Tafsir Al-Razi — المائدة 5:39 – المائدة 5:98
المحتويات
- المائدة 5:39
- المائدة 5:40
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:47
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:50
- المائدة 5:51
- المائدة 5:52
- المائدة 5:53
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:56
- المائدة 5:57
- المائدة 5:58
- المائدة 5:59
- المائدة 5:60
- المائدة 5:61
- المائدة 5:62
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:65
- المائدة 5:66
- المائدة 5:67
- المائدة 5:68
- المائدة 5:69
- المائدة 5:70
- المائدة 5:71
- المائدة 5:72
- المائدة 5:73
- المائدة 5:74
- المائدة 5:75
- المائدة 5:76
- المائدة 5:77
- المائدة 5:78
- المائدة 5:79
- المائدة 5:80
- المائدة 5:81
- المائدة 5:82
- المائدة 5:83
- المائدة 5:84
- المائدة 5:85
- المائدة 5:86
- المائدة 5:87
- المائدة 5:88
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:91
- المائدة 5:92
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:97
- المائدة 5:98
المائدة 5:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
فِي اتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ عِنْدَ أخْذِ المالِ عَلى سَبِيلِ المُحارَبَةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أخْذَ المالِ عَلى سَبِيلِ السَّرِقَةِ يُوجِبُ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ أيْضًا.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعْظِيمَ أمْرِ القَتْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائِدَةِ: ٣٢) ذَكَرَ بَعْدَ هَذا الجِناياتِ الَّتِي تُبِيحُ القَتْلَ والإيلامَ، فَذَكَرَ أوَّلًا قَطْعَ الطَّرِيقِ، وثانِيًا أمْرَ السَّرِقَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الرَّفْعِ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ مَرْفُوعانِ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ، أيْ حُكْمُهُما كَذا، وكَذا القَوْلُ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ (النُّورِ: ٢) وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ (النِّساءِ: ١٦) وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ”والسّارِقَ
صفحة ١٧٦
والسّارِقَةَ“ بِالنَّصْبِ، ومِثْلُهُ: (الزّانِيَةَ والزّانِيَ) .
والِاخْتِيارُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ النَّصْبُ في هَذا. قالَ: لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ أحْسَنُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، وأيْضًا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فاقْطَعُوا﴾ خَبَرَ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الفاءُ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنَّ الرَّفْعَ أوْلى مِنَ النَّصْبِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَقُومانِ مَقامَ ”الَّذِي“ فَصارَ التَّقْدِيرُ: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَسُنَ إدْخالُ حَرْفِ الفاءِ عَلى الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ صارَ جَزاءً، وأيْضًا النَّصْبُ إنَّما يَحْسُنُ إذا أرَدْتَ سارِقًا بِعَيْنِهِ أوْ سارِقَةً بِعَيْنِها، فَأمّا إذا أرَدْتَ تَوْجِيهَ هَذا الجَزاءِ عَلى كُلِّ مَن أتى بِهَذا الفِعْلِ فالرَّفْعُ أوْلى، وهَذا القَوْلُ اخْتارَهُ الزَّجّاجُ وهو المُعْتَمَدُ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الشَّرْطُ والجَزاءُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَطْعَ شُرِعَ جَزاءً عَلى فِعْلِ السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الجَزاءُ لِعُمُومِ الشَّرْطِ.
والثّانِي: أنَّ السَّرِقَةَ جِنايَةٌ، والقَطْعَ عُقُوبَةٌ، ورَبْطُ العُقُوبَةِ بِالجِنايَةِ مُناسِبٌ، وذِكْرُ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ.
والثّالِثُ: أنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَتِ الآيَةُ مُفِيدَةً، ولَوْ حَمَلْناها عَلى سارِقٍ مُعَيَّنٍ صارَتْ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفِيدَةٍ، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى.
وأمّا القَوْلُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ طَعَنَ في القُرْآنِ المَنقُولِ بِالتَّواتُرِ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَنْ جَمِيعِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَإنْ قالَ لا أقُولُ: إنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ غَيْرُ جائِزَةٍ ولَكِنِّي أقُولُ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ أوْلى، فَنَقُولُ: وهَذا أيْضًا رَدِيءٌ؛ لِأنَّ تَرْجِيحَ القِراءَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْ بِها إلّا عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى قِراءَةِ الرَّسُولِ وجَمِيعِ الأُمَّةِ في عَهْدِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أمْرٌ مُنْكَرٌ وكَلامٌ مَرْدُودٌ.
والثّانِي: أنَّ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ لَوْ كانَتْ أوْلى لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في القُرّاءِ مَن قَرَأ: (واللَّذَيْنِ يَأْتِيانِها مِنكم) بِالنَّصْبِ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ في القُرّاءِ أحَدٌ قَرَأ كَذَلِكَ عَلِمْنا سُقُوطَ هَذا القَوْلِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنّا إذا قُلْنا: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو الَّذِي نُضْمِرُهُ، وهو قَوْلُنا فِيما يُتْلى عَلَيْكم، فَحِينَئِذٍ قَدْ تَمَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمُبْتَدَئِها وخَبَرِها، فَبِأيِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ فَإنْ قالَ: الفاءُ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ إذا أتى بِالسَّرِقَةِ فاقْطَعُوا يَدَيْهِ فَنَقُولُ: إذا احْتَجْتَ في آخِرِ الأمْرِ إلى أنْ تَقُولَ: السّارِقُ والسّارِقَةُ تَقْدِيرُهُ: مَن سَرَقَ، فاذْكُرْ هَذا أوَّلًا حَتّى لا تَحْتاجَ إلى الإضْمارِ الَّذِي ذَكَرْتَهُ.
والرّابِعُ: أنّا إذا اخْتَرْنا القِراءَةَ بِالنَّصْبِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ السَّرِقَةِ عِلَّةً لِوُجُوبِ القَطْعِ، وإذا اخْتَرْنا القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أفادَتِ الآيَةُ هَذا المَعْنى، ثُمَّ هَذا المَعْنى مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أوْلى.
الخامِسُ: أنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: هم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ فالأهَمَّ، والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنى، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ ذِكْرِ كَوْنِهِ سارِقًا عَلى ذِكْرِ وُجُوبِ القَطْعِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أكْبَرُ العِنايَةِ مَصْرُوفًا إلى شَرْحِ ما يَتَعَلَّقُ بِحالِ السّارِقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سارِقٌ، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَإنَّها تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ العِنايَةُ بِبَيانِ القَطْعِ أتَمَّ مِنَ العِنايَةِ بِكَوْنِهِ سارِقًا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ المَقْصُودَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ تَقْبِيحِ السَّرِقَةِ والمُبالَغَةُ في الزَّجْرِ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ هي المُتَعَيَّنَةُ قَطْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الأُصُولِيِّينَ: هَذِهِ الآيَةُ مُجْمَلَةٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الحُكْمَ
صفحة ١٧٧
مُعَلَّقٌ عَلى السَّرِقَةِ، ومُطْلَقُ السَّرِقَةِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَطْعِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ هَذِهِ السَّرِقَةُ سَرِقَةً لِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ المالِ، وذَلِكَ القَدْرُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ فَكانَتْ مُجْمَلَةً.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ قَطْعَ الأيْدِي، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ الواجِبَ قَطْعُ الأيْدِي الأيْمانِ والشَّمائِلِ، وبِالإجْماعِ لا يَجِبُ قَطْعُهُما مَعًا فَكانَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً.
وثالِثُها: أنَّ اليَدَ اسْمٌ يَتَناوَلُ الأصابِعَ فَقَطْ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يَمَسُّ فُلانًا بِيَدِهِ فَمَسَّهُ بِأصابِعِهِ فَإنَّهُ يَحْنَثُ في يَمِينِهِ، فاليَدُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الأصابِعِ وحْدَها، ويَقَعُ عَلى الأصابِعِ مَعَ الكَفِّ، ويَقَعُ عَلى الأصابِعِ والكَفِّ والسّاعِدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، ويَقَعُ عَلى كُلِّ ذَلِكَ إلى المَنكِبَيْنِ، وإذا كانَ لَفْظُ اليَدِ مُحْتَمِلًا لِكُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ، والتَّعْيِينُ غَيْرَ مَذْكُورٍ في هَذِهِ الآيَةِ فَكانَتْ مُجْمَلَةً.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاقْطَعُوا﴾ خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّكْلِيفُ واقِعًا عَلى مَجْمُوعِ الأُمَّةِ، وأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلى طائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنهم، وأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنهم، وهو إمامُ الزَّمانِ كَما يَذْهَبُ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ التَّعْيِينُ مَذْكُورًا في الآيَةِ كانَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُجْمَلَةٌ عَلى الإطْلاقِ، هَذا تَقْرِيرُ هَذا المَذْهَبِ.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ: الآيَةُ لَيْسَتْ مُجْمَلَةً البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ قائِمانِ مَقامَ ”الَّذِي“ والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا﴾ لِلْجَزاءِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ وذَلِكَ الكَسْبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو السَّرِقَةُ، فَصارَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ مَناطَ الحُكْمِ ومُتَعَلَّقَهُ هو ماهِيَّةُ السَّرِقَةِ ومُقْتَضاهُ أنْ يَعُمَّ الجَزاءُ فِيما حَصَلَ هَذا الشَّرْطُ، اللَّهُمَّ إلّا إذا قامَ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا العامِ، وأمّا قَوْلُهُ ”الأيْدِي“ عامَّةٌ فَنَقُولُ: مُقْتَضاهُ قَطْعُ الأيْدِي لَكِنَّهُ لَمّا انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ قَطْعُهُما مَعًا، ولا الِابْتِداءُ بِاليَدِ اليُسْرى أخْرَجْناهُ عَنِ العُمُومِ.
وأمّا قَوْلُهُ: لَفْظُ اليَدِ دائِرٌ بَيْنَ أشْياءَ فَنَقُولُ: لا نُسَلِّمُ، بَلِ اليَدُ اسْمٌ لِهَذا العُضْوِ إلى المَنكِبِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ فَلَوْلا دُخُولُ العَضُدَيْنِ في هَذا الِاسْمِ وإلّا لَما احْتِيجَ إلى التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ ﴿إلى المَرافِقِ﴾ فَظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ قَطْعَ اليَدَيْنِ مِنَ المَنكِبَيْنِ كَما هو قَوْلُ الخَوارِجِ، إلّا أنّا تَرَكْنا ذَلِكَ لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
وأمّا قَوْلُهُ رابِعًا، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ، وأنْ يَكُونَ مَعَ واحِدٍ مُعَيَّنٍ.
قُلْنا: ظاهِرُهُ أنَّهُ خِطابٌ مَعَ كُلِّ أحَدٍ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ فِيما صارَ مَخْصُوصًا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في الباقِي.
والحاصِلُ أنّا نَقُولُ: الآيَةُ عامَّةٌ، فَصارَتْ مَخْصُوصَةً بِدَلائِلَ مُنْفَصِلَةٍ في بَعْضِ الصُّوَرِ فَتَبْقى حُجَّةً فِيما عَداها، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِن قَوْلِ مَن قالَ: إنَّها مُجْمَلَةٌ فَلا تُفِيدُ فائِدَةً أصْلًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: القَطْعُ لا يَجِبُ إلّا عِنْدَ شَرْطَيْنِ: قَدْرُ النِّصابِ، وأنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ مِنَ الحِرْزِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ البَصْرِيُّ: القَدْرُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فالقَطْعُ واجِبٌ في سَرِقَةِ القَلِيلِ والكَثِيرِ، والحِرْزُ أيْضًا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وهو قَوْلُ داوُدَ الأصْفَهانِيِّ، وقَوْلُ الخَوارِجِ، وتَمَسَّكُوا في المَسْألَةِ بِعُمُومِ الآيَةِ كَما قَرَّرْناهُ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَتَناوَلُ السَّرِقَةَ سَواءً كانَتْ قَلِيلَةً أوْ كَثِيرَةً وسَواءً سُرِقَتْ مِنَ
صفحة ١٧٨
الحِرْزِ أوْ مِن غَيْرِ الحِرْزِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ ذَهَبْنا إلى التَّخْصِيصِ لَكانَ ذَلِكَ إمّا بِخَبَرِ الواحِدِ، أوْ بِالقِياسِ، وتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ وبِالقِياسِ غَيْرُ جائِزٍ، وحُجَّةُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ أنَّهُ لا حاجَةَ بِنا إلى القَوْلِ بِالتَّخْصِيصِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ لَفْظَ السَّرِقَةِ لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ، ونَحْنُ بِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لا يَقُولُونَ لِمَن أخَذَ حَبَّةً مِن حِنْطَةِ الغَيْرِ، أوْ تِبْنَةً واحِدَةً، أوْ كِسْرَةً صَغِيرَةً مِن خُبْزٍ: إنَّهُ سَرَقَ مالَهُ، فَعَلِمْنا أنَّ أخْذَ مالِ الغَيْرِ كَيْفَما كانَ لا يُسَمّى سَرِقَةً، وأيْضًا السَّرِقَةُ مُشْتَقَّةٌ مِن مُسارَقَةِ عَيْنِ المالِكِ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى مُسارَقَةِ عَيْنِ المالِكِ لَوْ كانَ المَسْرُوقُ أمْرًا يَكُونُ مُتَعَلِّقَ الرَّغْبَةِ في مَحَلِّ الشُّحِّ والضِّنَّةِ حَتّى يَرْغَبَ السّارِقُ في أخْذِهِ ويَتَضايَقَ المَسْرُوقُ مِنهُ في دَفْعِهِ إلى الغَيْرِ، ولِهَذا الطَّرِيقِ اعْتَبَرْنا في وُجُوبِ القَطْعِ أخْذَ المالِ مِن حِرْزِ المِثْلِ؛ لِأنَّ ما لا يَكُونُ مَوْضُوعًا في الحِرْزِ لا يَحْتاجُ في أخْذِهِ إلى مُسارَقَةِ الأعْيُنِ فَلا يُسَمّى أخْذُهُ سَرِقَةً. وقالَ داوُدُ: نَحْنُ لا نُوجِبُ القَطْعَ في سَرِقَةِ الحَبَّةِ الواحِدَةِ، ولا في سَرِقَةِ التِّبْنَةِ الواحِدَةِ، بَلْ في أقَلِّ شَيْءٍ يَجْرِي فِيهِ الشُّحُّ والضِّنَّةُ، وذَلِكَ مَقادِيرُ القِلَّةِ والكَثْرَةِ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ، فَرُبَّما اسْتَحْقَرَ المَلِكُ الكَبِيرُ آلافًا مُؤَلَّفَةً، ورُبَّما اسْتَعْظَمَ الفَقِيرُ طَسُّوجًا، ولِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ قالَ لِفُلانٍ عَلَيَّ مالٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ فَسَّرَ بِالحَبَّةِ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ كانَ عَظِيمًا عِنْدَهُ لِغايَةِ فَقْرِهِ وشِدَّةِ احْتِياجِهِ إلَيْهِ، ولَمّا كانَتْ مَقادِيرُ القِلَّةِ والكَثْرَةِ غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ وجَبَ بِناءُ الحُكْمِ عَلى أقَلِّ ما يُسَمّى مالًا، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَسْتَبْعِدَ ويَقُولَ: كَيْفَ يَجُوزُ قَطْعُ اليَدِ في سَرِقَةِ الطَّسُّوجَةِ الواحِدَةِ؛ لِأنَّ المُلْحِدَةَ قَدْ جَعَلُوا هَذا طَعْنًا في الشَّرِيعَةِ، فَقالُوا: اليَدُ لَمّا كانَتْ قِيمَتُها خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَكَيْفَ تُقْطَعُ لِأجْلِ القَلِيلِ مِنَ المالِ ؟ ثُمَّ إنّا أجَبْنا عَنْ هَذا الطَّعْنِ بِأنَّ الشَّرْعَ إنَّما قَطَعَ يَدَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ تَحَمَّلَ الدَّناءَةَ والخَساسَةَ في سَرِقَةِ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُعاقِبَهُ الشَّرْعُ بِسَبَبِ تِلْكَ الدَّناءَةِ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ العَظِيمَةِ، وإذا كانَ هَذا الجَوابُ مَقْبُولًا مِنَ الكُلِّ فَلْيَكُنْ أيْضًا مَقْبُولًا مِنّا في إيجابِ القَطْعِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ. قالَ: ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ هَهُنا بِخَبَرِ الواحِدِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القائِلِينَ بِتَخْصِيصِ هَذا العُمُومِ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ، فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ لِلَّهِ: يَجِبُ القَطْعُ في رُبْعِ دِينارٍ، ورُوِيَ فِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ» “ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجُوزُ القَطْعُ إلّا في عَشَرَةِ دَراهِمَ مَضْرُوبَةٍ، ورُوِيَ فِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا قَطْعَ إلّا في ثَمَنِ المِجَنِّ» “ والظّاهِرُ أنَّ ثَمَنَ المِجَنِّ لا يَكُونُ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ. وقالَ مالِكٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِثَلاثَةِ دَراهِمَ أوْ رُبْعِ دِينارٍ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: مُقَدَّرٌ بِخَمْسَةِ دَراهِمَ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ المُجْتَهِدِينَ يَطْعَنُ في الخَبَرِ الَّذِي يَرْوِيهِ الآخَرُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهَذِهِ المُخَصِّصاتُ صارَتْ مُتَعارِضَةً فَوَجَبَ أنْ لا يُلْتَفَتَ إلى شَيْءٍ مِنها، ويُرْجَعُ في مَعْرِفَةِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى إلى ظاهِرِ القُرْآنِ. قالَ: ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ القَطْعُ إلّا في مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ. قالَ: لِأنَّ الحَسَنَ البَصْرِيَّ كانَ يُوجِبُ القَطْعَ بِمُطْلَقِ السَّرِقَةِ، وكانَ يَقُولُ: احْذَرْ مِن قَطْعِ يَدِكَ بِدِرْهَمٍ، ولَوْ كانَ الإجْماعُ مُنْعَقِدًا لَما خالَفَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ فِيهِ مَعَ قُرْبِهِ مِن زَمانِ الصَّحابَةِ وشِدَّةِ احْتِياطِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، فَهَذا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وداوُدَ الأصْفَهانِيِّ.
وأمّا الفُقَهاءُ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في وُجُوبِ القَطْعِ مِنَ القَدْرِ، ثُمَّ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: القَطْعُ في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا وهو نِصابُ السَّرِقَةِ، وسائِرُ الأشْياءِ تَقُومُ بِهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: لا يَجِبُ القَطْعُ
صفحة ١٧٩
فِي أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دارَهِمَ مَضْرُوبَةٍ، ويَقُومُ غَيْرُها بِها. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: رُبْعُ دِينارٍ أوْ ثَلاثَةُ دَراهِمَ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: خَمْسَةُ دَراهِمَ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ يُوجِبُ القَطْعَ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، إلّا أنَّ الفُقَهاءَ تَوافَقُوا فِيما بَيْنَهم عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ القَطْعُ فِيما دُونَ رُبْعِ دِينارٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا عَلى ظاهِرِ النَّصِّ، ثُمَّ أُكِّدَ هَذا بِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ» “ .
وأمّا الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا قَطْعَ إلّا في ثَمَنِ المِجَنِّ» “ فَهو ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ثَمَنَ المِجَنِّ مَجْهُولٌ، فَتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرٍ واحِدٍ مُجْمَلٍ مَجْهُولِ المَعْنى لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ إنْ كانَ ثَمَنُ المِجَنِّ مُقَدَّرًا بِعَشَرَةِ دَراهِمَ كانَ التَّخْصِيصُ الحاصِلُ بِسَبَبِهِ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ أكْثَرَ مِنَ التَّخْصِيصِ الحاصِلِ في عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ بَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ» “ فَكانَ التَّرْجِيحُ لِهَذا الجانِبِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّجُلُ إذا سَرَقَ أوَّلًا قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى، وفي الثّانِيَةِ رِجْلُهُ اليُسْرى، وفي الثّالِثَةِ يَدُهُ اليُسْرى، وفي الرّابِعَةِ رِجْلُهُ اليُمْنى، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: لا يُقْطَعُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ والرّابِعَةِ.
واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ القَطْعِ، وقَدْ وُجِدَتْ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ أيْضًا، إنَّما قُلْنا: إنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ القَطْعِ لِقَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المَعْنى: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، وأيْضًا الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَطْعَ وجَبَ جَزاءً عَلى تِلْكَ السَّرِقَةِ، فالسَّرِقَةُ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ القَطْعِ، ولا شَكَّ أنَّ السَّرِقَةَ حَصَلَتْ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ، فَما هو المُوجِبُ لِلْقَطْعِ حاصِلٌ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُوجِبُهُ، ولا يَجُوزَ أنْ يَكُونَ مُوجِبُهُ هو القَطْعُ في المَرَّةِ الأُولى؛ لِأنَّ الحُكْمَ لا يَسْبِقُ العِلَّةَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القَطْعَ وجَبَ بِالسَّرِقَةِ الأُولى، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ تُوجِبُ قَطْعًا آخَرَ وهو المَطْلُوبُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ ولَفْظُ الأيْدِي لَفْظُ جَمْعٍ، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، والظّاهِرُ يَقْتَضِي وُجُوبَ قَطْعِ ثَلاثَةٍ مِنَ الأيْدِي في السّارِقِ والسّارِقَةِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ ابْتِداءً فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَ السَّرِقَةِ الثّالِثَةِ.
فَإنْ قالُوا: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ فاقْطَعُوا أيْمانَهُما، فَكانَ هَذا الحُكْمُ مُخْتَصًّا بِاليَمِينِ لا في مُطْلَقِ الأيْدِي، والقِراءَةُ الشّاذَّةُ جارِيَةٌ مَجْرى خَبَرِ الواحِدِ.
قُلْنا: القِراءَةُ الشّاذَّةُ لا تُبْطِلُ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ، فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ بِالقِراءَةِ المُتَواتِرَةِ في إثْباتِ مَذْهَبِنا وأيْضًا القِراءَةُ الشّاذَّةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَنا؛ لِأنّا نَقْطَعُ أنَّها لَيْسَتْ قُرْآنًا، إذْ لَوْ كانَتْ قُرْآنًا لَكانَتْ مُتَواتِرَةً، فَإنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ لا يُنْقَلَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ إلَيْنا عَلى سَبِيلِ التَّواتُرِ انْفَتَحَ بابُ طَعْنِ الرَّوافِضِ والمَلاحِدَةِ في القُرْآنِ؛ ولَعَلَّهُ كانَ في القُرْآنِ آياتٌ دالَّةٌ عَلى إمامَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصًّا، وما نُقِلَتْ إلَيْنا، ولَعَلَّهُ كانَ فِيهِ آياتٌ دالَّةٌ عَلى نَسْخِ أكْثَرِ هَذِهِ الشَّرائِعِ وما نُقِلَتْ إلَيْنا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا بِأنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَكانَ مُتَواتِرًا، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ مُتَواتِرًا قَطَعْنا أنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ الشّاذَّةَ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ البَتَّةَ.
صفحة ١٨٠
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أُغَرِّمُ السّارِقَ ما سَرَقَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يُجْمَعُ بَيْنَ القَطْعِ والغُرْمِ، فَإنْ غَرِمَ فَلا قَطْعَ، وإنْ قُطِعَ فَلا غُرْمَ. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقْطَعُ بِكُلِّ حالٍ، وأمّا الغُرْمُ فَيَلْزَمُهُ إنْ كانَ غَنِيًّا، ولا يَلْزَمُهُ إنْ كانَ فَقِيرًا.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ السَّرِقَةَ تُوجِبُ القَطْعَ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَلى اليَدِ ما أخَذَتْ حَتّى تُؤَدِّيَهُ» “ يُوجِبُ الضَّمانَ، وقَدِ اجْتَمَعَ الأمْرانِ في هَذِهِ السَّرِقَةِ فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ القَطْعُ والضَّمانُ، فَلَوِ ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ الجَمْعَ مُمْتَنِعٌ كانَ ذَلِكَ مُعارَضَةً، وعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، عَلى أنّا نَقُولُ: إنَّ حَدَّ اللَّهِ لا يَمْنَعُ حَقَّ العِبادِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَجْتَمِعُ الجَزاءُ والقِيمَةُ في الصَّيْدِ المَمْلُوكِ، وبِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ كانَ المَسْرُوقُ باقِيًا وجَبَ رَدُّهُ بِالإجْماعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ المَسْرُوقَ كانَ باقِيًا عَلى مِلْكِ المالِكِ إلى وقْتِ قَطْعِ يَدِ السّارِقِ بِالِاتِّفاقِ، فَعِنْدَ حُصُولِ القَطْعِ إمّا أنْ يَحْصُلَ المِلْكُ فِيهِ مُقْتَصِرًا عَلى وقْتِ القَطْعِ، أوْ مُسْنَدًا إلى أوَّلِ زَمانِ السَّرِقَةِ، والأوَّلُ لا يَقُولُ بِهِ الخَصْمُ، والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَدَثَ المِلْكُ فِيهِ مِن وقْتِ القَطْعِ في الزَّمانِ الَّذِي كانَ سابِقًا عَلى ذَلِكَ الوَقْتِ، وهَذا يَقْتَضِي وُقُوعَ الفِعْلِ في الزَّمانِ الماضِي. وهَذا مُحالٌ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِكَوْنِ هَذا القَطْعِ جَزاءً، والجَزاءُ هو الكافِي، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا القَطْعَ كافٍ في جِنايَةِ السَّرِقَةِ، وإذا كانَ كافِيًا وجَبَ أنْ لا يُضَمَّ الغُرْمُ إلَيْهِ.
والجَوابُ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ لَوَجَبَ أنْ لا يَلْزَمَ رَدُّ المَسْرُوقِ عِنْدَ كَوْنِهِ قائِمًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّيِّدُ يَمْلِكُ إقامَةَ الحَدِّ عَلى المَمالِيكِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَمْلِكُ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ؛ لِأنَّ هَذا الخِطابَ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَخْصُوصًا بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ، ولَمّا عَمَّ الكُلَّ دَخَلَ فِيهِ المَوْلى أيْضًا، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ غَيْرِ الإمامِ والمَوْلى، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في حَقِّ الإمامِ والمَوْلى.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: احْتَجَّ المُتَكَلِّمُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ يَجِبُ عَلى الأُمَّةِ أنْ يُنَصِّبُوا لِأنْفُسِهِمْ إمامًا مُعَيَّنًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ إقامَةَ الحَدِّ عَلى السُّرّاقِ والزُّناةِ، فَلا بُدَّ مِن شَخْصٍ يَكُونُ مُخاطَبًا بِهَذا الخِطابِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِآحادِ الرَّعِيَّةِ إقامَةُ الحُدُودِ عَلى الجُناةِ، بَلْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إقامَةُ الحُدُودِ عَلى الأحْرارِ الجُناةِ إلّا لِلْإمامِ، فَلَمّا كانَ هَذا التَّكْلِيفُ تَكْلِيفًا جازِمًا ولا يُمْكِنُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ هَذا التَّكْلِيفِ إلّا عِنْدَ وُجُودِ الإمامِ، وما لا يَتَأتّى الواجِبُ إلّا بِهِ - وكانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ - فَهو واجِبٌ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِوُجُوبِ نَصْبِ الإمامِ حِينَئِذٍ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما أُقِيمَ عَلَيْهِ هَذا الحَدُّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلِاسْتِخْفافِ والذَّمِّ والإهانَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ بَقِيَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّهُما ضِدّانِ والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ يُحْبِطُ ثَوابَ الطّاعاتِ.
واعْلَمْ أنا قَدْ ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ في بُطْلانِ القَوْلِ بِالإحْباطِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (لا)
صفحة ١٨١
﴿تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ (البَقَرَةِ: ٢٦٤) فَلا نُعِيدُها هَهُنا.
ثُمَّ الجَوابُ عَنْ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ كَوْنَ الحَدِّ واقِعًا عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى حُصُولِ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ إقامَةَ الحَدِّ لا تَكُونُ أيْضًا عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، بَلْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، لَكِنّا ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلى العَفْوِ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ، فَإنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كَسَبا﴾ صَرِيحٌ في أنَّ القَطْعَ إنَّما وجَبَ مُعَلَّلًا بِالسَّرِقَةِ.
وجَوابُهُ ما ذَكَرْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ .
* * *
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جَزاءً نُصِبَ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ فاقْطَعُوهم لِجَزاءِ فِعْلِهِمْ، وكَذَلِكَ: ﴿نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ فَإنْ شِئْتَ كانا مَنصُوبَيْنِ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فاقْطَعُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: جازُوهم ونَكِّلُوا بِهِمْ جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فالمَعْنى: عَزِيزٌ في انْتِقامِهِ، حَكِيمٌ في شَرائِعِهِ وتَكالِيفِهِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: كُنْتُ أقْرَأُ سُورَةَ المائِدَةِ ومَعِيَ أعْرابِيٌّ، فَقَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ فَقُلْتُ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سَهْوًا، فَقالَ الأعْرابِيُّ: كَلامُ مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ كَلامُ اللَّهِ. قالَ أعِدْ، فَأعَدْتُ: واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ثُمَّ تَنَبَّهْتُ فَقُلْتُ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فَقالَ: الآنَ أصَبْتَ، فَقُلْتُ كَيْفَ عَرَفْتَ ؟ قالَ: يا هَذا عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَأمَرَ بِالقَطْعِ، فَلَوْ غَفَرَ ورَحِمَ لَما أمَرَ بِالقَطْعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن تابَ فَإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿وأصْلَحَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ التَّوْبَةِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحَ﴾ أيْ يَتُوبُ بِنِيَّةٍ صالِحَةٍ صادِقَةٍ وعَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ خالِيَةٍ عَنْ سائِرِ الأغْراضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا تابَ قَبْلَ القَطْعِ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ ؟ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ التّابِعِينَ: يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ، لِأنَّ ذِكْرَ الغَفُورِ الرَّحِيمِ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العُقُوبَةِ عَنْهُ، والعُقُوبَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الحَدُّ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي سُقُوطَها. وقالَ الجُمْهُورُ: لا يَسْقُطُ عَنْهُ هَذا الحَدُّ، بَلْ يُقامُ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، والتَّمَدُّحُ إنَّما يَكُونُ بِفِعْلِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ، لا بِأداءِ الواجِباتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
صفحة ١٨٢
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ قَطْعَ اليَدِ وعِقابَ الآخِرَةِ عَلى السّارِقِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ إنْ تابَ أرْدَفَهُ بِبَيانِ أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويَحْكُمَ ما يُرِيدُ، فَيُعَذِّبَ مَن يَشاءُ ويَغْفِرَ لِمَن يَشاءُ، وإنَّما قَدَّمَ التَّعْذِيبَ عَلى المَغْفِرَةِ؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ تَقَدُّمِ السَّرِقَةِ عَلى التَّوْبَةِ. قالَ الواحِدِيُّ: الآيَةُ واضِحَةٌ لِلْقَدَرِيَّةِ في التَّعْدِيلِ والتَّجْوِيزِ، وقَوْلُهم بِوُجُوبِ الرَّحْمَةِ لِلْمُطِيعِ، ووُجُوبِ العَذابِ لِلْعاصِي عَلى اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الرَّحْمَةَ مُفَوَّضَةٌ إلى المَشِيئَةِ، والوُجُوبُ يُنافِي ذَلِكَ.
وأقُولُ: فِيهِ وجْهٌ آخَرُ يُبْطِلُ قَوْلَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما حَسُنَ مِنهُ التَّعْذِيبُ تارَةً، والمَغْفِرَةُ أُخْرى؛ لِأنَّهُ مالِكُ الخَلْقِ ورَبُّهم وإلَهُهم، وهَذا هو مَذْهَبُ أصْحابِنا فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ ما يَشاءُ ويُرِيدُ؛ لِأجْلِ كَوْنِهِ مالِكًا لِجَمِيعِ المُحْدَثاتِ، والمالِكُ لَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم يَقُولُونَ: حُسْنُ هَذِهِ الأفْعالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ لِأجْلِ كَوْنِهِ إلَهًا لِلْخَلْقِ ومالِكًا لَهم، بَلْ لِأجْلِ رِعايَةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، وذَلِكَ يُبْطِلُهُ صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ كَما قَرَّرْناهُ.
المائدة 5:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
فِي اتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ عِنْدَ أخْذِ المالِ عَلى سَبِيلِ المُحارَبَةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أخْذَ المالِ عَلى سَبِيلِ السَّرِقَةِ يُوجِبُ قَطْعَ الأيْدِي والأرْجُلِ أيْضًا.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعْظِيمَ أمْرِ القَتْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائِدَةِ: ٣٢) ذَكَرَ بَعْدَ هَذا الجِناياتِ الَّتِي تُبِيحُ القَتْلَ والإيلامَ، فَذَكَرَ أوَّلًا قَطْعَ الطَّرِيقِ، وثانِيًا أمْرَ السَّرِقَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الرَّفْعِ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ مَرْفُوعانِ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ، أيْ حُكْمُهُما كَذا، وكَذا القَوْلُ في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ (النُّورِ: ٢) وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ (النِّساءِ: ١٦) وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ”والسّارِقَ
صفحة ١٧٦
والسّارِقَةَ“ بِالنَّصْبِ، ومِثْلُهُ: (الزّانِيَةَ والزّانِيَ) .
والِاخْتِيارُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ النَّصْبُ في هَذا. قالَ: لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ أحْسَنُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، وأيْضًا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فاقْطَعُوا﴾ خَبَرَ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الفاءُ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنَّ الرَّفْعَ أوْلى مِنَ النَّصْبِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَقُومانِ مَقامَ ”الَّذِي“ فَصارَ التَّقْدِيرُ: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَسُنَ إدْخالُ حَرْفِ الفاءِ عَلى الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ صارَ جَزاءً، وأيْضًا النَّصْبُ إنَّما يَحْسُنُ إذا أرَدْتَ سارِقًا بِعَيْنِهِ أوْ سارِقَةً بِعَيْنِها، فَأمّا إذا أرَدْتَ تَوْجِيهَ هَذا الجَزاءِ عَلى كُلِّ مَن أتى بِهَذا الفِعْلِ فالرَّفْعُ أوْلى، وهَذا القَوْلُ اخْتارَهُ الزَّجّاجُ وهو المُعْتَمَدُ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الشَّرْطُ والجَزاءُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَطْعَ شُرِعَ جَزاءً عَلى فِعْلِ السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الجَزاءُ لِعُمُومِ الشَّرْطِ.
والثّانِي: أنَّ السَّرِقَةَ جِنايَةٌ، والقَطْعَ عُقُوبَةٌ، ورَبْطُ العُقُوبَةِ بِالجِنايَةِ مُناسِبٌ، وذِكْرُ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ.
والثّالِثُ: أنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَتِ الآيَةُ مُفِيدَةً، ولَوْ حَمَلْناها عَلى سارِقٍ مُعَيَّنٍ صارَتْ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفِيدَةٍ، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى.
وأمّا القَوْلُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ طَعَنَ في القُرْآنِ المَنقُولِ بِالتَّواتُرِ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَنْ جَمِيعِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَإنْ قالَ لا أقُولُ: إنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ غَيْرُ جائِزَةٍ ولَكِنِّي أقُولُ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ أوْلى، فَنَقُولُ: وهَذا أيْضًا رَدِيءٌ؛ لِأنَّ تَرْجِيحَ القِراءَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْ بِها إلّا عِيسى بْنُ عُمَرَ عَلى قِراءَةِ الرَّسُولِ وجَمِيعِ الأُمَّةِ في عَهْدِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أمْرٌ مُنْكَرٌ وكَلامٌ مَرْدُودٌ.
والثّانِي: أنَّ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ لَوْ كانَتْ أوْلى لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في القُرّاءِ مَن قَرَأ: (واللَّذَيْنِ يَأْتِيانِها مِنكم) بِالنَّصْبِ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ في القُرّاءِ أحَدٌ قَرَأ كَذَلِكَ عَلِمْنا سُقُوطَ هَذا القَوْلِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنّا إذا قُلْنا: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ هو الَّذِي نُضْمِرُهُ، وهو قَوْلُنا فِيما يُتْلى عَلَيْكم، فَحِينَئِذٍ قَدْ تَمَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمُبْتَدَئِها وخَبَرِها، فَبِأيِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ فَإنْ قالَ: الفاءُ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ إذا أتى بِالسَّرِقَةِ فاقْطَعُوا يَدَيْهِ فَنَقُولُ: إذا احْتَجْتَ في آخِرِ الأمْرِ إلى أنْ تَقُولَ: السّارِقُ والسّارِقَةُ تَقْدِيرُهُ: مَن سَرَقَ، فاذْكُرْ هَذا أوَّلًا حَتّى لا تَحْتاجَ إلى الإضْمارِ الَّذِي ذَكَرْتَهُ.
والرّابِعُ: أنّا إذا اخْتَرْنا القِراءَةَ بِالنَّصْبِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ السَّرِقَةِ عِلَّةً لِوُجُوبِ القَطْعِ، وإذا اخْتَرْنا القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أفادَتِ الآيَةُ هَذا المَعْنى، ثُمَّ هَذا المَعْنى مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ أوْلى.
الخامِسُ: أنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: هم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ فالأهَمَّ، والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنى، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ ذِكْرِ كَوْنِهِ سارِقًا عَلى ذِكْرِ وُجُوبِ القَطْعِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أكْبَرُ العِنايَةِ مَصْرُوفًا إلى شَرْحِ ما يَتَعَلَّقُ بِحالِ السّارِقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سارِقٌ، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَإنَّها تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ العِنايَةُ بِبَيانِ القَطْعِ أتَمَّ مِنَ العِنايَةِ بِكَوْنِهِ سارِقًا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ المَقْصُودَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ تَقْبِيحِ السَّرِقَةِ والمُبالَغَةُ في الزَّجْرِ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ بِالرَّفْعِ هي المُتَعَيَّنَةُ قَطْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الأُصُولِيِّينَ: هَذِهِ الآيَةُ مُجْمَلَةٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الحُكْمَ
صفحة ١٧٧
مُعَلَّقٌ عَلى السَّرِقَةِ، ومُطْلَقُ السَّرِقَةِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَطْعِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ هَذِهِ السَّرِقَةُ سَرِقَةً لِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ المالِ، وذَلِكَ القَدْرُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ فَكانَتْ مُجْمَلَةً.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ قَطْعَ الأيْدِي، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ الواجِبَ قَطْعُ الأيْدِي الأيْمانِ والشَّمائِلِ، وبِالإجْماعِ لا يَجِبُ قَطْعُهُما مَعًا فَكانَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً.
وثالِثُها: أنَّ اليَدَ اسْمٌ يَتَناوَلُ الأصابِعَ فَقَطْ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ حَلَفَ لا يَمَسُّ فُلانًا بِيَدِهِ فَمَسَّهُ بِأصابِعِهِ فَإنَّهُ يَحْنَثُ في يَمِينِهِ، فاليَدُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى الأصابِعِ وحْدَها، ويَقَعُ عَلى الأصابِعِ مَعَ الكَفِّ، ويَقَعُ عَلى الأصابِعِ والكَفِّ والسّاعِدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، ويَقَعُ عَلى كُلِّ ذَلِكَ إلى المَنكِبَيْنِ، وإذا كانَ لَفْظُ اليَدِ مُحْتَمِلًا لِكُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ، والتَّعْيِينُ غَيْرَ مَذْكُورٍ في هَذِهِ الآيَةِ فَكانَتْ مُجْمَلَةً.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاقْطَعُوا﴾ خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّكْلِيفُ واقِعًا عَلى مَجْمُوعِ الأُمَّةِ، وأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلى طائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنهم، وأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنهم، وهو إمامُ الزَّمانِ كَما يَذْهَبُ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ التَّعْيِينُ مَذْكُورًا في الآيَةِ كانَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُجْمَلَةٌ عَلى الإطْلاقِ، هَذا تَقْرِيرُ هَذا المَذْهَبِ.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ: الآيَةُ لَيْسَتْ مُجْمَلَةً البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ قائِمانِ مَقامَ ”الَّذِي“ والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا﴾ لِلْجَزاءِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ وذَلِكَ الكَسْبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو السَّرِقَةُ، فَصارَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ مَناطَ الحُكْمِ ومُتَعَلَّقَهُ هو ماهِيَّةُ السَّرِقَةِ ومُقْتَضاهُ أنْ يَعُمَّ الجَزاءُ فِيما حَصَلَ هَذا الشَّرْطُ، اللَّهُمَّ إلّا إذا قامَ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا العامِ، وأمّا قَوْلُهُ ”الأيْدِي“ عامَّةٌ فَنَقُولُ: مُقْتَضاهُ قَطْعُ الأيْدِي لَكِنَّهُ لَمّا انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ قَطْعُهُما مَعًا، ولا الِابْتِداءُ بِاليَدِ اليُسْرى أخْرَجْناهُ عَنِ العُمُومِ.
وأمّا قَوْلُهُ: لَفْظُ اليَدِ دائِرٌ بَيْنَ أشْياءَ فَنَقُولُ: لا نُسَلِّمُ، بَلِ اليَدُ اسْمٌ لِهَذا العُضْوِ إلى المَنكِبِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ فَلَوْلا دُخُولُ العَضُدَيْنِ في هَذا الِاسْمِ وإلّا لَما احْتِيجَ إلى التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ ﴿إلى المَرافِقِ﴾ فَظاهِرُ الآيَةِ يُوجِبُ قَطْعَ اليَدَيْنِ مِنَ المَنكِبَيْنِ كَما هو قَوْلُ الخَوارِجِ، إلّا أنّا تَرَكْنا ذَلِكَ لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
وأمّا قَوْلُهُ رابِعًا، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ، وأنْ يَكُونَ مَعَ واحِدٍ مُعَيَّنٍ.
قُلْنا: ظاهِرُهُ أنَّهُ خِطابٌ مَعَ كُلِّ أحَدٍ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ فِيما صارَ مَخْصُوصًا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في الباقِي.
والحاصِلُ أنّا نَقُولُ: الآيَةُ عامَّةٌ، فَصارَتْ مَخْصُوصَةً بِدَلائِلَ مُنْفَصِلَةٍ في بَعْضِ الصُّوَرِ فَتَبْقى حُجَّةً فِيما عَداها، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِن قَوْلِ مَن قالَ: إنَّها مُجْمَلَةٌ فَلا تُفِيدُ فائِدَةً أصْلًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: القَطْعُ لا يَجِبُ إلّا عِنْدَ شَرْطَيْنِ: قَدْرُ النِّصابِ، وأنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ مِنَ الحِرْزِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ البَصْرِيُّ: القَدْرُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فالقَطْعُ واجِبٌ في سَرِقَةِ القَلِيلِ والكَثِيرِ، والحِرْزُ أيْضًا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وهو قَوْلُ داوُدَ الأصْفَهانِيِّ، وقَوْلُ الخَوارِجِ، وتَمَسَّكُوا في المَسْألَةِ بِعُمُومِ الآيَةِ كَما قَرَّرْناهُ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَتَناوَلُ السَّرِقَةَ سَواءً كانَتْ قَلِيلَةً أوْ كَثِيرَةً وسَواءً سُرِقَتْ مِنَ
صفحة ١٧٨
الحِرْزِ أوْ مِن غَيْرِ الحِرْزِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ ذَهَبْنا إلى التَّخْصِيصِ لَكانَ ذَلِكَ إمّا بِخَبَرِ الواحِدِ، أوْ بِالقِياسِ، وتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ وبِالقِياسِ غَيْرُ جائِزٍ، وحُجَّةُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ أنَّهُ لا حاجَةَ بِنا إلى القَوْلِ بِالتَّخْصِيصِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ لَفْظَ السَّرِقَةِ لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ، ونَحْنُ بِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لا يَقُولُونَ لِمَن أخَذَ حَبَّةً مِن حِنْطَةِ الغَيْرِ، أوْ تِبْنَةً واحِدَةً، أوْ كِسْرَةً صَغِيرَةً مِن خُبْزٍ: إنَّهُ سَرَقَ مالَهُ، فَعَلِمْنا أنَّ أخْذَ مالِ الغَيْرِ كَيْفَما كانَ لا يُسَمّى سَرِقَةً، وأيْضًا السَّرِقَةُ مُشْتَقَّةٌ مِن مُسارَقَةِ عَيْنِ المالِكِ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى مُسارَقَةِ عَيْنِ المالِكِ لَوْ كانَ المَسْرُوقُ أمْرًا يَكُونُ مُتَعَلِّقَ الرَّغْبَةِ في مَحَلِّ الشُّحِّ والضِّنَّةِ حَتّى يَرْغَبَ السّارِقُ في أخْذِهِ ويَتَضايَقَ المَسْرُوقُ مِنهُ في دَفْعِهِ إلى الغَيْرِ، ولِهَذا الطَّرِيقِ اعْتَبَرْنا في وُجُوبِ القَطْعِ أخْذَ المالِ مِن حِرْزِ المِثْلِ؛ لِأنَّ ما لا يَكُونُ مَوْضُوعًا في الحِرْزِ لا يَحْتاجُ في أخْذِهِ إلى مُسارَقَةِ الأعْيُنِ فَلا يُسَمّى أخْذُهُ سَرِقَةً. وقالَ داوُدُ: نَحْنُ لا نُوجِبُ القَطْعَ في سَرِقَةِ الحَبَّةِ الواحِدَةِ، ولا في سَرِقَةِ التِّبْنَةِ الواحِدَةِ، بَلْ في أقَلِّ شَيْءٍ يَجْرِي فِيهِ الشُّحُّ والضِّنَّةُ، وذَلِكَ مَقادِيرُ القِلَّةِ والكَثْرَةِ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ، فَرُبَّما اسْتَحْقَرَ المَلِكُ الكَبِيرُ آلافًا مُؤَلَّفَةً، ورُبَّما اسْتَعْظَمَ الفَقِيرُ طَسُّوجًا، ولِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ قالَ لِفُلانٍ عَلَيَّ مالٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ فَسَّرَ بِالحَبَّةِ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ كانَ عَظِيمًا عِنْدَهُ لِغايَةِ فَقْرِهِ وشِدَّةِ احْتِياجِهِ إلَيْهِ، ولَمّا كانَتْ مَقادِيرُ القِلَّةِ والكَثْرَةِ غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ وجَبَ بِناءُ الحُكْمِ عَلى أقَلِّ ما يُسَمّى مالًا، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَسْتَبْعِدَ ويَقُولَ: كَيْفَ يَجُوزُ قَطْعُ اليَدِ في سَرِقَةِ الطَّسُّوجَةِ الواحِدَةِ؛ لِأنَّ المُلْحِدَةَ قَدْ جَعَلُوا هَذا طَعْنًا في الشَّرِيعَةِ، فَقالُوا: اليَدُ لَمّا كانَتْ قِيمَتُها خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَكَيْفَ تُقْطَعُ لِأجْلِ القَلِيلِ مِنَ المالِ ؟ ثُمَّ إنّا أجَبْنا عَنْ هَذا الطَّعْنِ بِأنَّ الشَّرْعَ إنَّما قَطَعَ يَدَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ تَحَمَّلَ الدَّناءَةَ والخَساسَةَ في سَرِقَةِ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُعاقِبَهُ الشَّرْعُ بِسَبَبِ تِلْكَ الدَّناءَةِ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ العَظِيمَةِ، وإذا كانَ هَذا الجَوابُ مَقْبُولًا مِنَ الكُلِّ فَلْيَكُنْ أيْضًا مَقْبُولًا مِنّا في إيجابِ القَطْعِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ. قالَ: ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ هَهُنا بِخَبَرِ الواحِدِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القائِلِينَ بِتَخْصِيصِ هَذا العُمُومِ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ، فَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ لِلَّهِ: يَجِبُ القَطْعُ في رُبْعِ دِينارٍ، ورُوِيَ فِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ» “ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجُوزُ القَطْعُ إلّا في عَشَرَةِ دَراهِمَ مَضْرُوبَةٍ، ورُوِيَ فِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا قَطْعَ إلّا في ثَمَنِ المِجَنِّ» “ والظّاهِرُ أنَّ ثَمَنَ المِجَنِّ لا يَكُونُ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ. وقالَ مالِكٌ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِثَلاثَةِ دَراهِمَ أوْ رُبْعِ دِينارٍ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: مُقَدَّرٌ بِخَمْسَةِ دَراهِمَ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ المُجْتَهِدِينَ يَطْعَنُ في الخَبَرِ الَّذِي يَرْوِيهِ الآخَرُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهَذِهِ المُخَصِّصاتُ صارَتْ مُتَعارِضَةً فَوَجَبَ أنْ لا يُلْتَفَتَ إلى شَيْءٍ مِنها، ويُرْجَعُ في مَعْرِفَةِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى إلى ظاهِرِ القُرْآنِ. قالَ: ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ القَطْعُ إلّا في مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ. قالَ: لِأنَّ الحَسَنَ البَصْرِيَّ كانَ يُوجِبُ القَطْعَ بِمُطْلَقِ السَّرِقَةِ، وكانَ يَقُولُ: احْذَرْ مِن قَطْعِ يَدِكَ بِدِرْهَمٍ، ولَوْ كانَ الإجْماعُ مُنْعَقِدًا لَما خالَفَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ فِيهِ مَعَ قُرْبِهِ مِن زَمانِ الصَّحابَةِ وشِدَّةِ احْتِياطِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، فَهَذا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وداوُدَ الأصْفَهانِيِّ.
وأمّا الفُقَهاءُ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في وُجُوبِ القَطْعِ مِنَ القَدْرِ، ثُمَّ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: القَطْعُ في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا وهو نِصابُ السَّرِقَةِ، وسائِرُ الأشْياءِ تَقُومُ بِهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: لا يَجِبُ القَطْعُ
صفحة ١٧٩
فِي أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دارَهِمَ مَضْرُوبَةٍ، ويَقُومُ غَيْرُها بِها. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: رُبْعُ دِينارٍ أوْ ثَلاثَةُ دَراهِمَ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: خَمْسَةُ دَراهِمَ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ يُوجِبُ القَطْعَ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، إلّا أنَّ الفُقَهاءَ تَوافَقُوا فِيما بَيْنَهم عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ القَطْعُ فِيما دُونَ رُبْعِ دِينارٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا عَلى ظاهِرِ النَّصِّ، ثُمَّ أُكِّدَ هَذا بِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ» “ .
وأمّا الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا قَطْعَ إلّا في ثَمَنِ المِجَنِّ» “ فَهو ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ثَمَنَ المِجَنِّ مَجْهُولٌ، فَتَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرٍ واحِدٍ مُجْمَلٍ مَجْهُولِ المَعْنى لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ إنْ كانَ ثَمَنُ المِجَنِّ مُقَدَّرًا بِعَشَرَةِ دَراهِمَ كانَ التَّخْصِيصُ الحاصِلُ بِسَبَبِهِ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ أكْثَرَ مِنَ التَّخْصِيصِ الحاصِلِ في عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ بَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ» “ فَكانَ التَّرْجِيحُ لِهَذا الجانِبِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّجُلُ إذا سَرَقَ أوَّلًا قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى، وفي الثّانِيَةِ رِجْلُهُ اليُسْرى، وفي الثّالِثَةِ يَدُهُ اليُسْرى، وفي الرّابِعَةِ رِجْلُهُ اليُمْنى، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: لا يُقْطَعُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ والرّابِعَةِ.
واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ القَطْعِ، وقَدْ وُجِدَتْ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ أيْضًا، إنَّما قُلْنا: إنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ القَطْعِ لِقَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المَعْنى: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، وأيْضًا الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَطْعَ وجَبَ جَزاءً عَلى تِلْكَ السَّرِقَةِ، فالسَّرِقَةُ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ القَطْعِ، ولا شَكَّ أنَّ السَّرِقَةَ حَصَلَتْ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ، فَما هو المُوجِبُ لِلْقَطْعِ حاصِلٌ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُوجِبُهُ، ولا يَجُوزَ أنْ يَكُونَ مُوجِبُهُ هو القَطْعُ في المَرَّةِ الأُولى؛ لِأنَّ الحُكْمَ لا يَسْبِقُ العِلَّةَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القَطْعَ وجَبَ بِالسَّرِقَةِ الأُولى، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ تُوجِبُ قَطْعًا آخَرَ وهو المَطْلُوبُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ ولَفْظُ الأيْدِي لَفْظُ جَمْعٍ، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، والظّاهِرُ يَقْتَضِي وُجُوبَ قَطْعِ ثَلاثَةٍ مِنَ الأيْدِي في السّارِقِ والسّارِقَةِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ ابْتِداءً فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَ السَّرِقَةِ الثّالِثَةِ.
فَإنْ قالُوا: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ فاقْطَعُوا أيْمانَهُما، فَكانَ هَذا الحُكْمُ مُخْتَصًّا بِاليَمِينِ لا في مُطْلَقِ الأيْدِي، والقِراءَةُ الشّاذَّةُ جارِيَةٌ مَجْرى خَبَرِ الواحِدِ.
قُلْنا: القِراءَةُ الشّاذَّةُ لا تُبْطِلُ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ، فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ بِالقِراءَةِ المُتَواتِرَةِ في إثْباتِ مَذْهَبِنا وأيْضًا القِراءَةُ الشّاذَّةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَنا؛ لِأنّا نَقْطَعُ أنَّها لَيْسَتْ قُرْآنًا، إذْ لَوْ كانَتْ قُرْآنًا لَكانَتْ مُتَواتِرَةً، فَإنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ لا يُنْقَلَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ إلَيْنا عَلى سَبِيلِ التَّواتُرِ انْفَتَحَ بابُ طَعْنِ الرَّوافِضِ والمَلاحِدَةِ في القُرْآنِ؛ ولَعَلَّهُ كانَ في القُرْآنِ آياتٌ دالَّةٌ عَلى إمامَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصًّا، وما نُقِلَتْ إلَيْنا، ولَعَلَّهُ كانَ فِيهِ آياتٌ دالَّةٌ عَلى نَسْخِ أكْثَرِ هَذِهِ الشَّرائِعِ وما نُقِلَتْ إلَيْنا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا بِأنَّهُ لَوْ كانَ قُرْآنًا لَكانَ مُتَواتِرًا، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ مُتَواتِرًا قَطَعْنا أنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ، فَثَبَتَ أنَّ القِراءَةَ الشّاذَّةَ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ البَتَّةَ.
صفحة ١٨٠
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أُغَرِّمُ السّارِقَ ما سَرَقَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يُجْمَعُ بَيْنَ القَطْعِ والغُرْمِ، فَإنْ غَرِمَ فَلا قَطْعَ، وإنْ قُطِعَ فَلا غُرْمَ. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقْطَعُ بِكُلِّ حالٍ، وأمّا الغُرْمُ فَيَلْزَمُهُ إنْ كانَ غَنِيًّا، ولا يَلْزَمُهُ إنْ كانَ فَقِيرًا.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ السَّرِقَةَ تُوجِبُ القَطْعَ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَلى اليَدِ ما أخَذَتْ حَتّى تُؤَدِّيَهُ» “ يُوجِبُ الضَّمانَ، وقَدِ اجْتَمَعَ الأمْرانِ في هَذِهِ السَّرِقَةِ فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ القَطْعُ والضَّمانُ، فَلَوِ ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ الجَمْعَ مُمْتَنِعٌ كانَ ذَلِكَ مُعارَضَةً، وعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، عَلى أنّا نَقُولُ: إنَّ حَدَّ اللَّهِ لا يَمْنَعُ حَقَّ العِبادِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَجْتَمِعُ الجَزاءُ والقِيمَةُ في الصَّيْدِ المَمْلُوكِ، وبِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ كانَ المَسْرُوقُ باقِيًا وجَبَ رَدُّهُ بِالإجْماعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ المَسْرُوقَ كانَ باقِيًا عَلى مِلْكِ المالِكِ إلى وقْتِ قَطْعِ يَدِ السّارِقِ بِالِاتِّفاقِ، فَعِنْدَ حُصُولِ القَطْعِ إمّا أنْ يَحْصُلَ المِلْكُ فِيهِ مُقْتَصِرًا عَلى وقْتِ القَطْعِ، أوْ مُسْنَدًا إلى أوَّلِ زَمانِ السَّرِقَةِ، والأوَّلُ لا يَقُولُ بِهِ الخَصْمُ، والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَدَثَ المِلْكُ فِيهِ مِن وقْتِ القَطْعِ في الزَّمانِ الَّذِي كانَ سابِقًا عَلى ذَلِكَ الوَقْتِ، وهَذا يَقْتَضِي وُقُوعَ الفِعْلِ في الزَّمانِ الماضِي. وهَذا مُحالٌ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِكَوْنِ هَذا القَطْعِ جَزاءً، والجَزاءُ هو الكافِي، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا القَطْعَ كافٍ في جِنايَةِ السَّرِقَةِ، وإذا كانَ كافِيًا وجَبَ أنْ لا يُضَمَّ الغُرْمُ إلَيْهِ.
والجَوابُ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ لَوَجَبَ أنْ لا يَلْزَمَ رَدُّ المَسْرُوقِ عِنْدَ كَوْنِهِ قائِمًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّيِّدُ يَمْلِكُ إقامَةَ الحَدِّ عَلى المَمالِيكِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَمْلِكُ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ؛ لِأنَّ هَذا الخِطابَ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَخْصُوصًا بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ، ولَمّا عَمَّ الكُلَّ دَخَلَ فِيهِ المَوْلى أيْضًا، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ غَيْرِ الإمامِ والمَوْلى، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في حَقِّ الإمامِ والمَوْلى.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: احْتَجَّ المُتَكَلِّمُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ يَجِبُ عَلى الأُمَّةِ أنْ يُنَصِّبُوا لِأنْفُسِهِمْ إمامًا مُعَيَّنًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ إقامَةَ الحَدِّ عَلى السُّرّاقِ والزُّناةِ، فَلا بُدَّ مِن شَخْصٍ يَكُونُ مُخاطَبًا بِهَذا الخِطابِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِآحادِ الرَّعِيَّةِ إقامَةُ الحُدُودِ عَلى الجُناةِ، بَلْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إقامَةُ الحُدُودِ عَلى الأحْرارِ الجُناةِ إلّا لِلْإمامِ، فَلَمّا كانَ هَذا التَّكْلِيفُ تَكْلِيفًا جازِمًا ولا يُمْكِنُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ هَذا التَّكْلِيفِ إلّا عِنْدَ وُجُودِ الإمامِ، وما لا يَتَأتّى الواجِبُ إلّا بِهِ - وكانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ - فَهو واجِبٌ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِوُجُوبِ نَصْبِ الإمامِ حِينَئِذٍ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما أُقِيمَ عَلَيْهِ هَذا الحَدُّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلِاسْتِخْفافِ والذَّمِّ والإهانَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ بَقِيَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّهُما ضِدّانِ والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ يُحْبِطُ ثَوابَ الطّاعاتِ.
واعْلَمْ أنا قَدْ ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ في بُطْلانِ القَوْلِ بِالإحْباطِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (لا)
صفحة ١٨١
﴿تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ (البَقَرَةِ: ٢٦٤) فَلا نُعِيدُها هَهُنا.
