Tafsir Al-Razi — النساء 4:165 – المائدة 5:38
المحتويات
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:167
- النساء 4:168
- النساء 4:169
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:9
- المائدة 5:10
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:17
- المائدة 5:18
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:21
- المائدة 5:22
- المائدة 5:23
- المائدة 5:24
- المائدة 5:25
- المائدة 5:26
- المائدة 5:27
- المائدة 5:28
- المائدة 5:29
- المائدة 5:30
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:36
- المائدة 5:37
- المائدة 5:38
النساء 4:165
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى أنَّ اليَهُودَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، وذَكَرَ تَعالى بَعْدَهُ أنَّهم لا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ ولَكِنْ لِأجْلِ العِنادِ واللَّجاجِ، وحَكى أنْواعًا كَثِيرَةً مِن فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمْ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَقامِ، شَرَعَ الآنَ في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ فَقالَ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ والمَعْنى: أنّا تَوافَقْنا عَلى نُبُوَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وجَمِيعِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ، ولا طَرِيقَ إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِمْ أنْبِياءَ اللَّهِ ورُسُلَهُ إلّا ظُهُورُ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ عَلى التَّعْيِينِ، وما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ كِتابًا بِتَمامِهِ مِثْلَ ما أنْزَلَ إلى مُوسى، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إنْزالِ الكِتابِ عَلى هَؤُلاءِ دُفْعَةً واحِدَةً قادِحًا في نُبُوَّتِهِمْ، بَلْ كَفى في إثْباتِ نُبُوَّتِهِمْ ظُهُورُ نَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ زائِلَةٌ، وأنَّ إصْرارَ اليَهُودِ عَلى طَلَبِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ باطِلٌ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ
صفحة ٨٦
إثْباتَ المَدْلُولِ يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ الدَّلِيلِ، ثُمَّ إذا حَصَلَ الدَّلِيلُ وتَمَّ فالمُطالَبَةُ بِدَلِيلٍ آخَرَ تَكُونُ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ وإظْهارًا لِلتَّعَنُّتِ واللَّجاجِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ بِأنَّهُ لِمَ أعْطى هَذا الرَّسُولَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ وذَلِكَ الرَّسُولَ الآخَرَ مُعْجِزًا آخَرَ، وهَذا الجَوابُ المَذْكُورُ هَهُنا هو الجَوابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٣] يَعْنِي أنَّكَ إنَّما ادَّعَيْتَ الرِّسالَةَ، والرَّسُولُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، وذَلِكَ قَدْ حَصَلَ، وأمّا أنْ تَأْتِيَ بِكُلِّ ما يُطْلَبُ مِنكَ فَذاكَ لَيْسَ مِن شَرْطِ الرِّسالَةِ، فَهَذا جَوابٌ مُعْتَمَدٌ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أوْرَدَها اليَهُودُ، وهو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الإيحاءُ الإعْلامُ عَلى سَبِيلِ الخَفاءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١١] أيْ: أشارَ إلَيْهِمْ، وقالَ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي﴾ [المائِدَةِ: ١١١] وقالَ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النَّحْلِ: ٦٨] ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القَصَصِ: ٧] والمُرادُ بِالوَحْيِ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَةِ الإلْهامُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: إنَّما بَدَأ تَعالى بِذِكْرِ نُوحٍ لِأنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ شَرَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ الأحْكامَ والحَلالَ والحَرامَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ ثُمَّ خَصَّ بَعْضَ النَّبِيِّينَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمْ أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] .
واعْلَمْ أنَّ الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ سِوى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اثْنا عَشَرَ ولَمْ يُذْكَرْ مُوسى مَعَهم، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ نَبِيًّا فَأْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ دُفْعَةً واحِدَةً كَما أتى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالتَّوْراةِ دُفْعَةً واحِدَةً، فاللَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِأنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلُّهم كانُوا أنْبِياءَ ورُسُلًا مَعَ أنَّ واحِدًا مِنهم ما أتى بِكِتابٍ مِثْلِ التَّوْراةِ دُفْعَةً واحِدَةً، ثُمَّ خَتَمَ ذِكْرَ الأنْبِياءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ يَعْنِي أنَّكُمُ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ الزَّبُورَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ ما نَزَلَ عَلى داوُدَ دُفْعَةً واحِدَةً في ألْواحٍ مِثْلَ ما نَزَلَتِ التَّوْراةُ دُفْعَةً واحِدَةً عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الألْواحِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ نُزُولَ الكِتابِ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَزَلَتِ التَّوْراةُ لا يَقْدَحُ في كَوْنِ الكِتابِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا إلْزامٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الزَّبُورُ الكِتابُ، وكُلُّ كِتابٍ زَبُورٌ، وهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالرَّسُولِ والرَّكُوبِ والحَلُوبِ، وأصْلُهُ مِن زَبَرْتُ بِمَعْنى كَتَبْتُ، وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٤] .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ: (زُبُورًا) بِضَمِّ الزّايِ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، حُجَّةُ حَمْزَةَ أنَّ الزَّبُورَ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في المَفْعُولِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرْبُ الأمِيرِ ونَسْجُ فُلانٍ، فَصارَ اسْمًا ثُمَّ جُمِعَ عَلى زُبُرٍ كَشُهُودٍ وشُهُدٍ، والمَصْدَرُ إذا أُقِيمَ مَقامَ المَفْعُولِ فَإنَّهُ يَجُوزُ جَمْعُهُ كَما يُجْمَعُ الكِتابُ عَلى كُتُبٍ، فَعَلى هَذا، الزَّبُورُ الكِتابُ، والزُّبُرُ بِضَمِّ الزّايِ: الكُتُبُ، أمّا قِراءَةُ الباقِينَ فَهي أوْلى لِأنَّها أشْهَرُ، والقِراءَةُ بِها أكْثَرُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ .
صفحة ٨٧
واعْلَمْ أنَّهُ انْتَصَبَ قَوْلُهُ: (رُسُلًا) بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ أحْوالَ بَعْضِ الأنْبِياءِ في القُرْآنِ، والأكْثَرُونَ غَيْرُ مَذْكُورِينَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ والمُرادُ أنَّهُ بَعَثَ كُلَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وخَصَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالتَّكَلُّمِ مَعَهُ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن تَخْصِيصِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا التَّشْرِيفِ الطَّعْنُ في نُبُوَّةِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فَكَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِن تَخْصِيصِ مُوسى بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ دُفْعَةً واحِدَةً طَعْنٌ فِيمَن أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الكِتابَ لا عَلى هَذا الوَجْهِ، وعَنْ إبْراهِيمَ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ أنَّهُما قَرَآ (وكَلَّمَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ، وقالَ بَعْضُهم: وكَلَّمَ اللَّهُ مَعْناهُ وجَرَحَ اللَّهُ مُوسى بِأظْفارِ المِحَنِ ومَخالِبِ الفِتَنِ وهَذا تَفْسِيرٌ باطِلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في انْتِصابِ قَوْلِهِ (رُسُلًا) وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَدْحِ.
والثّانِي: أنَّهُ انْتَصَبَ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورُسُلًا﴾ .
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْحَيْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ أيْضًا جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ اليَهُودِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن بِعْثَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يُبَشِّرُوا الخَلْقَ عَلى اشْتِغالِهِمْ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، وأنْ يُنْذِرُوهم عَلى الإعْراضِ عَنِ العُبُودِيَّةِ، فَهَذا هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ البِعْثَةِ، فَإذا حَصَلَ هَذا المَقْصُودُ فَقَدْ كَمُلَ الغَرَضُ وتَمَّ المَطْلُوبُ، وهَذا المَقْصُودُ الأصْلِيُّ حاصِلٌ بِإنْزالِ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ هَذا المَطْلُوبِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَخْتَلِفُ حالُ هَذا المَطْلُوبِ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ الكِتابُ مَكْتُوبًا في الألْواحِ أوْ لَمْ يَكُنْ، وبِأنْ يَكُونَ نازِلًا دُفْعَةً واحِدَةً أوْ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا، بَلْ لَوْ قِيلَ: إنَّ إنْزالَ الكِتابِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا أقْرَبُ إلى المَصْلَحَةِ لَكانَ أوْلى لِأنَّ الكِتابَ إذا نَزَلَ دُفْعَةً واحِدَةً كَثُرَتِ التَّكالِيفُ وتَوَجَّهَتْ بِأسْرِها عَلى المُكَلَّفِينَ فَيَثْقُلُ عَلَيْهِمْ قَبُولُها، ولِهَذا السَّبَبِ أصَرَّ قَوْمُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى التَّمَرُّدِ ولَمْ يَقْبَلُوا تِلْكَ التَّكالِيفَ، أمّا إذا نَزَلَ الكِتابُ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ يُنْزِلُ التَّكالِيفَ شَيْئًا فَشَيْئًا وجُزْءًا فَجُزْءًا، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الِانْقِيادُ والطّاعَةُ مِنَ القَوْمِ وحاصِلُ هَذا الجَوابِ أنَّ المَقْصُودَ مِن بِعْثَةِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ هو الإعْذارُ والإنْذارُ، وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ سَواءٌ نَزَلَ الكِتابُ دُفْعَةً واحِدَةً أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَكانَ اقْتِراحُ اليَهُودِ في إنْزالِ الكِتابِ دُفْعَةً واحِدَةً اقْتِراحًا فاسِدًا. وهَذا أيْضًا جَوابٌ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ في غايَةِ الحُسْنِ، ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ يَعْنِي هَذا الَّذِي يَطْلُبُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ أمْرٌ هَيِّنٌ في القُدْرَةِ، ولَكِنَّكم طَلَبْتُمُوهُ عَلى سَبِيلِ اللَّجاجِ وهو تَعالى عَزِيزٌ، وعِزَّتُهُ تَقْتَضِي أنْ لا يُجابَ المُتَعَنِّتُ إلى مَطْلُوبِهِ فَكَذَلِكَ حِكْمَتُهُ تَقْتَضِي هَذا الِامْتِناعَ لِعِلْمِهِ تَعالى بِأنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى لَجاجِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أعْطى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا التَّشْرِيفَ ومَعَ ذَلِكَ فَقَوْمُهُ بَقُوا مَعَهُ عَلى المُكابَرَةِ والإصْرارِ واللَّجاجِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى لا يَثْبُتُ إلّا بِالسَّمْعِ قالُوا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَبْلَ البِعْثَةِ يَكُونُ لِلنّاسِ حُجَّةٌ في تَرْكِ الطّاعاتِ والعِباداتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ١٥] وقَوْلُهُ: (ولَوْ أنّا)
صفحة ٨٨
﴿أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَبْدَ قَدْ يَحْتَجُّ عَلى الرَّبِّ، وأنَّ الَّذِي يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّهُ تَعالى لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ، وأنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ لَهم عَلى اللَّهِ حُجَّةً قَبْلَ الرُّسُلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ أهْلِ السُّنَّةِ.
والجَوابُ: المُرادُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ، أيْ: ما يُشْبِهُ الحُجَّةَ فِيما بَيْنَكم. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ عَدَمَ إرْسالِ الرُّسُلِ إذا كانَ يَصْلُحُ عُذْرًا فَبِأنْ يَكُونَ عَدَمُ المُكْنَةِ والقُدْرَةِ صالِحًا لِأنْ يَكُونَ عُذْرًا كانَ أوْلى، وجَوابُهُ المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:166
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
وفِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (لَكِنْ) لا يُبْتَدَأُ بِهِ لِأنَّهُ اسْتِدْراكٌ عَلى ما سَبَقَ، وفي ذَلِكَ المُسْتَدْرَكِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ بِأسْرِها جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النِّساءِ: ١٥٣] وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّ هَذا القُرْآنَ لَيْسَ كِتابًا نازِلًا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم وإنْ شَهِدُوا بِأنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ مِنَ السَّماءِ لَكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ بِأنَّهُ نازِلٌ عَلَيْهِ مِنَ السَّماءِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ قالَ القَوْمُ: نَحْنُ لا نَشْهَدُ لَكَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: شَهادَةُ اللَّهِ إنَّما عُرِفَتْ بِسَبَبِ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ هَذا القُرْآنَ البالِغَ في الفَصاحَةِ في اللَّفْظِ والشَّرَفِ في المَعْنى إلى حَيْثُ عَجَزَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ عَنْ مُعارَضَتِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا وإظْهارُ المُعْجِزَةِ شَهادَةٌ بِكَوْنِ المُدَّعِي صادِقًا، ولَمّا كانَتْ شَهادَتُهُ إنَّما عُرِفَتْ بِواسِطَةِ إنْزالِ القُرْآنِ لا جَرَمَ قالَ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ أيْ: يَشْهَدُ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ بِواسِطَةِ هَذا القُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ.
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ بَيَّنَ صِفَةَ ذَلِكَ الإنْزالِ وهو أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ بِعِلْمٍ تامٍّ وحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، فَصارَ قَوْلُهُ ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ وقَطَعْتُ بِالسِّكِّينِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وصْفُ القُرْآنِ بِغايَةِ الحُسْنِ ونِهايَةِ الكَمالِ، وهَذا مِثْلُ ما يُقالُ في الرَّجُلِ المَشْهُورِ بِكَمالِ الفَضْلِ والعِلْمِ إذا صَنَّفَ كِتابًا واسْتَقْصى في تَحْرِيرِهِ: إنَّهُ إنَّما صَنَّفَ هَذا بِكَمالِ عِلْمِهِ وفَضْلِهِ، يَعْنِي أنَّهُ اتَّخَذَ جُمْلَةَ عُلُومِهِ آلَةً ووَسِيلَةً إلى تَصْنِيفِ هَذا الكِتابِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى وصْفِ ذَلِكَ التَّصْنِيفِ بِغايَةِ الجَوْدَةِ ونِهايَةِ الحُسْنِ، فَكَذا هَهُنا واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٨٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى عِلْمًا، وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ كانَ عِلْمُهُ نَفْسَ ذاتِهِ لَزِمَ إضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ وهو مُحالٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ وإنَّما تُعْرَفُ شَهادَةُ المَلائِكَةِ لَهُ بِذَلِكَ لِأنَّ ظُهُورَ المُعْجِزِ عَلى يَدِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى شَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، وإذا شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ فَقَدْ شَهِدَتِ المَلائِكَةُ لا مَحالَةَ بِذَلِكَ لِما ثَبَتَ في القُرْآنِ أنَّهم لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ، والمَقْصُودُ كَأنَّهُ قِيلَ: يا مُحَمَّدُ إنْ كَذَّبَكَ هَؤُلاءِ اليَهُودُ فَلا تُبالِ بِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وهو إلَهُ العالَمِينَ يُصَدِّقُكَ في ذَلِكَ، ومَلائِكَةُ السَّماواتِ السَّبْعِ يُصَدِّقُونَكَ في ذَلِكَ، ومَن صَدَّقَهُ رَبُّ العالَمِينَ ومَلائِكَةُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ والسَّمَواتِ السَّبْعِ أجْمَعُونَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى تَكْذِيبِ أخَسِّ النّاسِ، وهم هَؤُلاءِ اليَهُودُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ والمَعْنى: وكَفى اللَّهُ شَهِيدًا، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في مِثْلِ هَذا.
النساء 4:167
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن صِفاتِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، والمُرادُ أنَّهم كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ وصَدُّوا غَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وذَلِكَ بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ في قُلُوبِهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ رَسُولًا لَأتى بِكِتابِهِ دُفْعَةً واحِدَةً مِنَ السَّماءِ كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى، وقَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُبَدَّلُ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهم: إنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُونَ إلّا مِن ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أشَدَّ النّاسِ ضَلالًا مَن كانَ ضالًّا ويَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى اكْتِسابِ المالِ والجاهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَبْذُلُ كُنْهَ جُهْدِهِ في إلْقاءِ غَيْرِهِ في مِثْلِ ذَلِكَ الضَّلالِ، فَهَذا الإنْسانُ لا شَكَّ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ في الضَّلالِ إلى أقْصى الغاياتِ وأعْظَمِ النِّهاياتِ، فَلِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ولَمّا وصَفَ تَعالى كَيْفِيَّةَ ضَلالِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَهم فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾ مُحَمَّدًا بِكِتْمانِ ذِكْرِ بِعْثَتِهِ وظَلَمُوا عَوامَّهم بِإلْقاءِ الشُّبَهاتِ في قُلُوبِهِمْ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَمْ يُحْتَجْ إلى إضْمارِ شَرْطٍ في هَذا الوَعِيدِ، لِأنّا نَحْمِلُ الوَعِيدَ في الآيَةِ عَلى أقْوامٍ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ أضْمَرْنا فِيهِ شَرْطَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ انْتَصَبَ خالِدِينَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى لا لِيَهْدِيَهم لِأنَّهُ
صفحة ٩٠
بِمَنزِلَةِ نُعاقِبُهم خالِدِينَ، وانْتَصَبَ (أبَدًا) عَلى الظَّرْفِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ والمَعْنى لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَكانَ إيصالُ الألَمِ إلَيْهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ يَسِيرًا عَلَيْهِ وإنْ كانَ مُتَعَذِّرًا عَلى غَيْرِهِ.
النساء 4:168
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن صِفاتِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، والمُرادُ أنَّهم كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ وصَدُّوا غَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وذَلِكَ بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ في قُلُوبِهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ رَسُولًا لَأتى بِكِتابِهِ دُفْعَةً واحِدَةً مِنَ السَّماءِ كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى، وقَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُبَدَّلُ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهم: إنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُونَ إلّا مِن ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أشَدَّ النّاسِ ضَلالًا مَن كانَ ضالًّا ويَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى اكْتِسابِ المالِ والجاهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَبْذُلُ كُنْهَ جُهْدِهِ في إلْقاءِ غَيْرِهِ في مِثْلِ ذَلِكَ الضَّلالِ، فَهَذا الإنْسانُ لا شَكَّ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ في الضَّلالِ إلى أقْصى الغاياتِ وأعْظَمِ النِّهاياتِ، فَلِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ولَمّا وصَفَ تَعالى كَيْفِيَّةَ ضَلالِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَهم فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾ مُحَمَّدًا بِكِتْمانِ ذِكْرِ بِعْثَتِهِ وظَلَمُوا عَوامَّهم بِإلْقاءِ الشُّبَهاتِ في قُلُوبِهِمْ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَمْ يُحْتَجْ إلى إضْمارِ شَرْطٍ في هَذا الوَعِيدِ، لِأنّا نَحْمِلُ الوَعِيدَ في الآيَةِ عَلى أقْوامٍ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ أضْمَرْنا فِيهِ شَرْطَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ انْتَصَبَ خالِدِينَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى لا لِيَهْدِيَهم لِأنَّهُ
صفحة ٩٠
بِمَنزِلَةِ نُعاقِبُهم خالِدِينَ، وانْتَصَبَ (أبَدًا) عَلى الظَّرْفِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ والمَعْنى لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَكانَ إيصالُ الألَمِ إلَيْهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ يَسِيرًا عَلَيْهِ وإنْ كانَ مُتَعَذِّرًا عَلى غَيْرِهِ.
النساء 4:169
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن صِفاتِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، والمُرادُ أنَّهم كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وبِالقُرْآنِ وصَدُّوا غَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وذَلِكَ بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ في قُلُوبِهِمْ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ رَسُولًا لَأتى بِكِتابِهِ دُفْعَةً واحِدَةً مِنَ السَّماءِ كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى، وقَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُبَدَّلُ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهم: إنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُونَ إلّا مِن ولَدِ هارُونَ وداوُدَ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أشَدَّ النّاسِ ضَلالًا مَن كانَ ضالًّا ويَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى اكْتِسابِ المالِ والجاهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَبْذُلُ كُنْهَ جُهْدِهِ في إلْقاءِ غَيْرِهِ في مِثْلِ ذَلِكَ الضَّلالِ، فَهَذا الإنْسانُ لا شَكَّ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ في الضَّلالِ إلى أقْصى الغاياتِ وأعْظَمِ النِّهاياتِ، فَلِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ولَمّا وصَفَ تَعالى كَيْفِيَّةَ ضَلالِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَهُ وعِيدَهم فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾ مُحَمَّدًا بِكِتْمانِ ذِكْرِ بِعْثَتِهِ وظَلَمُوا عَوامَّهم بِإلْقاءِ الشُّبَهاتِ في قُلُوبِهِمْ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَمْ يُحْتَجْ إلى إضْمارِ شَرْطٍ في هَذا الوَعِيدِ، لِأنّا نَحْمِلُ الوَعِيدَ في الآيَةِ عَلى أقْوامٍ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ أضْمَرْنا فِيهِ شَرْطَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ بَلْ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ جَهَنَّمَ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ انْتَصَبَ خالِدِينَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى لا لِيَهْدِيَهم لِأنَّهُ
صفحة ٩٠
بِمَنزِلَةِ نُعاقِبُهم خالِدِينَ، وانْتَصَبَ (أبَدًا) عَلى الظَّرْفِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ والمَعْنى لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَكانَ إيصالُ الألَمِ إلَيْهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ يَسِيرًا عَلَيْهِ وإنْ كانَ مُتَعَذِّرًا عَلى غَيْرِهِ.
النساء 4:170
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبْهَةِ اليَهُودِ عَلى الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ وبَيَّنَ فَسادَ طَرِيقَتِهِمْ ذَكَرَ خِطابًا عامًّا يَعُمُّهم ويَعُمُّ غَيْرَهم في الدَّعْوَةِ إلى دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهَذا الحَقُّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ جاءَ بِالقُرْآنِ، والقُرْآنُ مُعْجِزٌ فَيَلْزَمُ أنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ مِن رَبِّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ جاءَ بِالدَّعْوَةِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ والإعْراضِ عَنْ غَيْرِهِ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا هو الحَقُّ، فَيَلْزَمُ أنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ مِن رَبِّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ يَعْنِي: فَآمِنُوا يَكُنْ ذَلِكَ الإيمانُ خَيْرًا لَكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ، أيْ: أحْمَدَ عاقِبَةً مِنَ الكُفْرِ، وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ إيمانِكم لِأنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ وخالِقُهُما، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا إلى شَيْءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلَيْكم لَوْ كَفَرْتُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّكم إنْ كَفَرْتُمْ فَلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ عَبِيدٌ يَعْبُدُونَهُ ويَنْقادُونَ لِأمْرِهِ وحُكْمِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: عَلِيمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن أعْمالِ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ شَيْءٌ، و(حَكِيمًا) لا يَضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنهم ولا يُسَوِّي بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ والمُسِيءِ والمُحْسِنِ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] .
النساء 4:171
صفحة ٩١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبُهاتِ اليَهُودِ تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ النَّصارى في هَذِهِ الآيَةِ، والتَّقْدِيرُ: يا أهْلَ الكِتابِ مِنَ النَّصارى لا تَغْلُوا في دِينِكم أيْ: لا تُفْرِطُوا في تَعْظِيمِ المَسِيحِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ أنَّهم يُبالِغُونَ في الطَّعْنِ في المَسِيحِ، وهَؤُلاءِ النَّصارى يُبالِغُونَ في تَعْظِيمِهِ وكِلا طَرَفَيْ قَصْدِهِمْ ذَمِيمٌ، فَلِهَذا قالَ لِلنَّصارى: ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ يَعْنِي لا تَصِفُوا اللَّهَ بِالحُلُولِ والِاتِّحادِ في بَدَنِ الإنْسانِ أوْ رُوحِهِ، ونَزِّهُوهُ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ. ولَمّا مَنَعَهم عَنْ طَرِيقِ الغُلُوِّ أرْشَدَهم إلى طَرِيقِ الحَقِّ، وهو أنَّ المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وعَبْدُهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ .
فاعْلَمْ أنّا فَسَّرْنا ”الكَلِمَةَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٥] والمَعْنى أنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ولا نُطْفَةٍ كَما قالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ جَرَتْ عادَةُ النّاسِ أنَّهم إذا وصَفُوا شَيْئًا بِغايَةِ الطَّهارَةِ والنَّظافَةِ قالُوا: إنَّهُ رُوحٌ، فَلَمّا كانَ عِيسى لَمْ يَتَكَوَّنْ مِن نُطْفَةِ الأبِ وإنَّما تَكَوَّنُ مِن نَفْخَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا جَرَمَ وُصِفَ بِأنَّهُ رُوحٌ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: (مِنهُ) التَّشْرِيفُ والتَّفْضِيلُ كَما يُقالُ: هَذِهِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، والمُرادُ كَوْنُ تِلْكَ النِّعْمَةِ كامِلَةً شَرِيفَةً.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِحَياةِ الخَلْقِ في أدْيانِهِمْ، ومَن كانَ كَذَلِكَ وُصِفَ بِأنَّهُ رُوحٌ. قالَ تَعالى في صِفَةِ القُرْآنِ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشُّورى: ٥٢] الثّالِثُ: رُوحٌ مِنهُ أيْ: رَحْمَةٌ مِنهُ، قِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢٢] أيْ: بِرَحْمَةٍ مِنهُ، وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ» ) فَلَمّا كانَ عِيسى رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ مِن حَيْثُ أنَّهُ كانَ يُرْشِدُهم إلى مَصالِحِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهم لا جَرَمَ سُمِّيَ رُوحًا مِنهُ.
الرّابِعُ: أنَّ الرُّوحَ هو النَّفْخُ في كَلامِ العَرَبِ، فَإنَّ الرُّوحَ والرِّيحَ مُتَقارِبانِ، فالرُّوحُ عِبارَةٌ عَنْ نَفْخَةِ جِبْرِيلَ وقَوْلُهُ: (مِنهُ) يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ النَّفْخَ مِن جِبْرِيلَ كانَ بِأمْرِ اللَّهِ وإذْنِهِ فَهو مِنهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ .
الخامِسُ: قَوْلُهُ: (رُوحٌ) أدْخَلَ التَّنْكِيرَ في لَفْظِ (رُوحٌ) وذَلِكَ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ، فَكانَ المَعْنى: ورُوحٌ مِنَ الأرْواحِ الشَّرِيفَةِ القُدُسِيَّةِ العالِيَةِ، وقَوْلُهُ: (مِنهُ) إضافَةٌ لِذَلِكَ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ لِأجْلِ التَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ.
صفحة ٩٢
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: أنَّ عِيسى مِن رُسُلِ اللَّهِ فَآمِنُوا بِهِ كَإيمانِكم بِسائِرِ الرُّسُلِ ولا تَجْعَلُوهُ إلَهًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى: ولا تَقُولُوا إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ واحِدٌ بِالجَوْهَرِ ثَلاثَةٌ بِالأقانِيمِ.
واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ النَّصارى مَجْهُولٌ جِدًّا، والَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنهُ أنَّهم أثْبَتُوا ذاتًا مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ، إلّا أنَّهم وإنْ سَمَّوْها صِفاتٍ فَهي في الحَقِيقَةِ ذَواتٌ، بِدَلِيلِ أنَّهم يُجَوِّزُونَ عَلَيْها الحُلُولَ في عِيسى وفي مَرْيَمَ بِأنْفُسِها، وإلّا لَما جَوَّزُوا عَلَيْها أنْ تَحِلَّ في الغَيْرِ وأنْ تُفارِقَ ذَلِكَ الغَيْرَ مَرَّةً أُخْرى، فَهم وإنْ كانُوا يُسَمُّونَها بِالصِّفاتِ إلّا أنَّهم في الحَقِيقَةِ يُثْبِتُونَ ذَواتٍ مُتَعَدِّدَةً قائِمَةً بِأنْفُسِها، وذَلِكَ مَحْضُ الكُفْرِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا﴾ فَأمّا إنْ حَمَلْنا الثَّلاثَةَ عَلى أنَّهم يُثْبِتُونَ صِفاتٍ ثَلاثَةً، فَهَذا لا يُمْكِنُ إنْكارُهُ، وكَيْفَ لا نَقُولُ ذَلِكَ وإنّا نَقُولُ: هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ العالِمُ الحَيُّ القادِرُ المُرِيدُ، ونَفْهَمُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ غَيْرَ ما نَفْهَمُهُ مِنَ اللَّفْظِ الآخَرِ، ولا مَعْنى لِتَعَدُّدِ الصِّفاتِ إلّا ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ القَوْلُ بِتَعَدُّدِ الصِّفاتِ كُفْرًا لَزِمَ رَدُّ جَمِيعِ القُرْآنِ ولَزِمَ رَدُّ العَقْلِ مِن حَيْثُ أنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ المَفْهُومَ مِن كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا غَيْرُ المَفْهُومِ مِن كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا أوْ حَيًّا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (ثَلاثَةٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ، أيْ: ولا تَقُولُوا الأقانِيمُ ثَلاثَةٌ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: ولا تَقُولُوا آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّصارى يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ والمَسِيحَ ومَرْيَمَ ثَلاثَةُ آلِهَةٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] .
الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: ولا تَقُولُوا هم ثَلاثَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢] وذَلِكَ لِأنَّ عِيسى ومَرْيَمَ مَعَ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ العِبارَةِ يُوهِمُ كَوْنَهُما إلَهَيْنِ، وبِالجُمْلَةِ فَلا نَرى مَذْهَبًا في الدُّنْيا أشَدَّ رَكاكَةً وبُعْدًا عَنِ العَقْلِ مِن مَذْهَبِ النَّصارى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ انْتِصابِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٧٠] .
ثُمَّ أكَّدَ التَّوْحِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الوَلَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ ودَلائِلُ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الوَلَدِ قَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (إنْ يَكُونُ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن ”أنْ“ ورَفْعِ النُّونِ مِن ”يَكُونَ“، أيْ: سُبْحانَهُ ما يَكُونُ لَهُ ولَدٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالكَلامُ جُمْلَتانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الوَلَدِ ذَكَرَ كَوْنَهُ مَلِكًا ومالِكًا لِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَقالَ في مَرْيَمَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٣] والمَعْنى: مَن كانَ مالِكًا لِكُلِّ السَّماواتِ والأرْضِ ولِكُلِّ ما فِيها كانَ مالِكًا لِعِيسى ولِمَرْيَمَ لِأنَّهُما كانا في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وما كانا أعْظَمَ مِن غَيْرِهِما في الذّاتِ والصِّفاتِ، وإذا كانَ مالِكًا لِما هو أعْظَمُ مِنهُما فَبِأنْ يَكُونَ مالِكًا
صفحة ٩٣
لَهُما أوْلى، وإذا كانا مَمْلُوكَيْنِ لَهُ فَكَيْفَ يُعْقَلُ مَعَ هَذا تَوَهُّمُ كَوْنِهِما لَهُ ولَدًا وزَوْجَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كافٍ في تَدْبِيرِ المَخْلُوقاتِ وفي حِفْظِ المُحْدَثاتِ فَلا حاجَةَ مَعَهُ إلى القَوْلِ بِإثْباتِ إلَهٍ آخَرَ، وهو إشارَةٌ إلى ما يَذْكُرُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ كانَ كافِيًا في الإلَهِيَّةِ، ولَوْ فَرَضْنا إلَهًا آخَرَ مَعَهُ لَكانَ مُعَطَّلًا لا فائِدَةَ فِيهِ، وذَلِكَ نَقْصٌ، والنّاقِصُ لا يَكُونُ إلَهًا.
النساء 4:172
صفحة ٩١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبُهاتِ اليَهُودِ تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ النَّصارى في هَذِهِ الآيَةِ، والتَّقْدِيرُ: يا أهْلَ الكِتابِ مِنَ النَّصارى لا تَغْلُوا في دِينِكم أيْ: لا تُفْرِطُوا في تَعْظِيمِ المَسِيحِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ أنَّهم يُبالِغُونَ في الطَّعْنِ في المَسِيحِ، وهَؤُلاءِ النَّصارى يُبالِغُونَ في تَعْظِيمِهِ وكِلا طَرَفَيْ قَصْدِهِمْ ذَمِيمٌ، فَلِهَذا قالَ لِلنَّصارى: ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ يَعْنِي لا تَصِفُوا اللَّهَ بِالحُلُولِ والِاتِّحادِ في بَدَنِ الإنْسانِ أوْ رُوحِهِ، ونَزِّهُوهُ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ. ولَمّا مَنَعَهم عَنْ طَرِيقِ الغُلُوِّ أرْشَدَهم إلى طَرِيقِ الحَقِّ، وهو أنَّ المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وعَبْدُهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ .
فاعْلَمْ أنّا فَسَّرْنا ”الكَلِمَةَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٥] والمَعْنى أنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ولا نُطْفَةٍ كَما قالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ جَرَتْ عادَةُ النّاسِ أنَّهم إذا وصَفُوا شَيْئًا بِغايَةِ الطَّهارَةِ والنَّظافَةِ قالُوا: إنَّهُ رُوحٌ، فَلَمّا كانَ عِيسى لَمْ يَتَكَوَّنْ مِن نُطْفَةِ الأبِ وإنَّما تَكَوَّنُ مِن نَفْخَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا جَرَمَ وُصِفَ بِأنَّهُ رُوحٌ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: (مِنهُ) التَّشْرِيفُ والتَّفْضِيلُ كَما يُقالُ: هَذِهِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، والمُرادُ كَوْنُ تِلْكَ النِّعْمَةِ كامِلَةً شَرِيفَةً.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِحَياةِ الخَلْقِ في أدْيانِهِمْ، ومَن كانَ كَذَلِكَ وُصِفَ بِأنَّهُ رُوحٌ. قالَ تَعالى في صِفَةِ القُرْآنِ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشُّورى: ٥٢] الثّالِثُ: رُوحٌ مِنهُ أيْ: رَحْمَةٌ مِنهُ، قِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢٢] أيْ: بِرَحْمَةٍ مِنهُ، وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ» ) فَلَمّا كانَ عِيسى رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ مِن حَيْثُ أنَّهُ كانَ يُرْشِدُهم إلى مَصالِحِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهم لا جَرَمَ سُمِّيَ رُوحًا مِنهُ.
الرّابِعُ: أنَّ الرُّوحَ هو النَّفْخُ في كَلامِ العَرَبِ، فَإنَّ الرُّوحَ والرِّيحَ مُتَقارِبانِ، فالرُّوحُ عِبارَةٌ عَنْ نَفْخَةِ جِبْرِيلَ وقَوْلُهُ: (مِنهُ) يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ النَّفْخَ مِن جِبْرِيلَ كانَ بِأمْرِ اللَّهِ وإذْنِهِ فَهو مِنهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ .
الخامِسُ: قَوْلُهُ: (رُوحٌ) أدْخَلَ التَّنْكِيرَ في لَفْظِ (رُوحٌ) وذَلِكَ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ، فَكانَ المَعْنى: ورُوحٌ مِنَ الأرْواحِ الشَّرِيفَةِ القُدُسِيَّةِ العالِيَةِ، وقَوْلُهُ: (مِنهُ) إضافَةٌ لِذَلِكَ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ لِأجْلِ التَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ.
صفحة ٩٢
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: أنَّ عِيسى مِن رُسُلِ اللَّهِ فَآمِنُوا بِهِ كَإيمانِكم بِسائِرِ الرُّسُلِ ولا تَجْعَلُوهُ إلَهًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى: ولا تَقُولُوا إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ واحِدٌ بِالجَوْهَرِ ثَلاثَةٌ بِالأقانِيمِ.
واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ النَّصارى مَجْهُولٌ جِدًّا، والَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنهُ أنَّهم أثْبَتُوا ذاتًا مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ، إلّا أنَّهم وإنْ سَمَّوْها صِفاتٍ فَهي في الحَقِيقَةِ ذَواتٌ، بِدَلِيلِ أنَّهم يُجَوِّزُونَ عَلَيْها الحُلُولَ في عِيسى وفي مَرْيَمَ بِأنْفُسِها، وإلّا لَما جَوَّزُوا عَلَيْها أنْ تَحِلَّ في الغَيْرِ وأنْ تُفارِقَ ذَلِكَ الغَيْرَ مَرَّةً أُخْرى، فَهم وإنْ كانُوا يُسَمُّونَها بِالصِّفاتِ إلّا أنَّهم في الحَقِيقَةِ يُثْبِتُونَ ذَواتٍ مُتَعَدِّدَةً قائِمَةً بِأنْفُسِها، وذَلِكَ مَحْضُ الكُفْرِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا﴾ فَأمّا إنْ حَمَلْنا الثَّلاثَةَ عَلى أنَّهم يُثْبِتُونَ صِفاتٍ ثَلاثَةً، فَهَذا لا يُمْكِنُ إنْكارُهُ، وكَيْفَ لا نَقُولُ ذَلِكَ وإنّا نَقُولُ: هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ العالِمُ الحَيُّ القادِرُ المُرِيدُ، ونَفْهَمُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ غَيْرَ ما نَفْهَمُهُ مِنَ اللَّفْظِ الآخَرِ، ولا مَعْنى لِتَعَدُّدِ الصِّفاتِ إلّا ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ القَوْلُ بِتَعَدُّدِ الصِّفاتِ كُفْرًا لَزِمَ رَدُّ جَمِيعِ القُرْآنِ ولَزِمَ رَدُّ العَقْلِ مِن حَيْثُ أنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ المَفْهُومَ مِن كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا غَيْرُ المَفْهُومِ مِن كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا أوْ حَيًّا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (ثَلاثَةٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ، أيْ: ولا تَقُولُوا الأقانِيمُ ثَلاثَةٌ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: ولا تَقُولُوا آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّصارى يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ والمَسِيحَ ومَرْيَمَ ثَلاثَةُ آلِهَةٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] .
الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: ولا تَقُولُوا هم ثَلاثَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢] وذَلِكَ لِأنَّ عِيسى ومَرْيَمَ مَعَ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ العِبارَةِ يُوهِمُ كَوْنَهُما إلَهَيْنِ، وبِالجُمْلَةِ فَلا نَرى مَذْهَبًا في الدُّنْيا أشَدَّ رَكاكَةً وبُعْدًا عَنِ العَقْلِ مِن مَذْهَبِ النَّصارى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ انْتِصابِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٧٠] .
ثُمَّ أكَّدَ التَّوْحِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الوَلَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ ودَلائِلُ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الوَلَدِ قَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (إنْ يَكُونُ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن ”أنْ“ ورَفْعِ النُّونِ مِن ”يَكُونَ“، أيْ: سُبْحانَهُ ما يَكُونُ لَهُ ولَدٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالكَلامُ جُمْلَتانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الوَلَدِ ذَكَرَ كَوْنَهُ مَلِكًا ومالِكًا لِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَقالَ في مَرْيَمَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٣] والمَعْنى: مَن كانَ مالِكًا لِكُلِّ السَّماواتِ والأرْضِ ولِكُلِّ ما فِيها كانَ مالِكًا لِعِيسى ولِمَرْيَمَ لِأنَّهُما كانا في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وما كانا أعْظَمَ مِن غَيْرِهِما في الذّاتِ والصِّفاتِ، وإذا كانَ مالِكًا لِما هو أعْظَمُ مِنهُما فَبِأنْ يَكُونَ مالِكًا
صفحة ٩٣
لَهُما أوْلى، وإذا كانا مَمْلُوكَيْنِ لَهُ فَكَيْفَ يُعْقَلُ مَعَ هَذا تَوَهُّمُ كَوْنِهِما لَهُ ولَدًا وزَوْجَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كافٍ في تَدْبِيرِ المَخْلُوقاتِ وفي حِفْظِ المُحْدَثاتِ فَلا حاجَةَ مَعَهُ إلى القَوْلِ بِإثْباتِ إلَهٍ آخَرَ، وهو إشارَةٌ إلى ما يَذْكُرُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ كانَ كافِيًا في الإلَهِيَّةِ، ولَوْ فَرَضْنا إلَهًا آخَرَ مَعَهُ لَكانَ مُعَطَّلًا لا فائِدَةَ فِيهِ، وذَلِكَ نَقْصٌ، والنّاقِصُ لا يَكُونُ إلَهًا.
النساء 4:173
صفحة ٩١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ عَنْ شُبُهاتِ اليَهُودِ تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ النَّصارى في هَذِهِ الآيَةِ، والتَّقْدِيرُ: يا أهْلَ الكِتابِ مِنَ النَّصارى لا تَغْلُوا في دِينِكم أيْ: لا تُفْرِطُوا في تَعْظِيمِ المَسِيحِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ أنَّهم يُبالِغُونَ في الطَّعْنِ في المَسِيحِ، وهَؤُلاءِ النَّصارى يُبالِغُونَ في تَعْظِيمِهِ وكِلا طَرَفَيْ قَصْدِهِمْ ذَمِيمٌ، فَلِهَذا قالَ لِلنَّصارى: ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ يَعْنِي لا تَصِفُوا اللَّهَ بِالحُلُولِ والِاتِّحادِ في بَدَنِ الإنْسانِ أوْ رُوحِهِ، ونَزِّهُوهُ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ. ولَمّا مَنَعَهم عَنْ طَرِيقِ الغُلُوِّ أرْشَدَهم إلى طَرِيقِ الحَقِّ، وهو أنَّ المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وعَبْدُهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ .
فاعْلَمْ أنّا فَسَّرْنا ”الكَلِمَةَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٥] والمَعْنى أنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ولا نُطْفَةٍ كَما قالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ جَرَتْ عادَةُ النّاسِ أنَّهم إذا وصَفُوا شَيْئًا بِغايَةِ الطَّهارَةِ والنَّظافَةِ قالُوا: إنَّهُ رُوحٌ، فَلَمّا كانَ عِيسى لَمْ يَتَكَوَّنْ مِن نُطْفَةِ الأبِ وإنَّما تَكَوَّنُ مِن نَفْخَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا جَرَمَ وُصِفَ بِأنَّهُ رُوحٌ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: (مِنهُ) التَّشْرِيفُ والتَّفْضِيلُ كَما يُقالُ: هَذِهِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، والمُرادُ كَوْنُ تِلْكَ النِّعْمَةِ كامِلَةً شَرِيفَةً.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِحَياةِ الخَلْقِ في أدْيانِهِمْ، ومَن كانَ كَذَلِكَ وُصِفَ بِأنَّهُ رُوحٌ. قالَ تَعالى في صِفَةِ القُرْآنِ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشُّورى: ٥٢] الثّالِثُ: رُوحٌ مِنهُ أيْ: رَحْمَةٌ مِنهُ، قِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المُجادَلَةِ: ٢٢] أيْ: بِرَحْمَةٍ مِنهُ، وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ» ) فَلَمّا كانَ عِيسى رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ مِن حَيْثُ أنَّهُ كانَ يُرْشِدُهم إلى مَصالِحِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهم لا جَرَمَ سُمِّيَ رُوحًا مِنهُ.
الرّابِعُ: أنَّ الرُّوحَ هو النَّفْخُ في كَلامِ العَرَبِ، فَإنَّ الرُّوحَ والرِّيحَ مُتَقارِبانِ، فالرُّوحُ عِبارَةٌ عَنْ نَفْخَةِ جِبْرِيلَ وقَوْلُهُ: (مِنهُ) يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ النَّفْخَ مِن جِبْرِيلَ كانَ بِأمْرِ اللَّهِ وإذْنِهِ فَهو مِنهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ .
الخامِسُ: قَوْلُهُ: (رُوحٌ) أدْخَلَ التَّنْكِيرَ في لَفْظِ (رُوحٌ) وذَلِكَ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ، فَكانَ المَعْنى: ورُوحٌ مِنَ الأرْواحِ الشَّرِيفَةِ القُدُسِيَّةِ العالِيَةِ، وقَوْلُهُ: (مِنهُ) إضافَةٌ لِذَلِكَ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ لِأجْلِ التَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ.
صفحة ٩٢
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: أنَّ عِيسى مِن رُسُلِ اللَّهِ فَآمِنُوا بِهِ كَإيمانِكم بِسائِرِ الرُّسُلِ ولا تَجْعَلُوهُ إلَهًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى: ولا تَقُولُوا إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ واحِدٌ بِالجَوْهَرِ ثَلاثَةٌ بِالأقانِيمِ.
واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ النَّصارى مَجْهُولٌ جِدًّا، والَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنهُ أنَّهم أثْبَتُوا ذاتًا مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ، إلّا أنَّهم وإنْ سَمَّوْها صِفاتٍ فَهي في الحَقِيقَةِ ذَواتٌ، بِدَلِيلِ أنَّهم يُجَوِّزُونَ عَلَيْها الحُلُولَ في عِيسى وفي مَرْيَمَ بِأنْفُسِها، وإلّا لَما جَوَّزُوا عَلَيْها أنْ تَحِلَّ في الغَيْرِ وأنْ تُفارِقَ ذَلِكَ الغَيْرَ مَرَّةً أُخْرى، فَهم وإنْ كانُوا يُسَمُّونَها بِالصِّفاتِ إلّا أنَّهم في الحَقِيقَةِ يُثْبِتُونَ ذَواتٍ مُتَعَدِّدَةً قائِمَةً بِأنْفُسِها، وذَلِكَ مَحْضُ الكُفْرِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا﴾ فَأمّا إنْ حَمَلْنا الثَّلاثَةَ عَلى أنَّهم يُثْبِتُونَ صِفاتٍ ثَلاثَةً، فَهَذا لا يُمْكِنُ إنْكارُهُ، وكَيْفَ لا نَقُولُ ذَلِكَ وإنّا نَقُولُ: هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ العالِمُ الحَيُّ القادِرُ المُرِيدُ، ونَفْهَمُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ غَيْرَ ما نَفْهَمُهُ مِنَ اللَّفْظِ الآخَرِ، ولا مَعْنى لِتَعَدُّدِ الصِّفاتِ إلّا ذَلِكَ، فَلَوْ كانَ القَوْلُ بِتَعَدُّدِ الصِّفاتِ كُفْرًا لَزِمَ رَدُّ جَمِيعِ القُرْآنِ ولَزِمَ رَدُّ العَقْلِ مِن حَيْثُ أنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ المَفْهُومَ مِن كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا غَيْرُ المَفْهُومِ مِن كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا أوْ حَيًّا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (ثَلاثَةٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ، أيْ: ولا تَقُولُوا الأقانِيمُ ثَلاثَةٌ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: ولا تَقُولُوا آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّصارى يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ والمَسِيحَ ومَرْيَمَ ثَلاثَةُ آلِهَةٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] .
الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: ولا تَقُولُوا هم ثَلاثَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢] وذَلِكَ لِأنَّ عِيسى ومَرْيَمَ مَعَ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ العِبارَةِ يُوهِمُ كَوْنَهُما إلَهَيْنِ، وبِالجُمْلَةِ فَلا نَرى مَذْهَبًا في الدُّنْيا أشَدَّ رَكاكَةً وبُعْدًا عَنِ العَقْلِ مِن مَذْهَبِ النَّصارى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ انْتِصابِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٧٠] .
ثُمَّ أكَّدَ التَّوْحِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الوَلَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ ودَلائِلُ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الوَلَدِ قَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (إنْ يَكُونُ)، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن ”أنْ“ ورَفْعِ النُّونِ مِن ”يَكُونَ“، أيْ: سُبْحانَهُ ما يَكُونُ لَهُ ولَدٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالكَلامُ جُمْلَتانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ مَوْضِعٍ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الوَلَدِ ذَكَرَ كَوْنَهُ مَلِكًا ومالِكًا لِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَقالَ في مَرْيَمَ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٣] والمَعْنى: مَن كانَ مالِكًا لِكُلِّ السَّماواتِ والأرْضِ ولِكُلِّ ما فِيها كانَ مالِكًا لِعِيسى ولِمَرْيَمَ لِأنَّهُما كانا في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وما كانا أعْظَمَ مِن غَيْرِهِما في الذّاتِ والصِّفاتِ، وإذا كانَ مالِكًا لِما هو أعْظَمُ مِنهُما فَبِأنْ يَكُونَ مالِكًا
صفحة ٩٣
لَهُما أوْلى، وإذا كانا مَمْلُوكَيْنِ لَهُ فَكَيْفَ يُعْقَلُ مَعَ هَذا تَوَهُّمُ كَوْنِهِما لَهُ ولَدًا وزَوْجَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كافٍ في تَدْبِيرِ المَخْلُوقاتِ وفي حِفْظِ المُحْدَثاتِ فَلا حاجَةَ مَعَهُ إلى القَوْلِ بِإثْباتِ إلَهٍ آخَرَ، وهو إشارَةٌ إلى ما يَذْكُرُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ كانَ كافِيًا في الإلَهِيَّةِ، ولَوْ فَرَضْنا إلَهًا آخَرَ مَعَهُ لَكانَ مُعَطَّلًا لا فائِدَةَ فِيهِ، وذَلِكَ نَقْصٌ، والنّاقِصُ لا يَكُونُ إلَهًا.
النساء 4:174
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: لَنْ يَسْتَنْكِفَ أيْ: لَنْ يَأْنَفَ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ بِأُصْبُعِكَ عَنْ خَدِّكِ، فَتَأْوِيلُ ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ أيْ: لَنْ يَتَنَغَّصَ ولَنْ يَمْتَنِعَ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَمِعْتُ المُنْذِرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا العَبّاسِ وقَدْ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِنْكافِ فَقالَ: هو مِنَ النَّكْفِ، يُقالُ ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ مِن نَكْفٍ ولا وكْفٍ، والنَّكْفُ أنْ يُقالَ لَهُ سُوءٌ، واسْتَنْكَفَ إذا دَفَعَ ذَلِكَ السُّوءَ عَنْهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا ؟ قالَ: ومَن صاحِبُكم ؟ قالُوا: عِيسى، قالَ: وأيُّ شَيْءٍ قُلْتُ ؟ قالُوا: تَقُولُ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، قالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ أنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأنا أقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الحُجَّةَ القاطِعَةَ عَلى أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنًا لَهُ أشارَ بَعْدَهُ إلى حِكايَةِ شُبْهَتِهِمْ وأجابَ عَنْها، وذَلِكَ لِأنَّ الشُّبْهَةَ الَّتِي عَلَيْها يُعَوِّلُونَ في إثْباتِ أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ هو أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ وكانَ يَأْتِي بِخَوارِقِ العاداتِ مِنَ الإحْياءِ والإبْراءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾ بِسَبَبِ هَذا القَدْرِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ أعْلى حالًا مِنهُ في العِلْمِ بِالمُغَيَّباتِ لِأنَّهم مُطَّلِعُونَ عَلى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وأعْلى حالًا مِنهُ في القُدْرَةِ لِأنَّ ثَمانِيَةً مِنهم حَمَلُوا العَرْشَ عَلى عَظَمَتِهِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ مَعَ كَمالِ حالِهِمْ في العُلُومِ والقُدْرَةِ لَنْ يَسْتَنْكِفُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَسْتَنْكِفُ المَسِيحُ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ بِسَبَبِ هَذا القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي كانَ مَعَهُ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ ! وإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما ذَكَرْناهُ صارَتْ هَذِهِ الآياتُ مُتَناسِبَةً مُتَتابِعَةً ومُناظَرَةً شَرِيفَةً كامِلَةً، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ. وقَدْ ذَكَرْنا اسْتِدْلالَهم بِها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤] وأجَبْنا عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، والَّذِي نَقُولُ هَهُنا: إنّا نُسَلِّمُ أنَّ اطِّلاعَ المَلائِكَةِ عَلى المُغَيَّباتِ أكْثَرُ مِنَ اطِّلاعِ البَشَرِ عَلَيْها، ونُسَلِّمُ أنَّ قُدْرَةَ المَلائِكَةِ عَلى التَّصَرُّفِ في هَذا العالَمِ أشَدُّ مِن قُدْرَةِ البَشَرِ، كَيْفَ ويُقالُ إنَّ جِبْرِيلَ قَلَعَ مَدائِنَ قَوْمِ لُوطٍ بِرِيشَةٍ واحِدَةٍ مِن جَناحِهِ ! إنَّما النِّزاعُ في أنَّ ثَوابَ طاعاتِ المَلائِكَةِ أكْثَرُ أمْ ثَوابَ طاعاتِ البَشَرِ، وهَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّصارى إنَّما أثْبَتُوا إلَهِيَّةَ عِيسى بِسَبَبِ أنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغُيُوبِ وأتى بِخَوارِقِ العاداتِ، فَإيرادُ المَلائِكَةِ لِأجْلِ إبْطالِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا كانَتِ المَلائِكَةُ أقْوى حالًا في هَذا العِلْمِ وفي هَذِهِ القُدْرَةِ مِنَ البَشَرِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ. فَأمّا أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ في كَثْرَةِ الثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ فَذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ هَذا المَوْضِعَ ولا يَلِيقُ بِهِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ إنَّما قَوِيَ في الأوْهامِ لِأنَّ النّاسَ ما لَخَّصُوا مَحَلَّ النِّزاعِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المَلائِكَةَ مَعْطُوفُونَ عَلى المَسِيحِ فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولا
صفحة ٩٤
المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ في أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.
والجَوابُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ ولا كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُقَرَّبِينَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا فَحُذِفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ قَوْلِ: ﴿عَبْدًا لِلَّهِ﴾ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الإيجازِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ”عُبَيْدًا لِلَّهِ“ عَلى التَّصْغِيرِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ طَبَقاتِ المَلائِكَةِ مُخْتَلِفَةٌ في الدَّرَجَةِ والفَضِيلَةِ فالأكابِرُ مِنهم مِثْلَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ وحَمَلَةِ العَرْشِ، وقَدْ شَرَحْنا طَبَقاتِهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ والمَعْنى أنَّ مَنِ اسْتَنْكَفَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ واسْتَكْبَرَ عَنْها فَإنَّ اللَّهَ يَحْشُرُهم إلَيْهِ أيْ: يَجْمَعُهم إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ شَيْئًا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَحْشُرُ هَؤُلاءِ المُسْتَنْكِفِينَ المُسْتَكْبِرِينَ لَمْ يَذْكُرْ ما يَفْعَلُ بِهِمْ بَلْ ذَكَرَ أوَّلًا ثَوابَ المُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ.
فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ آخِرًا عِقابَ المُسْتَنْكِفِينَ المُسْتَكْبِرِينَ.
فَقالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ لا إشْكالَ فِيهِ، وإنَّما قَدَّمَ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ عَلى عِقابِ المُسْتَنْكِفِينَ لِأنَّهم إذا رَأوْا أوَّلًا ثَوابَ المُطِيعِينَ ثُمَّ شاهَدُوا بَعْدَهُ عِقابَ أنْفُسِهِمْ كانَ ذَلِكَ أعْظَمَ في الحَسْرَةِ.
﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى: لَمّا أوْرَدَ الحُجَّةَ عَلى جَمِيعِ الفِرَقِ مِنَ المُنافِقِينَ والكُفّارِ واليَهُودِ والنَّصارى وأجابَ عَنْ جَمِيعِ شُبُهاتِهِمْ عَمَّمَ الخِطابَ ودَعا جَمِيعَ النّاسِ إلى الِاعْتِرافِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ والبُرْهانُ هو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وإنَّما سَمّاهُ بُرْهانًا لِأنَّ حِرْفَتَهُ إقامَةُ البُرْهانِ عَلى تَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، والنُّورُ المُبِينُ هو القُرْآنُ، وسَمّاهُ نُورًا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِوُقُوعِ نُورِ الإيمانِ في القَلْبِ، ولَمّا قَرَّرَ عَلى كُلِّ العالَمِينَ كَوْنَ مُحَمَّدٍ رَسُولًا وكَوْنَ القُرْآنِ كِتابًا حَقًّا أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَتَمَسَّكُوا بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ووَعَدَهم عَلَيْهِ بِالثَّوابِ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ والمُرادُ آمَنُوا بِاللَّهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ وأسْمائِهِ واعْتَصَمُوا بِهِ أيْ: بِاللَّهِ في أنْ يُثَبِّتَهم عَلى الإيمانِ ويَصُونَهم عَنْ نَزْغِ الشَّيْطانِ ويُدْخِلَهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيَهم إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا، فَوَعَدَ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: الرَّحْمَةِ
صفحة ٩٥
والفَضْلِ والهِدايَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّحْمَةُ: الجَنَّةُ، والفَضْلُ: ما يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ﴿ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يُرِيدُ دِينًا مُسْتَقِيمًا.
وأقُولُ: الرَّحْمَةُ والفَضْلُ مَحْمُولانِ عَلى ما في الجَنَّةِ مِنَ المَنفَعَةِ والتَّعْظِيمِ، وأمّا الهِدايَةُ فالمُرادُ مِنها السَّعاداتُ الحاصِلَةُ بِتَجَلِّي أنْوارِ عالِمِ القُدْسِ والكِبْرِياءِ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ وهَذا هو السَّعادَةُ الرُّوحانِيَّةُ، وأخَّرَ ذِكْرَها عَنِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ البَهْجَةَ الرُّوحانِيَّةَ أشْرَفُ مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ.
النساء 4:175
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: لَنْ يَسْتَنْكِفَ أيْ: لَنْ يَأْنَفَ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ مِن نَكَفْتُ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ بِأُصْبُعِكَ عَنْ خَدِّكِ، فَتَأْوِيلُ ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ أيْ: لَنْ يَتَنَغَّصَ ولَنْ يَمْتَنِعَ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: سَمِعْتُ المُنْذِرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا العَبّاسِ وقَدْ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِنْكافِ فَقالَ: هو مِنَ النَّكْفِ، يُقالُ ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ مِن نَكْفٍ ولا وكْفٍ، والنَّكْفُ أنْ يُقالَ لَهُ سُوءٌ، واسْتَنْكَفَ إذا دَفَعَ ذَلِكَ السُّوءَ عَنْهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا ؟ قالَ: ومَن صاحِبُكم ؟ قالُوا: عِيسى، قالَ: وأيُّ شَيْءٍ قُلْتُ ؟ قالُوا: تَقُولُ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، قالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ أنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأنا أقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الحُجَّةَ القاطِعَةَ عَلى أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنًا لَهُ أشارَ بَعْدَهُ إلى حِكايَةِ شُبْهَتِهِمْ وأجابَ عَنْها، وذَلِكَ لِأنَّ الشُّبْهَةَ الَّتِي عَلَيْها يُعَوِّلُونَ في إثْباتِ أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ هو أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ وكانَ يَأْتِي بِخَوارِقِ العاداتِ مِنَ الإحْياءِ والإبْراءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾ بِسَبَبِ هَذا القَدْرِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ أعْلى حالًا مِنهُ في العِلْمِ بِالمُغَيَّباتِ لِأنَّهم مُطَّلِعُونَ عَلى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وأعْلى حالًا مِنهُ في القُدْرَةِ لِأنَّ ثَمانِيَةً مِنهم حَمَلُوا العَرْشَ عَلى عَظَمَتِهِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ مَعَ كَمالِ حالِهِمْ في العُلُومِ والقُدْرَةِ لَنْ يَسْتَنْكِفُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَسْتَنْكِفُ المَسِيحُ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ بِسَبَبِ هَذا القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي كانَ مَعَهُ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ ! وإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما ذَكَرْناهُ صارَتْ هَذِهِ الآياتُ مُتَناسِبَةً مُتَتابِعَةً ومُناظَرَةً شَرِيفَةً كامِلَةً، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ. وقَدْ ذَكَرْنا اسْتِدْلالَهم بِها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٤] وأجَبْنا عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، والَّذِي نَقُولُ هَهُنا: إنّا نُسَلِّمُ أنَّ اطِّلاعَ المَلائِكَةِ عَلى المُغَيَّباتِ أكْثَرُ مِنَ اطِّلاعِ البَشَرِ عَلَيْها، ونُسَلِّمُ أنَّ قُدْرَةَ المَلائِكَةِ عَلى التَّصَرُّفِ في هَذا العالَمِ أشَدُّ مِن قُدْرَةِ البَشَرِ، كَيْفَ ويُقالُ إنَّ جِبْرِيلَ قَلَعَ مَدائِنَ قَوْمِ لُوطٍ بِرِيشَةٍ واحِدَةٍ مِن جَناحِهِ ! إنَّما النِّزاعُ في أنَّ ثَوابَ طاعاتِ المَلائِكَةِ أكْثَرُ أمْ ثَوابَ طاعاتِ البَشَرِ، وهَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّصارى إنَّما أثْبَتُوا إلَهِيَّةَ عِيسى بِسَبَبِ أنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغُيُوبِ وأتى بِخَوارِقِ العاداتِ، فَإيرادُ المَلائِكَةِ لِأجْلِ إبْطالِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا كانَتِ المَلائِكَةُ أقْوى حالًا في هَذا العِلْمِ وفي هَذِهِ القُدْرَةِ مِنَ البَشَرِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ. فَأمّا أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ في كَثْرَةِ الثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ فَذَلِكَ مِمّا لا يُناسِبُ هَذا المَوْضِعَ ولا يَلِيقُ بِهِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ إنَّما قَوِيَ في الأوْهامِ لِأنَّ النّاسَ ما لَخَّصُوا مَحَلَّ النِّزاعِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المَلائِكَةَ مَعْطُوفُونَ عَلى المَسِيحِ فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولا
صفحة ٩٤
المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ في أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.
والجَوابُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ ولا كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُقَرَّبِينَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا فَحُذِفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ قَوْلِ: ﴿عَبْدًا لِلَّهِ﴾ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الإيجازِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ”عُبَيْدًا لِلَّهِ“ عَلى التَّصْغِيرِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ طَبَقاتِ المَلائِكَةِ مُخْتَلِفَةٌ في الدَّرَجَةِ والفَضِيلَةِ فالأكابِرُ مِنهم مِثْلَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ وعِزْرائِيلَ وحَمَلَةِ العَرْشِ، وقَدْ شَرَحْنا طَبَقاتِهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ والمَعْنى أنَّ مَنِ اسْتَنْكَفَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ واسْتَكْبَرَ عَنْها فَإنَّ اللَّهَ يَحْشُرُهم إلَيْهِ أيْ: يَجْمَعُهم إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ شَيْئًا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَحْشُرُ هَؤُلاءِ المُسْتَنْكِفِينَ المُسْتَكْبِرِينَ لَمْ يَذْكُرْ ما يَفْعَلُ بِهِمْ بَلْ ذَكَرَ أوَّلًا ثَوابَ المُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ.
فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ آخِرًا عِقابَ المُسْتَنْكِفِينَ المُسْتَكْبِرِينَ.
فَقالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ لا إشْكالَ فِيهِ، وإنَّما قَدَّمَ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ عَلى عِقابِ المُسْتَنْكِفِينَ لِأنَّهم إذا رَأوْا أوَّلًا ثَوابَ المُطِيعِينَ ثُمَّ شاهَدُوا بَعْدَهُ عِقابَ أنْفُسِهِمْ كانَ ذَلِكَ أعْظَمَ في الحَسْرَةِ.
﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى: لَمّا أوْرَدَ الحُجَّةَ عَلى جَمِيعِ الفِرَقِ مِنَ المُنافِقِينَ والكُفّارِ واليَهُودِ والنَّصارى وأجابَ عَنْ جَمِيعِ شُبُهاتِهِمْ عَمَّمَ الخِطابَ ودَعا جَمِيعَ النّاسِ إلى الِاعْتِرافِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ والبُرْهانُ هو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وإنَّما سَمّاهُ بُرْهانًا لِأنَّ حِرْفَتَهُ إقامَةُ البُرْهانِ عَلى تَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، والنُّورُ المُبِينُ هو القُرْآنُ، وسَمّاهُ نُورًا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِوُقُوعِ نُورِ الإيمانِ في القَلْبِ، ولَمّا قَرَّرَ عَلى كُلِّ العالَمِينَ كَوْنَ مُحَمَّدٍ رَسُولًا وكَوْنَ القُرْآنِ كِتابًا حَقًّا أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَتَمَسَّكُوا بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ووَعَدَهم عَلَيْهِ بِالثَّوابِ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ والمُرادُ آمَنُوا بِاللَّهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ وأسْمائِهِ واعْتَصَمُوا بِهِ أيْ: بِاللَّهِ في أنْ يُثَبِّتَهم عَلى الإيمانِ ويَصُونَهم عَنْ نَزْغِ الشَّيْطانِ ويُدْخِلَهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيَهم إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا، فَوَعَدَ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: الرَّحْمَةِ
صفحة ٩٥
والفَضْلِ والهِدايَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّحْمَةُ: الجَنَّةُ، والفَضْلُ: ما يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ﴿ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يُرِيدُ دِينًا مُسْتَقِيمًا.
وأقُولُ: الرَّحْمَةُ والفَضْلُ مَحْمُولانِ عَلى ما في الجَنَّةِ مِنَ المَنفَعَةِ والتَّعْظِيمِ، وأمّا الهِدايَةُ فالمُرادُ مِنها السَّعاداتُ الحاصِلَةُ بِتَجَلِّي أنْوارِ عالِمِ القُدْسِ والكِبْرِياءِ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ وهَذا هو السَّعادَةُ الرُّوحانِيَّةُ، وأخَّرَ ذِكْرَها عَنِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ البَهْجَةَ الرُّوحانِيَّةَ أشْرَفُ مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ.
النساء 4:176
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهو يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالًا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ في أحْكامِ الأمْوالِ وخَتَمَ آخِرَها بِذَلِكَ لِيَكُونَ الآخِرُ مُشاكِلًا لِلْأوَّلِ، ووَسَطُ السُّورَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى المُناظَرَةِ مَعَ الفِرَقِ المُخالِفِينَ لِلدِّينِ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ في الكَلالَةِ آيَتَيْنِ إحْداهُما في الشِّتاءِ وهي الَّتِي في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والأُخْرى في الصَّيْفِ وهي هَذِهِ الآيَةُ، ولِهَذا تُسَمّى هَذِهِ الآيَةُ آيَةَ الصَّيْفِ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الكَلالَةَ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الوارِثِ وعَلى المَوْرُوثِ، فَإنْ وقَعَ عَلى الوارِثِ فَهو مَن سِوى الوالِدِ والوَلَدِ، وإنْ وقَعَ عَلى المَوْرُوثِ فَهو الَّذِي ماتَ ولا يَرِثُهُ أحَدُ الوالِدَيْنِ ولا أحَدٌ مِنَ الأوْلادِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ ارْتَفَعَ امْرُؤٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، ومَحَلُّ ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ الرَّفْعُ عَلى الصِّفَةِ، أيْ: إنْ هَلَكَ امْرُؤٌ غَيْرُ ذِي ولَدٍ.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِ تَقْيِيداتٌ ثَلاثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الأُخْتَ تَأْخُذُ النِّصْفَ عِنْدَ عَدَمِ الوَلَدِ، فَأمّا عِنْدَ وُجُودِ الوَلَدِ فَإنَّها لا تَأْخُذُ النِّصْفَ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ شَرْطُ كَوْنِ الأُخْتِ تَأْخُذُ النِّصْفَ أنْ لا يَكُونَ لِلْمَيِّتِ ولَدُ ابْنٍ، فَإنْ كانَ لَهُ بِنْتٌ فَإنَّ الأُخْتَ تَأْخُذُ النِّصْفَ.
الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ ولَدٌ فَإنَّ الأُخْتَ تَأْخُذُ النِّصْفَ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الشَّرْطُ أنْ لا يَكُونَ لِلْمَيِّتِ ولَدٌ ولا والِدٌ، وذَلِكَ أنَّ الأُخْتَ لا تَرِثُ مَعَ الوالِدِ بِالإجْماعِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿ولَهُ أُخْتٌ﴾ المُرادُ مِنهُ الأُخْتُ مِنَ الأبِ والأُمِّ، أوْ مِنَ الأبِ، لِأنَّ الأُخْتَ مِنَ الأُمِّ والأخَ مِنَ الأُمِّ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ بِالإجْماعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾ يَعْنِي أنَّ الأخَ يَسْتَغْرِقُ مِيراثَ الأُخْتِ إذا لَمْ يَكُنْ لِلْأُخْتِ ولَدٌ، إلّا أنَّ هَذا الأخَ مِنَ الأبِ والأُمِّ أوْ مِنَ الأبِ، أمّا الأخُ مِنَ الأُمِّ فَإنَّهُ لا يَسْتَغْرِقُ المِيراثَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالًا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ﴾
صفحة ٩٦
﴿الأُنْثَيَيْنِ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأُخْتَ المَذْكُورَةَ لَيْسَتْ هي الأُخْتُ مِنَ الأُمِّ فَقَطْ، ورُوِيَ أنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ في خُطْبَتِهِ: ألا إنَّ الآيَةَ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ في سُورَةِ النِّساءِ في الفَرائِضِ:
فَأوَّلُها: في الوَلَدِ والوالِدِ.
وثانِيها: في الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ والإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ، والآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِها سُورَةَ النِّساءِ أنْزَلَها في الإخْوَةِ والأخَواتِ مِنَ الأبِ والأُمِّ، والآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِها سُورَةَ الأنْفالِ أنْزَلَها في أُولِي الأرْحامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ البَصْرِيُّونَ: المُضافُ هَهُنا مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا، إلّا أنَّهُ حَذَفَ المُضافَ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] .
الثّانِي: قالَ الكُوفِيُّونَ: حَرْفُ النَّفْيِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم لِئَلّا تَضِلُّوا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطِرٍ: ٤١] أيْ: لِئَلّا تَزُولا.
الثّالِثُ: قالَ الجُرْجانِيُّ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الضَّلالَةَ لِتَعْلَمُوا أنَّها ضَلالَةٌ فَتَجَنَّبُوها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَيَكُونُ بَيانُهُ حَقًّا وتَعْرِيفُهُ صِدْقًا.
واعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ السُّورَةِ لَطِيفَةً عَجِيبَةً، وهي أنَّ أوَّلَها مُشْتَمِلٌ عَلى بَيانِ كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ قالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النِّساءِ: ١] وهَذا دالٌّ عَلى سَعَةِ القُدْرَةِ، وآخِرَها مُشْتَمِلٌ عَلى بَيانِ كَمالِ العِلْمِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهَذانِ الوَصْفانِ هُما اللَّذانِ بِهِما تَثْبُتُ الرُّبُوبِيَّةُ والإلَهِيَّةُ والجَلالَةُ والعِزَّةُ، وبِهِما يَجِبُ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ مُطِيعًا لِلْأوامِرِ والنَّواهِي مُنْقادًا لِكُلِّ التَّكالِيفِ.
قالَ المُصَنِّفُ: فَرَغْتُ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الثُّلاثاءِ ثانِيَ عَشَرَ جُمادى الآخِرَةِ مِن سَنَةِ خَمْسٍ وتِسْعِينَ وخَمْسِمِائَةٍ.
المائدة 5:1
صفحة ٩٧
(سُورَةُ المائِدَةِ)
مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَةَ ٣ فَنَزَلَتْ بِعَرَفاتٍ في حَجَّةِ الوَداعِ وآياتُها ١٢٠ نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْحِ
﷽
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾
﷽
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: وفى بِالعَهْدِ وأوْفى بِهِ، ومِنهُ ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] والعَقْدُ هو وصْلُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِيثاقِ والإحْكامِ، والعَهْدُ إلْزامٌ، والعَقْدُ التِزامٌ عَلى سَبِيلِ الإحْكامِ، ولَمّا كانَ الإيمانُ عِبارَةً عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ وأفْعالِهِ وكانَ مِن جُمْلَةِ أحْكامِهِ أنَّهُ يَجِبُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ إظْهارُ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى في جَمِيعِ تَكالِيفِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ فَكانَ هَذا العَقْدُ أحَدَ الأُمُورِ المُعْتَبَرَةِ في تَحَقُّقِ ماهِيَّةِ الإيمانِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ يَعْنِي يا أيُّها الَّذِينَ التَزَمْتُمْ بِإيمانِكم أنْواعَ العُقُودِ والعُهُودِ في إظْهارِ طاعَةِ اللَّهِ أوْفُوا بِتِلْكَ العُقُودِ، وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى هَذِهِ التَّكالِيفَ عُقُودًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى رَبَطَها بِعِبادِهِ كَما يُرْبَطُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ بِالحَبْلِ المُوَثَّقِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تارَةً يُسَمِّي هَذِهِ التَّكالِيفَ عُقُودًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائِدَةِ: ٨٩] وتارَةً عُهُودًا، قالَ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠] وقالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ [النَّحْلِ: ٩١] وحاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أمَرَ بِأداءِ التَّكالِيفِ فِعْلًا وتَرْكًا.
صفحة ٩٨
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ العِيدِ أوْ نَذَرَ ذَبْحَ الوَلَدِ لَغا، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بَلْ يَصِحُّ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ نَذَرَ الصَّوْمَ والذَّبْحَ فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ والذَّبْحُ، بَيانُ الأوَّلِ أنَّهُ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ العِيدِ، ونَذَرَ ذَبْحَ الوَلَدِ، وصَوْمُ العِيدِ ماهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الصَّوْمِ ومِن وُقُوعِهِ في يَوْمِ العِيدِ، وكَذَلِكَ ذَبْحُ الوَلَدِ ماهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الذَّبْحِ ومِن وُقُوعِهِ في الوَلَدِ، والآتِي بِالمُرَكَّبِ يَكُونُ آتِيًا بِكُلِّ واحِدٍ مِن مُفْرَدَيْهِ، فَمُلْتَزِمُ صَوْمِ يَوْمِ العِيدِ وذَبْحِ الوَلَدِ يَكُونُ لا مَحالَةَ مُلْتَزِمًا لِلصَّوْمِ والذَّبْحِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ والذَّبْحُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصَّفِّ: ٢] ولِقَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنْسانِ: ٧] ولِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«فِ بِنَذْرِكَ» “ أقْصى ما في البابِ أنَّهُ لَغا هَذا النَّذْرَ في خُصُوصِ كَوْنِ الصَّوْمِ واقِعًا في يَوْمِ العِيدِ، وفي خُصُوصِ كَوْنِ الذَّبْحِ واقِعًا في الوَلَدِ، إلّا أنَّ العامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ.
وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنَّ هَذا نَذْرٌ في المَعْصِيَةِ فَيَكُونُ لَغْوًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» “ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: خِيارُ المَجْلِسِ غَيْرُ ثابِتٍ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ثابِتٌ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ لَمّا انْعَقَدَ البَيْعُ والشِّراءُ وجَبَ أنْ يَحْرُمَ الفَسْخُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ .
وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ بِالخَبَرِ، وهو قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«المُتَبايِعانِ بِالخِيارِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ما لَمْ يَتَفَرَّقا» “ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الجَمْعُ بَيْنَ الطَّلَقاتِ حَرامٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَيْسَ بِحَرامٍ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ مِنَ العُقُودِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٥] فَوَجَبَ أنْ يَحْرُمَ رَفْعُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في الطَّلْقَةِ الواحِدَةِ بِالإجْماعِ فَيَبْقى فِيما عَداها عَلى الأصْلِ، والشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خَصَّصَ هَذا العُمُومَ بِالقِياسِ، وهو أنَّهُ لَوْ حَرُمَ الجَمْعُ لَما نَفَذَ وقَدْ نَفَذَ فَلا يَحْرُمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ بِالآيَةِ الأُولى عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الِانْقِيادُ لِجَمِيعِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ كالأصْلِ الكُلِّيِّ والقاعِدَةِ الجَمِيلَةِ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في ذِكْرِ التَّكالِيفِ المُفَصَّلَةِ، فَبَدَأ بِذِكْرِ ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ مِنَ المَطْعُوماتِ فَقالَ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالُوا: كُلُّ حَيٍّ لا عَقْلَ لَهُ فَهو بَهِيمَةٌ، مِن قَوْلِهِمْ: اسْتَبْهَمَ الأمْرُ عَلى فُلانٍ إذا أشْكَلَ، وهَذا بابٌ مُبْهَمٌ أيْ: مَسْدُودُ الطَّرِيقِ، ثُمَّ اخْتُصَّ هَذا الِاسْمُ بِكُلِّ ذاتِ أرْبَعٍ في البَرِّ والبَحْرِ، والأنْعامُ هي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النَّحْلِ: ٥ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ [النَّحْلِ: ٨] فَفَرَّقَ تَعالى بَيْنَ الأنْعامِ وبَيْنَ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ. وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] وقالَ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢]
صفحة ٩٩
إلى قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] وإلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [ الأنْعامِ: ١٤٤] قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ولا يَدْخُلُ في اسْمِ الأنْعامِ الحافِرُ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن نُعُومَةِ الوَطْءِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في لَفْظِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ البَهِيمَةَ اسْمُ الجِنْسِ، والأنْعامَ اسْمُ النَّوْعِ فَقَوْلُهُ: ﴿بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ يَجْرِي مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: حَيَوانُ الإنْسانِ وهو مُسْتَدْرَكٌ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ قالَ: أُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ، لَكانَ الكَلامُ تامًّا بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ فَأيُّ فائِدَةٍ في زِيادَةِ لَفْظِ البَهِيمَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ لَفْظَ البَهِيمَةِ بِلَفْظِ الوُحْدانِ، ولَفْظَ الأنْعامِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالبَهِيمَةِ وبِالأنْعامِ شَيْءٌ واحِدٌ، وإضافَةُ البَهِيمَةِ إلى الأنْعامِ لِلْبَيانِ، وهَذِهِ الإضافَةُ بِمَعْنى ”مِن“ كَخاتَمِ فِضَّةٍ، ومَعْناهُ البَهِيمَةُ مِنَ الأنْعامِ أوْ لِلتَّأكُّدِ كَقَوْلِنا: نَفْسُ الشَّيْءِ وذاتُهُ وعَيْنُهُ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالبَهِيمَةِ شَيْءٌ وبِالأنْعامِ شَيْءٌ آخَرُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ الظِّباءُ وبَقَرُ الوَحْشِ ونَحْوُها، كَأنَّهم أرادُوا ما يُماثِلُ الأنْعامَ ويُدانِيها مِن جِنْسِ البَهائِمِ في الِاجْتِرارِ وعَدَمِ الأنْيابِ، فَأُضِيفَتْ إلى الأنْعامِ لِحُصُولِ المُشابَهَةِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِبَهِيمَةِ الأنْعامِ أجِنَّةُ الأنْعامِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ بَقَرَةً ذُبِحَتْ فَوُجِدَ في بَطْنِها جَنِينٌ، فَأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ بِذَنَبِها وقالَ: هَذا مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها أجِنَّةُ الأنْعامِ، وذَكاتُهُ ذَكاةُ أُمِّهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أنَّ الجَنِينَ مُذَكًّى بِذَكاةِ الأُمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ الثَّنَوِيَّةُ: ذَبْحُ الحَيَواناتِ إيلامٌ، والإيلامُ قَبِيحٌ، والقَبِيحُ لا يَرْضى بِهِ الإلَهُ الرَّحِيمُ الحَكِيمُ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الذَّبْحُ حَلالًا مُباحًا بِحُكْمِ اللَّهِ. قالُوا: والَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ لَيْسَ لَها قُدْرَةٌ عَنِ الدَّفْعِ عَنْ أنْفُسِها، ولا لَها لِسانٌ تَحْتَجُّ عَلى مَن قَصَدَ إيلامَها، والإيلامُ قَبِيحٌ إلّا أنَّ إيلامَ مَن بَلَغَ في العَجْزِ والحَيْرَةِ إلى هَذا الحَدِّ أقْبَحُ.
واعْلَمْ أنَّ فِرَقَ المُسْلِمِينَ افْتَرَقُوا فِرَقًا كَثِيرَةً بِسَبَبِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَقالَتِ المُكْرَمِيَّةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ تَتَألَّمُ عِنْدَ الذَّبْحِ، بَلْ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُ ألَمَ الذَّبْحِ عَنْها. وهَذا كالمُكابَرَةِ في الضَّرُورِيّاتِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الإيلامَ قَبِيحٌ مُطْلَقًا، بَلْ إنَّما يَقْبُحُ إذا لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِجِنايَةٍ ولا مُلْحَقًا بِعِوَضٍ، وهَهُنا اللَّهُ سُبْحانَهُ يُعَوِّضُ هَذِهِ الحَيَواناتِ في الآخِرَةِ بِأعْواضٍ شَرِيفَةٍ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ هَذا الذَّبْحُ عَنْ أنْ يَكُونَ ظُلْمًا، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما قُلْناهُ ما تُقُرِّرَ في العُقُولِ أنَّهُ يَحْسُنُ تَحَمُّلُ ألَمِ الفَصْدِ والحِجامَةِ لِطَلَبِ الصِّحَّةِ، فَإذا حَسُنَ تَحَمُّلُ الألَمِ القَلِيلِ لِأجْلِ المَنفَعَةِ العَظِيمَةِ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في الذَّبْحِ. وقالَ أصْحابُنا: إنَّ الإذْنَ في ذَبْحِ الحَيَواناتِ تَصَرُّفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في مُلْكِهِ، والمالِكُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ إذا تَصَرَّفَ في مُلْكِ نَفْسِهِ، والمَسْألَةُ طَوِيلَةٌ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ الأُصُولِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ مُجْمَلٌ؛ لِأنَّ الإحْلالَ إنَّما يُضافُ إلى الأفْعالِ، وهَهُنا أُضِيفَ إلى الذّاتِ فَتَعَذَّرَ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ، ولَيْسَ إضْمارُ بَعْضِ
صفحة ١٠٠
الأفْعالِ أوْلى مِن بَعْضٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إحْلالَ الِانْتِفاعِ بِجِلْدِها أوْ عَظْمِها أوْ صُوفِها أوْ لَحْمِها، أوِ المُرادُ إحْلالُ الِانْتِفاعِ بِالأكْلِ، ولا شَكَّ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِلْكُلِّ فَصارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً، إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٥] دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ إباحَةُ الِانْتِفاعِ بِها مِن كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ.
* *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ ألْحَقَ بِهِ نَوْعَيْنِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذا الِاسْتِثْناءِ مُجْمَلٌ، واسْتِثْناءُ الكَلامِ المُجْمَلِ مِنَ الكَلامِ المُفَصَّلِ يَجْعَلُ ما بَقِيَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ مُجْمَلًا أيْضًا، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ هو المَذْكُورُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ ووَجْهُ هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ يَقْتَضِي إحْلالَها لَهم عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّها إنْ كانَتْ مَيْتَةً، أوْ مَوْقُوذَةً أوْ مُتَرَدِّيَةً أوْ نَطِيحَةً أوِ افْتَرَسَها السَّبُعُ أوْ ذُبِحَتْ عَلى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى فَهي مُحَرَّمَةٌ.
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الِاسْتِثْناءِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أحَلَّ بَهِيمَةَ الأنْعامِ ذَكَرَ الفَرْقَ بَيْنَ صَيْدِها وغَيْرِ صَيْدِها، فَعَرَفْنا أنَّ ما كانَ مِنها صَيْدًا، فَإنَّهُ حَلالٌ في الإحْلالِ دُونَ الإحْرامِ، وما لَمْ يَكُنْ صَيْدًا فَإنَّهُ حَلالٌ في الحالَيْنِ جَمِيعًا واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أيْ: مُحْرِمُونَ أيْ: داخِلُونَ في الإحْرامِ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ أوْ أحَدِهِما، يُقالُ: أحْرَمَ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ فَهو مُحْرِمٌ وحُرُمٌ، كَما يُقالُ: أجَنْبَ فَهو مُجْنِبٌ وجُنُبٌ، ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، يُقالُ قَوْمٌ حُرُمٌ كَما يُقالُ قَوْمٌ جُنُبٌ. قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائِدَةِ: ٦٥] .
واعْلَمْ أنّا إذا قُلْنا: أحْرَمَ الرَّجُلُ فَلَهُ مَعْنَيانِ: الأوَّلُ هَذا.
والثّانِي: أنَّهُ دَخَلَ الحَرَمَ. فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يَشْتَمِلُ عَلى الوَجْهَيْنِ، فَيَحْرُمُ الصَّيْدُ عَلى مَن كانَ في الحَرَمِ كَما يَحْرُمُ عَلى مَن كانَ مُحْرِمًا بِالحَجِّ أوِ العُمْرَةِ، وهو قَوْلُ الفُقَهاءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الصَّيْدَ حَرامٌ عَلى المُحْرِمِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ فَإنَّ ”إذا“ لِلشَّرْطِ، والمُعَلَّقُ بِكَلِمَةِ الشَّرْطِ عَلى الشَّيْءِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، إلّا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ المُحَرَّمَ عَلى المُحْرِمِ إنَّما هو صَيْدُ البَرِّ لا صَيْدُ البَحْرِ، قالَ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائِدَةِ: ٩٦] فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيانًا لِتِلْكَ الآياتِ المُطْلَقَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: انْتَصَبَ ”غَيْرَ“ عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ كَما تَقُولُ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّعامُ غَيْرَ مُعْتَدِينَ فِيهِ. قالَ الفَرّاءُ: هو مِثْلُ قَوْلِكِ: أُحِلَّ لَكَ الشَّيْءُ لا مُفَرِّطًا فِيهِ ولا مُتَعَدِّيًا، والمَعْنى أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ
صفحة ١٠١
الأنْعامِ إلّا أنْ تُحِلُّوا الصَّيْدَ في حالِ الإحْرامِ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكم ذَلِكَ إذا كُنْتُمْ مُحْرِمِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أباحَ الأنْعامَ في جَمِيعِ الأحْوالِ، وأباحَ الصَّيْدَ في بَعْضِ الأحْوالِ دُونَ بَعْضٍ، فَلَوْ قالَ قائِلٌ: ما السَّبَبُ في هَذا التَّفْصِيلِ والتَّخْصِيصِ كانَ جَوابُهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى مالِكُ الأشْياءِ وخالِقُها فَلَمْ يَكُنْ عَلى حُكْمِهِ اعْتِراضٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهَذا هو الَّذِي يَقُولُهُ أصْحابُنا إنَّ عِلَّةَ حُسْنِ التَّكْلِيفِ هي الرُّبُوبِيَّةُ والعُبُودِيَّةُ لا ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن رِعايَةِ المَصالِحِ.
المائدة 5:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى: لَمّا حَرَّمَ الصَّيْدَ عَلى المُحْرِمِ في الآيَةِ الأُولى أكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ مُخالَفَةِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الشَّعائِرَ جَمْعٌ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها جَمْعُ شَعِيرَةٍ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: واحِدُها شَعارَةٌ، والشَّعِيرَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مُفَعَّلَةٍ، والمُشَّعَرَةُ المُعَلَّمَةُ، والأشْعارُ الأعْلامُ، وكُلُّ شَيْءٍ أُشْعِرَ فَقَدْ أُعْلِمُ، وكُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ عَلَمًا عَلى شَيْءٍ أوْ عُلِّمَ بِعَلامَةٍ جازَ أنْ يُسَمّى شَعِيرَةً، فالهَدْيُ الَّذِي يُهْدى إلى مَكَّةَ يُسَمّى شَعائِرَ لِأنَّها مُعَلَّمَةٌ بِعَلاماتٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِها هَدْيًا. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِشَعائِرِ اللَّهِ، وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِن شَعائِرِ اللَّهِ وفَرائِضِهِ الَّتِي حَدَّها لِعِبادِهِ وأوْجَبَها عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَشَعائِرُ اللَّهِ عامٌّ في جَمِيعِ تَكالِيفِهِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ: شَعائِرُ اللَّهِ دِينُ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ شَيْءٌ خاصٌّ مِنَ التَّكالِيفِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: المُرادُ لا تَحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم في حالِ إحْرامِكم مِنَ الصَّيْدِ.
والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحُجُّونَ البَيْتَ ويُهْدُونَ الهَدايا ويُعَظِّمُونَ المَشاعِرَ ويَنْحَرُونَ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ .
الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: كانَتْ عامَّةُ العَرَبِ لا يَرَوْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ الحَجِّ ولا يَطُوفُونَ بِهِما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: لا تَسْتَحِلُّوا تَرْكَ شَيْءٍ مِن مَناسِكِ الحَجِّ وأْتُوا بِجَمِيعِها عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ.
الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: الشَّعائِرُ هي الهَدايا تُطْعَنُ في أسَنامِها وتُقَلَّدُ لِيُعْلَمَ أنَّها هَدْيٌ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحَجِّ: ٣٦] وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ شَعائِرَ اللَّهِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها الهَدْيَ، والمَعْطُوفُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ أيْ: لا تُحِلُّوا الشَّهْرَ الحَرامَ بِالقِتالِ فِيهِ.
واعْلَمْ أنَّ الشَّهْرَ الحَرامَ هو الشَّهْرُ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تُعَظِّمُهُ وتُحَرِّمُ القِتالَ فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٦] فَقِيلَ: هي ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى
صفحة ١٠٢
جَمِيعِ هَذِهِ الأشْهُرِ كَما يُطْلَقُ اسْمُ الواحِدِ عَلى الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو رَجَبٌ لِأنَّهُ أكْمَلُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ في هَذِهِ الصِّفَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا الهَدْيَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الهَدْيُ ما أُهْدِيَ إلى بَيْتِ اللَّهِ مِن ناقَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ، واحِدُها هَدْيَةٌ بِتَسْكِينِ الدّالِ، ويُقالُ أيْضًا هَدِيَّةٌ، وجَمْعُها هَدِيٌّ. قالَ الشّاعِرُ:
حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ والمُصَلّى وأعْناقِ الهَدِيِّ مُقَلَّداتٍ
ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائِدَةِ: ٩٥] وقَوْلُهُ: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا القَلائِدَ﴾ والقَلائِدُ جَمْعُ قِلادَةٍ وهي الَّتِي تُشَدُّ عَلى عُنُقِ البَعِيرِ وغَيْرِهِ وهي مَشْهُورَةٌ. وفي التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الهَدْيُ ذَواتُ القَلائِدِ، وعُطِفَتْ عَلى الهَدْيِ مُبالَغَةً في التَّوْصِيَةِ بِها لِأنَّها أشْرَفُ الهَدْيِ كَقَوْلِهِ ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] كَأنَّهُ قِيلَ: والقَلائِدُ مِنها خُصُوصًا.
الثّانِي: أنَّهُ نَهى عَنِ التَّعَرُّضِ لِقَلائِدِ الهَدْيِ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْهَدْيِ عَلى مَعْنى: ولا تُحِلُّوا قَلائِدَها فَضْلًا عَنْ أنْ تُحِلُّوها، كَما قالَ ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النُّورِ: ٣١] فَنَهى عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواضِعِها.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ مُواظِبِينَ عَلى المُحارَبَةِ إلّا في الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَمَن وُجِدَ في غَيْرِ هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ أُصِيبَ مِنهُ، إلّا أنْ يَكُونَ مُشْعِرًا بَدَنَةً أوْ بَقَرَةً مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ، أوْ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ إلى البَيْتِ، فَحِينَئِذٍ لا يُتَعَرَّضُ لَهُ، فَأمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِتَقْرِيرِ هَذا المَعْنى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ أيْ: قَوْمًا قاصِدِينَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (ولا آمِّي البَيْتِ الحَرامِ) عَلى الإضافَةِ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ الأعْرَجُ (تَبْتَغُونَ) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ الفَضْلِ والرِّضْوانِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ بِالتِّجارَةِ المُباحَةِ لَهم في حَجِّهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٨] قالُوا: نَزَلَتْ في تِجاراتِهِمْ أيّامَ المَوْسِمِ، والمَعْنى: لا تَمْنَعُوهم فَإنَّما قَصَدُوا البَيْتَ لِإصْلاحِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، فابْتِغاءُ الفَضْلِ لِلدُّنْيا، وابْتِغاءُ الرِّضْوانِ لِلْآخِرَةِ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقْصِدُونَ بِحَجِّهِمُ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ وإنْ كانُوا لا يَنالُونَ ذَلِكَ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لَهم بِسَبَبِ هَذا القَصْدِ نَوْعٌ مِنَ الحُرْمَةِ.
صفحة ١٠٣
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ الثَّوابُ، وبِالرِّضْوانِ أنْ يَرْضى عَنْهم، وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ لا يَنالُ الفَضْلَ والرِّضْوانَ لَكِنَّهُ يَظُنُّ أنَّهُ بِفِعْلِهِ طالِبٌ لَهُما، فَيَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ بِناءً عَلى ظَنِّهِ، قالَ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧] وقالَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ فَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ يَقْتَضِي حُرْمَةَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ يَقْتَضِي حُرْمَةَ مَنعِ المُشْرِكِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ كابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ يُنْسَخْ مِن سُورَةِ المائِدَةِ إلّا هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذِهِ الآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وهَؤُلاءِ لَهم طَرِيقانِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا في هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا نُخِيفَ مَن يَقْصِدُ بَيَتَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وحَرَّمَ عَلَيْنا أخْذَ الهَدْيِ مِنَ المُهْدِينَ إذا كانُوا مُسْلِمِينَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أوَّلُ الآيَةِ وآخِرُها، أمّا أوَّلُ الآيَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ وشَعائِرُ اللَّهِ إنَّما تَلِيقُ بِنُسُكِ المُسْلِمِينَ وطاعاتِهِمْ لا بِنُسُكِ الكُفّارِ، وأمّا آخِرُ الآيَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ وهَذا إنَّما يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ لا بِالكافِرِ.
الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: المُرادُ بِالآيَةِ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا زالَ العَهْدُ بِسُورَةِ بَراءَةٌ زالَ ذَلِكَ الحَظْرُ ولَزِمَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ . [التَّوْبَةِ: ٢٨ ] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: وإذا أحْلَلْتُمْ يُقالُ حَلَّ المُحْرِمُ وأحَلَّ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الفاءِ وقِيلَ هو بَدَلٌ مِن كَسْرِ الهَمْزَةِ عِنْدَ الِابْتِداءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يَعْنِي لَمّا كانَ المانِعُ مِن حِلِّ الِاصْطِيادِ هو الإحْرامُ، فَإذا زالَ الإحْرامُ وجَبَ أنْ يَزُولَ المَنعُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الأمْرِ وإنْ كانَ لِلْوُجُوبِ إلّا أنَّهُ لا يُفِيدُ هَهُنا إلّا الإباحَةَ. وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجُمُعَةِ: ١٠] ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ: لا تَدْخُلَّنَ هَذِهِ الدّارَ حَتّى تُؤَدِّيَ ثَمَنَها، فَإذا أدَّيْتَ فادْخُلْها، أيْ: فَإذا أدَّيْتَ فَقَدْ أُبِيحَ لَكَ دُخُولُها، وحاصِلُ الكَلامِ أنّا إنَّما عَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَهُنا لَمْ يُفِدِ الوُجُوبَ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ يَعْنِي ولا تَحْمِلَنَّكم عَداوَتُكم لِقَوْمٍ مِن أجْلِ أنَّهم صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلى أنْ تَعْتَدُوا فَتَمْنَعُوهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَإنَّ الباطِلَ لا يَجُوزُ أنْ يُعْتَدى بِهِ. ولَيْسَ لِلنّاسِ أنْ يُعِينَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى العُدْوانِ حَتّى إذا تَعَدّى واحِدٌ مِنهم عَلى الآخَرِ تَعَدّى ذَلِكَ الآخَرُ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الواجِبَ أنْ يُعِينَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى ما فِيهِ البِرُّ والتَّقْوى، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ.
صفحة ١٠٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ (جَرَمَ) يَجْرِي مَجْرى كَسَبَ في تَعَدِّيهِ تارَةً إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وتارَةً إلى اثْنَيْنِ، تَقُولُ: جَرَمَ ذَنْبًا نَحْوَ كَسَبَهُ، وجَرَمْتُهُ ذَنْبًا نَحْوَ كَسَبْتُهُ إيّاهُ، ويُقالُ: أجْرَمْتُهُ ذَنْبًا عَلى نَقْلِ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِهِمْ: أكْسَبْتُهُ ذَنْبًا، وعَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ”ولا يُجْرِمَنَّكم“ بِضَمِّ الياءِ، وأوَّلُ المَفْعُولَيْنِ عَلى القِراءَتَيْنِ ضَمِيرُ المُخاطَبِينَ.
والثّانِي: أنْ تَعْتَدُوا، والمَعْنى لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ لِأنْ صَدُّوكُمُ الِاعْتِداءَ ولا يَحْمِلَنَّكم عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الشَّنَآنُ البُغْضُ، يُقالُ: شَنَأْتُ الرَّجُلَ أشَنْؤُهُ شَنَأً ومَشْنَأً وشِنْأةً ومَشْنَأةً وشَنَآنًا بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها، ويُقالُ: رَجُلٌ شَنَآنٌ وامْرَأةٌ شَنَآنَةٌ مَصْرُوفانِ، ويُقالُ شَنَآنُ بِغَيْرِ صَرْفٍ، وفَعَلانُ قَدْ جاءَ وصْفًا وقَدْ جاءَ مَصْدَرًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وإسْماعِيلُ عَنْ نافِعٍ بِجَزْمِ النُّونِ الأُولى، والباقُونَ بِالفَتْحِ. قالُوا: والفَتْحُ أجْوَدُ لِكَثْرَةِ نَظائِرِها في المَصادِرِ كالضَّرَبانِ والسَّيَلانِ والغَلَيانِ والغَشَيانِ، وأمّا بِالسُّكُونِ فَقَدْ جاءَ في الأكْثَرِ وصْفًا. قالَ الواحِدِيُّ: ومِمّا جاءَ مَصْدَرًا قَوْلُهم: لَوَيْتُهُ حَقَّهُ لَيّانًا، وشَنْآنٌ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ. وأنْشَدَ لِلْأحْوَصِ:
وإنْ عابَ فِيهِ ذُو الشَّنْآنِ وفَنَّدا
فَقَوْلُهُ: ذُو الشَّنْآنِ عَلى التَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِمْ: إنِّي ظَمْآنٌ، وفُلانٌ ظَمْآنٌ، بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى ما قَبْلَها.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (وإنْ صَدُّوكم) بِكَسْرِ الألِفِ عَلى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ، يَعْنِي لِأنْ صَدُّوكم. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وهَذِهِ القِراءَةُ هي الِاخْتِيارُ لِأنَّ مَعْنى صَدِّهِمْ إيّاهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ مَنعُ أهْلِ مَكَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَنِ العُمْرَةِ، وهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ هَذا الصَّدُّ مُتَقَدِّمًا لا مَحالَةَ عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ، يَعْنِي اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَسْتَحِلُّوا شَيْئًا مِن مَحارِمِهِ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، لا يَطِيقُ أحَدٌ عِقابَهُ.
المائدة 5:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ اسْتِثْناءَ أشْياءَ تُتْلى عَلَيْكم، فَهَهُنا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الصُّوَرَ المُسْتَثْناةَ مِن ذَلِكَ العُمُومِ، وهي أحَدَ عَشَرَ نَوْعًا:
الأوَّلُ: المَيْتَةُ: وكانُوا
صفحة ١٠٥
يَقُولُونَ: إنَّكم تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ.
واعْلَمْ أنَّ تَحْرِيمَ المَيْتَةِ مُوافِقٌ لِما في العُقُولِ، لِأنَّ الدَّمَ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ جِدًّا، فَإذا ماتَ الحَيَوانُ حَتْفَ أنْفِهِ احْتَبَسَ الدَّمُ في عُرُوقِهِ وتَعَفَّنَ وفَسَدَ وحَصَلَ مِن أكْلِهِ مَضارٌّ عَظِيمَةٌ.
والثّانِي: الدَّمُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانُوا يَمْلَئُونَ المَعْيَ مِنَ الدَّمِ ويَشْوُونَهُ ويُطْعِمُونَهُ الضَّيْفَ، فاللَّهُ تَعالى حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
والثّالِثُ: لَحْمُ الخِنْزِيرِ، قالَ أهْلُ العِلْمِ: الغِذاءُ يَصِيرُ جُزْءًا مِن جَوْهَرِ المُغْتَذِي، فَلا بُدَّ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُغْتَذِي أخْلاقٌ وصِفاتٌ مِن جِنْسِ ما كانَ حاصِلًا في الغِذاءِ، والخِنْزِيرُ مَطْبُوعٌ عَلى حِرْصٍ عَظِيمٍ ورَغْبَةٍ شَدِيدَةٍ في المُشْتَهَياتِ، فَحَرُمَ أكْلُهُ عَلى الإنْسانِ لِئَلّا يَتَكَيَّفَ بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ، وأمّا الشّاةُ فَإنَّها حَيَوانٌ في غايَةِ السَّلامَةِ، فَكَأنَّها ذاتٌ عارِيَةٌ عَنْ جَمِيعِ الأخْلاقِ، فَلِذَلِكَ لا يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ بِسَبَبِ أكْلِ لَحْمِها كَيْفِيَّةٌ أجْنَبِيَّةٌ عَنْ أحْوالِ الإنْسانِ.
الرّابِعُ: ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، والإهْلالُ رَفْعُ الصَّوْتِ، ومِنهُ يُقالُ أهَلَّ فُلانٌ بِالحَجِّ إذا لَبّى بِهِ، ومِنهُ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ وهو صُراخُهُ إذا وُلِدَ، وكانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ الذَّبْحِ: بِاسْمِ اللّاتِ والعُزّى فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.
والخامِسُ: المُنْخَنِقَةُ، يُقالُ: خَنَقَهُ فاخْتَنَقَ، والخَنْقُ والِاخْتِناقُ انْعِصارُ الحَلْقِ.
واعْلَمْ أنَّ المُنْخَنِقَةَ عَلى وُجُوهٍ:
مِنها أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَخْنُقُونَ الشّاةَ فَإذا ماتَتْ أكَلُوها، ومِنها ما يُخْنَقُ بِحَبْلِ الصّائِدِ، ومِنها ما يُدْخَلُ رَأْسُها بَيْنَ عُودَيْنِ في شَجَرَةٍ فَتَخْتَنِقُ فَتَمُوتُ، وبِالجُمْلَةِ فَبِأيِّ وجْهٍ اخْتَنَقَتْ فَهي حَرامٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُنْخَنِقَةَ مِن جِنْسِ المَيْتَةِ، لِأنَّها لَمّا ماتَتْ وما سالَ دَمُها كانَتْ كالمَيِّتِ حَتْفَ أنْفِهِ.
والسّادِسُ: المَوْقُوذَةُ، وهي الَّتِي ضُرِبَتْ إلى أنْ ماتَتْ يُقالُ: وقَذَها وأوْقَذَها إذا ضَرَبَها إلى أنْ ماتَتْ، ويَدْخُلُ في المَوْقُوذَةِ ما رُمِيَ بِالبُنْدُقِ فَماتَ، وهي أيْضًا في مَعْنى المَيْتَةِ وفي مَعْنى المُنْخَنِقَةِ فَإنَّها ماتَتْ ولَمْ يَسِلْ دَمُها.
السّابِعُ: المُتَرَدِّيَةُ، والمُتَرَدِّي هو الواقِعُ في الرَّدى وهو الهَلاكُ. قالَ تَعالى: ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [اللَّيْلِ: ١١] أيْ: وقَعَ في النّارِ، ويُقالُ: فُلانٌ تَرَدّى مِنَ السَّطْحِ، فالمُتَرَدِّيَةُ هي الَّتِي تَسْقُطُ مِن جَبَلٍ أوْ مَوْضِعٍ مُشْرِفٍ فَتَمُوتُ، وهَذا أيْضًا مِنَ المَيْتَةِ لِأنَّها ماتَتْ وما سالَ مِنها الدَّمُ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما إذا أصابَهُ سَهْمٌ وهو في الجَبَلِ فَسَقَطَ عَلى الأرْضِ فَإنَّهُ يَحْرُمُ أكْلُهُ لِأنَّهُ لا يُعْلَمُ أنَّهُ ماتَ بِالتَّرَدِّي أوْ بِالسَّهْمِ.
والثّامِنُ: النَّطِيحَةُ، وهي المَنطُوحَةُ إلى أنْ ماتَتْ، وذَلِكَ مِثْلُ شاتَيْنِ تَناطَحا إلى أنْ ماتا أوْ ماتَ أحَدُهُما، وهَذا أيْضًا داخِلٌ في المَيْتَةِ لِأنَّها ماتَتْ مِن غَيْرِ سَيَلانِ الدَّمِ.
واعْلَمْ أنَّ دُخُولَ الهاءِ في هَذِهِ الكَلِماتِ الأرْبَعِ، أعْنِي: المُنْخَنِقَةَ، والمَوْقُوذَةَ، والمُتَرَدِّيَةَ، والنَّطِيحَةَ، إنَّما كانَ لِأنَّها صِفاتٌ لِمَوْصُوفٍ مُؤَنَّثٍ وهو الشّاةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الشّاةُ المُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ، وخُصَّتِ الشّاةُ لِأنَّها مِن أعَمِّ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ، والكَلامُ يَخْرُجُ عَلى الأعَمِّ الأغْلَبِ ويَكُونُ المُرادُ هو الكُلُّ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ أثْبَتَ الهاءَ في النَّطِيحَةِ مَعَ أنَّها كانَتْ في الأصْلِ مَنطُوحَةً فَعَدَلَ بِها إلى النَّطِيحَةِ، وفي مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ تَكُونُ الهاءُ مَحْذُوفَةً، كَقَوْلِهِمْ: كَفٌّ خَضِيبٌ، ولِحْيَةٌ دَهِينٌ، وعَيْنٌ كَحِيلٌ.
قُلْنا: إنَّما تُحْذَفُ الهاءُ مِنَ الفَعِيلَةِ إذا كانَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ يَتَقَدَّمُها، فَإذا لَمْ يُذْكَرِ المَوْصُوفُ وذُكِرَتِ الصِّفَةُ وضَعْتَها مَوْضِعَ المَوْصُوفِ، تَقُولُ: رَأيْتُ قَتِيلَةَ بَنِي فُلانٍ بِالهاءِ لِأنَّكَ إنْ لَمْ تُدْخِلِ الهاءَ لَمْ يُعْرَفْ أرَجُلٌ هو أوِ امْرَأةٌ، فَعَلى هَذا إنَّما دَخَلَتِ الهاءُ في النَّطِيحَةِ لِأنَّها صِفَةٌ لِمُؤَنَّثٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو الشّاةُ.
* * *
والتّاسِعُ: قَوْلُهُ:
صفحة ١٠٦
﴿وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: السَّبُعُ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى ما لَهُ نابٌ ويَعْدُو عَلى الإنْسانِ والدَّوابِّ ويَفْتَرِسُها، مِثْلَ الأسَدِ وما دُونَهُ، ويَجُوزُ التَّخْفِيفُ في سَبُعٍ فَيُقالُ: سَبْعٌ وسَبْعَةٌ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: السَّبْعُ بِسُكُونِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: وأكِيلُ السَّبُعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ قَتادَةُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا جَرَحَ السَّبُعُ شَيْئًا فَقَتَلَهُ وأكَلَ بَعْضَهُ أكَلُوا ما بَقِيَ، فَحَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى. وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وما أكَلَ مِنهُ السَّبُعُ لِأنَّ ما أكَلَهُ السَّبُعُ فَقَدْ نَفِدَ ولا حُكْمَ لَهُ، وإنَّما الحُكْمُ لِلْباقِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أصْلُ الذَّكاءِ في اللُّغَةِ إتْمامُ الشَّيْءِ، ومِنهُ الذَّكاءُ في الفَهْمِ وهو تَمامُهُ، ومِنهُ الذَّكاءُ في السِّنِّ، وقِيلَ: جَرْيُ المُذَكِّياتِ غِلابٌ، أيْ: جَرْيُ المُسِنّاتِ الَّتِي قَدْ أسَنَّتْ، وتَأْوِيلُ تَمامِ السِّنِّ النِّهايَةُ في الشَّبابِ، فَإذا نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ أوْ زادَ فَلا يُقالُ لَهُ الذَّكاءُ في السِّنِّ، ويُقالُ ذَكَّيْتُ النّارَ أيْ: أتْمَمْتُ إشْعالَها.
إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ فِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ، فَعَلى هَذا إنَّكَ إنْ أدْرَكْتَ ذَكاتَهُ بِأنْ وجَدْتَ لَهُ عَيْنًا تَطْرِفُ أوْ ذَنَبًا يَتَحَرَّكُ أوْ رِجْلًا تَرْكُضُ فاذْبَحْ فَإنَّهُ حَلالٌ، فَإنَّهُ لَوْلا بَقاءُ الحَياةِ فِيهِ لَما حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ، فَلَمّا وجَدْتَها مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ دَلَّ عَلى أنَّ الحَياةَ بِتَمامِها حاصِلَةٌ فِيهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُخْتَصٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ ما ذَكَّيْتُمْ مِن غَيْرِ هَذا فَهو حَلالٌ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ التَّحْرِيمِ لا مِنَ المُحَرَّماتِ، يَعْنِي حَرَّمَ عَلَيْكم ما مَضى إلّا ما ذَكَّيْتُمْ فَإنَّهُ لَكم حَلالٌ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا أيْضًا.
* * *
العاشِرُ مِنَ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: النَّصُبُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا وأنْ يَكُونَ واحِدًا، فَإنْ قُلْنا إنَّهُ جَمْعٌ فَفي واحِدِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ واحِدَهُ نِصابٌ، فَقَوْلُنا: نِصابٌ ونُصُبٌ كَقَوْلِنا: حِمارٌ وحُمُرٌ.
الثّانِي: أنَّ واحِدَهُ النَّصْبُ، فَقَوْلُنا نَصْبُّ ونُصُبٌ كَقَوْلِنا: سَقْفٌ وسُقُفٌ ورَهْنٌ ورُهُنٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّ واحِدَهُ النَّصْبَةُ. قالَ اللَّيْثُ: النُّصُبُ جَمْعُ النَّصْبَةِ، وهي عَلامَةٌ تُنْصَبُ لِلْقَوْمِ، أمّا إنْ قُلْنا: أنَّ النُّصُبَ واحِدٌ فَجَمْعُهُ أنْصابٌ، فَقَوْلُنا: نُصُبٌ وأنْصابٌ كَقَوْلِنا طُنُبٌ وأطْنابٌ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وقَدْ جَعَلَ الأعْشى النُّصُبَ واحِدًا فَقالَ:
ولا النُّصُبُ المَنصُوبُ لا تُنْسِكَنَّهُ لِعاقِبَةٍ واللَّهَ رَبَّكَ فاعْبُدا
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: النُّصُبُ هي الأوْثانُ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وذَلِكَ هو الذَّبْحُ عَلى اسْمِ الأوْثانِ، ومِن حَقِّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
«وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: النُّصُبُ لَيْسَ بِأصْنامٍ فَإنَّ الأصْنامَ أحْجارٌ مُصَوَّرَةٌ مَنقُوشَةٌ، وهَذِهِ النُّصُبُ أحْجارٌ كانُوا
صفحة ١٠٧
يَنْصِبُونَها حَوْلَ الكَعْبَةِ، وكانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَها لِلْأصْنامِ، وكانُوا يُلَطِّخُونَها بِتِلْكَ الدِّماءِ ويَضَعُونَ اللُّحُومَ عَلَيْها، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَ البَيْتَ بِالدَّمِ، فَنَحْنُ أحَقُّ أنْ نُعَظِّمَهُ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها»﴾ [الحَجِّ: ٣٧] .
واعْلَمْ أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ ﴿وما ذُبِحَ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: وما ذُبِحَ عَلى اعْتِقادِ تَعْظِيمِ النُّصُبِ.
والثّانِي: وما ذُبِحَ لِلنُّصُبِ، و(اللّامُ) و(عَلى) يَتَعاقَبانِ، قالَ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقِعَةِ: ٩١] أيْ: فَسَلامٌ عَلَيْكَ مِنهم، وقالَ ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسْراءِ: ٧] أيْ: فَعَلَيْها.
* * *
النَّوْعُ الحادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ذُكِرَ هَذا في جُمْلَةِ المَطاعِمِ لِأنَّهُ مِمّا أبْدَعَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ وكانَ مُوافِقًا لِما كانُوا فَعَلُوهُ في المَطاعِمِ، وذَلِكَ أنَّ الذَّبْحَ عَلى النُّصُبِ إنَّما كانَ يَقَعُ عِنْدَ البَيْتِ، وكَذا الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ كانُوا يُوقِعُونَهُ عِنْدَ البَيْتِ إذا كانُوا هُناكَ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: كانَ أحَدُهم إذا أرادَ سَفَرًا أوْ غَزْوًا أوْ تِجارَةً أوْ نِكاحًا أوْ أمْرًا آخَرَ مِن مَعاظِمِ الأُمُورِ ضَرَبَ بِالقِداحِ، وكانُوا قَدْ كَتَبُوا عَلى بَعْضِها: أمَرَنِي رَبِّي، وعَلى بَعْضِها: نَهانِي رَبِّي، وتَرَكُوا بَعْضَها خالِيًا عَنِ الكِتابَةِ، فَإنْ خَرَجَ الأمْرُ أقْدَمَ عَلى الفِعْلِ، وإنْ خَرَجَ النَّهْيُ أمْسَكَ، وإنْ خَرَجَ الغُفْلُ أعادَ العَمَلَ مَرَّةً أُخْرى، فَمَعْنى الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ طَلَبُ مَعْرِفَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِواسِطَةِ ضَرْبِ القِداحِ.
الثّانِي: قالَ المُؤَرِّجُ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الِاسْتِقْسامُ هُنا هو المَيْسِرُ المَنهِيُّ عَنْهُ، والأزْلامُ قِداحُ المَيْسِرِ، والقَوْلُ الأوَّلُ اخْتِيارُ الجُمْهُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأزْلامُ القِداحُ واحِدُها زَلَمٌ، ذَكَرَهُ الأخْفَشُ. وإنَّما سُمِّيَتِ القِداحُ بِالأزْلامِ لِأنَّها زُلِّمَتْ أيْ: سُوِّيَتْ. ويُقالُ: رَجُلٌ مُزَلَّمٌ وامْرَأةٌ مُزَلَّمَةٌ إذا كانَ خَفِيفًا قَلِيلَ العَلائِقِ، ويُقالُ قَدَحٌ مُزَلَّمٌ وزَلَمٌ إذا ظُرِفَ وأُجِيدَ قَدُّهُ وصَنْعَتُهُ، وما أحْسَنَ ما زُلِّمَ سَهْمُهُ، أيْ: سَوّاهُ، ويُقالُ لِقَوائِمِ البَقَرِ أزْلامٌ، شُبِّهَتْ بِالقِداحِ لِلَطافَتِها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ فَقَطْ ومُقْتَصِرًا عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، فَمَن خالَفَ فِيهِ رادًّا عَلى اللَّهِ تَعالى كَفَرَ.
فَإنْ قِيلَ: عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِمَ صارَ الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ فِسْقًا ؟ ألَيْسَ «أنَّهُ ﷺ كانَ يُحِبُّ الفَأْلَ»، وهَذا أيْضًا مِن جُمْلَةِ الفَأْلِ فَلِمَ صارَ فِسْقًا ؟
قُلْنا: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّما يَحْرُمُ ذَلِكَ لِأنَّهُ طَلَبٌ لِمَعْرِفَةِ الغَيْبِ، وذَلِكَ حَرامٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لُقْمانَ: ٣٤] وقالَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النَّمْلِ: ٦٥] ورَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن تَكَهَّنَ أوِ اسْتَقْسَمَ أوْ تَطَيَّرَ طِيَرَةً تَرُدُّهُ عَنْ سَفَرِهِ لَمْ يَنْظُرْ إلى الدَّرَجاتِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ» “ .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ طَلَبُ الظَّنِّ بِناءً عَلى الأماراتِ المُتَعارَفَةِ طَلَبًا لِمَعْرِفَةِ الغَيْبِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عِلْمُ
صفحة ١٠٨
التَّعْبِيرِ غَيْبًا أوْ كُفْرًا لِأنَّهُ طَلَبٌ لِلْغَيْبِ، ويَلْزَمُ أنْ يَكُونَ التَّمَسُّكُ بِالفَأْلِ كُفْرًا لِأنَّهُ طَلَبٌ لِلْغَيْبِ، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ أصْحابُ الكَراماتِ المُدَّعُونَ لِلْإلْهاماتِ كُفّارًا، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ كُلُّهُ باطِلٌ، وأيْضًا فالآياتُ إنَّما ورَدَتْ في العِلْمِ، والمُسْتَقْسِمُ بِالأزْلامِ نُسَلِّمُ أنَّهُ لا يَسْتَفِيدُ مِن ذَلِكَ عِلْمًا، وإنَّما يَسْتَفِيدُ مِن ذَلِكَ ظَنًّا ضَعِيفًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ هَذِهِ الآياتِ. وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ إنَّهم كانُوا يَحْمِلُونَ تِلْكَ الأزْلامَ عِنْدَ الأصْنامِ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ ما يَخْرُجُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلى تِلْكَ الأزْلامِ فَبِإرْشادِ الأصْنامِ وإعانَتِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ ذَلِكَ فِسْقًا وكُفْرًا، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أوْلى وأقْرَبُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ فِيما مَضى ما حَرَّمَهُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ وما أحَلَّهُ مِنها خَتَمَ الكَلامَ فِيها بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ والغَرَضُ مِنهُ تَحْذِيرُ المُكَلَّفِينَ عَنْ مِثْلِ تِلْكَ الأعْمالِ، ثُمَّ حَرَّضَهم عَلى التَّمَسُّكِ بِما شَرَعَ لَهم بِأكْمَلِ ما يَكُونُ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ أيْ: فَلا تَخافُوا المُشْرِكِينَ في خِلافِكم إيّاهم في الشَّرائِعِ والأدْيانِ، فَإنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكم بِالدَّوْلَةِ القاهِرَةِ والقُوَّةِ العَظِيمَةِ وصارُوا مَقْهُورِينَ لَكم ذَلِيلِينَ عِنْدَكم، وحَصَلَ لَهُمُ اليَأْسُ مِن أنْ يَصِيرُوا قاهِرِينَ لَكم مُسْتَوْلِينَ عَلَيْكم، فَإذا صارَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ وأنْ تُقْبِلُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى والعَمَلِ بِشَرائِعِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ هو ذَلِكَ اليَوْمَ بِعَيْنِهِ حَتّى يُقالَ إنَّهم ما يَئِسُوا قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ، وإنَّما هو كَلامٌ خارِجٌ عَلى عادَةِ أهْلِ اللِّسانِ مَعْناهُ لا حاجَةَ بِكُمُ الآنَ إلى مُداهَنَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لِأنَّكُمُ الآنَ صِرْتُمْ بِحَيْثُ لا يَطْمَعُ أحَدٌ مِن أعْدائِكم في تَوْهِينِ أمْرِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: كُنْتَ بِالأمْسِ شابًّا واليَوْمَ قَدْ صِرْتَ شَيْخًا، ولا يُرِيدُ بِالأمْسِ اليَوْمَ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِكَ، ولا بِاليَوْمِ يَوْمَكَ الَّذِي أنْتَ فِيهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ نَزَلَتْ يَوْمَ الجُمُعَةَ وكانَ يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ العَصْرِ في حَجَّةِ الوَداعِ سَنَةَ عَشْرٍ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِعَرَفاتٍ عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: يَئِسُوا مِن أنْ تُحَلِّلُوا هَذِهِ الخَبائِثَ بَعْدَ أنْ جَعَلَها اللَّهُ مُحَرَّمَةً.
والثّانِي: يَئِسُوا مِن أنْ يَغْلِبُوكم عَلى دِينِكم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ وعَدَ بِإعْلاءِ هَذا الدِّينِ عَلى كُلِّ الأدْيانِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] فَحَقَّقَ تِلْكَ النُّصْرَةَ وأزالَ الخَوْفَ بِالكُلِّيَّةِ وجَعَلَ الكُفّارَ مَغْلُوبِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا غالِبِينَ، ومَقْهُورِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا قاهِرِينَ، وهَذا القَوْلُ أوْلى.
صفحة ١٠٩
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ قَوْمٌ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ التَّقِيَّةَ جائِزَةٌ عِنْدَ الخَوْفِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِإظْهارِ هَذِهِ الشَّرائِعِ وإظْهارِ العَمَلِ بِها وعَلَّلَ ذَلِكَ بِزَوالِ الخَوْفِ مِن جِهَةِ الكُفّارِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِيامَ الخَوْفِ يُجَوِّزُ تَرْكَها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الدِّينَ كانَ ناقِصًا قَبْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ الدِّينَ الَّذِي كانَ ﷺ مُواظِبًا عَلَيْهِ أكْثَرَ عُمُرِهِ كانَ ناقِصًا، وأنَّهُ إنَّما وجَدَ الدِّينَ الكامِلَ في آخِرِ عُمُرِهِ مُدَّةً قَلِيلَةً.
واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ لِأجْلِ الِاحْتِرازِ عَنْ هَذا الإشْكالِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ هو إزالَةُ الخَوْفِ عَنْهم وإظْهارُ القُدْرَةِ لَهم عَلى أعْدائِهِمْ، وهَذا كَما يَقُولُ المَلِكُ عِنْدَما يَسْتَوْلِي عَلى عَدُوِّهِ ويَقْهَرُهُ قَهْرًا كُلِّيًّا: اليَوْمَ كَمُلَ مَلْكُنا، وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ لِأنَّ مُلْكَ ذَلِكَ المَلِكِ كانَ قَبْلَ قَهْرِ العَدُوِّ ناقِصًا.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ: إنِّي أكْمَلْتُ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ في تَكالِيفِكم مِن تَعَلُّمِ الحَلالِ والحَرامِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُكْمِلْ لَهم قَبْلَ هَذا اليَوْمِ ما كانُوا مُحْتاجِينَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرائِعِ كانَ ذَلِكَ تَأْخِيرًا لِلْبَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّالِثُ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ وهو المُخْتارُ: أنَّ الدِّينَ ما كانَ ناقِصًا البَتَّةَ، بَلْ كانَ أبَدًا كامِلًا، يَعْنِي كانَتِ الشَّرائِعُ النّازِلَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ في كُلِّ وقْتٍ كافِيَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، إلّا أنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا في أوَّلِ وقْتِ المَبْعَثِ بِأنَّ ما هو كامِلٌ في هَذا اليَوْمِ لَيْسَ بِكامِلٍ في الغَدِ ولا صَلاحَ فِيهِ، فَلا جَرَمَ كانَ يَنْسَخُ بَعْدَ الثُّبُوتِ وكانَ يَزِيدُ بَعْدَ العَدَمِ، وأمّا في آخِرِ زَمانِ المَبْعَثِ فَأنْزَلَ اللَّهُ شَرِيعَةً كامِلَةً وحَكَمَ بِبَقائِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فالشَّرْعُ أبَدًا كانَ كامِلًا، إلّا أنَّ الأوَّلَ كَمالٌ إلى زَمانٍ مَخْصُوصٍ، والثّانِي كَمالٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَلِأجْلِ هَذا المَعْنى قالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ نُفاةُ القِياسِ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القِياسَ باطِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ نَصَّ عَلى الحُكْمِ في جَمِيعِ الوَقائِعِ، إذْ لَوْ بَقِيَ بَعْضُها غَيْرَ مُبَيَّنِ الحُكْمِ لَمْ يَكُنِ الدِّينُ كامِلًا، وإذا حَصَلَ النَّصُّ في جَمِيعِ الوَقائِعِ فالقِياسُ إنْ كانَ عَلى وفْقِ ذَلِكَ النَّصِّ كانَ عَبَثًا، وإنْ كانَ عَلى خِلافِهِ كانَ باطِلًا.
أجابَ مُثْبِتُو القِياسِ بِأنَّ المُرادَ بِإكْمالِ الدِّينِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ حُكْمَ جَمِيعِ الوَقائِعِ بَعْضَها بِالنَّصِّ وبَعْضَها بِأنْ بَيَّنَ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الحُكْمِ فِيها عَلى سَبِيلِ القِياسِ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ الوَقائِعَ قِسْمَيْنِ أحَدُهُما الَّتِي نُصَّ عَلى أحْكامِها، والقِسْمُ الثّانِي أنْواعٌ يُمْكِنُ اسْتِنْباطُ الحُكْمِ فِيها بِواسِطَةِ قِياسِها عَلى القِسْمِ الأوَّلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِياسِ وتَعَبَّدَ المُكَلَّفِينَ بِهِ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ بَيانًا لِكُلِّ الأحْكامِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ إكْمالًا لِلدِّينِ. قالَ نُفاةُ القِياسِ: الطُّرُقُ المُقْتَضِيَةُ لِإلْحاقِ غَيْرِ المَنصُوصِ بِالمَنصُوصِ إمّا أنْ تَكُونَ دَلائِلَ قاطِعَةً أوْ غَيْرَ قاطِعَةٍ، فَإنْ كانَ القِسْمُ الأوَّلُ فَلا نِزاعَ في صِحَّتِهِ، فَإنّا نُسَلِّمُ أنَّ القِياسَ المَبْنِيَّ عَلى المُقَدِّماتِ اليَقِينِيَّةِ حُجَّةٌ، إلّا أنَّ مِثْلَ هَذا القِياسِ يَكُونُ المُصِيبُ فِيهِ واحِدًا، والمُخالِفُ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ، ويُنْقَضُ
صفحة ١١٠
قَضاءُ القاضِي فِيهِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ الحَقُّ هو القِسْمَ الثّانِيَ كانَ ذَلِكَ تَمْكِينًا لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَحْكُمَ بِما غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ مِن غَيْرِ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ هَلْ هو دِينُ اللَّهِ أمْ لا، وهَلْ هو الحُكْمُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ اللَّهُ أمْ لا، ومَعْلُومٌ أنَّ مِثْلَ هَذا لا يَكُونُ إكْمالًا لِلدِّينِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إلْقاءً لِلْخَلْقِ في ورْطَةِ الظُّنُونِ والجَهالاتِ، قالَ مُثْبِتُو القِياسِ: إذا كانَ تَكْلِيفُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ أنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضى ظَنِّهِ كانَ ذَلِكَ إكْمالًا لِلدِّينِ، ويَكُونُ كُلُّ مُكَلَّفٍ قاطِعًا بِأنَّهُ عامِلٌ بِحُكْمِ اللَّهِ فَزالَ السُّؤالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الرّافِضَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَئِسُوا مِن تَبْدِيلِ الدِّينِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ﴾ فَلَوْ كانَتْ إمامَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنصُوصًا عَلَيْها مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى وقِبَلِ رَسُولِهِ ﷺ نَصًّا واجِبَ الطّاعَةِ لَكانَ مَن أرادَ إخْفاءَهُ وتَغْيِيرَهُ آيِسًا مِن ذَلِكَ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَقْدِرَ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ النَّصِّ وعَلى تَغْيِيرِهِ وإخْفائِهِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ لَمْ يَجْرِ لِهَذا النَّصِّ ذِكْرٌ، ولا ظَهَرَ مِنهُ خَبَرٌ ولا أثَرٌ، عَلِمْنا أنَّ ادِّعاءَ هَذا النَّصِّ كَذِبٌ، وأنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما كانَ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بِالإمامَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أصْحابُ الآثارِ: إنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُعَمَّرْ بَعْدَ نُزُولِها إلّا أحَدًا وثَمانِينَ يَوْمًا، أوِ اثْنَيْنِ وثَمانِينَ يَوْمًا، ولَمْ يَحْصُلْ في الشَّرِيعَةِ بَعْدَها زِيادَةٌ ولا نَسْخٌ ولا تَبْدِيلٌ البَتَّةَ، وكانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى إخْبارِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ قُرْبِ وفاتِهِ، وذَلِكَ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ لَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى الصَّحابَةِ فَرِحُوا جِدًّا وأظْهَرُوا السُّرُورَ العَظِيمَ إلّا أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإنَّهُ بَكى فَسُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى قُرْبِ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الكَمالِ إلّا الزَّوالُ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى كَمالِ عِلْمِ الصِّدِّيقِ حَيْثُ وقَفَ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى سِرٍّ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أصْحابُنا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدِّينَ لا يَحْصُلُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وإيجادِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أضافَ إكْمالَ الدِّينِ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ ولَنْ يَكُونَ إكْمالُ الدِّينِ مِنهُ إلّا وأصْلُهُ أيْضًا مِنهُ.
واعْلَمْ أنّا سَواءٌ قُلْنا: الدِّينُ عِبارَةٌ عَنِ العَمَلِ، أوْ قُلْنا إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْرِفَةِ، أوْ قُلْنا إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ والفِعْلِ فالِاسْتِدْلالُ ظاهِرٌ.
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم يَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلى إكْمالِ بَيانِ الدِّينِ وإظْهارِ شَرائِعِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ ومَعْنى أتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي بِإكْمالِ أمْرِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ كَأنَّهُ قالَ: اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي بِسَبَبِ ذَلِكَ الإكْمالِ لِأنَّهُ لا نِعْمَةَ أتَمُّ مِن نِعْمَةِ الإسْلامِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أيْضًا دالَّةٌ عَلى أنَّ خالِقَ الإيمانِ هو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: الدِّينُ الَّذِي هو الإسْلامُ نِعْمَةٌ، وكُلُّ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ دِينُ الإسْلامِ مِنَ اللَّهِ.
إنَّما قُلْنا: إنَّ الإسْلامَ نِعْمَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
. الأوَّلُ: الكَلِمَةُ المَشْهُورَةُ عَلى لِسانِ الأُمَّةِ وهي قَوْلُهم: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإسْلامِ.
صفحة ١١١
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ ذَكَرَ لَفْظَ النِّعْمَةِ مُبْهَمَةً، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو الدِّينُ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ جَعْلَهم قاهِرِينَ لِأعْدائِهِمْ، أوِ المُرادُ بِهِ جَعْلَ هَذا الشَّرْعِ بِحَيْثُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ نَسْخٌ.
قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَقَدْ عُرِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ فَحَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ أيْضًا يَكُونُ تَكْرِيرًا.
وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ إبْقاءَ هَذا الدِّينِ لَمّا كانَ إتْمامًا لِلنِّعْمَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ أصْلُ هَذا الدِّينِ نِعْمَةً لا مَحالَةَ، فَثَبَتَ أنَّ دِينَ الإسْلامِ نِعْمَةٌ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] وإذا ثَبَتَ هاتانِ المُقَدِّمَتانِ لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ دِينَ الإسْلامِ إنَّما حَصَلَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا هو الدِّينُ المَرْضِيُّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٣] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
وهَذا مِن تَمامِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في المَطاعِمِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى، يَعْنِي أنَّها وإنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً إلّا أنَّها تَحِلُّ في حالَةِ الِاضْطِرارِ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ إلى هَهُنا اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ، والغَرَضُ مِنهُ تَأْكِيدُ ما ذُكِرَ مِن مَعْنى التَّحْرِيمِ، فَإنَّ تَحْرِيمَ هَذِهِ الخَبائِثِ مِن جُمْلَةِ الدِّينِ الكامِلِ والنِّعْمَةِ التّامَّةِ والإسْلامِ الَّذِي هو الدِّينُ المَرْضِيُّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى اضْطُرَّ أُصِيبَ بِالضُّرِّ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ الِامْتِناعُ مَعَهُ مِنَ المَيْتَةِ. والمَخْمَصَةُ المَجاعَةُ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الخَمْصُ خُلُوُّ البَطْنِ مِنَ الطَّعامِ عِنْدَ الجُوعِ، وأصْلُهُ مِنَ الخَمْصِ الَّذِي هو ضُمُورُ البَطْنِ. يُقالُ: رَجُلٌ خَمِيصٌ وخَمْصانٌ وامْرَأةٌ خَمِيصَةٌ وخَمْصانَةٌ والجَمْعُ خَمائِصُ وخَمْصاناتٌ، وقَوْلُهُ ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ مِنَ الجَنَفِ الَّذِي هو المَيْلُ، قالَ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٢] أيْ: مَيْلًا، فَقَوْلُهُ ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مائِلٍ وغَيْرَ مُنْحَرِفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ ”غَيْرَ“ بِمَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ عَلى مَعْنى فَتَناوَلَ غَيْرَ مُتَجانِفٍ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ بِقَوْلِهِ: (اضْطُرَّ) ويَكُونُ المُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا عَلى مَعْنى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ فَتَناوَلَ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ومَعْنى الإثْمِ هَهُنا في قَوْلِ أهْلِ العِراقِ أنْ يَأْكُلَ فَوْقَ الشِّبَعِ تَلَذُّذًا، وفي قَوْلِ أهْلِ الحِجازِ أنْ يَكُونَ عاصِيًا بِسَفَرِهِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٣] وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَعْنِي يَغْفِرُ لَهم أكْلَ المُحَرَّمِ عِنْدَما اضْطُرَّ إلى أكْلِهِ، ورَحِيمٌ بِعِبادِهِ حَيْثُ أحَلَّ لَهم ذَلِكَ المُحَرَّمَ عِنْدَ احْتِياجِهِمْ إلى أكْلِهِ.
المائدة 5:4
صفحة ١١٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ وهَذا أيْضًا مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ المَطاعِمِ والمَآكِلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: في السُّؤالِ مَعْنى القَوْلِ، فَلِذَلِكَ وقَعَ بَعْدَهُ: ﴿ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَقُولُونَ لَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم، وإنَّما لَمْ يَقُلْ ماذا أُحِلَّ لَنا حِكايَةً لِما قالُوهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ هَذا حِكايَةً لِكَلامِهِمْ لَكانُوا قَدْ قالُوا ماذا أُحِلَّ لَهم، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا باطِلٌ لِأنَّهم لا يَقُولُونَ ذَلِكَ، بَلْ إنَّما يَقُولُونَ ماذا أُحِلَّ لَنا، بَلِ الصَّحِيحُ أنَّ هَذا لَيْسَ حِكايَةً لِكَلامِهِمْ بِعِبارَتِهِمْ، بَلْ هو بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الواقِعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ”ماذا“ إنْ جَعَلْتَهُ اسْمًا واحِدًا فَهو رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ”أُحِلَّ“ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”ما“ وحْدَها اسْمًا، ويَكُونُ خَبَرُها ”ذا“ و”أُحِلَّ“ مِن صِلَةِ ”ذا“ لِأنَّهُ بِمَعْنى: ما الَّذِي أُحِلَّ لَهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ العَرَبَ في الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ أشْياءَ مِنَ الطَّيِّباتِ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ. فَهم كانُوا يَحْكُمُونَ بِكَوْنِها طَيِّبَةً إلّا أنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ أكْلَها لِشُبُهاتٍ ضَعِيفَةٍ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ ما يُسْتَطابُ فَهو حَلالٌ، وأكَّدَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعْرافِ: ٣٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٧] .
واعْلَمْ أنَّ الطَّيِّبَ في اللُّغَةِ هو المُسْتَلَذُّ، والحَلالُ المَأْذُونُ فِيهِ يُسَمّى أيْضًا طَيِّبًا تَشْبِيهًا بِما هو مُسْتَلَذٌّ، لِأنَّهُما اجْتَمَعا في انْتِفاءِ المَضَرَّةِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالطَّيِّباتِ هَهُنا المُحَلَّلاتِ، وإلّا لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ المُحَلَّلاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا رَكِيكٌ، فَوَجَبَ حَمْلُ الطَّيِّباتِ عَلى المُسْتَلَذِّ المُشْتَهى، فَصارَ التَّقْدِيرُ: أُحِلَّ لَكم كُلُّ ما يَسْتَلَذُّ ويُشْتَهى.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ العِبْرَةَ في الِاسْتِلْذاذِ والِاسْتِطابَةِ بِأهْلِ المُرُوءَةِ والأخْلاقِ الجَمِيلَةِ، فَإنَّ أهْلَ البادِيَةِ يَسْتَطِيبُونَ أكْلَ جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ويَتَأكَّدُ دَلالَةُ هَذِهِ الآياتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٩] فَهَذا يَقْتَضِي التَّمَكُّنَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِكُلِّ ما في الأرْضِ، إلّا أنَّهُ أدْخَلَ التَّخْصِيصَ في ذَلِكَ العُمُومِ فَقالَ: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعْرافِ، ١٥٧] ونَصَّ في هَذِهِ الآياتِ الكَثِيرَةِ عَلى إباحَةِ المُسْتَلَذّاتِ والطَّيِّباتِ فَصارَ هَذا أصْلًا كَبِيرًا، وقانُونًا مَرْجُوعًا إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ الأطْعِمَةِ، مِنها أنَّ لَحْمَ الخَيْلِ مُباحٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ بِمُباحٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ مُسْتَلَذٌّ مُسْتَطابٌ، والعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ حَلالًا لِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ ومِنها أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُباحٌ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ حَرامٌ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ مُسْتَطابٌ مُسْتَلَذٌّ، فَوَجَبَ أنْ يَحِلَّ لِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ اسْتَثْنى المُذَكّاةَ ثُمَّ فَسَّرَ الذَّكاةَ بِما بَيْنَ اللَّبَّةِ والصَّدْرِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ في الخَيْلِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ مُذَكّاةً، فَوَجَبَ أنْ تَحِلَّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ وأمّا في مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ فالذَّكاةُ أيْضًا حاصِلَةٌ لِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ ناسِيًا فَهي مُذَكّاةٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى بِاللِّسانِ لَيْسَ جُزْءًا مِن ماهِيَّةِ الذَّكاةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الإتْيانُ بِالذَّكاةِ بِدُونِ الإتْيانِ بِالتَّسْمِيَةِ مُمْكِنًا، فَنَحْنُ مِثْلُكم فِيما إذا وُجِدَ ذَلِكَ، وإذا حَصَلَتِ الذَّكاةُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ ومِنها أنَّ لَحْمَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ
صفحة ١١٣
مُباحٌ عِنْدَ مالِكٍ وعِنْدَ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ وقَدِ احْتَجّا بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، إلّا أنّا نَعْتَمِدُ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ «حَرَّمَ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ فِيها إضْمارًا، والتَّقْدِيرُ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وصَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ، فَحَذَفَ الصَّيْدَ وهو مُرادٌ في الكَلامِ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ .
الثّانِي: أنْ يُقالَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ، وخَبَرُهُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِحُّ الكَلامُ مِن غَيْرِ حَذْفٍ وإضْمارٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الجَوارِحِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الكَواسِبُ مِنَ الطَّيْرِ والسِّباعِ، واحِدُها جارِحَةٌ، سُمِّيَتْ جَوارِحَ لِأنَّها كَواسِبُ مِن جَرَحَ واجْتَرَحَ إذا اكْتَسَبَ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢١] أيِ: اكْتَسَبُوا، وقالُوا: إنَّ ما أُخِذَ مِنَ الصَّيْدِ فَلَمْ يَسِلْ مِنهُ دَمٌ لَمْ يَحِلَّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، أنَّ ما صادَهُ غَيْرُ الكِلابِ فَلَمْ يُدْرَكْ ذَكاتُهُ لَمْ يَجُزْ أكْلُهُ، وتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: (مُكَلِّبِينَ) قالُوا: لِأنَّ التَّخْصِيصَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا الحُكْمِ مَخْصُوصًا بِهِ، وزَعَمَ الجُمْهُورُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يُمْكِنُ الِاصْطِيادُ بِهِ، كالفَهْدِ والسِّباعِ مِنَ الطَّيْرِ: مِثْلَ الشّاهِينِ والباشِقِ والعُقابِ، قالَ اللَّيْثُ: سُئِلَ مُجاهِدٌ عَنِ الصَّقْرِ والبازِي والعُقابِ والفَهْدِ وما يَصْطادُ بِهِ مِنَ السِّباعِ، فَقالَ: هَذِهِ كُلُّها جَوارِحُ. وأجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (مُكَلِّبِينَ) مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُكَلِّبَ هو مُؤَدِّبُ الجَوارِحِ ومُعَلِّمُها أنْ تَصْطادَ لِصاحِبِها، وإنَّما اشْتُقَّ هَذا الِاسْمُ مِنَ الكَلْبِ لِأنَّ التَّأْدِيبَ أكْثَرُ ما يَكُونُ في الكِلابِ، فاشْتُقَّ مِنهُ هَذا اللَّفْظُ لِكَثْرَتِهِ في جِنْسِهِ.
الثّانِي: أنَّ كُلَّ سَبْعٍ فَإنَّهُ يُسَمّى كَلْبًا، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ فَأكَلَهُ الأسَدُ» “ .
الثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الكَلَبِ الَّذِي هو بِمَعْنى الضَّراوَةِ، يُقالُ فُلانٌ: كَلِبٌ بِكَذا إذا كانَ حَرِيصًا عَلَيْهِ.
والرّابِعُ: هَبْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ إباحَةُ الصَّيْدِ بِالكَلْبِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ لا يَنْفِي حِلَّ غَيْرِهِ، بِدَلِيلِ أنَّ الِاصْطِيادَ بِالرَّمْيِ ووَضْعِ الشَّبَكَةِ جائِزٌ، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الِاصْطِيادَ بِالجَوارِحِ إنَّما يَحِلُّ إذا كانَتِ الجَوارِحُ مُعَلَّمَةً، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ وقالَ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: ”«إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ» “، قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والكَلْبُ لا يَصِيرُ مُعَلَّمًا إلّا عِنْدَ أُمُورٍ، وهي إذا أُرْسِلَ اسْتَرْسَلَ، وإذا أُخِذَ حُبِسَ ولا يَأْكُلُ، وإذا دَعاهُ أجابَهُ، وإذا أرادَهُ لَمْ يَفِرَّ مِنهُ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ مَرّاتٍ فَهو مُعَلَّمٌ، ولَمْ يَذْكُرْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ حَدًّا مُعَيَّنًا، بَلْ قالَ: إنَّهُ مَتى غَلَبَ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ تَعَلَّمَ حُكِمَ بِهِ، قالَ: لِأنَّ الِاسْمَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِنَ النَّصِّ أوِ الإجْماعِ وجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلى العُرْفِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أظْهَرِ الرِّواياتِ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَصِيرُ مُعَلَّمًا بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ يَصِيرُ مُعَلَّمًا بِتَكْرِيرِ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وعَنْ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: أنَّهُ يَصِيرُ مُعَلَّمًا بِثَلاثِ مَرّاتٍ.
صفحة ١١٤
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الكَلّابُ والمُكَلِّبُ هو الَّذِي يُعَلِّمُ الكِلابَ الصَّيْدَ، فَمُكَلِّبٌ صاحِبُ التَّكْلِيبِ كَمُعَلِّمٍ صاحِبِ التَّعْلِيمِ، ومُؤَدِّبٍ صاحِبِ التَّأْدِيبِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ مُكْلِبِينَ بِالتَّخْفِيفِ، وأفْعَلَ وفَعَلَ يَشْتَرِكانِ كَثِيرًا.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: انْتِصابُ مُكَلِّبِينَ عَلى الحالِ مِن ”عَلَّمْتُمْ“ .
فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذِهِ الحالِ وقَدِ اسْتَغْنى عَنْها بِعَلَّمْتُمْ ؟
قُلْنا: فائِدَتُها أنْ يَكُونَ مَن يُعَلِّمُ الجَوارِحَ نِحْرِيرًا في عِلْمِهِ مُدَرَّبًا فِيهِ مَوْصُوفًا بِالتَّكْلِيبِ ”وتُعَلِّمُونَهُنَّ“ حالٌ ثانِيَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في اشْتِراطِ التَّعْلِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ إذا كانَ الكَلْبُ مُعَلَّمًا ثُمَّ صادَ صَيْدًا وجَرَحَهُ وقَتَلَهُ وأدْرَكَهُ الصّائِدُ مَيِّتًا فَهو حَلالٌ، وجُرْحُ الجارِحَةِ كالذَّبْحِ، وكَذا الحُكْمُ في سائِرِ الجَوارِحِ المُعَلَّمَةِ. وكَذا في السَّهْمِ والرُّمْحِ، أمّا إذا صادَهُ الكَلْبُ فَجَثَمَ عَلَيْهِ وقَتَلَهُ بِالفَمِ مِن غَيْرِ جُرْحٍ فَقالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ أكْلُهُ لِأنَّهُ مَيْتَةٌ. وقالَ آخَرُونَ: يَحِلُّ لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا كُلُّهُ إذا لَمْ يَأْكُلْ، فَإنْ أكَلَ مِنهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ، فَعِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ وطاوُسٍ والشَّعْبِيِّ وعَطاءٍ والسُّدِّيِّ أنَّهُ لا يَحِلُّ، وهو أظْهَرُ أقْوالِ الشّافِعِيِّ، قالُوا: لِأنَّهُ أمْسَكَ الصَّيْدَ عَلى نَفْسِهِ، والآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ إنَّما يَحِلُّ إذا أمْسَكَهُ عَلى صاحِبِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: ”«إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ فاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ فَإنْ أدْرَكْتَهُ ولَمْ يَقْتُلْ فاذْبَحْ واذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإنْ أدْرَكْتَهُ وقَدْ قَتَلَ ولَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ فَقَدْ أمْسَكَ عَلَيْكَ، وإنْ وجَدْتَهُ قَدْ أكَلَ فَلا تَطْعَمْ مِنهُ شَيْئًا فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ» “ وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وابْنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّهُ يَحِلُّ وإنْ أكَلَ، وهو القَوْلُ الثّانِي لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . واخْتَلَفُوا في البازِي إذا أكَلَ، فَقالَ قائِلُونَ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلْبِ، فَإنْ أكَلَ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ لَمْ يُؤْكَلْ ذَلِكَ الصَّيْدُ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو حَنِيفَةَ والمُزَنِيُّ: يُؤْكَلُ ما بَقِيَ مِن جَوارِحِ الطَّيْرِ ولا يُؤْكَلُ ما بَقِيَ مِنَ الكَلْبِ، الفَرْقُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُؤَدَّبَ الكَلْبُ عَلى الأكْلِ بِالضَّرْبِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُؤَدَّبَ البازِي عَلى الأكْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا أمْسَكْنَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ صِلَةٌ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ [الأنْعامِ: ١٤١] .
والثّانِي: أنَّهُ لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الصَّيْدَ كُلَّهُ لا يُؤْكَلُ؛ فَإنَّ لَحْمَهُ يُؤْكَلُ، أمّا عَظْمُهُ ودَمُهُ ورِيشُهُ فَلا يُؤْكَلُ.
الثّانِي: أنَّ المَعْنى كُلُوا مِمّا تُبْقِي لَكُمُ الجَوارِحُ بَعْدَ أكْلِها مِنهُ، قالُوا: فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكَلْبَ إذا أكَلَ مِنَ الصَّيْدِ كانَتِ البَقِيَّةُ حَلالًا، قالُوا وإنْ أكَلَهُ مِنَ الصَّيْدِ لا يَقْدَحُ في أنَّهُ أمْسَكَهُ عَلى صاحِبِهِ لِأنَّ صِفَةَ الإمْساكِ هو أنْ يَأْخُذَ الصَّيْدَ ولا يَتْرُكَهُ حَتّى يَذْهَبَ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ سَواءٌ أكَلَ مِنهُ أوْ لَمْ يَأْكُلْ مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: سَمِّ اللَّهَ إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ» “ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسالِهِ.
صفحة ١١٥
القَوْلُ الثّانِي: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ما أمْسَكْنَ، يَعْنِي سَمُّوا عَلَيْهِ إذا أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الأكْلِ، يَعْنِي واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى الأكْلِ. رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ لِعُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ: ”«سَمِّ اللَّهَ وكُلْ مِمّا يَلِيكَ» “ .
واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عامِدًا يَحِلُّ أكْلُهُ، فَإنْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ فَلا كَلامَ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الأوَّلِ والثّانِي كانَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ النَّدْبَ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى حِلِّهِ، وسَنَذْكُرُ هَذِهِ المَسْألَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنْعامِ: ١٢١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ: واحْذَرُوا مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ في تَحْلِيلِ ما أحَلَّهُ وتَحْرِيمِ ما حَرَّمَهُ.
المائدة 5:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ أحَلَّ الطَّيِّباتِ، وكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ الإخْبارَ عَنْ هَذا الحُكْمِ، ثُمَّ أعادَ ذِكْرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، والغَرَضُ مِن ذِكْرِهِ أنَّهُ قالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ كَما أكْمَلَ الدِّينَ وأتَمَّ النِّعْمَةَ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، فَكَذَلِكَ أتَمَّ النِّعْمَةَ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، ومِنها إحْلالُ الطَّيِّباتِ، والغَرَضُ مِنَ الإعادَةِ رِعايَةُ هَذِهِ النُّكْتَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وفي المُرادِ بِالطَّعامِ هَهُنا وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الذَّبائِحُ، يَعْنِي أنَّهُ يَحِلُّ لَنا أكْلُ ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ، وأمّا المَجُوسُ فَقَدْ سُنَّ فِيهِمْ سُنَّةُ أهْلِ الكِتابِ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ أكْلِ ذَبائِحِهِمْ ونِكاحِ نِسائِهِمْ، وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ اسْتَثْنى نَصارى بَنِي تَغْلِبَ، وقالَ: لَيْسُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ ولَمْ يَأْخُذُوا مِنها إلّا شُرْبَ الخَمْرِ، وبِهِ أخَذَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ، وبِهِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - .
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ هو الخَبْزُ والفاكِهَةُ وما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الذَّكاةِ، وهو مَنقُولٌ عَنْ بَعْضِ أئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ جَمْعُ المَطْعُوماتِ، والأكْثَرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ورَجَّحُوا ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الذَّبائِحَ هي الَّتِي تَصِيرُ طَعامًا بِفِعْلِ الذّابِحِ، فَحَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ عَلى الذَّبائِحِ أوْلى.
وثانِيها: أنَّ ما سِوى الذَّبائِحِ فَهي مُحَلَّلَةٌ قَبْلَ أنْ كانَتْ لِأهْلِ الكِتابِ وبَعْدَ أنْ صارَتْ لَهم، فَلا يَبْقى لِتَخْصِيصِها بِأهْلِ الكِتابِ فائِدَةٌ.
وثالِثُها: ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ الصَّيْدِ والذَّبائِحِ، فَحَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الذَّبائِحِ أوْلى.
صفحة ١١٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ أيْ: ويَحِلُّ لَكم أنْ تُطْعِمُوهم مِن طَعامِكم لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ أنْ نُطْعِمَهم مِن ذَبائِحِنا، وأيْضًا فالفائِدَةُ في ذِكْرِ ذَلِكَ أنَّ إباحَةَ المُناكَحَةِ غَيْرُ حاصِلَةٍ في الجانِبَيْنِ، وإباحَةَ الذَّبائِحِ كانَتْ حاصِلَةً في الجانِبَيْنِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ وفي المُحْصَناتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الحَرائِرُ.
والثّانِي: أنَّها العَفائِفُ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي يَدْخُلُ فِيهِ نِكاحُ الأمَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ومَهْرُ الأمَةِ لا يُدْفَعُ إلَيْها بَلْ إلى سَيِّدِها.
وثانِيها: أنّا بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ﴾ [النِّساءِ: ٢٥] أنَّ نِكاحَ الأمَةِ إنَّما يَحِلُّ بِشَرْطَيْنِ: عَدَمُ طَوْلِ الحُرَّةِ، وحُصُولُ الخَوْفِ مِنَ العَنَتِ.
وثالِثُها: أنَّ تَخْصِيصَ العَفائِفِ بِالحِلِّ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى تَحْرِيمِ نِكاحِ الزّانِيَةِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، أمّا لَوْ حَمَلْنا المُحْصَناتِ عَلى الحَرائِرِ يَلْزَمُ تَحْرِيمُ نِكاحِ الأمَةِ ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ عَلى بَعْضِ التَّقْدِيراتِ.
ورابِعُها: أنا بَيَّنّا أنَّ اشْتِقاقَ الإحْصانِ مِنَ التَّحَصُّنِ، ووَصْفُ التَّحَصُّنِ في حَقِّ الحُرَّةِ أكْثَرُ ثُبُوتًا مِنهُ في حَقِّ الأمَةِ لِما بَيَّنّا أنَّ الأمَةَ وإنْ كانَتْ عَفِيفَةً إلّا أنَّها لا تَخْلُو مِنَ الخُرُوجِ والبُرُوزِ والمُخالَطَةِ مَعَ النّاسِ بِخِلافِ الحُرَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ تَفْسِيرَ المُحْصَناتِ بِالحَرائِرِ أوْلى مِن تَفْسِيرِها بِغَيْرِها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَهَبَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ إلى أنَّهُ يَحِلُّ التَّزَوُّجُ بِالذِّمِّيَّةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وتَمَسَّكُوا فِيهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لا يَرى ذَلِكَ ويَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١] ويَقُولُ: لا أعْلَمُ شِرْكًا أعْظَمَ مِن قَوْلِها: إنَّ رَبَّها عِيسى، ومَن قالَ بِهَذا القَوْلِ أجابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم، فَإنَّهُ كانَ يُحْتَمَلُ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ بَعْضِهِمْ أنَّ اليَهُودِيَّةَ إذا آمَنَتْ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِها أمْ لا ؟ فَبَيَّنَ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ جَوازَ ذَلِكَ.
والثّانِي: رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما رَخَّصَ اللَّهُ تَعالى في التَّزَوُّجِ بِالكِتابِيَّةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِأنَّهُ كانَ في المُسْلِماتِ قِلَّةٌ، وأمّا الآنَ فَفِيهِنَّ الكَثْرَةُ العَظِيمَةُ، فَزالَتِ الحاجَةُ فَلا جَرَمَ زالَتِ الرُّخْصَةُ.
والثّالِثُ: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى وُجُوبِ المُباعَدَةِ عَنِ الكُفّارِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [المُمْتَحِنَةِ: ١] وقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٨] ولِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ الزَّوْجِيَّةِ رُبَّما قَوِيَتِ المَحَبَّةُ ويَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَيْلِ الزَّوْجِ إلى دِينِها، وعِنْدَ حُدُوثِ الوَلَدِ فَرُبَّما مالَ الوَلَدُ إلى دِينِها، وكُلُّ ذَلِكَ إلْقاءٌ لِلنَّفْسِ في الضَّرَرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ.
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى في خاتِمَةِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ المُنَفِّراتِ عَنِ التَّزَوُّجِ بِالكافِرَةِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إباحَةَ التَّزَوُّجِ بِالكِتابِيَّةِ لَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِيبَها كالتَّناقُضِ وهو غَيْرُ جائِزٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قُلْنا: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ: الحَرائِرُ، لَمْ تَدْخُلِ الأمَةُ الكِتابِيَّةُ تَحْتَ الآيَةِ، وإنْ قُلْنا: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ: العَفائِفُ، دَخَلَتْ، وعَلى هَذا البَحْثِ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ فَعِنْدَ
صفحة ١١٧
الشّافِعِيِّ لا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِالأمَةِ الكِتابِيَّةِ. قالَ: لِأنَّهُ اجْتَمَعَ في حَقِّها نَوْعانِ مِنَ النُّقْصانِ: الكُفْرُ والرِّقُّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجُوزُ، وتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُحْصَناتِ العَفائِفُ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ والحَسَنُ ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الذِّمِّيّاتُ والحَرْبِيّاتُ، فَيَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِكُلِّهِنَّ، وأكْثَرُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالذِّمِّيَّةِ فَقَطْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَإنَّهُ قالَ: مِن نِساءِ أهْلِ الكِتابِ مَن يَحِلُّ لَنا، ومِنهُنَّ مَن لا يَحِلُّ لَنا، وقَرَأ ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] فَمَن أعْطى الجِزْيَةَ حَلَّ، ومَن لَمْ يُعْطِ لَمْ يَحِلَّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَجُوسَ قَدْ سُنَّ بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ أكْلِ ذَبائِحِهِمْ ونِكاحِ نِسائِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: إذا كانَ المُسْلِمُ مَرِيضًا فَأمَرَ المَجُوسِيَّ أنْ يَذْكُرَ اللَّهَ ويَذْبَحَ فَلا بَأْسَ، وقالَ أبُو ثَوْرٍ: وإنْ أمَرَهُ بِذَلِكَ في الصِّحَّةِ فَلا بَأْسَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الكَثِيرُ مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّما يَحِلُّ نِكاحُ الكِتابِيَّةِ الَّتِي دانَتْ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فَقَوْلُهُ: (مِن قَبْلِكم) يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن دانَ الكِتابَ بَعْدَ نُزُولِ الفُرْقانِ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الكِتابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وتَقْيِيدُ التَّحْلِيلِ بِإيتاءِ الأُجُورِ يَدُلُّ عَلى تَأكُّدِ وُجُوبِها وأنَّ مَن تَزَوَّجَ امْرَأةً وعَزَمَ عَلى أنْ لا يُعْطِيَها صَداقَها كانَ في صُورَةِ الزّانِي، وتَسْمِيَةُ المَهْرِ بِالأجْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّداقَ لا يَتَقَدَّرُ، كَما أنَّ أقَلَّ الأجْرِ لا يَتَقَدَّرُ في الإجاراتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: الزِّنا ضَرْبانِ: السِّفاحُ وهو الزِّنا عَلى سَبِيلِ الإعْلانِ، واتِّخاذُ الخِدْنِ وهو الزِّنا في السِّرِّ، واللَّهُ تَعالى حَرَّمَهُما في هَذِهِ الآيَةِ وأباحَ التَّمَتُّعَ بِالمَرْأةِ عَلى جِهَةِ الإحْصانِ وهو التَّزَوُّجُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّرْغِيبُ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكالِيفِ والأحْكامِ، يَعْنِي ومَن يَكْفُرْ بِشَرائِعِ اللَّهِ وبِتَكالِيفِهِ فَقَدْ خابَ وخَسِرَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والثّانِي: قالَ القَفّالُ: المَعْنى أنَّ أهْلَ الكِتابِ وإنْ حَصَلَتْ لَهم في الدُّنْيا فَضِيلَةُ المُناكَحَةِ وإباحَةُ الذَّبائِحِ في الدُّنْيا إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُفَرِّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ في أحْوالِ الآخِرَةِ وفي الثَّوابِ والعِقابِ، بَلْ كُلُّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ في الدُّنْيا ولَمْ يَصِلْ إلى شَيْءٍ مِنَ السَّعاداتِ في الآخِرَةِ البَتَّةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ فِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ الكُفْرَ إنَّما يُعْقَلُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَأمّا الكُفْرُ بِالإيمانِ فَهو مُحالٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾ أيْ: ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ، إنَّما حَسُنَ هَذا المَجازُ لِأنَّهُ تَعالى رَبُّ الإيمانِ، ورَبُّ الشَّيْءِ قَدْ يُسَمّى باسِمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
والثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾ أيْ: بِشَهادَةِ
صفحة ١١٨
أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ إيمانًا، فَإنَّ الإيمانَ بِها لَمّا كانَ واجِبًا كانَ الإيمانُ مِن لَوازِمِها بِحَسَبِ أمْرِ الشَّرْعِ، وإطْلاقُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلى لازَمِهِ مَجازٌ مَشْهُورٌ.
والثّالِثُ: قالَ قَتادَةُ: إنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا: كَيْفَ نَتَزَوَّجُ نِساءَهم مَعَ كَوْنِهِمْ عَلى غَيْرِ دِينِنا ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ أيْ: ومَن يَكْفُرْ بِما نَزَلَ في القُرْآنِ فَهو كَذا وكَذا، فَسَمّى القُرْآنَ إيمانًا لِأنَّهُ هو المُشْتَمِلُ عَلى بَيانِ كُلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ في الإيمانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القائِلُونَ بِالإحْباطِ قالُوا: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أيْ: عِقابُ كُفْرِهِ يُزِيلُ ما كانَ حاصِلًا لَهُ مِن ثَوابِ إيمانِهِ، والَّذِينَ يُنْكِرُونَ القَوْلَ بِالإحْباطِ قالُوا: مَعْناهُ أنَّ عَمَلَهُ الَّذِي أتى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الإيمانِ فَقَدْ هَلَكَ وضاعَ؛ فَإنَّهُ إنَّما يَأْتِي بِتِلْكَ الأعْمالِ بَعْدَ الإيمانِ لِاعْتِقادِهِ أنَّها خَيْرٌ مِنَ الإيمانِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ كانَ ضائِعًا باطِلًا كانَتْ تِلْكَ الأعْمالُ باطِلَةً في أنْفُسِها، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ .
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، وهو أنْ يَمُوتَ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ؛ إذْ لَوْ تابَ عَنِ الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن هَذا الشَّرْطِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٧] الآيَةَ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى افْتَتَحَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ حَصَلَ بَيْنَ الرَّبِّ وبَيْنَ العَبْدِ عَهْدُ الرُّبُوبِيَّةِ وعَهْدُ العُبُودِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ طَلَبَ تَعالى مِن عِبادِهِ أنْ يَفُوا بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلَهُنا العَهْدُ نَوْعانِ: عَهْدُ الرُّبُوبِيَّةِ مِنكَ، وعَهْدُ العُبُودِيَّةِ مِنّا، فَأنْتَ أوْلى بِأنْ تُقَدِّمَ الوَفاءَ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ والإحْسانِ. فَقالَ تَعالى: نَعَمْ أنا أُوفِي أوَّلًا بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ والكَرَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: لَذّاتِ المَطْعَمِ، ولَذّاتِ المَنكَحِ، فاسْتَقْصى سُبْحانَهُ في بَيانِ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَطاعِمِ والمُناكِحِ، ولَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلى المَطْعُومِ فَوْقَ الحاجَةِ إلى المَنكُوحِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ بَيانَ المَطْعُومِ عَلى المَنكُوحِ، وعِنْدَ تَمامِ هَذا البَيانِ كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ وفَّيْتُ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ فِيما يُطْلَبُ في الدُّنْيا مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ، فاشْتَغِلْ أنْتَ في الدُّنْيا بِالوَفاءِ بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ، ولَمّا كانَ أعْظَمُ الطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ الصَّلاةَ، وكانَتِ الصَّلاةُ لا يُمْكِنُ إقامَتُها إلّا بِالطَّهارَةِ، لا جَرَمَ بَدَأ تَعالى بِذِكْرِ شَرائِطِ الوُضُوءِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المائدة 5:6
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ لَيْسَ نَفْسَ القِيامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَزِمَ تَأْخِيرُ الوُضُوءِ عَنِ الصَّلاةِ، وأنَّهُ باطِلٌ بِالإجْماعِ.
الثّانِي: أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَوْ غَسَلَ الأعْضاءَ قَبْلَ الصَّلاةِ قاعِدًا أوْ مُضْطَجِعًا لَكانَ قَدْ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إذا شَمَّرْتُمْ
صفحة ١١٩
لِلْقِيامِ إلى الصَّلاةِ وأرَدْتُمْ ذَلِكَ، وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ مَشْهُورٌ مُتَعارَفٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإرادَةَ الجازِمَةَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الفِعْلِ، وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ مَجازٌ مَشْهُورٌ.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ [النِّساءِ: ٣٤] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ القِيامَ الَّذِي هو الِانْتِصابُ، يُقالُ: فُلانٌ قائِمٌ بِذَلِكَ الأمْرِ، قالَ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ البَتَّةَ الِانْتِصابَ، بَلِ المُرادُ كَوْنُهُ مُرِيدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مُتَهَيِّئًا لَهُ مُسْتَعِدًّا لِإدْخالِهِ في الوُجُودِ، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ مَعْناهُ إذا أرَدْتُمْ أداءَ الصَّلاةِ والِاشْتِغالَ بِإقامَتِها.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ قَوْمٌ: الأمْرُ بِالوُضُوءِ تَبَعٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، الشَّرْطُ فِيها القِيامُ إلى الصَّلاةِ، والجَزاءُ الأمْرُ بِالغَسْلِ، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّيْءِ بِحَرْفِ الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ بِالوُضُوءِ تَبَعٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ. وقالَ آخَرُونَ: المَقْصُودُ مِنَ الوُضُوءِ الطَّهارَةُ، والطَّهارَةُ مَقْصُودَةٌ بِذاتِها بِدَلِيلِ القُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وأمّا الحَدِيثُ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«بُنِيَ الدِّينُ عَلى النَّظافَةِ» “ وقالَ: ”«أُمَّتِي غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ يَوْمَ القِيامَةِ» “ ولِأنَّ الأخْبارَ الكَثِيرَةَ وارِدَةٌ في كَوْنِ الوُضُوءِ سَبَبًا لِغُفْرانِ الذُّنُوبِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ داوُدُ: يَجِبُ الوُضُوءُ لِكُلِّ صَلاةٍ، وقالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: لا يَجِبُ. احْتَجَّ داوُدُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ لَفْظِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ قِيامًا واحِدًا وصَلاةً واحِدَةً، فَيَكُونَ المُرادُ مِنهُ الخُصُوصَ، أوْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العُمُومَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَصِيرُ الآيَةُ مُجْمَلَةً لِأنَّ تَعْيِينَ تِلْكَ المَرَّةِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى الإجْمالِ إخْراجٌ لَها عَنِ الفائِدَةِ، وذَلِكَ خِلافُ الأصْلِ.
وثانِيها: أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ، ومِن شَأْنِهِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، وذَلِكَ يُوجِبُ العُمُومَ.
وثالِثُها: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالوُضُوءِ غَيْرُ مَقْصُورٍ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَرَّةٍ واحِدَةٍ ولا عَلى شَخْصٍ واحِدٍ، وإذا بَطَلَ هَذا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ إلى الصَّلاةِ، إذْ لَوْ لَمْ تُحْمَلْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا المَحْمَلِ لَزِمَ احْتِياجُ هَذِهِ الآيَةِ في دَلالَتِها عَلى ما هو مُرادُ اللَّهِ تَعالى إلى سائِرِ الدَّلائِلِ، فَتَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ وحْدَها مُجْمَلَةً، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ إلى الصَّلاةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنّا نَسْتَفِيدُ هَذا العُمُومَ مِن إيماءِ اللَّفْظِ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلاةَ اشْتِغالٌ بِخِدْمَةِ المَعْبُودِ، والِاشْتِغالُ بِالخِدْمَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِأقْصى ما يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْظِيمِ، ومِن وُجُوهِ التَّعْظِيمِ كَوْنُهُ آتِيًا بِالخِدْمَةِ حالَ كَوْنِهِ في غايَةِ النَّظافَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تَجْدِيدَ الوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ إلى الصَّلاةِ مُبالَغَةٌ في النَّظافَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ المُناسِبِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ لِعُمُومِهِ، فَيَلْزَمُ وُجُوبُ الوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ إلى الصَّلاةِ. ثُمَّ قالَ داوُدُ: ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ ورَدَ في القِراءَةِ الشّاذَّةِ: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ وأنْتُمْ مُحْدِثُونَ، أوْ يُقالُ: إنّا نَتْرُكُ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ لِوُرُودِ خَبَرِ الواحِدِ عَلى خِلافِهِ، قالَ: أمّا القِراءَةُ الشّاذَّةُ فَمَرْدُودَةٌ قَطْعًا، لِأنّا إنْ جَوَّزْنا ثُبُوتَ قُرْآنٍ غَيْرِ مَنقُولٍ بِالتَّواتُرِ لَزِمَ الطَّعْنُ في كُلِّ القُرْآنِ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّ القُرْآنَ كانَ أكْثَرَ مِمّا هو الآنَ بِكَثِيرٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وأيْضًا فَلِأنَّ
صفحة ١٢٠
مَعْرِفَةَ أحْوالِ الوُضُوءِ مِن أعْظَمِ ما عَمَّ بِهِ البَلْوى، ومِن أشَدِّ الأُمُورِ الَّتِي يَحْتاجُ كُلُّ أحَدٍ إلى مَعْرِفَتِها، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ قُرْآنًا لامْتَنَعَ بَقاؤُهُ في حَيِّزِ الشُّذُوذِ، وأمّا التَّمَسُّكُ بِخَبَرِ الواحِدِ فَقالَ: هَذا يَقْتَضِي نَسْخَ القُرْآنِ بِالخَبَرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. قالَ الفُقَهاءُ: إنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ لا تُفِيدُ العُمُومَ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ قالَ لِامْرَأتِهِ: إذا دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ فَدَخَلَتْ مَرَّةً طُلِّقَتْ، ثُمَّ لَوْ دَخَلَتْ ثانِيًا لَمْ تُطَلَّقْ ثانِيًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ لا تُفِيدُ العُمُومَ، وأيْضًا إنَّ السَّيِّدَ إذا قالَ لِعَبْدِهِ: إذا دَخَلْتَ السُّوقَ فادْخُلْ عَلى فُلانٍ وقُلْ لَهُ كَذا وكَذا، فَهَذا لا يُفِيدُ الأمْرَ بِالفِعْلِ إلّا مَرَّةً واحِدَةً.
واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ داوُدَ في مَسْألَةِ الطَّلاقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ فَلَعَلَّهُ يَلْتَزِمُ العُمُومَ، وأيْضًا فَلَهُ أنْ يَقُولَ: إنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ في هَذِهِ الآيَةِ تُفِيدُ العُمُومَ لِأنَّ التَّكالِيفَ الوارِدَةَ في القُرْآنِ مَبْناها عَلى التَّكْرِيرِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْتُمْ، فَإنَّ القَرائِنَ الظّاهِرَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مَبْنى الأمْرِ فِيها عَلى التَّكْرِيرِ، وأمّا الفُقَهاءُ فَإنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ إلّا يَوْمَ الفَتْحِ فَإنَّهُ صَلّى الصَّلَواتِ كُلَّها بِوُضُوءٍ واحِدٍ. قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فَقُلْتُ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: عَمْدًا فَعَلْتُ ذَلِكَ يا عُمَرُ» .
أجابَ داوُدُ بِأنّا ذَكَرْنا أنَّ خَبَرَ الواحِدِ لا يَنْسَخُ القُرْآنَ، وأيْضًا فَهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ مُواظِبًا عَلى تَجْدِيدِ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ، وهَذا يَقْتَضِي وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لِقَوْلِهِ تَعالى: (فاتَّبِعُوهُ) بَقِيَ أنْ يُقالَ: قَدْ جاءَ في هَذا الخَبَرِ أنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَنَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ فالتَّرْجِيحُ مَعَنا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: هَبْ أنَّ التَّجْدِيدَ لِكُلِّ صَلاةٍ لَيْسَ بِواجِبٍ لَكِنَّهُ مَندُوبٌ، والظّاهِرُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ يَزِيدُ في يَوْمِ الفَتْحِ في الطّاعاتِ ولا يَنْقُصُ مِنها، لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ هو يَوْمُ إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وزِيادَةُ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ تُناسِبُ زِيادَةَ الطّاعاتِ لا نُقْصانَها.
والثّانِي: أنَّ الِاحْتِياطَ لا شَكَّ أنَّهُ مِن جانِبِنا فَيَكُونُ راجِحًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ» “ .
الثّالِثُ: أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ أوْلى مِن خَبَرِ الواحِدِ.
والرّابِعُ: أنَّ دَلالَةَ القُرْآنِ عَلى قَوْلِنا لَفْظِيَّةٌ، ودَلالَةَ الخَبَرِ الَّذِي رَوَيْتُمْ عَلى قَوْلِكم فِعْلِيَّةٌ، والدَّلالَةُ القَوْلِيَّةُ أقْوى مِنَ الدَّلالَةِ الفِعْلِيَّةِ، لِأنَّ الدَّلالَةَ القَوْلِيَّةَ غَنِيَّةٌ عَنِ الفِعْلِيَّةِ ولا يَنْعَكِسُ، فَهَذا ما في هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. والأقْوى في إثْباتِ المَذْهَبِ المَشْهُورِ أنْ يُقالَ: لَوْ وجَبَ الوُضُوءُ لِكُلِّ صَلاةٍ لَكانَ المُوجِبُ لِلْوُضُوءِ هو القِيامَ إلى الصَّلاةِ ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ تَأْثِيرٌ في إيجابِ الوُضُوءِ، لَكِنَّ ذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أوْجَبَ التَّيَمُّمَ عَلى المُتَغَوِّطِ والمُجامِعِ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَبَبًا لِوُجُوبِ الطَّهارَةِ عِنْدَ وُجُودِ الماءِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وُجُوبُ الوُضُوءِ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبٍ آخَرَ سِوى القِيامِ إلى الصَّلاةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هَلْ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ الوُضُوءِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ ؟ والأصَحُّ أنَّها تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَلَّقَ فِعْلَ الصَّلاةِ عَلى الطَّهُورِ بِالماءِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَتى عُدِمَ لا تَصِحُّ إلّا بِالتَّيَمُّمِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لَما صَحَّ ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِالصَّلاةِ مَعَ الوُضُوءِ، فالآتِي بِالصَّلاةِ بِدُونِ الوُضُوءِ تارِكٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وتارِكُ المَأْمُورِ بِهِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ، ولا مَعْنى لِلْبَقاءِ في عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ إلّا ذَلِكَ، فَإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ كَوْنُ الوُضُوءِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: النِّيَّةُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الوُضُوءِ والغُسْلِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ
صفحة ١٢١
اللَّهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسْتَدِلُّ لِذَلِكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ.
أمّا الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإنَّهُ قالَ: الوُضُوءُ مَأْمُورٌ بِهِ، وكُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا فالوُضُوءُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ شَرْطًا لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الوُضُوءَ مَأْمُورٌ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ”فاغْسِلُوا وامْسَحُوا“ أمْرٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيِّنَةِ: ٥] واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِيَعْبُدُوا) ظاهِرٌ لِلتَّعْلِيلِ، لَكِنَّ تَعْلِيلَ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الباءِ لِما عُرِفَ مِن جَوازِ إقامَةِ حُرُوفِ الجَرِّ بَعْضِها مَقامَ بَعْضٍ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما أُمِرُوا إلّا بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، والإخْلاصُ عِبارَةٌ عَنِ النِّيَّةِ الخالِصَةِ، ومَتى كانَتِ النِّيَّةُ الخالِصَةُ مُعْتَبَرَةً كانَ أصْلُ النِّيَّةِ مُعْتَبَرًا. وقَدْ حَقَّقْنا الكَلامَ في هَذا الدَّلِيلِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ في طَلَبِ زِيادَةِ الإتْقانِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كُلَّ وُضُوءٍ مَأْمُورٌ بِهِ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا، فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ كُلَّ وُضُوءٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا أقْصى ما في البابِ أنَّ قَوْلَنا: كُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا مَخْصُوصٌ في بَعْضِ الصُّوَرِ، لَكِنّا إنَّما أثْبَتْنا هَذِهِ المُقَدِّمَةَ بِعُمُومِ النَّصِّ، والعامُّ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ.
وأمّا أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإنَّهُ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الوُضُوءِ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ غَسْلَ الأعْضاءِ الأرْبَعَةِ في هَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يُوجِبِ النِّيَّةَ فِيها، فَإيجابُ النِّيَّةِ زِيادَةٌ عَلى النَّصِّ، والزِّيادَةُ عَلى النَّصِّ نَسْخٌ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ وبِالقِياسِ لا يَجُوزُ.
وجَوابُنا: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ إنَّما أوْجَبْنا النِّيَّةَ في الوُضُوءِ بِدَلالَةِ القُرْآنِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: التَّرْتِيبُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الوُضُوءِ، وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: لَيْسَ كَذَلِكَ، احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ الِابْتِداءِ بِغَسْلِ الوَجْهِ لِأنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وإذا وجَبَ التَّرْتِيبُ في هَذا العُضْوِ وجَبَ في غَيْرِهِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
فَإنْ قالُوا: فاءُ التَّعْقِيبِ إنَّما دَخَلَتْ في جُمْلَةِ هَذِهِ الأعْمالِ فَجَرى الكَلامُ مَجْرى أنْ يُقالَ: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَأْتُوا بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأفْعالِ.
قُلْنا: فاءُ التَّعْقِيبِ إنَّما دَخَلَتْ عَلى الوَجْهِ لِأنَّ هَذِهِ الفاءَ مُلْتَصِقَةٌ بِذِكْرِ الوَجْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الفاءَ بِواسِطَةِ دُخُولِها عَلى الوَجْهِ دَخَلَتْ عَلى سائِرِ الأعْمالِ، وعَلى هَذا دُخُولُ الفاءِ في غَسْلِ الوَجْهِ أصْلٌ، ودُخُولُها عَلى مَجْمُوعِ هَذِهِ الأفْعالِ تَبَعٌ لِدُخُولِها عَلى غَسْلِ الوَجْهِ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ إيجابِ تَقْدِيمِ غَسْلِ الوَجْهِ وبَيْنَ إيجابِ مَجْمُوعِ هَذِهِ الأفْعالِ، فَنَحْنُ اعْتَبَرْنا دَلالَةَ هَذِهِ الفاءِ في الأصْلِ والتَّبَعِ، وأنْتُمْ ألْغَيْتُمُوها في الأصْلِ واعْتَبَرْتُمُوها في التَّبَعِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ: وقَعَتِ البَداءَةُ في الذِّكْرِ بِالوَجْهِ، فَوَجَبَ أنْ تَقَعَ البَداءَةُ بِهِ في العَمَلِ لِقَوْلِهِ:
صفحة ١٢٢
﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هُودٍ: ١١٢] ولِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» “ وهَذا الخَبَرُ وإنْ ورَدَ في قِصَّةِ الصَّفا والمَرْوَةَ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ مَخْصُوصٌ في بَعْضِ الصُّوَرِ لَكِنَّ العامَّ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأعْضاءَ لا عَلى وفْقِ التَّرْتِيبِ المُعْتَبَرِ في الحِسِّ، ولا عَلى وفْقِ التَّرْتِيبِ المُعْتَبَرِ في الشَّرْعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّرْتِيبَ واجِبٌ.
بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى أنَّ التَّرْتِيبَ المُعْتَبَرَ في الحِسِّ أنْ يَبْدَأ مِنَ الرَّأْسِ نازِلًا إلى القَدَمِ، أوْ مِنَ القَدَمِ صاعِدًا إلى الرَّأْسِ، والتَّرْتِيبُ المَذْكُورُ في الآيَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأمّا التَّرْتِيبُ المُعْتَبَرُ في الشَّرْعِ فَهو أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الأعْضاءِ المَغْسُولَةِ، ويُفْرِدَ المَمْسُوحَةَ عَنْها، والآيَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى أدْرَجَ المَمْسُوحَ في أثْناءِ المَغْسُولاتِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّرْتِيبَ واجِبٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ إهْمالَ التَّرْتِيبِ في الكَلامِ مُسْتَقْبَحٌ، فَوَجَبَ تَنْزِيهُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ فِيما إذا صارَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ واجِبٌ، فَيَبْقى في غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ عَلى وفْقِ الأصْلِ.
الرّابِعُ: أنَّ إيجابَ الوُضُوءِ غَيْرُ مَعْقُولِ المَعْنى، وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الإتْيانِ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ورَدَ في النَّصِّ.
بَيانُ المَقامِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الحَدَثَ يَخْرُجُ مِن مَوْضِعٍ والغَسْلَ يَجِبُ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ وهو خِلافُ المَعْقُولِ.
وثانِيها: أنَّ أعْضاءَ المُحْدِثِ طاهِرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وكَلِمَةُ إنَّما لِلْحَصْرِ، وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ حَيًّا ولا مَيِّتًا» “ وتَطْهِيرُ الطّاهِرِ مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّ الشَّرْعَ أقامَ التَّيَمُّمَ مَقامَ الوُضُوءِ، ولا شَكَّ أنَّهُ ضِدُّ النَّظافَةِ والوَضاءَةِ.
ورابِعُها: أنَّ الشَّرْعَ أقامَ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ مَقامَ الغَسْلِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُفِيدُ البَتَّةَ في نَفْسِ العُضْوِ نَظافَةً.
وخامِسُها: أنَّ الماءَ الكَدِرَ العَفِنَ يُفِيدُ الطَّهارَةَ، وماءَ الوَرْدِ لا يُفِيدُها، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ الوُضُوءَ غَيْرُ مَعْقُولِ المَعْنى، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ الِاعْتِمادُ فِيهِ عَلى مَوْرِدِ النَّصِّ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ التَّرْتِيبُ المَذْكُورُ مُعْتَبَرًا إمّا لِمَحْضِ التَّعَبُّدِ أوْ لِحِكَمٍ خَفِيَّةٍ لا نَعْرِفُها، فَلِهَذا السَّبَبِ أوْجَبْنا رِعايَةَ التَّرْتِيبِ المُعْتَبَرِ المَذْكُورِ في أرْكانِ الصَّلاةِ، بَلْ هَهُنا أوْلى، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أرْكانَ الصَّلاةِ في كِتابِهِ مُرَتَّبَةً وذَكَرَ أعْضاءَ الوُضُوءِ في هَذِهِ الآيَةِ مَرْتَبَةً فَلَمّا وجَبَ التَّرْتِيبُ هُناكَ فَهَهُنا أوْلى.
واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِ فَقالَ: الواوُ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فَكانَتِ الآيَةُ خالِيَةً عَنْ إيجابِ التَّرْتِيبِ، فَلَوْ قُلْنا بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ كانَ ذَلِكَ زِيادَةً عَلى النَّصِّ، وهو نَسْخٌ وهو غَيْرُ جائِزٍ.
وجَوابُنا: أنّا بَيَّنّا دَلالَةَ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ مِن جِهاتٍ أُخَرَ غَيْرِ التَّمَسُّكِ بِأنَّ الواوَ تُوجِبُ التَّرْتِيبَ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: مُوالاةُ أفْعالِ الوُضُوءِ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ في القَوْلِ الجَدِيدِ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّهُ شَرْطٌ.
لَنا أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ هَذِهِ الأعْمالَ، ولا شَكَّ أنَّ إيجابَها قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ إيجابِها عَلى سَبِيلِ المُوالاةِ وإيجابِها عَلى سَبِيلِ التَّراخِي ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكَمَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ هَذا القَدْرَ يُفِيدُ حُصُولَ الطَّهارَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَثَبَتَ أنَّ الوُضُوءَ بِدُونِ المُوالاةِ يُفِيدُ حُصُولَ الطَّهارَةِ، فَوَجَبَ أنْ نَقُولَ بِجَوازِ الصَّلاةِ بِها لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«مِفْتاحُ الصَّلاةِ الطَّهارَةُ» “ .
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الخارِجُ مِن غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ، وقالَ الشّافِعِيُّ
صفحة ١٢٣
- رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا يَنْقُضُ.
احْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ظاهِرُها يَقْتَضِي الإتْيانَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ عَلى ما بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ عِنْدَما لَمْ يَخْرُجِ الخارِجُ النَّجِسُ مِنَ البَدَنِ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَ خُرُوجِ الخارِجِ النَّجِسِ، والشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَوَّلَ عَلى ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وصَلّى ولَمْ يَزِدْ عَلى غَسْلِ أثَرِ مَحاجِمِهِ» .
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا وُضُوءَ في الخارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ إذا كانَ غَيْرَ مُعْتادٍ وسَلَّمَ في دَمِ الِاسْتِحاضَةِ، وقالَ رَبِيعَةُ: لا وُضُوءَ أيْضًا في دَمِ الِاسْتِحاضَةِ، لَنا التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: القَهْقَهَةُ في الصَّلاةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الرُّكُوعِ والسُّجُودِ تَنْقُضُ الوُضُوءَ، وقالَ الباقُونَ: لا تَنْقُضُ، ولِأبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى ما قَرَّرْناهُ.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَمْسُ المَرْأةِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يَنْقُضُهُ، لِلشّافِعِيِّ أنْ يَتَمَسَّكَ بِعُمُومِ الآيَةِ، قالَ: وهَذا العُمُومُ مُتَأكِّدٌ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ وحُجَّةُ الخَصْمِ خَبَرُ واحِدٍ، أوْ قِياسٌ، فَلا يَصِيرُ مُعارِضًا لَهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَسُّ الفَرْجِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يَنْقُضُهُ، لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنْ يَتَمَسَّكَ بِعُمُومِ الآيَةِ، وهَذا العُمُومُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«مَن مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» “ والخَبَرُ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ الخَصْمُ عَلى خِلافِ عُمُومِ الآيَةِ فَكانَ التَّرْجِيحُ مَعَنا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: لَوْ كانَ عَلى بَدَنِهِ أوْ وجْهِهِ نَجاسَةٌ فَغَسَلَها ونَوى الطَّهارَةَ عَنِ الحَدَثِ بِذَلِكَ الغَسْلِ هَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ ؟ ما رَأيْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ مَوْضُوعَةً في كُتُبِ أصْحابِنا. والَّذِي أقُولُهُ: إنَّهُ يَكْفِي لِأنَّهُ أمَرَ بِالغَسْلِ في قَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا﴾ وقَدْ أتى بِهِ فَيَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ لِأنَّهُ عِنْدَ احْتِياجِهِ إلى التَّبَرُّدِ والتَّنَظُّفِ لَوْ نَوى فَإنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ، كَذا هَهُنا. وأيْضًا قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» “ وهَذا الإنْسانُ نَوى فَيَجِبُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ المَنوِيُّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَوْ وقَفَ تَحْتَ مِيزابٍ حَتّى سالَ عَلَيْهِ الماءُ ونَوى رَفْعَ الحَدَثِ هَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ أمْ لا ؟ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ أمَرَ بِالغَسْلِ، والغَسْلُ عَمَلٌ وهو لَمْ يَأْتِ بِالعَمَلِ، ويُمْكِنْ أنْ يُقالَ: يَصِحُّ لِأنَّ الغَسْلَ عِبارَةٌ عَنِ الفِعْلِ المُفْضِي إلى الِانْغِسالِ، والوُقُوفُ تَحْتَ المِيزابِ يُفْضِي إلى الِانْغِسالِ فَكانَ ذَلِكَ الوُقُوفُ غَسْلًا.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: إذا غَسَلَ هَذِهِ الأعْضاءَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَقَشَّرَتِ الجِلْدَةُ عَنْها فَلا شَكَّ أنَّ ما ظَهَرَ تَحْتَ الجَلْدَةِ غَيْرُ مَغْسُولٍ، إنَّما المَغْسُولُ هو تِلْكَ الجَلْدَةُ وقَدْ تَقَلَّصَتْ وسَقَطَتْ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: الغَسْلُ عِبارَةٌ عَنْ إمْرارِ الماءِ عَلى العُضْوِ، فَلَوْ رَطَّبَ هَذِهِ الأعْضاءَ، ولَكِنْ ما سالَ الماءُ عَلَيْها لَمْ يَكْفِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِإمْرارِ الماءِ عَلى العُضْوِ، وفي غُسْلِ الجَنابَةِ احْتِمالٌ أنْ يَكْفِيَ ذَلِكَ، والفَرْقُ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ في الوُضُوءِ الغَسْلُ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ إمْرارِ الماءِ، وفي الجَنابَةِ المَأْمُورُ بِهِ الطُّهْرُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وذَلِكَ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ التَّرْطِيبِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَوْ أخَذَ الثَّلْجَ وأمَرَّهُ عَلى وجْهِهِ، فَإنْ كانَ الهَواءُ حارًّا يُذِيبُ الثَّلْجَ ويُسِيلُ
صفحة ١٢٤
جازَ، وإنْ كانَ بِخِلافِهِ لَمْ يَجُزْ خِلافًا لِمالِكٍ والأوْزاعِيِّ. لَنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاغْسِلُوا﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِالغَسْلِ، وهَذا لا يُسَمّى غَسْلًا، فَوَجَبَ أنْ لا يُجْزِي.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: التَّثْلِيثُ في أعْمالِ الوُضُوءِ سُنَّةٌ لا واجِبٌ، إنَّما الواجِبُ هو المَرَّةُ الواحِدَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالغَسْلِ فَقالَ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ﴾ وماهِيَّةُ الغَسْلِ تَدْخُلُ في الوُجُودِ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَتَّبَ عَلى هَذا القَدْرِ حُصُولَ الطِّهارَةِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ فَثَبَتَ أنَّ المَرَّةَ الواحِدَةَ كافِيَةٌ في صِحَّةِ الوُضُوءِ ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا بِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ «تَوَضَّأ مَرَّةً ثُمَّ قالَ: هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» .
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ: السِّواكُ سُنَّةٌ، وقالَ داوُدُ: واجِبٌ ولَكِنْ تَرْكُهُ لا يَقْدَحُ في الصَّلاةِ. لَنا أنَّ السِّواكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، ثُمَّ حَكَمَ بِحُصُولِ الطَّهارَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ وإذا حَصَلَتِ الطَّهارَةُ حَصَلَ جَوازُ الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«مِفْتاحُ الصَّلاةِ الطَّهارَةُ» “ .
* * *
المَسْألَةُ العِشْرُونَ: التَّسْمِيَةُ في أوَّلِ الوُضُوءِ سُنَّةٌ، وقالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ: واجِبَةٌ، وإنْ تَرَكَها عامِدًا بَطَلَتِ الطَّهارَةُ، لَنا أنَّ التَّسْمِيَةَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ، ثُمَّ حَكَمَ بِحُصُولِ الطَّهارَةِ، وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الدَّلالَةِ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا بِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«مَن تَوَضَّأ فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ ومَن تَوَضَّأ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ طَهُورًا لِأعْضاءِ وُضُوئِهِ» “ .
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةُ والعِشْرُونَ: قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: تَقْدِيمُ غَسْلِ اليَدَيْنِ عَلى الوُضُوءِ واجِبٌ، وعِنْدَنا أنَّهُ سُنَّةٌ ولَيْسَ بِواجِبٍ، والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ كَما قَرَّرْناهُ في السِّواكِ وفي التَّسْمِيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ والعِشْرُونَ: حَدُّ الوَجْهِ مِن مَبْدَأِ سَطْحِ الجَبْهَةِ إلى مُنْتَهى الذَّقَنِ طُولًا، ومِنَ الأُذُنِ إلى الأُذُنِ عَرْضًا، ولَفْظُ الوَجْهِ مَأْخُوذٌ مِنَ المُواجَهَةِ فَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ ذَلِكَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى داخِلِ العَيْنِ، وقالَ الباقُونَ لا يَجِبُ، حُجَّةُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ وجَبَ غَسْلُ كُلِّ الوَجْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والعَيْنُ جُزْءٌ مِنَ الوَجْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ غَسْلُهُ. حُجَّةُ الفُقَهاءِ أنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ ولا شَكَّ أنَّ في إدْخالِ الماءِ في العَيْنِ حَرَجًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ والعِشْرُونَ: المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ لا يَجِبانِ في الوُضُوءِ والغُسْلِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وعِنْدَ أحْمَدَ وإسْحاقَ رَحِمَهُما اللَّهُ واجِبانِ فِيهِما، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - واجِبٌ في الغُسْلِ، غَيْرُ واجِبٍ في الوُضُوءِ. لَنا أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ غَسْلَ الوَجْهِ، والوَجْهُ هو الَّذِي يَكُونُ مُواجِهًا وداخِلَ الأنْفِ، والفَمُ غَيْرُ مُواجِهٍ فَلا يَكُونُ مِنَ الوَجْهِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيصالُ الماءِ إلى الأعْضاءِ الأرْبَعَةِ يُفِيدُ الطَّهارَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ والطَّهارَةُ تُفِيدُ جَوازَ الصَّلاةِ كَما بَيَّنّاهُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ والعِشْرُونَ: غَسْلُ البَياضِ الَّذِي بَيْنَ العِذارِ والأُذُنِ واجِبٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ والشّافِعِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، وقالَ أبُو يُوسُفَ -رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يَجِبُ، لَنا أنَّهُ مِنَ الوَجْهِ، والوَجْهُ يَجِبُ غَسْلُهُ بِالآيَةِ،
صفحة ١٢٥
ولِأنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ قَبْلَ نَباتِ الشَّعْرِ، فَحَيْلُولَةُ الشَّعْرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَجْهِ لا تَسْقُطُ كالجَبْهَةِ لَمّا وجَبَ غَسْلُها قَبْلَ نَباتِ شَعْرِ الحاجِبِ وجَبَ أيْضًا بَعْدَهُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ والعِشْرُونَ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تَحْتَ اللِّحْيَةِ الخَفِيفَةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا يَجِبُ. لَنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يُوجِبُ غَسْلَ الوَجْهِ، والوَجْهُ اسْمٌ لِلْجِلْدَةِ المُمْتَدَّةِ مِنَ الجَبْهَةِ إلى الذَّقَنِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ كَثافَةِ اللِّحْيَةِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ وعِنْدَ خِفَّةِ اللِّحْيَةِ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الحَرَجُ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى وُجُوبِ غَسْلِهِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ والعِشْرُونَ: هَلْ يَجِبُ إمْرارُ الماءِ عَلى ما نَزَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَنْ حَدِّ الوَجْهِ وعَلى الخارِجِ مِنها إلى الأُذُنَيْنِ عَرْضًا ؟ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَجِبُ.
والثّانِي: أنَّهُ لا يَجِبُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والمُزَنِيِّ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّ في اللِّحْيَةِ الكَثِيفَةِ لا يَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى مَنابِتِ الشُّعُورِ وهي الجِلْدُ، وإنَّما أسْقَطْنا هَذا التَّكْلِيفَ لِأنّا أقَمْنا ظاهِرَ اللِّحْيَةِ مَقامَ جِلْدَةِ الوَجْهِ في كَوْنِهِ وجْهًا، وإذا كانَ ظاهِرُ اللِّحْيَةِ يُسَمّى وجْهًا والوَجْهُ يَجِبُ غَسْلُهُ بِالتَّمامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ لَزِمَ بِحُكْمِ هَذا الدَّلِيلِ إيصالُ الماءِ إلى ظاهِرِ جَمِيعِ اللِّحْيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ والعِشْرُونَ: لَوْ نَبَتَ لِلْمَرْأةِ لِحْيَةٌ يَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى جِلْدَةِ الوَجْهِ وإنْ كانَتْ تِلْكَ اللِّحْيَةُ كَثِيفَةً، وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ غَسْلِ الوَجْهِ، والوَجْهُ عِبارَةٌ عَنِ الجِلْدَةِ المُمْتَدَّةِ مِن مَبْدَأِ الجَبْهَةِ إلى مُنْتَهى الذَّقَنِ، تَرَكْنا العَمَلَ بِهِ في حَقِّ الرِّجالِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، ولِحْيَةُ المَرْأةِ نادِرَةٌ فَتَبْقى عَلى الأصْلِ.
واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تَحْتَ الشَّعْرِ الكَثِيفِ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: العَنْفَقَةُ، والحاجِبانِ، والشّارِبانِ، والعِذارانِ، وأهْدابُ العَيْنَيْنِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ غَسْلِ كُلِّ جِلْدِ الوَجْهِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في اللِّحْيَةِ الكَثِيفَةِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وهَذِهِ الشُّعُورُ خَفِيفَةٌ فَلا حَرَجَ في إيصالِ الماءِ إلى الجِلْدَةِ، فَوَجَبَ أنْ تَبْقى عَلى الأصْلِ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ والعِشْرُونَ: قالَ الشَّعْبِيُّ: ما أقْبَلَ مِنَ الأُذُنِ مَعْدُودٌ مِنَ الوَجْهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ مَعَ الوَجْهِ، وما أدْبَرَ مِنهُ فَهو مَعْدُودٌ مِنَ الرَّأْسِ فَيُمْسَحُ، وعِنْدَنا الأُذُنُ لَيْسَتِ البَتَّةَ مِنَ الوَجْهِ إذِ الوَجْهُ ما بِهِ المُواجَهَةُ، والأُذُنُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
* * *
المَسْألَةُ الثَّلاثُونَ: قالَ الجُمْهُورُ: غَسْلُ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ واجِبٌ مَعَهُما، وقالَ مالِكٌ وزُفَرُ رَحِمَهُما اللَّهُ: لا يَجِبُ غَسْلُ المِرْفَقَيْنِ، وهَذا الخِلافُ حاصِلٌ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ حُجَّةُ زُفَرَ أنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، وما يُجْعَلُ غايَةً لِلْحُكْمِ يَكُونُ خارِجًا عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٧] فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ غَسْلُ المِرْفَقَيْنِ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ حَدَّ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ مُنْفَصِلًا عَنِ المَحْدُودِ بِمَقْطَعٍ مَحْسُوسٍ، وهَهُنا يَكُونُ الحَدُّ خارِجًا عَنِ المَحْدُودِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ فَإنَّ النَّهارَ مُنْفَصِلٌ عَنِ اللَّيْلِ انْفِصالًا مَحْسُوسًا لِأنَّ انْفِصالَ النُّورِ عَنِ الظُّلْمَةِ مَحْسُوسٌ، وقَدْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ كَقَوْلِكَ: بِعْتُكَ هَذا الثَّوْبَ مِن هَذا الطَّرَفِ إلى ذَلِكَ الطَّرَفِ، فَإنَّ طَرَفَ الثَّوْبِ غَيْرُ مُنْفَصِلٍ عَنِ الثَّوْبِ بِمَقْطَعٍ مَحْسُوسٍ.
صفحة ١٢٦
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ امْتِيازَ المِرْفَقِ عَنِ السّاعِدِ لَيْسَ لَهُ مَفْصِلٌ مُعَيَّنٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ إيجابُ الغَسْلِ إلى جُزْءٍ أوْلى مِن إيجابِهِ إلى جُزْءٍ آخَرَ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِإيجابِ غَسْلِ كُلِّ المِرْفَقِ.
الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ: سَلَّمْنا أنَّ المِرْفَقَ لا يَجِبُ غَسْلُهُ، لَكِنَّ المِرْفَقَ اسْمٌ لِما جاوَزَ طَرَفَ العَظْمِ، فَإنَّهُ هو المَكانُ الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ أيْ: يُتَّكَأُ عَلَيْهِ، ولا نِزاعَ في أنَّ ما وراءَ طَرَفِ العَظْمِ لا يَجِبُ غَسْلُهُ، وهَذا الجَوابُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةُ والثَّلاثُونَ: الرَّجُلُ إنْ كانَ أقْطَعَ، فَإنْ كانَ أقْطَعَ مِمّا دُونَ المِرْفَقِ وجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ ما بَقِيَ مِنَ المِرْفَقِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ غَسْلِ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، فَإذا سَقَطَ بَعْضُهُ بِالقَطْعِ وجَبَ غَسْلُ الباقِي بِحُكْمِ الآيَةِ، وأمّا إنْ كانَ أقْطَعَ مِمّا فَوْقَ المِرْفَقَيْنِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ لِأنَّ مَحَلَّ هَذا التَّكْلِيفِ لَمْ يَبْقَ أصْلًا، وأمّا إذا كانَ أقْطَعَ مِنَ المِرْفَقِ قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجِبُ إمْساسُ الماءِ لِطَرَفِ العَظْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ غَسْلَ المِرْفَقِ لَمّا كانَ واجِبًا والمِرْفَقُ عِبارَةٌ عَنْ مُلْتَقى العَظْمَيْنِ، فَإذا وجَبَ إمْساسُ الماءِ لِمُلْتَقى العَظْمَيْنِ وجَبَ إمْساسُ الماءِ لِطَرَفِ العَظْمِ الثّانِي لا مَحالَةَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ والثَّلاثُونَ: تَقْدِيمُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى مَندُوبٌ ولَيْسَ بِواجِبٍ، وقالَ أحْمَدُ: هو واجِبٌ. لَنا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأيْدِيَ والأرْجُلَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَقْدِيمَ اليُمْنى عَلى اليُسْرى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ هو غَسْلُ اليَدَيْنِ بِأيِّ صِفَةٍ كانَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ والثَّلاثُونَ: السُّنَّةُ أنْ يُصَبَّ الماءُ عَلى الكَفِّ بِحَيْثُ يَسِيلُ الماءُ مِنَ الكَفِّ إلى المِرْفَقِ، فَإنْ صَبَّ الماءَ عَلى المِرْفَقِ حَتّى سالَ الماءُ إلى الكَفِّ، فَقالَ بَعْضُهم: هَذا لا يَجُوزُ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ فَجَعَلَ المَرافِقَ غايَةَ الغَسْلِ، فَجَعَلَهُ مَبْدَأ الغَسْلِ خِلافَ الآيَةِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ. وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: أنَّهُ لا يُخِلُّ بِصِحَّةِ الوُضُوءِ إلّا أنَّهُ يَكُونُ تَرْكًا لِلسُّنَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ والثَّلاثُونَ: لَوْ نَبَتَ مِنَ المِرْفَقِ ساعِدانِ وكَفّانِ وجَبَ غَسْلُ الكُلِّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ كَما أنَّهُ لَوْ نَبَتَ عَلى الكَفِّ أُصْبُعٌ زائِدَةٌ فَإنَّهُ يَجِبُ غَسْلُها بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ والثَّلاثُونَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى المَرافِقِ﴾ يَقْتَضِي تَحْدِيدَ الأمْرِ لا تَحْدِيدَ المَأْمُورِ بِهِ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ أمْرٌ بِغَسْلِ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، فَإيجابُ الغَسْلِ مَحْدُودٌ بِهَذا الحَدِّ، فَبَقِيَ الواجِبُ هو هَذا القَدْرُ فَقَطْ، أمّا نَفْسُ الغَسْلِ فَغَيْرُ مَحْدُودٍ بِهَذا الحَدِّ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ أنَّ تَطْوِيلَ الغُرَّةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ والثَّلاثُونَ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الواجِبُ في مَسْحِ الرَّأْسِ أقَلُّ شَيْءٍ يُسَمّى مَسْحًا لِلرَّأْسِ، وقالَ مالِكٌ: يَجِبُ مَسْحُ الكُلِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الواجِبُ مَسْحُ رُبْعِ الرَّأْسِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ لَوْ قالَ: مَسَحْتُ المِندِيلَ، فَهَذا لا يُصَدَّقُ إلّا عِنْدَ مَسْحِهِ بِالكُلِّيَّةِ أمّا لَوْ قالَ: مَسَحْتُ يَدِي بِالمِندِيلِ فَهَذا يَكْفِي في صِدْقِهِ مَسْحُ اليَدَيْنِ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ المِندِيلِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ يَكْفِي في العَمَلِ بِهِ مَسْحُ اليَدِ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الرَّأْسِ، ثُمَّ ذَلِكَ الجُزْءُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ في الآيَةِ، فَإنْ أوْجَبْنا تَقْدِيرَهُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يُمْكِنْ تَعْيِينُ ذَلِكَ المِقْدارِ إلّا بِدَلِيلٍ
صفحة ١٢٧
مُغايِرٍ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَيَلْزَمُ صَيْرُورَةُ الآيَةِ مُجْمَلَةً وهو خِلافُ الأصْلِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ يَكْفِي فِيهِ إيقاعُ المَسْحِ عَلى أيِّ جُزْءٍ كانَ مِن أجْزاءِ الرَّأْسِ كانَتِ الآيَةُ مُبِيِّنَةً مُفِيدَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى مَحْمَلٍ تَبْقى الآيَةُ مَعَهُ مُفِيدَةً أوْلى مِن حَمْلِها عَلى مَحْمَلٍ تَبْقى الآيَةُ مَعَهُ مُجْمَلَةً، فَكانَ المَصِيرُ إلى ما قُلْناهُ أوْلى. وهَذا اسْتِنْباطٌ حَسَنٌ مِنَ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ والثَّلاثُونَ: لا يَجُوزُ الِاكْتِفاءُ بِالمَسْحِ عَلى العِمامَةِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ والثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ: يَجُوزُ. لَنا أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ المَسْحُ عَلى الرَّأْسِ، ومَسْحُ العِمامَةِ لَيْسَ مَسْحًا لِلرَّأْسِ واحْتَجُّوا بِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَسَحَ عَلى العِمامَةِ» .
جَوابُنا: لَعَلَّهُ مَسَحَ قَدْرَ الفَرْضِ عَلى الرَّأْسِ والبَقِيَّةَ عَلى العِمامَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ والثَّلاثُونَ: اخْتَلَفَ النّاسُ في مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ وفي غَسْلِهِما، فَنَقَلَ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وأبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ: أنَّ الواجِبَ فِيهِما المَسْحُ، وهو مَذْهَبُ الإمامِيَّةِ مِنَ الشِّيعَةِ. وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ والمُفَسِّرِينَ: فَرْضُهُما الغَسْلُ، وقالَ داوُدُ الأصْفَهانِيُّ: يَجِبُ الجَمْعُ بَيْنَهُما وهو قَوْلُ النّاصِرِ لِلْحَقِّ مِن أئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المُكَلَّفُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَسْحِ والغَسْلِ.
حُجَّةُ مَن قالَ بِوُجُوبِ المَسْحِ مَبْنِيٌّ عَلى القِراءَتَيْنِ المَشْهُورَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِالجَرِّ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِالنَّصْبِ، فَنَقُولُ: أمّا القِراءَةُ بِالجَرِّ فَهي تَقْتَضِي كَوْنَ الأرْجُلِ مَعْطُوفَةً عَلى الرُّءُوسِ، فَكَما وجَبَ المَسْحُ في الرَّأْسِ فَكَذَلِكَ في الأرْجُلِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذا كُسِرَ عَلى الجِوارِ كَما في قَوْلِهِ: ”جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ“، وقَوْلِهِ:
كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلٍ
قُلْنا: هَذا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَسْرَ عَلى الجِوارِ مَعْدُودٌ في اللَّحْنِ الَّذِي يُتَحَمَّلُ لِأجْلِ الضَّرُورَةِ في الشِّعْرِ، وكَلامُ اللَّهِ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ.
وثانِيها: أنَّ الكَسْرَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ حَيْثُ يَحْصُلُ الأمْنُ مِنَ الِالتِباسِ كَما في قَوْلِهِ: ”جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ“، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الخَرِبَ لا يَكُونُ نَعْتًا لِلضَّبِّ بَلْ لِلْجُحْرِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الأمْنُ مِنَ الِالتِباسِ غَيْرُ حاصِلٍ.
وثالِثُها: أنَّ الكَسْرَ بِالجِوارِ إنَّما يَكُونُ بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ، وأمّا مَعَ حَرْفِ العَطْفِ فَلَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ العَرَبُ، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَقالُوا أيْضًا: إنَّها تُوجِبُ المَسْحَ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ”فَرُءُوسُكم“ في مَحَلِّ النَّصْبِ ولَكِنَّها مَجْرُورَةٌ بِالباءِ، فَإذا عَطَفْتَ الأرْجُلَ عَلى الرُّءُوسِ جازَ في الأرْجُلِ النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الرُّءُوسِ، والجَرُّ عَطْفًا عَلى الظّاهِرِ، وهَذا مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ لِلنُّحاةِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظَهَرَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامِلُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ هو قَوْلَهُ: ﴿وامْسَحُوا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو قَوْلَهُ: ﴿فاغْسِلُوا﴾ لَكِنِ العامِلانِ إذا اجْتَمَعا عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ كانَ إعْمالُ الأقْرَبِ أوْلى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عامِلُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ هو قَوْلَهُ: ﴿وامْسَحُوا﴾ فَثَبَتَ أنَّ قِراءَةَ ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾
صفحة ١٢٨
بِنَصْبِ اللّامِ تُوجِبُ المَسْحَ أيْضًا، فَهَذا وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ المَسْحِ، ثُمَّ قالُوا: ولا يَجُوزُ دَفْعُ ذَلِكَ بِالأخْبارِ لِأنَّها بِأسْرِها مِن بابِ الآحادِ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ هَذا إلّا مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأخْبارَ الكَثِيرَةَ ورَدَتْ بِإيجابِ الغَسْلِ، والغَسْلُ مُشْتَمِلٌ عَلى المَسْحِ ولا يَنْعَكِسُ، فَكانَ الغَسْلُ أقْرَبَ إلى الِاحْتِياطِ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجِبُ القَطْعُ بِأنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ يَقُومُ مَقامَ مَسْحِها.
والثّانِي: أنَّ فَرْضَ الرِّجْلَيْنِ مَحْدُودٌ إلى الكَعْبَيْنِ، والتَّحْدِيدُ إنَّما جاءَ في الغَسْلِ لا في المَسْحِ، والقَوْمُ أجابُوا عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَعْبَ عِبارَةٌ عَنِ العَظْمِ الَّذِي تَحْتَ مَفْصِلِ القَدَمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَجِبُ المَسْحُ عَلى ظَهْرِ القَدَمَيْنِ.
والثّانِي: أنَّهم سَلَّمُوا أنَّ الكَعْبَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ العَظْمَيْنِ النّاتِئَيْنِ مِن جانِبَيِ السّاقِ، إلّا أنَّهُمُ التَزَمُوا أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَمْسَحَ ظُهُورَ القَدَمَيْنِ إلى هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى هَذا السُّؤالُ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ والثَّلاثُونَ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ أنَّ الكَعْبَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ العَظْمَيْنِ النّاتِئَيْنِ مِن جانِبَيِ السّاقِ، وقالَتِ الإمامِيَّةُ وكُلُّ مَن ذَهَبَ إلى وُجُوبِ المَسْحِ: إنَّ الكَعْبَ عِبارَةٌ عَنْ عَظْمٍ مُسْتَدِيرٍ - مِثْلَ كَعْبِ البَقَرِ والغَنَمِ - مَوْضُوعٍ تَحْتَ عَظْمِ السّاقِ حَيْثُ يَكُونُ مَفْصِلُ السّاقِ والقَدَمِ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . وكانَ الأصْمَعِيُّ يَخْتارُ هَذا القَوْلَ ويَقُولُ: الطَّرَفانِ النّاتِئانِ يُسَمَّيانِ المَنجِمَيْنِ. هَكَذا رَواهُ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ.
حُجَّةُ الجُمْهُورِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ الكَعْبُ ما ذَكَرَهُ الإمامِيَّةُ لَكانَ الحاصِلُ في كُلِّ رِجْلٍ كَعْبًا واحِدًا، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: ”وأرْجُلَكم إلى الكِعابِ“، كَما أنَّهُ لَمّا كانَ الحاصِلُ في كُلِّ يَدٍ مِرْفَقًا واحِدًا لا جَرَمَ قالَ: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ .
والثّانِي: أنَّ العَظْمَ المُسْتَدِيرَ المَوْضُوعَ في المَفْصِلِ شَيْءٌ خَفِيٌّ لا يَعْرِفُهُ إلّا المُشَرِّحُونَ، والعَظْمانِ النّاتِئانِ في طَرَفَيِ السّاقِ مَحْسُوسانِ مَعْلُومانِ لِكُلِّ أحَدٍ، ومَناطُ التَّكالِيفِ العامَّةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أمْرًا ظاهِرًا، لا أمْرًا خَفِيًّا.
الثّالِثُ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ألْصِقُوا الكِعابَ بِالكِعابِ» “ ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ.
الرّابِعُ: أنَّ الكَعْبَ مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّرَفِ والِارْتِفاعِ، ومِنهُ جارِيَةٌ كاعِبٌ إذا نَتَأ ثَدْياها، ومِنهُ الكَعْبُ لِكُلِّ ما لَهُ ارْتِفاعٌ.
حُجَّةُ الإمامِيَّةِ: أنَّ اسْمَ الكَعْبِ واقِعٌ عَلى العَظْمِ المَخْصُوصِ المَوْجُودِ في أرْجُلِ جَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في حَقِّ الإنْسانِ كَذَلِكَ، وأيْضًا المَفْصِلُ يُسَمّى كَعْبًا، ومِنهُ كُعُوبُ الرُّمْحِ لِمَفاصِلِهِ، وفي وسَطِ القَدَمِ مَفْصِلٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الكَعْبُ هو هو.
والجَوابُ: أنَّ مَناطَ التَّكالِيفِ الظّاهِرَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا ظاهِرًا، والَّذِي ذَكَرْناهُ أظْهَرُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الكَعْبُ هو هو.
* * *
المَسْألَةُ الأرْبَعُونَ: أثْبَتَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ جَوازَ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ. وأطْبَقَتِ الشِّيعَةُ والخَوارِجُ عَلى إنْكارِهِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ يَقْتَضِي إمّا غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ أوْ مَسْحَهُما، والمَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ لَيْسَ مَسْحًا لِلرِّجْلَيْنِ ولا غَسْلًا لَهُما، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ بِحُكْمِ نَصِّ هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ قالُوا: إنَّ القائِلِينَ بِجَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ إنَّما يُعَوِّلُونَ عَلى الخَبَرِ، لَكِنَّ الرُّجُوعَ إلى القُرْآنِ أوْلى مِنَ الرُّجُوعِ إلى هَذا الخَبَرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ نَسْخَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ المائِدَةِ، وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لا مَنسُوخَ فِيها البَتَّةَ إلّا قَوْلَهُ
صفحة ١٢٩
تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ بَعْضَهم قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ القَوْلُ بِأنَّ وُجُوبَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مَنسُوخٌ.
والثّالِثُ: أنَّ خَبَرَ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى نُزُولِ الآيَةِ كانَ خَبَرُ الواحِدِ مَنسُوخًا بِالقُرْآنِ، ولَوْ كانَ بِالعَكْسِ كانَ خَبَرُ الواحِدِ ناسِخًا لِلْقُرْآنِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أوْلى لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ تَرْجِيحَ القُرْآنِ المُتَواتِرِ عَلى خَبَرِ الواحِدِ أوْلى مِنَ العَكْسِ.
وثانِيها: أنَّ العَمَلَ بِالآيَةِ أقْرَبُ إلى الِاحْتِياطِ.
وثالِثُها: أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إذا رُوِيَ لَكم عَنِّي حَدِيثٌ فاعْرِضُوهُ عَلى كِتابِ اللَّهِ فَإنْ وافَقَهُ فاقْبَلُوهُ وإلّا فَرُدُّوهُ» “ وذَلِكَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ القُرْآنِ عَلى الخَبَرِ.
ورابِعُها: أنَّ قِصَّةَ مُعاذٍ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ القُرْآنِ عَلى الخَبَرِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في بَيانِ ضَعْفِ هَذا الخَبَرِ: أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: لَأنْ تُقْطَعَ قَدَمايَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أمْسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَأنْ أمْسَحَ عَلى جِلْدِ حِمارٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أمْسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ، وأمّا مالِكٌ فَإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ أنَّهُ أنْكَرَ جَوازَ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ، ولا نِزاعَ أنَّهُ كانَ في عِلْمِ الحَدِيثِ كالشَّمْسِ الطّالِعَةِ، فَلَوْلا أنَّهُ عَرَفَ فِيهِ ضَعْفًا وإلّا لَما قالَ ذَلِكَ، والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ ما أباحَ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ لِلْمُقِيمِ، وأباحَهُ لِلْمُسافِرِ مَهْما شاءَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ فِيهِ.
وأمّا الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأكْثَرُ الفُقَهاءِ فَإنَّهم جَوَّزُوهُ لِلْمُسافِرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيها مِن وقْتِ الحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ابْتِداؤُهُ مِن وقْتِ لُبْسِ الخُفَّيْنِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ وأحْمَدُ: يُعْتَبَرُ وقْتُ المَسْحِ بَعْدَ الحَدَثِ: قالُوا: فَهَذا الِاخْتِلافُ الشَّدِيدُ بَيْنَ الفُقَهاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَبَرَ ما بَلَغَ مَبْلَغَ الظُّهُورِ والشُّهْرَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ القَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الأقْوالَ لَمّا تَعارَضَتْ تَساقَطَتْ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلى ظاهِرِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى.
الخامِسُ: أنَّ الحاجَةَ إلى مَعْرِفَةِ جَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ حاجَةٌ عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ المُكَلَّفِينَ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا لَعَرَفَهُ الكُلُّ، ولَبَلَغَ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ ضَعْفُهُ، فَهَذا جُمْلَةُ كَلامِ مَن أنْكَرَ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ.
وأمّا الفُقَهاءُ فَقالُوا: ظَهَرَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ القَوْلُ بِهِ ولَمْ يَظْهَرْ مِنَ الباقِينَ إنْكارٌ، فَكانَ ذَلِكَ إجْماعًا مِنَ الصَّحابَةِ، فَهَذا أقْوى ما يُقالُ فِيهِ.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِن أصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ مَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ»، وأمّا إنْكارُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَرُوِيَ أنَّ عِكْرِمَةَ رَوى ذَلِكَ عَنْهُ، فَلَمّا سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْهُ فَقالَ: كَذَبَ عَلَيَّ. وقالَ عَطاءٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يُخالِفُ النّاسَ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ لَكِنَّهُ لَمْ يَمُتْ حَتّى وافَقَهم، وأمّا عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَرُوِيَ أنَّ شُرَيْحَ بْنَ هانِئٍ قالَ: سَألْتُها عَنْ مَسْحِ الخُفَّيْنِ فَقالَتِ: اذْهَبْ إلى عَلِيٍّ فاسْألْهُ فَإنَّهُ كانَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ في أسْفارِهِ، قالَ: فَسَألْتُهُ فَقالَ امْسَحْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عائِشَةَ تَرَكَتْ ذَلِكَ الإنْكارَ.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةُ والأرْبَعُونَ: رَجُلٌ مَقْطُوعُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ سَقَطَ عَنْهُ هَذانِ الفَرْضانِ وبَقِيَ عَلَيْهِ غَسْلُ الوَجْهِ ومَسْحُ الرَّأْسِ. فَإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَن يُوَضِّئُهُ أوْ يُيَمِّمُهُ يَسْقُطُ عَنْهُ ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ مَشْرُوطٌ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، فَإذا فاتَتِ القُدْرَةُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ مِنَ المَسائِلِ بِآيَةِ الوُضُوءِ.
* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ فَتَطَهَّرُوا، إلّا أنَّ التّاءَ تُدْغَمُ في الطّاءِ لِأنَّهُما مِن مَكانٍ واحِدٍ، فَإذا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ سَكَنَ أوَّلُ الكَلِمَةِ فَزِيدَ فِيها ألِفُ الوَصْلِ لِيُبْتَدَأ بِها. فَقِيلَ: اطَّهَّرُوا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ الطَّهارَةِ الصُّغْرى ذَكَرَ بَعْدَها كَيْفِيَّةَ الطَّهارَةِ الكُبْرى، وهي الغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِحُصُولِ الجَنابَةِ سَبَبانِ:
الأوَّلُ: نُزُولُ المَنِيِّ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّما الماءُ مِنَ الماءِ» “ .
والثّانِي: التِقاءُ الخِتانَيْنِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ومُعاذٌ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: لا يَجِبُ الغُسْلُ إلّا عِنْدَ نُزُولِ الماءِ. لَنا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا التَقى الخِتانانِ وجَبَ الغُسْلُ» “ .
واعْلَمْ أنَّ خِتانَ الرَّجُلِ هو المَوْضِعُ الَّذِي يُقْطَعُ مِنهُ جِلْدَةُ القُلْفَةِ، وأمّا خِتانُ المَرْأةِ فاعْلَمْ أنَّ شَفْرَيْها مُحِيطانِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: ثُقْبَةٌ في أسْفَلِ الفَرْجِ وهو مَدْخَلُ الذَّكَرِ ومَخْرَجُ الحَيْضِ والوَلَدِ، وثُقْبَةٌ أُخْرى فَوْقَ هَذِهِ مِثْلُ إحْلِيلِ الذَّكَرِ وهي مَخْرَجُ البَوْلِ لا غَيْرَ، والثّالِثُ فَوْقَ ثُقْبَةِ البَوْلِ مَوْضِعُ خِتانِها، وهُناكَ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ قائِمَةٌ مِثْلُ عُرْفِ الدِّيكِ، وقَطْعُ هَذِهِ الجِلْدَةِ هو خِتانُها، فَإذا غابَتِ الحَشَفَةُ حاذى خِتانَها خِتانُهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ أمْرٌ عَلى الإطْلاقِ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَخْصُوصًا بِعُضْوٍ مُعَيَّنٍ دُونَ عُضْوٍ، فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا بِتَحْصِيلِ الطَّهارَةِ في كُلِّ البَدَنِ عَلى الإطْلاقِ؛ ولِأنَّ الطَّهارَةَ لَمّا كانَتْ مَخْصُوصَةً بِبَعْضِ الأعْضاءِ - لا جَرَمَ - ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الأعْضاءَ عَلى التَّعْيِينِ، فَهَهُنا لَمّا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنَ الأعْضاءِ عَلى التَّعْيِينِ عُلِمَ أنَّ هَذا الأمْرَ أمْرٌ بِطَهارَةِ كُلِّ البَدَنِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّطْهِيرَ هو الِاغْتِسالُ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النِّساءِ: ٤٣] .
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الدَّلْكُ غَيْرُ واجِبٍ في الغُسْلِ، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: واجِبٌ. لَنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ أمْرٌ بِتَطْهِيرِ البَدَنِ، وتَطْهِيرُ البَدَنِ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ الدَّلْكُ بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنِ الِاغْتِسالِ مِنَ الجَنابَةِ قالَ: ”«أمّا أنا فَأحْثِي عَلى رَأْسِي ثَلاثَ حَثَياتٍ خَفِيفاتٍ مِنَ الماءِ فَإذا أنا قَدْ طَهُرْتُ» “ أثْبَتَ حُصُولَ الطِّهارَةِ بِدُونِ الدَّلْكِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّطْهِيرَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى الدَّلْكِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ مَسُّ المُصْحَفِ. وقالَ داوُدُ: يَجُوزُ. لَنا قَوْلُهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِطاهِرٍ، وإلّا لَكانَ ذَلِكَ أمْرًا بِتَطْهِيرِ الطّاهِرِ وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ طاهِرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ مَسُّ المُصْحَفِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٧٩] .
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لا يَجِبُ تَقْدِيمُ الوُضُوءِ عَلى الغُسْلِ، وقالَ أبُو ثَوْرٍ وداوُدُ: يَجِبُ. لَنا أنَّ قَوْلَهُ ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ أمْرٌ بِالتَّطْهِيرِ، والتَّطْهِيرُ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ الِاغْتِسالِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلى الوُضُوءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أمّا أنا فَأحْثِي عَلى رَأْسِي ثَلاثَ حَثَياتٍ فَإذا أنا قَدْ طَهُرْتُ» “ .
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ غَيْرُ واجِبَيْنِ في الغُسْلِ، وقالَ أبُو
صفحة ١٣١
حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هُما واجِبانِ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أمّا أنا فَأحْثِي عَلى رَأْسِي ثَلاثَ حَثَياتٍ فَإذا أنا قَدْ طَهُرْتُ» “ .
وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ الآيَةُ والخَبَرُ. أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ وهَذا أمْرٌ بِأنْ يُطَهِّرُوا أنْفُسَهم، وتَطْهِيرُ النَّفْسِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَطْهِيرِ جَمِيعِ أجْزاءِ النَّفْسِ. تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في الأجْزاءِ الباطِنَةِ الَّتِي يَتَعَذَّرُ تَطْهِيرُها، وداخِلُ الفَمِ والأنْفِ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُما، فَوَجَبَ بَقاؤُهُما تَحْتَ النَّصِّ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«بُلُّوا الشَّعَرَ وأنْقُوا البَشَرَةَ فَإنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنابَةً» “ فَقَوْلُهُ: ”بُلُّوا الشَّعَرَ“ يَدْخُلُ فِيهِ الأنْفُ؛ لِأنَّ في داخِلِهِ شَعَرًا، وقَوْلُهُ: ”وأنْقُوا البَشَرَةَ“ يَدْخُلُ فِيهِ جِلْدَةُ داخِلِ الفَمِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: شَعَرُ الرَّأْسِ إنْ كانَ مَفْتُولًا لا مَشْدُودًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ نَظَرَ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِن وُصُولِ الماءِ إلى جِلْدَةِ الرَّأْسِ وجَبَ نَقْضُهُ، وقالَ مالِكٌ لا يَجِبُ، وإنْ كانَ لا يَمْنَعُ لَمْ يَجِبْ وقالَ النَّخَعِيُّ: يَجِبُ. لَنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ الماءِ إلى جَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ، فَإنْ كانَ شَدُّ بَعْضِ الشُّعُورِ بِالبَعْضِ مانِعًا مِنهُ وجَبَ إزالَةُ ذَلِكَ الشَّدِّ لِيَزُولَ ذَلِكَ المانِعُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مانِعًا مِنهُ لَمْ يَجِبْ إزالَتُهُ؛ لِأنَّ ما هو المَقْصُودُ قَدْ حَصَلَ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَ الأكْثَرُونَ: لا تَرْتِيبَ في الغُسْلِ، وقالَ إسْحاقُ: تَجِبُ البُداءَةُ بِأعْلى البَدَنِ لَنا أنَّ قَوْلَهُ ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ أمْرٌ بِالتَّطْهِيرِ المُطْلَقِ، وذَلِكَ حاصِلٌ بِإيصالِ الماءِ إلى كُلِّ البَدَنِ، فَإذا حَصَلَ التَّطْهِيرُ وجَبَ أنْ يَكُونَ كافِيًا في الخُرُوجِ عَنِ العُهْدَةِ.
* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أنْ يَتَيَمَّمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ شَرَطَ فِيهِ عَدَمَ الماءِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الماءِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، فَلا مَعْنى لِضَمِّهِ إلى المَرَضِ، وإنَّما يَرْجِعُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ إلى المُسافِرِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَرَضُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
أحَدُها: أنْ يَخافَ الضَّرَرَ والتَّلَفَ، فَهَهُنا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالِاتِّفاقِ.
الثّانِي: أنْ لا يَخافَ الضَّرَرَ ولا التَّلَفَ، فَهَهُنا قالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ، وقالَ مالِكٌ وداوُدُ يَجُوزُ، وحُجَّتُهُما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ المَرَضِ.
الثّالِثُ: أنْ يَخافَ الزِّيادَةَ في العِلَّةِ وبُطْءِ المَرَضِ، فَهَهُنا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ عَلى أصَحِّ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وبِهِ قالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُما اللَّهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ .
الرّابِعُ: أنْ يَخافَ بَقاءَ شَيْنٍ عَلى شَيْءٍ مِن أعْضائِهِ، قالَ في ”الجَدِيدِ“: لا يَتَيَمَّمُ. قالَ في ”القَدِيمِ“ يَتَيَمَّمُ وهو الأصَحُّ؛ لِأنَّهُ هو المُطابِقُ لِلْآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ كانَ المَرَضُ المانِعُ مِنِ اسْتِعْمالِ الماءِ حاصِلًا في بَعْضِ جَسَدِهِ دُونَ بَعْضٍ، فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ يَغْسِلُ ما لا ضَرَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ كانَ أكْثَرُ البَدَنِ صَحِيحًا غَسَلَ الصَّحِيحَ دُونَ التَّيَمُّمِ، وإنْ كانَ أكْثَرُهُ جَرِيحًا يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ الأخْذُ
صفحة ١٣٢
بِالِاحْتِياطِ، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المَرَضَ أحَدَ أسْبابِ جَوازِ التَّيَمُّمِ، والمَرَضُ إذا كانَ حالًّا في بَعْضِ أعْضائِهِ فَهو مَرِيضٌ فَكانَ داخِلًا تَحْتَ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَوْ ألْصَقَ عَلى مَوْضِعِ التَّيَمُّمِ لَصُوقًا يَمْنَعُ وُصُولَ الماءِ إلى البَشَرَةِ ولا يَخافُ مِن نَزْعٍ ذَلِكَ اللَّصُوقِ التَّلَفَ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَلْزَمُهُ نَزْعُ اللَّصُوقِ عِنْدَ التَّيَمُّمِ حَتّى يَصِلَ التُّرابُ إلَيْهِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: لا يَجِبُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رِعايَةُ الِاحْتِياطِ، وحُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّ مَدارَ الأمْرِ في التَّيَمُّمِ عَلى التَّخْفِيفِ وإزالَةِ الحَرَجِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ (الحَجِّ: ٨٧) فَإيجابُ نَزْعِ اللَّصُوقِ حَرَجٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ في السَّفَرِ القَصِيرِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِن أصْحابِنا: لا يَجُوزُ. لَنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ مُطْلَقٌ ولَيْسَ فِيهِ تَفْصِيلُ أنَّ السَّفَرَ هَلْ هو طَوِيلٌ أوْ قَصِيرٌ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنّا إذا قُلْنا السَّفَرَ الطَّوِيلَ والقَصِيرَ سَبَبانِ لِلرُّخْصَةِ لِكَوْنِ لَفْظِ السَّفَرِ مُطْلَقًا وجَبَ أنْ نَقُولَ: المَرَضُ الخَفِيفُ والشَّدِيدُ سَبَبانِ لِلرُّخْصَةِ لِكَوْنِ لَفْظِ المَرَضِ مُطْلَقًا، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ السَّفَرَ القَصِيرَ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ انْصَرَفَ مِن قَوْمِهِ فَبَلَغَ مَوْضِعًا مُشْرِفًا عَلى المَدِينَةِ فَدَخَلَ وقْتُ العَصْرِ فَطَلَبَ الماءَ لِلْوُضُوءِ فَلَمْ يَجِدْ فَجَعَلَ يَتَيَمَّمُ، فَقالَ لَهُ مَوْلاهُ: أتَتَيَمَّمُ وها هي تَنْظُرُ إلَيْكَ جُدْرانُ المَدِينَةِ ؟ فَقالَ: أوَأعِيشُ حَتّى أبْلُغَها ؟ وتَيَمَّمَ وصَلّى، ودَخَلَ المَدِينَةَ والشَّمْسُ حَيَّةٌ بَيْضاءُ وما أعادَ الصَّلاةَ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: المُسافِرُ إذا كانَ مَعَهُ ماءٌ ويَخافُ العَطَشَ جازَ لَهُ أنْ يَتَيَمَّمَ لِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ ولِأنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ سَقَطَ عَنْهُ إذا أضَرَّ بِمالِهِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ إلّا بِثَمَنٍ كَثِيرٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الوُضُوءُ، فَإذا أضَرَّ بِنَفْسِهِ كانَ أوْلى.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: إذا كانَ مَعَهُ ماءٌ وكانَ حَيَوانٌ آخَرُ عَطْشانًا مُشْرِفًا عَلى الهَلاكِ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الماءَ واجِبُ الصَّرْفِ إلى ذَلِكَ الحَيَوانِ؛ لِأنَّ حَقَّ الحَيَوانِ مُقَدَّمٌ عَلى الصَّلاةِ، ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الصَّلاةِ عِنْدَ إشْرافِ صَبِيٍّ أوْ أعْمى عَلى غَرَقٍ أوْ حَرْقٍ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ذَلِكَ الماءُ كالمَعْدُومِ، فَدَخَلَ حِينَئِذٍ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ماءٌ ولَكِنْ كانَ مَعَ غَيْرِهِ ماءٌ، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَشْتَرِيَ إلّا بِالغَبْنِ الفاحِشِ جازَ التَّيَمُّمُ لَهُ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ (الحَجِّ: ٧٨) رَفَعَ عَنْهُ تَحَمُّلَ الغَبْنِ الفاحِشِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ كالفاقِدِ لِلْماءِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وكَذا القَوْلُ إذا كانَ يُباعُ الماءُ بِثَمَنِ المِثْلِ لَكِنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ الثَّمَنَ، أوْ كانَ مَعَهُ ذَلِكَ الثَّمَنُ لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلَيْهِ حاجَةً ضَرُورِيَّةً، فَأمّا إذا كانَ واجِدًا لِثَمَنِ المِثْلِ ولَمْ يَكُنْ بِهِ إلَيْهِ حاجَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَهُنا يَجِبُ شِراءُ الماءِ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: إذا وُهِبَ مِنَّةً ذَلِكَ الماءَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ ؟ قالَ أصْحابُنا: يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ ولا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ ذَلِكَ الماءِ؛ لِأنَّ المِنَّةَ في قَبُولِ الهِبَةِ شاقَّةٌ، وأنا أتَعَجَّبُ مِنهم فَإنَّهم لَمّا جَعَلُوا هَذا القَدْرَ مِنَ الحَرَجِ سَبَبًا لِجَوازِ التَّيَمُّمِ فَلِمَ لَمْ يَجِدُوا خَوْفَ زِيادَةِ الألَمِ في المَرَضِ سَبَبًا لِجَوازِ التَّيَمُّمِ!
* * *
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: إذا أُعِيرَ مِنَّهً الدَّلْوَ والرِّشاءَ، فَهَهُنا الأكْثَرُونَ قالُوا: لا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأنَّ المِنَّةَ في هَذِهِ الإعارَةِ قَلِيلَةٌ، وكانَ هَذا الإنْسانُ واجِدًا لِلْماءِ مِن غَيْرِ حَرَجٍ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾
صفحة ١٣٣
دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوازِ التَّيَمُّمِ عَدَمُ وِجْدانِ الماءِ.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ قَضاءِ الحاجَةِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ ألْحَقُوا بِهِ كُلَّ ما يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ سَواءٌ كانَ مُعْتادًا أوْ نادِرًا لِدَلالَةِ الأحادِيثِ عَلَيْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الِاسْتِنْجاءُ واجِبٌ إمّا بِالماءِ وإمّا بِالأحْجارِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: غَيْرُ واجِبٍ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ قَوْلُهُ: فَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أوْجَبَ عِنْدَ المَجِيءِ مِنَ الغائِطِ الوُضُوءَ أوِ التَّيَمُّمَ ولَمْ يُوجِبْ غَسْلَ مَوْضِعِ الحَدَثِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: لَمْسُ المَرْأةِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ولا يَنْقُضُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ يَدُلُّ عَلى انْتِقاضِ وُضُوءِ اللّامِسِ، أمّا انْتِقاضُ وُضُوءِ المَلْمُوسِ فَغَيْرُ مَأْخُوذٍ مِنَ الآيَةِ، بَلْ إنَّما أُخِذَ مِنَ الخَبَرِ، أوْ مِنَ القِياسِ الجَلِيِّ.
* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ، وهي مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ:
أحَدُهُما: الكَلامُ في أنَّ الماءَ المُطَهِّرَ ما هو ؟ .
والثّانِي: الكَلامُ في أنَّ التَّيَمُّمَ كَيْفَ هو ؟
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الوُضُوءُ بِالماءِ المُسَخَّنِ جائِزٌ ولا يُكْرَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: يُكْرَهُ. لَنا وجْهانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والغَسْلُ عِبارَةٌ عَنْ إمْرارِ الماءِ عَلى العُضْوِ وقَدْ أتى بِهِ فَيَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ عَلَّقَ جَوازَ التَّيَمُّمِ بِفِقْدانِ الماءِ، وهَهُنا لَمْ يَحْصُلْ فِقْدانُ الماءِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: الماءُ إذا قَصَدَ تَشْمِيسَهُ في الإناءِ كُرِهَ الوُضُوءُ بِهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ رَحِمَهُما اللَّهُ: لا يُكْرَهُ.
حُجَّةُ أصْحابِنا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«مَنِ اغْتَسَلَ بِماءٍ مُشَمَّسٍ فَأصابَهُ وضَحٌ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ» “ ومِن أصْحابِنا مَن قالَ: لا يُكْرَهُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ، بَلْ مِن جِهَةِ الطِّبِّ.
وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ أمَرَ بِالغَسْلِ في قَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وهَذا غَسْلٌ فَيَكُونُ كافِيًا، الثّانِي أنَّهُ واجِدٌ لِلْماءِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لا يُكْرَهُ الوُضُوءُ بِما فَضَلَ عَنْ وُضُوءِ المُشْرِكِ، وكَذا لا يُكْرَهُ الوُضُوءُ بِالماءِ الَّذِي يَكُونُ في أوانِي المُشْرِكِينَ. وقالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يَجُوزُ. لَنا أنَّهُ أُمِرَ بِالغَسْلِ وقَدْ أتى بِهِ؛ ولِأنَّهُ واجِدٌ لِلْماءِ فَلا يَتَيَمَّمُ. ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَوَضَّأ مِن مَزادَةِ مُشْرِكَةٍ»، وتَوَضَّأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن ماءٍ في جَرَّةِ نَصْرانِيَّةٍ.
* * *
صفحة ١٣٤
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يَجُوزُ الوُضُوءُ بِماءِ البَحْرِ. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ لا يَجُوزُ. لَنا أنَّهُ أُمِرَ بِالغَسْلِ وقَدْ أتى بِهِ؛ ولِأنَّ شَرْطَ جَوازِ التَّيَمُّمِ عَدَمُ الماءِ، ومَن وجَدَ ماءَ البَحْرِ فَقَدْ وجَدَ الماءَ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ ذَلِكَ في السَّفَرِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أوْجَبَ الشّارِعُ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ التَّيَمُّمَ، وعِنْدَ الخَصْمِ يَجُوزُ لَهُ التَّرْكُ لِلتَّيَمُّمِ بَلْ يَجِبُ، وذَلِكَ بِأنْ يَتَوَضَّأ بِنَبِيذِ التَّمْرِ، فَكانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ الآيَةِ، فَإنْ تَمَسَّكُوا بِقِصَّةِ الجِنِّ قُلْنا: قِيلَ إنَّ ذَلِكَ كانَ ماءً نُبِذَتْ فِيهِ تُمَيْراتٌ لِإزالَةِ المُلُوحَةِ، وأيْضًا فَقِصَّةُ الجِنِّ كانَتْ بِمَكَّةَ وسُورَةُ المائِدَةِ آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، فَجَعْلُ هَذا ناسِخًا لِذَلِكَ أوْلى.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ذَهَبَ الأوْزاعِيُّ والأصَمُّ إلى أنَّهُ يَجُوزُ الوُضُوءُ والغُسْلُ بِجَمِيعِ المائِعاتِ الطّاهِرَةِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: لا يَجُوزُ. لَنا أنَّ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ أوْجَبَ اللَّهُ التَّيَمُّمَ، وتَجْوِيزُ الوُضُوءِ بِسائِرِ المائِعاتِ يُبْطِلُ ذَلِكَ. احْتَجُّوا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمْرٌ بِمُطْلِقِ الغَسْلِ، وإمْرارُ المائِعِ عَلى العُضْوِ يُسَمّى غَسْلًا كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
فَيا حُسْنَها إذْ يَغْسِلُ الدَّمْعُ كُحْلَها
وإذا كانَ الغَسْلُ اسْمًا لِلْقَدْرِ المُشْتَرِكِ بَيْنَ ما يَحْصُلُ بِالماءِ وبَيْنَ ما يَحْصُلُ بِسائِرِ المائِعاتِ كانَ قَوْلُهُ ﴿فاغْسِلُوا﴾ إذْنًا في الوُضُوءِ بِكُلِّ المائِعاتِ.
قُلْنا: هَذا مُطْلَقٌ، والدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ مُقَيَّدٌ، وحَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ هو الواجِبُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الماءُ المُتَغَيِّرُ بِالزَّعْفَرانِ تَغَيُّرًا فاحِشًا لا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ مِثْلَ هَذا الماءِ لا يُسَمّى ماءً عَلى الإطْلاقِ، فَواجِدُهُ غَيْرُ واجِدٍ لِلْماءِ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ، وحُجَّةُأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ واجِدَهُ واجِدٌ لِلْماءِ؛ لِأنَّ الماءَ المُتَغَيِّرَ بِالزَّعْفَرانِ ماءٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَكانَ أصْلُ الماءِ مَوْجُودًا لا مَحالَةَ، فَواجِدُهُ يَكُونُ واجِدًا لِلْماءِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ عَلَّقَ جَوازَ التَّيَمُّمِ بِعَدَمِ الماءِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: الماءُ الَّذِي تَغَيَّرَ وتَعَفَّنَ بِطُولِ المُكْثِ طاهِرٌ طَهُورٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ عَلَّقَ جَوازَ التَّيَمُّمِ عَلى عَدَمِ الماءِ، وهَذا الماءُ المُتَعَفِّنُ ماءٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ وُجُودِهِ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قالَ مالِكٌ وداوُدُ: الماءُ المُسْتَعْمَلُ في الوُضُوءِ يَبْقى طاهِرًا طَهُورًا، وهو قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، والقَوْلُ الجَدِيدُ لِلشّافِعِيِّ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ طَهُورًا ولَكِنَّهُ طاهِرٌ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أكْثَرِ الرِّواياتِ: إنَّهُ نَجِسٌ. حُجَّةُ مالِكٍ أنَّ جَوازَ التَّيَمُّمِ مُعَلَّقٌ عَلى عَدَمِ وِجْدانِ الماءِ. وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وواجِدُ الماءِ المُسْتَعْمَلِ واجِدٌ لِلْماءِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ، وإذا لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ جازَ لَهُ التَّوَضُّؤُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ (الفُرْقانِ: ٤٨) والطَّهُورُ هو الَّذِي يَتَكَرَّرُ مِنهُ هَذا الفِعْلُ كالضَّحُوكِ والقَتُولِ والأكُولِ والشَّرُوبِ، والتَّكْرارُ إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَ المُسْتَعْمَلُ في الطَّهارَةِ يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ فِيها مَرَّةً أُخْرى.
* * *
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قالَ مالِكٌ: الماءُ إذا وقَعَتْ فِيهِ نَجاسَةٌ ولَمْ يَتَغَيَّرِ الماءُ بِتِلْكَ النَّجاسَةِ بَقِيَ طاهِرًا
صفحة ١٣٥
طَهُورًا سَواءٌ كانَ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ كانَ أقَلَّ مِنَ القُلَّتَيْنِ يَنْجَسُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنْ كانَ أقَلَّ مِن عَشَرَةٍ في عَشَرَةٍ يَنْجَسُ. حُجَّةُ مالِكٍ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَدَمَ الماءِ شَرْطًا لِجَوازِ التَّيَمُّمِ، وواجِدُ هَذا الماءِ الَّذِي فِيهِ النِّزاعُ واجِدٌ لِلْماءِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَهُ التَّيَمُّمُ. أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: هَذا المَعْنى مَوْجُودٌ عِنْدَ صَيْرُورَةِ الماءِ القَلِيلِ مُتَغَيِّرًا، إلّا أنّا نَقُولُ: العامُّ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمْرٌ بِمُطْلَقِ الغَسْلِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في سائِرِ المائِعاتِ وفي الماءِ القَلِيلِ الَّذِي تَغَيَّرَ بِالنَّجاسَةِ، فَيَبْقى حُجَّةً في الباقِي. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ تَأيَّدَ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«خُلِقَ الماءُ طَهُورًا لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أوْ رِيحَهُ أوْ لَوْنَهُ» “ ولا يُعارَضُ هَذا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» “ لِأنَّ القُرْآنَ أوْلى مِن خَبَرِ الواحِدِ، والمَنطُوقَ أوْلى مِنَ المَفْهُومِ.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: يَجُوزُ الوُضُوءُ بِفَضْلِ ماءِ الجُنُبِ. وقالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يَجُوزُ بِفَضْلِ ماءِ المَرْأةِ إذا خَلَتْ بِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وواجِدُ هَذا الماءِ واجِدٌ لِلْماءِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ، وإذا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ جازَ لَهُ الوُضُوءُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: أسْآرُ السِّباعِ طاهِرَةٌ مُطَهِّرَةٌ، وكَذا سُؤْرُ الحِمارِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: نَجِسَةٌ. لَنا أنَّ واجِدَ هَذا السُّؤْرِ واجِدٌ لِلْماءِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاغْسِلُوا﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ الماءِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: الماءُ إذا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ ووَقَعَتْ فِيهِ نَجاسَةٌ مُغَيِّرَةٌ بَقِيَ طاهِرًا طَهُورًا عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَنْجَسُ. لَنا أنَّهُ واجِدٌ لِلْماءِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ ولِأنَّهُ أُمِرَ بِالغَسْلِ وقَدْ أتى بِهِ فَخَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: الماءُ الَّذِي تَفَتَّتَتِ الأوْراقُ فِيهِ، لِلنّاسِ فِيهِ تَفاصِيلُ، لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى كَوْنِهِ طاهِرًا مُطَهِّرًا ما لَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الماءِ المُطْلَقِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ كُلَّما بَقِيَ اسْمُ الماءِ المُطْلَقِ كانَ طاهِرًا طَهُورًا.
