Tafsir Al-Razi — الأنعام 6:38 – الأنعام 6:81
المحتويات
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:39
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:43
- الأنعام 6:44
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:48
- الأنعام 6:49
- الأنعام 6:50
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:56
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:58
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
- الأنعام 6:61
- الأنعام 6:62
- الأنعام 6:63
- الأنعام 6:64
- الأنعام 6:65
- الأنعام 6:66
- الأنعام 6:67
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:70
- الأنعام 6:71
- الأنعام 6:72
- الأنعام 6:73
- الأنعام 6:74
- الأنعام 6:75
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:77
- الأنعام 6:78
- الأنعام 6:79
- الأنعام 6:80
- الأنعام 6:81
الأنعام 6:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّظْمِ، فَنَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ لَوْ كانَ إنْزالُ سائِرِ المُعْجِزاتِ مَصْلَحَةً لَهم لَفَعَلَها ولَأظْهَرَها إلّا أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ إظْهارُها مَصْلَحَةً لِلْمُكَلَّفِينَ، لا جَرَمَ ما أظْهَرَها. وهَذا الجَوابُ إنَّما يَتِمُّ إذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يُراعِي مَصالِحَ المُكَلَّفِينَ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَبَيَّنَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، وقَرَّرَهُ بِأنْ قالَ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ في وُصُولِ فَضْلِ اللَّهِ وعِنايَتِهِ ورَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ كالأمْرِ المُشاهَدِ المَحْسُوسِ فَإذا كانَتْ آثارُ عِنايَتِهِ واصِلَةً إلى جَمِيعِ الحَيَواناتِ؛ فَلَوْ كانَ في إظْهارِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُكَلَّفِينَ لَفَعَلَها ولَأظْهَرَها، ولامْتَنَعَ أنْ يَبْخَلَ بِها مَعَ ما ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يَبْخَلْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الحَيَواناتِ بِمَصالِحِها ومَنافِعِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُظْهِرْ تِلْكَ المُعْجِزاتِ، لِأنَّ إظْهارَها يُخِلُّ بِمَصالِحِ المُكَلَّفِينَ. فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ والمُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها واللَّهُ أعْلَمُ.
الوَجْهُ الثّانِي في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ: قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ الكُفّارِ وبَيَّنَ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ ويُحْشَرُونَ بَيَّنَ أيْضًا بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ في أنَّهم
صفحة ١٧٥
يُحْشَرُونَ، والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ الحَشْرَ والبَعْثَ كَما هو حاصِلٌ في حَقِّ النّاسِ فَهو أيْضًا حاصِلٌ في حَقِّ البَهائِمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَيَوانُ إمّا أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَدِبُّ أوْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَطِيرُ فَجَمِيعُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَيَواناتِ، فَإنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، إمّا أنْ يَدِبَّ، وإمّا أنْ يَطِيرَ. وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: مِنَ الحَيَوانِ ما لا يَدْخُلُ في هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مِثْلَ حِيتانِ البَحْرِ، وسائِرِ ما يَسْبَحُ في الماءِ ويَعِيشُ فِيهِ.
والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُوصَفَ بِأنَّها دابَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّها تَدِبُّ في الماءِ أوْ هي كالطَّيْرِ، لِأنَّها تَسْبَحُ في الماءِ، كَما أنَّ الطَّيْرَ يَسْبَحُ في الهَواءِ، إلّا أنَّ وصْفَها بِالدَّبِيبِ أقْرَبُ إلى اللُّغَةِ مِن وصْفِها بِالطَّيَرانِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الفائِدَةُ في تَقْيِيدِ الدّابَّةِ بِكَوْنِها في الأرْضِ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خَصَّ ما في الأرْضِ بِالذِّكْرِ دُونَ ما في السَّماءِ احْتِجاجًا بِالأظْهَرِ؛ لِأنَّ ما في السَّماءِ وإنْ كانَ مَخْلُوقًا مِثْلَنا فَغَيْرُ ظاهِرٍ.
والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ تَعالى لَمّا كانَتْ حاصِلَةً في هَذِهِ الحَيَواناتِ فَلَوْ كانَ إظْهارُ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ مَصْلَحَةً لَما مَنَعَ اللَّهُ مِن إظْهارِها. وهَذا المَقْصُودُ إنَّما يَتِمُّ بِذِكْرِ مَن كانَ أدْوَنَ مَرْتَبَةً مِنَ الإنْسانِ لا بِذِكْرِ مَن كانَ أعْلى حالًا مِنهُ، فَلِهَذا المَعْنى قَيَّدَ الدّابَّةَ بِكَوْنِها في الأرْضِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ مَعَ أنَّ كُلَّ طائِرٍ إنَّما يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ؟
والجَوابُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا الوَصْفَ إنَّما ذُكِرَ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ نَعْجَةٌ أُنْثى، وكَما يُقالُ: كَلَّمْتُهُ بِفِيَّ ومَشَيْتُ إلَيْهِ بِرِجْلَيَّ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ طِرْ في حاجَتِي. والمُرادُ الإسْراعُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَقَدْ يَحْصُلُ الطَّيَرانُ لا بِالجَناحِ. قالَ الحَماسِيُّ:
طارُوا إلَيْهِ زَرافاتٍ ووِحْدانا
فَذَكَرَ الجَناحَ لِيَمْتَحِضَ هَذا الكَلامُ في الطَّيْرِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [فاطر: ١] فَذَكَرَ هَهُنا قَوْلَهُ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ لِيَخْرُجَ عَنْهُ المَلائِكَةُ فَإنّا بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ إنَّما يَتِمُّ بِذِكْرِ مَن كانَ أدْوَنَ حالًا مِنَ الإنْسانِ لا بِذِكْرِ مَن كانَ أعْلى حالًا مِنهُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ قالَ: ﴿إلّا أُمَمٌ﴾ مَعَ إفْرادِ الدّابَّةِ والطّائِرِ ؟
والجَوابُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ﴾ دالًّا عَلى مَعْنى الِاسْتِغْراقِ ومُغْنِيًا عَنْ أنْ يَقُولَ: وما مِن دَوابَّ ولا طُيُورٍ لا جَرَمَ حُمِلَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أُمَمٌ﴾ عَلى المَعْنى.
السُّؤالُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ إنَّ كُلَّ صِنْفٍ مِنَ البَهائِمِ أُمَّةٌ وجاءَ في الحَدِيثِ: «لَوْلا أنَّ الكِلابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَأمَرْتُ بِقَتْلِها» فَجَعَلَ الكِلابَ أُمَّةً.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ هَذِهِ الدَّوابَّ والطُّيُورَ أمْثالُنا، ولَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ
صفحة ١٧٦
المُماثَلَةَ في أيِّ المَعانِي حَصَلَتْ ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ حُصُولُ المُماثَلَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ وإلّا لَكانَ يَجِبُ كَوْنُها أمْثالًا لَنا في الصُّورَةِ والخِلْقَةِ، وذَلِكَ باطِلٌ فَظَهَرَ أنَّهُ لا دَلالَةَ عَلى أنَّ تِلْكَ المُماثَلَةَ حَصَلَتْ في أيِّ الأحْوالِ والأُمُورِ فَبَيَّنُوا ذَلِكَ.
والجَوابُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في تَعْيِينِ الأمْرِ الَّذِي حَكَمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بِالمُماثَلَةِ بَيْنَ البَشَرِ وبَيْنَ الدَّوابِّ والطُّيُورِ وذَكَرُوا فِيهِ أقْوالًا:
القَوْلُ الأوَّلُ: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ، يَعْرِفُونَنِي ويُوَحِّدُونَنِي ويُسَبِّحُونَنِي ويَحْمَدُونَنِي. وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ طائِفَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وقالُوا: إنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ تَعْرِفُ اللَّهَ وتَحْمَدُهُ وتُوَحِّدُهُ وتُسَبِّحُهُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وبِقَوْلِهِ في صِفَةِ الحَيَواناتِ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] وبِما أنَّهُ تَعالى خاطَبَ النَّمْلَ وخاطَبَ الهُدْهُدَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ وتَحْقِيقِهِ في هَذِهِ الآياتِ.
وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: أُبْهِمَتْ عُقُولُ البَهائِمِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إلّا عَنْ أرْبَعَةِ أشْياءَ: مَعْرِفَةِ الإلَهِ، وطَلَبِ الرِّزْقِ، ومَعْرِفَةِ الذَّكَرِ والأُنْثى، وتَهَيُّؤِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ.
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ يَعِجُّ إلى اللَّهِ يَقُولُ: يا رَبِّ إنَّ هَذا قَتَلَنِي عَبَثًا لَمْ يَنْتَفِعْ بِي ولَمْ يَدَعْنِي آكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ» .
والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم في كَوْنِها أُمَمًا وجَماعاتٍ وكَوْنِها مَخْلُوقَةً بِحَيْثُ يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَأْنَسُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ويَتَوالَدُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ كالإنْسِ، إلّا أنَّ لِلسّائِلِ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يُفِيدُ فائِدَةً مُعْتَبَرَةً؛ لِأنَّ كَوْنَ الحَيَواناتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أمْرٌ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ فَلا فائِدَةَ في الإخْبارِ عَنْها.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ أنَّها أمْثالُنا في أنْ دَبَّرَها اللَّهُ تَعالى وخَلَقَها وتَكَفَّلَ بِرِزْقِها، وهَذا يَقْرُبُ مِنَ القَوْلِ الثّانِي: في أنَّهُ يَجْرِي مَجْرى الإخْبارِ عَمّا عُلِمَ حُصُولُهُ بِالضَّرُورَةِ.
القَوْلُ الرّابِعُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى كَما أحْصى في الكِتابِ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ البَشَرِ، مِنَ العُمْرِ والرِّزْقِ والأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ فَكَذَلِكَ أحْصى في الكِتابِ جَمِيعَ هَذِهِ الأحْوالِ في كُلِّ الحَيَواناتِ. قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ ولَيْسَ لِذِكْرِ هَذا الكَلامِ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ فائِدَةٌ إلّا ما ذَكَرْنا.
القَوْلُ الخامِسُ: أرادَ تَعالى أنَّها أمْثالُنا في أنَّها تُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ ويُوصَلُ إلَيْها حُقُوقُها، كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يُقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ» .
القَوْلُ السّادِسُ: ما اخْتَرْناهُ في نَظْمِ الآيَةِ، وهو أنَّ الكُفّارَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ الإتْيانَ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الظّاهِرَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ عِنايَتَهُ وصَلَتْ إلى جَمِيعِ الحَيَواناتِ كَما وصَلَتْ إلى الإنْسانِ. ومَن بَلَغَتْ رَحْمَتُهُ وفَضْلُهُ إلى حَيْثُ لا يَبْخَلُ بِهِ عَلى البَهائِمِ كانَ بِأنْ لا يَبْخَلَ بِهِ عَلى الإنْسانِ أوْلى، فَدَلَّ مَنعُ اللَّهِ مِن إظْهارِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ عَلى أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ لِأُولَئِكَ السّائِلِينَ في إظْهارِها، وأنَّ إظْهارَها عَلى وفْقِ سُؤالِهِمْ واقْتِراحِهِمْ يُوجِبُ عَوْدَ الضَّرَرِ العَظِيمِ إلَيْهِمْ.
صفحة ١٧٧
القَوْلُ السّابِعُ: ما رَواهُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، أنَّهُ لَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: ما في الأرْضِ آدَمِيٌّ إلّا وفِيهِ شَبَهٌ مِن بَعْضِ البَهائِمِ، فَمِنهم مَن يُقْدِمُ إقْدامَ الأسَدِ، ومِنهم مَن يَعْدُو عَدْوَ الذِّئْبِ، ومِنهم مَن يَنْبَحُ نُباحَ الكَلْبِ، ومِنهم مَن يَتَطَوَّسُ كَفِعْلِ الطّاوُسِ، ومِنهم مَن يُشْبِهُ الخِنْزِيرَ فَإنَّهُ لَوْ أُلْقِيَ إلَيْهِ الطَّعامُ الطَّيِّبُ تَرَكَهُ وإذا قامَ الرَّجُلُ عَنْ رَجِيعِهِ ولَغَ فِيهِ. فَكَذَلِكَ نَجِدُ مِنَ الآدَمِيِّينَ مَن لَوْ سَمِعَ خَمْسِينَ حِكْمَةً لَمْ يَحْفَظْ واحِدَةً مِنها، فَإنْ أخْطَأْتَ مَرَّةً واحِدَةً حَفِظَها، ولَمْ يَجْلِسْ مَجْلِسًا إلّا رَواهُ عَنْهُ.
ثُمَّ قالَ: فاعْلَمْ يا أخِي أنَّكَ إنَّما تُعاشِرُ البَهائِمَ والسِّباعَ، فَبالِغْ في الحِذارِ والِاحْتِرازِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا المَوْضِعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ القائِلُونَ بِالتَّناسُخِ إلى أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إنْ كانَتْ سَعِيدَةً مُطِيعَةً لِلَّهِ تَعالى مَوْصُوفَةً بِالمَعارِفِ الحَقَّةِ وبِالأخْلاقِ الطّاهِرَةِ، فَإنَّها بَعْدَ مَوْتِها تُنْقَلُ إلى أبْدانِ المُلُوكِ، ورُبَّما قالُوا: إنَّها تُنْقَلُ إلى مُخالَطَةِ عالَمِ المَلائِكَةِ، وأمّا إنْ كانَتْ شَقِيَّةً جاهِلَةً عاصِيَةً فَإنَّها تُنْقَلُ إلى أبْدانِ الحَيَواناتِ، وكُلَّما كانَتْ تِلْكَ الأرْواحُ أكْثَرَ شَقاوَةً واسْتِحْقاقًا لِلْعَذابِ نُقِلَتْ إلى بَدَنِ حَيَوانٍ أخَسَّ وأكْثَرَ شَقاءً وتَعَبًا، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا دابَّةَ ولا طائِرَ إلّا وهي أمْثالُنا، ولَفْظُ المُماثَلَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ المُساواةِ في جَمِيعِ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ أمّا الصِّفاتُ العَرَضِيَّةُ المُفارِقَةُ، فالمُساواةُ فِيها غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ في حُصُولِ المُماثَلَةِ. ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ زادُوا عَلَيْهِ، وقالُوا: قَدْ ثَبَتَ بِهَذا أنَّ أرْواحَ جَمِيعِ الحَيَواناتِ عارِفَةٌ بِرَبِّها وعارِفَةٌ بِما يَحْصُلُ لَها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ إلى كُلِّ جِنْسٍ مِنها رَسُولًا مِن جِنْسِها، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الدَّوابَّ والطُّيُورَ أُمَمٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ لِكُلِّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الحَيَواناتِ رَسُولًا أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْها. ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِقِصَّةِ الهُدْهُدِ، وقِصَّةِ النَّمْلِ، وسائِرِ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِالتَّناسُخِ قَدْ أبْطَلْناهُ بِالدَّلائِلِ الجَيِّدَةِ في عِلْمِ الأُصُولِ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا ما يَكْفِي في صِدْقِ حُصُولِ المُماثَلَةِ في بَعْضِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، فَلا حاجَةَ إلى إثْباتِ ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّناسُخِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ وفي المُرادِ بِالكِتابِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الكِتابُ المَحْفُوظُ في العَرْشِ وعالَمِ السَّماواتِ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ القُرْآنُ، وهَذا أظْهَرُ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ إذا دَخَلا عَلى الِاسْمِ المُفْرَدِ انْصَرَفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، والمَعْهُودُ السّابِقُ مِنَ الكِتابِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ هو القُرْآنُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ في هَذِهِ الآيَةِ القُرْآنَ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ قالَ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَفاصِيلُ عِلْمِ الطِّبِّ وتَفاصِيلُ عِلْمِ الحِسابِ، ولا تَفاصِيلُ كَثِيرٍ مِنَ المَباحِثِ والعُلُومِ، ولَيْسَ فِيهِ أيْضًا تَفاصِيلُ مَذاهِبِ النّاسِ ودَلائِلِهِمْ في عِلْمِ الأُصُولِ والفُرُوعِ ؟
صفحة ١٧٨
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِبَيانِ الأشْياءِ الَّتِي يَجِبُ مَعْرِفَتُها، والإحاطَةُ بِها وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ التَّفْرِيطِ لا يُسْتَعْمَلُ نَفْيًا وإثْباتًا إلّا فِيما يَجِبُ أنْ يُبَيَّنَ لِأنَّ أحَدًا لا يُنْسَبُ إلى التَّفْرِيطِ والتَّقْصِيرِ في أنْ لا يَفْعَلَ ما لا حاجَةَ إلَيْهِ، وإنَّما يُذْكَرُ هَذا اللَّفْظُ فِيما إذا قَصَّرَ فِيما يُحْتاجُ إلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ آياتِ القُرْآنِ أوِ الكَثِيرَ مِنها دالَّةٌ بِالمُطابَقَةِ أوِ التَّضَمُّنِ أوِ الِالتِزامِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ هَذا الكِتابِ بَيانُ الدِّينِ ومَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَعْرِفَةُ أحْكامِ اللَّهِ، وإذا كانَ هَذا التَّقْيِيدُ مَعْلُومًا مِن كُلِّ القُرْآنِ كانَ المُطْلَقُ هَهُنا مَحْمُولًا عَلى ذَلِكَ المُقَيَّدِ.
أمّا قَوْلُهُ إنَّ هَذا الكِتابَ غَيْرُ مُشْتَمِلٍ عَلى جَمِيعِ عُلُومِ الأُصُولِ والفُرُوعِ.
فَنَقُولُ: أمّا عِلْمُ الأُصُولِ فَإنَّهُ بِتَمامِهِ حاصِلٌ فِيهِ؛ لِأنَّ الدَّلائِلَ الأصْلِيَّةَ مَذْكُورَةٌ فِيهِ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ. فَأمّا رِواياتُ المَذاهِبِ وتَفاصِيلُ الأقاوِيلِ، فَلا حاجَةَ إلَيْها، وأمّا تَفاصِيلُ عِلْمِ الفُرُوعِ فَنَقُولُ: لِلْعُلَماءِ هَهُنا قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا إنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الإجْماعَ وخَبَرَ الواحِدِ والقِياسَ حُجَّةٌ في الشَّرِيعَةِ، فَكُلُّ ما دَلَّ عَلَيْهِ أحَدُ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ مَوْجُودًا في القُرْآنِ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِهَذا المَعْنى أمْثِلَةً ثَلاثَةً:
المِثالُ الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقُولُ: ما لِيَ لا ألْعَنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، يَعْنِي الواشِمَةَ، والمُسْتَوْشِمَةَ، والواصِلَةَ، والمُسْتَوْصِلَةَ، ورُوِيَ «أنَّ أمِرْأةً قَرَأتْ جَمِيعَ القُرْآنِ، ثُمَّ أتَتْهُ فَقالَتْ: يا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، تَلَوْتُ البارِحَةَ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، فَلَمْ أجِدْ فِيهِ لَعْنَ الواشِمَةِ والمُسْتَوْشِمَةِ، فَقالَ: لَوْ تَلَوْتِيهِ لَوَجَدْتِيهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وإنَّ مِمّا أتانا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ الواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ» وأقُولُ: يُمْكِنُ وِجْدانُ هَذا المَعْنى في كِتابِ اللَّهِ بِطَرِيقٍ أوْضَحَ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٧، ١١٨] فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِاللَّعْنِ، ثُمَّ عَدَّدَ بَعْدَهُ قَبائِحَ أفْعالِهِ وذَكَرَ مِن جُمْلَتِها قَوْلَهُ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ تَغْيِيرَ الخَلْقِ يُوجِبُ اللَّعْنَ.
المِثالُ الثّانِي: ذُكِرَ أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ كانَ جالِسًا في المَسْجِدِ الحَرامِ فَقالَ: ”لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أجَبْتُكم فِيهِ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى“ فَقالَ رَجُلٌ: ما تَقُولُ في المُحْرِمِ إذا قَتَلَ الزُّنْبُورَ ؟ فَقالَ: ”لا شَيْءَ عَلَيْهِ“ فَقالَ: أيْنَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ إسْنادًا إلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «عَلَيْكم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِي» ثُمَّ ذَكَرَ إسْنادًا إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الزُّنْبُورِ. قالَ الواحِدِيُّ: فَأجابَهُ مِن كِتابِ اللَّهِ مُسْتَنْبِطًا بِثَلاثِ دَرَجاتٍ، وأقُولُ: هَهُنا طَرِيقٌ آخَرُ أقْرَبُ مِنهُ، وهو أنَّ الأصْلَ في أمْوالِ المُسْلِمِينَ العِصْمَةُ، قالَ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقالَ: ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] وقالَ: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَنَهى عَنْ أكْلِ أمْوالِ النّاسِ إلّا بِطَرِيقِ التِّجارَةِ فَعِنْدَ عَدَمِ التِّجارَةِ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، وهَذِهِ العُمُوماتُ تَقْتَضِي أنْ لا يَجِبَ عَلى المُحْرِمِ الَّذِي قَتَلَ الزُّنْبُورَ شَيْءٌ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ العُمُوماتِ يُوجِبُ الحُكْمَ بِمَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ.
وأمّا الطَّرِيقُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ: فَهو تُمْسُّكٌ بِالعُمُومِ عَلى أرْبَعِ دَرَجاتٍ: أوَّلُها: التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ
صفحة ١٧٩
﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] .
وأحَدُ الأُمُورِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ هَذا: أمْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُتابَعَةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ.
وثانِيها: التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عَلَيْكم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِي» .
وثالِثُها: بَيانُ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ مِنَ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ.
ورابِعُها: الرِّوايَةُ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ لَمْ يُوجِبْ في هَذِهِ المَسْألَةِ شَيْئًا، فَثَبَتَ أنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي ذَكَرْناهُ أقْرَبُ.
المِثالُ الثّالِثُ: قالَ الواحِدِيُّ: «رُوِيَ في حَدِيثِ العَسِيفِ الزّانِي أنَّ أباهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اقْضِ بَيْنَنا بِكِتابِ اللَّهِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ ثُمَّ قَضى بِالجَلْدِ والتَّغْرِيبِ عَلى العَسِيفِ، وبِالرَّجْمِ عَلى المَرْأةِ إنِ اعْتَرَفَتْ» . قالَ الواحِدِيُّ: ولَيْسَ لِلْجَلْدِ والتَّغْرِيبِ ذِكْرٌ في نَصِّ الكِتابِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهو عَيْنُ كِتابِ اللَّهِ.
وأقُولُ: هَذا المِثالُ حَقٌّ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وكُلُّ ما بَيَّنَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ داخِلًا تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ أنَّ القُرْآنَ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ، وأنَّ خَبَرَ الواحِدِ حُجَّةٌ، وأنَّ القِياسَ حُجَّةٌ، فَكُلُّ حُكْمٍ ثَبَتَ بِطَرِيقٍ مِن هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ، كانَ في الحَقِيقَةِ ثابِتًا بِالقُرْآنِ، فَعِنْدَ هَذا يَصِحُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ هَذا تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلى نُصْرَتِهِ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حاصِلُ هَذا الوَجْهِ أنَّ القُرْآنَ لَمّا دَلَّ عَلى خَبَرِ الواحِدِ والقِياسُ حُجَّةٌ، فَكُلُّ حُكْمٍ ثَبَتَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ كانَ في الحَقِيقَةِ قَدْ ثَبَتَ بِالقُرْآنِ إلّا أنّا نَقُولُ: حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَجُوزُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ ذُكِرَ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِ هَذا الكِتابِ والمُبالَغَةِ في مَدْحِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، ولَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى هَذا المَعْنى لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ ما يُوجِبُ التَّعْظِيمَ، وذَلِكَ لِأنّا لَوْ فَرَضْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: اعْمَلُوا بِالإجْماعِ وخَبَرِ الواحِدِ والقِياسِ، كانَ المَعْنى الَّذِي ذَكَرُوهُ حاصِلًا مِن هَذا اللَّفْظِ والمَعْنى الَّذِي يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ مِن هَذا اللَّفْظِ القَلِيلِ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ واجِبًا لِمَدْحِ القُرْآنِ والثَّناءِ عَلَيْهِ لِسَبَبِ اشْتِمالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، لِأنَّ هَذا إنَّما يُوجِبُ المَدْحَ العَظِيمَ والثَّناءَ التّامَّ لَوْ لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ أشَدَّ اخْتِصارًا مِنهُ، فَأمّا لَمّا بَيَّنّا أنَّ هَذا القِسْمَ المَقْصُودَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ وتَحْصِيلُهُ بِاللَّفْظِ المُخْتَصَرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَلِمْنا أنَّهُ لا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ في تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ في مَعْرِضِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، وثَبَتَ أنَّ المَعْنى الَّذِي ذَكَرُوهُ لا يُفِيدُ تَعْظِيمَ القُرْآنِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ، إنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى، فَهَذا أقْصى ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ.
والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ مَن يَقُولُ: القُرْآنُ وافٍ بِبَيانِ جَمِيعِ الأحْكامِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ في حَقِّ جَمِيعِ التَّكْلِيفِ، وشَغْلُ الذِّمَّةِ لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ والتَّنْصِيصُ عَلى أقْسامِ ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ التَّكْلِيفُ مُمْتَنِعٌ، لِأنَّ الأقْسامَ الَّتِي لَمْ يَرِدِ التَّكْلِيفُ فِيها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والتَّنْصِيصُ عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ مُحالٌ بَلِ التَّنْصِيصُ إنَّما يُمْكِنُ عَلى المُتَناهِي مَثَلًا لِلَّهِ تَعالى ألْفُ تَكْلِيفٍ عَلى العِبادِ، وذَكَرَهُ في القُرْآنِ وأمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَبْلِيغِ ذَلِكَ الألْفِ إلى العِبادِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ فَكانَ مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عَلى الخَلْقِ بَعْدَ ذَلِكَ الألْفِ تَكْلِيفٌ آخَرُ، ثُمَّ أكَّدَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] فَهَذا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ هَؤُلاءِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ إنَّما يَلِيقُ بِأُصُولِ الفِقْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ١٨٠
ولْنَرْجِعِ الآنَ إلى التَّفْسِيرِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ قالَ الواحِدِيُّ ”مِن“ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ما جاءَ لِي مِن أحَدٍ. وتَقْرِيرُهُ ما تَرَكْنا في الكِتابِ شَيْئًا لَمْ نُبَيِّنْهُ. وأقُولُ: كَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ فَكانَ المَعْنى ما فَرَّطْنا في الكِتابِ بَعْضَ شَيْءٍ يَحْتاجُ المُكَلَّفُ إلَيْهِ، وهَذا هو نِهايَةُ المُبالَغَةِ في أنَّهُ تَعالى ما تَرَكَ شَيْئًا مِمّا يَحْتاجُ المُكَلَّفُ إلى مَعْرِفَتِهِ في هَذا الكِتابِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَحْشُرُ الدَّوابَّ والطُّيُورَ يَوْمَ القِيامَةِ. ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] وبِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يُقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ» ولِلْعُقَلاءِ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَحْشُرُ البَهائِمَ والطُّيُورَ لا لِإيصالِ الأعْواضِ إلَيْها وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ. وذَلِكَ لِأنَّ إيصالَ الآلامِ إلَيْها مِن سَبْقِ جِنايَةٍ لا يَحْسُنُ إلّا لِلْعِوَضِ، ولَمّا كانَ إيصالُ العِوَضِ إلَيْها واجِبًا، فاللَّهُ تَعالى يَحْشُرُها لِيُوصِلَ تِلْكَ الأعْواضَ إلَيْها.
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ أصْحابِنا أنَّ الإيجابَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، بَلِ اللَّهُ تَعالى يَحْشُرُها بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ والمَشِيئَةِ ومُقْتَضى الإلَهِيَّةِ. واحْتَجُّوا عَلى أنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِ العِوَضِ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ باطِلٌ بِأُمُورٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ الوُجُوبَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِلذَّمِّ عِنْدَ التَّرْكِ وكَوْنُهُ تَعالى مُسْتَلْزِمًا لِلذَّمِّ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى كامِلٌ لِذاتِهِ والكامِلُ لِذاتِهِ لا يُعْقَلُ كَوْنُهُ مُسْتَلْزِمًا لِلذَّمِّ بِسَبَبِ أمْرٍ مُنْفَصِلٍ؛ لِأنَّ ما بِالذّاتِ لا يَبْطُلُ عِنْدَ عُرُوضِ أمْرٍ مِنَ الخارِجِ.
والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى مالِكٌ لِكُلِّ المُحْدَثاتِ، والمالِكُ يَحْسُنُ تَصَرُّفُهُ في مِلْكِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى العِوَضِ.
والحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ لَوْ حَسُنَ إيصالُ الضَّرَرِ إلى الغَيْرِ لِأجْلِ العِوَضِ، لَوَجَبَ أنْ يَحْسُنَ مِنّا إيصالُ المَضارِّ إلى الغَيْرِ لِأجْلِ التِزامِ العِوَضِ مِن غَيْرِ رِضاهُ وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالعِوَضِ باطِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا: فَلْنَذْكُرْ بَعْضَ التَّفارِيعِ الَّتِي ذَكَرَها القاضِي في هَذا البابِ.
الفَرْعُ الأوَّلُ: قالَ القاضِي: كُلُّ حَيَوانٍ اسْتَحَقَّ العِوَضَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما لَحِقَهُ مِنَ الآلامِ، وكانَ ذَلِكَ العِوَضُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ حَشْرُهُ عَقْلًا في الآخِرَةِ لِيُوَفِّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ العِوَضَ، والَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَجِبُ حَشْرُهُ عَقْلًا، إلّا أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَحْشُرُ الكُلَّ، فَمِن حَيْثُ السَّمْعِ يُقْطَعُ بِذَلِكَ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ في الحَيَواناتِ مَن لا يَسْتَحِقُّ العِوَضَ البَتَّةَ، لِأنَّها رُبَّما بَقِيَتْ مُدَّةَ حَياتِها مَصُونَةً عَنِ الآلامِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُمِيتُها مِن غَيْرِ إيلامٍ أصْلًا. فَإنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ أنَّ المَوْتَ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الإيلامِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِوَضَ البَتَّةَ.
الفَرْعُ الثّانِي: كُلُّ حَيَوانٍ أذِنَ اللَّهُ تَعالى في ذَبْحِهِ فالعِوَضُ عَلى اللَّهِ. وهي أقْسامٌ: مِنها ما أذِنَ في ذَبْحِها لِأجْلِ الأكْلِ، ومِنها ما أذِنَ في ذَبْحِها لِأجْلِ كَوْنِها مُؤْذِيَةً، مِثْلَ السِّباعِ العادِيَةِ والحَشَراتِ المُؤْذِيَةِ، ومِنها آلَمَها بِالأمْراضِ، ومِنها ما أذِنَ اللَّهُ في حَمْلِ الأحْمالِ الثَّقِيلَةِ عَلَيْها واسْتِعْمالِها في الأفْعالِ الشّاقَّةِ وأمّا إذا ظَلَمَها النّاسُ فَذَلِكَ العِوَضُ عَلى ذَلِكَ الظّالِمِ وإذا ظَلَمَ بَعْضُها بَعْضًا فَذَلِكَ العِوَضُ عَلى ذَلِكَ الظّالِمِ.
صفحة ١٨١
فَإنْ قِيلَ: إذا ذُبِحَ ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ عَلى وجْهِ التَّذْكِيَةِ فَعَلى مَنِ العِوَضُ ؟
أجابَ بِأنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ والعِوَضُ عَلى الذّابِحِ، ولِذَلِكَ «نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَبْحِ الحَيَوانِ إلّا لِمَأْكَلَةٍ» .
الفَرْعُ الثّالِثُ: المُرادُ مِنَ العِوَضِ مَنافِعُ عَظِيمَةٌ بَلَغَتْ في الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ إلى حَيْثُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ البَهِيمَةُ عاقِلَةً، وعَلِمَتْ أنَّهُ لا سَبِيلَ لَها إلى تَحْصِيلِ تِلْكَ المَنفَعَةِ إلّا بِواسِطَةِ تَحَمُّلِ ذَلِكَ الذَّبْحِ فَإنَّها كانَتْ تَرْضى بِهِ، فَهَذا هو العِوَضُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَحْسُنُ الإيلامُ والإضْرارُ.
الفَرْعُ الرّابِعُ: مَذْهَبُ القاضِي وأكْثَرِ مُعْتَزِلَةِ البَصْرَةِ أنَّ العِوَضَ مُنْقَطِعٌ. قالَ القاضِي: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّهم قالُوا: إنَّهُ تَعالى بَعْدَ تَوْفِيرِ العِوَضِ عَلَيْها يَجْعَلُها تُرابًا، وعِنْدَ هَذا يَقُولُ الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا. قالَ أبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ العِوَضُ دائِمًا. واحْتَجَّ القاضِي عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ الواحِدِ مِنّا أنْ يَلْتَزِمَ عَمَلًا شاقًّا والأُجْرَةُ مُنْقَطِعَةٌ، فَعَلِمْنا أنَّ إيصالَ الألَمِ إلى الغَيْرِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ بِدَوامِ الأُجْرَةِ. واحْتَجَّ البَلْخِيُّ عَلى قَوْلِهِ، بِأنْ قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ قَطْعُ ذَلِكَ العِوَضِ إلّا بِإماتَةِ تِلْكَ البَهِيمَةِ، وإماتَتُها تُوجِبُ الألَمَ وذَلِكَ الألَمُ يُوجِبُ عِوَضًا آخَرَ، وهَكَذا إلى ما لا آخِرَ لَهُ.
والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ أنَّ الإماتَةَ لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُها إلّا مَعَ الإيلامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الفَرْعُ الخامِسُ: أنَّ البَهِيمَةَ إذا اسْتَحَقَّتْ عَلى بَهِيمَةٍ أُخْرى عِوَضًا، فَإنْ كانَتِ البَهِيمَةُ الظّالِمَةُ قَدِ اسْتَحَقَّتْ عِوَضًا عَلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يَنْقُلُ ذَلِكَ العِوَضَ إلى المَظْلُومِ. وإنْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى يُكْمِلُ ذَلِكَ العِوَضَ، فَهَذا مُخْتَصَرٌ مِن أحْكامِ الأعْواضِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في وجْهِ النَّظْمِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ مِن حالِ الكُفّارِ أنَّهم بَلَغُوا في الكُفْرِ إلى حَيْثُ كَأنَّ قُلُوبَهم قَدْ صارَتْ مَيِّتَةً عَنْ قَبُولِ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ تَقْرِيرًا لِذَلِكَ المَعْنى الثّانِي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ في كَوْنِها دالَّةً عَلى كَوْنِها تَحْتَ تَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ قَدِيمٍ وتَحْتَ تَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ حَكِيمٍ، وفي أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ورَحْمَتَهُ واصِلَةٌ إلَيْهِمْ، قالَ بَعْدَهُ والمُكَذِّبُونَ لِهَذِهِ الدَّلائِلِ والمُنْكِرُونَ لِهَذِهِ العَجائِبِ صُمٌّ لا يَسْمَعُونَ كَلامًا البَتَّةَ، بُكْمٌ لا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ، خائِضُونَ في ظُلُماتِ الكُفْرِ، غافِلُونَ عَنْ تَأمُّلِ هَذِهِ الدَّلائِلِ.
صفحة ١٨٢
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ صُمًّا وبُكْمًا وبِكَوْنِهِمْ في الظُّلُماتِ وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ عُمْيًا فَهو بِعَيْنِهِ نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو صَرِيحٌ في أنَّ الهُدى والضَّلالَ لَيْسا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُهم صُمًّا وبُكْمًا يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ الحَشْرِ. ويَكُونُونَ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ بِأنْ يَجْعَلَهم في الآخِرَةِ صُمًّا وبُكْمًا في الظُّلُماتِ، ويُضِلَّهم بِذَلِكَ عَنِ الجَنَّةِ وعَنْ طَرِيقِها ويُصَيِّرَهم إلى النّارِ، وأكَّدَ القاضِي هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في سائِرِ الآياتِ أنَّهُ يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ.
والوَجْهُ الثّانِي: قالَ الجُبّائِيُّ أيْضًا ويُحْتَمَلُ أنَّهم كَذَلِكَ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ جُعِلُوا بِتَكْذِيبَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى في الظُّلُماتِ لا يَهْتَدُونَ إلى مَنافِعِ الدِّينِ، كالصُّمِّ والبُكْمِ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى مَنافِعِ الدُّنْيا. فَشَبَّهَهم مِن هَذا الوَجْهِ بِهِمْ، وأجْرى عَلَيْهِمْ مِثْلَ صِفاتِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الكَعْبِيُّ قَوْلُهُ: ﴿صُمٌّ وبُكْمٌ﴾ مَحْمُولٌ عَلى الشَّتْمِ والإهانَةِ، لا عَلى أنَّهم كانُوا كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ فَقالَ الكَعْبِيُّ: لَيْسَ هَذا عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وإنْ أجْمَلَ القَوْلَ فِيهِ هَهُنا، فَقَدْ فَصَّلَهُ في سائِرِ الآياتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] وقَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ [المائدة: ١٦] وقَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٩] فَثَبْتَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّ مَشِيئَةَ الهُدى والضَّلالِ وإنْ كانَتْ مُجْمَلَةً في هَذِهِ الآيَةِ، إلّا أنَّها مُخَصَّصَةٌ مُفَصَّلَةٌ في سائِرِ الآياتِ، فَيَجِبُ حَمْلُ هَذا المُجْمَلِ عَلى تِلْكَ المُفَصَّلاتِ، ثُمَّ إنَّ المُعْتَزِلَةَ ذَكَرُوا تَأْوِيلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿الظُّلُماتِ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ مَحْمُولٌ عَلى مَنعِ الألْطافِ فَصارُوا عِنْدَها كالصُّمِّ والبُكْمِ.
والثّانِي: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ وعَنْ وِجْدانِ الثَّوابِ ومَن يَشَأْ أنْ يَهْدِيَهُ إلى الجَنَّةِ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهو الصِّراطُ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُؤْمِنُونَ إلى الجَنَّةِ.
وقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ هَذا الإضْلالَ إلّا لِمَن يَسْتَحِقُّ عُقُوبَةً كَما لا يَشاءُ الهُدى إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي تَكَلَّفَها هَؤُلاءِ الأقْوامُ إنَّما يَحْسُنُ المَصِيرُ إلَيْها لَوْ ثَبَتَ في العَقْلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ. وأمّا لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ القاطِعِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا الكَلامِ إلّا عَلى ظاهِرِهِ كانَ العُدُولُ إلى هَذِهِ الوُجُوهِ المُتَكَلِّفَةِ بَعِيدًا جِدًّا، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الفِعْلَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِي، وبَيَّنّا أنَّ خالِقَ ذَلِكَ الدّاعِي هو اللَّهُ، وبَيَّنّا أنَّ عِنْدَ حُصُولِهِ يَجِبُ الفِعْلُ، فَهَذِهِ المُقَدِّماتُ الثَّلاثَةُ تُوجِبُ القَطْعَ بِأنَّ الكُفْرَ والإيمانَ مِنَ اللَّهِ، وبِتَخْلِيقِهِ وتَقْدِيرِهِ وتَكْوِينِهِ، ومَتى ثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ هَذا الظّاهِرِ، كانَ الذَّهابُ إلى هَذِهِ التَّكَلُّفاتِ فاسِدًا قَطْعًا، وأيْضًا فَقَدْ تَتَبَّعْنا هَذِهِ الوُجُوهَ بِالإبْطالِ والنَّقْضِ في
صفحة ١٨٣
تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وفي سائِرِ الآياتِ، فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ، وأقْرَبُها أنَّ هَذا الإضْلالَ والهِدايَةَ مُعَلَّقانِ بِالمَشِيئَةِ، وعَلى ما قالُوهُ: فَهو أمْرٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَهُ شاءَ أمْ أبى واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِتِلْكَ الآياتِ، فَمِنهم مَن قالَ: القُرْآنُ ومُحَمَّدٌ، ومِنهم مَن قالَ: يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّلائِلِ والحُجَجِ، وهَذا هو الأصَحُّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ غايَةَ جَهْلِ أُولَئِكَ الكُفّارِ بَيَّنَ مِن حالِهِمْ أيْضًا أنَّهم إذا نَزَلَتْ بِهِمْ بَلِيَّةٌ أوْ مِحْنَةٌ يَفْزَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى ويَلْجَأُونَ إلَيْهِ، ولا يَتَمَرَّدُونَ عَنْ طاعَتِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ لِلْعَرَبِ في ”أرَأيْتَ“ لُغَتانِ:
إحْداهُما: رُؤْيَةُ العَيْنِ، فَإذا قُلْتَ لِلرَّجُلِ: أرَأيْتَكَ. كانَ المُرادُ: أهَلْ رَأيْتَ نَفْسَكَ ؟ ثُمَّ يُثَنّى ويُجْمَعُ. فَنَقُولُ: أرَأيْتَكُما أرَأيْتَكم.
والمَعْنى الثّانِي: أنْ تَقُولَ أرَأيْتَكَ، وتُرِيدَ: أخْبِرْنِي، وإذا أرَدْتَ هَذا المَعْنى تَرَكْتَ التّاءَ مَفْتُوحَةً عَلى كُلِّ حالٍ تَقُولُ: أرَأيْتَكَ، أرَأيْتَكُما، أرَأيْتَكم، أرَأيْتَكُنَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ: أنَّ الضَّمِيرَ الثّانِيَ وهو الكافُ في قَوْلِكَ: أرَأيْتَكَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] ويُقالُ أيْضًا: أرَأيْتَكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ، ولَوْ جَعَلْتَ الكافَ مَحَلًّا لَكُنْتَ كَأنَّكَ تَقُولُ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ، وذَلِكَ كَلامٌ فاسِدٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكافَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، بَلْ هو حَرْفٌ لِأجْلِ الخِطابِ، وقالَ الفَرّاءُ: لَوْ كانَتِ الكافُ تَوْكِيدًا لَوَقَعَتِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ عَلى التّاءِ، كَما يَقَعانِ عَلَيْها عِنْدَ عَدَمِ الكافِ، فَلَمّا فُتِحَتِ التّاءُ في خِطابِ الجَمْعِ، ووَقَعَتْ عَلامَةُ الجَمْعِ عَلى الكافِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكافَ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِلتَّوْكِيدِ. ألا تَرى أنَّ الكافَ لَوْ سَقَطَتْ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُقالَ لِجَماعَةٍ: أرَأيْتَ، فَثَبَتَ بِهَذا انْصِرافُ الفِعْلِ إلى الكافِ، وأنَّها واجِبَةٌ لازِمَةٌ مُفْتَقَرٌ إلَيْها.
أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ: بِأنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ تَبْطُلُ بِكافِ ذَلِكَ وأُولَئِكَ، فَإنَّ عَلامَةَ الجَمْعِ تَقَعُ عَلَيْها مَعَ أنَّها حَرْفٌ لِلْخِطابِ، مُجَرَّدٌ عَنِ الِاسْمِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”أرَأيْتَكم. وأرَأيْتَ. وأفَرَأيْتَ. وأرَأيْتَكَ. وأفَرَأيْتَكَ“ وأشْباهُ ذَلِكَ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، والكِسائِيُّ تَرَكَ الهَمْزَةَ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ. أمّا تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ، فالمُرادُ جَعْلُها بَيْنَ الهَمْزَةِ والألْفِ عَلى التَّخْفِيفِ القِياسِيِّ. وأمّا مَذْهَبُ الكِسائِيِّ فَحَسَنٌ، وبِهِ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وهو
صفحة ١٨٤
كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، وقَدْ تَكَلَّمَتِ العَرَبُ في مِثْلِهِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا: وسَلْهُ، وكَما أنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى:
وإنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسُونِي بُرْقُعًا
بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. أرادَ فَألْبِسُونِي بِإثْباتِ الهَمْزَةِ. وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ فالسَّبَبُ أنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ في الدُّنْيا وأتاكُمُ العَذابُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ، أتَرْجِعُونَ إلى غَيْرِ اللَّهِ في دَفْعِ ذَلِكَ البَلاءِ والضُّرِّ أوْ تَرْجِعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟ ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهم إنَّما يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى في دَفْعِ البَلاءِ والمِحْنَةِ لا إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، لا جَرَمَ قالَ ﴿تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّكم لا تَرْجِعُونَ في طَلَبِ دَفْعِ البَلِيَّةِ والمِحْنَةِ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ فَيَكْشِفُ الضُّرَّ الَّذِي مِن أجْلِهِ دَعَوْتُمْ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ بِهِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ تَتْرُكُونَ الأصْنامَ ولا تَدْعُونَهم لِعِلْمِكم أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّكم في تَرْكِكم دُعاءَهم بِمَنزِلَةِ مَن قَدْ نَسِيَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ لِأنَّهُ قالَ: يُعْرِضُونَ إعْراضَ النّاسِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [يونس: ٢٢] ولا يَذْكُرُونَ الأوْثانَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُجِيبُ الدُّعاءَ إنْ شاءَ وقَدْ لا يُجِيبُهُ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] يُفِيدُ الجَزْمَ بِحُصُولِ الإجابَةِ، فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إلى الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
والجَوابُ أنْ نَقُولَ: تارَةً يَجْزِمُ تَعالى بِالإجابَةِ وتارَةً لا يَجْزِمُ، إمّا بِحَسَبِ مَحْضِ المَشِيئَةِ كَما هو قَوْلُ أصْحابِنا، أوْ بِحَسَبِ رِعايَةِ المَصْلَحَةِ كَما هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، ولَمّا كانَ كِلا الأمْرَيْنِ حاصِلًا لا جَرَمَ ورَدَتِ الآيَتانِ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِعَبَدَةُ الأوْثانِ: إذا كُنْتُمْ تَرْجِعُونَ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ إلى اللَّهِ تَعالى لا إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، فَلِمَ تُقْدِمُونَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَنْتَفِعُونَ بِعِبادَتِها ألْبَتَّةَ ؟ وهَذا الكَلامُ إنَّما يُفِيدُ لَوْ كانَ ذِكْرُ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ مَقْبُولًا. أمّا لَوْ كانَ ذَلِكَ مَرْدُودًا وكانَ الواجِبُ هو مَحْضُ التَّقْلِيدِ، كانَ هَذا الكَلامُ ساقِطًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ أصْلَ الدِّينِ هو الحُجَّةُ والدَّلِيلُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ غايَةَ جَهْلِ أُولَئِكَ الكُفّارِ بَيَّنَ مِن حالِهِمْ أيْضًا أنَّهم إذا نَزَلَتْ بِهِمْ بَلِيَّةٌ أوْ مِحْنَةٌ يَفْزَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى ويَلْجَأُونَ إلَيْهِ، ولا يَتَمَرَّدُونَ عَنْ طاعَتِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ لِلْعَرَبِ في ”أرَأيْتَ“ لُغَتانِ:
إحْداهُما: رُؤْيَةُ العَيْنِ، فَإذا قُلْتَ لِلرَّجُلِ: أرَأيْتَكَ. كانَ المُرادُ: أهَلْ رَأيْتَ نَفْسَكَ ؟ ثُمَّ يُثَنّى ويُجْمَعُ. فَنَقُولُ: أرَأيْتَكُما أرَأيْتَكم.
والمَعْنى الثّانِي: أنْ تَقُولَ أرَأيْتَكَ، وتُرِيدَ: أخْبِرْنِي، وإذا أرَدْتَ هَذا المَعْنى تَرَكْتَ التّاءَ مَفْتُوحَةً عَلى كُلِّ حالٍ تَقُولُ: أرَأيْتَكَ، أرَأيْتَكُما، أرَأيْتَكم، أرَأيْتَكُنَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ: أنَّ الضَّمِيرَ الثّانِيَ وهو الكافُ في قَوْلِكَ: أرَأيْتَكَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] ويُقالُ أيْضًا: أرَأيْتَكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ، ولَوْ جَعَلْتَ الكافَ مَحَلًّا لَكُنْتَ كَأنَّكَ تَقُولُ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ، وذَلِكَ كَلامٌ فاسِدٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكافَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، بَلْ هو حَرْفٌ لِأجْلِ الخِطابِ، وقالَ الفَرّاءُ: لَوْ كانَتِ الكافُ تَوْكِيدًا لَوَقَعَتِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ عَلى التّاءِ، كَما يَقَعانِ عَلَيْها عِنْدَ عَدَمِ الكافِ، فَلَمّا فُتِحَتِ التّاءُ في خِطابِ الجَمْعِ، ووَقَعَتْ عَلامَةُ الجَمْعِ عَلى الكافِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكافَ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِلتَّوْكِيدِ. ألا تَرى أنَّ الكافَ لَوْ سَقَطَتْ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُقالَ لِجَماعَةٍ: أرَأيْتَ، فَثَبَتَ بِهَذا انْصِرافُ الفِعْلِ إلى الكافِ، وأنَّها واجِبَةٌ لازِمَةٌ مُفْتَقَرٌ إلَيْها.
أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ: بِأنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ تَبْطُلُ بِكافِ ذَلِكَ وأُولَئِكَ، فَإنَّ عَلامَةَ الجَمْعِ تَقَعُ عَلَيْها مَعَ أنَّها حَرْفٌ لِلْخِطابِ، مُجَرَّدٌ عَنِ الِاسْمِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”أرَأيْتَكم. وأرَأيْتَ. وأفَرَأيْتَ. وأرَأيْتَكَ. وأفَرَأيْتَكَ“ وأشْباهُ ذَلِكَ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، والكِسائِيُّ تَرَكَ الهَمْزَةَ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ. أمّا تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ، فالمُرادُ جَعْلُها بَيْنَ الهَمْزَةِ والألْفِ عَلى التَّخْفِيفِ القِياسِيِّ. وأمّا مَذْهَبُ الكِسائِيِّ فَحَسَنٌ، وبِهِ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وهو
صفحة ١٨٤
كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، وقَدْ تَكَلَّمَتِ العَرَبُ في مِثْلِهِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا: وسَلْهُ، وكَما أنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى:
وإنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسُونِي بُرْقُعًا
بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. أرادَ فَألْبِسُونِي بِإثْباتِ الهَمْزَةِ. وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ فالسَّبَبُ أنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ في الدُّنْيا وأتاكُمُ العَذابُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ، أتَرْجِعُونَ إلى غَيْرِ اللَّهِ في دَفْعِ ذَلِكَ البَلاءِ والضُّرِّ أوْ تَرْجِعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟ ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهم إنَّما يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى في دَفْعِ البَلاءِ والمِحْنَةِ لا إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، لا جَرَمَ قالَ ﴿تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّكم لا تَرْجِعُونَ في طَلَبِ دَفْعِ البَلِيَّةِ والمِحْنَةِ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ فَيَكْشِفُ الضُّرَّ الَّذِي مِن أجْلِهِ دَعَوْتُمْ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ بِهِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ تَتْرُكُونَ الأصْنامَ ولا تَدْعُونَهم لِعِلْمِكم أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّكم في تَرْكِكم دُعاءَهم بِمَنزِلَةِ مَن قَدْ نَسِيَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ لِأنَّهُ قالَ: يُعْرِضُونَ إعْراضَ النّاسِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [يونس: ٢٢] ولا يَذْكُرُونَ الأوْثانَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُجِيبُ الدُّعاءَ إنْ شاءَ وقَدْ لا يُجِيبُهُ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] يُفِيدُ الجَزْمَ بِحُصُولِ الإجابَةِ، فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إلى الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
والجَوابُ أنْ نَقُولَ: تارَةً يَجْزِمُ تَعالى بِالإجابَةِ وتارَةً لا يَجْزِمُ، إمّا بِحَسَبِ مَحْضِ المَشِيئَةِ كَما هو قَوْلُ أصْحابِنا، أوْ بِحَسَبِ رِعايَةِ المَصْلَحَةِ كَما هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، ولَمّا كانَ كِلا الأمْرَيْنِ حاصِلًا لا جَرَمَ ورَدَتِ الآيَتانِ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِعَبَدَةُ الأوْثانِ: إذا كُنْتُمْ تَرْجِعُونَ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ إلى اللَّهِ تَعالى لا إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، فَلِمَ تُقْدِمُونَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَنْتَفِعُونَ بِعِبادَتِها ألْبَتَّةَ ؟ وهَذا الكَلامُ إنَّما يُفِيدُ لَوْ كانَ ذِكْرُ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ مَقْبُولًا. أمّا لَوْ كانَ ذَلِكَ مَرْدُودًا وكانَ الواجِبُ هو مَحْضُ التَّقْلِيدِ، كانَ هَذا الكَلامُ ساقِطًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ أصْلَ الدِّينِ هو الحُجَّةُ والدَّلِيلُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الكُفّارَ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ ما كانَ مِن جِنْسِ الشَّدائِدِ، بَلْ قَدْ يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ مُنْجَمِدِينَ عَلَيْهِ غَيْرَ راجِعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا لَمْ يَهْدِهِ لَمْ يَهْتَدِ، سَواءٌ شاهَدَ الآياتِ الهائِلَةَ، أوْ لَمْ يُشاهِدْها، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ رُسُلًا فَخالَفُوهم فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا مِنَ الكَلامِ المَذْكُورِ. وقالَ الحَسَنُ ”البَأْساءُ“ شِدَّةُ الفَقْرِ مِنَ البُؤْسِ ”والضَّرّاءُ“ الأمْراضُ والأوْجاعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ والمَعْنى: إنَّما أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلَيْهِمْ وإنَّما سَلَّطْنا البَأْساءَ والضَّرّاءَ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يَتَضَرَّعُوا. ومَعْنى التَّضَرُّعِ التَّخَشُّعُ وهو عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ وتَرَكِ التَّمَرُّدِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّراعَةِ وهي الذِّلَّةُ، يُقالُ ضَرَعَ الرَّجُلُ يَضْرَعُ ضَراعَةً فَهو ضارِعٌ أيْ ذَلِيلٌ ضَعِيفٌ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أعْلَمَ نَبِيَّهُ أنَّهُ قَدْ أرْسَلَ قَبْلَهُ إلى أقْوامٍ بَلَغُوا في القَسْوَةِ إلى أنْ أُخِذُوا بِالشِّدَّةِ في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَلَمْ يَخْضَعُوا ولَمْ يَتَضَرَّعُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّسْلِيَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَضَرَّعُوا ؟ وهَهُنا يَقُولُ: قَسَتْ قُلُوبُهم ولَمْ يَتَضَرَّعُوا.
قُلْنا: أُولَئِكَ أقْوامٌ، وهَؤُلاءِ أقْوامٌ آخَرُونَ. أوْ نَقُولُ أُولَئِكَ تَضَرَّعُوا لِطَلَبِ إزالَةِ البَلِيَّةِ ولَمْ يَتَضَرَّعُوا عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى فَلِهَذا الفَرْقِ حَسُنَ النَّفْيُ والإثْباتُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ مَعْناهُ نَفْيُ التَّضَرُّعِ. والتَّقْدِيرُ فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا إذْ جاءَهم بَأْسُنا. وذِكْرُ كَلِمَةِ ”لَوْلا“ يُفِيدُ أنَّهُ ما كانَ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِ التَّضَرُّعِ إلّا عِنادُهم وقَسْوَتُهم وإعْجابُهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ فَقالَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْسَلَ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ، وإنَّما سَلَّطَ البَأْساءَ والضَّرّاءَ عَلَيْهِمْ، لِإرادَةِ أنْ يَتَضَرَّعُوا ويُؤْمِنُوا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ.
والجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ ”لَعَلَّ“ تُفِيدُ التَّرَجِّي والتَّمَنِّيَ؛ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وأنْتُمْ حَمَلْتُمُوهُ عَلى
صفحة ١٨٦
إرادَةِ هَذا المَطْلُوبِ، ونَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى عامَلَهم مُعامَلَةً لَوْ صَدَرَتْ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ المَقْصُودُ مِنهُ هَذا المَعْنى، فَأمّا تَعْلِيلُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ فَذَلِكَ مُحالٌ عَلى ما ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ. ثُمَّ نَقُولُ إنْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِكم مِن هَذا الوَجْهِ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى ضِدِّ قَوْلِكم مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَضَرَّعُوا لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ ولِأجْلِ أنَّ الشَّيْطانَ زَيَّنَ لَهم أعْمالَهم.