ثُمَّ الجَوابُ عَنْ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ كَوْنَ الحَدِّ واقِعًا عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى حُصُولِ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ إقامَةَ الحَدِّ لا تَكُونُ أيْضًا عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، بَلْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ، لَكِنّا ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلى العَفْوِ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ، فَإنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كَسَبا﴾ صَرِيحٌ في أنَّ القَطْعَ إنَّما وجَبَ مُعَلَّلًا بِالسَّرِقَةِ.
وجَوابُهُ ما ذَكَرْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ .
* * *
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جَزاءً نُصِبَ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ فاقْطَعُوهم لِجَزاءِ فِعْلِهِمْ، وكَذَلِكَ: ﴿نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ فَإنْ شِئْتَ كانا مَنصُوبَيْنِ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فاقْطَعُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: جازُوهم ونَكِّلُوا بِهِمْ جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فالمَعْنى: عَزِيزٌ في انْتِقامِهِ، حَكِيمٌ في شَرائِعِهِ وتَكالِيفِهِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: كُنْتُ أقْرَأُ سُورَةَ المائِدَةِ ومَعِيَ أعْرابِيٌّ، فَقَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ فَقُلْتُ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سَهْوًا، فَقالَ الأعْرابِيُّ: كَلامُ مَن هَذا ؟ فَقُلْتُ كَلامُ اللَّهِ. قالَ أعِدْ، فَأعَدْتُ: واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ثُمَّ تَنَبَّهْتُ فَقُلْتُ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فَقالَ: الآنَ أصَبْتَ، فَقُلْتُ كَيْفَ عَرَفْتَ ؟ قالَ: يا هَذا عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَأمَرَ بِالقَطْعِ، فَلَوْ غَفَرَ ورَحِمَ لَما أمَرَ بِالقَطْعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن تابَ فَإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿وأصْلَحَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ التَّوْبَةِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحَ﴾ أيْ يَتُوبُ بِنِيَّةٍ صالِحَةٍ صادِقَةٍ وعَزِيمَةٍ صَحِيحَةٍ خالِيَةٍ عَنْ سائِرِ الأغْراضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا تابَ قَبْلَ القَطْعِ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ ؟ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ التّابِعِينَ: يَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ، لِأنَّ ذِكْرَ الغَفُورِ الرَّحِيمِ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العُقُوبَةِ عَنْهُ، والعُقُوبَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الحَدُّ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي سُقُوطَها. وقالَ الجُمْهُورُ: لا يَسْقُطُ عَنْهُ هَذا الحَدُّ، بَلْ يُقامُ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِامْتِحانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، والتَّمَدُّحُ إنَّما يَكُونُ بِفِعْلِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ، لا بِأداءِ الواجِباتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
صفحة ١٨٢
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ قَطْعَ اليَدِ وعِقابَ الآخِرَةِ عَلى السّارِقِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ إنْ تابَ أرْدَفَهُ بِبَيانِ أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويَحْكُمَ ما يُرِيدُ، فَيُعَذِّبَ مَن يَشاءُ ويَغْفِرَ لِمَن يَشاءُ، وإنَّما قَدَّمَ التَّعْذِيبَ عَلى المَغْفِرَةِ؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ تَقَدُّمِ السَّرِقَةِ عَلى التَّوْبَةِ. قالَ الواحِدِيُّ: الآيَةُ واضِحَةٌ لِلْقَدَرِيَّةِ في التَّعْدِيلِ والتَّجْوِيزِ، وقَوْلُهم بِوُجُوبِ الرَّحْمَةِ لِلْمُطِيعِ، ووُجُوبِ العَذابِ لِلْعاصِي عَلى اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الرَّحْمَةَ مُفَوَّضَةٌ إلى المَشِيئَةِ، والوُجُوبُ يُنافِي ذَلِكَ.
وأقُولُ: فِيهِ وجْهٌ آخَرُ يُبْطِلُ قَوْلَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما حَسُنَ مِنهُ التَّعْذِيبُ تارَةً، والمَغْفِرَةُ أُخْرى؛ لِأنَّهُ مالِكُ الخَلْقِ ورَبُّهم وإلَهُهم، وهَذا هو مَذْهَبُ أصْحابِنا فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ ما يَشاءُ ويُرِيدُ؛ لِأجْلِ كَوْنِهِ مالِكًا لِجَمِيعِ المُحْدَثاتِ، والمالِكُ لَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم يَقُولُونَ: حُسْنُ هَذِهِ الأفْعالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ لِأجْلِ كَوْنِهِ إلَهًا لِلْخَلْقِ ومالِكًا لَهم، بَلْ لِأجْلِ رِعايَةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، وذَلِكَ يُبْطِلُهُ صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ كَما قَرَّرْناهُ.
المائدة 5:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بَعْضَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ، وكانَ قَدْ عَلِمَ مِن بَعْضِ النّاسِ كَوْنَهم مُتَسارِعِينَ إلى الكُفْرِ لا جَرَمَ صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلى تَحَمُّلِ ذَلِكَ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَحْزَنَ لِأجْلِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خاطَبَ مُحَمَّدًا ﷺ بِقَوْلِهِ: يا أيُّها النَّبِيُّ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، وما خاطَبَهُ
صفحة ١٨٣
بِقَوْلِهِ: يا أيُّها الرَّسُولُ إلّا في مَوْضِعَيْنِ:
أحَدُهُما: هَهُنا.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ (المائِدَةِ: ٦٧) وهَذا الخِطابُ لا شَكَّ أنَّهُ خِطابُ تَشْرِيفٍ وتَعْظِيمٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ (لا يُحْزِنْكَ) بِضَمِّ الياءِ، و(يُسْرِعُونَ)، والمَعْنى لا تَهْتَمَّ ولا تُبالِ بِمُسارَعَةِ المُنافِقِينَ في الكُفْرِ؛ وذَلِكَ بِسَبَبِ احْتِيالِهِمْ في اسْتِخْراجِ وُجُوهِ الكَيْدِ والمَكْرِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ وفي مُبالَغَتِهِمْ في مُوالاةِ المُشْرِكِينَ فَإنِّي ناصِرُكَ عَلَيْهِمْ وكافِيكَ شَرَّهم. يُقالُ: أسْرَعَ فِيهِ الشَّيْبُ وأسْرَعَ فِيهِ الفَسادُ بِمَعْنى وقَعَ فِيهِ سَرِيعًا، فَكَذَلِكَ مُسارَعَتُهم في الكُفْرِ عِبارَةٌ عَنْ إلْقائِهِمْ أنْفُسَهم فِيهِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ مَتى وجَدُوا فِيهِ فُرْصَةً، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ قالُوا بِأفْواهِهِمْ آمَنّا ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ولا شَكَّ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ هَهُنا وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَلامَ إنَّما يَتِمُّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ ثُمَّ يُبْتَدَأُ الكَلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ المُنافِقِينَ ومِنَ اليَهُودِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وصَفَ الكُلَّ بِكَوْنِهِمْ سَمّاعِينَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ مِن قَوْلِهِ ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ ﴿سَمّاعُونَ﴾ صِفَةُ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: ومِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ سَمّاعُونَ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، يَعْنِي هم سَمّاعُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْناهُ قابِلُونَ لِلْكَذِبِ، والسَّمْعُ يُسْتَعْمَلُ ويُرادُ مِنهُ القَبُولُ، كَما يُقالُ: لا تَسْمَعْ مِن فُلانٍ أيْ لا تَقْبَلْ مِنهُ، ومِنهُ ”سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ“، وذَلِكَ الكَذِبُ الَّذِي يَقْبَلُونَهُ هو ما يَقُولُهُ رُؤَساؤُهم مِنَ الأكاذِيبِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى في تَحْرِيفِ التَّوْراةِ، وفي الطَّعْنِ في مُحَمَّدٍ ﷺ .
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ نَفْسُ السَّماعِ، واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِلْكَذِبِ﴾ لامُ كَيْ، أيْ يَسْمَعُونَ مِنكَ لِكَيْ يَكْذِبُوا عَلَيْكَ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهم أعْيُنٌ وجَواسِيسُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ولَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَكَ لِيَنْقُلُوا إلَيْهِمْ أخْبارَكَ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أيْ سَمّاعُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأجْلِ أنْ يَكْذِبُوا عَلَيْهِ بِأنْ يَمْزُجُوا ما سَمِعُوا مِنهُ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ، سَمّاعُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ لِأجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنَ اليَهُودِ، وهم عُيُونٌ لِيُبَلِّغُوهم ما سَمِعُوا مِنهُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ اليَهُودَ بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ أنْ وضَعَهُ اللَّهُ مَواضِعَهُ، أيْ فَرَضَ فُرُوضَهُ وأحَلَّ حَلالَهُ وحَرَّمَ حَرامَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: «إنَّ رَجُلًا وامْرَأةً مِن أشْرافِ أهْلِ خَيْبَرَ زَنَيا، وكانَ حَدُّ الزِّنا في التَّوْراةِ الرَّجْمَ، فَكَرِهَتِ اليَهُودُ رَجْمَهُما لِشَرَفِهِما، فَأرْسَلُوا قَوْمًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَسْألُوهُ عَنْ حُكْمِهِ في الزّانِيَيْنِ إذا أُحْصِنا، وقالُوا: إنْ أمَرَكم بِالجَلْدِ فاقْبَلُوا، وإنْ أمَرَكم بِالرَّجْمِ فاحْذَرُوا ولا تَقْبَلُوا، فَلَمّا سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالرَّجْمِ فَأبَوْا أنْ يَأْخُذُوا بِهِ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ
صفحة ١٨٤
عَلَيْهِ السَّلامُ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهم ”ابْنَ صُورِيا“ فَقالَ الرَّسُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ شابًّا أمْرَدَ أبْيَضَ أعْوَرَ يَسْكُنُ فَدَكَ يُقالُ لَهُ: ابْنُ صُورِيا ؟ قالُوا نَعَمْ وهو أعْلَمُ يَهُودِيٍّ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَرَضُوا بِهِ حَكَمًا، فَقالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ: ”أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لِمُوسى ورَفَعَ فَوْقَكُمُ الطُّورَ وأنْجاكم وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ والَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكم كِتابَهُ وحَلالَهُ وحَرامَهُ هَلْ تَجِدُونَ فِيهِ الرَّجْمَ عَلى مَن أُحْصِنَ“ ؟ قالَ ابْنُ صُورِيا: نَعَمْ، فَوَثَبَتْ عَلَيْهِ سَفَلَةُ اليَهُودِ، فَقالَ: خِفْتُ إنْ كَذَّبْتُهُ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْنا العَذابُ، ثُمَّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ أشْياءَ كانَ يَعْرِفُها مِن عَلاماتِهِ، فَقالابْنُ صُورِيا: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ العَرَبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ المُرْسَلُونَ، ثُمَّ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالزّانِيَيْنِ فَرُجِما عِنْدَ بابِ مَسْجِدِهِ» .
إذا عَرَفْتَ القِصَّةَ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أيْ وضَعُوا الجَلْدَ مَكانَ الرَّجْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾ أيْ إنْ أمَرَكم مُحَمَّدٌ بِالجَلْدِ فاقْبَلُوا، وإنْ أمَرَكم بِالرَّجْمِ فَلا تَقْبَلُوا.
واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الثَّيِّبَ الذِّمِّيَّ يُرْجَمُ. قالَ: لِأنَّهُ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ أمَرَ بِرَجْمِهِ، فَإنْ كانَ الأمْرُ بِرَجْمِ الثَّيِّبِ الذِّمِّيِّ مِن دِينِ الرَّسُولِ فَقَدْ ثَبَتَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَ إنَّما أمَرَ بِذَلِكَ بِناءً عَلى ما ثَبَتَ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا في دِينِنا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أفْتى عَلى وفْقِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ كانَ الِاقْتِداءُ بِهِ في ذَلِكَ واجِبًا، لِقَوْلِهِ: (فاتَّبِعُوهُ) .
والثّانِي: أنَّ ما كانَ ثابِتًا في شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فالأصْلُ بَقاؤُهُ إلى طِرِّيانِ النّاسِخِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَرْعِنا ما يَدُلُّ عَلى نَسْخِ هَذا الحُكْمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ باقِيًا، وبِهَذا الطَّرِيقِ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (المائِدَةِ: ٤٥) حُكْمُهُ باقٍ في شَرْعِنا.
ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى فَضائِحَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ قالَ: ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الفِتْنَةِ مُحْتَمِلٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ المَفاسِدِ؛ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا اللَّفْظُ مَذْكُورًا عَقِيبَ أنْواعِ كُفْرِهِمُ الَّتِي شَرَحَها اللَّهُ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الفِتْنَةِ تِلْكَ الكُفْرِيّاتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُرادُ: ومَن يُرِدِ اللَّهُ كُفْرَهُ وضَلالَتَهُ فَلَنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُ.
ثُمَّ أكَّدَ تَعالى هَذا فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ .
قالَ أصْحابُنا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ مُرِيدٍ إسْلامَ الكافِرِ، وأنَّهُ لَمْ يُطَهِّرْ قَلْبَهُ مِنَ الشَّكِّ والشِّرْكِ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَآمَنَ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أشَدِّ الآياتِ عَلى القَدَرِيَّةِ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الفِتْنَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الفِتْنَةَ هي العَذابُ، قالَ تَعالى: ﴿عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (الذّارِياتِ: ١٣) أيْ يُعَذَّبُونَ، فالمُرادُ هَهُنا: أنَّهُ يُرِيدُ عَذابَهُ لِكُفْرِهِ ونِفاقِهِ.
وثانِيها: الفِتْنَةُ الفَضِيحَةُ، يَعْنِي ومَن يُرِدِ اللَّهُ فَضِيحَتَهُ.
الثّالِثُ: فِتْنَتَهُ: إضْلالَهُ، والمُرادُ مِنَ الإضْلالِ الحُكْمُ بِضَلالِهِ وتَسْمِيَتِهِ ضالًّا.
ورابِعُها: الفِتْنَةُ الِاخْتِبارُ، يَعْنِي مَن يُرِدِ اللَّهَ اخْتِبارَهُ فِيما يَبْتَلِيهِ مِنَ التَّكالِيفِ، ثُمَّ إنَّهُ يَتْرُكُها ولا يَقُومُ بِأدائِها فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ ثَوابًا ولا نَفْعًا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَمُدَّ قُلُوبَهم بِالألْطافِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في تِلْكَ الألْطافِ لِأنَّها لا تَنْجَعُ في قُلُوبِهِمْ.
وثانِيها: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ
صفحة ١٨٥
أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم عَنِ الحَرَجِ والغَمِّ والوَحْشَةِ الدّالَّةِ عَلى كُفْرِهِمْ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا اسْتِعارَةٌ عَنْ سُقُوطِ وقْعِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ بِسَبَبِ قُبْحِ أفْعالِهِ وسُوءِ أعْمالِهِ، والكَلامُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ وخِزْيُ المُنافِقِينَ هَتْكُ سِتْرِهِمْ بِاطِّلاعِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى كَذِبِهِمْ وخَوْفِهِمْ مِنَ القَتْلِ، وخِزْيُ اليَهُودِ فَضِيحَتُهم بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ في كِتْمانِ نَصِّ اللَّهِ تَعالى في إيجابِ الرَّجْمِ وأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم.
﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو الخُلُودُ في النّارِ.
المائدة 5:42
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: السُّحُتُ بِضَمِّ السِّينِ والحاءِ حَيْثُ كانَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِرَفْعِ السِّينِ وسُكُونِ الحاءِ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ مِن: سَحَتَهُ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ السَّحَتِ بِفَتْحَتَيْنِ، والسِّحْتِ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ الحاءِ، وكُلُّها لُغاتٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في لَفْظِ السُّحْتِ وُجُوهًا قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مِن سَحَتَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ (طه: ٦١) وسُمِّيَتِ الرِّشا الَّتِي كانُوا يَأْخُذُونَها بِالسُّحْتِ إمّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُسْحِتُهم بِعَذابٍ، أيْ يَسْتَأْصِلُهم، أوْ لِأنَّهُ مَسْحُوتُ البَرَكَةِ، قالَ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ (البَقَرَةِ: ٢٧٦) .
الثّانِي: قالَ اللَّيْثُ: إنَّهُ حَرامٌ يَحْصُلُ مِنهُ العارُ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الشَّيْءِ يُسْحِتُ فَضِيلَةَ الإنْسانِ ويَسْتَأْصِلُها.
والثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: أصْلُ السُّحْتِ شِدَّةُ الجُوعِ، يُقالُ رَجُلٌ مَسْحُوتُ المَعِدَةِ إذا كانَ أكُولًا لا يُلْقى إلّا جائِعًا أبَدًا، فالسُّحْتُ حَرامٌ يُحْمَلُ عَلَيْهِ شِدَّةُ الشَّرَهِ كَشَرَهِ مَن كانَ مَسْحُوتَ المَعِدَةِ، وهَذا أيْضًا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ مَن كانَ شَدِيدَ الجُوعِ شَدِيدَ الشَّرَهِ فَكَأنَّهُ يَسْتَأْصِلُ كُلَّ ما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ الطَّعامِ ويَشْتَهِيهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: السُّحْتُ: الرَّشْوَةُ في الحُكْمِ، ومَهْرُ البَغِيِّ، وعَسْبُ الفَحْلِ، وكَسْبُ الحَجّامِ، وثَمَنُ الكَلْبِ، وثَمَنُ الخَمْرِ، وثَمَنُ المَيْتَةِ، وحُلْوانُ الكاهِنِ، والِاسْتِئْجارُ في المَعْصِيَةِ: رُوِيَ ذاكَ عَنْ عُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٍ، وزادَ بَعْضُهم، ونَقَصَ بَعْضُهم، وأصْلُهُ يَرْجِعُ إلى الحَرامِ الخَسِيسِ الَّذِي لا يَكُونُ فِيهِ بَرَكَةٌ، ويَكُونُ في حُصُولِهِ عارٌ بِحَيْثُ يُخْفِيهِ صاحِبُهُ لا مَحالَةَ، ومَعْلُومٌ أنَّ أخْذَ الرَّشْوَةِ كَذَلِكَ، فَكانَ سُحْتًا لا مَحالَةَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ كانَ الحاكِمُ في بَنِي إسْرائِيلَ إذا أتاهُ مَن كانَ مُبْطِلًا في دَعْواهُ بِرَشْوَةٍ سَمِعَ كَلامَهُ ولا يَلْتَفِتُ إلى خَصْمِهِ، فَكانَ يَسْمَعُ الكَذِبَ ويَأْكُلُ السُّحْتَ.
الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: كانَ فُقَراؤُهم يَأْخُذُونَ مِن أغْنِيائِهِمْ مالًا لِيُقِيمُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ، فالفُقَراءُ كانُوا يَسْمَعُونَ أكاذِيبَ الأغْنِياءِ ويَأْكُلُونَ السُّحْتَ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ مِنهم.
الثّالِثُ: سَمّاعُونَ لِلْأكاذِيبِ الَّتِي كانُوا يَنْسُبُونَها إلى التَّوْراةِ، أكّالُونَ لِلرِّبا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا﴾ (النِّساءِ: ١٦١) .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَيَّرَهُ بَيْنَ الحُكْمِ فِيهِمْ
صفحة ١٨٦
والإعْراضِ عَنْهم، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ في أمْرٍ خاصٍّ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ: إنَّهُ في زِنا المُحْصَنِ وأنَّ حَدَّهُ هو الجَلْدُ والرَّجْمُ.
الثّانِي: أنَّهُ في قَتِيلٍ قُتِلَ مِنَ اليَهُودِ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وكانَ في بَنِي النَّضِيرِ شَرَفٌ وكانَتْ دِيَتُهم دِيَةً كامِلَةً، وفي قُرَيْظَةَ نِصْفَ دِيَةٍ، فَتَحاكَمُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَواءً.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا التَّخْيِيرَ مُخْتَصٌّ بِالمُعاهَدِينَ الَّذِينَ لا ذِمَّةَ لَهم، فَإنْ شاءَ حَكَمَ فِيهِمْ وإنْ شاءَ أعْرَضَ عَنْهم.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ مَن جاءَهُ الكُفّارُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ الحُكْمُ ثابِتٌ في سائِرِ الأحْكامِ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ وعَطاءٍ وأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ وأبِي مُسْلِمٍ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ (المائِدَةِ: ٤٩) وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يَجِبُ عَلى حاكِمِ المُسْلِمِينَ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أهْلِ الذِّمَّةِ إذا تَحاكَمُوا إلَيْهِ؛ لِأنَّ في إمْضاءِ حُكْمِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ صَغارًا لَهم، فَأمّا المُعاهَدُونَ الَّذِينَ لَهم مَعَ المُسْلِمِينَ عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ فَلَيْسَ بِواجِبٍ عَلى الحاكِمِ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بَلْ يَتَخَيَّرُ في ذَلِكَ، وهَذا التَّخْيِيرُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ مَخْصُوصٌ بِالمُعاهَدِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ والمَعْنى: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاكَمُونَ إلَيْهِ إلّا لِطَلَبِ الأسْهَلِ والأخَفِّ، كالجَلْدِ مَكانَ الرَّجْمِ، فَإذا أعْرَضَ عَنْهم وأبى الحُكُومَةَ لَهم شَقَّ عَلَيْهِمْ إعْراضُهُ عَنْهم وصارُوا أعْداءً لَهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا تَضُرُّهُ عَداوَتُهم لَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ .
أيْ فاحْكم بَيْنَهم بِالعَدْلِ والِاحْتِياطِ كَما حَكَمْتَ بِالرَّجْمِ.
المائدة 5:43
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَحْكِيمِ اليَهُودِ إيّاهُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِما في التَّوْراةِ مِن حَدِّ الزّانِي، ثُمَّ تَرْكِهِمْ قَبُولَ ذَلِكَ الحُكْمِ، فَعَدَلُوا عَمّا يَعْتَقِدُونَهُ حُكْمًا حَقًّا إلى ما يَعْتَقِدُونَهُ باطِلًا طَلَبًا لِلرُّخْصَةِ، فَلا جَرَمَ ظَهَرَ جَهْلُهم وعِنادُهم في هَذِهِ الواقِعَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: عُدُولُهم عَنْ حُكْمِ كِتابِهِمْ.
والثّانِي: رُجُوعُهم إلى حُكْمِ مَن كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أنَّهُ مُبْطِلٌ.
والثّالِثُ: إعْراضُهم عَنْ حُكْمِهِ بَعْدَ أنْ حَكَّمُوهُ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حالَ جَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ؛ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِهِمْ مُغْتَرٌّ أنَّهم أهْلُ كِتابِ اللَّهِ ومِنَ المُحافِظِينَ عَلى أمْرِ اللَّهِ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ ما مَوْضِعُهُ مِنَ الإعْرابِ ؟
الجَوابُ: إمّا أنْ يُنْصَبَ حالًا مِنَ التَّوْراةِ، وهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُها (عِنْدَهم) وإمّا أنْ يَرْتَفِعَ خَبَرًا عَنْها كَقَوْلِكَ: وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ ناطِقَةٌ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، وإمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ ويَكُونَ المَقْصُودُ أنَّ عِنْدَهم ما يُغْنِيهِمْ عَنِ التَّحْكِيمِ، كَما تَقُولُ: عِنْدَكَ زَيْدٌ يَنْصَحُكَ ويُشِيرُ عَلَيْكَ بِالصَّوابِ فَما تَصْنَعُ بِغَيْرِهِ ؟
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ أنَّثَ التَّوْراةَ ؟ والجَوابُ: الأمْرُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ جَماعَةٌ مِنَ الحَنَفِيَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ وشَرائِعَ مَن قَبْلَنا لازِمٌ عَلَيْنا ما
صفحة ١٨٧
لَمْ يُنْسَخْ وهو ضَعِيفٌ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ حُكْمُ التَّوْراةِ كَحُكْمِ القُرْآنِ في وُجُوبِ طَلَبِ الحُكْمِ مِنهُ، لَكِنَّ الشَّرْعَ نَهى عَنِ النَّظَرِ فِيها. بَلِ المُرادُ هَذا الأمْرُ الخاصُّ وهو الرَّجْمُ؛ لِأنَّهم طَلَبُوا الرُّخْصَةَ بِالتَّحْكِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾ .
وقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي في التَّوْراةِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى التَّحْكِيمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أيْ وما هم بِالمُؤْمِنِينَ بِالتَّوْراةِ، وإنْ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِها.
والثّانِي: ما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ: إخْبارٌ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا وهو خَبَرٌ عَنِ المُسْتَأْنَفِ لا عَنِ الماضِي.
الثّالِثُ: أنَّهم وإنْ طَلَبُوا الحُكْمَ مِنكَ فَما هم بِمُؤْمِنِينَ بِكَ ولا بِمُعْتَقِدِينَ في صِحَّةِ حُكْمِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا إيمانَ لَهم بِشَيْءٍ وأنَّ كُلَّ مَقْصُودِهِمْ تَحْصِيلُ مَصالِحِ الدُّنْيا فَقَطْ.
المائدة 5:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْيَهُودِ المُنْكِرِينَ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ، وتَرْغِيبٌ لَهم في أنْ يَكُونُوا كَمُتَقَدِّمِيهِمْ مِن مُسْلِمِي أحْبارِهِمْ والأنْبِياءِ المَبْعُوثِينَ إلَيْهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: العَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ حُصُولُ الفَرْقِ بَيْنَ الهُدى والنُّورِ، فالهُدى مَحْمُولٌ عَلى بَيانِ الأحْكامِ والشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ، والنُّورُ بَيانٌ لِلتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ.
قالَ الزَّجّاجُ: (فِيها هُدًى) أيْ بَيانُ الحُكْمِ الَّذِي جاءُوا يَسْتَفْتُونَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ (ونُورٌ) بَيانُ أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ حَقٌّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا لازِمٌ عَلَيْنا إلّا إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَنسُوخًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ في التَّوْراةِ هَدًى ونُورًا، والمُرادُ كَوْنُهُ هُدًى ونُورًا في أُصُولِ الشَّرْعِ وفُرُوعِهِ، ولَوْ كانَ مَنسُوخًا غَيْرَ مُعْتَبَرِ الحُكْمِ بِالكُلِّيَّةِ لَما كانَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ الهُدى والنُّورُ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ فَقَطْ لِأنَّهُ ذَكَرَ الهُدى والنُّورَ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُما مَعًا هو ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ لَزِمَ التَّكْرارُ، وأيْضًا إنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في مَسْألَةِ الرَّجْمِ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ داخِلَةً في الآيَةِ؛ لِأنّا وإنِ اخْتَلَفْنا في أنَّ غَيْرَ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ هَلْ يَدْخُلُ فِيها أمْ لا، لَكِنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ داخِلًا فِيها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ يُرِيدُ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ كانُوا بَعْدَ
صفحة ٤
مُوسى، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ في بَنِي إسْرائِيلَ أُلُوفًا مِنَ الأنْبِياءِ لَيْسَ مَعَهم كِتابٌ، إنَّما بَعَثَهم بِإقامَةِ التَّوْراةِ حَتّى يَحُدُّوا حُدُودَها ويَقُومُوا بِفَرائِضِها ويُحِلُّوا حَلالَها ويُحَرِّمُوا حَرامَها.
فَإنْ قِيلَ: كُلُّ نَبِيٍّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ ؟ .
قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْلَمُوا﴾ أيِ انْقادُوا لِحُكْمِ التَّوْراةِ، فَإنَّ مِنَ الأنْبِياءِ مَن لَمْ تَكُنْ شَرِيعَتُهُ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ، والَّذِينَ كانُوا مُنْقادِينَ لِحُكْمِ التَّوْراةِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا مِن مَبْعَثِ مُوسى إلى مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنَّبِيِّينَ الَّذِينَ أسْلَمُوا هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ حَكَمَ عَلى اليَهُودِيَّيْنِ بِالرَّجْمِ، وكانَ هَذا حُكْمَ التَّوْراةِ، وإنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٤٥] وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ مِن خِصالِ الخَيْرِ ما كانَ حاصِلًا لِأكْثَرِ الأنْبِياءِ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا رَدٌّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ لِأنَّ بَعْضَهم كانُوا يَقُولُونَ: الأنْبِياءُ كُلُّهم يَهُودٌ أوْ نَصارى، فَقالَ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ يَعْنِي الأنْبِياءَ ما كانُوا مَوْصُوفِينَ بِاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، بَلْ كانُوا مُسْلِمِينَ لِلَّهِ مُنْقادِينَ لِتَكالِيفِهِ.
الرّابِعُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ يَعْنِي الَّذِينَ كانَ مَقْصُودُهم مِنَ الحُكْمِ بِالتَّوْراةِ الإيمانَ والإسْلامَ وإظْهارَ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى والِانْقِيادَ لِتَكالِيفِهِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى قُبْحِ طَرِيقَةِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ المُتَأخِّرِينَ، فَإنَّ غَرَضَهم مِنَ ادِّعاءِ الحُكْمِ بِالتَّوْراةِ أخْذُ الرَّشْوَةِ واسْتِتْباعُ العَوامِّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ النَّبِيِّينَ إنَّما يَحْكُمُونَ بِالتَّوْراةِ لِلَّذِينِ هادُوا، أيْ لِأجْلِهِمْ وفِيما بَيْنَهم.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَلى مَعْنى: إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ لِلَّذِينِ هادُوا يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أمّا الرَّبّانِيُّونَ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وأمّا الأحْبارُ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الفُقَهاءُ، واخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في واحِدِهِ، قالَ الفَرّاءُ: إنَّما هو ”حِبْرٌ“ بِكَسْرِ الحاءِ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْعالِمِ وإنَّما سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِمَكانِ الحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ صاحِبَ كُتُبٍ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: حَبْرٌ بِفَتْحِ الحاءِ، قالَ اللَّيْثُ: هو حِبْرٌ وحَبْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِها، وقالَ الأصْمَعِيُّ: لا أدْرِي أهْوَ الحِبْرُ أوِ الحَبْرُ، وأمّا اشْتِقاقُهُ فَقالَ قَوْمٌ: أصْلُهُ مِنَ التَّحْبِيرِ وهو التَّحْسِينُ، وفي الحَدِيثِ: ”«يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنَ النّارِ ذَهَبَ حَبْرُهُ وسَبْرُهُ» “ أيْ جَمالُهُ وبَهاؤُهُ، والمُحَبِّرُ لِلشَّيْءِ المُزَيِّنُ، ولَمّا كانَ العِلْمُ أكْمَلَ أقْسامِ الفَضِيلَةِ والجَمالِ والمَنقَبَةِ لا جَرَمَ سُمِّيَ العالِمُ بِهِ.
وقالَ آخَرُونَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ الحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَحْكُمُ بِالتَّوْراةِ النَّبِيُّونَ والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الرَّبّانِيِّينَ أعْلى حالًا مِنَ الأحْبارِ، فَثَبَتَ أنْ يَكُونَ الرَّبّانِيُّونَ كالمُجْتَهِدِينَ، والأحْبارُ كَآحادِ العُلَماءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ٥
المَسْألَةُ الأُولى: حِفْظُ كِتابِ اللَّهِ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُحْفَظَ فَلا يُنْسى.
الثّانِي: أنْ يُحْفَظَ فَلا يُضَيَّعُ، وقَدْ أخَذَ اللَّهُ عَلى العُلَماءِ حِفْظَ كِتابِهِ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَحْفَظُوهُ في صُدُورِهِمْ ويَدْرُسُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ.
والثّانِي: أنْ لا يُضَيِّعُوا أحْكامَهُ ولا يُهْمِلُوا شَرائِعَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ صِلَةَ الأحْبارِ عَلى مَعْنى: العُلَماءُ بِما اسْتُحْفِظُوا.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى يَحْكُمُونَ بِما اسْتُحْفِظُوا، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ أيْ هَؤُلاءِ النَّبِيُّونَ والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ كانُوا شُهَداءَ عَلى أنَّ كُلَّ ما في التَّوْراةِ حَقٌّ وصِدْقٌ ومِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ كانُوا يُمْضُونَ أحْكامَ التَّوْراةِ ويَحْفَظُونَها عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ.
* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ النَّبِيِّينَ والرَّبّانِيِّينَ والأحْبارَ كانُوا قائِمِينَ بِإمْضاءِ أحْكامِ التَّوْراةِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، خاطَبَ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَنَعَهم مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ.
واعْلَمْ أنَّ إقْدامَ القَوْمِ عَلى التَّحْرِيفِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِخَوْفٍ ورَهْبَةٍ، أوْ لِطَمَعٍ ورَغْبَةٍ، ولَمّا كانَ الخَوْفُ أقْوى تَأْثِيرًا مِنَ الطَّمَعِ قَدَّمَ - تَعالى - ذِكْرَهُ فَقالَ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ والمَعْنى إيّاكم وأنْ تُحَرِّفُوا كِتابِي لِلْخَوْفِ مِنَ النّاسِ والمُلُوكِ والأشْرافِ، فَتُسْقِطُوا عَنْهُمُ الحُدُودَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ وتَسْتَخْرِجُوا الحِيَلَ في سُقُوطِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى عَنْهم، فَلا تَكُونُوا خائِفِينَ مِنَ النّاسِ، بَلْ كُونُوا خائِفِينَ مِنِّي ومِن عِقابِي.
ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ الرَّهْبَةِ أتْبَعَهُ بِأمْرِ الرَّغْبَةِ، فَقالَ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أيْ كَما نَهَيْتُكم عَنْ تَغْيِيرِ أحْكامِي لِأجْلِ الخَوْفِ والرَّهْبَةِ، فَكَذَلِكَ أنْهاكم عَنِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ لِأجْلِ الطَّمَعِ في المالِ والجاهِ وأخْذِ الرَّشْوَةِ، فَإنَّ كُلَّ مَتاعِ الدُّنْيا قَلِيلٌ، والرَّشْوَةُ الَّتِي تَأْخُذُونَها مِنهم في غايَةِ القِلَّةِ، والرَّشْوَةُ لِكَوْنِها سُحْتًا تَكُونُ قَلِيلَةَ البَرَكَةِ والبَقاءِ والمَنفَعَةِ، فَكَذَلِكَ المالُ الَّذِي تَكْتَسِبُونَهُ قَلِيلٌ مِن قَلِيلٍ، ثُمَّ أنْتُمْ تُضَيِّعُونَ بِسَبَبِهِ الدِّينَ والثَّوابَ المُؤَبَّدَ والسَّعاداتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها.
ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ إقْدامُهم عَلى التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، لِلْخَوْفِ مِنَ الرُّؤَساءِ ولِأخْذِ الرَّشْوَةِ مِنَ العامَّةِ، ولَمّا مَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنَ الأمْرَيْنِ عَلى ما في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ الدَّناءَةِ والسُّقُوطِ كانَ ذَلِكَ بُرْهانًا قاطِعًا في المَنعِ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ.
صفحة ٦
ثُمَّ إنَّهُ أتْبَعَ هَذا البُرْهانَ الباهِرَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَهْدِيدُ اليَهُودِ في إقْدامِهِمْ عَلى تَحْرِيفِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى في حَدِّ الزّانِي المُحْصَنِ، يَعْنِي أنَّهم لَمّا أنْكَرُوا حُكْمَ اللَّهِ المَنصُوصَ عَلَيْهِ في التَّوْراةِ وقالُوا: إنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ، فَهم كافِرُونَ عَلى الإطْلاقِ، لا يَسْتَحِقُّونَ اسْمَ الإيمانِ لا بِمُوسى والتَّوْراةِ ولا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ الخَوارِجُ: كُلُّ مَن عَصى اللَّهَ فَهو كافِرٌ. وقالَ جُمْهُورُ الأئِمَّةِ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، أمّا الخَوارِجُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّها نَصٌّ في أنَّ كُلَّ مَن حَكَمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ فَهو كافِرٌ، وكُلُّ مَن أذْنَبَ فَقَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كافِرًا.
وذَكَرَ المُتَكَلِّمُونَ والمُفَسِّرُونَ أجْوِبَةً عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ فَتَكُونُ مُخْتَصَّةً بِهِمْ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومِنهم مَن حاوَلَ دَفْعَ هَذا السُّؤالِ فَقالَ: المُرادُ ومَن لَمْ يَحْكم مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ كَلامٌ أُدْخِلَ فِيهِ كَلِمَةُ (مَن) في مَعْرِضِ الشَّرْطِ، فَيَكُونَ لِلْعُمُومِ، وقَوْلُ مَن يَقُولُ: المُرادُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم فَهو زِيادَةٌ في النَّصِّ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.
الثّانِي: قالَ عَطاءٌ: هو كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وقالَ طاوُسٌ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ كَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَكَأنَّهم حَمَلُوا الآيَةَ عَلى كُفْرِ النِّعْمَةِ لا عَلى كُفْرِ الدِّينِ، وهو أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ الكُفْرِ إذا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلى الكُفْرِ في الدِّينِ.
والثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ فَعَلَ فِعْلًا يُضاهِي أفْعالَ الكُفّارِ، ويُشْبِهُ مِن أجْلِ ذَلِكَ الكافِرِينَ، وهَذا ضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ.
والرّابِعُ: قالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى الكِنانِيُّ: قَوْلُهُ ﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ، فَقَوْلُهُ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مَعْناهُ مَن أتى بِضِدِّ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ، وهَذا حَقٌّ لِأنَّ الكافِرَ هو الَّذِي أتى بِضِدِّ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أنْزَلَ اللَّهُ، أمّا الفاسِقُ فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِضِدِّ حُكْمِ اللَّهِ إلّا في القَلِيلِ، وهو العَمَلُ، أمّا في الِاعْتِقادِ والإقْرارِ فَهو مُوافِقٌ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدًا مَخْصُوصًا بِمَن خالَفَ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَتَناوَلْ هَذا الوَعِيدُ اليَهُودَ بِسَبَبِ مُخالَفَتِهِمْ حُكْمَ اللَّهِ في الرَّجْمِ، وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا الوَعِيدَ يَتَناوَلُ اليَهُودَ بِسَبَبِ مُخالَفَتِهِمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في واقِعَةِ الرَّجْمِ، فَيَدُلُّ عَلى سُقُوطِ هَذا الجَوابِ.
والخامِسُ: قالَ عِكْرِمَةُ: قَوْلُهُ ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن أنْكَرَ بِقَلْبِهِ وجَحَدَ بِلِسانِهِ، أمّا مَن عَرَفَ بِقَلْبِهِ كَوْنَهُ حُكْمَ اللَّهِ وأقَرَّ بِلِسانِهِ كَوْنَهُ حُكْمَ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ أتى بِما يُضادُّهُ فَهو حاكِمٌ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، ولَكِنَّهُ تارِكٌ لَهُ، فَلا يَلْزَمُ دُخُولُهُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا هو الجَوابُ الصَّحِيحُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المائدة 5:45
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ .
والمَعْنى أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في التَّوْراةِ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، وهَؤُلاءِ اليَهُودُ غَيَّرُوا هَذا الحُكْمَ أيْضًا، فَفَضَّلُوا بَنِي النَّضِيرِ عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وخَصَّصُوا إيجابَ القَوْدِ بِبَنِي قُرَيْظَةَ دُونَ بَنِي النَّضِيرِ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ مِنَ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الكِسائِيُّ: ”العَيْنُ والأنْفُ والأُذُنُ والسِّنُّ والجُرُوحُ“ كُلَّها بِالرَّفْعِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: العَطْفُ عَلى مَحَلِّ (أنَّ النَّفْسَ) لِأنَّ المَعْنى: وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها النَّفْسُ بِالنَّفْسِ؛ لِأنَّ مَعْنى كَتَبْنا قُلْنا.
وثانِيها: أنَّ الكِتابَةَ تَقَعُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ تَقُولُ: كَتَبْتُ (الحَمْدُ لِلَّهِ) وقَرَأْتُ (سُورَةٌ أنْزَلْناها) .
وثالِثُها: أنَّها تَرْتَفِعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وتَقْدِيرُهُ: أنَّ النَّفْسَ مَقْتُولَةٌ بِالنَّفْسِ والعَيْنُ مَفْقُوءَةٌ بِالعَيْنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِنَصْبِ الكُلِّ سِوى (الجُرُوحِ) فَإنَّهُ بِالرَّفْعِ، فالعَيْنُ والأنْفُ والأُذُنُ نُصِبَ عَطْفًا عَلى النَّفْسِ، ثُمَّ (الجُرُوحُ) مُبْتَدَأٌ، و(قِصاصٌ) خَبَرُهُ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ كُلَّها بِالنَّصْبِ عَطْفًا لِبَعْضِ ذَلِكَ عَلى بَعْضٍ، وخَبَرُ الجَمِيعِ قِصاصٌ، وقَرَأ نافِعٌ (الأُذْنُ) بِسُكُونِ الذّالِ حَيْثُ وقَعَ، والباقُونَ بِالضَّمِّ مُثْقَلَةٌ، وهُما لُغَتانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ وفَرَضْنا عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، يُرِيدُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ قَوْدٍ قِيدَ مِنهُ، ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ دِيَةً في نَفْسٍ ولا جُرْحٍ، إنَّما هو العَفْوُ أوِ القِصاصُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالمَرْأةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأمّا الأطْرافُ فَكُلُّ شَخْصَيْنِ جَرى القِصاصُ بَيْنَهُما في النَّفْسِ جَرى القِصاصُ بَيْنَهُما في جَمِيعِ الأطْرافِ إذا تَماثَلا في السَّلامَةِ، وإذا امْتَنَعَ القِصاصُ في النَّفْسِ امْتَنَعَ أيْضًا في الأطْرافِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الأعْضاءِ عَمَّمَ الحُكْمَ في كُلِّها فَقالَ ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وهو كُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يُقْتَصَّ مِنهُ، مِثْلُ الشَّفَتَيْنِ والذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ والأنْفِ والقَدَمَيْنِ واليَدَيْنِ وغَيْرِها، فَأمّا ما لا يُمْكِنُ القِصاصُ فِيهِ مِن رَضٍّ في لَحْمٍ، أوْ كَسْرٍ في عَظْمٍ، أوْ جِراحَةٍ في بَطْنٍ يُخافُ مِنهُ التَّلَفُ فَفِيهِ أرْشٌ وحُكُومَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذا كانَ شَرْعًا في التَّوْراةِ، فَمَن قالَ: شَرْعُ مَن قَبْلَنا يَلْزَمُنا إلّا ما نُسِخَ بِالتَّفْصِيلِ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ في شَرْعِنا، ومَن أنْكَرَ ذَلِكَ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَيْنا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”القِصاصُ“ هَهُنا مَصْدَرٌ يُرادُ بِهِ المَفْعُولُ، أيْ والجُرُوحُ مُتَقاصَّةٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ.
* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (لَهُ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى العافِي أوْ إلى المَعْفُوِّ عَنْهُ، أمّا الأوَّلُ فالتَّقْدِيرُ أنَّ المَجْرُوحَ أوْ ولِيَّ المَقْتُولِ إذا عَفا كانَ ذَلِكَ كَفّارَةً لَهُ، أيْ لِلْعافِي ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ القِصاصِ ٣ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «أيَعْجِزُ أحَدُكم أنْ يَكُونَ كَأبِي ضَمْضَمٍ ؟ كانَ إذا خَرَجَ مِن بَيْتِهِ تَصَدَّقَ بِعِرْضِهِ عَلى النّاسِ»، ورَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن تَصَدَّقَ مِن جَسَدِهِ بِشَيْءٍ كَفَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَدْرِهِ مِن ذُنُوبِهِ» وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ عائِدٌ إلى القاتِلِ والجارِحِ، يَعْنِي أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ إذا عَفا عَنِ الجانِي صارَ ذَلِكَ العَفْوُ كَفّارَةً لِلْجانِي، يَعْنِي لا يُؤاخِذُهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ العَفْوِ، وأمّا المَجْنِيُّ عَلَيْهِ الَّذِي عَفا فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، وثانِيًا: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ والكُفْرُ أعْظَمُ مِنَ الظُّلْمِ، فَلَمّا ذَكَرَ أعْظَمَ التَّهْدِيداتِ أوَّلًا، فَأيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِ الأخَفِّ بَعْدَهُ ؟
وجَوابُهُ: أنَّ الكُفْرَ مِن حَيْثُ إنَّهُ إنْكارٌ لِنِعْمَةِ المَوْلى وجُحُودٌ لَها فَهو كُفْرٌ، ومِن حَيْثُ إنَّهُ يَقْتَضِي إبْقاءَ النَّفْسِ في العِقابِ الدّائِمِ الشَّدِيدِ فَهو ظُلْمٌ عَلى النَّفْسِ، فَفي الآيَةِ الأُولى ذَكَرَ اللَّهُ ما يَتَعَلَّقُ بِتَقْصِيرِهِ في حَقِّ الخالِقِ سُبْحانَهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّقْصِيرِ في حَقِّ نَفْسِهِ.
المائدة 5:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾
قَفَيْتُهُ: مِثْلُ عَقَبْتُهُ إذا أتْبَعْتَهُ، ثُمَّ يُقالُ: عَقَّبْتُهُ بِفُلانٍ وقَفَّيْتُهُ بِهِ، فَتَعَدِّيهِ إلى الثّانِي بِزِيادَةِ الباءِ.
فَإنْ قِيلَ: فَأيْنَ المَفْعُولُ الأوَّلُ في الآيَةِ ؟
صفحة ٩
قُلْنا: هو مَحْذُوفٌ، والظَّرْفُ وهو قَوْلُهُ: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ كالسّادِّ مَسَدَّهُ؛ لِأنَّهُ إذا قَفّى بِهِ عَلى أثَرِهِ فَقَدْ قَفّى بِهِ إيّاهُ، والضَّمِيرُ في (آثارِهِمْ) لِلنَّبِيِّينَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانَ عَمَلُهُ عَلى شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإنَّ شَرِيعَةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُغايِرَةً لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِذَلِكَ قالَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ فَكَيْفَ طَرِيقُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ ؟
والجَوابُ: مَعْنى كَوْنِ عِيسى مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ أنَّهُ أقَرَّ بِأنَّهُ كِتابٌ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ كانَ حَقًّا واجِبَ العَمَلِ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ النَّسْخِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ كَرَّرَ قَوْلَهُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ؟
والجَوابُ: لَيْسَ فِيهِ تَكْرارٌ؛ لِأنَّ في الأوَّلِ: أنَّ المَسِيحَ يُصَدِّقُ التَّوْراةَ، وفي الثّانِي: الإنْجِيلُ يُصَدِّقُ التَّوْراةَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الإنْجِيلَ بِصِفاتٍ خَمْسَةٍ فَقالَ: ﴿فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفِيهِ مُباحَثاتٌ ثَلاثَةٌ:
أحَدُها: ما الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ ؟ .
وثانِيها: لِمَ ذَكَرَ الهُدى مَرَّتَيْنِ ؟ .
وثالِثُها: لِمَ خَصَّصَهُ بِكَوْنِهِ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ؟ .
والجَوابُ عَلى الأوَّلِ: أنَّ الإنْجِيلَ هَدًى بِمَعْنى أنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ، وبَراءَةِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والمِثْلِ والضِّدِّ، وعَلى النُّبُوَّةِ وعَلى المَعادِ، فَهَذا هو المُرادُ بِكَوْنِهِ هُدًى، وأمّا كَوْنُهُ نُورًا، فالمُرادُ بِهِ كَوْنُهُ بَيانًا لِلْأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ولِتَفاصِيلِ التَّكالِيفِ، وأمّا كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى كَوْنِهِ مُبَشِّرًا بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِمَقْدِمِهِ، وأمّا كَوْنُهُ هُدًى مَرَّةً أُخْرى فَلِأنَّ اشْتِمالَهُ عَلى البِشارَةِ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ سَبَبٌ لِاهْتِداءِ النّاسِ إلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولَمّا كانَ أشَدُّ وُجُوهِ المُنازَعَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى في ذَلِكَ لا جَرَمَ أعادَهُ اللَّهُ تَعالى مَرَّةً أُخْرى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإنْجِيلَ يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكانَ هُدًى في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي أشَدُّ المَسائِلِ احْتِياجًا إلى البَيانِ والتَّقْرِيرِ، وأمّا كَوْنُهُ مَوْعِظَةً فَلِاشْتِمالِ الإنْجِيلِ عَلى النَّصائِحِ والمَواعِظِ والزَّواجِرِ البَلِيغَةِ المُتَأكِّدَةِ وإنَّما خَصَّها بِالمُتَّقِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِها، كَما في قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ في صِفَةِ الإنْجِيلِ ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ عَطْفٌ عَلى ماذا ؟
الجَوابُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ (فِيهِ هُدًى)، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرِ: وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ حالَ كَوْنِهِ هُدًى ونُورًا ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ.
المائدة 5:47
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ (لِيَحْكُمَ) بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ المِيمِ، جَعَلَ اللّامَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ لِأنَّ إيتاءَ الإنْجِيلِ إنْزالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَكانَ المَعْنى آتَيْناهُ الإنْجِيلَ لِيَحْكُمَ، وأمّا الباقُونَ فَقَرَأُوا بِجَزْمِ اللّامِ والمِيمِ عَلى سَبِيلِ الأمْرِ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وقُلْنا لِيَحْكُمَ أهْلُ الإنْجِيلِ، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا عَمّا فَرَضَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ الحُكْمِ بِما تَضَمَّنَهُ الإنْجِيلُ، ثُمَّ حَذَفَ القَوْلَ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (وكَتَبْنا) (وقَفَّيْنا) يَدُلُّ عَلَيْهِ، وحَذْفُ القَوْلِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣] أيْ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكم.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (ولْيَحْكم) ابْتِداءَ أمْرٍ لِلنَّصارى بِالحُكْمِ بِما في الإنْجِيلِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُؤْمَرُوا بِالحُكْمِ بِما في الإنْجِيلِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ ؟
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ لِيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.
والثّانِي: ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِمّا لَمْ يَصِرْ مَنسُوخًا بِالقُرْآنِ.
والثّالِثُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ زَجْرُهم عَنْ تَحْرِيفِ ما في الإنْجِيلِ وتَغْيِيرِهِ مِثْلَ ما فَعَلَهُ اليَهُودُ مِن إخْفاءِ أحْكامِ التَّوْراةِ، فالمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: (ولْيَحْكم) أيْ ولْيُقِرَّ أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ فِيهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَبْدِيلٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَمِنهم مَن جَعَلَ هَذِهِ الثَّلاثَةَ، أعْنِي قَوْلَهُ: (الكافِرُونَ، الظّالِمُونَ، الفاسِقُونَ) صِفاتٍ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ.
قالَ القَفّالُ: ولَيْسَ في إفْرادِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِلَفْظٍ ما يُوجِبُ القَدْحَ في المَعْنى، بَلْ هو كَما يُقالُ: مَن أطاعَ اللَّهَ فَهو المُؤْمِنُ، مَن أطاعَ اللَّهَ فَهو البَرُّ، مَن أطاعَ اللَّهَ فَهو المُتَّقِي؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ صِفاتٌ مُخْتَلِفَةٌ حاصِلَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ.
وقالَ آخَرُونَ: الأوَّلُ في الجاحِدِ، والثّانِي والثّالِثُ في المُقِرِّ التّارِكِ، وقالَ الأصَمُّ: الأوَّلُ والثّانِي في اليَهُودِ، والثّالِثُ في النَّصارى.
المائدة 5:48
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾ وهَذا خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أيْ كُلُّ كِتابٍ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ سِوى القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١١
المَسْألَةُ الأُولى: في المُهَيْمِنِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ الخَلِيلُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ قَدْ هَيْمَنَ الرَّجُلُ يُهَيْمِنُ إذا كانَ رَقِيبًا عَلى الشَّيْءِ وشاهِدًا عَلَيْهِ حافِظًا، قالَ حَسّانُ:
إنَّ الكِتابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبِيِّنا والحَقُّ يَعْرِفُهُ ذَوُو الألْبابِ
والثّانِي: قالُوا: الأصْلُ في قَوْلِنا: آمَنَ يُؤْمِنُ فَهو مُؤْمِنٌ، أأْمَنَ يُؤَأْمِنُ فَهو مُؤَأْمِنٌ بِهَمْزَتَيْنِ، ثُمَّ قُلِبَتِ الأُولى هاءً كَما في: هَرَقْتُ وأرَقْتُ، وهِيّاكَ وإيّاكَ، وقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ياءً فَصارَ مُهَيْمِنًا فَلِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أيْ أمِينًا عَلى الكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كانَ القُرْآنُ مُهَيْمِنًا عَلى الكُتُبِ؛ لِأنَّهُ الكِتابُ الَّذِي لا يَصِيرُ مَنسُوخًا ألْبَتَّةَ، ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّبْدِيلُ والتَّحْرِيفُ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٩] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ شَهادَةُ القُرْآنِ عَلى أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ حَقٌّ وصِدْقٌ باقِيَةً أبَدًا، فَكانَتْ حَقِيقَةُ هَذِهِ الكُتُبِ مَعْلُومَةً أبَدًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ (ومُهَيْمَنًا عَلَيْهِ) بِفَتْحِ المِيمِ لِأنَّهُ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَصُونَهُ عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ لِما قَرَّرْنا مِنَ الآياتِ، ولِقَوْلِهِ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] والمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ هو اللَّهُ تَعالى.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: فاحْكم بَيْنَ اليَهُودِ بِالقُرْآنِ والوَحْيِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ.
﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿ولا تَتَّبِعْ﴾ يُرِيدُ ولا تَنْحَرِفْ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَنْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَنْحَرِفْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ مُتَّبِعًا أهْواءَهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ قالُوا: تَعالَوْا نَذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ وقالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ وأشْرافُهم، وإنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَكَ كُلُّ اليَهُودِ، وإنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ خُصُومِنا حُكُومَةً فَنُحاكِمُهم إلَيْكَ، فاقْضِ لَنا ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ مَن طَعَنَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ وقالَ: لَوْلا جَوازُ المَعْصِيَةِ عَلَيْهِمْ وإلّا لَما قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ .
والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ مَقْدُورٌ لَهُ ولَكِنْ لا يَفْعَلُهُ لِمَكانِ النَّهْيِ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ والمُرادُ غَيْرُهُ.
* * *
صفحة ١٢
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ (الشِّرْعَةِ): في اشْتِقاقِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْنى شَرَعَ: بَيَّنَ وأوْضَحَ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: لَفْظُ الشَّرْعِ مَصْدَرُ: شَرَعْتُ الإهابَ، إذا شَقَقْتَهُ وسَلَخْتَهُ.
الثّانِي: شَرَعَ مَأْخُوذٌ مِنَ الشُّرُوعِ في الشَّيْءِ وهو الدُّخُولُ فِيهِ، والشَّرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ المُشْرَعَةُ الَّتِي يَشْرَعُها النّاسُ فَيَشْرَبُونَ مِنها، فالشَّرِيعَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى: المَفْعُولَةِ، وهي الأشْياءُ الَّتِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى المُكَلَّفِينَ أنْ يَشْرَعُوا فِيها، وأمّا المِنهاجُ فَهو الطَّرِيقُ الواضِحُ، يُقالُ: نَهَجْتُ لَكَ الطَّرِيقَ وأنْهَجْتُ لُغَتانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أكْثَرُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا لا يَلْزَمُنا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُلُّ رَسُولٍ مُسْتَقِلًّا بِشَرِيعَةٍ خاصَّةٍ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَ أُمَّةِ أحَدِ الرُّسُلِ مُكَلَّفَةً بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ الآخَرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ورَدَتْ آياتٌ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ التَّبايُنِ في طَرِيقَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، وآياتٌ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّبايُنِ فِيها.
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشُّورى: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشُّورى: ١٣]، وقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٩٠] .
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَهو هَذِهِ الآيَةُ، وطَرِيقُ الجَمْعِ أنْ نَقُولَ: النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الآياتِ مَصْرُوفٌ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ، والنَّوْعُ الثّانِي مَصْرُوفٌ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ خِطابٌ لِلْأُمَمِ الثَّلاثِ: أُمَّةِ مُوسى، وأُمَّةِ عِيسى، وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِدَلِيلِ أنَّ ذِكْرَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ يَعْنِي شَرائِعَ مُخْتَلِفَةً: لِلتَّوْراةِ شَرِيعَةٌ، ولِلْإنْجِيلِ شَرِيعَةٌ، ولِلْقُرْآنِ شَرِيعَةٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ بَعْضُهم: الشِّرْعَةُ والمِنهاجُ عِبارَتانِ عَنْ مَعْنًى واحِدٍ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والمُرادُ بِهِما الدِّينُ، وقالَ آخَرُونَ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، فالشِّرْعَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ الشَّرِيعَةِ، والطَّرِيقَةُ عِبارَةٌ عَنْ مَكارِمِ الشَّرِيعَةِ، وهي المُرادُ بِالمِنهاجِ، فالشَّرِيعَةُ أوَّلٌ، والطَّرِيقَةُ آخِرٌ، وقالَ المُبَرِّدُ: الشَّرِيعَةُ ابْتِداءُ الطَّرِيقَةِ، والطَّرِيقَةُ المِنهاجُ المُسْتَمِرُّ، وهَذا تَقْرِيرُ ما قُلْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ، أوْ ذَوِي أُمَّةٍ واحِدَةٍ، أيْ دِينٍ واحِدٍ لا اخْتِلافَ فِيهِ، قالَ الأصْحابُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، والمُعْتَزِلَةُ حَمَلُوهُ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم فِيما آتاكُمْ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ، هَلْ تَعْمَلُونَ بِها مُنْقادِينَ لِلَّهِ خاضِعِينَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ، أمْ تَتَّبِعُونَ الشُّبَهَ وتُقَصِّرُونَ في العَمَلِ ؟
* *
﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ فابْتَدِرُوها وسابِقُوا نَحْوَها.
﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِاسْتِباقِ الخَيْراتِ.
﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُخْبِرُكم بِما لا تَشُكُّونَ مَعَهُ مِنَ الجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ مُحِقِّكم ومُبْطِلِكم، ومُوَفِّيكم ومُقَصِّرِكم في العَمَلِ، والمُرادُ أنَّ الأمْرَ سَيَؤُولُ إلى ما يَزُولُ مَعَهُ الشُّكُوكُ ويَحْصُلُ مَعَهُ اليَقِينُ، وذَلِكَ عِنْدَ مُجازاةِ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْزَلْنا إلَيْكَ أنِ احْكم و”أنْ“ وُصِلَتْ بِالأمْرِ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ كَسائِرِ الأفْعالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (بِالحَقِّ) أيْ: أنْزَلْناهُ بِالحَقِّ وبِأنِ احْكم، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اليَهُودَ اجْتَمَعُوا وأرادُوا إيقاعَهُ في تَحْرِيفِ دِينِهِ فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِلتَّخْيِيرِ في قَوْلِهِ ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٤٢] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أُعِيدَ ذِكْرُ الأمْرِ بِالحُكْمِ بَعْدَ ذِكْرِهِ في الآيَةِ الأُولى إمّا لِلتَّأْكِيدِ، وإمّا لِأنَّهُما حُكْمانِ أُمِرَ بِهِما جَمِيعًا؛ لِأنَّهُمُ احْتَكَمُوا إلَيْهِ في زِنا المُحْصَنِ، ثُمَّ احْتَكَمُوا في قَتِيلٍ كانَ فِيهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِهِ يَرُدُّوكَ إلى أهْوائِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ مَن صُرِفَ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ فَقَدْ فُتِنَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسْراءِ: ٧٣] والفِتْنَةُ هَهُنا في كَلامِهِمُ الَّتِي تُمِيلُ عَنِ الحَقِّ وتُلْقِي في الباطِلِ وكانَ ﷺ يَقُولُ: «أعُوذُ بِكَ مِن فِتْنَةِ المَحْيا» قالَ: هو أنْ يَعْدِلَ عَنِ الطَّرِيقِ، قالَ أهْلُ العِلْمِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخَطَأ والنِّسْيانَ جائِزانِ عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ والتَّعَمُّدُ في مِثْلِ هَذا غَيْرُ جائِزٍ عَلى الرَّسُولِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الخَطَأُ والنِّسْيانُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: (فَإنْ تَوَلَّوْا) أيْ فَإنْ لَمْ يَقْبَلُوا حُكْمَكَ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ١٤
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ يَبْتَلِيَهم بِجَزاءِ بَعْضِ ذُنُوبِهِمْ في الدُّنْيا، وهو أنْ يُسَلِّطَكَ عَلَيْهِمْ، ويُعَذِّبَهم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والجَلاءِ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّ القَوْمَ جُوزُوا في الدُّنْيا بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، وكانَ مُجازاتُهم بِالبَعْضِ كافِيًا في إهْلاكِهِمْ والتَّدْمِيرِ عَلَيْهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُلَّ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ إلّا وقَدْ أرادَ ذُنُوبَهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُرِيدٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ لَمُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ مُعْتَدُونَ فِيهِ، يَعْنِي أنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ التَّمَرُّدِ العَظِيمِ والِاعْتِداءِ في الكُفْرِ.
المائدة 5:49
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾ وهَذا خِطابٌ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أيْ كُلُّ كِتابٍ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ سِوى القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١١
المَسْألَةُ الأُولى: في المُهَيْمِنِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ الخَلِيلُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ قَدْ هَيْمَنَ الرَّجُلُ يُهَيْمِنُ إذا كانَ رَقِيبًا عَلى الشَّيْءِ وشاهِدًا عَلَيْهِ حافِظًا، قالَ حَسّانُ:
إنَّ الكِتابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبِيِّنا والحَقُّ يَعْرِفُهُ ذَوُو الألْبابِ
والثّانِي: قالُوا: الأصْلُ في قَوْلِنا: آمَنَ يُؤْمِنُ فَهو مُؤْمِنٌ، أأْمَنَ يُؤَأْمِنُ فَهو مُؤَأْمِنٌ بِهَمْزَتَيْنِ، ثُمَّ قُلِبَتِ الأُولى هاءً كَما في: هَرَقْتُ وأرَقْتُ، وهِيّاكَ وإيّاكَ، وقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ياءً فَصارَ مُهَيْمِنًا فَلِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أيْ أمِينًا عَلى الكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما كانَ القُرْآنُ مُهَيْمِنًا عَلى الكُتُبِ؛ لِأنَّهُ الكِتابُ الَّذِي لا يَصِيرُ مَنسُوخًا ألْبَتَّةَ، ولا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّبْدِيلُ والتَّحْرِيفُ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٩] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ شَهادَةُ القُرْآنِ عَلى أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ حَقٌّ وصِدْقٌ باقِيَةً أبَدًا، فَكانَتْ حَقِيقَةُ هَذِهِ الكُتُبِ مَعْلُومَةً أبَدًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ (ومُهَيْمَنًا عَلَيْهِ) بِفَتْحِ المِيمِ لِأنَّهُ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَصُونَهُ عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ لِما قَرَّرْنا مِنَ الآياتِ، ولِقَوْلِهِ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] والمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ هو اللَّهُ تَعالى.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: فاحْكم بَيْنَ اليَهُودِ بِالقُرْآنِ والوَحْيِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ.
﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿ولا تَتَّبِعْ﴾ يُرِيدُ ولا تَنْحَرِفْ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَنْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَنْحَرِفْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ مُتَّبِعًا أهْواءَهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ قالُوا: تَعالَوْا نَذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ وقالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ وأشْرافُهم، وإنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَكَ كُلُّ اليَهُودِ، وإنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ خُصُومِنا حُكُومَةً فَنُحاكِمُهم إلَيْكَ، فاقْضِ لَنا ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ مَن طَعَنَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ وقالَ: لَوْلا جَوازُ المَعْصِيَةِ عَلَيْهِمْ وإلّا لَما قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ .
والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ مَقْدُورٌ لَهُ ولَكِنْ لا يَفْعَلُهُ لِمَكانِ النَّهْيِ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُ والمُرادُ غَيْرُهُ.
* * *
صفحة ١٢
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ (الشِّرْعَةِ): في اشْتِقاقِهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْنى شَرَعَ: بَيَّنَ وأوْضَحَ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: لَفْظُ الشَّرْعِ مَصْدَرُ: شَرَعْتُ الإهابَ، إذا شَقَقْتَهُ وسَلَخْتَهُ.
الثّانِي: شَرَعَ مَأْخُوذٌ مِنَ الشُّرُوعِ في الشَّيْءِ وهو الدُّخُولُ فِيهِ، والشَّرِيعَةُ في كَلامِ العَرَبِ المُشْرَعَةُ الَّتِي يَشْرَعُها النّاسُ فَيَشْرَبُونَ مِنها، فالشَّرِيعَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى: المَفْعُولَةِ، وهي الأشْياءُ الَّتِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى المُكَلَّفِينَ أنْ يَشْرَعُوا فِيها، وأمّا المِنهاجُ فَهو الطَّرِيقُ الواضِحُ، يُقالُ: نَهَجْتُ لَكَ الطَّرِيقَ وأنْهَجْتُ لُغَتانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أكْثَرُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا لا يَلْزَمُنا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُلُّ رَسُولٍ مُسْتَقِلًّا بِشَرِيعَةٍ خاصَّةٍ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَ أُمَّةِ أحَدِ الرُّسُلِ مُكَلَّفَةً بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ الآخَرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ورَدَتْ آياتٌ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ التَّبايُنِ في طَرِيقَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، وآياتٌ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّبايُنِ فِيها.
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشُّورى: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشُّورى: ١٣]، وقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٩٠] .
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَهو هَذِهِ الآيَةُ، وطَرِيقُ الجَمْعِ أنْ نَقُولَ: النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الآياتِ مَصْرُوفٌ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ، والنَّوْعُ الثّانِي مَصْرُوفٌ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ خِطابٌ لِلْأُمَمِ الثَّلاثِ: أُمَّةِ مُوسى، وأُمَّةِ عِيسى، وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِدَلِيلِ أنَّ ذِكْرَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ يَعْنِي شَرائِعَ مُخْتَلِفَةً: لِلتَّوْراةِ شَرِيعَةٌ، ولِلْإنْجِيلِ شَرِيعَةٌ، ولِلْقُرْآنِ شَرِيعَةٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ بَعْضُهم: الشِّرْعَةُ والمِنهاجُ عِبارَتانِ عَنْ مَعْنًى واحِدٍ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والمُرادُ بِهِما الدِّينُ، وقالَ آخَرُونَ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، فالشِّرْعَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ الشَّرِيعَةِ، والطَّرِيقَةُ عِبارَةٌ عَنْ مَكارِمِ الشَّرِيعَةِ، وهي المُرادُ بِالمِنهاجِ، فالشَّرِيعَةُ أوَّلٌ، والطَّرِيقَةُ آخِرٌ، وقالَ المُبَرِّدُ: الشَّرِيعَةُ ابْتِداءُ الطَّرِيقَةِ، والطَّرِيقَةُ المِنهاجُ المُسْتَمِرُّ، وهَذا تَقْرِيرُ ما قُلْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: جَماعَةً مُتَّفِقَةً عَلى شَرِيعَةٍ واحِدَةٍ، أوْ ذَوِي أُمَّةٍ واحِدَةٍ، أيْ دِينٍ واحِدٍ لا اخْتِلافَ فِيهِ، قالَ الأصْحابُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، والمُعْتَزِلَةُ حَمَلُوهُ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم فِيما آتاكُمْ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ، هَلْ تَعْمَلُونَ بِها مُنْقادِينَ لِلَّهِ خاضِعِينَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ، أمْ تَتَّبِعُونَ الشُّبَهَ وتُقَصِّرُونَ في العَمَلِ ؟
* *
﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ فابْتَدِرُوها وسابِقُوا نَحْوَها.
﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِاسْتِباقِ الخَيْراتِ.
﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُخْبِرُكم بِما لا تَشُكُّونَ مَعَهُ مِنَ الجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ مُحِقِّكم ومُبْطِلِكم، ومُوَفِّيكم ومُقَصِّرِكم في العَمَلِ، والمُرادُ أنَّ الأمْرَ سَيَؤُولُ إلى ما يَزُولُ مَعَهُ الشُّكُوكُ ويَحْصُلُ مَعَهُ اليَقِينُ، وذَلِكَ عِنْدَ مُجازاةِ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْزَلْنا إلَيْكَ أنِ احْكم و”أنْ“ وُصِلَتْ بِالأمْرِ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ كَسائِرِ الأفْعالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (بِالحَقِّ) أيْ: أنْزَلْناهُ بِالحَقِّ وبِأنِ احْكم، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اليَهُودَ اجْتَمَعُوا وأرادُوا إيقاعَهُ في تَحْرِيفِ دِينِهِ فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِلتَّخْيِيرِ في قَوْلِهِ ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٤٢] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أُعِيدَ ذِكْرُ الأمْرِ بِالحُكْمِ بَعْدَ ذِكْرِهِ في الآيَةِ الأُولى إمّا لِلتَّأْكِيدِ، وإمّا لِأنَّهُما حُكْمانِ أُمِرَ بِهِما جَمِيعًا؛ لِأنَّهُمُ احْتَكَمُوا إلَيْهِ في زِنا المُحْصَنِ، ثُمَّ احْتَكَمُوا في قَتِيلٍ كانَ فِيهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِهِ يَرُدُّوكَ إلى أهْوائِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ مَن صُرِفَ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ فَقَدْ فُتِنَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسْراءِ: ٧٣] والفِتْنَةُ هَهُنا في كَلامِهِمُ الَّتِي تُمِيلُ عَنِ الحَقِّ وتُلْقِي في الباطِلِ وكانَ ﷺ يَقُولُ: «أعُوذُ بِكَ مِن فِتْنَةِ المَحْيا» قالَ: هو أنْ يَعْدِلَ عَنِ الطَّرِيقِ، قالَ أهْلُ العِلْمِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخَطَأ والنِّسْيانَ جائِزانِ عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ والتَّعَمُّدُ في مِثْلِ هَذا غَيْرُ جائِزٍ عَلى الرَّسُولِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الخَطَأُ والنِّسْيانُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: (فَإنْ تَوَلَّوْا) أيْ فَإنْ لَمْ يَقْبَلُوا حُكْمَكَ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ١٤
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ يَبْتَلِيَهم بِجَزاءِ بَعْضِ ذُنُوبِهِمْ في الدُّنْيا، وهو أنْ يُسَلِّطَكَ عَلَيْهِمْ، ويُعَذِّبَهم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والجَلاءِ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّ القَوْمَ جُوزُوا في الدُّنْيا بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، وكانَ مُجازاتُهم بِالبَعْضِ كافِيًا في إهْلاكِهِمْ والتَّدْمِيرِ عَلَيْهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُلَّ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ إلّا وقَدْ أرادَ ذُنُوبَهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُرِيدٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ لَمُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ مُعْتَدُونَ فِيهِ، يَعْنِي أنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ التَّمَرُّدِ العَظِيمِ والِاعْتِداءِ في الكُفْرِ.
المائدة 5:50
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (تَبْغُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ (أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ) بِرَفْعِ الحُكْمِ عَلى الِابْتِداءِ، وإيقاعِ ”يَبْغُونَ“ خَبَرًا وإسْقاطِ الرّاجِعِ عَنْهُ لِظُهُورِهِ، وقَرَأ قَتادَةُ: ”أبِحُكْمِ الجاهِلِيَّةِ“ والمُرادُ أنَّ هَذا الحُكْمَ الَّذِي يَبْغُونَهُ إنَّما يَحْكُمُ بِهِ حُكّامُ الجاهِلِيَّةِ، فَأرادُوا بِشَهِيَّتِهِمْ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ خاتَمُ النَّبِيِّينَ حَكَمًا كَأُولَئِكَ الحُكّامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: «قالَ مُقاتِلٌ: كانَتْ بَيْنَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ دِماءٌ قَبْلَ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا بُعِثَ تَحاكَمُوا إلَيْهِ، فَقالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ: بَنُو النَّضِيرِ إخْوانُنا، أبُونا واحِدٌ، ودِينُنا واحِدٌ، وكِتابُنا واحِدٌ، فَإنْ قَتَلَ بَنُو النَّضِيرِ مِنّا قَتِيلًا أعْطَوْنا سَبْعِينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، وإنْ قَتَلْنا مِنهم واحِدًا أخَذُوا مِنّا مِائَةً وأرْبَعِينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، وأُرُوشُ جِراحاتِنا عَلى النِّصْفِ مِن جِراحاتِهِمْ، فاقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَإنِّي أحْكُمُ أنَّ دَمَ القُرَظِيِّ وفاءٌ مِن دَمِ النَّضِرِيِّ، ودَمَ النَّضِرِيِّ وفاءٌ مِن دَمِ القُرَظِيِّ، لَيْسَ لِأحَدِهِما فَضْلٌ عَلى الآخَرِ في دَمٍ ولا عَقْلٍ، ولا جِراحَةٍ، فَغَضِبَ بَنُو النَّضِيرِ، وقالُوا: لا نَرْضى بِحُكْمِكَ فَإنَّكَ عَدُوٌّ لَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ يَعْنِي حُكْمَهُمُ الأوَّلَ» .
وقِيلَ: إنَّهم كانُوا إذا وجَبَ الحُكْمُ عَلى ضُعَفائِهِمْ ألْزَمُوهم إيّاهُ، وإذا وجَبَ عَلى أقْوِيائِهِمْ لَمْ يَأْخُذُوهم بِهِ، فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ تَعْيِيرًا لِلْيَهُودِ بِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ وعِلْمٍ مَعَ أنَّهم يَبْغُونَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي هي مَحْضُ الجَهْلِ وصَرِيحُ الهَوى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ لِلْبَيانِ كاللّامِ في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أيْ هَذا الخِطابُ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أنَّهُ لا أحَدَ أعْدَلُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا، ولا أحْسَنُ مِنهُ بَيانًا.
المائدة 5:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (أوْلِياءَ) ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ ورُوِيَ «أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَبَرَّأ عِنْدَهُ مِن مُوالاةِ اليَهُودِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَكِنِّي لا أتَبَرَّأُ مِنهم؛ لِأنِّي أخافُ الدَّوائِرَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ومَعْنى لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ: أيْ لا تَعْتَمِدُوا عَلى الِاسْتِنْصارِ بِهِمْ، ولا تَتَوَدَّدُوا إلَيْهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كَأنَّهُ مِثْلُهم، وهَذا تَغْلِيظٌ مِنَ اللَّهِ وتَشْدِيدٌ في وُجُوبِ مُجانَبَةِ المُخالِفِ في الدِّينِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٩] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ رُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ لِي كاتِبًا نَصْرانِيًّا، فَقالَ: ما لَكَ قاتَلَكَ اللَّهُ ؟ ألا اتَّخَذْتَ حَنِيفًا، أما سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ ؟ قُلْتُ: لَهُ دِينُهُ ولِيَ كِتابَتُهُ، فَقالَ: لا أُكْرِمُهم إذْ أهانَهُمُ اللَّهُ، ولا أُعِزُّهم إذْ أذَلَّهُمُ اللَّهُ، ولا أُدْنِيهِمْ إذْ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ، قُلْتُ: لا يَتِمُّ أمْرُ البَصْرَةِ إلّا بِهِ، فَقالَ: ماتَ النَّصْرانِيُّ والسَّلامُ، يَعْنِي هَبْ أنَّهُ قَدْ ماتَ فَما تَصْنَعُ بَعْدَهُ، فَما تَعْمَلُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فاعْمَلْهُ الآنَ واسْتَغْنِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ.
المائدة 5:52
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾
واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ المُنافِقُونَ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وقَوْلُهُ ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أيْ يُسارِعُونَ في مَوَدَّةِ اليَهُودِ ونَصارى نَجْرانَ؛ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ ثَرْوَةٍ وكانُوا يُعِينُونَهم عَلى مُهِمّاتِهِمْ ويُقْرِضُونَهم، ويَقُولُ المُنافِقُونَ: إنَّما نُخالِطُهم؛ لِأنّا نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ.
قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الدّائِرَةُ مِن دَوائِرَ الدَّهْرِ كالدَّوْلَةِ، وهي الَّتِي تَدُورُ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، والدّائِرَةُ هي الَّتِي تُخْشى، كالهَزِيمَةِ والحَوادِثِ المُخَوِّفَةِ، فالدَّوائِرُ تَدُورُ، والدَّوائِلُ تَدُولُ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ نَخْشى أنْ لا يَتِمَّ الأمْرُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَدُورُ الأمْرُ كَما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ .
صفحة ١٦
قالَ المُفَسِّرُونَ ”عَسى“ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ؛ لِأنَّ الكَرِيمَ إذا أطْمَعَ في خَيْرٍ فَعَلَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ الوَعْدِ لِتَعَلُّقِ النَّفْسِ بِهِ ورَجائِها لَهُ، والمَعْنى: فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلى أعْدائِهِ وإظْهارِ المُسْلِمِينَ عَلى أعْدائِهِمْ، أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ يَقْطَعُ أصْلَ اليَهُودِ أوْ يُخْرِجُهم عَنْ بِلادِهِمْ فَيُصْبِحَ المُنافِقُونَ نادِمِينَ عَلى ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَشُكُّونَ في أمْرِ الرَّسُولِ ويَقُولُونَ: لا نَظُنُّ أنَّهُ يَتِمُّ لَهُ أمْرُهُ، والأظْهَرُ أنْ تَصِيرَ الدَّوْلَةُ والغَلَبَةُ لِأعْدائِهِ، وقِيلَ: أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ، يَعْنِي أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإظْهارِ أسْرارِ المُنافِقِينَ وقَتْلِهِمْ فَيَنْدَمُوا عَلى فِعالِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: شَرْطُ صِحَّةِ التَّقْسِيمِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَ قِسْمَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِالفَتْحِ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ .
قُلْنا: قَوْلُهُ ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ مَعْناهُ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ لا يَكُونُ لِلنّاسِ فِيهِ فِعْلٌ ألْبَتَّةَ، كَبَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ طَرَحَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَأُعْطُوا بِأيْدِيهِمْ مِن غَيْرِ مُحارِبَةٍ ولا عَسْكَرٍ.
المائدة 5:53
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (يَقُولُ) بِغَيْرِ واوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الحِجازِ والشّامِ، والباقُونَ بِالواوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ العِراقِ.
قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وحَدْفُ الواوِ هَهُنا كَإثْباتِها؛ وذَلِكَ لِأنَّ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ ذِكْرًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْها، فَإنَّ المَوْصُوفَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ هُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ المُؤْمِنُونَ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ فَلَمّا حَصَلَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ذِكْرٌ مِنَ الأُخْرى حَسُنَ العَطْفُ بِالواوِ وبِغَيْرِ الواوِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢] لَمّا كانَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ذِكْرُ ما تَقَدَّمَ أغْنى ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ الواوِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢] فَأدْخَلَ الواوَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حَذْفَ الواوِ وذِكْرَها جائِزٌ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ حَذْفُ الواوِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ جَوابُ قائِلٍ يَقُولُ: فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا، واخْتَلَفُوا في قِراءَةِ هَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو (ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا) نَصْبًا عَلى مَعْنى: وعَسى أنْ يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا، وأمّا مَن رَفَعَ فَإنَّهُ جَعَلَ الواوَ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، ويَدُلُّ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ قِراءَةُ مَن حَذَفَ الواوَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفائِدَةُ في أنَّ المُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ هو أنَّهم يَتَعَجَّبُونَ مِن حالِ المُنافِقِينَ عِنْدَما أظْهَرُوا المَيْلَ إلى مُوالاةِ اليَهُودِ والنَّصارى، وقالُوا: إنَّهم يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ أنَّهم مَعَنا ومِن أنْصارِنا
صفحة ١٧
فالآنَ كَيْفَ صارُوا مُوالِينَ لِأعْدائِنا مُحِبِّينَ لِلِاخْتِلاطِ بِهِمْ والِاعْتِضادِ بِهِمْ ؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى ذَهَبَ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الإيمانِ، وبَطَلَ كُلُّ خَيْرٍ عَمِلُوهُ لِأجْلِ أنَّهُمُ الآنَ أظْهَرُوا مُوالاةَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّهُ لَمّا بَطَلَتْ أعْمالُهم بَقِيَتْ عَلَيْهِمُ المَشَقَّةُ في الإتْيانِ بِتِلْكَ الأعْمالِ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهم شَيْءٌ مِن ثَمَراتِها ومَنافِعِها، بَلِ اسْتَحَقُّوا اللَّعْنَ في الدُّنْيا والعِقابَ في الآخِرَةِ.
المائدة 5:54
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ (يَرْتَدِدْ) بِدالَيْنِ، والباقُونَ بِدالٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، والأوَّلُ: لِإظْهارِ التَّضْعِيفِ، والثّانِي: لِلْإدْغامِ.
قالَ الزَّجّاجُ: إظْهارُ الدّالَيْنِ هو الأصْلُ؛ لِأنَّ الثّانِيَ مِنَ المُضاعَفِ إذا سُكِّنَ ظَهَرَ التَّضْعِيفُ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٠] ويَجُوزُ في اللُّغَةِ: إنْ يَمَسَّكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ كانَ أهْلُ الرِّدَّةِ إحْدى عَشْرَةَ فِرْقَةً: ثَلاثٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
بَنُو مُدْلِجٍ: ورَئِيسُهم ذُو الحِمارِ وهو الأسْوَدُ العَنْسِيُّ، وكانَ كاهِنًا ادَّعى النُّبُوَّةَ في اليَمَنِ واسْتَوْلى عَلى بِلادِها، وأخْرَجَ عُمّالَ رَسُولِ اللَّهِ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وساداتِ اليَمَنِ، فَأهْلَكَهُ اللَّهُ عَلى يَدِ فَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ بَيَّتَهُ فَقَتَلَهُ، وأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِقَتْلِهِ لَيْلَةَ قُتِلَ، فَسُرَّ المُسْلِمُونَ، وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الغَدِ وأُتِيَ خَبَرُهُ في آخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ.
وبَنُو حَنِيفَةَ قَوْمُ مُسَيْلِمَةَ، ادَّعى النُّبُوَّةَ وكَتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ: «مِن مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ أمّا بَعْدُ: فَإنَّ الأرْضَ نِصْفُها لِي ونِصْفُها لَكَ، فَأجابَهُ الرَّسُولُ: مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ: أمّا بَعْدُ: فَإنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»، فَحارَبَهُ أبُو بَكْرٍ بِجُنُودِ المُسْلِمِينَ، وقُتِلَ
صفحة ١٨
عَلى يَدَيْ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، وكانَ يَقُولُ: قَتَلْتُ خَيْرَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ وشَرَّ النّاسِ في الإسْلامِ، أرادَ في جاهِلِيَّتِي وفي إسْلامِي.
وبَنُو أسَدٍ قَوْمُ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ: ادَّعى النُّبُوَّةَ، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ خالِدًا، فانْهَزَمَ بَعْدَ القِتالِ إلى الشّامِ ثُمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
وسَبْعٌ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ: فَزارَةُ قَوْمُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وغَطَفانُ قَوْمُ قُرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ القُشَيْرِيِّ، وبَنُو سُلَيْمٍ قَوْمُ الفُجاءَةَ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ، وبَنُو يَرْبُوعٍ قَوْمُ مالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وبَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ قَوْمُ سَجاحَ بِنْتِ المُنْذِرِ الَّتِي ادَّعَتِ النُّبُوَّةَ وزَوَّجَتْ نَفْسَها مِن مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، وكِنْدَةُ قَوْمُ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وبَنُو بَكْرِ بْنِ وائِلٍ بِالبَحْرَيْنِ قَوْمُ الحَطْمِ بْنِ زَيْدٍ، وكَفى اللَّهُ أمْرَهم عَلى يَدِ أبِي بَكْرٍ، وفِرْقَةٌ واحِدَةٌ في عَهْدِ عُمَرَ: غَسّانُ قَوْمُ جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ، وذَلِكَ أنَّ جَبَلَةَ أسْلَمَ عَلى يَدِ عُمَرَ، وكانَ يَطُوفُ ذاتَ يَوْمٍ جارًّا رِداءَهُ، فَوَطِئَ رَجُلٌ طَرَفَ رِدائِهِ فَغَضِبَ فَلَطَمَهُ، فَتَظَلَّمَ إلى عُمَرَ فَقَضى لَهُ بِالقِصاصِ عَلَيْهِ، إلّا أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، فَقالَ: أنا أشْتَرِيها بِألْفٍ، فَأبى الرَّجُلُ، فَلَمْ يَزَلْ يَزِيدُ في الفِداءِ إلى أنْ بَلَغَ عَشَرَةَ آلافٍ، فَأبى الرَّجُلُ إلّا القَصاصَ، فاسْتَنْظَرَ عُمَرَ فَأنْظَرَهُ عُمَرُ، فَهَرَبَ إلى الرُّومِ وارْتَدَّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى الآيَةِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَتَوَلَّ مِنكُمُ الكُفّارَ فَيَرْتَدَّ عَنْ دِينِهِ فَلْيَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْتِي بِأقْوامٍ آخَرِينَ يَنْصُرُونَ هَذا الدِّينَ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ.
وقالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ قَوْمًا يَرْجِعُونَ عَنِ الإسْلامِ بَعْدَ مَوْتِ نَبِيِّهِمْ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ سَيَأْتِي بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، وقَدْ وقَعَ المُخْبَرُ عَلى وفْقِهِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ أُولَئِكَ القَوْمَ مَن هم ؟ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ: هم أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا أهْلَ الرِّدَّةِ.
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وارْتَدَّتِ العَرَبُ، واشْتَهَرَ النِّفاقُ، ونَزَلَ بِأبِي ما لَوْ نَزَلَ بِالجِبالِ الرّاسِياتِ لَهاضَها.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الأنْصارِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ نَصَرُوا الرَّسُولَ وأعانُوهُ عَلى إظْهارِ الدِّينِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أهْلِ اليَمَنِ، ورُوِيَ مَرْفُوعًا «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أشارَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وقالَ: هم قَوْمُ هَذا»، وقالَ آخَرُونَ: هُمُ الفُرْسُ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى عاتِقِ سَلْمانَ، وقالَ: هَذا وذَوُوهُ، ثُمَّ قالَ: لَوْ كانَ الدِّينُ مُعَلَّقًا بِالثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن أبْناءِ فارِسَ» .
وقالَ قَوْمٌ: إنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَفَعَ الرّايَةَ إلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ خَيْبَرَ قالَ: لَأدْفَعَنَّ الرّايَةَ غَدًا إلى رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ»، وهَذا هو الصِّفَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ في حَقِّ عَلِيٍّ، فَكانَ الأوْلى جَعْلُ ما قَبْلَها أيْضًا في حَقِّهِ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
ولَنا في هَذِهِ الآيَةِ مَقاماتٌ:
المَقامُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ الإمامِيَّةِ مِنَ الرَّوافِضِ، وتَقْرِيرُ مَذْهَبِهِمْ
صفحة ١٩
أنَّ الَّذِينَ أقَرُّوا بِخِلافَةِ أبِي بَكْرٍ وإمامَتِهِ كُلَّهم كَفَرُوا وصارُوا مُرْتَدِّينَ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا النَّصَّ الجَلِيَّ عَلى إمامَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَنَقُولُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَجاءَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْمٍ يُحارِبُهم ويَقْهَرُهم ويَرُدُّهم إلى الدِّينِ الحَقِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وكَلِمَةُ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ لِلْعُمُومِ، فَهي تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن صارَ مُرْتَدًّا عَنْ دِينِ الإسْلامِ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِقَوْمٍ يَقْهَرُهم ويَرُدُّهم ويُبْطِلُ شَوْكَتَهم، فَلَوْ كانَ الَّذِينَ نَصَّبُوا أبا بَكْرٍ لِلْخِلافَةِ كَذَلِكَ لَوَجَبَ بِحُكْمِ الآيَةِ أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يَقْهَرُهم ويُبْطِلُ مَذْهَبَهم، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلِ الأمْرُ بِالضِّدِّ، فَإنَّ الرَّوافِضَ هُمُ المَقْهُورُونَ المَمْنُوعُونَ عَنْ إظْهارِ مَقالاتِهِمُ الباطِلَةِ أبَدًا مُنْذُ كانُوا عَلِمْنا فَسادَ مَقالَتِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، وهَذا كَلامٌ ظاهِرٌ لِمَن أنْصَفَ.
المَقامُ الثّانِي: أنّا نَدَّعِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: إنَّها نَزَلَتْ في حَقِّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمُحارَبَةِ المُرْتَدِّينَ، وأبُو بَكْرٍ هو الَّذِي تَوَلّى مُحارَبَةَ المُرْتَدِّينَ عَلى ما شَرَحْنا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ مُحارَبَةُ المُرْتَدِّينَ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ وهَذا لِلِاسْتِقْبالِ لا لِلْحالِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ القَوْمُ غَيْرَ مَوْجُودِينَ في وقْتِ نُزُولِ هَذا الخِطابِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا لازِمٌ عَلَيْكم؛ لِأنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ مَوْجُودًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.
قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ قاتَلَ بِهِمْ أبُو بَكْرٍ أهْلَ الرِّدَّةِ ما كانُوا مَوْجُودِينَ في الحالِ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ قادِرِينَ مُتَمَكِّنِينَ مِن هَذا الحِرابِ، وأبُو بَكْرٍ وإنْ كانَ مَوْجُودًا في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا أنَّهُ ما كانَ مُسْتَقِلًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِالحِرابِ والأمْرِ والنَّهْيِ، فَزالَ السُّؤالُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا يُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ هو عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ عَلِيًّا لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ قِتالٌ مَعَ أهْلِ الرِّدَّةِ، فَكَيْفَ تُحْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ ؟ .
فَإنْ قالُوا: بَلْ كانَ قِتالُهُ مَعَ أهْلِ الرِّدَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن نازَعَهُ في الإمامَةِ كانَ مُرْتَدًّا.
قُلْنا: هَذا باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ اسْمَ المُرْتَدِّ إنَّما يَتَناوَلُ مَن كانَ تارِكًا لِلشَّرائِعِ الإسْلامِيَّةِ، والقَوْمُ الَّذِينَ نازَعُوا عَلِيًّا ما كانُوا كَذَلِكَ في الظّاهِرِ، وما كانَ أحَدٌ يَقُولُ: إنَّهُ إنَّما يُحارِبُهم لِأجْلِ أنَّهم خَرَجُوا عَنِ الإسْلامِ، وعَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُسَمِّهِمْ ألْبَتَّةَ بِالمُرْتَدِّينَ، فَهَذا الَّذِي يَقُولُهُ هَؤُلاءِ الرَّوافِضُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بُهْتٌ عَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ وعَلى عَلِيٍّ أيْضًا.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ مَن نازَعَهُ في الإمامَةِ كانَ مُرْتَدًّا لَزِمَ في أبِي بَكْرٍ وفي قَوْمِهِ أنْ يَكُونُوا مُرْتَدِّينَ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ بِحُكْمِ ظاهِرِ الآيَةِ أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يَقْهَرُونَهم ويَرُدُّونَهم إلى الدِّينِ الصَّحِيحِ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ عَلِمْنا أنَّ مُنازَعَةَ عَلِيٍّ في الإمامَةِ لا تَكُونُ رِدَّةً، وإذا لَمْ تَكُنْ رِدَّةً لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الآيَةِ عَلى عَلِيٍّ؛ لِأنَّها نازِلَةٌ فِيمَن يُحارِبُ المُرْتَدِّينَ، ولا يُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّها نازِلَةٌ في أهْلِ اليَمَنِ أوْ في أهْلِ فارِسَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لَهم مُحارَبَةٌ مَعَ المُرْتَدِّينَ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: اتَّفَقَتْ لَهم هَذِهِ المُحارَبَةُ ولَكِنَّهم كانُوا رَعِيَّةً وأتْباعًا وأذْنابًا، وكانَ الرَّئِيسُ المُطاعُ الآمِرُ في تِلْكَ الواقِعَةِ هو أبُو بَكْرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى مَن كانَ أصْلًا في هَذِهِ العِبادَةِ ورَئِيسًا مُطاعًا فِيها أوْلى مِن حَمْلِها عَلى الرَّعِيَّةِ والأتْباعِ والأذْنابِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلِيلِ الظّاهِرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِأبِي بَكْرٍ.
والوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِأبِي بَكْرٍ: هو أنّا نَقُولُ: هَبْ أنَّ عَلِيًّا كانَ قَدْ حارَبَ
صفحة ٢٠
المُرْتَدِّينَ، ولَكِنَّ مُحارَبَةَ أبِي بَكْرٍ مَعَ المُرْتَدِّينَ كانَتْ أعْلى حالًا وأكْثَرَ مَوْقِعًا في الإسْلامِ مِن مُحارَبَةِ عَلِيٍّ مَعَ مَن خالَفَهُ في الإمامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ عُلِمَ بِالتَّواتُرِ أنَّهُ ﷺ لَمّا تُوُفِّيَ اضْطَرَبَتِ الأعْرابُ وتَمَرَّدُوا، وأنَّ أبا بَكْرٍ هو الَّذِي قَهَرَ مُسَيْلِمَةَ وطُلَيْحَةَ، وهو الَّذِي حارَبَ الطَّوائِفَ السَّبْعَةَ المُرْتَدِّينَ، وهو الَّذِي حارَبَ مانِعِيِ الزَّكاةِ، ولَمّا فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَقَرَّ الإسْلامُ وعَظُمَتْ شَوْكَتُهُ وانْبَسَطَتْ دَوْلَتُهُ، أمّا لَمّا انْتَهى الأمْرُ إلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ الإسْلامُ قَدِ انْبَسَطَ في الشَّرْقِ والغَرْبِ، وصارَ مُلُوكُ الدُّنْيا مَقْهُورِينَ، وصارَ الإسْلامُ مُسْتَوْلِيًا عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ والمِلَلِ، فَثَبَتَ أنَّ مُحارَبَةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أعْظَمُ تَأْثِيرًا في نُصْرَةِ الإسْلامِ وتَقْوِيَتِهِ مِن مُحارَبَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَعْظِيمُ قَوْمٍ يَسْعَوْنَ في تَقْوِيَةِ الدِّينِ ونُصْرَةِ الإسْلامِ، ولَمّا كانَ أبُو بَكْرٍ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ بِالآيَةِ.
المَقامُ الثّالِثُ في هَذِهِ الآيَةِ: وهو أنّا نَدَّعِي دَلالَةَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ الَّذِينَ أرادَهم بِهَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ:
أوَّلُها: أنَّهُ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ.
فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ هو أبُو بَكْرٍ ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ وصْفٌ لِأبِي بَكْرٍ، ومَن وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ظالِمًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُحِقًّا في إمامَتِهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ وهو صِفَةُ أبِي بَكْرٍ أيْضًا لِلدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ويُؤَكِّدُهُ ما رُوِيَ في الخَبَرِ المُسْتَفِيضِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «أرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أبُو بَكْرٍ» فَكانَ مَوْصُوفًا بِالرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ وبِالشِّدَّةِ مَعَ الكُفّارِ، ألا تَرى أنَّ في أوَّلِ الأمْرِ حِينَ كانَ الرَّسُولُ ﷺ في مَكَّةَ وكانَ في غايَةِ الضَّعْفِ كَيْفَ كانَ يَذُبُّ عَنِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَيْفَ كانَ يُلازِمُهُ ويَخْدِمُهُ، وما كانَ يُبالِي بِأحَدٍ مِن جَبابِرَةِ الكُفّارِ وشَياطِينِهِمْ، وفي آخِرِ الأمْرِ أعْنِي وقْتَ خِلافَتِهِ كَيْفَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى قَوْلِ أحَدٍ، وأصَرَّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المُحارَبَةِ مَعَ مانِعِيِ الزَّكاةِ حَتّى آلَ الأمْرُ إلى أنْ خَرَجَ إلى قِتالِ القَوْمِ وحْدَهُ، حَتّى جاءَ أكابِرُ الصَّحابَةِ وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ ومَنَعُوهُ مِنَ الذَّهابِ، ثُمَّ لَمّا بَلَغَ بَعْثُ العَسْكَرِ إلَيْهِمُ انْهَزَمُوا وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مَبْدَأً لِدَوْلَةِ الإسْلامِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ فَهَذا مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ أبِي بَكْرٍ وعَلِيٍّ، إلّا أنَّ حَظَّ أبِي بَكْرٍ فِيهِ أتَمُّ وأكْمَلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مُجاهَدَةَ أبِي بَكْرٍ مَعَ الكُفّارِ كانَتْ في أوَّلِ البَعْثِ، وهُناكَ الإسْلامُ كانَ في غايَةِ الضَّعْفِ، والكُفْرُ كانَ في غايَةِ القُوَّةِ، وكانَ يُجاهِدُ الكُفّارَ بِمِقْدارِ قُدْرَتِهِ، ويَذُبُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِغايَةِ وُسْعِهِ، وأمّا عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ إنَّما شَرَعَ في الجِهادِ يَوْمَ بَدْرٍ وأُحُدٍ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ الإسْلامُ قَوِيًّا وكانَتِ العَساكِرُ مُجْتَمِعَةً، فَثَبَتَ أنَّ جِهادَ أبِي بَكْرٍ كانَ أكْمَلَ مِن جِهادِ عَلِيٍّ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ في الزَّمانِ، فَكانَ أفْضَلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ [الحَدِيدِ: ١٠] .
والثّانِي: أنَّ جِهادَ أبِي بَكْرٍ كانَ في وقْتِ ضَعْفِ الرَّسُولِ ﷺ، وجِهادَ عَلِيٍّ كانَ في وقْتِ القُوَّةِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ وهَذا لائِقٌ بِأبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّهُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ [النُّورِ: ٢٢] وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في أبِي بَكْرٍ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الصِّفاتِ لِأبِي بَكْرٍ أنّا بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في أبِي بَكْرٍ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ
صفحة ٢١
لِأبِي بَكْرٍ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ القَطْعُ بِصِحَّةِ إمامَتِهِ، إذْ لَوْ كانَتْ إمامَتُهُ باطِلَةً لَما كانَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ لائِقَةً بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ حالَ حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ بَعْدَ وفاتِهِ لَمّا شَرَعَ في الإمامَةِ زالَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ وبَطَلَتْ.
قُلْنا: هَذا باطِلٌ قَطْعًا؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ فَأثْبَتَ كَوْنَهم مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ حالَ إتْيانِ اللَّهِ بِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَهادَةِ اللَّهِ لَهُ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ حالَ مُحارَبَتِهِ مَعَ أهْلِ الرِّدَّةِ، وذَلِكَ هو حالُ إمامَتِهِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِ، أمّا قَوْلُ الرَّوافِضِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في حَقِّ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدَلِيلِ أنَّهُ ﷺ قالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ» وكانَ ذَلِكَ هو عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَنَقُولُ: هَذا الخَبَرُ مِن بابِ الآحادِ، وعِنْدَهم لا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ في العَمَلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ في العِلْمِ ؟ وأيْضًا أنَّ إثْباتَ هَذِهِ الصِّفَةِ لِعَلِيٍّ لا يُوجِبُ انْتِفاءَها عَنْ أبِي بَكْرٍ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَدُلَّ عَلى ذَلِكَ لَكِنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ عَنْ أبِي بَكْرٍ، ومِن جُمْلَةِ تِلْكَ الصِّفاتِ كَوْنُهُ كَرّارًا غَيْرَ فَرّارٍ، فَلَمّا انْتَفى ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ لَمْ يَحْصُلْ مَجْمُوعُ تِلْكَ الصِّفاتِ لَهُ، فَكَفى هَذا في العَمَلِ بِدَلِيلِ الخِطابِ، فَأمّا انْتِفاءُ جَمِيعِ تِلْكَ الصِّفاتِ فَلا دَلالَةَ في اللَّفْظِ عَلَيْهِ، فَهو تَعالى إنَّما أثْبَتَ هَذِهِ الصِّفَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ حالَ اشْتِغالِهِ بِمُحارَبَةِ المُرْتَدِّينَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَبْ أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ ما كانَتْ حاصِلَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِن حُصُولِها في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ؛ ولِأنَّ ما ذَكَرْناهُ تَمَسُّكٌ بِظاهِرِ القُرْآنِ، وما ذَكَرُوهُ تَمَسُّكٌ بِالخَبَرِ المَذْكُورِ المَنقُولِ بِالآحادِ؛ ولِأنَّهُ مُعارَضٌ بِالأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِ أبِي بَكْرٍ مُحِبًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ. وكَوْنِ اللَّهِ مُحِبًّا لَهُ وراضِيًا عَنْهُ، قالَ تَعالى في حَقِّ أبِي بَكْرٍ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [اللَّيْلِ: ٢١] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ يَتَجَلّى لِلنّاسِ عامَّةً ويَتَجَلّى لِأبِي بَكْرٍ خاصَّةً» وقالَ: «ما صَبَّ اللَّهُ شَيْئًا في صَدْرِي إلّا وصَبَّهُ في صَدْرِ أبِي بَكْرٍ» وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُهم: الآيَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ دالَّةٌ عَلى إمامَةِ عَلِيٍّ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ نازِلَةً في عَلِيٍّ، فَجَوابُنا: أنّا لا نُسَلِّمُ دَلالَةَ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى إمامَةِ عَلِيٍّ وسَنَذْكُرُ الكَلامَ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَهَذا ما في هَذا المَوْضِعِ مِنَ البَحْثِ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ فَتَحْقِيقُ الكَلامِ في المَحَبَّةِ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥] فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ مَحَبَّتَهُ لَهم عَلى مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وهَذا حَقٌّ؛ لِأنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ أحَبَّهم وإلّا لَما وفَّقَهم حَتّى صارُوا مُحِبِّينَ لَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ وهو كَقَوْلِهِ ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: أذِلَّةٌ جَمْعُ ذَلِيلٍ، وأمّا ذَلُولٌ فَجَمْعُهُ ذُلُلٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِكَوْنِهِمْ أذِلَّةً هو أنَّهم مُهانُونَ، بَلِ المُرادُ المُبالَغَةُ في وصْفِهِمْ بِالرِّفْقِ ولِينِ الجانِبِ، فَإنَّ مَن كانَ ذَلِيلًا عِنْدَ إنْسانٍ فَإنَّهُ ألْبَتَّةَ لا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّرَفُّعِ، بَلْ لا يُظْهِرُ إلّا الرِّفْقَ واللِّينَ فَكَذا هَهُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ يُظْهِرُونَ الغِلْظَةَ والتَّرَفُّعَ عَلى الكافِرِينَ، وقِيلَ: يُعازُونَهم أيْ يُغالِبُونَهم مِن قَوْلِهِمْ: عَزَّهُ يُعِزُّهُ إذا غَلَبَهُ، كَأنَّهم
صفحة ٢٢
مُشَدِّدُونَ عَلَيْهِمْ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ: أذِلَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أعِزَّةٌ عَلى الكافِرِينَ.
قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُضَمِّنَ الذُّلَّ مَعْنى الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: راحِمِينَ عَلَيْهِمْ مُشْفِقِينَ عَلَيْهِمْ عَلى وجْهِ التَّذَلُّلِ والتَّواضُعِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ كَلِمَةَ (عَلى) حَتّى يَدُلَّ عَلى عُلُوِّ مَنصِبِهِمْ وفَضْلِهِمْ وشَرَفِهِمْ، فَيُفِيدَ أنَّ كَوْنَهم أذِلَّةً لَيْسَ لِأجْلِ كَوْنِهِمْ ذَلِيلِينِ في أنْفُسِهِمْ، بَلْ ذاكَ التَّذَلُّلُ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّهم أرادُوا أنْ يَضُمُّوا إلى عُلُوِّ مَنصِبِهِمْ فَضِيلَةَ التَّواضُعِ، وقُرِئَ (أذِلَّةً وأعِزَّةً) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ لِنُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ ﴿ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الواوُ لِلْحالِ، فَإنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُراقِبُونَ الكُفّارَ ويَخافُونَ لَوْمَهم، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن كانَ قَوِيًّا في الدِّينِ فَإنَّهُ لا يَخافُ في نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ بِيَدِهِ ولِسانِهِ لَوْمَةَ لائِمٍ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ هَذِهِ الواوُ لِلْعَطْفِ، والمَعْنى أنَّ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا لِغَرَضٍ آخَرَ، ومِن شَأْنِهِمْ أنَّهم صِلابٌ في نُصْرَةِ الدِّينِ لا يُبالُونَ بِلَوْمَةِ اللّائِمِينَ، واللَّوْمَةُ المَرَّةُ الواحِدَةُ مِنَ اللَّوْمِ، والتَّنْكِيرُ فِيها وفي اللّائِمِ مُبالَغَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَخافُونَ قَطُّ مِن لَوْمِ أحَدٍ مِنَ اللّائِمِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فَقَوْلُهُ (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ القَوْمِ بِالمَحَبَّةِ والذِّلَّةِ والعِزَّةِ والمُجاهَدَةِ وانْتِفاءِ خَوْفِ اللَّوْمَةِ الواحِدَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّ طاعاتِ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَ اللَّفْظَ عَلى فِعْلِ الألْطافِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ فِعْلَ الألْطافِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، فَلا بُدَّ في التَّخْصِيصِ مِن فائِدَةٍ زائِدَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فالواسِعُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، والعَلِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، ولَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ سَيَجِيءُ بِأقْوامٍ هَذا شَأْنُهم وصِفَتُهم أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ كامِلُ القُدْرَةِ فَلا يَعْجِزُ عَنْ هَذا المَوْعُودِ كامِلُ العِلْمِ فَيَمْتَنِعُ دُخُولُ الخُلْفِ في أخْبارِهِ ومَواعِيدِهِ.
المائدة 5:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾
وجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِمُوالاةِ مَن يَجِبُ مُوالاتُهُ وقالَ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ عامَّةُ المُؤْمِنِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ لَمّا تَبَرَّأ مِنَ اليَهُودِ وقالَ: أنا بَرِيءٌ إلى اللَّهِ مِن حِلْفِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وأتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ.
ورُوِيَ أيْضًا «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمَنا قَدْ هَجَرُونا وأقْسَمُوا أنْ لا يُجالِسُونا، ولا نَسْتَطِيعُ مُجالَسَةَ أصْحابِكَ لِبُعْدِ المَنازِلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ:
صفحة ٢٣
رَضِينا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ أوْلِياءَ»، فَعَلى هَذا: الآيَةُ عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ المُؤْمِنِينَ، فَكُلُّ مَن كانَ مُؤْمِنًا فَهو ولِيُّ كُلِّ المُؤْمِنِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [المائِدَةِ: ٥١] وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ صِفَةٌ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِذِكْرِ هَذِهِ الصِّفاتِ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ الإيمانَ، إلّا أنَّهم ما كانُوا مُداوِمِينَ عَلى الصَّلَواتِ والزَّكَواتِ، قالَ تَعالى في صِفَةِ صَلاتِهِمْ: ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٤] وقالَ: ﴿يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النِّساءِ: ١٤٢] وقالَ في صِفَةِ زَكاتِهِمْ ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحْزابِ: ١٩]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم راكِعُونَ﴾ فَفِيهِ عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِنَ الرُّكُوعِ الخُضُوعُ، يَعْنِي أنَّهم يُصَلُّونَ ويُزَكُّونَ وهم مُنْقادُونَ خاضِعُونَ لِجَمِيعِ أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: مِن شَأْنِهِمْ إقامَةُ الصَّلاةِ، وخُصَّ الرُّكُوعُ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٣]
والثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ أصْحابَهُ كانُوا عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَلِفُونَ في هَذِهِ الصِّفاتِ، مِنهم مَن قَدْ أتَمَّ الصَّلاةَ، ومِنهم مَن دَفَعَ المالَ إلى الفَقِيرِ، ومِنهم مَن كانَ بَعْدُ في الصَّلاةِ وكانَ راكِعًا، فَلَمّا كانُوا مُخْتَلِفِينَ في هَذِهِ الصِّفاتِ لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ هَذِهِ الصِّفاتِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، وعَلى هَذا فَفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: رَوى عِكْرِمَةُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنا رَأيْتُ عَلِيًّا تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ عَلى مُحْتاجٍ وهو راكِعٌ، فَنَحْنُ نَتَوَلّاهُ، ورُوِيَ «عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا صَلاةَ الظُّهْرِ، فَسَألَ سائِلٌ في المَسْجِدِ فَلَمْ يُعْطِهِ أحَدٌ، فَرَفَعَ السّائِلُ يَدَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ أنِّي سَألْتُ في مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ فَما أعْطانِي أحَدٌ شَيْئًا، وعَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ راكِعًا، فَأوْمَأ إلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ اليُمْنى وكانَ فِيها خاتَمٌ، فَأقْبَلَ السّائِلُ حَتّى أخَذَ الخاتَمَ بِمَرْأى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ أخِي مُوسى سَألَكَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ [طه: ٣٢] فَأنْزَلْتَ قُرْآنًا ناطِقًا ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ [القَصَصِ: ٣٥] اللَّهُمَّ وأنا مُحَمَّدٌ نَبِيُّكَ وصَفِيُّكَ فاشْرَحْ لِي صَدْرِي ويَسِّرْ لِي أمْرِي واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي عَلِيًّا اشْدُدْ بِهِ ظَهْرِي، قالَ أبُو ذَرٍّ: فَواللَّهِ ما أتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الكَلِمَةَ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اقْرَأْ ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ إلى آخِرِها»، فَهَذا مَجْمُوعُ ما يَتَعَلَّقُ بِالرِّواياتِ في هَذِهِ المَسْألَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ الشِّيعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإمامَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ إمامٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإمامُ هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
بَيانُ المَقامِ الأوَّلِ: أنَّ الوَلِيَّ في اللُّغَةِ قَدْ جاءَ بِمَعْنى النّاصِرِ والمُحِبِّ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [المائِدَةِ: ٥١] وجاءَ بِمَعْنى المُتَصَرِّفِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أيُّما امْرَأةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّها» فَنَقُولُ: هَهُنا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الوَلِيُّ جاءَ بِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ ولَمْ يُعَيِّنِ اللَّهُ مُرادَهُ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِما، فَوَجَبَ دَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ في
صفحة ٢٤
الآيَةِ مُتَصَرِّفُونَ في الأُمَّةِ.
الثّانِي: أنْ نَقُولَ: الوَلِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النّاصِرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُتَصَرِّفِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النّاصِرِ؛ لِأنَّ الوَلايَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ عامَّةٍ في كُلِّ المُؤْمِنِينَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بِكَلِمَةِ ”إنَّما“ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النِّساءِ: ١٧١] والوَلايَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ بِمَعْنى النُّصْرَةِ، وإذا لَمْ تَكُنْ بِمَعْنى النُّصْرَةِ كانَتْ بِمَعْنى التَّصَرُّفِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعْنًى سِوى هَذَيْنِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّما المُتَصَرِّفُ فِيكم أيُّها المُؤْمِنُونَ هو اللَّهُ ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفَةِ الفُلانِيَّةِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ المُؤْمِنِينَ المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَصَرِّفُونَ في جَمِيعِ الأُمَّةِ، ولا مَعْنى لِلْإمامِ إلّا الإنْسانُ الَّذِي يَكُونُ مُتَصَرِّفًا في كُلِّ الأُمَّةِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّخْصَ المَذْكُورَ فِيها يَجِبُ أنْ يَكُونَ إمامَ الأُمَّةِ.
أمّا بَيانُ المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ ما ذَكَرْنا وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإنْسانُ هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن أثْبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ إمامَةَ شَخْصٍ قالَ: إنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ هو عَلِيٌّ، وقَدْ ثَبَتَ بِما قَدَّمْنا دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى إمامَةِ شَخْصٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّخْصُ هو عَلِيٌّ، ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
الثّانِي: تَظاهَرَتِ الرِّواياتُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَقِّ عَلِيٍّ، ولا يُمْكِنُ المَصِيرُ إلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأنَّها لَوْ نَزَلَتْ في حَقِّهِ لَدَلَّتْ عَلى إمامَتِهِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى إمامَتِهِ، فَبَطَلَ هَذا القَوْلُ.
والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وهم راكِعُونَ﴾ لا يَجُوزُ جَعْلُهُ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ قَدْ تَقَدَّمَتْ، والصَّلاةُ مُشْتَمِلَةُ عَلى الرُّكُوعِ، فَكانَتْ إعادَةُ ذِكْرِ الرُّكُوعِ تَكْرارًا، فَوَجَبَ جَعْلُهُ حالًا أيْ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ حالَ كَوْنِهِمْ راكِعِينَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ إيتاءَ الزَّكاةِ حالَ الرُّكُوعِ لَمْ يَكُنْ إلّا في حَقِّ عَلِيٍّ، فَكانَتِ الآيَةُ مَخْصُوصَةً بِهِ ودالَّةً عَلى إمامَتِهِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْناهُ، وهَذا حاصِلُ اسْتِدْلالِ القَوْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إمامَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والجَوابُ: أمّا حَمْلُ لَفْظِ الوَلِيِّ عَلى النّاصِرِ وعَلى المُتَصَرِّفِ مَعًا فَغَيْرُ جائِزٍ، لِما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ عَلى مَفْهُومَيْهِ مَعًا.
أمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَنَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن لَفْظِ الوَلِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ النّاصِرَ والمُحِبَّ، ونَحْنُ نُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ حَمْلَ لَفْظِ الوَلِيِّ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى مَعْنى المُتَصَرِّفِ، ثُمَّ نُجِيبُ عَمّا قالُوهُ فَنَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ حَمْلَهُ عَلى النّاصِرِ أوْلى وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اللّائِقَ بِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وبِما بَعْدَها لَيْسَ إلّا هَذا المَعْنى، أمّا ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ ولَيْسَ المُرادُ لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أئِمَّةً مُتَصَرِّفِينَ في أرْواحِكم وأمْوالِكم؛ لِأنَّ بُطْلانَ هَذا كالمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ، بَلِ المُرادُ لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أحْبابًا وأنْصارًا، ولا تُخالِطُوهم ولا تُعاضِدُوهم، ثُمَّ لَمّا بالَغَ في النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ قالَ: (إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ) المَوْصُوفُونَ، والظّاهِرُ أنَّ الوَلايَةَ المَأْمُورَ بِها هَهُنا هي المَنهِيُّ عَنْها فِيما قَبْلُ، ولَمّا كانَتِ الوَلايَةُ المَنهِيُّ عَنْها فِيما قَبْلُ هي الوَلايَةَ بِمَعْنى النُّصْرَةِ كانَتِ الوَلايَةُ المَأْمُورُ بِها هي الوَلايَةَ بِمَعْنى النُّصْرَةِ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَهي قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٥٧]
صفحة ٢٥
فَأعادَ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ اليَهُودِ والنَّصارى والكُفّارِ أوْلِياءَ، ولا شَكَّ أنَّ الوَلايَةَ المَنهِيَّ عَنْها هي الوَلايَةُ بِمَعْنى النُّصْرَةِ، فَكَذَلِكَ الوَلايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ يَجِبُ أنْ تَكُونَ هي بِمَعْنى النُّصْرَةِ، وكُلُّ مَن أنْصَفَ وتَرَكَ التَّعَصُّبَ وتَأمَّلَ في مُقَدِّمَةِ الآيَةِ وفي مُؤَخَّرِها قَطَعَ بِأنَّ الوَلِيَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ لَيْسَ إلّا بِمَعْنى النّاصِرِ والمُحِبِّ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإمامِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ إلْقاءَ كَلامٍ أجْنَبِيٍّ فِيما بَيْنَ كَلامَيْنِ مَسُوقَيْنِ لِغَرَضٍ واحِدٍ، وذَلِكَ يَكُونُ في غايَةِ الرَّكاكَةِ والسُّقُوطِ، ويَجِبُ تَنْزِيهُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنّا لَوْ حَمَلْنا الوَلايَةَ عَلى التَّصَرُّفِ والإمامَةِ لَما كانَ المُؤْمِنُونَ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ مَوْصُوفِينَ بِالوَلايَةِ حالَ نُزُولِ الآيَةِ؛ لِأنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ ما كانَ نافِذَ التَّصَرُّفِ حالَ حَياةِ الرَّسُولِ، والآيَةُ تَقْتَضِي كَوْنَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ مَوْصُوفِينَ بِالوَلايَةِ في الحالِ، أمّا لَوْ حَمَلْنا الوَلايَةَ عَلى المَحَبَّةِ والنُّصْرَةِ كانَتِ الوَلايَةُ حاصِلَةً في الحالِ، فَثَبَتَ أنَّ حَمْلَ الوَلايَةِ عَلى المَحَبَّةِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى التَّصَرُّفِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ما قُلْناهُ أنَّهُ تَعالى مَنَعَ المُؤْمِنِينَ مِنِ اتِّخاذِاليَهُودِ والنَّصارى أوْلِياءَ، ثُمَّ أمَرَهم بِمُوالاةِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُوالاةُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ حاصِلَةً في الحالِ حَتّى يَكُونَ النَّفْيُ والإثْباتُ مُتَوارِدَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، ولَمّا كانَتِ الوَلايَةُ بِمَعْنى التَّصَرُّفِ غَيْرَ حاصِلَةٍ في الحالِ امْتَنَعَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْها.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ المَوْصُوفِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ في سَبْعَةِ مَواضِعَ وهي قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ وحَمْلُ ألْفاظِ الجَمْعِ وإنْ جازَ عَلى الواحِدِ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَكِنَّهُ مَجازٌ لا حَقِيقَةٌ، والأصْلَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنّا قَدْ بَيَّنّا بِالبُرْهانِ البَيِّنِ أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ وهي قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ، فَلَوْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ عَلِيٍّ بَعْدَ الرَّسُولِ لَزِمَ التَّناقُضُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى أنَّ عَلِيًّا هو الإمامُ بَعْدَ الرَّسُولِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كانَ أعْرَفَ بِتَفْسِيرِ القُرْآنِ مِن هَؤُلاءِ الرَّوافِضِ، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى إمامَتِهِ لاحْتُجَّ بِها في مَحْفِلٍ مِنَ المَحافِلِ، ولَيْسَ لِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ تَرَكَهُ لِلتَّقِيَّةِ؛ لِأنَّهم يَنْقُلُونَ عَنْهُ أنَّهُ تَمَسَّكَ يَوْمَ الشُّورى بِخَبَرِ الغَدِيرِ، وخَبَرِ المُباهَلَةِ، وجَمِيعِ فَضائِلِهِ ومَناقِبِهِ، ولَمْ يَتَمَسَّكْ ألْبَتَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ إمامَتِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ بِسُقُوطِ قَوْلِ هَؤُلاءِ الرَّوافِضِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: هَبْ أنَّها دالَّةٌ عَلى إمامَةِ عَلِيٍّ، لَكُنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّها عِنْدَ نُزُولِها ما دَلَّتْ عَلى حُصُولِ الإمامَةِ في الحالِ؛ لِأنَّ عَلِيًّا ما كانَ نافِذَ التَّصَرُّفِ في الأُمَّةِ حالَ حَياةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ عَلِيًّا سَيَصِيرُ إمامًا بَعْدَ ذَلِكَ، ومَتى قالُوا ذَلِكَ فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ ونَحْمِلُهُ عَلى إمامَتِهِ بَعْدَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ الوَقْتِ، فَإنْ قالُوا: الأُمَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن قالَ: إنَّها لا تَدُلُّ عَلى إمامَةِ عَلِيٍّ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى إمامَتِهِ، وكُلُّ مَن قالَ بِذَلِكَ قالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى إمامَتِهِ بَعْدَ الرَّسُولِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ، فالقَوْلُ بِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى إمامَةِ عَلِيٍّ
صفحة ٢٦
لا عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو باطِلٌ؛ لِأنّا نُجِيبُ عَنْهُ فَنَقُولُ: ومَنِ الَّذِي أخْبَرَكم أنَّهُ ما كانَ أحَدٌ في الأُمَّةِ قالَ هَذا القَوْلَ، فَإنَّ مِنَ المُحْتَمَلِ، بَلْ مِنَ الظّاهِرِ أنَّهُ مُنْذُ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إمامَةِ عَلِيٍّ، فَإنَّ السّائِلَ يُورِدُ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ هَذا السُّؤالَ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا الِاحْتِمالِ وهَذا السُّؤالِ مَقْرُونًا بِذِكْرِ هَذا الِاسْتِدْلالِ.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ لا شَكَّ أنَّهُ خِطابٌ مَعَ الأُمَّةِ، وهم كانُوا قاطِعِينَ بِأنَّ المُتَصَرِّفَ فِيهِمْ هو اللَّهُ ورَسُولُهُ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ تَطْيِيبًا لِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ وتَعْرِيفًا لَهم بِأنَّهُ لا حاجَةَ بِهِمْ إلى اتِّخاذِ الأحْبابِ والأنْصارِ مِنَ الكُفّارِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن كانَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ناصِرًا لَهُ ومُعِينًا لَهُ فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى طَلَبِ النُّصْرَةِ والمَحَبَّةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ هو الوَلايَةُ بِمَعْنى النُّصْرَةِ والمَحَبَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ لَفْظَ الوَلِيِّ مَذْكُورٌ مَرَّةً واحِدَةً، فَلَمّا أُرِيدَ بِهِ هَهُنا مَعْنى النُّصْرَةِ امْتَنَعَ أنْ يُرادَ بِهِ مَعْنى التَّصَرُّفِ لِما ثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَفْهُومَيْهِ مَعًا.
