ فَآمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ وكَفَرَتْ بِهِ المِلَلُ الخَمْسُ، وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِهِ، ولا نُصَلِّي إلَيْهِ، ولا نَحُجُّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ»﴾ وهَذا القَوْلُ هو الأقْوى.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ تَكْلِيفَ الشَّرْعِ في العِباداتِ قِسْمانِ، مِنها ما يَكُونُ أصْلُهُ مَعْقُولًا إلّا أنَّ تَفاصِيلَهُ لا تَكُونُ مَعْقُولَةً مِثْلَ الصَّلاةِ فَإنَّ أصْلَها مَعْقُولٌ وهو تَعْظِيمُ اللَّهِ أمّا كَيْفِيَّةُ الصَّلاةِ فَغَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وكَذا الزَّكاةُ أصْلُها دَفْعُ حاجَةِ الفَقِيرِ وكَيْفِيَّتُها غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، والصَّوْمُ أصْلُهُ مَعْقُولٌ، وهو قَهْرُ النَّفْسِ وكَيْفِيَّتُهُ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، أمّا الحَجُّ فَهو سَفَرٌ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ عَلى كَيْفِيّاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فالحِكْمَةُ في كَيْفِيّاتِ هَذِهِ العِباداتِ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ وأصْلُها غَيْرُ مَعْلُومَةٍ.
صفحة ١٣٦
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ المُحَقِّقُونَ إنَّ الإتْيانَ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العِبادَةِ أدَلُّ عَلى كَمالِ العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ مِنَ الإتْيانِ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآتِيَ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ يَحْتَمِلُ أنَّهُ إنَّما أتى بِهِ لَمّا عَرَفَ بِعَقْلِهِ مِن وُجُوهِ المَنافِعِ فِيهِ، أمّا الآتِي بِالنَّوْعِ الثّانِي فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِهِ إلّا لِمُجَرَّدِ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ، فَلِأجْلِ هَذا المَعْنى اشْتَمَلَ الأمْرُ بِالحَجِّ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّوْكِيدِ. أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ إلَهًا ألْزَمَ عَبِيدَهُ هَذِهِ الطّاعَةَ فَيَجِبُ الِانْقِيادُ سَواءٌ عَرَفُوا وجْهَ الحِكْمَةِ فِيها أوْ لَمْ يَعْرِفُوا. وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ ”النّاسَ“ ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ ضَرْبانِ مِنَ التَّأْكِيدِ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ الإبْدالَ تَثْنِيَةٌ لِلْمُرادِ وتَكْرِيرٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ أجْمَلَ أوَّلًا وفَصَّلَ ثانِيًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ عَبَّرَ عَنْ هَذا الوُجُوبِ بِعِبارَتَيْنِ. إحْداهُما: لامُ المِلْكِ في قَوْلِهِ: (ولِلَّهِ) وثانِيَتُهُما: كَلِمَةُ ”عَلى“ وهي لِلْوُجُوبِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ﴾ . ورابِعُها: أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي إيجابَهُ عَلى كُلِّ إنْسانٍ يَسْتَطِيعُهُ، وتَعْمِيمُ التَّكْلِيفِ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ. وخامِسُها: أنَّهُ قالَ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ مَكانَ ومَن لَمْ يَحُجَّ، وهَذا تَغْلِيظٌ شَدِيدٌ في حَقِّ تارِكِ الحَجِّ. وسادِسُها: ذِكْرُ الِاسْتِغْناءِ وذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى المَقْتِ والسُّخْطِ والخِذْلانِ. وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿عَنِ العالَمِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْهُ؛ لِأنَّ المُسْتَغْنِيَ عَنْ كُلِّ العالَمِينَ أوْلى أنْ يَكُونَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ ذَلِكَ الإنْسانِ الواحِدِ وعَنْ طاعَتِهِ، فَكانَ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى السُّخْطِ. وثامِنُها: أنَّ في أوَّلِ الآيَةِ قالَ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذا الإيجابَ كانَ لِمُجَرَّدِ عِزَّةِ الإلَهِيَّةِ وكِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ، لا لِجَرِّ نَفْعٍ ولا لِدَفْعِ ضُرٍّ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ومِمّا يَدُلُّ مِنَ الأخْبارِ عَلى تَأْكِيدِ الأمْرِ بِالحَجِّ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«حُجُّوا قَبْلَ أنْ لا تَحُجُّوا فَإنَّهُ قَدْ هُدِمَ البَيْتُ مَرَّتَيْنِ ويُرْفَعُ في الثّالِثِ» “ ورُوِيَ ”«حُجُّوا قَبْلَ أنْ لا تَحُجُّوا حُجُّوا قَبْلَ أنْ يَمْنَعَ البَرُّ جانِبَهُ» “ قِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْكُمُ السَّفَرُ في البَرِّ في مَكَّةَ لِعَدَمِ الأمْنِ أوْ غَيْرِهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”حُجُّوا هَذا البَيْتَ قَبْلَ أنْ تَنْبُتَ في البادِيَةِ شَجَرَةٌ لا تَأْكُلُ مِنها دابَّةٌ إلّا هَلَكَتْ“ .
آل عمران 3:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو الأوْفَقُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ الدَّلائِلَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا ورَدَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ البِشارَةِ بِمَقْدِمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ شُبُهاتِ القَوْمِ.
فالشُّبْهَةُ الأُولى: ما يَتَعَلَّقُ بِإنْكارِ النَّسْخِ.
صفحة ١٣٧
وأجابَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] .
والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالكَعْبَةِ ووُجُوبِ اسْتِقْبالِها في الصَّلاةِ ووُجُوبِ حَجِّها.
وأجابَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ إلى آخِرِها، فَعِنْدَ هَذا تَمَّتْ وظِيفَةُ الِاسْتِدْلالِ وكَمُلَ الجَوابُ عَنْ شُبُهاتِ أرْبابِ الضَّلالِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خاطَبَهم بِالكَلامِ اللَّيِّنِ وقالَ: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، وهَذا هو الغايَةُ القُصْوى في تَرْتِيبِ الكَلامِ وحُسْنِ نَظْمِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَضائِلَ الكَعْبَةِ ووُجُوبَ الحَجِّ، والقَوْمُ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ هَذا هو الدِّينُ الحَقُّ والمِلَّةُ الصَّحِيحَةُ قالَ لَهم: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ كَوْنَها حَقَّةً صَحِيحَةً.
واعْلَمْ أنَّ المُبْطِلَ إمّا أنْ يَكُونَ ضالًّا فَقَطْ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ ضالًّا يَكُونُ مُضِلًّا، والقَوْمُ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا فَبَدَأ تَعالى بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ في الصِّفَةِ الأُولى عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ واللُّطْفِ.
* * *
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ واخْتَلَفُوا فِيمَنِ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ، فَقالَ الحَسَنُ: هم عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ كُلُّ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا فالحُجَّةُ قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم بِتَرْكِ الِاسْتِدْلالِ والعُدُولِ إلى التَّقْلِيدِ بِمَنزِلَةِ مَن عَلِمَ ثُمَّ أنْكَرَ.
فَإنْ قِيلَ: ولِمَ خُصَّ أهْلُ الكِتابِ بِالذِّكْرِ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ ؟
قُلْنا: لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى أوْرَدَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ أجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ في ذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا تَمَّ ذَلِكَ خاطَبَهم فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ فَهَذا التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ. الثّانِي: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِآياتِ اللَّهِ أقْوى لِتَقَدُّمِ اعْتِرافِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وأصْلِ النُّبُوَّةِ، ولِمَعْرِفَتِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّهادَةِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ والبِشارَةِ بِنُبُوَّتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ مِن قِبَلِهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّوْبِيخُ، وكَذَلِكَ لا يَصِحُّ تَوْبِيخُهم عَلى طَوْلِهِمْ وصِحَّتِهِمْ ومَرَضِهِمْ.
والجَوابُ عَنْهُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ (مِن آياتِ اللَّهِ) الآياتُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُرادُ بِكُفْرِهِمْ بِها كُفْرُهم بِدَلالَتِها عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ الواوُ لِلْحالِ والمَعْنى: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي دَلَّتْكم عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والحالُ أنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ عَلى أعْمالِكم ومُجازِيكم عَلَيْها وهَذِهِ الحالُ تُوجِبُ أنْ لا تَجْتَرِءُوا عَلى الكُفْرِ بِآياتِهِ.
صفحة ١٣٨
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ في ضَلالِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في إضْلالِهِمْ لِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ فَقالَ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ صَدَدْتُهُ أصُدُّهُ صَدًّا وأصْدَدْتُهُ إصْدادًا، وقَرَأ الحَسَنُ (تُصِدُّونَ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أصَدَّهُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ صَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ والشُّكُوكِ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ وكانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَ صِفَتِهِ ﷺ في كِتابِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ العِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ المَيْلُ عَنْ الِاسْتِواءِ في كُلِّ ما لا يُرى، وهو الدِّينُ والقَوْلُ، فَأمّا الشَّيْءُ الَّذِي يُرى فَيُقالُ فِيهِ: عَوَجٌ بِفَتْحِ العَيْنِ كالحائِطِ والقَناةِ والشَّجَرَةِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَغْيُ يُقْتَصَرُ لَهُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ اللّامُ كَقَوْلِكَ: بَغَيْتُ المالَ والأجْرَ والثَّوابَ، وأُرِيدَ هاهُنا: تَبْغُونَ لَها عِوَجًا، ثُمَّ أُسْقِطَتِ اللّامُ كَما قالُوا: وهَبْتُكَ دِرْهَمًا أيْ وهَبْتُ لَكَ دِرْهَمًا، ومِثْلُهُ صِدْتُ لَكَ ظَبْيًا وأنْشَدَ:
فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارًا
أرادَ أصِيدُ لَكم والهاءُ في ﴿تَبْغُونَها﴾ عائِدَةٌ إلى (السَّبِيلِ) لِأنَّ السَّبِيلَ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ و(العِوَجُ) يَعْنِي بِهِ الزَّيْغَ والتَّحْرِيفَ، أيْ تَلْتَمِسُونَ لِسَبِيلِهِ الزَّيْغَ والتَّحْرِيفَ بِالشُّبَهِ الَّتِي تُورِدُونَها عَلى الضَّعَفَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: النَّسْخُ يَدُلُّ عَلى البَداءِ، وقَوْلُهم: إنَّهُ ورَدَ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ باقِيَةٌ إلى الأبَدِ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ (عِوَجًا) في مَوْضِعِ الحالِ والمَعْنى: تَبْغُونَها ضالِّينَ وذَلِكَ أنَّهم كَأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى دِينِ اللَّهِ وسَبِيلِهِ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنَّكم تَبْغُونَ سَبِيلَ اللَّهِ ضالِّينَ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ اللّامِ في تَبْغُونَها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَعْنِي أنْتُمْ شُهَداءُ أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ دِينَ اللَّهِ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ هو الإسْلامُ. الثّانِي: وأنْتُمْ شُهَداءُ عَلى ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ . الثّالِثُ: وأنْتُمْ شُهَداءُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. الرّابِعُ: وأنْتُمْ شُهَداءُ بَيْنَ أهْلِ دِينِكم عُدُولٌ يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويُعَوِّلُونَ عَلى شَهادَتِكم في عِظامِ الأُمُورِ وهُمُ الأحْبارُ. والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ الإصْرارُ عَلى الباطِلِ والكَذِبِ والضَّلالِ والإضْلالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ والمُرادُ التَّهْدِيدُ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِعَبْدِهِ، وقَدْ أنْكَرَ طَرِيقَهُ لا يَخْفى عَلَيَّ ما أنْتَ عَلَيْهِ ولَسْتُ غافِلًا عَنْ أمْرِكَ وإنَّما خَتَمَ الآيَةَ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ﴾ وهَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الكُفْرَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما كانُوا يُظْهِرُونَ إلْقاءَ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، بَلْ كانُوا يَحْتالُونَ في ذَلِكَ بِوُجُوهِ الحِيَلِ فَلا جَرَمَ قالَ فِيما أظْهَرُوهُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ﴾ وفِيما أضْمَرُوهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وإنَّما كَرَّرَ في الآيَتَيْنِ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّوْبِيخُ عَلى ألْطَفِ الوُجُوهِ، وتَكْرِيرُ هَذا الخِطابِ اللَّطِيفِ أقْرَبُ إلى التَّلَطُّفِ في صَرْفِهِمْ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ في الضَّلالِ والإضْلالِ وأدَلُّ عَلى النُّصْحِ لَهم في الدِّينِ والإشْفاقِ.
آل عمران 3:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو الأوْفَقُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ الدَّلائِلَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا ورَدَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِنَ البِشارَةِ بِمَقْدِمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ شُبُهاتِ القَوْمِ.
فالشُّبْهَةُ الأُولى: ما يَتَعَلَّقُ بِإنْكارِ النَّسْخِ.
صفحة ١٣٧
وأجابَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] .
والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالكَعْبَةِ ووُجُوبِ اسْتِقْبالِها في الصَّلاةِ ووُجُوبِ حَجِّها.
وأجابَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ إلى آخِرِها، فَعِنْدَ هَذا تَمَّتْ وظِيفَةُ الِاسْتِدْلالِ وكَمُلَ الجَوابُ عَنْ شُبُهاتِ أرْبابِ الضَّلالِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خاطَبَهم بِالكَلامِ اللَّيِّنِ وقالَ: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، وهَذا هو الغايَةُ القُصْوى في تَرْتِيبِ الكَلامِ وحُسْنِ نَظْمِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَضائِلَ الكَعْبَةِ ووُجُوبَ الحَجِّ، والقَوْمُ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ هَذا هو الدِّينُ الحَقُّ والمِلَّةُ الصَّحِيحَةُ قالَ لَهم: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ كَوْنَها حَقَّةً صَحِيحَةً.
واعْلَمْ أنَّ المُبْطِلَ إمّا أنْ يَكُونَ ضالًّا فَقَطْ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ ضالًّا يَكُونُ مُضِلًّا، والقَوْمُ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا فَبَدَأ تَعالى بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ في الصِّفَةِ الأُولى عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ واللُّطْفِ.
* * *
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ واخْتَلَفُوا فِيمَنِ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ، فَقالَ الحَسَنُ: هم عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ كُلُّ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا فالحُجَّةُ قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم بِتَرْكِ الِاسْتِدْلالِ والعُدُولِ إلى التَّقْلِيدِ بِمَنزِلَةِ مَن عَلِمَ ثُمَّ أنْكَرَ.
فَإنْ قِيلَ: ولِمَ خُصَّ أهْلُ الكِتابِ بِالذِّكْرِ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ ؟
قُلْنا: لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى أوْرَدَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ أجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ في ذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا تَمَّ ذَلِكَ خاطَبَهم فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ فَهَذا التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ. الثّانِي: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِآياتِ اللَّهِ أقْوى لِتَقَدُّمِ اعْتِرافِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وأصْلِ النُّبُوَّةِ، ولِمَعْرِفَتِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّهادَةِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ والبِشارَةِ بِنُبُوَّتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ مِن قِبَلِهِمْ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّوْبِيخُ، وكَذَلِكَ لا يَصِحُّ تَوْبِيخُهم عَلى طَوْلِهِمْ وصِحَّتِهِمْ ومَرَضِهِمْ.
والجَوابُ عَنْهُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ (مِن آياتِ اللَّهِ) الآياتُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُرادُ بِكُفْرِهِمْ بِها كُفْرُهم بِدَلالَتِها عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ الواوُ لِلْحالِ والمَعْنى: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي دَلَّتْكم عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والحالُ أنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ عَلى أعْمالِكم ومُجازِيكم عَلَيْها وهَذِهِ الحالُ تُوجِبُ أنْ لا تَجْتَرِءُوا عَلى الكُفْرِ بِآياتِهِ.
صفحة ١٣٨
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ في ضَلالِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في إضْلالِهِمْ لِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ فَقالَ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ صَدَدْتُهُ أصُدُّهُ صَدًّا وأصْدَدْتُهُ إصْدادًا، وقَرَأ الحَسَنُ (تُصِدُّونَ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أصَدَّهُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ صَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ والشُّكُوكِ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ وكانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَ صِفَتِهِ ﷺ في كِتابِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ العِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ المَيْلُ عَنْ الِاسْتِواءِ في كُلِّ ما لا يُرى، وهو الدِّينُ والقَوْلُ، فَأمّا الشَّيْءُ الَّذِي يُرى فَيُقالُ فِيهِ: عَوَجٌ بِفَتْحِ العَيْنِ كالحائِطِ والقَناةِ والشَّجَرَةِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَغْيُ يُقْتَصَرُ لَهُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ اللّامُ كَقَوْلِكَ: بَغَيْتُ المالَ والأجْرَ والثَّوابَ، وأُرِيدَ هاهُنا: تَبْغُونَ لَها عِوَجًا، ثُمَّ أُسْقِطَتِ اللّامُ كَما قالُوا: وهَبْتُكَ دِرْهَمًا أيْ وهَبْتُ لَكَ دِرْهَمًا، ومِثْلُهُ صِدْتُ لَكَ ظَبْيًا وأنْشَدَ:
فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارًا
أرادَ أصِيدُ لَكم والهاءُ في ﴿تَبْغُونَها﴾ عائِدَةٌ إلى (السَّبِيلِ) لِأنَّ السَّبِيلَ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ و(العِوَجُ) يَعْنِي بِهِ الزَّيْغَ والتَّحْرِيفَ، أيْ تَلْتَمِسُونَ لِسَبِيلِهِ الزَّيْغَ والتَّحْرِيفَ بِالشُّبَهِ الَّتِي تُورِدُونَها عَلى الضَّعَفَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: النَّسْخُ يَدُلُّ عَلى البَداءِ، وقَوْلُهم: إنَّهُ ورَدَ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ باقِيَةٌ إلى الأبَدِ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ (عِوَجًا) في مَوْضِعِ الحالِ والمَعْنى: تَبْغُونَها ضالِّينَ وذَلِكَ أنَّهم كَأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى دِينِ اللَّهِ وسَبِيلِهِ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنَّكم تَبْغُونَ سَبِيلَ اللَّهِ ضالِّينَ وعَلى هَذا القَوْلِ لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ اللّامِ في تَبْغُونَها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَعْنِي أنْتُمْ شُهَداءُ أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ دِينَ اللَّهِ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ هو الإسْلامُ. الثّانِي: وأنْتُمْ شُهَداءُ عَلى ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ . الثّالِثُ: وأنْتُمْ شُهَداءُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. الرّابِعُ: وأنْتُمْ شُهَداءُ بَيْنَ أهْلِ دِينِكم عُدُولٌ يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويُعَوِّلُونَ عَلى شَهادَتِكم في عِظامِ الأُمُورِ وهُمُ الأحْبارُ. والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ الإصْرارُ عَلى الباطِلِ والكَذِبِ والضَّلالِ والإضْلالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ والمُرادُ التَّهْدِيدُ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِعَبْدِهِ، وقَدْ أنْكَرَ طَرِيقَهُ لا يَخْفى عَلَيَّ ما أنْتَ عَلَيْهِ ولَسْتُ غافِلًا عَنْ أمْرِكَ وإنَّما خَتَمَ الآيَةَ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ﴾ وهَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الكُفْرَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما كانُوا يُظْهِرُونَ إلْقاءَ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، بَلْ كانُوا يَحْتالُونَ في ذَلِكَ بِوُجُوهِ الحِيَلِ فَلا جَرَمَ قالَ فِيما أظْهَرُوهُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ﴾ وفِيما أضْمَرُوهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وإنَّما كَرَّرَ في الآيَتَيْنِ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّوْبِيخُ عَلى ألْطَفِ الوُجُوهِ، وتَكْرِيرُ هَذا الخِطابِ اللَّطِيفِ أقْرَبُ إلى التَّلَطُّفِ في صَرْفِهِمْ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ في الضَّلالِ والإضْلالِ وأدَلُّ عَلى النُّصْحِ لَهم في الدِّينِ والإشْفاقِ.
آل عمران 3:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ الفَرِيقَ مِن أهْلِ الكِتابِ في الآيَةِ الأُولى عَنِ الإغْواءِ والإضْلالِ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ ومَنعِهِمْ عَنْ الِالتِفاتِ إلى قَوْلِهِمْ، رُوِيَ «أنْ شاسَ بْنَ قَيْسٍ اليَهُودِيَّ كانَ عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الطَّعْنِ عَلى المُسْلِمِينَ شَدِيدَ الحَسَدِ، فاتُّفِقَ أنَّهُ مَرَّ عَلى نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ فَرَآهم في مَجْلِسٍ لَهم يَتَحَدَّثُونَ، وكانَ قَدْ زالَ ما كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَداوَةِ بِبَرَكَةِ الإسْلامِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِيِّ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ وذَكَّرَهم ما كانَ بَيْنَهم مِنَ الحُرُوبِ قَبْلَ ذَلِكَ وقَرَأ عَلَيْهِمْ بَعْضَ ما قِيلَ في تِلْكَ الحُرُوبِ مِنَ الأشْعارِ فَتَنازَعَ القَوْمُ وتَغاضَبُوا وقالُوا: السِّلاحَ السِّلاحَ، فَوَصَلَ الخَبَرُ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقالَ: أتَرْجِعُونَ إلى أحْوالِ الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم، وقَدْ أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّ ذَلِكَ كانَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ومِن كَيْدِ ذَلِكَ اليَهُودِيِّ، فَألْقَوُا السِّلاحَ وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما كانَ يَوْمٌ أقْبَحَ أوَّلًا وأحْسَنَ آخِرًا مِن ذَلِكَ اليَوْمِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَذِهِ الواقِعَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ ما يُحاوِلُونَهُ مِن أنْواعِ الإضْلالِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المُؤْمِنِينَ إنْ لانُوا وقَبِلُوا مِنهم قَوْلَهم أدّى ذَلِكَ حالًا بَعْدَ حالٍ إلى أنْ يَعُودُوا كُفّارًا، والكُفْرُ يُوجِبُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والدِّينِ، أمّا في الدُّنْيا فَبِوُقُوعِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ وهَيَجانِ الفِتْنَةِ وثَوَرانِ المُحارَبَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى سَفْكِ الدِّماءِ، وأمّا في الدِّينِ فَظاهِرٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ وكَلِمَةُ (كَيْفَ) تَعَجُّبٌ، والتَّعَجُّبُ إنَّما يَلِيقُ بِمَن لا يَعْلَمُ السَّبَبَ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، والمُرادُ مِنهُ المَنعُ والتَّغْلِيظُ وذَلِكَ لِأنَّ تِلاوَةَ آياتِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ فِيهِمُ، الَّذِي يُزِيلُ كُلَّ شُبْهَةٍ ويُقَرِّرُ كُلَّ حُجَّةٍ، كالمانِعِ مِن وُقُوعِهِمْ في الكُفْرِ، فَكانَ صُدُورُ الكُفْرِ عَلى الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ أبْعَدَ مِن هَذا الوَجْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأقْصى لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ أنْ يَرُدُّوا المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ ثُمَّ أرْشَدَ المُسْلِمِينَ إلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ لا يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِمْ، بَلِ الواجِبُ أنْ يَرْجِعُوا عِنْدَ كُلِّ شُبْهَةٍ يَسْمَعُونَها مِن هَؤُلاءِ اليَهُودِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، حَتّى يَكْشِفَ عَنْها ويُزِيلَ وجْهَ الشُّبْهَةِ فِيها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والمَقْصُودُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ أرْدَفَهُ بِهَذا
صفحة ١٤٠
الوَعْدِ، والمَعْنى: ومَن يَتَمَسَّكْ بِدِينِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَثًّا لَهم عَلى الِالتِجاءِ إلَيْهِ في دَفْعِ شُرُورِ الكُفّارِ. والِاعْتِصامُ في اللُّغَةِ الِاسْتِمْساكُ بِالشَّيْءِ وأصْلُهُ مِنَ العِصْمَةِ، والعِصْمَةُ المَنعُ في كَلامِ العَرَبِ، والعاصِمُ المانِعُ، واعْتَصَمَ فُلانٌ بِالشَّيْءِ إذا تَمَسَّكَ بِالشَّيْءِ في مَنعِ نَفْسِهِ مِنَ الوُقُوعِ في آفَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ في الآيَةِ أمْرَيْنِ يَمْنَعانِ عَنِ الوُقُوعِ في الكُفْرِ. أحَدُهُما: تِلاوَةُ كِتابِ اللَّهِ. والثّانِي: كَوْنُ الرَّسُولِ فِيهِمْ، أمّا الرَّسُولُ ﷺ فَقَدْ مَضى إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، وأمّا الكِتابُ فَباقٍ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أصْحابُنا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّهُ جَعَلَ اعْتِصامَهم هِدايَةً مِنَ اللَّهِ، فَلَمّا جُعِلَ ذَلِكَ الِاعْتِصامُ فِعْلًا لَهم وهِدايَةً مِنَ اللَّهِ ثَبَتَ ما قُلْناهُ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا. الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الهِدايَةِ الزِّيادَةُ في الألْطافِ المُرَتَّبَةِ عَلى أداءِ الطّاعاتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦] وهَذا اخْتارَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ. والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ مَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَنِعْمَ ما فَعَلَ فَإنَّهُ إنَّما هُدِيَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ. الثّالِثُ: أنَّ مَن يَعْتَصِمُ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ. والرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾ أيْ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الهُدى لا مَحالَةَ، كَما تَقُولُ: إذا جِئْتَ فُلانًا فَقَدْ أفْلَحْتَ، كَأنَّ الهُدى قَدْ حَصَلَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ حاصِلًا وذَلِكَ لِأنَّ المُعْتَصِمَ بِاللَّهِ مُتَوَقِّعٌ لِلْهُدى كَما أنَّ قاصِدَ الكَرِيمِ مُتَوَقِّعٌ لِلْفَلاحِ عِنْدَهُ.
آل عمران 3:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ الفَرِيقَ مِن أهْلِ الكِتابِ في الآيَةِ الأُولى عَنِ الإغْواءِ والإضْلالِ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ ومَنعِهِمْ عَنْ الِالتِفاتِ إلى قَوْلِهِمْ، رُوِيَ «أنْ شاسَ بْنَ قَيْسٍ اليَهُودِيَّ كانَ عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الطَّعْنِ عَلى المُسْلِمِينَ شَدِيدَ الحَسَدِ، فاتُّفِقَ أنَّهُ مَرَّ عَلى نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ فَرَآهم في مَجْلِسٍ لَهم يَتَحَدَّثُونَ، وكانَ قَدْ زالَ ما كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَداوَةِ بِبَرَكَةِ الإسْلامِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِيِّ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ وذَكَّرَهم ما كانَ بَيْنَهم مِنَ الحُرُوبِ قَبْلَ ذَلِكَ وقَرَأ عَلَيْهِمْ بَعْضَ ما قِيلَ في تِلْكَ الحُرُوبِ مِنَ الأشْعارِ فَتَنازَعَ القَوْمُ وتَغاضَبُوا وقالُوا: السِّلاحَ السِّلاحَ، فَوَصَلَ الخَبَرُ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقالَ: أتَرْجِعُونَ إلى أحْوالِ الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم، وقَدْ أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّ ذَلِكَ كانَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ومِن كَيْدِ ذَلِكَ اليَهُودِيِّ، فَألْقَوُا السِّلاحَ وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما كانَ يَوْمٌ أقْبَحَ أوَّلًا وأحْسَنَ آخِرًا مِن ذَلِكَ اليَوْمِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَذِهِ الواقِعَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ ما يُحاوِلُونَهُ مِن أنْواعِ الإضْلالِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المُؤْمِنِينَ إنْ لانُوا وقَبِلُوا مِنهم قَوْلَهم أدّى ذَلِكَ حالًا بَعْدَ حالٍ إلى أنْ يَعُودُوا كُفّارًا، والكُفْرُ يُوجِبُ الهَلاكَ في الدُّنْيا والدِّينِ، أمّا في الدُّنْيا فَبِوُقُوعِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ وهَيَجانِ الفِتْنَةِ وثَوَرانِ المُحارَبَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى سَفْكِ الدِّماءِ، وأمّا في الدِّينِ فَظاهِرٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ وكَلِمَةُ (كَيْفَ) تَعَجُّبٌ، والتَّعَجُّبُ إنَّما يَلِيقُ بِمَن لا يَعْلَمُ السَّبَبَ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، والمُرادُ مِنهُ المَنعُ والتَّغْلِيظُ وذَلِكَ لِأنَّ تِلاوَةَ آياتِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ مَعَ كَوْنِ الرَّسُولِ فِيهِمُ، الَّذِي يُزِيلُ كُلَّ شُبْهَةٍ ويُقَرِّرُ كُلَّ حُجَّةٍ، كالمانِعِ مِن وُقُوعِهِمْ في الكُفْرِ، فَكانَ صُدُورُ الكُفْرِ عَلى الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ أبْعَدَ مِن هَذا الوَجْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأقْصى لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ أنْ يَرُدُّوا المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ ثُمَّ أرْشَدَ المُسْلِمِينَ إلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ لا يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِمْ، بَلِ الواجِبُ أنْ يَرْجِعُوا عِنْدَ كُلِّ شُبْهَةٍ يَسْمَعُونَها مِن هَؤُلاءِ اليَهُودِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، حَتّى يَكْشِفَ عَنْها ويُزِيلَ وجْهَ الشُّبْهَةِ فِيها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والمَقْصُودُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ أرْدَفَهُ بِهَذا
صفحة ١٤٠
الوَعْدِ، والمَعْنى: ومَن يَتَمَسَّكْ بِدِينِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَثًّا لَهم عَلى الِالتِجاءِ إلَيْهِ في دَفْعِ شُرُورِ الكُفّارِ. والِاعْتِصامُ في اللُّغَةِ الِاسْتِمْساكُ بِالشَّيْءِ وأصْلُهُ مِنَ العِصْمَةِ، والعِصْمَةُ المَنعُ في كَلامِ العَرَبِ، والعاصِمُ المانِعُ، واعْتَصَمَ فُلانٌ بِالشَّيْءِ إذا تَمَسَّكَ بِالشَّيْءِ في مَنعِ نَفْسِهِ مِنَ الوُقُوعِ في آفَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَ في الآيَةِ أمْرَيْنِ يَمْنَعانِ عَنِ الوُقُوعِ في الكُفْرِ. أحَدُهُما: تِلاوَةُ كِتابِ اللَّهِ. والثّانِي: كَوْنُ الرَّسُولِ فِيهِمْ، أمّا الرَّسُولُ ﷺ فَقَدْ مَضى إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، وأمّا الكِتابُ فَباقٍ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ أصْحابُنا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّهُ جَعَلَ اعْتِصامَهم هِدايَةً مِنَ اللَّهِ، فَلَمّا جُعِلَ ذَلِكَ الِاعْتِصامُ فِعْلًا لَهم وهِدايَةً مِنَ اللَّهِ ثَبَتَ ما قُلْناهُ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا. الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الهِدايَةِ الزِّيادَةُ في الألْطافِ المُرَتَّبَةِ عَلى أداءِ الطّاعاتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦] وهَذا اخْتارَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ. والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ مَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَنِعْمَ ما فَعَلَ فَإنَّهُ إنَّما هُدِيَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ. الثّالِثُ: أنَّ مَن يَعْتَصِمُ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ. والرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾ أيْ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الهُدى لا مَحالَةَ، كَما تَقُولُ: إذا جِئْتَ فُلانًا فَقَدْ أفْلَحْتَ، كَأنَّ الهُدى قَدْ حَصَلَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ حاصِلًا وذَلِكَ لِأنَّ المُعْتَصِمَ بِاللَّهِ مُتَوَقِّعٌ لِلْهُدى كَما أنَّ قاصِدَ الكَرِيمِ مُتَوَقِّعٌ لِلْفَلاحِ عِنْدَهُ.
آل عمران 3:102
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن إضْلالِ الكُفّارِ ومِن تَلْبِيساتِهِمْ في الآيَةِ الأُولى أمَرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِمَجامِعِ الطّاعاتِ، ومَعاقِدِ الخَيْراتِ، فَأمَرَهم أوَّلًا: بِتَقْوى اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وثانِيًا: بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ وثالِثًا: بِذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والسَّبَبُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ فِعْلَ الإنْسانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا، إمّا بِالرَّهْبَةِ وإمّا بِالرَّغْبَةِ، والرَّهْبَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الرَّغْبَةِ، لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ النَّفْعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّخْوِيفِ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالرَّغْبَةِ، وهي
صفحة ١٤١
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: خَوْفُ عِقابِ اللَّهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وكَثْرَةُ نِعَمِ اللَّهِ تُوجِبُ ذَلِكَ فَلَمْ تَبْقَ جِهَةٌ مِنَ الجِهاتِ المُوجِبَةِ لِلْفِعْلِ إلّا وهي حاصِلَةٌ في وُجُوبِ انْقِيادِكم لِأمْرِ اللَّهِ ووُجُوبِ طاعَتِكم لِحُكْمِ اللَّهِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مُرَتَّبَةٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ وذَلِكَ لِما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ حَقَّ تُقاتِهِ: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، وأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، والعِبادُ لا طاقَةَ لَهم بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ونَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلَها ولَمْ يُنْسَخْ آخِرُها وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وزَعَمَ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ أنَّ القَوْلَ بِهَذا النَّسْخِ باطِلٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ مُعاذٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ”«هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ ؟ قالَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: هو أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» “ وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَخَ. الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَحِقُّ أنْ يُتَّقى، وذَلِكَ بِأنْ يُجْتَنَبَ جَمِيعُ مَعاصِيهِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ أنَّ يُنْسَخَ لِأنَّهُ إباحَةٌ لِبَعْضِ المَعاصِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ صارَ مَعْنى هَذا ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] واحِدًا لِأنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ ما اسْتَطاعَ فَقَدِ اتَّقاهُ حَقَّ تُقاتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ ما لا يُسْتَطاعُ مِنَ التَّقْوى، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، والوُسْعُ دُونَ الطّاقَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
قُلْنا: سَنُبَيِّنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها جاءَتْ في القُرْآنِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وكُلُّها في صِفَةِ الكُفّارِ لا في صِفَةِ المُسْلِمِينَ؛ أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ المُرادَ هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى فَهَذا صَحِيحٌ، والَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ فَغَيْرُ قادِحٍ فِيهِ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَرْفُوعٌ في هَذِهِ الأوْقاتِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ خُطُورِ نِعَمِ اللَّهِ بِالبالِ، فَأمّا عِنْدَ السَّهْوِ فَلا يَجِبُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، فَإنَّ هَذا إنَّما يَجِبُ عِنْدَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يُطاقُ، فَلا وجْهَ لِما ظَنُّوهُ أنَّهُ مَنسُوخٌ.
قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أقُولُ: لِلْأوَّلِينَ أنْ يُقَرِّرُوا قَوْلَهم مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ كُنْهَ الإلَهِيَّةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْخَلْقِ، فَلا يَكُونُ كَمالُ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ الخَوْفُ اللّائِقُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ الِاتِّقاءُ اللّائِقُ بِهِ. الثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا بِالِاتِّقاءِ المُغَلَّظِ والمُخَفَّفِ مَعًا فَنُسِخَ المُغَلَّظُ وبَقِيَ المُخَفَّفُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا باطِلٌ، لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ ما أمْكَنَ والنَّسْخُ إنَّما يَدْخُلُ في الواجِباتِ لا في النَّفْيِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ رَفْعَ الحَجْرِ عَمّا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَحْجُورًا عَنْهُ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَجِبُ أنْ يُتَّقى، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ويُقالُ: هو الرَّجُلُ حَقًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «
أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ:
أنا عَلِيٌّ لا كَذِبَ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، والتُّقى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اتَّقَيْتُ، كَما أنَّ الهُدى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اهْتَدَيْتُ.
صفحة ١٤٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فَلَفْظُ النَّهْيِ واقِعٌ عَلى المَوْتِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ الأمْرُ بِالإقامَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ يُمْكِنُهُمُ الثَّباتُ عَلى الإسْلامِ حَتّى إذا أتاهُمُ المَوْتُ أتاهم وهم عَلى الإسْلامِ، صارَ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ دَخَلَ في إمْكانِهِمْ، ومَضى الكَلامُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالِاتِّقاءِ عَنِ المَحْظُوراتِ أمَرَهم بِالتَّمَسُّكِ بِالِاعْتِصامِ بِما هو كالأصْلِ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ، وهو الِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن يَمْشِي عَلى طَرِيقٍ دَقِيقٍ يَخافُ أنْ تَزْلَقَ رِجْلُهُ، فَإذا تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ مَشْدُودِ الطَّرَفَيْنِ بِجانِبَيْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ أمِنَ مِنَ الخَوْفِ، ولا شَكَّ أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ طَرِيقٌ دَقِيقٌ، وقَدِ انْزَلَقَ رِجْلُ الكَثِيرِ مِنَ الخَلْقِ عَنْهُ، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِدَلِيلِ اللَّهِ وبَيِّناتِهِ فَإنَّهُ يَأْمَنُ مِن ذَلِكَ الخَوْفِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الحَبْلِ هاهُنا كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلى الحَقِّ في طَرِيقِ الدِّينِ، وهو أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، فَذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ واحِدًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِالحَبْلِ هاهُنا العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقالَ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أيْ بِعَهْدٍ، وإنَّما سُمِّيَ العَهْدُ حَبْلًا لِأنَّهُ يُزِيلُ عَنْهُ الخَوْفَ مِنَ الذَّهابِ إلى أيِّ مَوْضِعٍ شاءَ، وكانَ كالحَبْلِ الَّذِي مَن تَمَسَّكَ بِهِ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أما إنَّها سَتَكُونُ فِتْنَةٌ“ قِيلَ: فَما المَخْرَجُ مِنها ؟ قالَ: ”كِتابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَن قَبْلَكم وخَبَرُ مَن بَعْدَكم وحُكْمُ ما بَيْنَكم وهو حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ“» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هَذا القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ» “ ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي» “ وقِيلَ: إنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو طاعَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو إخْلاصُ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: الجَماعَةُ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ النّازِلُ في البِئْرِ يَعْتَصِمُ بِحَبْلٍ تَحَرُّزًا مِنَ السُّقُوطِ فِيها وكانَ كِتابُ اللَّهِ وعَهْدُهُ ودِينُهُ وطاعَتُهُ ومُوافَقَتُهُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ حِرْزًا لِصاحِبِهِ مِنَ السُّقُوطِ في قَعْرِ جَهَنَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ حَبْلًا لِلَّهِ، وأُمِرُوا بِالِاعْتِصامِ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وما عَداهُ يَكُونُ جَهْلًا وضَلالًا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] . والثّانِي: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ المُعاداةِ والمُخاصَمَةِ، فَإنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مُواظِبِينَ عَلى المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها. الثّالِثُ: أنَّهُ نُهِيَ عَمّا يُوجِبُ الفُرْقَةَ ويُزِيلُ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ.
واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى نَيِّفٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً النّاجِي مِنهم واحِدٌ والباقِي في النّارِ، فَقِيلَ: ومَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الجَماعَةُ“ ورُوِيَ ”السَّوادُ الأعْظَمُ“ ورُوِيَ ”ما أنا عَلَيْهِ وأصْحابِي“»
صفحة ١٤٣
والوَجْهُ المَعْقُولُ فِيهِ: أنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاخْتِلافِ والأمْرَ بِالِاتِّفاقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ النّاجِي واحِدًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتْ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ يَقِينِيَّةً أوْ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ ظَنِّيَّةً، فَإنْ كانَ الأوَّلَ امْتَنَعَ الِاكْتِفاءُ فِيها بِالقِياسِ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ، لِأنَّ الدَّلِيلَ الظَّنِّيَّ لا يُكْتَفى بِهِ في المَوْضِعِ اليَقِينِيِّ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ إلى تِلْكَ الدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ الِاخْتِلافِ ووُقُوعَ النِّزاعِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ التَّفَرُّقُ والتَّنازُعُ مَنهِيًّا عَنْهُ، لَكِنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى العَمَلِ بِالقِياسِ تَكُونُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ ولِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ إمّا دُنْيَوِيَّةٌ وإمّا أُخْرَوِيَّةٌ وإنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُما في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا النِّعْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ إنَّ ذَلِكَ اليَهُودِيَّ لَمّا ألْقى الفِتْنَةَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ وهَمَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمُحارَبَةِ صاحِبِهِ، فَخَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ ولَمْ يَزَلْ يَرْفُقُ بِهِمْ حَتّى سَكَنَتِ الفِتْنَةُ وكانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ أخَوَيْنِ لِأبٍ وأُمٍّ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُما العَداوَةُ، وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ أطْفَأ اللَّهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلَيْهِمْ وإلى أحْوالِهِمْ، فَإنَّهم قَبْلَ الإسْلامِ كانَ يُحارِبُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَبْغُضُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ صارُوا إخْوانًا مُتَراحِمِينَ مُتَناصِحِينَ وصارُوا إخْوَةً في اللَّهِ: ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن كانَ وجْهُهُ إلى الدُّنْيا كانَ مُعادِيًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ، ومَن كانَ وجْهُهُ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُعادِيًا لِأحَدٍ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ يَنْظُرُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ فَيَرى الكُلَّ أسِيرًا في قَبْضَةِ القَضاءِ والقَدَرِ فَلا يُعادِي أحَدًا، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ العارِفَ إذا أمَرَ أمَرَ بِرِفْقٍ ويَكُونُ ناصِحًا لا يُعَنِّفُ ويُعَيِّرُ فَهو مُسْتَبْصِرٌ بِسِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الأخِ في اللُّغَةِ مِنَ التَّوَخِّي وهو الطَّلَبُ فالأخُ مَقْصِدُهُ مَقْصِدُ أخِيهِ، والصَّدِيقُ مَأْخُوذٌ مِن أنْ يَصْدُقَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الصَّدِيقَيْنِ صاحِبَهُ ما في قَلْبِهِ، ولا يُخْفِي عَنْهُ شَيْئًا وقالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أهْلُ البَصْرَةِ: الإخْوَةُ في النَّسَبِ والإخْوانُ في الصَّداقَةِ، قالَ: وهَذا غَلَطٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ولَمْ يَعْنِ النَّسَبَ، وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وهَذا في النَّسَبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُعامَلاتِ الحَسَنَةَ الجارِيَةَ بَيْنَهم بَعْدَ الإسْلامِ إنَّما حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ وكانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةً لِحُصُولِ الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ في خَلْقِ الأفْعالِ، قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ ذَلِكَ بِالهِدايَةِ والبَيانِ والتَّحْذِيرِ والمَعْرِفَةِ والألْطافِ.
صفحة ١٤٤
قُلْنا: كُلُّ هَذا كانَ حاصِلًا في زَمانِ حُصُولِ المُحارِباتِ والمُقاتِلاتِ، فاخْتِصاصُ أحَدِ الزَّمانَيْنِ بِحُصُولِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِأمْرٍ زائِدٍ عَلى ما ذَكَرْتُمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ ذَكَرَ بَعْدَها النِّعْمَةَ الأُخْرَوِيَّةَ، وهي ما ذَكَرَهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ مُشْرِفِينَ بِكُفْرِكم عَلى جَهَنَّمَ، لِأنَّ جَهَنَّمَ مُشْبِهَةٌ بِالحُفْرَةِ الَّتِي فِيها النّارُ فَجَعَلَ اسْتِحْقاقَهم لِلنّارِ بِكُفْرِهِمْ كالإشْرافِ مِنهم عَلى النّارِ، والمَصِيرِ مِنهم إلى حُفْرَتِها، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أنْقَذَهم مِن هَذِهِ الحُفْرَةِ، وقَدْ قَرُبُوا مِنَ الوُقُوعِ فِيها.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَطُفَ بِهِمْ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرِ ألْطافِهِ حَتّى آمَنُوا. قالَ أصْحابُنا: جَمِيعُ الألْطافِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ الإيمانِ ومُوجِدُهُ هو العَبْدُ لَكانَ العَبْدُ هو الَّذِي أنْقَذَ نَفْسَهُ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ هو الَّذِي أنْقَذَهم مِنَ النّارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ خالِقَ أفْعالِ العِبادِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: شَفا الشَّيْءِ حَرْفُهُ مَقْصُورٌ، مِثْلُ شَفا البِئْرِ والجَمْعُ الأشْفاءُ، ومِنهُ يُقالُ: أشْفى عَلى الشَّيْءِ إذا أشْرَفَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ بَلَغَ شَفاهُ، أيْ حَدَّهُ وحَرْفَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ نَقَذْتُهُ وأنْقَذْتُهُ واسْتَنْقَذْتُهُ، أيْ خَلَّصْتُهُ ونَجَّيْتُهُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ سُؤالٌ وهو: أنَّهُ تَعالى إنَّما يُنْقِذُهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ وهم كانُوا عَلى شَفا حُفْرَةٍ، وشَفا الحُفْرَةِ مُذَكَّرٌ فَكَيْفَ قالَ مِنها ؟
وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الحُفْرَةِ ولَمّا أنْقَذَهم مِنَ الحُفْرَةِ فَقَدْ أنْقَذَهم مِن شَفا الحُفْرَةِ لِأنَّ شَفاها مِنها. والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى النّارِ، لِأنَّ القَصْدَ الإنْجاءُ مِنَ النّارِ لا مِن شَفا الحُفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. الثّالِثُ: أنَّ شَفا الحُفْرَةِ، وشَفَتُها طَرَفُها، فَجازَ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِالتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم لَوْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ لَوَقَعُوا في النّارِ، فَمُثِّلَتْ حَياتُهُمُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بَعْدَها الوُقُوعُ في النّارِ بِالقُعُودِ عَلى حَرْفِها، وهَذا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيرِ مُدَّةِ الحَياةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَياةِ وبَيْنَ المَوْتِ المُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ في الحُفْرَةِ إلّا ما بَيْنَ طَرَفِ الشَّيْءِ، وبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ مِثْلُ البَيانِ المَذْكُورِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم سائِرَ الآياتِ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِها، قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُمُ الِاهْتِداءَ، أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ في ”البَسِيطِ“ فَقالَ: بَلِ المَعْنى لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ هِدايَةٍ.
وأقُولُ: وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ مِنهم ذَلِكَ الرَّجاءَ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَلى مَذْهَبِنا قَدْ لا يُرِيدُ ذَلِكَ الرَّجاءَ، فالجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ كَلِمَةُ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، والمَعْنى أنّا فَعَلْنا فِعْلًا يُشْبِهُ فِعْلَ مَن يَتَرَجّى ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن إضْلالِ الكُفّارِ ومِن تَلْبِيساتِهِمْ في الآيَةِ الأُولى أمَرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِمَجامِعِ الطّاعاتِ، ومَعاقِدِ الخَيْراتِ، فَأمَرَهم أوَّلًا: بِتَقْوى اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وثانِيًا: بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ وثالِثًا: بِذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والسَّبَبُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ فِعْلَ الإنْسانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا، إمّا بِالرَّهْبَةِ وإمّا بِالرَّغْبَةِ، والرَّهْبَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الرَّغْبَةِ، لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ النَّفْعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّخْوِيفِ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالرَّغْبَةِ، وهي
صفحة ١٤١
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: خَوْفُ عِقابِ اللَّهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وكَثْرَةُ نِعَمِ اللَّهِ تُوجِبُ ذَلِكَ فَلَمْ تَبْقَ جِهَةٌ مِنَ الجِهاتِ المُوجِبَةِ لِلْفِعْلِ إلّا وهي حاصِلَةٌ في وُجُوبِ انْقِيادِكم لِأمْرِ اللَّهِ ووُجُوبِ طاعَتِكم لِحُكْمِ اللَّهِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مُرَتَّبَةٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ وذَلِكَ لِما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ حَقَّ تُقاتِهِ: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، وأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، والعِبادُ لا طاقَةَ لَهم بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ونَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلَها ولَمْ يُنْسَخْ آخِرُها وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وزَعَمَ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ أنَّ القَوْلَ بِهَذا النَّسْخِ باطِلٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ مُعاذٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ”«هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ ؟ قالَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: هو أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» “ وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَخَ. الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَحِقُّ أنْ يُتَّقى، وذَلِكَ بِأنْ يُجْتَنَبَ جَمِيعُ مَعاصِيهِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ أنَّ يُنْسَخَ لِأنَّهُ إباحَةٌ لِبَعْضِ المَعاصِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ صارَ مَعْنى هَذا ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] واحِدًا لِأنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ ما اسْتَطاعَ فَقَدِ اتَّقاهُ حَقَّ تُقاتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ ما لا يُسْتَطاعُ مِنَ التَّقْوى، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، والوُسْعُ دُونَ الطّاقَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
قُلْنا: سَنُبَيِّنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها جاءَتْ في القُرْآنِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وكُلُّها في صِفَةِ الكُفّارِ لا في صِفَةِ المُسْلِمِينَ؛ أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ المُرادَ هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى فَهَذا صَحِيحٌ، والَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ فَغَيْرُ قادِحٍ فِيهِ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَرْفُوعٌ في هَذِهِ الأوْقاتِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ خُطُورِ نِعَمِ اللَّهِ بِالبالِ، فَأمّا عِنْدَ السَّهْوِ فَلا يَجِبُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، فَإنَّ هَذا إنَّما يَجِبُ عِنْدَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يُطاقُ، فَلا وجْهَ لِما ظَنُّوهُ أنَّهُ مَنسُوخٌ.
قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أقُولُ: لِلْأوَّلِينَ أنْ يُقَرِّرُوا قَوْلَهم مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ كُنْهَ الإلَهِيَّةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْخَلْقِ، فَلا يَكُونُ كَمالُ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ الخَوْفُ اللّائِقُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ الِاتِّقاءُ اللّائِقُ بِهِ. الثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا بِالِاتِّقاءِ المُغَلَّظِ والمُخَفَّفِ مَعًا فَنُسِخَ المُغَلَّظُ وبَقِيَ المُخَفَّفُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا باطِلٌ، لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ ما أمْكَنَ والنَّسْخُ إنَّما يَدْخُلُ في الواجِباتِ لا في النَّفْيِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ رَفْعَ الحَجْرِ عَمّا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَحْجُورًا عَنْهُ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَجِبُ أنْ يُتَّقى، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ويُقالُ: هو الرَّجُلُ حَقًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «
أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ:
أنا عَلِيٌّ لا كَذِبَ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، والتُّقى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اتَّقَيْتُ، كَما أنَّ الهُدى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اهْتَدَيْتُ.
صفحة ١٤٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فَلَفْظُ النَّهْيِ واقِعٌ عَلى المَوْتِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ الأمْرُ بِالإقامَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ يُمْكِنُهُمُ الثَّباتُ عَلى الإسْلامِ حَتّى إذا أتاهُمُ المَوْتُ أتاهم وهم عَلى الإسْلامِ، صارَ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ دَخَلَ في إمْكانِهِمْ، ومَضى الكَلامُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالِاتِّقاءِ عَنِ المَحْظُوراتِ أمَرَهم بِالتَّمَسُّكِ بِالِاعْتِصامِ بِما هو كالأصْلِ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ، وهو الِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن يَمْشِي عَلى طَرِيقٍ دَقِيقٍ يَخافُ أنْ تَزْلَقَ رِجْلُهُ، فَإذا تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ مَشْدُودِ الطَّرَفَيْنِ بِجانِبَيْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ أمِنَ مِنَ الخَوْفِ، ولا شَكَّ أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ طَرِيقٌ دَقِيقٌ، وقَدِ انْزَلَقَ رِجْلُ الكَثِيرِ مِنَ الخَلْقِ عَنْهُ، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِدَلِيلِ اللَّهِ وبَيِّناتِهِ فَإنَّهُ يَأْمَنُ مِن ذَلِكَ الخَوْفِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الحَبْلِ هاهُنا كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلى الحَقِّ في طَرِيقِ الدِّينِ، وهو أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، فَذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ واحِدًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِالحَبْلِ هاهُنا العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقالَ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أيْ بِعَهْدٍ، وإنَّما سُمِّيَ العَهْدُ حَبْلًا لِأنَّهُ يُزِيلُ عَنْهُ الخَوْفَ مِنَ الذَّهابِ إلى أيِّ مَوْضِعٍ شاءَ، وكانَ كالحَبْلِ الَّذِي مَن تَمَسَّكَ بِهِ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أما إنَّها سَتَكُونُ فِتْنَةٌ“ قِيلَ: فَما المَخْرَجُ مِنها ؟ قالَ: ”كِتابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَن قَبْلَكم وخَبَرُ مَن بَعْدَكم وحُكْمُ ما بَيْنَكم وهو حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ“» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هَذا القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ» “ ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي» “ وقِيلَ: إنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو طاعَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو إخْلاصُ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: الجَماعَةُ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ النّازِلُ في البِئْرِ يَعْتَصِمُ بِحَبْلٍ تَحَرُّزًا مِنَ السُّقُوطِ فِيها وكانَ كِتابُ اللَّهِ وعَهْدُهُ ودِينُهُ وطاعَتُهُ ومُوافَقَتُهُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ حِرْزًا لِصاحِبِهِ مِنَ السُّقُوطِ في قَعْرِ جَهَنَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ حَبْلًا لِلَّهِ، وأُمِرُوا بِالِاعْتِصامِ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وما عَداهُ يَكُونُ جَهْلًا وضَلالًا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] . والثّانِي: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ المُعاداةِ والمُخاصَمَةِ، فَإنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مُواظِبِينَ عَلى المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها. الثّالِثُ: أنَّهُ نُهِيَ عَمّا يُوجِبُ الفُرْقَةَ ويُزِيلُ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ.
واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى نَيِّفٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً النّاجِي مِنهم واحِدٌ والباقِي في النّارِ، فَقِيلَ: ومَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الجَماعَةُ“ ورُوِيَ ”السَّوادُ الأعْظَمُ“ ورُوِيَ ”ما أنا عَلَيْهِ وأصْحابِي“»
صفحة ١٤٣
والوَجْهُ المَعْقُولُ فِيهِ: أنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاخْتِلافِ والأمْرَ بِالِاتِّفاقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ النّاجِي واحِدًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتْ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ يَقِينِيَّةً أوْ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ ظَنِّيَّةً، فَإنْ كانَ الأوَّلَ امْتَنَعَ الِاكْتِفاءُ فِيها بِالقِياسِ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ، لِأنَّ الدَّلِيلَ الظَّنِّيَّ لا يُكْتَفى بِهِ في المَوْضِعِ اليَقِينِيِّ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ إلى تِلْكَ الدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ الِاخْتِلافِ ووُقُوعَ النِّزاعِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ التَّفَرُّقُ والتَّنازُعُ مَنهِيًّا عَنْهُ، لَكِنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى العَمَلِ بِالقِياسِ تَكُونُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ ولِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ إمّا دُنْيَوِيَّةٌ وإمّا أُخْرَوِيَّةٌ وإنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُما في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا النِّعْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ إنَّ ذَلِكَ اليَهُودِيَّ لَمّا ألْقى الفِتْنَةَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ وهَمَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمُحارَبَةِ صاحِبِهِ، فَخَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ ولَمْ يَزَلْ يَرْفُقُ بِهِمْ حَتّى سَكَنَتِ الفِتْنَةُ وكانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ أخَوَيْنِ لِأبٍ وأُمٍّ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُما العَداوَةُ، وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ أطْفَأ اللَّهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلَيْهِمْ وإلى أحْوالِهِمْ، فَإنَّهم قَبْلَ الإسْلامِ كانَ يُحارِبُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَبْغُضُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ صارُوا إخْوانًا مُتَراحِمِينَ مُتَناصِحِينَ وصارُوا إخْوَةً في اللَّهِ: ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن كانَ وجْهُهُ إلى الدُّنْيا كانَ مُعادِيًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ، ومَن كانَ وجْهُهُ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُعادِيًا لِأحَدٍ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ يَنْظُرُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ فَيَرى الكُلَّ أسِيرًا في قَبْضَةِ القَضاءِ والقَدَرِ فَلا يُعادِي أحَدًا، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ العارِفَ إذا أمَرَ أمَرَ بِرِفْقٍ ويَكُونُ ناصِحًا لا يُعَنِّفُ ويُعَيِّرُ فَهو مُسْتَبْصِرٌ بِسِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الأخِ في اللُّغَةِ مِنَ التَّوَخِّي وهو الطَّلَبُ فالأخُ مَقْصِدُهُ مَقْصِدُ أخِيهِ، والصَّدِيقُ مَأْخُوذٌ مِن أنْ يَصْدُقَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الصَّدِيقَيْنِ صاحِبَهُ ما في قَلْبِهِ، ولا يُخْفِي عَنْهُ شَيْئًا وقالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أهْلُ البَصْرَةِ: الإخْوَةُ في النَّسَبِ والإخْوانُ في الصَّداقَةِ، قالَ: وهَذا غَلَطٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ولَمْ يَعْنِ النَّسَبَ، وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وهَذا في النَّسَبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُعامَلاتِ الحَسَنَةَ الجارِيَةَ بَيْنَهم بَعْدَ الإسْلامِ إنَّما حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ وكانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةً لِحُصُولِ الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ في خَلْقِ الأفْعالِ، قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ ذَلِكَ بِالهِدايَةِ والبَيانِ والتَّحْذِيرِ والمَعْرِفَةِ والألْطافِ.
صفحة ١٤٤
قُلْنا: كُلُّ هَذا كانَ حاصِلًا في زَمانِ حُصُولِ المُحارِباتِ والمُقاتِلاتِ، فاخْتِصاصُ أحَدِ الزَّمانَيْنِ بِحُصُولِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِأمْرٍ زائِدٍ عَلى ما ذَكَرْتُمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ ذَكَرَ بَعْدَها النِّعْمَةَ الأُخْرَوِيَّةَ، وهي ما ذَكَرَهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ مُشْرِفِينَ بِكُفْرِكم عَلى جَهَنَّمَ، لِأنَّ جَهَنَّمَ مُشْبِهَةٌ بِالحُفْرَةِ الَّتِي فِيها النّارُ فَجَعَلَ اسْتِحْقاقَهم لِلنّارِ بِكُفْرِهِمْ كالإشْرافِ مِنهم عَلى النّارِ، والمَصِيرِ مِنهم إلى حُفْرَتِها، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أنْقَذَهم مِن هَذِهِ الحُفْرَةِ، وقَدْ قَرُبُوا مِنَ الوُقُوعِ فِيها.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَطُفَ بِهِمْ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرِ ألْطافِهِ حَتّى آمَنُوا. قالَ أصْحابُنا: جَمِيعُ الألْطافِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ الإيمانِ ومُوجِدُهُ هو العَبْدُ لَكانَ العَبْدُ هو الَّذِي أنْقَذَ نَفْسَهُ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ هو الَّذِي أنْقَذَهم مِنَ النّارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ خالِقَ أفْعالِ العِبادِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: شَفا الشَّيْءِ حَرْفُهُ مَقْصُورٌ، مِثْلُ شَفا البِئْرِ والجَمْعُ الأشْفاءُ، ومِنهُ يُقالُ: أشْفى عَلى الشَّيْءِ إذا أشْرَفَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ بَلَغَ شَفاهُ، أيْ حَدَّهُ وحَرْفَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ نَقَذْتُهُ وأنْقَذْتُهُ واسْتَنْقَذْتُهُ، أيْ خَلَّصْتُهُ ونَجَّيْتُهُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ سُؤالٌ وهو: أنَّهُ تَعالى إنَّما يُنْقِذُهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ وهم كانُوا عَلى شَفا حُفْرَةٍ، وشَفا الحُفْرَةِ مُذَكَّرٌ فَكَيْفَ قالَ مِنها ؟
وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الحُفْرَةِ ولَمّا أنْقَذَهم مِنَ الحُفْرَةِ فَقَدْ أنْقَذَهم مِن شَفا الحُفْرَةِ لِأنَّ شَفاها مِنها. والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى النّارِ، لِأنَّ القَصْدَ الإنْجاءُ مِنَ النّارِ لا مِن شَفا الحُفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. الثّالِثُ: أنَّ شَفا الحُفْرَةِ، وشَفَتُها طَرَفُها، فَجازَ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِالتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم لَوْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ لَوَقَعُوا في النّارِ، فَمُثِّلَتْ حَياتُهُمُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بَعْدَها الوُقُوعُ في النّارِ بِالقُعُودِ عَلى حَرْفِها، وهَذا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيرِ مُدَّةِ الحَياةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَياةِ وبَيْنَ المَوْتِ المُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ في الحُفْرَةِ إلّا ما بَيْنَ طَرَفِ الشَّيْءِ، وبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ مِثْلُ البَيانِ المَذْكُورِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم سائِرَ الآياتِ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِها، قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُمُ الِاهْتِداءَ، أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ في ”البَسِيطِ“ فَقالَ: بَلِ المَعْنى لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ هِدايَةٍ.
وأقُولُ: وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ مِنهم ذَلِكَ الرَّجاءَ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَلى مَذْهَبِنا قَدْ لا يُرِيدُ ذَلِكَ الرَّجاءَ، فالجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ كَلِمَةُ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، والمَعْنى أنّا فَعَلْنا فِعْلًا يُشْبِهُ فِعْلَ مَن يَتَرَجّى ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:104
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن إضْلالِ الكُفّارِ ومِن تَلْبِيساتِهِمْ في الآيَةِ الأُولى أمَرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِمَجامِعِ الطّاعاتِ، ومَعاقِدِ الخَيْراتِ، فَأمَرَهم أوَّلًا: بِتَقْوى اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وثانِيًا: بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ وثالِثًا: بِذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والسَّبَبُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ فِعْلَ الإنْسانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا، إمّا بِالرَّهْبَةِ وإمّا بِالرَّغْبَةِ، والرَّهْبَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الرَّغْبَةِ، لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ النَّفْعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّخْوِيفِ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالرَّغْبَةِ، وهي
صفحة ١٤١
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: خَوْفُ عِقابِ اللَّهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وكَثْرَةُ نِعَمِ اللَّهِ تُوجِبُ ذَلِكَ فَلَمْ تَبْقَ جِهَةٌ مِنَ الجِهاتِ المُوجِبَةِ لِلْفِعْلِ إلّا وهي حاصِلَةٌ في وُجُوبِ انْقِيادِكم لِأمْرِ اللَّهِ ووُجُوبِ طاعَتِكم لِحُكْمِ اللَّهِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مُرَتَّبَةٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ وذَلِكَ لِما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ حَقَّ تُقاتِهِ: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، وأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، والعِبادُ لا طاقَةَ لَهم بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ونَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلَها ولَمْ يُنْسَخْ آخِرُها وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وزَعَمَ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ أنَّ القَوْلَ بِهَذا النَّسْخِ باطِلٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ مُعاذٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ”«هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ ؟ قالَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: هو أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» “ وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَخَ. الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَحِقُّ أنْ يُتَّقى، وذَلِكَ بِأنْ يُجْتَنَبَ جَمِيعُ مَعاصِيهِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ أنَّ يُنْسَخَ لِأنَّهُ إباحَةٌ لِبَعْضِ المَعاصِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ صارَ مَعْنى هَذا ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] واحِدًا لِأنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ ما اسْتَطاعَ فَقَدِ اتَّقاهُ حَقَّ تُقاتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ ما لا يُسْتَطاعُ مِنَ التَّقْوى، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، والوُسْعُ دُونَ الطّاقَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
قُلْنا: سَنُبَيِّنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها جاءَتْ في القُرْآنِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وكُلُّها في صِفَةِ الكُفّارِ لا في صِفَةِ المُسْلِمِينَ؛ أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ المُرادَ هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى فَهَذا صَحِيحٌ، والَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ فَغَيْرُ قادِحٍ فِيهِ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَرْفُوعٌ في هَذِهِ الأوْقاتِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ خُطُورِ نِعَمِ اللَّهِ بِالبالِ، فَأمّا عِنْدَ السَّهْوِ فَلا يَجِبُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، فَإنَّ هَذا إنَّما يَجِبُ عِنْدَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يُطاقُ، فَلا وجْهَ لِما ظَنُّوهُ أنَّهُ مَنسُوخٌ.
قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أقُولُ: لِلْأوَّلِينَ أنْ يُقَرِّرُوا قَوْلَهم مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ كُنْهَ الإلَهِيَّةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْخَلْقِ، فَلا يَكُونُ كَمالُ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ الخَوْفُ اللّائِقُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ الِاتِّقاءُ اللّائِقُ بِهِ. الثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا بِالِاتِّقاءِ المُغَلَّظِ والمُخَفَّفِ مَعًا فَنُسِخَ المُغَلَّظُ وبَقِيَ المُخَفَّفُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا باطِلٌ، لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ ما أمْكَنَ والنَّسْخُ إنَّما يَدْخُلُ في الواجِباتِ لا في النَّفْيِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ رَفْعَ الحَجْرِ عَمّا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَحْجُورًا عَنْهُ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَجِبُ أنْ يُتَّقى، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ويُقالُ: هو الرَّجُلُ حَقًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «
أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ:
أنا عَلِيٌّ لا كَذِبَ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، والتُّقى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اتَّقَيْتُ، كَما أنَّ الهُدى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اهْتَدَيْتُ.
صفحة ١٤٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فَلَفْظُ النَّهْيِ واقِعٌ عَلى المَوْتِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ الأمْرُ بِالإقامَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ يُمْكِنُهُمُ الثَّباتُ عَلى الإسْلامِ حَتّى إذا أتاهُمُ المَوْتُ أتاهم وهم عَلى الإسْلامِ، صارَ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ دَخَلَ في إمْكانِهِمْ، ومَضى الكَلامُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالِاتِّقاءِ عَنِ المَحْظُوراتِ أمَرَهم بِالتَّمَسُّكِ بِالِاعْتِصامِ بِما هو كالأصْلِ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ، وهو الِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن يَمْشِي عَلى طَرِيقٍ دَقِيقٍ يَخافُ أنْ تَزْلَقَ رِجْلُهُ، فَإذا تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ مَشْدُودِ الطَّرَفَيْنِ بِجانِبَيْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ أمِنَ مِنَ الخَوْفِ، ولا شَكَّ أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ طَرِيقٌ دَقِيقٌ، وقَدِ انْزَلَقَ رِجْلُ الكَثِيرِ مِنَ الخَلْقِ عَنْهُ، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِدَلِيلِ اللَّهِ وبَيِّناتِهِ فَإنَّهُ يَأْمَنُ مِن ذَلِكَ الخَوْفِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الحَبْلِ هاهُنا كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلى الحَقِّ في طَرِيقِ الدِّينِ، وهو أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، فَذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ واحِدًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِالحَبْلِ هاهُنا العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقالَ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أيْ بِعَهْدٍ، وإنَّما سُمِّيَ العَهْدُ حَبْلًا لِأنَّهُ يُزِيلُ عَنْهُ الخَوْفَ مِنَ الذَّهابِ إلى أيِّ مَوْضِعٍ شاءَ، وكانَ كالحَبْلِ الَّذِي مَن تَمَسَّكَ بِهِ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أما إنَّها سَتَكُونُ فِتْنَةٌ“ قِيلَ: فَما المَخْرَجُ مِنها ؟ قالَ: ”كِتابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَن قَبْلَكم وخَبَرُ مَن بَعْدَكم وحُكْمُ ما بَيْنَكم وهو حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ“» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هَذا القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ» “ ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي» “ وقِيلَ: إنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو طاعَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو إخْلاصُ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: الجَماعَةُ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ النّازِلُ في البِئْرِ يَعْتَصِمُ بِحَبْلٍ تَحَرُّزًا مِنَ السُّقُوطِ فِيها وكانَ كِتابُ اللَّهِ وعَهْدُهُ ودِينُهُ وطاعَتُهُ ومُوافَقَتُهُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ حِرْزًا لِصاحِبِهِ مِنَ السُّقُوطِ في قَعْرِ جَهَنَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ حَبْلًا لِلَّهِ، وأُمِرُوا بِالِاعْتِصامِ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وما عَداهُ يَكُونُ جَهْلًا وضَلالًا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] . والثّانِي: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ المُعاداةِ والمُخاصَمَةِ، فَإنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مُواظِبِينَ عَلى المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها. الثّالِثُ: أنَّهُ نُهِيَ عَمّا يُوجِبُ الفُرْقَةَ ويُزِيلُ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ.
واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى نَيِّفٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً النّاجِي مِنهم واحِدٌ والباقِي في النّارِ، فَقِيلَ: ومَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الجَماعَةُ“ ورُوِيَ ”السَّوادُ الأعْظَمُ“ ورُوِيَ ”ما أنا عَلَيْهِ وأصْحابِي“»
صفحة ١٤٣
والوَجْهُ المَعْقُولُ فِيهِ: أنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاخْتِلافِ والأمْرَ بِالِاتِّفاقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ النّاجِي واحِدًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتْ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ يَقِينِيَّةً أوْ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ ظَنِّيَّةً، فَإنْ كانَ الأوَّلَ امْتَنَعَ الِاكْتِفاءُ فِيها بِالقِياسِ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ، لِأنَّ الدَّلِيلَ الظَّنِّيَّ لا يُكْتَفى بِهِ في المَوْضِعِ اليَقِينِيِّ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ إلى تِلْكَ الدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ الِاخْتِلافِ ووُقُوعَ النِّزاعِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ التَّفَرُّقُ والتَّنازُعُ مَنهِيًّا عَنْهُ، لَكِنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى العَمَلِ بِالقِياسِ تَكُونُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ ولِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ إمّا دُنْيَوِيَّةٌ وإمّا أُخْرَوِيَّةٌ وإنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُما في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا النِّعْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ إنَّ ذَلِكَ اليَهُودِيَّ لَمّا ألْقى الفِتْنَةَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ وهَمَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمُحارَبَةِ صاحِبِهِ، فَخَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ ولَمْ يَزَلْ يَرْفُقُ بِهِمْ حَتّى سَكَنَتِ الفِتْنَةُ وكانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ أخَوَيْنِ لِأبٍ وأُمٍّ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُما العَداوَةُ، وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ أطْفَأ اللَّهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلَيْهِمْ وإلى أحْوالِهِمْ، فَإنَّهم قَبْلَ الإسْلامِ كانَ يُحارِبُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَبْغُضُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ صارُوا إخْوانًا مُتَراحِمِينَ مُتَناصِحِينَ وصارُوا إخْوَةً في اللَّهِ: ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن كانَ وجْهُهُ إلى الدُّنْيا كانَ مُعادِيًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ، ومَن كانَ وجْهُهُ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُعادِيًا لِأحَدٍ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ يَنْظُرُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ فَيَرى الكُلَّ أسِيرًا في قَبْضَةِ القَضاءِ والقَدَرِ فَلا يُعادِي أحَدًا، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ العارِفَ إذا أمَرَ أمَرَ بِرِفْقٍ ويَكُونُ ناصِحًا لا يُعَنِّفُ ويُعَيِّرُ فَهو مُسْتَبْصِرٌ بِسِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الأخِ في اللُّغَةِ مِنَ التَّوَخِّي وهو الطَّلَبُ فالأخُ مَقْصِدُهُ مَقْصِدُ أخِيهِ، والصَّدِيقُ مَأْخُوذٌ مِن أنْ يَصْدُقَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الصَّدِيقَيْنِ صاحِبَهُ ما في قَلْبِهِ، ولا يُخْفِي عَنْهُ شَيْئًا وقالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أهْلُ البَصْرَةِ: الإخْوَةُ في النَّسَبِ والإخْوانُ في الصَّداقَةِ، قالَ: وهَذا غَلَطٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ولَمْ يَعْنِ النَّسَبَ، وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وهَذا في النَّسَبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُعامَلاتِ الحَسَنَةَ الجارِيَةَ بَيْنَهم بَعْدَ الإسْلامِ إنَّما حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ وكانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةً لِحُصُولِ الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ في خَلْقِ الأفْعالِ، قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ ذَلِكَ بِالهِدايَةِ والبَيانِ والتَّحْذِيرِ والمَعْرِفَةِ والألْطافِ.
صفحة ١٤٤
قُلْنا: كُلُّ هَذا كانَ حاصِلًا في زَمانِ حُصُولِ المُحارِباتِ والمُقاتِلاتِ، فاخْتِصاصُ أحَدِ الزَّمانَيْنِ بِحُصُولِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِأمْرٍ زائِدٍ عَلى ما ذَكَرْتُمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ ذَكَرَ بَعْدَها النِّعْمَةَ الأُخْرَوِيَّةَ، وهي ما ذَكَرَهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ مُشْرِفِينَ بِكُفْرِكم عَلى جَهَنَّمَ، لِأنَّ جَهَنَّمَ مُشْبِهَةٌ بِالحُفْرَةِ الَّتِي فِيها النّارُ فَجَعَلَ اسْتِحْقاقَهم لِلنّارِ بِكُفْرِهِمْ كالإشْرافِ مِنهم عَلى النّارِ، والمَصِيرِ مِنهم إلى حُفْرَتِها، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أنْقَذَهم مِن هَذِهِ الحُفْرَةِ، وقَدْ قَرُبُوا مِنَ الوُقُوعِ فِيها.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَطُفَ بِهِمْ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرِ ألْطافِهِ حَتّى آمَنُوا. قالَ أصْحابُنا: جَمِيعُ الألْطافِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ الإيمانِ ومُوجِدُهُ هو العَبْدُ لَكانَ العَبْدُ هو الَّذِي أنْقَذَ نَفْسَهُ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ هو الَّذِي أنْقَذَهم مِنَ النّارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ خالِقَ أفْعالِ العِبادِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: شَفا الشَّيْءِ حَرْفُهُ مَقْصُورٌ، مِثْلُ شَفا البِئْرِ والجَمْعُ الأشْفاءُ، ومِنهُ يُقالُ: أشْفى عَلى الشَّيْءِ إذا أشْرَفَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ بَلَغَ شَفاهُ، أيْ حَدَّهُ وحَرْفَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ نَقَذْتُهُ وأنْقَذْتُهُ واسْتَنْقَذْتُهُ، أيْ خَلَّصْتُهُ ونَجَّيْتُهُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ سُؤالٌ وهو: أنَّهُ تَعالى إنَّما يُنْقِذُهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ وهم كانُوا عَلى شَفا حُفْرَةٍ، وشَفا الحُفْرَةِ مُذَكَّرٌ فَكَيْفَ قالَ مِنها ؟
وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الحُفْرَةِ ولَمّا أنْقَذَهم مِنَ الحُفْرَةِ فَقَدْ أنْقَذَهم مِن شَفا الحُفْرَةِ لِأنَّ شَفاها مِنها. والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى النّارِ، لِأنَّ القَصْدَ الإنْجاءُ مِنَ النّارِ لا مِن شَفا الحُفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. الثّالِثُ: أنَّ شَفا الحُفْرَةِ، وشَفَتُها طَرَفُها، فَجازَ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِالتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم لَوْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ لَوَقَعُوا في النّارِ، فَمُثِّلَتْ حَياتُهُمُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بَعْدَها الوُقُوعُ في النّارِ بِالقُعُودِ عَلى حَرْفِها، وهَذا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيرِ مُدَّةِ الحَياةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَياةِ وبَيْنَ المَوْتِ المُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ في الحُفْرَةِ إلّا ما بَيْنَ طَرَفِ الشَّيْءِ، وبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ مِثْلُ البَيانِ المَذْكُورِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم سائِرَ الآياتِ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِها، قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُمُ الِاهْتِداءَ، أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ في ”البَسِيطِ“ فَقالَ: بَلِ المَعْنى لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ هِدايَةٍ.
وأقُولُ: وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ مِنهم ذَلِكَ الرَّجاءَ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَلى مَذْهَبِنا قَدْ لا يُرِيدُ ذَلِكَ الرَّجاءَ، فالجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ كَلِمَةُ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، والمَعْنى أنّا فَعَلْنا فِعْلًا يُشْبِهُ فِعْلَ مَن يَتَرَجّى ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن إضْلالِ الكُفّارِ ومِن تَلْبِيساتِهِمْ في الآيَةِ الأُولى أمَرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِمَجامِعِ الطّاعاتِ، ومَعاقِدِ الخَيْراتِ، فَأمَرَهم أوَّلًا: بِتَقْوى اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وثانِيًا: بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ وثالِثًا: بِذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والسَّبَبُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ فِعْلَ الإنْسانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا، إمّا بِالرَّهْبَةِ وإمّا بِالرَّغْبَةِ، والرَّهْبَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الرَّغْبَةِ، لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ النَّفْعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّخْوِيفِ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالرَّغْبَةِ، وهي
صفحة ١٤١
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: خَوْفُ عِقابِ اللَّهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وكَثْرَةُ نِعَمِ اللَّهِ تُوجِبُ ذَلِكَ فَلَمْ تَبْقَ جِهَةٌ مِنَ الجِهاتِ المُوجِبَةِ لِلْفِعْلِ إلّا وهي حاصِلَةٌ في وُجُوبِ انْقِيادِكم لِأمْرِ اللَّهِ ووُجُوبِ طاعَتِكم لِحُكْمِ اللَّهِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مُرَتَّبَةٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ وذَلِكَ لِما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ حَقَّ تُقاتِهِ: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، وأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، والعِبادُ لا طاقَةَ لَهم بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ونَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلَها ولَمْ يُنْسَخْ آخِرُها وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وزَعَمَ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ أنَّ القَوْلَ بِهَذا النَّسْخِ باطِلٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ مُعاذٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ”«هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ ؟ قالَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: هو أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» “ وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَخَ. الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَحِقُّ أنْ يُتَّقى، وذَلِكَ بِأنْ يُجْتَنَبَ جَمِيعُ مَعاصِيهِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ أنَّ يُنْسَخَ لِأنَّهُ إباحَةٌ لِبَعْضِ المَعاصِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ صارَ مَعْنى هَذا ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] واحِدًا لِأنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ ما اسْتَطاعَ فَقَدِ اتَّقاهُ حَقَّ تُقاتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ ما لا يُسْتَطاعُ مِنَ التَّقْوى، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، والوُسْعُ دُونَ الطّاقَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
قُلْنا: سَنُبَيِّنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها جاءَتْ في القُرْآنِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وكُلُّها في صِفَةِ الكُفّارِ لا في صِفَةِ المُسْلِمِينَ؛ أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ المُرادَ هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى فَهَذا صَحِيحٌ، والَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ فَغَيْرُ قادِحٍ فِيهِ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَرْفُوعٌ في هَذِهِ الأوْقاتِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ خُطُورِ نِعَمِ اللَّهِ بِالبالِ، فَأمّا عِنْدَ السَّهْوِ فَلا يَجِبُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، فَإنَّ هَذا إنَّما يَجِبُ عِنْدَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يُطاقُ، فَلا وجْهَ لِما ظَنُّوهُ أنَّهُ مَنسُوخٌ.
قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أقُولُ: لِلْأوَّلِينَ أنْ يُقَرِّرُوا قَوْلَهم مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ كُنْهَ الإلَهِيَّةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْخَلْقِ، فَلا يَكُونُ كَمالُ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ الخَوْفُ اللّائِقُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ الِاتِّقاءُ اللّائِقُ بِهِ. الثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا بِالِاتِّقاءِ المُغَلَّظِ والمُخَفَّفِ مَعًا فَنُسِخَ المُغَلَّظُ وبَقِيَ المُخَفَّفُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا باطِلٌ، لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ ما أمْكَنَ والنَّسْخُ إنَّما يَدْخُلُ في الواجِباتِ لا في النَّفْيِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ رَفْعَ الحَجْرِ عَمّا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَحْجُورًا عَنْهُ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَجِبُ أنْ يُتَّقى، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ويُقالُ: هو الرَّجُلُ حَقًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «
أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ:
أنا عَلِيٌّ لا كَذِبَ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، والتُّقى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اتَّقَيْتُ، كَما أنَّ الهُدى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اهْتَدَيْتُ.
صفحة ١٤٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فَلَفْظُ النَّهْيِ واقِعٌ عَلى المَوْتِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ الأمْرُ بِالإقامَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ يُمْكِنُهُمُ الثَّباتُ عَلى الإسْلامِ حَتّى إذا أتاهُمُ المَوْتُ أتاهم وهم عَلى الإسْلامِ، صارَ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ دَخَلَ في إمْكانِهِمْ، ومَضى الكَلامُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالِاتِّقاءِ عَنِ المَحْظُوراتِ أمَرَهم بِالتَّمَسُّكِ بِالِاعْتِصامِ بِما هو كالأصْلِ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ، وهو الِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن يَمْشِي عَلى طَرِيقٍ دَقِيقٍ يَخافُ أنْ تَزْلَقَ رِجْلُهُ، فَإذا تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ مَشْدُودِ الطَّرَفَيْنِ بِجانِبَيْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ أمِنَ مِنَ الخَوْفِ، ولا شَكَّ أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ طَرِيقٌ دَقِيقٌ، وقَدِ انْزَلَقَ رِجْلُ الكَثِيرِ مِنَ الخَلْقِ عَنْهُ، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِدَلِيلِ اللَّهِ وبَيِّناتِهِ فَإنَّهُ يَأْمَنُ مِن ذَلِكَ الخَوْفِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الحَبْلِ هاهُنا كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلى الحَقِّ في طَرِيقِ الدِّينِ، وهو أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، فَذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ واحِدًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِالحَبْلِ هاهُنا العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقالَ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أيْ بِعَهْدٍ، وإنَّما سُمِّيَ العَهْدُ حَبْلًا لِأنَّهُ يُزِيلُ عَنْهُ الخَوْفَ مِنَ الذَّهابِ إلى أيِّ مَوْضِعٍ شاءَ، وكانَ كالحَبْلِ الَّذِي مَن تَمَسَّكَ بِهِ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أما إنَّها سَتَكُونُ فِتْنَةٌ“ قِيلَ: فَما المَخْرَجُ مِنها ؟ قالَ: ”كِتابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَن قَبْلَكم وخَبَرُ مَن بَعْدَكم وحُكْمُ ما بَيْنَكم وهو حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ“» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هَذا القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ» “ ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي» “ وقِيلَ: إنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو طاعَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو إخْلاصُ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: الجَماعَةُ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ النّازِلُ في البِئْرِ يَعْتَصِمُ بِحَبْلٍ تَحَرُّزًا مِنَ السُّقُوطِ فِيها وكانَ كِتابُ اللَّهِ وعَهْدُهُ ودِينُهُ وطاعَتُهُ ومُوافَقَتُهُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ حِرْزًا لِصاحِبِهِ مِنَ السُّقُوطِ في قَعْرِ جَهَنَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ حَبْلًا لِلَّهِ، وأُمِرُوا بِالِاعْتِصامِ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وما عَداهُ يَكُونُ جَهْلًا وضَلالًا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] . والثّانِي: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ المُعاداةِ والمُخاصَمَةِ، فَإنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مُواظِبِينَ عَلى المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها. الثّالِثُ: أنَّهُ نُهِيَ عَمّا يُوجِبُ الفُرْقَةَ ويُزِيلُ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ.
واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى نَيِّفٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً النّاجِي مِنهم واحِدٌ والباقِي في النّارِ، فَقِيلَ: ومَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الجَماعَةُ“ ورُوِيَ ”السَّوادُ الأعْظَمُ“ ورُوِيَ ”ما أنا عَلَيْهِ وأصْحابِي“»
صفحة ١٤٣
والوَجْهُ المَعْقُولُ فِيهِ: أنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاخْتِلافِ والأمْرَ بِالِاتِّفاقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ النّاجِي واحِدًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتْ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ يَقِينِيَّةً أوْ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ ظَنِّيَّةً، فَإنْ كانَ الأوَّلَ امْتَنَعَ الِاكْتِفاءُ فِيها بِالقِياسِ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ، لِأنَّ الدَّلِيلَ الظَّنِّيَّ لا يُكْتَفى بِهِ في المَوْضِعِ اليَقِينِيِّ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ إلى تِلْكَ الدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ الِاخْتِلافِ ووُقُوعَ النِّزاعِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ التَّفَرُّقُ والتَّنازُعُ مَنهِيًّا عَنْهُ، لَكِنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى العَمَلِ بِالقِياسِ تَكُونُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ ولِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ إمّا دُنْيَوِيَّةٌ وإمّا أُخْرَوِيَّةٌ وإنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُما في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا النِّعْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ إنَّ ذَلِكَ اليَهُودِيَّ لَمّا ألْقى الفِتْنَةَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ وهَمَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمُحارَبَةِ صاحِبِهِ، فَخَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ ولَمْ يَزَلْ يَرْفُقُ بِهِمْ حَتّى سَكَنَتِ الفِتْنَةُ وكانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ أخَوَيْنِ لِأبٍ وأُمٍّ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُما العَداوَةُ، وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ أطْفَأ اللَّهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلَيْهِمْ وإلى أحْوالِهِمْ، فَإنَّهم قَبْلَ الإسْلامِ كانَ يُحارِبُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَبْغُضُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ صارُوا إخْوانًا مُتَراحِمِينَ مُتَناصِحِينَ وصارُوا إخْوَةً في اللَّهِ: ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن كانَ وجْهُهُ إلى الدُّنْيا كانَ مُعادِيًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ، ومَن كانَ وجْهُهُ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُعادِيًا لِأحَدٍ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ يَنْظُرُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ فَيَرى الكُلَّ أسِيرًا في قَبْضَةِ القَضاءِ والقَدَرِ فَلا يُعادِي أحَدًا، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ العارِفَ إذا أمَرَ أمَرَ بِرِفْقٍ ويَكُونُ ناصِحًا لا يُعَنِّفُ ويُعَيِّرُ فَهو مُسْتَبْصِرٌ بِسِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الأخِ في اللُّغَةِ مِنَ التَّوَخِّي وهو الطَّلَبُ فالأخُ مَقْصِدُهُ مَقْصِدُ أخِيهِ، والصَّدِيقُ مَأْخُوذٌ مِن أنْ يَصْدُقَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الصَّدِيقَيْنِ صاحِبَهُ ما في قَلْبِهِ، ولا يُخْفِي عَنْهُ شَيْئًا وقالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أهْلُ البَصْرَةِ: الإخْوَةُ في النَّسَبِ والإخْوانُ في الصَّداقَةِ، قالَ: وهَذا غَلَطٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ولَمْ يَعْنِ النَّسَبَ، وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وهَذا في النَّسَبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُعامَلاتِ الحَسَنَةَ الجارِيَةَ بَيْنَهم بَعْدَ الإسْلامِ إنَّما حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ وكانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةً لِحُصُولِ الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ في خَلْقِ الأفْعالِ، قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ ذَلِكَ بِالهِدايَةِ والبَيانِ والتَّحْذِيرِ والمَعْرِفَةِ والألْطافِ.
صفحة ١٤٤
قُلْنا: كُلُّ هَذا كانَ حاصِلًا في زَمانِ حُصُولِ المُحارِباتِ والمُقاتِلاتِ، فاخْتِصاصُ أحَدِ الزَّمانَيْنِ بِحُصُولِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِأمْرٍ زائِدٍ عَلى ما ذَكَرْتُمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ ذَكَرَ بَعْدَها النِّعْمَةَ الأُخْرَوِيَّةَ، وهي ما ذَكَرَهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ مُشْرِفِينَ بِكُفْرِكم عَلى جَهَنَّمَ، لِأنَّ جَهَنَّمَ مُشْبِهَةٌ بِالحُفْرَةِ الَّتِي فِيها النّارُ فَجَعَلَ اسْتِحْقاقَهم لِلنّارِ بِكُفْرِهِمْ كالإشْرافِ مِنهم عَلى النّارِ، والمَصِيرِ مِنهم إلى حُفْرَتِها، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أنْقَذَهم مِن هَذِهِ الحُفْرَةِ، وقَدْ قَرُبُوا مِنَ الوُقُوعِ فِيها.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَطُفَ بِهِمْ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرِ ألْطافِهِ حَتّى آمَنُوا. قالَ أصْحابُنا: جَمِيعُ الألْطافِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ الإيمانِ ومُوجِدُهُ هو العَبْدُ لَكانَ العَبْدُ هو الَّذِي أنْقَذَ نَفْسَهُ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ هو الَّذِي أنْقَذَهم مِنَ النّارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ خالِقَ أفْعالِ العِبادِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: شَفا الشَّيْءِ حَرْفُهُ مَقْصُورٌ، مِثْلُ شَفا البِئْرِ والجَمْعُ الأشْفاءُ، ومِنهُ يُقالُ: أشْفى عَلى الشَّيْءِ إذا أشْرَفَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ بَلَغَ شَفاهُ، أيْ حَدَّهُ وحَرْفَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ نَقَذْتُهُ وأنْقَذْتُهُ واسْتَنْقَذْتُهُ، أيْ خَلَّصْتُهُ ونَجَّيْتُهُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ سُؤالٌ وهو: أنَّهُ تَعالى إنَّما يُنْقِذُهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ وهم كانُوا عَلى شَفا حُفْرَةٍ، وشَفا الحُفْرَةِ مُذَكَّرٌ فَكَيْفَ قالَ مِنها ؟
وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الحُفْرَةِ ولَمّا أنْقَذَهم مِنَ الحُفْرَةِ فَقَدْ أنْقَذَهم مِن شَفا الحُفْرَةِ لِأنَّ شَفاها مِنها. والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى النّارِ، لِأنَّ القَصْدَ الإنْجاءُ مِنَ النّارِ لا مِن شَفا الحُفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. الثّالِثُ: أنَّ شَفا الحُفْرَةِ، وشَفَتُها طَرَفُها، فَجازَ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِالتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم لَوْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ لَوَقَعُوا في النّارِ، فَمُثِّلَتْ حَياتُهُمُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بَعْدَها الوُقُوعُ في النّارِ بِالقُعُودِ عَلى حَرْفِها، وهَذا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيرِ مُدَّةِ الحَياةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَياةِ وبَيْنَ المَوْتِ المُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ في الحُفْرَةِ إلّا ما بَيْنَ طَرَفِ الشَّيْءِ، وبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ مِثْلُ البَيانِ المَذْكُورِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم سائِرَ الآياتِ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِها، قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُمُ الِاهْتِداءَ، أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ في ”البَسِيطِ“ فَقالَ: بَلِ المَعْنى لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ هِدايَةٍ.
وأقُولُ: وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ مِنهم ذَلِكَ الرَّجاءَ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَلى مَذْهَبِنا قَدْ لا يُرِيدُ ذَلِكَ الرَّجاءَ، فالجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ كَلِمَةُ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، والمَعْنى أنّا فَعَلْنا فِعْلًا يُشْبِهُ فِعْلَ مَن يَتَرَجّى ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن إضْلالِ الكُفّارِ ومِن تَلْبِيساتِهِمْ في الآيَةِ الأُولى أمَرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِمَجامِعِ الطّاعاتِ، ومَعاقِدِ الخَيْراتِ، فَأمَرَهم أوَّلًا: بِتَقْوى اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وثانِيًا: بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ وثالِثًا: بِذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والسَّبَبُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ فِعْلَ الإنْسانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا، إمّا بِالرَّهْبَةِ وإمّا بِالرَّغْبَةِ، والرَّهْبَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الرَّغْبَةِ، لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ النَّفْعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّخْوِيفِ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالرَّغْبَةِ، وهي
صفحة ١٤١
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: خَوْفُ عِقابِ اللَّهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وكَثْرَةُ نِعَمِ اللَّهِ تُوجِبُ ذَلِكَ فَلَمْ تَبْقَ جِهَةٌ مِنَ الجِهاتِ المُوجِبَةِ لِلْفِعْلِ إلّا وهي حاصِلَةٌ في وُجُوبِ انْقِيادِكم لِأمْرِ اللَّهِ ووُجُوبِ طاعَتِكم لِحُكْمِ اللَّهِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مُرَتَّبَةٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ وذَلِكَ لِما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ حَقَّ تُقاتِهِ: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، وأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، والعِبادُ لا طاقَةَ لَهم بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ونَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلَها ولَمْ يُنْسَخْ آخِرُها وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وزَعَمَ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ أنَّ القَوْلَ بِهَذا النَّسْخِ باطِلٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ مُعاذٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ”«هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ ؟ قالَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: هو أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» “ وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَخَ. الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَحِقُّ أنْ يُتَّقى، وذَلِكَ بِأنْ يُجْتَنَبَ جَمِيعُ مَعاصِيهِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ أنَّ يُنْسَخَ لِأنَّهُ إباحَةٌ لِبَعْضِ المَعاصِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ صارَ مَعْنى هَذا ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] واحِدًا لِأنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ ما اسْتَطاعَ فَقَدِ اتَّقاهُ حَقَّ تُقاتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ ما لا يُسْتَطاعُ مِنَ التَّقْوى، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، والوُسْعُ دُونَ الطّاقَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
قُلْنا: سَنُبَيِّنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها جاءَتْ في القُرْآنِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وكُلُّها في صِفَةِ الكُفّارِ لا في صِفَةِ المُسْلِمِينَ؛ أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ المُرادَ هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى فَهَذا صَحِيحٌ، والَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ فَغَيْرُ قادِحٍ فِيهِ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَرْفُوعٌ في هَذِهِ الأوْقاتِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ خُطُورِ نِعَمِ اللَّهِ بِالبالِ، فَأمّا عِنْدَ السَّهْوِ فَلا يَجِبُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، فَإنَّ هَذا إنَّما يَجِبُ عِنْدَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يُطاقُ، فَلا وجْهَ لِما ظَنُّوهُ أنَّهُ مَنسُوخٌ.
قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أقُولُ: لِلْأوَّلِينَ أنْ يُقَرِّرُوا قَوْلَهم مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ كُنْهَ الإلَهِيَّةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْخَلْقِ، فَلا يَكُونُ كَمالُ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ الخَوْفُ اللّائِقُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ الِاتِّقاءُ اللّائِقُ بِهِ. الثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا بِالِاتِّقاءِ المُغَلَّظِ والمُخَفَّفِ مَعًا فَنُسِخَ المُغَلَّظُ وبَقِيَ المُخَفَّفُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا باطِلٌ، لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ ما أمْكَنَ والنَّسْخُ إنَّما يَدْخُلُ في الواجِباتِ لا في النَّفْيِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ رَفْعَ الحَجْرِ عَمّا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَحْجُورًا عَنْهُ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَجِبُ أنْ يُتَّقى، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ويُقالُ: هو الرَّجُلُ حَقًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «
أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ:
أنا عَلِيٌّ لا كَذِبَ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، والتُّقى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اتَّقَيْتُ، كَما أنَّ الهُدى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اهْتَدَيْتُ.
صفحة ١٤٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فَلَفْظُ النَّهْيِ واقِعٌ عَلى المَوْتِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ الأمْرُ بِالإقامَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ يُمْكِنُهُمُ الثَّباتُ عَلى الإسْلامِ حَتّى إذا أتاهُمُ المَوْتُ أتاهم وهم عَلى الإسْلامِ، صارَ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ دَخَلَ في إمْكانِهِمْ، ومَضى الكَلامُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالِاتِّقاءِ عَنِ المَحْظُوراتِ أمَرَهم بِالتَّمَسُّكِ بِالِاعْتِصامِ بِما هو كالأصْلِ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ، وهو الِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن يَمْشِي عَلى طَرِيقٍ دَقِيقٍ يَخافُ أنْ تَزْلَقَ رِجْلُهُ، فَإذا تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ مَشْدُودِ الطَّرَفَيْنِ بِجانِبَيْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ أمِنَ مِنَ الخَوْفِ، ولا شَكَّ أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ طَرِيقٌ دَقِيقٌ، وقَدِ انْزَلَقَ رِجْلُ الكَثِيرِ مِنَ الخَلْقِ عَنْهُ، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِدَلِيلِ اللَّهِ وبَيِّناتِهِ فَإنَّهُ يَأْمَنُ مِن ذَلِكَ الخَوْفِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الحَبْلِ هاهُنا كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلى الحَقِّ في طَرِيقِ الدِّينِ، وهو أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، فَذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ واحِدًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِالحَبْلِ هاهُنا العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقالَ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أيْ بِعَهْدٍ، وإنَّما سُمِّيَ العَهْدُ حَبْلًا لِأنَّهُ يُزِيلُ عَنْهُ الخَوْفَ مِنَ الذَّهابِ إلى أيِّ مَوْضِعٍ شاءَ، وكانَ كالحَبْلِ الَّذِي مَن تَمَسَّكَ بِهِ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أما إنَّها سَتَكُونُ فِتْنَةٌ“ قِيلَ: فَما المَخْرَجُ مِنها ؟ قالَ: ”كِتابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَن قَبْلَكم وخَبَرُ مَن بَعْدَكم وحُكْمُ ما بَيْنَكم وهو حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ“» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هَذا القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ» “ ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي» “ وقِيلَ: إنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو طاعَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو إخْلاصُ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: الجَماعَةُ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ النّازِلُ في البِئْرِ يَعْتَصِمُ بِحَبْلٍ تَحَرُّزًا مِنَ السُّقُوطِ فِيها وكانَ كِتابُ اللَّهِ وعَهْدُهُ ودِينُهُ وطاعَتُهُ ومُوافَقَتُهُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ حِرْزًا لِصاحِبِهِ مِنَ السُّقُوطِ في قَعْرِ جَهَنَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ حَبْلًا لِلَّهِ، وأُمِرُوا بِالِاعْتِصامِ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وما عَداهُ يَكُونُ جَهْلًا وضَلالًا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] . والثّانِي: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ المُعاداةِ والمُخاصَمَةِ، فَإنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مُواظِبِينَ عَلى المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها. الثّالِثُ: أنَّهُ نُهِيَ عَمّا يُوجِبُ الفُرْقَةَ ويُزِيلُ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ.
واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى نَيِّفٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً النّاجِي مِنهم واحِدٌ والباقِي في النّارِ، فَقِيلَ: ومَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الجَماعَةُ“ ورُوِيَ ”السَّوادُ الأعْظَمُ“ ورُوِيَ ”ما أنا عَلَيْهِ وأصْحابِي“»
صفحة ١٤٣
والوَجْهُ المَعْقُولُ فِيهِ: أنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاخْتِلافِ والأمْرَ بِالِاتِّفاقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ النّاجِي واحِدًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتْ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ يَقِينِيَّةً أوْ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ ظَنِّيَّةً، فَإنْ كانَ الأوَّلَ امْتَنَعَ الِاكْتِفاءُ فِيها بِالقِياسِ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ، لِأنَّ الدَّلِيلَ الظَّنِّيَّ لا يُكْتَفى بِهِ في المَوْضِعِ اليَقِينِيِّ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ إلى تِلْكَ الدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ الِاخْتِلافِ ووُقُوعَ النِّزاعِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ التَّفَرُّقُ والتَّنازُعُ مَنهِيًّا عَنْهُ، لَكِنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى العَمَلِ بِالقِياسِ تَكُونُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ ولِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ إمّا دُنْيَوِيَّةٌ وإمّا أُخْرَوِيَّةٌ وإنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُما في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا النِّعْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ إنَّ ذَلِكَ اليَهُودِيَّ لَمّا ألْقى الفِتْنَةَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ وهَمَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمُحارَبَةِ صاحِبِهِ، فَخَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ ولَمْ يَزَلْ يَرْفُقُ بِهِمْ حَتّى سَكَنَتِ الفِتْنَةُ وكانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ أخَوَيْنِ لِأبٍ وأُمٍّ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُما العَداوَةُ، وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ أطْفَأ اللَّهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلَيْهِمْ وإلى أحْوالِهِمْ، فَإنَّهم قَبْلَ الإسْلامِ كانَ يُحارِبُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَبْغُضُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ صارُوا إخْوانًا مُتَراحِمِينَ مُتَناصِحِينَ وصارُوا إخْوَةً في اللَّهِ: ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن كانَ وجْهُهُ إلى الدُّنْيا كانَ مُعادِيًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ، ومَن كانَ وجْهُهُ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُعادِيًا لِأحَدٍ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ يَنْظُرُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ فَيَرى الكُلَّ أسِيرًا في قَبْضَةِ القَضاءِ والقَدَرِ فَلا يُعادِي أحَدًا، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ العارِفَ إذا أمَرَ أمَرَ بِرِفْقٍ ويَكُونُ ناصِحًا لا يُعَنِّفُ ويُعَيِّرُ فَهو مُسْتَبْصِرٌ بِسِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الأخِ في اللُّغَةِ مِنَ التَّوَخِّي وهو الطَّلَبُ فالأخُ مَقْصِدُهُ مَقْصِدُ أخِيهِ، والصَّدِيقُ مَأْخُوذٌ مِن أنْ يَصْدُقَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الصَّدِيقَيْنِ صاحِبَهُ ما في قَلْبِهِ، ولا يُخْفِي عَنْهُ شَيْئًا وقالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أهْلُ البَصْرَةِ: الإخْوَةُ في النَّسَبِ والإخْوانُ في الصَّداقَةِ، قالَ: وهَذا غَلَطٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ولَمْ يَعْنِ النَّسَبَ، وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وهَذا في النَّسَبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُعامَلاتِ الحَسَنَةَ الجارِيَةَ بَيْنَهم بَعْدَ الإسْلامِ إنَّما حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ وكانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةً لِحُصُولِ الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ في خَلْقِ الأفْعالِ، قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ ذَلِكَ بِالهِدايَةِ والبَيانِ والتَّحْذِيرِ والمَعْرِفَةِ والألْطافِ.
صفحة ١٤٤
قُلْنا: كُلُّ هَذا كانَ حاصِلًا في زَمانِ حُصُولِ المُحارِباتِ والمُقاتِلاتِ، فاخْتِصاصُ أحَدِ الزَّمانَيْنِ بِحُصُولِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِأمْرٍ زائِدٍ عَلى ما ذَكَرْتُمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ ذَكَرَ بَعْدَها النِّعْمَةَ الأُخْرَوِيَّةَ، وهي ما ذَكَرَهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ مُشْرِفِينَ بِكُفْرِكم عَلى جَهَنَّمَ، لِأنَّ جَهَنَّمَ مُشْبِهَةٌ بِالحُفْرَةِ الَّتِي فِيها النّارُ فَجَعَلَ اسْتِحْقاقَهم لِلنّارِ بِكُفْرِهِمْ كالإشْرافِ مِنهم عَلى النّارِ، والمَصِيرِ مِنهم إلى حُفْرَتِها، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أنْقَذَهم مِن هَذِهِ الحُفْرَةِ، وقَدْ قَرُبُوا مِنَ الوُقُوعِ فِيها.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَطُفَ بِهِمْ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرِ ألْطافِهِ حَتّى آمَنُوا. قالَ أصْحابُنا: جَمِيعُ الألْطافِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ الإيمانِ ومُوجِدُهُ هو العَبْدُ لَكانَ العَبْدُ هو الَّذِي أنْقَذَ نَفْسَهُ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ هو الَّذِي أنْقَذَهم مِنَ النّارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ خالِقَ أفْعالِ العِبادِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: شَفا الشَّيْءِ حَرْفُهُ مَقْصُورٌ، مِثْلُ شَفا البِئْرِ والجَمْعُ الأشْفاءُ، ومِنهُ يُقالُ: أشْفى عَلى الشَّيْءِ إذا أشْرَفَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ بَلَغَ شَفاهُ، أيْ حَدَّهُ وحَرْفَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ نَقَذْتُهُ وأنْقَذْتُهُ واسْتَنْقَذْتُهُ، أيْ خَلَّصْتُهُ ونَجَّيْتُهُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ سُؤالٌ وهو: أنَّهُ تَعالى إنَّما يُنْقِذُهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ وهم كانُوا عَلى شَفا حُفْرَةٍ، وشَفا الحُفْرَةِ مُذَكَّرٌ فَكَيْفَ قالَ مِنها ؟
وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الحُفْرَةِ ولَمّا أنْقَذَهم مِنَ الحُفْرَةِ فَقَدْ أنْقَذَهم مِن شَفا الحُفْرَةِ لِأنَّ شَفاها مِنها. والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى النّارِ، لِأنَّ القَصْدَ الإنْجاءُ مِنَ النّارِ لا مِن شَفا الحُفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. الثّالِثُ: أنَّ شَفا الحُفْرَةِ، وشَفَتُها طَرَفُها، فَجازَ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِالتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم لَوْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ لَوَقَعُوا في النّارِ، فَمُثِّلَتْ حَياتُهُمُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بَعْدَها الوُقُوعُ في النّارِ بِالقُعُودِ عَلى حَرْفِها، وهَذا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيرِ مُدَّةِ الحَياةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَياةِ وبَيْنَ المَوْتِ المُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ في الحُفْرَةِ إلّا ما بَيْنَ طَرَفِ الشَّيْءِ، وبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ مِثْلُ البَيانِ المَذْكُورِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم سائِرَ الآياتِ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِها، قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُمُ الِاهْتِداءَ، أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ في ”البَسِيطِ“ فَقالَ: بَلِ المَعْنى لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ هِدايَةٍ.