فَنَقُولُ: تِلْكَ القَسْوَةُ إنْ حَصَلَتْ بِفِعْلِهِمُ احْتاجُوا في إيجادِها إلى سَبَبٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ حَصَلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ فالقَوْلُ قَوْلُنا، وأيْضًا هَبْ أنَّ الكُفّارَ إنَّما أقْدَمُوا عَلى هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ بِسَبَبِ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، إلّا أنْ نَقُولَ: ولِمَ بَقِيَ الشَّيْطانُ مُصِرًّا عَلى هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ ؟ فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ شَيْطانٍ آخَرَ تَسَلْسَلَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ، وإنْ بَطَلَتْ هَذِهِ المَقادِيرُ انْتَهَتْ بِالآخِرَةِ إلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُقْدِمُ تارَةً عَلى الخَيْرِ وأُخْرى عَلى الشَّرِّ، لِأجْلِ الدَّواعِي الَّتِي تَحْصُلُ في قَلْبِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الدَّواعِيَ لا تَحْصُلُ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُنا ويَفْسُدُ بِالكُلِّيَّةِ قَوْلُهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الكُفّارَ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ ما كانَ مِن جِنْسِ الشَّدائِدِ، بَلْ قَدْ يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ مُنْجَمِدِينَ عَلَيْهِ غَيْرَ راجِعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا لَمْ يَهْدِهِ لَمْ يَهْتَدِ، سَواءٌ شاهَدَ الآياتِ الهائِلَةَ، أوْ لَمْ يُشاهِدْها، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ رُسُلًا فَخالَفُوهم فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا مِنَ الكَلامِ المَذْكُورِ. وقالَ الحَسَنُ ”البَأْساءُ“ شِدَّةُ الفَقْرِ مِنَ البُؤْسِ ”والضَّرّاءُ“ الأمْراضُ والأوْجاعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ والمَعْنى: إنَّما أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلَيْهِمْ وإنَّما سَلَّطْنا البَأْساءَ والضَّرّاءَ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يَتَضَرَّعُوا. ومَعْنى التَّضَرُّعِ التَّخَشُّعُ وهو عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ وتَرَكِ التَّمَرُّدِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّراعَةِ وهي الذِّلَّةُ، يُقالُ ضَرَعَ الرَّجُلُ يَضْرَعُ ضَراعَةً فَهو ضارِعٌ أيْ ذَلِيلٌ ضَعِيفٌ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أعْلَمَ نَبِيَّهُ أنَّهُ قَدْ أرْسَلَ قَبْلَهُ إلى أقْوامٍ بَلَغُوا في القَسْوَةِ إلى أنْ أُخِذُوا بِالشِّدَّةِ في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَلَمْ يَخْضَعُوا ولَمْ يَتَضَرَّعُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّسْلِيَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَضَرَّعُوا ؟ وهَهُنا يَقُولُ: قَسَتْ قُلُوبُهم ولَمْ يَتَضَرَّعُوا.
قُلْنا: أُولَئِكَ أقْوامٌ، وهَؤُلاءِ أقْوامٌ آخَرُونَ. أوْ نَقُولُ أُولَئِكَ تَضَرَّعُوا لِطَلَبِ إزالَةِ البَلِيَّةِ ولَمْ يَتَضَرَّعُوا عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى فَلِهَذا الفَرْقِ حَسُنَ النَّفْيُ والإثْباتُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ مَعْناهُ نَفْيُ التَّضَرُّعِ. والتَّقْدِيرُ فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا إذْ جاءَهم بَأْسُنا. وذِكْرُ كَلِمَةِ ”لَوْلا“ يُفِيدُ أنَّهُ ما كانَ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِ التَّضَرُّعِ إلّا عِنادُهم وقَسْوَتُهم وإعْجابُهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ فَقالَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْسَلَ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ، وإنَّما سَلَّطَ البَأْساءَ والضَّرّاءَ عَلَيْهِمْ، لِإرادَةِ أنْ يَتَضَرَّعُوا ويُؤْمِنُوا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ.
والجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ ”لَعَلَّ“ تُفِيدُ التَّرَجِّي والتَّمَنِّيَ؛ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وأنْتُمْ حَمَلْتُمُوهُ عَلى
صفحة ١٨٦
إرادَةِ هَذا المَطْلُوبِ، ونَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى عامَلَهم مُعامَلَةً لَوْ صَدَرَتْ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ المَقْصُودُ مِنهُ هَذا المَعْنى، فَأمّا تَعْلِيلُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ فَذَلِكَ مُحالٌ عَلى ما ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ. ثُمَّ نَقُولُ إنْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِكم مِن هَذا الوَجْهِ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى ضِدِّ قَوْلِكم مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَضَرَّعُوا لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ ولِأجْلِ أنَّ الشَّيْطانَ زَيَّنَ لَهم أعْمالَهم.
فَنَقُولُ: تِلْكَ القَسْوَةُ إنْ حَصَلَتْ بِفِعْلِهِمُ احْتاجُوا في إيجادِها إلى سَبَبٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ حَصَلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ فالقَوْلُ قَوْلُنا، وأيْضًا هَبْ أنَّ الكُفّارَ إنَّما أقْدَمُوا عَلى هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ بِسَبَبِ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، إلّا أنْ نَقُولَ: ولِمَ بَقِيَ الشَّيْطانُ مُصِرًّا عَلى هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ ؟ فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ شَيْطانٍ آخَرَ تَسَلْسَلَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ، وإنْ بَطَلَتْ هَذِهِ المَقادِيرُ انْتَهَتْ بِالآخِرَةِ إلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُقْدِمُ تارَةً عَلى الخَيْرِ وأُخْرى عَلى الشَّرِّ، لِأجْلِ الدَّواعِي الَّتِي تَحْصُلُ في قَلْبِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الدَّواعِيَ لا تَحْصُلُ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُنا ويَفْسُدُ بِالكُلِّيَّةِ قَوْلُهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مِن تَمامِ القِصَّةِ الأُولى فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لِكَيْ لا يَتَضَرَّعُوا، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَمّا نَسُوا ما ذِكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، ونَقَلْناهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ إلى الرّاحَةِ والرَّخاءِ وأنْواعِ الآلاءِ والنَّعْماءِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى عامَلَهم بِتَسْلِيطِ المَكارِهِ والشَّدائِدِ عَلَيْهِمْ تارَةً فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَنَقَلَهم مِن تِلْكَ الحالَةِ إلى ضِدِّها وهو فَتْحُ أبْوابِ الخَيْراتِ عَلَيْهِمْ وتَسْهِيلُ مُوجِباتِ المَسَرّاتِ والسَّعاداتِ لَدَيْهِمْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ أيْضًا، وهَذا كَما يَفْعَلُهُ الأبُ المُشْفِقُ بِوَلَدِهِ يُخاشِنُهُ تارَةً ويُلاطِفُهُ أُخْرى طَلَبًا لِصَلاحِهِ. حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ الخَيْرِ والنِّعَمِ، لَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والبَطَرِ مِن غَيْرِ انْتِدابٍ لِشُكْرٍ ولا إقْدامٍ عَلى اعْتِذارٍ وتَوْبَةٍ، فَلا جَرَمَ أخَذْناهم بَغْتَةً.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعْناهُ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ كانَ مُغْلَقًا عَنْهم مِنَ الخَيْرِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ أيْ حَتّى إذا ظَنُّوا أنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ مِنَ البَأْساءِ ما كانَ عَلى سَبِيلِ الِانْتِقامِ مِنَ اللَّهِ، ولَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ قُلُوبَهم قَسَتْ وماتَتْ، وأنَّهُ لا يُرْجى لَها انْتِباهٌ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، لا جَرَمَ فاجَأهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ قالَ الحَسَنُ: في هَذِهِ الآيَةِ مَكْرٌ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ، وقالَ ﷺ «إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي عَلى المَعاصِي فَإنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ» . قالَ أهْلُ المَعانِي: وإنَّما أُخِذُوا في حالِ الرَّخاءِ والرّاحَةِ لِيَكُونَ أشَدَّ لِتَحَسُّرِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِن حالِ السَّلامَةِ والعافِيَةِ وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ أيْ آيِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ. قالَ
صفحة ١٨٧
الفَرّاءُ: المُبْلِسُ الَّذِي انْقَطَعَ رَجاؤُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلَّذِي سَكَتَ عِنْدَ انْقِطاعِ حُجَّتِهِ قَدْ أبْلَسَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُبْلِسُ الشَّدِيدُ الحَسْرَةِ الحَزِينُ، والإبْلاسُ في اللُّغَةِ يَكُونُ بِمَعْنى اليَأْسِ مِنَ النَّجاةِ عِنْدَ وُرُودِ الهَلَكَةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى انْقِطاعِ الحُجَّةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى الحَيْرَةِ بِما يَرِدُ عَلى النَّفْسِ مِنَ البَلِيَّةِ. وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الدّابِرُ التّابِعُ لِلشَّيْءِ مِن خَلْفِهِ كالوَلَدِ لِلْوالِدِ يُقالُ: دَبَرَ فُلانٌ القَوْمَ يَدْبُرُهم دُبُورًا ودَبَرًا إذا كانَ آخِرَهم. قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
فاسْتُؤْصِلُوا بِعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم فَما اسْتَطاعُوا لَهُ صَرْفًا ولا انْتَصَرُوا
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُ القَوْمِ آخِرُهُمُ الَّذِي يَدْبُرُهم. وقالَ الأصْمَعِيُّ الدّابِرُ الأصْلُ يُقالُ قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أذْهَبَ اللَّهُ أصْلَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى حَمِدَ نَفْسَهُ عَلى أنْ قَطَعَ دابِرَهم واسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ جارِيًا مَجْرى النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ عَلى أُولَئِكَ الرُّسُلِ في إزالَةِ شَرِّهِمْ عَنْ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كُلَّما ازْدادَتْ مُدَّةُ حَياتِهِمُ ازْدادَتْ أنْواعُ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، فَكانُوا يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مَزِيدَ العِقابِ والعَذابِ. فَكانَ إفْناؤُهم وإماتَتُهم في تِلْكَ الحالَةِ مُوجِبًا أنْ يَصِيرُوا مُسْتَوْجِبِينَ لِتِلْكَ الزِّياداتِ مِنَ العِقابِ. فَكانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى الإنْعامِ عَلَيْهِمْ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ هَذا الحَمْدُ والثَّناءُ إنَّما حَصَلَ عَلى وُجُودِ إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في أنْ كَلَّفَهم وأزالَ العُذْرَ والعِلَّةَ عَنْهم ودَبَّرَهم بِكُلِّ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ في التَّدْبِيرِ الحَسَنِ، وذَلِكَ بِأنْ أخْذَهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، ثُمَّ نَقَلَهم إلى الآلاءِ والنَّعْماءِ، وأمْهَلَهم وبَعَثَ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ إلَيْهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَزْدادُوا إلّا انْهِماكًا في الغَيِّ والكُفْرِ، أفْناهُمُ اللَّهُ وطَهَّرَ وجْهَ الأرْضِ مِن شَرِّهِمْ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ المُتَقَدِّمَةِ.
الأنعام 6:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مِن تَمامِ القِصَّةِ الأُولى فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لِكَيْ لا يَتَضَرَّعُوا، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَمّا نَسُوا ما ذِكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، ونَقَلْناهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ إلى الرّاحَةِ والرَّخاءِ وأنْواعِ الآلاءِ والنَّعْماءِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى عامَلَهم بِتَسْلِيطِ المَكارِهِ والشَّدائِدِ عَلَيْهِمْ تارَةً فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَنَقَلَهم مِن تِلْكَ الحالَةِ إلى ضِدِّها وهو فَتْحُ أبْوابِ الخَيْراتِ عَلَيْهِمْ وتَسْهِيلُ مُوجِباتِ المَسَرّاتِ والسَّعاداتِ لَدَيْهِمْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ أيْضًا، وهَذا كَما يَفْعَلُهُ الأبُ المُشْفِقُ بِوَلَدِهِ يُخاشِنُهُ تارَةً ويُلاطِفُهُ أُخْرى طَلَبًا لِصَلاحِهِ. حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ الخَيْرِ والنِّعَمِ، لَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والبَطَرِ مِن غَيْرِ انْتِدابٍ لِشُكْرٍ ولا إقْدامٍ عَلى اعْتِذارٍ وتَوْبَةٍ، فَلا جَرَمَ أخَذْناهم بَغْتَةً.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعْناهُ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ كانَ مُغْلَقًا عَنْهم مِنَ الخَيْرِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ أيْ حَتّى إذا ظَنُّوا أنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ مِنَ البَأْساءِ ما كانَ عَلى سَبِيلِ الِانْتِقامِ مِنَ اللَّهِ، ولَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ قُلُوبَهم قَسَتْ وماتَتْ، وأنَّهُ لا يُرْجى لَها انْتِباهٌ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، لا جَرَمَ فاجَأهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ قالَ الحَسَنُ: في هَذِهِ الآيَةِ مَكْرٌ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ، وقالَ ﷺ «إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي عَلى المَعاصِي فَإنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ» . قالَ أهْلُ المَعانِي: وإنَّما أُخِذُوا في حالِ الرَّخاءِ والرّاحَةِ لِيَكُونَ أشَدَّ لِتَحَسُّرِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِن حالِ السَّلامَةِ والعافِيَةِ وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ أيْ آيِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ. قالَ
صفحة ١٨٧
الفَرّاءُ: المُبْلِسُ الَّذِي انْقَطَعَ رَجاؤُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلَّذِي سَكَتَ عِنْدَ انْقِطاعِ حُجَّتِهِ قَدْ أبْلَسَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُبْلِسُ الشَّدِيدُ الحَسْرَةِ الحَزِينُ، والإبْلاسُ في اللُّغَةِ يَكُونُ بِمَعْنى اليَأْسِ مِنَ النَّجاةِ عِنْدَ وُرُودِ الهَلَكَةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى انْقِطاعِ الحُجَّةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى الحَيْرَةِ بِما يَرِدُ عَلى النَّفْسِ مِنَ البَلِيَّةِ. وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الدّابِرُ التّابِعُ لِلشَّيْءِ مِن خَلْفِهِ كالوَلَدِ لِلْوالِدِ يُقالُ: دَبَرَ فُلانٌ القَوْمَ يَدْبُرُهم دُبُورًا ودَبَرًا إذا كانَ آخِرَهم. قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
فاسْتُؤْصِلُوا بِعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم فَما اسْتَطاعُوا لَهُ صَرْفًا ولا انْتَصَرُوا
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُ القَوْمِ آخِرُهُمُ الَّذِي يَدْبُرُهم. وقالَ الأصْمَعِيُّ الدّابِرُ الأصْلُ يُقالُ قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أذْهَبَ اللَّهُ أصْلَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى حَمِدَ نَفْسَهُ عَلى أنْ قَطَعَ دابِرَهم واسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ جارِيًا مَجْرى النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ عَلى أُولَئِكَ الرُّسُلِ في إزالَةِ شَرِّهِمْ عَنْ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كُلَّما ازْدادَتْ مُدَّةُ حَياتِهِمُ ازْدادَتْ أنْواعُ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، فَكانُوا يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مَزِيدَ العِقابِ والعَذابِ. فَكانَ إفْناؤُهم وإماتَتُهم في تِلْكَ الحالَةِ مُوجِبًا أنْ يَصِيرُوا مُسْتَوْجِبِينَ لِتِلْكَ الزِّياداتِ مِنَ العِقابِ. فَكانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى الإنْعامِ عَلَيْهِمْ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ هَذا الحَمْدُ والثَّناءُ إنَّما حَصَلَ عَلى وُجُودِ إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في أنْ كَلَّفَهم وأزالَ العُذْرَ والعِلَّةَ عَنْهم ودَبَّرَهم بِكُلِّ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ في التَّدْبِيرِ الحَسَنِ، وذَلِكَ بِأنْ أخْذَهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، ثُمَّ نَقَلَهم إلى الآلاءِ والنَّعْماءِ، وأمْهَلَهم وبَعَثَ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ إلَيْهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَزْدادُوا إلّا انْهِماكًا في الغَيِّ والكُفْرِ، أفْناهُمُ اللَّهُ وطَهَّرَ وجْهَ الأرْضِ مِن شَرِّهِمْ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ المُتَقَدِّمَةِ.
الأنعام 6:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ المُخْتارِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ أشْرَفَ أعْضاءِ الإنْسانِ هو السَّمْعُ والبَصَرُ والقَلْبُ فالأُذُنُ مَحَلُّ القُوَّةِ السّامِعَةِ والعَيْنُ مَحَلُّ القُوَّةِ الباصِرَةِ، والقَلْبُ مَحَلُّ الحَياةِ والعَقْلِ والعِلْمِ. فَلَوْ زالَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ عَنْ هَذِهِ الأعْضاءِ اخْتَلَّ أمْرُ الإنْسانِ وبَطَلَتْ مَصالِحُهُ في الدُّنْيا وفي الدِّينِ. ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ القادِرَ عَلى تَحْصِيلِ هَذِهِ القُوى فِيها
صفحة ١٨٨
وصَوْنِها عَنِ الآفاتِ والمُخافاتِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ المُنْعِمُ بِهَذِهِ النِّعَمِ العالِيَةِ والخَيْراتِ الرَّفِيعَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ والعُبُودِيَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ تَعالى وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ طَرِيقَةٌ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ وطَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلَمْ يَعْقِلُوا الهُدى.
الثّانِي: مَعْناهُ وأزالَ عُقُولَكم حَتّى تَصِيرُوا كالمَجانِينِ.
والثّالِثُ: المُرادُ بِهَذا الخَتْمِ الإماتَةُ أيْ يُمِيتُ قُلُوبَكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ”مَن“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”إلَهٌ“ و”غَيْرُ“ صِفَةٌ لَهُ وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِيكم بِهِ﴾ هَذِهِ الهاءُ تَعُودُ عَلى مَعْنى الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِما أُخِذَ مِنكم.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ عَنْ نافِعٍ: ”بِهُ انْظُرْ“ بِضَمِّ الهاءِ وهو عَلى لُغَةِ مَن يَقْرَأْ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١] فَحَذَفَ الواوَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَصارَ ”بِهُ انْظُرْ“ والباقُونَ بِكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يَصْدِفُونَ“ بِإشْمامِ الزّايِ. والباقُونَ بِالصّادِ أيْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ. يُقالُ: صَدَفَ عَنْهُ أيْ أعْرَضَ والمُرادُ مِن تَصْرِيفِ الآياتِ إيرادُها عَلى الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ المُتَكاثِرَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُقَوِّي ما قَبْلَهُ في الإيصالِ إلى المَطْلُوبِ فَذَكَرَ تَعالى أنَّ مَعَ هَذِهِ المُبالَغَةِ في التَّفْهِيمِ والتَّقْرِيرِ والإيضاحِ والكَشْفِ، انْظُرْ يا مُحَمَّدُ أنَّهم كَيْفَ يَصْدِفُونَ ويُعْرِضُونَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى مَكَّنَهم مِنَ الفَهْمِ، ولَمْ يَخْلُقْ فِيهِمُ الإعْراضَ والصَّدَّ، ولَوْ كانَ تَعالى هو الخالِقُ لِما فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا الكَلامِ مَعْنًى. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِعَيْنِ هَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ بالَغَ في إظْهارِ هَذِهِ الدَّلالَةِ وفي تَقْرِيرِها وتَنْقِيحِها وإزالَةِ جِهاتِ الشُّبُهاتِ عَنْها، ثُمَّ إنَّهم مَعَ هَذِهِ المُبالَغَةِ القاطِعَةِ لِلْعُذْرِ ما زادُوا إلّا تَمادِيًا في الكُفْرِ والغَيِّ والعِنادِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِهِدايَةِ اللَّهِ وإلّا بِإضْلالِهِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلالَتُها عَلى قَوْلِنا أقْوى مِن دَلالَتِها عَلى قَوْلِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:47
اعْلَمْ أنَّ الدَّلِيلَ المُتَقَدِّمَ كانَ مُخْتَصًّا بِأخْذِ السَّمْعِ والبَصَرِ والقَلْبِ. وهَذا عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا دافِعَ لِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العَذابِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، ولا مُحَصِّلَ لِخَيْرٍ مِنَ الخَيْراتِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو المَعْبُودُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ لا غَيْرُهُ.
فَإنْ قِيلَ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾ قُلْنا: العَذابُ الَّذِي يَجِيئُهم إمّا أنْ يَجِيئَهم مِن غَيْرِ سَبْقِ عَلامَةٍ تَدُلُّهم عَلى مَجِيءِ ذَلِكَ العَذابِ أوْ مَعَ سَبْقِ هَذِهِ العَلامَةِ. فالأوَّلُ هو البَغْتَةُ، والثّانِي هو الجَهْرَةُ. والأوَّلُ
صفحة ١٨٩
سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالبَغْتَةِ، لِأنَّهُ فاجَأهم بِها وسَمّى الثّانِيَ جَهْرَةً، لِأنَّ نَفْسَ العَذابِ وقَعَ بِهِمْ وقَدْ عَرَفُوهُ حَتّى لَوْ أمْكَنَهُمُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ لَتَحَرَّزُوا مِنهُ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ﴿بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾ مَعْناهُ لَيْلًا أوْ نَهارًا. وقالَ القاضِي: يَجِبُ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأنَّهُ لَوْ جاءَهم ذَلِكَ العَذابُ لَيْلًا وقَدْ عايَنُوا مُقَدِّمَتَهُ، لَمْ يَكُنْ بَغْتَةً ولَوْ جاءَهم نَهارًا وهم لا يَشْعُرُونَ بِمُقَدِّمَتِهِ لَمْ يَكُنْ جَهْرَةً. فَأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، اسْتَقامَ الكَلامُ.
فَإنْ قِيلَ: فَما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ مَعَ عِلْمِكم بِأنَّ العَذابَ إذا نَزَلَ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ التَّمْيِيزُ.
قُلْنا: إنَّ الهَلاكَ وإنْ عَمَّ الأبْرارَ والأشْرارَ في الظّاهِرِ، إلّا أنَّ الهَلاكَ في الحَقِيقَةِ مُخْتَصٌّ بِالظّالِمِينَ الشِّرِّيرِينَ، لِأنَّ الأخْيارَ يَسْتَوْجِبُونَ بِسَبَبِ نُزُولِ تِلْكَ المَضارِّ بِهِمْ أنْواعًا عَظِيمَةً مِنَ الثَّوابِ والدَّرَجاتِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَذاكَ وإنْ كانَ بَلاءً في الظّاهِرِ، إلّا أنَّهُ يُوجِبُ سَعاداتٍ عَظِيمَةً ؟
أمّا الظّالِمُونَ، فَإذا نَزَلَ البَلاءُ بِهِمْ فَقَدْ خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ مَعًا، فَلِذَلِكَ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ هالِكِينَ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ التَّقِيَّ النَّقِيَّ هو السَّعِيدُ، سَواءٌ كانَ في البَلاءِ أوْ في الآلاءِ والنَّعْماءِ وأنَّ الفاسِقَ الكافِرَ هو الشَّقِيُّ، كَيْفَ دارَتْ قَضِيَّتُهُ واخْتَلَفَتْ أحْوالُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ فِيما تَقَدَّمَ أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في جَوابِهِمْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ والمَقْصُودُ مِنها أنَّ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ بُعِثُوا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ المُعْجِزاتِ، بَلْ ذاكَ مُفَوَّضٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وكَلِمَتِهِ وحِكْمَتِهِ فَقالَ: ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ، ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ عَلى المَعاصِي، فَمَن قَبِلَ قَوْلَهم وأتى بِالإيمانِ الَّذِي هو عَمَلُ القَلْبِ والإصْلاحِ الَّذِي هو عَمَلُ الجَسَدِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ ومَعْنى المَسِّ في اللُّغَةِ التِقاءُ الشَّيْئَيْنِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ. قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ عَذابَ الكُفّارِ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ فاسِقٍ كَذَلِكَ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا مُعارَضٌ بِما أنَّهُ خَصَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ بِهَذا الوَعِيدِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُكَذِّبًا بِآياتِ اللَّهِ أنْ لا يَلْحَقَهُ الوَعِيدُ أصْلًا. وأيْضًا فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ هَذا الوَعِيدِ مُعَلَّلًا بِفِسْقِهِمْ فَلِمَ قُلْتُمْ أنَّ فِسْقَ مَن عَرَفَ اللَّهَ وأقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، مُساوٍ لِفِسْقِ مَن أنْكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ فِيما تَقَدَّمَ أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في جَوابِهِمْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ والمَقْصُودُ مِنها أنَّ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ بُعِثُوا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى إظْهارِ الآياتِ وإنْزالِ المُعْجِزاتِ، بَلْ ذاكَ مُفَوَّضٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وكَلِمَتِهِ وحِكْمَتِهِ فَقالَ: ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ، ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ عَلى المَعاصِي، فَمَن قَبِلَ قَوْلَهم وأتى بِالإيمانِ الَّذِي هو عَمَلُ القَلْبِ والإصْلاحِ الَّذِي هو عَمَلُ الجَسَدِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ ومَعْنى المَسِّ في اللُّغَةِ التِقاءُ الشَّيْئَيْنِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ. قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ عَذابَ الكُفّارِ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ فاسِقٍ كَذَلِكَ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا مُعارَضٌ بِما أنَّهُ خَصَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ بِهَذا الوَعِيدِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُكَذِّبًا بِآياتِ اللَّهِ أنْ لا يَلْحَقَهُ الوَعِيدُ أصْلًا. وأيْضًا فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ هَذا الوَعِيدِ مُعَلَّلًا بِفِسْقِهِمْ فَلِمَ قُلْتُمْ أنَّ فِسْقَ مَن عَرَفَ اللَّهَ وأقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، مُساوٍ لِفِسْقِ مَن أنْكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] فَقالَ اللَّهُ تَعالى قُلْ لِهَؤُلاءِ الأقْوامِ، إنَّما بُعِثْتُ مُبَشِّرًا ومُنْذِرًا، ولَيْسَ لِي أنْ أتَحَكَّمَ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ أُمُورًا ثَلاثَةً:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ لَهُ إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فاطْلُبْ مِنَ اللَّهِ حَتّى يُوَسِّعَ عَلَيْنا مَنافِعَ الدُّنْيا وخَيْراتِها، ويَفْتَحْ عَلَيْنا أبْوابَ سَعادَتِها. فَقالَ تَعالى قُلْ لَهم إنِّي لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ، فَهو تَعالى يُؤْتِي المُلْكَ مَن يَشاءُ ويُعِزُّ مَن يَشاءُ ويُذِلُّ مَن يَشاءُ بِيَدِهِ الخَيْرُ لا بِيَدِي والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهو اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ الشَّيْءُ وخَزْنُ الشَّيْءِ إحْرازُهُ، بِحَيْثُ لا تَنالُهُ الأيْدِي.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ ومَعْناهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ لَهُ إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلا بُدَّ وأنْ تُخْبِرَنا عَمّا يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المَصالِحِ والمَضارِّ، حَتّى نَسْتَعِدَّ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ المَصالِحِ، ولِدَفْعِ تِلْكَ المَضارِّ. فَقالَ تَعالى: قُلْ إنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ فَكَيْفَ تَطْلُبُونَ مِنِّي هَذِهِ المَطالِبَ ؟
والحاصِلُ أنَّهم كانُوا في المَقامِ الأوَّلِ يَطْلُبُونَ مِنهُ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ والخَيْراتِ الواسِعَةَ، وفي المَقامِ الثّانِي كانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ الإخْبارَ عَنِ الغُيُوبِ، لِيَتَوَسَّلُوا بِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الغُيُوبِ إلى الفَوْزِ بِالمَنافِعِ والِاجْتِنابِ عَنِ المَضارِّ والمَفاسِدِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ ومَعْناهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] ويَتَزَوَّجُ ويُخالِطُ النّاسَ. فَقالَ تَعالى: قُلْ لَهم إنِّي لَسْتُ مِنَ المَلائِكَةِ.
واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ نَفْيِ هَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ ؟
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ يُظْهِرَ الرَّسُولُ مِن نَفْسِهِ التَّواضُعَ لِلَّهِ والخُضُوعَ لَهُ والِاعْتِرافَ بِعُبُودِيَّتِهِ، حَتّى لا يُعْتَقَدَ فِيهِ مِثْلُ اعْتِقادِ النَّصارى في المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقْتَرِحُونَ مِنهُ إظْهارَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ القَوِيَّةِ، كَقَوْلِهِمْ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخِرِ الآيَةِ فَقالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] يَعْنِي لا أدَّعِي إلّا الرِّسالَةَ والنُّبُوَّةَ، وأمّا هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي طَلَبْتُمُوها، فَلا يُمْكِنُ تَحْصِيلُها إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إظْهارَ العَجْزِ والضَّعْفِ وأنَّهُ لا يَسْتَقِلُّ بِتَحْصِيلِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي طَلَبُوها مِنهُ.
صفحة ١٩١
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ أنِّي لا أدَّعِي كَوْنِي مَوْصُوفًا بِالقُدْرَةِ اللّائِقَةِ بِالإلَهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ أيْ ولا أدَّعِي كَوْنِي مَوْصُوفًا بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى. وبِمَجْمُوعِ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ حَصَلَ أنَّهُ لا يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإلَهِيَّةِ دَرَجَةٌ أعْلى حالًا مِنَ المَلائِكَةِ، فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ كَأنَّهُ يَقُولُ لا أدَّعِي الإلَهِيَّةَ ولا أدَّعِي المَلَكِيَّةَ ولَكِنِّي أدَّعِي الرِّسالَةَ، وهَذا مَنصِبٌ لا يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ لِلْبَشَرِ، فَكَيْفَ أطْبَقْتُمْ عَلى اسْتِنْكارِ قَوْلِي ودَفْعِ دَعْوايَ ؟
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ لا أدَّعِي مَنزِلَةً فَوْقَ مَنزِلَتِي ولَوْلا أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ وإلّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. قالَ القاضِي: إنْ كانَ الغَرَضُ بِما نَفى طَرِيقَةَ التَّواضُعِ؛ فالأقْرَبُ أنْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ، وإنْ كانَ المُرادُ نَفْيَ قُدْرَتِهِ عَنْ أفْعالٍ لا يَقْوى عَلَيْها إلّا المَلائِكَةُ، لَمْ يَدُلْ عَلى كَوْنِهِمْ أفْضَلَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَعْمَلُ إلّا بِالوَحْيِ وهو يَدُلُّ عَلى حُكْمَيْنِ.
الحُكْمُ الأوَّلُ:
أنَّ هَذا النَّصَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَحْكُمُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ وأنَّهُ ما كانَ يَجْتَهِدُ بَلْ جَمِيعُ أحْكامِهِ صادِرَةٌ عَنِ الوَحْيِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٣، ٤] .
الحُكْمُ الثّانِي:
أنَّ نُفاةَ القِياسِ قالُوا: ثَبَتَ بِهَذا النَّصِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَعْمَلُ إلّا بِالوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ أنْ يَعْمَلُوا إلّا بِالوَحْيِ النّازِلِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: (فاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] وذَلِكَ يَنْفِي جَوازَ العَمَلِ بِالقِياسِ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ العَمَلَ بِغَيْرِ الوَحْيِ يَجْرِي مَجْرى عَمَلِ الأعْمى والعَمَلُ بِمُقْتَضى نُزُولِ الوَحْيِ يَجْرِي مَجْرى عَمَلِ البَصِيرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَعْرِفَ الفَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ البابَيْنِ وأنْ لا يَكُونَ غافِلًا عَنْ مَعْرِفَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾
صفحة ١٩٢
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الرُّسُلَ بِكَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، أمَرَ الرَّسُولَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإنْذارِ فَقالَ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”الإنْذارُ“ الإعْلامُ بِمَوْضِعِ المَخافَةِ وقَوْلُهُ: ”بِهِ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والزَّجّاجُ بِالقُرْآنِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ أيْ بِاللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ إنَّما يَقَعُ بِالقَوْلِ وبِالكَلامِ لا بِذاتِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُمُ الكافِرُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ كانَ يُخَوِّفُهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ، وقَدْ كانَ بَعْضُهم يَتَأثَّرُ مِن ذَلِكَ التَّخْوِيفِ، ويَقَعُ في قَلْبِهِ أنَّهُ رُبَّما كانَ الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ لائِقٌ بِهَؤُلاءِ، لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلى رَبِّهِمْ، والعِلْمُ خِلافُ الخَوْفِ والظَّنِّ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ المُؤْمِنُونَ، لِأنَّهم وإنْ تَيَقَّنُوا الحَشْرَ فَلَمْ يَتَيَقَّنُوا العَذابَ الَّذِي يُخافُ مِنهُ، لِتَجْوِيزِهِمْ أنْ يَمُوتَ أحَدُهم عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وتَجْوِيزِ أنْ لا يَمُوتُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانُوا خائِفِينَ مِنَ الحَشْرِ، بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا مُجَوِّزِينَ لِحُصُولِ العَذابِ وخائِفِينَ مِنهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِصِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَخافُونَ مِن عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ يَتَناوَلُ الكُلَّ؛ لِأنَّهُ لا عاقِلَ إلّا وهو يَخافُ الحَشْرَ، سَواءٌ قَطَعَ بِحُصُولِهِ أوْ كانَ شاكًّا فِيهِ؛ لِأنَّهُ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مَعْلُومِ البُطْلانِ بِالضَّرُورَةِ فَكانَ هَذا الخَوْفُ قائِمًا في حَقِّ الكُلِّ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ، وكانَ مَأْمُورًا بِالتَّبْلِيغِ إلى الكُلِّ، وخُصَّ في هَذِهِ الآيَةِ الَّذِينَ يَخافُونَ الحَشْرَ، لِأنَّ انْتِفاعَهم بِذَلِكَ الإنْذارِ أكَمَلُ، بِسَبَبِ أنَّ خَوْفَهم يَحْمِلُهم عَلى إعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُجَسِّمَةُ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّهِ تَعالى مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ.
والجَوابُ: المُرادُ إلى المَكانِ الَّذِي جَعَلَهُ رَبُّهم لِاجْتِماعِهِمْ ولِلْقَضاءِ عَلَيْهِمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”لَيْسَ“ نَصْبٌ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: مُتَخَلِّينَ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ، والعامِلُ فِيهِ يَخافُونَ. ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ: وذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ مِن ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ الكُفّارَ، فالكَلامُ ظاهِرٌ، لِأنَّهم لَيْسَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ شُفَعاءُ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] واللَّهُ كَذَّبَهم فِيهِ وذَكَرَ أيْضًا في آيَةٍ أُخْرى فَقالَ ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] وقالَ أيْضًا ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وإنْ كانَ المُرادُ المُسْلِمِينَ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ لا يُنافِي مَذْهَبَنا في إثْباتِ الشَّفاعَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ شَفاعَةَ المَلائِكَةِ والرُّسُلِ لِلْمُؤْمِنِينَ، إنَّما تَكُونُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الشَّفاعَةُ بِإذْنِ اللَّهِ كانَتْ في الحَقِيقَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
صفحة ١٩٣
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ وأنْذِرْهم لِكَيْ يَخافُوا في الدُّنْيا ويَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُفّارِ التَّقْوى والطّاعَةَ، والكَلامُ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ قَدْ سَبَقَ مِرارًا.
الأنعام 6:52
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعِنْدَهُ صُهَيْبٌ وخَبّابٌ وبِلالٌ وعَمّارٌ وغَيْرُهم مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ أرَضِيتَ بِهَؤُلاءِ عَنْ قَوْمِكَ ؟ أفَنَحْنُ نَكُونُ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ ؟ اطْرُدْهم عَنْ نَفْسِكَ، فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهُمُ اتَّبَعْناكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ“ فَقالُوا: فَأقِمْهم عَنّا إذا جِئْنا، فَإذا أقَمْنا فَأقْعِدْهم مَعَكَ إنْ شِئْتَ، فَقالَ: ”نَعَمْ“ طَمَعًا في إيمانِهِمْ» . ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ قالَ لَهُ: لَوْ فَعَلْتَ حَتّى نَنْظُرَ إلى ماذا يَصِيرُونَ، ثُمَّ ألَحُّوا وقالُوا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ: اكْتُبْ لَنا بِذَلِكَ كِتابًا فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ وبِعَلِيٍّ لِيَكْتُبَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَرَمى الصَّحِيفَةَ، واعْتَذَرَ عُمَرُ عَنْ مَقالَتِهِ، فَقالَ سَلْمانُ وخَبّابٌ: فِينا نَزَلَتْ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْعُدُ مَعَنا ونَدْنُو مِنهُ حَتّى تَمَسَّ رُكْبَتُنا رُكْبَتَهُ، وكانَ يَقُومُ عَنّا إذا أرادَ القِيامَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] فَتَرَكَ القِيامَ عَنّا إلى أنْ نَقُومَ عَنْهُ وقالَ: ”«الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنِ أصْبِرَ نَفْسِيَ مَعَ قَوْمٍ مِن أُمَّتِي مَعَكُمُ المَحْيا ومَعَكُمُ المَماتُ» “ .
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَرَدَهم واللَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّرْدِ، فَكانَ ذَلِكَ الطَّرْدُ ذَنْبًا.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ طَرَدَهم، فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِنَ الظّالِمِينَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود: ٢٩] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُتابَعَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في جَمِيعِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ، حَيْثُ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَبِهَذا الطَّرِيقِ وجَبَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يَطْرُدَهم، فَلَمّا طَرَدَهم كانَ ذَلِكَ ذَنْبًا.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ الكَهْفِ، فَزادَ فِيها فَقالَ: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٢٨] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا في آيَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [طه: ١٣١] فَلَمّا نُهِيَ عَنِ الِالتِفاتِ إلى زِينَةِ الدُّنْيا، ثُمَّ ذُكِرَ في تِلْكَ الآيَةِ أنَّهُ يُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا كانَ ذَلِكَ ذَنْبًا.
الخامِسُ: نُقِلَ أنَّ أُولَئِكَ الفُقَراءَ كُلَّما دَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ
صفحة ١٩٤
هَذِهِ الواقِعَةِ فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: «مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي رَبِّي فِيهِمْ» أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى الذَّنْبِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما طَرَدَهم لِأجْلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ والِاسْتِنْكافِ مِن فَقْرِهِمْ، وإنَّما عَيَّنَ لِجُلُوسِهِمْ وقْتًا مُعَيَّنًا سِوى الوَقْتِ الَّذِي كانَ يَحْضُرُ فِيهِ أكابِرُ قُرَيْشٍ، فَكانَ غَرَضُهُ مِنهُ التَّلَطُّفَ في إدْخالِهِمْ في الإسْلامِ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ هَؤُلاءِ الفُقَراءُ مِنَ المُسْلِمِينَ لا يَفُوتُهم بِسَبَبِ هَذِهِ المُعامَلَةِ أمْرٌ مُهِمٌّ في الدُّنْيا وفي الدِّينِ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ فَإنَّهُ يَفُوتُهُمُ الدِّينُ والإسْلامُ فَكانَ تَرْجِيحُ هَذا الجانِبِ أوْلى. فَأقْصى ما يُقالُ إنَّ هَذا الِاجْتِهادَ وقَعَ خَطَأً إلّا أنَّ الخَطَأ في الِاجْتِهادِ مَغْفُورٌ. وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّ طَرْدَهم يُوجِبُ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الظّالِمِينَ.
فَجَوابُهُ: أنَّ الظُّلْمَ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والمَعْنى أنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ الفُقَراءَ كانُوا يَسْتَحِقُّونَ التَّعْظِيمَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإذا طَرَدَهم عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ كانَ ذَلِكَ ظُلْمًا، إلّا أنَّهُ مِن بابِ تَرْكِ الأوْلى والأفْضَلِ لا مِن بابِ تَرْكِ الواجِباتِ، وكَذا الجَوابُ عَنْ سائِرِ الوُجُوهِ فَإنّا نَحْمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ والأكْمَلِ والأوْلى والأحْرى، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”بِالغُدْوَةِ والعَشِيِّ“ بِالواوِ وضَمِّ الغَيْنِ وفي سُورَةِ الكَهْفِ مِثْلَهُ والباقُونَ بِالألِفِ وفَتْحِ الغَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ الوَجْهُ قِراءَةُ العامَّةِ بِالغَداةِ؛ لِأنَّها تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً فَأمْكَنَ تَعْرِيفُها بِإدْخالِ لامِ التَّعْرِيفِ عَلَيْها. فَأمّا ”غُدْوَةٌ“ فَمَعْرِفَةٌ وهو عَلَمٌ صِيغَ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَمْتَنِعَ إدْخالُ لامِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ، كَما يَمْتَنِعُ إدْخالُهُ عَلى سائِرِ المَعارِفِ. وكِتْبَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِالواوِ في المُصْحَفِ لا تَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ، ألا تَرى أنَّهم كَتَبُوا ”الصَّلَوةَ“ بِالواوِ وهي ألِفٌ فَكَذا هَهُنا. قالَ سِيبَوَيْهِ ”غُدْوَةٌ وبُكْرَةٌ“ جُعِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما اسْمًا لِلْجِنْسِ كَما جَعَلُوا أمَّ حُبَيْنٍ اسْمًا لِدابَّةٍ مَعْرُوفَةٍ. قالَ: وزَعَمَ يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّكَ إذا قُلْتَ: لَقِيتُهُ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ غُدْوَةً أوْ بُكْرَةً وأنْتَ تُرِيدُ المَعْرِفَةَ لَمْ تُنَوِّنْ. فَهَذِهِ الأشْياءُ تُقَوِّي قِراءَةَ العامَّةِ، وأمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فَهو أنَّ سِيبَوَيْهِ قالَ: زَعَمَ الخَلِيلُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ أتَيْتُكَ اليَوْمَ غُدْوَةً وبُكْرَةً فَجَعَلَهُما بِمَنزِلَةِ ”ضَحْوَةً“، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الدُّعاءِ الصَّلاةُ، يَعْنِي يَعْبُدُونَ رَبَّهم بِالصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وهي صَلاةُ الصُّبْحِ وصَلاةُ العَصْرِ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ.
وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الغَداةِ والعَشِيِّ طَرَفا النَّهارِ، وذَكَرَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِمْ مُواظِبِينَ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ.
والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِنَ الدُّعاءِ الذِّكْرُ قالَ إبْراهِيمُ: الدُّعاءُ هَهُنا هو الذِّكْرُ والمَعْنى يَذْكُرُونَ رَبَّهم طَرَفَيِ النَّهارِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُجَسِّمَةُ تَمَسَّكُوا في إثْباتِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ وسائِرُ الآياتِ المُناسِبَةِ لَهُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] .
وجَوابُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ يَقْتَضِي الوِحْدانِيَّةَ التّامَّةَ، وذَلِكَ يُنافِي التَّرْكِيبَ مِنَ الأعْضاءِ
صفحة ١٩٥
والأجْزاءِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ المَعْنى يُرِيدُونَهُ إلّا أنَّهم يَذْكُرُونَ لَفْظَ الوَجْهِ لِلتَّعْظِيمِ، كَما يُقالُ هَذا وجْهُ الرَّأْيِ وهَذا وجْهُ الدَّلِيلِ.
والثّانِي: أنَّ مَن أحَبَّ ذاتًا أحَبَّ أنْ يَرى وجْهَهُ، فَرُؤْيَةُ الوَجْهِ مِن لَوازِمِ المَحَبَّةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ الوَجْهُ كِنايَةً عَنِ المَحَبَّةِ وطَلَبِ الرِّضا، وتَمامُ هَذا الكَلامِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ اخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ”حِسابِهِمْ“ وفي قَوْلِهِ: ”عَلَيْهِمْ“ إلى ماذا يَعُودُ ؟
والقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، والمَعْنى ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ المُشْرِكِينَ مِن شَيْءٍ ولا حِسابُكَ عَلى المُشْرِكِينَ وإنَّما اللَّهُ هو الَّذِي يُدَبِّرُ عَبِيدَهُ كَما يَشاءُ وأرادَ. والغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَمَّلُ هَذا الِاقْتِراحَ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَلَعَلَّهم يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ ويَتَخَلَّصُونَ مِن عِقابِ الكُفْرِ، فَقالَ تَعالى: لا تَكُنْ في قَيْدِ أنَّهم يَتَّقُونَ الكُفْرَ أمْ لا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو الهادِي والمُدَبِّرُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ، وهُمُ الفُقَراءُ، وذَلِكَ أشْبَهُ بِالظّاهِرِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الكِنايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ عائِدَةٌ لا مَحالَةَ إلى هَؤُلاءِ الفُقَراءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ سائِرُ الكِناياتِ عائِدَةً إلَيْهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ طَعَنُوا في إيمانِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّهم إنَّما اجْتَمَعُوا عِنْدَكَ وقَبِلُوا دِينَكَ لِأنَّهم يَجِدُونَ بِهَذا السَّبَبِ مَأْكُولًا ومَلْبُوسًا عِنْدَكَ، وإلّا فَهِمَ فارِغُونَ عَنْ دِينِكَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ، فَما يَلْزَمُكَ إلّا اعْتِبارُ الظّاهِرِ وإنْ كانَ لَهم باطِنٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ اللَّهِ، فَحِسابُهم عَلَيْهِ لازِمٌ لَهم، لا يَتَعَدّى إلَيْكَ، كَما أنَّ حِسابَكَ عَلَيْكَ لا يَتَعَدّى إلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
فَإنْ قِيلَ: أما كَفى قَوْلُهُ: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾
قُلْنا: جُعِلَتِ الجُمْلَتانِ بِمَنزِلَةِ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ قُصِدَ بِهِما مَعْنًى واحِدٌ وهو المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ولا يَسْتَقِلُّ بِهَذا المَعْنى إلّا الجُمْلَتانِ جَمِيعًا، كَأنَّهُ قِيلَ لا تُؤاخَذُ أنْتَ ولا هم بِحِسابِ صاحِبِهِ.
القَوْلُ الثّانِي: ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَمَلَّهم وتَطْرُدَهم، ولا حِسابُ رِزْقِكَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما الرّازِقُ لَهم ولَكَ هو اللَّهُ تَعالى، فَدَعْهم يَكُونُوا عِنْدَكَ ولا تَطْرُدْهم.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] فَأجابَهم نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ و﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ وعَنَوْا بِقَوْلِهِمْ: ”الأرْذَلُونَ“ الحاكَّةَ والمُحْتَرِفِينَ بِالحِرَفِ الخَسِيسَةِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا. وقَوْلُهُ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جَوابُ النَّفْيِ ومَعْناهُ، ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم، بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ حِسابُهم حَتّى أنَّكَ لِأجْلِ ذَلِكَ الحِسابِ تَطْرُدُهم، وقَوْلُهُ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى
صفحة ١٩٦
قَوْلِهِ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ عَلى وجْهِ التَّسَبُّبِ لِأنَّ كَوْنَهُ ظالِمًا مَعْلُولُ طَرْدِهم ومُسَبَّبٌ لَهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لِنَفْسِكَ بِهَذا الطَّرْدِ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ لَهم لِأنَّهم لَمّا اسْتَوْجَبُوا مَزِيدَ التَّقْرِيبِ والتَّرْحِيبِ كانَ طَرْدُهم ظُلْمًا لَهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مُبْتَلًى بِصاحِبِهِ، فَأُولَئِكَ الكُفّارُ الرُّؤَساءُ الأغْنِياءُ كانُوا يَحْسُدُونَ فُقَراءَ الصَّحابَةِ عَلى كَوْنِهِمْ سابِقِينَ في الإسْلامِ مُسارِعِينَ إلى قَبُولِهِ فَقالُوا: لَوْ دَخَلْنا في الإسْلامِ لَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَنْقادَ لِهَؤُلاءِ الفُقَراءِ المَساكِينِ، وأنْ نَعْتَرِفَ لَهم بِالتَّبَعِيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] وأمّا فُقَراءُ الصَّحابَةِ فَكانُوا يَرَوْنَ أُولَئِكَ الكُفّارَ في الرّاحاتِ والمَسَرّاتِ والطَّيِّباتِ والخِصْبِ والسَّعَةِ، فَكانُوا يَقُولُونَ: كَيْفَ حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ لِهَؤُلاءِ مَعَ أنّا بَقِينا في هَذِهِ الشِّدَّةِ والضِّيقِ والقِلَّةِ ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ فَأحَدُ الفَرِيقَيْنِ يَرى الآخَرَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ في المَناصِبِ الدِّينِيَّةِ، والفَرِيقُ الآخَرُ يَرى الفَرِيقَ الأوَّلَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ في المَناصِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَكانُوا يَقُولُونَ: أهَذا هو الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْنا ! وأمّا المُحَقِّقُونَ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، إمّا بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ عَلى ما هو قَوْلُ أصْحابِنا أوْ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ عَلى ما هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، فَكانُوا صابِرِينَ في وقْتِ البَلاءِ، شاكِرِينَ في وقْتِ الآلاءِ والنَّعْماءِ وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ إلْقاءَ تِلْكَ الفِتْنَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لَيْسَ إلّا اعْتِراضَهم عَلى اللَّهِ في أنْ جَعَلَ أُولَئِكَ الفُقَراءَ رُؤَساءَ في الدِّينِ، والِاعْتِراضُ عَلى اللَّهِ كُفْرٌ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِلْكُفْرِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هو أنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُوجِدُ لِلْإيمانِ هو العَبْدَ، فاللَّهُ ما مَنَّ عَلَيْهِ بِهَذا الإيمانِ، بَلِ العَبْدُ هو الَّذِي مَنَّ عَلى نَفْسِهِ بِهَذا الإيمانِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى قَوْلِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ مِن هَذَيْنِ
صفحة ١٩٧
الوَجْهَيْنِ. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ، بِأنَّ الفِتْنَةَ في التَّكْلِيفِ ما يُوجِبُ التَّشْدِيدَ، وإنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ ؟ أيْ: لِيَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِفْهامًا لا إنْكارًا ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ بِالإيمانِ ؟ وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ لِيَصْبِرُوا أوْ لِيَشْكُرُوا، فَكانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ عَلى مِيثاقِ قَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] .
والجَوابُ عَنِ الوَجْهَيْنِ: أنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، لا سِيَّما والدَّلِيلُ العَقْلِيُّ قائِمٌ عَلى صِحَّةِ هَذا الظّاهِرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ مُشاهَدَةُ هَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ الأنَفَةَ، والأنَفَةُ تُوجِبُ العِصْيانَ والإصْرارَ عَلى الكُفْرِ، ومُوجَبُ المُوجَبِ مُوجَبٌ، كانَ الإلْزامُ وارِدًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ افْتِتانِ البَعْضِ بِالبَعْضِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الغِنى والفَقْرَ كانا سَبَبَيْنِ لِحُصُولِ هَذا الِافْتِتانِ كَما ذَكَرْنا في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَما قالَ في قِصَّةِ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] .
والثّانِي: ابْتِلاءُ الشَّرِيفِ بِالوَضِيعِ.
والثّالِثُ: ابْتِلاءُ الذَّكِيِّ بِالأبْلَهِ.
وبِالجُمْلَةِ فَصِفاتُ الكَمالِ مُخْتَلِفَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، ولا تَجْتَمِعُ في إنْسانٍ واحِدٍ البَتَّةَ، بَلْ هي مُوَزَّعَةٌ عَلى الخَلْقِ، وصِفاتُ الكَمالِ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، فَكُلُّ أحَدٍ يَحْسُدُ صاحِبَهُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ.
فَأمّا مَن عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ تَعالى في القَضاءِ والقَدَرِ رَضِيَ بِنَصِيبِ نَفْسِهِ وسَكَتَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْخَلْقِ، وعاشَ عَيْشًا طَيِّبًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ: إنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ إلّا عِنْدَ حُدُوثِها، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ الِافْتِتانَ هو الِاخْتِبارُ والِامْتِحانُ، وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا لِطَلَبِ العِلْمِ. وجَوابُهُ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
الأنعام 6:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: هو عَلى إطْلاقِهِ في كُلِّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَ في أهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ سَألَ المُشْرِكُونَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَرْدَهم وإبْعادَهم، فَأكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهَذا الإكْرامِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى نَهى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلًا عَنْ طَرْدِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُكْرِمَهم بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الإكْرامِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا رَآهم بَدَأهم بِالسَّلامِ ويَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في أُمَّتِي مَن أمَرَنِي أنْ أبْدَأهُ بِالسَّلامِ» «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أنَّ عُمَرَ لَمّا اعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ واسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنها. وقالَ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ما أرَدْتُ بِذَلِكَ إلّا الخَيْرَ. نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وقالَ بَعْضُهم: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ أقْدَمُوا عَلى ذُنُوبٍ، ثُمَّ جاءُوهُ ﷺ مُظْهِرِينَ لِلنَّدامَةِ والأسَفِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، والأقْرَبُ مِن هَذِهِ الأقاوِيلِ أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى عُمُومِها، فَكُلُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ دَخَلَ تَحْتَ هَذا التَّشْرِيفِ.
ولِي هَهُنا إشْكالٌ، وهو أنَّ النّاسَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها هو الأمْرُ الفُلانِيُّ بِعَيْنِهِ ؟
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى أسْرارٍ عالِيَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو آياتُ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، وآياتُ صِفاتِ جَلالِهِ وإكْرامِهِ وكِبْرِيائِهِ، وآياتُ وحْدانِيَّتِهِ، وما سِوى اللَّهِ فَلا نِهايَةَ لَهُ، وما لا نِهايَةَ لَهُ فَلا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ في الوُقُوفِ عَلَيْهِ عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، إلّا أنَّ المُمْكِنَ هو أنْ يَطَّلِعَ عَلى بَعْضِ الآياتِ ويَتَوَسَّلَ بِمَعْرِفَتِها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يُؤْمِنَ بِالبَقِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، ثُمَّ إنَّهُ يَكُونُ مُدَّةَ حَياتِهِ كالسّائِحِ في تِلْكَ القِفارِ، وكالسّابِحِ في تِلْكَ البِحارِ. ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لَها فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِتَرَقِّي العَبْدِ في مَعارِجِ تِلْكَ الآياتِ، وهَذا مُشَرَّعٌ جُمَلِيٌّ لا نِهايَةَ لِتَفاصِيلِهِ. ثُمَّ إنَّ العَبْدَ إذا صارَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ
صفحة ٤
فَعِنْدَ هَذا أمَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَكُونُ هَذا التَّسْلِيمُ بِشارَةً لِحُصُولِ السَّلامَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ بِشارَةً لِحُصُولِ الرَّحْمَةِ عَقِيبَ تِلْكَ السَّلامَةِ. أمّا السَّلامَةُ فَبِالنَّجاةِ مِن بَحْرِ عالَمِ الظُّلُماتِ ومَرْكَزِ الجُسْمانِيّاتِ ومَعْدِنِ الآفاتِ والمُخالَفاتِ ومَوْضِعِ التَّغْيِيراتِ والتَّبْدِيلاتِ، وأمّا الكَراماتُ فَبِالوُصُولِ إلى الباقِياتِ الصّالِحاتِ والمُجَرَّداتِ المُقَدَّساتِ، والوُصُولِ إلى فُسْحَةِ عالَمِ الأنْوارِ والتَّرَقِّي إلى مَعارِجِ سُرادِقاتِ الجَلالِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ الزَّجّاجُ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّ السَّلامَةَ في اللُّغَةِ أرْبَعَةُ أشْياءٍ، فَمِنها سَلَّمْتُ سَلامًا وهو مَعْنى الدُّعاءِ، ومِنها أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ومِنها الإسْلامُ، ومِنها اسْمٌ لِلشَّجَرِ العَظِيمِ، أحْسَبُهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسَلامَتِهِ مِنَ الآفاتِ، وهو أيْضًا اسْمٌ لِلْحِجارَةِ الصُّلْبَةِ، وذَلِكَ أيْضًا لِسَلامَتِها مِنَ الرَّخاوَةِ. ثُمَّ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ السَّلامُ هَهُنا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ سَلَّمْتُ تَسْلِيمًا وسَلامًا مِثْلَ السَّراحِ مِنَ التَّسْرِيحِ، ومَعْنى سَلَّمْتُ عَلَيْهِ سَلامًا، دَعَوْتُ لَهُ بِأنْ يَسْلَمَ مِنَ الآفاتِ في دِينِهِ ونَفْسِهِ؛ فالسَّلامُ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ السَّلامُ جَمْعَ السَّلامَةِ، فَمَعْنى قَوْلِكَ: السَّلامُ عَلَيْكم، السَّلامَةُ عَلَيْكم. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ قَوْمٌ السَّلامُ هو اللَّهُ تَعالى، فَمَعْنى ”السَّلامُ عَلَيْكم“ يَعْنِي: اللَّهُ عَلَيْكم أيْ عَلى حِفْظِكم وهَذا بِعِيدٌ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَنْكِيرِ السَّلامِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ولَوْ كانَ مُعَرَّفًا لَصَحَّ هَذا الوَجْهُ. وأقُولُ كَتَبْتُ فُصُولًا مُشْبِعَةً كامِلَةً في قَوْلِنا سَلامٌ عَلَيْكم وكَتَبْتُها في سُورَةِ التَّوْبَةِ، وهي أجْنَبِيَّةٌ عَنْ هَذا المَوْضِعِ فَإذا نَقَلْتُهُ إلى هَذا المَوْضِعِ كَمُلَ البَحْثُ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ كُتِبَ كَذا عَلى فُلانٍ يُفِيدُ الإيجابَ. وكَلِمَةُ ”عَلى“ أيْضًا تُفِيدُ الإيجابَ، ومَجْمُوعُهُما مُبالَغَةٌ في الإيجابِ. فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهُ سُبْحانَهُ راحِمًا لِعِبادِهِ رَحِيمًا بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، واخْتَلَفَ العُقَلاءُ في سَبَبِ ذَلِكَ الوُجُوبِ فَقالَ أصْحابُنا: لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ في عَبِيدِهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، إلّا أنَّهُ أوْجَبَ الرَّحْمَةَ عَلى نَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والكَرَمِ.