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: أنَّهُ تَعالى مَدَحَ المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ فَإذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ عَلى مَعْنى المَحَبَّةِ والنُّصْرَةِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ يُفِيدُ فائِدَةَ قَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يُفِيدُ فائِدَةَ قَوْلِهِ: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُطابِقَةً لِما قَبْلَها مُؤَكِّدَةً لِمَعْناها فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الوَلايَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى النُّصْرَةِ لا بِمَعْنى التَّصَرُّفِ.
أمّا الوَجْهُ الَّذِي عَوَّلُوا عَلَيْهِ وهو أنَّ الوَلايَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ غَيْرُ عامَّةٍ، والوَلايَةَ بِمَعْنى النُّصْرَةِ عامَّةٌ، فَجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الوَلايَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ غَيْرُ عامَّةٍ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ [يُونُسَ: ٢٤] ولا شَكَّ أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا لَها أمْثالٌ أُخْرى سِوى هَذا المَثَلِ، وقالَ: ﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٦] ولا شَكَّ أنَّ اللَّعِبَ واللَّهْوَ قَدْ يَحْصُلُ في غَيْرِها.
الثّانِي: لا نُسَلِّمُ أنَّ الوَلايَةَ بِمَعْنى النُّصْرَةِ عامَّةٌ في كُلِّ المُؤْمِنِينَ، وبَيانُهُ أنَّهُ تَعالى قَسَمَ المُؤْمِنِينَ قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: الَّذِينَ جَعَلَهم مُوَلِّيًا عَلَيْهِمْ وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ .
والثّانِي: الأوْلِياءُ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ، فَإذا فَسَّرْنا الوَلايَةَ هَهُنا بِمَعْنى النُّصْرَةِ كانَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ أحَدَ القِسْمَيْنِ أنْصارًا لِلْقِسْمِ الثّانِي، ونُصْرَةُ القِسْمِ الثّانِي غَيْرُ حاصِلَةٍ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ في القِسْمِ الَّذِي هُمُ المَنصُورُونَ أنْ يَكُونُوا ناصِرِينَ لِأنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ نُصْرَةَ أحَدِ قِسْمَيِ الأُمَّةِ غَيْرُ ثابِتَةٍ لِكُلِّ الأُمَّةِ، بَلْ مَخْصُوصَةٌ بِالقِسْمِ الثّانِي مِنَ الأُمَّةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِ الوَلايَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ خاصَّةً أنْ لا تَكُونَ بِمَعْنى النُّصْرَةِ، وهَذا جَوابٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ لا بُدَّ مِنَ التَّأمُّلِ فِيهِ.
وأمّا اسْتِدْلالُهم بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَقِّ عَلِيٍّ فَهو مَمْنُوعٌ، فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ زَعَمُوا أنَّهُ في
صفحة ٢٧
حَقِّ الأُمَّةِ، والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُسْلِمَ أنْ لا يَتَّخِذَ الحَبِيبَ والنّاصِرَ إلّا مِنَ المُسْلِمِينَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّها نَزَلَتْ في حَقِّ أبِي بَكْرٍ.
وأمّا اسْتِدْلالُهم بِأنَّ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَن أدّى الزَّكاةَ في الرُّكُوعِ، وذَلِكَ هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَنَقُولُ: هَذا أيْضًا ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الزَّكاةَ اسْمٌ لِلْواجِبِ لا لِلْمَندُوبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: (وآتُوا الزَّكاةَ) فَلَوْ أنَّهُ أدّى الزَّكاةَ الواجِبَةَ في حالِ كَوْنِهِ في الرُّكُوعِ لَكانَ قَدْ أخَّرَ أداءَ الزَّكاةِ الواجِبَ عَنْ أوَّلِ أوْقاتِ الوُجُوبِ، وذَلِكَ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ مَعْصِيَةٌ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ إسْنادُهُ إلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَمْلُ الزَّكاةِ عَلى الصَّدَقَةِ النّافِلَةِ خِلافُ الأصْلِ لِما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: (وآتُوا الزَّكاةَ) ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما كانَ زَكاةً فَهو واجِبٌ.
الثّانِي: هو أنَّ اللّائِقَ بِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِذِكْرِ اللَّهِ حالَ ما يَكُونُ في الصَّلاةِ، والظّاهِرُ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَتَفَرَّغُ لِاسْتِماعِ كَلامِ الغَيْرِ ولِفَهْمِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] ومَن كانَ قَلْبُهُ مُسْتَغْرِقًا في الفِكْرِ كَيْفَ يَتَفَرَّغُ لِاسْتِماعِ كَلامِ الغَيْرِ ؟ .
الثّالِثُ: أنَّ دَفْعَ الخاتَمِ في الصَّلاةِ لِلْفَقِيرِ عَمَلٌ كَثِيرٌ واللّائِقُ بِحالِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يَفْعَلَ ذَلِكَ.
الرّابِعُ: المَشْهُورُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ فَقِيرًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ تَجِبُ الزَّكاةُ فِيهِ؛ ولِذَلِكَ فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ لَمّا أعْطى ثَلاثَةَ أقْراصٍ نَزَلَ فِيهِ سُورَةُ (هَلْ أتى) وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ فَقِيرًا، فَأمّا مَن كانَ لَهُ مالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَحِقَّ المَدْحَ العَظِيمَ المَذْكُورَ في تِلْكَ السُّورَةِ عَلى إعْطاءِ ثَلاثَةِ أقْراصٍ، وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ امْتَنَعَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ عَلَيْهِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: هَبْ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، لَكِنَّهُ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ إلّا إذا تَمَّ أنَّ المُرادَ بِالوَلِيِّ هو المُتَصَرِّفُ لا النّاصِرُ والمُحِبُّ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ هو أنَّهم يُؤْتُونَ الزَّكاةَ حالَ كَوْنِهِمْ راكِعِينَ، احْتَجُّوا بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ القَلِيلَ لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ، فَإنَّهُ دَفَعَ الزَّكاةَ إلى السّائِلِ وهو في الصَّلاةِ، ولا شَكَّ أنَّهُ نَوى إيتاءَ الزَّكاةِ وهو في الصَّلاةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ لا تَقْطَعُ الصَّلاةَ، وبَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: المَذْكُورُ في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّما أوْلِياؤُكم ؟
والجَوابُ: أصْلُ الكَلامِ إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ، فَجُعِلَتِ الوَلايَةُ لِلَّهِ عَلى طَرِيقِ الأصالَةِ، ثُمَّ نُظِمَ في سَلْكِ إثْباتِها لَهُ إثْباتُها لِرَسُولِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّما أوْلِياؤُكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ أصْلٌ وتَبَعٌ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّما مَوْلاكُمُ اللَّهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾ ما مَحَلُّهُ
الجَوابُ: الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ (الَّذِينَ آمَنُوا) أوْ يُقالُ: التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ، أوِ النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، والغَرَضُ مِن ذِكْرِهِ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ عَمَّنْ يَدَّعِي الإيمانَ ويَكُونُ مُنافِقًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ الإخْلاصَ إنَّما يُعْرَفُ بِكَوْنِهِ مُواظِبًا عَلى الصَّلاةِ في حالِ الرُّكُوعِ، أيْ في حالِ الخُضُوعِ والخُشُوعِ والإخْباتِ لِلَّهِ تَعالى.
المائدة 5:56
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الحِزْبُ في اللُّغَةِ أصْحابُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَكُونُونَ مَعَهُ عَلى رَأْيِهِ، وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ لِأمْرِ حِزْبِهِمْ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ، قالَ الحَسَنُ: جُنْدُ اللَّهِ، وقالَ أبُو رَوْقٍ: أوْلِياءُ اللَّهِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: شِيعَةُ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهم: أنْصارُ اللَّهِ، وقالَ الأخْفَشُ: حِزْبُ اللَّهِ الَّذِينَ يَدِينُونَ بِدِينِهِ ويُطِيعُونَهُ فَيَنْصُرُهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ خَبَرِ المُبْتَدَأِ، والعائِدُ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، والتَّقْدِيرٌ فَهو غالِبٌ لِكَوْنِهِ مِن جُنْدِ اللَّهِ وأنْصارِهِ.
المائدة 5:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى نَهى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَنِ اتِّخاذِ اليَهُودِ والنَّصارى أوْلِياءَ وساقَ الكَلامَ في تَقْرِيرِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَهُنا النَّهْيَ العامَّ عَنْ مُوالاةِ جَمِيعِ الكُفّارِ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ (الكُفّارِ) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ومِنَ الكُفّارِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ بِتَقْدِيرِ: ولا الكُفّارَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، وسُوَيْدُ بْنُ الحارِثِ أظْهَرا الإيمانَ ثُمَّ نافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي امْتِيازَ أهْلِ الكِتابِ عَنِ الكُفّارِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البَيِّنَةِ: ١] صَرِيحٌ في كَوْنِهِمْ كُفّارًا، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما أنَّ كُفْرَ المُشْرِكِينَ أعْظَمُ وأغْلَظُ، فَنَحْنُ لِهَذا السَّبَبِ نُخَصِّصُهم بِاسْمِ الكُفْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَعْنى تَلاعُبِهِمْ بِالدِّينِ واسْتِهْزائِهِمْ إظْهارُهم ذَلِكَ بِاللِّسانِ مَعَ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ في القَلْبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤] والمَعْنى: أنَّ القَوْمَ لَمّا اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا وسُخْرِيَةً فَلا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ وأنْصارًا وأحْبابًا، فَإنَّ ذَلِكَ كالأمْرِ الخارِجِ عَنِ العَقْلِ والمُرُوءَةِ.
المائدة 5:58
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾
لَمّا حَكى في الآيَةِ الأُولى عَنْهم أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَ المُسْلِمِينَ هُزُوًا ولَعِبًا ذَكَرَ هَهُنا بَعْضَ ما يَتَّخِذُونَهُ مِن هَذا الدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا، فَقالَ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (اتَّخَذُوها) لِلصَّلاةِ أوِ المُناداةِ ؟ .
قِيلَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى بِالمَدِينَةِ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: أُحْرِقَ الكاذِبُ، فَدَخَلَتْ خادِمَتُهُ بِنارٍ ذاتَ لَيْلَةٍ فَتَطايَرَتْ مِنها شَرارَةٌ في البَيْتِ فاحْتَرَقَ البَيْتُ واحْتَرَقَ هو وأهْلُهُ.
وقِيلَ: كانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُنادِي لِلصَّلاةِ وقامَ المُسْلِمُونَ إلَيْها، فَقالَتِ اليَهُودُ: قامُوا لا قامُوا، صَلَّوْا لا صَلَّوْا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقِيلَ: قالُوا يا مُحَمَّدُ لَقَدْ أبْدَعْتَ شَيْئًا لَمْ يُسْمَعْ فِيما مَضى، فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَقَدْ خالَفْتَ فِيما أحْدَثْتَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، فَمِن أيْنَ لَكَ صِياحٌ كَصِياحِ العِيرِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى ثُبُوتِ الأذانِ بِنَصِّ الكِتابِ لا بِالمَنامِ وحْدَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿هُزُوًا ولَعِبًا﴾ أمْرانِ، وذَلِكَ لِأنَّهم عِنْدَ إقامَةِ الصَّلاةِ يَقُولُونَ: هَذِهِ الأعْمالُ الَّتِي أتَيْنا بِها اسْتِهْزاءٌ بِالمُسْلِمِينَ وسُخْرِيَةٌ مِنهم، فَإنَّهم يَظُنُّونَ أنّا عَلى دِينِهِمْ مَعَ أنّا لَسْنا كَذَلِكَ، ولَمّا اعْتَقَدُوا أنَّهُ لَيْسَ فِيها فائِدَةٌ ومَنفَعَةٌ في الدِّينِ والدُّنْيا قالُوا إنَّها لَعِبٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ لَوْ كانَ لَهم عَقْلٌ كامِلٌ لَعَلِمُوا أنَّ تَعْظِيمَ الخالِقِ المُنْعِمِ وخِدْمَتَهُ مَقْرُونَةٌ بِغايَةِ التَّعْظِيمِ لا يَكُونُ هُزُوًا ولَعِبًا، بَلْ هو أحْسَنُ أعْمالِ العِبادِ وأشْرَفُ أفْعالِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: أشْرَفُ الحَرَكاتِ الصَّلاةُ، وأنْفَعُ السَّكَناتِ الصِّيامُ.
المائدة 5:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ وجْهَ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَ الإسْلامِ هُزُوًا ولَعِبًا قالَ لَهم: ما الَّذِي تَنْقِمُونَ مِن هَذا الدِّينِ ؟ وما الَّذِي تَجِدُونَ فِيهِ مِمّا يُوجِبُ اتِّخاذَهُ هُزُوًا ولَعِبًا ؟ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ (هَلْ تَنْقَمُونَ) بِفَتْحِ القافِ، والفَصِيحُ كَسْرُها، يُقالُ: نَقِمْتُ الشَّيْءَ ونَقَمْتُهُ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِها إذا أنْكَرْتَهُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا: هَلْ تَعِيبُونَ ؟ هَلْ تُنْكِرُونَ ؟ هَلْ
صفحة ٣٠
تَكْرَهُونَ ؟ قالَ بَعْضُهم: سُمِّيَ العِقابُ نِقْمَةً؛ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلى ما يُنْكَرُ مِنَ الفِعْلِ.
وقالَ آخَرُونَ: الكَراهَةُ الَّتِي يَتْبَعُها سُخْطٌ مِنَ الكارِهِ تُسَمّى نِقْمَةً؛ لِأنَّها تَتْبَعُها النِّقْمَةُ الَّتِي هي العَذابُ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لَفْظُ النِّقْمَةِ مَوْضُوعٌ أوَّلًا لِلْمَكْرُوهِ، ثُمَّ سُمِّيَ العَذابُ نِقْمَةً لِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وعَلى القَوْلِ الثّانِي لَفْظُ النِّقْمَةِ مَوْضُوعٌ لِلْعَذابِ، ثُمَّ سَمِّيَ المُنْكَرُ والمَكْرُوهُ نِقْمَةً؛ لِأنَّهُ يَتْبَعُهُ العَذابُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ يَقُولُ لِأهْلِ الكِتابِ: لِمَ اتَّخَذْتُمْ هَذا الدِّينَ هُزُوًا ولَعِبًا، ثُمَّ قالَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ: هَلْ تَجِدُونَ في هَذا الدِّينِ إلّا الإيمانَ بِاللَّهِ والإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والإيمانَ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ؟ يَعْنِي أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا يُنْقَمُ، أمّا الإيمانُ بِاللَّهِ فَهو رَأْسُ جَمِيعِ الطّاعاتِ، وأمّا الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ وبِجَمِيعِ الأنْبِياءِ فَهو الحَقُّ والصِّدْقُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الطَّرِيقُ إلى تَصْدِيقِ بَعْضِ الأنْبِياءِ في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ هو المُعْجِزُ، ثُمَّ رَأيْنا أنَّ المُعْجِزَ حَصَلَ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَبَ الإقْرارُ بِكَوْنِهِ رَسُولًا، فَأمّا الإقْرارُ بِالبَعْضِ وإنْكارُ البَعْضِ فَذَلِكَ كَلامٌ مُتَناقِضٌ، ومَذْهَبٌ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ هو الدِّينُ الحَقُّ والطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ، فَلِمَ تَنْقِمُونَهُ عَلَيْنا ؟ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَقالَ: أُومِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ إلى قَوْلِهِ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: واللَّهِ ما نَعْلَمُ أهْلَ دِينٍ أقَلَّ حَظًّا في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنكم ولا دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها» .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ فالقِراءَةُ العامَّةُ (أنَّ) بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ (إنَّ) بِالكَسْرِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَنْقِمُ اليَهُودُ عَلى المُسْلِمِينَ مَعَ كَوْنِ أكْثَرِ اليَهُودِ فاسِقِينَ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ تَخْصِيصٌ لَهم بِالفِسْقِ، فَيَدُلُّ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ أنَّهم لَمْ يَتَبِّعُوهم عَلى فِسْقِهِمْ، فَكانَ المَعْنى: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا، وما فَسَقْنا مِثْلَكم.
الثّانِي: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يَنْقِمُ اليَهُودُ عَلَيْهِمْ مِنَ الإيمانِ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يُنْقَمُ، ذَكَرَ في مُقابِلِهِ فِسْقَهم، وهو مِمّا يُنْقَمُ، ومِثْلُ هَذا حَسَنٌ في الِازْدِواجِ، يَقُولُ القائِلُ: هَلْ تَنْقِمُ مِنِّي إلّا أنِّي عَفِيفٌ وأنَّكَ فاجِرٌ، وأنِّي غَنِيٌّ وأنْتَ فَقِيرٌ، فَيَحْسُنُ ذَلِكَ لِإتْمامِ المَعْنى عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الواوُ بِمَعْنى (مَعَ) أيْ وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ بِاللَّهِ مَعَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، فَإنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِالصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ واكْتَسَبَ الثّانِي شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، كانَ اكْتِسابُهُ لِلصِّفاتِ الحَمِيدَةِ مَعَ كَوْنِ خَصْمِهِ مُكْتَسِبًا لِلصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ أشَدَّ تَأْثِيرًا في وُقُوعِ البُغْضِ والحَسَدِ في قَلْبِ الخَصْمِ.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، أيْ واعْتِقادُ أنَّكم فاسِقُونَ.
الخامِسُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا بِأنْ آمَنّا بِاللَّهِ وبِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، يَعْنِي بِسَبَبِ فِسْقِكم نَقَمْتُمُ الإيمانَ عَلَيْنا.
السّادِسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا مَعْطُوفًا عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ لِقِلَّةِ إنْصافِكم، ولِأجْلِ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ.
السُّؤالُ الثّانِي: اليَهُودُ كُلُّهم فُسّاقٌ وكُفّارٌ، فَلِمَ خَصَّ الأكْثَرَ بِوَصْفِ الفِسْقِ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: يَعْنِي أنَّ أكْثَرَكم إنَّما يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ طَلَبًا لِلرِّياسَةِ والجاهِ وأخْذِ الرِّشْوَةِ والتَّقَرُّبِ إلى المُلُوكِ، فَأنْتُمْ في دِينِكم فُسّاقٌ لا عُدُولٌ، فَإنَّ الكافِرَ والمُبْتَدِعَ قَدْ
صفحة ٣١
يَكُونُ عَدْلَ دِينِهِ، وقَدْ يَكُونُ فاسِقَ دِينِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّهم ما كانُوا كَذَلِكَ فَلِذَلِكَ خُصَّ أكْثَرُهم بِهَذا الحُكْمِ.
والثّانِي: ذُكِرَ أكْثَرُهم لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ مَن آمَنَ مِنهم داخِلٌ في ذَلِكَ.
المائدة 5:60
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (مِن ذَلِكُ) إشارَةٌ إلى المُنْقِمِ، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ المُضافِ، وتَقْدِيرُهُ: بِشَرٍّ مِن أهْلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ولا يُقالُ: المَلْعُونُ شَرٌّ مِن ذَلِكَ الدِّينِ، بَلْ يُقالُ: إنَّهُ شَرٌّ مِمَّنْ لَهُ ذَلِكَ الدِّينُ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ المَوْصُوفِينَ بِذَلِكَ الدِّينِ مَحْكُومًا عَلَيْهِمْ بِالشَّرِّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
قُلْنا: إنَّما خَرَجَ الكَلامُ عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ، فَإنَّهم حَكَمُوا بِأنَّ اعْتِقادَ ذَلِكَ الدِّينِ شَرٌّ، فَقِيلَ لَهم: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ولَكِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ وغَضَبَهُ ومَسْخَ الصُّوَرِ شَرٌّ مِن ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿مَثُوبَةً﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَزْنُها مَفُعْلَةٌ كَقَوْلِكَ: مَقُولَةٌ ومَجُوزَةٌ، وهو بِمَعْنى المَصْدَرِ، وقَدْ جاءَتْ مَصادِرُ عَلى مَفْعُولٍ كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ.
فَإنْ قِيلَ: المَثُوبَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالإحْسانِ، فَكَيْفَ جاءَتْ في الإساءَةِ ؟
قُلْنا: هَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَن ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ﴾ [الحَجِّ: ٧٢] كَأنَّهُ قالَ: هو النّارُ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِن (شَرٍّ) والمَعْنى أُنَبِّئُكم بِمَن لَعَنَهُ اللَّهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ أنْواعًا:
أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى لَعَنَهم.
وثانِيها: أنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمْ.
وثالِثُها: أنَّهُ جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ، قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: عَنى بِالقِرَدَةِ أصْحابَ السَّبْتِ، وبِالخَنازِيرِ كُفّارَ مائِدَةِ عِيسى، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ المَسْخَيْنِ كانا في أصْحابِ السَّبْتِ، لِأنَّ شُبّانَهم مُسِخُوا قِرَدَةً، ومَشايِخَهم مُسِخُوا خَنازِيرَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ أنْواعًا مِنَ القِراءاتِ:
أحَدُها: قَرَأ
صفحة ٣٢
أُبَيٌّ: وعَبَدُوا الطّاغُوتَ.
وثانِيها: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ومَن عَبَدُوا.
وثالِثُها: وعابِدُ الطّاغُوتِ عَطْفًا عَلى القِرَدَةِ.
ورابِعُها: وعابِدِي.
وخامِسُها: وعَبّادُ.
وسادِسُها: وعَبْدَ.
وسابِعُها: وعَبَّدَ، بِوَزْنِ حَطَّمَ.
وثامِنُها: وعَبِيدُ.
وتاسِعُها: وعُبُدُ ”بِضَمَّتَيْنِ“ جَمْعُ عَبِيدٍ.
وعاشِرُها: وعَبَدَةُ بِوَزْنِ كَفَرَةٍ.
والحادِيَ عَشَرَ: وعَبَدُ، وأصْلُهُ عَبَدَةٌ، فَحُذِفَتِ التّاءُ لِلْإضافَةِ، أوْ هو كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ.
والثّانِيَ عَشَرَ: عَبَدَ.
والثّالِثَ عَشَرَ: عِبادُ.
والرّابِعَ عَشَرَ: وأعْبُدُ.
والخامِسَ عَشَرَ: وعُبِدَ الطّاغُوتُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ، بِمَعْنى وعُبِدَ الطّاغُوتُ فِيهِمْ أوْ بَيْنَهم.
والسّادِسَ عَشَرَ: وعَبَدَ الطّاغُوتُ، بِمَعْنى صارَ الطّاغُوتُ مَعْبُودًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِكَ: أمَرَ إذا صارَ أمِيرًا.
والسّابِعَ عَشَرَ: قَرَأ حَمْزَةُ: عَبُدَ الطّاغُوتِ بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الباءِ ونَصْبِ الدّالِ وجَرِّ الطّاغُوتِ، وعابُوا هَذِهِ القِراءَةَ عَلى حَمْزَةَ ولَحَّنُوهُ ونَسَبُوهُ إلى ما لا يَجُوزُ ذِكْرُهُ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّها لَيْسَتْ بِلَحْنٍ ولا خَطَأٍ، وذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ العَبْدَ هو العَبُدُ إلّا أنَّهم ضَمُّوا الباءَ لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ حَذُرٌ وفَطُنٌ لِلْبَلِيغِ في الحَذَرِ والفِطْنَةِ، فَتَأْوِيلُ عَبُدَ الطّاغُوتِ أنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ في طاعَةِ الشَّيْطانِ، وهَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ.
والثّانِي: أنَّ العَبْدَ، والعَبُدَ لُغَتانِ كَقَوْلِهِمْ: سَبْعٌ وسَبُعٌ.
والثّالِثُ: أنَّ العَبُدَ جَمْعُهُ عِبادٌ، والعِبادُ جَمْعُهُ عُبُدٌ كَثِمارٍ وثُمُرٍ، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا ضَمَّتَيْنِ مُتَوالِيَتَيْنِ فَأُبْدِلَتِ الأُولى بِالفَتْحَةِ.
الرّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ أعْبُدُ الطّاغُوتَ، فَيَكُونُ مِثْلَ فَلَسَ وأفْلَسَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ.
الخامِسُ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ: وعَبَدَةَ الطّاغُوتِ كَما قُرِئَ، ثُمَّ حَذَفَ الهاءَ وضَمَّ الباءَ لِئَلّا يُشْتَبَهُ بِالفِعْلِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَأْوِيلُهُ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ ومَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، فَعَلى هَذا: المَوْصُولُ مَحْذُوفٌ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ بِقَضاءِ اللَّهِ، قالُوا: لِأنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ وجَعَلَ اللَّهُ مِنهم مَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، وإنَّما يُعْقَلُ مَعْنى هَذا الجَعْلِ إذا كانَ هو الَّذِي جَعَلَ فِيهِمْ تِلْكَ العِبادَةَ، إذْ لَوْ كانَ جَعْلُ تِلْكَ العِبادَةِ مِنهم لَكانَ اللَّهُ تَعالى ما جَعَلَهم عَبَدَةَ الطّاغُوتِ، بَلْ كانُوا هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا أنْفُسَهم كَذَلِكَ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ الآيَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ووَصَفَهم بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قِيلَ: الطّاغُوتُ العِجْلُ، وقِيلَ: الطّاغُوتُ الأحْبارُ، وكُلُّ مَن أطاعَ أحَدًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَقَدْ عَبَدَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ أُولَئِكَ المَلْعُونُونَ المَمْسُوخُونَ شَرٌّ مَكانًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفي لَفْظِ المَكانِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لِأنَّ مَكانَهم سَقَرُ، ولا مَكانَ أشَدُّ شَرًّا مِنهُ.
والثّانِي: أنَّهُ أُضِيفَ الشَّرُّ في اللَّفْظِ إلى المَكانِ وهو في الحَقِيقَةِ لِأهْلِهِ، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ طَوِيلُ النِّجادِ كَثِيرُ الرَّمادِ، ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى الإشارَةِ إلى الشَّيْءِ بِذِكْرِ لَوازِمِهِ وتَوابِعِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ والدِّينِ الحَقِّ، قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَيَّرَ المُسْلِمُونَ أهْلَ الكِتابِ وقالُوا: يا إخْوانَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، فافْتَضَحُوا ونَكَّسُوا رُؤُوسَهم.
المائدة 5:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ناسٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ نِفاقًا، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِشَأْنِهِمْ وأنَّهم يَخْرُجُونَ مِن مَجْلِسِكَ كَما دَخَلُوا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَلْبِهِمْ شَيْءٌ مِن دَلائِلِكَ وتَقْرِيراتِكَ ونَصائِحِكَ وتَذْكِيراتِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ يُفِيدُ بَقاءَ الكُفْرِ مَعَهم حالَتَيِ الدُّخُولِ والخُرُوجِ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ ولا تَغْيِيرٍ فِيهِ ألْبَتَّةَ، كَما تَقُولُ: دَخَلَ زَيْدٌ بِثَوْبِهِ وخَرَجَ بِهِ، أيْ بَقِيَ ثَوْبُهُ حالَ الخُرُوجِ كَما كانَ حالَ الدُّخُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ عِنْدَ الدُّخُولِ كَلِمَةَ: ”قَدْ“ فَقالَ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ﴾ وذَكَرَ عِنْدَ الخُرُوجِ كَلِمَةَ ”هم“ فَقالَ: ﴿وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ قالُوا: الفائِدَةُ في ذِكْرِ كَلِمَةِ ”قَدْ“ تَقْرِيبُ الماضِي مِنَ الحالِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ كَلِمَةِ ”هم“ التَّأْكِيدُ في إضافَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، ونَفْيُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ فِعْلٌ، أيْ لَمْ يَسْمَعُوا مِنكَ يا مُحَمَّدُ عِنْدَ جُلُوسِهِمْ مَعَكَ ما يُوجِبُ كُفْرًا، فَتَكُونَ أنْتَ الَّذِي ألْقَيْتَهم في الكُفْرِ، بَلْ هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِالكُفْرِ بِاخْتِيارِ أنْفُسِهِمْ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى أضافَ الكُفْرَ إلَيْهِمْ حالَتَيِ الدُّخُولِ والخُرُوجِ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ، وبالَغَ في تَقْرِيرِ تِلْكَ الإضافَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ مِنَ العَبْدِ لا مِنَ اللَّهِ.
والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ والغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةُ فِيما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِدِّ والِاجْتِهادِ في المَكْرِ بِالمُسْلِمِينَ والكَيْدِ بِهِمْ والبُغْضِ والعَداوَةِ لَهم.
المائدة 5:62
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
المُسارَعَةُ في الشَّيْءِ الشُّرُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ، قِيلَ: الإثْمُ الكَذِبُ، والعُدْوانُ الظُّلْمُ، وقِيلَ: الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ ما يَتَعَدّاهم إلى غَيْرِهِمْ، وأمّا أكْلُ السُّحْتِ فَهو أخْذُ الرِّشْوَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِقْصاءُ في
صفحة ٣٤
تَفْسِيرِ السُّحْتِ، وفي الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ والسَّبَبُ أنَّ كُلَّهم ما كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ كانَ بَعْضُهم يَسْتَحِي فَيَتْرُكُ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ لَفْظَ المُسارَعَةِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في أكْثَرِ الأمْرِ في الخَيْرِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٤]، وقالَ تَعالى: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٦] فَكانَ اللّائِقُ بِهَذا المَوْضِعِ لَفْظَ العَجَلَةِ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لَفْظَ المُسارَعَةِ لِفائِدَةٍ، وهي أنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى هَذِهِ المُنْكَراتِ كَأنَّهم مُحِقُّونَ فِيهِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ الإثْمِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَعاصِي والمَنهِيّاتِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهُ العُدْوانَ وأكْلَ السُّحْتِ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أعْظَمُ أنْواعِ المَعْصِيَةِ والإثْمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾
مَعْنى (لَوْلا) هَهُنا التَّخْصِيصُ والتَّوْبِيخُ، وهو بِمَعْنى هَلّا، والكَلامُ في تَفْسِيرِ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ قَدْ تَقَدَّمَ،قالَ الحَسَنُ: الرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ أهْلِ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ عُلَماءُ أهْلِ التَّوْراةِ، وقالَ غَيْرُهُ: كُلُّهُ في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَبْعَدَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهم ما نَهَوْا سَفَلَتَهم وعَوامَّهم عَنِ المَعاصِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تارِكَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِمَنزِلَةِ مُرْتَكِبِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ الفَرِيقَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ ذَمَّ تارِكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أقْوى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في المُقْدِمِينَ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِ السُّحْتِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقالَ في العُلَماءِ التّارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ والصُّنْعُ أقْوى مِنَ العَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ إنَّما يُسَمّى صِناعَةً إذا صارَ مُسْتَقِرًّا راسِخًا مُتَمَكِّنًا، فَجَعَلَ جُرْمَ العامِلِينَ ذَنْبًا غَيْرَ راسِخٍ، وذَنْبَ التّارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ذَنْبًا راسِخًا، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَعْصِيَةَ مَرَضُ الرُّوحِ، وعِلاجُهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ وبِأحْكامِهِ، فَإذا حَصَلَ هَذا العِلْمُ وما زالَتِ المَعْصِيَةُ كانَ مِثْلَ المَرَضِ الَّذِي شَرِبَ صاحِبُهُ الدَّواءَ فَما زالَ، فَكَما أنَّ هُناكَ يَحْصُلُ العِلْمُ بِأنَّ المَرَضَ صَعْبٌ شَدِيدٌ لا يَكادُ يَزُولُ، فَكَذَلِكَ العالِمُ إذا أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ دَلَّ عَلى أنَّ مَرَضَ القَلْبِ في غايَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي أشَدُّ آيَةٍ في القُرْآنِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أخْوَفَ عِنْدِي مِنها واللَّهُ أعْلَمُ.
المائدة 5:63
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
المُسارَعَةُ في الشَّيْءِ الشُّرُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ، قِيلَ: الإثْمُ الكَذِبُ، والعُدْوانُ الظُّلْمُ، وقِيلَ: الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ ما يَتَعَدّاهم إلى غَيْرِهِمْ، وأمّا أكْلُ السُّحْتِ فَهو أخْذُ الرِّشْوَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِقْصاءُ في
صفحة ٣٤
تَفْسِيرِ السُّحْتِ، وفي الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ والسَّبَبُ أنَّ كُلَّهم ما كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ كانَ بَعْضُهم يَسْتَحِي فَيَتْرُكُ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ لَفْظَ المُسارَعَةِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في أكْثَرِ الأمْرِ في الخَيْرِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٤]، وقالَ تَعالى: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٦] فَكانَ اللّائِقُ بِهَذا المَوْضِعِ لَفْظَ العَجَلَةِ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لَفْظَ المُسارَعَةِ لِفائِدَةٍ، وهي أنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى هَذِهِ المُنْكَراتِ كَأنَّهم مُحِقُّونَ فِيهِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ الإثْمِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَعاصِي والمَنهِيّاتِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهُ العُدْوانَ وأكْلَ السُّحْتِ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أعْظَمُ أنْواعِ المَعْصِيَةِ والإثْمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾
مَعْنى (لَوْلا) هَهُنا التَّخْصِيصُ والتَّوْبِيخُ، وهو بِمَعْنى هَلّا، والكَلامُ في تَفْسِيرِ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ قَدْ تَقَدَّمَ،قالَ الحَسَنُ: الرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ أهْلِ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ عُلَماءُ أهْلِ التَّوْراةِ، وقالَ غَيْرُهُ: كُلُّهُ في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَبْعَدَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهم ما نَهَوْا سَفَلَتَهم وعَوامَّهم عَنِ المَعاصِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تارِكَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِمَنزِلَةِ مُرْتَكِبِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ الفَرِيقَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ ذَمَّ تارِكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أقْوى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في المُقْدِمِينَ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِ السُّحْتِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقالَ في العُلَماءِ التّارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ والصُّنْعُ أقْوى مِنَ العَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ إنَّما يُسَمّى صِناعَةً إذا صارَ مُسْتَقِرًّا راسِخًا مُتَمَكِّنًا، فَجَعَلَ جُرْمَ العامِلِينَ ذَنْبًا غَيْرَ راسِخٍ، وذَنْبَ التّارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ذَنْبًا راسِخًا، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَعْصِيَةَ مَرَضُ الرُّوحِ، وعِلاجُهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ وبِأحْكامِهِ، فَإذا حَصَلَ هَذا العِلْمُ وما زالَتِ المَعْصِيَةُ كانَ مِثْلَ المَرَضِ الَّذِي شَرِبَ صاحِبُهُ الدَّواءَ فَما زالَ، فَكَما أنَّ هُناكَ يَحْصُلُ العِلْمُ بِأنَّ المَرَضَ صَعْبٌ شَدِيدٌ لا يَكادُ يَزُولُ، فَكَذَلِكَ العالِمُ إذا أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ دَلَّ عَلى أنَّ مَرَضَ القَلْبِ في غايَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي أشَدُّ آيَةٍ في القُرْآنِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أخْوَفَ عِنْدِي مِنها واللَّهُ أعْلَمُ.
المائدة 5:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
صفحة ٣٥
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا المَوْضِعِ إشْكالٌ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، ولا شَكَّ في أنَّ اللَّهَ تَعالى صادِقٌ في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، ونَرى اليَهُودَ مُطْبِقِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى أنّا لا نَقُولُ ذَلِكَ ولا نَعْتَقِدُهُ ألْبَتَّةَ، وأيْضًا المَذْهَبُ الَّذِي يُحْكى عَنِ العُقَلاءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْلُومَ البُطْلانِ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، والقَوْلُ بِأنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ قَوْلٌ باطِلٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا (اللَّهُ) اسْمٌ لِمَوْجُودٍ قَدِيمٍ، وقادِرٍ عَلى خَلْقِ العالَمِ وإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وهَذا المَوْجُودُ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ يَدُهُ مَغْلُولَةً وقُدْرَتُهُ مُقَيَّدَةً وقاصِرَةً، وإلّا فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ مَعَ القُدْرَةِ النّاقِصَةِ حِفْظُ العالَمِ وتَدْبِيرُهُ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: حَصَلَ الإشْكالُ الشَّدِيدُ في كَيْفِيَّةِ تَصْحِيحِ هَذا النَّقْلِ وهَذِهِ الرِّوايَةِ، فَنَقُولُ: عِنْدَنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ إنَّما قالُوا هَذا عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ، فَإنَّهم لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٥] قالُوا: لَوِ احْتاجَ إلى القَرْضِ لَكانَ فَقِيرًا عاجِزًا، فَلَمّا حَكَمُوا بِأنَّ الإلَهَ الَّذِي يَسْتَقْرِضُ شَيْئًا مِن عِبادِهِ فَقِيرٌ مَغْلُولُ اليَدَيْنِ، لا جَرَمَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذا الكَلامَ.
الثّانِي: لَعَلَّ القَوْمَ لَمّا رَأوْا أصْحابَ الرَّسُولِ ﷺ في غايَةِ الشِّدَّةِ والفَقْرِ والحاجَةِ قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ: إنَّ إلَهَ مُحَمَّدٍ فَقِيرٌ مَغْلُولُ اليَدِ، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذا الكَلامَ.
الثّالِثُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: اليَهُودُ كانُوا أكْثَرَ النّاسِ مالًا وثَرْوَةً، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وكَذَّبُوا بِهِ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَعِيشَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتِ اليَهُودُ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، أيْ مَقْبُوضَةٌ عَنِ العَطاءِ عَلى جِهَةِ الصِّفَةِ بِالبُخْلِ، والجاهِلُ إذا وقَعَ في البَلاءِ والشِّدَّةِ والمِحْنَةِ يَقُولُ مِثْلَ هَذِهِ الألْفاظِ.
الرّابِعُ: لَعَلَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن كانَ عَلى مَذْهَبِ الفَلْسَفَةِ، وهو أنَّهُ تَعالى مُوجِبٌ لِذاتِهِ، وأنَّ حُدُوثَ الحَوادِثِ عَنْهُ لا يُمْكِنُ إلّا عَلى نَهْجٍ واحِدٍ وسُنَنٍ واحِدٍ، وأنَّهُ تَعالى غَيْرُ قادِرٍ عَلى إحْداثِ الحَوادِثِ عَلى غَيْرِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْها تَقَعُ، فَعَبَّرُوا عَنْ عَدَمِ الِاقْتِدارِ عَلى التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ بِغِلِّ اليَدِ.
الخامِسُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ هو قَوْلُ اليَهُودِ: إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُنا إلّا بِقَدْرِ الأيّامِ الَّتِي عَبَدْنا العِجْلَ فِيها، إلّا أنَّهم عَبَّرُوا عَنْ كَوْنِهِ تَعالى غَيْرَ مُعَذِّبٍ لَهم إلّا في هَذا القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ بِهَذِهِ العِبارَةِ الفاسِدَةِ، واسْتَوْجَبُوا اللَّعْنَ بِسَبَبِ فَسادِ العِبارَةِ وعَدَمِ رِعايَةِ الأدَبِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ صَحِيحَةٌ عَلى كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: غَلُّ اليَدِ وبَسْطُها مَجازٌ مَشْهُورٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ قالُوا: والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ لا سِيَّما لِدَفْعِ المالِ ولِإنْفاقِهِ، فَأطْلَقُوا اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، وأسْنَدُوا الجُودَ والبُخْلَ إلى اليَدِ والبَنانِ والكَفِّ والأنامِلِ، فَقِيلَ لِلْجَوادِ: فَيّاضُ الكَفِّ مَبْسُوطُ اليَدِ، وبَسِطُ البَنانِ تَرِهُ الأنامِلِ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: كَزُّ الأصابِعِ مَقْبُوضُ الكَفِّ جَعْدُ الأنامِلِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ المُرادُ مِنهُ البُخْلُ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ المُرادُ مِنهُ أيْضًا البُخْلُ لِتَصِحَّ المُطابَقَةُ، والبُخْلُ مِنَ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ الَّتِي نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْها، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ؟
قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ المُكْنَةِ مِنَ البَذْلِ والإعْطاءِ، ثُمَّ إنَّ عَدَمَ المُكْنَةِ مِنَ الإعْطاءِ تارَةً يَكُونُ لِأجْلِ البُخْلِ، وتارَةً يَكُونُ لِأجْلِ الفَقْرِ، وتارَةً يَكُونُ لِأجْلِ العَجْزِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ دُعاءٌ
صفحة ٣٦
عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ القُدْرَةِ والمُكْنَةِ؛ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ العَجْزِ أوِ الفَقْرِ أوِ البُخْلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ يَزُولُ الإشْكالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يُعَلِّمُنا أنْ نَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الدُّعاءِ كَما عَلَّمَنا الِاسْتِثْناءَ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٧] وكَما عَلَّمَنا الدُّعاءَ عَلى المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٠] وعَلى أبِي لَهَبٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ١] .
الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ، قالَ الحَسَنُ: غُلَّتْ أيْدِيهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ عَلى الحَقِيقَةِ، أيْ شُدَّتْ إلى أعْناقِهِمْ جَزاءً لَهم عَلى هَذا القَوْلِ.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ هَذا الغُلُّ إنَّما حُكِمَ بِهِ جَزاءً لَهم عَلى هَذا القَوْلِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: فَغُلَّتْ أيْدِيهِمْ.
قُلْنا: حُذِفَ العَطْفُ وإنْ كانَ مُضْمَرًا إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِفائِدَةٍ، وهي أنَّهُ لَمّا حُذِفَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ كالكَلامِ المُبْتَدَأِ بِهِ، وكَوْنُ الكَلامِ مُبْتَدَأً بِهِ يَزِيدُهُ قُوَّةً ووَثاقَةً؛ لِأنَّ الِابْتِداءَ بِالشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ وقُوَّةِ الِاعْتِناءِ بِتَقْرِيرِهِ، ونَظِيرُ هَذا المَوْضِعِ في حَذْفِ فاءِ التَّعْقِيبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ [البَقَرَةِ: ٦٧]، ولَمْ يَقُلْ: فَقالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ قالَ الحَسَنُ: عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالجِزْيَةِ وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُهِمّاتِ، فَإنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ مِنَ القُرْآنِ ناطِقَةٌ بِإثْباتِ اليَدِ، فَتارَةً المَذْكُورُ هو اليَدُ مِن غَيْرِ بَيانِ العَدَدِ، قالَ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفَتْحِ: ١٠] وتارَةً بِإثْباتِ اليَدَيْنِ لِلَّهِ تَعالى: مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ المَلْعُونِ: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وتارَةً بِإثْباتِ الأيْدِي، قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَتِ الأُمَّةُ في تَفْسِيرِ يَدِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَتِ المُجَسِّمَةُ: إنَّها عُضْوٌ جُسْمانِيٌّ كَما في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٥] .
وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى قَدَحَ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ لِأجْلِ أنَّها لَيْسَ لَها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ لِلَّهِ هَذِهِ الأعْضاءُ لَزِمَ القَدْحُ في كَوْنِهِ إلَهًا، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ إثْباتُ هَذِهِ الأعْضاءِ لَهُ، قالُوا: وأيْضًا اسْمُ اليَدِ مَوْضُوعٌ لِهَذا العُضْوِ، فَحَمْلُهُ عَلى شَيْءٍ آخَرَ تَرْكٌ لِلُّغَةِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في إبْطالِ هَذا القَوْلِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الجِسْمَ لا يَنْفَكُّ عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، وهُما مُحْدَثانِ، وما لا يَنْفَكُّ عَنِ المُحْدَثِ فَهو مُحْدَثٌ؛ ولِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَهو مُتَناهٍ في المِقْدارِ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا في المِقْدارِ فَهو مُحْدَثٌ، ولِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَهو مُؤَلَّفٌ مِنَ الأجْزاءِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ قابِلًا لِلتَّرْكِيبِ والِانْحِلالِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ افْتَقَرَ إلى ما يُرَكِّبُهُ ويُؤَلِّفُهُ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ تَعالى جِسْمًا، فَيَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ يَدُهُ عُضْوًا جُسْمانِيًّا.
صفحة ٣٧
أمّا جُمْهُورُ المُوَحِّدِينَ فَلَهم في لَفْظِ اليَدِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ مَن يَقُولُ: القُرْآنُ لَمّا دَلَّ عَلى إثْباتِ اليَدِ لِلَّهِ تَعالى آمَنّا بِهِ، والعَقْلُ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ يَدُ اللَّهِ عِبارَةً عَنْ جِسْمٍ مَخْصُوصٍ وعُضْوٍ مُرَكَّبٍ مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ آمَنّا بِهِ، فَأمّا أنَّ اليَدَ ما هي وما حَقِيقَتُها فَقَدْ فَوَّضْنا مَعْرِفَتَها إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو طَرِيقَةُ السَّلَفِ.
وأمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقالُوا: اليَدُ تُذْكَرُ في اللُّغَةِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: الجارِحَةُ وهو مَعْلُومٌ.
وثانِيها: النِّعْمَةُ، قَوْلُهُ: لِفُلانٍ عِنْدِي يَدٌ أشْكُرُهُ عَلَيْها.
وثالِثُها: القُوَّةُ قالَ تَعالى: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ [ص: ٤٥] فَسَّرُوهُ بِذَوِي القُوى والعُقُولِ، وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّهم قالُوا: لا يَدَ لَكَ بِهَذا، والمَعْنى سَلْبُ كَمالِ القُدْرَةِ.
ورابِعُها: المِلْكُ، يُقالُ: هَذِهِ الضَّيْعَةُ في يَدِ فُلانٍ، أيْ في مِلْكِهِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] أيْ يَمْلِكُ ذَلِكَ.
وخامِسُها: شِدَّةُ العِنايَةِ والِاخْتِصاصِ، قالَ تَعالى: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] والمُرادُ تَخْصِيصُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا التَّشْرِيفِ، فَإنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، ويُقالُ: يَدِي لَكَ رَهْنٌ بِالوَفاءِ إذا ضَمِنَ لَهُ شَيْئًا.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اليَدُ في حَقِّ اللَّهِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الجارِحَةِ، وأمّا سائِرُ المَعانِي فَكُلُّها حاصِلَةٌ، وهَهُنا قَوْلٌ آخَرُ، وهو أنَّ أبا الحَسَنِ الأشْعَرِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ زَعَمَ في بَعْضِ أقْوالِهِ أنَّ اليَدَ صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى، وهي صِفَةٌ سِوى القُدْرَةِ مِن شَأْنِها التَّكْوِينُ عَلى سَبِيلِ الِاصْطِفاءِ، قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ وُقُوعَ خَلْقِ آدَمَ بِيَدَيْهِ عِلَّةً لِكَرامَةِ آدَمَ واصْطِفائِهِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ لامْتَنَعَ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلِاصْطِفاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ صِفَةٍ أُخْرى وراءَ القُدْرَةِ يَقَعُ بِها الخَلْقُ والتَّكْوِينُ عَلى سَبِيلِ الِاصْطِفاءِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ زَعَمُوا أنَّ اليَدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ وعَنِ النِّعْمَةِ.
فَإنْ قِيلَ: إنْ فَسَّرْتُمُ اليَدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ فَهَذا مُشْكَلٌ؛ لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى واحِدَةٌ، ونَصُّ القُرْآنِ ناطِقٌ بِإثْباتِ اليَدَيْنِ تارَةً، وبِإثْباتِ الأيْدِي أُخْرى، وإنْ فَسَّرْتُمُوها بِالنِّعْمَةِ فَنَصُّ القُرْآنِ ناطِقٌ بِإثْباتِ اليَدَيْنِ، ونِعَمُ اللَّهِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٤] .
والجَوابُ: إنِ اخْتَرْنا تَفْسِيرَ اليَدِ بِالقُدْرَةِ كانَ الجَوابُ عَنِ الإشْكالِ المَذْكُورِ أنَّ القَوْمَ جَعَلُوا قَوْلَهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ كِنايَةً عَنِ البُخْلِ، فَأُجِيبُوا عَلى وفْقِ كَلامِهِمْ، فَقِيلَ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما وصَفْتُمُوهُ بِهِ مِنَ البُخْلِ، بَلْ هو جَوادٌ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، فَإنَّ مَن أعْطى بِيَدِهِ أعْطى عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وأمّا إنِ اخْتَرْنا تَفْسِيرَ اليَدِ بِالنِّعْمَةِ كانَ الجَوابُ عَنِ الإشْكالِ المَذْكُورِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ نِسْبَةٌ بِحَسَبِ الجِنْسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ تَحْتَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِنْسَيْنِ أنْواعٌ لا نِهايَةَ لَها، فَقِيلَ: نِعْمَتاهُ نِعْمَةُ الدِّينِ ونِعْمَةُ الدُّنْيا، أوْ نِعْمَةُ الظّاهِرِ ونِعْمَةُ الباطِنِ، أوْ نِعْمَةُ النَّفْعِ ونِعْمَةُ الدَّفْعِ، أوْ نِعْمَةُ الشِّدَّةِ ونِعْمَةُ الرَّخاءِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنِّسْبَةِ المُبالَغَةُ في وصْفِ النِّعْمَةِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهم: (لَبَّيْكَ) مَعْناهُ إقامَةٌ عَلى طاعَتِكَ بَعْدَ إقامَةٍ، وكَذَلِكَ (سَعْدَيْكَ) مَعْناهُ مُساعَدَةٌ بَعْدَ مُساعَدَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ طاعَتَيْنِ ولا مُساعَدَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ الآيَةُ: المَعْنى فِيها أنَّ النِّعْمَةَ مُتَظاهِرَةٌ مُتَتابِعَةٌ لَيْسَتْ كَما ادُّعِيَ مِن أنَّها مَقْبُوضَةٌ مُمْتَنِعَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أيْ يَرْزُقُ ويَخْلُقُ كَيْفَ يَشاءُ، إنْ شاءَ قَتَّرَ، وإنْ شاءَ وسَّعَ، وقالَ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشُّورى: ٢٧]، وقالَ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن﴾
صفحة ٣٨
﴿يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٦] وقالَ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٦] .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى إعْطاءُ الثَّوابِ لِلْمُطِيعِ، ويَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يُعاقِبَهُ، ويَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يُدْخِلَ العاصِيَ الجَنَّةَ، ويَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يُعاقِبَهُ، فَهَذا المَنعُ والحَجْرُ والقَيْدُ يَجْرِي مَجْرى الغِلِّ، فَهم في الحَقِيقَةِ قائِلُونَ بِأنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَهُمُ القائِلُونَ بِأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ، ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقٌ، ولا لِأحَدٍ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ كَما قالَ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائِدَةِ: ١٧] فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى هَذا المَذْهَبِ وهَذِهِ المَقالَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى الدِّينِ القَوِيمِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالكَثِيرِ عُلَماءُ اليَهُودِ، يَعْنِي ازْدادُوا عِنْدَ نُزُولِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ مِنَ القُرْآنِ والحُجَجِ شِدَّةً في الكُفْرِ وغُلُوًّا في الإنْكارِ، كَما يُقالُ: ما زادَتْكَ مَوْعِظَتِي إلّا شَرًّا. وقِيلَ: إقامَتُهم عَلى الكُفْرِ زِيادَةٌ مِنهم في الكُفْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُراعِي مَصالِحَ الدِّينِ والدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهم يَزْدادُونَ عِنْدَ إنْزالِ تِلْكَ الآياتِ كُفْرًا وضَلالًا، فَلَوْ كانَتْ أفْعالُهُ مُعَلَّلَةً بِرِعايَةِ المَصالِحِ لِلْعِبادِ لامْتَنَعَ عَلَيْهِ إنْزالُ تِلْكَ الآياتِ، فَلَمّا أنْزَلَها عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى لا يُراعِي مَصالِحَ العِبادِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٥] .
فَإنْ قالُوا: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِمْ أنَّهم سَواءٌ أنْزَلَها أوْ لَمْ يُنْزِلْها فَإنَّهم يَأْتُونَ بِتِلْكَ الزِّيادَةِ مِنَ الكُفْرِ، فَلِهَذا حَسُنَ مِنهُ تَعالى إنْزالُها.
قُلْنا: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِازْدِيادُ لِأجْلِ إنْزالِ تِلْكَ الآياتِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ إضافَةُ ازْدِيادِ الكُفْرِ إلى إنْزالِ تِلْكَ الآياتِ باطِلًا، وذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِنَصِّ القُرْآنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اتِّصالَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم إنَّما يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلائِلِ عَلى صِحَّتِها لِأجْلِ الحَسَدِ ولِأجْلِ حُبِّ الجاهِ والتَّبَعِ والمالِ والسِّيادَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لَمّا رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَما حَرَمَهم سَعادَةَ الدِّينِ، فَكَذَلِكَ حَرَمَهم سَعادَةَ الدُّنْيا؛ لِأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم بَقِيَ مُصِرًّا عَلى مَذْهَبِهِ ومَقالَتِهِ، يُبالِغُ في نُصْرَتِهِ ويَطْعَنُ في كُلِّ ما سِواهُ مِنَ المَذاهِبِ والمَقالاتِ تَعْظِيمًا لِنَفْسِهِ وتَرْوِيجًا لِمَذْهَبِهِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخُصُومَةِ الشَّدِيدَةِ بَيْنَ فِرَقِهِمْ وطَوائِفِهِمْ، وانْتَهى الأمْرُ فِيهِ إلى أنَّ بَعْضَهم يُكَفِّرُ بَعْضًا ويَغْزُو بَعْضُهم بَعْضًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِنَ العَداوَةِ؛ لِأنَّهُ جَرى ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ وُقُوعُ العَداوَةِ
صفحة ٣٩
بَيْنَ فِرَقِ اليَهُودِ، فَإنَّ بَعْضَهم جَبْرِيَّةٌ، وبَعْضَهم قَدَرِيَّةٌ، وبَعْضَهم مُوَحِّدَةٌ، وبَعْضَهم مُشَبِّهَةٌ، وكَذَلِكَ بَيْنَ فِرَقِ النَّصارى: كالمَلْكانِيَّةِ والنُّسْطُورِيَّةِ واليَعْقُوبِيَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا المَعْنى حاصِلٌ بِتَمامِهِ بَيْنَ فِرَقِ المُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ عَيْبًا عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ؟
قُلْنا: هَذِهِ البِدَعُ إنَّما حَدَثَتْ بَعْدَ عَصْرِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، أمّا في ذَلِكَ الزَّمانِ فَلَمْ يَكُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حاصِلًا، فَلا جَرَمَ حَسُنَ مِنَ الرَّسُولِ ومِن أصْحابِهِ جَعْلُ ذَلِكَ عَيْبًا عَلى اليَهُودِ والنَّصارى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ .
وهَذا شَرْحُ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ المِحَنِ عَلى اليَهُودِ، وهو أنَّهم كُلَّما هَمُّوا بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ رَجَعُوا خائِبِينَ خاسِرِينَ مَقْهُورِينَ مَلْعُونِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَما ثُقِفُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٢] قالَ قَتادَةُ: لا تَلْقى اليَهُودَ بِبَلْدَةٍ إلّا وجَدْتَهم مِن أذَلِّ النّاسِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ أيْ لَيْسَ يَحْصُلُ في أمْرِهِمْ قُوَّةٌ مِنَ العِزَّةِ والمَنَعَةِ، إلّا أنَّهم يَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا، وذَلِكَ بِأنْ يَخْدَعُوا ضَعِيفًا، ويَسْتَخْرِجُوا نَوْعًا مِنَ المَكْرِ والكَيْدِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ.