وأقُولُ: وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ مِنهم ذَلِكَ الرَّجاءَ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَلى مَذْهَبِنا قَدْ لا يُرِيدُ ذَلِكَ الرَّجاءَ، فالجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ كَلِمَةُ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، والمَعْنى أنّا فَعَلْنا فِعْلًا يُشْبِهُ فِعْلَ مَن يَتَرَجّى ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن إضْلالِ الكُفّارِ ومِن تَلْبِيساتِهِمْ في الآيَةِ الأُولى أمَرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِمَجامِعِ الطّاعاتِ، ومَعاقِدِ الخَيْراتِ، فَأمَرَهم أوَّلًا: بِتَقْوى اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وثانِيًا: بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ وثالِثًا: بِذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والسَّبَبُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ فِعْلَ الإنْسانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا، إمّا بِالرَّهْبَةِ وإمّا بِالرَّغْبَةِ، والرَّهْبَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الرَّغْبَةِ، لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ النَّفْعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّخْوِيفِ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالرَّغْبَةِ، وهي
صفحة ١٤١
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: خَوْفُ عِقابِ اللَّهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وكَثْرَةُ نِعَمِ اللَّهِ تُوجِبُ ذَلِكَ فَلَمْ تَبْقَ جِهَةٌ مِنَ الجِهاتِ المُوجِبَةِ لِلْفِعْلِ إلّا وهي حاصِلَةٌ في وُجُوبِ انْقِيادِكم لِأمْرِ اللَّهِ ووُجُوبِ طاعَتِكم لِحُكْمِ اللَّهِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مُرَتَّبَةٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ وذَلِكَ لِما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ حَقَّ تُقاتِهِ: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، وأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، والعِبادُ لا طاقَةَ لَهم بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ونَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلَها ولَمْ يُنْسَخْ آخِرُها وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وزَعَمَ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ أنَّ القَوْلَ بِهَذا النَّسْخِ باطِلٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ مُعاذٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ”«هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ ؟ قالَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: هو أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» “ وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَخَ. الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَحِقُّ أنْ يُتَّقى، وذَلِكَ بِأنْ يُجْتَنَبَ جَمِيعُ مَعاصِيهِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ أنَّ يُنْسَخَ لِأنَّهُ إباحَةٌ لِبَعْضِ المَعاصِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ صارَ مَعْنى هَذا ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] واحِدًا لِأنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ ما اسْتَطاعَ فَقَدِ اتَّقاهُ حَقَّ تُقاتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ ما لا يُسْتَطاعُ مِنَ التَّقْوى، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، والوُسْعُ دُونَ الطّاقَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
قُلْنا: سَنُبَيِّنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها جاءَتْ في القُرْآنِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وكُلُّها في صِفَةِ الكُفّارِ لا في صِفَةِ المُسْلِمِينَ؛ أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ المُرادَ هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى فَهَذا صَحِيحٌ، والَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ فَغَيْرُ قادِحٍ فِيهِ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَرْفُوعٌ في هَذِهِ الأوْقاتِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ خُطُورِ نِعَمِ اللَّهِ بِالبالِ، فَأمّا عِنْدَ السَّهْوِ فَلا يَجِبُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، فَإنَّ هَذا إنَّما يَجِبُ عِنْدَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يُطاقُ، فَلا وجْهَ لِما ظَنُّوهُ أنَّهُ مَنسُوخٌ.
قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أقُولُ: لِلْأوَّلِينَ أنْ يُقَرِّرُوا قَوْلَهم مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ كُنْهَ الإلَهِيَّةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْخَلْقِ، فَلا يَكُونُ كَمالُ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ الخَوْفُ اللّائِقُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ الِاتِّقاءُ اللّائِقُ بِهِ. الثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا بِالِاتِّقاءِ المُغَلَّظِ والمُخَفَّفِ مَعًا فَنُسِخَ المُغَلَّظُ وبَقِيَ المُخَفَّفُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا باطِلٌ، لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ ما أمْكَنَ والنَّسْخُ إنَّما يَدْخُلُ في الواجِباتِ لا في النَّفْيِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ رَفْعَ الحَجْرِ عَمّا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَحْجُورًا عَنْهُ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَجِبُ أنْ يُتَّقى، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ويُقالُ: هو الرَّجُلُ حَقًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «
أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ:
أنا عَلِيٌّ لا كَذِبَ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، والتُّقى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اتَّقَيْتُ، كَما أنَّ الهُدى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اهْتَدَيْتُ.
صفحة ١٤٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فَلَفْظُ النَّهْيِ واقِعٌ عَلى المَوْتِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ الأمْرُ بِالإقامَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ يُمْكِنُهُمُ الثَّباتُ عَلى الإسْلامِ حَتّى إذا أتاهُمُ المَوْتُ أتاهم وهم عَلى الإسْلامِ، صارَ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ دَخَلَ في إمْكانِهِمْ، ومَضى الكَلامُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالِاتِّقاءِ عَنِ المَحْظُوراتِ أمَرَهم بِالتَّمَسُّكِ بِالِاعْتِصامِ بِما هو كالأصْلِ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ، وهو الِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن يَمْشِي عَلى طَرِيقٍ دَقِيقٍ يَخافُ أنْ تَزْلَقَ رِجْلُهُ، فَإذا تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ مَشْدُودِ الطَّرَفَيْنِ بِجانِبَيْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ أمِنَ مِنَ الخَوْفِ، ولا شَكَّ أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ طَرِيقٌ دَقِيقٌ، وقَدِ انْزَلَقَ رِجْلُ الكَثِيرِ مِنَ الخَلْقِ عَنْهُ، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِدَلِيلِ اللَّهِ وبَيِّناتِهِ فَإنَّهُ يَأْمَنُ مِن ذَلِكَ الخَوْفِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الحَبْلِ هاهُنا كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلى الحَقِّ في طَرِيقِ الدِّينِ، وهو أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، فَذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ واحِدًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِالحَبْلِ هاهُنا العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقالَ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أيْ بِعَهْدٍ، وإنَّما سُمِّيَ العَهْدُ حَبْلًا لِأنَّهُ يُزِيلُ عَنْهُ الخَوْفَ مِنَ الذَّهابِ إلى أيِّ مَوْضِعٍ شاءَ، وكانَ كالحَبْلِ الَّذِي مَن تَمَسَّكَ بِهِ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أما إنَّها سَتَكُونُ فِتْنَةٌ“ قِيلَ: فَما المَخْرَجُ مِنها ؟ قالَ: ”كِتابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَن قَبْلَكم وخَبَرُ مَن بَعْدَكم وحُكْمُ ما بَيْنَكم وهو حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ“» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هَذا القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ» “ ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي» “ وقِيلَ: إنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو طاعَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو إخْلاصُ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: الجَماعَةُ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ النّازِلُ في البِئْرِ يَعْتَصِمُ بِحَبْلٍ تَحَرُّزًا مِنَ السُّقُوطِ فِيها وكانَ كِتابُ اللَّهِ وعَهْدُهُ ودِينُهُ وطاعَتُهُ ومُوافَقَتُهُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ حِرْزًا لِصاحِبِهِ مِنَ السُّقُوطِ في قَعْرِ جَهَنَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ حَبْلًا لِلَّهِ، وأُمِرُوا بِالِاعْتِصامِ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وما عَداهُ يَكُونُ جَهْلًا وضَلالًا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] . والثّانِي: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ المُعاداةِ والمُخاصَمَةِ، فَإنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مُواظِبِينَ عَلى المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها. الثّالِثُ: أنَّهُ نُهِيَ عَمّا يُوجِبُ الفُرْقَةَ ويُزِيلُ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ.
واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى نَيِّفٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً النّاجِي مِنهم واحِدٌ والباقِي في النّارِ، فَقِيلَ: ومَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الجَماعَةُ“ ورُوِيَ ”السَّوادُ الأعْظَمُ“ ورُوِيَ ”ما أنا عَلَيْهِ وأصْحابِي“»
صفحة ١٤٣
والوَجْهُ المَعْقُولُ فِيهِ: أنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاخْتِلافِ والأمْرَ بِالِاتِّفاقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ النّاجِي واحِدًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتْ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ يَقِينِيَّةً أوْ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ ظَنِّيَّةً، فَإنْ كانَ الأوَّلَ امْتَنَعَ الِاكْتِفاءُ فِيها بِالقِياسِ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ، لِأنَّ الدَّلِيلَ الظَّنِّيَّ لا يُكْتَفى بِهِ في المَوْضِعِ اليَقِينِيِّ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ إلى تِلْكَ الدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ الِاخْتِلافِ ووُقُوعَ النِّزاعِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ التَّفَرُّقُ والتَّنازُعُ مَنهِيًّا عَنْهُ، لَكِنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى العَمَلِ بِالقِياسِ تَكُونُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ ولِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ إمّا دُنْيَوِيَّةٌ وإمّا أُخْرَوِيَّةٌ وإنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُما في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا النِّعْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ إنَّ ذَلِكَ اليَهُودِيَّ لَمّا ألْقى الفِتْنَةَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ وهَمَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمُحارَبَةِ صاحِبِهِ، فَخَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ ولَمْ يَزَلْ يَرْفُقُ بِهِمْ حَتّى سَكَنَتِ الفِتْنَةُ وكانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ أخَوَيْنِ لِأبٍ وأُمٍّ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُما العَداوَةُ، وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ أطْفَأ اللَّهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلَيْهِمْ وإلى أحْوالِهِمْ، فَإنَّهم قَبْلَ الإسْلامِ كانَ يُحارِبُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَبْغُضُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ صارُوا إخْوانًا مُتَراحِمِينَ مُتَناصِحِينَ وصارُوا إخْوَةً في اللَّهِ: ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن كانَ وجْهُهُ إلى الدُّنْيا كانَ مُعادِيًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ، ومَن كانَ وجْهُهُ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُعادِيًا لِأحَدٍ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ يَنْظُرُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ فَيَرى الكُلَّ أسِيرًا في قَبْضَةِ القَضاءِ والقَدَرِ فَلا يُعادِي أحَدًا، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ العارِفَ إذا أمَرَ أمَرَ بِرِفْقٍ ويَكُونُ ناصِحًا لا يُعَنِّفُ ويُعَيِّرُ فَهو مُسْتَبْصِرٌ بِسِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الأخِ في اللُّغَةِ مِنَ التَّوَخِّي وهو الطَّلَبُ فالأخُ مَقْصِدُهُ مَقْصِدُ أخِيهِ، والصَّدِيقُ مَأْخُوذٌ مِن أنْ يَصْدُقَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الصَّدِيقَيْنِ صاحِبَهُ ما في قَلْبِهِ، ولا يُخْفِي عَنْهُ شَيْئًا وقالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أهْلُ البَصْرَةِ: الإخْوَةُ في النَّسَبِ والإخْوانُ في الصَّداقَةِ، قالَ: وهَذا غَلَطٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ولَمْ يَعْنِ النَّسَبَ، وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وهَذا في النَّسَبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُعامَلاتِ الحَسَنَةَ الجارِيَةَ بَيْنَهم بَعْدَ الإسْلامِ إنَّما حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ وكانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةً لِحُصُولِ الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ في خَلْقِ الأفْعالِ، قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ ذَلِكَ بِالهِدايَةِ والبَيانِ والتَّحْذِيرِ والمَعْرِفَةِ والألْطافِ.
صفحة ١٤٤
قُلْنا: كُلُّ هَذا كانَ حاصِلًا في زَمانِ حُصُولِ المُحارِباتِ والمُقاتِلاتِ، فاخْتِصاصُ أحَدِ الزَّمانَيْنِ بِحُصُولِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِأمْرٍ زائِدٍ عَلى ما ذَكَرْتُمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ ذَكَرَ بَعْدَها النِّعْمَةَ الأُخْرَوِيَّةَ، وهي ما ذَكَرَهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ مُشْرِفِينَ بِكُفْرِكم عَلى جَهَنَّمَ، لِأنَّ جَهَنَّمَ مُشْبِهَةٌ بِالحُفْرَةِ الَّتِي فِيها النّارُ فَجَعَلَ اسْتِحْقاقَهم لِلنّارِ بِكُفْرِهِمْ كالإشْرافِ مِنهم عَلى النّارِ، والمَصِيرِ مِنهم إلى حُفْرَتِها، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أنْقَذَهم مِن هَذِهِ الحُفْرَةِ، وقَدْ قَرُبُوا مِنَ الوُقُوعِ فِيها.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَطُفَ بِهِمْ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرِ ألْطافِهِ حَتّى آمَنُوا. قالَ أصْحابُنا: جَمِيعُ الألْطافِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ الإيمانِ ومُوجِدُهُ هو العَبْدُ لَكانَ العَبْدُ هو الَّذِي أنْقَذَ نَفْسَهُ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ هو الَّذِي أنْقَذَهم مِنَ النّارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ خالِقَ أفْعالِ العِبادِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: شَفا الشَّيْءِ حَرْفُهُ مَقْصُورٌ، مِثْلُ شَفا البِئْرِ والجَمْعُ الأشْفاءُ، ومِنهُ يُقالُ: أشْفى عَلى الشَّيْءِ إذا أشْرَفَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ بَلَغَ شَفاهُ، أيْ حَدَّهُ وحَرْفَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ نَقَذْتُهُ وأنْقَذْتُهُ واسْتَنْقَذْتُهُ، أيْ خَلَّصْتُهُ ونَجَّيْتُهُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ سُؤالٌ وهو: أنَّهُ تَعالى إنَّما يُنْقِذُهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ وهم كانُوا عَلى شَفا حُفْرَةٍ، وشَفا الحُفْرَةِ مُذَكَّرٌ فَكَيْفَ قالَ مِنها ؟
وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الحُفْرَةِ ولَمّا أنْقَذَهم مِنَ الحُفْرَةِ فَقَدْ أنْقَذَهم مِن شَفا الحُفْرَةِ لِأنَّ شَفاها مِنها. والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى النّارِ، لِأنَّ القَصْدَ الإنْجاءُ مِنَ النّارِ لا مِن شَفا الحُفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. الثّالِثُ: أنَّ شَفا الحُفْرَةِ، وشَفَتُها طَرَفُها، فَجازَ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِالتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم لَوْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ لَوَقَعُوا في النّارِ، فَمُثِّلَتْ حَياتُهُمُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بَعْدَها الوُقُوعُ في النّارِ بِالقُعُودِ عَلى حَرْفِها، وهَذا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيرِ مُدَّةِ الحَياةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَياةِ وبَيْنَ المَوْتِ المُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ في الحُفْرَةِ إلّا ما بَيْنَ طَرَفِ الشَّيْءِ، وبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ مِثْلُ البَيانِ المَذْكُورِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم سائِرَ الآياتِ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِها، قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُمُ الِاهْتِداءَ، أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ في ”البَسِيطِ“ فَقالَ: بَلِ المَعْنى لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ هِدايَةٍ.
وأقُولُ: وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ مِنهم ذَلِكَ الرَّجاءَ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَلى مَذْهَبِنا قَدْ لا يُرِيدُ ذَلِكَ الرَّجاءَ، فالجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ كَلِمَةُ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، والمَعْنى أنّا فَعَلْنا فِعْلًا يُشْبِهُ فِعْلَ مَن يَتَرَجّى ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن إضْلالِ الكُفّارِ ومِن تَلْبِيساتِهِمْ في الآيَةِ الأُولى أمَرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِمَجامِعِ الطّاعاتِ، ومَعاقِدِ الخَيْراتِ، فَأمَرَهم أوَّلًا: بِتَقْوى اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وثانِيًا: بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ وثالِثًا: بِذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والسَّبَبُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ فِعْلَ الإنْسانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا، إمّا بِالرَّهْبَةِ وإمّا بِالرَّغْبَةِ، والرَّهْبَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الرَّغْبَةِ، لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ النَّفْعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّخْوِيفِ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالرَّغْبَةِ، وهي
صفحة ١٤١
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: خَوْفُ عِقابِ اللَّهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وكَثْرَةُ نِعَمِ اللَّهِ تُوجِبُ ذَلِكَ فَلَمْ تَبْقَ جِهَةٌ مِنَ الجِهاتِ المُوجِبَةِ لِلْفِعْلِ إلّا وهي حاصِلَةٌ في وُجُوبِ انْقِيادِكم لِأمْرِ اللَّهِ ووُجُوبِ طاعَتِكم لِحُكْمِ اللَّهِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مُرَتَّبَةٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ وذَلِكَ لِما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ حَقَّ تُقاتِهِ: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، وأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، والعِبادُ لا طاقَةَ لَهم بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ونَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلَها ولَمْ يُنْسَخْ آخِرُها وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وزَعَمَ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ أنَّ القَوْلَ بِهَذا النَّسْخِ باطِلٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ مُعاذٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ”«هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ ؟ قالَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: هو أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» “ وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَخَ. الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَحِقُّ أنْ يُتَّقى، وذَلِكَ بِأنْ يُجْتَنَبَ جَمِيعُ مَعاصِيهِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ أنَّ يُنْسَخَ لِأنَّهُ إباحَةٌ لِبَعْضِ المَعاصِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ صارَ مَعْنى هَذا ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] واحِدًا لِأنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ ما اسْتَطاعَ فَقَدِ اتَّقاهُ حَقَّ تُقاتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ ما لا يُسْتَطاعُ مِنَ التَّقْوى، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، والوُسْعُ دُونَ الطّاقَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
قُلْنا: سَنُبَيِّنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها جاءَتْ في القُرْآنِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وكُلُّها في صِفَةِ الكُفّارِ لا في صِفَةِ المُسْلِمِينَ؛ أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ المُرادَ هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى فَهَذا صَحِيحٌ، والَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ فَغَيْرُ قادِحٍ فِيهِ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَرْفُوعٌ في هَذِهِ الأوْقاتِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ خُطُورِ نِعَمِ اللَّهِ بِالبالِ، فَأمّا عِنْدَ السَّهْوِ فَلا يَجِبُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، فَإنَّ هَذا إنَّما يَجِبُ عِنْدَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يُطاقُ، فَلا وجْهَ لِما ظَنُّوهُ أنَّهُ مَنسُوخٌ.
قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أقُولُ: لِلْأوَّلِينَ أنْ يُقَرِّرُوا قَوْلَهم مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ كُنْهَ الإلَهِيَّةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْخَلْقِ، فَلا يَكُونُ كَمالُ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ الخَوْفُ اللّائِقُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ الِاتِّقاءُ اللّائِقُ بِهِ. الثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا بِالِاتِّقاءِ المُغَلَّظِ والمُخَفَّفِ مَعًا فَنُسِخَ المُغَلَّظُ وبَقِيَ المُخَفَّفُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا باطِلٌ، لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ ما أمْكَنَ والنَّسْخُ إنَّما يَدْخُلُ في الواجِباتِ لا في النَّفْيِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ رَفْعَ الحَجْرِ عَمّا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَحْجُورًا عَنْهُ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَجِبُ أنْ يُتَّقى، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ويُقالُ: هو الرَّجُلُ حَقًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «
أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ:
أنا عَلِيٌّ لا كَذِبَ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، والتُّقى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اتَّقَيْتُ، كَما أنَّ الهُدى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اهْتَدَيْتُ.
صفحة ١٤٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فَلَفْظُ النَّهْيِ واقِعٌ عَلى المَوْتِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ الأمْرُ بِالإقامَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ يُمْكِنُهُمُ الثَّباتُ عَلى الإسْلامِ حَتّى إذا أتاهُمُ المَوْتُ أتاهم وهم عَلى الإسْلامِ، صارَ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ دَخَلَ في إمْكانِهِمْ، ومَضى الكَلامُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالِاتِّقاءِ عَنِ المَحْظُوراتِ أمَرَهم بِالتَّمَسُّكِ بِالِاعْتِصامِ بِما هو كالأصْلِ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ، وهو الِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن يَمْشِي عَلى طَرِيقٍ دَقِيقٍ يَخافُ أنْ تَزْلَقَ رِجْلُهُ، فَإذا تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ مَشْدُودِ الطَّرَفَيْنِ بِجانِبَيْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ أمِنَ مِنَ الخَوْفِ، ولا شَكَّ أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ طَرِيقٌ دَقِيقٌ، وقَدِ انْزَلَقَ رِجْلُ الكَثِيرِ مِنَ الخَلْقِ عَنْهُ، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِدَلِيلِ اللَّهِ وبَيِّناتِهِ فَإنَّهُ يَأْمَنُ مِن ذَلِكَ الخَوْفِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الحَبْلِ هاهُنا كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلى الحَقِّ في طَرِيقِ الدِّينِ، وهو أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، فَذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ واحِدًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِالحَبْلِ هاهُنا العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقالَ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أيْ بِعَهْدٍ، وإنَّما سُمِّيَ العَهْدُ حَبْلًا لِأنَّهُ يُزِيلُ عَنْهُ الخَوْفَ مِنَ الذَّهابِ إلى أيِّ مَوْضِعٍ شاءَ، وكانَ كالحَبْلِ الَّذِي مَن تَمَسَّكَ بِهِ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أما إنَّها سَتَكُونُ فِتْنَةٌ“ قِيلَ: فَما المَخْرَجُ مِنها ؟ قالَ: ”كِتابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَن قَبْلَكم وخَبَرُ مَن بَعْدَكم وحُكْمُ ما بَيْنَكم وهو حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ“» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هَذا القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ» “ ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي» “ وقِيلَ: إنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو طاعَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو إخْلاصُ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: الجَماعَةُ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ النّازِلُ في البِئْرِ يَعْتَصِمُ بِحَبْلٍ تَحَرُّزًا مِنَ السُّقُوطِ فِيها وكانَ كِتابُ اللَّهِ وعَهْدُهُ ودِينُهُ وطاعَتُهُ ومُوافَقَتُهُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ حِرْزًا لِصاحِبِهِ مِنَ السُّقُوطِ في قَعْرِ جَهَنَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ حَبْلًا لِلَّهِ، وأُمِرُوا بِالِاعْتِصامِ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وما عَداهُ يَكُونُ جَهْلًا وضَلالًا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] . والثّانِي: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ المُعاداةِ والمُخاصَمَةِ، فَإنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مُواظِبِينَ عَلى المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها. الثّالِثُ: أنَّهُ نُهِيَ عَمّا يُوجِبُ الفُرْقَةَ ويُزِيلُ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ.
واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى نَيِّفٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً النّاجِي مِنهم واحِدٌ والباقِي في النّارِ، فَقِيلَ: ومَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الجَماعَةُ“ ورُوِيَ ”السَّوادُ الأعْظَمُ“ ورُوِيَ ”ما أنا عَلَيْهِ وأصْحابِي“»
صفحة ١٤٣
والوَجْهُ المَعْقُولُ فِيهِ: أنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاخْتِلافِ والأمْرَ بِالِاتِّفاقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ النّاجِي واحِدًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتْ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ يَقِينِيَّةً أوْ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ ظَنِّيَّةً، فَإنْ كانَ الأوَّلَ امْتَنَعَ الِاكْتِفاءُ فِيها بِالقِياسِ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ، لِأنَّ الدَّلِيلَ الظَّنِّيَّ لا يُكْتَفى بِهِ في المَوْضِعِ اليَقِينِيِّ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ إلى تِلْكَ الدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ الِاخْتِلافِ ووُقُوعَ النِّزاعِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ التَّفَرُّقُ والتَّنازُعُ مَنهِيًّا عَنْهُ، لَكِنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى العَمَلِ بِالقِياسِ تَكُونُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ ولِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ إمّا دُنْيَوِيَّةٌ وإمّا أُخْرَوِيَّةٌ وإنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُما في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا النِّعْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ إنَّ ذَلِكَ اليَهُودِيَّ لَمّا ألْقى الفِتْنَةَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ وهَمَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمُحارَبَةِ صاحِبِهِ، فَخَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ ولَمْ يَزَلْ يَرْفُقُ بِهِمْ حَتّى سَكَنَتِ الفِتْنَةُ وكانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ أخَوَيْنِ لِأبٍ وأُمٍّ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُما العَداوَةُ، وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ أطْفَأ اللَّهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلَيْهِمْ وإلى أحْوالِهِمْ، فَإنَّهم قَبْلَ الإسْلامِ كانَ يُحارِبُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَبْغُضُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ صارُوا إخْوانًا مُتَراحِمِينَ مُتَناصِحِينَ وصارُوا إخْوَةً في اللَّهِ: ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن كانَ وجْهُهُ إلى الدُّنْيا كانَ مُعادِيًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ، ومَن كانَ وجْهُهُ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُعادِيًا لِأحَدٍ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ يَنْظُرُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ فَيَرى الكُلَّ أسِيرًا في قَبْضَةِ القَضاءِ والقَدَرِ فَلا يُعادِي أحَدًا، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ العارِفَ إذا أمَرَ أمَرَ بِرِفْقٍ ويَكُونُ ناصِحًا لا يُعَنِّفُ ويُعَيِّرُ فَهو مُسْتَبْصِرٌ بِسِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الأخِ في اللُّغَةِ مِنَ التَّوَخِّي وهو الطَّلَبُ فالأخُ مَقْصِدُهُ مَقْصِدُ أخِيهِ، والصَّدِيقُ مَأْخُوذٌ مِن أنْ يَصْدُقَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الصَّدِيقَيْنِ صاحِبَهُ ما في قَلْبِهِ، ولا يُخْفِي عَنْهُ شَيْئًا وقالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أهْلُ البَصْرَةِ: الإخْوَةُ في النَّسَبِ والإخْوانُ في الصَّداقَةِ، قالَ: وهَذا غَلَطٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ولَمْ يَعْنِ النَّسَبَ، وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وهَذا في النَّسَبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُعامَلاتِ الحَسَنَةَ الجارِيَةَ بَيْنَهم بَعْدَ الإسْلامِ إنَّما حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ وكانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةً لِحُصُولِ الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ في خَلْقِ الأفْعالِ، قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ ذَلِكَ بِالهِدايَةِ والبَيانِ والتَّحْذِيرِ والمَعْرِفَةِ والألْطافِ.
صفحة ١٤٤
قُلْنا: كُلُّ هَذا كانَ حاصِلًا في زَمانِ حُصُولِ المُحارِباتِ والمُقاتِلاتِ، فاخْتِصاصُ أحَدِ الزَّمانَيْنِ بِحُصُولِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِأمْرٍ زائِدٍ عَلى ما ذَكَرْتُمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ ذَكَرَ بَعْدَها النِّعْمَةَ الأُخْرَوِيَّةَ، وهي ما ذَكَرَهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ مُشْرِفِينَ بِكُفْرِكم عَلى جَهَنَّمَ، لِأنَّ جَهَنَّمَ مُشْبِهَةٌ بِالحُفْرَةِ الَّتِي فِيها النّارُ فَجَعَلَ اسْتِحْقاقَهم لِلنّارِ بِكُفْرِهِمْ كالإشْرافِ مِنهم عَلى النّارِ، والمَصِيرِ مِنهم إلى حُفْرَتِها، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أنْقَذَهم مِن هَذِهِ الحُفْرَةِ، وقَدْ قَرُبُوا مِنَ الوُقُوعِ فِيها.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَطُفَ بِهِمْ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرِ ألْطافِهِ حَتّى آمَنُوا. قالَ أصْحابُنا: جَمِيعُ الألْطافِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ الإيمانِ ومُوجِدُهُ هو العَبْدُ لَكانَ العَبْدُ هو الَّذِي أنْقَذَ نَفْسَهُ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ هو الَّذِي أنْقَذَهم مِنَ النّارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ خالِقَ أفْعالِ العِبادِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: شَفا الشَّيْءِ حَرْفُهُ مَقْصُورٌ، مِثْلُ شَفا البِئْرِ والجَمْعُ الأشْفاءُ، ومِنهُ يُقالُ: أشْفى عَلى الشَّيْءِ إذا أشْرَفَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ بَلَغَ شَفاهُ، أيْ حَدَّهُ وحَرْفَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ نَقَذْتُهُ وأنْقَذْتُهُ واسْتَنْقَذْتُهُ، أيْ خَلَّصْتُهُ ونَجَّيْتُهُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ سُؤالٌ وهو: أنَّهُ تَعالى إنَّما يُنْقِذُهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ وهم كانُوا عَلى شَفا حُفْرَةٍ، وشَفا الحُفْرَةِ مُذَكَّرٌ فَكَيْفَ قالَ مِنها ؟
وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الحُفْرَةِ ولَمّا أنْقَذَهم مِنَ الحُفْرَةِ فَقَدْ أنْقَذَهم مِن شَفا الحُفْرَةِ لِأنَّ شَفاها مِنها. والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى النّارِ، لِأنَّ القَصْدَ الإنْجاءُ مِنَ النّارِ لا مِن شَفا الحُفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. الثّالِثُ: أنَّ شَفا الحُفْرَةِ، وشَفَتُها طَرَفُها، فَجازَ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِالتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم لَوْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ لَوَقَعُوا في النّارِ، فَمُثِّلَتْ حَياتُهُمُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بَعْدَها الوُقُوعُ في النّارِ بِالقُعُودِ عَلى حَرْفِها، وهَذا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيرِ مُدَّةِ الحَياةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَياةِ وبَيْنَ المَوْتِ المُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ في الحُفْرَةِ إلّا ما بَيْنَ طَرَفِ الشَّيْءِ، وبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ مِثْلُ البَيانِ المَذْكُورِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم سائِرَ الآياتِ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِها، قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُمُ الِاهْتِداءَ، أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ في ”البَسِيطِ“ فَقالَ: بَلِ المَعْنى لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ هِدايَةٍ.
وأقُولُ: وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ مِنهم ذَلِكَ الرَّجاءَ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَلى مَذْهَبِنا قَدْ لا يُرِيدُ ذَلِكَ الرَّجاءَ، فالجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ كَلِمَةُ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، والمَعْنى أنّا فَعَلْنا فِعْلًا يُشْبِهُ فِعْلَ مَن يَتَرَجّى ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن إضْلالِ الكُفّارِ ومِن تَلْبِيساتِهِمْ في الآيَةِ الأُولى أمَرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِمَجامِعِ الطّاعاتِ، ومَعاقِدِ الخَيْراتِ، فَأمَرَهم أوَّلًا: بِتَقْوى اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وثانِيًا: بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ وثالِثًا: بِذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والسَّبَبُ في هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ فِعْلَ الإنْسانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا، إمّا بِالرَّهْبَةِ وإمّا بِالرَّغْبَةِ، والرَّهْبَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الرَّغْبَةِ، لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ النَّفْعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّخْوِيفِ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالرَّغْبَةِ، وهي
صفحة ١٤١
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: خَوْفُ عِقابِ اللَّهِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وكَثْرَةُ نِعَمِ اللَّهِ تُوجِبُ ذَلِكَ فَلَمْ تَبْقَ جِهَةٌ مِنَ الجِهاتِ المُوجِبَةِ لِلْفِعْلِ إلّا وهي حاصِلَةٌ في وُجُوبِ انْقِيادِكم لِأمْرِ اللَّهِ ووُجُوبِ طاعَتِكم لِحُكْمِ اللَّهِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مُرَتَّبَةٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ وذَلِكَ لِما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ حَقَّ تُقاتِهِ: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، وأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، والعِبادُ لا طاقَةَ لَهم بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ونَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلَها ولَمْ يُنْسَخْ آخِرُها وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وزَعَمَ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ أنَّ القَوْلَ بِهَذا النَّسْخِ باطِلٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنْ مُعاذٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ”«هَلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ ؟ قالَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: هو أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» “ وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَخَ. الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَحِقُّ أنْ يُتَّقى، وذَلِكَ بِأنْ يُجْتَنَبَ جَمِيعُ مَعاصِيهِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجُوزُ أنَّ يُنْسَخَ لِأنَّهُ إباحَةٌ لِبَعْضِ المَعاصِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ صارَ مَعْنى هَذا ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] واحِدًا لِأنَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ ما اسْتَطاعَ فَقَدِ اتَّقاهُ حَقَّ تُقاتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ ما لا يُسْتَطاعُ مِنَ التَّقْوى، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، والوُسْعُ دُونَ الطّاقَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
قُلْنا: سَنُبَيِّنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها جاءَتْ في القُرْآنِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وكُلُّها في صِفَةِ الكُفّارِ لا في صِفَةِ المُسْلِمِينَ؛ أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ المُرادَ هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى فَهَذا صَحِيحٌ، والَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ فَغَيْرُ قادِحٍ فِيهِ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَرْفُوعٌ في هَذِهِ الأوْقاتِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ خُطُورِ نِعَمِ اللَّهِ بِالبالِ، فَأمّا عِنْدَ السَّهْوِ فَلا يَجِبُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، فَإنَّ هَذا إنَّما يَجِبُ عِنْدَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يُطاقُ، فَلا وجْهَ لِما ظَنُّوهُ أنَّهُ مَنسُوخٌ.
قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أقُولُ: لِلْأوَّلِينَ أنْ يُقَرِّرُوا قَوْلَهم مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ كُنْهَ الإلَهِيَّةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْخَلْقِ، فَلا يَكُونُ كَمالُ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ، وإذا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ الخَوْفُ اللّائِقُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ الِاتِّقاءُ اللّائِقُ بِهِ. الثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا بِالِاتِّقاءِ المُغَلَّظِ والمُخَفَّفِ مَعًا فَنُسِخَ المُغَلَّظُ وبَقِيَ المُخَفَّفُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا باطِلٌ، لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ ما أمْكَنَ والنَّسْخُ إنَّما يَدْخُلُ في الواجِباتِ لا في النَّفْيِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ رَفْعَ الحَجْرِ عَمّا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَحْجُورًا عَنْهُ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ كَما يَجِبُ أنْ يُتَّقى، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ويُقالُ: هو الرَّجُلُ حَقًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «
أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ:
أنا عَلِيٌّ لا كَذِبَ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، والتُّقى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اتَّقَيْتُ، كَما أنَّ الهُدى اسْمُ الفِعْلِ مِن قَوْلِكَ اهْتَدَيْتُ.
صفحة ١٤٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فَلَفْظُ النَّهْيِ واقِعٌ عَلى المَوْتِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ الأمْرُ بِالإقامَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ يُمْكِنُهُمُ الثَّباتُ عَلى الإسْلامِ حَتّى إذا أتاهُمُ المَوْتُ أتاهم وهم عَلى الإسْلامِ، صارَ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ دَخَلَ في إمْكانِهِمْ، ومَضى الكَلامُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالِاتِّقاءِ عَنِ المَحْظُوراتِ أمَرَهم بِالتَّمَسُّكِ بِالِاعْتِصامِ بِما هو كالأصْلِ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ، وهو الِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن يَمْشِي عَلى طَرِيقٍ دَقِيقٍ يَخافُ أنْ تَزْلَقَ رِجْلُهُ، فَإذا تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ مَشْدُودِ الطَّرَفَيْنِ بِجانِبَيْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ أمِنَ مِنَ الخَوْفِ، ولا شَكَّ أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ طَرِيقٌ دَقِيقٌ، وقَدِ انْزَلَقَ رِجْلُ الكَثِيرِ مِنَ الخَلْقِ عَنْهُ، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِدَلِيلِ اللَّهِ وبَيِّناتِهِ فَإنَّهُ يَأْمَنُ مِن ذَلِكَ الخَوْفِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الحَبْلِ هاهُنا كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلى الحَقِّ في طَرِيقِ الدِّينِ، وهو أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، فَذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ واحِدًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ بِالحَبْلِ هاهُنا العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقالَ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أيْ بِعَهْدٍ، وإنَّما سُمِّيَ العَهْدُ حَبْلًا لِأنَّهُ يُزِيلُ عَنْهُ الخَوْفَ مِنَ الذَّهابِ إلى أيِّ مَوْضِعٍ شاءَ، وكانَ كالحَبْلِ الَّذِي مَن تَمَسَّكَ بِهِ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أما إنَّها سَتَكُونُ فِتْنَةٌ“ قِيلَ: فَما المَخْرَجُ مِنها ؟ قالَ: ”كِتابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَن قَبْلَكم وخَبَرُ مَن بَعْدَكم وحُكْمُ ما بَيْنَكم وهو حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ“» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هَذا القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ» “ ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، كِتابَ اللَّهِ تَعالى حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلُ بَيْتِي» “ وقِيلَ: إنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو طاعَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: هو إخْلاصُ التَّوْبَةِ، وقِيلَ: الجَماعَةُ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ النّازِلُ في البِئْرِ يَعْتَصِمُ بِحَبْلٍ تَحَرُّزًا مِنَ السُّقُوطِ فِيها وكانَ كِتابُ اللَّهِ وعَهْدُهُ ودِينُهُ وطاعَتُهُ ومُوافَقَتُهُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ حِرْزًا لِصاحِبِهِ مِنَ السُّقُوطِ في قَعْرِ جَهَنَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ حَبْلًا لِلَّهِ، وأُمِرُوا بِالِاعْتِصامِ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّهُ نُهِيَ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وما عَداهُ يَكُونُ جَهْلًا وضَلالًا، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] . والثّانِي: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ المُعاداةِ والمُخاصَمَةِ، فَإنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ مُواظِبِينَ عَلى المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها. الثّالِثُ: أنَّهُ نُهِيَ عَمّا يُوجِبُ الفُرْقَةَ ويُزِيلُ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ.
واعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى نَيِّفٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً النّاجِي مِنهم واحِدٌ والباقِي في النّارِ، فَقِيلَ: ومَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الجَماعَةُ“ ورُوِيَ ”السَّوادُ الأعْظَمُ“ ورُوِيَ ”ما أنا عَلَيْهِ وأصْحابِي“»
صفحة ١٤٣
والوَجْهُ المَعْقُولُ فِيهِ: أنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاخْتِلافِ والأمْرَ بِالِاتِّفاقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ النّاجِي واحِدًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتْ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ يَقِينِيَّةً أوْ نَصَبَ عَلَيْها دَلائِلَ ظَنِّيَّةً، فَإنْ كانَ الأوَّلَ امْتَنَعَ الِاكْتِفاءُ فِيها بِالقِياسِ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ، لِأنَّ الدَّلِيلَ الظَّنِّيَّ لا يُكْتَفى بِهِ في المَوْضِعِ اليَقِينِيِّ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ الأمْرُ بِالرُّجُوعِ إلى تِلْكَ الدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ الِاخْتِلافِ ووُقُوعَ النِّزاعِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ التَّفَرُّقُ والتَّنازُعُ مَنهِيًّا عَنْهُ، لَكِنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى العَمَلِ بِالقِياسِ تَكُونُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ ولِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ إمّا دُنْيَوِيَّةٌ وإمّا أُخْرَوِيَّةٌ وإنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُما في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا النِّعْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ إنَّ ذَلِكَ اليَهُودِيَّ لَمّا ألْقى الفِتْنَةَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ وهَمَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمُحارَبَةِ صاحِبِهِ، فَخَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ ولَمْ يَزَلْ يَرْفُقُ بِهِمْ حَتّى سَكَنَتِ الفِتْنَةُ وكانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ أخَوَيْنِ لِأبٍ وأُمٍّ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُما العَداوَةُ، وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ أطْفَأ اللَّهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلَيْهِمْ وإلى أحْوالِهِمْ، فَإنَّهم قَبْلَ الإسْلامِ كانَ يُحارِبُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَبْغُضُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ صارُوا إخْوانًا مُتَراحِمِينَ مُتَناصِحِينَ وصارُوا إخْوَةً في اللَّهِ: ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن كانَ وجْهُهُ إلى الدُّنْيا كانَ مُعادِيًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ، ومَن كانَ وجْهُهُ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُعادِيًا لِأحَدٍ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ يَنْظُرُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ فَيَرى الكُلَّ أسِيرًا في قَبْضَةِ القَضاءِ والقَدَرِ فَلا يُعادِي أحَدًا، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ العارِفَ إذا أمَرَ أمَرَ بِرِفْقٍ ويَكُونُ ناصِحًا لا يُعَنِّفُ ويُعَيِّرُ فَهو مُسْتَبْصِرٌ بِسِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الأخِ في اللُّغَةِ مِنَ التَّوَخِّي وهو الطَّلَبُ فالأخُ مَقْصِدُهُ مَقْصِدُ أخِيهِ، والصَّدِيقُ مَأْخُوذٌ مِن أنْ يَصْدُقَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الصَّدِيقَيْنِ صاحِبَهُ ما في قَلْبِهِ، ولا يُخْفِي عَنْهُ شَيْئًا وقالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أهْلُ البَصْرَةِ: الإخْوَةُ في النَّسَبِ والإخْوانُ في الصَّداقَةِ، قالَ: وهَذا غَلَطٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ولَمْ يَعْنِ النَّسَبَ، وقالَ: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وهَذا في النَّسَبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُعامَلاتِ الحَسَنَةَ الجارِيَةَ بَيْنَهم بَعْدَ الإسْلامِ إنَّما حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ وكانَتْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةً لِحُصُولِ الفِعْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ في خَلْقِ الأفْعالِ، قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ ذَلِكَ بِالهِدايَةِ والبَيانِ والتَّحْذِيرِ والمَعْرِفَةِ والألْطافِ.
صفحة ١٤٤
قُلْنا: كُلُّ هَذا كانَ حاصِلًا في زَمانِ حُصُولِ المُحارِباتِ والمُقاتِلاتِ، فاخْتِصاصُ أحَدِ الزَّمانَيْنِ بِحُصُولِ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِأمْرٍ زائِدٍ عَلى ما ذَكَرْتُمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ ذَكَرَ بَعْدَها النِّعْمَةَ الأُخْرَوِيَّةَ، وهي ما ذَكَرَهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ مُشْرِفِينَ بِكُفْرِكم عَلى جَهَنَّمَ، لِأنَّ جَهَنَّمَ مُشْبِهَةٌ بِالحُفْرَةِ الَّتِي فِيها النّارُ فَجَعَلَ اسْتِحْقاقَهم لِلنّارِ بِكُفْرِهِمْ كالإشْرافِ مِنهم عَلى النّارِ، والمَصِيرِ مِنهم إلى حُفْرَتِها، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أنْقَذَهم مِن هَذِهِ الحُفْرَةِ، وقَدْ قَرُبُوا مِنَ الوُقُوعِ فِيها.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَطُفَ بِهِمْ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرِ ألْطافِهِ حَتّى آمَنُوا. قالَ أصْحابُنا: جَمِيعُ الألْطافِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ الإيمانِ ومُوجِدُهُ هو العَبْدُ لَكانَ العَبْدُ هو الَّذِي أنْقَذَ نَفْسَهُ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ هو الَّذِي أنْقَذَهم مِنَ النّارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ خالِقَ أفْعالِ العِبادِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: شَفا الشَّيْءِ حَرْفُهُ مَقْصُورٌ، مِثْلُ شَفا البِئْرِ والجَمْعُ الأشْفاءُ، ومِنهُ يُقالُ: أشْفى عَلى الشَّيْءِ إذا أشْرَفَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ بَلَغَ شَفاهُ، أيْ حَدَّهُ وحَرْفَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ نَقَذْتُهُ وأنْقَذْتُهُ واسْتَنْقَذْتُهُ، أيْ خَلَّصْتُهُ ونَجَّيْتُهُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ سُؤالٌ وهو: أنَّهُ تَعالى إنَّما يُنْقِذُهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ وهم كانُوا عَلى شَفا حُفْرَةٍ، وشَفا الحُفْرَةِ مُذَكَّرٌ فَكَيْفَ قالَ مِنها ؟
وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الحُفْرَةِ ولَمّا أنْقَذَهم مِنَ الحُفْرَةِ فَقَدْ أنْقَذَهم مِن شَفا الحُفْرَةِ لِأنَّ شَفاها مِنها. والثّانِي: أنَّها راجِعَةٌ إلى النّارِ، لِأنَّ القَصْدَ الإنْجاءُ مِنَ النّارِ لا مِن شَفا الحُفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. الثّالِثُ: أنَّ شَفا الحُفْرَةِ، وشَفَتُها طَرَفُها، فَجازَ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِالتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم لَوْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ لَوَقَعُوا في النّارِ، فَمُثِّلَتْ حَياتُهُمُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بَعْدَها الوُقُوعُ في النّارِ بِالقُعُودِ عَلى حَرْفِها، وهَذا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحْقِيرِ مُدَّةِ الحَياةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَياةِ وبَيْنَ المَوْتِ المُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ في الحُفْرَةِ إلّا ما بَيْنَ طَرَفِ الشَّيْءِ، وبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ مِثْلُ البَيانِ المَذْكُورِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم سائِرَ الآياتِ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِها، قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُمُ الِاهْتِداءَ، أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ في ”البَسِيطِ“ فَقالَ: بَلِ المَعْنى لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ هِدايَةٍ.
وأقُولُ: وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ مِنهم ذَلِكَ الرَّجاءَ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَلى مَذْهَبِنا قَدْ لا يُرِيدُ ذَلِكَ الرَّجاءَ، فالجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ كَلِمَةُ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، والمَعْنى أنّا فَعَلْنا فِعْلًا يُشْبِهُ فِعْلَ مَن يَتَرَجّى ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ عابَ أهْلَ الكِتابِ عَلى شَيْئَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عابَهم عَلى الكُفْرِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠] ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عابَهم عَلى سَعْيِهِمْ في إلْقاءِ الغَيْرِ في الكُفْرِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٩] فَلَمّا انْتَقَلَ مِنهُ إلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ أمَرَهم أوَّلًا بِالتَّقْوى والإيمانِ، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ثُمَّ أمَرَهم بِالسَّعْيِ في إلْقاءِ الغَيْرِ في الإيمانِ والطّاعَةِ، فَقالَ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ وهَذا هو التَّرْتِيبُ الحَسَنُ المُوافِقُ لِلْعَقْلِ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (مِنكم) قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ (مِن) هاهُنا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ لِدَلِيلَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ عَلى كُلِّ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] والثّانِي: هو أنَّهُ لا مُكَلَّفَ إلّا ويَجِبُ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، إمّا بِيَدِهِ، أوْ بِلِسانِهِ، أوْ بِقَلْبِهِ، ويَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ كُونُوا أُمَّةً دُعاةً إلى الخَيْرِ آمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ ناهِينَ عَنِ المُنْكَرِ، وأمّا كَلِمَةُ (مِن) فَهي هُنا لِلتَّبْيِينِ لا لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] ويُقالُ أيْضًا: لِفُلانٍ مِن أوْلادِهِ جُنْدٌ ولِلْأمِيرِ مِن غِلْمانِهِ عَسْكَرٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ جَمِيعَ أوْلادِهِ وغِلْمانِهِ لا بَعْضَهم، كَذا هاهُنا، ثُمَّ قالُوا: إنَّ
صفحة ١٤٦
ذَلِكَ وإنْ كانَ واجِبًا عَلى الكُلِّ إلّا أنَّهُ مَتى قامَ بِهِ قَوْمٌ سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنِ الباقِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] فالأمْرُ عامٌّ، ثُمَّ إذا قامَتْ بِهِ طائِفَةٌ وقَعَتِ الكِفايَةُ وزالَ التَّكْلِيفُ عَنِ الباقِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ (مِن) هاهُنا لِلتَّبْعِيضِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا أيْضًا عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ فائِدَةَ كَلِمَةِ (مِن) هي أنَّ في القَوْمِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى الدَّعْوَةِ ولا عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مِثْلُ النِّساءِ والمَرْضى والعاجِزِينَ. والثّانِي: أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: الدَّعْوَةُ إلى الخَيْرِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى الخَيْرِ مَشْرُوطَةٌ بِالعِلْمِ بِالخَيْرِ وبِالمَعْرُوفِ وبِالمُنْكَرِ فَإنَّ الجاهِلَ رُبَّما عادَ إلى الباطِلِ وأمَرَ بِالمُنْكَرِ ونَهى عَنِ المَعْرُوفِ، ورُبَّما عَرَفَ الحُكْمَ في مَذْهَبِهِ وجَهِلَهُ في مَذْهَبِ صاحِبِهِ فَنَهاهُ عَنْ غَيْرِ مُنْكَرٍ، وقَدْ يُغْلِظُ في مَوْضِعِ اللِّينِ ويَلِينُ في مَوْضِعِ الغِلْظَةِ، ويُنْكِرُ عَلى مَن لا يَزِيدُهُ إنْكارُهُ إلّا تَمادِيًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ مُتَوَجِّهٌ عَلى العُلَماءِ، ولا شَكَّ أنَّهم بَعْضُ الأُمَّةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] . والثّانِي: أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى سَبِيلِ الكِفايَةِ بِمَعْنى أنَّهُ مَتى قامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المَعْنى لِيَقُمْ بِذَلِكَ بَعْضُكم، فَكانَ في الحَقِيقَةِ هَذا إيجابًا عَلى البَعْضِ لا عَلى الكُلِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وفِيهِ قَوْلٌ رابِعٌ: وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ: إنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم كانُوا يَتَعَلَّمُونَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُعَلِّمُونَ النّاسَ، والتَّأْوِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ كُونُوا أُمَّةً مُجْتَمِعِينَ عَلى حِفْظِ سُنَنِ الرَّسُولِ ﷺ وتَعَلُّمِ الدِّينِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى التَّكْلِيفِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ، أوَّلُها: الدَّعْوَةُ إلى الخَيْرِ ثُمَّ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، ثُمَّ النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، ولِأجْلِ العَطْفِ يَجِبُ كَوْنُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ مُتَغايِرَةً، فَنَقُولُ: أمّا الدَّعْوَةُ إلى الخَيْرِ فَأفْضَلُها الدَّعْوَةُ إلى إثْباتِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وتَقْدِيسِهِ عَنْ مُشابَهَةِ المُمْكِناتِ وإنَّما قُلْنا إنَّ الدَّعْوَةَ إلى الخَيْرِ تَشْتَمِلُ عَلى ما ذَكَرْنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الدَّعْوَةُ إلى الخَيْرِ جِنْسٌ تَحْتَهُ نَوْعانِ. أحَدُهُما: التَّرْغِيبُ في فِعْلِ ما يَنْبَغِي وهو بِالمَعْرُوفِ. والثّانِي: التَّرْغِيبُ في تَرْكِ ما لا يَنْبَغِي وهو النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، فَذَكَرَ الجِنْسَ أوَّلًا ثُمَّ أتْبَعَهُ بِنَوْعَيْهِ مُبالَغَةً في البَيانِ، وأمّا شَرائِطُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَمَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الكَلامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ الفاسِقَ لَيْسَ لَهُ أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، قالَ: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الآمِرَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهِيَ عَنِ المُنْكَرِ مِنَ المُفْلِحِينَ، والفاسِقُ لَيْسَ مِنَ المُفْلِحِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ لَيْسَ بِفاسِقٍ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ هَذا ورَدَ عَلى سَبِيلِ الغالِبِ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ إلّا بَعْدَ صَلاحِ أحْوالِ نَفْسِهِ، لِأنَّ العاقِلَ يُقَدِّمُ مُهِمَّ
صفحة ١٤٧
نَفْسِهِ عَلى مُهِمِّ الغَيْرِ، ثُمَّ إنَّهم أكَّدُوا هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] قَوْلُهُ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] ولِأنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ لِمَن يَزْنِي بِامْرَأةٍ أنْ يَأْمُرَها بِالمَعْرُوفِ في أنَّها لِمَ كَشَفَتْ وجْهَها ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ في غايَةِ القُبْحِ، والعُلَماءُ قالُوا: الفاسِقُ لَهُ أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ لِأنَّهُ وجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُ ذَلِكَ المُنْكَرِ ووَجَبَ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ المُنْكَرِ، فَبِأنَّ تَرْكَ أحَدِ الواجِبَيْنِ لا يُلْزِمُهُ تَرْكَ الواجِبِ الآخَرِ، وعَنِ السَّلَفِ: مُرُوا بِالخَيْرِ وإنْ لَمْ تَفْعَلُوا، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لا أقُولُ ما لا أفْعَلُ، فَقالَ: وأيُّنا يَفْعَلُ ما يَقُولُ ؟ ودَّ الشَّيْطانُ لَوْ ظَفِرَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ مِنكم فَلا يَأْمُرُ أحَدٌ بِمَعْرُوفٍ ولا يَنْهى عَنِ المُنْكَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ كانَ خَلِيفَةَ اللَّهِ في أرْضِهِ وخَلِيفَةَ رَسُولِهِ وخَلِيفَةَ كِتابِهِ» “ وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أفْضَلُ الجِهادِ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وقالَ أيْضًا: مَن لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفًا ولَمْ يُنْكِرْ مُنْكَرًا نُكِّسَ وجُعِلَ أعْلاهُ أسْفَلَهُ، ورَوى الحَسَنُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يا أيُّها النّاسُ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وانْتَهُوا عَنِ المُنْكَرِ تَعِيشُوا بِخَيْرٍ، وعَنِ الثَّوْرِيِّ: إذا كانَ الرَّجُلُ مُحَبَّبًا في جِيرانِهِ مَحْمُودًا عِنْدَ إخْوانِهِ فاعْلَمْ أنَّهُ مُداهِنٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ﴾ [الحجرات: ٩] قُدِّمَ الإصْلاحُ عَلى القِتالِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يُبْدَأ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِالأرْفَقِ مُتَرَقِّيًا إلى الأغْلَظِ فالأغْلَظِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إذا لَمْ يَتِمَّ الأمْرُ بِالتَّغْلِيظِ والتَّشْدِيدِ وجَبَ عَلَيْهِ القَهْرُ بِاليَدِ، فَإنْ عَجَزَ فَبِاللِّسانِ، فَإنْ عَجَزَ فَبِالقَلْبِ، وأحْوالُ النّاسِ مُخْتَلِفَةٌ في هَذا البابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في النَّظْمِ وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ بَيَّنَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ وصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ حَسَدُوا مُحَمَّدًا ﷺ واحْتالُوا في إلْقاءِ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ في تِلْكَ النُّصُوصِ الظّاهِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأنْ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن مِثْلِ فِعْلِ أهْلِ الكِتابِ، وهو إلْقاءُ الشُّبُهاتِ في هَذِهِ النُّصُوصِ واسْتِخْراجُ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ الرّافِعَةِ لِدَلالَةِ هَذِهِ النُّصُوصِ فَقالَ: ﴿ولا تَكُونُوا﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ عِنْدَ سَماعِ هَذِهِ البَيِّناتِ ﴿كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ﴾ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ تِلْكَ النُّصُوصُ الظّاهِرَةُ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ الآيَةُ مِن تَتِمَّةِ جُمْلَةِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ. والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ قادِرًا عَلى تَنْفِيذِ هَذا التَّكْلِيفِ عَلى الظَّلَمَةِ والمُتَغالِينَ، ولا تَحْصُلُ هَذِهِ القُدْرَةُ إلّا إذا حَصَلَتِ الأُلْفَةُ والمَحَبَّةُ بَيْنَ أهْلِ الحَقِّ والدِّينِ، لا جَرَمَ حَذَّرَهم تَعالى مِنَ الفُرْقَةِ والِاخْتِلافِ لِكَيْ لا يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعَجْزِهِمْ عَنِ القِيامِ بِهَذا التَّكْلِيفِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن تَتِمَّةِ الآيَةِ السّابِقَةِ فَقَطْ.