* * *
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ المَسائِلِ المُسْتَخْرَجَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ مِن مَسائِلِ التَّيَمُّمِ.
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ والأكْثَرُونَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: لا بُدَّ في التَّيَمُّمِ مِنَ النِّيَّةِ، وقالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَجِبُ. لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ والتَّيَمُّمُ عِبارَةٌ عَنِ القَصْدِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ تَيَمُّمُ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، وعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ إلى الرُّسْغَيْنِ، وعَنْ مالِكٍ إلى الكُوعَيْنِ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ إلى الآباطِ.
لَنا: اليَدُ اسْمٌ لِهَذا العُضْوِ إلى الإبِطِ فَقَوْلُهُ ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ يَقْتَضِي المَسْحَ إلى الإبِطَيْنِ، تَرَكْنا العَمَلَ بِهَذا النَّصِّ في العَضُدَيْنِ؛ لِأنّا نَعْلَمُ أنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنِ الوُضُوءِ. ومَبْناهُ عَلى التَّخْفِيفِ بِدَلِيلِ أنَّ الواجِبَ تَطْهِيرُ أعْضاءٍ أرْبَعَةٍ في الوُضُوءِ، وفي التَّيَمُّمِ الواجِبُ تَطْهِيرُ عُضْوَيْنِ، وتَأكَّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ التَّيَمُّمِ ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ فَإذا كانَ العَضُدانِ غَيْرَ مُعْتَبَرَيْنِ في
صفحة ١٣٦
الوُضُوءِ فَبِأنْ لا يَكُونا مُعْتَبَرَيْنِ في التَّيَمُّمِ أوْلى، وإذا خَرَجَ العَضُدانِ عَنْ ظاهِرِ النَّصِّ بِهَذا الدَّلِيلِ بَقِيَ اليَدانِ إلى المِرْفَقَيْنِ فِيهِ، فالحاصِلُ أنَّهُ تَعالى إنَّما تَرَكَ تَقْيِيدَ التَّيَمُّمِ في اليَدَيْنِ بِالمِرْفَقَيْنِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الوُضُوءِ، فَتَقْيِيدُهُ بِهِما في الوُضُوءِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ هَذا التَّقْيِيدِ في التَّيَمُّمِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجِبُ اسْتِيعابُ العُضْوَيْنِ في التَّيَمُّمِ، ونَقَلَ الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ إذا يَمَّمَ الأكْثَرَ جازَ.
لَنا قَوْلُهُ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ والوَجْهُ واليَدُ اسْمٌ لِجُمْلَةِ هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالِاسْتِيعابِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أنَّ الباءَ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ فَكَذا هَهُنا.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا وضَعَ يَدَهُ عَلى الأرْضِ فَما لَمْ يَعْلَقْ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنَ الغُبارِ لَمْ يُجْزِهِ، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ رَحِمَهُما اللَّهُ يُجْزِئُهُ.
لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ وكَلِمَةُ (مِنهُ) تَدُلُّ عَلى التَّمَسُّحِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ التُّرابِ كَما أنَّ مَن قالَ: فُلانٌ يَمْسَحُ مِنَ الدُّهْنِ أفادَ هَذا المَعْنى، وقَدْ بالَغْنا في تَقْرِيرِ هَذا في تَفْسِيرِ آيَةِ التَّيَمُّمِ مِن سُورَةِ النِّساءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلّا بِالتُّرابِ الخالِصِ، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ بِالتُّرابِ وبِالرَّمْلِ وبِالخَزَفِ المَدْقُوقِ والجِصِّ والنُّورَةِ والزَّرْنِيخِ.
لَنا ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: الصَّعِيدُ هو التُّرابُ، وأيْضًا التَّيَمُّمُ طَهارَةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ المَعْنى، فَوَجَبَ الِاقْتِصارُ فِيهِ عَلى مَوْرِدِ النَّصِّ، والنَّصُّ المُفَصَّلُ إنَّما ورَدَ في التُّرابِ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«التُّرابُ طَهُورُ المُسْلِمِ ولَوْ لَمْ يَجِدِ الماءَ عَشْرَ حِجَجٍ» “ وقالَ ”«جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وتُرابُها طَهُورًا» “ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: لَوْ وقَفَ عَلى مَهَبِّ الرِّياحِ فَسَفَتِ الرِّياحُ التُّرابَ عَلَيْهِ فَأمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يُمِرَّ، ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يَكْفِي. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَكْفِي؛ لِأنَّهُ لَمّا وصَلَ الغُبارُ إلى أعْضائِهِ ثُمَّ أمَرَّ الغُبارَ عَلى تِلْكَ الأعْضاءِ فَقَدْ قَصَدَ إلى اسْتِعْمالِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ في أعْضائِهِ فَكانَ كافِيًا.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: المَذْهَبُ أنَّهُ إذا يَمَّمَهُ غَيْرُهُ صَحَّ، وقِيلَ لا يَصِحُّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أمْرٌ لَهُ بِالفِعْلِ ولَمْ يُوجَدْ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلّا بَعْدَ دُخُولِ وقْتِ الصَّلاةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ.
لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ والقِيامُ إلى الصَّلاةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ دُخُولِ وقْتِها.
* * *
والمَسْألَةُ التّاسِعَةُ: إذا ضَرَبَ رِجْلَهُ حَتّى ارْتَفَعَ عَنْهُ غُبارٌ قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَيَمَّمَ، وقالَ أبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَجُوزُ. حُجَّةُ أبِي يُوسُفَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والغُبارُ المُنْفَصِلُ عَنِ
صفحة ١٣٧
التُّرابِ لا يُقالُ: إنَّهُ صَعِيدٌ طَيِّبٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يُجْزِيَ.
* * *
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرابٍ نَجِسٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والنَّجِسُ لا يَكُونُ طَيِّبًا.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُسافِرُ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ بِقُرْبِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ إلّا بَعْدَ الطَّلَبِ عَنِ اليَمِينِ واليَسارِ، وإنْ كانَ هُناكَ وادٍ هَبَطَ إلَيْهِ، وإنْ كانَ جَبَلٌ صَعِدَهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ عَدَمُ الماءِ لَمْ يَجِبْ طَلَبُهُ.
لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ جَعَلَ عَدَمَ وِجْدانِ الماءِ شَرْطًا لِجَوازِ التَّيَمُّمِ، وعَدَمُ الوِجْدانِ مَشْرُوطٌ بِتَقْدِيمِ الطَّلَبِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ الطَّلَبِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: لا يَصِحُّ الطَّلَبُ إلّا بَعْدَ دُخُولِ وقْتِ الصَّلاةِ، فَإنْ طَلَبَ قَبْلَهُ يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ ثانِيًا بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ، إلّا أنْ يَحْصُلَ عِنْدَهُ يَقِينٌ أنَّ الأمْرَ بَقِيَ كَما كانَ ولَمْ يَتَغَيَّرْ.
لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا﴾ عِبارَةٌ عَنْ دُخُولِ الوَقْتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الوِجْدانِ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ، وعَدَمُ الوِجْدانِ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ الطَّلَبِ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الطَّلَبِ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: لا خِلافَ في جَوازِ التَّيَمُّمِ بَدَلًا عَنِ الوُضُوءِ. وأمّا التَّيَمُّمُ بَدَلًا عَنِ الغَسْلِ في حِقِّ الجُنُبِ فَعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ جَوازُهُ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ. وعَنْ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لا يَجُوزُ.
لَنا أنَّ قَوْلَهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالجِماعِ أوْ يَدْخُلُ فِيهِ الجِماعُ، فَوَجَبَ جَوازُ التَّيَمُّمِ بَدَلًا عَنِ الغَسْلِ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجْمَعُ بِالتَّيَمُّمِ بَيْنَ فَرْضَيْنِ، وإنْ لَمْ يُحْدِثْ كَما في الوُضُوءِ. وقالَ أحْمَدُ: يَجْمَعُ بَيْنَ الفَوائِتِ، ولا يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاتَيْ وقْتَيْنِ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ .
وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي الأمْرَ بِكُلِّ وُضُوءٍ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ إنْ وُجِدَ الماءُ، وبِالتَّيَمُّمِ إنْ فُقِدَ الماءُ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في الوُضُوءِ لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَبْقى في التَّيَمُّمِ عَلى مُقْتَضى ظاهِرِ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ في أوَّلِ الوَقْتِ ويَتَوَقَّعُ وِجْدانَهُ في آخِرِ الوَقْتِ جازَ لَهُ التَّيَمُّمُ في أوَّلِ الوَقْتِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: بَلْ يُؤَخِّرُ الصَّلاةَ إلى آخِرِ الوَقْتِ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾، وقَوْلُهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القِيامَ إلى الصَّلاةِ، بَلِ المُرادُ دُخُولُ وقْتِ الصَّلاةِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ دُخُولِ الوَقْتِ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ جازَ لَهُ التَّيَمُّمُ.
صفحة ١٣٨
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: إذا وجَدَ الماءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وقَبْلَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ والشَّعْبِيُّ: لا يَبْطُلُ.
لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ شَرَطَ عَدَمَ وِجْدانِ الماءِ بِجَوازِ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ بِالتَّيَمُّمِ، ومَن وجَدَ الماءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وقَبْلَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ فَقَدْ فاتَهُ هَذا الشَّرْطُ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَهُ الشُّرُوعُ في الصَّلاةِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَوْ فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ ثُمَّ وجَدَ الماءَ لا يَلْزَمُهُ إعادَةُ الصَّلاةِ. قالَ طاوُسٌ: يَلْزَمُهُ.
لَنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ جَوَّزَ لَهُ الشُّرُوعَ في الصَّلاةِ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدانِ الماءِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِخُرُوجِهِ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِالمَأْمُورِ بِهِ سَبَبٌ لِلْإجْزاءِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: لَوْ وجَدَ الماءَ في أثْناءِ الصَّلاةِ لا يَلْزَمُهُ الخُرُوجُ مِنها، وبِهِ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ والثَّوْرِيِّ، وهو اخْتِيارُ المُزَنِيِّ وابْنِ شُرَيْحٍ.
لَنا أنَّ عَدَمَ وِجْدانِ الماءِ يَقْتَضِي جَوازَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ بِحُكْمِ التَّيَمُّمِ عَلى ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ، فَقَدِ انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ صَلاتُهُ صَحِيحَةً، فَإذا وجَدَ الماءَ في أثْناءِ الصَّلاةِ فَنَقُولُ: ما لَمْ يُبْطِلْ صَلاتَهُ لا يَصِيرُ قادِرًا عَلى اسْتِعْمالِ الماءِ، وما لَمْ يَصِرْ قادِرًا عَلى اسْتِعْمالِ الماءِ لا تَبْطُلُ صَلاتُهُ، فَيَتَوَقَّفُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى الآخَرِ، فَيَكُونُ دَوْرًا وهو باطِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ: لَوْ نَسِيَ الماءَ في رَحْلِهِ وتَيَمَّمَ وصَلّى ثُمَّ عَلِمَ وُجُودَ الماءِ لَزِمَهُ الإعادَةُ عَلى أحَدِ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ وأبِي يُوسُفَ، والقَوْلُ الثّانِي أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ. حُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي أنَّهُ عاجِزٌ عَنِ الماءِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الماءِ كَما أنَّهُ سَبَبٌ لِلْعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ، فَكَذَلِكَ النِّسْيانُ سَبَبٌ لِلْعَجْزِ، فَثَبَتَ أنَّهُ عِنْدَ النِّسْيانِ عاجِزٌ فِيهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ في ذَلِكَ النِّسْيانِ.
* * *
المَسْألَةُ العِشْرُونَ: إذا ضَلَّ رَحْلُهُ في الرِّحالِ فَفِيهِ الخِلافُ المَذْكُورُ، والأوْلى أنْ لا تَجِبَ الإعادَةُ.
* * *
المَسْألَةُ الحادِيَةُ والعِشْرُونَ: إذا نَسِيَ كَوْنَ الماءِ في رَحْلِهِ ولَكِنَّهُ اسْتَقْصى في الطَّلَبِ فَلَمْ يَجِدْهُ وتَيَمَّمَ وصَلّى ثُمَّ وجَدَهُ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ تَجِبُ الإعادَةُ؛ لِأنَّ العُذْرَ ضَعِيفٌ. وقالَ قَوْمٌ: لا تَجِبُ الإعادَةُ؛ لِأنَّهُ لَمّا اسْتَقْصى في الطَّلَبِ صارَ عاجِزًا عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ والعِشْرُونَ: لَوْ صَلّى بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وجَدَ ماءً في بِئْرٍ بِجَنْبِهِ يُمْكِنُ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ الماءِ، فَإنْ كانَ قَدْ عَلِمَهُ أوَّلًا ثُمَّ نَسِيَهُ فَهو كَما لَوْ نَسِيَ الماءَ في رَحْلِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِها قَطُّ، فَإنْ كانَ عَلَيْها عَلامَةٌ ظاهِرَةٌ لَزِمَهُ الإعادَةُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها عَلامَةٌ فَلا إعادَةَ؛ لِأنَّهُ عاجِزٌ عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في المَسائِلِ الفِقْهِيَّةِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وهي مِائَةُ مَسْألَةٍ، وقَدْ كَتَبْناها في مَوْضِعٍ ما كانَ مَعَنا شَيْءٌ مِنَ الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ المُعْتَبَرَةِ، وكانَ القَلْبُ مُشَوَّشًا بِسَبَبِ
صفحة ١٣٩
اسْتِيلاءِ الكُفّارِ عَلى بِلادِ المُسْلِمِينَ. فَنَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَكْفِيَنا شَرَّهم، وأنْ يَجْعَلَ كَدَّنا في اسْتِنْباطِ أحْكامِ اللَّهِ مِن نَصِّ اللَّهِ سَبَبًا لِرُجْحانِ الحَسَناتِ عَلى السَّيِّئاتِ؛ إنَّهُ أعَزُّ مَأْمُولٍ وأكْرَمُ مَسْؤُولٍ.
* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى مُرِيدٌ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الأئِمَّةِ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ كَوْنِهِ مُرِيدًا، فَقالَ الحَسَنُ النَّجّارُ: أنَّهُ مُرِيدٌ بِمَعْنى أنَّهُ غَيْرُ مَغْلُوبٍ ولا مُكْرَهٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكَوْنُهُ تَعالى مُرِيدًا صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: مَعْنى كَوْنِهِ مُرِيدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ أنَّهُ دَعاهُ الدّاعِي إلى إيجادِها، ومَعْنى كَوْنِهِ مُرِيدًا لِأفْعالِ غَيْرِهِ أنَّهُ دَعاهُ الدّاعِي إلى الأمْرِ بِها، وهو قَوْلُ الجاحِظِ وأبِي قاسِمٍ الكَعْبِيِّ وأبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الباقُونَ: كَوْنُهُ مُرِيدًا صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، وهو الَّذِي سَمَّيْناهُ بِالدّاعِي، ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مُرِيدٌ لِذاتِهِ، وهَذِهِ هي الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنِ الحَسَنِ النَّجّارِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مُرِيدٌ بِإرادَةٍ، ثُمَّ قالَ أصْحابُنا: مُرِيدٌ بِإرادَةٍ قَدِيمَةٍ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ البَصْرِيَّةُ: مُرِيدٌ بِإرادَةٍ مُحْدَثَةٍ لا في مَحَلِّهِ، وقالَتِ الكَرّامِيَّةُ: مُرِيدٌ بِإرادَةٍ مُحْدَثَةٍ قائِمَةٍ بِذاتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ لا يُوجَدُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ ما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ أشَدُّ أنْواعِ الحَرَجِ. قالَ أصْحابُنا: لَمّا كانَ خِلافُ المَعْلُومِ مُحالَ الوُقُوعِ فَقَدْ لَزِمَكم ما ألْزَمْتُمُوهُ عَلَيْنا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ كَبِيرٌ مُعْتَبَرٌ في الشَّرْعِ، وهو أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ أنْ لا تَكُونَ مَشْرُوعَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ (الحَجِّ: ٧٨) ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٨٥) ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأحادِيثِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسْلامِ» “ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» “ وأمّا بَيانُ أنَّ الأصْلَ في المَنافِعِ الإباحَةُ فَوُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ (البَقَرَةِ: ٢٩) .
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ (المائِدَةِ: ٤) وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنَ الطَّيِّباتِ المُسْتَلَذّاتُ والأشْياءُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، وإذا ثَبَتَ هَذانِ الأصْلانِ فَعِنْدَ هَذا قالَ نُفاةُ القِياسِ: لا حاجَةَ البَتَّةَ أصْلًا إلى القِياسِ في الشَّرْعِ؛ لِأنَّ كُلَّ حادِثَةٍ تَقَعُ فَحُكْمُها المُفَصَّلُ إنْ كانَ مَذْكُورًا في الكِتابِ والسُّنَّةِ فَذاكَ هو المُرادُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ مِن بابِ المَضارِّ حَرَّمْناهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ الحُرْمَةُ، وإنْ كانَ مِن بابِ المَنافِعِ أبَحْناهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى إباحَةِ المَنافِعِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقْدَحَ في هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ بِشَيْءٍ مِنَ الأقْيِسَةِ؛ لِأنَّ القِياسَ المُعارِضَ لَهَذَيْنِ
صفحة ١٤٠
الأصْلَيْنِ يَكُونُ قِياسًا واقِعًا في مُقابَلَةِ النَّصِّ، وأنَّهُ مَرْدُودٌ فَكانَ باطِلًا.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
المائدة 5:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا التَّكْلِيفَ أرْدَفَهُ بِما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ القَبُولَ والِانْقِيادَ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: كَثْرَةُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ كَثْرَةَ النِّعَمِ تُوجِبُ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ الِاشْتِغالَ بِخِدْمَةِ المُنْعِمِ والِانْقِيادَ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ ”نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكم“؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّأمُّلَ في أعْدادِ نِعَمِ اللَّهِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ التَّأمُّلُ في جِنْسِ نِعَمِ اللَّهِ لِأنَّ هَذا الجِنْسَ جِنْسٌ لا يَقْدِرُ غَيْرُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَمَنِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إعْطاءِ نِعْمَةِ الحَياةِ والصِّحَّةِ والعَقْلِ والهِدايَةِ والصَّوْنِ عَنِ الآفاتِ والإيصالِ إلى جَمِيعِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَجِنْسُ نِعْمَةِ اللَّهِ جِنْسٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ المُرادُ التَّأمُّلُ في هَذا النَّوْعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُمْتازٌ عَنْ نِعْمَةِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ الِامْتِيازُ هو أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ النِّعْمَةَ مَتى كانْتَ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ وُجُوبُ الِاشْتِغالِ بِشُكْرِها أتَمَّ وأكْمَلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مُشْعِرٌ بِسَبْقِ النِّسْيانِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ نِسْيانُها مَعَ أنَّها مُتَواتِرَةٌ مُتَوالِيَةٌ عَلَيْنا في جَمِيعِ السّاعاتِ والأوْقاتِ، إلّا أنَّ الجَوابَ عَنْهُ أنَّها لِكَثْرَتِها وتَعاقُبِها صارَتْ كالأمْرِ المُعْتادِ، فَصارَتْ غَلَبَةُ ظُهُورِها وكَثْرَتِها سَبَبًا لِوُقُوعِها في مَحَلِّ النِّسْيانِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ تَعالى إنَّما كانَ باطِنًا لِكَوْنِهِ ظاهِرًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ مَنِ احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ بِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، واخْتَفى عَنْها بِكَمالِ نُورِهِ.
السَّبَبُ الثّانِي: مِنَ الأسْبابِ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْهِمْ كَوْنَهم مُنْقادِينَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى هو المِيثاقُ الَّذِي واثَقَهم بِهِ، والمُواثَقَةُ المُعاهَدَةُ الَّتِي قَدْ أُحْكِمَتْ بِالعَقْدِ عَلى نَفْسِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مُشابِهَةٌ لِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذا المِيثاقِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو المَواثِيقُ الَّتِي
صفحة ١٤٢
جَرَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَهم في أنْ يَكُونُوا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في المَحْبُوبِ والمَكْرُوهِ، مِثْلُ مُبايَعَتِهِ مَعَ الأنْصارِ في أوَّلِ الأمْرِ ومُبايَعَتِهِ عامَّةَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وغَيْرِهِما، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ المِيثاقَ الصّادِرَ عَنِ الرَّسُولِ إلى نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ (الفَتْحِ: ١٠) وقالَ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ (النِّساءِ: ٨٠) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ ذَكَّرَهم أنَّهُمُ التَزَمُوا ذَلِكَ وقَبِلُوا تِلْكَ التَّكالِيفَ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا، ثُمَّ حَذَّرَهم مِن نَقْضِ تِلْكَ العُهُودِ والمَواثِيقِ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يَعْنِي لا تَنْقُضُوا تِلْكَ العُهُودَ ولا تَعْزِمُوا بِقُلُوبِكم عَلى نَقْضِها، فَإنَّهُ إنْ خَطَرَ ذَلِكَ بِبالِكم فاللَّهُ يَعْلَمُ بِذَلِكَ وكَفى بِهِ مُجازِيًا.
والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ قالُوا آمَنّا بِالتَّوْراةِ وبِكُلِّ ما فِيها، فَلَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ ما في التَّوْراةِ البِشارَةُ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَزِمَهُمُ الإقْرارُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم حِينَ أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم.
فَإنْ قِيلَ: عَلى هَذا القَوْلِ إنَّ بَنِي آدَمَ لا يَذْكُرُونَ هَذا العَهْدَ والمِيثاقَ فَكَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِحِفْظِهِ ؟قُلْنا: لَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ كانَ ذَلِكَ حاصِلًا حَصَلَ القَطْعُ بِحُصُولِهِ، وحِينَئِذٍ يَحْسُنُ أنْ يَأْمُرَهم بِالوَفاءِ بِذَلِكَ العَهْدِ.
الرّابِعُ: قالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِالمِيثاقِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ والشَّرْعِيَّةُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى عَلى التَّوْحِيدِ والشَّرائِعِ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ.
المائدة 5:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ هَذا أيْضًا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، والمُرادُ حَثُّهم عَلى الِانْقِيادِ لِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ التَّكالِيفَ وإنْ كَثُرَتْ إلّا أنَّها مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى النَّوْعِ الأوَّلِ وهو التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، ومَعْنى القِيامِ لِلَّهِ هو أنْ يَقُومَ لِلَّهِ بِالحَقِّ في كُلِّ ما يَلْزَمُهُ القِيامُ بِهِ مِن إظْهارِ العُبُودِيَّةِ وتَعْظِيمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ عَطاءٌ: يَقُولُ لا تُحابِ في شَهادَتِكَ أهْلَ وُدِّكَ وقَرابَتَكَ، ولا تَمْنَعْ شَهادَتَكَ أعْداءَكَ وأضْدادَكَ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى تُبَيِّنُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، لِأنَّ الشّاهِدَ يُبَيِّنُ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا﴾ أيْ لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى أنْ لا تَعْدِلُوا، وأرادَ أنْ لا تَعْدِلُوا فِيهِمْ لَكِنَّهُ حُذِفَ لِلْعِلْمِ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها عامَّةٌ والمَعْنى لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى أنْ تَجُورُوا عَلَيْهِمْ وتُجاوِزُوا الحَدَّ فِيهِمْ، بَلِ اعْدِلُوا فِيهِمْ وإنْ أساءُوا إلَيْكم، وأحْسِنُوا إلَيْهِمْ
صفحة ١٤٣
وإنْ بالَغُوا في إيحاشِكم، فَهَذا خِطابٌ عامٌّ، ومَعْناهُ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ الخَلْقِ بِأنْ لا يُعامِلُوا أحَدًا إلّا عَلى سَبِيلِ العَدْلِ والإنْصافِ، وتَرْكِ المَيْلِ والظُّلْمِ والِاعْتِسافِ.
والثّانِي: أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ فَإنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لَمّا صَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ يُعْقَلُ ظُلْمُ المُشْرِكِينَ مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ أُمِرُوا بِقَتْلِهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ ؟
قُلْنا: يُمْكِنُ ظُلْمُهم أيْضًا مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: مِنها أنَّهم إذا أظْهَرُوا الإسْلامَ لا يَقْبَلُونَهُ مِنهم، ومِنها قَتْلُ أوْلادِهِمُ الأطْفالِ لِاغْتِمامِ الآباءِ، ومِنها إيقاعُ المُثْلَةِ بِهِمْ، ومِنها نَقْضُ عُهُودِهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ فَنَهاهم أوَّلًا عَنْ أنْ يَحْمِلَهُمُ البَغْضاءُ عَلى تَرْكِ العَدْلِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَصَرَّحَ لَهم بِالأمْرِ بِالعَدْلِ تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا، ثُمَّ ذَكَرَ لَهم عِلَّةَ الأمْرِ بِالعَدْلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ (البَقَرَةِ: ٢٣٧) أيْ هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: هو أقْرَبُ إلى الِاتِّقاءِ مِن مَعاصِي اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: هو أقْرَبُ إلى الِاتِّقاءِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى وُجُوبِ العَدْلِ مَعَ الكُفّارِ الَّذِينَ هم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى، فَما الظَّنُّ بِوُجُوبِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ وأحِبّاؤُهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الكَلامَ الَّذِي يَكُونُ وعْدًا مَعَ المُطِيعِينَ ووَعِيدًا لِلْمُذْنِبِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِكم.
المائدة 5:9
ثُمَّ ذَكَرَ وعْدَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فالمَغْفِرَةُ إسْقاطُ السَّيِّئاتِ كَما قالَ ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ (الفُرْقانِ: ٧٠) والأجْرُ العَظِيمُ إيصالُ الثَّوابِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ أوَّلًا ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ شَيْءٍ وعَدَهم ؟ فَقالَ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
الثّانِي: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقالَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ.
والثّالِثُ: أجْرى قَوْلَهُ: (وعَدَ) مَجْرى قالَ، والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ في الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ (وعَدَ) واقِعًا عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ وعَدَهم بِهَذا المَجْمُوعِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخْبَرَ عَنْ هَذا الوَعْدِ مَعَ أنَّهُ لَوْ أخْبَرَ بِالمَوْعُودِ بِهِ كانَ ذَلِكَ أقْوى ؟
قُلْنا: بَلِ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ هَذا الوَعْدِ وعْدَ اللَّهِ أقْوى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ أضافَ هَذا الوَعْدَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ والإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، وهَذا يَمْتَنِعُ الخُلْفُ في وعْدِهِ؛ لِأنَّ دُخُولَ الخُلْفِ إنَّما يَكُونُ إمّا لِلْجَهْلِ حَيْثُ يَنْسى وعْدَهُ، وإمّا لِلْعَجْزِ حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى الوَفاءِ بِوَعْدِهِ، وإمّا لِلْبُخْلِ حَيْثُ يَمْنَعُهُ البُخْلُ عَنِ الوَفاءِ بِالوَعْدِ، وإمّا لِلْحاجَةِ، فَإذا كانَ الإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ كانَ دُخُولُ الخُلْفِ في وعْدِهِ مُحالًا، فَكانَ الإخْبارُ عَنْ
صفحة ١٤٤
هَذا الوَعْدِ أوْكَدَ وأقْوى مِن نَفْسِ الإخْبارِ عَنِ المَوْعُودِ بِهِ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا الوَعْدَ يَصِلُ إلَيْهِ قَبْلَ المَوْتِ فَيُفِيدُهُ السُّرُورَ عِنْدَ سَكَراتِ المَوْتِ فَتَسْهُلُ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الشَّدائِدُ، وبَعْدَ المَوْتِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ البَقاءُ في ظُلْمَةِ القَبْرِ وفي عَرْصَةِ القِيامَةِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأهْوالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وعِيدَ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ قاطِعٌ في أنَّ الخُلُودَ لَيْسَ إلّا لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والمُصاحَبَةُ تَقْتَضِي المُلازَمَةَ كَما يُقالُ: أصْحابُ الصَّحْراءِ، أيِ المُلازِمُونَ لَها.
المائدة 5:10
ثُمَّ ذَكَرَ وعْدَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فالمَغْفِرَةُ إسْقاطُ السَّيِّئاتِ كَما قالَ ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ (الفُرْقانِ: ٧٠) والأجْرُ العَظِيمُ إيصالُ الثَّوابِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ أوَّلًا ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ شَيْءٍ وعَدَهم ؟ فَقالَ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
الثّانِي: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقالَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ.
والثّالِثُ: أجْرى قَوْلَهُ: (وعَدَ) مَجْرى قالَ، والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ في الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ (وعَدَ) واقِعًا عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ وعَدَهم بِهَذا المَجْمُوعِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ أخْبَرَ عَنْ هَذا الوَعْدِ مَعَ أنَّهُ لَوْ أخْبَرَ بِالمَوْعُودِ بِهِ كانَ ذَلِكَ أقْوى ؟
قُلْنا: بَلِ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ هَذا الوَعْدِ وعْدَ اللَّهِ أقْوى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ أضافَ هَذا الوَعْدَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ والإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، وهَذا يَمْتَنِعُ الخُلْفُ في وعْدِهِ؛ لِأنَّ دُخُولَ الخُلْفِ إنَّما يَكُونُ إمّا لِلْجَهْلِ حَيْثُ يَنْسى وعْدَهُ، وإمّا لِلْعَجْزِ حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى الوَفاءِ بِوَعْدِهِ، وإمّا لِلْبُخْلِ حَيْثُ يَمْنَعُهُ البُخْلُ عَنِ الوَفاءِ بِالوَعْدِ، وإمّا لِلْحاجَةِ، فَإذا كانَ الإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ كانَ دُخُولُ الخُلْفِ في وعْدِهِ مُحالًا، فَكانَ الإخْبارُ عَنْ
صفحة ١٤٤
هَذا الوَعْدِ أوْكَدَ وأقْوى مِن نَفْسِ الإخْبارِ عَنِ المَوْعُودِ بِهِ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا الوَعْدَ يَصِلُ إلَيْهِ قَبْلَ المَوْتِ فَيُفِيدُهُ السُّرُورَ عِنْدَ سَكَراتِ المَوْتِ فَتَسْهُلُ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الشَّدائِدُ، وبَعْدَ المَوْتِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ البَقاءُ في ظُلْمَةِ القَبْرِ وفي عَرْصَةِ القِيامَةِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأهْوالِ.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وعِيدَ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ قاطِعٌ في أنَّ الخُلُودَ لَيْسَ إلّا لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والمُصاحَبَةُ تَقْتَضِي المُلازَمَةَ كَما يُقالُ: أصْحابُ الصَّحْراءِ، أيِ المُلازِمُونَ لَها.
المائدة 5:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ في أوَّلِ الأمْرِ كانُوا غالِبِينَ، والمُسْلِمِينَ كانُوا مَقْهُورِينَ مَغْلُوبِينَ، ولَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ أبَدًا يُرِيدُونَ إيقاعَ البَلاءِ والقَتْلِ والنَّهْبِ بِالمُسْلِمِينَ، واللَّهُ تَعالى كانَ يَمْنَعُهم عَنْ مَطْلُوبِهِمْ إلى أنْ قَوِيَ الإسْلامُ وعَظُمَتْ شَوْكَةُ المُسْلِمِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ وهو المُشْرِكُونَ ﴿أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والنَّفْيِ فَكَفَّ اللَّهُ تَعالى بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ أيْدِيَ الكُفّارِ عَنْكم أيُّها المُسْلِمُونَ، ومِثْلُ هَذا الإنْعامِ العَظِيمِ يُوجِبُ عَلَيْكم أنْ تَتَّقُوا مَعاصِيَهُ ومُخالَفَتَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ كُونُوا مُواظِبِينَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا تَخافُوا أحَدًا في إقامَةِ طاعاتِ اللَّهِ تَعالى.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في واقِعَةٍ خاصَّةٍ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً إلى بَنِي عامِرٍ فَقُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ: أحَدُهم عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِي، وانْصَرَفَ هو وآخَرُ مَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ لِيُخْبِراهُ خَبَرَ القَوْمِ، فَلَقِيا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سُلَيْمٍ مَعَهُما أمانٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَتَلاهُما ولَمْ يَعْلَما أنَّ مَعَهُما أمانًا، فَجاءَ قَوْمُهُما يَطْلُبُونَ الدِّيَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ حَتّى دَخَلُوا عَلى بَنِي النَّضِيرِ، وقَدْ كانُوا عاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلى تَرْكِ القِتالِ وعَلى أنْ يُعِينُوهُ في الدِّياتِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: رَجُلٌ مِن أصْحابِي أصابَ رَجُلَيْنِ مَعَهُما أمانٌ مِنِّي فَلَزِمَنِي دِيَتُهُما، فَأُرِيدُ أنْ تُعِينُونِي، فَقالُوا: اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ ونُعْطِيَكَ ما تُرِيدُ، ثُمَّ هَمُّوا بِالفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ وبِأصْحابِهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الحالِ مَعَ أصْحابِهِ وخَرَجُوا، فَقالَ اليَهُودُ: إنَّ قُدُورَنا تَغْلِي، فَأعْلَمَهُمُ الرَّسُولُ أنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بِما عَزَمُوا عَلَيْهِ» . قالَ عَطاءٌ: تَآمَرُوا عَلى أنْ يَطْرَحُوا عَلَيْهِ رَحًا أوْ حَجَرًا، وقِيلَ: بَلْ
صفحة ١٤٥
ألْقَوْا فَأخَذَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: قالَ آخَرُونَ: «إنَّ الرَّسُولَ نَزَلَ مَنزِلًا وتَفَرَّقَ النّاسُ عَنْهُ، وعَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ وسَلَّ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقالَ: لا أحَدَ، ثُمَّ صاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأصْحابِهِ فَأخْبَرَهم وأبى أنْ يُعاقِبَهُ»، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تَذْكِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدَفْعِ الشَّرِّ والمَكْرُوهِ عَنْ نَبِيِّهِمْ، فَإنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ لَكانَ مِن أعْظَمِ المِحَنِ.
والثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ قامُوا إلى صَلاةِ الظُّهْرِ بِالجَماعَةِ وذَلِكَ بَعُسْفانَ، فَلَمّا صَلَّوْا نَدِمَ المُشْرِكُونَ وقالُوا لَيْتَنا أوْقَعْنا بِهِمْ في أثْناءِ صَلاتِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: إنَّ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَها صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ وآبائِهِمْ، يَعْنُونَ صَلاةَ العَصْرِ، فَهَمُّوا بِأنْ يُوقِعُوا بِهِمْ إذا قامُوا إلَيْهِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصَلاةِ الخَوْفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: بَسَطَ إلَيْهِ لِسانَهُ إذا شَتَمَهُ، وبَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ إذا بَطَشَ بِهِ. ومَعْنى بَسْطِ اليَدِ مَدُّها إلى المَبْطُوشِ بِهِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهم: فُلانٌ بَسِيطُ الباعِ ومَدِيدُ الباعِ بِمَعْنى واحِدٍ ﴿فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ أيْ مَنَعَها أنْ تَصِلَ إلَيْكم.
المائدة 5:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خاطَبَ المُؤْمِنِينَ فِيما تَقَدَّمَ فَقالَ ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ (المائِدَةِ: ٧) ثُمَّ ذَكَرَ الآنَ أنَّهُ أخَذَ المِيثاقَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَكِنَّهم نَقَضُوهُ وتَرَكُوا الوَفاءَ بِهِ، فَلا تَكُونُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ مِثْلَ أُولَئِكَ اليَهُودِ في هَذا الخُلُقِ الذَّمِيمِ؛ لِئَلّا تَصِيرُوا مِثْلَهم فِيما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ اللَّعْنِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ (المائِدَةِ: ١١) وقَدْ ذَكَرْنا في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وأنَّهم أرادُوا إيقاعَ الشَّرِّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَضائِحِهِمْ وبَيانِ أنَّهم أبَدًا كانُوا مُواظِبِينَ عَلى نَقْضِ العُهُودِ والمَواثِيقِ.
الثّالِثُ: أنَّ الغَرَضَ مِنَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ تَرْغِيبُ المُكَلَّفِينَ في قَبُولِ التَّكالِيفِ وتَرْكِ التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ كَلَّفَ مَن كانَ قَبْلَ المُسْلِمِينَ كَما كَلَّفَهم لِيَعْلَمُوا أنَّ عادَةَ اللَّهِ في التَّكْلِيفِ والإلْزامِ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ بِهِمْ، بَلْ هي عادَةٌ جارِيَةٌ لَهُ مَعَ جَمِيعِ عِبادِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: النَّقِيبُ فَعِيلٌ أصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ، وهو الثُّقْبُ الواسِعُ، يُقالُ فُلانٌ نَقِيبُ القَوْمِ؛ لِأنَّهُ يَنْقُبُ عَنْ أحْوالِهِمْ كَما يَنْقُبُ عَنِ الأسْرارِ، ومِنهُ المَناقِبُ وهي الفَضائِلُ؛ لِأنَّها لا تَظْهَرُ إلّا بِالتَّنْقِيبِ عَنْها، ونَقَبْتُ الحائِطَ أيْ بَلَغْتُ في النَّقْبِ إلى آخِرِهِ، ومِنهُ النُّقْبَةُ السَّراوِيلُ بِغَيْرِ رِجْلَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ بُولِغَ في فَتْحِها ونَقْبِها، ويُقالُ: كَلْبٌ نَقِيبٌ، وهو أنْ يَنْقُبَ حَنْجَرَتَهُ؛ لِئَلّا يَرْتَفِعَ صَوْتُ نُباحِهِ، وإنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ البُخَلاءُ مِنَ العَرَبِ لِئَلّا يَطْرُقَهم ضَيْفٌ.
صفحة ١٤٦
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النَّقِيبُ فَعِيلٌ، والفَعِيلُ يَحْتَمِلُ الفاعِلَ والمَفْعُولَ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى الفاعِلِ فَهو النّاقِبُ عَنْ أحْوالِ القَوْمِ المُفَتِّشُ عَنْها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: النَّقِيبُ هَهُنا فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَعْنِي اخْتارَهم عَلى عِلْمٍ بِهِمْ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ يُقالُ لِلْمَضْرُوبِ: ضَرِيبٌ، ولِلْمَقْتُولِ قَتِيلٌ. وقالَ الأصَمُّ: هُمُ المَنظُورُ إلَيْهِمْ والمُسْنَدُ إلَيْهِمْ أُمُورُ القَوْمِ وتَدْبِيرُ مَصالِحِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فاخْتارَ اللَّهُ تَعالى مِن كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا يَكُونُ نَقِيبًا لَهم وحاكِمًا فِيهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ: أنَّ النُّقَباءَ بُعِثُوا إلى مَدِينَةِ الجَبّارِينَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقِتالِ مَعَهم لِيَقِفُوا عَلى أحْوالِهِمْ ويَرْجِعُوا بِذَلِكَ إلى نَبِيِّهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا ذَهَبُوا إلَيْهِمْ رَأوْا أجْرامًا عَظِيمَةً وقُوَّةً وشَوْكَةً فَهابُوا ورَجَعُوا فَحَدَّثَهم قَوْمُهم، وقَدْ نَهاهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُحَدِّثُوهم، فَنَكَثُوا المِيثاقَ إلّا كالِبَ بْنَ يُوفِنا مَن سِبْطِ يَهُوذا، ويُوشَعَ بْنَ نُونٍ مِن سِبْطِ إفْراثِيمَ بْنِ يُوسُفَ، وهُما اللَّذانِ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِما ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٣) الآيَةَ.
* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وقالَ اللَّهُ لَهم إنِّي مَعَكم، إلّا أنَّهُ حَذَفَ ذَلِكَ لِاتِّصالِ الكَلامِ بِذِكْرِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿إنِّي مَعَكُمْ﴾ خِطابٌ لِمَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلنُّقَباءِ، أيْ وقالَ اللَّهُ لِلنُّقَباءِ: إنِّي مَعَكم.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِكُلِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَكُونُ عائِدًا إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وأقْرَبُ المَذْكُورِ هُنا النُّقَباءُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ﴾ والمَعْنى إنِّي مَعَكم بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ فَأسْمَعُ كَلامَكم وأرى أفْعالَكم وأعْلَمُ ضَمائِرَكم وأقْدِرُ عَلى إيصالِ الجَزاءِ إلَيْكم، فَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي مَعَكُمْ﴾ مُقَدِّمَةٌ مُعْتَبَرَةٌ جِدًّا في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ثُمَّ لَمّا وضَعَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ المُقَدِّمَةَ الكُلِّيَّةَ ذَكَرَ بَعْدَها جُمْلَةً شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ فِيها مُرَكَّبٌ مِن أُمُورٍ خَمْسَةٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ والجَزاءُ هو قَوْلُهُ ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى إزالَةِ العِقابِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وهو إشارَةٌ إلى إيصالِ الثَّوابِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
صفحة ١٤٧
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ أخَّرَ الإيمانَ بِالرُّسُلِ عَنْ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ مَعَ أنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْها ؟
والجَوابُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّهُ لا بُدَّ في حُصُولِ النَّجاةِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ إلّا أنَّهم كانُوا مُصِرِّينَ عَلى تَكْذِيبِ بَعْضِ الرُّسُلِ، فَذَكَرَ بَعْدَ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإيمانِ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ حَتّى يَحْصُلَ المَقْصُودُ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ تَأْثِيرٌ في حُصُولِ النَّجاةِ بِدُونِ الإيمانِ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ.
والسُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى التَّعْزِيرِ ؟ الجَوابُ: قالَ الزَّجّاجُ: العَزْرُ في اللُّغَةِ الرَّدُّ، وتَأْوِيلُ عَزَّرْتُ فُلانًا، أيْ فَعَلْتُ بِهِ ما يَرُدُّهُ عَنِ القَبِيحِ ويَزْجُرُهُ عَنْهُ، ولِهَذا قالَ الأكْثَرُونَ: مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أيْ نَصَرْتُمُوهم؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَصَرَ إنْسانًا فَقَدْ رَدَّ عَنْهُ أعْداءَهُ. قالَ: ولَوْ كانَ التَّعْزِيرُ هو التَّوْقِيرُ لَكانَ قَوْلُهُ ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ (الفَتْحِ: ٩) تَكْرارًا.
والسُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ دَخَلَ تَحْتَ إيتاءِ الزَّكاةِ، فَما الفائِدَةُ في الإعادَةِ ؟
والجَوابُ: المُرادُ بِإيتاءِ الزَّكاةِ الواجِباتُ. وبِهَذا الإقْراضِ الصَّدَقاتُ المَندُوبَةُ، وخَصَّها بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِها وعُلُوِّ مَرْتَبَتِها. قالَ الفَرّاءُ: ولَوْ قالَ: وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ إقْراضًا حَسَنًا لَكانَ صَوابًا أيْضًا إلّا أنَّهُ قَدْ يُقامُ الِاسْمُ مَقامَ المَصْدَرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٧) ولَمْ يَقُلْ بَتَقَبُّلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ ولَمْ يَقُلْ إنْباتًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ أخْطَأ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو الدِّينُ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم.
فَإنْ قِيلَ: مَن كَفَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أيْضًا فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.
قُلْنا: أجَلْ، ولَكِنَّ الضَّلالَ بَعْدَهُ أظْهَرُ وأعْظَمُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ إنَّما عَظُمَ قُبْحُهُ لِعِظَمِ النِّعْمَةِ المَكْفُورَةِ، فَإذا زادَتِ النِّعْمَةُ زادَ قُبْحُ الكُفْرِ وبَلَغَ النِّهايَةَ القُصْوى.
المائدة 5:13
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في نَقْضِهِمُ المِيثاقَ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وقَتْلِ الأنْبِياءِ.
الثّانِي: بِكِتْمانِهِمْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
الثّالِثُ: مَجْمُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ”اللَّعْنِ“ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ عَطاءٌ: لَعَنّاهم أيْ أخْرَجْناهم مِن رَحْمَتِنا.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ: مَسَخْناهم حَتّى صارُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ضَرَبْنا الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ
صفحة ١٤٨
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (قَسِيَّةً) بِتَشْدِيدِ الياءِ بِغَيْرِ ألْفٍ عَلى وزْنِ فَعِلْيَةٍ، والباقُونَ بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ، وفي قَوْلِهِ (قَسِيَّةً) وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ القَسِيَّةُ بِمَعْنى القاسِيَةِ إلّا أنَّ القَسِيَّ أبْلَغُ مِنَ القاسِي، كَما يُقالُ: قادِرٌ وقَدِيرٌ، وعالِمٌ وعَلِيمٌ، وشاهِدٌ وشَهِيدٌ، فَكَما أنَّ القَدِيرَ أبْلَغُ مِنَ القادِرِ فَكَذَلِكَ القِسِيُّ أبْلَغُ مِنَ القاسِي.
الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ عَلى وزْنِ شَقِيٍّ، أيْ فاسِدٌ رَدِيءٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو أيْضًا مِنَ القَسْوَةِ؛ لِأنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ الخالِصَيْنِ فِيهِما لِينٌ، والمَغْشُوشَ فِيهِ يُبْسٌ وصَلابَةٌ، وقُرِئَ (قِسِيَّةً) بِكَسْرِ القافِ لِلْإتْباعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ أيْ جَعَلْناها نائِيَةً عَنْ قَبُولِ الحَقِّ مُنْصَرِفَةً عَنِ الِانْقِيادِ لِلدَّلائِلِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ أيْ أخْبَرْنا عَنْها بِأنَّها صارَتْ قاسِيَةً كَما يُقالُ: فُلانٌ جَعَلَ فُلانًا فاسِقًا وعَدْلًا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْضَ ما هو مِن نَتائِجِ تِلْكَ القَسْوَةِ فَقالَ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وهَذا التَّحْرِيفُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ الباطِلَ، ويَحْتَمِلُ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ، وقَدْ بَيَّنّا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ الكِتابَ المَنقُولَ بِالتَّواتُرِ لا يَتَأتّى فِيهِ تَغْيِيرُ اللَّفْظِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرَكُوا نَصِيبًا مِمّا أُمِرُوا بِهِ في كِتابِهِمْ وهو الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ وفي الخائِنَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الخائِنَةَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، ونَظِيرُهُ كَثِيرٌ، كالكافِيَةِ والعافِيَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ (الحاقَّةِ: ٥) أيْ بِالطُّغْيانِ. وقالَ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ (الواقِعَةِ: ٢) أيْ كَذِبٌ. وقالَ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ (الغاشِيَةِ: ١١) أيْ لَغْوًا. وتَقُولُ العَرَبُ: سَمِعْتُ راغِيَةَ الإبِلِ، وثاغِيَةَ الشّاءِ يَعْنُونَ رُغاءَها وثُغاءَها. وقالَ الزَّجّاجُ: ويُقالُ عافاهُ اللَّهُ عافِيَةً.
والثّانِي: أنْ يُقالَ: الخائِنَةُ صِفَةٌ، والمَعْنى: تَطَّلِعُ عَلى فِرْقَةٍ خائِنَةٍ أوْ نَفْسٍ خائِنَةٍ أوْ عَلى فِعْلَةٍ ذاتِ خِيانَةٍ. وقِيلَ: أرادَ الخائِنَ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وقُرِئَ ”عَلى خِيانَةٍ مِنهم“ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا القَلِيلُ مِنَ الَّذِينَ بَقُوا عَلى العَهْدِ ولَمْ يَخُونُوا فِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ عَفْوٌ وصَفْحٌ عَنِ الكُفّارِ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الآيَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المَعْنى فاعْفُ عَنْ مُذْنِبِهِمْ ولا تُؤاخِذْهم بِما سَلَفَ مِنهم.
والثّانِي: أنّا إذا حَمَلْنا القَلِيلَ عَنِ الكُفّارِ مِنهُمُ الَّذِينَ بَقُوا عَلى الكُفْرِ، فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ مِنها أمْرُ اللَّهِ رَسُولِهِ بِأنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويَصْفَحَ عَنْ صَغائِرِ زَلّاتِهِمْ ما دامُوا باقِينَ عَلى العَهْدِ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا عَفَوْتَ فَأنْتَ
صفحة ١٤٩
مُحْسِنٌ، وإذا كُنْتَ مُحْسِنًا فَقَدْ أحَبَّكَ اللَّهُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَؤُلاءِ المُحْسِنِينَ هُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ صَرْفَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ إلى الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّهُ هو المَأْمُورُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي إلى غَيْرِ الرَّسُولِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أوْلى.
المائدة 5:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ والمُرادُ أنَّ سَبِيلَ النَّصارى مِثْلُ سَبِيلِ اليَهُودِ في نَقْضِ المَواثِيقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإنَّما قالَ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ ولَمْ يَقُلْ: ومِنَ النَّصارى؛ وذَلِكَ لِأنَّهم إنَّما سَمَّوْا أنْفُسَهم بِهَذا الِاسْمِ ادِّعاءً لِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لِعِيسى: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٥٢) فَكانَ هَذا الِاسْمُ في الحَقِيقَةِ اسْمَ مَدْحٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَدَّعُونَ هَذِهِ الصِّفَةَ، ولَكِنَّهم لَيْسُوا مَوْصُوفِينَ بِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ أيْ مَكْتُوبٌ في الإنْجِيلِ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وتَنْكِيرُ ”الحَظِّ“ في الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ حَظٌّ واحِدٌ، وهو الَّذِي ذَكَرْناهُ مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وإنَّما خَصَّ هَذا الواحِدَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهم تَرَكُوا الكَثِيرَ مِمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ؛ لِأنَّ هَذا هو المُعَظَّمُ والمُهِمُّ، وقَوْلُهُ ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ أيْ ألْصَقْنا العَداوَةَ والبَغْضاءَ بِهِمْ، يُقالُ: أُغْرِيَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا ولِعَ بِهِ كَأنَّهُ أُلْصِقَ بِهِ، ويُقالُ لِما التَصَقَ بِهِ الشَّيْءُ: الغِراءُ، وفي قَوْلِهِ (بَيْنَهم) وجْهانِ:
أحَدُهُما: بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
والثّانِي: بَيْنَ فِرَقِ النَّصارى، فَإنَّ بَعْضَهم يُكَفِّرُ بَعْضًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (الأنْعامِ: ٦٥) وقَوْلُهُ: ﴿وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وعِيدٌ لَهم.
المائدة 5:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
صفحة ١٥٠
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ اليَهُودِ وعَنِ النَّصارى نَقْضَهُمُ العَهْدَ وتَرْكَهم ما أُمِرُوا بِهِ، دَعاهم عَقِيبَ ذَلِكَ إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، وإنَّما وحَّدَ الكِتابَ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الجِنْسِ، ثُمَّ وصَفَ الرَّسُولَ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُبَيِّنُ لَهم كَثِيرًا مِمّا كانُوا يُخْفُونَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْفَوْا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأخْفَوْا أمْرَ الرَّجْمِ، ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ ﷺ بَيَّنَ ذَلِكَ لَهم؛ وهَذا مُعْجِزٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا ولَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا مِن أحَدٍ، فَلَمّا أخْبَرَهم بِأسْرارِ ما في كِتابِهِمْ كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
والوَصْفُ الثّانِي لِلرَّسُولِ: قَوْلُهُ ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أيْ لا يُظْهِرُ كَثِيرًا مِمّا تَكْتُمُونَهُ أنْتُمْ، وإنَّما لَمْ يُظْهِرْهُ؛ لِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى إظْهارِهِ في الدِّينِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ ذَلِكَ أنَّهم يَعْلَمُونَ كَوْنَ الرَّسُولِ عالِمًا بِكُلِّ ما يُخْفُونَهُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى تَرْكِ الإخْفاءِ لِئَلّا يَفْتَضِحُوا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ مُحَمَّدٌ، وبِالكِتابِ القُرْآنُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ الإسْلامُ، وبِالكِتابِ القُرْآنُ.
الثّالِثُ: النُّورُ والكِتابُ هو القُرْآنُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ المُغايَرَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وتَسْمِيَةُ مُحَمَّدٍ والإسْلامِ والقُرْآنِ بِالنُّورِ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ النُّورَ الظّاهِرَ هو الَّذِي يَتَقَوّى بِهِ البَصَرُ عَلى إدْراكِ الأشْياءِ الظّاهِرَةِ، والنُّورُ الباطِنُ أيْضًا هو الَّذِي تَتَقَوّى بِهِ البَصِيرَةُ عَلى إدْراكِ الحَقائِقِ والمَعْقُولاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ بِالكِتابِ المُبِينِ ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ مَن كانَ مَطْلُوبُهُ مِن طَلَبِ الدِّينَ اتِّباعَ الدِّينِ الَّذِي يَرْتَضِيهِ اللَّهُ تَعالى، فَأمّا مَن كانَ مَطْلُوبُهُ مِن دِينِهِ تَقْرِيرَ ما ألِفَهُ ونَشَأ عَلَيْهِ وأخَذَهُ مِن أسْلافِهِ مَعَ تَرْكِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، فَمَن كانَ كَذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُتَّبِعٍ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ أيْ: طُرُقَ السَّلامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ سُبُلَ دارِ السَّلامِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ (مُحَمَّدٍ: ٥) لَيْسَ المُرادُ هِدايَةَ الإسْلامِ، بَلِ الهِدايَةُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ أيْ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وذَلِكَ أنَّ الكُفْرَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ صاحِبُهُ كَما يَتَحَيَّرُ في الظَّلامِ، ويَهْتَدِي بِالإيمانِ إلى طُرُقِ الجَنَّةِ كَما يَهْتَدِي بِالنُّورِ، وقَوْلُهُ (بِإذْنِهِ) أيْ بِتَوْفِيقِهِ، والباءُ تَتَعَلَّقُ بِالِاتِّباعِ أيِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ بِإذْنِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِالهِدايَةِ ولا بِالإخْراجِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَتَّبِعُ رِضْوانَ اللَّهِ إلّا مَن أرادَ اللَّهُ مِنهُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الدِّينُ الحَقُّ؛ لِأنَّ الحَقَّ واحِدٌ لِذاتِهِ، ومُتَّفِقٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وأمّا الباطِلُ فَفِيهِ كَثْرَةٌ، وكُلُّها مُعْوَجَّةٌ.
المائدة 5:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
صفحة ١٥٠
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ اليَهُودِ وعَنِ النَّصارى نَقْضَهُمُ العَهْدَ وتَرْكَهم ما أُمِرُوا بِهِ، دَعاهم عَقِيبَ ذَلِكَ إلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى، وإنَّما وحَّدَ الكِتابَ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الجِنْسِ، ثُمَّ وصَفَ الرَّسُولَ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُبَيِّنُ لَهم كَثِيرًا مِمّا كانُوا يُخْفُونَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْفَوْا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأخْفَوْا أمْرَ الرَّجْمِ، ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ ﷺ بَيَّنَ ذَلِكَ لَهم؛ وهَذا مُعْجِزٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا ولَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا مِن أحَدٍ، فَلَمّا أخْبَرَهم بِأسْرارِ ما في كِتابِهِمْ كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
والوَصْفُ الثّانِي لِلرَّسُولِ: قَوْلُهُ ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أيْ لا يُظْهِرُ كَثِيرًا مِمّا تَكْتُمُونَهُ أنْتُمْ، وإنَّما لَمْ يُظْهِرْهُ؛ لِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى إظْهارِهِ في الدِّينِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ ذَلِكَ أنَّهم يَعْلَمُونَ كَوْنَ الرَّسُولِ عالِمًا بِكُلِّ ما يُخْفُونَهُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى تَرْكِ الإخْفاءِ لِئَلّا يَفْتَضِحُوا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ مُحَمَّدٌ، وبِالكِتابِ القُرْآنُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ الإسْلامُ، وبِالكِتابِ القُرْآنُ.
الثّالِثُ: النُّورُ والكِتابُ هو القُرْآنُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ المُغايَرَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وتَسْمِيَةُ مُحَمَّدٍ والإسْلامِ والقُرْآنِ بِالنُّورِ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ النُّورَ الظّاهِرَ هو الَّذِي يَتَقَوّى بِهِ البَصَرُ عَلى إدْراكِ الأشْياءِ الظّاهِرَةِ، والنُّورُ الباطِنُ أيْضًا هو الَّذِي تَتَقَوّى بِهِ البَصِيرَةُ عَلى إدْراكِ الحَقائِقِ والمَعْقُولاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ بِالكِتابِ المُبِينِ ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ مَن كانَ مَطْلُوبُهُ مِن طَلَبِ الدِّينَ اتِّباعَ الدِّينِ الَّذِي يَرْتَضِيهِ اللَّهُ تَعالى، فَأمّا مَن كانَ مَطْلُوبُهُ مِن دِينِهِ تَقْرِيرَ ما ألِفَهُ ونَشَأ عَلَيْهِ وأخَذَهُ مِن أسْلافِهِ مَعَ تَرْكِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، فَمَن كانَ كَذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُتَّبِعٍ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ أيْ: طُرُقَ السَّلامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ سُبُلَ دارِ السَّلامِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ (مُحَمَّدٍ: ٥) لَيْسَ المُرادُ هِدايَةَ الإسْلامِ، بَلِ الهِدايَةُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ أيْ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وذَلِكَ أنَّ الكُفْرَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ صاحِبُهُ كَما يَتَحَيَّرُ في الظَّلامِ، ويَهْتَدِي بِالإيمانِ إلى طُرُقِ الجَنَّةِ كَما يَهْتَدِي بِالنُّورِ، وقَوْلُهُ (بِإذْنِهِ) أيْ بِتَوْفِيقِهِ، والباءُ تَتَعَلَّقُ بِالِاتِّباعِ أيِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ بِإذْنِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِالهِدايَةِ ولا بِالإخْراجِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَتَّبِعُ رِضْوانَ اللَّهِ إلّا مَن أرادَ اللَّهُ مِنهُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الدِّينُ الحَقُّ؛ لِأنَّ الحَقَّ واحِدٌ لِذاتِهِ، ومُتَّفِقٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وأمّا الباطِلُ فَفِيهِ كَثْرَةٌ، وكُلُّها مُعْوَجَّةٌ.
المائدة 5:17
صفحة ١٥١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ أحَدًا مِنَ النَّصارى لا يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، فَكَيْفَ حَكى اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ مَعَ أنَّهم لا يَقُولُونَ بِهِ.
