Lafzullah

Tafsir Al-Razi — النساء 4:23 – النساء 4:61

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. النساء 4:23
  2. النساء 4:24
  3. النساء 4:25
  4. النساء 4:26
  5. النساء 4:27
  6. النساء 4:28
  7. النساء 4:29
  8. النساء 4:30
  9. النساء 4:31
  10. النساء 4:32
  11. النساء 4:33
  12. النساء 4:34
  13. النساء 4:35
  14. النساء 4:36
  15. النساء 4:37
  16. النساء 4:38
  17. النساء 4:39
  18. النساء 4:40
  19. النساء 4:41
  20. النساء 4:42
  21. النساء 4:43
  22. النساء 4:44
  23. النساء 4:45
  24. النساء 4:46
  25. النساء 4:47
  26. النساء 4:48
  27. النساء 4:49
  28. النساء 4:50
  29. النساء 4:51
  30. النساء 4:52
  31. النساء 4:53
  32. النساء 4:54
  33. النساء 4:55
  34. النساء 4:56
  35. النساء 4:57
  36. النساء 4:58
  37. النساء 4:59
  38. النساء 4:60
  39. النساء 4:61

النساء 4:23

النَّوْعُ السّادِسُ: مِنَ التَّكالِيفِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنِّساءِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى تَحْرِيمِ أرْبَعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِنَ النِّسْوانِ: سَبْعَةٌ مِنهُنَّ مِن جِهَةِ النَّسَبِ، وهُنَّ الأُمَّهاتُ والبَناتُ والأخَواتُ والعَمّاتُ والخالاتُ وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ، وسَبْعَةٌ أُخْرى لا مِن جِهَةِ النَّسَبِ وهُنَّ: الأُمَّهاتُ مِنَ الرَّضاعَةِ والأخَواتُ مِنَ الرَّضاعَةِ وأُمَّهاتُ النِّساءِ وبَناتُ النِّساءِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ بِالنِّساءِ، وأزْواجُ الأبْناءِ والآباءِ، إلّا أنَّ أزْواجَ الأبْناءِ مَذْكُورَةٌ هَهُنا، وأزْواجُ الآباءِ مَذْكُورَةٌ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَهَبَ الكَرْخِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُجْمَلَةٌ قالَ: لِأنَّهُ أُضِيفَ التَّحْرِيمُ فِيها إلى الأُمَّهاتِ والبَناتِ، والتَّحْرِيمُ لا يُمْكِنُ إضافَتُهُ إلى الأعْيانِ، وإنَّما يُمْكِنُ إضافَتُهُ إلى الأفْعالِ، وذَلِكَ الفِعْلُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَلَيْسَتْ إضافَةُ هَذا التَّحْرِيمِ إلى بَعْضِ الأفْعالِ الَّتِي لا يُمْكِنُ إيقاعُها في ذَواتِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ، أوْلى مِن بَعْضٍ، فَصارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً مِن هَذا الوَجْهِ. والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ. الثّانِي: أنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ المُرادَ مِنهُ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ، والأصْلُ فِيهِ أنَّ الحُرْمَةَ والإباحَةَ إذا أُضِيفَتا إلى الأعْيانِ، فالمُرادُ صفحة ٢٢ تَحْرِيمُ الفِعْلِ المَطْلُوبِ مِنها في العُرْفِ، فَإذا قِيلَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ، فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ المُرادَ تَحْرِيمُ أكْلِهِما، وإذا قِيلَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم، فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ المُرادَ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ، ولَمّا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا لِإحْدى مَعانٍ ثَلاثٍ» “ فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ المُرادَ لا يَحِلُّ إراقَةُ دَمِهِ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ كانَ إلْقاءُ الشُّبُهاتِ فِيها جارِيًا مَجْرى القَدْحِ في البَدِيهِيّاتِ وشِبْهِ السُّوفِسْطائِيَّةِ، فَكانَتْ في غايَةِ الرَّكاكَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. بَلى عِنْدِي فِيهِ بَحْثٌ مِن وُجُوهٍ أُخْرى: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ مَذْكُورٌ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ فاعِلَ التَّحْرِيمِ هو اللَّهُ تَعالى، وما لَمْ يُثْبَتْ ذَلِكَ لَمْ تُفِدِ الآيَةُ شَيْئًا آخَرَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالإجْماعِ، فَهَذِهِ الآيَةُ وحْدَها لا تُفِيدُ شَيْئًا، بَلْ لا بُدَّ مَعَها مِنَ الإجْماعِ عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ. وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ لَيْسَ نَصًّا في ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، فَإنَّ القَدْرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ يُمْكِنُ تَقْسِيمُهُ إلى المُؤَبَّدِ، وإلى المُؤَقَّتِ، كَأنَّهُ تَعالى تارَةً قالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم إلى الوَقْتِ الفُلانِيِّ فَقَطْ، وأُخْرى: حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم مُؤَبَّدًا مُخَلَّدًا، وإذا كانَ القَدْرُ المَذْكُورُ في الآيَةِ صالِحًا لِأنْ يُجْعَلَ مَوْرِدًا لِلتَّقْسِيمِ بِهَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، لَمْ يَكُنْ نَصًّا في التَّأْبِيدِ، فَإذَنْ هَذا التَّأْبِيدَ لا يُسْتَفادُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ، بَلْ مِن دَلالَةٍ مُنْفَصِلَةٍ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ فَيُخَصَّصُ بِأُولَئِكَ الحاضِرِينَ، فَإثْباتُ هَذا التَّحْرِيمِ في حَقِّ الكُلِّ إنَّما يُسْتَفادُ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إخْبارٌ عَنْ ثُبُوتِ هَذا التَّحْرِيمِ في الماضِي، وظاهِرُ اللَّفْظِ غَيْرُ مُتَناوِلٍ لِلْحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ فَلا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. وخامِسُها: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ حَرَّمَ عَلى كُلِّ أحَدٍ جَمِيعَ أُمَّهاتِهِمْ وجَمِيعَ بَناتِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى قابَلَ الجَمْعَ بِالجَمْعِ، فَيَقْتَضِي مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حَرَّمَ عَلى كُلِّ أحَدٍ أُمَّهُ خاصَّةً، وبِنْتَهُ خاصَّةً، وهَذا فِيهِ نَوْعُ عُدُولٍ عَنِ الظّاهِرِ، وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: (حُرِّمَتْ) يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِسَبْقِ الحِلِّ، إذْ لَوْ كانَ أبَدًا مَوْصُوفًا بِالحُرْمَةِ لَكانَ قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ) تَحْرِيمًا لِما هو في نَفْسِهِ حَرامٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إيجادَ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ﴾ لَيْسَ تَجْدِيدَ التَّحْرِيمِ حَتّى يَلْزَمَ الإشْكالُ المَذْكُورُ، بَلِ المُرادُ الإخْبارُ عَنْ حُصُولِ التَّحْرِيمِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ وحْدَهُ غَيْرُ كافٍ في إثْباتِ المَطْلُوبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ حُرْمَةَ الأُمَّهاتِ والبَناتِ كانَتْ ثابِتَةً مِن زَمَنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذا الزَّمانِ، ولَمْ يَثْبُتْ حِلُّ نِكاحِهِنَّ في شَيْءٍ مِنَ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ، بَلْ إنَّ زِرادِشْتَ رَسُولَ المَجُوسِ قالَ بِحِلِّهِ، إلّا أنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ كانَ كَذّابًا، أمّا نِكاحُ الأخَواتِ فَقَدْ نُقِلَ أنَّ ذَلِكَ كانَ مُباحًا في زَمَنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما حَكَمَ اللَّهُ بِإباحَةِ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الضَّرُورَةِ، ورَأيْتُ بَعْضَ المَشايِخِ أنْكَرَ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّهُ تَعالى كانَ يَبْعَثُ الحَوارِيَ مِنَ الجَنَّةِ لِيُزَوَّجَ بِهِنَّ أبْناءُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ زَوْجاتُ أبْنائِهِ وأزْواجُ بَناتِهِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ هَذا النَّسْلُ مِن أوْلادِ آدَمَ فَقَطْ، وذَلِكَ بِالإجْماعِ باطِلٌ. وذَكَرَ العُلَماءُ أنَّ السَّبَبَ لِهَذا التَّحْرِيمِ: أنَّ الوَطْءَ إذْلالٌ وإهانَةٌ، فَإنَّ الإنْسانَ يَسْتَحِي مِن ذِكْرِهِ ولا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا في المَوْضِعِ الخالِي، وأكْثَرُ أنْواعِ الشَّتْمِ لا يَكُونُ إلّا بِذِكْرِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ صَوْنُ الأُمَّهاتِ عَنْهُ لِأنَّ إنْعامَ الأُمِّ صفحة ٢٣ عَلى الوَلَدِ أعْظَمُ وُجُوهِ الإنْعامِ، فَوَجَبَ صَوْنُها عَنْ هَذا الإذْلالِ، والبِنْتُ بِمَنزِلَةِ جُزْءٍ مِنَ الإنْسانِ وبَعْضٍ مِنهُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» “ فَيَجِبُ صَوْنُها عَنْ هَذا الإذْلالِ؛ لِأنَّ المُباشَرَةَ مَعَها تَجْرِي مَجْرى الإذْلالِ، وكَذا القَوْلُ في البَقِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ولْنَشْرَعِ الآنَ في التَّفاصِيلِ فَنَقُولُ: * * * النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ المُحَرَّماتِ: الأُمَّهاتُ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الأُمَّهاتُ جَمْعُ الأُمِّ والأُمُّ في الأصْلِ أُمَّهَةٌ فَأُسْقِطَ الهاءُ في التَّوْحِيدِ قالَ الشّاعِرُ: أُمَّهَتِى خِنْدِفُ والياسُ أبِي وقَدْ تُجْمَعُ الأُمُّ عَلى أُمّاتٍ بِغَيْرِ هاءٍ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الحَيَوانِ غَيْرِ الآدَمِيِّ قالَ الرّاعِي: كانَتْ نَجائِبُ مُنْذِرٍ ومُحَرِّقٍ ∗∗∗ أُمّاتُهُنَّ وطَرْقُهُنَّ فَحِيَلا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كُلُّ امْرَأةٍ رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْها بِالوِلادَةِ مِن جِهَةِ أبِيكَ أوْ مِن جِهَةِ أُمِّكَ بِدَرَجَةٍ أوْ بِدَرَجاتٍ، بِإناثٍ رَجَعْتَ إلَيْها أوْ بِذُكُورٍ فَهي أُمُّكَ. ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ لَفْظَ الأُمِّ لا شَكَّ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ، فَأمّا في الجَدّاتِ فَإمّا أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، فَإنْ كانَ لَفْظُ الأُمِّ حَقِيقَةً في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ وفي الجَدّاتِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظًا مُتَواطِئًا أوْ مُشْتَرَكًا، فَإنْ كانَ لَفْظًا مُتَواطِئًا أعْنِي أنْ يَكُونَ لَفْظُ الأُمِّ مَوْضُوعًا بِإزاءِ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الأُمِّ الأصْلِيَّةِ وبَيْنَ سائِرِ الجَدّاتِ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ نَصًّا في تَحْرِيمِ الأُمِّ الأصْلِيَّةِ وفي تَحْرِيمِ جَمِيعِ الجَدّاتِ، وأمّا إنْ كانَ لَفْظُ الأُمِّ مُشْتَرَكًا في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ وفي الجَدّاتِ؛ فَهَذا يَتَفَرَّعُ عَلى أنَّ اللَّفْظَ المُشْتَرَكَ بَيْنَ أمْرَيْنِ هَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ فِيهِما مَعًا أمْ لا ؟ فَمَن جَوَّزَهُ حَمَلَ اللَّفْظَ هَهُنا عَلى الكُلِّ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ تَحْرِيمُ الجَدّاتِ مَنصُوصًا عَلَيْهِ، ومَن قالَ: لا يَجُوزُ، فالقائِلُونَ بِذَلِكَ لَهم طَرِيقانِ في هَذا المَوْضِعِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَ الأُمِّ لا شَكَّ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ هَهُنا الأُمُّ الأصْلِيَّةُ، فَتَحْرِيمُ نِكاحِها مُسْتَفادٌ مِن هَذا الوَجْهِ، وأمّا تَحْرِيمُ نِكاحِ الجَدّاتِ فَغَيْرُ مُسْتَفادٍ مِن هَذا النَّصِّ، بَلْ مِنَ الإجْماعِ، والثّانِي: أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَرَّتَيْنِ، يُرِيدُ في كُلِّ مَرَّةٍ مَفْهُومًا آخَرَ، أمّا إذا قُلْنا: لَفْظُ الأُمِّ حَقِيقَةٌ في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ مَجازٌ في الجَدّاتِ، فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ الواحِدِ دَفْعَةً واحِدَةً في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ مَعًا، وحِينَئِذٍ يَرْجِعُ الطَّرِيقانِ اللَّذانِ ذَكَرْناهُما فِيما إذا كانَ لَفْظُ الأُمِّ حَقِيقَةً في الأُمِّ الأصْلِيَّةِ، وفي الجَدّاتِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِأُمِّهِ ودَخَلَ بِها يَلْزَمُهُ الحَدُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا يَلْزَمُهُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ وُجُودَ هَذا النِّكاحِ وعَدَمَهُ بِمَثابَةٍ واحِدَةٍ، فَكانَ هَذا الوَطْءُ زِنًا مَحْضًا فَيَلْزَمُهُ الحَدُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] إنَّما قُلْنا: إنَّ وُجُودَ هَذا النِّكاحِ وعَدَمَهُ بِمَثابَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ وقَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ الآيَةِ: تَحْرِيمُ نِكاحِها، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المَوْجُودُ لَيْسَ إلّا صِيغَةَ الإيجابِ والقَبُولِ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا الِانْعِقادُ، فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَصَلَ في الحَقِيقَةِ أوْ في حُكْمِ الشَّرْعِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ صِيغَةَ الإيجابِ والقَبُولِ كَلامٌ وهو عَرَضٌ لا يَبْقى، والقَبُولُ لا يُوجَدُ إلّا بَعْدَ الإيجابِ، وحُصُولُ الِانْعِقادِ بَيْنَ المَوْجُودِ والمَعْدُومِ مُحالٌ. والثّانِي: باطِلٌ؛ لِأنَّ الشَّرْعَ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ بُطْلانَ هَذا صفحة ٢٤ العَقْدِ قَطْعًا، ومَعَ كَوْنِ هَذا العَقْدِ باطِلًا قَطْعًا في حُكْمِ الشَّرْعِ، كَيْفَ يُمْكِنُ القَوْلُ بِأنَّهُ مُنْعَقِدٌ شَرْعًا ؟ فَثَبَتَ أنَّ وُجُودَ هَذا العَقْدِ وعَدَمَهُ بِمَثابَةٍ واحِدَةٍ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَباقِي التَّفْرِيعِ والتَّقْرِيرِ ما تَقَدَّمَ. * * * النَّوْعُ الثّانِي مِنَ المُحَرَّماتِ: البَناتُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: كُلُّ أُنْثى يَرْجِعُ نَسَبُها إلَيْكَ بِالوِلادَةِ بِدَرَجَةٍ أوْ بِدَرَجاتٍ، بِإناثٍ أوْ بِذُكُورٍ فَهي بِنْتُكَ، وأمّا بِنْتُ الِابْنِ وبِنْتُ البِنْتِ فَهَلْ تُسَمّى بِنْتًا حَقِيقَةً أوْ مَجازًا ؟ فالبَحْثُ فِيهِ عَيْنُ ما ذَكَرْناهُ في الأُمَّهاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: البِنْتُ المَخْلُوقَةُ مِن ماءِ الزِّنا لا تَحْرُمُ عَلى الزّانِي. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَحْرُمُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّها لَيْسَتْ بِنْتًا لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحْرُمَ، إنَّما قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ بِنْتًا لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ أبا حَنِيفَةَ إمّا أنْ يُثْبِتَ كَوْنَها بِنْتًا لَهُ بِناءً عَلى الحَقِيقَةِ، وهي كَوْنُها مَخْلُوقَةً مِن مائِهِ، أوْ بِناءً عَلى حُكْمِ الشَّرْعِ بِثُبُوتِ هَذا النَّسَبِ، والأوَّلُ باطِلٌ عَلى مَذْهَبِهِ طَرْدًا وعَكْسًا، أمّا الطَّرْدُ فَهو أنَّهُ إذا اشْتَرى جارِيَةً بِكْرًا وافْتَضَّها وحَبَسَها في دارِهِ فَأتَتْ بِوَلَدٍ، فَهَذا الوَلَدُ مَعْلُومٌ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن مائِهِ مَعَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ: لا يَثْبُتُ نَسَبُها إلّا عَنِ الِاسْتِلْحاقِ، ولَوْ كانَ السَّبَبُ هو كَوْنَ الوَلَدِ مُتَخَلِّقًا مِن مائِهِ لَما تَوَقَّفَ في ثُبُوتِ هَذا النَّسَبِ بِغَيْرِ الِاسْتِلْحاقِ، وأمّا العَكْسُ فَهو أنَّ المَشْرِقِيَّ إذا تَزَوَّجَ بِالمَغْرِبِيَّةِ وحَصَلَ هُناكَ ولَدٌ، فَأبُو حَنِيفَةَ أثْبَتَ النَّسَبَ هُنا مَعَ القَطْعِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِن مائِهِ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِجَعْلِ التَّخْلِيقِ مِن مائِهِ سَبَبًا لِلنَّسَبِ باطِلٌ طَرْدًا وعَكْسًا عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، وأمّا إذا قُلْنا: النَّسَبُ إنَّما يَثْبُتُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، فَهَهُنا أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا نَسَبَ لِوَلَدِ الزِّنا مِنَ الزّانِي، ولَوِ انْتَسَبَ إلى الزّانِي لَوَجَبَ عَلى القاضِي مَنعُهُ مِن ذَلِكَ الِانْتِسابِ، فَثَبَتَ أنَّ انْتِسابَها إلَيْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لا بِناءً عَلى الحَقِيقَةِ، ولا بِناءً عَلى حُكْمِ الشَّرْعِ. الوَجْهُ الثّانِي: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» “ فَقَوْلُهُ: الوَلَدُ لِلْفِراشِ يَقْتَضِي حَصْرَ النَّسَبِ في الفِراشِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: لَوْ كانَتْ بِنْتًا لَهُ لَأخَذَتِ المِيراثَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] ولَثَبَتَتْ لَهُ وِلايَةُ الإجْبارِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«زَوِّجُوا بَناتِكُمُ الأكْفاءَ» “ ولَوَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَتُها وحَضانَتُها، ولَحَلَّتِ الخَلْوَةُ بِها، فَلَمّا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَلِمْنا انْتِفاءَ البِنْتِيَّةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّها لَيْسَتْ بِنْتًا لَهُ وجَبَ أنْ يَحِلَّ التَّزَوُّجُ بِها؛ لِأنَّ حُرْمَةَ التَّزَوُّجِ بِها إمّا لِلْبِنْتِيَّةِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ الزِّنا يُوجِبُ حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ، وهَذا الحَصْرُ ثابِتٌ بِالإجْماعِ، والبِنْتِيَّةُ باطِلَةٌ كَما ذَكَرْنا، وحُرْمَةُ المُصاهَرَةِ بِسَبَبِ الزِّنا أيْضًا باطِلَةٌ كَما تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَثَبَتَ أنَّها غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلى الزّانِي، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ المُحَرَّماتِ: الأخَواتُ: ويَدْخُلُ فِيهِ الأخَواتُ مِنَ الأبِ والأُمِّ مَعًا، والأخَواتُ مِنَ الأبِ فَقَطْ، والأخَواتُ مِنَ الأُمِّ فَقَطْ. النَّوْعُ الرّابِعُ والخامِسُ: العَمّاتُ والخالاتُ. قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كُلُّ ذَكَرٍ رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْهِ فَأُخْتُهُ عَمَّتُكَ، وقَدْ تَكُونُ العَمَّةُ مِن جِهَةِ الأُمِّ وهي أُخْتُ أبِي أُمِّكَ، وكُلُّ أُنْثى رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْها بِالوِلادَةِ فَأُخْتُها خالَتُكَ، وقَدْ تَكُونُ الخالَةُ مِن جِهَةِ الأبِ وهي أُخْتُ أُمِّ أبِيكَ. النَّوْعُ السّادِسُ والسّابِعُ: بَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ: والقَوْلُ في بَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ كالقَوْلِ في صفحة ٢٥ بَناتِ الصُّلْبِ. فَهَذِهِ الأقْسامُ السَّبْعَةُ مُحَرَّمَةٌ في نَصِّ الكِتابِ بِالأنْسابِ والأرْحامِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كُلُّ امْرَأةٍ حَرَّمَ اللَّهُ نِكاحَها لِلنَّسَبِ والرَّحِمِ، فَتَحْرِيمُها مُؤَبَّدٌ لا يَحِلُّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأمّا اللَّواتِي يَحِلُّ نِكاحُهُنَّ ثُمَّ يَصِرْنَ مُحَرَّماتٍ بِسَبَبٍ طارِئٍ، فَهُنَّ اللّاتِي ذُكِرْنَ في باقِي الآيَةِ. * * * النَّوْعُ الثّامِنُ والتّاسِعُ: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: المُرْضِعاتُ سَمّاهُنَّ أُمَّهاتٍ لِأجْلِ الحُرْمَةِ، كَما أنَّهُ تَعالى سَمّى أزْواجَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] لِأجْلِ الحُرْمَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى نَصَّ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى حُرْمَةِ الأُمَّهاتِ والأخَواتِ مِن جِهَةِ الرَّضاعَةِ إلّا أنَّ الحُرْمَةَ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلَيْهِنَّ؛ لِأنَّهُ ﷺ قالَ: ”«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» “ وإنَّما عَرَفْنا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآياتِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَمّى المُرْضِعَةَ أُمًّا، والمُرْضِعَةَ أُخْتًا، فَقَدْ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى أجْرى الرَّضاعَ مَجْرى النَّسَبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَرَّمَ بِسَبَبِ النَّسَبِ سَبْعًا: اثْنَتانِ مِنها هُما المُنْتَسِبَتانِ بِطَرِيقِ الوِلادَةِ، وهَمّا الأُمَّهاتُ والبَناتُ، وخَمْسٌ مِنها بِطَرِيقِ الأُخُوَّةِ، وهُنَّ الأخَواتُ والعَمّاتُ والخالاتُ وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في أحْوالِ الرَّضاعِ ذَكَرَ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ صُورَةً واحِدَةً تَنْبِيهًا بِها عَلى الباقِي، فَذَكَرَ مِن قِسْمِ قَرابَةِ الوِلادَةِ الأُمَّهاتِ، ومِن قِسْمِ قَرابَةِ الأُخُوَّةِ الأخَواتِ، ونَبَّهَ بِذِكْرِ هَذَيْنِ المِثالَيْنِ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ عَلى أنَّ الحالَ في بابِ الرَّضاعِ كالحالِ في النَّسَبِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ: ”«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» “ فَصارَ صَرِيحُ الحَدِيثِ مُطابِقًا لِمَفْهُومِ الآيَةِ، وهَذا بَيانٌ لَطِيفٌ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أُمُّ الإنْسانِ مِنَ الرَّضاعِ هي الَّتِي أرْضَعَتْهُ، وكَذَلِكَ كُلُّ امْرَأةٍ انْتَسَبَتْ إلى تِلْكَ المُرْضِعَةِ بِالأُمُومَةِ، إمّا مِن جِهَةِ النَّسَبِ أوْ مِن جِهَةِ الرَّضاعِ، والحالُ في الأبِ كَما في الأُمِّ، وإذا عَرَفْتَ الأُمَّ والأبَ فَقَدْ عَرَفْتَ البِنْتَ أيْضًا بِذَلِكَ الطَّرِيقِ، وأمّا الأخَواتُ فَثَلاثَةٌ: الأُولى أُخْتُكَ لِأبِيكَ وأُمِّكَ، وهي الصَّغِيرَةُ الأجْنَبِيَّةُ الَّتِي أرْضَعَتْها أُمُّكَ بِلَبَنِ أبِيكَ، سَواءٌ أرْضَعَتْها مَعَكَ أوْ مَعَ ولَدٍ قَبْلَكَ أوْ بَعْدَكَ، والثّانِيَةُ أُخْتُكَ لِأبِيكَ دُونَ أُمِّكَ، وهي الَّتِي أرْضَعَتْها زَوْجَةُ أبِيكَ بِلَبَنِ أبِيكَ، والثّالِثَةُ أُخْتُكَ لِأُمِّكَ دُونَ أبِيكَ، وهي الَّتِي أرْضَعَتْها أُمُّكَ بِلَبَنٍ آخَرَ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ سَهُلَ عَلَيْكَ مَعْرِفَةُ العَمّاتِ والخالاتِ وبَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: الرَّضاعُ يَحْرُمُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ خَمْسَ رَضَعاتٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الرَّضْعَةُ الواحِدَةُ كافِيَةٌ، وقَدْ مَرَّتْ هَذِهِ المَسْألَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى عَلَّقَ هَذا الِاسْمَ يَعْنِي الأُمُومَةَ والأُخُوَّةَ بِفِعْلِ الرَّضاعِ، فَحَيْثُ حَصَلَ هَذا الفِعْلُ وجَبَ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الحُكْمُ، ثُمَّ سَألَ نَفْسَهُ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ صفحة ٢٦ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ القائِلِ: وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أعْطَيْنَكم، وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي كَسَوْنَكم، وهَذا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ حُصُولِ صِفَةِ الأُمُومَةِ والأُخْتِيَّةِ عَلى فِعْلِ الرَّضاعِ، بَلْ لَوْ أنَّهُ تَعالى قالَ: اللّاتِي أرْضَعْنَكم هُنَّ أُمَّهاتُكم لَكانَ مَقْصُودُكم حاصِلًا. وأجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: الرَّضاعُ هو الَّذِي يَكْسُوها سِمَةَ الأُمُومَةِ، فَلَمّا كانَ الِاسْمُ مُسْتَحَقًّا بِوُجُودِ الرَّضاعِ كانَ الحُكْمُ مُعَلَّقًا بِهِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي كَسَوْنَكم؛ لِأنَّ اسْمَ الأُمُومَةِ غَيْرُ مُسْتَفادٍ مِنَ الكِسْوَةِ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَقالَ: قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لا بَأْسَ بِالرَّضْعَةِ ولا بِالرَّضْعَتَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: قَضاءُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن قَضاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ قالَ: فَعَقَلَ ابْنُ عُمَرَ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ التَّحْرِيمَ بِالرَّضاعِ القَلِيلِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ رَكِيكٌ جِدًّا، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اسْمَ الأُمُومَةِ إنَّما جاءَ مِن فِعْلِ الرَّضاعِ فَنَقُولُ: وهَلِ النِّزاعُ إلّا فِيهِ ؟ فَإنَّ عِنْدِي أنَّ اسْمَ الأُمُومَةِ إنَّما جاءَ مِنَ الرَّضاعِ خَمْسَ مَرّاتٍ، وعِنْدَكَ إنَّما جاءَ مِن أصْلِ الرَّضاعِ، وأنْتَ إنَّما تَمَسَّكْتَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِإثْباتِ هَذا الأصْلِ، فَإذا أثْبَتَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا الأصْلِ كُنْتَ قَدْ أثْبَتَّ الدَّلِيلَ بِالمَدْلُولِ وإنَّهُ دَوْرٌ وساقِطٌ، وأمّا التَّمَسُّكُ بِأنَّ ابْنَ عُمَرَ فَهِمَ مِنَ الآيَةِ حُصُولَ التَّحْرِيمِ بِمُجَرَّدِ فِعْلِ الرَّضاعِ، فَهو مُعارَضٌ بِما أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ما فَهِمَهُ مِنهُ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِن فُقَهاءِ الصَّحابَةِ ومِنَ العُلَماءِ بِلِسانِ العَرَبِ، فَكَيْفَ جُعِلَ فَهْمُ أحَدِهِما حُجَّةً ولَمْ يُجْعَلْ فَهْمُ الآخَرِ حُجَّةً عَلى قَوْلِ خَصْمِهِ ؟ ولَوْلا التَّعَصُّبُ الشَّدِيدُ المُعْمِي لِلْقَلْبِ لَما خَفِيَ ضَعْفُ هَذِهِ الكَلِماتِ، ثُمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ الرّازِيَّ أخَذَ يَتَمَسَّكُ في إثْباتِ مَذْهَبِهِ بِالأحادِيثِ والأقْيِسَةِ، ومَن تَكَلَّمَ في أحْكامِ القُرْآنِ وجَبَ أنْ لا يَذْكُرَ إلّا ما يَسْتَنْبِطُهُ مِنَ الآيَةِ، فَأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَإنَّما يَلِيقُ بِكُتُبِ الفِقْهِ. * * * النَّوْعُ العاشِرُ: مِنَ المُحَرَّماتِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُمَّهاتُ الأصْلِيَّةُ وجَمِيعُ جَدّاتِها مِن قِبَلِ الأبِ والأُمِّ كَما بَيَّنّا مِثْلَهُ في النَّسَبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أنَّ مَن تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها سَواءٌ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ، وزَعَمَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ أُمَّ المَرْأةِ إنَّما تَحْرُمُ بِالدُّخُولِ بِالبِنْتِ كَما أنَّ الرَّبِيبَةَ إنَّما تَحْرُمُ بِالدُّخُولِ بِأُمِّها، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وزَيْدٍ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ الزُّبَيْرِ وجابِرٍ، وأظْهَرِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وحُجَّتُهم أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَيْنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ثُمَّ ذَكَرَ شَرْطًا وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّرْطُ مُعْتَبَرًا في الجُمْلَتَيْنِ مَعًا، وحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها ولَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى عَوْدِ ذَلِكَ الشَّرْطِ إلَيْهِ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِبَقائِهِ عَلى عُمُومِهِ، وإنَّما قُلْنا إنَّ هَذا الشَّرْطَ غَيْرُ عائِدٍ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو أنَّ صفحة ٢٧ الشَّرْطَ لا بُدَّ مِن تَعْلِيقِهِ بِشَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ فَإذا عَلَّقْناهُ بِإحْدى الجُمْلَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ بِنا حاجَةٌ إلى تَعْلِيقِهِ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، فَكانَ تَعْلِيقُهُ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَرْكًا لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: وهو أنَّ عُمُومَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْلُومٌ، وعَوْدُ الشَّرْطِ إلَيْهِ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مُخْتَصًّا بِالجُمْلَةِ الأخِيرَةِ فَقَطْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الجُمْلَتَيْنِ مَعًا، والقَوْلُ بِعَوْدِ هَذا الشَّرْطِ إلى الجُمْلَتَيْنِ تَرْكٌ لِظاهِرِ العُمُومِ بِمُخَصَّصٍ مَشْكُوكٍ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّالِثُ: وهو أنَّ هَذا الشَّرْطَ لَوْ عادَ إلى الجُمْلَةِ الأُولى، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَيْها، وإمّا أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِها وبِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ أيْضًا، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ القَوْلُ بِتَحْرِيمِ الرَّبائِبِ مُطْلَقًا، وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، والثّانِي باطِلٌ أيْضًا؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ نَظْمُ الآيَةِ هَكَذا: وأُمَّهاتُ نِسائِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَيَكُونُ المُرادُ بِكَلِمَةِ ”مِن“ هَهُنا التَّمْيِيزَ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فَيَكُونُ المُرادُ بِكَلِمَةِ ”مِن“ هَهُنا ابْتِداءَ الغايَةِ كَما يَقُولُ: بَناتُ الرَّسُولِ مِن خَدِيجَةَ، فَيَلْزَمُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ الواحِدِ المُشْتَرَكِ في كِلا مَفْهُومَيْهِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ فَيُقالَ: إنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ لِلِاتِّصالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما أنا مِن دَدٍ ولا الدَّدُ مِنِّي» “ ومَعْنى مُطْلَقِ الِاتِّصالِ حاصِلٌ في النِّساءِ والرَّبائِبِ مَعًا. الوَجْهُ الرّابِعُ في الدَّلالَةِ عَلى ما قُلْناهُ: ما رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا نَكَحَ الرَّجُلُ المَرْأةَ فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها، دَخَلَ بِالبِنْتِ أوْ لَمْ يَدْخُلْ، وإذا تَزَوَّجَ الأُمَّ فَلَمْ يَدْخُلْ بِها ثُمَّ طَلَّقَها فَإنْ شاءَ تَزَوَّجَ البِنْتَ»، وطَعَنَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في صِحَّةِ هَذا الحَدِيثِ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُفْتِي بِنِكاحِ أُمِّ المَرْأةِ إذا طَلَّقَ بِنْتَها قَبْلَ المَسِيسِ وهو يَوْمَئِذٍ بِالكُوفَةِ، فاتَّفَقَ أنْ ذَهَبَ إلى المَدِينَةِ فَصادَفَهم مُجْمِعِينَ عَلى خِلافِ فَتْواهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلى الكُوفَةِ لَمْ يَدْخُلْ دارَهُ حَتّى ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الرَّجُلِ وقَرَعَ عَلَيْهِ البابَ وأمَرَهُ بِالنُّزُولِ عَنْ تِلْكَ المَرْأةِ. ورَوى قَتادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ قالَ: الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وأرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها فَإنْ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ تَزَوَّجَ أُمَّها، وإنْ ماتَتْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أُمَّها، واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما فَرَّقَ بَيْنَ المَوْتِ والطَّلاقِ في التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّ الطَّلاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِ الدُّخُولِ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْها عِدَّةٌ ؟ وأمّا المَوْتُ فَلَمّا كانَ في حُكْمِ الدُّخُولِ في بابِ وُجُوبِ العِدَّةِ، لا جَرَمَ جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِهَذا التَّحْرِيمِ. * * * النَّوْعُ الحادِيَ عَشَرَ مِنَ المُحَرَّماتِ: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الرَّبائِبُ: جَمْعُ رَبِيبَةٍ، وهي بِنْتُ امْرَأةِ الرَّجُلِ مِن غَيْرِهِ، ومَعْناها مَرْبُوبَةٌ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ صفحة ٢٨ هُوَ يَرِبُّها، يُقالُ: رَبَبْتُ فُلانًا أرُبُّهُ، ورَبَبْتُهُ أُرَبِّيهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، والحُجُورُ جَمْعُ حِجْرٍ، وفِيهِ لُغَتانِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: حَجْرُ الإنْسانِ وحِجْرُهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ أيْ في تَرْبِيَتِكم، يُقالُ: فُلانٌ في حِجْرِ فُلانٍ إذا كانَ في تَرْبِيَتِهِ، والسَّبَبُ في هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ أنَّ كُلَّ مَن رَبّى طِفْلًا أجْلَسَهُ في حِجْرِهِ، فَصارَ الحِجَرُ عِبارَةً عَنِ التَّرْبِيَةِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ في حَضانَةِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ الحِضْنِ الَّذِي هو الإبْطُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في حُجُورِكم أيْ: في بُيُوتِكم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى مالِكُ بْنُ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: الرَّبِيبَةُ إذا لَمْ تَكُنْ في حِجْرِ الزَّوْجِ وكانَتْ في بَلَدٍ آخَرَ، ثُمَّ فارَقَ الأُمَّ بَعْدَ الدُّخُولِ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ الرَّبِيبَةَ، ونُقِلَ أنَّهُ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ احْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ شَرَطَ في كَوْنِها رَبِيبَةً لَهُ كَوْنَها في حِجْرِهِ، فَإذا لَمْ تَكُنْ في تَرْبِيَتِهِ ولا في حِجْرِهِ فَقَدْ فاتَ الشَّرْطُ، فَوَجَبَ أنْ لا تَثْبُتَ الحُرْمَةُ، وهَذا اسْتِدْلالٌ حَسَنٌ، وأمّا سائِرُ العُلَماءِ فَإنَّهم قالُوا: إذا دَخَلَ بِالمَرْأةِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُها سَواءٌ كانَتْ في تَرْبِيَتِهِ أوْ لَمْ تَكُنْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ عَلَّقَ رَفْعَ الجُناحِ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الدُّخُولِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ المُقْتَضِيَ لِحُصُولِ الجُناحِ هو مُجَرَّدُ الدُّخُولِ، وأمّا الجَوابُ عَنْ حُجَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ فَهو أنَّ الأعَمَّ الأغْلَبَ أنَّ بِنْتَ زَوْجَةِ الإنْسانِ تَكُونُ في تَرْبِيَتِهِ، فَهَذا الكَلامُ عَلى الأعَمِّ، لا أنَّ هَذا القَيْدَ شَرْطٌ في حُصُولِ هَذا التَّحْرِيمِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في إثْباتِ أنَّ الزِّنا يُوجِبُ حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ قالَ: لِأنَّ الدُّخُولَ بِها اسْمٌ لِمُطْلَقِ الوَطْءِ سَواءٌ كانَ الوَطْءُ نِكاحًا أوْ سِفاحًا، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الزِّنا بِالأُمِّ يُوجِبُ تَحْرِيمَ البِنْتِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ في نِهايَةِ الضَّعْفِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالمَنكُوحَةِ لِدَلِيلَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما تَناوَلَتِ امْرَأةً كانَتْ مِن نِسائِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ بِها والمَزْنِيُّ بِها لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَيَمْتَنِعُ دُخُولُها في الآيَةِ. بَيانُ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ يَقْتَضِي أنَّ كَوْنَها مِن نِسائِهِ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلى دُخُولِهِ بِها. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قَسَمَ نِساءَهم إلى مَن تَكُونُ مَدْخُولًا بِها، وإلى مَن لا تَكُونُ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وإذا كانَ نِساؤُهم مُنْقَسِمَةً إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ عَلِمْنا أنَّ كَوْنَ المَرْأةِ مِن نِسائِهِ أمْرٌ مُغايِرٌ لِلدُّخُولِ بِها، وأمّا بَيانُ أنَّ المَزْنِيَّةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَذَلِكَ لِأنَّ في النِّكاحِ صارَتِ المَرْأةُ بِحُكْمِ العَقْدِ مِن نِسائِهِ سَواءٌ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ بِها، أمّا في الزِّنا فَإنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها حالَةٌ أُخْرى تَقْتَضِي صَيْرُورَتَها مِن نِسائِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ المَزْنِيَّةَ غَيْرُ داخِلَةٍ في هَذِهِ الآيَةِ. الثّانِي: لَوْ أوْصى لِنِساءِ فُلانٍ، لا تَدْخُلُ هَذِهِ الزّانِيَةُ فِيهِنَّ، وكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ عَلى نِساءِ بَنِي فُلانٍ، لا يَحْصُلُ الحِنْثُ والبِرُّ بِهَذِهِ الزّانِيَةِ، فَثَبَتَ ضَعْفُ هَذا الِاسْتِدْلالِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * النَّوْعُ الثّانِيَ عَشَرَ: مِنَ المُحَرَّماتِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٢٩ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا يَجُوزُ لِلْأبِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِجارِيَةِ ابْنِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّهُ يَجُوزُ، احْتَجَّ الشّافِعِيُّ فَقالَ: جارِيَةُ الِابْنِ حَلِيلَةٌ، وحَلِيلَةُ الِابْنِ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأبِ، أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى فَبَيانُها بِالبَحْثِ عَنِ الحَلِيلَةِ فَنَقُولُ: الحَلِيلَةُ فَعِيلَةٌ فَتَكُونُ بِمَعْنى الفاعِلِ أوْ بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الحِلِّ الَّذِي هو الإباحَةُ، فالحَلِيلَةُ تَكُونُ بِمَعْنى المُحَلَّةِ أيِ المُحَلَّلَةِ، ولا شَكَّ أنَّ الجارِيَةَ كَذَلِكَ فَوَجَبَ كَوْنُها حَلِيلَةً لَهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنَ الحُلُولِ، فالحَلِيلَةُ عِبارَةٌ عَنْ شَيْءٍ يَكُونُ مَحَلَّ الحُلُولِ، ولا شَكَّ أنَّ الجارِيَةَ مَوْضِعُ حُلُولِ السَّيِّدِ، فَكانَتْ حَلِيلَةً لَهُ، أمّا إذا قُلْنا: الحَلِيلَةُ بِمَعْنى الفاعِلِ فَفِيهِ وجْهانِ أيْضًا: الأوَّلُ: أنَّها لِشِدَّةِ اتِّصالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ كَأنَّهُما يَحِلّانِ في ثَوْبٍ واحِدٍ وفي لِحافٍ واحِدٍ وفي مَنزِلٍ واحِدٍ ولا شَكَّ أنَّ الجارِيَةَ كَذَلِكَ. الثّانِي: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كَأنَّهُ حالٌّ في قَلْبِ صاحِبِهِ وفي رُوحِهِ لِشِدَّةِ ما بَيْنَهُما مِنَ المَحَبَّةِ والأُلْفَةِ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْناهُ أنَّ جارِيَةَ الِابْنِ حَلِيلَةٌ، وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ وهي أنَّ حَلِيلَةَ الِابْنِ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ﴾ لا يُقالُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: حَلِيلَةُ الرَّجُلِ زَوْجَتُهُ لِأنّا نَقُولُ: إنّا قَدْ بَيَّنّا بِهَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ مِنَ الِاشْتِقاقاتِ الظّاهِرَةِ أنَّ لَفْظَ الحَلِيلَةِ يَتَناوَلُ الجارِيَةَ، فالنَّقْلُ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، فَكَيْفَ وهو شَهادَةٌ عَلى النَّفْيِ ؟ فَإنّا لا نُنْكِرُ أنَّ لَفْظَ الحَلِيلَةِ يَتَناوَلُ الزَّوْجَةَ، ولَكِنّا نُفَسِّرُهُ بِمَعْنًى يَتَناوَلُ الزَّوْجَةَ والجارِيَةَ، فَقَوْلُ مَن يَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ شَهادَةٌ عَلى النَّفْيِ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ احْتِرازًا عَنِ المُتَبَنّى، وكانَ المُتَبَنّى في صَدْرِ الإسْلامِ بِمَنزِلَةِ الِابْنِ، ولا يَحْرُمُ عَلى الإنْسانِ حَلِيلَةُ مَنِ ادَّعاهُ ابْنًا إذا لَمْ يَكُنْ مِن صُلْبِهِ، «نَكَحَ الرَّسُولُ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ وهي بِنْتُ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكانَتْ زَيْنَبُ ابْنَةَ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، بَعْدَ أنْ كانَتْ زَوْجَةَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، وقالَ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ»﴾ ) [الأحزاب: ٣٧] . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ لا يَتَناوَلُ حَلائِلَ الأبْناءِ مِنَ الرَّضاعَةِ، فَلَمّا قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ لَزِمَ مِن ظاهِرِ الآيَتَيْنِ حِلُّ التَّزَوُّجِ بِأزْواجِ الأبْناءِ مِنَ الرَّضاعِ، إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» “ فاقْتَضى هَذا تَحْرِيمَ التَّزَوُّجِ بِحَلِيلَةِ الِابْنِ مِنَ الرَّضاعِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ يَتَناوَلُ الرَّضاعَ وغَيْرَ الرَّضاعِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ”«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» “ أخَصَّ مِنهُ، فَخَصَّصُوا عُمُومَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ حُرْمَةَ التَّزَوُّجِ بِحَلِيلَةِ الِابْنِ تَحْصُلُ بِنَفْسِ العَقْدِ كَما أنَّ حُرْمَةَ التَّزَوُّجِ بِحَلِيلَةِ الأبِ تَحْصُلُ بِنَفْسِ العَقْدِ، وذَلِكَ لِأنَّ عُمُومَ الآيَةِ يَتَناوَلُ حَلِيلَةَ الِابْنِ، سَواءٌ كانَتْ مَدْخُولًا بِها أوْ لَمْ تَكُنْ، أمّا ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ أنَّ هَذا الحُكْمَ مَخْصُوصٌ بِما إذا دَخَلَ الِابْنُ بِها أوْ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أبْهِمُوا ما أبْهَمَهُ اللَّهُ، فَلَيْسَ مُرادُهُ مِن هَذا الإبْهامِ كَوْنَها مُجْمَلَةً مُشْتَبِهَةً، بَلِ المُرادُ مِن هَذا الإبْهامِ التَّأْبِيدُ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ في السَّبْعَةِ المُحَرَّمَةِ مِن جِهَةِ النَّسَبِ إنَّها مِنَ المُبْهَماتِ، أيْ: مِنَ اللَّواتِي تَثْبُتُ حُرْمَتُهُنَّ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، صفحة ٣٠ فَكَذا هَهُنا واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي تَحْرِيمَ حَلِيلَةِ ولَدِ الوَلَدِ عَلى الجَدِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ولَدَ الوَلَدِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن صُلْبِ الجَدِّ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ولَدَ الوَلَدِ مَنسُوبٌ إلى الجَدِّ بِالوِلادَةِ. * * * النَّوْعُ الثّالِثَ عَشَرَ مِنَ المُحَرَّماتِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ يَقَعُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: إمّا أنْ يَنْكِحَهُما مَعًا، أوْ يَمْلِكَهُما مَعًا، أوْ يَنْكِحَ إحْداهُما ويَمْلِكَ الأُخْرى، أمّا الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في النِّكاحِ، فَذَلِكَ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِما جَمِيعًا، فالحُكْمُ هَهُنا: إمّا الجَمْعُ، أوِ التَّعْيِينُ، أوِ التَّخْيِيرُ، أوِ الإبْطالُ، أمّا الجَمْعُ فَباطِلٌ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ - هَكَذا قالُوا - إلّا أنَّهُ مُشْكِلٌ عَلى أصْلِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأنَّ الحُرْمَةَ لا تَقْتَضِي الإبْطالَ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، ألا تَرى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الطَّلَقاتِ حَرامٌ عَلى قَوْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَقَعُ، وكَذا النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ لَمْ يَمْنَعْ مِنِ انْعِقادِ هَذا العَقْدِ، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المُبايَعاتِ الفاسِدَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالنَّهْيِ عَلى الفَسادِ لا يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ. فَإنْ قالُوا: وهَذا يَلْزَمُكم أيْضًا؛ لِأنَّ الطَّلاقَ في زَمانِ الحَيْضِ وفي طُهْرٍ جامَعَها فِيهِ مَنهِيٌّ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّهُ يَقَعُ. قُلْنا: بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَرْقٌ دَقِيقٌ لَطِيفٌ ذَكَرْناهُ في الخِلافِيّاتِ، فَمَن أرادَهُ فَلْيَطْلُبْ ذَلِكَ الكِتابَ، فَثَبَتَ أنَّ الجَمْعَ باطِلٌ، وأمّا أنَّ التَّعْيِينَ أيْضًا باطِلٌ؛ فَلِأنَّ التَّرْجِيحَ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ باطِلٌ، وأمّا أنَّ التَّخْيِيرَ أيْضًا باطِلٌ؛ فَلِأنَّ القَوْلَ بِالتَّخْيِيرِ يَقْتَضِي حُصُولَ العَقْدِ وبَقاءَهُ إلى أوانِ التَّعْيِينِ، وقَدْ بَيَّنّا بُطْلانَهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القَوْلُ بِفَسادِ العَقْدَيْنِ جَمِيعًا. الصُّورَةُ الثّانِيَةُ مِن صُوَرِ الجَمْعِ: وهي أنْ يَتَزَوَّجَ إحْداهُما، ثُمَّ يَتَزَوَّجَ الأُخْرى بَعْدَها، فَهَهُنا يُحْكَمُ بِبُطْلانِ نِكاحِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّ الدَّفْعَ أسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ، وأمّا الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، أوْ بِأنْ يَنْكِحَ إحْداهُما ويَشْتَرِيَ الأُخْرى، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الصَّحابَةُ فِيهِ، فَقالَ عَلِيٌّ وعُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ عُمَرَ: لا يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما، والباقُونَ جَوَّزُوا ذَلِكَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ بِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ مُطْلَقًا، فَوَجَبَ أنْ يَحْرُمَ الجَمْعُ بَيْنَهُما عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ، وعَنْ عُثْمانَ أنَّهُ قالَ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ، والتَّحْلِيلُ أوْلى، فالآيَةُ المُوجِبَةُ لِلتَّحْلِيلِ هي قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] . والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى تَحْرِيمِ الجَمْعِ أيْضًا؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ صفحة ٣١ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في حِلِّ الوَطْءِ، فَنَقُولُ: لَوْ جازَ الجَمْعُ بَيْنَهُما في المِلْكِ لَجازَ الجَمْعُ بَيْنَهُما في الوَطْءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] لَكِنَّهُ لا يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما في المِلْكِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِأنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَهُما في المِلْكِ أوْلى مِن أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى الجَوازِ. الوَجْهُ الثّانِي: إنْ سَلَّمْنا دَلالَتَها عَلى جَوازِ الجَمْعِ، لَكِنْ نَقُولُ: التَّرْجِيحُ لِجانِبِ الحُرْمَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما اجْتَمَعَ الحَرامُ والحَلالُ إلّا وغَلَبَ الحَرامُ الحَلالَ» “ . الثّانِي: أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الِاحْتِياطَ في جانِبِ التَّرْكِ فَيَجِبُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ» “ . الثّالِثُ: أنَّ مَبْنى الأبْضاعِ في الأصْلِ عَلى الحُرْمَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ إذا اسْتَوَتِ الأماراتُ في حُصُولِ العَقْدِ مَعَ شَرائِطِهِ وفي عَدَمِهِ وجَبَ القَوْلُ بِالحُرْمَةِ، ولِأنَّ النِّكاحَ مُشْتَمِلٌ عَلى المَنافِعِ العَظِيمَةِ، فَلَوْ كانَ خالِيًا عَنْ جِهَةِ الإذْلالِ والضَّرَرِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا في حَقِّ الأُمَّهاتِ؛ لِأنَّ إيصالَ النَّفْعِ إلَيْهِنَّ مَندُوبٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عَلِمْنا اشْتِمالَهُ عَلى وجْهِ الإذْلالِ والمُضارَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الأصْلُ فِيهِ هو الحُرْمَةَ، والحِلُّ إنَّما ثَبَتَ بِالعارِضِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ الرُّجْحانَ لِجانِبِ الحُرْمَةِ، فَهَذا هو تَقْرِيرُ مَذْهَبِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في هَذا البابِ، أمّا إذا أخَذْنا بِالمَذْهَبِ المَشْهُورِ بَيْنَ الفُقَهاءِ، وهو أنَّهُ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ أمَتَيْنِ أُخْتَيْنِ في مِلْكِ اليَمِينِ، فَإذا وطِئَ إحْداهُما حُرِّمَتِ الثّانِيَةُ، ولا تَزُولُ هَذِهِ الحُرْمَةُ ما لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنِ الأُولى بِبَيْعٍ أوْ هِبَةٍ أوْ عِتْقٍ أوْ كِتابَةٍ أوْ تَزْوِيجٍ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: نِكاحُ الأُخْتِ في عِدَّةِ الأُخْتِ البائِنِ جائِزٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: لا يَجُوزُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ: أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الجَمْعُ فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ المَنعُ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الجَمْعُ لِأنَّ نِكاحَ المُطَلَّقَةِ زائِلٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ وطْؤُها، ولَوْ وطِئَها يَلْزَمُهُ الحَدُّ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لَمّا لَمْ يُوجَدِ الجَمْعُ وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ المَنعُ، لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ تَقْرِيرِ المُحَرَّماتِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ولا شُبْهَةَ في انْتِفاءِ جَمِيعِ تِلْكَ المَوانِعِ، إلّا كَوْنُهُ جَمْعًا بَيْنَ أُخْتَيْنِ، فَإذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الجَمْعَ مُنْتَفٍ وجَبَ القَوْلُ بِالجَوازِ. فَإنْ قِيلَ: النِّكاحُ باقٍ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ العِدَّةِ ولُزُومِ النَّفَقَةِ عَلَيْها. قُلْنا: النِّكاحُ لَهُ حَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، والحَقِيقَةُ الواحِدَةُ يَمْتَنِعُ كَوْنُها مَوْجُودَةً مَعْدُومَةً مَعًا، بَلْ لَوِ انْقَسَمَتْ هَذِهِ الحَقِيقَةُ إلى نِصْفَيْنِ حَتّى يَكُونَ أحَدُهُما مَوْجُودًا والآخَرُ مَعْدُومًا صَحَّ ذَلِكَ، أمّا إذا كانَتِ الحَقِيقَةُ الواحِدَةُ غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّنْصِيفِ كانَ هَذا القَوْلُ فاسِدًا، وأمّا وُجُوبُ العِدَّةِ ولُزُومُ النَّفَقَةِ، فاعْلَمْ أنَّهُ إنْ حَصَلَ النِّكاحُ حَصَلَتِ القُدْرَةُ عَلى حَبْسِها، وهَذا لا يُنْتِجُ أنَّهُ حَصَلَتِ القُدْرَةُ عَلى حَبْسِها لِلنِّكاحِ؛ لِأنَّ اسْتِثْناءَ عَيْنِ التّالِي لا يُنْتِجُ، فَبِالجُمْلَةِ: فَإثْباتُ حَقِّ الحَبْسِ بَعْدَ زَوالِ النِّكاحِ بِطَرِيقٍ آخَرَ مَعْقُولٌ في الجُمْلَةِ، فَأمّا القَوْلُ بِبَقاءِ النِّكاحِ حالَ القَوْلِ بِعَدَمِهِ، فَذَلِكَ مِمّا لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ، وتَخْرِيجُ أحْكامِ الشَّرْعِ عَلى وفْقِ العُقُولِ، أوْلى مِن حَمْلِها عَلى ما يُعْرَفُ بُطْلانُها في بَداهَةِ العُقُولِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: إذا أسْلَمَ الكافِرُ وتَحْتَهُ أُخْتانِ اخْتارَ أيَّتَهُما شاءَ وفارَقَ الأُخْرى، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ كانَ قَدْ تَزَوَّجَ بِهِما دَفْعَةً واحِدَةً فُرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُما، وإنْ كانَ قَدْ صفحة ٣٢ تَزَوَّجَ بِإحْداهُما أوَّلًا وبِالأُخْرى ثانِيًا، اخْتارَ الأُولى وفارَقَ الثّانِيَةَ، واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ لِأبِي حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ قالَ: هَذا خِطابٌ عامٌّ فَيَتَناوَلُ المُؤْمِنَ والكافِرَ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَناوَلَ الكافِرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ فاسِدًا؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى الفَسادِ، فَيُقالُ لَهُ: إنَّكَ بَنَيْتَ هَذا الِاسْتِدْلالَ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ وعَلى أنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى الفَسادِ، وأبُو حَنِيفَةَ لا يَقُولُ بِواحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، فَإنْ قالَ: فَهُما صَحِيحانِ عَلى قَوْلِكم؛ فَكانَ هَذا الِاسْتِدْلالُ لازِمًا عَلَيْكم، فَنَقُولُ: قَوْلُنا: الكُفّارُ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، لا نَعْنِي بِهِ في أحْكامِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ ما دامَ كافِرًا لا يُمْكِنُ تَكْلِيفُهُ بِفُرُوعِ الإسْلامِ، وإذا أسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ كُلُّ ما مَضى بِالإجْماعِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أحْكامُ الآخِرَةِ، وهو أنَّ الكافِرَ يُعاقَبُ بِتَرْكِ فُرُوعِ الإسْلامِ كَما يُعاقَبُ عَلى تَرْكِ الإسْلامِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ الكافِرُ بِغَيْرِ ولِيٍّ ولا شُهُودٍ، أوْ تَزَوَّجَ بِها عَلى سَبِيلِ القَهْرِ، فَبَعْدَ الإسْلامِ يُقَرُّ ذَلِكَ النِّكاحُ في حَقِّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الخِطابَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ لا يَظْهَرُ أثَرُهُ في الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ في حَقِّ الكافِرِ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ: «أنَّ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيَّ أسْلَمَ عَلى ثَمانِ نِسْوَةٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اخْتَرْ أرْبَعًا وفارِقْ سائِرَهُنَّ» “ خَيَّرَهُ بَيْنَهُنَّ، وذَلِكَ يُنافِي ما ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّرْتِيبِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ فِيهِ الإشْكالُ المَشْهُورُ: وهو أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وكَذا وكَذا إلّا ما قَدْ سَلَفَ، وهَذا يَقْتَضِي اسْتِثْناءَ الماضِي مِنَ المُسْتَقْبَلِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، وجَوابُهُ بِالوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] والمَعْنى أنَّ ما مَضى مَغْفُورٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