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ كَوْنَهُ عالِمًا بِقُبْحِ القَبائِحِ وعالَمًا بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْها، يَمْنَعُهُ مِنَ الإقْدامِ عَلى القَبائِحِ ولَوْ فَعَلَهُ كانَ ظُلْمًا، والظُّلْمُ قَبِيحٌ، والقَبِيحُ مِنهُ مُحالٌ. وهَذِهِ المَسْألَةُ مِنَ المَسائِلِ الجَلِيَّةِ في عِلْمِ الأُصُولِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ تَسْمِيَةُ ذاتِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّفْسِ وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] يَدُلُّ عَلَيْهِ، والنَّفْسُ هَهُنا بِمَعْنى الذّاتِ والحَقِيقَةِ، وأمّا بِمَعْنى الجِسْمِ والدَّمِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُقَدَّسٌ عَنْهُ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ مُرَكَّبًا والمُرَكَّبُ مُمْكِنٌ وأيْضًا أنَّهُ أحَدٌ، والأحَدُ لا يَكُونُ مُرَكَّبًا، وما لا يَكُونُ مُرَكَّبًا لا يَكُونُ جِسْمًا وأيْضًا أنَّهُ غَنِيٌّ كَما قالَ: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] والغَنِيُّ لا يَكُونُ مُرَكَّبًا وما لا يَكُونُ مُرَكَّبًا لا يَكُونُ جِسْمًا، وأيْضًا الأجْسامُ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَلَوْ كانَ جِسْمًا لَحَصَلَ لَهُ مِثْلٌ، وذَلِكَ باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] فَأمّا الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ فَكَثِيرَةٌ ظاهِرَةٌ باهِرَةٌ قَوِيَّةٌ جَلِيَّةٌ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ يُنافِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ، ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ أبَدَ الآبادِ، ويُنافِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَمْنَعُهُ عَنِ الإيمانِ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ حالَ ذَلِكَ المَنعِ
صفحة ٥
بِالإيمانِ، ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الإيمانِ.
وجَوابُ أصْحابِنا: أنَّهُ ضارٌّ نافِعٌ مُحْيٍ مُمِيتٌ، فَهو تَعالى فَعَلَ تِلْكَ الرَّحْمَةَ البالِغَةَ وفَعَلَ هَذا القَهْرَ البالِغَ ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ كانَ هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى ومِن كَلامِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ لَهم في الدُّنْيا: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وتَحْقِيقُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى وعَدَ أقْوامًا بِأنَّهُ يَقُولُ لَهم بَعْدَ المَوْتِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ثُمَّ إنَّ أقْوامًا أفْنَوْا أعْمارَهم في العُبُودِيَّةِ حَتّى صارُوا في حَياتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ كَأنَّهُمُ انْتَقَلُوا إلى عالَمِ القِيامَةِ، لا جَرَمَ صارَ التَّسْلِيمُ المَوْعُودُ بِهِ بَعْدَ المَوْتِ في حَقِّ هَؤُلاءِ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا، ومِنهم مَن قالَ: لا، بَلْ هَذا كَلامُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وقَوْلُهُ: وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو دَرَجَةٌ عالِيَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا لا يَتَناوَلُ التَّوْبَةَ مِنَ الكُفْرِ؛ لِأنَّ هَذا الكَلامَ خِطابٌ مَعَ الَّذِينَ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ تَوْبَةُ المُسْلِمِ عَنِ المَعْصِيَةِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِجَهالَةٍ﴾ لَيْسَ هو الخَطَأ والغَلَطَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا حاجَةَ بِهِ إلى التَّوْبَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ، أنْ تُقْدِمَ عَلى المَعْصِيَةِ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ بَيانَ أنَّ المُسْلِمَ إذا أقْدَمَ عَلى الذَّنْبِ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ مِنهُ تَوْبَةً حَقِيقِيَّةً فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ (أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم) بِفَتْحِ الألِفِ (فَإنَّهُ غَفُورٌ) بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ فِيهِما، والباقُونَ بِالكَسْرِ فِيهِما. أمّا فَتْحُ الأُولى فَعَلى التَّفْسِيرِ لِلرَّحْمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم. وأمّا فَتْحُ الثّانِيَةِ فَعَلى أنْ يَجْعَلَهُ بَدَلًا مِنَ الأُولى كَقَوْلِهِ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥] وقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن فَتَحَ الأُولى فَقَدْ جَعَلَها بَدَلًا مِنَ الرَّحْمَةِ، وأمّا الَّتِي بَعْدَ الفاءِ فَعَلى أنَّهُ أضْمَرَ لَهُ خَبَرًا تَقْدِيرُهُ: فَلَهُ أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أيْ فَلَهُ غُفْرانُهُ، أوْ أضْمَرَ مُبْتَدَأً يَكُونُ ”أنَّ“ خَبَرَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمْرُهُ أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وأمّا مَن كَسَرَهُما جَمِيعًا فَلِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فَقَدْ تَمَّ هَذا الكَلامُ، ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَدَخَلَتِ الفاءُ جَوابًا لِلْجَزاءِ، وكُسِرَتْ إنَّ لِأنَّها دَخَلَتْ عَلى مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ كَأنَّكَ قُلْتَ فَهو غَفُورٌ رَحِيمٌ. إلّا أنَّ الكَلامَ بِأنَّ أوْكَدُ هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. وقَرَأ نافِعٌ الأُولى بِالفَتْحِ والثّانِيَةَ بِالكَسْرِ؛ لِأنَّهُ أبْدَلَ الأُولى مِنَ الرَّحْمَةِ، واسْتَأْنَفَ ما بَعْدَ الفاءِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ﴾ قالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَن عَمِلَ مَعْصِيَةً فَهو جاهِلٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: إنَّهُ جاهِلٌ بِمِقْدارِ ما فاتَهُ مِنَ الثَّوابِ وما اسْتَحَقَّهُ مِنَ العِقابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وإنْ عَلِمَ أنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الفِعْلِ مَذْمُومَةٌ، إلّا أنَّهُ آثَرَ اللَّذَّةَ العاجِلَةَ عَلى الخَيْرِ الكَثِيرِ الآجِلِ، ومَن آثَرَ القَلِيلَ عَلى الكَثِيرِ قِيلَ في العُرْفِ إنَّهُ جاهِلٌ.
صفحة ٦
وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ جاهِلًا إلّا أنَّهُ لَمّا فَعَلَ ما يَلِيقُ بِالجُهّالِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الجاهِلِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُمَرَ حِينَ أشارَ بِإجابَةِ الكَفَرَةِ إلى ما اقْتَرَحُوهُ، ولَمْ يَعْلَمْ بِأنَّها مَفْسَدَةٌ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ﴾ فَقَوْلُهُ: (تابَ) إشارَةٌ إلى النَّدَمِ عَلى الماضِي، وقَوْلُهُ: (وأصْلَحَ) إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ آتِيًا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَهو غَفُورٌ بِسَبَبِ إزالَةِ العِقابِ، رَحِيمٌ بِسَبَبِ إيصالِ الثَّوابِ الَّذِي هو النِّهايَةُ في الرَّحْمَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ .
المُرادُ كَما فَصَّلْنا لَكَ في هَذِهِ السُّورَةِ دَلائِلَنا عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والقَضاءِ والقَدْرِ، فَكَذَلِكَ نُمَيِّزُ ونُفَصِّلُ لَكَ دَلائِلَنا وحُجَجَنا في تَقْرِيرِ كُلِّ حَقٍّ يُنْكِرُهُ أهْلُ الباطِلِ وقَوْلُهُ: ﴿ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ، وحَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: (لِتَسْتَبِينَ) فَقَرَأ نافِعٌ (لِتَسْتَبِينَ) بِالتّاءِ ”وسَبِيلَ“ بِالنَّصْبِ والمَعْنى لِتَسْتَبِينَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَ هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”لِيَسْتَبِينَ“ بِالياءِ، (سَبِيلُ) بِالرَّفْعِ والباقُونَ بِالتّاءِ و(سَبِيلُ) بِالرَّفْعِ عَلى تَأْنِيثِ سَبِيلٍ. وأهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ السَّبِيلَ، وبَنُو تَمِيمٍ يُذَكِّرُونَهُ. وقَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِهِما فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] وقالَ: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [إبراهيم: ٣] .
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ ؟
قُلْنا: ذِكْرُ أحَدِ القِسْمَيْنِ يَدُلُّ عَلى الثّانِي. كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ. وأيْضًا فالضِّدّانِ إذا كانا بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ بَيْنَهُما واسِطَةٌ، فَمَتى بانَتْ خاصِّيَّةُ أحَدِ القِسْمَيْنِ بانَتْ خاصِّيَّةُ القِسْمِ الآخَرِ والحَقُّ والباطِلُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، فَمَتى اسْتَبانَتْ طَرِيقَةُ المُجْرِمِينَ فَقَدِ اسْتَبانَتْ طَرِيقَةُ المُحِقِّينَ أيْضًا لا مَحالَةَ.
الأنعام 6:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ .
صفحة ٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُفَصِّلُ الآياتِ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ. فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إنَّما يَعْبُدُونَها بِناءً عَلى مَحْضِ الهَوى والتَّقْلِيدِ، لا عَلى سَبِيلِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ؛ لِأنَّها جَماداتٌ وأجْحارٌ وهي أخَسُّ مَرْتَبَةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، وكَوْنُ الأشْرَفِ مُشْتَغِلًا بِعِبادَةِ الأخَسِّ أمْرٌ يَدْفَعُهُ صَرِيحُ العَقْلِ. وأيْضًا إنَّ القَوْمَ كانُوا يَنْحِتُونَ تِلْكَ الأصْنامَ ويُرَكِّبُونَها، ومِنَ المَعْلُومِ بِالبَدِيهَةِ أنَّهُ يَقْبُحُ مِن هَذا العامِلِ الصّانِعِ أنَّهُ يَعْبُدُ مَعْمُولَهُ ومَصْنُوعَهُ. فَثَبَتَ أنَّ عِبادَتَها مَبْنِيَّةٌ عَلى الهَوى، ومُضادَّةٌ لِلْهُدى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَأنا ضالٌّ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ في شَيْءٍ. والمَقْصُودُ كَأنَّهُ يَقُولُ لَهم أنْتُمْ كَذَلِكَ. ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ الهَوى مُتَّبَعًا، نَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ في أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، وكَذَّبْتُمْ أنْتُمْ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الشِّرْكِ. والقَوْمُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ. فَقالَ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي قَوْلَهم: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يُنْزِلُهُ اللَّهُ في الوَقْتِ الَّذِي أرادَ إنْزالَهُ فِيهِ، ولا قُدْرَةَ لِي عَلى تَقْدِيمِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الكُلُّ. والمُرادُ هَهُنا إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ فَقَطْ في تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ ”يَقْضِي الحَقَّ“ أيِ القَضاءَ الحَقَّ في كُلِّ ما يَقْضِي مِنَ التَّأْخِيرِ والتَّعْجِيلِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ أيِ القاضِينَ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ، فَيَمْتَنِعُ مِنهُ فِعْلُ الكُفْرِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ وحَكَمَ بِهِ. وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الأفْعالِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ. واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ”يَقْضِي الحَقَّ“ ومَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما قَضى بِهِ فَهو الحَقُّ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يُرِيدَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ. ولا المَعْصِيَةَ مِنَ العاصِي لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ الحَقَّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ (يَقُصُّ الحَقَّ) بِالصّادِ مِنَ القَصَصِ، يَعْنِي أنَّ كُلَّ ما أنْبَأ بِهِ وأمَرَ بِهِ فَهو مِن أقاصِيصِ الحَقِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقَرَأ الباقُونَ ”يَقْضِ الحَقَّ“ والمَكْتُوبُ في المَصاحِفِ ”يَقْضِ“ بِغَيْرِ ياءٍ؛ لِأنَّها سَقَطَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما كَتَبُوا ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾، ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ وقَوْلُهُ: (يَقْضِ الحَقَّ) قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِ وجْهانِ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”الحَقُّ“ صِفَةَ المَصْدَرِ والتَّقْدِيرُ: يَقْضِ القَضاءَ الحَقَّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يَقْضِ الحَقَّ“ يَصْنَعُ الحَقَّ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ صَنَعَهُ اللَّهُ فَهو حَقٌّ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ”الحَقَّ“ يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ وقَضى بِمَعْنى صَنَعَ. قالَ الهُذَلِيُّ:
وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ
أيْ صَنَعَهُما داوُدُ. واحْتَجَّ أبُو عَمْرٍو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ قالَ: والفَصْلُ يَكُونُ في القَضاءِ، لا في القَصَصِ.
صفحة ٨
أجابَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَقالَ: القَصَصُ هَهُنا بِمَعْنى القَوْلِ. وقَدْ جاءَ الفَصْلُ في القَوْلِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطّارِقِ: ١٣] وقالَ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] وقالَ: ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] .
الأنعام 6:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ .
صفحة ٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُفَصِّلُ الآياتِ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ. فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إنَّما يَعْبُدُونَها بِناءً عَلى مَحْضِ الهَوى والتَّقْلِيدِ، لا عَلى سَبِيلِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ؛ لِأنَّها جَماداتٌ وأجْحارٌ وهي أخَسُّ مَرْتَبَةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، وكَوْنُ الأشْرَفِ مُشْتَغِلًا بِعِبادَةِ الأخَسِّ أمْرٌ يَدْفَعُهُ صَرِيحُ العَقْلِ. وأيْضًا إنَّ القَوْمَ كانُوا يَنْحِتُونَ تِلْكَ الأصْنامَ ويُرَكِّبُونَها، ومِنَ المَعْلُومِ بِالبَدِيهَةِ أنَّهُ يَقْبُحُ مِن هَذا العامِلِ الصّانِعِ أنَّهُ يَعْبُدُ مَعْمُولَهُ ومَصْنُوعَهُ. فَثَبَتَ أنَّ عِبادَتَها مَبْنِيَّةٌ عَلى الهَوى، ومُضادَّةٌ لِلْهُدى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَأنا ضالٌّ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ في شَيْءٍ. والمَقْصُودُ كَأنَّهُ يَقُولُ لَهم أنْتُمْ كَذَلِكَ. ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ الهَوى مُتَّبَعًا، نَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ في أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، وكَذَّبْتُمْ أنْتُمْ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الشِّرْكِ. والقَوْمُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ. فَقالَ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي قَوْلَهم: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يُنْزِلُهُ اللَّهُ في الوَقْتِ الَّذِي أرادَ إنْزالَهُ فِيهِ، ولا قُدْرَةَ لِي عَلى تَقْدِيمِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الكُلُّ. والمُرادُ هَهُنا إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ فَقَطْ في تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ ”يَقْضِي الحَقَّ“ أيِ القَضاءَ الحَقَّ في كُلِّ ما يَقْضِي مِنَ التَّأْخِيرِ والتَّعْجِيلِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ أيِ القاضِينَ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ، فَيَمْتَنِعُ مِنهُ فِعْلُ الكُفْرِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ وحَكَمَ بِهِ. وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الأفْعالِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ. واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ”يَقْضِي الحَقَّ“ ومَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما قَضى بِهِ فَهو الحَقُّ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يُرِيدَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ. ولا المَعْصِيَةَ مِنَ العاصِي لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ الحَقَّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ (يَقُصُّ الحَقَّ) بِالصّادِ مِنَ القَصَصِ، يَعْنِي أنَّ كُلَّ ما أنْبَأ بِهِ وأمَرَ بِهِ فَهو مِن أقاصِيصِ الحَقِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقَرَأ الباقُونَ ”يَقْضِ الحَقَّ“ والمَكْتُوبُ في المَصاحِفِ ”يَقْضِ“ بِغَيْرِ ياءٍ؛ لِأنَّها سَقَطَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما كَتَبُوا ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾، ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ وقَوْلُهُ: (يَقْضِ الحَقَّ) قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِ وجْهانِ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”الحَقُّ“ صِفَةَ المَصْدَرِ والتَّقْدِيرُ: يَقْضِ القَضاءَ الحَقَّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يَقْضِ الحَقَّ“ يَصْنَعُ الحَقَّ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ صَنَعَهُ اللَّهُ فَهو حَقٌّ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ”الحَقَّ“ يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ وقَضى بِمَعْنى صَنَعَ. قالَ الهُذَلِيُّ:
وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ
أيْ صَنَعَهُما داوُدُ. واحْتَجَّ أبُو عَمْرٍو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ قالَ: والفَصْلُ يَكُونُ في القَضاءِ، لا في القَصَصِ.
صفحة ٨
أجابَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَقالَ: القَصَصُ هَهُنا بِمَعْنى القَوْلِ. وقَدْ جاءَ الفَصْلُ في القَوْلِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطّارِقِ: ١٣] وقالَ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] وقالَ: ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] .
الأنعام 6:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ .
صفحة ٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُفَصِّلُ الآياتِ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ. فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إنَّما يَعْبُدُونَها بِناءً عَلى مَحْضِ الهَوى والتَّقْلِيدِ، لا عَلى سَبِيلِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ؛ لِأنَّها جَماداتٌ وأجْحارٌ وهي أخَسُّ مَرْتَبَةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، وكَوْنُ الأشْرَفِ مُشْتَغِلًا بِعِبادَةِ الأخَسِّ أمْرٌ يَدْفَعُهُ صَرِيحُ العَقْلِ. وأيْضًا إنَّ القَوْمَ كانُوا يَنْحِتُونَ تِلْكَ الأصْنامَ ويُرَكِّبُونَها، ومِنَ المَعْلُومِ بِالبَدِيهَةِ أنَّهُ يَقْبُحُ مِن هَذا العامِلِ الصّانِعِ أنَّهُ يَعْبُدُ مَعْمُولَهُ ومَصْنُوعَهُ. فَثَبَتَ أنَّ عِبادَتَها مَبْنِيَّةٌ عَلى الهَوى، ومُضادَّةٌ لِلْهُدى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَأنا ضالٌّ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ في شَيْءٍ. والمَقْصُودُ كَأنَّهُ يَقُولُ لَهم أنْتُمْ كَذَلِكَ. ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ الهَوى مُتَّبَعًا، نَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ في أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، وكَذَّبْتُمْ أنْتُمْ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الشِّرْكِ. والقَوْمُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ. فَقالَ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي قَوْلَهم: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يُنْزِلُهُ اللَّهُ في الوَقْتِ الَّذِي أرادَ إنْزالَهُ فِيهِ، ولا قُدْرَةَ لِي عَلى تَقْدِيمِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الكُلُّ. والمُرادُ هَهُنا إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ فَقَطْ في تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ ”يَقْضِي الحَقَّ“ أيِ القَضاءَ الحَقَّ في كُلِّ ما يَقْضِي مِنَ التَّأْخِيرِ والتَّعْجِيلِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ أيِ القاضِينَ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ، فَيَمْتَنِعُ مِنهُ فِعْلُ الكُفْرِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ وحَكَمَ بِهِ. وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الأفْعالِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ. واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ”يَقْضِي الحَقَّ“ ومَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما قَضى بِهِ فَهو الحَقُّ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يُرِيدَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ. ولا المَعْصِيَةَ مِنَ العاصِي لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ الحَقَّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ (يَقُصُّ الحَقَّ) بِالصّادِ مِنَ القَصَصِ، يَعْنِي أنَّ كُلَّ ما أنْبَأ بِهِ وأمَرَ بِهِ فَهو مِن أقاصِيصِ الحَقِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقَرَأ الباقُونَ ”يَقْضِ الحَقَّ“ والمَكْتُوبُ في المَصاحِفِ ”يَقْضِ“ بِغَيْرِ ياءٍ؛ لِأنَّها سَقَطَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما كَتَبُوا ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾، ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ وقَوْلُهُ: (يَقْضِ الحَقَّ) قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِ وجْهانِ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”الحَقُّ“ صِفَةَ المَصْدَرِ والتَّقْدِيرُ: يَقْضِ القَضاءَ الحَقَّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يَقْضِ الحَقَّ“ يَصْنَعُ الحَقَّ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ صَنَعَهُ اللَّهُ فَهو حَقٌّ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ”الحَقَّ“ يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ وقَضى بِمَعْنى صَنَعَ. قالَ الهُذَلِيُّ:
وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ
أيْ صَنَعَهُما داوُدُ. واحْتَجَّ أبُو عَمْرٍو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ قالَ: والفَصْلُ يَكُونُ في القَضاءِ، لا في القَصَصِ.
صفحة ٨
أجابَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَقالَ: القَصَصُ هَهُنا بِمَعْنى القَوْلِ. وقَدْ جاءَ الفَصْلُ في القَوْلِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطّارِقِ: ١٣] وقالَ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] وقالَ: ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] .
الأنعام 6:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكم واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَعْنى ﴿لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ أيْ في قُدْرَتِي وإمْكانِي ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ لَأهْلَكْتُكم عاجِلًا غَضَبًا لِرَبِّي، واقْتِصاصًا مِن تَكْذِيبِكم بِهِ، ولَتَخَلَّصْتُ سَرِيعًا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ وبِما يَجِبُ في الحِكْمَةِ مِن وقْتِ عِقابِهِمْ ومِقْدارِهِ، والمَعْنى: إنِّي لا أعْلَمُ وقْتَ عُقُوبَةِ الظّالِمِينَ. واللَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ذَلِكَ فَهو يُؤَخِّرُهُ إلى وقْتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ سُبْحانَهُ هو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَهو يُعَجِّلُ ما تَعْجِيلُهُ أصْلَحُ ويُؤَخِّرُ ما تَأْخِيرُهُ أصْلَحُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ ومَفْتَحٍ، والمِفْتَحُ بِالكَسْرِ المِفْتاحُ الَّذِي يُفْتَحُ بِهِ، والمَفْتَحُ بِفَتْحِ المِيمِ الخِزانَةُ وكُلُّ خِزانَةٍ كانَتْ لِصِنْفٍ مِنَ الأشْياءِ فَهو مَفْتَحٌ، قالَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] يَعْنِي خَزائِنَهُ فَلَفْظُ المَفاتِحِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المَفاتِيحَ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنهُ الخَزائِنَ. أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، فَقَدْ جَعَلَ لِلْغَيْبِ مَفاتِيحَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ المَفاتِيحَ يُتَوَصَّلُ بِها إلى ما في الخَزائِنِ المُسْتَوْثَقِ مِنها بِالأغْلاقِ والأقْفالِ، فالعالِمُ بِتِلْكَ المَفاتِيحِ وكَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِها في فَتْحِ تِلْكَ الأغْلاقِ والأقْفالِ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَوَصَّلَ بِتِلْكَ المَفاتِيحِ إلى ما في تِلْكَ الخَزائِنِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا الحَقُّ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِالعِبارَةِ المَذْكُورَةِ وقُرِئَ ”مَفاتِيحُ“ . وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فالمَعْنى وعِنْدَهُ خَزائِنُ الغَيْبِ. فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ العِلْمَ بِالغَيْبِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي المُرادُ مِنهُ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ المُمَكِناتِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ عَجِيبٌ مُفَرَّعٌ عَلى أُصُولِهِمْ فَإنَّهم قالُوا: ثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ
صفحة ٩
بِالمَعْلُولِ، وأنَّ العِلْمَ بِالمَعْلُولِ لا يَكُونُ عِلَّةً لِلْعِلْمِ بِالعِلَّةِ. قالُوا: وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المَوْجُودُ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى. وكُلُّ ما سِواهُ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِتَأْثِيرِ الواجِبِ لِذاتِهِ وكُلُّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ فَهو مَوْجُودٌ بِإيجادِهِ كائِنٌ بِتَكْوِينِهِ واقِعٌ بِإيقاعِهِ. إمّا بِغَيْرِ واسِطَةٍ وإمّا بِواسِطَةٍ واحِدَةٍ وإمّا بِوَسائِطَ كَثِيرَةٍ عَلى التَّرْتِيبِ النّازِلِ مِن عِنْدِهِ طُولًا وعَرْضًا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عِلْمُهُ بِذاتِهِ يُوجِبُ عِلْمَهُ بِالأثَرِ الأوَّلِ الصّادِرِ مِنهُ، ثُمَّ عِلْمُهُ بِذَلِكَ الأثَرِ الأوَّلِ يُوجِبُ عِلْمَهُ بِالأثَرِ الثّانِي؛ لِأنَّ الأثَرَ الأوَّلَ عِلَّةٌ قَرِيبَةٌ لِلْأثَرِ الثّانِي. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَعْلُولِ فَبِهَذا عِلْمُ الغَيْبِ لَيْسَ إلّا عِلْمَ الحَقِّ بِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ مِن عَلْمِهِ بِذاتِهِ عِلْمُهُ بِالآثارِ الصّادِرَةِ عَنْهُ عَلى تَرْتِيبِها المُعْتَبَرِ، ولَمّا كانَ عِلْمُهُ بِذاتِهِ لَمْ يَحْصُلْ إلّا لِذاتِهِ لا جَرَمَ صَحَّ أنْ يُقالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ فَهَذا هو طَرِيقَةُ هَؤُلاءِ الفِرْقَةِ الَّذِينَ فَسَّرُوا هَذِهِ الآيَةَ بِناءً عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ هَهُنا دَقِيقَةً أُخْرى، وهي: أنَّ القَضايا العَقْلِيَّةَ المَحْضَةَ يَصْعُبُ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِها عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ إلّا لِلْعُقَلاءِ الكامِلِينَ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا الإعْراضَ عَنْ قَضايا الحِسِّ والخَيالِ، وألِفُوا اسْتِحْضارَ المَعْقُولاتِ المُجَرَّدَةِ، ومِثْلُ هَذا الإنْسانِ يَكُونُ كالنّادِرِ وقَوْلُهُ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ قَضِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ مَحْضَةٌ مُجَرَّدَةٌ، فالإنْسانُ الَّذِي يَقْوى عَقْلُهُ عَلى الإحاطَةِ بِمَعْنى هَذِهِ القَضِيَّةِ نادِرٌ جِدًّا. والقُرْآنُ إنَّما أُنْزِلَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ جَمِيعُ الخَلْقِ. فَهَهُنا طَرِيقٌ آخَرُ وهو أنَّ مَن ذَكَرَ القَضِيَّةَ العَقْلِيَّةَ المَحْضَةَ المُجَرَّدَةَ، فَإذا أرادَ إيصالَها إلى عَقْلِ كُلِّ أحَدٍ ذَكَرَ لَها مِثالًا مِنَ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ القَضِيَّةِ العَقْلِيَّةِ الكُلِّيَّةِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ المَعْقُولُ بِمُعاوَنَةِ هَذا المِثالِ المَحْسُوسِ مَفْهُومًا لِكُلِّ أحَدٍ، والأمْرُ في هَذِهِ الآيَةِ ورَدَ عَلى هَذا القانُونِ؛ لِأنَّهُ قالَ أوَّلًا: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ ثُمَّ أكَّدَ هَذا المَعْقُولَ الكُلِّيَّ المُجَرَّدَ بِجُزْئِيٍّ مَحْسُوسٍ فَقالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ أقْسامِ مَعْلُوماتِ اللَّهِ هو جَمِيعُ دَوابِّ البَرِّ والبَحْرِ. والحِسُّ والخَيالُ قَدْ وقَفَ عَلى عَظَمَةِ أحْوالِ البَرِّ والبَحْرِ، فَذِكْرُ هَذا المَحْسُوسِ يَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةِ عَظَمَةِ ذَلِكَ المَعْقُولِ.
وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ البَرِّ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ شاهَدَ أحْوالَ البَرِّ، وكَثْرَةَ ما فِيهِ مِنَ المُدُنِ والقُرى والمَفاوِزِ والجِبالِ والتِّلالِ، وكَثْرَةَ ما فِيها مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ والمَعادِنِ. وأمّا البَحْرُ فَإحاطَةُ العَقْلِ بِأحْوالِهِ أقَلُّ إلّا أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَجائِبَ البِحارِ في الجُمْلَةِ أكْثَرُ، وطُولَها وعَرْضَها أعْظَمُ، وما فِيها مِنَ الحَيَواناتِ وأجْناسِ المَخْلُوقاتِ أعْجَبُ. فَإذا اسْتَحْضَرَ الخَيالُ صُورَةَ البَحْرِ والبَرِّ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ. ثُمَّ عَرَفَ أنَّ مَجْمُوعَها قِسْمٌ حَقِيرٌ مِنَ الأقْسامِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ فَيَصِيرُ هَذا المِثالُ المَحْسُوسُ مُقَوِّيًا ومُكَمِّلًا لِلْعَظَمَةِ الحاصِلَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَما كَشَفَ عَنْ عَظَمَةِ قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ بِذِكْرِ البَرِّ والبَحْرِ كَشَفَ عَنْ عَظَمَةِ البَرِّ والبَحْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها﴾ وذَلِكَ لِأنَّ العَقْلَ يَسْتَحْضِرُ جَمِيعَ ما في وجْهِ الأرْضِ مِنَ المُدُنِ والقُرى والمَفاوِزِ والجِبالِ والتِّلالِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ كَمْ فِيها مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ أنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ حالُ ورَقَةٍ إلّا والحَقُّ سُبْحانَهُ يَعْلَمُها، ثُمَّ يَتَجاوَزُ مِن هَذا المِثالِ إلى مِثالٍ آخَرٍ أشَدَّ هَيْئَةً مِنهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الحَبَّةَ في غايَةِ الصِّغَرِ وظُلُماتُ الأرْضِ مَوْضِعٌ يَبْقى أكْبَرُ الأجْسامِ وأعْظَمُها
صفحة ١٠
مَخْفِيًّا فِيها، فَإذا سَمِعَ أنَّ تِلْكَ الحَبَّةَ الصَّغِيرَةَ المُلْقاةَ في ظُلُماتِ الأرْضِ عَلى اتِّساعِها وعَظَمَتِها لا تَخْرُجُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى البَتَّةَ، صارَتْ هَذِهِ الأمْثِلَةُ مُنَبِّهَةً عَلى عَظَمَةٍ عَظِيمَةٍ وجَلالَةٍ عالِيَةٍ مِنَ المَعْنى المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ بِحَيْثُ تَتَحَيَّرُ العُقُولُ فِيها وتَتَقاصَرُ الأفْكارُ والألْبابُ عَنِ الوُصُولِ إلى مَبادِيها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قَوّى أمْرَ ذَلِكَ المَعْقُولِ المَحْضِ المُجَرَّدِ بِذِكْرِ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ المَحْسُوسَةِ فَبَعْدَ ذِكْرِها عادَ إلى ذِكْرِ تِلْكَ القَضِيَّةِ العَقْلِيَّةِ المَحْضَةِ المُجَرَّدَةِ بِعِبارَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهو عَيْنُ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ فَهَذا ما عَقَلْناهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ العالِيَةِ. ومِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُتَكَلِّمُونَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى فاعِلُ العالَمِ بِجَواهِرِهِ وأعْراضِهِ عَلى سَبِيلِ الإحْكامِ والإتْقانِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِها فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِها والحُكَماءُ قالُوا: إنَّهُ تَعالى مَبْدَأٌ لِجَمِيعِ المُمْكِناتِ، والعِلْمُ بِالمَبْدَأِ يُوجِبُ العِلْمَ بِالأثَرِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِكُلِّها:
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مِن أدَلَّ الدَّلائِلِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ الزَّمانِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى مَبْدَأٌ لِكُلِّ ما سِواهُ وجَبَ كَوْنُهُ مَبْدَأً لِهَذِهِ الجُزْئِيّاتِ بِالأثَرِ. فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِهَذِهِ التَّغَيُّراتِ والزَّمانِيّاتِ مِن حَيْثُ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ وزَمانِيَّةٌ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ عِنْدَهُ لا عِنْدَ غَيْرِهِ. ولَوْ حَصَلَ مَوْجُودٌ آخَرُ واجِبُ الوُجُودِ لَكانَ مَفاتِحُ الغَيْبِ حاصِلَةً أيْضًا عِنْدَ ذَلِكَ الآخَرِ، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ الحَصْرُ. وأيْضًا فَكَما أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى هَذا التَّوْحِيدِ، فَكَذَلِكَ البُرْهانُ العَقْلِيُّ يُساعِدُ عَلَيْهِ. وتَقْرِيرُهُ: أنَّ المَبْدَأ لِحُصُولِ العِلْمِ بِالآثارِ والنَّتائِجِ والصَّنائِعِ هو العِلْمُ بِالمُؤَثِّرِ، والمُؤَثِّرُ الأوَّلُ في كُلِّ المُمْكِناتِ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ. فالمَفْتَحُ الأوَّلُ لِلْعِلْمِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ هو العِلْمُ بِهِ سُبْحانَهُ، لَكِنَّ العِلْمَ بِهِ لَيْسَ إلّا لَهُ لِأنَّ ما سِواهُ أثَرٌ والعِلْمُ بِالأثَرِ لا يُفِيدُ العِلْمَ بِالمُؤَثِّرِ. فَظَهَرَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّ مَفاتِحَ الغَيْبِ لَيْسَتْ إلّا عِنْدَ الحَقِّ سُبْحانَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ”ولا حَبَّةٌ، ولا رَطْبٌ، ولا يابِسٌ“ بِالرَّفْعِ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلٍّ مِن ورَقَةٍ.
وأنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ كَقَوْلِكَ: لا رَجُلَ مِنهم ولا امْرَأةٌ إلّا في الدّارِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الكِتابَ المُبِينَ هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى لا غَيْرَ. وهَذا هو الصَّوابُ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ جَلَّ ثَناؤُهُ أثْبَتَ كَيْفِيَّةَ المَعْلُوماتِ في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] .
وفائِدَةُ هَذا الكِتابِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى إنَّما كَتَبَ هَذِهِ الأحْوالَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لِتَقِفَ المَلائِكَةُ عَلى نَفاذِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى في المَعْلُوماتِ، وأنَّهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ مِمّا في السَّماواتِ والأرْضِ شَيْءٌ. فَيَكُونُ في ذَلِكَ عِبْرَةٌ تامَّةٌ كامِلَةٌ لِلْمَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ لِأنَّهم يُقابِلُونَ بِهِ ما يَحْدُثُ في صَحِيفَةِ هَذا العالَمِ فَيَجِدُونَهُ مُوافِقًا لَهُ.
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما ذَكَرَ مِنَ الوَرَقَةِ والحَبَّةِ تَنْبِيهًا لِلْمُكَلَّفِينَ عَلى أمْرِ الحِسابِ وإعْلامًا بِأنَّهُ لا يَفُوتُهُ مِن كُلِّ ما يَصْنَعُونَ في الدُّنْيا شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ
صفحة ١١
لا يُهْمِلُ الأحْوالَ الَّتِي لَيْسَ فِيها ثَوابٌ ولا عِقابٌ ولا تَكْلِيفٌ، فَبِأنْ لا يُهْمِلَ الأحْوالَ المُشْتَمِلَةَ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ أوْلى.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى عَلِمَ أحْوالَ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ فَيَمْتَنِعُ تَغْيِيرُها عَنْ مُقْتَضى ذَلِكَ العِلْمِ، وإلّا لَزِمَ الجَهْلُ. فَإذا كَتَبَ أحْوالَ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ في ذَلِكَ الكِتابِ عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ امْتَنَعَ أيْضًا تَغْيِيرُها وإلّا لَزِمَ الكَذِبُ فَتَصِيرُ كِتْبَةُ جُمْلَةِ الأحْوالِ في ذَلِكَ الكِتابِ مُوجِبًا تامًّا وسَبَبًا كامِلًا في أنَّهُ يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُ ما تَأخَّرَ، وتَأخُّرُ ما تَقَدَّمَ كَما قالَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: «جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَمالَ عِلْمِهِ بِالآيَةِ الأُولى بَيَّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ وهو كَوْنُهُ قادِرًا عَلى نَقْلِ الذَّواتِ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ومِنَ النَّوْمِ إلى اليَقَظَةِ، واسْتِقْلالُهُ يَحْفَظُها في جَمِيعِ الأحْوالِ، وتَدْبِيرُها عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ حالَةَ النَّوْمِ واليَقَظَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى يُنِيمُكم فَيَتَوَفّى أنْفُسَكُمُ الَّتِي بِها تَقْدِرُونَ عَلى الإدْراكِ والتَّمْيِيزِ كَما قالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ﴾ [الزمر: ٤٢]، فاللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ يَقْبِضُ الأرْواحَ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالنَّوْمِ كَما يَقْبِضُها بِالمَوْتِ، وهَهُنا بَحْثٌ: وهو أنَّ النّائِمَ لا شَكَّ أنَّهُ حَيٌّ، ومَتى كانَ حَيًّا لَمْ تَكُنْ رُوحُهُ مَقْبُوضَةً البَتَّةَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَوَفّاهُ فَلا بُدَّ هَهُنا مِن تَأْوِيلٍ وهو أنَّ حالَ النَّوْمِ تَغُورُ الأرْواحُ الحَسّاسَةُ مِنَ الظّاهِرِ في الباطِنِ فَصارَتِ الحَواسُّ الظّاهِرَةُ مُعَطَّلَةً عَنْ أعْمالِها، فَعِنْدَ النَّوْمِ صارَ ظاهِرُ الجَسَدِ مُعَطَّلًا عَنْ بَعْضِ الأعْمالِ، وعِنْدَ المَوْتِ صارَتْ جُمْلَةُ البَدَنِ مُعَطَّلَةً عَنْ كُلِّ الأعْمالِ، فَحَصَلَ بَيْنَ النَّوْمِ وبَيْنَ المَوْتِ مُشابَهَةٌ مِن هَذا الِاعْتِبارِ، فَصَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ الوَفاةِ والمَوْتِ عَلى النَّوْمِ مِن هَذا الوَجْهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ يُرِيدُ ما كَسَبْتُمْ مِنَ العَمَلِ بِالنَّهارِ قالَ تَعالى: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ والمُرادُ مِنها الكَواسِبُ مِنَ الطَّيْرِ والسِّباعِ واحِدَتُها جارِحَةٌ. قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [ الجاثِيَةِ: ٢١] أيِ اكْتَسَبُوا. وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِنهُ أعْمالُ الجَوارِحِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ أيْ يَرُدُّ إلَيْكم أرْواحَكم في النَّهارِ، والبَعْثُ هَهُنا اليَقَظَةُ. ثُمَّ قالَ: ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ أيْ أعْمارُكُمُ المَكْتُوبَةُ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢] والمَعْنى يَبْعَثُكم مِن نَوْمِكم إلى أنْ تَبْلُغُوا آجالَكم، ومَعْنى القَضاءِ: فَصْلُ الأمْرِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ، ومَعْنى قَضاءِ الأجَلِ: فَصْلُ مُدَّةِ العُمْرِ مِن غَيْرِها بِالمَوْتِ.
صفحة ١٢
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يُنِيمُهم أوَّلًا ثُمَّ يُوقِظُهم ثانِيًا كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى الإحْياءِ بَعْدَ الإماتَةِ، لا جَرَمَ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في لَيْلِكم ونَهارِكم وفي جَمِيعِ أحْوالِكم وأعْمالِكم.
الأنعام 6:61
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ حِكْمَتِهِ. وتَقْرِيرُهُ أنّا بَيَّنّا فِيما سَبَقَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الفَوْقِيَّةَ بِالمَكانِ والجِهَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها الفَوْقِيَّةَ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ، كَما يُقالُ: أمْرُ فُلانٍ فَوْقَ أمْرِ فُلانٍ بِمَعْنى أنَّهُ أعْلى وأنْفَذُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ومِمّا يُؤَكِّدُ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهو القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا القَهْرَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ هَذِهِ الفَوْقِيَّةِ، والفَوْقِيَّةُ المُفِيدَةُ لِصِفَةِ القَهْرِ هي الفَوْقِيَّةُ بِالقُدْرَةِ لا الفَوْقِيَّةُ بِالجِهَةِ، إذِ المَعْلُومُ أنَّ المُرْتَفِعَ في المَكانِ قَدْ يَكُونُ مَقْهُورًا. وتَقْرِيرُ هَذا القَهْرِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَهّارٌ لِلْعَدَمِ بِالتَّكْوِينِ والإيجادِ.
والثّانِي: أنَّهُ قَهّارٌ لِلْوُجُودِ بِالإفْناءِ والإفْسادِ فَإنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَنْقُلُ المُمْكِنَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ تارَةً ومِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ أُخْرى. فَلا وُجُودَ إلّا بِإيجادِهِ ولا عَدَمَ إلّا بِإعْدامِهِ في المُمْكِناتِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَهّارٌ لِكُلِّ ضِدٍّ بِضِدِّهِ فَيَقْهَرُ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ والظُّلْمَةَ بِالنُّورِ، والنَّهارَ بِاللَّيْلِ واللَّيْلَ بِالنَّهارِ. وتَمامُ تَقْرِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
وإذا عَرَفْتَ مَنهَجَ الكَلامِ، فاعْلَمْ أنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَلَهُ ضِدٌّ، فالفَوْقُ ضِدُّهُ التَّحْتُ، والماضِي ضِدُّهُ المُسْتَقْبَلُ، والنُّورُ ضِدُّهُ الظُّلْمَةُ، والحَياةُ ضِدُّها المَوْتُ، والقُدْرَةُ ضِدُّها العَجْزُ. وتَأمَّلْ في سائِرِ الأحْوالِ والصِّفاتِ لِتَعْرِفَ أنَّ حُصُولَ التَّضادِّ بَيْنَها يَقْضِي عَلَيْها بِالمَقْهُورِيَّةِ والعَجْزِ والنُّقْصانِ، وحُصُولُ هَذِهِ الصِّفاتِ في المُمْكِناتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَها مُدَبِّرًا قادِرًا قاهِرًا مُنَزَّهًا عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ، مُقَدَّسًا عَنِ الشَّبِيهِ والشَّكْلِ، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .
والرّابِعُ: أنَّ هَذا البَدَنَ مُؤَلَّفٌ مِنَ الطَّبائِعِ الأرْبَعِ، وهي مُتَنافِرَةٌ مُتَباغِضَةٌ مُتَباعِدَةٌ بِالطَّبْعِ والخاصَّةِ، فاجْتِماعُها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِقَسْرِ قاسِرٍ، وأخْطَأ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ القاسِرَ هو النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ سِينا في الإشاراتِ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ النَّفْسِ بِالبَدَنِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ المِزاجِ واعْتِدالِ الأمْشاجِ، والقاهِرُ لِهَذِهِ الطَّبائِعِ عَلى الِاجْتِماعِ سابِقٌ عَلى هَذا الِاجْتِماعِ، والسّابِقُ عَلى حُصُولِ الِاجْتِماعِ مُغايِرٌ لِلْمُتَأخِّرِ عَنْ حُصُولِ الِاجْتِماعِ، فَثَبَتَ أنَّ القاهِرَ لِهَذِهِ الطَّبائِعِ عَلى الِاجْتِماعِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ وأيْضًا فالجَسَدُ كَثِيفٌ سُفْلِيٌّ ظُلْمانِيٌّ فاسِدٌ عَفِنٌ، والرُّوحُ لَطِيفٌ عُلْوِيٌّ نُورانِيٌّ مُشْرِقٌ باقٍ طاهِرٌ نَظِيفٌ، فَبَيْنَهُما أشَدُّ المُنافَرَةِ والمُباعَدَةِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ بَيْنَهُما
صفحة ١٣
عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والقُدْرَةِ، وجَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَكْمَلًا بِصاحِبِهِ مُنْتَفِعًا بِالآخَرِ. فالرُّوحُ تَصُونُ البَدَنَ عَنِ العُفُونَةِ والفَسادِ والتَّفَرُّقِ، والبَدَنُ يَصِيرُ آلَةً لِلرُّوحِ في تَحْصِيلِ السِّعاداتِ الأبَدِيَّةِ، والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، فَهَذا الِاجْتِماعُ وهَذا الِانْتِفاعُ لَيْسَ إلّا بِقَهْرِ اللَّهِ تَعالى لِهَذِهِ الطَّبائِعِ، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ وأيْضًا فَعِنْدَ دُخُولِ الرُّوحِ في الجَسَدِ أعْطى الرُّوحَ قُدْرَةً عَلى فِعْلِ الضِّدَّيْنِ، ومُكْنَةً مِنَ الطَّرَفَيْنِ إلّا أنَّهُ يَمْتَنِعُ رُجْحانُ الفِعْلِ عَلى التَّرْكِ تارَةً والتَّرْكِ عَلى الفِعْلِ أُخْرى إلّا عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ المُعارِضِ. فَلَمّا لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ امْتَنَعَ الفِعْلُ والتَّرْكُ، فَكانَ إقْدامُ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ تارَةً وعَلى التَّرْكِ أُخْرى بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قَلْبِهِ مِنَ اللَّهِ يَجْرِي مَجْرى القَهْرِ، فَكانَ قاهِرًا لِعِبادِهِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وإذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الأبْوابَ عَلِمْتَ أنَّ المُمْكِناتِ والمُبْدِعاتِ والعُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ والذَّواتِ والصِّفاتِ كُلَّها مَقْهُورَةٌ تَحْتَ قَهْرِ اللَّهِ مُسَخَّرَةٌ تَحْتَ تَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ فالمُرادُ أنَّ مِن جُمْلَةِ قَهْرِهِ لِعِبادِهِ إرْسالَ الحَفَظَةِ عَلَيْهِمْ وهَؤُلاءِ الحَفَظَةُ هُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١] واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن حُضُورِ هَؤُلاءِ الحَفَظَةِ ضَبْطُ الأعْمالِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهم يَكْتُبُونَ الطّاعاتِ والمَعاصِيَ والمُباحاتِ بِأسْرِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ مَعَ كُلِّ إنْسانٍ مَلَكَيْنِ: أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ يَسارِهِ، فَإذا تَكَلَّمَ الإنْسانُ بِحَسَنَةٍ كَتَبَها مَن عَلى اليَمِينِ، وإذا تَكَلَّمَ بِسَيِّئَةٍ قالَ مَن عَلى اليَمِينِ لِمَن عَلى اليَسارِ: انْتَظِرْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ مِنها، فَإنْ لَمْ يَتُبْ كَتَبَ عَلَيْهِ. والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ يُفِيدُ حَفَظَةَ الكُلِّ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اطِّلاعَ هَؤُلاءِ الحَفَظَةِ عَلى الأقْوالِ والأفْعالِ، أمّا عَلى صِفاتِ القُلُوبِ وهي العِلْمُ والجَهْلُ فَلَيْسَ في هَذِهِ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى اطِّلاعِهِمْ عَلَيْها. أمّا في الأقْوالِ، فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وأمّا في الأعْمالِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠- ١٢] فَأمّا الإيمانُ والكُفْرُ والإخْلاصُ والإشْراكُ فَلَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى اطِّلاعِ المَلائِكَةِ عَلَيْها.
البَحْثُ الثّالِثُ: ذَكَرُوا في فائِدَةِ جَعْلِ المَلائِكَةِ مُوَكَّلِينَ عَلى بَنِي آدَمَ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ مُوَكَّلُونَ بِهِ يُحْصُونَ عَلَيْهِ أعْمالَهُ ويَكْتُبُونَها في صَحائِفَ تُعْرَضُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في مَواقِفِ القِيامَةِ كانَ ذَلِكَ أزْجَرَ لَهُ عَنِ القَبائِحِ.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ في الكِتابَةِ أنْ يَكُونَ الفائِدَةُ فِيها أنْ تُوزَنَ تِلْكَ الصَّحائِفُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ وزْنَ الأعْمالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، أمّا وزْنُ الصَّحائِفِ فَمُمْكِنٌ.
الثّالِثُ: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ. ويَجِبُ عَلَيْنا الإيمانُ بِكُلِّ ما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ سَواءٌ عَقَلْنا الوَجْهَ فِيهِ أوْ لَمْ نَعْقِلْ، فَهَذا حاصِلُ ما قالَهُ أهَلُّ الشَّرِيعَةِ. وأمّا أهْلُ الحِكْمَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم في هَذا البابِ عَلى وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ المُتَأخِّرُونَ مِنهم: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَهْرِ أنَّهُ خَلَطَ الطَّبائِعَ المُتَضادَّةَ ومَزَجَ بَيْنَ العَناصِرِ المُتَنافِرَةِ، فَلَمّا حَصَلَ بَيْنَها امْتِزاجٌ اسْتَعَدَّ ذَلِكَ المُمْتَزِجُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِامْتِزاجِ
صفحة ١٤
لِقَبُولِ النَّفْسِ المُدَبِّرَةِ والقُوى الحِسِّيَّةِ والحَرَكِيَّةِ والنُّطْقِيَّةِ، فَقالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ تِلْكَ النُّفُوسُ والقُوى، فَإنَّها هي الَّتِي تَحْفَظُ تِلْكَ الطَّبائِعَ المَقْهُورَةَ عَلى امْتِزاجاتِها.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُ بَعْضِ القُدَماءِ أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ والأرْواحَ الإنْسانِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِجَواهِرِها مُتَبايِنَةٌ بِماهِيّاتِها، فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ وبَعْضُها شِرِّيرَةٌ، وكَذا القَوْلُ في الذَّكاءِ والبَلادَةِ والحُرِّيَّةِ والنَّذالَةِ والشَّرَفِ والدَّناءَةِ وغَيْرِها مِنَ الصِّفاتِ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ رُوحٌ سَماوِيٌّ هو لَها كالأبِ الشَّفِيقِ والسَّيِّدِ الرَّحِيمِ يُعِينُها عَلى مُهِمّاتِها في يَقَظاتِها ومَناماتِها تارَةً عَلى سَبِيلِ الرُّؤْيا، وأُخْرى عَلى سَبِيلِ الإلْهاماتِ فالأرْواحُ الشِّرِّيرَةُ لَها مَبادِئُ مِن عالَمِ الأفْلاكِ، وكَذا الأرْواحُ الخَيِّرَةُ، وتِلْكَ المَبادِئُ تُسَمّى في مُصْطَلَحِهِمْ بِالطِّباعِ التّامِّ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الأرْواحَ الفَلَكِيَّةَ في تِلْكَ الطَّبائِعِ والأخْلاقِ تامَّةٌ كامِلَةٌ، وهَذِهِ الأرْواحَ السُّفْلِيَّةَ المُتَوَلِّدَةَ مِنها أضْعَفُ مِنها؛ لِأنَّ المَعْلُولَ في كُلِّ بابٍ أضْعَفُ مِن عِلَّتِهِ ولِأصْحابِ الطَّلْسَماتِ والعَزائِمِ الرُّوحانِيَّةِ في هَذا البابِ كَلامٌ كَثِيرٌ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: النَّفْسُ المُتَعَلِّقَةُ بِهَذا الجَسَدِ. لا شَكَّ في أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ عَنِ الأجْسادِ لَمّا كانَتْ مُساوِيَةً لِهَذِهِ في الطَّبِيعَةِ والماهِيَّةِ فَتِلْكَ النُّفُوسُ المُفارِقَةُ تَمِيلُ إلى هَذِهِ النَّفْسِ بِسَبَبِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُشاكَلَةِ والمُوافَقَةِ، وهي أيْضًا تَتَعَلَّقُ بِوَجْهٍ ما بِهَذا البَدَنِ وتَصِيرُ مُعاوَنَةً لِهَذِهِ النَّفْسِ عَلى مُقْتَضَياتِ طَبِيعَتِها، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ أنَّ الَّذِي جاءَتِ الشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ بِهِ لَيْسَ لِلْفَلاسِفَةِ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنْها؛ لِأنَّ كُلَّهم قَدْ أقَرُّوا بِما يَقْرُبُ مِنهُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ إصْرارُ الجُهّالِ مِنهم عَلى التَّكْذِيبِ باطِلًا واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ فَهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] فَهَذانَ النَّصّانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ تَوَفِّيَ الأرْواحِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الوَفاةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِن مَلَكِ المَوْتِ. ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ فَهَذِهِ النُّصُوصُ الثَّلاثَةُ كالمُتَناقِضَةِ.
والجَوابُ: أنَّ التَّوَفِّيَ في الحَقِيقَةِ يَحْصُلُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو في عِلْمِ الظّاهِرِ مُفَوَّضٌ إلى مَلَكِ المَوْتِ، وهو الرَّئِيسُ المُطْلَقُ في هَذا البابِ، ولَهُ أعْوانٌ وخَدَمٌ وأنْصارٌ، فَحَسُنَتْ إضافَةُ التَّوَفِّي إلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِحَسَبِ الِاعْتِباراتِ الثَّلاثَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البَحْثُ الثّانِي: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَؤُلاءِ الرُّسُلُ الَّذِينَ بِهِمْ تَحْصُلُ الوَفاةُ، وهم أعْيانُ أُولَئِكَ الحَفَظَةِ فَهم في مُدَّةِ الحَياةِ يَحْفَظُونَهم مِن أمْرِ اللَّهِ، وعِنْدَ مَجِيءِ المَوْتِ يَتَوَفَّوْنَهم، والأكْثَرُونَ أنَّ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الحِفْظَ غَيْرُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أمْرَ الوَفاةِ، ولا دَلالَةَ في لَفْظِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى الفَرْقِ، إلّا أنَّ الَّذِي مالَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ هو القَوْلُ الثّانِي، وأيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالمَقايِيسِ العَقْلِيَّةِ أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم مَعادِنُ الرَّحْمَةِ والخَيْرِ والرّاحَةِ مُغايِرُونَ لِلَّذِينِ هم أُصُولُ الحُزْنِ والغَمِّ، فَطائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ هُمُ المُسَمَّوْنَ بِالرُّوحانِيِّينَ لِإفادَتِهِمُ الرُّوحَ والرّاحَةَ والرَّيْحانَ، وبَعْضُهم يُسَمَّوْنَ بِالكَرُوبِيِينَ لِكَوْنِهِمْ مَبادِئَ الكَرْبِ والغَمِّ والأحْزانِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] أنَّهُ مَلَكٌ واحِدٌ هو
صفحة ١٥
رَئِيسُ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ الأرْواحِ، والمُرادُ بِالحَفَظَةِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: أتْباعُهُ، وأشْياعُهُ عَنْ مُجاهِدٍ: جَعَلَ الأرْضَ مِثْلَ الطَّسْتِ لِمَلِكِ المَوْتِ يَتَناوَلُ مَن يَتَناوَلُهُ، وما مِن أهْلِ بَيْتٍ إلّا ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، وجاءَ في الأخْبارِ مِن صِفاتِ مَلَكِ المَوْتِ ومِن كَيْفِيَّةِ مَوْتِهِ عِنْدَ فَناءِ الدُّنْيا وانْقِضائِها أحْوالٌ عَجِيبَةٌ.
