Tafsir Al-Razi — النساء 4:62 – النساء 4:100
المحتويات
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:67
- النساء 4:68
- النساء 4:69
- النساء 4:70
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:96
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:99
- النساء 4:100
النساء 4:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ، وما قَبْلُ هَذِهِ الآيَةِ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَها هَكَذا: وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا، يَعْنِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ يَصُدُّونَ عَنْكَ أشَدَّ الصُّدُودِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجِيئُونَكَ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ كَذِبًا عَلى أنَّهم ما أرادُوا بِذَلِكَ الصَّدِّ إلّا الإحْسانَ والتَّوْفِيقَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ النَّظْمُ مُتَّصِلًا، وتِلْكَ الآيَةُ وقَعَتْ في البَيْنِ كالكَلامِ الأجْنَبِيِّ، وهَذا يُسَمّى اعْتِراضًا، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
صفحة ١٢٦
إنَّ الثَّمانِينَ وبُلِّغْتَها قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تُرْجُمانْ
فَقَوْلُهُ: وبُلِّغْتَها، كَلامٌ أجْنَبِيٌّ وقَعَ في البَيْنِ، إلّا أنَّ هَذا الكَلامَ الأجْنَبِيَّ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ المَقْصُودِ كَما في هَذا البَيْتِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: بُلِّغْتَها دُعاءٌ لِلْمُخاطَبِ وتَلَطُّفٌ في القَوْلِ مَعَهُ، والآيَةُ أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها في شَرْحِ قَبائِحِ المُنافِقِينَ وفَضائِحِهِمْ وأنْواعِ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فَإنَّ الآيَةَ أخْبَرَتْ بِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في أوَّلِ الآيَةِ أنَّهم يَتَحاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ مَعَ أنَّهم أُمِرُوا بِالكُفْرِ بِهِ، ويَصُدُّونَ عَنِ الرَّسُولِ مَعَ أنَّهم أُمِرُوا بِطاعَتِهِ، فَذَكَرَ بَعْدَ هَذا ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الأحْوالِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذِهِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ فَكَيْفَ حالُ تِلْكَ الشِّدَّةِ وحالُ تِلْكَ المُصِيبَةِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، واخْتِيارُ الواحِدِيِّ مِنَ المُتَأخِّرِينَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم يَتَحاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ، ويَفِرُّونَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدَّ الفِرارِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى شِدَّةِ نُفْرَتِهِمْ مِنَ الحُضُورِ عِنْدَ الرَّسُولِ والقُرْبِ مِنهُ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي إذا كانَتْ نُفْرَتُهم مِنَ الحُضُورِ عِنْدَ الرَّسُولِ في أوْقاتِ السَّلامَةِ هَكَذا، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم في شِدَّةِ الغَمِّ والحَسْرَةِ إذا أتَوْا بِجِنايَةٍ خافُوا بِسَبَبِها مِنكَ، ثُمَّ جاءُوكَ شاءُوا أمْ أبَوْا ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ: أنّا ما أرَدْنا بِتِلْكَ الجِنايَةِ إلّا الخَيْرَ والمَصْلَحَةَ، والغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنَّ ما في قَلْبِهِمْ مِنَ النُّفْرَةِ عَنِ الرَّسُولِ لا غايَةَ لَهُ، سَواءٌ غابُوا أمْ حَضَرُوا، وسَواءٌ بَعُدُوا أمْ قَرُبُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَدَّ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّ مَن أرادَ المُبالَغَةَ في شَيْءٍ قالَ: هَذا شَيْءٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، يَعْنِي أنَّهُ لِكَثْرَتِهِ وقُوَّتِهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مَعْرِفَتِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ لَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شِدَّةَ بُغْضِهِمْ ونِهايَةَ عَداوَتِهِمْ ونُفْرَتِهِمْ أعْلَمَهُ أنَّهُ كَيْفَ يُعامِلُهم فَقالَ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ وهَذا الكَلامُ عَلى ما قَرَّرْناهُ مُنْتَظِمٌ حَسَنُ الِاتِّساقِ لا حاجَةَ فِيهِ إلى شَيْءٍ مِنَ الحَذْفِ والإضْمارِ، ومَن طالَعَ كُتُبَ التَّفْسِيرِ عَلِمَ أنَّ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ كَيْفَ اضْطَرَبُوا فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ قَتْلُ عُمَرَ صاحِبَهُمُ الَّذِي أقَرَّ أنَّهُ لا يَرْضى بِحُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهم جاءُوا إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَطالَبُوا عُمَرَ بِدَمِهِ وحَلَفُوا أنَّهم ما أرادُوا بِالذَّهابِ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ إلّا المَصْلَحَةَ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن هَذِهِ المُصِيبَةِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنَّهُ لا يَسْتَصْحِبُهم في الغَزَواتِ، وأنَّهُ يَخُصُّهم بِمَزِيدِ الإذْلالِ والطَّرْدِ عَنْ حَضْرَتِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١] وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] وبِالجُمْلَةِ فَأمْثالُ هَذِهِ الآياتِ تُوجِبُ لَهُمُ الذُّلَّ العَظِيمَ، فَكانَتْ مَعْدُودَةً في مَصائِبِهِمْ، وإنَّما يُصِيبُهم ذَلِكَ لِأجْلِ نِفاقِهِمْ، وعَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾ أيْ وقْتَ المُصِيبَةِ يَحْلِفُونَ ويَعْتَذِرُونَ أنّا ما أرَدْنا بِما كانَ مِنّا مِن مُداراةِ الكُفّارِ إلّا الصَّلاحَ، وكانُوا في ذَلِكَ كاذِبِينَ لِأنَّهم أضْمَرُوا خِلافَ ما أظْهَرُوهُ، ولَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ
صفحة ١٢٧
الإحْسانَ الَّذِي هو الصَّلاحُ.
الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم رَغِبُوا في حُكْمِ الطّاغُوتِ وكَرِهُوا حُكْمَ الرَّسُولِ، بَشَّرَ الرَّسُولَ ﷺ أنَّهُ سَتُصِيبُهم مَصائِبُ تُلْجِئُهم إلَيْهِ، وإلى أنْ يُظْهِرُوا لَهُ الإيمانَ بِهِ وإلى أنْ يَحْلِفُوا بِأنَّ مُرادَهُمُ الإحْسانُ والتَّوْفِيقُ. قالَ: ومِن عادَةِ العَرَبِ عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ أنْ يَقُولُوا: كَيْفَ أنْتَ إذا كانَ كَذا وكَذا، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى إذا كانَ مِنهم ذَلِكَ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم ويَعِظَهم.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ الإحْسانِ والتَّوْفِيقِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ ما أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ إلّا الإحْسانَ إلى خُصُومِنا واسْتِدامَةَ الِاتِّفاقِ والِائْتِلافِ فِيما بَيْنَنا، وإنَّما كانَ التَّحاكُمُ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ إحْسانًا إلى الخُصُومِ لِأنَّهم لَوْ كانُوا عِنْدَ الرَّسُولِ لَما قَدَرُوا عَلى رَفْعِ صَوْتٍ عِنْدَ تَقْرِيرِ كَلامِهِمْ، ولَمّا قَدَرُوا عَلى التَّمَرُّدِ مِن حُكْمِهِ، فَإذَنْ كانَ التَّحاكُمُ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ إحْسانًا إلى الخُصُومِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى ما أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى عُمَرَ إلّا أنَّهُ يُحْسِنُ إلى صاحِبِنا بِالحُكْمِ العَدْلِ والتَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ، وما خَطَرَ بِبالِنا أنَّهُ يَحْكُمُ بِما حَكَمَ بِهِ الرَّسُولُ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى ما أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا أنَّكَ لا تَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ المُرِّ، وغَيْرُكَ يَدُورُ عَلى التَّوَسُّطِ ويَأْمُرُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ بِالإحْسانِ إلى الآخَرِ، وتَقْرِيبِ مُرادِهِ مِن مُرادِ صاحِبِهِ حَتّى يَحْصُلَ بَيْنَهُما المُوافَقَةُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يَعْلَمُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفاقِ والغَيْظِ والعَداوَةِ إلّا اللَّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُعامِلَهم بِثَلاثَةِ أشْياءَ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يَقْبَلَ مِنهم ذَلِكَ العُذْرَ ولا يَغْتَرَّ بِهِ، فَإنَّ مَن لا يَقْبَلُ عُذْرَ غَيْرِهِ ويَسْتَمِرُّ عَلى سُخْطِهِ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْهُ غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى أنْ يَقُولَ لَهُ: اكْتَفِ بِالإعْراضِ عَنْهم ولا تَهْتِكْ سِتْرَهم، ولا تُظْهِرْ لَهم أنَّكَ عالِمٌ بِكُنْهِ ما في بَواطِنِهِمْ، فَإنَّ مَن هَتَكَ سِتْرَ عَدُّوِهُ وأظْهَرَ لَهُ كَوْنَهُ عالِمًا بِما في قَلْبِهِ فَرُبَّما يُجَرِّئُهُ ذَلِكَ عَلى أنْ لا يُبالِيَ بِإظْهارِ العَداوَةِ فَيَزْدادَ الشَّرُّ، ولَكِنْ إذا تَرَكَهُ عَلى حالِهِ بَقِيَ في خَوْفٍ ووَجِلٍ فَيَقِلُّ الشَّرُّ.
النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: (وعِظْهم) والمُرادُ أنَّهُ يَزْجُرُهم عَنِ النِّفاقِ والمَكْرِ والكَيْدِ والحَسَدِ والكَذِبِ ويُخَوِّفُهم بِعِقابِ الآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] .
* * *
النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (في أنْفُسِهِمْ) وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ مُؤَثِّرًا في قُلُوبِهِمْ يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وقُلْ لَهم في مَعْنى أنْفُسِهِمُ الخَبِيثَةِ وقُلُوبِهِمُ المَطْوِيَّةِ عَلى النِّفاقِ قَوْلًا بَلِيغًا، وإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم فَلا يُغْنِي عَنْكم إخْفاؤُهُ، فَطَهِّرُوا قُلُوبَكم مِنَ النِّفاقِ وإلّا أنْزَلَ اللَّهُ بِكم ما أنْزَلَ بِالمُجاهِرِينَ بِالشِّرْكِ أوْ شَرًّا مِن ذَلِكَ وأغْلَظَ.
الثّالِثُ: قُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ خالِيًا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم عَلى سَبِيلِ السِّرِّ، لِأنَّ
صفحة ١٢٨
النُّصْحِيَّةَ عَلى المَلَأِ تَقْرِيعٌ وفي السِّرِّ مَحْضُ المَنفَعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالوَعْظِ التَّخْوِيفُ بِعِقابِ الآخِرَةِ، والمُرادُ بِالقَوْلِ البَلِيغِ التَّخْوِيفُ بِعِقابِ الدُّنْيا، وهو أنْ يَقُولَ لَهم: إنَّ ما في قُلُوبِكم مِنَ النِّفاقِ والكَيْدِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَ سائِرِ الكُفّارِ، وإنَّما رَفَعَ اللَّهُ السَّيْفَ عَنْكم لِأنَّكم أظْهَرْتُمُ الإيمانَ، فَإنْ واظَبْتُمْ عَلى هَذِهِ الأفْعالِ القَبِيحَةِ ظَهَرَ لِلْكُلِّ بَقاؤُكم عَلى الكُفْرِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُكُمُ السَّيْفُ.
الثّانِي: أنَّ القَوْلَ البَلِيغَ صِفَةٌ لِلْوَعْظِ، فَأمَرَ تَعالى بِالوَعْظِ، ثُمَّ أمَرَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَعْظُ بِالقَوْلِ البَلِيغِ، وهو أنْ يَكُونَ كَلامًا بَلِيغًا طَوِيلًا حَسَنَ الألْفاظِ حَسَنَ المَعانِي مُشْتَمِلًا عَلى التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والإحْذارِ والإنْذارِ والثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّ الكَلامَ إذا كانَ هَكَذا عَظُمَ وقْعُهُ في القَلْبِ، وإذا كانَ مُخْتَصَرًا رَكِيكَ اللَّفْظِ قَلِيلَ المَعْنى لَمْ يُؤَثِّرِ البَتَّةَ في القَلْبِ.
النساء 4:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ، وما قَبْلُ هَذِهِ الآيَةِ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَها هَكَذا: وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا، يَعْنِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ يَصُدُّونَ عَنْكَ أشَدَّ الصُّدُودِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجِيئُونَكَ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ كَذِبًا عَلى أنَّهم ما أرادُوا بِذَلِكَ الصَّدِّ إلّا الإحْسانَ والتَّوْفِيقَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ النَّظْمُ مُتَّصِلًا، وتِلْكَ الآيَةُ وقَعَتْ في البَيْنِ كالكَلامِ الأجْنَبِيِّ، وهَذا يُسَمّى اعْتِراضًا، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
صفحة ١٢٦
إنَّ الثَّمانِينَ وبُلِّغْتَها قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تُرْجُمانْ
فَقَوْلُهُ: وبُلِّغْتَها، كَلامٌ أجْنَبِيٌّ وقَعَ في البَيْنِ، إلّا أنَّ هَذا الكَلامَ الأجْنَبِيَّ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ المَقْصُودِ كَما في هَذا البَيْتِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: بُلِّغْتَها دُعاءٌ لِلْمُخاطَبِ وتَلَطُّفٌ في القَوْلِ مَعَهُ، والآيَةُ أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها في شَرْحِ قَبائِحِ المُنافِقِينَ وفَضائِحِهِمْ وأنْواعِ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فَإنَّ الآيَةَ أخْبَرَتْ بِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في أوَّلِ الآيَةِ أنَّهم يَتَحاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ مَعَ أنَّهم أُمِرُوا بِالكُفْرِ بِهِ، ويَصُدُّونَ عَنِ الرَّسُولِ مَعَ أنَّهم أُمِرُوا بِطاعَتِهِ، فَذَكَرَ بَعْدَ هَذا ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الأحْوالِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذِهِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ فَكَيْفَ حالُ تِلْكَ الشِّدَّةِ وحالُ تِلْكَ المُصِيبَةِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، واخْتِيارُ الواحِدِيِّ مِنَ المُتَأخِّرِينَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم يَتَحاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ، ويَفِرُّونَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدَّ الفِرارِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى شِدَّةِ نُفْرَتِهِمْ مِنَ الحُضُورِ عِنْدَ الرَّسُولِ والقُرْبِ مِنهُ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي إذا كانَتْ نُفْرَتُهم مِنَ الحُضُورِ عِنْدَ الرَّسُولِ في أوْقاتِ السَّلامَةِ هَكَذا، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم في شِدَّةِ الغَمِّ والحَسْرَةِ إذا أتَوْا بِجِنايَةٍ خافُوا بِسَبَبِها مِنكَ، ثُمَّ جاءُوكَ شاءُوا أمْ أبَوْا ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ: أنّا ما أرَدْنا بِتِلْكَ الجِنايَةِ إلّا الخَيْرَ والمَصْلَحَةَ، والغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنَّ ما في قَلْبِهِمْ مِنَ النُّفْرَةِ عَنِ الرَّسُولِ لا غايَةَ لَهُ، سَواءٌ غابُوا أمْ حَضَرُوا، وسَواءٌ بَعُدُوا أمْ قَرُبُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَدَّ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّ مَن أرادَ المُبالَغَةَ في شَيْءٍ قالَ: هَذا شَيْءٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، يَعْنِي أنَّهُ لِكَثْرَتِهِ وقُوَّتِهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مَعْرِفَتِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ لَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شِدَّةَ بُغْضِهِمْ ونِهايَةَ عَداوَتِهِمْ ونُفْرَتِهِمْ أعْلَمَهُ أنَّهُ كَيْفَ يُعامِلُهم فَقالَ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ وهَذا الكَلامُ عَلى ما قَرَّرْناهُ مُنْتَظِمٌ حَسَنُ الِاتِّساقِ لا حاجَةَ فِيهِ إلى شَيْءٍ مِنَ الحَذْفِ والإضْمارِ، ومَن طالَعَ كُتُبَ التَّفْسِيرِ عَلِمَ أنَّ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ كَيْفَ اضْطَرَبُوا فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ قَتْلُ عُمَرَ صاحِبَهُمُ الَّذِي أقَرَّ أنَّهُ لا يَرْضى بِحُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهم جاءُوا إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَطالَبُوا عُمَرَ بِدَمِهِ وحَلَفُوا أنَّهم ما أرادُوا بِالذَّهابِ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ إلّا المَصْلَحَةَ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن هَذِهِ المُصِيبَةِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنَّهُ لا يَسْتَصْحِبُهم في الغَزَواتِ، وأنَّهُ يَخُصُّهم بِمَزِيدِ الإذْلالِ والطَّرْدِ عَنْ حَضْرَتِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١] وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] وبِالجُمْلَةِ فَأمْثالُ هَذِهِ الآياتِ تُوجِبُ لَهُمُ الذُّلَّ العَظِيمَ، فَكانَتْ مَعْدُودَةً في مَصائِبِهِمْ، وإنَّما يُصِيبُهم ذَلِكَ لِأجْلِ نِفاقِهِمْ، وعَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾ أيْ وقْتَ المُصِيبَةِ يَحْلِفُونَ ويَعْتَذِرُونَ أنّا ما أرَدْنا بِما كانَ مِنّا مِن مُداراةِ الكُفّارِ إلّا الصَّلاحَ، وكانُوا في ذَلِكَ كاذِبِينَ لِأنَّهم أضْمَرُوا خِلافَ ما أظْهَرُوهُ، ولَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ
صفحة ١٢٧
الإحْسانَ الَّذِي هو الصَّلاحُ.
الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم رَغِبُوا في حُكْمِ الطّاغُوتِ وكَرِهُوا حُكْمَ الرَّسُولِ، بَشَّرَ الرَّسُولَ ﷺ أنَّهُ سَتُصِيبُهم مَصائِبُ تُلْجِئُهم إلَيْهِ، وإلى أنْ يُظْهِرُوا لَهُ الإيمانَ بِهِ وإلى أنْ يَحْلِفُوا بِأنَّ مُرادَهُمُ الإحْسانُ والتَّوْفِيقُ. قالَ: ومِن عادَةِ العَرَبِ عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ أنْ يَقُولُوا: كَيْفَ أنْتَ إذا كانَ كَذا وكَذا، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى إذا كانَ مِنهم ذَلِكَ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم ويَعِظَهم.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ الإحْسانِ والتَّوْفِيقِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ ما أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ إلّا الإحْسانَ إلى خُصُومِنا واسْتِدامَةَ الِاتِّفاقِ والِائْتِلافِ فِيما بَيْنَنا، وإنَّما كانَ التَّحاكُمُ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ إحْسانًا إلى الخُصُومِ لِأنَّهم لَوْ كانُوا عِنْدَ الرَّسُولِ لَما قَدَرُوا عَلى رَفْعِ صَوْتٍ عِنْدَ تَقْرِيرِ كَلامِهِمْ، ولَمّا قَدَرُوا عَلى التَّمَرُّدِ مِن حُكْمِهِ، فَإذَنْ كانَ التَّحاكُمُ إلى غَيْرِ الرَّسُولِ إحْسانًا إلى الخُصُومِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى ما أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى عُمَرَ إلّا أنَّهُ يُحْسِنُ إلى صاحِبِنا بِالحُكْمِ العَدْلِ والتَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ، وما خَطَرَ بِبالِنا أنَّهُ يَحْكُمُ بِما حَكَمَ بِهِ الرَّسُولُ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى ما أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا أنَّكَ لا تَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ المُرِّ، وغَيْرُكَ يَدُورُ عَلى التَّوَسُّطِ ويَأْمُرُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ بِالإحْسانِ إلى الآخَرِ، وتَقْرِيبِ مُرادِهِ مِن مُرادِ صاحِبِهِ حَتّى يَحْصُلَ بَيْنَهُما المُوافَقَةُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يَعْلَمُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفاقِ والغَيْظِ والعَداوَةِ إلّا اللَّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُعامِلَهم بِثَلاثَةِ أشْياءَ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يَقْبَلَ مِنهم ذَلِكَ العُذْرَ ولا يَغْتَرَّ بِهِ، فَإنَّ مَن لا يَقْبَلُ عُذْرَ غَيْرِهِ ويَسْتَمِرُّ عَلى سُخْطِهِ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْهُ غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى أنْ يَقُولَ لَهُ: اكْتَفِ بِالإعْراضِ عَنْهم ولا تَهْتِكْ سِتْرَهم، ولا تُظْهِرْ لَهم أنَّكَ عالِمٌ بِكُنْهِ ما في بَواطِنِهِمْ، فَإنَّ مَن هَتَكَ سِتْرَ عَدُّوِهُ وأظْهَرَ لَهُ كَوْنَهُ عالِمًا بِما في قَلْبِهِ فَرُبَّما يُجَرِّئُهُ ذَلِكَ عَلى أنْ لا يُبالِيَ بِإظْهارِ العَداوَةِ فَيَزْدادَ الشَّرُّ، ولَكِنْ إذا تَرَكَهُ عَلى حالِهِ بَقِيَ في خَوْفٍ ووَجِلٍ فَيَقِلُّ الشَّرُّ.
النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: (وعِظْهم) والمُرادُ أنَّهُ يَزْجُرُهم عَنِ النِّفاقِ والمَكْرِ والكَيْدِ والحَسَدِ والكَذِبِ ويُخَوِّفُهم بِعِقابِ الآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] .
* * *
النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (في أنْفُسِهِمْ) وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وقُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ مُؤَثِّرًا في قُلُوبِهِمْ يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وقُلْ لَهم في مَعْنى أنْفُسِهِمُ الخَبِيثَةِ وقُلُوبِهِمُ المَطْوِيَّةِ عَلى النِّفاقِ قَوْلًا بَلِيغًا، وإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم فَلا يُغْنِي عَنْكم إخْفاؤُهُ، فَطَهِّرُوا قُلُوبَكم مِنَ النِّفاقِ وإلّا أنْزَلَ اللَّهُ بِكم ما أنْزَلَ بِالمُجاهِرِينَ بِالشِّرْكِ أوْ شَرًّا مِن ذَلِكَ وأغْلَظَ.
الثّالِثُ: قُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ خالِيًا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم عَلى سَبِيلِ السِّرِّ، لِأنَّ
صفحة ١٢٨
النُّصْحِيَّةَ عَلى المَلَأِ تَقْرِيعٌ وفي السِّرِّ مَحْضُ المَنفَعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالوَعْظِ التَّخْوِيفُ بِعِقابِ الآخِرَةِ، والمُرادُ بِالقَوْلِ البَلِيغِ التَّخْوِيفُ بِعِقابِ الدُّنْيا، وهو أنْ يَقُولَ لَهم: إنَّ ما في قُلُوبِكم مِنَ النِّفاقِ والكَيْدِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَكم وبَيْنَ سائِرِ الكُفّارِ، وإنَّما رَفَعَ اللَّهُ السَّيْفَ عَنْكم لِأنَّكم أظْهَرْتُمُ الإيمانَ، فَإنْ واظَبْتُمْ عَلى هَذِهِ الأفْعالِ القَبِيحَةِ ظَهَرَ لِلْكُلِّ بَقاؤُكم عَلى الكُفْرِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُكُمُ السَّيْفُ.
الثّانِي: أنَّ القَوْلَ البَلِيغَ صِفَةٌ لِلْوَعْظِ، فَأمَرَ تَعالى بِالوَعْظِ، ثُمَّ أمَرَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَعْظُ بِالقَوْلِ البَلِيغِ، وهو أنْ يَكُونَ كَلامًا بَلِيغًا طَوِيلًا حَسَنَ الألْفاظِ حَسَنَ المَعانِي مُشْتَمِلًا عَلى التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والإحْذارِ والإنْذارِ والثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّ الكَلامَ إذا كانَ هَكَذا عَظُمَ وقْعُهُ في القَلْبِ، وإذا كانَ مُخْتَصَرًا رَكِيكَ اللَّفْظِ قَلِيلَ المَعْنى لَمْ يُؤَثِّرِ البَتَّةَ في القَلْبِ.
النساء 4:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِطاعَةِ الرَّسُولِ في قَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ ثُمَّ حَكى أنَّ بَعْضَهم تَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ ولَمْ يَتَحاكَمْ إلى الرَّسُولِ، وبَيَّنَ قُبْحَ طَرِيقِهِ وفَسادَ مَنهَجِهِ، رَغَّبَ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً أُخْرى في طاعَةِ الرَّسُولِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا صِلَةٌ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا رَسُولًا، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن هَذا الجِنْسِ أحَدًا إلّا كَذا وكَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ المُبالَغَةُ أتَمَّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: وما أرْسَلْتُ مِن رَسُولٍ إلّا وأنا مُرِيدٌ أنْ يُطاعَ ويُصَدَّقَ ولَمْ أُرْسِلْهُ لِيُعْصى. قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى أرْسَلَ رُسُلًا لِتُعْصى، والعاصِي مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يَبْقى عَلى الكُفْرِ، وقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلى كَذِبِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ إلّا هَذِهِ الآيَةُ لَكَفى، وكانَ يَجِبُ عَلى قَوْلِهِمْ أنْ يَكُونَ قَدْ أرْسَلَ الرُّسُلَ لِيُطاعُوا ولِيُعْصَوْا جَمِيعًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَعْصِيَتَهم لِلرُّسُلِ غَيْرُ مُرادَةٍ لِلَّهِ، وأنَّهُ تَعالى ما أرادَ إلّا أنْ يُطاعَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ في غايَةِ الضَّعْفِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (إلّا لِيُطاعَ) يَكْفِي في تَحْقِيقِ مَفْهُومِهِ أنْ يُطِيعَهُ مُطِيعٌ واحِدٌ في وقْتٍ واحِدٍ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ تَحَقُّقِ مَفْهُومِهِ أنْ يُطِيعَهُ جَمِيعُ النّاسِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ: وهو أنَّ كُلَّ مَن أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَقَدْ أطاعَهُ بَعْضُ النّاسِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: تَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ، إلّا أنَّ الجُبّائِيَّ لا يَقُولُ بِذَلِكَ، فَسَقَطَ هَذا الإشْكالُ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ.
الثّانِي: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ أنَّ كُلَّ كافِرٍ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُقِرَّ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أوْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى إيمانِ الكُلِّ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الوَصْفَ في جانِبِ الثُّبُوتِ
صفحة ١٢٩
يَكْفِي في حُصُولِ مُسَمّاهُ ثُبُوتُهُ في بَعْضِ الصُّوَرِ وفي بَعْضِ الأحْوالِ.
الثّالِثُ: أنَّ العِلْمَ بِعَدَمِ الطّاعَةِ مَعَ وُجُودِ الطّاعَةِ مُتَضادّانِ، والضِّدّانِ لا يَجْتَمِعانِ، وذَلِكَ العِلْمُ مُمْتَنِعُ العَدَمِ، فَكانَتِ الطّاعَةُ مُمْتَنِعَةَ الوُجُودِ، واللَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَكانَ عالِمًا بِكَوْنِ الطّاعَةِ مُمْتَنِعَةَ الوُجُودِ، والعالِمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مُمْتَنِعَ الوُجُودِ لا يَكُونُ مُرِيدًا لَهُ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ القاطِعِ أنْ يَسْتَحِيلَ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ مِنَ الكافِرِ كَوْنَهُ مُطِيعًا، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَلامِ لَيْسَ الإرادَةَ بَلِ الأمْرَ.
والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُؤْمَرُ النّاسُ بِطاعَتِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ سَقَطَ الإشْكالُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والكُفْرِ والإيمانِ والطّاعَةِ والعِصْيانِ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الإذْنِ الأمْرَ والتَّكْلِيفَ، لِأنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ رَسُولًا إلّا أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِطاعَتِهِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الإذْنِ هو هَذا لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: وما أذِنّا في طاعَةِ مَن أرْسَلْناهُ إلّا بِإذْنِنا وهو تَكْرارٌ قَبِيحٌ، فَوَجَبَ حَمْلُ الإذْنِ عَلى التَّوْفِيقِ والإعانَةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِتَوْفِيقِنا وإعانَتِنا، وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِنَ الكُلِّ طاعَةَ الرَّسُولِ، بَلْ لا يُرِيدُ ذَلِكَ إلّا مِنَ الَّذِي وفَّقَهُ اللَّهُ لِذَلِكَ وأعانَهُ عَلَيْهِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وأمّا المَحْرُومُونَ مِنَ التَّوْفِيقِ والإعانَةِ فاللَّهُ تَعالى ما أرادَ ذَلِكَ مِنهم، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى مَذْهَبِنا.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا رَسُولَ إلّا ومَعَهُ شَرِيعَةٌ لِيَكُونَ مُطاعًا في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ ومَتْبُوعًا فِيها، إذْ لَوْ كانَ لا يَدْعُو إلّا إلى شَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ هو في الحَقِيقَةِ مُطاعًا، بَلْ كانَ المُطاعُ هو الرَّسُولُ المُتَقَدِّمُ الَّذِي هو الواضِعُ لِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى كُلِّ رَسُولٍ بِأنَّهُ مُطاعٌ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ عَنِ المَعاصِي والذُّنُوبِ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ طاعَتِهِمْ مُطْلَقًا، فَلَوْ أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ لَوَجَبَ عَلَيْنا الِاقْتِداءُ بِهِمْ في تِلْكَ المَعْصِيَةِ فَتَصِيرُ تِلْكَ المَعْصِيَةُ واجِبَةً عَلَيْنا، وكَوْنُها مَعْصِيَةً يُوجِبُ كَوْنَها مُحَرَّمَةً عَلَيْنا، فَيَلْزَمُ تَوارُدُ الإيجابِ والتَّحْرِيمِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ وإنَّهُ مُحالٌ.
فَإنْ قِيلَ: ألَسْتُمْ في الِاعْتِراضِ عَلى كَلامِ الجُبّائِيِّ ذَكَرْتُمْ أنَّ قَوْلَهُ: (إلّا لِيُطاعَ) لا يُفِيدُ العُمُومَ، فَكَيْفَ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَعَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ القَوْلِ بِأنَّها تُفِيدُ العُمُومَ ؟ .
قُلْنا: ظاهِرُ اللَّفْظِ يُوهِمُ العُمُومَ، وإنَّما تَرَكْنا العُمُومَ في تِلْكَ المَسْألَةِ لِلدَّلِيلِ العَقْلِيِّ القاطِعِ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِيلُ مِنهُ تَعالى أنْ يُرِيدَ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ المُعارِضِ القاطِعِ صَرَفْنا الظّاهِرَ عَنِ العُمُومِ، ولَيْسَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَقْلِيٌّ يُوجِبُ القَدْحَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ .
صفحة ١٣٠
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُنافِقِينَ، يَعْنِي لَوْ أنَّهم عِنْدَما ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ والفِرارِ مِنَ التَّحاكُمِ إلى الرَّسُولِ جاءُوا الرَّسُولَ وأظْهَرُوا النَّدَمَ عَلى ما فَعَلُوهُ وتابُوا عَنْهُ واسْتَغْفَرُوا مِنهُ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ بِأنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَغْفِرَها لَهم عِنْدَ تَوْبَتِهِمْ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا.
الثّانِي: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: «أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ اصْطَلَحُوا عَلى كَيْدٍ في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ لِأجْلِ ذَلِكَ الغَرَضِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ بِهِ، فَقالَ ﷺ: إنَّ قَوْمًا دَخَلُوا يُرِيدُونَ أمْرًا لا يَنالُونَهُ، فَلْيَقُومُوا ولْيَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ حَتّى أسْتَغْفِرَ لَهم فَلَمْ يَقُومُوا، فَقالَ: ألا تَقُومُونَ، فَلَمْ يَفْعَلُوا فَقالَ ﷺ: قُمْ يا فُلانُ قُمْ يا فُلانُ حَتّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنهم، فَقامُوا وقالُوا: كُنّا عَزَمْنا عَلى ما قُلْتَ، ونَحْنُ نَتُوبُ إلى اللَّهِ مِن ظُلْمِنا أنْفُسَنا فاسْتَغْفِرْ لَنا، فَقالَ: الآنَ اخْرُجُوا أنا كُنْتُ في بَدْءِ الأمْرِ أقْرَبَ إلى الِاسْتِغْفارِ: وكانَ اللَّهُ أقْرَبَ إلى الإجابَةِ اخْرُجُوا عَنِّي» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ألَيْسَ لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وتابُوا عَلى وجْهٍ صَحِيحٍ لَكانَتْ تَوْبَتُهم مَقْبُولَةً، فَما الفائِدَةُ في ضَمِّ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ إلى اسْتِغْفارِهِمْ ؟
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ كانَ مُخالَفَةً لِحُكْمِ اللَّهِ، وكانَ أيْضًا إساءَةً إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإدْخالًا لِلْغَمِّ في قَلْبِهِ، ومَن كانَ ذَنْبُهُ كَذَلِكَ وجَبَ عَلَيْهِ الِاعْتِذارُ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ لِغَيْرِهِ، فَلِهَذا المَعْنى وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَطْلُبُوا مِنَ الرَّسُولِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم.
الثّانِي: أنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِ الرَّسُولِ ظَهَرَ مِنهم ذَلِكَ التَّمَرُّدُ، فَإذا تابُوا وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَفْعَلُوا ما يُزِيلُ عَنْهم ذَلِكَ التَّمَرُّدَ، وما ذاكَ إلّا بِأنْ يَذْهَبُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ ويَطْلُبُوا مِنهُ الِاسْتِغْفارَ.
الثّالِثُ: لَعَلَّهم إذا أتَوْا بِالتَّوْبَةِ أتَوْا بِها عَلى وجْهِ الخَلَلِ، فَإذا انْضَمَّ إلَيْها اسْتِغْفارُ الرَّسُولِ صارَتْ مُسْتَحِقَّةً لِلْقَبُولِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ ولَمْ يَقُلْ واسْتَغْفَرْتَ لَهم إجْلالًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهم إذا جاءُوهُ فَقَدْ جاءُوا مَن خَصَّهُ اللَّهُ بِرِسالَتِهِ وأكْرَمَهُ بِوَحْيِهِ وجَعَلَهُ سَفِيرًا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَرُدُّ شَفاعَتَهُ، فَكانَتِ الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنْ لَفْظِ الخِطابِ إلى لَفْظِ المُغايَبَةِ ما ذَكَرْناهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى الجَزْمِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ التّائِبِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَنْهُمُ الِاسْتِغْفارَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ وهَذا الجَوابُ إنَّما يَنْطَلِقُ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَوّابًا رَحِيمًا﴾ هو أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم ويَرْحَمَ تَضَرُّعَهم ولا يَرُدَّ اسْتِغْفارَهم.
﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
النساء 4:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
صفحة ١٣١
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: وهو قَوْلُ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نازِلَةٌ في قِصَّةِ اليَهُودِيِّ والمُنافِقِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ عِنْدِي.
والثّانِي: أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ نازِلَةٌ في قِصَّةٍ أُخْرى، وهو ما رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ خاصَمَ الزُّبَيْرَ في ماءٍ يَسْقِي بِهِ النَّخْلَ، فَقالَ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: ”اسْقِ أرْضَكَ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى أرْضِ جارِكَ“ فَقالَ الأنْصارِيُّ: لِأجْلِ أنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ لِلزُّبَيْرِ: ”اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجُدُرَ» “ .
واعْلَمْ أنَّ الحُكْمَ في هَذا أنَّ مَن كانَتْ أرْضُهُ أقْرَبَ إلى فَمِ الوادِي فَهو أوْلى بِأوَّلِ الماءِ وحَقُّهُ تَمامُ السَّقْيِ، فالرَّسُولُ ﷺ أذِنَ لِلزُّبَيْرِ في السَّقْيِ عَلى وجْهِ المُسامَحَةِ، فَلَمّا أساءَ خَصْمُهُ الأدَبَ ولَمْ يَعْرِفْ حَقَّ ما أمَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ المُسامَحَةِ لِأجْلِهِ أمَرَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاسْتِيفاءِ حَقِّهِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ، وحَمْلِ خَصْمِهِ عَلى مُرِّ الحَقِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”لا“ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا ورَبِّكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ فَوَرَبِّكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] و”لا“ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ، كَما زِيدَتْ في (لِئَلّا يَعْلَمَ) لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ العِلْمِ و(لا يُؤْمِنُونَ) جَوابُ القَسَمِ.
والثّانِي: أنَّها مُفِيدَةٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرَ الواحِدِيُّ فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُفِيدُ نَفْيَ أمْرٍ سَبَقَ، والتَّقْدِيرُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا وهم يُخالِفُونَ حُكْمَكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ .
والثّانِي: أنَّها لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي جاءَ فِيما بَعْدُ، لِأنَّهُ إذا ذُكِرَ في أوَّلِ الكَلامِ وفي آخِرِهِ كانَ أوْكَدَ وأحْسَنَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ شَجَرَ يَشْجُرُ شُجُورًا وشَجَرًا إذا اخْتَلَفَ واخْتَلَطَ، وشاجَرَهُ إذا نازَعَهُ وذَلِكَ لِتَداخُلِ كَلامِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ عِنْدِ المُنازَعَةِ، ومِنهُ يُقالُ لِخَشَباتِ الهَوْدَجِ شِجارٌ، لِتَداخُلِ بَعْضِها في بَعْضٍ. قالَ أبُو مُسْلِمٍالأصْفَهانِيُّ: وهو مَأْخُوذٌ عِنْدِي مِنَ التِفافِ الشَّجَرِ، فَإنَّ الشَّجَرَ يَتَداخَلُ بَعْضُ أغْصانِهِ في بَعْضٍ، وأمّا الحَرَجُ فَهو الضِّيقُ. قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ لِلشَّجَرِ المُلْتَفِّ الَّذِي لا يَكادُ يُوصَلُ إلَيْهِ: حَرَجٌ، وجَمْعُهُ حَراجٌ، وأمّا التَّسْلِيمُ فَهو تَفْعِيلٌ يُقالُ: سَلِمَ فُلانٌ أيْ عُوفِيَ ولَمْ يَنْشَبْ بِهِ نائِبَةٌ، وسَلِمَ هَذا الشَّيْءُ لِفُلانٍ، أيْ خَلُصَ لَهُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ، فَإذا ثَقَّلْتَهُ بِالتَّشْدِيدِ فَقُلْتَ: سَلَّمَ لَهُ فَمَعْناهُ أنَّهُ سَلَّمَهُ لَهُ وخَلَّصَهُ لَهُ، هَذا هو الأصْلُ في اللُّغَةِ، وجَمِيعُ اسْتِعْمالاتِ التَّسْلِيمِ راجِعٌ إلى الأصْلِ فَقَوْلُهم: سَلَّمَ عَلَيْهِ، أيْ دَعا لَهُ بِأنْ يَسْلَمَ، وسَلَّمَ إلَيْهِ الوَدِيعَةَ، أيْ دَفَعَها إلَيْهِ بِلا مُنازَعَةٍ، وسَلَّمَ إلَيْهِ أيْ رَضِيَ بِحُكْمِهِ، وسَلَّمَ إلى فُلانٍ في كَذا، أيْ تَرَكَ مُنازَعَتَهُ فِيهِ، وسَلَّمَ إلى اللَّهِ أمْرَهُ أيْ فَوَّضَ إلَيْهِ حُكْمَ نَفْسِهِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ في أمْرِهِ أثَرًا ولا شَرِكَةً، وعَلِمَ أنَّ المُؤَثِّرَ الصّانِعَ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهم لا يَصِيرُونَ مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ الإيمانِ إلّا عِنْدَ حُصُولِ شَرائِطَ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الرَّسُولِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا.
واعْلَمْ أنَّ مَن يَتَمَسَّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِإرْشادِ النَّبِيِّ المَعْصُومِ قالَ:
صفحة ١٣٢
لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُمُ الإيمانُ إلّا بِأنْ يَسْتَعِينُوا بِحُكْمِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كُلِّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، ونَرى أهْلَ العِلْمِ مُخْتَلِفِينَ في صِفاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَمِن مُعَطِّلٍ ومِن مُشَبِّهٍ، ومِن قَدَرِيٍّ ومِن جَبْرِيٍّ، فَلَزِمَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَحْصُلُ الإيمانُ إلّا بِحُكْمِهِ وإرْشادِهِ وهِدايَتِهِ، وحَقَّقُوا ذَلِكَ بِأنَّ عُقُولَ أكْثَرِ الخَلْقِ ناقِصَةٌ وغَيْرُ وافِيَةٍ بِإدْراكِ هَذِهِ الحَقائِقِ ؟ وعَقْلُ النَّبِيِّ المَعْصُومِ كامِلٌ مُشْرِقٌ، فَإذا اتَّصَلَ إشْراقُ نُورِهِ بِعُقُولِ الأُمَّةِ قَوِيَتْ عُقُولُهم وانْقَلَبَتْ مِنَ النَّقْصِ إلى الكَمالِ، ومِنَ الضَّعْفِ إلى القُوَّةِ، فَقَدَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ عَلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ. والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ كانُوا جازِمِينَ مُتَيَقِّنِينَ كامِلِي الإيمانِ والمَعْرِفَةِ، والَّذِينَ بَعُدُوا عَنْهُ اضْطَرَبُوا أوِ اخْتَلَفُوا، وهَذِهِ المَذاهِبُ ما تَوَلَّدَتْ إلّا بَعْدَ زَمانِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْنا، والتَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ رَأيْتُهُ في كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الكَرِيمِ الشَّهْرَسْتانِيِّ، فَيُقالُ لَهُ: فَهَذا الِاسْتِقْلالُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ إنَّما اسْتَخْرَجْتَهُ مِن عَقْلِكَ، فَإذا كانَ عُقُولُ الأكْثَرِينَ ناقِصَةً فَلَعَلَّكَ ذَكَرْتَ هَذا الِاسْتِدْلالَ لِنُقْصانِ عَقْلِكَ، وإذا كانَ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا وجَبَ أنْ يُشَكَّ في صِحَّةِ مَذْهَبِكَ وصِحَّةِ هَذا الدَّلِيلِ الَّذِي تَمَسَّكْتَ بِهِ، ولِأنَّ مَعْرِفَةَ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ، فَلَوْ تَوَقَّفَتْ مَعْرِفَةُ الإلَهِ عَلى مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ لَزِمَ الدَّوْرُ، وهو مُحالٌ.
الشَّرْطُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا تَضِيقُ صُدُورُهم مِن أقْضِيَتِكَ.
واعْلَمْ أنَّ الرّاضِيَ بِحُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ يَكُونُ راضِيًا بِهِ في الظّاهِرِ دُونَ القَلْبِ فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ الرِّضا بِهِ في القَلْبِ، واعْلَمْ أنَّ مَيْلَ القَلْبِ ونُفْرَتَهُ شَيْءٌ خارِجٌ عَنْ وُسْعِ البَشَرِ، فَلَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَحْصُلَ الجَزْمُ واليَقِينُ في القَلْبِ بِأنَّ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ الرَّسُولُ هو الحَقُّ والصِّدْقُ.
الشَّرْطُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ واعْلَمْ أنَّ مَن عَرَفَ بِقَلْبِهِ كَوْنَ ذَلِكَ الحُكْمِ حَقًّا وصِدْقًا قَدْ يَتَمَرَّدُ عَنْ قَبُولِهِ عَلى سَبِيلِ العِنادِ أوْ يَتَوَقَّفُ في ذَلِكَ القَبُولِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَما لا بُدَّ في الإيمانِ مِن حُصُولِ ذَلِكَ اليَقِينِ في القَلْبِ. فَلا بُدَّ أيْضًا مِنَ التَّسْلِيمِ مَعَهُ في الظّاهِرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ المُرادُ بِهِ الِانْقِيادُ في الباطِنِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ المُرادُ مِنهُ الِانْقِيادُ في الظّاهِرِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْصُومُونَ عَنِ الخَطَأِ في الفَتْوى وفي الأحْكامِ، لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ الِانْقِيادَ لِحُكْمِهِمْ وبالَغَ في ذَلِكَ الإيجابِ وبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ ذَلِكَ الِانْقِيادِ في الظّاهِرِ وفي القَلْبِ، وذَلِكَ يَنْفِي صُدُورَ الخَطَأِ عَنْهم، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وأنَّ فَتْواهُ في أُسارى بَدْرٍ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] كُلُّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي لَخَّصْناها في هَذا الكِتابِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مِنَ الفُقَهاءِ مَن تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ القَضاءَ هو الإلْزامُ، ولا نِزاعَ في أنَّهُ لِلْوُجُوبِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ
صفحة ١٣٣
مُتابَعَةُ قَوْلِهِ وحُكْمِهِ عَلى الإطْلاقِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ المُبالَغَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَلَّما يُوجَدُ في شَيْءٍ مِنَ التَّكالِيفِ، وذَلِكَ يُوجِبُ تَقْدِيمَ عُمُومِ القُرْآنِ والخَبَرِ عَلى حُكْمِ القِياسِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَتى خَطَرَ بِبالِهِ قِياسٌ يُفْضِي إلى نَقِيضِ مَدْلُولِ النَّصِّ فَهُناكَ يَحْصُلُ الحَرَجُ في النَّفْسِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَكْمُلُ إيمانُهُ إلّا بَعْدَ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى ذَلِكَ الحَرَجِ، ويُسَلِّمَ النَّصَّ تَسْلِيمًا كُلِّيًّا، وهَذا الكَلامُ قَوِيٌّ حَسَنٌ لِمَن أنْصَفَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَتِ الطّاعاتُ والمَعاصِي بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى لَزِمَ التَّناقُضُ، وذَلِكَ لَأنَّ الرَّسُولَ إذا قَضى عَلى إنْسانٍ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ الفِعْلَ الفُلانِيَّ وجَبَ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ الرِّضا بِذَلِكَ لِأنَّهُ قَضاءُ الرَّسُولِ، والرِّضا بِقَضاءِ الرَّسُولِ واجِبٌ لِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ لَوْ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ عَلى خِلافِ فَتْوى الرَّسُولِ، فَلَوْ كانَتِ المَعاصِي بِقَضاءِ اللَّهِ لَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ بِقَضاءِ اللَّهِ، والرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ واجِبٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَجِبَ عَلى المُكَلَّفِينَ الرِّضا بِذَلِكَ الفِعْلِ، لِأنَّهُ قَضاءُ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَلْزَمَهُمُ الرِّضا بِالفِعْلِ والتَّرْكِ مَعًا، وذَلِكَ مُحالٌ.
والجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن قَضاءِ الرَّسُولِ الفَتْوى المَشْرُوعَةُ، والمُرادُ مِن قَضاءِ اللَّهِ التَّكْوِينُ والإيجادُ، وهُما مَفْهُومانِ مُتَغايِرانِ، فالجَمْعُ بَيْنَهُما لا يُفْضِي إلى التَّناقُضِ.
النساء 4:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ المُنافِقِينَ وتَرْغِيبِهِمْ في الإخْلاصِ وتَرْكِ النِّفاقِ، والمَعْنى أنّا لَوْ شَدَّدْنا التَّكْلِيفَ عَلى النّاسِ، نَحْوَ أنْ نَأْمُرَهم بِالقَتْلِ والخُرُوجِ عَنِ الأوْطانِ لَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَما فَعَلَهُ إلّا الأقَلُّونَ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ كُفْرُهم وعِنادُهم، فَلَمّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنّا عَلى عِبادِنا بَلِ اكْتَفَيْنا بِتَكْلِيفِهِمْ في الأُمُورِ السَّهْلَةِ، فَلْيَقْبَلُوها بِالإخْلاصِ ولْيَتْرُكُوا التَّمَرُّدَ والعِنادَ حَتّى يَنالُوا خَيْرَ الدّارَيْنِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”أنُ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوُ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم“ بِضَمِّ النُّونِ في ”أنْ“ وضَمِّ واوِ ”أوْ“ والسَّبَبُ فِيهِ نَقْلُ ضَمَّةِ ”اقْتُلُوا“ وضَمَّةِ ”اخْرُجُوا“ إلَيْهِما، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِالكَسْرِ فِيهِما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّ الواوِ، وقالَ الزَّجّاجُ: ولَسْتُ أعْرِفُ لِفَصْلِ أبِي عَمْرٍو بَيْنَ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ خاصِّيَّةً إلّا أنْ يَكُونَ رِوايَةً. وقالَ غَيْرُهُ: أمّا كَسْرُ النُّونِ فَلِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأمّا ضَمُّ الواوِ فَلِأنَّ الضَّمَّةَ في الواوِ أحْسَنُ لِأنَّها تُشْبِهُ واوَ الضَّمِيرِ. واتَّفَقَ الجُمْهُورُ
صفحة ١٣٤
عَلى الضَّمِّ في واوِ الضَّمِيرِ نَحْوَ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦] ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: (ما فَعَلُوهُ) عائِدَةٌ إلى القَتْلِ والخُرُوجِ مَعًا، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ جِنْسٌ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ ضُرُوبُهُ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلٌ) فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”قَلِيلًا“ بِالنَّصْبِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ ومُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا مَن نَصَبَ فَقاسَ النَّفْيَ عَلى الإثْباتِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: ما جاءَنِي أحَدٌ كَلامٌ تامٌّ، كَما أنَّ قَوْلَكَ: جاءَنِي القَوْمُ كَلامٌ تامٌّ فَلَمّا كانَ المُسْتَثْنى مَنصُوبًا في الإثْباتِ فَكَذا مَعَ النَّفْيِ، والجامِعُ كَوْنُ المُسْتَثْنى فَضْلَةٌ جاءَتْ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ، وأمّا مَن رَفَعَ فالسَّبَبُ أنَّهُ جَعَلَهُ بَدَلًا مِنَ الواوِ في (فَعَلُوهُ) وكَذَلِكَ كُلُّ مُسْتَثْنًى مِن مَنفِيٍّ، كَقَوْلِكَ: ما أتانِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، بِرَفْعِ زَيْدٍ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٍ، فَيُحْمَلُ إعْرابُ ما بَعْدَ ”إلّا“ عَلى ما قَبْلَها. وكَذَلِكَ في النَّصْبِ والجَرِّ، كَقَوْلِكَ: ما رَأيْتُ أحَدًا إلّا زَيْدًا، وما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا زَيْدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَّفْعُ أقْيَسُ، فَإنَّ مَعْنى ما أتى أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، وما أتانِي إلّا زَيْدٌ واحِدٌ، فَكَما اتَّفَقُوا في قَوْلِهِمْ ما أتانِي إلّا زَيْدٌ عَلى الرَّفْعِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ما أتانِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ بِمَنزِلَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُ عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم، وكَتَبَ عَلى المُهاجِرِينَ أنْ يَخْرُجُوا مِن دِيارِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ولَوْ أنّا كَتَبْنا القَتْلَ والخُرُوجَ عَنِ الوَطَنِ عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ ما فَعَلَهُ إلّا قَلِيلٌ رِياءً وسُمْعَةً، وحِينَئِذٍ يَصْعُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ ويَنْكَشِفُ كُفْرُهم، فَإذا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ كَلَّفْناهم بِالأشْياءِ السَّهْلَةِ فَلْيَتْرُكُوا النِّفاقَ ولْيَقْبَلُوا الإيمانَ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ وأبِي بَكْرٍ القَفّالِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ لَوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلى النّاسِ ما ذَكَرَ لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ دَخَلَ تَحْتَ هَذا الكَلامِ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ، وأمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ فَهو مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ، ولا يَبْعُدُ أنَّ يَكُونَ أوَّلُ الآيَةِ عامًّا وآخِرُها خاصًّا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالقَلِيلِ المُؤْمِنِينَ، رُوِيَ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ ناظَرَ يَهُودِيًّا، فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّ مُوسى أمَرَنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَقَبِلْنا ذَلِكَ، وإنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُكم بِالقِتالِ فَتَكْرَهُونَهُ، فَقالَ: يا أنْتَ لَوْ أنَّ مُحَمَّدًا أمَرَنِي بِقَتْلِ نَفْسِي لَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي» “ وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَوْ أمَرَنا رَبُّنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا لَفَعَلْنا والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَأْمُرْنا بِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُكَلِّفْهم ما يَغْلُظُ ويَثْقُلُ عَلَيْهِمْ، فَبِأنْ لا يُكَلِّفَهم ما لا يُطِيقُونَ كانَ أوْلى، فَيُقالُ لَهُ: هَذا لازِمٌ عَلَيْكَ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُكَلِّفْهم بِهَذِهِ الأشْياءِ الشّاقَّةِ، لِأنَّهُ لَوْ كَلَّفَهم بِها لَما فَعَلُوها، ولَوْ لَمْ يَفْعَلُوها لَوَقَعُوا في العَذابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِن أبِي جَهْلٍ وأبِي لَهَبٍ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وأنَّهم لا يَسْتَفِيدُونَ مِنَ التَّكْلِيفِ إلّا العِقابَ الدّائِمَ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى كَلَّفَهم، فَكُلُّ ما تَجْعَلُهُ جَوابًا عَنْ هَذا فَهو جَوابُنا عَمّا ذَكَرْتَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .
صفحة ١٣٥
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أنَّهم لَوْ فَعَلُوا ما كُلِّفُوا بِهِ وأُمِرُوا بِهِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا التَّكْلِيفُ والأمْرُ وعْظًا لَأنَّ تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى مَقْرُونَةٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، والثَّوابِ والعِقابِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُسَمّى وعْظًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لَوِ التَزَمُوا هَذِهِ التَّكالِيفَ لَحَصَلَتْ لَهم أنْواعٌ مِنَ المَنافِعِ.
فالنَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يَحْصُلُ لَهم خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى المُبالَغَةُ والتَّرْجِيحُ، وهو أنَّ ذَلِكَ أنْفَعُ لَهم وأفْضَلُ مِن غَيْرِهِ، لِأنَّ قَوْلَنا: ”خَيْرٌ“ يُسْتَعْمَلُ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا أقْرَبُ إلى ثَباتِهِمْ عَلَيْهِ واسْتِمْرارِهِمْ، لِأنَّ الطّاعَةَ تَدْعُو إلى أمْثالِها، والواقِعُ مِنها في وقْتٍ يَدْعُو إلى المُواظَبَةِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ أثْبَتَ وأبْقى لِأنَّهُ حَقٌّ والحَقُّ ثابِتٌ باقٍ، والباطِلُ زائِلٌ.
الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ يَطْلُبُ أوَّلًا تَحْصِيلَ الخَيْرِ، فَإذا حَصَّلَهُ فَإنَّهُ يَطْلُبُ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ الحاصِلُ باقِيًا ثابِتًا، فَقَوْلُهُ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الأُولى، وقَوْلُهُ: ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذا الإخْلاصَ في الإيمانِ خَيْرٌ مِمّا يُرِيدُونَهُ مِنَ النِّفاقِ وأكْثَرُ ثَباتًا وبَقاءً، بَيَّنَ أنَّهُ كَما أنَّهُ في نَفْسِهِ خَيْرٌ فَهو أيْضًا مُسْتَعْقِبُ الخَيِّراتِ العَظِيمَةِ وهو الأجْرُ العَظِيمُ والثَّوابُ العَظِيمُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: و”إذًا“ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ مِن هَذا الخَيْرِ والتَّثْبِيتِ ؟ فَقِيلَ: هو أنْ نُؤْتِيَهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] .
وأقُولُ: إنَّهُ تَعالى جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ قَرائِنَ كَثِيرَةً، كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تَدُلُّ عَلى عِظَمِ هَذا الأجْرِ.
أحَدُها: أنَّهُ ذَكَرَ نَفْسَهُ بِصِيغَةِ العَظَمَةِ وهي قَوْلُهُ: (آتَيْناهُ) وقَوْلُهُ: ﴿مِن لَدُنّا﴾ والمُعْطِي الحَكِيمُ إذا ذَكَرَ نَفْسَهُ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى عَظَمَةٍ عِنْدَ الوَعْدِ بِالعَطِيَّةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى عَظَمَةِ تِلْكَ العَطِيَّةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مِن لَدُنّا﴾ وهَذا التَّخْصِيصُ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] .
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَذا الأجْرَ بِالعَظِيمِ، والشَّيْءُ الَّذِي وصَفَهُ أعْظَمُ العُظَماءِ بِالعَظَمَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في نِهايَةِ الجَلالَةِ، وكَيْفَ لا يَكُونُ عَظِيمًا، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» “ .
النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو الدِّينُ الحَقُّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] .
والثّانِي: أنَّهُ الصِّراطُ الَّذِي هو الطَّرِيقُ مِن عَرْصَةِ القِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الثَّوابِ والأجْرِ، والدِّينُ الحَقُّ مُقَدَّمٌ عَلى الثَّوابِ والأجْرِ، والصِّراطُ الَّذِي هو الطَّرِيقُ مِن عَرْصَةِ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ، فَكانَ حَمْلُ لَفْظِ الصِّراطِ في هَذا المَوْضِعِ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى.