وجَوابُهُ: أنَّ كَثِيرًا مِنَ الحُلُولِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَحِلُّ في بَدَنِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، أوْ في رُوحِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى ذَهَبُوا إلى هَذا القَوْلِ، بَلْ هَذا أقْرَبُ مِمّا يَذْهَبُ إلَيْهِ النَّصارى، وذَلِكَ لِأنَّهم يَقُولُونَ: أنَّ أُقْنُومَ الكَلِمَةِ اتَّحَدَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأُقْنُومُ الكَلِمَةِ إمّا أنْ يَكُونَ ذاتًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ ذاتًا فَذاتُ اللَّهِ تَعالى قَدْ حَلَّتْ في عِيسى واتَّحَدَتْ بِعِيسى فَيَكُونُ عِيسى هو الإلَهُ عَلى هَذا القَوْلِ. وإنْ قُلْنا: إنَّ الأُقْنُومَ عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ، فانْتِقالُ الصِّفَةِ مِن ذاتٍ إلى ذاتٍ أُخْرى غَيْرُ مَعْقُولٍ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ انْتِقالِ أُقْنُومِ العِلْمِ عَنْ ذاتِ اللَّهِ تَعالى إلى عِيسى يَلْزَمُ خُلُوَّ ذاتِ اللَّهِ عَنِ العِلْمِ، ومَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا لَمْ يَكُنْ إلَهًا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الإلَهُ هو عِيسى عَلى قَوْلِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ النَّصارى وإنْ كانُوا لا يُصَرِّحُونَ بِهَذا القَوْلِ إلّا أنَّ حاصِلَ مَذْهَبِهِمْ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ:
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ وهَذِهِ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ قَدَّمَ فِيها الجَزاءَ عَلى الشَّرْطِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا، فَمَنِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْفَعَهُ عَنْ مُرادِهِ ومَقْدُورِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ فَمَن يَمْلِكُ مِن أفْعالِ اللَّهِ شَيْئًا، والمُلْكُ هو القُدْرَةُ، يَعْنِي فَمَنِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ شَيْءٍ مِن أفْعالِ اللَّهِ تَعالى ومَنعِ شَيْءٍ مِن مُرادِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ يَعْنِي أنَّ عِيسى مُشاكِلٌ لِمَن في الأرْضِ في الصُّورَةِ والخِلْقَةِ والجِسْمِيَّةِ والتَّرْكِيبِ وتَغْيِيرِ الصِّفاتِ والأحْوالِ، فَلَمّا سَلَّمْتُمْ كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لِلْكُلِّ مُدَبِّرًا لِلْكُلِّ وجَبَ أنْ يَكُونَ أيْضًا خالِقًا لِعِيسى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ إنَّما قالَ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ بَعْدَ ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولَمْ يَقُلْ: بَيْنَهُنَّ؛ لِأنَّهُ ذَهَبَ بِذَلِكَ مَذْهَبَ الصِّنْفَيْنِ والنَّوْعَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿يخْلُقُ ما يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: يَعْنِي يَخْلُقُ ما يَشاءُ، فَتارَةً يَخْلُقُ الإنْسانَ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى كَما هو مُعْتادٌ، وتارَةً لا مِنَ الأبِ والأُمِّ كَما في حَقِّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتارَةً مِنَ الأُمِّ لا مِنَ الأبِ كَما في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: يَخْلُقُ ما يَشاءُ، يَعْنِي أنَّ عِيسى إذا قَدَّرَ صُورَةَ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ فاللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ فِيهِ اللَّحْمِيَّةَ والحَياةَ والقُدْرَةَ مُعْجِزَةً لِعِيسى، وتارَةً يُحْيِي المَوْتى ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ مُعْجِزَةً لَهُ، ولا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ.
المائدة 5:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ اليَهُودَ لا يَقُولُونَ ذَلِكَ البَتَّةَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ نَقْلُ هَذا القَوْلِ عَنْهم ؟ وأمّا النَّصارى فَإنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ في حَقِّ عِيسى لا في حَقِّ
صفحة ١٥٢
أنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ يَجُوزُ هَذا النَّقْلُ عَنْهم ؟
أجابَ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ نَحْنُ أبْناءُ رُسُلِ اللَّهِ، فَأُضِيفَ إلى اللَّهِ ما هو في الحَقِيقَةِ مُضافٌ إلى رُسُلِ اللَّهِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ (الفَتْحِ: ١٠) .
والثّانِي: أنَّ لَفْظَ الِابْنِ كَما يُطْلَقُ عَلى ابْنِ الصُّلْبِ فَقَدْ يُطْلَقُ أيْضًا عَلى مَن يَتَّخِذُ ابْنًا، واتِّخاذُهُ ابْنًا بِمَعْنى تَخْصِيصِهِ بِمَزِيدِ الشَّفَقَةِ والمَحَبَّةِ، فالقَوْمُ لَمّا ادَّعَوْا أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ بِهِمْ أشَدُّ وأكْمَلُ مِن عِنايَتِهِ بِكُلِّ ما سِواهم، لا جَرَمَ عَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ دَعْواهم كَمالَ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ بِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ.
الثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا زَعَمُوا أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى زَعَمُوا أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، ثُمَّ زَعَمُوا أنَّ عُزَيْرًا والمَسِيحَ كانا مِنهم، صارَ ذَلِكَ كَأنَّهم قالُوا نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ، ألا تَرى أنَّ أقارِبَ المَلِكِ إذا فاخَرُوا إنْسانًا فَقَدْ يَقُولُونَ: نَحْنُ مُلُوكُ الدُّنْيا، ونَحْنُ سَلاطِينُ العالَمِ، وغَرَضُهم مِنهُ كَوْنُهم مُخْتَصِّينَ بِذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي هو المَلِكُ والسُّلْطانُ فَكَذا هَهُنا.
والرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ إلى دِينِ الإسْلامِ وخَوَّفَهم بِعِقابِ اللَّهِ تَعالى فَقالُوا: كَيْفَ تُخَوِّفُنا بِعِقابِ اللَّهِ ونَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَهَذِهِ الرِّوايَةُ إنَّما وقَعَتْ عَنْ تِلْكَ الطّائِفَةِ، وأمّا النَّصارى فَإنَّهم يَتْلُونَ في الإنْجِيلِ الَّذِي لَهم أنَّ المَسِيحَ قالَ لَهم: ”أذْهَبُ إلى أبِي وأبِيكم“ وجُمْلَةُ الكَلامِ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَرَوْنَ لِأنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَلى سائِرِ الخَلْقِ بِسَبَبِ أسْلافِهِمُ الأفاضِلِ مِنَ الأنْبِياءِ حَتّى انْتَهَوْا في تَعْظِيمِ أنْفُسِهِمْ إلى أنْ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أبْطَلَ عَلَيْهِمْ دَعْواهم وقالَ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ أنَّهم لَوْ كانُوا أبْناءَ اللَّهِ وأحِبّاءَهُ لَما عَذَّبَهم لَكِنَّهُ عَذَّبَهم، فَهم لَيْسُوا أبْناءَ اللَّهِ ولا أحِبّاءَهُ، والإشْكالُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: إمّا أنْ تَدَّعُوا أنَّ اللَّهَ عَذَّبَهم في الدُّنْيا أوْ تَدَّعُوا أنَّهُ سَيُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ، فَإنْ كانَ مَوْضِعُ الإلْزامِ عَذابَ الدُّنْيا، فَهَذا لا يَقْدَحُ في ادِّعائِهِمْ كَوْنَهم أحِبّاءَ اللَّهِ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ هو وأمَّتُهُ أحِبّاءُ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهم ما خَلَوْا عَنْ مِحَنِ الدُّنْيا. انْظُرُوا إلى وقْعَةِ أُحُدٍ، وإلى قَتْلِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ، وإنْ كانَ مَوْضِعُ الإلْزامِ هو أنَّهُ تَعالى سَيُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ فالقَوْمُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. ومُجَرَّدُ إخْبارِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ بِكافٍ في هَذا البابِ، إذْ لَوْ كانَ كافِيًا لَكانَ مُجَرَّدُ إخْبارِهِ بِأنَّهم كَذَبُوا في ادِّعائِهِمْ أنَّهم أحِبّاءُ اللَّهِ كافِيًا، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذا الِاسْتِدْلالُ ضائِعًا.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ مَوْضِعَ الإلْزامِ هو عَذابُ الدُّنْيا، والمُعارَضَةُ بِيَوْمِ أُحُدٍ غَيْرُ لازِمَةٍ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: لَوْ كانُوا أبْناءَ اللَّهِ وأحِبّاءَهُ لَما عَذَّبَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ادَّعى أنَّهُ مِن أحِبّاءِ اللَّهِ ولَمْ يَدَّعِ أنَّهُ مِن أبْناءِ اللَّهِ فَزالَ السُّؤالُ.
الثّانِي: أنَّ مَوْضِعَ الإلْزامِ هو عَذابُ الآخِرَةِ، واليَهُودُ والنَّصارى كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِعَذابِ الآخِرَةِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ (البَقَرَةِ: ٨٠) .
والثّالِثُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ فَلِمَ مَسَخَكم، فالمُعَذَّبُ في الحَقِيقَةِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ اليَهُودِ المُخاطَبِينَ بِهَذا الخِطابِ في زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلّا أنَّهم لَمّا كانُوا مِن جِنْسِ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ، وهَذا الجَوابُ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ لَمْ يَدْخُلْ بَعْدُ في الوُجُودِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُنا، بَلِ الأوْلى أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ قَدْ وُجِدَ وحَصَلَ حَتّى يَكُونَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ قَوِيًّا مَتِينًا.
صفحة ١٥٣
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ يُوجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ يَمْنَعُهُ مِن أنْ يُعَذِّبَهُ، بَلِ المُلْكُ لَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ مُرادَ القَوْمِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ كَمالُ رَحْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وكَمالُ عِنايَتِهِ بِهِمْ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَمَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ كُلَّ مَن أطاعَ اللَّهَ واحْتَرَزَ عَنِ الكَبائِرِ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ عَقْلًا إيصالُ الرَّحْمَةِ والنِّعْمَةِ إلَيْهِ أبَدَ الآبادِ، ولَوْ قَطَعَ عَنْهُ بَعْدَ أُلُوفِ سَنَةٍ في الآخِرَةِ تِلْكَ النِّعَمَ لَحْظَةً واحِدَةً لَبَطَلَتْ إلَهِيَّتُهُ ولَخَرَجَ عَنْ صِفَةِ الحِكْمَةِ، وهَذا أعْظَمُ مِن قَوْلِ اليَهُودِ والنَّصارى: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وكَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ إبْطالٌ لِقَوْلِ اليَهُودِ. فَبِأنْ يَكُونَ إبْطالًا لِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أوْلى وأكْمَلُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بِمَعْنى مَن كانَ مُلْكُهُ هَكَذا وقُدْرَتُهُ هَكَذا فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ البَشَرُ الضَّعِيفُ عَلَيْهِ حَقًّا واجِبًا ؟ وكَيْفَ يَمْلِكُ الإنْسانُ الجاهِلُ بِعِبادَتِهِ النّاقِصَةِ ومَعْرِفَتِهِ القَلِيلَةِ عَلَيْهِ دَيْنًا. إنَّها كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ أيْ وإلَيْهِ يَؤُولُ أمْرُ الخَلْقِ في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَمْلِكُ الضَّرَّ والنَّفْعَ هُناكَ إلّا هو كَما قالَ ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ .
المائدة 5:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقَدَّرَ المُبَيَّنُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَبَيَّنُ هو الدِّينُ والشَّرائِعُ، وإنَّما حَسُنَ حَذْفُهُ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ الرَّسُولَ إنَّما أُرْسِلَ لِبَيانِ الشَّرائِعِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ يُبَيِّنُ لَكم ما كُنْتُمْ تُخْفُونَ، وإنَّما حَسُنَ حَذْفُهُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يُقَدَّرَ المُبَيَّنُ ويَكُونُ المَعْنى يُبَيِّنُ لَكُمُ البَيانَ، وحَذْفُ المَفْعُولِ أكْمَلُ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ أعَمَّ فائِدَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، أيْ مُبَيِّنًا لَكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عَلى انْقِطاعٍ مِنَ الأنْبِياءِ، يُقالُ: فَتَرَ الشَّيْءُ يَفْتُرُ فُتُورًا إذا سَكَنَتْ حِدَّتُهُ وصارَ أقَلَّ مِمّا كانَ عَلَيْهِ، وسُمِّيَتِ المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ الأنْبِياءِ فَتْرَةً لِفُتُورِ الدَّواعِي في العَمَلِ بِتِلْكَ الشَّرائِعِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (جاءَكم) أيْ جاءَكم عَلى حِينِ فُتُورٍ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ. قِيلَ: كانَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ أوْ أقَلُّ أوْ أكْثَرُ. وعَنِ الكَلْبِيِّ كانَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى
صفحة ١٥٤
عَلَيْهِما السَّلامُ ألْفٌ وسَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ، وألْفا نَبِيٍّ، وبَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ أرْبَعَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ: ثَلاثَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ وهو خالِدُ بْنُ سِنانٍ العَبْسِيُّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الفائِدَةُ في بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ هي أنَّ التَّغْيِيرَ والتَّحْرِيفَ قَدْ تَطَرَّقَ إلى الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ لِتَقادُمِ عَهْدِها وطُولِ زَمانِها، وبِسَبَبِ ذَلِكَ اخْتَلَطَ الحَقُّ بِالباطِلِ والصِّدْقُ بِالكَذِبِ، وصارَ ذَلِكَ عُذْرًا ظاهِرًا في إعْراضِ الخَلْقِ عَنِ العِباداتِ؛ لِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا: يا إلَهَنا عَرَفْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن عِبادَتِكَ ولَكِنّا ما عَرَفْنا كَيْفَ نَعْبُدُ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى في هَذا الوَقْتِ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إزالَةً لِهَذا العُذْرِ، وهو ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ يَعْنِي إنَّما بَعَثْنا إلَيْكُمُ الرَّسُولَ في وقْتِ الفَتْرَةِ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا: ما جاءَنا في هَذا الوَقْتِ مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ فَزالَتْ هَذِهِ العِلَّةُ وارْتَفَعَ هَذا العُذْرُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والمَعْنى أنَّ حُصُولَ الفَتْرَةِ يُوجِبُ احْتِياجَ الخَلْقِ إلى بِعْثَةِ الرُّسُلِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَكانَ قادِرًا عَلى البِعْثَةِ، ولَمّا كانَ الخَلْقُ مُحْتاجِينَ إلى البِعْثَةِ، والرَّحِيمُ الكَرِيمُ قادِرًا عَلى البِعْثَةِ وجَبَ في كَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ أنْ يَبْعَثَ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الإشارَةُ إلى الدَّلالَةِ الَّتِي قَرَّرْناها.
المائدة 5:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ وجْهَ الِاتِّصالِ هو أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ واوُ عَطْفٍ، وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ وذَكَّرَهم مُوسى نِعَمَ اللَّهِ تَعالى وأمَرَهم بِمُحارَبَةِ الجَبّارِينَ فَخالَفُوا في القَوْلِ في المِيثاقِ، وخالَفُوهُ في مُحارَبَةِ الجَبّارِينَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بَعَثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَمِنهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى مِن قَوْمِهِ فانْطَلَقُوا مَعَهُ إلى الجَبَلِ، وأيْضًا كانُوا مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ بِالِاتِّفاقِ كانُوا مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ، وأوْلادُ يَعْقُوبَ أيْضًا كانُوا -عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ- أنْبِياءَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمَ مُوسى أنَّهُ لا يَبْعَثُ الأنْبِياءَ إلّا مِن ولَدِ يَعْقُوبَ ومِن ولَدِ إسْماعِيلَ، فَهَذا الشَّرَفُ حَصَلَ بِمَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ، وبِالَّذِينِ كانُوا حاضِرِينَ مَعَ مُوسى، وبِالَّذِينِ أخْبَرَ اللَّهُ مُوسى أنَّهُ سَيَبْعَثُهم مِن ولَدِ يَعْقُوبَ وإسْماعِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّهُ شَرَفٌ عَظِيمٌ.
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي وجَعَلَكم أحْرارًا تَمْلِكُونَ أنْفُسَكم بَعْدَ ما
صفحة ١٥٥
كُنْتُمْ في أيْدِي القِبْطِ بِمَنزِلَةِ أهْلِ الجِزْيَةِ فِينا، ولا يَغْلِبُكم عَلى أنْفُسِكم غالِبٌ.
وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَن كانَ رَسُولًا ونَبِيًّا كانَ مَلِكًا؛ لِأنَّهُ يَمْلِكُ أمْرَ أُمَّتِهِ ويَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِمْ، وكانَ نافِذَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ فَكانَ مَلِكًا، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (النِّساءِ: ٥٤) .
وثالِثُها: أنَّهُ كانَ في أسْلافِهِمْ وأخْلافِهِمْ مُلُوكٌ وعُظَماءُ، وقَدْ يُقالُ فِيمَن حَصَلَ فِيهِمْ مُلُوكٌ: أنْتُمْ مُلُوكٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.
ورابِعُها: أنَّ كُلَّ مَن كانَ مُسْتَقِلًّا بِأمْرِ نَفْسِهِ ومَعِيشَتِهِ ولَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا في مَصالِحِهِ إلى أحَدٍ فَهو مَلِكٌ. قالَ الزَّجّاجُ: المَلِكُ مَن لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ مَنازِلُهم واسِعَةً وفِيها مِياهٌ جارِيَةٌ، وكانَتْ لَهم أمْوالٌ كَثِيرَةٌ وخَدَمٌ يَقُومُونَ بِأمْرِهِمْ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مَلِكًا.
والنَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّهم بِأنْواعٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الإكْرامِ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى فَلَقَ البَحْرَ لَهم.
وثانِيها: أنَّهُ أهْلَكَ عَدُوَّهم وأوْرَثَهم أمْوالَهم.
وثالِثُها: أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى.
ورابِعُها: أنَّهُ أخْرَجَ لَهُمُ المِياهَ العَذْبَةَ مِنَ الحَجَرِ.
وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أظَلَّ فَوْقَهُمُ الغَمامَ.
وسادِسُها: أنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ لِقَوْمٍ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ كَما جُمِعَ لَهم.
وسابِعُها: أنَّهم في تِلْكَ الأيّامِ كانُوا هُمُ العُلَماءُ بِاللَّهِ وهم أحْبابُ اللَّهِ وأنْصارُ دِينِهِ.
المائدة 5:21
واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَّرَهم هَذِهِ النِّعْمَةَ وشَرَحَها لَهم أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِمُجاهَدَةِ العَدُوِّ فَقالَ:
﴿ياقَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا صَعِدَ جَبَلَ لُبْنانَ قالَ لَهُ اللَّهُ تَعالى: انْظُرْ فَما أدْرَكَهُ بَصَرُكَ فَهو مُقَدَّسٌ، وهو مِيراثٌ لِذُرِّيَّتِكَ. وقِيلَ: لَمّا خَرَجَ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مِصْرَ وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى إسْكانَ أرْضِ الشّامِ، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يُسَمُّونَ أرْضَ الشّامِ أرْضَ المَواعِيدِ، ثُمَّ بَعَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنَ الأُمَناءِ لِيَتَجَسَّسُوا لَهم عَنْ أحْوالِ تِلْكَ الأراضِي، فَلَمّا دَخَلُوا تِلْكَ البِلادَ رَأوْا أجْسامًا عَظِيمَةً هائِلَةً. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا بَعَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ النُّقَباءَ لِأجْلِ التَّجَسُّسِ رَآهم واحِدٌ مِن أُولَئِكَ الجَبّارِينَ فَأخَذَهم وجَعَلَهم في كُمِّهِ مَعَ فاكِهَةٍ كانَ قَدْ حَمَلَها مِن بُسْتانِهِ وأتى بِهِمُ المَلِكَ، فَنَثَرَهم بَيْنَ يَدَيْهِ وقالَ مُتَعَجِّبًا لِلْمَلِكِ: هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ قِتالَنا، فَقالَ المَلِكُ: ارْجِعُوا إلى صاحِبِكم وأخْبِرُوهُ بِما شاهَدْتُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ أُولَئِكَ النُّقَباءُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرُوهُ بِالواقِعَةِ، فَأمَرَهم أنْ يَكْتُمُوا ما عاهَدُوهُ فَلَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، إلّا رَجُلانِ مِنهم، وهُمايُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يُوفِنا، فَإنَّهُما سَهَّلا الأمْرَ وقالا: هي بِلادٌ طَيِّبَةٌ كَثِيرَةُ النِّعَمِ، والأقْوامُ وإنْ كانَتْ أجْسادُهم عَظِيمَةً إلّا أنَّ قُلُوبَهم ضَعِيفَةٌ، وأمّا العَشَرَةُ الباقِيَةُ فَقَدْ أوْقَعُوا الجُبْنَ في قُلُوبِ النّاسِ حَتّى أظْهَرُوا الِامْتِناعَ مِن غَزْوِهِمْ، فَقالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٤) فَدَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ أبْقاهم في التِّيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً. قالُوا: وكانَتْ مُدَّةُ غَيْبَةِ النُّقَباءِ لِلتَّجَسُّسِ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَعُوقِبُوا بِالتِّيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وماتَ أُولَئِكَ العُصاةُ في التِّيهِ، وأُهْلِكَ النُّقَباءُ العَشَرَةُ في التِّيهِ بِعُقُوباتٍ غَلِيظَةٍ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ماتا أيْضًا في التِّيهِ: ومِنهم مَن قالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ وخَرَجَ مَعَهُ يُوشَعُ وكالِبُ وقاتَلُوا الجَبّارِينَ وغَلَبُوهم
صفحة ١٥٦
ودَخَلُوا تِلْكَ البِلادَ، فَهَذِهِ هي القِصَّةُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِكَيْفِيَّةِ الأُمُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأرْضُ المُقَدَّسَةُ هي الأرْضُ المُطَهَّرَةُ طُهِّرَتْ مِنَ الآفاتِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: طُهِّرَتْ مِنَ الشِّرْكِ وجُعِلَتْ مَسْكَنًا وقَرارًا لِلْأنْبِياءِ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأرْضَ لَمّا قالَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ ما كانَتْ مُقَدَّسَةً عَنِ الشِّرْكِ، وما كانَتْ مَقَرًّا لِلْأنْبِياءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِأنَّها كانَتْ كَذَلِكَ فِيما قَبْلُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في تِلْكَ الأرْضِ، فَقالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: هي أرِيحا وقالَ الكَلْبِيُّ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، وقِيلَ الطُّورُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّها لَكم.
وثانِيها: وهَبَها اللَّهُ لَكم.
وثالِثُها: أمَرَكم بِدُخُولِها.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ (المائِدَةِ: ٢٦) .
والجَوابُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ هِبَةً ثُمَّ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ بِشُؤْمِ تَمَرُّدِهِمْ وعِصْيانِهِمْ. وقِيلَ: اللَّفْظُ وإنْ كانَ عامًّا لَكِنَّ المُرادَ هو الخُصُوصُ، فَصارَ كَأنَّهُ مَكْتُوبٌ لِبَعْضِهِمْ وحَرامٌ عَلى بَعْضِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ الوَعْدَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ مَشْرُوطٌ بِقَيْدِ الطّاعَةِ، فَلَمّا لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ لا جَرَمَ لَمْ يُوجَدِ المَشْرُوطُ، وقِيلَ: إنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا مَضى الأرْبَعُونَ حَصَلَ ما كَتَبَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي أنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا جَبّارِينَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءَ بِأنَّ تِلْكَ الأرْضَ لَهم، فَإنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِصِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمُوا قَطْعًا أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم عَلَيْهِمْ ويُسَلِّطُهم عَلَيْهِمْ فَلا بُدَّ وأنْ يُقْدِمُوا عَلى قِتالِهِمْ مِن غَيْرِ جُبْنٍ ولا خَوْفٍ ولا هَلَعٍ، فَهَذِهِ هي الفائِدَةُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: لا تَرْجِعُوا عَنِ الدِّينِ الصَّحِيحِ إلى الشَّكِّ في نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ تِلْكَ الأرْضَ لَهم كانَ هَذا وعْدًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُهم عَلَيْهِمْ، فَلَوْ لَمْ يَقْطَعُوا بِهَذِهِ النُّصْرَةِ صارُوا شاكِّينَ في صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَصِيرُوا كافِرِينَ بِالإلَهِيَّةِ والنُّبُوَّةِ.
والوَجْهُ الثّانِي: المُرادُ لا تَرْجِعُوا عَنِ الأرْضِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِدُخُولِها إلى الأرْضِ الَّتِي خَرَجْتُمْ عَنْها. يُرْوى أنَّ القَوْمَ كانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى مِصْرَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: خاسِرِينَ في الآخِرَةِ فَإنَّهُ يَفُوتُكُمُ الثَّوابُ ويَلْحَقُكُمُ العِقابُ.
وثانِيها: تَرْجِعُونَ إلى الذُّلِّ.
وثالِثُها: تَمُوتُونَ في التِّيهِ ولا تَصِلُونَ إلى شَيْءٍ مِن مَطالِبِ الدُّنْيا ومَنافِعِ الآخِرَةِ.
المائدة 5:22
صفحة ١٥٧
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا يامُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ وفي تَفْسِيرِ الجَبّارِينَ وجْهانِ:
الأوَّلُ: الجَبّارُ فَعّالٌ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى أجْبَرَهُ عَلَيْهِ، وهو العاتِي الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وهَذا هو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ وهُما: جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ إذا كانَتْ طَوِيلَةً مُرْتَفِعَةً لا تَصِلُ الأيْدِي إلَيْها، ويُقالُ: رَجُلٌ جَبّارٌ إذا كانَ طَوِيلًا عَظِيمًا قَوِيًّا، تَشْبِيهًا بِالجَبّارِ مِنَ النَّخْلِ، والقَوْمُ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ وعِظَمِ الأجْسامِ بِحَيْثُ كانَتْ أيْدِي قَوْمِ مُوسى ما كانَتْ تَصِلُ إلَيْهِمْ، فَسَمَّوْهم جَبّارِينَ لِهَذا المَعْنى.
ثُمَّ قالَ القَوْمُ: ﴿وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ وإنَّما قالُوا هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ (الأعْرافِ: ٤٠) .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذانِ الرَّجُلانِ هُما يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ بْنُ يُوفِنا، وكانا مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللَّهَ وأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالهِدايَةِ والثِّقَةِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادِ عَلى نُصْرَةِ اللَّهِ.
قالَ القَفّالُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ وهُمُ الجَبّارُونَ، وهُما رَجُلانِ مِنهم أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ فَآمَنا، وقالا هَذا القَوْلَ لِقَوْمِ مُوسى تَشْجِيعًا لَهم عَلى قِتالِهِمْ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ (يُخافُونَ) بِالضَّمِّ شاهِدَةٌ لِهَذا الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿رَجُلانِ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ يُؤَكِّدُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ مُبالَغَةٌ في الوَعْدِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، كَأنَّهُ قالَ: مَتى دَخَلْتُمْ بابَ بَلَدِهِمُ انْهَزَمُوا ولا يَبْقى مِنهم نافِخُ نارٍ ولا ساكِنُ دارٍ، فَلا تَخافُوهم. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما جَزَمَ هَذانِ الرَّجُلانِ في قَوْلِهِما: ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ لِأنَّهُما كانا جازِمَيْنِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا أخْبَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ٢١) لا جَرَمَ قَطَعا بِأنَّ النُّصْرَةَ لَهم والغَلَبَةَ حاصِلَةٌ في جانِبِهِمْ، ولِذَلِكَ خَتَمُوا كَلامَهم بِقَوْلِهِمْ ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي لَمّا وعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَصِيرُوا خائِفِينَ مِن شِدَّةِ قُوَّتِهِمْ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ، بَلْ تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ في حُصُولِ هَذا النَّصْرِ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ ومُؤْمِنِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
المائدة 5:23
صفحة ١٥٧
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا يامُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ وفي تَفْسِيرِ الجَبّارِينَ وجْهانِ:
الأوَّلُ: الجَبّارُ فَعّالٌ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى أجْبَرَهُ عَلَيْهِ، وهو العاتِي الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وهَذا هو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ. قالَ الفَرّاءُ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ وهُما: جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ إذا كانَتْ طَوِيلَةً مُرْتَفِعَةً لا تَصِلُ الأيْدِي إلَيْها، ويُقالُ: رَجُلٌ جَبّارٌ إذا كانَ طَوِيلًا عَظِيمًا قَوِيًّا، تَشْبِيهًا بِالجَبّارِ مِنَ النَّخْلِ، والقَوْمُ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ وعِظَمِ الأجْسامِ بِحَيْثُ كانَتْ أيْدِي قَوْمِ مُوسى ما كانَتْ تَصِلُ إلَيْهِمْ، فَسَمَّوْهم جَبّارِينَ لِهَذا المَعْنى.
ثُمَّ قالَ القَوْمُ: ﴿وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ وإنَّما قالُوا هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ (الأعْرافِ: ٤٠) .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذانِ الرَّجُلانِ هُما يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ بْنُ يُوفِنا، وكانا مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللَّهَ وأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالهِدايَةِ والثِّقَةِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادِ عَلى نُصْرَةِ اللَّهِ.
قالَ القَفّالُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ وهُمُ الجَبّارُونَ، وهُما رَجُلانِ مِنهم أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ فَآمَنا، وقالا هَذا القَوْلَ لِقَوْمِ مُوسى تَشْجِيعًا لَهم عَلى قِتالِهِمْ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ (يُخافُونَ) بِالضَّمِّ شاهِدَةٌ لِهَذا الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿رَجُلانِ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ يُؤَكِّدُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ مُبالَغَةٌ في الوَعْدِ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ، كَأنَّهُ قالَ: مَتى دَخَلْتُمْ بابَ بَلَدِهِمُ انْهَزَمُوا ولا يَبْقى مِنهم نافِخُ نارٍ ولا ساكِنُ دارٍ، فَلا تَخافُوهم. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما جَزَمَ هَذانِ الرَّجُلانِ في قَوْلِهِما: ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ لِأنَّهُما كانا جازِمَيْنِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا أخْبَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ٢١) لا جَرَمَ قَطَعا بِأنَّ النُّصْرَةَ لَهم والغَلَبَةَ حاصِلَةٌ في جانِبِهِمْ، ولِذَلِكَ خَتَمُوا كَلامَهم بِقَوْلِهِمْ ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي لَمّا وعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَصِيرُوا خائِفِينَ مِن شِدَّةِ قُوَّتِهِمْ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ، بَلْ تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ في حُصُولِ هَذا النَّصْرِ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ ومُؤْمِنِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
المائدة 5:24
صفحة ١٥٨
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا مُجَسِّمَةً، وكانُوا يُجَوِّزُونَ الذَّهابَ والمَجِيءَ عَلى اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ حَقِيقَةَ الذَّهابِ بَلْ هو كَما يُقالُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، يَعْنِي يُرِيدُ أنْ يُجِيبَنِي، فَكَأنَّهم قالُوا: كُنْ أنْتَ ورَبُّكَ مُرِيدَيْنِ لِقِتالِهِمْ.
والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ مُعِينٌ لَكَ بِزَعْمِكَ، فَأضْمَرَ خَبَرَ الِابْتِداءِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا أضْمَرْنا الخَبَرَ فَكَيْفَ يُجْعَلُ قَوْلُهُ ﴿فَقاتِلا﴾ خَبَرًا أيْضًا ؟
قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
والرّابِعُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ (ورَبُّكَ) أخُوهُ هارُونُ، وسَمَّوْهُ رَبًّا؛ لِأنَّهُ كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهم ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ إنْ قالُوهُ عَلى وجْهِ الذَّهابِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ فَهو كُفْرٌ، وإنْ قالُوهُ عَلى وجْهِ التَّمَرُّدِ عَنِ الطّاعَةِ فَهو فِسْقٌ، ولَقَدْ فَسَقُوا بِهَذا الكَلامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٦) والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ شَرْحُ خِلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ وشِدَّةِ بُغْضِهِمْ وغُلُوِّهِمْ في المُنازَعَةِ مَعَ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى مُنْذُ كانُوا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِنهم هَذا الكَلامَ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾.
ذَكَرَ الزَّجّاجُ في إعْرابِ قَوْلِهِ: (وأخِي) وجْهَيْنِ: الرَّفْعُ والنَّصْبُ.
أمّا الرَّفْعُ فَمِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى مَوْضِعِ (إنِّي) والمَعْنى أنا لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وأخِي كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣) .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (أمْلِكُ) وهو ”أنا“ والمَعْنى: لا أمْلِكُ أنا وأخِي إلّا أنْفُسَنا، وأمّا النَّصْبُ فَمِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى الياءِ، والتَّقْدِيرُ: إنِّي وأخِي لا نَمْلِكُ إلّا أنْفُسَنا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ (أخِي) مَعْطُوفًا عَلى (نَفْسِي) فَيَكُونَ المَعْنى: لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، ولا أمْلِكُ إلّا أخِي؛ لِأنَّ أخاهُ إذا كانَ مُطِيعًا لَهُ فَهو مالِكُ طاعَتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي، وكانَ مَعَهُ الرَّجُلانِ المَذْكُورانِ ؟
قُلْنا: كَأنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِهِما كُلَّ الوُثُوقِ لِما رَأى مِن إطْباقِ الأكْثَرِينَ عَلى التَّمَرُّدِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ تَقْلِيلًا لِمَن يُوافِقُهُ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأخِ مَن يُواخِيهِ في الدِّينِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكانا داخِلَيْنِ في قَوْلِهِ: (وأخِي) .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ يَعْنِي فافْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّ، وتَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَ، وهو في مَعْنى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلِّصْنا مِن صُحْبَتِهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (القَصَصِ: ٢١) .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (فَإنَّها) أيِ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ، وفي قَوْلِهِ ﴿أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَنصُوبَةٌ بِالتَّحْرِيمِ، أيِ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الأرْضَ لَهم مِن غَيْرِ مُحارَبَةٍ، هَكَذا ذَكَرَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
صفحة ١٥٩
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَنصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ بَقُوا في تِلْكَ الحالَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأمّا الحُرْمَةُ فَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ وماتُوا، ثُمَّ إنَّ أوْلادَهم دَخَلُوا تِلْكَ البَلْدَةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ في دُعائِهِ عَلى القَوْمِ: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٥) لَمْ يَقْصِدْ بِدُعائِهِ هَذا الجِنْسَ مِنَ العَذابِ، بَلْ أخَفَّ مِنهُ. فَلَمّا أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالتِّيهِ عَلِمَ أنَّهُ يَحْزَنُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَعَزّاهُ وهَوَّنَ أمْرَهم عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ مُوسى لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأحْوالِ التِّيهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَقالُوا لَهُ: لِمَ دَعَوْتَ عَلَيْنا ونَدِمَ مُوسى عَلى ما عَمِلَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ﴿لا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ لا تَحْزَنْ عَلى قَوْمٍ لَمْ يَزَلْ شَأْنُهُمُ المَعاصِيَ ومُخالَفَةَ الرُّسُلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المائدة 5:25
صفحة ١٥٨
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا مُجَسِّمَةً، وكانُوا يُجَوِّزُونَ الذَّهابَ والمَجِيءَ عَلى اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ حَقِيقَةَ الذَّهابِ بَلْ هو كَما يُقالُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، يَعْنِي يُرِيدُ أنْ يُجِيبَنِي، فَكَأنَّهم قالُوا: كُنْ أنْتَ ورَبُّكَ مُرِيدَيْنِ لِقِتالِهِمْ.
والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ مُعِينٌ لَكَ بِزَعْمِكَ، فَأضْمَرَ خَبَرَ الِابْتِداءِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا أضْمَرْنا الخَبَرَ فَكَيْفَ يُجْعَلُ قَوْلُهُ ﴿فَقاتِلا﴾ خَبَرًا أيْضًا ؟
قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
والرّابِعُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ (ورَبُّكَ) أخُوهُ هارُونُ، وسَمَّوْهُ رَبًّا؛ لِأنَّهُ كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهم ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ إنْ قالُوهُ عَلى وجْهِ الذَّهابِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ فَهو كُفْرٌ، وإنْ قالُوهُ عَلى وجْهِ التَّمَرُّدِ عَنِ الطّاعَةِ فَهو فِسْقٌ، ولَقَدْ فَسَقُوا بِهَذا الكَلامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٦) والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ شَرْحُ خِلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ وشِدَّةِ بُغْضِهِمْ وغُلُوِّهِمْ في المُنازَعَةِ مَعَ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى مُنْذُ كانُوا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِنهم هَذا الكَلامَ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي﴾.
ذَكَرَ الزَّجّاجُ في إعْرابِ قَوْلِهِ: (وأخِي) وجْهَيْنِ: الرَّفْعُ والنَّصْبُ.
أمّا الرَّفْعُ فَمِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى مَوْضِعِ (إنِّي) والمَعْنى أنا لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وأخِي كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣) .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في (أمْلِكُ) وهو ”أنا“ والمَعْنى: لا أمْلِكُ أنا وأخِي إلّا أنْفُسَنا، وأمّا النَّصْبُ فَمِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى الياءِ، والتَّقْدِيرُ: إنِّي وأخِي لا نَمْلِكُ إلّا أنْفُسَنا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ (أخِي) مَعْطُوفًا عَلى (نَفْسِي) فَيَكُونَ المَعْنى: لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، ولا أمْلِكُ إلّا أخِي؛ لِأنَّ أخاهُ إذا كانَ مُطِيعًا لَهُ فَهو مالِكُ طاعَتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي، وكانَ مَعَهُ الرَّجُلانِ المَذْكُورانِ ؟
قُلْنا: كَأنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِهِما كُلَّ الوُثُوقِ لِما رَأى مِن إطْباقِ الأكْثَرِينَ عَلى التَّمَرُّدِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ تَقْلِيلًا لِمَن يُوافِقُهُ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأخِ مَن يُواخِيهِ في الدِّينِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكانا داخِلَيْنِ في قَوْلِهِ: (وأخِي) .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ يَعْنِي فافْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّ، وتَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَ، وهو في مَعْنى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلِّصْنا مِن صُحْبَتِهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (القَصَصِ: ٢١) .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (فَإنَّها) أيِ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ، وفي قَوْلِهِ ﴿أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها مَنصُوبَةٌ بِالتَّحْرِيمِ، أيِ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الأرْضَ لَهم مِن غَيْرِ مُحارَبَةٍ، هَكَذا ذَكَرَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
صفحة ١٥٩
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَنصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ بَقُوا في تِلْكَ الحالَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأمّا الحُرْمَةُ فَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ وماتُوا، ثُمَّ إنَّ أوْلادَهم دَخَلُوا تِلْكَ البَلْدَةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ في دُعائِهِ عَلى القَوْمِ: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٥) لَمْ يَقْصِدْ بِدُعائِهِ هَذا الجِنْسَ مِنَ العَذابِ، بَلْ أخَفَّ مِنهُ. فَلَمّا أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالتِّيهِ عَلِمَ أنَّهُ يَحْزَنُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَعَزّاهُ وهَوَّنَ أمْرَهم عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ مُوسى لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأحْوالِ التِّيهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَقالُوا لَهُ: لِمَ دَعَوْتَ عَلَيْنا ونَدِمَ مُوسى عَلى ما عَمِلَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ﴿لا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ لا تَحْزَنْ عَلى قَوْمٍ لَمْ يَزَلْ شَأْنُهُمُ المَعاصِيَ ومُخالَفَةَ الرُّسُلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المائدة 5:26
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ هَلْ بَقِيا في التِّيهِ أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُما ما كانا في التِّيهِ، قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا اللَّهَ يَفْرُقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ، ودَعَواتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُجابَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مَعَهم في ذَلِكَ المَوْضِعِ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ التِّيهَ كانَ عَذابًا والأنْبِياءُ لا يُعَذَّبُونَ.
والثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ إنَّما عُذِّبُوا بِسَبَبِ أنَّهم تَمَرَّدُوا ومُوسى وهارُونُ ما كانا كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَعَ أُولَئِكَ الفاسِقِينَ في ذَلِكَ العَذابِ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُما كانا مَعَ القَوْمِ في ذَلِكَ التِّيهِ إلّا أنَّهُ تَعالى سَهَّلَ عَلَيْهِما ذَلِكَ العَذابَ كَما سَهَّلَ النّارَ عَلى إبْراهِيمَ فَجَعَلَها بَرْدًا وسَلامًا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُما هَلْ ماتا في التِّيهِ أوْ خَرَجا مِنهُ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّ هارُونَ ماتَ في التِّيهِ ثُمَّ ماتَ مُوسى بَعْدَهُ بِسَنَةٍ، وبَقِيَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكانَ ابْنَ أُخْتِ مُوسى ووَصِيَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهو الَّذِي فَتَحَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَلَكَ الشَّأْمَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ بَقِيَ مُوسى بَعْدَ ذَلِكَ وخَرَجَ مِنَ التِّيهِ وحارَبَ الجَبّارِينَ وقَهَرَهم وأخَذَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ تَحْرِيمُ مَنعٍ لا تَحْرِيمُ تَعَبُّدٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ تَحْرِيمَ تَعَبُّدٍ، فَأمَرَهم بِأنْ يَمْكُثُوا في تِلْكَ المَفازَةِ في الشِّدَّةِ والبَلِيَّةِ عِقابًا لَهم عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في التِّيهِ فَقالَ الرَّبِيعُ: مِقْدارُ سِتَّةِ فَراسِخَ، وقِيلَ: تِسْعَةُ فَراسِخَ في ثَلاثِينَ فَرْسَخًا. وقِيلَ: سِتَّةٌ في اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا، وقِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ بَقاءُ هَذا الجَمْعِ العَظِيمِ في هَذا القَدْرِ الصَّغِيرِ مِنَ المَفازَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً بِحَيْثُ لا يَتَّفِقُ لِأحَدٍ مِنهم أنْ يَجِدَ طَرِيقًا إلى الخُرُوجِ عَنْها، ولَوْ أنَّهم وضَعُوا أعْيُنَهم عَلى حَرَكَةِ الشَّمْسِ أوِ الكَواكِبِ لَخَرَجُوا مِنها ولَوْ كانُوا في البَحْرِ العَظِيمِ، فَكَيْفَ في المَفازَةِ الصَّغِيرَةِ ؟
قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ انْخِراقَ العاداتِ في زَمانِ الأنْبِياءِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، إذْ لَوْ فَتَحْنا بابَ الِاسْتِبْعادِ لَزِمَ الطَّعْنُ في جَمِيعِ المُعْجِزاتِ؛ وإنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: إذا فَسَّرْنا ذَلِكَ التَّحْرِيمَ بِتَحْرِيمِ التَّعَبُّدِ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ لِاحْتِمالِ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الرُّجُوعَ إلى أوْطانِهِمْ، بَلْ أمَرَهم بِالمُكْثِ في تِلْكَ المَفازَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً مَعَ المَشَقَّةِ والمِحْنَةِ جَزاءً لَهم عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ زالَ الإشْكالُ.
صفحة ١٦٠
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: يُقالُ: تاهَ يَتِيهُ تَيْهًا وتِيهًا وتَوْهًا، والتِّيهُ أعَمُّها، والتَّيْهاءُ الأرْضُ الَّتِي لا يُهْتَدى فِيها.
قالَ الحَسَنُ: كانُوا يُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا، ويُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا، وكانَتْ حَرَكَتُهم في تِلْكَ المَفازَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدارَةِ، وهَذا مُشْكِلٌ فَإنَّهم إذا وضَعُوا أعْيُنَهم عَلى مَسِيرِ الشَّمْسِ ولَمْ يَنْعَطِفُوا ولَمْ يَرْجِعُوا فَإنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَخْرُجُوا عَنِ المَفازَةِ، بَلِ الأوْلى حَمْلُ الكَلامِ عَلى تَحْرِيمِ التَّعَبُّدِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المائدة 5:27
قَوْلُهُ تَعالى ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ١١) فَذَكَرَ تَعالى أنَّ الأعْداءَ يُرِيدُونَ إيقاعَ البَلاءِ والمِحْنَةِ بِهِمْ لَكِنَّهُ تَعالى يَحْفَظُهم بِفَضْلِهِ ويَمْنَعُ أعْداءَهم مِن إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لِأجْلِ التَّسْلِيَةِ وتَخْفِيفِ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى القَلْبِ ذَكَرَ قِصَصًا كَثِيرَةً في أنَّ كُلَّ مَن خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِالنِّعَمِ العَظِيمَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا فَإنَّ النّاسَ يُنازِعُونَهُ حَسَدًا وبَغْيًا، فَذَكَرَ أوَّلًا قِصَّةَ النُّقَباءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وأخْذِ اللَّهِ تَعالى المِيثاقَ مِنهم، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ نَقَضُوا ذَلِكَ المِيثاقَ حَتّى وقَعُوا في اللَّعْنِ والقَساوَةِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ شِدَّةَ إصْرارِ النَّصارى عَلى كُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، وما ذاكَ إلّا لِحَسَدِهِمْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قِصَّةَ مُوسى في مُحارَبَةِ الجَبّارِينَ وإصْرارِ قَوْمِهِ عَلى التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قِصَّةَ ابْنَيْ آدَمَ أنَّ أحَدَهُما قَتَلَ الآخَرَ حَسَدًا مِنهُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبِلَ قُرْبانَهُ، وكُلُّ هَذِهِ القِصَصِ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ، فَلَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أعْظَمَ النِّعَمِ لا جَرَمَ لَمْ يَبْعُدِ اتِّفاقُ الأعْداءِ عَلى اسْتِخْراجِ أنْواعِ المَكْرِ والكَيْدِ في حَقِّهِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَصِ تَسْلِيَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ لَمّا هَمَّ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ أنْ يَمْكُرُوا بِهِ وأنْ يُوقِعُوا بِهِ آفَةً ومِحْنَةً.
والثّانِي: أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (المائِدَةِ: ١٥) وهَذِهِ القِصَّةُ وكَيْفِيَّةُ إيجابِ القَصاصِ عَلَيْها مِن أسْرارِ التَّوْراةِ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وهي قِصَّةُ مُحارَبَةِ الجَبّارِينَ، أيِ اذْكُرْ لِلْيَهُودِ حَدِيثَ ابْنَيْ آدَمَ لِيَعْلَمُوا أنَّ سَبِيلَ أسْلافِهِمْ في النَّدامَةِ والحَسْرَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى المَعْصِيَةِ كانَ مِثْلَ سَبِيلِ ابْنَيْ آدَمَ في إقْدامِ أحَدِهِما عَلى قَتْلِ الآخَرِ.
والرّابِعُ: قِيلَ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنِ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ (المائِدَةِ: ١٨) أيْ لا يَنْفَعُهم كَوْنُهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ مَعَ كُفْرِهِمْ كَما لَمْ يَنْتَفِعْ ولَدُ آدَمَ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ بِكَوْنِ أبِيهِ نَبِيًّا مُعَظَّمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الخامِسُ: لَمّا كَفَرَ أهْلُ الكِتابِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَسَدًا أخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِخَبَرِ ابْنِ آدَمَ وأنَّ الحَسَدَ أوْقَعَهُ في سُوءِ العاقِبَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّحْذِيرُ عَنِ الحَسَدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: واتْلُ عَلى النّاسِ.
والثّانِي: واتْلُ عَلى أهْلِ
صفحة ١٦١
الكِتابِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ابْنَيْ آدَمَ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُما ابْنا آدَمَ مِن صُلْبِهِ، وهُما هابِيلُ وقابِيلُ. وفي سَبَبِ وُقُوعِ المُنازَعَةِ بَيْنَهُما قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هابِيلَ كانَ صاحِبَ غَنَمٍ، وقابِيلَ كانَ صاحِبَ زَرْعٍ، فَقَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قُرْبانًا، فَطَلَبَ هابِيلُ أحْسَنَ شاةٍ كانَتْ في غَنَمِهِ وجَعَلَها قُرْبانًا، وطَلَبَ قابِيلُ شَرَّ حِنْطَةٍ في زَرْعِهِ فَجَعَلَها قُرْبانًا، ثُمَّ تَقَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ بِقُرْبانِهِ إلى اللَّهِ فَنَزَلَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فاحْتَمَلَتْ قُرْبانَ هابِيلَ ولَمْ تَحْمِلْ قُرْبانَ قابِيلَ، فَعَلِمَ قابِيلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبِلَ قُرْبانَ أخِيهِ ولَمْ يَقْبَلْ قُرْبانَهُ فَحَسَدَهُ وقَصَدَ قَتْلَهُ.
وثانِيهِما: ما رُوِيَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُولَدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ وكانَ يُزَوِّجُ البِنْتَ مِن بَطْنٍ بِالغُلامِ مِن بَطْنٍ آخَرَ، فَوُلِدَ لَهُ قابِيلُ وتَوْأمَتُهُ، وبَعْدَهُما هابِيلُ وتَوْأمَتُهُ، وكانَتْ تَوْأمَةُ قابِيلَ أحْسَنَ النّاسِ وجْهًا، فَأرادَ آدَمُ أنْ يُزَوِّجَها مِن هابِيلَ، فَأبى قابِيلُ ذَلِكَ وقالَ: أنا أحَقُّ بِها، وهو أحَقُّ بِأُخْتِهِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما هو رَأْيُكَ، فَقالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُما: قَرِّبا قُرْبانًا، فَأيُّكُما قُبِلَ قُرْبانُهُ زَوَّجْتُها مِنهُ، فَقَبِلَ اللَّهُ تَعالى قُرْبانَ هابِيلَ بِأنْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى قُرْبانِهِ نارًا، فَقَتَلَهُ قابِيلُ حَسَدًا لَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ والضَّحّاكِ: أنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ قَرَّبا قُرْبانًا ما كانا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ وإنَّما كانا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. قالا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائِدَةِ: ٣٢) إذْ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ صُدُورَ هَذا الذَّنْبِ مِن أحَدِ ابْنَيْ آدَمَ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِإيجابِ القَصاصِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أمّا لَمّا أقْدَمَ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ أمْكَنَ جَعْلُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإيجابِ القَصاصِ عَلَيْهِمْ زَجْرًا لَهم عَنِ المُعاوَدَةِ إلى مِثْلِ هَذا الذَّنْبِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ بَيانُ إصْرارِ اليَهُودِ أبَدًا مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ عَلى التَّمَرُّدِ والحَسَدِ حَتّى بَلَغَ بِهِمْ شِدَّةُ الحَسَدِ إلى أنَّ أحَدَهُما لَمّا قَبِلَ اللَّهُ قُرْبانَهُ حَسَدَهُ الآخَرُ وأقْدَمَ عَلى قَتْلِهِ، ولا شَكَّ أنَّها رُتْبَةٌ عَظِيمَةٌ في الحَسَدِ، فَإنَّهُ لَمّا شاهَدَ أنَّ قُرْبانَ صاحِبِهِ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مِمّا يَدْعُوهُ إلى حُسْنِ الِاعْتِقادِ فِيهِ والمُبالَغَةِ في تَعْظِيمِهِ، فَلَمّا أقْدَمَ عَلى قَتْلِهِ، وقَتَلَهُ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ بَلَغَ في الحَسَدِ إلى أقْصى الغاياتِ، وإذا كانَ المُرادُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ بَيانَ أنَّ الحَسَدَ دَأْبٌ قَدِيمٌ في بَنِي إسْرائِيلَ وجَبَ أنْ يُقالَ: هَذانِ الرَّجُلانِ كانا مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ هو الَّذِي اخْتارَهُ أكْثَرُ أصْحابِ الأخْبارِ، وفي الآيَةِ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القاتِلَ جَهِلَ ما يَصْنَعُ بِالمَقْتُولِ حَتّى تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِن عَمَلِ الغُرابِ، ولَوْ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَما خَفِيَ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ، وهو الحَقُّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (بِالحَقِّ) فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: بِالحَقِّ، أيْ تِلاوَةً مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ والصِّحَّةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أيْ تِلاوَةً مُتَلَبِّسَةً بِالصِّدْقِ والحَقِّ مُوافِقَةً لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
الثّالِثُ: بِالحَقِّ، أيْ بِالغَرَضِ الصَّحِيحِ وهو تَقْبِيحُ الحَسَدِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ وأهْلَ الكِتابِ كانُوا يَحْسُدُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَبْغُونَ عَلَيْهِ.
الرّابِعُ: بِالحَقِّ، أيْ لِيَعْتَبِرُوا بِهِ لا لِيَحْمِلُوهُ عَلى اللَّعِبِ والباطِلِ مِثْلَ كَثِيرٍ مِنَ الأقاصِيصِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها، وإنَّما هي لَهْوُ الحَدِيثِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ مِنَ الأقاصِيصِ والقَصَصِ في القُرْآنِ العِبْرَةُ لا مُجَرَّدُ الحِكايَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ (يُوسُفَ: ١١١) .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٢
المَسْألَةُ الأُولى: إذْ: نُصِبَ بِماذا ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ بِالنَّبَأِ، أيْ قِصَّتُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ النَّبَأِ أيْ واتْلُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبَأِ نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ، عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القُرْبانُ: اسْمٌ لِما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَبِيحَةٍ أوْ صَدَقَةٍ، ومَضى الكَلامُ عَلى القُرْبانِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ قَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قُرْبانًا إلّا أنَّهُ جَمَعَهُما في الفِعْلِ وأفْرَدَ الِاسْمَ؛ لِأنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِفِعْلِهِما عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ قُرْبانًا. وقِيلَ: إنَّ القُرْبانَ اسْمُ جِنْسٍ فَهو يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والعَدَدِ، وأيْضًا فالقُرْبانُ مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ والعُدْوانِ والكُفْرانِ والمَصْدَرُ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ.
المائدة 5:28
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: كانَتْ عَلامَةُ القَبُولِ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَلامَةُ الرَّدِّ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ، والأوَّلُ أوْلى لِاتِّفاقِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقِيرٌ يَدْفَعُ إلَيْهِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَتِ النّارُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما صارَ أحَدُ القُرْبانَيْنِ مَقْبُولًا والآخَرُ مَرْدُودًا؛ لِأنَّ حُصُولَ التَّقْوى شَرْطٌ في قَبُولِ الأعْمالِ. قالَ تَعالى هَهُنا حِكايَةً عَنِ المُحِقِّ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وقالَ فِيما أمَرَنا بِهِ مِنَ القُرْبانِ بِالبُدْنِ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ (الحَجِّ: ٣٧) فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِي يَصِلُ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ لَيْسَ إلّا التَّقْوى، والتَّقْوى مِن صِفاتِ القُلُوبِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«التَّقْوى هَهُنا» “ وأشارَ إلى القَلْبِ، وحَقِيقَةُ التَّقْوى أُمُورٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَلى خَوْفٍ ووَجَلٍ مِن تَقْصِيرِ نَفْسِهِ في تِلْكَ الطّاعَةِ فَيَتَّقِيَ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ عَنْ جِهاتِ التَّقْصِيرِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ في غايَةِ الِاتِّقاءِ مِن أنْ يَأْتِيَ بِتِلْكَ الطّاعَةِ لِغَرَضٍ سِوى طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّ يَتَّقِيَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ شَرِكَةٌ، وما أصْعَبَ رِعايَةَ هَذِهِ الشَّرائِطِ وقِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ: إنَّ أحَدَهُما جَعَلَ قُرْبانَهُ أحْسَنَ ما كانَ مَعَهُ، والآخَرَ جَعَلَ قُرْبانَهُ أرْدَأ ما كانَ مَعَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ أضْمَرَ أنَّهُ لا يُبالِي سَواءً قُبِلَ أوْ لَمْ يُقْبَلْ، ولا يُزَوِّجُ أُخْتَهُ مِن هابِيلَ. وقِيلَ: كانَ قابِيلُ لَيْسَ مِن أهْلِ التَّقْوى والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ قُرْبانَهُ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قابِيلَ أنَّهُ قالَ لِهابِيلَ: ﴿لَأقْتُلَنَّكَ﴾ فَقالَ هابِيلُ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّ هابِيلَ قالَ: لِمَ تَقْتُلُنِي ؟ قالَ لِأنَّ قُرْبانَكَ صارَ مَقْبُولًا، فَقالَ هابِيلُ: وما ذَنْبِي ؟ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ. وقِيلَ: هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ اعْتِراضًا بَيْنَ القِصَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَقْبَلْ قُرْبانَهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَّقِيًا.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الأخِ المَظْلُومِ أنَّهُ قالَ:
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾
والسُّؤالُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ لِمَ لَمْ يَدْفَعِ القاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ أنَّ الدَّفْعَ عَنِ النَّفْسِ واجِبٌ ؟ وهَبْ أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ فَلا أقَلَّ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ، فَلِمَ قالَ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
صفحة ١٦٣
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لاحَ لِلْمَقْتُولِ بِأماراتٍ تَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ، يَعْنِي أنا لا أُجَوِّزُ مِن نَفْسِي أنْ أبْدَأكَ بِالقَتْلِ الظُّلْمِ العُدْوانِ، وإنَّما لا أفْعَلُهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما ذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ قَبْلَ إقْدامِ القاتِلِ عَلى قَتْلِهِ، وكانَ غَرَضُهُ مِنهُ تَقْبِيحَ القَتْلِ العَمْدِ في قَلْبِهِ، ولِهَذا يُرْوى أنَّ قابِيلَ صَبَرَ حَتّى نامَ هابِيلُ فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ فَقَتَلَهُ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ﴾ يَعْنِي لا أبْسُطُ يَدِيَ إلَيْكَ لِغَرَضِ قَتْلِكَ، وإنَّما أبْسُطُ يَدِيَ إلَيْكَ لِغَرَضِ الدَّفْعِ. وقالَ أهْلُ العِلْمِ: الدّافِعُ عَنْ نَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَدْفَعَ بِالأيْسَرِ فالأيْسَرِ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقْصِدَ القَتْلَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَقْصِدَ الدَّفْعَ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلّا بِالقَتْلِ جازَ لَهُ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المَقْصُودُ بِالقَتْلِ إنْ أرادَ أنْ يَسْتَسْلِمَ جازَ لَهُ ذَلِكَ، وهَكَذا فَعَلَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: ”«ألْقِ كُمَّكَ عَلى وجْهِكَ وكُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ» “ .
الوَجْهُ الرّابِعُ: وُجُوبُ الدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ أمْرٌ يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الدَّفْعَ عَنِ النَّفْسِ ما كانَ مُباحًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جاءَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الفِعْلِ، والجَزاءُ بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ﴾ .
والجَوابُ: لِيُفِيدَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ما يَكْتَسِبُ بِهِ هَذا الوَصْفَ الشَّنِيعَ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِالباءِ المُؤَكِّدِ لِلنَّفْيِ.
* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾
وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَبُوءَ القاتِلُ بِإثْمِ المَقْتُولِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، (فاطِرٍ: ١٨) .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: مَعْناهُ تَحْمِلُ إثْمَ قَتْلِي وإثْمَكَ الَّذِي كانَ مِنكَ قَبْلَ قَتْلِي، وهَذا بِحَذْفِ المُضافِ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فَلِمَ قالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ .
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما دارَ بَيْنَهُما عِنْدَما غَلَبَ عَلى ظَنِّ المَقْتُولِ أنَّهُ
صفحة ١٦٤
يُرِيدُ قَتْلَهُ، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ إقْدامِ القاتِلِ عَلى إيقاعِ القَتْلِ بِهِ، وكَأنَّهُ لَمّا وعَظَهُ ونَصَحَهُ قالَ لَهُ: وإنْ كُنْتَ لا تَنْزَجِرُ عَنْ هَذِهِ الكَبِيرَةِ بِسَبَبِ هَذِهِ النَّصِيحَةِ فَلا بُدَّ وأنْ تَتَرَصَّدَ قَتْلِي في وقْتٍ أكُونُ غافِلًا عَنْكَ وعاجِزًا عَنْ دَفْعِكَ، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُنِي أنْ أدْفَعَكَ عَنْ قَتْلِي إلّا إذا قَتَلْتُكَ ابْتِداءً بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ والحُسْبانِ، وهَذا مِنِّي كَبِيرَةٌ ومَعْصِيَةٌ، وإذا دارَ الأمْرُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ هَذِهِ المَعْصِيَةِ أنا وبَيْنَ أنْ يَكُونَ أنْتَ، فَأنا أُحِبُّ أنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الكَبِيرَةُ لَكَ لا لِي، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ إرادَةَ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الغَيْرِ في هَذِهِ الحالَةِ وعَلى هَذا الشَّرْطِ لا يَكُونُ حَرامًا، بَلْ هو عَيْنُ الطّاعَةِ ومَحْضُ الإخْلاصِ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ المُرادَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِعُقُوبَةِ قَتْلِي، ولا شَكَّ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أنْ يُرِيدَ مِنَ اللَّهِ عِقابَ ظالِمِهِ.
والثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ الظّالِمَ إذا لَمْ يَجِدْ يَوْمَ القِيامَةِ ما يُرْضِي خَصْمَهُ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ وحُمِلَ عَلى الظّالِمِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي في أنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْكَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا لَمْ تَجِدْ ما يُرْضِينِي، وبِإثْمِكَ في قَتْلِكَ إيّايَ، وهَذا يَصْلُحُ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَهَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ. ومِنهم مَن قالَ شَجَّعَتْهُ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ الإنْسانَ إذا تَصَوَّرَ مِنَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ كَوْنَهُ مِن أعْظَمِ الكَبائِرِ، فَهَذا الِاعْتِقادُ يَصِيرُ صارِفًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ، فَيَكُونُ هَذا الفِعْلُ كالشَّيْءِ العاصِي المُتَمَرِّدِ عَلَيْهِ الَّذِي لا يُطِيعُهُ بِوَجْهٍ البَتَّةَ، فَإذا أوْرَدَتِ النَّفْسُ أنْواعَ وساوِسِها صارَ هَذا الفِعْلُ سَهْلًا عَلَيْهِ، فَكَأنَّ النَّفْسَ جَعَلَتْ بِوَساوِسِها العَجِيبَةِ هَذا الفِعْلَ كالمُطِيعِ لَهُ بَعْدَ أنْ كانَ كالعاصِي المُتَمَرِّدِ عَلَيْهِ. فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ خالِقُ الكُلِّ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ ذَلِكَ التَّزْيِينُ والتَّطْوِيعُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا إلى النَّفْسِ.