والبَحْثُ الرّابِعُ: قَرَأ حَمْزَةُ: تَوَفّاهُ بِالألِفِ مُمالَةً والباقُونَ بِالتّاءِ، فالأوَّلُ لِتَقْدِيمِ الفِعْلِ، ولِأنَّ الجَمْعَ قَدْ يُذَكَّرُ، والثّانِي عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ أيْ لا يُقَصِّرُونَ فِيما أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ الأرْواحِ لا يُقَصِّرُونَ فِيما أُمِرُوا بِهِ. وقَوْلُهُ في صِفَةِ مَلائِكَةِ النّارِ: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] يَدُلُّ عَلى أنَّ مَلائِكَةَ العَذابِ لا يُقَصِّرُونَ في تِلْكَ التَّكالِيفِ، وكُلُّ مَن أثْبَتَ عِصْمَةَ المَلائِكَةِ في هَذِهِ الأحْوالِ أثْبَتَ عِصْمَتَهم عَلى الإطْلاقِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثُبُوتِ عِصْمَةِ المَلائِكَةِ عَلى الإطْلاقِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قِيلَ المَرْدُودُونَ هُمُ المَلائِكَةُ يَعْنِي كَما يَمُوتُ بَنُو آدَمَ يَمُوتُ أيْضًا أُولَئِكَ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: بَلِ المَرْدُودُونَ البَشَرُ، يَعْنِي أنَّهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ يُرَدُّونَ إلى اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ هَذِهِ البِنْيَةِ؛ لِأنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَوْتِ لِلْعَبْدِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ المَوْتِ يُرَدُّ إلى اللَّهِ، والمَيِّتُ مَعَ كَوْنِهِ مَيِّتًا لا يُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الرَّدَّ لَيْسَ بِالمَكانِ والجِهَةِ؛ لِكَوْنِهِ تَعالى مُتَعالِيًا عَنِ المَكانِ والجِهَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّدُّ مُفَسَّرًا بِكَوْنِهِ مُنْقادًا لِحُكْمِ اللَّهِ مُطِيعًا لِقَضاءِ اللَّهِ، وما لَمْ يَكُنْ حَيًّا لَمْ يَصِحَّ هَذا المَعْنى فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ هَهُنا مَوْتٌ وحَياةٌ، أمّا المَوْتُ فَنَصِيبُ البَدَنِ. فَبَقِيَ أنْ تَكُونَ الحَياةُ نَصِيبًا لِلنَّفْسِ والرُّوحِ؛ ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ وثَبَتَ أنَّ المَرْدُودَ هو النَّفْسُ والرُّوحُ، ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا النَّفْسَ والرُّوحَ، وهو المَطْلُوبُ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الرُّوحِ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَدَنِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ مِن هَذا العالَمِ إلى حَضْرَةِ الجَلالِ إنَّما يَكُونُ لَوْ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] ونُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ بِألْفَيْ عامٍ» وحُجَّةُ الفَلاسِفَةِ عَلى إثْباتِ أنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ قَبْلَ وُجُودِ البَدَنِ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ بَيَّنّا ضَعْفَها في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ.
البَحْثُ الثّانِي: كَلِمَةُ ”إلى“ تُفِيدُ انْتِهاءَ الغايَةِ فَقَوْلُهُ: ”إلى اللَّهِ“ يُشْعِرُ بِإثْباتِ المَكانِ والجِهَةِ لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ باطِلٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهم رُدُّوا إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: المَوْلى، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ لَفْظَ المَوْلى، ولَفْظَ الوَلِيِّ مُشْتَقّانِ مِنَ الوَلْيِ: أيِ القُرْبُ، وهو سُبْحانُهُ القَرِيبُ البَعِيدُ الظّاهِرُ الباطِنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وأيْضًا المُعْتِقُ يُسَمّى بِالمَوْلى، وذَلِكَ كالمُشْعِرِ بِأنَّهُ أعْتَقَهم مِنَ العَذابِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» وأيْضًا أضافَ نَفْسَهُ إلى العَبْدِ فَقالَ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ وما أضافَهم إلى نَفْسِهِ وذَلِكَ نِهايَةُ الرَّحْمَةِ،
صفحة ١٦
وأيْضًا قالَ: ”مَوْلاهُمُ الحَقِّ“ والمَعْنى أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا تَحْتَ تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ وهي النَّفْسُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ كَما قالَ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فَلَمّا ماتَ الإنْسانُ تَخَلَّصَ مِن تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ، وانْتَقَلَ إلى تَصَرُّفاتِ المَوْلى الحَقِّ.
والِاسْمُ الثّانِي: الحَقُّ، واخْتَلَفُوا هَلْ هو مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: الحَقُّ مَصْدَرٌ، وهو نَقِيضُ الباطِلِ، وأسْماءُ المَصادِرِ لا تَجْرِي عَلى الفاعِلِينِ إلّا مَجازًا كَقَوْلِنا فُلانٌ عَدْلٌ ورَجاءٌ وغِياثٌ وكَرَمٌ وفَضْلٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الحَقُّ هو المَوْجُودُ، وأحَقُّ الأشْياءِ بِالمَوْجُودِيَّةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ واجِبًا لِذاتِهِ، فَكانَ أحَقَّ الأشْياءِ بِكَوْنِهِ حَقًّا هو هو، واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِكَ الحَمْدُ لِلَّهِ الحَقَّ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ. ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٥٧] وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ لا حُكْمَ لِأحَدٍ عَلى شَيْءٍ إلّا اللَّهَ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ كُلَّهُ بِحُكْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ حَكَمَ لِلسَّعِيدِ بِالسَّعادَةِ والشَّقِيِّ بِالشَّقاوَةِ، وإلّا لَما حَصَلَ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الطّاعَةَ لا تُوجِبُ الثَّوابَ، والمَعْصِيَةَ لا تُوجِبُ العِقابَ، إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَثَبَتَ لِلْمُطِيعِ عَلى اللَّهِ حُكْمٌ، وهو أخْذُ الثَّوابِ، وذَلِكَ يُنافِي ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُدُوثِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى. قالَ: لَوْ كانَ كَلامُهُ قَدِيمًا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا بِالمُحاسَبَةِ الآنَ وقَبْلَ خَلْقِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ المُحاسَبَةَ تَقْتَضِي حِكايَةَ عَمَلٍ تَقَدَّمَ وأصْحابُنا عارَضُوهُ بِالعِلْمِ، فَإنَّهُ تَعالى كانَ قَبْلَ الخَلْقِ عالِمًا بِأنَّهُ سَيُوجَدُ، وبَعْدَ وُجُودِهِ صارَ عالِمًا بِأنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ وُجِدَ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ تَغَيُّرُ العِلْمِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في الكَلامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ هَذا الحِسابِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى يُحاسِبُ الخَلْقَ بِنَفْسِهِ دُفْعَةً واحِدَةً، لا يَشْغَلُهُ كَلامٌ عَنْ كَلامٍ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ يَأْمُرُ المَلائِكَةَ حَتّى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُحاسِبُ واحِدًا مِنَ العِبادِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ حاسَبَ الكُفّارَ بِنَفْسِهِ لَتَكَلَّمَ مَعَهم، وذَلِكَ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ﴾ وأمّا الحُكَماءُ فَلَهم كَلامٌ في تَفْسِيرِ هَذا الحِسابِ، وهو أنَّهُ إنَّما يَتَلَخَّصُ بِتَقْدِيمِ مُقْدِّمَتَيْنِ.
فالمُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ وتَكَرُّرَها تُوجِبُ حُدُوثَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ القَوِيَّةِ الثّابِتَةِ، والِاسْتِقْراءُ التّامُّ يَكْشِفُ عَنْ صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ. ألا تَرى أنَّ كُلَّ مَن كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ رُسُوخُ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ مِنهُ فِيهِ أقْوى.
المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: إنَّهُ لَمّا كانَ تَكَرُّرُ العَمَلِ يُوجِبُ حُصُولَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ، بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ العَمَلِ الواحِدِ أثَرٌ بِوَجْهٍ ما في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ، والعُقَلاءُ ضَرَبُوا لِهَذا البابِ أمْثِلَةً:
صفحة ١٧
المِثالُ الأوَّلُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا سَفِينَةً عَظِيمَةً بِحَيْثُ لَوْ أُلْقِيَ فِيها مِائَةُ ألْفِ مَنٍّ فَإنَّها تَغُوصُ في الماءِ بِقَدْرِ شِبْرٍ واحِدٍ، فَلَوْ لَمْ يُلْقَ فِيها إلّا حَبَّةٌ واحِدَةٌ مِنَ الحِنْطَةِ، فَهَذا القَدْرُ مِن إلْقاءِ الجِسْمِ الثَّقِيلِ في تِلْكَ السَّفِينَةِ يُوجِبُ غَوْصَها في الماءِ بِمِقْدارٍ قَلِيلٍ، وإنْ قَلَّتْ وبَلَغَتْ في القِلَّةِ إلى حَيْثُ لا يُدْرِكُها الحِسُّ ولا يَضْبُطُها الخَيالُ.
المَثّالُ الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ الحُكَماءِ أنَّ البَسائِطَ أشْكالَها الطَّبِيعِيَّةَ كُراتٌ، فَسَطْحُ الماءِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُرَةً والقِسِيُّ المُشابِهَةُ مِنَ الدَّوائِرِ المُحِيطَةِ بِالمَرْكَزِ الواحِدِ مُتَفاوِتَةٌ، فَإنَّ تَحَدُّبَ القَوْسِ الحاصِلَ مِنَ الدّائِرَةِ العُظْمى يَكُونُ أقَلَّ مِن تَحَدُّبِ القَوْسِ المُشابِهَةِ لِلْأُولى مِنَ الدّائِرَةِ الصُّغْرى، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالكُوزُ إذا مُلِئَ مِنَ الماءِ ووُضِعَ تَحْتَ الجَبَلِ كانَتْ حَدَبَةُ سَطْحِ ذَلِكَ الماءِ أعْظَمَ مِن حَدْبَتِهِ عِنْدَما يُوضَعُ الكُوزُ فَوْقَ الجَبَلِ، ومَتى كانَتِ الحَدَبَةُ أعْظَمَ وأكْثَرَ كانَ احْتِمالُ الماءِ بِالكُوزِ أكْثَرَ، فَهَذا يُوجِبُ أنَّ احْتِمالَ الكُوزِ لِلْماءِ حالَ كَوْنِهِ تَحْتَ الجَبَلِ أكْثَرُ مِنَ احْتِمالِهِ لِلْماءِ حالَ كَوْنِهِ فَوْقَ الجَبَلِ، إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ التَّفاوُتِ بِحَيْثُ لا يَفِي بِإدْراكِهِ الحِسُّ والخَيالُ؛ لِكَوْنِهِ في غايَةِ القِلَّةِ.
والمَثّالُ الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقِفُ أحَدُهُما بِالقُرْبِ مِنَ الآخَرِ، فَإنَّ رِجْلَيْهِما يَكُونانِ أقْرَبَ إلى مَرْكَزِ العالَمِ مِن رَأْسَيْهِما؛ لِأنَّ الأجْرامَ الثَّقِيلَةَ تَنْزِلُ مِن فَضاءِ المُحِيطِ إلى ضِيقِ المَرْكَزِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ التَّفاوُتِ لا يَفِي بِإدْراكِهِ الحِسُّ والخَيالُ.
فَإذا عَرَفْتَ هَذِهِ الأمْثِلَةَ، وعَرَفْتَ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ فَنَقُولُ: لا فِعْلَ مِن أفْعالِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِقَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ إلّا ويُفِيدُ حُصُولَ أثَرٍ في النَّفْسِ؛ إمّا في السَّعادَةِ، وإمّا في الشَّقاوَةِ، وعِنْدَ هَذا يَنْكَشِفُ بِهَذا البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الأفْعالَ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ، والأفْعالُ الصّادِرَةُ مِنَ اليَدِ فَهي المُؤَثِّرَةُ في حُصُولِ المَلَكَةِ المَخْصُوصَةِ، وكَذَلِكَ الأفْعالُ الصّادِرَةُ مِنَ الرِّجْلِ، فَلا جَرَمَ تَكُونُ الأيْدِي والأرْجُلُ شاهِدَةً يَوْمَ القِيامَةِ عَلى الإنْسانِ، بِمَعْنى أنَّ تِلْكَ الآثارَ النَّفْسانِيَّةَ، إنَّما حَصَلَتْ في جَواهِرِ النُّفُوسِ بِواسِطَةِ هَذِهِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْ هَذِهِ الجَوارِحِ، فَكانَ صُدُورُ تِلْكَ الأفْعالِ مِن تِلْكَ الجارِحَةِ المَخْصُوصَةِ جارِيًا مَجْرى الشَّهادَةِ لِحُصُولِ تِلْكَ الآثارِ المَخْصُوصَةِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ. وأمّا الحِسابُ: فالمَقْصُودُ مِنهُ مَعْرِفَةُ ما بَقِيَ مِنَ الدَّخْلِ والخَرْجِ، ولَمّا بَيَّنّا أنَّ لِكُلِّ ذَرَّةٍ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ أثَرًا في حُصُولِ هَيْئَةٍ مِن هَذِهِ الهَيْئاتِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ، إمّا مِنَ الهَيْئاتِ الزّاكِيَةِ الطّاهِرَةِ أوْ مِنَ الهَيْئاتِ المَذْمُومَةِ الخَسِيسَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ كانَتْ مُخْتَلِفَةً. فَلا جَرَمَ كانَ بَعْضُها يَتَعارَضُ بِالبَعْضِ، وبَعْدَ حُصُولِ تِلْكَ المُعارَضاتِ بَقِيَ في النَّفْسِ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الخُلُقِ الحَمِيدِ، وقَدْرٌ آخَرُ مِنَ الخُلُقِ الذَّمِيمِ، فَإذا ماتَ الجَسَدُ ظَهَرَ مِقْدارُ ذَلِكَ الخُلُقِ الحَمِيدِ، ومِقْدارُ ذَلِكَ الخُلُقِ الذَّمِيمِ، وذَلِكَ الظُّهُورُ إنَّما يَحْصُلُ في الآنِ الَّذِي لا يَنْقَسِمُ، وهو الآنُ الَّذِي فِيهِ يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُ النَّفْسِ مِنَ البَدَنِ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ بِسُرْعَةِ الحِسابِ، فَهَذِهِ أقْوالٌ ذُكِرَتْ في تَطْبِيقِ الحِكْمَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ الفَلْسَفِيَّةِ، واللَّهُ العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
الأنعام 6:62
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ حِكْمَتِهِ. وتَقْرِيرُهُ أنّا بَيَّنّا فِيما سَبَقَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الفَوْقِيَّةَ بِالمَكانِ والجِهَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها الفَوْقِيَّةَ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ، كَما يُقالُ: أمْرُ فُلانٍ فَوْقَ أمْرِ فُلانٍ بِمَعْنى أنَّهُ أعْلى وأنْفَذُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ومِمّا يُؤَكِّدُ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهو القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا القَهْرَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ هَذِهِ الفَوْقِيَّةِ، والفَوْقِيَّةُ المُفِيدَةُ لِصِفَةِ القَهْرِ هي الفَوْقِيَّةُ بِالقُدْرَةِ لا الفَوْقِيَّةُ بِالجِهَةِ، إذِ المَعْلُومُ أنَّ المُرْتَفِعَ في المَكانِ قَدْ يَكُونُ مَقْهُورًا. وتَقْرِيرُ هَذا القَهْرِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَهّارٌ لِلْعَدَمِ بِالتَّكْوِينِ والإيجادِ.
والثّانِي: أنَّهُ قَهّارٌ لِلْوُجُودِ بِالإفْناءِ والإفْسادِ فَإنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَنْقُلُ المُمْكِنَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ تارَةً ومِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ أُخْرى. فَلا وُجُودَ إلّا بِإيجادِهِ ولا عَدَمَ إلّا بِإعْدامِهِ في المُمْكِناتِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَهّارٌ لِكُلِّ ضِدٍّ بِضِدِّهِ فَيَقْهَرُ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ والظُّلْمَةَ بِالنُّورِ، والنَّهارَ بِاللَّيْلِ واللَّيْلَ بِالنَّهارِ. وتَمامُ تَقْرِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
وإذا عَرَفْتَ مَنهَجَ الكَلامِ، فاعْلَمْ أنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَلَهُ ضِدٌّ، فالفَوْقُ ضِدُّهُ التَّحْتُ، والماضِي ضِدُّهُ المُسْتَقْبَلُ، والنُّورُ ضِدُّهُ الظُّلْمَةُ، والحَياةُ ضِدُّها المَوْتُ، والقُدْرَةُ ضِدُّها العَجْزُ. وتَأمَّلْ في سائِرِ الأحْوالِ والصِّفاتِ لِتَعْرِفَ أنَّ حُصُولَ التَّضادِّ بَيْنَها يَقْضِي عَلَيْها بِالمَقْهُورِيَّةِ والعَجْزِ والنُّقْصانِ، وحُصُولُ هَذِهِ الصِّفاتِ في المُمْكِناتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَها مُدَبِّرًا قادِرًا قاهِرًا مُنَزَّهًا عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ، مُقَدَّسًا عَنِ الشَّبِيهِ والشَّكْلِ، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .
والرّابِعُ: أنَّ هَذا البَدَنَ مُؤَلَّفٌ مِنَ الطَّبائِعِ الأرْبَعِ، وهي مُتَنافِرَةٌ مُتَباغِضَةٌ مُتَباعِدَةٌ بِالطَّبْعِ والخاصَّةِ، فاجْتِماعُها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِقَسْرِ قاسِرٍ، وأخْطَأ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ القاسِرَ هو النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ سِينا في الإشاراتِ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ النَّفْسِ بِالبَدَنِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ المِزاجِ واعْتِدالِ الأمْشاجِ، والقاهِرُ لِهَذِهِ الطَّبائِعِ عَلى الِاجْتِماعِ سابِقٌ عَلى هَذا الِاجْتِماعِ، والسّابِقُ عَلى حُصُولِ الِاجْتِماعِ مُغايِرٌ لِلْمُتَأخِّرِ عَنْ حُصُولِ الِاجْتِماعِ، فَثَبَتَ أنَّ القاهِرَ لِهَذِهِ الطَّبائِعِ عَلى الِاجْتِماعِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ وأيْضًا فالجَسَدُ كَثِيفٌ سُفْلِيٌّ ظُلْمانِيٌّ فاسِدٌ عَفِنٌ، والرُّوحُ لَطِيفٌ عُلْوِيٌّ نُورانِيٌّ مُشْرِقٌ باقٍ طاهِرٌ نَظِيفٌ، فَبَيْنَهُما أشَدُّ المُنافَرَةِ والمُباعَدَةِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ بَيْنَهُما
صفحة ١٣
عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والقُدْرَةِ، وجَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَكْمَلًا بِصاحِبِهِ مُنْتَفِعًا بِالآخَرِ. فالرُّوحُ تَصُونُ البَدَنَ عَنِ العُفُونَةِ والفَسادِ والتَّفَرُّقِ، والبَدَنُ يَصِيرُ آلَةً لِلرُّوحِ في تَحْصِيلِ السِّعاداتِ الأبَدِيَّةِ، والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، فَهَذا الِاجْتِماعُ وهَذا الِانْتِفاعُ لَيْسَ إلّا بِقَهْرِ اللَّهِ تَعالى لِهَذِهِ الطَّبائِعِ، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ وأيْضًا فَعِنْدَ دُخُولِ الرُّوحِ في الجَسَدِ أعْطى الرُّوحَ قُدْرَةً عَلى فِعْلِ الضِّدَّيْنِ، ومُكْنَةً مِنَ الطَّرَفَيْنِ إلّا أنَّهُ يَمْتَنِعُ رُجْحانُ الفِعْلِ عَلى التَّرْكِ تارَةً والتَّرْكِ عَلى الفِعْلِ أُخْرى إلّا عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ الخالِيَةِ عَنِ المُعارِضِ. فَلَمّا لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ الدّاعِيَةُ امْتَنَعَ الفِعْلُ والتَّرْكُ، فَكانَ إقْدامُ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ تارَةً وعَلى التَّرْكِ أُخْرى بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قَلْبِهِ مِنَ اللَّهِ يَجْرِي مَجْرى القَهْرِ، فَكانَ قاهِرًا لِعِبادِهِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وإذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الأبْوابَ عَلِمْتَ أنَّ المُمْكِناتِ والمُبْدِعاتِ والعُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ والذَّواتِ والصِّفاتِ كُلَّها مَقْهُورَةٌ تَحْتَ قَهْرِ اللَّهِ مُسَخَّرَةٌ تَحْتَ تَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ فالمُرادُ أنَّ مِن جُمْلَةِ قَهْرِهِ لِعِبادِهِ إرْسالَ الحَفَظَةِ عَلَيْهِمْ وهَؤُلاءِ الحَفَظَةُ هُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١] واتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن حُضُورِ هَؤُلاءِ الحَفَظَةِ ضَبْطُ الأعْمالِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهم يَكْتُبُونَ الطّاعاتِ والمَعاصِيَ والمُباحاتِ بِأسْرِها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ مَعَ كُلِّ إنْسانٍ مَلَكَيْنِ: أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ يَسارِهِ، فَإذا تَكَلَّمَ الإنْسانُ بِحَسَنَةٍ كَتَبَها مَن عَلى اليَمِينِ، وإذا تَكَلَّمَ بِسَيِّئَةٍ قالَ مَن عَلى اليَمِينِ لِمَن عَلى اليَسارِ: انْتَظِرْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ مِنها، فَإنْ لَمْ يَتُبْ كَتَبَ عَلَيْهِ. والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ يُفِيدُ حَفَظَةَ الكُلِّ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اطِّلاعَ هَؤُلاءِ الحَفَظَةِ عَلى الأقْوالِ والأفْعالِ، أمّا عَلى صِفاتِ القُلُوبِ وهي العِلْمُ والجَهْلُ فَلَيْسَ في هَذِهِ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى اطِّلاعِهِمْ عَلَيْها. أمّا في الأقْوالِ، فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وأمّا في الأعْمالِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠- ١٢] فَأمّا الإيمانُ والكُفْرُ والإخْلاصُ والإشْراكُ فَلَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى اطِّلاعِ المَلائِكَةِ عَلَيْها.
البَحْثُ الثّالِثُ: ذَكَرُوا في فائِدَةِ جَعْلِ المَلائِكَةِ مُوَكَّلِينَ عَلى بَنِي آدَمَ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ مُوَكَّلُونَ بِهِ يُحْصُونَ عَلَيْهِ أعْمالَهُ ويَكْتُبُونَها في صَحائِفَ تُعْرَضُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في مَواقِفِ القِيامَةِ كانَ ذَلِكَ أزْجَرَ لَهُ عَنِ القَبائِحِ.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ في الكِتابَةِ أنْ يَكُونَ الفائِدَةُ فِيها أنْ تُوزَنَ تِلْكَ الصَّحائِفُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ وزْنَ الأعْمالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، أمّا وزْنُ الصَّحائِفِ فَمُمْكِنٌ.
الثّالِثُ: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ. ويَجِبُ عَلَيْنا الإيمانُ بِكُلِّ ما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ سَواءٌ عَقَلْنا الوَجْهَ فِيهِ أوْ لَمْ نَعْقِلْ، فَهَذا حاصِلُ ما قالَهُ أهَلُّ الشَّرِيعَةِ. وأمّا أهْلُ الحِكْمَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم في هَذا البابِ عَلى وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ المُتَأخِّرُونَ مِنهم: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَهْرِ أنَّهُ خَلَطَ الطَّبائِعَ المُتَضادَّةَ ومَزَجَ بَيْنَ العَناصِرِ المُتَنافِرَةِ، فَلَمّا حَصَلَ بَيْنَها امْتِزاجٌ اسْتَعَدَّ ذَلِكَ المُمْتَزِجُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِامْتِزاجِ
صفحة ١٤
لِقَبُولِ النَّفْسِ المُدَبِّرَةِ والقُوى الحِسِّيَّةِ والحَرَكِيَّةِ والنُّطْقِيَّةِ، فَقالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ تِلْكَ النُّفُوسُ والقُوى، فَإنَّها هي الَّتِي تَحْفَظُ تِلْكَ الطَّبائِعَ المَقْهُورَةَ عَلى امْتِزاجاتِها.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُ بَعْضِ القُدَماءِ أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ والأرْواحَ الإنْسانِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِجَواهِرِها مُتَبايِنَةٌ بِماهِيّاتِها، فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ وبَعْضُها شِرِّيرَةٌ، وكَذا القَوْلُ في الذَّكاءِ والبَلادَةِ والحُرِّيَّةِ والنَّذالَةِ والشَّرَفِ والدَّناءَةِ وغَيْرِها مِنَ الصِّفاتِ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ رُوحٌ سَماوِيٌّ هو لَها كالأبِ الشَّفِيقِ والسَّيِّدِ الرَّحِيمِ يُعِينُها عَلى مُهِمّاتِها في يَقَظاتِها ومَناماتِها تارَةً عَلى سَبِيلِ الرُّؤْيا، وأُخْرى عَلى سَبِيلِ الإلْهاماتِ فالأرْواحُ الشِّرِّيرَةُ لَها مَبادِئُ مِن عالَمِ الأفْلاكِ، وكَذا الأرْواحُ الخَيِّرَةُ، وتِلْكَ المَبادِئُ تُسَمّى في مُصْطَلَحِهِمْ بِالطِّباعِ التّامِّ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الأرْواحَ الفَلَكِيَّةَ في تِلْكَ الطَّبائِعِ والأخْلاقِ تامَّةٌ كامِلَةٌ، وهَذِهِ الأرْواحَ السُّفْلِيَّةَ المُتَوَلِّدَةَ مِنها أضْعَفُ مِنها؛ لِأنَّ المَعْلُولَ في كُلِّ بابٍ أضْعَفُ مِن عِلَّتِهِ ولِأصْحابِ الطَّلْسَماتِ والعَزائِمِ الرُّوحانِيَّةِ في هَذا البابِ كَلامٌ كَثِيرٌ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: النَّفْسُ المُتَعَلِّقَةُ بِهَذا الجَسَدِ. لا شَكَّ في أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ عَنِ الأجْسادِ لَمّا كانَتْ مُساوِيَةً لِهَذِهِ في الطَّبِيعَةِ والماهِيَّةِ فَتِلْكَ النُّفُوسُ المُفارِقَةُ تَمِيلُ إلى هَذِهِ النَّفْسِ بِسَبَبِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُشاكَلَةِ والمُوافَقَةِ، وهي أيْضًا تَتَعَلَّقُ بِوَجْهٍ ما بِهَذا البَدَنِ وتَصِيرُ مُعاوَنَةً لِهَذِهِ النَّفْسِ عَلى مُقْتَضَياتِ طَبِيعَتِها، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ أنَّ الَّذِي جاءَتِ الشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ بِهِ لَيْسَ لِلْفَلاسِفَةِ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنْها؛ لِأنَّ كُلَّهم قَدْ أقَرُّوا بِما يَقْرُبُ مِنهُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ إصْرارُ الجُهّالِ مِنهم عَلى التَّكْذِيبِ باطِلًا واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ فَهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] فَهَذانَ النَّصّانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ تَوَفِّيَ الأرْواحِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الوَفاةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِن مَلَكِ المَوْتِ. ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ فَهَذِهِ النُّصُوصُ الثَّلاثَةُ كالمُتَناقِضَةِ.
والجَوابُ: أنَّ التَّوَفِّيَ في الحَقِيقَةِ يَحْصُلُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو في عِلْمِ الظّاهِرِ مُفَوَّضٌ إلى مَلَكِ المَوْتِ، وهو الرَّئِيسُ المُطْلَقُ في هَذا البابِ، ولَهُ أعْوانٌ وخَدَمٌ وأنْصارٌ، فَحَسُنَتْ إضافَةُ التَّوَفِّي إلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِحَسَبِ الِاعْتِباراتِ الثَّلاثَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البَحْثُ الثّانِي: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَؤُلاءِ الرُّسُلُ الَّذِينَ بِهِمْ تَحْصُلُ الوَفاةُ، وهم أعْيانُ أُولَئِكَ الحَفَظَةِ فَهم في مُدَّةِ الحَياةِ يَحْفَظُونَهم مِن أمْرِ اللَّهِ، وعِنْدَ مَجِيءِ المَوْتِ يَتَوَفَّوْنَهم، والأكْثَرُونَ أنَّ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الحِفْظَ غَيْرُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أمْرَ الوَفاةِ، ولا دَلالَةَ في لَفْظِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى الفَرْقِ، إلّا أنَّ الَّذِي مالَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ هو القَوْلُ الثّانِي، وأيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالمَقايِيسِ العَقْلِيَّةِ أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم مَعادِنُ الرَّحْمَةِ والخَيْرِ والرّاحَةِ مُغايِرُونَ لِلَّذِينِ هم أُصُولُ الحُزْنِ والغَمِّ، فَطائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ هُمُ المُسَمَّوْنَ بِالرُّوحانِيِّينَ لِإفادَتِهِمُ الرُّوحَ والرّاحَةَ والرَّيْحانَ، وبَعْضُهم يُسَمَّوْنَ بِالكَرُوبِيِينَ لِكَوْنِهِمْ مَبادِئَ الكَرْبِ والغَمِّ والأحْزانِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] أنَّهُ مَلَكٌ واحِدٌ هو
صفحة ١٥
رَئِيسُ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ الأرْواحِ، والمُرادُ بِالحَفَظَةِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: أتْباعُهُ، وأشْياعُهُ عَنْ مُجاهِدٍ: جَعَلَ الأرْضَ مِثْلَ الطَّسْتِ لِمَلِكِ المَوْتِ يَتَناوَلُ مَن يَتَناوَلُهُ، وما مِن أهْلِ بَيْتٍ إلّا ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، وجاءَ في الأخْبارِ مِن صِفاتِ مَلَكِ المَوْتِ ومِن كَيْفِيَّةِ مَوْتِهِ عِنْدَ فَناءِ الدُّنْيا وانْقِضائِها أحْوالٌ عَجِيبَةٌ.
والبَحْثُ الرّابِعُ: قَرَأ حَمْزَةُ: تَوَفّاهُ بِالألِفِ مُمالَةً والباقُونَ بِالتّاءِ، فالأوَّلُ لِتَقْدِيمِ الفِعْلِ، ولِأنَّ الجَمْعَ قَدْ يُذَكَّرُ، والثّانِي عَلى تَأْنِيثِ الجَمْعِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ أيْ لا يُقَصِّرُونَ فِيما أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ الأرْواحِ لا يُقَصِّرُونَ فِيما أُمِرُوا بِهِ. وقَوْلُهُ في صِفَةِ مَلائِكَةِ النّارِ: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] يَدُلُّ عَلى أنَّ مَلائِكَةَ العَذابِ لا يُقَصِّرُونَ في تِلْكَ التَّكالِيفِ، وكُلُّ مَن أثْبَتَ عِصْمَةَ المَلائِكَةِ في هَذِهِ الأحْوالِ أثْبَتَ عِصْمَتَهم عَلى الإطْلاقِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثُبُوتِ عِصْمَةِ المَلائِكَةِ عَلى الإطْلاقِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قِيلَ المَرْدُودُونَ هُمُ المَلائِكَةُ يَعْنِي كَما يَمُوتُ بَنُو آدَمَ يَمُوتُ أيْضًا أُولَئِكَ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: بَلِ المَرْدُودُونَ البَشَرُ، يَعْنِي أنَّهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ يُرَدُّونَ إلى اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ هَذِهِ البِنْيَةِ؛ لِأنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَوْتِ لِلْعَبْدِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ المَوْتِ يُرَدُّ إلى اللَّهِ، والمَيِّتُ مَعَ كَوْنِهِ مَيِّتًا لا يُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الرَّدَّ لَيْسَ بِالمَكانِ والجِهَةِ؛ لِكَوْنِهِ تَعالى مُتَعالِيًا عَنِ المَكانِ والجِهَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّدُّ مُفَسَّرًا بِكَوْنِهِ مُنْقادًا لِحُكْمِ اللَّهِ مُطِيعًا لِقَضاءِ اللَّهِ، وما لَمْ يَكُنْ حَيًّا لَمْ يَصِحَّ هَذا المَعْنى فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ هَهُنا مَوْتٌ وحَياةٌ، أمّا المَوْتُ فَنَصِيبُ البَدَنِ. فَبَقِيَ أنْ تَكُونَ الحَياةُ نَصِيبًا لِلنَّفْسِ والرُّوحِ؛ ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ وثَبَتَ أنَّ المَرْدُودَ هو النَّفْسُ والرُّوحُ، ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا النَّفْسَ والرُّوحَ، وهو المَطْلُوبُ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ﴾ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الرُّوحِ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَدَنِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ مِن هَذا العالَمِ إلى حَضْرَةِ الجَلالِ إنَّما يَكُونُ لَوْ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] ونُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ بِألْفَيْ عامٍ» وحُجَّةُ الفَلاسِفَةِ عَلى إثْباتِ أنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ قَبْلَ وُجُودِ البَدَنِ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ بَيَّنّا ضَعْفَها في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ.
البَحْثُ الثّانِي: كَلِمَةُ ”إلى“ تُفِيدُ انْتِهاءَ الغايَةِ فَقَوْلُهُ: ”إلى اللَّهِ“ يُشْعِرُ بِإثْباتِ المَكانِ والجِهَةِ لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ باطِلٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهم رُدُّوا إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: المَوْلى، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ لَفْظَ المَوْلى، ولَفْظَ الوَلِيِّ مُشْتَقّانِ مِنَ الوَلْيِ: أيِ القُرْبُ، وهو سُبْحانُهُ القَرِيبُ البَعِيدُ الظّاهِرُ الباطِنُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وأيْضًا المُعْتِقُ يُسَمّى بِالمَوْلى، وذَلِكَ كالمُشْعِرِ بِأنَّهُ أعْتَقَهم مِنَ العَذابِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» وأيْضًا أضافَ نَفْسَهُ إلى العَبْدِ فَقالَ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ وما أضافَهم إلى نَفْسِهِ وذَلِكَ نِهايَةُ الرَّحْمَةِ،
صفحة ١٦
وأيْضًا قالَ: ”مَوْلاهُمُ الحَقِّ“ والمَعْنى أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا تَحْتَ تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ وهي النَّفْسُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ كَما قالَ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فَلَمّا ماتَ الإنْسانُ تَخَلَّصَ مِن تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ، وانْتَقَلَ إلى تَصَرُّفاتِ المَوْلى الحَقِّ.
والِاسْمُ الثّانِي: الحَقُّ، واخْتَلَفُوا هَلْ هو مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: الحَقُّ مَصْدَرٌ، وهو نَقِيضُ الباطِلِ، وأسْماءُ المَصادِرِ لا تَجْرِي عَلى الفاعِلِينِ إلّا مَجازًا كَقَوْلِنا فُلانٌ عَدْلٌ ورَجاءٌ وغِياثٌ وكَرَمٌ وفَضْلٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الحَقُّ هو المَوْجُودُ، وأحَقُّ الأشْياءِ بِالمَوْجُودِيَّةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ واجِبًا لِذاتِهِ، فَكانَ أحَقَّ الأشْياءِ بِكَوْنِهِ حَقًّا هو هو، واعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِكَ الحَمْدُ لِلَّهِ الحَقَّ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ. ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٥٧] وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ لا حُكْمَ لِأحَدٍ عَلى شَيْءٍ إلّا اللَّهَ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ كُلَّهُ بِحُكْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ حَكَمَ لِلسَّعِيدِ بِالسَّعادَةِ والشَّقِيِّ بِالشَّقاوَةِ، وإلّا لَما حَصَلَ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الطّاعَةَ لا تُوجِبُ الثَّوابَ، والمَعْصِيَةَ لا تُوجِبُ العِقابَ، إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَثَبَتَ لِلْمُطِيعِ عَلى اللَّهِ حُكْمٌ، وهو أخْذُ الثَّوابِ، وذَلِكَ يُنافِي ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُدُوثِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى. قالَ: لَوْ كانَ كَلامُهُ قَدِيمًا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا بِالمُحاسَبَةِ الآنَ وقَبْلَ خَلْقِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ المُحاسَبَةَ تَقْتَضِي حِكايَةَ عَمَلٍ تَقَدَّمَ وأصْحابُنا عارَضُوهُ بِالعِلْمِ، فَإنَّهُ تَعالى كانَ قَبْلَ الخَلْقِ عالِمًا بِأنَّهُ سَيُوجَدُ، وبَعْدَ وُجُودِهِ صارَ عالِمًا بِأنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ وُجِدَ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ تَغَيُّرُ العِلْمِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في الكَلامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ هَذا الحِسابِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى يُحاسِبُ الخَلْقَ بِنَفْسِهِ دُفْعَةً واحِدَةً، لا يَشْغَلُهُ كَلامٌ عَنْ كَلامٍ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ يَأْمُرُ المَلائِكَةَ حَتّى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُحاسِبُ واحِدًا مِنَ العِبادِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ حاسَبَ الكُفّارَ بِنَفْسِهِ لَتَكَلَّمَ مَعَهم، وذَلِكَ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ﴾ وأمّا الحُكَماءُ فَلَهم كَلامٌ في تَفْسِيرِ هَذا الحِسابِ، وهو أنَّهُ إنَّما يَتَلَخَّصُ بِتَقْدِيمِ مُقْدِّمَتَيْنِ.
فالمُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ وتَكَرُّرَها تُوجِبُ حُدُوثَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ القَوِيَّةِ الثّابِتَةِ، والِاسْتِقْراءُ التّامُّ يَكْشِفُ عَنْ صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ. ألا تَرى أنَّ كُلَّ مَن كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ رُسُوخُ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ مِنهُ فِيهِ أقْوى.
المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: إنَّهُ لَمّا كانَ تَكَرُّرُ العَمَلِ يُوجِبُ حُصُولَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ، بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ العَمَلِ الواحِدِ أثَرٌ بِوَجْهٍ ما في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ، والعُقَلاءُ ضَرَبُوا لِهَذا البابِ أمْثِلَةً:
صفحة ١٧
المِثالُ الأوَّلُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا سَفِينَةً عَظِيمَةً بِحَيْثُ لَوْ أُلْقِيَ فِيها مِائَةُ ألْفِ مَنٍّ فَإنَّها تَغُوصُ في الماءِ بِقَدْرِ شِبْرٍ واحِدٍ، فَلَوْ لَمْ يُلْقَ فِيها إلّا حَبَّةٌ واحِدَةٌ مِنَ الحِنْطَةِ، فَهَذا القَدْرُ مِن إلْقاءِ الجِسْمِ الثَّقِيلِ في تِلْكَ السَّفِينَةِ يُوجِبُ غَوْصَها في الماءِ بِمِقْدارٍ قَلِيلٍ، وإنْ قَلَّتْ وبَلَغَتْ في القِلَّةِ إلى حَيْثُ لا يُدْرِكُها الحِسُّ ولا يَضْبُطُها الخَيالُ.
المَثّالُ الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ الحُكَماءِ أنَّ البَسائِطَ أشْكالَها الطَّبِيعِيَّةَ كُراتٌ، فَسَطْحُ الماءِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُرَةً والقِسِيُّ المُشابِهَةُ مِنَ الدَّوائِرِ المُحِيطَةِ بِالمَرْكَزِ الواحِدِ مُتَفاوِتَةٌ، فَإنَّ تَحَدُّبَ القَوْسِ الحاصِلَ مِنَ الدّائِرَةِ العُظْمى يَكُونُ أقَلَّ مِن تَحَدُّبِ القَوْسِ المُشابِهَةِ لِلْأُولى مِنَ الدّائِرَةِ الصُّغْرى، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالكُوزُ إذا مُلِئَ مِنَ الماءِ ووُضِعَ تَحْتَ الجَبَلِ كانَتْ حَدَبَةُ سَطْحِ ذَلِكَ الماءِ أعْظَمَ مِن حَدْبَتِهِ عِنْدَما يُوضَعُ الكُوزُ فَوْقَ الجَبَلِ، ومَتى كانَتِ الحَدَبَةُ أعْظَمَ وأكْثَرَ كانَ احْتِمالُ الماءِ بِالكُوزِ أكْثَرَ، فَهَذا يُوجِبُ أنَّ احْتِمالَ الكُوزِ لِلْماءِ حالَ كَوْنِهِ تَحْتَ الجَبَلِ أكْثَرُ مِنَ احْتِمالِهِ لِلْماءِ حالَ كَوْنِهِ فَوْقَ الجَبَلِ، إلّا أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ التَّفاوُتِ بِحَيْثُ لا يَفِي بِإدْراكِهِ الحِسُّ والخَيالُ؛ لِكَوْنِهِ في غايَةِ القِلَّةِ.
والمَثّالُ الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقِفُ أحَدُهُما بِالقُرْبِ مِنَ الآخَرِ، فَإنَّ رِجْلَيْهِما يَكُونانِ أقْرَبَ إلى مَرْكَزِ العالَمِ مِن رَأْسَيْهِما؛ لِأنَّ الأجْرامَ الثَّقِيلَةَ تَنْزِلُ مِن فَضاءِ المُحِيطِ إلى ضِيقِ المَرْكَزِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ التَّفاوُتِ لا يَفِي بِإدْراكِهِ الحِسُّ والخَيالُ.
فَإذا عَرَفْتَ هَذِهِ الأمْثِلَةَ، وعَرَفْتَ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ فَنَقُولُ: لا فِعْلَ مِن أفْعالِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِقَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ إلّا ويُفِيدُ حُصُولَ أثَرٍ في النَّفْسِ؛ إمّا في السَّعادَةِ، وإمّا في الشَّقاوَةِ، وعِنْدَ هَذا يَنْكَشِفُ بِهَذا البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الأفْعالَ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ، والأفْعالُ الصّادِرَةُ مِنَ اليَدِ فَهي المُؤَثِّرَةُ في حُصُولِ المَلَكَةِ المَخْصُوصَةِ، وكَذَلِكَ الأفْعالُ الصّادِرَةُ مِنَ الرِّجْلِ، فَلا جَرَمَ تَكُونُ الأيْدِي والأرْجُلُ شاهِدَةً يَوْمَ القِيامَةِ عَلى الإنْسانِ، بِمَعْنى أنَّ تِلْكَ الآثارَ النَّفْسانِيَّةَ، إنَّما حَصَلَتْ في جَواهِرِ النُّفُوسِ بِواسِطَةِ هَذِهِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْ هَذِهِ الجَوارِحِ، فَكانَ صُدُورُ تِلْكَ الأفْعالِ مِن تِلْكَ الجارِحَةِ المَخْصُوصَةِ جارِيًا مَجْرى الشَّهادَةِ لِحُصُولِ تِلْكَ الآثارِ المَخْصُوصَةِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ. وأمّا الحِسابُ: فالمَقْصُودُ مِنهُ مَعْرِفَةُ ما بَقِيَ مِنَ الدَّخْلِ والخَرْجِ، ولَمّا بَيَّنّا أنَّ لِكُلِّ ذَرَّةٍ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ أثَرًا في حُصُولِ هَيْئَةٍ مِن هَذِهِ الهَيْئاتِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ، إمّا مِنَ الهَيْئاتِ الزّاكِيَةِ الطّاهِرَةِ أوْ مِنَ الهَيْئاتِ المَذْمُومَةِ الخَسِيسَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ كانَتْ مُخْتَلِفَةً. فَلا جَرَمَ كانَ بَعْضُها يَتَعارَضُ بِالبَعْضِ، وبَعْدَ حُصُولِ تِلْكَ المُعارَضاتِ بَقِيَ في النَّفْسِ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الخُلُقِ الحَمِيدِ، وقَدْرٌ آخَرُ مِنَ الخُلُقِ الذَّمِيمِ، فَإذا ماتَ الجَسَدُ ظَهَرَ مِقْدارُ ذَلِكَ الخُلُقِ الحَمِيدِ، ومِقْدارُ ذَلِكَ الخُلُقِ الذَّمِيمِ، وذَلِكَ الظُّهُورُ إنَّما يَحْصُلُ في الآنِ الَّذِي لا يَنْقَسِمُ، وهو الآنُ الَّذِي فِيهِ يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُ النَّفْسِ مِنَ البَدَنِ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ بِسُرْعَةِ الحِسابِ، فَهَذِهِ أقْوالٌ ذُكِرَتْ في تَطْبِيقِ الحِكْمَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ الفَلْسَفِيَّةِ، واللَّهُ العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
الأنعام 6:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وكَمالِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والإحْسانِ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ في الكَلِمَتَيْنِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الواحِدِيُّ: والتَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ لُغَتانِ مَنقُولَتانِ مِن نَجا، فَإنْ شِئْتَ نَقَلْتَ بِالهَمْزَةِ، وإنْ شِئْتَ نَقَلْتَ بِتَضْعِيفِ العَيْنِ، مِثْلُ: أفْرَحْتُهُ وفَرَّحْتُهُ، وأغْرَمْتُهُ وغَرَّمْتُهُ، وفي القُرْآنِ: ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٧٢] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [فصلت: ١٨] ولَمّا جاءَ التَّنْزِيلُ بِاللُّغَتَيْنِ مَعًا ظَهَرَ اسْتِواءُ القِراءَتَيْنِ في الحُسْنِ، غَيْرَ أنَّ الِاخْتِيارَ التَّشْدِيدُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ كانَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وأيْضًا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”خِفْيَةً“ بِكَسْرِ الخاءِ والباقُونَ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ، وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعَنِ الأخْفَشِ في ”خُفْيَةٍ وخِفْيَةٍ“ أنَّهُما لُغَتانِ، وأيْضًا الخُفْيَةُ مِنَ الإخْفاءِ، والخِيفَةُ مِنَ الرَّهَبِ، وأيْضًا ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ مِن هَذِهِ. قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (لَئِنْ أنْجانا) عَلى المُغايَبَةِ، والباقُونَ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ عَلى الخِطابِ، فَأمّا الأوَّلُونَ: وهُمُ الَّذِينَ قَرَءُوا عَلى المُغايَبَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا؛ قَرَأ عاصِمٌ بِالتَّفْخِيمِ، والباقُونَ بِالإمالَةِ، وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى المُغايَبَةِ أنَّ ما قَبْلَ هَذا اللَّفْظِ وما بَعْدَهُ مَذْكُورٌ بِلَفْظِ المُغايَبَةِ، فَأمّا ما قَبْلَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ وأمّا ما بَعْدَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ وأيْضًا فالقِراءَةُ بِلَفْظِ الخِطابِ تُوجِبُ الإضْمارَ، والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى المُخاطَبَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ مَجازٌ عَنْ مَخاوِفِهِما وأهْوالِهِما. يُقالُ لِلْيَوْمِ الشَّدِيدِ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ. ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أيِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى عادَتْ كاللَّيْلِ، وحَقِيقَةُ الكَلامِ فِيهِ أنَّهُ يَشْتَدُّ الأمْرُ عَلَيْهِ، ويَشْتَبِهُ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةُ الخُرُوجِ، ويُظْلِمُ عَلَيْهِ طَرِيقُ الخَلاصِ. ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقالَ: أمّا ظُلُماتُ البَحْرِ فَهي أنْ تَجْتَمِعَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ السَّحابِ، ويُضافُ الرِّياحُ الصَّعْبَةُ والأمْواجُ الهائِلَةُ إلَيْها، فَلَمْ يَعْرِفُوا كَيْفِيَّةَ الخَلاصِ وعِظَمَ الخَوْفِ، وأمّا ظُلُماتُ البَرِّ فَهي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ والخَوْفُ الشَّدِيدُ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، والمَقْصُودُ أنَّ عِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ لا يَرْجِعُ الإنْسانُ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا الرُّجُوعُ يَحْصُلُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ الحالَةِ يَعْظُمُ إخْلاصُهُ في حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إذا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ والخِلْقَةُ الأصْلِيَّةُ في هَذِهِ الحالَةِ بِأنَّهُ لا مَلْجَأ إلّا
صفحة ١٩
إلى اللَّهِ، ولا تَعْوِيلَ إلّا عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وجَبَ أنْ يَبْقى هَذا الإخْلاصُ عِنْدَ كُلِّ الأحْوالِ والأوْقاتِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الإنْسانَ بَعْدَ الفَوْزِ بِالسَّلامَةِ والنَّجاةِ. يُحِيلُ تِلْكَ السَّلامَةَ إلى الأسْبابِ الجُسْمانِيَّةِ، ويُقْدِمُ عَلى الشِّرْكِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَقُولُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الطَّعْنُ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ والأوْثانِ، وأنا أقُولُ: التَّعَلُّقُ بِشَيْءٍ مِمّا سِوى اللَّهِ في طَرِيقِ العُبُودِيَّةِ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ تَعَلُّقًا بِالوَثَنِ، فَإنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ يُسَمُّونَهُ بِالشِّرْكِ الخَفِيِّ، ولَفْظُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الشَّدائِدِ يَأْتِي الإنْسانُ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: الدُّعاءُ.
وثانِيها: التَّضَرُّعُ.
وثالِثُها: الإخْلاصُ بِالقَلْبِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وخُفْيَةً﴾ .
ورابِعُها: التِزامُ الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُنَجِّيهِمْ مِن تِلْكَ المَخاوِفِ، ومِن سائِرِ مُوجِباتِ الخَوْفِ والكَرْبِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ يُقْدِمُ عَلى الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسْراءِ: ٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] وبِالجُمْلَةِ فَعادَةُ أكْثَرِ الخَلْقِ ذَلِكَ، إذا شاهَدُوا الأمْرَ الهائِلَ أخْلَصُوا، وإذا انْتَقَلُوا إلى الأمْنِ والرَّفاهِيَةِ أشْرَكُوا بِهِ.
الأنعام 6:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وكَمالِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والإحْسانِ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ في الكَلِمَتَيْنِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الواحِدِيُّ: والتَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ لُغَتانِ مَنقُولَتانِ مِن نَجا، فَإنْ شِئْتَ نَقَلْتَ بِالهَمْزَةِ، وإنْ شِئْتَ نَقَلْتَ بِتَضْعِيفِ العَيْنِ، مِثْلُ: أفْرَحْتُهُ وفَرَّحْتُهُ، وأغْرَمْتُهُ وغَرَّمْتُهُ، وفي القُرْآنِ: ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٧٢] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [فصلت: ١٨] ولَمّا جاءَ التَّنْزِيلُ بِاللُّغَتَيْنِ مَعًا ظَهَرَ اسْتِواءُ القِراءَتَيْنِ في الحُسْنِ، غَيْرَ أنَّ الِاخْتِيارَ التَّشْدِيدُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ كانَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وأيْضًا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”خِفْيَةً“ بِكَسْرِ الخاءِ والباقُونَ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ، وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعَنِ الأخْفَشِ في ”خُفْيَةٍ وخِفْيَةٍ“ أنَّهُما لُغَتانِ، وأيْضًا الخُفْيَةُ مِنَ الإخْفاءِ، والخِيفَةُ مِنَ الرَّهَبِ، وأيْضًا ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ مِن هَذِهِ. قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (لَئِنْ أنْجانا) عَلى المُغايَبَةِ، والباقُونَ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ عَلى الخِطابِ، فَأمّا الأوَّلُونَ: وهُمُ الَّذِينَ قَرَءُوا عَلى المُغايَبَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا؛ قَرَأ عاصِمٌ بِالتَّفْخِيمِ، والباقُونَ بِالإمالَةِ، وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى المُغايَبَةِ أنَّ ما قَبْلَ هَذا اللَّفْظِ وما بَعْدَهُ مَذْكُورٌ بِلَفْظِ المُغايَبَةِ، فَأمّا ما قَبْلَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ وأمّا ما بَعْدَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ وأيْضًا فالقِراءَةُ بِلَفْظِ الخِطابِ تُوجِبُ الإضْمارَ، والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى المُخاطَبَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ مَجازٌ عَنْ مَخاوِفِهِما وأهْوالِهِما. يُقالُ لِلْيَوْمِ الشَّدِيدِ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ. ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أيِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى عادَتْ كاللَّيْلِ، وحَقِيقَةُ الكَلامِ فِيهِ أنَّهُ يَشْتَدُّ الأمْرُ عَلَيْهِ، ويَشْتَبِهُ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةُ الخُرُوجِ، ويُظْلِمُ عَلَيْهِ طَرِيقُ الخَلاصِ. ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقالَ: أمّا ظُلُماتُ البَحْرِ فَهي أنْ تَجْتَمِعَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ السَّحابِ، ويُضافُ الرِّياحُ الصَّعْبَةُ والأمْواجُ الهائِلَةُ إلَيْها، فَلَمْ يَعْرِفُوا كَيْفِيَّةَ الخَلاصِ وعِظَمَ الخَوْفِ، وأمّا ظُلُماتُ البَرِّ فَهي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ والخَوْفُ الشَّدِيدُ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، والمَقْصُودُ أنَّ عِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ لا يَرْجِعُ الإنْسانُ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا الرُّجُوعُ يَحْصُلُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ الحالَةِ يَعْظُمُ إخْلاصُهُ في حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إذا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ والخِلْقَةُ الأصْلِيَّةُ في هَذِهِ الحالَةِ بِأنَّهُ لا مَلْجَأ إلّا
صفحة ١٩
إلى اللَّهِ، ولا تَعْوِيلَ إلّا عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وجَبَ أنْ يَبْقى هَذا الإخْلاصُ عِنْدَ كُلِّ الأحْوالِ والأوْقاتِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الإنْسانَ بَعْدَ الفَوْزِ بِالسَّلامَةِ والنَّجاةِ. يُحِيلُ تِلْكَ السَّلامَةَ إلى الأسْبابِ الجُسْمانِيَّةِ، ويُقْدِمُ عَلى الشِّرْكِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَقُولُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الطَّعْنُ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ والأوْثانِ، وأنا أقُولُ: التَّعَلُّقُ بِشَيْءٍ مِمّا سِوى اللَّهِ في طَرِيقِ العُبُودِيَّةِ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ تَعَلُّقًا بِالوَثَنِ، فَإنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ يُسَمُّونَهُ بِالشِّرْكِ الخَفِيِّ، ولَفْظُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الشَّدائِدِ يَأْتِي الإنْسانُ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: الدُّعاءُ.
وثانِيها: التَّضَرُّعُ.
وثالِثُها: الإخْلاصُ بِالقَلْبِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وخُفْيَةً﴾ .
ورابِعُها: التِزامُ الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُنَجِّيهِمْ مِن تِلْكَ المَخاوِفِ، ومِن سائِرِ مُوجِباتِ الخَوْفِ والكَرْبِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ يُقْدِمُ عَلى الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسْراءِ: ٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] وبِالجُمْلَةِ فَعادَةُ أكْثَرِ الخَلْقِ ذَلِكَ، إذا شاهَدُوا الأمْرَ الهائِلَ أخْلَصُوا، وإذا انْتَقَلُوا إلى الأمْنِ والرَّفاهِيَةِ أشْرَكُوا بِهِ.
الأنعام 6:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وهو مَمْزُوجٌ بِنَوْعٍ مِنَ التَّخْوِيفِ، فَبَيَّنَ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى إيصالِ العَذابِ إلَيْهِمْ مِن هَذِهِ الطُّرُقِ المُخْتَلِفَةِ، وأمّا إرْسالُ العَذابِ عَلَيْهِمْ تارَةً مِن فَوْقِهِمْ، وتارَةً مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَنَقُولُ: العَذابُ النّازِلُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقُ مِثْلُ المَطَرِ النّازِلِ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقُ كَما في قِصَّةِ نُوحٍ، والصّاعِقَةُ النّازِلَةُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقُ، وكَذا الصَّيْحَةُ النّازِلَةُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقُ كَما حُصِبَ قَوْمُ لُوطٍ، وكَما رُمِيَ أصْحابُ الفِيلِ. وأمّا العَذابُ الَّذِي ظَهَرَ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، فَمِثْلُ الرَّجْفَةِ، ومِثْلُ خَسْفِ قارُونَ. وقِيلَ: هو حَبْسُ المَطَرِ والنَّباتِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ تَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ العَذابِ الَّتِي يُمْكِنُ نُزُولُها مِن فَوْقُ، وظُهُورُها مِن أسْفَلُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ هَذا اللَّفْظُ عَلى مَجازِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: عَذابًا مِن فَوْقِكم أيْ مِنَ الأُمَراءِ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم مِنَ العَبِيدِ والسَّفَلَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الشِّيَعَ جَمْعُ الشِّيعَةِ، وكُلُّ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا عَلى أمْرٍ فَهم شِيعَةٌ والجُمَعُ شِيَعٌ وأشْياعٌ. قالَ تَعالى: ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤] وأصْلُهُ مِنَ الشِّيَعِ وهو التَّبَعُ، ومَعْنى الشِّيعَةِ الَّذِينَ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾
صفحة ٢٠
﴿شِيَعًا﴾ يَخْلِطَ أمْرَكم خَلْطَ اضْطِرابٍ لا خَلْطَ اتِّفاقٍ، فَيَجْعَلَكم فِرَقًا ولا تَكُونُونَ فِرْقَةً واحِدَةً، فَإذا كُنْتُمْ مُخْتَلِفِينَ قاتَلَ بَعْضُكم بَعْضًا وهو مَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «لَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذِهِ الآيَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَ: ما بَقاءُ أُمَّتِي إنْ عُومِلُوا بِذَلِكَ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إنَّما أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ فادْعُ رَبَّكَ لِأُمَّتِكَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ لا يَفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَّنَهم مِن خَصْلَتَيْنِ أنْ لا يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ كَما بَعَثَهُ عَلى قَوْمِ نُوحٍ ولُوطٍ، ولا مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ كَما خَسَفَ بِقارُونَ، ولَمْ يُجِرْهم مِن أنْ يَلْبِسَهم شِيَعًا بِالأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ، ويُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ» . وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً النّاجِيَةُ فِرْقَةٌ» وفي رِوايَةٍ أُخْرى «كُلُّهم في الجَنَّةِ إلّا الزَّنادِقَةَ»
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ هو أنَّهُ تَعالى يَحْمِلُهم عَلى الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ والمَذاهِبِ المُتَنافِيَةِ. وظاهِرٌ أنَّ الحَقَّ مِنها لَيْسَ إلّا الواحِدُ، وما سِواهُ فَهو باطِلٌ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى قَدْ يَحْمِلُ المُكَلَّفَ عَلى الِاعْتِقادِ الباطِلِ وقَوْلُهُ: ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ لا شَكَّ أنَّ أكْثَرَها ظُلْمٌ ومَعْصِيَةٌ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِلْخَيْرِ والشَّرِّ. أجابَ الخَصْمُ عَنْهُ بِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلَيْهِ، وعِنْدَنا اللَّهُ قادِرٌ عَلى القَبِيحِ. إنَّما النِّزاعُ في أنَّهُ تَعالى هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أمْ لا ؟
والجَوابُ: أنَّ وجْهَ التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ شَيْءٌ آخَرُ فَإنَّهُ قالَ: ﴿هُوَ القادِرُ﴾ عَلى ذَلِكَ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ غَيْرَ قادِرٍ عَلى ذَلِكَ، وهَذا الِاخْتِلافُ بَيْنَ النّاسِ حاصِلٌ، وثَبَتَ بِمُقْتَضى الحَصْرِ المَذْكُورِ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ صادِرًا عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ صادِرًا عَنِ اللَّهِ وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُقَلِّدَةُ والحَشْوِيَّةُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى المَنعِ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وذَلِكَ لِأنَّ فَتْحَ تِلْكَ الأبْوابِ يُفِيدُ وُقُوعَ الِاخْتِلافِ والمُنازَعَةِ في الأدْيانِ وتُفَرُّقَ الخَلْقِ إلى المَذاهِبِ والأدْيانِ، وذَلِكَ مَذْمُومٌ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُفْضِي إلى المَذْمُومِ مَذْمُومٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فَتْحُ بابِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في الدِّينِ مَذْمُومًا. وجَوابُهُ سَهْلٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ قالَ القاضِي: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ بِتَصْرِيفِ هَذِهِ الآياتِ وتَقْرِيرِ هَذِهِ البَيِّناتِ، أنْ يَفْهَمَ الكُلُّ تِلْكَ الدَّلائِلَ، ويَفْقَهَ الكُلُّ تِلْكَ البَيِّناتِ. وجَوابُنا: بَلْ ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما صَرَّفَ هَذِهِ الآياتِ إلّا لِمَن فَقُهَ وفَهِمَ، فَأمّا مَن أعْرَضَ وتَمَرَّدَ فَهو تَعالى ما صَرَّفَ هَذِهِ الآياتِ لَهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ فِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى العَذابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ أيْ لا بُدَّ وأنْ يَنْزِلَ بِهِمْ.