النساء 4:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ المُنافِقِينَ وتَرْغِيبِهِمْ في الإخْلاصِ وتَرْكِ النِّفاقِ، والمَعْنى أنّا لَوْ شَدَّدْنا التَّكْلِيفَ عَلى النّاسِ، نَحْوَ أنْ نَأْمُرَهم بِالقَتْلِ والخُرُوجِ عَنِ الأوْطانِ لَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَما فَعَلَهُ إلّا الأقَلُّونَ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ كُفْرُهم وعِنادُهم، فَلَمّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنّا عَلى عِبادِنا بَلِ اكْتَفَيْنا بِتَكْلِيفِهِمْ في الأُمُورِ السَّهْلَةِ، فَلْيَقْبَلُوها بِالإخْلاصِ ولْيَتْرُكُوا التَّمَرُّدَ والعِنادَ حَتّى يَنالُوا خَيْرَ الدّارَيْنِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”أنُ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوُ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم“ بِضَمِّ النُّونِ في ”أنْ“ وضَمِّ واوِ ”أوْ“ والسَّبَبُ فِيهِ نَقْلُ ضَمَّةِ ”اقْتُلُوا“ وضَمَّةِ ”اخْرُجُوا“ إلَيْهِما، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِالكَسْرِ فِيهِما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّ الواوِ، وقالَ الزَّجّاجُ: ولَسْتُ أعْرِفُ لِفَصْلِ أبِي عَمْرٍو بَيْنَ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ خاصِّيَّةً إلّا أنْ يَكُونَ رِوايَةً. وقالَ غَيْرُهُ: أمّا كَسْرُ النُّونِ فَلِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأمّا ضَمُّ الواوِ فَلِأنَّ الضَّمَّةَ في الواوِ أحْسَنُ لِأنَّها تُشْبِهُ واوَ الضَّمِيرِ. واتَّفَقَ الجُمْهُورُ
صفحة ١٣٤
عَلى الضَّمِّ في واوِ الضَّمِيرِ نَحْوَ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦] ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: (ما فَعَلُوهُ) عائِدَةٌ إلى القَتْلِ والخُرُوجِ مَعًا، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ جِنْسٌ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ ضُرُوبُهُ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلٌ) فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”قَلِيلًا“ بِالنَّصْبِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ ومُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا مَن نَصَبَ فَقاسَ النَّفْيَ عَلى الإثْباتِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: ما جاءَنِي أحَدٌ كَلامٌ تامٌّ، كَما أنَّ قَوْلَكَ: جاءَنِي القَوْمُ كَلامٌ تامٌّ فَلَمّا كانَ المُسْتَثْنى مَنصُوبًا في الإثْباتِ فَكَذا مَعَ النَّفْيِ، والجامِعُ كَوْنُ المُسْتَثْنى فَضْلَةٌ جاءَتْ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ، وأمّا مَن رَفَعَ فالسَّبَبُ أنَّهُ جَعَلَهُ بَدَلًا مِنَ الواوِ في (فَعَلُوهُ) وكَذَلِكَ كُلُّ مُسْتَثْنًى مِن مَنفِيٍّ، كَقَوْلِكَ: ما أتانِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، بِرَفْعِ زَيْدٍ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٍ، فَيُحْمَلُ إعْرابُ ما بَعْدَ ”إلّا“ عَلى ما قَبْلَها. وكَذَلِكَ في النَّصْبِ والجَرِّ، كَقَوْلِكَ: ما رَأيْتُ أحَدًا إلّا زَيْدًا، وما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا زَيْدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَّفْعُ أقْيَسُ، فَإنَّ مَعْنى ما أتى أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، وما أتانِي إلّا زَيْدٌ واحِدٌ، فَكَما اتَّفَقُوا في قَوْلِهِمْ ما أتانِي إلّا زَيْدٌ عَلى الرَّفْعِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ما أتانِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ بِمَنزِلَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُ عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم، وكَتَبَ عَلى المُهاجِرِينَ أنْ يَخْرُجُوا مِن دِيارِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ولَوْ أنّا كَتَبْنا القَتْلَ والخُرُوجَ عَنِ الوَطَنِ عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ ما فَعَلَهُ إلّا قَلِيلٌ رِياءً وسُمْعَةً، وحِينَئِذٍ يَصْعُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ ويَنْكَشِفُ كُفْرُهم، فَإذا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ كَلَّفْناهم بِالأشْياءِ السَّهْلَةِ فَلْيَتْرُكُوا النِّفاقَ ولْيَقْبَلُوا الإيمانَ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ وأبِي بَكْرٍ القَفّالِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ لَوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلى النّاسِ ما ذَكَرَ لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ دَخَلَ تَحْتَ هَذا الكَلامِ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ، وأمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ فَهو مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ، ولا يَبْعُدُ أنَّ يَكُونَ أوَّلُ الآيَةِ عامًّا وآخِرُها خاصًّا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالقَلِيلِ المُؤْمِنِينَ، رُوِيَ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ ناظَرَ يَهُودِيًّا، فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّ مُوسى أمَرَنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَقَبِلْنا ذَلِكَ، وإنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُكم بِالقِتالِ فَتَكْرَهُونَهُ، فَقالَ: يا أنْتَ لَوْ أنَّ مُحَمَّدًا أمَرَنِي بِقَتْلِ نَفْسِي لَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي» “ وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَوْ أمَرَنا رَبُّنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا لَفَعَلْنا والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَأْمُرْنا بِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُكَلِّفْهم ما يَغْلُظُ ويَثْقُلُ عَلَيْهِمْ، فَبِأنْ لا يُكَلِّفَهم ما لا يُطِيقُونَ كانَ أوْلى، فَيُقالُ لَهُ: هَذا لازِمٌ عَلَيْكَ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُكَلِّفْهم بِهَذِهِ الأشْياءِ الشّاقَّةِ، لِأنَّهُ لَوْ كَلَّفَهم بِها لَما فَعَلُوها، ولَوْ لَمْ يَفْعَلُوها لَوَقَعُوا في العَذابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِن أبِي جَهْلٍ وأبِي لَهَبٍ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وأنَّهم لا يَسْتَفِيدُونَ مِنَ التَّكْلِيفِ إلّا العِقابَ الدّائِمَ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى كَلَّفَهم، فَكُلُّ ما تَجْعَلُهُ جَوابًا عَنْ هَذا فَهو جَوابُنا عَمّا ذَكَرْتَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .
صفحة ١٣٥
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أنَّهم لَوْ فَعَلُوا ما كُلِّفُوا بِهِ وأُمِرُوا بِهِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا التَّكْلِيفُ والأمْرُ وعْظًا لَأنَّ تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى مَقْرُونَةٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، والثَّوابِ والعِقابِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُسَمّى وعْظًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لَوِ التَزَمُوا هَذِهِ التَّكالِيفَ لَحَصَلَتْ لَهم أنْواعٌ مِنَ المَنافِعِ.
فالنَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يَحْصُلُ لَهم خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى المُبالَغَةُ والتَّرْجِيحُ، وهو أنَّ ذَلِكَ أنْفَعُ لَهم وأفْضَلُ مِن غَيْرِهِ، لِأنَّ قَوْلَنا: ”خَيْرٌ“ يُسْتَعْمَلُ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا أقْرَبُ إلى ثَباتِهِمْ عَلَيْهِ واسْتِمْرارِهِمْ، لِأنَّ الطّاعَةَ تَدْعُو إلى أمْثالِها، والواقِعُ مِنها في وقْتٍ يَدْعُو إلى المُواظَبَةِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ أثْبَتَ وأبْقى لِأنَّهُ حَقٌّ والحَقُّ ثابِتٌ باقٍ، والباطِلُ زائِلٌ.
الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ يَطْلُبُ أوَّلًا تَحْصِيلَ الخَيْرِ، فَإذا حَصَّلَهُ فَإنَّهُ يَطْلُبُ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ الحاصِلُ باقِيًا ثابِتًا، فَقَوْلُهُ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الأُولى، وقَوْلُهُ: ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذا الإخْلاصَ في الإيمانِ خَيْرٌ مِمّا يُرِيدُونَهُ مِنَ النِّفاقِ وأكْثَرُ ثَباتًا وبَقاءً، بَيَّنَ أنَّهُ كَما أنَّهُ في نَفْسِهِ خَيْرٌ فَهو أيْضًا مُسْتَعْقِبُ الخَيِّراتِ العَظِيمَةِ وهو الأجْرُ العَظِيمُ والثَّوابُ العَظِيمُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: و”إذًا“ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ مِن هَذا الخَيْرِ والتَّثْبِيتِ ؟ فَقِيلَ: هو أنْ نُؤْتِيَهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] .
وأقُولُ: إنَّهُ تَعالى جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ قَرائِنَ كَثِيرَةً، كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تَدُلُّ عَلى عِظَمِ هَذا الأجْرِ.
أحَدُها: أنَّهُ ذَكَرَ نَفْسَهُ بِصِيغَةِ العَظَمَةِ وهي قَوْلُهُ: (آتَيْناهُ) وقَوْلُهُ: ﴿مِن لَدُنّا﴾ والمُعْطِي الحَكِيمُ إذا ذَكَرَ نَفْسَهُ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى عَظَمَةٍ عِنْدَ الوَعْدِ بِالعَطِيَّةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى عَظَمَةِ تِلْكَ العَطِيَّةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مِن لَدُنّا﴾ وهَذا التَّخْصِيصُ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] .
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَذا الأجْرَ بِالعَظِيمِ، والشَّيْءُ الَّذِي وصَفَهُ أعْظَمُ العُظَماءِ بِالعَظَمَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في نِهايَةِ الجَلالَةِ، وكَيْفَ لا يَكُونُ عَظِيمًا، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» “ .
النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو الدِّينُ الحَقُّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] .
والثّانِي: أنَّهُ الصِّراطُ الَّذِي هو الطَّرِيقُ مِن عَرْصَةِ القِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الثَّوابِ والأجْرِ، والدِّينُ الحَقُّ مُقَدَّمٌ عَلى الثَّوابِ والأجْرِ، والصِّراطُ الَّذِي هو الطَّرِيقُ مِن عَرْصَةِ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ، فَكانَ حَمْلُ لَفْظِ الصِّراطِ في هَذا المَوْضِعِ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى.
النساء 4:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ المُنافِقِينَ وتَرْغِيبِهِمْ في الإخْلاصِ وتَرْكِ النِّفاقِ، والمَعْنى أنّا لَوْ شَدَّدْنا التَّكْلِيفَ عَلى النّاسِ، نَحْوَ أنْ نَأْمُرَهم بِالقَتْلِ والخُرُوجِ عَنِ الأوْطانِ لَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَما فَعَلَهُ إلّا الأقَلُّونَ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ كُفْرُهم وعِنادُهم، فَلَمّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنّا عَلى عِبادِنا بَلِ اكْتَفَيْنا بِتَكْلِيفِهِمْ في الأُمُورِ السَّهْلَةِ، فَلْيَقْبَلُوها بِالإخْلاصِ ولْيَتْرُكُوا التَّمَرُّدَ والعِنادَ حَتّى يَنالُوا خَيْرَ الدّارَيْنِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”أنُ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوُ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم“ بِضَمِّ النُّونِ في ”أنْ“ وضَمِّ واوِ ”أوْ“ والسَّبَبُ فِيهِ نَقْلُ ضَمَّةِ ”اقْتُلُوا“ وضَمَّةِ ”اخْرُجُوا“ إلَيْهِما، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِالكَسْرِ فِيهِما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّ الواوِ، وقالَ الزَّجّاجُ: ولَسْتُ أعْرِفُ لِفَصْلِ أبِي عَمْرٍو بَيْنَ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ خاصِّيَّةً إلّا أنْ يَكُونَ رِوايَةً. وقالَ غَيْرُهُ: أمّا كَسْرُ النُّونِ فَلِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأمّا ضَمُّ الواوِ فَلِأنَّ الضَّمَّةَ في الواوِ أحْسَنُ لِأنَّها تُشْبِهُ واوَ الضَّمِيرِ. واتَّفَقَ الجُمْهُورُ
صفحة ١٣٤
عَلى الضَّمِّ في واوِ الضَّمِيرِ نَحْوَ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦] ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: (ما فَعَلُوهُ) عائِدَةٌ إلى القَتْلِ والخُرُوجِ مَعًا، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ جِنْسٌ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ ضُرُوبُهُ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلٌ) فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”قَلِيلًا“ بِالنَّصْبِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ ومُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا مَن نَصَبَ فَقاسَ النَّفْيَ عَلى الإثْباتِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: ما جاءَنِي أحَدٌ كَلامٌ تامٌّ، كَما أنَّ قَوْلَكَ: جاءَنِي القَوْمُ كَلامٌ تامٌّ فَلَمّا كانَ المُسْتَثْنى مَنصُوبًا في الإثْباتِ فَكَذا مَعَ النَّفْيِ، والجامِعُ كَوْنُ المُسْتَثْنى فَضْلَةٌ جاءَتْ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ، وأمّا مَن رَفَعَ فالسَّبَبُ أنَّهُ جَعَلَهُ بَدَلًا مِنَ الواوِ في (فَعَلُوهُ) وكَذَلِكَ كُلُّ مُسْتَثْنًى مِن مَنفِيٍّ، كَقَوْلِكَ: ما أتانِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، بِرَفْعِ زَيْدٍ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٍ، فَيُحْمَلُ إعْرابُ ما بَعْدَ ”إلّا“ عَلى ما قَبْلَها. وكَذَلِكَ في النَّصْبِ والجَرِّ، كَقَوْلِكَ: ما رَأيْتُ أحَدًا إلّا زَيْدًا، وما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا زَيْدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَّفْعُ أقْيَسُ، فَإنَّ مَعْنى ما أتى أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، وما أتانِي إلّا زَيْدٌ واحِدٌ، فَكَما اتَّفَقُوا في قَوْلِهِمْ ما أتانِي إلّا زَيْدٌ عَلى الرَّفْعِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ما أتانِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ بِمَنزِلَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُ عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم، وكَتَبَ عَلى المُهاجِرِينَ أنْ يَخْرُجُوا مِن دِيارِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ولَوْ أنّا كَتَبْنا القَتْلَ والخُرُوجَ عَنِ الوَطَنِ عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ ما فَعَلَهُ إلّا قَلِيلٌ رِياءً وسُمْعَةً، وحِينَئِذٍ يَصْعُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ ويَنْكَشِفُ كُفْرُهم، فَإذا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ كَلَّفْناهم بِالأشْياءِ السَّهْلَةِ فَلْيَتْرُكُوا النِّفاقَ ولْيَقْبَلُوا الإيمانَ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ وأبِي بَكْرٍ القَفّالِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ لَوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلى النّاسِ ما ذَكَرَ لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ دَخَلَ تَحْتَ هَذا الكَلامِ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ، وأمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ فَهو مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ، ولا يَبْعُدُ أنَّ يَكُونَ أوَّلُ الآيَةِ عامًّا وآخِرُها خاصًّا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالقَلِيلِ المُؤْمِنِينَ، رُوِيَ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ ناظَرَ يَهُودِيًّا، فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّ مُوسى أمَرَنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَقَبِلْنا ذَلِكَ، وإنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُكم بِالقِتالِ فَتَكْرَهُونَهُ، فَقالَ: يا أنْتَ لَوْ أنَّ مُحَمَّدًا أمَرَنِي بِقَتْلِ نَفْسِي لَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي» “ وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَوْ أمَرَنا رَبُّنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا لَفَعَلْنا والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَأْمُرْنا بِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُكَلِّفْهم ما يَغْلُظُ ويَثْقُلُ عَلَيْهِمْ، فَبِأنْ لا يُكَلِّفَهم ما لا يُطِيقُونَ كانَ أوْلى، فَيُقالُ لَهُ: هَذا لازِمٌ عَلَيْكَ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُكَلِّفْهم بِهَذِهِ الأشْياءِ الشّاقَّةِ، لِأنَّهُ لَوْ كَلَّفَهم بِها لَما فَعَلُوها، ولَوْ لَمْ يَفْعَلُوها لَوَقَعُوا في العَذابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِن أبِي جَهْلٍ وأبِي لَهَبٍ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وأنَّهم لا يَسْتَفِيدُونَ مِنَ التَّكْلِيفِ إلّا العِقابَ الدّائِمَ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى كَلَّفَهم، فَكُلُّ ما تَجْعَلُهُ جَوابًا عَنْ هَذا فَهو جَوابُنا عَمّا ذَكَرْتَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .
صفحة ١٣٥
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أنَّهم لَوْ فَعَلُوا ما كُلِّفُوا بِهِ وأُمِرُوا بِهِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا التَّكْلِيفُ والأمْرُ وعْظًا لَأنَّ تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى مَقْرُونَةٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، والثَّوابِ والعِقابِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُسَمّى وعْظًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لَوِ التَزَمُوا هَذِهِ التَّكالِيفَ لَحَصَلَتْ لَهم أنْواعٌ مِنَ المَنافِعِ.
فالنَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ يَحْصُلُ لَهم خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى المُبالَغَةُ والتَّرْجِيحُ، وهو أنَّ ذَلِكَ أنْفَعُ لَهم وأفْضَلُ مِن غَيْرِهِ، لِأنَّ قَوْلَنا: ”خَيْرٌ“ يُسْتَعْمَلُ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا أقْرَبُ إلى ثَباتِهِمْ عَلَيْهِ واسْتِمْرارِهِمْ، لِأنَّ الطّاعَةَ تَدْعُو إلى أمْثالِها، والواقِعُ مِنها في وقْتٍ يَدْعُو إلى المُواظَبَةِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ أثْبَتَ وأبْقى لِأنَّهُ حَقٌّ والحَقُّ ثابِتٌ باقٍ، والباطِلُ زائِلٌ.
الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ يَطْلُبُ أوَّلًا تَحْصِيلَ الخَيْرِ، فَإذا حَصَّلَهُ فَإنَّهُ يَطْلُبُ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ الحاصِلُ باقِيًا ثابِتًا، فَقَوْلُهُ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الأُولى، وقَوْلُهُ: ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذا الإخْلاصَ في الإيمانِ خَيْرٌ مِمّا يُرِيدُونَهُ مِنَ النِّفاقِ وأكْثَرُ ثَباتًا وبَقاءً، بَيَّنَ أنَّهُ كَما أنَّهُ في نَفْسِهِ خَيْرٌ فَهو أيْضًا مُسْتَعْقِبُ الخَيِّراتِ العَظِيمَةِ وهو الأجْرُ العَظِيمُ والثَّوابُ العَظِيمُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: و”إذًا“ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ مِن هَذا الخَيْرِ والتَّثْبِيتِ ؟ فَقِيلَ: هو أنْ نُؤْتِيَهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] .
وأقُولُ: إنَّهُ تَعالى جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ قَرائِنَ كَثِيرَةً، كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تَدُلُّ عَلى عِظَمِ هَذا الأجْرِ.
أحَدُها: أنَّهُ ذَكَرَ نَفْسَهُ بِصِيغَةِ العَظَمَةِ وهي قَوْلُهُ: (آتَيْناهُ) وقَوْلُهُ: ﴿مِن لَدُنّا﴾ والمُعْطِي الحَكِيمُ إذا ذَكَرَ نَفْسَهُ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى عَظَمَةٍ عِنْدَ الوَعْدِ بِالعَطِيَّةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى عَظَمَةِ تِلْكَ العَطِيَّةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مِن لَدُنّا﴾ وهَذا التَّخْصِيصُ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] .
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَذا الأجْرَ بِالعَظِيمِ، والشَّيْءُ الَّذِي وصَفَهُ أعْظَمُ العُظَماءِ بِالعَظَمَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في نِهايَةِ الجَلالَةِ، وكَيْفَ لا يَكُونُ عَظِيمًا، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» “ .
النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو الدِّينُ الحَقُّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] .
والثّانِي: أنَّهُ الصِّراطُ الَّذِي هو الطَّرِيقُ مِن عَرْصَةِ القِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الثَّوابِ والأجْرِ، والدِّينُ الحَقُّ مُقَدَّمٌ عَلى الثَّوابِ والأجْرِ، والصِّراطُ الَّذِي هو الطَّرِيقُ مِن عَرْصَةِ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ، فَكانَ حَمْلُ لَفْظِ الصِّراطِ في هَذا المَوْضِعِ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى.
النساء 4:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَةَ الَّذِينَ تَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وصَدُّوا عَنِ الرَّسُولِ، ثُمَّ أعادَ الأمْرَ بِطاعَةِ الرَّسُولِ مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ رَغَّبَ في تِلْكَ الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أكَّدَ الأمْرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: رَوى جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ «أنَّ ثَوْبانَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأتاهُ يَوْمًا وقَدْ تَغَيَّرَ وجْهُهُ ونُحِلَ جِسْمُهُ وعُرِفَ الحُزْنُ في وجْهِهِ، فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حالِهِ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي وجَعٌ غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ واسْتَوْحَشْتُ وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ، فَذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَخِفْتُ أنْ لا أراكَ هُناكَ، لِأنِّي إنْ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ فَأنْتَ تَكُونُ في دَرَجاتِ النَّبِيِّينَ وأنا في دَرَجَةِ العَبِيدِ فَلا أراكَ، وإنْ أنا لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَحِينَئِذٍ لا أراكَ أبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: «إنَّ ناسًا مِنَ الأنْصارِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تَسْكُنُ الجَنَّةَ في أعْلاها، ونَحْنُ نَشْتاقُ إلَيْكَ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ إذا خَرَجْنا مِن عِنْدِكَ إلى أهالِينا اشْتَقْنا إلَيْكَ، فَما يَنْفَعُنا شَيْءٌ حَتّى نَرْجِعَ إلَيْكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ دَرَجَتَكَ في الجَنَّةِ، فَكَيْفَ لَنا بِرُؤْيَتِكَ إنْ دَخَلْنا الجَنَّةَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ أتى الأنْصارُ ولَدَهُ وهو في حَدِيقَةٍ لَهُ فَأخْبَرَهُ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ إلى أنْ ألْقاهُ، فَعَمِيَ مَكانَهُ، فَكانَ يُحِبُّ النَّبِيَّ حُبًّا شَدِيدًا فَجَعَلَهُ اللَّهُ مَعَهُ في الجَنَّةِ» .
الرّابِعُ: قالَ الحَسَنُ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما لَنا مِنكَ إلّا الدُّنْيا، فَإذا كانَتِ الآخِرَةُ رُفِعْتَ في الأُولى فَحَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ وحَزِنُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . قالَ المُحَقِّقُونَ: لا نُنْكِرُ صِحَّةَ هَذِهِ الرِّواياتِ إلّا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا أعْظَمَ مِن ذَلِكَ، وهو البَعْثُ عَلى الطّاعَةِ والتَّرْغِيبُ فِيها، فَإنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ، فَهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، وهو أنَّ كُلَّ مَن أطاعَ اللَّهَ وأطاعَ الرَّسُولَ فَقَدْ فازَ بِالدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الشَّرِيفَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ يُوجِبُ الِاكْتِفاءَ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ. لِأنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الصِّفَةِ يَكْفِي في العَمَلِ بِهِ في جانِبِ الثُّبُوتِ حُصُولُ ذَلِكَ المُسَمّى مَرَّةً واحِدَةً.
صفحة ١٣٧
قالَ القاضِي: لا بُدَّ مِن حَمْلِ هَذا عَلى غَيْرِ ظاهِرِهِ، وأنْ تُحْمَلَ الطّاعَةُ عَلى فِعْلِ المَأْمُوراتِ وتَرْكِ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ، إذْ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الطّاعَةِ الواحِدَةِ لَدَخَلَ فِيهِ الفُسّاقُ والكُفّارُ؛ لِأنَّهم قَدْ يَأْتُونَ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ عَقِيبَ الصِّفَةِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ أيْ ومَن يُطِعِ اللَّهَ في كَوْنِهِ إلَهًا، وطاعَةُ اللَّهِ في كَوْنِهِ إلَهًا هو مَعْرِفَتُهُ والإقْرارُ بِجَلالِهِ وعِزَّتِهِ وكِبْرِيائِهِ وصَمَدِيَّتِهِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهًا عَلى أمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن أحْوالِ المَعادِ:
فالأوَّلُ: هو أنَّ مَنشَأ جَمِيعِ السَّعاداتِ يَوْمَ القِيامَةِ إشْراقُ الرُّوحِ بِأنْوارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وكُلُّ مَن كانَتْ هَذِهِ الأنْوارُ في قَلْبِهِ أكْثَرَ، وصَفاؤُها أقْوى، وبُعْدُها عَنِ التَّكَدُّرِ بِمَحَبَّةِ عالَمِ الأجْسامِ أتَمَّ كانَ إلى السَّعادَةِ أقْرَبَ وإلى الفَوْزِ بِالنَّجاةِ أوْصَلَ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وعْدَ أهْلِ الطّاعَةِ بِالأجْرِ العَظِيمِ والثَّوابِ الجَزِيلِ والهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ وعْدَهم بِكَوْنِهِمْ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وهَذا الَّذِي وقَعَ بِهِ في الخَتْمِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ وأعْلى مِمّا قَبْلَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن كَوْنِ هَؤُلاءِ مَعَهم هو أنَّهم يَكُونُونَ في عَيْنِ تِلْكَ الدَّرَجاتِ، لِأنَّ هَذا مُمْتَنِعٌ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ الأرْواحَ النّاقِصَةَ إذا اسْتَكْمَلَتْ عَلائِقَها مَعَ الأرْواحِ الكامِلَةِ في الدُّنْيا لِسَبَبِ الحُبِّ الشَّدِيدِ، فَإذا فارَقَتْ هَذا العالَمَ ووَصَلَتْ إلى عالَمِ الآخِرَةِ بَقِيَتْ تِلْكَ العَلائِقُ الرُّوحانِيَّةُ هُناكَ، ثُمَّ تَصِيرُ تِلْكَ الأرْواحُ الصّافِيَةُ كالمَرايا المَجْلُوَّةِ المُتَقابِلَةِ، فَكَأنَّ هَذِهِ المَرايا يَنْعَكِسُ الشُّعاعُ مِن بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، وبِسَبَبِ هَذِهِ الِانْعِكاساتِ تَصِيرُ أنْوارُها في غايَةِ القُوَّةِ، فَكَذا القَوْلُ في تِلْكَ الأرْواحِ فَإنَّها لَمّا كانَتْ مَجْلُوَّةً بِصِقالَةِ المُجاهَدَةِ عَنْ غُبارِ حُبِّ ما سِوى اللَّهِ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ، ثُمَّ ارْتَفَعَتِ الحُجُبُ الجَسَدانِيَّةُ أشْرَقَتْ عَلَيْها أنْوارُ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ انْعَكَسَتْ تِلْكَ الأنْوارُ مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ وصارَتِ الأرْواحُ النّاقِصَةُ كامِلَةً بِسَبَبِ تِلْكَ العَلائِقِ الرُّوحانِيَّةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَيْسَ المُرادُ بِكَوْنِ مَن أطاعَ اللَّهَ وأطاعَ الرَّسُولَ مَعَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ، كَوْنَ الكُلِّ في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ هَذا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ في الدَّرَجَةِ بَيْنَ الفاضِلِ والمَفْضُولِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. بَلِ المُرادُ كَوْنُهم في الجَنَّةِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ المَكانُ، لِأنَّ الحِجابَ إذا زالَ شاهَدَ بَعْضُهم بَعْضًا، وإذا أرادُوا الزِّيارَةَ والتَّلاقِيَ قَدَرُوا عَلَيْهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذِهِ المَعِيَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أوْصافًا ثَلاثَةً: الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءَ والصّالِحِينَ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ النَّبِيِّينَ مُغايِرُونَ لِلصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، فَأمّا هَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيها، قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الصِّفاتُ كُلُّها لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، وهي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في الشَّخْصِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ صِدِّيقًا وشَهِيدًا وصالِحًا. وقالَ الآخَرُونَ: بَلِ المُرادُ بِكُلِّ وصْفٍ صِنْفٌ مِنَ النّاسِ، وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ لِأنَّ المَعْطُوفَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكَما أنَّ النَّبِيِّينَ غَيْرُ مَن ذُكِرَ بَعْدَهم، فَكَذَلِكَ الصِّدِّيقُونَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا غَيْرَ مَن ذُكِرَ بَعْدَهم وكَذا القَوْلُ في سائِرِ الصِّفاتِ، ولْنَبْحَثْ عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ:
الصِّفَةُ الأُولى: الصِّدِّيقُ: وهو اسْمٌ لِمَن عادَتُهُ الصِّدْقُ، ومَن غَلَبَ عَلى عادَتِهِ فِعْلٌ إذا وُصِفَ بِذَلِكَ الفِعْلِ قِيلَ فِيهِ فِعِّيلٌ، كَما يُقالُ: سِكِّيرٌ وشِرِّيبٌ وخِمِّيرٌ، والصِّدْقُ صِفَةٌ كَرِيمَةٌ فاضِلَةٌ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ،
صفحة ١٣٨
وكَفى الصِّدْقَ فَضِيلَةً أنَّ الإيمانَ لَيْسَ إلّا التَّصْدِيقُ، وكَفى الكَذِبُ مَذَمَّةً أنَّ الكُفْرَ لَيْسَ إلّا التَّكْذِيبُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ في الصِّدِّيقِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ الدِّينِ لا يَتَخالَجُهُ فِيهِ شَكٌّ فَهو صِدِّيقٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] .
الثّانِي: قالَ قَوْمٌ: الصِّدِّيقُونَ أفاضِلُ أصْحابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الثّالِثُ: أنَّ الصِّدِّيقَ اسْمٌ لِمَن سَبَقَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصارَ في ذَلِكَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْلى الخَلْقِ بِهَذا الوَصْفِ، أمّا بَيانُ أنَّهُ سَبَقَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلِأنَّهُ قَدِ اشْتَهَرَتِ الرِّوايَةُ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«ما عَرَضْتُ الإسْلامَ عَلى أحَدٍ إلّا ولَهُ نَبْوَةٌ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ فَإنَّهُ لَمْ يَتَلَعْثَمْ» “ دَلَّ هَذا الحَدِيثُ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمّا عَرَضَ الإسْلامَ عَلى أبِي بَكْرِ قَبِلَهُ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَتَوَقَّفْ، فَلَوْ قَدَّرْنا أنَّ إسْلامَهُ تَأخَّرَ عَنْ إسْلامِ غَيْرِهِ لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَصَّرَ حَيْثُ أخَّرَ عَرْضَ الإسْلامِ عَلَيْهِ، وهَذا لا يَكُونُ قَدْحًا في أبِي بَكْرٍ، بَلْ يَكُونُ قَدْحًا في الرَّسُولِ ﷺ وذَلِكَ كُفْرٌ، ولَمّا بَطَلَ نِسْبَةُ هَذا التَّقْصِيرِ إلى الرَّسُولِ عَلِمْنا أنَّهُ ﷺ ما قَصَّرَ في عَرْضِ الإسْلامِ عَلَيْهِ، ولَمّا بَطَلَ نِسْبَةُ هَذا التَّقْصِيرِ إلى الرَّسُولِ عَلِمْنا أنَّهُ ﷺ ما قَصَّرَ في عَرْضِ الإسْلامِ عَلَيْهِ، والحَدِيثُ دَلَّ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ لَمْ يَتَوَقَّفِ البَتَّةَ، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أسْبَقُ النّاسِ إسْلامًا، أمّا بَيانُ أنَّهُ كانَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ في ذَلِكَ فَلِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّ إسْلامَ عَلِيٍّ كانَ سابِقًا عَلى إسْلامِ أبِي بَكْرٍ، إلّا أنَّهُ لا يَشُكُّ عاقِلٌ أنَّ عَلِيًّا ما صارَ قُدْوَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأنَّ عَلِيًّا كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ صَبِيًّا صَغِيرًا، وكانَ أيْضًا في تَرْبِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ شَدِيدَ القُرْبِ مِنهُ بِالقَرابَةِ، وأبُو بَكْرٍ ما كانَ شَدِيدَ القُرْبِ مِنهُ بِالقَرابَةِ، وإيمانُ مَن هَذا شَأْنُهُ يَكُونُ سَبَبًا لِرَغْبَةِ سائِرَ النّاسِ في الإسْلامِ. وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا آمَنَ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ بِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ حَتّى أسْلَمُوا، فَكانَ إسْلامُهُ سَبَبًا لِاقْتِداءِ هَؤُلاءِ الأكابِرِ بِهِ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا أنَّهُ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ أسْبَقَ النّاسِ إسْلامًا، وثَبَتَ أنَّ إسْلامَهُ صارَ سَبَبًا لِاقْتِداءِ أفاضِلِ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ الإسْلامِ، فَثَبَتَ أنَّ أحَقَّ الأُمَّةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ أفْضَلَ الخَلْقِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ إسْلامَهُ لَمّا كانَ أسْبَقَ مِن غَيْرِهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ثَوابُهُ أكْثَرَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ .
الثّانِي: أنَّهُ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ جاهَدَ في اللَّهِ وصارَ جِهادُهُ مُفْضِيًا إلى حُصُولِ الإسْلامِ لِأكابِرِ الصَّحابَةِ مِثْلِ عُثْمانَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وجاهَدَ عَلِيٌّ يَوْمَ أُحُدٍ ويَوْمَ الأحْزابِ في قَتْلِ الكُفّارِ، ولَكِنَّ جِهادَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أفْضى إلى حُصُولِ الإسْلامِ لِمِثْلِ الَّذِينَ هم أعْيانُ الصَّحابَةِ، وجِهادُ عَلِيٍّ أفْضى إلى قَتْلِ الكُفّارِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ، وأيْضًا فَأبُو بَكْرٍ جاهَدَ في أوَّلِ الإسْلامِ حِينَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ في غايَةِ الضَّعْفِ، وعَلِيٌّ إنَّما جاهَدَ يَوْمَ أُحُدٍ ويَوْمَ الأحْزابِ، وكانَ الإسْلامُ قَوِيًّا في هَذِهِ الأيّامِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الجِهادَ وقْتَ الضَّعْفِ أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ وقْتَ القُوَّةِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] فَبَيَّنَ أنَّ نُصْرَةَ الإسْلامِ وقْتَ ما كانَ ضَعِيفًا أعْظَمُ ثَوابًا مِن نُصْرَتِهِ وقْتَ ما كانَ قَوِيًّا، فَثَبَتَ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا أنَّ أوْلى النّاسِ بِهَذا الوَصْفِ هو الصِّدِّيقُ، فَلِهَذا أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَسْلِيمِ هَذا اللَّقَبِ لَهُ إلّا مَن لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَإنَّهُ يُنْكِرُهُ، ودَلَّ تَفْسِيرُ الصِّدِّيقِ بِما ذَكَرْناهُ عَلى أنَّهُ
صفحة ١٣٩
لا مَرْتَبَةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ في الفَضْلِ والعِلْمِ إلّا هَذا الوَصْفُ وهو كَوْنُ الإنْسانِ صِدِّيقًا، وكَما دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ فَقَدْ دَلَّ لَفْظُ القُرْآنِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ أيْنَما ذَكَرَ الصِّدِّيقَ والنَّبِيَّ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُما واسِطَةً، فَقالَ في وصْفِ إسْماعِيلَ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] وفي صِفَةِ إدْرِيسَ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ يَعْنِي إنَّكَ إنْ تَرَقَّيْتَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ وصَلْتَ إلى النُّبُوَّةِ، وإنْ نَزَلْتَ مِنَ النُّبُوَّةِ وصَلْتَ إلى الصِّدِّيقِيَّةِ، ولا مُتَوَسِّطَ بَيْنَهُما، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُما واسِطَةً، وكَما دَلَّتْ هَذِهِ الدَّلائِلُ عَلى نَفْيِ الواسِطَةِ فَقَدْ وفَّقَ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ المَوْصُوفَةَ بِأنَّها خَيْرُ أُمَّةٍ حَتّى جَعَلُوا الإمامَ بَعْدَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبا بَكْرٍ عَلى سَبِيلِ الإجْماعِ، ولَمّا تُوُفِّيَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ دَفَنُوهُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وما ذاكَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَ الواسِطَةَ بَيْنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَلا جَرَمَ ارْتَفَعَتِ الواسِطَةُ بَيْنَهُما في الوُجُوهِ الَّتِي عَدَدْناها.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: الشَّهادَةُ: والكَلامُ في الشُّهَداءِ قَدْ مَرَّ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَ البَعْضَ فَنَقُولُ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ مُفَسَّرَةً بِكَوْنِ الإنْسانِ مَقْتُولَ الكافِرِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَرْتَبَةَ الشَّهادَةِ مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ في الدِّينِ، وكَوْنُ الإنْسانِ مَقْتُولَ الكافِرِ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةُ شَرَفٍ، لِأنَّ هَذا القَتْلَ قَدْ يَحْصُلُ في الفُسّاقِ ومَن لا مَنزِلَةَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ.
الثّانِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنا الشَّهادَةَ، فَلَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عِبارَةً عَنْ قَتْلِ الكافِرِ إيّاهُ لَكانُوا قَدْ طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ القَتْلَ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّ طَلَبَ صُدُورِ ذَلِكَ القَتْلِ مِنَ الكافِرِ كُفْرٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ ما هو كُفْرٌ.
الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «المَبْطُونُ شَهِيدٌ والغَرِيقُ شَهِيدٌ»، فَعَلِمْنا أنَّ الشَّهادَةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ القَتْلِ، بَلْ نَقُولُ: الشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، وهو الَّذِي يَشْهَدُ بِصِحَّةِ دِينِ اللَّهِ تَعالى تارَةً بِالحُجَّةِ والبَيانِ، وأُخْرى بِالسَّيْفِ والسِّنانِ، فالشُّهَداءُ هُمُ القائِمُونَ بِالقِسْطِ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] ويُقالُ لِلْمَقْتُولِ في سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ في نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ، وشَهادَتِهِ لَهُ بِأنَّهُ هو الحَقُّ وما سِواهُ هو الباطِلُ، وإذا كانَ مِن شُهَداءِ اللَّهِ بِهَذا المَعْنى كانَ مِن شُهَداءِ اللَّهِ في الآخِرَةِ، كَما قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: الصّالِحُونَ: والصّالِحُ هو الَّذِي يَكُونُ صالِحًا في اعْتِقادِهِ وفي عَمَلِهِ، فَإنَّ الجَهْلَ فَسادٌ في الِاعْتِقادِ، والمَعْصِيَةُ فَسادٌ في العَمَلِ، وإذا عَرَفْتَ تَفْسِيرَ الصِّدِّيقِ والشَّهِيدِ والصّالِحِ ظَهَرَ لَكَ ما بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ مِنَ التَّفاوُتِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ اعْتِقادُهُ صَوابًا وكانَ عَمَلُهُ طاعَةً وغَيْرَ مَعْصِيَةٍ فَهو صالِحٌ، ثُمَّ إنَّ الصّالِحَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَشْهَدُ لِدِينِ اللَّهِ بِأنَّهُ هو الحَقُّ وأنَّ ما سِواهُ هو الباطِلُ، وهَذِهِ الشَّهادَةُ تارَةً تَكُونُ بِالحُجَّةِ والدَّلِيلِ وأُخْرى بِالسَّيْفِ، وقَدْ لا يَكُونُ الصّالِحُ مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ قائِمًا بِهَذِهِ الشَّهادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ شَهِيدًا كانَ صالِحًا، ولَيْسَ كُلُّ مَن كانَ صالِحًا شَهِيدًا، فالشَّهِيدُ أشْرَفُ أنْواعِ الصّالِحِ، ثُمَّ إنَّ الشَّهِيدَ قَدْ يَكُونُ صِدِّيقًا وقَدْ لا يَكُونُ، ومَعْنى الصِّدِّيقِ الَّذِي كانَ أسْبَقَ إيمانًا مِن غَيْرِهِ، وكانَ إيمانُهُ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ صِدِّيقًا كانَ شَهِيدًا، ولَيْسَ كُلُّ مَن كانَ شَهِيدًا كانَ صِدِّيقًا، فَثَبَتَ أنَّ أفْضَلَ الخَلْقِ هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وبَعْدَهُمُ الصِّدِّيقُونَ، وبَعْدَهم مَن لَيْسَ لَهُ دَرَجَةٌ إلّا مَحْضَ دَرَجَةِ الشَّهادَةِ، وبَعْدَهم مَن لَيْسَ لَهُ إلّا مَحْضَ دَرَجَةِ الصَّلاحِ. فالحاصِلُ أنَّ أكابِرَ المَلائِكَةِ يَأْخُذُونَ الدِّينَ الحَقَّ عَنِ اللَّهِ، والأنْبِياءُ يَأْخُذُونَ
صفحة ١٤٠
عَنِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] والصِّدِّيقُونَ يَأْخُذُونَهُ عَنِ الأنْبِياءِ. والشُّهَداءُ يَأْخُذُونَهُ عَنِ الصِّدِّيقِينَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الصِّدِّيقَ هو الَّذِي يَأْخُذُ في المَرَّةِ الأُولى عَنِ الأنْبِياءِ وصارَ قُدْوَةً لِمَن بَعْدُهُ، والصّالِحُونَ يَأْخُذُونَهُ عَنِ الشُّهَداءِ، فَهَذا هو تَقْرِيرُ هَذِهِ المَراتِبَ وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ أنَّهُ لا أحَدَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا وهو داخِلٌ في بَعْضِ هَذِهِ النُّعُوتِ والصِّفاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فِيهِ مَعْنى التَّعْجِيبِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرِّفْقُ في اللُّغَةِ: لِينُ الجانِبِ ولَطافَةُ الفِعْلِ، وصاحِبُهُ رَفِيقٌ. هَذا مَعْناهُ في اللُّغَةِ ثُمَّ الصّاحِبُ يُسَمّى رَفِيقًا لِارْتِفاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّما وحَّدَ الرَّفِيقَ وهو صِفَةٌ لِجَمْعٍ، لِأنَّ الرَّفِيقَ والرَّسُولَ والبَرِيدَ تَذْهَبُ بِهِ العَرَبُ إلى الواحِدِ وإلى الجَمْعِ قالَ تَعالى: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: حَسُنَ أُولَئِكَ رَجُلًا، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا إنَّما يَجُوزُ في الِاسْمِ الَّذِي يَكُونُ صِفَةً، أمّا إذا كانَ اسْمًا مُصَرَّحًا مِثْلَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ لَمْ يَجُزْ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ ذَلِكَ في الِاسْمِ أيْضًا وزَعَمَ أنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أيْ حَسُنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم رَفِيقًا، كَما قالَ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: (رَفِيقًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ عَلى الحالِ: أيْ حَسُنَ واحِدٌ مِنهم رَفِيقًا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيمَن أطاعَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أنَّهُ يَكُونُ مَعَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَرِثْ بِذَلِكَ، بَلْ ذَكَرَ أنَّهُ يَكُونُ رَفِيقًا لَهُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الرَّفِيقَ هو الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، فَبَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ المُطِيعِينَ يَرْتَفِقُونَ بِهِمْ، وإنَّما يَرْتَفِقُونَ بِهِمْ إذا نالُوا مِنهم رِفْقًا وخَيْرًا، ولَقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا كَيْفِيَّةَ هَذا الِارْتِفاقِ، وأمّا عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ فَلِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ مَعَ غَيْرِهِ ولا يَكُونُ رَفِيقًا لَهُ، فَأمّا إذا كانَ عَظِيمَ الشَّفَقَةِ عَظِيمَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ كانَ رَفِيقًا لَهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الأنْبِياءَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءَ والصّالِحِينَ يَكُونُونَ لَهُ كالرُّفَقاءِ مِن شِدَّةِ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ وسُرُورِهِمْ بِرُؤْيَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ الثَّوابِ، فَلَمّا حَكَمَ عَلى كُلِّ ذَلِكَ بِأنَّهُ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ المَعْقُولِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: القُدْرَةُ عَلى الطّاعَةِ إنْ كانَتْ لا تَصْلُحُ إلّا لِلطّاعَةِ، فَخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ هو الَّذِي أعْطى الطّاعَةَ، فَلا يَكُونُ فِعْلُهُ مُوجِبًا عَلَيْهِ شَيْئًا، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلْمَعْصِيَةِ أيْضًا لَمْ يَتَرَجَّحْ جانِبُ الطّاعَةِ عَلى جانِبِ المَعْصِيَةِ إلّا بِخَلْقِ الدّاعِي إلى الطّاعَةِ، ويَصِيرُ مَجْمُوعُ القُدْرَةِ والدّاعِي مُوجِبًا لِلْفِعْلِ، فَخالِقُ هَذا المَجْمُوعِ هو الَّذِي أعْطى الطّاعَةَ، فَلا يَكُونُ فِعْلُهُ مُوجِبًا عَلَيْهِ شَيْئًا.
الثّانِي: نِعَمُ اللَّهِ عَلى العَبْدِ لا تُحْصى وهي مُوجِبَةٌ لِلطّاعَةِ والشُّكْرِ، وإذا كانَتِ الطّاعاتُ تَقَعُ في مُقابَلَةِ النِّعَمِ السّالِفَةِ امْتَنَعَ كَوْنُها مُوجِبَةً لِلثَّوابِ في المُسْتَقْبَلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الوُجُوبَ يَسْتَلْزِمُ اسْتِحْقاقَ الذَّنْبِ عِنْدَ التَّرْكِ، وهَذا الِاسْتِحْقاقُ يُنافِي الإلَهِيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ حُصُولُهُ في حَقِّ الإلَهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ كَما دَلَّ عَلى أنَّ الثَّوابَ كُلَّهُ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فالبَراهِينُ العَقْلِيَّةُ القاطِعَةُ دالَّةٌ
صفحة ١٤١
عَلى ذَلِكَ أيْضًا، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الثَّوابُ وإنْ كانَ واجِبًا لَكِنْ لا يَمْتَنِعُ إطْلاقُ اسْمِ الفَضْلِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ العَبْدَ إنَّما اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الثَّوابَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّفَهُ والتَّكْلِيفُ تَفَضُّلٌ، ولِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى العَقْلَ والقُدْرَةَ وأزاحَ الأعْذارَ والمَوانِعَ حَتّى تَمَكَّنَ المُكَلَّفُ مِن فِعْلِ الطّاعَةِ، فَصارَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مَن وهَبَ لِغَيْرِهِ ثَوْبًا كَيْ يَنْتَفِعَ بِهِ، فَإذا باعَهُ وانْتَفَعَ بِثَمَنِهِ جازَ أنْ يُوصَفَ ذَلِكَ الثَّمَنُ بِأنَّهُ فَضْلٌ مِنَ الواهِبِ فَكَذا هَهُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ هو الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الثَّوابَ لِكَمالِ دَرَجَتِهِ كَأنَّهُ هو الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وأنَّ ما سِواهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ الفَضْلُ هو مِنَ اللَّهِ، أيْ ذَلِكَ الفَضْلُ المَذْكُورُ، والثَّوابُ المَذْكُورُ هو مِنَ اللَّهِ لا مِن غَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ أبْلَغُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في تَوْكِيدِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الطّاعَةِ وكَيْفِيَّةَ الجَزاءِ والتَّفَضُّلِ، وذَلِكَ مِمّا يُرَغِّبُ المُكَلَّفَ في كَمالِ الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ التَّقْصِيرِ فِيهِ.
النساء 4:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَةَ الَّذِينَ تَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وصَدُّوا عَنِ الرَّسُولِ، ثُمَّ أعادَ الأمْرَ بِطاعَةِ الرَّسُولِ مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ رَغَّبَ في تِلْكَ الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أكَّدَ الأمْرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: رَوى جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ «أنَّ ثَوْبانَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأتاهُ يَوْمًا وقَدْ تَغَيَّرَ وجْهُهُ ونُحِلَ جِسْمُهُ وعُرِفَ الحُزْنُ في وجْهِهِ، فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حالِهِ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي وجَعٌ غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ واسْتَوْحَشْتُ وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ، فَذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَخِفْتُ أنْ لا أراكَ هُناكَ، لِأنِّي إنْ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ فَأنْتَ تَكُونُ في دَرَجاتِ النَّبِيِّينَ وأنا في دَرَجَةِ العَبِيدِ فَلا أراكَ، وإنْ أنا لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَحِينَئِذٍ لا أراكَ أبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: «إنَّ ناسًا مِنَ الأنْصارِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تَسْكُنُ الجَنَّةَ في أعْلاها، ونَحْنُ نَشْتاقُ إلَيْكَ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ إذا خَرَجْنا مِن عِنْدِكَ إلى أهالِينا اشْتَقْنا إلَيْكَ، فَما يَنْفَعُنا شَيْءٌ حَتّى نَرْجِعَ إلَيْكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ دَرَجَتَكَ في الجَنَّةِ، فَكَيْفَ لَنا بِرُؤْيَتِكَ إنْ دَخَلْنا الجَنَّةَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ أتى الأنْصارُ ولَدَهُ وهو في حَدِيقَةٍ لَهُ فَأخْبَرَهُ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ إلى أنْ ألْقاهُ، فَعَمِيَ مَكانَهُ، فَكانَ يُحِبُّ النَّبِيَّ حُبًّا شَدِيدًا فَجَعَلَهُ اللَّهُ مَعَهُ في الجَنَّةِ» .
الرّابِعُ: قالَ الحَسَنُ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما لَنا مِنكَ إلّا الدُّنْيا، فَإذا كانَتِ الآخِرَةُ رُفِعْتَ في الأُولى فَحَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ وحَزِنُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . قالَ المُحَقِّقُونَ: لا نُنْكِرُ صِحَّةَ هَذِهِ الرِّواياتِ إلّا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا أعْظَمَ مِن ذَلِكَ، وهو البَعْثُ عَلى الطّاعَةِ والتَّرْغِيبُ فِيها، فَإنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ، فَهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، وهو أنَّ كُلَّ مَن أطاعَ اللَّهَ وأطاعَ الرَّسُولَ فَقَدْ فازَ بِالدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الشَّرِيفَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ يُوجِبُ الِاكْتِفاءَ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ. لِأنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الصِّفَةِ يَكْفِي في العَمَلِ بِهِ في جانِبِ الثُّبُوتِ حُصُولُ ذَلِكَ المُسَمّى مَرَّةً واحِدَةً.
صفحة ١٣٧
قالَ القاضِي: لا بُدَّ مِن حَمْلِ هَذا عَلى غَيْرِ ظاهِرِهِ، وأنْ تُحْمَلَ الطّاعَةُ عَلى فِعْلِ المَأْمُوراتِ وتَرْكِ جَمِيعِ المَنهِيّاتِ، إذْ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الطّاعَةِ الواحِدَةِ لَدَخَلَ فِيهِ الفُسّاقُ والكُفّارُ؛ لِأنَّهم قَدْ يَأْتُونَ بِالطّاعَةِ الواحِدَةِ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ عَقِيبَ الصِّفَةِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ أيْ ومَن يُطِعِ اللَّهَ في كَوْنِهِ إلَهًا، وطاعَةُ اللَّهِ في كَوْنِهِ إلَهًا هو مَعْرِفَتُهُ والإقْرارُ بِجَلالِهِ وعِزَّتِهِ وكِبْرِيائِهِ وصَمَدِيَّتِهِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهًا عَلى أمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن أحْوالِ المَعادِ:
فالأوَّلُ: هو أنَّ مَنشَأ جَمِيعِ السَّعاداتِ يَوْمَ القِيامَةِ إشْراقُ الرُّوحِ بِأنْوارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وكُلُّ مَن كانَتْ هَذِهِ الأنْوارُ في قَلْبِهِ أكْثَرَ، وصَفاؤُها أقْوى، وبُعْدُها عَنِ التَّكَدُّرِ بِمَحَبَّةِ عالَمِ الأجْسامِ أتَمَّ كانَ إلى السَّعادَةِ أقْرَبَ وإلى الفَوْزِ بِالنَّجاةِ أوْصَلَ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وعْدَ أهْلِ الطّاعَةِ بِالأجْرِ العَظِيمِ والثَّوابِ الجَزِيلِ والهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ وعْدَهم بِكَوْنِهِمْ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وهَذا الَّذِي وقَعَ بِهِ في الخَتْمِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ وأعْلى مِمّا قَبْلَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن كَوْنِ هَؤُلاءِ مَعَهم هو أنَّهم يَكُونُونَ في عَيْنِ تِلْكَ الدَّرَجاتِ، لِأنَّ هَذا مُمْتَنِعٌ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ الأرْواحَ النّاقِصَةَ إذا اسْتَكْمَلَتْ عَلائِقَها مَعَ الأرْواحِ الكامِلَةِ في الدُّنْيا لِسَبَبِ الحُبِّ الشَّدِيدِ، فَإذا فارَقَتْ هَذا العالَمَ ووَصَلَتْ إلى عالَمِ الآخِرَةِ بَقِيَتْ تِلْكَ العَلائِقُ الرُّوحانِيَّةُ هُناكَ، ثُمَّ تَصِيرُ تِلْكَ الأرْواحُ الصّافِيَةُ كالمَرايا المَجْلُوَّةِ المُتَقابِلَةِ، فَكَأنَّ هَذِهِ المَرايا يَنْعَكِسُ الشُّعاعُ مِن بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، وبِسَبَبِ هَذِهِ الِانْعِكاساتِ تَصِيرُ أنْوارُها في غايَةِ القُوَّةِ، فَكَذا القَوْلُ في تِلْكَ الأرْواحِ فَإنَّها لَمّا كانَتْ مَجْلُوَّةً بِصِقالَةِ المُجاهَدَةِ عَنْ غُبارِ حُبِّ ما سِوى اللَّهِ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ، ثُمَّ ارْتَفَعَتِ الحُجُبُ الجَسَدانِيَّةُ أشْرَقَتْ عَلَيْها أنْوارُ جَلالِ اللَّهِ، ثُمَّ انْعَكَسَتْ تِلْكَ الأنْوارُ مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ وصارَتِ الأرْواحُ النّاقِصَةُ كامِلَةً بِسَبَبِ تِلْكَ العَلائِقِ الرُّوحانِيَّةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَيْسَ المُرادُ بِكَوْنِ مَن أطاعَ اللَّهَ وأطاعَ الرَّسُولَ مَعَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ، كَوْنَ الكُلِّ في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ هَذا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ في الدَّرَجَةِ بَيْنَ الفاضِلِ والمَفْضُولِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ. بَلِ المُرادُ كَوْنُهم في الجَنَّةِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ، وإنْ بَعُدَ المَكانُ، لِأنَّ الحِجابَ إذا زالَ شاهَدَ بَعْضُهم بَعْضًا، وإذا أرادُوا الزِّيارَةَ والتَّلاقِيَ قَدَرُوا عَلَيْهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذِهِ المَعِيَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أوْصافًا ثَلاثَةً: الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءَ والصّالِحِينَ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ النَّبِيِّينَ مُغايِرُونَ لِلصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، فَأمّا هَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيها، قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الصِّفاتُ كُلُّها لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، وهي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في الشَّخْصِ الواحِدِ أنْ يَكُونَ صِدِّيقًا وشَهِيدًا وصالِحًا. وقالَ الآخَرُونَ: بَلِ المُرادُ بِكُلِّ وصْفٍ صِنْفٌ مِنَ النّاسِ، وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ لِأنَّ المَعْطُوفَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكَما أنَّ النَّبِيِّينَ غَيْرُ مَن ذُكِرَ بَعْدَهم، فَكَذَلِكَ الصِّدِّيقُونَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا غَيْرَ مَن ذُكِرَ بَعْدَهم وكَذا القَوْلُ في سائِرِ الصِّفاتِ، ولْنَبْحَثْ عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ:
الصِّفَةُ الأُولى: الصِّدِّيقُ: وهو اسْمٌ لِمَن عادَتُهُ الصِّدْقُ، ومَن غَلَبَ عَلى عادَتِهِ فِعْلٌ إذا وُصِفَ بِذَلِكَ الفِعْلِ قِيلَ فِيهِ فِعِّيلٌ، كَما يُقالُ: سِكِّيرٌ وشِرِّيبٌ وخِمِّيرٌ، والصِّدْقُ صِفَةٌ كَرِيمَةٌ فاضِلَةٌ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ،
صفحة ١٣٨
وكَفى الصِّدْقَ فَضِيلَةً أنَّ الإيمانَ لَيْسَ إلّا التَّصْدِيقُ، وكَفى الكَذِبُ مَذَمَّةً أنَّ الكُفْرَ لَيْسَ إلّا التَّكْذِيبُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ في الصِّدِّيقِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِكُلِّ الدِّينِ لا يَتَخالَجُهُ فِيهِ شَكٌّ فَهو صِدِّيقٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] .
الثّانِي: قالَ قَوْمٌ: الصِّدِّيقُونَ أفاضِلُ أصْحابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الثّالِثُ: أنَّ الصِّدِّيقَ اسْمٌ لِمَن سَبَقَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصارَ في ذَلِكَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْلى الخَلْقِ بِهَذا الوَصْفِ، أمّا بَيانُ أنَّهُ سَبَقَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلِأنَّهُ قَدِ اشْتَهَرَتِ الرِّوايَةُ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«ما عَرَضْتُ الإسْلامَ عَلى أحَدٍ إلّا ولَهُ نَبْوَةٌ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ فَإنَّهُ لَمْ يَتَلَعْثَمْ» “ دَلَّ هَذا الحَدِيثُ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمّا عَرَضَ الإسْلامَ عَلى أبِي بَكْرِ قَبِلَهُ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَتَوَقَّفْ، فَلَوْ قَدَّرْنا أنَّ إسْلامَهُ تَأخَّرَ عَنْ إسْلامِ غَيْرِهِ لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَصَّرَ حَيْثُ أخَّرَ عَرْضَ الإسْلامِ عَلَيْهِ، وهَذا لا يَكُونُ قَدْحًا في أبِي بَكْرٍ، بَلْ يَكُونُ قَدْحًا في الرَّسُولِ ﷺ وذَلِكَ كُفْرٌ، ولَمّا بَطَلَ نِسْبَةُ هَذا التَّقْصِيرِ إلى الرَّسُولِ عَلِمْنا أنَّهُ ﷺ ما قَصَّرَ في عَرْضِ الإسْلامِ عَلَيْهِ، ولَمّا بَطَلَ نِسْبَةُ هَذا التَّقْصِيرِ إلى الرَّسُولِ عَلِمْنا أنَّهُ ﷺ ما قَصَّرَ في عَرْضِ الإسْلامِ عَلَيْهِ، والحَدِيثُ دَلَّ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ لَمْ يَتَوَقَّفِ البَتَّةَ، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أسْبَقُ النّاسِ إسْلامًا، أمّا بَيانُ أنَّهُ كانَ قُدْوَةً لِسائِرِ النّاسِ في ذَلِكَ فَلِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّ إسْلامَ عَلِيٍّ كانَ سابِقًا عَلى إسْلامِ أبِي بَكْرٍ، إلّا أنَّهُ لا يَشُكُّ عاقِلٌ أنَّ عَلِيًّا ما صارَ قُدْوَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأنَّ عَلِيًّا كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ صَبِيًّا صَغِيرًا، وكانَ أيْضًا في تَرْبِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ شَدِيدَ القُرْبِ مِنهُ بِالقَرابَةِ، وأبُو بَكْرٍ ما كانَ شَدِيدَ القُرْبِ مِنهُ بِالقَرابَةِ، وإيمانُ مَن هَذا شَأْنُهُ يَكُونُ سَبَبًا لِرَغْبَةِ سائِرَ النّاسِ في الإسْلامِ. وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا آمَنَ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ بِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ حَتّى أسْلَمُوا، فَكانَ إسْلامُهُ سَبَبًا لِاقْتِداءِ هَؤُلاءِ الأكابِرِ بِهِ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا أنَّهُ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ أسْبَقَ النّاسِ إسْلامًا، وثَبَتَ أنَّ إسْلامَهُ صارَ سَبَبًا لِاقْتِداءِ أفاضِلِ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ الإسْلامِ، فَثَبَتَ أنَّ أحَقَّ الأُمَّةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ أفْضَلَ الخَلْقِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ إسْلامَهُ لَمّا كانَ أسْبَقَ مِن غَيْرِهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ثَوابُهُ أكْثَرَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ .
الثّانِي: أنَّهُ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ جاهَدَ في اللَّهِ وصارَ جِهادُهُ مُفْضِيًا إلى حُصُولِ الإسْلامِ لِأكابِرِ الصَّحابَةِ مِثْلِ عُثْمانَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وجاهَدَ عَلِيٌّ يَوْمَ أُحُدٍ ويَوْمَ الأحْزابِ في قَتْلِ الكُفّارِ، ولَكِنَّ جِهادَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أفْضى إلى حُصُولِ الإسْلامِ لِمِثْلِ الَّذِينَ هم أعْيانُ الصَّحابَةِ، وجِهادُ عَلِيٍّ أفْضى إلى قَتْلِ الكُفّارِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ، وأيْضًا فَأبُو بَكْرٍ جاهَدَ في أوَّلِ الإسْلامِ حِينَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ في غايَةِ الضَّعْفِ، وعَلِيٌّ إنَّما جاهَدَ يَوْمَ أُحُدٍ ويَوْمَ الأحْزابِ، وكانَ الإسْلامُ قَوِيًّا في هَذِهِ الأيّامِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الجِهادَ وقْتَ الضَّعْفِ أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ وقْتَ القُوَّةِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] فَبَيَّنَ أنَّ نُصْرَةَ الإسْلامِ وقْتَ ما كانَ ضَعِيفًا أعْظَمُ ثَوابًا مِن نُصْرَتِهِ وقْتَ ما كانَ قَوِيًّا، فَثَبَتَ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا أنَّ أوْلى النّاسِ بِهَذا الوَصْفِ هو الصِّدِّيقُ، فَلِهَذا أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى تَسْلِيمِ هَذا اللَّقَبِ لَهُ إلّا مَن لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَإنَّهُ يُنْكِرُهُ، ودَلَّ تَفْسِيرُ الصِّدِّيقِ بِما ذَكَرْناهُ عَلى أنَّهُ
صفحة ١٣٩
لا مَرْتَبَةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ في الفَضْلِ والعِلْمِ إلّا هَذا الوَصْفُ وهو كَوْنُ الإنْسانِ صِدِّيقًا، وكَما دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ فَقَدْ دَلَّ لَفْظُ القُرْآنِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ أيْنَما ذَكَرَ الصِّدِّيقَ والنَّبِيَّ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُما واسِطَةً، فَقالَ في وصْفِ إسْماعِيلَ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] وفي صِفَةِ إدْرِيسَ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ يَعْنِي إنَّكَ إنْ تَرَقَّيْتَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ وصَلْتَ إلى النُّبُوَّةِ، وإنْ نَزَلْتَ مِنَ النُّبُوَّةِ وصَلْتَ إلى الصِّدِّيقِيَّةِ، ولا مُتَوَسِّطَ بَيْنَهُما، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُما واسِطَةً، وكَما دَلَّتْ هَذِهِ الدَّلائِلُ عَلى نَفْيِ الواسِطَةِ فَقَدْ وفَّقَ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ المَوْصُوفَةَ بِأنَّها خَيْرُ أُمَّةٍ حَتّى جَعَلُوا الإمامَ بَعْدَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبا بَكْرٍ عَلى سَبِيلِ الإجْماعِ، ولَمّا تُوُفِّيَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ دَفَنُوهُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وما ذاكَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَ الواسِطَةَ بَيْنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَلا جَرَمَ ارْتَفَعَتِ الواسِطَةُ بَيْنَهُما في الوُجُوهِ الَّتِي عَدَدْناها.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: الشَّهادَةُ: والكَلامُ في الشُّهَداءِ قَدْ مَرَّ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَ البَعْضَ فَنَقُولُ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ مُفَسَّرَةً بِكَوْنِ الإنْسانِ مَقْتُولَ الكافِرِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَرْتَبَةَ الشَّهادَةِ مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ في الدِّينِ، وكَوْنُ الإنْسانِ مَقْتُولَ الكافِرِ لَيْسَ فِيهِ زِيادَةُ شَرَفٍ، لِأنَّ هَذا القَتْلَ قَدْ يَحْصُلُ في الفُسّاقِ ومَن لا مَنزِلَةَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ.
الثّانِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنا الشَّهادَةَ، فَلَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عِبارَةً عَنْ قَتْلِ الكافِرِ إيّاهُ لَكانُوا قَدْ طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ القَتْلَ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّ طَلَبَ صُدُورِ ذَلِكَ القَتْلِ مِنَ الكافِرِ كُفْرٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ ما هو كُفْرٌ.
الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «المَبْطُونُ شَهِيدٌ والغَرِيقُ شَهِيدٌ»، فَعَلِمْنا أنَّ الشَّهادَةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ القَتْلِ، بَلْ نَقُولُ: الشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، وهو الَّذِي يَشْهَدُ بِصِحَّةِ دِينِ اللَّهِ تَعالى تارَةً بِالحُجَّةِ والبَيانِ، وأُخْرى بِالسَّيْفِ والسِّنانِ، فالشُّهَداءُ هُمُ القائِمُونَ بِالقِسْطِ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] ويُقالُ لِلْمَقْتُولِ في سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ في نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ، وشَهادَتِهِ لَهُ بِأنَّهُ هو الحَقُّ وما سِواهُ هو الباطِلُ، وإذا كانَ مِن شُهَداءِ اللَّهِ بِهَذا المَعْنى كانَ مِن شُهَداءِ اللَّهِ في الآخِرَةِ، كَما قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: الصّالِحُونَ: والصّالِحُ هو الَّذِي يَكُونُ صالِحًا في اعْتِقادِهِ وفي عَمَلِهِ، فَإنَّ الجَهْلَ فَسادٌ في الِاعْتِقادِ، والمَعْصِيَةُ فَسادٌ في العَمَلِ، وإذا عَرَفْتَ تَفْسِيرَ الصِّدِّيقِ والشَّهِيدِ والصّالِحِ ظَهَرَ لَكَ ما بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ مِنَ التَّفاوُتِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ اعْتِقادُهُ صَوابًا وكانَ عَمَلُهُ طاعَةً وغَيْرَ مَعْصِيَةٍ فَهو صالِحٌ، ثُمَّ إنَّ الصّالِحَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَشْهَدُ لِدِينِ اللَّهِ بِأنَّهُ هو الحَقُّ وأنَّ ما سِواهُ هو الباطِلُ، وهَذِهِ الشَّهادَةُ تارَةً تَكُونُ بِالحُجَّةِ والدَّلِيلِ وأُخْرى بِالسَّيْفِ، وقَدْ لا يَكُونُ الصّالِحُ مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ قائِمًا بِهَذِهِ الشَّهادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ شَهِيدًا كانَ صالِحًا، ولَيْسَ كُلُّ مَن كانَ صالِحًا شَهِيدًا، فالشَّهِيدُ أشْرَفُ أنْواعِ الصّالِحِ، ثُمَّ إنَّ الشَّهِيدَ قَدْ يَكُونُ صِدِّيقًا وقَدْ لا يَكُونُ، ومَعْنى الصِّدِّيقِ الَّذِي كانَ أسْبَقَ إيمانًا مِن غَيْرِهِ، وكانَ إيمانُهُ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ صِدِّيقًا كانَ شَهِيدًا، ولَيْسَ كُلُّ مَن كانَ شَهِيدًا كانَ صِدِّيقًا، فَثَبَتَ أنَّ أفْضَلَ الخَلْقِ هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وبَعْدَهُمُ الصِّدِّيقُونَ، وبَعْدَهم مَن لَيْسَ لَهُ دَرَجَةٌ إلّا مَحْضَ دَرَجَةِ الشَّهادَةِ، وبَعْدَهم مَن لَيْسَ لَهُ إلّا مَحْضَ دَرَجَةِ الصَّلاحِ. فالحاصِلُ أنَّ أكابِرَ المَلائِكَةِ يَأْخُذُونَ الدِّينَ الحَقَّ عَنِ اللَّهِ، والأنْبِياءُ يَأْخُذُونَ
صفحة ١٤٠
عَنِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] والصِّدِّيقُونَ يَأْخُذُونَهُ عَنِ الأنْبِياءِ. والشُّهَداءُ يَأْخُذُونَهُ عَنِ الصِّدِّيقِينَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الصِّدِّيقَ هو الَّذِي يَأْخُذُ في المَرَّةِ الأُولى عَنِ الأنْبِياءِ وصارَ قُدْوَةً لِمَن بَعْدُهُ، والصّالِحُونَ يَأْخُذُونَهُ عَنِ الشُّهَداءِ، فَهَذا هو تَقْرِيرُ هَذِهِ المَراتِبَ وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ أنَّهُ لا أحَدَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا وهو داخِلٌ في بَعْضِ هَذِهِ النُّعُوتِ والصِّفاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فِيهِ مَعْنى التَّعْجِيبِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرِّفْقُ في اللُّغَةِ: لِينُ الجانِبِ ولَطافَةُ الفِعْلِ، وصاحِبُهُ رَفِيقٌ. هَذا مَعْناهُ في اللُّغَةِ ثُمَّ الصّاحِبُ يُسَمّى رَفِيقًا لِارْتِفاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّما وحَّدَ الرَّفِيقَ وهو صِفَةٌ لِجَمْعٍ، لِأنَّ الرَّفِيقَ والرَّسُولَ والبَرِيدَ تَذْهَبُ بِهِ العَرَبُ إلى الواحِدِ وإلى الجَمْعِ قالَ تَعالى: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: حَسُنَ أُولَئِكَ رَجُلًا، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا إنَّما يَجُوزُ في الِاسْمِ الَّذِي يَكُونُ صِفَةً، أمّا إذا كانَ اسْمًا مُصَرَّحًا مِثْلَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ لَمْ يَجُزْ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ ذَلِكَ في الِاسْمِ أيْضًا وزَعَمَ أنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أيْ حَسُنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم رَفِيقًا، كَما قالَ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: (رَفِيقًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ عَلى الحالِ: أيْ حَسُنَ واحِدٌ مِنهم رَفِيقًا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيمَن أطاعَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أنَّهُ يَكُونُ مَعَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَرِثْ بِذَلِكَ، بَلْ ذَكَرَ أنَّهُ يَكُونُ رَفِيقًا لَهُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الرَّفِيقَ هو الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، فَبَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ المُطِيعِينَ يَرْتَفِقُونَ بِهِمْ، وإنَّما يَرْتَفِقُونَ بِهِمْ إذا نالُوا مِنهم رِفْقًا وخَيْرًا، ولَقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا كَيْفِيَّةَ هَذا الِارْتِفاقِ، وأمّا عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ فَلِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ مَعَ غَيْرِهِ ولا يَكُونُ رَفِيقًا لَهُ، فَأمّا إذا كانَ عَظِيمَ الشَّفَقَةِ عَظِيمَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ كانَ رَفِيقًا لَهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الأنْبِياءَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءَ والصّالِحِينَ يَكُونُونَ لَهُ كالرُّفَقاءِ مِن شِدَّةِ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ وسُرُورِهِمْ بِرُؤْيَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ الثَّوابِ، فَلَمّا حَكَمَ عَلى كُلِّ ذَلِكَ بِأنَّهُ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ المَعْقُولِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: القُدْرَةُ عَلى الطّاعَةِ إنْ كانَتْ لا تَصْلُحُ إلّا لِلطّاعَةِ، فَخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ هو الَّذِي أعْطى الطّاعَةَ، فَلا يَكُونُ فِعْلُهُ مُوجِبًا عَلَيْهِ شَيْئًا، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلْمَعْصِيَةِ أيْضًا لَمْ يَتَرَجَّحْ جانِبُ الطّاعَةِ عَلى جانِبِ المَعْصِيَةِ إلّا بِخَلْقِ الدّاعِي إلى الطّاعَةِ، ويَصِيرُ مَجْمُوعُ القُدْرَةِ والدّاعِي مُوجِبًا لِلْفِعْلِ، فَخالِقُ هَذا المَجْمُوعِ هو الَّذِي أعْطى الطّاعَةَ، فَلا يَكُونُ فِعْلُهُ مُوجِبًا عَلَيْهِ شَيْئًا.
الثّانِي: نِعَمُ اللَّهِ عَلى العَبْدِ لا تُحْصى وهي مُوجِبَةٌ لِلطّاعَةِ والشُّكْرِ، وإذا كانَتِ الطّاعاتُ تَقَعُ في مُقابَلَةِ النِّعَمِ السّالِفَةِ امْتَنَعَ كَوْنُها مُوجِبَةً لِلثَّوابِ في المُسْتَقْبَلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الوُجُوبَ يَسْتَلْزِمُ اسْتِحْقاقَ الذَّنْبِ عِنْدَ التَّرْكِ، وهَذا الِاسْتِحْقاقُ يُنافِي الإلَهِيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ حُصُولُهُ في حَقِّ الإلَهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ كَما دَلَّ عَلى أنَّ الثَّوابَ كُلَّهُ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فالبَراهِينُ العَقْلِيَّةُ القاطِعَةُ دالَّةٌ
صفحة ١٤١
عَلى ذَلِكَ أيْضًا، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الثَّوابُ وإنْ كانَ واجِبًا لَكِنْ لا يَمْتَنِعُ إطْلاقُ اسْمِ الفَضْلِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ العَبْدَ إنَّما اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الثَّوابَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّفَهُ والتَّكْلِيفُ تَفَضُّلٌ، ولِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى العَقْلَ والقُدْرَةَ وأزاحَ الأعْذارَ والمَوانِعَ حَتّى تَمَكَّنَ المُكَلَّفُ مِن فِعْلِ الطّاعَةِ، فَصارَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مَن وهَبَ لِغَيْرِهِ ثَوْبًا كَيْ يَنْتَفِعَ بِهِ، فَإذا باعَهُ وانْتَفَعَ بِثَمَنِهِ جازَ أنْ يُوصَفَ ذَلِكَ الثَّمَنُ بِأنَّهُ فَضْلٌ مِنَ الواهِبِ فَكَذا هَهُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ هو الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الثَّوابَ لِكَمالِ دَرَجَتِهِ كَأنَّهُ هو الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وأنَّ ما سِواهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ الفَضْلُ هو مِنَ اللَّهِ، أيْ ذَلِكَ الفَضْلُ المَذْكُورُ، والثَّوابُ المَذْكُورُ هو مِنَ اللَّهِ لا مِن غَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ أبْلَغُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ ولَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في تَوْكِيدِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الطّاعَةِ وكَيْفِيَّةَ الجَزاءِ والتَّفَضُّلِ، وذَلِكَ مِمّا يُرَغِّبُ المُكَلَّفَ في كَمالِ الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ التَّقْصِيرِ فِيهِ.
النساء 4:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ بَعْدَ التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ إلى ذِكْرِ الجِهادِ الَّذِي تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ أشَقُّ الطّاعاتِ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ الأُمُورِ الَّتِي بِها يَحْصُلُ تَقْوِيَةُ الدِّينِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الحَذَرُ والحِذْرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالأثَرِ والإثْرِ، والمَثَلِ والمِثْلِ، يُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ إذا تَيَقَّظَ واحْتَرَزَ مِنَ المُخَوِّفِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَقِي بِها نَفْسَهُ ويَعْصِمُ بِها رُوحَهُ، والمَعْنى احْذَرُوا واحْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ ولا تُمَكِّنُوهُ مِن أنْفُسِكم، هَذا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ . وقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ بِالحِذْرِ هَهُنا السِّلاحُ، والمَعْنى خُذُوا سِلاحَكم، والسِّلاحُ يُسَمّى حِذْرًا، أيْ خُذُوا سِلاحَكم وتَحَذَّرُوا.
والثّانِي: أنَّ يَكُونَ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بِمَعْنى احْذَرُوا عَدُوَّكم لِأنَّ هَذا الأمْرَ بِالحِذْرِ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِأخْذِ السِّلاحِ، لِأنَّ أخْذَ السِّلاحِ هو الحَذَرُ مِنَ العَدُوِّ، فالتَّأْوِيلُ أيْضًا يَعُودُ إلى الأوَّلِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ الأمْرُ مُصَرِّحٌ بِأخْذِ السِّلاحِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي أخْذُ السِّلاحِ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِفَحْوى الكَلامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ذَلِكَ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالحَذَرِ عَنْهُ إنْ كانَ مُقْتَضى الوُجُودِ لَمْ يَنْفَعِ الحَذَرُ، وإنْ كانَ مُقْتَضى العَدَمِ لا حاجَةَ إلى الحَذَرِ، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الأمْرُ بِالحَذَرِ عَبَثٌ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«المَقْدُورُ كائِنٌ والهَمُّ فَضْلٌ» “ وقِيلَ أيْضًا: الحَذَرُ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ فَنَقُولُ: إنْ صَحَّ هَذا الكَلامُ بَطَلَ القَوْلُ بِالشَّرائِعِ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنْ كانَ الإنْسانُ مِن أهْلِ السَّعادَةِ في قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ فَلا حاجَةَ إلى الإيمانِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ الإيمانُ والطّاعَةُ، فَهَذا يُفْضِي إلى سُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِالكُلِّيَّةِ، والتَّحْقِيقُ في الجَوابِ أنَّهُ لَمّا كانَ الكُلُّ بِقَدَرٍ كانَ الأمْرُ بِالحَذَرِ أيْضًا داخِلًا في القَدَرِ، فَكانَ قَوْلُ القائِلِ: أيُّ فائِدَةٍ في الحَذَرِ ؟ كَلامًا مُتَناقِضًا، لِأنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الحَذَرُ مُقَدَّرًا فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذا السُّؤالِ الطّاعِنِ في الحَذَرِ.
صفحة ١٤٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (فانْفِرُوا) يُقالُ: نَفَرَ القَوْمُ يَنْفِرُونَ نَفْرًا ونَفِيرًا إذا نَهَضُوا لِقِتالِ عَدُوٍّ وخَرَجُوا لِلْحَرْبِ، واسْتَنْفَرَ الإمامُ النّاسَ لِجِهادِ العَدُوِّ فَنَفَرُوا يَنْفِرُونَ إذا حَثَّهم عَلى النَّفِيرِ ودَعاهم إلَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ”«وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» “ والنَّفِيرُ اسْمٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ لا في العِيرِ ولا في النَّفِيرِ، وقالَ أصْحابُ العَرَبِيَّةِ: أصْلُ هَذا الحَرْفِ مِنَ النُّفُورِ والنِّفارِ وهو الفَزَعُ، يُقالُ نَفَرَ إلَيْهِ إذا فَزِعَ إلَيْهِ، ونَفَرَ مِنهُ إذا فَزِعَ مِنهُ وكَرِهَهُ، ومَعْنى الآيَةِ فانْفِرُوا إلى قِتالِ عَدُوِّكم.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ: الثُّباتُ جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ واحِدُها ثُبَةٌ، وأصْلُها مِن: ثَبَيْتُ الشَّيْءَ، أيْ جَمَعْتُهُ، ويُقالُ أيْضًا: ثَبَيْتُ عَلى الرَّجُلِ إذا أثْنَيْتَ عَلَيْهِ، وتَأْوِيلُهُ جَمَعَ مَحاسِنَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مَعْناهُ: انْفِرُوا إلى العَدُوِّ إمّا ثُباتٍ، أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً، سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، وإمّا جَمِيعًا، أيْ مُجْتَمِعِينَ كَوْكَبَةً واحِدَةً، وهَذا المَعْنى أرادَ الشّاعِرُ في قَوْلِهِ:
طارُوا إلَيْهِ زَرافاتٍ ووِحْدانا
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ أيْ عَلى أيِّ الحالَتَيْنِ كُنْتُمْ فَصَلُّوا.
النساء 4:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (وإنَّ مِنكم) يَجِبُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ واخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ المُنافِقُونَ كانُوا يُثَبِّطُونَ النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ تَقْدِيرُهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ، فَإذا كانَ هَذا المُبْطِئُ مُنافِقًا فَكَيْفَ جَعَلَ المُنافِقَ قِسْمًا مِنَ المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ: (وإنَّ مِنكم) .
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ الجِنْسِ والنَّسَبِ والِاخْتِلاطِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِأنَّهم كانُوا في الظّاهِرِ مُتَشَبِّهِينَ بِأهْلِ الإيمانِ.
الثّالِثُ: كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا في زَعْمِكم ودَعْواكم كَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] .
القَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَؤُلاءِ المُبْطِئِينَ كانُوا ضَعَفَةَ المُؤْمِنِينَ وهو اخْتِيارُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: والتَّبْطِئَةُ بِمَعْنى الإبْطاءِ أيْضًا، وفائِدَةُ هَذا التَّشْدِيدِ تَكَرُّرُ الفِعْلِ مِنهُ. وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ما
صفحة ١٤٣
أبْطَأ بِكَ يا فُلانُ عَنّا، وإدْخالُهُمُ الباءَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ أنَّ فِيهِمْ مَن يُبَطِّئُ عَنْ هَذا الغَرَضِ ويَتَثاقَلُ عَنْ هَذا الجِهادِ، فَإذا ظَفِرَ المُسْلِمُونَ تَمَنَّوْا أنْ يَكُونُوا مَعَهم لِيَأْخُذُوا الغَنِيمَةَ، وإنْ أصابَتْهم مُصِيبَةٌ سَرَّهم أنْ كانُوا مُتَخَلِّفِينَ. قالَ: وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٩] قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (لَيُبَطِّئَنَّ) الإبْطاءُ مِنهم لا تَثْبِيطُ غَيْرِهِمْ، ما حَكاهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ عِنْدَ الغَنِيمَةِ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ تَثْبِيطُ الغَيْرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا الكَلامِ مَعْنًى. وطَعَنَ القاضِي في هَذا القَوْلِ وقالَ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ المُبْطِئِينَ أنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ مُصِيبَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ فَيُعِدُّ قُعُودَهُ عَنِ القِتالِ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ إنَّما يَلِيقُ بِالمُنافِقِينَ لا بِالمُؤْمِنِينَ، وأيْضًا لا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِينَ أنْ يُقالَ لَهم: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ: (مَوَدَّةٌ) فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإنَّما يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المُنافِقِينَ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ حُمِلَ عَلى أنَّهُ مِنَ الإبْطاءِ والتَّثاقُلِ صَحَّ في المُنافِقِينَ، لِأنَّهم كانُوا يَتَأخَّرُونَ عَنِ الجِهادِ ويَتَثاقَلُونَ ولا يُسْرِعُونَ إلَيْهِ، وإنْ حُمِلَ عَلى تَثْبِيطِ الغَيْرِ صَحَّ أيْضًا فِيهِمْ، فَقَدْ كانُوا يُثَبِّطُونَ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِما يُورِدُونَ عَلَيْهِمْ مِن أنْواعِ التَّلْبِيسِ، فَكِلا الوَصْفَيْنِ مَوْجُودٌ في المُنافِقِينَ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلَهُ عَلى تَثْبِيطِ الغَيْرِ، فَكَأنَّهم فَصَلُوا بَيْنَ أبْطَأ وبَطَّأ، فَجَعَلُوا الأوَّلَ لازِمًا، والثّانِي مُتَعَدِّيًا، كَما يُقالُ في أحَبَّ وحَبَّ، فَإنَّ الأوَّلَ لازِمٌ والثّانِي مُتَعَدٍّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ مَوْصُولَةٌ بِالحالِ لِلْقَسَمِ كَأنَّ هَذا لَوْ كانَ كَلامًا لَكَ لَقُلْتَ إنَّ مِنكم لَمَن حَلَفَ بِاللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ يَعْنِي مِنَ القَتْلِ والِانْهِزامِ وجَهْدٍ مِنَ العَيْشِ. يَعْنِي لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا حاضِرًا حَتّى يُصِيبَنِي ما أصابَهم مِنَ البَلاءِ والشِّدَّةِ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ مِن ظَفَرٍ وغَنِيمَةٍ لَيَقُولَنَّ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ﴾ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقٍ يَعْنِي المَوَدَّةَ، والباقُونَ بِالياءِ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِ. قالَ الواحِدِيُّ: وكِلا القِراءَتَيْنِ قَدْ جاءَ بِهِ التَّنْزِيلُ. قالَ: ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فالتَّأْنِيثُ هو الأصْلُ والتَّذْكِيرُ يَحْسُنُ إذا كانَ التَّأْنِيثُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، سِيَّما إذا وقَعَ فاصْلَ بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ (لَيَقُولُنَّ) بِضَمِّ اللّامِ أعادَ الضَّمِيرَ إلى مَعْنى ”مَن“ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ في مَعْنى الجَماعَةِ، إلّا أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ ضَعِيفَةٌ لِأنَّ ”مَن“ وإنْ كانَ جَماعَةٌ في المَعْنى لَكِنَّهُ مُفْرَدٌ في اللَّفْظِ، وجانِبُ الإفْرادِ قَدْ تَرَجَّحَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ التَّنْزِيلُ هَكَذا: ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا كانَ النَّظْمُ مُسْتَقِيمًا حَسَنًا، فَكَيْفَ وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في البَيْنِ ؟
وجَوابُهُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ وهو في غايَةِ الحُسْنِ، بَيانُهُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُنافِقِ أنَّهُ إذا
صفحة ١٤٤
وقَعَتْ لِلْمُسْلِمِينَ نَكْبَةٌ أظْهَرَ السُّرُورَ الشَّدِيدَ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ مُتَخَلِّفًا عَنْهم، ولَوْ فازُوا بِغَنِيمَةٍ ودَوْلَةٍ أظْهَرَ الغَمَّ الشَّدِيدَ بِسَبَبِ فَواتِ تِلْكَ الغَنِيمَةِ، ومِثْلُ هَذِهِ المُعامَلَةِ لا يَقْدُمُ عَلَيْها الإنْسانُ إلّا في حَقِّ الأجْنَبِيِّ العَدُوِّ، لِأنَّ مَن أحَبِّ إنْسانًا فَرِحَ عِنْدَ فَرَحِهِ وحَزِنَ عِنْدَ حُزْنِهِ، فَأمّا إذا قُلِبَتْ هَذِهِ القَضِيَّةُ فَذاكَ إظْهارٌ لِلْعَداوَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُنافِقِ سُرُورَهُ وقْتَ نَكْبَةِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَحْكِيَ حُزْنَهُ عِنْدَ دَوْلَةِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ أنَّهُ فاتَهُ الغَنِيمَةُ، فَقَبْلَ أنْ يَذْكُرَ هَذا الكَلامَ بِتَمامِهِ ألْقى في البَيْنِ قَوْلَهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ والمُرادُ التَّعَجُّبُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: انْظُرُوا إلى ما يَقُولُ هَذا المُنافِقُ كَأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ولا مُخالَطَةٌ أصْلًا، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الكَلامِ، وهو وإنْ كانَ كَلامًا واقِعًا في البَيْنِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ إلّا أنَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ.
النساء 4:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (وإنَّ مِنكم) يَجِبُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ واخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ المُنافِقُونَ كانُوا يُثَبِّطُونَ النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ تَقْدِيرُهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ، فَإذا كانَ هَذا المُبْطِئُ مُنافِقًا فَكَيْفَ جَعَلَ المُنافِقَ قِسْمًا مِنَ المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ: (وإنَّ مِنكم) .
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ الجِنْسِ والنَّسَبِ والِاخْتِلاطِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِأنَّهم كانُوا في الظّاهِرِ مُتَشَبِّهِينَ بِأهْلِ الإيمانِ.
الثّالِثُ: كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا في زَعْمِكم ودَعْواكم كَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] .
القَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَؤُلاءِ المُبْطِئِينَ كانُوا ضَعَفَةَ المُؤْمِنِينَ وهو اخْتِيارُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: والتَّبْطِئَةُ بِمَعْنى الإبْطاءِ أيْضًا، وفائِدَةُ هَذا التَّشْدِيدِ تَكَرُّرُ الفِعْلِ مِنهُ. وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ما
صفحة ١٤٣
أبْطَأ بِكَ يا فُلانُ عَنّا، وإدْخالُهُمُ الباءَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ أنَّ فِيهِمْ مَن يُبَطِّئُ عَنْ هَذا الغَرَضِ ويَتَثاقَلُ عَنْ هَذا الجِهادِ، فَإذا ظَفِرَ المُسْلِمُونَ تَمَنَّوْا أنْ يَكُونُوا مَعَهم لِيَأْخُذُوا الغَنِيمَةَ، وإنْ أصابَتْهم مُصِيبَةٌ سَرَّهم أنْ كانُوا مُتَخَلِّفِينَ. قالَ: وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٩] قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (لَيُبَطِّئَنَّ) الإبْطاءُ مِنهم لا تَثْبِيطُ غَيْرِهِمْ، ما حَكاهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ عِنْدَ الغَنِيمَةِ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ تَثْبِيطُ الغَيْرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا الكَلامِ مَعْنًى. وطَعَنَ القاضِي في هَذا القَوْلِ وقالَ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ المُبْطِئِينَ أنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ مُصِيبَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ فَيُعِدُّ قُعُودَهُ عَنِ القِتالِ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ إنَّما يَلِيقُ بِالمُنافِقِينَ لا بِالمُؤْمِنِينَ، وأيْضًا لا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِينَ أنْ يُقالَ لَهم: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ: (مَوَدَّةٌ) فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإنَّما يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المُنافِقِينَ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ حُمِلَ عَلى أنَّهُ مِنَ الإبْطاءِ والتَّثاقُلِ صَحَّ في المُنافِقِينَ، لِأنَّهم كانُوا يَتَأخَّرُونَ عَنِ الجِهادِ ويَتَثاقَلُونَ ولا يُسْرِعُونَ إلَيْهِ، وإنْ حُمِلَ عَلى تَثْبِيطِ الغَيْرِ صَحَّ أيْضًا فِيهِمْ، فَقَدْ كانُوا يُثَبِّطُونَ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِما يُورِدُونَ عَلَيْهِمْ مِن أنْواعِ التَّلْبِيسِ، فَكِلا الوَصْفَيْنِ مَوْجُودٌ في المُنافِقِينَ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلَهُ عَلى تَثْبِيطِ الغَيْرِ، فَكَأنَّهم فَصَلُوا بَيْنَ أبْطَأ وبَطَّأ، فَجَعَلُوا الأوَّلَ لازِمًا، والثّانِي مُتَعَدِّيًا، كَما يُقالُ في أحَبَّ وحَبَّ، فَإنَّ الأوَّلَ لازِمٌ والثّانِي مُتَعَدٍّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ مَوْصُولَةٌ بِالحالِ لِلْقَسَمِ كَأنَّ هَذا لَوْ كانَ كَلامًا لَكَ لَقُلْتَ إنَّ مِنكم لَمَن حَلَفَ بِاللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ يَعْنِي مِنَ القَتْلِ والِانْهِزامِ وجَهْدٍ مِنَ العَيْشِ. يَعْنِي لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا حاضِرًا حَتّى يُصِيبَنِي ما أصابَهم مِنَ البَلاءِ والشِّدَّةِ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ مِن ظَفَرٍ وغَنِيمَةٍ لَيَقُولَنَّ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ﴾ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقٍ يَعْنِي المَوَدَّةَ، والباقُونَ بِالياءِ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِ. قالَ الواحِدِيُّ: وكِلا القِراءَتَيْنِ قَدْ جاءَ بِهِ التَّنْزِيلُ. قالَ: ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فالتَّأْنِيثُ هو الأصْلُ والتَّذْكِيرُ يَحْسُنُ إذا كانَ التَّأْنِيثُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، سِيَّما إذا وقَعَ فاصْلَ بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ (لَيَقُولُنَّ) بِضَمِّ اللّامِ أعادَ الضَّمِيرَ إلى مَعْنى ”مَن“ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ في مَعْنى الجَماعَةِ، إلّا أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ ضَعِيفَةٌ لِأنَّ ”مَن“ وإنْ كانَ جَماعَةٌ في المَعْنى لَكِنَّهُ مُفْرَدٌ في اللَّفْظِ، وجانِبُ الإفْرادِ قَدْ تَرَجَّحَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ التَّنْزِيلُ هَكَذا: ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا كانَ النَّظْمُ مُسْتَقِيمًا حَسَنًا، فَكَيْفَ وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في البَيْنِ ؟
وجَوابُهُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ وهو في غايَةِ الحُسْنِ، بَيانُهُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُنافِقِ أنَّهُ إذا
صفحة ١٤٤
وقَعَتْ لِلْمُسْلِمِينَ نَكْبَةٌ أظْهَرَ السُّرُورَ الشَّدِيدَ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ مُتَخَلِّفًا عَنْهم، ولَوْ فازُوا بِغَنِيمَةٍ ودَوْلَةٍ أظْهَرَ الغَمَّ الشَّدِيدَ بِسَبَبِ فَواتِ تِلْكَ الغَنِيمَةِ، ومِثْلُ هَذِهِ المُعامَلَةِ لا يَقْدُمُ عَلَيْها الإنْسانُ إلّا في حَقِّ الأجْنَبِيِّ العَدُوِّ، لِأنَّ مَن أحَبِّ إنْسانًا فَرِحَ عِنْدَ فَرَحِهِ وحَزِنَ عِنْدَ حُزْنِهِ، فَأمّا إذا قُلِبَتْ هَذِهِ القَضِيَّةُ فَذاكَ إظْهارٌ لِلْعَداوَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَذا المُنافِقِ سُرُورَهُ وقْتَ نَكْبَةِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَحْكِيَ حُزْنَهُ عِنْدَ دَوْلَةِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ أنَّهُ فاتَهُ الغَنِيمَةُ، فَقَبْلَ أنْ يَذْكُرَ هَذا الكَلامَ بِتَمامِهِ ألْقى في البَيْنِ قَوْلَهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ والمُرادُ التَّعَجُّبُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: انْظُرُوا إلى ما يَقُولُ هَذا المُنافِقُ كَأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ولا مُخالَطَةٌ أصْلًا، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الكَلامِ، وهو وإنْ كانَ كَلامًا واقِعًا في البَيْنِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ إلّا أنَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ.
النساء 4:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ المُبْطِئِينَ في الجِهادِ عادَ إلى التَّرْغِيبِ فِيهِ فَقالَ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ (يَشْرُونَ) مَعْناهُ يَبِيعُونَ.
قالَ ابْنُ مُفَرِّغٍ:
وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ
قالَ: وبُرْدٌ هو غُلامُهُ، وشَرَيْتُهُ بِمَعْنى بِعْتُهُ، وتَمَنّى المَوْتَ بَعْدَ بَيْعِهِ، فَكانَ مَعْنى الآيَةِ: فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَبِيعُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] .
والقَوْلُ الثّانِي: مَعْنى قَوْلِهِ: (يَشْرُونَ) أيْ يَشْتَرُونَ قالُوا: والمُخاطَبُونَ بِهَذا الخِطابِ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ أُحُدٍ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ: فَلْيُقاتِلِ الَّذِينَ يَخْتارُونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: آمَنُوا ثُمَّ قاتَلُوا لِاسْتِحالَةِ حُصُولِ الأمْرِ بِشَرائِعِ الإسْلامِ قَبْلَ حُصُولِ الإسْلامِ. وعِنْدِي في الآيَةِ احْتِمالاتٌ أُخْرى:
أحَدُها: أنَّ الإنْسانَ لَمّا أرادَ أنْ يَبْذُلَ هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا في سَبِيلِ اللَّهِ بَخِلَتْ نَفْسُهُ بِها، فاشْتَراها مِن نَفْسِهِ بِسَعادَةِ الآخِرَةِ لِيَقْدِرَ عَلى بَذْلِها في سَبِيلِ اللَّهِ بِطِيبَةِ النَّفْسِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالقِتالِ مَقْرُونًا بِبَيانِ فَسادِ ما لِأجْلِهِ يَتْرُكُ الإنْسانُ القِتالَ، فَإنَّ مَن تَرَكَ القِتالَ فَإنَّما يَتْرُكُهُ رَغْبَةً في الحَياةِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يُوجِبُ فَواتَ سَعادَةِ الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: اشْتَغِلْ بِالقِتالِ واتْرُكْ تَرْجِيحَ الفانِي عَلى الباقِي.
وثالِثُها: كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ إنَّما رَجَّحُوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ إذا كانَتْ مَقْرُونَةً بِالسَّعادَةِ والغِبْطَةِ والكَرامَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلْيُقاتِلُوا، فَإنَّهم بِالمُقاتَلَةِ يَفُوزُونَ بِالغِبْطَةِ والكَرامَةِ في الدُّنْيا، لِأنَّهم بِالمُقاتَلَةِ يَسْتَوْلُونَ عَلى الأعْداءِ ويَفُوزُونَ بِالأمْوالِ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ خَطَرَتْ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
صفحة ١٤٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى مَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَسَواءٌ صارَ مَقْتُولًا لِلْكُفّارِ أوْ صارَ غالِبًا لِلْكُفّارِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا، وهو المَنفَعَةُ الخالِصَةُ الدّائِمَةُ المَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، فَإذا كانَ الأجْرُ حاصِلًا عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ أشْرَفَ مِنَ الجِهادِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُجاهِدَ لا بُدَّ وأنْ يُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ، إمّا أنْ يَقْتُلَهُ العَدُوُّ، وإمّا أنْ يَغْلِبَ العَدُوَّ ويَقْهَرَهُ، فَإنَّهُ إذا عَزَمَ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَفِرَّ عَنِ الخَصْمِ ولَمْ يُحْجِمْ عَنِ المُحارَبَةِ، فَأمّا إذا دَخَلَ لا عَلى هَذا العَزْمِ فَما أسْرَعَ ما يَقَعُ في الفِرارِ، فَهَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّقْسِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ .
النساء 4:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ إنْكارُهُ تَعالى لِتَرْكِهِمُ القِتالِ، فَصارَ ذَلِكَ تَوْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالجِهادِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِهادَ واجِبٌ، ومَعْناهُ أنَّهُ لا عُذْرَ لَكم في تَرْكِ المُقاتَلَةِ وقَدْ بَلَغَ حالُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى ما بَلَغَ في الضَّعْفِ، فَهَذا حَثٌّ شَدِيدٌ عَلى القِتالِ، وبَيانُ العِلَّةِ الَّتِي لَها صارَ القِتالُ واجِبًا، وهو ما في القِتالِ مِن تَخْلِيصِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ مِن أيْدِي الكَفَرَةِ، لِأنَّ هَذا الجَمْعَ إلى الجِهادِ يَجْرِي مَجْرى فِكاكِ الأسِيرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ في تَرْكِ القِتالِ وبَيانُ أنَّهُ لا عُذْرَ لَهُمُ البَتَّةَ في تَرْكِهِ، ولَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ بِخَلْقِ اللَّهِ لَبَطَلَ هَذا الكَلامُ لِأنَّ مِن أعْظَمِ العُذْرِ أنَّ اللَّهَ ما خَلَقَهُ وما أرادَهُ وما قَضى بِهِ، وجَوابُهُ مَذْكُورٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى السَّبِيلِ، والمَعْنى: ما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي المُسْتَضْعَفِينَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بَقُوا بِمَكَّةَ وعَجَزُوا عَنِ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا يَلْقَوْنَ مِن كُفّارِ مَكَّةَ أذًى شَدِيدًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ النِّساءِ والوِلْدانِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الوِلْدانُ: جَمْعُ الوَلَدِ، ونَظِيرُهُ مِمّا جاءَ عَلى فِعْلٍ وفِعْلانِ، نَحْوَ حِزْبٍ وحِزْبانِ،
صفحة ١٤٦
ووِرْكٍ ووِرْكانِ، كَذَلِكَ وِلْدٌ ووِلْدانٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرِّجالِ والنِّساءِ الأحْرارُ والحَرائِرُ، وبِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ، لِأنَّ العَبْدَ والأمَةَ يُقالُ لَهُما الوَلِيدُ والوَلِيدَةُ، وجَمْعُهُما الوِلْدانُ والوَلائِدُ، إلّا أنَّهُ جَعَلَ هَهُنا الوِلْدانَ جَمْعًا لِلذُّكُورِ والإناثِ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، كَما يُقالُ آباءٌ وإخْوَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ الوِلْدانَ مُبالَغَةً في شَرْحِ ظُلْمِهِمْ حَيْثُ بَلَغَ أذاهُمُ الوِلْدانَ غَيْرَ المُكَلَّفِينَ إرْغامًا لِآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، ومَبْغَضَةً لَهم بِمَكانِهِمْ، ولِأنَّ المُسْتَضْعَفِينَ كانُوا يُشْرِكُونَ صِبْيانَهم في دُعائِهِمِ اسْتِنْزالًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ بِدُعاءِ صِغارِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُذْنِبُوا، كَما ورَدَتِ السُّنَّةُ بِإخْراجِهِمْ في الِاسْتِسْقاءِ، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها مَكَّةُ، وكَوْنُ أهْلُها مَوْصُوفِينَ بِالظُّلْمِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّهم كانُوا يُؤْذُونَ المُسْلِمِينَ ويُوصِلُونَ إلَيْهِمْ أنْواعَ المَكارِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: القَرْيَةُ مُؤَنَّثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿الظّالِمِ أهْلُها﴾ صِفَةٌ لِلْقَرْيَةِ ولِذَلِكَ خَفَضَ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: الظّالِمَةُ أهْلُها، وجَوابُهُ أنَّ النَّحْوِيِّينَ يُسَمُّونَ مِثْلَ هَذِهِ الصِّفَةِ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ بِاسْمِ الفاعِلِ، والأصْلُ في هَذا البابِ: أنَّكَ إذا أدْخَلْتَ الألِفَ واللّامَ في الأخِيرِ أجْرَيْتَهُ عَلى الأوَّلِ في تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ، نَحْوُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِامْرَأةٍ حَسَنَةِ الزَّوْجِ كَرِيمَةِ الأبِ، ومَرَرْتُ بِرَجُلٍ جَمِيلِ الجارِيَةِ، وإذا لَمْ تُدْخِلِ الألِفَ واللّامَ في الأخِيرِ حَمَلْتَهُ عَلى الثّانِي في تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِامْرَأةٍ كَرِيمٍ أبُوها، ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ ولَوْ أدْخَلْتَ الألِفَ واللّامَ عَلى الأهْلِ لَقُلْتَ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمَةِ الأهْلِ، وإنَّما جازَ أنْ يَكُونَ الظّالِمُ نَعْتًا لِلْقَرْيَةِ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِلْأهْلِ، والأهْلُ مُنْتَسِبُونَ إلى القَرْيَةِ، وهَذا القَدْرُ كافٍ في صِحَّةِ الوَصْفِ كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ أبُوهُ، فالقِيامُ لِلْأبِ وقَدْ جَعَلْتَهُ وصْفًا لِلرَّجُلِ، وإنَّما كانَ هَذا القَدْرُ كافِيًا في صِحَّةِ الوَصْفِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الوَصْفِ التَّخْصِيصُ والتَّمْيِيزُ، وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ مِن مِثْلِ هَذا الوَصْفِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ قَوْلانِ:
فالأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُونَ اجْعَلْ عَلَيْنا رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُوالِينا ويَقُومُ بِمَصالِحِنا ويَحْفَظُ عَلَيْنا دِينَنا وشَرْعَنا، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهم لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ جَعَلَ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ أمِيرًا لَهم، فَكانَ الوَلِيُّ هو الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ النَّصِيرُ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ، وكانَ عَتّابٌ يُنْصِفُ الضَّعِيفَ مِنَ القَوِيِّ والذَّلِيلَ مِنَ العَزِيزِ.
الثّانِي: المُرادُ: واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ وِلايَةً ونُصْرَةً، والحاصِلُ كُنْ أنْتَ لَنا ولِيًّا وناصِرًا.
النساء 4:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ﴾
صفحة ١٤٧
﴿الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ وُجُوبَ الجِهادِ بَيَّنَ أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِصُورَةِ الجِهادِ، بَلِ العِبْرَةُ بِالقَصْدِ والدّاعِي، فالمُؤْمِنُونَ يُقاتِلُونَ لِغَرَضِ نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، والكافِرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ غَرَضُهُ في فِعْلِهِ رِضا غَيْرِ اللَّهِ فَهو في سَبِيلِ الطّاغُوتِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِسْمَةَ وهي أنَّ القِتالَ إمّا أنْ يَكُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ ما سِوى اللَّهِ طاغُوتًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأنْ يُقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ، وبَيَّنَ أنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا، لِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ، والشَّيْطانُ يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ ولا شَكَّ أنَّ نُصْرَةَ الشَّيْطانِ لِأوْلِيائِهِ أضْعَفُ مِن نُصْرَةِ اللَّهِ لِأوْلِيائِهِ، ألا تَرى أنَّ أهْلَ الخَيْرِ والدِّينِ يَبْقى ذِكْرُهُمُ الجَمِيلُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ وإنْ كانُوا حالَ حَياتِهِمْ في غايَةِ الفَقْرِ والذِّلَّةِ، وأمّا المُلُوكُ والجَبابِرَةُ فَإذا ماتُوا انْقَرَضَ أثَرُهم ولا يَبْقى في الدُّنْيا رَسْمُهم ولا ظُلْمُهم، والكَيْدُ السَّعْيُ في فَسادِ الحالِ عَلى جِهَةِ الِاحْتِيالِ عَلَيْهِ يُقالُ: كادَهُ يَكِيدُهُ إذا سَعى في إيقاعِ الضَّرَرِ عَلى جِهَةِ الحِيلَةِ عَلَيْهِ وفائِدَةُ إدْخالِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿كانَ ضَعِيفًا﴾ لِلتَّأْكِيدِ لِضَعْفِ كَيْدِهِ، يَعْنِي أنَّهُ مُنْذُ كانَ، كانَ مَوْصُوفًا بِالضَّعْفِ والذِّلَّةِ.
النساء 4:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوِ المُنافِقِينَ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ، قالَ الكَلْبِيُّ: «نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ والمِقْدادِ وقُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أنْ يُهاجِرُوا إلى المَدِينَةِ، ويَلْقَوْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ أذًى شَدِيدًا فَيَشْكُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَقُولُونَ: ائْذَنْ لَنا في قِتالِهِمْ ويَقُولُ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُفُّوا أيْدِيَكم فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتالِهِمْ، واشْتَغِلُوا بِإقامَةِ دِينِكم مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وأُمِرُوا بِقِتالِهِمْ في وقْعَةِ بَدْرٍ كَرِهَهُ بَعْضُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى هَذا القَوْلِ بِأنَّ الَّذِينَ يَحْتاجُ الرَّسُولُ أنْ يَقُولَ لَهم: كُفُّوا عَنِ القِتالِ هُمُ الرّاغِبُونَ في القِتالِ، والرّاغِبُونَ في القِتالِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ. ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ بِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنّا مُؤْمِنُونَ وأنّا نُرِيدُ قِتالَ الكُفّارِ ومُحارَبَتَهم، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ بِقِتالِهِمُ الكُفّارَ أحْجَمَ المُنافِقُونَ عَنْهُ وظَهَرَ مِنهم خِلافُ ما كانُوا يَقُولُونَهُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في حَقِّ المُنافِقِينَ، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى هَذا القَوْلِ بِأنَّ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى
صفحة ١٤٨
أُمُورٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالمُنافِقِينَ:
فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِهِمْ: ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُنافِقِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَوْفُهُ مِنَ النّاسِ أزْيَدَ مِن خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ، والِاعْتِراضُ عَلى اللَّهِ لَيْسَ إلّا مِن صِفَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ لِلرَّسُولِ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ وهَذا الكَلامُ يُذْكَرُ مَعَ مَن كانَتْ رَغْبَتُهُ في الدُّنْيا أكْثَرَ مِن رَغْبَتِهِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ.
وأجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ بِحَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ حُبَّ الحَياةِ والنُّفْرَةَ عَنِ القَتْلِ مِن لَوازِمِ الطِّباعِ، فالخَشْيَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْمُولَةٌ عَلى هَذا المَعْنى، وقَوْلُهم: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى التَّمَنِّي لِتَخْفِيفِ التَّكْلِيفِ لا عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإيجابِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ مَذْكُورٌ لا لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ، بَلْ لِأجْلِ إسْماعِ اللَّهِ لَهم هَذا الكَلامَ مِمّا يُهَوِّنُ عَلى القَلْبِ أمْرَ هَذِهِ الحَياةِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ مِن قَلْبِهِمْ نُفْرَةُ القِتالِ وحُبُّ الحَياةِ ويُقْدِمُونَ عَلى الجِهادِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ، فَهَذا ما في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى المُنافِقِينَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن كَلامِ المُنافِقِينَ، فَإذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها ثُمَّ المَعْطُوفُ في المُنافِقِينَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِمْ فِيهِمْ أيْضًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إيجابَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ كانَ مُقَدَّمًا عَلى إيجابِ الجِهادِ، وهَذا هو التَّرْتِيبُ المُطابِقُ لِما في العُقُولِ، لِأنَّ الصَّلاةَ عِبارَةٌ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والزَّكاةَ عِبارَةٌ عَنِ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّهُما مُقَدَّمانِ عَلى الجِهادِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ يُوهِمُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ مُحالٌ. وفِيهِ وُجُوهٌ مِنَ التَّأْوِيلِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الإبْهامُ عَلى المُخاطَبِ، بِمَعْنى أنَّهم عَلى إحْدى الصِّفَتَيْنِ مِنَ المُساواةِ والشِّدَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ خَوْفَيْنِ فَأحَدُهُما بِالنِّسْبَةِ إلى الآخَرِ إمّا أنْ يَكُونَ أنْقَصَ أوْ مُساوِيًا أوْ أزْيَدَ فَبَيَّنَ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ خَوْفَهم مِنَ النّاسِ لَيْسَ أنْقَصَ مِن خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ، بَلْ بَقِيَ إمّا أنْ يَكُونَ مُساوِيًا أوْ أزْيَدَ، فَهَذا لا يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى شاكًّا فِيهِ، بَلْ يُوجِبُ إبْقاءَ الإبْهامِ في هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ عَلى المُخاطَبِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ ”أوْ“ بِمَعْنى الواوِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْشَوْنَهم كَخَشْيَةِ اللَّهِ وأشَدَّ خَشْيَةً، ولَيْسَ بَيْنَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مُنافاةٌ، لِأنَّ مَن هو أشَدُّ خَشْيَةً فَمَعَهُ مِنَ الخَشْيَةِ مِثْلُ خَشْيَتِهِ مِنَ اللَّهِ وزِيادَةٌ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] يَعْنِي أنَّ مَن يُبْصِرُهم يَقُولُ هَذا الكَلامَ، فَكَذا هَهُنا واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ لا اعْتِراضًا عَلى اللَّهِ، لَكِنْ جَزَعًا مِنَ المَوْتِ وحُبًّا لِلْحَياةِ، وإنْ كانُوا مُنافِقِينَ فَمَعْلُومٌ أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِكَوْنِ الرَّبِّ تَعالى كاتِبًا لِلْقِتالِ عَلَيْهِمْ،
صفحة ١٤٩
فَقالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى كَتَبَ القِتالَ عَلَيْهِمْ في زَعْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي دَعْواهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهَذا كالعِلَّةِ لِكَراهَتِهِمْ لِإيجابِ القِتالِ عَلَيْهِمْ، أيْ هَلّا تَرَكْتَنا حَتّى نَمُوتَ بِآجالِنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ شُبْهَتِهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ، ونِعَمَ الآخِرَةِ كَثِيرَةٌ.
والثّانِي: أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ ونِعَمَ الآخِرَةِ مُؤَبَّدَةٌ.
والثّالِثُ: أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَشُوبَةٌ بِالهُمُومِ والغُمُومِ والمَكارِهِ، ونِعَمَ الآخِرَةِ صافِيَةٌ عَنِ الكُدُراتِ.
والرّابِعُ: أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَشْكُوكَةٌ فَإنَّ أعْظَمَ النّاسِ تَنَعُّمًا لا يَعْرِفُ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ عاقِبَتُهُ في اليَوْمِ الثّانِي، ونِعَمَ الآخِرَةِ يَقِينِيَّةٌ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ تُوجِبُ رُجْحانَ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا، إلّا أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ، فَلِهَذا المَعْنى ذَكَرَ تَعالى هَذا الشَّرْطَ وهو قَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يُظْلَمُونَ) بِالياءِ عَلى أنَّهُ راجِعٌ إلى المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ﴾ والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى سَبِيلِ الخِطابِ، ويُؤَيِّدُ التّاءَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ فَإنَّ قَوْلَهُ: (قُلْ) يُفِيدُ الخِطابَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ عَلى طاعَتِهِمُ الثَّوابَ، وإلّا لَما تَحَقَّقَ نَفْيُ الظُّلْمِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَصِحُّ مِنهُ الظُّلْمُ وإنْ كُنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ، وإلّا لَما صَحَّ التَّمَدُّحُ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ”ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا“ أيْ لا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ مِثْلَ فَتِيلِ النَّواةِ وهو ما تَفْتِلُهُ بِيَدِكَ ثُمَّ تُلْقِيهِ احْتِقارًا. وقَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ.
النساء 4:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَبْكِيتُ مَن حَكى عَنْهم أنَّهم عِنْدَ فَرْضِ القِتالِ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ، فَقالَ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم مِنَ المَوْتِ، والجِهادُ مَوْتٌ مُسْتَعْقِبٌ لِسَعادَةِ الآخِرَةِ، فَإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، فَبِأنْ يَقَعَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ مُسْتَعْقِبًا لِلسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ كانَ أوْلى مِن أنْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦] والبُرُوجُ في كَلامِ العَرَبِ هي القُصُورُ والحُصُونُ، وأصْلُها في اللُّغَةِ مِنَ الظُّهُورِ، يُقالُ: تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ، إذا أظْهَرَتْ مَحاسِنَها، والمُشَيَّدَةُ المُرْتَفِعَةُ، وقُرِئَ (مَشِيدَةٍ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مِن شادَ إذا رَفَعَهُ أوْ طَلاهُ بِالشَّيْدِ وهو الجَصُّ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ بِكَسْرِ الياءِ وصْفًا لَها بِفِعْلِ فاعِلِها مَجازًا، كَما قالُوا: قَصِيدَةٌ شاعِرَةٌ، وإنَّما الشّاعِرُ قائِلُها.
صفحة ١٥٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُنافِقِينَ كَوْنَهم مُتَثاقِلِينَ عَنِ الجِهادِ خائِفِينَ مِنَ المَوْتِ غَيْرَ راغِبِينَ في سَعادَةِ الآخِرَةِ حَكى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ خَصْلَةً أُخْرى قَبِيحَةً أقْبَحَ مِنَ الأُولى، وفي النَّظْمِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ هَؤُلاءِ الخائِفِينَ مِنَ المَوْتِ المُتَثاقِلِينَ في الجِهادِ مِن عادَتِهِمْ أنَّهم إذا جاهَدُوا وقاتَلُوا فَإنْ أصابُوا راحَةً وغَنِيمَةً قالُوا: هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإنْ أصابَهم مَكْرُوهٌ قالُوا: هَذا مِن شُؤْمِ مُصاحَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا يَدُلُّ عَلى غايَةِ حُمْقِهِمْ وجَهْلِهِمْ وشِدَّةِ عِنادِهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ المَدِينَةُ مَمْلُوءَةً مِنَ النِّعَمِ وقْتَ مَقْدَمِ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمّا ظَهَرَ عِنادُ اليَهُودِ ونِفاقُ المُنافِقِينَ أمْسَكَ اللَّهُ عَنْهم بَعْضَ الإمْساكِ كَما جَرَتْ عادَتُهُ في جَمِيعِ الأُمَمِ، قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [الأعراف: ٩٤] فَعِنْدَ هَذا قالَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: ما رَأيْنا أعْظَمَ شُؤْمًا مِن هَذا الرَّجُلِ، نَقَصَتْ ثِمارُنا وغَلَتْ أسْعارُنا مُنْذُ قَدِمَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ يَعْنِي الخَصْبَ ورُخْصَ السِّعْرِ وتَتابُعَ الأمْطارِ قالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ جَدْبٌ وغَلاءُ سِعْرٍ قالُوا هَذا مِن شُؤْمِ مُحَمَّدٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] .
القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِنَ الحَسَنَةِ النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ والغَنِيمَةُ، ومِنَ السَّيِّئَةِ القَتْلُ والهَزِيمَةُ قالَ القاضِي: والقَوْلُ الأوَّلُ هو المُعْتَبَرُ لِأنَّ إضافَةَ الخَصْبِ والغَلاءِ إلى اللَّهِ وكَثْرَةِ النِّعَمِ وقِلَّتِها إلى اللَّهِ جائِزَةٌ، أمّا إضافَةُ النَّصْرِ والهَزِيمَةِ إلى اللَّهِ فَغَيْرُ جائِزَةٍ، لِأنَّ السَّيِّئَةَ إذا كانَتْ بِمَعْنى الهَزِيمَةِ والقَتْلِ لَمْ يَجُزْ إضافَتُها إلى اللَّهِ، وأقُولُ: القَوْلُ كَما قالَ عَلى مَذْهَبِهِ، أمّا عَلى مَذْهَبِنا فالكُلُّ داخِلٌ في قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ السَّيِّئَةَ تَقَعُ عَلى البَلِيَّةِ والمَعْصِيَةِ، والحَسَنَةَ عَلى النِّعْمَةِ والطّاعَةَ قالَ تَعالى: ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] وقالَ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ في كُلِّ الحَسَناتِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ في كُلِّ السَّيِّئاتِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ جَمِيعَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ اللَّهِ، ولَمّا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الطّاعاتِ والمَعاصِيَ داخِلَتانِ تَحْتَ اسْمِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ كانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ جَمِيعَ الطّاعاتِ والمَعاصِي مِنَ اللَّهِ وهو المَطْلُوبُ.
فَإنْ قِيلَ: المُرادُ هَهُنا بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ لَيْسَ هو الطّاعَةَ والمَعْصِيَةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نازِلَةٌ في مَعْنى الخَصْبِ والجَدْبِ فَكانَتْ مُخْتَصَّةً بِهِما.
الثّانِي: أنَّ الحَسَنَةَ الَّتِي يُرادُ بِها الخَيْرُ والطّاعَةُ لا يُقالُ فِيها أصابَتْنِي، إنَّما يُقالُ أصَبْتُها، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ أصابَتْ فُلانًا حَسَنَةٌ بِمَعْنى عَمِلَ خَيْرًا، أوْ أصابَتْهُ سَيِّئَةٌ بِمَعْنى عَمِلَ مَعْصِيَةً، فَعَلى هَذا لَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرْتُمْ لَقالَ إنْ أصَبْتُمْ حَسَنَةً.
الثّالِثُ: لَفْظُ الحَسَنَةِ واقِعٌ بِالِاشْتِراكِ عَلى الطّاعَةِ وعَلى المَنفَعَةِ، وهَهُنا أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المَنفَعَةَ
صفحة ١٥١
مُرادَةٌ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ الطّاعَةِ مُرادَةً، ضَرُورَةُ أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَفْهُومَيْهِ مَعًا.
فالجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّكم تُسَلِّمُونَ أنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: أصابَنِي تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ وعَوْنٌ مِنَ اللَّهِ، وأصابَهُ خِذْلانٌ مِنَ اللَّهِ، ويَكُونُ مُرادُهُ مِن ذَلِكَ التَّوْفِيقَ والعَوْنَ تِلْكَ الطّاعَةَ، ومِنَ الخُذْلانِ تِلْكَ المَعْصِيَةَ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّ كُلَّ ما كانَ مُنْتَفَعًا بِهِ فَهو حَسَنَةٌ، فَإنْ كانَ مُنْتَفَعًا بِهِ في الآخِرَةِ فَهو الطّاعَةُ، وإنْ كانَ مُنْتَفَعًا بِهِ في الدُّنْيا فَهو السَّعادَةُ الحاضِرَةُ، فاسْمُ الحَسَنَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مُتَواطِئُ الِاشْتِراكِ، فَزالَ السُّؤالُ. فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ لَيْسَ إلّا ذاكَ ما ثَبَتَ في بَدائِهِ العُقُولِ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فَهو إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ واحِدٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ كُلُّ ما سِواهُ، فالمُمْكِنُ لِذاتِهِ إنِ اسْتَغْنى عَنِ المُؤَثِّرِ فَسَدَ الِاسْتِدْلالُ بِجَوازِ العالَمِ وحُدُوثِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنْ كانَ المُمْكِنُ لِذاتِهِ مُحْتاجًا إلى المُؤَثِّرِ، فَإذا كانَ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ مُمْكِنًا كانَ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ مُسْتَنِدًا إلى اللَّهِ، وهَذا الحُكْمُ لا يَخْتَلِفُ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُمْكِنُ مَلَكًا أوْ جَمادًا أوْ فِعْلًا لِلْحَيَوانِ أوْ صِفَةً لِلنَّباتِ، فَإنَّ الحُكْمَ لِاسْتِنادِ المُمْكِنِ لِذاتِهِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ لِما بَيَّنّا مِن كَوْنِهِ مُمْكِنًا كانَ الكُلُّ فِيهِ عَلى السَّوِيَّةِ، وهَذا بُرْهانٌ أوْضَحُ وأبْيَنُ مِن قُرْصِ الشَّمْسِ عَلى أنَّ الحَقَّ ما ذَكَرَهُ تَعالى، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ لَمّا كانَ البُرْهانُ الدّالُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ مُسْتَنِدًا إلى اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْناهُ في غايَةِ الظُّهُورِ والجَلاءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى صِحَّةِ هَذا الكَلامِ مَعَ ظُهُورِهِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: بَلْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا، لِأنَّهُ لَوْ كانَ حُصُولُ الفَهْمِ والمَعْرِفَةِ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّعَجُّبِ مَعْنًى البَتَّةَ، لِأنَّ السَّبَبَ في عَدَمِ حُصُولِ هَذِهِ المَعْرِفَةِ هو أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَها وما أوْجَدَها، وذَلِكَ يُبْطِلُ هَذا التَّعَجُّبَ، فَحُصُولُ هَذا التَّعَجُّبِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما تَحْصُلُ بِإيجادِ العَبْدِ لا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لَيْسَ إلّا التَّمَسُّكَ بِطَرِيقَةِ المَدْحِ والذَّمِّ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّها مُعارَضَةٌ بِالعِلْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أنَّهم لا يَفْقَهُونَ هَذِهِ الآيَةَ المَذْكُورَةَ في هَذا المَوْضِعِ، وهَذا يَقْتَضِي وصْفَ القُرْآنِ بِأنَّهُ حَدِيثٌ، والحَدِيثُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَيَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُحْدَثًا.