النساء 4:24

النَّوْعُ الرّابِعَ عَشَرَ مِنَ المُحَرَّماتِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ . فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الإحْصانُ في اللُّغَةِ المَنعُ، وكَذَلِكَ الحَصانَةُ، يُقالُ: مَدِينَةٌ حَصِينَةٌ ودِرْعٌ حَصِينَةٌ، أيْ: مانِعَةٌ صاحِبَها مِنَ الجِراحَةِ. قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] مَعْناهُ لِتَمْنَعَكم وتَحْرِزَكم، والحِصْنُ المَوْضِعُ الحَصِينُ لِمَنعِهِ مَن يُرِيدُهُ بِالسُّوءِ، والحِصانُ بِالكَسْرِ الفَرَسُ الفَحْلُ، لِمَنعِهِ صاحِبَهُ مِنَ الهَلاكِ، والحَصانُ بِالفَتْحِ المَرْأةُ العَفِيفَةُ لِمَنعِها فَرْجَها مِنَ الفَسادِ، قالَ تَعالى: ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [التحريم: ١٢] . واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الإحْصانِ جاءَ في القُرْآنِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: الحُرِّيَّةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤] يَعْنِي الحَرائِرَ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قَذَفَ غَيْرَ حُرٍّ لَمْ يُجْلَدْ ثَمانِينَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] يَعْنِي الحَرائِرَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ صفحة ٣٣ ﴿مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، أيِ: الحَرائِرَ. وثانِيها: العَفافُ، وهو قَوْلُهُ ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥]، وقَوْلُهُ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [الأنبياء: ٩١] أيْ: أعَفَّتْهُ. وثالِثُها: الإسْلامُ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: إذا أسْلَمْنَ. ورابِعُها: كَوْنُ المَرْأةِ ذاتَ زَوْجٍ يُقالُ: امْرَأةٌ مُحْصَنَةٌ إذا كانَتْ ذاتَ زَوْجٍ، وقَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَعْنِي ذَواتِ الأزْواجِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ المُحْصَناتِ عَلى المُحَرَّماتِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الإحْصانُ سَبَبًا لِلْحُرْمَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الحُرِّيَّةَ والعَفافَ والإسْلامَ لا تَأْثِيرَ لَهُ في ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المُزَوَّجَةَ؛ لِأنَّ كَوْنَ المَرْأةِ ذاتَ زَوْجٍ لَهُ تَأْثِيرٌ في كَوْنِها مُحَرَّمَةً عَلى الغَيْرِ. واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ الأرْبَعَةَ مُشْتَرِكَةٌ في المَعْنى الأصْلِيِّ اللُّغَوِيِّ، وهو المَنعُ، وذَلِكَ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ الإحْصانَ عِبارَةٌ عَنِ المَنعِ، فالحُرِّيَّةُ سَبَبٌ لِتَحْصِينِ الإنْسانِ مِن نَفاذِ حُكْمِ الغَيْرِ فِيهِ، والعِفَّةُ أيْضًا مانِعَةٌ لِلْإنْسانِ عَنِ الشُّرُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي، وكَذَلِكَ الإسْلامُ مانِعٌ مِن كَثِيرٍ مِمّا تَدْعُو إلَيْهِ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ، والزَّوْجُ أيْضًا مانِعٌ لِلزَّوْجَةِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، والزَّوْجَةُ مانِعَةٌ لِلزَّوْجِ مِنَ الوُقُوعِ في الزِّنا، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن تَزَوَّجَ فَقَدْ حَصَّنَ ثُلُثَيْ دِينِهِ» “ فَثَبَتَ أنَّ المَرْجِعَ بِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ إلى ذَلِكَ المَعْنى اللُّغَوِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ”المُحْصَناتِ“ فَقَرَءُوا بِكَسْرِ الصّادِ وفَتْحِها في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى الفَتْحِ فِيها، فَمَن قَرَأ بِالكَسْرِ جَعَلَ الفِعْلَ لَهُنَّ يَعْنِي: أسْلَمْنَ واخْتَرْنَ العَفافَ، وتَزَوَّجْنَ وأحْصَنَّ أنْفُسَهُنَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الأُمُورِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ جَعَلَ الفِعْلَ لِغَيْرِهِنَّ، يَعْنِي أحْصَنَهُنَّ أزْواجُهُنَّ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: الثَّيِّبُ الذِّمِّيُّ إذا زَنى يُرْجَمُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يُرْجَمُ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ حَصَلَ الزِّنا مَعَ الإحْصانِ وذَلِكَ عِلَّةٌ لِإباحَةِ الدَّمِ، فَوَجَبَ أنْ يَثْبُتَ إباحَةُ الدَّمِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الرَّجْمِ، أمّا قَوْلُنا: حَصَلَ الزِّنا مَعَ الإحْصانِ، فَهَذا يَعْتَمِدُ إثْباتَ قَيْدَيْنِ: أحَدُهُما: حُصُولُ الزِّنا ولا شَكَّ فِيهِ. الثّانِي: حُصُولُ الإحْصانِ وهو حاصِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المُحْصَنَةِ: المُزَوَّجَةُ، وهَذِهِ المَرْأةُ مُزَوَّجَةٌ فَهي مُحْصَنَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ الزِّنا مَعَ الإحْصانِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الزِّنا مَعَ الإحْصانِ عِلَّةٌ لِإباحَةِ الدَّمِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا لِإحْدى مَعانٍ ثَلاثَةٍ» “ ومِنها قَوْلُهُ: ”«وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ» “ جَعَلَ الزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ عِلَّةً لِإباحَةِ الدَّمِ في حَقِّ المُسْلِمِ، والمُسْلِمُ مَحَلٌّ لِهَذا الحُكْمِ، أمّا العِلَّةُ فَهي مُجَرَّدُ الزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، بِدَلِيلِ أنَّ لامَ التَّعْلِيلِ إنَّما دَخَلَ عَلَيْهِ. أقْصى ما في البابِ أنَّهُ حَكَمَ في حَقِّ المُسْلِمِ أنَّ الزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ عِلَّةٌ لِإباحَةِ الدَّمِ، إلّا أنَّ كَوْنَهُ مُسْلِمًا مَحَلُّ الحُكْمِ، وخُصُوصُ مَحَلِّ الحُكْمِ لا يَمْنَعُ مِنَ التَّعْدِيَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ المَحَلِّ، وإلّا لَبَطَلَ القِياسُ بِالكُلِّيَّةِ، وأمّا العِلَّةُ فَهي ما دَخَلَ عَلَيْهِ لامُ التَّعْلِيلِ، وهي ماهِيَّةُ الزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، وهَذِهِ الماهِيَّةُ لَمّا حَصَلَتْ في حَقِّ الثَّيِّبِ الذِّمِّيِّ، وجَبَ أنْ يَحْصُلَ في حَقِّهِ إباحَةُ الدَّمِ، فَثَبَتَ أنَّهُ مُباحُ الدَّمِ، ثُمَّ هَهُنا طَرِيقانِ: إنْ شِئْنا اكْتَفَيْنا بِهَذا القَدْرِ، فَإنّا نَدَّعِي كَوْنَهُ مُباحَ الدَّمِ والخَصْمُ لا يَقُولُ بِهِ، صفحة ٣٤ فَصارَ مَحْجُوبًا، أوْ نَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ مُباحُ الدَّمِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الرَّجْمِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. فَإنْ قِيلَ: ما ذَكَرْتُمْ إنْ دَلَّ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ مُحْصَنٌ، فَهَهُنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ، وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» “ . قُلْنا: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ الذِّمِّيَّ مُحْصَنٌ، وثَبَتَ بِهَذا الخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ أنَّهُ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ، فَنَقُولُ: إنَّهُ مُحْصَنٌ بِمَعْنى أنَّهُ ذُو زَوْجٍ، وغَيْرُ مُحْصَنٍ بِمَعْنى أنَّهُ لا يُحَدُّ قاذِفُهُ، وقَوْلُهُ: ”«مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» “ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ لا يُحَدُّ قاذِفُهُ، لا عَلى أنَّهُ لا يُحَدُّ عَلى الزِّنا، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِوَصْفِ الشِّرْكِ وذَلِكَ جِنايَةٌ، والمَذْكُورُ عَقِيبَ الجِنايَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أمْرًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً، وقَوْلُنا: إنَّهُ لا يُحَدُّ قاذِفُهُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً، أمّا قَوْلُنا: لا يُحَدُّ عَلى الزِّنا، لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لَهُ، فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ”«مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» “ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنها ذَواتُ الأزْواجِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المَرْأةَ إذا كانَتْ ذاتَ زَوْجٍ حُرِّمَتْ عَلى غَيْرِ زَوْجِها، إلّا إذا صارَتْ مِلْكًا لِإنْسانٍ، فَإنَّها تَحِلُّ لِلْمالِكِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِمِلْكِ اليَمِينِ هَهُنا مِلْكُ النِّكاحِ، والمَعْنى أنَّ ذَواتَ الأزْواجِ حَرامٌ عَلَيْكم إلّا إذا مَلَكْتُمُوهُنَّ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ بَعْدَ وُقُوعِ البَيْنُونَةِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ الزَّجْرُ عَنِ الزِّنا والمَنعُ مِن وطْئِهِنَّ إلّا بِنِكاحٍ جَدِيدٍ، أوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ إنْ كانَتِ المَرْأةُ مَمْلُوكَةً، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِمِلْكِ اليَمِينِ؛ لِأنَّ مِلْكَ اليَمِينِ حاصِلٌ في النِّكاحِ وفي المِلْكِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ هَهُنا بِالمُحْصَناتِ الحَرائِرُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] ذَكَرَ هَهُنا المُحْصَناتِ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ [النساء: ٢٥] كانَ المُرادُ بِالمُحْصَناتِ هَهُنا ما هو المُرادُ هُناكَ، ثُمَّ المُرادُ مِنَ المُحْصَناتِ هُناكَ الحَرائِرُ، فَكَذا هَهُنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ: إلّا العَدَدَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مِلْكًا لَكم وهو الأرْبَعُ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الحَرائِرُ إلّا العَدَدَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مِلْكًا لَكم وهو الأرْبَعُ. الثّانِي: الحَرائِرُ مُحَرَّماتٌ عَلَيْكم إلّا ما أثْبَتَ اللَّهُ لَكم مِلْكًا عَلَيْهِنَّ، وذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ الوَلِيِّ والشُّهُودِ وسائِرِ الشَّرائِطِ المُعْتَبَرَةِ في الشَّرِيعَةِ، فَهَذا الأوَّلُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ هو المُخْتارُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥ - ٦ ] جَعَلَ مِلْكَ اليَمِينِ عِبارَةً عَنْ ثُبُوتِ المِلْكِ فِيها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَهُنا مُفَسَّرًا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ تَفْسِيرَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِكَلامِ اللَّهِ أقْرَبُ الطُّرُقِ إلى الصِّدْقِ والصَّوابِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ إذا سُبِيَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الآخَرِ وأُخْرِجَ إلى دارِ الإسْلامِ وقَعَتِ الفُرْقَةُ، أمّا إذا سُبِيا مَعًا فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هَهُنا تَزُولُ الزَّوْجِيَّةُ، ويَحِلُّ لِلْمالِكِ أنْ يَسْتَبْرِئَها بِوَضْعِ الحَمْلِ إنْ كانَتْ حامِلًا مِن زَوْجِها، أوْ بِالحَيْضِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: لا تَزُولُ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ ذاتِ الأزْواجِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ عِنْدَ طَرَيانِ المِلْكِ تُرْفَعُ الحُرْمَةُ ويَحْصُلُ الحِلُّ، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: لَوْ حَصَلَتِ الفُرْقَةُ صفحة ٣٥ بِمُجَرَّدِ طَرَيانِ المِلْكِ لَوَجَبَ أنْ تَقَعَ الفُرْقَةُ بِشِراءِ الأمَةِ واتِّهابِها وإرْثِها، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيُقالُ لَهُ: كَأنَّكَ ما سَمِعْتَ أنَّ العامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ في الباقِي، وأيْضًا: فالحاصِلُ عِنْدَ السَّبْيِ إحْداثُ المِلْكِ فِيها، وعِنْدَ البَيْعِ نُقِلَ المِلْكُ مِن شَخْصٍ إلى شَخْصٍ فَكانَ الأوَّلُ أقْوى، فَظَهَرَ الفَرْقُ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مَذْهَبُ عَلِيٍّ وعُمَرَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّ الأمَةَ المَنكُوحَةَ إذا بِيعَتْ لا يَقَعُ عَلَيْها الطَّلاقُ، وعَلَيْهِ إجْماعُ الفُقَهاءِ اليَوْمَ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وجابِرٌ وأنَسٌ: إنَّها إذا بِيعَتْ طُلِّقَتْ، حُجَّةُ الجُمْهُورِ: «أنَّ عائِشَةَ لَمّا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ وأعْتَقَتْها خَيَّرَها النَّبِيُّ ﷺ وكانَتْ مُزَوَّجَةً»، ولَوْ وقَعَ الطَّلاقُ بِالبَيْعِ لَما كانَ لِذَلِكَ التَّخْيِيرِ فائِدَةٌ، ومِنهم مَن رَوى في قِصَّةِ بَرِيرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها» “ وحُجَّةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ عُمُومُ الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وحاصِلُ الجَوابِ عَنْهُ يَرْجِعُ إلى تَخْصِيصِ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ ذِكْرَ المُحَرَّماتِ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يَدُلُّ عَلى مَعْنى الكِتابَةِ فالتَّقْدِيرُ: كُتِبَ عَلَيْكم تَحْرِيمُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُحَرَّماتِ كِتابًا مِنَ اللَّهِ، ومَجِيءُ المَصْدَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ كَثِيرٌ، نَظِيرُهُ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] . الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى جِهَةِ الأمْرِ، ويَكُونَ ”عَلَيْكم“ مُفَسِّرًا لَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: الزَمُوا كِتابَ اللَّهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”﴿وأُحِلَّ لَكُمْ﴾“ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ”﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾“، والباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ والحاءِ عَطْفًا عَلى ”كِتابَ اللَّهِ“ يَعْنِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكم تَحْرِيمَ هَذِهِ الأشْياءِ وأحَلَّ لَكم ما وراءَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ يَقْتَضِي حِلَّ كُلِّ مَن سِوى الأصْنافِ المَذْكُورَةِ، إلّا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى تَحْرِيمِ أصْنافٍ أُخَرَ سِوى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ ونَحْنُ نَذْكُرُها. الصِّنْفُ الأوَّلُ: لا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأةِ وبَيْنَ عَمَّتِها وخالَتِها، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها» “ وهَذا خَبَرٌ مَشْهُورٌ مُسْتَفِيضٌ، ورُبَّما قِيلَ: إنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، وزَعَمَ الخَوارِجُ أنَّ هَذا خَبَرٌ واحِدٌ، وتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ عُمُومَ الكِتابِ مَقْطُوعُ المَتْنِ ظاهِرُ الدَّلالَةِ، وخَبَرُ الواحِدِ مَظْنُونُ المَتْنِ ظاهِرُ الدَّلالَةِ، فَكانَ خَبَرُ الواحِدِ أضْعَفَ مِن عُمُومِ القُرْآنِ، فَتَرْجِيحُهُ عَلَيْهِ بِمُقْتَضى تَقْدِيمِ الأضْعَفِ عَلى الأقْوى وإنَّهُ لا يَجُوزُ. الثّانِي: مِن جُمْلَةِ الأحادِيثِ المَشْهُورَةِ خَبَرُ مُعاذٍ، وإنَّهُ يَمْنَعُ مِن تَقْدِيمِ خَبَرِ الواحِدِ عَلى عُمُومِ القُرْآنِ مِن وجْهَيْنِ؛ لِأنَّهُ قالَ: «بِمَ تَحْكُمُ ؟ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ، قالَ: فَإنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ، فَقَدَّمَ التَّمَسُّكَ بِكِتابِ اللَّهِ عَلى التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، وهَذا يَمْنَعُ مِن تَقْدِيمِ السُّنَّةِ عَلى الكِتابِ، وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ، عَلَّقَ جَوازَ التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ عَلى عَدَمِ الكِتابِ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ وهي لِلِاشْتِراطِ، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ. الثّالِثُ: أنَّ مِنَ الأحادِيثِ المَشْهُورَةِ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا رُوِيَ لَكم عَنِّي حَدِيثٌ فاعْرِضُوهُ عَلى كِتابِ اللَّهِ فَإنْ وافَقَهُ فاقْبَلُوهُ وإلّا فَرُدُّوهُ» “، فَهَذا الخَبَرُ يَقْتَضِي أنْ لا يُقْبَلَ خَبَرُ الواحِدِ إلّا عِنْدَ مُوافَقَةِ الكِتابِ، فَإذا كانَ خَبَرُ العَمَّةِ صفحة ٣٦ والخالَةِ مُخالِفًا لِظاهِرِ الكِتابِ وجَبَ رَدُّهُ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها» “ لا يَخْلُو الحالُ فِيهِما مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: إمّا أنْ يُقالَ: الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ الخَبَرِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الآيَةُ ناسِخَةً لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ العامَّ إذا ورَدَ بَعْدَ الخاصِّ كانَ العامُّ ناسِخًا لِلْخاصِّ، وإمّا أنْ يُقالَ: الخَبَرُ ورَدَ بَعْدَ الكِتابِ، فَهَذا يَقْتَضِي نَسْخَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ وإنَّهُ لا يَجُوزُ، وإمّا أنْ يُقالَ: ورَدا مَعًا، وهَذا أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الآيَةُ وحْدَها مُشْتَبِهَةً، ويَكُونُ مَوْضِعُ الحُجَّةِ مَجْمُوعَ الآيَةِ مَعَ الخَبَرِ، ولا يَجُوزُ لِلرَّسُولِ المَعْصُومِ أنْ يَسْعى في تَشْهِيرِ الشُّبْهَةِ ولا يَسْعى في تَشْهِيرِ الحُجَّةِ، فَكانَ يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ أنْ لا يُسْمِعَ أحَدًا هَذِهِ الآيَةَ إلّا مَعَ هَذا الخَبَرِ، وأنْ يُوجِبَ إيجابًا ظاهِرًا عَلى جَمِيعِ الأُمَّةِ أنْ لا يُبَلِّغُوا هَذِهِ الآيَةَ إلى أحَدٍ إلّا مَعَ هَذا الخَبَرِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ اشْتِهارُ هَذا الخَبَرِ مُساوِيًا لِاشْتِهارِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا فَسادَ هَذا القِسْمِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَثْبُتَ صِحَّةُ هَذا الخَبَرِ قَطْعًا، إلّا أنَّ التَّمَسُّكَ بِالآيَةِ راجِحٌ عَلى التَّمَسُّكِ بِالخَبَرِ. وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ نَصٌّ صَرِيحٌ في التَّحْلِيلِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] نَصٌّ صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ، وأمّا قَوْلُهُ: ”«لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها» “ فَلَيْسَ نَصًّا صَرِيحًا؛ لِأنَّ ظاهِرَهُ إخْبارٌ، وحَمْلُ الإخْبارِ عَلى النَّهْيِ مَجازٌ، ثُمَّ بِهَذا التَّقْدِيرِ فَدَلالَةُ لَفْظِ النَّهْيِ عَلى التَّحْرِيمِ أضْعَفُ مِن دَلالَةِ لَفْظِ الإحْلالِ عَلى مَعْنى الإباحَةِ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ صَرِيحٌ في تَحْلِيلِ كُلِّ ما سِوى المَذْكُوراتِ، وقَوْلُهُ: ”«لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها» “ لَيْسَ صَرِيحًا في العُمُومِ، بَلِ احْتِمالُهُ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ أظْهَرُ. الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَقْصى في هَذِهِ الآيَةِ شَرْحَ أصْنافِ المُحَرَّماتِ فَعَدَّ مِنها خَمْسَةَ عَشَرَ صِنْفًا، ثُمَّ بَعْدَ هَذا التَّفْصِيلِ التّامِّ والِاسْتِقْصاءِ الشَّدِيدِ قالَ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ فَلَوْ لَمْ يَثْبُتِ الحِلُّ في كُلِّ مَن سِوى هَذِهِ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ لَصارَ هَذا الِاسْتِقْصاءُ عَبَثًا ولَغْوًا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِكَلامِ أحْكَمِ الحاكِمِينَ، فَهَذا تَقْرِيرُ وُجُوهِ السُّؤالِ في هَذا البابِ. والجَوابُ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ وأبُو بَكْرٍ الأصَمُّ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ لا يَقْتَضِي إثْباتَ الحِلِّ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي هو الأصَحُّ في هَذا البابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ إخْبارٌ عَنْ إحْلالِ كُلِّ ما سِوى المَذْكُوراتِ ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ إحْلالَ كُلِّ ما سِوى المَذْكُوراتِ وقَعَ عَلى التَّأْبِيدِ أمْ لا، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يُفِيدُ التَّأْبِيدَ: أنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُ هَذا المَفْهُومِ إلى المُؤَبَّدِ وإلى غَيْرِ المُؤَبَّدِ، فَيُقالُ تارَةً: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ أبَدًا، وأُخْرى ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ إلى الوَقْتِ الفُلانِيِّ، ولَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ صَرِيحًا في التَّأْبِيدِ لَما كانَ هَذا التَّقْسِيمُ مُمْكِنًا، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ لا يُفِيدُ إلّا إحْلالَ مَن سِوى المَذْكُوراتِ، وصَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ الإحْلالَ أعَمُّ مِنَ الإحْلالِ المُؤَبَّدِ ومِنَ الإحْلالِ المُؤَقَّتِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ لا يُفِيدُ إلّا حِلَّ مَن عَدا المَذْكُوراتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَأمّا ثُبُوتُ حِلِّهِمْ في سائِرِ الأوْقاتِ فاللَّفْظُ ساكِتٌ عَنْهُ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ، وقَدْ كانَ حِلُّ مَن سِوى المَذْكُوراتِ ثابِتًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وطَرَيانُ حُرْمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَكُونُ تَخْصِيصًا لِذَلِكَ النَّصِّ ولا نَسْخًا لَهُ، فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ مَعْقُولٌ مُقَرَّرٌ، وبِهَذا الطَّرِيقِ صفحة ٣٧ نَقُولُ أيْضًا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لَيْسَ نَصًّا في تَأْبِيدِ هَذا التَّحْرِيمِ، وإنَّ ذَلِكَ التَّأْبِيدَ إنَّما عَرَفْناهُ بِالتَّواتُرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لا مِن هَذا اللَّفْظِ، فَهَذا هو الجَوابُ المُعْتَمَدُ في هَذا المَوْضِعِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ حُرْمَةَ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وبَيْنَ عَمَّتِها وخالَتِها غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ الجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وكَوْنُهُما أُخْتَيْنِ يُناسِبُ هَذِهِ الحُرْمَةَ؛ لِأنَّ الأُخْتِيَّةَ قَرابَةٌ قَرِيبَةٌ، والقَرابَةُ القَرِيبَةُ تُناسِبُ مَزِيدَ الوُصْلَةِ والشَّفَقَةِ والكَرامَةِ، وكَوْنُ إحْداهُما ضَرَّةَ الأُخْرى يُوجِبُ الوَحْشَةَ العَظِيمَةَ والنَّفْرَةَ الشَّدِيدَةَ، وبَيْنَ الحالَتَيْنِ مُنافَرَةٌ عَظِيمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَها أُخْتًا لَها يُناسِبُ حُرْمَةَ الجَمْعِ بَيْنَهُما في النِّكاحِ، وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ مَعَ الوَصْفِ المُناسِبِ لَهُ يَدُلُّ بِحَسَبِ اللَّفْظِ عَلى كَوْنِ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ القَرابَةِ القَرِيبَةِ مانِعَةً مِنَ الجَمْعِ في النِّكاحِ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها، فَكانَ الحُكْمُ المَذْكُورُ في الأُخْتَيْنِ مَذْكُورًا في العَمَّةِ والخالَةِ مِن طَرِيقِ الدَّلالَةِ، بَلْ هَهُنا أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ العَمَّةَ والخالَةَ يُشْبِهانِ الأُمَّ لِبِنْتِ الأخِ ولِبِنْتِ الأُخْتِ، وهُما يُشْبِهانِ الوَلَدَ لِلْعَمَّةِ والخالَةِ، واقْتِضاءُ مِثْلِ هَذِهِ القَرابَةِ لِتَرْكِ المُضارَّةِ أقْوى مِنِ اقْتِضاءِ قَرابَةِ الأُخْتِيَّةِ لِمَنعِ المُضارَّةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ مانِعًا مِنَ العَمَّةِ والخالَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى. الثّانِي: أنَّهُ نَصَّ عَلى حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ بِأُمَّهاتِ النِّساءِ فَقالَ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ ولَفْظُ الأُمِّ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلى العَمَّةِ والخالَةِ، أمّا عَلى العَمَّةِ فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ مُخْبِرًا عَنْ أوْلادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فَأطْلَقَ لَفْظَ الأبِ عَلى إسْماعِيلَ مَعَ أنَّهُ كانَ عَمًّا، وإذا كانَ العَمُّ أبًا لَزِمَ أنْ تَكُونَ العَمَّةُ أُمًّا، وأمّا إطْلاقُ لَفْظِ الأُمِّ عَلى الخالَةِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] والمُرادُ أبُوهُ وخالَتُهُ، فَإنَّ أُمَّهُ كانَتْ مُتَوَفّاةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَ الأُمِّ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلى العَمَّةِ والخالَةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ مُتَناوِلًا لِلْعَمَّةِ والخالَةِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ. وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ المُرادُ ما وراءَ هَؤُلاءِ المَذْكُوراتِ سَواءٌ كُنَّ مَذْكُوراتٍ بِالقَوْلِ الصَّرِيحِ أوْ بِدَلالَةٍ جَلِيَّةٍ أوْ بِدَلالَةٍ خَفِيَّةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنِ العَمَّةُ والخالَةُ خارِجَةً عَنِ المَذْكُوراتِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ عَنْ شُبْهَةِ الخَوارِجِ أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ عامٌّ، وقَوْلُهُ: ”«لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها» “ خاصٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، ثُمَّ هَهُنا طَرِيقانِ: تارَةً نَقُولُ: هَذا الخَبَرُ بَلَغَ في الشُّهْرَةِ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، وتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ المُتَواتِرِ جائِزٌ، وعِنْدِي هَذا الوَجْهُ كالمُكابَرَةِ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ وإنْ كانَ في غايَةِ الشُّهْرَةِ في زَمانِنا هَذا لَكِنَّهُ لَمّا انْتَهى في الأصْلِ إلى رِوايَةِ الآحادِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الآحادِ. وتارَةً نَقُولُ: تَخْصِيصُ عُمُومِ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ، وتَقْرِيرُهُ مَذْكُورٌ في الأُصُولِ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ، والمُعْتَمَدُ في الجَوابِ عِنْدَنا الوَجْهُ الأوَّلُ. الصِّنْفُ الثّالِثُ مِنَ التَّخْصِيصاتِ الدّاخِلَةِ في هَذا العُمُومِ: أنَّ المُطَلَّقَةَ ثَلاثًا لا تَحِلُّ، إلّا أنَّ هَذا التَّخْصِيصَ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . الصِّنْفُ الرّابِعُ: تَحْرِيمُ نِكاحِ المُعْتَدَّةِ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ صفحة ٣٨ [البقرة: ٢٢٨] . الصِّنْفُ الخامِسُ: مَن كانَ في نِكاحِهِ حُرَّةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِالأمَةِ، وهَذا بِالِاتِّفاقِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ: القادِرُ عَلى طَوْلِ الحُرَّةِ لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ، ودَلِيلُ هَذا التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وسَيَأْتِي بَيانُ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ. الصِّنْفُ السّادِسُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّزَوُّجُ بِالخامِسَةِ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النساء: ٣] . الصِّنْفُ السّابِعُ: المُلاعَنَةُ: ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«المُتَلاعِنانِ لا يَجْتَمِعانِ أبَدًا» “. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ . فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا﴾ في مَحَلِّهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِن ”ما“ والتَّقْدِيرُ: وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم وأُحِلَّ لَكم أنْ تَبْتَغُوا، عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ (وأُحِلَّ) بِضَمِّ الألِفِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ كانَ مَحَلُّ ”أنْ تَبْتَغُوا“ نَصْبًا. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ عَلى القِراءَتَيْنِ النَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِأنْ تَبْتَغُوا، والمَعْنى: وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم لِإرادَةِ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم، وقَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ أيْ: في حالِ كَوْنِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ أيْ: مُتَعَفِّفِينَ عَنِ الزِّنا، وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ زانِينَ، وهو تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ. قالَ اللَّيْثُ: السِّفاحُ والمُسافَحَةُ الفُجُورُ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ مِنَ السَّفْحِ وهو الصَّبُّ يُقالُ: دُمُوعٌ سَوافِحُ ومَسْفُوحَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وفُلانٌ سَفّاحٌ لِلدِّماءِ أيْ: سَفّاكٌ، وسُمِّيَ الزِّنى سِفاحًا لِأنَّهُ لا غَرَضَ لِلزّانِي إلّا سَفْحُ النُّطْفَةِ. فَإنْ قِيلَ: أيْنَ مَفْعُولُ تَبْتَغُوا ؟ قُلْنا: التَّقْدِيرُ: وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم لِإرادَةِ أنْ تَبْتَغُوهُنَّ، أيْ تَبْتَغُوا ما وراءَ ذَلِكم، فَحُذِفَ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا مَهْرَ أقَلُّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَجُوزُ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ ولا تَقْدِيرَ فِيهِ. احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قَيَّدَ التَّحْلِيلَ بِقَيْدٍ، وهو الِابْتِغاءُ بِأمْوالِهِمْ، والدِّرْهَمُ والدِّرْهَمانِ لا يُسَمّى أمْوالًا، فَوَجَبَ أنْ لا يَصِحَّ جَعْلُها مَهْرًا. فَإنْ قِيلَ: ومَن عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَراهِمَ لا يُقالُ عِنْدَهُ أمْوالٌ، مَعَ أنَّكم تُجَوِّزُونَ كَوْنَها مَهْرًا. قُلْنا: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ لا تَكُونَ العَشَرَةُ كافِيَةً، إلّا أنّا تَرَكْنا العَمَلَ بِظاهِرِ الآيَةِ في هَذِهِ الصُّورَةِ لِدَلالَةِ الإجْماعِ عَلى جَوازِهِ، فَتَمَسَّكَ في الأقَلِّ مِنَ العَشَرَةِ بِظاهِرِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الِابْتِغاءَ بِالأمْوالِ جائِزٌ، ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى صفحة ٣٩ أنَّ الِابْتِغاءَ بِغَيْرِ الأمْوالِ لا يَجُوزُ، إلّا عَلى سَبِيلِ المَفْهُومِ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ، ثُمَّ نَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَقْدِيرَ في المَهْرِ وُجُوهٌ: الحُجَّةُ الأُولى: التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِأمْوالِكُمْ﴾ مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، فَيَقْتَضِي تَوَزُّعَ الفَرْدِ عَلى الفَرْدِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَتَمَكَّنَ كُلُّ واحِدٍ مِنِ ابْتِغاءِ النِّكاحِ بِما يُسَمّى مالًا، والقَلِيلُ والكَثِيرُ في هَذِهِ الحَقِيقَةِ وفي هَذا الِاسْمِ سَواءٌ، فَيَلْزَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ ابْتِغاءِ النِّكاحِ بِأيِّ شَيْءٍ يُسَمّى مالًا مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] دَلَّتِ الآيَةُ عَلى سُقُوطِ النِّصْفِ عَنِ المَذْكُورِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ لَوْ وقَعَ العَقْدُ في أوَّلِ الأمْرِ بِدِرْهَمٍ أنْ لا يَجِبَ عَلَيْهِ إلّا نِصْفُ دِرْهَمٍ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: الأحادِيثُ: مِنها ما رُوِيَ «أنَّ امْرَأةً جِيءَ بِها إلى النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ تَزَوَّجَ بِها رَجُلٌ عَلى نَعْلَيْنِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”رَضِيتِ مِن نَفْسِكِ بِنَعْلَيْنِ ؟ فَقالَتْ: نَعَمْ، فَأجازَهُ النَّبِيُّ» ﷺ “، والظّاهِرُ أنَّ قِيمَةَ النَّعْلَيْنِ تَكُونُ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الرَّجُلِ والمَرْأةِ اللَّذَيْنِ لا يَكُونُ تَزَوُّجُهُما إلّا عَلى النَّعْلَيْنِ يَكُونانِ في غايَةِ الفَقْرِ، ونَعْلُ هَذا الإنْسانِ يَكُونُ قَلِيلَ القِيمَةِ جِدًّا، ومِنها ما رُوِيَ عَنْجابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن أعْطى امْرَأةً في نِكاحٍ كَفَّ دَقِيقٍ أوْ سَوِيقٍ أوْ طَعامٍ فَقَدِ اسْتَحَلَّ» “، ومِنها ما رُوِيَ في قِصَّةِ الواهِبَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِمَن أرادَ التَّزَوُّجَ بِها: ”«التَمِسْ ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ» “ وذَلِكَ لا يُساوِي عَشَرَةَ دَراهِمَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ تَزَوَّجَ بِها عَلى تَعْلِيمِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَهْرًا ولَها مَهْرُ مِثْلِها، ثُمَّ قالَ: إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلى خِدْمَتِهِ سَنَةً، فَإنْ كانَ حُرًّا فَلَها مَهْرُ مِثْلِها، وإنْ كانَ عَبْدًا فَلَها خِدْمَةُ سَنَةٍ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: يَجُوزُ جَعْلُ ذَلِكَ مَهْرًا، احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى قَوْلِهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى شَرَطَ في حُصُولِ الحِلِّ أنْ يَكُونَ الِابْتِغاءُ بِالمالِ، والمالُ اسْمٌ لِلْأعْيانِ لا لِلْمَنافِعِ. الثّانِي: قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وذَلِكَ صِفَةُ الأعْيانِ. أجابَ الشّافِعِيُّ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِابْتِغاءَ بِالمالِ جائِزٌ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ الِابْتِغاءَ بِغَيْرِ المالِ جائِزٌ أمْ لا، وعَنِ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ الإيتاءِ كَما يَتَناوَلُ الأعْيانَ يَتَناوَلُ المَنافِعَ المُلْتَزَمَةَ، وعَنِ الثّالِثِ: أنَّهُ خَرَجَ الخِطابُ عَلى الأعَمِّ الأغْلَبِ، ثُمَّ احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى جَوازِ جَعْلِ المَنفَعَةِ صَداقًا بِوُجُوهٍ: الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ شُعَيْبٍ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] جَعَلَ الصَّداقَ تِلْكَ المَنافِعَ، والأصْلُ في شَرْعِ مَن تَقَدَّمَنا البَقاءُ إلى أنْ يَطْرَأ النّاسِخُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها، لَمّا لَمْ يَجِدِ الرَّجُلُ الَّذِي أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِها شَيْئًا، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ ؟ قالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذا، قالَ: زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» “، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٤٠ * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ عِتْقَ الأمَةِ لا يَكُونُ صَداقًا لَها؛ لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ البُضْعِ مالًا، وما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «أعْتَقَ صَفِيَّةَ وجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها»، فَذاكَ مِن خَواصِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم يَصِيرُونَ مُحْصِنِينَ بِسَبَبِ عَقْدِ النِّكاحِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ الإحْصانُ شَرْطًا في الإحْلالِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَبْقى الآيَةُ عامَّةً مَعْلُومَةَ المَعْنى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الثّانِي تَكُونُ الآيَةُ مُجْمَلَةً؛ لِأنَّ الإحْصانَ المَذْكُورَ فِيهِ غَيْرُ مُبَيَّنٍ، والمُعَلَّقُ عَلى المُجْمَلِ يَكُونُ مُجْمَلًا، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ مَعْلُومًا أوْلى مِن حَمْلِها عَلى وجْهٍ يَكُونُ مُجْمَلًا. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ . فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الِاسْتِمْتاعُ في اللُّغَةِ الِانْتِفاعُ، وكُلُّ ما انْتُفِعَ بِهِ فَهو مَتاعٌ، يُقالُ: اسْتَمْتَعَ الرَّجُلُ بِوَلَدِهِ، ويُقالُ فِيمَن ماتَ في زَمانِ شَبابِهِ: لَمْ يَتَمَتَّعْ بِشَبابِهِ، قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وقالَ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف: ٢٠] يَعْنِي تَعَجَّلْتُمُ الِانْتِفاعَ بِها، وقالَ: ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] يَعْنِي بِحَظِّكم ونَصِيبِكم مِنَ الدُّنْيا، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنَ المَنكُوحاتِ مِن جِماعٍ أوْ عَقْدٍ عَلَيْهِنَّ، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أسْقَطَ الرّاجِعَ إلى ”ما“ لِعَدَمِ الِالتِباسِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فَأُسْقِطَ مِنهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ بِمَعْنى النِّساءِ و”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُنَّ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (بِهِ) راجِعٌ إلى لَفْظِ (ما) لِأنَّهُ واحِدٌ في اللَّفْظِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى مَعْنى ”ما“ لِأنَّهُ جَمْعٌ في المَعْنى، وقَوْلُهُ: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥] وهي المُهُورُ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ هَهُنا، وقالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وإنَّما سُمِّيَ المَهْرُ أجْرًا لِأنَّهُ بَدَلُ المَنافِعِ، ولَيْسَ بِبَدَلٍ مِنَ الأعْيانِ، كَما سُمِّيَ بَدَلُ مَنافِعِ الدّارِ والدّابَّةِ أجْرًا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ: الخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ لا تُقَرِّرُ المَهْرَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ تُقَرِّرُهُ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ عَلى قَوْلِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ وُجُوبَ إيتائِهِنَّ مُهُورَهُنَّ كانَ لِأجْلِ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ، ولَوْ كانَتِ الخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ مُقَرِّرَةً لِلْمَهْرِ كانَ الظّاهِرُ أنَّ الخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ تَتَقَدَّمُ الِاسْتِمْتاعَ بِهِنَّ، فَكانَ المَهْرُ يَتَقَرَّرُ قَبْلَ الِاسْتِمْتاعِ، وتَقَرُّرُهُ قَبْلَ الِاسْتِمْتاعِ يَمْنَعُ مِن تَعَلُّقِ ذَلِكَ التَّقَرُّرِ بِالِاسْتِمْتاعِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ تَقَرُّرَ المَهْرِ يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِمْتاعِ، فَثَبَتَ أنَّ الخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ لا تُقَرِّرُ المَهْرَ. صفحة ٤١ * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ أكْثَرِ عُلَماءِ الأُمَّةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ ابْتِغاءُ النِّساءِ بِالأمْوالِ عَلى طَرِيقِ النِّكاحِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فَإنِ اسْتَمْتَعَ بِالدُّخُولِ بِها آتاها المَهْرَ بِالتَّمامِ، وإنِ اسْتَمْتَعَ بِعَقْدِ النِّكاحِ آتاها نِصْفَ المَهْرِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ حُكْمُ المُتْعَةِ، وهي عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ المَرْأةَ بِمالٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مُعَيَّنٍ فَيُجامِعَها، واتَّفَقُوا عَلى أنَّها كانَتْ مُباحَةً في ابْتِداءِ الإسْلامِ، رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ في عُمْرَتِهِ تَزَيَّنَ نِساءُ مَكَّةَ، فَشَكا أصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ طُولَ العُزُوبَةِ، فَقالَ: اسْتَمْتِعُوا مِن هَذِهِ النِّساءِ»، واخْتَلَفُوا في أنَّها هَلْ نُسِخَتْ أمْ لا ؟ فَذَهَبَ السَّوادُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ إلى أنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً، وقالَ السَّوادُ مِنهم: إنَّها بَقِيَتْ مُباحَةً كَما كانَتْ، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِمْرانَ بْنِ الحُصَيْنِ، أمّا ابْنُ عَبّاسٍ فَعَنْهُ ثَلاثُ رِواياتٍ: إحْداها: القَوْلُ بِالإباحَةِ المُطْلَقَةِ، قالَ عُمارَةُ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ المُتْعَةِ: أسِفاحٌ هي أمْ نِكاحٌ ؟ قالَ: لا سِفاحٌ ولا نِكاحٌ، قُلْتُ: فَما هي ؟ قالَ: هي مُتْعَةٌ كَما قالَ تَعالى، قُلْتُ: هَلْ لَها عِدَّةٌ ؟ قالَ نَعَمْ عِدَّتُها حَيْضَةٌ، قُلْتُ: هَلْ يَتَوارَثانِ ؟ قالَ: لا. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنْهُ: أنَّ النّاسَ لَمّا ذَكَرُوا الأشْعارَ في فُتْيا ابْنِ عَبّاسٍ في المُتْعَةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قاتَلَهُمُ اللَّهُ إنِّي ما أفْتَيْتُ بِإباحَتِها عَلى الإطْلاقِ، لَكِنِّي قُلْتُ: إنَّها تَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ كَما تَحِلُّ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ لَهُ. والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ أقَرَّ بِأنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً. رَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ قالَ: صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ورُوِيَ أيْضًا أنَّهُ قالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ مِن قَوْلِي في المُتْعَةِ والصَّرْفِ، وأمّا عِمْرانُ بْنُ الحُصَيْنِ فَإنَّهُ قالَ: «نَزَلَتْ آيَةُ المُتْعَةِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَنْزِلْ بَعْدَها آيَةٌ تَنْسَخُها، وأمَرَنا بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَمَتَّعْنا بِها، وماتَ ولَمْ يَنْهَنا عَنْهُ، ثُمَّ قالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ ما شاءَ» . وأمّا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فالشِّيعَةُ يَرْوُونَ عَنْهُ إباحَةَ المُتْعَةِ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لَوْلا أنَّ عُمَرَ نَهى النّاسَ عَنِ المُتْعَةِ ما زَنى إلّا شَقِيٌّ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ المَشْهُورُ بِمُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ: «أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرَّ بِابْنِ عَبّاسٍ وهو يُفْتِي بِجَوازِ المُتْعَةِ، فَقالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ: إنَّهُ ﷺ نَهى عَنْها وعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ»، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِالرِّواياتِ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى حُرْمَةِ المُتْعَةِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الوَطْءَ لا يَحِلُّ إلّا في الزَّوْجَةِ أوِ المَمْلُوكَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، وهَذِهِ المَرْأةُ لا شَكَّ أنَّها لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً، ولَيْسَتْ أيْضًا زَوْجَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: لَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَحَصَلَ التَّوارُثُ بَيْنَهُما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وبِالِاتِّفاقِ لا تَوارُثَ بَيْنَهُما. وثانِيها: ولَثَبَتَ النَّسَبُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الوَلَدُ لِلْفِراشِ» “، وبِالِاتِّفاقِ لا يَثْبُتُ. وثالِثُها: ولَوَجَبَتِ العِدَّةُ عَلَيْها، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ كَلامٌ حَسَنٌ مُقَرَّرٌ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ في خُطْبَتِهِ: مُتْعَتانِ كانَتا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنا أنْهى عَنْهُما وأُعاقِبُ عَلَيْهِما، ذُكِرَ هَذا الكَلامُ في مَجْمَعِ الصَّحابَةِ وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ، فالحالُ هَهُنا لا يَخْلُو صفحة ٤٢ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِحُرْمَةِ المُتْعَةِ فَسَكَتُوا، أوْ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّها مُباحَةٌ ولَكِنَّهم سَكَتُوا عَلى سَبِيلِ المُداهَنَةِ، أوْ ما عَرَفُوا إباحَتَها ولا حُرْمَتَها فَسَكَتُوا لِكَوْنِهِمْ مُتَوَقِّفِينَ في ذَلِكَ، والأوَّلُ هو المَطْلُوبُ، والثّانِي يُوجِبُ تَكْفِيرَ عُمَرَ وتَكْفِيرَ الصَّحابَةِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِإباحَةِ المُتْعَةِ، ثُمَّ قالَ: إنَّها مُحَرَّمَةٌ مَحْظُورَةٌ مِن غَيْرِ نَسْخٍ لَها فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ، ومَن صَدَّقَهُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ مُخْطِئًا كافِرًا، كانَ كافِرًا أيْضًا، وهَذا يَقْتَضِي تَكْفِيرَ الأُمَّةِ وهو عَلى ضِدِّ قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] . والقِسْمُ الثّالِثُ: وهو أنَّهم ما كانُوا عالِمِينَ بِكَوْنِ المُتْعَةِ مُباحَةً أوْ مَحْظُورَةً فَلِهَذا سَكَتُوا، فَهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ المُتْعَةَ بِتَقْدِيرِ كَوْنِها مُباحَةً تَكُونُ كالنِّكاحِ، واحْتِياجُ النّاسِ إلى مَعْرِفَةِ الحالِ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، ومِثْلُ هَذا يُمْنَعُ أنْ يَبْقى مَخْفِيًّا، بَلْ يَجِبُ أنْ يَشْتَهِرَ العِلْمُ بِهِ، فَكَما أنَّ الكُلَّ كانُوا عارِفِينَ بِأنَّ النِّكاحَ مُباحٌ، وأنَّ إباحَتَهُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في المُتْعَةِ كَذَلِكَ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ ثَبَتَ أنَّ الصَّحابَةَ إنَّما سَكَتُوا عَنِ الإنْكارِ عَلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ المُتْعَةَ صارَتْ مَنسُوخَةً في الإسْلامِ. فَإنْ قِيلَ: ما ذَكَرْتُمْ يَبْطُلُ بِما أنَّهُ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ قالَ: لا أُوتى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأةً إلى أجَلٍ إلّا رَجَمْتُهُ، ولا شَكَّ أنَّ الرَّجْمَ غَيْرُ جائِزٍ، مَعَ أنَّ الصَّحابَةَ ما أنْكَرُوا عَلَيْهِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهم كانُوا يَسْكُتُونَ عَنِ الإنْكارِ عَلى الباطِلِ. قُلْنا: لَعَلَّهُ كانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ والزَّجْرِ والسِّياسَةِ، ومِثْلُ هَذِهِ السِّياساتِ جائِزَةٌ لِلْإمامِ عِنْدَ المَصْلَحَةِ، ألا تَرى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«مَن مَنَعَ مِنّا الزَّكاةَ فَإنّا آخِذُوها مِنهُ وشَطْرَ مالِهِ» “ ثُمَّ إنَّ أخْذَ شَطْرِ المالِ مِن مانِعِ الزَّكاةِ غَيْرُ جائِزٍ، لَكِنَّهُ قالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ عَلى أنَّ المُتْعَةَ مُحَرَّمَةٌ: ما رَوى مالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أبِيهِما عَنْ عَلِيٍّ: «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ نَهى عَنْ مُتْعَةِ النِّساءِ وعَنْ أكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ»، ورَوى الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الجُهَنِيُّ عَنْ أبِيهِ قالَ: «غَدَوْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو قائِمٌ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ يَقُولُ: ”يا أيُّها النّاسُ إنِّي أمَرْتُكم بِالِاسْتِمْتاعِ مِن هَذِهِ النِّساءِ، ألا وإنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَها عَلَيْكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخْلِ سَبِيلَها ولا تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا» “، ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مُتْعَةُ النِّساءِ حَرامٌ» “، وهَذِهِ الأخْبارُ الثَّلاثَةُ ذَكَرَها الواحِدِيُّ في البَسِيطِ، وظاهِرٌ أنَّ النِّكاحَ لا يُسَمّى اسْتِمْتاعًا؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الِاسْتِمْتاعَ هو التَّلَذُّذُ، ومُجَرَّدُ النِّكاحِ لَيْسَ كَذَلِكَ. أمّا القائِلُونَ بِإباحَةِ المُتْعَةِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: الحُجَّةُ الأُولى: التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وفي الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ طَرِيقانِ: الطَّرِيقُ الأُولى: أنْ نَقُولَ: نِكاحُ المُتْعَةِ داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ يَتَناوَلُ مَنِ ابْتَغى بِمالِهِ الِاسْتِمْتاعَ بِالمَرْأةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، ومَنِ ابْتَغى بِمالِهِ عَلى سَبِيلِ التَّأْقِيتِ، وإذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ داخِلًا فِيهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ يَقْتَضِي حِلَّ صفحة ٤٣ القِسْمَيْنِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي حِلَّ المُتْعَةِ. الطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ مَقْصُورَةٌ عَلى بَيانِ نِكاحِ المُتْعَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: ما رُوِيَ أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كانَ يَقْرَأُ (فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) وهَذا أيْضًا هو قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والأُمَّةُ ما أنْكَرُوا عَلَيْهِما في هَذِهِ القِراءَةِ، فَكانَ ذَلِكَ إجْماعًا مِنَ الأُمَّةِ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ، وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْتُمُوهُ في أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا مَنَعَ مِنَ المُتْعَةِ والصَّحابَةُ ما أنْكَرُوا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ إجْماعًا عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا، وكَذا هَهُنا، وإذا ثَبَتَ بِالإجْماعِ صِحَّةُ هَذِهِ القِراءَةِ ثَبَتَ المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ إنَّما هو مُجَرَّدُ الِابْتِغاءِ بِالمالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ بَإيتائِهِنَّ أُجُورَهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الِابْتِغاءِ بِالمالِ يُجَوِّزُ الوَطْءَ، ومُجَرَّدُ الِابْتِغاءِ بِالمالِ لا يَكُونُ إلّا في نِكاحِ المُتْعَةِ، فَأمّا في النِّكاحِ المُطْلَقِ فَهُناكَ الحِلُّ إنَّما يَحْصُلُ بِالعَقْدِ، ومَعَ الوَلِيِّ والشُّهُودِ، ومُجَرَّدُ الِابْتِغاءِ بِالمالِ لا يُفِيدُ الحِلَّ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالمُتْعَةِ. الثّالِثُ: أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ أُوجِبَ إيتاءَ الأُجُورِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِمْتاعِ، والِاسْتِمْتاعُ عِبارَةٌ عَنِ التَّلَذُّذِ والِانْتِفاعِ، فَأمّا في النِّكاحِ فَإيتاءُ الأُجُورِ لا يَجِبُ عَلى الِاسْتِمْتاعِ البَتَّةَ، بَلْ عَلى النِّكاحِ، ألا تَرى أنَّ بِمُجَرَّدِ النِّكاحِ يَلْزَمُ نِصْفُ المَهْرِ ؟ فَظاهِرٌ أنَّ النِّكاحَ لا يُسَمّى اسْتِمْتاعًا، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الِاسْتِمْتاعَ هو التَّلَذُّذُ، ومُجَرَّدُ النِّكاحِ لَيْسَ كَذَلِكَ. الرّابِعُ: أنّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى حُكْمِ النِّكاحِ لَزِمَ تَكْرارُ بَيانِ حُكْمِ النِّكاحِ في السُّورَةِ الواحِدَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النساء: ٣] ثُمَّ قالَ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أمّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى بَيانِ نِكاحِ المُتْعَةِ كانَ هَذا حُكْمًا جَدِيدًا، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ عَلى جَوازِ نِكاحِ المُتْعَةِ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ كانَ جائِزًا في الإسْلامِ، ولا خِلافَ بَيْنِ أحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ فِيهِ، إنَّما الخِلافُ في طَرَيانِ النّاسِخِ، فَنَقُولُ: لَوْ كانَ النّاسِخُ مَوْجُودًا لَكانَ ذَلِكَ النّاسِخُ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالتَّواتُرِ، أوْ بِالآحادِ، فَإنْ كانَ مَعْلُومًا بِالتَّواتُرِ، كانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وعِمْرانُ بْنُ الحُصَيْنِ مُنْكِرِينَ لِما عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالتَّواتُرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ يُوجِبُ تَكْفِيرَهم، وهو باطِلٌ قَطْعًا، وإنْ كانَ ثابِتًا بِالآحادِ فَهَذا أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ ثُبُوتُ إباحَةِ المُتْعَةِ مَعْلُومًا بِالإجْماعِ والتَّواتُرِ، كانَ ثُبُوتُهُ مَعْلُومًا قَطْعًا، فَلَوْ نَسَخْناهُ بِخَبَرِ الواحِدِ لَزِمَ جَعْلُ المَظْنُونِ رافِعًا لِلْمَقْطُوعِ وإنَّهُ باطِلٌ. قالُوا: ومِمّا يَدُلُّ أيْضًا عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِهَذا النَّسْخِ أنَّ أكْثَرَ الرِّواياتِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ المُتْعَةِ وعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ»، وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أباحَ المُتْعَةَ في حَجَّةِ الوَداعِ وفي يَوْمِ الفَتْحِ، وهَذانِ اليَوْمانِ مُتَأخِّرانِ عَنْ يَوْمِ خَيْبَرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَسَخَ المُتْعَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ؛ لِأنَّ النّاسِخَ يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُهُ عَلى المَنسُوخِ، وقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ حَصَلَ التَّحْلِيلُ مِرارًا والنَّسْخُ مِرارًا ضَعِيفٌ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُعْتَبَرِينَ، إلّا الَّذِينَ أرادُوا إزالَةَ التَّناقُضِ عَنْ هَذِهِ الرِّواياتِ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: ما رُوِيَ «أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ عَلى المِنبَرِ: مُتْعَتانِ كانَتا مَشْرُوعَتَيْنِ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنا أنْهى عَنْهُما: مُتْعَةُ الحَجِّ، ومُتْعَةُ النِّكاحِ»، وهَذا مِنهُ تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ مُتْعَةَ النِّكاحِ كانَتْ مَوْجُودَةً في عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ، وقَوْلُهُ: وأنا أنْهى عَنْهُما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ ما نَسَخَهُ، وإنَّما عُمَرُ هو الَّذِي نَسَخَهُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حِلَّ المُتْعَةِ كانَ ثابِتًا في عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ، وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما نَسَخَهُ، وأنَّهُ لَيْسَ ناسِخٌ إلّا نَسْخَ عُمَرَ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ لا يَصِيرَ مَنسُوخًا؛ لِأنَّ ما كانَ ثابِتًا في صفحة ٤٤ زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ وما نَسَخَهُ الرَّسُولُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصِيرَ مَنسُوخًا بِنَسْخِ عُمَرَ، وهَذا هو الحُجَّةُ الَّتِي احْتَجَّ بِها عِمْرانُ بْنُ الحُصَيْنِ حَيْثُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ في المُتْعَةِ آيَةً وما نَسَخَها بِآيَةٍ أُخْرى، وأمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمُتْعَةِ وما نَهانا عَنْها، ثُمَّ قالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ ما شاءَ»، يُرِيدُ أنَّ عُمَرَ نَهى عَنْها، فَهَذا جُمْلَةُ وُجُوهِ القائِلِينَ بِجَوازِ المُتْعَةِ. والجَوابُ عَنِ الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِنها نِكاحُ المُتْعَةِ وبَيانُهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المُحَرَّماتِ بِالنِّكاحِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ فَكانَ المُرادُ بِهَذا التَّحْلِيلِ ما هو المُرادُ هُناكَ بِهَذا التَّحْرِيمِ، لَكِنَّ المُرادَ هُناكَ بِالتَّحْرِيمِ هو النِّكاحُ، فالمُرادُ بِالتَّحْلِيلِ هَهُنا أيْضًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو النِّكاحَ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ والإحْصانُ لا يَكُونُ إلّا في نِكاحٍ صَحِيحٍ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ سَمّى الزِّنا سِفاحًا لِأنَّهُ لا مَقْصُودَ فِيهِ إلّا سَفْحُ الماءِ، ولا يُطْلَبُ فِيهِ الوَلَدُ وسائِرُ مَصالِحِ النِّكاحِ، والمُتْعَةُ لا يُرادُ مِنها إلّا سَفْحُ الماءِ فَكانَ سِفاحًا، هَذا ما قالَهُ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ. أمّا الَّذِي ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ: فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أصْنافَ مَن يَحْرُمُ عَلى الإنْسانِ وطْؤُهُنَّ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ أيْ: وأُحِلَّ لَكم وطْءُ ما وراءَ هَذِهِ الأصْنافِ، فَأيُّ فَسادٍ في هَذا الكَلامِ ؟ وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: الإحْصانُ لا يَكُونُ إلّا في نِكاحٍ صَحِيحٍ فَلَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وأمّا قَوْلُهُ ثالِثًا: الزِّنا إنَّما سُمِّيَ سِفاحًا؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ مِنهُ إلّا سَفْحُ الماءِ، والمُتْعَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنها سَفْحُ الماءِ بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ مَأْذُونٍ فِيهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، فَإنْ قُلْتُمُ: المُتْعَةُ مُحَرَّمَةٌ، فَنَقُولُ: هَذا أوَّلُ البَحْثِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ؟ فَظَهَرَ أنَّ الكَلامَ رِخْوٌ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: إنّا لا نُنْكِرُ أنَّ المُتْعَةَ كانَتْ مُباحَةً، إنَّما الَّذِي نَقُولُهُ: إنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّها مَشْرُوعَةٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في غَرَضِنا، وهَذا هو الجَوابُ أيْضًا عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، فَإنَّ تِلْكَ القِراءَةَ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِها لا تَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ المُتْعَةَ كانَتْ مَشْرُوعَةً، ونَحْنُ لا نُنازِعُ فِيهِ، إنَّما الَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ النَّسْخَ طَرَأ عَلَيْهِ، وما ذَكَرْتُمْ مِنَ الدَّلائِلِ لا يَدْفَعُ قَوْلَنا. وقَوْلُهُمُ: النّاسِخُ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَواتِرًا أوْ آحادًا. قُلْنا: لَعَلَّ بَعْضَهم سَمِعَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ في الجَمْعِ العَظِيمِ تَذَكَّرُوهُ وعَرَفُوا صِدْقَهُ فِيهِ فَسَلَّمُوا الأمْرَ لَهُ. قَوْلُهُ: إنَّ عُمَرَ أضافَ النَّهْيَ عَنِ المُتْعَةِ إلى نَفْسِهِ. قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ كانَ مُرادُهُ أنَّ المُتْعَةَ كانَتْ مُباحَةً في شَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأنا أنْهى عَنْهُ لَزِمَ تَكْفِيرُهُ وتَكْفِيرُ كُلِّ مَن لَمْ يُحارِبْهُ ويُنازِعْهُ، ويُفْضِي ذَلِكَ إلى تَكْفِيرِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ لَمْ يُحارِبْهُ ولَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ القَوْلَ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: كانَ مُرادُهُ أنَّ المُتْعَةَ كانَتْ مُباحَةً في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ، وأنا أنْهى عَنْها لِما ثَبَتَ عِنْدِي أنَّهُ ﷺ نَسَخَها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ هَذا الكَلامُ حُجَّةً لَنا في مَطْلُوبِنا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ والمَعْنى أنَّ إيتاءَهُنَّ أُجُورَهُنَّ ومُهُورَهُنَّ فَرِيضَةٌ لازِمَةٌ وواجِبَةٌ، وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِيضَةً﴾ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ حالٌ مِنَ الأُجُورِ بِمَعْنى مَفْرُوضَةٍ. وثانِيها: أنَّها وُضِعَتْ مَوْضِعَ إيتاءٍ، لِأنَّ الإيتاءَ مَفْرُوضٌ. وثالِثُها: أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، أيْ: فَرَضَ ذَلِكَ فَرِيضَةً. * * * صفحة ٤٥ ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الَّذِينَ حَمَلُوا الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى بَيانِ حُكْمِ النِّكاحِ قالُوا: المُرادُ أنَّهُ إذا كانَ المَهْرُ مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، فَلا حَرَجَ في أنْ تَحُطَّ عَنْهُ شَيْئًا مِنَ المَهْرِ أوْ تُبَرِّئَهُ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، فَعَلى هَذا: المُرادُ مِنَ التَّراضِي الحَطُّ مِنَ المَهْرِ أوِ الإبْراءُ عَنْهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا إثْمَ عَلَيْكم في أنْ تَهَبَ المَرْأةُ لِلزَّوْجِ مَهْرَها، أوْ يَهَبَ الزَّوْجُ لِلْمَرْأةِ تَمامَ المَهْرِ إذا طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ، وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى بَيانِ المُتْعَةِ قالُوا: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إذا انْقَضى أجَلُ المُتْعَةِ لَمْ يَبْقَ لِلرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ سَبِيلٌ البَتَّةَ، فَإنْ قالَ لَها: زِيدِينِي في الأيّامِ وأزِيدُكِ في الأُجْرَةِ كانَتِ المَرْأةُ بِالخِيارِ، إنْ شاءَتْ فَعَلَتْ، وإنْ شاءَتْ لَمْ تَفْعَلْ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ المِقْدارِ المَذْكُورِ أوَّلًا مِنَ الأجْرِ والأجَلِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إلْحاقُ الزِّيادَةِ في الصَّداقِ جائِزٌ، وهي ثابِتَةٌ إنْ دَخَلَ بِها أوْ ماتَ عَنْها، أمّا إذا طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ بَطَلَتِ الزِّيادَةُ، وكانَ لَها نِصْفُ المُسَمّى في العَقْدِ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: الزِّيادَةُ بِمَنزِلَةِ الهِبَةِ، فَإنْ أقْبَضَها مَلَكَتْهُ بِالقَبْضِ، وإنْ لَمْ يُقْبِضْها بَطَلَتْ. احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ لِأبِي حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ يَتَناوَلُ ما وقَعَ التَّراضِي بِهِ في طَرَفَيِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، فَكانَ هَذا بِعُمُومِهِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ إلْحاقِ الزِّيادَةِ بِالصَّداقِ، قالَ: بَلْ هَذِهِ الآيَةُ بِالزِّيادَةِ أخَصُّ مِنها بِالنُّقْصانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَهُ بِتَراضِيهِما، والبَراءَةُ والحَطُّ لا يَحْتاجُ إلى رِضا الزَّوْجِ، والزِّيادَةُ لا تَصِحُّ إلّا بِقَبُولِهِ، فَإذا عُلِّقَ ذَلِكَ بِتَراضِيهِما جَمِيعًا دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الزِّيادَةُ. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ عِبارَةً عَمّا ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ ؟ وهو أنَّهُ إذا طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإنْ شاءَتِ المَرْأةُ أبْرَأتْهُ عَنِ النِّصْفِ، وإنْ شاءَ الزَّوْجُ سَلَّمَ إلَيْها كُلَّ المَهْرِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَدْ زادَها عَمّا وجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إلَيْها، وأيْضًا عِنْدَنا أنَّهُ لا جُناحَ في تِلْكَ الزِّيادَةِ إلّا أنَّها تَكُونُ هِبَةً، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى بُطْلانِ هَذِهِ الزِّيادَةِ أنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ لَوِ التَحَقَتْ بِالأصْلِ لَكانَ إمّا مَعَ بَقاءِ العَقْدِ الأوَّلِ، أوْ بَعْدَ زَوالِ العَقْدِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ العَقْدَ لَمّا انْعَقَدَ عَلى القَدْرِ الأوَّلِ، فَلَوِ انْعَقَدَ مَرَّةً أُخْرى عَلى القَدْرِ الثّانِي، لَكانَ ذَلِكَ تَكْوِينًا لِذَلِكَ العَقْدِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْصِيلَ الحاصِلِ وهو مُحالٌ. والثّانِي باطِلٌ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّ عِنْدَ إلْحاقِ الزِّيادَةِ لا يَرْتَفِعُ العَقْدُ الأوَّلُ، فَثَبَتَ فَسادُ ما قالُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ التَّكالِيفِ والتَّحْرِيمِ والإحْلالِ، بَيَّنَ أنَّهُ عَلِيمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ أصْلًا، وحَكِيمٌ لا يُشَرِّعُ الأحْكامَ إلّا عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّسْلِيمَ لِأوامِرِهِ والِانْقِيادَ لِأحْكامِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:25