الثّانِي: الضَّمِيرُ في ”بِهِ“ لِلْقُرْآنِ وهو الحَقُّ أيْ في كَوْنِهِ كِتابًا
صفحة ٢١
مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: يَعُودُ إلى تَصْرِيفِ الآياتِ وهو الحَقُّ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا كَوْنَ هَذِهِ الأشْياءِ دَلالاتٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ لَسْتُ عَلَيْكم بِحافِظٍ حَتّى أُجازِيَكم عَلى تَكْذِيبِكم وإعْراضِكم عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ، إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ هو المُجازِي لَكم بِأعْمالِكم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والمُفَسِّرُونَ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ؛ وهو بَعِيدٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ والمُسْتَقَرُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ الِاسْتِقْرارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْسَ الِاسْتِقْرارِ؛ لِأنَّ ما زادَ عَلى الثُّلاثِيِّ كانَ المَصْدَرُ مِنهُ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ نَحْوَ المَدْخَلِ والمَخْرَجِ، بِمَعْنى الإدْخالِ والإخْراجِ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ خَبَرٍ يُخْبِرُهُ اللَّهُ تَعالى وقْتًا أوْ مَكانًا يَحْصُلُ فِيهِ مِن غَيْرِ خُلْفٍ ولا تَأْخِيرٍ، وإنْ جَعَلْتَ المُسْتَقِرَّ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، كانَ المَعْنى لِكُلِّ وعْدٍ ووَعِيدٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى اسْتِقْرارٌ ولا بُدَّ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ ظُهُورِهِ ونُزُولِهِ. وهَذا الَّذِي خَوَّفَ الكُفّارَ بِهِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَذابَ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ اسْتِيلاءَ المُسْلِمِينَ عَلى الكُفّارِ بِالحَرْبِ والقَتْلِ والقَهْرِ في الدُّنْيا.
الأنعام 6:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ فِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى العَذابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ أيْ لا بُدَّ وأنْ يَنْزِلَ بِهِمْ.
الثّانِي: الضَّمِيرُ في ”بِهِ“ لِلْقُرْآنِ وهو الحَقُّ أيْ في كَوْنِهِ كِتابًا
صفحة ٢١
مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: يَعُودُ إلى تَصْرِيفِ الآياتِ وهو الحَقُّ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا كَوْنَ هَذِهِ الأشْياءِ دَلالاتٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ لَسْتُ عَلَيْكم بِحافِظٍ حَتّى أُجازِيَكم عَلى تَكْذِيبِكم وإعْراضِكم عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ، إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ هو المُجازِي لَكم بِأعْمالِكم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والمُفَسِّرُونَ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ؛ وهو بَعِيدٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ والمُسْتَقَرُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ الِاسْتِقْرارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْسَ الِاسْتِقْرارِ؛ لِأنَّ ما زادَ عَلى الثُّلاثِيِّ كانَ المَصْدَرُ مِنهُ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ نَحْوَ المَدْخَلِ والمَخْرَجِ، بِمَعْنى الإدْخالِ والإخْراجِ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ خَبَرٍ يُخْبِرُهُ اللَّهُ تَعالى وقْتًا أوْ مَكانًا يَحْصُلُ فِيهِ مِن غَيْرِ خُلْفٍ ولا تَأْخِيرٍ، وإنْ جَعَلْتَ المُسْتَقِرَّ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، كانَ المَعْنى لِكُلِّ وعْدٍ ووَعِيدٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى اسْتِقْرارٌ ولا بُدَّ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ ظُهُورِهِ ونُزُولِهِ. وهَذا الَّذِي خَوَّفَ الكُفّارَ بِهِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَذابَ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ اسْتِيلاءَ المُسْلِمِينَ عَلى الكُفّارِ بِالحَرْبِ والقَتْلِ والقَهْرِ في الدُّنْيا.
الأنعام 6:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ فَبَيَّنَ بِهِ أنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهَذا الدِّينِ فَإنَّهُ لا يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ أنْ يُلازِمَهم، وأنْ يَكُونَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ إنْ ضَمُّوا إلى كُفْرِهِمْ وتْكَذِّبِيهِمْ الِاسْتِهْزاءَ بِالدِّينِ والطَّعْنَ في الرَّسُولِ فَإنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْ مُقارَنَتِهِمْ وتَرْكُ مُجالَسَتَهم، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَ﴾ قِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ غَيْرُهُ، وقِيلَ: الخِطابُ لِغَيْرِهِ أيْ إذا رَأيْتَ أيُّها السّامِعُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا. ونَقَلَ الواحِدِيُّ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا جالَسُوا المُؤْمِنِينَ وقَعُوا في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقُرْآنِ، فَشَتَمُوا واسْتَهْزَءُوا فَأمَرَهم أنْ لا يَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ. ولَفْظُ الخَوْضِ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ المُفاوَضَةِ عَلى وجْهِ العَبَثِ واللَّعِبِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٥] وإذا سُئِلَ الرَّجُلُ عَنْ قَوْمٍ فَقالَ: تَرَكْتُهم يَخُوضُونَ. أفادَ ذَلِكَ أنَّهم شَرَعُوا في كَلِماتٍ لا يَنْبَغِي ذِكْرُها، ومِنَ الحَشْوِيَّةِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والمُناظَرَةِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ. قالَ: لِأنَّ ذَلِكَ خَوْضٌ في آياتِ اللَّهِ، والخَوْضُ في آياتِ اللَّهِ حَرامٌ بِدَلِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، والجَوابُ عَنْهُ: أنّا نَقَلْنا عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ مِن ”الخَوْضِ“ الشُّرُوعُ في آياتِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ والِاسْتِهْزاءِ. وبَيَّنّا أيْضًا أنَّ لَفْظَ ”الخَوْضِ“ وُضِعَ في أصْلِ اللُّغَةِ لِهَذا المَعْنى فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وفَعَلَ وأفْعَلَ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا كَما بَيَّنّا ذَلِكَ في
صفحة ٢٢
مَواضِعَ. وفي التَّنْزِيلِ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ والِاخْتِيارُ قِراءَةُ العامَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ [الكهف: ٦٣] ومَعْنى الآيَةِ: إنْ نَسِيتَ وقَعَدْتَ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى، وقُمْ إذا ذَكَرْتَ. والذِّكْرى اسْمٌ لِلتَّذْكِرَةِ قالَهُ اللَّيْثُ. وقالَ الفَرّاءُ: الذِّكْرى يَكُونُ بِمَعْنى الذِّكْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي مَعَ المُشْرِكِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهَذا الإعْراضُ يُحْتَمَلُ أنْ يَحْصُلَ بِالقِيامِ عَنْهم ويُحْتَمَلُ بِغَيْرِهِ. فَلَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ صارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُرادَ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم بِالقِيامِ مِن عِنْدِهِمْ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلْ يَجُوزُ هَذا الإعْراضُ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوى القِيامِ عَنْهم ؟ والجَوابُ: الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِظَواهِرِ الألْفاظِ ويَزْعُمُونَ وُجُوبَ إجْرائِها عَلى ظَواهِرِها لا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ، والَّذِينَ يَقُولُونَ المَعْنى هو المُعْتَبَرُ جَوَّزُوا ذَلِكَ قالُوا: لِأنَّ المَطْلُوبَ إظْهارُ الإنْكارِ، فَكُلُّ طَرِيقٍ أفادَ هَذا المَقْصُودَ فَإنَّهُ يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَوْ خافَ الرَّسُولُ مِنَ القِيامِ عَنْهم، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ القِيامُ مَعَ ذَلِكَ ؟
الجَوابُ: كُلُّ ما أوْجَبَ عَلى الرَّسُولِ فِعْلَهُ وجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ سَواءٌ ظَهَرَ أثَرُ الخَوْفِ أوْ لَمْ يَظْهَرْ فَإنّا إنْ جَوَّزْنا مِنهُ تَرْكَ الواجِبِ بِسَبَبِ الخَوْفِ، سَقَطَ الِاعْتِمادُ عَلى التَّكالِيفِ الَّتِي بَلَّغَها إلَيْنا. أمّا غَيْرُ الرَّسُولِ فَإنَّهُ عِنْدَ شِدَّةِ الخَوْفِ قَدْ يَسْقُطُ عَنْهُ الفَرْضُ؛ لِأنَّ إقْدامَهُ عَلى التَّرْكِ لا يُفْضِي إلى المَحْذُورِ المَذْكُورِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ يُفِيدُ أنَّ التَّكْلِيفَ ساقِطٌ عَنِ النّاسِي قالَ الجُبّائِيُّ: إذا كانَ عَدَمُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ يُوجِبُ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ، فَعَدَمُ القُدْرَةِ عَلى الشَّيْءِ أوْلى بِأنْ يُوجِبَ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ لا يَقَعُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ حاصِلَةٌ قَبْلَ الفِعْلِ؛ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَحْصُلْ إلّا مَعَ الفِعْلِ لَما كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَ الفِعْلِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ الكافِرُ قادِرًا عَلى الإيمانِ فَوَجَبَ أنْ لا يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالإيمانِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ كَثُرَ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ مَعَ الجَوابِ فَلا نُطَوِّلُ الكَلامَ بِذِكْرِ الجَوابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ المُسْلِمُونَ لَئِنْ كُنّا كُلَّما اسْتَهْزَأ المُشْرِكُونَ بِالقُرْآنِ وخاضُوا فِيهِ قُمْنا عَنْهم لَما قَدَرْنا
صفحة ٢٣
عَلى أنَّ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ وأنْ نَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وحَصَلَتِ الرُّخْصَةُ فِيها لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقْعُدُوا مَعَهم ويُذَكِّرُونَهم ويُفَهِّمُونَهم. قالَ: ومَعْنى الآيَةِ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ والكَبائِرَ والفَواحِشَ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ مِن آثامِهِمْ ﴿مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ (ذِكْرى) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. أمّا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ولَكِنْ عَلَيْكم ذِكْرى أيْ أنْ تُذَكِّرُوهم، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ولَكِنَّ الَّذِي تَأْمُرُونَهم بِهِ ذِكْرى، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي الذِّكْرى تَكُونُ بِمَعْنى الذِّكْرِ، وأمّا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ، فالتَّقْدِيرُ ذَكِّرُوهم ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ. والمَعْنى لَعَلَّ ذَلِكَ الذِّكْرى يَمْنَعُهم مِنَ الخَوْضِ في ذَلِكَ الفُضُولِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ المَذْكُورُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ ومَعْنى (ذِرْهم) أعْرِضْ عَنْهم ولَيْسَ المُرادُ أنْ يَتْرُكَ إنْذارَهم؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٣] والمُرادُ تَرْكُ مُعاشَرَتِهم ومُلاطَفَتِهم ولا يَتْرُكُ إنْذارَهم وتَخْوِيفَهم.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَتْرُكَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفَتَيْنِ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهُمُ الَّذِي كُلِّفُوهُ ودُعُوا إلَيْهِ وهو دِينُ الإسْلامِ لَعِبًا ولَهْوًا حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ واسْتَهْزَءُوا بِهِ.
الثّانِي: اتَّخَذُوا ما هو لَعِبٌ ولَهْوٌ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وغَيْرِها دِينًا لَهم.
الثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَحْكُمُونَ في دِينِ اللَّهِ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي والتَّمَنِّي، مِثْلَ تَحْرِيمِ السَّوائِبِ والبَحائِرِ، وما كانُوا يَحْتاطُونَ في أمْرِ الدِّينِ البَتَّةَ، ويَكْتَفُونَ فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا.
والرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا يُعَظِّمُونَهُ ويُصَلُّونَ فِيهِ ويُعَمِّرُونَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ إنَّ النّاسَ أكْثَرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلُ الكِتابِ اتَّخَذُوا عِيدَهم لَهْوًا ولَعِبًا غَيْرُ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُمُ اتَّخَذُوا عِيدَهم كَما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى.
والخامِسُ: وهو الأقْرَبُ، أنَّ المُحَقِّقَ في الدِّينِ هو الَّذِي يَنْصُرُ الدِّينَ لِأجْلِ أنَّهُ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ وصَوابٌ. فَأمّا الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى أخْذِ المَناصِبِ والرِّياسَةِ وغَلَبَةِ الخَصْمِ وجَمْعِ الأمْوالِ فَهم نَصَرُوا الدِّينَ لِلدُّنْيا، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ عَلى الدُّنْيا في سائِرِ الآياتِ بِأنَّها لَعِبٌ ولَهْوٌ. فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ هو الإشارَةُ إلى مَن يَتَوَسَّلُ بِدِينِهِ إلى دُنْياهُ. وإذا تَأمَّلْتَ في حالِ أكْثَرِ الخَلْقِ وجَدْتَهم مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وداخِلِينَ تَحْتَ هَذِهِ الحالَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وهَذا يُؤَكِّدُ الوَجْهَ الخامِسَ الَّذِي ذَكَرْناهُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّما اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا لِأجْلِ أنَّهم غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا. فَلِأجْلِ اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلى قُلُوبِهِمْ أعْرَضُوا عَنْ حَقِيقَةِ الدِّينِ واقْتَصَرُوا عَلى تَزْيِينِ الظَّواهِرِ لِيَتَوَسَّلُوا بِها إلى حُطامِ الدُّنْيا.
إذا عَرَفْتَ هَذا، فَقَوْلُهُ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ مَعْناهُ أعْرِضْ عَنْهم ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ ولا تُقِمْ لَهم في نَظَرِكَ وزْنًا ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (بِهِ) إلى ماذا يَعُودُ ؟
صفحة ٢٤
قِيلَ: وذَكِّرْ بِالقُرْآنِ وقِيلَ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ والمُرادُ الدِّينُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ ويَعْتَقِدُوا صِحَّتَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الدِّينِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِ. والدِّينُ أقْرَبُ المَذْكُورِ، فَوَجَبَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أصْلُ الإبْسالِ المَنعُ ومِنهُ، هَذا عَلَيْكَ بَسْلٌ أيْ حَرامٌ مَحْظُورٌ، والباسِلُ الشُّجاعُ لِامْتِناعِهِ مِن خَصْمِهِ، أوْ لِأنَّهُ شَدِيدُ البُسُورِ، يُقالُ: بَسَرَ الرَّجُلُ إذا اشْتَدَّ عُبُوسُهُ، وإذا زادَ قالُوا بَسَلَ، والعابِسُ مُنْقَبِضُ الوَجْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ أيْ تُرْتَهَنُ في جَهَنَّمَ بِما كَسَبَتْ في الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: تُسَلَّمُ لِلْمَهْلَكَةِ أيْ تُمْنَعُ عَنْ مُرادِها وتُخْذَلُ. وقالَ قَتادَةُ: تُحْبَسُ في جَهَنَّمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿تُبْسَلَ﴾ تُفْضَحَ و﴿أُبْسِلُوا﴾ فُضِحُوا، ومَعْنى الآيَةِ وذَكِّرْهم بِالقُرْآنِ ومُقْتَضى الدِّينِ مَخافَةَ احْتِباسِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ جِناياتِهِمْ لَعَلَّهم يَخافُونَ فَيَتَّقُونَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: (لَيْسَ لَها) أيْ لَيْسَ لِلنَّفْسِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ أيْ وإنْ تَفْدِ كُلَّ فِداءٍ، والعَدْلُ الفِدْيَةُ لا يُؤْخَذُ ذَلِكَ العَدْلُ وتِلْكَ الفِدْيَةُ مِنها. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فاعِلُ يُؤْخَذُ لَيْسَ هو قَوْلَهُ: (عَدْلٌ) لِأنَّ العَدْلَ هَهُنا مَصْدَرٌ، فَلا يُسْنَدُ إلَيْهِ الأخْذُ. وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ فَبِمَعْنى المُفْدى بِهِ، فَصَحَّ إسْنادُهُ إلَيْهِ. فَنَقُولُ: الأخْذُ بِمَعْنى القَبُولِ وارِدٌ. قالَ تَعالى: ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٤] أيْ يَقْبَلُها. وإذا ثَبَتَ هَذا فَيُحْمَلُ الأخْذُ هَهُنا عَلى القَبُولِ، ويَزُولُ السُّؤالُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ: بَيانُ أنَّ وُجُوهَ الخَلاصِ عَلى تِلْكَ النَّفْسِ مُنْسَدَّةٌ، فَلا ولِيَّ يَتَوَلّى دَفْعَ ذَلِكَ المَحْذُورِ، ولا شَفِيعَ يَشْفَعُ فِيها، ولا فِدْيَةَ تُقْبَلُ لِيَحْصُلَ الخَلاصُ بِسَبَبِ قَبُولِها حَتّى لَوْ جُعِلَتِ الدُّنْيا بِأسْرِها فَدِيَةً مِن عَذابِ اللَّهِ لَمْ تَنْفَعْ. فَإذا كانَتْ وُجُوهُ الخَلاصِ هي هَذِهِ الثَّلاثَةُ في الدُّنْيا، وثَبَتَ أنَّها لا تُفِيدُ في الآخِرَةِ البَتَّةَ، وظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ إلّا الإبْسالُ الَّذِي هو الِارْتِهانُ والِانْغِلاقُ والِاسْتِسْلامُ، فَلَيْسَ لَها البَتَّةَ دافِعٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، وإذا تَصَوَّرَ المَرْءُ كَيْفِيَّةَ العِقابِ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكادُ يُرْعِدُ إذا أقْدَمَ عَلى مَعاصِي اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ما بِهِ صارُوا مُرْتَهَنِينَ وعَلَيْهِ مَحْبُوسِينَ، فَقالَ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ وذَلِكَ هو النِّهايَةُ في صِفَةِ الإيلامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ المُسْلِمُونَ لَئِنْ كُنّا كُلَّما اسْتَهْزَأ المُشْرِكُونَ بِالقُرْآنِ وخاضُوا فِيهِ قُمْنا عَنْهم لَما قَدَرْنا
صفحة ٢٣
عَلى أنَّ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ وأنْ نَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وحَصَلَتِ الرُّخْصَةُ فِيها لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقْعُدُوا مَعَهم ويُذَكِّرُونَهم ويُفَهِّمُونَهم. قالَ: ومَعْنى الآيَةِ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ والكَبائِرَ والفَواحِشَ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ مِن آثامِهِمْ ﴿مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ (ذِكْرى) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. أمّا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ولَكِنْ عَلَيْكم ذِكْرى أيْ أنْ تُذَكِّرُوهم، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ولَكِنَّ الَّذِي تَأْمُرُونَهم بِهِ ذِكْرى، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي الذِّكْرى تَكُونُ بِمَعْنى الذِّكْرِ، وأمّا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ، فالتَّقْدِيرُ ذَكِّرُوهم ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ. والمَعْنى لَعَلَّ ذَلِكَ الذِّكْرى يَمْنَعُهم مِنَ الخَوْضِ في ذَلِكَ الفُضُولِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ المَذْكُورُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ ومَعْنى (ذِرْهم) أعْرِضْ عَنْهم ولَيْسَ المُرادُ أنْ يَتْرُكَ إنْذارَهم؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٣] والمُرادُ تَرْكُ مُعاشَرَتِهم ومُلاطَفَتِهم ولا يَتْرُكُ إنْذارَهم وتَخْوِيفَهم.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَتْرُكَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفَتَيْنِ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهُمُ الَّذِي كُلِّفُوهُ ودُعُوا إلَيْهِ وهو دِينُ الإسْلامِ لَعِبًا ولَهْوًا حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ واسْتَهْزَءُوا بِهِ.
الثّانِي: اتَّخَذُوا ما هو لَعِبٌ ولَهْوٌ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وغَيْرِها دِينًا لَهم.
الثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَحْكُمُونَ في دِينِ اللَّهِ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي والتَّمَنِّي، مِثْلَ تَحْرِيمِ السَّوائِبِ والبَحائِرِ، وما كانُوا يَحْتاطُونَ في أمْرِ الدِّينِ البَتَّةَ، ويَكْتَفُونَ فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا.
والرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا يُعَظِّمُونَهُ ويُصَلُّونَ فِيهِ ويُعَمِّرُونَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ إنَّ النّاسَ أكْثَرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلُ الكِتابِ اتَّخَذُوا عِيدَهم لَهْوًا ولَعِبًا غَيْرُ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُمُ اتَّخَذُوا عِيدَهم كَما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى.
والخامِسُ: وهو الأقْرَبُ، أنَّ المُحَقِّقَ في الدِّينِ هو الَّذِي يَنْصُرُ الدِّينَ لِأجْلِ أنَّهُ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ وصَوابٌ. فَأمّا الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى أخْذِ المَناصِبِ والرِّياسَةِ وغَلَبَةِ الخَصْمِ وجَمْعِ الأمْوالِ فَهم نَصَرُوا الدِّينَ لِلدُّنْيا، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ عَلى الدُّنْيا في سائِرِ الآياتِ بِأنَّها لَعِبٌ ولَهْوٌ. فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ هو الإشارَةُ إلى مَن يَتَوَسَّلُ بِدِينِهِ إلى دُنْياهُ. وإذا تَأمَّلْتَ في حالِ أكْثَرِ الخَلْقِ وجَدْتَهم مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وداخِلِينَ تَحْتَ هَذِهِ الحالَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وهَذا يُؤَكِّدُ الوَجْهَ الخامِسَ الَّذِي ذَكَرْناهُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّما اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا لِأجْلِ أنَّهم غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا. فَلِأجْلِ اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلى قُلُوبِهِمْ أعْرَضُوا عَنْ حَقِيقَةِ الدِّينِ واقْتَصَرُوا عَلى تَزْيِينِ الظَّواهِرِ لِيَتَوَسَّلُوا بِها إلى حُطامِ الدُّنْيا.
إذا عَرَفْتَ هَذا، فَقَوْلُهُ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ مَعْناهُ أعْرِضْ عَنْهم ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ ولا تُقِمْ لَهم في نَظَرِكَ وزْنًا ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (بِهِ) إلى ماذا يَعُودُ ؟
صفحة ٢٤
قِيلَ: وذَكِّرْ بِالقُرْآنِ وقِيلَ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ والمُرادُ الدِّينُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ ويَعْتَقِدُوا صِحَّتَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الدِّينِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِ. والدِّينُ أقْرَبُ المَذْكُورِ، فَوَجَبَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أصْلُ الإبْسالِ المَنعُ ومِنهُ، هَذا عَلَيْكَ بَسْلٌ أيْ حَرامٌ مَحْظُورٌ، والباسِلُ الشُّجاعُ لِامْتِناعِهِ مِن خَصْمِهِ، أوْ لِأنَّهُ شَدِيدُ البُسُورِ، يُقالُ: بَسَرَ الرَّجُلُ إذا اشْتَدَّ عُبُوسُهُ، وإذا زادَ قالُوا بَسَلَ، والعابِسُ مُنْقَبِضُ الوَجْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ أيْ تُرْتَهَنُ في جَهَنَّمَ بِما كَسَبَتْ في الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: تُسَلَّمُ لِلْمَهْلَكَةِ أيْ تُمْنَعُ عَنْ مُرادِها وتُخْذَلُ. وقالَ قَتادَةُ: تُحْبَسُ في جَهَنَّمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿تُبْسَلَ﴾ تُفْضَحَ و﴿أُبْسِلُوا﴾ فُضِحُوا، ومَعْنى الآيَةِ وذَكِّرْهم بِالقُرْآنِ ومُقْتَضى الدِّينِ مَخافَةَ احْتِباسِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ جِناياتِهِمْ لَعَلَّهم يَخافُونَ فَيَتَّقُونَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: (لَيْسَ لَها) أيْ لَيْسَ لِلنَّفْسِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ أيْ وإنْ تَفْدِ كُلَّ فِداءٍ، والعَدْلُ الفِدْيَةُ لا يُؤْخَذُ ذَلِكَ العَدْلُ وتِلْكَ الفِدْيَةُ مِنها. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فاعِلُ يُؤْخَذُ لَيْسَ هو قَوْلَهُ: (عَدْلٌ) لِأنَّ العَدْلَ هَهُنا مَصْدَرٌ، فَلا يُسْنَدُ إلَيْهِ الأخْذُ. وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ فَبِمَعْنى المُفْدى بِهِ، فَصَحَّ إسْنادُهُ إلَيْهِ. فَنَقُولُ: الأخْذُ بِمَعْنى القَبُولِ وارِدٌ. قالَ تَعالى: ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٤] أيْ يَقْبَلُها. وإذا ثَبَتَ هَذا فَيُحْمَلُ الأخْذُ هَهُنا عَلى القَبُولِ، ويَزُولُ السُّؤالُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ: بَيانُ أنَّ وُجُوهَ الخَلاصِ عَلى تِلْكَ النَّفْسِ مُنْسَدَّةٌ، فَلا ولِيَّ يَتَوَلّى دَفْعَ ذَلِكَ المَحْذُورِ، ولا شَفِيعَ يَشْفَعُ فِيها، ولا فِدْيَةَ تُقْبَلُ لِيَحْصُلَ الخَلاصُ بِسَبَبِ قَبُولِها حَتّى لَوْ جُعِلَتِ الدُّنْيا بِأسْرِها فَدِيَةً مِن عَذابِ اللَّهِ لَمْ تَنْفَعْ. فَإذا كانَتْ وُجُوهُ الخَلاصِ هي هَذِهِ الثَّلاثَةُ في الدُّنْيا، وثَبَتَ أنَّها لا تُفِيدُ في الآخِرَةِ البَتَّةَ، وظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ إلّا الإبْسالُ الَّذِي هو الِارْتِهانُ والِانْغِلاقُ والِاسْتِسْلامُ، فَلَيْسَ لَها البَتَّةَ دافِعٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، وإذا تَصَوَّرَ المَرْءُ كَيْفِيَّةَ العِقابِ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكادُ يُرْعِدُ إذا أقْدَمَ عَلى مَعاصِي اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ما بِهِ صارُوا مُرْتَهَنِينَ وعَلَيْهِ مَحْبُوسِينَ، فَقالَ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ وذَلِكَ هو النِّهايَةُ في صِفَةِ الإيلامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
صفحة ٢٥
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ وهي مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٥٦] فَقالَ: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أنَعْبُدُ مَن دُونِ اللَّهِ النّافِعِ الضّارِّ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا ولا عَلى ضُرِّنا، ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا راجِعِينَ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أنَقْذَنا اللَّهُ مِنهُ وهَدانا لِلْإسْلامِ ؟ ويُقالُ لِكُلِّ مَن أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ إنَّهُ رَجَعَ إلى خَلْفٍ، ورَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ ورَجَعَ القَهْقَرى، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ هو الجَهْلُ، ثُمَّ إذا تَرَقّى وتَكامَلَ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ. قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] فَإذا رَجَعَ مِنَ العِلْمِ إلى الجَهْلِ مَرَّةً أُخْرى فَكَأنَّهُ رَجَعَ إلى أوَّلِ مَرَّةٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُقالُ: فُلانٌ رُدَّ عَلى عَقِبَيْهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الإنْسانَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”اسْتَهْواهُ“ بِألِفٍ مُمالَةٍ عَلى التَّذْكِيرِ والباقُونَ بِالتّاءِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ يَصْلُحُ أنْ يُذَكَّرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، ويَصْلُحُ أنْ يُؤَنَّثَ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِ ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الهُوِيِّ في الأرْضِ، وهو النُّزُولُ مِنَ المَوْضِعِ العالِي إلى الوَهْدَةِ السّافِلَةِ العَمِيقَةِ في قَعْرِ الأرْضِ، فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذا الضّالِّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ [الحَجِّ: ٣١] ولا شَكَّ أنَّ حالَ هَذا الإنْسانِ عِنْدَ هُوِيِّهِ مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ المُظْلِمَةِ يَكُونُ في غايَةِ الِاضْطِرابِ والضَّعْفِ والدَّهْشَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ اتِّباعِ الهَوى والمَيْلِ، فَإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ رُبَّما بَلَغَ النِّهايَةَ في الحَيْرَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أكْمَلُ في الدَّلالَةِ عَلى الدَّهْشَةِ والضَّعْفِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَيْرانَ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ حارَ يَحارُ حَيْرَةً وحَيَرًا، وزادَ الفَرّاءُ حَيَرانًا وحَيْرُورَةً، ومَعْنى الحَيْرَةِ هي التَّرَدُّدُ في الأمْرِ بِحَيْثُ لا يَهْتَدِي إلى مَخْرَجِهِ. ومِنهُ يُقالُ: الماءُ يَتَحَيَّرُ في الغَيْمِ أيْ يَتَرَدَّدُ، وتَحَيَّرَتِ الرَّوْضَةُ بِالماءِ إذا امْتَلَأتْ فَتَرَدَّدَ فِيها الماءُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَثَلَ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَهْوِي مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ يَهْوِي إلَيْها مَعَ الِاسْتِدارَةِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الحَجَرَ حالَ نُزُولِهِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ يَنْزِلُ عَلى الِاسْتِدارَةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَمالَ التَّرَدُّدِ والتَّحَيُّرِ، وأيْضًا فَعِنْدَ نُزُولِهِ لا يَعْرِفُ أنَّهُ يَسْقُطُ عَلى مَوْضِعٍ يَزْدادُ بَلاؤُهُ بِسَبَبِ سُقُوطِهِ عَلَيْهِ أوْ يَقِلُّ، فَإذا اعْتَبَرْتَ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأحْوالِ عَلِمْتَ أنَّكَ لا تَجِدُ مِثالًا لِلْمُتَحَيِّرِ المُتَرَدِّدِ الخائِفِ أحْسَنَ ولا أكْمَلَ مِن هَذا المِثالِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا﴾ قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -فَإنَّهُ كانَ يَدْعُو أباهُ إلى الكُفْرِ وأبُوهُ كانَ يَدْعُوهُ إلى الإيمانِ ويَأْمُرُهُ بِأنْ يَرْجِعَ مِن طَرِيقِ الجَهالَةِ إلى الهِدايَةِ، ومِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ لِذَلِكَ الكافِرِ الضّالِّ أصْحابًا يَدْعُونَهُ إلى ذَلِكَ الضَّلالِ ويُسَمُّونَهُ بِأنَّهُ هو الهُدى وهَذا بِعِيدٌ. والقَوْلُ الصَّحِيحُ هو الأوَّلُ.
صفحة ٢٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ يَعْنِي هو الهُدى الكامِلُ النّافِعُ الشَّرِيفُ كَما إذا قُلْتَ: عِلْمُ زَيْدٍ هو العِلْمُ ومُلْكُ عَمْرٍو هو المُلْكُ كانَ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ مِن تَقْرِيرِ أمْرِ الكَمالِ والشَّرَفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ دَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ أقْسامِ المَأْمُوراتِ والِاحْتِرازُ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَ أمْرُ اللَّهِ بِهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ الأفْعالِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ التُّرُوكِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ أعْمالِ القُلُوبِ وإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ أفْعالِ الجَوارِحِ، ورَئِيسُ أعْمالِ القُلُوبِ الإيمانُ بِاللَّهِ والإسْلامُ لَهُ، ورَئِيسُ أعْمالِ الجَوارِحِ الصَّلاةُ، وأمّا الَّذِي يَكُونُ مِن بابِ التُّرُوكِ فَهو التَّقْوى وهو عِبارَةٌ عَنِ الِاتِّقاءِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، واللَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ الهُدى النّافِعَ هو هُدى اللَّهِ، أرْدَفَ ذَلِكَ الكَلامَ الكُلِّيَّ بِذِكْرِ أشْرَفِ أقْسامِهِ عَلى التَّرْتِيبِ وهو الإسْلامُ الَّذِي هو رَئِيسُ الطّاعاتِ الرُّوحانِيَّةِ، والصَّلاةُ الَّتِي هي رَئِيسَةُ الطّاعاتِ الجُسْمانِيَّةِ، والتَّقْوى الَّتِي هي رَئِيسَةٌ لِبابِ التُّرُوكِ والِاحْتِرازِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، ثُمَّ بَيَّنَ مَنافِعَ هَذِهِ الأعْمالِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ مَنافِعَ هَذِهِ الأعْمالِ إنَّما تَظْهَرُ في يَوْمِ الحَشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَسُنَ عَطْفُ قَوْلِهِ: ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ؟
قُلْنا: ذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ، وأُمِرْنا فَقِيلَ لَنا أسْلِمُوا لِرَبِّ العالَمِينَ وأقِيمُوا الصَّلاةَ.
فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْتُمْ، لَكِنْ ما الحِكْمَةُ في العُدُولِ عَنْ هَذا اللَّفْظِ الظّاهِرِ والتَّرْكِيبِ المُوافِقِ لِلْعَقْلِ إلى ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي لا يَهْتَدِي العَقْلُ إلى مَعْناهُ إلّا بِالتَّأْوِيلِ ؟
قُلْنا: وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ ما دامَ يُبْقِي عَلى كُفْرِهِ، كانَ كالغائِبِ الأجْنَبِيِّ فَلا جَرَمَ يُخاطَبُ بِخِطابِ الغائِبِينَ، فَيُقالُ لَهُ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وإذا أسْلَمَ وآمَنَ ودَخَلَ في الإيمانِ صارَ كالقَرِيبِ الحاضِرِ، فَلا جَرَمَ يُخاطَبُ بِخِطابِ الحاضِرِينَ، ويُقالُ لَهُ: ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فالمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الخِطابِ التَّنْبِيهُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ حالَتَيِ الكُفْرِ والإيمانِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الكافِرَ بَعِيدٌ غائِبٌ والمُؤْمِنَ قَرِيبٌ حاضِرٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
صفحة ٢٥
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ وهي مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٥٦] فَقالَ: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أنَعْبُدُ مَن دُونِ اللَّهِ النّافِعِ الضّارِّ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا ولا عَلى ضُرِّنا، ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا راجِعِينَ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أنَقْذَنا اللَّهُ مِنهُ وهَدانا لِلْإسْلامِ ؟ ويُقالُ لِكُلِّ مَن أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ إنَّهُ رَجَعَ إلى خَلْفٍ، ورَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ ورَجَعَ القَهْقَرى، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ هو الجَهْلُ، ثُمَّ إذا تَرَقّى وتَكامَلَ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ. قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] فَإذا رَجَعَ مِنَ العِلْمِ إلى الجَهْلِ مَرَّةً أُخْرى فَكَأنَّهُ رَجَعَ إلى أوَّلِ مَرَّةٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُقالُ: فُلانٌ رُدَّ عَلى عَقِبَيْهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الإنْسانَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”اسْتَهْواهُ“ بِألِفٍ مُمالَةٍ عَلى التَّذْكِيرِ والباقُونَ بِالتّاءِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ يَصْلُحُ أنْ يُذَكَّرَ عَلى مَعْنى الجَمْعِ، ويَصْلُحُ أنْ يُؤَنَّثَ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِ ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الهُوِيِّ في الأرْضِ، وهو النُّزُولُ مِنَ المَوْضِعِ العالِي إلى الوَهْدَةِ السّافِلَةِ العَمِيقَةِ في قَعْرِ الأرْضِ، فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذا الضّالِّ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ [الحَجِّ: ٣١] ولا شَكَّ أنَّ حالَ هَذا الإنْسانِ عِنْدَ هُوِيِّهِ مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ المُظْلِمَةِ يَكُونُ في غايَةِ الِاضْطِرابِ والضَّعْفِ والدَّهْشَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ اتِّباعِ الهَوى والمَيْلِ، فَإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ رُبَّما بَلَغَ النِّهايَةَ في الحَيْرَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أكْمَلُ في الدَّلالَةِ عَلى الدَّهْشَةِ والضَّعْفِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَيْرانَ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ حارَ يَحارُ حَيْرَةً وحَيَرًا، وزادَ الفَرّاءُ حَيَرانًا وحَيْرُورَةً، ومَعْنى الحَيْرَةِ هي التَّرَدُّدُ في الأمْرِ بِحَيْثُ لا يَهْتَدِي إلى مَخْرَجِهِ. ومِنهُ يُقالُ: الماءُ يَتَحَيَّرُ في الغَيْمِ أيْ يَتَرَدَّدُ، وتَحَيَّرَتِ الرَّوْضَةُ بِالماءِ إذا امْتَلَأتْ فَتَرَدَّدَ فِيها الماءُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَثَلَ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَهْوِي مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ يَهْوِي إلَيْها مَعَ الِاسْتِدارَةِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الحَجَرَ حالَ نُزُولِهِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ يَنْزِلُ عَلى الِاسْتِدارَةِ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَمالَ التَّرَدُّدِ والتَّحَيُّرِ، وأيْضًا فَعِنْدَ نُزُولِهِ لا يَعْرِفُ أنَّهُ يَسْقُطُ عَلى مَوْضِعٍ يَزْدادُ بَلاؤُهُ بِسَبَبِ سُقُوطِهِ عَلَيْهِ أوْ يَقِلُّ، فَإذا اعْتَبَرْتَ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأحْوالِ عَلِمْتَ أنَّكَ لا تَجِدُ مِثالًا لِلْمُتَحَيِّرِ المُتَرَدِّدِ الخائِفِ أحْسَنَ ولا أكْمَلَ مِن هَذا المِثالِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا﴾ قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -فَإنَّهُ كانَ يَدْعُو أباهُ إلى الكُفْرِ وأبُوهُ كانَ يَدْعُوهُ إلى الإيمانِ ويَأْمُرُهُ بِأنْ يَرْجِعَ مِن طَرِيقِ الجَهالَةِ إلى الهِدايَةِ، ومِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّ لِذَلِكَ الكافِرِ الضّالِّ أصْحابًا يَدْعُونَهُ إلى ذَلِكَ الضَّلالِ ويُسَمُّونَهُ بِأنَّهُ هو الهُدى وهَذا بِعِيدٌ. والقَوْلُ الصَّحِيحُ هو الأوَّلُ.
صفحة ٢٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ يَعْنِي هو الهُدى الكامِلُ النّافِعُ الشَّرِيفُ كَما إذا قُلْتَ: عِلْمُ زَيْدٍ هو العِلْمُ ومُلْكُ عَمْرٍو هو المُلْكُ كانَ مَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ مِن تَقْرِيرِ أمْرِ الكَمالِ والشَّرَفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ دَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ أقْسامِ المَأْمُوراتِ والِاحْتِرازُ عَنْ كُلِّ المَنهِيّاتِ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ كُلَّ ما تَعَلَّقَ أمْرُ اللَّهِ بِهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ الأفْعالِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ التُّرُوكِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ أعْمالِ القُلُوبِ وإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ أفْعالِ الجَوارِحِ، ورَئِيسُ أعْمالِ القُلُوبِ الإيمانُ بِاللَّهِ والإسْلامُ لَهُ، ورَئِيسُ أعْمالِ الجَوارِحِ الصَّلاةُ، وأمّا الَّذِي يَكُونُ مِن بابِ التُّرُوكِ فَهو التَّقْوى وهو عِبارَةٌ عَنِ الِاتِّقاءِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، واللَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ الهُدى النّافِعَ هو هُدى اللَّهِ، أرْدَفَ ذَلِكَ الكَلامَ الكُلِّيَّ بِذِكْرِ أشْرَفِ أقْسامِهِ عَلى التَّرْتِيبِ وهو الإسْلامُ الَّذِي هو رَئِيسُ الطّاعاتِ الرُّوحانِيَّةِ، والصَّلاةُ الَّتِي هي رَئِيسَةُ الطّاعاتِ الجُسْمانِيَّةِ، والتَّقْوى الَّتِي هي رَئِيسَةٌ لِبابِ التُّرُوكِ والِاحْتِرازِ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، ثُمَّ بَيَّنَ مَنافِعَ هَذِهِ الأعْمالِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ مَنافِعَ هَذِهِ الأعْمالِ إنَّما تَظْهَرُ في يَوْمِ الحَشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَسُنَ عَطْفُ قَوْلِهِ: ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ؟
قُلْنا: ذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ، وأُمِرْنا فَقِيلَ لَنا أسْلِمُوا لِرَبِّ العالَمِينَ وأقِيمُوا الصَّلاةَ.
فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْتُمْ، لَكِنْ ما الحِكْمَةُ في العُدُولِ عَنْ هَذا اللَّفْظِ الظّاهِرِ والتَّرْكِيبِ المُوافِقِ لِلْعَقْلِ إلى ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي لا يَهْتَدِي العَقْلُ إلى مَعْناهُ إلّا بِالتَّأْوِيلِ ؟
قُلْنا: وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ ما دامَ يُبْقِي عَلى كُفْرِهِ، كانَ كالغائِبِ الأجْنَبِيِّ فَلا جَرَمَ يُخاطَبُ بِخِطابِ الغائِبِينَ، فَيُقالُ لَهُ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وإذا أسْلَمَ وآمَنَ ودَخَلَ في الإيمانِ صارَ كالقَرِيبِ الحاضِرِ، فَلا جَرَمَ يُخاطَبُ بِخِطابِ الحاضِرِينَ، ويُقالُ لَهُ: ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فالمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الخِطابِ التَّنْبِيهُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ حالَتَيِ الكُفْرِ والإيمانِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الكافِرَ بَعِيدٌ غائِبٌ والمُؤْمِنَ قَرِيبٌ حاضِرٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ فَسادَ طَرِيقَةِ عَبْدَةِ الأصْنامِ، ذَكَرَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا
صفحة ٢٧
مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وذَكَرَ فِيها أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الدَّلائِلِ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أمّا كَوْنُهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، فَقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنْعامِ: ١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُما بِالحَقِّ فَهو نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] وقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ تَعالى مالِكٌ لِجَمِيعِ المُحْدَثاتِ مالِكٌ لِكُلِّ الكائِناتِ، وتَصَرُّفُ المالِكِ في مُلْكِهِ حَسَنٌ وصَوابٌ عَلى الإطْلاقِ، فَكانَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ حَسَنًا عَلى الإطْلاقِ وحَقًّا عَلى الإطْلاقِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ حَقًّا أنَّهُ واقِعٌ عَلى وفْقِ مَصالِحِ المُكَلَّفِينَ مُطابِقٌ لِمَنافِعِهِمْ. قالَ القاضِي: ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ خَلَقَ المُكَلَّفَ أوَّلًا حَتّى يُمْكِنَهُ الِانْتِفاعُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولِحُكَماءِ الإسْلامِ في هَذا البابِ طَرِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّهُ يُقالُ: أوْدَعَ في هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ قُوًى وخَواصَّ يَصْدُرُ بِسَبَبِها عَنْها آثارٌ وحَرَكاتٌ مُطابَقَةٌ لِمَصالِحِ هَذا العالَمِ ومَنافِعِهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ وخَلَقَ يَوْمَ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ، والمُرادُ مِن هَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِلدُّنْيا ولِكُلِّ ما فِيها مِنَ الأفْلاكِ والطَّبائِعِ والعَناصِرِ والخالِقِ لِيَوْمِ القِيامَةِ والبَعْثِ ولِرَدِّ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ عَلى سَبِيلِ كُنْ فَيَكُونُ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: (الحَقُّ) مُبْتَدَأٌ و﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ظَرْفٌ دالٌّ عَلى الخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ: قَوْلُهُ: (الحَقُّ) واقِعٌ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كَقَوْلِكَ: يَوْمَ الجُمْعَةِ القِتالُ، ومَعْناهُ القِتالُ واقِعٌ يَوْمَ الجُمْعَةِ. والمُرادُ مِن كَوْنِ قَوْلِهِ حَقًّا في ذَلِكَ اليَوْمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ والصِّدْقِ؛ لِأنَّ أقْضِيَتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الجَوْرِ والعَبَثِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المُلْكُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والمَعْنى: أنَّهُ لا مَلِكَ في يَوْمِ يُنْفَخُ في الصُّورِ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، فالمُرادُ بِالكَلامِ الثّانِي تَقْرِيرُ الحُكْمِ الحَقِّ المُبَرَّأِ عَنِ العَبَثِ والباطِلِ، والمُرادُ بِهَذا الكَلامِ تَقْرِيرُ القُدْرَةِ التّامَّةِ الكامِلَةِ الَّتِي لا دافِعَ لَها ولا مُعارِضَ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُ اللَّهِ حَقٌّ في كُلِّ وقْتٍ، وقُدْرَتُهُ كامِلَةٌ في كُلِّ وقْتٍ، فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ هَذا اليَوْمِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ هَذا اليَوْمَ هو اليَوْمُ الَّذِي لا يَظْهَرُ فِيهِ مِن أحَدٍ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ، فَكانَ الأمْرُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٩] فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ هَذا التَّخْصِيصُ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ تَقْدِيرُهُ، وهو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ الكامِلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ ما ذَكَرَ أحْوالَ البَعْثِ في القِيامَةِ إلّا وقَرَّرَ فِيهِ أصْلَيْنِ:
أحَدُهُما: كَوْنُهُ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ.
والثّانِي: كَوْنُهُ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى البَعْثِ والحَشْرِ ورَدِّ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ أيْضًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ رُبَّما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ المُطِيعُ بِالعاصِي، والمُؤْمِنُ بِالكافِرِ، والصِّدِّيقُ بِالزِّنْدِيقِ، فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ. أمّا إذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ حُصُولُ هاتَيْنِ
صفحة ٢٨
الصِّفَتَيْنِ كَمُلَ الغَرَضُ والمَقْصُودُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَمالِ العِلْمِ فَلا جَرَمَ لَزِمَ مِن مَجْمُوعِهِما أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ حَقًّا، وأنْ يَكُونَ حُكْمُهُ صِدْقًا، وأنْ تَكُونَ قَضاياهُ مُبَرَّأةً عَنِ الجَوْرِ والعَبَثِ والباطِلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ والمُرادُ مِن كَوْنِهِ حَكِيمًا أنْ يَكُونَ مُصِيبًا في أفْعالِهِ، ومَن كَوْنِهِ خَبِيرًا، كَوْنُهُ عالِمًا بِحَقائِقِها مِن غَيْرِ اشْتِباهٍ ومِن غَيْرِ التِباسٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا في كَثِيرٍ مِن هَذا الكِتابِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ خِطابًا وأمْرًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ إنْ كانَ لِلْمَعْدُومِ فَهو مُحالٌ، وإنْ كانَ لِلْمَوْجُودِ فَهو أمْرٌ بِأنْ يَصِيرَ المَوْجُودُ مَوْجُودًا وهو مُحالٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى نَفاذِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ في تَكْوِينِ الكائِناتِ وإيجادِ المَوْجُوداتِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ ولا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ مِنهُ يَوْمَ الحَشْرِ، ولا شُبْهَةَ عِنْدَ أهْلِ الإسْلامِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ قَرْنًا يَنْفُخُ فِيهِ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ القَرْنُ يُسَمّى بِالصُّورِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ مِنَ الكِتابِ الكَرِيمِ، ولَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالصُّورِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ذَلِكَ القَرْنُ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ وصِفَتُهُ مَذْكُورَةٌ في سائِرِ السُّوَرِ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ الصُّورَ جَمْعُ صُورَةٍ والنَّفْخُ في الصُّورِ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْخِ في صُوَرِ المَوْتى، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ مِثْلُ صُوفٍ وصُوفَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أخْبَرَنِي أبُو الفَضْلِ العَرُوضِيُّ عَنِ الأزْهَرِيِّ عَنِ المُنْذِرِيِّ عَنْ أبِي الهَيْثَمِ: أنَّهُ قالَ: ادَّعى قَوْمٌ أنَّ الصُّورَ جَمْعُ الصُّورَةِ كَما أنَّ الصُّوفَ جَمْعُ الصُّوفَةِ والثُّومَ جَمْعُ الثُّومَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: وهَذا خَطَأٌ فاحِشٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩] فَمَن قَرَأ (ونُفِخَ في الصُّوَرِ)، وقَرَأ (فَأحْسَنَ صُورَكُمْ) فَقَدِ افْتَرى الكَذِبَ، وبَدَّلَ كِتابَ اللَّهِ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ صاحِبَ أخْبارٍ وغَرائِبَ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ، قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ جَمْعٍ عَلى لَفْظِ الواحِدِ المُذَكَّرِ سَبَقَ جَمْعُهُ واحِدَهُ، فَواحِدُهُ بِزِيادَةِ هاءٍ فِيهِ، وذَلِكَ مِثْلُ الصُّوفِ والوَبَرِ والشَّعْرِ والقُطْنِ والعُشْبِ فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأسْماءِ اسْمٌ لِجَمِيعِ جِنْسِهِ، وإذا أُفْرِدَتْ واحِدَتُهُ زِيدَتْ فِيها هاءٌ؛ لِأنَّ جَمْعَ هَذا البابِ سَبَقَ واحِدَهُ، ولَوْ أنَّ الصُّوفَةَ كانَتْ سابِقَةً لِلصُّوفِ لَقالُوا صُوفَةٌ وصُوَفٌ وبُسْرَةٌ وبُسَرٌ كَما قالُوا غُرْفَةٌ وغُرَفٌ، وزُلْفَةٌ وزُلَفٌ، وأمّا الصُّورُ القَرْنُ فَهو واحِدٌ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ واحِدَتُهُ صُورَةٌ وإنَّما تُجْمَعُ صُورَةُ الإنْسانِ صُوَرًا؛ لِأنَّ واحِدَتَهُ سَبَقَتْ جَمْعَهُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: قَدْ أحْسَنَ أبُو الهَيْثَمِ في هَذا الكَلامِ، ولا يَجُوزُ عِنْدِي غَيْرُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ، وأقُولُ: ومِمّا يُقَوِّي هَذا الوَجْهَ أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ نَفْخَ الرُّوحِ في تِلْكَ الصُّوَرِ لَأضافَ تَعالى ذَلِكَ النَّفْخَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ نَفْخَ الأرْواحِ في الصُّوَرِ يُضِيفُهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ، كَما قالَ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وقالَ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١] وقالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٤] وأمّا نَفْحُ الصُّورِ بِمَعْنى النَّفْخِ في القَرْنِ، فَإنَّهُ تَعالى يُضِيفُهُ لا إلى نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] وقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فَهَذا تَمامُ القَوْلِ في هَذا البَحْثِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
الأنعام 6:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَثِيرًا ما يَحْتَجُّ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ بِأحْوالِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ يَعْتَرِفُ بِفَضْلِهِ جَمِيعُ الطَّوائِفِ والمِلَلِ، فالمُشْرِكُونَ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ مُقِرِّينَ بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ واليَهُودُ والنَّصارى والمُسْلِمُونَ كُلُّهم مُعَظِّمُونَ لَهُ مُعْتَرِفُونَ بِجَلالَةِ قَدْرِهِ. فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ حِكايَةَ حالِهِ في مَعْرِضِ الِاحْتِجاجِ عَلى المُشْرِكِينَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا المَنصِبَ العَظِيمَ وهو اعْتِرافُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ بِفَضْلِهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ لَمْ يَتَّفِقْ لِأحَدٍ كَما اتَّفَقَ لِلْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ حَصَلَ بَيْنَ الرَّبِّ وبَيْنَ العَبْدِ مُعاهَدَةٌ. كَما قالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فَإبْراهِيمُ وفّى بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ، واللَّهُ تَعالى شَهِدَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ تارَةً وعَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ أُخْرى.
أمّا الإجْمالُ فَفي آيَتَيْنِ:
إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وهَذا شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ تَمَّمَ عَهْدَ العُبُودِيَّةِ.
والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وأمّا التَّفْصِيلُ: فَهو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ناظِرٌ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ القَوْلِ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ في مَقاماتٍ كَثِيرَةٍ.
فالمَقامُ الأوَّلُ: في هَذا البابِ مُناظَراتُهُ مَعَ أبِيهِ حَيْثُ قالَ لَهُ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] .
والمَقامُ الثّانِي: مُناظَرَتُهُ مَعَ قَوْمِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام: ٧٦] .
والمَقامُ الثّالِثُ: مُناظَرَتُهُ مَعَ مَلِكِ زَمانِهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٨] .
والمَقامُ الرّابِعُ: مُناظَرَتُهُ مَعَ الكُفّارِ بِالفِعْلِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٨] ثُمَّ إنَّ القَوْمَ قالُوا: ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨] ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ هَذِهِ الواقِعَةِ بَذَلَ ولَدَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَعِنْدَ هَذا ثَبَتَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مِنَ الفِتْيانِ؛ لِأنَّهُ سَلَّمَ قَلْبَهُ لِلْعِرْفانِ ولِسانَهُ لِلْبُرْهانِ وبَدَنَهُ لِلنِّيرانِ ووَلَدَهُ لِلْقُرْبانِ ومالَهُ لِلضِّيفانِ، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ رَبَّهُ فَقالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] فَوَجَبَ في كَرَمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَهُ ويُحَقِّقُ مَطْلُوبَهُ في هَذا السُّؤالِ، فَلا جَرَمَ أجابَ دُعاءَهُ، وقَبِلَ نِداءَهُ وجَعْلَهُ مَقْبُولًا لِجَمِيعِ الفِرَقِ والطَّوائِفِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، ولَمّا كانَ العَرَبُ مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ لا جَرَمَ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى مُناظَرَتَهُ مَعَ قَوْمِهِ حُجَّةً عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في العالَمِ أحَدٌ يُثْبِتُ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا يُساوِيهِ في الوُجُوبِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ والحِكْمَةِ، لَكِنِ الثَّنَوِيَّةُ يُثْبِتُونَ إلَهَيْنِ، أحَدُهُما حَكِيمٌ يَفْعَلُ الخَيْرَ، والثّانِي سَفِيهٌ يَفْعَلُ الشَّرَّ، وأمّا الِاشْتِغالُ
صفحة ٣٠
بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. فَفي الذّاهِبِينَ إلَيْهِ كَثْرَةٌ؛ فَمِنهم عَبَدَةُ الكَواكِبِ، وهم فَرِيقانِ مِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ هَذِهِ الكَواكِبَ، وفَوَّضَ تَدْبِيرَ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ إلَيْها، فَهَذِهِ الكَواكِبُ هي المُدَبِّراتُ لِهَذا العالَمِ، قالُوا: فَيَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَعْبُدَ هَذِهِ الكَواكِبَ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأفْلاكَ والكَواكِبَ تَعْبُدُ اللَّهَ وتُطِيعُهُ، ومِنهم قَوْمٌ غُلاةٌ يُنْكِرُونَ الصّانِعَ، ويَقُولُونَ هَذِهِ الأفْلاكُ والكَواكِبُ أجْسامٌ واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها ويَمْتَنِعُ عَلَيْها العَدَمُ والفَناءُ، وهي المُدَبِّرَةُ لِأحْوالِ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الدَّهْرِيَّةُ الخالِصَةُ، ومِمَّنْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ النَّصارى الَّذِينَ يَعْبُدُونَ المَسِيحَ، ومِنهم أيْضًا عَبَدَةُ الأصْنامِ.