والجَوابُ: مُرادُكم بِالقُرْآنِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ العِباراتُ، ونَحْنُ لا نُنازِعُ في كَوْنِها مُحْدَثَةً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفِقْهُ: الفَهْمُ، يُقالُ أُوتِيَ فُلانٌ فِقْهًا، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ لِابْنِ عَبّاسٍ: ”«فَقِّهْهُ في التَّأْوِيلِ» “ أيْ فَهِّمْهُ.
النساء 4:79
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ السَّيِّئَةِ تارَةً يَقَعُ عَلى البَلِيَّةِ والمِحْنَةِ، وتارَةً يَقَعُ عَلى الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ السَّيِّئَةَ إلى نَفْسِهِ في الآيَةِ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وأضافَها في هَذِهِ الآيَةِ إلى العَبْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ فَلا بُدَّ مِنَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وإزالَةِ التَّناقُضِ عَنْهُما، ولَمّا كانَتِ السَّيِّئَةُ بِمَعْنى البَلاءِ والشِّدَّةِ مُضافَةً إلى اللَّهِ وجَبَ أنْ تَكُونَ السَّيِّئَةُ بِمَعْنى المَعْصِيَةِ مُضافَةً إلى العَبْدِ حَتّى يَزُولَ التَّناقُضُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ المُتَجاوِرَتَيْنِ، قالَ: وقَدْ حَمَلَ المُخالِفُونَ أنْفُسَهم عَلى تَغْيِيرِ الآيَةِ وقَرَؤُوا: (فَمِن تَعْسِكَ) فَغَيَّرُوا القُرْآنَ وسَلَكُوا مِثْلَ طَرِيقَةِ الرّافِضَةِ مِنَ ادِّعاءِ التَّغْيِيرِ في القُرْآنِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِماذا فَصَلَ تَعالى بَيْنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَأضافَ الحَسَنَةَ الَّتِي هي الطّاعَةُ إلى نَفْسِهِ دُونَ السَّيِّئَةِ وكِلاهُما فِعْلُ العَبْدِ عِنْدَكم ؟
قُلْنا: لِأنَّ الحَسَنَةَ وإنْ كانَتْ مِن فِعْلِ العَبْدِ فَإنَّما وصَلَ إلَيْها بِتَسْهِيلِهِ تَعالى وألْطافِهِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ إلَيْهِ، وأمّا السَّيِّئَةُ الَّتِي هي مِن فِعْلِ العَبْدِ فَهي غَيْرُ مُضافَةٍ إلى اللَّهِ تَعالى لا بِأنَّهُ تَعالى فَعَلَها ولا بِأنَّهُ أرادَها، ولا بِأنَّهُ أمَرَ بِها، ولا بِأنَّهُ رَغِبَ فِيها، فَلا جَرَمَ انْقَطَعَتْ إضافَةُ هَذِهِ السَّيِّئَةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ إلى اللَّهِ تَعالى. هَذا مُنْتَهى كَلامِ الرَّجُلِ في هَذا المَوْضِعِ.
ونَحْنُ نَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْمُ لا يَقُولُونَ بِهِ فَصارُوا مَحْجُوجِينَ بِالآيَةِ.
إنَّما قُلْنا: إنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ حَسَنَةٌ، وكُلُّ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ.
إنَّما قُلْنا: إنَّ الإيمانَ حَسَنَةٌ، لِأنَّ الحَسَنَةَ هي الغِبْطَةُ الخالِيَةُ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ القُبْحِ، ولا شَكَّ أنَّ الإيمانَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَسَنَةً لِأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٢] المُرادُ بِهِ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠] قِيلَ: هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَثَبَتَ أنَّ الإيمانَ حَسَنَةٌ، وإنَّما قُلْنا إنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ مِنَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ في جَمِيعِ الحَسَناتِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى كُلِّها بِأنَّها مِنَ اللَّهِ، فَيَلْزَمُ مِن هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ، أعْنِي أنَّ الإيمانَ حَسَنَةٌ، وكُلُّ حَسَنَةٍ مِنَ اللَّهِ، القَطْعُ بِأنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِ الإيمانِ مِنَ اللَّهِ هو أنَّ اللَّهَ أقْدَرَهُ عَلَيْهِ وهَداهُ إلى مَعْرِفَةِ حَسَنِهِ، وإلى مَعْرِفَةِ قُبْحِ ضِدِّهِ الَّذِي هو الكُفْرُ ؟
قُلْنا: جَمِيعُ الشَّرائِعِ مُشْتَرِكَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ والكُفْرِ عِنْدَكم، ثُمَّ إنَّ العَبْدَ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ أوْجَدَ الإيمانَ، ولا مَدْخَلَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ وإعانَتِهِ في نَفْسِ الإيمانِ، فَكانَ الإيمانُ مُنْقَطِعًا عَنِ اللَّهِ في كُلِّ الوُجُوهِ، فَكانَ هَذا مُناقِضًا لِقَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فَثَبَتَ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ، والخُصُومُ لا
صفحة ١٥٣
يَقُولُونَ بِهِ، فَصارُوا مَحْجُوجِينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ.
ثُمَّ إذا أرَدْنا أنْ نُبَيِّنَ أنَّ الكُفْرَ أيْضًا مِنَ اللَّهِ، قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن قالَ: الإيمانُ مِنَ اللَّهِ قالَ: الكُفْرُ مِنَ اللَّهِ، فالقَوْلُ بِأنَّ أحَدَهُما مِنَ اللَّهِ دُونَ الآخَرِ مُخالِفٌ لِإجْماعِ الأُمَّةِ.
الثّانِي: أنَّ العَبْدَ لَوْ قَدَرَ عَلى تَحْصِيلِ الكُفْرِ فالقُدْرَةُ الصّالِحَةُ لِإيجادِ الكُفْرِ إمّا أنْ تَكُونَ صالِحَةً لِإيجادِ الإيمانِ أوْ لا تَكُونَ، فَإنْ كانَتْ صالِحَةً لِإيجادِ الإيمانِ فَحِينَئِذٍ يَعُودُ القَوْلُ في أنَّ إيمانَ العَبْدِ مِنهُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِإيجادِ الإيمانِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ القادِرُ عَلى الشَّيْءِ غَيْرَ قادِرٍ عَلى ضِدِّهِ، وذَلِكَ عِنْدَهم مُحالٌ، ولِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ القُدْرَةُ مُوجِبَةً لِلْمَقْدُورِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ قادِرًا عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنِ الإيمانُ مِنهُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ الكُفْرُ مِنهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنِ العَبْدُ مُوجِدًا لِلْإيمانِ فَبِأنْ لا يَكُونَ مُوجِدًا لِلْكُفْرِ أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْتَقِلَّ بِإيجادِ الشَّيْءِ هو الَّذِي يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ مُرادِهِ، ولا نَرى في الدُّنْيا عاقِلًا إلّا ويُرِيدُ أنْ يَكُونَ الحاصِلُ في قَلْبِهِ هو الإيمانَ والمَعْرِفَةَ والحَقَّ، وإنَّ أحَدًا مِنَ العُقَلاءِ لا يُرِيدُ أنْ يَكُونَ الحاصِلُ في قَلْبِهِ هو الجَهْلَ والضَّلالَ والِاعْتِقادَ الخَطَأ، فَإذا كانَ العَبْدُ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ وهو لا يَقْصِدُ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ الحَقِّ المُطابِقِ، وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ في قَلْبِهِ إلّا الحَقُّ، فَإذا كانَ الإيمانُ الَّذِي هو مَقْصُودُهُ ومَطْلُوبُهُ ومُرادُهُ لَمْ يُقْطَعْ بِإيجادِهِ، فَبِأنْ يَكُونَ الجَهْلُ الَّذِي ما أرادَهُ وما قَصَدَ تَحْصِيلَهُ وكانَ في غايَةِ النُّفْرَةِ عَنْهُ والفِرارِ مِنهُ غَيْرَ واقِعٍ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ كانَ ذَلِكَ أوْلى. والحاصِلُ أنَّ الشُّبْهَةَ في أنَّ الإيمانَ واقِعٌ بِقُدْرَةِ العَبْدِ أشَدُّ مِنَ الشُّبْهَةِ في وُقُوعِ الكُفْرِ بِقُدْرَتِهِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى في الإيمانِ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَرَكَ ذِكْرَ الكُفْرِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في بَيانِ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِ إمامِنا.
* * *
أمّا ما احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهِ عَلى مَذْهَبِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ .
فالجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] أضافَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ والشِّفاءَ إلى اللَّهِ، فَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ في كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِلْمَرَضِ والشِّفاءِ، بَلْ إنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما رِعايَةَ الأدَبِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنَّهُ يُقالُ: يا مُدَبِّرَ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا يُقالُ يا مُدَبِّرَ القُمَّلِ والصَّيْبانِ والخَنافِسِ، فَكَذا هَهُنا.
الثّانِي: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ أنَّهُ ذَكَرَ هَذا اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، كَأنَّهُ قالَ: أهَذا رَبِّي ؟ فَكَذا هَهُنا، كَأنَّهُ قِيلَ: الإيمانُ الَّذِي وقَعَ عَلى وفْقِ قَصْدِهِ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ واقِعًا مِنهُ، بَلْ مِنَ اللَّهِ، فَهَذا الكُفْرُ ما قَصَدَهُ وما أرادَهُ وما رَضِيَ بِهِ البَتَّةَ، أفَيَدْخُلُ في العَقْلِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وقَعَ بِهِ ؟ فَإنّا بَيَّنّا أنَّ الحَسَنَةَ في هَذِهِ الآيَةِ يَدْخُلُ فِيها الإيمانُ، والسَّيِّئَةَ يَدْخُلُ فِيها الكُفْرُ، أمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ (فَمِن تَعْسِكَ) فَنَقُولُ: إنْ صَحَّ أنَّهُ قَرَأ بِهَذِهِ الآيَةِ واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فَلا طَعْنَ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ فالمُرادُ أنَّ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى أنَّها ورَدَتْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ عَلى وجْهِ الإنْكارِ ذَكَرَ في تَفْسِيرِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ هَذا الكَلامَ، لِأنَّهُ لَمّا أضافَ السَّيِّئَةَ إلَيْهِمْ في مَعْرِضِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ كانَ المُرادُ أنَّها غَيْرُ مُضافَةٍ إلَيْهِمْ، فَذَكَرَ هَذا القائِلُ قَوْلَهُ: (فَمِن تَعْسِكَ) لا عَلى اعْتِقادِ أنَّهُ مِنَ القُرْآنِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهُ يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِنا: إنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، ومِمّا يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآياتِ إسْنادُ جَمِيعِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى، قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ يَعْنِي لَيْسَ لَكَ إلّا الرِّسالَةُ والتَّبْلِيغُ، وقَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ وما قَصَّرْتَ ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾
صفحة ١٥٤
(شَهِيدًا) عَلى جِدِّكَ وعَدَمِ تَقْصِيرِكَ في أداءِ الرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ الوَحْيِ، فَأمّا حُصُولُ الهِدايَةِ فَلَيْسَ إلَيْكَ بَلْ إلى اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] فَهَذا جُمْلَةُ ما خَطَرَ بِالبالِ في هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا الَّذِي قُلْناهُ.
النساء 4:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ .
والمَعْنى أنَّ مَن أطاعَ الرَّسُولَ لِكَوْنِهِ رَسُولًا مُبَلِّغًا إلى الخَلْقِ أحْكامَ اللَّهِ فَهو في الحَقِيقَةِ ما أطاعَ إلّا اللَّهَ، وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، فَإنَّ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الرُّشْدِ وأضَلَّهُ عَنِ الطَّرِيقِ، فَإنَّ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ لا يَقْدِرُ عَلى إرْشادِهِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن أنارَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِنُورِ الهِدايَةِ قَطَعَ بِأنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْنا، فَإنَّكَ تَرى الدَّلِيلَ الواحِدَ تَعْرِضُهُ عَلى شَخْصَيْنِ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، ثُمَّ إنَّ أحَدَهُما يَزْدادُ إيمانًا عَلى إيمانٍ عِنْدَ سَماعِهِ، والآخَرُ يَزْدادُ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ عِنْدَ سَماعِهِ، ولَوْ أنَّ المُحِبَّ لِذَلِكَ الكَلامِ أرادَ أنْ يُخْرِجَ عَنْ قَلْبِهِ حُبَّ ذَلِكَ الكَلامِ واعْتِقادَ صِحَّتِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، ولَوْ أنَّ المُبْغِضَ لَهُ أرادَ أنْ يُخْرِجَ عَنْ قَلْبِهِ بُغْضَ ذَلِكَ الكَلامِ واعْتِقادَ فَسادِهِ لَمْ يَقْدِرْ، ثُمَّ بَعْدَ أيّامٍ رُبَّما انْقَلَبَ المُحِبُّ مُبْغِضًا والمُبْغِضُ مُحِبًّا، فَمَن تَأمَّلَ لِلْبُرْهانِ القاطِعِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في أنَّهُ لا بُدَّ مِن إسْنادِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، ثُمَّ اعْتَبَرَ مِن نَفْسِهِ الِاسْتِقْراءَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ثُمَّ لَمْ يَقْطَعْ بِأنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَلْيَجْعَلْ واقِعَتَهُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لا تَحْصُلُ الهِدايَةُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ مِن جِهَةِ أنَّ مَعَ العِلْمِ بِمِثْلِ هَذا الدَّلِيلِ، ومَعَ العِلْمِ بِمِثْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا لَمْ يَحْصُلْ في قَلْبِهِ هَذا الِاعْتِقادُ، عَرَفَ أنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا بِأنَّ اللَّهَ صَدَّهُ عَنْهُ ومَنَعَهُ مِنهُ. بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ مَعْصُومٌ في جَمِيعِ الأوامِرِ والنَّواهِي وفي كُلِّ ما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، لِأنَّهُ لَوْ أخْطَأ في شَيْءٍ مِنها لَمْ تَكُنْ طاعَتُهُ طاعَةَ اللَّهِ وأيْضًا وجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْصُومًا في جَمِيعِ أفْعالِهِ، لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِمُتابَعَتِهِ في قَوْلِهِ: (فاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] والمُتابَعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ لِأجْلِ أنَّهُ فِعْلُ ذَلِكَ الغَيْرِ، فَكانَ الآتِي بِمِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ مُطِيعًا لِلَّهِ في قَوْلِهِ: (فاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] فَثَبَتَ أنَّ الِانْقِيادَ لَهُ في جَمِيعِ أقْوالِهِ وفي جَمِيعِ أفْعالِهِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، طاعَةٌ لِلَّهِ وانْقِيادٌ لِحُكْمِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في كِتابِ الرِّسالَةِ في بابِ فَرْضِ الطّاعَةِ لِلرَّسُولِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ في بابِ الوُضُوءِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ وسائِرِ الأبْوابِ في القُرْآنِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ مُبَيَّنًا في القُرْآنِ، فَحِينَئِذٍ لا سَبِيلَ لَنا إلى القِيامِ بِتِلْكَ التَّكالِيفِ إلّا بِبَيانِ الرَّسُولِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ القَوْلُ بِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ عَيْنُ طاعَةِ اللَّهِ، هَذا مَعْنى كَلامِ الشّافِعِيِّ.
صفحة ١٥٥
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا طاعَةَ إلّا لِلَّهِ البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ لِكَوْنِهِ رَسُولًا فِيما هو فِيهِ رَسُولٌ لا تَكُونُ إلّا طاعَةً لِلَّهِ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّهُ لا طاعَةَ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ. قالَ مُقاتِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ: ”«مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ ومَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ» “ فَقالَ المُنافِقُونَ: لَقَدْ قارَبَ هَذا الرَّجُلُ الشِّرْكَ وهو أنْ يَنْهى أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ، ويُرِيدُ أنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا كَيْفِيَّةَ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا طاعَةَ البَتَّةَ لِلرَّسُولِ، وإنَّما الطّاعَةُ لِلَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنَ التَّوَلِّي هو التَّوَلِّي بِالقَلْبِ، يَعْنِي يا مُحَمَّدُ حُكْمُكَ عَلى الظَّواهِرِ، أمّا البَواطِنُ فَلا تَتَعَرَّضْ لَها.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ التَّوَلِّي بِالظّاهِرِ.
ثُمَّ هَهُنا فَفي قَوْلِهِ: ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَغْتَمَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّوَلِّي وأنْ تَحْزَنَ، فَما أرْسَلْناكَ لِتَحْفَظَ النّاسَ عَنِ المَعاصِي، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَشْتَدُّ حُزْنُهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الكَلامَ تَسْلِيَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ الحُزْنِ.
الثّانِي: أنَّ المَعْنى فَما أرْسَلْناكَ لِتَشْتَغِلَ بِزَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ التَّوَلِّي وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ثُمَّ نُسِخَ هَذا بَعْدَهُ بِآيَةِ الجِهادِ.
النساء 4:81
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ .
أيْ ويَقُولُونَ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ (طاعَةٌ) بِالرَّفْعِ، أيْ أمْرُنا وشَأْنُنا طاعَةٌ، ويَجُوزُ النَّصْبُ بِمَعْنى أطَعْناكَ طاعَةً، وهَذا كَما إذا قالَ الرَّجُلُ المُطِيعُ المُنْقادُ: سَمْعًا وطاعَةً، وسَمْعٌ وطاعَةٌ. قالَ سِيبَوَيْهِ: سَمِعْنا بَعْضَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ يُقالُ لَهم كَيْفَ أصْبَحْتَ ؟ فَيَقُولُ: حَمْدُ اللَّهِ وثَناءٌ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: أمْرِي وشَأْنِي حَمْدُ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ يَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ الفِعْلِ. وأمّا الرَّفْعُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الطّاعَةِ واسْتِقْرارِها ﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ أمْرٍ تَفَكَّرُوا فِيهِ كَثِيرًا وتَأمَّلُوا في مَصالِحِهِ ومَفاسِدِهِ كَثِيرًا قِيلَ هَذا أمْرٌ مُبَيَّتٌ، قالَ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] وفي اشْتِقاقِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ البَيْتُوتَةِ، لِأنَّ أصْلَحَ الأوْقاتِ لِلْفِكْرِ أنْ يَجْلِسَ الإنْسانُ في بَيْتِهِ بِاللَّيْلِ، فَهُناكَ تَكُونُ الخَواطِرُ أخْلى والشَّواغِلُ أقَلَّ، فَلَمّا كانَ الغالِبُ أنَّ الإنْسانَ وقْتَ اللَّيْلِ يَكُونُ في البَيْتِ، والغالِبُ لَهُ أنَّهُ إنَّما يَسْتَقْصِي في الأفْكارِ في اللَّيْلِ، لا جَرَمَ سُمِّيَ الفِكْرُ المُسْتَقْصى مُبَيَّتًا.
الثّانِي: اشْتِقاقُهُ مِن بَيْتِ الشِّعْرِ. قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ إذا أرادُوا قَرْضَ الشِّعْرِ بالَغُوا في التَّفَكُّرِ فِيهِ فَسَمَّوُا المُتَفَكَّرَ فِيهِ المُسْتَقْصى مُبَيَّتًا، تَشْبِيهًا لَهُ بِبَيْتِ الشِّعْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُسَوّى ويُدَبَّرُ.
صفحة ١٥٦
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى خَصَّ طائِفَةً مِن جُمْلَةِ المُنافِقِينَ بِالتَّبْيِيتِ، وفي هَذا التَّخْصِيصِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَبْقى عَلى كُفْرِهِ ونِفاقِهِ، فَأمّا مَن عَلِمَ أنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهم.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ كانُوا قَدْ أسْهَرُوا لَيْلَهم في التَّبْيِيتِ، وغَيْرَهم سَمِعُوا وسَكَتُوا ولَمْ يُبَيِّتُوا، فَلا جَرَمَ لَمْ يُذْكَرُوا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ (بَيَّت طّائِفَةٌ) بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ، والباقُونَ بِالإظْهارِ أمّا مَن أدْغَمَ فَلَهُ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: جَزَمُوا لِكَثْرَةِ الحَرَكاتِ، فَلَمّا سَكَنَتِ التّاءُ أُدْغِمَتْ في الطّاءِ.
والثّانِي: أنَّ الطّاءَ والدّالَ والتّاءَ مِن حَيِّزٍ واحِدٍ، فالتَّقارُبُ الَّذِي بَيْنَها يُجْرِيها مَجْرى الأمْثالِ في الإدْغامِ، ومِمّا يُحَسِّنُ هَذا الإدْغامَ أنَّ الطّاءَ تَزِيدُ عَلى التّاءِ بِالإطْباقِ، فَحَسُنَ إدْغامُ الأنْقَصِ صَوْتًا في الأزْيَدِ صَوْتًا. أمّا مَن لَمْ يُدْغِمْ فَعِلَّتُهُ أنَّهُما حَرْفانِ مِن مَخْرَجَيْنِ في كَلِمَتَيْنِ مُتَفاصِلَتَيْنِ، فَوَجَبَ إبْقاءُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحالِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: (بَيَّتَ) بِالتَّذْكِيرِ ولَمْ يَقُلْ: بَيَّتَتْ بِالتَّأْنِيثِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ الطّائِفَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّها في مَعْنى الفَرِيقِ والفَوْجِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ أيْ زَوَّرَتْ وزَيَّنَتْ خِلافَ ما قالَتْ وما أُمِرَتْ بِهِ، أوْ خِلافَ ما قالَتْ وما ضَمِنَتْ مِنَ الطّاعَةِ، لِأنَّهم أبْطَنُوا الرَّدَّ لا القَبُولَ، والعِصْيانَ لا الطّاعَةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ ذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ يُنَزِّلُ إلَيْكَ في كِتابِهِ.
والثّانِي: يَكْتُبُ ذَلِكَ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ لِيُجازُوا بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ والمَعْنى لا تَهْتِكْ سِتْرَهم ولا تَفْضَحْهم ولا تَذْكُرْهم بِأسْمائِهِمْ، وإنَّما أمَرَ اللَّهُ بِسَتْرِ أمْرِ المُنافِقِينَ إلى أنْ يَسْتَقِيمَ أمْرُ الإسْلامِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في شَأْنِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يَكْفِيكَ شَرَّهم ويَنْتَقِمُ مِنهم ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ الأمْرُ بِالإعْراضِ عَنِ المُنافِقِينَ في ابْتِداءِ الإسْلامِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] وهَذا الكَلامُ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ الأمْرَ بِالصَّفْحِ مُطْلَقٌ فَلا يُفِيدُ إلّا المَرَّةَ الواحِدَةَ، فَوُرُودُ الأمْرِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالجِهادِ لا يَكُونُ ناسِخًا لَهُ.
النساء 4:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُنافِقِينَ أنْواعَ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، وكانَ كُلُّ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ مُحِقًّا في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ صادِقًا فِيهِ، بَلْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مُفْتَرٍ مُتَخَرِّصٌ، فَلا جَرَمَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْظُرُوا ويَتَفَكَّرُوا في الدَّلائِلَ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. فَقالَ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ فاحْتَجَّ تَعالى بِالقُرْآنِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّدْبِيرُ والتَّدَبُّرُ عِبارَةٌ عَنِ النَّظَرِ في عَواقِبِ الأُمُورِ وأدْبارِها، ومِنهُ قَوْلُهُ: إلامَ تَدَبَّرُوا أعْجازَ أُمُورٍ قَدْ ولَّتْ صُدُورُها، ويُقالُ في فَصِيحِ الكَلامِ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ، أيْ لَوْ عَرَفْتُ في صَدْرِ أمْرِي ما عَرَفْتُ مِن عاقِبَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى احْتَجَّ بِالقُرْآنِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إذْ لَوْ
صفحة ١٥٧
لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها البَتَّةَ، والعُلَماءُ قالُوا: دَلالَةُ القُرْآنِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: فَصاحَتُهُ.
وثانِيها: اشْتِمالُهُ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ.
والثّالِثُ: سَلامَتُهُ عَنِ الِاخْتِلافِ، وهَذا هو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ سَلامَتِهِ عَنِ الِاخْتِلافِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَواطَئُونَ في السِّرِّ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَكْرِ والكَيْدِ، واللَّهُ تَعالى كانَ يُطْلِعُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ حالًا فَحالًا، ويُخْبِرُهُ عَنْها عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وما كانُوا يَجِدُونَ في كُلِّ ذَلِكَ إلّا الصِّدْقَ، فَقِيلَ لَهم: إنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى وإلّا لَما اطَّرَدَ الصِّدْقُ فِيهِ، ولَظَهَرَ في قَوْلِ مُحَمَّدٍ أنْواعُ الِاخْتِلافِ والتَّفاوُتِ، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ كَبِيرٌ، وهو مُشْتَمِلٌ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلُومِ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَقَعَ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الكَلِماتِ المُتَناقِضَةِ، لِأنَّ الكِتابَ الكَبِيرَ الطَّوِيلَ لا يَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢- ٢٣] كالمُناقِضِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وآياتُ الجَبْرِ كالمُناقِضَةِ لِآياتِ القَدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] كالمُناقِضِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] .
قُلْنا: قَدْ شَرَحْنا في هَذا التَّفْسِيرِ أنَّهُ لا مُنافاةَ ولا مُناقَضَةَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنها البَتَّةَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِنا: القُرْآنُ سَلِيمٌ عَنِ الِاخْتِلافِ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاخْتِلافُ في رُتْبَةِ الفَصاحَةِ، حَتّى لا يَكُونَ في جُمْلَتِهِ ما يُعَدُّ في الكَلامِ الرَّكِيكِ، بَلْ بَقِيَتِ الفَصاحَةُ فِيهِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ في غايَةِ البَلاغَةِ ونِهايَةِ الفَصاحَةِ، فَإذا كَتَبَ كِتابًا طَوِيلًا مُشْتَمِلًا عَلى المَعانِي الكَبِيرَةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَظْهَرَ التَّفاوُتُ في كَلامِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَعْضُهُ قَوِيًّا مَتِينًا وبَعْضُهُ سَخِيفًا نازِلًا، ولَمّا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَمُعْجِزٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وضَرَبَ القاضِي لِهَذا مَثَلًا فَقالَ: إنَّ الواحِدَ مِنّا لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكْتُبَ الطَّوامِيرَ الطَّوِيلَةَ بِحَيْثُ لا يَقَعُ في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الحُرُوفِ خَلَلٌ ونُقْصانٌ، حَتّى لَوْ رَأيْنا الطَّوامِيرَ الطَّوِيلَةَ مَصُونَةً عَنْ مِثْلِ هَذا الخَلَلِ والنُّقْصانِ لَكانَ ذَلِكَ مَعْدُودًا في الإعْجازِ فَكَذا هَهُنا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَعْلُومُ المَعْنى خِلافَ ما يَقُولُهُ مَن يَذْهَبُ إلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ مَعْناهُ إلّا النَّبِيُّ والإمامُ المَعْصُومُ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما تَهَيَّأ لِلْمُنافِقِينَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِالتَّدَبُّرِ، ولَما جازَ أنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وأنْ يَجْعَلَ القُرْآنَ حُجَّةً في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، ولا أنْ يَجْعَلَ عَجْزَهم عَنْ مِثْلِهِ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، كَما لا يَجُوزُ أنْ يَحْتَجَّ عَلى كُفّارِ الزَّنْجِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وعَلى القَوْلِ بِفَسادِ التَّقْلِيدِ، لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُنافِقِينَ بِالِاسْتِدْلالِ بِهَذا الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وإذا كانَ لا بُدَّ في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ، فَبِأنْ يُحْتاجَ في مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ كانَ أوْلى.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ قَوْلَهُ
صفحة ١٥٨
تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ يَقْتَضِي أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لا يَنْفَكُّ عَنِ الِاخْتِلافِ، والِاخْتِلافُ والتَّفاوُتُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَإذا كانَ فِعْلُ العَبْدِ لا يَنْفَكُّ عَنِ الِاخْتِلافِ والتَّفاوُتِ، وفِعْلُ اللَّهِ لا يُوجَدُ فِيهِ التَّفاوُتُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لا يَكُونُ فِعْلًا لِلَّهِ.
والجَوابُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] مَعْناهُ نَفِيُ التَّفاوُتِ في أنَّهُ يَقَعُ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ بِخِلافِ غَيْرِهِ، فَإنَّ فِعْلَ غَيْرِهِ لا يَقَعُ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ عَلى الإطْلاقِ.
النساء 4:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المُنافِقِينَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الأعْمالِ الفاسِدَةِ، وهو أنَّهُ إذا جاءَهُمُ الخَبَرُ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مِن بابِ الأمْنِ أوْ مِن بابِ الخَوْفِ أذاعُوهُ وأفْشُوهُ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ الضَّرَرِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الإرْجافاتِ لا تَنْفَكُّ عَنِ الكَذِبِ الكَثِيرِ.
والثّانِي: أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الخَبَرُ في جانِبِ الأمْنِ زادُوا فِيهِ زِياداتٍ كَثِيرَةً، فَإذا لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الزِّياداتُ أوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِلضُّعَفاءِ في صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَرْوُونَ تِلْكَ الإرْجافاتِ عَنِ الرَّسُولِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في جانِبِ الخَوْفِ تُشُوِّشَ الأمْرُ بِسَبَبِهِ عَلى ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، ووَقَعُوا عِنْدَهُ في الحَيْرَةِ والِاضْطِرابِ، فَكانَتْ تِلْكَ الإرْجافاتُ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ مِن هَذا الوَجْهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ الإرْجافَ سَبَبٌ لِتَوْفِيرِ الدَّواعِي عَلى البَحْثِ الشَّدِيدِ والِاسْتِقْصاءِ التّامِّ، وذَلِكَ سَبَبٌ لِظُهُورِ الأسْرارِ، وذَلِكَ مِمّا لا يُوافِقُ مَصْلَحَةَ المَدِينَةِ.
الرّابِعُ: أنَّ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ كانَتْ قائِمَةً بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ الكُفّارِ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في إعْدادِ آلاتِ الحَرْبِ وفي انْتِهازِ الفُرْصَةِ فِيهِ، فَكُلُّ ما كانَ أمْنًا لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ كانَ خَوْفًا لِلْفَرِيقِ الثّانِي، فَإنْ وقَعَ خَبَرُ الأمْنِ لِلْمُسْلِمِينَ وحُصُولُ العَسْكَرِ وآلاتِ الحَرْبِ لَهم أرْجَفَ المُنافِقُونَ بِذَلِكَ فَوَصَلَ الخَبَرُ في أسْرَعِ مُدَّةٍ إلى الكُفّارِ، فَأخَذُوا في التَّحَصُّنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وفي الِاحْتِرازِ عَنِ اسْتِيلائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإنْ وقَعَ خَبَرُ الخَوْفِ لِلْمُسْلِمِينَ بالَغُوا في ذَلِكَ، وزادُوا فِيهِ وألْقَوُا الرُّعْبَ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ والمَساكِينِ، فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ ذَلِكَ الإرْجافَ كانَ مَنشَأً لِلْفِتَنِ والآفاتِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ذَمَّ اللَّهُ تِلْكَ الإذاعَةَ وذَلِكَ التَّشْهِيرَ، ومَنَعَهم مِنهُ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: أذاعَهُ وأذاعَ بِهِ لُغَتانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ .
صفحة ١٥٩
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في ﴿أُولِي الأمْرِ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: إلى ذَوِي العِلْمِ والرَّأْيِ مِنهم.
والثّانِي: إلى أُمَراءِ السَّرايا، وهَؤُلاءِ رَجَّحُوا هَذا القَوْلَ عَلى الأوَّلِ، قالُوا لِأنَّ أُولِي الأمْرِ الَّذِينَ لَهم أمْرٌ عَلى النّاسِ، وأهْلُ العِلْمِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وإنَّما الأُمَراءُ هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّ لَهم أمْرًا عَلى النّاسِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ العُلَماءَ إذا كانُوا عالِمِينَ بِأوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ، وكانَ يَجِبُ عَلى غَيْرِهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُسَمَّوْا أُولِي الأمْرِ مِن هَذا الوَجْهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَأوْجَبَ الحَذَرَ بِإنْذارِهِمْ وألْزَمَ المُنْذَرِينَ قَبُولَ قَوْلِهِمْ، فَجازَ لِهَذا المَعْنى إطْلاقُ اسْمِ أُولِي الأمْرِ عَلَيْهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِاسْتِنْباطُ في اللُّغَةِ الِاسْتِخْراجُ؛ يُقالُ: اسْتَنْبَطَ الفَقِيهُ إذا اسْتَخْرَجَ الفِقْهَ الباطِنَ بِاجْتِهادِهِ وفَهْمِهِ، وأصْلُهُ مِنَ النَّبْطِ وهو الماءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، والنَّبَطُ إنَّما سُمُّوا نَبَطًا لِاسْتِنْباطِهِمُ الماءَ مِنَ الأرْضِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهم هم أُولَئِكَ المُنافِقُونَ المُذِيعُونَ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ المُذِيعِينَ رَدُّوا الأمْنَ والخَوْفَ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ، وطَلَبُوا مَعْرِفَةَ الحالِ فِيهِ مِن جِهَتِهِمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم، وهم هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ المُذِيعُونَ مِنهم، أيْ مِن جانِبِ الرَّسُولِ ومِن جانِبِ أُولِي الأمْرِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم طائِفَةٌ مِن أُولِي الأمْرِ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ أنَّ المُنافِقِينَ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ لَكانَ عِلْمُهُ حاصِلًا عِنْدَ مَن يَسْتَنْبِطُ هَذِهِ الوَقائِعَ مِن أُولِي الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ أُولِي الأمْرِ فَرِيقانِ، بَعْضُهم مَن يَكُونُ مُسْتَنْبِطًا، وبَعْضُهم مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ يَعْنِي لِعِلْمِهِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ المَخْفِيّاتِ مِن طَوائِفِ أُولِي الأمْرِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الَّذِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بَرَدِّ هَذِهِ الأخْبارِ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ هُمُ المُنافِقُونَ، فَكَيْفَ جَعَلَ أُولِي الأمْرِ مِنهم في قَوْلِهِ: ﴿وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ ؟ .
قُلْنا: إنَّما جَعَلَ أُولِي الأمْرِ مِنهم عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم يُؤْمِنُونَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٦ ] واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ في الشَّرْعِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ صِفَةٌ لِأُولِي الأمْرِ، وقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى الَّذِينَ يَجِيئُهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أنْ يَرْجِعُوا في مَعْرِفَتِهِ إلَيْهِمْ، ولا يَخْلُوا إمّا أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ في مَعْرِفَةِ هَذِهِ الوَقائِعِ مَعَ حُصُولِ النَّصِّ فِيها، أوْ لا مَعَ حُصُولِ النَّصِّ فِيها، والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى الِاسْتِنْباطُ لِأنَّ مَن رَوى النَّصَّ في واقِعَةٍ لا يُقالُ: أنَّهُ اسْتَنْبَطَ الحُكْمَ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ المُكَلَّفَ بِرَدِّ الواقِعَةِ إلى مَن يَسْتَنْبِطُ الحُكْمَ فِيها، ولَوْلا أنَّ الِاسْتِنْباطَ حُجَّةٌ لَما أمَرَ المُكَلَّفَ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِنْباطَ حُجَّةٌ، والقِياسُ إمّا اسْتِنْباطٌ أوْ داخِلٌ فِيهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُجَّةً. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ في أحْكامِ الحَوادِثِ ما لا يُعْرَفُ بِالنَّصِّ بَلْ بِالِاسْتِنْباطِ.
وثانِيها: أنَّ الِاسْتِنْباطَ حُجَّةٌ.
وثالِثُها: أنَّ العامِّيَّ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ العُلَماءِ في أحْكامِ الحَوادِثِ.
ورابِعُها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مُكَلَّفًا بِاسْتِنْباطِ الأحْكامِ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالرَّدِّ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ.
صفحة ١٦٠
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ ولَمْ يُخَصِّصْ أُولِي الأمْرِ بِذَلِكَ دُونَ الرَّسُولِ وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ كُلُّهم مُكَلَّفُونَ بِالِاسْتِنْباطِ.
فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ أُولُو الأمْرِ، بَلِ المُرادُ مِنهُمُ المُنافِقُونَ المُذِيعُونَ عَلى ما رَوَيْتُمْ هَذا القَوْلَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم أُولُو الأمْرِ لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في شَأْنِ الوَقائِعِ المُتَعَلِّقَةِ بِالحُرُوبِ والجِهادِ، فَهَبْ أنَّ الرُّجُوعَ إلى الِاسْتِنْباطِ جائِزٌ فِيها، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ يَلْزَمُ جَوازُهُ في الوَقائِعِ الشَّرْعِيَّةِ ؟ فَإنْ قِيسَ أحَدُ البابَيْنِ عَلى الآخَرِ كانَ ذَلِكَ إثْباتًا لِلْقِياسِ الشَّرْعِيِّ بِالقِياسِ الشَّرْعِيِّ وإنَّهُ لا يَجُوزُ، سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِنْباطَ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ داخِلٌ تَحْتَ الآيَةِ. فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ القِياسُ حُجَّةً ؟ بَيانُهُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِنْباطِ اسْتِخْراجَ الأحْكامِ مِنَ النُّصُوصِ الخَفِيَّةِ أوْ مِن تَرْكِيباتِ النُّصُوصِ، أوِ المُرادُ مِنِ اسْتِخْراجِ الأحْكامِ مِنَ البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، أوْ مِمّا ثَبَتَ بِحُكْمِ العَقْلِ كَما يَقُولُ الأكْثَرُونَ: إنَّ الأصْلَ في المَنافِعِ الإباحَةُ، وفي المَضارِّ الحُرْمَةُ، سَلَّمْنا أنَّ القِياسَ مِنَ الشَّرْعِيِّ داخِلٌ في الآيَةِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القِياسُ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ فَأخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَحْصُلُ العِلْمُ مِن هَذا الِاسْتِنْباطِ، ولا نِزاعَ في مِثْلِ هَذا القِياسِ، إنَّما النِّزاعُ في أنَّ القِياسَ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ هَلْ هو حُجَّةٌ في الشَّرْعِ أمْ لا ؟ والجَوابُ:
أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ: فَمَدْفُوعٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ المُنافِقِينَ لَكانَ أوْلى أنْ يُقالَ: ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمُوهُ، لِأنَّ عَطْفَ المُظْهَرِ عَلى المُضْمَرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ﴾ قَبِيحٌ مُسْتَكْرَهٌ.
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَمَدْفُوعٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ عامٌّ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالحُرُوبِ وفِيما يَتَعَلَّقُ بِسائِرِ الوَقائِعِ الشَّرْعِيَّةِ، لِأنَّ الأمْنَ والخَوْفَ حاصِلٌ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِبابِ التَّكْلِيفِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِأمْرِ الحُرُوبِ.
الثّانِي: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُمْ لَكِنْ تُعْرَفُ أحْكامُ الحُرُوبِ بِالقِياسِ الشَّرْعِيِّ، ولَمّا ثَبَتَ جَوازُهُ وجَبَ أنْ يَجُوزَ التَّمَسُّكُ بِالقِياسِ الشَّرْعِيِّ في سائِرِ الوَقائِعِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ألا تَرى أنَّ مَن قالَ: القِياسُ حُجَّةٌ في بابِ البَيْعِ لا في بابِ النِّكاحِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا.
وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: وهو حَمْلُ الِاسْتِنْباطِ عَلى النُّصُوصِ الخَفِيَّةِ أوْ عَلى تَرْكِيباتِ النُّصُوصِ فَجَوابُهُ: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَنصُوصًا، والتَّمَسُّكُ بِالنَّصِّ لا يُسَمّى اسْتِنْباطًا. قَوْلُهُ: لِمَ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى التَّمَسُّكِ بِالبَراءَةِ الأصْلِيَّةِ ؟ قُلْنا لَيْسَ هَذا اسْتِنْباطًا بَلْ هو إبْقاءٌ لِما كانَ عَلى ما كانَ، ومِثْلُ هَذا لا يُسَمّى اسْتِنْباطًا البَتَّةَ.
وأمّا السُّؤالُ الرّابِعُ: وهو قَوْلُهُ إنَّ هَذا الِاسْتِنْباطَ إنَّما يَجُوزُ عِنْدَ حُصُولِ العِلْمِ، والقِياسُ الشَّرْعِيُّ لا يُفِيدُ العِلْمَ.
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القِياسَ الشَّرْعِيَّ عِنْدَنا يُفِيدُ العِلْمَ، وذَلِكَ لِأنَّ بَعْدَ ثُبُوتِ أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ نَقْطَعُ بِأنَّهُ مَهْما غَلَبَ عَلى الظَّنِّ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ في الأصْلِ مُعَلَّلٌ بِكَذا، ثُمَّ غَلَبَ عَلى الظَّنِّ أنَّ ذَلِكَ المَعْنى قائِمٌ في الفَرْعِ، فَهَهُنا يَحْصُلُ ظَنٌّ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ في الفَرْعِ مُساوٍ لِحُكْمِهِ في الأصْلِ، وعِنْدَ هَذا
صفحة ١٦١
الظَّنِّ نَقْطَعُ بِأنَّهُ مُكَلَّفٌ بِأنْ يَعْمَلَ عَلى وفْقِ هَذا الظَّنِّ، فالحاصِلُ أنَّ الظَّنَّ واقِعٌ في طَرِيقِ الحُكْمِ، وأمّا الحُكْمُ فَمَقْطُوعٌ بِهِ، وهو يَجْرِي مَجْرى ما إذا قالَ اللَّهُ: مَهْما غَلَبَ عَلى ظَنِّكَ كَذا فاعْلَمْ أنَّ في الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ حُكْمِي كَذا، فَإذا حَصَلَ الظَّنُّ قَطَعْنا بِثُبُوتِ ذَلِكَ الحُكْمِ.
والثّانِي: وهو أنَّ العِلْمَ قَدْ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الظَّنُّ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ» “ شَرَطَ العِلْمَ في جَوازِ الشَّهادَةِ، وأجْمَعْنا عَلى أنَّ عِنْدَ الظَّنِّ تَجُوزُ الشَّهادَةُ، فَثَبَتَ أنَّ الظَّنَّ قَدْ يُسَمّى بِالعِلْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ ظاهِرَ هَذا الِاسْتِثْناءِ يُوهِمُ أنَّ ذَلِكَ القَلِيلَ وقَعَ لا بِفَضْلِ اللَّهِ ولا بِرَحْمَتِهِ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ مُحالٌ. فَعِنْدَ هَذا اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ وذَكَرُوا وُجُوهًا، قالَ بَعْضُهم: هَذا الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿أذاعُوا﴾ وقالَ قَوْمٌ: راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ لا يُمْكِنُ أنْ تَزِيدَ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ لِأنَّ الآيَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإخْبارِ عَنْ هَذِهِ الأحْكامِ الثَّلاثَةِ، ويَصِحُّ صَرْفُ الِاسْتِثْناءِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ مُحْتَمَلٌ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فالتَّقْدِيرُ: وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا، فَأخْرَجَ تَعالى بَعْضَ المُنافِقِينَ عَنِ الإذاعَةِ كَما أخْرَجَهم في قَوْلِهِ: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: الِاسْتِثْناءُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم إلّا القَلِيلَ: قالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّ ما يُعْلَمُ بِالِاسْتِنْباطِ فالأقَلُّ يَعْلَمُهُ، والأكْثَرُ يَجْهَلُهُ، وصَرْفُ الِاسْتِثْناءِ إلى ما ذَكَرُوهُ يَقْتَضِي ضِدَّ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا غَلَطٌ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ شَيْئًا يَسْتَخْرِجُهُ بِنَظَرٍ دَقِيقٍ وفِكْرٍ غامِضٍ، إنَّما هو اسْتِنْباطُ خَبَرٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالأكْثَرُونَ يَعْرِفُونَهُ، إنَّما البالِغُ في البَلادَةِ والجَهالَةِ هو الَّذِي لا يَعْرِفُهُ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: كَلامُ الزَّجّاجِ إنَّما يَصِحُّ لَوْ حَمَلْنا الِاسْتِنْباطَ عَلى مُجَرَّدِ تَعَرُّفِ الأخْبارِ والأراجِيفِ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِنْباطِ في جَمِيعِ الأحْكامِ كَما صَحَّحْنا ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ كانَ الحَقُّ كَما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ صَرْفَ الِاسْتِثْناءِ إلى ما يَلِيهِ ويَتَّصِلُ بِهِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى الشَّيْءِ البَعِيدِ عَنْهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَتَمَشّى إلّا إذا فَسَّرْنا الفَضْلَ والرَّحْمَةَ بِشَيْءٍ خاصٍّ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، أنَّ المُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ إنْزالُ القُرْآنِ وبِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا بِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وإنْزالُ القُرْآنِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ وكَفَرْتُمْ بِاللَّهِ إلّا قَلِيلًا مِنكم، فَإنَّ ذَلِكَ القَلِيلَ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَدَمِ إنْزالِ القُرْآنِ ما كانَ يَتَّبِعُ الشَّيْطانَ، وما كانَ يَكْفُرُ بِاللَّهِ، وهم مِثْلُ قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ قَبْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
الوَجْهُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وهو أنَّ المُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ هو نُصْرَتُهُ تَعالى ومَعُونَتُهُ اللَّذانِ عَناهُما المُنافِقُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَوْلا حُصُولُ النَّصْرِ
صفحة ١٦٢
والظَّفَرِ عَلى سَبِيلِ التَّتابُعِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ وتَرَكْتُمُ الدِّينَ إلّا القَلِيلَ مِنكم، وهم أهْلُ البَصائِرِ النّاقِدَةِ والنِّيّاتِ القَوِيَّةِ والعَزائِمِ المُتَمَكِّنَةِ مِن أفاضِلِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ حَقًّا حُصُولُ الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا، فَلِأجْلِ تَواتُرِ الفَتْحِ والظَّفَرِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ حَقًّا، ولِأجْلِ تَواتُرِ الِانْهِزامِ والِانْكِسارِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ باطِلًا، بَلِ الأمْرُ في كَوْنِهِ حَقًّا وباطِلًا عَلى الدَّلِيلِ، وهَذا أصَحُّ الوُجُوهِ وأقْرَبُها إلى التَّحْقِيقِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الشَّيْطانَ فَقَدْ مَنَعَهُمُ اللَّهُ فَضْلَهُ ورَحْمَتَهُ، وإلّا ما كانَ يُتَّبَعُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ رِعايَةُ الأصْلَحِ في الدِّينِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ عامّانِ في حَقِّ الكُلِّ، لَكِنَّ المُؤْمِنِينَ انْتَفَعُوا بِهِ، والكافِرِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَصَحَّ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لِلْكافِرِ مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ ورَحْمَةٌ في الدِّينِ.
والجَوابُ: أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى المَجازِ خِلافُ الأصْلِ.
النساء 4:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالجِهادِ ورَغَّبَ فِيهِ أشَدَّ التَّرْغِيبِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، وذَكَرَ في المُنافِقِينَ قِلَّةَ رَغْبَتِهِمْ في الجِهادِ، بَلْ ذَكَرَ عَنْهم شِدَّةَ سَعْيِهِمْ في تَثْبِيطِ المُسْلِمِينَ عَنِ الجِهادِ، عادَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الأمْرِ بِالجِهادِ فَقالَ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلْ﴾ بِماذا تَتَعَلَّقُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّها جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ [النساء: ٧٤] مِن طَرِيقِ المَعْنى لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى مَعْنى إنْ أرَدْتَ الفَوْزَ فَقاتِلْ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِمَعْنى ما ذَكَرَ مِن قَصَصِ المُنافِقِينَ، والمَعْنى أنَّ مِن أخْلاقِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كَذا وكَذا، فَلا تَعْتَدَّ بِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلى أفْعالِهِمْ، بَلْ قاتِلْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِالجِهادِ ولَوْ وحْدَهُ قَبْلَ دُعاءِ النّاسِ في بَدْرٍ الصُّغْرى إلى الخُرُوجِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ واعَدَ الرَّسُولَ ﷺ اللِّقاءَ فِيها، فَكَرِهَ بَعْضُ النّاسِ أنْ يَخْرُجُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَخَرَجَ وما مَعَهُ إلّا سَبْعُونَ رَجُلًا ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى أحَدٍ، ولَوْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ لَخَرَجَ وحْدَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ أشْجَعَ الخَلْقِ وأعْرَفَهم بِكَيْفِيَّةِ القِتالِ لِأنَّهُ تَعالى ما كانَ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ إلّا وهو ﷺ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، ولَقَدِ اقْتَدى بِهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ حاوَلَ الخُرُوجَ وحْدَهُ إلى قِتالِ مانِعِي الزَّكاةِ، ومَن عَلِمَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَحْصُلُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٣
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (لا تُكَلَّفْ) بِالجَزْمِ عَلى النَّهْيِ. و(لا نُكَلِّفُ) بِالنُّونِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ لا نُكَلِّفُ نَحْنُ إلّا نَفْسَكَ وحْدَها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: انْتِصابُ قَوْلِهِ: ﴿نَفْسَكَ﴾ عَلى مَفْعُولِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يُساعِدْهُ عَلى القِتالِ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنِ الجِهادِ البَتَّةَ، والمَعْنى لا تُؤاخَذُ إلّا بِفِعْلِكَ دُونَ فِعْلِ غَيْرِكَ، فَإذا أدَّيْتَ فِعْلَكَ لا تُكَلَّفُ بِفَرْضِ غَيْرِكَ.
واعْلَمْ أنَّ الجِهادَ في حَقِّ غَيْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، فَما لَمْ يَغْلِبْ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ يُفِيدُ لَمْ يَجِبْ، بِخِلافِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ عَلى ثِقَةٍ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ هَهُنا: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و”عَسى“ مِنَ اللَّهِ جَزْمٌ، فَلَزِمَهُ الجِهادُ وإنْ كانَ وحْدَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ الواجِبَ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما هو الجِهادُ وتَحْرِيضُ النّاسِ في الجِهادِ، فَإنْ أتى بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ ولَيْسَ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ غَيْرِهِ تارِكًا لِلْجِهادِ شَيْءٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: عَسى: حَرْفٌ مِن حُرُوفِ المُقارَبَةِ وفِيهِ تَرَجٍّ وطَمَعٌ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.
والجَوابُ عَنْهُ أنْ ”عَسى“ مَعْناها الإطْماعُ، ولَيْسَ في الإطْماعِ أنَّهُ شَكٌّ أوْ يَقِينٌ، وقالَ بَعْضُهم: إطْماعُ الكَرِيمِ إيجابٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَفُّ المَنعُ، والبَأْسُ أصْلُهُ المَكْرُوهُ، يُقالُ ما عَلَيْكَ مِن هَذا الأمْرِ بَأْسٌ أيْ مَكْرُوهٌ، ويُقالُ بِئْسَ الشَّيْءُ هَذا إذا وُصِفَ بِالرَّداءَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] أيْ مَكْرُوهٍ، والعَذابُ قَدْ يُسَمّى بَأْسًا لِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا، قالَ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ [الأنبياء: ١٢] ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقَدْ كَفَّ بِأسَهم، فَقَدْ بَدا لِأبِي سُفْيانَ وقالَ هَذا عامٌ مُجْدِبٌ وما كانَ مَعَهم زادٌ إلّا السَّوِيقُ، فَتَرَكَ الذَّهابَ إلى مُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ يُقالُ: نَكَّلْتُ فُلانًا إذا عاقَبْتَهُ عُقُوبَةً تُنَكِّلُ غَيْرَهُ عَنِ ارْتِكابِ مِثْلِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: نَكَلَ الرَّجُلُ عَنِ الشَّيْءِ إذا جَبُنَ عَنْهُ وامْتَنَعَ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ [البقرة: ٦٦] وقالَ في السَّرِقَةِ: ﴿بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] ويُقالُ: نَكَلَ فُلانٌ عَنِ اليَمِينِ إذا خافَهُ ولَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ عَذابَ اللَّهِ وتَنْكِيلَهُ أشَدُّ مِن عَذابِ غَيْرِهِ ومِن تَنْكِيلِهِ، وأقْبَلُ الوُجُوهِ في بَيانِ هَذا التَّفاوُتِ أنَّ عَذابَ غَيْرِ اللَّهِ لا يَكُونُ دائِمًا، وعَذابَ اللَّهِ دائِمٌ في الآخِرَةِ، وعَذابَ غَيْرِ اللَّهِ قَدْ يُخَلِّصُ اللَّهُ مِنهُ، وعَذابَ اللَّهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى التَّخَلُّصِ مِنهُ، وأيْضًا عَذابُ غَيْرِ اللَّهِ لا يَكُونُ إلّا مِن وجْهٍ واحِدٍ، وعَذابُ اللَّهِ قَدْ يَصِلُ إلى جَمِيعِ الأجْزاءِ والأبْعاضِ والرُّوحِ والبَدَنِ.
النساء 4:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُحَرِّضِ الأُمَّةَ عَلى الجِهادِ، والجِهادُ مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ والطّاعاتِ الشَّرِيفَةِ، فَكانَ تَحْرِيضُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْأُمَّةِ عَلى الجِهادِ تَحْرِيضًا مِنهُ لَهم عَلى الفِعْلِ الحَسَنِ والطّاعَةِ الحَسَنَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا حَرَّضَهم عَلى الجِهادِ فَقَدِ اسْتَحَقَّ بِذَلِكَ التَّحْرِيضِ أجْرًا عَظِيمًا.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِتَحْرِيضِهِمْ عَلى الجِهادِ ذَكَرَ أنَّهم لَوْ لَمْ يَقْبَلُوا أمْرَهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ مِن عِصْيانِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ عَيْبٌ، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَمّا أطاعُوا وقَبِلُوا التَّكْلِيفَ رَجَعَ إلَيْهِمْ مِن طاعَتِهِمْ خَيْرٌ كَثِيرٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: حَرِّضْهم عَلى الجِهادِ، فَإنْ لَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَكَ لَمْ يَكُنْ مِن عِصْيانِهِمْ عِتابٌ لَكَ، وإنْ أطاعُوكَ حَصَلَ لَكَ مِن طاعَتِهِمْ أعْظَمُ الثَّوابِ، فَكانَ هَذا تَرْغِيبًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ في أنْ يَجْتَهِدَ في تَحْرِيضِ الأُمَّةِ عَلى الجِهادِ، والسَّبَبُ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَرْجِعُ إلَيْهِ عِنْدَ طاعَتِهِمْ أجْرٌ عَظِيمٌ، وما كانَ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِن مَعْصِيَتِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الوِزْرِ، هو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَذَلَ الجُهْدَ في تَرْغِيبِهِمْ في الطّاعَةِ وما رَغَّبَهُمُ البَتَّةَ في المَعْصِيَةِ، فَلا جَرَمَ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِن طاعَتِهِمْ أجْرٌ ولا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِن مَعْصِيَتِهِمْ وِزْرٌ.
الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا كانَ يُرَغِّبُهم في القِتالِ ويُبالِغُ في تَحْرِيضِهِمْ عَلَيْهِ، فَكانَ بَعْضُ المُنافِقِينَ يَشْفَعُ إلى النَّبِيِّ ﷺ في أنْ يَأْذَنَ لِبَعْضِهِمْ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الشَّفاعَةِ وبَيَّنَ أنَّ الشَّفاعَةَ إنَّما تَحْسُنُ إذا كانَتْ وسِيلَةً إلى إقامَةِ طاعَةِ اللَّهِ، فَأمّا إذا كانَتْ وسِيلَةً إلى مَعْصِيَتِهِ كانَتْ مُحَرَّمَةً مُنْكَرَةً.
الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ راغِبًا في الجِهادِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَجِدْ أُهْبَةَ الجِهادِ، فَصارَ غَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ شَفِيعًا لَهُ إلى مُؤْمِنٍ آخَرَ لِيُعِينَهُ عَلى الجِهادِ، فَكانَتْ هَذِهِ الشَّفاعَةُ سَعْيًا في إقامَةِ الطّاعَةِ، فَرَغَّبَ اللَّهُ تَعالى في مِثْلِ هَذِهِ الشَّفاعَةِ، وعَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فالآيَةُ حَسَنَةُ الِاتِّصالِ بِما قَبْلَها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الشَّفاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّفْعِ، وهو أنْ يُصَيِّرَ الإنْسانُ نَفْسَهُ شَفْعًا لِصاحِبِ الحاجَةِ حَتّى يَجْتَمِعَ مَعَهُ عَلى المَسْألَةِ فِيها.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الشَّفاعَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنها تَحْرِيضُ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم عَلى الجِهادِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَأْمُرُهم بِالغَزْوِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ شَفِيعًا لَهم في تَحْصِيلِ الأغْراضِ المُتَعَلِّقَةِ بِالجِهادِ، وأيْضًا فالتَّحْرِيضُ عَلى الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ بِهِ لا عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ والتَّلَطُّفِ، وذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى الشَّفاعَةِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ
صفحة ١٦٥
كانَ يَشْفَعُ لِمُنافِقٍ آخَرَ في أنْ يَأْذَنَ لَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، أوِ المُرادُ بِهِ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ كانَ يَشْفَعُ لِمُؤْمِنٍ آخَرَ عِنْدَ مُؤْمِنٍ ثالِثٍ في أنْ يَحْصُلَ لَهُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن آلاتِ الجِهادِ.
الثّالِثُ: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما مَعْناهُ أنَّ الشَّفاعَةَ الحَسَنَةَ هَهُنا هي أنْ يَشْفَعَ إيمانُهُ بِاللَّهِ بِقِتالِ الكُفّارِ، والشَّفاعَةَ السَّيِّئَةَ أنْ يَشْفَعَ كُفْرُهُ بِالمَحَبَّةِ لِلْكُفّارِ وتَرْكِ إيذائِهِمْ.