النَّوْعُ السّابِعُ مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ: صفحة ٤٦ ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مَن يَحِلُّ ومَن لا يَحِلُّ: بَيَّنَ فِيمَن يَحِلُّ أنَّهُ مَتى يَحِلُّ، وعَلى أيِّ وجْهٍ يَحِلُّ فَقالَ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الكِسائِيُّ (المُحْصِناتِ) بِكَسْرِ الصّادِ، وكَذَلِكَ (مُحْصِناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ) وكَذَلِكَ (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصِناتِ) كُلُّها بِكَسْرِ الصّادِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، فالفَتْحُ مَعْناهُ ذَواتُ الأزْواجِ، والكَسْرُ مَعْناهُ العَفائِفُ والحَرائِرُ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّوْلُ: الفَضْلُ، ومِنهُ التَّطَوُّلُ وهو التَّفَضُّلُ، وقالَ تَعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، ويُقالُ: تَطاوَلَ لِهَذا الشَّيْءِ أيْ تَناوَلَهُ، كَما يُقالُ: يَدُ فُلانٍ مَبْسُوطَةٌ، وأصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الطُّولِ الَّذِي هو خِلافُ القِصَرِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ طَوِيلًا فَفِيهِ كَمالٌ وزِيادَةٌ، كَما أنَّهُ إذا كانَ قَصِيرًا فَفِيهِ قُصُورٌ ونُقْصانٌ، وسُمِّيَ الغِنى أيْضًا طَوْلًا؛ لِأنَّهُ يُنالُ بِهِ مِنَ المُراداتِ ما لا يُنالُ عِنْدَ الفَقْرِ، كَما أنَّ بِالطُّولِ يُنالُ ما لا يُنالُ بِالقِصَرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الطَّوْلُ القُدْرَةُ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”يَسْتَطِعْ“ و(أنْ يَنْكِحَ) في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ القُدْرَةِ. فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِطاعَةُ هي القُدْرَةُ، والطَّوْلُ أيْضًا هو القُدْرَةُ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ومَن لَمْ يَقْدِرْ مِنكم عَلى القُدْرَةِ عَلى نِكاحِ المُحْصَناتِ، فَما فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ في ذِكْرِ القُدْرَةِ ؟ قُلْنا: الأمْرُ كَما ذَكَرْتَ، والأوْلى أنْ يُقالَ: المَعْنى فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمُ اسْتِطاعَةً بِالنِّكاحِ بِالمُحْصَناتِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَزُولُ الإشْكالُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ. أمّا ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ فَوُجُوهٌ: الأوَّلُ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ زِيادَةً في المالِ وسَعَةً يَبْلُغُ بِها نِكاحَ الحُرَّةِ فَلْيَنْكِحْ أمَةً. الثّانِي: أنْ يُفَسَّرَ النِّكاحُ بِالوَطْءِ، والمَعْنى: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا وطْءَ الحَرائِرِ فَلْيَنْكِحْ أمَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكُلُّ مَن لَيْسَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالأمَةِ، وهَذا التَّفْسِيرُ لائِقٌ بِمَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّ مَذْهَبَهُ أنَّهُ إذا كانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ، سَواءٌ قَدَرَ عَلى التَّزَوُّجِ صفحة ٤٧ بِالحُرَّةِ أوْ لَمْ يَقْدِرْ. والثّالِثُ: الِاكْتِفاءُ بِالحُرَّةِ، فَلَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِالأمَةِ سَواءٌ كانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، كُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّ لَفْظَ الِاسْتِطاعَةِ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ هو الحَرائِرُ، ويَدُلَّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ عِنْدَ تَعَذُّرِ نِكاحِ المُحْصَناتِ نِكاحَ الإماءِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُحْصَناتِ مَن يَكُونُ كالضِّدِّ لِلْإماءِ، والوَجْهُ في تَسْمِيَةِ الحَرائِرِ بِالمُحْصَناتِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الصّادِ: أنَّهُنَّ أُحْصِنَّ بِحُرِّيَّتِهِنَّ عَنِ الأحْوالِ الَّتِي تَقَدَّمَ عَلَيْها الإماءُ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ الأمَةَ تَكُونُ خَرّاجَةً ولّاجَةً مُمْتَهَنَةً مُبْتَذَلَةً، والحُرَّةُ مَصُونَةٌ مُحْصَنَةٌ مِن هَذِهِ النُّقْصاناتِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِكَسْرِ الصّادِ، فالمَعْنى أنَّهُنَّ أحْصَنَّ أنْفُسَهُنَّ بِحُرِّيَّتِهِنَّ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَطَ في نِكاحِ الإماءِ شَرائِطَ ثَلاثَةً، اثْنانِ مِنها في النّاكِحِ، والثّالِثُ في المَنكُوحَةِ، أمّا اللَّذانِ في النّاكِحِ، فَأحَدُهُما: أنْ يَكُونَ غَيْرَ واجِدٍ لِما يَتَزَوَّجُ بِهِ الحُرَّةَ المُؤْمِنَةَ مِنَ الصَّداقِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ فَعَدَمُ اسْتِطاعَةِ الطَّوْلِ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ ما يَنْكِحُ بِهِ الحُرَّةَ. فَإنْ قِيلَ: الرَّجُلُ إذا كانَ يَسْتَطِيعُ التَّزَوُّجَ بِالأمَةِ يَقْدِرُ عَلى التَّزَوُّجِ بِالحُرَّةِ الفَقِيرَةِ، فَمِن أيْنَ هَذا التَّفاوُتُ ؟ قُلْنا: كانَتِ العادَةُ في الإماءِ تَخْفِيفُ مُهُورِهِنَّ ونَفَقَتِهِنَّ لِاشْتِغالِهِنَّ بِخِدْمَةِ السّاداتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَظْهَرُ هَذا التَّفاوُتُ. وأمّا الشَّرْطُ الثّانِي: فَهو المَذْكُورُ في آخِرِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ أيْ بَلَغَ الشِّدَّةَ في العُزُوبَةِ. وأمّا الشَّرْطُ الثّالِثُ المُعْتَبَرُ في المَنكُوحَةِ: فَأنْ تَكُونَ الأمَةُ مُؤْمِنَةً لا كافِرَةً، فَإنَّ الأمَةَ إذا كانَتْ كافِرَةً كانَتْ ناقِصَةً مِن وجْهَيْنِ: الرِّقِّ والكُفْرِ، ولا شَكَّ أنَّ الوَلَدَ تابِعٌ لِلْأُمِّ في الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، وحِينَئِذٍ يُعَلَّقُ الوَلَدُ رَقِيقًا عَلى مِلْكِ الكافِرِ، فَيَحْصُلُ فِيهِ نُقْصانُ الرِّقِّ ونُقْصانُ كَوْنِهِ مِلْكًا لِلْكافِرِ، فَهَذِهِ الشَّرائِطُ الثَّلاثَةُ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ في جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ. وأمّا أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَيَقُولُ: إذا كانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ جازَ لَهُ ذَلِكَ، سَواءٌ قَدَرَ عَلى نِكاحِ الحُرَّةِ أوْ لَمْ يَقْدِرْ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ عَلى قَوْلِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَدَمَ القُدْرَةِ عَلى طَوْلِ الحُرَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ التَّزَوُّجَ بِالأمَةِ، وذَلِكَ الوَصْفُ يُناسِبُ هَذا الحُكْمَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَحْتاجُ إلى الجِماعِ، فَإذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى جِماعِ الحُرَّةِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ مُؤْنَتِها ومَهْرِها، وجَبَ أنْ يُؤْذَنَ لَهُ في نِكاحِ الأمَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الحُكْمُ إذا كانَ مَذْكُورًا عَقِيبَ وصْفٍ يُناسِبُهُ، فَذَلِكَ الِاقْتِرانُ في الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ كانَ نِكاحُ الأمَةِ جائِزًا بِدُونِ القُدْرَةِ عَلى طَوْلِ الحُرَّةِ ومَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ هَذِهِ القُدْرَةِ أثَرٌ في هَذا الحُكْمِ البَتَّةَ، لَكِنّا بَيَّنّا دَلالَةَ الآيَةِ عَلى أنَّ لَهُ أثَرًا في هَذا الحُكْمِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِالأمَةِ مَعَ القُدْرَةِ صفحة ٤٨ عَلى طَوْلِ الحُرَّةِ. الثّانِي: أنْ نَتَمَسَّكَ بِالآيَةِ عَلى سَبِيلِ المَفْهُومِ، وهو أنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ القائِلَ إذا قالَ: المَيِّتُ اليَهُودِيُّ لا يُبْصِرُ شَيْئًا، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَضْحَكُ مِن هَذا الكَلامِ ويَقُولُ: إذا كانَ غَيْرُ اليَهُودِيِّ أيْضًا لا يُبْصِرُ فَما فائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ يَهُودِيًّا ؟ فَلَمّا رَأيْنا أنَّ أهْلَ العُرْفِ يَسْتَقْبِحُونَ هَذا الكَلامَ ويُعَلِّلُونَ ذَلِكَ الِاسْتِقْباحَ بِهَذِهِ العِلَّةِ، عَلِمْنا اتِّفاقَ أرْبابِ اللِّسانِ عَلى أنَّ التَّقْيِيدَ بِالصِّفَةِ يَقْتَضِي نَفْيَ الحُكْمِ في غَيْرِ مَحَلِّ القَيْدِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: تَخْصِيصُ هَذِهِ الحالَةِ بِذِكْرِ الإباحَةِ فِيها لا يَدُلُّ عَلى حَظْرِ ما عَداهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى إباحَةِ القَتْلِ عِنْدَ زَوالِ هَذِهِ الحالَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى إباحَةِ الأكْلِ عِنْدَ زَوالِ هَذِهِ الحالَةِ، فَيُقالُ لَهُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، كَما أنَّ عِنْدَكَ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وقَدْ يُتْرَكُ العَمَلُ بِهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، والسُّؤالُ الجَيِّدُ عَلى التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ ما ذَكَرْناهُ، حَيْثُ قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النِّكاحِ الوَطْءَ ؟ والتَّقْدِيرُ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم وطْءَ الحُرَّةِ، وذَلِكَ عِنْدَ مَن لا يَكُونُ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَنْقَلِبُ الآيَةُ حُجَّةً لِأبِي حَنِيفَةَ. وجَوابُهُ: أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا الطَّوْلَ بِالغِنى، وعَدَمُ الغِنى تَأْثِيرُهُ في عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى العَقْدِ لا في عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الوَطْءِ، واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِالعُمُوماتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ وهو مُتَناوِلٌ لِلْإماءِ الكِتابِيّاتِ. والمُرادُ مِن هَذا الإحْصانِ العِفَّةُ. والجَوابُ: أنَّ آيَتَنا خاصَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، ولِأنَّهُ دَخَلَها التَّخْصِيصُ فِيما إذا كانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وإنَّما خُصَّتْ صَوْنًا لِلْوَلَدِ، عَنِ الإرْقاقِ، وهو قائِمٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ الإيمانِ مُعْتَبَرًا في الحُرَّةِ، فَعَلى هَذا: لَوْ قَدَرَ عَلى حُرَّةٍ كِتابِيَّةٍ ولَمْ يَقْدِرْ عَلى طَوْلِ حُرَّةٍ مَسْلِمَةٍ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ الأمَةَ، وأكْثَرُ العُلَماءِ أنَّ ذِكْرَ الإيمانِ في الحَرائِرِ نَدْبٌ واسْتِحْبابٌ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الحُرَّةِ الكِتابِيَّةِ وبَيْنَ المُؤْمِنَةِ في كَثْرَةِ المُؤْنَةِ وقِلَّتِها. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِالكِتابِيّاتِ البَتَّةَ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآياتِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ عِنْدَ العَجْزِ عَنْ نِكاحِ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ يَتَعَيَّنُ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ المُسْلِمَةِ، ولَوْ كانَ التَّزَوُّجُ بِالحُرَّةِ الكِتابِيَّةِ جائِزًا، لَكانَ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ لَمْ تَكُنِ الأمَةُ المُسْلِمَةُ مُتَعَيِّنَةً، وذَلِكَ يَنْفِي دَلالَةَ الآيَةِ، ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الدَّلالَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكِتابِيَّةَ مُشْرِكَةٌ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى التَّحْذِيرِ مِن نِكاحِ الإماءِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ الأُمَّ في الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فَإذا كانَتِ الأُمُّ رَقِيقَةً عُلِّقَ الوَلَدُ رَقِيقًا، وذَلِكَ يُوجِبُ النَّقْصَ في حَقِّ ذَلِكَ الإنْسانِ وفي حَقِّ ولَدِهِ. والثّانِي: أنَّ الأمَةَ قَدْ تَكُونُ تَعَوَّدَتِ الخُرُوجَ والبُرُوزَ والمُخالَطَةَ بِالرِّجالِ وصارَتْ في غايَةِ الوَقاحَةِ، ورُبَّما تَعَوَّدَتِ الفُجُورَ، وكُلُّ ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلى الأزْواجِ. صفحة ٤٩ الثّالِثُ: أنَّ حَقَّ المَوْلى عَلَيْها أعْظَمُ مِن حَقِّ الزَّوْجِ، فَمِثْلُ هَذِهِ الزَّوْجَةِ لا تَخْلُصُ لِلزَّوْجِ كَخُلُوصِ الحُرَّةِ، فَرُبَّما احْتاجَ الزَّوْجُ إلَيْها جِدًّا ولا يَجِدُ إلَيْها سَبِيلًا لِأنَّ السَّيِّدَ يَمْنَعُها ويَحْبِسُها. الرّابِعُ: أنَّ المَوْلى قَدْ يَبِيعُها مِن إنْسانٍ آخَرَ، فَعَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها، تَصِيرُ مُطَلَّقَةً شاءَ الزَّوْجُ أمْ أبى، وعَلى قَوْلِ مَن لا يَرى ذَلِكَ فَقَدْ يُسافِرُ المَوْلى الثّانِي بِها وبِوَلَدِها، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ المَضارِّ. الخامِسُ: أنَّ مَهْرَها مِلْكٌ لِمَوْلاها، فَهي لا تَقْدِرُ عَلى هِبَةِ مَهْرِها مِن زَوْجِها، ولا عَلى إبْرائِهِ عَنْهُ، بِخِلافِ الحُرَّةِ، فَلِهَذِهِ الوُجُوهِ ما أذِنَ اللَّهُ في نِكاحِ الأمَةِ إلّا عَلى سَبِيلِ الرُّخْصَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: فَلْيَتَزَوَّجْ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ جارِيَةَ أُخْتِكَ، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِجارِيَةِ نَفْسِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَتَياتُ: المَمْلُوكَةُ جَمْعُ فَتاةٍ، والعَبْدُ فَتًى، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«لا يَقُولَنَّ أحَدُكم عَبْدِي ولَكِنْ لِيَقُلْ فَتايَ وفَتاتِي» “ ويُقالُ لِلْجارِيَةِ الحَدِيثَةِ: فَتاةٌ، ولِلْغُلامِ فَتًى، والأمَةُ تُسَمّى فَتاةً، عَجُوزًا كانَتْ أوْ شابَّةً؛ لِأنَّها كالشّابَّةِ في أنَّها لا تُوَقَّرُ تَوْقِيرَ الكَبِيرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِ نِكاحِ الأمَةِ بِما إذا كانَتْ مُؤْمِنَةً فَلا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِالأمَةِ الكِتابِيَّةِ، سَواءٌ كانَ الزَّوْجُ حُرًّا أوْ عَبْدًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وسَعِيدٍ والحَسَنِ، وقَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِالأمَةِ الكِتابِيَّةِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ تَقْيِيدٌ لِجَوازِ نِكاحِ الأمَةِ بِكَوْنِها مُؤْمِنَةً، وذَلِكَ يَنْفِي جَوازَ نِكاحِ غَيْرِ المُؤْمِنَةِ مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما في مَسْألَةِ طَوْلِ الحُرَّةِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] . حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن وُجُوهٍ: النَّصِّ والقِياسِ: أمّا النَّصُّ فالعُمُوماتُ الَّتِي ذَكَرْنا تَمَسُّكَهُ بِها في طَوْلِ الحُرَّةِ، وآكَدُها قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وأمّا القِياسُ فَهو أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ الكِتابِيَّةَ الحُرَّةَ مُباحَةٌ، والكِتابِيَّةَ المَمْلُوكَةَ أيْضًا مُباحَةٌ، فَكَذَلِكَ إذا تَزَوَّجَ بِالكِتابِيَّةِ المَمْلُوكَةِ وجَبَ أنَّهُ يَجُوزُ. والجَوابُ عَنِ العُمُوماتِ: أنَّ دَلائِلَنا خاصَّةٌ فَتَكُونُ مُقَدَّمَةً عَلى العُمُوماتِ، وعَنِ القِياسِ: أنَّ الشّافِعِيَّ قالَ: إذا تَزَوَّجَ بِالحُرَّةِ الكِتابِيَّةِ فَهُناكَ نَقْصٌ واحِدٌ، أمّا إذا تَزَوَّجَ بِالأمَةِ الكِتابِيَّةِ فَهُناكَ نَوْعانِ مِنَ النَّقْصِ: الرِّقُّ والكُفْرُ، فَظَهَرَ الفَرْقُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ اعْمَلُوا عَلى الظّاهِرِ في الإيمانِ فَإنَّكم مُكَلَّفُونَ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ والحَقائِقَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: كُلُّكم أوْلادُ آدَمَ فَلا تُداخِلَنَّكم أنَفَةٌ مِن تَزَوُّجِ الإماءِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: كُلُّكم مُشْتَرِكُونَ في الإيمانِ، والإيمانُ أعْظَمُ الفَضائِلِ، فَإذا حَصَلَ الِاشْتِراكُ في أعْظَمِ الفَضائِلِ كانَ التَّفاوُتُ فِيما وراءَهُ غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ صفحة ٥٠ ﴿والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] قالَ الزَّجّاجُ: فَهَذا الثّانِي أوْلى لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ المُؤْمِناتِ، أوْ لِأنَّ الشَّرَفَ بِشَرَفِ الإسْلامِ أوْلى مِنهُ بِسائِرِ الصِّفاتِ، وهو يُقَوِّي قَوْلَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ الإيمانَ شَرْطٌ لِجَوازِ نِكاحِ الأمَةِ. واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ في ذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ أنَّ العَرَبَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالأنْسابِ، فَأعْلَمَ في ذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ أنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ. رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ثَلاثٌ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ: الطَّعْنُ في الأنْسابِ، والفَخْرُ بِالأحْسابِ، والِاسْتِسْقاءُ بِالأنْواءِ، ولا يَدَعُها النّاسُ في الإسْلامِ» “ وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَضَعُونَ مِنِ ابْنِ الهَجِينِ، فَذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الكَلِمَةَ زَجْرًا لَهم عَنْ أخْلاقِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ. * * * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةَ هَذا النِّكاحِ فَقالَ: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ نِكاحَ الأمَةِ بِدُونِ إذْنِ سَيِّدِها باطِلٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والقِياسُ، أمّا القُرْآنُ فَهو هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ الإذْنِ شَرْطًا في جَوازِ النِّكاحِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ النِّكاحُ واجِبًا، وهو كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» “ فالسَّلَمُ لَيْسَ بِواجِبٍ، ولَكِنَّهُ إذا اخْتارَ أنْ يُسْلِمَ فَعَلَيْهِ اسْتِيفاءُ هَذِهِ الشَّرائِطِ، كَذَلِكَ النِّكاحُ وإنْ لَمْ يَكُنْ واجِبًا، لَكِنَّهُ إذا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ أمَةً، وجَبَ أنْ لا يَتَزَوَّجَها إلّا بِإذْنِ سَيِّدِها، وأمّا القِياسُ: فَهو أنَّ الأمَةَ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ، وبَعْدَ التَّزَوُّجِ يَبْطُلُ عَلَيْهِ أكْثَرُ مَنافِعِها، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ إلّا بِإذْنِهِ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ مُقْتَصِرٌ عَلى الأمَةِ، وأمّا العَبْدُ فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ في حَقِّهِ بِالحَدِيثِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا تَزَوَّجَ العَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ فَهو عاهِرٌ» “ . * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المَرْأةُ البالِغَةُ العاقِلَةُ لا يَصِحُّ نِكاحُها إلّا بِإذْنِ الوَلِيِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَصِحُّ، احْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ عائِدٌ إلى الإماءِ، والأمَةُ ذاتٌ مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةِ الرِّقِّ، وصِفَةُ الرِّقِّ صِفَةٌ زائِلَةٌ، والإشارَةُ إلى الذّاتِ المَوْصُوفَةِ بِصِفَةٍ زائِلَةٍ لا يَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى تِلْكَ الصِّفَةِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يَتَكَلَّمُ مَعَ هَذا الشّابِّ فَصارَ شَيْخًا ثُمَّ تَكَلَّمَ مَعَهُ يَحْنَثُ في يَمِينِهِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ الإشارَةَ إلى الذّاتِ المَوْصُوفَةِ بِصِفَةٍ عَرَضِيَّةٍ زائِلَةٍ باقِيَةٌ بَعْدَ زَوالِ تِلْكَ الصِّفَةِ العَرَضِيَّةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ إشارَةٌ إلى الإماءِ، فَهَذِهِ الإشارَةُ وجَبَ أنْ تَكُونَ باقِيَةً حالَ زَوالِ الرِّقِّ عَنْهُنَّ وحُصُولِ صِفَةِ الحُرِّيَّةِ لَهُنَّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالحُرَّةُ البالِغَةُ العاقِلَةُ في هَذِهِ الصُّورَةِ يَتَوَقَّفُ جَوازُ نِكاحِها عَلى إذْنِ ولِيِّها، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في هَذِهِ الصُّورَةِ وجَبَ ثُبُوتُ هَذا الحُكْمِ في سائِرِ الصُّوَرِ؛ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ: مَذْهَبُهُ أنَّهُ لا عِبارَةَ لِلْمَرْأةِ في عَقْدِ النِّكاحِ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ لِلْمَرْأةِ أنْ تُزَوِّجَ أمَتَها، بَلْ مَذْهَبُهُ أنْ تُوَكِّلَ غَيْرَها بِتَزْوِيجِ أمَتِها. قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى الِاكْتِفاءِ بِحُصُولِ إذْنِ أهْلِها، فَمَن قالَ لا يَكْفِي ذَلِكَ كانَ تارِكًا لِظاهِرِ الآيَةِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالإذْنِ الرِّضا، وعِنْدَنا أنَّ رِضا المَوْلى لا بُدَّ مِنهُ، فَأمّا أنَّهُ كافٍ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ. وثانِيها: أنَّ أهْلَهُنَّ عِبارَةٌ عَمَّنْ يَقْدِرُ عَلى نِكاحِهِنَّ، وذَلِكَ إمّا المَوْلى إنْ كانَ رَجُلًا، أوْ ولِيُّ مَوْلاها إنْ كانَ مَوْلاها امْرَأةً. وثالِثُها: هَبْ أنَّ الأهْلَ عِبارَةٌ عَنِ المَوْلى، لَكِنَّهُ عامٌّ يَتَناوَلُ الذُّكُورَ صفحة ٥١ والإناثَ، والدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ المَرْأةَ لا تُنْكِحُ نَفْسَها خاصَّةٌ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«العاهِرُ هي الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَها» “ فَثَبَتَ بِهَذا الحَدِيثِ أنَّهُ لا عِبارَةَ لَها في نِكاحِ نَفْسِها، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ لَها عِبارَةٌ في نِكاحِ مَمْلُوكَتِها، ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الأُجُورِ: المُهُورُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ مَهْرِها إذا نَكَحَها، سَمّى لَها المَهْرَ أوْ لَمْ يُسَمِّ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن سَمّى، وبَيْنَ مَن لَمْ يُسَمِّ في إيجابِ المَهْرِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ أرادَ مَهْرَ المِثْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ وهَذا إنَّما يُطْلَقُ فِيما كانَ مَبْنِيًّا عَلى الِاجْتِهادِ وغالِبِ الظَّنِّ في المُعْتادِ والمُتَعارَفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . الثّانِي: قالَ القاضِي: إنَّ المُرادَ مِن أُجُورِهِنَّ النَّفَقَةُ عَلَيْهِنَّ، قالَ هَذا القائِلُ: وهَذا أوْلى مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ المَهْرَ مُقَدَّرٌ، ولا مَعْنًى لِاشْتِراطِ المَعْرُوفِ فِيهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ كَوْنَها أمَةً لا يَقْدَحُ في وُجُوبِ نَفَقَتِها وكِفايَتِها كَما في حَقِّ الحُرَّةِ إذا حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ مِنَ المَوْلى بَيْنَهُ وبَيْنَها عَلى العادَةِ، ثُمَّ قالَ القاضِي: اللَّفْظُ وإنْ كانَ يَحْتَمِلُ ما ذَكَرْناهُ فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ يَحْمِلُونَهُ عَلى المَهْرِ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ عَلى إيصالِ المَهْرِ إلَيْها عَلى العادَةِ الجَمِيلَةِ عِنْدَ المُطالَبَةِ مِن غَيْرِ مَطْلٍ وتَأْخِيرٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ أنَّ الأمَةَ هي المُسْتَحِقَّةُ لِقَبْضِ مَهْرِها، وأنَّ المَوْلى إذا آجَرَها لِلْخِدْمَةِ كانَ المَوْلى هو المُسْتَحِقَّ لِلْأجْرِ دُونَها وهَؤُلاءِ احْتَجُّوا في المَهْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وأمّا الجُمْهُورُ فَإنَّهُمُ احْتَجُّوا عَلى أنَّ مَهْرَها لِمَوْلاها بِالنَّصِّ والقِياسِ، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] وهَذا يَنْفِي كَوْنَ المَمْلُوكِ مالِكًا لِشَيْءٍ أصْلًا، وأمّا القِياسُ فَهو أنَّ المَهْرَ وجَبَ عِوَضًا عَنْ مَنافِعِ البُضْعِ، وتِلْكَ المَنافِعُ مَمْلُوكَةٌ لِلسَّيِّدِ، وهو الَّذِي أباحَها لِلزَّوْجِ بِقَيْدِ النِّكاحِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو المُسْتَحِقَّ لِبَدَلِها. والجَوابُ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِالآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنّا إذا حَمَلْنا الأُجُورَ في الآيَةِ عَلى النَّفَقَةِ زالَ السُّؤالُ بِالكُلِّيَّةِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما أضافَ إيتاءَ المُهُورِ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُ ثَمَنُ بُضْعِهِنَّ ولَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوهُنَّ﴾ ما يُوجِبُ كَوْنَ المَهْرِ مِلْكًا لَهُنَّ، ولَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«العَبْدُ وما في يَدِهِ لِمَوْلاهُ» “ فَيَصِيرُ ذَلِكَ المَهْرُ مِلْكًا لِلْمَوْلى بِهَذِهِ الطَّرِيقِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُحْصَناتٌ أيْ: عَفائِفُ، وهو حالٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾، فَظاهِرُ هَذا يُوجِبُ حُرْمَةَ نِكاحِ الزَّوانِي مِنَ الإماءِ، واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ نِكاحَ الزَّوانِي هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ وسَنَذْكُرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ [النور: ٣] والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةً عَلى النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ أيْ: غَيْرَ زَوانٍ ﴿ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ جَمْعِ خِدْنٍ، كالأتْرابِ جَمْعِ تِرْبٍ، والخِدْنُ الَّذِي يُخادِنُكَ وهو الَّذِي يَكُونُ مَعَكَ في كُلِّ أمْرٍ ظاهِرٍ وباطِنٍ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُسافِحَةُ هي الَّتِي تُؤاجِرُ نَفْسَها مَعَ أيِّ رَجُلٍ أرادَها، والَّتِي تَتَّخِذُ الخِدْنَ فَهي الَّتِي تَتَّخِذُ خِدْنًا مُعَيَّنًا، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَفْصِلُونَ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، وما كانُوا يَحْكُمُونَ عَلى ذاتِ الخِدْنِ بِكَوْنِها زانِيَةً، صفحة ٥٢ فَلَمّا كانَ هَذا الفَرْقُ مُعْتَبَرًا عِنْدَهم لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أفْرَدَ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بِالذِّكْرِ، ونَصَّ عَلى حُرْمَتِهِما مَعًا، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ أحَدُ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ مَن لا يَجْعَلُ الإيمانَ في نِكاحِ الفَتَياتِ شَرْطًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَكانَ كَوْنُهُنَّ مُحْصَناتٍ عَفِيفاتٍ أيْضًا شَرْطًا، وهَذا لَيْسَ بِشَرْطٍ. وجَوابُهُ: أنَّ هَذا مَعْطُوفٌ لا عَلى ذِكْرِ الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ، بَلْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ واجِبٌ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الوُجُوبِ في هَذا عَدَمُ الوُجُوبِ فِيما قَبْلَهُ واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (أحْصَنَّ) بِالفَتْحِ في الألِفِ، والباقُونَ بِضَمِّ الألِفِ، فَمَن فَتَحَ فَمَعْناهُ: أسْلَمْنَ، هَكَذا قالَهُ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ والسُّدِّيُّ، ومَن ضَمَّ الألِفَ فَمَعْناهُ: أنَّهُنَّ أُحْصِنَّ بِالأزْواجِ، هَكَذا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ. ومِنهم مَن طَعَنَ في الوَجْهِ الأوَّلِ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ الإماءَ بِالإيمانِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ ومِنَ البَعِيدِ أنْ يُقالَ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ، ثُمَّ يُقالَ: فَإذا آمَنَّ، فَإنَّ حالَهُنَّ كَذا وكَذا، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَيْنِ: الأوَّلُ: حالُ نِكاحِ الإماءِ، فاعْتَبَرَ الإيمانَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ والثّانِي: حُكْمُ ما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ عِنْدَ إقْدامِهِنَّ عَلى الفاحِشَةِ، فَذَكَرَ حالَ إيمانِهِنَّ أيْضًا في هَذا الحُكْمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ قَوِيٌّ، وهو أنَّ المُحْصَناتِ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الحَرائِرَ المُتَزَوِّجاتِ، أوِ المُرادُ مِنهُ الحَرائِرَ الأبْكارَ، والسَّبَبُ في إطْلاقِ اسْمِ المُحْصَناتِ عَلَيْهِنَّ حُرِّيَّتُهُنَّ، والأوَّلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ الواجِبَ عَلى الحَرائِرِ المُتَزَوِّجاتِ في الزِّنا: الرَّجْمُ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَجِبَ في زِنا الإماءِ نِصْفُ الرَّجْمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، والثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ الحَرائِرَ الأبْكارَ، فَنِصْفُ ما عَلَيْهِنَّ هو خَمْسُونَ جَلْدَةً، وهَذا القَدْرُ واجِبٌ في زِنا الأمَةِ سَواءٌ كانَتْ مُحْصَنَةً أوْ لَمْ تَكُنْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا الحُكْمُ مُعَلَّقًا بِمُجَرَّدِ صُدُورِ الزِّنا عَنْهُنَّ، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَلَّقًا بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ: الإحْصانِ والزِّنا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ شَرْطٌ بَعْدَ شَرْطٍ، فَيَقْتَضِي كَوْنَ الحُكْمِ مَشْرُوطًا بِهِما نَصًّا، فَهَذا إشْكالٌ قَوِيٌّ في الآيَةِ. والجَوابُ: أنّا نَخْتارُ القِسْمَ الثّانِيَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ جَعْلَ هَذا الإحْصانِ شَرْطًا لِأنْ يَجِبَ في زِناها خَمْسُونَ جَلْدَةً، بَلِ المَعْنى أنَّ حَدَّ الزِّنا يُغَلَّظُ عِنْدَ التَّزَوُّجِ، فَهَذِهِ إذا زَنَتَ وقَدْ تَزَوَّجَتْ فَحَدُّها خَمْسُونَ جَلْدَةً لا يَزِيدُ عَلَيْهِ، فَبِأنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ هَذا القَدْرُ أيْضًا أوْلى، وهَذا مِمّا يَجْرِي مَجْرى المَفْهُومِ بِالنَّصِّ؛ لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ ما يُغَلِّظُ الحَدَّ، لَما وجَبَ تَخْفِيفُ الحَدِّ لِمَكانِ الرِّقِّ، فَبِأنْ يَجِبَ هَذا القَدْرُ عِنْدَما لا يُوجَدُ ذَلِكَ المُغَلِّظُ كانَ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ. * * * صفحة ٥٣ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الخَوارِجُ اتَّفَقُوا عَلى إنْكارِ الرَّجْمِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى الأمَةِ نِصْفَ ما عَلى الحُرَّةِ المُحْصَنَةِ، فَلَوْ وجَبَ عَلى الحُرَّةِ المُحْصَنَةِ الرَّجْمُ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ الواجِبُ عَلى الأمَةِ نِصْفَ الرَّجْمِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ الواجِبَ عَلى الحُرَّةِ المُتَزَوِّجَةِ لَيْسَ إلّا الجَلْدَ، والجَوابُ عَنْهُ ما ذَكَرْناهُ في المَسْألَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ النُّورِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ الفُقَهاءَ صَيَّرُوا هَذِهِ الآيَةَ أصْلًا في نُقْصانِ حُكْمِ العَبْدِ عَنْ حُكْمِ الحُرِّ في غَيْرِ الحَدِّ، وإنْ كانَ في الأُمُورِ ما لا يَجِبُ ذَلِكَ فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى نِكاحِ الإماءِ فَكَأنَّهُ قالَ: فَمِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم، والعَنَتُ هو الضَّرَرُ الشَّدِيدُ الشّاقُّ، قالَ تَعالى فِيما رَخَّصَ فِيهِ مُخالَطَةَ اليَتامى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أيْ لَشَدَّدَ الأمْرَ عَلَيْكم فَألْزَمَكم تَمْيِيزَ طَعامِكم مِن طَعامِهِمْ فَلَحِقَكم بِذَلِكَ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وقالَ: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، أيْ: أحَبُّوا أنْ تَقَعُوا في الضَّرَرِ الشَّدِيدِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّبَقَ الشَّدِيدَ والغُلْمَةَ العَظِيمَةَ رُبَّما تَحْمِلُ عَلى الزِّنا فَيَقَعُ في الحَدِّ في الدُّنْيا وفي العَذابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، فَهَذا هو العَنَتُ، والثّانِي: أنَّ الشَّبَقَ الشَّدِيدَ والغُلْمَةَ العَظِيمَةَ قَدْ تُؤَدِّي بِالإنْسانِ إلى الأمْراضِ الشَّدِيدَةِ، أمّا في حَقِّ النِّساءِ فَقَدْ تُؤَدِّي إلى اخْتِناقِ الرَّحِمِ، وأمّا في حَقِّ الرِّجالِ فَقَدْ تُؤَدِّي إلى أوْجاعِ الوَرِكَيْنِ والظَّهْرِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِأنَّهُ هو اللّائِقُ بِبَيانِ القُرْآنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ أنَّ نِكاحَ الإماءِ بَعْدَ رِعايَةِ شَرائِطِهِ الثَّلاثَةِ أعْنِي عَدَمَ القُدْرَةِ عَلى التَّزَوُّجِ بِالحُرَّةِ، ووُجُودَ العَنَتِ، وكَوْنَ الأمَةِ مُؤْمِنَةً: الأوْلى تَرْكُهُ لِما بَيَّنّا مِنَ المَفاسِدِ الحاصِلَةِ في هَذا النِّكاحِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الِاشْتِغالَ بِالنِّكاحِ أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنَّوافِلِ، فَإنْ كانَ مَذْهَبُهم أنَّ الِاشْتِغالَ بِالنِّكاحِ مُطْلَقًا أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنَّوافِلِ، سَواءٌ كانَ النِّكاحُ نِكاحَ الحُرَّةِ أوْ نِكاحَ الأمَةِ، فَهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ صَرِيحٌ في بُطْلانِ قَوْلِهِمْ، وإنْ قالُوا: إنّا لا نُرَجِّحُ نِكاحَ الأمَةِ عَلى النّافِلَةِ، فَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ هَذا الِاسْتِدْلالُ، إلّا أنَّ هَذا التَّفْصِيلَ ما رَأيْتُهُ في شَيْءٍ مِن كُتُبِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهَذا كالمُؤَكِّدِ لِما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الأوْلى تَرْكُ هَذا النِّكاحِ، يَعْنِي أنَّهُ وإنْ حَصَلَ ما يَقْتَضِي المَنعَ مِن هَذا الكَلامِ إلّا أنَّهُ تَعالى أباحَهُ لَكم لِاحْتِياجِكم إلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن بابِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:26

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . صفحة ٥٤ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالُوا: إنَّهُ قَدْ تُقامُ اللّامُ مَقامَ ”أنْ“ في أرَدْتَ وأمَرْتَ، فَيُقالُ: أرَدْتَ أنْ تَذْهَبَ، وأرَدْتَ لِتَذْهَبَ، وأمَرْتُكَ أنْ تَقُومَ، وأمَرْتُكَ لِتَقُومَ، قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] يَعْنِي يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا، وقالَ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] . والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ: إنَّ في الآيَةِ إضْمارًا، والتَّقْدِيرُ: يُرِيدُ اللَّهُ إنْزالَ هَذِهِ الآياتِ لِيُبَيِّنَ لَكم دِينَكم وشَرْعَكم، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرُوها، فَقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي يُرِيدُونَ كَيْدَهم وعِنادَهم لِيُطْفِئُوا، وأُمِرْنا بِما أُمِرْنا لِنُسْلِمَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مَعْناهُما شَيْءٌ واحِدٌ، والتَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ وهَذا ضَعِيفٌ، والحَقُّ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَنا هَذِهِ التَّكالِيفَ، ومَيَّزَ فِيها الحَلالَ مِنَ الحَرامِ والحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ لَنا وتَحْلِيلَهُ لَنا مِنَ النِّساءِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ كانَ الحُكْمُ أيْضًا كَذَلِكَ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ والمِلَلِ. والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَهْدِيكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم في بَيانِ ما لَكم فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ كَما بَيَّنَهُ لَهم، فَإنَّ الشَّرائِعَ والتَّكالِيفَ وإنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً في نَفْسِها، إلّا أنَّها مُتَّفِقَةٌ في بابِ المَصالِحِ. وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يَهْدِيكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِن أهْلِ الحَقِّ لِتَجْتَنِبُوا الباطِلَ وتَتَّبِعُوا الحَقَّ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى كَما أرادَ مِنّا نَفْسَ الطّاعَةِ، فَلا جَرَمَ بَيَّنَها وأزالَ الشُّبْهَةَ عَنْها، كَذَلِكَ وقَعَ التَّقْصِيرُ والتَّفْرِيطُ مِنّا، فَيُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْنا؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ قَدْ يُطِيعُ فَيَسْتَحِقُّ الثَّوابَ، وقَدْ يَعْصِي فَيَحْتاجُ إلى التَّلافِي بِالتَّوْبَةِ. واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ إشْكالًا: وهو أنَّ الحَقَّ إمّا أنْ يَكُونَ ما يَقُولُ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، وإمّا أنْ يَكُونَ الحَقُّ ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، والآيَةُ مُشْكِلَةٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: فَلِأنَّ عَلى هَذا القَوْلِ كُلَّ ما يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يَحْصُلُ، فَإذا أرادَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْنا وجَبَ أنْ يَحْصُلَ التَّوْبَةُ لِكُلِّنا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: فَهو تَعالى يُرِيدُ مِنّا أنْ نَتُوبَ بِاخْتِيارِنا وفِعْلِنا، وقَوْلُهُ: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَخْلُقُ التَّوْبَةَ فِينا ويَحْصُلُ لَنا هَذِهِ التَّوْبَةُ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ. والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَفْعَلُ التَّوْبَةَ فِينا، والعَقْلُ أيْضًا مُؤَكِّدٌ لَهُ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ عِبارَةٌ عَنِ النَّدَمِ في الماضِي، والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ في المُسْتَقْبَلِ، والنَّدَمُ والعَزْمُ مِن بابِ الإراداتِ، والإرادَةُ لا يُمْكِنُ إرادَتُها، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَإذَنِ الإرادَةُ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ فِعْلَ الإنْسانِ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا النَّدَمَ وهَذا العَزْمَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، فَصارَ هَذا البُرْهانُ العَقْلِيُّ دالًّا عَلى صِحَّةِ صفحة ٥٥ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُ القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَتُوبُ عَلَيْنا، فَأمّا قَوْلُهُ: لَوْ تابَ عَلَيْنا لَحَصَلَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ الأُمَّةِ، وقَدْ تابَ عَلَيْهِمْ في نِكاحِ الأُمَّهاتِ والبَناتِ وسائِرِ المَنهِيّاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ، وحَصَلَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ لَهم، فَزالَ الإشْكالُ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ عَلِيمٌ بِأحْوالِكم، حَكِيمٌ في كُلِّ ما يَفْعَلُهُ بِكم ويَحْكُمُ عَلَيْكم.

النساء 4:27

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: المَجُوسُ كانُوا يُحِلُّونَ الأخَواتِ وبَناتِ الإخْوَةِ والأخَواتِ، فَلَمّا حَرَّمَهُنَّ اللَّهُ تَعالى قالُوا: إنَّكم تُحِلُّونَ بِنْتَ الخالَةِ والعَمَّةِ، والخالَةُ والعَمَّةُ عَلَيْكم حَرامٌ، فانْكِحُوا أيْضًا بَناتِ الأخِ والأُخْتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ التَّوْبَةَ مِنَ الكُلِّ، والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ. قالَ أصْحابُنا: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنَ الفاسِقِ أنَّهُ لا يَتُوبُ، وعِلْمُهُ بِأنَّهُ لا يَتُوبُ مَعَ تَوْبَتِهِ ضِدّانِ، وذَلِكَ العِلْمُ مُمْتَنِعُ الزَّوالِ، ومَعَ وُجُوبِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ كانَتْ إرادَةُ الضِّدِّ الآخَرِ إرادَةً لِما عَلِمَ كَوْنَهُ مُحالًا، وذَلِكَ مُحالٌ، وأيْضًا إذا كانَ هو تَعالى يُرِيدُ التَّوْبَةَ مِنَ الكُلِّ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، ثُمَّ يَحْصُلُ مُرادُ الشَّيْطانِ لا مُرادُ الرَّحْمَنِ، فَحِينَئِذٍ نَفاذُ الشَّيْطانِ في مُلْكِ الرَّحْمَنِ أتَمُّ مِن نَفاذِ الرَّحْمَنِ في مُلْكِ نَفْسِهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ حَصَلَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ لَهم.

النساء 4:28

ثُمَّ قالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في التَّخْفِيفِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ إباحَةُ نِكاحِ الأمَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ، والباقُونَ قالُوا: هَذا عامٌّ في كُلِّ أحْكامِ الشَّرْعِ، وفي جَمِيعِ ما يَسَّرَهُ لَنا وسَهَّلَهُ عَلَيْنا، إحْسانًا مِنهُ إلَيْنا، ولَمْ يُثْقِلِ التَّكْلِيفَ عَلَيْنا كَما ثَقَّلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«جِئْتُكم بِالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ» “ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، فالكافِرُ يُخْلَقُ فِيهِ الكُفْرُ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: لا تَكْفُرْ، فَهَذا أعْظَمُ وُجُوهِ التَّثْقِيلِ، ولا يَخْلُقُ فِيهِ الإيمانَ ولا قُدْرَةَ صفحة ٥٦ لِلْعَبْدِ عَلى خَلْقِ الإيمانِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: آمِن، وهَذا أعْظَمُ وُجُوهِ التَّثْقِيلِ. قالَ: ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ غَيْرُ واقِعٍ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ وُجُوهِ التَّثْقِيلِ. والجَوابُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِالعِلْمِ والدّاعِي، وأكْثَرِ ما ذَكَرْناهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لِضَعْفِ الإنْسانِ خَفَّفَ تَكْلِيفَهُ ولَمْ يُثْقِلْ، والأقْرَبُ أنَّهُ يُحْمَلُ الضَّعْفُ في هَذا المَوْضِعِ لا عَلى ضَعْفِ الخِلْقَةِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى كَثْرَةِ الدَّواعِي إلى اتِّباعِ الشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ كالوَجْهِ في أنْ يَضْعُفَ عَنِ احْتِمالِ خِلافِهِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا الوَجْهَ أوْلى؛ لِأنَّ الضَّعْفَ في الخِلْقَةِ والقُوَّةِ لَوْ قَوّى اللَّهُ داعِيَتَهُ إلى الطّاعَةِ كانَ في حُكْمِ القَوِيِّ، والقَوِيُّ في الخِلْقَةِ والآلَةِ إذا كانَ ضَعِيفَ الدَّواعِي إلى الطّاعَةِ صارَ في حُكْمِ الضَّعِيفِ، فالتَّأْثِيرُ في هَذا البابِ لِضَعْفِ الدّاعِيَةِ وقُوَّتِها، لا لِضَعْفِ البَدَنِ وقُوَّتِهِ، هَذا كُلُّهُ كَلامُ القاضِي، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ولَكِنَّهُ يَهْدِمُ أصْلَهُ، وذَلِكَ لَمّا سَلَّمَ أنَّ المُؤَثِّرَ في وُجُودِ الفِعْلِ وعَدَمِهِ قُوَّةُ الدّاعِيَةِ وضَعْفُها، فَلَوْ تَأمَّلَ لَعَلِمَ أنَّ قُوَّةَ الدّاعِيَةِ وضَعْفَها لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِداعِيَةٍ أُخْرى مِنَ العَبْدِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ، فَذاكَ هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبَطَلَ القَوْلُ بِالِاعْتِزالِ بِالكُلِّيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ثَمانُ آياتٍ في سُورَةِ النِّساءِ هي خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٧] . ويَقُولُ مُحَمَّدٌ الرّازِيُّ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالحُسْنى: اللَّهُمَّ اجْعَلْنا بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ أهْلًا لَها يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ويا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ.

النساء 4:29

النَّوْعُ الثّامِنُ: مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في النُّفُوسِ بِسَبَبِ النِّكاحِ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في الأمْوالِ. والثّانِي: قالَ القاضِي: لَمّا ذَكَرَ ابْتِغاءَ النِّكاحِ بِالأمْوالِ وأمَرَ بِإيفاءِ المُهُورِ والنَّفَقاتِ، بَيَّنَ مِن بَعْدُ كَيْفَ التَّصَرُّفُ في الأمْوالِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ صفحة ٥٧ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى خَصَّ الأكْلَ هَهُنا بِالذِّكْرِ وإنْ كانَتْ سائِرُ التَّصَرُّفاتِ الواقِعَةِ عَلى الوَجْهِ الباطِلِ مُحَرَّمَةً؛ لِما أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِنَ الأمْوالِ: الأكْلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الباطِلِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ ما لا يَحِلُّ في الشَّرْعِ، كالرِّبا، والغَصْبِ، والسَّرِقَةِ، والخِيانَةِ، وشَهادَةِ الزُّورِ، وأخْذِ المالِ بِاليَمِينِ الكاذِبَةِ، وجَحْدِ الحَقِّ. وعِنْدِي أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ يَقْتَضِي كَوْنَها مُجْمَلَةً؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها بَيْنَكم بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، فَإنَّ الطُّرُقَ المَشْرُوعَةَ لَمّا لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً هَهُنا عَلى التَّفْصِيلِ صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً لا مَحالَةَ. والثّانِي: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أنَّ الباطِلَ هو كُلُّ ما يُؤْخَذُ مِنَ الإنْسانِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ لا تَكُونُ الآيَةُ مُجْمَلَةً، لَكِنْ قالَ بَعْضُهم: إنَّها مَنسُوخَةٌ، قالُوا: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَحَرَّجَ النّاسُ مِن أنْ يَأْكُلُوا عِنْدَ أحَدٍ شَيْئًا، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى الخَلْقِ، فَنَسَخَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ في سُورَةِ النُّورِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ الآيَةَ. وأيْضًا: ظاهِرُ الآيَةِ - إذا فَسَّرْنا الباطِلَ بِما ذَكَرْناهُ - تَحْرُمُ الصَّدَقاتُ والهِباتُ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذا لَيْسَ بِنَسْخٍ، وإنَّما هو تَخْصِيصٌ؛ ولِهَذا رَوى الشَّعْبِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، ما نُسِخَتْ، ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أكْلُ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ، وأكْلُ مالِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمْوالَكُمْ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ القِسْمانِ مَعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ غَيْرِهِ وعَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ. أمّا أكْلُ مالِ نَفْسِهِ بِالباطِلِ فَهو إنْفاقُهُ في مَعاصِي اللَّهِ، وأمّا أكْلُ مالِ غَيْرِهِ بِالباطِلِ فَقَدْ عَدَدْناهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تِجارَةً) بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ. أمّا مَن نَصَبَ فَعَلى ”كانَ“ النّاقِصَةِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً، وأمّا مَن رَفَعَ فَعَلى ”كانَ“ التّامَّةِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تُوجَدَ وتَحْصُلَ تِجارَةٌ. وقالَ الواحِدِيُّ: والِاخْتِيارُ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ مَن نَصَبَ أضْمَرَ التِّجارَةَ فَقالَ: تَقْدِيرُهُ إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً، والإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ وإنْ كانَ جائِزًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (إلّا) فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ التِّجارَةَ عَنْ تَراضٍ لَيْسَ مِن جِنْسِ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، فَكانَ ”إلّا“ هَهُنا بِمَعْنى ”بَلْ“، والمَعْنى: لَكِنْ يَحِلُّ أكْلُهُ بِالتِّجارَةِ عَنْ تَراضٍ. الثّانِي: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وأضْمَرَ شَيْئًا فَقالَ: التَّقْدِيرُ: لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وإنْ تَراضَيْتُمْ كالرِّبا وغَيْرِهِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ. واعْلَمْ أنَّهُ كَما يَحِلُّ المُسْتَفادُ مِنَ التِّجارَةِ، فَقَدْ يَحِلُّ أيْضًا المالُ المُسْتَفادُ مِنَ الهِبَةِ، والوَصِيَّةِ، والإرْثِ، وأخْذِ الصَّدَقاتِ، والمَهْرِ، وأُرُوشِ الجِناياتِ، فَإنَّ أسْبابَ المِلْكِ كَثِيرَةٌ سِوى التِّجارَةِ. صفحة ٥٨ فَإنْ قُلْنا: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ فَلا إشْكالَ، فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا سَبَبًا واحِدًا مِن أسْبابِ المِلْكِ ولَمْ يَذْكُرْ سائِرَها، لا بِالنَّفْيِ ولا بِإثْباتٍ. وإنْ قُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ. كانَ ذَلِكَ حُكْمًا بِأنَّ غَيْرَ التِّجارَةِ لا يُفِيدُ الحِلَّ، وعِنْدَ هَذا لا بُدَّ إمّا مِنَ النَّسْخِ أوِ التَّخْصِيصِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: النَّهْيُ في المُعامَلاتِ يَدُلُّ عَلى البُطْلانِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَدُلُّ عَلَيْهِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ جَمِيعَ الأمْوالِ مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ تَعالى، فَإذا أذِنَ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ في بَعْضِ التَّصَرُّفاتِ كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى ما إذا وكَّلَ الإنْسانُ وكِيلًا في بَعْضِ التَّصَرُّفاتِ، ثُمَّ إنَّ الوَكِيلَ إذا تَصَرَّفَ عَلى خِلافِ قَوْلِ المُوَكِّلِ فَذاكَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ بِالإجْماعِ، فَإذا كانَ التَّصَرُّفُ الواقِعُ عَلى خِلافِ قَوْلِ المالِكِ المُجازِي لا يَنْعَقِدُ فَبِأنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ الواقِعُ عَلى خِلافِ قَوْلِ المالِكِ الحَقِيقِيِّ غَيْرَ مُنْعَقِدٍ كانَ أوْلى. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ الفاسِدَةَ إمّا أنْ تَكُونَ مُسْتَلْزِمَةً لِدُخُولِ المُحَرَّمِ المَنهِيِّ عَنْهُ في الوُجُودِ، وإمّا أنْ لا تَكُونَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ القَوْلُ بِبُطْلانِها قِياسًا عَلى التَّصَرُّفاتِ الفاسِدَةِ. والجامِعُ السَّعْيُ في أنْ لا يَدْخُلَ مَنشَأُ النَّهْيِ في الوُجُودِ، وإنْ كانَ الثّانِي وجَبَ القَوْلُ بِصِحَّتِها، قِياسًا عَلى التَّصَرُّفاتِ الصَّحِيحَةِ، والجامِعُ كَوْنُها تَصَرُّفاتٍ خالِيَةً عَنِ المُفْسِدِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ التَّصَرُّفِ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. فَأمّا القَوْلُ بِتَصَرُّفٍ لا يَكُونُ صَحِيحًا ولا باطِلًا فَهو مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: لا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ، كَقَوْلِهِ: لا تَبِيعُوا الحُرَّ بِالعَبْدِ، فَكَما أنَّ هَذا النَّهْيَ بِاللَّفْظِ لَكِنَّهُ نَسْخٌ لِلشَّرِيعَةِ، فَكَذا الأوَّلُ، وإذا كانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِلشَّرِيعَةِ بَطَلَ كَوْنُهُ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - خِيارُ المَجْلِسِ غَيْرُ ثابِتٍ في عُقُودِ المُعاوَضاتِ المَحْضَةِ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: ثابِتٌ. احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِالنُّصُوصِ: أوَّلُها: هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي الحِلَّ عِنْدَ حُصُولِ التَّراضِي، سَواءٌ حَصَلَ التَّفَرُّقُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَألْزَمَ كُلَّ عاقِدٍ الوَفاءَ بِما عَقَدَ عَنْ نَفْسِهِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» “ وقَدْ حَصَلَتِ الطِّيبَةُ هَهُنا بِعَقْدِ البَيْعِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ الحِلُّ. ورابِعُها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«مَنِ ابْتاعَ طَعامًا لا يَبِعْهُ حَتّى يَقْبِضَهُ» “ جَوَّزَ بَيْعَهُ بَعْدَ القَبْضِ. وخامِسُها: ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «نَهى عَنْ بَيْعِ الطَّعامِ حَتّى يَجْرِيَ فِيهِ الصِّيعانُ، وأباحَ بَيْعَهُ إذا جَرى فِيهِ الصِّيعانُ، ولَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ الِافْتِراقَ» . وسادِسُها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لا يَجْزِي ولَدٌ والِدَهُ إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» “ . واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ كَما اشْتَرى حَصَلَ العِتْقُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَحْصُلُ المِلْكُ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ. واعْلَمْ أنَّ الشّافِعِيَّ يُسَلِّمُ عُمُومَ هَذِهِ النُّصُوصِ، لَكِنَّهُ يَقُولُ: أنْتُمْ أثْبَتُّمْ خِيارَ الرُّؤْيَةِ في شِراءِ ما لَمْ يَرَهُ المُشْتَرِي بِحَدِيثٍ اتَّفَقَ المُحَدِّثُونَ عَلى ضَعْفِهِ، فَنَحْنُ أيْضًا نُثْبِتُ خِيارَ المَجْلِسِ بِحَدِيثٍ اتَّفَقَ عُلَماءُ الحَدِيثِ عَلى قَبُولِهِ، وهو قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا» “ . وتَأْوِيلاتُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ لِهَذا الخَبَرِ وأجْوِبَتُها مَذْكُورَةٌ في الخِلافِيّاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا نَهْيٌ عَنْ أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم صفحة ٥٩ بَعْضًا، وإنَّما قالَ: (أنْفُسَكم) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«المُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ» “ . ولِأنَّ العَرَبَ يَقُولُونَ: قُتِلْنا ورَبِّ الكَعْبَةِ، إذا قُتِلَ بَعْضُهم؛ لِأنَّ قَتْلَ بَعْضِهِمْ يَجْرِي مَجْرى قَتْلِهِمْ. واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الخِطابَ هَلْ هو نَهْيٌ لَهم عَنْ قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم ؟ فَأنْكَرَهُ بَعْضُهم وقالَ: إنَّ المُؤْمِنَ مَعَ إيمانِهِ لا يَجُوزُ أنْ يُنْهى عَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ مُلْجَأٌ إلى أنْ لا يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الصّارِفَ عَنْهُ في الدُّنْيا قائِمٌ، وهو الألَمُ الشَّدِيدُ والذَّمُّ العَظِيمُ، والصّارِفُ عَنْهُ أيْضًا في الآخِرَةِ قائِمٌ، وهو اسْتِحْقاقُ العَذابِ العَظِيمِ، وإذا كانَ الصّارِفُ خالِصًا امْتَنَعَ مِنهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فائِدَةٌ، وإنَّما يُمْكِنُ أنْ يُذْكَرَ هَذا النَّهْيُ فِيمَن يَعْتَقِدُ في قَتْلِ نَفْسِهِ ما يَعْتَقِدُهُ أهْلُ الهِنْدِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى مِنَ المُؤْمِنِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُؤْمِنَ مَعَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، قَدْ يَلْحَقُهُ مِنَ الغَمِّ والأذِيَّةِ ما يَكُونُ القَتْلُ عَلَيْهِ أسْهَلَ مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ نَرى كَثِيرًا مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم بِمِثْلِ السَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ في النَّهْيِ عَنْهُ فائِدَةٌ، وأيْضًا فَفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَفْعَلُوا ما تَسْتَحِقُّونَ بِهِ القَتْلَ: مِنَ القَتْلِ والرِّدَّةِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ، ولِأجْلِ رَحْمَتِهِ نَهاهم عَنْ كُلِّ ما يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مَشَقَّةً أوْ مِحْنَةً، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهم لِيَكُونَ تَوْبَةً لَهم وتَمْحِيصًا لِخَطاياهم، وكانَ بِكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ رَحِيمًا، حَيْثُ لَمْ يُكَلِّفْكم تِلْكَ التَّكالِيفَ الصَّعْبَةَ.

النساء 4:30

ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ فِيهِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ عَطاءٌ: إنَّهُ خاصٌّ في قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عائِدٌ إلى قَتْلِ النَّفْسِ وأكْلِ المالِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّهُما مَذْكُورانِ في آيَةٍ واحِدَةٍ. والثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ عائِدٌ إلى كُلِّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا﴾؛ لِأنَّ في جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ قَتْلَ البَعْضِ لِلْبَعْضِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ حَقًّا كالقَوَدِ، وفي جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ أخْذُ المالِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ حَقًّا كَما في الدِّيَةِ وغَيْرِها؛ فَلِهَذا السَّبَبِ شَرَطَهُ تَعالى في ذَلِكَ الوَعِيدِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ أهْلِ الصَّلاةِ. قالُوا: وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ وإنْ كانَ لا يَدُلُّ عَلى التَّخْلِيدِ إلّا أنَّ كُلَّ مَن قَطَعَ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ قالَ بِتَخْلِيدِهِمْ، فَيَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ أحَدِهِما ثُبُوتُ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. والجَوابُ عَنْهُ بِالِاسْتِقْصاءِ قَدْ تَقَدَّمَ في مَواضِعَ، إلّا أنَّ الَّذِي نَقُولُهُ هَهُنا: إنَّ هَذا مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ ولا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ العُدْوانِ وبَيْنَ الظُّلْمِ دَفْعًا لِلتَّكْرِيرِ، فَيُحْمَلُ الظُّلْمُ عَلى ما إذا كانَ قَصْدُهُ التَّعَدِّي عَلى تَكالِيفِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ كافِرًا، لا يُقالُ: ألَيْسَ أنَّهُ وصَفَهم بِالإيمانِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ ؟ لِأنّا نَقُولُ: مَذْهَبُكم أنَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ هَذا الوَعِيدِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا البَتَّةَ، فَلا بُدَّ عَلى هَذا المَذْهَبِ أنْ تَقُولُوا: إنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ لَمّا أتَوْا بِهَذِهِ الأفْعالِ ما بَقُوا عَلى وصْفِ الإيمانِ، فَإذا كانَ لا بُدَّ لَكم مِنَ القَوْلِ بِهَذا الكَلامِ، فَلِمَ لا يَصِحُّ هَذا الكَلامُ مِنّا أيْضًا في تَقْرِيرِ ما قُلْناهُ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٦٠ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ فَقالَ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى السَّوِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ الأفْعالِ أيْسَرُ عَلَيْهِ مِن بَعْضٍ، بَلْ هَذا الخِطابُ نَزَلَ عَلى القَوْلِ المُتَعارَفِ فِيما بَيْنَنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] أوْ يَكُونُ مَعْناهُ المُبالَغَةَ في التَّهْدِيدِ، وهو أنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى الهَرَبِ مِنهُ ولا عَلى الِامْتِناعِ عَلَيْهِ.