صفحة ١٤٨
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا بِسَبَبِ اتِّباعِ الهَوى وطاعَةِ النَّفْسِ والحَسَدِ، كَما أنَّ إبْلِيسَ تَرَكَ نَصَّ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ حَسَدِهِ لِآدَمَ. الثّانِي: تَفَرَّقُوا حَتّى صارَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم يُصَدِّقُ مِنَ الأنْبِياءِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَصارُوا بِذَلِكَ إلى العَداوَةِ والفُرْقَةِ. الثّالِثُ: صارُوا مِثْلَ مُبْتَدِعَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، مِثْلَ المُشَبِّهَةِ والقَدَرِيَّةِ والحَشْوِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم ﴿تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا﴾ مَعْناهُما واحِدٌ وذَكَرَهُما لِلتَّأْكِيدِ وقِيلَ: بَلْ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: تَفَرَّقُوا بِالعَداوَةِ واخْتَلَفُوا في الدِّينِ، وقِيلَ: تَفَرَّقُوا بِسَبَبِ اسْتِخْراجِ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ مِن تِلْكَ النُّصُوصِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بِأنْ حاوَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم نُصْرَةَ قَوْلِهِ ومَذْهَبِهِ. والثّالِثُ: تَفَرَّقُوا بِأبْدانِهِمْ بِأنْ صارَ كُلُّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ الأحْبارِ رَئِيسًا في بَلَدٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بِأنْ صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَدَّعِي أنَّهُ عَلى الحَقِّ وأنَّ صاحِبَهُ عَلى الباطِلِ، وأقُولُ: إنَّكَ إذا أنْصَفْتَ عَلِمْتَ أنَّ أكْثَرَ عُلَماءِ هَذا الزَّمانِ صارُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَنَسْألُ اللَّهَ العَفْوَ والرَّحْمَةَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما قالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ ولَمْ يَقُلْ (جاءَتْهم) لِجَوازِ حَذْفِ عَلامَةٍ مِنَ الفِعْلِ إذا كانَ فِعْلُ المُؤَنَّثِ مُتَقَدِّمًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ تَفَرَّقُوا لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ في الآخِرَةِ بِسَبَبِ تَفَرُّقِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ زَجْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَنِ التَّفَرُّقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ اليَهُودَ بِبَعْضِ الأشْياءِ ونَهاهم عَنْ بَعْضٍ، ثُمَّ أمَرَ المُسْلِمِينَ بِالبَعْضِ ونَهاهم عَنِ البَعْضِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أحْوالِ الآخِرَةِ، تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في نَصْبِ (يَوْمَ) وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، والتَّقْدِيرُ: ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ في هَذا اليَوْمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ فائِدَتانِ. إحْداهُما: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ في هَذا اليَوْمِ، والأُخْرى أنَّ مِن حُكْمِ هَذا اليَوْمِ أنْ تَبْيَضَّ فِيهِ وُجُوهٌ وتَسْوَدَّ وُجُوهٌ. والثّانِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ (اذْكُرْ) .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ لَها نَظائِرُ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في هَذا البَياضِ والسَّوادِ والغَبَرَةِ والقَتَرَةِ والنَّضْرَةِ لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ البَياضَ مَجازٌ عَنِ الفَرَحِ والسُّرُورِ، والسَّوادَ عَنِ الغَمِّ، وهَذا مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ، قالَ تَعالى: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] ويُقالُ: لِفُلانٍ عِنْدِي يَدٌ بَيْضاءُ، أيْ جَلِيَّةٌ سارَّةٌ، ولَمّا سَلَّمَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الأمْرَ لِمُعاوِيَةَ قالَ لَهُ بَعْضُهم: يا مُسَوِّدَ وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ. ولِبَعْضِهِمْ في الشَّيْبِ:
صفحة ١٤٩
يا بَياضَ القُرُونِ سَوَّدْتَ وجْهِي عِنْدَ بِيضِ الوُجُوهِ سُودِ القُرُونِ
فَلَعَمْرِي لَأُخْفِيَنَّكَ جَهْدِي ∗∗∗ عَنْ عِيانِي وعَنْ عِيانِ العُيُونِ
بِسَوادٍ فِيهِ بَياضٌ لِوَجْهِي ∗∗∗ وسَوادٌ لِوَجْهِكَ المَلْعُونِ
وتَقُولُ العَرَبُ لِمَن نالَ بُغْيَتَهُ وفازَ بِمَطْلُوبِهِ: ابْيَضَّ وجْهُهُ ومَعْناهُ الِاسْتِبْشارُ والتَّهَلُّلُ وعِنْدَ التَّهْنِئَةِ بِالسُّرُورِ يَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَيَّضَ وجْهَكَ، ويُقالُ لِمَن وصَلَ إلَيْهِ مَكْرُوهٌ: ارْبَدَّ وجْهُهُ واغْبَرَّ لَوْنُهُ وتَبَدَّلَتْ صُورَتُهُ، فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُؤْمِنَ يَرِدُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما قَدَّمَتْ يَداهُ فَإنْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الحَسَناتِ ابْيَضَّ وجْهُهُ بِمَعْنى اسْتَبْشَرَ بِنِعَمِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، وعَلى ضِدِّ ذَلِكَ إذا رَأى الكافِرُ أعْمالَهُ القَبِيحَةَ مُحْصاةً اسْوَدَّ وجْهُهُ بِمَعْنى شِدَّةِ الحُزْنِ والغَمِّ وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمِ الأصْفَهانِيِّ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَذا البَياضَ والسَّوادَ يَحْصُلانِ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِيهِما، ولا دَلِيلَ يُوجِبُ تَرْكَ الحَقِيقَةِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، قُلْتُ: ولِأبِي مُسْلِمٍ أنْ يَقُولَ: الدَّلِيلُ دَلَّ عَلى ما قُلْناهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] فَجَعَلَ الغَبَرَةَ والقَتَرَةَ في مُقابَلَةِ الضَّحِكِ والِاسْتِبْشارِ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِالغَبَرَةِ والقَتَرَةِ ما ذَكَرْنا مِنَ المَجازِ لَما صَحَّ جَعْلُهُ مُقابِلًا، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الغَبَرَةِ والقَتَرَةِ الغَمُّ والحُزْنُ حَتّى يَصِحَّ هَذا التَّقابُلُ، ثُمَّ قالَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ: الحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ إذا رَأوُا البَياضَ في وجْهِ إنْسانٍ عَرَفُوا أنَّهُ مِن أهْلِ الثَّوابِ فَزادُوا في تَعْظِيمِهِ فَيَحْصُلُ لَهُ الفَرَحُ بِذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ السَّعِيدَ يَفْرَحُ بِأنْ يُعْلِمَ قَوْمَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ السَّعادَةِ، قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْهم ﴿قالَ يالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧] . الثّانِي: أنَّهم إذا عَرَفُوا ذَلِكَ خَصُّوهُ بِمَزِيدِ التَّعْظِيمِ فَثَبَتَ أنَّ ظُهُورَ البَياضِ في وجْهِ المُكَلَّفِ سَبَبٌ لِمَزِيدِ سُرُورِهِ في الآخِرَةِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَكُونُ ظُهُورُ السَّوادِ في وجْهِ الكُفّارِ سَبَبًا لِمَزِيدِ غَمِّهِمْ في الآخِرَةِ، فَهَذا وجْهُ الحِكْمَةِ في الآخِرَةِ، وأمّا في الدُّنْيا فالمُكَلَّفُ حِينَ يَكُونُ في الدُّنْيا إذا عَرَفَ حُصُولَ هَذِهِ الحالَةِ في الآخِرَةِ صارَ ذَلِكَ مُرَغِّبًا لَهُ في الطّاعاتِ وتَرْكِ المُحَرَّماتِ لِكَيْ يَكُونَ في الآخِرَةِ مِن قَبِيلِ مَن يَبْيَضُّ وجْهُهُ لا مِن قَبِيلِ مَن يَسْوَدُّ وجْهُهُ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُكَلَّفَ إمّا مُؤْمِنٌ وإمّا كافِرٌ، وأنَّهُ لَيْسَ هاهُنا مَنزِلَةٌ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ كَما يَذْهَبُ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى قَسَمَ أهْلَ القِيامَةِ إلى قِسْمَيْنِ مِنهم مَن يَبْيَضُّ وجْهُهُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، ومِنهم مَن يَسْوَدُّ وجْهُهُ وهُمُ الكافِرُونَ ولَمْ يَذْكُرِ الثّالِثَ، فَلَوْ كانَ هاهُنا قِسْمٌ ثالِثٌ لَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى قالُوا: وهَذا أيْضًا مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٩] .
أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ عَدَمَ ذِكْرِ القِسْمِ الثّالِثِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى إنَّما قالَ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ فَذَكَرَهُما عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، وذَلِكَ لا يُفِيدُ العُمُومَ، وأيْضًا المَذْكُورُ في الآيَةِ المُؤْمِنُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ الإيمانِ ولا شُبْهَةَ أنَّ الكافِرَ الأصْلِيَّ مِن أهْلِ النّارِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، فَكَذا القَوْلُ في الفُسّاقِ.
صفحة ١٥٠
واعْلَمْ أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ هو أنّا نَقُولُ: الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ ما كانَتْ إلّا في التَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وفي الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ بِهِما ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أتْبَعَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَظاهِرُها يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ابْيِضاضُ الوَجْهِ نَصِيبًا لِمَن آمَنَ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، واسْوِدادُ الوَجْهِ يَكُونُ نَصِيبًا لِمَن أنْكَرَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَلَّ ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ صاحِبَ البَياضِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وصاحِبَ السَّوادِ مِن أهْلِ النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ نَفْيُ المَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، وأمّا قَوْلُهُ يُشْكِلُ هَذا بِالكافِرِ الأصْلِيِّ فَجَوابُنا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ كُلَّ أحَدٍ أسْلَمَ وقْتَ اسْتِخْراجِ الذُّرِّيَّةِ مِن صُلْبِ آدَمَ ؟ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الكُلُّ داخِلًا فِيهِ. والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَجَعَلَ مُوجِبَ العَذابِ هو الكُفْرُ مِن حَيْثُ إنَّهُ كُفْرٌ، لا الكُفْرُ مِن حَيْثُ إنَّهُ بَعْدَ الإيمانِ، وإذا وقَعَ التَّعْلِيلُ بِمُطْلَقِ الكُفْرِ دَخَلَ كُلُّ الكُفّارِ فِيهِ سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، أوْ كانَ كافِرًا أصْلِيًّا واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ القِسْمَيْنِ أوَّلًا فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ فَقَدَّمَ البَياضَ عَلى السَّوادِ في اللَّفْظِ، ثُمَّ لَمّا شَرَعَ في حُكْمِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ قَدَّمَ حُكْمَ السَّوادِ، وكانَ حَقُّ التَّرْتِيبِ أنْ يُقَدَّمَ حُكْمُ البَياضِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ المُطْلَقِ لا لِلتَّرْتِيبِ. وثانِيها: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الخَلْقِ إيصالُ الرَّحْمَةِ لا إيصالُ العَذابِ «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاكِيًا عَنْ رَبِّ العِزَّةِ سُبْحانَهُ: ”خَلَقْتُهم لِيَرْبَحُوا عَلَيَّ لا لِأرْبَحَ عَلَيْهِمْ“» وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو تَعالى ابْتَدَأ بِذِكْرِ أهْلِ الثَّوابِ وهم أهْلُ البَياضِ، لِأنَّ تَقْدِيمَ الأشْرَفِ عَلى الأخَسِّ في الذِّكْرِ أحْسَنُ، ثُمَّ خَتَمَ بِذِكْرِهِمْ أيْضًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إرادَةَ الرَّحْمَةِ أكْثَرُ مِن إرادَةِ الغَضَبِ كَما قالَ: ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ . وثالِثُها: أنَّ الفُصَحاءَ والشُّعَراءَ قالُوا: يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَطْلَعُ الكَلامِ ومَقْطَعُهُ شَيْئًا يُسِرُّ الطَّبْعَ ويَشْرَحُ الصَّدْرَ، ولا شَكَّ أنَّ ذِكْرَ رَحْمَةِ اللَّهِ هو الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ فَلا جَرَمَ وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ أهِلِ الثَّوابِ والِاخْتِتامِ بِذِكْرِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: أيْنَ جَوابُ (أما) ؟
والجَوابُ: هو مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم، وإنَّما حَسُنَ الحَذْفُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ ومِثْلُهُ في التَّنْزِيلِ كَثِيرٌ قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] وقالَ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البقرة: ١٢٧] وقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا﴾ [السجدة: ١٢] .
السُّؤالُ الثّالِثُ: مَنِ المُرادُ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ؟
والجَوابُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ أقْوالٌ. أحَدُها: قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: الكُلُّ آمَنُوا حالَ ما اسْتَخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكُلُّ مَن كَفَرَ في الدُّنْيا، فَقَدْ كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ، ورَواهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ بِإسْنادِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وثانِيها: أنَّ المُرادَ: أكَفَرْتُمْ بَعْدَ ما ظَهَرَ لَكم ما يُوجِبُ الإيمانَ وهو الدَّلائِلُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ، قَوْلُهُ تَعالى فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ﴾
صفحة ١٥١
﴿تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠] فَذَمَّهم عَلى الكُفْرِ بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ، وقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ .
ثُمَّ قالَ هاهُنا: ﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ فَكانَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى ما ذَكَرْناهُ حَتّى تَصِيرَ هَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةً لِما قَبْلَها، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ تَكُونُ الآيَةُ عامَّةً في حَقِّ كُلِّ الكُفّارِ، وأمّا الَّذِينَ خَصَّصُوا هَذِهِ الآيَةَ بِبَعْضِ الكُفّارِ فَلَهم وُجُوهٌ. الأوَّلُ: قالَ عِكْرِمَةُ والأصَمُّ والزَّجّاجُ: المُرادُ أهْلُ الكِتابِ فَإنَّهم قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ ﷺ كَفَرُوا بِهِ. الثّانِي: قالَ قَتادَةُ: المُرادُ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ الإيمانِ بِسَبَبِ الِارْتِدادِ. الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ الإيمانِ بِالنِّفاقِ. الرّابِعُ: قِيلَ هم أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. الخامِسُ: قِيلَ هُمُ الخَوارِجُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ فِيهِمْ: ”«إنَّهم يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» “ وهَذانَ الوَجْهانِ الأخِيرانِ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّهُما لا يَلِيقانِ بِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، ولِأنَّهُ تَخْصِيصٌ لِغَيْرِ دَلِيلٍ، ولِأنَّ الخُرُوجَ عَلى الإمامِ لا يُوجِبُ الكُفْرَ ألْبَتَّةَ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما الفائِدَةُ في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتُمْ﴾ ؟
الجَوابُ: هَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهو مُؤَكِّدٌ لِما ذُكِرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٨] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .
وفِيهِ فَوائِدُ. الأُولى: أنَّهُ لَوْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ لَكانَ الوَعِيدُ مُخْتَصًّا بِمَن كَفَرَ بَعْدَ إيمانِهِ، فَلَمّا ذُكِرَ هَذا ثَبَتَ الوَعِيدُ لِمَن كَفَرَ بَعْدَ إيمانِهِ ولِمَن كانَ كافِرًا أصْلِيًّا. الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي قَوْلُهُ: ﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ مِنهُ لا مِنَ اللَّهِ وكَذا قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ . الثّالِثَةُ: قالَتِ المُرْجِئَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ وقَعَ مُعَلَّلًا بِالكُفْرِ، وهَذا يَنْفِي حُصُولَ العَذابِ لِغَيْرِ الكافِرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما المُرادُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ ؟
الجَوابُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ الجَنَّةُ، وقالَ المُحَقِّقُونَ مِن أصْحابِنا: هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ العَبْدَ وإنْ كَثُرَتْ طاعَتُهُ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وكَيْفَ لا نَقُولُ ذَلِكَ والعَبْدُ ما دامَتْ داعِيَتُهُ إلى الفِعْلِ وإلى التَّرْكِ عَلى السَّوِيَّةِ يَمْتَنِعُ مِنهُ الفِعْلُ ؟ فَإذَنْ ما لَمْ يَحْصُلْ رُجْحانُ داعِيَةِ الطّاعَةِ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ الطّاعَةُ، وذَلِكَ الرُّجْحانُ لا يَكُونُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَإذَنْ صُدُورُ تِلْكَ الطّاعَةِ مِنَ العَبْدِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ في حَقِّ العَبْدِ فَكَيْفَ يَصِيرُ ذَلِكَ مُوجِبًا عَلى اللَّهِ شَيْئًا، فَثَبَتَ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ لا يَكُونُ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ وبِكَرَمِهِ لا بِاسْتِحْقاقِنا.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ؟
الجَوابُ: كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها ؟ فَقِيلَ: هم فِيها خالِدُونَ لا يَظْعَنُونَ عَنْها ولا يَمُوتُونَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: الكُفّارُ مُخَلَّدُونَ في النّارِ كَما أنَّ المُؤْمِنِينَ مُخَلَّدُونَ في الجَنَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَنُصَّ عَلى خُلُودِ أهْلِ النّارِ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ أنَّهُ نَصَّ عَلى خُلُودِ أهْلِ الجَنَّةِ فِيها فَما الفائِدَةُ ؟
صفحة ١٥٢
والجَوابُ: كُلُّ ذَلِكَ إشْعاراتٌ بِأنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ابْتَدَأ في الذِّكْرِ بِأهْلِ الرَّحْمَةِ وخَتَمَ بِأهْلِ الرَّحْمَةِ، ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ ما أضافَهُ إلى نَفْسِهِ، بَلْ قالَ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ الرَّحْمَةَ مُضافَةً إلى نَفْسِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ ما نَصَّ عَلى الخُلُودِ مَعَ أنَّهُ نَصَّ عَلى الخُلُودِ في جانِبِ الثَّوابِ، ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ عَلَّلَهُ بِفِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ الثَّوابَ عَلَّلَهُ بِرَحْمَتِهِ فَقالَ: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ وهَذا جارٍ مَجْرى الِاعْتِذارِ عَنِ الوَعِيدِ بِالعِقابِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُشْعِرُ بِأنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ مُغَلَّبٌ، يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ لا تَحْرِمْنا مِن بَرْدِ رَحْمَتِكَ ومِن كَرامَةِ غُفْرانِكَ وإحْسانِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ فَقَوْلُهُ: (تِلْكَ) فِيهِ وجْهانِ. الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْناها هي دَلائِلُ اللَّهِ، وإنَّما جازَ إقامَةُ (تِلْكَ) مَقامَ (هَذِهِ) لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ المَذْكُورَةَ قَدِ انْقَضَتْ بَعْدَ الذِّكْرِ، فَصارَ كَأنَّها بَعُدَتْ فَقِيلَ فِيها: (تِلْكَ) . والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِ كِتابًا مُشْتَمِلًا عَلى كُلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ في الدِّينِ، فَلَمّا أنْزَلَ هَذِهِ الآياتِ قالَ: تِلْكَ الآياتُ المَوْعُودَةُ هي الَّتِي نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ . وقَوْلُهُ: (بِالحَقِّ) فِيهِ وجْهانِ. الأوَّلُ: أيْ مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ والعَدْلِ مِن إجْزاءِ المُحْسِنِ والمُسِيءِ بِما يَسْتَوْجِبانِهِ. الثّانِي: بِالحَقِّ، أيْ بِالمَعْنى الحَقِّ، لِأنَّ مَعْنى التَّلْوِ حَقٌّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما حَسُنَ ذِكْرُ الظُّلْمِ هاهُنا لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ العُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ وهو سُبْحانَهُ وتَعالى أكْرَمُ الأكْرَمِينَ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَعْتَذِرُ عَنْ ذَلِكَ وقالَ: إنَّهم ما وقَعُوا فِيهِ إلّا بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ المُنْكَرَةِ فَإنَّ مَصالِحَ العالَمِ لا تَسْتَقِيمُ إلّا بِتَهْدِيدِ المُذْنِبِينَ، وإذا حَصَلَ هَذا التَّهْدِيدُ فَلا بُدَّ مِنَ التَّحْقِيقِ دَفْعًا لِلْكَذِبِ، فَصارَ هَذا الِاعْتِذارُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ، عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ غالِبٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ (عَمَّ) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ [النبأ: ٢٨] أيْ هَذا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ هَذِهِ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُرِيدُ شَيْئًا مِنَ القَبائِحِ لا مِن أفْعالِهِ ولا مِن أفْعالِ عِبادِهِ، ولا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وبَيانُهُ: وهو أنَّ الظُّلْمَ إمّا أنْ يُفْرَضَ صُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِنَ العَبْدِ، وبِتَقْدِيرِ صُدُورِهِ مِنَ العَبْدِ، فَإمّا أنْ يَظْلِمَ نَفْسَهُ وذَلِكَ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى المَعاصِي أوْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ، فَأقْسامُ الظُّلْمِ هي هَذِهِ الثَّلاثَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُرِيدَ شَيْئًا مِمّا يَكُونُ ظُلْمًا، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ صادِرًا عَنْهُ أوْ صادِرًا عَنْ غَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ فاعِلًا لِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ فاعِلًا لِلظُّلْمِ أصْلًا ويَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ فاعِلًا لِأعْمالِ العِبادِ، لِأنَّ مِن جُمْلَةِ أعْمالِهِمْ ظُلْمُهم لِأنْفُسِهِمْ وظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى غَيْرَ فاعِلٍ لِلظُّلْمِ ألْبَتَّةَ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُرِيدٍ لِشَيْءٍ مِنها، ولَوْ كانَ فاعِلًا لِشَيْءٍ مِن أقْسامِ الظُّلْمِ لَكانَ مُرِيدًا لَها، وقَدْ بَطَلَ ذَلِكَ، قالُوا: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ فاعِلٍ لِلظُّلْمِ، وغَيْرُ فاعِلٍ لِأعْمالِ العِبادِ، وغَيْرُ مُرِيدٍ لِلْقَبائِحِ مِن أفْعالِ العِبادِ، ثُمَّ قالُوا: إنَّهُ
صفحة ١٥٣
تَعالى تَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا يُرِيدُ ذَلِكَ، والتَّمَدُّحُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ صَحَّ مِنهُ فِعْلُ ذَلِكَ الشَّيْءِ وصَحَّ مِنهُ كَوْنُهُ مُرِيدًا لَهُ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى الظُّلْمِ وعِنْدَ هَذا تَبَجَّحُوا وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ الواحِدَةُ وافِيَةٌ بِتَقْرِيرِ جَمِيعِ أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ في مَسائِلِ العَدْلِ، ثُمَّ قالُوا: ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ ولا يَفْعَلُ الظُّلْمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ ما تَقَدَّمَ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ والقَبائِحَ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ فاعِلَ القَبِيحِ إنَّما يَفْعَلُ القَبِيحَ إمّا لِلْجَهْلِ، أوِ العَجْزِ، أوِ الحاجَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ لِأنَّهُ مالِكٌ لِكُلِّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وهَذِهِ المالِكِيَّةُ تُنافِي الجَهْلَ والعَجْزَ والحاجَةَ، وإذا امْتَنَعَ ثُبُوتُ هَذِهِ الصِّفاتِ في حَقِّهِ تَعالى امْتَنَعَ كَوْنُهُ فاعِلًا لِلْقَبِيحِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنّا نُشاهِدُ وُجُودَ الظُّلْمِ في العالَمِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ وُقُوعُهُ بِإرادَتِهِ كانَ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ ضَعِيفًا عاجِزًا مَغْلُوبًا وذَلِكَ مُحالٌ.
فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ الظَّلَمَةَ مِنَ الظُّلْمِ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ والقَهْرِ، ولَمّا كانَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ عاجِزًا ضَعِيفًا لا أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهم تَرْكَ المَعْصِيَةِ اخْتِيارًا وطَوْعًا لِيَصِيرُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ مُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوابِ فَلَوْ قَهَرَهم عَلى تَرْكِ المَعْصِيَةِ لَبَطَلَتْ هَذِهِ الفائِدَةُ، فَهَذا تَلْخِيصُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ورُبَّما أوْرَدُوا هَذا الكَلامَ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ هو لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَهم أوْ أنَّهُ لا يُرِيدُ مِنهم أنْ يَظْلِمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهَذا لا يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِكم، لِأنَّ مَذْهَبَكم أنَّهُ تَعالى لَوْ عَذَّبَ البَرِيءَ عَنِ الذَّنْبِ بِأشَدِّ العَذابِ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا بَلْ كانَ عادِلًا، لَأنَّ الظُّلْمَ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ الغَيْرِ، وهو تَعالى إنَّما يَتَصَرَّفُ في مِلْكِ نَفْسِهِ فاسْتَحالَ كَوْنُهُ ظالِمًا وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ الخَلْقَ، وإنْ حَمَلْتُمُ الآيَةَ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ بَعْضُ العِبادِ بَعْضًا، فَهَذا أيْضًا لا يَتِمُّ عَلى قَوْلِكم لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِإرادَةِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ عَلى قَوْلِكم، فَثَبَتَ أنَّ عَلى مَذْهَبِكم لا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى وجْهٍ صَحِيحٍ. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ أحَدًا مِن عِبادِهِ ؟ قَوْلُهُ الظُّلْمُ مِنهُ مُحالٌ عَلى مَذْهَبِكم فامْتَنَعَ التَّمَدُّحُ بِهِ قُلْنا: الكَلامُ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وبِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ صِحَّةُ النَّوْمِ والأكْلِ عَلَيْهِ فَكَذا هاهُنا. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنْ عَذَّبَ مَن لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ فَهو وإنْ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ في صُوَرِ الظُّلْمِ، وقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ أحَدِ المُتَشابِهَيْنِ عَلى الآخَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ هَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المُناظَرَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى كَوْنِهِ خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، فَقالُوا لا شَكَّ أنَّ أفْعالَ العِبادِ مِن جُمْلَةِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَوَجَبَ كَوْنُها لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وإنَّما يَصِحُّ قَوْلُنا: إنَّها لَهُ لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لَهُ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ خالِقٌ لِأفْعالِ العِبادِ.
أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: (لِلَّهِ) إضافَةُ مِلْكٍ لا إضافَةُ فِعْلٍ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: هَذا البِناءُ لِفُلانٍ
صفحة ١٥٤
فَيُرِيدُونَ أنَّهُ مَمْلُوكُهُ لا أنَّهُ مَفْعُولُهُ، وأيْضًا المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَعْظِيمُ اللَّهِ لِنَفْسِهِ ومَدْحُهُ لِإلَهِيَّةِ نَفْسِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَمَدَّحَ بِأنْ يَنْسِبَ إلى نَفْسِهِ الفَواحِشَ والقَبائِحَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إنَّما يَتَناوَلُ ما كانَ مَظْرُوفًا في السَّماواتِ والأرْضِ وذَلِكَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ لا مِن صِفاتِ الأفْعالِ الَّتِي هي أعْراضٌ.
أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ هَذِهِ الإضافَةَ إضافَةُ الفِعْلِ بِدَلِيلِ أنَّ القادِرَ عَلى القَبِيحِ والحَسَنِ لا يُرَجِّحُ الحَسَنَ عَلى القَبِيحِ إلّا إذا حَصَلَ في قَلْبِهِ ما يَدْعُوهُ إلى فِعْلِ الحَسَنِ، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ حاصِلَةٌ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وإذا كانَ المُؤَثِّرُ في حُصُولِ فِعْلِ العَبْدِ هو مَجْمُوعُ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ، وثَبَتَ أنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى ثَبَتَ أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مُسْتَنِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى خَلْقًا وتَكْوِينًا بِواسِطَةِ فِعْلِ السَّبَبِ، فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذِهِ المُناظَرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ زَعَمَتِ الفَلاسِفَةُ أنَّهُ إنَّما قُدِّمَ ذِكْرُ ما في السَّماواتِ عَلى ذِكْرِ ما في الأرْضِ لِأنَّ الأحْوالَ السَّماوِيَّةَ أسْبابٌ لِلْأحْوالِ الأرْضِيَّةِ، فَقُدِّمَ السَّبَبُ عَلى المُسَبَّبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأحْوالِ الأرْضِيَّةِ مُسْتَنِدَةٌ إلى الأحْوالِ السَّماوِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ الأحْوالَ السَّماوِيَّةَ مُسْتَنِدَةٌ إلى خَلْقِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ فَيَكُونُ الجَبْرُ لازِمًا أيْضًا مِن هَذا الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فَأعادَ ذِكْرَ اللَّهِ في أوَّلِ الآيَتَيْنِ والغَرَضُ مِنهُ تَأْكِيدُ التَّعْظِيمِ، والمَقْصُودُ أنَّ مِنهُ مَبْدَأ المَخْلُوقاتِ وإلَيْهِ مَعادَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الأوَّلُ وقَوْلُهُ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو الآخِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إحاطَةِ حُكْمِهِ وتَصَرُّفِهِ وتَدْبِيرِهِ بِأوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، وأنَّ الأسْبابَ مُنْتَسِبَةٌ إلَيْهِ وأنَّ الحاجاتِ مُنْقَطِعَةٌ عِنْدَهُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَلِمَةُ (إلى) في قَوْلِهِ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ لا تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى في مَكانِ وُجْهَةٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ رُجُوعَ الخَلْقِ إلى مَوْضِعٍ لا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُ أحَدٍ إلّا حُكْمُهُ ولا يَجْرِي فِيهِ قَضاءُ أحَدٍ إلّا قَضاؤُهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾.
صفحة ١٥٥
فِي النَّظْمِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِبَعْضِ الأشْياءِ ونَهاهم عَنْ بَعْضِها وحَذَّرَهم مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَ أهْلِ الكِتابِ في التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ، وذَكَرَ عَقِيبَهُ ثَوابَ المُطِيعِينَ وعِقابَ الكافِرِينَ، كانَ الغَرَضُ مِن كُلِّ هَذِهِ الآياتِ حَمْلَ المُؤْمِنِينَ المُكَلَّفِينَ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ ومَنعَهم عَنِ التَّمَرُّدِ والمَعْصِيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ آخَرَ يَقْتَضِي حَمْلَ المُؤْمِنِينَ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ فَقالَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ والمَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ خَيْرَ الأُمَمِ وأفْضَلَهم، فاللّائِقُ بِهَذا أنْ لا تُبْطِلُوا عَلى أنْفُسِكم هَذِهِ الفَضِيلَةَ، وأنْ لا تُزِيلُوا عَنْ أنْفُسِكم هَذِهِ الخَصْلَةَ المَحْمُودَةَ، وأنْ تَكُونُوا مُنْقادِينَ مُطِيعِينَ في كُلِّ ما يَتَوَجَّهُ عَلَيْكم مِنَ التَّكالِيفِ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَمالَ حالِ الأشْقِياءِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وكَمالَ حالِ السُّعَداءِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ نَبَّهَ عَلى ما هو السَّبَبُ لِوَعِيدِ الأشْقِياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ يَعْنِي أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ بِأفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، ثُمَّ نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما هو السَّبَبُ لِوَعْدِ السُّعَداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ أيْ تِلْكَ السَّعاداتُ والكَمالاتُ والكَراماتُ إنَّما فازُوا بِها في الآخِرَةِ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظَةُ (كانَ) قَدْ تَكُونُ تامَّةً وناقِصَةً وزائِدَةً عَلى ما هو مَشْرُوحٌ في النَّحْوِ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: (كُنْتُمْ) عَلى وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ (كانَ) هاهُنا تامَّةٌ بِمَعْنى الوُقُوعِ والحُدُوثِ وهو لا يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ، والمَعْنى: حَدَثْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ووُجِدْتُمْ وخُلِقْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ بِمَعْنى الحالِ وهَذا قَوْلُ جَمْعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. الثّانِي: أنَّ (كانَ) هاهُنا ناقِصَةٌ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ هَذا يُوهِمُ أنَّهم كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وأنَّهم ما بَقُوا الآنَ عَلَيْها.
والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ قَوْلَهُ (كانَ) عِبارَةٌ عَنْ وُجُودِ الشَّيْءِ في زَمانٍ ماضٍ عَلى سَبِيلِ الإبْهامِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى انْقِطاعٍ طارِئٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أقْوالٌ. أحَدُها: كُنْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ خَيْرَ أُمَّةٍ. وثانِيها: كُنْتُمْ في الأُمَمِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَكم مَذْكُورِينَ بِأنَّكم خَيْرُ أُمَّةٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ [الفتح: ٢٩] فَشِدَّتُهم عَلى الكُفّارِ أمْرُهم بِالمَعْرُوفِ ونَهْيُهم عَنِ المُنْكَرِ. وثالِثُها: كُنْتُمْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَوْصُوفِينَ بِأنَّكم خَيْرُ أُمَّةٍ. ورابِعُها: كُنْتُمْ مُنْذُ آمَنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ. وخامِسُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ يُقالُ لَهم عِنْدَ الخُلُودِ في الجَنَّةِ: كُنْتُمْ في دُنْياكم خَيْرَ أُمَّةٍ فاسْتَحَقَّيْتُمْ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الرَّحْمَةِ وبَياضِ الوَجْهِ بِسَبَبِهِ، ويَكُونُ ما عُرِضَ بَيْنَ أوَّلِ القِصَّةِ وآخِرِها كَما لا يَزالُ يُعْرَضُ في القُرْآنِ مِن مِثْلِهِ. وسادِسُها: قالَ بَعْضُهم: لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَقالَ (أنْتُمْ) وكانَ هَذا التَّشْرِيفُ حاصِلًا لِكُلِّنا ولَكِنَّ قَوْلَهُ: (كُنْتُمْ) مَخْصُوصٌ بِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ مِن أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ وهُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ، ومَن صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعُوا. وسابِعُها: كُنْتُمْ مُذْ آمَنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُذْ كانُوا.
الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: أنْ يُقالَ (كانَ) هاهُنا زائِدَةٌ، وقالَ بَعْضُهم قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ هو كَقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] وإضْمارُ كانَ وإظْهارُها سَواءٌ إلّا أنَّها تُذْكَرُ لِلتَّأْكِيدِ ووُقُوعِ الأمْرِ لا مَحالَةَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا القَوْلُ ظاهِرُ
صفحة ١٥٦
الِاخْتِلالِ، لِأنَّ (كانَ) تُلْغى مُتَوَسِّطَةً ومُؤَخَّرَةً، ولا تُلْغى مُتَقَدِّمَةً، تَقُولُ العَرَبُ: عَبْدُ اللَّهِ كانَ قائِمٌ، وعَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ كانَ عَلى أنَّ كانَ مُلْغاةٌ، ولا يَقُولُونَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ عَلى إلْغائِها، لِأنَّ سَبِيلَهم أنْ يَبْدَءُوا بِما تَنْصَرِفُ العِنايَةُ إلَيْهِ، والمُلْغى لا يَكُونُ في مَحَلِّ العِنايَةِ، وأيْضًا لا يَجُوزُ إلْغاءُ الكَوْنِ في الآيَةِ لِانْتِصابِ خَبَرِهِ، وإذا عَمِلَ الكَوْنُ في الخَبَرِ فَنَصَبَهُ لَمْ يَكُنْ مُلْغًى.
الِاحْتِمالُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ (كانَ) بِمَعْنى صارَ، فَقَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ مَعْناهُ صِرْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، أيْ صِرْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ بِسَبَبِ كَوْنِكم آمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ وناهِينَ عَنِ المُنْكَرِ ومُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ يَعْنِي كَما أنَّكُمُ اكْتَسَبْتُمْ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ بِسَبَبِ هَذِهِ الخِصالِ، فَأهْلُ الكِتابِ لَوْ آمَنُوا لَحَصَلَتْ لَهم أيْضًا صِفَةُ الخَيْرِيَّةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩] ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ أفْضَلَ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ مِن قَوْمِ مُوسى، وإذا كانَ هَؤُلاءِ أفْضَلَ مِنهم وجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأُمَّةُ لا تَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ إذْ لَوْ جازَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَحْكُمَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ لامْتَنَعَ كَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ أفْضَلَ مِنَ الأُمَّةِ الَّتِي تُهْدِي بِالحَقِّ، لِأنَّ المُبْطِلَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنَ المُحِقِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لا تَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ إجْماعُهم حُجَّةً.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو (أنَّ الألِفَ واللّامَ) في لَفْظِ (المَعْرُوفِ) ولَفْظِ (المُنْكَرِ) يُفِيدانِ الِاسْتِغْراقَ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهم آمِرِينَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ، وناهِينَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ ومَتى كانُوا كَذَلِكَ كانَ إجْماعُهم حَقًّا وصِدْقًا لا مَحالَةَ فَكانَ حُجَّةً، والمَباحِثُ الكَثِيرَةُ فِيهِ ذَكَرْناها في الأُصُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ظاهِرُ الخِطابِ فِيهِ مَعَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَكِنَّهُ عامٌّ في كُلِّ الأُمَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ خِطابٌ مَعَ الحاضِرِينَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، ولَكِنَّهُ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ كَذا هاهُنا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أصْلُ الأُمَّةِ الطّائِفَةُ المُجْتَمِعَةُ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ فَأُمَّةُ نَبِيِّنا ﷺ هُمُ الجَماعَةُ المَوْصُوفُونَ بِالإيمانِ بِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّتِهِ، وقَدْ يُقالُ لِكُلِّ مَن جَمَعَتْهم دَعْوَتُهُ أنَّهم أُمَّتُهُ إلّا أنَّ لَفْظَ الأُمَّةِ إذا أُطْلِقَتْ وحْدَها وقَعَ عَلى الأوَّلِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا قِيلَ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى كَذا فُهِمَ مِنهُ الأوَّلُ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلى ضَلالَةٍ» “ ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ ”أُمَّتِي أُمَّتِي“» فَلَفْظُ الأُمَّةِ في هَذِهِ المَواضِعِ وأشْباهِها يُفْهَمُ مِنهُ المُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ، فَأمّا أهْلُ دَعْوَتِهِ فَإنَّهُ إنَّما يُقالُ لَهم: إنَّهم أُمَّةُ الدَّعْوَةِ، ولا يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ إلّا لَفْظُ الأُمَّةِ بِهَذا الشَّرْطِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى كُنْتُمْ خَيْرَ الأُمَمِ المُخْرَجَةِ لِلنّاسِ في جَمِيعِ الأعْصارِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ أيْ أُظْهِرَتْ لِلنّاسِ حَتّى تَمَيَّزَتْ وعُرِفَتْ وفُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (لِلنّاسِ) مِن تَمامِ قَوْلِهِ: (كُنْتُمْ) والتَّقْدِيرُ: كُنْتُمْ لِلنّاسِ خَيْرَ أُمَّةٍ، ومِنهم مَن قالَ:
صفحة ١٥٧
﴿أُخْرِجَتْ﴾ صِلَةٌ، والتَّقْدِيرُ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ لِلنّاسِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ عِلَّةِ تِلْكَ الخَيْرِيَّةِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ كَرِيمٌ يُطْعِمُ النّاسَ ويَكْسُوهم ويَقُومُ بِما يُصْلِحُهم، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ مَقْرُونًا بِالوَصْفِ المُناسِبِ لَهُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَهاهُنا حَكَمَ تَعالى بِثُبُوتِ وصْفِ الخَيْرِيَّةِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ هَذا الحُكْمَ وهَذِهِ الطّاعاتِ، أعْنِي الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ والإيمانَ، فَوَجَبَ كَوْنُ تِلْكَ الخَيْرِيَّةِ مُعَلَّلَةً بِهَذِهِ العِباداتِ.
وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: مِن أيِّ وجْهٍ يَقْتَضِي الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ والإيمانُ بِاللَّهِ كَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ خَيْرَ الأُمَمِ مَعَ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ كانَتْ حاصِلَةً في سائِرِ الأُمَمِ ؟
والجَوابُ: قالَ القَفّالُ: تَفْضِيلُهم عَلى الأُمَمِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ أنَّهم يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ بِآكَدِ الوُجُوهِ وهو القِتالُ لِأنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ قَدْ يَكُونُ بِالقَلْبِ وبِاللِّسانِ وبِاليَدِ، وأقْواها ما يَكُونُ بِالقِتالِ، لِأنَّهُ إلْقاءُ النَّفْسِ في خَطَرِ القَتْلِ. وأعْرَفُ المَعْرُوفاتِ الدِّينُ الحَقُّ والإيمانُ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأنْكَرُ المُنْكَراتِ: الكُفْرُ بِاللَّهِ، فَكانَ الجِهادُ في الدِّينِ مَحْمَلًا لِأعْظَمِ المَضارِّ لِغَرَضِ إيصالِ الغَيْرِ إلى أعْظَمِ المَنافِعِ، وتَخْلِيصِهِ مِن أعْظَمِ المَضارِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الجِهادُ أعْظَمَ العِباداتِ، ولَمّا كانَ أمْرُ الجِهادِ في شَرْعِنا أقْوى مِنهُ في سائِرِ الشَّرائِعِ، لا جَرَمَ صارَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِفَضْلِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ تَأْمُرُونَهم أنْ يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويُقِرُّوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وتُقاتِلُونَهم عَلَيْهِ، و”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ أعْظَمُ المَعْرُوفِ، والتَّكْذِيبُ هو أنْكَرُ المُنْكَرِ.
ثُمَّ قالَ القَفّالُ: فائِدَةُ القِتالِ عَلى الدِّينِ لا يُنْكِرُهُ مُنْصِفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ يُحِبُّونَ أدْيانَهم بِسَبَبِ الأُلْفِ والعادَةِ، ولا يَتَأمَّلُونَ في الدَّلائِلِ الَّتِي تُورَدُ عَلَيْهِمْ فَإذا أُكْرِهَ عَلى الدُّخُولِ في الدِّينِ بِالتَّخْوِيفِ بِالقَتْلِ دَخَلَ فِيهِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَضْعُفُ ما في قَلْبِهِ مِن حُبِّ الدِّينِ الباطِلِ، ولا يَزالُ يَقْوى في قَلْبِهِ حُبُّ الدِّينِ الحَقِّ إلى أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الباطِلِ إلى الحَقِّ، ومِنَ اسْتِحْقاقِ العَذابِ الدّائِمِ إلى اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ الدّائِمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قُدِّمَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ في الذِّكْرِ مَعَ أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى كُلِّ الطّاعاتِ ؟
والجَوابُ: أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ المُحِقَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى فَضَّلَ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلى سائِرِ الأُمَمِ المُحِقَّةِ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ في حُصُولِ هَذِهِ الخَيْرِيَّةِ هو الإيمانُ الَّذِي هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الكُلِّ، بَلِ المُؤَثِّرُ في حُصُولِ هَذِهِ الزِّيادَةِ هو كَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ أقْوى حالًا في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مِن سائِرِ الأُمَمِ، فَإذَنِ المُؤَثِّرُ في حُصُولِ هَذِهِ الخَيْرِيَّةِ هو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وأمّا الإيمانُ بِاللَّهِ فَهو شَرْطٌ لِتَأْثِيرِ هَذا المُؤَثِّرِ في هَذا الحُكْمِ لِأنَّهُ ما لَمْ يُوجَدِ الإيمانُ لَمْ يَصِرْ شَيْءٌ مِنَ الطّاعاتِ مُؤَثِّرًا في
صفحة ١٥٨
صِفَةِ الخَيْرِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُوجِبَ لِهَذِهِ الخَيْرِيَّةِ هو كَوْنُهم آمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ ناهِينَ عَنِ المُنْكَرِ وأمّا إيمانُهم فَذاكَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ، والمُؤَثِّرُ ألْصَقُ بِالأثَرِ مِن شَرْطِ التَّأْثِيرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ اكْتَفى بِذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ ولَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ بِالنُّبُوَّةِ مَعَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ ؟
والجَوابُ: الإيمانُ بِاللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِالنُّبُوَّةِ، لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَصَلَ الإيمانُ بِكَوْنِهِ صادِقًا، والإيمانُ بِكَوْنِهِ صادِقًا لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَ الَّذِي أظْهَرَ المُعْجِزَ عَلى وفْقِ دَعْواهُ صادِقًا لِأنَّ المُعْجِزَ قائِمٌ مَقامَ التَّصْدِيقِ بِالقَوْلِ، فَلَمّا شاهَدْنا ظُهُورَ المُعْجِزِ عَلى وفْقِ دَعْوى مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ مِن ضَرُورَةِ الإيمانِ بِاللَّهِ الإيمانُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكانَ الِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَنْبِيهًا عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ. الأوَّلُ: ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ بِهَذا الدِّينِ الَّذِي لِأجْلِهِ حَصَلَتْ صِفَةُ الخَيْرِيَّةِ لِأتْباعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَحَصَلَتْ هَذِهِ الخَيْرِيَّةُ أيْضًا لَهم، فالمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَرْغِيبُ أهْلِ الكِتابِ في هَذا الدِّينِ. الثّانِي: أنَّ أهْلَ الكِتابِ إنَّما آثَرُوا دِينَهم عَلى دِينِ الإسْلامِ حُبًّا لِلرِّياسَةِ واسْتِتْباعِ العُلُومِ ولَوْ آمَنُوا لَحَصَلَتْ لَهم هَذِهِ الرِّياسَةُ في الدُّنْيا مَعَ الثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، فَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهم مِمّا قَنِعُوا بِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أتْبَعَ هَذا الكَلامَ بِجُمْلَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ مِن غَيْرِ عاطِفٍ، إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ . وثانِيَتُهُما: قَوْلُهُ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هُما كَلامانِ وارِدانِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ إجْراءِ ذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: وعَلى ذِكْرِ فُلانٍ فَإنَّ مِن شَأْنِهِ كَيْتُ وكَيْتُ، ولِذَلِكَ جاءَ (آمَنَ) غَيْرَ عاطِفٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الألِفُ واللّامُ في قَوْلِهِ: (المُؤْمِنُونَ) لِلِاسْتِغْراقِ أوْ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ ؟
والجَوابُ: بَلْ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، والمُرادُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ورَهْطُهُ مِنَ اليَهُودِ، والنَّجاشِيُّ ورَهْطُهُ مِنَ النَّصارى.
السُّؤالُ الثّانِي: الوَصْفُ إنَّما يُذْكَرُ لِلْمُبالَغَةِ فَأيُّ مُبالَغَةٍ تَحْصُلُ في وصْفِ الكافِرِ بِأنَّهُ فاسِقٌ ؟
والجَوابُ: الكافِرُ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ وقَدْ يَكُونُ فاسِقًا في دِينِهِ فَيَكُونُ مَرْدُودًا عِنْدَ الطَّوائِفِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَقْبَلُونَهُ لِكُفْرِهِ، والكُفّارُ لا يَقْبَلُونَهُ لِكَوْنِهِ فاسِقًا فِيما بَيْنَهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْلُ الكِتابِ فَرِيقانِ: مِنهم مَن آمَنَ، والَّذِينَ ما آمَنُوا فَهم فاسِقُونَ في أدْيانِهِمْ، فَلَيْسُوا مِمَّنْ يَجِبُ الِاقْتِداءُ بِهِمُ البَتَّةَ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في التَّصَلُّبِ في إيمانِهِمْ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى أقْوالِ الكُفّارِ وأفْعالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ رَغَّبَهم فِيهِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ إلّا بِالقَلِيلِ مِنَ القَوْلِ الَّذِي لا عِبْرَةَ بِهِ، ولَوْ أنَّهم قاتَلُوا المُسْلِمِينَ صارُوا مُنْهَزِمِينَ مَخْذُولِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ الِالتِفاتُ إلى أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن
صفحة ١٥٩
قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ فَمَعْناهُ: أنَّهُ لَيْسَ عَلى المُسْلِمِينَ مِن كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ ضَرَرٌ وإنَّما مُنْتَهى أمْرِهِمْ أنْ يُؤْذُوكم بِاللِّسانِ، إمّا بِالطَّعْنِ في مُحَمَّدٍ وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإمّا بِإظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] و﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] و﴿اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وإمّا بِتَحْرِيفِ نُصُوصِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وإمّا بِإلْقاءِ الشُّبَهِ في الأسْماعِ، وإمّا بِتَخْوِيفِ الضَّعَفَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا أذًى﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ كُلَّ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ يُوجِبُ وُقُوعَ الغَمِّ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، والغَمُّ ضَرَرٌ، فالتَّقْدِيرُ لا يَضُرُّوكم إلّا الضَّرَرَ الَّذِي هو الأذى، فَهو اسْتِثْناءٌ صَحِيحٌ، والمَعْنى لَنْ يَضُرُّوكم إلّا ضَرَرًا يَسِيرًا، والأذى وقَعَ مَوْقِعَ الضَّرَرِ، والأذى مَصْدَرُ أذَيْتُ الشَّيْءَ أذًى.
آل عمران 3:111
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ وهو إخْبارٌ بِأنَّهم لَوْ قاتَلُوا المُسْلِمِينَ لَصارُوا مُنْهَزِمِينَ مَخْذُولِينَ ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ أنَّهم بَعْدَ صَيْرُورَتِهِمْ مُنْهَزِمِينَ لا يَحْصُلُ لَهم شَوْكَةٌ ولا قُوَّةٌ ألْبَتَّةَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [ القَمَرِ: ٤٤] وكُلُّ ذَلِكَ وعْدٌ بِالفَتْحِ والنُّصْرَةِ والظَّفَرِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى الإخْبارِ عَنْ غُيُوبٍ كَثِيرَةٍ، مِنها أنَّ المُؤْمِنِينَ آمِنُونَ مِن ضَرَرِهِمْ، ومِنها أنَّهم لَوْ قاتَلُوا المُؤْمِنِينَ لانْهَزَمُوا، ومِنها أنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهم قُوَّةٌ وشَوْكَةٌ بَعْدَ الِانْهِزامِ وكُلُّ هَذِهِ الأخْبارِ وقَعَتْ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْها، فَإنَّ اليَهُودَ لَمْ يُقاتِلُوا إلّا انْهَزَمُوا، وما أقْدَمُوا عَلى مُحارَبَةٍ وطَلَبِ رِياسَةٍ إلّا خُذِلُوا، وكُلُّ ذَلِكَ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَبْ أنَّ اليَهُودَ كَذَلِكَ، لَكِنَّ النَّصارى لَيْسُوا كَذَلِكَ فَهَذا يَقْدَحُ في صِحَّةِ هَذِهِ الآياتِ. قُلْنا: هَذِهِ الآياتُ مَخْصُوصَةٌ بِاليَهُودِ، وأسْبابُ النُّزُولِ عَلى ذَلِكَ فَزالَ هَذا الإشْكالُ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا جُزِمَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ .
قُلْنا: عَدَلَ بِهِ عَنْ حُكْمِ الجَزاءِ إلى حُكْمِ الإخْبارِ ابْتِداءً كَأنَّهُ قِيلَ: أُخْبِرُكم أنَّهم لا يُنْصَرُونَ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ لَوْ جُزِمَ لَكانَ نَفْيُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِمُقاتَلَتِهِمْ كَتَوْلِيَةِ الأدْبارِ، وحِينَ رُفِعَ كانَ نَفْيُ النَّصْرِ وعْدًا مُطْلَقًا كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ شَأْنُهم وقِصَّتُهُمُ الَّتِي أُخْبِرُكم عَنْها وأُبَشِّرُكم بِها بَعْدَ التَّوْلِيَةِ أنَّهم لا يَجِدُونَ النُّصْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ قَطُّ بَلْ يَبْقَوْنَ في الذِّلَّةِ والمَهانَةِ أبَدًا دائِمًا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ؟
الجَوابُ: هو جُمْلَةُ الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُخْبِرُكم أنَّهم إنْ يُقاتِلُوكم يَنْهَزِمُوا، ثُمَّ أُخْبِرُكم أنَّهم لا يُنْصَرُونَ وإنَّما ذُكِرَ لَفْظُ (ثُمَّ) لِإفادَةِ مَعْنى التَّراخِي في المَرْتَبَةِ، لِأنَّ الإخْبارَ بِتَسْلِيطِ الخِذْلانِ عَلَيْهِمْ أعْظَمُ مِنَ الإخْبارِ بِتَوْلِيَتِهِمُ الأدْبارَ.
آل عمران 3:112
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم إنْ قاتَلُوا رَجَعُوا مَخْذُولِينَ غَيْرَ مَنصُورِينَ ذَكَرَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ قَدْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَعْنى جُعِلَتِ الذِّلَّةُ مُلْصَقَةً بِهِمْ كالشَّيْءِ يُضْرَبُ عَلى الشَّيْءِ فَيَلْصِقُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ما هَذا عَلَيَّ بِضَرْبَةِ لازِبٍ، ومِنهُ تَسْمِيَةُ الخَراجِ ضَرِيبَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الذِّلَّةُ هي الذُّلُّ، وفي المُرادِ بِهَذا الذُّلِّ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: وهو الأقْوى أنَّ المُرادَ أنْ يُحارَبُوا ويُقْتَلُوا وتُغْنَمَ أمْوالُهم وتُسْبى ذَرارِيهِمْ وتُمْلَكَ أراضِيهِمْ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ والمُرادُ إلّا بِعَهْدٍ مِنَ اللَّهِ وعِصْمَةٍ وذِمامٍ مِنَ اللَّهِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَزُولُ الأحْكامُ، فَلا قَتْلَ ولا غَنِيمَةَ ولا سَبْيَ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الذِّلَّةَ هي الجِزْيَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ ضَرْبَ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ يُوجِبُ الذِّلَّةَ والصَّغارَ.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الذِّلَّةِ أنَّكَ لا تَرى فِيهِمْ مَلِكًا قاهِرًا ولا رَئِيسًا مُعْتَبَرًا، بَلْ هم مُسْتَخَفُّونَ في جَمِيعِ البِلادِ ذَلِيلُونَ مَهِينُونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ مِنَ الذِّلَّةِ هي الجِزْيَةُ فَقَطْ أوْ هَذِهِ المَهانَةُ فَقَطْ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَقْتَضِي زَوالَ تِلْكَ الذِّلَّةِ عِنْدَ حُصُولِ هَذا الحَبْلِ، والجِزْيَةُ والصَّغارُ والدَّناءَةُ لا يَزُولُ شَيْءٌ مِنها عِنْدَ حُصُولِ هَذا الحَبْلِ، فامْتَنَعَ حَمْلُ الذِّلَّةِ عَلى الجِزْيَةِ فَقَطْ، وبَعْضُ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ أجابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِأنْ قالَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، فَقالَ: اليَهُودُ قَدْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ، سَواءٌ كانُوا عَلى عَهْدٍ مِنَ اللَّهِ أوْ لَمْ يَكُونُوا فَلا يَخْرُجُونَ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ مِنَ الذِّلَّةِ إلى العِزَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ تَقْدِيرُهُ لَكِنْ قَدْ يَعْتَصِمُونَ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ حَمْلَ لَفْظِ (إلّا) عَلى (لَكِنْ) خِلافُ الظّاهِرِ، وأيْضًا إذا حَمَلْنا الكَلامَ عَلى أنَّ المُرادَ: لَكِنْ قَدْ يَعْتَصِمُونَ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ لَمْ يَتِمَّ هَذا القَدْرُ فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ الشَّيْءِ الَّذِي يَعْتَصِمُونَ بِهَذِهِ الأشْياءِ لِأجْلِ الحَذَرِ عَنْهُ، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، فَلا يُصارُ إلى هَذِهِ الأشْياءِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَإذا كانَ لا ضَرُورَةَ هاهُنا إلى ذَلِكَ كانَ المَصِيرُ إلَيْهِ غَيْرَ جائِزٍ، بَلْ هَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُحْمَلَ الذِّلَّةُ عَلى كُلِّ هَذِهِ الأشْياءِ أعْنِي: القَتْلَ، والأسْرَ، وسَبْيَ
صفحة ١٦١
الذَّرارِيِّ، وأخْذَ المالِ، وإلْحاقَ الصَّغارِ، والمَهانَةَ، ويَكُونُ فائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ هو أنَّهُ لا يَبْقى مَجْمُوعُ هَذِهِ الأحْكامِ، وذَلِكَ لا يُنافِي بَقاءَ بَعْضِ هَذِهِ الأحْكامِ، وهو أخْذُ القَلِيلِ مِن أمْوالِهِمُ الَّذِي هو مُسَمًّى بِالجِزْيَةِ، وبَقاءُ المَهانَةِ والحَقارَةِ والصَّغارِ فِيهِمْ، فَهَذا هو القَوْلُ في هَذا المَوْضِعِ، وقَوْلُهُ: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ أيْ وُجِدُوا وصُودِفُوا، يُقالُ: ثَقِفْتُ فُلانًا في الحَرْبِ أيْ أدْرَكْتُهُ، وقَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ إلّا أنْ يَعْتَصِمُوا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ:
رَأتْنِي بِحَبْلِها فَصَدَّتْ مَخافَةً وفي الحَبْلِ رَوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ
واعْتَرَضُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: لا يَجُوزُ حَذْفُ المَوْصُولِ وإبْقاءُ صِلَتِهِ، لِأنَّ المَوْصُولَ هو الأصْلُ والصِّلَةُ فَرْعٌ فَيَجُوزُ حَذْفُ الفَرْعِ لِدَلالَةِ الأصْلِ عَلَيْهِ، أمّا حَذْفُ الأصْلِ وإبْقاءُ الفَرْعِ فَهو غَيْرُ جائِزٍ.
الثّانِي: أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ واقِعٌ عَلى طَرِيقِ المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى ضَرْبِ الذِّلَّةِ لُزُومُها إيّاهم عَلى أشَدِّ الوُجُوهِ بِحَيْثُ لا تُفارِقُهم ولا تَنْفَكُّ عَنْهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَنْفَكُّ عَنْهُمُ الذِّلَّةُ، ولَنْ يَتَخَلَّصُوا إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ.
الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الباءُ بِمَعْنى (مَعَ) كَقَوْلِهِمْ: اخْرُجْ بِنا نَفْعَلْ كَذا، أيْ مَعَنا، والتَّقْدِيرُ: إلّا مَعَ حَبْلٍ مِنَ اللَّهِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُرادُ مِن حَبْلِ اللَّهِ عَهْدُهُ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ العَهْدَ إنَّما سُمِّيَ بِالحَبْلِ لِأنَّ الإنْسانَ لَمّا كانَ قَبْلَ العَهْدِ خائِفًا، صارَ ذَلِكَ الخَوْفُ مانِعًا لَهُ مِنَ الوُصُولِ إلى مَطْلُوبِهِ، فَإذا حَصَلَ العَهْدُ تَوَصَّلَ بِذَلِكَ العَهْدِ إلى الوُصُولِ إلى مَطْلُوبِهِ، فَصارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالحَبْلِ الَّذِي مَن تَمَسَّكَ بِهِ تَخَلَّصَ مِن خَوْفِ الضَّرَرِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ عَطَفَ عَلى حَبْلِ اللَّهِ حَبْلًا مِنَ النّاسِ وذَلِكَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ فَكَيْفَ هَذِهِ المُغايَرَةُ ؟
قُلْنا: قالَ بَعْضُهم: حَبْلُ اللَّهِ هو الإسْلامُ، وحَبْلُ النّاسِ هو العَهْدُ والذِّمَّةُ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَقالَ: أوْ حَبْلٍ مِنَ النّاسِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِكِلا الحَبْلَيْنِ العَهْدُ والذِّمَّةُ والأمانُ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الحَبْلَيْنِ لِأنَّ الأمانَ المَأْخُوذَ مِنَ المُؤْمِنِينَ هو الأمانُ المَأْخُوذُ بِإذْنِ اللَّهِ وهَذا عِنْدِي أيْضًا ضَعِيفٌ، والَّذِي عِنْدِي فِيهِ أنَّ الأمانَ الحاصِلَ لِلذِّمِّيِّ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: الَّذِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وهو أخْذُ الجِزْيَةِ.
والثّانِي: الَّذِي فُوِّضَ إلى رَأْيِ الإمامِ فَيُزِيدُ فِيهِ تارَةً ويُنْقِصُ بِحَسَبِ الِاجْتِهادِ.
فالأوَّلُ: هو المُسَمّى بِحَبْلِ اللَّهِ. والثّانِي: هو المُسَمّى بِحَبْلِ المُؤْمِنِينَ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَعْناهُ: أنَّهم مَكَثُوا، ولَبِثُوا ودامُوا في غَضَبِ اللَّهِ، وأصْلُ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ البَوْءِ وهو المَكانُ، ومِنهُ: تَبَوَّأ فُلانٌ مَنزِلَ كَذا وبَوَّأْتُهُ إيّاهُ، والمَعْنى أنَّهم مَكَثُوا في غَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وحَلُّوا فِيهِ، وسَواءٌ قَوْلُكَ: حَلَّ بِهِمُ الغَضَبُ وحَلُّوا بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ والأكْثَرُونَ حَمَلُوا المَسْكَنَةَ عَلى الجِزْيَةِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أخْرَجَ المَسْكَنَةَ عَنْ الِاسْتِثْناءِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها باقِيَةٌ عَلَيْهِمْ غَيْرُ زائِلَةٍ عَنْهم، والباقِي عَلَيْهِمْ لَيْسَ إلّا الجِزْيَةَ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِالمَسْكَنَةِ أنَّ اليَهُودِيَّ يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ الفَقْرَ وإنْ كانَ غَنِيًّا مُوسِرًا، وقالَ بَعْضُهم: هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ جَعَلَ اليَهُودَ أرْزاقًا لِلْمُسْلِمِينَ فَيَصِيرُونَ مَساكِينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى
صفحة ١٦٢
لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ الوَعِيدِ قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى ألْصَقَ بِاليَهُودِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ المَكْرُوهاتِ:
أوَّلُها: جَعَلَ الذِّلَّةَ لازِمَةً لَهم.
وثانِيها: جَعَلَ غَضَبَ اللَّهِ لازِمًا لَهم.
وثالِثُها: جَعَلَ المَسْكَنَةَ لازِمَةً لَهم، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ العِلَّةَ لِإلْصاقِ هَذِهِ الأشْياءِ المَكْرُوهَةِ بِهِمْ هي: أنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَذِهِ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ إنَّما التَصَقَتْ بِاليَهُودِ بَعْدَ ظُهُورِ دَوْلَةِ الإسْلامِ، والَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ هُمُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأدْوارٍ وأعْصارٍ، فَعَلى هَذا المَوْضِعِ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ العِلَّةُ وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ المَعْلُولُ الَّذِي هو الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ، والمَوْضِعُ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ هَذا المَعْلُولُ لَمْ تَحْصُلْ فِيهِ العِلَّةُ، فَكانَ الإشْكالُ لازِمًا.
والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ وإنْ كانَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم قَتْلُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَكِنَّهم كانُوا راضِينَ بِذَلِكَ، فَإنَّ أسْلافَهم هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ وهَؤُلاءِ المُتَأخِّرُونَ كانُوا راضِينَ بِفِعْلِ أسْلافِهِمْ، فَنَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ القَبِيحُ فِعْلًا لِآبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ مَعَ أنَّهم كانُوا مُصَوِّبِينَ لِأسْلافِهِمْ في تِلْكَ الأفْعالِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ كُرِّرَ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ وما الحِكْمَةُ فِيهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِشَيْءٍ أقْوى مِنَ المُؤَكَّدِ، والعِصْيانُ أقَلُّ حالًا مِنَ الكُفْرِ فَلَمْ يَجُزْ تَأْكِيدُ الكُفْرِ بِالعِصْيانِ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ عِلَّةَ الذِّلَّةِ والغَضَبِ والمَسْكَنَةِ هي الكُفْرُ وقَتْلُ الأنْبِياءِ، وعِلَّةُ الكُفْرِ وقَتْلُ الأنْبِياءِ هي المَعْصِيَةُ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا تَوَغَّلُوا في المَعاصِي والذُّنُوبِ فَكانَتْ ظُلُماتُ المَعاصِي تَتَزايَدُ حالًا فَحالًا، ونُورُ الإيمانِ يَضْعُفُ حالًا فَحالًا، ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إلى أنْ بَطَلَ نُورُ الإيمانِ وحَصَلَتْ ظُلْمَةُ الكُفْرِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ إشارَةٌ إلى عِلَّةِ العِلَّةِ ولِهَذا المَعْنى قالَ أرْبابُ المُعامَلاتِ: مَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الآدابِ وقَعَ في تَرْكِ السُّنَنِ، ومَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ السُّنَنِ وقَعَ في تَرْكِ الفَرِيضَةِ، ومَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الفَرِيضَةِ وقَعَ في اسْتِحْقارِ الشَّرِيعَةِ، ومَنِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وقَعَ في الكُفْرِ.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ مَن تَقَدَّمَ مِنهم، ويُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ مَن حَضَرَ مِنهم في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ، وعَلى هَذا لا يَلْزَمُ التَّكْرارُ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ عِلَّةَ عُقُوبَةِ مَن تَقَدَّمَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن تَأخَّرَ لَمّا تَبِعَ مَن تَقَدَّمَ كانَ لِأجْلِ مَعْصِيَتِهِ وعَداوَتِهِ مُسْتَوْجِبًا لِمِثْلِ عُقُوبَتِهِمْ حَتّى يَظْهَرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ بِالفَرِيقَيْنِ مِنَ البَلاءِ والمِحْنَةِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ العَدْلِ والحِكْمَةِ.
آل عمران 3:113
صفحة ١٦٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَلامٌ تامٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَما وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ والمَعْنى أنَّ أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم لَيْسُوا سَواءً، وهو تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ كانَ تَمامُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ومِنهم أُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، إلّا أنَّهُ أضْمَرَ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ مِن أنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الضِّدِّ الآخَرِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمانِ مَعًا، فَذِكْرُ أحَدِهِما يَسْتَقِلُّ بِإفادَةِ العِلْمِ بِهِما، فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ إهْمالُ الضِّدِّ الآخَرِ.
قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّيَ لامْرُؤٌ مُطِيعٌ فَلا أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
أرادَ (أمْ غَيٌّ) فاكْتَفى بِذِكْرِ الرُّشْدِ عَنْ ذِكْرِ الغَيِّ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ قَدْ جَرى فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ فَلا حاجَةَ إلى إضْمارِها مَرَّةً أُخْرى، لِأنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ العِلْمُ بِالضِّدَّيْنِ مَعًا كانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، وهَذا كَما يُقالُ: زَيْدٌ وعَبْدُ اللَّهِ لا يَسْتَوِيانِ زَيْدٌ عاقِلٌ دَيِّنٌ زَكِيٌّ، فَيُغْنِي عَنْ هَذا أنْ يُقالَ: وعَبْدُ اللَّهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَذا هَهُنا لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ أغْنى ذَلِكَ عَنِ الإضْمارِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَلامٌ غَيْرُ تامٍّ ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عِنْدَهُ، بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وأُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، فَأُمَّةٌ رُفِعَ بِلَيْسَ وإنَّما قِيلَ (لَيْسُوا) عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا بُدَّ مِن إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ إلّا أنَّ أكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ أنْكَرُوا هَذا القَوْلَ لِاتِّفاقِ الأكْثَرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: أكَلُونِي البَراغِيثُ وأمْثالُها لُغَةٌ رَكِيكَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ فُلانٌ وفُلانٌ سَواءٌ، أيْ مُتَساوِيانِ وقَوْمٌ سَواءٌ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ومَضى الكَلامُ في (سَواءٍ) في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٦٤
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ قالَ لَهم بَعْضُ كِبارِ اليَهُودِ: لَقَدْ كَفَرْتُمْ وخَسِرْتُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى لِبَيانِ فَضْلِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أهْلَ الكِتابِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالصِّفاتِ المَذْمُومَةِ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ لِبَيانِ أنَّ كُلَّ أهْلِ الكِتابِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ فِيهِمْ مَن يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالصِّفاتِ الحَمِيدَةِ والخِصالِ المَرْضِيَّةِ، قالَ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنِي أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُصَلُّونَ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وعَنْ عَطاءٍ: أنَّها نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ مِن أهْلِ نَجْرانَ واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَلاثَةٍ مِنَ الرُّومِ كانُوا عَلى دِينِ عِيسى وصَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ كُلُّ مَن أُوتِيَ الكِتابَ مِن أهْلِ الأدْيانِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ المُسْلِمُونَ مِن جُمْلَتِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا ما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَّرَ صَلاةَ العِشاءِ ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فَإذا النّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ، فَقالَ: ”أمّا إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الأدْيانِ أحَدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى هَذِهِ السّاعَةَ غَيْرُكم“» وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ الحاضِرُونَ كانُوا نَفَرًا مِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَقِيلَ: لَيْسَ يَسْتَوِي مِن أهْلِ الكِتابِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأقامُوا صَلاةَ العَتْمَةِ في السّاعَةِ الَّتِي يَنامُ فِيها غَيْرُهم مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا، ولَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يُقالَ: المُرادُ كُلُّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَسَمّاهُمُ اللَّهُ بِأهْلِ الكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّوْا أنْفُسَهم بِأهْلِ الكِتابِ، حالُهم وصِفَتُهم تِلْكَ الخِصالُ الذَّمِيمَةُ، والمُسْلِمُونَ الَّذِينَ سَمّاهُمُ اللَّهُ بِأهْلِ الكِتابِ حالُهم وصِفَتُهم هَكَذا، يَسْتَوِيانِ ؟ فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرَ فَضِيلَةِ أهْلِ الإسْلامِ تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى مَدَحَ الأُمَّةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ ثَمانِيَةٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّها قائِمَةٌ وفِيها أقْوالٌ. الأوَّلُ: أنَّها قائِمَةٌ في الصَّلاةِ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ فَعَبَّرَ عَنْ تَهَجُّدِهِمْ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ في ساعاتِ اللَّيْلِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذا القِيامِ في الصَّلاةِ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ السَّجْدَةَ لا تَكُونُ إلّا في الصَّلاةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ كَوْنِها قائِمَةً: أنَّها ثابِتَةٌ عَلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ الحَقِّ مُلازِمَةٌ لَهُ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ في التَّمَسُّكِ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أيْ مُلازِمًا لِلِاقْتِضاءِ ثابِتًا عَلى المُطالَبَةِ مُسْتَقْصِيًا فِيها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] .
وأقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى كَوْنِ المُسْلِمِ قائِمًا بِحَقِّ العُبُودِيَّةِ، وقَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْلى قائِمٌ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ في العَدْلِ والإحْسانِ فَتَمَّتِ المُعاهَدَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: «يا رَسُولَ
صفحة ١٦٥
اللَّهِ إنْ أُناسًا مِن أهْلِ الكِتابِ يُحَدِّثُونَنا بِما يُعْجِبُنا فَلَوْ كَتَبْناهُ، فَغَضِبَ ﷺ وقالَ: أمُتَهَوِّكُونَ أنْتُمْ يا ابْنَ الخَطّابِ كَما تَهَوَّكَتِ اليَهُودُ، قالَ الحَسَنُ: مُتَحَيِّرُونَ مُتَرَدِّدُونَ ”أما والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أتَيْتُكم بِها بَيْضاءَ نَقِيَّةً» “ وفي رِوايَةٍ أُخْرى قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ”«إنَّكم لَمْ تُكَلَّفُوا أنْ تَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وإنَّما أُمِرْتُمْ أنْ تُؤْمِنُوا بِهِما وتُفَوِّضُوا عِلْمَهُما إلى اللَّهِ تَعالى، وكُلِّفْتُمْ أنْ تُؤْمِنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيَّ في هَذا الوَحْيِ غُدْوَةً وعَشِيًّا والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أدْرَكَنِي إبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى لَآمَنُوا بِي واتَّبَعُونِي» “ فَهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الثَّباتَ عَلى هَذا الدِّينِ واجِبٌ وعَدَمَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِهِ واجِبٌ فَلا جَرَمَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ .
القَوْلُ الثّالِثُ: ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ أيْ مُسْتَقِيمَةٌ عادِلَةٌ مِن قَوْلِكَ: أقَمْتُ العُودَ فَقامَ بِمَعْنى اسْتَقامَ، وهَذا كالتَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ .
* * *
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (يَتْلُونَ ويُؤْمِنُونَ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ صِفَتانِ لِقَوْلِهِ: (أُمَّةٌ) أيْ أُمَّةٌ قائِمَةٌ تالُونَ مُؤْمِنُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التِّلاوَةُ القِراءَةُ وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الِاتِّباعِ فَكَأنَّ التِّلاوَةَ هي اتِّباعُ اللَّفْظِ اللَّفْظَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: آياتُ اللَّهِ قَدْ يُرادُ بِها آياتُ القُرْآنِ، وقَدْ يُرادُ بِها أصْنافُ مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ، والمُرادُ هاهُنا الأُولى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ أصْلُها في اللُّغَةِ الأوْقاتُ والسّاعاتُ وواحِدُها إنى، مِثْلُ: مِعى وأمْعاءٍ، وإنْيٌ مِثْلُ نِحْيٍ وأنْحاءِ، مَكْسُورُ الأوَّلِ ساكِنُ الثّانِي، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَأنَّ الثّانِي مَأْخُوذٌ مِنهُ لِأنَّهُ انْتِظارُ السّاعاتِ والأوْقاتِ، وفي الخَبَرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي أخَّرَ المَجِيءَ إلى الجُمُعَةِ ”آذَيْتَ وآنَيْتَ“» أيْ دافَعْتَ الأوْقاتَ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ التِّلاوَةِ كَأنَّهم يَقْرَءُونَ القُرْآنَ في السَّجْدَةِ مُبالَغَةً في الخُضُوعِ والخُشُوعِ إلّا أنَّ القَفّالَ رَحِمَهُ اللَّهُ رَوى في ”تَفْسِيرِهِ“ حَدِيثًا: أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ألا إنِّي نُهِيتُ أنْ أقْرَأ راكِعًا أوْ ساجِدًا» “ . الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا والمَعْنى أنَّهم يَقُومُونَ تارَةً يَبْتَغُونَ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ بِأنْواعِ ما يَكُونُ في الصَّلاةِ مِنَ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى وهو كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] قالَ الحَسَنُ: يُرِيحُ رَأْسَهُ بِقَدَمَيْهِ وقَدَمَيْهِ بِرَأْسِهِ، وهَذا عَلى مَعْنى إرادَةِ الرّاحَةِ وإزالَةِ التَّعَبِ وإحْداثِ النَّشاطِ. الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ أنَّهم يُصَلُّونَ وصَفَهم بِالتَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ، والصَّلاةُ تُسَمّى سُجُودًا وسَجْدَةً ورُكُوعًا ورَكْعَةً وتَسْبِيحًا وتَسْبِيحَةً، قالَ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أيْ صَلُّوا وقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] والمُرادُ الصَّلاةُ. الرّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يَخْضَعُونَ ويَخْشَعُونَ لِلَّهِ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الخُشُوعَ سُجُودًا كَقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النمل: ٤٩] وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ ذَكَرَها القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
صفحة ١٦٦
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ واعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ كانُوا أيْضًا يَقُومُونَ في اللَّيالِي لِلتَّهَجُّدِ وقِراءَةِ التَّوْراةِ، فَلَمّا مَدَحَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّهَجُّدِ وقِراءَةِ القُرْآنِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِجَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ والإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ يَسْتَلْزِمُ الحَذَرَ مِنَ المَعاصِي، وهَؤُلاءِ اليَهُودُ يُنْكِرُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ ولا يَحْتَرِزُونَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ الإيمانُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ.
واعْلَمْ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأفْضَلُ الأعْمالِ الصَّلاةُ وأفْضَلُ الأذْكارِ ذِكْرُ اللَّهِ، وأفْضَلُ المَعارِفِ مَعْرِفَةُ المَبْدَأِ ومَعْرِفَةُ المَعادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ الصّادِرَةِ عَنْهم، وقَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ إشارَةٌ إلى فَضْلِ المَعارِفِ الحاصِلَةِ في قُلُوبِهِمْ فَكانَ هَذا إشارَةً إلى كَمالِ حالِهِمْ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وفي القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ أكْمَلُ أحْوالِ الإنْسانِ، وهي المَرْتَبَةُ الَّتِي يُقالُ لَها: إنَّها آخِرُ دَرَجاتِ الإنْسانِيَّةِ وأوَّلُ دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ .
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ واعْلَمْ أنَّ الغايَةَ القُصْوى في الكَمالِ أنْ يَكُونَ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، فَكَوْنُ الإنْسانِ تامًّا لَيْسَ إلّا في كَمالِ قُوَّتِهِ العَمَلِيَّةِ والنَّظَرِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وكَوْنُهُ فَوْقَ التَّمامِ أنْ يَسْعى في تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ، إمّا بِإرْشادِهِمْ إلى ما يَنْبَغِي وهو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، أوْ يَمْنَعُهم عَمّا لا يَنْبَغِي وهو النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ يَنْهَوْنَ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وعَنْ إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ مُطْلَقٌ فَلَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَهو يَتَناوَلُ كُلَّ مَعْرُوفٍ وكُلَّ مُنْكَرٍ.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّهم يَتَبادَرُونَ إلَيْها خَوْفَ الفَوْتِ بِالمَوْتِ، والآخَرُ: يَعْمَلُونَها غَيْرَ مُتَثاقِلِينَ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ العَجَلَةَ مَذْمُومَةٌ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«العَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ والتَّأنِّي مِنَ الرَّحْمَنِ» “ فَما الفَرْقُ بَيْنَ السُّرْعَةِ وبَيْنَ العَجَلَةِ ؟ قُلْنا: السُّرْعَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأنْ يُقَدَّمَ ما يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ، والعَجَلَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأنْ يُقَدَّمَ ما لا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ، فالمُسارَعَةُ مَخْصُوصَةٌ بِفَرْطِ الرَّغْبَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، لِأنَّ مَن رَغِبَ في الأمْرِ، آثَرَ الفَوْرَ عَلى التَّراخِي، قالَ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وأيْضًا العَجَلَةُ لَيْسَتْ مَذْمُومَةً عَلى الإطْلاقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] .
الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ والمَعْنى وأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما وُصِفُوا بِهِ مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ الَّذِينَ صَلَحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ورَضِيَهم، واعْلَمْ أنَّ الوَصْفَ بِذَلِكَ غايَةُ المَدْحِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ، فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ بِهَذا الوَصْفِ أكابِرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: بَعْدَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذِي الكِفْلِ وغَيْرِهِمْ ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] وذَكَرَ حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الصَّلاحَ ضِدُّ الفَسادِ، وكُلُّ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فَهو فَسادٌ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في العَقائِدِ، أوْ في الأعْمالِ، فَإذا كانَ كُلُّ ما حَصَلَ مِن بابِ
صفحة ١٦٧
ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، فَقَدْ حَصَلَ الصَّلاحُ، فَكانَ الصَّلاحُ دالًّا عَلى أكْمَلِ الدَّرَجاتِ.
آل عمران 3:114
صفحة ١٦٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَلامٌ تامٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَما وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ والمَعْنى أنَّ أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم لَيْسُوا سَواءً، وهو تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ كانَ تَمامُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ومِنهم أُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، إلّا أنَّهُ أضْمَرَ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ مِن أنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الضِّدِّ الآخَرِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمانِ مَعًا، فَذِكْرُ أحَدِهِما يَسْتَقِلُّ بِإفادَةِ العِلْمِ بِهِما، فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ إهْمالُ الضِّدِّ الآخَرِ.
قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّيَ لامْرُؤٌ مُطِيعٌ فَلا أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
أرادَ (أمْ غَيٌّ) فاكْتَفى بِذِكْرِ الرُّشْدِ عَنْ ذِكْرِ الغَيِّ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ قَدْ جَرى فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ فَلا حاجَةَ إلى إضْمارِها مَرَّةً أُخْرى، لِأنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ العِلْمُ بِالضِّدَّيْنِ مَعًا كانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، وهَذا كَما يُقالُ: زَيْدٌ وعَبْدُ اللَّهِ لا يَسْتَوِيانِ زَيْدٌ عاقِلٌ دَيِّنٌ زَكِيٌّ، فَيُغْنِي عَنْ هَذا أنْ يُقالَ: وعَبْدُ اللَّهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَذا هَهُنا لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ أغْنى ذَلِكَ عَنِ الإضْمارِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَلامٌ غَيْرُ تامٍّ ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عِنْدَهُ، بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وأُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، فَأُمَّةٌ رُفِعَ بِلَيْسَ وإنَّما قِيلَ (لَيْسُوا) عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا بُدَّ مِن إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ إلّا أنَّ أكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ أنْكَرُوا هَذا القَوْلَ لِاتِّفاقِ الأكْثَرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: أكَلُونِي البَراغِيثُ وأمْثالُها لُغَةٌ رَكِيكَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ فُلانٌ وفُلانٌ سَواءٌ، أيْ مُتَساوِيانِ وقَوْمٌ سَواءٌ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ومَضى الكَلامُ في (سَواءٍ) في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٦٤
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ قالَ لَهم بَعْضُ كِبارِ اليَهُودِ: لَقَدْ كَفَرْتُمْ وخَسِرْتُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى لِبَيانِ فَضْلِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أهْلَ الكِتابِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالصِّفاتِ المَذْمُومَةِ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ لِبَيانِ أنَّ كُلَّ أهْلِ الكِتابِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ فِيهِمْ مَن يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالصِّفاتِ الحَمِيدَةِ والخِصالِ المَرْضِيَّةِ، قالَ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنِي أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُصَلُّونَ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وعَنْ عَطاءٍ: أنَّها نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ مِن أهْلِ نَجْرانَ واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَلاثَةٍ مِنَ الرُّومِ كانُوا عَلى دِينِ عِيسى وصَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ كُلُّ مَن أُوتِيَ الكِتابَ مِن أهْلِ الأدْيانِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ المُسْلِمُونَ مِن جُمْلَتِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا ما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَّرَ صَلاةَ العِشاءِ ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فَإذا النّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ، فَقالَ: ”أمّا إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الأدْيانِ أحَدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى هَذِهِ السّاعَةَ غَيْرُكم“» وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ الحاضِرُونَ كانُوا نَفَرًا مِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَقِيلَ: لَيْسَ يَسْتَوِي مِن أهْلِ الكِتابِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأقامُوا صَلاةَ العَتْمَةِ في السّاعَةِ الَّتِي يَنامُ فِيها غَيْرُهم مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا، ولَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يُقالَ: المُرادُ كُلُّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَسَمّاهُمُ اللَّهُ بِأهْلِ الكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّوْا أنْفُسَهم بِأهْلِ الكِتابِ، حالُهم وصِفَتُهم تِلْكَ الخِصالُ الذَّمِيمَةُ، والمُسْلِمُونَ الَّذِينَ سَمّاهُمُ اللَّهُ بِأهْلِ الكِتابِ حالُهم وصِفَتُهم هَكَذا، يَسْتَوِيانِ ؟ فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرَ فَضِيلَةِ أهْلِ الإسْلامِ تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] .
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى مَدَحَ الأُمَّةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ ثَمانِيَةٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّها قائِمَةٌ وفِيها أقْوالٌ. الأوَّلُ: أنَّها قائِمَةٌ في الصَّلاةِ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ فَعَبَّرَ عَنْ تَهَجُّدِهِمْ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ في ساعاتِ اللَّيْلِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذا القِيامِ في الصَّلاةِ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ السَّجْدَةَ لا تَكُونُ إلّا في الصَّلاةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ كَوْنِها قائِمَةً: أنَّها ثابِتَةٌ عَلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ الحَقِّ مُلازِمَةٌ لَهُ غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ في التَّمَسُّكِ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أيْ مُلازِمًا لِلِاقْتِضاءِ ثابِتًا عَلى المُطالَبَةِ مُسْتَقْصِيًا فِيها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] .
وأقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى كَوْنِ المُسْلِمِ قائِمًا بِحَقِّ العُبُودِيَّةِ، وقَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْلى قائِمٌ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ في العَدْلِ والإحْسانِ فَتَمَّتِ المُعاهَدَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: «يا رَسُولَ
صفحة ١٦٥
اللَّهِ إنْ أُناسًا مِن أهْلِ الكِتابِ يُحَدِّثُونَنا بِما يُعْجِبُنا فَلَوْ كَتَبْناهُ، فَغَضِبَ ﷺ وقالَ: أمُتَهَوِّكُونَ أنْتُمْ يا ابْنَ الخَطّابِ كَما تَهَوَّكَتِ اليَهُودُ، قالَ الحَسَنُ: مُتَحَيِّرُونَ مُتَرَدِّدُونَ ”أما والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أتَيْتُكم بِها بَيْضاءَ نَقِيَّةً» “ وفي رِوايَةٍ أُخْرى قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ”«إنَّكم لَمْ تُكَلَّفُوا أنْ تَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وإنَّما أُمِرْتُمْ أنْ تُؤْمِنُوا بِهِما وتُفَوِّضُوا عِلْمَهُما إلى اللَّهِ تَعالى، وكُلِّفْتُمْ أنْ تُؤْمِنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيَّ في هَذا الوَحْيِ غُدْوَةً وعَشِيًّا والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أدْرَكَنِي إبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى لَآمَنُوا بِي واتَّبَعُونِي» “ فَهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الثَّباتَ عَلى هَذا الدِّينِ واجِبٌ وعَدَمَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِهِ واجِبٌ فَلا جَرَمَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ .
القَوْلُ الثّالِثُ: ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ أيْ مُسْتَقِيمَةٌ عادِلَةٌ مِن قَوْلِكَ: أقَمْتُ العُودَ فَقامَ بِمَعْنى اسْتَقامَ، وهَذا كالتَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ .
* * *
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (يَتْلُونَ ويُؤْمِنُونَ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ صِفَتانِ لِقَوْلِهِ: (أُمَّةٌ) أيْ أُمَّةٌ قائِمَةٌ تالُونَ مُؤْمِنُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التِّلاوَةُ القِراءَةُ وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الِاتِّباعِ فَكَأنَّ التِّلاوَةَ هي اتِّباعُ اللَّفْظِ اللَّفْظَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: آياتُ اللَّهِ قَدْ يُرادُ بِها آياتُ القُرْآنِ، وقَدْ يُرادُ بِها أصْنافُ مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ، والمُرادُ هاهُنا الأُولى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ أصْلُها في اللُّغَةِ الأوْقاتُ والسّاعاتُ وواحِدُها إنى، مِثْلُ: مِعى وأمْعاءٍ، وإنْيٌ مِثْلُ نِحْيٍ وأنْحاءِ، مَكْسُورُ الأوَّلِ ساكِنُ الثّانِي، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَأنَّ الثّانِي مَأْخُوذٌ مِنهُ لِأنَّهُ انْتِظارُ السّاعاتِ والأوْقاتِ، وفي الخَبَرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي أخَّرَ المَجِيءَ إلى الجُمُعَةِ ”آذَيْتَ وآنَيْتَ“» أيْ دافَعْتَ الأوْقاتَ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ التِّلاوَةِ كَأنَّهم يَقْرَءُونَ القُرْآنَ في السَّجْدَةِ مُبالَغَةً في الخُضُوعِ والخُشُوعِ إلّا أنَّ القَفّالَ رَحِمَهُ اللَّهُ رَوى في ”تَفْسِيرِهِ“ حَدِيثًا: أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ألا إنِّي نُهِيتُ أنْ أقْرَأ راكِعًا أوْ ساجِدًا» “ . الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا والمَعْنى أنَّهم يَقُومُونَ تارَةً يَبْتَغُونَ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ بِأنْواعِ ما يَكُونُ في الصَّلاةِ مِنَ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى وهو كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] قالَ الحَسَنُ: يُرِيحُ رَأْسَهُ بِقَدَمَيْهِ وقَدَمَيْهِ بِرَأْسِهِ، وهَذا عَلى مَعْنى إرادَةِ الرّاحَةِ وإزالَةِ التَّعَبِ وإحْداثِ النَّشاطِ. الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ أنَّهم يُصَلُّونَ وصَفَهم بِالتَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ، والصَّلاةُ تُسَمّى سُجُودًا وسَجْدَةً ورُكُوعًا ورَكْعَةً وتَسْبِيحًا وتَسْبِيحَةً، قالَ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أيْ صَلُّوا وقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] والمُرادُ الصَّلاةُ. الرّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يَخْضَعُونَ ويَخْشَعُونَ لِلَّهِ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الخُشُوعَ سُجُودًا كَقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النمل: ٤٩] وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ ذَكَرَها القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
صفحة ١٦٦
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ واعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ كانُوا أيْضًا يَقُومُونَ في اللَّيالِي لِلتَّهَجُّدِ وقِراءَةِ التَّوْراةِ، فَلَمّا مَدَحَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّهَجُّدِ وقِراءَةِ القُرْآنِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِجَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ والإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ يَسْتَلْزِمُ الحَذَرَ مِنَ المَعاصِي، وهَؤُلاءِ اليَهُودُ يُنْكِرُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ ولا يَحْتَرِزُونَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ الإيمانُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ.
واعْلَمْ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأفْضَلُ الأعْمالِ الصَّلاةُ وأفْضَلُ الأذْكارِ ذِكْرُ اللَّهِ، وأفْضَلُ المَعارِفِ مَعْرِفَةُ المَبْدَأِ ومَعْرِفَةُ المَعادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ الصّادِرَةِ عَنْهم، وقَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ إشارَةٌ إلى فَضْلِ المَعارِفِ الحاصِلَةِ في قُلُوبِهِمْ فَكانَ هَذا إشارَةً إلى كَمالِ حالِهِمْ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وفي القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وذَلِكَ أكْمَلُ أحْوالِ الإنْسانِ، وهي المَرْتَبَةُ الَّتِي يُقالُ لَها: إنَّها آخِرُ دَرَجاتِ الإنْسانِيَّةِ وأوَّلُ دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ .
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ واعْلَمْ أنَّ الغايَةَ القُصْوى في الكَمالِ أنْ يَكُونَ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، فَكَوْنُ الإنْسانِ تامًّا لَيْسَ إلّا في كَمالِ قُوَّتِهِ العَمَلِيَّةِ والنَّظَرِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وكَوْنُهُ فَوْقَ التَّمامِ أنْ يَسْعى في تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ، إمّا بِإرْشادِهِمْ إلى ما يَنْبَغِي وهو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، أوْ يَمْنَعُهم عَمّا لا يَنْبَغِي وهو النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أيْ يَنْهَوْنَ عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وعَنْ إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ مُطْلَقٌ فَلَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَهو يَتَناوَلُ كُلَّ مَعْرُوفٍ وكُلَّ مُنْكَرٍ.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ. أحَدُهُما: أنَّهم يَتَبادَرُونَ إلَيْها خَوْفَ الفَوْتِ بِالمَوْتِ، والآخَرُ: يَعْمَلُونَها غَيْرَ مُتَثاقِلِينَ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ العَجَلَةَ مَذْمُومَةٌ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«العَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ والتَّأنِّي مِنَ الرَّحْمَنِ» “ فَما الفَرْقُ بَيْنَ السُّرْعَةِ وبَيْنَ العَجَلَةِ ؟ قُلْنا: السُّرْعَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأنْ يُقَدَّمَ ما يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ، والعَجَلَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأنْ يُقَدَّمَ ما لا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ، فالمُسارَعَةُ مَخْصُوصَةٌ بِفَرْطِ الرَّغْبَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، لِأنَّ مَن رَغِبَ في الأمْرِ، آثَرَ الفَوْرَ عَلى التَّراخِي، قالَ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وأيْضًا العَجَلَةُ لَيْسَتْ مَذْمُومَةً عَلى الإطْلاقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] .
الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ والمَعْنى وأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما وُصِفُوا بِهِ مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ الَّذِينَ صَلَحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ورَضِيَهم، واعْلَمْ أنَّ الوَصْفَ بِذَلِكَ غايَةُ المَدْحِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ، فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ بِهَذا الوَصْفِ أكابِرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: بَعْدَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذِي الكِفْلِ وغَيْرِهِمْ ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] وذَكَرَ حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الصَّلاحَ ضِدُّ الفَسادِ، وكُلُّ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فَهو فَسادٌ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في العَقائِدِ، أوْ في الأعْمالِ، فَإذا كانَ كُلُّ ما حَصَلَ مِن بابِ
صفحة ١٦٧
ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، فَقَدْ حَصَلَ الصَّلاحُ، فَكانَ الصَّلاحُ دالًّا عَلى أكْمَلِ الدَّرَجاتِ.
آل عمران 3:115
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّمانِيَةَ قالَ: ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، لِأنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، يَتْلُونَ ويَسْجُدُونَ ويُؤْمِنُونَ ويَأْمُرُونَ ويَنْهَوْنَ ويُسارِعُونَ، ولَنْ يَضِيعَ لَهم ما يَعْمَلُونَ، والمَقْصُودُ أنَّ جُهّالَ اليَهُودِ لَمّا قالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ إنَّكم خَسِرْتُمْ بِسَبَبِ هَذا الإيمانِ، قالَ تَعالى بَلْ فازُوا بِالدَّرَجاتِ العُظْمى، فَكانَ المَقْصُودُ تَعْظِيمَهم لِيَزُولَ عَنْ قَلْبِهِمْ أثَرُ كَلامِ أُولَئِكَ الجُهّالِ، ثُمَّ هَذا وإنْ كانَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ سائِرَ الخَلْقِ يَدْخُلُونَ فِيهِ نَظَرًا إلى العِلَّةِ.
وأمّا الباقُونَ فَإنَّهم قَرَءُوا بِالتّاءِ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ فَهو ابْتِداءُ خِطابٍ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى أنَّ أفْعالَ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ ذُكِرَتْ، ثُمَّ قالَ: وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ مَعاشِرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِكم هَؤُلاءِ، فَلَنْ تُكْفَرُوهُ، والفائِدَةُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ عامًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ في حَقِّ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ نَظائِرَ هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ مُخاطِبَةً لِجَمِيعِ الخَلائِقِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] وأمّا أبُو عَمْرٍو فالمَنقُولُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ بِالقِراءَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أيْ لَنْ تُمْنَعُوا ثَوابَهُ وجَزاءَهُ، وإنَّما سُمِّيَ مَنعُ الجَزاءِ كُفْرًا لِوَجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى إيصالَ الثَّوابِ شُكْرًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] وقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] فَلَمّا سَمّى إيصالَ الجَزاءِ شُكْرًا سَمّى مَنعَهُ كُفْرًا. والثّانِي: أنَّ الكُفْرَ في اللُّغَةِ هو السَّتْرُ فَسُمِّيَ مَنعُ الجَزاءِ كُفْرًا، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الجَحْدِ والسَّتْرِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ فَعَدّاهُ إلى مَفْعُولَيْنِ مَعَ أنَّ شَكَرَ وكَفَرَ لا يَتَعَدَّيانِ إلّا إلى واحِدٍ يُقالُ شَكَرَ النِّعْمَةَ وكَفَرَها.
قُلْنا: لِأنّا بَيَّنّا أنَّ مَعْنى الكُفْرِ هاهُنا هو المَنعُ والحِرْمانُ، فَكانَ كَأنَّهُ قالَ: فَلَنْ تُحْرَمُوهُ، ولَنْ تُمْنَعُوا جَزاءَهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِالمُوازَنَةِ مِنَ الذّاهِبِينَ إلى الإحْباطِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُصُولِ أثَرِ فِعْلِ العَبْدِ إلَيْهِ، فَلَوِ انْحَبَطَ ولَمْ يَنْحَبِطْ مِنَ المُحْبَطِ بِمِقْدارِهِ شَيْءٌ لَبَطَلَ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [ الزَّلْزَلَةِ: ٧] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ عَدَمِ الحِرْمانِ والجَزاءِ أقامَ ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وهو أنَّ عَدَمَ إيصالِ الثَّوابِ والجَزاءِ إمّا أنْ يَكُونَ لِلسَّهْوِ والنِّسْيانِ وذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِلْعَجْزِ والبُخْلِ والحاجَةِ وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّهُ إلَهُ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، فاسْمُ
صفحة ١٦٨
اللَّهِ تَعالى يَدُلُّ عَلى عَدَمِ العَجْزِ والبُخْلِ والحاجَةِ، وقَوْلُهُ: (عَلِيمٌ) يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الجَهْلِ، وإذا انْتَفَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ امْتَنَعَ المَنعُ مِنَ الجَزاءِ، لِأنَّ مَنعَ الحَقِّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، واللَّهُ أعْلَمُ. إنَّما قالَ: ﴿عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ مَعَ أنَّهُ عالِمٌ بِالكُلِّ بِشارَةً لِلْمُتَّقِينَ بِجَزِيلِ الثَّوابِ ودَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَفُوزُ عِنْدَهُ إلّا أهْلُ التَّقْوى.
آل عمران 3:116
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ مَرَّةً أحْوالَ الكافِرِينَ في كَيْفِيَّةِ العِقابِ، وأُخْرى أحْوالَ المُؤْمِنِينَ في الثَّوابِ جامِعًا بَيْنَ الزَّجْرِ والتَّرْغِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، فَلَمّا وصَفَ مَن آمَنَ مِنَ الكُفّارِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ الحَسَنَةِ أتْبَعَهُ تَعالى بِوَعِيدِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَوْلانِ. الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ بَعْضُ الكُفّارِ ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا. أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَقْصُودَ رُؤَساءِ اليَهُودِ في مُعانَدَةِ الرَّسُولِ ما كانَ إلّا المالَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] . وثانِيها: أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَإنَّ أبا جَهْلٍ كانَ كَثِيرَ الِافْتِخارِ بِمالِهِ ولِهَذا السَّبَبِ نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧، ١٨] . وثالِثُها: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ، فَإنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وأُحُدٍ في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ الكُفّارِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كُلَّهم كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ، وكانُوا يُعَيِّرُونَ الرَّسُولَ ﷺ وأتْباعَهُ بِالفَقْرِ، وكانَ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمْ أنْ قالُوا: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ عَلى الحَقِّ لَما تَرَكَهُ رَبُّهُ في هَذا الفَقْرِ والشِّدَّةِ، ولِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، ولا دَلِيلَ يُوجِبُ التَّخْصِيصَ فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلى عُمُومِهِ، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (يُنْفِقُونَ) عائِدٌ إلى هَذا المَوْضِعِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: (يُنْفِقُونَ) مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الكُفّارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا أيْضًا مَخْصُوصًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما خَصَّ تَعالى الأمْوالَ والأوْلادَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أنْفَعَ الجَماداتِ هو الأمْوالُ وأنْفَعَ الحَيَواناتِ هو الوَلَدُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الكافِرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِما ألْبَتَّةَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ انْتِفاعِهِ
صفحة ١٦٩
بِسائِرِ الأشْياءِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقَوْلُهُ: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبأ: ٣٧] ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا انْتِفاعَ لَهم بِأمْوالِهِمْ ولا بِأوْلادِهِمْ، قالَ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ لا يَبْقَوْنَ في النّارِ أبَدًا فَقالُوا قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ كَلِمَةٌ تُفِيدُ الحَصْرَ فَإنَّهُ يُقالُ: أُولَئِكَ أصْحابُ زَيْدٍ لا غَيْرُهم وهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ لا غَيْرُهم ولَمّا أفادَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ مَعْنى الحَصْرِ ثَبَتَ أنَّ الخُلُودَ في النّارِ لَيْسَ إلّا لِلْكافِرِ.
آل عمران 3:117
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ أمْوالَ الكُفّارِ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ثُمَّ إنَّهم رُبَّما أنْفَقُوا أمْوالَهم في وُجُوهِ الخَيْراتِ، فَيَخْطُرُ بِبالِ الإنْسانِ أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وبَيَّنَ أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الإنْفاقاتِ، وإنْ كانُوا قَدْ قَصَدُوا بِها وجْهَ اللَّهِ.