الرّابِعُ: قالَ مُقاتِلٌ: الشَّفاعَةُ إلى اللَّهِ إنَّما تَكُونُ بِالدُّعاءِ، واحْتَجَّ بِما رَوى أبُو الدَّرْداءِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«مَن دَعا لِأخِيهِ المُسْلِمِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ وقالَ المَلِكُ لَهُ ولَكَ مِثْلُ ذَلِكَ» “ فَهَذا هو النَّصِيبُ، وأمّا الشَّفاعَةُ السَّيِّئَةُ فَهي ما رُوِيَ «أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا دَخَلُوا عَلى الرَّسُولِ ﷺ قالُوا: السّامُ عَلَيْكم، والسّامُ هو المَوْتُ، فَسَمِعَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقالَتْ عَلَيْكُمُ السّامُ واللَّعْنَةُ، أتَقُولُونَ هَذا لِلرَّسُولِ ! فَقالَ ﷺ: قَدْ عَلِمْتُ ما قالُوا فَقُلْتُ: وعَلَيْكم»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الخامِسُ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ هو الشَّفاعَةُ الَّتِي بَيْنَ النّاسِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، فَما يَجُوزُ في الدِّينِ أنْ يُشْفَعَ فِيهِ فَهو شَفاعَةٌ حَسَنَةٌ، وما لا يَجُوزُ أنْ يُشْفَعَ فِيهِ فَهو شَفاعَةٌ سَيِّئَةٌ، ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً كانَ لَهُ فِيها أجْرٌ، وإنْ لَمْ يُشَفَّعْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿مَن يَشْفَعْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ومَن يُشَفَّعْ، ويَتَأيَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا» “ .
وأقُولُ: هَذِهِ الشَّفاعَةُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لَها تَعَلُّقٌ بِالجِهادِ وإلّا صارَتِ الآيَةُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، وذَلِكَ التَّعَلُّقُ حاصِلٌ بِالوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، فَأمّا الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ فَإنْ كانَ المُرادُ قَصْرَ الآيَةِ عَلَيْها فَذَلِكَ باطِلٌ، وإلّا صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ أجْنَبِيَّةً عَمّا قَبْلَها، وإنْ كانَ المُرادُ دُخُولَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ مَعَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ في اللَّفْظِ فَهَذا جائِزٌ؛ لِأنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَمْنَعُ عُمُومَ اللَّفْظِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الكِفْلُ: هو الحَظُّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [ الحَدِيدِ: ٢٨] أيْ حَظَّيْنِ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: كَفَلْتُ البَعِيرَ واكْتَفَلْتُهُ إذا أدَرْتَ عَلى سَنامِهِ كِساءً ورَكِبْتَ عَلَيْهِ. وإنَّما قِيلَ: كَفَلْتُ البَعِيرَ واكْتَفَلْتُهُ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ كُلَّ الظَّهْرِ، وإنَّما اسْتَعْمَلَ نَصِيبًا مِنَ الظَّهْرِ. قالَ ابْنُ المُظَفَّرِ: لا يُقالُ: هَذا كِفْلُ فُلانٍ حَتّى تَكُونَ قَدْ هَيَّأْتَ لِغَيْرِهِ مِثْلَهُ، وكَذا القَوْلُ في النَّصِيبِ، فَإنْ أفْرَدْتَ فَلا تَقُلْ لَهُ كِفْلٌ ولا نَصِيبٌ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ في الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ: ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ وقالَ في الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ وهَلْ لِاخْتِلافِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ فائِدَةٌ ؟
قُلْنا: الكِفْلُ اسْمٌ لِلنَّصِيبِ الَّذِي عَلَيْهِ يَكُونُ اعْتِمادُ النّاسِ، وإنَّما يُقالُ كِفْلُ البَعِيرِ لِأنَّكَ حَمَيْتَ ظَهْرَ البَعِيرِ بِذَلِكَ الكِساءِ عَنِ الآفَةِ، وحَمى الرّاكِبُ بَدَنَهُ بِذَلِكَ الكِساءِ عَنِ ارْتِماسِ ظَهْرِ البَعِيرِ فَيَتَأذّى بِهِ، ويُقالُ لِلضّامِنِ: كَفِيلٌ. وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أنا وكافِلُ اليَتِيمِ كَهاتَيْنِ» “ فَثَبَتَ أنَّ الكِفْلَ هو النَّصِيبُ الَّذِي عَلَيْهِ يَعْتَمِدُ الإنْسانُ في تَحْصِيلِ المَصالِحِ لِنَفْسِهِ ودَفْعِ المَفاسِدِ عَنْ نَفْسِهِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ أيْ يَحْصُلُ لَهُ مِنها نَصِيبٌ يَكُونُ ذَلِكَ النَّصِيبُ ذَخِيرَةً لَهُ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ، والمَقْصُودُ حُصُولُ ضِدِّ ذَلِكَ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ المُؤَدِّيَةَ إلى سُقُوطِ الحَقِّ وقُوَّةِ الباطِلِ تَكُونُ عَظِيمَةَ العِقابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ١٦٦
المَسْألَةُ الأُولى: في المُقِيتِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُقِيتُ القادِرُ عَلى الشَّيْءِ، وأنْشَدُوا لِلزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وكُنْتُ عَلى إساءَتِهِ مُقِيتا
وقالَ آخَرُ:
لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنْ إذا ما ∗∗∗ قَرَّبُوها مَنشُورَةً ودُعِيتُ
ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ أنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ
وأنْشَدَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ:
تَجَلَّدْ ولا تَجْزَعْ وكُنْ ذا حَفِيظَةٍ ∗∗∗ فَإنِّي عَلى ما ساءَهم لَمُقِيتُ
الثّانِي: المُقِيتُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوتِ، يُقالُ: قُتُّ الرَّجُلَ إذا حَفَظْتَ عَلَيْهِ نَفْسَهُ بِما يَقُوتُهُ، واسْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ هو القُوتُ، وهو الَّذِي لا فَضْلَ لَهُ عَلى قَدْرِ الحِفْظِ، فالمُقِيتُ هو الحَفِيظُ الَّذِي يُعْطِي الشَّيْءَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ، ثُمَّ قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وأيُّ المَعْنَيَيْنِ كانَ فالتَّأْوِيلُ صَحِيحٌ، وهو أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إيصالِ النَّصِيبِ والكِفْلِ مِنَ الجَزاءِ إلى الشّافِعِ مِثْلَ ما يُوصِلُهُ إلى المَشْفُوعِ فِيهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، ولا يَنْتَقِصُ بِسَبَبِ ما يَصِلُ إلى الشّافِعِ شَيْءٌ مِن جَزاءِ المَشْفُوعِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي أنَّهُ تَعالى حافِظُ الأشْياءِ شاهِدٌ عَلَيْها لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِنا، فَهو عالِمٌ بِأنَّ الشّافِعَ يَشْفَعُ في حَقٍّ أوْ في باطِلٍ حَفِيظٌ عَلَيْهِ فَيُجازِي كُلًّا بِما عَلِمَ مِنهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى المَقْدُوراتِ صِفَةً كانَتْ ثابِتَةً لَهُ مِنَ الأزَلِ، ولَيْسَتْ صِفَةً مُحْدَثَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿وكانَ﴾ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ أنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ مِن وقْتِ كَذا أوْ حالِ كَذا، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ حاصِلًا مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ.
النساء 4:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ .
فِي النَّظْمِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالجِهادِ أمَرَهم أيْضًا بِأنَّ الأعْداءَ لَوْ رَضُوا بِالمَسْألَةِ فَكُونُوا أنْتُمْ أيْضًا راضِينَ بِها، فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ [الأنفال: ٦١] .
الثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ في الجِهادِ كانَ يَلْقاهُ الرَّجُلُ في دارِ الحَرْبِ أوْ ما يُقارِبُها فَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَقَدْ لا يَلْتَفِتُ إلى سَلامِهِ عَلَيْهِ ويَقْتُلُهُ، ورُبَّما ظَهَرَ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، فَمَنَعَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْهُ وأمَرَهم أنَّ كُلَّ مَن يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ويُكْرِمُهم بِنَوْعٍ مِنَ الإكْرامِ يُقابِلُونَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الإكْرامِ أوْ أزْيَدَ، فَإنَّهُ إنْ كانَ كافِرًا لا يَضُرُّ المُسْلِمَ أنْ قابَلَ إكْرامَ ذَلِكَ الكافِرِ بِنَوْعٍ مِنَ الإكْرامِ، أمّا إنْ كانَ مُسْلِمًا وقَتَلَهُ فَفِيهِ أعْظَمُ المَضارِّ والمَفاسِدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِن حَيَّيْتُ، وكانَ في الأصْلِ تَحْيِيَةٌ، مِثْلُ التَّوْصِيَةِ والتَّسْمِيَةِ، والعَرَبُ تُؤْثِرُ التَّفْعِلَةَ عَلى التَّفْعِيلِ في ذَواتِ الأرْبَعَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] فَثَبَتَ أنَّ التَّحِيَّةَ أصْلُها
صفحة ١٦٧
التَّحْيِيَةُ ثُمَّ أدْغَمُوا الياءَ في الياءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ عادَةَ العَرَبِ قَبْلَ الإسْلامِ أنَّهُ إذا لَقِيَ بَعْضُهم بَعْضًا قالُوا: حَيّاكَ اللَّهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَياةِ كَأنَّهُ يَدْعُو لَهُ بِالحَياةِ، فَكانَتِ التَّحِيَّةُ عِنْدَهم عِبارَةً عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ حَيّاكَ اللَّهُ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أُبْدِلَ ذَلِكَ بِالسَّلامِ، فَجَعَلُوا التَّحِيَّةَ اسْمًا لِلسَّلامِ. قالَ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] ومِنهُ قَوْلُ المُصَلِّي: التَّحِيّاتُ لِلَّهِ، أيِ السَّلامُ مِنَ الآفاتِ لِلَّهِ، والأشْعارُ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ. قالَ عَنْتَرَةُ:
حَيْيَتُ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُ
وقالَ آخَرُ:
إنّا مُحَيُّوكِ يا سَلْمى فَحَيِّينا
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ القائِلِ لِغَيْرِهِ: السَّلامُ عَلَيْكَ أتَمُّ وأكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: حَيّاكَ اللَّهُ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَيَّ إذا كانَ سَلِيمًا كانَ حَيًّا لا مَحالَةَ، ولَيْسَ إذا كانَ حَيًّا كانَ سَلِيمًا، فَقَدْ تَكُونُ حَياتُهُ مَقْرُونَةً بِالآفاتِ والبَلِيّاتِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: السَّلامُ عَلَيْكَ أتَمُّ وأكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: حَيّاكَ اللَّهُ.
الثّانِي: أنَّ السَّلامَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فالِابْتِداءُ بِذِكْرِ اللَّهِ أوْ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يُرِيدُ إبْقاءَ السَّلامَةِ عَلى عِبادِهِ أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: حَيّاكَ اللَّهُ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَ الإنْسانِ لِغَيْرِهِ: السَّلامُ عَلَيْكَ فِيهِ بِشارَةٌ بِالسَّلامَةِ، وقَوْلَهُ: حَيّاكَ اللَّهُ لا يُفِيدُ ذَلِكَ، فَكانَ هَذا أكْمَلُ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ السَّلامِ القُرْآنُ والأحادِيثُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّمَ عَلى المُؤْمِنِ في اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا:
أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى كَأنَّهُ سَلَّمَ عَلَيْكَ في الأزَلِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ في وصْفِ ذاتِهِ: المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ.
وثانِيها: أنَّهُ سَلَّمَ عَلى نُوحٍ وجَعَلَ لَكَ مِن ذَلِكَ السَّلامِ نَصِيبًا، فَقالَ: ﴿قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] والمُرادُ مِنهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وثالِثُها: سَلَّمَ عَلَيْكَ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ، فَقالَ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خافَ عَلى أُمَّتِهِ أنْ يَصِيرُوا مِثْلَ أُمَّةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ اللَّهُ: لا تَهْتَمَّ لِذَلِكَ فَإنِّي وإنْ أخْرَجْتُكَ مِنَ الدُّنْيا، إلّا إنِّي جَعَلْتُ جِبْرِيلَ خَلِيفَةً لَكَ، يَنْزِلُ إلى أُمَّتِكَ كُلَّ لَيْلَةِ قَدْرٍ ويُبْلِغُهُمُ السَّلامَ مِنِّي.
ورابِعُها: سَلَّمَ عَلَيْكَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧] فَإذا كُنْتَ مُتَّبِعَ الهُدى وصَلَ سَلامُ مُوسى إلَيْكَ.
وخامِسُها: سَلَّمَ عَلَيْكَ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] وكُلُّ مَن هَدى اللَّهُ إلى الإيمانِ فَقَدِ اصْطَفاهُ، كَما قالَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] .
وسادِسُها: أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالسَّلامِ عَلى سَبِيلِ المُشافَهَةِ، فَقالَ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] .
وسابِعُها: أمَرَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّسْلِيمِ عَلَيْكَ قالَ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ .
وثامِنُها: سَلَّمَ عَلَيْكَ عَلى لِسانِ مَلَكِ المَوْتِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢] قِيلَ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ يَقُولُ في أُذُنِ المُسْلِمِ: السَّلامُ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، ويَقُولُ: أجِبْنِي فَإنِّي مُشْتاقٌ إلَيْكَ، واشْتاقَتِ الجَنّاتُ والحُورُ العِينُ إلَيْكَ، فَإذا سَمِعَ المُؤْمِنُ البِشارَةَ، يَقُولُ لِمَلَكِ المَوْتِ: لِلْبَشِيرِ مِنِّي هَدِيَّةٌ، ولا هَدِيَّةَ أعَزُّ مِن رُوحِي، فاقْبِضْ رُوحِي هَدِيَّةً لَكَ.
وتاسِعُها: السَّلامُ مِنَ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ المُطَهَّرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] .
وعاشِرُها: سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ عَلى لِسانِ رِضْوانَ خازِنِ
صفحة ١٦٨
الجَنَّةِ فَقالَ تَعالى: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] .
والحادِيَ عَشَرَ: إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ فالمَلائِكَةُ يَزُورُونَهم ويُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] .
والثّانِي عَشَرَ: السَّلامُ مِنَ اللَّهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٧] وعِنْدَ ذَلِكَ يَتَلاشى سَلامُ الكُلِّ لِأنَّ المَخْلُوقَ لا يَبْقى عَلى تَجَلِّي نُورِ الخالِقِ.
الوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الدَّلائِلِ القُرْآنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى فَضِيلَةِ السَّلامِ أنَّ أشَدَّ الأوْقاتِ حاجَةً إلى السَّلامَةِ والكَرامَةِ ثَلاثَةُ أوْقاتٍ: وقْتُ الِابْتِداءِ، ووَقْتُ المَوْتِ، ووَقْتُ البَعْثِ، واللَّهُ تَعالى لَمّا أكْرَمَ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّما أكْرَمَهُ بِأنْ وعَدَهُ السَّلامَ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ فَقالَ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥] وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ أيْضًا ذَلِكَ فَقالَ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] .
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تَعْظِيمَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٥] يُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّ اليَهُودَ كانُوا إذا دَخَلُوا قالُوا: السّامُ عَلَيْكَ، فَحَزِنَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِهَذا المَعْنى، فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: إنْ كانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ السّامُ عَلَيْكَ، فَأنا أقُولُ مِن سُرادِقاتِ الجَلالِ: السَّلامُ عَلَيْكَ، وأنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
وأمّا ما يَدُلُّ مِنَ الأخْبارِ عَلى فَضِيلَةِ السَّلامِ فَما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ قالَ: لَمّا سَمِعْتُ بِقُدُومِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلْتُ في غِمارِ النّاسِ، فَأوَّلُ ما سَمِعْتُ مِنهُ: ”«يا أيُّها النّاسُ أفْشُوا السَّلامَ وأطْعِمُوا الطَّعامَ وصِلُوا الأرْحامَ وصَلُّوا بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ» “ .
وأمّا ما يَدُلُّ عَلى فَضْلِ السَّلامِ مِن جِهَةِ المَعْقُولِ فَوُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالُوا: تَحِيَّةُ النَّصارى وضْعُ اليَدِ عَلى الفَمِ، وتَحِيَّةُ اليَهُودِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ الإشارَةُ بِالأصابِعِ، وتَحِيَّةُ المَجُوسِ الِانْحِناءُ، وتَحِيَّةُ العَرَبِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أنْ يَقُولُوا: حَيّاكَ اللَّهُ، ولِلْمُلُوكِ أنْ يَقُولُوا: أنْعِمْ صَباحًا، وتَحِيَّةُ المُسْلِمِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أنْ يَقُولُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ التَّحِيَّةَ أشْرَفُ التَّحِيّاتِ وأكْرَمُها.
الثّانِي: أنَّ السَّلامَ مُشْعِرٌ بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ والبَلِيّاتِ. ولا شَكَّ أنَّ السَّعْيَ في تَحْصِيلِ الصَّوْنِ عَنِ الضَّرَرِ أوْلى مِنَ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ النَّفْعِ.
الثّالِثُ: أنَّ الوَعْدَ بِالنَّفْعِ يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى الوَفاءِ بِهِ وقَدْ لا يَقْدِرُ، أمّا الوَعْدُ بِتَرْكِ الضَّرَرِ فَإنَّهُ يَكُونُ قادِرًا عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، والسَّلامُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. فَثَبَتَ أنَّ السَّلامَ أفْضَلُ أنْواعِ التَّحِيَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: مَن دَخَلَ دارًا وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُسَلِّمَ عَلى الحاضِرِينَ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النور: ٢٧] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أفْشُوا السَّلامَ» “ والأمْرُ لِلْوُجُوبِ.
الثّانِي: أنَّ مَن دَخَلَ عَلى إنْسانٍ كانَ كالطّالِبِ لَهُ، ثُمَّ المَدْخُولُ عَلَيْهِ لا يَعْلَمُ أنَّهُ يَطْلُبُهُ لِخَيْرٍ أوْ لِشَرٍّ، فَإذا قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ فَقَدْ بَشَّرَهُ بِالسَّلامَةِ وآمَنَهُ مِنَ الخَوْفِ، وإزالَةُ الضَّرَرِ عَنِ المُسْلِمِ واجِبَةٌ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن يَدِهِ ولِسانِهِ» “ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّلامُ واجِبًا.
الثّالِثُ: أنَّ السَّلامَ مِن شَعائِرَ أهْلِ الإسْلامِ، وإظْهارُ شَعائِرِ
صفحة ١٦٩
الإسْلامِ واجِبٌ، وأمّا المَشْهُورُ فَهو أنَّ السَّلامَ سُنَّةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والنَّخَعِيِّ.
وأمّا الجَوابُ عَلى السَّلامِ فَقَدْ أجْمَعُوا عَلى وُجُوبِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ .
الثّانِي: أنَّ تَرْكَ الجَوابِ إهانَةٌ، والإهانَةُ ضَرَرٌ والضَّرَرُ حَرامٌ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مُنْتَهى الأمْرِ في السَّلامِ أنْ يُقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، بِدَلِيلِ أنَّ هَذا القَدْرَ هو الوارِدُ في التَّشَهُّدِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ فَقالَ العُلَماءُ: الأحْسَنُ هو أنَّ المُسْلِمَ إذا قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ زِيدَ في جَوابِهِ الرَّحْمَةُ، وإنْ ذَكَرَ السَّلامَ والرَّحْمَةَ في الِابْتِداءِ زِيدَ في جَوابِهِ البَرَكَةُ، وإنْ ذَكَرَ الثَّلاثَةَ في الِابْتِداءِ أعادَها في الجَوابِ.
رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلرَّسُولِ ﷺ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. وآخَرُ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، وجاءَ ثالِثٌ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَقالَ الرَّجُلُ: نَقَصْتَنِي، فَأيْنَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ فَقالَ ﷺ: إنَّكَ ما تَرَكْتَ لِي فَضْلًا فَرَدَدْتُ عَلَيْكَ ما ذَكَرْتَ» .
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُبْتَدِئُ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ والمُجِيبُ، يَقُولُ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، هَذا هو التَّرْتِيبُ الحَسَنُ، والَّذِي خَطَرَ بِبالِي فِيهِ أنَّهُ إذا قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم كانَ الِابْتِداءُ واقِعًا بِذِكْرِ اللَّهِ، فَإذا قالَ المُجِيبُ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ كانَ الِاخْتِتامُ واقِعًا بِذِكْرِ اللَّهِ، وهَذا يُطابِقُ قَوْلَهُ: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] وأيْضًا لَمّا وقَعَ الِابْتِداءُ والِاخْتِتامُ بِذِكْرِ اللَّهِ فَإنَّهُ يُرْجى أنْ يَكُونَ ما وقَعَ بَيْنَهُما يَصِيرُ مَقْبُولًا بِبَرَكَتِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] فَلَوْ خالَفَ المُبْتَدِئُ فَقالَ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ فَقَدْ خالَفَ السُّنَّةَ، فالأوْلى لِلْمُجِيبِ أنْ يَقُولَ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، لِأنَّ الأوَّلَ لَمّا تَرَكَ الِافْتِتاحَ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَ الِاخْتِتامَ بِذِكْرِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنْ شاءَ قالَ: سَلامٌ عَلَيْكم، وإنْ شاءَ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم، قالَ تَعالى في حَقِّ نُوحٍ: ﴿قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ [هود: ٤٨] وقالَ عَنِ الخَلِيلِ: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] وقالَ في قِصَّةِ لُوطٍ: ﴿فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] وقالَ عَنْ يَحْيى: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ [مَرْيَمَ: ١٥ ] وقالَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ [النمل: ٥٩] وقالَ عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] وقالَ: ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] وأمّا بِالألِفِ واللّامِ فَقَوْلُهُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧] وقالَ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ﴾ [مريم: ٣٣] فَثَبَتَ أنَّ الكُلَّ جائِزٌ، وأمّا في التَّحْلِيلِ مِنَ الصَّلاةِ فَلا بُدَّ مِنَ الألِفِ واللّامِ بِالِاتِّفاقِ، واخْتَلَفُوا في سائِرِ المَواضِعِ أنَّ التَّنْكِيرَ أفْضَلُ أمِ التَّعْرِيفُ ؟ فَقِيلَ التَّنْكِيرُ أفْضَلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ السَّلامِ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ فَكانَ أفْضَلَ.
الثّانِي: أنَّ كُلَّ ما ورَدَ مِنَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ فَقَدْ ورَدَ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ عَلى ما عَدَدْناهُ في الآياتِ، وأمّا بِالألِفِ واللّامِ فَإنَّما ورَدَ في تَسْلِيمِ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ قالَ مُوسى ﷺ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧] وقالَ عِيسى عَلَيْهِ
صفحة ١٧٠
الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ .
والثّالِثُ: وهو المَعْنى المَعْقُولُ أنَّ لَفْظَ السَّلامِ بِالألِفِ واللّامِ يَدُلُّ عَلى أصْلِ الماهِيَّةِ، والتَّنْكِيرُ يَدُلُّ عَلى أصْلِ الماهِيَّةِ مَعَ وصْفِ الكَمالِ، فَكانَ هَذا أوْلى.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ ﷺ: ”«السُّنَّةُ أنْ يُسَلِّمَ الرّاكِبُ عَلى الماشِي، وراكِبُ الفَرَسِ عَلى راكِبِ الحِمارِ، والصَّغِيرُ عَلى الكَبِيرِ، والأقَلُّ عَلى الأكْثَرِ، والقائِمُ عَلى القاعِدِ» “ .
وأقُولُ: أمّا الأوَّلُ فَلِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الرّاكِبَ أكْثَرُ هَيْبَةً فَسَلامُهُ يُفِيدُ زَوالَ الخَوْفِ.
والثّانِي: أنَّ التَّكَبُّرَ بِهِ ألْيَقُ، فَأُمِرَ بِالِابْتِداءِ بِالتَّسْلِيمِ كَسْرًا لِذَلِكَ التَّكَبُّرِ، وأمّا أنَّ القائِمَ يُسَلِّمُ عَلى القاعِدِ فَلِأنَّهُ هو الَّذِي وصَلَ إلَيْهِ، فَلا بُدَّ وأنَّ يَفْتَتِحَ هَذا الواصِلُ المَوْصُولَ بِالخَيْرِ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: السُّنَّةُ في السَّلامِ الجَهْرُ لِأنَّهُ أقْوى في إدْخالِ السُّرُورِ في القَلْبِ.
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: السُّنَّةُ في السَّلامِ الإفْشاءُ والتَّعْمِيمُ لِأنَّ في التَّخْصِيصِ إيحاشًا.
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: المُصافَحَةُ عِنْدَ السَّلامِ عادَةُ الرَّسُولِ ﷺ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا تَصافَحَ المُسْلِمانِ تَحاتَّتْ ذُنُوبُهُما كَما يَتَحاتُّ ورَقُ الشَّجَرِ» “ .
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ أبُو يُوسُفَ: مَن قالَ لِآخَرَ: أقْرِئْ فُلانًا عَنِّي السَّلامَ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: إذا اسْتَقْبَلَكَ رَجُلٌ واحِدٌ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم، واقْصِدِ الرَّجُلَ والمَلَكَيْنِ فَإنَّكَ إذا سَلَّمْتَ عَلَيْهِما رَدّا السَّلامَ عَلَيْكَ، ومَن سَلَّمَ المَلَكُ عَلَيْهِ فَقَدْ سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: إذا دَخَلْتَ بَيْتًا خالِيًا فَسَلِّمْ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّكَ تُسَلِّمُ مِنَ اللَّهِ عَلى نَفْسِكَ.
والثّانِي: أنَّكَ تُسَلِّمُ عَلى مَن فِيهِ مِن مُؤْمِنِي الجِنِّ.
والثّالِثُ: أنَّكَ تَطْلُبُ السَّلامَةَ بِبَرَكَةِ السَّلامِ مِمَّنْ في البَيْتِ مِنَ الشَّياطِينِ والمُؤْذِياتِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: السُّنَّةُ أنْ يَكُونَ المُبْتَدِئُ بِالسَّلامِ عَلى الطَّهارَةِ، وكَذا المُجِيبُ. رُوِيَ أنَّ واحِدًا سَلَّمَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وهو كانَ في قَضاءِ الحاجَةِ، فَقامَ وتَيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ السَّلامَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: السُّنَّةُ إذا التَقى إنَسانانِ أنْ يَبْتَدِرا بِالسَّلامِ إظْهارًا لِلتَّواضُعِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: لِنَذْكُرِ المَواضِعَ الَّتِي لا يُسَلَّمُ فِيها، وهي ثَمانِيَةٌ:
الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يُبْدَأُ اليَهُودِيُّ بِالسَّلامِ»، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: لا يُبْدَأُ بِالسَّلامِ في كِتابٍ ولا في غَيْرِهِ، وعَنْ أبِي يُوسُفَ: لا تُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ ولا تُصافِحْهم، وإذا دَخَلْتَ فَقُلْ: السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى. ورَخَّصَ في ابْتِداءِ السَّلامِ عَلَيْهِمْ إذا دَعَتْ إلى ذَلِكَ حاجَةٌ، وأمّا إذا سَلَّمُوا عَلَيْنا فَقالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: يَنْبَغِي أنْ يُقالَ وعَلَيْكَ، والأصْلُ فِيهِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ الدُّخُولِ عَلى الرَّسُولِ: السّامُ عَلَيْكَ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ وعَلَيْكم، فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، ثُمَّ هَهُنا تَفْرِيعٌ وهو أنّا إذا قُلْنا لَهم: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، فَهَلْ يَجُوزُ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ فِيهِ ؟ قالَ الحَسَنُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، لَكِنْ لا يُقالُ ورَحْمَةُ اللَّهِ لِأنَّها اسْتِغْفارٌ.
وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ لِنَصْرانِيٍّ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ فَقِيلَ لَهُ فِيهِ، فَقالَ: ألَيْسَ في رَحْمَةِ اللَّهِ يَعِيشُ.
الثّانِي: إذا دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإمامُ يَخْطُبُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُسَلِّمَ لِاشْتِغالِ النّاسِ بِالِاجْتِماعِ، فَإنْ سَلَّمَ فَرَدَّ بَعْضُهم فَلا بَأْسَ، ولَوِ اقْتَصَرُوا عَلى الإشارَةِ كانَ أحْسَنَ.
الثّالِثُ: إذا دَخَلَ الحَمّامَ فَرَأى النّاسَ مُتَّزِرِينَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا
صفحة ١٧١
مُتَّزِرِينَ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ.
الرّابِعُ: الأوْلى تَرْكُ السَّلامِ عَلى القارِئِ، لِأنَّهُ إذا اشْتَغَلَ بِالجَوابِ يَقْطَعُ عَلَيْهِ التِّلاوَةَ وكَذَلِكَ القَوْلُ فِيمَن كانَ مُشْتَغِلًا بِرِوايَةِ الحَدِيثِ ومُذاكَرَةِ العِلْمِ.
الخامِسُ: لا يُسَلِّمُ عَلى المُشْتَغِلِ بِالأذانِ والإقامَةِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها.
السّادِسُ: قالَ أبُو يُوسُفَ: لا يُسَلِّمُ عَلى لاعِبِ النَّرْدِ، ولا عَلى المُغَنِّي، ومُطَيِّرِ الحَمامِ، وفي مَعْناهُ كُلُّ مَن كانَ مُشْتَغِلًا بِنَوْعِ مَعْصِيَةٍ.
السّابِعُ: لا يُسَلِّمُ عَلى مَن كانَ مُشْتَغِلًا بِقَضاءِ الحاجَةِ، مَرَّ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجُلٌ وهو يَقْضِي حاجَتَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقامَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الجِدارِ فَتَيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ الجَوابَ، وقالَ: ”«لَوْلا أنِّي خَشِيتُ أنَّ تَقُولَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ الجَوابَ لَما أجَبْتُكَ إذا رَأيْتَنِي عَلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ فَلا تُسَلِّمْ عَلَيَّ فَإنَّكَ إنْ سَلَّمْتَ عَلَيَّ لَمْ أرُدَّ عَلَيْكَ» “ .
الثّامِنُ: إذا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ سَلَّمَ عَلى امْرَأتِهِ، فَإنْ حَضَرَتْ أجْنَبِيَّةٌ هُناكَ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِما.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: في أحْكامِ الجَوابِ وهي ثَمانِيَةٌ:
الأوَّلُ: رَدُّ الجَوابِ واجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ ولِأنَّ تَرْكَ الجَوابِ إهانَةٌ وضَرَرٌ وحَرامٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما مِن رَجُلٍ يَمُرُّ عَلى قَوْمٍ مُسْلِمِينَ فَيُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ ولا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ إلّا نَزَعَ عَنْهم رُوحُ القُدُسِ ورَدَّتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ.
الثّانِي: رَدُّ الجَوابِ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ إذا قامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ، والأوْلى لِلْكُلِّ أنْ يَذْكُرُوا الجَوابَ إظْهارًا لِلْإكْرامِ ومُبالَغَةً فِيهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ واجِبٌ عَلى الفَوْرِ، فَإنْ أخَّرَ حَتّى انْقَضى الوَقْتُ فَإنْ أجابَ بَعْدَ فَوْتِ الوَقْتِ كانَ ذَلِكَ ابْتِداءَ سَلامٍ ولا يَكُونُ جَوابًا.
الرّابِعُ: إذا ورَدَ عَلَيْهِ سَلامٌ في كِتابٍ فَجَوابُهُ بِالكَتَبَةِ أيْضًا واجِبٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ .
الخامِسُ: إذا قالَ السَّلامُ عَلَيْكم، فالواجِبُ أنْ يَقُولَ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ.
السّادِسُ: رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا يَجْهَرُ بِالرَّدِّ يَعْنِي الجَهْرَ الكَثِيرَ.
السّابِعُ: إنْ سَلَّمَتِ المَرْأةُ الأجْنَبِيَّةُ عَلَيْهِ وكانَ يَخافُ في رَدِّ الجَوابِ عَلَيْها تُهْمَةً أوْ فِتْنَةً لَمْ يَجِبِ الرَّدُّ، بَلِ الأوْلى أنْ لا يَفْعَلَ.
الثّامِنُ: حَيْثُ قُلْنا إنَّهُ لا يُسَلِّمُ، فَلَوْ سَلَّمَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْها الرَّدُّ، لِأنَّهُ أتى بِفِعْلٍ مَنهِيٍّ عَنْهُ فَكانَ وجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ لَفْظَ التَّحِيَّةِ عَلى ما بَيَّناهُ صارَ كِنايَةً عَنِ الإكْرامِ، فَجَمِيعُ أنْواعِ الإكْرامِ يَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظِ التَّحِيَّةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن وهَبَ لِغَيْرِ ذِي رَحِمِ مُحَرَّمٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيها ما لَمْ يُثَبْ مِنها، فَإذا أُثِيبَ مِنها فَلا رُجُوعَ فِيها. وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَهُ الرُّجُوعُ في حَقِّ الوَلَدِ، ولَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ في حَقِّ الأجْنَبِيِّ، احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ يَدْخُلُ فِيهِ التَّسْلِيمُ، ويَدْخُلُ فِيهِ الهِبَةُ، ومُقْتَضاهُ وُجُوبُ الرَّدِّ إذا لَمْ يَصِرْ مُقابِلًا بِالأحْسَنِ، فَإذا لَمْ يَثْبُتِ الوُجُوبُ فَلا أقَلَّ مِنَ الجَوازِ، وقالَ الشّافِعِيُّ: هَذا الأمْرُ مَحْمُولٌ عَلى النَّدْبِ، بِدَلِيلٍ أنَّهُ لَوْ أُثِيبَ بِما هو أقَلُّ مِنهُ سَقَطَتْ مُكْنَةُ الرَّدِّ بِالإجْماعِ، مَعَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَأْتِيَ بِالأحْسَنِ، ثُمَّ احْتَجَّ الشّافِعِيُّ عَلى قَوْلِهِ بِما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيها إلّا الوالِدُ فِيما يُعْطِي ولَدَهُ» “ وهَذا نَصٌّ في أنَّ هِبَةَ الأجْنَبِيِّ يَحْرُمُ الرُّجُوعُ
صفحة ١٧٢
فِيها، وهِبَةَ الوَلَدِ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الحَسِيبِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ بِمَعْنى المُحاسِبِ عَلى العَمَلِ، كالأكِيلِ والشَّرِيبِ والجَلِيسِ بِمَعْنى المُؤاكِلِ والمُشارِبِ والمُجالِسِ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الكافِي في قَوْلِهِمْ: حَسْبِي كَذا؛ أيْ كافِيَّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٢٩] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ، فَإنّا بَيَّنّا أنَّ الواحِدَ مِنهم قَدْ كانَ يُسَلِّمُ عَلى الرَّجُلِ المُسْلِمِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المُسْلِمَ ما كانَ يَتَفَحَّصُ عَنْ حالِهِ، بَلْ رُبَّما قَتَلَهُ طَمَعًا في سَلَبِهِ، فاللَّهُ تَعالى زَجَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ وإيّاكم أنْ تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِالقَتْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أيْ هو مُحاسِبُكم عَلى أعْمالِكم وكافِي في إيصالِ جَزاءِ أعْمالِكم إلَيْكم فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِن مُخالَفَةِ التَّكالِيفِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ بِحِفْظِ الدِّماءِ والمَنعِ مِن إهْدارِها.
النساء 4:87
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ أنْ لا يَصِيرَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ مَقْتُولًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ ثُمَّ بالَغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ الوَعِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ التَّوْحِيدَ والعَدْلَ مُتَلازِمانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إشارَةٌ إلى العَدْلِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] وكَقَوْلِهِ في طه: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وهو إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهو إشارَةٌ إلى العَدْلِ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ في حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَجْمَعَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في عَرَصَةِ القِيامَةِ فَيَنْتَصِفَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، ولا شَكَّ أنَّهُ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ.
الثّانِي: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَن سَلَّمَ عَلَيْكم وحَيّاكم فاقْبَلُوا سَلامَهُ وأكْرِمُوهُ وعامِلُوهُ بِناءً عَلى الظّاهِرِ، فَإنَّ البَواطِنَ إنَّما يَعْرِفُها اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، إنَّما تَنْكَشِفُ بَواطِنُ الخَلْقِ لِلْخَلْقِ في يَوْمِ القِيامَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ إمّا خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، وإمّا اعْتِراضٌ والخَبَرُ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ واللّامُ لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: لَيَجْمَعَنَّكم في يَوْمِ القِيامَةِ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: المُرادُ لَيَجْمَعَنَّكم في المَوْتِ أوِ القُبُورِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي: التَّقْدِيرُ:
صفحة ١٧٣
لَيَضُمَّنَّكم إلى ذَلِكَ اليَوْمِ ويَجْمَعُ بَيْنَكم وبَيْنَهُ بِأنْ يَجْمَعَكم فِيهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ سُمِّيَتِ القِيامَةُ قِيامَةً لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ: سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ لِلْحِسابِ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القِيامُ القِيامَةُ، كالطِّلابِ والطِّلابَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ أنَّ القِيامَةَ سَتُوجَدُ لا مَحالَةَ، وجَعَلَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ مُجَرَّدَ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ، وهَذا حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّ المَسائِلَ الأُصُولِيَّةَ عَلى قِسْمَيْنِ مِنها ما العِلْمُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ يَكُونُ مُحْتاجًا إلى العِلْمِ بِصِحَّتِهِ، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ:
والأوَّلُ مِثْلُ عِلْمِنا بِافْتِقارِ العالَمِ إلى صانِعٍ عالِمٍ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٍ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَإنّا ما لَمْ نَعْلَمْ ذَلِكَ لا يُمْكِنُنا العِلْمُ بِصِدْقِ الأنْبِياءِ، فَكُلُّ مَسْألَةٍ هَذا شَأْنُها فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ إثْباتُها بِالقُرْآنِ وإخْبارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإلّا وقَعَ الدَّوْرُ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو جُمْلَةُ المَسائِلَ الَّتِي لا يَتَوَقَّفُ العِلْمُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ عَلى العِلْمِ بِصِحَّتِها فَكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِكَلامِ اللَّهِ وإخْبارِهِ ومَعْلُومٌ أنَّ قِيامَ القِيامَةِ كَذَلِكَ، فَلا جَرَمَ أمْكَنَ إثْباتُهُ بِالقُرْآنِ وبِكَلامِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى قِيامِ القِيامَةِ بِإخْبارِ اللَّهِ عَنْهُ اسْتِدْلالٌ صَحِيحٌ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ يَجِبُ كَوْنُهُ تَعالى صادِقًا وأنَّ الكَذِبَ والخُلْفَ في قَوْلِهِ مُحالٌ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ بَنَوْا ذَلِكَ عَلى أصْلِهِمْ، وهو أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكَوْنِ الكَذِبِ قَبِيحًا، وعالَمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكْذِبَ. إنَّما قُلْنا: إنَّهُ عالِمٌ بِقُبْحِ الكَذِبِ، وعالِمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ لِأنَّ الكَذِبَ قَبِيحٌ لِكَوْنِهِ كَذِبًا، واللَّهُ تَعالى غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ أصْلًا، وثَبَتَ أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَوَجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، وأمّا أنَّ كُلَّ مَن كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكْذِبَ فَهو ظاهِرٌ لِأنَّ الكَذِبَ جِهَةُ صَرْفٍ لا جِهَةَ دُعاءٍ، فَإذا خَلا عَنْ مُعارِضِ الحاجَةِ بَقِيَ ضارًّا مَحْضًا فَيَمْتَنِعُ صُدُورُ الكَذِبِ عَنْهُ، وأمّا أصْحابُنا فَدَلِيلُهم أنَّهُ لَوْ كانَ كاذِبًا لَكانَ كَذِبُهُ قَدِيمًا، ولَوْ كانَ كَذِبُهُ قَدِيمًا لامْتَنَعَ زَوالُ كَذِبِهِ لِامْتِناعِ العَدَمِ عَلى القَدِيمِ، ولَوِ امْتَنَعَ زَوالُ كَذِبِهِ قَدِيمًا لامْتَنَعَ كَوْنُهُ صادِقًا، لِأنَّ وُجُودَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يَمْنَعُ وُجُودَ الضِّدِّ الآخَرِ، فَلَوْ كانَ كاذِبًا لامْتَنَعَ أنْ يَصْدُقَ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كُلَّ مَن عَلِمَ شَيْئًا فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ مُطابِقٍ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، والعِلْمُ بِهَذِهِ الصِّحَّةِ ضَرُورِيٌّ، فَإذا كانَ إمْكانُ الصِّدْقِ قائِمًا كانَ امْتِناعُ الكَذِبِ حاصِلًا لا مَحالَةَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِكَوْنِهِ تَعالى صادِقًا.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى مُحْدَثٌ، قالُوا لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ حَدِيثًا في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] والحَدِيثُ هو الحادِثُ أوِ المُحْدَثُ، وجَوابُنا عَنْهُ: إنَّكُما إنَّما تَحْكُمُونَ بِحُدُوثِ الكَلامِ الَّذِي هو الحَرْفُ والصَّوْتُ ونَحْنُ لا نُنازِعُ في حُدُوثِهِ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى حُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ البَتَّةَ بِالِاتِّفاقِ مِنّا ومِنكم، فَأمّا مِنّا فَظاهِرٌ، وأمّا مِنكم فَإنَّكم تُنْكِرُونَ وُجُودَ كَلامٍ سِوى هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكم أنْ تَقُولُوا بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى حُدُوثِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ وآلِهِ مُسْلِمِينَ فَأقامُوا بِالمَدِينَةِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ: نُرِيدُ أنْ نَخْرُجَ إلى الصَّحْراءِ فائْذَنْ لَنا فِيهِ، فَأذِنَ لَهم، فَلَمّا خَرَجُوا لَمْ يَزالُوا يَرْحَلُونَ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً حَتّى لَحِقُوا بِالمُشْرِكِينَ فَتَكَلَّمَ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ مِثْلَنا لَبَقَوْا مَعَنا وصَبَرُوا كَما صَبَرْنا، وقالَ قَوْمٌ: هم مُسْلِمُونَ، ولَيْسَ لَنا أنْ نَنْسِبَهم إلى الكُفْرِ إلى أنْ يَظْهَرَ أمْرُهم، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى نِفاقَهم في هَذِهِ الآيَةِ.
الثّانِي: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ بِمَكَّةَ، وكانُوا يُعِينُونَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ. فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ فِيهِمْ وتَشاجَرُوا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
الثّالِثُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، فاخْتَلَفَ أصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ فِيهِمْ، فَمِنهم فِرْقَةٌ يَقُولُونَ: كَفَرُوا، وآخَرُونَ قالُوا: لَمْ يَكْفُرُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، ومِنهم مَن طَعَنَ في هَذا الوَجْهِ وقالَ: في نَسَقِ الآيَةِ ما يَقْدَحُ فِيهِ، وإنَّهم مِن أهْلِ مَكَّةَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
الرّابِعُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ ضَلُّوا وأخَذُوا أمْوالَ المُسْلِمِينَ وانْطَلَقُوا بِها إلى اليَمامَةِ فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ فِيهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ: وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
الخامِسُ: هُمُ العُرَنِيُّونَ الَّذِينَ أغارُوا وقَتَلُوا يَسارًا مَوْلى الرَّسُولِ ﷺ .
السّادِسُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في أهْلِ الإفْكِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَعْنى الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ ”فِئَتَيْنِ“ نُصِبَ عَلى الحالِ: كَقَوْلِكَ: ما لَكَ قائِمًا، أيْ ما لَكَ في حالِ القِيامِ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.
الثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى خَبَرِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: ما لَكم صِرْتُمْ في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، أيْ لِمَ تَخْتَلِفُونَ في كُفْرِهِمْ مَعَ أنَّ دَلائِلَ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، فَلَيْسَ لَكم أنْ تَخْتَلِفُوا فِيهِ بَلْ يَجِبُ أنْ تَقْطَعُوا بِكُفْرِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الحَسَنُ: إنَّما سَمّاهم مُنافِقِينَ وإنْ أظْهَرُوا الكُفْرَ لِأنَّهم وُصِفُوا بِالصِّفَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها مِن قَبْلُ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ ما بَيَّنّا أنَّ فِرْقَةً مِنهم كانَتْ تَمِيلُ إلَيْهِمْ وتَذُبُّ عَنْهم وتُوالِيهِمْ، وفِرْقَةً مِنهم تُبايِنُهم وتُعادِيهِمْ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في التَّبايُنِ والتَّبَرِّي والتَّكْفِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ كُفْرِهِمْ: ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الرَّكْسُ: رَدُّ الشَّيْءِ مِن آخِرِهِ إلى أوَّلِهِ، فالرَّكْسُ والنَّكْسُ والمَرْكُوسُ والمَنكُوسُ واحِدٌ، ومِنهُ يُقالُ لِلرَّوَثِ الرَّكْسُ لِأنَّهُ رُدَّ إلى حالَةٍ خَسِيسَةٍ، وهي حالَةُ النَّجاسَةِ، ويُسَمّى رَجِيعًا لِهَذا المَعْنى
صفحة ١٧٥
أيْضًا، وفِيهِ لُغَتانِ: رَكَسَهم وأرْكَسَهم فارْتَكَسُوا، أيِ ارْتَدُّوا. وقالَ أُمَيَّةُ.
فَأُرْكِسُوا في حَمِيمِ النّارِ إنَّهم كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُّورا
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ رَدَّهم إلى أحْكامِ الكُفّارِ مِنَ الذُّلِّ والصَّغارِ والسَّبْيِ والقَتْلِ بِما كَسَبُوا، أيْ بِما أظْهَرُوا مِنَ الِارْتِدادِ بَعْدَما كانُوا عَلى النِّفاقِ، وذَلِكَ أنَّ المُنافِقَ ما دامَ يَكُونُ مُتَمَسِّكًا في الظّاهِرِ بِالشَّهادَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَنا سَبِيلٌ إلى قَتْلِهِ، فَإذا أظْهَرَ الكُفْرَ فَحِينَئِذٍ يُجْرِي اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ أحْكامَ الكُفّارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أرْكَسَ ورَكَسَ لُغَتانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ اللَّهُ﴾ لَيْسَ أنَّهُ هو خَلَقَ الضَّلالَ فِيهِ لِلْوُجُوهِ المَشْهُورَةِ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما رَدَّهم وطَرَدَهم بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ وفِعْلِهِمْ، وذَلِكَ يَنْفِي القَوْلَ بِأنَّ إضْلالَهم حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ وعِنْدَ هَذا حَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِضَلالِهِمْ وكُفْرِهِمْ كَما يُقالُ فُلانٌ يُكَفِّرُ فُلانًا ويُضِلُّهُ: بِمَعْنى أنَّهُ حَكَمَ بِهِ وأخْبَرَ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّ المَعْنى أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا إلى الجَنَّةِ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى يُضِلُّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنِ الِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ هَذا الإضْلالُ مُفَسَّرًا بِمَنعِ الألْطافِ:
واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ ضَعْفَ هَذِهِ الوُجُوهِ، ثُمَّ نَقُولُ: هَبْ أنَّها صَحِيحَةٌ، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ، وأنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَقَدْ تَوَجَّهَ الإشْكالُ لِأنَّ انْقِلابَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى جَهْلًا مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أضَلَّهم عَنِ الدِّينِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ فالمُؤْمِنُونَ في الدُّنْيا إنَّما كانُوا يُرِيدُونَ مِنَ المُنافِقِينَ الإيمانَ ويَحْتالُونَ في إدْخالِهِمْ فِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أضَلَّهم عَنِ الإيمانِ امْتَنَعَ أنْ يَجِدَ المَخْلُوقُ سَبِيلًا إلى إدْخالِهِ في الإيمانِ، وهَذا ظاهِرٌ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨] وكانَ ذَلِكَ اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ قَرَّرَ ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِأنْ قالَ: إنَّهم بَلَغُوا في الكُفْرِ إلى أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أنْ تَصِيرُوا أيُّها المُسْلِمُونَ كُفّارًا، فَلَمّا بَلَغُوا في تَعَصُّبِهِمْ في الكُفْرِ إلى هَذا الحَدِّ فَكَيْفَ تَطْمَعُونَ في إيمانِهِمْ.
النساء 4:89
صفحة ١٧٦
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ رُفِعَ بِالنَّسَقِ عَلى ﴿تَكْفُرُونَ﴾ والمَعْنى: ودُّوا لَوْ تَكُونُونَ، والفاءُ عاطِفَةٌ ولا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ جَوابَ التَّمَنِّي، ولَوْ أرادَ ذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ إذا كَفَرُوا اسْتَوَوْا لَكانَ نَصْبًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ولَوْ قِيلَ: ”فَيُدْهِنُوا“ عَلى الجَوابِ لَكانَ ذَلِكَ جائِزًا في الإعْرابِ، ومِثْلُهُ: ﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ أيْ في الكُفْرِ، والمُرادُ فَتَكُونُونَ أنْتُمْ وهم سَواءٌ إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ المُخاطَبِينَ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِمْ لِوُضُوحِ المَعْنى بِسَبَبِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ لِلْمُؤْمِنِينَ كُفْرَهم وشِدَّةَ غُلُوِّهم في ذَلِكَ الكُفْرِ.
* * *
فَبَعْدَ ذَلِكَ شَرَحَ لِلْمُؤْمِنِينَ كَيْفِيَّةَ المُخالَطَةِ مَعَهم فَقالَ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مُوالاةُ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمُشْتَهِرِينَ بِالزَّنْدَقَةِ والإلْحادِ، وهَذا مُتَأكِّدٌ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أعَزَّ الأشْياءِ وأعْظَمَها عِنْدَ جَمِيعِ الخَلْقِ هو الدِّينُ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الأمْرُ الَّذِي بِهِ يُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى، ويُتَوَسَّلُ بِهِ إلى طَلَبِ السَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ العَداوَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِهِ أعْظَمَ أنْواعِ العَداوَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ طَلَبُ المَحَبَّةِ والوِلايَةِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ أعْظَمُ مُوجِباتِ العَداوَةِ حاصِلًا فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: التَّقْدِيرُ حَتّى يُسْلِمُوا ويُهاجِرُوا، لِأنَّ الهِجْرَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الإسْلامِ، فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى إيجابِ الهِجْرَةِ بَعْدَ الإسْلامِ، وأنَّهم وإنْ أسْلَمُوا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنا وبَيْنَهم مُوالاةٌ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ إنَّما كانَ لازِمًا حالَ ما كانَتِ الهِجْرَةُ مَفْرُوضَةً قالَ ﷺ: ”«أنا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ أقامَ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ وأنا بَرِيءٌ مَن كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ» “ فَكانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً إلى أنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ، ثُمَّ نُسِخَ فَرْضُ الهِجْرَةِ. عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ”«لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ» “ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ ثابِتٌ في كُلِّ مَن أقامَ في دارِ الحَرْبِ فَرَأى فَرْضَ الهِجْرَةِ إلى دارِ الإسْلامِ قائِمًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الهِجْرَةَ تارَةً تَحْصُلُ بِالِانْتِقالِ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإيمانِ، وأُخْرى تَحْصُلُ بِالِانْتِقالِ عَنْ أعْمالِ الكُفّارِ إلى أعْمالِ المُسْلِمِينَ، قالَ ﷺ: ”«المُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ» “ وقالَ المُحَقِّقُونَ: الهِجْرَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ الهِجْرَةِ عَنْ تَرْكِ مَأْمُوراتِهِ وفِعْلِ مَنهِيّاتِهِ، ولَمّا كانَ كُلُّ هَذِهِ الأُمُورِ مُعْتَبَرًا لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَفْظًا عامًّا يَتَناوَلُ الكُلَّ فَقالَ: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: حَتّى يُهاجِرُوا عَنِ الكُفْرِ، بَلْ قالَ: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ مُهاجِرَةُ دارِ الكُفْرِ ومُهاجِرَةُ شِعارِ الكُفْرِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ تَعالى عَلى ذِكْرِ الهِجْرَةِ، بَلْ قَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ رُبَّما كانَتِ الهِجْرَةُ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ، ومِن شِعارِ الكُفْرِ إلى شِعارِ الإسْلامِ لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ الدُّنْيا، إنَّما المُعْتَبَرُ وُقُوعُ تِلْكَ الهِجْرَةِ لِأجْلِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
النساء 4:90
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ . والمَعْنى فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الهِجْرَةِ ولَزِمُوا مَواضِعَهم خارِجًا عَنِ المَدِينَةِ فَخُذُوهم إذا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِمْ، واقْتُلُوهم أيْنَما وجَدْتُمُوهم في الحِلِّ والحَرَمِ، ولا تَتَّخِذُوا مِنهم في هَذِهِ الحالَةِ ولِيًّا يَتَوَلّى شَيْئًا مِن مُهِمّاتِكم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُكم عَلى أعْدائِكم.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِقَتْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ اسْتَثْنى مِنهُ مَوْضِعَيْنِ.
﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿يَصِلُونَ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: يَنْتَهُونَ إلَيْهِمْ ويَتَّصِلُونَ بِهِمْ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في عَهْدِ مَن كانَ داخِلًا في عَهْدِكم فَهم أيْضًا داخِلُونَ في عَهْدِكم. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ يَدْخُلُ في الآيَةِ أنْ يَقْصِدَ قَوْمٌ حَضْرَةَ الرَّسُولِ ﷺ فَيَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ المَطْلُوبُ فَيَلْجَأُوا إلى قَوْمٍ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ عَهْدٌ إلى أنْ يَجِدُوا السَّبِيلَ إلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَصِلُونَ﴾ مَعْناهُ يَنْتَسِبُونَ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ أكْثَرُهم كانُوا مُتَّصِلِينَ بِالرَّسُولِ مِن جِهَةِ النَّسَبِ مَعَ أنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ أباحَ دَمَ الكُفّارِ مِنهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ عَهْدٌ مَن هم ؟ قالَ بَعْضُهم هُمُ الأسْلَمِيُّونَ فَإنَّهُ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وادَعَ وقْتَ خُرُوجِهِ إلى مَكَّةَ هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيَّ عَلى أنْ لا يَعْصِيَهُ ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، وعَلى أنَّ كُلَّ مَن وصَلَ إلى هِلالٍ ولَجَأ إلَيْهِ فَلَهُ مِنَ الجِوارِ مِثْلُ ما لِهِلالٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: هم خُزاعَةُ وخُزَيْمَةُ بْنُ عَبْدِ مَناةَ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ بِشارَةً عَظِيمَةً لِأهْلِ الإيمانِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا رَفَعَ السَّيْفَ عَمَّنِ التَجَأ إلى مَنِ التَجَأ إلى المُسْلِمِينَ، فَبِأنْ يَرْفَعَ العَذابَ في الآخِرَةِ عَمَّنِ التَجَأ إلى مَحَبَّةِ اللَّهِ ومَحَبَّةِ رَسُولِهِ كانَ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
* المَوْضِعُ الثّانِي في الِاسْتِثْناءِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٧٨
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ جاءُوكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى صِلَةِ ”الَّذِينَ“ والتَّقْدِيرُ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ بِالمُعاهَدِينَ أوِ الَّذِينَ حَصِرَتْ صُدُورُهم فَلا يُقاتِلُونَكم، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى صِفَةِ ”قَوْمٍ“ والتَّقْدِيرُ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ، أوْ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ حَصِرَتْ صُدُورُهم فَلا يُقاتِلُونَكم، والأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ وإنَّما ذَكَرَ هَذا بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّبَبَ المُوجِبَ لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهم هو تَرْكُهم لِلْقِتالِ، وهَذا إنَّما يَتَمَشّى عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ، وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فالسَّبَبُ المُوجِبُ لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهم هو الِاتِّصالُ بِمَن تَرَكَ القِتالَ.
الثّانِي: أنَّ جَعْلَ تَرْكِ القِتالِ مُوجِبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ أوْلى مِن جَعْلِ الِاتِّصالِ بِمَن تَرَكَ القِتالَ سَبَبًا قَرِيبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ، لِأنَّ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ تَرْكُ القِتالِ سَبَبًا قَرِيبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ، وعَلى السَّبَبِ الثّانِي يَصِيرُ سَبَبًا بَعِيدًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ مَعْناهُ ضاقَتْ صُدُورُهم عَنِ المُقاتَلَةِ فَلا يُرِيدُونَ قِتالَكم لِأنَّكم مُسْلِمُونَ، ولا يُرِيدُونَ قِتالَهم لِأنَّهم أقارِبُهم. واخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ قَوْلِهِ: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ وذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ بِإضْمارِ ”قَدْ“ وذَلِكَ لِأنَّ ”قَدْ“ تُقَرِّبُ الماضِيَ مِنَ الحالِ، ألا تَراهم يَقُولُونَ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، ويُقالُ أتانِي فُلانٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ أتانِي فُلانٌ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أوْ جاءُوكم حالَ ما حَصِرَتْ صُدُورُهم.
الثّانِي: أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، كَأنَّهُ قالَ: أوْ جاءُوكم؛ ثُمَّ أخْبَرَ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ بَدَلًا مِن ﴿جاءُوكُمْ﴾ .
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: جاءُوكم قَوْمًا حَصِرَتْ صُدُورُهم أوْ جاءُوكم رِجالًا حَصِرَتْ صُدُورُهم، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ نُصِبَ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ المَوْصُوفَ المُنْتَصِبَ عَلى الحالِ، وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ مَعْناهُ ضاقَتْ قُلُوبُهم عَنْ قِتالِكم وعَنْ قِتالِ قَوْمِهِمْ فَهم لا عَلَيْكم ولا لَكم.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ تَعالى أهم مِنَ الكُفّارِ أوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ؟ فَقالَ الجُمْهُورُ: هم مِنَ الكُفّارِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ قَتْلَ الكافِرِ إلّا إذا كانَ مُعاهِدًا أوْ تارِكًا لِلْقِتالِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ قَتْلُهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالقَوْلُ بِالنَّسْخِ لازِمٌ لِأنَّ الكافِرَ وإنْ تَرَكَ القِتالَ فَإنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الهِجْرَةَ عَلى كُلِّ مَن أسْلَمَ اسْتَثْنى مَن لَهُ عُذْرٌ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ وهم قَوْمٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَصَدُوا الرَّسُولَ لِلْهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، إلّا أنَّهم كانَ في طَرِيقِهِمْ مِنَ الكُفّارِ ما لَمْ يَجِدُوا طَرِيقًا إلَيْهِ خَوْفًا مِن أُولَئِكَ الكُفّارِ، فَصارُوا إلى قَوْمٍ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَهم عَهْدٌ وأقامُوا عِنْدَهم إلى أنْ يُمْكِنَهُمُ الخَلاصَ، واسْتَثْنى بَعْدَ ذَلِكَ مَن صارَ إلى الرَّسُولِ ولا يُقاتِلُ الرَّسُولَ ولا أصْحابَهُ، لِأنَّهُ يَخافُ اللَّهَ تَعالى فِيهِ، ولا يُقاتِلُ الكُفّارَ أيْضًا لِأنَّهم أقارِبُهُ، أوْ لِأنَّهُ أبْقى أوْلادَهُ وأزْواجَهُ بَيْنَهم، فَيَخافُ لَوْ قاتَلَهم أنْ يَقْتُلُوا أوْلادَهُ وأصْحابَهُ، فَهَذانِ الفَرِيقانِ مِنَ المُسْلِمِينَ لا يَحِلُّ قِتالُهم وإنْ كانَ لَمْ يُوجَدْ مِنهُمُ الهِجْرَةُ ولا مُقاتَلَةُ الكُفّارِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ التَّسْلِيطُ في اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاطَةِ وهي الحِدَّةُ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَّ عَلى المُسْلِمِينَ بِكَفِّ بَأْسِ المُعاهَدِينَ، والمَعْنى: أنَّ ضِيقَ صُدُورِهِمْ عَنْ قِتالِكم إنَّما هو لِأنَّ اللَّهَ قَذَفَ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، ولَوْ أنَّهُ تَعالى قَوّى قُلُوبَهم عَلى قِتالِ المُسْلِمِينَ لَتَسَلَّطُوا عَلَيْهِمْ. قالَ أصْحابُنا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَسْلِيطُ الكافِرِ عَلى المُؤْمِنِ وتَقْوِيَتُهُ عَلَيْهِ،
صفحة ١٧٩
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ قَدْ بَيَّنّا أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ تَعالى قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ لا كافِرُونَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى الآيَةِ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أنْ أقْدَمْتُمْ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ.
والثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَفَعَلَ، وهَذا لا يُفِيدُ إلّا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الظُّلْمِ، وهَذا مَذْهَبُنا إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ الظُّلْمَ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ شاءَ ذَلِكَ وأرادَهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ جَوابٌ ”لِلَوْ“ عَلى التَّكْرِيرِ أوِ البَدَلِ، عَلى تَأْوِيلِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَقاتَلُوكم. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”فَلَقَتَّلُوكم“ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ، أيِ الِانْقِيادَ والِاسْتِسْلامَ، وقُرِئَ بِسُكُونِ اللّامِ مَعَ فَتْحِ السِّينِ ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ فَما أذِنَ لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وقالَ قَوْمٌ: إنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، أمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الِاسْتِثْناءَ عَلى المُسْلِمِينَ فَذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى قَوْلِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الِاسْتِثْناءَ عَلى الكافِرِينَ فَقالَ الأصَمُّ: إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى المُعاهَدِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها مَنسُوخَةٌ.
النساء 4:91
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: هم قَوْمٌ مِن أسَدٍ وغَطَفانَ، كانُوا إذا أتَوُا المَدِينَةَ أسْلَمُوا وعاهَدُوا، وغَرَضُهم أنْ يَأْمَنُوا المُسْلِمِينَ، فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ كَفَرُوا ونَكَثُوا عُهُودَهم ﴿كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ كُلَّما دَعاهم قَوْمُهم إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ أيْ رُدُّوا مَغْلُوبِينَ مَنكُوسِينَ فِيها، وهَذا اسْتِعارَةٌ لِشِدَّةِ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وعَداوَةِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ مَن وقَعَ في شَيْءٍ مَنكُوسًا يَتَعَذَّرُ خُرُوجُهُ مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ .
والمَعْنى: فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا قِتالَكم ولَمْ يَطْلُبُوا الصُّلْحَ مِنكم ولَمْ يَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم. قالَ الأكْثَرُونَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم إذا اعْتَزَلُوا قِتالَنا وطَلَبُوا الصُّلْحَ مِنّا وكَفُّوا أيْدِيَهم عَنْ إيذائِنا لَمْ يَجُزْ لَنا قِتالُهم ولا قَتْلُهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] فَخَصَّ
صفحة ١٨٠
الأمْرَ بِالقِتالِ لِمَن يُقاتِلُنا دُونَ مَن لَمْ يُقاتِلْنا. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُعَلَّقَ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَلى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وقَدْ شَرَحْنا الحالَ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ .
وفِي السُّلْطانِ المُبِينِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ظَهَرَ عَلى جَوازِ قَتْلِ هَؤُلاءِ حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ، وهي ظُهُورُ عَداوَتِهِمْ وانْكِشافُ حالِهِمْ في الكُفْرِ والغَدْرِ، وإضْرارُهم بِأهْلِ الإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّ السُّلْطانَ المُبِينَ هو إذْنُ اللَّهِ تَعالى لِلْمُسْلِمِينَ في قَتْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ.
النساء 4:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ في مُقاتَلَةِ الكُفّارِ، وحَرَّضَ عَلَيْها، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المُحارَبَةِ، فَمِنها أنَّهُ تَعالى لَمّا أذِنَ في قَتْلِ الكُفّارِ فَلا شَكَّ أنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ أنْ يَرى الرَّجُلُ رَجُلًا يَظُنُّهُ كافِرًا حَرْبِيًّا فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ هَذِهِ الواقِعَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: رَوى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ «أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ كانَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَأخْطَأ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّ أباهُ اليَمانَ واحِدٌ مِنَ الكُفّارِ، فَأخَذُوهُ وضَرَبُوهُ بِأسْيافِهِمْ وحُذَيْفَةُ يَقُولُ: إنَّهُ أبِي فَلَمْ يَفْهَمُوا قَوْلَهُ إلّا بَعْدَ أنْ قَتَلُوهُ، فَقالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، فَلَمّا سَمِعَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ ازْدادَ وقْعُ حُذَيْفَةَ عِنْدَهُ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:
الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الآيَةَ «نَزَلَتْ في أبِي الدَّرْداءِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في سَرِيَّةٍ فَعَدَلَ إلى شِعْبٍ لِحاجَةٍ لَهُ فَوَجَدَ رَجُلًا في غَنَمٍ لَهُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقَتَلَهُ وساقَ غَنَمَهُ ثُمَّ وجَدَ في نَفْسِهِ شَيْئًا، فَذَكَرَ الواقِعَةَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ“» ونَدِمَ أبُو الدَّرْداءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
صفحة ١٨١
.
الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ أنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وكانَ أخًا لِأبِي جَهْلٍ مِن أُمِّهِ، أسْلَمَ وهاجَرَ خَوْفًا مِن قَوْمِهِ إلى المَدِينَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ هِجْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ، فَأقْسَمَتْ أُمُّهُ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ ولا تَجْلِسُ تَحْتَ سَقْفٍ حَتّى يَرْجِعَ، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ ومَعَهُ الحَرْثُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ فَأتَياهُ وطَوَّلا في الأحادِيثِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ألَيْسَ أنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُكَ بِبِرِّ الأُمِّ فانْصَرِفْ وأحْسِنْ إلى أُمِّكَ وأنْتَ عَلى دِينِكَ فَرَجَعَ، فَلَمّا دَنَوْا مِن مَكَّةَ قَيَّدُوا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وجَلَدَهُ أبُو جَهْلٍ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وجَلَدَهُ الحَرْثُ مِائَةً أُخْرى، فَقالَ لِلْحَرْثِ: هَذا أخِي فَمَن أنْتَ يا حَرْثُ، لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ وجَدْتُكَ خالِيًا أنْ أقْتُلَكَ. ورُوِيَ أنَّ الحَرْثَ قالَ لِعَيّاشٍ حِينَ رَجَعَ: إنْ كانَ دِينُكَ الأوَّلُ هُدًى فَقَدْ تَرَكْتَهُ وإنْ كانَ ضَلالًا فَقَدْ دَخَلْتَ الآنَ فِيهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى عَيّاشٍ وحَلَفَ أنْ يَقْتُلَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلى أُمِّهِ حَلَفَتْ أُمُّهُ لا يَزُولُ عَنْهُ القَيْدُ حَتّى يَرْجِعَ إلى دِينِهِ الأوَّلِ فَفَعَلَ، ثُمَّ هاجَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وأسْلَمَ الحَرْثُ أيْضًا وهاجَرَ، فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ خالِيًا ولَمْ يَشْعُرْ بِإسْلامِهِ فَقَتَلَهُ، فَلَمّا أُخْبِرَ بِأنَّهُ كانَ مُسْلِمًا نَدِمَ عَلى فِعْلِهِ وأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالَ: قَتَلْتُهُ ولَمْ أشْعُرْ بِإسْلامِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أيْ وما كانَ فِيما أتاهُ مِن رَبِّهِ وعَهِدَ إلَيْهِ.
الثّانِي: ما كانَ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ ذَلِكَ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّ حُرْمَةَ القَتْلِ كانَتْ ثابِتَةً مِن أوَّلِ زَمانِ التَّكْلِيفِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا خَطَأً﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والذّاهِبُونَ إلى هَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ ورَدَ عَلى طَرِيقِ المَعْنى، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النِّساءِ: ٩٢ ] مَعْناهُ أنَّهُ يُؤاخِذُ الإنْسانَ عَلى القَتْلِ إلّا إذا كانَ القَتْلُ قَتْلَ خَطَأٍ فَإنَّهُ لا يُؤاخَذُ بِهِ.
الثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ صَحِيحٌ أيْضًا عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، والمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا البَتَّةَ إلّا عِنْدَ الخَطَأِ. وهو ما إذا رَأى عَلَيْهِ شِعارَ الكُفّارِ، أوْ وجَدَهُ في عَسْكَرِهِمْ فَظَنَّهُ مُشْرِكًا، فَهَهُنا يَجُوزُ قَتْلُهُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا خَطَأٌ، فَإنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ كافِرٌ مَعَ أنَّهُ ما كانَ كافِرًا.
الثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: وما كانَ مُؤْمِنٌ لِيَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] تَأْوِيلُهُ: ما كانَ اللَّهُ لِيَتَّخِذَ مِن ولَدٍ، لِأنَّهُ تَعالى لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إنَّما يَنْفِي عَنْهُ ما لا يَلِيقُ بِهِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] مَعْناهُ ما كُنْتُمْ لِتُنْبِتُوا، لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ أنْ يُنْبِتُوا الشَّجَرَ، إنَّما نَفى عَنْهم أنْ يُمْكِنَهم إنْباتَها، فَإنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى إنْباتِ الشَّجَرِ.
الرّابِعُ: أنَّ وجْهَ الإشْكالِ في حَمْلِ هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وهو أنْ يُقالَ: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، وهَذا يَقْتَضِي الإطْلاقَ في قَتْلِ المُؤْمِنِ في بَعْضِ الأحْوالِ، وذَلِكَ مُحالٌ، إلّا أنَّ هَذا الإشْكالَ إنَّما يَلْزَمُ إذا سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، وذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الأُصُولِيِّينَ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَقْتَضِيهِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ يَقْتَضِي صَرْفَ الحُكْمِ عَنِ المُسْتَثْنى لا صَرْفَ المَحْكُومِ بِهِ عَنْهُ، وإذا كانَ تَأْثِيرُ الِاسْتِثْناءِ في صَرْفِ الحُكْمِ فَقَطْ بَقِيَ المُسْتَثْنى غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ، وحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ الإشْكالُ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِإثْباتٍ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِطَهُورٍ ولا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ» “ ويُقالُ: لا مُلْكَ إلّا بِالرِّجالِ ولا رِجالَ إلّا بِالمالِ، والِاسْتِثْناءُ في جُمْلَةِ هَذِهِ الصُّوَرِ لا يُفِيدُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ المُسْتَثْنى مِنَ النَّفْيِ إثْباتًا واللَّهُ أعْلَمُ.
الخامِسُ: قالَ أبُو هاشِمٍ وهو أحَدُ رُؤَساءِ المُعْتَزِلَةِ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا فَيَبْقى مُؤْمِنًا، إلّا أنْ يَقْتُلَهُ
صفحة ١٨٢
خَطَأً فَيَبْقى حِينَئِذٍ مُؤْمِنًا، قالَ: والمُرادُ أنَّ قَتْلَ المُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا، إلّا أنْ يَكُونَ خَطَأً فَإنَّهُ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ بِناءً عَلى أنَّ الفاسِقَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وهو أصْلٌ باطِلٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى لَكِنْ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ. قالَ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ [النساء: ٢٩] وقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] وقالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥] واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿خَطَأً﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ ما يَنْبَغِي أنْ يَقْتُلَهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ، إلّا لِكَوْنِهِ خَطَأً.
الثّانِي: أنَّهُ حالٌ، والتَّقْدِيرُ: لا يَقْتُلُهُ البَتَّةَ إلّا حالَ كَوْنِهِ خَطَأً.
الثّالِثُ: أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ. والتَّقْدِيرُ: إلّا قَتْلًا خَطَأً.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: القَتْلُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: عَمْدٌ، وخَطَأٌ، وشِبْهُ عَمْدٍ.
أمّا العَمْدُ: فَهو أنْ يَقْصِدَ قَتْلَهُ بِالسَّبَبِ الَّذِي يُعْلَمُ إفْضاءُهُ إلى المَوْتِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ جارِحًا أوْ لَمْ يَكُنْ، وهَذا قَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ.
وأمّا الخَطَأُ فَضَرْبانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَقْصِدَ رَمْيَ المُشْرِكِ أوِ الطّائِرِ فَأصابَ مُسْلِمًا.
والثّانِي: أنْ يَظُنَّهُ مُشْرِكًا بِأنْ كانَ عَلَيْهِ شِعارُ الكُفّارِ، والأوَّلُ خَطَأٌ في الفِعْلِ، والثّانِي خَطَأٌ في القَصْدِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ: القَتْلُ بِالمُثْقَلِ لَيْسَ بِعَمْدٍ مَحْضٍ، بَلْ هو خَطَأٌ وشِبْهُ عَمْدٍ، فَيَكُونُ داخِلًا تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ فَتَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ والكَفّارَةُ، ولا يَجُبْ فِيهِ القِصاصُ. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ عَمْدٌ مَحْضٌ يَجِبُ فِيهِ القِصاصُ. أمّا بَيانُ أنَّهُ قَتْلٌ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَهو أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ وكَزَ القِبْطِيَّ فَقَضى عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الوَكْزَ يُسَمّى بِالقَتْلِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ حَكى أنَّ القِبْطِيَّ قالَ في اليَوْمِ الثّانِي: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] وكانَ الصّادِرُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأمْسِ لَيْسَ إلّا الوَكْزَ، فَثَبَتَ أنَّ القِبْطِيَّ سَمّاهُ قَتْلًا، وأيْضًا أنَّ مُوسى صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ سَمّاهُ قَتْلًا حَيْثُ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ قَتْلُ ذَلِكَ القِبْطِيِّ بِذَلِكَ الوَكْزِ، وأيْضًا أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ قَتْلًا حَيْثُ قالَ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] فَثَبَتَ أنَّ الوَكْزَ قَتْلٌ بِقَوْلِ القِبْطِيِّ وبِقَوْلِ مُوسى وبِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ ﷺ: ”«ألا إنَّ قَتِيلَ الخَطَأِ العَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ والعَصا فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ» “ فَسَمّاهُ قَتْلًا، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ أنَّهُ حَصَلَ القَتْلُ، وأمّا أنَّهُ عَمْدٌ فالشّاكُّ فِيهِ داخِلٌ في السَّفْسَطَةِ فَإنَّ مَن ضَرَبَ رَأْسَ إنْسانٍ بِحَجَرِ الرَّحا، أوْ صَلَبَهُ أوْ غَرَّقَهُ، أوْ خَنَقَهُ ثُمَّ قالَ: ما قَصَدْتُ بِهِ قَتْلَهُ كانَ ذَلِكَ إمّا كاذِبًا أوْ مَجْنُونًا، وإمّا أنَّهُ عُدْوانٌ فَلا يُنازِعُ فِيهِ مُسْلِمٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ قَتْلٌ عَمْدٌ عُدْوانٌ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ القِصاصُ بِالنَّصِّ والمَعْقُولِ.
صفحة ١٨٣
أمّا النَّصُّ: فَهو جَمِيعُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ القِصاصِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
وأمّا المَعْقُولُ: فَهو أنَّ المَقْصُودَ مِن شَرْعِ القِصاصِ صِيانَةُ النُّفُوسِ والأرْواحِ عَنِ الإهْدارِ. قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وإذا كانَ المَقْصُودُ مِن شَرْعِ القِصاصِ صِيانَةُ النُّفُوسِ والأرْواحِ عَنِ الإهْدارِ، والإهْدارُ مِنَ المُثْقَلِ كَهو في المُحَدَّدِ كانَتِ الحاجَةُ إلى شَرْعِ الزّاجِرِ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ كالحاجَةِ إلَيْهِ في الصُّورَةِ الأُخْرى، ولا تَفاوُتَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ في نَفْسِ الإهْدارِ، إنَّما التَّفاوُتُ حاصِلٌ في آلَةِ الإهْدارِ، والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حاصِلٌ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، والكَلامُ في الفِقْهِيّاتِ إذا وصَلَ إلى هَذا الحَدِّ فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى في التَّحْقِيقِ لِمَن تَرَكَ التَّقْلِيدَ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«ألا إنَّ قَتِيلَ الخَطَأِ العَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ والعَصا فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ» “ وهو عامٌّ سَواءٌ كانَ السَّوْطُ والعَصا صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ”قَتِيلُ الخَطَأِ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْنى الخَطَأِ حاصِلًا فِيهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن خَنَقَ إنْسانًا أوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرِ الرَّحا، ثُمَّ قالَ: ما كُنْتُ أقْصِدُ قَتْلَهُ، فَإنَّ كُلَّ عاقِلٍ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ يَعْلَمُ أنَّهُ كاذِبٌ في هَذا المَقالِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الضَّرْبِ عَلى الضَّرْبِ بِالعَصا الصَّغِيرَةِ حَتّى يَبْقى مَعْنى الخَطَأِ فِيهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ: القَتْلُ العَمْدُ لا يُوجِبُ الكَفّارَةَ، وقالَ الشّافِعِيُّ: يُوجِبُ. احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الكَفّارَةِ وعِنْدَ انْتِفاءِ الشَّرْطِ لا يَحْصُلُ المَشْرُوطُ، فَيُقالُ لَهُ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فَقَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ [النساء: ٢٥] ما كانَ شَرْطًا لِجَوازِ نِكاحِ الأمَةِ عَلى قَوْلِكم، فَكَذَلِكَ هَهُنا. ثُمَّ نَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الكَفّارَةِ في القَتْلِ العَمْدِ الخَبَرُ والقِياسُ.
أمّا الخَبَرُ فَهو ما رَوى واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ قالَ: «أتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في صاحِبٍ لَنا أوْجَبَ النّارَ بِالقَتْلِ، فَقالَ: أعْتِقُوا عَنْهُ يَعْتِقِ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنهُ عُضْوًا مِنهُ مِنَ النّارِ» .
وأمّا القِياسُ: فَهو أنَّ الغَرَضَ مِن إعْتاقِ العَبْدِ هو أنْ يَعْتِقَهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ، والحاجَةُ إلى هَذا المَعْنى في القَتْلِ العَمْدِ أتَمُّ، فَكانَتِ الحاجَةُ فِيهِ إلى إيجابِ الكَفّارَةِ أتَمَّ واللَّهُ أعْلَمُ.
وذَكَرَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حُجَّةً أُخْرى مِن قِياسِ الشَّبَهِ فَقالَ: لَمّا وجَبَتِ الكَفّارَةُ في قَتْلِ الصَّيْدِ في الإحْرامِ سَوَّيْنا بَيْنَ العامِدِ وبَيْنَ الخاطِئِ إلّا في الإثْمِ، فَكَذا في قَتْلِ المُؤْمِنِ، ولِهَذا الكَلامِ تَأْكِيدٌ آخَرُ وهو أنْ يُقالَ: نَصَّ اللَّهُ تَعالى هُناكَ في العامِدِ، وأوْجَبْنا عَلى الخاطِئِ. فَهَهُنا نَصَّ عَلى الخاطِئِ، فَبِأنْ نُوجِبَهُ عَلى العامِدِ مَعَ أنَّ احْتِياجَ العامِدِ إلى الإعْتاقِ المُخْلِصِ لَهُ عَنِ النّارِ أشَدُّ كانَ ذَلِكَ أوْلى.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ: لا تَجْزِي الرَّقَبَةُ إلّا إذا صامَ وصَلّى، وقالَ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: يَجْزِي الصَّبِيَّ إذا كانَ أحَدُ أبَوَيْهِ مُسْلِمًا.
حُجَّةُ ابْنِ عَبّاسٍ هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّهُ تَعالى أوْجَبَ تَحْرِيرَ الرَّقَبَةِ المُؤْمِنَةِ، والمُؤْمِنُ مَن يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالإيمانِ،
صفحة ١٨٤
والإيمانُ إمّا التَّصْدِيقُ وإمّا العَمَلُ وإمّا المَجْمُوعُ، وعَلى التَّقْدِيراتِ فالكُلُّ فائِتٌ عَنِ الصَّبِيِّ فَلَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، فَوَجَبَ أنْ لا يَجْزِيَ.
حُجَّةُ الفُقَهاءُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الصَّغِيرُ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ الصَّغِيرُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الدِّيَةُ في العَمْدِ المَحْضِ وفي شِبْهِ العَمْدِ مُغَلَّظَةٌ مُثَلَّثَةٌ ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وأرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِها أوْلادُها.
وأمّا في الخَطَأِ المَحْضِ فَمُخَفَّفَةٌ: عِشْرُونَ بَناتِ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بَناتِ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ، وعِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً. وأمّا أبُو حَنِيفَةَ فَهو أيْضًا هَكَذا يَقُولُ في الكُلِّ إلّا في شَيْءٍ واحِدٍ فَإنَّهُ أوْجَبَ بَنِي مَخاضٍ بَدَلًا عَنْ بَناتٍ لَبُونٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ الدِّيَةَ في القُرْآنِ ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الدِّيَةِ فَرَجَعْنا في مَعْرِفَةِ الكَيْفِيَّةِ إلى السُّنَّةِ والقِياسِ، فَلَمْ نَجِدْ في السُّنَّةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وأمّا القِياسُ فَإنَّهُ لا مَجالَ لِلْمُناسَباتِ والتَّعْلِيلاتِ المَعْقُولَةِ في تَعْيِينِ الأسْبابِ وتَعْيِينِ الأعْدادِ، فَلَمْ يَبْقَ هَهُنا مَطْمَعٌ إلّا في قِياسِ الشَّبَهِ، ونَرى أنَّ الدِّيَةَ وجَبَتْ بِسَبَبٍ أقْوى مِنَ السَّبَبِ المُوجِبِ لِلزَّكاةِ، ثُمَّ إنّا رَأيْنا أنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَجْعَلْ لِبَنِي مَخاضٍ دَخْلًا في بابِ الزَّكاةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ لَها دَخْلٌ في بابِ الدِّيَةِ أيْضًا. وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ البَراءَةَ كانَتْ ثابِتَةٌ، والأصْلُ في الثّابِتِ البَقاءُ، فَكانَتِ البَراءَةُ الأصْلِيَّةُ باقِيَةً، ولا يُعْدَلُ عَنْ هَذا الدَّلِيلِ إلّا لِدَلِيلٍ أقْوى مِنهُ فَنَقُولُ: الأوَّلُ هو المُتَّفَقُ عَلَيْهِ فاعْتَرَفْنا بِوُجُوبِهِ: وأمّا الزّائِدُ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى النَّفْيِ الأصْلِيِّ.
والجَوابُ: أنَّ الذِّمَّةَ مَشْغُولَةٌ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ، والأصْلُ في الثّابِتِ البَقاءُ، وقَدْ رَأيْنا حُصُولَ الِاتِّفاقِ عَلى السُّقُوطِ بِأداءِ أكْثَرِ ما قِيلَ فِيهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ ذَلِكَ السُّقُوطُ عِنْدَ أداءِ أقَلِّ ما فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا لَمْ تُوجَدِ الإبِلُ، فالواجِبُ إمّا ألْفُ دِينارٍ، أوِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: بَلِ الواجِبُ عَشَرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ: ما رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. قالَ: «كانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمانِمِائَةِ دِينارٍ، وثَمانِيَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، فَلَمّا اسْتَخْلَفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قامَ خَطِيبًا. وقالَ: إنَّ الإبِلَ قَدْ غَلَتْ أثْمانُها، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ فَرَضَها عَلى أهْلِ الذَّهَبِ ألْفَ دِينارٍ، وعَلى أهْلِ الوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا»، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ في مَجْمَعِ الصَّحابَةِ وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ فَكانَ إجْماعًا. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ: أنَّ الأخْذَ بِالأقَلِّ أوْلى، وقَدْ سَبَقَ جَوابُهُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ وجُمْهُورُ الخَوارِجِ: الدِّيَةُ واجِبَةٌ عَلى القاتِلِ، قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ لا شَكَّ أنَّهُ إيجابٌ لِهَذا التَّحْرِيرِ، والإيجابُ لا بُدَّ فِيهِ مِن شَخْصٍ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الفِعْلُ، والمَذْكُورُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ هو القاتِلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ فَهَذا التَّرْتِيبُ يُوجِبُ القَطْعَ بِأنَّ هَذا التَّحْرِيرَ إنَّما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الجِنايَةَ صَدَرَتْ مِنهُ، والمَعْقُولُ هو أنَّ الضَّمانَ لا يَجِبُ إلّا عَلى المُتْلِفِ، أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذا الفِعْلَ صَدَرَ عَنْهُ عَلى سَبِيلِ الخَطَأِ. ولَكِنَّ الفِعْلَ الخَطَأ قائِمٌ في قِيَمِ المُتْلَفاتِ وأُرُوشِ الجِناياتِ، مَعَ أنَّ تِلْكَ الضَّماناتِ لا تَجِبُ إلّا عَلى المُتْلِفِ، فَكَذا هَهُنا.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ في هَذِهِ الآيَةِ شَيْئَيْنِ: تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ المُؤْمِنَةِ، وتَسْلِيمُ الدِّيَةِ الكامِلَةِ، ثُمَّ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى أنَّ التَّحْرِيرَ واجِبٌ عَلى الجانِي، فَكَذا الدِّيَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ
صفحة ١٨٥
واجِبَةً عَلى القاتِلِ، ضَرُورَةَ أنَّ اللَّفْظَ واحِدٌ في المَوْضِعَيْنِ.
. الرّابِعُ: أنَّ العاقِلَةَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم جِنايَةٌ ولا ما يُشْبِهُ الجِنايَةَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَلْزَمَهم شَيْءٌ لِلْقُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ٢٩] وقالَ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وأمّا الخَبَرُ فَما رُوِيَ «أنَّ أبا رِمْثَةَ دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ومَعَهُ ابْنُهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَن هَذا ؟ فَقالَ ابْنِي، قالَ: إنَّهُ لا يَجْنِي عَلَيْكَ ولا تَجْنِي عَلَيْهِ»، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ الإخْبارَ عَنْ نَفْسِ الجِنايَةِ إنَّما المَقْصُودُ بَيانُ أنَّ أثَرَ جِنايَتِكَ لا يَتَعَدّى إلى ولَدِكَ وبِالعَكْسِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إيجابَ الدِّيَةِ عَلى الجانِي أوْلى مِن إيجابِها عَلى الغَيْرِ.
الخامِسُ: أنَّ النُّصُوصَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مالَ الإنْسانِ مَعْصُومٌ وأنَّهُ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ أنْ يَأْخُذَهُ مِنهُ. قالَ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ [النساء: ٢٩] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«كُلُّ امْرِئٍ أحَقُّ بِكَسْبِهِ» “ وقالَ: ”«حُرْمَةُ مالِ المُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ» “ وقالَ: ”«لا يَحِلُّ مالُ المُسْلِمِ إلّا بِطِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ» “ تَرَكْنا العَمَلَ بِهَذِهِ العُمُوماتِ في الأشْياءِ الَّتِي عَرَفْنا بِنَصِّ القُرْآنِ كَوْنَها مُوجِبَةً لِجَوازِ الأخْذِ كَما قُلْنا في الزَّكَواتِ، وكَما قُلْنا في أخْذِ الضَّماناتِ. وأمّا في إيجابِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ فالمُعْتَمَدُ فِيهِ عَلى خَبَرِ الواحِدِ، وتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ، لِأنَّ القُرْآنَ مَعْلُومٌ، وخَبَرَ الواحِدِ مَظْنُونٌ، وتَقْدِيمُ المَظْنُونِ غَيْرُ جائِزٍ، ولِأنَّ هَذا خَبَرٌ واحِدٌ ورَدَ فِيما تَعُمُّ بِهِ البَلْوى فَيُرَدُّ، ولِأنَّهُ خَبَرٌ واحِدٌ ورَدَ عَلى مُخالَفَةِ جَمِيعِ أُصُولِ الشَّرائِعِ، فَوَجَبَ رَدُّهُ، وأمّا الفُقَهاءُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا فِيهِ بِالخَبَرِ والأثَرِ والآيَةِ: أمّا الخَبَرُ: فَما رَوى المُغِيرَةُ «أنَّ امْرَأةً ضَرَبَتْ بَطْنَ امْرَأةٍ أُخْرى فَألْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى عاقِلَةِ الضّارِبَةِ بِالغِرَّةِ، فَقامَ حَمَلُ بْنُ مالِكٍ فَقالَ: كَيْفَ نَدِي مَن لا شَرِبَ ولا أكَلَ، ولا صاحَ ولا اسْتَهَلَّ، ومِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذا مِن سَجْعِ الجاهِلِيَّةِ»، وأمّا الأثَرُ: فَهو أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضى عَلى عَلِيٍّ بِأنْ يَعْقِلَ عَنْ مَوْلى صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ حِينَ جَنى مَوْلاها، وعَلِيٌّ كانَ ابْنَ أخِي صَفِيَّةَ، وقَضى لِلزُّبَيْرِ بِمِيراثِها، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الدِّيَةَ إنَّما تَجِبُ عَلى العاقِلَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: مَذْهَبُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ أنَّ دِيَةَ المَرْأةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ. وقالَ الأصَمُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: دِيَتُها مِثْلُ دِيَةِ الرَّجُلِ.
حُجَّةُ الفُقَهاءِ أنَّ عَلِيًّا وعُمَرَ وابْنَ مَسْعُودٍ قَضَوْا بِذَلِكَ، ولِأنَّ المَرْأةَ في المِيراثِ والشَّهادَةِ عَلى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ، فَكَذَلِكَ في الدِّيَةِ.
وحُجَّةُ الأصَمِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَخَلَ فِيها حُكْمُ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ فِيها ثابِتًا بِالسَّوِيَّةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ دِيَةَ الخَطَأِ مُخَفَّفَةٌ في ثَلاثِ سِنِينَ: الثُّلُثُ في السَّنَةِ، والثُّلُثانِ في السَّنَتَيْنِ، والكُلُّ في ثَلاثِ سِنِينَ. اسْتَفاضَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ولَمْ يُخالِفْهُ فِيهِ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ فَكانَ إجْماعًا.
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: لا فَرْقَ في هَذِهِ الدِّيَةِ بَيْنَ أنْ يُقْضى مِنها الدَّيْنُ وتُنَفَّذَ مِنها الوَصِيَّةُ، ويُقَسَّمَ الباقِي بَيْنَ الوَرَثَةِ عَلى فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى. رُوِيَ «أنَّ امْرَأةً جاءَتْ تَطْلُبُ نَصِيبَها مِن دِيَةِ الزَّوْجِ فَقالَ عُمَرُ: لا أعْلَمُ لَكِ شَيْئًا، إنَّما الدِّيَةُ لِلْعُصْبَةِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ، فَشَهِدَ بَعْضٌ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ أمَرَهُ أنْ يُورِثَ الزَّوْجَةَ مِن دِيَةِ زَوْجِها، فَقَضى عُمَرُ بِذَلِكَ»، وإذْ قَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسائِلَ فَلْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الآيَةِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ مَعْناهُ فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، والتَّحْرِيرُ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِهِ حُرًّا، والحُرُّ هو الخالِصُ، ولَمّا كانَ الإنْسانُ في
صفحة ١٨٦
أصْلِ الخِلْقَةِ خُلِقَ لِيَكُونَ مالِكًا لِلْأشْياءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فَكَوْنُهُ مَمْلُوكًا يَكُونُ صِفَةَ تَكَدُّرِ مُقْتَضى الإنْسانِيَّةِ وتَشَوُّشِها، فَلا جَرَمَ سُمِّيَتْ إزالَةُ المُلْكِ تَحْرِيرًا، أيْ تَخْلِيصًا لِذَلِكَ الإنْسانِ عَمّا يُكَدِّرُ إنْسانِيَّتَهُ، والرَّقَبَةُ عِبارَةٌ عَنِ النَّسَمَةِ كَما قَدْ يُجْعَلُ الرَّأْسُ أيْضًا عِبارَةً عَنْ نَسَمَةٍ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَمْلِكُ كَذا رَأْسًا مِنَ الرَّقِيقِ، والمُرادُ بِرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ كُلُّ رَقَبَةٍ كانَتْ عَلى حُكْمِ الإسْلامِ عِنْدَ الفُقَهاءِ، وعِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ لا تُجْزِي إلّا رَقَبَةٌ قَدْ صَلَّتْ وصامَتْ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الدِّيَةُ مِنَ الوَدْيِ كالشِّيَةِ مِنَ الوَشْيِ، والأصْلُ ودِيَةٌ فَحُذِفَتِ الواوُ يُقالُ: ودى فُلانٌ فُلانًا، أيْ أدّى دِيَتَهُ إلى ولِيِّهِ، ثُمَّ إنَّ الشَّرْعَ خَصَّصَ هَذا اللَّفْظَ بِما يُؤَدّى في بَدَلِ النَّفْسِ دُونَ ما يُؤَدّى في بَدَلِ المُتْلَفاتِ، ودُونَ ما يُؤَدّى في بَدَلِ الأطْرافِ والأعْضاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أصْلُهُ يَتَصَدَّقُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ، ومَعْنى التَّصَدُّقِ الإعْطاءُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] والمَعْنى: إلّا أنْ يَتَصَدَّقُوا بِالدِّيَةِ فَيَعْفُوا ويَتْرُكُوا الدِّيَةَ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ، ويَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وتَسْلِيمُها إلى حِينِ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن أهْلِهِ بِمَعْنى إلّا مُتَصَدِّقِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى: أنَّ مَن قَتَلَ عَلى سَبِيلِ الخَطَأِ مُؤْمِنًا فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وتَسْلِيمُ الدِّيَةِ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن قَتَلَ عَلى سَبِيلِ الخَطَأِ مُؤْمِنًا مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنا فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الدِّيَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدُ أنَّ المَقْتُولَ إنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ وجَبَتِ الدِّيَةُ، والسُّكُوتُ عَنْ إيجابِ الدِّيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ ذِكْرِها فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وفِيما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ الدِّيَةَ غَيْرُ واجِبَةٍ في هَذِهِ الصُّورَةِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَلِمَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها كَوْنُ هَذا المَقْتُولِ مِن سُكّانِ دارِ الحَرْبِ، أوِ المُرادُ كَوْنُهُ ذا نَسَبٍ مِنهم، والثّانِي باطِلٌ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّ المُسْلِمَ السّاكِنَ في دارِ الإسْلامِ، وجَمِيعَ أقارِبِهِ يَكُونُونَ كُفّارًا، فَإذا قُتِلَ عَلى سَبِيلِ الخَطَأِ وجَبَتِ الدِّيَةُ في قَتْلِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا القِسْمُ تَعَيَّنَ الأوَّلُ فَيَكُونُ المُرادُ: وإنْ كانَ المَقْتُولُ خَطَأً مِن سُكّانِ دارِ الحَرْبِ وهو مُؤْمِنٌ، فالواجِبُ بِسَبَبِ قَتْلِهِ الواقِعِ عَلى سَبِيلِ الخَطَأِ هو تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ، فَأمّا وُجُوبُ الدِّيَةِ فَلا. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وكَما دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا المَعْنى فالقِياسُ يُقَوِّيهِ، أمّا أنَّهُ لا تَجِبُ الدِّيَةَ فَلِأنّا لَوْ أوْجَبْنا الدِّيَةَ في قَتْلِ المُسْلِمِ السّاكِنِ في دارِ الحَرْبِ لاحْتاجَ مَن يُرِيدُ غَزْوَ دارِ الحَرْبِ إلى أنْ يَبْحَثَ عَنْ كُلِّ أحَدٍ أنَّهُ هَلْ هو مِنَ المُسْلِمِينَ أمْ لا، وذَلِكَ مِمّا يَصْعُبُ ويَشِفُّ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى احْتِرازِ النّاسِ عَنِ الغَزْوِ، فالأوْلى سُقُوطُ الدِّيَةِ عَنْ قاتِلِهِ لِأنَّهُ هو الَّذِي أهْدَرَ دَمَ نَفْسِهِ بِسَبَبِ اخْتِيارِهِ السُّكْنى في دارِ الحَرْبِ، وأمّا الكَفّارَةُ فَإنَّها حَقُّ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ لَمّا صارَ ذَلِكَ الإنْسانُ مَقْتُولًا فَقَدْ هَلَكَ إنْسانٌ كانَ مُواظِبًا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، والرَّقِيقُ لا يُمْكِنُهُ المُواظَبَةَ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، فَإذا أعْتَقَهُ فَقَدْ أقامَهُ مَقامَ ذَلِكَ المَقْتُولِ في المُواظَبَةِ عَلى العِباداتِ، فَظَهَرَ أنَّ القِياسَ يَقْتَضِي سُقُوطَ الدِّيَةِ، ويَقْتَضِي بَقاءَ الكَفّارَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
صفحة ١٨٧
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ المُسْلِمُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا حالَ المُسْلِمِ القاتِلِ خَطَأً ثُمَّ ذَكَرَ حالَ المُسْلِمِ المَقْتُولِ خَطَأً إذا كانَ فِيما بَيْنَ أهْلِ الحَرْبِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ المُسْلِمِ المَقْتُولِ خَطَأً إذا كانَ فِيما بَيْنَ أهْلِ العَهْدِ وأهْلِ الذِّمَّةِ ولا شَكَّ أنَّ هَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ فَكانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ جائِزًا، والَّذِي يُؤَكِّدُ صِحَّةَ هَذا القَوْلِ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإنْ كانَ﴾ لا بُدَّ مِن إسْنادِهِ إلى شَيْءٍ جَرى ذِكْرُهُ فِيما تَقَدَّمَ، والَّذِي جَرى ذِكْرُهُ فِيما تَقَدَّمَ هو المُؤْمِنُ المَقْتُولُ خَطَأً. فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الذِّمِّيُّ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ كانَ المَقْتُولُ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ومَعْنى كَوْنِ المَقْتُولِ مِنهم أنَّهُ عَلى دِينِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ طَعَنُوا في القَوْلِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُسْلِمَ المَقْتُولَ خَطَأً سَواءٌ كانَ مِن أهْلِ الحَرْبِ أوْ كانَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ فَلَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ هو المُؤْمِنُ لَكانَ هَذا عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، بِخِلافِ ما إذا كانَ المُؤْمِنُ المَقْتُولُ خَطَأً مِن سُكّانِ دارِ الحَرْبِ، فَإنَّهُ تَعالى إنَّما أعادَهُ لِبَيانِ أنَّهُ لا تَجِبُ الدِّيَةُ في قَتْلِهِ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَقَدْ أوْجَبَ الدِّيَةَ والكَفّارَةَ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ هو المُؤْمِنُ لَكانَ هَذا إعادَةً وتَكْرارًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْتُمْ لَما كانَتِ الدِّيَةُ مُسَلَّمَةً إلى أهْلِهِ لِأنَّ أهْلَهُ كُفّارٌ لا يَرِثُونَهُ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا مِن ذَلِكَ القَوْمِ في الوَصْفِ الَّذِي وقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ وهو حُصُولُ المِيثاقِ بَيْنَهُما، فَإنَّ كَوْنَهُ مِنهم مُجْمَلٌ لا يَدْرِي أنَّهُ مِنهم في أيِّ الأُمُورِ، وإذا حَمَلْناهُ عَلى كَوْنِهِ مِنهم في ذَلِكَ الوَصْفِ زالَ الإجْمالُ فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، وإذا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ مِنهم في كَوْنِهِ مُعاهَدًا وجَبَ أنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا أوْ مُعاهَدًا مِثْلَهم ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ:
أمّا الأوَّلُ: فَجَوابُهُ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ المُؤْمِنِ المَقْتُولِ عَلى سَبِيلِ الخَطَأِ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ قِسْمَيْهِ وهو المُؤْمِنُ المَقْتُولُ خَطَأً الَّذِي يَكُونُ مِن سُكّانِ دارِ الحَرْبِ، فَبَيَّنَ أنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ في قَتْلِهِ، وذَكَرَ القِسْمَ الثّانِيَ وهو المُؤْمِنُ المَقْتُولُ خَطَأً الَّذِي يَكُونُ مِن سُكّانِ مَواضِعِ أهْلِ الذِّمَّةِ، وبَيَّنَ وُجُوبَ الدِّيَةِ والكَفّارَةِ في قَتْلِهِ، والغَرَضُ مِنهُ إظْهارُ الفَرْقِ بَيْنَ هَذا القِسْمِ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ.
وأمّا الثّانِي: فَجَوابُهُ أنَّ أهْلَهُ هُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ تُصْرَفُ دِيَتُهُ إلَيْهِمْ.
وأمّا الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ صارَتْ مُفَسَّرَةً في الآيَةِ السّابِقَةِ بِكَلِمَةِ ”في“ يَعْنِي في قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم، فَكَذا هَهُنا يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ذَلِكَ لا غَيْرَ.
واعْلَمْ أنَّ فائِدَةَ هَذا البَحْثِ تَظْهَرُ في مَسْألَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وهي أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ مِثْلَ دِيَةِ المُسْلِمِ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: دِيَةُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ ثُلُثُ دِيَةِ المَجُوسِيِّ، ودِيَةُ المَجُوسِيِّ ثُلُثا عُشْرِ دِيَةِ المُسْلِمِ. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى قَوْلِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ المُرادُ بِهِ الذِّمِّيُّ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ فَأوْجَبَ تَعالى فِيهِمْ تَمامَ الدِّيَةِ، ونَحْنُ نَقُولُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ
صفحة ١٨٨
فِي حَقِّ المُؤْمِنِينَ لا في حَقِّ أهْلِ الذِّمَّةِ فَسَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، وأيْضًا بِتَقْدِيرِ أنْ يَثْبُتَ لَهم أنَّها نازِلَةٌ في أهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ تَدُلَّ عَلى مَقْصُودِهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ في هَذِهِ الآيَةِ دِيَةً مُسَلَّمَةً، فَهَذا يَقْتَضِي إيجابَ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُسَمّى دِيَةً، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ الدِّيَةَ الَّتِي أوْجَبَها في حَقِّ الذِّمِّيِّ هي الدِّيَةُ الَّتِي أوْجَبَها في حَقِّ المُسْلِمِ ؟ ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ دِيَةُ المُسْلِمِ مِقْدارًا مُعَيَّنًا. ودِيَةُ الذِّمِّيِّ مِقْدارًا آخَرَ ؟ فَإنَّ الدِّيَةَ لا مَعْنى لَها إلّا المالُ الَّذِي يُؤَدّى في مُقابَلَةِ النَّفْسِ، فَإنِ ادَّعَيْتُمْ أنَّ مِقْدارَ الدِّيَةِ في حَقِّ المُسْلِمِ وفي حَقِّ الذِّمِّيِّ واحِدٌ فَهو مَمْنُوعٌ، والنِّزاعُ ما وقَعَ إلّا فِيهِ، فَسَقَطَ هَذا الِاحْتِجاجُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ قَدَّمَ تَحْرِيرَ الرَّقَبَةِ عَلى الدِّيَةِ في الآيَةِ الأُولى وهَهُنا عَكْسُ هَذا التَّرْتِيبِ، إذْ لَوْ أفادَهُ لَتَوَجَّهَ الطَّعْنُ في إحْدى الآيَتَيْنِ فَصارَ هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ﴾ [الأعراف: ١٦١] واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَيْنَنا وبَيْنَهم مِيثاقٌ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هم أهْلُ الذِّمَّةِ مِن أهْلِ الكِتابِ.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: هُمُ المُعاهَدُونَ مِنَ الكُفّارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ ذَلِكَ بَدَلًا عَنِ الرَّقَبَةِ إذا كانَ فَقِيرًا، وقالَ مَسْرُوقٌ إنَّهُ بَدَلٌ عَنْ مَجْمُوعِ الكَفّارَةِ والدِّيَةِ، والتَّتابُعُ واجِبٌ حَتّى لَوْ أفْطَرَ يَوْمًا وجَبَ الِاسْتِئْنافُ إلّا أنْ يَكُونَ الفِطْرُ بِحَيْضٍ أوْ نِفاسٍ، وقَوْلُهُ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ انْتَصَبَ بِمَعْنى صِيامِ ما تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قِيلَ: اعْمَلُوا بِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْكم لِأجْلِ التَّوْبَةِ مِنَ اللَّهِ، أيْ لِيَقْبَلَ اللَّهُ تَوْبَتَكم، وهو كَما يُقالُ: فَعَلْتُ كَذا حَذَرَ الشَّرِّ.
فَإنْ قِيلَ: قَتْلُ الخَطَأِ لا يَكُونُ مَعْصِيَةً، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ؟ .
قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ نَوْعَيْنِ مِنَ التَّقْصِيرِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لَوْ بالَغَ في الِاحْتِياطِ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَلِكَ الفِعْلُ، ألا تَرى أنَّ مَن قَتَلَ مُسْلِمًا عَلى ظَنِّ أنَّهُ كافِرٌ حَرْبِيٌّ، فَلَوْ أنَّهُ بالَغَ في الِاحْتِياطِ والِاسْتِكْشافِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَقَعُ فِيهِ، ومَن رَمى إلى صَيْدٍ فَأخْطَأ وأصابَ إنْسانًا فَلَوِ احْتاطَ فَلا يَرْمِي إلّا في مَوْضِعٍ يَقْطَعُ بِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ إنْسانٌ فَإنَّهُ لا يَقَعُ في تِلْكَ الواقِعَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ كانَ مُقَصِّرًا في تَرْكِ الِاحْتِياطِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ راجِعٌ إلى أنَّهُ تَعالى أذِنَ لَهُ في إقامَةِ الصَّوْمِ مَقامَ الإعْتاقِ عِنْدَ العَجْزِ عَنْهُ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا تابَ عَلى المُذْنِبِ فَقَدْ خَفَّفَ عَنْهُ، فَلَمّا كانَ التَّخْفِيفُ مِن لَوازِمِ التَّوْبَةِ أطْلَقَ لَفْظَ التَّوْبَةِ لِإرادَةِ التَّخْفِيفِ إطْلاقًا لِاسْمِ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ المُؤْمِنَ إذا اتَّفَقَ لَهُ مِثْلُ هَذا الخَطَأِ فَإنَّهُ يَنْدَمُ ويَتَمَنّى أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ النَّدَمَ وذَلِكَ التَّمَنِّيَ تَوْبَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ولَمْ يَتَعَمَّدْ، حَكِيمٌ في أنَّهُ ما يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ الخَطَأِ، فَإنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي أنْ لا يُؤاخَذَ الإنْسانُ إلّا بِما يَخْتارُ ويَتَعَمَّدُ.
واعْلَمْ أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ لَمّا اعْتَقَدُوا أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِرِعايَةِ المَصالِحِ قالُوا: مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى
صفحة ١٨٩
حَكِيمًا كَوْنُهُ عالِمًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ هَذا القَوْلَ لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ الحَكِيمَ عَلى العَلِيمِ، فَلَوْ كانَ الحَكِيمُ هو العَلِيمُ لَكانَ هَذا عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ وهو مُحالٌ.
والجَوابُ: أنَّ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ ورَدَ فِيهِ لَفْظُ الحَكِيمِ مَعْطُوفًا عَلى العَلِيمِ كانَ المُرادُ مِنَ الحَكِيمِ كَوْنَهُ مُحْكِمًا في أفْعالِهِ، فالإحْكامُ والإعْلامُ عائِدانِ إلى كَيْفِيَّةِ الفِعْلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُكْمَ القَتْلِ الخَطَأِ ذَكَرَ بَعْدَهُ بَيانَ حُكْمِ القَتْلِ العَمْدِ، ولَهُ أحْكامٌ مِثْلُ وُجُوبِ القِصاصِ والدِّيَةِ، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] فَلا جَرَمَ هَهُنا اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ ما فِيهِ مِنَ الإثْمِ والوَعِيدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اسْتَدَلَّتِ الوَعِيدِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ.
والثّانِي: عَلى خُلُودِهِمْ في النّارِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في تَقْرِيرِ كَلامِهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] وبالَغْنا في الجَوابِ عَنْها، وزَعَمَ الواحِدِيُّ أنَّ الأصْحابَ سَلَكُوا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ طُرُقًا كَثِيرَةً. قالَ: وأنا لا أرْتَضِي شَيْئًا مِنها لِأنَّ الَّتِي ذَكَرُوها إمّا تَخْصِيصٌ، وإمّا مُعارَضَةٌ، وإمّا إضْمارٌ، واللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قالَ: والَّذِي اعْتَمَدَهُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في كافِرٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا ثُمَّ ذَكَرَ تِلْكَ القِصَّةَ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ مَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ أيْ أنَّهُ سَيُجْزى بِجَهَنَّمَ، وهَذا وعِيدٌ، قالَ: وخُلْفُ الوَعِيدِ كَرَمٌ، وعِنْدَنا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعِيدَ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا حاصِلُ كَلامِهِ الَّذِي زَعَمَ أنَّهُ خَيْرٌ مِمّا قالَهُ غَيْرُهُ.
وأقُولُ: أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الِاسْتِغْراقِ حاصِلٌ، فَنُزُولُهُ في حَقِّ الكُفّارِ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ العُمُومِ، فَيَسْقُطُ هَذا الكَلامُ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ نَقُولُ: كَما أنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ عامًّا في كُلِّ قاتِلٍ مَوْصُوفٍ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، فَكَذا هَهُنا وجْهٌ آخَرُ يَمْنَعُ مِن تَخْصِيصِ هَذِهِ الآيَةِ بِالكافِرِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالمُجاهَدَةِ مَعَ الكُفّارِ ثُمَّ عَلَّمَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ عِنْدَ اشْتِغالِهِمْ بِالجِهادِ، فابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَ كَفّاراتٍ: كَفّارَةُ قَتْلِ المُسْلِمِ في دارِ الإسْلامِ، وكَفّارَةُ قَتْلِ المُسْلِمِ عِنْدَ سُكُونِهِ مَعَ أهْلِ الحَرْبِ، وكَفّارَةُ قَتْلِ المُسْلِمِ عِنْدَ سُكُونِهِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ وأهْلِ العَهْدِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ حُكْمَ قَتْلِ العَمْدِ مَقْرُونًا بِالوَعِيدِ، فَلَمّا كانَ بَيانُ حُكْمِ قَتْلِ الخَطَأِ بَيانًا لِحُكْمٍ اخْتَصَّ بِالمُسْلِمِينَ كانَ بَيانُ حُكْمِ القَتْلِ العَمْدِ الَّذِي هو كالضِّدِّ لِقَتْلِ الخَطَأِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أيْضًا مُخْتَصًّا بِالمُؤْمِنِينَ، فَإنْ لَمْ
صفحة ١٩٠
يَخْتَصَّ بِهِمْ فَلا أقَلَّ مِن دُخُولِهِمْ فِيهِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ إنَّما نَزَلَتْ في حَقِّ جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَقَوْا قَوْمًا فَأسْلَمُوا فَقَتَلُوهم وزَعَمُوا أنَّهم إنَّما أسْلَمُوا مِنَ الخَوْفِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَهَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ في نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ قَتْلِ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ؛ وهَذا أيْضًا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ نازِلًا في نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ حَتّى يَحْصُلَ التَّناسُبُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَمْنَعُ مِن كَوْنِها مَخْصُوصَةً بِالكُفّارِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ لَهُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ عَرَفْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] وقَوْلَهُ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ [النور: ٢] المُوجِبَ لِلْقَطْعِ هو السَّرِقَةُ، والمُوجِبَ لِلْجَلْدِ هو الزِّنا، فَكَذا هَهُنا وجَبَ أنْ يَكُونَ المُوجِبُ لِهَذا الوَعِيدِ هو هَذا القَتْلُ العَمْدُ، لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مُناسِبٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ، فَلَزِمَ كَوْنُ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يُقالَ: أيْنَما ثَبَتَ هَذا المَعْنى فَإنَّهُ يَحْصُلُ هَذا الحُكْمُ، وبِهَذا الوَجْهِ لا يَبْقى لِقَوْلِهِ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالكافِرِ وجْهٌ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المَنشَأ لِاسْتِحْقاقِ هَذا الوَعِيدِ إمّا أنْ يَكُونَ هو الكُفْرُ أوْ هَذا القَتْلُ المَخْصُوصُ، فَإنْ كانَ مَنشَأُ هَذا الوَعِيدِ هو الكُفْرَ كانَ الكُفْرُ حاصِلًا قَبْلَ هَذا القَتْلِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِهَذا القَتْلِ أثَرٌ البَتَّةَ في هَذا الوَعِيدِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ جارِيَةً مَجْرى ما يُقالُ: إنَّ مَن يَتَعَمَّدُ قَتْلَ نَفْسٍ فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، لِأنَّ القَتْلَ العَمْدَ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ في هَذا الوَعِيدِ جَرى مَجْرى النَّفْسِ ومَجْرى سائِرِ الأُمُورِ الَّتِي لا أثَرَ لَها في هَذا الوَعِيدِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، وإنْ كانَ مَنشَأُ هَذا الوَعِيدِ هو كَوْنُهُ قَتْلًا عَمْدًا فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: أيْنَما حَصَلَ القَتْلُ يَحْصُلُ هَذا الوَعِيدُ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ هَذا السُّؤالُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذا الوَجْهَ الَّذِي ارْتَضاهُ الواحِدِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ اخْتارَهُما فَهو في غايَةِ الفَسادِ لِأنَّ الوَعِيدَ قِسْمٌ مِن أقْسامِ الخَبَرِ، فَإذا جَوَّزَ عَلى اللَّهِ الخُلْفَ فِيهِ فَقَدْ جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وهَذا خَطَأٌ عَظِيمٌ، بَلْ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ كُفْرًا، فَإنَّ العُقَلاءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الكَذِبِ، ولِأنَّهُ إذا جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ في الوَعِيدِ لِأجْلِ ما قالَ: إنَّ الخُلْفَ في الوَعِيدِ كَرَمٌ، فَلِمَ لا يَجُوزُ الخُلْفُ في القَصَصِ والأخْبارِ لِغَرَضِ المَصْلَحَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ هَذا البابِ يُفْضِي إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ وكُلِّ الشَّرِيعَةِ فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وحَكى القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ وجْهًا آخَرَ، هو الجَوابُ وقالَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ جَزاءَ القَتْلِ العَمْدِ هو ما ذُكِرَ، لَكِنْ لَيْسَ فِيها أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ هَذا الجَزاءَ إلَيْهِ أمْ لا، وقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: جَزاؤُكَ أنْ أفْعَلَ بِكَ كَذا وكَذا، إلّا أنِّي لا أفْعَلُهُ، وهَذا الجَوابُ أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ جَزاءَ القَتْلِ العَمْدِ هو ما ذُكِرَ، وثَبَتَ بِسائِرِ الآياتِ أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ الجَزاءَ إلى المُسْتَحِقِّينَ. قالَ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وقالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وقالَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] بَلْ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُوصِلُ إلَيْهِمْ هَذا الجَزاءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾
صفحة ١٩١
فَإنَّ بَيانَ أنَّ هَذا جَزاؤُهُ حَصَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ إخْبارًا عَنِ الِاسْتِحْقاقِ كانَ تَكْرارًا، فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى الإخْبارِ عَنْ أنَّهُ تَعالى سَيَفْعَلُ لَمْ يَلْزَمِ التَّكْرارُ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى.
واعْلَمْ أنّا نَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ في مَوْضِعَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ القَتْلُ العَمْدُ غَيْرَ عُدْوانٍ كَما في القِصاصِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ فِيهِ هَذا الوَعِيدُ البَتَّةَ.
والثّانِي: القَتْلُ العَمْدُ العُدْوانُ إذا تابَ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ فِيهِ الوَعِيدُ، وإذا ثَبَتَ دُخُولُ التَّخْصِيصِ فِيهِ في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَنَحْنُ نُخَصِّصُ هَذا العُمُومَ فِيما إذا حَصَلَ العَفْوُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وأيْضًا فَهَذِهِ الآيَةُ إحْدى عُمُوماتِ الوَعِيدِ، وعُمُوماتُ الوَعْدِ أكْثَرُ مِن عُمُوماتِ الوَعِيدِ، وما ذَكَرَهُ في تَرْجِيحِ عُمُوماتِ الوَعِيدِ قَدْ أجَبْنا عَنْهُ وبَيَّنّا أنَّ عُمُوماتِ الوَعْدِ راجِحَةٌ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: تَوْبَةُ مَن أقْدَمَ عَلى القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: إنَّها مَقْبُولَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ الكُفْرَ أعْظَمُ مِن هَذا القَتْلِ فَإذا قُبِلَتِ التَّوْبَةُ عَنِ الكُفْرِ فالتَّوْبَةُ مِن هَذا القَتْلِ أوْلى بِالقَبُولِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الفُرْقانِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩، ٧٠] وإذا كانَتْ تَوْبَةُ الآتِي بِالقَتْلِ العَمْدِ مَعَ سائِرِ الكَبائِرِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ مَقْبُولَةً: فَبِأنْ تَكُونَ تَوْبَةُ الآتِي بِالقَتْلِ العَمْدِ وحْدَهُ مَقْبُولَةً كانَ أوْلى.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وعْدٌ بِالعَفْوِ عَنْ كُلِّ ما سِوى الكُفْرِ، فَبِأنْ يَعْفُوَ عَنْهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُبالَغَةُ في تَحْرِيمِ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرُ المُجاهِدِينَ بِالتَّثَبُّتِ فِيهِ؛ لِئَلّا يَسْفِكُوا دَمًا حَرامًا بِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا، وكَذَلِكَ في الحُجُراتِ ”فَتَثَبَّتُوا“ مِن ثَبَتَ ثَباتًا، والباقُونَ بِالنُّونِ مِنَ البَيانِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، فَمَن رَجَّحَ التَّثْبِيتَ قالَ: إنَّهُ خِلافُ الإقْدامِ، والمُرادُ في الآيَةِ التَّأنِّي وتَرْكُ العَجَلَةِ، ومَن رَجَّحَ التَّبْيِينَ قالَ: المَقْصُودُ مِنَ التَّثْبِيتِ التَّبْيِينُ، فَكانَ التَّبْيِينُ أبْلَغَ وأكْمَلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّرْبُ مَعْناهُ السَّيْرُ فِيها بِالسَّفَرِ لِلتِّجارَةِ أوِ الجِهادِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّرْبِ بِاليَدِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإسْراعِ في السَّيْرِ فَإنَّ مَن ضَرَبَ إنْسانًا كانَتْ حَرَكَةُ يَدِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الضَّرْبِ سَرِيعَةً، فَجُعِلَ الضَّرْبُ كِنايَةً عَنِ الإسْراعِ في السَّيْرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ غَزَوْتُمْ وسِرْتُمْ إلى الجِهادِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ .
أرادَ الِانْقِيادَ والِاسْتِسْلامَ إلى المُسْلِمِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٧] أيِ: اسْتَسْلَمُوا لِلْأمْرِ، ومَن قَرَأ ”السَّلامَ“ بِالألِفِ فَلَهُ مَعْنَيانِ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ السَّلامَ الَّذِي يَكُونُ هو تَحِيَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ لا تَقُولُوا لِمَن حَيّاكم بِهَذِهِ التَّحِيَّةِ: إنَّهُ إنَّما قالَها تَعَوُّذًا، فَتُقْدِمُوا عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ لِتَأْخُذُوا مالَهُ، ولَكِنْ كُفُّوا واقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَقُولُوا لِمَنِ اعْتَزَلَكم ولَمْ يُقاتِلْكم لَسْتَ مُؤْمِنًا، وأصْلُ هَذا مِنَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّ المُعْتَزِلَ طالِبٌ لِلسَّلامَةِ.
قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”مُؤْمَنًا“ بِفَتْحِ المِيمِ مِن آمَنَهُ أيْ: لا نُؤَمِّنُكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ رِواياتٌ:
الرِّوايَةُ الأُولى: «أنَّ مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ رَجُلٌ مِن أهْلِ فَدَكَ، أسْلَمَ ولَمْ يُسْلِمْ مِن قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَذَهَبَتْ سَرِيَّةُ
صفحة ٤
الرَّسُولِ ﷺ إلى قَوْمِهِ وأمِيرُهم غالِبُ بْنُ فَضالَةَ، فَهَرَبَ القَوْمُ وبَقِيَ مِرْداسٌ لِثِقَتِهِ بِإسْلامِهِ، فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى عاقُولٍ مِنَ الجَبَلِ، فَلَمّا تَلاحَقُوا وكَبَّرُوا كَبَّرَ ونَزَلَ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَقَتَلَهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ وساقَ غَنَمَهُ، فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجِدَ وجْدًا شَدِيدًا وقالَ: قَتَلْتُمُوهُ إرادَةَ ما مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ عَلى أُسامَةَ، فَقالَ أُسامَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، فَقالَ: فَكَيْفَ وقَدْ تَلا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ! قالَ أُسامَةُ: فَما زالَ يُعِيدُها حَتّى ودِدْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِي وقالَ: أعْتِقْ رَقَبَةً» .
الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: «أنَّ القاتِلَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ، لَقِيَهُ عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ فَحَيّاهُ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، وكانَتْ بَيْنَ مُحَلِّمٍ وبَيْنَهُ إحْنَةٌ في الجاهِلِيَّةِ فَرَماهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”لا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ“ فَما مَضَتْ بِهِ سَبْعَةُ أيّامٍ حَتّى ماتَ، فَدَفَنُوهُ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّ الأرْضَ لَتَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِنهُ ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يُرِيَكم عِظَمَ الذَّنَبِ عِنْدَهُ“ ثُمَّ أمَرَ أنْ تُلْقى عَلَيْهِ الحِجارَةُ» .
الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: «أنَّ المِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ قَدْ وقَعَتْ لَهُ مِثْلَ واقِعَةِ أُسامَةَ، قالَ: فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الكُفّارِ فَقاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ ثُمَّ لاذَ بِشَجَرَةٍ، فَقالَ: أسْلَمْتُ لِلَّهِ تَعالى، أفَأقْتُلُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لا تَقْتُلْهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قَطَعَ يَدِي، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا تَقْتُلْهُ فَإنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ بَعْدَ أنْ تَقْتُلَهُ وأنْتَ بِمَنزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قالَ» “ .
وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا أشْرَعَ أحَدُكُمُ الرُّمْحَ إلى الرَّجُلِ، فَإنْ كانَ سِنانُهُ عِنْدَ نُقْرَةِ نَحْرِهِ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلْيَرْفَعْ عَنْهُ الرُّمْحَ» “ . قالَ القَفّالُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ، فَلَعَلَّها نَزَلَتْ عِنْدَ وُقُوعِها بِأسْرِها، فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يَظُنُّ أنَّها نَزَلَتْ في واقِعَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ هَلْ تُقْبَلُ أمْ لا ؟ فالفُقَهاءُ قَبِلُوها واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يُفَرِّقْ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، بَلْ أوْجَبَ ذَلِكَ في الكُلِّ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنْفالِ: ٣٨] وهو عامٌّ في جَمِيعِ أصْنافِ الكَفَرَةِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الزِّنْدِيقَ لا شَكَّ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّوْبَةِ، والتَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ عَلى الإطْلاقِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشُّورى: ٢٥] وهَذا عامٌّ في جَمِيعِ الذُّنُوبِ وفي جَمِيعِ أصْنافِ الخَلْقِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إسْلامُ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ.
قالَ أبُو حَنِيفَةَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى صِحَّةِ إسْلامِ الصَّبِيِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ عامٌّ في حَقِّ الصَّبِيِّ، وفي حَقِّ البالِغِ.
قالَ الشّافِعِيُّ: لَوْ صَحَّ الإسْلامُ مِنهُ لَوَجَبَ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَكانَ ذَلِكَ إذْنًا في الكُفْرِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، لَكِنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَبْلُغَ» “ الحَدِيثَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: لَوْ قالَ اليَهُودِيُّ أوِ النَّصْرانِيُّ: أنا مُؤْمِنٌ، أوْ قالَ أنا مُسْلِمٌ لا يُحْكَمُ بِهَذا القَدْرِ بِإسْلامِهِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ هو الإسْلامُ وهو الإيمانُ، ولَوْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعِنْدَ قَوْمٍ لا يُحْكَمُ بِإسْلامِهِ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن يَقُولُ: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى العَرَبِ لا إلى الكُلِّ، ومِنهم مَن
صفحة ٥
يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا الَّذِي هو الرَّسُولُ الحَقُّ بَعْدُ ما جاءَ؛ وسَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَعْتَرِفَ بِأنَّ الدِّينَ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ المَوْجُودَ فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ هو الحَقُّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمِيعُ مَتاعِ الدُّنْيا عَرَضٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، يُقالُ: إنَّ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْخُذُ مِنها البَرُّ والفاجِرُ، والعَرْضُ بِسُكُونِ الرّاءِ: ما سِوى الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، وإنَّما سُمِّيَ مَتاعُ الدُّنْيا عَرَضًا؛ لِأنَّهُ عارِضٌ زائِلٌ غَيْرُ باقٍ، ومِنهُ يُسَمِّي المُتَكَلِّمُونَ ما خالَفَ الجَوْهَرَ مِنَ الحَوادِثِ عَرَضًا؛ لِقِلَّةٍ لُبْثِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يَعْنِي: ثَوابًا كَثِيرًا، فَنَبَّهَ تَعالى بِتَسْمِيَتِهِ عَرَضًا عَلى كَوْنِهِ سَرِيعَ الفَناءِ قَرِيبَ الِانْقِضاءِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ عَلى أنَّ ثَوابَ اللَّهِ مَوْصُوفٌ بِالدَّوامِ والبَقاءِ، كَما قالَ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ وهَذا يَقْتَضِي تَشْبِيهَ هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ ألْقَوُا السَّلَمَ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ فِيمَ وقَعَ، فَلِهَذا ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّكم أوَّلَ ما دَخَلْتُمْ في الإسْلامِ كَما سَمِعْتُ مِن أفْواهِكم كَلِمَةَ الشَّهادَةِ، حَقَنْتُ دِماءَكم وأمْوالَكم مِن غَيْرِ تَوْقِيفٍ، ذَلِكَ عَلى حُصُولِ العِلْمِ بِأنَّ قَلْبَكم مُوافِقٌ لِما في لِسانِكم، فَعَلَيْكم بِأنْ تَفْعَلُوا بِالدّاخِلِينَ في الإسْلامِ كَما فُعِلَ بِكم، وأنْ تَعْتَبِرُوا ظاهِرَ القَوْلِ، وأنْ لا تَقُولُوا: إنَّ إقْدامَهم عَلى التَّكَلُّمِ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ؛ لِأجْلِ الخَوْفِ مِنَ السَّيْفِ. هَذا هو الَّذِي اخْتارَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا: ما كانَ إيمانُنا مِثْلَ إيمانِ هَؤُلاءِ، لِأنّا آمَنّا عَنِ الطَّواعِيَةِ والِاخْتِيارِ، وهَؤُلاءِ أظْهَرُوا الإيمانَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ أحَدِهِما بِالآخَرِ ؟ .
الوَجْهُ الثّانِي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ أنَّكم كُنْتُمْ تُخْفُونَ إيمانَكم عَنْ قَوْمِكم كَما أخْفى هَذا الدّاعِي إيمانَهُ عَنْ قَوْمِهِ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِإعْزازِكم حَتّى أظْهَرْتُمْ دِينَكم، فَأنْتُمْ عامِلُوهم بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلَةِ، وهَذا أيْضًا فِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ إخْفاءَ الإيمانِ ما كانَ عامًّا فِيهِمْ.
الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قِبْلِ الهِجْرَةِ حِينَ كُنْتُمْ فِيما بَيْنَ الكُفّارِ تَأْمَنُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ بِكَلِمَةِ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ فاقْبَلُوا مِنهم مِثْلَ ذَلِكَ، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الإشْكالُ الأوَّلُ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ مَن يَنْتَقِلُ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، فَفي أوَّلِ الأمْرِ يَحْدُثُ مَيْلٌ قَلِيلٌ بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ، ثُمَّ لا يَزالُ ذَلِكَ المَيْلُ يَتَأكَّدُ ويَتَقَوّى إلى أنْ يَكْمُلَ ويَسْتَحْكِمَ ويَحْصُلَ الِانْتِقالُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: كُنْتُمْ في أوَّلِ الأمْرِ إنَّما حَدَثَ فِيكم مَيْلٌ ضَعِيفٌ بِأسْبابٍ ضَعِيفَةٍ إلى الإسْلامِ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِالإسْلامِ بِتَقْوِيَةِ ذَلِكَ المَيْلِ وتَأْكِيدِ النَّفْرَةِ عَنِ الكُفْرِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ كَما حَدَثَ فِيهِمْ مَيْلٌ ضَعِيفٌ إلى الإسْلامِ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ فاقْبَلُوا مِنهم هَذا الإيمانَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤَكِّدُ حَلاوَةَ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، ويُقَوِّي تِلْكَ الرَّغْبَةَ في صُدُورِهِمْ، فَهَذا ما عِنْدِي فِيهِ.
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
* وفِيهِ احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنَّ يَكُونَ هَذا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي: إيمانُكم كانَ مِثْلَ إيمانِهِمْ في أنَّهُ إنَّما عَرَفَ مِنهُ مُجَرَّدَ القَوْلِ اللِّسانِيِّ دُونَ ما في القَلْبِ، أوْ في أنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ الأمْرِ حاصِلًا بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم حَيْثُ قَوّى نُورَ الإيمانِ في قُلُوبِكم وأعانَكم عَلى العَمَلِ بِهِ والمَحَبَّةِ لَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا مُنْقَطِعًا عَنْ هَذا المَوْضِعِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا قَتَلُوا مَن تَكَلَّمَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ، وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مِنَ العَظائِمِ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مَنَّ عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ تَوْبَتَكم عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ.
* ثُمَّ أعادَ الأمْرَ بِالتَّبْيِينِ فَقالَ: (فَتَبَيَّنُوا) وإعادَةُ الأمْرِ بِالتَّبْيِينِ تَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ والمُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ والزَّجْرُ عَنِ الإظْهارِ بِخِلافِ الإضْمارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ في الجِهادِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ أحْكامِ الجِهادِ. فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِن أحْكامِ الجِهادِ: تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ عَنْ قَتْلِ المُسْلِمِينَ، وبَيانُ الحالِ في قَتْلِهِمْ عَلى سَبِيلِ الخَطَأِ كَيْفَ، وعَلى سَبِيلِ العَمْدِ كَيْفَ، وعَلى سَبِيلِ تَأْوِيلِ الخَطَأِ كَيْفَ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ الحُكْمَ أتْبَعَهُ بِحُكْمٍ آخَرَ؛ وهو بَيانُ فَضْلِ المُجاهِدِ عَلى غَيْرِهِ وهو هَذِهِ الآيَةُ.
الوَجْهُ الثّانِي: لَمّا عاتَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما صَدَرَ مِنهم مِن قَتْلِ مَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ، فَلَعَلَّهُ يَقَعُ في قَلْبِهِمْ أنَّ الأوْلى الِاحْتِرازُ عَنِ الجِهادِ؛ لِئَلّا يَقَعَ بِسَبَبِهِ في مِثْلِ هَذا المَحْذُورِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في عَقِيبِهِ هَذِهِ الآيَةَ، وبَيَّنَ فِيها فَضْلَ المُجاهِدِ عَلى غَيْرِهِ؛ إزالَةً لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا عاتَبَهم عَلى ما صَدَرَ مِنهم مِن قَتْلِ مَن تَكَلَّمَ بِالشَّهادَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ فَضِيلَةَ الجِهادِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أتى بِالجِهادِ فَقَدْ فازَ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ العَظِيمَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلْيَحْتَرِزْ صاحِبُها مِن تِلْكَ الهَفْوَةِ؛ لِئَلّا يُخِلَّ مَنصِبَهُ العَظِيمَ في الدِّينِ بِسَبَبِ هَذِهِ الهَفْوَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٧
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ“ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في (غَيْرُ) فالرَّفْعُ: صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (القاعِدُونَ) والمَعْنى: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ المُغايِرُونَ لِأُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ﴾ [النُّورِ: ٣١] . وذَكَرْنا جَوازَ أنْ يَكُونَ (غَيْرِ) صِفَةَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ﴾ [الفاتِحَةِ: ٧]، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (غَيْرُ) رَفْعًا عَلى جِهَةِ الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ والمُجاهِدُونَ إلّا أُولِي الضَّرَرِ؛ فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، أيِ الَّذِينَ أقْعَدَهم عَنِ الجِهادِ الضَّرَرُ، والكَلامُ في رَفْعِ المُسْتَثْنى بَعْدَ النَّفْيِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٦] .
وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَفِيها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القاعِدِينَ، والمَعْنى لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ إلّا أُولِي الضَّرَرِ، وهو اخْتِيارُ الأخْفَشِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ، والمَعْنى لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ في حالِ صِحَّتِهِمْ، والمُجاهِدُونَ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ غَيْرَ مَرِيضٍ، أيْ جاءَنِي زَيْدٌ صَحِيحًا، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ والفَرّاءِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائِدَةِ: ١] .
وأمّا القِراءَةُ بِالجَرِّ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يُجْعَلَ (غَيْرُ) صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَهَذا بَيانُ الوُجُوهِ في هَذِهِ القِراءاتِ.
ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ الأخْفَشَ قالَ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ اسْتِثْناءُ قَوْمٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الخُرُوجِ. رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ «لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فَضِيلَةَ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ جاءَ قَوْمٌ مِن أُولِي الضَّرَرِ، فَقالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: حالَتُنا كَما تَرى، ونَحْنُ نَشْتَهِي الجِهادَ، فَهَلْ لَنا مِن طَرِيقٍ ؟ فَنَزَلَ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ»﴾ فاسْتَثْناهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن جُمْلَةِ القاعِدِينَ. وقالَ آخَرُونَ: القِراءَةُ بِالرَّفْعِ أوْلى؛ لِأنَّ الأصْلَ في كَلِمَةِ (غَيْرُ) أنْ تَكُونَ صِفَةً، ثُمَّ إنَّها وإنْ كانَتْ صِفَةً فالمَقْصُودُ والمَطْلُوبُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ حاصِلٌ مِنها؛ لِأنَّها في كِلْتا الحالَتَيْنِ أخْرَجَتْ أُولِي الضَّرَرِ مِن تِلْكَ المَفْضُولِيَّةِ، وإذا كانَ هَذا المَقْصُودُ حاصِلًا عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ وكانَ الأصْلُ في كَلِمَةِ (غَيْرُ) أنْ تَكُونَ صِفَةً كانَتِ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّرَرُ النُّقْصانُ، سَواءٌ كانَ بِالعَمى أوِ العَرَجِ أوِ المَرَضِ، أوْ كانَ بِسَبَبِ عَدَمِ الأُهْبَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: حاصِلُ الآيَةِ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ المُؤْمِنُونَ الأصِحّاءُ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ هَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ القاعِدِينَ الأضِرّاءَ يُساوُونَ المُجاهِدِينَ أمْ لا ؟ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لا يَدُلُّ لِأنّا إنْ حَمَلْنا لَفْظَ (غَيْرُ) عَلى الصِّفَةِ وقُلْنا التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وقُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِإثْباتٍ لَمْ يَلْزَمْ أيْضًا ذَلِكَ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وقُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ لَزِمَ القَوْلُ بِالمُساواةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُساواةَ في حَقِّ الأضِرّاءِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِها مَشْرُوطَةٌ بِشَرْطٍ آخَرَ، ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ [التَّوْبَةِ: ٩١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩١] .
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِهَذِهِ المُساواةِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ النَّقْلُ والعَقْلُ؛ أمّا النَّقْلُ «فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ انْصِرافِهِ مِن بَعْضِ غَزَواتِهِ: ”لَقَدْ خَلَّفْتُمْ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلّا كانُوا مَعَكم، أُولَئِكَ أقْوامٌ حَبَسَهُمُ العُذْرُ“» . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا مَرِضَ العَبْدُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ اكْتُبُوا لِعَبْدِي ما كانَ يَعْمَلُهُ في الصِّحَّةِ إلى أنْ يَبْرَأ» “ .
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾
صفحة ٨
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التِّينِ: ٥، ٦] أنَّ مَن صارَ هَرِمًا كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أجْرَ ما كانَ يَعْمَلُهُ قَبْلَ هَرَمِهِ، غَيْرَ مَنقُوصٍ مِن ذَلِكَ شَيْئًا.
وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ» “، أنَّ ما يَنْوِيهِ المُؤْمِنُ مِن دَوامِهِ عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ لَوْ بَقِيَ أبَدًا خَيْرٌ لَهُ مِن عَمَلِهِ الَّذِي أدْرَكَهُ في مُدَّةِ حَياتِهِ، وأمّا المَعْقُولُ فَهو: أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ الطّاعاتِ والعِباداتِ اسْتِنارَةُ القَلْبِ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ حَصَلَ الِاسْتِواءُ فِيهِ لِلْمُجاهِدِ والقاعِدِ فَقَدْ حَصَلَ الِاسْتِواءُ في الثَّوابِ، وإنْ كانَ القاعِدُ أكْثَرَ حَظًّا مِن هَذا الِاسْتِغْراقِ كانَ هو أكْثَرَ ثَوابًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١] . فَقَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ عَلى المالِ، وفي الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ قَدَّمَ ذِكْرَ المالِ عَلى النَّفْسِ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ .
وجَوابُهُ: أنَّ النَّفْسَ أشْرَفُ مِنَ المالِ، فالمُشْتَرِي قَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرَّغْبَةَ فِيها أشَدُّ، والبائِعُ أخَّرَ ذِكْرَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُضايَقَةَ فِيها أشَدُّ، فَلا يَرْضى بِبَذْلِها إلّا في آخِرِ المَراتِبِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ لا يَسْتَوِيانِ، ثُمَّ إنَّ عَدَمَ الِاسْتِواءِ يَحْتَمِلُ الزِّيادَةَ ويَحْتَمِلُ النُّقْصانَ، لا جَرَمَ كَشَفَ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥]، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ (دَرَجَةً) وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُحْذَفُ الجارُّ، والتَّقْدِيرُ: بِدَرَجَةٍ فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ وُصِلَ الفِعْلُ فَعَمِلَ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: (دَرَجَةً) أيْ فَضِيلَةً، والتَّقْدِيرُ: وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ فَضِيلَةً، كَما يُقالُ: زَيْدٌ أكْرَمَ عَمْرًا إكْرامًا، والفائِدَةُ في التَّنْكِيرِ والتَّفْخِيمِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (دَرَجَةً) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيْ: وكُلًّا مِنَ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ فَقَدْ وعَدَهُ اللَّهُ الحُسْنى، قالَ الفُقَهاءُ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ فَرْضَ الجِهادِ عَلى الكِفايَةِ، ولَيْسَ عَلى كُلِّ واحِدٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وعَدَ القاعِدِينَ الحُسْنى كَما وعَدَ المُجاهِدِينَ، ولَوْ كانَ الجِهادُ واجِبًا عَلى التَّعْيِينِ لَما كانَ القاعِدُ أهْلًا لِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ الحُسْنى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (أجْرًا) وجْهانِ:
الأوَّلُ: انْتَصَبَ بِقَوْلِهِ: (وفَضَّلَ)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: آجَرَهم أجْرًا، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (أجْرًا) .
الثّانِي: انْتَصَبَ عَلى التَّمْيِيزِ و(دَرَجاتٍ) عَطْفُ بَيانٍ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى ”دَرَجاتٍ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا دَرَجَةً، وهَهُنا دَرَجاتٍ، وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِالدَّرَجَةِ لَيْسَ هو الدَّرَجَةَ الواحِدَةَ بِالعَدَدِ، بَلْ بِالجِنْسِ، والواحِدُ بِالجِنْسِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الكَثِيرُ بِالنَّوْعِ، وذَلِكَ هو الأجْرُ العَظِيمُ، والدَّرَجاتُ الرَّفِيعَةُ في الجَنَّةِ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ.
الثّانِي: أنَّ المُجاهِدَ أفْضَلُ مِنَ القاعِدِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الأضِرّاءِ بِدَرَجَةٍ، ومِنَ القاعِدِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الأصِحّاءِ بِدَرَجاتٍ، وهَذا الجَوابُ إنَّما يَتَمَشّى إذا قُلْنا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ لا يُوجِبُ حُصُولَ المُساواةِ بَيْنَ المُجاهِدِينَ وبَيْنَ القاعِدِينَ الأضِرّاءِ.
صفحة ٩
الثّالِثُ: فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ في الدُّنْيا بِدَرَجَةٍ واحِدَةٍ وهي الغَنِيمَةُ، وفي الآخِرَةِ بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ في الجَنَّةِ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ.
الرّابِعُ: قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا المُجاهِدِ هو المُجاهِدَ بِالمالِ والنَّفْسِ فَقَطْ، وإلّا حَصَلَ التَّكْرارُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: مَن كانَ مُجاهِدًا عَلى الإطْلاقِ في كُلِّ الأُمُورِ، أعْنِي في عَمَلِ الظّاهِرِ، وهو الجِهادُ بِالنَّفْسِ والمالِ والقَلْبِ وهو أشْرَفُ أنْواعِ المُجاهَدَةِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» “ . وحاصِلُ هَذا الجِهادِ صَرْفُ القَلْبِ مِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ، إلى الِاسْتِغْراقِ في طاعَةِ اللَّهِ، ولَمّا كانَ هَذا المَقامُ أعْلى مِمّا قَبْلَهُ لا جَرَمَ جَعَلَ فَضِيلَةَ الأوَّلِ دَرَجَةً، وفَضِيلَةَ هَذا الثّانِي دَرَجاتٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ الشِّيعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أفْضَلُ مِن أبِي بَكْرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَلِيًّا كانَ أكْثَرَ جِهادًا، فالقَدْرُ الَّذِي فِيهِ حُصُولُ التَّفاوُتُ كانَ أبُو بَكْرٍ مِنَ القاعِدِينَ فِيهِ، وعَلِيٌّ مِنَ القائِمِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أفْضَلَ مِنهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . فَيُقالُ لَهم: إنَّ مُباشَرَةَ عَلِيٍّ -عَلَيْهِ السَّلامُ- لِقَتْلِ الكُفّارِ كانَتْ أكْثَرَ مِن مُباشَرَةِ الرَّسُولِ لِذَلِكَ، فَيَلْزَمُكم بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ.
فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ مُجاهَدَةَ الرَّسُولِ مَعَ الكُفّارِ كانَتْ أعْظَمَ مِن مُجاهَدَةِ عَلِيٍّ مَعَهم؛ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ يُجاهِدُ الكُفّارَ بِتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ وإزالَةِ الشُّبُهاتِ والضَّلالاتِ، وهَذا الجِهادُ أكْمَلُ مِن ذَلِكَ الجِهادِ، فَنَقُولُ: فاقْبَلُوا مِنّا مِثْلَهُ في حَقِّ أبِي بَكْرٍ، وذَلِكَ أنَّ أبا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَمّا أسْلَمَ في أوَّلِ الأمْرِ سَعى في إسْلامِ سائِرِ النّاسِ، حَتّى أسْلَمَ عَلى يَدِهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وكانَ يُبالِغُ في تَرْغِيبِ النّاسِ في الإيمانِ وفي الذَّبِّ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ بِنَفْسِهِ وبِمالِهِ، وعَلِيٌّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ صَبِيًّا ما كانَ أحَدٌ يُسَلِّمُ بِقَوْلِهِ، وما كانَ قادِرًا عَلى الذَّبِّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ جِهادُ أبِي بَكْرٍ أفْضَلَ مِن جِهادِ عَلِيٍّ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ جِهادَ أبِي بَكْرٍ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ حِينَ كانَ الإسْلامُ في غايَةِ الضَّعْفِ، وأمّا جِهادُ عَلِيٍّ فَإنَّما ظَهَرَ في المَدِينَةِ في الغَزَواتِ، وكانَ الإسْلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَوِيًّا.
والثّانِي: أنَّ جِهادَ أبِي بَكْرٍ كانَ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ، وأكْثَرُ أفاضِلِ العَشَرَةِ إنَّما أسْلَمُوا عَلى يَدِهِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الجِهادِ هو حِرْفَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا جِهادُ عَلِيٍّ فَإنَّما كانَ بِالقَتْلِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ لا يُنالُ إلّا بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ في العَمَلِ لَمّا أوْجَبَ التَّفاوُتَ في الثَّوابِ والفَضِيلَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عِلَّةَ الثَّوابِ هو العَمَلُ، وأيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنِ العَمَلُ مُوجِبًا لِلثَّوابِ لَكانَ الثَّوابُ هِبَةً لا أجْرًا، لَكِنَّهُ تَعالى سَمّاهُ أجْرًا، فَبَطَلَ القَوْلُ بِذَلِكَ، فَيُقالُ لَهم: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: العَمَلُ عِلَّةُ الثَّوابِ لَكِنْ لا لِذاتِهِ، بَلْ يَجْعَلُ الشّارِعُ ذَلِكَ العَمَلَ مُوجِبًا لَهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَتِ الشّافِعِيَّةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالنَّوافِلِ أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الجِهادَ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ ولَوْ كانَ الجِهادُ مِن فُرُوضِ الأعْيانِ لَما كانَ القاعِدُ عَنِ الجِهادِ مَوْعُودًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالحُسْنى.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قامَتْ طائِفَةٌ بِالجِهادِ سَقَطَ الفَرْضُ عَنِ الباقِينَ، فَلَوْ أقْدَمُوا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ مِنَ النَّوافِلِ لا مَحالَةَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُجاهِدِينَ
صفحة ١٠
سَواءٌ كانَ جِهادُهُ واجِبًا أوْ مَندُوبًا، والمُشْتَغِلُ بِالنِّكاحِ قاعِدٌ عَنِ الجِهادِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالجِهادِ المَندُوبِ أفَضْلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُبالَغَةُ في تَحْرِيمِ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرُ المُجاهِدِينَ بِالتَّثَبُّتِ فِيهِ؛ لِئَلّا يَسْفِكُوا دَمًا حَرامًا بِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا، وكَذَلِكَ في الحُجُراتِ ”فَتَثَبَّتُوا“ مِن ثَبَتَ ثَباتًا، والباقُونَ بِالنُّونِ مِنَ البَيانِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، فَمَن رَجَّحَ التَّثْبِيتَ قالَ: إنَّهُ خِلافُ الإقْدامِ، والمُرادُ في الآيَةِ التَّأنِّي وتَرْكُ العَجَلَةِ، ومَن رَجَّحَ التَّبْيِينَ قالَ: المَقْصُودُ مِنَ التَّثْبِيتِ التَّبْيِينُ، فَكانَ التَّبْيِينُ أبْلَغَ وأكْمَلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّرْبُ مَعْناهُ السَّيْرُ فِيها بِالسَّفَرِ لِلتِّجارَةِ أوِ الجِهادِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّرْبِ بِاليَدِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإسْراعِ في السَّيْرِ فَإنَّ مَن ضَرَبَ إنْسانًا كانَتْ حَرَكَةُ يَدِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الضَّرْبِ سَرِيعَةً، فَجُعِلَ الضَّرْبُ كِنايَةً عَنِ الإسْراعِ في السَّيْرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ غَزَوْتُمْ وسِرْتُمْ إلى الجِهادِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ .
أرادَ الِانْقِيادَ والِاسْتِسْلامَ إلى المُسْلِمِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٧] أيِ: اسْتَسْلَمُوا لِلْأمْرِ، ومَن قَرَأ ”السَّلامَ“ بِالألِفِ فَلَهُ مَعْنَيانِ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ السَّلامَ الَّذِي يَكُونُ هو تَحِيَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ لا تَقُولُوا لِمَن حَيّاكم بِهَذِهِ التَّحِيَّةِ: إنَّهُ إنَّما قالَها تَعَوُّذًا، فَتُقْدِمُوا عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ لِتَأْخُذُوا مالَهُ، ولَكِنْ كُفُّوا واقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَقُولُوا لِمَنِ اعْتَزَلَكم ولَمْ يُقاتِلْكم لَسْتَ مُؤْمِنًا، وأصْلُ هَذا مِنَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّ المُعْتَزِلَ طالِبٌ لِلسَّلامَةِ.
قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”مُؤْمَنًا“ بِفَتْحِ المِيمِ مِن آمَنَهُ أيْ: لا نُؤَمِّنُكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ رِواياتٌ:
الرِّوايَةُ الأُولى: «أنَّ مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ رَجُلٌ مِن أهْلِ فَدَكَ، أسْلَمَ ولَمْ يُسْلِمْ مِن قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَذَهَبَتْ سَرِيَّةُ
صفحة ٤
الرَّسُولِ ﷺ إلى قَوْمِهِ وأمِيرُهم غالِبُ بْنُ فَضالَةَ، فَهَرَبَ القَوْمُ وبَقِيَ مِرْداسٌ لِثِقَتِهِ بِإسْلامِهِ، فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى عاقُولٍ مِنَ الجَبَلِ، فَلَمّا تَلاحَقُوا وكَبَّرُوا كَبَّرَ ونَزَلَ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَقَتَلَهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ وساقَ غَنَمَهُ، فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجِدَ وجْدًا شَدِيدًا وقالَ: قَتَلْتُمُوهُ إرادَةَ ما مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ عَلى أُسامَةَ، فَقالَ أُسامَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، فَقالَ: فَكَيْفَ وقَدْ تَلا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ! قالَ أُسامَةُ: فَما زالَ يُعِيدُها حَتّى ودِدْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِي وقالَ: أعْتِقْ رَقَبَةً» .
الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: «أنَّ القاتِلَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ، لَقِيَهُ عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ فَحَيّاهُ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، وكانَتْ بَيْنَ مُحَلِّمٍ وبَيْنَهُ إحْنَةٌ في الجاهِلِيَّةِ فَرَماهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”لا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ“ فَما مَضَتْ بِهِ سَبْعَةُ أيّامٍ حَتّى ماتَ، فَدَفَنُوهُ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّ الأرْضَ لَتَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِنهُ ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يُرِيَكم عِظَمَ الذَّنَبِ عِنْدَهُ“ ثُمَّ أمَرَ أنْ تُلْقى عَلَيْهِ الحِجارَةُ» .
الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: «أنَّ المِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ قَدْ وقَعَتْ لَهُ مِثْلَ واقِعَةِ أُسامَةَ، قالَ: فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الكُفّارِ فَقاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ ثُمَّ لاذَ بِشَجَرَةٍ، فَقالَ: أسْلَمْتُ لِلَّهِ تَعالى، أفَأقْتُلُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لا تَقْتُلْهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قَطَعَ يَدِي، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا تَقْتُلْهُ فَإنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ بَعْدَ أنْ تَقْتُلَهُ وأنْتَ بِمَنزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قالَ» “ .
وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا أشْرَعَ أحَدُكُمُ الرُّمْحَ إلى الرَّجُلِ، فَإنْ كانَ سِنانُهُ عِنْدَ نُقْرَةِ نَحْرِهِ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلْيَرْفَعْ عَنْهُ الرُّمْحَ» “ . قالَ القَفّالُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ، فَلَعَلَّها نَزَلَتْ عِنْدَ وُقُوعِها بِأسْرِها، فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يَظُنُّ أنَّها نَزَلَتْ في واقِعَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ هَلْ تُقْبَلُ أمْ لا ؟ فالفُقَهاءُ قَبِلُوها واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يُفَرِّقْ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، بَلْ أوْجَبَ ذَلِكَ في الكُلِّ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنْفالِ: ٣٨] وهو عامٌّ في جَمِيعِ أصْنافِ الكَفَرَةِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الزِّنْدِيقَ لا شَكَّ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّوْبَةِ، والتَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ عَلى الإطْلاقِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشُّورى: ٢٥] وهَذا عامٌّ في جَمِيعِ الذُّنُوبِ وفي جَمِيعِ أصْنافِ الخَلْقِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إسْلامُ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ.
قالَ أبُو حَنِيفَةَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى صِحَّةِ إسْلامِ الصَّبِيِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ عامٌّ في حَقِّ الصَّبِيِّ، وفي حَقِّ البالِغِ.
قالَ الشّافِعِيُّ: لَوْ صَحَّ الإسْلامُ مِنهُ لَوَجَبَ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَكانَ ذَلِكَ إذْنًا في الكُفْرِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، لَكِنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَبْلُغَ» “ الحَدِيثَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: لَوْ قالَ اليَهُودِيُّ أوِ النَّصْرانِيُّ: أنا مُؤْمِنٌ، أوْ قالَ أنا مُسْلِمٌ لا يُحْكَمُ بِهَذا القَدْرِ بِإسْلامِهِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ هو الإسْلامُ وهو الإيمانُ، ولَوْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعِنْدَ قَوْمٍ لا يُحْكَمُ بِإسْلامِهِ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن يَقُولُ: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى العَرَبِ لا إلى الكُلِّ، ومِنهم مَن
صفحة ٥
يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا الَّذِي هو الرَّسُولُ الحَقُّ بَعْدُ ما جاءَ؛ وسَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَعْتَرِفَ بِأنَّ الدِّينَ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ المَوْجُودَ فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ هو الحَقُّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمِيعُ مَتاعِ الدُّنْيا عَرَضٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، يُقالُ: إنَّ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْخُذُ مِنها البَرُّ والفاجِرُ، والعَرْضُ بِسُكُونِ الرّاءِ: ما سِوى الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، وإنَّما سُمِّيَ مَتاعُ الدُّنْيا عَرَضًا؛ لِأنَّهُ عارِضٌ زائِلٌ غَيْرُ باقٍ، ومِنهُ يُسَمِّي المُتَكَلِّمُونَ ما خالَفَ الجَوْهَرَ مِنَ الحَوادِثِ عَرَضًا؛ لِقِلَّةٍ لُبْثِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يَعْنِي: ثَوابًا كَثِيرًا، فَنَبَّهَ تَعالى بِتَسْمِيَتِهِ عَرَضًا عَلى كَوْنِهِ سَرِيعَ الفَناءِ قَرِيبَ الِانْقِضاءِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ عَلى أنَّ ثَوابَ اللَّهِ مَوْصُوفٌ بِالدَّوامِ والبَقاءِ، كَما قالَ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ وهَذا يَقْتَضِي تَشْبِيهَ هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ ألْقَوُا السَّلَمَ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ فِيمَ وقَعَ، فَلِهَذا ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّكم أوَّلَ ما دَخَلْتُمْ في الإسْلامِ كَما سَمِعْتُ مِن أفْواهِكم كَلِمَةَ الشَّهادَةِ، حَقَنْتُ دِماءَكم وأمْوالَكم مِن غَيْرِ تَوْقِيفٍ، ذَلِكَ عَلى حُصُولِ العِلْمِ بِأنَّ قَلْبَكم مُوافِقٌ لِما في لِسانِكم، فَعَلَيْكم بِأنْ تَفْعَلُوا بِالدّاخِلِينَ في الإسْلامِ كَما فُعِلَ بِكم، وأنْ تَعْتَبِرُوا ظاهِرَ القَوْلِ، وأنْ لا تَقُولُوا: إنَّ إقْدامَهم عَلى التَّكَلُّمِ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ؛ لِأجْلِ الخَوْفِ مِنَ السَّيْفِ. هَذا هو الَّذِي اخْتارَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا: ما كانَ إيمانُنا مِثْلَ إيمانِ هَؤُلاءِ، لِأنّا آمَنّا عَنِ الطَّواعِيَةِ والِاخْتِيارِ، وهَؤُلاءِ أظْهَرُوا الإيمانَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ أحَدِهِما بِالآخَرِ ؟ .
الوَجْهُ الثّانِي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ أنَّكم كُنْتُمْ تُخْفُونَ إيمانَكم عَنْ قَوْمِكم كَما أخْفى هَذا الدّاعِي إيمانَهُ عَنْ قَوْمِهِ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِإعْزازِكم حَتّى أظْهَرْتُمْ دِينَكم، فَأنْتُمْ عامِلُوهم بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلَةِ، وهَذا أيْضًا فِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ إخْفاءَ الإيمانِ ما كانَ عامًّا فِيهِمْ.
الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قِبْلِ الهِجْرَةِ حِينَ كُنْتُمْ فِيما بَيْنَ الكُفّارِ تَأْمَنُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ بِكَلِمَةِ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ فاقْبَلُوا مِنهم مِثْلَ ذَلِكَ، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الإشْكالُ الأوَّلُ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ مَن يَنْتَقِلُ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، فَفي أوَّلِ الأمْرِ يَحْدُثُ مَيْلٌ قَلِيلٌ بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ، ثُمَّ لا يَزالُ ذَلِكَ المَيْلُ يَتَأكَّدُ ويَتَقَوّى إلى أنْ يَكْمُلَ ويَسْتَحْكِمَ ويَحْصُلَ الِانْتِقالُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: كُنْتُمْ في أوَّلِ الأمْرِ إنَّما حَدَثَ فِيكم مَيْلٌ ضَعِيفٌ بِأسْبابٍ ضَعِيفَةٍ إلى الإسْلامِ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِالإسْلامِ بِتَقْوِيَةِ ذَلِكَ المَيْلِ وتَأْكِيدِ النَّفْرَةِ عَنِ الكُفْرِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ كَما حَدَثَ فِيهِمْ مَيْلٌ ضَعِيفٌ إلى الإسْلامِ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ فاقْبَلُوا مِنهم هَذا الإيمانَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤَكِّدُ حَلاوَةَ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، ويُقَوِّي تِلْكَ الرَّغْبَةَ في صُدُورِهِمْ، فَهَذا ما عِنْدِي فِيهِ.
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
* وفِيهِ احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنَّ يَكُونَ هَذا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي: إيمانُكم كانَ مِثْلَ إيمانِهِمْ في أنَّهُ إنَّما عَرَفَ مِنهُ مُجَرَّدَ القَوْلِ اللِّسانِيِّ دُونَ ما في القَلْبِ، أوْ في أنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ الأمْرِ حاصِلًا بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم حَيْثُ قَوّى نُورَ الإيمانِ في قُلُوبِكم وأعانَكم عَلى العَمَلِ بِهِ والمَحَبَّةِ لَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا مُنْقَطِعًا عَنْ هَذا المَوْضِعِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا قَتَلُوا مَن تَكَلَّمَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ، وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مِنَ العَظائِمِ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مَنَّ عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ تَوْبَتَكم عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ.
* ثُمَّ أعادَ الأمْرَ بِالتَّبْيِينِ فَقالَ: (فَتَبَيَّنُوا) وإعادَةُ الأمْرِ بِالتَّبْيِينِ تَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ والمُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ والزَّجْرُ عَنِ الإظْهارِ بِخِلافِ الإضْمارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ في الجِهادِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ أحْكامِ الجِهادِ. فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِن أحْكامِ الجِهادِ: تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ عَنْ قَتْلِ المُسْلِمِينَ، وبَيانُ الحالِ في قَتْلِهِمْ عَلى سَبِيلِ الخَطَأِ كَيْفَ، وعَلى سَبِيلِ العَمْدِ كَيْفَ، وعَلى سَبِيلِ تَأْوِيلِ الخَطَأِ كَيْفَ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ الحُكْمَ أتْبَعَهُ بِحُكْمٍ آخَرَ؛ وهو بَيانُ فَضْلِ المُجاهِدِ عَلى غَيْرِهِ وهو هَذِهِ الآيَةُ.
الوَجْهُ الثّانِي: لَمّا عاتَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما صَدَرَ مِنهم مِن قَتْلِ مَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ، فَلَعَلَّهُ يَقَعُ في قَلْبِهِمْ أنَّ الأوْلى الِاحْتِرازُ عَنِ الجِهادِ؛ لِئَلّا يَقَعَ بِسَبَبِهِ في مِثْلِ هَذا المَحْذُورِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في عَقِيبِهِ هَذِهِ الآيَةَ، وبَيَّنَ فِيها فَضْلَ المُجاهِدِ عَلى غَيْرِهِ؛ إزالَةً لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا عاتَبَهم عَلى ما صَدَرَ مِنهم مِن قَتْلِ مَن تَكَلَّمَ بِالشَّهادَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ فَضِيلَةَ الجِهادِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أتى بِالجِهادِ فَقَدْ فازَ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ العَظِيمَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلْيَحْتَرِزْ صاحِبُها مِن تِلْكَ الهَفْوَةِ؛ لِئَلّا يُخِلَّ مَنصِبَهُ العَظِيمَ في الدِّينِ بِسَبَبِ هَذِهِ الهَفْوَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٧
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ“ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في (غَيْرُ) فالرَّفْعُ: صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (القاعِدُونَ) والمَعْنى: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ المُغايِرُونَ لِأُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ﴾ [النُّورِ: ٣١] . وذَكَرْنا جَوازَ أنْ يَكُونَ (غَيْرِ) صِفَةَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ﴾ [الفاتِحَةِ: ٧]، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (غَيْرُ) رَفْعًا عَلى جِهَةِ الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ والمُجاهِدُونَ إلّا أُولِي الضَّرَرِ؛ فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، أيِ الَّذِينَ أقْعَدَهم عَنِ الجِهادِ الضَّرَرُ، والكَلامُ في رَفْعِ المُسْتَثْنى بَعْدَ النَّفْيِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٦] .
وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَفِيها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القاعِدِينَ، والمَعْنى لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ إلّا أُولِي الضَّرَرِ، وهو اخْتِيارُ الأخْفَشِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ، والمَعْنى لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ في حالِ صِحَّتِهِمْ، والمُجاهِدُونَ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ غَيْرَ مَرِيضٍ، أيْ جاءَنِي زَيْدٌ صَحِيحًا، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ والفَرّاءِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائِدَةِ: ١] .
وأمّا القِراءَةُ بِالجَرِّ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يُجْعَلَ (غَيْرُ) صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَهَذا بَيانُ الوُجُوهِ في هَذِهِ القِراءاتِ.
ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ الأخْفَشَ قالَ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ اسْتِثْناءُ قَوْمٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الخُرُوجِ. رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ «لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فَضِيلَةَ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ جاءَ قَوْمٌ مِن أُولِي الضَّرَرِ، فَقالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: حالَتُنا كَما تَرى، ونَحْنُ نَشْتَهِي الجِهادَ، فَهَلْ لَنا مِن طَرِيقٍ ؟ فَنَزَلَ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ»﴾ فاسْتَثْناهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن جُمْلَةِ القاعِدِينَ. وقالَ آخَرُونَ: القِراءَةُ بِالرَّفْعِ أوْلى؛ لِأنَّ الأصْلَ في كَلِمَةِ (غَيْرُ) أنْ تَكُونَ صِفَةً، ثُمَّ إنَّها وإنْ كانَتْ صِفَةً فالمَقْصُودُ والمَطْلُوبُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ حاصِلٌ مِنها؛ لِأنَّها في كِلْتا الحالَتَيْنِ أخْرَجَتْ أُولِي الضَّرَرِ مِن تِلْكَ المَفْضُولِيَّةِ، وإذا كانَ هَذا المَقْصُودُ حاصِلًا عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ وكانَ الأصْلُ في كَلِمَةِ (غَيْرُ) أنْ تَكُونَ صِفَةً كانَتِ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّرَرُ النُّقْصانُ، سَواءٌ كانَ بِالعَمى أوِ العَرَجِ أوِ المَرَضِ، أوْ كانَ بِسَبَبِ عَدَمِ الأُهْبَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: حاصِلُ الآيَةِ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ المُؤْمِنُونَ الأصِحّاءُ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ هَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ القاعِدِينَ الأضِرّاءَ يُساوُونَ المُجاهِدِينَ أمْ لا ؟ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لا يَدُلُّ لِأنّا إنْ حَمَلْنا لَفْظَ (غَيْرُ) عَلى الصِّفَةِ وقُلْنا التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وقُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِإثْباتٍ لَمْ يَلْزَمْ أيْضًا ذَلِكَ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وقُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ لَزِمَ القَوْلُ بِالمُساواةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُساواةَ في حَقِّ الأضِرّاءِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِها مَشْرُوطَةٌ بِشَرْطٍ آخَرَ، ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ [التَّوْبَةِ: ٩١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩١] .
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِهَذِهِ المُساواةِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ النَّقْلُ والعَقْلُ؛ أمّا النَّقْلُ «فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ انْصِرافِهِ مِن بَعْضِ غَزَواتِهِ: ”لَقَدْ خَلَّفْتُمْ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلّا كانُوا مَعَكم، أُولَئِكَ أقْوامٌ حَبَسَهُمُ العُذْرُ“» . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا مَرِضَ العَبْدُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ اكْتُبُوا لِعَبْدِي ما كانَ يَعْمَلُهُ في الصِّحَّةِ إلى أنْ يَبْرَأ» “ .
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾
صفحة ٨
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التِّينِ: ٥، ٦] أنَّ مَن صارَ هَرِمًا كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أجْرَ ما كانَ يَعْمَلُهُ قَبْلَ هَرَمِهِ، غَيْرَ مَنقُوصٍ مِن ذَلِكَ شَيْئًا.
وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ» “، أنَّ ما يَنْوِيهِ المُؤْمِنُ مِن دَوامِهِ عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ لَوْ بَقِيَ أبَدًا خَيْرٌ لَهُ مِن عَمَلِهِ الَّذِي أدْرَكَهُ في مُدَّةِ حَياتِهِ، وأمّا المَعْقُولُ فَهو: أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ الطّاعاتِ والعِباداتِ اسْتِنارَةُ القَلْبِ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ حَصَلَ الِاسْتِواءُ فِيهِ لِلْمُجاهِدِ والقاعِدِ فَقَدْ حَصَلَ الِاسْتِواءُ في الثَّوابِ، وإنْ كانَ القاعِدُ أكْثَرَ حَظًّا مِن هَذا الِاسْتِغْراقِ كانَ هو أكْثَرَ ثَوابًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١] . فَقَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ عَلى المالِ، وفي الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ قَدَّمَ ذِكْرَ المالِ عَلى النَّفْسِ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ .
وجَوابُهُ: أنَّ النَّفْسَ أشْرَفُ مِنَ المالِ، فالمُشْتَرِي قَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرَّغْبَةَ فِيها أشَدُّ، والبائِعُ أخَّرَ ذِكْرَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُضايَقَةَ فِيها أشَدُّ، فَلا يَرْضى بِبَذْلِها إلّا في آخِرِ المَراتِبِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ لا يَسْتَوِيانِ، ثُمَّ إنَّ عَدَمَ الِاسْتِواءِ يَحْتَمِلُ الزِّيادَةَ ويَحْتَمِلُ النُّقْصانَ، لا جَرَمَ كَشَفَ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥]، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ (دَرَجَةً) وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُحْذَفُ الجارُّ، والتَّقْدِيرُ: بِدَرَجَةٍ فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ وُصِلَ الفِعْلُ فَعَمِلَ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: (دَرَجَةً) أيْ فَضِيلَةً، والتَّقْدِيرُ: وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ فَضِيلَةً، كَما يُقالُ: زَيْدٌ أكْرَمَ عَمْرًا إكْرامًا، والفائِدَةُ في التَّنْكِيرِ والتَّفْخِيمِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (دَرَجَةً) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيْ: وكُلًّا مِنَ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ فَقَدْ وعَدَهُ اللَّهُ الحُسْنى، قالَ الفُقَهاءُ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ فَرْضَ الجِهادِ عَلى الكِفايَةِ، ولَيْسَ عَلى كُلِّ واحِدٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وعَدَ القاعِدِينَ الحُسْنى كَما وعَدَ المُجاهِدِينَ، ولَوْ كانَ الجِهادُ واجِبًا عَلى التَّعْيِينِ لَما كانَ القاعِدُ أهْلًا لِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ الحُسْنى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (أجْرًا) وجْهانِ:
الأوَّلُ: انْتَصَبَ بِقَوْلِهِ: (وفَضَّلَ)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: آجَرَهم أجْرًا، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (أجْرًا) .
الثّانِي: انْتَصَبَ عَلى التَّمْيِيزِ و(دَرَجاتٍ) عَطْفُ بَيانٍ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى ”دَرَجاتٍ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا دَرَجَةً، وهَهُنا دَرَجاتٍ، وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِالدَّرَجَةِ لَيْسَ هو الدَّرَجَةَ الواحِدَةَ بِالعَدَدِ، بَلْ بِالجِنْسِ، والواحِدُ بِالجِنْسِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الكَثِيرُ بِالنَّوْعِ، وذَلِكَ هو الأجْرُ العَظِيمُ، والدَّرَجاتُ الرَّفِيعَةُ في الجَنَّةِ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ.
الثّانِي: أنَّ المُجاهِدَ أفْضَلُ مِنَ القاعِدِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الأضِرّاءِ بِدَرَجَةٍ، ومِنَ القاعِدِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الأصِحّاءِ بِدَرَجاتٍ، وهَذا الجَوابُ إنَّما يَتَمَشّى إذا قُلْنا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ لا يُوجِبُ حُصُولَ المُساواةِ بَيْنَ المُجاهِدِينَ وبَيْنَ القاعِدِينَ الأضِرّاءِ.
صفحة ٩
الثّالِثُ: فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ في الدُّنْيا بِدَرَجَةٍ واحِدَةٍ وهي الغَنِيمَةُ، وفي الآخِرَةِ بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ في الجَنَّةِ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ.
الرّابِعُ: قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا المُجاهِدِ هو المُجاهِدَ بِالمالِ والنَّفْسِ فَقَطْ، وإلّا حَصَلَ التَّكْرارُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: مَن كانَ مُجاهِدًا عَلى الإطْلاقِ في كُلِّ الأُمُورِ، أعْنِي في عَمَلِ الظّاهِرِ، وهو الجِهادُ بِالنَّفْسِ والمالِ والقَلْبِ وهو أشْرَفُ أنْواعِ المُجاهَدَةِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» “ . وحاصِلُ هَذا الجِهادِ صَرْفُ القَلْبِ مِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ، إلى الِاسْتِغْراقِ في طاعَةِ اللَّهِ، ولَمّا كانَ هَذا المَقامُ أعْلى مِمّا قَبْلَهُ لا جَرَمَ جَعَلَ فَضِيلَةَ الأوَّلِ دَرَجَةً، وفَضِيلَةَ هَذا الثّانِي دَرَجاتٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ الشِّيعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أفْضَلُ مِن أبِي بَكْرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَلِيًّا كانَ أكْثَرَ جِهادًا، فالقَدْرُ الَّذِي فِيهِ حُصُولُ التَّفاوُتُ كانَ أبُو بَكْرٍ مِنَ القاعِدِينَ فِيهِ، وعَلِيٌّ مِنَ القائِمِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أفْضَلَ مِنهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . فَيُقالُ لَهم: إنَّ مُباشَرَةَ عَلِيٍّ -عَلَيْهِ السَّلامُ- لِقَتْلِ الكُفّارِ كانَتْ أكْثَرَ مِن مُباشَرَةِ الرَّسُولِ لِذَلِكَ، فَيَلْزَمُكم بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ.
فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ مُجاهَدَةَ الرَّسُولِ مَعَ الكُفّارِ كانَتْ أعْظَمَ مِن مُجاهَدَةِ عَلِيٍّ مَعَهم؛ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ يُجاهِدُ الكُفّارَ بِتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ وإزالَةِ الشُّبُهاتِ والضَّلالاتِ، وهَذا الجِهادُ أكْمَلُ مِن ذَلِكَ الجِهادِ، فَنَقُولُ: فاقْبَلُوا مِنّا مِثْلَهُ في حَقِّ أبِي بَكْرٍ، وذَلِكَ أنَّ أبا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَمّا أسْلَمَ في أوَّلِ الأمْرِ سَعى في إسْلامِ سائِرِ النّاسِ، حَتّى أسْلَمَ عَلى يَدِهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وكانَ يُبالِغُ في تَرْغِيبِ النّاسِ في الإيمانِ وفي الذَّبِّ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ بِنَفْسِهِ وبِمالِهِ، وعَلِيٌّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ صَبِيًّا ما كانَ أحَدٌ يُسَلِّمُ بِقَوْلِهِ، وما كانَ قادِرًا عَلى الذَّبِّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ جِهادُ أبِي بَكْرٍ أفْضَلَ مِن جِهادِ عَلِيٍّ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ جِهادَ أبِي بَكْرٍ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ حِينَ كانَ الإسْلامُ في غايَةِ الضَّعْفِ، وأمّا جِهادُ عَلِيٍّ فَإنَّما ظَهَرَ في المَدِينَةِ في الغَزَواتِ، وكانَ الإسْلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَوِيًّا.
والثّانِي: أنَّ جِهادَ أبِي بَكْرٍ كانَ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ، وأكْثَرُ أفاضِلِ العَشَرَةِ إنَّما أسْلَمُوا عَلى يَدِهِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الجِهادِ هو حِرْفَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا جِهادُ عَلِيٍّ فَإنَّما كانَ بِالقَتْلِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ لا يُنالُ إلّا بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ في العَمَلِ لَمّا أوْجَبَ التَّفاوُتَ في الثَّوابِ والفَضِيلَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عِلَّةَ الثَّوابِ هو العَمَلُ، وأيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنِ العَمَلُ مُوجِبًا لِلثَّوابِ لَكانَ الثَّوابُ هِبَةً لا أجْرًا، لَكِنَّهُ تَعالى سَمّاهُ أجْرًا، فَبَطَلَ القَوْلُ بِذَلِكَ، فَيُقالُ لَهم: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: العَمَلُ عِلَّةُ الثَّوابِ لَكِنْ لا لِذاتِهِ، بَلْ يَجْعَلُ الشّارِعُ ذَلِكَ العَمَلَ مُوجِبًا لَهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَتِ الشّافِعِيَّةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالنَّوافِلِ أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الجِهادَ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ ولَوْ كانَ الجِهادُ مِن فُرُوضِ الأعْيانِ لَما كانَ القاعِدُ عَنِ الجِهادِ مَوْعُودًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالحُسْنى.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قامَتْ طائِفَةٌ بِالجِهادِ سَقَطَ الفَرْضُ عَنِ الباقِينَ، فَلَوْ أقْدَمُوا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ مِنَ النَّوافِلِ لا مَحالَةَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُجاهِدِينَ
صفحة ١٠
سَواءٌ كانَ جِهادُهُ واجِبًا أوْ مَندُوبًا، والمُشْتَغِلُ بِالنِّكاحِ قاعِدٌ عَنِ الجِهادِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالجِهادِ المَندُوبِ أفَضْلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُبالَغَةُ في تَحْرِيمِ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرُ المُجاهِدِينَ بِالتَّثَبُّتِ فِيهِ؛ لِئَلّا يَسْفِكُوا دَمًا حَرامًا بِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا، وكَذَلِكَ في الحُجُراتِ ”فَتَثَبَّتُوا“ مِن ثَبَتَ ثَباتًا، والباقُونَ بِالنُّونِ مِنَ البَيانِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، فَمَن رَجَّحَ التَّثْبِيتَ قالَ: إنَّهُ خِلافُ الإقْدامِ، والمُرادُ في الآيَةِ التَّأنِّي وتَرْكُ العَجَلَةِ، ومَن رَجَّحَ التَّبْيِينَ قالَ: المَقْصُودُ مِنَ التَّثْبِيتِ التَّبْيِينُ، فَكانَ التَّبْيِينُ أبْلَغَ وأكْمَلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّرْبُ مَعْناهُ السَّيْرُ فِيها بِالسَّفَرِ لِلتِّجارَةِ أوِ الجِهادِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّرْبِ بِاليَدِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإسْراعِ في السَّيْرِ فَإنَّ مَن ضَرَبَ إنْسانًا كانَتْ حَرَكَةُ يَدِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الضَّرْبِ سَرِيعَةً، فَجُعِلَ الضَّرْبُ كِنايَةً عَنِ الإسْراعِ في السَّيْرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ غَزَوْتُمْ وسِرْتُمْ إلى الجِهادِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ .
أرادَ الِانْقِيادَ والِاسْتِسْلامَ إلى المُسْلِمِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٧] أيِ: اسْتَسْلَمُوا لِلْأمْرِ، ومَن قَرَأ ”السَّلامَ“ بِالألِفِ فَلَهُ مَعْنَيانِ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ السَّلامَ الَّذِي يَكُونُ هو تَحِيَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ لا تَقُولُوا لِمَن حَيّاكم بِهَذِهِ التَّحِيَّةِ: إنَّهُ إنَّما قالَها تَعَوُّذًا، فَتُقْدِمُوا عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ لِتَأْخُذُوا مالَهُ، ولَكِنْ كُفُّوا واقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَقُولُوا لِمَنِ اعْتَزَلَكم ولَمْ يُقاتِلْكم لَسْتَ مُؤْمِنًا، وأصْلُ هَذا مِنَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّ المُعْتَزِلَ طالِبٌ لِلسَّلامَةِ.
قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”مُؤْمَنًا“ بِفَتْحِ المِيمِ مِن آمَنَهُ أيْ: لا نُؤَمِّنُكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ رِواياتٌ:
الرِّوايَةُ الأُولى: «أنَّ مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ رَجُلٌ مِن أهْلِ فَدَكَ، أسْلَمَ ولَمْ يُسْلِمْ مِن قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَذَهَبَتْ سَرِيَّةُ
صفحة ٤
الرَّسُولِ ﷺ إلى قَوْمِهِ وأمِيرُهم غالِبُ بْنُ فَضالَةَ، فَهَرَبَ القَوْمُ وبَقِيَ مِرْداسٌ لِثِقَتِهِ بِإسْلامِهِ، فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى عاقُولٍ مِنَ الجَبَلِ، فَلَمّا تَلاحَقُوا وكَبَّرُوا كَبَّرَ ونَزَلَ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَقَتَلَهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ وساقَ غَنَمَهُ، فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجِدَ وجْدًا شَدِيدًا وقالَ: قَتَلْتُمُوهُ إرادَةَ ما مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ عَلى أُسامَةَ، فَقالَ أُسامَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، فَقالَ: فَكَيْفَ وقَدْ تَلا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ! قالَ أُسامَةُ: فَما زالَ يُعِيدُها حَتّى ودِدْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِي وقالَ: أعْتِقْ رَقَبَةً» .
الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: «أنَّ القاتِلَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ، لَقِيَهُ عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ فَحَيّاهُ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، وكانَتْ بَيْنَ مُحَلِّمٍ وبَيْنَهُ إحْنَةٌ في الجاهِلِيَّةِ فَرَماهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”لا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ“ فَما مَضَتْ بِهِ سَبْعَةُ أيّامٍ حَتّى ماتَ، فَدَفَنُوهُ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّ الأرْضَ لَتَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِنهُ ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يُرِيَكم عِظَمَ الذَّنَبِ عِنْدَهُ“ ثُمَّ أمَرَ أنْ تُلْقى عَلَيْهِ الحِجارَةُ» .
الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: «أنَّ المِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ قَدْ وقَعَتْ لَهُ مِثْلَ واقِعَةِ أُسامَةَ، قالَ: فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الكُفّارِ فَقاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ ثُمَّ لاذَ بِشَجَرَةٍ، فَقالَ: أسْلَمْتُ لِلَّهِ تَعالى، أفَأقْتُلُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لا تَقْتُلْهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قَطَعَ يَدِي، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا تَقْتُلْهُ فَإنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ بَعْدَ أنْ تَقْتُلَهُ وأنْتَ بِمَنزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قالَ» “ .
وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا أشْرَعَ أحَدُكُمُ الرُّمْحَ إلى الرَّجُلِ، فَإنْ كانَ سِنانُهُ عِنْدَ نُقْرَةِ نَحْرِهِ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلْيَرْفَعْ عَنْهُ الرُّمْحَ» “ . قالَ القَفّالُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ، فَلَعَلَّها نَزَلَتْ عِنْدَ وُقُوعِها بِأسْرِها، فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يَظُنُّ أنَّها نَزَلَتْ في واقِعَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ هَلْ تُقْبَلُ أمْ لا ؟ فالفُقَهاءُ قَبِلُوها واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ، فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يُفَرِّقْ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، بَلْ أوْجَبَ ذَلِكَ في الكُلِّ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنْفالِ: ٣٨] وهو عامٌّ في جَمِيعِ أصْنافِ الكَفَرَةِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الزِّنْدِيقَ لا شَكَّ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّوْبَةِ، والتَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ عَلى الإطْلاقِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشُّورى: ٢٥] وهَذا عامٌّ في جَمِيعِ الذُّنُوبِ وفي جَمِيعِ أصْنافِ الخَلْقِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إسْلامُ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ.
قالَ أبُو حَنِيفَةَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى صِحَّةِ إسْلامِ الصَّبِيِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ عامٌّ في حَقِّ الصَّبِيِّ، وفي حَقِّ البالِغِ.
قالَ الشّافِعِيُّ: لَوْ صَحَّ الإسْلامُ مِنهُ لَوَجَبَ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَكانَ ذَلِكَ إذْنًا في الكُفْرِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، لَكِنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَبْلُغَ» “ الحَدِيثَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: لَوْ قالَ اليَهُودِيُّ أوِ النَّصْرانِيُّ: أنا مُؤْمِنٌ، أوْ قالَ أنا مُسْلِمٌ لا يُحْكَمُ بِهَذا القَدْرِ بِإسْلامِهِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ هو الإسْلامُ وهو الإيمانُ، ولَوْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعِنْدَ قَوْمٍ لا يُحْكَمُ بِإسْلامِهِ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن يَقُولُ: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى العَرَبِ لا إلى الكُلِّ، ومِنهم مَن
صفحة ٥
يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا الَّذِي هو الرَّسُولُ الحَقُّ بَعْدُ ما جاءَ؛ وسَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَعْتَرِفَ بِأنَّ الدِّينَ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ المَوْجُودَ فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ هو الحَقُّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمِيعُ مَتاعِ الدُّنْيا عَرَضٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، يُقالُ: إنَّ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْخُذُ مِنها البَرُّ والفاجِرُ، والعَرْضُ بِسُكُونِ الرّاءِ: ما سِوى الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، وإنَّما سُمِّيَ مَتاعُ الدُّنْيا عَرَضًا؛ لِأنَّهُ عارِضٌ زائِلٌ غَيْرُ باقٍ، ومِنهُ يُسَمِّي المُتَكَلِّمُونَ ما خالَفَ الجَوْهَرَ مِنَ الحَوادِثِ عَرَضًا؛ لِقِلَّةٍ لُبْثِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يَعْنِي: ثَوابًا كَثِيرًا، فَنَبَّهَ تَعالى بِتَسْمِيَتِهِ عَرَضًا عَلى كَوْنِهِ سَرِيعَ الفَناءِ قَرِيبَ الِانْقِضاءِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ عَلى أنَّ ثَوابَ اللَّهِ مَوْصُوفٌ بِالدَّوامِ والبَقاءِ، كَما قالَ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ وهَذا يَقْتَضِي تَشْبِيهَ هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ ألْقَوُا السَّلَمَ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ فِيمَ وقَعَ، فَلِهَذا ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّكم أوَّلَ ما دَخَلْتُمْ في الإسْلامِ كَما سَمِعْتُ مِن أفْواهِكم كَلِمَةَ الشَّهادَةِ، حَقَنْتُ دِماءَكم وأمْوالَكم مِن غَيْرِ تَوْقِيفٍ، ذَلِكَ عَلى حُصُولِ العِلْمِ بِأنَّ قَلْبَكم مُوافِقٌ لِما في لِسانِكم، فَعَلَيْكم بِأنْ تَفْعَلُوا بِالدّاخِلِينَ في الإسْلامِ كَما فُعِلَ بِكم، وأنْ تَعْتَبِرُوا ظاهِرَ القَوْلِ، وأنْ لا تَقُولُوا: إنَّ إقْدامَهم عَلى التَّكَلُّمِ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ؛ لِأجْلِ الخَوْفِ مِنَ السَّيْفِ. هَذا هو الَّذِي اخْتارَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا: ما كانَ إيمانُنا مِثْلَ إيمانِ هَؤُلاءِ، لِأنّا آمَنّا عَنِ الطَّواعِيَةِ والِاخْتِيارِ، وهَؤُلاءِ أظْهَرُوا الإيمانَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ أحَدِهِما بِالآخَرِ ؟ .
الوَجْهُ الثّانِي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ أنَّكم كُنْتُمْ تُخْفُونَ إيمانَكم عَنْ قَوْمِكم كَما أخْفى هَذا الدّاعِي إيمانَهُ عَنْ قَوْمِهِ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِإعْزازِكم حَتّى أظْهَرْتُمْ دِينَكم، فَأنْتُمْ عامِلُوهم بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلَةِ، وهَذا أيْضًا فِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ إخْفاءَ الإيمانِ ما كانَ عامًّا فِيهِمْ.
الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قِبْلِ الهِجْرَةِ حِينَ كُنْتُمْ فِيما بَيْنَ الكُفّارِ تَأْمَنُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ بِكَلِمَةِ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ فاقْبَلُوا مِنهم مِثْلَ ذَلِكَ، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الإشْكالُ الأوَّلُ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ مَن يَنْتَقِلُ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، فَفي أوَّلِ الأمْرِ يَحْدُثُ مَيْلٌ قَلِيلٌ بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ، ثُمَّ لا يَزالُ ذَلِكَ المَيْلُ يَتَأكَّدُ ويَتَقَوّى إلى أنْ يَكْمُلَ ويَسْتَحْكِمَ ويَحْصُلَ الِانْتِقالُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: كُنْتُمْ في أوَّلِ الأمْرِ إنَّما حَدَثَ فِيكم مَيْلٌ ضَعِيفٌ بِأسْبابٍ ضَعِيفَةٍ إلى الإسْلامِ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِالإسْلامِ بِتَقْوِيَةِ ذَلِكَ المَيْلِ وتَأْكِيدِ النَّفْرَةِ عَنِ الكُفْرِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ كَما حَدَثَ فِيهِمْ مَيْلٌ ضَعِيفٌ إلى الإسْلامِ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ فاقْبَلُوا مِنهم هَذا الإيمانَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤَكِّدُ حَلاوَةَ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، ويُقَوِّي تِلْكَ الرَّغْبَةَ في صُدُورِهِمْ، فَهَذا ما عِنْدِي فِيهِ.
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
* وفِيهِ احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنَّ يَكُونَ هَذا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي: إيمانُكم كانَ مِثْلَ إيمانِهِمْ في أنَّهُ إنَّما عَرَفَ مِنهُ مُجَرَّدَ القَوْلِ اللِّسانِيِّ دُونَ ما في القَلْبِ، أوْ في أنَّهُ كانَ في ابْتِداءِ الأمْرِ حاصِلًا بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم حَيْثُ قَوّى نُورَ الإيمانِ في قُلُوبِكم وأعانَكم عَلى العَمَلِ بِهِ والمَحَبَّةِ لَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا مُنْقَطِعًا عَنْ هَذا المَوْضِعِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا قَتَلُوا مَن تَكَلَّمَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهاهم عَنْ هَذا الفِعْلِ، وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مِنَ العَظائِمِ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مَنَّ عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ تَوْبَتَكم عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ.
* ثُمَّ أعادَ الأمْرَ بِالتَّبْيِينِ فَقالَ: (فَتَبَيَّنُوا) وإعادَةُ الأمْرِ بِالتَّبْيِينِ تَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ والمُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ والزَّجْرُ عَنِ الإظْهارِ بِخِلافِ الإضْمارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ في الجِهادِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ أحْكامِ الجِهادِ. فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِن أحْكامِ الجِهادِ: تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ عَنْ قَتْلِ المُسْلِمِينَ، وبَيانُ الحالِ في قَتْلِهِمْ عَلى سَبِيلِ الخَطَأِ كَيْفَ، وعَلى سَبِيلِ العَمْدِ كَيْفَ، وعَلى سَبِيلِ تَأْوِيلِ الخَطَأِ كَيْفَ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ الحُكْمَ أتْبَعَهُ بِحُكْمٍ آخَرَ؛ وهو بَيانُ فَضْلِ المُجاهِدِ عَلى غَيْرِهِ وهو هَذِهِ الآيَةُ.
الوَجْهُ الثّانِي: لَمّا عاتَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما صَدَرَ مِنهم مِن قَتْلِ مَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ، فَلَعَلَّهُ يَقَعُ في قَلْبِهِمْ أنَّ الأوْلى الِاحْتِرازُ عَنِ الجِهادِ؛ لِئَلّا يَقَعَ بِسَبَبِهِ في مِثْلِ هَذا المَحْذُورِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في عَقِيبِهِ هَذِهِ الآيَةَ، وبَيَّنَ فِيها فَضْلَ المُجاهِدِ عَلى غَيْرِهِ؛ إزالَةً لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا عاتَبَهم عَلى ما صَدَرَ مِنهم مِن قَتْلِ مَن تَكَلَّمَ بِالشَّهادَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ فَضِيلَةَ الجِهادِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أتى بِالجِهادِ فَقَدْ فازَ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ العَظِيمَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلْيَحْتَرِزْ صاحِبُها مِن تِلْكَ الهَفْوَةِ؛ لِئَلّا يُخِلَّ مَنصِبَهُ العَظِيمَ في الدِّينِ بِسَبَبِ هَذِهِ الهَفْوَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٧
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ“ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ في (غَيْرُ) فالرَّفْعُ: صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (القاعِدُونَ) والمَعْنى: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ المُغايِرُونَ لِأُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ﴾ [النُّورِ: ٣١] . وذَكَرْنا جَوازَ أنْ يَكُونَ (غَيْرِ) صِفَةَ المَعْرِفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ﴾ [الفاتِحَةِ: ٧]، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (غَيْرُ) رَفْعًا عَلى جِهَةِ الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ والمُجاهِدُونَ إلّا أُولِي الضَّرَرِ؛ فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، أيِ الَّذِينَ أقْعَدَهم عَنِ الجِهادِ الضَّرَرُ، والكَلامُ في رَفْعِ المُسْتَثْنى بَعْدَ النَّفْيِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٦] .
وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَفِيها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القاعِدِينَ، والمَعْنى لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ إلّا أُولِي الضَّرَرِ، وهو اخْتِيارُ الأخْفَشِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ، والمَعْنى لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ في حالِ صِحَّتِهِمْ، والمُجاهِدُونَ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ غَيْرَ مَرِيضٍ، أيْ جاءَنِي زَيْدٌ صَحِيحًا، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ والفَرّاءِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائِدَةِ: ١] .
وأمّا القِراءَةُ بِالجَرِّ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يُجْعَلَ (غَيْرُ) صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَهَذا بَيانُ الوُجُوهِ في هَذِهِ القِراءاتِ.
ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ الأخْفَشَ قالَ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ اسْتِثْناءُ قَوْمٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الخُرُوجِ. رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ «لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فَضِيلَةَ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ جاءَ قَوْمٌ مِن أُولِي الضَّرَرِ، فَقالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: حالَتُنا كَما تَرى، ونَحْنُ نَشْتَهِي الجِهادَ، فَهَلْ لَنا مِن طَرِيقٍ ؟ فَنَزَلَ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ»﴾ فاسْتَثْناهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن جُمْلَةِ القاعِدِينَ. وقالَ آخَرُونَ: القِراءَةُ بِالرَّفْعِ أوْلى؛ لِأنَّ الأصْلَ في كَلِمَةِ (غَيْرُ) أنْ تَكُونَ صِفَةً، ثُمَّ إنَّها وإنْ كانَتْ صِفَةً فالمَقْصُودُ والمَطْلُوبُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ حاصِلٌ مِنها؛ لِأنَّها في كِلْتا الحالَتَيْنِ أخْرَجَتْ أُولِي الضَّرَرِ مِن تِلْكَ المَفْضُولِيَّةِ، وإذا كانَ هَذا المَقْصُودُ حاصِلًا عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ وكانَ الأصْلُ في كَلِمَةِ (غَيْرُ) أنْ تَكُونَ صِفَةً كانَتِ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّرَرُ النُّقْصانُ، سَواءٌ كانَ بِالعَمى أوِ العَرَجِ أوِ المَرَضِ، أوْ كانَ بِسَبَبِ عَدَمِ الأُهْبَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: حاصِلُ الآيَةِ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ المُؤْمِنُونَ الأصِحّاءُ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ هَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ القاعِدِينَ الأضِرّاءَ يُساوُونَ المُجاهِدِينَ أمْ لا ؟ قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لا يَدُلُّ لِأنّا إنْ حَمَلْنا لَفْظَ (غَيْرُ) عَلى الصِّفَةِ وقُلْنا التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وقُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِإثْباتٍ لَمْ يَلْزَمْ أيْضًا ذَلِكَ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وقُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ لَزِمَ القَوْلُ بِالمُساواةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُساواةَ في حَقِّ الأضِرّاءِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِها مَشْرُوطَةٌ بِشَرْطٍ آخَرَ، ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ [التَّوْبَةِ: ٩١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩١] .
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِهَذِهِ المُساواةِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ النَّقْلُ والعَقْلُ؛ أمّا النَّقْلُ «فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ انْصِرافِهِ مِن بَعْضِ غَزَواتِهِ: ”لَقَدْ خَلَّفْتُمْ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلّا كانُوا مَعَكم، أُولَئِكَ أقْوامٌ حَبَسَهُمُ العُذْرُ“» . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا مَرِضَ العَبْدُ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ اكْتُبُوا لِعَبْدِي ما كانَ يَعْمَلُهُ في الصِّحَّةِ إلى أنْ يَبْرَأ» “ .
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾
صفحة ٨
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التِّينِ: ٥، ٦] أنَّ مَن صارَ هَرِمًا كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أجْرَ ما كانَ يَعْمَلُهُ قَبْلَ هَرَمِهِ، غَيْرَ مَنقُوصٍ مِن ذَلِكَ شَيْئًا.
وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ» “، أنَّ ما يَنْوِيهِ المُؤْمِنُ مِن دَوامِهِ عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ لَوْ بَقِيَ أبَدًا خَيْرٌ لَهُ مِن عَمَلِهِ الَّذِي أدْرَكَهُ في مُدَّةِ حَياتِهِ، وأمّا المَعْقُولُ فَهو: أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ الطّاعاتِ والعِباداتِ اسْتِنارَةُ القَلْبِ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ حَصَلَ الِاسْتِواءُ فِيهِ لِلْمُجاهِدِ والقاعِدِ فَقَدْ حَصَلَ الِاسْتِواءُ في الثَّوابِ، وإنْ كانَ القاعِدُ أكْثَرَ حَظًّا مِن هَذا الِاسْتِغْراقِ كانَ هو أكْثَرَ ثَوابًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١] . فَقَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ عَلى المالِ، وفي الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها، وهي قَوْلُهُ: ﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ قَدَّمَ ذِكْرَ المالِ عَلى النَّفْسِ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ .
وجَوابُهُ: أنَّ النَّفْسَ أشْرَفُ مِنَ المالِ، فالمُشْتَرِي قَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرَّغْبَةَ فِيها أشَدُّ، والبائِعُ أخَّرَ ذِكْرَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُضايَقَةَ فِيها أشَدُّ، فَلا يَرْضى بِبَذْلِها إلّا في آخِرِ المَراتِبِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ لا يَسْتَوِيانِ، ثُمَّ إنَّ عَدَمَ الِاسْتِواءِ يَحْتَمِلُ الزِّيادَةَ ويَحْتَمِلُ النُّقْصانَ، لا جَرَمَ كَشَفَ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥]، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ (دَرَجَةً) وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُحْذَفُ الجارُّ، والتَّقْدِيرُ: بِدَرَجَةٍ فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ وُصِلَ الفِعْلُ فَعَمِلَ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: (دَرَجَةً) أيْ فَضِيلَةً، والتَّقْدِيرُ: وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ فَضِيلَةً، كَما يُقالُ: زَيْدٌ أكْرَمَ عَمْرًا إكْرامًا، والفائِدَةُ في التَّنْكِيرِ والتَّفْخِيمِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (دَرَجَةً) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيْ: وكُلًّا مِنَ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ فَقَدْ وعَدَهُ اللَّهُ الحُسْنى، قالَ الفُقَهاءُ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ فَرْضَ الجِهادِ عَلى الكِفايَةِ، ولَيْسَ عَلى كُلِّ واحِدٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وعَدَ القاعِدِينَ الحُسْنى كَما وعَدَ المُجاهِدِينَ، ولَوْ كانَ الجِهادُ واجِبًا عَلى التَّعْيِينِ لَما كانَ القاعِدُ أهْلًا لِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ الحُسْنى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (أجْرًا) وجْهانِ:
الأوَّلُ: انْتَصَبَ بِقَوْلِهِ: (وفَضَّلَ)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: آجَرَهم أجْرًا، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (أجْرًا) .
الثّانِي: انْتَصَبَ عَلى التَّمْيِيزِ و(دَرَجاتٍ) عَطْفُ بَيانٍ ﴿ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى ”دَرَجاتٍ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا دَرَجَةً، وهَهُنا دَرَجاتٍ، وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِالدَّرَجَةِ لَيْسَ هو الدَّرَجَةَ الواحِدَةَ بِالعَدَدِ، بَلْ بِالجِنْسِ، والواحِدُ بِالجِنْسِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الكَثِيرُ بِالنَّوْعِ، وذَلِكَ هو الأجْرُ العَظِيمُ، والدَّرَجاتُ الرَّفِيعَةُ في الجَنَّةِ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ.
الثّانِي: أنَّ المُجاهِدَ أفْضَلُ مِنَ القاعِدِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الأضِرّاءِ بِدَرَجَةٍ، ومِنَ القاعِدِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الأصِحّاءِ بِدَرَجاتٍ، وهَذا الجَوابُ إنَّما يَتَمَشّى إذا قُلْنا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ لا يُوجِبُ حُصُولَ المُساواةِ بَيْنَ المُجاهِدِينَ وبَيْنَ القاعِدِينَ الأضِرّاءِ.
صفحة ٩
الثّالِثُ: فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ في الدُّنْيا بِدَرَجَةٍ واحِدَةٍ وهي الغَنِيمَةُ، وفي الآخِرَةِ بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ في الجَنَّةِ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ.
الرّابِعُ: قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا المُجاهِدِ هو المُجاهِدَ بِالمالِ والنَّفْسِ فَقَطْ، وإلّا حَصَلَ التَّكْرارُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: مَن كانَ مُجاهِدًا عَلى الإطْلاقِ في كُلِّ الأُمُورِ، أعْنِي في عَمَلِ الظّاهِرِ، وهو الجِهادُ بِالنَّفْسِ والمالِ والقَلْبِ وهو أشْرَفُ أنْواعِ المُجاهَدَةِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» “ . وحاصِلُ هَذا الجِهادِ صَرْفُ القَلْبِ مِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ، إلى الِاسْتِغْراقِ في طاعَةِ اللَّهِ، ولَمّا كانَ هَذا المَقامُ أعْلى مِمّا قَبْلَهُ لا جَرَمَ جَعَلَ فَضِيلَةَ الأوَّلِ دَرَجَةً، وفَضِيلَةَ هَذا الثّانِي دَرَجاتٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ الشِّيعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أفْضَلُ مِن أبِي بَكْرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَلِيًّا كانَ أكْثَرَ جِهادًا، فالقَدْرُ الَّذِي فِيهِ حُصُولُ التَّفاوُتُ كانَ أبُو بَكْرٍ مِنَ القاعِدِينَ فِيهِ، وعَلِيٌّ مِنَ القائِمِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أفْضَلَ مِنهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . فَيُقالُ لَهم: إنَّ مُباشَرَةَ عَلِيٍّ -عَلَيْهِ السَّلامُ- لِقَتْلِ الكُفّارِ كانَتْ أكْثَرَ مِن مُباشَرَةِ الرَّسُولِ لِذَلِكَ، فَيَلْزَمُكم بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ.
فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ مُجاهَدَةَ الرَّسُولِ مَعَ الكُفّارِ كانَتْ أعْظَمَ مِن مُجاهَدَةِ عَلِيٍّ مَعَهم؛ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ يُجاهِدُ الكُفّارَ بِتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ وإزالَةِ الشُّبُهاتِ والضَّلالاتِ، وهَذا الجِهادُ أكْمَلُ مِن ذَلِكَ الجِهادِ، فَنَقُولُ: فاقْبَلُوا مِنّا مِثْلَهُ في حَقِّ أبِي بَكْرٍ، وذَلِكَ أنَّ أبا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَمّا أسْلَمَ في أوَّلِ الأمْرِ سَعى في إسْلامِ سائِرِ النّاسِ، حَتّى أسْلَمَ عَلى يَدِهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وكانَ يُبالِغُ في تَرْغِيبِ النّاسِ في الإيمانِ وفي الذَّبِّ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ بِنَفْسِهِ وبِمالِهِ، وعَلِيٌّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ صَبِيًّا ما كانَ أحَدٌ يُسَلِّمُ بِقَوْلِهِ، وما كانَ قادِرًا عَلى الذَّبِّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ جِهادُ أبِي بَكْرٍ أفْضَلَ مِن جِهادِ عَلِيٍّ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ جِهادَ أبِي بَكْرٍ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ حِينَ كانَ الإسْلامُ في غايَةِ الضَّعْفِ، وأمّا جِهادُ عَلِيٍّ فَإنَّما ظَهَرَ في المَدِينَةِ في الغَزَواتِ، وكانَ الإسْلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَوِيًّا.
والثّانِي: أنَّ جِهادَ أبِي بَكْرٍ كانَ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ، وأكْثَرُ أفاضِلِ العَشَرَةِ إنَّما أسْلَمُوا عَلى يَدِهِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الجِهادِ هو حِرْفَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا جِهادُ عَلِيٍّ فَإنَّما كانَ بِالقَتْلِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ لا يُنالُ إلّا بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ في العَمَلِ لَمّا أوْجَبَ التَّفاوُتَ في الثَّوابِ والفَضِيلَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عِلَّةَ الثَّوابِ هو العَمَلُ، وأيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنِ العَمَلُ مُوجِبًا لِلثَّوابِ لَكانَ الثَّوابُ هِبَةً لا أجْرًا، لَكِنَّهُ تَعالى سَمّاهُ أجْرًا، فَبَطَلَ القَوْلُ بِذَلِكَ، فَيُقالُ لَهم: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: العَمَلُ عِلَّةُ الثَّوابِ لَكِنْ لا لِذاتِهِ، بَلْ يَجْعَلُ الشّارِعُ ذَلِكَ العَمَلَ مُوجِبًا لَهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَتِ الشّافِعِيَّةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالنَّوافِلِ أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الجِهادَ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ ولَوْ كانَ الجِهادُ مِن فُرُوضِ الأعْيانِ لَما كانَ القاعِدُ عَنِ الجِهادِ مَوْعُودًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالحُسْنى.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قامَتْ طائِفَةٌ بِالجِهادِ سَقَطَ الفَرْضُ عَنِ الباقِينَ، فَلَوْ أقْدَمُوا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ مِنَ النَّوافِلِ لا مَحالَةَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُجاهِدِينَ
صفحة ١٠
سَواءٌ كانَ جِهادُهُ واجِبًا أوْ مَندُوبًا، والمُشْتَغِلُ بِالنِّكاحِ قاعِدٌ عَنِ الجِهادِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالجِهادِ المَندُوبِ أفَضْلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ثَوابَ مَن أقْدَمَ عَلى الجِهادِ أتْبَعَهُ بِعِقابِ مَن قَعَدَ عَنْهُ ورَضِيَ بِالسُّكُونِ في دارِ الكُفْرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (تَوَفّاهم) ماضِيًا، ولَمْ تَضُمَّ تاءً مَعَ التّاءِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البَقَرَةِ: ٧٠] . وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ إخْبارًا عَنْ حالِ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ انْقَرَضُوا ومَضَوْا، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مُسْتَقْبَلًا، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الآيَةُ عامَّةً في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذا التَّوَفِّي قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مَعْناهُ تَقْبِضُ أرْواحَهم عِنْدَ المَوْتِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [المُلْكِ: ٢] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] . قُلْنا: خالِقُ المَوْتِ هو اللَّهُ تَعالى، والرَّئِيسُ المُفَوَّضُ إلَيْهِ هَذا العَمَلُ هو مَلَكُ المَوْتِ، وسائِرُ المَلائِكَةِ أعْوانُهُ.
القَوْلُ الثّانِي: تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ يَعْنِي: يَحْشُرُونَهم إلى النّارِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في خَبَرِ (إنَّ) وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ هو قَوْلُهُ: قالُوا لَهم فِيمَ كُنْتُمْ، فَحَذَفَ ”لَهُمْ“ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ فَيَكُونُ ”قالُوا لَهُمْ“ في مَوْضِعِ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ.
الثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ وهو هَلَكُوا، ثُمَّ فَسَّرَ الهَلاكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمَعْنى تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ في
صفحة ١١
حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، وهو وإنْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ إلّا أنَّهُ نَكِرَةٌ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِانْفِصالِ، كَأنَّهُ قِيلَ ظالِمِينَ أنْفُسَهم، إلّا أنَّهم حَذَفُوا النُّونَ؛ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، واسْمُ الفاعِلِ سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ الحالُ، أوِ الِاسْتِقْبالُ فَقَدْ يَكُونُ مَفْصُولًا في المَعْنى وإنْ كانَ مَوْصُولًا في اللَّفْظِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ . [الأحْقافِ: ٢٤]، ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ . [المائِدَةِ: ٩٥]، ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ . [الحَجِّ: ٩] فالإضافَةُ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الظُّلْمُ قَدْ يُرادُ بِهِ الكُفْرُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لُقْمانَ: ١٣] . وقَدْ يُرادُ بِهِ المَعْصِيَةُ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣٢] . وفي المُرادِ بِالظُّلْمِ في هَذِهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ أسْلَمُوا في دارِ الكُفْرِ وبَقُوا هُناكَ، ولَمْ يُهاجِرُوا إلى دارِ الإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَوْفًا، فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أظْهَرُوا لَهُمُ الكُفْرَ ولَمْ يُهاجِرُوا إلى المَدِينَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِنِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ وتَرْكِهِمُ الهِجْرَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: فِيمَ كُنْتُمْ مِن أمْرِ دِينِكم.
وثانِيها: فِيمَ كُنْتُمْ في حَرْبِ مُحَمَّدٍ أوْ في حَرْبِ أعْدائِهِ.
وثالِثُها: لِمَ تَرَكْتُمُ الجِهادَ ولِمَ رَضِيتُمْ بِالسُّكُونِ في دِيارِ الكُفّارِ ؟ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: (فِيمَ كُنْتُمْ) وكانَ حَقُّ الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: كُنّا في كَذا، أوْ لَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ.
وجَوابُهُ: أنَّ مَعْنى: (فِيمَ كُنْتُمْ) التَّوْبِيخُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ حَيْثُ قَدَرُوا عَلى المُهاجَرَةِ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَقالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ اعْتِذارًا عَمّا وُبِّخُوا بِهِ، واعْتِلالًا بِأنَّهم ما كانُوا قادِرِينَ عَلى المُهاجَرَةِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يَقْبَلُوا مِنهم هَذا العُذْرَ، بَلْ رَدُّوهُ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ . أرادُوا أنَّكم كُنْتُمْ قادِرِينَ عَلى الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ إلى بَعْضِ البِلادِ الَّتِي لا تُمْنَعُونَ فِيها مِن إظْهارِ دِينِكم، فَبَقِيتُمْ بَيْنَ الكُفّارِ لا لِلْعَجْزِ عَنْ مُفارَقَتِهِمْ، بَلْ مَعَ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ المُفارَقَةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى وعِيدَهم، فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ .
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى فَقالَ: ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لا يَسْتَطِيعُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: لا يَقْدِرُونَ عَلى حِيلَةٍ ولا نَفَقَةٍ، أوْ كانَ بِهِمْ مَرَضٌ، أوْ كانُوا تَحْتَ قَهْرِ قاهِرٍ يَمْنَعُهم مِن تِلْكَ المُهاجَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أيْ: لا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ، ولا يَجِدُونَ مَن يَدُلُّهم عَلى الطَّرِيقِ. رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى مُسْلِمِي مَكَّةَ، فَقالَ جُنْدَبُ بْنُ ضَمْرَةَ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، ولا أنِّي لا أهْتَدِي الطَّرِيقَ، واللَّهِ لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ. فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَماتَ في الطَّرِيقِ» .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أدْخَلَ الوِلْدانِ في جُمْلَةِ المُسْتَثْنَيْنِ مِن أهْلِ الوَعِيدِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانُوا
صفحة ١٢
مُسْتَحِقِّينَ لِلْوَعِيدِ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ ؟ .
قُلْنا: سُقُوطُ الوَعِيدِ إذا كانَ بِسَبَبِ العَجْزِ، والعَجْزُ تارَةً يَحْصُلُ بِسَبَبِ عَدَمِ الأُهْبَةِ وتارَةً بِسَبَبِ الصِّبا، فَلا جَرَمَ حَسُنَ هَذا إذا أُرِيدَ بِالوِلْدانِ الأطْفالُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ المُراهِقُونَ مِنهُمُ الَّذِينَ كَمُلَتْ عُقُولُهم لِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِمْ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ أُرِيدَ العَبِيدُ والإماءُ البالِغُونَ فَلا سُؤالَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ القَوْمَ لَمّا كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الهِجْرَةِ، والعاجِزُ عَنِ الشَّيْءِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ في تَرْكِهِ عُقُوبَةٌ، فَلِمَ قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ والعَفْوُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا مَعَ الذَّنْبِ، وأيْضًا ”عَسى“ كَلِمَةُ الإطْماعِ، وهَذا يَقْتَضِي عَدَمَ القَطْعِ بِحُصُولِ العَفْوِ في حَقِّهِمْ ؟ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المُسْتَضْعَفَ قَدْ يَكُونُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ المَشَقَّةِ، وتَمْيِيزُ الضَّعْفِ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ الرُّخْصَةُ عَنِ الحَدِّ الَّذِي لا يَحْصُلُ عِنْدَهُ الرُّخْصَةُ شاقٌّ ومُشْتَبَهٌ، فَرُبَّما ظَنَّ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ أنَّهُ عاجِزٌ عَنِ المُهاجَرَةِ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ، ولا سِيَّما في الهِجْرَةِ عَنِ الوَطَنِ فَإنَّها شاقَّةٌ عَلى النَّفْسِ، وبِسَبَبِ شِدَّةِ النَّفْرَةِ قَدْ يَظُنُّ الإنْسانُ كَوْنَهُ عاجِزًا مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَلِهَذا المَعْنى كانَتِ الحاجَةُ إلى العَفْوِ شَدِيدَةً في هَذا المَقامِ.
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ لَفْظَةِ ”عَسى“ هَهُنا ؟ فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ مُضَيَّقٌ لا تَوْسِعَةَ فِيهِ، حَتّى أنَّ المُضْطَرَّ البَيِّنَ الِاضْطِرارِ مِن حَقِّهِ أنْ يَقُولَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِّي، فَكَيْفَ الحالُ في غَيْرِهِ. هَذا هو الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ، إلّا أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ الجَوابُ ما قَدَّمْناهُ، وهو أنَّ الإنْسانَ لِشِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنْ مُفارَقَةِ الوَطَنِ رُبَّما ظَنَّ نَفْسَهُ عاجِزًا عَنْها مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ، فَلِهَذا المَعْنى ذَكَرَ العَفْوَ بِكَلِمَةِ ”عَسى“ لا بِالكَلِمَةِ الدّالَّةِ عَلى القَطْعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ . ذَكَرَ الزَّجّاجُ في ”كانَ“ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: كانَ قَبْلَ أنْ خَلَقَ الخَلْقَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ (كانَ) مَعَ أنَّ جَمِيعَ العِبادِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى أجْراها في حَقِّ خَلْقِهِ.
الثّالِثُ: لَوْ قالَ: إنَّهُ تَعالى عَفُوٌّ غَفُورٌ كانَ هَذا إخْبارًا عَنْ كَوْنِهِ كَذَلِكَ فَقَطْ، ولَمّا قالَ: إنَّهُ كانَ كَذَلِكَ كانَ هَذا إخْبارًا وقَعَ مُخْبِرُهُ عَلى وفْقِهِ، فَكانَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى كَوْنِهِ صِدْقًا وحَقًّا ومُبَرَّأً عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَهُنا شَيْءٌ مِنَ الذَّنْبِ لامْتَنَعَ حُصُولُ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فِيهِ، فَلَمّا أخْبَرَ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ دَلَّ عَلى حُصُولِ الذَّنْبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ بِالعَفْوِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِحالِ التَّوْبَةِ فَيَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
النساء 4:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ثَوابَ مَن أقْدَمَ عَلى الجِهادِ أتْبَعَهُ بِعِقابِ مَن قَعَدَ عَنْهُ ورَضِيَ بِالسُّكُونِ في دارِ الكُفْرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (تَوَفّاهم) ماضِيًا، ولَمْ تَضُمَّ تاءً مَعَ التّاءِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البَقَرَةِ: ٧٠] . وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ إخْبارًا عَنْ حالِ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ انْقَرَضُوا ومَضَوْا، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مُسْتَقْبَلًا، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الآيَةُ عامَّةً في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذا التَّوَفِّي قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مَعْناهُ تَقْبِضُ أرْواحَهم عِنْدَ المَوْتِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [المُلْكِ: ٢] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] . قُلْنا: خالِقُ المَوْتِ هو اللَّهُ تَعالى، والرَّئِيسُ المُفَوَّضُ إلَيْهِ هَذا العَمَلُ هو مَلَكُ المَوْتِ، وسائِرُ المَلائِكَةِ أعْوانُهُ.
القَوْلُ الثّانِي: تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ يَعْنِي: يَحْشُرُونَهم إلى النّارِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في خَبَرِ (إنَّ) وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ هو قَوْلُهُ: قالُوا لَهم فِيمَ كُنْتُمْ، فَحَذَفَ ”لَهُمْ“ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ فَيَكُونُ ”قالُوا لَهُمْ“ في مَوْضِعِ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ.
الثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ وهو هَلَكُوا، ثُمَّ فَسَّرَ الهَلاكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمَعْنى تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ في
صفحة ١١
حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، وهو وإنْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ إلّا أنَّهُ نَكِرَةٌ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِانْفِصالِ، كَأنَّهُ قِيلَ ظالِمِينَ أنْفُسَهم، إلّا أنَّهم حَذَفُوا النُّونَ؛ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، واسْمُ الفاعِلِ سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ الحالُ، أوِ الِاسْتِقْبالُ فَقَدْ يَكُونُ مَفْصُولًا في المَعْنى وإنْ كانَ مَوْصُولًا في اللَّفْظِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ . [الأحْقافِ: ٢٤]، ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ . [المائِدَةِ: ٩٥]، ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ . [الحَجِّ: ٩] فالإضافَةُ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الظُّلْمُ قَدْ يُرادُ بِهِ الكُفْرُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لُقْمانَ: ١٣] . وقَدْ يُرادُ بِهِ المَعْصِيَةُ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣٢] . وفي المُرادِ بِالظُّلْمِ في هَذِهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ أسْلَمُوا في دارِ الكُفْرِ وبَقُوا هُناكَ، ولَمْ يُهاجِرُوا إلى دارِ الإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَوْفًا، فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أظْهَرُوا لَهُمُ الكُفْرَ ولَمْ يُهاجِرُوا إلى المَدِينَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِنِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ وتَرْكِهِمُ الهِجْرَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: فِيمَ كُنْتُمْ مِن أمْرِ دِينِكم.
وثانِيها: فِيمَ كُنْتُمْ في حَرْبِ مُحَمَّدٍ أوْ في حَرْبِ أعْدائِهِ.
وثالِثُها: لِمَ تَرَكْتُمُ الجِهادَ ولِمَ رَضِيتُمْ بِالسُّكُونِ في دِيارِ الكُفّارِ ؟ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: (فِيمَ كُنْتُمْ) وكانَ حَقُّ الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: كُنّا في كَذا، أوْ لَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ.
وجَوابُهُ: أنَّ مَعْنى: (فِيمَ كُنْتُمْ) التَّوْبِيخُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ حَيْثُ قَدَرُوا عَلى المُهاجَرَةِ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَقالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ اعْتِذارًا عَمّا وُبِّخُوا بِهِ، واعْتِلالًا بِأنَّهم ما كانُوا قادِرِينَ عَلى المُهاجَرَةِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يَقْبَلُوا مِنهم هَذا العُذْرَ، بَلْ رَدُّوهُ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ . أرادُوا أنَّكم كُنْتُمْ قادِرِينَ عَلى الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ إلى بَعْضِ البِلادِ الَّتِي لا تُمْنَعُونَ فِيها مِن إظْهارِ دِينِكم، فَبَقِيتُمْ بَيْنَ الكُفّارِ لا لِلْعَجْزِ عَنْ مُفارَقَتِهِمْ، بَلْ مَعَ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ المُفارَقَةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى وعِيدَهم، فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ .
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى فَقالَ: ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لا يَسْتَطِيعُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: لا يَقْدِرُونَ عَلى حِيلَةٍ ولا نَفَقَةٍ، أوْ كانَ بِهِمْ مَرَضٌ، أوْ كانُوا تَحْتَ قَهْرِ قاهِرٍ يَمْنَعُهم مِن تِلْكَ المُهاجَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أيْ: لا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ، ولا يَجِدُونَ مَن يَدُلُّهم عَلى الطَّرِيقِ. رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى مُسْلِمِي مَكَّةَ، فَقالَ جُنْدَبُ بْنُ ضَمْرَةَ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، ولا أنِّي لا أهْتَدِي الطَّرِيقَ، واللَّهِ لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ. فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَماتَ في الطَّرِيقِ» .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أدْخَلَ الوِلْدانِ في جُمْلَةِ المُسْتَثْنَيْنِ مِن أهْلِ الوَعِيدِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانُوا
صفحة ١٢
مُسْتَحِقِّينَ لِلْوَعِيدِ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ ؟ .
قُلْنا: سُقُوطُ الوَعِيدِ إذا كانَ بِسَبَبِ العَجْزِ، والعَجْزُ تارَةً يَحْصُلُ بِسَبَبِ عَدَمِ الأُهْبَةِ وتارَةً بِسَبَبِ الصِّبا، فَلا جَرَمَ حَسُنَ هَذا إذا أُرِيدَ بِالوِلْدانِ الأطْفالُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ المُراهِقُونَ مِنهُمُ الَّذِينَ كَمُلَتْ عُقُولُهم لِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِمْ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ أُرِيدَ العَبِيدُ والإماءُ البالِغُونَ فَلا سُؤالَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ القَوْمَ لَمّا كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الهِجْرَةِ، والعاجِزُ عَنِ الشَّيْءِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ في تَرْكِهِ عُقُوبَةٌ، فَلِمَ قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ والعَفْوُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا مَعَ الذَّنْبِ، وأيْضًا ”عَسى“ كَلِمَةُ الإطْماعِ، وهَذا يَقْتَضِي عَدَمَ القَطْعِ بِحُصُولِ العَفْوِ في حَقِّهِمْ ؟ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المُسْتَضْعَفَ قَدْ يَكُونُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ المَشَقَّةِ، وتَمْيِيزُ الضَّعْفِ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ الرُّخْصَةُ عَنِ الحَدِّ الَّذِي لا يَحْصُلُ عِنْدَهُ الرُّخْصَةُ شاقٌّ ومُشْتَبَهٌ، فَرُبَّما ظَنَّ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ أنَّهُ عاجِزٌ عَنِ المُهاجَرَةِ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ، ولا سِيَّما في الهِجْرَةِ عَنِ الوَطَنِ فَإنَّها شاقَّةٌ عَلى النَّفْسِ، وبِسَبَبِ شِدَّةِ النَّفْرَةِ قَدْ يَظُنُّ الإنْسانُ كَوْنَهُ عاجِزًا مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَلِهَذا المَعْنى كانَتِ الحاجَةُ إلى العَفْوِ شَدِيدَةً في هَذا المَقامِ.
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ لَفْظَةِ ”عَسى“ هَهُنا ؟ فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ مُضَيَّقٌ لا تَوْسِعَةَ فِيهِ، حَتّى أنَّ المُضْطَرَّ البَيِّنَ الِاضْطِرارِ مِن حَقِّهِ أنْ يَقُولَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِّي، فَكَيْفَ الحالُ في غَيْرِهِ. هَذا هو الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ، إلّا أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ الجَوابُ ما قَدَّمْناهُ، وهو أنَّ الإنْسانَ لِشِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنْ مُفارَقَةِ الوَطَنِ رُبَّما ظَنَّ نَفْسَهُ عاجِزًا عَنْها مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ، فَلِهَذا المَعْنى ذَكَرَ العَفْوَ بِكَلِمَةِ ”عَسى“ لا بِالكَلِمَةِ الدّالَّةِ عَلى القَطْعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ . ذَكَرَ الزَّجّاجُ في ”كانَ“ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: كانَ قَبْلَ أنْ خَلَقَ الخَلْقَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ (كانَ) مَعَ أنَّ جَمِيعَ العِبادِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى أجْراها في حَقِّ خَلْقِهِ.
الثّالِثُ: لَوْ قالَ: إنَّهُ تَعالى عَفُوٌّ غَفُورٌ كانَ هَذا إخْبارًا عَنْ كَوْنِهِ كَذَلِكَ فَقَطْ، ولَمّا قالَ: إنَّهُ كانَ كَذَلِكَ كانَ هَذا إخْبارًا وقَعَ مُخْبِرُهُ عَلى وفْقِهِ، فَكانَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى كَوْنِهِ صِدْقًا وحَقًّا ومُبَرَّأً عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَهُنا شَيْءٌ مِنَ الذَّنْبِ لامْتَنَعَ حُصُولُ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فِيهِ، فَلَمّا أخْبَرَ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ دَلَّ عَلى حُصُولِ الذَّنْبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ بِالعَفْوِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِحالِ التَّوْبَةِ فَيَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
النساء 4:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ثَوابَ مَن أقْدَمَ عَلى الجِهادِ أتْبَعَهُ بِعِقابِ مَن قَعَدَ عَنْهُ ورَضِيَ بِالسُّكُونِ في دارِ الكُفْرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (تَوَفّاهم) ماضِيًا، ولَمْ تَضُمَّ تاءً مَعَ التّاءِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البَقَرَةِ: ٧٠] . وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ إخْبارًا عَنْ حالِ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ انْقَرَضُوا ومَضَوْا، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مُسْتَقْبَلًا، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الآيَةُ عامَّةً في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذا التَّوَفِّي قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مَعْناهُ تَقْبِضُ أرْواحَهم عِنْدَ المَوْتِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [المُلْكِ: ٢] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] . قُلْنا: خالِقُ المَوْتِ هو اللَّهُ تَعالى، والرَّئِيسُ المُفَوَّضُ إلَيْهِ هَذا العَمَلُ هو مَلَكُ المَوْتِ، وسائِرُ المَلائِكَةِ أعْوانُهُ.
القَوْلُ الثّانِي: تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ يَعْنِي: يَحْشُرُونَهم إلى النّارِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في خَبَرِ (إنَّ) وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ هو قَوْلُهُ: قالُوا لَهم فِيمَ كُنْتُمْ، فَحَذَفَ ”لَهُمْ“ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ فَيَكُونُ ”قالُوا لَهُمْ“ في مَوْضِعِ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ.
الثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ وهو هَلَكُوا، ثُمَّ فَسَّرَ الهَلاكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمَعْنى تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ في
صفحة ١١
حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، وهو وإنْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ إلّا أنَّهُ نَكِرَةٌ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِانْفِصالِ، كَأنَّهُ قِيلَ ظالِمِينَ أنْفُسَهم، إلّا أنَّهم حَذَفُوا النُّونَ؛ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، واسْمُ الفاعِلِ سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ الحالُ، أوِ الِاسْتِقْبالُ فَقَدْ يَكُونُ مَفْصُولًا في المَعْنى وإنْ كانَ مَوْصُولًا في اللَّفْظِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ . [الأحْقافِ: ٢٤]، ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ . [المائِدَةِ: ٩٥]، ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ . [الحَجِّ: ٩] فالإضافَةُ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الظُّلْمُ قَدْ يُرادُ بِهِ الكُفْرُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لُقْمانَ: ١٣] . وقَدْ يُرادُ بِهِ المَعْصِيَةُ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣٢] . وفي المُرادِ بِالظُّلْمِ في هَذِهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ أسْلَمُوا في دارِ الكُفْرِ وبَقُوا هُناكَ، ولَمْ يُهاجِرُوا إلى دارِ الإسْلامِ.
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَوْفًا، فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أظْهَرُوا لَهُمُ الكُفْرَ ولَمْ يُهاجِرُوا إلى المَدِينَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِنِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ وتَرْكِهِمُ الهِجْرَةَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: فِيمَ كُنْتُمْ مِن أمْرِ دِينِكم.
وثانِيها: فِيمَ كُنْتُمْ في حَرْبِ مُحَمَّدٍ أوْ في حَرْبِ أعْدائِهِ.
وثالِثُها: لِمَ تَرَكْتُمُ الجِهادَ ولِمَ رَضِيتُمْ بِالسُّكُونِ في دِيارِ الكُفّارِ ؟ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: (فِيمَ كُنْتُمْ) وكانَ حَقُّ الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: كُنّا في كَذا، أوْ لَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ.
وجَوابُهُ: أنَّ مَعْنى: (فِيمَ كُنْتُمْ) التَّوْبِيخُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ حَيْثُ قَدَرُوا عَلى المُهاجَرَةِ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَقالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ اعْتِذارًا عَمّا وُبِّخُوا بِهِ، واعْتِلالًا بِأنَّهم ما كانُوا قادِرِينَ عَلى المُهاجَرَةِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يَقْبَلُوا مِنهم هَذا العُذْرَ، بَلْ رَدُّوهُ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ . أرادُوا أنَّكم كُنْتُمْ قادِرِينَ عَلى الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ إلى بَعْضِ البِلادِ الَّتِي لا تُمْنَعُونَ فِيها مِن إظْهارِ دِينِكم، فَبَقِيتُمْ بَيْنَ الكُفّارِ لا لِلْعَجْزِ عَنْ مُفارَقَتِهِمْ، بَلْ مَعَ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ المُفارَقَةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى وعِيدَهم، فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ .
ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى فَقالَ: ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لا يَسْتَطِيعُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: لا يَقْدِرُونَ عَلى حِيلَةٍ ولا نَفَقَةٍ، أوْ كانَ بِهِمْ مَرَضٌ، أوْ كانُوا تَحْتَ قَهْرِ قاهِرٍ يَمْنَعُهم مِن تِلْكَ المُهاجَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أيْ: لا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ، ولا يَجِدُونَ مَن يَدُلُّهم عَلى الطَّرِيقِ. رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى مُسْلِمِي مَكَّةَ، فَقالَ جُنْدَبُ بْنُ ضَمْرَةَ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، ولا أنِّي لا أهْتَدِي الطَّرِيقَ، واللَّهِ لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ. فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَماتَ في الطَّرِيقِ» .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أدْخَلَ الوِلْدانِ في جُمْلَةِ المُسْتَثْنَيْنِ مِن أهْلِ الوَعِيدِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانُوا
صفحة ١٢
مُسْتَحِقِّينَ لِلْوَعِيدِ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ ؟ .
قُلْنا: سُقُوطُ الوَعِيدِ إذا كانَ بِسَبَبِ العَجْزِ، والعَجْزُ تارَةً يَحْصُلُ بِسَبَبِ عَدَمِ الأُهْبَةِ وتارَةً بِسَبَبِ الصِّبا، فَلا جَرَمَ حَسُنَ هَذا إذا أُرِيدَ بِالوِلْدانِ الأطْفالُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ المُراهِقُونَ مِنهُمُ الَّذِينَ كَمُلَتْ عُقُولُهم لِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِمْ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ أُرِيدَ العَبِيدُ والإماءُ البالِغُونَ فَلا سُؤالَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ القَوْمَ لَمّا كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الهِجْرَةِ، والعاجِزُ عَنِ الشَّيْءِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ في تَرْكِهِ عُقُوبَةٌ، فَلِمَ قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ والعَفْوُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا مَعَ الذَّنْبِ، وأيْضًا ”عَسى“ كَلِمَةُ الإطْماعِ، وهَذا يَقْتَضِي عَدَمَ القَطْعِ بِحُصُولِ العَفْوِ في حَقِّهِمْ ؟ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المُسْتَضْعَفَ قَدْ يَكُونُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ المَشَقَّةِ، وتَمْيِيزُ الضَّعْفِ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ الرُّخْصَةُ عَنِ الحَدِّ الَّذِي لا يَحْصُلُ عِنْدَهُ الرُّخْصَةُ شاقٌّ ومُشْتَبَهٌ، فَرُبَّما ظَنَّ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ أنَّهُ عاجِزٌ عَنِ المُهاجَرَةِ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ، ولا سِيَّما في الهِجْرَةِ عَنِ الوَطَنِ فَإنَّها شاقَّةٌ عَلى النَّفْسِ، وبِسَبَبِ شِدَّةِ النَّفْرَةِ قَدْ يَظُنُّ الإنْسانُ كَوْنَهُ عاجِزًا مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَلِهَذا المَعْنى كانَتِ الحاجَةُ إلى العَفْوِ شَدِيدَةً في هَذا المَقامِ.
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ لَفْظَةِ ”عَسى“ هَهُنا ؟ فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ مُضَيَّقٌ لا تَوْسِعَةَ فِيهِ، حَتّى أنَّ المُضْطَرَّ البَيِّنَ الِاضْطِرارِ مِن حَقِّهِ أنْ يَقُولَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِّي، فَكَيْفَ الحالُ في غَيْرِهِ. هَذا هو الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ، إلّا أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ الجَوابُ ما قَدَّمْناهُ، وهو أنَّ الإنْسانَ لِشِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنْ مُفارَقَةِ الوَطَنِ رُبَّما ظَنَّ نَفْسَهُ عاجِزًا عَنْها مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ، فَلِهَذا المَعْنى ذَكَرَ العَفْوَ بِكَلِمَةِ ”عَسى“ لا بِالكَلِمَةِ الدّالَّةِ عَلى القَطْعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ . ذَكَرَ الزَّجّاجُ في ”كانَ“ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: كانَ قَبْلَ أنْ خَلَقَ الخَلْقَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ (كانَ) مَعَ أنَّ جَمِيعَ العِبادِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى أجْراها في حَقِّ خَلْقِهِ.
الثّالِثُ: لَوْ قالَ: إنَّهُ تَعالى عَفُوٌّ غَفُورٌ كانَ هَذا إخْبارًا عَنْ كَوْنِهِ كَذَلِكَ فَقَطْ، ولَمّا قالَ: إنَّهُ كانَ كَذَلِكَ كانَ هَذا إخْبارًا وقَعَ مُخْبِرُهُ عَلى وفْقِهِ، فَكانَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى كَوْنِهِ صِدْقًا وحَقًّا ومُبَرَّأً عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَهُنا شَيْءٌ مِنَ الذَّنْبِ لامْتَنَعَ حُصُولُ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فِيهِ، فَلَمّا أخْبَرَ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ دَلَّ عَلى حُصُولِ الذَّنْبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ بِالعَفْوِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِحالِ التَّوْبَةِ فَيَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
النساء 4:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
صفحة ١٣
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ المانِعَ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ لَهُ في وطَنِهِ نَوْعُ راحَةٍ ورَفاهِيَةٍ، فَيَقُولُ لَوْ فارَقْتُ الوَطَنَ وقَعْتُ في الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ وضِيقِ العَيْشِ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ يُقالُ: راغَمْتُ الرَّجُلَ إذا فَعَلْتَ ما يَكْرَهُهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الرَّغامِ وهو التُّرابُ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: رَغْمَ أنْفِهِ، يُرِيدُونَ بِهِ أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأنْفَ عُضْوٌ في غايَةِ العِزَّةِ، والتُّرابُ في غايَةِ الذِّلَّةِ، فَجَعَلُوا قَوْلَهم: رَغْمَ أنْفِهِ كِنايَةً عَنِ الذُّلِّ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّ هَذِهِ المُراغَمَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ أنَّهم فارَقُوا وخَرَجُوا عَنْ دِيارِهِمْ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ إلى بَلَدٍ آخَرَ يَجِدْ في أرْضِ ذَلِكَ البَلَدِ مِنَ الخَيْرِ والنِّعْمَةِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِرَغْمِ أنْفِ أعْدائِهِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في بَلْدَتِهِ الأصْلِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن فارَقَ وذَهَبَ إلى بَلْدَةٍ أجْنَبِيَّةٍ فَإذِ اسْتَقامَ أمْرُهُ في تِلْكَ البَلْدَةِ الأجْنَبِيَّةِ، ووَصَلَ ذَلِكَ الخَبَرُ إلى أهْلِ بَلْدَتِهِ خَجِلُوا مِن سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُ، ورَغِمَتْ أُنُوفُهم بِسَبَبِ ذَلِكَ، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا أقْرَبُ مِن حَمْلِهِ عَلى ما قالُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
والحاصِلُ كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها الإنْسانُ، إنَّكَ كُنْتَ إنَّما تَكْرَهُ الهِجْرَةَ عَنْ وطَنِكَ؛ خَوْفًا مِن أنْ تَقَعَ في المَشَقَّةِ والمِحْنَةِ في السَّفَرِ، فَلا تَخَفْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيكَ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ والمَراتِبِ العَظِيمَةِ في مُهاجَرَتِكَ ما يَصِيرُ سَبَبًا لِرَغْمِ أُنُوفِ أعْدائِكَ، ويَكُونُ سَبَبًا لِسَعَةِ عَيْشِكَ، وإنَّما قَدَّمَ في الآيَةِ ذِكْرَ رَغْمِ الأعْداءِ عَلى ذِكْرِ سَعَةِ العَيْشِ؛ لِأنَّ ابْتِهاجَ الإنْسانِ الَّذِي يُهاجِرُ عَنْ أهْلِهِ وبَلَدِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ ظُلْمِهِمْ عَلَيْهِ بِدَوْلَتِهِ مِن حَيْثُ إنَّها تَصِيرُ سَبَبًا لِرَغْمِ أُنُوفِ الأعْداءِ، أشَدُّ مِنَ ابْتِهاجِهِ بِتِلْكَ الدَّوْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّها صارَتْ سَبَبًا لِسَعَةِ العَيْشِ عَلَيْهِ.
وأمّا المانِعُ الثّانِي مِنَ الإقْدامِ عَلى المُهاجَرَةِ فَهو أنَّ الإنْسانَ يَقُولُ: إنْ خَرَجْتُ عَنْ بَلَدِي في طَلَبِ هَذا الغَرَضِ، فَرُبَّما وصَلْتُ إلَيْهِ، ورُبَّما لَمْ أصِلْ إلَيْهِ، فالأوْلى أنْ لا أُضَيِّعَ الرَّفاهِيَةَ الحاضِرَةَ بِسَبَبِ طَلَبِ شَيْءٍ، ورُبَّما أصِلُ إلَيْهِ ورُبَّما لا أصِلُ إلَيْهِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ.
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مَن قَصَدَ طاعَةَ اللَّهِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ إتْمامِها، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَوابَ تَمامِ تِلْكَ الطّاعَةِ؛ كالمَرِيضِ يَعْجِزُ عَمّا كانَ يَفْعَلُهُ في حالِ صِحَّتِهِ مِنَ الطّاعَةِ، فَيُكْتَبُ لَهُ ثَوابُ ذَلِكَ العَمَلِ. هَكَذا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ آخَرُونَ: ثَبَتَ لَهُ أجْرُ قَصْدِهِ وأجْرُ القَدْرِ الَّذِي أتى بِهِ مِن ذَلِكَ العَمَلِ، وأمّا أجْرُ تَمامِ العَمَلِ فَذَلِكَ مُحالٌ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ هَهُنا في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ في الجِهادِ، وهو أنَّ مَن خَرَجَ إلى السَّفَرِ لِأجْلِ الرَّغْبَةِ في الهِجْرَةِ، فَقَدْ وجَدَ ثَوابَ الهِجْرَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّرْغِيبَ إنَّما يَحْصُلُ بِهَذا المَعْنى، فَأمّا القَوْلُ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ هو أنْ يَصِلَ إلَيْهِ ثَوابُ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ العَمَلِ، فَلا يَصْلُحُ مُرَغِّبًا؛ لِأنَّهُ قَدْ عَرَفَ أنَّ كُلَّ مَن أتى بِعَمَلٍ فَإنَّهُ يَجِدُ الثَّوابَ المُرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ العَمَلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» “ . وأيْضًا رُوِيَ في «صَلاةِ جُنْدَبِ بْنِ ضَمْرَةَ، أنَّهُ لَمّا قَرُبَ مَوْتُهُ أخَذَ يُصَفِّقُ بِيَمِينِهِ عَلى شِمالِهِ، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ، وهَذِهِ لِرَسُولِكَ، أُبايِعُكَ عَلى ما بايَعَكَ عَلَيْهِ رَسُولُكَ، ثُمَّ ماتَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: لَوْ تُوُفِّيَ بِالمَدِينَةِ لَكانَ خَيْرًا لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ يُوجِبُ الثَّوابَ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ:
صفحة ١٤
﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ ذَكَرَ لَفْظَ الوُقُوعِ، وحَقِيقَةُ الوُجُوبِ هي الوُقُوعُ والسُّقُوطُ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ [الحَجِّ: ٣٦] أيْ: وقَعَتْ وسَقَطَتْ.
وثانِيها: أنَّهُ ذُكِرَ بِلَفْظِ الأجْرِ، والأجْرُ عِبارَةٌ عَنِ المَنفَعَةِ المُسْتَحَقَّةِ، فَأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُسْتَحَقًّا فَذاكَ لا يُسَمّى أجْرًا بَلْ هِبَةً.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: (عَلى اللَّهِ) وكَلِمَةُ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧] .
والجَوابُ: أنَّنا لا نُنازِعُ في الوُجُوبِ، لَكِنْ بِحُكْمِ الوَعْدِ والعِلْمِ والتَّفَضُّلِ والكَرَمِ، لا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَخَرَجَ عَنِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا دَلائِلَهُ فِيما تَقَدَّمَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الغازِيَ إذا ماتَ في الطَّرِيقِ وجَبَ سَهْمُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، كَما وجَبَ أجْرُهُ. وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ مَخْصُوصٌ بِالأجْرِ، وأيْضًا فاسْتِحْقاقُ السَّهْمِ مِنَ الغَنِيمَةِ مُتَعَلِّقٌ بِحِيازَتِها، إذْ لا تَكُونُ غَنِيمَةً إلّا بَعْدَ حِيازَتِها، قالَ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنْفالِ: ٤١]، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: يَغْفِرُ ما كانَ مِنهُ مِنَ القُعُودِ إلى أنْ خَرَجَ، ويَرْحَمُهُ بِإكْمالِ أجْرِ المُجاهَدَةِ.