النساء 4:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ الوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِتَفْصِيلِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: جَمِيعُ الذُّنُوبِ والمَعاصِي كَبائِرُ. رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ فِيهِ فَهو كَبِيرَةٌ، فَمَن عَمِلَ شَيْئًا مِنها فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُخَلِّدُ في النّارِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا راجِعًا عَنِ الإسْلامِ، أوْ جاحِدًا فَرِيضَةً، أوْ مُكَذِّبًا بِقَدَرٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: الحُجَّةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّ الذُّنُوبَ لَوْ كانَتْ بِأسْرِها كَبائِرَ لَمْ يَصِحَّ الفَصْلُ بَيْنَ ما يُكَفَّرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ وبَيْنَ الكَبائِرِ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣] وقَوْلُهُ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] . الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَصَّ عَلى ذُنُوبٍ بِأعْيانِها أنَّها كَبائِرُ، كَقَوْلِهِ: ”«الكَبائِرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ» “، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنها ما لَيْسَ مِنَ الكَبائِرِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ [الحجرات: ٧] وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ المَنهِيّاتِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ: أوَّلُها: الكُفْرُ. وثانِيها: الفُسُوقُ. وثالِثُها: العِصْيانُ. فَلا بُدَّ مِن فَرْقٍ بَيْنَ الفُسُوقِ وبَيْنَ العِصْيانِ؛ لِيَصِحَّ العَطْفُ، وما ذاكَ إلّا لِما ذَكَرْنا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الصَّغائِرِ وبَيْنَ الكَبائِرِ، فالكَبائِرُ هي الفُسُوقُ، والصَّغائِرُ هي العِصْيانُ. واحْتَجَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: كَثْرَةُ نِعَمِ مَن عَصى. والثّانِي: إجْلالُ مَن عَصى، فَإنِ اعْتَبَرْنا الأوَّلَ، فَنِعَمُ اللَّهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وإنِ اعْتَبَرْنا الثّانِي فَهو أجَلُّ المَوْجُوداتِ وأعْظَمُها، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ وجَبَ أنْ يَكُونَ عِصْيانُهُ في غايَةِ الكِبَرِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَهو كَبِيرَةٌ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: كَما أنَّهُ تَعالى أجَلُّ المَوْجُوداتِ وأشْرَفُها، فَكَذَلِكَ هو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ وأكْرَمُ الأكْرَمِينَ، وأغْنى الأغْنِياءِ عَنْ طاعاتِ المُطِيعِينَ وعَنْ ذُنُوبِ المُذْنِبِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ خِفَّةَ الذَّنْبِ. الثّانِي: هَبْ أنَّ الذُّنُوبَ كُلَّها كَبِيرَةٌ مِن حَيْثُ إنَّها ذُنُوبٌ، ولَكِنَّ بَعْضَها أكْبَرُ مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّفاوُتَ صفحة ٦١ إذا ثَبَتَ أنَّ الذُّنُوبَ عَلى قِسْمَيْنِ بَعْضُها صَغائِرُ وبَعْضُها كَبائِرُ، فالقائِلُونَ بِذَلِكَ فَرِيقانِ: مِنهم مَن قالَ: الكَبِيرَةُ تَتَمَيَّزُ عَنِ الصَّغِيرَةِ في نَفْسِها وذاتِها، ومِنهم مَن قالَ: هَذا الِامْتِيازُ إنَّما يَحْصُلُ لا في ذَواتِها، بَلْ بِحَسَبِ حالِ فاعِلِيها، ونَحْنُ نَشْرَحُ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فالذّاهِبُونَ إلَيْهِ والقائِلُونَ بِهِ اخْتَلَفُوا اخْتِلافًا شَدِيدًا، ونَحْنُ نُشِيرُ إلى بَعْضِها: فالأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما جاءَ في القُرْآنِ مَقْرُونًا بِذِكْرِ الوَعِيدِ فَهو كَبِيرَةٌ، نَحْوَ قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، وقَذْفِ المُحْصَنَةِ، والزِّنا، والرِّبا، وأكْلِ مالِ اليَتِيمِ، والفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ. الثّانِي: قالَ ابْنُ مَسْعُودَ: افْتَتِحُوا سُورَةَ النِّساءِ، فَكُلُّ شَيْءٍ نَهى اللَّهُ عَنْهُ حَتّى ثَلاثٍ وثَلاثِينَ آيَةً فَهو كَبِيرَةٌ، ثُمَّ قالَ: مِصْداقُ ذَلِكَ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ . الثّالِثُ: قالَ قَوْمٌ: كُلُّ عَمْدٍ فَهو كَبِيرَةٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ ضَعِيفَةٌ. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ كُلَّ ذَنْبٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الذَّمِّ في العاجِلِ والعِقابِ في الآجِلِ، فالقَوْلُ بِأنَّ كُلَّ ما جاءَ في القُرْآنِ مَقْرُونًا بِالوَعِيدِ فَهو كَبِيرَةٌ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرَةً وقَدْ أبْطَلْناهُ. وأمّا الثّانِي: فَهو أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ كَثِيرًا مِنَ الكَبائِرِ في سائِرِ السُّوَرِ، ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِها بِهَذِهِ السُّورَةِ. وأمّا الثّالِثُ: فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ إنْ أرادَ بِالعَمْدِ أنَّهُ لَيْسَ بِساهٍ عَنْ فِعْلِهِ، فَما هَذا حالُهُ هو الَّذِي نَهى اللَّهُ عَنْهُ، فَيَجِبُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرَةً، وقَدْ أبْطَلْناهُ، وإنْ أرادَ بِالعَمْدِ أنْ يَفْعَلَ المَعْصِيَةَ مَعَ العِلْمِ بِأنَّها مَعْصِيَةٌ، فَمَعْلُومٌ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يَكْفُرُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ كُفْرٌ كَبِيرٌ، فَبَطَلَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ. وذَكَرَ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في مُنْتَخَباتِ كِتابِ إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ فَصْلًا طَوِيلًا في الفَرْقِ بَيْنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ، فَقالَ: فَهَذا كُلُّهُ قَوْلُ مَن قالَ: الكَبائِرُ تَمْتازُ عَنِ الصَّغائِرِ بِحَسَبِ ذَواتِها وأنْفُسِها. وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مَن يَقُولُ: الكَبائِرُ تَمْتازُ عَنِ الصَّغائِرِ بِحَسَبِ اعْتِبارِ أحْوالِ فاعِلِيها، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ لِكُلِّ طاعَةٍ قَدْرًا مِنَ الثَّوابِ، ولِكُلِّ مَعْصِيَةٍ قَدْرًا مِنَ العِقابِ، فَإذا أتى الإنْسانُ بِطاعَةٍ واسْتَحَقَّ بِها ثَوابًا، ثُمَّ أتى بِمَعْصِيَةٍ واسْتَحَقَّ بِها عِقابًا، فَهَهُنا الحالُ بَيْنَ ثَوابِ الطّاعَةِ وعِقابِ المَعْصِيَةِ بِحَسَبِ القِسْمَةِ العَقْلِيَّةِ يَقَعُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَتَعادَلا ويَتَساوَيا، وهَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا بِحَسَبِ التَّقْسِيمِ العَقْلِيِّ إلّا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] ولَوْ وُجِدَ مِثْلُ هَذا المُكَلَّفِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ في الجَنَّةِ ولا في السَّعِيرِ. والقِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ثَوابُ طاعَتِهِ أزْيَدُ مِن عِقابِ مَعْصِيَتِهِ، وحِينَئِذٍ يَنْحَبِطُ ذَلِكَ العِقابُ بِما يُساوِيهِ مِنَ الثَّوابِ، ويَفْضُلُ مِنَ الثَّوابِ شَيْءٌ، ومِثْلُ هَذِهِ المَعْصِيَةِ هي الصَّغِيرَةُ، وهَذا الِانْحِباطُ هو المُسَمّى بِالتَّكْفِيرِ. والقِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ عِقابُ مَعْصِيَتِهِ أزْيَدَ مِن ثَوابِ طاعَتِهِ، وحِينَئِذٍ يَنْحَبِطُ ذَلِكَ الثَّوابُ بِما يُساوِيهِ مِنَ العِقابِ، ويَفْضُلُ مِنَ العِقابِ شَيْءٌ، ومِثْلُ هَذِهِ المَعْصِيَةِ هي الكَبِيرَةُ، وهَذا الِانْحِباطُ هو المُسَمّى بِالإحْباطِ، وبِهَذا الكَلامِ ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الكَبِيرَةِ وبَيْنَ الصَّغِيرَةِ. وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ. صفحة ٦٢ واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى أُصُولٍ كُلُّها باطِلَةٌ عِنْدَنا. أوَّلُها: أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الطّاعَةَ تُوجِبُ ثَوابًا والمَعْصِيَةَ تُوجِبُ عِقابًا، وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا في كَثِيرٍ مِن مَواضِعِ هَذا الكِتابِ أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ عَنِ العَبْدِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ داعِيَةً تُوجِبُ ذَلِكَ الفِعْلَ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ الطّاعَةِ مُوجِبَةً لِلثَّوابِ، وكَوْنُ المَعْصِيَةِ مُوجِبَةً لِلْعِقابِ. وثانِيها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ، إلّا أنّا نَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وتَقْدِيسِهِ وخِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ سَبْعِينَ سَنَةً، فَإنَّ ثَوابَ مَجْمُوعِ هَذِهِ الطّاعاتِ الكَثِيرَةِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِن عِقابِ شُرْبِ قَطْرَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الخَمْرِ، مَعَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ شُرْبَ هَذِهِ القَطْرَةِ مِنَ الكَبائِرِ، فَإنْ أصَرُّوا وقالُوا: بَلْ عِقابُ شُرْبِ هَذِهِ القَطْرَةِ أزْيَدُ مِن ثَوابِ التَّوْحِيدِ وجَمِيعِ الطّاعاتِ سَبْعِينَ سَنَةً فَقَطْ - أبْطَلُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أصْلَهم، فَإنَّهم يَبْنُونَ هَذِهِ المَسائِلَ عَلى قاعِدَةِ الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ، ومِنَ الأُمُورِ المُتَقَرِّرَةِ في العُقُولِ أنَّ مَن جَعَلَ عِقابَ هَذا القَدْرِ مِنَ الجِنايَةِ أزْيَدَ مِن ثَوابِ تِلْكَ الطّاعاتِ العَظِيمَةِ فَهو ظالِمٌ، فَإنْ دَفَعُوا حُكْمَ العَقْلِ في هَذا المَوْضِعِ فَقَدْ أبْطَلُوا عَلى أنْفُسِهِمُ القَوْلَ بِتَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ عَلَيْهِمْ كُلُّ هَذِهِ القَواعِدِ. وثالِثُها: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةٌ وسابِقَةٌ عَلى طاعاتِ العَبِيدِ، وتِلْكَ النِّعَمُ السّابِقَةُ مُوجِبَةٌ لِهَذِهِ الطّاعاتِ، فَكانَ أداءُ الطّاعاتِ أداءٌ لِما وجَبَ بِسَبَبِ النِّعَمِ السّابِقَةِ، ومِثْلُ هَذا لا يُوجِبُ في المُسْتَقْبَلِ شَيْئًا آخَرَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الطّاعاتِ مُوجِبًا لِلثَّوابِ أصْلًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ يُؤْتى بِها فَإنَّ عِقابَها يَكُونُ أزْيَدُ مِن ثَوابِ فاعِلِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ المَعاصِي كَبائِرَ، وذَلِكَ أيْضًا باطِلٌ. ورابِعُها: أنَّ هَذا الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالإحْباطِ، وقَدْ ذَكَرْنا الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ في إبْطالِ القَوْلِ بِالإحْباطِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الَّذِي ذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلَيْهِ في الفَرْقِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ قَوْلٌ باطِلٌ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى هَلْ مَيَّزَ جُمْلَةَ الكَبائِرِ عَنْ جُمْلَةِ الصَّغائِرِ أمْ لا ؟ فالأكْثَرُونَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُمَيِّزْ جُمْلَةَ الكَبائِرِ عَنْ جُمْلَةِ الصَّغائِرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الِاجْتِنابَ عَنِ الكَبائِرِ يُوجِبُ تَكْفِيرَ الصَّغائِرِ، فَإذا عَرَفَ العَبْدُ أنَّ الكَبائِرَ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الأصْنافَ المَخْصُوصَةَ، عَرَفَ أنَّهُ مَتى احْتَرَزَ عَنْها صارَتْ صَغائِرُهُ مُكَفِّرَةً، فَكانَ ذَلِكَ إغْراءً لَهُ بِالإقْدامِ عَلى تِلْكَ الصَّغائِرِ، والإغْراءُ بِالقَبِيحِ لا يَلِيقُ بِالجُمْلَةِ، أمّا إذا لَمْ يُمَيِّزِ اللَّهُ تَعالى كُلَّ الكَبائِرِ عَنْ كُلِّ الصَّغائِرِ، ولَمْ يُعْرَفْ في شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ أنَّهُ صَغِيرَةٌ، ولا ذَنْبَ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إلّا ويَجُوزُ كَوْنُهُ كَبِيرَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ زاجِرًا لَهُ عَنِ الإقْدامِ عَلَيْهِ. قالُوا: ونَظِيرُ هَذا في الشَّرِيعَةِ إخْفاءُ الصَّلاةِ الوُسْطى في الصَّلَواتِ ولَيْلَةِ القَدْرِ في لَيالِي رَمَضانَ، وساعَةِ الإجابَةِ في ساعاتِ الجُمُعَةِ، ووَقْتِ المَوْتِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ القاعِدَةَ تَقْتَضِي أنْ لا يُبَيِّنَ اللَّهُ تَعالى في شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ أنَّهُ صَغِيرَةٌ، وأنْ لا يُبَيِّنَ أنَّ الكَبائِرَ لَيْسَتْ إلّا كَذا وكَذا، فَإنَّهُ لَوْ بَيَّنَ ذَلِكَ لَكانَ ما عَداها صَغِيرَةً، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الصَّغِيرَةُ مَعْلُومَةً، ولَكِنْ يَجُوزُ أنْ يُبَيِّنَ في بَعْضِ الذُّنُوبِ أنَّهُ كَبِيرَةٌ. رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«ما تَعُدُّونَ الكَبائِرَ ؟“ فَقالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ: ”الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وقَوْلُ الزُّورِ، وأكْلُ الرِّبا، وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ» “ . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ ذَكَرَها وزادَ فِيها: اسْتِحْلالُ آمِّينَ البَيْتِ الحَرامِ، وشُرْبُ الخَمْرِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ زادَ فِيها: القُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، واليَأْسُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ. وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها سَبْعَةٌ، ثُمَّ قالَ: هي إلى السَّبْعِينَ أقْرَبُ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: إلى السَّبْعِمِائَةِ أقْرَبُ. واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٦٣ * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أبُو القاسِمِ الكَعْبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ، فَقالَ: قَدْ كَشَفَ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الشُّبْهَةَ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ قَدَّمَ ذِكْرَ الكَبائِرِ، بَيَّنَ أنَّ مَنِ اجْتَنَبَها يُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم إذا لَمْ يَجْتَنِبُوها فَلا تُكَفَّرُ، ولَوْ جازَ أنْ يَغْفِرَ تَعالى لَهُمُ الكَبائِرَ والصَّغائِرَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ لَمْ يَصِحَّ هَذا الكَلامُ. وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: إنَّكم إمّا أنْ تَسْتَدِلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ عِنْدَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ يُكَفِّرُ السَّيِّئاتِ، وجَبَ أنَّ عِنْدَ عَدَمِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ لا يُكَفِّرُها؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ هَذا الأصْلَ باطِلٌ، وعِنْدَنا أنَّهُ دَلالَةٌ ظَنِّيَّةٌ ضَعِيفَةٌ، وإمّا أنْ تَسْتَدِلُّوا بِهِ مِن حَيْثُ أنَّ المُعَلَّقَ بِكَلِمَةِ ”إنَّ“ عَلى الشَّيْءِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: إحْداها: قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] فالشُّكْرُ واجِبٌ سَواءٌ عُبِدَ اللَّهُ أوْ لَمْ يُعْبَدْ. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وأداءُ الأمانَةِ واجِبٌ سَواءٌ ائْتَمَنَهُ أوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ. وثالِثُها: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والِاسْتِشْهادُ بِالرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ جائِزٌ سَواءٌ حَصَلَ الرَّجُلانِ أوْ لَمْ يَحْصُلا. ورابِعُها: ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والرَّهْنُ مَشْرُوعٌ سَواءٌ وُجِدَ الكاتِبُ أوْ لَمْ يُوجَدْ. وخامِسُها: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] والإكْراهُ عَلى البِغاءِ مُحَرَّمٌ، سَواءٌ أرَدْنَ التَّحَصُّنَ أوْ لَمْ يُرِدْنَ. وسادِسُها: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] والنِّكاحُ جائِزٌ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ الخَوْفُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ. وسابِعُها: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] والقَصْرُ جائِزٌ، سَواءٌ حَصَلَ الخَوْفُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ. وثامِنُها: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] والثُّلُثانِ كَما أنَّهُ حَقُّ الثَّلاثَةِ فَهو أيْضًا حَقُّ الثِّنْتَيْنِ. وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ﴾ ( النِّساءِ: ٣٥ ] وذَلِكَ جائِزٌ سَواءٌ حَصَلَ الخَوْفُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ. وعاشِرُها: قَوْلُهُ: ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ [النساء: ٣٥] وقَدْ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بِدُونِ إرادَتِهِما. والحادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] وقَدْ يَحْصُلُ الغِنى بِدُونِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ، وهَذا الجِنْسُ مِنَ الآياتِ فِيهِ كَثْرَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُعَلَّقَ بِكَلِمَةِ ”إنَّ“ عَلى الشَّيْءِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، والعَجَبُ أنَّ مَذْهَبَ القاضِي عَبْدِ الجَبّارِ في أُصُولِ الفِقْهِ هو أنَّ المُعَلَّقَ بِكَلِمَةِ ”إنَّ“ عَلى الشَّيْءِ لا يَكُونُ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ إنَّهُ في التَّفْسِيرِ اسْتَحْسَنَ اسْتِدْلالَ الكَعْبِيِّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ الإنْسانِ لِمَذْهَبِهِ قَدْ يُلْقِيهِ فِيما لا يَنْبَغِي. الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما جاءَتْ عَقِيبَ الآيَةِ الَّتِي نَهى اللَّهُ فِيها عَنْ نِكاحِ المُحَرَّماتِ، وعَنْ عَضْلِ النِّساءِ وأخْذِ أمْوالِ اليَتامى وغَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ تَعالى: إنْ تَجْتَنِبُوا هَذِهِ الكَبائِرَ الَّتِي نَهَيْناكم عَنْها كَفَّرْنا عَنْكم ما كانَ مِنكم في ارْتِكابِها سالِفًا. وإذا كانَ هَذا الوَجْهُ مُحْتَمَلًا، لَمْ يَتَعَيَّنْ حَمْلُهُ عَلى ما ذَكَرَهُ المُعْتَزِلَةُ. وطَعَنَ القاضِي في هَذا الوَجْهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ عامٌّ، فَقَصْرُهُ عَلى المَذْكُورِ المُتَقَدِّمِ لا يَجُوزُ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إنَّ بِاجْتِنابِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ هَذِهِ المُحَرَّماتِ يُكَفِّرُ اللَّهُ ما حَصَلَ مِنها في الماضِي كَلامٌ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُو حالُهم مِن أمْرَيْنِ اثْنَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونُوا قَدْ تابُوا مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، فالتَّوْبَةُ قَدْ أزالَتْ عِقابَ ذَلِكَ لِاجْتِنابِ هَذِهِ الكَبائِرِ، أوْ لا يَكُونُوا صفحة ٦٤ قَدْ تابُوا مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، فَمِن أيْنَ أنَّ اجْتِنابَ هَذِهِ الكَبائِرِ يُوجِبُ تَكْفِيرَ تِلْكَ السَّيِّئاتِ ؟ هَذا لَفْظُ القاضِي في تَفْسِيرِهِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنّا لا نَدَّعِي القَطْعَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ مَحْمُولٌ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، لَكِنّا نَقُولُ: إنَّهُ مُحْتَمَلٌ، ومَعَ هَذا الِاحْتِمالِ لا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرُوهُ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ قَوْلَكَ: مِن أيْنَ أنَّ اجْتِنابَ هَذِهِ الكَبائِرِ يُوجِبُ تَكْفِيرَ تِلْكَ السَّيِّئاتِ ؟ سُؤالٌ لا اسْتِدْلالَ عَلى فَسادِ هَذا القِسْمِ، وبِهَذا القَدْرِ لا يَبْطُلُ هَذا الِاحْتِمالُ، وإذا حَضَرَ هَذا الِاحْتِمالُ بَطَلَ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ الِاسْتِدْلالِ، واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: مِنَ الجَوابِ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ: هو أنّا إذا أعْطَيْناهم جَمِيعَ مُراداتِهِمْ لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ زِيادَةٌ عَلى أنْ نَقُولَ: إنَّ مَن لَمْ يَجْتَنِبِ الكَبائِرَ لَمْ تُكَفَّرْ سَيِّئاتُهُ، وحِينَئِذٍ تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةً في الوَعِيدِ، وعُمُوماتُ الوَعِيدِ لَيْسَتْ قَلِيلَةً، فَما ذَكَرْناهُ جَوابًا عَنْ سائِرِ العُمُوماتِ كانَ جَوابًا عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلا أعْرِفُ لِهَذِهِ الآيَةِ مَزِيدَ خاصِّيَّةٍ في هَذا البابِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِ الكَعْبِيِّ إنَّ اللَّهَ قَدْ كَشَفَ الشُّبْهَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ وجْهٌ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ الكَبائِرَ قَدْ يَكُونُ فِيها ما يَكُونُ كَبِيرًا، بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ، ويَكُونُ صَغِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، وكَذا القَوْلُ في الصَّغائِرِ، إلّا أنَّ الَّذِي يَحْكُمُ بِكَوْنِهِ كَبِيرًا عَلى الإطْلاقِ هو الكُفْرُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الكُفْرَ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ الكُفْرَ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ: مِنها الكُفْرُ بِاللَّهِ، وبِأنْبِيائِهِ، وبِاليَوْمِ الآخِرِ وشَرائِعِهِ، فَكانَ المُرادُ أنَّ مَنِ اجْتَنَبَ عَنِ الكُفْرِ كانَ ما وراءَهُ مَغْفُورًا، وهَذا الِاحْتِمالُ مُنْطَبِقٌ مُوافِقٌ لِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وإذا كانَ هَذا مُحْتَمَلًا بَلْ ظاهِرًا، سَقَطَ اسْتِدْلالُهم بِالكُلِّيَّةِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ عِنْدَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ يَجِبُ غُفْرانُ الصَّغائِرِ، وعِنْدَنا أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، بَلْ كُلُّ ما يَفْعَلُهُ فَهو فَضْلٌ وإحْسانٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ دَلائِلِ هَذِهِ المَسْألَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ ”يُكَفَّرْ ويُدْخِلْكم“ بِالياءِ في الحَرْفَيْنِ عَلى ضَمِيرِ الغائِبِ، والباقُونَ بِالنُّونِ عَلى اسْتِئْنافِ الوَعْدِ، وقَرَأ نافِعٌ (مَدْخَلًا) بِفَتْحِ المِيمِ، وفي الحَجِّ مِثْلُهُ، والباقُونَ بِالضَّمِّ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ بِالضَّمِّ. فَبِالفَتْحِ المُرادُ مَوْضِعُ الدُّخُولِ، وبِالضَّمِّ المُرادُ المَصْدَرُ وهو الإدْخالُ، أيْ: ويُدْخِلْكم إدْخالًا كَرِيمًا، وصَفَ الإدْخالَ بِالكَرَمِ بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الإدْخالَ يَكُونُ مَقْرُونًا بِالكَرَمِ عَلى خِلافِ مَن قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مُجَرَّدَ الِاجْتِنابِ عَنِ الكَبائِرِ لا يُوجِبُ دُخُولَ الجَنَّةِ، بَلْ لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ الطّاعاتِ، فالتَّقْدِيرُ: إنْ أتَيْتُمْ بِجَمِيعِ الواجِباتِ، واجْتَنَبْتُمْ عَنْ جَمِيعِ الكَبائِرِ، كَفَّرْنا عَنْكم بَقِيَّةَ السَّيِّئاتِ وأدْخَلْناكُمُ الجَنَّةَ، فَهَذا أحَدُ ما يُوجِبُ الدُّخُولَ في الجَنَّةِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَدَمَ السَّبَبِ الواحِدِ لا يُوجِبُ عَدَمَ المُسَبِّبِ، بَلْ هَهُنا سَبَبٌ آخَرُ هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ القَوِيُّ، وهو فَضْلُ اللَّهِ وكَرَمُهُ ورَحْمَتُهُ، كَما قالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] واللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ اعْلَمْ أنَّ في النَّظْمِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَنْ أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، وعَنْ قَتْلِ النَّفْسِ، أمَرَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِما سَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَ هَذِهِ المَنهِيّاتِ، وهو أنْ يَرْضى كُلُّ أحَدٍ بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَإنَّهُ إذا لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ وقَعَ في الحَسَدِ، وإذا وقَعَ في الحَسَدِ وقَعَ لا مَحالَةَ في أخْذِ الأمْوالِ بِالباطِلِ وفي قَتْلِ النُّفُوسِ، فَأمّا إذا رَضِيَ بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ أمْكَنَهُ الِاحْتِرازُ عَنِ الظُّلْمِ في النُّفُوسِ وفي الأمْوالِ. الوَجْهُ الثّانِي: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ: هو أنَّ أخْذَ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلَ النَّفْسِ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، فَأمَرَ أوَّلًا بِتَرْكِهِما لِيَصِيرَ الظّاهِرُ طاهِرًا عَنِ الأفْعالِ القَبِيحَةِ، وهو الشَّرِيعَةُ. ثُمَّ أمَرَ بَعْدَهُ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِنُفُوسِ النّاسِ وأمْوالِهِمْ بِالقَلْبِ عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ؛ لِيَصِيرَ الباطِنُ طاهِرًا عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وذَلِكَ هو الطَّرِيقَةُ. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التَّمَنِّي عِنْدَنا عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ ما يُعْلَمُ أوْ يُظَنُّ أنَّهُ لا يَكُونُ؛ ولِهَذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ مِنَ الكافِرِ أنْ يُؤْمِنَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَكانَ مُتَمَنِّيًا. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: النَّهْيُ عَنْ قَوْلِ القائِلِ: لَيْتَهُ وُجِدَ كَذا، أوْ لَيْتَهُ لَمْ يُوجَدْ كَذا، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ اللَّفْظِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى لا يَكُونُ تَمَنِّيًا، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يُبْحَثَ عَنْ مَعْنى هَذا اللَّفْظِ، ولا مَعْنى لَهُ إلّا ما ذَكَرْناهُ مِن إرادَةِ ما يُعْلَمُ أوْ يُظَنُّ أنَّهُ لا يَكُونُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ إمّا نَفْسانِيَّةٌ، أوْ بَدَنِيَّةٌ، أوْ خارِجِيَّةٌ. أمّا السَّعاداتُ النَّفْسانِيَّةُ فَنَوْعانِ: أحَدُهُما: ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وهو: الذَّكاءُ التّامُّ والحَدْسُ الكامِلُ، والمَعارِفُ الزّائِدَةُ عَلى مَعارِفِ الغَيْرِ بِالكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ. وثانِيهِما: ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وهي: العِفَّةُ الَّتِي هي وسَطٌ بَيْنِ الخُمُودِ والفُجُورِ، والشَّجاعَةُ الَّتِي هي وسَطٌ بَيْنِ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ، واسْتِعْمالُ الحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ الَّذِي هو تَوَسُّطٌ بَيْنَ البَلَهِ والجَرْبَزَةِ، ومَجْمُوعُ هَذِهِ الأحْوالِ هو العَدالَةُ. وأمّا السَّعاداتُ البَدَنِيَّةُ: فالصِّحَّةُ والجَمالُ، والعُمْرُ الطَّوِيلُ في ذَلِكَ مَعَ اللَّذَّةِ والبَهْجَةِ. وأمّا السَّعاداتُ الخارِجِيَّةُ: فَهي كَثْرَةُ الأوْلادِ الصُّلَحاءِ، وكَثْرَةُ العَشائِرِ، وكَثْرَةُ الأصْدِقاءِ والأعْوانِ، والرِّياسَةُ التّامَّةُ، ونَفاذُ القَوْلِ، وكَوْنُهُ مَحْبُوبًا لِلْخَلْقِ حَسَنَ الذِّكْرِ فِيهِمْ، مُطاعَ الأمْرِ فِيهِمْ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى مَجامِعِ السَّعاداتِ، وبَعْضُها فِطْرِيَّةٌ لا سَبِيلَ لِلْكَسْبِ فِيهِ، وبَعْضُها كَسْبِيَّةٌ، وهَذا الَّذِي يَكُونُ كَسْبِيًّا مَتى تَأمَّلَ العاقِلُ فِيهِ يَجِدْهُ أيْضًا مَحْضَ عَطاءِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا تَرْجِيحَ لِلدَّواعِي وإزالَةِ العَوائِقِ وتَحْصِيلِ المُوجِباتِ، وإلّا صفحة ٦٦ فَيَكُونُ سَبَبُ السَّعْيِ والجِدِّ مُشْتَرَكًا فِيهِ، ويَكُونُ الفَوْزُ بِالسَّعادَةِ والوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ غَيْرَ مُشْتَرَكٍ فِيهِ، فَهَذا هو أقْسامُ السَّعاداتِ الَّتِي يُفَضِّلُ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ فِيها. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الإنْسانَ إذا شاهَدَ أنْواعَ الفَضائِلِ حاصِلَةً لِإنْسانٍ، ووَجَدَ نَفْسَهُ خالِيًا عَنْ جُمْلَتِها أوْ عَنْ أكْثَرِها، فَحِينَئِذٍ يَتَألَّمُ قَلْبُهُ ويَتَشَوَّشُ خاطِرُهُ، ثُمَّ يَعْرِضُ هَهُنا حالَتانِ: إحْداهُما: أنْ يَتَمَنّى زَوالَ تِلْكَ السَّعاداتِ عَنْ ذَلِكَ الإنْسانِ. والأُخْرى: أنْ لا يَتَمَنّى ذَلِكَ، بَلْ يَتَمَنّى حُصُولَ مِثْلِها لَهُ. أمّا الأوَّلُ فَهو الحَسَدُ المَذْمُومُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ لِمُدَبِّرِ العالَمِ وخالِقِهِ: الإحْسانُ إلى عَبِيدِهِ والجُودُ إلَيْهِمْ وإفاضَةُ أنْواعِ الكَرَمِ عَلَيْهِمْ، فَمَن تَمَنّى زَوالَ ذَلِكَ فَكَأنَّهُ اعْتَرَضَ عَلى اللَّهِ تَعالى فِيما هو المَقْصُودُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ مِن خَلْقِ العالَمِ وإيجادِ المُكَلَّفِينَ، وأيْضًا رُبَّما اعْتَقَدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ أحَقُّ بِتِلْكَ النِّعَمِ مِن ذَلِكَ الإنْسانِ، فَيَكُونُ هَذا اعْتِراضًا عَلى اللَّهِ، وقَدْحًا في حِكْمَتِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُلْقِيهِ في الكُفْرِ وظُلُماتِ البِدْعَةِ، ويُزِيلُ عَنْ قَلْبِهِ نُورَ الإيمانِ، وكَما أنَّ الحَسَدَ سَبَبٌ لِلْفَسادِ في الدِّينِ، فَكَذَلِكَ هو السَّبَبُ لِلْفَسادِ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ يَقْطَعُ المَوَدَّةَ والمَحَبَّةَ والمُوالاةَ، ويَقْلِبُ كُلَّ ذَلِكَ إلى أضْدادِها؛ فَلِهَذا السَّبَبِ نَهى اللَّهُ عِبادَهُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّ سَبَبَ المَنعِ مِن هَذا الحَسَدِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أُصُولِ الأدْيانِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، فَهو أنَّهُ تَعالى فَعّالٌ لِما يُرِيدُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ، ولا مَجالَ لِأحَدٍ في مُنازَعَتِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ صَنَعَهُ ولا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ صارَتْ أبْوابُ القِيلِ والقالِ مَسْدُودَةً، وطُرُقُ الِاعْتِراضاتِ مَرْدُودَةً. وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ فَهَذا الطَّرِيقُ أيْضًا مَسْدُودٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَلّامُ الغُيُوبِ فَهو أعْرَفُ مِن خَلْقِهِ بِوُجُوهِ المَصالِحِ ودَقائِقِ الحِكَمِ؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلا بُدَّ لِكُلِّ عاقِلٍ مِنَ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ ولِهَذا المَعْنى حَكى الرَّسُولُ ﷺ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«مَنِ اسْتَسْلَمَ لِقَضائِي، وصَبَرَ عَلى بَلائِي، وشَكَرَ لِنَعْمائِي، كَتَبْتُهُ صِدِّيقًا وبَعَثْتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الصِّدِّيقِينَ، ومَن لَمْ يَرْضَ بِقَضائِي، ولَمْ يَصْبِرْ عَلى بَلائِي، ولَمْ يَشْكُرْ لِنَعْمائِي، فَلْيَطْلُبْ رَبًّا سِوايَ» “ . فَهَذا هو الكَلامُ فِيما إذا تَمَنّى زَوالَ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْ ذَلِكَ الإنْسانِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما رَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«لا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ، ولا يَسُومُ عَلى سَوْمِ أخِيهِ، ولا تَسْألُ المَرْأةُ طَلاقَ أُخْتِها لِتَقُومَ مَقامَها، فَإنَّ اللَّهَ هو رازِقُها» “ . والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ المُبالَغَةُ في المَنعِ مِنَ الحَسَدِ. أمّا إذا لَمْ يَتَمَنَّ ذَلِكَ بَلْ تَمَنّى حُصُولَ مِثْلِها لَهُ، فَمِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، إلّا أنَّ المُحَقِّقِينَ قالُوا: هَذا أيْضًا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ رُبَّما كانَتْ مَفْسَدَةً في حَقِّهِ في الدِّينِ، ومَضَرَّةً عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي دارًا مِثْلَ دارِ فُلانٍ، وزَوْجَةً مِثْلَ زَوْجَةِ فُلانٍ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي ما يَكُونُ صَلاحًا في دِينِي ودُنْيايَ ومَعادِي ومَعاشِي. وإذا تَأمَّلَ الإنْسانُ كَثِيرًا لَمْ يَجِدْ دُعاءً أحْسَنَ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ تَعْلِيمًا لِعِبادِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا يَتَمَنَّ أحَدٌ المالَ، فَلَعَلَّ هَلاكَهُ في ذَلِكَ المالِ كَما في حَقِّ ثَعْلَبَةَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: «قالَتْ أمُّ سَلَمَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَغْزُو صفحة ٦٧ الرِّجالُ ولا نَغْزُو، ولَهم مِنَ المِيراثِ ضِعْفُ ما لَنا، فَلَيْتَنا كُنّا رِجالًا فَنَزَلَتِ الآيَةُ» . الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ قالَ الرِّجالُ: نَرْجُو أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ في الآخِرَةِ كَما فُضِّلْنا في المِيراثِ، وقالَ النِّساءُ: نَرْجُو أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ كَما في المِيراثِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. الثّالِثُ: لَمّا جَعَلَ اللَّهُ المِيراثَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ قالَتِ النِّساءُ: نَحْنُ أحْوَجُ لِأنّا ضُعَفاءُ، وهم أقْدَرُ عَلى طَلَبِ المَعاشِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. الرّابِعُ: «أتَتْ واحِدَةٌ مِنَ النِّساءِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَتْ: رَبُّ الرِّجالِ والنِّساءِ واحِدٌ، وأنْتَ الرَّسُولُ إلَيْنا وإلَيْهِمْ، وأبُونا آدَمُ وأُمُّنا حَوّاءُ. فَما السَّبَبُ في أنَّ اللَّهَ يَذْكُرُ الرِّجالَ ولا يَذْكُرُنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. فَقالَتْ: وقَدْ سَبَقَنا الرِّجالُ بِالجِهادِ فَما لَنا ؟ فَقالَ ﷺ: ”إنَّ لِلْحامِلِ مِنكُنَّ أجْرَ الصّائِمِ القائِمِ، فَإذا ضَرَبَها الطَّلْقُ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ ما لَها مِنَ الأجْرِ، فَإذا أرْضَعَتْ كانَ لَها بِكُلِّ مَصَّةٍ أجْرُ إحْياءِ نَفْسٍ“» . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا، وأنْ يَكُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، وأنْ يَكُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما. أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ لِكُلِّ فَرِيقٍ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبَ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا، فَيَنْبَغِي أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ. الثّانِي: كُلُّ نَصِيبٍ مُقَدَّرُ مِنَ المِيراثِ عَلى ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ فَوَجَبَ أنْ يَرْضى بِهِ وأنْ يَتْرُكَ الِاعْتِراضَ، والِاكْتِسابُ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى الإصابَةِ والإحْرازِ. الثّالِثُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ والصِّبْيانَ، فَأبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبَيَّنَ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم نَصِيبًا، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا. وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ لِكُلِّ أحَدٍ قَدْرٌ مِنَ الثَّوابِ يَسْتَحِقُّهُ بِكَرَمِ اللَّهِ ولُطْفِهِ، فَلا تَتَمَنَّوْا خِلافَ ذَلِكَ. الثّانِي: لِكُلِّ أحَدٍ جَزاءٌ مِمّا اكْتَسَبَ مِنَ الطّاعاتِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُضَيِّعَهُ بِسَبَبِ الحَسَدِ المَذْمُومِ، وتَقْدِيرُهُ: لا تُضَيِّعْ مالَكَ وتَتَمَنَّ ما لِغَيْرِكَ. الثّالِثُ: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا بِسَبَبِ قِيامِهِمْ بِالنَّفَقَةِ عَلى النِّساءِ، ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ، يُرِيدُ حِفْظَ فُرُوجِهِنَّ وطاعَةَ أزْواجِهِنَّ، وقِيامَها بِمَصالِحِ البَيْتِ مِنَ الطَّبْخِ والخَبْزِ وحِفْظِ الثِّيابِ ومَصالِحِ المَعاشِ، فالنَّصِيبُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ هو الثَّوابُ. وأمّا الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: فَهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ: كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ، ولا مُنافاةَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ: ”وسَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ، بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السُّؤالِ، وبِشَرْطِ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ واوٌ أوْ فاءٌ، والباقُونَ بِالهَمْزِ في كُلِّ القُرْآنِ. أمّا الأوَّلُ: فَنَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى السِّينِ، واسْتَغْنى عَنْ ألِفِ الوَصْلِ فَحَذَفَها. وأمّا الثّانِي: فَعَلى الأصْلِ. واتَّفَقُوا في قَوْلِهِ: (ولْيَسْألُوا) [الممتحنة: ١٠] أنَّهُ بِالهَمْزَةِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ لِغائِبٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي في قَوْلِ أبِي صفحة ٦٨ الحَسَنِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا في قِياسِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، والصِّفَةُ قائِمَةٌ مَقامَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: واسْألُوا اللَّهَ نِعْمَتَهُ مِن فَضْلِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يُعَيِّنَ شَيْئًا في الطَّلَبِ والدُّعاءِ، ولَكِنْ يَطْلُبُ مِن فَضْلِ اللَّهِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِصَلاحِهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِما يَكُونُ صالِحًا لِلسّائِلِينَ، فَلْيَقْتَصِرِ السّائِلُ عَلى المُجْمَلِ، ولْيَحْتَرِزْ في دُعائِهِ عَنِ التَّعْيِينِ، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ مَحْضَ المَفْسَدَةِ والضَّرَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ وُرّاثًا، ويُمْكِنُ أيْضًا بِحَيْثُ يَكُونانِ مَوْرُوثًا عَنْهُما. أمّا الأوَّلُ: فَهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ﴾ أيْ: ولِكُلِّ واحِدٍ جَعَلْنا ورَثَةً في تَرِكَتِهِ، ثُمَّ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هَؤُلاءِ الوَرَثَةُ ؟ فَقِيلَ: هُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ لا بُدَّ مِنَ الوَقْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ . وأمّا الثّانِي: فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ: ورَثَةً، و(جَعَلْنا) في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ لِأنَّ مَعْنى (جَعَلْنا) خَلَقْنا. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم مَوالِيَ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، فَقَوْلُهُ: (مَوالِيَ) عَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ صِفَةً والمَوْصُوفُ يَكُونُ مَحْذُوفًا، والرّاجِعُ إلى قَوْلِهِ: (ولِكُلٍّ) مَحْذُوفًا، والخَبَرُ وهو قَوْلُهُ: (نَصِيبٌ) مَحْذُوفٌ أيْضًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ (جَعَلْنا) مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ، والوَجْهانِ الأوَّلانِ أوْلى؛ لِكَثْرَةِ الإضْمارِ في هَذا الوَجْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانٍ: أحَدُها: المُعْتَقُ؛ لِأنَّهُ ولِيُّ نِعْمَتِهِ في عِتْقِهِ؛ ولِذَلِكَ يُسَمّى مَوْلى النِّعْمَةِ. وثانِيها: العَبْدُ المُعْتَقُ، لِاتِّصالِ وِلايَةِ مَوْلاهُ في إنْعامِهِ عَلَيْهِ، وهَذا كَما يُسَمّى الطّالِبُ غَرِيمًا؛ لِأنَّ لَهُ اللُّزُومَ والمُطالَبَةَ بِحَقِّهِ، ويُسَمّى المَطْلُوبُ غَرِيمًا لِكَوْنِ الدِّينِ لازِمًا لَهُ. وثالِثُها: الحَلِيفُ؛ لِأنَّ المُحالِفَ يَلِي أمْرَهُ بِعَقْدِ اليَمِينِ. ورابِعُها: ابْنُ العَمِّ؛ لِأنَّهُ يَلِيهِ بِالنُّصْرَةِ لِلْقَرابَةِ الَّتِي بَيْنَهُما. وخامِسُها: المَوْلى الوَلِيُّ؛ لِأنَّهُ يَلِيهِ بِالنُّصْرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا﴾ صفحة ٦٩ ﴿مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] . وسادِسُها: الَعَصَبَةُ، وهو المُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا هَذا المَعْنى، ويُؤَكِّدُهُ ما رَوى أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«أنا أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ، مَن ماتَ وتَرَكَ مالًا فَمالُهُ لِلْمَوالِي العَصَبَةِ، ومَن تَرَكَ كَلًّا فَأنا ولِيُّهُ» “ وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«اقْسِمُوا هَذا المالَ، فَما أبْقَتِ السِّهامُ فَلِأوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ» “ . * * * ُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: عَقَدَتْ بِغَيْرِ ألِفٍ وبِالتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ، وعَقَدَتْ: أضافَتِ العَقْدَ إلى واحِدٍ، والِاخْتِيارُ: عاقَدَتْ؛ لِدَلالَةِ المُفاعَلَةِ عَلى عَقْدِ الحَلِفِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأيْمانُ، جَمْعُ يَمِينٍ، واليَمِينُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ اليَدُ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ القَسَمُ، فَإنْ كانَ المُرادُ اليَدَ، فَفِيهِ مَجازٌ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُعاقَدَةَ مُسْنَدَةٌ في ظاهِرِ اللَّفْظِ إلى الأيْدِي، وهي في الحَقِيقَةِ مُسْنَدَةٌ إلى الحالِفِينَ، والسَّبَبُ في هَذا المَجازِ أنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ صَفْقَةَ البَيْعِ بِأيْمانِهِمْ، ويَأْخُذُ بَعْضُهم بِيَدِ بَعْضٍ عَلى الوَفاءِ والتَّمَسُّكِ بِالعَهْدِ. والوَجْهُ الثّانِي: في المَجازِ: وهو أنَّ التَّقْدِيرَ: والَّذِينَ عاقَدَتْ بِحَلِفِهِمْ أيْمانُكم، فَحَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، وحَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. الثّالِثُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: والَّذِينَ عاقَدَتْهم، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الذِّكْرَ العائِدَ مِنَ الصِّلَةِ إلى المَوْصُولِ، هَذا كُلُّهُ إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِاليَدِ. أمّا إذا فَسَّرْناها بِالقَسَمِ والحَلِفِ كانَتِ المُعاقَدَةُ في ظاهِرِ اللَّفْظِ مُضافَةً إلى القَسَمِ، وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ سَبَبَ المُعاقَدَةِ لَمّا كانَ هو اليَمِينُ حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ، والقَوْلُ في بَقِيَّةِ المَجازاتِ كَما تَقَدَّمَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ. أمّا القائِلُونَ بِالنَّسْخِ فَهُمُ الَّذِينَ فَسَّرُوا الآيَةَ بِأحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي نَذْكُرُها: فالأوَّلُ: هو أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ عاقَدَتْ أيْمانُكم: الحُلَفاءُ في الجاهِلِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُعاقِدُ غَيْرَهُ ويَقُولُ: دَمِي دَمُكَ وسِلْمِي سِلْمُكَ، وحَرْبِي حَرْبُكَ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وتَعْقِلُ عَنِّي وأعْقِلُ عَنْكَ، فَيَكُونُ لِهَذا الحَلِيفِ السُّدْسُ مِنَ المِيراثِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأحْزابِ: ٦ ] وبِقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] . الثّانِي: أنَّ الواحِدَ مِنهم كانَ يَتَّخِذُ إنْسانًا أجْنَبِيًّا ابْنًا لَهُ، وهُمُ المُسَمَّوْنَ بِالأدْعِياءِ، وكانُوا يَتَوارَثُونَ بِذَلِكَ السَّبَبِ، ثُمَّ نُسِخَ. الثّالِثُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُثْبِتُ المُؤاخاةَ بَيْنَ كُلِّ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِهِ، وكانَتْ تِلْكَ المُؤاخاةُ سَبَبًا لِلتَّوارُثِ. واعْلَمْ أنَّ عَلى كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ كانَتِ المُعاقَدَةُ سَبَبًا لِلتَّوارُثِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ بِالآياتِ الَّتِي تَلَوْناها. القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن قالَ: الآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، والقائِلُونَ بِذَلِكَ ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم مَوالِيَ ورَثَةً فَآتُوهم نَصِيبَهم، أيْ فَآتُوا المُوالِيَ والوَرَثَةَ نَصِيبَهم، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ ما تَرَكَ الَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم فَلَهُ وارِثٌ هو أوْلى بِهِ، وسَمّى اللَّهُ تَعالى الوارِثَ مَوْلى. والمَعْنى لا تَدْفَعُوا المالَ إلى الحَلِيفِ، بَلْ إلى المَوْلى والوارِثِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نَسْخَ في الآيَةِ، وهَذا تَأْوِيلُ صفحة ٧٠ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ. الثّانِي: المُرادُ بِالَّذِينِ عاقَدَتْ أيْمانُكم: الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، والنِّكاحُ يُسَمّى عَقْدًا، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] فَذَكَرَ تَعالى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، وذَكَرَ مَعَهُمُ الزَّوْجَ والزَّوْجَةَ، ونَظِيرُهُ آيَةُ المَوارِيثِ في أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ مِيراثَ الوَلَدِ والوالِدَيْنِ ذَكَرَ مَعَهم مِيراثَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ، وعَلى هَذا فَلا نَسْخَ في الآيَةِ أيْضًا، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ المِيراثَ الحاصِلَ بِسَبَبِ الوَلاءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نَسْخَ أيْضًا. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ ”الَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم“ الحُلَفاءَ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ النُّصْرَةَ والنَّصِيحَةَ والمُصافاةَ في العِشْرَةِ، والمُخالَصَةَ في المُخالَطَةِ، فَلا يَكُونُ المُرادُ التَّوارُثَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نَسْخَ أيْضًا. الخامِسُ: نُقِلَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وفي ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وذَلِكَ أنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلَيْهِ ولا يُوَرِّثَهُ شَيْئًا مِن مالِهِ، فَلَمّا أسْلَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُؤْتِيَهُ نَصِيبَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نَسْخَ أيْضًا. السّادِسُ: قالَ الأصَمُّ: إنَّهُ نَصِيبٌ عَلى سَبِيلِ التُّحْفَةِ والهَدِيَّةِ بِالشَّيْءِ القَلِيلِ، كَما أمَرَ تَعالى لِمَن حَضَرَ القِسْمَةَ أنْ يُجْعَلَ لَهُ نَصِيبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ حَسَنَةٌ مُحْتَمَلَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. لْمَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ قالُوا: إنَّما جاءَ خَبَرُهُ مَعَ الفاءِ لِتَضَمُّنِ ”الَّذِي“ مَعْنى الشَّرْطِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ خَبَرُهُ مَعَ الفاءِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى قَوْلِكَ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ. * * * لْمَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: لا يَرِثُ المَوْلى الأسْفَلُ مِنَ الأعْلى. وحَكى الطَّحاوِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ زِيادٍ أنَّهُ قالَ: يَرِثُ؛ لِما «رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ عَبْدًا لَهُ، فَماتَ المُعْتِقُ ولَمْ يَتْرُكْ إلّا المُعْتَقَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِيراثَهُ لِلْغُلامِ المُعْتَقِ»؛ ولِأنَّهُ داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ . والجَوابُ عَنِ التَّمَسُّكِ بِالحَدِيثِ: أنَّهُ لَعَلَّ ذَلِكَ المالَ لَمّا صارَ لِبَيْتِ المالِ دَفَعَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى ذَلِكَ الغُلامِ لِحاجَتِهِ وفَقْرِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ مالًا لا وارِثَ لَهُ، فَسَبِيلُهُ أنْ يُصْرَفَ إلى الفُقَراءِ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: مَن أسْلَمَ عَلى يَدِ رَجُلٍ ووالاهُ وعاقَدَهُ ثُمَّ ماتَ ولا وارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، أنَّهُ لا يَرِثُهُ، بَلْ مِيراثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَرِثُهُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ: أنّا بَيَّنّا أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَهُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكم، فَقَدْ جَعَلْنا لَهُ مَوالِيَ وهُمُ العُصْبَةُ، ثُمَّ هَؤُلاءِ العُصْبَةُ إمّا الخاصَّةُ وهُمُ الوَرَثَةُ، وإمّا العامَّةُ وهم جَماعَةُ المُسْلِمِينَ، فَوَجَبَ صَرْفُ هَذا المالِ إلى العُصْبَةِ العامَّةِ ما لَمْ تُوجَدِ العُصْبَةُ الخاصَّةُ، واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ لِقَوْلِهِ بِأنَّ الآيَةَ تُوجِبُ المِيراثَ لِلَّذِي والاهُ وعاقَدَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأحْزابِ: ٦ ] فَهَذا النَّسْخُ إنَّما يَحْصُلُ إذا وُجِدَ أُولُو الأرْحامِ، فَإذا لَمْ يُوجَدُوا لَزِمَ بَقاءُ الحُكْمِ كَما كانَ. والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّ الحَلِيفَ يَرِثُ، بَلْ بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يَرِثُ، وبَيَّنّا أنَّ القَوْلَ بِهَذا النَّسْخِ باطِلٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ وهو كَلِمَةُ وعْدٍ لِلْمُطِيعِينَ، وكَلِمَةُ وعِيدٍ لِلْعُصاةِ، صفحة ٧١ والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ والمُشاهِدُ، والمُرادُ مِنهُ إمّا عِلْمُهُ تَعالى بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ وإمّا شَهادَتُهُ عَلى الخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ بِكُلِّ ما عَمِلُوهُ. وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ: الشَّهِيدُ هو العالِمُ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي: هو المُخْبِرُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النِّساءَ تَكَلَّمْنَ في تَفْضِيلِ اللَّهِ الرِّجالَ عَلَيْهِنَّ في المِيراثِ، فَذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما فَضَّلَ الرِّجالَ عَلى النِّساءِ في المِيراثِ؛ لِأنَّ الرِّجالَ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ، فَإنَّهُما وإنِ اشْتَرَكا في اسْتِمْتاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، أمَرَ اللَّهُ الرِّجالَ أنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِنَّ المَهْرَ، ويُدِرُّوا عَلَيْهِنَّ النَّفَقَةَ، فَصارَتِ الزِّيادَةُ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ مُقابَلَةً بِالزِّيادَةِ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَكَأنَّهُ لا فَضْلَ البَتَّةَ، فَهَذا هو بَيانُ كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ”القِوامُ“ اسْمٌ لِمَن يَكُونُ مُبالِغًا في القِيامِ بِالأمْرِ، يُقالُ: هَذا قَيِّمُ المَرْأةِ وقِوامُها، لِلَّذِي يَقُومُ بِأمْرِها ويَهْتَمُّ بِحِفْظِها. «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وزَوْجِها سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ أحَدِ نُقَباءِ الأنْصارِ، فَإنَّهُ لَطَمَها لَطْمَةً فَنَشَزَتْ عَنْ فِراشِهِ، وذَهَبَتْ إلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وذَكَرَتْ هَذِهِ الشِّكايَةَ، وأنَّهُ لَطَمَها، وأنَّ أثَرَ اللَّطْمَةِ باقٍ في وجْهِها، فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”اقْتَصِّي مِنهُ. ثُمَّ قالَ لَها: اصْبِرِي حَتّى أنْظُرَ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ أيْ مُسَلَّطُونَ عَلى أدَبِهِنَّ والأخْذِ فَوْقَ أيْدِيهِنَّ، فَكَأنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ أمِيرًا عَلَيْها ونافِذَ الحُكْمِ في حَقِّها، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«أرَدْنا أمْرًا وأرادَ اللَّهُ أمْرًا، والَّذِي أرادَ اللَّهُ خَيْرٌ» “ ورَفَعَ القِصاصَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ لِلرِّجالِ سَلْطَنَةً عَلى النِّساءِ ونَفاذَ أمْرٍ عَلَيْهِنَّ، بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ مُعَلَّلٌ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّ فَضْلَ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ حاصِلٌ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، بَعْضُها صِفاتٌ حَقِيقِيَّةٌ، وبَعْضُها أحْكامٌ شَرْعِيَّةٌ، أمّا الصِّفاتُ الحَقِيقِيَّةُ فاعْلَمْ أنَّ الفَضائِلَ الحَقِيقِيَّةَ يَرْجِعُ حاصِلُها إلى أمْرَيْنِ: إلى العِلْمِ، وإلى القُدْرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ عُقُولَ الرِّجالِ وعُلُومَهم أكْثَرُ، ولا شَكَّ أنَّ قُدْرَتَهم عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ أكْمَلُ، فَلِهَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ حَصَلَتِ الفَضِيلَةُ لِلرِّجالِ عَلى النِّساءِ في العَقْلِ، والحَزْمِ، والقُوَّةِ والكِتابَةِ في الغالِبِ، والفُرُوسِيَّةِ، والرَّمْيِ، وإنَّ مِنهُمُ الأنْبِياءَ والعُلَماءَ، وفِيهِمُ الإمامَةُ الكُبْرى والصُّغْرى، والجِهادُ، والأذانُ، والخُطْبَةُ، والِاعْتِكافُ، والشَّهادَةُ في الحُدُودِ والقِصاصِ بِالِاتِّفاقِ. وفي الأنْكِحَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وزِيادَةُ النَّصِيبِ في صفحة ٧٢ المِيراثِ، والتَّعْصِيبُ في المِيراثِ، وفي تَحَمُّلِ الدِّيَةِ في القَتْلِ والخَطَأِ، وفي القَسامَةِ والوِلايَةِ في النِّكاحِ والطَّلاقِ والرَّجْعَةِ وعَدَدِ الأزْواجِ، وإلَيْهِمْ الِانْتِسابُ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَضْلِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ. والسَّبَبُ الثّانِي: لِحُصُولِ هَذِهِ الفَضِيلَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ يَعْنِي الرَّجُلُ أفْضَلُ مِنَ المَرْأةِ؛ لِأنَّهُ يُعْطِيها المَهْرَ ويُنْفِقُ عَلَيْها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَسَمَ النِّساءَ قِسْمَيْنِ، فَوَصَفَ الصّالِحاتِ مِنهُنَّ بِأنَّهُنَّ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”فالصَّوالِحُ قَوانِتُ حَوافِظُ لِلْغَيْبِ“ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قانِتاتٌ، أيْ مُطِيعاتٌ لِلَّهِ، ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أيْ قائِماتٌ بِحُقُوقِ الزَّوْجِ، وقَدَّمَ قَضاءَ حَقِّ اللَّهِ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَضاءِ حَقِّ الزَّوْجِ. الثّانِي: أنَّ حالَ المَرْأةِ إمّا أنْ يُعْتَبَرَ عِنْدَ حُضُورِ الزَّوْجِ أوْ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، أمّا حالُها عِنْدَ حُضُورِ الزَّوْجِ فَقَدْ وصَفَها اللَّهُ بِأنَّها قانِتَةٌ، وأصْلُ القُنُوتِ دَوامُ الطّاعَةِ، فالمَعْنى أنَّهُنَّ قَيِّماتٌ بِحُقُوقِ أزْواجِهِنَّ، وظاهِرُ هَذا إخْبارٌ، إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ الأمْرُ بِالطّاعَةِ. واعْلَمْ أنَّ المَرْأةَ لا تَكُونُ صالِحَةً إلّا إذا كانَتْ مُطِيعَةً لِزَوْجِها؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾ والألِفُ واللّامُ في الجَمْعِ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ امْرَأةٍ تَكُونُ صالِحَةً، فَهي لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ قانِتَةً مُطِيعَةً. قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَفْظُ القُنُوتِ يُفِيدُ الطّاعَةَ، وهو عامٌّ في طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الأزْواجِ، وأمّا حالُ المَرْأةِ عِنْدَ غَيْبَةِ الزَّوْجِ فَقَدْ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ واعْلَمْ أنَّ الغَيْبَ خِلافُ الشَّهادَةِ، والمَعْنى كَوْنُهُنَّ حافِظاتٍ بِمَواجِبِ الغَيْبِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّها تَحْفَظُ نَفْسَها عَنِ الزِّنا؛ لِئَلّا يَلْحَقَ الزَّوْجَ العارُ بِسَبَبِ زِناها، ولِئَلّا يَلْتَحِقَ بِهِ الوَلَدُ المُتَكَوِّنُ مِن نُطْفَةِ غَيْرِهِ. وثانِيها: حِفْظُ مالِهِ عَنِ الضَّياعِ. وثالِثُها: حِفْظُ مَنزِلِهِ عَمّا لا يَنْبَغِي، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«خَيْرُ النِّساءِ إنْ نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإنْ أمَرْتَها أطاعَتْكَ، وإنْ غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في مالِكَ ونَفْسِها» “، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِما حَفِظَهُ اللَّهُ لَهُنَّ، والمَعْنى أنَّ عَلَيْهِنَّ أنْ يَحْفَظْنَ حُقُوقَ الزَّوْجِ في مُقابَلَةِ ما حَفِظَ اللَّهُ حُقُوقَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، حَيْثُ أمَرَهم بِالعَدْلِ عَلَيْهِنَّ، وإمْساكِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ، وإعْطائِهِنَّ أُجُورَهُنَّ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ يَجْرِي مَجْرى ما يُقالُ: هَذا بِذاكَ، أيْ هَذا في مُقابَلَةِ ذاكَ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: بِحِفْظِ اللَّهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُنَّ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ إيّاهُنَّ، أيْ لا يَتَيَسَّرُ لَهُنَّ حِفْظٌ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، فَيَكُونُ هَذا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: هو أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَكُونُ حافِظَةً لِلْغَيْبِ بِسَبَبِ حِفْظِهِنَّ اللَّهَ، أيْ بِسَبَبِ حِفْظِهِنَّ حُدُودَ اللَّهِ وأوامِرَهُ، فَإنَّ المَرْأةَ لَوْلا أنَّها تُحاوِلُ رِعايَةَ تَكالِيفِ اللَّهِ وتَجْتَهِدُ في حِفْظِ أوامِرِهِ لَما أطاعَتْ زَوْجَها، وهَذا الوَجْهُ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الصّالِحاتِ ذَكَرَ بَعْدَهُ غَيْرَ الصّالِحاتِ، فَقالَ: ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الخَوْفَ عِبارَةٌ عَنْ حالٍ يَحْصُلُ في القَلْبِ عِنْدَ ظَنِّ حُدُوثِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ في المُسْتَقْبَلِ. قالَ صفحة ٧٣ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ النُّشُوزُ قَدْ يَكُونُ قَوْلًا، وقَدْ يَكُونُ فِعْلًا، فالقَوْلُ مِثْلَ أنْ كانَتْ تُلَبِّيهِ إذا دَعاها، وتَخْضَعُ لَهُ بِالقَوْلِ إذا خاطَبَها ثُمَّ تَغَيَّرَتْ، والفِعْلُ مِثْلَ أنْ كانَتْ تَقُومُ إلَيْهِ إذا دَخَلَ عَلَيْها، أوْ كانَتْ تُسارِعُ إلى أمْرِهِ وتُبادِرُ إلى فِراشِهِ بِاسْتِبْشارٍ إذا التَمَسَها، ثُمَّ إنَّها تَغَيَّرَتْ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، فَهَذِهِ أماراتٌ دالَّةٌ عَلى نُشُوزِها وعِصْيانِها، فَحِينَئِذٍ ظَنُّ نُشُوزِها ومُقَدِّماتُ هَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ خَوْفَ النُّشُوزِ. وأمّا النُّشُوزُ فَهو مَعْصِيَةُ الزَّوْجِ والتَّرَفُّعُ عَلَيْهِ بِالخِلافِ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: نَشَزَ الشَّيْءُ إذا ارْتَفَعَ، ومِنهُ يُقالُ لِلْأرْضِ المُرْتَفِعَةِ: نَشَزَ ونَشَرَ.

النساء 4:34

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أمّا الوَعْظُ فَإنَّهُ يَقُولُ لَها: اتَّقِي اللَّهَ، فَإنَّ لِي عَلَيْكِ حَقًّا وارْجِعِي عَمّا أنْتِ عَلَيْهِ، واعْلَمِي أنَّ طاعَتِي فَرْضٌ عَلَيْكِ. ونَحْوُ هَذا، ولا يَضْرِبُها في هَذِهِ الحالَةِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ لَها في ذَلِكَ كِفايَةٌ، فَإنْ أصَرَّتْ عَلى ذَلِكَ النُّشُوزِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَهْجُرُها في المَضْجَعِ وفي ضِمْنِهِ امْتِناعُهُ مِن كَلامِها، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ولا يَزِيدُ في هَجْرِهِ الكَلامَ ثَلاثًا، وأيْضًا فَإذا هَجَرَها في المَضْجَعِ فَإنْ كانَتْ تُحِبُّ الزَّوْجَ شَقَّ عَلَيْها، فَتَتْرُكُ النُّشُوزَ، وإنْ كانَتْ تُبْغِضُهُ وافَقَها ذَلِكَ الهِجْرانُ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى كَمالِ نُشُوزِها، وفِيهِمْ مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الهِجْرانِ في المُباشَرَةِ؛ لِأنَّ إضافَةَ ذَلِكَ إلى المَضاجِعِ يُفِيدُ ذَلِكَ، ثُمَّ عِنْدَ هَذِهِ الهِجْرَةِ إنْ بَقِيَتْ عَلى النُّشُوزِ ضَرَبَها. قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: والضَّرْبُ مُباحٌ، وتَرْكُهُ أفْضَلُ. «رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: كُنّا مَعاشِرَ قُرَيْشٍ تَمْلِكُ رِجالُنا نِساءَهم، فَقَدِمْنا المَدِينَةَ فَوَجَدْنا نِساءَهم تَمْلِكُ رِجالَهم، فاخْتَلَطَتْ نِساؤُنا فَذَئِرْنَ عَلى أزْواجِهِنَّ، أيْ نَشَزْنَ واجْتَرَأْنَ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَلْتُ لَهُ: ذَئِرَتِ النِّساءُ عَلى أزْواجِهِنَّ، فَأذِنَ في ضَرْبِهِنَّ، فَطافَ بِحُجَرِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ جَمْعٌ مِنَ النِّسْوانِ كُلُّهُنَّ يَشْكُونَ أزْواجَهُنَّ، فَقالَ ﷺ: ”لَقَدْ أطافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأةً كُلُّهُنَّ يَشْكُونَ أزْواجَهُنَّ، ولا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيارَكم» “ ومَعْناهُ أنَّ الَّذِينَ ضَرَبُوا أزْواجَهم لَيْسُوا خَيْرًا مِمَّنْ لَمْ يَضْرِبُوا. قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فَدَلَّ هَذا الحَدِيثُ عَلى أنَّ الأوْلى تَرْكُ الضَّرْبِ، فَأمّا إذا ضَرَبَها وجَبَ في ذَلِكَ الضَّرْبِ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لا يَكُونُ مُفْضِيًا إلى الهَلاكِ البَتَّةَ، بِأنْ يَكُونَ مُفَرَّقًا عَلى بَدَنِها، ولا يُوالِي بِهِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، ويَتَّقِي الوَجْهَ؛ لِأنَّهُ مَجْمَعُ المَحاسِنِ، وأنْ يَكُونَ دُونَ الأرْبَعِينَ. ومِن أصْحابِنا مَن قالَ: لا يَبْلُغُ بِهِ عِشْرِينَ؛ لِأنَّهُ حَدٌّ كامِلٌ في حَقِّ العَبْدِ، ومِنهم مَن قالَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الضَّرْبُ بِمِندِيلٍ مَلْفُوفٍ أوْ بِيَدِهِ، ولا يَضْرِبُها بِالسِّياطِ ولا بِالعَصا، وبِالجُمْلَةِ فالتَّخْفِيفُ مُراعى في هَذا البابِ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ. وأقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ بِالوَعْظِ، ثُمَّ تَرَقّى مِنهُ إلى الهِجْرانِ في المَضاجِعِ، ثُمَّ تَرَقّى مِنهُ إلى الضَّرْبِ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ يَجْرِي مَجْرى التَّصْرِيحِ في أنَّهُ مَهْما حَصَلَ الغَرَضُ بِالطَّرِيقِ الأخَفِّ وجَبَ الِاكْتِفاءُ بِهِ، ولَمْ يَجُزِ الإقْدامُ عَلى الطَّرِيقِ الأشَقِّ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ أصْحابُنا قالَ بَعْضُهم: حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ مَشْرُوعٌ عَلى التَّرْتِيبِ، فَإنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ وإنْ دَلَّ عَلى الجَمْعِ، إلّا أنَّ فَحْوى الآيَةِ يَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: يَعِظُها بِلِسانِهِ، فَإنِ انْتَهَتْ فَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها، فَإنْ أبَتْ هَجَرَ مَضْجَعَها، فَإنْ أبَتْ ضَرَبَها، فَإنْ لَمْ تَتَّعِظْ بِالضَّرْبِ بَعَثَ الحَكَمَيْنِ. وقالَ آخَرُونَ: هَذا التَّرْتِيبُ مُراعًى عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ، أمّا عِنْدَ تَحَقُّقِ النُّشُوزِ فَلا صفحة ٧٤ بَأْسَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الكُلِّ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: تَحْرِيرُ المَذْهَبِ أنَّ لَهُ عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ أنْ يَعِظَها، وهَلْ لَهُ أنْ يَهْجُرَها ؟ فِيهِ احْتِمالٌ، ولَهُ عِنْدَ إبْداءِ النُّشُوزِ أنْ يَعِظَها أوْ يَهْجُرَها أوْ يَضْرِبَها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾ أيْ إذا رَجَعْنَ عَنِ النُّشُوزِ إلى الطّاعَةِ عِنْدَ هَذا التَّأْدِيبِ ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أيْ لا تَطْلُبُوا عَلَيْهِنَّ الضَّرْبَ والهِجْرانَ طَرِيقًا عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والإيذاءِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ وعُلُوُّهُ لا بِعُلُوِّ الجِهَةِ، وكِبَرُهُ لا بِكِبَرِ الجُثَّةِ، بَلْ هو عَلِيٌّ كَبِيرٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ في كُلِّ المُمْكِناتِ. وذِكْرُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في هَذا المَوْضِعِ في غايَةِ الحُسْنِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَهْدِيدُ الأزْواجِ عَلى ظُلْمِ النِّسْوانِ، والمَعْنى أنَّهُنَّ ضَعُفْنَ عَنْ دَفْعِ ظُلْمِكم وعَجَزْنَ عَنْ الِانْتِصافِ مِنكم، فاللَّهُ سُبْحانَهُ عَلِيٌّ قاهِرٌ كَبِيرٌ قادِرٌ يَنْتَصِفُ لَهُنَّ مِنكم ويَسْتَوْفِي حَقَّهُنَّ مِنكم، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَغْتَرُّوا بِكَوْنِكم أعْلى يَدًا مِنهُنَّ، وأكْبَرَ دَرَجَةً مِنهُنَّ. الثّانِي: لا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ إذا أطَعْنَكم لِعُلُوِّ أيْدِيكم. فَإنَّ اللَّهَ أعْلى مِنكم وأكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وهو مُتَعالٍ عَنْ أنْ يُكَلَّفَ إلّا بِالحَقِّ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى مَعَ عُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ لا يُكَلِّفُكم إلّا ما تُطِيقُونَ، فَكَذَلِكَ لا تُكَلِّفُوهُنَّ مَحَبَّتَكم، فَإنَّهُنَّ لا يَقْدِرْنَ عَلى ذَلِكَ. الرّابِعُ: أنَّهُ مَعَ عُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ لا يُؤاخِذُ العاصِي إذا تابَ، بَلْ يَغْفِرُ لَهُ، فَإذا تابَتِ المَرْأةُ عَنْ نُشُوزِها فَأنْتُمْ أوْلى بِأنْ تَقْبَلُوا تَوْبَتَها وتَتْرُكُوا مُعاقَبَتَها. الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى مَعَ عُلُوِّهِ وكِبْرِيائِهِ اكْتَفى مِنَ العَبْدِ بِالظَّواهِرِ، ولَمْ يَهْتِكِ السَّرائِرَ، فَأنْتُمْ أوْلى أنْ تَكْتَفُوا بِظاهِرِ حالِ المَرْأةِ، وأنْ لا تَقَعُوا في التَّفْتِيشِ عَمّا في قَلْبِها وضَمِيرِها مِنَ الحُبِّ والبُغْضِ.