وقِيلَ: إنَّهم لَمّا خالَفُوا حُكْمَ التَّوْراةِ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنْصَرَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ المَجُوسَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السّاعِيَ في الأرْضِ بِالفَسادِ مَمْقُوتٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المائدة 5:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
صفحة ٣٥
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذا المَوْضِعِ إشْكالٌ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنِ اليَهُودِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، ولا شَكَّ في أنَّ اللَّهَ تَعالى صادِقٌ في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ، ونَرى اليَهُودَ مُطْبِقِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى أنّا لا نَقُولُ ذَلِكَ ولا نَعْتَقِدُهُ ألْبَتَّةَ، وأيْضًا المَذْهَبُ الَّذِي يُحْكى عَنِ العُقَلاءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْلُومَ البُطْلانِ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، والقَوْلُ بِأنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ قَوْلٌ باطِلٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَنا (اللَّهُ) اسْمٌ لِمَوْجُودٍ قَدِيمٍ، وقادِرٍ عَلى خَلْقِ العالَمِ وإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وهَذا المَوْجُودُ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ يَدُهُ مَغْلُولَةً وقُدْرَتُهُ مُقَيَّدَةً وقاصِرَةً، وإلّا فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ مَعَ القُدْرَةِ النّاقِصَةِ حِفْظُ العالَمِ وتَدْبِيرُهُ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: حَصَلَ الإشْكالُ الشَّدِيدُ في كَيْفِيَّةِ تَصْحِيحِ هَذا النَّقْلِ وهَذِهِ الرِّوايَةِ، فَنَقُولُ: عِنْدَنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ إنَّما قالُوا هَذا عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ، فَإنَّهم لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٥] قالُوا: لَوِ احْتاجَ إلى القَرْضِ لَكانَ فَقِيرًا عاجِزًا، فَلَمّا حَكَمُوا بِأنَّ الإلَهَ الَّذِي يَسْتَقْرِضُ شَيْئًا مِن عِبادِهِ فَقِيرٌ مَغْلُولُ اليَدَيْنِ، لا جَرَمَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذا الكَلامَ.
الثّانِي: لَعَلَّ القَوْمَ لَمّا رَأوْا أصْحابَ الرَّسُولِ ﷺ في غايَةِ الشِّدَّةِ والفَقْرِ والحاجَةِ قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ: إنَّ إلَهَ مُحَمَّدٍ فَقِيرٌ مَغْلُولُ اليَدِ، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذا الكَلامَ.
الثّالِثُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: اليَهُودُ كانُوا أكْثَرَ النّاسِ مالًا وثَرْوَةً، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وكَذَّبُوا بِهِ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَعِيشَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتِ اليَهُودُ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، أيْ مَقْبُوضَةٌ عَنِ العَطاءِ عَلى جِهَةِ الصِّفَةِ بِالبُخْلِ، والجاهِلُ إذا وقَعَ في البَلاءِ والشِّدَّةِ والمِحْنَةِ يَقُولُ مِثْلَ هَذِهِ الألْفاظِ.
الرّابِعُ: لَعَلَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن كانَ عَلى مَذْهَبِ الفَلْسَفَةِ، وهو أنَّهُ تَعالى مُوجِبٌ لِذاتِهِ، وأنَّ حُدُوثَ الحَوادِثِ عَنْهُ لا يُمْكِنُ إلّا عَلى نَهْجٍ واحِدٍ وسُنَنٍ واحِدٍ، وأنَّهُ تَعالى غَيْرُ قادِرٍ عَلى إحْداثِ الحَوادِثِ عَلى غَيْرِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْها تَقَعُ، فَعَبَّرُوا عَنْ عَدَمِ الِاقْتِدارِ عَلى التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ بِغِلِّ اليَدِ.
الخامِسُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ هو قَوْلُ اليَهُودِ: إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُنا إلّا بِقَدْرِ الأيّامِ الَّتِي عَبَدْنا العِجْلَ فِيها، إلّا أنَّهم عَبَّرُوا عَنْ كَوْنِهِ تَعالى غَيْرَ مُعَذِّبٍ لَهم إلّا في هَذا القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ بِهَذِهِ العِبارَةِ الفاسِدَةِ، واسْتَوْجَبُوا اللَّعْنَ بِسَبَبِ فَسادِ العِبارَةِ وعَدَمِ رِعايَةِ الأدَبِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ صَحِيحَةٌ عَلى كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: غَلُّ اليَدِ وبَسْطُها مَجازٌ مَشْهُورٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ قالُوا: والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ لا سِيَّما لِدَفْعِ المالِ ولِإنْفاقِهِ، فَأطْلَقُوا اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، وأسْنَدُوا الجُودَ والبُخْلَ إلى اليَدِ والبَنانِ والكَفِّ والأنامِلِ، فَقِيلَ لِلْجَوادِ: فَيّاضُ الكَفِّ مَبْسُوطُ اليَدِ، وبَسِطُ البَنانِ تَرِهُ الأنامِلِ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: كَزُّ الأصابِعِ مَقْبُوضُ الكَفِّ جَعْدُ الأنامِلِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ المُرادُ مِنهُ البُخْلُ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ المُرادُ مِنهُ أيْضًا البُخْلُ لِتَصِحَّ المُطابَقَةُ، والبُخْلُ مِنَ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ الَّتِي نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْها، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ؟
قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ المُكْنَةِ مِنَ البَذْلِ والإعْطاءِ، ثُمَّ إنَّ عَدَمَ المُكْنَةِ مِنَ الإعْطاءِ تارَةً يَكُونُ لِأجْلِ البُخْلِ، وتارَةً يَكُونُ لِأجْلِ الفَقْرِ، وتارَةً يَكُونُ لِأجْلِ العَجْزِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ دُعاءٌ
صفحة ٣٦
عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ القُدْرَةِ والمُكْنَةِ؛ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ العَجْزِ أوِ الفَقْرِ أوِ البُخْلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ يَزُولُ الإشْكالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى يُعَلِّمُنا أنْ نَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الدُّعاءِ كَما عَلَّمَنا الِاسْتِثْناءَ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٧] وكَما عَلَّمَنا الدُّعاءَ عَلى المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٠] وعَلى أبِي لَهَبٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المَسَدِ: ١] .
الثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ، قالَ الحَسَنُ: غُلَّتْ أيْدِيهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ عَلى الحَقِيقَةِ، أيْ شُدَّتْ إلى أعْناقِهِمْ جَزاءً لَهم عَلى هَذا القَوْلِ.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ هَذا الغُلُّ إنَّما حُكِمَ بِهِ جَزاءً لَهم عَلى هَذا القَوْلِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: فَغُلَّتْ أيْدِيهِمْ.
قُلْنا: حُذِفَ العَطْفُ وإنْ كانَ مُضْمَرًا إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِفائِدَةٍ، وهي أنَّهُ لَمّا حُذِفَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ كالكَلامِ المُبْتَدَأِ بِهِ، وكَوْنُ الكَلامِ مُبْتَدَأً بِهِ يَزِيدُهُ قُوَّةً ووَثاقَةً؛ لِأنَّ الِابْتِداءَ بِالشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ وقُوَّةِ الِاعْتِناءِ بِتَقْرِيرِهِ، ونَظِيرُ هَذا المَوْضِعِ في حَذْفِ فاءِ التَّعْقِيبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ [البَقَرَةِ: ٦٧]، ولَمْ يَقُلْ: فَقالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ قالَ الحَسَنُ: عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالجِزْيَةِ وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُهِمّاتِ، فَإنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ مِنَ القُرْآنِ ناطِقَةٌ بِإثْباتِ اليَدِ، فَتارَةً المَذْكُورُ هو اليَدُ مِن غَيْرِ بَيانِ العَدَدِ، قالَ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفَتْحِ: ١٠] وتارَةً بِإثْباتِ اليَدَيْنِ لِلَّهِ تَعالى: مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ المَلْعُونِ: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وتارَةً بِإثْباتِ الأيْدِي، قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَتِ الأُمَّةُ في تَفْسِيرِ يَدِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَتِ المُجَسِّمَةُ: إنَّها عُضْوٌ جُسْمانِيٌّ كَما في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٥] .
وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى قَدَحَ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ لِأجْلِ أنَّها لَيْسَ لَها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ لِلَّهِ هَذِهِ الأعْضاءُ لَزِمَ القَدْحُ في كَوْنِهِ إلَهًا، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ إثْباتُ هَذِهِ الأعْضاءِ لَهُ، قالُوا: وأيْضًا اسْمُ اليَدِ مَوْضُوعٌ لِهَذا العُضْوِ، فَحَمْلُهُ عَلى شَيْءٍ آخَرَ تَرْكٌ لِلُّغَةِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في إبْطالِ هَذا القَوْلِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الجِسْمَ لا يَنْفَكُّ عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، وهُما مُحْدَثانِ، وما لا يَنْفَكُّ عَنِ المُحْدَثِ فَهو مُحْدَثٌ؛ ولِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَهو مُتَناهٍ في المِقْدارِ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا في المِقْدارِ فَهو مُحْدَثٌ، ولِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَهو مُؤَلَّفٌ مِنَ الأجْزاءِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ قابِلًا لِلتَّرْكِيبِ والِانْحِلالِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ افْتَقَرَ إلى ما يُرَكِّبُهُ ويُؤَلِّفُهُ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ تَعالى جِسْمًا، فَيَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ يَدُهُ عُضْوًا جُسْمانِيًّا.
صفحة ٣٧
أمّا جُمْهُورُ المُوَحِّدِينَ فَلَهم في لَفْظِ اليَدِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ مَن يَقُولُ: القُرْآنُ لَمّا دَلَّ عَلى إثْباتِ اليَدِ لِلَّهِ تَعالى آمَنّا بِهِ، والعَقْلُ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ يَدُ اللَّهِ عِبارَةً عَنْ جِسْمٍ مَخْصُوصٍ وعُضْوٍ مُرَكَّبٍ مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ آمَنّا بِهِ، فَأمّا أنَّ اليَدَ ما هي وما حَقِيقَتُها فَقَدْ فَوَّضْنا مَعْرِفَتَها إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو طَرِيقَةُ السَّلَفِ.
وأمّا المُتَكَلِّمُونَ فَقالُوا: اليَدُ تُذْكَرُ في اللُّغَةِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: الجارِحَةُ وهو مَعْلُومٌ.
وثانِيها: النِّعْمَةُ، قَوْلُهُ: لِفُلانٍ عِنْدِي يَدٌ أشْكُرُهُ عَلَيْها.
وثالِثُها: القُوَّةُ قالَ تَعالى: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ [ص: ٤٥] فَسَّرُوهُ بِذَوِي القُوى والعُقُولِ، وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّهم قالُوا: لا يَدَ لَكَ بِهَذا، والمَعْنى سَلْبُ كَمالِ القُدْرَةِ.
ورابِعُها: المِلْكُ، يُقالُ: هَذِهِ الضَّيْعَةُ في يَدِ فُلانٍ، أيْ في مِلْكِهِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] أيْ يَمْلِكُ ذَلِكَ.
وخامِسُها: شِدَّةُ العِنايَةِ والِاخْتِصاصِ، قالَ تَعالى: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] والمُرادُ تَخْصِيصُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا التَّشْرِيفِ، فَإنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، ويُقالُ: يَدِي لَكَ رَهْنٌ بِالوَفاءِ إذا ضَمِنَ لَهُ شَيْئًا.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اليَدُ في حَقِّ اللَّهِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الجارِحَةِ، وأمّا سائِرُ المَعانِي فَكُلُّها حاصِلَةٌ، وهَهُنا قَوْلٌ آخَرُ، وهو أنَّ أبا الحَسَنِ الأشْعَرِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ زَعَمَ في بَعْضِ أقْوالِهِ أنَّ اليَدَ صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى، وهي صِفَةٌ سِوى القُدْرَةِ مِن شَأْنِها التَّكْوِينُ عَلى سَبِيلِ الِاصْطِفاءِ، قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ وُقُوعَ خَلْقِ آدَمَ بِيَدَيْهِ عِلَّةً لِكَرامَةِ آدَمَ واصْطِفائِهِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ لامْتَنَعَ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلِاصْطِفاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ صِفَةٍ أُخْرى وراءَ القُدْرَةِ يَقَعُ بِها الخَلْقُ والتَّكْوِينُ عَلى سَبِيلِ الِاصْطِفاءِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ زَعَمُوا أنَّ اليَدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ وعَنِ النِّعْمَةِ.
فَإنْ قِيلَ: إنْ فَسَّرْتُمُ اليَدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ فَهَذا مُشْكَلٌ؛ لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى واحِدَةٌ، ونَصُّ القُرْآنِ ناطِقٌ بِإثْباتِ اليَدَيْنِ تارَةً، وبِإثْباتِ الأيْدِي أُخْرى، وإنْ فَسَّرْتُمُوها بِالنِّعْمَةِ فَنَصُّ القُرْآنِ ناطِقٌ بِإثْباتِ اليَدَيْنِ، ونِعَمُ اللَّهِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٤] .
والجَوابُ: إنِ اخْتَرْنا تَفْسِيرَ اليَدِ بِالقُدْرَةِ كانَ الجَوابُ عَنِ الإشْكالِ المَذْكُورِ أنَّ القَوْمَ جَعَلُوا قَوْلَهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ كِنايَةً عَنِ البُخْلِ، فَأُجِيبُوا عَلى وفْقِ كَلامِهِمْ، فَقِيلَ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما وصَفْتُمُوهُ بِهِ مِنَ البُخْلِ، بَلْ هو جَوادٌ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، فَإنَّ مَن أعْطى بِيَدِهِ أعْطى عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وأمّا إنِ اخْتَرْنا تَفْسِيرَ اليَدِ بِالنِّعْمَةِ كانَ الجَوابُ عَنِ الإشْكالِ المَذْكُورِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ نِسْبَةٌ بِحَسَبِ الجِنْسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ تَحْتَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِنْسَيْنِ أنْواعٌ لا نِهايَةَ لَها، فَقِيلَ: نِعْمَتاهُ نِعْمَةُ الدِّينِ ونِعْمَةُ الدُّنْيا، أوْ نِعْمَةُ الظّاهِرِ ونِعْمَةُ الباطِنِ، أوْ نِعْمَةُ النَّفْعِ ونِعْمَةُ الدَّفْعِ، أوْ نِعْمَةُ الشِّدَّةِ ونِعْمَةُ الرَّخاءِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنِّسْبَةِ المُبالَغَةُ في وصْفِ النِّعْمَةِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهم: (لَبَّيْكَ) مَعْناهُ إقامَةٌ عَلى طاعَتِكَ بَعْدَ إقامَةٍ، وكَذَلِكَ (سَعْدَيْكَ) مَعْناهُ مُساعَدَةٌ بَعْدَ مُساعَدَةٍ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ طاعَتَيْنِ ولا مُساعَدَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ الآيَةُ: المَعْنى فِيها أنَّ النِّعْمَةَ مُتَظاهِرَةٌ مُتَتابِعَةٌ لَيْسَتْ كَما ادُّعِيَ مِن أنَّها مَقْبُوضَةٌ مُمْتَنِعَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أيْ يَرْزُقُ ويَخْلُقُ كَيْفَ يَشاءُ، إنْ شاءَ قَتَّرَ، وإنْ شاءَ وسَّعَ، وقالَ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشُّورى: ٢٧]، وقالَ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن﴾
صفحة ٣٨
﴿يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٦] وقالَ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٦] .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى إعْطاءُ الثَّوابِ لِلْمُطِيعِ، ويَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يُعاقِبَهُ، ويَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يُدْخِلَ العاصِيَ الجَنَّةَ، ويَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يُعاقِبَهُ، فَهَذا المَنعُ والحَجْرُ والقَيْدُ يَجْرِي مَجْرى الغِلِّ، فَهم في الحَقِيقَةِ قائِلُونَ بِأنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَهُمُ القائِلُونَ بِأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ، ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقٌ، ولا لِأحَدٍ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ كَما قالَ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائِدَةِ: ١٧] فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى هَذا المَذْهَبِ وهَذِهِ المَقالَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى الدِّينِ القَوِيمِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالكَثِيرِ عُلَماءُ اليَهُودِ، يَعْنِي ازْدادُوا عِنْدَ نُزُولِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ مِنَ القُرْآنِ والحُجَجِ شِدَّةً في الكُفْرِ وغُلُوًّا في الإنْكارِ، كَما يُقالُ: ما زادَتْكَ مَوْعِظَتِي إلّا شَرًّا. وقِيلَ: إقامَتُهم عَلى الكُفْرِ زِيادَةٌ مِنهم في الكُفْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُراعِي مَصالِحَ الدِّينِ والدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهم يَزْدادُونَ عِنْدَ إنْزالِ تِلْكَ الآياتِ كُفْرًا وضَلالًا، فَلَوْ كانَتْ أفْعالُهُ مُعَلَّلَةً بِرِعايَةِ المَصالِحِ لِلْعِبادِ لامْتَنَعَ عَلَيْهِ إنْزالُ تِلْكَ الآياتِ، فَلَمّا أنْزَلَها عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى لا يُراعِي مَصالِحَ العِبادِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٥] .
فَإنْ قالُوا: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِمْ أنَّهم سَواءٌ أنْزَلَها أوْ لَمْ يُنْزِلْها فَإنَّهم يَأْتُونَ بِتِلْكَ الزِّيادَةِ مِنَ الكُفْرِ، فَلِهَذا حَسُنَ مِنهُ تَعالى إنْزالُها.
قُلْنا: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِازْدِيادُ لِأجْلِ إنْزالِ تِلْكَ الآياتِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ إضافَةُ ازْدِيادِ الكُفْرِ إلى إنْزالِ تِلْكَ الآياتِ باطِلًا، وذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِنَصِّ القُرْآنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اتِّصالَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم إنَّما يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلائِلِ عَلى صِحَّتِها لِأجْلِ الحَسَدِ ولِأجْلِ حُبِّ الجاهِ والتَّبَعِ والمالِ والسِّيادَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لَمّا رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَما حَرَمَهم سَعادَةَ الدِّينِ، فَكَذَلِكَ حَرَمَهم سَعادَةَ الدُّنْيا؛ لِأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم بَقِيَ مُصِرًّا عَلى مَذْهَبِهِ ومَقالَتِهِ، يُبالِغُ في نُصْرَتِهِ ويَطْعَنُ في كُلِّ ما سِواهُ مِنَ المَذاهِبِ والمَقالاتِ تَعْظِيمًا لِنَفْسِهِ وتَرْوِيجًا لِمَذْهَبِهِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخُصُومَةِ الشَّدِيدَةِ بَيْنَ فِرَقِهِمْ وطَوائِفِهِمْ، وانْتَهى الأمْرُ فِيهِ إلى أنَّ بَعْضَهم يُكَفِّرُ بَعْضًا ويَغْزُو بَعْضُهم بَعْضًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِنَ العَداوَةِ؛ لِأنَّهُ جَرى ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ وُقُوعُ العَداوَةِ
صفحة ٣٩
بَيْنَ فِرَقِ اليَهُودِ، فَإنَّ بَعْضَهم جَبْرِيَّةٌ، وبَعْضَهم قَدَرِيَّةٌ، وبَعْضَهم مُوَحِّدَةٌ، وبَعْضَهم مُشَبِّهَةٌ، وكَذَلِكَ بَيْنَ فِرَقِ النَّصارى: كالمَلْكانِيَّةِ والنُّسْطُورِيَّةِ واليَعْقُوبِيَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا المَعْنى حاصِلٌ بِتَمامِهِ بَيْنَ فِرَقِ المُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ عَيْبًا عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ؟
قُلْنا: هَذِهِ البِدَعُ إنَّما حَدَثَتْ بَعْدَ عَصْرِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، أمّا في ذَلِكَ الزَّمانِ فَلَمْ يَكُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حاصِلًا، فَلا جَرَمَ حَسُنَ مِنَ الرَّسُولِ ومِن أصْحابِهِ جَعْلُ ذَلِكَ عَيْبًا عَلى اليَهُودِ والنَّصارى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ .
وهَذا شَرْحُ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ المِحَنِ عَلى اليَهُودِ، وهو أنَّهم كُلَّما هَمُّوا بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ رَجَعُوا خائِبِينَ خاسِرِينَ مَقْهُورِينَ مَلْعُونِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَما ثُقِفُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٢] قالَ قَتادَةُ: لا تَلْقى اليَهُودَ بِبَلْدَةٍ إلّا وجَدْتَهم مِن أذَلِّ النّاسِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ أيْ لَيْسَ يَحْصُلُ في أمْرِهِمْ قُوَّةٌ مِنَ العِزَّةِ والمَنَعَةِ، إلّا أنَّهم يَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا، وذَلِكَ بِأنْ يَخْدَعُوا ضَعِيفًا، ويَسْتَخْرِجُوا نَوْعًا مِنَ المَكْرِ والكَيْدِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ.
وقِيلَ: إنَّهم لَمّا خالَفُوا حُكْمَ التَّوْراةِ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنْصَرَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ المَجُوسَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السّاعِيَ في الأرْضِ بِالفَسادِ مَمْقُوتٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المائدة 5:66
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في ذَمِّهِمْ وفي تَهْجِينِ طَرِيقَتِهِمْ بَيَّنَ أنَّهم لَوْ آمَنُوا واتَّقَوْا لَوَجَدُوا سَعاداتِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، أمّا سَعاداتُ الآخِرَةِ فَهي مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: أحَدُهُما: رَفْعُ العِقابِ.
والثّانِي: إيصالُ الثَّوابِ، أمّا رَفْعُ العِقابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ وأمّا إيصالُ الثَّوابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: الإيمانُ وحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ وإعْطاءِ الحَسَناتِ، فَلِمَ ضَمَّ إلَيْهِ شَرْطَ التَّقْوى ؟
صفحة ٤٠
قُلْنا: المُرادُ كَوْنُهُ آتِيًا بِالإيمانِ لِغَرَضِ التَّقْوى والطّاعَةِ، لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الأغْراضِ العاجِلَةِ مِثْلَ ما يَفْعَلُهُ المُنافِقُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَفازُوا بِسَعاداتِ الآخِرَةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَفازُوا بِسَعاداتِ الدُّنْيا ووَجَدُوا طَيِّباتِها وخَيْراتِها، وفي إقامَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيها مِنَ الوَفاءِ بِعُهُودِ اللَّهِ فِيها، ومِنَ الإقْرارِ بِاشْتِمالِها في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وثانِيها: إقامَةُ التَّوْراةِ إقامَةُ أحْكامِها وحُدُودِها كَما يُقالُ: أقامَ الصَّلاةَ إذا قامَ بِحُقُوقِها، ولا يُقالُ لِمَن لَمْ يُوفِ بِشَرائِطِها: إنَّهُ أقامَها.
وثالِثُها: أقامُوها نُصْبَ أعْيُنِهِمْ لِئَلّا يَزِلُّوا في شَيْءٍ مِن حُدُودِها، وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها حَسَنَةٌ لَكِنَّ الأوَّلَ أحْسَنُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ القُرْآنُ.
والثّانِي: أنَّهُ كُتُبُ سائِرِ الأنْبِياءِ: مِثْلُ كِتابِ شَعْياءَ ومِثْلُ كِتابِ حَيْقُوقَ، وكِتابِ دانْيالَ، فَإنَّ هَذِهِ الكُتُبَ مَمْلُوءَةٌ مِنَ البِشارَةِ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ لَمّا أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أصابَهُمُ القَحْطُ والشِّدَّةُ، وبَلَغُوا إلى حَيْثُ قالُوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم لَوْ تَرَكُوا ذَلِكَ الكُفْرَ لانْقَلَبَ الأمْرُ وحَصَلَ الخِصْبُ والسَّعَةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ المُبالَغَةُ في شَرْحِ السَّعَةِ والخِصْبِ لا أنَّ هُناكَ فَوْقًا وتَحْتًا، والمَعْنى لَأكَلُوا أكْلًا مُتَّصِلًا كَثِيرًا، وهو كَما تَقُولُ: فُلانٌ في الخَيْرِ مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ، تُرِيدُ تَكاثُفَ الخَيْرِ وكَثْرَتَهُ عِنْدَهُ.
الثّانِي: أنَّ الأكْلَ مِن فَوْقُ نُزُولُ القَطْرِ، ومِن تَحْتِ الأرْجُلِ حُصُولُ النَّباتِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٩٦] .
الثّالِثُ: الأكْلُ مِن فَوْقُ كَثْرَةُ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، ومِن تَحْتِ الأرْجُلِ الزُّرُوعُ المُغَلَّةُ.
والرّابِعُ: المُرادُ أنْ يَرْزُقَهُمُ الجِنانَ اليانِعَةَ الثِّمارِ، فَيَجْتَنُونَ ما تَهَدَّلَ مِن رُءُوسِ الشَّجَرِ، ويَلْتَقِطُونَ ما تَساقَطَ عَلى الأرْضِ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ.
والخامِسُ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا إشارَةً إلى ما جَرى عَلى اليَهُودِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ، وبَنِي النَّضِيرِ مِن قَطْعِ نَخِيلِهِمْ وإفْسادِ زُرُوعِهِمْ وإجْلائِهِمْ عَنْ أوْطانِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ مَعْنى الِاقْتِصادِ في اللُّغَةِ الِاعْتِدالُ في العَمَلِ مِن غَيْرِ غُلُوٍّ ولا تَقْصِيرٍ، وأصْلُهُ القَصْدُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن عَرَفَ مَطْلُوبَهُ فَإنَّهُ يَكُونُ قاصِدًا لَهُ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ ولا اضْطِرابٍ، أمّا مَن لَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَ مَقْصُودِهِ فَإنَّهُ يَكُونُ مُتَحَيِّرًا، تارَةً يَذْهَبُ يَمِينًا وأُخْرى يَسارًا، فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ الِاقْتِصادُ عِبارَةً عَنِ العَمَلِ المُؤَدِّي إلى الغَرَضِ، ثُمَّ في هَذِهِ الأُمَّةِ المُقْتَصِدَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنها الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ مِنَ اليَهُودِ، والنَّجاشِيِّ مِنَ النَّصارى، فَهم عَلى القَصْدِ مِن دِينِهِمْ، وعَلى المَنهَجِ المُسْتَقِيمِ مِنهُ، ولَمْ يَمِيلُوا إلى طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ.
والثّانِي: المُرادُ مِنها الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ عُدُولًا في دِينِهِمْ، ولا يَكُونُ فِيهِمْ عِنادٌ
صفحة ٤١
شَدِيدٌ ولا غِلْظَةٌ كامِلَةٌ، كَما قالَ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ: وكَثِيرٌ مِنهم ما أسْوَأ عَمَلَهم، والمُرادُ: مِنهُمُ الأجْلافُ المَذْمُومُونَ المُبْغَضُونَ الَّذِينَ لا يُؤَثِّرُ فِيهِمُ الدَّلِيلُ ولا يَنْجَعُ فِيهِمُ القَوْلُ.
المائدة 5:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ لا يَنْظُرَ إلى قِلَّةِ المُقْتَصِدِينَ وكَثْرَةِ الفاسِقِينَ ولا يَخْشى مَكْرُوهَهم، فَقالَ: (بَلِّغْ) أيْ واصْبِرْ عَلى تَبْلِيغِ ما أنْزَلْتُهُ إلَيْكَ مِن كَشْفِ أسْرارِهِمْ وفَضائِحِ أفْعالِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِن كَيْدِهِمْ ويَصُونُكَ مِن مَكْرِهِمْ.
ورَوى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِرِسالَتِهِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا وعَرَفْتُ أنَّ النّاسَ يُكَذِّبُونِي، واليَهُودُ والنَّصارى وقُرَيْشٌ يُخَوِّفُونِي، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ زالَ الخَوْفُ بِالكُلِّيَّةِ» ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ أيّامَ إقامَتِهِ بِمَكَّةَ يُجاهِرُ بِبَعْضِ القُرْآنِ ويُخْفِي بَعْضَهُ إشْفاقًا عَلى نَفْسِهِ مِن تَسَرُّعِ المُشْرِكِينَ إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ، فَلَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وأيَّدَهُ بِالمُؤْمِنِينَ قالَ لَهُ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ لا تُراقِبَنَّ أحَدًا، ولا تَتْرُكْ شَيْئًا مِمّا أُنْزِلَ إلَيْكَ خَوْفًا مِن أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ (رِسالاتِهِ) في هَذِهِ الآيَةِ وفي الأنْعامِ (حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ) [الأنْعامِ: ١٢٤] عَلى الجَمْعِ، وفي الأعْرافِ (بِرِسالَتِي) [الأعْرافِ: ١٤٤] عَلى الواحِدِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ عَلى الضِّدِّ، فَفي المائِدَةِ والأنْعامِ عَلى الواحِدِ، وفي الأعْرافِ عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في الجَمِيعِ عَلى الواحِدِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ كُلُّهُ عَلى الجَمْعِ.
حُجَّةُ مَن جَمَعَ أنَّ الرُّسُلَ يُبْعَثُونَ بِضُرُوبٍ مِنَ الرِّسالاتِ وأحْكامٍ مُخْتَلِفَةٍ في الشَّرِيعَةِ، وكُلُّ آيَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ ﷺ فَهي رِسالَةٌ، فَحَسُنَ لَفْظُ الجَمْعِ، وأمّا مَن أفْرَدَ فَقالَ: القُرْآنُ كُلُّهُ رِسالَةٌ واحِدَةٌ، وأيْضًا فَإنَّ لَفْظَ الواحِدِ قَدْ يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وإنْ لَمْ يُجْمَعْ كَقَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ١٤] فَوَقَعَ الِاسْمُ الواحِدُ عَلى الجَمْعِ، وكَذا هَهُنا لَفْظُ الرِّسالَةِ، وإنْ كانَ واحِدًا إلّا أنَّ المُرادَ هو الجَمْعُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ مَعْناهُ فَإنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتَهُ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذا الكَلامِ ؟
أجابَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّ المُرادَ: إنَّكَ إنْ لَمْ تُبَلِّغْ واحِدًا مِنها كُنْتَ كَمَن لَمْ يُبَلِّغْ شَيْئًا مِنها، وهَذا الجَوابُ عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مَن أتى بِالبَعْضِ وتَرَكَ البَعْضَ لَوْ قِيلَ: إنَّهُ تَرَكَ الكُلَّ لَكانَ كَذِبًا ولَوْ قِيلَ أيْضًا: إنَّ مِقْدارَ الجُرْمِ في تَرْكِ البَعْضِ مِثْلُ مِقْدارِ الجُرْمِ في تَرْكِ الكُلِّ فَهو أيْضًا مُحالٌ مُمْتَنِعٌ، فَسَقَطَ هَذا الجَوابُ.
صفحة ٤٢
والأصَحُّ عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا خَرَجَ عَلى قانُونِ قَوْلِهِ:
أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي
ومَعْناهُ أنَّ شِعْرِي قَدْ بَلَغَ في الكَمالِ والفَصاحَةِ إلى حَيْثُ مَتى قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ شِعْرِي فَقَدِ انْتَهى مَدْحُهُ إلى الغايَةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْها، فَهَذا الكَلامُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ التّامَّةَ مِن هَذا الوَجْهِ، فَكَذا هَهُنا: فَإنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتَهُ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُوصَفَ تَرْكُ التَّبْلِيغِ بِتَهْدِيدٍ أعْظَمَ مِن أنَّهُ تَرَكَ التَّبْلِيغَ، فَكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى غايَةِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ الرَّجْمِ والقِصاصِ عَلى ما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ اليَهُودِ.
الثّانِي: نَزَلَتْ في عَيْبِ اليَهُودِ واسْتِهْزائِهِمْ بِالدِّينِ والنَّبِيُّ سَكَتَ عَنْهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الثّالِثُ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ [الأحْزابِ: ٢٨] فَلَمْ يَعْرِضْها عَلَيْهِنَّ خَوْفًا مِنَ اخْتِيارِهِنَّ الدُّنْيا فَنَزَلَتْ.
الرّابِعُ: نَزَلَتْ في أمْرِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: مَن زَعَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ ولَوْ كَتَمَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ قَوْلَهُ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٧] .
الخامِسُ: نَزَلَتْ في الجِهادِ، فَإنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَكْرَهُونَهُ، فَكانَ يُمْسِكُ أحْيانًا عَنْ حَثِّهِمْ عَلى الجِهادِ.
السّادِسُ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٨] سَكَتَ الرَّسُولُ عَنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وقالَ: (بَلِّغْ) يَعْنِي مَعايِبَ آلِهَتِهِمْ ولا تُخْفِها عَنْهم، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم.
السّابِعُ: نَزَلَتْ في حُقُوقِ المُسْلِمِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في حَجَّةِ الوَداعِ لَمّا بَيَّنَ الشَّرائِعَ والمَناسِكَ: «”هَلْ بَلَّغْتُ ؟“ قالُوا نَعَمْ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اللَّهُمَّ فاشْهَدْ“» .
الثّامِنُ: «رُوِيَ أنَّهُ ﷺ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ في بَعْضِ أسْفارِهِ وعَلَّقَ سَيْفَهُ عَلَيْها، فَأتاهُ أعْرابِيٌّ وهو نائِمٌ فَأخَذَ سَيْفَهُ واخْتَرَطَهُ، وقالَ: يا مُحَمَّدُ مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقالَ ”اللَّهُ“ فَرَعَدَتْ يَدُ الأعْرابِيِّ وسَقَطَ السَّيْفُ مِن يَدِهِ وضَرَبَ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ حَتّى انْتَثَرَ دِماغُهُ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ وبَيَّنَ أنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنَ النّاسِ.
التّاسِعُ: كانَ يَهابُ قُرَيْشًا واليَهُودَ والنَّصارى، فَأزالَ اللَّهُ عَنْ قَلْبِهِ تِلْكَ الهَيْبَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
العاشِرُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في فَضْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أخَذَ بِيَدِهِ، وقالَ: ”«مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ» “ فَلَقِيَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: هَنِيئًا لَكَ يا ابْنَ أبِي طالِبٍ أصْبَحْتَ مَوْلايَ ومَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّواياتِ وإنْ كَثُرَتْ إلّا أنَّ الأوْلى حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى آمَنَهُ مِن مَكْرِ اليَهُودِ والنَّصارى، وأمَرَهُ بِإظْهارِ التَّبْلِيغِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ مِنهُ بِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ بِكَثِيرٍ وما بَعْدَها بِكَثِيرٍ لَمّا كانَ كَلامًا مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى امْتَنَعَ إلْقاءُ هَذِهِ الآيَةِ الواحِدَةِ في البَيْنِ عَلى وجْهٍ تَكُونُ أجْنَبِيَّةً عَمّا قَبْلَها وما بَعْدَها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شُجَّ وجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ يَعْصِمُهُ مِنَ القَتْلِ، وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ
صفحة ٤٣
يَحْتَمِلَ كُلَّ ما دُونَ النَّفْسِ مِن أنْواعِ البَلاءِ، فَما أشَدَّ تَكْلِيفَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ
وثانِيها: أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ.
واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن (النّاسِ) هَهُنا الكُفّارُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾
ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى لا يُمَكِّنُهم مِمّا يُرِيدُونَ، وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْرُسُهُ سَعْدٌ وحُذَيْفَةُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِن قُبَّةِ أدَمٍ وقالَ: انْصَرِفُوا يا أيُّها النّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ مِنَ النّاسِ» .
المائدة 5:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالتَّبْلِيغِ سَواءٌ طابَ لِلسّامِعِ أوْ ثَقُلَ عَلَيْهِ أمَرَ بِأنْ يَقُولَ لِأهْلِ الكِتابِ هَذا الكَلامَ وإنْ كانَ مِمّا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ جِدًّا فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ مِنَ الدِّينِ ولا في أيْدِيكم شَيْءٌ مِنَ الحَقِّ والصَّوابِ، كَما تَقُولُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا أرَدْتَ تَحْقِيرَهُ وتَصْغِيرَ شَأْنِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾
وهَذا مَذْكُورٌ فِيما قَبْلُ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: لا تَأْسَفْ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ زِيادَةِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ لا إلَيْكَ ولا إلى المُؤْمِنِينَ.
الثّانِي: لا تَتَأسَّفْ بِسَبَبِ نُزُولِ اللَّعْنِ والعَذابِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم مِنَ الكافِرِينَ المُسْتَحِقِّينَ لِذَلِكَ. رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ «جاءَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تُقِرُّ أنَّ التَّوْراةَ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَ: بَلى، قالُوا: فَإنّا مُؤْمِنُونَ بِها ولا نُؤْمِنُ بِغَيْرِها»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
المائدة 5:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَقِيَ هَهُنا مَسائِلُ:
صفحة ٤٤
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الإعْرابِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: والصّابِئِينَ، وهَكَذا قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ولِلنَّحْوِيِّينَ في عِلَّةِ القِراءَةِ المَشْهُورَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ ارْتَفَعَ الصّابِئُونَ بِالِابْتِداءِ عَلى نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ كَذَلِكَ، فَحُذِفَ خَبَرُهُ، والفائِدَةُ في عَدَمِ عَطْفِهِمْ عَلى مَن قَبْلَهم هو أنَّ الصّابِئِينَ أشَدُّ الفِرَقِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ ضَلالًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ هَؤُلاءِ الفِرَقِ إنْ آمَنُوا بِالعَمَلِ الصّالِحِ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهم وأنْزَلَ ذَنْبَهم، حَتّى الصّابِئُونَ فَإنَّهم إنْ آمَنُوا كانُوا أيْضًا كَذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّ كَلِمَةَ (إنَّ) ضَعِيفَةٌ في العَمَلِ هَهُنا، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ (إنَّ) إنَّما تَعْمَلُ لِكَوْنِها مُشابِهَةً لِلْفِعْلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُشابَهَةَ بَيْنَ الفِعْلِ وبَيْنَ الحَرْفِ ضَعِيفَةٌ.
الثّانِي: أنَّها وإنْ كانَتْ تَعْمَلُ لَكِنْ إنَّما تَعْمَلُ في الِاسْمِ فَقَطْ، أمّا الخَبَرُ فَإنَّهُ بَقِيَ مَرْفُوعًا بِكَوْنِهِ خَبَرَ المُبْتَدَأِ، ولَيْسَ لِهَذا الحَرْفِ في رَفْعِ الخَبَرِ تَأْثِيرٌ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ بَيَّناهُ بِالدَّلِيلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] .
الثّالِثُ: أنَّها إنَّما يَظْهَرُ أثَرُها في بَعْضِ الأسْماءِ، أمّا الأسْماءُ الَّتِي لا يَتَغَيَّرُ حالُها عِنْدَ اخْتِلافِ العَوامِلِ فَلا يَظْهَرُ أثَرُ هَذا الحَرْفِ فِيها، والأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْمَ هَهُنا هو قَوْلُهُ: (الَّذِينَ) وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا يَظْهَرُ فِيها أثَرُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ إذا كانَ اسْمُ (إنَّ) بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ الإعْرابِ، فالَّذِي يَعْطِفُ عَلَيْهِ يُجَوِّزُ النَّصْبَ عَلى إعْمالِ هَذا الحَرْفِ، والرَّفْعَ عَلى إسْقاطِ عَمَلِهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ زَيْدًا وعَمْرٌو قائِمانِ؛ لِأنَّ زَيْدًا ظَهَرَ فِيهِ أثَرُ الإعْرابِ، لَكِنْ إنَّما يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ وإخْوَتُكَ يُكْرِمُونَنا، وإنَّ هَذا نَفْسُهُ شُجاعٌ، وإنَّ قَطامِ وهِنْدٌ عِنْدَنا، والسَّبَبُ في جَوازِ ذَلِكَ أنَّ كَلِمَةَ إنْ كانَتْ في الأصْلِ ضَعِيفَةَ العَمَلِ، وإذا صارَتْ بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ لَها أثَرٌ في اسْمِها صارَتْ في غايَةِ الضَّعْفِ، فَجازَ الرَّفْعُ بِمُقْتَضى الحُكْمِ الثّابِتِ قَبْلَ دُخُولِ هَذا الحَرْفِ عَلَيْهِ، وهو كَوْنُهُ مُبْتَدَأً، فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ الفَرّاءِ، وهو مَذْهَبٌ حَسَنٌ وأوْلى مِن مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ الَّذِي قالُوهُ يَقْتَضِي أنَّ كَلامَ اللَّهِ عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي ورَدَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وإنَّما تَحْصُلُ الصِّحَّةُ عِنْدَ تَفْكِيكِ هَذا النَّظْمِ، وأمّا عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: لا شَكَّ أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ مِنَ العَوامِلِ الدّاخِلَةِ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وكَوْنُ المُبْتَدَأِ مُبْتَدَأً والخَبَرِ خَبَرًا وصْفٌ حَقِيقِيٌّ ثابِتٌ حالَ دُخُولِ هَذا الحَرْفِ وقَبْلَهُ، وكَوْنُهُ مُبْتَدَأً يَقْتَضِي الرَّفْعَ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المَعْطُوفُ عَلى اسْمِ ”إنَّ“ يَجُوزُ انْتِصابُهُ بِناءً عَلى إعْمالِ هَذا الحَرْفِ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُهُ أيْضًا لِكَوْنِهِ في الحَقِيقَةِ مُبْتَدَأً مُحْدَثًا عَنْهُ ومُخْبَرًا عَنْهُ.
طَعَنَ صاحِبُ الكَشّافِ فِيهِ، وقالَ: إنَّما يَجُوزُ ارْتِفاعُهُ عَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ ”إنَّ واسْمِها“ بَعْدَ ذِكْرِ الخَبَرِ، وتَقُولُ: إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ وعَمْرًا، وعَمْرٌو، بِالنَّصْبِ عَلى اللَّفْظِ، والرَّفْعِ عَلى مَوْضِعِ ”إنَّ“ واسْمِها؛ لِأنَّ الخَبَرَ قَدْ تَقَدَّمَ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ الخَبَرِ فَهو غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنّا لَوْ رَفَعْناهُ عَلى مَحَلِّ ”إنَّ واسْمِها“ لَكانَ العامِلُ في خَبَرِهِما هو المُبْتَدَأُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ العامِلُ في خَبَرِهِما هو الِابْتِداءُ؛ لِأنَّ الِابْتِداءَ هو المُؤَثِّرُ في المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعًا، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الخَبَرُ المُتَأخِّرُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِحَرْفِ ”إنَّ“ وبِمَعْنى الِابْتِداءِ فَيَجْتَمِعُ عَلى المَرْفُوعِ
صفحة ٤٥
الواحِدِ رافِعانِ مُخْتَلِفانِ، وإنَّهُ مُحالٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي تُسَمِّيها النَّحْوِيُّونَ: رافِعَةً وناصِبَةً لَيْسَ مَعْناها أنَّها كَذَلِكَ لِذَواتِها أوْ لِأعْيانِها، فَإنَّ هَذا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، بَلِ المُرادُ أنَّها مُعَرِّفاتٌ بِحَسَبِ الوَضْعِ والِاصْطِلاحِ لِهَذِهِ الحَرَكاتِ، واجْتِماعُ المُعَرِّفاتِ الكَثِيرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ غَيْرُ مُحالٍ ألا تَرى أنَّ جَمِيعَ أجْزاءِ المُحْدَثاتِ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى.
والوَجْهُ الثّانِي في ضَعْفِ هَذا الجَوابِ: أنَّهُ بَناهُ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ مُؤَثِّرَةٌ في نَصْبِ الِاسْمِ ورَفْعِ الخَبَرِ، والكُوفِيُّونَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ويَقُولُونَ: لا تَأْثِيرَ لِهَذا الحَرْفِ في رَفْعِ الخَبَرِ ألْبَتَّةَ، وقَدْ أحْكَمْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ الأشْياءَ الكَثِيرَةَ إذا عُطِفَ بَعْضُها عَلى البَعْضِ فالخَبَرُ الواحِدُ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنْها؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنِ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ تَعْرِيفِ حالِهِ وبَيانِ صِفَتِهِ، ومِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ حالُ الشَّيْءِ وصِفَتُهُ عَيْنَ حالِ الآخَرِ وصِفَتِهِ لِامْتِناعِ قِيامِ الصِّفَةِ الواحِدَةِ بِالذَّواتِ المُخْتَلِفَةِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ الخَبَرَ وإنْ كانَ في اللَّفْظِ واحِدًا إلّا أنَّهُ في التَّقْدِيرِ مُتَعَدِّدٌ، وهو لا مَحالَةَ مَوْجُودٌ بِحَسَبِ التَّقْدِيرِ والنِّيَّةِ، وإذا حَصَلَ التَّعَدُّدُ في الحَقِيقَةِ لَمْ يَمْتَنِعْ كَوْنُ البَعْضِ مُرْتَفِعًا بِالحَرْفِ والبَعْضِ بِالِابْتِداءِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمِ اجْتِماعُ الرّافِعَيْنِ عَلى مَرْفُوعٍ واحِدٍ، والَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّهُ سَلَّمَ أنَّ بَعْدَ ذِكْرِ الِاسْمِ وخَبَرِهِ جازَ الرَّفْعُ والنَّصْبُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا المَعْطُوفَ إنَّما جازَ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأنّا نُضْمِرُ لَهُ خَبَرًا، وحَكَمْنا بِأنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ المُضْمَرَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ قُبِلَ ذِكْرُ الخَبَرِ إذا عَطَفْنا اسْمًا عَلى اسْمٍ، حَكَمَ صَرِيحُ العَقْلِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُكْمِ بِتَقْدِيرِ الخَبَرِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِإضْمارِ الأخْبارِ الكَثِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ ما ذُكِرَ مِنَ الِالتِزامِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ ما لَمْ يُؤْمِنُوا، بَيَّنَ أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في الكُلِّ، وأنَّهُ لا يَحْصُلُ لِأحَدٍ فَضِيلَةٌ ولا مَنقَبَةٌ إلّا إذا آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا، وذَلِكَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ: القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ، والقُوَّةُ العَمَلِيَّةُ، أمّا كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ فَلَيْسَ إلّا بِأنْ يَعْرِفَ الحَقَّ، وأمّا كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَلَيْسَ إلّا بِأنْ يَعْمَلَ الخَيْرَ، وأعْظَمُ المَعارِفِ شَرَفًا مَعْرِفَةُ أشْرَفِ المَوْجُوداتِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وكَمالُ مَعْرِفَتِهِ إنَّما يَحْصُلُ بِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَلا جَرَمَ كانَ أفْضَلُ المَعارِفِ هو الإيمانَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخَرِ، وأفْضَلُ الخَيْراتِ في الأعْمالِ أمْرانِ: المُواظَبَةُ عَلى الأعْمالِ المُشْعِرَةِ بِتَعْظِيمِ المَعْبُودِ، والسَّعْيُ في إيصالِ النَّفْعِ إلى الخَلْقِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ مَن أتى بِهَذا الإيمانِ وبِهَذا العَمَلِ فَإنَّهُ يَرِدُ القِيامَةَ مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا حَزَنٍ، والفائِدَةُ في ذِكْرِهِما أنَّ الخَوْفَ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ، والحَزَنَ بِالماضِي، فَقالَ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ بِسَبَبِ ما يُشاهِدُونَ مِن أهْوالِ القِيامَةِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ بِسَبَبِ ما فاتَهم مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهم وجَدُوا أُمُورًا أعْظَمَ وأشْرَفَ وأطْيَبَ مِمّا كانَتْ لَهم حاصِلَةً في الدُّنْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَحْزَنُ بِسَبَبِ طَيِّباتِ الدُّنْيا.
صفحة ٤٦
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ خُلُوُّ المُكَلَّفِ الَّذِي لا يَكُونُ مَعْصُومًا عَنْ أهْوالِ القِيامَةِ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى شَرَطَ ذَلِكَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ولا يَكُونُ آتِيًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ إلّا إذا كانَ تارِكًا لِجَمِيعِ المَعاصِي.
والثّانِي: أنَّهُ إنْ حَصَلَ خَوْفٌ فَذَلِكَ عارِضٌ قَلِيلٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى شَرَطَ عَدَمَ الخَوْفِ وعَدَمَ الحَزَنِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، والمَشْرُوطُ بِشَيْءٍ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَلَزِمَ أنَّ مَن لَمْ يَأْتِ مَعَ الإيمانِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الخَوْفُ والحَزَنُ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ العَفْوِ عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ.
والجَوابُ: أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَقْطَعُ بِأنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْهُ لا مَحالَةَ، فَكانَ الخَوْفُ والحَزَنُ حاصِلًا قَبْلَ إظْهارِ العَفْوِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وفي هَذا التَّكْرِيرِ فائِدَتانِ:
الأُولى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فالفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ إخْراجُهم عَنْ وعْدِ عَدَمِ الخَوْفِ وعَدَمِ الحَزَنِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أطْلَقَ لَفْظَ الإيمانِ، والإيمانُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أقْسامٌ، وأشْرَفُها الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَكانَتِ الفائِدَةُ في الإعادَةِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ أشْرَفُ أقْسامِ الإيمانِ، وقَدْ ذَكَرْنا وُجُوهًا كَثِيرَةً في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكُلُّها صالِحَةٌ لِهَذا المَوْضِعِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: الرّاجِعُ إلى اسْمِ (إنَّ) مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: مَن آمَنَ مِنهم، إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المائدة 5:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ عُتُوِّ بَنِي إسْرائِيلَ وشِدَّةِ تَمَرُّدِهِمْ عَنِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِما افْتَتَحَ اللَّهُ بِهِ السُّورَةَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾، فَقالَ: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يَعْنِي خَلَقْنا الدَّلائِلَ وخَلَقْنا العَقْلَ الهادِي إلى كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ، وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا بِتَعْرِيفِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ. وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما﴾
صفحة ٤٧
﴿لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ صِفَةً لِقَوْلِهِ (رُسُلًا) والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنهم بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم، أيْ بِما يُخالِفُ أهْواءَهم وما يُضادُّ شَهَواتِهِمْ مِن مَشاقِّ التَّكْلِيفِ.
وهَهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِهَذا الشَّرْطِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ.
والجَوابُ: أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وإنَّما جازَ حَذْفُهُ؛ لِأنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ ناصَبُوهُ، ثُمَّ إنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ ناصَبُوهُ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ، وقَوْلُهُ: الرَّسُولُ الواحِدُ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ، فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ﴾ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الرُّسُلِ، فَلا جَرَمَ جَعَلَهم فَرِيقَيْنِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ ذُكِرَ أحَدُ الفِعْلَيْنِ ماضِيًا، والآخَرُ مُضارِعًا ؟
والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كَيْفَ كانُوا يُكَذِّبُونَ عِيسى ومُوسى في كُلِّ مَقامٍ، وكَيْفَ كانُوا يَتَمَرَّدُونَ عَلى أوامِرِهِ وتَكالِيفِهِ، وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما تُوُفِّيَ في التِّيهِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِشُؤْمِ تَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ في مُقاتَلَةِ الجَبّارِينَ.
وأمّا القَتْلُ فَهو ما اتَّفَقَ لَهم في حَقِّ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانُوا قَدْ قَصَدُوا أيْضًا قَتْلَ عِيسى وإنْ كانَ اللَّهُ مَنَعَهم عَنْ مُرادِهِمْ وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم قَتَلُوهُ، فَذِكْرُ التَّكْذِيبِ بِلَفْظِ الماضِي هُنا إشارَةٌ إلى مُعامَلَتِهِمْ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْقَضى مِن ذَلِكَ الزَّمانِ أدْوارٌ كَثِيرَةٌ، وذِكْرُ القَتْلِ بِلَفْظِ المُضارِعِ إشارَةٌ إلى مُعامَلَتِهِمْ مَعَ زَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِكَوْنِ ذَلِكَ الزَّمانِ قَرِيبًا فَكانَ كالحاضِرِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ .
والجَوابُ: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ التَّقْدِيمَ إنَّما يَكُونُ لِشِدَّةِ العِنايَةِ، فالتَّكْذِيبُ والقَتْلُ وإنْ كانا مُنْكَرَيْنِ إلّا أنَّ تَكْذِيبَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَتْلَهم أقْبَحُ، فَكانَ التَّقْدِيمُ لِهَذِهِ الفائِدَةِ.
المائدة 5:71
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو: (أنْ لا تَكُونُ فِتْنَةٌ) بِرَفْعِ نُونِ ”تَكُونُ“ والباقُونَ بِالنَّصْبِ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ لِهَذا تَقْرِيرًا حَسَنًا، فَقالَ: الأفْعالُ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: فِعْلٌ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الشَّيْءِ واسْتِقْرارِهِ
صفحة ٤٨
نَحْوَ: العِلْمُ والتَّيَقُّنُ والتَّبَيُّنُ، فَما كانَ مِثْلَ هَذا يَقَعُ بَعْدَهُ ”أنْ“ الخَفِيفَةُ النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ الثَّقِيلَةَ تَدُلُّ عَلى ثَباتِ الشَّيْءِ واسْتِقْرارِهِ، فَإذا كانَ العِلْمُ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِقْرارِ والثَّباتِ و”أنَّ“ الثَّقِيلَةُ تُفِيدُ هَذا المَعْنى حَصَلَتْ بَيْنَهُما مُوافَقَةٌ ومُجانَسَةٌ، ومِثالُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النُّورِ: ٢٥]، ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٤]، ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العَلَقِ: ١٤] والباءُ زائِدَةٌ.
والضَّرْبُ الثّانِي: فِعْلٌ يَدُلُّ عَلى خِلافِ الثَّباتِ والِاسْتِقْرارِ، نَحْوَ: أطْمَعُ وأخافُ وأرْجُو، فَهَذا لا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إلّا الخَفِيفَةُ النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ، قالَ تَعالى: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٢]، ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ [الأنْفالِ: ٢٦]، ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ [الكَهْفِ: ٨٠] .
والضَّرْبُ الثّالِثُ: فِعْلٌ يَحْذُو مَرَّةً إلى هَذا القَبِيلِ ومَرَّةً أُخْرى إلى ذَلِكَ القَبِيلِ نَحْوَ: حَسِبَ وأخَواتِها، فَتارَةً تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى أطْمَعُ وأرْجُو فِيما لا يَكُونُ ثابِتًا ومُسْتَقِرًّا، وتارَةً بِمَعْنى العِلْمِ فِيما يَكُونُ مُسْتَقِرًّا.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: يُمْكِنُ إجْراءُ الحُسْبانِ هَهُنا بِحَيْثُ يُفِيدُ الثَّباتَ والِاسْتِقْرارَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّهم لا يَقَعُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والقَتْلِ في الفِتْنَةِ والعَذابِ، ويُمْكِنُ إجْراؤُهُ بِحَيْثُ لا يُفِيدُ هَذا الثَّباتُ مِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ ويَقْتُلُونَ بِسَبَبِ حِفْظِ الجاهِ والتَّبَعِ، فَكانُوا بِقُلُوبِهِمْ عارِفِينَ بِأنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ ومَعْصِيَةٌ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ لا جَرَمَ ظَهَرَ الوَجْهُ في صِحَّةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ، فَمَن رَفَعَ قَوْلَهُ: (أنْ لا تَكُونُ) كانَ المَعْنى: أنَّهُ لا تَكُونُ، ثُمَّ خُفِّفَتِ المُشَدَّدَةُ وجُعِلَتْ ”لا“ عِوَضًا مِن حَذْفِ الضَّمِيرِ، فَلَوْ قُلْتَ: عَلِمْتُ أنْ يَقُولُ: بِالرَّفْعِ لَمْ يَحْسُنْ حَتّى تَأْتِيَ بِما يَكُونُ عِوَضًا مِن حَذْفِ الضَّمِيرِ: نَحْوَ السِّينِ وسَوْفَ وقَدْ، كَقَوْلِهِ ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ﴾ [المُزَّمِّلِ: ٢٠] ووَجْهُ النَّصْبِ ظاهِرٌ.
ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وكِلا الوَجْهَيْنِ قَدْ جاءَ بِهِ القُرْآنُ، فَمِثْلُ قِراءَةِ مَن نَصَبَ وأوْقَعَ بَعْدَهُ الخَفِيفَةَ قَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤]، ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢١]، ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١، ٢]، ومِثْلُ قِراءَةِ مَن رَفَعَ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾، [الزُّخْرُفِ: ٨٠] ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٥]، فَهَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ لِأنَّ النّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ لا يَقَعُ بَعْدَها ”لَنْ“ ومِثْلُ المَذْهَبَيْنِ في الظَّنِّ قَوْلُهُ: ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ﴾ [القِيامَةِ: ٢٥]، ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٠] ومِنَ الرَّفْعِ قَوْلُهُ: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ﴾ [الجِنِّ: ٥]، ﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ [الجِنِّ: ٧] ”فَأنْ“ هَهُنا الخَفِيفَةُ مِنَ الشَّدِيدَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ﴾ [المُزَّمِّلِ: ٢٠] لِأنَّ ”أنِ“ النّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ لا تَجْتَمِعُ مَعَ ”لَنْ“؛ لِأنَّ ”لَنْ“ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ، و”أنِ“ النّاصِبَةَ تُفِيدُ عَدَمَ الثَّباتِ كَما قَرَّرْناهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ بابَ حَسِبَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا بُدَّ لَها مِن مَفْعُولَيْنِ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ جُمْلَةٌ قامَتْ مَقامَ مَفْعُولَيْ حَسِبَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: وحَسِبُوا الفِتْنَةَ غَيْرَ نازِلَةٍ بِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ”الفِتْنَةِ“ وُجُوهًا، وهي مَحْصُورَةٌ في عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةَ، ثُمَّ عَذابُ الدُّنْيا أقْسامٌ: مِنها القَحْطُ، ومِنها الوَباءُ، ومِنها القَتْلُ، ومِنها العَداوَةُ، ومِنها البَغْضاءُ فِيما بَيْنَهم، ومِنها الإدْبارُ والنُّحُوسَةُ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ بِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَمَلَ الفِتْنَةَ عَلى واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.
صفحة ٤٩
واعْلَمْ أنَّ حُسْبانَهم أنْ لا تَقَعَ فِتْنَةٌ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ النَّسْخَ مُمْتَنِعٌ عَلى شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الواجِبَ عَلَيْهِمْ في كُلِّ رَسُولٍ جاءَ بِشَرْعٍ آخَرَ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَكْذِيبُهُ وقَتْلُهُ.
والثّانِي: أنَّهم وإنِ اعْتَقَدُوا في أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم مُخْطِئِينَ في ذَلِكَ التَّكْذِيبِ والقَتْلِ إلّا أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ نُبُوَّةَ أسْلافِهِمْ وآبائِهِمْ تَدْفَعُ عَنْهُمُ العِقابَ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَتْلِ والتَّكْذِيبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ .
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ عَماهم وصَمَمَهم عَنِ الهِدايَةِ إلى الحَقِّ حَصَلَ مَرَّتَيْنِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهاتَيْنِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهم عَمُوا وصَمُّوا في زَمانِ زَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلى بَعْضِهِمْ حَيْثُ وُفِّقَ بَعْضُهم لِلْإيمانِ بِهِ، ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِأنْ أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ ورِسالَتَهُ، وإنَّما قالَ: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ أكْثَرَ اليَهُودِ وإنْ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا أنَّ جَمْعًا مِنهم آمَنُوا بِهِ مِثْلَ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ.
الثّانِي: عَمُوا وصَمُّوا حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، ثُمَّ تابُوا عَنْهُ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم بِالتَّعَنُّتِ، وهو طَلَبُهم رُؤْيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً ونُزُولَ المَلائِكَةِ.
الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسْراءِ: ٦] فَهَذا في مَعْنى ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسْراءِ: ٧] فَهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ .
الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ إنَّما كانَ بِرَسُولٍ أُرْسِلُ إلَيْهِمْ مِثْلَ داوُدَ، وسُلَيْمانَ وغَيْرِهِما فَآمَنُوا بِهِ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وقَعَتْ فَتْرَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا مَرَّةً أُخْرى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (عُمُوا، وصُمُّوا) بِالضَّمِّ عَلى تَقْدِيرِ: عَماهُمُ اللَّهُ، وصَمَّهُمُ اللَّهُ، أيْ رَماهم وضَرَبَهم بِالعَمى والصَّمَمِ، كَما تَقُولُ: نَزَكْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ بِالنَّزْكِ وهو رُمْحٌ قَصِيرٌ، ورَكِبْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ بِرُكْبَتِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ مِنَ العَرَبِ: ”أكَلُونِي البَراغِيثُ“
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلًا عَنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ والإبْدالُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السَّجْدَةِ: ٧]، وقالَ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧] وهَذا الإبْدالُ هَهُنا في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ: عَمُوا وصَمُّوا لَأوْهَمَ ذَلِكَ أنَّ كُلَّهم صارُوا كَذَلِكَ، فَلَمّا قالَ: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ لِلْأكْثَرِ لا لِلْكُلِّ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هم كَثِيرٌ مِنهم.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِهَذا العَمى والصَّمَمِ الجَهْلُ والكُفْرُ، فَنَقُولُ: إنَّ فاعِلَ هَذا الجَهْلِ
صفحة ٥٠
هُوَ اللَّهُ تَعالى أوِ العَبْدُ، والأوَّلُ يُبْطِلُ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَخْتارُ البَتَّةَ تَحْصِيلَ الجَهْلِ والكُفْرِ لِنَفْسِهِ.
فَإنْ قالُوا: إنَّما اخْتارُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّهُ عِلْمٌ.
قُلْنا: حاصِلُ هَذا أنَّهم إنَّما اخْتارُوا هَذا الجَهْلَ لِسَبْقِ جَهْلٍ آخَرَ، إلّا أنَّ الجَهالاتِ لا تَتَسَلْسَلُ بَلْ لا بُدَّ مِنَ انْتِهائِها إلى الجَهْلِ الأوَّلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو العَبْدُ لِما ذَكَرْناهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو اللَّهُ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ.
المائدة 5:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَقْصى الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ شَرَعَ هَهُنا في الكَلامِ مَعَ النَّصارى فَحَكى عَنْ فَرِيقٍ مِنهم أنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وهَذا هو قَوْلُ اليَعْقُوبِيَّةِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا، ولَعَلَّ مَعْنى هَذا المَذْهَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَلَّ في ذاتِ عِيسى واتَّحَدَ بِذاتِ عِيسى، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ المَسِيحِ أنَّهُ قالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى ما هو الحُجَّةُ القاطِعَةُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَ غَيْرِهِ في أنَّ دَلائِلَ الحُدُوثِ ظاهِرَةٌ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ. واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ عِقابَ الفُسّاقِ لا يَكُونُ مُخَلَّدًا، قالُوا: وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ أعْظَمَ أنْواعِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ في حَقِّ المُشْرِكِينَ هو أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الجَنَّةَ، وجَعَلَ مَأْواهُمُ النّارَ، وأنَّهُ لَيْسَ لَهم ناصِرٌ يَنْصُرُهم ولا شافِعٌ يَشْفَعُ لَهم، فَلَوْ كانَ حالُ الفُسّاقِ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ لَما بَقِيَ لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِمْ بِهَذا الوَعِيدِ فائِدَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿ثَلاثَةٍ﴾ كُسِرَتْ بِالإضافَةِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُها لِأنَّ مَعْناهُ: واحِدُ ثَلاثَةٍ، أمّا إذا قُلْتَ: رابِعُ ثَلاثَةٍ فَهَهُنا يَجُوزُ الجَرُّ والنَّصْبُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الَّذِي صَيَّرَ الثَّلاثَةَ أرْبَعَةً بِكَوْنِهِ فِيهِمْ.
صفحة ٥١
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّصارى: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ طَرِيقانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ، وهو أنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ومَرْيَمَ وعِيسى آلِهَةٌ ثَلاثَةٌ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَسِيحِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦]، فَقَوْلُهُ: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ أيْ أحَدُ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، أوْ واحِدٌ مِن ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي الآيَةِ إضْمارٌ إلّا أنَّهُ حُذِفَ ذِكْرُ الآلِهَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن مَذاهِبِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: ولا يَكْفُرُ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ إذا لَمْ يُرِدْ بِهِ ثالِثَ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، فَإنَّهُ ما مِن شَيْئَيْنِ إلّا واللَّهُ ثالِثُهُما بِالعِلْمِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ [المُجادَلَةِ: ٧] .
والطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّ المُتَكَلِّمِينَ حَكَوْا عَنِ النَّصارى أنَّهم يَقُولُونَ: جَوْهَرٌ واحِدٌ، ثَلاثَةُ أقانِيمَ أبٌ، وابْنٌ، ورُوحُ القُدُسِ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ إلَهٌ واحِدٌ، كَما أنَّ الشَّمْسَ اسْمٌ يَتَناوَلُ القُرْصَ والشُّعاعَ والحَرارَةَ، وعَنُوا بِالأبِ الذّاتَ، وبِالِابْنِ الكَلِمَةَ، وبِالرُّوحِ الحَياةَ، وأثْبَتُوا الذّاتَ والكَلِمَةَ والحَياةَ، وقالُوا: إنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي هي كَلامُ اللَّهِ اخْتَلَطَتْ بِجَسَدِ عِيسى اخْتِلاطَ الماءِ بِالخَمْرِ، واخْتِلاطَ الماءِ بِاللَّبَنِ، وزَعَمُوا أنَّ الأبَ إلَهٌ، والِابْنَ إلَهٌ، والرُّوحَ إلَهٌ، والكُلَّ إلَهٌ واحِدٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا مَعْلُومُ البُطْلانِ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ، فَإنَّ الثَّلاثَةَ لا تَكُونُ واحِدًا، والواحِدَ لا يَكُونُ ثَلاثَةً، ولا يُرى في الدُّنْيا مَقالَةٌ أشَدُّ فَسادًا وأظْهَرُ بُطْلانًا مِن مَقالَةِ النَّصارى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ في (مِن) قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: وما إلَهٌ إلّا إلَهٌ واحِدٌ.
والثّانِي: أنَّها تُفِيدُ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ، والتَّقْدِيرُ: وما في الوُجُودِ مِن هَذِهِ الحَقِيقَةِ إلّا فَرْدٌ واحِدٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ أقامُوا عَلى هَذا الدِّينِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنهم تابُوا عَنِ النَّصْرانِيَّةِ.
المائدة 5:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَقْصى الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ شَرَعَ هَهُنا في الكَلامِ مَعَ النَّصارى فَحَكى عَنْ فَرِيقٍ مِنهم أنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وهَذا هو قَوْلُ اليَعْقُوبِيَّةِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا، ولَعَلَّ مَعْنى هَذا المَذْهَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَلَّ في ذاتِ عِيسى واتَّحَدَ بِذاتِ عِيسى، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ المَسِيحِ أنَّهُ قالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى ما هو الحُجَّةُ القاطِعَةُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَ غَيْرِهِ في أنَّ دَلائِلَ الحُدُوثِ ظاهِرَةٌ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ. واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ عِقابَ الفُسّاقِ لا يَكُونُ مُخَلَّدًا، قالُوا: وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ أعْظَمَ أنْواعِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ في حَقِّ المُشْرِكِينَ هو أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الجَنَّةَ، وجَعَلَ مَأْواهُمُ النّارَ، وأنَّهُ لَيْسَ لَهم ناصِرٌ يَنْصُرُهم ولا شافِعٌ يَشْفَعُ لَهم، فَلَوْ كانَ حالُ الفُسّاقِ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ لَما بَقِيَ لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِمْ بِهَذا الوَعِيدِ فائِدَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿ثَلاثَةٍ﴾ كُسِرَتْ بِالإضافَةِ، ولا يَجُوزُ نَصْبُها لِأنَّ مَعْناهُ: واحِدُ ثَلاثَةٍ، أمّا إذا قُلْتَ: رابِعُ ثَلاثَةٍ فَهَهُنا يَجُوزُ الجَرُّ والنَّصْبُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الَّذِي صَيَّرَ الثَّلاثَةَ أرْبَعَةً بِكَوْنِهِ فِيهِمْ.
صفحة ٥١
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّصارى: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ طَرِيقانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ، وهو أنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ومَرْيَمَ وعِيسى آلِهَةٌ ثَلاثَةٌ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَسِيحِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦]، فَقَوْلُهُ: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ أيْ أحَدُ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، أوْ واحِدٌ مِن ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي الآيَةِ إضْمارٌ إلّا أنَّهُ حُذِفَ ذِكْرُ الآلِهَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن مَذاهِبِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: ولا يَكْفُرُ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ إذا لَمْ يُرِدْ بِهِ ثالِثَ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ، فَإنَّهُ ما مِن شَيْئَيْنِ إلّا واللَّهُ ثالِثُهُما بِالعِلْمِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ [المُجادَلَةِ: ٧] .
والطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّ المُتَكَلِّمِينَ حَكَوْا عَنِ النَّصارى أنَّهم يَقُولُونَ: جَوْهَرٌ واحِدٌ، ثَلاثَةُ أقانِيمَ أبٌ، وابْنٌ، ورُوحُ القُدُسِ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ إلَهٌ واحِدٌ، كَما أنَّ الشَّمْسَ اسْمٌ يَتَناوَلُ القُرْصَ والشُّعاعَ والحَرارَةَ، وعَنُوا بِالأبِ الذّاتَ، وبِالِابْنِ الكَلِمَةَ، وبِالرُّوحِ الحَياةَ، وأثْبَتُوا الذّاتَ والكَلِمَةَ والحَياةَ، وقالُوا: إنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي هي كَلامُ اللَّهِ اخْتَلَطَتْ بِجَسَدِ عِيسى اخْتِلاطَ الماءِ بِالخَمْرِ، واخْتِلاطَ الماءِ بِاللَّبَنِ، وزَعَمُوا أنَّ الأبَ إلَهٌ، والِابْنَ إلَهٌ، والرُّوحَ إلَهٌ، والكُلَّ إلَهٌ واحِدٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا مَعْلُومُ البُطْلانِ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ، فَإنَّ الثَّلاثَةَ لا تَكُونُ واحِدًا، والواحِدَ لا يَكُونُ ثَلاثَةً، ولا يُرى في الدُّنْيا مَقالَةٌ أشَدُّ فَسادًا وأظْهَرُ بُطْلانًا مِن مَقالَةِ النَّصارى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ في (مِن) قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: وما إلَهٌ إلّا إلَهٌ واحِدٌ.
والثّانِي: أنَّها تُفِيدُ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ، والتَّقْدِيرُ: وما في الوُجُودِ مِن هَذِهِ الحَقِيقَةِ إلّا فَرْدٌ واحِدٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ أقامُوا عَلى هَذا الدِّينِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنهم تابُوا عَنِ النَّصْرانِيَّةِ.
المائدة 5:74
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قالَ الفَرّاءُ: هَذا أمْرٌ في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٩١] في آيَةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ جاءَ بِآياتٍ مِنَ اللَّهِ كَما أتَوْا بِأمْثالِها، فَإنْ كانَ اللَّهُ أبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأحْيا المَوْتى عَلى يَدِهِ فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى وفَلَقَ البَحْرَ عَلى يَدِ مُوسى، وإنْ كانَ
صفحة ٥٢
خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ولا أُنْثى ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ وفي تَفْسِيرِ ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها صَدَّقَتْ بِآياتِ رَبِّها وبِكُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ ولَدُها، قالَ تَعالى في صِفَتِها: ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] .
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٧] فَلَمّا كَلَّمَها جِبْرِيلُ وصَدَّقَتْهُ وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الصِّدِّيقَةِ.
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِكَوْنِها صِدِّيقَةً غايَةُ بُعْدِها عَنِ المَعاصِي وشِدَّةُ جِدِّها واجْتِهادِها في إقامَةِ مَراسِمِ العُبُودِيَّةِ، فَإنَّ الكامِلَ في هَذِهِ الصِّفَةِ يُسَمّى صِدِّيقًا قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النِّساءِ: ٦٩] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ: الِاسْتِدْلالُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن كانَ لَهُ أُمٌّ فَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مَخْلُوقًا لا إلَهًا.
والثّانِي: أنَّهُما كانا مُحْتاجَيْنِ؛ لِأنَّهُما كانا مُحْتاجَيْنِ إلى الطَّعامِ أشَدَّ الحاجَةِ، والإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الأشْياءِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ؛ لِأنَّ مَن أكَلَ الطَّعامَ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُحْدِثَ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن أكَلَ أحْدَثَ، فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ ولا يُحْدِثُونَ.
الثّانِي: أنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنِ الحاجَةِ إلى الطَّعامِ، وهَذِهِ الحاجَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَأيُّ حاجَةٍ بِنا إلى جَعْلِهِ كِنايَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ ؟
الثّالِثُ: أنَّ الإلَهَ هو القادِرُ عَلى الخَلْقِ والإيجادِ، فَلَوْ كانَ إلَهًا لَقَدَرَ عَلى دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَما لَمْ يَقْدِرْ عَلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلْعالَمِينَ ؟ وبِالجُمْلَةِ فَفَسادُ قَوْلِ النَّصارى أظْهَرُ مِن أنْ يُحْتاجَ فِيهِ إلى دَلِيلٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إفْكًا إذا صَرَفَهُ، والإفْكُ الكَذِبُ؛ لِأنَّهُ صَرْفٌ عَنِ الحَقِّ، وكُلُّ مَصْرُوفٍ عَنِ الشَّيْءِ مَأْفُوكٌ عَنْهُ، وقَدْ أفَكَتِ الأرْضُ إذا صُرِفَ عَنْها المَطَرُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أنّى يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنْ تَأمُّلِ الحَقِّ، والإنْسانُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصْرِفَ نَفْسَهُ عَنِ الحَقِّ والصِّدْقِ إلى الباطِلِ والجَهْلِ والكَذِبِ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَخْتارُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ، فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي صَرَفَهم عَنْ ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾
وهَذا دَلِيلٌ آخَرُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى، وهو يَحْتَمِلُ أنْواعًا مِنَ الحُجَّةِ:
الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُعادُونَهُ ويَقْصِدُونَهُ بِالسُّوءِ، فَما قَدَرَ عَلى الإضْرارِ بِهِمْ، وكانَ أنْصارُهُ وصَحابَتُهُ يُحِبُّونَهُ فَما قَدَرَ عَلى إيصالِ نَفْعٍ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا إلَيْهِمْ، والعاجِزُ عَنِ الإضْرارِ والنَّفْعِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟
الثّانِي: أنَّ مَذْهَبَ النَّصارى أنَّ اليَهُودَ صَلَبُوهُ ومَزَّقُوا أضْلاعَهُ، ولَمّا عَطِشَ وطَلَبَ الماءَ مِنهم صَبُّوا الخَلَّ في مَنخِرَيْهِ، ومَن كانَ في الضَّعْفِ هَكَذا كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟
الثّالِثُ: أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، ويَكُونُ كُلُّ ما سِواهُ مُحْتاجًا إلَيْهِ، فَلَوْ كانَ عِيسى كَذَلِكَ لامْتَنَعَ كَوْنُهُ مَشْغُولًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الإلَهَ لا يَعْبُدُ شَيْئًا، إنَّما العَبْدُ هو الَّذِي يَعْبُدُ الإلَهَ، ولَمّا عُرِفَ بِالتَّواتُرِ كَوْنُهُ كانَ مُواظِبًا عَلى الطّاعاتِ والعِباداتِ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما كانَ يَفْعَلُها لِكَوْنِهِ مُحْتاجًا في تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ إلى غَيْرِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى إيصالِ المَنافِعِ إلى العِبادِ ودَفْعِ المَضارِّ
صفحة ٥٣
عَنْهم ؟ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عَبْدًا كَسائِرِ العَبِيدِ، وهَذا هو عَيْنُ الدَّلِيلِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ يَعْنِي: سَمِيعٌ بِكُفْرِهِمْ عَلِيمٌ بِضَمائِرِهِمْ.
المائدة 5:75
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قالَ الفَرّاءُ: هَذا أمْرٌ في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٩١] في آيَةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ جاءَ بِآياتٍ مِنَ اللَّهِ كَما أتَوْا بِأمْثالِها، فَإنْ كانَ اللَّهُ أبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأحْيا المَوْتى عَلى يَدِهِ فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى وفَلَقَ البَحْرَ عَلى يَدِ مُوسى، وإنْ كانَ
صفحة ٥٢
خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ولا أُنْثى ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ وفي تَفْسِيرِ ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها صَدَّقَتْ بِآياتِ رَبِّها وبِكُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ ولَدُها، قالَ تَعالى في صِفَتِها: ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] .
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٧] فَلَمّا كَلَّمَها جِبْرِيلُ وصَدَّقَتْهُ وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الصِّدِّيقَةِ.
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِكَوْنِها صِدِّيقَةً غايَةُ بُعْدِها عَنِ المَعاصِي وشِدَّةُ جِدِّها واجْتِهادِها في إقامَةِ مَراسِمِ العُبُودِيَّةِ، فَإنَّ الكامِلَ في هَذِهِ الصِّفَةِ يُسَمّى صِدِّيقًا قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النِّساءِ: ٦٩] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ: الِاسْتِدْلالُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن كانَ لَهُ أُمٌّ فَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مَخْلُوقًا لا إلَهًا.
والثّانِي: أنَّهُما كانا مُحْتاجَيْنِ؛ لِأنَّهُما كانا مُحْتاجَيْنِ إلى الطَّعامِ أشَدَّ الحاجَةِ، والإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الأشْياءِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ؛ لِأنَّ مَن أكَلَ الطَّعامَ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُحْدِثَ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن أكَلَ أحْدَثَ، فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ ولا يُحْدِثُونَ.
الثّانِي: أنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنِ الحاجَةِ إلى الطَّعامِ، وهَذِهِ الحاجَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَأيُّ حاجَةٍ بِنا إلى جَعْلِهِ كِنايَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ ؟
الثّالِثُ: أنَّ الإلَهَ هو القادِرُ عَلى الخَلْقِ والإيجادِ، فَلَوْ كانَ إلَهًا لَقَدَرَ عَلى دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَما لَمْ يَقْدِرْ عَلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلْعالَمِينَ ؟ وبِالجُمْلَةِ فَفَسادُ قَوْلِ النَّصارى أظْهَرُ مِن أنْ يُحْتاجَ فِيهِ إلى دَلِيلٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إفْكًا إذا صَرَفَهُ، والإفْكُ الكَذِبُ؛ لِأنَّهُ صَرْفٌ عَنِ الحَقِّ، وكُلُّ مَصْرُوفٍ عَنِ الشَّيْءِ مَأْفُوكٌ عَنْهُ، وقَدْ أفَكَتِ الأرْضُ إذا صُرِفَ عَنْها المَطَرُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أنّى يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنْ تَأمُّلِ الحَقِّ، والإنْسانُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصْرِفَ نَفْسَهُ عَنِ الحَقِّ والصِّدْقِ إلى الباطِلِ والجَهْلِ والكَذِبِ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَخْتارُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ، فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي صَرَفَهم عَنْ ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾
وهَذا دَلِيلٌ آخَرُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى، وهو يَحْتَمِلُ أنْواعًا مِنَ الحُجَّةِ:
الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُعادُونَهُ ويَقْصِدُونَهُ بِالسُّوءِ، فَما قَدَرَ عَلى الإضْرارِ بِهِمْ، وكانَ أنْصارُهُ وصَحابَتُهُ يُحِبُّونَهُ فَما قَدَرَ عَلى إيصالِ نَفْعٍ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا إلَيْهِمْ، والعاجِزُ عَنِ الإضْرارِ والنَّفْعِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟
الثّانِي: أنَّ مَذْهَبَ النَّصارى أنَّ اليَهُودَ صَلَبُوهُ ومَزَّقُوا أضْلاعَهُ، ولَمّا عَطِشَ وطَلَبَ الماءَ مِنهم صَبُّوا الخَلَّ في مَنخِرَيْهِ، ومَن كانَ في الضَّعْفِ هَكَذا كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟
الثّالِثُ: أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، ويَكُونُ كُلُّ ما سِواهُ مُحْتاجًا إلَيْهِ، فَلَوْ كانَ عِيسى كَذَلِكَ لامْتَنَعَ كَوْنُهُ مَشْغُولًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الإلَهَ لا يَعْبُدُ شَيْئًا، إنَّما العَبْدُ هو الَّذِي يَعْبُدُ الإلَهَ، ولَمّا عُرِفَ بِالتَّواتُرِ كَوْنُهُ كانَ مُواظِبًا عَلى الطّاعاتِ والعِباداتِ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما كانَ يَفْعَلُها لِكَوْنِهِ مُحْتاجًا في تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ إلى غَيْرِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى إيصالِ المَنافِعِ إلى العِبادِ ودَفْعِ المَضارِّ
صفحة ٥٣
عَنْهم ؟ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عَبْدًا كَسائِرِ العَبِيدِ، وهَذا هو عَيْنُ الدَّلِيلِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ يَعْنِي: سَمِيعٌ بِكُفْرِهِمْ عَلِيمٌ بِضَمائِرِهِمْ.
المائدة 5:76
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قالَ الفَرّاءُ: هَذا أمْرٌ في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٩١] في آيَةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ جاءَ بِآياتٍ مِنَ اللَّهِ كَما أتَوْا بِأمْثالِها، فَإنْ كانَ اللَّهُ أبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأحْيا المَوْتى عَلى يَدِهِ فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى وفَلَقَ البَحْرَ عَلى يَدِ مُوسى، وإنْ كانَ
صفحة ٥٢
خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ولا أُنْثى ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ وفي تَفْسِيرِ ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها صَدَّقَتْ بِآياتِ رَبِّها وبِكُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ ولَدُها، قالَ تَعالى في صِفَتِها: ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] .
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٧] فَلَمّا كَلَّمَها جِبْرِيلُ وصَدَّقَتْهُ وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الصِّدِّيقَةِ.
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِكَوْنِها صِدِّيقَةً غايَةُ بُعْدِها عَنِ المَعاصِي وشِدَّةُ جِدِّها واجْتِهادِها في إقامَةِ مَراسِمِ العُبُودِيَّةِ، فَإنَّ الكامِلَ في هَذِهِ الصِّفَةِ يُسَمّى صِدِّيقًا قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النِّساءِ: ٦٩] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ: الِاسْتِدْلالُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن كانَ لَهُ أُمٌّ فَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مَخْلُوقًا لا إلَهًا.
والثّانِي: أنَّهُما كانا مُحْتاجَيْنِ؛ لِأنَّهُما كانا مُحْتاجَيْنِ إلى الطَّعامِ أشَدَّ الحاجَةِ، والإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الأشْياءِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ؛ لِأنَّ مَن أكَلَ الطَّعامَ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُحْدِثَ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن أكَلَ أحْدَثَ، فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ ولا يُحْدِثُونَ.
الثّانِي: أنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنِ الحاجَةِ إلى الطَّعامِ، وهَذِهِ الحاجَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَأيُّ حاجَةٍ بِنا إلى جَعْلِهِ كِنايَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ ؟
الثّالِثُ: أنَّ الإلَهَ هو القادِرُ عَلى الخَلْقِ والإيجادِ، فَلَوْ كانَ إلَهًا لَقَدَرَ عَلى دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَما لَمْ يَقْدِرْ عَلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلْعالَمِينَ ؟ وبِالجُمْلَةِ فَفَسادُ قَوْلِ النَّصارى أظْهَرُ مِن أنْ يُحْتاجَ فِيهِ إلى دَلِيلٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إفْكًا إذا صَرَفَهُ، والإفْكُ الكَذِبُ؛ لِأنَّهُ صَرْفٌ عَنِ الحَقِّ، وكُلُّ مَصْرُوفٍ عَنِ الشَّيْءِ مَأْفُوكٌ عَنْهُ، وقَدْ أفَكَتِ الأرْضُ إذا صُرِفَ عَنْها المَطَرُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أنّى يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنْ تَأمُّلِ الحَقِّ، والإنْسانُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصْرِفَ نَفْسَهُ عَنِ الحَقِّ والصِّدْقِ إلى الباطِلِ والجَهْلِ والكَذِبِ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَخْتارُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ، فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي صَرَفَهم عَنْ ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾
وهَذا دَلِيلٌ آخَرُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى، وهو يَحْتَمِلُ أنْواعًا مِنَ الحُجَّةِ:
الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُعادُونَهُ ويَقْصِدُونَهُ بِالسُّوءِ، فَما قَدَرَ عَلى الإضْرارِ بِهِمْ، وكانَ أنْصارُهُ وصَحابَتُهُ يُحِبُّونَهُ فَما قَدَرَ عَلى إيصالِ نَفْعٍ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا إلَيْهِمْ، والعاجِزُ عَنِ الإضْرارِ والنَّفْعِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟
الثّانِي: أنَّ مَذْهَبَ النَّصارى أنَّ اليَهُودَ صَلَبُوهُ ومَزَّقُوا أضْلاعَهُ، ولَمّا عَطِشَ وطَلَبَ الماءَ مِنهم صَبُّوا الخَلَّ في مَنخِرَيْهِ، ومَن كانَ في الضَّعْفِ هَكَذا كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟
الثّالِثُ: أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، ويَكُونُ كُلُّ ما سِواهُ مُحْتاجًا إلَيْهِ، فَلَوْ كانَ عِيسى كَذَلِكَ لامْتَنَعَ كَوْنُهُ مَشْغُولًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الإلَهَ لا يَعْبُدُ شَيْئًا، إنَّما العَبْدُ هو الَّذِي يَعْبُدُ الإلَهَ، ولَمّا عُرِفَ بِالتَّواتُرِ كَوْنُهُ كانَ مُواظِبًا عَلى الطّاعاتِ والعِباداتِ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما كانَ يَفْعَلُها لِكَوْنِهِ مُحْتاجًا في تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ إلى غَيْرِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى إيصالِ المَنافِعِ إلى العِبادِ ودَفْعِ المَضارِّ
صفحة ٥٣
عَنْهم ؟ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عَبْدًا كَسائِرِ العَبِيدِ، وهَذا هو عَيْنُ الدَّلِيلِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ يَعْنِي: سَمِيعٌ بِكُفْرِهِمْ عَلِيمٌ بِضَمائِرِهِمْ.
المائدة 5:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ أوَّلًا عَلى أباطِيلِ اليَهُودِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ ثانِيًا عَلى أباطِيلِ النَّصارى وأقامَ الدَّلِيلَ القاهِرَ عَلى بُطْلانِها وفَسادِها، فَعِنْدَ ذَلِكَ خاطَبَ مَجْمُوعَ الفَرِيقَيْنِ بِهَذا الخِطابِ فَقالَ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ﴾ والغُلُوُّ نَقِيضُ التَّقْصِيرِ، ومَعْناهُ الخُرُوجُ عَنِ الحَدِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، ودِينَ اللَّهِ بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ صِفَةُ المَصْدَرِ، أيْ لا تَغْلُوا في دِينِكم غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ، أيْ غُلُوًّا باطِلًا، لِأنَّ الغُلُوَّ في الدِّينِ نَوْعانِ: غُلُوُّ حَقٍّ، وهو أنْ يُبالَغَ في تَقْرِيرِهِ وتَأْكِيدِهِ، وغُلُوُّ باطِلٍ وهو أنْ يُتَكَلَّفَ في تَقْرِيرِ الشُّبَهِ وإخْفاءِ الدَّلائِلِ، وذَلِكَ الغُلُوُّ هو أنَّ اليَهُودَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ نَسَبُوهُ إلى الزِّنا، وإلى أنَّهُ كَذّابٌ، والنَّصارى ادَّعَوْا فِيهِ الإلَهِيَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأهْواءُ هَهُنا المَذاهِبُ الَّتِي تَدْعُو إلَيْها الشَّهْوَةُ دُونَ الحُجَّةِ، قالَ الشَّعْبِيُّ: ما ذَكَرَ اللَّهُ لَفْظَ الهَوى في القُرْآنِ إلّا ذَمَّهُ، قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ [طه: ١٦]، ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النَّجْمِ: ٣]، ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٣] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ نَجِدِ الهَوى يُوضَعُ إلّا في مَوْضِعِ الشَّرِّ، لا يُقالُ: فُلانٌ يَهْوى الخَيْرَ، إنَّما يُقالُ: يُرِيدُ الخَيْرَ ويُحِبُّهُ، وقالَ بَعْضُهم: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: سُمِّيَ الهَوى هَوًى؛ لِأنَّهُ يَهْوِي بِصاحِبِهِ في النّارِ، وأنْشَدَ في ذَمِّ الهَوى:
إنَّ الهَوى لَهو الهَوانُ بِعَيْنِهِ فَإذا هَوَيْتَ فَقَدْ لَقِيتَ هَوانًا
وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ هَوايَ عَلى هَواكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ هَوًى ضَلالَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِثَلاثِ دَرَجاتٍ في الضَّلالِ، فَبَيَّنَ أنَّهم كانُوا ضالِّينَ مِن قَبْلُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُضِلِّينَ لِغَيْرِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى تِلْكَ الحالَةِ حَتّى إنَّهُمُ الآنَ ضالُّونَ كَما كانُوا، ولا نَجِدُ حالَةً أقْرَبَ إلى العَبْدِ مِنَ اللَّهِ والقُرْبِ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ الحالَةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا، ثُمَّ ضَلُّوا بِسَبَبِ اعْتِقادِهِمْ في ذَلِكَ الإضْلالِ أنَّهُ إرْشادٌ إلى الحَقِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّلالِ الأوَّلِ الضَّلالَ عَنِ الدِّينِ، وبِالضَّلالِ الثّانِي الضَّلالَ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ.
المائدة 5:78
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ أهْلَ الكِتابِ بِهَذا الخِطابِ وصَفَ أسْلافَهم، فَقالَ تَعالى:
صفحة ٥٤
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي أصْحابَ السَّبْتِ، وأصْحابَ المائِدَةِ، أمّا أصْحابُ السَّبْتِ فَهو أنَّ قَوْمَ داوُدَ، وهم أهْلُ ”أيْلَةَ“ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ بِأخْذِ الحِيتانِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ الأعْرافِ، قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً فَمُسِخُوا قِرَدَةً، وأمّا أصْحابُ المائِدَةِ فَإنَّهم لَمّا أكَلُوا مِنَ المائِدَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ العَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ اليَهُودَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِأنّا مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَدُلَّ عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: إنَّ داوُدَ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ بَشَّرا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولَعَنا مَن يُكَذِّبُهُ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم يَعْصُونَ ويُبالِغُونَ في ذَلِكَ العِصْيانِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ:
﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ولِلتَّناهِي هَهُنا مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ تَفاعُلٌ مِنَ النَّهْيِ، أيْ كانُوا لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ فَهو مِنهم، ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» .
والمَعْنى الثّانِي في التَّناهِي: أنَّهُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ، يُقالُ: انْتَهى عَنِ الأمْرِ، وتَناهى عَنْهُ إذا كَفَّ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اللّامُ في (لَبِئْسَ) لامُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو ارْتِكابُ المَعاصِي والعُدْوانُ، وتَرْكُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
فَإنْ قِيلَ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ بَعْدَ أنْ صارَ مَفْعُولًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِمَ ذَمَّهم عَلَيْهِ ؟
صفحة ٥٥
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ
الثّانِي: لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ وأحْضَرُوا آلاتِهِ وأدَواتِهِ.
الثّالِثُ: لا يَتَناهَوْنَ عَنِ الإصْرارِ عَلى مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أسْلافَهم بِما تَقَدَّمَ وصَفَ الحاضِرِينَ مِنهم بِأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ الكُفّارَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والمُرادُ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ حِينَ اسْتَجاشُوا المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، وذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النِّساءِ: ٥١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ بِئْسَ ما قَدَّمُوا مِنَ العَمَلِ لِمَعادِهِمْ في دارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ مَحَلُّ (أنْ) رَفْعٌ، تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ زَيْدٍ، وفي زَيْدٍ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويَكُونُ ”بِئْسَ“ وما عَمِلَتْ فِيهِ خَبَرَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: بِئْسَ رَجُلًا، قِيلَ: ما هو ؟ فَقالَ: زَيْدٌ، أيْ هو زَيْدٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ والمَعْنى: لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ كَما يَدَّعُونَ ما اتَّخَذُوا المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ مُتَأكِّدٌ في التَّوْراةِ وفي شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ مُرادُهم تَقْرِيرَ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ مُرادُهُمُ الرِّياسَةُ والجاهُ فَيَسْعَوْنَ في تَحْصِيلِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ قَدَرُوا عَلَيْهِ؛ فَلِهَذا وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالفِسْقِ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ القَفّالُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْ كانَ هَؤُلاءِ المُتَوَلُّونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ ما اتَّخَذَهم هَؤُلاءِ اليَهُودُ أوْلِياءَ، وهَذا الوَجْهُ حَسَنٌ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدْفَعُهُ.
المائدة 5:79
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ أهْلَ الكِتابِ بِهَذا الخِطابِ وصَفَ أسْلافَهم، فَقالَ تَعالى:
صفحة ٥٤
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي أصْحابَ السَّبْتِ، وأصْحابَ المائِدَةِ، أمّا أصْحابُ السَّبْتِ فَهو أنَّ قَوْمَ داوُدَ، وهم أهْلُ ”أيْلَةَ“ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ بِأخْذِ الحِيتانِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ الأعْرافِ، قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً فَمُسِخُوا قِرَدَةً، وأمّا أصْحابُ المائِدَةِ فَإنَّهم لَمّا أكَلُوا مِنَ المائِدَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ العَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ اليَهُودَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِأنّا مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَدُلَّ عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: إنَّ داوُدَ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ بَشَّرا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولَعَنا مَن يُكَذِّبُهُ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم يَعْصُونَ ويُبالِغُونَ في ذَلِكَ العِصْيانِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ:
﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ولِلتَّناهِي هَهُنا مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ تَفاعُلٌ مِنَ النَّهْيِ، أيْ كانُوا لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ فَهو مِنهم، ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» .
والمَعْنى الثّانِي في التَّناهِي: أنَّهُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ، يُقالُ: انْتَهى عَنِ الأمْرِ، وتَناهى عَنْهُ إذا كَفَّ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اللّامُ في (لَبِئْسَ) لامُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو ارْتِكابُ المَعاصِي والعُدْوانُ، وتَرْكُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
فَإنْ قِيلَ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ بَعْدَ أنْ صارَ مَفْعُولًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِمَ ذَمَّهم عَلَيْهِ ؟
صفحة ٥٥
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ
الثّانِي: لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ وأحْضَرُوا آلاتِهِ وأدَواتِهِ.
الثّالِثُ: لا يَتَناهَوْنَ عَنِ الإصْرارِ عَلى مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أسْلافَهم بِما تَقَدَّمَ وصَفَ الحاضِرِينَ مِنهم بِأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ الكُفّارَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والمُرادُ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ حِينَ اسْتَجاشُوا المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، وذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النِّساءِ: ٥١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ بِئْسَ ما قَدَّمُوا مِنَ العَمَلِ لِمَعادِهِمْ في دارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ مَحَلُّ (أنْ) رَفْعٌ، تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ زَيْدٍ، وفي زَيْدٍ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويَكُونُ ”بِئْسَ“ وما عَمِلَتْ فِيهِ خَبَرَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: بِئْسَ رَجُلًا، قِيلَ: ما هو ؟ فَقالَ: زَيْدٌ، أيْ هو زَيْدٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ والمَعْنى: لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ كَما يَدَّعُونَ ما اتَّخَذُوا المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ مُتَأكِّدٌ في التَّوْراةِ وفي شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ مُرادُهم تَقْرِيرَ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ مُرادُهُمُ الرِّياسَةُ والجاهُ فَيَسْعَوْنَ في تَحْصِيلِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ قَدَرُوا عَلَيْهِ؛ فَلِهَذا وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالفِسْقِ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ القَفّالُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْ كانَ هَؤُلاءِ المُتَوَلُّونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ ما اتَّخَذَهم هَؤُلاءِ اليَهُودُ أوْلِياءَ، وهَذا الوَجْهُ حَسَنٌ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدْفَعُهُ.
المائدة 5:80
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ أهْلَ الكِتابِ بِهَذا الخِطابِ وصَفَ أسْلافَهم، فَقالَ تَعالى:
صفحة ٥٤
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي أصْحابَ السَّبْتِ، وأصْحابَ المائِدَةِ، أمّا أصْحابُ السَّبْتِ فَهو أنَّ قَوْمَ داوُدَ، وهم أهْلُ ”أيْلَةَ“ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ بِأخْذِ الحِيتانِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ الأعْرافِ، قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً فَمُسِخُوا قِرَدَةً، وأمّا أصْحابُ المائِدَةِ فَإنَّهم لَمّا أكَلُوا مِنَ المائِدَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ العَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ اليَهُودَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِأنّا مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَدُلَّ عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: إنَّ داوُدَ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ بَشَّرا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولَعَنا مَن يُكَذِّبُهُ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم يَعْصُونَ ويُبالِغُونَ في ذَلِكَ العِصْيانِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ:
﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ولِلتَّناهِي هَهُنا مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ تَفاعُلٌ مِنَ النَّهْيِ، أيْ كانُوا لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ فَهو مِنهم، ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» .
والمَعْنى الثّانِي في التَّناهِي: أنَّهُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ، يُقالُ: انْتَهى عَنِ الأمْرِ، وتَناهى عَنْهُ إذا كَفَّ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اللّامُ في (لَبِئْسَ) لامُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو ارْتِكابُ المَعاصِي والعُدْوانُ، وتَرْكُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
فَإنْ قِيلَ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ بَعْدَ أنْ صارَ مَفْعُولًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِمَ ذَمَّهم عَلَيْهِ ؟
صفحة ٥٥
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ
الثّانِي: لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ وأحْضَرُوا آلاتِهِ وأدَواتِهِ.
الثّالِثُ: لا يَتَناهَوْنَ عَنِ الإصْرارِ عَلى مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أسْلافَهم بِما تَقَدَّمَ وصَفَ الحاضِرِينَ مِنهم بِأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ الكُفّارَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والمُرادُ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ حِينَ اسْتَجاشُوا المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، وذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النِّساءِ: ٥١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ بِئْسَ ما قَدَّمُوا مِنَ العَمَلِ لِمَعادِهِمْ في دارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ مَحَلُّ (أنْ) رَفْعٌ، تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ زَيْدٍ، وفي زَيْدٍ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويَكُونُ ”بِئْسَ“ وما عَمِلَتْ فِيهِ خَبَرَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: بِئْسَ رَجُلًا، قِيلَ: ما هو ؟ فَقالَ: زَيْدٌ، أيْ هو زَيْدٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ والمَعْنى: لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ كَما يَدَّعُونَ ما اتَّخَذُوا المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ مُتَأكِّدٌ في التَّوْراةِ وفي شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ مُرادُهم تَقْرِيرَ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ مُرادُهُمُ الرِّياسَةُ والجاهُ فَيَسْعَوْنَ في تَحْصِيلِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ قَدَرُوا عَلَيْهِ؛ فَلِهَذا وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالفِسْقِ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ القَفّالُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْ كانَ هَؤُلاءِ المُتَوَلُّونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ ما اتَّخَذَهم هَؤُلاءِ اليَهُودُ أوْلِياءَ، وهَذا الوَجْهُ حَسَنٌ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدْفَعُهُ.
المائدة 5:81
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ أهْلَ الكِتابِ بِهَذا الخِطابِ وصَفَ أسْلافَهم، فَقالَ تَعالى:
صفحة ٥٤
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي أصْحابَ السَّبْتِ، وأصْحابَ المائِدَةِ، أمّا أصْحابُ السَّبْتِ فَهو أنَّ قَوْمَ داوُدَ، وهم أهْلُ ”أيْلَةَ“ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ بِأخْذِ الحِيتانِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ الأعْرافِ، قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً فَمُسِخُوا قِرَدَةً، وأمّا أصْحابُ المائِدَةِ فَإنَّهم لَمّا أكَلُوا مِنَ المائِدَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ العَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ اليَهُودَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِأنّا مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَدُلَّ عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: إنَّ داوُدَ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ بَشَّرا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولَعَنا مَن يُكَذِّبُهُ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم يَعْصُونَ ويُبالِغُونَ في ذَلِكَ العِصْيانِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ:
﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ولِلتَّناهِي هَهُنا مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ تَفاعُلٌ مِنَ النَّهْيِ، أيْ كانُوا لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ فَهو مِنهم، ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» .
والمَعْنى الثّانِي في التَّناهِي: أنَّهُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ، يُقالُ: انْتَهى عَنِ الأمْرِ، وتَناهى عَنْهُ إذا كَفَّ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اللّامُ في (لَبِئْسَ) لامُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو ارْتِكابُ المَعاصِي والعُدْوانُ، وتَرْكُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
فَإنْ قِيلَ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ بَعْدَ أنْ صارَ مَفْعُولًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِمَ ذَمَّهم عَلَيْهِ ؟
صفحة ٥٥
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ
الثّانِي: لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ وأحْضَرُوا آلاتِهِ وأدَواتِهِ.
الثّالِثُ: لا يَتَناهَوْنَ عَنِ الإصْرارِ عَلى مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أسْلافَهم بِما تَقَدَّمَ وصَفَ الحاضِرِينَ مِنهم بِأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ الكُفّارَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والمُرادُ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ حِينَ اسْتَجاشُوا المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، وذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النِّساءِ: ٥١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ بِئْسَ ما قَدَّمُوا مِنَ العَمَلِ لِمَعادِهِمْ في دارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ مَحَلُّ (أنْ) رَفْعٌ، تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ زَيْدٍ، وفي زَيْدٍ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويَكُونُ ”بِئْسَ“ وما عَمِلَتْ فِيهِ خَبَرَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: بِئْسَ رَجُلًا، قِيلَ: ما هو ؟ فَقالَ: زَيْدٌ، أيْ هو زَيْدٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ والمَعْنى: لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ كَما يَدَّعُونَ ما اتَّخَذُوا المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ مُتَأكِّدٌ في التَّوْراةِ وفي شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ مُرادُهم تَقْرِيرَ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ مُرادُهُمُ الرِّياسَةُ والجاهُ فَيَسْعَوْنَ في تَحْصِيلِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ قَدَرُوا عَلَيْهِ؛ فَلِهَذا وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالفِسْقِ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ القَفّالُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْ كانَ هَؤُلاءِ المُتَوَلُّونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ ما اتَّخَذَهم هَؤُلاءِ اليَهُودُ أوْلِياءَ، وهَذا الوَجْهُ حَسَنٌ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدْفَعُهُ.
المائدة 5:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ما ذَكَرَهُ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ في غايَةِ العَدَواةِ مَعَ المُسْلِمِينَ؛ ولِذَلِكَ جَعَلَهم قُرَناءَ لِلْمُشْرِكِينَ في شِدَّةِ العَدَواةِ، بَلْ نَبَّهَ عَلى أنَّهم أشَدُّ في العَدَواةِ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن جِهَةِ أنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَهم عَلى ذِكْرِ المُشْرِكِينَ، ولَعَمْرِي إنَّهم كَذَلِكَ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما خَلا يَهُودِيّانِ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمّا بِقَتْلِهِ» “ وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ النَّصارى ألْيَنُ عَرِيكَةً مِنَ اليَهُودِ وأقْرَبُ إلى المُسْلِمِينَ مِنهم.
صفحة ٥٦
وهَهُنا مَسْألَتانِ:
الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ والسُّدِّيُّ: المُرادُ بِهِ النَّجاشِيُّ وقَوْمُهُ الَّذِينَ قَدِمُوا مِنَ الحَبَشَةِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وآمَنُوا بِهِ، ولَمْ يُرِدْ جَمِيعَ النَّصارى مَعَ ظُهُورِ عَداوَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وقالَ آخَرُونَ: مَذْهَبُ اليَهُودِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إيصالُ الشَّرِّ إلى مَن يُخالِفُهم في الدِّينِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، فَإنْ قَدَرُوا عَلى القَتْلِ فَذاكَ، وإلّا فَبِغَصْبِ المالِ أوْ بِالسَّرِقَةِ أوْ بِنَوْعٍ مِنَ المَكْرِ والكَيْدِ والحِيلَةِ، وأمّا النَّصارى فَلَيْسَ مَذْهَبُهم ذاكَ بَلِ الإيذاءُ في دِينِهِمْ حَرامٌ، فَهَذا هو وجْهُ التَّفاوُتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن بَيانِ هَذا التَّفاوُتِ تَخْفِيفُ أمْرِ اليَهُودِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، واللّامُ في قَوْلِهِ: (لَتَجِدَنَّ) لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: قَسَمًا إنَّكَ تَجِدُ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ أشَدَّ النّاسِ عَدَواةً مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ شَرَحْتُ لَكَ أنَّ هَذا التَّمَرُّدَ والمَعْصِيَةَ عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَهم، فَفَرِّغْ خاطِرَكَ عَنْهم ولا تُبالِ بِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى سَبَبَ هَذا التَّفاوُتِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
وفِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
الأُولى: عِلَّةُ هَذا التَّفاوُتِ أنَّ اليَهُودَ مَخْصُوصُونَ بِالحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى الدُّنْيا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٩٦] فَقَرَنَهم في الحِرْصِ بِالمُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِلْمَعادِ، والحِرْصُ مَعْدِنُ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ؛ لِأنَّ مَن كانَ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا طَرَحَ دِينَهُ في طَلَبِ الدُّنْيا وأقْدَمَ عَلى كُلِّ مَحْظُورٍ ومُنْكَرٍ بِطَلَبِ الدُّنْيا، فَلا جَرَمَ تَشْتَدُّ عَداوَتُهُ مَعَ كُلِّ مَن نالَ مالًا أوْ جاهًا، وأمّا النَّصارى فَإنَّهم في أكْثَرِ الأمْرِ مُعْرِضُونَ عَنِ الدُّنْيا مُقْبِلُونَ عَلى العِبادَةِ وتَرْكِ طَلَبِ الرِّياسَةِ والتَّكَبُّرِ والتَّرَفُّعِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَحْسُدُ النّاسَ ولا يُؤْذِيهِمْ ولا يُخاصِمُهم بَلْ يَكُونُ لَيِّنَ العَرِيكَةِ في طَلَبِ الحَقِّ سَهْلَ الِانْقِيادِ لَهُ، فَهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ في هَذا البابِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ .
وهَهُنا دَقِيقَةٌ نافِعَةٌ في طَلَبِ الدِّينِ وهو أنَّ كُفْرَ النَّصارى أغْلَظُ مِن كُفْرِ اليَهُودِ؛ لِأنَّ النَّصارى يُنازِعُونَ في الإلَهِيّاتِ وفي النُّبُوّاتِ، واليَهُودُ لا يُنازِعُونَ إلّا في النُّبُوّاتِ، ولا شَكَّ في أنَّ الأوَّلَ أغْلَظُ، ثُمَّ إنَّ النَّصارى مَعَ غِلْظِ كُفْرِهِمْ لَمّا لَمْ يَشْتَدَّ حِرْصُهم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا بَلْ كانَ في قَلْبِهِمْ شَيْءٌ مِنَ المَيْلِ إلى الآخِرَةِ شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ وأمّا اليَهُودُ مَعَ أنَّ كُفْرَهم أخَفُّ في جَنْبِ كُفْرِ النَّصارى طَرَدَهم وخَصَّهُمُ اللَّهُ بِمَزِيدِ اللَّعْنِ، وما ذاكَ إلّا بِسَبَبِ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا، وذَلِكَ يُنَبِّهُكَ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ ﷺ: «حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» " .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القَسُّ والقِسِّيسُ اسْمٌ لِرَئِيسِ النَّصارى، والجَمْعُ القِسِّيسُونَ، وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: صَنَعَتِ النَّصارى الإنْجِيلَ وأدْخَلَتْ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ وبَقِيَ واحِدٌ مِن عُلَمائِهِمْ عَلى الحَقِّ والدِّينِ، وكانَ اسْمُهُ قِسِّيسًا، فَمَن كانَ عَلى هَدْيِهِ ودِينِهِ فَهو قِسِّيسٌ، قالَ قُطْرُبٌ: القَسُّ والقِسِّيسُ العالِمُ بِلُغَةِ الرُّومِ، وهَذا مِمّا وقَعَ الوِفاقُ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، وأمّا الرُّهْبانُ فَهو جَمْعُ راهِبٍ كَرُكْبانٍ وراكِبٍ، وفُرْسانٍ وفارِسٍ، وقالَ بَعْضُهم: الرُّهْبانُ واحِدٌ، وجَمْعُهُ رَهابِينُ كَقُرْبانٍ وقَرابِينَ، وأصْلُهُ مِنَ الرَّهْبَةِ بِمَعْنى المَخافَةِ.
صفحة ٥٧
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ [الحَدِيدِ: ٢٧] وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا رَهْبانِيَّةَ في الإسْلامِ» .
قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ صارَ مَمْدُوحًا في مُقابَلَةِ طَرِيقَةِ اليَهُودِ في القَساوَةِ والغِلْظَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن هَذا القَدْرِ كَوْنُهُ مَمْدُوحًا عَلى الإطْلاقِ.
المائدة 5:83
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (سَمِعُوا) يَرْجِعُ إلى القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم و(ما أُنْزِلَ) يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَعْفَرًا الطَّيّارَ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ تَبِنَةً مِنَ الأرْضِ وقالَ: واللَّهِ ما زادَ عَلى ما قالَ اللَّهُ في الإنْجِيلِ مِثْلَ هَذا، وما زالُوا يَبْكُونَ حَتّى فَرَغَ جَعْفَرٌ مِنَ القِراءَةِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ أنْ يَمْتَلِئَ الإناءُ وغَيْرُهُ حَتّى يَطَلُعَ ما فِيهِ مِن جَوانِبِهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالبُكاءِ فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِمّا نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ.
فَإنْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ”مِن“ وبَيْنَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ .
قُلْنا: الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ إنَّما ابْتُدِئَ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، يَعْنِي أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ وهو القُرْآنُ فَأبْكاهُمُ اللَّهُ، فَكَيْفَ لَوْ عَرَفُوا كُلَّهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ أيْ بِما سَمِعْنا وشَهِدْنا أنَّهُ حَقٌّ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ .
والثّانِي: أيْ مَعَ كُلِّ مَن شَهِدَ مِن أنْبِيائِكَ ومُؤْمِنِي عِبادِكَ بِأنَّكَ لا إلَهَ غَيْرُكَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾
صفحة ٥٨
فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَحَلُّ ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِمَعْنى غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِكَ قائِمًا، والواوُ في قَوْلِهِ: (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما العامِلُ في الحالِ الأُولى والثّانِيَةِ ؟
قُلْنا: العامِلُ في الأُولى ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِي مَعْنى هَذا الفِعْلِ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها وقُلْتَ: وما لَنا ونَطْمَعُ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ونَطْمَعُ) حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ويُدْخِلُنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ جَنَّتَهُ ودارَ رِضْوانِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحَجِّ: ٥٩] إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِمُجَرَّدِ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ القَوْلِ لا يُفِيدُ الثَّوابَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ الفاسِقَ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ وهَذا الإحْسانُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعْرِفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائِدَةِ: ٨٣]، ومِنَ الإقْرارِ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ وهَذا الإقْرارَ يُوجِبُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الثَّوابُ، وصاحِبُ الكَبِيرَةِ لَهُ هَذِهِ المَعْرِفَةُ وهَذا الإقْرارُ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الثَّوابُ، فَأمّا أنْ يُنْقَلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى النّارِ وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ يُقالَ: يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ: أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ لا غَيْرُهم، والمُصاحِبُ لِلشَّيْءِ هو المُلازِمُ لَهُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَهَذا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا الدَّوامِ بِالكُفّارِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الخُلُودَ في النّارِ لا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ الفاسِقِ.
المائدة 5:84
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (سَمِعُوا) يَرْجِعُ إلى القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم و(ما أُنْزِلَ) يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَعْفَرًا الطَّيّارَ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ تَبِنَةً مِنَ الأرْضِ وقالَ: واللَّهِ ما زادَ عَلى ما قالَ اللَّهُ في الإنْجِيلِ مِثْلَ هَذا، وما زالُوا يَبْكُونَ حَتّى فَرَغَ جَعْفَرٌ مِنَ القِراءَةِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ أنْ يَمْتَلِئَ الإناءُ وغَيْرُهُ حَتّى يَطَلُعَ ما فِيهِ مِن جَوانِبِهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالبُكاءِ فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِمّا نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ.
فَإنْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ”مِن“ وبَيْنَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ .
قُلْنا: الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ إنَّما ابْتُدِئَ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، يَعْنِي أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ وهو القُرْآنُ فَأبْكاهُمُ اللَّهُ، فَكَيْفَ لَوْ عَرَفُوا كُلَّهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ أيْ بِما سَمِعْنا وشَهِدْنا أنَّهُ حَقٌّ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ .
والثّانِي: أيْ مَعَ كُلِّ مَن شَهِدَ مِن أنْبِيائِكَ ومُؤْمِنِي عِبادِكَ بِأنَّكَ لا إلَهَ غَيْرُكَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾
صفحة ٥٨
فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَحَلُّ ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِمَعْنى غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِكَ قائِمًا، والواوُ في قَوْلِهِ: (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما العامِلُ في الحالِ الأُولى والثّانِيَةِ ؟
قُلْنا: العامِلُ في الأُولى ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِي مَعْنى هَذا الفِعْلِ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها وقُلْتَ: وما لَنا ونَطْمَعُ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ونَطْمَعُ) حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ويُدْخِلُنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ جَنَّتَهُ ودارَ رِضْوانِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحَجِّ: ٥٩] إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِمُجَرَّدِ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ القَوْلِ لا يُفِيدُ الثَّوابَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ الفاسِقَ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ وهَذا الإحْسانُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعْرِفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائِدَةِ: ٨٣]، ومِنَ الإقْرارِ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ وهَذا الإقْرارَ يُوجِبُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الثَّوابُ، وصاحِبُ الكَبِيرَةِ لَهُ هَذِهِ المَعْرِفَةُ وهَذا الإقْرارُ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الثَّوابُ، فَأمّا أنْ يُنْقَلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى النّارِ وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ يُقالَ: يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ: أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ لا غَيْرُهم، والمُصاحِبُ لِلشَّيْءِ هو المُلازِمُ لَهُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَهَذا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا الدَّوامِ بِالكُفّارِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الخُلُودَ في النّارِ لا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ الفاسِقِ.
المائدة 5:85
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (سَمِعُوا) يَرْجِعُ إلى القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم و(ما أُنْزِلَ) يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَعْفَرًا الطَّيّارَ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ تَبِنَةً مِنَ الأرْضِ وقالَ: واللَّهِ ما زادَ عَلى ما قالَ اللَّهُ في الإنْجِيلِ مِثْلَ هَذا، وما زالُوا يَبْكُونَ حَتّى فَرَغَ جَعْفَرٌ مِنَ القِراءَةِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ أنْ يَمْتَلِئَ الإناءُ وغَيْرُهُ حَتّى يَطَلُعَ ما فِيهِ مِن جَوانِبِهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالبُكاءِ فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِمّا نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ.
فَإنْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ”مِن“ وبَيْنَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ .
قُلْنا: الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ إنَّما ابْتُدِئَ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، يَعْنِي أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ وهو القُرْآنُ فَأبْكاهُمُ اللَّهُ، فَكَيْفَ لَوْ عَرَفُوا كُلَّهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ أيْ بِما سَمِعْنا وشَهِدْنا أنَّهُ حَقٌّ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ .
والثّانِي: أيْ مَعَ كُلِّ مَن شَهِدَ مِن أنْبِيائِكَ ومُؤْمِنِي عِبادِكَ بِأنَّكَ لا إلَهَ غَيْرُكَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾
صفحة ٥٨
فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَحَلُّ ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِمَعْنى غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِكَ قائِمًا، والواوُ في قَوْلِهِ: (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما العامِلُ في الحالِ الأُولى والثّانِيَةِ ؟
قُلْنا: العامِلُ في الأُولى ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِي مَعْنى هَذا الفِعْلِ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها وقُلْتَ: وما لَنا ونَطْمَعُ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ونَطْمَعُ) حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ويُدْخِلُنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ جَنَّتَهُ ودارَ رِضْوانِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحَجِّ: ٥٩] إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِمُجَرَّدِ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ القَوْلِ لا يُفِيدُ الثَّوابَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ الفاسِقَ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ وهَذا الإحْسانُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعْرِفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائِدَةِ: ٨٣]، ومِنَ الإقْرارِ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ وهَذا الإقْرارَ يُوجِبُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الثَّوابُ، وصاحِبُ الكَبِيرَةِ لَهُ هَذِهِ المَعْرِفَةُ وهَذا الإقْرارُ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الثَّوابُ، فَأمّا أنْ يُنْقَلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى النّارِ وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ يُقالَ: يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ: أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ لا غَيْرُهم، والمُصاحِبُ لِلشَّيْءِ هو المُلازِمُ لَهُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَهَذا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا الدَّوامِ بِالكُفّارِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الخُلُودَ في النّارِ لا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ الفاسِقِ.
المائدة 5:86
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (سَمِعُوا) يَرْجِعُ إلى القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم و(ما أُنْزِلَ) يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَعْفَرًا الطَّيّارَ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ تَبِنَةً مِنَ الأرْضِ وقالَ: واللَّهِ ما زادَ عَلى ما قالَ اللَّهُ في الإنْجِيلِ مِثْلَ هَذا، وما زالُوا يَبْكُونَ حَتّى فَرَغَ جَعْفَرٌ مِنَ القِراءَةِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ أنْ يَمْتَلِئَ الإناءُ وغَيْرُهُ حَتّى يَطَلُعَ ما فِيهِ مِن جَوانِبِهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالبُكاءِ فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِمّا نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ.
فَإنْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ”مِن“ وبَيْنَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ .
قُلْنا: الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ إنَّما ابْتُدِئَ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، يَعْنِي أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ وهو القُرْآنُ فَأبْكاهُمُ اللَّهُ، فَكَيْفَ لَوْ عَرَفُوا كُلَّهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ أيْ بِما سَمِعْنا وشَهِدْنا أنَّهُ حَقٌّ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ .
والثّانِي: أيْ مَعَ كُلِّ مَن شَهِدَ مِن أنْبِيائِكَ ومُؤْمِنِي عِبادِكَ بِأنَّكَ لا إلَهَ غَيْرُكَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾
صفحة ٥٨
فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَحَلُّ ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِمَعْنى غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِكَ قائِمًا، والواوُ في قَوْلِهِ: (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما العامِلُ في الحالِ الأُولى والثّانِيَةِ ؟
قُلْنا: العامِلُ في الأُولى ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِي مَعْنى هَذا الفِعْلِ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها وقُلْتَ: وما لَنا ونَطْمَعُ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ونَطْمَعُ) حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ويُدْخِلُنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ جَنَّتَهُ ودارَ رِضْوانِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحَجِّ: ٥٩] إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِمُجَرَّدِ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ القَوْلِ لا يُفِيدُ الثَّوابَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ الفاسِقَ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ وهَذا الإحْسانُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعْرِفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائِدَةِ: ٨٣]، ومِنَ الإقْرارِ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ وهَذا الإقْرارَ يُوجِبُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الثَّوابُ، وصاحِبُ الكَبِيرَةِ لَهُ هَذِهِ المَعْرِفَةُ وهَذا الإقْرارُ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الثَّوابُ، فَأمّا أنْ يُنْقَلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى النّارِ وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ يُقالَ: يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ: أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ لا غَيْرُهم، والمُصاحِبُ لِلشَّيْءِ هو المُلازِمُ لَهُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَهَذا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا الدَّوامِ بِالكُفّارِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الخُلُودَ في النّارِ لا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ الفاسِقِ.
المائدة 5:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا اسْتَقْصى في المُناظَرَةِ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى، عادَ بَعْدَهُ إلى بَيانِ الأحْكامِ وذَكَرَ جُمْلَةً مِنها.
النَّوْعُ الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِحِلِّ المَطاعِمِ والمَشارِبِ واللَّذّاتِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الطَّيِّباتُ: اللَّذِيذاتُ الَّتِي تَشْتَهِيها النُّفُوسُ وتَمِيلُ إلَيْها القُلُوبُ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّهُ ﷺ وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ لِأصْحابِهِ في بَيْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وبالَغَ وأشْبَعَ الكَلامَ في الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ، فَعَزَمُوا عَلى أنْ يَرْفُضُوا الدُّنْيا ويُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ المَطاعِمَ الطَّيِّبَةَ والمُشارِبَ اللَّذِيذَةَ، وأنْ يَصُومُوا النَّهارَ ويَقُومُوا اللَّيْلَ، وأنْ لا يَنامُوا عَلى الفُرُشِ، ويَخْصُوا أنْفُسَهم، ويَلْبَسُوا المُسُوحَ، ويَسِيحُوا في الأرْضِ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ”«إنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، إنَّ لِأنْفُسِكم عَلَيْكم حَقًّا، فَصُومُوا وأفْطِرُوا وقُومُوا ونامُوا، فَإنِّي أقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ وآكُلُ اللَّحْمَ والدَّسَمَ وآتِي النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» “ .
وبِهَذا الكَلامِ ظَهَرَ وجْهُ النَّظْمِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى مَدَحَ النَّصارى بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، وعادَتُهُمُ الِاحْتِرازُ عَنْ طَيِّباتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، فَلَمّا مَدَحَهم أوْهَمَ ذَلِكَ المَدْحُ تَرْغِيبَ المُسْلِمِينَ في مِثْلِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ، فَذَكَرَ تَعالى [ ذَلِكَ ] عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ إزالَةً لِذَلِكَ الوَهْمِ، لِيُظْهِرَ لِلْمُسْلِمِينَ أنَّهم لَيْسُوا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في هَذا النَّهْيِ، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ حُبَّ الدُّنْيا مُسْتَوْلٍ عَلى الطِّباعِ والقُلُوبِ، فَإذا تَوَسَّعَ الإنْسانُ في اللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ اشْتَدَّ مَيْلُهُ إلَيْها وعَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيها، وكُلَّما كانَتْ تِلْكَ النِّعَمُ أكْثَرَ وأدْوَمَ كانَ ذَلِكَ المَيْلُ أقْوى وأعْظَمَ، وكُلَّما ازْدادَ المَيْلُ قُوَّةً ورَغْبَةً ازْدادَ حِرْصُهُ في طَلَبِ الدُّنْيا واسْتِغْراقُهُ في تَحْصِيلِها، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي طاعَتِهِ، ويَمْنَعُهُ عَنْ طَلَبِ سَعاداتِ الآخِرَةِ، وأمّا إذا أعْرَضَ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، فَكُلَّما كانَ ذَلِكَ الإعْراضُ أتَمَّ وأدْوَمَ كانَ ذَلِكَ المَيْلُ أضْعَفَ والرَّغْبَةُ أقَلَّ، وحِينَئِذٍ تَتَفَرَّغُ النَّفْسُ لِطَلَبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقِ في خِدْمَتِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَما الحِكْمَةُ في نَهْيِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الرَّهْبانِيَّةِ ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الرَّهْبانِيَّةَ المُفْرِطَةَ والِاحْتِرازَ التّامَّ عَنِ الطَّيِّباتِ واللَّذّاتِ مِمّا يُوقِعُ الضَّعْفَ في الأعْضاءِ الرَّئِيسَةِ الَّتِي هي القَلْبُ والدِّماغُ، وإذا وقَعَ الضَّعْفُ فِيهِما اخْتَلَّتِ الفِكْرَةُ وتَشَوَّشَ العَقْلُ. ولا شَكَّ أنَّ أكْمَلَ السَّعاداتِ وأعْظَمَ القُرُباتِ إنَّما هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَتِ الرَّهْبانِيَّةُ الشَّدِيدَةُ
صفحة ٦٠
مِمّا يُوقِعُ الخَلَلَ في ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الَّذِي بَيَّنّاهُ لا جَرَمَ وقَعَ النَّهْيُ عَنْها.
والثّانِي: وهو أنَّ حاصِلَ ما ذَكَرْتُمْ أنَّ اشْتِغالَ النَّفْسِ بِطَلَبِ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ يَمْنَعُها عَنِ الِاسْتِكْمالِ بِالسَّعاداتِ العَقْلِيَّةِ، وهَذا مُسَلَّمٌ لَكِنْ في حَقِّ النُّفُوسِ الضَّعِيفَةِ، أمّا النُّفُوسُ المُسْتَعْلِيَةُ الكامِلَةُ فَإنَّها لا يَكُونُ اسْتِعْمالُها في الأعْمالِ الحِسِّيَّةِ مانِعًا لَها مِنَ الِاسْتِكْمالِ بِالسَّعاداتِ العَقْلِيَّةِ، فَإنّا نُشاهِدُ النُّفُوسَ قَدْ تَكُونُ ضَعِيفَةً بِحَيْثُ مَتى اشْتَغَلَتْ بِمُهِمٍّ امْتَنَعَ عَلَيْها الِاشْتِغالُ بِمُهِمٍّ آخَرَ، وكُلَّما كانَتِ النَّفْسُ أقْوى كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ أكْمَلَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الرَّهْبانِيَّةُ الخالِصَةُ دَلِيلًا عَلى نَوْعٍ مِنَ الضَّعْفِ والقُصُورِ، وإنَّما الكَمالُ في الوَفاءِ بِالجِهَتَيْنِ والِاسْتِكْمالِ في النّاسِ.
الثّالِثُ: وهو أنَّ مَنِ اسْتَوْفى اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةَ كانَ غَرَضُهُ مِنها الِاسْتِعانَةَ بِها عَلى اسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ العَقْلِيَّةِ، فَإنَّ رِياضَتَهُ ومُجاهَدَتَهُ أتَمُّ مِن رِياضَةِ مَن أعْرَضَ عَنِ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ، لِأنَّ صَرْفَ حِصَّةِ النَّفْسِ إلى جانِبِ الطّاعَةِ أشَقُّ وأشَدُّ مِنَ الإعْراضِ عَنْ حِصَّةِ النَّفْسِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكانَ الكَمالُ في هَذا أتَمَّ.
الرّابِعُ: وهو أنَّ الرَّهْبانِيَّةَ التّامَّةَ تُوجِبُ خَرابَ الدُّنْيا وانْقِطاعَ الحَرْثِ والنَّسْلِ، وأمّا تَرْكَ الرَّهْبانِيَّةِ مَعَ المُواظَبَةِ عَلى المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والطّاعاتِ فَإنَّهُ يُفِيدُ عِمارَةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ الحالَةُ أكْمَلَ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا الوَجْهِ.
القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ، وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَبَيَّنَ أنَّهُ كَما لا يَجُوزُ اسْتِحْلالُ المُحَرَّمِ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ تَحْرِيمُ المُحَلَّلِ، وكانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُ مِنَ الطَّيِّباتِ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعالى، وهي البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامُ، وقَدْ حَكى تَعالى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ الأنْعامِ، وكانُوا يُحَلِّلُونَ المَيْتَةَ والدَّمَ وغَيْرَهُما، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يُحَرِّمُوا ما أحَلَّ اللَّهُ ولا يُحَلِّلُوا ما حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَدْخُلُوا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: لا تَعْتَقِدُوا تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لَكم.
وثانِيها: لا تُظْهِرُوا بِاللِّسانِ تَحْرِيمَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَكم.
وثالِثُها: لا تَجْتَنِبُوا عَنْها اجْتِنابًا شَبِيهَ الِاجْتِنابِ مِنَ المُحَرَّماتِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى الِاعْتِقادِ والقَوْلِ والعَمَلِ.
ورابِعُها: لا تُحَرِّمُوا عَلى غَيْرِكم بِالفَتْوى.
وخامِسُها: لا تَلْتَزِمُوا تَحْرِيمَها بِنَذْرٍ أوْ يَمِينٍ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] .
وسادِسُها: أنْ يَخْلِطَ المَغْصُوبَ بِالمَمْلُوكِ خَلْطًا لا يُمْكِنُهُ التَّمْيِيزُ، وحِينَئِذٍ يَحْرُمُ الكُلُّ، فَذَلِكَ الخَلْطُ سَبَبٌ لِتَحْرِيمِ ما كانَ حَلالًا لَهُ، وكَذَلِكَ القَوْلُ فِيما إذا خُلِطَ النَّجِسُ بِالطّاهِرِ، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ، ولا يَبْعُدُ حَمْلُها عَلى الكُلِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ تَحْرِيمَ الطَّيِّباتِ اعْتِداءً وظُلْمًا، فَنَهى عَنِ الِاعْتِداءِ لِيَدْخُلَ تَحْتَهُ النَّهْيُ عَنْ تَحْرِيمِها.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا أباحَ الطَّيِّباتِ حَرَّمَ الإسْرافَ فِيها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] .
الثّالِثُ: يَعْنِي لِما أحَلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتِ فاكْتَفُوا بِهَذِهِ المُحَلَّلاتِ ولا تَتَعَدُّوها إلى ما حَرَّمَ عَلَيْكم.
المائدة 5:88
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ .
صفحة ٦١
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (وكُلُوا) صِيغَةُ أمْرٍ، وظاهِرُها لِلْوُجُوبِ لا أنَّ المُرادَ هاهُنا الإباحَةُ والتَّحْلِيلُ. واحْتَجَّ أصْحابُ الشّافِعِيِّ بِهِ في أنَّ التَّطَوُّعَ لا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وقالُوا: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي إباحَةَ الأكْلِ عَلى الإطْلاقِ فَيَتَناوَلُ ما بَعْدَ الشُّرُوعِ في الصَّوْمِ، غايَتُهُ أنَّهُ خُصَّ في بَعْضِ الصُّوَرِ إلّا أنَّ العامَّ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالأكْلِ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالمَأْكُولِ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: كُلُوا حَلالًا طَيِّبًا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي: كُلُوا مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي يَكُونُ حَلالًا طَيِّبًا، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَإنَّهُ حُجَّةٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ إلّا حَلالًا، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ دالَّةٌ عَلى الإذْنِ في أكْلِ كُلِّ ما رَزَقَ اللَّهُ تَعالى وإنَّما يَأْذَنُ اللَّهُ تَعالى في أكْلِ الحَلالِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما كانَ رِزْقًا كانَ حَلالًا، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَإنَّهُ حُجَّةٌ لِأصْحابِنا عَلى أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا لِأنَّهُ تَعالى خَصَّصَ إذْنَ الأكْلِ بِالرِّزْقِ الَّذِي يَكُونُ حَلالًا طَيِّبًا، ولَوْلا أنَّ الرِّزْقَ قَدْ لا يَكُونُ حَلالًا وإلّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّخْصِيصِ والتَّقْيِيدِ فائِدَةٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَقُلْ تَعالى: كُلُوا ما رَزَقَكم، ولَكِنْ قالَ: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ وكَلِمَةُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اقْتَصِرُوا في الأكْلِ عَلى البَعْضِ واصْرِفُوا البَقِيَّةَ إلى الصَّدَقاتِ والخَيْراتِ لِأنَّهُ إرْشادٌ إلى تَرْكِ الإسْرافِ كَما قالَ: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِ كُلِّ أحَدٍ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَكَفَّلْ بِرِزْقِهِ لَما قالَ: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ وإذا تَكَفَّلَ اللَّهُ بِرِزْقِهِ وجَبَ أنْ لا يُبالِغَ في الطَّلَبِ، وأنْ يُعَوِّلَ عَلى وعْدِ اللَّهِ تَعالى وإحْسانِهِ، فَإنَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُخْلِفَ الوَعْدَ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا فاتَّقُوا اللَّهَ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ» أمّا قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فَهو تَأْكِيدٌ لِلتَّوْصِيَةِ بِما أمَرَ بِهِ، زادَهُ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ يُوجِبُ التَّقْوى في الِانْتِهاءِ إلى ما أمَرَ بِهِ وعَمّا نَهى عَنْهُ.
المائدة 5:89
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ .
قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذا المَوْضِعِ أنْواعًا مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ. بَقِيَ أنْ يُقالَ: أيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ هَذا الحُكْمِ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ حَتّى يَحْسُنَ ذِكْرُهُ عَقِيبَهُ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ الأُولى أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ المَطاعِمَ والمَلابِسَ واخْتارُوا الرَّهْبانِيَّةَ وحَلَفُوا عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا نَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
صفحة ٦٢
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في يَمِينَ اللَّغْوِ ما هو، قَدْ سَبَقَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فَلا وجْهَ لِلْإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (عَقَّدْتُمُ) بِتَشْدِيدِ القافِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (عَقَدْتُمْ) بِتَخْفِيفِ القافِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (عاقَدْتُمْ) بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ. قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: عَقَدَ فُلانٌ اليَمِينَ والعَهْدَ والحَبْلَ عَقْدًا: إذا وكَّدَهُ وأحْكَمَهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ أيْضًا: عَقَّدَ، بِالتَّشْدِيدِ: إذا وكَّدَ، ومِثْلُهُ أيْضًا عاقَدَ، بِالألِفِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَإنَّهُ صالِحٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، يُقالُ: عَقَدَ زَيْدٌ يَمِينَهُ، وعَقَدُوا أيْمانَهم، وأمّا مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فاعْلَمْ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ زَيَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: التَّشْدِيدُ لِلتَّكْرِيرِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فالقِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ تُوجِبُ سُقُوطَ الكَفّارَةِ عَنِ اليَمِينِ الواحِدَةِ لِأنَّها لَمْ تَتَكَرَّرْ.
وأجابَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ بَعْضَهم قالَ: (عَقَدَ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ واحِدٌ في المَعْنى.
الثّانِي: هَبْ أنَّها تُفِيدُ التَّكْرِيرَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ [يوسف: ٢٣] إلّا أنَّ هَذا التَّكْرِيرَ يَحْصُلُ بِأنْ يَعْقِدَها بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ، ومَتى جَمَعَ بَيْنَ القَلْبِ واللِّسانِ فَقَدْ حَصَلَ التَّكْرِيرُ، أمّا لَوْ عَقَدَ اليَمِينَ بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ لَمْ يَكُنْ مُعَقِّدًا. وأمّا مَن قَرَأ بِالألِفِ فَإنَّهُ مِنَ المُفاعَلَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالواحِدِ مِثْلُ عافاهُ اللَّهُ وطارَقْتُ النَّعْلَ وعاقَبْتُ اللِّصَّ، فَتَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ كَقِراءَةِ مَن خَفَّفَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (ما) مَعَ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِعَقْدِكم أوْ بِتَعْقِيدِكم أوْ بِمُعاقَدَتِكُمُ الأيْمانَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمْ إذا حَنَثْتُمْ، فَحَذَفَ وقْتَ المُؤاخَذَةِ لِأنَّهُ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم، أوْ بِنَكْثِ ما عَقَّدْتُمْ، فَحَذَفَ المُضافَ. وأمّا كَيْفِيَّةُ اسْتِدْلالِ الشّافِعِيِّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اليَمِينَ الغَمُوسَ تُوجِبُ الكَفّارَةَ فَقَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ .
صفحة ٦٣
واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الواجِبَ في كَفّارَةِ اليَمِينِ أحَدُ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ عَلى التَّخْيِيرِ، فَإنْ عَجَزَ عَنْها جَمِيعًا فالواجِبُ شَيْءٌ آخَرُ، وهو الصَّوْمُ.
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الواجِبِ المُخَيَّرِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الإتْيانُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، ولا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُها جَمِيعًا، ومَتى أتى بِأيِّ واحِدٍ شاءَ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَإنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ، فَإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ القُيُودُ الثَّلاثَةُ فَذاكَ هو الواجِبُ المُخَيَّرُ، ومِنَ الفُقَهاءِ مَن قالَ: الواحِدُ لا بِعَيْنِهِ، وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ أنْ يُقالَ: الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُدْخِلَ في الوُجُودِ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ لا بِعَيْنِهِ، وهَذا مُحالٌ في العُقُولِ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لا يَكُونُ مُعَيَّنًا في نَفْسِهِ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُرادُ بِهِ التَّكْلِيفُ.
الثّانِي أنْ يُقالَ: الواجِبُ عَلَيْهِ واحِدٌ مُعَيَّنٌ في نَفْسِهِ وفي عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهُ مَجْهُولُ العَيْنِ عِنْدَ الفاعِلِ، وذَلِكَ أيْضًا مُحالٌ لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ واجِبًا بِعَيْنِهِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى هو أنَّهُ لا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِحالٍ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ بِتَقْدِيرِ الإتْيانِ بِغَيْرِهِ، والجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ وهو مُحالٌ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: نَصِيبُ كُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ، وهو ثُلُثا مَنٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ والقاسِمِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الواجِبُ نِصْفُ صاعٍ مِنَ الحِنْطَةِ، وصاعٌ مِن غَيْرِ الحِنْطَةِ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ في الإطْعامِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ وهَذا الوَسَطُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما كانَ مُتَوَسِّطًا في العُرْفِ، أوْ ما كانَ مُتَوَسِّطًا في الشَّرْعِ، فَإنْ كانَ المُرادُ ما كانَ مُتَوَسِّطًا في العُرْفِ فَثُلُثا مَنٍ مِنَ الحِنْطَةِ، إذا جُعِلَ دَقِيقًا أوْ جُعِلَ خُبْزًا فَإنَّهُ يَصِيرُ قَرِيبًا مِنَ المَنِ، وذَلِكَ كافٍ في قُوتِ اليَوْمِ الواحِدِ ظاهِرًا، وإنْ كانَ المُرادُ ما كانَ مُتَوَسِّطًا في الشَّرْعِ فَلَمْ يَرِدْ في الشَّرْعِ لَهُ مِقْدارٌ إلّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ، وهو ما رُوِيَ «فِي خَبَرِ المُفْطِرِ في نَهارِ رَمَضانَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ بِإطْعامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا مِن غَيْرِ ذِكْرِ مِقْدارٍ، فَقالَ الرَّجُلُ: ما أجِدُ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أطْعِمْ هَذا» . وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ طَعامِ المِسْكِينِ بِرُبْعِ الصّاعِ، وهو مُدٌّ، ولا يُلْزَمُ كَفّارَةَ الحَلِفِ لِأنَّها شُرِعَتْ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ مُطْلَقَةً عَنِ التَّقْدِيرِ بِإطْعامِ الأهْلِ، فَكانَ قَدْرُها مُعْتَبَرًا بِصَدَقَةِ الفِطْرِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ تَقْدِيرُها بِالصّاعِ لا بِالمُدِّ.
وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ والأوْسَطُ هو الأعْدَلُ، والَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هو أدْنى ما يَكْفِي، فَأمّا الأعْدَلُ فَيَكُونُ بِإدامٍ، وهَكَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَحِمَهُما اللَّهُ: مُدٌّ مَعَهُ إدامُهُ، والإدامُ يَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ مُدٍّ آخَرَ أوْ يَزِيدُ في الأغْلَبِ.
أجابَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّوَسُّطَ في القَدْرِ، فَإنَّ الإنْسانَ رُبَّما كانَ قَلِيلَ الأكْلِ جِدًّا يَكْفِيهِ الرَّغِيفُ الواحِدُ، ورُبَّما كانَ كَثِيرَ الأكْلِ فَلا يَكْفِيهِ المَنَوانِ، إلّا أنَّ المُتَوَسِّطَ الغالِبَ أنَّهُ يَكْفِيهِ مِنَ الخُبْزِ ما يَقْرُبُ مِنَ المَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّوَسُّطَ في القِيمَةِ، لا يَكُونُ غالِيًا كالسُّكَّرِ، ولا يَكُونُ خَسِيسَ الثَّمَنِ كالنُّخالَةِ والذُّرَةِ، والأوْسَطُ هو الحِنْطَةُ والتَّمْرُ والزَّبِيبُ
صفحة ٦٤
والخُبْزُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأوْسَطَ في الطِّيبِ واللَّذاذَةِ، ولَمّا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ فَنَقُولُ: يَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما ذَكَرْناهُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّ الإدامَ غَيْرُ واجِبٍ بِالإجْماعِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى التَّوَسُّطِ في قَدْرِ الطَّعامِ.
الثّانِي: أنَّ هَذا القَدْرَ واجِبٌ بِيَقِينٍ، والباقِي مَشْكُوكٌ فِيهِ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ، فَأوْجَبْنا اليَقِينَ وطَرَحْنا الشَّكَّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الواجِبُ تَمْلِيكُ الطَّعامِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا غَدّى أوْ عَشّى عَشَرَةَ مَساكِينَ جازَ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ: أنَّ الواجِبَ في هَذِهِ الكَفّارَةِ أحَدُ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ: إمّا الإطْعامُ أوِ الكِسْوَةُ أوِ الإعْتاقُ، ثُمَّ أجْمَعْنا عَلى أنَّ الواجِبَ في الكِسْوَةِ التَّمْلِيكُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الواجِبُ في الإطْعامِ هو التَّمْلِيكَ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الواجِبَ هو الإطْعامُ، والتَّغْدِيَةُ والتَّعْشِيَةُ هُما إطْعامٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وقالَ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ وإطْعامُ الأهْلِ يَكُونُ بِالتَّمْكِينِ لا بِالتَّمْلِيكِ، ويُقالُ في العُرْفِ: فُلانٌ يُطْعِمُ الفُقَراءَ: إذا كانَ يُقَدِّمُ الطَّعامَ إلَيْهِمْ ويُمَكِّنُهم مِن أكْلِهِ. وإذا ثَبَتَ أنَّهُ أمْرٌ بِالإطْعامِ وجَبَ أنْ يَكُونَ كافِيًا.
أجابَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ الواجِبَ إمّا المُدُّ أوِ الأزْيَدُ، والتَّغْدِيَةُ والتَّعْشِيَةُ قَدْ تَكُونُ أقَلَّ مِن ذَلِكَ فَلا يَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ إلّا بِاليَقِينِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يُجْزِئُهُ إلّا طَعامُ عَشَرَةٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ أطْعَمَ مِسْكِينًا واحِدًا عَشَرَةَ أيّامٍ جازَ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ مَدارَ هَذا البابِ عَلى التَّعَبُّدِ الَّذِي لا يُعْقَلُ مَعْناهُ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَجِبُ الِاعْتِمادُ عَلى مَوْرِدِ النَّصِّ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الكِسْوَةُ في اللُّغَةِ مَعْناها اللِّباسُ، وهو كُلُّ ما يُكْتَسى بِهِ، فَأمّا الَّتِي تُجْزِي في الكَفّارَةِ فَهو أقَلُّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الكِسْوَةِ إزارٌ أوْ رِداءٌ أوْ قَمِيصٌ أوْ سَراوِيلُ أوْ عِمامَةٌ أوْ مِقْنَعَةٌ ثَوْبٌ واحِدٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: المُرادُ بِالرَّقَبَةِ الجُمْلَةُ، وقِيلَ الأصْلُ في هَذا المَجازِ أنَّ الأسِيرَ في العَرَبِ كانَ يُجْمَعُ يَداهُ إلى رَقَبَتِهِ بِحَبْلٍ، فَإذا أُطْلِقَ حُلَّ ذَلِكَ الحَبْلُ فَسُمِّيَ الإطْلاقُ مِنَ الرَّقَبَةِ فَكَّ الرَّقَبَةِ، ثُمَّ جَرى ذَلِكَ عَلى العِتْقِ، ومَذْهَبُ أهْلِ الظّاهِرِ أنَّ جَمِيعَ الرَّقَباتِ تُجْزِيهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الرَّقَبَةُ المُجْزِيَةُ في الكَفّارَةِ كُلُّ رَقَبَةٍ سَلِيمَةٍ مِن عَيْبٍ يَمْنَعُ مِنَ العَمَلِ، صَغِيرَةً كانَتْ أوْ كَبِيرَةً، ذَكَرًا أوْ أُنْثى، بَعْدَ أنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، ولا يَجُوزُ إعْتاقُ الكافِرَةِ في شَيْءٍ مِنَ الكَفّاراتِ، ولا إعْتاقُ المُكاتَبِ، ولا شِراءُ القَرِيبِ، وهَذِهِ المَسائِلُ قَدْ ذَكَرْناها في آيَةِ الظِّهارِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أيُّ فائِدَةٍ لِتَقْدِيمِ الإطْعامِ عَلى العِتْقِ مَعَ أنَّ العِتْقَ أفْضَلُ لا مَحالَةَ ؟
قُلْنا: لَهُ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَفّارَةَ وجَبَتْ عَلى التَّخْيِيرِ لا عَلى التَّرْتِيبِ؛ لِأنَّها لَوْ وجَبَتْ عَلى التَّرْتِيبِ لَوَجَبَتِ البُداءَةُ بِالأغْلَظِ.
وثانِيها: قُدِّمَ الإطْعامُ لِأنَّهُ أسْهَلُ لِكَوْنِ الطَّعامِ أعَمَّ
صفحة ٦٥
وُجُودًا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى يُراعِي التَّخْفِيفَ والتَّسْهِيلَ في التَّكالِيفِ.
وثالِثُها: أنَّ الإطْعامَ أفْضَلُ لِأنَّ الحُرَّ الفَقِيرَ قَدْ لا يَجِدُ الطَّعامَ، ولا يَكُونُ هُناكَ مَن يُعْطِيهِ الطَّعامَ فَيَقَعُ في الضُّرِّ، أمّا العَبْدُ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلى مَوْلاهُ إطْعامُهُ وكِسْوَتُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا كانَ عِنْدَهُ قُوتُهُ وقُوتُ عِيالِهِ يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ، ومِنَ الفَضْلِ ما يُطْعِمُ عَشَرَةَ مَساكِينَ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ بِالإطْعامِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ هَذا القَدْرُ جازَ لَهُ الصِّيامُ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، يَجُوزُ لَهُ الصِّيامُ إذا كانَ عِنْدَهُ مِنَ المالِ ما لا يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، فَجُعِلَ مَن لا زَكاةَ عَلَيْهِ عادِمًا.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أنَّهُ تَعالى عَلَّقَ جَوازَ الصِّيامِ عَلى عَدَمِ وِجْدانِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَعِنْدَ وِجْدانِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الصَّوْمُ، تَرَكْنا العَمَلَ بِهِ عِنْدَ وِجْدانِ قُوتِ نَفْسِهِ وقُوتِ عِيالِهِ يَوْمًا ولَيْلَةً لِأنَّ ذَلِكَ كالأمْرِ المُضْطَرِّ إلَيْهِ، وقَدْ رَأيْنا في الشَّرْعِ أنَّهُ مَتى وقَعَ التَّعارُضُ في حَقِّ النَّفْسِ وحَقِّ الغَيْرِ كانَ تَقْدِيمُ حَقِّ النَّفْسِ واجِبًا، فَوَجَبَ أنْ تَبْقى الآيَةُ مَعْمُولًا بِها في غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في أصَحِّ قَوْلَيْهِ أنَّهُ يَصُومُ ثَلاثَةَ أيّامٍ إنْ شاءَ مُتَتابِعَةً وإنْ شاءَ مُتَفَرِّقَةً.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ التَّتابُعُ.
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، والآتِي بِصَوْمِ ثَلاثَةِ أيّامٍ عَلى التَّفَرُّقِ آتٍ بِصَوْمِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ما رُوِيَ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ: (فَصَوْمُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ) وقِراءَتُهُما لا تَخْتَلِفُ عَنْ رِوايَتِهِما.
والجَوابُ أنَّ القِراءَةَ الشّاذَّةَ مَرْدُودَةٌ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ قُرْآنًا لَنُقِلَتْ نَقْلًا مُتَواتِرًا، إذْ لَوْ جَوَّزْنا في القُرْآنِ أنْ لا يُنْقَلَ عَلى التَّواتُرِ لَزِمَ طَعْنُ الرَّوافِضِ والمَلاحِدَةِ في القُرْآنِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَعَلِمْنا أنَّ القِراءَةَ الشّاذَّةَ مَرْدُودَةٌ، فَلا تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ حُجَّةً. وأيْضًا نُقِلَ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأ (فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ مُتَتابِعاتٍ) مَعَ أنَّ التَّتابُعَ هُناكَ ما كانَ شَرْطًا، وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّهُ رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: عَلَيَّ أيّامٌ مِن رَمَضانَ أفَأقْضِيها مُتَفَرِّقاتٍ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلَيْكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَ الدِّرْهَمَ فالدِّرْهَمَ أما كانَ يُجْزِيكَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: فاللَّهُ أحَقُّ أنْ يَعْفُوَ وأنْ يَصْفَحَ“» .
قُلْنا: فَهَذا الحَدِيثُ وإنْ وقَعَ جَوابًا عَنْ هَذا السُّؤالِ في صَوْمِ رَمَضانَ إلّا أنَّ لَفْظَهُ عامٌّ وتَعْلِيلَهُ عامٌّ في جَمِيعِ الصِّياماتِ، وقَدْ ثَبَتَ في الأُصُولِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى جَوازِ التَّفْرِيقِ هاهُنا أيْضًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَن صامَ سِتَّةَ أيّامٍ عَنْ يَمِينَيْنِ أجْزَأهُ، سَواءٌ عَيَّنَ إحْدى الثَّلاثَتَيْنِ لِإحْدى اليَمِينَيْنِ أوْ لا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ عَلَيْهِ، وقَدْ أتى بِها، فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ.
صفحة ٦٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ قَوْلُهُ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الطَّعامِ والكِسْوَةِ وتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ وحَنَثْتُمْ لِأنَّ الكَفّارَةَ لا تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الحَلِفِ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ ذِكْرَ الحِنْثِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، كَما قالَ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٤] أيْ فَأفْطَرَ.
احْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ التَّكْفِيرَ قَبْلَ الحِنْثِ جائِزٌ فَقالَ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ كَفّارَةٌ لِلْيَمِينِ عِنْدَ وُجُودِ الحَلِفِ، فَإذا أدّاها بَعْدَ الحَلِفِ قَبْلَ الحِنْثِ فَقَدْ أدّى الكَفّارَةَ عَنْ ذَلِكَ اليَمِينِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿إذا حَلَفْتُمْ﴾ فِيهِ دَقِيقَةٌ وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الكَفّارَةِ قَبْلَ اليَمِينِ لا يَجُوزُ، وأمّا بَعْدَ اليَمِينِ وقَبْلَ الحِنْثِ فَإنَّهُ يَجُوزُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ قَلِّلُوا الأيْمانَ ولا تُكْثِرُوا مِنها، قالَ كُثَيِّرٌ:
قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ وإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ
المائدة 5:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَوْضِعِ، ووَجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّهُ تَعالى قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ ثُمَّ لَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ الأُمُورِ المُسْتَطابَةِ الخَمْرُ والمَيْسِرُ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُما غَيْرُ داخِلَيْنِ في المُحَلَّلاتِ، بَلْ في المُحَرَّماتِ.
واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعْنى الخَمْرِ والمَيْسِرِ وذَكَرْنا مَعْنى الأنْصابِ والأزْلامِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ فَمَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ فَعَلَيْهِ بِهَذِهِ المَواضِعِ.
وفِي اشْتِقاقِ لَفْظِ الخَمْرِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: سُمِّيَتِ الخَمْرُ خَمْرًا لِأنَّها خامَرَتِ العَقْلَ، أيْ خالَطَتْهُ فَسَتَرَتْهُ.
والثّانِي: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: تُرِكَتْ فاخْتَمَرَتْ، أيْ تَغَيَّرَ رِيحُها، والمَيْسِرُ هو قِمارُهم في الجَزُورِ، والأنْصابُ هي آلِهَتُهُمُ الَّتِي نَصَبُوها يَعْبُدُونَها، والأزْلامُ سِهامٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْها خَيْرٌ وشَرٌّ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ بِوَصْفَيْنِ، الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (رِجْسٌ) والرِّجْسُ في اللُّغَةِ كُلُّ ما اسْتُقْذِرَ مِن عَمَلٍ، يُقالُ: رَجُسَ الرَّجُلُ رِجْسًا ورَجِسَ يَرْجَسُ: إذا عَمِلَ عَمَلًا قَبِيحًا، وأصْلُهُ مِنَ الرَّجْسِ بِفَتْحِ الرّاءِ،
صفحة ٦٧
وهُوَ شِدَّةُ الصَّوْتِ، يُقالُ: سَحابٌ رَجّاسٌ: إذا كانَ شَدِيدَ الصَّوْتِ بِالرَّعْدِ، فَكانَ الرَّجْسُ هو العَمَلُ الَّذِي يَكُونُ قَوِيَّ الدَّرَجَةِ كامِلَ الرُّتْبَةِ في القُبْحِ.
الوَصْفُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وهَذا أيْضًا مُكَمِّلٌ لِكَوْنِهِ رِجْسًا لِأنَّ الشَّيْطانَ نَجَسٌ خَبِيثٌ لِأنَّهُ كافِرٌ، والكافِرُ نَجَسٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] والخَبِيثُ لا يَدْعُو إلّا إلى الخَبِيثِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النُّورِ: ٢٦] وأيْضًا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى الشَّيْطانِ فالمُرادُ مِن تِلْكَ الإضافَةِ المُبالَغَةُ في كَمالِ قُبْحِهِ. قالَ تَعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [القَصَصِ: ١٥] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ هَذِهِ الأرْبَعَةَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ قالَ: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ أيْ كُونُوا جانِبًا مِنهُ، والهاءُ عائِدَةٌ إلى ماذا ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّها عائِدَةٌ إلى الرِّجْسِ، والرِّجْسٌ واقِعٌ عَلى الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، فَكانَ الأمْرُ بِالِاجْتِنابِ مُتَناوِلًا لِلْكُلِّ.
الثّانِي: أنَّها عائِدَةٌ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما شَأْنُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ أوْ تَعاطِيهِما أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ .
المائدة 5:91
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِاجْتِنابِ هَذِهِ الأشْياءِ ذَكَرَ فِيها نَوْعَيْنِ مِنَ المَفْسَدَةِ، فالأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا وهو قَوْلُهُ:
﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .
﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ .
واعْلَمْ أنّا نَشْرَحُ وجْهَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ أوَّلًا في الخَمْرِ ثُمَّ في المَيْسِرِ:
أمّا الخَمْرُ فاعْلَمْ أنَّ الظّاهِرَ فِيمَن يَشْرَبُ الخَمْرَ أنَّهُ يَشْرَبُها مَعَ جَماعَةٍ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ الشُّرْبِ أنْ يَسْتَأْنِسَ بِرُفَقائِهِ ويَفْرَحَ بِمُحادَثَتِهِمْ ومُكالَمَتِهِمْ، فَكانَ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ الِاجْتِماعِ تَأْكِيدَ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ إلّا أنَّ ذَلِكَ في الأغْلَبِ يَنْقَلِبُ إلى الضِّدِّ؛ لِأنَّ الخَمْرَ يُزِيلُ العَقْلَ، وإذا زالَ العَقْلُ اسْتَوْلَتِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ مِن غَيْرِ مُدافَعَةِ العَقْلِ، وعِنْدَ اسْتِيلائِهِما تَحْصُلُ المُنازَعَةُ بَيْنَ أُولَئِكَ الأصْحابِ، وتِلْكَ المُنازَعَةُ رُبَّما أدَّتْ إلى الضَّرْبِ والقَتْلِ والمُشافَهَةِ بِالفُحْشِ، وذَلِكَ يُورِثُ أشَدَّ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، فالشَّيْطانُ يُسَوِّلُ أنَّ الِاجْتِماعَ عَلى الشُّرْبِ يُوجِبُ تَأْكِيدَ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، وبِالآخِرَةِ انْقَلَبَ الأمْرُ وحَصَلَتْ نِهايَةُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ.
وأمّا المَيْسِرُ فَفِيهِ بِإزاءِ التَّوْسِعَةِ عَلى المُحْتاجِينَ الإجْحافُ بِأرْبابِ الأمْوالِ؛ لِأنَّ مَن صارَ مَغْلُوبًا في القِمارِ مَرَّةً دَعاهُ ذَلِكَ إلى اللَّجاجِ فِيهِ عَنْ رَجاءِ أنَّهُ رُبَّما صارَ غالِبًا فِيهِ، وقَدْ يَتَّفِقُ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ إلى أنْ لا يَبْقى لَهُ شَيْءٌ مِنَ المالِ، وإلى أنْ يُقامِرَ عَلى لِحْيَتِهِ وأهْلِهِ ووَلَدِهِ، ولا شَكَّ أنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَبْقى فَقِيرًا مِسْكِينًا ويَصِيرُ مِن أعْدى الأعْداءِ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا غالِبِينَ لَهُ، فَظَهَرَ مِن هَذا الوَجْهِ أنَّ الخَمْرَ والمَيْسِرَ سَبَبانِ عَظِيمانِ في إثارَةِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ بَيْنَ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ شِدَّةَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ تُفْضِي إلى أحْوالٍ مَذْمُومَةٍ مِنَ الهَرْجِ والمَرْجِ والفِتَنِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُضادٌّ لِمَصالِحِ العالَمِ.
صفحة ٦٨
فَإنْ قِيلَ: لِمَ جَمَعَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ مَعَ الأنْصابِ والأزْلامِ ثُمَّ أفْرَدَهُما في آخِرِ الآيَةِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ والمَقْصُودُ نَهْيُهم عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وإظْهارُ أنَّ هَذِهِ الأرْبَعَةَ مُتَقارِبَةٌ في القُبْحِ والمَفْسَدَةِ، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ النَّهْيَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وإنَّما ضَمَّ الأنْصابَ والأزْلامَ إلى الخَمْرِ والمَيْسِرِ تَأْكِيدًا لِقُبْحِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، لا جَرَمَ أفْرَدَهُما في آخِرِ الآيَةِ بِالذِّكْرِ.
أمّا النَّوْعُ الثّانِي مِنَ المَفاسِدِ المَوْجُودَةِ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ: المَفاسِدُ المُتَعَلِّقَةُ بِالدِّينِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ فَنَقُولُ: أمّا أنَّ شُرْبَ الخَمْرِ يَمْنَعُ ذِكْرَ اللَّهِ فَظاهِرٌ، لِأنَّ شُرْبَ الخُمُورِ يُورِثُ الطَّرَبَ واللَّذَّةَ الجُسْمانِيَّةَ، والنَّفْسُ إذا اسْتَغْرَقَتْ في اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ غَفَلَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا أنَّ المَيْسِرَ مانِعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَكَذَلِكَ، لِأنَّهُ إنْ كانَ غالِبًا صارَ اسْتِغْراقُهُ في لَذَّةِ الغَلَبَةِ مانِعًا مِن أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِ شَيْءٌ سِواهُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ مِمّا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ.
فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ هي هَذِهِ المَعانِي، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ المَعانِيَ كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ مَعَ أنَّ التَّحْرِيمَ ما كانَ حاصِلًا وهَذا يَقْدَحُ في صِحَّةِ هَذا التَّعْلِيلِ.
قُلْنا: هَذا هو أحَدُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ عَنِ العِلَّةِ المَنصُوصَةِ لا يَقْدَحُ في كَوْنِها عِلَّةً.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى اشْتِمالَ شُرْبِ الخَمْرِ واللَّعِبِ بِالمَيْسِرِ عَلى هَذِهِ المَفاسِدِ العَظِيمَةِ في الدِّينِ، قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النِّساءِ: ٤٣] قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا وإنْ كانَ اسْتِفْهامًا في الظّاهِرِ إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ هو النَّهْيُ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما حَسُنَ هَذا المَجازُ لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ هَذِهِ الأفْعالَ وأظْهَرَ قُبْحَها لِلْمُخاطَبِ، فَلَمّا اسْتَفْهَمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ تَرْكِها لَمْ يَقْدِرِ المُخاطَبُ إلّا عَلى الإقْرارِ بِالتَّرْكِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أتَفْعَلُهُ بَعْدَما قَدْ ظَهَرَ مِن قُبْحِهِ ما قَدْ ظَهَرَ ؟ فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ جارِيًا مَجْرى تَنْصِيصِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوبِ الِانْتِهاءِ مَقْرُونًا بِإقْرارِ المُكَلَّفِ بِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى تَحْرِيمِ شُرْبِ الخَمْرِ مِن وُجُوهٍ:
دُها: تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِإنَّما، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِلْحَصْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا رِجْسَ ولا شَيْءَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ.
ثانِيها: أنَّهُ تَعالى قَرَنَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”«شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ» “ .
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالِاجْتِنابِ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ.
ورابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ جَعَلَ الِاجْتِنابَ مِنَ الفَلاحِ، وإذا كانَ الِاجْتِنابُ فَلاحًا كانَ الِارْتِكابُ خَيْبَةً.
وخامِسُها: أنَّهُ شَرَحَ أنْواعَ المَفاسِدِ المُتَوَلِّدَةِ مِنها في الدُّنْيا والدِّينِ، وهي وُقُوعُ التَّعادِي والتَّباغُضِ بَيْنَ الخَلْقِ وحُصُولُ الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الصَّلاةِ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهو مِن أبْلَغِ ما يُنْتَهى بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ تُلِيَ عَلَيْكم ما فِيها مِن أنْواعِ المَفاسِدِ والقَبائِحِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ مَعَ هَذِهِ الصَّوارِفِ ؟ أمْ أنْتُمْ عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ تُوعَظُوا بِهَذِهِ المَواعِظِ ؟
المائدة 5:92
وسابِعُها: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ:
صفحة ٦٩
﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ .
﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا﴾ فَظاهِرُهُ أنَّ المُرادَ وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أمْرِهِما بِالِاجْتِنابِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وقَوْلُهُ: (واحْذَرُوا) أيِ احْذَرُوا عَنْ مُخالَفَتِهِما في هَذِهِ التَّكالِيفِ. وثامِنُها: قَوْلُهُ:
﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ في حَقِّ مَن خالَفَ في هَذا التَّكْلِيفِ وأعْرَضَ فِيهِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وبَيانِهِ، يَعْنِي أنَّكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فالحُجَّةُ قَدْ قامَتْ عَلَيْكم، والرَّسُولُ قَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّبْلِيغِ والإعْذارِ والإنْذارِ، فَأمّا ما وراءَ ذَلِكَ مِن عِقابِ مَن خالَفَ هَذا التَّكْلِيفَ وأعْرَضَ عَنْهُ فَذاكَ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّهُ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، فَصارَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّمانِيَةِ دَلِيلًا قاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا في تَحْرِيمِ الخَمْرِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن أنْصَفَ وتَرَكَ الِاعْتِسافَ عَلِمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَرَتَّبَ النَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ عَلى كَوْنِ الخَمْرِ مُشْتَمِلَةً عَلى تِلْكَ المَفاسِدِ، ومِنَ المَعْلُومِ في بَدائِهِ العُقُولِ أنَّ تِلْكَ المَفاسِدَ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِن كَوْنِها مُؤَثِّرَةً في السُّكْرِ وهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّ عِلَّةَ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ هي كَوْنُ الخَمْرِ مُؤَثِّرًا في الإسْكارِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، ومَن أحاطَ عَقْلُهُ بِهَذا التَّقْدِيرِ وبَقِيَ مُصِرًّا عَلى قَوْلِهِ فَلَيْسَ لِعِنادِهِ عِلاجٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المائدة 5:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ قالَتِ الصَّحابَةُ: إنَّ إخْوانَنا كانُوا قَدْ شَرِبُوا الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قُتِلُوا، فَكَيْفَ حالُهم ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: لا إثْمَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ لِأنَّهم شَرِبُوها حالَ ما كانَتْ مُحَلَّلَةً، وهَذِهِ الآيَةُ مُشابِهَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في نَسْخِ القِبْلَةِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] أيْ أنَّكم حِينَ اسْتَقْبَلْتُمْ بَيْتَ المَقْدِسِ فَقَدِ اسْتَقْبَلْتُمُوهُ بِأمْرِي فَلا أُضِيعُ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] .
صفحة ٧٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّعامُ في الأغْلَبِ مِنَ اللُّغَةِ خِلافُ الشَّرابِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الطُّعْمُ خِلافَ الشُّرْبِ، إلّا أنَّ اسْمَ الطَّعامِ قَدْ يَقَعُ عَلى المَشْرُوباتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٩] وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أيْ شَرِبُوا الخَمْرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الطُّعْمِ راجِعًا إلى التَّلَذُّذِ بِما يُؤْكَلُ ويُشْرَبُ، وقَدْ تَقُولُ العَرَبُ: تَطَعَّمْ تَطْعَمْ، أيْ ذُقْ حَتّى تَشْتَهِيَ، وإذا كانَ مَعْنى الكَلِمَةِ راجِعًا إلى الذَّوْقِ صَلُحَ لِلْمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ مَعًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَ بَعْضُ الجُهّالِ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الخَمْرِ أنَّها مُحَرَّمَةٌ عِنْدَما تَكُونُ مُوقِعَةً لِلْعَداوَةِ والبَغْضاءِ وصادَّةً عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا جُناحَ عَلى مَن طَعِمَها إذا لَمْ يَحْصُلْ مَعَهُ شَيْءٌ مِن تِلْكَ المَفاسِدِ، بَلْ حَصَلَ مَعَهُ أنْواعُ المَصالِحِ مِنَ الطّاعَةِ والتَّقْوى والإحْسانِ إلى الخَلْقِ، قالُوا: ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى أحْوالِ مَن شَرِبَ الخَمْرَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَقالَ: ما كانَ جُناحٌ عَلى الَّذِينَ طَعِمُوا، كَما ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ في آيَةِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ فَقالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، بَلْ قالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا﴾ ولا شَكَّ أنَّ (إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ لا لِلْماضِي.
واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْدُودٌ بِإجْماعِ كُلِّ الأُمَّةِ، وقَوْلُهم: إنَّ كَلِمَةَ إذا (إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ لا لِلْماضِي، فَجَوابُهُ ما «رَوى أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وقَدْ شَرِبُوا الخَمْرَ وفَعَلُوا القِمارَ، وكَيْفَ بِالغائِبِينَ عَنّا في البُلْدانِ لا يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ وهم يَطْعَمُونَها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآياتِ»، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالحِلُّ قَدْ ثَبَتَ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ عَنْ وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَكِنْ في حَقِّ الغائِبِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغْهم هَذا النَّصُّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى شَرَطَ لِنَفْيِ الجُناحِ حُصُولَ التَّقْوى والإيمانِ مَرَّتَيْنِ، وفي المَرَّةِ الثّالِثَةِ حُصُولَ التَّقْوى والإحْسانِ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: عَمَلُ الِاتِّقاءِ.
والثّانِي: دَوامُ الِاتِّقاءِ والثَّباتُ عَلَيْهِ، والثّالِثُ: اتِّقاءُ ظُلْمِ العِبادِ مَعَ ضَمِّ الإحْسانِ إلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ اتِّقاءُ جَمِيعِ المَعاصِي قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: اتِّقاءُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وما في هَذِهِ الآيَةِ.
والثّالِثُ: اتِّقاءُ ما يَحْدُثُ تَحْرِيمُهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ، القَوْلُ الثّالِثُ: اتِّقاءُ الكُفْرِ ثُمَّ الكَبائِرِ ثُمَّ الصَّغائِرِ، القَوْلُ الرّابِعُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: التَّقْوى الأُولى عِبارَةٌ عَنِ الِاتِّقاءِ مِنَ القَدْحِ في صِحَّةِ النَّسْخِ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ يَقُولُونَ: النَّسْخُ يَدُلُّ عَلى البَداءِ، فَأوْجَبَ عَلى المُؤْمِنِينَ عِنْدَ سَماعِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُباحَةً أنْ يَتَّقُوا عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الفاسِدَةِ، والتَّقْوى الثّانِيَةُ الإتْيانُ بِالعَمَلِ المُطابِقِ لِهَذِهِ الآيَةِ وهي الِاحْتِرازُ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، والتَّقْوى الثّالِثَةُ عِبارَةٌ عَنِ المُداوَمَةِ عَلى التَّقْوى المَذْكُورَةِ في الأُولى والثّانِيَةِ ثُمَّ يُضَمُّ إلى هَذِهِ التَّقْوى الإحْسانُ إلى الخَلْقِ.
والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والمُبالَغَةُ في الحَثِّ عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنْ قِيلَ: لِمَ شَرَطَ رَفْعَ الجُناحِ عَنْ تَناوُلِ المَطْعُوماتِ بِشَرْطِ الإيمانِ والتَّقْوى مَعَ أنَّ المَعْلُومَ أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن ومَن لَمْ يَتَّقِ ثُمَّ تَناوَلَ شَيْئًا مِنَ المُباحاتِ فَإنَّهُ لا جُناحَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ التَّناوُلِ، بَلْ عَلَيْهِ جُناحٌ في تَرْكِ الإيمانِ وفي تَرْكِ التَّقْوى، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِتَناوُلِ ذَلِكَ المُباحِ فَذِكْرُ هَذا الشَّرْطِ في هَذا المَعْرِضِ غَيْرُ جائِزٍ.
صفحة ٧١
قُلْنا: لَيْسَ هَذا لِلِاشْتِراطِ بَلْ لِبَيانِ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ ثَناءً عَلَيْهِمْ وحَمْدًا لِأحْوالِهِمْ في الإيمانِ والتَّقْوى والإحْسانِ، ومِثالُهُ أنْ يُقالَ لَكَ: هَلْ عَلى زَيْدٍ فِيما فَعَلَ جُناحٌ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ مُباحٌ فَتَقُولُ: لَيْسَ عَلى أحَدٍ جُناحٌ في المُباحِ إذا اتَّقى المَحارِمَ وكانَ مُؤْمِنًا مُحْسِنًا؛ تُرِيدُ أنَّ زَيْدًا إنْ بَقِيَ مُؤْمِنًا مُحْسِنًا فَإنَّهُ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِما فَعَلَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ الإحْسانَ شَرْطًا في نَفْيِ الجُناحِ بَيَّنَ أنَّ تَأْثِيرَ الإحْسانِ لَيْسَ في نَفْيِ الجُناحِ فَقَطْ، بَلْ وفي أنْ يُحِبَّهُ اللَّهُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الدَّرَجَةَ أشْرَفُ الدَّرَجاتِ وأعْلى المَقاماتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ.
المائدة 5:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الأحْكامِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى كَما قالَ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٨٧] ثُمَّ اسْتَثْنى الخَمْرَ والمَيْسِرَ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ اسْتَثْنى هَذا النَّوْعَ مِنَ الصَّيْدِ عَنِ المُحَلَّلاتِ، وبَيَّنَ دُخُولَهُ في المُحَرَّماتِ.
وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ لامُ القَسَمِ، لِأنَّ اللّامَ والنُّونَ قَدْ يَكُونانِ جَوابًا لِلْقَسَمِ، وإذا تُرِكَ القَسَمُ جِيءَ بِهِما دَلِيلًا عَلى القَسَمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواوُ في قَوْلِهِ: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ) مَفْتُوحَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ) أيْ لَيَخْتَبِرَنَّ طاعَتَكم مِن مَعْصِيَتِكم، أيْ لَيُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْدِ وهم مُحْرِمُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حَتّى كانَتِ الوَحْشُ والطَّيْرُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ، فَيَقْدِرُونَ عَلى أخْذِها بِالأيْدِي وصَيْدِها بِالرِّماحِ، وما رَأوْا مِثْلَ ذَلِكَ قَطُّ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها ابْتِلاءً. قالَ الواحِدِيُّ: الَّذِي تَنالُهُ الأيْدِي مِنَ الصَّيْدِ، الفِراخُ والبَيْضُ وصِغارُ الوَحْشِ، والَّذِي تَنالُهُ الرِّماحُ: الكِبارُ، وقالَ بَعْضُهم: هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِلْمُتَوَحِّشِ المُمْتَنِعِ دُونَ ما لَمْ يَمْتَنِعْ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: مَعْنى التَّقْلِيلِ والتَّصْغِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ بِفِتْنَةٍ مِنَ الفِتَنِ العِظامِ الَّتِي يَكُونُ التَّكْلِيفُ فِيها صَعْبًا شاقًّا، كالِابْتِلاءِ بِبَذْلِ الأرْواحِ والأمْوالِ، وإنَّما هو ابْتِلاءٌ سَهْلٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى امْتَحَنَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِصَيْدِ البَرِّ كَما امْتَحَنَ بَنِي إسْرائِيلَ بِصَيْدِ البَحْرِ، وهو صَيْدُ السَّمَكِ.
صفحة ٧٢
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: المُرادُ صَيْدُ البَرِّ دُونَ البَحْرِ. والثّانِي: صَيْدُ الإحْرامِ دُونَ صَيْدِ الإحْلالِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحَجِّ: ٣٠] .
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: أرادَ بِالصَّيْدِ المَفْعُولَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ والصَّيْدُ إذا كانَ بِمَعْنى المَصْدَرِ يَكُونُ حَدَثًا، وإنَّما يُوصَفُ بِنَيْلِ اليَدِ والرِّماحِ ما كانَ عَيْنًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذا مَجازٌ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ واخْتَلَفُوا في مَعْناهُ، فَقِيلَ: نُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَطْلُبُ أنْ يَعْلَمَ، وقِيلَ: لِيَظْهَرَ المَعْلُومُ وهو خَوْفُ الخائِفِ، وقِيلَ: هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ أوْلِياءُ اللَّهِ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (بِالغَيْبِ) فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَن يَخافُهُ حالَ إيمانِهِ بِالغَيْبِ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ في أوَّلِ كِتابِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ .
الثّانِي: مَن يَخافُ بِالغَيْبِ؛ أيْ يَخافُهُ بِإخْلاصٍ وتَحْقِيقٍ ولا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ حُضُورِ أحَدٍ أوْ غَيْبَتِهِ، كَما في حَقِّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: (بِالغَيْبِ) في مَحَلِّ النَّصْبِ بِالحالِ والمَعْنى مَن يَخافُهُ حالَ كَوْنِهِ غائِبًا عَنْ رُؤْيَتِهِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [ق: ٣٣]، ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [فاطِرٍ: ١٨] وأمّا مَعْنى الغَيْبِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ والمُرادُ عَذابُ الآخِرَةِ والتَّعْزِيرُ في الدُّنْيا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا العَذابُ هو أنْ يُضْرَبَ بَطْنُهُ وظَهْرُهُ ضَرْبًا وجِيعًا ويُنْزَعَ ثِيابُهُ. قالَ القَفّالُ: وهَذا جائِزٌ لِأنَّ اسْمَ العَذابِ قَدْ يَقَعُ عَلى الضَّرْبِ كَما سَمّى جَلْدَ الزّانِيَيْنِ عَذابًا فَقالَ: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ﴾ [النُّورِ: ٢] وقالَ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النِّساءِ: ٢٥] وقالَ حاكِيًا عَنْ سُلَيْمانَ في الهُدْهُدِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ .
المائدة 5:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالصَّيْدِ قَوْلانِ، الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي تَوَحَّشَ سَواءٌ كانَ مَأْكُولًا أوْ لَمْ يَكُنْ، فَعَلى هَذا، المُحْرِمُ إذا قَتَلَ سَبُعًا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ضَمِنَ ولا يُجاوَزُ بِهِ قِيمَةَ شاةٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقالَ
صفحة ٧٣
زُفَرُ: يَجِبُ بالِغًا ما بَلَغَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الصَّيْدَ هو ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَعَلى هَذا لا يَجِبُ الضَّمانُ البَتَّةَ في قَتْلِ السَّبُعِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وسَلَّمَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يَجِبُ الضَّمانُ في قَتْلِ الفَواسِقِ الخَمْسِ وفي قَتْلِ الذِّئْبِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَهو أنَّ الَّذِي يَحْرُمُ أكْلُهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يُضْمَنَ، إنَّما قُلْنا إنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ لِأنَّ الصَّيْدَ ما يَحِلُّ أكْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فَهَذا يَقْتَضِي حِلَّ صَيْدِ البَحْرِ بِالكُلِّيَّةِ وحِلَّ صَيْدِ البَرِّ خارِجَ وقْتِ الإحْرامِ، فَثَبَتَ أنَّ الصَّيْدَ ما يَحِلُّ أكْلُهُ والسَّبُعُ لا يَحِلُّ أكْلُهُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ صَيْدًا، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَضْمُونًا، لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الضَّمانِ، تَرَكْنا العَمَلَ بِهِ في ضَمانِ الصَّيْدِ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَبَقِيَ فِيما لَيْسَ بِصَيْدٍ عَلى وفْقِ الأصْلِ، وأمّا الخَبَرُ فَهو الحَدِيثُ المَشْهُورُ وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«خَمْسُ فَواسِقَ لا جُناحَ عَلى المُحْرِمِ أنْ يَقْتُلَهُنَّ في الحِلِّ والحَرَمِ: الغُرابُ والحِدَأةُ والحَيَّةُ والعَقْرَبُ والكَلْبُ العَقُورُ» “ وفي رِوايَةٍ أُخْرى: والسَّبُعُ الضّارِي، والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: والسَّبُعُ الضّارِي، نَصٌّ في المَسْألَةِ.
وثانِيها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَفَها بِكَوْنِها فَواسِقَ ثُمَّ حَكَمَ بِحِلِّ قَتْلِها، والحُكْمُ المَذْكُورُ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَها فَواسِقَ عِلَّةٌ لِحِلِّ قَتْلِها، ولا مَعْنى لِكَوْنِها فَواسِقَ إلّا كَوْنُها مُؤْذِيَةً، وصِفَةُ الإيذاءِ في السِّباعِ أقْوى فَوَجَبَ جَوازُ قَتْلِها.