واعْلَمْ أنَّ هُنا بَحْثًا لا بُدَّ مِنهُ وهو أنَّهُ لا دِينَ أقْدَمُ مِن دِينِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ أقْدَمَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ وصَلَ إلَيْنا تَوارِيخُهم عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ هو نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو إنَّما جاءَ بِالرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْمِهِ أنَّهم قالُوا: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ عَبَدَةِ الأصْنامِ قَدْ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدْ بَقِيَ ذَلِكَ الدِّينُ إلى هَذا الزَّمانِ فَإنَّ أكْثَرَ سُكّانِ أطْرافِ الأرْضِ مُسْتَمِرُّونَ عَلى هَذا الدِّينِ. والمَذْهَبُ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ البُطْلانِ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، لَكِنَّ العِلْمَ بِأنَّ هَذا الحَجَرَ المَنحُوتَ في هَذِهِ السّاعَةِ لَيْسَ هو الَّذِي خَلَقَنِي وخَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ، والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ يَمْتَنِعُ إطْباقُ الخَلْقِ الكَثِيرِ عَلى إنْكارِهِ، فَظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ دِينُ عَبَدَةِ الأصْنامِ كَوْنَ الصَّنَمِ خالِقًا لِلسَّماءِ والأرْضِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لَهم فِيهِ تَأْوِيلٌ، والعُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا كَثِيرَةً، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا البَحْثَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَهُ هَهُنا تَكْثِيرًا لِلْفَوائِدِ.
فالتَّأْوِيلُ الأوَّلُ وهو الأقْوى: أنَّ النّاسَ رَأوْا تَغَيُّراتِ أحْوالِ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ مَرْبُوطَةً بِتَغَيُّراتِ أحْوالِ الكَواكِبِ، فَإنَّ بِحَسَبِ قُرْبِ الشَّمْسِ وبُعْدِها مِن سَمْتِ الرَّأْسِ تَحْدُثُ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، وبِسَبَبِ حُدُوثِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ تَحَدُثُ الأحْوالُ المُخْتَلِفَةُ في هَذا العالَمِ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ تَرَصَّدُوا أحْوالَ سائِرِ الكَواكِبِ فاعْتَقَدُوا ارْتِباطَ السَّعاداتِ والنُّحُوساتِ بِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها في طَوالِعِ النّاسِ عَلى أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلَمّا اعْتَقَدُوا ذَلِكَ غَلَبَ عَلى ظُنُونِ أكْثَرِ الخَلْقِ أنَّ مَبْدَأ حُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ هو الِاتِّصالاتُ الفَلَكِيَّةُ والمُناسَباتُ الكَوْكَبِيَّةُ فَلَمّا اعْتَقَدُوا ذَلِكَ بالَغُوا في تَعْظِيمِها ثُمَّ مِنهم مَنِ اعْتَقَدَ أنَّها واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، ومِنهم مَنِ اعْتَقَدَ حُدُوثَها وكَوْنَها مَخْلُوقَةً لِلْإلَهِ الأكْبَرِ، إلّا أنَّهم قالُوا: إنَّها وإنْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لِلْإلَهِ الأكْبَرِ، إلّا أنَّها هي المُدَبِّرَةُ لِأحْوالِ هَذا العالَمِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أثْبَتُوا الوَسائِطَ بَيْنَ الإلَهِ الأكْبَرِ، وبَيْنَ أحْوالِ هَذا العالَمِ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالقَوْمُ اشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها وتَعْظِيمِها ثُمَّ إنَّهم لَمّا رَأوْا أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ قَدْ تَغِيبُ عَنِ الأبْصارِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ اتَّخَذُوا لِكُلِّ كَوْكَبٍ صَنَمًا مِنَ الجَوْهَرِ المَنسُوبِ إلَيْهِ، واتَّخَذُوا صَنَمَ الشَّمْسِ مِنَ الذَّهَبِ وزَيَّنُوهُ بِالأحْجارِ المَنسُوبَةِ إلى الشَّمْسِ وهي الياقُوتُ والألْماسُ، واتَّخَذُوا صَنَمَ القَمَرِ مِنَ الفِضَّةِ وعَلى هَذا القِياسِ، ثُمَّ أقْبَلُوا عَلى عِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ وغَرَضُهم مِن عِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ هو عِبادَةُ تِلْكَ الكَواكِبِ، والتَّقَرُّبُ إلَيْها وعِنْدَ هَذا البَحْثِ يَظْهَرُ أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِن عِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ هو عِبادَةُ الكَواكِبِ. وأمّا الأنْبِياءُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَلَهم هَهُنا مَقامانِ:
أحَدُهُما: إقامَةُ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ لا تَأْثِيرَ لَها البَتَّةَ في أحْوالِ هَذا العالَمِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ في الكَواكِبِ أنَّها مُسَخَّرَةٌ.
والثّانِي: أنَّها بِتَقْدِيرِ أنَّها تَفْعَلُ شَيْئًا ويَصْدُرُ عَنْها تَأْثِيراتٌ في هَذا العالَمِ إلّا أنَّ دَلائِلَ الحُدُوثِ حاصِلَةٌ فِيها فَوَجَبَ كَوْنُها مَخْلُوقَةً
صفحة ٣١
والِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْلِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ الفَرْعِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ حاصِلَ دِينِ عَبَدَةِ الأصْنامِ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الخَلِيلِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أنَّهُ قالَ لِأبِيهِ آزَرَ: أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً ؟ إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ، فَأفْتى بِهَذا الكَلامِ أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ جَهْلٌ، ثُمَّ لَمّا اشْتَغَلَ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى أنَّ الكَواكِبَ والقَمَرَ والشَّمْسَ لا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنها لِلْإلَهِيَّةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ عَبَدَةِ الأصْنامِ حاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى القَوْلِ بِإلَهِيَّةِ هَذِهِ الكَواكِبِ وإلّا لَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَنافِيَةً مُتَنافِرَةً. وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى إبْطالِ القَوْلِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ إلّا بِإبْطالِ كَوْنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ الكَواكِبِ آلِهَةً لِهَذا العالَمِ مُدَبِّرَةً لَهُ.
الوَجْهُ الثّانِي: في شَرْحِ حَقِيقَةِ مَذْهَبِ عَبَدَةِ الأصْنامِ ما ذَكَرَهُ أبُو مَعْشَرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُنَجِّمُ البَلْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقالَ في بَعْضِ كُتُبِهِ: إنَّ كَثِيرًا مِن أهْلِ الصِّينِ والهِنْدِ كانُوا يُثْبِتُونَ الإلَهَ والمَلائِكَةَ إلّا أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ تَعالى جِسْمٌ وذُو صُورَةٍ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الصُّوَرِ، ولِلْمَلائِكَةِ أيْضًا صُوَرٌ حَسَنَةٌ إلّا أنَّهم كُلَّهم مُحْتَجِبُونَ عَنّا بِالسَّماواتِ، فَلا جَرَمَ اتَّخَذُوا صُوَرًا وتَماثِيلَ أنِيقَةَ المَنظَرِ حَسَنَةَ الرُّؤْيا والهَيْكَلِ فَيَتَّخِذُونَ صُورَةً في غايَةِ الحُسْنِ، ويَقُولُونَ: إنَّها هَيْكَلُ الإلَهِ، وصُورَةً أُخْرى دُونَ الصُّورَةِ الأوْلى ويَجْعَلُونَها عَلى صُورَةِ المَلائِكَةِ، ثُمَّ يُواظِبُونَ عَلى عِبادَتِها قاصِدِينَ بِتِلْكَ العِبادَةِ طَلَبَ الزُّلْفى مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِنَ المَلائِكَةِ، فَإنْ صَحَّ ما ذَكَرَهُ أبُو مَعْشَرٍ فالسَّبَبُ في عِبادَةِ الأوْثانِ اعْتِقادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى جِسْمٌ وفي مَكانٍ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في هَذا البابِ: أنَّ القَوْمَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ تَدْبِيرَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأقالِيمِ إلى مَلَكٍ بِعَيْنِهِ. وفَوَّضَ تَدْبِيرَ كُلِّ قِسْمٍ مِن أقْسامِ مُلْكِ العالَمِ إلى رُوحٍ سَماوِيٍّ بِعَيْنِهِ فَيَقُولُونَ مُدَبِّرُ البِحارِ مَلَكٌ، ومُدَبِّرُ الجِبالِ مَلَكٌ آخَرُ، ومُدَبِّرُ الغُيُومِ والأمْطارِ مَلَكٌ، ومُدَبِّرُ الأرْزاقِ مَلَكٌ، ومُدَبِّرُ الحُرُوبِ والمُقاتِلاتِ مَلَكٌ آخَرُ، فَلَمّا اعْتَقَدُوا ذَلِكَ اتَّخَذُوا لِكُلِّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ المَلائِكَةِ صَنَمًا مَخْصُوصًا وهَيْكَلًا مَخْصُوصًا، ويَطْلُبُونَ مِن كُلِّ صَنَمٍ ما يَلِيقُ بِذَلِكَ الرُّوحِ الفَلَكِيِّ مِنَ الآثارِ والتَّدْبِيراتِ، ولِلْقَوْمِ تَأْوِيلاتٌ أُخْرى سِوى هَذِهِ الثَّلاثَةِ ذَكَرْناها في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ولْنَكْتَفِ هَهُنا بِهَذا القَدْرِ مِنَ البَيانِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَ والِدِ إبْراهِيمَ هو آزَرُ، ومِنهم مَن قالَ: اسْمُهُ تارَحُ. قالَ الزَّجّاجُ: لا خِلافَ بَيْنَ النَّسّابِينَ أنَّ اسْمَهُ تارَحُ، ومِنَ المُلْحِدَةِ مَن جَعَلَ هَذا طَعْنًا في القُرْآنِ. وقالَ: هَذا النَّسَبُ خَطَأٌ ولَيْسَ بِصَوابٍ، ولِلْعُلَماءِ هَهُنا مَقامانِ:
المَقامُ الأوَّلُ: أنَّ اسْمَ والِدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو آزَرُ، وأمّا قَوْلُهم: أجْمَعَ النَّسّابُونَ عَلى أنَّ اسْمَهُ كانَ تارَحَ؛ فَنَقُولُ هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ ذَلِكَ الإجْماعَ إنَّما حَصَلَ لِأنَّ بَعْضَهم يُقَلِّدُ بَعْضًا، وبِالآخِرَةِ يَرْجِعُ ذَلِكَ الإجْماعُ إلى قَوْلِ الواحِدِ والِاثْنَيْنِ مِثْلُ قَوْلِ وهْبٍ وكَعْبٍ وغَيْرِهِما، ورُبَّما تَعَلَّقُوا بِما يَجِدُونَهُ مِن أخْبارِ اليَهُودِ والنَّصارى، ولا عِبْرَةَ بِذَلِكَ في مُقابَلَةِ صَرِيحِ القُرْآنِ.
المَقامُ الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ اسْمَهُ كانَ تارَحَ ثُمَّ لَنا هَهُنا وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: لَعَلَّ والِدَ إبْراهِيمَ كانَ مُسَمًّى بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ اسْمَهُ الأصْلِيَّ كانَ آزَرَ وجُعِلَ تارَحُ لَقَبًا لَهُ، فاشْتَهَرَ هَذا اللَّقَبُ وخَفِيَ الِاسْمُ. فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ بِالِاسْمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ، وهو أنَّ تارَحَ كانَ اسْمًا أصْلِيًّا، وآزَرَ كانَ لَقَبًا غالِبًا. فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا اللَّقَبِ الغالِبِ.
صفحة ٣٢
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ لَفْظَةُ آزَرَ صِفَةً مَخْصُوصَةً في لُغَتِهِمْ، فَقِيلَ: إنَّ آزَرَ اسْمُ ذَمٍّ في لُغَتِهِمْ وهو المُخْطِئُ كَأنَّهُ قِيلَ، وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ المُخْطِئِ؛ كَأنَّهُ عابَهُ بِزَيْغِهِ وكُفْرِهِ وانْحِرافِهِ عَنِ الحَقِّ، وقِيلَ: آزَرُ هو الشَّيْخُ الهَرِمُ بِالخُوارَزْمِيَّةِ، وهو أيْضًا فارِسِيَّةٌ أصْلِيَّةٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ إنَّما يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِما عِنْدَ مَن يَقُولُ بِجَوازِ اشْتِمالِ القُرْآنِ عَلى ألْفاظٍ قَلِيلَةٍ مِن غَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ آزَرَ كانَ اسْمَ صَنَمٍ يَعْبُدُهُ والِدُ إبْراهِيمَ، وإنَّما سَمّاهُ اللَّهُ بِهَذا الِاسْمِ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مُخْتَصًّا بِعِبادَتِهِ ومَن بالَغَ في مَحَبَّةِ أحَدٍ فَقَدْ يَجْعَلُ اسْمَ المَحْبُوبِ اسْمًا لِلْمُحِبِّ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] .
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ عابِدَ آزَرَ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ والِدَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ تارَحَ، وآزَرُ كانَ عَمًّا لَهُ، والعَمُّ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الأبِ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ أوْلادِ يَعْقُوبَ أنَّهم قالُوا: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ومَعْلُومٌ أنَّ إسْماعِيلَ كانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ. وقَدْ أطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ الأبِ فَكَذا هَهُنا.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ التَّكَلُّفاتِ إنَّما يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْها لَوْ دَلَّ دَلِيلٌ باهِرٌ عَلى أنَّ والِدَ إبْراهِيمَ ما كانَ اسْمُهُ آزَرَ، وهَذا الدَّلِيلُ لَمْ يُوجَدِ البَتَّةَ، فَأيُّ حاجَةٍ تَحْمِلُنا عَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ، والدَّلِيلُ القَوِيُّ عَلى صِحَّةِ أنَّ الأمْرَ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ كانُوا في غايَةِ الحِرْصِ عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وإظْهارِ بُغْضِهِ، فَلَوْ كانَ هَذا النَّسَبُ كَذِبًا لامْتَنَعَ في العادَةِ سُكُوتُهم عَنْ تَكْذِيبِهِ وحَيْثُ لَمْ يُكَذِّبُوهُ عَلِمْنا أنَّ هَذا النَّسَبَ صَحِيحٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ الشِّيعَةُ: إنَّ أحَدًا مِن آباءِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأجْدادِهِ ما كانَ كافِرًا وأنْكَرُوا أنْ يُقالَ: إنَّ والِدَ إبْراهِيمَ كانَ كافِرًا وذَكَرُوا أنَّ آزَرَ كانَ عَمَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وما كانَ والِدًا لَهُ. واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ آباءَ الأنْبِياءِ ما كانُوا كُفّارًا ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] .
قِيلَ مَعْناهُ: إنَّهُ كانَ يَنْقُلُ رُوحَهُ مِن ساجِدٍ إلى ساجِدٍ وبِهَذا التَّقْدِيرِ: فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ آباءِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا مُسْلِمِينَ. وحِينَئِذٍ يَجِبُ القَطْعُ بِأنَّ والِدَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مُسْلِمًا.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢١٩] يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخَرَ:
أحَدُها: إنَّهُ لَمّا نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ الرَّسُولُ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلى بُيُوتِ الصَّحابَةِ؛ لِيَنْظُرَ ماذا يَصْنَعُونَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى ما يَظْهَرُ مِنهم مِنَ الطّاعاتِ فَوَجَدَها كَبُيُوتِ الزَّنابِيرِ لِكَثْرَةِ ما سَمِعَ مِن أصْواتِ قِراءَتِهِمْ وتَسْبِيحِهِمْ وتَهْلِيلِهِمْ. فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢١٩] طَوافُهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلى السّاجِدِينَ.
وثانِيها: المُرادُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُصَلِّي بِالجَماعَةِ فَتَقَلُّبُهُ في السّاجِدِينَ مَعْناهُ: كَوْنُهُ فِيما بَيْنَهم ومُخْتَلِطًا بِهِمْ حالَ القِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ ما يَخْفى حالُكَ عَلى اللَّهِ كُلَّما قُمْتَ وتَقَلَّبْتَ مَعَ السّاجِدِينَ في الِاشْتِغالِ بِأُمُورِ الدِّينِ.
ورابِعُها: المُرادُ تَقَلُّبُ بَصَرِهِ فِيمَن يُصَلِّي خَلْفَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ
صفحة ٣٣
قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «أتِمُّوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ فَإنِّي أراكم مِن وراءِ ظَهْرِي» فَهَذِهِ الوُجُوهُ الأرْبَعَةُ مِمّا يَحْتَمِلُها ظاهِرُ الآيَةِ، فَسَقَطَ ما ذَكَرْتُمْ.
والجَوابُ: لَفْظُ الآيَةِ مُحْتَمِلٌ لِلْكُلِّ، فَلَيْسَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى الباقِي. فَوَجَبَ أنْ نَحْمِلَها عَلى الكُلِّ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَقْصُودُ، ومِمّا يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ أحَدًا مِن آباءِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرِينَ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ» وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يُقالَ: إنَّ أحَدًا مِن أجْدادِهِ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ والِدَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ مُشْرِكًا، وثَبَتَ أنَّ آزَرَ كانَ مُشْرِكًا. فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ والِدَ إبْراهِيمَ كانَ إنْسانًا آخَرَ غَيْرَ آزَرَ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: عَلى أنَّ آزَرَ ما كانَ والِدَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شافَهَ آزَرَ بِالغِلْظَةِ والجَفاءِ. ومُشافَهَةُ الأبِ بِالجَفاءِ لا تَجُوزُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ آزَرَ ما كانَ والِدَ إبْراهِيمَ، إنَّما قُلْنا: إنَّ إبْراهِيمَ شافَهَ آزَرَ بِالغِلْظَةِ والجَفاءِ في هَذِهِ الآيَةِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قُرِئَ (وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرُ) بِضَمِّ آزَرَ وهَذا يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى النِّداءِ، ونِداءُ الأبِ بِالِاسْمِ الأصْلِيِّ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الجَفاءِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ لَآزَرَ: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ أنْواعِ الجَفاءِ والإيذاءِ. فَثَبَتَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شافَهَ آزَرَ بِالجَفاءِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ مُشافَهَةَ الأبِ بِالجَفاءِ لا تَجُوزُ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وهَذا عامٌّ في حَقِّ الأبِ الكافِرِ والمُسْلِمِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما﴾ [الإسراء: ٢٣] وهَذا أيْضًا عامٌّ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَعَثَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ أمَرَهُ بِالرِّفْقِ مَعَهُ فَقالَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] والسَّبَبُ فِيهِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ رِعايَةً لِحَقِّ تَرْبِيَةِ فِرْعَوْنَ. فَهَهُنا الوالِدُ أوْلى بِالرِّفْقِ.
الثّالِثُ: أنَّ الدَّعْوَةَ مَعَ الرِّفْقِ أكْثَرُ تَأْثِيرًا في القَلْبِ، أمّا التَّغْلِيظُ فَإنَّهُ يُوجِبُ التَّنْفِيرَ والبُعْدَ عَنِ القَبُولِ؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] فَكَيْفَ يَلِيقُ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِثْلُ هَذِهِ الخُشُونَةِ مَعَ أبِيهِ في الدَّعْوَةِ ؟
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الحِلْمَ، فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ﴾ [هُودٍ: ٧٥] وكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّجُلِ الحَلِيمِ مِثْلُ هَذا الجَفاءِ مَعَ الأبِ ؟ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ آزَرَ ما كانَ والِدَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ كانَ عَمًّا لَهُ، فَأمّا والِدُهُ فَهو تارَحُ والعَمُّ قَدْ يُسَمّى بِالأبِ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ سَمَّوْا إسْماعِيلَ بِكَوْنِهِ أبًا لِيَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ كانَ عَمًّا لَهُ. وقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «رُدُّوا عَلَيَّ أبِي» يَعْنِي العَمَّ العَبّاسَ.
وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنَّ آزَرَ كانَ والِدَ أُمِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذا قَدْ يُقالُ لَهُ الأبُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: (وعِيسى) فَجَعَلَ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ جَدًّا لِعِيسى مِن قِبَلِ الأُمِّ. وأمّا أصْحابُنا فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ والِدَ رَسُولِ اللَّهِ كانَ كافِرًا وذَكَرُوا أنَّ نَصَّ الكِتابِ في هَذِهِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ آزَرَ كانَ كافِرًا وكانَ والِدَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا، وأمّا قَوْلُهُ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢١٩] قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَحْتَمِلُ سائِرَ الوُجُوهِ. قَوْلُهُ
صفحة ٣٤
تُحْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الكُلِّ، قُلْنا هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ عَلى جَمِيعِ مَعانِيهِ لا يَجُوزُ، وأيْضًا حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ مَعًا لا يَجُوزُ، وأمّا قَوْلُهُ- عَلَيْهِ السَّلامُ -: «لَمْ أزَلْ أُنْقَلُ مِن أصْلابِ الطّاهِرِينَ إلى أرْحامِ الطّاهِراتِ» فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ ما وقَعَ في نَسَبِهِ ما كانَ سِفاحًا، أمّا قَوْلُهُ: التَّغْلِيظُ مَعَ الأبِ لا يَلِيقُ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قُلْنا: لَعَلَّهُ أصَرَّ عَلى كُفْرِهِ فَلِأجَلِ الإصْرارِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ التَّغْلِيطَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قُرِئَ ”آزَرَ“ بِالنَّصْبِ وهو عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: (لِأبِيهِ) وبِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ، وسَألَنِي واحِدٌ فَقالَ: قُرِئَ ”آزَرَ“ بِهاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٢] قُرِئَ ”هارُونَ“ بِالنَّصْبِ وما قُرِئَ البَتَّةَ بِالضَّمِّ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْتُ: القِراءَةُ بِالضَّمِّ مَحْمُولَةٌ عَلى النِّداءِ والنِّداءُ بِالِاسْمِ اسْتِخْفافٌ بِالمُنادى. وذَلِكَ لائِقٌ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِأنَّهُ كانَ مُصِرًّا عَلى كُفْرِهِ فَحَسُنَ أنْ يُخاطَبَ بِالغِلْظَةِ زَجْرًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ القَبِيحِ، وأمّا قِصَّةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ كانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَسْتَخْلِفُ هارُونَ عَلى قَوْمِهِ فَما كانَ الِاسْتِخْفافُ لائِقًا بِذَلِكَ المَوْضِعِ، فَلا جَرَمَ ما كانَتِ القِراءَةُ بِالضَّمِّ جائِزَةً.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ لَفْظِ ”الإلَهِ“ والأصَحُّ أنَّهُ هو المَعْبُودُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّهم ما أثْبَتُوا لِلْأصْنامِ إلّا كَوْنَها مَعْبُودَةً، ولِأجْلِ هَذا قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَفْسِيرَ لَفْظِ ”الإلَهِ“ هو المَعْبُودُ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اشْتَمَلَ كَلامُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ذِكْرِ الحُجَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ عَبَدَةِ الأصْنامِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِكَثْرَةِ الآلِهَةِ؛ إلّا أنَّ القَوْلَ بِكَثْرَةِ الآلِهَةِ باطِلٌ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ الَّذِي فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢] .
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لَوْ حَصَلَتْ لَها قُدْرَةٌ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ لَكانَ الصَّنَمُ الواحِدُ كافِيًا، فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الواحِدُ كافِيًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها وإنْ كَثُرَتْ فَلا نَفْعَ فِيها البَتَّةَ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبَ الِاشْتِغالِ بِشُكْرِهِ مَعْلُومٌ بِالعَقْلِ لا بِالسَّمْعِ. قالَ: لِأنَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ، ولَوْلا الوُجُوبُ العَقْلِيُّ لَما حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَذْهَبَ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى دَعْوَةِ إبْراهِيمَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ كانَ ضَلالًا بِحُكْمِ شَرْعِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا مُتَقَدِّمِينَ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
الأنعام 6:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”الكافُ“ في كَذَلِكَ لِلتَّشْبِيهِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى غائِبٍ جَرى ذِكْرُهُ، والمَذْكُورُ هَهُنا فِيما قَبْلُ هو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَقْبَحَ عِبادَةَ الأصْنامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ والمَعْنى: ومِثْلُ ما أرَيْناهُ مِن قُبْحِ عِبادَةِ الأصْنامِ نُرِيهِ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ. وهَهُنا دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهي أنَّ نُورَ جَلالِ اللَّهِ
صفحة ٣٥
تَعالى لائِحٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ ولا زائِلٍ البَتَّةَ، والأرْواحُ البَشَرِيَّةُ لا تَصِيرُ مَحْرُومَةً عَنْ تِلْكَ الأنْوارِ إلّا لِأجْلِ حِجابٍ، وذَلِكَ الحِجابُ لَيْسَ إلّا الِاشْتِغالُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَبِقَدْرِ ما يَزُولُ ذَلِكَ الحِجابُ يَحْصُلُ هَذا التَّجَلِّي فَقَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ إشارَةٌ إلى تَقْبِيحِ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو حِجابٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا زالَ ذَلِكَ الحِجابُ لا جَرَمَ تَجَلّى لَهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ بِالتَّمامِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ﴾ مَعْناهُ: وبَعْدَ زَوالِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ حَصَلَ لَهُ نُورُ تَجَلِّي جَلالِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ قَوْلُهُ: (وكَذَلِكَ) مَنشَأً لِهَذِهِ الفائِدَةِ الشَّرِيفَةِ الرُّوحانِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هَذِهِ الإراءَةُ قَدْ حَصَلَتْ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الزَّمانِ، فَكانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: وكَذَلِكَ أرَيْنا إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلِمَ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي﴾ ؟
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الآيَةِ، وكَذَلِكَ كُنّا نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَيَكُونُ هَذا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَنِ الماضِي. والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ أنَّهُ شافَهَ أباهُ الكَلامَ الخَشِنَ تَعَصُّبًا لِلدِّينِ الحَقِّ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَيْفَ بَلَغَ إبْراهِيمُ هَذا المَبْلَغَ العَظِيمَ في قُوَّةِ الدِّينِ، فَأُجِيبَ بِأنّا كُنّا نُرِيهِ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ مِن وقْتِ طُفُولِيَّتِهِ لِأجْلِ أنْ يَصِيرَ مِنَ المُوقِنِينَ زَمانَ بُلُوغِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: وهو أعْلى وأشْرَفُ مِمّا تَقَدَّمَ، وهو أنّا نَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن إراءَةِ اللَّهِ إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ هو مُجَرَّدُ أنْ يَرى إبْراهِيمُ هَذا المَلَكُوتَ، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَراها فَيَتَوَسَّلَ بِها إلى مَعْرِفَةِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وقُدْسِهِ وعُلُوِّهِ وعَظَمَتِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ وإنْ كانَتْ مُتَناهِيَةً في الذَّواتِ وفي الصِّفاتِ، إلّا أنَّ جِهاتِ دَلالاتِها عَلى الذَّواتِ والصِّفاتِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وسَمِعْتُ الشَّيْخَ الإمامَ الوالِدَ عُمَرَ ضِياءَ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - قالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا القاسِمِ الأنْصارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ إمامَ الحَرَمَيْنِ يَقُولُ: مَعْلُوماتُ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ومَعْلُوماتُهُ في كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ المَعْلُوماتِ أيْضًا غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ الجَوْهَرَ الفَرْدَ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ في أحْيازٍ لا نِهايَةَ لَها عَلى البَدَلِ، ويُمْكِنُ إنْصافُهُ بِصِفاتٍ لا نِهايَةَ لَها عَلى البَدَلِ، وكُلُّ تِلْكَ الأحْوالِ التَّقْدِيرِيَّةِ دالَّةٌ عَلى حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ أيْضًا، وإذا كانَ الجَوْهَرُ الفَرْدُ والجُزْءُ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ كَذَلِكَ؛ فَكَيْفَ القَوْلُ في كُلِّ مَلَكُوتِ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ دَلالَةَ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ عَلى نُعُوتِ جَلالِهِ وسِماتِ عَظَمَتِهِ وعِزَّتِهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وحُصُولُ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها دُفْعَةً واحِدَةً في عُقُولِ الخَلْقِ مُحالٌ، فَإذًا لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ تِلْكَ المَعارِفِ إلّا بِأنْ يَحْصُلَ بَعْضُها عَقِيبَ البَعْضِ لا إلى نِهايَةٍ ولا إلى آخِرٍ في المُسْتَقْبَلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ -واللَّهُ أعْلَمُ- لَمْ يَقُلْ: وكَذَلِكَ أرَيْناهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، بَلْ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِ المُحَقِّقِينَ السَّفَرُ إلى اللَّهِ لَهُ نِهايَةٌ، وأمّا السَّفَرُ في اللَّهِ فَإنَّهُ لا نِهايَةَ لَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”المَلَكُوتُ“ هو المُلْكُ، و”التّاءُ“ لِلْمُبالَغَةِ كالرَّغَبُوتِ مِنَ الرَّغْبَةِ والرَّهَبُوتِ مِنَ الرَّهْبَةِ.
واعْلَمْ أنَّ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الإراءَةَ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ أراهُ المَلَكُوتَ بِالعَيْنِ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى شَقَّ لَهُ السَّماواتِ حَتّى رَأى العَرْشَ والكُرْسِيَّ وإلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلَيْهِ فَوْقِيَّةُ العالَمِ الجُسْمانِيِّ، وشَقَّ لَهُ الأرْضَ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلى السَّطْحِ الآخَرِ مِنَ العالَمِ الجُسْمانِيِّ، ورَأى ما في السَّماواتِ مِنَ العَجائِبِ والبَدائِعِ، ورَأى ما في باطِنِ الأرْضِ مِنَ العَجائِبِ والبَدائِعِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا أُسْرِيَ بِإبْراهِيمَ إلى السَّماءِ ورَأى ما في
صفحة ٣٦
السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَأبْصَرَ عَبْدًا عَلى فاحِشَةٍ فَدَعا عَلَيْهِ وعَلى آخَرَ بِالهَلاكِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: كُفَّ عَنْ عِبادِي فَهم بَيْنَ حالَيْنِ إمّا أنْ أجْعَلَ مِنهم ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً أوْ يَتُوبُونَ فَأغْفِرَ لَهم أوِ النّارُ مِن ورائِهِمْ، وطَعَنَ القاضِي في هَذِهِ الرِّوايَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ السَّماءِ هُمُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ وهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ، فَلا يَلِيقُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا رُفِعَ إلى السَّماءِ أبْصَرَ عَبْدًا عَلى فاحِشَةٍ.
الثّانِي: أنَّ الأنْبِياءَ لا يَدْعُونَ بِهَلاكِ المُذْنِبِ إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإذا أذِنَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَمْنَعَهُ مِن إجابَةِ دُعائِهِ.
الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الدُّعاءَ إمّا أنْ يَكُونَ صَوابًا أوْ خَطَأً، فَإنْ كانَ صَوابًا فَلِمَ رَدَّهُ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ ؟ وإنْ كانَ خَطَأً فَلِمَ قَبِلَهُ في المَرَّةِ الأُولى ؟ ثُمَّ قالَ: وأخْبارُ الآحادِ إذا ورَدَتْ عَلى خِلافِ دَلائِلِ العُقُولِ وجَبَ التَّوَقُّفُ فِيها.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الإراءَةَ كانَتْ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ والعَقْلِ، لا بِالبَصَرِ الظّاهِرِ والحِسِّ الظّاهِرِ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ مَلَكُوتَ السَّماواتِ عِبارَةٌ عَنْ مُلْكِ السَّماءِ، والمُلْكُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، وقُدْرَةُ اللَّهِ لا تُرى، وإنَّما تُعْرَفُ بِالعَقْلِ، وهَذا كَلامٌ قاطِعٌ، إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ نَفْسُ السَّماواتِ والأرْضِ، إلّا أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَضِيعُ لَفْظُ المَلَكُوتِ ولا يَحْصُلُ مِنهُ فائِدَةٌ.
والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الإراءَةَ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥] ثُمَّ فَسَّرَها بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] فَجَرى ذِكْرُ هَذا الِاسْتِدْلالِ كالشَّرْحِ والتَّفْسِيرِ لِتِلْكَ الإراءَةِ فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ تِلْكَ الإراءَةَ كانَتْ عِبارَةً عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ.
والحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] والرُّؤْيَةُ بِالعَيْنِ لا تَصِيرُ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا غائِبِينَ عَنْها وكانُوا يُكَذِّبُونَ إبْراهِيمَ فِيها وما كانَ يَجُوزُ لَهم تَصْدِيقُ إبْراهِيمَ في تِلْكَ الدَّعْوى إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ومُعْجِزَةٍ باهِرَةٍ، وإنَّما كانَتِ الحُجَّةُ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلى قَوْمِهِ في الِاسْتِدْلالِ بِالنُّجُومِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ. فَإنَّ تِلْكَ الأدِلَّةَ كانَتْ ظاهِرَةً لَهم كَما أنَّها كانَتْ ظاهِرَةً لِإبْراهِيمَ.
والحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ إراءَةَ جَمِيعِ العالِمِ تُفِيدُ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. ومِثْلُ هَذِهِ الحالَةِ لا يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ بِسَبَبِها اسْتِحْقاقُ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ. ألا تَرى أنَّ الكُفّارَ في الآخِرَةِ يَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعالى بِالضَّرُورَةِ ولَيْسَ لَهم في تِلْكَ المَعْرِفَةِ مَدْحٌ ولا ثَوابٌ. وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِصِفاتِ المَخْلُوقاتِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ فَذاكَ هو الَّذِي يُفِيدُ المَدْحَ والتَّعْظِيمَ.
والحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى كَما قالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَكَذَلِكَ قالَ في حَقِّ هَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] فَكَما كانَتْ هَذِهِ الإراءَةُ بِالبَصِيرَةِ الباطِنَةِ لا بِالبَصَرِ الظّاهِرِ فَكَذَلِكَ في حَقِّ إبْراهِيمَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تَمَّمَ الِاسْتِدْلالَ بِالنَّجْمِ والقَمَرِ والشَّمْسِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ﴾
صفحة ٣٧
﴿وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] فَحُكِمَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ بِكَوْنِها مَخْلُوقَةً لِأجْلِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ في النَّجْمِ والقَمَرِ والشَّمْسِ. وذَلِكَ الدَّلِيلُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عامًّا في كُلِّ السَّماواتِ والأرْضِ لَكانَ الحُكْمُ العامُّ بِناءً عَلى دَلِيلٍ خاصٍّ وإنَّهُ خَطَأٌ، فَثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ كانَ عامًّا فَكانَ ذِكْرُ النَّجْمِ والقَمَرِ والشَّمْسِ كالمِثالِ لِإراءَةِ المَلَكُوتِ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن إراءَةِ المَلَكُوتِ تَعْرِيفُ كَيْفِيَّةِ دَلالَتِها بِحَسَبِ تَغَيُّرِها وإمْكانِها وحُدُوثِها عَلى وُجُودِ الإلَهِ العالِمِ القادِرِ الحَكِيمِ فَتَكُونُ هَذِهِ الإراءَةُ بِالقَلْبِ لا بِالعَيْنِ.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: أنَّ اليَقِينَ عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ المُسْتَفادِ بِالتَّأمُّلِ إذا كانَ مَسْبُوقًا بِالشَّكِّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ كالغَرَضِ مِن تِلْكَ الإراءَةِ فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ لِأجْلِ أنْ يَصِيرَ مِنَ المُوقِنِينَ. فَلَمّا كانَ اليَقِينُ هو العِلْمُ المُسْتَفادُ مِنَ الدَّلِيلِ، وجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الإراءَةُ عِبارَةً عَنِ الِاسْتِدْلالِ.
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: أنَّ جَمِيعَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ بِاعْتِبارٍ واحِدٍ وهو أنَّها مُحْدَثَةٌ مُمْكِنَةٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ مُمْكِنٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى الصّانِعِ. وإذا عَرَفَ الإنْسانُ هَذا الوَجْهَ الواحِدَ فَقَدْ كَفاهُ ذَلِكَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ وكَأنَّهُ بِمَعْرِفَةِ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ قَدْ طالَعَ جَمِيعَ المَلَكُوتِ بِعَيْنِ عَقْلِهِ وسَمِعَ بِأُذُنِ عَقْلِهِ شَهادَتَها بِالِاحْتِياجِ والِافْتِقارِ وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ رُؤْيَةٌ باقِيَةٌ غَيْرُ زائِلَةٍ البَتَّةَ. ثُمَّ إنَّها غَيْرُ شامِلَةٍ عَنِ اللَّهِ تَعالى بَلْ هي شاغِلَةٌ لِلْقَلْبِ والرُّوحِ بِاللَّهِ. أمّا رُؤْيَةُ العَيْنِ فالإنْسانُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَرى بِالعَيْنِ أشْياءَ كَثِيرَةً دُفْعَةً واحِدَةً عَلى سَبِيلِ الكَمالِ. ألا تَرى أنَّ مَن نَظَرَ إلى صَحِيفَةٍ مَكْتُوبَةٍ فَإنَّهُ لا يَرى مِن تِلْكَ الصَّحِيفَةِ رُؤْيَةً كامِلَةً تامَّةً إلّا حَرْفًا واحِدًا، فَإنْ حَدَّقَ نَظَرَهُ إلى حَرْفٍ آخَرَ وشَغَلَ بَصَرَهُ بِهِ صارَ مَحْرُومًا عَنْ إدْراكِ الحَرْفِ الأوَّلِ، أوْ عَنْ إبْصارِهِ. فَثَبَتَ أنَّ رُؤْيَةَ الأشْياءِ الكَثِيرَةِ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرُ مُمْكِنَةٍ. وبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ مُمْكِنَةً هي غَيْرُ باقِيَةٍ، وبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ باقِيَةً هي شاغِلَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى مَدَحَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في تَرْكِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ فَقالَ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] فَثَبَتَ بِجُمْلَةِ هَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّ تِلْكَ الإراءَةَ كانَتْ إراءَةً بِحَسَبِ بَصِيرَةِ العَقْلِ، لا بِحَسَبِ البَصَرِ الظّاهِرِ.
فَإنْ قِيلَ: فَرُؤْيَةُ القَلْبِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ حاصِلَةٌ لِجَمِيعِ المُوَحِّدِينَ فَأيُّ فَضِيلَةٍ تَحْصُلُ لِإبْراهِيمَ بِسَبَبِها ؟
قُلْنا: جَمِيعُ المُوَحِّدِينَ وإنْ كانُوا يَعْرِفُونَ أصْلَ هَذا الدَّلِيلِ إلّا أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى آثارِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ واحِدٍ مِن مَخْلُوقاتِ هَذا العالَمِ بِحَسَبِ أجْناسِها وأنْواعِها وأصْنافِها وأشْخاصِها وأحْوالِها مِمّا لا يَحْصُلُ إلّا لِلْأكابِرِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، ولِهَذا المَعْنى «كانَ رَسُولُنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَقُولُ في دُعائِهِ: ”اللَّهُمَّ أرِنا الأشْياءَ كَما هِيَ“» فَزالَ هَذا الإشْكالُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في ”الواوِ“ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: الواوُ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ لِيَسْتَدِلَّ بِها لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا كَلامًا مُسْتَأْنَفًا لِبَيانِ عِلَّةِ الإراءَةِ، والتَّقْدِيرُ: ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ نُرِيهِ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإراءَةَ قَدْ تَحْصُلُ وتَصِيرُ سَبَبًا لِمَزِيدِ الضَّلالِ كَما في حَقِّ فِرْعَوْنَ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] وقَدْ تَصِيرُ سَبَبًا لِمَزِيدِ الهِدايَةِ واليَقِينِ. فَلَمّا احْتَمَلَتِ الإراءَةُ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ قالَ
صفحة ٣٨
تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إنّا أرَيْناهُ هَذِهِ الآياتِ لِيَراها ولِأجْلِ أنْ يَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ لا مِنَ الجاحِدِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اليَقِينُ عِبارَةٌ عَنْ عِلْمٍ يَحْصُلُ بَعْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ بِسَبَبِ التَّأمُّلِ، ولِهَذا المَعْنى لا يُوصَفُ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِكَوْنِهِ يَقِينًا؛ لِأنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِالشُّبْهَةِ وغَيْرُ مُسْتَفادٍ مِنَ الفِكْرِ والتَّأمُّلِ. واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ ما يَسْتَدِلُّ فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ قَلْبُهُ عَنْ شَكٍّ وشُبْهَةٍ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَإذا كَثُرَتِ الدَّلائِلُ وتَوافَقَتْ وتَطابَقَتْ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ اليَقِينِ؛ وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يَحْصُلُ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الدَّلائِلِ نَوْعُ تَأثُّرٍ وقُوَّةٍ فَلا تَزالُ القُوَّةُ تَتَزايَدُ حَتّى نَنْتَهِيَ إلى الجَزْمِ.
الثّانِي: أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكَةِ فَكَثْرَةُ الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ المُخْتَلِفَةِ عَلى المَدْلُولِ الواحِدِ جارٍ مَجْرى تَكْرارِ الدَّرْسِ الواحِدِ، فَكَما أنَّ كَثْرَةَ التَّكْرارِ تُفِيدُ الحِفْظَ المُتَأكَّدَ الَّذِي لا يَزُولُ عَنِ القَلْبِ، فَكَذا هَهُنا.
الثّالِثُ: أنَّ القَلْبَ عِنْدَ الِاسْتِدْلالِ كانَ مُظْلِمًا جِدًّا فَإذا حَصَلَ فِيهِ الِاعْتِقادُ المُسْتَفادُ مِنَ الدَّلِيلِ الأوَّلِ امْتَزَجَ نُورُ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ بِظُلْمَةِ سائِرِ الصِّفاتِ الحاصِلَةِ في القَلْبِ، فَحَصَلَ فِيهِ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالحالَةِ المُمْتَزِجَةِ مِنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ، فَإذا حَصَلَ الِاسْتِدْلالُ الثّانِي امْتَزَجَ نُورُهُ بِالحالَةِ الأُولى، فَيَصِيرُ الإشْراقُ واللَّمَعانُ أتَمَّ. وكَما أنَّ الشَّمْسَ إذا قَرُبَتْ مِنَ المَشْرِقِ ظَهَرَ نُورُها في أوَّلِ الأمْرِ وهو الصُّبْحُ. فَكَذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ الأوَّلُ يَكُونُ كالصُّبْحِ، ثُمَّ كَما أنَّ الصُّبْحَ لا يَزالُ يَتَزايَدُ بِسَبَبِ تَزايُدِ قُرْبِ الشَّمْسِ مِن سَمْتِ الرَّأْسِ، فَإذا وصَلَتْ إلى سَمْتِ الرَّأْسِ حَصَلَ النُّورُ التّامُّ، فَكَذَلِكَ العَبْدُ كُلَّما كانَ تَدَبُّرُهُ في مَراتِبِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى أكْثَرَ كانَ شُرُوقُ نُورِ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ أجْلى. إلّا أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ شَمْسِ العِلْمِ وبَيْنَ شَمْسِ العالَمِ أنَّ شَمْسَ العالَمِ الجُسْمانِيِّ لَها في الِارْتِقاءِ والتَّصاعُدِ حَدٌّ مُعَيَّنٌ لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْهِ في الصُّعُودِ، وأمّا شَمْسُ المَعْرِفَةِ والعَقْلِ والتَّوْحِيدِ، فَلا نِهايَةَ لِتَصاعُدِها ولا غايَةَ لِازْدِيادِها فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى مَراتِبَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِ أنْوارِ التَّجَلِّي وشُرُوقِ شَمْسِ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
صفحة ٣٩
فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُقالُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ اللَّيْلُ، ويُقالُ: لِكُلِّ ما سَتَرْتَ: جَنَّ وأجَنَّ، ويُقالُ أيْضًا: جَنَّهُ اللَّيْلُ، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وأجَنَّهُ اللَّيْلُ. هَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، ومَعْنى ”جَنَّ“ سَتَرَ ومِنهُ الجَنَّةُ والجِنُّ والجُنُونُ والجانُّ والجَنِينُ والمِجَنُّ والجَنَنُ والمُجَنُّ، وهو المَقْبُورُ. والمَجَنَّةُ كُلُّ هَذا يَعُودُ أصْلُهُ إلى السَّتْرِ والِاسْتِتارِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إذا أظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ؛ ولِهَذا دَخَلَتْ ”عَلى“ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ في أظْلَمَ. فَأمّا جَنَّهُ فَسَتَرَهُ مِن غَيْرِ تَضْمِينِ مَعْنى ”أظْلَمَ“ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ رَأى رُؤْيا وعَبَّرَها المُعَبِّرُونَ بِأنَّهُ يُولَدُ غُلامٌ يُنازِعُهُ في مِلْكِهِ، فَأمَرَ ذَلِكَ المَلِكُ بِذَبْحِ كُلِّ غُلامٍ يُولَدُ، فَحَبِلَتْ أُمُّ إبْراهِيمَ بِهِ وما أظْهَرَتْ حَبَلَها لِلنّاسِ، فَلَمّا جاءَها الطَّلْقُ ذَهَبَتْ إلى كَهْفٍ في جَبَلٍ ووَضَعَتْ إبْراهِيمَ وسَدَّتِ البابَ بِحَجَرٍ، فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَضَعَ أُصْبُعَهُ في فَمِهِ فَمَصَّهُ فَخَرَجَ مِنهُ رِزْقُهُ، وكانَ يَتَعَهَّدُهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَتِ الأُمُّ تَأْتِيهِ أحْيانًا وتُرْضِعُهُ، وبَقِيَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ حَتّى كَبِرَ وعَقَلَ وعَرَفَ أنَّ لَهُ رَبًّا، فَسَألَ الأُمَّ فَقالَ لَها: مَن رَبِّي ؟ فَقالَتْ: أنا، فَقالَ: ومَن رَبُّكِ ؟ قالَتْ: أبُوكَ. فَقالَ لِلْأبِ: ومَن رَبُّكَ ؟ فَقالَ: مَلِكُ البَلَدِ. فَعَرَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَهْلَهُما بِرَبِّهِما فَنَظَرَ مِن بابِ ذَلِكَ الغارِ لِيَرى شَيْئًا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى وُجُودِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَرَأى النَّجْمَ الَّذِي هو أضْوَأُ النُّجُومِ في السَّماءِ. فَقالَ: هَذا رَبِّي؛ إلى آخِرِ القِصَّةِ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ بَعْدَ البُلُوغِ وجَرَيانِ قَلَمِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ البُلُوغِ. واتَّفَقَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ عَلى فَسادِ القَوْلِ الأوَّلِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ القَوْلَ بِرُبُوبِيَّةِ النَّجْمِ كُفْرٌ بِالإجْماعِ والكُفْرُ غَيْرُ جائِزٍ بِالإجْماعِ عَلى الأنْبِياءِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ عَرَفَ رَبَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ بِالدَّلِيلِ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ لِأبِيهِ آزَرَ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِالرِّفْقِ حَيْثُ قالَ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [التحريم: ٢] وحَكى في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِالكَلامِ الخَشِنِ واللَّفْظِ المُوحِشِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن دَعا غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يُقَدِّمُ الرِّفْقَ عَلى العُنْفِ واللِّينَ عَلى الغِلَظِ، ولا يَخُوضُ في التَّعْنِيفِ والتَّغْلِيظِ إلّا بَعْدَ المُدَّةِ المَدِيدَةِ واليَأْسِ التّامِّ. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ مِرارًا وأطْوارًا، ولا شَكَّ أنَّهُ إنَّما اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ أبِيهِ بَعْدَ فَراغِهِ مِن مُهِمِّ نَفْسِهِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ عَرَفَ اللَّهَ بِمُدَّةٍ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ أراهُ اللَّهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى رَأى مَن فَوْقَ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وما تَحْتَهُما إلى ما تَحْتَ الثَّرى، ومَن كانَ مَنصِبُهُ في الدِّينِ كَذَلِكَ، وعِلْمُهُ بِاللَّهِ كَذَلِكَ، كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَعْتَقِدَ إلَهِيَّةَ الكَواكِبِ ؟
صفحة ٤٠
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ دَلائِلَ الحُدُوثِ في الأفْلاكِ ظاهِرَةٌ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ وجْهًا وأكْثَرَ ومَعَ هَذِهِ الوُجُوهِ الظّاهِرَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِأقَلِّ العُقَلاءِ نَصِيبًا مِنَ العَقْلِ والفَهْمِ أنْ يَقُولَ بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ فَضْلًا عَنْ أعْقَلِ العُقَلاءِ وأعْلَمِ العُلَماءِ ؟
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] وأقَلُّ مَراتِبِ القَلْبِ السَّلِيمِ أنْ يَكُونَ سَلِيمًا عَنِ الكُفْرِ، وأيْضًا مَدَحَهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] أيْ آتَيْناهُ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ مِن أوَّلِ زَمانِ الفِكْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ بِطَهارَتِهِ وكَمالِهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ أيْ ولِيَكُونَ بِسَبَبِ تِلْكَ الإراءَةِ مِنَ المُوقِنِينَ.
ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ والفاءُ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ صارَ إبْراهِيمُ مِنَ المُوقِنِينَ العارِفِينَ بِرَبِّهِ.
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ مُناظَرَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ قالَ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] ولَمْ يَقُلْ عَلى نَفْسِهِ، فَعُلِمَ أنَّ هَذِهِ المُباحَثَةَ إنَّما جَرَتْ مَعَ قَوْمِهِ لِأجْلِ أنْ يُرْشِدَهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ. لا لِأجْلِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَطْلُبُ الدِّينَ والمَعْرِفَةَ لِنَفْسِهِ.
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: أنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما اشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ في الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ حالَ ما كانَ في الغارِ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَقُولُ: ﴿ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ ما كانَ في الغارِ لا قَوْمَ ولا صَنَمَ.
الحُجَّةُ العاشِرَةُ: قالَ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٠] وكَيْفَ يُحاجُّونَهُ وهم بَعْدُ ما رَأوْهُ وهو ما رَآهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما اشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ في الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ بَعْدَ أنْ خالَطَ قَوْمَهُ ورَآهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ودَعَوْهُ إلى عِبادَتِها فَذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ.
الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِلْقَوْمِ: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا خَوَّفُوهُ بِالأصْنامِ، كَما حَكى عَنْ قَوْمِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَلِيقُ بِالغارِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِالنَّهارِ، ولا شَكَّ أنَّ الشَّمْسَ كانَتْ طالِعَةً في اليَوْمِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ غَرَبَتْ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُسْتَدَلَّ بِغُرُوبِها السّابِقِ عَلى أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، وإذا بَطَلَ بِهَذا الدَّلِيلِ صَلاحِيَةُ الشَّمْسِ لِلْإلَهِيَّةِ بَطَلَ ذَلِكَ أيْضًا في القَمَرِ والكَوْكَبِ بِطَرِيقِ الأوْلى. هَذا إذا قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَ المَقْصُودُ مِنها تَحْصِيلَ المَعْرِفَةِ لِنَفْسِهِ. أمّا إذا قُلْنا المَقْصُودُ مِنها إلْزامُ القَوْمِ وإلْجاؤُهم، فَهَذا
صفحة ٤١
السُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما اتَّفَقَتْ مُكالَمَتُهُ مَعَ القَوْمِ حالَ طُلُوعِ ذَلِكَ النَّجْمِ، ثُمَّ امْتَدَّتِ المُناظَرَةُ إلى أنْ طَلَعَ القَمَرُ وطَلَعَتِ الشَّمْسُ بَعْدَهُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فالسُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ: هَذا رَبِّي. وإذا بَطَلَ هَذا بَقِيَ هَهُنا احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: هَذا كَلامُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ البُلُوغِ ولَكِنْ لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ إثْباتَ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ بَلِ الغَرَضُ مِنهُ أحَدُ أُمُورٍ سَبْعَةٍ:
الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَقُلْ: هَذا رَبِّي عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ كانَ يُناظِرُ عَبَدَةَ الكَوْكَبِ وكانَ مَذْهَبُهم أنَّ الكَوْكَبَ رَبُّهم وإلَهُهم، فَذَكَرَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ القَوْلَ الَّذِي قالُوهُ بِلَفْظِهِمْ وعِبارَتِهِمْ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْهِ فَيُبْطِلُهُ، ومِثالُهُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا إذا ناظَرَ مَن يَقُولُ بِقِدَمِ الجِسْمِ، فَيَقُولُ: الجِسْمُ قَدِيمٌ ؟ فَإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلِمَ نَراهُ ونُشاهِدُهُ مُرَكَّبًا مُتَغَيِّرًا ؟ فَهو إنَّما قالَ: الجِسْمُ قَدِيمٌ؛ إعادَةٌ لِكَلامِ الخَصْمِ حَتّى يُلْزِمَ المُحالَ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا قالَ: (هَذا رَبِّي) والمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ قَوْلِ الخَصْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ وهَذا الوَجْهُ هو المُعْتَمَدُ في الجَوابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى دَلَّ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ المُناظَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] .
والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: (هَذا رَبِّي) مَعْناهُ هَذا رَبِّي في زَعْمِكم واعْتِقادِكم، ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ المُوجِدُ لِلْمُجَسِّمِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: إنَّ إلَهَهُ جِسْمٌ مَحْدُودٌ أيْ في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ قالَ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] وقالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ [القصص: ٦٢] وكانَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ يَقُولُ: ”يا إلَهَ الآلِهَةِ“ . والمُرادُ أنَّهُ تَعالى إلَهُ الآلِهَةِ في زَعْمِهِمْ وقالَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أيْ عِنْدَ نَفْسِكَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ إلّا أنَّهُ أسْقَطَ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ اسْتِغْناءً عَنْهُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ القَوْلُ مُضْمَرًا فِيهِ، والتَّقْدِيرُ: قالَ يَقُولُونَ هَذا رَبِي. وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا﴾ [البقرة: ١٢٧] أيْ يَقُولُونَ رَبَّنا وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] أيْ يَقُولُونَ ما نَعْبُدُهم، فَكَذا هَهُنا التَّقْدِيرُ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِقَوْمِهِ: يَقُولُونَ هَذا رَبِي. أيْ هَذا هو الَّذِي يُدَبِّرُنِي ويُرَبِّينِي.
والوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما يُقالُ لِذَلِيلٍ سادَ قَوْمًا: هَذا سَيِّدُكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ ﷺ أرادَ أنْ يُبْطِلَ قَوْلَهم بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ عَرَفَ مِن تَقْلِيدِهِمْ لِأسْلافِهِمْ وبُعْدِ طِباعِهِمْ عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ أنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقْبَلُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، فَمالَ إلى طَرِيقٍ بِهِ يَسْتَدْرِجُهم إلى اسْتِماعِ الحُجَّةِ. وذَلِكَ بِأنْ ذَكَرَ كَلامًا يُوهِمُ كَوْنَهُ مُساعِدًا لَهم عَلى مَذْهَبِهِمْ بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ مَعَ أنَّ قَلْبَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ مُطَمْئِنًا بِالإيمانِ، ومَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِن ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلى إبْطالِهِ وإفْسادِهِ وأنْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ إلى الدَّعْوَةِ طَرِيقًا سِوى هَذا الطَّرِيقِ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَأْمُورًا بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ كانَ بِمَنزِلَةِ المُكْرَهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ عِنْدَ الإكْراهِ يَجُوزُ
صفحة ٤٢
إجْراءُ كَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى اللِّسانِ قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فَإذا جازَ ذِكْرُ كَلِمَةِ الكُفْرِ لِمَصْلَحَةِ بَقاءِ شَخْصٍ واحِدٍ فَبِأنْ يَجُوزَ إظْهارُ كَلِمَةِ الكُفْرِ لِتَخْلِيصِ عالَمٍ مِنَ العُقَلاءِ عَنِ الكُفْرِ والعِقابِ المُؤَبَّدِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، وأيْضًا المُكْرَهُ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ لَوْ صَلّى حَتّى قُتِلَ اسْتَحَقَّ الأجْرَ العَظِيمَ، ثُمَّ إذا جاءَ وقْتُ القِتالِ مَعَ الكُفّارِ وعَلِمَ أنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالصَّلاةِ انْهَزَمَ عَسْكَرُ الإسْلامِ فَهَهُنا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الصَّلاةِ والِاشْتِغالُ بِالقِتالِ، حَتّى لَوْ صَلّى وتَرَكَ القِتالَ أثِمَ ولَوْ تَرَكَ الصَّلاةَ وقاتَلَ اسْتَحَقَّ الثَّوابَ، بَلْ نَقُولُ: أنَّ مَن كانَ في الصَّلاةِ فَرَأى طِفْلًا أوْ أعْمى أشْرَفَ عَلى غَرَقٍ أوْ حَرْقٍ وجَبَ عَلَيْهِ قَطْعُ الصَّلاةِ لِإنْقاذِ ذَلِكَ الطِّفْلِ أوْ ذَلِكَ الأعْمى عَنْ ذَلِكَ البَلاءِ. فَكَذا هَهُنا أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ لِيَظْهَرَ مِن نَفْسِهِ مُوافِقَةَ القَوْمِ حَتّى إذا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الدَّلِيلَ المُبْطِلَ لِقَوْلِهِمْ كانَ قَبُولُهم لِذَلِكَ الدَّلِيلِ أتَمَّ وانْتِفاعُهم بِاسْتِماعِهِ أكْمَلَ.