النساء 4:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عِنْدَ نُشُوزِ المَرْأةِ أنَّ الزَّوْجَ يَعِظُها ثُمَّ يَهْجُرُها ثُمَّ يَضْرِبُها، بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الضَّرْبِ إلّا المُحاكَمَةُ إلى مَن يُنْصِفُ المَظْلُومَ مِنَ الظّالِمِ فَقالَ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (خِفْتُمْ) أيْ عَلِمْتُمْ. قالَ: وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى الظَّنِّ، والفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ أنَّ في الِابْتِداءِ يَظْهَرُ لَهُ أماراتُ النُّشُوزِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ الخَوْفُ، وأمّا بَعْدَ الوَعْظِ والهَجْرِ والضَّرْبِ لَمّا أصَرَّتْ عَلى النُّشُوزِ، فَقَدْ حَصَلَ العِلْمُ بِكَوْنِها ناشِزَةً، فَوَجَبَ حَمْلُ الخَوْفِ هَهُنا عَلى العِلْمِ. طَعَنَ الزَّجّاجُ فِيهِ فَقالَ: (خِفْتُمْ) هَهُنا بِمَعْنى أيْقَنْتُمْ خَطَأٌ، فَإنّا لَوْ عَلِمْنا الشِّقاقَ عَلى الحَقِيقَةِ لَمْ نَحْتَجْ إلى الحَكَمَيْنِ. وأجابَ سائِرُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّ وُجُودَ الشِّقاقِ وإنْ كانَ مَعْلُومًا، إلّا أنّا لا نَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ الشِّقاقَ صَدَرَ عَنْ هَذا أوْ عَنْ ذاكَ، فالحاجَةُ إلى الحُكْمَيْنِ لِمَعْرِفَةِ هَذا المَعْنى. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: وُجُودُ الشِّقاقِ في الحالِ مَعْلُومٌ، ومِثْلُ هَذا لا يَحْصُلُ مِنهُ خَوْفٌ، إنَّما الخَوْفُ في أنَّهُ هَلْ يَبْقى ذَلِكَ الشِّقاقُ أمْ لا ؟ فالفائِدَةُ في بَعْثِ صفحة ٧٥ الحَكَمَيْنِ لَيْسَتْ إزالَةَ الشِّقاقِ الثّابِتِ في الحالِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ، بَلِ الفائِدَةُ إزالَةُ ذَلِكَ الشِّقاقِ في المُسْتَقْبَلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلشِّقاقِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَفْعَلُ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ. الثّانِي: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما صارَ في شِقٍّ بِالعَداوَةِ والمُبايَنَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ مَعْناهُ: شِقاقًا بَيْنَهُما، إلّا أنَّهُ أُضِيفَ المَصْدَرُ إلى الظَّرْفِ، وإضافَةُ المَصادِرِ إلى الظُّرُوفِ جائِزَةٌ؛ لِحُصُولِها فِيها، يُقالُ: يُعْجِبُنِي صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ﴾ مَن هو ؟ فِيهِ خِلافٌ: قالَ بَعْضُهم إنَّهُ هو الإمامُ أوْ مَن يَلِي مَن قِبَلَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ تَنْفِيذَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ إلَيْهِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِن صالِحِي الأُمَّةِ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: (خِفْتُمْ) خِطابٌ لِلْجَمْعِ، ولَيْسَ حَمْلُهُ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى البَقِيَّةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ، فَعَلى هَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾ خِطابًا لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قالَ (فابْعَثُوا) فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا أمْرًا لِآحادِ الأُمَّةِ بِهَذا المَعْنى، فَثَبَتَ أنَّهُ سَواءٌ وُجِدَ الإمامُ أوْ لَمْ يُوجَدْ، فَلِلصّالِحِينَ أنْ يَبْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها لِلْإصْلاحِ. وأيْضًا فَهَذا يَجْرِي مَجْرى دَفْعِ الضَّرَرِ، ولِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَقُومَ بِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إذا وقَعَ الشِّقاقُ بَيْنَهُما، فَذاكَ الشِّقاقُ إمّا أنْ يَكُونَ مِنهُما أوْ مِنهُ أوْ مِنها، أوْ يُشْكِلُ، فَإنْ كانَ مِنها فَهو النُّشُوزُ وقَدْ ذَكَرْنا حُكْمَهُ، وإنْ كانَ مِنهُ، فَإنْ كانَ قَدْ فَعَلَ فِعْلًا حَلالًا مِثْلَ التَّزَوُّجِ بِامْرَأةٍ أُخْرى، أوْ تَسَرّى بِجارِيَةٍ، عَرَفَتِ المَرْأةُ أنَّ ذَلِكَ مُباحٌ، ونُهِيَتْ عَنِ الشِّقاقِ، فَإنْ قَبِلَتْ وإلّا كانَ نُشُوزًا، وإنْ كانَ بِظُلْمٍ مِن جِهَتِهِ أمَرَهُ الحاكِمُ بِالواجِبِ، وإنْ كانَ مِنهُما أوْ كانَ الأمْرُ مُتَشابِهًا، فالقَوْلُ أيْضًا ما قُلْناهُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُسْتَحَبُّ أنْ يَبْعَثَ الحاكِمُ عَدْلَيْنِ ويَجْعَلَهُما حَكَمَيْنِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ واحِدٌ مِن أهْلِهِ وواحِدٌ مِن أهْلِها؛ لِأنَّ أقارِبَهُما أعْرَفُ بِحالِهِما مِنَ الأجانِبِ، وأشَدُّ طَلَبًا لِلصَّلاحِ، فَإنْ كانا أجْنَبِيَّيْنِ جازَ. وفائِدَةُ الحَكَمَيْنِ أنْ يَخْلُوَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِصاحِبِهِ ويَسْتَكْشِفَ حَقِيقَةَ الحالِ، لِيَعْرِفَ أنَّ رَغْبَتَهُ في الإقامَةِ عَلى النِّكاحِ، أوْ في المُفارَقَةِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ الحَكَمانِ فَيَفْعَلانِ ما هو الصَّوابُ مِن إيقاعِ طَلاقٍ أوْ خُلْعٍ. * * * لْمَسْألَةُ السّابِعَةُ: هَلْ يَجُوزُ لِلْحَكَمَيْنِ تَنْفِيذُ أمْرٍ يُلْزِمُ الزَّوْجَيْنِ بِدُونِ إذْنِهِما، مِثْلَ أنْ يُطَلِّقَ حَكَمُ الرَّجُلِ، أوْ يَفْتَدِيَ حَكَمُ المَرْأةِ بِشَيْءٍ مِن مالِها ؟ لِلشّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَجُوزُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ وإسْحَقُ. والثّانِي: لا يَجُوزُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. وعَلى هَذا هو وكالَةٌ كَسائِرِ الوَكالاتِ، وذَكَرَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدِيثَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو ما رَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: جاءَ رَجُلٌ وامْرَأةٌ إلى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما جَمْعٌ مِنَ النّاسِ، فَأمَرَهم عَلِيٌّ بِأنْ يَبْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها، ثُمَّ قالَ لِلْحَكَمَيْنِ: تَعْرِفانِ ما عَلَيْكُما ؟ عَلَيْكُما إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا فاجْمَعا، وإنْ رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا فَفَرِّقا، فَقالَتِ المَرْأةُ: رَضِيتُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى فِيما عَلَيَّ ولِيَ فِيهِ. فَقالَ الرَّجُلُ: أمّا الفُرْقَةُ فَلا، فَقالَ عَلِيٌّ: كَذَبْتَ واللَّهِ حَتّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ. قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وفي هَذا الحَدِيثِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ دَلِيلٌ. صفحة ٧٦ أمّا دَلِيلُ القَوْلِ الأوَّلِ فَهو أنَّهُ بُعِثَ مِن غَيْرِ رِضا الزَّوْجَيْنِ وقالَ: عَلَيْكُما إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا فاجْمَعا، وأقَلُّ ما في قَوْلِهِ: عَلَيْكُما، أنْ يَجُوزَ لَهُما ذَلِكَ. وأمّا دَلِيلُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّ الزَّوْجَ لَمّا لَمْ يَرْضَ تَوَقَّفَ عَلِيٌّ، ومَعْنى قَوْلِهِ: كَذَبْتَ، أيْ لَسْتَ بِمُنْصِفٍ في دَعْواكَ، حَيْثُ لَمْ تَفْعَلْ ما فَعَلَتْ هي. ومِنَ النّاسِ مَنِ احْتَجَّ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ تَعالى سَمّاهُما حَكَمَيْنِ. والحَكَمُ هو الحاكِمُ، وإذا جَعَلَهُ حاكِمًا فَقَدْ مَكَّنَهُ مِنَ الحُكْمِ، ومِنهم مَنِ احْتَجَّ لِلْقَوْلِ الثّانِي بِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الحَكَمَيْنِ، لَمْ يُضِفْ إلَيْهِما إلّا الإصْلاحَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ما وراءَ الإصْلاحِ غَيْرَ مُفَوَّضٍ إلَيْهِما. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ أيْ شِقاقًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما إلّا أنَّهُ جَرى ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِما، وهو الرِّجالُ والنِّساءُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يُرِيدا﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: إنْ يُرِدِ الحَكَمانِ خَيْرًا وإصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَ الحَكَمَيْنِ حَتّى يَتَّفِقا عَلى ما هو خَيْرٌ. الثّانِي: إنْ يُرِدِ الحَكَمانِ إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. الثّالِثُ: إنْ يُرِدِ الزَّوْجانِ إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. الرّابِعُ: إنْ يَرِدِ الزَّوْجانِ إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَ الحَكَمَيْنِ حَتّى يَعْمَلا بِالصَّلاحِ، ولا شَكَّ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ التَّوْفِيقِ المُوافَقَةُ، وهي المُساواةُ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، فالتَّوْفِيقُ اللُّطْفُ الَّذِي يَتَّفِقُ عِنْدَهُ فِعْلُ الطّاعَةِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الأغْراضِ والمَقاصِدِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى أنَّهُ إنْ كانَتْ نِيَّةُ الحَكَمَيْنِ إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ والمُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ لِلزَّوْجَيْنِ ولِلْحَكَمَيْنِ في سُلُوكِ ما يُخالِفُ طَرِيقَ الحَقِّ.

النساء 4:36

النَّوْعُ التّاسِعُ: مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ إلى المُعامَلَةِ الحَسَنَةِ مَعَ الآخَرِ وإلى إزالَةِ الخُصُومَةِ والخُشُونَةِ، أرْشَدَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى سائِرِ الأخْلاقِ الحَسَنَةِ وذَكَرَ مِنها عَشَرَةَ أنْواعٍ. النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى وحِّدُوهُ، واعْلَمْ أنَّ العِبادَةَ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ صفحة ٧٧ فِعْلٍ وتَرْكٍ يُؤْتى بِهِ لِمُجَرَّدِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ، وهَذا يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ القُلُوبِ وجَمِيعُ أعْمالِ الجَوارِحِ، فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالتَّوْحِيدِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في العِبادَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] . النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالعِبادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أمَرَ بِالإخْلاصِ في العِبادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾؛ لِأنَّ مَن عَبَدَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ كانَ مُشْرِكًا ولا يَكُونُ مُخْلِصًا؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] . النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَهُنا مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] أيْ فاضْرِبُوها، ويُقالُ: أحْسَنْتُ بِفُلانٍ، وإلى فُلانٍ. قالَ كُثَيِّرٌ: أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً لَدَيْنا ولا مَقْلِيَةً إنْ تَقَلَّتِ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَرَنَ إلْزامَ بِرِّ الوالِدَيْنِ بِعِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ في مَواضِعَ: أحَدُها: في هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وكَفى بِهَذا دَلالَةً عَلى تَعْظِيمِ حَقِّهِما ووُجُوبِ بِرِّهِما والإحْسانِ إلَيْهِما. ومِمّا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ البِرِّ إلَيْهِما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وقالَ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] وقالَ في الوالِدَيْنِ الكافِرَيْنِ: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أكْبَرُ الكَبائِرِ الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ» “ . وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اليَمَنِ اسْتَأْذَنَهُ في الجِهادِ، فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”هَلْ لَكَ أحَدٌ بِاليَمَنِ ؟ فَقالَ: أبَوايَ. فَقالَ: أبَواكَ أذِنا لَكَ ؟ فَقالَ: لا. فَقالَ: فارْجِعْ واسْتَأْذِنْهُما، فَإنْ أذِنا لَكَ فَجاهِدْ وإلّا فَبِرَّهُما» “ . واعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ إلى الوالِدَيْنِ هو أنْ يَقُومَ بِخِدْمَتِهِما، وألّا يَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِما، ولا يَخْشُنَ في الكَلامِ مَعَهُما، ويَسْعى في تَحْصِيلِ مَطالِبِهِما والإنْفاقِ عَلَيْهِما بِقَدْرِ القُدْرَةِ مِنَ البِرِّ، وأنْ لا يُشْهِرَ عَلَيْهِما سِلاحًا، ولا يَقْتُلَهُما. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: إلّا أنْ يُضْطَرَّ إلى ذَلِكَ بِأنْ يَخافَ أنْ يَقْتُلَهُ إنْ تَرَكَ قَتْلَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كانَ قَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِتَمْكِينِ غَيْرِهِ مِنهُ، وذَلِكَ مَنهِيٌّ عَنْهُ، رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى حَنْظَلَةَ بْنَ أبِي عامِرٍ الرّاهِبَ عَنْ قَتْلِ أبِيهِ وكانَ مُشْرِكًا» . النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِذِي القُرْبى﴾ وهو أمْرٌ بِصِلَةِ الرَّحِمِ كَما ذُكِرَ في أوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: (والأرْحامَ) . واعْلَمْ أنَّ الوالِدَيْنِ مِنَ الأقارِبِ أيْضًا، إلّا أنَّ قَرابَةَ الوِلادِ لَمّا كانَتْ مَخْصُوصَةً بِكَوْنِها أقْرَبَ القَراباتِ وكانَتْ مَخْصُوصَةً بِخَواصَّ لا تَحْصُلُ في غَيْرِها، لا جَرَمَ مَيَّزَها اللَّهُ تَعالى في الذِّكْرِ عَنْ سائِرِ الأنْواعِ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ قَرابَةَ الوِلادِ، ثُمَّ أتْبَعَها بِقَرابَةِ الرَّحِمِ. النَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: (واليَتامى) واعْلَمْ أنَّ اليَتِيمَ مَخْصُوصٌ بِنَوْعَيْنِ مِنَ العَجْزِ: أحَدُهُما: الصِّغَرُ. والثّانِي: عَدَمُ المُنْفِقِ. ولا شَكَّ أنَّ مَن هَذا حالُهُ كانَ في غايَةِ العَجْزِ واسْتِحْقاقِ الرَّحْمَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صفحة ٧٨ يَرْفُقُ بِهِمْ ويُرَبِّيهِمْ ويَمْسَحُ رَأْسَهم، وإنْ كانَ وصِيًّا لَهم فَلْيُبالِغْ في حِفْظِ أمْوالِهِمْ. النَّوْعُ السّادِسُ: قَوْلُهُ: (والمَساكِينَ) واعْلَمْ أنَّهُ وإنْ كانَ عَدِيمَ المالِ إلّا أنَّهُ لِكِبَرِهِ يُمْكِنُهُ أنْ يَعْرِضَ حالَ نَفْسِهِ عَلى الغَيْرِ، فَيَجْلِبُ بِهِ نَفْعًا أوْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا، وأمّا اليَتِيمُ فَلا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ فَلِهَذا المَعْنى قَدَّمَ اللَّهُ اليَتِيمَ في الذِّكْرِ عَلى المِسْكِينِ. والإحْسانُ إلى المِسْكِينِ إمّا بِالإجْمالِ إلَيْهِ أوْ بِالرَّدِّ الجَمِيلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] . النَّوْعُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ قِيلَ: هو الَّذِي قَرُبَ جِوارُهُ، والجارُ الجُنُبُ هو الَّذِي بَعُدَ جِوارُهُ. قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ، ألا وإنَّ الجِوارَ أرْبَعُونَ دارًا» “ وكانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: أرْبَعُونَ يُمْنَةً، وأرْبَعُونَ يُسْرَةً، وأرْبَعُونَ أمامًا، وأرْبَعُونَ خَلْفًا. «وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فُلانَةً تَصُومُ النَّهارَ وتُصَلِّي اللَّيْلَ وفي لِسانِها شَيْءٌ يُؤْذِي جِيرانَها - أيْ هي سَلِيطَةٌ - فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”لا خَيْرَ فِيها، هي في النّارِ» “ ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يُؤَدِّي حَقَّ الجارِ إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ وقَلِيلٌ ما هم، أتَدْرُونَ ما حَقُّ الجارِ؛ إنِ افْتَقَرَ أغْنَيْتَهُ، وإنِ اسْتَقْرَضَ أقْرَضْتَهُ، وإنْ أصابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وإنْ أصابَهُ شَرٌّ عَزَّيْتَهُ، وإنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وإنْ ماتَ شَيَّعْتَ جَنازَتَهُ» “ وقالَ آخَرُونَ: عَنى بِالجارِ ذِي القُرْبى: القَرِيبَ النَّسِيبَ، وبِالجارِ الجُنُبِ: الجارَ الأجْنَبِيَّ، وقُرِئَ (والجارَ ذا القُرْبى) نَصْبًا عَلى الِاخْتِصاصِ، كَما قُرِئَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ حَقِّهِ؛ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مُوجِبانِ: الجِوارُ والقَرابَةُ. النَّوْعُ الثّامِنُ: قَوْلُهُ: ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: الجُنُبُ نَعْتٌ عَلى وزْنِ فُعُلٍ، وأصْلُهُ مِنَ الجَنابَةِ ضِدَّ القَرابَةِ وهو البَعِيدُ. يُقالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ إذا كانَ غَرِيبًا مُتَباعِدًا عَنْ أهْلِهِ، ورَجُلٌ أجْنَبِيٌّ وهو البَعِيدُ مِنكَ في القَرابَةِ. وقالَ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ [إبراهيم: ٣٥] أيْ بَعِّدْنِي، والجانِبانِ النّاحِيَتانِ؛ لِبُعْدِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ، ومِنهُ الجَنابَةُ مِنَ الجِماعِ؛ لِتَباعُدِهِ عَنِ الطَّهارَةِ وعَنْ حُضُورِ المَساجِدِ لِلصَّلاةِ ما لَمْ يَغْتَسِلْ، ومِنهُ أيْضًا الجَنْبانِ؛ لِبُعْدِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ. ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ”والجارِ الجَنْبِ“ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ، وهو يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُرِيدُ بِالجَنْبِ النّاحِيَةَ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: والجارِ ذِي الجُنُبِ، فَحَذَفَ المُضافَ؛ لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ. والآخَرُ: أنْ يَكُونَ وصْفًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ كَرَمٌ وجُودٌ. النَّوْعُ التّاسِعُ: قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ وهو الَّذِي صَحِبَكَ بِأنْ حَصَلَ بِجَنْبِكَ إمّا رَفِيقًا في سَفَرٍ، وإمّا جارًا مُلاصِقًا، وإمّا شَرِيكًا في تَعَلُّمٍ أوْ حِرْفَةٍ، وإمّا قاعِدًا إلى جَنْبِكَ في مَجْلِسٍ أوْ مَسْجِدٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِن أدْنى صُحْبَةٍ التَأمَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، فَعَلَيْكَ أنْ تَرْعى ذَلِكَ الحَقَّ ولا تَنْساهُ وتَجْعَلَهُ ذَرِيعَةً إلى الإحْسانِ. قِيلَ: الصّاحِبُ الجَنْبُ: المَرْأةُ، فَإنَّها تَكُونُ مَعَكَ وتَضْجَعُ إلى جَنْبِكَ. النَّوْعُ العاشِرُ: قَوْلُهُ: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهو المُسافِرُ الَّذِي انْقَطَعَ عَنْ بَلَدِهِ، وقِيلَ: الضَّيْفُ. النَّوْعُ الحادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ إلى المَمالِيكِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ، رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: صفحة ٧٩ ”«مَنِ ابْتاعَ شَيْئًا مِنَ الخَدَمِ فَلَمْ تُوافِقْ شِيمَتُهُ شِيمَتَهُ فَلْيَبِعْ ولْيَشْتَرِ حَتّى تُوافِقَ شِيمَتُهُ شِيمَتَهُ، فَإنَّ لِلنّاسِ شِيَمًا، ولا تُعَذِّبُوا عِبادَ اللَّهِ» “ ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ آخِرُ كَلامِهِ: ”«الصَّلاةَ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم» “ «ورُوِيَ أنَّهُ كانَ رَجُلٌ بِالمَدِينَةِ يَضْرِبُ عَبْدَهُ، فَيَقُولُ العَبْدُ: أعُوذُ بِاللَّهِ، ويَسْتَمِعُهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والسَّيِّدُ كانَ يَزِيدُهُ ضَرْبًا، فَطَلَعَ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: أعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَتَرَكَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ اللَّهَ كانَ أحَقَّ أنْ يُجارَ عائِذُهُ“ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنَّهُ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تَقُلْها لَدافَعَ وجْهَكَ سَفْعُ النّارِ» “ . واعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ إلَيْهِمْ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ لا يُكَلِّفَهم ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ. وثانِيها: أنْ لا يُؤْذِيهِمْ بِالكَلامِ الخَشِنِ، بَلْ يُعاشِرُهم مُعاشَرَةً حَسَنَةً. وثالِثُها: أنْ يُعْطِيَهم مِنَ الطَّعامِ والكُسْوَةِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُسِيئُونَ إلى المَمْلُوكِ فَيُكَلِّفُونَ الإماءَ البِغاءَ، وهو الكَسْبُ بِفُرُوجِهِنَّ وبُضُوعِهِنَّ. وقالَ بَعْضُهم: كُلُّ حَيَوانٍ فَهو مَمْلُوكٌ، والإحْسانُ إلى الكُلِّ بِما يَلِيقُ بِهِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ. واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ اليَمِينِ تَأْكِيدٌ، وهو كَما يُقالُ: مَشَتْ رِجْلُكَ، وأُخِذَتْ يَدُكَ، قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«عَلى اليَدِ ما أخَذَتْ» “ وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأصْنافَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ والمُخْتالُ ذُو الخُيَلاءِ والكِبْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالمُخْتالِ العَظِيمَ في نَفْسِهِ الَّذِي لا يَقُومُ بِحُقُوقِ أحَدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما ذَكَرَ الِاخْتِيالَ هَهُنا، وذَكَرْنا اشْتِقاقَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] ومَعْنى الفَخْرِ التَّطاوُلُ، والفَخُورُ الَّذِي يُعَدِّدُ مَناقِبَهُ كِبْرًا وتَطاوُلًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَفْخَرُ عَلى عِبادِ اللَّهِ بِما أعْطاهُ اللَّهُ مِن أنْواعِ نِعَمِهِ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ بِالذَّمِّ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ المُخْتالَ هو المُتَكَبِّرُ، وكُلُّ مَن كانَ مُتَكَبِّرًا فَإنَّهُ قَلَّما يَقُومُ بِرِعايَةِ الحُقُوقِ، ثُمَّ أضافَ إلَيْهِ ذَمَّ الفَخُورِ؛ لِئَلّا يُقْدِمَ عَلى رِعايَةِ هَذِهِ الحُقُوقِ لِأجْلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، بَلْ لِمَحْضِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”بِالبَخَلِ“ بِفَتْحِ الباءِ والخاءِ، وفي الحَدِيدِ مِثْلُهُ، وهي لُغَةُ الأنْصارِ، والباقُونَ ”بِالبُخْلِ“ بِضَمِّ الباءِ والخاءِ وهي اللُّغَةُ العالِيَةُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ: بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا ولا يُحِبُّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، أوْ نَصْبٌ عَلى الذَّمِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الذَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَفْعَلُونَ ويَصْنَعُونَ أحِقّاءُ بِكُلِّ مَلامَةٍ. صفحة ٨٠ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: البُخْلُ فِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ: البُخْلُ، مِثْلَ القُفْلِ، والبَخَلُ مِثْلَ الكَرَمِ، والبَخْلِ مِثْلَ الفَقْرِ، والبُخُلِ بِضَمَّتَيْنِ. ذَكَرَهُ المُبَرِّدُ، وهو في كَلامِ العَرَبِ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الإحْسانِ، وفي الشَّرِيعَةِ مَنعُ الواجِبِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُمُ اليَهُودُ، بَخِلُوا أنْ يَعْتَرِفُوا بِما عَرَفُوا مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وصِفَتُهُ في التَّوْراةِ، وأمَرُوا قَوْمَهم أيْضًا بِالكِتْمانِ ﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ العِلْمِ بِما في كِتابِهِمْ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ (وأعْتَدْنا) في الآخِرَةِ لِلْيَهُودِ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ واحْتَجَّ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ: بِأنَّ ذِكْرَ الكافِرِ في آخِرِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِأوَّلِها الكافِرُ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنهُ البُخْلُ بِالمالِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ عَقِيبَ الآيَةِ الَّتِي أوْجَبَ فِيها رِعايَةَ حُقُوقِ النّاسِ بِالمالِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ الإحْسانَ إلى هَؤُلاءِ إنَّما يَكُونُ بِالمالِ، ثُمَّ ذَمَّ المُعْرِضِينَ عَنْ هَذا الإحْسانِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا البُخْلُ بُخْلًا مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، وما ذاكَ إلّا البُخْلُ بِالمالِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في البُخْلِ بِالعِلْمِ والدِّينِ، وفي البُخْلِ بِالمالِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، والكُلُّ مَذْمُومٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَناوِلًا لِلْكُلِّ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأحْوالِ المَذْمُومَةِ ثَلاثًا: أوَّلُها: كَوْنُ الإنْسانِ بَخِيلًا، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ . وثانِيها: كَوْنُهم آمِرِينَ لِغَيْرِهِمْ بِالبُخْلِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في حُبِّ البُخْلِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَيُوهِمُونَ الفَقْرَ مَعَ الغِنى، والإعْسارَ مَعَ اليَسارِ، والعَجْزَ مَعَ الإمْكانِ، ثُمَّ إنَّ هَذا الكِتْمانَ قَدْ يَقَعُ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الكُفْرَ، مِثْلَ أنْ يُظْهِرَ الشِّكايَةَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَرْضى بِالقَضاءِ والقَدَرِ، وهَذا يَنْتَهِي إلى حَدِّ الكُفْرِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ ومَن قالَ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِاليَهُودِ، فَكَلامُهُ في هَذا المَوْضِعِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ مَن كَتَمَ الدِّينَ والنُّبُوَّةَ فَهو كافِرٌ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الكافِرِ، مَن يَكُونُ كافِرًا بِالنِّعْمَةِ، لا مَن يَكُونُ كافِرًا بِالدِّينِ والشَّرْعِ.

النساء 4:38

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إنْ شِئْتَ عَطَفْتَ ”الَّذِينَ“ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ”الَّذِينَ“ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ . صفحة ٨١ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وهو الوَجْهُ لِذِكْرِ الرِّئاءِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ النِّفاقِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ المُنْفِقِينَ عَلى عَداوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالإحْسانِ إلى أرْبابِ الحاجاتِ، بَيَّنَ أنَّ مَن لا يَفْعَلُ ذَلِكَ قِسْمانِ: فالأوَّلُ: هو البَخِيلُ الَّذِي لا يُقْدِمُ عَلى إنْفاقِ المالِ البَتَّةَ، وهُمُ المَذْمُومُونَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ . والثّانِي: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم، لَكِنْ لا لِغَرَضِ الطّاعَةِ، بَلْ لِغَرَضِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، فَهَذِهِ الفِرْقَةُ أيْضًا مَذْمُومَةٌ، ومَتى بَطُلَ القَوْلُ بِهَذَيْنِ القِسْمَيْنِ لَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الأوَّلُ. وهو إنْفاقُ الأمْوالِ لِغَرَضِ الإحْسانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ . والمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ قَرِينٌ لِأصْحابِ هَذِهِ الأفْعالِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ بِئْسَ القَرِينُ، إذْ كانَ يُضِلُّهُ عَنْ دارِ النَّعِيمِ ويُورِدُهُ نارَ السَّعِيرِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٣] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَيَّرَهم وبَيَّنَ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ في تَرْكِ الإيمانِ.

النساء 4:39

وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ماذا“ اسْمًا واحِدًا، فَيَكُونُ المَعْنى: وأيُّ الشَّيْءِ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ذا“ في مَعْنى الَّذِي، ويَكُونُ ”ما“ وحْدَها اسْمًا، ويَكُونُ المَعْنى: وما الَّذِي عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الإيمانَ يَصِحُّ عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ الإتْيانَ بِالإيمانِ في غايَةِ السُّهُولَةِ، ولَوْ كانَ الِاسْتِدْلالُ مُعْتَبَرًا لَكانَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، فَإنّا نَرى المُسْتَدِلِّينَ تَفْرُغُ أعْمارُهم ولا يَتِمُّ اسْتِدْلالُهم، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ كافٍ. أجابَ المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّ الصُّعُوبَةَ في التَّفاصِيلِ، فَأمّا الدَّلائِلُ عَلى سَبِيلِ الجُمْلَةِ فَهي سَهْلَةٌ، واعْلَمْ أنَّ في هَذا البَحْثِ غَوْرًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وضَرَبُوا لَهُ أمْثِلَةً، قالَ الجُبّائِيُّ: ولَوْ كانُوا غَيْرَ قادِرِينَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَقُولَ اللَّهُ ذَلِكَ، كَما لا يُقالُ لِمَن هو في النّارِ مُعَذَّبٌ: ماذا عَلَيْهِمْ لَوْ خَرَجُوا مِنها وصارُوا إلى الجَنَّةِ، وكَما لا يُقالُ لِلْجائِعِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى الطَّعامِ: ماذا عَلَيْهِ لَوْ أكَلَ. وقالَ الكَعْبِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يُحْدِثَ فِيهِ الكُفْرَ، ثُمَّ يَقُولُ: ماذا عَلَيْهِ لَوْ آمَنَ. كَما لا يُقالُ لِمَن أمْرَضَهُ: ماذا عَلَيْهِ لَوْ كانَ صَحِيحًا، ولا يُقالُ لِلْمَرْأةِ: ماذا عَلَيْها لَوْ كانَتْ رَجُلًا، ولِلْقَبِيحِ: ماذا عَلَيْهِ لَوْ كانَ جَمِيلًا، وكَما لا يَحْسُنُ هَذا القَوْلُ مِنَ العاقِلِ، كَذا لا يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَبَطَلَ بِهَذا ما يُقالُ: إنَّهُ وإنْ قَبُحَ مِن غَيْرِهِ، لَكِنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ؛ لِأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ. وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ العاقِلُ وكِيلَهُ بِالتَّصَرُّفِ في الضَّيْعَةِ ويَحْبِسَهُ مِن حَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ مِن صفحة ٨٢ مُفارَقَةِ الحَبْسِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: ماذا عَلَيْكَ لَوْ تَصَرَّفْتَ في الضَّيْعَةِ، وإذا كانَ مَن يَذْكُرُ مِثْلَ هَذا الكَلامِ سَفِيهًا دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَهَذا جُمْلَةُ ما ذَكَرُوهُ مِنَ الأمْثِلَةِ. واعْلَمْ أنَّ التَّمَسُّكَ بِطَرِيقَةِ المَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ قَدْ كَثُرَ لِلْمُعْتَزِلَةِ، ومُعارَضَتُهم بِمَسْألَتَيِ العِلْمِ والدّاعِي قَدْ كَثُرَتْ، فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ والمَعْنى أنَّ القَصْدَ إلى الرِّئاءِ إنَّما يَكُونُ باطِنًا غَيْرَ ظاهِرٍ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ عَلِيمٌ بِبَواطِنِ الأُمُورِ كَما هو عَلِيمٌ بِظَواهِرِها، فَإنَّ الإنْسانَ مَتى اعْتَقَدَ ذَلِكَ صارَ ذَلِكَ كالرّادِعِ لَهُ عَنِ القَبائِحِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ: مِثْلَ داعِيَةِ النِّفاقِ والرِّياءِ والسُّمْعَةِ.

النساء 4:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ هو بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: فَإنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مَن هَذِهِ حالُهُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، فَرَغِبَ بِذَلِكَ في الإيمانِ والطّاعَةِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعْدِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الحَمْراءُ الصَّغِيرَةُ في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ثُمَّ رَفَعَها ثُمَّ نَفَخَ فِيها، ثُمَّ قالَ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ذَرَّةٌ، و”مِثْقالٌ“ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ، يُقالُ: هَذا عَلى مِثْقالِ هَذا، أيْ وزْنِ هَذا، ومَعْنى ”مِثْقالَ ذَرَّةٍ“ أيْ ما يَكُونُ وزْنُهُ وزْنَ الذَّرَّةِ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يَظْلِمُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، ولَكِنَّ الكَلامَ خَرَجَ عَلى أصْغَرِ ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الأعْمالِ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَلَوْ كانَ مُوجِدُ ذَلِكَ الظُّلْمِ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ الظّالِمُ هو اللَّهُ، وأيْضًا لَوْ خَلَقَ الظُّلْمَ في الظّالِمِ ولا قُدْرَةَ لِذَلِكَ الظّالِمِ عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ الظُّلْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ ولا عَلى دَفْعِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِمَن هَذا شَأْنُهُ وصِفَتُهُ: لِمَ ظَلَمْتَ ؟ ثُمَّ يُعاقِبُهُ عَلَيْهِ، كانَ هَذا مَحْضَ الظُّلْمِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الظُّلْمِ. والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي عَلى ما سَبَقَ مِرارًا لا حَدَّ لَها، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ اسْتِدْلالاتِ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةِ وإنْ كَثُرَتْ وعَظُمَتْ، إلّا أنَّها تَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو التَّمَسُّكُ بِالمَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ، والسُّؤالُ عَلى هَذا الحَرْفِ مُعَيَّنٌ، وهو المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي، فَكُلَّما أعادُوا ذَلِكَ الِاسْتِدْلالَ أعَدْنا عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالَ. صفحة ٨٣ * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ تَمَدَّحَ بِتَرْكِهِ، ومَن تَمَدَّحَ بِتَرْكِ فِعْلٍ قَبِيحٍ، لَمْ يَصِحَّ مِنهُ ذَلِكَ التَّمَدُّحُ إلّا إذا كانَ هو قادِرًا عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّ الزَّمِنَ لا يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَتَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا يَذْهَبُ في اللَّيالِي إلى السَّرِقَةِ. والجَوابُ أنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ، ولَمْ يَلْزَمْ أنْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وتَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ، ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّهُ يَصِحُّ أنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلى طاعَتِهِ، وأنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُثِبْهُ لَكانَ ظالِمًا؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يُثِبْهم عَلى أعْمالِهِمْ لَكانَ قَدْ ظَلَمَهم، وهَذا لا يَصِحُّ إلّا إذا كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوابِ عَلى أعْمالِهِمْ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى وعَدَهم بِالثَّوابِ عَلى تِلْكَ الأفْعالِ، فَلَوْ لَمْ يُثِبْهم عَلَيْها لَكانَ ذَلِكَ في صُورَةِ ظُلْمٍ؛ فَلِهَذا أطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الظُّلْمِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الظُّلْمَ مُحالٌ مِنَ اللَّهِ أنَّ الظُّلْمَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَهْلِ والحاجَةِ عِنْدَكم، وهُما مُحالانِ عَلى اللَّهِ، ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، والمُحالُ غَيْرُ مَقْدُورٍ. وأيْضًا الظُّلْمُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في مِلْكِ الغَيْرِ، والحَقُّ سُبْحانَهُ لا يَتَصَرَّفُ إلّا في مِلْكِ نَفْسِهِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ ظالِمًا. وأيْضًا: الظّالِمُ لا يَكُونُ إلَهًا، والشَّيْءُ لا يَصِحُّ إلّا إذا كانَتْ لَوازِمُهُ صَحِيحَةً، فَلَوْ صَحَّ مِنهُ الظُّلْمُ لَكانَ زَوالُ إلَهِيَّتِهِ صَحِيحًا، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَتْ إلَهِيَّتُهُ جائِزَةَ الزَّوالِ، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ في حُصُولِ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ لَهُ إلى مُخَصِّصٍ وفاعِلٍ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ عِقابَ قَطْرَةٍ مِنَ الخَمْرِ يُزِيلُ ثَوابَ الإيمانِ والطّاعَةِ مُدَّةَ مِائَةِ سَنَةٍ. وقالَ أصْحابُنا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ثَوابَ كُلِّ تِلْكَ الطّاعاتِ العَظِيمَةِ تِلْكَ السِّنِينَ المُتَطاوِلَةَ أزْيَدُ مِن عِقابِ شُرْبِ هَذِهِ القَطْرَةِ، فَإسْقاطُ ذَلِكَ الثَّوابِ العَظِيمِ بِعِقابِ هَذا القَدْرِ مِنَ المَعْصِيَةِ ظُلْمٌ، وإنَّهُ مَنفِيٌّ بِهَذِهِ الآيَةِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ يُحْبِطُ ثَوابَ جُمْلَةِ الطّاعاتِ، ولا يَنْحَبِطُ مِن ذَلِكَ العِقابِ شَيْءٌ. وقالَ ابْنُهُ أبُو هاشِمٍ: بَلْ يَنْحَبِطُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَشْرُوعَ صارَ حُجَّةً قَوِيَّةً لِأصْحابِنا في بُطْلانِ القَوْلِ بِالإحْباطِ فَإنّا نَقُولُ: لَوِ انْحَبَطَ ذَلِكَ الثَّوابُ لَكانَ إمّا أنْ يُحْبَطَ مِثْلُهُ مِنَ العِقابِ أوْ لا يُحْبَطُ، والقِسْمانِ باطِلانِ، فالقَوْلُ بِالإحْباطِ باطِلٌ. إنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ انْحِباطُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ سَبَبُ عَدَمِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وُجُودَ الآخَرِ فَلَوْ حَصَلَ العَدَمانِ مَعًا لَحَصَلَ الوِجْدانُ مَعًا ضَرُورَةَ أنَّ العِلَّةَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ حاصِلَةً مَعَ المَعْلُولِ، وذَلِكَ مُحالٌ. وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ انْحِباطُ الطّاعَةِ بِالمَعْصِيَةِ مَعَ أنَّ المَعْصِيَةَ لا تَنْحَبِطُ بِالطّاعَةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الطّاعاتِ لَمْ يَنْتَفِعِ العَبْدُ بِها البَتَّةَ، لا في جَلْبِ ثَوابٍ ولا في دَفْعِ عِقابٍ، وذَلِكَ ظُلْمٌ، وهو يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ولَمّا بَطَلَ القِسْمانِ ثَبَتَ القَوْلُ بِفَسادِ الإحْباطِ عَلى ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّ ثَوابَ الإيمانِ، والمُداوَمَةَ عَلى التَّوْحِيدِ، والإقْرارَ بِأنَّهُ هو المَوْصُولُ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، والمُواظَبَةَ عَلى وضْعِ الجَبِينِ عَلى تُرابِ العُبُودِيَّةِ مِائَةَ سَنَةٍ - أعْظَمُ ثَوابًا مِن عِقابِ شُرْبِ الجُرْعَةِ مِنَ الخَمْرِ، صفحة ٨٤ فَإذا حَضَرَ هَذا الشّارِبُ يَوْمَ القِيامَةِ وأُسْقِطَ عَنْهُ قَدْرُ عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ مِن ذَلِكَ الثَّوابِ العَظِيمِ فَضَلَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ قَدْرٌ عَظِيمٌ، فَإذا أُدْخِلَ النّارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ العِقابِ فَلَوْ بَقِيَ هُناكَ لَكانَ ذَلِكَ ظُلْمًا، وهو باطِلٌ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ يَخْرُجُ إلى الجَنَّةِ. * * * النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ الآيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ”حَسَنَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِهِ ”كانَ“ التّامَّةَ، والمَعْنى: وإنْ حَدَثَتْ حَسَنَةٌ، أوْ وقَعَتْ حَسَنَةٌ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ ”كانَ“ النّاقِصَةِ والتَّقْدِيرِ: وإنْ تَكْ زِنَةُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ”يُضَعِّفْها“ بِالتَّشْدِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، مِنَ التَّضْعِيفِ، والباقُونَ ”يُضاعِفْها“ بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ، مِنَ المُضاعَفَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَكُ: أصْلُهُ مِن ”كانَ يَكُونُ“، وأصْلُهُ ”تَكُونُ“ سَقَطَتِ الضَّمَّةُ لِلْجَزْمِ، وسَقَطَتِ الواوُ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ، فَصارَ ”تَكُنْ“، ثُمَّ حَذَفُوا النُّونَ أيْضًا لِأنَّها ساكِنَةٌ. وهي تُشْبِهُ حُرُوفَ اللِّينِ، وحُرُوفُ اللِّينِ إذا وقَعَتْ طَرَفًا سَقَطَتْ لِلْجَزْمِ، كَقَوْلِكَ: لَمْ أدْرِ، أيْ لا أدْرِي، وجاءَ القُرْآنُ بِالحَذْفِ والإثْباتِ، أمّا الحَذْفُ فَهَهُنا، وأمّا الإثْباتُ، فَكَقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ أنَّهُ لا يَبْخَسُهم حَقَّهم أصْلًا، وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَزِيدُهم عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ المُضاعَفَةِ لَيْسَ هو المُضاعَفَةُ في المُدَّةِ؛ لِأنَّ مُدَّةَ الثَّوابِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وتَضْعِيفُ غَيْرِ المُتَناهِي مُحالٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُضَعِّفُهُ بِحَسَبِ المِقْدارِ: مَثَلًا يَسْتَحِقُّ عَلى طاعَتِهِ عَشَرَةَ أجْزاءٍ مِنَ الثَّوابِ، فَيَجْعَلُهُ عِشْرِينَ جُزْءًا، أوْ ثَلاثِينَ جُزْءًا، أوْ أزْيَدَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: يُؤْتى بِالعَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ ويُنادِي مُنادٍ عَلى رُءُوسِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ: هَذا فُلانُ ابْنُ فُلانٍ، مَن كانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إلى حَقِّهِ، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: أعْطِ هَؤُلاءِ حُقُوقَهم، فَيَقُولُ: يا رَبِّ مِن أيْنَ وقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيا ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: انْظُرُوا في أعْمالِهِ الصّالِحَةِ فَأعْطُوهم مِنها، فَإنْ بَقِيَ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن حَسَنَةٍ ضَعَّفَها اللَّهُ تَعالى لِعَبْدِهِ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ. مِصْداقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ وقالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ هَذا أحَبُّ إلى العُلَماءِ مِمّا لَوْ قالَ: في الحَسَنَةِ الواحِدَةِ مِائَةُ ألْفِ حَسَنَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الكَلامَ يَكُونُ مِقْدارُهُ مَعْلُومًا، أمّا عَلى هَذِهِ العِبارَةِ، فَلا يَعْلَمُ كَمِّيَّةُ ذَلِكَ التَّضْعِيفِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهو كَقَوْلِهِ في لَيْلَةِ القَدْرِ إنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ. وقالَ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: بَلَغَنِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُعْطِي عَبْدَهُ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفَ حَسَنَةٍ، فَقَدَّرَ اللَّهُ أنْ ذَهَبْتُ إلى مَكَّةَ حاجًّا أوْ مُعْتَمِرًا، فَألْفَيْتُهُ، فَقُلْتُ: بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ تَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُعْطِي عَبْدَهُ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفَ حَسَنَةٍ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أقُلْ ذَلِكَ، ولَكِنْ قُلْتُ: إنَّ الحَسَنَةَ تُضاعَفُ بِألْفَيْ ألْفِ ضِعْفٍ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: إذا قالَ اللَّهُ: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ فَمَن يُقَدِّرُ قَدْرَهُ. * * * النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ٨٥ المَسْألَةُ الأُولى: لَدُنْ: بِمَعْنى ”عِنْدَ“ إلّا أنَّ ”لَدُنْ“ أكْثَرُ تَمْكِينًا، يَقُولُ الرَّجُلُ: عِنْدِي مالٌ، إذا كانَ مالُهُ بِبَلَدٍ آخَرَ، ولا يُقالُ: لَدَيَّ مالٌ، ولا لَدُنِّي، إلّا ما كانَ حاضِرًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ والَّذِي يَخْطُرُ بِبالِي - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - أنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ يَكُونُ مِن جِنْسِ ذَلِكَ الثَّوابِ، وأمّا هَذا الأجْرُ العَظِيمُ فَلا يَكُونُ مِن جِنْسِ ذَلِكَ الثَّوابِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ يَكُونُ مِن جِنْسِ اللَّذّاتِ المَوْعُودِ بِها في الجَنَّةِ، وأمّا هَذا الأجْرُ العَظِيمُ الَّذِي يُؤْتِيهِ مِن لَدُنْهُ فَهو اللَّذَّةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ وعِنْدَ الِاسْتِغْراقِ في المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ، وإنَّما خَصَّ هَذا النَّوْعَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْهُ﴾؛ لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الغِبْطَةِ والسَّعادَةِ والبَهْجَةِ والكَمالِ لا يُنالُ بِالأعْمالِ الجَسَدانِيَّةِ، بَلْ إنَّما يُنالُ بِما يُودِعُ اللَّهُ في جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ مِنَ الإشْراقِ والصَّفاءِ والنُّورِ، وبِالجُمْلَةِ فَذَلِكَ التَّضْعِيفُ إشارَةٌ إلى السَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَذا الأجْرُ العَظِيمُ إشارَةٌ إلى السَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ.

النساء 4:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وجْهُ النَّظْمِ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ في الآخِرَةِ لا يَجْرِي عَلى أحَدٍ ظُلْمٌ، وأنَّهُ تَعالى يُجازِي المُحْسِنَ عَلى إحْسانِهِ ويَزِيدُهُ عَلى قَدْرِ حَقِّهِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجْرِي بِشَهادَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ الحُجَّةَ عَلى الخَلْقِ، لِتَكُونَ الحُجَّةُ عَلى المُسِيءِ أبْلَغَ، والتَّبْكِيتُ لَهُ أعْظَمَ، وحَسْرَتُهُ أشَدَّ، ويَكُونَ سُرُورُ مَن قَبِلَ ذَلِكَ مِنَ الرَّسُولِ وأظْهَرَ الطّاعَةَ أعْظَمَ، ويَكُونَ هَذا وعِيدًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ووَعْدًا لِلْمُطِيعِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: «رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: ”اقْرَأِ القُرْآنَ عَلَيَّ“ قالَ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ الَّذِي عَلَّمْتَنِيهِ فَقالَ: ”أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي“ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فافْتَتَحْتُ سُورَةَ النِّساءِ، فَلَمّا انْتَهَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ بَكى الرَّسُولُ ﷺ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَأمْسَكْتُ عَنِ القِراءَةِ» . وذَكَرَ السُّدِّيُّ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالبَلاغِ، والرَّسُولُ ﷺ يَشْهَدُ لِأُمَّتِهِ بِالتَّصْدِيقِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وحُكِيَ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِن عادَةِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ في الشَّيْءِ الَّذِي يَتَوَقَّعُونَهُ: كَيْفَ بِكَ إذا كانَ كَذا وكَذا، وإذا فَعَلَ فُلانٌ كَذا، وإذا جاءَ وقْتُ كَذا، فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: كَيْفَ تَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا اسْتَشْهَدَ اللَّهُ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ بِرَسُولِها، واسْتَشْهَدَكَ عَلى هَؤُلاءِ ؟ يَعْنِي قَوْمَهُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ الَّذِينَ شاهَدَهم وعَرَفَ أحْوالَهم. ثُمَّ إنَّ أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ يَشْهَدُونَ عَلى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ شاهَدُوا أحْوالَهم، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] . * * * صفحة ٨٦ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ عِصْيانِ الرَّسُولِ مُغايِرًا لِلْكُفْرِ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ عِصْيانِ الرَّسُولِ عَلى المَعاصِي المُغايِرَةِ لِلْكُفْرِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإسْلامِ، وأنَّهم كَما يُعاقَبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى الكُفْرِ فَيُعاقَبُونَ أيْضًا عَلى تِلْكَ المَعاصِي؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ المَعْصِيَةِ أثَرٌ في هَذا المَعْنى لَما كانَ في ذِكْرِ مَعْصِيَتِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ أثَرٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ”تُسَوّى“ مَضْمُومَةَ التّاءِ خَفِيفَةَ السِّينِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”تُسَوّى“ مَفْتُوحَةَ التّاءِ مُشَدَّدَةَ السِّينِ بِمَعْنى: تَتَسَوّى، فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ لِقُرْبِها مِنها، ولا يُكْرَهُ اجْتِماعُ التَّشْدِيدَيْنِ في هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ لَها نَظائِرَ في التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ [النمل: ٤٧] (وازَّيَّنَتْ) [يونس: ٢٤] (يَذَّكَّرُونَ) وفي هَذِهِ القِراءَةِ اتِّساعٌ، وهو إسْنادُ الفِعْلِ إلى الأرْضِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تُسَوّى“ مَفْتُوحَةَ التّاءِ والسِّينُ خَفِيفَةٌ، حَذَفا التّاءَ الَّتِي أدْغَمَها نافِعٌ؛ لِأنَّها كَما اعْتَلَّتْ بِالإدْغامِ اعْتَلَّتْ بِالحَذْفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ وُجُوهًا: الأوَّلُ: لَوْ يُدْفَنُونَ فَتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ كَما تُسَوّى بِالمَوْتى. والثّانِي: يَوَدُّونَ أنَّهم لَمْ يُبْعَثُوا وأنَّهم كانُوا والأرْضُ سَواءٌ. الثّالِثُ: تَصِيرُ البَهائِمُ تُرابًا فَيَوَدُّونَ حالَها، كَقَوْلِهِ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبأ: ٤٠] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فِيهِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ طَرِيقانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ. والثّانِي: أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، فَإذا جَعَلْناهُ مُتَّصِلًا احْتَمَلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَوَدُّونَ لَوْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمُ الأرْضُ ولَمْ يَكُونُوا كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ ولا كَفَرُوا بِهِ ولا نافَقُوا، وعَلى هَذا القَوْلِ: الكِتْمانُ عائِدٌ إلى ما كَتَمُوا مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأوْا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِأهْلِ الإسْلامِ ولا يَغْفِرُ شِرْكًا، قالُوا: تَعالَوْا فَلْنَجْحَدْ، فَيَقُولُونَ: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ، رَجاءَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم، فَحِينَئِذٍ يَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَهُنالِكَ يَوَدُّونَ أنَّهم كانُوا تُرابًا ولَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا. الطَّرِيقُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنَّ هَذا الكَلامَ مُسْتَأْنَفٌ، فَإنَّ ما عَمِلُوهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ ؟ المَسْألَةُ الخامِسَةُ: فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ مَواطِنَ القِيامَةِ كَثِيرَةٌ، فَمَوْطِنٌ لا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] ومَوْطِنٌ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] وقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَيَكْذِبُونَ في مَواطِنَ، وفي مَواطِنَ يَعْتَرِفُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ويَسْألُونَ الرَّجْعَةَ وهو قَوْلُهم: ﴿يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ [الأنعام: ٢٧] وآخِرُ تِلْكَ المَواطِنِ أنْ يُخْتَمَ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم وجُلُودُهم، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِن خِزْيِ ذَلِكَ اليَوْمِ. الثّانِي: أنَّ هَذا الكِتْمانَ غَيْرُ واقِعٍ، بَلْ هو داخِلٌ صفحة ٨٧ فِي التَّمَنِّي عَلى ما بَيَّنّا. الثّالِثُ: أنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا الكِتْمانَ، وإنَّما أخْبَرُوا عَلى حَسَبِ ما تَوَهَّمُوا، وتَقْدِيرُهُ: واللَّهِ ما كُنّا مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا، بَلْ مُصِيبِينَ في ظُنُونِنا حَتّى تَحَقَّقْنا الآنَ. وسَيَجِيءُ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

النساء 4:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وجْهُ النَّظْمِ هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ في الآخِرَةِ لا يَجْرِي عَلى أحَدٍ ظُلْمٌ، وأنَّهُ تَعالى يُجازِي المُحْسِنَ عَلى إحْسانِهِ ويَزِيدُهُ عَلى قَدْرِ حَقِّهِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجْرِي بِشَهادَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ الحُجَّةَ عَلى الخَلْقِ، لِتَكُونَ الحُجَّةُ عَلى المُسِيءِ أبْلَغَ، والتَّبْكِيتُ لَهُ أعْظَمَ، وحَسْرَتُهُ أشَدَّ، ويَكُونَ سُرُورُ مَن قَبِلَ ذَلِكَ مِنَ الرَّسُولِ وأظْهَرَ الطّاعَةَ أعْظَمَ، ويَكُونَ هَذا وعِيدًا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ووَعْدًا لِلْمُطِيعِينَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: «رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: ”اقْرَأِ القُرْآنَ عَلَيَّ“ قالَ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ الَّذِي عَلَّمْتَنِيهِ فَقالَ: ”أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي“ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فافْتَتَحْتُ سُورَةَ النِّساءِ، فَلَمّا انْتَهَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ بَكى الرَّسُولُ ﷺ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَأمْسَكْتُ عَنِ القِراءَةِ» . وذَكَرَ السُّدِّيُّ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالبَلاغِ، والرَّسُولُ ﷺ يَشْهَدُ لِأُمَّتِهِ بِالتَّصْدِيقِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وحُكِيَ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِن عادَةِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ في الشَّيْءِ الَّذِي يَتَوَقَّعُونَهُ: كَيْفَ بِكَ إذا كانَ كَذا وكَذا، وإذا فَعَلَ فُلانٌ كَذا، وإذا جاءَ وقْتُ كَذا، فَمَعْنى هَذا الكَلامِ: كَيْفَ تَرَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا اسْتَشْهَدَ اللَّهُ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ بِرَسُولِها، واسْتَشْهَدَكَ عَلى هَؤُلاءِ ؟ يَعْنِي قَوْمَهُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ الَّذِينَ شاهَدَهم وعَرَفَ أحْوالَهم. ثُمَّ إنَّ أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ يَشْهَدُونَ عَلى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ شاهَدُوا أحْوالَهم، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] . * * * صفحة ٨٦ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ عِصْيانِ الرَّسُولِ مُغايِرًا لِلْكُفْرِ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ عِصْيانِ الرَّسُولِ عَلى المَعاصِي المُغايِرَةِ لِلْكُفْرِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإسْلامِ، وأنَّهم كَما يُعاقَبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى الكُفْرِ فَيُعاقَبُونَ أيْضًا عَلى تِلْكَ المَعاصِي؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ المَعْصِيَةِ أثَرٌ في هَذا المَعْنى لَما كانَ في ذِكْرِ مَعْصِيَتِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ أثَرٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ”تُسَوّى“ مَضْمُومَةَ التّاءِ خَفِيفَةَ السِّينِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”تُسَوّى“ مَفْتُوحَةَ التّاءِ مُشَدَّدَةَ السِّينِ بِمَعْنى: تَتَسَوّى، فَأدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ لِقُرْبِها مِنها، ولا يُكْرَهُ اجْتِماعُ التَّشْدِيدَيْنِ في هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ لَها نَظائِرَ في التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ [النمل: ٤٧] (وازَّيَّنَتْ) [يونس: ٢٤] (يَذَّكَّرُونَ) وفي هَذِهِ القِراءَةِ اتِّساعٌ، وهو إسْنادُ الفِعْلِ إلى الأرْضِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تُسَوّى“ مَفْتُوحَةَ التّاءِ والسِّينُ خَفِيفَةٌ، حَذَفا التّاءَ الَّتِي أدْغَمَها نافِعٌ؛ لِأنَّها كَما اعْتَلَّتْ بِالإدْغامِ اعْتَلَّتْ بِالحَذْفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ وُجُوهًا: الأوَّلُ: لَوْ يُدْفَنُونَ فَتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ كَما تُسَوّى بِالمَوْتى. والثّانِي: يَوَدُّونَ أنَّهم لَمْ يُبْعَثُوا وأنَّهم كانُوا والأرْضُ سَواءٌ. الثّالِثُ: تَصِيرُ البَهائِمُ تُرابًا فَيَوَدُّونَ حالَها، كَقَوْلِهِ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبأ: ٤٠] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فِيهِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ طَرِيقانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ. والثّانِي: أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، فَإذا جَعَلْناهُ مُتَّصِلًا احْتَمَلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَوَدُّونَ لَوْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمُ الأرْضُ ولَمْ يَكُونُوا كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ ولا كَفَرُوا بِهِ ولا نافَقُوا، وعَلى هَذا القَوْلِ: الكِتْمانُ عائِدٌ إلى ما كَتَمُوا مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأوْا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لِأهْلِ الإسْلامِ ولا يَغْفِرُ شِرْكًا، قالُوا: تَعالَوْا فَلْنَجْحَدْ، فَيَقُولُونَ: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ، رَجاءَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم، فَحِينَئِذٍ يَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَهُنالِكَ يَوَدُّونَ أنَّهم كانُوا تُرابًا ولَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا. الطَّرِيقُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنَّ هَذا الكَلامَ مُسْتَأْنَفٌ، فَإنَّ ما عَمِلُوهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ ؟ المَسْألَةُ الخامِسَةُ: فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ مَواطِنَ القِيامَةِ كَثِيرَةٌ، فَمَوْطِنٌ لا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] ومَوْطِنٌ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] وقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَيَكْذِبُونَ في مَواطِنَ، وفي مَواطِنَ يَعْتَرِفُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ويَسْألُونَ الرَّجْعَةَ وهو قَوْلُهم: ﴿يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ [الأنعام: ٢٧] وآخِرُ تِلْكَ المَواطِنِ أنْ يُخْتَمَ عَلى أفْواهِهِمْ وتَتَكَلَّمَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم وجُلُودُهم، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِن خِزْيِ ذَلِكَ اليَوْمِ. الثّانِي: أنَّ هَذا الكِتْمانَ غَيْرُ واقِعٍ، بَلْ هو داخِلٌ صفحة ٨٧ فِي التَّمَنِّي عَلى ما بَيَّنّا. الثّالِثُ: أنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا الكِتْمانَ، وإنَّما أخْبَرُوا عَلى حَسَبِ ما تَوَهَّمُوا، وتَقْدِيرُهُ: واللَّهِ ما كُنّا مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا، بَلْ مُصِيبِينَ في ظُنُونِنا حَتّى تَحَقَّقْنا الآنَ. وسَيَجِيءُ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