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَثَلُ الشَّبَهُ الَّذِي يَصِيرُ كالعَلَمِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ فِيما يُشَبَّهُ بِهِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ كُفْرَهم يُبْطِلُ ثَوابَ نَفَقَتِهِمْ، كَما أنَّ الرِّيحَ البارِدَةَ تُهْلِكُ الزَّرْعَ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَثَلُ إنْفاقِهِمْ هو الحَرْثُ الَّذِي هَلَكَ، فَكَيْفَ شَبَّهَ الإنْفاقَ بِالرِّيحِ البارِدَةِ المُهْلِكَةِ ؟
قُلْنا: المَثَلُ قِسْمانِ مِنهُ ما حَصَلَتْ فِيهِ المُشابَهَةُ بَيْنَ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ وإنْ لَمْ تَحْصُلِ المُشابَهَةُ بَيْنَ أجْزاءِ الجُمْلَتَيْنِ، وهَذا هو المُسَمّى بِالتَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، ومِنهُ ما حَصَلَتِ المُشابَهَةُ فِيهِ بَيْنَ المَقْصُودِ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، وبَيْنَ أجْزاءِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، فَإذا جَعَلْنا هَذا المَثَلَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ زالَ السُّؤالُ، وإنْ جَعَلْناهُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي فَفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: مَثَلُ الكُفْرِ في إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ، كَمَثَلِ الرِّيحِ المُهْلِكَةِ لِلْحَرْثِ. الثّانِي: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ، كَمَثَلِ مُهْلَكِ رِيحٍ، وهو الحَرْثُ. الثّالِثُ: لَعَلَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ إلى ما أنْفَقُوا في إيذاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَمْعِ العَساكِرِ عَلَيْهِ، وكانَ هَذا الإنْفاقُ مُهْلِكًا
صفحة ١٧٠
لِجَمِيعِ ما أتَوْا بِهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والبِرِّ وحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ التَّشْبِيهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى إضْمارٍ وتَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ، والتَّقْدِيرُ: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في كَوْنِهِ مُبْطِلًا لِما أتَوْا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِن أعْمالِ البِرِّ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ في كَوْنِها مُبْطِلَةً لِلْحَرْثِ، وهَذا الوَجْهُ خَطَرَ بِبالِي عِنْدَ كِتابَتِي عَلى هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّ إنْفاقَهم في إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الكُفْرِ ومِن أشَدِّها تَأْثِيرًا في إبْطالِ آثارِ أعْمالِ البِرِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذا الإنْفاقِ عَلى قَوْلَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْفاقِ هاهُنا هو جَمِيعُ أعْمالِهِمُ الَّتِي يَرْجُونَ الِانْتِفاعَ بِها في الآخِرَةِ، سَمّاهُ اللَّهُ إنْفاقًا كَما سَمّى ذَلِكَ بَيْعًا وشِراءً في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ أعْمالِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] والمُرادُ جَمِيعُ أنْواعِ الِانْتِفاعاتِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو الأشْبَهُ أنَّ المُرادَ إنْفاقُ الأمْوالِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ جَمِيعُ الكُفّارِ أوْ بَعْضُهم، فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ بِالإخْبارِ عَنْ جَمِيعِ الكُفّارِ، وذَلِكَ لِأنَّ إنْفاقَهم إمّا أنْ يَكُونَ لِمَنافِعِ الدُّنْيا أوْ لِمَنافِعِ الآخِرَةِ فَإنْ كانَ لِمَنافِعِ الدُّنْيا لَمْ يَبْقَ مِنهُ أثَرٌ ألْبَتَّةَ في الآخِرَةِ في حَقِّ المُسْلِمِ فَضْلًا عَنِ الكافِرِ وإنْ كانَ لِمَنافِعِ الآخِرَةِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ في الآخِرَةِ لِأنَّ الكُفْرَ مانِعٌ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ نَفَقاتِ الكُفّارِ لا فائِدَةَ فِيها في الآخِرَةِ، ولَعَلَّهم أنْفَقُوا أمْوالَهم في الخَيْراتِ نَحْوَ بِناءِ الرِّباطاتِ والقَناطِرِ والإحْسانِ إلى الضُّعَفاءِ والأيْتامِ والأرامِلِ، وكانَ ذَلِكَ المُنْفِقُ يَرْجُو مِن ذَلِكَ الإنْفاقِ خَيْرًا كَثِيرًا فَإذا قَدِمَ الآخِرَةَ رَأى كُفْرَهُ مُبْطِلًا لِآثارِ الخَيْراتِ، فَكانَ كَمَن زَرَعَ زَرْعًا وتَوَقَّعَ مِنهُ نَفْعًا كَثِيرًا فَأصابَتْهُ رِيحٌ فَأحْرَقَتْهُ فَلا يَبْقى مَعَهُ إلّا الحُزْنُ والأسَفُ، هَذا إذا أنْفَقُوا الأمْوالَ في وُجُوهِ الخَيْراتِ أمّا إذا أنْفَقُوها فِيما ظَنُّوهُ أنَّهُ الخَيْراتُ لَكِنَّهُ كانَ مِنَ المَعاصِي مِثْلَ إنْفاقِ الأمْوالِ في إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ وفي قَتْلِ المُسْلِمِينَ وتَخْرِيبِ دِيارِهِمْ، فالَّذِي قُلْناهُ فِيهِ أسَدُّ وأشَدُّ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال: ٣٦] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَسَناتِ مِنَ الكُفّارِ لا تَسْتَعْقِبُ الثَّوابَ، وكُلُّ ذَلِكَ مَجْمُوعٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وهَذا القَوْلُ هو الأقْوى والأصَحُّ.
واعْلَمْ أنّا إنَّما فَسَّرْنا الآيَةَ بِخَيْبَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ ولا يَبْعُدُ أيْضًا تَفْسِيرُها بِخَيْبَتِهِمْ في الدُّنْيا، فَإنَّهم أنْفَقُوا الأمْوالَ الكَثِيرَةَ في جَمْعِ العَساكِرِ وتَحَمَّلُوا المَشاقَّ ثُمَّ انْقَلَبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، وأظْهَرَ اللَّهُ الإسْلامَ وقَوّاهُ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ الكُفّارِ مِن ذَلِكَ الإنْفاقِ إلّا الخَيْبَةُ والحَسْرَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِنهُ الإخْبارُ عَنْ بَعْضِ الكُفّارِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الآيَةِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ والخَوْفِ مِنَ المُسْلِمِينَ وعَلى سَبِيلِ المُداراةِ لَهم، فالآيَةُ فِيهم. الثّانِي: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِنْدَ تَظاهُرِهِمْ عَلى
صفحة ١٧١
الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ. الثّالِثُ: نَزَلَتْ في إنْفاقِ سَفَلَةِ اليَهُودِ عَلى أحْبارِهِمْ لِأجْلِ التَّحْرِيفِ. والرّابِعُ: المُرادُ ما يُنْفِقُونَ ويَظُنُّونَ أنَّهُ تَقَرُّبٌ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في (الصِّرِّ) عَلى وُجُوهٍ. الأوَّلُ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ اللُّغَةِ: الصِّرُّ البَرْدُ الشَّدِيدُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّ الصِّرَّ: هو السَّمُومُ الحارَّةُ والنّارُ الَّتِي تَغْلِي، وهو اخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ وأبِي بَكْرِ بْنِ الأنْبارِيِّ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما وُصِفَتِ النّارُ بِأنَّها (صِرٌّ) لِتَصْوِيتِها عِنْدَ الِالتِهابِ، ومِنهُ صَرِيرُ البابِ، والصَّرْصَرُ مَشْهُورٌ، والصَّرَّةُ الصَّيْحَةُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ بِإسْنادِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في ﴿فِيها صِرٌّ﴾ قالَ: فِيها نارٌ، وعَلى القَوْلَيْنِ فالمَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهِ حاصِلٌ، لِأنَّهُ سَواءٌ كانَ بَرْدًا مُهْلِكًا أوْ حَرًّا مُحْرِقًا فَإنَّهُ يَصِيرُ مُبْطِلًا لِلْحَرْثِ والزَّرْعِ فَيَصِحُّ التَّشْبِيهُ بِهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالإحْباطِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ هَذِهِ الرِّيحَ تُهْلِكُ الحَرْثَ فَكَذَلِكَ الكُفْرُ يُهْلِكُ الإنْفاقَ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ إذا قُلْنا: إنَّهُ لَوْلا الكُفْرُ لَكانَ ذَلِكَ الإنْفاقُ مُوجِبًا لِمَنافِعِ الآخِرَةِ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ القَوْلُ بِالإحْباطِ، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ العَمَلَ لا يَسْتَلْزِمُ الثَّوابَ إلّا بِحُكْمِ الوَعْدِ، والوَعْدُ مِنَ اللَّهِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ الإيمانِ، فَإذا حَصَلَ الكُفْرُ فاتَ المَشْرُوطُ لِفَواتِ شَرْطِهِ لِأنَّ الكُفْرَ أزالَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، ودَلائِلُ بُطْلانِ القَوْلِ بِالإحْباطِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنْ يُقالَ: لِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ وما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ .
قُلْنا: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وجْهانِ الأوَّلُ: أنَّهم عَصَوُا اللَّهَ فاسْتَحَقُّوا هَلاكَ حَرْثِهِمْ عُقُوبَةً لَهم، والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ هي أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ ما يُنْفِقُونَ بِشَيْءٍ يَذْهَبُ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ، وحَرْثُ الكافِرِينَ الظّالِمِينَ هو الَّذِي يَذْهَبُ بِالكُلِّيَّةِ ولا يَحْصُلُ مِنهُ مَنفَعَةٌ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، فَأمّا حَرْثُ المُسْلِمِ المُؤْمِنِ فَلا يَذْهَبُ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّهُ وإنْ كانَ يَذْهَبُ صُورَةً فَلا يَذْهَبُ مَعْنًى، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَزِيدُ في ثَوابِهِ لِأجْلِ وُصُولِ تِلْكَ الأحْزانِ إلَيْهِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ هو أنَّهم زَرَعُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ الزَّرْعِ أوْ في غَيْرِ وقْتِهِ، لِأنَّ الظُّلْمَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَتَأكَّدُ وجْهُ التَّشْبِيهِ، فَإنْ مَن زَرَعَ لا في مَوْضِعِهِ ولا في وقْتِهِ يَضِيعُ، ثُمَّ إذا أصابَتْهُ الرِّيحُ البارِدَةُ كانَ أوْلى بِأنْ يَصِيرَ ضائِعًا، فَكَذا هاهُنا الكُفّارُ لَمّا أتَوْا بِالإنْفاقِ لا في مَوْضِعِهِ ولا في وقْتِهِ ثُمَّ أصابَهُ شُؤْمُ كُفْرِهِمُ امْتَنَعَ أنْ لا يَصِيرَ ضائِعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى ما ظَلَمَهم حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ نَفَقاتِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ أتَوْا بِها مَقْرُونَةً بِالوُجُوهِ المانِعَةِ مِن كَوْنِها مَقْبُولَةً لِلَّهِ تَعالى قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (ولَكِنَّ) بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى ولَكِنَّ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَها، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ، ولَكِنَّهُ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ عَلى إسْقاطِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ.
آل عمران 3:118
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ شَرَعَ في تَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُخالَطَةِ الكافِرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ مَن هم ؟ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهم هُمُ اليَهُودُ وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يُشاوِرُونَهم في أُمُورِهِمْ ويُؤانِسُونَهم لِما كانَ بَيْنَهم مِنَ الرَّضاعِ والحِلْفِ ظَنًّا مِنهم أنَّهم وإنْ خالَفُوهم في الدِّينِ فَهم يَنْصَحُونَ لَهم في أسْبابِ المَعاشِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَنْهُ، وحُجَّةُ أصْحابِ هَذا القَوْلِ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها مُخاطَبَةٌ مَعَ اليَهُودِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا كَذَلِكَ. الثّانِي: أنَّهم هُمُ المُنافِقُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَغْتَرُّونَ بِظاهِرِ أقْوالِ المُنافِقِينَ ويَظُنُّونَ أنَّهم صادِقُونَ فَيُفْشُونَ إلَيْهِمُ الأسْرارَ ويُطْلِعُونَهم عَلى الأحْوالِ الخَفِيَّةِ، فاللَّهُ تَعالى مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ، وحُجَّةُ أصْحابِ هَذا القَوْلِ أنَّ ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِاليَهُودِ بَلْ هو صِفَةُ المُنافِقِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . الثّالِثُ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ أصْنافِ الكُفّارِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ فَمَنَعَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَهْيًا عَنْ جَمِيعِ الكُفّارِ وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هاهُنا رَجُلٌ مِن أهْلِ الحَيْرَةِ نَصْرانِيٌّ لا يُعْرَفُ أقْوى حِفْظًا ولا أحْسَنُ خَطًّا مِنهُ، فَإنْ رَأيْتَ أنْ تَتَّخِذَهُ كاتِبًا، فامْتَنَعَ عُمَرُ مِن ذَلِكَ وقالَ: إذَنِ اتَّخَذْتُ بِطانَةً مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ جَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ، وأمّا ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن أنَّ ما بَعْدَ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ فَهَذا لا يَمْنَعُ عُمُومَ أوَّلِ الآيَةِ، فَإنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ أوَّلَ الآيَةِ إذا كانَ عامًّا وآخِرَها إذا كانَ خاصًّا لَمْ يَكُنْ خُصُوصُ آخِرِ الآيَةِ مانِعًا مِن عُمُومِ أوَّلِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حاتِمٍ عَنِ الأصْمَعِيِّ: بَطَنَ فُلانٌ بِفُلانٍ يُبْطِنُ بِهِ بُطُونًا وبِطانَةً، إذا كانَ خاصًّا بِهِ داخِلًا في أمْرِهِ، فالبِطانَةُ مَصْدَرٌ يُسَمّى بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وبِطانَةُ الرَّجُلِ خاصَّتُهُ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ أمْرَهُ وأصْلُهُ مِنَ البَطْنِ خِلافُ الظَّهْرِ، ومِنهُ بِطانَةُ الثَّوْبِ خِلافُ ظِهارَتِهِ، والحاصِلُ أنَّ الَّذِي يَخُصُّهُ الإنْسانُ بِمَزِيدِ التَّقْرِيبِ يُسَمّى بِطانَةً لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ما يَلِي بَطْنَهُ في شِدَّةِ القُرْبِ مِنهُ.
صفحة ١٧٣
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَيُفِيدُ العُمُومَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مِن دُونِكم أيْ مِن دُونِ المُسْلِمِينَ ومِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكم، ولَفْظُ ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ يَحْسُنُ حَمْلُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ أحْسَنْتُمْ إلَيْنا وأنْعَمْتُمْ عَلَيْنا، وهو يُرِيدُ أحْسَنْتُمْ إلى إخْوانِنا، وقالَ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١] أيْ آباؤُهم فَعَلُوا ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ احْتِمالانِ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ أيْ لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِكم بِطانَةً. والثّانِي: أنْ يُجْعَلَ وصْفًا لِلْبِطانَةِ، والتَّقْدِيرُ: بِطانَةً كائِناتٍ مِن دُونِكم.
فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِكم بِطانَةً، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ ؟
قُلْنا: قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنى، وهاهُنا لَيْسَ المَقْصُودُ اتِّخاذَ البِطانَةِ إنَّما المَقْصُودُ أنْ يَتَّخِذَ مِنهم بِطانَةً فَكانَ قَوْلُهُ: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِكم بِطانَةً أقْوى في إفادَةِ المَقْصُودِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ (مِن) زائِدَةٌ، وقِيلَ لِلنَّبِيِّينَ: لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِ أهْلِ مِلَّتِكم. فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي المَنعَ مِن مُصاحَبَةِ الكُفّارِ عَلى الإطْلاقِ، وقالَ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ الخاصَّ يُقَدَّمُ عَلى العامِّ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنَ الكافِرِينَ ذَكَرَ عِلَّةَ هَذا النَّهْيِ، وهي أُمُورٌ. أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ (ألا) في الأمْرِ يَأْلُو إذا قَصَّرَ فِيهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدًى إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا، ولا آلُوكَ جُهْدًا عَلى التَّضْمِينِ، والمَعْنى لا أمْنَعُكَ نُصْحًا ولا أنْقُصُكَ جُهْدًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخَبالُ الفَسادُ والنُّقْصانُ، وأنْشَدُوا:
لَسْتُمْ بِيَدٍ إلّا يَدًا أبَـ دًا مَخْبُولَةَ العَضُدِ
أيْ فاسِدَةَ العَضُدِ مَنقُوضَتَها، ومِنهُ قِيلَ: رَجُلٌ مَخْبُولٌ ومُخْبَلٌ ومُخْتَبَلٌ لِمَن كانَ ناقِصَ العَقْلِ، وقالَ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ فَسادًا وضَرَرًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ أيْ لا يَدَعُونَ جُهْدَهم في مَضَرَّتِكم وفَسادِكم، يُقالُ: ما ألَوْتُهُ نُصْحًا، أيْ ما قَصَّرْتُ في نَصِيحَتِهِ، وما ألَوْتُهُ شَرًّا مِثْلُهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: انْتَصَبَ الخَبالُ بِلا يَأْلُونَكم لِأنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَما ذَكَرْنا وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ لا يَخْبِلُونَكم خَبالًا. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٧٤
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: ودِدْتُ كَذا، أيْ أحْبَبْتُهُ و(العَنَتُ) شِدَّةُ الضَّرَرِ والمَشَقَّةُ، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما مَصْدَرِيَّةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] أيْ بِفَرَحِكم ومَرَحِكم وكَقَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] أيْ بِنائِهِ إيّاها وطَحْيِهِ إيّاها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أحَبُّوا أنْ يَضُرُّوكم في دِينِكم ودُنْياكم أشَدَّ الضَّرَرِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا مَحَلَّ لِقَوْلِهِ: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ بِالجُمْلَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ لِبِطانَةٍ، ولا يَصِحُّ هَذا لِأنَّ البِطانَةَ قَدْ وُصِفَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ فَلَوْ كانَ هَذا صِفَةً أيْضًا لَوَجَبَ إدْخالُ حَرْفِ العَطْفِ بَيْنَهُما.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ في المَعْنى مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: لا يُقَصِّرُونَ في إفْسادِ دِينِكم، فَإنْ عَجَزُوا عَنْهُ ودُّوا إلْقاءَكم في أشَدِّ أنْواعِ الضَّرَرِ. الثّانِي: لا يُقَصِّرُونَ في إفْسادِ أُمُورِكم في الدُّنْيا، فَإذا عَجَزُوا عَنْهُ لَمْ يَزُلْ عَنْ قُلُوبِهِمْ حُبُّ إعْناتِكم. والثّالِثُ: لا يُقَصِّرُونَ في إفْسادِ أُمُورِكم، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِمانِعٍ مِن خارِجٍ، فَحُبُّ ذَلِكَ غَيْرُ زائِلٍ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
* * *
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: البَغْضاءُ أشَدُّ البُغْضِ، فالبُغْضُ مَعَ البَغْضاءِ كالضُّرِّ مَعَ الضَّرّاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأفْواهُ جَمْعُ الفَمِ، والفَمُ أصْلُهُ فَوْهٌ بِدَلِيلِ أنَّ جَمْعَهُ أفْواهٌ، يُقالُ: فَوْهٌ وأفْواهٌ كَسَوْطٍ وأسْواطٍ، وطَوْقٍ وأطْواقٍ، ويُقالُ رَجُلٌ مُفَوَّهٌ إذا أجادَ القَوْلَ، وأفْوَهُ إذا كانَ واسِعَ الفَهْمِ، فَثَبَتَ أنَّ أصْلَ الفَمِ فَوْهٌ بِوَزْنِ سَوْطٍ، ثُمَّ حُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا ثُمَّ أُقِيمَ المِيمُ مَقامَ الواوِ لِأنَّهُما حَرْفانِ شَفَوِيّانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ إنْ حَمَلْناهُ عَلى المُنافِقِينَ فَفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّهُ لا بُدَّ في المُنافِقِ مِن أنْ يَجْرِيَ في كَلامِهِ ما يَدُلُّ عَلى نِفاقِهِ ومُفارَقَتِهِ لِطَرِيقِ المُخالَصَةِ في الوُدِّ والنَّصِيحَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] . الثّانِي: قالَ قَتادَةُ: قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ والكُفّارِ لِاطِّلاعِ بَعْضِهِمْ عَلى ذَلِكَ، أمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى اليَهُودِ فَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ فَهو أنَّهم يُظْهِرُونَ تَكْذِيبَ نَبِيِّكم وكِتابِكم ويَنْسِبُونَكم إلى الجَهْلِ والحُمْقِ، ومَنِ اعْتَقَدَ في غَيْرِهِ الإصْرارَ عَلى الجَهْلِ والحُمْقِ امْتَنَعَ أنْ يُحِبَّهُ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَبْغَضَهُ، فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ يَعْنِي الَّذِي يَظْهَرُ عَلى لِسانِ المُنافِقِ مِن عَلاماتِ البَغْضاءِ أقَلُّ مِمّا في قَلْبِهِ مِنَ النَّفْرَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن عَلاماتِ الحِقْدِ عَلى لِسانِهِ أقَلُّ مِمّا في قَلْبِهِ مِنَ الحِقْدِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ إظْهارَ هَذِهِ الأسْرارِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ مِن أهْلِ العَقْلِ والفَهْمِ والدِّرايَةِ، وقِيلَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الفَصْلَ بَيْنَ ما يَسْتَحِقُّهُ العَدُوُّ والوَلِيُّ، والمَقْصُودُ بَعْثُهم عَلى اسْتِعْمالِ العَقْلِ في تَأمُّلِ هَذِهِ الآيَةِ وتَدَبُّرِ هَذِهِ البَيِّناتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:119
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
واعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن تَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُخالَطَةِ المُنافِقِينَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ السَّيِّدُ السَّرَخْسِيُّ سَلَّمَهُ اللَّهُ: (ها) لِلتَّنْبِيهِ و(أنْتُمْ) مُبْتَدَأٌ و﴿أُولاءِ﴾ خَبَرُهُ و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿أُولاءِ﴾ بِمَعْنى الَّذِينَ و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ صِلَةٌ لَهُ، والمَوْصُولُ مَعَ الصِّلَةِ خَبَرُ (أنْتُمْ) وقالَ الفَرّاءُ ﴿أُولاءِ﴾ خَبَرٌ و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورًا ثَلاثَةً، كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ غَيْرَ المُؤْمِنِ بِطانَةً لِنَفْسِهِ. فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: قالَ المُفَضَّلُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ تُرِيدُونَ لَهُمُ الإسْلامَ وهو خَيْرُ الأشْياءِ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ لِأنَّهم يُرِيدُونَ بَقاءَكم عَلى الكُفْرِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يُوجِبُ الهَلاكَ. الثّانِي: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم مِنَ الرَّضاعَةِ والمُصاهَرَةِ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْلِمِينَ. الثّالِثُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم أظْهَرُوا لَكُمُ الإيمانَ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّ الكُفْرَ مُسْتَقِرٌّ في باطِنِهِمْ. الرّابِعُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِمَعْنى أنَّكم لا تُرِيدُونَ إلْقاءَهم في الآفاتِ والمِحَنِ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بِمَعْنى أنَّهم يُرِيدُونَ إلْقاءَكم في الآفاتِ والمِحَنِ ويَتَرَبَّصُونَ بِكُمُ الدَّوائِرَ. الخامِسُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم يُظْهِرُونَ لَكم مَحَبَّةَ الرَّسُولِ، ومُحِبُّ المَحْبُوبِ مَحْبُوبٌ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّكم تُحِبُّونَ الرَّسُولَ وهم يُبْغِضُونَ الرَّسُولَ، ومُحِبُّ المَبْغُوضِ مَبْغُوضٌ. السّادِسُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أيْ تُخالِطُونَهم، وتُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَكم في أُمُورِ دِينِكم ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أيْ لا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِكم.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها إشارَةٌ إلى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِكَوْنِ المُؤْمِنِينَ يُحِبُّونَهم ولِكَوْنِهِمْ يُبْغِضُونَ المُؤْمِنِينَ، فالكُلُّ داخِلٌ تَحْتِ الآيَةِ، ولَمّا عَرَّفَهم تَعالى كَوْنَهم مُبْغِضِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ وعَرَّفَهم أنَّهم مُبْطِلُونَ في ذَلِكَ البُغْضِ صارَ ذَلِكَ داعِيًا مِن حَيْثُ الطَّبْعِ، ومِن حَيْثُ الشَّرْعِ إلى أنْ يَصِيرَ المُؤْمِنُونَ مُبْغِضِينَ لِهَؤُلاءِ المُنافِقِينَ.
* * *
والسَّبَبُ الثّانِي لِذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِما بَيَّنّا أنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمانِ مَعًا فَكانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ (الكِتابَ) بِلَفْظِ الواحِدِ لِوُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّهُ ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الجِنْسِ كَقَوْلِهِمْ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ. وثانِيها: أنَّ المَصْدَرَ لا يُجْمَعُ إلّا عَلى التَّأْوِيلِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلِ الكُتُبَ بَدَلًا مِنَ الكِتابِ، وإنْ كانَ لَوْ قالَهُ لَجازَ تَوَسُّعًا.
صفحة ١٧٦
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكُتُبِهِمْ كُلِّها وهم مَعَ ذَلِكَ يُبْغِضُونَكم فَما بالُكم مَعَ ذَلِكَ تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِن كِتابِكم، وفِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ بِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] .
* * *
السَّبَبُ الثّالِثُ لِقُبْحِ هَذِهِ المُخالَطَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ إذا خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ أظْهَرُوا شِدَّةَ العَداوَةِ، وشِدَّةَ الغَيْظِ عَلى المُؤْمِنِينَ حَتّى تَبْلُغَ تِلْكَ الشِّدَّةُ إلى عَضِّ الأنامِلِ، كَما يَفْعَلُ ذَلِكَ أحَدُنا إذا اشْتَدَّ غَيْظُهُ وعَظُمَ حُزْنُهُ عَلى فَواتِ مَطْلُوبِهِ، ولَمّا كَثُرَ هَذا الفِعْلُ مِنَ الغَضْبانِ، صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الغَضَبِ حَتّى يُقالَ في الغَضْبانِ: إنَّهُ يَعَضُّ يَدَهُ غَيْظًا وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ عَضٌّ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما حَصَلَ لَهم هَذا الغَيْظُ الشَّدِيدُ لِما رَأوْا مِنَ ائْتِلافِ المُؤْمِنِينَ واجْتِماعِ كَلِمَتِهِمْ وصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزْدادَ غَيْظُهم حَتّى يَهْلَكُوا بِهِ، والمُرادُ مِنَ ازْدِيادِ الغَيْظِ ازْدِيادُ ما يُوجِبُ لَهم ذَلِكَ الغَيْظَ مِن قُوَّةِ الإسْلامِ وعِزَّةِ أهْلِهِ وما لَهم في ذَلِكَ مِنَ الذُّلِّ والخِزْيِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ أمْرٌ لَهم بِالإقامَةِ عَلى الغَيْظِ، وذَلِكَ الغَيْظُ كُفْرٌ، فَكانَ هَذا أمْرًا بِالإقامَةِ عَلى الكُفْرِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.
قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ دُعاءٌ بِازْدِيادِ ما يُوجِبُ هَذا الغَيْظَ وهو قُوَّةُ الإسْلامِ، فَسَقَطَ السُّؤالُ:
وأيْضًا فَإنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالمَوْتِ قَبْلَ بُلُوغِ ما يَتَمَنَّوْنَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (ذاتُ) كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِنِسْبَةِ المُؤَنَّثِ كَما أنَّ (ذُو) كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِنِسْبَةِ المُذَكَّرِ والمُرادُ بِذاتِ الصُّدُورِ الخَواطِرُ القائِمَةُ بِالقَلْبِ والدَّواعِي والصَّوارِفُ المَوْجُودَةُ فِيهِ وهي لِكَوْنِها حالَّةً في القَلْبِ مُنْتَسِبَةً إلَيْهِ فَكانَتْ ذاتَ الصُّدُورِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ ما حَصَلَ في قُلُوبِكم مِنَ الخَواطِرِ والبَواعِثِ والصَّوارِفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ داخِلَةً في جُمْلَةِ المَقُولِ، وأنْ لا تَكُونَ. أمّا الأوَّلُ: فالتَّقْدِيرُ: أخْبِرْهم بِما يُسِرُّونَهُ مِن عَضِّهِمُ الأنامِلَ غَيْظًا إذا خَلَوْا وقُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُسِرُّونَهُ بَيْنَكم، وهو مُضْمَراتُ الصُّدُورِ، فَلا تَظُنُّوا أنَّ شَيْئًا مِن أسْرارِكم يَخْفى عَلَيْهِ. أمّا الثّانِي: وهو أنْ لا يَكُونَ داخِلًا في المَقُولِ فَمَعْناهُ: قُلْ لَهم ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ ولا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى ما يُسِرُّونَ، فَإنِّي أعْلَمُ ما هو أخْفى مِن ذَلِكَ، وهو ما أضْمَرُوهُ في صُدُورِهِمْ ولَمْ يُظْهِرُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ، ثُمَّ قَوْلُ وأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِطِيبِ النَّفْسِ وقُوَّةِ الرَّجاءِ والِاسْتِبْشارِ بِوَعْدِ اللَّهِ إيّاهُ أنَّهم يَهْلَكُونَ غَيْظًا بِإعْزازِ الإسْلامِ وإذْلالِهِمْ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَدِّثْ نَفْسَكَ بِذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
آل عمران 3:120
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ وصْفِ المُنافِقِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم مَعَ ما لَهم مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ مُتَرَقِّبُونَ نُزُولَ نَوْعٍ مِنَ المِحْنَةِ والبَلاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَسُّ أصْلُهُ بِاليَدِ ثُمَّ يُسَمّى كُلُّ ما يَصِلُ إلى الشَّيْءِ (ماسًّا) عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، فَيُقالُ: فُلانٌ مَسَّهُ التَّعَبُ والنَّصَبُ، قالَ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وقالَ: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ [الإسراء: ٦٧] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَسُّ هاهُنا بِمَعْنى الإصابَةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [التوبة: ٥٠] وقَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وقالَ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الحَسَنَةِ هاهُنا مَنفَعَةُ الدُّنْيا عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها، فَمِنها صِحَّةُ البَدَنِ وحُصُولُ الخِصْبِ والفَوْزُ بِالغَنِيمَةِ والِاسْتِيلاءُ عَلى الأعْداءِ وحُصُولُ المَحَبَّةِ والأُلْفَةِ بَيْنَ الأحْبابِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ أضْدادُها، وهي المَرَضُ والفَقْرُ والهَزِيمَةُ والِانْهِزامُ مِنَ العَدُوِّ وحُصُولُ التَّفَرُّقِ بَيْنَ الأقارِبِ، والقَتْلُ والنَّهْبُ والغارَةُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَحْزَنُونَ ويَغْتَمُّونَ بِحُصُولِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الحَسَنَةِ لِلْمُسْلِمِينَ ويَفْرَحُونَ بِحُصُولِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ السَّيِّئَةِ لَهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ، والأُنْثى سَيِّئَةٌ أيْ قَبُحَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] والسَّوْأى ضِدُّ الحُسْنى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾ يَعْنِي عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعَلى ما يَنالُكم فِيها مِن شِدَّةٍ وغَمٍّ (وتَتَّقُوا) كُلَّ ما نَهاكم عَنْهُ وتَتَوَكَّلُوا في أُمُورِكم عَلى اللَّهِ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: (لا يَضِرْكم) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ وسُكُونِ الرّاءِ، وهو مِن ضارَهُ يَضِيرُهُ، ويَضُورُهُ ضَوْرًا إذا ضَرَّهُ، والباقُونَ ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ بِضَمِّ الضّادِ والرّاءِ المُشَدَّدَةِ وهو مِنَ الضُّرِّ، وأصْلُهُ يَضْرُرْكم جَزْمًا، فَأُدْغِمَتِ الرّاءُ في الرّاءِ ونُقِلَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ الأُولى إلى الضّادِ وضُمَّتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ اتِّباعًا لِأقْرَبِ الحَرَكاتِ وهي ضَمَّةُ الضّادِ، وقالَ بَعْضُهم: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ تَقْدِيرُهُ: ولا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ (لا يَضُرَّكم) بِفَتْحِ الرّاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَيْدُ هو أنْ يَحْتالَ الإنْسانُ لِيُوقِعَ غَيْرَهُ في مَكْرُوهٍ، وابْنُ عَبّاسٍ فَسَّرَ الكَيْدَ هاهُنا بِالعَداوَةِ.
صفحة ١٧٨
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (شَيْئًا) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ كُلَّ مَن صَبَرَ عَلى أداءِ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى واتَّقى كُلَّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ كانَ في حِفْظِ اللَّهِ فَلا يَضُرُّهُ كَيْدُ الكافِرِينَ ولا حِيَلُ المُحْتالِينَ.
وتَحْقِيقُ الكَلامِ في ذَلِكَ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خَلَقَ الخَلْقَ لِلْعُبُودِيَّةِ كَما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَمَن وفى بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ في ذَلِكَ فاللَّهُ سُبْحانَهُ أكْرَمُ مِن أنْ لا يَفِيَ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ في حِفْظِهِ عَنِ الآفاتِ والمَخافاتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] إشارَةٌ إلى أنَّهُ يُوَصِّلُ إلَيْهِ كُلَّ ما يَسُرُّهُ، وقالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: إذا أرَدْتَ أنْ تَكْبِتَ مَن يَحْسُدُ فاجْتَهِدْ في اكْتِسابِ الفَضائِلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (بِما يَعْمَلُونَ) بِالياءِ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ بِمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِما يَعْمَلُونَ في مُعاداتِكم فَيُعاقِبُهم عَلَيْهِ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ، فالمَعْنى أنَّهُ عالِمٌ مُحِيطٌ بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى فَيَفْعَلُ بِكم ما أنْتُمْ أهْلُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إطْلاقُ لَفْظِ المُحِيطِ عَلى اللَّهِ مَجازٌ، لِأنَّ المُحِيطَ بِالشَّيْءِ هو الَّذِي يُحِيطُ بِهِ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ عالِمًا بِكُلِّ الأشْياءِ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، جازَ في مَجازِ اللُّغَةِ أنَّهُ مُحِيطٌ بِها، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] وقالَ: ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩] وقالَ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١١] وقالَ: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ إنَّ اللَّهَ مُحِيطٌ بِما يَعْمَلُونَ لِأنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنى، ولَيْسَ المَقْصُودُ هاهُنا بَيانَ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِمْ مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى ومُجازِيهِمْ عَلَيْها فَلا جَرَمَ قَدْ ذَكَرَ العَمَلَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:121
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّهم عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ في بابِ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ ودَفْعِ مَضارِّ العَدُوِّ إذا هم صَبَرُوا واتَّقَوْا، وخِلافُ ذَلِكَ فِيهِمْ إذا لَمْ
صفحة ١٧٩
يَصْبِرُوا فَقالَ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَوْمَ أُحُدٍ كانُوا كَثِيرِينَ لِلْقِتالِ، فَلَمّا خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ انْهَزَمُوا، ويَوْمَ بَدْرٍ كانُوا قَلِيلِينَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتالِ فَلَمّا أطاعُوا أمْرَ الرَّسُولِ غَلَبُوا واسْتَوْلَوْا عَلى خُصُومِهِمْ، وذَلِكَ يُؤَكِّدُ قَوْلَنا، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الِانْكِسارَ يَوْمَ أُحُدٍ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ تَخَلُّفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ المُنافِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ اتِّخاذُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِطانَةً وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ الأوَّلُ: تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ. والثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا كَلامٌ مَعْطُوفٌ بِالواوِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] يَقُولُ: قَدْ كانَ لَكم في نَصْرِ اللَّهِ تِلْكَ الطّائِفَةَ القَلِيلَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الطّائِفَةِ الكَثِيرَةِ مِنَ الكافِرِينَ مَوْضِعُ اعْتِبارٍ لِتَعْرِفُوا بِهِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُ المُؤْمِنِينَ، وكانَ لَهم مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ إذْ غَدا الرَّسُولُ ﷺ يُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ. والثّالِثُ: العامِلُ فِيهِ مُحِيطٌ: تَقْدِيرُهُ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ إذْ غَدَوْتَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا اليَوْمَ أيُّ يَوْمٍ هو ؟ فالأكْثَرُونَ: أنَّهُ يَوْمُ أُحُدٍ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وابْنِ إسْحاقَ والرَّبِيعِ والأصَمِّ وأبِي مُسْلِمٍ، وقِيلَ: إنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقِيلَ إنَّهُ يَوْمُ الأحْزابِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ، حُجَّةُ مَن قالَ هَذا اليَوْمُ هو يَوْمُ أُحُدٍ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ بِالمَغازِي زَعَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] والظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، ومِن حَقِّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأمّا يَوْمُ الأحْزابِ، فالقَوْمُ إنَّما خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ لا يَوْمَ الأحْزابِ، فَكانَتْ قِصَّةُ أُحُدٍ ألْيَقَ بِهَذا الكَلامِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ تَقْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ فَثَبَتَ أنَّ هَذا اليَوْمَ هو يَوْمُ أُحُدٍ. الثّالِثُ: أنَّ الِانْكِسارَ واسْتِيلاءَ العَدُوِّ كانَ في يَوْمِ أُحُدٍ أكْثَرَ مِنهُ في يَوْمِ الأحْزابِ لِأنَّ في يَوْمِ أُحُدٍ قَتَلُوا جَمْعًا كَثِيرًا مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ يَوْمَ الأحْزابِ فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى يَوْمِ أُحُدٍ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ ودَعا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ ولَمْ يَدْعُهُ قَطُّ قَبْلَها فاسْتَشارَهُ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ وأكْثَرُ الأنْصارِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أقِمْ بِالمَدِينَةِ ولا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ واللَّهِ ما خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ قَطُّ إلّا أصابَ مِنّا ولا دَخَلَ عَدُوٌّ عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهُ، فَكَيْفَ وأنْتَ فِينا ؟ فَدَعْهم فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَوْضِعٍ وإنْ دَخَلُوا قَتَلَهُمُ الرِّجالُ في وُجُوهِهِمْ، ورَماهُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ بِالحِجارَةِ، وإنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ، وقالَ آخَرُونَ: اخْرُجْ بِنا إلى هَؤُلاءِ الأكْلُبِ لِئَلّا يَظُنُّوا أنّا قَدْ خِفْناهم، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنِّي قَدْ رَأيْتُ في مَنامِي بَقَرًا تُذْبَحُ حَوْلِي فَأوَّلْتُها خَيْرًا ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثَلْمًا فَأوَّلْتُهُ هَزِيمَةً ورَأيْتُ كَأنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُهاالمَدِينَةَ فَإنْ رَأيْتُمْ أنْ تُقِيمُوا بِالمَدِينَةِ وتَدَعُوهم“ فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ الَّذِينَ فاتَتْهم (بَدْرٌ) وأكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِالشَّهادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ اخْرُجْ بِنا إلى أعْدائِنا فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى دَخَلَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَلَمّا لَبِسَ نَدِمَ القَوْمُ، وقالُوا: بِئْسَما صَنَعْنا نُشِيرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ والوَحْيُ يَأْتِيهِ، فَقالُوا لَهُ اصْنَعْ يا رَسُولَ اللَّهِ ما رَأيْتَ، فَقالَ: ”لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُها حَتّى يُقاتِلَ“ فَخَرَجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ وأصْبَحَ بِالشِّعْبِ مِن أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ، فَمَشى عَلى رِجْلَيْهِ وجَعَلَ
صفحة ١٨٠
يَصُفُّ أصْحابَهُ لِلْقِتالِ كَأنَّما يُقَوِّمُ بِهِمُ القِدْحَ إنْ رَأى صَدْرًا خارِجًا قالَ لَهُ تَأخَّرْ، وكانَ نُزُولُهُ في جانِبِ الوادِي، وجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ وأمَّرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ عَلى الرُّماةِ، وقالَ: ادْفَعُوا عَنّا بِالنَّبْلِ حَتّى لا يَأْتُونا مِن ورائِنا، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأصْحابِهِ: اثْبُتُوا في هَذا المَقامِ، فَإذا عايَنُوكم ولُّوكُمُ الأدْبارَ، فَلا تَطْلُبُوا المُدْبِرِينَ ولا تَخْرُجُوا مِن هَذا المَقامِ، ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامَ لَمّا خالَفَ رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقالَ: أطاعَ الوِلْدانَ وعَصانِي، ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا إنَّما يَظْفَرُ بِعَدُوِّهِ بِكم، وقَدْ وعَدَ أصْحابَهُ أنَّ أعْداءَهم إذا عايَنُوهُمُ انْهَزَمُوا، فَإذا رَأيْتُمْ أعْداءَهم فانْهَزِمُوا فَيَتْبَعُوكم، فَيَصِيرُ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قالَهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا التَقى الفَرِيقانِ انْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ بِالمُنافِقِينَ، وكانَ جُمْلَةُ عَسْكَرِ المُسْلِمِينَ ألْفًا، فانْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مَعَ ثَلاثِمِائَةٍ، فَبَقِيَتْ سَبْعُمِائَةٍ، ثُمَّ قَوّاهُمُ اللَّهُ مَعَ ذَلِكَ حَتّى هَزَمُوا المُشْرِكِينَ، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ انْهِزامَ القَوْمِ، وكانَ اللَّهُ تَعالى بَشَّرَهم بِذَلِكَ، طَمِعُوا أنْ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ كَواقِعَةِ بَدْرٍ، فَطَلَبُوا المُدْبِرِينَ وتَرَكُوا ذَلِكَ المَوْضِعَ، وخالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ أنْ أراهم ما يُحِبُّونَ، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَفْطِمَهم عَنْ هَذا الفِعْلِ لِئَلّا يُقْدِمُوا عَلى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِيَعْلَمُوا أنَّ ظَفَرَهم إنَّما حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ بِبَرَكَةِ طاعَتِهِمْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، ومَتى تَرَكَهُمُ اللَّهُ مَعَ عَدُوِّهِمْ لَمْ يَقُومُوا لَهم فَنَزَعَ اللَّهُ الرُّعْبَ مِن قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، فَكَثُرَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ وتَفَرَّقَ العَسْكَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] وشُجَّ وجْهُ الرَّسُولِ ﷺ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ وشُلَّتْ يَدُ طَلْحَةَ دُونَهُ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ والعَبّاسُ وسَعْدٌ، ووَقَعَتِ الصَّيْحَةُ في العَسْكَرِ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، وكانَ رَجُلٌ يُكَنّى أبا سُفْيانَ مِنَ الأنْصارِ نادى الأنْصارَ وقالَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ، فَرَجَعَ إلَيْهِ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، وكانَ قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ وكَثُرَ فِيهِمُ الجِراحُ، فَقالَ ﷺ: ”رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا ذَبَّ عَنْ إخْوانِهِ“ وشَدَّ عَلى المُشْرِكِينَ بِمَن مَعَهُ حَتّى كَشَفَهم عَنِ القَتْلى والجَرْحى»، واللَّهُ أعْلَمُ.
والمَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا ثَلاثَةَ آلافٍ والمُسْلِمُونَ كانُوا ألْفًا وأقَلَّ، ثُمَّ رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مَعَ ثَلاثِمِائَةٍ مِن أصْحابِهِ فَبَقِيَ الرَّسُولُ ﷺ مَعَ سَبْعِمِائَةٍ، فَأعانَهُمُ اللَّهُ حَتّى هَزَمُوا الكُفّارَ، ثُمَّ لَمّا خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ واشْتَغَلُوا بِطَلَبِ الغَنائِمِ انْقَلَبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ وانْهَزَمُوا ووَقَعَ ما وقَعَ، وكُلُّ ذَلِكَ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ وأنَّ المُقْبِلَ مَن أعانَهُ اللَّهُ، والمُدْبِرَ مَن خَذَلَهُ اللَّهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُقالُ: بَوَّأْتُهُ مَنزِلًا وبَوَّأْتُ لَهُ مَنزِلًا أيْ أنْزَلْتُهُ فِيهِ، والمَباءَةُ والباءَةُ المَنزِلُ وقَوْلُهُ: ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ أيْ مَواطِنَ ومَواضِعَ، وقَدِ اتَّسَعُوا في اسْتِعْمالِ المَقْعَدِ والمَقامِ بِمَعْنى المَكانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] وقالَ: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] أيْ مِن مَجْلِسِكَ ومَوْضِعِ حُكْمِكَ وإنَّما عَبَّرَ عَنِ الأمْكِنَةِ هاهُنا بِالمَقاعِدِ لِوَجْهَيْنِ. الأوَّلُ: وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم أنْ يَثْبُتُوا في مَقاعِدِهِمْ لا يَنْتَقِلُوا عَنْها، والقاعِدُ في مَكانٍ لا يَنْتَقِلُ عَنْهُ، فَسَمّى تِلْكَ الأمْكِنَةَ بِالمَقاعِدِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَثْبُتُوا فِيها ولا يَنْتَقِلُوا عَنْها ألْبَتَّةَ. والثّانِي: أنَّ المُقاتِلِينَ قَدْ يَقْعُدُونَ في الأمْكِنَةِ المُعَيَّنَةِ إلى أنْ يُلاقِيَهُمُ العَدُوُّ فَيَقُومُوا عِنْدَ الحاجَةِ إلى المُحارَبَةِ فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الأمْكِنَةُ بِالمَقاعِدِ لِهَذا الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ يُرْوى «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَدا مِن مَنزِلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَمَشى عَلى رِجْلَيْهِ إلى أُحُدٍ»، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والواقِدِيِّ، فَدَلَّ هَذا
صفحة ١٨١
النَّصُّ عَلى أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ أهْلًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وقالَ تَعالى: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النور: ٢٦] فَدَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّها مُطَهَّرَةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ، ألا تَرى أنَّ ولَدَ نُوحٍ لَمّا كانَ كافِرًا قالَ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] وكَذَلِكَ امْرَأةُ لُوطٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ سَمِيعٌ لِأقْوالِكم عَلِيمٌ بِضَمائِرِكم ونِيّاتِكم، فَإنّا ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شاوَرَ أصْحابَهُ في تِلْكَ الحَرْبِ، فَمِنهم مَن قالَ لَهُ: أقِمْ بِالمَدِينَةِ، ومِنهم مَن قالَ: اخْرُجْ إلَيْهِمْ، وكانَ لِكُلِّ أحَدٍ غَرَضٌ آخَرُ فِيما يَقُولُ، فَمِن مُوافِقٍ، ومِن مُخالِفٍ فَقالَ تَعالى: أنا سَمِيعٌ لِما يَقُولُونَ عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَ.
آل عمران 3:122
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: العامِلُ فِيهِ التَّبْوِئَةُ، والمَعْنى كانَتِ التَّبْوِئَةُ في ذَلِكَ الوَقْتِ. الثّانِي: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (إذْ غَدَوْتَ) .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطّائِفَتانِ حَيّانِ مِنَ الأنْصارِ: بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ لَمّا انْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ هَمَّتِ الطّائِفَتانِ بِاتِّباعِهِ، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ، فَثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أبْهَمَ ذِكْرَهُما وسَتَرَ عَلَيْهِما، فَلا يَجُوزُ لَنا أنْ نَهْتِكَ ذَلِكَ السِّتْرَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفَشَلُ الجُبْنُ والخَوَرُ، فَإنْ قِيلَ: الهَمُّ بِالشَّيْءِ هو العَزْمُ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الطّائِفَتَيْنِ عَزَمَتا عَلى الفَشَلِ والتَّرْكِ وذَلِكَ مَعْصِيَةٌ فَكَيْفَ بِهِما أنْ يُقالَ واللَّهُ ولِيُّهُما ؟
والجَوابُ: الهَمُّ قَدْ يُرادُ بِهِ العَزْمُ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الفِكْرُ، وقَدْ يُرادُ بِهِ حَدِيثُ النَّفْسِ، وقَدْ يُرادُ بِهِ ما يَظْهَرُ مِنَ القَوْلِ الدّالِّ عَلى قُوَّةِ العَدُوِّ وكَثْرَةِ عَدَدِهِ ووُفُورِ عُدَدِهِ، لِأنَّ أيَّ شَيْءٍ ظَهَرَ مِن هَذا الجِنْسِ صَحَّ أنْ يُوصَفَ مَن ظَهَرَ ذَلِكَ مِنهُ بِأنَّهُ هَمَّ بِأنْ يَفْشَلَ مِن حَيْثُ ظَهَرَ مِنهُ ما يُوجِبُ ضَعْفَ القَلْبِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْصِيَةً وقَعَتْ مِنهُما، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ لَكِنَّها مِن بابِ الصَّغائِرِ لا مِن بابِ الكَبائِرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ فَإنَّ ذَلِكَ الهَمَّ لَوْ كانَ مِن بابِ الكَبائِرِ لَما بَقِيَتْ وِلايَةُ اللَّهِ لَهُما.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (واللَّهُ ولِيُّهم) كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المَعْنى وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الهَمَّ ما أخْرَجَهُما عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ تَعالى ناصِرُهُما ومُتَوَلِّي أمْرِهِما فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِما هَذا الفَشَلُ وتَرْكُ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى ؟ الثّالِثُ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الفَشَلَ إنَّما لَمْ يَدْخُلْ في الوُجُودِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ولِيُّهُما فَأمَدَّهُما بِالتَّوْفِيقِ والعِصْمَةِ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ لَوْلا تَوْفِيقُهُ سُبْحانَهُ وتَسْدِيدُهُ لَما تَخَلَّصَ أحَدٌ عَنْ ظُلُماتِ المَعاصِي، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما يَسُرُّنا أنّا لَمْ نَهُمَّ بِما هَمَّتِ الطّائِفَتانِ بِهِ، وقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ ولِيُّهُما ؟
صفحة ١٨٢
قُلْنا: مَعْنى ذَلِكَ فَرْطُ الِاسْتِبْشارِ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ الشَّرَفِ بِثَناءِ اللَّهِ تَعالى وإنْزالِهِ فِيهِمْ آيَةً ناطِقَةً بِصِحَّةِ الوِلايَةِ، وأنَّ تِلْكَ الهَمَّةَ ما أخْرَجَتْهم عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ التَّوَكُّلُ: تَفْعُّلُ، مِن وكَلَ أمْرَهُ إلى فُلانٍ إذا اعْتَمَدَ فِيهِ كِفايَتَهُ عَلَيْهِ ولَمْ يَتَوَلَّهُ بِنَفْسِهِ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَدْفَعَ الإنْسانُ ما يَعْرِضُ لَهُ مِن مَكْرُوهٍ وآفَةٍ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، وأنْ يَصْرِفَ الجَزَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ التَّوَكُّلِ.
آل عمران 3:123
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
فِي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ أُحُدٍ أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَّةِ بَدْرٍ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا في غايَةِ الفَقْرِ والعَجْزِ، والكُفّارَ كانُوا في غايَةِ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَلَّطَ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ فَصارَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ لا يَتَوَسَّلَ إلى تَحْصِيلِ غَرَضِهِ ومَطْلُوبِهِ إلّا بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ تَأْكِيدُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ وتَأْكِيدُ قَوْلِهِ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ . الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الطّائِفَتَيْنِ أنَّهُما هَمَّتا بِالفَشَلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي مَن كانَ اللَّهُ ناصِرًا لَهُ ومُعِينًا لَهُ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الفَشَلُ والجُبْنُ والضَّعْفُ ؟ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ بَدْرٍ فَإنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا في غايَةِ الضَّعْفِ ولَكِنْ لَمّا كانَ اللَّهُ ناصِرًا لَهم فازُوا بِمَطْلُوبِهِمْ وقَهَرُوا خُصُومَهم فَكَذا هاهُنا، فَهَذا تَقْرِيرُ وجْهِ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَدْرٍ أقْوالٌ. الأوَّلُ: بَدْرٌ اسْمُ بِئْرٍ لِرَجُلٍ يُقالُ لَهُ بَدْرٌ فَسُمِّيَتِ البِئْرُ بِاسْمِ صاحِبِها هَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ. الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِلْبِئْرِ كَما يُسَمّى البَلَدُ بِاسْمٍ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَلَ إلَيْهِ اسْمُ صاحِبِهِ وهَذا قَوْلُ الواقِدِيِّ وشُيُوخِهِ، وأنْكَرُوا قَوْلَ الشَّعْبِيِّ، وهو ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (أذِلَّةٌ) جَمْعُ ذَلِيلٍ قالَ الواحِدِيُّ: الأصْلُ في الفَعِيلِ إذا كانَ صِفَةً أنْ يُجْمَعَ عَلى فُعَلاءَ كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ وكَثِيرٍ وكُثَراءَ وشَرِيكٍ وشُرَكاءَ إلّا أنَّ لَفْظَ فُعَلاءَ اجْتَنَبُوهُ في التَّضْعِيفِ لِأنَّهم لَوْ قالُوا: قَلِيلٌ وقُلَلاءُ وخَلِيلٌ وخُلَلاءُ لاجْتَمَعَ حَرْفانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ فَعُدِلَ إلى أفْعِلَةٍ لِأنَّ مِن جُمُوعِ الفَعِيلِ: الأفْعِلَةَ، كَجَرِيبٍ وأجْرِبَةٍ، وقَفِيزٍ وأقْفِزَةٍ فَجَعَلُوهُ جَمْعَ ذَلِيلٍ أذِلَّةً، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأذِلَّةُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وإنَّما ذَكَرَ جَمْعَ القِلَّةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم مَعَ ذُلِّهِمْ كانُوا قَلِيلِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وإنَّما كانُوا أذِلَّةً لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فَلا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ هَذا الذُّلِّ بِمَعْنًى لا يُنافِي مَدْلُولَ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ هو تَفْسِيرُهُ بِقِلَّةِ العَدَدِ وضَعْفِ الحالِ وقِلَّةِ السِّلاحِ والمالِ وعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى مُقاوَمَةِ العَدُوِّ، ومَعْنى الذُّلِّ الضَّعْفُ عَنِ المُقاوَمَةِ ونَقِيضُهُ العِزُّ وهو القُوَّةُ والغَلَبَةُ، رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، وما كانَ
صفحة ١٨٣
فِيهِمْ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ، وأكْثَرُهم كانُوا رَجّالَةً، ورُبَّما كانَ الجَمْعُ مِنهم يَرْكَبُ جَمَلًا واحِدًا، والكُفّارُ قَرِيبِينَ مِن ألْفِ مُقاتِلٍ ومَعَهم مِائَةُ فَرَسٍ مَعَ الأسْلِحَةِ الكَثِيرَةِ والعُدَّةِ الكامِلَةِ. الثّانِي: لَعَلَّ المُرادَ أنَّهم كانُوا أذِلَّةً في زَعْمِ المُشْرِكِينَ واعْتِقادِهِمْ لِأجْلِ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ وسِلاحِهِمْ، وهو مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: (﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] . الثّالِثُ: أنَّ الصَّحابَةَ قَدْ شاهَدُوا الكُفّارَ في مَكَّةَ في القُوَّةِ والثَّرْوَةِ وإلى ذَلِكَ الوَقْتِ ما اتَّفَقَ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ، فَكانَتْ هَيْبَتُهم باقِيَةً في قُلُوبِهِمْ واسْتِعْظامُهم مُقَرَّرًا في نُفُوسِهِمْ فَكانُوا لِهَذا السَّبَبِ يَهابُونَهم ويَخافُونَ مِنهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ في الثَّباتِ مَعَ رَسُولِهِ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ بِتَقْواكم ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن نُصْرَتِهِ أوْ لَعَلَّ اللَّهَ يُنْعِمُ عَلَيْكم نِعْمَةً أُخْرى تَشْكُرُونَها، فَوَضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ، لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ.