ومِمّا يُقَوِّي هَذا الوَجْهَ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ مِثْلَ هَذا الطَّرِيقِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٩٠] وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِعِلْمِ النَّجْمِ عَلى حُصُولِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ فَوافَقَهم إبْراهِيمُ عَلى هَذا الطَّرِيقِ في الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْهُ في الباطِنِ، ومَقْصُودُهُ أنْ يَتَوَسَّلَ بِهَذا الطَّرِيقِ إلى كَسْرِ الأصْنامِ، فَإذا جازَتِ المُوافَقَةُ في الظّاهِرِ هَهُنا. مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْهُ في الباطِنِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَسْألَتِنا كَذَلِكَ ؟ وأيْضًا المُتَكَلِّمُونَ قالُوا: إنَّهُ يَصِحُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إظْهارُ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِ مَن يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ؛ لِأنَّ صُورَةَ هَذا المُدَّعِي وشَكْلَهُ يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِ فَلا يَحْصُلُ فِيهِ التَّلْبِيسُ بِسَبَبِ ظُهُورِ تِلْكَ الخَوارِقِ عَلى يَدِهِ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ إظْهارُها عَلى يَدِ مَن يَدَّعِي النُّبُوَّةَ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ التَّلْبِيسَ فَكَذا هَهُنا. وقَوْلُهُ: (هَذا رَبِّي) لا يُوجِبُ الضَّلالَ؛ لِأنَّ دَلائِلَ بُطْلانِهِ جَلِيَّةٌ وفي إظْهارِهِ هَذِهِ الكَلِمَةَ مَنفَعَةٌ عَظِيمَةٌ وهي اسْتِدْراجُهم لِقَبُولِ الدَّلِيلِ فَكانَ جائِزًا واللَّهُ أعْلَمُ.
الوَجْهُ السّابِعُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ النُّجُومِ فَكانُوا في تِلْكَ المُناظَرَةِ إلى أنْ طَلَعَ النَّجْمُ الدُّرِّيُّ فَقالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (هَذا رَبِّي) أيْ هَذا هو الرَّبُّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إلَيْهِ ثُمَّ سَكَتَ زَمانًا حَتّى أفَلَ ثُمَّ قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذِهِ الأجْوِبَةِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ وهو أنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ذَكَرَ هَذا الكَلامَ بَعْدَ البُلُوغِ.
أمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنَّهُ ذَكَرَهُ قَبْلَ البُلُوغِ وعِنْدَ القُرْبِ مِنهُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ خَصَّ إبْراهِيمَ بِالعَقْلِ الكامِلِ والقَرِيحَةِ الصّافِيَةِ، فَخَطَرَ بِبالِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ إثْباتُ الصّانِعِ سُبْحانَهُ فَتَفَكَّرَ فَرَأى النَّجْمَ، فَقالَ: (هَذا رَبِّي) فَلَمّا شاهَدَ حَرَكَتَهُ قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكْمَلَ بُلُوغَهُ في أثْناءِ هَذا البَحْثِ فَقالَ في الحالِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ فَهَذا الِاحْتِمالُ لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى بِالقَبُولِ لِما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ، عَلى أنَّ هَذِهِ المُناظَرَةَ إنَّما جَرَتْ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقْتَ اشْتِغالِهِ بِدَعْوَةِ القَوْمِ إلى التَّوْحِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ ”رُئِيَ“ بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ حَيْثُ كانَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكَسائِيُّ بِكَسْرِهِما، فَإذا كانَ بَعْدَ الألْفِ كافٌ أوْ هاءٌ نَحْوَ: رَآكَ ورَآها فَحِينَئِذٍ يَكْسِرُها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَفْتَحُها ابْنُ عامِرٍ. ورَوى يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ مِثْلَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَإذا تَلَتْهُ ألِفُ وصْلٍ نَحْوَ: رَأى الشَّمْسَ، ورَأى القَمَرَ. فَإنَّ حَمْزَةَ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ ونَصْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ يَكْسِرُونَ الرّاءَ ويَفْتَحُونَ
صفحة ٤٣
الهَمْزَةَ والباقُونَ يَقْرَؤُنَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الرّاءِ والهَمْزَةِ، واتَّفَقُوا في رَأوْكَ، ورَأوْهُ أنَّهُ بِالفَتْحِ. قالَ الواحِدِيُّ: أمّا مَن فَتَحَ الرّاءَ والهَمْزَةَ فَعِلَّتُهُ واضِحَةٌ وهي تَرْكُ الألِفِ عَلى الأصْلِ نَحْوَ: رَعى ورَمى. وأمّا مَن فَتَحَ الرّاءَ وكَسَرَ الهَمْزَةَ فَإنَّهُ أمالَ الهَمْزَةَ نَحْوَ الكَسْرِ لِيُمِيلَ الألِفَ الَّتِي في رَأى نَحْوَ الياءِ، وتَرَكَ الرّاءَ مَفْتُوحَةً عَلى الأصْلِ. وأمّا مَن كَسَرَهُما جَمِيعًا فَلِأجْلِ أنْ تَصِيرَ حَرَكَةُ الرّاءِ مُشابَهَةً لِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ، والواحِدِيُّ طَوَّلَ في هَذا البابِ في ”كِتابِ البَسِيطِ“ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القِصَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها مِن أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُلِدَ في الغارِ وتَرَكَتْهُ أُمَّهُ وكانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُرَبِّيهِ كُلُّ ذَلِكَ مُجْمَلٌ في الجُمْلَةِ. وقالَ القاضِي: كُلُّ ما يَجْرِي مَجْرى المُعْجِزاتِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المُعْجِزِ عَلى وقْتِ الدَّعْوى غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَهم، وهَذا هو المُسَمّى بِالإرْهاصِ إلّا إذا حَضَرَ في ذَلِكَ الزَّمانِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فَتُجْعَلُ تِلْكَ الخَوارِقُ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ. وأمّا عِنْدَ أصْحابِنا فالإرْهاصُ جائِزٌ فَزالَتِ الشُّبْهَةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَدَلَّ بِأُفُولِ الكَوْكَبِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَبًّا لَهُ وخالِقًا لَهُ. ويَجِبُ عَلَيْنا هَهُنا أنْ نَبْحَثَ عَنْ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأُفُولَ ما هو ؟
والثّانِي: أنَّ الأُفُولَ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ ؟ فَنَقُولُ: الأُفُولُ عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَةِ الشَّيْءِ بَعْدَ ظُهُورِهِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَلِسائِلٍ أنْ يَسْألَ، فَيَقُولُ: الأُفُولُ إنَّما يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَرَكَةٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ الطُّلُوعُ أيْضًا دَلِيلًا عَلى الحُدُوثِ، فَلِمَ تَرَكَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِاسْتِدْلالَ عَلى حُدُوثِها بِالطُّلُوعِ وعَوَّلَ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ عَلى الأُفُولِ ؟
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ الطُّلُوعَ والغُرُوبَ يَشْتَرِكانِ في الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ إلّا أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ الأنْبِياءُ في مَعْرِضِ دَعْوَةِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى اللَّهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ظاهِرًا جَلِيًّا بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ في فَهْمِهِ الذَّكِيُّ والغَبِيُّ والعاقِلُ. ودَلالَةُ الحَرَكَةِ عَلى الحُدُوثِ وإنْ كانَتْ يَقِينِيَّةً إلّا أنَّها دَقِيقَةٌ لا يَعْرِفُها إلّا الأفاضِلُ مِنَ الخَلْقِ. أمّا دَلالَةُ الأُفُولِ فَإنَّها دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ، فَإنَّ الكَوْكَبَ يَزُولُ سُلْطانُهُ وقْتَ الأُفُولِ فَكانَتْ دَلالَةُ الأُفُولِ عَلى هَذا المَقْصُودِ أتَمَّ. وأيْضًا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الهَوى في خَطِرَةِ الإمْكانِ أُفُولٌ، وأحْسَنُ الكَلامِ ما يَحْصُلُ فِيهِ حِصَّةُ الخَواصِّ وحِصَّةُ الأوْساطِ وحِصَّةُ العَوامِّ، فالخَواصُّ يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الإمْكانَ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ، والمُحْتاجُ لا يَكُونُ مَقْطُوعَ الحاجَةِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى مَن يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الإمْكانِ حَتّى تَنْقَطِعَ الحاجاتُ بِسَبَبِ وُجُودِهِ كَما قالَ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] وأمّا الأوْساطُ فَإنَّهم يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ مُطْلَقَ الحَرَكَةِ، فَكُلُّ مُتَحَرِّكٍ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى القَدِيمِ القادِرِ؛ فَلا يَكُونُ الآفِلُ إلَهًا بَلِ الإلَهُ هو الَّذِي احْتاجَ إلَيْهِ ذَلِكَ الآفِلُ. وأمّا العَوامُّ فَإنَّهم يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الغُرُوبَ وهم يُشاهِدُونَ أنَّ كُلَّ كَوْكَبٍ يَقْرُبُ مِنَ الأُفُولِ والغُرُوبِ فَإنَّهُ يَزُولُ نُورُهُ ويَنْتَقِصُ ضَوْءُهُ ويَذْهَبُ سُلْطانُهُ ويَصِيرُ كالمَعْزُولِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ الواحِدَةُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ كَلِمَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَصِيبِ المُقَرَّبِينَ وأصْحابِ اليَمِينِ وأصْحابِ الشِّمالِ، فَكانَتْ أكْمَلَ الدَّلائِلِ وأفْضَلَ البَراهِينِ.
وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى: وهو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما كانَ يُناظِرُهم وهم كانُوا مُنَجِّمِينَ. ومَذْهَبُ أهْلِ النُّجُومِ أنَّ
صفحة ٤٤
الكَوْكَبَ إذا كانَ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ ويَكُونُ صاعِدًا إلى وسَطِ السَّماءِ كانَ قَوِيًّا عَظِيمَ التَّأْثِيرِ. أمّا إذا كانَ غَرْبِيًّا وقَرِيبًا مِنَ الأُفُولِ فَإنَّهُ يَكُونُ ضَعِيفَ التَّأْثِيرِ قَلِيلَ القُوَّةِ. فَنَبَّهَ بِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ عَلى أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي لا تَتَغَيَّرُ قُدْرَتُهُ إلى العَجْزِ وكَمالُهُ إلى النُّقْصانِ، ومَذْهَبُكم أنَّ الكَوْكَبَ حالَ كَوْنِهِ في الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ، يَكُونُ ضَعِيفَ القُوَّةِ، ناقِصَ التَّأْثِيرِ، عاجِزًا عَنِ التَّدْبِيرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى القَدْحِ في إلَهِيَّتِهِ، فَظَهَرَ عَلى قَوْلِ المُنَجِّمِينَ أنَّ لِلْأُفُولِ مَزِيدَ خاصِّيَّةٍ في كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْقَدْحِ في إلَهِيَّتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا المَقامُ الثّانِي: وهو بَيانُ أنَّ كَوْنَ الكَوْكَبِ آفِلًا يَمْنَعُ مِن رُبُوبِيَّتِهِ. فَلِقائِلٍ أيْضًا أنْ يَقُولَ: أقْصى ما في البابِ أنْ يَكُونَ أُفُولُهُ دالًّا عَلى حُدُوثِهِ إلّا أنَّ حُدُوثَهُ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ رَبًّا لِإبْراهِيمَ ومَعْبُودًا لَهُ، ألا تَرى أنَّ المُنَجِّمِينَ وأصْحابَ الوَسايِطِ يَقُولُونَ: إنَّ الإلَهَ الأكْبَرَ خَلَقَ الكَواكِبَ وأبْدَعَها وأحْدَثَها، ثُمَّ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْلُقُ النَّباتَ والحَيَوانَ في هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، فَثَبَتَ أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ وإنْ دَلَّ عَلى حُدُوثِها إلّا أنَّهُ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِها أرْبابًا لِلْإنْسانِ وآلِهَةً لِهَذا العالَمِ. والجَوابُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ:
المَقامُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّبِّ والإلَهِ المَوْجُودَ الَّذِي عِنْدَهُ تَنْقَطِعُ الحاجاتُ، ومَتى ثَبَتَ بِأُفُولِ الكَواكِبِ حُدُوثُها، وثَبَتَ في بَداهَةِ العُقُولِ أنَّ كُلَّ ما كانَ مُحْدَثًا فَإنَّهُ يَكُونُ في وُجُودِهِ مُحْتاجًا إلى الغَيْرِ. وجَبَ القَطْعُ بِاحْتِياجِ هَذِهِ الكَواكِبِ في وُجُودِها إلى غَيْرِها، ومَتى ثَبَتَ هَذا المَعْنى امْتَنَعَ كَوْنُها أرْبابًا وآلِهَةً، بِمَعْنى أنَّهُ تَنْقَطِعُ الحاجاتُ عِنْدَ وُجُودِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَها آفِلَةً يُوجِبُ القَدْحَ في كَوْنِها أرْبابًا وآلِهَةً بِهَذا التَّفْسِيرِ.
المَقامُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّبِّ والإلَهِ مَن يَكُونُ خالِقًا لَنا ومُوجِدًا لِذَواتِنا وصِفاتِنا. فَنَقُولُ: أُفُولُ الكَواكِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِها عاجِزَةً عَنِ الخَلْقِ والإيجادِ وعَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَتُها وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أُفُولَها يَدُلُّ عَلى حُدُوثِها. وحُدُوثُها يَدُلُّ عَلى افْتِقارِها إلى فاعِلٍ قَدِيمٍ قادِرٍ، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ قادِرِيَّةُ ذَلِكَ القادِرِ أزَلِيَّةً، وإلّا لافْتَقَرَتْ قادِرِيَّتُهُ إلى قادِرٍ آخَرَ، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قادِرِيَّتَهُ أزَلِيَّةٌ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الشَّيْءُ الَّذِي هو مَقْدُورٌ لَهُ إنَّما صَحَّ كَوْنُهُ مَقْدُورًا لَهُ بِاعْتِبارِ إمْكانِهِ، والإمْكانُ واحِدٌ في كُلِّ المُمْكِناتِ. فَثَبَتَ أنَّ ما لِأجْلِهِ صارَ بَعْضُ المُمْكِناتِ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعالى فَهو حاصِلٌ في كُلِّ المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ في كُلِّ المُمْكِناتِ أنْ تَكُونَ مَقْدُورَةً لِلَّهِ تَعالى.
وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ وُقُوعُ شَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ بِغَيْرِهِ عَلى ما بَيَّنّا صِحَّةَ هَذِهِ المَقاماتِ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ في عِلْمِ الأُصُولِ.
فالحاصِلُ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كَوْنَ الكَواكِبِ آفِلَةً يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مُحْدَثَةً، وإنْ كانَ لا يَثْبُتُ هَذا المَعْنى إلّا بِواسِطَةِ مُقَدِّماتٍ كَثِيرَةٍ، وأيْضًا فَكَوْنُها في نَفْسِها مُحْدَثَةً يُوجِبُ القَوْلَ بِامْتِناعِ كَوْنِها قادِرَةً عَلى الإيجادِ والإبْداعِ، وإنْ كانَ لا يَثْبُتُ هَذا المَعْنى إلّا بِواسِطَةِ مُقَدِّماتٍ كَثِيرَةٍ. ودَلائِلُ القُرْآنِ إنَّما يُذْكَرُ فِيها أُصُولُ المُقَدِّماتِ، فَأمّا التَّفْرِيعُ والتَّفْصِيلُ، فَذاكَ إنَّما يَلِيقُ بِعِلْمِ الجَدَلِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ لا جَرَمَ اكْتَفى بِذِكْرِهِما في بَيانِ أنَّ الكَواكِبَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الإيجادِ والإبْداعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَدَلَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأُفُولِها عَلى امْتِناعِ كَوْنِها أرْبابًا وآلِهَةً لِحَوادِثِ هَذا العالَمِ.
صفحة ٤٥
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِها، وحُدُوثِها يَدُلُّ عَلى افْتِقارِها في وُجُودِها إلى القادِرِ المُخْتارِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الفاعِلُ هو الخالِقُ لِلْأفْلاكِ والكَواكِبِ، ومَن كانَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الكَواكِبِ والأفْلاكِ مِن دُونِ واسِطَةِ أيِّ شَيْءٍ كانَ فَبِأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الإنْسانِ أوْلى؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ الشَّيْءِ الأعْظَمِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الشَّيْءِ الأضْعَفِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وبِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ [ يس: ٨١] فَثَبَتَ بِهَذا الطَّرِيقِ أنَّ الإلَهَ الأكْبَرَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ البَشَرِ، وعَلى تَدْبِيرِ العالِمِ الأسْفَلِ بِدُونِ واسِطَةِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الإلَهِ الأكْبَرِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ الشَّمْسِ والنُّجُومِ والقَمَرِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ صَحَّ كَوْنُ بَعْضِ الكَواكِبِ مُوجِدَةً وخالِقَةً، لَبَقِيَ هَذا الِاحْتِمالُ في الكُلِّ وحِينَئِذٍ لا يَعْرِفُ الإنْسانُ أنَّ خالِقَهُ هَذا الكَوْكَبُ. أوْ ذَلِكَ الآخَرُ أوْ مَجْمُوعُ الكَواكِبِ فَيَبْقى شاكًّا في مَعْرِفَةِ خالِقِهِ. أمّا لَوْ عَرَفْنا الكُلَّ وأسْنَدْنا الخَلْقَ والإيجادَ والتَّدْبِيرَ إلى خالِقِ الكُلِّ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُنا مَعْرِفَةُ الخالِقِ والمُوجِدِ، ويُمْكِنُنا الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِهِ وشُكْرِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ كَما يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ كَوْنِها قَدِيمَةً فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ كَوْنِها آلِهَةً لِهَذا العالَمِ وأرْبابًا لِلْحَيَوانِ والإنْسانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ.
فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِنَهارٍ ولَيْلٍ، وكانَ أُفُولُ الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ حاصِلًا في اللَّيْلِ السّابِقِ والنَّهارِ السّابِقِ، وبِهَذا التَّقْرِيرِ لا يَبْقى لِلْأُفُولِ الحاصِلِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَزِيدُ فائِدَةٍ.
والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - إنَّما أوْرَدَ هَذا الدَّلِيلَ عَلى الأقْوامِ الَّذِينَ كانَ يَدْعُوهم مِن عِبادَةِ النُّجُومِ إلى التَّوْحِيدِ. فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ جالِسًا مَعَ أُولَئِكَ الأقْوامِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي وزَجَرَهم عَنْ عِبادَةِ الكَواكِبِ، فَبَيْنَما هو في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الكَلامِ إذْ وقَعَ بَصَرُهُ عَلى كَوْكَبٍ مُضِيءٍ، فَلَمّا أفَلَ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: لَوْ كانَ هَذا الكَوْكَبُ إلَهًا لَما انْتَقَلَ مِنَ الصُّعُودِ إلى الأُفُولِ ومِنَ القُوَّةِ إلى الضَّعْفِ. ثُمَّ في أثْناءِ ذَلِكَ الكَلامِ طَلَعَ القَمَرُ وأفَلَ. فَأعادَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الكَلامَ، وكَذا القَوْلُ في الشَّمْسِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَحْضُرُنا في تَقْرِيرِ دَلِيلِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: تَفَلْسَفَ الغَزالِيُّ في بَعْضِ كُتُبِهِ وحَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الحَيَوانِيَّةِ الَّتِي لِكُلِّ كَوْكَبٍ، والقَمَرَ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي لِكُلِّ فَلَكٍ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ المُجَرَّدِ الَّذِي لِكُلِّ ذَلِكَ، وكانَ أبُو عَلِيِّ بْنُ سَيْناءَ يُفَسِّرُ الأُفُولَ بِالإمْكانِ، فَزَعَمَ الغَزالِيُّ أنَّ المُرادَ بِأُفُولِها إمْكانُها في نَفْسِها، وزَعَمَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ بِأسْرِها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، ولا بُدَّ لَهُ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى واجِبِ الوُجُودِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لا بَأْسَ بِهِ. إلّا أنَّهُ يَبْعُدُ حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى الحِسِّ والقَمَرَ عَلى الخَيالِ والوَهْمِ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ، والمُرادُ أنَّ هَذِهِ القُوى المُدْرِكَةَ الثَّلاثَةَ قاصِرَةٌ مُتَناهِيَةٌ، ومُدَبِّرُ العالَمِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْها قاهِرٌ لَها. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ عَلى أحْكامٍ:
صفحة ٤٦
الحُكْمُ الأوَّلُ
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ إذْ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ غائِبًا عَنّا أبَدًا فَكانَ آفِلًا أبَدًا، وأيْضًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تَعالى يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ تارَةً، ويَصْعَدُ مِنَ السَّماءِ إلى العَرْشِ أُخْرى، وإلّا لَحَصَلَ مَعْنى الأُفُولِ.
الحُكْمُ الثّانِي
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مَحَلًّا لِلصِّفاتِ المُحْدَثَةِ كَما تَقُولُهُ الكَرامِيَّةُ، وإلّا لَكانَ مُتَغَيِّرًا، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مَعْنى الأُفُولِ، وذَلِكَ مُحالٌ.
الحُكْمُ الثّالِثُ
تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدِّينَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى الدَّلِيلِ لا عَلى التَّقْلِيدِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا الِاسْتِدْلالِ فائِدَةٌ البَتَّةَ.
الحُكْمُ الرّابِعُ
تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَعارِفَ الأنْبِياءِ بِرَبِّهِمِ اسْتِدْلالِيَّةٌ لا ضَرُورِيَّةٌ، وإلّا لَما احْتاجَ إبْراهِيمُ إلى الِاسْتِدْلالِ.
الحُكْمُ الخامِسُ
تَدُلُّ عَلى هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في أحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ، إذْ لَوْ أمْكَنَ تَحْصِيلُها بِطَرِيقٍ آخَرَ لَما عَدَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ .
فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، وبَزَغَتِ الشَّمْسُ إذا بَدَأ مِنها طُلُوعٌ، ونُجُومٌ بِوازِغُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ في البَزْغِ وهو الشَّقُّ كَأنَّهُ بِنُورِهِ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ اعْتَبَرَ في القَمَرِ مِثْلَ ما اعْتَبَرَ في الكَوْكَبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ولا يُمْكِنُ حَمْلُ لَفْظِ الهِدايَةِ عَلى التَّمَكُّنِ وإزاحَةِ الأعْذارِ ونَصْبِ الدَّلائِلِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا، فالهِدايَةُ الَّتِي كانَ يَطْلُبُها بَعْدَ حُصُولِ تِلْكَ الأشْياءِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ زائِدَةٌ عَلَيْها.
واعْلَمْ أنَّ كَوْنَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مَذْهَبِنا أظْهَرُ مِن أنْ يَشْتَبِهَ عَلى العاقِلِ؛ لِأنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ أضافَ الهِدايَةَ إلى اللَّهِ تَعالى، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨] وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٥] .
* * *
صفحة ٤٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ في الشَّمْسِ هَذا مَعَ أنَّها مُؤَنَّثَةٌ، ولَمْ يَقُلْ هَذِهِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الشَّمْسَ بِمَعْنى الضِّياءِ والنُّورِ، فَحُمِلَ اللَّفْظُ عَلى التَّأْوِيلِ فَذُكِرَ.
وثانِيها: أنَّ الشَّمْسَ لَمْ يَحْصُلْ فِيها عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، فَلَمّا أشْبَهَ لَفْظُها لَفْظَ المُذَكَّرِ وكانَ تَأْوِيلُها تَأْوِيلًا لِلنُّورِ صَلَحَ التَّذْكِيرُ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ.
وثالِثُها: أرادَ هَذا الطّالِعَ أوْ هَذا الَّذِي أراهُ.
ورابِعُها: المَقْصُودُ مِنهُ رِعايَةُ الأدَبِ، وهو تَرْكُ التَّأْنِيثِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ المُرادُ مِنهُ أكْبَرُ الكَواكِبِ جِرْمًا وأقْواها قُوَّةً، فَكانَ أوْلى بِالإلَهِيَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ الأُفُولُ حاصِلًا في الشَّمْسِ والأُفُولُ يَمْنَعُ مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإذا ثَبَتَ امْتِناعُ صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلشَّمْسِ كانَ امْتِناعُ حُصُولِها لِلْقَمَرِ ولِسائِرِ الكَواكِبِ أوْلى. وبِهَذا الطَّرِيقِ يَظْهَرُ أنَّ ذِكْرَ هَذا الكَلامِ في الشَّمْسِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ في القَمَرِ والكَواكِبِ. فَلِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ الشَّمْسِ رِعايَةً لِلْإيجازِ والِاخْتِصارِ ؟
قُلْنا: إنَّ الأخْذَ مِنَ الأدْوَنِ فالأدْوَنِ، مُتَرَقِّيًا إلى الأعْلى فالأعْلى، لَهُ نَوْعُ تَأْثِيرٍ في التَّقْرِيرِ والبَيانِ والتَّأْكِيدِ لا يَحْصُلُ مِن غَيْرِهِ، فَكانَ ذِكْرُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ، لا جَرَمَ تَبَرَّأ مِنَ الشِّرْكِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن هَذا القَدْرِ نَفْيُ الشَّرِيكِ مُطْلَقًا وإثْباتُ التَّوْحِيدِ، فَلِمَ فَرَّعَ عَلى قِيامِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الكَواكِبِ غَيْرَ صالِحَةٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ الجَزْمُ بِإثْباتِ التَّوْحِيدِ مُطْلَقًا ؟
والجَوابُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا مُساعِدِينَ عَلى نَفْيِ سائِرِ الشُّرَكاءِ، وإنَّما نازَعُوا في هَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ فَلَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَيْسَتْ أرْبابًا ولا آلِهَةً، وثَبَتَ بِالِاتِّفاقِ نَفْيُ غَيْرِها لا جَرَمَ حَصَلَ الجَزْمُ بِنَفْيِ الشُّرَكاءِ عَلى الإطْلاقِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَتَحَ الياءَ مِن ”وجْهِيَ“ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والباقُونَ تَرَكُوا هَذا الفَتْحَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا الكَلامُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ بَلِ المُرادُ وجَّهْتُ عِبادَتِي وطاعَتِي، وسَبَبُ جَوازِ هَذا المَجازِ أنَّ مَن كانَ مُطِيعًا لِغَيْرِهِ مُنْقادًا لِأمْرِهِ، فَإنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِوَجْهِهِ إلَيْهِ، فَجُعِلَ تَوْجِيهُ الوَجْهِ إلَيْهِ كِنايَةً عَنِ الطّاعَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَفِيهِ دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ لَمْ يَقُلْ وجَّهَتْ وجْهِي إلى الَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ. بَلْ تَرَكَ هَذا اللَّفْظَ وذَكَرَ قَوْلَهُ: (﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي﴾ والمَعْنى: أنَّ تَوْجِيهَ وجْهِ القَلْبِ لَيْسَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، بَلْ تَوْجِيهُ وجْهِ القَلْبِ إلى خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ لِأجْلِ عُبُودِيَّتِهِ، فَتَرْكُ كَلِمَةِ ”إلى“ هُنا والِاكْتِفاءُ بِحَرْفِ اللّامِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى كَوْنِ المَعْبُودِ مُتَعالِيًا عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، ومَعْنى فَطَرَ أخْرَجَهُما
صفحة ٤٨
إلى الوُجُودِ، وأصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ، يُقالُ: تَفَطَّرَ الشَّجَرُ بِالوَرَقِ والوَرْدِ إذا أظْهَرَهُما، وأمّا الحَنِيفُ فَهو المائِلُ قالَ أبُو العالِيَةِ: الحَنِيفُ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ البَيْتَ في صِلاتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ العادِلُ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
صفحة ٣٩
فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُقالُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ اللَّيْلُ، ويُقالُ: لِكُلِّ ما سَتَرْتَ: جَنَّ وأجَنَّ، ويُقالُ أيْضًا: جَنَّهُ اللَّيْلُ، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وأجَنَّهُ اللَّيْلُ. هَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، ومَعْنى ”جَنَّ“ سَتَرَ ومِنهُ الجَنَّةُ والجِنُّ والجُنُونُ والجانُّ والجَنِينُ والمِجَنُّ والجَنَنُ والمُجَنُّ، وهو المَقْبُورُ. والمَجَنَّةُ كُلُّ هَذا يَعُودُ أصْلُهُ إلى السَّتْرِ والِاسْتِتارِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إذا أظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ؛ ولِهَذا دَخَلَتْ ”عَلى“ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ في أظْلَمَ. فَأمّا جَنَّهُ فَسَتَرَهُ مِن غَيْرِ تَضْمِينِ مَعْنى ”أظْلَمَ“ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ رَأى رُؤْيا وعَبَّرَها المُعَبِّرُونَ بِأنَّهُ يُولَدُ غُلامٌ يُنازِعُهُ في مِلْكِهِ، فَأمَرَ ذَلِكَ المَلِكُ بِذَبْحِ كُلِّ غُلامٍ يُولَدُ، فَحَبِلَتْ أُمُّ إبْراهِيمَ بِهِ وما أظْهَرَتْ حَبَلَها لِلنّاسِ، فَلَمّا جاءَها الطَّلْقُ ذَهَبَتْ إلى كَهْفٍ في جَبَلٍ ووَضَعَتْ إبْراهِيمَ وسَدَّتِ البابَ بِحَجَرٍ، فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَضَعَ أُصْبُعَهُ في فَمِهِ فَمَصَّهُ فَخَرَجَ مِنهُ رِزْقُهُ، وكانَ يَتَعَهَّدُهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَتِ الأُمُّ تَأْتِيهِ أحْيانًا وتُرْضِعُهُ، وبَقِيَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ حَتّى كَبِرَ وعَقَلَ وعَرَفَ أنَّ لَهُ رَبًّا، فَسَألَ الأُمَّ فَقالَ لَها: مَن رَبِّي ؟ فَقالَتْ: أنا، فَقالَ: ومَن رَبُّكِ ؟ قالَتْ: أبُوكَ. فَقالَ لِلْأبِ: ومَن رَبُّكَ ؟ فَقالَ: مَلِكُ البَلَدِ. فَعَرَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَهْلَهُما بِرَبِّهِما فَنَظَرَ مِن بابِ ذَلِكَ الغارِ لِيَرى شَيْئًا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى وُجُودِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَرَأى النَّجْمَ الَّذِي هو أضْوَأُ النُّجُومِ في السَّماءِ. فَقالَ: هَذا رَبِّي؛ إلى آخِرِ القِصَّةِ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ بَعْدَ البُلُوغِ وجَرَيانِ قَلَمِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ البُلُوغِ. واتَّفَقَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ عَلى فَسادِ القَوْلِ الأوَّلِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ القَوْلَ بِرُبُوبِيَّةِ النَّجْمِ كُفْرٌ بِالإجْماعِ والكُفْرُ غَيْرُ جائِزٍ بِالإجْماعِ عَلى الأنْبِياءِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ عَرَفَ رَبَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ بِالدَّلِيلِ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ لِأبِيهِ آزَرَ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِالرِّفْقِ حَيْثُ قالَ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [التحريم: ٢] وحَكى في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِالكَلامِ الخَشِنِ واللَّفْظِ المُوحِشِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن دَعا غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يُقَدِّمُ الرِّفْقَ عَلى العُنْفِ واللِّينَ عَلى الغِلَظِ، ولا يَخُوضُ في التَّعْنِيفِ والتَّغْلِيظِ إلّا بَعْدَ المُدَّةِ المَدِيدَةِ واليَأْسِ التّامِّ. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ مِرارًا وأطْوارًا، ولا شَكَّ أنَّهُ إنَّما اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ أبِيهِ بَعْدَ فَراغِهِ مِن مُهِمِّ نَفْسِهِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ عَرَفَ اللَّهَ بِمُدَّةٍ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ أراهُ اللَّهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى رَأى مَن فَوْقَ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وما تَحْتَهُما إلى ما تَحْتَ الثَّرى، ومَن كانَ مَنصِبُهُ في الدِّينِ كَذَلِكَ، وعِلْمُهُ بِاللَّهِ كَذَلِكَ، كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَعْتَقِدَ إلَهِيَّةَ الكَواكِبِ ؟
صفحة ٤٠
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ دَلائِلَ الحُدُوثِ في الأفْلاكِ ظاهِرَةٌ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ وجْهًا وأكْثَرَ ومَعَ هَذِهِ الوُجُوهِ الظّاهِرَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِأقَلِّ العُقَلاءِ نَصِيبًا مِنَ العَقْلِ والفَهْمِ أنْ يَقُولَ بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ فَضْلًا عَنْ أعْقَلِ العُقَلاءِ وأعْلَمِ العُلَماءِ ؟
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] وأقَلُّ مَراتِبِ القَلْبِ السَّلِيمِ أنْ يَكُونَ سَلِيمًا عَنِ الكُفْرِ، وأيْضًا مَدَحَهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] أيْ آتَيْناهُ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ مِن أوَّلِ زَمانِ الفِكْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ بِطَهارَتِهِ وكَمالِهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ أيْ ولِيَكُونَ بِسَبَبِ تِلْكَ الإراءَةِ مِنَ المُوقِنِينَ.
ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ والفاءُ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ صارَ إبْراهِيمُ مِنَ المُوقِنِينَ العارِفِينَ بِرَبِّهِ.
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ مُناظَرَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ قالَ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] ولَمْ يَقُلْ عَلى نَفْسِهِ، فَعُلِمَ أنَّ هَذِهِ المُباحَثَةَ إنَّما جَرَتْ مَعَ قَوْمِهِ لِأجْلِ أنْ يُرْشِدَهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ. لا لِأجْلِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَطْلُبُ الدِّينَ والمَعْرِفَةَ لِنَفْسِهِ.
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: أنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما اشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ في الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ حالَ ما كانَ في الغارِ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَقُولُ: ﴿ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ ما كانَ في الغارِ لا قَوْمَ ولا صَنَمَ.
الحُجَّةُ العاشِرَةُ: قالَ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٠] وكَيْفَ يُحاجُّونَهُ وهم بَعْدُ ما رَأوْهُ وهو ما رَآهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما اشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ في الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ بَعْدَ أنْ خالَطَ قَوْمَهُ ورَآهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ودَعَوْهُ إلى عِبادَتِها فَذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ.
الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِلْقَوْمِ: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا خَوَّفُوهُ بِالأصْنامِ، كَما حَكى عَنْ قَوْمِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَلِيقُ بِالغارِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِالنَّهارِ، ولا شَكَّ أنَّ الشَّمْسَ كانَتْ طالِعَةً في اليَوْمِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ غَرَبَتْ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُسْتَدَلَّ بِغُرُوبِها السّابِقِ عَلى أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، وإذا بَطَلَ بِهَذا الدَّلِيلِ صَلاحِيَةُ الشَّمْسِ لِلْإلَهِيَّةِ بَطَلَ ذَلِكَ أيْضًا في القَمَرِ والكَوْكَبِ بِطَرِيقِ الأوْلى. هَذا إذا قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَ المَقْصُودُ مِنها تَحْصِيلَ المَعْرِفَةِ لِنَفْسِهِ. أمّا إذا قُلْنا المَقْصُودُ مِنها إلْزامُ القَوْمِ وإلْجاؤُهم، فَهَذا
صفحة ٤١
السُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما اتَّفَقَتْ مُكالَمَتُهُ مَعَ القَوْمِ حالَ طُلُوعِ ذَلِكَ النَّجْمِ، ثُمَّ امْتَدَّتِ المُناظَرَةُ إلى أنْ طَلَعَ القَمَرُ وطَلَعَتِ الشَّمْسُ بَعْدَهُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فالسُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ: هَذا رَبِّي. وإذا بَطَلَ هَذا بَقِيَ هَهُنا احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: هَذا كَلامُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ البُلُوغِ ولَكِنْ لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ إثْباتَ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ بَلِ الغَرَضُ مِنهُ أحَدُ أُمُورٍ سَبْعَةٍ:
الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَقُلْ: هَذا رَبِّي عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ كانَ يُناظِرُ عَبَدَةَ الكَوْكَبِ وكانَ مَذْهَبُهم أنَّ الكَوْكَبَ رَبُّهم وإلَهُهم، فَذَكَرَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ القَوْلَ الَّذِي قالُوهُ بِلَفْظِهِمْ وعِبارَتِهِمْ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْهِ فَيُبْطِلُهُ، ومِثالُهُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا إذا ناظَرَ مَن يَقُولُ بِقِدَمِ الجِسْمِ، فَيَقُولُ: الجِسْمُ قَدِيمٌ ؟ فَإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلِمَ نَراهُ ونُشاهِدُهُ مُرَكَّبًا مُتَغَيِّرًا ؟ فَهو إنَّما قالَ: الجِسْمُ قَدِيمٌ؛ إعادَةٌ لِكَلامِ الخَصْمِ حَتّى يُلْزِمَ المُحالَ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا قالَ: (هَذا رَبِّي) والمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ قَوْلِ الخَصْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ وهَذا الوَجْهُ هو المُعْتَمَدُ في الجَوابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى دَلَّ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ المُناظَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] .
والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: (هَذا رَبِّي) مَعْناهُ هَذا رَبِّي في زَعْمِكم واعْتِقادِكم، ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ المُوجِدُ لِلْمُجَسِّمِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: إنَّ إلَهَهُ جِسْمٌ مَحْدُودٌ أيْ في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ قالَ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] وقالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ [القصص: ٦٢] وكانَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ يَقُولُ: ”يا إلَهَ الآلِهَةِ“ . والمُرادُ أنَّهُ تَعالى إلَهُ الآلِهَةِ في زَعْمِهِمْ وقالَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أيْ عِنْدَ نَفْسِكَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ إلّا أنَّهُ أسْقَطَ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ اسْتِغْناءً عَنْهُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ القَوْلُ مُضْمَرًا فِيهِ، والتَّقْدِيرُ: قالَ يَقُولُونَ هَذا رَبِي. وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا﴾ [البقرة: ١٢٧] أيْ يَقُولُونَ رَبَّنا وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] أيْ يَقُولُونَ ما نَعْبُدُهم، فَكَذا هَهُنا التَّقْدِيرُ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِقَوْمِهِ: يَقُولُونَ هَذا رَبِي. أيْ هَذا هو الَّذِي يُدَبِّرُنِي ويُرَبِّينِي.
والوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما يُقالُ لِذَلِيلٍ سادَ قَوْمًا: هَذا سَيِّدُكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ ﷺ أرادَ أنْ يُبْطِلَ قَوْلَهم بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ عَرَفَ مِن تَقْلِيدِهِمْ لِأسْلافِهِمْ وبُعْدِ طِباعِهِمْ عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ أنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقْبَلُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، فَمالَ إلى طَرِيقٍ بِهِ يَسْتَدْرِجُهم إلى اسْتِماعِ الحُجَّةِ. وذَلِكَ بِأنْ ذَكَرَ كَلامًا يُوهِمُ كَوْنَهُ مُساعِدًا لَهم عَلى مَذْهَبِهِمْ بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ مَعَ أنَّ قَلْبَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ مُطَمْئِنًا بِالإيمانِ، ومَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِن ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلى إبْطالِهِ وإفْسادِهِ وأنْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ إلى الدَّعْوَةِ طَرِيقًا سِوى هَذا الطَّرِيقِ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَأْمُورًا بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ كانَ بِمَنزِلَةِ المُكْرَهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ عِنْدَ الإكْراهِ يَجُوزُ
صفحة ٤٢
إجْراءُ كَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى اللِّسانِ قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فَإذا جازَ ذِكْرُ كَلِمَةِ الكُفْرِ لِمَصْلَحَةِ بَقاءِ شَخْصٍ واحِدٍ فَبِأنْ يَجُوزَ إظْهارُ كَلِمَةِ الكُفْرِ لِتَخْلِيصِ عالَمٍ مِنَ العُقَلاءِ عَنِ الكُفْرِ والعِقابِ المُؤَبَّدِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، وأيْضًا المُكْرَهُ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ لَوْ صَلّى حَتّى قُتِلَ اسْتَحَقَّ الأجْرَ العَظِيمَ، ثُمَّ إذا جاءَ وقْتُ القِتالِ مَعَ الكُفّارِ وعَلِمَ أنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالصَّلاةِ انْهَزَمَ عَسْكَرُ الإسْلامِ فَهَهُنا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الصَّلاةِ والِاشْتِغالُ بِالقِتالِ، حَتّى لَوْ صَلّى وتَرَكَ القِتالَ أثِمَ ولَوْ تَرَكَ الصَّلاةَ وقاتَلَ اسْتَحَقَّ الثَّوابَ، بَلْ نَقُولُ: أنَّ مَن كانَ في الصَّلاةِ فَرَأى طِفْلًا أوْ أعْمى أشْرَفَ عَلى غَرَقٍ أوْ حَرْقٍ وجَبَ عَلَيْهِ قَطْعُ الصَّلاةِ لِإنْقاذِ ذَلِكَ الطِّفْلِ أوْ ذَلِكَ الأعْمى عَنْ ذَلِكَ البَلاءِ. فَكَذا هَهُنا أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ لِيَظْهَرَ مِن نَفْسِهِ مُوافِقَةَ القَوْمِ حَتّى إذا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الدَّلِيلَ المُبْطِلَ لِقَوْلِهِمْ كانَ قَبُولُهم لِذَلِكَ الدَّلِيلِ أتَمَّ وانْتِفاعُهم بِاسْتِماعِهِ أكْمَلَ.
ومِمّا يُقَوِّي هَذا الوَجْهَ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ مِثْلَ هَذا الطَّرِيقِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٩٠] وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِعِلْمِ النَّجْمِ عَلى حُصُولِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ فَوافَقَهم إبْراهِيمُ عَلى هَذا الطَّرِيقِ في الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْهُ في الباطِنِ، ومَقْصُودُهُ أنْ يَتَوَسَّلَ بِهَذا الطَّرِيقِ إلى كَسْرِ الأصْنامِ، فَإذا جازَتِ المُوافَقَةُ في الظّاهِرِ هَهُنا. مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْهُ في الباطِنِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَسْألَتِنا كَذَلِكَ ؟ وأيْضًا المُتَكَلِّمُونَ قالُوا: إنَّهُ يَصِحُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إظْهارُ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِ مَن يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ؛ لِأنَّ صُورَةَ هَذا المُدَّعِي وشَكْلَهُ يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِ فَلا يَحْصُلُ فِيهِ التَّلْبِيسُ بِسَبَبِ ظُهُورِ تِلْكَ الخَوارِقِ عَلى يَدِهِ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ إظْهارُها عَلى يَدِ مَن يَدَّعِي النُّبُوَّةَ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ التَّلْبِيسَ فَكَذا هَهُنا. وقَوْلُهُ: (هَذا رَبِّي) لا يُوجِبُ الضَّلالَ؛ لِأنَّ دَلائِلَ بُطْلانِهِ جَلِيَّةٌ وفي إظْهارِهِ هَذِهِ الكَلِمَةَ مَنفَعَةٌ عَظِيمَةٌ وهي اسْتِدْراجُهم لِقَبُولِ الدَّلِيلِ فَكانَ جائِزًا واللَّهُ أعْلَمُ.
الوَجْهُ السّابِعُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ النُّجُومِ فَكانُوا في تِلْكَ المُناظَرَةِ إلى أنْ طَلَعَ النَّجْمُ الدُّرِّيُّ فَقالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (هَذا رَبِّي) أيْ هَذا هو الرَّبُّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إلَيْهِ ثُمَّ سَكَتَ زَمانًا حَتّى أفَلَ ثُمَّ قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذِهِ الأجْوِبَةِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ وهو أنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ذَكَرَ هَذا الكَلامَ بَعْدَ البُلُوغِ.
أمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنَّهُ ذَكَرَهُ قَبْلَ البُلُوغِ وعِنْدَ القُرْبِ مِنهُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ خَصَّ إبْراهِيمَ بِالعَقْلِ الكامِلِ والقَرِيحَةِ الصّافِيَةِ، فَخَطَرَ بِبالِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ إثْباتُ الصّانِعِ سُبْحانَهُ فَتَفَكَّرَ فَرَأى النَّجْمَ، فَقالَ: (هَذا رَبِّي) فَلَمّا شاهَدَ حَرَكَتَهُ قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكْمَلَ بُلُوغَهُ في أثْناءِ هَذا البَحْثِ فَقالَ في الحالِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ فَهَذا الِاحْتِمالُ لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى بِالقَبُولِ لِما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ، عَلى أنَّ هَذِهِ المُناظَرَةَ إنَّما جَرَتْ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقْتَ اشْتِغالِهِ بِدَعْوَةِ القَوْمِ إلى التَّوْحِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ ”رُئِيَ“ بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ حَيْثُ كانَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكَسائِيُّ بِكَسْرِهِما، فَإذا كانَ بَعْدَ الألْفِ كافٌ أوْ هاءٌ نَحْوَ: رَآكَ ورَآها فَحِينَئِذٍ يَكْسِرُها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَفْتَحُها ابْنُ عامِرٍ. ورَوى يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ مِثْلَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَإذا تَلَتْهُ ألِفُ وصْلٍ نَحْوَ: رَأى الشَّمْسَ، ورَأى القَمَرَ. فَإنَّ حَمْزَةَ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ ونَصْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ يَكْسِرُونَ الرّاءَ ويَفْتَحُونَ
صفحة ٤٣
الهَمْزَةَ والباقُونَ يَقْرَؤُنَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الرّاءِ والهَمْزَةِ، واتَّفَقُوا في رَأوْكَ، ورَأوْهُ أنَّهُ بِالفَتْحِ. قالَ الواحِدِيُّ: أمّا مَن فَتَحَ الرّاءَ والهَمْزَةَ فَعِلَّتُهُ واضِحَةٌ وهي تَرْكُ الألِفِ عَلى الأصْلِ نَحْوَ: رَعى ورَمى. وأمّا مَن فَتَحَ الرّاءَ وكَسَرَ الهَمْزَةَ فَإنَّهُ أمالَ الهَمْزَةَ نَحْوَ الكَسْرِ لِيُمِيلَ الألِفَ الَّتِي في رَأى نَحْوَ الياءِ، وتَرَكَ الرّاءَ مَفْتُوحَةً عَلى الأصْلِ. وأمّا مَن كَسَرَهُما جَمِيعًا فَلِأجْلِ أنْ تَصِيرَ حَرَكَةُ الرّاءِ مُشابَهَةً لِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ، والواحِدِيُّ طَوَّلَ في هَذا البابِ في ”كِتابِ البَسِيطِ“ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القِصَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها مِن أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُلِدَ في الغارِ وتَرَكَتْهُ أُمَّهُ وكانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُرَبِّيهِ كُلُّ ذَلِكَ مُجْمَلٌ في الجُمْلَةِ. وقالَ القاضِي: كُلُّ ما يَجْرِي مَجْرى المُعْجِزاتِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المُعْجِزِ عَلى وقْتِ الدَّعْوى غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَهم، وهَذا هو المُسَمّى بِالإرْهاصِ إلّا إذا حَضَرَ في ذَلِكَ الزَّمانِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فَتُجْعَلُ تِلْكَ الخَوارِقُ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ. وأمّا عِنْدَ أصْحابِنا فالإرْهاصُ جائِزٌ فَزالَتِ الشُّبْهَةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَدَلَّ بِأُفُولِ الكَوْكَبِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَبًّا لَهُ وخالِقًا لَهُ. ويَجِبُ عَلَيْنا هَهُنا أنْ نَبْحَثَ عَنْ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأُفُولَ ما هو ؟
والثّانِي: أنَّ الأُفُولَ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ ؟ فَنَقُولُ: الأُفُولُ عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَةِ الشَّيْءِ بَعْدَ ظُهُورِهِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَلِسائِلٍ أنْ يَسْألَ، فَيَقُولُ: الأُفُولُ إنَّما يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَرَكَةٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ الطُّلُوعُ أيْضًا دَلِيلًا عَلى الحُدُوثِ، فَلِمَ تَرَكَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِاسْتِدْلالَ عَلى حُدُوثِها بِالطُّلُوعِ وعَوَّلَ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ عَلى الأُفُولِ ؟
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ الطُّلُوعَ والغُرُوبَ يَشْتَرِكانِ في الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ إلّا أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ الأنْبِياءُ في مَعْرِضِ دَعْوَةِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى اللَّهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ظاهِرًا جَلِيًّا بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ في فَهْمِهِ الذَّكِيُّ والغَبِيُّ والعاقِلُ. ودَلالَةُ الحَرَكَةِ عَلى الحُدُوثِ وإنْ كانَتْ يَقِينِيَّةً إلّا أنَّها دَقِيقَةٌ لا يَعْرِفُها إلّا الأفاضِلُ مِنَ الخَلْقِ. أمّا دَلالَةُ الأُفُولِ فَإنَّها دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ، فَإنَّ الكَوْكَبَ يَزُولُ سُلْطانُهُ وقْتَ الأُفُولِ فَكانَتْ دَلالَةُ الأُفُولِ عَلى هَذا المَقْصُودِ أتَمَّ. وأيْضًا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الهَوى في خَطِرَةِ الإمْكانِ أُفُولٌ، وأحْسَنُ الكَلامِ ما يَحْصُلُ فِيهِ حِصَّةُ الخَواصِّ وحِصَّةُ الأوْساطِ وحِصَّةُ العَوامِّ، فالخَواصُّ يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الإمْكانَ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ، والمُحْتاجُ لا يَكُونُ مَقْطُوعَ الحاجَةِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى مَن يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الإمْكانِ حَتّى تَنْقَطِعَ الحاجاتُ بِسَبَبِ وُجُودِهِ كَما قالَ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] وأمّا الأوْساطُ فَإنَّهم يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ مُطْلَقَ الحَرَكَةِ، فَكُلُّ مُتَحَرِّكٍ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى القَدِيمِ القادِرِ؛ فَلا يَكُونُ الآفِلُ إلَهًا بَلِ الإلَهُ هو الَّذِي احْتاجَ إلَيْهِ ذَلِكَ الآفِلُ. وأمّا العَوامُّ فَإنَّهم يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الغُرُوبَ وهم يُشاهِدُونَ أنَّ كُلَّ كَوْكَبٍ يَقْرُبُ مِنَ الأُفُولِ والغُرُوبِ فَإنَّهُ يَزُولُ نُورُهُ ويَنْتَقِصُ ضَوْءُهُ ويَذْهَبُ سُلْطانُهُ ويَصِيرُ كالمَعْزُولِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ الواحِدَةُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ كَلِمَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَصِيبِ المُقَرَّبِينَ وأصْحابِ اليَمِينِ وأصْحابِ الشِّمالِ، فَكانَتْ أكْمَلَ الدَّلائِلِ وأفْضَلَ البَراهِينِ.
وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى: وهو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما كانَ يُناظِرُهم وهم كانُوا مُنَجِّمِينَ. ومَذْهَبُ أهْلِ النُّجُومِ أنَّ
صفحة ٤٤
الكَوْكَبَ إذا كانَ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ ويَكُونُ صاعِدًا إلى وسَطِ السَّماءِ كانَ قَوِيًّا عَظِيمَ التَّأْثِيرِ. أمّا إذا كانَ غَرْبِيًّا وقَرِيبًا مِنَ الأُفُولِ فَإنَّهُ يَكُونُ ضَعِيفَ التَّأْثِيرِ قَلِيلَ القُوَّةِ. فَنَبَّهَ بِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ عَلى أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي لا تَتَغَيَّرُ قُدْرَتُهُ إلى العَجْزِ وكَمالُهُ إلى النُّقْصانِ، ومَذْهَبُكم أنَّ الكَوْكَبَ حالَ كَوْنِهِ في الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ، يَكُونُ ضَعِيفَ القُوَّةِ، ناقِصَ التَّأْثِيرِ، عاجِزًا عَنِ التَّدْبِيرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى القَدْحِ في إلَهِيَّتِهِ، فَظَهَرَ عَلى قَوْلِ المُنَجِّمِينَ أنَّ لِلْأُفُولِ مَزِيدَ خاصِّيَّةٍ في كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْقَدْحِ في إلَهِيَّتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا المَقامُ الثّانِي: وهو بَيانُ أنَّ كَوْنَ الكَوْكَبِ آفِلًا يَمْنَعُ مِن رُبُوبِيَّتِهِ. فَلِقائِلٍ أيْضًا أنْ يَقُولَ: أقْصى ما في البابِ أنْ يَكُونَ أُفُولُهُ دالًّا عَلى حُدُوثِهِ إلّا أنَّ حُدُوثَهُ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ رَبًّا لِإبْراهِيمَ ومَعْبُودًا لَهُ، ألا تَرى أنَّ المُنَجِّمِينَ وأصْحابَ الوَسايِطِ يَقُولُونَ: إنَّ الإلَهَ الأكْبَرَ خَلَقَ الكَواكِبَ وأبْدَعَها وأحْدَثَها، ثُمَّ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْلُقُ النَّباتَ والحَيَوانَ في هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، فَثَبَتَ أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ وإنْ دَلَّ عَلى حُدُوثِها إلّا أنَّهُ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِها أرْبابًا لِلْإنْسانِ وآلِهَةً لِهَذا العالَمِ. والجَوابُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ:
المَقامُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّبِّ والإلَهِ المَوْجُودَ الَّذِي عِنْدَهُ تَنْقَطِعُ الحاجاتُ، ومَتى ثَبَتَ بِأُفُولِ الكَواكِبِ حُدُوثُها، وثَبَتَ في بَداهَةِ العُقُولِ أنَّ كُلَّ ما كانَ مُحْدَثًا فَإنَّهُ يَكُونُ في وُجُودِهِ مُحْتاجًا إلى الغَيْرِ. وجَبَ القَطْعُ بِاحْتِياجِ هَذِهِ الكَواكِبِ في وُجُودِها إلى غَيْرِها، ومَتى ثَبَتَ هَذا المَعْنى امْتَنَعَ كَوْنُها أرْبابًا وآلِهَةً، بِمَعْنى أنَّهُ تَنْقَطِعُ الحاجاتُ عِنْدَ وُجُودِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَها آفِلَةً يُوجِبُ القَدْحَ في كَوْنِها أرْبابًا وآلِهَةً بِهَذا التَّفْسِيرِ.
المَقامُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّبِّ والإلَهِ مَن يَكُونُ خالِقًا لَنا ومُوجِدًا لِذَواتِنا وصِفاتِنا. فَنَقُولُ: أُفُولُ الكَواكِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِها عاجِزَةً عَنِ الخَلْقِ والإيجادِ وعَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَتُها وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أُفُولَها يَدُلُّ عَلى حُدُوثِها. وحُدُوثُها يَدُلُّ عَلى افْتِقارِها إلى فاعِلٍ قَدِيمٍ قادِرٍ، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ قادِرِيَّةُ ذَلِكَ القادِرِ أزَلِيَّةً، وإلّا لافْتَقَرَتْ قادِرِيَّتُهُ إلى قادِرٍ آخَرَ، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قادِرِيَّتَهُ أزَلِيَّةٌ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الشَّيْءُ الَّذِي هو مَقْدُورٌ لَهُ إنَّما صَحَّ كَوْنُهُ مَقْدُورًا لَهُ بِاعْتِبارِ إمْكانِهِ، والإمْكانُ واحِدٌ في كُلِّ المُمْكِناتِ. فَثَبَتَ أنَّ ما لِأجْلِهِ صارَ بَعْضُ المُمْكِناتِ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعالى فَهو حاصِلٌ في كُلِّ المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ في كُلِّ المُمْكِناتِ أنْ تَكُونَ مَقْدُورَةً لِلَّهِ تَعالى.
وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ وُقُوعُ شَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ بِغَيْرِهِ عَلى ما بَيَّنّا صِحَّةَ هَذِهِ المَقاماتِ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ في عِلْمِ الأُصُولِ.