النساء 4:43

النَّوْعُ العاشِرُ: مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةً مِن أفاضِلِ الصَّحابَةِ صَنَعَ لَهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا وشَرابًا حِينَ كانَتِ الخَمْرُ مُباحَةً، فَأكَلُوا وشَرِبُوا، فَلَمّا ثَمِلُوا جاءَ وقْتُ صَلاةِ المَغْرِبِ، فَقَدَّمُوا أحَدَهم لِيُصَلِّيَ بِهِمْ، فَقَرَأ: أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وأنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكانُوا لا يَشْرَبُونَ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ، فَإذا صَلُّوا العِشاءَ شَرِبُوها، فَلا يُصْبِحُونَ إلّا وقَدْ ذَهَبَ عَنْهُمُ السُّكْرُ وعَلِمُوا ما يَقُولُونَ، ثُمَّ نَزَلَ تَحْرِيمُها عَلى الإطْلاقِ في سُورَةِ المائِدَةِ. وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ لَمّا بَلَغَهُ ذَلِكَ قالَ: اللَّهُمَّ إنَّ الخَمْرَ تَضُرُّ بِالعُقُولِ والأمْوالِ، فَأنْزِلْ فِيها أمْرَكَ، فَصَبَّحَهُمُ الوَحْيُ بِآيَةِ المائِدَةِ. الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، كانُوا يَشْرَبُونَها ثُمَّ يَأْتُونَ المَسْجِدَ لِلصَّلاةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في لَفْظِ الصَّلاةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ المَسْجِدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ. واعْلَمْ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الصَّلاةِ عَلى المَسْجِدِ مُحْتَمَلٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَكُونُ مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، أيْ لا تَقْرَبُوا مَوْضِعَ الصَّلاةِ، وحَذْفُ المُضافِ مُجازٌ شائِعٌ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ﴾ [الحج: ٤٠] والمُرادُ بِالصَّلَواتِ مَواضِعُ الصَّلَواتِ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الصَّلاةِ والمُرادُ بِهِ المَسْجِدُ جائِزٌ. والقَوْلُ الثّانِي: وعَلَيْهِ الأكْثَرُونَ: أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ في هَذِهِ الآيَةِ نَفْسُ الصَّلاةِ، أيْ لا تُصَلُّوا إذا كُنْتُمْ سُكارى. واعْلَمْ أنَّ فائِدَةَ الخِلافِ تَظْهَرُ في حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وهو أنَّ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: لا تَقْرَبُوا المَسْجِدَ وأنْتُمْ سُكارى ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ دالًّا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ العُبُورُ في المَسْجِدِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي فَيَكُونُ المَعْنى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى، ولا تَقْرَبُوها صفحة ٨٨ حالَ كَوْنِكم جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ، والمُرادُ بِعابِرِ السَّبِيلِ المُسافِرُ، فَيَكُونُ هَذا الِاسْتِثْناءُ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الإقْدامُ عَلى الصَّلاةِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ الماءِ. قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: هَذا القَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ والقُرْبُ والبُعْدُ لا يَصِحّانِ عَلى نَفْسِ الصَّلاةِ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ، إنَّما يَصِحّانِ عَلى المَسْجِدِ. الثّانِي: أنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قُلْنا لَكانَ الِاسْتِثْناءُ صَحِيحًا، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قُلْتُمْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا؛ لَأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ عابِرَ سَبِيلٍ وقَدْ عَجَزَ عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ بِسَبَبِ المَرَضِ الشَّدِيدِ - فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الصَّلاةُ بِالتَّيَمُّمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ أوْلى. الثّالِثُ: أنّا إذا حَمَلْنا عابِرَ السَّبِيلِ عَلى الجُنُبِ المُسافِرِ فَهَذا إنْ كانَ واجِدًا لِلْماءِ لَمْ يَجُزْ لَهُ القُرْبُ مِنَ الصَّلاةِ البَتَّةَ، فَحِينَئِذٍ يُحْتاجُ إلى إضْمارِ هَذا الِاسْتِثْناءِ في الآيَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ واجِدًا لِلْماءِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّلاةُ إلّا مَعَ التَّيَمُّمِ، فَيُفْتَقَرُ إلى إضْمارِ هَذا الشَّرْطِ في الآيَةِ، وأمّا عَلى ما قُلْناهُ فَإنّا لا نَفْتَقِرُ إلى إضْمارِ شَيْءٍ في الآيَةِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى. الرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ السَّفَرِ وعَدَمِ الماءِ وجَوازِ التَّيَمُّمِ بَعْدَ هَذا، فَلا يَجُوزُ حَمْلُ هَذا عَلى حُكْمٍ مَذْكُورٍ في آيَةٍ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُهُ أنَّ القُرّاءَ كُلَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الوَقْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ لِأنَّهُ حُكْمٌ آخَرُ. وأمّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما ذَكَرْنا لَمْ نَحْتَجْ فِيهِ إلى هَذِهِ الإلْحاقاتِ، فَكانَ ما قُلْناهُ أوْلى. ولِمَن نَصَرَ القَوْلَ الثّانِيَ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ نَفْسُ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ لَيْسَ فِيهِ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ يَمْنَعُ السُّكْرَ مِنهُ، أمّا الصَّلاةُ فَفِيها أقْوالٌ مَخْصُوصَةٌ يَمْنَعُ السُّكْرَ مِنها، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا أوْلى، ولِلْقائِلِ الأوَّلِ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَذْهَبُ إلى المَسْجِدِ لِأجْلِ الصَّلاةِ، فَما يُخِلُّ بِالصَّلاةِ كانَ كالمانِعِ مِنَ الذَّهابِ إلى المَسْجِدِ؛ فَلِهَذا ذُكِرَ هَذا المَعْنى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: السُّكارى جَمْعُ سَكْرانَ، وكُلُّ نَعْتٍ عَلى فَعْلانَ فَإنَّهُ يُجْمَعُ عَلى: فَعالى وفُعالى، مِثْلَ كَسالى وكُسالى، وأصْلُ السَّكَرِ في اللُّغَةِ سَدُّ الطَّرِيقِ، ومِن ذَلِكَ سَكْرُ البَثْقِ وهو سَدُّهُ، وسَكِرَتْ عَيْنُهُ سُكْرًا إذا تَحَيَّرَتْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ [الحجر: ١٥] أيْ غُشِيَتْ فَلَيْسَ يَنْفُذُ نُورُها ولا تُدْرِكُ الأشْياءَ عَلى حَقِيقَتِها، ومِن ذَلِكَ سَكْرُ الماءِ وهو رَدُّهُ عَلى سُنَنِهِ في الجَرْيِ. والسُّكْرُ مِنَ الشَّرابِ وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَمّا عَلَيْهِ مِنَ النَّفاذِ حالَ الصَّحْوِ، فَلا يَنْفُذُ رَأْيُهُ عَلى حَدِّ نَفاذِهِ في حالِ صَحْوِهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في لَفْظِ السُّكارى في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ السُّكْرُ مِنَ الخَمْرِ، وهو نَقِيضُ الصَّحْوِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ: وهو أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ سُكْرَ الخَمْرِ، إنَّما المُرادُ مِنهُ سُكْرُ النَّوْمِ، قالَ: ولَفْظُ السُّكْرِ يُسْتَعْمَلُ في النَّوْمِ، فَكانَ هَذا اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لَهُ، والدَّلِيلُ دَلَّ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، أمّا بَيانُ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا: أنَّ لَفْظَ السُّكْرِ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ سَدِّ الطَّرِيقِ، ولا شَكَّ أنَّ عِنْدَ النَّوْمِ تَمْتَلِئُ مَجارِي الرُّوحِ مِنَ الأبْخِرَةِ الغَلِيظَةِ فَتَنْسَدُّ تِلْكَ المَجارِي بِها، ولا يَنْفُذُ الرُّوحُ الباصِرُ والسّامِعُ إلى ظاهِرِ البَدَنِ. الثّانِي: قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مِنَ السَّيْرِ والإدْلاجِ يُحْسَبُ أنَّما سَقاهُ الكَرى في كُلِّ مَنزِلَةٍ خَمْرًا وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ، فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ دَلَّ عَلَيْهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: صفحة ٨٩ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ تَعالى نَهاهم عَنِ القُرْبِ مِنَ الصَّلاةِ حالَ صَيْرُورَتِهِمْ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يَقُولُونَ، وتَوْجِيهُ التَّكْلِيفِ عَلى مِثْلِ هَذا الإنْسانِ مُمْتَنِعٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا العَقْلُ فَلِأنَّ تَكْلِيفَ مِثْلِ هَذا الإنْسانِ يَقْتَضِي تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وأمّا النَّقْلُ فَهو قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَبْلُغَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتّى يَفِيقَ، وعَنِ النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ» “ ولا شَكَّ أنَّ هَذا السَّكْرانَ يَكُونُ مِثْلَ المَجْنُونِ، فَوَجَبَ ارْتِفاعُ التَّكْلِيفِ عَنْهُ. والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«إذا نَعَسَ أحَدُكم وهو في الصَّلاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإنَّهُ إذا صَلّى وهو يَنْعِسُ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ لِيَسْتَغْفِرَ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ» “ هَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ الضَّحّاكِ. واعْلَمْ أنَّ الصَّحِيحَ هو القَوْلُ الأوَّلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ السُّكْرِ حَقِيقَةٌ في السُّكْرِ مِن شُرْبِ الخَمْرِ، والأصْلُ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ، فَأمّا حَمْلُهُ عَلى السُّكْرِ مِنَ العِشْقِ، أوْ مِنَ الغَضَبِ أوْ مِنَ الخَوْفِ، أوْ مِنَ النَّوْمِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مَجازٌ، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ مُقَيَّدًا. قالَ تَعالى: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ [ق: ١٩] وقالَ: ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحج: ٢] . الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في شُرْبِ الخَمْرِ، وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الآيَةَ إذا نَزَلَتْ في واقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ ولِأجْلِ سَبَبٍ مُعَيَّنٍ، امْتَنَعَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّبَبُ مُرادًا بِتِلْكَ الآيَةِ، فَأمّا قَوْلُ الضَّحّاكِ كَيْفَ يَتَناوَلُهُ النَّهْيُ حالَ كَوْنِهِ سَكْرانَ ؟ فَنَقُولُ: وهَذا أيْضًا لازِمٌ عَلَيْكم، لِأنَّهُ يُقالُ: كَيْفَ يَتَناوَلُهُ النَّهْيُ وهو نائِمٌ لا يَفْهَمُ شَيْئًا ؟ ثُمَّ الجَوابُ عَنْهُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ الشُّرْبِ المُؤَدِّي إلى السُّكْرِ المُخِلِّ بِالفَهْمِ حالَ وُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ اللَّفْظُ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في حالِ السُّكْرِ مَعَ أنَّ المُرادَ مِنهُ النَّهْيُ عَنِ الشُّرْبِ المُوجِبِ لِلسُّكْرِ في وقْتِ الصَّلاةِ. وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ فَذاكَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّكْرَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو النَّوْمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المائِدَةِ، وأقُولُ: الَّذِي يُمْكِنُ ادِّعاءُ النَّسْخِ فِيهِ أنَّهُ يُقالُ: نَهى عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ حالَ السُّكْرِ مَمْدُودًا إلى غايَةِ أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَعْلَمُ ما يَقُولُ، والحُكْمُ المَمْدُودُ إلى غايَةٍ يَقْتَضِي انْتِهاءَ ذَلِكَ الحُكْمِ عِنْدَ تِلْكَ الغايَةِ، فَهَذا يَقْتَضِي جَوازَ قُرْبانِ الصَّلاةِ مَعَ السُّكْرِ إذا صارَ بِحَيْثُ يَعْلَمُ ما يَقُولُ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَرَّمَ الخَمْرَ بِآيَةِ المائِدَةِ فَقَدْ رَفَعَ هَذا الجَوازَ، فَثَبَتَ أنَّ آيَةَ المائِدَةِ ناسِخَةٌ لِبَعْضِ مَدْلُولاتِ هَذِهِ الآيَةِ. هَذا ما خَطَرَ بِبالِي في تَقْرِيرِ هَذا النَّسْخِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ حاصِلَ هَذا النَّهْيِ راجِعٌ إلى النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ المُوجِبِ لِلسُّكْرِ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ الصَّلاةِ، وتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ إلّا عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ الضَّعِيفِ، ومِثْلُ هَذا لا يَكُونُ نَسْخًا. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”سَكارى“ بِفَتْحِ السِّينِ، و”سَكْرى“ عَلى أنْ يَكُونَ جَمْعًا نَحْوَ: هَلْكى، وجَوْعى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قَوْلُهُ: (ولا جُنُبًا) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ والواوُ هَهُنا لِلْحالِ، والتَّقْدِيرُ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ حالَ ما تَكُونُونَ سُكارى، وحالَ ما تَكُونُونَ جُنُبًا، والجُنُبُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ جَرى مَجْرى المَصْدَرِ الَّذِي هو الإجْنابُ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أصْلَ الجَنابَةِ البُعْدُ، وقِيلَ لِلَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الغُسْلُ: جُنُبٌ؛ لِأنَّهُ يَجْتَنِبُ الصَّلاةَ والمَسْجِدَ وقِراءَةَ القُرْآنِ حَتّى صفحة ٩٠ يَتَطَهَّرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا العُبُورَ المُرادُ مِنهُ العُبُورُ في المَسْجِدِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ المُسافِرُونَ، وبَيَّنّا كَيْفِيَّةَ تَرْجِيحِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا أصْنافًا أرْبَعَةً: المَرْضى، والمُسافِرِينَ، والَّذِينَ جاءُوا مِنَ الغائِطِ، والَّذِينَ لامَسُوا النِّساءَ. فالقِسْمانِ الأوَّلانِ يُلْجِئانِ إلى التَّيَمُّمِ، وهُما المَرَضُ والسَّفَرُ. والقِسْمانِ الأخِيرانِ يُوجِبانِ التَّطَهُّرَ بِالماءِ عِنْدَ وُجُودِ الماءِ، وبِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ حُكْمَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ: أمّا السَّبَبُ الأوَّلُ: وهو المَرَضُ، فاعْلَمْ أنَّهُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَعْمَلَ الماءَ لَماتَ، كَما في الجُدَرِيِّ الشَّدِيدِ والقُرُوحِ العَظِيمَةِ. وثانِيها: أنْ لا يَمُوتَ بِاسْتِعْمالِ الماءِ، ولَكِنَّهُ يَجِدُ الآلامَ العَظِيمَةَ. وثالِثُها: أنْ لا يَخافَ المَوْتَ والآلامَ الشَّدِيدَةَ. لَكِنَّهُ يَخافُ بَقاءَ شَيْنٍ أوْ عَيْبٍ عَلى البَدَنِ، فالفُقَهاءُ جَوَّزُوا التَّيَمُّمَ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ وما جَوَّزُوهُ في القِسْمِ الثّالِثِ، وزَعَمَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ في الكُلِّ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ شَرَطَ جَوازَ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ بِعَدَمِ وِجْدانِ الماءِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ وإذا كانَ هَذا الشَّرْطُ مُعْتَبَرًا في جَوازِ التَّيَمُّمِ، فَعِنْدَ فِقْدانِ هَذا الشَّرْطِ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ، وهو أيْضًا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وكانَ يَقُولُ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لابْتَلاهُ بِأشَدَّ مِن ذَلِكَ. ودَلِيلُ الفُقَهاءِ أنَّهُ تَعالى جَوَّزَ التَّيَمُّمَ لِلْمَرِيضِ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى مَنعِهِ مِنَ التَّيَمُّمِ عِنْدَ وُجُودِهِ، ثُمَّ قَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلى جَوازِهِ، ويُؤَيِّدُهُ ما «رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ أنَّهُ أصابَتْهُ جَنابَةٌ كانَ بِهِ جِراحَةٌ عَظِيمَةٌ، فَسَألَ بَعْضَهم فَأمَرَهُ بِالِاغْتِسالِ، فَلَمّا اغْتَسَلَ ماتَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ»، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى جَوازِ ما ذَكَرْناهُ. السَّبَبُ الثّانِي: السَّفَرُ: والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُسافِرَ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ تَيَمَّمَ، طالَ سَفَرُهُ أوْ قَصُرَ لِهَذِهِ الآيَةِ. السَّبَبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ والغائِطُ: المَكانُ المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ، وجَمْعُهُ الغِيطانُ. وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ قَضاءَ الحاجَةِ طَلَبَ غائِطًا مِنَ الأرْضِ يَحْجُبُهُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، ثُمَّ سُمِّيَ الحَدَثُ بِهَذا الِاسْمِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَكانِهِ. السَّبَبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٩١ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”لَمَسْتُمْ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، مِنَ اللَّمْسِ، والباقُونَ ”لامَسْتُمْ“ بِالألِفِ مِنَ المُلامَسَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في اللَّمْسِ المَذْكُورِ هَهُنا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ الجِماعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وقَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأنَّ اللَّمْسَ بِاليَدِ لا يَنْقُضُ الطَّهارَةَ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِاللَّمْسِ هَهُنا التِقاءُ البَشَرَتَيْنِ، سَواءٌ كانَ بِجِماعٍ أوْ غَيْرِهِ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ والشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ وقَوْلُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّ إحْدى القِراءَتَيْنِ هي قَوْلُهُ تَعالى: ”أوْ لَمَسْتُمُ النِّساءَ“ واللَّمْسُ حَقِيقَتُهُ المَسُّ بِاليَدِ، فَأمّا تَخْصِيصُهُ بِالجِماعِ فَذاكَ مَجازٌ، والأصْلُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ﴾ فَهو مُفاعَلَةٌ مِنَ اللَّمْسِ، وذَلِكَ لَيْسَ حَقِيقَةً في الجِماعِ أيْضًا، بَلْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْضًا؛ لِئَلّا يَقَعَ التَّناقُضُ بَيْنَ المَفْهُومِ مِنَ القِراءَتَيْنِ المُتَواتِرَتَيْنِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: المُرادُ بِاللَّمْسِ الجِماعُ، بِأنَّ لَفْظَ اللَّمْسِ والمَسِّ ورَدا في القُرْآنِ بِمَعْنى الجِماعِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقالَ في آيَةِ الظِّهارِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَعَفُّ ويَكْنِي، فَعَبَّرَ عَنِ المُباشَرَةِ بِالمُلامَسَةِ. وأيْضًا الحَدَثُ نَوْعانِ: الأصْغَرُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ فَلَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ عَلى الحَدَثِ الأصْغَرِ لَما بَقِيَ لِلْحَدَثِ الأكْبَرِ ذِكْرٌ في الآيَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الحَدَثِ الأكْبَرِ. واعْلَمْ أنَّ كُلَّ ما ذَكَرُوهُ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ. وأيْضًا فَحُكْمُ الجَنابَةِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا جُنُبًا﴾ فَلَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى الجَنابَةِ لَزِمَ التَّكْرارُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ الظّاهِرِ: إنَّما يَنْتَقِضُ وُضُوءُ اللّامِسِ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ﴾ أمّا المَلْمُوسُ فَلا. وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بَلْ يَنْتَقِضُ وُضُوؤُهُما مَعًا. * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأسْبابَ الأرْبَعَةَ قالَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذا دَخَلَ وقْتُ الصَّلاةِ، فَطَلَبَ الماءَ ولَمْ يَجِدْهُ، وتَيَمَّمَ وصَلّى، ثُمَّ دَخَلَ وقْتُ الصَّلاةِ الثّانِيَةِ وجَبَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ مَرَّةً أُخْرى. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لا يَجِبُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ وعَدَمُ الوِجْدانِ مُشْعِرٌ بِسَبْقِ الطَّلَبِ، فَلا بُدَّ في كُلِّ مَرَّةٍ مِن سَبْقِ الطَّلَبِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُنا: وجَدَ، لا يُشْعِرُ بِسَبْقِ الطَّلَبِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] وقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] فَإنَّ الطَّلَبَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ. قُلْنا: الطَّلَبُ وإنْ كانَ في حَقِّهِ تَعالى مُحالًا، إلّا أنَّهُ لَمّا أخْرَجَ مُحَمَّدًا ﷺ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ بِما لَمْ يَكُنْ لائِقًا لِقَوْمِهِ صارَ ذَلِكَ كَأنَّهُ طَلَبَهُ، ولَمّا أمَرَ المُكَلَّفِينَ بِالطّاعاتِ ثُمَّ إنَّهم قَصَّرُوا فِيها صارَ كَأنَّهُ طَلَبَ شَيْئًا ثُمَّ لَمْ يَجِدْهُ، فَخَرَجَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ في هَذِهِ الآياتِ عَلى سَبِيلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. صفحة ٩٢ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَوْ وجَدَ الماءَ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلَيْهِ لِعَطَشِهِ أوْ عَطَشِ حَيَوانٍ مُحْتَرَمٍ جازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، أمّا إذا وجَدَ مِنَ الماءِ ما لا يَكْفِيهِ لِلْوُضُوءِ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ اسْتِعْمالِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الماءِ وبَيْنَ التَّيَمُّمِ ؟ قَدْ أوْجَبَهُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُتَمَسِّكًا بِظاهِرِ لَفْظِ الآيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التَّيَمُّمُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ القَصْدِ، يُقالُ: أمَمْتُهُ وتَيَمَّمْتُهُ وتَأمَّمْتُهُ، أيْ قَصَدْتُهُ، وأمّا عَلى الصَّعِيدِ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى الصّاعِدِ، قالَ الزَّجّاجُ: الصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، تُرابًا كانَ أوْ غَيْرَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ فَرَضْنا صَخْرًا لا تُرابَ عَلَيْهِ فَضَرَبَ المُتَيَمِّمُ يَدَهُ عَلَيْهِ ومَسَحَ، كانَ ذَلِكَ كافِيًا. وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بَلْ لا بُدَّ مِن تُرابٍ يَلْتَصِقُ بِيَدِهِ. احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: التَّيَمُّمُ هو القَصْدُ، والصَّعِيدُ هو ما تَصاعَدَ مِنَ الأرْضِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أيِ اقْصُدُوا أرْضًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا القَدْرُ كافِيًا. وأمّا الشّافِعِيُّ فَإنَّهُ احْتَجَّ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هَهُنا مُطْلَقَةٌ، ولَكِنَّها في سُورَةِ المائِدَةِ مُقَيَّدَةٌ، وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ [المائدة: ٦] وكَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، وهَذا لا يَتَأتّى في الصَّخْرِ الَّذِي لا تُرابَ عَلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لا يَفْهَمُ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ مِن قَوْلِ القائِلِ: مَسَحْتُ بِرَأْسِهِ مِنَ الدُّهْنِ ومِنَ الماءِ ومِنَ التُّرابِ إلّا مَعْنى التَّبْعِيضِ، ثُمَّ قالَ: والإذْعانُ لِلْحَقِّ أحَقُّ مِنَ المِراءِ. الثّانِي: ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وهو أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَ الصَّعِيدِ طَيِّبًا، والأرْضُ الطَّيِّبَةُ هي الَّتِي تُنْبِتُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] فَوَجَبَ في الَّتِي لا تُنْبِتُ أنْ لا تَكُونَ طَيِّبَةً، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أمْرًا بِالتَّيَمُّمِ بِالتُّرابِ فَقَطْ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أمْرٌ بِإيقاعِ التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، والصَّعِيدُ الطَّيِّبُ هو الأرْضُ الَّتِي لا سَبَخَةَ فِيها، ولا شَكَّ أنَّ التَّيَمُّمَ بِهَذا التُّرابِ جائِزٌ بِالإجْماعِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ عَلَيْهِ رِعايَةً لِقاعِدَةِ الِاحْتِياطِ، لا سِيَّما وقَدْ خَصَّصَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - التُّرابَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَقالَ: ”«جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وتُرابُها طَهُورًا» “ وقالَ: ”«التُّرابُ طَهُورُ المُسْلِمِ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ» “ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ مَحْمُولٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى الوَجْهِ واليَدَيْنِ إلى الكُوعَيْنِ، وعِنْدَ أكْثَرِ الفُقَهاءِ يَجِبُ مَسْحُ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، وحُجَّتُهم أنَّ اسْمَ اليَدِ يَتَناوَلُ جُمْلَةَ هَذا العُضْوِ إلى الإبِطَيْنِ، إلّا أنّا أخْرَجْنا المِرْفَقَيْنِ مِنهُ بِدَلالَةِ الإجْماعِ، فَبَقِيَ اللَّفْظُ مُتَناوِلًا لِلْباقِي. ثُمَّ خَتَمَ تَعالى الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ؛ لِأنَّ مَن كانَ مِن عادَتِهِ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ المُذْنِبِينَ، فَبِأنْ يُرَخِّصَ لِلْعاجِزِينَ كانَ أوْلى.

النساء 4:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ صفحة ٩٣ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ التَّكالِيفِ والأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، قَطَعَ هَهُنا بِبَيانِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وذِكْرِ أحْوالِ أعْداءِ الدِّينِ وأقاصِيصِ المُتَقَدِّمِينَ؛ لِأنَّ البَقاءَ في النَّوْعِ الواحِدِ مِنَ العِلْمِ مِمّا يُكِلُّ الطَّبْعَ ويُكَدِّرُ الخاطِرَ، فَأمّا الِانْتِقالُ مِن نَوْعٍ مِنَ العُلُومِ إلى نَوْعٍ آخَرَ، فَإنَّهُ يُنَشِّطُ الخاطِرَ ويُقَوِّي القَرِيحَةَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ مَعْناهُ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى هَؤُلاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ العِلْمَ اليَقِينِيَّ يُشْبِهُ الرُّؤْيَةَ، فَيَجُوزُ جَعْلُ الرُّؤْيَةِ اسْتِعارَةً عَنْ مِثْلِ هَذا العِلْمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ هُمُ اليَهُودُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ٤٦] مُتَعَلِّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ. الثّانِي: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَبْرَيْنِ مِن أحْبارِ اليَهُودِ كانا يَأْتِيانِ رَأْسَ المُنافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ورَهْطَهُ فَيُثَبِّطُونَهم عَنِ الإسْلامِ. الثّالِثُ: أنَّ عَداوَةَ اليَهُودِ كانَتْ أكْثَرَ مِن عَداوَةِ النَّصارى بِنَصِّ القُرْآنِ، فَكانَتْ إحالَةُ هَذا المَعْنى عَلى اليَهُودِ أوْلى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَقُلْ تَعالى: إنَّهم أُوتُوا عِلْمَ الكِتابِ، بَلْ قالَ: ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ لِأنَّهم عَرَفُوا مِنَ التَّوْراةِ نُبُوَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يَعْرِفُوا مِنها نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأمّا الَّذِينَ أسْلَمُوا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وعَرَفُوا الأمْرَيْنِ فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ مَعَهم عِلْمَ الكِتابِ فَقالَ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأمْرَيْنِ: الضَّلالِ والإضْلالِ، أمّا الضَّلالُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُؤْثِرُونَ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِيَأْخُذُوا الرِّشا عَلى ذَلِكَ ويَحْصُلَ لَهُمُ الرِّياسَةُ، وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الِاشْتِراءِ؛ لِأنَّ مَنِ اشْتَرى شَيْئًا آثَرَهُ. الثّانِي: أنَّ في الآيَةِ إضْمارًا، وتَأْوِيلُهُ: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] أيْ يَسْتَبْدِلُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، ولا إضْمارَ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ. الثّالِثُ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَوامُّ اليَهُودِ، فَإنَّهم كانُوا يُعْطُونَ أحْبارَهم بَعْضَ أمْوالِهِمْ، ويَطْلُبُونَ مِنهم أنْ يَنْصُرُوا اليَهُودِيَّةَ ويَتَعَصَّبُوا لَها، فَكانُوا جارِينَ مَجْرى مَن يَشْتَرِي بِمالِهِ الشُّبْهَةَ والضَّلالَةَ، ولا إضْمارَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، ولَكِنَّ الأوْلى أنْ تَكُونَ الآيَةُ نازِلَةً في عُلَمائِهِمْ، ثُمَّ لَمّا وصَفَهم تَعالى بِالضَّلالِ وصَفَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالإضْلالِ فَقالَ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَتَوَصَّلُونَ إلى إضْلالِ المُؤْمِنِينَ والتَّلْبِيسِ عَلَيْهِمْ؛ لِكَيْ يَخْرُجُوا عَنِ الإسْلامِ. واعْلَمْ أنَّكَ لا تَرى حالَةً أسْوَأ ولا أقْبَحَ مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، أعْنِي الضَّلالَ والإضْلالَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ أيْ هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِكُنْهِ ما في قُلُوبِهِمْ وصُدُورِهِمْ مِنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ شِدَّةَ عَداوَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ولِيُّ المُسْلِمِينَ وناصِرُهم، ومَن كانَ اللَّهُ ولِيًّا لَهُ وناصِرًا لَهُ لَمْ تَضُرَّهُ عَداوَةُ الخَلْقِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: وِلايَةُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ عِبارَةٌ عَنْ نُصْرَتِهِ لَهُ، فَذِكْرُ النَّصِيرِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَلِيِّ تَكْرارٌ. صفحة ٩٤ والجَوابُ: أنَّ الوَلِيَّ المُتَصَرِّفُ في الشَّيْءِ، والمُتَصَرِّفُ في الشَّيْءِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ ناصِرًا لَهُ، فَزالَ التَّكْرارُ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ: وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا ونَصِيرًا ؟ وما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّ التَّكْرارَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ يَكُونُ أشَدَّ تَأْثِيرًا في القَلْبِ وأكْثَرَ مُبالَغَةً. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما فائِدَةُ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ ؟ والجَوابُ: ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: لَوْ قِيلَ: كَفى اللَّهُ، كانَ يَتَّصِلُ الفِعْلُ بِالفاعِلِ، ثُمَّ هَهُنا زِيدَتِ الباءُ إيذانًا أنَّ الكِفايَةَ مِنَ اللَّهِ لَيْسَتْ كالكِفايَةِ مِن غَيْرِهِ في الرُّتْبَةِ وعِظَمِ المَنزِلَةِ. الثّانِي: قالَ ابْنُ السَّرّاجِ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: كَفى اكْتِفاؤُكَ بِاللَّهِ ولِيًّا، ولَمّا ذُكِرَتْ ”كَفى“ دَلَّ عَلى الِاكْتِفاءِ؛ لِأنَّهُ مِن لَفْظِهِ، كَما تَقُولُ: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيْ كانَ الكَذِبُ شَرًّا لَهُ، فَأضْمَرْتَهُ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ. الثّالِثُ: يَخْطُرُ بِبالِي أنَّ الباءَ في الأصْلِ لِلْإلْصاقِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْسُنُ في المُؤَثِّرِ الَّذِي لا واسِطَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّأْثِيرِ، ولَوْ قِيلَ: كَفى اللَّهُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فاعِلًا لِهَذِهِ الكِفايَةِ، ولَكِنْ لا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ بِواسِطَةٍ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، فَإذا ذَكَرْتَ حَرْفَ الباءِ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، بَلْ هو تَعالى يَتَكَفَّلُ بِتَحْصِيلِ هَذا المَطْلُوبِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةِ أحَدٍ، كَما قالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .

النساء 4:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ صفحة ٩٣ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ التَّكالِيفِ والأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، قَطَعَ هَهُنا بِبَيانِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وذِكْرِ أحْوالِ أعْداءِ الدِّينِ وأقاصِيصِ المُتَقَدِّمِينَ؛ لِأنَّ البَقاءَ في النَّوْعِ الواحِدِ مِنَ العِلْمِ مِمّا يُكِلُّ الطَّبْعَ ويُكَدِّرُ الخاطِرَ، فَأمّا الِانْتِقالُ مِن نَوْعٍ مِنَ العُلُومِ إلى نَوْعٍ آخَرَ، فَإنَّهُ يُنَشِّطُ الخاطِرَ ويُقَوِّي القَرِيحَةَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ مَعْناهُ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى هَؤُلاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ العِلْمَ اليَقِينِيَّ يُشْبِهُ الرُّؤْيَةَ، فَيَجُوزُ جَعْلُ الرُّؤْيَةِ اسْتِعارَةً عَنْ مِثْلِ هَذا العِلْمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ هُمُ اليَهُودُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ٤٦] مُتَعَلِّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ. الثّانِي: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَبْرَيْنِ مِن أحْبارِ اليَهُودِ كانا يَأْتِيانِ رَأْسَ المُنافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ورَهْطَهُ فَيُثَبِّطُونَهم عَنِ الإسْلامِ. الثّالِثُ: أنَّ عَداوَةَ اليَهُودِ كانَتْ أكْثَرَ مِن عَداوَةِ النَّصارى بِنَصِّ القُرْآنِ، فَكانَتْ إحالَةُ هَذا المَعْنى عَلى اليَهُودِ أوْلى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَقُلْ تَعالى: إنَّهم أُوتُوا عِلْمَ الكِتابِ، بَلْ قالَ: ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ لِأنَّهم عَرَفُوا مِنَ التَّوْراةِ نُبُوَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يَعْرِفُوا مِنها نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأمّا الَّذِينَ أسْلَمُوا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وعَرَفُوا الأمْرَيْنِ فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ مَعَهم عِلْمَ الكِتابِ فَقالَ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأمْرَيْنِ: الضَّلالِ والإضْلالِ، أمّا الضَّلالُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُؤْثِرُونَ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِيَأْخُذُوا الرِّشا عَلى ذَلِكَ ويَحْصُلَ لَهُمُ الرِّياسَةُ، وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الِاشْتِراءِ؛ لِأنَّ مَنِ اشْتَرى شَيْئًا آثَرَهُ. الثّانِي: أنَّ في الآيَةِ إضْمارًا، وتَأْوِيلُهُ: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] أيْ يَسْتَبْدِلُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، ولا إضْمارَ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ. الثّالِثُ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَوامُّ اليَهُودِ، فَإنَّهم كانُوا يُعْطُونَ أحْبارَهم بَعْضَ أمْوالِهِمْ، ويَطْلُبُونَ مِنهم أنْ يَنْصُرُوا اليَهُودِيَّةَ ويَتَعَصَّبُوا لَها، فَكانُوا جارِينَ مَجْرى مَن يَشْتَرِي بِمالِهِ الشُّبْهَةَ والضَّلالَةَ، ولا إضْمارَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا، ولَكِنَّ الأوْلى أنْ تَكُونَ الآيَةُ نازِلَةً في عُلَمائِهِمْ، ثُمَّ لَمّا وصَفَهم تَعالى بِالضَّلالِ وصَفَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالإضْلالِ فَقالَ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَتَوَصَّلُونَ إلى إضْلالِ المُؤْمِنِينَ والتَّلْبِيسِ عَلَيْهِمْ؛ لِكَيْ يَخْرُجُوا عَنِ الإسْلامِ. واعْلَمْ أنَّكَ لا تَرى حالَةً أسْوَأ ولا أقْبَحَ مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، أعْنِي الضَّلالَ والإضْلالَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ أيْ هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِكُنْهِ ما في قُلُوبِهِمْ وصُدُورِهِمْ مِنَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ شِدَّةَ عَداوَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ولِيُّ المُسْلِمِينَ وناصِرُهم، ومَن كانَ اللَّهُ ولِيًّا لَهُ وناصِرًا لَهُ لَمْ تَضُرَّهُ عَداوَةُ الخَلْقِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: وِلايَةُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ عِبارَةٌ عَنْ نُصْرَتِهِ لَهُ، فَذِكْرُ النَّصِيرِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَلِيِّ تَكْرارٌ. صفحة ٩٤ والجَوابُ: أنَّ الوَلِيَّ المُتَصَرِّفُ في الشَّيْءِ، والمُتَصَرِّفُ في الشَّيْءِ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ ناصِرًا لَهُ، فَزالَ التَّكْرارُ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ: وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا ونَصِيرًا ؟ وما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّ التَّكْرارَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ يَكُونُ أشَدَّ تَأْثِيرًا في القَلْبِ وأكْثَرَ مُبالَغَةً. السُّؤالُ الثّالِثُ: ما فائِدَةُ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ ؟ والجَوابُ: ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: لَوْ قِيلَ: كَفى اللَّهُ، كانَ يَتَّصِلُ الفِعْلُ بِالفاعِلِ، ثُمَّ هَهُنا زِيدَتِ الباءُ إيذانًا أنَّ الكِفايَةَ مِنَ اللَّهِ لَيْسَتْ كالكِفايَةِ مِن غَيْرِهِ في الرُّتْبَةِ وعِظَمِ المَنزِلَةِ. الثّانِي: قالَ ابْنُ السَّرّاجِ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: كَفى اكْتِفاؤُكَ بِاللَّهِ ولِيًّا، ولَمّا ذُكِرَتْ ”كَفى“ دَلَّ عَلى الِاكْتِفاءِ؛ لِأنَّهُ مِن لَفْظِهِ، كَما تَقُولُ: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيْ كانَ الكَذِبُ شَرًّا لَهُ، فَأضْمَرْتَهُ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ. الثّالِثُ: يَخْطُرُ بِبالِي أنَّ الباءَ في الأصْلِ لِلْإلْصاقِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْسُنُ في المُؤَثِّرِ الَّذِي لا واسِطَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّأْثِيرِ، ولَوْ قِيلَ: كَفى اللَّهُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فاعِلًا لِهَذِهِ الكِفايَةِ، ولَكِنْ لا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ بِواسِطَةٍ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، فَإذا ذَكَرْتَ حَرْفَ الباءِ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، بَلْ هو تَعالى يَتَكَفَّلُ بِتَحْصِيلِ هَذا المَطْلُوبِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةِ أحَدٍ، كَما قالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .

النساء 4:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ شَرَحَ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الضَّلالَةِ وهي أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في مُتَعَلِّقِ قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلَّذِينِ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مِنَ الَّذِينَ هادُوا. والثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿نَصِيرًا﴾ والتَّقْدِيرُ: وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هادُوا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأنبياء: ٧٧] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و”يُحَرِّفُونَ“ صِفَتَهُ، تَقْدِيرُهُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ، فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَ الوَصْفُ مَكانَهُ. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤] بَقِيَ ذَلِكَ مُجْمَلًا مِن وجْهَيْنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومِن ذَلِكَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ ؟ فَأُجِيبَ وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا، ثُمَّ قِيلَ: وكَيْفَ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ؟ فَأُجِيبَ وقِيلَ: يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ. صفحة ٩٥ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الجَمْعُ مُؤَنَّثٌ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِها. والجَوابُ: قالَ الواحِدِيُّ: هَذا جَمْعٌ حُرُوفُهُ أقَلُّ مِن حُرُوفِ واحِدِهِ، وكُلُّ جَمْعٍ يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: كَوْنُ الجَمْعِ مُؤَنَّثًا لَيْسَ أمْرًا حَقِيقِيًّا، بَلْ هو أمْرٌ لَفْظِيٌّ، فَكانَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ فِيهِ جائِزًا، وقُرِئَ: يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ التَّحْرِيفِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا يُبَدِّلُونَ اللَّفْظَ بِلَفْظٍ آخَرَ مِثْلَ تَحْرِيفِهِمُ اسْمَ ”رَبْعَةٍ“ عَنْ مَوْضِعِهِ في التَّوْراةِ بِوَضْعِهِمْ ”آدَمُ طَوِيلٌ“ مَكانَهُ، ونَحْوَ تَحْرِيفِهِمُ ”الرَّجْمَ“ بِوَضْعِهِمُ ”الحَدَّ“ بَدَلَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ هَذا في الكِتابِ الَّذِي بَلَغَتْ آحادُ حُرُوفِهِ وكَلِماتِهِ مَبْلَغَ التَّواتُرِ المَشْهُورِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ ؟ قُلْنا لَعَلَّهُ يُقالُ: القَوْمُ كانُوا قَلِيلِينَ، والعُلَماءُ بِالكِتابِ كانُوا في غايَةِ القِلَّةِ، فَقَدَرُوا عَلى هَذا التَّحْرِيفِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالتَّحْرِيفِ: إلْقاءُ الشُّبَهِ الباطِلَةِ، والتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ، وصَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْناهُ الحَقِّ إلى مَعْنًى باطِلٍ بِوُجُوهِ الحِيَلِ اللَّفْظِيَّةِ، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ البِدْعَةِ في زَمانِنا هَذا بِالآياتِ المُخالِفَةِ لِمَذاهِبِهِمْ، وهَذا هو الأصَحُّ. الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ويَسْألُونَهُ عَنْ أمْرٍ فَيُخْبِرُهم لِيَأْخُذُوا بِهِ، فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ حَرَّفُوا كَلامَهُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَهُنا: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وفي المائِدَةِ ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] والفَرْقُ أنّا إذا فَسَّرْنا التَّحْرِيفَ بِالتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، فَهَهُنا قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم يَذْكُرُونَ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ لِتِلْكَ النُّصُوصِ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهم يُخْرِجُونَ تِلْكَ اللَّفْظَةَ مِنَ الكِتابِ. وأمّا الآيَةُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ المائِدَةِ، فَهي دالَّةٌ عَلى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَكانُوا يَذْكُرُونَ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةَ، وكانُوا يُخْرِجُونَ اللَّفْظَ أيْضًا مِنَ الكِتابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّأْوِيلِ الباطِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ إشارَةٌ إلى إخْراجِهِ عَنِ الكِتابِ. * * * النَّوْعُ الثّانِي: مِن ضَلالاتِهِمْ: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ إذا أمَرَهم بِشَيْءٍ قالُوا في الظّاهِرِ: سَمِعْنا، وقالُوا في أنْفُسِهِمْ: وعَصَيْنا. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ قَوْلَهم: سَمِعْنا وعَصَيْنا، إظْهارًا لِلْمُخالَفَةِ، واسْتِحْقارًا لِلْأمْرِ. النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن ضَلالَتِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ ذُو وجْهَيْنِ يَحْتَمِلُ المَدْحَ والتَّعْظِيمَ، ويَحْتَمِلُ الإهانَةَ والشَّتْمَ. أمّا أنَّهُ يَحْتَمِلُ المَدْحَ فَهو أنْ يَكُونَ المُرادُ: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، وأمّا أنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلشَّتْمِ والذَّمِّ فَذاكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اسْمَعْ، ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لا سَمِعْتَ، فَقَوْلُهُ: (﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ مَعْناهُ: غَيْرَ سامِعٍ، فَإنَّ السّامِعَ مُسْمَعٌ، والمُسْمَعَ سامِعٌ. الثّانِي: غَيْرَ مُسْمَعٍ، أيْ غَيْرَ مَقْبُولٍ مِنكَ، ولا تُجابُ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ، ومَعْناهُ غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا يُوافِقُكَ، فَكَأنَّكَ ما أسْمَعْتَ شَيْئًا. الثّالِثُ: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا تَرْضاهُ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ لا يَسْمَعُهُ لِنُبُوِّ سَمْعِهِ عَنْهُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِلذَّمِّ والمَدْحِ، فَكانُوا يَذْكُرُونَها لِغَرَضِ الشَّتْمِ. صفحة ٩٦ النَّوْعُ الرّابِعُ: مِن ضَلالاتِهِمْ قَوْلُهم: ﴿وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ أمّا تَفْسِيرُ ﴿راعِنا﴾ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ كَلِمَةٌ كانَتْ تَجْرِي بَيْنَهم عَلى جِهَةِ الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ؛ فَلِذَلِكَ نَهى المُسْلِمُونَ أنْ يَتَلَفَّظُوا بِها في حَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ . الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿راعِنا﴾ مَعْناهُ أرْعِنا سَمْعَكَ، أيِ اصْرِفْ سَمْعَكَ إلى كَلامِنا وأنْصِتْ لِحَدِيثِنا وتَفَهَّمْ، وهَذا مِمّا لا يُخاطَبُ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بَلْ إنَّما يُخاطَبُونَ بِالإجْلالِ والتَّعْظِيمِ. الثّالِثُ: كانُوا يَقُولُونَ راعِنا، ويُوهِمُونَهُ في ظاهِرِ الأمْرِ أنَّهم يُرِيدُونَ أرْعِنا سَمْعَكَ، وكانُوا يُرِيدُونَ سَبَّهُ بِالرُّعُونَةِ في لُغَتِهِمْ. الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم حَتّى يَصِيرَ قَوْلُهم: ﴿راعِنا﴾ راعَيْنا، وكانُوا يُرِيدُونَ أنَّكَ كُنْتَ تَرْعى أغْنامًا لَنا، وقَوْلُهُ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ ”لَيًّا“ لَوْيًا، لِأنَّهُ مَن لَوَيْتُ، ولَكِنَّ الواوَ أُدْغِمَتْ في الياءِ لِسَبْقِها بِالسُّكُونِ، ومِثْلُهُ الطَّيُّ. وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: كانُوا يَقُولُونَ: راعِنا ويُرِيدُونَ بِهِ الشَّتْمَ، فَذاكَ هو اللَّيُّ، وكَذَلِكَ قَوْلُهم: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ وأرادُوا بِهِ لا سَمِعْتَ، فَهَذا هو اللَّيُّ. الثّانِي: أنَّهم كانُوا يَصِلُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما يُضْمِرُونَهُ مِنَ الشَّتْمِ إلى ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ التَّوْقِيرِ عَلى سَبِيلِ النِّفاقِ. الثّالِثُ: لَعَلَّهم كانُوا يَفْتِلُونَ أشْداقَهم وألْسِنَتَهم عِنْدَ ذِكْرِ هَذا الكَلامِ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، كَما جَرَتْ عادَةُ مَن يَهْزَأُ بِإنْسانٍ بِمِثْلِ هَذِهِ الأفْعالِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم إنَّما يُقْدِمُونَ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ لِطَعْنِهِمْ في الدِّينِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِأصْحابِهِمْ: إنَّما نَشْتُمُهُ ولا يَعْرِفُ، ولَوْ كانَ نَبِيًّا لَعَرَفَ ذَلِكَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فَعَرَّفَهُ خُبْثَ ضَمائِرِهِمْ، فانْقَلَبَ ما فَعَلُوهُ طَعْنًا في نُبُوَّتِهِ دَلالَةً قاطِعَةً عَلى نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزٌ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءُوا بِالقَوْلِ المُحْتَمِلِ لِلْوَجْهَيْنِ بَعْدَما حَرَّفُوا وقالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا حَكَيْنا عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ قالَ: إنَّهم ما كانُوا يُظْهِرُونَ قَوْلَهم: ﴿وعَصَيْنا﴾ بَلْ كانُوا يَقُولُونَهُ في أنْفُسِهِمْ. والثّانِي: هَبْ أنَّهم أظْهَرُوا ذَلِكَ إلّا أنَّ جَمِيعَ الكَفَرَةِ كانُوا يُواجِهُونَهُ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ، ولا يُواجِهُونَهُ بِالسَّبِّ والشَّتْمِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَوْ قالُوا بَدَلَ قَوْلِهِمْ سَمِعْنا وعَصَيْنا: سَمِعْنا وأطَعْنا لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ ولِإظْهارِكَ الدَّلائِلَ والبَيِّناتِ مَرّاتٍ بَعْدَ مَرّاتٍ، وبَدَلَ قَوْلِهِمْ: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قَوْلَهم: واسْمَعْ، وبَدَلَ قَوْلِهِمْ: ﴿راعِنا﴾ قَوْلَهم: ﴿انْظُرْنا﴾ أيِ اسْمَعْ مِنّا ما نَقُولُ، وانْظُرْنا حَتّى نَتَفَهَّمَ عَنْكَ لَكانَ خَيْرًا لَهم عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمَ، أيْ أعْدَلَ وأصْوَبَ، ومِنهُ يُقالُ: رُمْحٌ قَوِيمٌ أيْ مُسْتَقِيمٌ؛ وقَوَّمْتُ الشَّيْءَ مِن عِوَجٍ فَتَقَوَّمَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى إنَّما لَعَنَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القَلِيلَ صِفَةٌ لِلْقَوْمِ، والمَعْنى فَلا يُؤْمِنُ مِنهم إلّا أقْوامٌ قَلِيلُونَ. ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: كانَ ذَلِكَ القَلِيلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ وأصْحابَهُ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يُؤْمِنُونَ بَعْدَ ذَلِكَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ القَلِيلَ صِفَةٌ لِلْإيمانِ، والتَّقْدِيرُ: فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا إيمانًا قَلِيلًا، فَإنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والتَّوْراةِ ومُوسى، ولَكِنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِسائِرِ الأنْبِياءِ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا القَوْلَ عَلى الأوَّلِ، قالَ: لِأنَّ ”قَلِيلًا“ لَفْظٌ مُفْرَدٌ، ولَوْ أُرِيدَ بِهِ ناسٌ لَجُمِعَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] ويُمْكِنُ أنْ صفحة ٩٧ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ فَعِيلٌ مُفْرَدًا، والمُرادُ بِهِ الجَمْعُ، قالَ تَعالى: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] وقالَ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١١] فَدَلَّ عَوْدُ الذِّكْرِ مَجْمُوعًا إلى القَبِيلَيْنِ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِما الكَثْرَةُ.

النساء 4:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ حَكى عَنِ اليَهُودِ أنْواعَ مَكْرِهِمْ وإيذائِهِمْ أمَرَهم بِالإيمانِ وقَرَنَ بِهَذا الأمْرِ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى التَّرْكِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كانَ يَجِبُ أنْ يَأْمُرَهم بِالنَّظَرِ والتَّفَكُّرِ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، حَتّى يَكُونَ إيمانُهُمُ اسْتِدْلالِيًّا، فَلَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ الإيمانِ ابْتِداءً فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالإيمانِ عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ هَذا الخِطابَ مُخْتَصٌّ بِالَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ، وهَذا صِفَةُ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ التَّوْراةِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤] ولَمْ يَقُلْ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ؛ لِأنَّهم ما كانُوا عالِمِينَ بِكُلِّ ما في التَّوْراةِ، فَلَمّا قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ عَلِمْنا أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ مُخْتَصٌّ بِمَن كانَ عالِمًا بِكُلِّ التَّوْراةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ عالِمًا بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّ التَّوْراةَ كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى تِلْكَ الدَّلائِلِ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ أيْ مُصَدِّقًا لِلْآياتِ المَوْجُودَةِ في التَّوْراةِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإذا كانَ العِلْمُ حاصِلًا كانَ ذَلِكَ الكُفْرُ مَحْضَ العِنادِ، فَلا جَرَمَ حَسُنَ مِنهُ تَعالى أنْ يَأْمُرَهم بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - جَزْمًا، وأنْ يَقْرِنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّمْسُ: المَحْوُ، تَقُولُ العَرَبُ في وصْفِ المَفازَةِ: إنَّها طامِسَةُ الأعْلامِ، وطَمُسَ الطَّرِيقُ وطُمِسَ إذا دَرَسَ، وقَدْ طَمَسَ اللَّهُ عَلى بَصَرِهِ إذا أزالَهُ وأبْطَلَهُ، وطَمَسَتِ الرِّيحُ الأثَرَ إذا مَحَتْهُ، وطَمَسْتُ الكِتابَ مَحَوْتُهُ، وذَكَرُوا في الطَّمْسِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ وهو طَمْسُ الوُجُوهِ. والثّانِي: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى مَجازِهِ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَهو أنَّ المُرادَ مِن طَمْسِ الوُجُوهِ مَحْوُ تَخْطِيطِ صُوَرِها، فَإنَّ الوَجْهَ إنَّما يَتَمَيَّزُ عَنْ سائِرِ الأعْضاءِ بِما فِيهِ الحَواسُّ، فَإذا أُزِيلَتْ ومُحِيَتْ كانَ ذَلِكَ طَمْسًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ رَدُّ الوُجُوهِ إلى ناحِيَةِ القَفا، وهَذا المَعْنى إنَّما جَعَلَهُ اللَّهُ عُقُوبَةً لِما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيهِ في الخِلْقَةِ والمُثْلَةِ والفَضِيحَةِ؛ لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَعْظُمُ الغَمُّ والحَسْرَةُ، فَإنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ القِيامَةِ عَلى ما سَنُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلَيْهِ، ومِمّا يُقَرِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠] فَإنَّهُ إذا رُدَّتِ الوُجُوهُ إلى القَفا أُوتُوا الكِتابَ صفحة ٩٨ مِن وراءِ ظُهُورِهِمْ؛ لِأنَّ في تِلْكَ الجِهَةِ العُيُونُ والأفْواهُ الَّتِي بِها يُدْرَكُ الكِتابُ ويُقْرَأُ بِاللِّسانِ. فَأمّا القَوْلُ الثّانِي: فَهو أنَّ المُرادَ مِن طَمْسِ الوُجُوهِ مَجازُهُ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ نَطْمِسُها عَنِ الهُدى فَنَرُدُّها عَلى أدْبارِها، أيْ عَلى ضَلالَتِها، والمَقْصُودُ بَيانُ إلْقائِها في أنْواعِ الخِذْلانِ وظُلُماتِ الضَّلالاتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] تَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ في مَبْدَأِ خِلْقَتِهِ ألِفَ هَذا العالَمَ المَحْسُوسَ، ثُمَّ عِنْدَ الفِكْرِ والعُبُودِيَّةِ كَأنَّهُ يُسافِرُ مِن عالَمِ المَحْسُوساتِ إلى عالَمِ المَعْقُولاتِ، فَقُدّامُهُ عالَمُ المَعْقُولاتِ، ووَراءَهُ عالَمُ المَحْسُوساتِ، فالمَخْذُولُ هو الَّذِي يُرَدُّ مِن قُدّامِهِ إلى خَلْفِهِ، كَما قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] . الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالطَّمْسِ القَلْبَ والتَّغْيِيرَ، وبِالوُجُوهِ: رُؤَساؤُهم ووُجَهاؤُهم، والمَعْنى مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ أحْوالَ وُجَهائِهِمْ فَنَسْلُبُ مِنهُمُ الإقْبالَ والوَجاهَةَ ونَكْسُوهُمُ الصَّغارَ والإدْبارَ والمَذَلَّةَ. الثّالِثُ: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: هَذا الوَعِيدُ قَدْ لَحِقَ اليَهُودَ ومَضى، وتَأوَّلَ ذَلِكَ في إجْلاءِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ إلى الشّامِ، فَرَدَّ اللَّهُ وُجُوهَهم عَلى أدْبارِهِمْ حِينَ عادُوا إلى أذْرِعاتَ وأرِيحاءَ مِن أرْضِ الشّامِ، كَما جاءُوا مِنها بَدْءًا، وطَمْسُ الوُجُوهِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: تَقْبِيحُ صُورَتِهِمْ يُقالُ: طَمَسَ اللَّهُ صُورَتَهُ كَقَوْلِهِ: قَبَّحَ اللَّهُ وجْهَهُ. والثّانِي: إزالَةُ آثارِهِمْ عَنْ بِلادِ العَرَبِ ومَحْوُ أحْوالِهِمْ عَنْها. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى هَدَّدَهم بِطَمْسِ الوُجُوهِ عَلى القَوْلِ الثّانِي، فَلا إشْكالَ البَتَّةَ، وإنْ فَسَّرْناهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وهو حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ما جَعَلَ الوَعِيدَ هو الطَّمْسُ بِعَيْنِهِ، بَلْ جَعَلَ الوَعِيدَ إمّا الطَّمْسُ أوِ اللَّعْنُ فَإنَّهُ قالَ: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ وقَدْ فَعَلَ أحَدَهُما وهو اللَّعْنُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ وظاهِرُهُ لَيْسَ هو المَسْخُ. الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنُوا﴾ تَكْلِيفٌ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ مُدَّةِ حَياتِهِمْ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ واقِعًا في الآخِرَةِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: آمِنُوا مِن قَبْلِ أنْ يَجِيءَ وقْتٌ نَطْمِسُ فِيهِ وُجُوهَكم وهو ما بَعْدَ المَوْتِ. الثّالِثُ: أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ خِطابٌ مَعَ جَمِيعِ عُلَمائِهِمْ، فَكانَ التَّهْدِيدُ بِهَذا الطَّمْسِ مَشْرُوطًا بِأنْ لا يَأْتِيَ أحَدٌ مِنهم بِالإيمانِ، وهَذا الشَّرْطُ لَمْ يُوجَدْ لِأنَّهُ آمَنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وجَمْعٌ كَثِيرٌ مِن أصْحابِهِ، فَفاتَ المَشْرُوطُ بِفَواتِ الشَّرْطِ، ويُقالُ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أتى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ أهْلَهُ فَأسْلَمَ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أرى أنْ لا أصِلَ إلَيْكَ حَتّى يَتَحَوَّلَ وجْهِي في قَفايَ» . الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهَكم، بَلْ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ وعِنْدَنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن طَمْسٍ في اليَهُودِ أوْ مَسْخٍ قَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ لَيْسَ طَمْسَ وُجُوهِهِمْ بِأعْيانِهِمْ، بَلْ طَمْسَ وُجُوهِ غَيْرِهِمْ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ فَذَكَرَهم عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ، ولَوْ كانَ المُرادُ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ لَذَكَرَهم عَلى سَبِيلِ الخِطابِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ وإنْ كانَ جائِزًا إلّا أنَّ الأظْهَرَ ما ذَكَرْناهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: نَمْسَخُهم قِرَدَةً كَما فَعَلْنا ذَلِكَ بِأوائِلِهِمْ. وقالَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ: الأظْهَرُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى اللَّعْنِ المُتَعارَفِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠] صفحة ٩٩ فَفَصَلَ تَعالى هَهُنا بَيْنَ اللَّعْنِ وبَيْنَ مَسْخِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إلى مَن يَرْجِعُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ ؟ الجَوابُ: إلى الوُجُوهِ إنْ أُرِيدَ الوُجَهاءُ أوْ لِأصْحابِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ المَعْنى مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهَ قَوْمٍ، أوْ يَرْجِعَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. السُّؤالُ الثّانِي: قَدْ كانَ اللَّعْنُ والطَّمْسُ حاصِلَيْنِ قَبْلَ الوَعِيدِ عَلى الفِعْلِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَّحِدا. والجَوابُ: أنَّ لَعْنَهُ تَعالى لَهم مِن بَعْدِ هَذا الوَعِيدِ يَكُونُ أزْيَدَ تَأْثِيرًا في الخِزْيِ، فَيَصِحُّ ذَلِكَ فِيهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ خِطابُ مُغايَبَةٍ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أحَدُهُما بِالآخَرِ ؟ الجَوابُ: مِنهم مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] ومِنهم مَن قالَ: هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ التَّهْدِيدَ حاصِلٌ في غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَكْذِبُونَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ. وعِنْدِي فِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ: وهو أنَّ اللَّعْنَ هو الطَّرْدُ والإبْعادُ، وذِكْرُ البَعِيدِ لا يَكُونُ إلّا بِالمُغايَبَةِ، فَلَمّا لَعَنَهم ذَكَرَهم بِعِبارَةِ الغَيْبَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ لا رادَّ لِحُكْمِهِ ولا ناقِضَ لِأمْرِهِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ، كَما تَقُولُ في الشَّيْءِ الَّذِي لا شَكَّ في حُصُولِهِ: هَذا الأمْرُ مَفْعُولٌ وإنْ لَمْ يُفْعَلْ بَعْدُ. وإنَّما قالَ: ﴿وكانَ﴾ إخْبارًا عَنْ جَرَيانِ عادَةِ اللَّهِ في الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ أنَّهُ مَهْما أخْبَرَهم بِإنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَعَلَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: أنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ كانَ تَهْدِيدُ اللَّهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ واقِعًا لا مَحالَةَ، فاحْتَرِزُوا الآنَ وكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِن هَذا الوَعِيدِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ مُحْدَثٌ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ يَقْتَضِي أنَّ أمْرَهُ مَفْعُولٌ، والمَخْلُوقُ والمَصْنُوعُ والمَفْعُولُ واحِدٌ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ أمْرَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ، وهَذا في غايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ الأمْرَ في اللُّغَةِ جاءَ بِمَعْنى الشَّأْنِ والطَّرِيقَةِ والفِعْلِ، قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] والمُرادُ هَهُنا ذاكَ.

النساء 4:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا هَدَّدَ اليَهُودَ عَلى الكُفْرِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ بَيَّنَ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّهْدِيدِ مِن خَواصِّ الكُفْرِ، فَأمّا سائِرُ الذُّنُوبِ الَّتِي هي مُغايِرَةٌ لِلْكُفْرِ فَلَيْسَتْ حالُها كَذَلِكَ، بَلْ هو صفحة ١٠٠ سُبْحانَهُ قَدْ يَعْفُو عَنْها، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ يُسَمّى مُشْرِكًا في عُرْفِ الشَّرْعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ، فَلَوْ كانَتِ اليَهُودِيَّةُ مُغايِرَةٌ لِلشِّرْكِ لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ مَغْفُورَةً بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِالإجْماعِ هي غَيْرُ مَغْفُورَةٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّها داخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الشِّرْكِ. الثّانِي: أنَّ اتِّصالَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها إنَّما كانَ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ تَهْدِيدَ اليَهُودِ، فَلَوْلا أنَّ اليَهُودِيَّةَ داخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الشِّرْكِ، وإلّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [الحج: ١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧] عَطَفَ المُشْرِكَ عَلى اليَهُودِيِّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ. قُلْنا: المُغايَرَةُ حاصِلَةٌ بِسَبَبِ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، والِاتِّحادُ حاصِلٌ بِسَبَبِ المَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ، ولا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى ما ذَكَرْناهُ دَفْعًا لِلتَّناقُضِ. إذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ فَنَقُولُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُسْلِمُ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُقْتَلُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ الذِّمِّيَّ مُشْرِكٌ لِما ذَكَرْناهُ، والمُشْرِكُ مُباحُ الدَّمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: (اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ) . فَكانَ الذِّمِّيُّ مُباحَ الدَّمِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومُباحُ الدَّمِ هو الَّذِي لا يَجِبُ القِصاصُ عَلى قاتِلِهِ، ولا يَتَوَجَّهُ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهِ تَرْكُ العَمَلِ بِهَذا الدَّلِيلِ في حَقِّ النَّهْيِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في سُقُوطِ القِصاصِ عَنْ قاتِلِهِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ لَنا عَلى العَفْوِ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ. واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِها مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ مَعْناهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ؛ لِأنَّهُ بِالإجْماعِ لا يَغْفِرُ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، وذَلِكَ عِنْدَما يَتُوبُ المُشْرِكُ عَنْ شِرْكِهِ، فَإذا كانَ قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ هو أنَّهُ لا يَغْفِرُهُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ هو أنْ يَغْفِرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ؛ حَتّى يَكُونَ النَّفْيُ والإثْباتُ مُتَوارِدَيْنِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ. ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: فُلانٌ لا يُعْطِي أحَدًا تَفَضُّلًا، ويُعْطِيَ زائِدًا، فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ يُعْطِيهِ تَفَضُّلًا، حَتّى لَوْ صَرَّحَ وقالَ: لا يُعْطِي أحَدًا شَيْئًا عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ ويُعْطِي أزْيَدَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، فَكُلُّ عاقِلٍ يَحْكُمُ بِرَكاكَةِ هَذا الكَلامِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أصْحابَ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ غُفْرانَ الصَّغِيرَةِ وغُفْرانَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ واجِبٌ عَقْلًا، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَإذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إلّا حَمْلُ الآيَةِ عَلى غُفْرانِ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قَسَّمَ المَنهِيّاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: الشِّرْكُ وما سِوى الشِّرْكِ، ثُمَّ إنَّ ما سِوى الشِّرْكِ يَدْخُلُ فِيهِ الكَبِيرَةُ قَبْلَ التَّوْبَةِ والكَبِيرَةُ بَعْدَ التَّوْبَةِ والصَّغِيرَةُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى الشِّرْكِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَغْفُورٍ قَطْعًا، وعَلى ما سِواهُ بِأنَّهُ مَغْفُورٌ قَطْعًا، لَكِنْ في حَقِّ مَن يَشاءُ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ كُلَّ ما سِوى الشِّرْكِ، لَكِنْ في حَقِّ مَن شاءَ. ولَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ، وجَبَ أنْ تَكُونَ الكَبِيرَةُ قَبْلَ التَّوْبَةِ أيْضًا مَغْفُورَةً. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ فَعَلَّقَ هَذا الغُفْرانَ بِالمَشِيئَةِ، وغُفْرانُ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وغُفْرانُ الصَّغِيرَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ، صفحة ١٠١ وغَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلى المَشِيئَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الغُفْرانُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ هو غُفْرانُ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وهو المَطْلُوبُ، واعْتَرَضُوا عَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ بِأنَّ تَعْلِيقَ الأمْرِ بِالمَشِيئَةِ لا يُنافِي وُجُوبَهُ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٩] ثُمَّ إنّا نَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى لا يُزَكِّي إلّا مَن كانَ أهْلًا لِلتَّزْكِيَةِ، وإلّا كانَ كَذِبًا، والكَذِبُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَكَذا هَهُنا. واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ كَلامٌ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ إلّا المُعارَضَةَ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ، ونَحْنُ نُعارِضُها بِعُمُوماتِ الوَعْدِ، والكَلامُ فِيهِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. ورَوى الواحِدِيُّ في البَسِيطِ بِإسْنادِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا ماتَ الرَّجُلُ مِنّا عَلى كَبِيرَةٍ شَهِدْنا أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأمْسَكْنا عَنِ الشَّهاداتِ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنِّي لَأرْجُو كَما لا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ كَذَلِكَ لا يَضُرُّ مَعَ التَّوْحِيدِ ذَنْبٌ. ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَسَكَتَ عُمَرُ. ورُوِيَ مَرْفُوعًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«اتَّسِمُوا بِالإيمانِ وأقِرُّوا بِهِ، فَكَما لا يُخْرِجُ إحْسانُ المُشْرِكِ المُشْرِكَ مِن إشْراكِهِ كَذَلِكَ لا تُخْرِجُ ذُنُوبُ المُؤْمِنِ المُؤْمِنَ مِن إيمانِهِ» “ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «لَمّا قَتَلَ وحْشِيٌّ حَمْزَةَ يَوْمَ أُحُدٍ، وكانُوا قَدْ وعَدُوهُ بِالإعْتاقِ إنْ هو فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهم ما وفَّوْا لَهُ بِذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَدِمَ هو وأصْحابُهُ فَكَتَبُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ بِذَنْبِهِمْ، وأنَّهُ لا يَمْنَعُهم عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: (﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] فَقالُوا: قَدِ ارْتَكَبْنا كُلَّ ما في الآيَةِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا»﴾ [الفرقان: ٧٠] فَقالُوا: هَذا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخافُ أنْ لا نَقُومَ بِهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فَقالُوا: نَخافُ أنْ لا نَكُونَ مِن أهْلِ مَشِيئَتِهِ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] فَدَخَلُوا عِنْدَ ذَلِكَ في الإسْلامِ. وطَعَنَ القاضِي في هَذِهِ الرِّوايَةِ وقالَ: إنَّ مَن يُرِيدُ الإيمانَ لا يَجُوزُ مِنهُ المُراجَعَةُ عَلى هَذا الحَدِّ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] لَوْ كانَ عَلى إطْلاقِهِ لَكانَ ذَلِكَ إغْراءً لَهم بِالثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ. والجَوابُ عَنْهُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ اسْتَعْظَمُوا قَتْلَ حَمْزَةَ وإيذاءَ الرَّسُولِ إلى ذَلِكَ الحَدِّ، فَوَقَعَتِ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِهِمْ أنَّ ذَلِكَ هَلْ يُغْفَرُ لَهم أمْ لا؛ فَلِهَذا المَعْنى حَصَلَتِ المُراجَعَةُ. وقَوْلُهُ: هَذا إغْراءٌ بِالقَبِيحِ، فَهو أنَّهُ إنَّما يَتِمُّ عَلى مَذْهَبِهِ، أمّا عَلى قَوْلِنا: إنَّهُ تَعالى فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، فالسُّؤالُ ساقِطٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ أيِ اخْتَلَقَ ذَنْبًا غَيْرَ مَغْفُورٍ، يُقالُ: افْتَرى فُلانٌ الكَذِبَ إذا اعْتَمَلَهُ واخْتَلَقَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الفَرْيِ بِمَعْنى القَطْعِ.