آل عمران 3:124
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ هَذا الوَعْدَ حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ يَوْمَ أُحُدٍ ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بَيانُ العامِلِ في (إذْ) فَإنْ قُلْنا هَذا الوَعْدُ حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ العامِلُ في (إذْ) قَوْلَهُ: ﴿نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ والتَّقْدِيرُ: إذْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْ قُلْنا إنَّهُ حَصَلَ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ ذَلِكَ بَدَلًا ثانِيًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ يَوْمُ أُحُدٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ والواقِدِيِّ ومُقاتِلٍ ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، والحُجَّةُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ يَوْمَ بَدْرٍ إنَّما أُمِدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩] فَكَيْفَ يَلِيقُ ما ذُكِرَ فِيهِ ثَلاثَةُ آلافٍ وخَمْسَةُ آلافٍ بِيَوْمِ بَدْرٍ ؟
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ألْفًا أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ، والمُسْلِمُونَ كانُوا عَلى الثُّلُثِ مِنهم لِأنَّهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ، فَصارَ عَدَدُ الكُفّارِ مُقابَلًا بِعَدَدِ المَلائِكَةِ مَعَ زِيادَةِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ فَلا جَرَمَ وقَعَتِ الهَزِيمَةُ عَلى الكُفّارِ فَكَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ ألْفًا، وعَدَدُ الكُفّارِ ثَلاثَةَ آلافٍ، فَكانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ عَلى الثُّلُثِ مِن عَدَدِ الكُفّارِ في هَذا اليَوْمِ، كَما في يَوْمِ بَدْرٍ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ في هَذا اليَوْمِ أنْ يُنَزِّلَ ثَلاثَةَ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ لِيَصِيرَ عَدَدُ الكُفّارِ مُقابَلًا بِعَدَدِ المَلائِكَةِ مَعَ زِيادَةِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُسْلِمِينَ يَهْزِمُونَهم في هَذا اليَوْمِ كَما هَزَمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ جَعَلَ الثَّلاثَةَ
صفحة ١٨٤
آلافٍ خَمْسَةَ آلافٍ لِتَزْدادَ قُوَّةُ قُلُوبِ المُسْلِمِينَ في هَذا اليَوْمِ ويَزُولَ الخَوْفُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا المَعْنى إنَّما يَحْصُلُ إذا قُلْنا إنَّ هَذا الوَعْدَ إنَّما حَصَلَ يَوْمَ أُحُدٍ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] والمُرادُ ويَأْتُوكم أعْداؤُكم مِن فَوْرِهِمْ، ويَوْمُ أُحُدٍ هو اليَوْمُ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِمُ الأعْداءُ، فَأمّا يَوْمُ بَدْرٍ فالأعْداءُ ما أتَوْهم، بَلْ هم ذَهَبُوا إلى الأعْداءِ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ جَرى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ في يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ إنَّهُ ما حَصَلَ هَذا الإمْدادُ لَزِمَ الكَذِبُ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَهُ خَمْسَةَ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ كانَ مَشْرُوطًا بِشَرْطِ أنْ يَصْبِرُوا ويَتَّقُوا في المَغانِمِ ثُمَّ إنَّهم لَمْ يَصْبِرُوا ولَمْ يَتَّقُوا في المَغانِمِ، بَلْ خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمّا فاتَ الشَّرْطُ لا جَرَمَ فاتَ المَشْرُوطُ، وأمّا إنْزالُ ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّما وعَدَ الرَّسُولُ بِذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَوَّأهم مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وأمَرَهم بِالسُّكُونِ والثَّباتِ في تِلْكَ المَقاعِدِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ إنَّما وعَدَهم بِهَذا الوَعْدِ بِشَرْطِ أنْ يَثْبُتُوا في تِلْكَ المَقاعِدِ، فَلَمّا أهْمَلُوا هَذا الشَّرْطَ لا جَرَمَ لَمْ يَحْصُلِ المَشْرُوطُ.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَلائِكَةَ ما نَزَلَتْ، رَوى الواقِدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَوْمَ أُحُدٍ ولَكِنَّهم لَمْ يُقاتِلُوا، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعْطى اللِّواءَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ فَقُتِلَ مُصْعَبٌ فَأخَذَهُ مَلَكٌ في صُورَةِ مُصْعَبٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَقَدَّمْ يا مُصْعَبُ فَقالَ المَلَكُ: لَسْتُ بِمُصْعَبٍ فَعَرَفَ الرَّسُولُ ﷺ أنَّهُ مَلَكٌ أُمِدَّ بِهِ»، وعَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أرْمِي السَّهْمَ يَوْمَئِذٍ فَيَرُدُّهُ عَلَيَّ رَجُلٌ أبْيَضُ حَسَنُ الوَجْهِ وما كُنْتُ أعْرِفُهُ، فَظَنَنْتُ أنَّهُ مَلَكٌ، فَهَذا ما نَقُولُهُ في تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: نَظْمُ الآيَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَّةَ أُحُدٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ تَوَكُّلُهم عَلى اللَّهِ لا عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ فَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى مِثْلِ هَذِهِ النُّصْرَةِ في سائِرِ المَواضِعِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذا أعادَ الكَلامَ إلى قِصَّةِ أُحُدٍ فَقالَ: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الوَعْدَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّتِهِ بِوُجُوهٍ.
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ كَذا وكَذا، فَظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَرَهم بِبَدْرٍ حِينَما قالَ الرَّسُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ هَذا الكَلامَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ هَذا الكَلامَ يَوْمَ بَدْرٍ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قِلَّةَ العَدَدِ والعُدَدِ كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ أكْثَرَ وكانَ الِاحْتِياجُ إلى تَقْوِيَةِ القَلْبِ ذَلِكَ اليَوْمَ أكْثَرَ، فَكانَ صَرْفُ هَذا الكَلامِ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ أوْلى.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الوَعْدَ بِإنْزالِ ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ كانَ مُطْلَقًا غَيْرَ مَشْرُوطٍ بِشَرْطٍ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ، وهو إنَّما حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ لا يَوْمَ أُحُدٍ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ إنَّهم نَزَلُوا لَكِنَّهم ما قاتَلُوا لِأنَّ الوَعْدَ كانَ بِالإمْدادِ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وبِمُجَرَّدِ الإنْزالِ لا يَحْصُلُ الإمْدادُ بَلْ لا بُدَّ مِنَ الإعانَةِ، والإعانَةُ حَصَلَتْ
صفحة ١٨٥
يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ تَحْصُلْ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ أجابُوا عَنْ دَلائِلِ الأوَّلِينَ فَقالُوا:
أمّا الحُجَّةُ الأُولى: وهي قَوْلُكم: الرَّسُولُ ﷺ إنَّما أُمِدَّ يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
فالجَوابُ عَنْها: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَدَّ أصْحابَ الرَّسُولِ ﷺ بِألْفٍ ثُمَّ زادَ فِيهِمْ ألْفَيْنِ فَصارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ زادَ ألْفَيْنِ آخَرَيْنِ فَصارُوا خَمْسَةَ آلافٍ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهم: ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالُوا: بَلى، ثُمَّ قالَ: ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ ؟ فَقالُوا: بَلى، ثُمَّ قالَ لَهم: إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ، وهو كَما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: ”«أيَسُرُّكم أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: أيَسُرُّكم أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: فَإنِّي أرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ» “ .
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ أهْلَ بَدْرٍ إنَّما أُمِدُّوا بِألْفٍ عَلى ما هو مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْفالِ، ثُمَّ بَلَغَهم أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ يُرِيدُ إمْدادَ قُرَيْشٍ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ فَخافُوا وشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ الكُفّارَ إنْ جاءَهم مَدَدٌ فَأنا أُمِدُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرَيْشًا ذَلِكَ المَدَدُ، بَلِ انْصَرَفُوا حِينَ بَلَغَهم هَزِيمَةُ قُرَيْشٍ، فاسْتَغْنى عَنْ إمْدادِ المُسْلِمِينَ بِالزِّيادَةِ عَلى الألْفِ.
وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُكم: إنَّ الكُفّارَ كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ألْفًا فَأنْزَلَ اللَّهُ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ ويَوْمَ أُحُدٍ ثَلاثَةَ آلافٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ ثَلاثَةَ آلافٍ.
فالجَوابُ: إنَّهُ تَقْرِيبٌ حَسَنٌ، ولَكِنَّهُ لا يُوجِبُ أنْ لا يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ اللَّهُ تَعالى قَدْ يُزِيدُ وقَدْ يُنْقِصُ في العَدَدِ بِحَسَبِ ما يُرِيدُ.
وأمّا الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ﴾ .
فالجَوابُ عَنْهُ: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا سَمِعُوا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ وأصْحابَهُ قَدْ تَعَرَّضُوا لِلْعِيرِ ثارَ الغَضَبُ في قُلُوبِهِمْ واجْتَمَعُوا وقَصَدُوا النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ إنَّ الصَّحابَةَ لَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ خافُوا فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى: أنَّهم إنْ يَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَهَذا حاصِلُ ما قِيلَ في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في عَدَدِ المَلائِكَةِ، وضَبْطُ الأقْوالِ فِيها أنَّ مِنَ النّاسِ مَن ضَمَّ العَدَدَ النّاقِصَ إلى العَدَدِ الزّائِدِ، فَقالُوا: لِأنَّ الوَعْدَ بِإمْدادِ الثَّلاثَةِ لا شَرْطَ فِيهِ، والوَعْدُ بِإمْدادِ الخَمْسَةِ مَشْرُوطٌ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى ومَجِيءِ الكُفّارِ مِن فَوْرِهِمْ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّغايُرِ وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الخَمْسَةِ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ أنْ تَكُونَ الثَّلاثَةُ الَّتِي جَزَّؤُها مَشْرُوطَةً بِذَلِكَ الشَّرْطِ ومِنهم مَن أدْخَلَ العَدَدَ النّاقِصَ في العَدَدِ الزّائِدِ، أمّا عَلى تَقْدِيرِ الأوَّلِ: فَإنْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى قِصَّةِ بَدْرٍ كانَ عَدَدُ المَلائِكَةِ تِسْعَةَ آلافٍ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الألْفَ، وذَكَرَ ثَلاثَةَ آلافٍ، وذَكَرَ خَمْسَةَ آلافٍ، والمَجْمُوعُ تِسْعَةُ آلافٍ، وإنْ حَمَلْناها عَلى قِصَّةِ أُحُدٍ، فَلَيْسَ فِيها ذِكْرُ الألْفِ، بَلْ فِيها ذِكْرُ ثَلاثَةِ آلافٍ، وخَمْسَةِ آلافٍ، والمَجْمُوعُ: ثَمانِيَةُ آلافٍ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي: وهو إدْخالُ النّاقِصِ في الزّائِدِ فَقالُوا: عَدَدُ المَلائِكَةِ خَمْسَةُ آلافٍ، ثُمَّ ضُمَّ إلَيْها ألْفانِ آخَرانِ، فَلا جَرَمَ وُعِدُوا بِالألْفِ ثُمَّ ضُمَّ إلَيْهِ ألْفانِ فَلا جَرَمَ وُعِدُوا بِثَلاثَةِ آلافٍ، ثُمَّ ضُمَّ إلَيْها ألْفانِ آخَرانِ فَلا جَرَمَ وُعِدُوا بِخَمْسَةِ
صفحة ١٨٦
آلافٍ، وقَدْ حَكَيْنا عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: أُمِدَّ أهْلُ بَدْرٍ بِألْفٍ فَقِيلَ: إنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرٍ المُحارِبِيَّ يُرِيدُ أنْ يُمِدَّ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهم: ألَنْ يَكْفِيَكم يَعْنِي بِتَقْدِيرِ أنْ يَجِيءَ المُشْرِكِينَ مَدَدٌ فاللَّهُ تَعالى يُمِدُّكم أيْضًا بِثَلاثَةِ آلافٍ وخَمْسَةِ آلافٍ، ثُمَّ إنَّ المُشْرِكِينَ ما جاءَهُمُ المَدَدُ، فَكَذا هاهُنا الزّائِدُ عَلى الألْفِ ما جاءَ المُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ كُلُّها مُحْتَمَلَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ والسِّيَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ المَلائِكَةَ يَوْمَ بَدْرٍ وأنَّهم قاتَلُوا الكُفّارَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ سِوى يَوْمِ بَدْرٍ وفِيما سِواهُ كانُوا عَدَدًا ومَدَدًا لا يُقاتِلُونَ ولا يَضْرِبُونَ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وأمّا أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ، فَإنَّهُ أنْكَرَ ذَلِكَ أشَدَّ الإنْكارِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: إنَّ المَلَكَ الواحِدَ يَكْفِي في إهْلاكِ الأرْضِ، ومِنَ المَشْهُورِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ المَدائِنِ الأرْبَعِ لِقَوْمِ لُوطٍ وبَلَغَ جَناحُهُ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ، ثُمَّ رَفَعَها إلى السَّماءِ وقَلَبَ عالِيَها سافِلَها، فَإذا حَضَرَ هو يَوْمَ بَدْرٍ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى مُقاتَلَةِ النّاسِ مَعَ الكُفّارِ ؟ ثُمَّ بِتَقْدِيرِ حُضُورِهِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في إرْسالِ سائِرِ المَلائِكَةِ ؟
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ أكابِرَ الكُفّارِ كانُوا مَشْهُورِينَ وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُقابِلُهُ مِنَ الصَّحابَةِ مَعْلُومٌ وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ إسْنادُ قَتْلِهِ إلى المَلائِكَةِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: المَلائِكَةُ لَوْ قاتَلُوا لَكانُوا إمّا أنْ يَصِيرُوا بِحَيْثُ يَراهُمُ النّاسُ أوْ لا يَراهُمُ النّاسُ فَإنْ رَآهُمُ النّاسُ فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّهم رَأوْهم في صُورَةِ النّاسِ أوْ في غَيْرِ صُورَةِ النّاسِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ صارَ المُشاهَدُ مِن عَسْكَرِ الرَّسُولِ ثَلاثَةَ آلافٍ، أوْ أكْثَرَ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِذَلِكَ، ولِأنَّ هَذا عَلى خِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] وإنْ شاهَدُوهم في صُورَةٍ غَيْرِ صُوَرِ النّاسِ لَزِمَ وُقُوعُ الرُّعْبِ الشَّدِيدِ في قُلُوبِ الخَلْقِ، فَإنَّ مَن شاهَدَ الجِنَّ لا شَكَّ أنَّهُ يَشْتَدُّ فَزَعُهُ ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنَّ النّاسَ ما رَأوُا المَلائِكَةَ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: إذا حارَبُوا وحَزُّوا الرُّءُوسَ، ومَزَّقُوا البُطُونَ وأسْقَطُوا الكُفّارَ عَنِ الأفْراسِ، فَحِينَئِذٍ النّاسُ كانُوا يُشاهِدُونَ حُصُولَ هَذِهِ الأفْعالِ مَعَ أنَّهم ما كانُوا شاهَدُوا أحَدًا مِنَ الفاعِلِينَ، ومِثْلُ هَذا يَكُونُ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ أنْ يَصِيرَ الجاحِدُ لِمِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ كافِرًا مُتَمَرِّدًا، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عُرِفَ فَسادُ هَذا القِسْمِ أيْضًا.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ نَزَلُوا، إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا أجْسامًا كَثِيفَةً أوْ لَطِيفَةً، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ أنْ يَراهُمُ الكُلُّ وأنْ تَكُونَ رُؤْيَتُهم كَرُؤْيَةِ غَيْرِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأمْرَ ما كانَ كَذَلِكَ، وإنْ كانُوا أجْسامًا لَطِيفَةً دَقِيقَةً مِثْلَ الهَواءِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صَلابَةٌ وقُوَّةٌ، ويَمْتَنِعُ كَوْنُهم راكِبِينَ عَلى الخُيُولِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا تَرَوْنَهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ إنَّما تَلِيقُ بِمَن يُنْكِرُ القُرْآنَ والنُّبُوَّةَ، فَأمّا مَن يُقِرُّ بِهِما فَلا يَلِيقُ بِهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الكَلِماتِ، فَما كانَ يَلِيقُ بِأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ إنْكارُ هَذِهِ الأشْياءِ مَعَ أنَّ نَصَّ القُرْآنِ ناطِقٌ بِها ووُرُودُها في الأخْبارِ قَرِيبٌ مِنَ التَّواتُرِ، رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قالَ: لَمّا رَجَعَتْ قُرَيْشٌ مِن أُحُدٍ جَعَلُوا يَتَحَدَّثُونَ في أنْدِيَتِهِمْ بِما ظَفِرُوا، ويَقُولُونَ: لَمْ نَرَ الخَيْلَ البُلْقَ ولا الرِّجالَ البِيضَ الَّذِينَ كُنّا نَراهم يَوْمَ بَدْرٍ، والشُّبْهَةُ المَذْكُورَةُ إذا قابَلْناها
صفحة ١٨٧
بِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى زالَتْ وطاحَتْ فَإنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ لِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لِكَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الحاجاتِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ نُصْرَةِ المَلائِكَةِ قالَ بَعْضُهم: بِالقِتالِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ بِتَقْوِيَةِ نُفُوسِهِمْ وإشْعارِهِمْ بِأنَّ النُّصْرَةَ لَهم وبِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ، والظّاهِرُ في المَدَدِ أنَّهم يُشْرِكُونَ الجَيْشَ في القِتالِ إنْ وقَعَتِ الحاجَةُ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ لا تَقَعَ الحاجَةُ إلَيْهِمْ في نَفْسِ القِتالِ وأنْ يَكُونَ مُجَرَّدُ حُضُورِهِمْ كافِيًا في تَقْوِيَةِ القَلْبِ، وزَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قاتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ يُقاتِلُوا في سائِرِ الأيّامِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ مَعْنى الكِفايَةِ هو سَدُّ الخَلَّةِ والقِيامُ بِالأمْرِ، يُقالُ كَفاهُ أمْرَ كَذا إذا سَدَّ خَلَّتَهُ، ومَعْنى الإمْدادِ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ قالَ المُفَضَّلُ: ما كانَ عَلى جِهَةِ القُوَّةِ والإعانَةِ قِيلَ فِيهِ: أمَدَّهُ يُمِدُّهُ، وما كانَ عَلى جِهَةِ الزِّيادَةِ قِيلَ فِيهِ: مَدَّهُ يَمُدُّهُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ [لقمان: ٢٧] .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (مُنَزَّلِينَ) مُشَدَّدَ الزّايِ مَفْتُوحَةً عَلى التَّكْثِيرِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الزّايِ مُخَفَّفَةً وهُما لُغَتانِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّما قَدَّمَ لَهُمُ الوَعْدَ بِنُزُولِ المَلائِكَةِ لِتَقْوى قُلُوبُهم ويَعْزِمُوا عَلى الثَّباتِ ويَثِقُوا بِنَصْرِ اللَّهِ ومَعْنى ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إنْكارُ أنْ لا يَكْفِيَكُمُ الإمْدادُ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ وإنَّما جِيءَ بِلَنِ الَّتِي هي لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا لِقِلَّتِهِمْ وضَعْفِهِمْ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ.
آل عمران 3:125
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: بَلى: إيجابٌ لِما بَعْدَ (لَنْ) يَعْنِي بَلْ يَكْفِيكُمُ الإمْدادُ فَأوْجَبَ الكِفايَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ يَعْنِي والمُشْرِكُونَ يَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ العَدَدِ وهو خَمْسَةُ آلافٍ، فَجَعَلَ مَجِيءَ خَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَشْرُوطَةً بِثَلاثَةِ أشْياءَ: الصَّبْرُ والتَّقْوى ومَجِيءُ الكُفّارِ عَلى الفَوْرِ، فَلَمّا لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الشَّرائِطُ لا جَرَمَ لَمْ يُوجَدِ المَشْرُوطُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَوْرُ مَصْدَرٌ مِن: فارَتِ القِدْرُ إذا غَلَتْ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] قِيلَ: إنَّهُ أوَّلُ ارْتِفاعِ الماءِ مِنهُ ثُمَّ جَعَلُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ اسْتِعارَةً في السُّرْعَةِ، يُقالُ جاءَ فُلانٌ ورَجَعَ مِن فَوْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الأُصُولِيِّينَ الأمْرُ لِلْفَوْرِ أوِ التَّراخِي، والمَعْنى حِدَّةُ مَجِيءِ العَدُوِّ وحَرارَتُهُ وسُرْعَتُهُ.
صفحة ١٨٨
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ (مُسَوِّمِينَ) بِكَسْرِ الواوِ أيْ مُعَلِّمِينَ عَلَّمُوا أنْفُسَهم بِعَلاماتٍ مَخْصُوصَةٍ، وأكْثَرُ الأخْبارِ أنَّهم سَوَّمُوا خُيُولَهم بِعَلاماتٍ جَعَلُوها عَلَيْها، والباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ، أيْ سَوَّمَهُمُ اللَّهُ أوْ بِمَعْنى أنَّهم سَوَّمُوا أنْفُسَهم، فَكانَ في المُرادِ مِنَ التَّسْوِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قَوْلانِ. الأوَّلُ: السُّومَةُ العَلامَةُ الَّتِي يُعْرَفُ بِها الشَّيْءُ مِن غَيْرِهِ، ومَضى شَرْحُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] وهَذِهِ العَلامَةُ يُعَلَّمُها الفارِسُ يَوْمَ اللِّقاءِ لِيُعْرَفَ بِها، وفي الخَبَرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: ”«سَوِّمُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْ» “ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ المَلائِكَةُ قَدْ سَوَّمُوا أنْفُسَهم بِالعَمائِمِ الصُّفْرِ وخُيُولَهم، وكانُوا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، بِأنْ عَلَّقُوا الصُّوفَ الأبْيَضَ في نَواصِيها وأذْنابِها، ورُوِيَ أنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ كانَ يُعَلَّمُ بِرِيشَةِ نَعامَةٍ، وأنَّ عَلِيًّا كانَ يُعَلَّمُ بِصُوفَةٍ بَيْضاءَ وأنَّ الزُّبَيْرَ كانَ يَتَعَصَّبُ بِعِصابَةٍ صَفْراءَ وأنَّ أبا دُجانَةَ كانَ يُعَلَّمُ بِعِصابَةٍ حَمْراءَ.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ المُسَوَّمِينَ أنَّهُ بِمَعْنى المُرْسَلِينَ مَأْخُوذًا مِنَ الإبِلِ السّائِمَةِ المُرْسَلَةِ في الرَّعْيِ، تَقُولُ: أسَمْتُ الإبِلَ إذا أرْسَلْتَها، ويُقالُ في التَّكْثِيرِ سَوَّمْتُ كَما تَقُولُ: أكْرَمْتُ وكَرَّمْتُ، فَمَن قَرَأ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بِكَسْرِ الواوِ فالمَعْنى أنَّ المَلائِكَةَ أرْسَلَتْ خَيْلَها عَلى الكُفّارِ لِقَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَهم عَلى المُشْرِكِينَ لِيُهْلِكُوهم كَما تُهْلِكُ الماشِيَةُ النَّباتَ والحَشِيشَ.
آل عمران 3:126
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾
الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ عائِدَةٌ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: وما جَعَلَ اللَّهُ المَدَدَ والإمْدادَ إلّا بُشْرى لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ فَدَلَّ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ عَلى الإمْدادِ فَكَنّى عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] مَعْناهُ: وإنَّ أكْلَهُ لَفِسْقٌ فَدَلَّ ﴿تَأْكُلُوا﴾ عَلى الأكْلِ فَكَنّى عَنْهُ وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيْ ذِكْرَ المَدَدِ ﴿إلّا بُشْرى﴾ والبُشْرى اسْمٌ مِنَ الإبْشارِ ومَضى الكَلامُ في مَعْنى التَّبْشِيرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ:
وهُوَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ فِعْلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بُشْرى﴾ اسْمٌ، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ مُسْتَنْكَرٌ، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ إلّا بُشْرى لَكم واطْمِئْنانًا، أوْ يُقالُ إلّا لِيُبَشِّرَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ فَلِمَ تَرَكَ ذَلِكَ وعَدَلَ عَنْهُ إلى عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: في ذِكْرِ الإمْدادِ مَطْلُوبانِ، وأحَدُهُما أقْوى في المَطْلُوبِيَّةِ مِنَ الآخَرِ،
صفحة ١٨٩
فَأحَدُهُما إدْخالُ السُّرُورِ في قُلُوبِهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا بُشْرى﴾ . والثّانِي: حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ عَلى أنَّ إعانَةَ اللَّهِ ونُصْرَتَهُ مَعَهم فَلا يَجْبُنُوا عَنِ المُحارَبَةِ، وهَذا هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ فَفَرَّقَ بَيْنَ هاتَيْنِ العِبارَتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى حُصُولِ التَّفاوُتِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في المَطْلُوبِيَّةِ فَكَوْنُهُ بُشْرى مَطْلُوبٌ ولَكِنَّ المَطْلُوبَ الأقْوى حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ، فَلِهَذا أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ عَلى فِعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ، فَقالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ هو الرُّكُوبُ أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ عَلَيْها، فَكَذا هاهُنا الثّانِي؛ قالَ بَعْضُهم في الجَوابِ: الواوُ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ والغَرَضُ مِنهُ أنْ يَكُونَ تَوَكُّلُهم عَلى اللَّهِ لا عَلى المَلائِكَةِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إيمانَ العَبْدِ لا يَكْمُلُ إلّا عِنْدَ الإعْراضِ عَنِ الأسْبابِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، وقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ فالعَزِيزُ إشارَةٌ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، والحَكِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حاجاتُ العِبادِ ولا يَعْجِزُ عَنْ إجابَةِ الدَّعَواتِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُتَوَقَّعِ النَّصْرُ إلّا مِن رَحْمَتِهِ ولا الإعانَةُ إلّا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واللّامُ في ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ والمَعْنى أنَّ المَقْصُودَ مِن نَصْرِكم بِواسِطَةِ إمْدادِ المَلائِكَةِ هو أنْ يَقْطَعُوا طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ يُهْلِكُوا طائِفَةً مِنهم ويَقْتُلُوا قِطْعَةً مِنهم، قِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ ولَكِنَّهُ ذُكِرَ بِغَيْرِ حَرْفِ العَطْفِ لِأنَّهُ إذا كانَ البَعْضُ قَرِيبًا مِنَ البَعْضِ جازَ حَذْفُ العاطِفِ، وهو كَما يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أكْرَمْتُكَ لِتَخْدِمَنِي لِتُعِينَنِي لِتَقُومَ بِخِدْمَتِي حُذِفَ العاطِفُ، لِأنَّ البَعْضَ يَقْرُبُ مِنَ البَعْضِ، فَكَذا هاهُنا، وقَوْلُهُ: ﴿طَرَفًا﴾ أيْ طائِفَةً وقِطْعَةً وإنَّما حَسُنَ في هَذا المَوْضِعِ ذِكْرُ الطَّرَفِ ولَمْ يَحْسُنْ ذِكْرُ الوَسَطِ لِأنَّهُ لا وُصُولَ إلى الوَسَطِ إلّا بَعْدَ الأخْذِ مِنَ الطَّرَفِ، وهَذا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ الكَبْتُ في اللُّغَةِ صَرْعُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِهِ، يُقالُ: كَبَتُّهُ فانْكَبَتَ هَذا تَفْسِيرُهُ، ثُمَّ قَدْ يُذْكَرُ والمُرادُ بِهِ الإخْزاءُ والإهْلاكُ واللَّعْنُ والهَزِيمَةُ والغَيْظُ الإذْلالُ، فَكُلُّ ذَلِكَ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ الكَبْتِ، وقَوْلُهُ: ﴿خائِبِينَ﴾ الخَيْبَةُ هي الحِرْمانُ والفَرْقُ بَيْنَ الخَيْبَةِ وبَيْنَ اليَأْسِ أنَّ الخَيْبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّوَقُّعِ، وأمّا اليَأْسُ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَعْدَ التَّوَقُّعِ وقَبْلَهُ، فَنَقِيضُ اليَأْسِ الرَّجاءُ، ونَقِيضُ الخَيْبَةِ الظَّفَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:127
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾
الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ عائِدَةٌ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: وما جَعَلَ اللَّهُ المَدَدَ والإمْدادَ إلّا بُشْرى لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ فَدَلَّ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ عَلى الإمْدادِ فَكَنّى عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] مَعْناهُ: وإنَّ أكْلَهُ لَفِسْقٌ فَدَلَّ ﴿تَأْكُلُوا﴾ عَلى الأكْلِ فَكَنّى عَنْهُ وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيْ ذِكْرَ المَدَدِ ﴿إلّا بُشْرى﴾ والبُشْرى اسْمٌ مِنَ الإبْشارِ ومَضى الكَلامُ في مَعْنى التَّبْشِيرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ:
وهُوَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ فِعْلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بُشْرى﴾ اسْمٌ، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ مُسْتَنْكَرٌ، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ إلّا بُشْرى لَكم واطْمِئْنانًا، أوْ يُقالُ إلّا لِيُبَشِّرَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ فَلِمَ تَرَكَ ذَلِكَ وعَدَلَ عَنْهُ إلى عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: في ذِكْرِ الإمْدادِ مَطْلُوبانِ، وأحَدُهُما أقْوى في المَطْلُوبِيَّةِ مِنَ الآخَرِ،
صفحة ١٨٩
فَأحَدُهُما إدْخالُ السُّرُورِ في قُلُوبِهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا بُشْرى﴾ . والثّانِي: حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ عَلى أنَّ إعانَةَ اللَّهِ ونُصْرَتَهُ مَعَهم فَلا يَجْبُنُوا عَنِ المُحارَبَةِ، وهَذا هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ فَفَرَّقَ بَيْنَ هاتَيْنِ العِبارَتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى حُصُولِ التَّفاوُتِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في المَطْلُوبِيَّةِ فَكَوْنُهُ بُشْرى مَطْلُوبٌ ولَكِنَّ المَطْلُوبَ الأقْوى حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ، فَلِهَذا أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ عَلى فِعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ، فَقالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ هو الرُّكُوبُ أدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ عَلَيْها، فَكَذا هاهُنا الثّانِي؛ قالَ بَعْضُهم في الجَوابِ: الواوُ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ والغَرَضُ مِنهُ أنْ يَكُونَ تَوَكُّلُهم عَلى اللَّهِ لا عَلى المَلائِكَةِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إيمانَ العَبْدِ لا يَكْمُلُ إلّا عِنْدَ الإعْراضِ عَنِ الأسْبابِ والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، وقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ فالعَزِيزُ إشارَةٌ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، والحَكِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ عِلْمِهِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حاجاتُ العِبادِ ولا يَعْجِزُ عَنْ إجابَةِ الدَّعَواتِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُتَوَقَّعِ النَّصْرُ إلّا مِن رَحْمَتِهِ ولا الإعانَةُ إلّا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واللّامُ في ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ والمَعْنى أنَّ المَقْصُودَ مِن نَصْرِكم بِواسِطَةِ إمْدادِ المَلائِكَةِ هو أنْ يَقْطَعُوا طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ يُهْلِكُوا طائِفَةً مِنهم ويَقْتُلُوا قِطْعَةً مِنهم، قِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ ولَكِنَّهُ ذُكِرَ بِغَيْرِ حَرْفِ العَطْفِ لِأنَّهُ إذا كانَ البَعْضُ قَرِيبًا مِنَ البَعْضِ جازَ حَذْفُ العاطِفِ، وهو كَما يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أكْرَمْتُكَ لِتَخْدِمَنِي لِتُعِينَنِي لِتَقُومَ بِخِدْمَتِي حُذِفَ العاطِفُ، لِأنَّ البَعْضَ يَقْرُبُ مِنَ البَعْضِ، فَكَذا هاهُنا، وقَوْلُهُ: ﴿طَرَفًا﴾ أيْ طائِفَةً وقِطْعَةً وإنَّما حَسُنَ في هَذا المَوْضِعِ ذِكْرُ الطَّرَفِ ولَمْ يَحْسُنْ ذِكْرُ الوَسَطِ لِأنَّهُ لا وُصُولَ إلى الوَسَطِ إلّا بَعْدَ الأخْذِ مِنَ الطَّرَفِ، وهَذا يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ الكَبْتُ في اللُّغَةِ صَرْعُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِهِ، يُقالُ: كَبَتُّهُ فانْكَبَتَ هَذا تَفْسِيرُهُ، ثُمَّ قَدْ يُذْكَرُ والمُرادُ بِهِ الإخْزاءُ والإهْلاكُ واللَّعْنُ والهَزِيمَةُ والغَيْظُ الإذْلالُ، فَكُلُّ ذَلِكَ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ الكَبْتِ، وقَوْلُهُ: ﴿خائِبِينَ﴾ الخَيْبَةُ هي الحِرْمانُ والفَرْقُ بَيْنَ الخَيْبَةِ وبَيْنَ اليَأْسِ أنَّ الخَيْبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّوَقُّعِ، وأمّا اليَأْسُ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَعْدَ التَّوَقُّعِ وقَبْلَهُ، فَنَقِيضُ اليَأْسِ الرَّجاءُ، ونَقِيضُ الخَيْبَةِ الظَّفَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:128
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ: أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ أُحُدٍ، ثُمَّ
صفحة ١٩٠
القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: أنَّهُ أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى الكُفّارِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والقائِلُونَ بِهَذا ذَكَرُوا احْتِمالاتٍ. أحَدُها: رُوِيَ أنَّ عُتْبَةَ بْنَ أبِي وقّاصٍ شَجَّهُ وكَسَرَ رَباعِيَتَهُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ يَغْسِلُ عَنْ وجْهِهِ الدَّمَ وهو يَقُولُ: ”«كَيْفَ يَفْلَحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمْ» “ ثُمَّ أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وثانِيها: ما رَوى سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ أقْوامًا فَقالَ: ”«اللَّهُمَّ العَنْ أبا سُفْيانَ، اللَّهُمَّ العَنِ الحَرْثَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ» “ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَتابَ اللَّهُ عَلى هَؤُلاءِ وحَسُنَ إسْلامُهم. وثالِثُها: أنَّها نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ لَمّا رَآهُ ورَأى ما فَعَلُوا بِهِ مِنَ المُثْلَةِ قالَ: ”«لَأُمَثِّلَنَّ مِنهم بِثَلاثِينَ» “، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وكُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ حَصَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ الكُلِّ فَلا يَمْتَنِعُ حَمْلُها عَلى كُلِّ الِاحْتِمالاتِ. الثّانِي: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّهُ ﷺ أرادَ أنْ يَلْعَنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خالَفُوا أمْرَهُ والَّذِينَ انْهَزَمُوا فَمَنَعَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ ﷺ أرادَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ انْهَزَمُوا وخالَفُوا أمْرَهُ ويَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَهَذِهِ الِاحْتِمالاتُ والوُجُوهُ كُلُّها مُفَرَّعَةٌ عَلى قَوْلِنا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ أُحُدٍ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في واقِعَةٍ أُخْرى وهي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ جَمْعًا مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى أهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ لِيُعَلِّمُوهُمُ القُرْآنَ فَذَهَبَ إلَيْهِمْ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ مَعَ عَسْكَرِهِ وأخَذَهم وقَتَلَهم فَجَزِعَ مِن ذَلِكَ الرَّسُولُ ﷺ جَزَعًا شَدِيدًا ودَعا عَلى الكُفّارِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ وهو بَعِيدٌ لِأنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في قِصَّةِ أُحُدٍ، وسِياقُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وإلْقاءُ قِصَّةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنْ أوَّلِ الكَلامِ وآخِرِهِ غَيْرُ لائِقٍ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها ورَدَتْ في أمْرٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ فِيهِ فِعْلًا، وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ كالمَنعِ مِنهُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ، وهو أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ إنْ كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ مَنَعَهُ اللَّهُ مِنهُ ؟ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وبِإذْنِهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] وأيْضًا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالأمْرُ المَمْنُوعُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ إنْ كانَ حَسَنًا فَلِمَ مَنَعَهُ اللَّهُ ؟ وإنْ كانَ قَبِيحًا، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلُهُ مَعْصُومًا ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ المَنعَ مِنَ الفِعْلِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَمْنُوعَ مِنهُ كانَ مُشْتَغِلًا بِهِ فَإنَّهُ تَعالى قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أشْرَكَ قَطُّ وقالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] فَهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ يَتَّقِي اللَّهَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ١] وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أطاعَهم، والفائِدَةُ في هَذا المَنعِ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ ما يُوجِبُ الغَمَّ الشَّدِيدَ، والغَضَبَ العَظِيمَ، وهو مُثْلَةُ عَمِّهِ حَمْزَةَ، وقَتْلُ المُسْلِمِينَ، والظّاهِرُ أنَّ الغَضَبَ يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى ما لا يَنْبَغِي مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ، فَلِأجْلِ أنْ لا تُؤَدِّيَ مُشاهَدَةُ تِلْكَ المَكارِهِ إلى ما لا يَلِيقُ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى المَنعِ تَقْوِيَةً لِعِصْمَتِهِ وتَأْكِيدًا لِطَهارَتِهِ. والثّانِي: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنْ فَعَلَ لَكِنَّهُ كانَ ذَلِكَ مِن بابِ تَرْكِ الأفْضَلِ والأوْلى، فَلا جَرَمَ أرْشَدَهُ اللَّهُ إلى اخْتِيارِ الأفْضَلِ والأوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٩١
﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٦] كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنْ كُنْتَ تُعاقِبُ ذَلِكَ الظّالِمَ فاكْتَفِ بِالمِثْلِ، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: وإنْ تَرَكْتَهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى، ثُمَّ أمَرَهُ أمْرًا جازِمًا بِتَرْكِهِ، فَقالَ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٦] .
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ: لَعَلَّهُ ﷺ لَمّا مالَ قَلْبُهُ إلى اللَّعْنِ عَلَيْهِمُ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِيهِ، فَنَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى المَنعِ مِنهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَدُلُّ هَذا النَّهْيُ عَلى القَدْحِ في العِصْمَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّ مَعْناهُ لَيْسَ لَكَ مِن قِصَّةِ هَذِهِ الواقِعَةِ ومِن شَأْنِ هَذِهِ الحادِثَةِ شَيْءٌ وعَلى هَذا فَنُقِلَ عَنِ المُفَسِّرِينَ عِباراتٌ. أحَدُهُما: لَيْسَ لَكَ مِن مَصالِحِ عِبادِي شَيْءٌ إلّا ما أُوحِيَ إلَيْكَ. وثانِيها: لَيْسَ لَكَ مِن مَسْألَةِ إهْلاكِهِمْ شَيْءٌ، لِأنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمَصالِحِ فَرُبَّما تابَ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: لَيْسَ لَكَ في أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولا في أنْ يُعَذِّبَهم شَيْءٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ هو الأمْرُ الَّذِي يُضادُّ النَّهْيَ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِ خَلْقِي شَيْءٌ إلّا إذا كانَ عَلى وفْقِ أمْرِي، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ [الأنعام: ٦٢] وقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] وعَلى القَوْلَيْنِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ مَنعُهُ ﷺ مِن كُلِّ فِعْلٍ وقَوْلٍ إلّا ما كانَ بِإذْنِهِ وأمْرِهِ وهَذا هو الإرْشادُ إلى أكْمَلِ دَرَجاتِ العُبُودِيَّةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّ المَنعَ مِنَ اللَّعْنِ لِأيِّ مَعْنًى كانَ ؟ مِنهم مَن قالَ الحِكْمَةُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى رُبَّما عَلِمَ مِن حالِ بَعْضِ الكُفّارِ أنَّهُ يَتُوبُ، أوْ إنْ لَمْ يَتُبْ لَكِنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ سَيُولَدُ مِنهُ ولَدٌ يَكُونُ مُسْلِمًا بَرًّا تَقِيًّا، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَإنَّ اللّائِقَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُمْهِلَهُ في الدُّنْيا وأنْ يَصْرِفَ عَنْهُ الآفاتِ إلى أنْ يَتُوبَ أوْ إلى أنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ الوَلَدُ فَإذا حَصَلَ دُعاءُ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ، فَإنْ قُبِلَتْ دَعْوَتُهُ فاتَ هَذا المَقْصُودُ، وإنْ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَتُهُ كانَ ذَلِكَ كالِاسْتِخْفافِ بِالرَّسُولِ ﷺ، فَلِأجْلِ هَذا المَعْنى مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ اللَّعْنِ وأمَرَهُ بِأنْ يُفَوِّضَ الكُلَّ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهم مَن قالَ: المَقْصُودُ مِنهُ إظْهارُ عَجْزِ العُبُودِيَّةِ وأنْ لا يَخُوضَ العَبْدُ في أسْرارِ اللَّهِ تَعالى في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ، هَذا هو الأحْسَنُ عِنْدِي والأوْفَقُ لِمَعْرِفَةِ الأُصُولِ الدّالَّةِ عَلى حَقِيقَةِ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أوْ يَكْبِتَهم، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أوْ يُعَذِّبَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ كالكَلامِ الأجْنَبِيِّ الواقِعِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا، فَأعْلِمْ ذَلِكَ عَمْرًا، فَعَلى هَذا القَوْلِ هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى (أوْ) هاهُنا مَعْنى حَتّى، أوْ (إلّا أنْ) كَقَوْلِكَ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تُعْطِيَنِي حَقِّي والمَعْنى: إلّا أنْ تُعْطِيَنِي أوْ حَتّى تُعْطِيَنِي، ومَعْنى الآيَةِ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إلّا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتَفْرَحَ بِحالِهِمْ، أوْ يُعَذِّبَهم فَتَتَشَفّى مِنهم.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مُفَسَّرٌ عِنْدَ أصْحابِنا بِخَلْقِ التَّوْبَةِ فِيهِمْ وذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ النَّدَمِ فِيهِمْ عَلى ما مَضى، وخَلْقِ العَزْمِ فِيهِمْ عَلى أنْ لا يَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، قالَ أصْحابُنا: وهَذا المَعْنى مُتَأكِّدٌ بِبُرْهانِ العَقْلِ وذَلِكَ لِأنَّ النَّدَمَ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ إرادَةٍ في المُضِيِّ مُتَعَلِّقَةٍ بِتَرْكِ فِعْلٍ مِن
صفحة ١٩٢
الأفْعالِ في المُسْتَقْبَلِ، وحُصُولُ الإراداتِ والكَراهاتِ في القَلْبِ لا يَكُونُ بِفِعْلِ العَبْدِ، لِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَسْبُوقٌ بِالإرادَةِ، فَلَوْ كانَتِ الإراداتُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لافْتَقَرَ العَبْدُ في فِعْلِ تِلْكَ الإرادَةِ إلى إرادَةٍ أُخْرى ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الإرادَةِ والكَراهاتِ في القَلْبِ لَيْسَ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ ابْتِداءً، ولَمّا كانَتِ التَّوْبَةُ عِبارَةً عَنِ النَّدَمِ والعَزْمِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن جِنْسِ الإراداتِ والكَراهاتِ، عَلِمْنا أنَّ التَّوْبَةَ لا تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَصارَ هَذا البُرْهانُ مُطابِقًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم فَسَّرُوا قَوْلَهُ: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إمّا بِفِعْلِ الألْطافِ أوْ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنْ كانَ الغَرَضُ مِنَ الآيَةِ مَنعَهُ مِنَ الدُّعاءِ عَلى الكُفّارِ صَحَّ الكَلامُ وهو أنَّهُ تَعالى سَمّاهم ظالِمِينَ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وإنْ كانَ الغَرَضُ مِنها مَنعَهُ مِنَ الدُّعاءِ عَلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خالَفُوا أمْرَهُ صَحَّ الكَلامُ أيْضًا، لِأنَّ مَن عَصى اللَّهَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَذابِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ عَذابَ الدُّنْيا، وهو القَتْلُ والأسْرُ وأنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَعِلْمُ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِها تَعْلِيلُ حُسْنِ التَّعْذِيبِ، والمَعْنى: أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهُ إنْ عَذَّبَهم إنَّما يُعَذِّبُهم لِأنَّهم ظالِمُونَ.
آل عمران 3:129
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا تَأْكِيدُ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ والمَعْنى أنَّ الأمْرَ إنَّما يَكُونُ لِمَن لَهُ المُلْكُ، ومُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ تَعالى فالأمْرُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وهَذا بُرْهانٌ قاطِعٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ولَمْ يَقُلْ (مَن) لِأنَّ المُرادَ الإشارَةُ إلى الحَقائِقِ والماهِيّاتِ، فَدَخَلَ فِيهِ الكُلُّ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ أنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ بِحُكْمِ إلَهِيَّتِهِ جَمِيعَ الكُفّارِ والمَرَدَةِ، ولَهُ أنْ يُدْخِلَ النّارَ بِحُكْمِ إلَهِيَّتِهِ جَمِيعَ المُقَرَّبِينَ والصِّدِّيقِينَ وأنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في فِعْلِ هَذِهِ الأشْياءِ، ودَلالَةُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى ظاهِرَةٌ والبُرْهانُ العَقْلِيُّ
صفحة ١٩٣
يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ فِعْلَ العَبْدِ يَتَوَقَّفُ عَلى الإرادَةِ وتِلْكَ الإرادَةُ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، فَإذا خَلَقَ اللَّهُ تِلْكَ الإرادَةَ أطاعَ، وإذا خَلَقَ النَّوْعَ الآخَرَ مِنَ الإرادَةِ عَصى، فَطاعَةُ العَبْدِ مِنَ اللَّهِ ومَعْصِيَتُهُ أيْضًا مِنَ اللَّهِ، وفِعْلُ اللَّهِ لا يُوجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْئًا ألْبَتَّةَ، فَلا الطّاعَةُ تُوجِبُ الثَّوابَ، ولا المَعْصِيَةُ تُوجِبُ العِقابَ، بَلِ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ بِحُكْمِ إلَهِيَّتِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فَصَحَّ ما ادَّعَيْناهُ أنَّهُ لَوْ شاءَ [أنْ] يُعَذِّبَ جَمِيعَ المُقَرَّبِينَ حَسُنَ مِنهُ، ولَوْ شاءَ [أنْ] يَرْحَمَ جَمِيعَ الفَراعِنَةِ حَسُنَ مِنهُ ذَلِكَ، وهَذا البُرْهانُ هو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لِلْكُفّارِ ولا يُعَذِّبُ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ ؟
قُلْنا: مَدْلُولُ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ أرادَ لَفَعَلَ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، وهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي أنَّهُ يَفْعَلُ أوْ لا يَفْعَلُ، وهَذا الكَلامُ في غايَةِ الظُّهُورِ.
ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهُ وإنْ حَسُنَ كُلُّ ذَلِكَ مِنهُ إلّا أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ غالِبٌ لا عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ بَلْ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والإحْسانِ.
آل عمران 3:130
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ عَظِيمَ نِعَمِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإرْشادِهِمْ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ وفي أمْرِ الجِهادِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ والتَّرْغِيبِ والتَّحْذِيرِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءَ كَلامٍ، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها، وقالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِما تَقَدَّمَ مِن جِهَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما أنْفَقُوا عَلى تِلْكَ العَساكِرِ أمْوالًا جَمَعُوها بِسَبَبِ الرِّبا، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَصِيرُ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا حَتّى يَجْمَعُوا المالَ ويُنْفِقُوهُ عَلى العَسْكَرِ فَيَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا جَرَمَ نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَ لَهُ عَلى إنْسانٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلى أجَلٍ، فَإذا جاءَ الأجَلُ ولَمْ يَكُنِ المَدْيُونُ واجِدًا لِذَلِكَ المالِ قالَ: زِدْ في المالِ حَتّى أزِيدَ في الأجَلِ فَرُبَّما جَعَلَهُ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ إذا حَلَّ الأجَلُ الثّانِي فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إلى آجالٍ كَثِيرَةٍ، فَيَأْخُذُ بِسَبَبِ تِلْكَ المِائَةِ أضْعافَها فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: انْتَصَبَ (أضْعافًا) عَلى الحالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اتِّقاءَ اللَّهِ في هَذا النَّهْيِ واجِبٌ، وأنَّ الفَلاحَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أكَلَ ولَمْ يَتَّقِ زالَ الفَلاحُ وهَذا تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ لا مِنَ الصَّغائِرِ.
وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم) تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وتَمامُ الكَلامِ في الرِّبا أيْضًا مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
صفحة ٤
تَكُونُ بِقَدْرِ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ أزْيَدُ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ المُسْلِمُ بِفِسْقِهِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ .
والجَوابُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: اتَّقُوا أنْ تَجْحَدُوا تَحْرِيمَ الرِّبا فَتَصِيرُوا كافِرِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّها ما أُعِدَّتْ إلّا لِلْكافِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يَدْخُلُ النّارَ وهو عَلى خِلافِ سائِرِ الآياتِ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في النّارِ دَرَكاتٌ أُعِدَّ بَعْضُها لِلْكُفّارِ وبَعْضُها لِلْفُسّاقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الدَّرَكاتِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ لِلْكافِرِينَ، وهَذا لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ دَرَكاتٍ أُخْرى في النّارِ أعَدَّها اللَّهُ لِغَيْرِ الكافِرِينَ.
الثّانِي: أنَّ كَوْنَ النّارِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ، لا يَمْنَعُ دُخُولَ المُؤْمِنِينَ فِيها؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ أكْثَرُ أهْلِ النّارِ هُمُ الكُفّارَ فَلِأجْلِ الغَلَبَةِ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّها مُعَدَّةٌ لَهم، كَما أنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: لِدابَّةٍ رَكِبَها لِحاجَةٍ مِنَ الحَوائِجِ، إنَّما أعْدَدْتُ هَذِهِ الدّابَّةَ لِلِقاءِ المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ صادِقًا في ذَلِكَ وإنْ كانَ هو قَدْ رَكِبَها في تِلْكَ السّاعَةِ لِغَرَضٍ آخَرَ فَكَذا هاهُنا.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ النّارَ مُعَدَّةٌ لِلْكافِرِينَ، وسائِرُ الآياتِ دالَّةٌ أيْضًا عَلى أنَّها مُعَدَّةٌ لِمَن سَرَقَ وقَتَلَ وزَنى وقَذَفَ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [المُلْكِ: ٨] ولَيْسَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ يُقالُ ذَلِكَ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩٨] ولَيْسَ هَذا صِفَةَ جَمِيعِهِمْ ولَكِنْ لَمّا كانَتْ هَذِهِ الشَّرائِطُ مَذْكُورَةً في سائِرِ السُّوَرِ، كانَتْ كالمَذْكُورَةِ هاهُنا، فَكَذا فِيما ذَكَرْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إثْباتُ كَوْنِها مُعَدَّةً لَهم ولا يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: في الجَنَّةِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها سِواهم مِنَ الصِّبْيانِ والمَجانِينَ والحُورِ العِينِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن وصْفِ النّارِ بِأنَّها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ تَعْظِيمُ الزَّجْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِاتِّقاءِ المَعاصِي إذا عَلِمُوا بِأنَّهم مَتى فارَقُوا التَّقْوى أُدْخِلُوا النّارَ المُعَدَّةَ لِلْكافِرِينَ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عُقُولِهِمْ عِظَمُ عُقُوبَةِ الكُفّارِ، كانَ انْزِجارُهم عَنِ المَعاصِي أتَمَّ، وهَذا بِمَنزِلَةِ أنْ يُخَوِّفَ الوالِدُ ولَدَهُ بِأنَّكَ إنْ عَصَيْتَنِي أدْخَلْتُكَ دارَ السِّباعِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ الدّارَ لا يَدْخُلُها غَيْرُهم فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ أمْ لا ؟
الجَوابُ: نَعَمْ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أُعِدَّتْ) إخْبارٌ عَنِ الماضِي فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ في الوُجُودِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ ذَكَرَ الوَعْدَ بَعْدَهُ عَلى ما هو العادَةُ المُسْتَمِرَّةُ في القُرْآنِ، وقالَ: مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ: هَذِهِ الآيَةُ مُعاتَبَةٌ لِلَّذِينِ عَصَوُا الرَّسُولَ ﷺ حِينَ أمَرَهم بِما أمَرَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ حُصُولَ الرَّحْمَةِ مَوْقُوفٌ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وهَذا عامٌّ فَيَدُلُّ الظّاهِرُ عَلى أنَّ مَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أنَّهُ لَيْسَ أهْلًا لِلرَّحْمَةِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِ أصْحابِ الوَعِيدِ.