وثالِثُها: أنَّ الشّارِعَ خَصَّها بِإباحَةِ القَتْلِ، وإنَّما خَصَّها بِهَذا الحُكْمِ لِاخْتِصاصِها بِمَزِيدِ الإيذاءِ، وصِفَةُ الإيذاءِ في السِّباعِ أتَمُّ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِجَوازِ قَتْلِها، وإذا ثَبَتَ جَوازُ قَتْلِها وجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَضْمُونَةً لِما بَيَّناهُ في الدَّلِيلِ الأوَّلِ.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ السَّبُعَ صَيْدٌ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وإنَّما قُلْنا إنَّهُ صَيْدٌ لِقَوْلِ الشّاعِرِ:
لَيْثٌ تَرَبّى رُبْيَةً فاصْطِيدا
ولِقَوْلِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ:
صَيْدُ المُلُوكِ أرانِبٌ وثَعالِبٌ ∗∗∗ وإذا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأبْطالُ
والجَوابُ: قَدْ بَيَّنّا بِدَلالَةِ الآيَةِ أنَّ ما يَحْرُمُ أكْلُهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وذَلِكَ لا يُعارِضُهُ شِعْرُ مَجْهُولٍ، وأمّا شِعْرُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَغَيْرُ وارِدٍ، لِأنَّ عِنْدَنا الثَّعْلَبَ حَلالٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (حُرُمٌ) جَمْعُ حَرامٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، الأوَّلُ: قِيلَ: حُرُمٌ؛ أيْ مُحْرِمُونَ بِالحَجِّ، وقِيلَ: وقَدْ دَخَلْتُمُ الحَرَمَ، وقِيلَ: هُما مُرادانِ بِالآيَةِ، وهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ المُحْرِمُ بِالعُمْرَةِ ؟ فِيهِ خِلافٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تَقْتُلُوا﴾ يُفِيدُ المَنعَ مِنَ القَتْلِ ابْتِداءً والمَنعَ مِنهُ تَسَبُّبًا، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَتَعَرَّضَ إلى الصَّيْدِ ما دامَ مُحْرِمًا لا بِالسِّلاحِ ولا بِالجَوارِحِ مِنَ الكِلابِ والطُّيُورِ، سَواءٌ كانَ الصَّيْدُ صَيْدَ الحِلِّ أوْ صَيْدَ الحَرَمِ، وأمّا الحَلالُ فَلَهُ أنْ يَتَصَيَّدَ في الحِلِّ ولَيْسَ لَهُ أنْ يَتَصَيَّدَ في الحَرَمِ، وإذا قُلْنا: ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يَتَناوَلُ الأمْرَيْنِ، أعْنِي مَن كانَ مُحْرِمًا ومَن كانَ داخِلًا في الحَرَمِ، كانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى كُلِّ هَذِهِ الأحْكامِ.
* * *
صفحة ٧٤
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (فَجَزاءٌ) بِالتَّنْوِينِ و(مِثْلُ) بِالرَّفْعِ؛ والمَعْنى فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِلْمَقْتُولِ مِنَ الصَّيْدِ، فَمِثْلُ مَرْفُوعٌ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (فَجَزاءٌ) قالَ: ولا يَنْبَغِي إضافَةُ جَزاءٍ إلى المِثْلِ، ألا تَرى أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ في الحَقِيقَةِ، إنَّما عَلَيْهِ جَزاءُ المَقْتُولِ لا جَزاءٌ مِثْلُ المَقْتُولِ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ الَّتِي هي جَزاءٌ؛ والمَعْنى فَجَزاءٌ مِنَ النَّعَمِ مِثْلُ ما قَتَلَ، وأمّا سائِرُ القُرّاءِ فَهم قَرَأُوا (فَجَزاءُ مِثْلِ) عَلى إضافَةِ الجَزاءِ إلى المِثْلِ وقالُوا: إنَّهُ وإنْ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِ جَزاءَ المَقْتُولِ لا جَزاءَ مِثْلِهِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: أنا أُكْرِمُ مِثْلَكَ، يُرِيدُونَ أنا أُكْرِمُكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] والتَّقْدِيرُ: لَيْسَ هو كَشَيْءٍ، وقالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢] والتَّقْدِيرُ: كَمَن هو في الظُّلُماتِ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى فَجَزاءُ مِثْلِ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ كَقَوْلِكَ: خاتَمُ فِضَّةٍ؛ أيْ خاتَمٌ مِن فِضَّةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُحْرِمُ إذا قَتَلَ الصَّيْدَ خَطَأً لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وهو قَوْلُ داوُدَ، وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: يَلْزَمُهُ الضَّمانُ سَواءٌ قَتَلَ عَمْدًا أوْ خَطَأً، حُجَّةُ داوُدَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ، وعِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ يَلْزَمُ عَدَمُ المَشْرُوطِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ الجَزاءُ عِنْدَ فِقْدانِ العَمْدِيَّةِ، قالَ: والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ والِانْتِقامُ إنَّما يَكُونُ في العَمْدِ دُونَ الخَطَأِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن عادَ﴾ المُرادُ مِنهُ ومَن عادَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القَتْلِ المُوجِبِ لِلْجَزاءِ هو العَمْدُ لا الخَطَأُ، وحُجَّةُ الجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ حَرامًا بِالإحْرامِ صارَ فِعْلُهُ مَحْظُورًا بِالإحْرامِ فَلا يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِالخَطَأِ والجَهْلِ، كَما في حَلْقِ الرَّأْسِ وكَما في ضَمانِ مالِ المُسْلِمِ، فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَتِ الحُرْمَةُ لِحَقِّ المالِكِ لَمْ يَتَبَدَّلْ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ خَطَأً أوْ عَمْدًا فَكَذا هاهُنا، وأيْضًا يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فِي الضَّبُعِ كَبْشٌ إذا قَتَلَهُ المُحْرِمُ»، وقَوْلِ الصَّحابَةِ: في الظَّبْيِ شاةٌ، ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ العَمْدِ.
أجابَ داوُدُ بِأنَّ نَصَّ القُرْآنِ خَيْرٌ مِن خَبَرِ الواحِدِ وقَوْلِ الصَّحابِيِّ والقِياسِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جَزاءُ الصَّيْدِ مِثْلَ المَقْتُولِ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المِثْلِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: الصَّيْدُ ضَرْبانِ، مِنهُ ما لَهُ مِثْلٌ، ومِنهُ ما لا مِثْلَ لَهُ، فَما لَهُ مِثْلٌ يُضْمَنُ بِمِثْلِهِ مِنَ النَّعَمِ، وما لا مِثْلَ لَهُ يُضْمَنُ بِالقِيمَةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ: المِثْلُ الواجِبُ هو القِيمَةُ.
وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ: القُرْآنُ والخَبَرُ والإجْماعُ والقِياسُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وُجُوهٍ أرْبَعَةٍ:
الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ القُرّاءِ قَرَأُوا (فَجَزاءٌ) بِالتَّنْوِينِ، ومَعْناهُ: فَجَزاءٌ مِنَ النَّعَمِ مُماثِلٌ لِما قَتَلَ، فَمَن قالَ: إنَّهُ مِثْلُهُ في القِيمَةِ، فَقَدْ خالَفَ النَّصَّ.
وثانِيها: أنَّ قَوْمًا آخَرِينَ قَرَءُوا (فَجَزاءُ مِثْلِ ما قَتَلَ) بِالإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَجَزاءُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، أيْ فَجَزاءُ مِثْلِ ما قَتَلَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّعَمِ، فَمَن لَمْ يُوجِبْهُ فَقَدْ خالَفَ النَّصَّ.
ثالِثُها: قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وذَلِكَ صَرِيحٌ فِيما قُلْناهُ.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنهم، يَجِبُ أنْ يَكُونَ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ.
صفحة ٧٥
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ يَشْتَرِي بِتِلْكَ القِيمَةِ هَذا الهَدْيَ.
قُلْنا: النَّصُّ صَرِيحٌ في أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هَدْيًا، وأنْتُمْ تَقُولُونَ: الواجِبُ هو القِيمَةُ، ثُمَّ إنَّهُ يَكُونُ بِالخِيارِ إنْ شاءَ اشْتَرى بِها هَدْيًا يُهْدى إلى الكَعْبَةِ، وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، فَكانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ النَّصِّ، وأمّا الخَبَرُ: فَما رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضَّبُعِ، أصَيْدٌ هو ؟ فَقالَ: نَعَمْ، وفِيهِ كَبْشٌ إذا أخَذَهُ المُحْرِمُ»، وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ. وأمّا الإجْماعُ: فَهو أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: تَظاهَرَتِ الرِّواياتُ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ في بُلْدانٍ مُخْتَلِفَةٍ وأزْمانٍ شَتّى أنَّهم حَكَمُوا في جَزاءِ الصَّيْدِ بِالمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، فَحَكَمُوا في النَّعامَةِ بِبَدَنَةٍ، وفي حِمارِ الوَحْشِ بِبَقَرَةٍ، وفي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، وفي الغَزالِ بِعَنْزٍ، وفي الظَّبْيِ بِشاةٍ، وفي الأرْنَبِ بِجَفْرَةٍ - وفي رِوايَةٍ بِعَناقٍ - وفي الضَّبِّ بِسَخْلَةٍ، وفي اليَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم نَظَرُوا إلى أقْرَبِ الأشْياءِ شَبَهًا بِالصَّيْدِ مِنَ النَّعَمِ لا بِالقِيمَةِ، ولَوْ حَكَمُوا بِالقِيمَةِ لاخْتَلَفَ بِاخْتِلافِ الأسْعارِ، والظَّبْيُ هو الغَزالُ الكَبِيرُ الذَّكَرُ، والغَزالُ هو الأُنْثى، واليَرْبُوعُ هو الفَأْرَةُ الكَبِيرَةُ تَكُونُ في الصَّحْراءِ، والجَفْرَةُ الأُنْثى مِن أوْلادِ المَعْزِ إذا انْفَصَلَتْ عَنْ أُمِّها، والذَّكَرُ جَفْرٌ، والعَناقُ الأُنْثى مِن أوْلادِ المَعْزِ إذا قَوِيَتْ قَبْلَ تَمامِ الحَوْلِ.
وأمّا القِياسُ فَهو أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الضَّمانِ جَزاءُ الهالِكِ، ولا شَكَّ أنَّ المُماثَلَةَ كُلَّما كانَتْ أتَمَّ كانَ الجَزاءُ أتَمَّ فَكانَ الإيجابُ أوْلى، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لا نِزاعَ أنَّ الصَّيْدَ المَقْتُولَ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ فَإنَّهُ يُضْمَنُ بِالقِيمَةِ، فَكانَ المُرادُ بِالمِثْلِ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ هو القِيمَةَ في هَذِهِ الصُّورَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في سائِرِ الصُّوَرِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ الواحِدَ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ إلّا عَلى المَعْنى الواحِدِ.
والجَوابُ: أنَّ حَقِيقَةَ المُماثَلَةِ أمْرٌ مَعْلُومٌ، والشّارِعُ أوْجَبَ رِعايَةَ المُماثَلَةِ فَوَجَبَ رِعايَتُها بِأقْصى الإمْكانِ، فَإنْ أمْكَنَتْ رِعايَتُها في الصُّورَةِ وجَبَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُمْكِنْ رِعايَتُها إلّا بِالقِيمَةِ وجَبَ الِاكْتِفاءُ بِها لِلضَّرُورَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: جَماعَةٌ مُحْرِمُونَ قَتَلُوا صَيْدًا. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إلّا جَزاءٌ واحِدٌ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ وإسْحاقَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: يَجِبُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ واحِدٌ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ المِثْلِ، ومِثْلُ الواحِدِ واحِدٌ، وأُكِّدَ هَذا بِما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ بِمِثْلِ قَوْلِنا، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قاتِلٌ فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ كامِلٌ، بَيانُ الأوَّلِ أنَّ جَماعَةً لَوْ حَلَفَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أنْ لا يَقْتُلَ صَيْدًا فَقَتَلُوا صَيْدًا واحِدًا لَزِمَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كَفّارَةٌ، وكَذَلِكَ القِصاصُ المُتَعَلِّقُ بِالقَتْلِ يَجِبُ عَلى جَماعَةٍ يَقْتُلُونَ واحِدًا، وإذا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قاتِلٌ وجَبَ أنْ يَجِبَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ كامِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ فَيَتَناوَلُ كُلَّ القاتِلِينَ. أجابَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ القَتْلَ شَيْءٌ واحِدٌ فَيَمْتَنِعُ حُصُولُهُ بِتَمامِهِ بِأكْثَرَ مِن فاعِلٍ واحِدٍ، فَإذا اجْتَمَعُوا حَصَلَ بِمَجْمُوعِ أفْعالِهِمْ قَتْلٌ واحِدٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم قاتِلًا في الحَقِيقَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم لَيْسَ بِقاتِلٍ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا قَتْلُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ فَذاكَ ثَبَتَ عَلى سَبِيلِ التَّعَبُّدِ وكَذا القَوْلُ في إيجابِ الكَفّاراتِ المُتَعَدِّدَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُحْرِمُ إذا دَلَّ غَيْرَهُ عَلى صَيْدٍ، فَقَتَلَهُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ: لَمْ
صفحة ٧٦
يَضْمَنِ الدّالُّ الجَزاءَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَضْمَنُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ وُجُوبَ الجَزاءِ مُعَلَّقٌ بِالقَتْلِ في هَذِهِ الآيَةِ والدِّلالَةُ لَيْسَتْ بِقَتْلٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ الضَّمانُ، ولِأنَّهُ بَدَلُ المُتْلَفِ فَلا يَجِبُ بِالدِّلالَةِ كَكَفّارَةِ القَتْلِ والدِّيَةِ، وكالدِّلالَةِ عَلى مالِ المُسْلِمِ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ سُئِلَ عُمَرُ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ فَشاوَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَأجْمَعا عَلى أنَّ عَلَيْهِ الجَزاءَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أوْجَبَ الجَزاءَ عَلى الدّالِّ، أجابَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ نَصَّ القُرْآنِ خَيْرٌ مِن أثَرِ بَعْضِ الصَّحابَةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ جَرَحَ ظَبْيًا فَنَقَصَ مِن قِيمَتِهِ العُشْرُ، فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ الشّاةِ، وقالَ داوُدُ: لا يَضْمَنُ البَتَّةَ سِوى القَتْلِ، وقالَ المُزَنِيُّ: عَلَيْهِ شاةٌ. حُجَّةُ داوُدَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الجَزاءِ هو القَتْلُ، فَإذا لَمْ يُوجَدِ القَتْلُ وجَبَ أنْ لا يَجِبَ الجَزاءُ البَتَّةَ، وجَوابُهُ أنَّ المُعَلَّقَ عَلى القَتْلِ، وُجُوبُ مِثْلِ المَقْتُولِ، وعِنْدَنا أنَّ هَذا لا يَجِبُ عِنْدَ عَدَمِ القَتْلِ، فَسَقَطَ قَوْلُهُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: إذا رَمى مِنَ الحِلِّ والصَّيْدُ في الحِلِّ، فَمَرَّ السَّهْمُ في طائِفَةٍ مِنَ الحَرَمِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَحْرُمُ وعَلَيْهِ الجَزاءُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَحْرُمُ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ سَبَبَ الذَّبْحِ مُرَكَّبٌ مِن أجْزاءٍ، بَعْضُها مُباحٌ وبَعْضُها مُحَرَّمٌ، وهو المُرُورُ في الحَرَمِ، وما اجْتَمَعَ الحَرامُ والحَلالُ إلّا وغَلَبَ الحَرامُ الحَلالَ، لا سِيَّما في الذَّبْحِ الَّذِي الأصْلُ فِيهِ الحُرْمَةُ. وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ الِاصْطِيادِ حالَ كَوْنِهِ في الحَرَمِ، فَلَمّا لَمْ يُوجَدْ واحِدٌ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ وجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ الحُرْمَةُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: الحَلالُ إذا اصْطادَ صَيْدًا وأدْخَلَهُ الحَرَمَ لَزِمَهُ الإرْسالُ، وإنْ ذَبَحَهُ حَرُمَ ولَزِمَهُ الجَزاءُ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَحِلُّ ولَيْسَ عَلَيْهِ ضَمانٌ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائِدَةِ: ١] وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ نَهى عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ حالَ كَوْنِهِ مُحْرِمًا، وهَذا يَتَناوَلُ الصَّيْدَ الَّذِي اصْطادَهُ في الحِلِّ والَّذِي اصْطادَهُ في الحَرَمِ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: إذا قَتَلَ المُحْرِمُ صَيْدًا وأدّى جَزاءً، ثُمَّ قَتَلَ صَيْدًا آخَرَ، لَزِمَهُ جَزاءٌ آخَرُ، وقالَ داوُدُ: لا يَجِبُ، حُجَّةُ الجُمْهُورِ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّ عِلَّةَ وُجُوبِ الجَزاءِ هو القَتْلُ، فَوَجَبَ أنْ يَتَكَرَّرَ الحُكْمُ عِنْدَ تَكَرُّرِ العِلَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِنِسائِهِ: مَن دَخَلَ مِنكُنَّ الدّارَ فَهي طالِقٌ، فَدَخَلَتْ واحِدَةٌ مَرَّتَيْنِ لَمْ يَقَعْ إلّا طَلاقٌ واحِدٌ.
قُلْنا: الفَرْقُ أنَّ القَتْلَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الجَزاءِ، فَيَلْزَمُ تَكَرُّرُ الحُكْمِ عِنْدَ تَكَرُّرِ العِلَّةِ. أمّا هاهُنا دُخُولُ الدّارِ شَرْطٌ لِوُقُوعِ الطَّلاقِ، فَلَمْ يَلْزَمْ تَكَرُّرُ الحُكْمِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الشَّرْطِ. حُجَّةُ داوُدَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ جَعَلَ جَزاءَ العائِدِ الِانْتِقامَ لا الكَفّارَةَ.
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا أصابَ صَيْدًا أعْوَرَ أوْ مَكْسُورَ اليَدِ أوِ الرِّجْلِ فَداهُ بِمِثْلِهِ، والصَّحِيحُ أحَبُّ إلَيَّ، وعَلى هَذا الكَبِيرُ أوْلى مِنَ الصَّغِيرِ، ويُفْدى الذَّكَرُ بِالذَّكَرِ، والأُنْثى بِالأُنْثى، والأوْلى أنْ
صفحة ٧٧
لا يُغَيَّرَ، لِأنَّ نَصَّ القُرْآنِ إيجابُ المِثْلِ، والأُنْثى وإنْ كانَتْ أفْضَلَ مِنَ الذَّكَرِ مِن حَيْثُ إنَّها تَلِدُ، فالذَّكَرُ أفْضَلُ مِنَ الأُنْثى لِأنَّ لَحْمَهُ أطْيَبُ وصُورَتَهُ أحْسَنُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: يَحْكُمُ في جَزاءِ الصَّيْدِ رَجُلانِ صالِحانِ ذَوا عَدْلٍ، مِنكم؛ أيْ مِن أهْلِ مِلَّتِكم ودِينِكم فَقِيهانِ عَدْلانِ، فَيَنْظُرانِ إلى أشْبَهِ الأشْياءِ بِهِ مِنَ النَّعَمِ فَيَحْكُمانِ بِهِ، واحْتَجَّ بِهِ مَن نَصَرَ قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في إيجابِ القِيمَةِ، فَقالَ: التَّقْوِيمُ هو المُحْتاجُ إلى النَّظَرِ والِاجْتِهادِ، وأمّا الخِلْقَةُ والصُّورَةُ فَظاهِرَةٌ مُشاهَدَةٌ لا يُحْتاجُ فِيها إلى الِاجْتِهادِ.
وجَوابُهُ: أنَّ وُجُوهَ المُشابَهَةِ بَيْنَ النَّعَمِ وبَيْنَ الصَّيْدِ مُخْتَلِفَةٌ وكَثِيرَةٌ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاجْتِهادِ في تَمْيِيزِ الأقْوى مِنَ الأضْعَفِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا أنَّهُ قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ: إنِّي أصَبْتُ مِنَ الصَّيْدِ كَذا وكَذا، فَسَألَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: أتَيْتُكَ أسْألُكَ، وأنْتَ تَسْألُ غَيْرَكَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وما أنْكَرْتَ مِن ذَلِكَ ؟ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ فَشاوَرْتُ صاحِبِي، فَإذا اتَّفَقْنا عَلى شَيْءٍ أمَرْناكَ بِهِ. وعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جابِرٍ أنَّهُ حِينَ كانَ مُحْرِمًا ضَرَبَ ظَبْيًا فَماتَ، فَسَألَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ لِلَّهِ عَنْهُ وكانَ بِجَنْبِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَقالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: ما تَرى ؟ قالَ: عَلَيْهِ شاةٌ، قالَ: وأنا أرى ذَلِكَ، فَقالَ: اذْهَبْ فاهْدِ شاةً. قالَ قَبِيصَةُ: فَخَرَجْتُ إلى صاحِبِي وقُلْتُ لَهُ: إنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَدْرِ ما يَقُولُ حَتّى سَألَ غَيْرَهُ. قالَ: فَفَجَأنِي عُمَرُ وعَلانِي بِالدِّرَّةِ، وقالَ: أتَقْتُلُ في الحَرَمِ وتُسَفِّهُ الحُكْمَ ؟ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ فَأنا عُمَرُ وهَذا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الَّذِي لَهُ مِثْلٌ ضَرْبانِ، فَما حَكَمَتْ فِيهِ الصَّحابَةُ بِحُكْمٍ لا يُعْدَلُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا التَّنْزِيلَ وحَضَرُوا التَّأْوِيلَ، وما لَمْ يَحْكم فِيهِ الصَّحابَةُ يُرْجَعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ عَدْلَيْنِ، فَيُنْظَرُ إلى الأجْناسِ الثَّلاثَةِ مِنَ الأنْعامِ، فَكُلُّ ما كانَ أقْرَبَ شَبَهًا بِهِ يُوجِبانِهِ، وقالَ مالِكٌ: يَجِبُ التَّحْكِيمُ فِيما حَكَمَتْ بِهِ الصَّحابَةُ وفِيما لَمْ تَحْكم بِهِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَحْكُمَ بِهِ ذَوا عَدْلٍ، فَإذا حَكَمَ بِهِ اثْنانِ مِنَ الصَّحابَةِ، فَقَدْ دَخَلَ تَحْتَ الآيَةِ، ثُمَّ ذاكَ أوْلى لِما ذَكَرْنا أنَّهم شاهَدُوا التَّنْزِيلَ وحَضَرُوا التَّأْوِيلَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القاتِلُ أحَدَ العَدْلَيْنِ إذا كانَ أخْطَأ فِيهِ، فَإنْ تَعَمَّدَ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ يَفْسُقُ بِهِ، وقالَ مالِكٌ: لا يَجُوزُ كَما في تَقْوِيمِ المُتْلَفاتِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ أنْ يَحْكُمَ بِهِ ذَوا عَدْلٍ، وإذا صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ خَطَأً كانَ عَدْلًا، فَإذا حَكَمَ بِهِ هو وغَيْرُهُ فَقَدْ حَكَمَ بِهِ ذَوا عَدْلٍ، وأيْضًا رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ أوْطَأ فَرَسَهُ ظَبْيًا، فَسَألَ عُمَرَ عَنْهُ، فَقالَ عُمَرُ: احْكم، فَقالَ: أنْتَ عَدْلٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فاحْكم، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما أمَرْتُكَ أنْ تَحْكُمَ وما أمَرْتُكَ أنْ تُزَكِّيَنِي، فَقالَ: أرى فِيهِ جَدْيًا جَمَعَ الماءَ والشَّجَرَ، فَقالَ: افْعَلْ ما تَرى. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قالَ أصْحابُنا: يَجُوزُ أنْ يَكُونا قاتِلَيْنِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَوْ حَكَمَ عَدْلانِ بِمِثْلٍ، وحَكَمَ عَدْلانِ آخَرانِ بِمِثْلٍ آخَرَ، فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما:
صفحة ٧٨
يَتَخَيَّرُ.
والثّانِي: يَأْخُذُ بِالأغْلَظِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ بَعْضُ مُثْبِتِي القِياسِ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ بِالقِياسِ والِاجْتِهادِ جائِزٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى فَوَّضَ تَعْيِينَ المِثْلِ إلى اجْتِهادِ النّاسِ وظُنُونِهِمْ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الشّارِعَ تَعَبَّدَنا بِالعَمَلِ بِالظَّنِّ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ. مِنها: الِاجْتِهادُ في القِبْلَةِ، ومِنها: العَمَلُ بِشَهادَةِ الشّاهِدَيْنِ، ومِنها: العَمَلُ بِتَقْوِيمِ المُقَوِّمِينَ في قِيَمِ المُتْلَفاتِ وأُرُوشِ الجِناياتِ، ومِنها: العَمَلُ بِتَحْكِيمِ الحُكّامِ في تَعْيِينِ مِثْلِ المَصِيدِ المَقْتُولِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ومِنها: عَمَلُ العامِّيِّ بِالفَتْوى، ومِنها: العَمَلُ بِالظَّنِّ في مَصالِحِ الدُّنْيا، إلّا أنّا نَقُولُ: إنِ ادَّعَيْتُمْ أنَّ تَشْبِيهَ صُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ بِصُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ في الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ هو عَيْنُ هَذِهِ المَسائِلِ الَّتِي عَدَدْناها، فَذَلِكَ باطِلٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، وإنْ سَلَّمْتُمُ المُغايَرَةَ لَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِ الظَّنِّ حُجَّةً في تِلْكَ الصُّوَرِ كَوْنُهُ حُجَّةً في مَسْألَةِ القِياسِ، إلّا إذا قِسْنا هَذِهِ المَسْألَةَ عَلى تِلْكَ المَسائِلِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي إثْباتَ القِياسِ بِالقِياسِ، وهو باطِلٌ.
وأيْضًا فالفَرْقُ ظاهِرٌ بَيْنَ البابَيْنِ؛ لِأنَّ في جَمِيعِ الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ الحُكْمَ إنَّما ثَبَتَ في حَقِّ شَخْصٍ واحِدٍ في زَمانٍ واحِدٍ في واقِعَةٍ واحِدَةٍ، وأمّا الحُكْمُ الثّابِتُ بِالقِياسِ فَإنَّهُ شَرْعٌ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ باقٍ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، والتَّنْصِيصُ عَلى أحْكامِ الأشْخاصِ الجُزْئِيَّةِ مُتَعَذِّرٌ، وأمّا التَّنْصِيصُ عَلى الأحْكامِ الكُلِّيَّةِ والشَّرائِعِ العامَّةِ الباقِيَةِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ، فَظَهَرَ الفَرْقُ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى يَحْكُمانِ بِهِ هَدْيًا يُساقُ إلى الكَعْبَةِ فَيُنْحَرُ هُناكَ، وهَذا يُؤَكِّدُ قَوْلَ مَن أوْجَبَ المِثْلَ مِن طَرِيقِ الخِلْقَةِ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: يَحْكُمانِ بِهِ شَيْئًا يُشْتَرى بِهِ هَدْيٌ، وإنَّما قالَ يَحْكُمانِ بِهِ هَدْيًا، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُما يَحْكُمانِ بِالهَدْيِ لا غَيْرَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى يَحْكُمانِ بِهِ شَيْئًا يُشْتَرى بِهِ ما يَكُونُ هَدْيًا، وهَذا بَعِيدٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ، والحَقُّ هو الأوَّلُ. وقَوْلُهُ: (هَدْيًا) نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: (بِهِ) والتَّقْدِيرُ يَحْكُمُ بِذَلِكَ المِثْلِ شاةً أوْ بَقَرَةً أوْ بَدَنَةً، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (بِهِ) عائِدٌ إلى المِثْلِ والهَدْيُ حالٌ مِنهُ، وعِنْدَ التَّفَطُّنِ لِهَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ فَمَنِ الَّذِي يَرْتابُ في أنَّ الواجِبَ هو المِثْلُ مِن طَرِيقِ الخِلْقَةِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (هَدْيًا) لِأنَّ إضافَتَهُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، تَقْدِيرُهُ بالِغًا الكَعْبَةَ، لَكِنَّ التَّنْوِينَ قَدْ حُذِفَ اسْتِخْفافًا، ومِثْلُهُ ﴿عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: سُمِّيَتِ الكَعْبَةُ كَعْبَةً لِارْتِفاعِها وتَرَبُّعِها، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ بَيْتٍ مُرَبَّعٍ كَعْبَةً، والكَعْبَةُ إنَّما أُرِيدَ بِها كُلُّ الحَرَمِ، لِأنَّ الذَّبْحَ والنَّحْرَ لا يَقَعانِ في الكَعْبَةِ ولا عِنْدَها مُلازِقًا لَها، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحَجِّ: ٣٣] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَعْنى بُلُوغِهِ الكَعْبَةَ أنْ يُذْبَحَ بِالحَرَمِ، فَإنْ دَفَعَ مِثْلَ الصَّيْدِ المَقْتُولِ إلى الفُقَراءِ حَيًّا لَمْ يَجُزْ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ في الحَرَمِ، وإذا ذَبَحَهُ في الحَرَمِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ في الحَرَمِ أيْضًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَهُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شاءَ، وسَلَّمَ الشّافِعِيُّ أنَّ لَهُ أنْ يَصُومَ حَيْثُ شاءَ، لِأنَّهُ لا مَنفَعَةَ فِيهِ لِمَساكِينِ الحَرَمِ.
صفحة ٧٩
حُجَّةُ الشّافِعِيِّ: أنَّ نَفْسَ الذَّبْحِ إيلامٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قُرْبَةً، بَلِ القُرْبَةُ هي إيصالُ اللَّحْمِ إلى الفُقَراءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ يُوجِبُ إيصالَ تِلْكَ الهَدِيَّةِ إلى أهْلِ الحَرَمِ والكَعْبَةِ.
وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّها لَمّا وصَلَتْ إلى الكَعْبَةِ فَقَدْ صارَتْ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (أوْ كَفّارَةُ طَعامٍ) عَلى إضافَةِ الكَفّارَةِ إلى الطَّعامِ، والباقُونَ: (أوْ كَفّارَةٌ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ (طَعامُ) بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ التَّنْوِينِ، أمّا وجْهُ القِراءَةِ الأُولى: فَهي أنَّهُ تَعالى لَمّا خَيَّرَ المُكَلَّفَ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: الهَدْيُ والصِّيامُ والطَّعامُ، حَسُنَتِ الإضافَةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَفّارَةُ طَعامٍ لا كَفّارَةُ هَدْيٍ ولا كَفّارَةُ صِيامٍ، فاسْتَقامَتِ الإضافَةُ لِكَوْنِ الكَفّارَةِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، وأمّا وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ: (أوْ كَفّارَةٌ) بِالتَّنْوِينِ، فَهو أنَّهُ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ﴾ و﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ عَطْفَ بَيانٍ؛ لِأنَّ الطَّعامَ هو الكَفّارَةُ ولَمْ تُضَفِ الكَفّارَةُ إلى الطَّعامِ؛ لِأنَّ الكَفّارَةَ لَيْسَتْ لِلطَّعامِ، وإنَّما الكَفّارَةُ لِقَتْلِ الصَّيْدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: كَلِمَةُ (أوْ) في هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّخْيِيرِ، وقالَ أحْمَدُ وزُفَرُ: لِلتَّرْتِيبِ.
حُجَّةُ الأوَّلِينَ أنَّ كَلِمَةَ (أوْ) في أصْلِ اللُّغَةِ لِلتَّخْيِيرِ، والقَوْلُ بِأنَّها لِلتَّرْتِيبِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ.
حُجَّةُ الباقِينَ: أنَّ كَلِمَةَ (أوْ) قَدْ تَجِيءُ لِلتَّخْيِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ﴾ [المائِدَةِ: ٣٣] فَإنَّ المُرادَ مِنهُ تَخْصِيصُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأحْكامِ بِحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ، فَنَقُولُ: والدَّلِيلُ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ هو التَّرْتِيبُ؛ لِأنَّ الواجِبَ هاهُنا شُرِعَ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥] والتَّخْيِيرُ يُنافِي التَّغْلِيظَ.
والجَوابُ أنَّ إخْراجَ المِثْلِ لَيْسَ أقْوى عُقُوبَةً مِن إخْراجِ الطَّعامِ، فالتَّخْيِيرُ لا يَقْدَحُ في القَدْرِ الحاصِلِ مِنَ العُقُوبَةِ في إيجابِ المِثْلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا قَتَلَ صَيْدًا لَهُ مِثْلٌ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هو مُخَيَّرٌ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: إنْ شاءَ أخْرَجَ المِثْلَ، وإنْ شاءَ قَوَّمَ المِثْلَ بِدَراهِمَ ويَشْتَرِي بِها طَعامًا ويَتَصَدَّقُ بِهِ، وإنْ شاءَ صامَ، وأمّا الصَّيْدُ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ، فَهو مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، بَيْنَ أنْ يُقَوِّمَ الصَّيْدَ بِالدَّراهِمِ ويَشْتَرِيَ بِتِلْكَ الدَّراهِمِ طَعامًا ويَتَصَدَّقَ بِهِ وبَيْنَ أنْ يَصُومَ، فَعَلى ما ذَكَرْنا الصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ إنَّما يَشْتَرِي الطَّعامَ بِقِيمَةِ مِثْلِهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ رَحِمَهُما اللَّهُ: إنَّما يَشْتَرِي الطَّعامَ بِقِيمَتِهِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ المِثْلَ مِنَ النَّعَمِ هو الجَزاءُ والطَّعامُ بِناءٌ عَلَيْهِ، فَيُعْدَلُ بِهِ كَما يُعْدَلُ عَنِ الصَّوْمِ بِالطَّعامِ، وأيْضًا تَقْوِيمُ مِثْلِ الصَّيْدِ أدْخَلُ في الضَّبْطِ مِن تَقْوِيمِ نَفْسِ الصَّيْدِ، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ مِثْلَ المُتْلَفِ إذا وجَبَ اعْتُبِرَ بِالمُتْلَفِ لا بِغَيْرِهِ ما أمْكَنَ، والطَّعامُ إنَّما وجَبَ مِثْلًا لِلْمُتْلَفِ فَوَجَبَ أنْ يُقَدَّرَ بِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ التَّقْوِيمِ، فَقالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: إنَّما يُقَوَّمُ في المَكانِ الَّذِي قُتِلَ الصَّيْدُ فِيهِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يُقَوَّمُ بِمَكَّةَ بِثَمَنِ مَكَّةَ لِأنَّهُ يُكَفِّرُ بِها.
* * *
صفحة ٨٠
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الفَرّاءُ: العَدْلُ ما عادَلَ الشَّيْءَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، والعِدْلُ: المِثْلُ، تَقُولُ: عِنْدِي عِدْلُ غُلامِكَ أوْ شاتِكَ: إذا كانَ عِنْدَكَ غُلامٌ يَعْدِلُ غُلامًا أوْ شاةٌ تَعْدِلُ شاةً، أمّا إذا أرَدْتَ قِيمَتَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ نَصَبْتَ العَيْنَ فَقُلْتَ: عَدْلٌ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: العَدْلُ المِثْلُ، والعِدْلُ القِيمَةُ، والعَدْلُ اسْمُ حِمْلٍ مَعْدُولٍ بِحِمْلٍ آخَرَ مُسَوًّى بِهِ، والعِدْلُ تَقْوِيمُكَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأعْرابِيِّ: العَدْلُ والعِدْلُ سَواءٌ.
وقَوْلُهُ: (صِيامًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، كَما تَقُولُ: عِنْدِي رِطْلانِ عَسَلًا، ومِلْءُ بَيْتٍ كُتُبًا، والأصْلُ فِيهِ إدْخالُ حَرْفٍ (مِن) فِيهِ، فَإنْ لَمْ يُذْكَرْ نَصَبْتَهُ. تَقُولُ: رِطْلانِ مِنَ العَسَلِ وعَدْلُ ذَلِكَ مِنَ الصِّيامِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ يَصُومُ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وهو قَوْلُ عَطاءٍ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ يَصُومُ لِكُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا، والأصْلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّهُما تَوافَقا عَلى أنَّ الصَّوْمَ مُقَدَّرٌ بِطَعامِ يَوْمٍ، إلّا أنَّ طَعامَ اليَوْمِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ مُقَدَّرٌ بِالمُدِّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مُقَدَّرٌ بِنِصْفِ صاعٍ عَلى ما ذَكَرْناهُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: زَعَمَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ أنَّ الخِيارَ في تَعْيِينِ أحَدِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ إلى قاتِلِ الصَّيْدِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: إلى الحَكَمَيْنِ. حُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى قاتِلِ الصَّيْدِ أحَدَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ عَلى التَّخْيِيرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قاتِلُ الصَّيْدِ مُخَيَّرًا بَيْنَ أيِّها شاءَ، وحُجَّةُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الخِيارَ إلى الحَكَمَيْنِ فَقالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا﴾ أيْ كَذا وكَذا.
وجَوابُنا: أنَّ تَأْوِيلَ الآيَةِ: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا. وأمّا الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ فَهو تَعْيِينُ المِثْلِ، إمّا في القِيمَةِ أوْ في الخِلْقَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الوَبالُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَمّا فِيهِ مِنَ الثِّقْلِ والمَكْرُوهِ. يُقالُ: مَرْعًى وبِيلٌ: إذا كانَ فِيهِ وخامَةٌ، وماءٌ وبِيلٌ: إذا لَمْ يُسْتَمْرَأْ، والطَّعامُ الوَبِيلُ: الَّذِي يَثْقُلُ عَلى المَعِدَةِ فَلا يَنْهَضِمُ، قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المُزَّمِّلِ: ١٦] أيْ ثَقِيلًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وبالًا لِأنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: اثْنانِ مِنها تُوجِبُ تَنْقِيصَ المالِ، وهو ثَقِيلٌ عَلى الطَّبْعِ، وهُما الجَزاءُ بِالمِثْلِ والإطْعامُ، والثّالِثُ يُوجِبُ إيلامَ البَدَنِ وهو الصَّوْمُ، وذَلِكَ أيْضًا ثَقِيلٌ عَلى الطَّبْعِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى قاتِلِ الصَّيْدِ أحَدَ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها ثَقِيلٌ عَلى الطَّبْعِ حَتّى يَحْتَرِزَ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في الحَرَمِ وفي حالِ الإحْرامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: عَفا اللَّهُ عَمّا مَضى في الجاهِلِيَّةِ وعَمّا سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ في الإسْلامِ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مَن لا يُوجِبُ الجَزاءَ إلّا في المَرَّةِ الأُولى، أمّا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ لا يُوجِبُ الجَزاءَ عَلَيْهِ ويَقُولُ: إنَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يُكَفِّرَهُ التَّصَدُّقُ بِالجَزاءِ، فَعَلى هَذا، المُرادُ: عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ في المَرَّةِ الأُولى بِسَبَبِ أداءِ الجَزاءِ، ومَن عادَ إلَيْهِ مَرَّةً ثانِيَةً فَلا كَفّارَةَ لِجُرْمِهِ بَلْ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ
صفحة ٨١
الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ فاءُ الجَزاءِ، والجَزاءُ هو الكافِي، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ هَذا الِانْتِقامَ كافٍ في هَذا الذَّنْبِ، وكَوْنُهُ كافِيًا يَمْنَعُ مِن وُجُوبِ شَيْءٍ آخَرَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَجِبَ الجَزاءُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٦] وفي قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ [الجِنِّ: ١٣] إنَّ في هَذِهِ الآياتِ إضْمارًا مُقَدَّرًا، والتَّقْدِيرُ: ومَن عادَ فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ، ومَن كَفَرَ فَأنا أُمَتِّعُهُ، ومَن يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ فَهو لا يَخافُ، وبِالجُمْلَةِ فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ مُبْتَدَأٍ يَصِيرُ ذَلِكَ الفِعْلُ خَبَرًا عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الفِعْلَ يَصِيرُ بِنَفْسِهِ جَزاءً، فَلا حاجَةَ إلى إدْخالِ حَرْفِ الجَزاءِ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ إدْخالُ حَرْفِ الفاءِ عَلى الفِعْلِ لَغْوًا، أمّا إذا أضْمَرْنا المُبْتَدَأ احْتَجْنا إلى إدْخالِ حَرْفِ الفاءِ عَلَيْهِ لِيَرْتَبِطَ بِالشَّرْطِ فَلا تَصِيرُ الفاءُ لَغْوًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المائدة 5:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالصَّيْدِ المَصِيدُ، وجُمْلَةُ ما يُصادُ مِنَ البَحْرِ ثَلاثَةُ أجْناسٍ: الحِيتانُ وجَمِيعُ أنْواعِها حَلالٌ، والضَّفادِعُ وجَمِيعُ أنْواعِها حَرامٌ، واخْتَلَفُوا فِيما سِوى هَذَيْنِ. فَقالَأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ حَرامٌ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى والأكْثَرُونَ: إنَّهُ حَلالٌ، وتَمَسَّكُوا فِيهِ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُرادُ بِالبَحْرِ جَمِيعُ المِياهِ والأنْهارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى عَطَفَ طَعامَ البَحْرِ عَلى صَيْدِهِ والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ وهو الأحْسَنُ: ما ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ الصَّيْدَ ما صِيدَ بِالحِيلَةِ حالَ حَياتِهِ، والطَّعامُ ما يُوجَدُ مِمّا لَفَظَهُ البَحْرُ أوْ نَضَبَ عَنْهُ الماءُ مِن غَيْرِ مُعالَجَةٍ في أخْذِهِ، هَذا هو الأصَحُّ مِمّا قِيلَ في هَذا المَوْضِعِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ صَيْدَ البَحْرِ هو الطَّرِيُّ، وأمّا طَعامُ البَحْرِ فَهو الَّذِي جُعِلَ مُمَلَّحًا؛ لِأنَّهُ لَمّا صارَ عَتِيقًا سَقَطَ اسْمُ الصَّيْدِ عَنْهُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومُقاتِلٍ والنَّخَعِيِّ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الَّذِي صارَ مالِحًا فَقَدْ كانَ طَرِيًّا وصَيْدًا في أوَّلِ الأمْرِ فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ.
والثّالِثُ: أنَّ الِاصْطِيادَ قَدْ يَكُونُ لِلْأكْلِ وقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ مِثْلُ اصْطِيادِ الصَّدَفِ لِأجْلِ اللُّؤْلُؤِ، واصْطِيادِ بَعْضِ الحَيَواناتِ البَحْرِيَّةِ لِأجْلِ عِظامِها وأسْنانِها، فَقَدْ حَصَلَ التَّغايُرُ بَيْنَ الِاصْطِيادِ مِنَ البَحْرِ وبَيْنَ الأكْلِ مِن طَعامِ البَحْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّمَكَةُ الطّافِيَةُ في البَحْرِ مُحَلَّلَةٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مُحَرَّمَةٌ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَهو أنَّهُ يُمْكِنُ أكْلُهُ فَيَكُونُ طَعامًا فَوَجَبَ أنْ يَحِلَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في البَحْرِ: ”«هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» “ .
صفحة ٨٢
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: (ولِلسَّيّارَةِ) يَعْنِي أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ لِلْمُقِيمِ والمُسافِرِ، فالطَّرِيُّ لِلْمُقِيمِ، والمالِحُ لِلْمُسافِرِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ انْتَصَبَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا، إلّا أنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ كانَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مُنْعَمٌ بِهِ، كَما أنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٣] كانَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ: كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكم.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: انْتَصَبَ لِكَوْنِهِ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ أُحِلَّ لَكم تَمْتِيعًا لَكم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ عَلى المُحْرِمِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: صَيْدُ البَحْرِ هو الَّذِي لا يَعِيشُ إلّا في الماءِ، أمّا الَّذِي لا يَعِيشُ إلّا في البَرِّ والَّذِي يُمْكِنُهُ أنْ يَعِيشَ في البَرِّ تارَةً وفي البَحْرِ أُخْرى، فَذاكَ كُلُّهُ صَيْدُ البَرِّ، فَعَلى هَذا السُّلَحْفاةُ والسَّرَطانُ والضِّفْدَعُ وطَيْرُ الماءِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صَيْدِ البَرِّ، ويَجِبُ عَلى قاتِلِهِ الجَزاءُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُحْرِمَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّيْدُ، واخْتَلَفُوا في الصَّيْدِ الَّذِي يَصِيدُهُ الحَلالُ هَلْ يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ ؟ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ، الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وطاوُسٍ، وذَكَرَهُ الثَّوْرِيُّ وإسْحاقُ؛ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حالٍ، وعَوَّلُوا فِيهِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ صَيْدَ البَرِّ يَدْخُلُ فِيهِ ما اصْطادَهُ المُحْرِمُ وما اصْطادَهُ الحَلالُ، وكُلُّ ذَلِكَ صَيْدُ البَرِّ، ورَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ الحارِثُ خَلِيفَةَ عُثْمانَ عَلى الطّائِفِ فَصَنَعَ لِعُثْمانَ طَعامًا، وصَنَعَ فِيهِ الحَجَلَ واليَعاقِيبَ ولُحُومَ الوَحْشِ، فَبَعَثَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجاءَهُ الرَّسُولُ فَجاءَ، فَقالُوا لَهُ: كُلْ، فَقالَ عَلِيٌّ: أطْعِمُونا قُوتًا حَلالًا فَإنّا حُرُمٌ، ثُمَّ قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْشُدُ اللَّهَ مَن كانَ هاهُنا مِن أشْجَعَ، أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أهْدى إلَيْهِ رَجُلٌ حِمارَ وحْشٍ وهو مُحْرِمٌ فَأبى أنْ يَأْكُلَهُ ؟ فَقالُوا: نَعَمْ» .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ مُباحٌ لِلْمُحْرِمِ بِشَرْطِ أنْ لا يَصْطادَهُ المُحْرِمُ ولا يُصْطادَ لَهُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، والحُجَّةُ فِيهِ ما رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «صَيْدُ البَرِّ لَكم حَلالٌ ما لَمْ تَصِيدُوهُ أوْ يُصَدْ لَكم» .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ إذا صِيدَ لِلْمُحْرِمِ بِغَيْرِ إعانَتِهِ وإشارَتِهِ حَلَّ لَهُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، رُوِيَ «عَنْ أبِي قَتادَةَ أنَّهُ اصْطادَ حِمارَ وحْشٍ وهو حَلالٌ في أصْحابٍ مُحْرِمِينَ لَهُ، فَسَألُوا الرَّسُولَ ﷺ عَنْهُ فَقالَ: هَلْ أشَرْتُمْ، هَلْ أعَنْتُمْ ؟ فَقالُوا: لا. فَقالَ: هَلْ بَقِيَ مِن لَحْمِهِ شَيْءٌ» ؟ أوْجَبَ الإباحَةَ عِنْدَ عَدَمِ الإشارَةِ والإعانَةِ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
صفحة ٨٣
واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مُفَرَّعانِ عَلى تَخْصِيصِ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ.
والثّانِي في غايَةِ الضَّعْفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ لِيَكُونَ المَرْءُ مُواظِبًا عَلى الطّاعَةِ مُحْتَرِزًا عَنِ المَعْصِيَةِ.
المائدة 5:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اتِّصالَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ الِاصْطِيادَ عَلى المُحْرِمِ، فَبَيَّنَ أنَّ الحَرَمَ كَما أنَّهُ سَبَبٌ لِأمْنِ الوَحْشِ والطَّيْرِ، فَكَذَلِكَ هو سَبَبٌ لِأمْنِ النّاسِ عَنِ الآفاتِ والمُخافاتِ، وسَبَبٌ لِحُصُولِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (قَيِّمًا) بِغَيْرِ ألِفٍ، ومَعْناهُ المُبالَغَةُ في كَوْنِهِ قائِمًا بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ النّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنْعامِ: ١٦١] والباقُونَ بِالألِفِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في سُورَةِ النِّساءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (جَعَلَ) فِيهِ قَوْلانِ، الأوَّلُ: أنَّهُ بَيَّنَ وحَكَمَ.
الثّانِي: أنَّهُ صَيَّرَ، فالأوَّلُ بِالأمْرِ والتَّعْرِيفِ.
والثّانِي بِخَلْقِ الدَّواعِي في قُلُوبِ النّاسِ لِتَعْظِيمِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: سُمِّيَتِ الكَعْبَةُ كَعْبَةً لِارْتِفاعِها، يُقالُ لِلْجارِيَةِ إذا نَتَأ ثَدْيُها وخَرَجَ: كاعِبٌ وكَعابٌ، وكَعْبُ الإنْسانِ يُسَمّى كَعْبًا لِنُتُوِّهِ مِنَ السّاقِ، فالكَعْبَةُ لَمّا ارْتَفَعَ ذِكْرُها في الدُّنْيا واشْتَهَرَ أمْرُها في العالَمِ سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهم يَقُولُونَ لِمَن عَظُمَ أمْرُهُ: فُلانٌ عَلا كَعْبُهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ أصْلُهُ (قِوامٌ) لِأنَّهُ مِن قامَ يَقُومُ، وهو ما يَسْتَقِيمُ بِهِ الأمْرُ ويَصْلُحُ، ثُمَّ ذَكَرُوا هاهُنا في كَوْنِ الكَعْبَةِ سَبَبًا لِقِوامِ مَصالِحِ النّاسِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى حُضُورِ أهْلِ الآفاقِ عِنْدَهم لِيَشْتَرُوا مِنهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ طُولَ السَّنَةِ، فَإنَّ مَكَّةَ بَلْدَةٌ ضَيِّقَةٌ لا ضَرْعَ فِيها ولا زَرْعَ، وقَلَّما يُوجَدُ فِيها ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَ الكَعْبَةَ مُعَظَّمَةً في القُلُوبِ حَتّى صارَ أهْلُ الدُّنْيا راغِبِينَ في زِيارَتِها، فَيُسافِرُونَ إلَيْها مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِأجْلِ التِّجارَةِ ويَأْتُونَ بِجَمِيعِ المَطالِبِ والمُشْتَهَياتِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْباغِ النِّعَمِ عَلى أهْلِ مَكَّةَ.
الثّانِي: أنَّ العَرَبَ كانُوا يَتَقاتَلُونَ ويُغِيرُونَ إلّا في الحَرَمِ، فَكانَ أهْلُ الحَرَمِ آمِنِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى أمْوالِهِمْ حَتّى لَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ أوِ ابْنِهِ في الحَرَمِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، ولَوْ جَنى الرَّجُلُ أعْظَمَ الجِناياتِ ثُمَّ التَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٧] الثّالِثُ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ صارُوا بِسَبَبِ الكَعْبَةِ أهْلَ اللَّهِ وخاصَّتَهُ وسادَةَ الخَلْقِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وكُلُّ أحَدٍ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ ويُعَظِّمُهم.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الكَعْبَةَ قِوامًا لِلنّاسِ في دِينِهِمْ بِسَبَبِ ما جَعَلَ فِيها مِنَ المَناسِكِ العَظِيمَةِ والطّاعاتِ الشَّرِيفَةِ، وجَعَلَ تِلْكَ المَناسِكَ سَبَبًا لِحَطِّ الخَطِيئاتِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ وكَثْرَةِ الكَراماتِ.
صفحة ٨٤
واعْلَمْ أنَّهُ لا يَبْعُدُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ قِوامَ المَعِيشَةِ إمّا بِكَثْرَةِ المَنافِعِ وهو الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وإمّا بِدَفْعِ المَضارِّ وهو الوَجْهُ الثّانِي، وإمّا بِحُصُولِ الجاهِ والرِّياسَةِ وهو الوَجْهُ الثّالِثُ، وإمّا بِحُصُولِ الدِّينِ وهو الوَجْهُ الرّابِعُ، فَلَمّا كانَتِ الكَعْبَةُ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، وثَبَتَ أنَّ قِوامَ المَعِيشَةِ لَيْسَ إلّا بِهَذِهِ الأرْبَعَةِ، ثَبَتَ أنَّ الكَعْبَةَ سَبَبٌ لِقَوامِ النّاسِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ أيْ لِبَعْضِ النّاسِ وهُمُ العَرَبُ، وإنَّما حَسُنَ هَذا المَجازُ؛ لِأنَّ أهْلَ كُلِّ بَلَدٍ إذا قالُوا: النّاسُ فَعَلُوا كَذا وصَنَعُوا كَذا، فَإنَّهم لا يُرِيدُونَ إلّا أهْلَ بَلْدَتِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ خُوطِبُوا بِهَذا الخِطابِ عَلى وفْقِ عادَتِهِمْ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ أرْبَعَةَ أشْياءَ سَبَبًا لِقِيامِ النّاسِ وقِوامِهِمْ، الأوَّلُ: الكَعْبَةُ، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى كَوْنِها سَبَبًا لِقِيامِ النّاسِ، وأمّا الثّانِي: فَهو الشَّهْرُ الحَرامُ، ومَعْنى كَوْنِهِ سَبَبًا لِقِيامِ النّاسِ هو أنَّ العَرَبَ كانَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا في سائِرِ الأشْهُرِ، ويُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَإذا دَخَلَ الشَّهْرُ الحَرامُ زالَ الخَوْفُ وقَدَرُوا عَلى الأسْفارِ والتِّجاراتِ وصارُوا آمِنِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وكانُوا يُحَصِّلُونَ في الشَّهْرِ الحَرامِ مِنَ الأقْواتِ ما كانَ يَكْفِيهِمْ طُولَ السَّنَةِ، فَلَوْلا حُرْمَةُ الشَّهْرِ الحَرامِ لَهَلَكُوا وتَفانَوْا مِنَ الجُوعِ والشِّدَّةِ، فَكانَ الشَّهْرُ الحَرامُ سَبَبًا لِقِوامِ مَعِيشَتِهِمْ في الدُّنْيا أيْضًا، فَهو سَبَبٌ لِاكْتِسابِ الثَّوابِ العَظِيمِ بِسَبَبِ إقامَةِ مَناسِكِ الحَجِّ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالشَّهْرِ الحَرامِ الأشْهُرَ الحُرُمَ الأرْبَعَةَ، إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الجِنْسِ.
وأمّا الثّالِثُ: فَهو الهَدْيُ، وهو إنَّما كانَ سَبَبًا لِقِيامِ النّاسِ؛ لِأنَّ الهَدْيَ ما يُهْدى إلى البَيْتِ ويُذْبَحُ هُناكَ ويُفَرَّقُ لَحْمُهُ عَلى الفُقَراءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نُسُكًا لِلْمُهْدِي وقِوامًا لِمَعِيشَةِ الفُقَراءِ.
وأمّا الرّابِعُ فَهو القَلائِدُ، والوَجْهُ في كَوْنِها قِيامًا لِلنّاسِ أنَّ مَن قَصَدَ البَيْتَ في الشَّهْرِ الحَرامِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أحَدٌ، ومَن قَصَدَهُ في غَيْرِ الشَّهْرِ الحَرامِ ومَعَهُ هَدْيٌ، وقَدْ قَلَّدَهُ وقَلَّدَ نَفْسَهُ مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أحَدٌ، حَتّى إنَّ الواحِدَ مِنَ العَرَبِ يَلْقى الهَدْيَ مُقَلَّدًا ويَمُوتُ مِنَ الجُوعِ، فَلا يَتَعَرَّضُ لَهُ البَتَّةَ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَها صاحِبُها أيْضًا، وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ تَعْظِيمَ البَيْتِ الحَرامِ، فَكُلُّ مَن قَصَدَهُ أوْ تَقَرَّبَ إلَيْهِ صارَ آمِنًا مِن جَمِيعِ الآفاتِ والمَخافاتِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ ذَكَرَ بَعْدَهُ هَذِهِ الثَّلاثَةَ، وهي الشَّهْرُ الحَرامُ والهَدْيُ والقَلائِدُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ إنَّما صارَتْ سَبَبًا لِقِوامِ المَعِيشَةِ لِانْتِسابِها إلى البَيْتِ الحَرامِ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عَظَمَةِ هَذا البَيْتِ وغايَةِ شَرَفِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ في الأزَلِ أنَّ مُقْتَضى طِباعِ العَرَبِ الحِرْصُ الشَّدِيدُ عَلى القَتْلِ والغارَةِ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ دامَتْ بِهِمْ هَذِهِ الحالَةُ لَعَجَزُوا عَنْ تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن مَنافِعِ المَعِيشَةِ، ولَأدّى ذَلِكَ إلى فَنائِهِمْ وانْقِطاعِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، دَبَّرَ في ذَلِكَ تَدْبِيرًا لَطِيفًا، وهو أنَّهُ ألْقى في قُلُوبِهِمِ اعْتِقادًا قَوِيًّا في تَعْظِيمِ البَيْتِ الحَرامِ وتَعْظِيمِ مَناسِكِهِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ الأمْنِ في البَلَدِ الحَرامِ وفي الشَّهْرِ الحَرامِ، فَلَمّا حَصَلَ الأمْنُ في هَذا المَكانِ وفي هَذا الزَّمانِ قَدَرُوا عَلى تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في هَذا الزَّمانِ وفي هَذا المَكانِ، فاسْتَقامَتْ مَصالِحُ مَعاشِهِمْ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّدْبِيرِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ تَعالى في الأزَلِ
صفحة ٨٥
عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ الشَّرَّ غالِبٌ عَلى طِباعِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي بِهِمْ إلى الفَناءِ وانْقِطاعِ النَّسْلِ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ دَفْعُ ذَلِكَ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ اللَّطِيفِ، وهو إلْقاءُ تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ في قُلُوبِهِمْ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ الأمانِ في بَعْضِ الأمْكِنَةِ وفي بَعْضِ الأزْمِنَةِ، فَحِينَئِذٍ تَسْتَقِيمُ مَصالِحُ مَعاشِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ وفي ذَلِكَ الزَّمانِ، وهَذا هو بِعَيْنِهِ الدَّلِيلُ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ المُتَكَلِّمُونَ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ أفْعالَهُ مُحْكَمَةٌ مُتْقَنَةٌ مُطابِقَةٌ لِلْمَصالِحِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ إلْقاءَ تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ في قُلُوبِ العَرَبِ لِأجْلِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ الأمْنِ في بَعْضِ الأمْكِنَةِ وفي بَعْضِ الأزْمِنَةِ، لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبَ اقْتِدارِهِمْ عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ المَعِيشَةِ، فِعْلٌ في غايَةِ الإتْقانِ والإحْكامِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا قاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا عَلى أنَّ صانِعَ العالَمِ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ أيْ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ اللَّطِيفُ لِأجْلِ أنْ تَتَفَكَّرُوا فِيهِ، فَتَعْلَمُوا أنَّهُ تَدْبِيرٌ لَطِيفٌ وفِعْلٌ مُحْكَمٌ مُتْقَنٌ، فَتَعْلَمُوا ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ثُمَّ إذا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ عَرَفْتُمْ أنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صِفَةٌ قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةٌ واجِبَةُ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ في هَذا التَّقْدِيرِ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ.
المائدة 5:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَتِمُّ إلّا بِالرَّجاءِ والخَوْفِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ لاعْتَدَلا» “ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ، وهو كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيما قَبْلُ أنْواعَ رَحْمَتِهِ وكَرَمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ وصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الرَّحْمَةِ وهو كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى دَقِيقَةٍ وهي أنَّ ابْتِداءَ الخَلْقِ والإيجادِ كانَ لِأجْلِ الرَّحْمَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الخَتْمَ لا يَكُونُ إلّا عَلى الرَّحْمَةِ.