النساء 4:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ صفحة ١٠٢ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ اليَهُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فَعِنْدَ هَذا قالُوا: لَسْنا مِنَ المُشْرِكِينَ، بَلْ نَحْنُ خَواصُّ اللَّهِ تَعالى كَما حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وحَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وحَكى أيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ وبَعْضُهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ آباءَنا كانُوا أنْبِياءَ فَيَشْفَعُونَ لَنا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ أتَوْا بِأطْفالِهِمْ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلْ عَلى هَؤُلاءِ ذَنْبٌ ؟ فَقالَ: لا، فَقالُوا: واللَّهِ ما نَحْنُ إلّا كَهَؤُلاءِ؛ ما عَمِلْناهُ بِاللَّيْلِ كُفِّرَ عَنّا بِالنَّهارِ، وما عَمِلْناهُ بِالنَّهارِ كُفِّرَ عَنّا بِاللَّيْلِ» . وبِالجُمْلَةِ فالقَوْمُ كانُوا قَدْ بالَغُوا في تَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ، فَذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِتَزْكِيَةِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، وإنَّما العِبْرَةُ بِتَزْكِيَةِ اللَّهِ لَهُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التَّزْكِيَةُ في هَذا المَوْضِعِ عِبارَةٌ عَنْ مَدْحِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، ومِنهُ تَزْكِيَةُ المُعَدِّلِ لِلشّاهِدِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] وذَلِكَ لِأنَّ التَّزْكِيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّقْوى، والتَّقْوى صِفَةٌ في الباطِنِ، ولا يَعْلَمُ حَقِيقَتَها إلّا اللَّهُ، فَلا جَرَمَ لا تَصْلُحُ التَّزْكِيَةُ إلّا مِنَ اللَّهِ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ . فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ أمِينٌ في الأرْضِ» “ . قُلْنا: إنَّما قالَ ذَلِكَ حِينَ قالَ المُنافِقُونَ لَهُ: اعْدِلْ في القِسْمَةِ؛ ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا زَكّاهُ أوَّلًا بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ جازَ لَهُ ذَلِكَ بِخِلافِ غَيْرِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أجَلَّ أنْواعِ الزَّكاةِ والطَّهارَةِ وأشْرَفَها هو الإيمانُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ هو الَّذِي يُزَكِّي مَن يَشاءُ دَلَّ عَلى أنَّ إيمانَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ هو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تِلْكَ التَّزْكِيَةِ حَقَّ جَزائِهِمْ مِن غَيْرِ ظُلْمٍ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّ الَّذِينَ زَكّاهُمُ اللَّهُ فَإنَّهُ يُثِيبُهم عَلى طاعاتِهِمْ ولا يُنْقِصُ مِن ثَوابِهِمْ شَيْئًا، والفَتِيلُ ما فَتَلْتَ بَيْنَ إصْبَعَيْكَ مِنَ الوَسَخِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وعَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: الفَتِيلُ ما كانَ في شِقِّ النَّواةِ، والنَّقِيرُ النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ، والقِطْمِيرُ القِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ عَلى النَّواةِ، وهَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها تُضْرَبُ أمْثالًا لِلشَّيْءِ التّافِهِ الحَقِيرِ، أيْ لا يُظْلَمُونَ لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن فِرْيَتِهِمْ عَلى اللَّهِ، وهي تَزْكِيَتُهم أنْفُسَهم وافْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ، وهو قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقَوْلُهم: ما عَمِلْناهُ بِالنَّهارِ يُكَفَّرُ عَنّا بِاللَّيْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُنا أنَّ الخَبَرَ عَنِ الشَّيْءِ إذا كانَ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ عَنْهُ كانَ كَذِبًا، سَواءٌ عَلِمَ قائِلُهُ كَوْنَهُ كَذَلِكَ أوْ لَمْ يَعْلَمْ، وقالَ الجاحِظُ: شَرْطُ كَوْنِهِ كَذِبًا أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ لَنا؛ صفحة ١٠٣ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِهِمُ الزَّكاءَ والطَّهارَةَ، ثُمَّ لَمّا أخْبَرُوا بِالزَّكاةِ والطَّهارَةِ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ وإنَّما يُقالُ: كَفى بِهِ في التَّعْظِيمِ عَلى جِهَةِ المَدْحِ أوْ عَلى جِهَةِ الذَّمِّ، أمّا في المَدْحِ فَكَقَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] وأمّا في الذَّمِّ فَكَما في هَذا المَوْضِعِ. وقَوْلُهُ: ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

النساء 4:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ صفحة ١٠٢ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ اليَهُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فَعِنْدَ هَذا قالُوا: لَسْنا مِنَ المُشْرِكِينَ، بَلْ نَحْنُ خَواصُّ اللَّهِ تَعالى كَما حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وحَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وحَكى أيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ وبَعْضُهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ آباءَنا كانُوا أنْبِياءَ فَيَشْفَعُونَ لَنا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ أتَوْا بِأطْفالِهِمْ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلْ عَلى هَؤُلاءِ ذَنْبٌ ؟ فَقالَ: لا، فَقالُوا: واللَّهِ ما نَحْنُ إلّا كَهَؤُلاءِ؛ ما عَمِلْناهُ بِاللَّيْلِ كُفِّرَ عَنّا بِالنَّهارِ، وما عَمِلْناهُ بِالنَّهارِ كُفِّرَ عَنّا بِاللَّيْلِ» . وبِالجُمْلَةِ فالقَوْمُ كانُوا قَدْ بالَغُوا في تَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ، فَذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِتَزْكِيَةِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، وإنَّما العِبْرَةُ بِتَزْكِيَةِ اللَّهِ لَهُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التَّزْكِيَةُ في هَذا المَوْضِعِ عِبارَةٌ عَنْ مَدْحِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، ومِنهُ تَزْكِيَةُ المُعَدِّلِ لِلشّاهِدِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] وذَلِكَ لِأنَّ التَّزْكِيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّقْوى، والتَّقْوى صِفَةٌ في الباطِنِ، ولا يَعْلَمُ حَقِيقَتَها إلّا اللَّهُ، فَلا جَرَمَ لا تَصْلُحُ التَّزْكِيَةُ إلّا مِنَ اللَّهِ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ . فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ أمِينٌ في الأرْضِ» “ . قُلْنا: إنَّما قالَ ذَلِكَ حِينَ قالَ المُنافِقُونَ لَهُ: اعْدِلْ في القِسْمَةِ؛ ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا زَكّاهُ أوَّلًا بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ جازَ لَهُ ذَلِكَ بِخِلافِ غَيْرِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أجَلَّ أنْواعِ الزَّكاةِ والطَّهارَةِ وأشْرَفَها هو الإيمانُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ هو الَّذِي يُزَكِّي مَن يَشاءُ دَلَّ عَلى أنَّ إيمانَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ هو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تِلْكَ التَّزْكِيَةِ حَقَّ جَزائِهِمْ مِن غَيْرِ ظُلْمٍ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّ الَّذِينَ زَكّاهُمُ اللَّهُ فَإنَّهُ يُثِيبُهم عَلى طاعاتِهِمْ ولا يُنْقِصُ مِن ثَوابِهِمْ شَيْئًا، والفَتِيلُ ما فَتَلْتَ بَيْنَ إصْبَعَيْكَ مِنَ الوَسَخِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وعَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: الفَتِيلُ ما كانَ في شِقِّ النَّواةِ، والنَّقِيرُ النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ، والقِطْمِيرُ القِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ عَلى النَّواةِ، وهَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها تُضْرَبُ أمْثالًا لِلشَّيْءِ التّافِهِ الحَقِيرِ، أيْ لا يُظْلَمُونَ لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن فِرْيَتِهِمْ عَلى اللَّهِ، وهي تَزْكِيَتُهم أنْفُسَهم وافْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ، وهو قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقَوْلُهم: ما عَمِلْناهُ بِالنَّهارِ يُكَفَّرُ عَنّا بِاللَّيْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُنا أنَّ الخَبَرَ عَنِ الشَّيْءِ إذا كانَ عَلى خِلافِ المُخْبَرِ عَنْهُ كانَ كَذِبًا، سَواءٌ عَلِمَ قائِلُهُ كَوْنَهُ كَذَلِكَ أوْ لَمْ يَعْلَمْ، وقالَ الجاحِظُ: شَرْطُ كَوْنِهِ كَذِبًا أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ لَنا؛ صفحة ١٠٣ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِهِمُ الزَّكاءَ والطَّهارَةَ، ثُمَّ لَمّا أخْبَرُوا بِالزَّكاةِ والطَّهارَةِ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ وإنَّما يُقالُ: كَفى بِهِ في التَّعْظِيمِ عَلى جِهَةِ المَدْحِ أوْ عَلى جِهَةِ الذَّمِّ، أمّا في المَدْحِ فَكَقَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] وأمّا في الذَّمِّ فَكَما في هَذا المَوْضِعِ. وقَوْلُهُ: ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

النساء 4:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ نَوْعًا آخَرَ مِنَ المَكْرِ، وهو أنَّهم كانُوا يُفَضِّلُونَ عَبَدَةَ الأصْنامِ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَكانَ إقْدامُهم عَلى هَذا القَوْلِ لِمَحْضِ العِنادِ والتَّعَصُّبِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ خَرَجا إلى مَكَّةَ مَعَ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ يُحالِفُونَ قُرَيْشًا عَلى مُحارَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ، وأنْتُمْ أقْرَبُ إلى مُحَمَّدٍ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم، فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَهَذا إيمانُهم بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ؛ لِأنَّهم سَجَدُوا لِلْأصْنامِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: أنْحَنُ أهْدى سَبِيلًا أمْ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ كَعْبٌ: ماذا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، ويَنْهى عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ، وأوْقَعَ الفُرْقَةَ. قالَ: وما دِينُكم ؟ قالُوا: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَسْقِي الحاجَّ ونَقْرِي الضَّيْفَ ونَفُكُّ العانِي. وذَكَرُوا أفْعالَهم، فَقالَ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الجِبْتِ والطّاغُوتِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: كُلُّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ فَهو جِبْتٌ وطاغُوتٌ، ثُمَّ زَعَمَ الأكْثَرُونَ أنَّ الجِبْتَ لَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ في اللُّغَةِ. وحَكى القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الجِبْتَ أصْلُهُ جِبْسٌ، فَأُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً، والجِبْسُ هو الخَبِيثُ الرَّدِيءُ، وأمّا الطّاغُوتُ فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّغْيانِ، وهو الإسْرافُ في المَعْصِيَةِ، فَكُلُّ مَن دَعا إلى المَعاصِي الكِبارِ لَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، ثُمَّ تَوَسَّعُوا في هَذا الِاسْمِ حَتّى أوْقَعُوهُ عَلى الجَمادِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٣٥] فَأضافَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ أنَّها جَماداتٌ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الجِبْتُ: الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ. الثّالِثُ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: تَراجِمَةُ الأصْنامِ، يُتَرْجِمُونَ لِلنّاسِ عَنْها الأكاذِيبَ فَيُضِلُّونَهم بِها، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الكاهِنُ، والطّاغُوتُ: السّاحِرُ. الخامِسُ: قالَ الكَلْبِيُّ: الجِبْتُ في هَذِهِ صفحة ١٠٤ الآيَةِ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانَتِ اليَهُودُ يَرْجِعُونَ إلَيْهِما، فَسُمِّيا بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ لِسَعْيِهِما في إغْواءِ النّاسِ وإضْلالِهِمْ. السّادِسُ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ لِقُرَيْشٍ، وهُما الصَّنَمانِ اللَّذانِ سَجَدَ اليَهُودُ لَهُما طَلَبًا لِمَرْضاةِ قُرَيْشٍ، وبِالجُمْلَةِ فالأقاوِيلُ كَثِيرَةٌ، وهُما كَلِمَتانِ وُضِعَتا عَلَمَيْنِ عَلى مَن كانَ غايَةً في الشَّرِّ والفَسادِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ وهو الخِذْلانُ والإبْعادُ، وهو ضِدُّ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ القُرْبَةِ والزُّلْفى، وأخْبَرَ بَعْدَهُ بِأنَّ مَن يَلْعَنُهُ اللَّهُ فَلا ناصِرَ لَهُ، كَما قالَ: ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] فَهَذا اللَّعْنُ حاضِرٌ، وما في الآخِرَةِ أعْظَمُ، وهو يَوْمٌ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ، وفِيهِ وعْدٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالنُّصْرَةِ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوِيَةِ، بِالضِّدِّ عَلى الضِّدِّ، كَما قالَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] . واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ إنَّما اسْتَحَقُّوا هَذا اللَّعْنَ الشَّدِيدَ؛ لِأنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن تَفْضِيلِ عَبَدَةِ الأوْثانِ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ يَجْرِي مَجْرى المُكابَرَةِ، فَمَن يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ أفْضَلَ حالًا مِمَّنْ لا يَرْضى بِمَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ، ومَن كانَ دِينُهُ الإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى خِدْمَةِ الخالِقِ والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالُ عَلى الآخِرَةِ، كَيْفَ يَكُونُ أقَلَّ حالًا مِمَّنْ كانَ بِالضِّدِّ في كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ نَوْعًا آخَرَ مِنَ المَكْرِ، وهو أنَّهم كانُوا يُفَضِّلُونَ عَبَدَةَ الأصْنامِ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَكانَ إقْدامُهم عَلى هَذا القَوْلِ لِمَحْضِ العِنادِ والتَّعَصُّبِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ خَرَجا إلى مَكَّةَ مَعَ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ يُحالِفُونَ قُرَيْشًا عَلى مُحارَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالُوا: أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ، وأنْتُمْ أقْرَبُ إلى مُحَمَّدٍ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم، فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَهَذا إيمانُهم بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ؛ لِأنَّهم سَجَدُوا لِلْأصْنامِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: أنْحَنُ أهْدى سَبِيلًا أمْ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ كَعْبٌ: ماذا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، ويَنْهى عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، وتَرَكَ دِينَ آبائِهِ، وأوْقَعَ الفُرْقَةَ. قالَ: وما دِينُكم ؟ قالُوا: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَسْقِي الحاجَّ ونَقْرِي الضَّيْفَ ونَفُكُّ العانِي. وذَكَرُوا أفْعالَهم، فَقالَ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الجِبْتِ والطّاغُوتِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: كُلُّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ فَهو جِبْتٌ وطاغُوتٌ، ثُمَّ زَعَمَ الأكْثَرُونَ أنَّ الجِبْتَ لَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ في اللُّغَةِ. وحَكى القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الجِبْتَ أصْلُهُ جِبْسٌ، فَأُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً، والجِبْسُ هو الخَبِيثُ الرَّدِيءُ، وأمّا الطّاغُوتُ فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّغْيانِ، وهو الإسْرافُ في المَعْصِيَةِ، فَكُلُّ مَن دَعا إلى المَعاصِي الكِبارِ لَزِمَهُ هَذا الِاسْمُ، ثُمَّ تَوَسَّعُوا في هَذا الِاسْمِ حَتّى أوْقَعُوهُ عَلى الجَمادِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [ إبْراهِيمَ: ٣٥] فَأضافَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ أنَّها جَماداتٌ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الجِبْتُ: الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ. الثّالِثُ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: تَراجِمَةُ الأصْنامِ، يُتَرْجِمُونَ لِلنّاسِ عَنْها الأكاذِيبَ فَيُضِلُّونَهم بِها، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. الرّابِعُ: رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الكاهِنُ، والطّاغُوتُ: السّاحِرُ. الخامِسُ: قالَ الكَلْبِيُّ: الجِبْتُ في هَذِهِ صفحة ١٠٤ الآيَةِ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانَتِ اليَهُودُ يَرْجِعُونَ إلَيْهِما، فَسُمِّيا بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ لِسَعْيِهِما في إغْواءِ النّاسِ وإضْلالِهِمْ. السّادِسُ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ لِقُرَيْشٍ، وهُما الصَّنَمانِ اللَّذانِ سَجَدَ اليَهُودُ لَهُما طَلَبًا لِمَرْضاةِ قُرَيْشٍ، وبِالجُمْلَةِ فالأقاوِيلُ كَثِيرَةٌ، وهُما كَلِمَتانِ وُضِعَتا عَلَمَيْنِ عَلى مَن كانَ غايَةً في الشَّرِّ والفَسادِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ وهو الخِذْلانُ والإبْعادُ، وهو ضِدُّ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ القُرْبَةِ والزُّلْفى، وأخْبَرَ بَعْدَهُ بِأنَّ مَن يَلْعَنُهُ اللَّهُ فَلا ناصِرَ لَهُ، كَما قالَ: ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] فَهَذا اللَّعْنُ حاضِرٌ، وما في الآخِرَةِ أعْظَمُ، وهو يَوْمٌ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ، وفِيهِ وعْدٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالنُّصْرَةِ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوِيَةِ، بِالضِّدِّ عَلى الضِّدِّ، كَما قالَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] . واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ إنَّما اسْتَحَقُّوا هَذا اللَّعْنَ الشَّدِيدَ؛ لِأنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن تَفْضِيلِ عَبَدَةِ الأوْثانِ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ يَجْرِي مَجْرى المُكابَرَةِ، فَمَن يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ أفْضَلَ حالًا مِمَّنْ لا يَرْضى بِمَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ، ومَن كانَ دِينُهُ الإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى خِدْمَةِ الخالِقِ والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالُ عَلى الآخِرَةِ، كَيْفَ يَكُونُ أقَلَّ حالًا مِمَّنْ كانَ بِالضِّدِّ في كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ اليَهُودَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالجَهْلِ الشَّدِيدِ، وهو اعْتِقادُهم أنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ أفْضَلُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ووَصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالبُخْلِ والحَسَدِ، فالبُخْلُ هو أنْ لا يَدْفَعَ لِأحَدٍ شَيْئًا مِمّا آتاهُ اللَّهُ مِنَ النِّعْمَةِ، والحَسَدُ هو أنْ يَتَمَنّى أنْ لا يُعْطِيَ اللَّهُ غَيْرَهُ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ، فالبُخْلُ والحَسَدُ يَشْتَرِكانِ في أنَّ صاحِبَهُ يُرِيدُ مَنعَ النِّعْمَةِ مِنَ الغَيْرِ، فَأمّا البَخِيلُ فَيَمْنَعُ نِعْمَةَ نَفْسِهِ عَنِ الغَيْرِ، وأمّا الحاسِدُ فَيُرِيدُ أنْ يَمْنَعَ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن عِبادِهِ، وإنَّما قَدَّمَ تِلْكَ الآيَةَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَها قُوَّتانِ: القُوَّةُ العالِمَةُ والقُوَّةُ العامِلَةُ، فَكَمالُ القُوَّةِ العالِمَةِ العِلْمُ، ونُقْصانُها الجَهْلُ، وكَمالُ القُوَّةِ العامِلَةِ الأخْلاقُ الحَمِيدَةُ، ونُقْصانُها الأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ، وأشَدُّ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ نُقْصانًا البُخْلُ والحَسَدُ؛ لِأنَّهُما مَنشَآنِ لِعَوْدِ المَضارِّ إلى عِبادِ اللَّهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّما قَدَّمَ وصْفَهم بِالجَهْلِ عَلى وصْفِهِمْ بِالبُخْلِ والحَسَدِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ في الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ وأصْلٌ لَها، فَكانَ شَرْحُ حالِها يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى شَرْحِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ. الثّانِي: أنَّ السَّبَبَ لِحُصُولِ البُخْلِ والحَسَدِ هو الجَهْلُ، والسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلى المُسَبَّبِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ تَعالى ذِكْرَ الجَهْلِ عَلى ذِكْرِ البُخْلِ والحَسَدِ. وإنَّما قُلْنا إنَّ الجَهْلَ سَبَبُ البُخْلِ والحَسَدِ؛ أمّا البُخْلُ فَلِأنَّ بَذْلَ المالِ سَبَبٌ لِطَهارَةِ النَّفْسِ ولِحُصُولِ السَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وحَبْسُ المالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مالِ الدُّنْيا في يَدِهِ، فالبُخْلُ يَدْعُوكَ إلى الدُّنْيا ويَمْنَعُكَ عَنِ الآخِرَةِ، والجُودُ يَدْعُوكَ إلى الآخِرَةِ ويَمْنَعُكَ عَنِ الدُّنْيا، ولا شَكَّ أنَّ تَرْجِيحَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا مِن مَحْضِ الجَهْلِ. وأمّا الحَسَدُ فَلِأنَّ الإلَهِيَّةَ عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ النِّعَمِ والإحْسانِ إلى العَبِيدِ، فَمَن كَرِهَ ذَلِكَ فَكَأنَّهُ أرادَ عَزْلَ الإلَهِ عَنِ الإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ صفحة ١٠٥ مَحْضُ الجَهْلِ. فَثَبَتَ أنَّ السَّبَبَ الأصْلِيَّ لِلْبُخْلِ والحَسَدِ هو الجَهْلُ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى الجَهْلَ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ البُخْلِ والحَسَدِ؛ لِيَكُونَ المُسَبَّبُ مَذْكُورًا عَقِيبَ السَّبَبِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ”أمْ“ هَهُنا فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ بَعْضُهم: المِيمُ صِلَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: ألَهم؛ لِأنَّ حَرْفَ ”أمْ“ إذا لَمْ يَسْبِقْهُ اسْتِفْهامٌ كانَ المِيمُ فِيهِ صِلَةً. الثّانِي: أنَّ ”أمْ“ هَهُنا مُتَّصِلَةٌ، وقَدْ سَبَقَ هَهُنا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ هَؤُلاءِ المَلْعُونِينَ قَوْلَهم لِلْمُشْرِكِينَ: إنَّهم أهْدى سَبِيلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمِن ذَلِكَ يُتَعَجَّبُ، أمْ مِن قَوْلِهِمْ: لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، مَعَ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهم مُلْكٌ لَبَخِلُوا بِأقَلِّ القَلِيلِ. الثّالِثُ: أنَّ ”أمْ“ هَهُنا مُنْقَطِعَةٌ وغَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِما قَبْلَها البَتَّةَ، كَأنَّهُ لَمّا تَمَّ الكَلامُ الأوَّلُ قالَ: بَلْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، يَعْنِي لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ المُلْكِ البَتَّةَ، وهَذا الوَجْهُ أصَحُّ الوُجُوهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في هَذا المُلْكِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: اليَهُودُ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أوْلى بِالمُلْكِ والنُّبُوَّةِ فَكَيْفَ نَتَّبِعُ العَرَبَ ؟ فَأبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم في هَذِهِ الآيَةِ. الثّانِي: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ المُلْكَ يَعُودُ إلَيْهِمْ في آخِرِ الزَّمانِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ اليَهُودِ مَن يُجَدِّدُ مُلْكَهم ودَوْلَتَهم ويَدْعُو إلى دِينِهِمْ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ. الثّالِثُ: المُرادُ بِالمُلْكِ هَهُنا التَّمْلِيكُ، يَعْنِي أنَّهم إنَّما يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ نُبُوَّتِكَ لَوْ كانَ التَّمْلِيكُ إلَيْهِمْ، ولَوْ كانَ التَّمْلِيكُ إلَيْهِمْ لَبَخِلُوا بِالنَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى النَّفْيِ والإثْباتِ. قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: كانُوا أصْحابَ بَساتِينَ وأمْوالٍ، وكانُوا في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ، ثُمَّ كانُوا يَبْخَلُونَ عَلى الفُقَراءِ بِأقَلِّ القَلِيلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ بُخْلَهم كالمانِعِ مِن حُصُولِ المُلْكِ لَهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُلْكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعانِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ مِن حَيْثُ العَقْلِ أنَّ الِانْقِيادَ لِلْغَيْرِ أمْرٌ مَكْرُوهٌ لِذاتِهِ، والإنْسانُ لا يَتَحَمَّلُ المَكْرُوهَ إلّا إذا وجَدَ في مُقابَلَتِهِ أمْرًا مَطْلُوبًا مَرْغُوبًا فِيهِ، وجِهاتُ الحاجاتِ مُحِيطَةٌ بِالنّاسِ، فَإذا صَدَرَ مِن إنْسانٍ إحْسانٌ إلى غَيْرِهِ صارَتْ رَغْبَةُ المُحْسِنِ إلَيْهِ في ذَلِكَ المالِ سَبَبًا لِصَيْرُورَتِهِ مُنْقادًا مُطِيعًا لَهُ؛ فَلِهَذا قِيلَ: بِالبِرِّ يُسْتَعْبَدُ الحُرُّ، فَإذا لَمْ يُوجَدْ هَذا بَقِيَتِ النَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَنْ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ خالِصًا عَنِ المُعارِضِ، فَلا يَحْصُلُ الِانْقِيادُ البَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ المُلْكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعانِ، ثُمَّ إنَّ المُلْكَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُلْكٌ عَلى الظَّواهِرِ فَقَطْ، وهَذا هو مُلْكُ المُلُوكِ، ومُلْكٌ عَلى البَواطِنِ فَقَطْ، وهَذا هو مُلْكُ العُلَماءِ، ومُلْكٌ عَلى الظَّواهِرِ والبَواطِنِ مَعًا، وهَذا هو مُلْكُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. فَإذا كانَ الجُودُ مِن لَوازِمِ المُلْكِ وجَبَ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَكُونُوا في غايَةِ الجُودِ والكَرَمِ والرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ، لِيَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ سَبَبًا لِانْقِيادِ الخَلْقِ لَهم، وامْتِثالِهِمْ لِأوامِرِهِمْ. وكَمالُ هَذِهِ الصِّفاتِ حاصِلٌ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: ”إذَنْ“ في عَوامِلِ الأفْعالِ بِمَنزِلَةِ ”أظُنُّ“ في عَوامِلِ الأسْماءِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الظَّنَّ إذا وقَعَ في أوَّلِ الكَلامِ نُصِبَ لا غَيْرَ، كَقَوْلِكَ: أظُنُّ زَيْدًا قائِمًا. وإنْ وقَعَ في الوَسَطِ جازَ إلْغاؤُهُ وإعْمالُهُ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ أظُنُّ قائِمٌ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: زَيْدًا أظُنُّ قائِمًا، وإنْ تَأخَّرَ فالأحْسَنُ إلْغاؤُهُ، تَقُولُ: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ ظَنَنْتُ، والسَّبَبُ فِيما ذَكَرْناهُ أنَّ ”ظَنَّ“، وما أشْبَهَهُ مِنَ الأفْعالِ نَحْوَ عَلِمَ وحَسِبَ ضَعِيفَةٌ في العَمَلِ؛ لِأنَّها لا تُؤَثِّرُ صفحة ١٠٦ فِي مَعْمُولاتِها، فَإذا تَقَدَّمَ دَلَّ التَّقْدِيمُ في الذِّكْرِ عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ، فَقَوِيَ عَلى التَّأْثِيرِ، وإذا تَأخَّرَ دَلَّ عَلى عَدَمِ العِنايَةِ فَلَغا، وإنْ تَوَسَّطَ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في مَحَلِّ العِنايَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ولا في مَحَلِّ الإهْمالِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، بَلْ كانَتْ كالمُتَوَسِّطَةِ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، فَلا جَرَمَ كانَ الإعْمالُ والإلْغاءُ جائِزًا. واعْلَمْ أنَّ الإعْمالَ في حالِ التَّوَسُّطِ أحْسَنُ، والإلْغاءَ حالَ التَّأخُّرِ أحْسَنُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كَلِمَةُ ”إذَنْ“ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ أيْضًا، فَإنْ تَقَدَّمَتْ نَصَبَتِ الفِعْلَ، تَقُولُ: إذَنْ أُكْرِمَكَ، وإنْ تَوَسَّطَتْ أوْ تَأخَّرَتْ جازَ الإلْغاءُ، تَقُولُ: أنا إذَنْ أُكْرِمُكَ، وأنا أُكْرِمُكَ إذَنْ، فَتُلْغِيهِ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ كَلِمَةُ ”إذَنْ“ فِيها مُتَقَدِّمَةٌ وما عَمِلَتْ، فَذَكَرُوا في العُذْرِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا إذَنْ. الثّانِي: أنَّها لَمّا وقَعَتْ بَيْنَ الفاءِ والفِعْلِ جازَ أنْ تُقَدَّرَ مُتَوَسِّطَةً، فَتُلْغى كَما تُلْغى إذا تَوَسَّطَتْ أوْ تَأخَّرَتْ، وهَكَذا سَبِيلُها مَعَ الواوِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦] . والثّالِثُ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”فَإذًا لا يُؤْتُوا“ عَلى إعْمالِ ”إذَنْ“ عَمَلَها الَّذِي هو النَّصْبُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: النَّقِيرُ نُقْرَةٌ في ظَهْرِ النَّواةِ، ومِنها تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، وأصْلُهُ أنَّهُ فَعِيلٌ مِنَ النَّقْرِ، ويُقالُ لِلْخَشَبِ الَّذِي يُنْقَرُ فِيهِ: نَقِيرٌ؛ لِأنَّهُ يُنْقَرُ، والنَّقْرُ: ضَرْبُ الحَجَرِ وغَيْرُهُ بِالمِنقارِ، والمِنقارُ حَدِيدَةٌ كالفَأْسِ تُقَطَّعُ بِها الحِجارَةُ، والغَرَضُ أنَّهم يَبْخَلُونَ بِأقَلِّ القَلِيلِ.

النساء 4:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمْ: مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ يَحْسُدُونَ النّاسَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِلَفْظِ ”النّاسِ“ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والأكْثَرِينَ أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ وإنَّما جازَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِ لَفْظُ الجَمْعِ، وهو واحِدٌ؛ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ما لا يَحْصُلُ إلّا مُتَفَرِّقًا في الجَمْعِ العَظِيمِ، ومِن هَذا يُقالُ: فُلانٌ أُمَّةٌ وحْدَهُ، أيْ يَقُومُ مَقامَ أُمَّةٍ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] . صفحة ١٠٧ والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ هَهُنا هو الرَّسُولُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ: إنَّ لَفْظَ ”النّاسِ“ جَمْعٌ، فَحَمْلُهُ عَلى الجَمْعِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المُفْرَدِ. واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما حَسُنَ ذِكْرُ ”النّاسِ“ لِإرادَةِ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الخَلْقِ إنَّما هو القِيامُ بِالعُبُودِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَلَمّا كانَ القائِمُونَ بِهَذا المَقْصُودِ لَيْسَ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ ومَن كانَ عَلى دِينِهِ كانَ وهو وأصْحابُهُ كَأنَّهم كُلُّ النّاسِ؛ فَلِهَذا حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ النّاسِ وإرادَتِهِمْ عَلى التَّعْيِينِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الفَضْلِ الَّذِي لِأجْلِهِ صارُوا مَحْسُودِينَ عَلى قَوْلَيْنِ: فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ هو النُّبُوَّةُ والكَرامَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِها في الدِّينِ والدُّنْيا. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم حَسَدُوهُ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُ مِنَ الزَّوْجاتِ تِسْعٌ. واعْلَمْ أنَّ الحَسَدَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الفَضِيلَةِ، فَكُلَّما كانَتْ فَضِيلَةُ الإنْسانِ أتَمَّ وأكْمَلَ كانَ حَسَدُ الحاسِدِينَ عَلَيْهِ أعْظَمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّبُوَّةَ أعْظَمُ المَناصِبِ في الدِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْطاها لِمُحَمَّدٍ ﷺ وضَمَّ إلَيْها أنَّهُ جَعَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ أقْوى دَوْلَةً وأعْظَمَ شَوْكَةً وأكْثَرَ أنْصارًا وأعْوانًا، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الحَسَدَ العَظِيمَ. فَأمّا كَثْرَةُ النِّساءِ فَهو كالأمْرِ الحَقِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ذَكَرْناهُ، فَلا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذا الفَضْلِ بِهِ، بَلْ إنْ جُعِلَ الفَضْلُ اسْمًا لِجَمِيعِ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ دَخَلَ هَذا أيْضًا تَحْتَهُ، فَأمّا عَلى سَبِيلِ القَصْرِ عَلَيْهِ فَبَعِيدٌ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ صارَتْ سَبَبًا لِحَسَدِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ، بَيَّنَ ما يَدْفَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ حَصَلَ في أوْلادِ إبْراهِيمَ جَماعَةٌ كَثِيرُونَ جَمَعُوا بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ، وأنْتُمْ لا تَتَعَجَّبُونَ مِن ذَلِكَ ولا تَحْسُدُونَهُ، فَلِمَ تَتَعَجَّبُونَ مِن حالِ مُحَمَّدٍ، ولِمَ تَحْسُدُونَهُ ؟ واعْلَمْ أنَّ ”الكِتابَ“ إشارَةٌ إلى ظَواهِرِ الشَّرِيعَةِ، ”والحِكْمَةَ“ إشارَةٌ إلى أسْرارِ الحَقِيقَةِ، وذَلِكَ هو كَمالُ العِلْمِ، وأمّا المُلْكُ العَظِيمُ فَهو كَمالُ القُدْرَةِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا العِلْمَ والقُدْرَةَ، فَهَذا الكَلامُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ آتاهم أقْصى ما يَلِيقُ بِالإنْسانِ مِنَ الكَمالاتِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدًا فِيهِمْ لا يَكُونُ مُسْتَبْعَدًا في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: إنَّهم لَمّا اسْتَكْثَرُوا نِساءَهُ قِيلَ لَهم: كَيْفَ اسْتَكْثَرْتُمْ لَهُ التِّسْعَ وقَدْ كانَ لِداوُدَ مِائَةٌ، ولِسُلَيْمانَ ثَلاثُمِائَةٍ بِالمَهْرِ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ ؟ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”بِهِ“ فَقالَ بَعْضُهم: بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، والمُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ آمَنَ بَعْضُهم وبَقِيَ بَعْضُهم عَلى الكُفْرِ والإنْكارِ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والمَعْنى أنَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ مَعَ ما خَصَصْتُهم بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ جَرَتْ عادَةُ أُمَمِهِمْ فِيهِمْ أنَّ بَعْضَهم آمَنَ بِهِ وبَعْضَهم بَقُوا عَلى الكُفْرِ، فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ لا تَتَعَجَّبْ مِمّا عَلَيْهِ هَؤُلاءِ القَوْمُ، فَإنَّ أحْوالَ جَمِيعِ الأُمَمِ مَعَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ هَكَذا كانَتْ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ؛ لِيَكُونَ أشَدَّ صَبْرًا عَلى ما يَنالُ مِن قِبَلِهِمْ. صفحة ١٠٨ ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ كَفى بِجَهَنَّمَ في عَذابِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ سَعِيرًا، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ، يُقالُ: أوْقَدْتُ النّارَ، وأسْعَرْتُها، بِمَعْنًى واحِدٍ.

النساء 4:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أمْ: مُنْقَطِعَةٌ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ يَحْسُدُونَ النّاسَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِلَفْظِ ”النّاسِ“ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والأكْثَرِينَ أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ وإنَّما جازَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِ لَفْظُ الجَمْعِ، وهو واحِدٌ؛ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِن خِصالِ الخَيْرِ ما لا يَحْصُلُ إلّا مُتَفَرِّقًا في الجَمْعِ العَظِيمِ، ومِن هَذا يُقالُ: فُلانٌ أُمَّةٌ وحْدَهُ، أيْ يَقُومُ مَقامَ أُمَّةٍ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] . صفحة ١٠٧ والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ هَهُنا هو الرَّسُولُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ: إنَّ لَفْظَ ”النّاسِ“ جَمْعٌ، فَحَمْلُهُ عَلى الجَمْعِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المُفْرَدِ. واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما حَسُنَ ذِكْرُ ”النّاسِ“ لِإرادَةِ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الخَلْقِ إنَّما هو القِيامُ بِالعُبُودِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَلَمّا كانَ القائِمُونَ بِهَذا المَقْصُودِ لَيْسَ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ ومَن كانَ عَلى دِينِهِ كانَ وهو وأصْحابُهُ كَأنَّهم كُلُّ النّاسِ؛ فَلِهَذا حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ النّاسِ وإرادَتِهِمْ عَلى التَّعْيِينِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الفَضْلِ الَّذِي لِأجْلِهِ صارُوا مَحْسُودِينَ عَلى قَوْلَيْنِ: فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ هو النُّبُوَّةُ والكَرامَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِها في الدِّينِ والدُّنْيا. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم حَسَدُوهُ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُ مِنَ الزَّوْجاتِ تِسْعٌ. واعْلَمْ أنَّ الحَسَدَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الفَضِيلَةِ، فَكُلَّما كانَتْ فَضِيلَةُ الإنْسانِ أتَمَّ وأكْمَلَ كانَ حَسَدُ الحاسِدِينَ عَلَيْهِ أعْظَمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّبُوَّةَ أعْظَمُ المَناصِبِ في الدِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْطاها لِمُحَمَّدٍ ﷺ وضَمَّ إلَيْها أنَّهُ جَعَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ أقْوى دَوْلَةً وأعْظَمَ شَوْكَةً وأكْثَرَ أنْصارًا وأعْوانًا، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الحَسَدَ العَظِيمَ. فَأمّا كَثْرَةُ النِّساءِ فَهو كالأمْرِ الحَقِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ذَكَرْناهُ، فَلا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذا الفَضْلِ بِهِ، بَلْ إنْ جُعِلَ الفَضْلُ اسْمًا لِجَمِيعِ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ دَخَلَ هَذا أيْضًا تَحْتَهُ، فَأمّا عَلى سَبِيلِ القَصْرِ عَلَيْهِ فَبَعِيدٌ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ صارَتْ سَبَبًا لِحَسَدِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ، بَيَّنَ ما يَدْفَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ حَصَلَ في أوْلادِ إبْراهِيمَ جَماعَةٌ كَثِيرُونَ جَمَعُوا بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ، وأنْتُمْ لا تَتَعَجَّبُونَ مِن ذَلِكَ ولا تَحْسُدُونَهُ، فَلِمَ تَتَعَجَّبُونَ مِن حالِ مُحَمَّدٍ، ولِمَ تَحْسُدُونَهُ ؟ واعْلَمْ أنَّ ”الكِتابَ“ إشارَةٌ إلى ظَواهِرِ الشَّرِيعَةِ، ”والحِكْمَةَ“ إشارَةٌ إلى أسْرارِ الحَقِيقَةِ، وذَلِكَ هو كَمالُ العِلْمِ، وأمّا المُلْكُ العَظِيمُ فَهو كَمالُ القُدْرَةِ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا العِلْمَ والقُدْرَةَ، فَهَذا الكَلامُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ آتاهم أقْصى ما يَلِيقُ بِالإنْسانِ مِنَ الكَمالاتِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدًا فِيهِمْ لا يَكُونُ مُسْتَبْعَدًا في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: إنَّهم لَمّا اسْتَكْثَرُوا نِساءَهُ قِيلَ لَهم: كَيْفَ اسْتَكْثَرْتُمْ لَهُ التِّسْعَ وقَدْ كانَ لِداوُدَ مِائَةٌ، ولِسُلَيْمانَ ثَلاثُمِائَةٍ بِالمَهْرِ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ ؟ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ واخْتَلَفُوا في مَعْنى ”بِهِ“ فَقالَ بَعْضُهم: بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، والمُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ آمَنَ بَعْضُهم وبَقِيَ بَعْضُهم عَلى الكُفْرِ والإنْكارِ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والمَعْنى أنَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ مَعَ ما خَصَصْتُهم بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ جَرَتْ عادَةُ أُمَمِهِمْ فِيهِمْ أنَّ بَعْضَهم آمَنَ بِهِ وبَعْضَهم بَقُوا عَلى الكُفْرِ، فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ لا تَتَعَجَّبْ مِمّا عَلَيْهِ هَؤُلاءِ القَوْمُ، فَإنَّ أحْوالَ جَمِيعِ الأُمَمِ مَعَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ هَكَذا كانَتْ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ؛ لِيَكُونَ أشَدَّ صَبْرًا عَلى ما يَنالُ مِن قِبَلِهِمْ. صفحة ١٠٨ ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ كَفى بِجَهَنَّمَ في عَذابِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ سَعِيرًا، والسَّعِيرُ: الوَقُودُ، يُقالُ: أوْقَدْتُ النّارَ، وأسْعَرْتُها، بِمَعْنًى واحِدٍ.

النساء 4:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَما ذَكَرَ الوَعِيدَ بِالطّائِفَةِ الخاصَّةِ مِن أهْلِ الكِتابِ بَيَّنَ ما يَعُمُّ الكافِرِينَ مِنَ الوَعِيدِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يَدْخُلُ في الآياتِ كُلُّ ما يَدُلُّ عَلى ذاتِ اللَّهِ وأفْعالِهِ وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ والمَلائِكَةُ والكُتُبُ والرُّسُلُ، وكُفْرُهم بِالآياتِ لَيْسَ يَكُونُ بِالجَحْدِ، لَكِنْ بِوُجُوهٍ، مِنها أنْ يُنْكِرُوا كَوْنَها آياتٍ، ومِنها أنْ يَغْفُلُوا عَنْها فَلا يَنْظُرُوا فِيها، ومِنها أنْ يُلْقُوا الشُّكُوكَ والشُّبُهاتِ فِيها، ومِنها: أنْ يُنْكِرُوها مَعَ العِلْمِ بِها عَلى سَبِيلِ العِنادِ والحَسَدِ. وأمّا حَدُّ الكُفْرِ وحَقِيقَتُهُ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: ”سَوْفَ“ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، يُقالُ: سَوْفَ أفْعَلُ، ويَنُوبُ عَنْها حَرْفُ السِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] وقَدْ تَرِدُ كَلِمَةُ ”سَوْفَ“ في الوَعْدِ أيْضًا قالَ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] وقالَ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] قِيلَ: أخَّرَهُ إلى وقْتِ السَّحَرِ تَحْقِيقًا لِلدُّعاءِ، وبِالجُمْلَةِ فَكَلِمَةُ ”السِّينِ“ و”سَوْفَ“ مَخْصُوصَتانِ بِالِاسْتِقْبالِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ أيْ نُدْخِلُهُمُ النّارَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ فِيهِ زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ: شَوَيْتُهُ بِالنّارِ، يُقالُ: شاةٌ مَصْلِيَّةٌ أيْ مَشْوِيَّةٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لَمّا كانَ تَعالى قادِرًا عَلى إبْقائِهِمْ أحْياءً في النّارِ أبَدَ الآبادِ، فَلِمَ لَمْ يُبْقِ أبْدانَهم في النّارِ مَصُونَةً عَنِ النُّضْجِ والِاحْتِراقِ مَعَ أنَّهُ يُوَصِّلُ إلَيْها الآلامَ الشَّدِيدَةَ، حَتّى لا يَحْتاجَ إلى تَبْدِيلِ جُلُودِهِمْ بِجُلُودٍ أُخْرى ؟ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُوَصِّلَ إلى أبْدانِهِمْ آلامًا عَظِيمَةً مِن غَيْرِ إدْخالِ النّارِ مَعَ أنَّهُ تَعالى أدْخَلَهُمُ النّارَ. السُّؤالُ الثّانِي: الجُلُودُ العاصِيَةُ إذا احْتَرَقَتْ فَلَوْ خَلَقَ اللَّهُ مَكانَها جُلُودًا أُخْرى وعَذَّبَها كانَ هَذا تَعْذِيبًا لِمَن لَمْ يَعْصِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ. والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنْ يُجْعَلَ النُّضْجُ غَيْرُ النَّضِيجِ، فالذّاتُ واحِدَةٌ والمُتَبَدِّلِ هو الصِّفَةُ، صفحة ١٠٩ فَإذا كانَتِ الذّاتُ واحِدَةً كانَ العَذابُ لَمْ يَصِلْ إلّا إلى العاصِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ المُرادُ بِالغَيْرِيَّةِ التَّغايُرُ في الصِّفَةِ. الثّانِي: المُعَذَّبُ هو الإنْسانُ، وذَلِكَ الجِلْدُ ما كانَ جُزْءًا مِن ماهِيَّةِ الإنْسانِ، بَلْ كانَ كالشَّيْءِ المُلْتَصِقِ بِهِ الزّائِدِ عَلى ذاتِهِ، فَإذا جَدَّدَ اللَّهُ الجِلْدَ وصارَ ذَلِكَ الجِلْدُ الجَدِيدُ سَبَبًا لِوُصُولِ العَذابِ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْذِيبًا إلّا لِلْعاصِي. الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالجُلُودِ السَّرابِيلُ، قالَ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] فَتَجْدِيدُ الجُلُودِ إنَّما هو تَجْدِيدُ السَّرابِيلاتِ. طَعَنَ القاضِي فِيهِ، فَقالَ: إنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وأيْضًا السَّرابِيلُ مِنَ القَطِرانِ لا تُوصَفُ بِالنُّضْجِ، وإنَّما تُوصَفُ بِالِاحْتِراقِ. الرّابِعُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذا اسْتِعارَةٌ عَنِ الدَّوامِ وعَدَمِ الِانْقِطاعِ، كَما يُقالُ لِمَن يُرادُ وصْفُهُ بِالدَّوامِ: كُلَّما انْتَهى فَقَدِ ابْتَدَأ، وكُلَّما وصَلَ إلى آخِرِهِ فَقَدِ ابْتَدَأ مِن أوَّلِهِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ يَعْنِي كُلَّما ظَنُّوا أنَّهم نَضِجُوا واحْتَرَقُوا وانْتَهَوْا إلى الهَلاكِ أعْطَيْناهم قُوَّةً جَدِيدَةً مِنَ الحَياةِ بِحَيْثُ ظَنُّوا أنَّهُمُ الآنَ حَدَثُوا ووُجِدُوا، فَيَكُونُ المَقْصُودُ بَيانَ دَوامِ العَذابِ وعَدَمِ انْقِطاعِهِ. الخامِسُ: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ تَعالى يُبَدِّلُ الجُلُودَ مِن لَحْمِ الكافِرِ فَيُخْرِجُ مِن لَحْمِهِ جِلْدًا آخَرَ، وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ لَحْمَهُ مُتَناهٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَنْفَدَ، وعِنْدَ نَفادِ لَحْمِهِ لا بُدَّ مِن طَرِيقٍ آخَرَ في تَبْدِيلِ الجِلْدِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الطَّرِيقُ مَذْكُورًا أوَّلًا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ لِيَدُومَ لَهم ذَوْقُهُ ولا يَنْقَطِعَ، كَقَوْلِكَ لِلْمَعْزُوزِ: أعَزَّكَ اللَّهُ، أيْ أدامَكَ عَلى العِزِّ وزادَكَ فِيهِ. وأيْضًا المُرادُ: لِيَذُوقُوا بِهَذِهِ الحالَةِ الجَدِيدَةِ العَذابَ، وإلّا فَهم ذائِقُونَ مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما يُقالُ: فُلانٌ ذاقَ العَذابَ، إذا أدْرَكَ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، واللَّهُ تَعالى قَدْ وصَفَ أنَّهم كانُوا في أشَدِّ العَذابِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَذْكُرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم ذاقُوا العَذابَ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الذَّوْقِ الإخْبارُ بِأنَّ إحْساسَهم بِذَلِكَ العَذابِ في كُلِّ حالٍ يَكُونُ كَإحْساسِ الذّائِقِ المَذُوقَ، مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَدْخُلُ فِيهِ نُقْصانٌ ولا زَوالٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاحْتِراقِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ والمُرادُ مِنَ العَزِيزِ: القادِرُ الغالِبُ، ومِنَ الحَكِيمِ: الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ، وذِكْرُهُما في هَذا المَوْضِعِ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ يَقَعُ في القَلْبِ تَعَجُّبٌ مِن أنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ بَقاءُ الإنْسانِ في النّارِ الشَّدِيدَةِ أبَدَ الآبادِ ! فَقِيلَ: هَذا لَيْسَ بِعَجِيبٍ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ القادِرُ الغالِبُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، يَقْدِرُ عَلى إزالَةِ طَبِيعَةِ النّارِ، ويَقَعُ في القَلْبِ أنَّهُ كَرِيمٌ رَحِيمٌ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِرَحْمَتِهِ تَعْذِيبُ هَذا الشَّخْصِ الضَّعِيفِ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ ؟ فَقِيلَ: كَما أنَّهُ رَحِيمٌ فَهو أيْضًا حَكِيمٌ، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ. فَإنَّ نِظامَ العالَمِ لا يَبْقى إلّا بِتَهْدِيدِ العُصاةِ، والتَّهْدِيدُ الصّادِرُ مِنهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالتَّحْقِيقِ صَوْنًا لِكَلامِهِ عَنِ الكَذِبِ، فَثَبَتَ أنَّ ذِكْرَ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ هَهُنا في غايَةِ الحُسْنِ.

النساء 4:57

صفحة ١١٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ بِأنَّ الوَعْدَ والوَعِيدَ يَتَلازَمانِ في الذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ الأغْلَبِ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ غَيْرُ العَمَلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ العَمَلَ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. قالَ القاضِي: مَتى ذُكِرَ لَفْظُ الإيمانِ وحْدَهُ دَخَلَ فِيهِ العَمَلُ، ومَتى ذُكِرَ مَعَهُ العَمَلُ كانَ الإيمانُ هو التَّصْدِيقُ، وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الِاشْتِراكِ وعَدَمُ التَّغْيِيرِ، ولَوْلا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ لَخَرَجَ القُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ مُفِيدًا. فَلَعَلَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي نَسْمَعُها في القُرْآنِ يَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها مَعْنًى سِوى ما نَعْلَمُهُ، ويَكُونُ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنهُ ذَلِكَ المَعْنى، لا هَذا الَّذِي تَبادَرَتْ أفْهامُنا إلَيْهِ. هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ احْتِمالَ الِاشْتِراكِ والإفْرادِ عَلى السَّوِيَّةِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ احْتِمالَ البَقاءِ عَلى الأصْلِ واحْتِمالَ التَّغْيِيرِ مُتَساوِيانِ فَلا؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الألْفاظُ كانَتْ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ مَوْضُوعَةً لِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ ما نَفْهَمُهُ الآنَ، ثُمَّ تَغَيَّرَتْ إلى هَذا الَّذِي نَفْهَمُهُ الآنَ. فَثَبَتَ أنَّ عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ يَخْرُجُ القُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً، وإذا ثَبَتَ أنَّ الِاشْتِراكَ والتَّغْيِيرَ خِلافَ الأصْلِ انْدَفَعَ كَلامُ القاضِي. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في شَرْحِ ثَوابِ المُطِيعِينَ أُمُورًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ تَجْرِي مِن تَحْتِها مِياهُ الأنْهارِ، واعْلَمْ أنَّهُ إنْ جُعِلَ النَّهْرُ اسْمًا لِمَكانِ الماءِ كانَ الأمْرُ مِثْلَ ما قالَهُ الزَّجّاجُ، أمّا إنْ جَعَلْناهُ في المُتَعارَفِ اسْمًا لِذَلِكَ الماءِ فَلا حاجَةَ إلى هَذا الإضْمارِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالخُلُودِ والتَّأْبِيدِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ حَيْثُ يَقُولُ: إنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ وعَذابَ النّارِ يَنْقَطِعانِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مَعَ الخُلُودِ التَّأْبِيدَ، ولَوْ كانَ الخُلُودُ عِبارَةً عَنِ التَّأْبِيدِ لَزِمَ التَّكْرارُ وهو غَيْرُ جائِزٍ، فَدَلَّ هَذا أنَّ الخُلُودَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ التَّأْبِيدِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ طُولِ المُكْثِ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ أوْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ فَعِنْدَ هَذا يَبْطُلُ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ٩٣] عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ يَبْقى في النّارِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ؛ لِأنّا بَيَّنّا بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الخُلُودَ لِطُولِ المُكْثِ لا لِلتَّأْبِيدِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ والمُرادُ طَهارَتُهُنَّ مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ وجَمِيعِ أقْذارِ الدُّنْيا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] واللَّطائِفُ اللّائِقَةُ بِهَذا المَوْضِعِ قَدْ ذَكَرْناها في تِلْكَ الآيَةِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الظَّلِيلُ لَيْسَ يُنْبِئُ عَنِ الفِعْلِ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ بِمَعْنى فاعِلٍ أوْ مَفْعُولٍ، بَلْ هو مُبالَغَةٌ في نَعْتِ الظِّلِّ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ. واعْلَمْ أنَّ بِلادَ العَرَبِ كانَتْ في غايَةِ الحَرارَةِ، فَكانَ الظِّلُّ عِنْدَهم أعْظَمَ أسْبابِ الرّاحَةِ؛ ولِهَذا المَعْنى جَعَلُوهُ كِنايَةً عَنِ الرّاحَةِ. قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ السَّلامُ -: ”«السُّلْطانُ ظِلُّ اللَّهِ في الأرْضِ» “ فَإذا كانَ الظِّلُّ عِبارَةً عَنِ الرّاحَةِ كانَ الظَّلِيلُ كِنايَةً عَنِ المُبالَغَةِ العَظِيمَةِ في الرّاحَةِ، هَذا ما يَمِيلُ إلَيْهِ خاطِرِي، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَنْدَفِعُ سُؤالُ مَن يَقُولُ: إذا لَمْ يَكُنْ في الجَنَّةِ شَمْسٌ تُؤْذِي بِحَرِّها، فَما فائِدَةُ وصْفِها بِالظِّلِّ الظَّلِيلِ. وأيْضًا نَرى في الدُّنْيا أنَّ المَواضِعَ الَّتِي يَدُومُ الظِّلُّ فِيها ولا يَصِلُ نُورُ الشَّمْسِ إلَيْها يَكُونُ هَواؤُها عَفِنًا فاسِدًا مُؤْذِيًا، فَما مَعْنى وصْفُ هَواءِ الجَنَّةِ بِذَلِكَ لِأنَّ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْناهُ تَنْدَفِعُ هَذِهِ الشُّبُهاتُ.

النساء 4:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ بَعْضَ أحْوالِ الكُفّارِ وشَرَحَ وعِيدَهُ عادَ إلى ذِكْرِ التَّكالِيفِ مَرَّةً أُخْرى، وأيْضًا لَمّا حَكى عَنْ أهْلِ الكِتابِ أنَّهم كَتَمُوا الحَقَّ حَيْثُ قالُوا لِلَّذِينِ كَفَرُوا: هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أمَرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأداءِ الأماناتِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، سَواءٌ كانَتْ تِلْكَ الأُمُورُ مِن بابِ المَذاهِبِ والدِّياناتِ، أوْ مِن بابِ الدُّنْيا والمُعامَلاتِ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ الثَّوابَ العَظِيمَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وكانَ مِن أجَلِّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الأمانَةٌ، لا جَرَمَ أمَرَ بِها في هَذِهِ الآيَةِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: «رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ أغْلَقَ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ - وكانَ سادِنَ الكَعْبَةِ - بابَ الكَعْبَةِ، وصَعِدَ السَّطْحَ، وأبى أنْ يَدْفَعَ المِفْتاحَ إلَيْهِ، وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أمْنَعْهُ، فَلَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَدَهُ وأخَذَهُ مِنهُ وفَتَحَ، ودَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَمّا خَرَجَ سَألَهُ العَبّاسُ أنْ يُعْطِيَهُ المِفْتاحَ ويَجْمَعَ لَهُ السِّقايَةَ والسَّدانَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَرُدَّهُ إلى عُثْمانَ ويَعْتَذِرَ إلَيْهِ، فَقالَ عُثْمانُ لِعَلِيٍّ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخْبَرَ الرَّسُولَ ﷺ أنَّ السَّدانَةَ في أوْلادِ عُثْمانَ أبَدًا» . فَهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحَقَ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُثْمانَ: أعْطِنِي المِفْتاحَ فَقالَ: هاكَ بِأمانَةِ اللَّهِ، فَلَمّا أرادَ أنْ يَتَناوَلَهُ ضَمَّ يَدَهُ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ مَرَّةً ثانِيَةً: إنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَأعْطِنِي المِفْتاحَ، فَقالَ: هاكَ بِأمانَةِ اللَّهِ، فَلَمّا أرادَ أنْ يَتَناوَلَهُ ضَمَّ يَدَهُ، فَقالَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ذَلِكَ مَرَّةً ثالِثَةً، فَقالَ عُثْمانُ في الثّالِثَةِ: هاكَ بِأمانَةِ اللَّهِ، ودَفَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ يَطُوفُ ومَعَهُ المِفْتاحُ، وأرادَ أنْ يَدْفَعَهُ إلى العَبّاسِ، ثُمَّ قالَ: يا عُثْمانُ خُذِ المِفْتاحَ عَلى أنَّ لِلْعَبّاسِ نَصِيبًا مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُثْمانَ: ”هاكَ خالِدَةٌ تالِدَةٌ لا يَنْزِعُها مِنكَ إلّا ظالِمٌ» “ ثُمَّ إنَّ عُثْمانَ هاجَرَ ودَفَعَ المِفْتاحَ إلى أخِيهِ شَيْبَةَ فَهو في ولَدِهِ اليَوْمَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ هَذِهِ القِصَّةِ لا يُوجِبُ كَوْنَها مَخْصُوصَةً بِهَذِهِ القَضِيَّةِ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِ الأماناتِ، واعْلَمْ أنَّ مُعامَلَةَ الإنْسانِ إمّا أنْ تَكُونَ مَعَ رَبِّهِ أوْ مَعَ سائِرِ العِبادِ، أوْ مَعَ نَفْسِهِ، ولا بُدَّ مِن رِعايَةِ الأمانَةِ في جَمِيعِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ. أمّا رِعايَةُ الأمانَةِ مَعَ الرَّبِّ: فَهي في فِعْلِ المَأْمُوراتِ وتَرْكِ المَنهِيّاتِ، وهَذا بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الأمانَةُ في كُلِّ شَيْءٍ لازِمَةٌ، في الوُضُوءِ والجَنابَةِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ فَرْجَ الإنْسانِ وقالَ: هَذا أمانَةٌ خَبَّأْتُها عِنْدَكَ، فاحْفَظْها إلّا بِحَقِّها. واعْلَمْ أنَّ هَذا بابٌ واسِعٌ، فَأمانَةُ اللِّسانِ أنْ لا يَسْتَعْمِلَهُ في الكَذِبِ والغَيْبَةِ والنَّمِيمَةِ والكُفْرِ والبِدْعَةِ والفُحْشِ وغَيْرِها، وأمانَةُ العَيْنِ أنْ لا يَسْتَعْمِلَها في النَّظَرِ إلى الحَرامِ، وأمانَةُ السَّمْعِ أنْ لا يَسْتَعْمِلَهُ في سَماعِ المَلاهِي والمَناهِي، وسَماعِ الفُحْشِ والأكاذِيبِ وغَيْرِها، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ الأعْضاءِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو رِعايَةُ الأمانَةِ مَعَ سائِرِ الخَلْقِ، فَيَدْخُلُ فِيها رَدُّ الوَدائِعِ، ويَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ التَّطْفِيفِ صفحة ١١٢ فِي الكَيْلِ والوَزْنِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أنْ لا يُفْشِيَ عَلى النّاسِ عُيُوبَهم، ويَدْخُلُ فِيهِ عَدْلُ الأُمَراءِ مَعَ رَعِيَّتِهِمْ وعَدْلُ العُلَماءِ مَعَ العَوامِّ بِأنْ لا يَحْمِلُوهم عَلى التَّعَصُّباتِ الباطِلَةِ، بَلْ يُرْشِدُوهم إلى اعْتِقاداتٍ وأعْمالٍ تَنْفَعُهم في دُنْياهم وأُخْراهم، ويَدْخُلُ فِيهِ نَهْيُ اليَهُودِ عَنْ كِتْمانِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونَهْيُهم عَنْ قَوْلِهِمْ لِلْكُفّارِ: إنَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ أفْضَلُ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَدْخُلُ فِيهِ أمْرُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِرَدِّ المِفْتاحِ إلى عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ، ويَدْخُلُ فِيهِ أمانَةُ الزَّوْجَةِ لِلزَّوْجِ في حِفْظِ فَرْجِها، وفي أنْ لا تُلْحِقَ بِالزَّوْجِ ولَدًا يُولَدُ مِن غَيْرِهِ. وفي إخْبارِها عَنِ انْقِضاءِ عِدَّتِها. وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو أمانَةُ الإنْسانِ مَعَ نَفْسِهِ، فَهو أنْ لا يَخْتارَ لِنَفْسِهِ إلّا ما هو الأنْفَعُ والأصْلَحُ لَهُ في الدِّينِ والدُّنْيا، وأنْ لا يُقْدِمَ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ عَلى ما يَضُرُّهُ في الآخِرَةِ؛ ولِهَذا قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» “ . فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الكُلُّ، وقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ أمْرَ الأمانَةِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ فَقالَ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وقالَ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] وقالَ: ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ» “ وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: ثَلاثَةٌ يُؤَدَّيْنَ إلى البَرِّ والفاجِرِ: الأمانَةُ والعَهْدُ وصِلَةُ الرَّحِمِ. وقالَ القاضِي: لَفْظُ الأمانَةِ وإنْ كانَ مُتَناوِلًا لِلْكُلِّ إلّا أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الأمانَةِ ما يَجْرِي مَجْرى المالِ؛ لِأنَّها هي الَّتِي يُمْكِنُ أداؤُها إلى الغَيْرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأمانَةُ مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ المَفْعُولُ؛ ولِذَلِكَ جُمِعَ فَإنَّهُ جُعِلَ اسْمًا خالِصًا. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”الأمانَةَ“ عَلى التَّوْحِيدِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: مِنَ الأماناتِ الوَدائِعُ، ويَجِبُ رَدُّها عِنْدَ الطَّلَبِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها غَيْرُ مَضْمُونَةٍ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّها مَضْمُونَةٌ، رَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: اسْتَحْمَلَنِي رَجُلٌ بِضاعَةً، فَضاعَتْ مِن بَيْنِ ثِيابِي، فَضَمِنَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وعَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ لِإنْسانٍ عِنْدِي ودِيعَةٌ سِتَّةُ آلافِ دِرْهَمٍ، فَذَهَبَتْ، فَقالَ عُمَرُ: ذَهَبَ لَكَ مَعَها شَيْءٌ ؟ قُلْتُ: لا، فَألْزَمَنِي الضَّمانَ. وحُجَّةُ القَوْلِ المَشْهُورِ ما رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«لا ضَمانَ عَلى راعٍ ولا عَلى مُؤْتَمَنٍ» “ وأمّا فِعْلُ عُمَرَ فَهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّ المُودِعَ اعْتَرَفَ بِفِعْلٍ يُوجِبُ الضَّمانَ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: العارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ بَعْدَ الهَلاكِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: غَيْرُ مَضْمُونَةٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وبَعْدَ هَلاكِها تَعَذَّرَ رَدُّها بِصُورَتِها، ورَدُّ ضَمانِها رَدُّها بِمَعْناها، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى وُجُوبِ التَّضْمِينِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«عَلى اليَدِ ما أخَذَتْ حَتّى تُؤَدِّيَهُ» “ أقْصى ما في البابِ أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ في الوَدِيعَةِ، لَكِنَّ العامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ، وأيْضًا فَلِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ المُسْتامَ مَضْمُونٌ، وأنَّ المُودَعَ غَيْرُ مَضْمُونٍ، والعارِيَّةَ وقَعَتْ في البَيْنِ، فَنَقُولُ: المُشابَهَةُ بَيْنَ العارِيَّةِ وبَيْنَ المُسْتامِ صفحة ١١٣ أكْثَرُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أخَذَهُ الأجْنَبِيُّ لِغَرَضِ نَفْسِهِ، بِخِلافِ المُودَعِ، فَإنَّهُ أخَذَ الوَدِيعَةَ لِغَرَضِ المالِكِ، فَكانَتِ المُشابَهَةُ بَيْنَ المُسْتَعارِ وبَيْنَ المُسْتامِ أتَمَّ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَعارِ وبَيْنَ المُودَعِ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لا ضَمانَ عَلى مُؤْتَمَنٍ» “ . قُلْنا: إنَّهُ مَخْصُوصٌ في المُسْتامِ، فَكَذا في العارِيَّةِ؛ ولِأنَّ دَلِيلَنا ظاهِرُ القُرْآنِ، وهو أقْوى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الأمانَةَ عِبارَةٌ عَمّا إذا وجَبَ لِغَيْرِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ فَأدَّيْتَ ذَلِكَ الحَقَّ إلَيْهِ فَهَذا هو الأمانَةُ، والحُكْمُ بِالحَقِّ عِبارَةٌ عَمّا إذا وجَبَ لِإنْسانٍ عَلى غَيْرِهِ حَقٌّ فَأمَرْتَ مَن وجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الحَقُّ بِأنْ يَدْفَعَهُ إلى مَن لَهُ ذَلِكَ الحَقُّ، ولَمّا كانَ التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ أنْ يَبْدَأ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِغَيْرِهِ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأمْرَ بِالأمانَةِ أوَّلًا، ثُمَّ بَعْدَهُ ذَكَرَ الأمْرَ بِالحُكْمِ بِالحَقِّ، فَما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ؛ لِأنَّ أكْثَرَ لَطائِفِ القُرْآنِ مُودَعَةٌ في التَّرْتِيباتِ والرَّوابِطِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ مَن كانَ حاكِمًا وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَحْكُمَ بِالعَدْلِ، قالَ تَعالى: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ والتَّقْدِيرُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم إذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ. وقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠] وقالَ: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقالَ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] وعَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«لا تَزالُ هَذِهِ الأُمَّةُ بِخَيْرٍ ما إذا قالَتْ صَدَقَتْ، وإذا حَكَمَتْ عَدَلَتْ، وإذا اسْتَرْحَمَتْ رَحِمَتْ» “ وعَنِ الحَسَنِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى الحُكّامِ ثَلاثًا: أنْ لا يَتَّبِعُوا الهَوى، وأنْ يَخْشَوْهُ ولا يَخْشَوُا النّاسَ، ولا يَشْتَرُوا بِآياتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. ثُمَّ قَرَأ ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ [ص: ٢٦] وقَرَأ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . ومِمّا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ العَدْلِ الآياتُ الوارِدَةُ في مَذَمَّةِ الظُّلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ أيْنَ الظَّلَمَةُ، وأيْنَ أعْوانُ الظَّلَمَةِ، فَيُجْمَعُونَ كُلُّهم حَتّى مَن بَرى لَهم قَلَمًا، أوْ لاقَ لَهم دَواةً، فَيُجْمَعُونَ ويُلْقَوْنَ في النّارِ» “ وقالَ أيْضًا: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقالَ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] . فَإنْ قِيلَ: الغَرَضُ مِنَ الظُّلْمِ مَنفَعَةُ الدُّنْيا. فَأجابَ اللَّهُ عَنِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨] . * * * صفحة ١١٤ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَنْبَغِي لِلْقاضِي أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ في خَمْسَةِ أشْياءَ: في الدُّخُولِ عَلَيْهِ، والجُلُوسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، والإقْبالِ عَلَيْهِما، والِاسْتِماعِ مِنهُما، والحُكْمِ عَلَيْهِما، قالَ: والمَأْخُوذُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في الأفْعالِ دُونَ القَلْبِ، فَإنْ كانَ يَمِيلُ قَلْبُهُ إلى أحَدِهِما ويُحِبُّ أنْ يَغْلِبَ بِحُجَّتِهِ عَلى الآخَرِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. قالَ: ولا يَنْبَغِي أنْ يُلَقِّنَ واحِدًا مِنهُما حُجَّتَهُ، ولا شاهِدًا شَهادَتَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِأحَدِ الخَصْمَيْنِ، ولا يُلَقِّنُ المُدَّعِي الدَّعْوى والِاسْتِحْلافَ، ولا يُلَقِّنُ المُدَّعى عَلَيْهِ الإنْكارَ والإقْرارَ، ولا يُلَقِّنُ الشُّهُودَ أنْ يَشْهَدُوا أوْ لا يَشْهَدُوا، ولا يَنْبَغِي أنْ يَضِيفَ أحَدَ الخَصْمَيْنِ دُونَ الآخَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَكْسِرُ قَلْبَ الآخَرِ، ولا يُجِيبُ هو إلى ضِيافَةِ أحَدِهِما، ولا إلى ضِيافَتِهِما ما داما مُتَخاصِمَيْنِ. «ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ لا يَضِيفُ الخَصْمَ إلّا وخَصْمُهُ مَعَهُ» . وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، وحاصِلُ الأمْرِ فِيهِ أنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الحاكِمِ بِحُكْمِهِ إيصالَ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّهِ، وأنْ لا يَمْتَزِجَ ذَلِكَ بِغَرَضٍ آخَرَ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ كالتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ لَيْسَ لِجَمِيعِ النّاسِ أنْ يَشْرَعُوا في الحُكْمِ، بَلْ ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ، ثُمَّ بَقِيَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً في أنَّهُ بِأيِّ طَرِيقٍ يَصِيرُ حاكِمًا ؟ ولَمّا دَلَّتْ سائِرُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلْأُمَّةِ مِنَ الإمامِ الأعْظَمِ، وأنَّهُ هو الَّذِي يُنَصِّبُ القُضاةَ والوُلاةَ في البِلادِ، صارَتْ تِلْكَ الدَّلائِلُ كالبَيانِ لِما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الإجْمالِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ أيْ نِعْمَ شَيْءٌ يَعِظُكم بِهِ، أوْ نِعْمَ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أيْ نِعْمَ شَيْءٌ يَعِظُكم بِهِ ذاكَ، وهو المَأْمُورُ مِن أداءِ الأماناتِ والحُكْمِ بِالعَدْلِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أيِ اعْمَلُوا بِأمْرِ اللَّهِ ووَعْظِهِ، فَإنَّهُ أعْلَمُ بِالمَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ يُجازِيكم عَلى ما يَصْدُرُ مِنكم، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ في هَذِهِ الآياتِ بِالحُكْمِ عَلى سَبِيلِ العَدْلِ وبِأداءِ الأمانَةِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أيْ إذا حَكَمْتَ بِالعَدْلِ فَهو سُمَيْعٌ لِكُلِّ المَسْمُوعاتِ يَسْمَعُ ذَلِكَ الحُكْمَ، وإنْ أدَّيْتَ الأمانَةَ فَهو بَصِيرٌ لِكُلِّ المُبْصَراتِ يُبْصِرُ ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا أعْظَمُ أسْبابِ الوَعْدِ لِلْمُطِيعِ، وأعْظَمُ أسْبابِ الوَعِيدِ لِلْعاصِي، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» “ وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّهُ كُلَّما كانَ احْتِياجُ العَبْدِ أشَدَّ كانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ أكْمَلَ، والقُضاةُ والوُلاةُ قَدْ فَوَّضَ اللَّهُ إلى أحْكامِهِمْ مَصالِحَ العِبادِ، فَكانَ الِاهْتِمامُ بِحُكْمِهِمْ وقَضائِهِمْ أشَدَّ، فَهو سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الغَفْلَةِ والسَّهْوِ والتَّفاوُتِ في إبْصارِ المُبْصَراتِ وسَماعِ المَسْمُوعاتِ، ولَكِنْ لَوْ فَرَضْنا أنَّ هَذا التَّفاوُتَ كانَ مُمْكِنًا لَكانَ أوْلى المَواضِعِ بِالِاحْتِرازِ عَنِ الغَفْلَةِ والنِّسْيانِ هو وقْتُ حُكْمِ الوُلاةِ والقُضاةِ، فَلَمّا كانَ هَذا المَوْضِعُ مَخْصُوصًا بِمَزِيدِ العِنايَةِ لا جَرَمَ قالَ في خاتِمَةِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فَما أحْسَنَ هَذِهِ المَقاطِعَ المُوافِقَةَ لِهَذِهِ المَطالِعِ.