وجَوابُهُ: أنَّهُ لَمّا أُسْنِدَتِ الأفْعالُ إلى الدَّواعِي، وكانَ فاعِلُ تِلْكَ الدَّواعِي هو اللَّهُ تَعالى فَكانَ فاعِلُ الأفْعالِ كُلِّها هو اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: (فَقَتَلَهُ) قِيلَ: لَمْ يَدْرِ قابِيلُ كَيْفَ يَقْتُلُ هابِيلَ، فَظَهَرَ لَهُ إبْلِيسُ وأخَذَ طَيْرًا وضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ، فَتَعَلَّمَ قابِيلُ ذَلِكَ مِنهُ، ثُمَّ إنَّهُ وجَدَ هابِيلَ نائِمًا يَوْمًا فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ فَماتَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» “ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ دُنْياهُ وآخِرَتَهُ، أمّا الدُّنْيا فَهو أنَّهُ أسْخَطَ والِدَيْهِ وبَقِيَ مَذْمُومًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا الآخِرَةُ فَهو العِقابُ العَظِيمُ. قِيلَ: إنَّ قابِيلَ لَمّا قَتَلَ أخاهُ هَرَبَ إلى عَدَنَ مِن أرْضِ اليَمَنِ، فَأتاهُ إبْلِيسُ وقالَ: إنَّما أكَلَتِ النّارُ قُرْبانَ هابِيلَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَخْدُمُ النّارَ ويَعْبُدُها، فَإنْ عَبَدْتَ النّارَ أيْضًا حَصَلَ مَقْصُودُكَ، فَبَنى بَيْتَ نارٍ وهو أوَّلُ مَن عَبَدَ النّارَ. ورُوِيَ أنَّ هابِيلَ قُتِلَ وهو ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وكانَ قَتْلُهُ عِنْدَ عُقْبَةِ حِراءٍ، وقِيلَ بِالبَصْرَةِ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ الأعْظَمِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ وكانَ أبْيَضَ، فَسَألَهُ آدَمُ عَنْ أخِيهِ، فَقالَ ما كُنْتُ عَلَيْهِ وكِيلًا، فَقالَ بَلْ قَتَلْتَهُ، ولِذَلِكَ اسْوَدَّ جَسَدُكَ، ومَكَثَ آدَمُ بَعْدَهُ مِائَةَ سَنَةٍ لَمْ يَضْحَكْ قَطُّ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ يُرْوى أنَّهُ رَثاهُ بِشِعْرٍ. قالَ وهو كَذِبٌ بَحْتٌ، وما الشِّعْرُ إلّا مَنحُولٌ مَلْحُونٌ، والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ عَنِ الشِّعْرِ، وصَدَقَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيما قالَ. فَإنَّ ذَلِكَ الشِّعْرَ في غايَةِ الرَّكاكَةِ لا يَلِيقُ بِالحَمْقى مِنَ المُعَلِّمِينَ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى مَن جَعَلَ اللَّهُ عِلْمَهُ حُجَّةً عَلى المَلائِكَةِ.
المائدة 5:29
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: كانَتْ عَلامَةُ القَبُولِ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَلامَةُ الرَّدِّ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ، والأوَّلُ أوْلى لِاتِّفاقِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقِيرٌ يَدْفَعُ إلَيْهِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَتِ النّارُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما صارَ أحَدُ القُرْبانَيْنِ مَقْبُولًا والآخَرُ مَرْدُودًا؛ لِأنَّ حُصُولَ التَّقْوى شَرْطٌ في قَبُولِ الأعْمالِ. قالَ تَعالى هَهُنا حِكايَةً عَنِ المُحِقِّ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وقالَ فِيما أمَرَنا بِهِ مِنَ القُرْبانِ بِالبُدْنِ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ (الحَجِّ: ٣٧) فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِي يَصِلُ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ لَيْسَ إلّا التَّقْوى، والتَّقْوى مِن صِفاتِ القُلُوبِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«التَّقْوى هَهُنا» “ وأشارَ إلى القَلْبِ، وحَقِيقَةُ التَّقْوى أُمُورٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَلى خَوْفٍ ووَجَلٍ مِن تَقْصِيرِ نَفْسِهِ في تِلْكَ الطّاعَةِ فَيَتَّقِيَ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ عَنْ جِهاتِ التَّقْصِيرِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ في غايَةِ الِاتِّقاءِ مِن أنْ يَأْتِيَ بِتِلْكَ الطّاعَةِ لِغَرَضٍ سِوى طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّ يَتَّقِيَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ شَرِكَةٌ، وما أصْعَبَ رِعايَةَ هَذِهِ الشَّرائِطِ وقِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ: إنَّ أحَدَهُما جَعَلَ قُرْبانَهُ أحْسَنَ ما كانَ مَعَهُ، والآخَرَ جَعَلَ قُرْبانَهُ أرْدَأ ما كانَ مَعَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ أضْمَرَ أنَّهُ لا يُبالِي سَواءً قُبِلَ أوْ لَمْ يُقْبَلْ، ولا يُزَوِّجُ أُخْتَهُ مِن هابِيلَ. وقِيلَ: كانَ قابِيلُ لَيْسَ مِن أهْلِ التَّقْوى والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ قُرْبانَهُ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قابِيلَ أنَّهُ قالَ لِهابِيلَ: ﴿لَأقْتُلَنَّكَ﴾ فَقالَ هابِيلُ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّ هابِيلَ قالَ: لِمَ تَقْتُلُنِي ؟ قالَ لِأنَّ قُرْبانَكَ صارَ مَقْبُولًا، فَقالَ هابِيلُ: وما ذَنْبِي ؟ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ. وقِيلَ: هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ اعْتِراضًا بَيْنَ القِصَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَقْبَلْ قُرْبانَهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَّقِيًا.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الأخِ المَظْلُومِ أنَّهُ قالَ:
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾
والسُّؤالُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ لِمَ لَمْ يَدْفَعِ القاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ أنَّ الدَّفْعَ عَنِ النَّفْسِ واجِبٌ ؟ وهَبْ أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ فَلا أقَلَّ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ، فَلِمَ قالَ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
صفحة ١٦٣
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لاحَ لِلْمَقْتُولِ بِأماراتٍ تَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ، يَعْنِي أنا لا أُجَوِّزُ مِن نَفْسِي أنْ أبْدَأكَ بِالقَتْلِ الظُّلْمِ العُدْوانِ، وإنَّما لا أفْعَلُهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما ذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ قَبْلَ إقْدامِ القاتِلِ عَلى قَتْلِهِ، وكانَ غَرَضُهُ مِنهُ تَقْبِيحَ القَتْلِ العَمْدِ في قَلْبِهِ، ولِهَذا يُرْوى أنَّ قابِيلَ صَبَرَ حَتّى نامَ هابِيلُ فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ فَقَتَلَهُ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ﴾ يَعْنِي لا أبْسُطُ يَدِيَ إلَيْكَ لِغَرَضِ قَتْلِكَ، وإنَّما أبْسُطُ يَدِيَ إلَيْكَ لِغَرَضِ الدَّفْعِ. وقالَ أهْلُ العِلْمِ: الدّافِعُ عَنْ نَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَدْفَعَ بِالأيْسَرِ فالأيْسَرِ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقْصِدَ القَتْلَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَقْصِدَ الدَّفْعَ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلّا بِالقَتْلِ جازَ لَهُ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المَقْصُودُ بِالقَتْلِ إنْ أرادَ أنْ يَسْتَسْلِمَ جازَ لَهُ ذَلِكَ، وهَكَذا فَعَلَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: ”«ألْقِ كُمَّكَ عَلى وجْهِكَ وكُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ» “ .
الوَجْهُ الرّابِعُ: وُجُوبُ الدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ أمْرٌ يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الدَّفْعَ عَنِ النَّفْسِ ما كانَ مُباحًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جاءَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الفِعْلِ، والجَزاءُ بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ﴾ .
والجَوابُ: لِيُفِيدَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ما يَكْتَسِبُ بِهِ هَذا الوَصْفَ الشَّنِيعَ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِالباءِ المُؤَكِّدِ لِلنَّفْيِ.
* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾
وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَبُوءَ القاتِلُ بِإثْمِ المَقْتُولِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، (فاطِرٍ: ١٨) .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: مَعْناهُ تَحْمِلُ إثْمَ قَتْلِي وإثْمَكَ الَّذِي كانَ مِنكَ قَبْلَ قَتْلِي، وهَذا بِحَذْفِ المُضافِ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فَلِمَ قالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ .
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما دارَ بَيْنَهُما عِنْدَما غَلَبَ عَلى ظَنِّ المَقْتُولِ أنَّهُ
صفحة ١٦٤
يُرِيدُ قَتْلَهُ، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ إقْدامِ القاتِلِ عَلى إيقاعِ القَتْلِ بِهِ، وكَأنَّهُ لَمّا وعَظَهُ ونَصَحَهُ قالَ لَهُ: وإنْ كُنْتَ لا تَنْزَجِرُ عَنْ هَذِهِ الكَبِيرَةِ بِسَبَبِ هَذِهِ النَّصِيحَةِ فَلا بُدَّ وأنْ تَتَرَصَّدَ قَتْلِي في وقْتٍ أكُونُ غافِلًا عَنْكَ وعاجِزًا عَنْ دَفْعِكَ، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُنِي أنْ أدْفَعَكَ عَنْ قَتْلِي إلّا إذا قَتَلْتُكَ ابْتِداءً بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ والحُسْبانِ، وهَذا مِنِّي كَبِيرَةٌ ومَعْصِيَةٌ، وإذا دارَ الأمْرُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ هَذِهِ المَعْصِيَةِ أنا وبَيْنَ أنْ يَكُونَ أنْتَ، فَأنا أُحِبُّ أنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الكَبِيرَةُ لَكَ لا لِي، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ إرادَةَ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الغَيْرِ في هَذِهِ الحالَةِ وعَلى هَذا الشَّرْطِ لا يَكُونُ حَرامًا، بَلْ هو عَيْنُ الطّاعَةِ ومَحْضُ الإخْلاصِ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ المُرادَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِعُقُوبَةِ قَتْلِي، ولا شَكَّ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أنْ يُرِيدَ مِنَ اللَّهِ عِقابَ ظالِمِهِ.
والثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ الظّالِمَ إذا لَمْ يَجِدْ يَوْمَ القِيامَةِ ما يُرْضِي خَصْمَهُ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ وحُمِلَ عَلى الظّالِمِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي في أنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْكَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا لَمْ تَجِدْ ما يُرْضِينِي، وبِإثْمِكَ في قَتْلِكَ إيّايَ، وهَذا يَصْلُحُ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَهَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ. ومِنهم مَن قالَ شَجَّعَتْهُ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ الإنْسانَ إذا تَصَوَّرَ مِنَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ كَوْنَهُ مِن أعْظَمِ الكَبائِرِ، فَهَذا الِاعْتِقادُ يَصِيرُ صارِفًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ، فَيَكُونُ هَذا الفِعْلُ كالشَّيْءِ العاصِي المُتَمَرِّدِ عَلَيْهِ الَّذِي لا يُطِيعُهُ بِوَجْهٍ البَتَّةَ، فَإذا أوْرَدَتِ النَّفْسُ أنْواعَ وساوِسِها صارَ هَذا الفِعْلُ سَهْلًا عَلَيْهِ، فَكَأنَّ النَّفْسَ جَعَلَتْ بِوَساوِسِها العَجِيبَةِ هَذا الفِعْلَ كالمُطِيعِ لَهُ بَعْدَ أنْ كانَ كالعاصِي المُتَمَرِّدِ عَلَيْهِ. فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ خالِقُ الكُلِّ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ ذَلِكَ التَّزْيِينُ والتَّطْوِيعُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا إلى النَّفْسِ.
وجَوابُهُ: أنَّهُ لَمّا أُسْنِدَتِ الأفْعالُ إلى الدَّواعِي، وكانَ فاعِلُ تِلْكَ الدَّواعِي هو اللَّهُ تَعالى فَكانَ فاعِلُ الأفْعالِ كُلِّها هو اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: (فَقَتَلَهُ) قِيلَ: لَمْ يَدْرِ قابِيلُ كَيْفَ يَقْتُلُ هابِيلَ، فَظَهَرَ لَهُ إبْلِيسُ وأخَذَ طَيْرًا وضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ، فَتَعَلَّمَ قابِيلُ ذَلِكَ مِنهُ، ثُمَّ إنَّهُ وجَدَ هابِيلَ نائِمًا يَوْمًا فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ فَماتَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» “ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ دُنْياهُ وآخِرَتَهُ، أمّا الدُّنْيا فَهو أنَّهُ أسْخَطَ والِدَيْهِ وبَقِيَ مَذْمُومًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا الآخِرَةُ فَهو العِقابُ العَظِيمُ. قِيلَ: إنَّ قابِيلَ لَمّا قَتَلَ أخاهُ هَرَبَ إلى عَدَنَ مِن أرْضِ اليَمَنِ، فَأتاهُ إبْلِيسُ وقالَ: إنَّما أكَلَتِ النّارُ قُرْبانَ هابِيلَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَخْدُمُ النّارَ ويَعْبُدُها، فَإنْ عَبَدْتَ النّارَ أيْضًا حَصَلَ مَقْصُودُكَ، فَبَنى بَيْتَ نارٍ وهو أوَّلُ مَن عَبَدَ النّارَ. ورُوِيَ أنَّ هابِيلَ قُتِلَ وهو ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وكانَ قَتْلُهُ عِنْدَ عُقْبَةِ حِراءٍ، وقِيلَ بِالبَصْرَةِ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ الأعْظَمِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ وكانَ أبْيَضَ، فَسَألَهُ آدَمُ عَنْ أخِيهِ، فَقالَ ما كُنْتُ عَلَيْهِ وكِيلًا، فَقالَ بَلْ قَتَلْتَهُ، ولِذَلِكَ اسْوَدَّ جَسَدُكَ، ومَكَثَ آدَمُ بَعْدَهُ مِائَةَ سَنَةٍ لَمْ يَضْحَكْ قَطُّ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ يُرْوى أنَّهُ رَثاهُ بِشِعْرٍ. قالَ وهو كَذِبٌ بَحْتٌ، وما الشِّعْرُ إلّا مَنحُولٌ مَلْحُونٌ، والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ عَنِ الشِّعْرِ، وصَدَقَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيما قالَ. فَإنَّ ذَلِكَ الشِّعْرَ في غايَةِ الرَّكاكَةِ لا يَلِيقُ بِالحَمْقى مِنَ المُعَلِّمِينَ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى مَن جَعَلَ اللَّهُ عِلْمَهُ حُجَّةً عَلى المَلائِكَةِ.
المائدة 5:30
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: كانَتْ عَلامَةُ القَبُولِ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَلامَةُ الرَّدِّ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ، والأوَّلُ أوْلى لِاتِّفاقِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقِيرٌ يَدْفَعُ إلَيْهِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَتِ النّارُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما صارَ أحَدُ القُرْبانَيْنِ مَقْبُولًا والآخَرُ مَرْدُودًا؛ لِأنَّ حُصُولَ التَّقْوى شَرْطٌ في قَبُولِ الأعْمالِ. قالَ تَعالى هَهُنا حِكايَةً عَنِ المُحِقِّ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وقالَ فِيما أمَرَنا بِهِ مِنَ القُرْبانِ بِالبُدْنِ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ (الحَجِّ: ٣٧) فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِي يَصِلُ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ لَيْسَ إلّا التَّقْوى، والتَّقْوى مِن صِفاتِ القُلُوبِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«التَّقْوى هَهُنا» “ وأشارَ إلى القَلْبِ، وحَقِيقَةُ التَّقْوى أُمُورٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَلى خَوْفٍ ووَجَلٍ مِن تَقْصِيرِ نَفْسِهِ في تِلْكَ الطّاعَةِ فَيَتَّقِيَ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ عَنْ جِهاتِ التَّقْصِيرِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ في غايَةِ الِاتِّقاءِ مِن أنْ يَأْتِيَ بِتِلْكَ الطّاعَةِ لِغَرَضٍ سِوى طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّ يَتَّقِيَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ شَرِكَةٌ، وما أصْعَبَ رِعايَةَ هَذِهِ الشَّرائِطِ وقِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ: إنَّ أحَدَهُما جَعَلَ قُرْبانَهُ أحْسَنَ ما كانَ مَعَهُ، والآخَرَ جَعَلَ قُرْبانَهُ أرْدَأ ما كانَ مَعَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ أضْمَرَ أنَّهُ لا يُبالِي سَواءً قُبِلَ أوْ لَمْ يُقْبَلْ، ولا يُزَوِّجُ أُخْتَهُ مِن هابِيلَ. وقِيلَ: كانَ قابِيلُ لَيْسَ مِن أهْلِ التَّقْوى والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ قُرْبانَهُ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قابِيلَ أنَّهُ قالَ لِهابِيلَ: ﴿لَأقْتُلَنَّكَ﴾ فَقالَ هابِيلُ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّ هابِيلَ قالَ: لِمَ تَقْتُلُنِي ؟ قالَ لِأنَّ قُرْبانَكَ صارَ مَقْبُولًا، فَقالَ هابِيلُ: وما ذَنْبِي ؟ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ. وقِيلَ: هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ اعْتِراضًا بَيْنَ القِصَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَقْبَلْ قُرْبانَهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَّقِيًا.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الأخِ المَظْلُومِ أنَّهُ قالَ:
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾
والسُّؤالُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ لِمَ لَمْ يَدْفَعِ القاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ أنَّ الدَّفْعَ عَنِ النَّفْسِ واجِبٌ ؟ وهَبْ أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ فَلا أقَلَّ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ، فَلِمَ قالَ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
صفحة ١٦٣
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لاحَ لِلْمَقْتُولِ بِأماراتٍ تَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ، يَعْنِي أنا لا أُجَوِّزُ مِن نَفْسِي أنْ أبْدَأكَ بِالقَتْلِ الظُّلْمِ العُدْوانِ، وإنَّما لا أفْعَلُهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما ذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ قَبْلَ إقْدامِ القاتِلِ عَلى قَتْلِهِ، وكانَ غَرَضُهُ مِنهُ تَقْبِيحَ القَتْلِ العَمْدِ في قَلْبِهِ، ولِهَذا يُرْوى أنَّ قابِيلَ صَبَرَ حَتّى نامَ هابِيلُ فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ فَقَتَلَهُ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ﴾ يَعْنِي لا أبْسُطُ يَدِيَ إلَيْكَ لِغَرَضِ قَتْلِكَ، وإنَّما أبْسُطُ يَدِيَ إلَيْكَ لِغَرَضِ الدَّفْعِ. وقالَ أهْلُ العِلْمِ: الدّافِعُ عَنْ نَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَدْفَعَ بِالأيْسَرِ فالأيْسَرِ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقْصِدَ القَتْلَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَقْصِدَ الدَّفْعَ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلّا بِالقَتْلِ جازَ لَهُ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المَقْصُودُ بِالقَتْلِ إنْ أرادَ أنْ يَسْتَسْلِمَ جازَ لَهُ ذَلِكَ، وهَكَذا فَعَلَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: ”«ألْقِ كُمَّكَ عَلى وجْهِكَ وكُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ» “ .
الوَجْهُ الرّابِعُ: وُجُوبُ الدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ أمْرٌ يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الدَّفْعَ عَنِ النَّفْسِ ما كانَ مُباحًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جاءَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الفِعْلِ، والجَزاءُ بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ﴾ .
والجَوابُ: لِيُفِيدَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ما يَكْتَسِبُ بِهِ هَذا الوَصْفَ الشَّنِيعَ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِالباءِ المُؤَكِّدِ لِلنَّفْيِ.
* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾
وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَبُوءَ القاتِلُ بِإثْمِ المَقْتُولِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، (فاطِرٍ: ١٨) .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: مَعْناهُ تَحْمِلُ إثْمَ قَتْلِي وإثْمَكَ الَّذِي كانَ مِنكَ قَبْلَ قَتْلِي، وهَذا بِحَذْفِ المُضافِ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فَلِمَ قالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ .
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما دارَ بَيْنَهُما عِنْدَما غَلَبَ عَلى ظَنِّ المَقْتُولِ أنَّهُ
صفحة ١٦٤
يُرِيدُ قَتْلَهُ، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ إقْدامِ القاتِلِ عَلى إيقاعِ القَتْلِ بِهِ، وكَأنَّهُ لَمّا وعَظَهُ ونَصَحَهُ قالَ لَهُ: وإنْ كُنْتَ لا تَنْزَجِرُ عَنْ هَذِهِ الكَبِيرَةِ بِسَبَبِ هَذِهِ النَّصِيحَةِ فَلا بُدَّ وأنْ تَتَرَصَّدَ قَتْلِي في وقْتٍ أكُونُ غافِلًا عَنْكَ وعاجِزًا عَنْ دَفْعِكَ، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُنِي أنْ أدْفَعَكَ عَنْ قَتْلِي إلّا إذا قَتَلْتُكَ ابْتِداءً بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ والحُسْبانِ، وهَذا مِنِّي كَبِيرَةٌ ومَعْصِيَةٌ، وإذا دارَ الأمْرُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ هَذِهِ المَعْصِيَةِ أنا وبَيْنَ أنْ يَكُونَ أنْتَ، فَأنا أُحِبُّ أنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الكَبِيرَةُ لَكَ لا لِي، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ إرادَةَ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الغَيْرِ في هَذِهِ الحالَةِ وعَلى هَذا الشَّرْطِ لا يَكُونُ حَرامًا، بَلْ هو عَيْنُ الطّاعَةِ ومَحْضُ الإخْلاصِ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ المُرادَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِعُقُوبَةِ قَتْلِي، ولا شَكَّ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أنْ يُرِيدَ مِنَ اللَّهِ عِقابَ ظالِمِهِ.
والثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ الظّالِمَ إذا لَمْ يَجِدْ يَوْمَ القِيامَةِ ما يُرْضِي خَصْمَهُ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ وحُمِلَ عَلى الظّالِمِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي في أنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْكَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا لَمْ تَجِدْ ما يُرْضِينِي، وبِإثْمِكَ في قَتْلِكَ إيّايَ، وهَذا يَصْلُحُ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَهَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ. ومِنهم مَن قالَ شَجَّعَتْهُ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ الإنْسانَ إذا تَصَوَّرَ مِنَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ كَوْنَهُ مِن أعْظَمِ الكَبائِرِ، فَهَذا الِاعْتِقادُ يَصِيرُ صارِفًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ، فَيَكُونُ هَذا الفِعْلُ كالشَّيْءِ العاصِي المُتَمَرِّدِ عَلَيْهِ الَّذِي لا يُطِيعُهُ بِوَجْهٍ البَتَّةَ، فَإذا أوْرَدَتِ النَّفْسُ أنْواعَ وساوِسِها صارَ هَذا الفِعْلُ سَهْلًا عَلَيْهِ، فَكَأنَّ النَّفْسَ جَعَلَتْ بِوَساوِسِها العَجِيبَةِ هَذا الفِعْلَ كالمُطِيعِ لَهُ بَعْدَ أنْ كانَ كالعاصِي المُتَمَرِّدِ عَلَيْهِ. فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ خالِقُ الكُلِّ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ ذَلِكَ التَّزْيِينُ والتَّطْوِيعُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا إلى النَّفْسِ.
وجَوابُهُ: أنَّهُ لَمّا أُسْنِدَتِ الأفْعالُ إلى الدَّواعِي، وكانَ فاعِلُ تِلْكَ الدَّواعِي هو اللَّهُ تَعالى فَكانَ فاعِلُ الأفْعالِ كُلِّها هو اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: (فَقَتَلَهُ) قِيلَ: لَمْ يَدْرِ قابِيلُ كَيْفَ يَقْتُلُ هابِيلَ، فَظَهَرَ لَهُ إبْلِيسُ وأخَذَ طَيْرًا وضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ، فَتَعَلَّمَ قابِيلُ ذَلِكَ مِنهُ، ثُمَّ إنَّهُ وجَدَ هابِيلَ نائِمًا يَوْمًا فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ فَماتَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» “ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ دُنْياهُ وآخِرَتَهُ، أمّا الدُّنْيا فَهو أنَّهُ أسْخَطَ والِدَيْهِ وبَقِيَ مَذْمُومًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا الآخِرَةُ فَهو العِقابُ العَظِيمُ. قِيلَ: إنَّ قابِيلَ لَمّا قَتَلَ أخاهُ هَرَبَ إلى عَدَنَ مِن أرْضِ اليَمَنِ، فَأتاهُ إبْلِيسُ وقالَ: إنَّما أكَلَتِ النّارُ قُرْبانَ هابِيلَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَخْدُمُ النّارَ ويَعْبُدُها، فَإنْ عَبَدْتَ النّارَ أيْضًا حَصَلَ مَقْصُودُكَ، فَبَنى بَيْتَ نارٍ وهو أوَّلُ مَن عَبَدَ النّارَ. ورُوِيَ أنَّ هابِيلَ قُتِلَ وهو ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وكانَ قَتْلُهُ عِنْدَ عُقْبَةِ حِراءٍ، وقِيلَ بِالبَصْرَةِ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ الأعْظَمِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ وكانَ أبْيَضَ، فَسَألَهُ آدَمُ عَنْ أخِيهِ، فَقالَ ما كُنْتُ عَلَيْهِ وكِيلًا، فَقالَ بَلْ قَتَلْتَهُ، ولِذَلِكَ اسْوَدَّ جَسَدُكَ، ومَكَثَ آدَمُ بَعْدَهُ مِائَةَ سَنَةٍ لَمْ يَضْحَكْ قَطُّ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ يُرْوى أنَّهُ رَثاهُ بِشِعْرٍ. قالَ وهو كَذِبٌ بَحْتٌ، وما الشِّعْرُ إلّا مَنحُولٌ مَلْحُونٌ، والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ عَنِ الشِّعْرِ، وصَدَقَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيما قالَ. فَإنَّ ذَلِكَ الشِّعْرَ في غايَةِ الرَّكاكَةِ لا يَلِيقُ بِالحَمْقى مِنَ المُعَلِّمِينَ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى مَن جَعَلَ اللَّهُ عِلْمَهُ حُجَّةً عَلى المَلائِكَةِ.
المائدة 5:31
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأةَ أخِيهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: لَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ بِهِ، ثُمَّ خافَ عَلَيْهِ السِّباعَ فَحَمَلَهُ في جِرابٍ عَلى ظَهْرِهِ سَنَةً حَتّى تَغَيَّرَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: بَعَثَ اللَّهُ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، فَحَفَرَ لَهُ بِمِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ ثُمَّ ألْقاهُ في الحُفْرَةِ، فَتَعَلَّمَ قابِيلُ ذَلِكَ مِنَ الغُرابِ.
الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: لَمّا قَتَلَهُ وتَرَكَهُ بَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَحْثُو التُّرابَ عَلى المَقْتُولِ، فَلَمّا رَأى القاتِلُ أنَّ اللَّهَ كَيْفَ يُكْرِمُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ نَدِمَ وقالَ: يا ويْلَتى.
الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: عادَةُ الغُرابِ دَفْنُ الأشْياءِ فَجاءَ غُرابٌ فَدَفَنَ شَيْئًا فَتَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لِيُرِيَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: لِيُرِيَهُ اللَّهُ أوْ لِيُرِيَهُ الغُرابُ، أيْ لِيُعَلِّمَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ سَبَبُ تَعَلُّمِهِ فَكَأنَّهُ قَصَدَ تَعْلِيمَهُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿سَوْأةَ أخِيهِ﴾ عَوْرَةَ أخِيهِ، وهو ما لا يَجُوزُ أنْ يَنْكَشِفَ مِن جَسَدِهِ، والسَّوْأةُ الفَضِيحَةُ لِقُبْحِها. وقِيلَ ”سَوْأةَ أخِيهِ“ أيْ جِيفَةَ أخِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ ياوَيْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياوَيْلَتا﴾ كَلِمَةُ تَحَسُّرٍ وتَلَهُّفٍ، وفي الآيَةِ احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ما كانَ يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ المَقْتُولُ، فَلَمّا تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنَ الغُرابِ عَلِمَ أنَّ الغُرابَ أكْثَرُ عِلْمًا مِنهُ، وعَلِمَ أنَّهُ إنَّما أقْدَمَ عَلى قَتْلِ أخِيهِ بِسَبَبِ جَهْلِهِ وقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ، فَنَدِمَ وتَلَهَّفَ وتَحَسَّرَ عَلى فِعْلِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ دَفْنِهِ، فَإنَّهُ يَبْعُدُ في الإنْسانِ أنْ لا يَهْتَدِيَ إلى هَذا القَدْرِ مِنَ العِلْمِ، إلّا أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ اسْتِخْفافًا بِهِ، ولَمّا رَأى الغُرابَ يَدْفِنُ الغُرابَ الآخَرَ رَقَّ قَلْبُهُ وقالَ: إنَّ الغُرابَ جاءَ، وكانَ يَحْثِي التُّرابَ عَلى المَقْتُولِ، فَلَمّا رَأى أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ حالَ حَياتِهِ بِقَبُولِ قُرْبانِهِ. وأكْرَمَهُ بَعْدَ مَماتِهِ بِأنْ بَعَثَ هَذا الغُرابَ لِيَدْفِنَهُ تَحْتَ الأرْضِ عَلِمَ أنَّهُ عَظِيمُ الدَّرَجَةِ عِنْدَ اللَّهِ فَتَلَهَّفَ عَلى فِعْلِهِ، وعَلِمَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّقَرُّبِ إلى أخِيهِ إلّا بِأنْ يَدْفِنَهُ في الأرْضِ، فَلا جَرَمَ قالَ: يا ويْلَتى أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ياوَيْلَتا﴾ اعْتِرافٌ عَلى نَفْسِهِ بِاسْتِحْقاقِ العَذابِ، وهي كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ وُقُوعِ الدّاهِيَةِ العَظِيمَةِ، ولَفْظُها لَفْظُ النِّداءِ، وكَأنَّ الوَيْلَ غَيْرُ حاضِرٍ لَهُ فَناداهُ لِيَحْضُرَهُ، أيْ أيُّها الوَيْلُ احْضُرْ، فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وذِكْرُ ”يا“ زِيادَةُ بَيانٍ كَما في قَوْلِهِ ﴿ياوَيْلَتى أألِدُ﴾ (هُودٍ: ٧٢) واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ النَّدَمِ وُضِعَ لِلُّزُومِ، ومِنهُ سُمِّيَ النَّدِيمُ نَدِيمًا؛ لِأنَّهُ يُلازِمُ المَجْلِسَ. وفِيهِ سُؤالٌ:
صفحة ١٦٦
وهُوَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«النَّدَمُ تَوْبَةٌ» “ فَلَمّا كانَ مِنَ النّادِمِينَ كانَ مِنَ التّائِبِينَ فَلِمَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ ؟
أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا لَمْ يَعْلَمِ الدَّفْنَ إلّا مِنَ الغُرابِ صارَ مِنَ النّادِمِينَ عَلى حَمْلِهِ عَلى ظَهْرِهِ سَنَةً.
والثّانِي: أنَّهُ صارَ مِنَ النّادِمِينَ عَلى قَتْلِ أخِيهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِقَتْلِهِ، وسَخِطَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ أبُوهُ وإخْوَتُهُ، فَكانَ نَدَمُهُ لِأجْلِ هَذِهِ الأسْبابِ لا لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً.
والثّالِثُ: أنَّ نَدَمَهُ كانَ لِأجْلِ أنَّهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ اسْتِخْفافًا بِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ، فَلَمّا رَأى أنَّ الغُرابَ لَمّا قَتَلَ الغُرابَ دَفَنَهُ نَدِمَ عَلى قَساوَةِ قَلْبِهِ، وقالَ: هَذا أخِي وشَقِيقِي ولَحْمُهُ مُخْتَلِطٌ بِلَحْمِي ودَمُهُ مُخْتَلِطٌ بِدَمِي، فَإذا ظَهَرَتِ الشَّفَقَةُ مِنَ الغُرابِ عَلى الغُرابِ ولَمْ تَظْهَرْ مِنِّي عَلى أخِي كَنْتُ دُونَ الغُرابِ في الرَّحْمَةِ والأخْلاقِ الحَمِيدَةِ فَكانَ نَدَمُهُ لِهَذِهِ الأسْبابِ، لا لِأجْلِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا جَرَمَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ النَّدَمُ.
المائدة 5:32
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِعْلَتِهِ.
فَإنْ قِيلَ عَلَيْهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: عَنْ قَوْلِهِ ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن أجْلِ ما مَرَّ مِن قِصَّةِ قابِيلَ وهابِيلَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ القَصاصَ، وذاكَ مُشْكِلٌ فَإنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ واقِعَةِ قابِيلَ وهابِيلَ وبَيْنَ وُجُوبِ القَصاصِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
الثّانِي: أنَّ وُجُوبَ القَصاصِ حُكْمٌ ثابِتٌ في جَمِيعِ الأُمَمِ فَما فائِدَةُ تَخْصِيصِهِ بِبَنِي إسْرائِيلَ ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: قالَ الحَسَنُ: هَذا القَتْلُ إنَّما وقَعَ في بَنِي إسْرائِيلَ لا بَيْنَ ولَدَيْ آدَمَ مِن صُلْبِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ فِيما تَقَدَّمَ.
والثّانِي: أنّا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا القَتْلَ وقَعَ بَيْنَ ولَدَيْ آدَمَ مِن صُلْبِهِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ لَيْسَ إشارَةً إلى قِصَّةِ قابِيلَ وهابِيلَ، بَلْ هو إشارَةٌ إلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن أنْواعِ المَفاسِدِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ القَتْلِ الحَرامِ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ خَسارَةُ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ حَصَلَ مِن قَلْبِهِ أنْواعُ النَّدَمِ والحَسْرَةِ والحُزْنِ مَعَ أنَّهُ لا دَفْعَ لَهُ البَتَّةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ مِن أجْلِ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا في أثْناءِ القِصَّةِ مِن أنْواعِ المَفاسِدِ المُتَوَلِّدَةِ مِنَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ شَرَّعْنا القَصاصَ في حَقِّ القاتِلِ، وهَذا جَوابٌ حَسَنٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: والجَوابُ عَنْهُ أنَّ وُجُوبَ القَصاصِ في حَقِّ القاتِلِ وإنْ كانَ عامًّا في جَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ، إلّا أنَّ التَّشْدِيدَ المَذْكُورَ هَهُنا في حَقِّ بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرُ ثابِتٍ في جَمِيعِ الأدْيانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ هَهُنا
صفحة ١٦٧
بِأنَّ قَتْلَ النَّفْسِ الواحِدَةِ جارٍ مَجْرى قَتْلِ جَمِيعِ النّاسِ، ولا شَكَّ في أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ المُبالَغَةُ في شَرْحِ عِقابِ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ، والمَقْصُودُ مِن شَرْحِ هَذِهِ المُبالَغَةِ أنَّ اليَهُودَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ المُبالَغَةِ العَظِيمَةِ أقْدَمُوا عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ ونِهايَةِ بُعْدِهِمْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القَصَصِ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الواقِعَةِ الَّتِي ذَكَرْنا أنَّهم عَزَمُوا عَلى الفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِأكابِرِ أصْحابِهِ، كانَ تَخْصِيصُ بَنِي إسْرائِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ بِهَذِهِ المُبالَغَةِ العَظِيمَةِ مُناسِبًا لِلْكَلامِ ومُؤَكِّدًا لِلْمَقْصُودِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”مِن أجْلِ ذَلِكَ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُّونِ لِإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلَيْها وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”مِن أجْلِ ذَلِكَ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ، فَإذا خَفَّفَ كَسَرَ النُّونَ مُلْقِيًا لِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلَيْها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القائِلُونَ بِالقِياسِ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَكُونُ مُعَلَّلَةً بِالعِلَلِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَذا وكَذا، وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ كَتَبَةَ تِلْكَ الأحْكامِ مُعَلَّلَةٌ بِتِلْكَ المَعانِي المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ والمُعْتَزِلَةُ أيْضًا قالُوا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُهُ تَعالى خالِقًا لِلْكُفْرِ والقَبائِحِ فِيهِمْ مُرِيدًا وُقُوعَها مِنهم؛ لِأنَّ خَلْقَ القَبائِحِ وإرادَتَها تَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مُراعِيًا لِلْمَصالِحِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ التَّعْلِيلَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ أصْحابُنا: القَوْلُ بِتَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ العِلَّةَ إنْ كانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ قِدَمُ المَعْلُولِ، وإنْ كانَتْ مُحْدَثَةً وجَبَ تَعْلِيلُها بِعِلَّةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ.
وثانِيها: لَوْ كانَ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ فَوُجُودُ تِلْكَ العِلَّةِ وعَدَمُها بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى إنْ كانَ عَلى السَّوِيَّةِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ عِلَّةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى السَّوِيَّةِ فَأحَدُهُما بِهِ أوْلى، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُسْتَفِيدًا تِلْكَ الأوْلَوِيَّةَ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ، فَيَكُونُ ناقِصًا لِذاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ وهو مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ تَوَقُّفُ الفِعْلِ عَلى الدَّواعِي، ويَمْتَنِعُ وُقُوعُ التَّسَلْسُلِ في الدَّواعِي، بَلْ يَجِبُ انْتِهاؤُها إلى الدّاعِيَةِ الأُولى الَّتِي حَدَثَتْ في العَبْدِ لا مِنَ العَبْدِ بَلْ مِنَ اللَّهِ، وثَبَتَ أنَّ عِنْدَ حُدُوثِ الدّاعِيَةِ يَجِبُ الفِعْلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالكُلُّ مِنَ اللَّهِ، وهَذا يَمْنَعُ مِن تَعْلِيلِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُتَشابِهاتِ لا مِنَ المُحاكَماتِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ (المائِدَةِ: ١٧) وذَلِكَ نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ ولا يَتَوَقَّفُ خَلْقُهُ وحُكْمُهُ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (نَفْسٍ) والتَّقْدِيرُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ بِغَيْرِ فَسادٍ في الأرْضِ، وإنَّما قالَ تَعالى ذَلِكَ لِأنَّ القَتْلَ يَحِلُّ لِأسْبابٍ كَثِيرَةٍ، مِنها القَصاصُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ ومِنها الكُفْرُ مَعَ الحِرابِ، ومِنها الكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ، ومِنها قَطْعُ الطَّرِيقِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ (المائِدَةِ: ٣٣) فَجَمَعَ تَعالى كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ وفِيهِ إشْكالٌ. وهو أنَّ قَتْلَ النَّفْسِ الواحِدَةِ كَيْفَ يَكُونُ مُساوِيًا لِقَتْلِ جَمِيعِ النّاسِ، فَإنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ يَكُونَ الجُزْءُ مُساوِيًا لِلْكُلِّ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ بِسَبَبِ هَذا
صفحة ١٦٨
السُّؤالِ وُجُوهًا مِنَ الجَوابِ، وهي بِأسْرِها مَبْنِيَّةٌ عَلى مُقَدِّمَةٍ واحِدَةٍ، وهي أنَّ تَشْبِيهَ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِالآخَرِ لا يَقْتَضِي الحُكْمَ بِمُشابَهَتِهِما مِن كُلِّ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا: هَذا يُشْبِهُ ذاكَ أعَمُّ مِن قَوْلِنا: إنَّهُ يُشْبِهُهُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، أوْ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وإذا ظَهَرَتْ صِحَّةُ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ فَنَقُولُ: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المَقْصُودُ مِن تَشْبِيهِ قَتْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ بِقَتْلِ النُّفُوسِ المُبالَغَةُ في تَعْظِيمِ أمْرِ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ، يَعْنِي كَما أنَّ قَتْلَ كُلِّ الخَلْقِ أمْرٌ مُسْتَعْظَمٌ عِنْدِ كُلِّ أحَدٍ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَتْلُ الإنْسانِ الواحِدِ مُسْتَعْظَمًا مَهِيبًا فالمَقْصُودُ مُشارَكَتُهُما في الِاسْتِعْظامِ، لا بَيانُ مُشارَكَتِهِما في مِقْدارِ الِاسْتِعْظامِ، وكَيْفَ لا يَكُونُ مُسْتَعْظَمًا وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ (النِّساءِ: ٩٣) .
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: هو أنَّ جَمِيعَ النّاسِ لَوْ عَلِمُوا مِن إنْسانٍ واحِدٍ أنَّهُ يَقْصِدُ قَتْلَهم بِأجْمَعِهِمْ فَلا شَكَّ أنَّهم يَدْفَعُونَهُ دَفْعًا لا يُمَكِّنُهُ تَحْصِيلَ مَقْصُودِهِ، فَكَذَلِكَ إذا عَلِمُوا مِنهُ أنَّهُ يَقْصِدُ قَتْلَ إنْسانٍ واحِدٍ مُعَيَّنٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جِدُّهم واجْتِهادُهم في مَنعِهِ عَنْ قَتْلِ ذَلِكَ الإنْسانِ مِثْلَ جِدِّهِمْ واجْتِهادِهِمْ في الصُّورَةِ الأُولى.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: وهو أنَّهُ لَمّا أقْدَمَ عَلى القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ فَقَدْ رَجَّحَ داعِيَةَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ عَلى داعِيَةِ الطّاعَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ هَذا التَّرْجِيحُ حاصِلًا بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ واحِدٍ، فَكانَ في قَلْبِهِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ نازَعَهُ في شَيْءٍ مِن مَطالِبِهِ فَإنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَقَتَلَهُ، ونِيَّةُ المُؤْمِنِ في الخَيْراتِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ، فَكَذَلِكَ نِيَّةُ المُؤْمِنِ في الشُّرُورِ شَرٌّ مِن عَمَلِهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: ومَن يَقْتُلْ إنْسانًا قَتْلًا عَمْدًا عُدْوانًا فَكَأنَّما قَتَلَ جَمِيعَ النّاسِ، وهَذِهِ الأجْوِبَةُ الثَّلاثَةُ حَسَنَةٌ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ المُرادُ مِن إحْياءِ النَّفْسِ تَخْلِيصُها عَنِ المُهْلِكاتِ مِثْلِ الحَرْقِ والغَرَقِ والجُوعِ المُفْرِطِ والبَرْدِ والحَرِّ المُفْرِطَيْنِ، والكَلامُ في أنَّ إحْياءَ النَّفْسِ الواحِدَةِ مِثْلُ إحْياءِ النُّفُوسِ عَلى قِياسِ ما قَرَّرْناهُ في أنَّ قَتْلَ النَّفْسِ الواحِدَةِ مِثْلُ قَتْلِ النُّفُوسِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ في الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ .
والمَعْنى أنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ بَعْدَ ذَلِكَ، أيْ بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، وبَعْدَ ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَ القَتْلِ لَمُسْرِفُونَ، يَعْنِي في القَتْلِ لا يُبالُونَ بِعَظَمَتِهِ.
المائدة 5:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى تَغْلِيظَ الإثْمِ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ ولا فَسادٍ في الأرْضِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّ الفَسادَ في الأرْضِ الَّذِي يُوجِبُ القَتْلَ ما هو، فَإنَّ بَعْضَ ما يَكُونُ فَسادًا في الأرْضِ لا يُوجِبُ القَتْلَ فَقالَ ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٩
المَسْألَةُ الأُولى: في أوَّلِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المُحارَبَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُمْكِنَةٍ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المُحارَبَةِ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، والمُحارَبَةُ مَعَ الرُّسُلِ مُمْكِنَةٌ، فَلَفْظَةُ المُحارَبَةِ إذا نُسِبَتْ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ مَجازًا؛ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ المُحارَبَةُ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، وإذا نُسِبَتْ إلى الرَّسُولِ كانَتْ حَقِيقَةً، فَلَفْظُ يُحارِبُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَجازِ والحَقِيقَةِ مَعًا، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَهَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ.
وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ المُحارَبَةَ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُخالِفُونَ أحْكامَ اللَّهِ وأحْكامَ رَسُولِهِ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا كَذا وكَذا.
والثّانِي: تَقْدِيرُ الكَلامِ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى وأوْلِياءَ رَسُولِهِ كَذا وكَذا. وفي الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ”«مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذا الوَعِيدُ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ في فُسّاقِ المُؤْمِنِينَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في «قَوْمٍ مِن عُرَيْنَةَ نَزَلُوا المَدِينَةَ مُظْهَرِينَ لِلْإسْلامِ، فَمَرِضَتْ أبْدانُهم واصْفَرَّتْ ألْوانُهم، فَبَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى إبِلِ الصَّدَقَةِ لِيَشْرَبُوا مِن أبْوالِها وألْبانِها فَيَصِحُّوا، فَلَمّا وصَلُوا إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ وشَرِبُوا وصَحُّوا قَتَلُوا الرُّعاةَ وساقُوا الإبِلَ وارْتَدُّوا، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ في أثَرِهِمْ وأمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم وسَمَلَ أعْيُنَهم وتُرِكُوا هُناكَ حَتّى ماتُوا»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَسْخًا لِما فَعَلَهُ الرَّسُولُ، فَصارَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ مَنسُوخَةً بِهَذا القُرْآنِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمّا لَمْ يَجُزْ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ كانَ النّاسِخُ لِتِلْكَ السُّنَّةِ سَنَةً أُخْرى ونَزَلَ هَذا القُرْآنُ مُطابِقًا لِلسُّنَّةِ النّاسِخَةِ.
والثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمِ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ، وكانَ قَدْ عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَّ قَوْمٌ مِن كِنانَةَ يُرِيدُونَ الإسْلامَ وأبُو بَرْزَةَ غائِبٌ، فَقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم.
الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم بَعْدَ أنْ غَلَّظَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عِقابَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ فَهم مُسْرِفُونَ في القَتْلِ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَمَن أتى مِنهم بِالقَتْلِ والفَسادِ في الأرْضِ فَجَزاؤُهم كَذا وكَذا.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى المُرْتَدِّينَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ قَطْعَ المُرْتَدِّ لا يَتَوَقَّفُ عَلى المُحارَبَةِ ولا عَلى إظْهارِ الفَسادِ في دارِ الإسْلامِ، والآيَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ.
وثانِيها: لا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ في المُرْتَدِّ عَلى قَطْعِ اليَدِ ولا عَلى النَّفْيِ، والآيَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي سُقُوطَ الحَدِّ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (المائِدَةِ: ٣٤) والمُرْتَدُّ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ وبَعْدَها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الآيَةَ لا تَعَلُّقَ لَها بِالمُرْتَدِّينَ.
ورابِعُها: أنَّ الصَّلْبَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ في حَقِّ المُرْتَدِّ وهو مَشْرُوعٌ هَهُنا، فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ الآيَةُ مُخْتَصَّةً بِالمُرْتَدِّ.
وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ مُسْلِمًا، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: الآيَةُ نَزَلَتْ في الكُفّارِ لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُحارِبُونَ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ ولَهم مَنَعَةٌ مِمَّنْ أرادَهم بِسَبَبِ أنَّهم يَحْمِي بَعْضَهم بَعْضًا ويَقْصِدُونَ المُسْلِمِينَ في أرْواحِهِمْ ودِمائِهِمْ، وإنَّما اعْتَبَرْنا القُوَّةَ والشَّوْكَةَ لِأنَّ
صفحة ١٧٠
قاطِعَ الطَّرِيقِ إنَّما يَمْتازُ عَنِ السّارِقِ بِهَذا القَيْدِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الحالَةَ إذا حَصَلَتْ في الصَّحْراءِ كانُوا قَطّاعَ الطَّرِيقِ، فَأمّا لَوْ حَصَلَتْ في نَفْسِ البَلْدَةِ فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ يَكُونُ أيْضًا ساعِيًا في الأرْضِ بِالفَسادِ ويُقامُ عَلَيْهِ هَذا الحَدُّ. قالَ: وأراهم في المِصْرِ إنْ لَمْ يَكُونُوا أعْظَمَ ذَنْبًا فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ رَحِمَهُما اللَّهُ: إذا حَصَلَ ذَلِكَ في المِصْرِ فَإنَّهُ لا يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ. وجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - النَّصُّ والقِياسُ، أمّا النَّصُّ فَعُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا حَصَلَ هَذا المَعْنى في البَلَدِ كانَ لا مَحالَةَ داخِلًا تَحْتَ عُمُومِ هَذا النَّصِّ، وأمّا القِياسُ فَهو أنَّ هَذا حَدٌّ فَلا يَخْتَلِفُ في المِصْرِ وغَيْرِ المِصْرِ كَسائِرِ الحُدُودِ. وجْهُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الدّاخِلَ في المِصْرِ يَلْحَقُهُ الغَوْثُ في الغالِبِ فَلا يَتَمَكَّنُ مِنَ المُقاتَلَةِ فَصارَ في حُكْمِ السّارِقِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ لِلْعُلَماءِ في لَفْظِ (أوْ) في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها لِلتَّخْيِيرِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ وقَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومُجاهِدٍ، والمَعْنى أنَّ الإمامَ إنْ شاءَ قَتَّلَ وإنْ شاءَ صَلَّبَ، وإنْ شاءَ قَطَّعَ الأيْدِيَ والأرْجُلَ، وإنْ شاءَ نَفى، أيَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ شاءَ فَعَلَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: كَلِمَةُ (أوْ) هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، بَلْ هي لِبَيانِ أنَّ الأحْكامَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الجِناياتِ، فَمَنِ اقْتَصَرَ عَلى القَتْلِ قُتِّلَ، ومَن قَتَلَ وأخَذَ المالَ قُتِّلَ وصُلِّبَ، ومَنِ اقْتَصَرَ عَلى أخْذِ المالِ قُطِّعَ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ. ومَن أخافَ السُّبُلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ نُفِيَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ مِنَ العُلَماءِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ التَّخْيِيرَ لَوَجَبَ أنْ يُمَكَّنَ الإمامُ مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى النَّفْيِ، ولَمّا أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ التَّخْيِيرَ.
والثّانِي: أنَّ هَذا المُحارِبَ إذا لَمْ يَقْتُلْ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ فَقَدْ هَمَّ بِالمَعْصِيَةِ ولَمْ يَفْعَلْ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ القَتْلَ كالعَزْمِ عَلى سائِرِ المَعاصِي، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى التَّخْيِيرِ، فَيَجِبُ أنْ يُضْمِرَ في كُلِّ فِعْلٍ عَلى حِدَةٍ فِعْلًا عَلى حِدَةٍ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: أنْ يُقَتَّلُوا إنْ قَتَلُوا، أوْ يُصَلَّبُوا إنْ جَمَعُوا بَيْنَ أخْذِ المالِ والقَتْلِ، أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ إنِ اقْتَصَرُوا عَلى أخْذِ المالِ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ إنْ أخافُوا السُّبُلَ، والقِياسُ الجَلِيُّ أيْضًا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ؛ لِأنَّ القَتْلَ العَمْدَ العُدْوانَ يُوجِبُ القَتْلَ، فَغَلَّظَ ذَلِكَ في قاطِعِ الطَّرِيقِ، وصارَ القَتْلُ حَتْمًا لا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْهُ، وأخْذُ المالِ يَتَعَلَّقُ بِهِ القَطْعُ في غَيْرِ قاطِعِ الطَّرِيقِ، فَغَلَّظَ ذَلِكَ في قاطِعِ الطَّرِيقِ بِقَطْعِ الطَّرَفَيْنِ، وإنْ جَمَعُوا بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ أخْذِ المالِ جَمَعَ في حَقِّهِمْ بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ الصَّلْبِ؛ لِأنَّ بَقاءَهُ مَصْلُوبًا في مَمَرِّ الطَّرِيقِ يَكُونُ سَبَبًا لِاشْتِهارِ إيقاعِ هَذِهِ العُقُوبَةِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ زاجِرًا لِغَيْرِهِ عَنِ الإقْدامِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، وأمّا إنِ اقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ الإخافَةِ اقْتَصَرَ الشَّرْعُ مِنهُ عَلى عُقُوبَةٍ خَفِيفَةٍ وهي النَّفْيُ مِنَ الأرْضِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا قَتَلَ وأخَذَ المالَ فالإمامُ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: أنْ يُقَتِّلَهم فَقَطْ، أوْ يُقَتِّلَهم ويُقَطِّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم قَبْلَ القَتْلِ، أوْ يُقَتِّلَهم ويُصَلِّبَهم، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا بُدَّ مِنَ الصَّلْبِ، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى الصَّلْبِ كَما نَصَّ عَلى القَتْلِ فَلَمْ يَجُزْ إسْقاطُ الصَّلْبِ
صفحة ١٧١
كَما لَمْ يَجُزْ إسْقاطُ القَتْلِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الصَّلْبِ، فَقِيلَ: يُصْلَبُ حَيًّا ثُمَّ يُزَجُّ بَطْنُهُ بِرُمْحٍ حَتّى يَمُوتَ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقْتَلُ ويُصَلّى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصْلَبُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ النَّفْيِ مِنَ الأرْضِ. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَعْناهُ إنْ وجَدَ هَؤُلاءِ المُحارِبِينَ قَتَلَهم وصَلَبَهم وقَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وإنْ لَمْ يَجِدْهم طَلَبَهم أبَدًا حَتّى إذا قَدَرَ عَلَيْهِمْ فَعَلَ بِهِمْ ما ذَكَرْناهُ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ رَحِمَهُما اللَّهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: النَّفْيُ مِنَ الأرْضِ هو الحَبْسُ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ، قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ النَّفْيَ مِن جَمِيعِ الأرْضِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ إخْراجُهُ مِن تِلْكَ البَلْدَةِ إلى بَلْدَةٍ أُخْرى، وهو أيْضًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِن هَذا النَّفْيِ دَفْعُ شَرِّهِ عَنِ المُسْلِمِينَ، فَلَوْ أخْرَجْناهُ إلى بَلَدٍ آخَرَ لاسْتَضَرَّ بِهِ مَن كانَ هُناكَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ إخْراجَهُ إلى دارِ الكُفْرِ وهو أيْضًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ إخْراجَ المُسْلِمِ إلى دارِ الكُفْرِ تَعْرِيضٌ لَهُ بِالرِّدَّةِ وهو غَيْرُ جائِزٍ، ولَمّا بَطَلَ الكُلُّ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النَّفْيِ نَفْيَهُ عَنْ جَمِيعِ الأرْضِ إلّا مَكانَ الحَبْسِ. قالُوا: والمَحْبُوسُ قَدْ يُسَمّى مَنفِيًّا مِنَ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، ولا يَرى أحَدًا مِن أحْبابِهِ، فَصارَ مَنفِيًّا عَنْ جَمِيعِ اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ والطَّيِّباتِ فَكانَ كالمَنفِيِّ في الحَقِيقَةِ. ولَمّا حَبَسُوا صالِحَ بْنَ عَبْدِ القُدُّوسِ عَلى تُهْمَةِ الزَّنْدَقَةِ في حَبْسٍ ضَيِّقٍ وطالَ لُبْثُهُ هُنالِكَ ذَكَرَ شِعْرًا، مِنهُ قَوْلُهُ:
خَرَجْنا عَنِ الدُّنْيا وعَنْ وصْلِ أهْلِها فَلَسْنا مِنَ الأحْيا ولَسْنا مِنَ المَوْتى
إذا جاءَنا السَّجّانُ يَوْمًا لِحاجَةٍ ∗∗∗ عَجِبْنا وقُلْنا جاءَ هَذا مِنَ الدُّنْيا
قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذا النَّفْيُ المَذْكُورُ في الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ المُحارِبِينَ إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ فالإمامُ إنْ أخَذَهم أقامَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ، وإنْ لَمْ يَأْخُذْهم طَلَبَهم أبَدًا؛ فَكَوْنُهم خائِفِينَ مِنَ الإمامِ هارِبِينَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ هو المُرادُ مِنَ النَّفْيِ.
الثّانِي: القَوْمُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الواقِعَةَ ويُكْثِرُونَ جَمْعَ هَؤُلاءِ المُحارِبِينَ ويُخِيفُونَ المُسْلِمِينَ ولَكِنَّهم ما قَتَلُوا وما أخَذُوا المالَ فالإمامُ إنْ أخَذَهم أقامَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ، وإنْ لَمْ يَأْخُذْهم طَلَبَهم أبَدًا. فَيَقُولُ الشّافِعِيُّ هَهُنا: إنَّ الإمامَ يَأْخُذُهم ويُعَزِّرُهم ويَحْبِسُهم، فالمُرادُ بِنَفْيِهِمْ عَنِ الأرْضِ هو هَذا الحَبْسُ لا غَيْرَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾ أيْ فَضِيحَةٌ وهَوانٌ ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، ودالَّةٌ عَلى أنَّ قَتْلَهم قَدْ أحْبَطَ ثَوابَهم؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِلذَّمِّ، وكَوْنُهم مُسْتَحِقِّينَ لِلذَّمِّ في الحالِ يَمْنَعُ مِن بَقاءِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ لِما أنَّ ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ القَوْلُ بِالقَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ، وثَبَتَ القَوْلُ بِالإحْباطِ.
صفحة ١٧٢
والجَوابُ: لا نِزاعَ بَيْنَنا وبَيْنَكم في أنَّ هَذا الحَدَّ إنَّما يَكُونُ واقِعًا عَلى جِهَةِ الخِزْيِ والِاسْتِخْفافِ إذا لَمْ تَحْصُلِ التَّوْبَةُ، فَأمّا عِنْدَ حُصُولِ التَّوْبَةِ فَإنَّ هَذا الحَدَّ لا يَكُونُ عَلى جِهَةِ الخِزْيِ والِاسْتِخْفافِ، بَلْ يَكُونُ عَلى جِهَةِ الِامْتِحانِ، فَإذا جازَ لَكم أنْ تَشْتَرِطُوا هَذا الحُكْمَ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ لِدَلِيلٍ دَلَّ عَلى اعْتِبارِ هَذا الشَّرْطِ، فَنَحْنُ أيْضًا نَشْرُطُ هَذا الحُكْمَ بِشَرْطِ عَدَمِ العَفْوِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى الكَلامُ إلّا في أنَّهُ هَلْ دَلَّ هَذا الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الفُسّاقِ أمْ لا ؟ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ (البَقَرَةِ: ٨١) .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لَمّا شَرَحَ ما يَجِبُ عَلى هَؤُلاءِ المُحارِبِينَ مِنَ الحُدُودِ والعُقُوباتِ اسْتَثْنى عَنْهُما إذا تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. وضَبْطُ هَذا الكَلامِ أنَّ ما يَتَعَلَّقُ مِن تِلْكَ الأحْكامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يَسْقُطُ بَعْدَ هَذِهِ التَّوْبَةِ، وما يَتَعَلَّقُ مِنها بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ فَإنَّهُ لا يَسْقُطُ، فَهَؤُلاءِ المُحارِبُونَ إنْ قَتَلُوا إنْسانًا ثُمَّ تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ كانَ ولِيُّ الدَّمِ عَلى حَقِّهِ في القَصاصِ والعَفْوِ، إلّا أنَّهُ يَزُولُ حَتْمُ القَتْلِ بِسَبَبِ هَذِهِ التَّوْبَةِ، وإنْ أخَذَ مالًا وجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَطْعُ اليَدِ أوِ الرِّجْلِ، وأمّا إذا تابَ بَعْدَ القُدْرَةِ فَظاهِرُ الآيَةِ أنَّ التَّوْبَةَ لا تَنْفَعُهُ، وتُقامُ الحُدُودُ عَلَيْهِ. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ويُحْتَمَلُ أنْ يَسْقُطَ كُلُّ حَدِّ اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ؛ لِأنَّ ماعِزًا لَمّا رُجِمَ أظْهَرَ تَوْبَتَهُ، فَلَمّا تَمَّمُوا رَجْمَهُ ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ”«هَلّا تَرَكْتُمُوهُ» “، أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ عَنِ المُكَلَّفِ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى.
المائدة 5:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى تَغْلِيظَ الإثْمِ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ ولا فَسادٍ في الأرْضِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّ الفَسادَ في الأرْضِ الَّذِي يُوجِبُ القَتْلَ ما هو، فَإنَّ بَعْضَ ما يَكُونُ فَسادًا في الأرْضِ لا يُوجِبُ القَتْلَ فَقالَ ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٩
المَسْألَةُ الأُولى: في أوَّلِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المُحارَبَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُمْكِنَةٍ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المُحارَبَةِ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، والمُحارَبَةُ مَعَ الرُّسُلِ مُمْكِنَةٌ، فَلَفْظَةُ المُحارَبَةِ إذا نُسِبَتْ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ مَجازًا؛ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ المُحارَبَةُ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، وإذا نُسِبَتْ إلى الرَّسُولِ كانَتْ حَقِيقَةً، فَلَفْظُ يُحارِبُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَجازِ والحَقِيقَةِ مَعًا، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَهَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ.
وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ المُحارَبَةَ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُخالِفُونَ أحْكامَ اللَّهِ وأحْكامَ رَسُولِهِ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا كَذا وكَذا.
والثّانِي: تَقْدِيرُ الكَلامِ إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى وأوْلِياءَ رَسُولِهِ كَذا وكَذا. وفي الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ”«مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذا الوَعِيدُ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ في فُسّاقِ المُؤْمِنِينَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في «قَوْمٍ مِن عُرَيْنَةَ نَزَلُوا المَدِينَةَ مُظْهَرِينَ لِلْإسْلامِ، فَمَرِضَتْ أبْدانُهم واصْفَرَّتْ ألْوانُهم، فَبَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى إبِلِ الصَّدَقَةِ لِيَشْرَبُوا مِن أبْوالِها وألْبانِها فَيَصِحُّوا، فَلَمّا وصَلُوا إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ وشَرِبُوا وصَحُّوا قَتَلُوا الرُّعاةَ وساقُوا الإبِلَ وارْتَدُّوا، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ في أثَرِهِمْ وأمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم وسَمَلَ أعْيُنَهم وتُرِكُوا هُناكَ حَتّى ماتُوا»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَسْخًا لِما فَعَلَهُ الرَّسُولُ، فَصارَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ مَنسُوخَةً بِهَذا القُرْآنِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمّا لَمْ يَجُزْ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ كانَ النّاسِخُ لِتِلْكَ السُّنَّةِ سَنَةً أُخْرى ونَزَلَ هَذا القُرْآنُ مُطابِقًا لِلسُّنَّةِ النّاسِخَةِ.
والثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمِ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ، وكانَ قَدْ عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَّ قَوْمٌ مِن كِنانَةَ يُرِيدُونَ الإسْلامَ وأبُو بَرْزَةَ غائِبٌ، فَقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم.
الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم بَعْدَ أنْ غَلَّظَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عِقابَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ فَهم مُسْرِفُونَ في القَتْلِ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، فَمَن أتى مِنهم بِالقَتْلِ والفَسادِ في الأرْضِ فَجَزاؤُهم كَذا وكَذا.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى المُرْتَدِّينَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ قَطْعَ المُرْتَدِّ لا يَتَوَقَّفُ عَلى المُحارَبَةِ ولا عَلى إظْهارِ الفَسادِ في دارِ الإسْلامِ، والآيَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ.
وثانِيها: لا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ في المُرْتَدِّ عَلى قَطْعِ اليَدِ ولا عَلى النَّفْيِ، والآيَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي سُقُوطَ الحَدِّ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (المائِدَةِ: ٣٤) والمُرْتَدُّ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ القُدْرَةِ وبَعْدَها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الآيَةَ لا تَعَلُّقَ لَها بِالمُرْتَدِّينَ.
ورابِعُها: أنَّ الصَّلْبَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ في حَقِّ المُرْتَدِّ وهو مَشْرُوعٌ هَهُنا، فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ الآيَةُ مُخْتَصَّةً بِالمُرْتَدِّ.
وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ مُسْلِمًا، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: الآيَةُ نَزَلَتْ في الكُفّارِ لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُحارِبُونَ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ ولَهم مَنَعَةٌ مِمَّنْ أرادَهم بِسَبَبِ أنَّهم يَحْمِي بَعْضَهم بَعْضًا ويَقْصِدُونَ المُسْلِمِينَ في أرْواحِهِمْ ودِمائِهِمْ، وإنَّما اعْتَبَرْنا القُوَّةَ والشَّوْكَةَ لِأنَّ
صفحة ١٧٠
قاطِعَ الطَّرِيقِ إنَّما يَمْتازُ عَنِ السّارِقِ بِهَذا القَيْدِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الحالَةَ إذا حَصَلَتْ في الصَّحْراءِ كانُوا قَطّاعَ الطَّرِيقِ، فَأمّا لَوْ حَصَلَتْ في نَفْسِ البَلْدَةِ فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ يَكُونُ أيْضًا ساعِيًا في الأرْضِ بِالفَسادِ ويُقامُ عَلَيْهِ هَذا الحَدُّ. قالَ: وأراهم في المِصْرِ إنْ لَمْ يَكُونُوا أعْظَمَ ذَنْبًا فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ رَحِمَهُما اللَّهُ: إذا حَصَلَ ذَلِكَ في المِصْرِ فَإنَّهُ لا يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ. وجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - النَّصُّ والقِياسُ، أمّا النَّصُّ فَعُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا حَصَلَ هَذا المَعْنى في البَلَدِ كانَ لا مَحالَةَ داخِلًا تَحْتَ عُمُومِ هَذا النَّصِّ، وأمّا القِياسُ فَهو أنَّ هَذا حَدٌّ فَلا يَخْتَلِفُ في المِصْرِ وغَيْرِ المِصْرِ كَسائِرِ الحُدُودِ. وجْهُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الدّاخِلَ في المِصْرِ يَلْحَقُهُ الغَوْثُ في الغالِبِ فَلا يَتَمَكَّنُ مِنَ المُقاتَلَةِ فَصارَ في حُكْمِ السّارِقِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ لِلْعُلَماءِ في لَفْظِ (أوْ) في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها لِلتَّخْيِيرِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ وقَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومُجاهِدٍ، والمَعْنى أنَّ الإمامَ إنْ شاءَ قَتَّلَ وإنْ شاءَ صَلَّبَ، وإنْ شاءَ قَطَّعَ الأيْدِيَ والأرْجُلَ، وإنْ شاءَ نَفى، أيَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ شاءَ فَعَلَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: كَلِمَةُ (أوْ) هَهُنا لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، بَلْ هي لِبَيانِ أنَّ الأحْكامَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الجِناياتِ، فَمَنِ اقْتَصَرَ عَلى القَتْلِ قُتِّلَ، ومَن قَتَلَ وأخَذَ المالَ قُتِّلَ وصُلِّبَ، ومَنِ اقْتَصَرَ عَلى أخْذِ المالِ قُطِّعَ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ. ومَن أخافَ السُّبُلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ نُفِيَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ مِنَ العُلَماءِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ التَّخْيِيرَ لَوَجَبَ أنْ يُمَكَّنَ الإمامُ مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى النَّفْيِ، ولَمّا أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ التَّخْيِيرَ.
والثّانِي: أنَّ هَذا المُحارِبَ إذا لَمْ يَقْتُلْ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ فَقَدْ هَمَّ بِالمَعْصِيَةِ ولَمْ يَفْعَلْ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ القَتْلَ كالعَزْمِ عَلى سائِرِ المَعاصِي، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى التَّخْيِيرِ، فَيَجِبُ أنْ يُضْمِرَ في كُلِّ فِعْلٍ عَلى حِدَةٍ فِعْلًا عَلى حِدَةٍ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: أنْ يُقَتَّلُوا إنْ قَتَلُوا، أوْ يُصَلَّبُوا إنْ جَمَعُوا بَيْنَ أخْذِ المالِ والقَتْلِ، أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ إنِ اقْتَصَرُوا عَلى أخْذِ المالِ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ إنْ أخافُوا السُّبُلَ، والقِياسُ الجَلِيُّ أيْضًا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ؛ لِأنَّ القَتْلَ العَمْدَ العُدْوانَ يُوجِبُ القَتْلَ، فَغَلَّظَ ذَلِكَ في قاطِعِ الطَّرِيقِ، وصارَ القَتْلُ حَتْمًا لا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْهُ، وأخْذُ المالِ يَتَعَلَّقُ بِهِ القَطْعُ في غَيْرِ قاطِعِ الطَّرِيقِ، فَغَلَّظَ ذَلِكَ في قاطِعِ الطَّرِيقِ بِقَطْعِ الطَّرَفَيْنِ، وإنْ جَمَعُوا بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ أخْذِ المالِ جَمَعَ في حَقِّهِمْ بَيْنَ القَتْلِ وبَيْنَ الصَّلْبِ؛ لِأنَّ بَقاءَهُ مَصْلُوبًا في مَمَرِّ الطَّرِيقِ يَكُونُ سَبَبًا لِاشْتِهارِ إيقاعِ هَذِهِ العُقُوبَةِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ زاجِرًا لِغَيْرِهِ عَنِ الإقْدامِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، وأمّا إنِ اقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ الإخافَةِ اقْتَصَرَ الشَّرْعُ مِنهُ عَلى عُقُوبَةٍ خَفِيفَةٍ وهي النَّفْيُ مِنَ الأرْضِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا قَتَلَ وأخَذَ المالَ فالإمامُ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: أنْ يُقَتِّلَهم فَقَطْ، أوْ يُقَتِّلَهم ويُقَطِّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم قَبْلَ القَتْلِ، أوْ يُقَتِّلَهم ويُصَلِّبَهم، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا بُدَّ مِنَ الصَّلْبِ، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى الصَّلْبِ كَما نَصَّ عَلى القَتْلِ فَلَمْ يَجُزْ إسْقاطُ الصَّلْبِ
صفحة ١٧١
كَما لَمْ يَجُزْ إسْقاطُ القَتْلِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الصَّلْبِ، فَقِيلَ: يُصْلَبُ حَيًّا ثُمَّ يُزَجُّ بَطْنُهُ بِرُمْحٍ حَتّى يَمُوتَ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقْتَلُ ويُصَلّى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصْلَبُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ النَّفْيِ مِنَ الأرْضِ. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَعْناهُ إنْ وجَدَ هَؤُلاءِ المُحارِبِينَ قَتَلَهم وصَلَبَهم وقَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وإنْ لَمْ يَجِدْهم طَلَبَهم أبَدًا حَتّى إذا قَدَرَ عَلَيْهِمْ فَعَلَ بِهِمْ ما ذَكَرْناهُ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ رَحِمَهُما اللَّهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: النَّفْيُ مِنَ الأرْضِ هو الحَبْسُ، وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ، قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ النَّفْيَ مِن جَمِيعِ الأرْضِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ مَعَ بَقاءِ الحَياةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ إخْراجُهُ مِن تِلْكَ البَلْدَةِ إلى بَلْدَةٍ أُخْرى، وهو أيْضًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِن هَذا النَّفْيِ دَفْعُ شَرِّهِ عَنِ المُسْلِمِينَ، فَلَوْ أخْرَجْناهُ إلى بَلَدٍ آخَرَ لاسْتَضَرَّ بِهِ مَن كانَ هُناكَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ إخْراجَهُ إلى دارِ الكُفْرِ وهو أيْضًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ إخْراجَ المُسْلِمِ إلى دارِ الكُفْرِ تَعْرِيضٌ لَهُ بِالرِّدَّةِ وهو غَيْرُ جائِزٍ، ولَمّا بَطَلَ الكُلُّ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النَّفْيِ نَفْيَهُ عَنْ جَمِيعِ الأرْضِ إلّا مَكانَ الحَبْسِ. قالُوا: والمَحْبُوسُ قَدْ يُسَمّى مَنفِيًّا مِنَ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، ولا يَرى أحَدًا مِن أحْبابِهِ، فَصارَ مَنفِيًّا عَنْ جَمِيعِ اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ والطَّيِّباتِ فَكانَ كالمَنفِيِّ في الحَقِيقَةِ. ولَمّا حَبَسُوا صالِحَ بْنَ عَبْدِ القُدُّوسِ عَلى تُهْمَةِ الزَّنْدَقَةِ في حَبْسٍ ضَيِّقٍ وطالَ لُبْثُهُ هُنالِكَ ذَكَرَ شِعْرًا، مِنهُ قَوْلُهُ:
خَرَجْنا عَنِ الدُّنْيا وعَنْ وصْلِ أهْلِها فَلَسْنا مِنَ الأحْيا ولَسْنا مِنَ المَوْتى
إذا جاءَنا السَّجّانُ يَوْمًا لِحاجَةٍ ∗∗∗ عَجِبْنا وقُلْنا جاءَ هَذا مِنَ الدُّنْيا
قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذا النَّفْيُ المَذْكُورُ في الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ المُحارِبِينَ إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ فالإمامُ إنْ أخَذَهم أقامَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ، وإنْ لَمْ يَأْخُذْهم طَلَبَهم أبَدًا؛ فَكَوْنُهم خائِفِينَ مِنَ الإمامِ هارِبِينَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ هو المُرادُ مِنَ النَّفْيِ.
الثّانِي: القَوْمُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الواقِعَةَ ويُكْثِرُونَ جَمْعَ هَؤُلاءِ المُحارِبِينَ ويُخِيفُونَ المُسْلِمِينَ ولَكِنَّهم ما قَتَلُوا وما أخَذُوا المالَ فالإمامُ إنْ أخَذَهم أقامَ عَلَيْهِمُ الحَدَّ، وإنْ لَمْ يَأْخُذْهم طَلَبَهم أبَدًا. فَيَقُولُ الشّافِعِيُّ هَهُنا: إنَّ الإمامَ يَأْخُذُهم ويُعَزِّرُهم ويَحْبِسُهم، فالمُرادُ بِنَفْيِهِمْ عَنِ الأرْضِ هو هَذا الحَبْسُ لا غَيْرَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾ أيْ فَضِيحَةٌ وهَوانٌ ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، ودالَّةٌ عَلى أنَّ قَتْلَهم قَدْ أحْبَطَ ثَوابَهم؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِلذَّمِّ، وكَوْنُهم مُسْتَحِقِّينَ لِلذَّمِّ في الحالِ يَمْنَعُ مِن بَقاءِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ لِما أنَّ ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ القَوْلُ بِالقَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ، وثَبَتَ القَوْلُ بِالإحْباطِ.
صفحة ١٧٢
والجَوابُ: لا نِزاعَ بَيْنَنا وبَيْنَكم في أنَّ هَذا الحَدَّ إنَّما يَكُونُ واقِعًا عَلى جِهَةِ الخِزْيِ والِاسْتِخْفافِ إذا لَمْ تَحْصُلِ التَّوْبَةُ، فَأمّا عِنْدَ حُصُولِ التَّوْبَةِ فَإنَّ هَذا الحَدَّ لا يَكُونُ عَلى جِهَةِ الخِزْيِ والِاسْتِخْفافِ، بَلْ يَكُونُ عَلى جِهَةِ الِامْتِحانِ، فَإذا جازَ لَكم أنْ تَشْتَرِطُوا هَذا الحُكْمَ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ لِدَلِيلٍ دَلَّ عَلى اعْتِبارِ هَذا الشَّرْطِ، فَنَحْنُ أيْضًا نَشْرُطُ هَذا الحُكْمَ بِشَرْطِ عَدَمِ العَفْوِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى الكَلامُ إلّا في أنَّهُ هَلْ دَلَّ هَذا الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الفُسّاقِ أمْ لا ؟ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ (البَقَرَةِ: ٨١) .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لَمّا شَرَحَ ما يَجِبُ عَلى هَؤُلاءِ المُحارِبِينَ مِنَ الحُدُودِ والعُقُوباتِ اسْتَثْنى عَنْهُما إذا تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. وضَبْطُ هَذا الكَلامِ أنَّ ما يَتَعَلَّقُ مِن تِلْكَ الأحْكامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يَسْقُطُ بَعْدَ هَذِهِ التَّوْبَةِ، وما يَتَعَلَّقُ مِنها بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ فَإنَّهُ لا يَسْقُطُ، فَهَؤُلاءِ المُحارِبُونَ إنْ قَتَلُوا إنْسانًا ثُمَّ تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ كانَ ولِيُّ الدَّمِ عَلى حَقِّهِ في القَصاصِ والعَفْوِ، إلّا أنَّهُ يَزُولُ حَتْمُ القَتْلِ بِسَبَبِ هَذِهِ التَّوْبَةِ، وإنْ أخَذَ مالًا وجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَطْعُ اليَدِ أوِ الرِّجْلِ، وأمّا إذا تابَ بَعْدَ القُدْرَةِ فَظاهِرُ الآيَةِ أنَّ التَّوْبَةَ لا تَنْفَعُهُ، وتُقامُ الحُدُودُ عَلَيْهِ. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ويُحْتَمَلُ أنْ يَسْقُطَ كُلُّ حَدِّ اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ؛ لِأنَّ ماعِزًا لَمّا رُجِمَ أظْهَرَ تَوْبَتَهُ، فَلَمّا تَمَّمُوا رَجْمَهُ ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ”«هَلّا تَرَكْتُمُوهُ» “، أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ عَنِ المُكَلَّفِ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى.
المائدة 5:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في النَّظْمِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: اعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ رَسُولَهُ أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ هَمُّوا أنْ يَبْسُطُوا أيْدِيَهم إلى الرَّسُولِ وإلى إخْوانِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأصْحابِهِ بِالغَدْرِ والمَكْرِ ومَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ مُرادِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ شَرَحَ لِلرَّسُولِ شِدَّةَ عِتِيِّهِمْ عَلى الأنْبِياءِ وكَمالَ إصْرارِهِمْ عَلى إيذائِهِمْ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَوْضِعِ، فَعِنْدَ هَذا رَجَعَ الكَلامُ إلى المَقْصُودِ الأوَّلِ وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَرَفْتُمْ كَمالَ جَسارَةِ اليَهُودِ عَلى المَعاصِي والذُّنُوبِ وبُعْدِهِمْ عَنِ الطّاعاتِ الَّتِي هي الوَسائِلُ لِلْعَبْدِ إلى الرَّبِّ، فَكُونُوا يا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، وكُونُوا مُتَّقِينَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ، مُتَوَسِّلِينَ إلى اللَّهِ بِطاعاتِ اللَّهِ.
الوَجْهُ الثّانِي في النَّظْمِ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ (المائِدَةِ: ١٨) أيْ نَحْنُ أبْناءُ أنْبِياءِ اللَّهِ، فَكانَ افْتِخارُهم بِأعْمالِ آبائِهِمْ، فَقالَ تَعالى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَكُنْ مُفاخَرَتُكم بِأعْمالِكم لا بِشَرَفِ آبائِكم وأسْلافِكم، فاتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ١٧٣
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ التَّكْلِيفِ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ لا ثالِثَ لَهُما:
أحَدُهُما: تَرْكُ المَنهِيّاتِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (اتَّقَوُا اللَّهَ) .
وثانِيهِما: فِعْلُ المَأْمُوراتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ ولَمّا كانَ تَرْكُ المَنهِيّاتِ مُقَدَّمًا عَلى فِعْلِ المَأْمُوراتِ بِالذّاتِ لا جَرَمَ قَدَّمَهُ تَعالى عَلَيْهِ في الذِّكْرِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ التَّرْكَ مُقَدَّمٌ عَلى الفِعْلِ؛ لِأنَّ التَّرْكَ عِبارَةٌ عَنْ بَقاءِ الشَّيْءِ عَلى عَدَمِهِ الأصْلِيِّ، والفِعْلُ هو الإيقاعُ والتَّحْصِيلُ، ولا شَكَّ أنَّ عَدَمَ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ سابِقٌ عَلى وُجُودِها؛ فَكانَ التَّرْكُ قَبْلَ الفِعْلِ لا مَحالَةَ.
فَإنْ قِيلَ: ولِمَ جُعِلَتِ الوَسِيلَةُ مَخْصُوصَةً بِالفِعْلِ مَعَ أنّا نَعْلَمُ أنَّ تَرْكَ المَعاصِي قَدْ يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟
قُلْنا: التَّرْكُ إبْقاءُ الشَّيْءِ عَلى عَدَمِهِ الأصْلِيِّ، وذَلِكَ العَدَمُ المُسْتَمِرُّ لا يُمْكِنُ التَّوَسُّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ البَتَّةَ فَثَبَتَ أنَّ التَّرْكَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً، بَلْ مَن دَعاهُ داعِي الشَّهْوَةِ إلى فِعْلٍ قَبِيحٍ، ثُمَّ تَرَكَهُ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَهُنا يَحْصُلُ التَّوَسُّلُ بِذَلِكَ الِامْتِناعِ إلى اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ مِن بابِ الأفْعالِ، ولِهَذا قالَ المُحَقِّقُونَ: تَرْكُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ ضِدِّهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ التَّرْكَ والفِعْلَ أمْرانِ مُعْتَبَرانِ في ظاهِرِ الأفْعالِ، فالَّذِي يَجِبُ تَرْكُهُ هو المُحَرَّماتُ، والَّذِي يَجِبُ فِعْلُهُ هو الواجِباتُ، ومُعْتَبَرانِ أيْضًا في الأخْلاقِ، فالَّذِي يَجِبُ حُصُولُهُ هو الأخْلاقُ الفاضِلَةُ، والَّذِي يَجِبُ تَرْكُهُ هو الأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ، ومُعْتَبَرانِ أيْضًا في الأفْكارِ فالَّذِي يَجِبُ فِعْلُهُ هو التَّفَكُّرُ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والَّذِي يَجِبُ تَرْكُهُ هو الِالتِفاتُ إلى الشُّبُهاتِ، ومُعْتَبَرانِ أيْضًا في مَقامِ التَّجَلِّي، فالفِعْلُ هو الِاسْتِغْراقُ في اللَّهِ تَعالى، والتَّرْكُ هو الِالتِفاتُ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى: وأهْلُ الرِّياضَةِ يُسَمُّونَ الفِعْلَ والتَّرْكَ بِالتَّحْلِيَةِ والتَّخْلِيَةِ، وبِالمَحْوِ والصَّحْوِ، وبِالنَّفْيِ والإثْباتِ، وبِالفَناءِ والبَقاءِ، وفي جَمِيعِ المَقاماتِ النَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلى الإثْباتِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُنا: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ النَّفْيُ مُقَدَّمٌ فِيهِ عَلى الإثْباتِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الوَسِيلَةُ فَعِيلَةٌ، مِن وسَلَ إلَيْهِ إذا تَقَرَّبَ إلَيْهِ. قالَ لَبِيدٌ الشّاعِرُ:
أرى النّاسَ لا يَدْرُونَ ما قَدْرُ أمْرِهِمْ ألا كُلُّ ذِي لُبٍّ إلى اللَّهِ واسِلُ
أيْ مُتَوَسِّلٌ، فالوَسِيلَةُ هي الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِها إلى المَقْصُودِ. قالَتِ التَّعْلِيمِيَّةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا بِمُعَلِّمٍ يُعَلِّمُنا مَعْرِفَتَهُ، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُنا إلى العِلْمِ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أمْرٌ بِطَلَبِ الوَسِيلَةِ إلَيْهِ مُطْلَقًا، والإيمانُ بِهِ مِن أعْظَمِ المَطالِبِ وأشْرَفِ المَقاصِدِ، فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الوَسِيلَةِ.
وجَوابُنا: أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ إلَيْهِ بَعْدَ الإيمانِ بِهِ، والإيمانُ بِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَعْرِفَةِ بِهِ فَكانَ هَذا أمْرًا بِابْتِغاءِ الوَسِيلَةِ إلَيْهِ بَعْدَ الإيمانِ وبَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هَذا أمْرًا بِطَلَبِ الوَسِيلَةِ إلَيْهِ في مَعْرِفَتِهِ، فَكانَ المُرادُ طَلَبَ الوَسِيلَةِ إلَيْهِ في تَحْصِيلِ مَرْضاتِهِ وذَلِكَ بِالعِباداتِ والطّاعاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِتَرْكِ ما لا يَنْبَغِي بِقَوْلِهِ: (اتَّقُوا اللَّهَ) وبِفِعْلِ ما يَنْبَغِي، بِقَوْلِهِ: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما شاقٌّ ثَقِيلٌ عَلى النَّفْسِ والشَّهْوَةِ، فَإنَّ النَّفْسَ لا تَدْعُو إلّا إلى الدُّنْيا واللَّذّاتِ المَحْسُوسَةِ، والعَقْلَ لا يَدْعُو إلّا إلى خِدْمَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ والإعْراضِ عَنِ المَحْسُوساتِ، وكانَ بَيْنَ الحالَتَيْنِ تَضادٌّ وتَنافٍ، ولِذَلِكَ فَإنَّ العُلَماءَ ضَرَبُوا المَثَلَ في مَظانَّ
صفحة ١٧٤
تَطْلُبُ الدُّنْيا والآخِرَةَ بِالضَّرَّتَيْنِ وبِالضِّدَّيْنِ، وبِالمَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وبِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الِانْقِيادُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ مِن أشَقِّ الأشْياءِ عَلى النَّفْسِ وأشَدِّها ثِقَلًا عَلى الطَّبْعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أرْدَفَ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ آيَةٌ شَرِيفَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أسْرارٍ رُوحانِيَّةٍ، ونَحْنُ نُشِيرُ هَهُنا إلى واحِدٍ مِنها، وهو أنَّ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى فَرِيقانِ، مِنهم مَن يَعْبُدُ اللَّهَ لا لِغَرَضٍ سِوى اللَّهِ، ومِنهم مَن يَعْبُدُهُ لِغَرَضٍ آخَرَ.
والمَقامُ الأوَّلُ: هو المَقامُ الشَّرِيفُ العالِي، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾ أيْ في سَبِيلِ عُبُودِيَّتِهِ وطَرِيقِ الإخْلاصِ في مَعْرِفَتِهِ وخِدْمَتِهِ.
والمَقامُ الثّانِي: دُونَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ والفَلاحُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْخَلاصِ عَنِ المَكْرُوهِ والفَوْزِ بِالمَحْبُوبِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى مَعاقِدِ جَمِيعِ الخَيْراتِ، ومَفاتِحِ كُلِّ السَّعاداتِ أتْبَعَهُ بِشَرْحِ حالِ الكُفّارِ، وبِوَصْفِ عاقِبَةِ مَن لَمْ يَعْرِفْ حَياةً ولا سَعادَةً إلّا في هَذِهِ الدّارِ، وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الأُمُورِ الفَظِيعَةِ نَوْعَيْنِ:
المائدة 5:36
أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ مَعَ كَلِمَةِ ”لَوْ“ خَبَرُ ”إنَّ“ . فَإنْ قِيلَ: لِمَ وحَّدَ الرّاجِعَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ مَعَ أنَّ المَذْكُورَ السّابِقَ بَيانُ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلِهِ ؟
قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَفْتَدُوا بِذَلِكَ المَذْكُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الخَبَرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ التَّمْثِيلُ لِلُزُومِ العَذابِ لَهم، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخَلاصِ مِنهُ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«يُقالُ لِلْكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ فَأبَيْتَ» “ .
صفحة ١٧٥
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الوَعِيدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ:
قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إرادَتُهُمُ الخُرُوجَ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم قَصَدُوا ذَلِكَ وطَلَبُوا المَخْرَجَ مِنها كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ (السَّجْدَةِ: ٢) .
قِيلَ: إذا رَفَعَهم لَهَبُ النّارِ إلى فَوْقُ فَهُناكَ يَتَمَنَّوْنَ الخُرُوجَ. وقِيلَ: يَكادُونَ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ لِقُوَّةِ النّارِ ودَفْعِها لِلْمُعَذَّبِينَ.
والثّانِي: أنَّهم تَمَنَّوْا ذَلِكَ وأرادُوهُ بِقُلُوبِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠٧) ويُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (يُرِيدُونَ أنْ يُخْرَجُوا مِنَ النّارِ ) بِضَمِّ الياءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ النّارِ مَن قالَ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ. قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ هَذا المَعْنى مِن تَهْدِيداتِ الكُفّارِ، وأنْواعِ ما خَوَّفَهم بِهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ، ولَوْلا أنَّ هَذا المَعْنى مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الكُفّارِ بِهِ مَعْنًى، واللَّهُ أعْلَمُ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الَّذِي قُلْناهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، فَكانَ المَعْنى: ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ لا لِغَيْرِهِمْ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكم دِينَكُمْ﴾ أيْ لَكم لا لِغَيْرِكم، فَكَذا هَهُنا.
المائدة 5:37
أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ مَعَ كَلِمَةِ ”لَوْ“ خَبَرُ ”إنَّ“ . فَإنْ قِيلَ: لِمَ وحَّدَ الرّاجِعَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ مَعَ أنَّ المَذْكُورَ السّابِقَ بَيانُ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلِهِ ؟
قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَفْتَدُوا بِذَلِكَ المَذْكُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الخَبَرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ التَّمْثِيلُ لِلُزُومِ العَذابِ لَهم، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخَلاصِ مِنهُ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«يُقالُ لِلْكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ فَأبَيْتَ» “ .
صفحة ١٧٥
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الوَعِيدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ:
قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: إرادَتُهُمُ الخُرُوجَ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم قَصَدُوا ذَلِكَ وطَلَبُوا المَخْرَجَ مِنها كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ (السَّجْدَةِ: ٢) .
قِيلَ: إذا رَفَعَهم لَهَبُ النّارِ إلى فَوْقُ فَهُناكَ يَتَمَنَّوْنَ الخُرُوجَ. وقِيلَ: يَكادُونَ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ لِقُوَّةِ النّارِ ودَفْعِها لِلْمُعَذَّبِينَ.
والثّانِي: أنَّهم تَمَنَّوْا ذَلِكَ وأرادُوهُ بِقُلُوبِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠٧) ويُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (يُرِيدُونَ أنْ يُخْرَجُوا مِنَ النّارِ ) بِضَمِّ الياءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ النّارِ مَن قالَ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ. قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ هَذا المَعْنى مِن تَهْدِيداتِ الكُفّارِ، وأنْواعِ ما خَوَّفَهم بِهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ، ولَوْلا أنَّ هَذا المَعْنى مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الكُفّارِ بِهِ مَعْنًى، واللَّهُ أعْلَمُ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الَّذِي قُلْناهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، فَكانَ المَعْنى: ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ لا لِغَيْرِهِمْ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكم دِينَكُمْ﴾ أيْ لَكم لا لِغَيْرِكم، فَكَذا هَهُنا.
المائدة 5:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
فِي اتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ عِنْدَ أخْذِ المالِ عَلى سَبِيلِ المُحارَبَةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أخْذَ المالِ عَلى سَبِيلِ السَّرِقَةِ يُوجِبُ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ أيْضًا.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعْظِيمَ أمْرِ القَتْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائِدَةِ: ٣٢) ذَكَرَ بَعْدَ هَذا الجِناياتِ الَّتِي تُبِيحُ القَتْلَ والإيلامَ، فَذَكَرَ أوَّلًا قَطْعَ الطَّرِيقِ، وثانِيًا أمْرَ السَّرِقَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الرَّفْعِ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ مَرْفُوعانِ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ، أيْ حُكْمُهُما كَذا، وكَذا القَوْلُ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ (النُّورِ: ٢) وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ (النِّساءِ: ١٦) وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ”والسّارِقَ
صفحة ١٧٦
والسّارِقَةَ“ بِالنَّصْبِ، ومِثْلُهُ: (الزّانِيَةَ والزّانِيَ) .
والِاخْتِيارُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ النَّصْبُ في هَذا. قالَ: لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ أحْسَنُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، وأيْضًا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فاقْطَعُوا﴾ خَبَرَ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الفاءُ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنَّ الرَّفْعَ أوْلى مِنَ النَّصْبِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَقُومانِ مَقامَ ”الَّذِي“ فَصارَ التَّقْدِيرُ: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَسُنَ إدْخالُ حَرْفِ الفاءِ عَلى الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ صارَ جَزاءً، وأيْضًا النَّصْبُ إنَّما يَحْسُنُ إذا أرَدْتَ سارِقًا بِعَيْنِهِ أوْ سارِقَةً بِعَيْنِها، فَأمّا إذا أرَدْتَ تَوْجِيهَ هَذا الجَزاءِ عَلى كُلِّ مَن أتى بِهَذا الفِعْلِ فالرَّفْعُ أوْلى، وهَذا القَوْلُ اخْتارَهُ الزَّجّاجُ وهو المُعْتَمَدُ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الشَّرْطُ والجَزاءُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَطْعَ شُرِعَ جَزاءً عَلى فِعْلِ السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الجَزاءُ لِعُمُومِ الشَّرْطِ.
والثّانِي: أنَّ السَّرِقَةَ جِنايَةٌ، والقَطْعَ عُقُوبَةٌ، ورَبْطُ العُقُوبَةِ بِالجِنايَةِ مُناسِبٌ، وذِكْرُ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ.
والثّالِثُ: أنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَتِ الآيَةُ مُفِيدَةً، ولَوْ حَمَلْناها عَلى سارِقٍ مُعَيَّنٍ صارَتْ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفِيدَةٍ، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى.
وأمّا القَوْلُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ طَعَنَ في القُرْآنِ المَنقُولِ بِالتَّواتُرِ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَنْ جَمِيعِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَإنْ قالَ لا أقُولُ: إنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ غَيْرُ جائِزَةٍ ولَكِنِّي أقُولُ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ أوْلى، فَنَقُولُ: وهَذا أيْضًا رَدِيءٌ؛ لِأنَّ تَرْجِيحَ القِراءَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْ بِها إلّا عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى قِراءَةِ الرَّسُولِ وجَمِيعِ الأُمَّةِ في عَهْدِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أمْرٌ مُنْكَرٌ وكَلامٌ مَرْدُودٌ.
والثّانِي: أنَّ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ لَوْ كانَتْ أوْلى لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في القُرّاءِ مَن قَرَأ: (واللَّذَيْنِ يَأْتِيانِها مِنكم) بِالنَّصْبِ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ في القُرّاءِ أحَدٌ قَرَأ كَذَلِكَ عَلِمْنا سُقُوطَ هَذا القَوْلِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنّا إذا قُلْنا: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو الَّذِي نُضْمِرُهُ، وهو قَوْلُنا فِيما يُتْلى عَلَيْكم، فَحِينَئِذٍ قَدْ تَمَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمُبْتَدَئِها وخَبَرِها، فَبِأيِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ فَإنْ قالَ: الفاءُ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ إذا أتى بِالسَّرِقَةِ فاقْطَعُوا يَدَيْهِ فَنَقُولُ: إذا احْتَجْتَ في آخِرِ الأمْرِ إلى أنْ تَقُولَ: السّارِقُ والسّارِقَةُ تَقْدِيرُهُ: مَن سَرَقَ، فاذْكُرْ هَذا أوَّلًا حَتّى لا تَحْتاجَ إلى الإضْمارِ الَّذِي ذَكَرْتَهُ.
والرّابِعُ: أنّا إذا اخْتَرْنا القِراءَةَ بِالنَّصْبِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ السَّرِقَةِ عِلَّةً لِوُجُوبِ القَطْعِ، وإذا اخْتَرْنا القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أفادَتِ الآيَةُ هَذا المَعْنى، ثُمَّ هَذا المَعْنى مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أوْلى.
الخامِسُ: أنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: هم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ فالأهَمَّ، والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنى، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ ذِكْرِ كَوْنِهِ سارِقًا عَلى ذِكْرِ وُجُوبِ القَطْعِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أكْبَرُ العِنايَةِ مَصْرُوفًا إلى شَرْحِ ما يَتَعَلَّقُ بِحالِ السّارِقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سارِقٌ، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَإنَّها تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ العِنايَةُ بِبَيانِ القَطْعِ أتَمَّ مِنَ العِنايَةِ بِكَوْنِهِ سارِقًا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ المَقْصُودَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ تَقْبِيحِ السَّرِقَةِ والمُبالَغَةُ في الزَّجْرِ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ هي المُتَعَيَّنَةُ قَطْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الأُصُولِيِّينَ: هَذِهِ الآيَةُ مُجْمَلَةٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الحُكْمَ
صفحة ١٧٧
مُعَلَّقٌ عَلى السَّرِقَةِ، ومُطْلَقُ السَّرِقَةِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَطْعِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ هَذِهِ السَّرِقَةُ سَرِقَةً لِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ المالِ، وذَلِكَ القَدْرُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ فَكانَتْ مُجْمَلَةً.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ قَطْعَ الأيْدِي، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ الواجِبَ قَطْعُ الأيْدِي الأيْمانِ والشَّمائِلِ، وبِالإجْماعِ لا يَجِبُ قَطْعُهُما مَعًا فَكانَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً.
وثالِثُها: أنَّ اليَدَ اسْمٌ يَتَناوَلُ الأصابِعَ فَقَطْ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يَمَسُّ فُلانًا بِيَدِهِ فَمَسَّهُ بِأصابِعِهِ فَإنَّهُ يَحْنَثُ في يَمِينِهِ، فاليَدُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الأصابِعِ وحْدَها، ويَقَعُ عَلى الأصابِعِ مَعَ الكَفِّ، ويَقَعُ عَلى الأصابِعِ والكَفِّ والسّاعِدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، ويَقَعُ عَلى كُلِّ ذَلِكَ إلى المَنكِبَيْنِ، وإذا كانَ لَفْظُ اليَدِ مُحْتَمِلًا لِكُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ، والتَّعْيِينُ غَيْرَ مَذْكُورٍ في هَذِهِ الآيَةِ فَكانَتْ مُجْمَلَةً.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاقْطَعُوا﴾ خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّكْلِيفُ واقِعًا عَلى مَجْمُوعِ الأُمَّةِ، وأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلى طائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنهم، وأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنهم، وهو إمامُ الزَّمانِ كَما يَذْهَبُ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ التَّعْيِينُ مَذْكُورًا في الآيَةِ كانَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُجْمَلَةٌ عَلى الإطْلاقِ، هَذا تَقْرِيرُ هَذا المَذْهَبِ.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ: الآيَةُ لَيْسَتْ مُجْمَلَةً البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ قائِمانِ مَقامَ ”الَّذِي“ والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا﴾ لِلْجَزاءِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ وذَلِكَ الكَسْبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو السَّرِقَةُ، فَصارَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ مَناطَ الحُكْمِ ومُتَعَلَّقَهُ هو ماهِيَّةُ السَّرِقَةِ ومُقْتَضاهُ أنْ يَعُمَّ الجَزاءُ فِيما حَصَلَ هَذا الشَّرْطُ، اللَّهُمَّ إلّا إذا قامَ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا العامِ، وأمّا قَوْلُهُ ”الأيْدِي“ عامَّةٌ فَنَقُولُ: مُقْتَضاهُ قَطْعُ الأيْدِي لَكِنَّهُ لَمّا انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ قَطْعُهُما مَعًا، ولا الِابْتِداءُ بِاليَدِ اليُسْرى أخْرَجْناهُ عَنِ العُمُومِ.
وأمّا قَوْلُهُ: لَفْظُ اليَدِ دائِرٌ بَيْنَ أشْياءَ فَنَقُولُ: لا نُسَلِّمُ، بَلِ اليَدُ اسْمٌ لِهَذا العُضْوِ إلى المَنكِبِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ فَلَوْلا دُخُولُ العَضُدَيْنِ في هَذا الِاسْمِ وإلّا لَما احْتِيجَ إلى التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ ﴿إلى المَرافِقِ﴾ فَظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ قَطْعَ اليَدَيْنِ مِنَ المَنكِبَيْنِ كَما هو قَوْلُ الخَوارِجِ، إلّا أنّا تَرَكْنا ذَلِكَ لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
وأمّا قَوْلُهُ رابِعًا، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ، وأنْ يَكُونَ مَعَ واحِدٍ مُعَيَّنٍ.
قُلْنا: ظاهِرُهُ أنَّهُ خِطابٌ مَعَ كُلِّ أحَدٍ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ فِيما صارَ مَخْصُوصًا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في الباقِي.
والحاصِلُ أنّا نَقُولُ: الآيَةُ عامَّةٌ، فَصارَتْ مَخْصُوصَةً بِدَلائِلَ مُنْفَصِلَةٍ في بَعْضِ الصُّوَرِ فَتَبْقى حُجَّةً فِيما عَداها، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِن قَوْلِ مَن قالَ: إنَّها مُجْمَلَةٌ فَلا تُفِيدُ فائِدَةً أصْلًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: القَطْعُ لا يَجِبُ إلّا عِنْدَ شَرْطَيْنِ: قَدْرُ النِّصابِ، وأنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ مِنَ الحِرْزِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ البَصْرِيُّ: القَدْرُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فالقَطْعُ واجِبٌ في سَرِقَةِ القَلِيلِ والكَثِيرِ، والحِرْزُ أيْضًا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وهو قَوْلُ داوُدَ الأصْفَهانِيِّ، وقَوْلُ الخَوارِجِ، وتَمَسَّكُوا في المَسْألَةِ بِعُمُومِ الآيَةِ كَما قَرَّرْناهُ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَتَناوَلُ السَّرِقَةَ سَواءً كانَتْ قَلِيلَةً أوْ كَثِيرَةً وسَواءً سُرِقَتْ مِنَ
صفحة ١٧٨
الحِرْزِ أوْ مِن غَيْرِ الحِرْزِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ ذَهَبْنا إلى التَّخْصِيصِ لَكانَ ذَلِكَ إمّا بِخَبَرِ الواحِدِ، أوْ بِالقِياسِ، وتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ وبِالقِياسِ غَيْرُ جائِزٍ، وحُجَّةُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ أنَّهُ لا حاجَةَ بِنا إلى القَوْلِ بِالتَّخْصِيصِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ لَفْظَ السَّرِقَةِ لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ، ونَحْنُ بِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لا يَقُولُونَ لِمَن أخَذَ حَبَّةً مِن حِنْطَةِ الغَيْرِ، أوْ تِبْنَةً واحِدَةً، أوْ كِسْرَةً صَغِيرَةً مِن خُبْزٍ: إنَّهُ سَرَقَ مالَهُ، فَعَلِمْنا أنَّ أخْذَ مالِ الغَيْرِ كَيْفَما كانَ لا يُسَمّى سَرِقَةً، وأيْضًا السَّرِقَةُ مُشْتَقَّةٌ مِن مُسارَقَةِ عَيْنِ المالِكِ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى مُسارَقَةِ عَيْنِ المالِكِ لَوْ كانَ المَسْرُوقُ أمْرًا يَكُونُ مُتَعَلِّقَ الرَّغْبَةِ في مَحَلِّ الشُّحِّ والضِّنَّةِ حَتّى يَرْغَبَ السّارِقُ في أخْذِهِ ويَتَضايَقَ المَسْرُوقُ مِنهُ في دَفْعِهِ إلى الغَيْرِ، ولِهَذا الطَّرِيقِ اعْتَبَرْنا في وُجُوبِ القَطْعِ أخْذَ المالِ مِن حِرْزِ المِثْلِ؛ لِأنَّ ما لا يَكُونُ مَوْضُوعًا في الحِرْزِ لا يَحْتاجُ في أخْذِهِ إلى مُسارَقَةِ الأعْيُنِ فَلا يُسَمّى أخْذُهُ سَرِقَةً. وقالَ داوُدُ: نَحْنُ لا نُوجِبُ القَطْعَ في سَرِقَةِ الحَبَّةِ الواحِدَةِ، ولا في سَرِقَةِ التِّبْنَةِ الواحِدَةِ، بَلْ في أقَلِّ شَيْءٍ يَجْرِي فِيهِ الشُّحُّ والضِّنَّةُ، وذَلِكَ مَقادِيرُ القِلَّةِ والكَثْرَةِ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ، فَرُبَّما اسْتَحْقَرَ المَلِكُ الكَبِيرُ آلافًا مُؤَلَّفَةً، ورُبَّما اسْتَعْظَمَ الفَقِيرُ طَسُّوجًا، ولِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ قالَ لِفُلانٍ عَلَيَّ مالٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ فَسَّرَ بِالحَبَّةِ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ كانَ عَظِيمًا عِنْدَهُ لِغايَةِ فَقْرِهِ وشِدَّةِ احْتِياجِهِ إلَيْهِ، ولَمّا كانَتْ مَقادِيرُ القِلَّةِ والكَثْرَةِ غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ وجَبَ بِناءُ الحُكْمِ عَلى أقَلِّ ما يُسَمّى مالًا، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَسْتَبْعِدَ ويَقُولَ: كَيْفَ يَجُوزُ قَطْعُ اليَدِ في سَرِقَةِ الطَّسُّوجَةِ الواحِدَةِ؛ لِأنَّ المُلْحِدَةَ قَدْ جَعَلُوا هَذا طَعْنًا في الشَّرِيعَةِ، فَقالُوا: اليَدُ لَمّا كانَتْ قِيمَتُها خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَكَيْفَ تُقْطَعُ لِأجْلِ القَلِيلِ مِنَ المالِ ؟ ثُمَّ إنّا أجَبْنا عَنْ هَذا الطَّعْنِ بِأنَّ الشَّرْعَ إنَّما قَطَعَ يَدَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ تَحَمَّلَ الدَّناءَةَ والخَساسَةَ في سَرِقَةِ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُعاقِبَهُ الشَّرْعُ بِسَبَبِ تِلْكَ الدَّناءَةِ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ العَظِيمَةِ، وإذا كانَ هَذا الجَوابُ مَقْبُولًا مِنَ الكُلِّ فَلْيَكُنْ أيْضًا مَقْبُولًا مِنّا في إيجابِ القَطْعِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ. قالَ: ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ هَهُنا بِخَبَرِ الواحِدِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القائِلِينَ بِتَخْصِيصِ هَذا العُمُومِ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ، فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ لِلَّهِ: يَجِبُ القَطْعُ في رُبْعِ دِينارٍ، ورُوِيَ فِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ» “ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجُوزُ القَطْعُ إلّا في عَشَرَةِ دَراهِمَ مَضْرُوبَةٍ، ورُوِيَ فِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا قَطْعَ إلّا في ثَمَنِ المِجَنِّ» “ والظّاهِرُ أنَّ ثَمَنَ المِجَنِّ لا يَكُونُ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ. وقالَ مالِكٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِثَلاثَةِ دَراهِمَ أوْ رُبْعِ دِينارٍ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: مُقَدَّرٌ بِخَمْسَةِ دَراهِمَ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ المُجْتَهِدِينَ يَطْعَنُ في الخَبَرِ الَّذِي يَرْوِيهِ الآخَرُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهَذِهِ المُخَصِّصاتُ صارَتْ مُتَعارِضَةً فَوَجَبَ أنْ لا يُلْتَفَتَ إلى شَيْءٍ مِنها، ويُرْجَعُ في مَعْرِفَةِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى إلى ظاهِرِ القُرْآنِ. قالَ: ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ القَطْعُ إلّا في مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ. قالَ: لِأنَّ الحَسَنَ البَصْرِيَّ كانَ يُوجِبُ القَطْعَ بِمُطْلَقِ السَّرِقَةِ، وكانَ يَقُولُ: احْذَرْ مِن قَطْعِ يَدِكَ بِدِرْهَمٍ، ولَوْ كانَ الإجْماعُ مُنْعَقِدًا لَما خالَفَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ فِيهِ مَعَ قُرْبِهِ مِن زَمانِ الصَّحابَةِ وشِدَّةِ احْتِياطِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، فَهَذا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وداوُدَ الأصْفَهانِيِّ.
وأمّا الفُقَهاءُ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في وُجُوبِ القَطْعِ مِنَ القَدْرِ، ثُمَّ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: القَطْعُ في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا وهو نِصابُ السَّرِقَةِ، وسائِرُ الأشْياءِ تَقُومُ بِهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: لا يَجِبُ القَطْعُ
صفحة ١٧٩
فِي أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دارَهِمَ مَضْرُوبَةٍ، ويَقُومُ غَيْرُها بِها. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: رُبْعُ دِينارٍ أوْ ثَلاثَةُ دَراهِمَ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: خَمْسَةُ دَراهِمَ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ يُوجِبُ القَطْعَ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، إلّا أنَّ الفُقَهاءَ تَوافَقُوا فِيما بَيْنَهم عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ القَطْعُ فِيما دُونَ رُبْعِ دِينارٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا عَلى ظاهِرِ النَّصِّ، ثُمَّ أُكِّدَ هَذا بِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ» “ .
وأمّا الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا قَطْعَ إلّا في ثَمَنِ المِجَنِّ» “ فَهو ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ثَمَنَ المِجَنِّ مَجْهُولٌ، فَتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرٍ واحِدٍ مُجْمَلٍ مَجْهُولِ المَعْنى لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ إنْ كانَ ثَمَنُ المِجَنِّ مُقَدَّرًا بِعَشَرَةِ دَراهِمَ كانَ التَّخْصِيصُ الحاصِلُ بِسَبَبِهِ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ أكْثَرَ مِنَ التَّخْصِيصِ الحاصِلِ في عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ بَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ» “ فَكانَ التَّرْجِيحُ لِهَذا الجانِبِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّجُلُ إذا سَرَقَ أوَّلًا قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى، وفي الثّانِيَةِ رِجْلُهُ اليُسْرى، وفي الثّالِثَةِ يَدُهُ اليُسْرى، وفي الرّابِعَةِ رِجْلُهُ اليُمْنى، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: لا يُقْطَعُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ والرّابِعَةِ.
واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ القَطْعِ، وقَدْ وُجِدَتْ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ أيْضًا، إنَّما قُلْنا: إنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ القَطْعِ لِقَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المَعْنى: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، وأيْضًا الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَطْعَ وجَبَ جَزاءً عَلى تِلْكَ السَّرِقَةِ، فالسَّرِقَةُ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ القَطْعِ، ولا شَكَّ أنَّ السَّرِقَةَ حَصَلَتْ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ، فَما هو المُوجِبُ لِلْقَطْعِ حاصِلٌ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُوجِبُهُ، ولا يَجُوزَ أنْ يَكُونَ مُوجِبُهُ هو القَطْعُ في المَرَّةِ الأُولى؛ لِأنَّ الحُكْمَ لا يَسْبِقُ العِلَّةَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القَطْعَ وجَبَ بِالسَّرِقَةِ الأُولى، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ تُوجِبُ قَطْعًا آخَرَ وهو المَطْلُوبُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ ولَفْظُ الأيْدِي لَفْظُ جَمْعٍ، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، والظّاهِرُ يَقْتَضِي وُجُوبَ قَطْعِ ثَلاثَةٍ مِنَ الأيْدِي في السّارِقِ والسّارِقَةِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ ابْتِداءً فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَ السَّرِقَةِ الثّالِثَةِ.
فَإنْ قالُوا: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ فاقْطَعُوا أيْمانَهُما، فَكانَ هَذا الحُكْمُ مُخْتَصًّا بِاليَمِينِ لا في مُطْلَقِ الأيْدِي، والقِراءَةُ الشّاذَّةُ جارِيَةٌ مَجْرى خَبَرِ الواحِدِ.
قُلْنا: القِراءَةُ الشّاذَّةُ لا تُبْطِلُ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ، فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ بِالقِراءَةِ المُتَواتِرَةِ في إثْباتِ مَذْهَبِنا وأيْضًا القِراءَةُ الشّاذَّةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَنا؛ لِأنّا نَقْطَعُ أنَّها لَيْسَتْ قُرْآنًا، إذْ لَوْ كانَتْ قُرْآنًا لَكانَتْ مُتَواتِرَةً، فَإنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ لا يُنْقَلَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ إلَيْنا عَلى سَبِيلِ التَّواتُرِ انْفَتَحَ بابُ طَعْنِ الرَّوافِضِ والمَلاحِدَةِ في القُرْآنِ؛ ولَعَلَّهُ كانَ في القُرْآنِ آياتٌ دالَّةٌ عَلى إمامَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصًّا، وما نُقِلَتْ إلَيْنا، ولَعَلَّهُ كانَ فِيهِ آياتٌ دالَّةٌ عَلى نَسْخِ أكْثَرِ هَذِهِ الشَّرائِعِ وما نُقِلَتْ إلَيْنا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا بِأنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَكانَ مُتَواتِرًا، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ مُتَواتِرًا قَطَعْنا أنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ الشّاذَّةَ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ البَتَّةَ.
صفحة ١٨٠
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أُغَرِّمُ السّارِقَ ما سَرَقَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يُجْمَعُ بَيْنَ القَطْعِ والغُرْمِ، فَإنْ غَرِمَ فَلا قَطْعَ، وإنْ قُطِعَ فَلا غُرْمَ. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقْطَعُ بِكُلِّ حالٍ، وأمّا الغُرْمُ فَيَلْزَمُهُ إنْ كانَ غَنِيًّا، ولا يَلْزَمُهُ إنْ كانَ فَقِيرًا.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ السَّرِقَةَ تُوجِبُ القَطْعَ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَلى اليَدِ ما أخَذَتْ حَتّى تُؤَدِّيَهُ» “ يُوجِبُ الضَّمانَ، وقَدِ اجْتَمَعَ الأمْرانِ في هَذِهِ السَّرِقَةِ فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ القَطْعُ والضَّمانُ، فَلَوِ ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ الجَمْعَ مُمْتَنِعٌ كانَ ذَلِكَ مُعارَضَةً، وعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، عَلى أنّا نَقُولُ: إنَّ حَدَّ اللَّهِ لا يَمْنَعُ حَقَّ العِبادِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَجْتَمِعُ الجَزاءُ والقِيمَةُ في الصَّيْدِ المَمْلُوكِ، وبِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ كانَ المَسْرُوقُ باقِيًا وجَبَ رَدُّهُ بِالإجْماعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ المَسْرُوقَ كانَ باقِيًا عَلى مِلْكِ المالِكِ إلى وقْتِ قَطْعِ يَدِ السّارِقِ بِالِاتِّفاقِ، فَعِنْدَ حُصُولِ القَطْعِ إمّا أنْ يَحْصُلَ المِلْكُ فِيهِ مُقْتَصِرًا عَلى وقْتِ القَطْعِ، أوْ مُسْنَدًا إلى أوَّلِ زَمانِ السَّرِقَةِ، والأوَّلُ لا يَقُولُ بِهِ الخَصْمُ، والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَدَثَ المِلْكُ فِيهِ مِن وقْتِ القَطْعِ في الزَّمانِ الَّذِي كانَ سابِقًا عَلى ذَلِكَ الوَقْتِ، وهَذا يَقْتَضِي وُقُوعَ الفِعْلِ في الزَّمانِ الماضِي. وهَذا مُحالٌ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِكَوْنِ هَذا القَطْعِ جَزاءً، والجَزاءُ هو الكافِي، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا القَطْعَ كافٍ في جِنايَةِ السَّرِقَةِ، وإذا كانَ كافِيًا وجَبَ أنْ لا يُضَمَّ الغُرْمُ إلَيْهِ.
والجَوابُ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ لَوَجَبَ أنْ لا يَلْزَمَ رَدُّ المَسْرُوقِ عِنْدَ كَوْنِهِ قائِمًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّيِّدُ يَمْلِكُ إقامَةَ الحَدِّ عَلى المَمالِيكِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَمْلِكُ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ؛ لِأنَّ هَذا الخِطابَ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَخْصُوصًا بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ، ولَمّا عَمَّ الكُلَّ دَخَلَ فِيهِ المَوْلى أيْضًا، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ غَيْرِ الإمامِ والمَوْلى، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في حَقِّ الإمامِ والمَوْلى.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: احْتَجَّ المُتَكَلِّمُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ يَجِبُ عَلى الأُمَّةِ أنْ يُنَصِّبُوا لِأنْفُسِهِمْ إمامًا مُعَيَّنًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ إقامَةَ الحَدِّ عَلى السُّرّاقِ والزُّناةِ، فَلا بُدَّ مِن شَخْصٍ يَكُونُ مُخاطَبًا بِهَذا الخِطابِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِآحادِ الرَّعِيَّةِ إقامَةُ الحُدُودِ عَلى الجُناةِ، بَلْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إقامَةُ الحُدُودِ عَلى الأحْرارِ الجُناةِ إلّا لِلْإمامِ، فَلَمّا كانَ هَذا التَّكْلِيفُ تَكْلِيفًا جازِمًا ولا يُمْكِنُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ هَذا التَّكْلِيفِ إلّا عِنْدَ وُجُودِ الإمامِ، وما لا يَتَأتّى الواجِبُ إلّا بِهِ - وكانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ - فَهو واجِبٌ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِوُجُوبِ نَصْبِ الإمامِ حِينَئِذٍ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما أُقِيمَ عَلَيْهِ هَذا الحَدُّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلِاسْتِخْفافِ والذَّمِّ والإهانَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ بَقِيَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّهُما ضِدّانِ والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ يُحْبِطُ ثَوابَ الطّاعاتِ.
واعْلَمْ أنا قَدْ ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ في بُطْلانِ القَوْلِ بِالإحْباطِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (لا)
صفحة ١٨١
﴿تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ (البَقَرَةِ: ٢٦٤) فَلا نُعِيدُها هَهُنا.
ثُمَّ الجَوابُ عَنْ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ كَوْنَ الحَدِّ واقِعًا عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى حُصُولِ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ إقامَةَ الحَدِّ لا تَكُونُ أيْضًا عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، بَلْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، لَكِنّا ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلى العَفْوِ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ، فَإنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كَسَبا﴾ صَرِيحٌ في أنَّ القَطْعَ إنَّما وجَبَ مُعَلَّلًا بِالسَّرِقَةِ.
وجَوابُهُ ما ذَكَرْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ .
* * *
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جَزاءً نُصِبَ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ فاقْطَعُوهم لِجَزاءِ فِعْلِهِمْ، وكَذَلِكَ: ﴿نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ فَإنْ شِئْتَ كانا مَنصُوبَيْنِ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فاقْطَعُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: جازُوهم ونَكِّلُوا بِهِمْ جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فالمَعْنى: عَزِيزٌ في انْتِقامِهِ، حَكِيمٌ في شَرائِعِهِ وتَكالِيفِهِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: كُنْتُ أقْرَأُ سُورَةَ المائِدَةِ ومَعِيَ أعْرابِيٌّ، فَقَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ فَقُلْتُ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سَهْوًا، فَقالَ الأعْرابِيُّ: كَلامُ مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ كَلامُ اللَّهِ. قالَ أعِدْ، فَأعَدْتُ: واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ثُمَّ تَنَبَّهْتُ فَقُلْتُ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فَقالَ: الآنَ أصَبْتَ، فَقُلْتُ كَيْفَ عَرَفْتَ ؟ قالَ: يا هَذا عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَأمَرَ بِالقَطْعِ، فَلَوْ غَفَرَ ورَحِمَ لَما أمَرَ بِالقَطْعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن تابَ فَإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿وأصْلَحَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ التَّوْبَةِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحَ﴾ أيْ يَتُوبُ بِنِيَّةٍ صالِحَةٍ صادِقَةٍ وعَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ خالِيَةٍ عَنْ سائِرِ الأغْراضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا تابَ قَبْلَ القَطْعِ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ ؟ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ التّابِعِينَ: يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ، لِأنَّ ذِكْرَ الغَفُورِ الرَّحِيمِ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العُقُوبَةِ عَنْهُ، والعُقُوبَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الحَدُّ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي سُقُوطَها. وقالَ الجُمْهُورُ: لا يَسْقُطُ عَنْهُ هَذا الحَدُّ، بَلْ يُقامُ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، والتَّمَدُّحُ إنَّما يَكُونُ بِفِعْلِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ، لا بِأداءِ الواجِباتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
صفحة ١٨٢
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ قَطْعَ اليَدِ وعِقابَ الآخِرَةِ عَلى السّارِقِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ إنْ تابَ أرْدَفَهُ بِبَيانِ أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويَحْكُمَ ما يُرِيدُ، فَيُعَذِّبَ مَن يَشاءُ ويَغْفِرَ لِمَن يَشاءُ، وإنَّما قَدَّمَ التَّعْذِيبَ عَلى المَغْفِرَةِ؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ تَقَدُّمِ السَّرِقَةِ عَلى التَّوْبَةِ. قالَ الواحِدِيُّ: الآيَةُ واضِحَةٌ لِلْقَدَرِيَّةِ في التَّعْدِيلِ والتَّجْوِيزِ، وقَوْلُهم بِوُجُوبِ الرَّحْمَةِ لِلْمُطِيعِ، ووُجُوبِ العَذابِ لِلْعاصِي عَلى اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الرَّحْمَةَ مُفَوَّضَةٌ إلى المَشِيئَةِ، والوُجُوبُ يُنافِي ذَلِكَ.
وأقُولُ: فِيهِ وجْهٌ آخَرُ يُبْطِلُ قَوْلَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما حَسُنَ مِنهُ التَّعْذِيبُ تارَةً، والمَغْفِرَةُ أُخْرى؛ لِأنَّهُ مالِكُ الخَلْقِ ورَبُّهم وإلَهُهم، وهَذا هو مَذْهَبُ أصْحابِنا فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ ما يَشاءُ ويُرِيدُ؛ لِأجْلِ كَوْنِهِ مالِكًا لِجَمِيعِ المُحْدَثاتِ، والمالِكُ لَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم يَقُولُونَ: حُسْنُ هَذِهِ الأفْعالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ لِأجْلِ كَوْنِهِ إلَهًا لِلْخَلْقِ ومالِكًا لَهم، بَلْ لِأجْلِ رِعايَةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، وذَلِكَ يُبْطِلُهُ صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ كَما قَرَّرْناهُ.