آل عمران 3:131
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ عَظِيمَ نِعَمِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإرْشادِهِمْ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ وفي أمْرِ الجِهادِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ والتَّرْغِيبِ والتَّحْذِيرِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءَ كَلامٍ، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها، وقالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِما تَقَدَّمَ مِن جِهَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما أنْفَقُوا عَلى تِلْكَ العَساكِرِ أمْوالًا جَمَعُوها بِسَبَبِ الرِّبا، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَصِيرُ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا حَتّى يَجْمَعُوا المالَ ويُنْفِقُوهُ عَلى العَسْكَرِ فَيَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا جَرَمَ نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَ لَهُ عَلى إنْسانٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلى أجَلٍ، فَإذا جاءَ الأجَلُ ولَمْ يَكُنِ المَدْيُونُ واجِدًا لِذَلِكَ المالِ قالَ: زِدْ في المالِ حَتّى أزِيدَ في الأجَلِ فَرُبَّما جَعَلَهُ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ إذا حَلَّ الأجَلُ الثّانِي فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إلى آجالٍ كَثِيرَةٍ، فَيَأْخُذُ بِسَبَبِ تِلْكَ المِائَةِ أضْعافَها فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: انْتَصَبَ (أضْعافًا) عَلى الحالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اتِّقاءَ اللَّهِ في هَذا النَّهْيِ واجِبٌ، وأنَّ الفَلاحَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أكَلَ ولَمْ يَتَّقِ زالَ الفَلاحُ وهَذا تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ لا مِنَ الصَّغائِرِ.
وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم) تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وتَمامُ الكَلامِ في الرِّبا أيْضًا مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
صفحة ٤
تَكُونُ بِقَدْرِ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ أزْيَدُ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ المُسْلِمُ بِفِسْقِهِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ .
والجَوابُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: اتَّقُوا أنْ تَجْحَدُوا تَحْرِيمَ الرِّبا فَتَصِيرُوا كافِرِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّها ما أُعِدَّتْ إلّا لِلْكافِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يَدْخُلُ النّارَ وهو عَلى خِلافِ سائِرِ الآياتِ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في النّارِ دَرَكاتٌ أُعِدَّ بَعْضُها لِلْكُفّارِ وبَعْضُها لِلْفُسّاقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الدَّرَكاتِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ لِلْكافِرِينَ، وهَذا لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ دَرَكاتٍ أُخْرى في النّارِ أعَدَّها اللَّهُ لِغَيْرِ الكافِرِينَ.
الثّانِي: أنَّ كَوْنَ النّارِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ، لا يَمْنَعُ دُخُولَ المُؤْمِنِينَ فِيها؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ أكْثَرُ أهْلِ النّارِ هُمُ الكُفّارَ فَلِأجْلِ الغَلَبَةِ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّها مُعَدَّةٌ لَهم، كَما أنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: لِدابَّةٍ رَكِبَها لِحاجَةٍ مِنَ الحَوائِجِ، إنَّما أعْدَدْتُ هَذِهِ الدّابَّةَ لِلِقاءِ المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ صادِقًا في ذَلِكَ وإنْ كانَ هو قَدْ رَكِبَها في تِلْكَ السّاعَةِ لِغَرَضٍ آخَرَ فَكَذا هاهُنا.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ النّارَ مُعَدَّةٌ لِلْكافِرِينَ، وسائِرُ الآياتِ دالَّةٌ أيْضًا عَلى أنَّها مُعَدَّةٌ لِمَن سَرَقَ وقَتَلَ وزَنى وقَذَفَ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [المُلْكِ: ٨] ولَيْسَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ يُقالُ ذَلِكَ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩٨] ولَيْسَ هَذا صِفَةَ جَمِيعِهِمْ ولَكِنْ لَمّا كانَتْ هَذِهِ الشَّرائِطُ مَذْكُورَةً في سائِرِ السُّوَرِ، كانَتْ كالمَذْكُورَةِ هاهُنا، فَكَذا فِيما ذَكَرْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إثْباتُ كَوْنِها مُعَدَّةً لَهم ولا يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: في الجَنَّةِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها سِواهم مِنَ الصِّبْيانِ والمَجانِينَ والحُورِ العِينِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن وصْفِ النّارِ بِأنَّها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ تَعْظِيمُ الزَّجْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِاتِّقاءِ المَعاصِي إذا عَلِمُوا بِأنَّهم مَتى فارَقُوا التَّقْوى أُدْخِلُوا النّارَ المُعَدَّةَ لِلْكافِرِينَ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عُقُولِهِمْ عِظَمُ عُقُوبَةِ الكُفّارِ، كانَ انْزِجارُهم عَنِ المَعاصِي أتَمَّ، وهَذا بِمَنزِلَةِ أنْ يُخَوِّفَ الوالِدُ ولَدَهُ بِأنَّكَ إنْ عَصَيْتَنِي أدْخَلْتُكَ دارَ السِّباعِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ الدّارَ لا يَدْخُلُها غَيْرُهم فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ أمْ لا ؟
الجَوابُ: نَعَمْ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أُعِدَّتْ) إخْبارٌ عَنِ الماضِي فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ في الوُجُودِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ ذَكَرَ الوَعْدَ بَعْدَهُ عَلى ما هو العادَةُ المُسْتَمِرَّةُ في القُرْآنِ، وقالَ: مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ: هَذِهِ الآيَةُ مُعاتَبَةٌ لِلَّذِينِ عَصَوُا الرَّسُولَ ﷺ حِينَ أمَرَهم بِما أمَرَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ حُصُولَ الرَّحْمَةِ مَوْقُوفٌ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وهَذا عامٌّ فَيَدُلُّ الظّاهِرُ عَلى أنَّ مَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أنَّهُ لَيْسَ أهْلًا لِلرَّحْمَةِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِ أصْحابِ الوَعِيدِ.
آل عمران 3:132
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ عَظِيمَ نِعَمِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإرْشادِهِمْ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ وفي أمْرِ الجِهادِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ والتَّرْغِيبِ والتَّحْذِيرِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءَ كَلامٍ، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها، وقالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِما تَقَدَّمَ مِن جِهَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما أنْفَقُوا عَلى تِلْكَ العَساكِرِ أمْوالًا جَمَعُوها بِسَبَبِ الرِّبا، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَصِيرُ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا حَتّى يَجْمَعُوا المالَ ويُنْفِقُوهُ عَلى العَسْكَرِ فَيَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا جَرَمَ نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَ لَهُ عَلى إنْسانٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلى أجَلٍ، فَإذا جاءَ الأجَلُ ولَمْ يَكُنِ المَدْيُونُ واجِدًا لِذَلِكَ المالِ قالَ: زِدْ في المالِ حَتّى أزِيدَ في الأجَلِ فَرُبَّما جَعَلَهُ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ إذا حَلَّ الأجَلُ الثّانِي فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إلى آجالٍ كَثِيرَةٍ، فَيَأْخُذُ بِسَبَبِ تِلْكَ المِائَةِ أضْعافَها فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: انْتَصَبَ (أضْعافًا) عَلى الحالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اتِّقاءَ اللَّهِ في هَذا النَّهْيِ واجِبٌ، وأنَّ الفَلاحَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أكَلَ ولَمْ يَتَّقِ زالَ الفَلاحُ وهَذا تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ لا مِنَ الصَّغائِرِ.
وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم) تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وتَمامُ الكَلامِ في الرِّبا أيْضًا مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
صفحة ٤
تَكُونُ بِقَدْرِ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ أزْيَدُ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ المُسْلِمُ بِفِسْقِهِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ .
والجَوابُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: اتَّقُوا أنْ تَجْحَدُوا تَحْرِيمَ الرِّبا فَتَصِيرُوا كافِرِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّها ما أُعِدَّتْ إلّا لِلْكافِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يَدْخُلُ النّارَ وهو عَلى خِلافِ سائِرِ الآياتِ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في النّارِ دَرَكاتٌ أُعِدَّ بَعْضُها لِلْكُفّارِ وبَعْضُها لِلْفُسّاقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الدَّرَكاتِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ لِلْكافِرِينَ، وهَذا لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ دَرَكاتٍ أُخْرى في النّارِ أعَدَّها اللَّهُ لِغَيْرِ الكافِرِينَ.
الثّانِي: أنَّ كَوْنَ النّارِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ، لا يَمْنَعُ دُخُولَ المُؤْمِنِينَ فِيها؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ أكْثَرُ أهْلِ النّارِ هُمُ الكُفّارَ فَلِأجْلِ الغَلَبَةِ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّها مُعَدَّةٌ لَهم، كَما أنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: لِدابَّةٍ رَكِبَها لِحاجَةٍ مِنَ الحَوائِجِ، إنَّما أعْدَدْتُ هَذِهِ الدّابَّةَ لِلِقاءِ المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ صادِقًا في ذَلِكَ وإنْ كانَ هو قَدْ رَكِبَها في تِلْكَ السّاعَةِ لِغَرَضٍ آخَرَ فَكَذا هاهُنا.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ القُرْآنَ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ النّارَ مُعَدَّةٌ لِلْكافِرِينَ، وسائِرُ الآياتِ دالَّةٌ أيْضًا عَلى أنَّها مُعَدَّةٌ لِمَن سَرَقَ وقَتَلَ وزَنى وقَذَفَ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [المُلْكِ: ٨] ولَيْسَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ يُقالُ ذَلِكَ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٩٨] ولَيْسَ هَذا صِفَةَ جَمِيعِهِمْ ولَكِنْ لَمّا كانَتْ هَذِهِ الشَّرائِطُ مَذْكُورَةً في سائِرِ السُّوَرِ، كانَتْ كالمَذْكُورَةِ هاهُنا، فَكَذا فِيما ذَكَرْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إثْباتُ كَوْنِها مُعَدَّةً لَهم ولا يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: في الجَنَّةِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُها سِواهم مِنَ الصِّبْيانِ والمَجانِينَ والحُورِ العِينِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن وصْفِ النّارِ بِأنَّها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ تَعْظِيمُ الزَّجْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِاتِّقاءِ المَعاصِي إذا عَلِمُوا بِأنَّهم مَتى فارَقُوا التَّقْوى أُدْخِلُوا النّارَ المُعَدَّةَ لِلْكافِرِينَ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عُقُولِهِمْ عِظَمُ عُقُوبَةِ الكُفّارِ، كانَ انْزِجارُهم عَنِ المَعاصِي أتَمَّ، وهَذا بِمَنزِلَةِ أنْ يُخَوِّفَ الوالِدُ ولَدَهُ بِأنَّكَ إنْ عَصَيْتَنِي أدْخَلْتُكَ دارَ السِّباعِ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ الدّارَ لا يَدْخُلُها غَيْرُهم فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ أمْ لا ؟
الجَوابُ: نَعَمْ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أُعِدَّتْ) إخْبارٌ عَنِ الماضِي فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ في الوُجُودِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ ذَكَرَ الوَعْدَ بَعْدَهُ عَلى ما هو العادَةُ المُسْتَمِرَّةُ في القُرْآنِ، وقالَ: مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ: هَذِهِ الآيَةُ مُعاتَبَةٌ لِلَّذِينِ عَصَوُا الرَّسُولَ ﷺ حِينَ أمَرَهم بِما أمَرَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ حُصُولَ الرَّحْمَةِ مَوْقُوفٌ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وهَذا عامٌّ فَيَدُلُّ الظّاهِرُ عَلى أنَّ مَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أنَّهُ لَيْسَ أهْلًا لِلرَّحْمَةِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِ أصْحابِ الوَعِيدِ.
آل عمران 3:133
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (سارِعُوا) بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ، والباقُونَ بِالواوِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ مَكَّةَ والعِراقِ ومُصْحَفِ عُثْمانَ، فَمَن قَرَأ بِالواوِ عَطَفَها عَلى ما قَبْلَها والتَّقْدِيرُ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وسارِعُوا، ومَن تَرَكَ الواوَ فَلِأنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ: (سارِعُوا) وقَوْلَهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٢] كالشَّيْءِ الواحِدِ، ولِقُرْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ الآخَرِ في المَعْنى أسْقَطَ العاطِفَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ الإمالَةُ في (سارِعُوا) و﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ﴾ و(نُسارِعُ) وذَلِكَ جائِزٌ لِمَكانِ الرّاءِ المَسْكُورَةِ، ويَمْنَعُ كَما المَفْتُوحَةِ الإمالَةَ، كَذَلِكَ المَسْكُورَةُ يُمِيلُها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: في الكَلامِ حَذْفٌ والمَعْنى: وسارِعُوا إلى ما يُوجِبُ مَغْفِرَةً مِن رَبِّكم ولا شَكَّ أنَّ المُوجِبَ لِلْمَغْفِرَةِ لَيْسَ إلّا فِعْلَ المَأْمُوراتِ وتَرْكَ المَنهِيّاتِ، فَكانَ هَذا أمْرًا بِالمُسارَعَةِ إلى فِعْلِ المَأْمُوراتِ وتَرْكِ المَنهِيّاتِ، وتَمَسَّكَ كَثِيرٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ يُوجِبُ الفَوْرَ ويَمْنَعُ مِنَ التَّراخِي ووَجْهُهُ ظاهِرٌ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ كَلِماتٌ:
إحْداها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الإسْلامُ، أقُولُ: وجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، والمُرادُ مِنهُ المَغْفِرَةُ العَظِيمَةُ المُتَناهِيَةُ في العِظَمِ وذَلِكَ هو المَغْفِرَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ الإسْلامِ.
الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو أداءُ الفَرائِضِ، ووَجْهُهُ أنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَيَجِبُ أنْ يَعُمَّ الكُلَّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الإخْلاصُ وهو قَوْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ووَجْهُهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ العِباداتِ الإخْلاصُ، كَما قالَ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيِّنَةِ: ٥]
الرّابِعُ: قالَ أبُو العالِيَةِ: هو الهِجْرَةُ.
والخامِسُ: أنَّهُ الجِهادُ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، قالَ: لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢١] إلى تَمامِ سِتِّينَ آيَةً نَزَلَ في يَوْمِ أُحُدٍ فَكانَ كُلُّ هَذِهِ الأوامِرِ والنَّواهِي مُخْتَصَّةً بِما يَتَعَلَّقُ بِبابِ الجِهادِ.
السّادِسُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّها التَّكْبِيرَةُ الأُولى.
والسّابِعُ: قالَ عُثْمانُ: إنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ.
والثّامِنُ: قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّها جَمِيعُ الطّاعاتِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ.
والتّاسِعُ: قالَ الأصَمُّ: سارِعُوا، أيْ بادِرُوا إلى التَّوْبَةِ مِنَ الرِّبا والذُّنُوبِ، والوَجْهُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى نَهى أوَّلًا عَنِ الرِّبا، ثُمَّ قالَ: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ المُسارَعَةُ في تَرْكِ ما تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ، والأوْلى ما تَقَدَّمَ مِن وُجُوبِ حَمْلِهِ عَلى أداءِ الواجِباتِ والتَّوْبَةِ عَنْ جَمِيعِ المَحْظُوراتِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَلا وجْهَ في تَخْصِيصِهِ، ثُمَّ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَما تَجِبُ المُسارَعَةُ إلى المَغْفِرَةِ فَكَذَلِكَ تَجِبُ المُسارَعَةُ إلى الجَنَّةِ، وإنَّما فُصِلَ بَيْنَهُما لِأنَّ الغُفْرانَ مَعْناهُ إزالَةُ العُقابِ، والجَنَّةُ مَعْناها إيصالُ الثَّوابِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا بُدَّ لِلْمُكَلَّفِ مِن تَحْصِيلِ الأمْرَيْنِ، فَأمّا وصْفُ الجَنَّةِ بِأنَّ عَرْضَها السَّماواتُ: فَمَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ لِأنَّ نَفْسَ السَّماواتِ لا تَكُونُ عَرْضًا لِلْجَنَّةِ، فالمُرادُ كَعِرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ وهاهُنا سُؤالاتٌ.
صفحة ٦
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَعْنى أنَّ عَرْضَها مِثْلُ عَرْضٍ السَّماواتِ والأرْضِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ لَوْ جُعِلَتِ السَّماواتُ والأرَضُونَ طَبَقًا طَبَقًا بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الطَّبَقاتِ سَطْحًا مُؤَلَّفًا مِن أجْزاءٍ لا تَتَجَزَّأُ، ثُمَّ وُصِلَ البَعْضُ بِالبَعْضِ طَبَقًا واحِدًا لَكانَ ذَلِكَ مِثْلَ عَرْضِ الجَنَّةِ، وهَذا غايَةٌ في السَّعَةِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ.
والثّانِي: أنَّ الجَنَّةَ الَّتِي يَكُونُ عَرْضُها مِثْلَ عَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّما تَكُونُ لِلرَّجُلِ الواحِدِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَرْغَبُ فِيما يَصِيرُ مُلْكًا، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ الجَنَّةُ المَمْلُوكَةُ لِكُلِّ واحِدٍ مِقْدارُها هَذا.
الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الجَنَّةَ لَوْ عُرِضَتْ بِالسَّماواتِ والأرْضِ عَلى سَبِيلِ البَيْعِ لَكانَتا ثَمَنًا لِلْجَنَّةِ، تَقُولُ إذا بِعْتَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ الآخَرِ: عَرَضْتُهُ عَلَيْهِ وعارَضْتُهُ بِهِ، فَصارَ العَرْضُ يُوضَعُ مَوْضِعَ المُساواةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ في القَدْرِ، وكَذا أيْضًا مَعْنى القِيمَةِ لِأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن مُقاوَمَةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِثْلًا لِلْآخَرِ.
الرّابِعُ: المَقْصُودُ المُبالَغَةُ في وصْفِ سَعَةِ الجَنَّةِ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا شَيْءَ عِنْدَنا أعْرَضُ مِنهُما ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ [هُودٍ: ١٠٧] فَإنَّ أطْوَلَ الأشْياءِ بَقاءً عِنْدَنا هو السَّماواتُ والأرْضُ، فَخُوطِبْنا عَلى وفْقِ ما عَرَفْناهُ، فَكَذا هاهُنا.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خُصَّ العَرْضُ بِالذِّكْرِ ؟ .
والجَوابُ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا كانَ العَرْضُ ذَلِكَ فالظّاهِرُ أنَّ الطُّولَ يَكُونُ أعْظَمَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٥٤] وإنَّما ذَكَرَ البَطائِنَ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّها تَكُونُ أقَلَّ حالًا مِنَ الظِّهارَةِ، فَإذا كانَتِ البِطانَةُ هَكَذا فَكَيْفَ الظِّهارَةُ ؟ فَكَذا هاهُنا إذا كانَ العَرْضُ هَكَذا فَكَيْفَ الطُّولُ ؟ .
والثّانِي: قالَ القَفّالُ: لَيْسَ المُرادُ بِالعَرْضِ هاهُنا ما هو خِلافُ الطُّولِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ السَّعَةِ كَما تَقُولُ العَرَبُ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، ويُقالُ هَذِهِ دَعْوى عَرِيضَةٌ، أيْ: واسِعَةٌ عَظِيمَةٌ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ ما اتَّسَعَ عَرْضُهُ لَمْ يَضِقْ، وما ضاقَ عَرْضُهُ دَقَّ، فَجُعِلَ العَرْضُ كِنايَةً عَنِ السَّعَةِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنْتُمْ تَقُولُونَ: الجَنَّةُ في السَّماءِ فَكَيْفَ يَكُونُ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِنا: إنَّها فَوْقَ السَّماواتِ وتَحْتَ العَرْشِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: في صِفَةِ الفِرْدَوْسِ ”«سَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ» “ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ هِرَقَلَ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ وقالَ: إنَّكَ تَدْعُو إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ فَأيْنَ النّارُ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: سُبْحانَ اللَّهِ فَأيْنَ اللَّيْلُ إذا جاءَ النَّهارُ» ؟ .
والمَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهُ إذا دارَ الفَلَكُ حَصَلَ النَّهارُ في جانِبٍ مِنَ العالَمِ واللَّيْلُ في ضِدِّ ذَلِكَ الجانِبِ، فَكَذا الجَنَّةُ في جِهَةِ العُلُوِّ والنّارُ في جِهَةِ السُّفْلِ، وسُئِلَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ الجَنَّةِ أفِي الأرْضِ أمْ في السَّماءِ ؟ فَقالَ: وأيُّ أرْضٍ وسَماءٍ تَسَعُ الجَنَّةَ، قِيلَ فَأيْنَ هي ؟ قالَ: فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ تَحْتَ العَرْشِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ الجَنَّةُ والنّارُ غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ الآنَ، بَلِ اللَّهُ تَعالى يَخْلُقُهُما بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الجَنَّةُ مَخْلُوقَةً في مَكانِ السَّماواتِ والنّارُ في مَكانِ الأرْضِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ والنّارَ مَخْلُوقَتانِ الآنَ وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ
آل عمران 3:134
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الجَنَّةَ مُعَدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ ذَكَرَ صِفاتِ المُتَّقِينَ حَتّى يَتَمَكَّنَ الإنْسانُ مِنَ اكْتِسابِ الجَنَّةِ بِواسِطَةِ اكْتِسابِ تِلْكَ الصِّفاتِ.
فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهم في حالِ الرَّخاءِ واليُسْرِ والقُدْرَةِ والعُسْرِ لا يَتْرُكُونَ الإنْفاقَ، وبِالجُمْلَةِ فالسَّرّاءُ هو الغِنى، والضَّرّاءُ هو الفَقْرُ. يُحْكى عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ رُبَّما تَصَدَّقَ بِبَصَلَةٍ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها تَصَدَّقَتْ بِحَبَّةِ عِنَبٍ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى أنَّهم سَواءٌ كانُوا في سُرُورٍ أوْ في حُزْنٍ أوْ في عُسْرٍ أوْ في يُسْرٍ فَإنَّهم لا يَدَعُونَ الإحْسانَ إلى النّاسِ.
الثّالِثُ: المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الإحْسانَ والإنْفاقَ سَواءٌ سَرَّهم بِأنْ كانَ عَلى وفْقِ طَبْعِهِمْ، أوْ ساءَهم بِأنْ كانَ عَلى خِلافِ طَبْعِهِمْ فَإنَّهم لا يَتْرُكُونَهُ، وإنَّما افْتَتَحَ اللَّهُ بِذِكْرِ الإنْفاقِ؛ لِأنَّهُ طاعَةٌ شاقَّةٌ ولِأنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أشْرَفَ الطّاعاتِ لِأجْلِ الحاجَةِ إلَيْهِ في مُجاهَدَةِ العَدُوِّ ومُواساةِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: كَظَمَ غَيْظَهُ إذا سَكَتَ عَلَيْهِ ولَمْ يُظْهِرْهُ لا بِقَوْلٍ ولا بِفِعْلٍ قالَ: المُبَرِّدُ تَأْوِيلُهُ أنَّهُ كَتَمَ عَلى امْتِلائِهِ مِنهُ، يُقالُ: كَظَمْتُ السِّقاءَ إذا مَلَأْتَهُ وسَدَدْتَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: فُلانٌ لا يَكْظِمُ عَلى جَرَّتِهِ إذا كانَ لا يَحْتَمِلُ شَيْئًا، وكُلُّ ما سَدَدْتَ مِن مَجْرى ماءٍ أوْ بابٍ أوْ طَرِيقٍ فَهو كَظْمٌ، والَّذِي يُسَدُّ بِهِ يُقالُ لَهُ الكِظامَةُ والسِّدادَةُ، ويُقالُ لِلْقَناةِ الَّتِي تَجْرِي في بَطْنِ الأرْضِ كِظامَةٌ، لِامْتِلائِها بِالماءِ كامْتِلاءِ القِرَبِ المَكْظُومَةِ، ويُقالُ: أخَذَ فُلانٌ بِكَظْمِ فُلانٍ إذا أخَذَ بِمَجْرى نَفَسِهِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ الِامْتِلاءِ بِالنَّفَسِ، وكَظَمَ البَعِيرُ كُظُومًا إذا أمْسَكَ عَلى ما في جَوْفِهِ ولَمْ يَجْتَرَّ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ الَّذِينَ يَكُفُّونَ غَيْظَهم عَنِ الإمْضاءِ يَرُدُّونَ غَيْظَهم في أجْوافِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ مِن أقْسامِ الصَّبْرِ والحِلْمِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشُّورى: ٣٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» “ «وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لِأصْحابِهِ ”تَصَدَّقُوا“ فَتَصَدَّقُوا بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ والطَّعامِ، وأتاهُ الرَّجُلُ بِقُشُورِ التَّمْرِ فَتَصَدَّقَ بِهِ، وجاءَهُ آخَرُ فَقالَ: واللَّهِ ما عِنْدِي ما أتَصَدَّقُ بِهِ، ولَكِنْ أتَصَدَّقُ بِعِرْضِي فَلا أُعاقِبُ أحَدًا بِما يَقُولُهُ في حَدِيثِهِ، فَوَفَدَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن قَوْمِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وفْدٌ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لَقَدْ تَصَدَّقَ مِنكم رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ ولَقَدْ قَبِلَها اللَّهُ مِنهُ تَصَدَّقَ بِعِرْضِهِ“» وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَسْتَطِيعُ أنْ يُنْفِذَهُ زَوَّجَهُ اللَّهُ مِنَ الحُورِ العِينِ حَيْثُ يَشاءُ» “ وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما مِن جَرْعَتَيْنِ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن جَرْعَةٍ مُوجِعَةٍ يَجْرَعُها صاحِبُها بِصَبْرٍ وحُسْنِ عَزاءٍ، ومِن جَرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَها» “ وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ لَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» “ .
صفحة ٨
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا راجِعًا إلى ما ذُمَّ مِن فِعْلِ المُشْرِكِينَ في أكْلِ الرِّبا، فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنْ ذَلِكَ ونُدِبُوا إلى العَفْوِ عَنِ المُعْسِرِينَ.
قالَ تَعالى عَقِيبَ قِصَّةِ الرِّبا والتَّدايُنِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٠] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَما قالَ في الدِّيَةِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٠] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا بِسَبَبِ «غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ وقالَ: ”لَأُمَثِّلَنَّ بِهِمْ“» فَنُدِبَ إلى كَظْمِ هَذا الغَيْظِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ والكَفِّ عَنْ فِعْلِ ما ذَكَرَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ مِنَ المُثْلَةِ، فَكانَ تَرْكُهُ فِعْلَ ذَلِكَ عَفْوًا، قالَ تَعالى: في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] قالَ ﷺ: ”«لا يَكُونُ العَبْدُ ذا فَضْلٍ حَتّى يَصِلَ مَن قَطَعَهُ، ويَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، ويُعْطِيَ مَن حَرَمَهُ» “ ورُوِيَ عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: لَيْسَ الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، ذَلِكَ مُكافَأةٌ، إنَّما الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْجِنْسِ فَيَتَناوَلُ كُلَّ مُحْسِنٍ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ، وأنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ فَيَكُونَ إشارَةً إلى هَؤُلاءِ.
واعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ إلى الغَيْرِ إمّا أنْ يَكُونَ بِإيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِ أوْ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ. أمّا إيصالُ النَّفْعِ إلَيْهِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ إنْفاقُ العِلْمِ، وذَلِكَ بِأنْ يَشْتَغِلَ بِتَعْلِيمِ الجاهِلِينَ وهِدايَةِ الضّالِّينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ إنْفاقُ المالِ في وُجُوهِ الخَيْراتِ والعِباداتِ وأمّا دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الغَيْرِ فَهو إمّا في الدُّنْيا، وهو أنْ لا يَشْتَغِلَ بِمُقابَلَةِ تِلْكَ الإساءَةِ بِإساءَةٍ أُخْرى، وهو المُرادُ بِكَظْمِ الغَيْظِ، وإمّا في الآخِرَةِ وهو أنْ يُبَرِّئَ ذِمَّتَهُ عَنِ التَّبِعاتِ والمُطالَباتِ في الآخِرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى جَمِيعِ جِهاتِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ مُشْتَرِكَةً في كَوْنِها إحْسانًا إلى الغَيْرِ ذَكَرَ ثَوابَها فَقالَ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ فَإنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أعَمُّ دَرَجاتِ الثَّوابِ.
آل عمران 3:135
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّ وجْهَ النَّظْمِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الجَنَّةَ بِأنَّها مُعَدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ بَيَّنَ أنَّ المُتَّقِينَ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: الَّذِينَ أقْبَلُوا عَلى الطّاعاتِ والعِباداتِ، وهُمُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالإنْفاقِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وكَظْمِ الغَيْظِ، والعَفْوِ عَنِ النّاسِ.
وثانِيهُما: الَّذِينَ أذْنَبُوا ثُمَّ تابُوا وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾
صفحة ٩
وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ كالفِرْقَةِ الأُولى في كَوْنِها مُتَّقِيَةً، وذَلِكَ لِأنَّ المُذْنِبَ إذا تابَ عَنِ الذَّنْبِ صارَ حالُهُ كَحالِ مَن لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ في اسْتِحْقاقِ المَنزِلَةِ والكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى نَدَبَ في الآيَةِ الأُولى إلى الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ونَدَبَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الإحْسانِ إلى النَّفْسِ، فَإنَّ المُذْنِبَ العاصِيَ إذا تابَ كانَتْ تِلْكَ التَّوْبَةُ إحْسانًا مِنهُ إلى نَفْسِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: «رَوى ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ، أنْصارِيٍّ وثَقَفِيٍّ، والرَّسُولُ ﷺ كانَ قَدْ آخى بَيْنَهُما، وكانا لا يَفْتَرِقانِ في أحْوالِهِما، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بِالقُرْعَةِ في السَّفَرِ، وخَلَّفَ الأنْصارِيَّ عَلى أهْلِهِ لِيَتَعاهَدَهم، فَكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ قامَ إلى امْرَأتِهِ لِيُقَبِّلَها فَوَضَعَتْ كَفَّها عَلى وجْهِها، فَنَدِمَ الرَّجُلُ، فَلَمّا وافى الثَّقَفِيُّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يَرَ الأنْصارِيَّ، وكانَ قَدْ هامَ في الجِبالِ لِلتَّوْبَةِ، فَلَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ ﷺ سَكَتَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «قالَ المُؤْمِنُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِنّا، فَكانَ أحَدُهم إذا أذْنَبَ ذَنْبًا أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً عَلى عَتَبَةِ دارِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، افْعَلْ كَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وبَيَّنَ أنَّهم أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهم حَيْثُ جَعَلَ كَفّارَةَ ذَنْبِهِمُ الِاسْتِغْفارَ» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفاحِشَةُ هاهُنا نَعْتٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَعَلُوا فِعْلَةً فاحِشَةً، وذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الفاحِشَةِ وبَيْنَ ظُلْمِ النَّفْسِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاحِشَةُ ما يَكُونُ فِعْلُهُ كامِلًا في القُبْحِ، وظُلْمُ النَّفْسِ: هو أيُّ ذَنْبٍ كانَ مِمّا يُؤاخَذُ الإنْسانُ بِهِ.
والثّانِي: أنَّ الفاحِشَةَ هي الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ هي الصَّغِيرَةُ، والصَّغِيرَةُ يَجِبُ الِاسْتِغْفارُ مِنها، بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مَأْمُورًا بِالِاسْتِغْفارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وما كانَ اسْتِغْفارُهُ دالًّا عَلى الصَّغائِرِ بَلْ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ. الثّالِثُ: الفاحِشَةُ: هي الزِّنا، وظُلْمُ النَّفْسِ: هي القُبْلَةُ واللَّمْسَةُ والنَّظْرَةُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى السَّبَبِ الَّذِي رَوَيْناهُ؛ ولِأنَّهُ تَعالى سَمّى الزِّنا فاحِشَةً، فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسْراءِ: ٣٢] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى ذَكَرُوا وعِيدَ اللَّهِ أوْ عِقابَهُ أوْ جَلالَهُ المُوجِبَ لِلْخَشْيَةِ والحَياءِ مِنهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والذِّكْرُ هاهُنا هو الَّذِي ضِدُّ النِّسْيانِ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ، والواقِدِيِّ، فَإنَّ الضَّحّاكَ قالَ: ذَكَرُوا العَرْضَ الأكْبَرَ عَلى اللَّهِ، ومُقاتِلٌ والواقِدِيُّ قالا: تَفَكَّرُوا أنَّ اللَّهَ سائِلُهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ كالأثَرِ، والنَّتِيجَةِ لِذَلِكَ الذِّكْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الذِّكْرَ الَّذِي يُوجِبُ الِاسْتِغْفارَ لَيْسَ إلّا ذِكْرَ عِقابِ اللَّهِ، ونَهْيِهِ ووَعِيدِهِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠١]
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذا الذِّكْرِ ذِكْرُ اللَّهِ بِالثَّناءِ والتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن أرادَ أنْ يَسْألَ اللَّهَ مَسْألَةً، فالواجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلى تِلْكَ المَسْألَةِ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ، فَهُنا لَمّا كانَ المُرادُ الِاسْتِغْفارَ مِنَ الذُّنُوبِ قَدَّمُوا عَلَيْهِ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ اشْتَغَلُوا بِالِاسْتِغْفارِ عَنِ الذُّنُوبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ الإتْيانُ بِالتَّوْبَةِ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ، وهو النَّدَمُ عَلى فِعْلِ ما
صفحة ١٠
مَضى مَعَ العَزْمِ عَلى تَرْكِ مِثْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، فَهَذا هو حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ، فَأمّا الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ، فَذاكَ لا أثَرَ لَهُ في إزالَةِ الذَّنْبِ، بَلْ يَجِبُ إظْهارُ هَذا الِاسْتِغْفارِ لِإزالَةِ التُّهْمَةِ، ولِإظْهارِ كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: (لِذُنُوبِهِمْ) أيْ لِأجْلِ ذُنُوبِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يَطْلُبَ العَبْدُ المَغْفِرَةَ إلّا مِنهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى عِقابِ العَبْدِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكانَ هو القادِرَ عَلى إزالَةِ ذَلِكَ العِقابِ عَنْهُ، فَصَحَّ أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الِاسْتِغْفارِ إلّا مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حالٌ مِن فِعْلِ الإصْرارِ، والتَّقْدِيرُ: ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ الذُّنُوبِ حالَ ما كانُوا عالِمِينَ بِكَوْنِها مَحْظُورَةً مُحَرَّمَةً لِأنَّهُ قَدْ يُعْذَرُ مَن لا يَعْلَمُ حُرْمَةَ الفِعْلِ، أمّا العالِمُ بِحُرْمَتِهِ فَإنَّهُ لا يُعْذَرُ في فِعْلِهِ ألْبَتَّةَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العَقْلَ والتَّمْيِيزَ والتَّمْكِينَ مِنَ الِاحْتِرازِ مِنَ الفَواحِشِ فَيَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ ﷺ: ”«رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ» “ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ والمَعْنى أنَّ المَطْلُوبَ أمْرانِ:
الأوَّلُ: الأمْنُ مِنَ العِقابِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ .
والثّانِي: إيصالُ الثَّوابِ إلَيْهِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يَحْصُلُ لَهم مِن ذَلِكَ وهو الغُفْرانُ والجَنّاتُ يَكُونُ أجْرًا لِعَمَلِهِمْ وجَزاءً عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ قالَ القاضِي: وهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّ الثَّوابَ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ بِجَزاءٍ عَلى عَمَلِهِمْ.
آل عمران 3:136
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّ وجْهَ النَّظْمِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الجَنَّةَ بِأنَّها مُعَدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ بَيَّنَ أنَّ المُتَّقِينَ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: الَّذِينَ أقْبَلُوا عَلى الطّاعاتِ والعِباداتِ، وهُمُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالإنْفاقِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وكَظْمِ الغَيْظِ، والعَفْوِ عَنِ النّاسِ.
وثانِيهُما: الَّذِينَ أذْنَبُوا ثُمَّ تابُوا وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾
صفحة ٩
وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ كالفِرْقَةِ الأُولى في كَوْنِها مُتَّقِيَةً، وذَلِكَ لِأنَّ المُذْنِبَ إذا تابَ عَنِ الذَّنْبِ صارَ حالُهُ كَحالِ مَن لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ في اسْتِحْقاقِ المَنزِلَةِ والكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى نَدَبَ في الآيَةِ الأُولى إلى الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ونَدَبَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الإحْسانِ إلى النَّفْسِ، فَإنَّ المُذْنِبَ العاصِيَ إذا تابَ كانَتْ تِلْكَ التَّوْبَةُ إحْسانًا مِنهُ إلى نَفْسِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: «رَوى ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ، أنْصارِيٍّ وثَقَفِيٍّ، والرَّسُولُ ﷺ كانَ قَدْ آخى بَيْنَهُما، وكانا لا يَفْتَرِقانِ في أحْوالِهِما، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بِالقُرْعَةِ في السَّفَرِ، وخَلَّفَ الأنْصارِيَّ عَلى أهْلِهِ لِيَتَعاهَدَهم، فَكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ قامَ إلى امْرَأتِهِ لِيُقَبِّلَها فَوَضَعَتْ كَفَّها عَلى وجْهِها، فَنَدِمَ الرَّجُلُ، فَلَمّا وافى الثَّقَفِيُّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يَرَ الأنْصارِيَّ، وكانَ قَدْ هامَ في الجِبالِ لِلتَّوْبَةِ، فَلَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ ﷺ سَكَتَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «قالَ المُؤْمِنُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِنّا، فَكانَ أحَدُهم إذا أذْنَبَ ذَنْبًا أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً عَلى عَتَبَةِ دارِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، افْعَلْ كَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وبَيَّنَ أنَّهم أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهم حَيْثُ جَعَلَ كَفّارَةَ ذَنْبِهِمُ الِاسْتِغْفارَ» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفاحِشَةُ هاهُنا نَعْتٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَعَلُوا فِعْلَةً فاحِشَةً، وذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الفاحِشَةِ وبَيْنَ ظُلْمِ النَّفْسِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاحِشَةُ ما يَكُونُ فِعْلُهُ كامِلًا في القُبْحِ، وظُلْمُ النَّفْسِ: هو أيُّ ذَنْبٍ كانَ مِمّا يُؤاخَذُ الإنْسانُ بِهِ.
والثّانِي: أنَّ الفاحِشَةَ هي الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ هي الصَّغِيرَةُ، والصَّغِيرَةُ يَجِبُ الِاسْتِغْفارُ مِنها، بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مَأْمُورًا بِالِاسْتِغْفارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وما كانَ اسْتِغْفارُهُ دالًّا عَلى الصَّغائِرِ بَلْ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ. الثّالِثُ: الفاحِشَةُ: هي الزِّنا، وظُلْمُ النَّفْسِ: هي القُبْلَةُ واللَّمْسَةُ والنَّظْرَةُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى السَّبَبِ الَّذِي رَوَيْناهُ؛ ولِأنَّهُ تَعالى سَمّى الزِّنا فاحِشَةً، فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسْراءِ: ٣٢] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى ذَكَرُوا وعِيدَ اللَّهِ أوْ عِقابَهُ أوْ جَلالَهُ المُوجِبَ لِلْخَشْيَةِ والحَياءِ مِنهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والذِّكْرُ هاهُنا هو الَّذِي ضِدُّ النِّسْيانِ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ، والواقِدِيِّ، فَإنَّ الضَّحّاكَ قالَ: ذَكَرُوا العَرْضَ الأكْبَرَ عَلى اللَّهِ، ومُقاتِلٌ والواقِدِيُّ قالا: تَفَكَّرُوا أنَّ اللَّهَ سائِلُهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ كالأثَرِ، والنَّتِيجَةِ لِذَلِكَ الذِّكْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الذِّكْرَ الَّذِي يُوجِبُ الِاسْتِغْفارَ لَيْسَ إلّا ذِكْرَ عِقابِ اللَّهِ، ونَهْيِهِ ووَعِيدِهِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠١]
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذا الذِّكْرِ ذِكْرُ اللَّهِ بِالثَّناءِ والتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن أرادَ أنْ يَسْألَ اللَّهَ مَسْألَةً، فالواجِبُ أنْ يُقَدِّمَ عَلى تِلْكَ المَسْألَةِ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ، فَهُنا لَمّا كانَ المُرادُ الِاسْتِغْفارَ مِنَ الذُّنُوبِ قَدَّمُوا عَلَيْهِ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ اشْتَغَلُوا بِالِاسْتِغْفارِ عَنِ الذُّنُوبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ الإتْيانُ بِالتَّوْبَةِ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ، وهو النَّدَمُ عَلى فِعْلِ ما
صفحة ١٠
مَضى مَعَ العَزْمِ عَلى تَرْكِ مِثْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، فَهَذا هو حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ، فَأمّا الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ، فَذاكَ لا أثَرَ لَهُ في إزالَةِ الذَّنْبِ، بَلْ يَجِبُ إظْهارُ هَذا الِاسْتِغْفارِ لِإزالَةِ التُّهْمَةِ، ولِإظْهارِ كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: (لِذُنُوبِهِمْ) أيْ لِأجْلِ ذُنُوبِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يَطْلُبَ العَبْدُ المَغْفِرَةَ إلّا مِنهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى عِقابِ العَبْدِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكانَ هو القادِرَ عَلى إزالَةِ ذَلِكَ العِقابِ عَنْهُ، فَصَحَّ أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الِاسْتِغْفارِ إلّا مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حالٌ مِن فِعْلِ الإصْرارِ، والتَّقْدِيرُ: ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ الذُّنُوبِ حالَ ما كانُوا عالِمِينَ بِكَوْنِها مَحْظُورَةً مُحَرَّمَةً لِأنَّهُ قَدْ يُعْذَرُ مَن لا يَعْلَمُ حُرْمَةَ الفِعْلِ، أمّا العالِمُ بِحُرْمَتِهِ فَإنَّهُ لا يُعْذَرُ في فِعْلِهِ ألْبَتَّةَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العَقْلَ والتَّمْيِيزَ والتَّمْكِينَ مِنَ الِاحْتِرازِ مِنَ الفَواحِشِ فَيَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ ﷺ: ”«رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ» “ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ والمَعْنى أنَّ المَطْلُوبَ أمْرانِ:
الأوَّلُ: الأمْنُ مِنَ العِقابِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ .
والثّانِي: إيصالُ الثَّوابِ إلَيْهِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يَحْصُلُ لَهم مِن ذَلِكَ وهو الغُفْرانُ والجَنّاتُ يَكُونُ أجْرًا لِعَمَلِهِمْ وجَزاءً عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ قالَ القاضِي: وهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّ الثَّوابَ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ بِجَزاءٍ عَلى عَمَلِهِمْ.
آل عمران 3:137
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ عَلى الطّاعَةِ والتَّوْبَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ الغُفْرانَ والجَنّاتِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَحْمِلُهم عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وعَلى التَّوْبَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ وهو تَأمُّلُ أحْوالِ القُرُونِ الخالِيَةِ مِنَ المُطِيعِينَ والعاصِينَ فَقالَ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الخُلُوِّ في اللُّغَةِ الِانْفِرادُ والمَكانُ الخالِي هو المُنْفَرِدُ عَمَّنْ يَسْكُنُ فِيهِ ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا في الزَّمانِ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ لِأنَّ ما مَضى انْفَرَدَ عَنِ الوُجُودِ وخَلا عَنْهُ، وكَذا الأُمَمُ الخالِيَةُ، وأمّا السُّنَّةُ فَهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ والمِثالُ المُتَّبَعُ، وفي اشْتِقاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّها فُعْلَةٌ مِن سَنَّ الماءَ يَسُنُّهُ إذا والى صَبَّهُ، والسَّنُّ الصَّبُّ لِلْماءِ، والعَرَبُ شَبَّهَتِ الطَّرِيقَةَ المُسْتَقِيمَةَ بِالماءِ المَصْبُوبِ فَإنَّهُ لِتَوالِي أجْزاءِ الماءِ فِيهِ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ يَكُونُ كالشَّيْءِ الواحِدِ، والسُّنَّةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ
صفحة ١١
مِن: سَنَنْتُ النَّصْلَ والسِّنانَ أسُنُّهُ سَنًّا فَهو مَسْنُونٌ إذا حَدَدْتَهُ عَلى المِسَنِّ، فالفِعْلُ المَنسُوبُ إلى النَّبِيِّ ﷺ سُمِّيَ سُنَّةً عَلى مَعْنى أنَّهُ مَسْنُونٌ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: سَنَّ الإبِلَ إذا أحْسَنَ الرَّعْيَ، والفِعْلُ الَّذِي داوَمَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ سُمِّيَ سُنَّةً بِمَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْسَنَ رِعايَتَهُ وإدامَتَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ: قَدِ انْقَضَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنُ اللَّهِ تَعالى في الأُمَمِ السّالِفَةِ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فالأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ سُنَنُ الهَلاكِ والِاسْتِئْصالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم خالَفُوا الأنْبِياءَ والرُّسُلَ لِلْحِرْصِ عَلى الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها، ثُمَّ انْقَرَضُوا ولَمْ يَبْقَ مِن دُنْياهم أثَرٌ وبَقِيَ اللَّعْنُ في الدُّنْيا والعِقابُ في الآخِرَةِ عَلَيْهِمْ، فَرَغَّبَ اللَّهُ تَعالى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في تَأمُّلِ أحْوالِ هَؤُلاءِ الماضِينَ لِيَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ والإعْراضِ عَنِ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا وطَلَبِ الجاهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلِ المُرادُ سُنَنُ اللَّهِ تَعالى في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ الدُّنْيا ما بَقِيَتْ لا مَعَ المُؤْمِنِ ولا مَعَ الكافِرِ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَبْقى لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا والثَّوابُ الجَزِيلُ في العُقْبى، والكافِرُ بَقِيَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعِقابُ في العُقْبى ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ التَّأمُّلَ في حالِ أحَدِ القِسْمَيْنِ يَكْفِي في مَعْرِفَةِ حالِ القِسْمِ الآخَرِ، وأيْضًا يُقالُ الغَرَضُ مِنهُ زَجْرُ الكُفّارِ عَنْ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ إنَّما يُعْرَفُ بِتَأمُّلِ أحْوالِ المُكَذِّبِينَ والمُعانِدِينَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٧٣] وقَوْلُهُ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٥] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ [النَّحْلِ: ٣٦] الأمْرَ بِذَلِكَ لا مَحالَةَ، بَلِ المَقْصُودُ تَعَرُّفُ أحْوالِهِمْ، فَإنْ حَصَلَتْ هَذِهِ المَعْرِفَةُ بِغَيْرِ المَسِيرِ في الأرْضِ كانَ المَقْصُودُ حاصِلًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ أيْضًا: إنَّ لِمُشاهَدَةِ آثارِ المُتَقَدِّمِينَ أثَرًا أقْوى مِن أثَرِ السَّماعِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
إنَّ آثارَنا تَدُلُّ عَلَيْنا فانْظُرُوا بَعْدَنا إلى الآثارِ
آل عمران 3:138
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: (هَذا) ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِهِ ونَهْيِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ وذِكْرِهِ لِأنْواعِ البَيِّناتِ والآياتِ، ولا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ البَيانِ وبَيْنَ الهُدى وبَيْنَ المَوْعِظَةِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ فَنَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ البَيانَ هو الدَّلالَةُ الَّتِي تُفِيدُ إزالَةَ الشُّبْهَةِ بَعْدَ أنْ كانَتِ الشُّبْهَةُ حاصِلَةً، فالفَرْقُ أنَّ البَيانَ عامٌّ في أيِّ مَعْنًى كانَ، وأمّا الهُدى فَهو بَيانٌ لِطَرِيقِ الرُّشْدِ لِيُسْلَكَ دُونَ طَرِيقِ الغَيِّ. وأمّا المَوْعِظَةُ فَهي الكَلامُ الَّذِي يُفِيدُ الزَّجْرَ عَمّا لا يَنْبَغِي في طَرِيقِ الدِّينِ، فالحاصِلُ أنَّ البَيانَ جِنْسٌ تَحْتَهُ نَوْعانِ:
أحَدُهُما: الكَلامُ الهادِي إلى ما يَنْبَغِي في الدِّينِ وهو الهُدى.
الثّانِي: الكَلامُ الزّاجِرُ عَمّا لا يَنْبَغِي في الدِّينِ وهو المَوْعِظَةُ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ البَيانَ هو الدَّلالَةُ، وأمّا الهُدى فَهو الدَّلالَةُ بِشَرْطِ كَوْنِها مُفْضِيَةً إلى الِاهْتِداءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا البَحْثُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَخْصِيصِ هَذا البَيانِ والهُدى، والمَوْعِظَةِ لِلْمُتَّقِينَ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، فَكانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ في حَقِّ غَيْرِ المُتَّقِينَ كالمَعْدُومَةِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٥] ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾
صفحة ١٢
[فاطِرٍ: ٢٨] وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] .
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ كَلامٌ عامٌّ ثُمَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ مَخْصُوصٌ إلّا في حَقِّ المُتَّقِينَ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
آل عمران 3:139
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ الَّذِي قَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ كالمُقَدَّمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ كَأنَّهُ قالَ إذا بَحَثْتُمْ عَنْ أحْوالِ القُرُونِ الماضِيَةِ عَلِمْتُمْ أنَّ أهْلَ الباطِلِ وإنِ اتَّفَقَتْ لَهُمُ الصَّوْلَةُ، لَكِنْ كانَ مَآلُ الأمْرِ إلى الضَّعْفِ والفُتُورِ، وصارَتْ دَوْلَةُ أهْلِ الحَقِّ عالِيَةً، وصَوْلَةُ أهْلِ الباطِلِ مُنْدَرِسَةً، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَصِيرَ صَوْلَةُ الكُفّارِ عَلَيْكم يَوْمَ أُحُدٍ سَبَبًا لِضَعْفِ قَلْبِكم ولِجُبْنِكم وعَجْزِكم، بَلْ يَجِبُ أنْ يَقْوى قَلْبُكم فَإنَّ الِاسْتِعْلاءَ سَيَحْصُلُ لَكم، والقُوَّةُ والدَّوْلَةُ راجِعَةٌ إلَيْكم.
ثُمَّ نَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿ولا تَهِنُوا﴾ أيْ لا تَضْعُفُوا عَنِ الجِهادِ، والوَهْنُ الضَّعْفُ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مَرْيَمَ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْزَنُوا﴾ أيْ عَلى مَن قُتِلَ مِنكم أوْ جُرِحَ وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ حالَكم أعْلى مِن حالِهِمْ في القَتْلِ لِأنَّكم أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ أكْثَرَ مِمّا أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٥] أوْ لِأنَّ قِتالَكم لِلَّهِ وقِتالَهم لِلشَّيْطانِ، أوْ لِأنَّ قِتالَهم لِلدِّينِ الباطِلِ وقِتالَكم لِلدِّينِ الحَقِّ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَكم أعْلى حالًا مِنهم.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ بِالحُجَّةِ والتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ مِن حَيْثُ أنَّكم في العاقِبَةِ تَظْفَرُونَ بِهِمْ وتَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِمْ وهَذا شَدِيدُ المُناسَبَةِ لِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ القَوْمَ انْكَسَرَتْ قُلُوبُهم بِسَبَبِ ذَلِكَ الوَهْنِ فَهم كانُوا مُحْتاجِينَ إلى ما يُفِيدُهم قُوَّةً في القَلْبِ، وفَرَحًا في النَّفْسِ، فَبَشَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ بَقِيتُمْ عَلى إيمانِكم، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما تَكَفَّلَ بِإعْلاءِ دَرَجَتِهِمْ لِأجْلِ تَمَسُّكِهِمْ بِدِينِ الإسْلامِ.
الثّانِي: وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ فَكُونُوا مُصَدِّقِينَ لِهَذِهِ البِشارَةِ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِما يَعِدُكُمُ اللَّهُ ويُبَشِّرُكم بِهِ مِنَ الغَلَبَةِ.
والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ: ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ بِنُصْرَةِ هَذا الدِّينِ، فَإنْ كُنْتُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلِمْتُمْ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ لا تَبْقى بِحالِها، وأنَّ الدَّوْلَةَ تَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ والِاسْتِيلاءُ عَلى العَدُوِّ يَحْصُلُ لَهم.