النساء 4:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرُّعاةَ والوُلاةَ بِالعَدْلِ في الرَّعِيَّةِ أمَرَ الرَّعِيَّةَ بِطاعَةِ الوُلاةِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ﴾ ولِهَذا قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حَقٌّ عَلى الإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ ويُؤَدِّيَ الأمانَةَ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلى الرَّعِيَّةِ أنْ يَسْمَعُوا ويُطِيعُوا. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الطّاعَةُ مُوافَقَةُ الإرادَةِ، وقالَ أصْحابُنا: الطّاعَةُ مُوافَقَةُ الأمْرِ لا مُوافَقَةُ الإرادَةِ. لَنا أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ مُوافَقَةَ الأمْرِ طاعَةٌ، إنَّما النِّزاعُ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ هَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادًا أمْ لا ؟ فَإذا دَلَلْنا عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ قَدْ لا يَكُونُ مُرادًا ثَبَتَ حِينَئِذٍ أنَّ الطّاعَةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ مُوافَقَةِ الإرادَةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ اللَّهَ قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ وخَبَرَهُ قَدْ تَعَلَّقا بِأنَّ الإيمانَ لا يُوجَدُ مِن أبِي لَهَبٍ البَتَّةَ، وهَذا العِلْمُ وهَذا الخَبَرُ يَمْتَنِعُ زَوالُهُما وانْقِلابُهُما جَهْلًا، ووُجُودُ الإيمانِ مُضادٌّ ومُنافٍ لِهَذا العِلْمِ ولِهَذا الخَبَرِ، والجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ الإيمانِ مِن أبِي لَهَبٍ مُحالًا. واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ فَيَكُونُ عالِمًا بِكَوْنِهِ مُحالًا، والعالِمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مُحالًا لا يَكُونُ مُرِيدًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُرِيدٍ لِلْإيمانِ مِن أبِي لَهَبٍ وقَدْ أمَرَهُ بِالإيمانِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ مُوافَقَةِ أمْرِهِ لا عَنْ مُوافَقَةِ إرادَتِهِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى أنَّ الطّاعَةَ اسْمٌ لِمُوافَقَةِ الإرادَةِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: رُبَّ مَن أنْضَجْتُ غَيْظًا صَدْرَهُ قَدْ تَمَنّى لِيَ مَوْتًا لَمْ يُطَعْ رَتَّبَ الطّاعَةَ عَلى التَّمَنِّي وهو مِن جِنْسِ الإرادَةِ. والجَوابُ: أنَّ العاقِلَ عالِمٌ بِأنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ الَّذِي ذَكَرْناهُ لا يَلِيقُ مُعارَضَتُهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَّةِ الرَّكِيكَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ آيَةٌ شَرِيفَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أكْثَرِ عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الفُقَهاءَ زَعَمُوا أنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ أرْبَعٌ: الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ، وهَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى تَقْرِيرِ هَذِهِ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ بِهَذا التَّرْتِيبِ. أمّا الكِتابُ والسُّنَّةُ فَقَدْ وقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ هي طاعَةُ اللَّهِ، فَما مَعْنى هَذا العَطْفِ ؟ قُلْنا: قالَ القاضِي: الفائِدَةُ في ذَلِكَ بَيانُ الدَّلالَتَيْنِ، فالكِتابُ يَدُلُّ عَلى أمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ نَعْلَمُ مِنهُ أمْرَ الرَّسُولِ لا مَحالَةَ، والسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ، ثُمَّ نَعْلَمُ مِنهُ أمْرَ اللَّهِ لا مَحالَةَ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ مُتابَعَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ. صفحة ١١٦ * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عِنْدَنا عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمْرَ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أمَرَ اللَّهُ بِطاعَتِهِ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ والقَطْعِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْصُومًا عَنِ الخَطَأِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا عَنِ الخَطَأِ كانَ بِتَقْدِيرِ إقْدامِهِ عَلى الخَطَأِ يَكُونُ قَدْ أمَرَ اللَّهُ بِمُتابَعَتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا بِفِعْلِ ذَلِكَ الخَطَأِ، والخَطَأُ لِكَوْنِهِ خَطَأً مَنهِيٌّ عَنْهُ، فَهَذا يُفْضِي إلى اجْتِماعِ الأمْرِ والنَّهْيِ في الفِعْلِ الواحِدِ بِالِاعْتِبارِ الواحِدِ، وإنَّهُ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن أمَرَ اللَّهُ بِطاعَتِهِ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْصُومًا عَنِ الخَطَأِ، فَثَبَتَ قَطْعًا أنَّ أُولِي الأمْرِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْصُومًا، ثُمَّ نَقُولُ: ذَلِكَ المَعْصُومُ إمّا مَجْمُوعُ الأُمَّةِ أوْ بَعْضُ الأُمَّةِ، لا جائِزٌ أنْ يَكُونَ بَعْضَ الأُمَّةِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ طاعَةَ أُولِي الأمْرِ في هَذِهِ الآيَةِ قَطْعًا، وإيجابُ طاعَتِهِمْ قَطْعًا مَشْرُوطٌ بِكَوْنِنا عارِفِينَ بِهِمْ قادِرِينَ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِمْ والِاسْتِفادَةِ مِنهم، ونَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنّا في زَمانِنا هَذا عاجِزُونَ عَنْ مَعْرِفَةِ الإمامِ المَعْصُومِ، عاجِزُونَ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِمْ، عاجِزُونَ عَنِ اسْتِفادَةِ الدِّينِ والعِلْمِ مِنهم، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ المَعْصُومَ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِطاعَتِهِ لَيْسَ بَعْضًا مِن أبْعاضِ الأُمَّةِ، ولا طائِفَةً مِن طَوائِفِهِمْ. ولَمّا بَطَلَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَعْصُومُ الَّذِي هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولِي الأمْرِ﴾ أهْلَ الحَلِّ والعَقْدِ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ بِأنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ. فَإنْ قِيلَ: المُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في ”أُولِي الأمْرِ“ وُجُوهًا أُخْرى سِوى ما ذَكَرْتُمْ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِن أُولِي الأمْرِ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ. والثّانِي: المُرادُ أُمَراءُ السَّرايا، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ أمِيرًا عَلى سَرِيَّةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ أمِيرًا عَلى سَرِيَّةٍ وفِيها عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، فَجَرى بَيْنَهُما اخْتِلافٌ في شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأمَرَ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ. وثالِثُها: المُرادُ: العُلَماءُ الَّذِينَ يُفْتُونَ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ويُعَلِّمُونَ النّاسَ دِينَهم، وهَذا رِوايَةُ الثَّعْلَبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والضَّحاكِ. ورابِعُها: نُقِلَ عَنِ الرَّوافِضِ أنَّ المُرادَ بِهِ الأئِمَّةُ المَعْصُومُونَ، ولَمّا كانَتْ أقْوالُ الأُمَّةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مَحْصُورَةً في هَذِهِ الوُجُوهِ، وكانَ القَوْلُ الَّذِي نَصَرْتُمُوهُ خارِجًا عَنْها كانَ ذَلِكَ بِإجْماعِ الأُمَّةِ باطِلًا. السُّؤالُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ: حَمْلُ أُولِي الأمْرِ عَلى الأُمَراءِ والسَّلاطِينِ أوْلى مِمّا ذَكَرْتُمْ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الأُمَراءَ والسَّلاطِينَ أوامِرُهم نافِذَةٌ عَلى الخَلْقِ، فَهم في الحَقِيقَةِ أُولُو الأمْرِ، أمّا أهْلُ الإجْماعِ فَلَيْسَ لَهم أمْرٌ نافِذٌ عَلى الخَلْقِ، فَكانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الأُمَراءِ والسَّلاطِينِ أوْلى. والثّانِي: أنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها يُناسِبُ ما ذَكَرْناهُ، أمّا أوَّلُ الآيَةِ فَهو أنَّهُ تَعالى أمَرَ الحُكّامَ بِأداءِ الأماناتِ وبِرِعايَةِ العَدْلِ، وأمّا آخِرُ الآيَةِ فَهو أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالرَّدِّ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ فِيما أُشْكِلَ، وهَذا إنَّما يَلِيقُ بِالأُمَراءِ لا بِأهْلِ الإجْماعِ. الثّالِثُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بالَغَ في التَّرْغِيبِ في طاعَةِ الأُمَراءِ، فَقالَ: «مَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ، ومَن أطاعَ أمِيرِي فَقَدْ أطاعَنِي، ومَن عَصانِي فَقَدْ عَصى اللَّهَ، ومَن عَصى أمِيرِي فَقَدْ عَصانِي» فَهَذا ما يُمْكِنُ ذِكْرُهُ مِنَ السُّؤالِ عَلى الِاسْتِدْلالِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. والجَوابُ: أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ حَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ عَلى صفحة ١١٧ العُلَماءِ، فَإذا قُلْنا: المُرادُ مِنهُ جَمِيعُ العُلَماءِ مِن أهْلِ العَقْدِ والحَلِّ لَمْ يَكُنْ هَذا قَوْلًا خارِجًا عَنْ أقْوالِ الأُمَّةِ، بَلْ كانَ هَذا اخْتِيارًا لِأحَدِ أقْوالِهِمْ وتَصْحِيحًا لَهُ بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، فانْدَفَعَ السُّؤالُ الأوَّلُ: وأمّا سُؤالُهُمُ الثّانِي فَهو مَدْفُوعٌ؛ لِأنَّ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرُوها وُجُوهٌ ضَعِيفَةٌ، والَّذِي ذَكَرْناهُ بُرْهانٌ قاطِعٌ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى، عَلى أنّا نُعارِضُ تِلْكَ الوُجُوهَ بِوُجُوهٍ أُخْرى أقْوى مِنها: فَأحَدُها: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ الأُمَراءَ والسَّلاطِينَ إنَّما يَجِبُ طاعَتُهم فِيما عُلِمَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ حَقٌّ وصَوابٌ، وذَلِكَ الدَّلِيلُ لَيْسَ إلّا الكِتابَ والسُّنَّةَ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ هَذا قِسْمًا مُنْفَصِلًا عَنْ طاعَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وعَنْ طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، بَلْ يَكُونُ داخِلًا فِيهِ، كَما أنَّ وُجُوبَ طاعَةِ الزَّوْجَةِ لِلزَّوْجِ والوَلَدِ لِلْوالِدَيْنِ والتِّلْمِيذِ لِلْأُسْتاذِ داخِلٌ في طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الإجْماعِ لَمْ يَكُنْ هَذا القِسْمُ داخِلًا تَحْتَها؛ لِأنَّهُ رُبَّما دَلَّ الإجْماعُ عَلى حُكْمٍ بِحَيْثُ لا يَكُونُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ أمْكَنَ جَعْلُ هَذا القِسْمِ مُنْفَصِلًا عَنِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، فَهَذا أوْلى. وثانِيها: أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى طاعَةِ الأُمَراءِ يَقْتَضِي إدْخالَ الشَّرْطِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ طاعَةَ الأُمَراءِ إنَّما تَجِبُ إذا كانُوا مَعَ الحَقِّ، فَإذا حَمَلْناهُ عَلى الإجْماعِ لا يَدْخُلُ الشَّرْطُ في الآيَةِ، فَكانَ هَذا أوْلى. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ مِن بَعْدُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ مُشْعِرٌ بِإجْماعٍ مُقَدَّمٍ يُخالِفُ حُكْمُهُ حُكْمَ هَذا التَّنازُعِ. ورابِعُها: أنَّ طاعَةَ اللَّهِ وطاعَةَ رَسُولِهِ واجِبَةٌ قَطْعًا، وعِنْدَنا أنَّ طاعَةَ أهْلِ الإجْماعِ واجِبَةٌ قَطْعًا، وأمّا طاعَةُ الأُمَراءِ والسَّلاطِينِ فَغَيْرُ واجِبَةٍ قَطْعًا، بَلِ الأكْثَرُ أنَّها تَكُونُ مُحَرَّمَةً لِأنَّهم لا يَأْمُرُونَ إلّا بِالظُّلْمِ، وفي الأقَلِّ تَكُونُ واجِبَةً بِحَسَبِ الظَّنِّ الضَّعِيفِ، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الإجْماعِ أوْلى؛ لِأنَّهُ أدْخَلَ الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ في لَفْظٍ واحِدٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ﴾ فَكانَ حَمْلُ أُولِي الأمْرِ الَّذِي هو مَقْرُونٌ بِالرَّسُولِ عَلى المَعْصُومِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الفاجِرِ الفاسِقِ. وخامِسُها: أنَّ أعْمالَ الأُمَراءِ والسَّلاطِينِ مَوْقُوفَةٌ عَلى فَتاوى العُلَماءِ، والعُلَماءُ في الحَقِيقَةِ أُمَراءُ الأُمَراءِ، فَكانَ حَمْلُ لَفْظِ أُولِي الأمْرِ عَلَيْهِمْ أوْلى، وأمّا حَمْلُ الآيَةِ عَلى الأئِمَّةِ المَعْصُومِينَ عَلى ما تَقُولُهُ الرَّوافِضُ فَفي غايَةِ البُعْدِ؛ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: ما ذَكَرْناهُ أنَّ طاعَتَهم مَشْرُوطَةٌ بِمَعْرِفَتِهِمْ وقُدْرَةِ الوُصُولِ إلَيْهِمْ، فَلَوْ أوْجَبَ عَلَيْنا طاعَتَهم قَبْلَ مَعْرِفَتِهِمْ كانَ هَذا تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، ولَوْ أوْجَبَ عَلَيْنا طاعَتَهم إذا صِرْنا عارِفِينَ بِهِمْ وبِمَذاهِبِهِمْ صارَ هَذا الإيجابُ مَشْرُوطًا، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ يَقْتَضِي الإطْلاقَ، وأيْضًا فَفي الآيَةِ ما يَدْفَعُ هَذا الِاحْتِمالَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِطاعَةِ الرَّسُولِ وطاعَةِ أُولِي الأمْرِ في لَفْظَةٍ واحِدَةٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ واللَّفْظَةُ الواحِدَةُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً ومَشْرُوطَةً مَعًا، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُطْلَقَةً في حَقِّ الرَّسُولِ وجَبَ أنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً في حَقِّ أُولِي الأمْرِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ، وأُولُو الأمْرِ جَمْعٌ، وعِنْدَهم لا يَكُونُ في الزَّمانِ إلّا إمامٌ واحِدٌ، وحَمْلُ الجَمْعِ عَلى الفَرْدِ خِلافُ الظّاهِرِ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ بِأُولِي الأمْرِ الإمامَ المَعْصُومَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى الإمامِ، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِما ذَكَرْناهُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ يَدُلُّ عِنْدَنا عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَإنِ اخْتَلَفْتُمْ في شَيْءٍ حُكْمُهُ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في الكِتابِ أوِ السُّنَّةِ أوِ الإجْماعِ، أوِ المُرادُ: فَإنِ اخْتَلَفْتُمْ في شَيْءٍ حُكْمُهُ غَيْرُ مَنصُوصٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وجَبَ عَلَيْهِ طاعَتُهُ، فَكانَ ذَلِكَ صفحة ١١٨ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ وحِينَئِذٍ يَصِيرُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ إعادَةً لِعَيْنِ ما مَضى، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. وإذا بَطَلَ هَذا القِسْمُ تَعَيَّنَ الثّانِي وهو أنَّ المُرادَ: فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ حُكْمُهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ طَلَبَ حُكْمِهِ مِن نُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ رَدَّ حُكْمِهِ إلى الأحْكامِ المَنصُوصَةِ في الوَقائِعِ المُشابِهَةِ لَهُ، وذَلِكَ هو القِياسُ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الأمْرِ بِالقِياسِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ أيْ فَوِّضُوا عِلْمَهُ إلى اللَّهِ واسْكُتُوا عَنْهُ ولا تَتَعَرَّضُوا لَهُ ؟ وأيْضًا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَرُدُّوا غَيْرَ المَنصُوصِ إلى المَنصُوصِ في أنَّهُ لا يُحْكَمُ فِيهِ إلّا بِالنَّصِّ ؟ وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَرُدُّوا هَذِهِ الأحْكامَ إلى البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ ؟ قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَمَدْفُوعٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الوَقائِعَ قِسْمَيْنِ، مِنها ما يَكُونُ حُكْمُها مَنصُوصًا عَلَيْهِ، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَ في القِسْمِ الأوَّلِ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ، وأمَرَ في القِسْمِ الثّانِي بِالرَّدِّ إلى اللَّهِ وإلى الرَّسُولِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا الرَّدِّ السُّكُوتَ؛ لِأنَّ الواقِعَةَ رُبَّما كانَتْ لا تَحْتَمِلُ ذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ مِن قَطْعِ الشَّغَبِ والخُصُومَةِ فِيها بِنَفْيٍ أوْ إثْباتٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حَمْلُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ عَلى السُّكُوتِ عَنْ تِلْكَ الواقِعَةِ، وبِهَذا الجَوابِ يَظْهَرُ فَسادُ السُّؤالِ الثّالِثِ. وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَجَوابُهُ أنَّ البَراءَةَ الأصْلِيَّةَ مَعْلُومَةٌ بِحُكْمِ العَقْلِ، فَلا يَكُونُ رَدُّ الواقِعَةِ إلَيْها رَدًّا إلى اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، أمّا إذا رَدَدْنا حُكْمَ الواقِعَةِ إلى الأحْكامِ المَنصُوصِ عَلَيْها كانَ هَذا رَدًّا لِلْواقِعَةِ عَلى أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ مُقَدَّمانِ عَلى القِياسِ مُطْلَقًا، فَلا يَجُوزُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِما بِسَبَبِ القِياسِ، ولا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُما بِسَبَبِ القِياسِ البَتَّةَ، سَواءٌ كانَ القِياسُ جَلِيًّا أوْ خَفِيًّا، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ النَّصُّ مَخْصُوصًا قَبْلَ ذَلِكَ أمْ لا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمْرٌ بِطاعَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهَذا الأمْرُ مُطْلَقٌ، فَثَبَتَ أنَّ مُتابَعَةَ الكِتابِ والسُّنَّةِ - سَواءٌ حَصَلَ قِياسٌ يُعارِضُهُما أوْ يُخَصِّصُهُما أوْ لَمْ يُوجَدْ - واجِبَةٌ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ وُجُوهٌ أُخْرى: أحَدُها: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ لِلِاشْتِراطِ، وعَلى هَذا المَذْهَبِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ صَرِيحًا في أنَّهُ لا يَجُوزُ العُدُولُ إلى القِياسِ إلّا عِنْدَ فِقْدانِ الأُصُولِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أخَّرَ ذِكْرَ القِياسِ عَنْ ذِكْرِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ، وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّ العَمَلَ بِهِ مُؤَخَّرٌ عَنِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ ﷺ اعْتَبَرَ هَذا التَّرْتِيبَ في قِصَّةِ مُعاذٍ حَيْثُ أخَّرَ الِاجْتِهادَ عَنِ الكِتابِ، وعَلَّقَ جَوازَهُ عَلى عَدَمِ وِجْدانِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ: ”«فَإنْ لَمْ تَجِدْ» “ . الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ حَيْثُ قالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤] ثُمَّ إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَدْفَعْ هَذا النَّصَّ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ خَصَّصَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ العُمُومِ بِقِياسٍ هو قَوْلُهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] ثُمَّ أجْمَعَ العُقَلاءُ عَلى أنَّهُ جَعَلَ القِياسَ مُقَدَّمًا عَلى النَّصِّ، وصارَ بِذَلِكَ السَّبَبِ مَلْعُونًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ تَقْدِيمٌ لِلْقِياسِ عَلى النَّصِّ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. الخامِسُ: أنَّ القُرْآنَ مَقْطُوعٌ في مَتْنِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ، والقِياسُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو مَظْنُونٌ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، والمَقْطُوعُ صفحة ١١٩ راجِحٌ عَلى المَظْنُونِ. السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وإذا وجَدْنا عُمُومَ الكِتابِ حاصِلًا في الواقِعَةِ ثُمَّ إنّا لا نَحْكُمُ بِهِ بَلْ حَكَمْنا بِالقِياسِ لَزِمَ الدُّخُولُ تَحْتَ هَذا العُمُومِ. السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] فَإذا كانَ عُمُومُ القُرْآنِ حاضِرًا، ثُمَّ قَدَّمْنا القِياسَ المُخَصَّصَ لَزِمَ التَّقْدِيمُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٤٨ ] جَعَلَ اتِّباعَ الظَّنِّ مِن صِفاتِ الكُفّارِ، ومِنَ المُوجِباتِ القَوِيَّةِ في مَذَمَّتِهِمْ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ العَمَلُ بِالقِياسِ البَتَّةَ. تُرِكَ هَذا النَّصُّ لِما بَيَّنّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى جَوازِ العَمَلِ بِالقِياسِ، لَكِنَّهُ إنَّما دَلَّ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ فِقْدانِ النُّصُوصِ، فَوَجَبَ عِنْدَ وِجْدانِها أنْ يَبْقى عَلى الأصْلِ. التّاسِعُ: أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إذا رُوِيَ عَنِّي حَدِيثٌ فاعْرِضُوهُ عَلى كِتابِ اللَّهِ فَإنْ وافَقَهُ فاقْبَلُوهُ وإلّا ذَرُوهُ» “ ولا شَكَّ أنَّ الحَدِيثَ أقْوى مِنَ القِياسِ، فَإذا كانَ الحَدِيثُ الَّذِي لا يُوافِقُهُ الكِتابُ مَرْدُودًا فالقِياسُ أوْلى بِهِ. العاشِرُ: أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ، والقِياسُ يُفَرِّقُ عَقْلَ الإنْسانِ الضَّعِيفِ، وكُلُّ مَن لَهُ عَقْلٌ سَلِيمٌ عَلِمَ أنَّ الأوَّلَ أقْوى بِالمُتابَعَةِ وأحْرى. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ ما سِوى هَذِهِ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ، أعْنِي الكِتابَ والسُّنَّةَ والإجْماعَ والقِياسَ مَرْدُودٌ باطِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الوَقائِعَ قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: ما تَكُونُ أحْكامُها مَنصُوصَةً عَلَيْها وأمَرَ فِيها بِالطّاعَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ . والثّانِي: ما لا تَكُونُ أحْكامُها مَنصُوصَةً عَلَيْها وأمَرَ فِيها بِالِاجْتِهادِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ فَإذا كانَ لا مَزِيدَ عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِتَكْلِيفٍ خاصٍّ مُعَيَّنٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِشَيْءٍ سِوى هَذِهِ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: القَوْلُ بِالِاسْتِحْسانِ الَّذِي يَقُولُ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والقَوْلُ بِالِاسْتِصْلاحِ الَّذِي يَقُولُ بِهِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ أحَدَ هَذِهِ الأُمُورِ فَهو تَغْيِيرُ عِبارَةٍ ولا فائِدَةَ فِيهِ، وإنْ كانَ مُغايِرًا لِهَذِهِ الأرْبَعَةِ كانَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا قَطْعًا لِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِهِ كَما ذَكَرْنا. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: زَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، واعْتَرَضَ المُتَكَلِّمُونَ عَلَيْهِ فَقالُوا: قَوْلُهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ فَهَذا لا يَدُلُّ عَلى الإيجابِ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ. وهَذا يَقْتَضِي افْتِقارَ الدَّلِيلِ إلى المَدْلُولِ وهو باطِلٌ، ولِلْفُقَهاءِ أنْ يُجِيبُوا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الأوامِرَ الوارِدَةَ في الوَقائِعِ المَخْصُوصَةِ دالَّةٌ عَلى النُّدْبِيَّةِ فَقَوْلُهُ: ﴿أطِيعُوا﴾ لَوْ كانَ مَعْناهُ أنَّ الإتْيانَ بِالمَأْمُوراتِ مَندُوبٌ فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِهَذِهِ الآيَةِ فائِدَةٌ. لِأنَّ مُجَرَّدَ النُّدْبِيَّةِ كانَ مَعْلُومًا مِن تِلْكَ الأوامِرِ، فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى إفادَةِ الوُجُوبِ حَتّى يُقالَ: إنَّ الأوامِرَ دَلَّتْ عَلى أنَّ فِعْلَ تِلْكَ المَأْمُوراتِ أوْلى مِن تَرْكِها، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى المَنعِ مِن تَرْكِها فَحِينَئِذٍ يَبْقى لِهَذِهِ الآيَةِ فائِدَةٌ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهو وعِيدٌ، فَكَما أنَّ احْتِمالَ اخْتِصاصِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ قائِمٌ، فَكَذَلِكَ احْتِمالُ عَوْدِهِ إلى الجُمْلَتَيْنِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ قائِمٌ، ولا شَكَّ أنَّ الِاحْتِياطَ فِيهِ، وإذا حَكَمْنا بِعَوْدِ ذَلِكَ الوَعِيدِ إلى الكُلِّ صارَ قَوْلُهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ مُوجِبًا لِلْوُجُوبِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى صفحة ١٢٠ أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، ولا شَكَّ أنَّهُ أصْلٌ مُعْتَبَرٌ في الشَّرْعِ. * * * المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَنقُولَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ إمّا القَوْلُ وإمّا الفِعْلُ، أمّا القَوْلُ فَيَجِبُ إطاعَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وأمّا الفِعْلُ فَيَجِبُ عَلى الأُمَّةِ الِاقْتِداءُ بِهِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ. وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أطِيعُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أوامِرَ اللَّهِ لِلْوُجُوبِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى في صِفَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وهَذا أمْرٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ، فَثَبَتَ أنَّ مُتابَعَتَهُ واجِبَةٌ، والمُتابَعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ فَعَلَهُ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ يُوجِبُ الِاقْتِداءَ بِالرَّسُولِ في كُلِّ أفْعالِهِ، وقَوْلَهُ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يُوجِبُ الِاقْتِداءَ بِهِ في جَمِيعِ أقْوالِهِ، ولا شَكَّ أنَّهُما أصْلانِ مُعْتَبَرانِ في الشَّرِيعَةِ. * * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ وإنْ كانَ في أصْلِ الوَضْعِ لا يُفِيدُ التِّكْرارَ ولا الفَوْرَ إلّا أنَّهُ في عُرْفِ الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ يَصِحُّ مِنهُ اسْتِثْناءُ أيِّ وقْتٍ كانَ، وحُكْمُ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ مُتَناوِلًا لِكُلِّ الأوْقاتِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي التِّكْرارَ، والتِّكْرارُ يَقْتَضِي الفَوْرَ. الثّانِي: أنَّهُ لَوْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ لَصارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً، لِأنَّ الوَقْتَ المَخْصُوصَ والكَيْفِيَّةَ المَخْصُوصَةَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى العُمُومِ كانَتِ الآيَةُ مُبِيِّنَةً، وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَكُونُ مُبَيِّنًا أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي بِهِ يَصِيرُ مُجْمَلًا مَجْهُولًا، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ، والتَّخْصِيصُ خَيْرٌ مِنَ الإجْمالِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ أضافَ لَفْظَ الطّاعَةِ إلى لَفْظِ اللَّهِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ وُجُوبَ الطّاعَةِ عَلَيْنا لَهُ إنَّما كانَ لِكَوْنِنا عَبِيدًا لَهُ ولِكَوْنِهِ إلَهًا، فَثَبَتَ مِن هَذا الوَجْهِ أنَّ المَنشَأ لِوُجُوبِ الطّاعَةِ هو العُبُودِيَّةُ والرُّبُوبِيَّةُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي دَوامَ وُجُوبِ الطّاعَةِ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ إلى قِيامِ القِيامَةِ وهَذا أصْلٌ مُعْتَبَرٌ في الشَّرْعِ. * * * المَسْألَةُ العاشِرَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ فَأفْرَدَهُ في الذِّكْرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ وهَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِهَذا الأدَبِ، وهو أنْ لا يَجْمَعُوا في الذِّكْرِ بَيْنَ اسْمِهِ سُبْحانَهُ وبَيْنَ اسْمِ غَيْرِهِ، وأمّا إذا آلَ الأمْرُ إلى المَخْلُوقِينَ فَيَجُوزُ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ وهَذا تَعْلِيمٌ لِهَذا الأدَبِ، ولِذَلِكَ رُوِيَ أنَّ واحِدًا ذُكِرَ عِنْدَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: «مَن أطاعَ اللَّهَ والرَّسُولَ فَقَدْ رَشَدَ، ومَن عَصاهُما فَقَدْ غَوى، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”بِئْسَ الخَطِيبُ أنْتَ هَلّا قُلْتَ مَن عَصى اللَّهَ وعَصى رَسُولَهُ» “ أوْ لَفْظًا هَذا مَعْناهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ في اللَّفْظِ يُوهِمُ نَوْعَ مُناسَبَةٍ ومُجانَسَةٍ، وهو سُبْحانُهُ مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ فَنَقُولُ: كَما أنَّهُ دَلَّ عَلى هَذا الأصْلِ فَكَذَلِكَ دَلَّ عَلى مَسائِلَ كَثِيرَةٍ مِن فُرُوعِ القَوْلِ بِالإجْماعِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَها: الفَرْعُ الأوَّلُ: مَذْهَبُنا أنَّ الإجْماعَ لا يَنْعَقِدُ إلّا بِقَوْلِ العُلَماءِ الَّذِينَ يُمْكِنُهُمُ اسْتِنْباطُ أحْكامِ اللَّهِ مِن نُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُسَمَّوْنَ بِأهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ في كُتُبِ أُصُولِ الفِقْهِ نَقُولُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ طاعَةَ أُولِي الأمْرِ، والَّذِينَ لَهُمُ الأمْرُ والنَّهْيُ في الشَّرْعِ لَيْسَ إلّا هَذا الصِّنْفُ مِنَ العُلَماءِ، صفحة ١٢١ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ الَّذِي لا مَعْرِفَةَ لَهُ بِكَيْفِيَّةِ اسْتِنْباطِ الأحْكامِ مِنَ النُّصُوصِ لا اعْتِبارَ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وكَذَلِكَ المُفَسِّرُ والمُحَدِّثُ الَّذِي لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ مِنَ القُرْآنِ والحَدِيثِ، فَدَلَّ عَلى ما ذَكَرْناهُ، فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إجْماعَ أُولِي الأمْرِ حُجَّةٌ عَلِمْنا دَلالَةَ الآيَةِ عَلى أنْ يَنْعَقِدَ الإجْماعُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ هَذِهِ الطّائِفَةِ مِنَ العُلَماءِ. وأمّا دَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ العامِّيَّ غَيْرُ داخِلٍ فِيهِ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ مِنَ الظّاهِرِ أنَّهم لَيْسُوا مِن أُولِي الأمْرِ. الفَرْعُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في أنَّ الإجْماعَ الحاصِلَ عَقِيبَ الخِلافِ هَلْ هو حُجَّةٌ ؟ والأصَحُّ أنَّهُ حُجَّةٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ طاعَةِ جُمْلَةِ أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ مِنَ الأُمَّةِ، وهَذا يَدْخُلُ فِيهِ ما حَصَلَ بَعْدَ الخِلافِ وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الكُلُّ حُجَّةً. الفَرْعُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ انْقِراضَ أهْلِ العَصْرِ هَلْ هو شَرْطٌ ؟ والأصَحُّ أنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ طاعَةِ المُجْمِعِينَ، وذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ ما إذا انْقَرَضَ العَصْرُ وما إذا لَمْ يَنْقَرِضْ. الفَرْعُ الرّابِعُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِإجْماعِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِإجْماعِ المُؤْمِنِينَ، فَأمّا سائِرُ الفِرَقِ الَّذِينَ يُشَكُّ في إيمانِهِمْ فَلا عِبْرَةَ بِهِمْ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ العَمَلِ بِالقِياسِ، فَنَقُولُ: كَما أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى هَذا الأصْلِ، فَكَذَلِكَ دَلَّتْ عَلى مَسائِلَ كَثِيرَةٍ مِن فُرُوعِ القَوْلِ بِالقِياسِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَها: الفَرْعُ الأوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ مَعْناهُ فَرُدُّوهُ إلى واقِعَةٍ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَها، ولا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ فَرُدُّوها إلى واقِعَةٍ تُشْبِهُها، إذْ لَوْ كانَ المُرادُ بِرَدِّها رَدَّها إلى واقِعَةٍ تَخالِفُها في الصُّورَةِ والصِّفَةِ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ رَدُّها إلى بَعْضِ الصُّوَرِ أوْلى مِن رَدِّها إلى الباقِي، وحِينَئِذٍ يَتَعَذَّرُ الرَّدُّ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ: فَرُدُّوها إلى واقِعَةٍ تُشْبِهُها في الصُّورَةِ والصِّفَةِ. ثُمَّ إنَّ هَذا المَعْنى الَّذِي قُلْناهُ يُؤَكَّدُ بِالخَبَرِ والأثَرِ، أمّا الخَبَرُ فَإنَّهم لَمّا «سَألُوهُ ﷺ عَنْ قُبْلَةِ الصّائِمِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أرَأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ» “ يَعْنِي المَضْمَضَةَ مُقَدِّمَةَ الأكْلِ، كَما أنَّ القُبْلَةَ مُقَدِّمَةُ الجِماعِ، فَكَما أنَّ تِلْكَ المَضْمَضَةَ لَمْ تَنْقُضِ الصَّوْمَ، فَكَذا القُبْلَةُ. ولَمّا سَألَتْهُ الخَثْعَمِيَّةُ عَنِ الحَجِّ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلى أبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ هَلْ يُجْزِي فَقالَتْ نَعَمْ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ بِالقَضاءِ» " وأمّا الأثَرُ فَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: اعْرِفِ الأشْباهَ والنَّظائِرَ وقِسِ الأُمُورَ بِرَأْيِكَ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ ما ذَكَرْناهُ مِن دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ ودَلالَةِ الخَبَرِ ودَلالَةِ الأثَرِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرُدُّوهُ﴾ أمْرٌ بِرَدِّ الشَّيْءِ إلى شَبِيهَهُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ المُشابَهَةَ في الصُّورَةِ والصِّفَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الحُكْمَ في غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ مُشابِهٌ لِلْحُكْمِ في مَحَلِّ النَّصِّ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قِياسَ الأشْباهِ، ويُسَمِّيهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ قِياسَ الطَّرْدِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى صِحَّتِهِ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَرُدُّوهُ﴾ هو أنَّهُ: رُدُّوهُ إلى شَبِيهِهِ، عَلِمْنا أنَّ الأصْلَ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ في بابِ القِياسِ مَحْضُ المُشابَهَةِ، وهَذا بَحْثٌ فِيهِ طُولٌ، ومُرادُنا بَيانُ كَيْفِيَّةِ اسْتِنْباطِ المَسائِلِ مِنَ الآياتِ، فَأمّا صفحة ١٢٢ الِاسْتِقْصاءُ فِيها فَمَذْكُورٌ في سائِرِ الكُتُبِ. الفَرْعُ الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ شَرْطَ الِاسْتِدْلالِ بِالقِياسِ في المَسْألَةِ أنْ لا يَكُونَ فِيها نَصٌّ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ﴾ مُشْعِرٌ بِهَذا الِاشْتِراطِ. الفَرْعُ الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ إذا لَمْ يُوجَدْ في الواقِعَةِ نَصٌّ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ جازَ اسْتِعْمالُ القِياسِ فِيهِ كَيْفَ كانَ، وبَطَلَ بِهِ قَوْلُ مَن قالَ: لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ القِياسِ في الكَفّاراتِ والحُدُودِ وغَيْرِهِما؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ عامٌّ في كُلِّ واقِعَةٍ لا نَصَّ فِيها. الفَرْعُ الرّابِعُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن أثْبَتَ الحُكْمَ في صُورَةٍ بِالقِياسِ فَلا بُدَّ وأنْ يَقِيسَهُ عَلى صُورَةٍ ثَبَتَ الحُكْمُ فِيها بِالنَّصِّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَقِيسَهُ عَلى صُورَةٍ ثَبَتَ الحُكْمُ فِيها بِالقِياسِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ ظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يَجِبُ رَدُّهُ إلى الحُكْمِ الَّذِي ثَبَتَ بِنَصِّ اللَّهِ ونَصِّ رَسُولِهِ. الفَرْعُ الخامِسُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القِياسَ عَلى الأصْلِ الَّذِي ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالقُرْآنِ، والقِياسَ عَلى الأصْلِ الَّذِي ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالسُّنَّةِ إذا تَعارَضا كانَ القِياسُ عَلى القُرْآنِ مُقَدَّمًا عَلى القِياسِ عَلى الخَبَرِ لِأنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الكِتابَ عَلى السُّنَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ وكَذَلِكَ في خَبَرِ مُعاذٍ. الفَرْعُ السّادِسُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ إذا تَعارَضَ قِياسانِ أحَدُهُما تَأيَّدَ بِإيماءٍ في كِتابِ اللَّهِ والآخَرُ تَأيَّدَ بِإيماءِ خَبَرٍ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّ الأوَّلَ مُقَدَّمٌ عَلى الثّانِي، يَعْنِي كَما ذَكَرْناهُ في الفَرْعِ الخامِسِ، فَهَذِهِ المَسائِلُ الأُصُولِيَّةُ اسْتَنْبَطْناها مِن هَذِهِ الآيَةِ في أقَلَّ مِن ساعَتَيْنِ، ولَعَلَّ الإنْسانَ إذا اسْتَعْمَلَ الفِكْرَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ أمْكَنَهُ اسْتِنْباطَ أكْثَرِ مَسائِلِ أُصُولِ الفِقْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿وأُولِي الأمْرِ﴾ مَعْناهُ ذَوُو الأمْرِ وأُولُو جَمْعٌ، وواحِدُهُ ذُو عَلى غَيْرِ القِياسِ، كالنِّساءِ والإبِلِ والخَيْلِ، كُلُّها أسْماءٌ لِلْجَمْعِ ولا واحِدَ لَهُ في اللَّفْظِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اخْتَلَفْتُمْ وقالَ كُلُّ فَرِيقٍ: القَوْلُ قَوْلِي واشْتِقاقُ المُنازَعَةِ مِنَ النَّزْعِ الَّذِي هو الجَذْبُ، والمُنازَعَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُجاذَبَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ لِحُجَّةٍ مُصَحِّحَةٍ لِقَوْلِهِ، أوْ مُحاوَلَةِ جَذْبِ قَوْلِهِ ونَزْعِهِ إيّاهُ عَمّا يُفْسِدُهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الوَعِيدُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى قَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وإلى قَوْلِهِ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَخْرُجَ المُذْنِبُ عَنِ الإيمانِ لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى التَّهْدِيدِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ خَيْرٌ لَكم وأحْسَنُ عاقِبَةً لَكم لِأنَّ التَّأْوِيلَ عِبارَةٌ عَمّا إلَيْهِ مَآلُ الشَّيْءِ ومَرْجِعُهُ وعاقِبَتُهُ.

النساء 4:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ الأُولى عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ أنْ يُطِيعُوا اللَّهَ ويُطِيعُوا الرَّسُولَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لا يُطِيعُونَ الرَّسُولَ ولا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، وإنَّما يُرِيدُونَ حُكْمَ غَيْرِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الزَّعْمُ والزَّعَمُ لُغَتانِ، ولا يُسْتَعْمَلانِ في الأكْثَرَ إلّا في القَوْلِ الَّذِي لا يَتَحَقَّقُ. قالَ اللَّيْثُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ زَعَمَ فُلانٌ إذا شَكُّوا فِيهِ فَلَمْ يَعْرِفُوا أكَذَبَ أوْ صَدَقَ، فَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنْعامِ: ١٣٦ ] أيْ بِقَوْلِهِمُ الكَذِبَ. قالَ الأصْمَعِيُّ: الزَّعُومُ مِنَ الغَنَمِ الَّتِي لا يَعْرِفُونَ أبِها شَحْمٌ أمْ لا، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الزَّعْمُ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ، وأنْشَدَ لِأُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ: وإنِّي أدِينُ لَكم أنَّهُ سَيُنْجِزُكم رَبُّكم ما زَعَمَ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ المُرادُ بِهِ الكَذِبُ، لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في أسْبابِ النُّزُولِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: «نازَعَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: بَيْنِي وبَيْنَكَ أبُو القاسِمِ، وقالَ المُنافِقُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَلْتَفِتُ إلى الرِّشْوَةِ، وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ كانَ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الرِّشْوَةِ، واليَهُودِيَّ كانَ مُحِقًّا، والمُنافِقَ كانَ مُبْطِلًا، فَلِهَذا المَعْنى كانَ اليَهُودِيُّ يُرِيدُ التَّحاكُمَ إلى الرَّسُولِ، والمُنافِقُ كانَ يُرِيدُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، ثُمَّ أصَرَّ اليَهُودِيُّ عَلى قَوْلِهِ، فَذَهَبا إلَيْهِ ﷺ، فَحَكَمَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْيَهُودِيِّ عَلى المُنافِقِ، فَقالَ المُنافِقُ لا أرْضى انْطَلِقْ بِنا إلى أبِي بَكْرٍ، فَحَكَمَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ، وقالَ المُنافِقُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ عُمَرُ، فَصارا إلى عُمَرَ فَأخْبَرَهُ اليَهُودِيُّ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأبا بَكْرٍ حَكَما عَلى المُنافِقِ فَلَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِما، فَقالَ لِلْمُنافِقِ: أهَكَذا ؟ فَقالَ: نَعَمْ، قالَ: اصْبِرا إنَّ لِي حاجَةً أدْخُلُ فَأقْضِيها وأخْرُجُ إلَيْكُما. فَدَخَلَ فَأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِما فَضَرَبَ بِهِ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ وهَرَبَ اليَهُودِيُّ، فَجاءَ أهْلُ المُنافِقِ فَشَكَوْا عُمَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَ عُمَرَ عَنْ قِصَّتِهِ، فَقالَ عُمَرُ: إنَّهُ رَدَّ حُكْمَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الحالِ وقالَ: إنَّهُ الفارُوقُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: ”أنْتَ الفارُوقُ» “ وعَلى هَذا القَوْلِ الطّاغُوتُ هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. صفحة ١٢٤ الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أسْلَمَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ ونافَقَ بَعْضُهم، وكانَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ إذا قَتَلَ قُرَظِيٌّ نَضَرِيًّا قُتِلَ بِهِ، وأُخِذَ مِنهُ دِيَةٌ مِائَةُ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وإذا قَتَلَ نَضَرِيٌّ قُرَظِيًّا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، لَكِنْ أعْطىَ دِيَتَهُ سِتِّينَ وسْقًا مِنَ التَّمْرِ، وكانَ بَنُو النَّضِيرِ أشْرَفَ وهم حُلَفاءُ الأوْسِ، وقُرَيْظَةُ حُلَفاءُ الخَزْرَجِ، فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى المَدِينَةِ قَتَلَ نَضَرِيٌّ قُرَظِيًّا فاخْتَصَما فِيهِ، فَقالَتْ بَنُو النَّضِيرِ: لا قِصاصَ عَلَيْنا، إنَّما عَلَيْنا سِتُّونَ وسْقًا مِن تَمْرٍ عَلى ما اصْطَلَحْنا عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، وقالَتِ الخَزْرَجُ: هَذا حُكْمُ الجاهِلِيَّةِ، ونَحْنُ وأنْتُمُ اليَوْمَ إخْوَةٌ، ودِينُنا واحِدٌ ولا فَضْلَ بَيْنَنا، فَأبى بَنُو النَّضِيرِ ذَلِكَ، فَقالَ المُنافِقُونَ: انْطَلِقُوا إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ الأسْلَمِيِّ، وقالَ المُسْلِمُونَ: بَلْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأبى المُنافِقُونَ وانْطَلَقُوا إلى الكاهِنِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ودَعا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكاهِنَ إلى الإسْلامِ فَأسْلَمَ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وعَلى هَذا القَوْلِ الطّاغُوتُ هو الكاهِنُ. الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الحَسَنُ: إنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ لَهُ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ حَقٌّ، فَدَعاهُ المُنافِقُ إلى وثَنٍ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَحاكَمُونَ إلَيْهِ، ورَجُلٌ قائِمٌ يُتَرْجِمُ الأباطِيلَ عَنِ الوَثَنِ، فالمُرادُ بِالطّاغُوتِ هو ذَلِكَ الرَّجُلُ. الرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: كانُوا يَتَحاكَمُونَ إلى الأوْثانِ، وكانَ طَرِيقُهم أنَّهم يَضْرِبُونَ القِداحَ بِحَضْرَةِ الوَثَنِ، فَما خَرَجَ عَلى القِداحِ عَمِلُوا بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالطّاغُوتُ هو الوَثَنُ. واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَعْضِ المُنافِقِينَ، ثُمَّ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُنافِقًا مِن أهْلِ الكِتابِ، مِثْلَ أنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا فَأظْهَرَ الإسْلامَ عَلى سَبِيلِ النِّفاقِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ إنَّما يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا المُنافِقِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَقْصُودُ الكَلامِ أنَّ بَعْضَ النّاسِ أرادَ أنْ يَتَحاكَمَ إلى بَعْضِ أهْلِ الطُّغْيانِ ولَمْ يُرِدِ التَّحاكُمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ القاضِي: ويَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّحاكُمُ إلى هَذا الطّاغُوتِ كالكُفْرِ، وعَدَمُ الرِّضا بِحُكْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُفْرٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ فَجَعَلَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ يَكُونُ إيمانًا بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الإيمانَ بِالطّاغُوتِ كُفْرٌ بِاللَّهِ، كَما أنَّ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ إيمانٌ بِاللَّهِ. الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وهَذا نَصٌّ في تَكْفِيرِ مَن لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُخالَفَتَهُ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ، وفي هَذِهِ الآياتِ دَلائِلُ عَلى أنَّ مَن رَدَّ شَيْئًا مِن أوامِرِ اللَّهِ أوْ أوامِرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو خارِجٌ عَنِ الإسْلامِ، سَواءٌ رَدَّهُ مِن جِهَةِ الشَّكِّ أوْ مِن جِهَةِ التَّمَرُّدِ، وذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ ما ذَهَبَتِ الصَّحابَةُ إلَيْهِ مِنَ الحُكْمِ بِارْتِدادِ مانِعِي الزَّكاةِ وقَتْلِهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيِّهِمْ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَ الكافِرِ لَيْسَ بِخَلْقِ اللَّهِ ولا بِإرادَتِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ خَلَقَ اللَّهُ الكُفْرَ في الكافِرِ وأرادَهُ مِنهُ فَأيُّ تَأْثِيرٍ لِلشَّيْطانِ فِيهِ، وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ تَأْثِيرٌ فَلِمَ ذَمَّهُ عَلَيْهِ ؟ . الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ الشَّيْطانَ بِسَبَبِ أنَّهُ يُرِيدُ صفحة ١٢٥ هَذِهِ الضَّلالَةَ ؟ فَلَوْ كانَ تَعالى مُرِيدًا لَها لَكانَ هو بِالذَّمِّ أوْلى مِن حَيْثُ أنَّ كُلَّ مَن عابَ شَيْئًا ثُمَّ فَعَلَهُ كانَ بِالذَّمِّ أوْلى قالَ تَعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] . الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في أوَّلِ الآيَةِ صَرِيحٌ في إظْهارِ التَّعَجُّبِ مِن أنَّهم كَيْفَ تَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ مَعَ أنَّهم قَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ التَّحاكُمُ بِخَلْقِ اللَّهِ لَما بَقِيَ التَّعَجُّبُ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّما فَعَلُوا لِأجْلِ أنَّكَ خَلَقْتَ ذَلِكَ الفِعْلَ فِيهِمْ وأرَدْتَهُ مِنهم، بَلِ التَّعَجُّبُ مِن هَذا التَّعَجُّبِ أوْلى، فَإنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ ثُمَّ أخَذَ يَتَعَجَّبُ مِنهم أنَّهم كَيْفَ فَعَلُوا ذَلِكَ كانَ التَّعَجُّبُ مِن هَذا التَّعَجُّبِ أوْلى. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا الِاسْتِدْلالِ يَرْجِعُ إلى التَّمَسُّكِ بِطَرِيقَةِ المَدْحِ أوِ الذَّمِّ، وقَدْ عَرَفْتَ مِنّا أنّا لا نَقْدَحُ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلّا بِالمُعارَضَةِ بِالعِلْمِ والدّاعِي واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى رَغْبَةَ المُنافِقِينَ في التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ، وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ نُفْرَتَهم عَنِ التَّحاكُمِ إلى الرَّسُولِ ﷺ . قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما صَدَّ المُنافِقُونَ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ؛ وعَلِمُوا أنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشا وأنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا بِمُرِّ الحُكْمِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ الصَّدُّ لِعَداوَتِهِمْ في الدِّينِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، أيْ يُعْرِضُونَ عَنْكَ، وذِكْرُ المَصْدَرِ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: صُدُودًا أيَّ صُدُودٍ.

النساء 4:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ الأُولى عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ أنْ يُطِيعُوا اللَّهَ ويُطِيعُوا الرَّسُولَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لا يُطِيعُونَ الرَّسُولَ ولا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، وإنَّما يُرِيدُونَ حُكْمَ غَيْرِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الزَّعْمُ والزَّعَمُ لُغَتانِ، ولا يُسْتَعْمَلانِ في الأكْثَرَ إلّا في القَوْلِ الَّذِي لا يَتَحَقَّقُ. قالَ اللَّيْثُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ زَعَمَ فُلانٌ إذا شَكُّوا فِيهِ فَلَمْ يَعْرِفُوا أكَذَبَ أوْ صَدَقَ، فَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنْعامِ: ١٣٦ ] أيْ بِقَوْلِهِمُ الكَذِبَ. قالَ الأصْمَعِيُّ: الزَّعُومُ مِنَ الغَنَمِ الَّتِي لا يَعْرِفُونَ أبِها شَحْمٌ أمْ لا، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الزَّعْمُ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ، وأنْشَدَ لِأُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ: وإنِّي أدِينُ لَكم أنَّهُ سَيُنْجِزُكم رَبُّكم ما زَعَمَ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ المُرادُ بِهِ الكَذِبُ، لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في أسْبابِ النُّزُولِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: «نازَعَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: بَيْنِي وبَيْنَكَ أبُو القاسِمِ، وقالَ المُنافِقُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَلْتَفِتُ إلى الرِّشْوَةِ، وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ كانَ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الرِّشْوَةِ، واليَهُودِيَّ كانَ مُحِقًّا، والمُنافِقَ كانَ مُبْطِلًا، فَلِهَذا المَعْنى كانَ اليَهُودِيُّ يُرِيدُ التَّحاكُمَ إلى الرَّسُولِ، والمُنافِقُ كانَ يُرِيدُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، ثُمَّ أصَرَّ اليَهُودِيُّ عَلى قَوْلِهِ، فَذَهَبا إلَيْهِ ﷺ، فَحَكَمَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْيَهُودِيِّ عَلى المُنافِقِ، فَقالَ المُنافِقُ لا أرْضى انْطَلِقْ بِنا إلى أبِي بَكْرٍ، فَحَكَمَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ، وقالَ المُنافِقُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ عُمَرُ، فَصارا إلى عُمَرَ فَأخْبَرَهُ اليَهُودِيُّ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأبا بَكْرٍ حَكَما عَلى المُنافِقِ فَلَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِما، فَقالَ لِلْمُنافِقِ: أهَكَذا ؟ فَقالَ: نَعَمْ، قالَ: اصْبِرا إنَّ لِي حاجَةً أدْخُلُ فَأقْضِيها وأخْرُجُ إلَيْكُما. فَدَخَلَ فَأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِما فَضَرَبَ بِهِ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ وهَرَبَ اليَهُودِيُّ، فَجاءَ أهْلُ المُنافِقِ فَشَكَوْا عُمَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَ عُمَرَ عَنْ قِصَّتِهِ، فَقالَ عُمَرُ: إنَّهُ رَدَّ حُكْمَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الحالِ وقالَ: إنَّهُ الفارُوقُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: ”أنْتَ الفارُوقُ» “ وعَلى هَذا القَوْلِ الطّاغُوتُ هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. صفحة ١٢٤ الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أسْلَمَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ ونافَقَ بَعْضُهم، وكانَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ إذا قَتَلَ قُرَظِيٌّ نَضَرِيًّا قُتِلَ بِهِ، وأُخِذَ مِنهُ دِيَةٌ مِائَةُ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وإذا قَتَلَ نَضَرِيٌّ قُرَظِيًّا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، لَكِنْ أعْطىَ دِيَتَهُ سِتِّينَ وسْقًا مِنَ التَّمْرِ، وكانَ بَنُو النَّضِيرِ أشْرَفَ وهم حُلَفاءُ الأوْسِ، وقُرَيْظَةُ حُلَفاءُ الخَزْرَجِ، فَلَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى المَدِينَةِ قَتَلَ نَضَرِيٌّ قُرَظِيًّا فاخْتَصَما فِيهِ، فَقالَتْ بَنُو النَّضِيرِ: لا قِصاصَ عَلَيْنا، إنَّما عَلَيْنا سِتُّونَ وسْقًا مِن تَمْرٍ عَلى ما اصْطَلَحْنا عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، وقالَتِ الخَزْرَجُ: هَذا حُكْمُ الجاهِلِيَّةِ، ونَحْنُ وأنْتُمُ اليَوْمَ إخْوَةٌ، ودِينُنا واحِدٌ ولا فَضْلَ بَيْنَنا، فَأبى بَنُو النَّضِيرِ ذَلِكَ، فَقالَ المُنافِقُونَ: انْطَلِقُوا إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ الأسْلَمِيِّ، وقالَ المُسْلِمُونَ: بَلْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأبى المُنافِقُونَ وانْطَلَقُوا إلى الكاهِنِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ودَعا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكاهِنَ إلى الإسْلامِ فَأسْلَمَ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وعَلى هَذا القَوْلِ الطّاغُوتُ هو الكاهِنُ. الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الحَسَنُ: إنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ لَهُ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ حَقٌّ، فَدَعاهُ المُنافِقُ إلى وثَنٍ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَحاكَمُونَ إلَيْهِ، ورَجُلٌ قائِمٌ يُتَرْجِمُ الأباطِيلَ عَنِ الوَثَنِ، فالمُرادُ بِالطّاغُوتِ هو ذَلِكَ الرَّجُلُ. الرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: كانُوا يَتَحاكَمُونَ إلى الأوْثانِ، وكانَ طَرِيقُهم أنَّهم يَضْرِبُونَ القِداحَ بِحَضْرَةِ الوَثَنِ، فَما خَرَجَ عَلى القِداحِ عَمِلُوا بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالطّاغُوتُ هو الوَثَنُ. واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَعْضِ المُنافِقِينَ، ثُمَّ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُنافِقًا مِن أهْلِ الكِتابِ، مِثْلَ أنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا فَأظْهَرَ الإسْلامَ عَلى سَبِيلِ النِّفاقِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ إنَّما يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذا المُنافِقِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَقْصُودُ الكَلامِ أنَّ بَعْضَ النّاسِ أرادَ أنْ يَتَحاكَمَ إلى بَعْضِ أهْلِ الطُّغْيانِ ولَمْ يُرِدِ التَّحاكُمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ القاضِي: ويَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّحاكُمُ إلى هَذا الطّاغُوتِ كالكُفْرِ، وعَدَمُ الرِّضا بِحُكْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُفْرٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ فَجَعَلَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ يَكُونُ إيمانًا بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الإيمانَ بِالطّاغُوتِ كُفْرٌ بِاللَّهِ، كَما أنَّ الكُفْرَ بِالطّاغُوتِ إيمانٌ بِاللَّهِ. الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وهَذا نَصٌّ في تَكْفِيرِ مَن لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُخالَفَتَهُ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ، وفي هَذِهِ الآياتِ دَلائِلُ عَلى أنَّ مَن رَدَّ شَيْئًا مِن أوامِرِ اللَّهِ أوْ أوامِرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو خارِجٌ عَنِ الإسْلامِ، سَواءٌ رَدَّهُ مِن جِهَةِ الشَّكِّ أوْ مِن جِهَةِ التَّمَرُّدِ، وذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ ما ذَهَبَتِ الصَّحابَةُ إلَيْهِ مِنَ الحُكْمِ بِارْتِدادِ مانِعِي الزَّكاةِ وقَتْلِهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيِّهِمْ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُفْرَ الكافِرِ لَيْسَ بِخَلْقِ اللَّهِ ولا بِإرادَتِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ خَلَقَ اللَّهُ الكُفْرَ في الكافِرِ وأرادَهُ مِنهُ فَأيُّ تَأْثِيرٍ لِلشَّيْطانِ فِيهِ، وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ تَأْثِيرٌ فَلِمَ ذَمَّهُ عَلَيْهِ ؟ . الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ الشَّيْطانَ بِسَبَبِ أنَّهُ يُرِيدُ صفحة ١٢٥ هَذِهِ الضَّلالَةَ ؟ فَلَوْ كانَ تَعالى مُرِيدًا لَها لَكانَ هو بِالذَّمِّ أوْلى مِن حَيْثُ أنَّ كُلَّ مَن عابَ شَيْئًا ثُمَّ فَعَلَهُ كانَ بِالذَّمِّ أوْلى قالَ تَعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] . الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في أوَّلِ الآيَةِ صَرِيحٌ في إظْهارِ التَّعَجُّبِ مِن أنَّهم كَيْفَ تَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ مَعَ أنَّهم قَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ التَّحاكُمُ بِخَلْقِ اللَّهِ لَما بَقِيَ التَّعَجُّبُ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّما فَعَلُوا لِأجْلِ أنَّكَ خَلَقْتَ ذَلِكَ الفِعْلَ فِيهِمْ وأرَدْتَهُ مِنهم، بَلِ التَّعَجُّبُ مِن هَذا التَّعَجُّبِ أوْلى، فَإنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ ثُمَّ أخَذَ يَتَعَجَّبُ مِنهم أنَّهم كَيْفَ فَعَلُوا ذَلِكَ كانَ التَّعَجُّبُ مِن هَذا التَّعَجُّبِ أوْلى. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا الِاسْتِدْلالِ يَرْجِعُ إلى التَّمَسُّكِ بِطَرِيقَةِ المَدْحِ أوِ الذَّمِّ، وقَدْ عَرَفْتَ مِنّا أنّا لا نَقْدَحُ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلّا بِالمُعارَضَةِ بِالعِلْمِ والدّاعِي واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى رَغْبَةَ المُنافِقِينَ في التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ، وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ نُفْرَتَهم عَنِ التَّحاكُمِ إلى الرَّسُولِ ﷺ . قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما صَدَّ المُنافِقُونَ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ؛ وعَلِمُوا أنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشا وأنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا بِمُرِّ الحُكْمِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ الصَّدُّ لِعَداوَتِهِمْ في الدِّينِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، أيْ يُعْرِضُونَ عَنْكَ، وذِكْرُ المَصْدَرِ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: صُدُودًا أيَّ صُدُودٍ.