فالحاصِلُ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كَوْنَ الكَواكِبِ آفِلَةً يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مُحْدَثَةً، وإنْ كانَ لا يَثْبُتُ هَذا المَعْنى إلّا بِواسِطَةِ مُقَدِّماتٍ كَثِيرَةٍ، وأيْضًا فَكَوْنُها في نَفْسِها مُحْدَثَةً يُوجِبُ القَوْلَ بِامْتِناعِ كَوْنِها قادِرَةً عَلى الإيجادِ والإبْداعِ، وإنْ كانَ لا يَثْبُتُ هَذا المَعْنى إلّا بِواسِطَةِ مُقَدِّماتٍ كَثِيرَةٍ. ودَلائِلُ القُرْآنِ إنَّما يُذْكَرُ فِيها أُصُولُ المُقَدِّماتِ، فَأمّا التَّفْرِيعُ والتَّفْصِيلُ، فَذاكَ إنَّما يَلِيقُ بِعِلْمِ الجَدَلِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ لا جَرَمَ اكْتَفى بِذِكْرِهِما في بَيانِ أنَّ الكَواكِبَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الإيجادِ والإبْداعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَدَلَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأُفُولِها عَلى امْتِناعِ كَوْنِها أرْبابًا وآلِهَةً لِحَوادِثِ هَذا العالَمِ.
صفحة ٤٥
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِها، وحُدُوثِها يَدُلُّ عَلى افْتِقارِها في وُجُودِها إلى القادِرِ المُخْتارِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الفاعِلُ هو الخالِقُ لِلْأفْلاكِ والكَواكِبِ، ومَن كانَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الكَواكِبِ والأفْلاكِ مِن دُونِ واسِطَةِ أيِّ شَيْءٍ كانَ فَبِأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الإنْسانِ أوْلى؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ الشَّيْءِ الأعْظَمِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الشَّيْءِ الأضْعَفِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وبِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ [ يس: ٨١] فَثَبَتَ بِهَذا الطَّرِيقِ أنَّ الإلَهَ الأكْبَرَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ البَشَرِ، وعَلى تَدْبِيرِ العالِمِ الأسْفَلِ بِدُونِ واسِطَةِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الإلَهِ الأكْبَرِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ الشَّمْسِ والنُّجُومِ والقَمَرِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ صَحَّ كَوْنُ بَعْضِ الكَواكِبِ مُوجِدَةً وخالِقَةً، لَبَقِيَ هَذا الِاحْتِمالُ في الكُلِّ وحِينَئِذٍ لا يَعْرِفُ الإنْسانُ أنَّ خالِقَهُ هَذا الكَوْكَبُ. أوْ ذَلِكَ الآخَرُ أوْ مَجْمُوعُ الكَواكِبِ فَيَبْقى شاكًّا في مَعْرِفَةِ خالِقِهِ. أمّا لَوْ عَرَفْنا الكُلَّ وأسْنَدْنا الخَلْقَ والإيجادَ والتَّدْبِيرَ إلى خالِقِ الكُلِّ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُنا مَعْرِفَةُ الخالِقِ والمُوجِدِ، ويُمْكِنُنا الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِهِ وشُكْرِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ كَما يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ كَوْنِها قَدِيمَةً فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ كَوْنِها آلِهَةً لِهَذا العالَمِ وأرْبابًا لِلْحَيَوانِ والإنْسانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ.
فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِنَهارٍ ولَيْلٍ، وكانَ أُفُولُ الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ حاصِلًا في اللَّيْلِ السّابِقِ والنَّهارِ السّابِقِ، وبِهَذا التَّقْرِيرِ لا يَبْقى لِلْأُفُولِ الحاصِلِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَزِيدُ فائِدَةٍ.
والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - إنَّما أوْرَدَ هَذا الدَّلِيلَ عَلى الأقْوامِ الَّذِينَ كانَ يَدْعُوهم مِن عِبادَةِ النُّجُومِ إلى التَّوْحِيدِ. فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ جالِسًا مَعَ أُولَئِكَ الأقْوامِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي وزَجَرَهم عَنْ عِبادَةِ الكَواكِبِ، فَبَيْنَما هو في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الكَلامِ إذْ وقَعَ بَصَرُهُ عَلى كَوْكَبٍ مُضِيءٍ، فَلَمّا أفَلَ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: لَوْ كانَ هَذا الكَوْكَبُ إلَهًا لَما انْتَقَلَ مِنَ الصُّعُودِ إلى الأُفُولِ ومِنَ القُوَّةِ إلى الضَّعْفِ. ثُمَّ في أثْناءِ ذَلِكَ الكَلامِ طَلَعَ القَمَرُ وأفَلَ. فَأعادَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الكَلامَ، وكَذا القَوْلُ في الشَّمْسِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَحْضُرُنا في تَقْرِيرِ دَلِيلِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: تَفَلْسَفَ الغَزالِيُّ في بَعْضِ كُتُبِهِ وحَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الحَيَوانِيَّةِ الَّتِي لِكُلِّ كَوْكَبٍ، والقَمَرَ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي لِكُلِّ فَلَكٍ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ المُجَرَّدِ الَّذِي لِكُلِّ ذَلِكَ، وكانَ أبُو عَلِيِّ بْنُ سَيْناءَ يُفَسِّرُ الأُفُولَ بِالإمْكانِ، فَزَعَمَ الغَزالِيُّ أنَّ المُرادَ بِأُفُولِها إمْكانُها في نَفْسِها، وزَعَمَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ بِأسْرِها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، ولا بُدَّ لَهُ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى واجِبِ الوُجُودِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لا بَأْسَ بِهِ. إلّا أنَّهُ يَبْعُدُ حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى الحِسِّ والقَمَرَ عَلى الخَيالِ والوَهْمِ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ، والمُرادُ أنَّ هَذِهِ القُوى المُدْرِكَةَ الثَّلاثَةَ قاصِرَةٌ مُتَناهِيَةٌ، ومُدَبِّرُ العالَمِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْها قاهِرٌ لَها. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ عَلى أحْكامٍ:
صفحة ٤٦
الحُكْمُ الأوَّلُ
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ إذْ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ غائِبًا عَنّا أبَدًا فَكانَ آفِلًا أبَدًا، وأيْضًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تَعالى يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ تارَةً، ويَصْعَدُ مِنَ السَّماءِ إلى العَرْشِ أُخْرى، وإلّا لَحَصَلَ مَعْنى الأُفُولِ.
الحُكْمُ الثّانِي
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مَحَلًّا لِلصِّفاتِ المُحْدَثَةِ كَما تَقُولُهُ الكَرامِيَّةُ، وإلّا لَكانَ مُتَغَيِّرًا، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مَعْنى الأُفُولِ، وذَلِكَ مُحالٌ.
الحُكْمُ الثّالِثُ
تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدِّينَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى الدَّلِيلِ لا عَلى التَّقْلِيدِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا الِاسْتِدْلالِ فائِدَةٌ البَتَّةَ.
الحُكْمُ الرّابِعُ
تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَعارِفَ الأنْبِياءِ بِرَبِّهِمِ اسْتِدْلالِيَّةٌ لا ضَرُورِيَّةٌ، وإلّا لَما احْتاجَ إبْراهِيمُ إلى الِاسْتِدْلالِ.
الحُكْمُ الخامِسُ
تَدُلُّ عَلى هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في أحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ، إذْ لَوْ أمْكَنَ تَحْصِيلُها بِطَرِيقٍ آخَرَ لَما عَدَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ .
فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، وبَزَغَتِ الشَّمْسُ إذا بَدَأ مِنها طُلُوعٌ، ونُجُومٌ بِوازِغُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ في البَزْغِ وهو الشَّقُّ كَأنَّهُ بِنُورِهِ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ اعْتَبَرَ في القَمَرِ مِثْلَ ما اعْتَبَرَ في الكَوْكَبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ولا يُمْكِنُ حَمْلُ لَفْظِ الهِدايَةِ عَلى التَّمَكُّنِ وإزاحَةِ الأعْذارِ ونَصْبِ الدَّلائِلِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا، فالهِدايَةُ الَّتِي كانَ يَطْلُبُها بَعْدَ حُصُولِ تِلْكَ الأشْياءِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ زائِدَةٌ عَلَيْها.
واعْلَمْ أنَّ كَوْنَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مَذْهَبِنا أظْهَرُ مِن أنْ يَشْتَبِهَ عَلى العاقِلِ؛ لِأنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ أضافَ الهِدايَةَ إلى اللَّهِ تَعالى، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨] وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٥] .
* * *
صفحة ٤٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ في الشَّمْسِ هَذا مَعَ أنَّها مُؤَنَّثَةٌ، ولَمْ يَقُلْ هَذِهِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الشَّمْسَ بِمَعْنى الضِّياءِ والنُّورِ، فَحُمِلَ اللَّفْظُ عَلى التَّأْوِيلِ فَذُكِرَ.
وثانِيها: أنَّ الشَّمْسَ لَمْ يَحْصُلْ فِيها عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، فَلَمّا أشْبَهَ لَفْظُها لَفْظَ المُذَكَّرِ وكانَ تَأْوِيلُها تَأْوِيلًا لِلنُّورِ صَلَحَ التَّذْكِيرُ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ.
وثالِثُها: أرادَ هَذا الطّالِعَ أوْ هَذا الَّذِي أراهُ.
ورابِعُها: المَقْصُودُ مِنهُ رِعايَةُ الأدَبِ، وهو تَرْكُ التَّأْنِيثِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ المُرادُ مِنهُ أكْبَرُ الكَواكِبِ جِرْمًا وأقْواها قُوَّةً، فَكانَ أوْلى بِالإلَهِيَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ الأُفُولُ حاصِلًا في الشَّمْسِ والأُفُولُ يَمْنَعُ مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإذا ثَبَتَ امْتِناعُ صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلشَّمْسِ كانَ امْتِناعُ حُصُولِها لِلْقَمَرِ ولِسائِرِ الكَواكِبِ أوْلى. وبِهَذا الطَّرِيقِ يَظْهَرُ أنَّ ذِكْرَ هَذا الكَلامِ في الشَّمْسِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ في القَمَرِ والكَواكِبِ. فَلِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ الشَّمْسِ رِعايَةً لِلْإيجازِ والِاخْتِصارِ ؟
قُلْنا: إنَّ الأخْذَ مِنَ الأدْوَنِ فالأدْوَنِ، مُتَرَقِّيًا إلى الأعْلى فالأعْلى، لَهُ نَوْعُ تَأْثِيرٍ في التَّقْرِيرِ والبَيانِ والتَّأْكِيدِ لا يَحْصُلُ مِن غَيْرِهِ، فَكانَ ذِكْرُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ، لا جَرَمَ تَبَرَّأ مِنَ الشِّرْكِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن هَذا القَدْرِ نَفْيُ الشَّرِيكِ مُطْلَقًا وإثْباتُ التَّوْحِيدِ، فَلِمَ فَرَّعَ عَلى قِيامِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الكَواكِبِ غَيْرَ صالِحَةٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ الجَزْمُ بِإثْباتِ التَّوْحِيدِ مُطْلَقًا ؟
والجَوابُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا مُساعِدِينَ عَلى نَفْيِ سائِرِ الشُّرَكاءِ، وإنَّما نازَعُوا في هَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ فَلَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَيْسَتْ أرْبابًا ولا آلِهَةً، وثَبَتَ بِالِاتِّفاقِ نَفْيُ غَيْرِها لا جَرَمَ حَصَلَ الجَزْمُ بِنَفْيِ الشُّرَكاءِ عَلى الإطْلاقِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَتَحَ الياءَ مِن ”وجْهِيَ“ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والباقُونَ تَرَكُوا هَذا الفَتْحَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا الكَلامُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ بَلِ المُرادُ وجَّهْتُ عِبادَتِي وطاعَتِي، وسَبَبُ جَوازِ هَذا المَجازِ أنَّ مَن كانَ مُطِيعًا لِغَيْرِهِ مُنْقادًا لِأمْرِهِ، فَإنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِوَجْهِهِ إلَيْهِ، فَجُعِلَ تَوْجِيهُ الوَجْهِ إلَيْهِ كِنايَةً عَنِ الطّاعَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَفِيهِ دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ لَمْ يَقُلْ وجَّهَتْ وجْهِي إلى الَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ. بَلْ تَرَكَ هَذا اللَّفْظَ وذَكَرَ قَوْلَهُ: (﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي﴾ والمَعْنى: أنَّ تَوْجِيهَ وجْهِ القَلْبِ لَيْسَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، بَلْ تَوْجِيهُ وجْهِ القَلْبِ إلى خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ لِأجْلِ عُبُودِيَّتِهِ، فَتَرْكُ كَلِمَةِ ”إلى“ هُنا والِاكْتِفاءُ بِحَرْفِ اللّامِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى كَوْنِ المَعْبُودِ مُتَعالِيًا عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، ومَعْنى فَطَرَ أخْرَجَهُما
صفحة ٤٨
إلى الوُجُودِ، وأصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ، يُقالُ: تَفَطَّرَ الشَّجَرُ بِالوَرَقِ والوَرْدِ إذا أظْهَرَهُما، وأمّا الحَنِيفُ فَهو المائِلُ قالَ أبُو العالِيَةِ: الحَنِيفُ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ البَيْتَ في صِلاتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ العادِلُ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
صفحة ٣٩
فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُقالُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ اللَّيْلُ، ويُقالُ: لِكُلِّ ما سَتَرْتَ: جَنَّ وأجَنَّ، ويُقالُ أيْضًا: جَنَّهُ اللَّيْلُ، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وأجَنَّهُ اللَّيْلُ. هَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، ومَعْنى ”جَنَّ“ سَتَرَ ومِنهُ الجَنَّةُ والجِنُّ والجُنُونُ والجانُّ والجَنِينُ والمِجَنُّ والجَنَنُ والمُجَنُّ، وهو المَقْبُورُ. والمَجَنَّةُ كُلُّ هَذا يَعُودُ أصْلُهُ إلى السَّتْرِ والِاسْتِتارِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إذا أظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ؛ ولِهَذا دَخَلَتْ ”عَلى“ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ في أظْلَمَ. فَأمّا جَنَّهُ فَسَتَرَهُ مِن غَيْرِ تَضْمِينِ مَعْنى ”أظْلَمَ“ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ رَأى رُؤْيا وعَبَّرَها المُعَبِّرُونَ بِأنَّهُ يُولَدُ غُلامٌ يُنازِعُهُ في مِلْكِهِ، فَأمَرَ ذَلِكَ المَلِكُ بِذَبْحِ كُلِّ غُلامٍ يُولَدُ، فَحَبِلَتْ أُمُّ إبْراهِيمَ بِهِ وما أظْهَرَتْ حَبَلَها لِلنّاسِ، فَلَمّا جاءَها الطَّلْقُ ذَهَبَتْ إلى كَهْفٍ في جَبَلٍ ووَضَعَتْ إبْراهِيمَ وسَدَّتِ البابَ بِحَجَرٍ، فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَضَعَ أُصْبُعَهُ في فَمِهِ فَمَصَّهُ فَخَرَجَ مِنهُ رِزْقُهُ، وكانَ يَتَعَهَّدُهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَتِ الأُمُّ تَأْتِيهِ أحْيانًا وتُرْضِعُهُ، وبَقِيَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ حَتّى كَبِرَ وعَقَلَ وعَرَفَ أنَّ لَهُ رَبًّا، فَسَألَ الأُمَّ فَقالَ لَها: مَن رَبِّي ؟ فَقالَتْ: أنا، فَقالَ: ومَن رَبُّكِ ؟ قالَتْ: أبُوكَ. فَقالَ لِلْأبِ: ومَن رَبُّكَ ؟ فَقالَ: مَلِكُ البَلَدِ. فَعَرَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَهْلَهُما بِرَبِّهِما فَنَظَرَ مِن بابِ ذَلِكَ الغارِ لِيَرى شَيْئًا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى وُجُودِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَرَأى النَّجْمَ الَّذِي هو أضْوَأُ النُّجُومِ في السَّماءِ. فَقالَ: هَذا رَبِّي؛ إلى آخِرِ القِصَّةِ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ بَعْدَ البُلُوغِ وجَرَيانِ قَلَمِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ البُلُوغِ. واتَّفَقَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ عَلى فَسادِ القَوْلِ الأوَّلِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ القَوْلَ بِرُبُوبِيَّةِ النَّجْمِ كُفْرٌ بِالإجْماعِ والكُفْرُ غَيْرُ جائِزٍ بِالإجْماعِ عَلى الأنْبِياءِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ عَرَفَ رَبَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ بِالدَّلِيلِ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ لِأبِيهِ آزَرَ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِالرِّفْقِ حَيْثُ قالَ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [التحريم: ٢] وحَكى في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِالكَلامِ الخَشِنِ واللَّفْظِ المُوحِشِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن دَعا غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يُقَدِّمُ الرِّفْقَ عَلى العُنْفِ واللِّينَ عَلى الغِلَظِ، ولا يَخُوضُ في التَّعْنِيفِ والتَّغْلِيظِ إلّا بَعْدَ المُدَّةِ المَدِيدَةِ واليَأْسِ التّامِّ. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ مِرارًا وأطْوارًا، ولا شَكَّ أنَّهُ إنَّما اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ أبِيهِ بَعْدَ فَراغِهِ مِن مُهِمِّ نَفْسِهِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ عَرَفَ اللَّهَ بِمُدَّةٍ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ أراهُ اللَّهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى رَأى مَن فَوْقَ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وما تَحْتَهُما إلى ما تَحْتَ الثَّرى، ومَن كانَ مَنصِبُهُ في الدِّينِ كَذَلِكَ، وعِلْمُهُ بِاللَّهِ كَذَلِكَ، كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَعْتَقِدَ إلَهِيَّةَ الكَواكِبِ ؟
صفحة ٤٠
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ دَلائِلَ الحُدُوثِ في الأفْلاكِ ظاهِرَةٌ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ وجْهًا وأكْثَرَ ومَعَ هَذِهِ الوُجُوهِ الظّاهِرَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِأقَلِّ العُقَلاءِ نَصِيبًا مِنَ العَقْلِ والفَهْمِ أنْ يَقُولَ بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ فَضْلًا عَنْ أعْقَلِ العُقَلاءِ وأعْلَمِ العُلَماءِ ؟
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] وأقَلُّ مَراتِبِ القَلْبِ السَّلِيمِ أنْ يَكُونَ سَلِيمًا عَنِ الكُفْرِ، وأيْضًا مَدَحَهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] أيْ آتَيْناهُ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ مِن أوَّلِ زَمانِ الفِكْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ بِطَهارَتِهِ وكَمالِهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ أيْ ولِيَكُونَ بِسَبَبِ تِلْكَ الإراءَةِ مِنَ المُوقِنِينَ.
ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ والفاءُ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ صارَ إبْراهِيمُ مِنَ المُوقِنِينَ العارِفِينَ بِرَبِّهِ.
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ مُناظَرَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ قالَ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] ولَمْ يَقُلْ عَلى نَفْسِهِ، فَعُلِمَ أنَّ هَذِهِ المُباحَثَةَ إنَّما جَرَتْ مَعَ قَوْمِهِ لِأجْلِ أنْ يُرْشِدَهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ. لا لِأجْلِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَطْلُبُ الدِّينَ والمَعْرِفَةَ لِنَفْسِهِ.
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: أنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما اشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ في الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ حالَ ما كانَ في الغارِ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَقُولُ: ﴿ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ ما كانَ في الغارِ لا قَوْمَ ولا صَنَمَ.
الحُجَّةُ العاشِرَةُ: قالَ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٠] وكَيْفَ يُحاجُّونَهُ وهم بَعْدُ ما رَأوْهُ وهو ما رَآهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما اشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ في الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ بَعْدَ أنْ خالَطَ قَوْمَهُ ورَآهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ودَعَوْهُ إلى عِبادَتِها فَذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ.
الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِلْقَوْمِ: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا خَوَّفُوهُ بِالأصْنامِ، كَما حَكى عَنْ قَوْمِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَلِيقُ بِالغارِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِالنَّهارِ، ولا شَكَّ أنَّ الشَّمْسَ كانَتْ طالِعَةً في اليَوْمِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ غَرَبَتْ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُسْتَدَلَّ بِغُرُوبِها السّابِقِ عَلى أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، وإذا بَطَلَ بِهَذا الدَّلِيلِ صَلاحِيَةُ الشَّمْسِ لِلْإلَهِيَّةِ بَطَلَ ذَلِكَ أيْضًا في القَمَرِ والكَوْكَبِ بِطَرِيقِ الأوْلى. هَذا إذا قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَ المَقْصُودُ مِنها تَحْصِيلَ المَعْرِفَةِ لِنَفْسِهِ. أمّا إذا قُلْنا المَقْصُودُ مِنها إلْزامُ القَوْمِ وإلْجاؤُهم، فَهَذا
صفحة ٤١
السُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما اتَّفَقَتْ مُكالَمَتُهُ مَعَ القَوْمِ حالَ طُلُوعِ ذَلِكَ النَّجْمِ، ثُمَّ امْتَدَّتِ المُناظَرَةُ إلى أنْ طَلَعَ القَمَرُ وطَلَعَتِ الشَّمْسُ بَعْدَهُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فالسُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ: هَذا رَبِّي. وإذا بَطَلَ هَذا بَقِيَ هَهُنا احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: هَذا كَلامُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ البُلُوغِ ولَكِنْ لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ إثْباتَ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ بَلِ الغَرَضُ مِنهُ أحَدُ أُمُورٍ سَبْعَةٍ:
الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَقُلْ: هَذا رَبِّي عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ كانَ يُناظِرُ عَبَدَةَ الكَوْكَبِ وكانَ مَذْهَبُهم أنَّ الكَوْكَبَ رَبُّهم وإلَهُهم، فَذَكَرَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ القَوْلَ الَّذِي قالُوهُ بِلَفْظِهِمْ وعِبارَتِهِمْ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْهِ فَيُبْطِلُهُ، ومِثالُهُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا إذا ناظَرَ مَن يَقُولُ بِقِدَمِ الجِسْمِ، فَيَقُولُ: الجِسْمُ قَدِيمٌ ؟ فَإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلِمَ نَراهُ ونُشاهِدُهُ مُرَكَّبًا مُتَغَيِّرًا ؟ فَهو إنَّما قالَ: الجِسْمُ قَدِيمٌ؛ إعادَةٌ لِكَلامِ الخَصْمِ حَتّى يُلْزِمَ المُحالَ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا قالَ: (هَذا رَبِّي) والمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ قَوْلِ الخَصْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ وهَذا الوَجْهُ هو المُعْتَمَدُ في الجَوابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى دَلَّ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ المُناظَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] .
والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: (هَذا رَبِّي) مَعْناهُ هَذا رَبِّي في زَعْمِكم واعْتِقادِكم، ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ المُوجِدُ لِلْمُجَسِّمِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: إنَّ إلَهَهُ جِسْمٌ مَحْدُودٌ أيْ في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ قالَ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] وقالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ [القصص: ٦٢] وكانَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ يَقُولُ: ”يا إلَهَ الآلِهَةِ“ . والمُرادُ أنَّهُ تَعالى إلَهُ الآلِهَةِ في زَعْمِهِمْ وقالَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أيْ عِنْدَ نَفْسِكَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ إلّا أنَّهُ أسْقَطَ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ اسْتِغْناءً عَنْهُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ القَوْلُ مُضْمَرًا فِيهِ، والتَّقْدِيرُ: قالَ يَقُولُونَ هَذا رَبِي. وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا﴾ [البقرة: ١٢٧] أيْ يَقُولُونَ رَبَّنا وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] أيْ يَقُولُونَ ما نَعْبُدُهم، فَكَذا هَهُنا التَّقْدِيرُ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِقَوْمِهِ: يَقُولُونَ هَذا رَبِي. أيْ هَذا هو الَّذِي يُدَبِّرُنِي ويُرَبِّينِي.
والوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما يُقالُ لِذَلِيلٍ سادَ قَوْمًا: هَذا سَيِّدُكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ ﷺ أرادَ أنْ يُبْطِلَ قَوْلَهم بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ عَرَفَ مِن تَقْلِيدِهِمْ لِأسْلافِهِمْ وبُعْدِ طِباعِهِمْ عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ أنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقْبَلُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، فَمالَ إلى طَرِيقٍ بِهِ يَسْتَدْرِجُهم إلى اسْتِماعِ الحُجَّةِ. وذَلِكَ بِأنْ ذَكَرَ كَلامًا يُوهِمُ كَوْنَهُ مُساعِدًا لَهم عَلى مَذْهَبِهِمْ بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ مَعَ أنَّ قَلْبَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ مُطَمْئِنًا بِالإيمانِ، ومَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِن ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلى إبْطالِهِ وإفْسادِهِ وأنْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ إلى الدَّعْوَةِ طَرِيقًا سِوى هَذا الطَّرِيقِ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَأْمُورًا بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ كانَ بِمَنزِلَةِ المُكْرَهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ عِنْدَ الإكْراهِ يَجُوزُ
صفحة ٤٢
إجْراءُ كَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى اللِّسانِ قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فَإذا جازَ ذِكْرُ كَلِمَةِ الكُفْرِ لِمَصْلَحَةِ بَقاءِ شَخْصٍ واحِدٍ فَبِأنْ يَجُوزَ إظْهارُ كَلِمَةِ الكُفْرِ لِتَخْلِيصِ عالَمٍ مِنَ العُقَلاءِ عَنِ الكُفْرِ والعِقابِ المُؤَبَّدِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، وأيْضًا المُكْرَهُ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ لَوْ صَلّى حَتّى قُتِلَ اسْتَحَقَّ الأجْرَ العَظِيمَ، ثُمَّ إذا جاءَ وقْتُ القِتالِ مَعَ الكُفّارِ وعَلِمَ أنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالصَّلاةِ انْهَزَمَ عَسْكَرُ الإسْلامِ فَهَهُنا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الصَّلاةِ والِاشْتِغالُ بِالقِتالِ، حَتّى لَوْ صَلّى وتَرَكَ القِتالَ أثِمَ ولَوْ تَرَكَ الصَّلاةَ وقاتَلَ اسْتَحَقَّ الثَّوابَ، بَلْ نَقُولُ: أنَّ مَن كانَ في الصَّلاةِ فَرَأى طِفْلًا أوْ أعْمى أشْرَفَ عَلى غَرَقٍ أوْ حَرْقٍ وجَبَ عَلَيْهِ قَطْعُ الصَّلاةِ لِإنْقاذِ ذَلِكَ الطِّفْلِ أوْ ذَلِكَ الأعْمى عَنْ ذَلِكَ البَلاءِ. فَكَذا هَهُنا أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ لِيَظْهَرَ مِن نَفْسِهِ مُوافِقَةَ القَوْمِ حَتّى إذا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الدَّلِيلَ المُبْطِلَ لِقَوْلِهِمْ كانَ قَبُولُهم لِذَلِكَ الدَّلِيلِ أتَمَّ وانْتِفاعُهم بِاسْتِماعِهِ أكْمَلَ.
ومِمّا يُقَوِّي هَذا الوَجْهَ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ مِثْلَ هَذا الطَّرِيقِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٩٠] وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِعِلْمِ النَّجْمِ عَلى حُصُولِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ فَوافَقَهم إبْراهِيمُ عَلى هَذا الطَّرِيقِ في الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْهُ في الباطِنِ، ومَقْصُودُهُ أنْ يَتَوَسَّلَ بِهَذا الطَّرِيقِ إلى كَسْرِ الأصْنامِ، فَإذا جازَتِ المُوافَقَةُ في الظّاهِرِ هَهُنا. مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْهُ في الباطِنِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَسْألَتِنا كَذَلِكَ ؟ وأيْضًا المُتَكَلِّمُونَ قالُوا: إنَّهُ يَصِحُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إظْهارُ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِ مَن يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ؛ لِأنَّ صُورَةَ هَذا المُدَّعِي وشَكْلَهُ يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِ فَلا يَحْصُلُ فِيهِ التَّلْبِيسُ بِسَبَبِ ظُهُورِ تِلْكَ الخَوارِقِ عَلى يَدِهِ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ إظْهارُها عَلى يَدِ مَن يَدَّعِي النُّبُوَّةَ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ التَّلْبِيسَ فَكَذا هَهُنا. وقَوْلُهُ: (هَذا رَبِّي) لا يُوجِبُ الضَّلالَ؛ لِأنَّ دَلائِلَ بُطْلانِهِ جَلِيَّةٌ وفي إظْهارِهِ هَذِهِ الكَلِمَةَ مَنفَعَةٌ عَظِيمَةٌ وهي اسْتِدْراجُهم لِقَبُولِ الدَّلِيلِ فَكانَ جائِزًا واللَّهُ أعْلَمُ.
الوَجْهُ السّابِعُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ النُّجُومِ فَكانُوا في تِلْكَ المُناظَرَةِ إلى أنْ طَلَعَ النَّجْمُ الدُّرِّيُّ فَقالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (هَذا رَبِّي) أيْ هَذا هو الرَّبُّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إلَيْهِ ثُمَّ سَكَتَ زَمانًا حَتّى أفَلَ ثُمَّ قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذِهِ الأجْوِبَةِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ وهو أنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ذَكَرَ هَذا الكَلامَ بَعْدَ البُلُوغِ.
أمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنَّهُ ذَكَرَهُ قَبْلَ البُلُوغِ وعِنْدَ القُرْبِ مِنهُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ خَصَّ إبْراهِيمَ بِالعَقْلِ الكامِلِ والقَرِيحَةِ الصّافِيَةِ، فَخَطَرَ بِبالِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ إثْباتُ الصّانِعِ سُبْحانَهُ فَتَفَكَّرَ فَرَأى النَّجْمَ، فَقالَ: (هَذا رَبِّي) فَلَمّا شاهَدَ حَرَكَتَهُ قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكْمَلَ بُلُوغَهُ في أثْناءِ هَذا البَحْثِ فَقالَ في الحالِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ فَهَذا الِاحْتِمالُ لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى بِالقَبُولِ لِما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ، عَلى أنَّ هَذِهِ المُناظَرَةَ إنَّما جَرَتْ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقْتَ اشْتِغالِهِ بِدَعْوَةِ القَوْمِ إلى التَّوْحِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ ”رُئِيَ“ بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ حَيْثُ كانَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكَسائِيُّ بِكَسْرِهِما، فَإذا كانَ بَعْدَ الألْفِ كافٌ أوْ هاءٌ نَحْوَ: رَآكَ ورَآها فَحِينَئِذٍ يَكْسِرُها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَفْتَحُها ابْنُ عامِرٍ. ورَوى يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ مِثْلَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَإذا تَلَتْهُ ألِفُ وصْلٍ نَحْوَ: رَأى الشَّمْسَ، ورَأى القَمَرَ. فَإنَّ حَمْزَةَ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ ونَصْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ يَكْسِرُونَ الرّاءَ ويَفْتَحُونَ
صفحة ٤٣
الهَمْزَةَ والباقُونَ يَقْرَؤُنَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الرّاءِ والهَمْزَةِ، واتَّفَقُوا في رَأوْكَ، ورَأوْهُ أنَّهُ بِالفَتْحِ. قالَ الواحِدِيُّ: أمّا مَن فَتَحَ الرّاءَ والهَمْزَةَ فَعِلَّتُهُ واضِحَةٌ وهي تَرْكُ الألِفِ عَلى الأصْلِ نَحْوَ: رَعى ورَمى. وأمّا مَن فَتَحَ الرّاءَ وكَسَرَ الهَمْزَةَ فَإنَّهُ أمالَ الهَمْزَةَ نَحْوَ الكَسْرِ لِيُمِيلَ الألِفَ الَّتِي في رَأى نَحْوَ الياءِ، وتَرَكَ الرّاءَ مَفْتُوحَةً عَلى الأصْلِ. وأمّا مَن كَسَرَهُما جَمِيعًا فَلِأجْلِ أنْ تَصِيرَ حَرَكَةُ الرّاءِ مُشابَهَةً لِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ، والواحِدِيُّ طَوَّلَ في هَذا البابِ في ”كِتابِ البَسِيطِ“ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القِصَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها مِن أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُلِدَ في الغارِ وتَرَكَتْهُ أُمَّهُ وكانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُرَبِّيهِ كُلُّ ذَلِكَ مُجْمَلٌ في الجُمْلَةِ. وقالَ القاضِي: كُلُّ ما يَجْرِي مَجْرى المُعْجِزاتِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المُعْجِزِ عَلى وقْتِ الدَّعْوى غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَهم، وهَذا هو المُسَمّى بِالإرْهاصِ إلّا إذا حَضَرَ في ذَلِكَ الزَّمانِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فَتُجْعَلُ تِلْكَ الخَوارِقُ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ. وأمّا عِنْدَ أصْحابِنا فالإرْهاصُ جائِزٌ فَزالَتِ الشُّبْهَةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَدَلَّ بِأُفُولِ الكَوْكَبِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَبًّا لَهُ وخالِقًا لَهُ. ويَجِبُ عَلَيْنا هَهُنا أنْ نَبْحَثَ عَنْ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأُفُولَ ما هو ؟
والثّانِي: أنَّ الأُفُولَ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ ؟ فَنَقُولُ: الأُفُولُ عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَةِ الشَّيْءِ بَعْدَ ظُهُورِهِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَلِسائِلٍ أنْ يَسْألَ، فَيَقُولُ: الأُفُولُ إنَّما يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَرَكَةٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ الطُّلُوعُ أيْضًا دَلِيلًا عَلى الحُدُوثِ، فَلِمَ تَرَكَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِاسْتِدْلالَ عَلى حُدُوثِها بِالطُّلُوعِ وعَوَّلَ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ عَلى الأُفُولِ ؟
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ الطُّلُوعَ والغُرُوبَ يَشْتَرِكانِ في الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ إلّا أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ الأنْبِياءُ في مَعْرِضِ دَعْوَةِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى اللَّهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ظاهِرًا جَلِيًّا بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ في فَهْمِهِ الذَّكِيُّ والغَبِيُّ والعاقِلُ. ودَلالَةُ الحَرَكَةِ عَلى الحُدُوثِ وإنْ كانَتْ يَقِينِيَّةً إلّا أنَّها دَقِيقَةٌ لا يَعْرِفُها إلّا الأفاضِلُ مِنَ الخَلْقِ. أمّا دَلالَةُ الأُفُولِ فَإنَّها دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ، فَإنَّ الكَوْكَبَ يَزُولُ سُلْطانُهُ وقْتَ الأُفُولِ فَكانَتْ دَلالَةُ الأُفُولِ عَلى هَذا المَقْصُودِ أتَمَّ. وأيْضًا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الهَوى في خَطِرَةِ الإمْكانِ أُفُولٌ، وأحْسَنُ الكَلامِ ما يَحْصُلُ فِيهِ حِصَّةُ الخَواصِّ وحِصَّةُ الأوْساطِ وحِصَّةُ العَوامِّ، فالخَواصُّ يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الإمْكانَ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ، والمُحْتاجُ لا يَكُونُ مَقْطُوعَ الحاجَةِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى مَن يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الإمْكانِ حَتّى تَنْقَطِعَ الحاجاتُ بِسَبَبِ وُجُودِهِ كَما قالَ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] وأمّا الأوْساطُ فَإنَّهم يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ مُطْلَقَ الحَرَكَةِ، فَكُلُّ مُتَحَرِّكٍ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى القَدِيمِ القادِرِ؛ فَلا يَكُونُ الآفِلُ إلَهًا بَلِ الإلَهُ هو الَّذِي احْتاجَ إلَيْهِ ذَلِكَ الآفِلُ. وأمّا العَوامُّ فَإنَّهم يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الغُرُوبَ وهم يُشاهِدُونَ أنَّ كُلَّ كَوْكَبٍ يَقْرُبُ مِنَ الأُفُولِ والغُرُوبِ فَإنَّهُ يَزُولُ نُورُهُ ويَنْتَقِصُ ضَوْءُهُ ويَذْهَبُ سُلْطانُهُ ويَصِيرُ كالمَعْزُولِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ الواحِدَةُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ كَلِمَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَصِيبِ المُقَرَّبِينَ وأصْحابِ اليَمِينِ وأصْحابِ الشِّمالِ، فَكانَتْ أكْمَلَ الدَّلائِلِ وأفْضَلَ البَراهِينِ.
وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى: وهو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما كانَ يُناظِرُهم وهم كانُوا مُنَجِّمِينَ. ومَذْهَبُ أهْلِ النُّجُومِ أنَّ
صفحة ٤٤
الكَوْكَبَ إذا كانَ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ ويَكُونُ صاعِدًا إلى وسَطِ السَّماءِ كانَ قَوِيًّا عَظِيمَ التَّأْثِيرِ. أمّا إذا كانَ غَرْبِيًّا وقَرِيبًا مِنَ الأُفُولِ فَإنَّهُ يَكُونُ ضَعِيفَ التَّأْثِيرِ قَلِيلَ القُوَّةِ. فَنَبَّهَ بِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ عَلى أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي لا تَتَغَيَّرُ قُدْرَتُهُ إلى العَجْزِ وكَمالُهُ إلى النُّقْصانِ، ومَذْهَبُكم أنَّ الكَوْكَبَ حالَ كَوْنِهِ في الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ، يَكُونُ ضَعِيفَ القُوَّةِ، ناقِصَ التَّأْثِيرِ، عاجِزًا عَنِ التَّدْبِيرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى القَدْحِ في إلَهِيَّتِهِ، فَظَهَرَ عَلى قَوْلِ المُنَجِّمِينَ أنَّ لِلْأُفُولِ مَزِيدَ خاصِّيَّةٍ في كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْقَدْحِ في إلَهِيَّتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا المَقامُ الثّانِي: وهو بَيانُ أنَّ كَوْنَ الكَوْكَبِ آفِلًا يَمْنَعُ مِن رُبُوبِيَّتِهِ. فَلِقائِلٍ أيْضًا أنْ يَقُولَ: أقْصى ما في البابِ أنْ يَكُونَ أُفُولُهُ دالًّا عَلى حُدُوثِهِ إلّا أنَّ حُدُوثَهُ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ رَبًّا لِإبْراهِيمَ ومَعْبُودًا لَهُ، ألا تَرى أنَّ المُنَجِّمِينَ وأصْحابَ الوَسايِطِ يَقُولُونَ: إنَّ الإلَهَ الأكْبَرَ خَلَقَ الكَواكِبَ وأبْدَعَها وأحْدَثَها، ثُمَّ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْلُقُ النَّباتَ والحَيَوانَ في هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، فَثَبَتَ أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ وإنْ دَلَّ عَلى حُدُوثِها إلّا أنَّهُ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِها أرْبابًا لِلْإنْسانِ وآلِهَةً لِهَذا العالَمِ. والجَوابُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ:
المَقامُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّبِّ والإلَهِ المَوْجُودَ الَّذِي عِنْدَهُ تَنْقَطِعُ الحاجاتُ، ومَتى ثَبَتَ بِأُفُولِ الكَواكِبِ حُدُوثُها، وثَبَتَ في بَداهَةِ العُقُولِ أنَّ كُلَّ ما كانَ مُحْدَثًا فَإنَّهُ يَكُونُ في وُجُودِهِ مُحْتاجًا إلى الغَيْرِ. وجَبَ القَطْعُ بِاحْتِياجِ هَذِهِ الكَواكِبِ في وُجُودِها إلى غَيْرِها، ومَتى ثَبَتَ هَذا المَعْنى امْتَنَعَ كَوْنُها أرْبابًا وآلِهَةً، بِمَعْنى أنَّهُ تَنْقَطِعُ الحاجاتُ عِنْدَ وُجُودِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَها آفِلَةً يُوجِبُ القَدْحَ في كَوْنِها أرْبابًا وآلِهَةً بِهَذا التَّفْسِيرِ.
المَقامُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّبِّ والإلَهِ مَن يَكُونُ خالِقًا لَنا ومُوجِدًا لِذَواتِنا وصِفاتِنا. فَنَقُولُ: أُفُولُ الكَواكِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِها عاجِزَةً عَنِ الخَلْقِ والإيجادِ وعَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَتُها وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أُفُولَها يَدُلُّ عَلى حُدُوثِها. وحُدُوثُها يَدُلُّ عَلى افْتِقارِها إلى فاعِلٍ قَدِيمٍ قادِرٍ، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ قادِرِيَّةُ ذَلِكَ القادِرِ أزَلِيَّةً، وإلّا لافْتَقَرَتْ قادِرِيَّتُهُ إلى قادِرٍ آخَرَ، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قادِرِيَّتَهُ أزَلِيَّةٌ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الشَّيْءُ الَّذِي هو مَقْدُورٌ لَهُ إنَّما صَحَّ كَوْنُهُ مَقْدُورًا لَهُ بِاعْتِبارِ إمْكانِهِ، والإمْكانُ واحِدٌ في كُلِّ المُمْكِناتِ. فَثَبَتَ أنَّ ما لِأجْلِهِ صارَ بَعْضُ المُمْكِناتِ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعالى فَهو حاصِلٌ في كُلِّ المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ في كُلِّ المُمْكِناتِ أنْ تَكُونَ مَقْدُورَةً لِلَّهِ تَعالى.
وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ وُقُوعُ شَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ بِغَيْرِهِ عَلى ما بَيَّنّا صِحَّةَ هَذِهِ المَقاماتِ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ في عِلْمِ الأُصُولِ.
فالحاصِلُ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كَوْنَ الكَواكِبِ آفِلَةً يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مُحْدَثَةً، وإنْ كانَ لا يَثْبُتُ هَذا المَعْنى إلّا بِواسِطَةِ مُقَدِّماتٍ كَثِيرَةٍ، وأيْضًا فَكَوْنُها في نَفْسِها مُحْدَثَةً يُوجِبُ القَوْلَ بِامْتِناعِ كَوْنِها قادِرَةً عَلى الإيجادِ والإبْداعِ، وإنْ كانَ لا يَثْبُتُ هَذا المَعْنى إلّا بِواسِطَةِ مُقَدِّماتٍ كَثِيرَةٍ. ودَلائِلُ القُرْآنِ إنَّما يُذْكَرُ فِيها أُصُولُ المُقَدِّماتِ، فَأمّا التَّفْرِيعُ والتَّفْصِيلُ، فَذاكَ إنَّما يَلِيقُ بِعِلْمِ الجَدَلِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ لا جَرَمَ اكْتَفى بِذِكْرِهِما في بَيانِ أنَّ الكَواكِبَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الإيجادِ والإبْداعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَدَلَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأُفُولِها عَلى امْتِناعِ كَوْنِها أرْبابًا وآلِهَةً لِحَوادِثِ هَذا العالَمِ.
صفحة ٤٥
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِها، وحُدُوثِها يَدُلُّ عَلى افْتِقارِها في وُجُودِها إلى القادِرِ المُخْتارِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الفاعِلُ هو الخالِقُ لِلْأفْلاكِ والكَواكِبِ، ومَن كانَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الكَواكِبِ والأفْلاكِ مِن دُونِ واسِطَةِ أيِّ شَيْءٍ كانَ فَبِأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الإنْسانِ أوْلى؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ الشَّيْءِ الأعْظَمِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الشَّيْءِ الأضْعَفِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وبِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ [ يس: ٨١] فَثَبَتَ بِهَذا الطَّرِيقِ أنَّ الإلَهَ الأكْبَرَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ البَشَرِ، وعَلى تَدْبِيرِ العالِمِ الأسْفَلِ بِدُونِ واسِطَةِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الإلَهِ الأكْبَرِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ الشَّمْسِ والنُّجُومِ والقَمَرِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ صَحَّ كَوْنُ بَعْضِ الكَواكِبِ مُوجِدَةً وخالِقَةً، لَبَقِيَ هَذا الِاحْتِمالُ في الكُلِّ وحِينَئِذٍ لا يَعْرِفُ الإنْسانُ أنَّ خالِقَهُ هَذا الكَوْكَبُ. أوْ ذَلِكَ الآخَرُ أوْ مَجْمُوعُ الكَواكِبِ فَيَبْقى شاكًّا في مَعْرِفَةِ خالِقِهِ. أمّا لَوْ عَرَفْنا الكُلَّ وأسْنَدْنا الخَلْقَ والإيجادَ والتَّدْبِيرَ إلى خالِقِ الكُلِّ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُنا مَعْرِفَةُ الخالِقِ والمُوجِدِ، ويُمْكِنُنا الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِهِ وشُكْرِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ كَما يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ كَوْنِها قَدِيمَةً فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ كَوْنِها آلِهَةً لِهَذا العالَمِ وأرْبابًا لِلْحَيَوانِ والإنْسانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ.
فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِنَهارٍ ولَيْلٍ، وكانَ أُفُولُ الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ حاصِلًا في اللَّيْلِ السّابِقِ والنَّهارِ السّابِقِ، وبِهَذا التَّقْرِيرِ لا يَبْقى لِلْأُفُولِ الحاصِلِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَزِيدُ فائِدَةٍ.
والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - إنَّما أوْرَدَ هَذا الدَّلِيلَ عَلى الأقْوامِ الَّذِينَ كانَ يَدْعُوهم مِن عِبادَةِ النُّجُومِ إلى التَّوْحِيدِ. فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ جالِسًا مَعَ أُولَئِكَ الأقْوامِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي وزَجَرَهم عَنْ عِبادَةِ الكَواكِبِ، فَبَيْنَما هو في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الكَلامِ إذْ وقَعَ بَصَرُهُ عَلى كَوْكَبٍ مُضِيءٍ، فَلَمّا أفَلَ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: لَوْ كانَ هَذا الكَوْكَبُ إلَهًا لَما انْتَقَلَ مِنَ الصُّعُودِ إلى الأُفُولِ ومِنَ القُوَّةِ إلى الضَّعْفِ. ثُمَّ في أثْناءِ ذَلِكَ الكَلامِ طَلَعَ القَمَرُ وأفَلَ. فَأعادَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الكَلامَ، وكَذا القَوْلُ في الشَّمْسِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَحْضُرُنا في تَقْرِيرِ دَلِيلِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: تَفَلْسَفَ الغَزالِيُّ في بَعْضِ كُتُبِهِ وحَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الحَيَوانِيَّةِ الَّتِي لِكُلِّ كَوْكَبٍ، والقَمَرَ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي لِكُلِّ فَلَكٍ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ المُجَرَّدِ الَّذِي لِكُلِّ ذَلِكَ، وكانَ أبُو عَلِيِّ بْنُ سَيْناءَ يُفَسِّرُ الأُفُولَ بِالإمْكانِ، فَزَعَمَ الغَزالِيُّ أنَّ المُرادَ بِأُفُولِها إمْكانُها في نَفْسِها، وزَعَمَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ بِأسْرِها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، ولا بُدَّ لَهُ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى واجِبِ الوُجُودِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لا بَأْسَ بِهِ. إلّا أنَّهُ يَبْعُدُ حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى الحِسِّ والقَمَرَ عَلى الخَيالِ والوَهْمِ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ، والمُرادُ أنَّ هَذِهِ القُوى المُدْرِكَةَ الثَّلاثَةَ قاصِرَةٌ مُتَناهِيَةٌ، ومُدَبِّرُ العالَمِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْها قاهِرٌ لَها. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ عَلى أحْكامٍ:
صفحة ٤٦
الحُكْمُ الأوَّلُ
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ إذْ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ غائِبًا عَنّا أبَدًا فَكانَ آفِلًا أبَدًا، وأيْضًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تَعالى يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ تارَةً، ويَصْعَدُ مِنَ السَّماءِ إلى العَرْشِ أُخْرى، وإلّا لَحَصَلَ مَعْنى الأُفُولِ.
الحُكْمُ الثّانِي
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مَحَلًّا لِلصِّفاتِ المُحْدَثَةِ كَما تَقُولُهُ الكَرامِيَّةُ، وإلّا لَكانَ مُتَغَيِّرًا، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مَعْنى الأُفُولِ، وذَلِكَ مُحالٌ.
الحُكْمُ الثّالِثُ
تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدِّينَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى الدَّلِيلِ لا عَلى التَّقْلِيدِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا الِاسْتِدْلالِ فائِدَةٌ البَتَّةَ.
الحُكْمُ الرّابِعُ
تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَعارِفَ الأنْبِياءِ بِرَبِّهِمِ اسْتِدْلالِيَّةٌ لا ضَرُورِيَّةٌ، وإلّا لَما احْتاجَ إبْراهِيمُ إلى الِاسْتِدْلالِ.
الحُكْمُ الخامِسُ
تَدُلُّ عَلى هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في أحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ، إذْ لَوْ أمْكَنَ تَحْصِيلُها بِطَرِيقٍ آخَرَ لَما عَدَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ .
فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، وبَزَغَتِ الشَّمْسُ إذا بَدَأ مِنها طُلُوعٌ، ونُجُومٌ بِوازِغُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ في البَزْغِ وهو الشَّقُّ كَأنَّهُ بِنُورِهِ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ اعْتَبَرَ في القَمَرِ مِثْلَ ما اعْتَبَرَ في الكَوْكَبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ولا يُمْكِنُ حَمْلُ لَفْظِ الهِدايَةِ عَلى التَّمَكُّنِ وإزاحَةِ الأعْذارِ ونَصْبِ الدَّلائِلِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا، فالهِدايَةُ الَّتِي كانَ يَطْلُبُها بَعْدَ حُصُولِ تِلْكَ الأشْياءِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ زائِدَةٌ عَلَيْها.
واعْلَمْ أنَّ كَوْنَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مَذْهَبِنا أظْهَرُ مِن أنْ يَشْتَبِهَ عَلى العاقِلِ؛ لِأنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ أضافَ الهِدايَةَ إلى اللَّهِ تَعالى، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨] وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٥] .
* * *
صفحة ٤٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ في الشَّمْسِ هَذا مَعَ أنَّها مُؤَنَّثَةٌ، ولَمْ يَقُلْ هَذِهِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الشَّمْسَ بِمَعْنى الضِّياءِ والنُّورِ، فَحُمِلَ اللَّفْظُ عَلى التَّأْوِيلِ فَذُكِرَ.
وثانِيها: أنَّ الشَّمْسَ لَمْ يَحْصُلْ فِيها عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، فَلَمّا أشْبَهَ لَفْظُها لَفْظَ المُذَكَّرِ وكانَ تَأْوِيلُها تَأْوِيلًا لِلنُّورِ صَلَحَ التَّذْكِيرُ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ.
وثالِثُها: أرادَ هَذا الطّالِعَ أوْ هَذا الَّذِي أراهُ.
ورابِعُها: المَقْصُودُ مِنهُ رِعايَةُ الأدَبِ، وهو تَرْكُ التَّأْنِيثِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ المُرادُ مِنهُ أكْبَرُ الكَواكِبِ جِرْمًا وأقْواها قُوَّةً، فَكانَ أوْلى بِالإلَهِيَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ الأُفُولُ حاصِلًا في الشَّمْسِ والأُفُولُ يَمْنَعُ مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإذا ثَبَتَ امْتِناعُ صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلشَّمْسِ كانَ امْتِناعُ حُصُولِها لِلْقَمَرِ ولِسائِرِ الكَواكِبِ أوْلى. وبِهَذا الطَّرِيقِ يَظْهَرُ أنَّ ذِكْرَ هَذا الكَلامِ في الشَّمْسِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ في القَمَرِ والكَواكِبِ. فَلِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ الشَّمْسِ رِعايَةً لِلْإيجازِ والِاخْتِصارِ ؟
قُلْنا: إنَّ الأخْذَ مِنَ الأدْوَنِ فالأدْوَنِ، مُتَرَقِّيًا إلى الأعْلى فالأعْلى، لَهُ نَوْعُ تَأْثِيرٍ في التَّقْرِيرِ والبَيانِ والتَّأْكِيدِ لا يَحْصُلُ مِن غَيْرِهِ، فَكانَ ذِكْرُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ، لا جَرَمَ تَبَرَّأ مِنَ الشِّرْكِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن هَذا القَدْرِ نَفْيُ الشَّرِيكِ مُطْلَقًا وإثْباتُ التَّوْحِيدِ، فَلِمَ فَرَّعَ عَلى قِيامِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الكَواكِبِ غَيْرَ صالِحَةٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ الجَزْمُ بِإثْباتِ التَّوْحِيدِ مُطْلَقًا ؟
والجَوابُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا مُساعِدِينَ عَلى نَفْيِ سائِرِ الشُّرَكاءِ، وإنَّما نازَعُوا في هَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ فَلَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَيْسَتْ أرْبابًا ولا آلِهَةً، وثَبَتَ بِالِاتِّفاقِ نَفْيُ غَيْرِها لا جَرَمَ حَصَلَ الجَزْمُ بِنَفْيِ الشُّرَكاءِ عَلى الإطْلاقِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَتَحَ الياءَ مِن ”وجْهِيَ“ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والباقُونَ تَرَكُوا هَذا الفَتْحَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا الكَلامُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ بَلِ المُرادُ وجَّهْتُ عِبادَتِي وطاعَتِي، وسَبَبُ جَوازِ هَذا المَجازِ أنَّ مَن كانَ مُطِيعًا لِغَيْرِهِ مُنْقادًا لِأمْرِهِ، فَإنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِوَجْهِهِ إلَيْهِ، فَجُعِلَ تَوْجِيهُ الوَجْهِ إلَيْهِ كِنايَةً عَنِ الطّاعَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَفِيهِ دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ لَمْ يَقُلْ وجَّهَتْ وجْهِي إلى الَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ. بَلْ تَرَكَ هَذا اللَّفْظَ وذَكَرَ قَوْلَهُ: (﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي﴾ والمَعْنى: أنَّ تَوْجِيهَ وجْهِ القَلْبِ لَيْسَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، بَلْ تَوْجِيهُ وجْهِ القَلْبِ إلى خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ لِأجْلِ عُبُودِيَّتِهِ، فَتَرْكُ كَلِمَةِ ”إلى“ هُنا والِاكْتِفاءُ بِحَرْفِ اللّامِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى كَوْنِ المَعْبُودِ مُتَعالِيًا عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، ومَعْنى فَطَرَ أخْرَجَهُما
صفحة ٤٨
إلى الوُجُودِ، وأصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ، يُقالُ: تَفَطَّرَ الشَّجَرُ بِالوَرَقِ والوَرْدِ إذا أظْهَرَهُما، وأمّا الحَنِيفُ فَهو المائِلُ قالَ أبُو العالِيَةِ: الحَنِيفُ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ البَيْتَ في صِلاتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ العادِلُ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
صفحة ٣٩
فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُقالُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وأجَنَّهُ اللَّيْلُ، ويُقالُ: لِكُلِّ ما سَتَرْتَ: جَنَّ وأجَنَّ، ويُقالُ أيْضًا: جَنَّهُ اللَّيْلُ، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وأجَنَّهُ اللَّيْلُ. هَذا قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، ومَعْنى ”جَنَّ“ سَتَرَ ومِنهُ الجَنَّةُ والجِنُّ والجُنُونُ والجانُّ والجَنِينُ والمِجَنُّ والجَنَنُ والمُجَنُّ، وهو المَقْبُورُ. والمَجَنَّةُ كُلُّ هَذا يَعُودُ أصْلُهُ إلى السَّتْرِ والِاسْتِتارِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إذا أظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ؛ ولِهَذا دَخَلَتْ ”عَلى“ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ في أظْلَمَ. فَأمّا جَنَّهُ فَسَتَرَهُ مِن غَيْرِ تَضْمِينِ مَعْنى ”أظْلَمَ“ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ رَأى رُؤْيا وعَبَّرَها المُعَبِّرُونَ بِأنَّهُ يُولَدُ غُلامٌ يُنازِعُهُ في مِلْكِهِ، فَأمَرَ ذَلِكَ المَلِكُ بِذَبْحِ كُلِّ غُلامٍ يُولَدُ، فَحَبِلَتْ أُمُّ إبْراهِيمَ بِهِ وما أظْهَرَتْ حَبَلَها لِلنّاسِ، فَلَمّا جاءَها الطَّلْقُ ذَهَبَتْ إلى كَهْفٍ في جَبَلٍ ووَضَعَتْ إبْراهِيمَ وسَدَّتِ البابَ بِحَجَرٍ، فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَضَعَ أُصْبُعَهُ في فَمِهِ فَمَصَّهُ فَخَرَجَ مِنهُ رِزْقُهُ، وكانَ يَتَعَهَّدُهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَتِ الأُمُّ تَأْتِيهِ أحْيانًا وتُرْضِعُهُ، وبَقِيَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ حَتّى كَبِرَ وعَقَلَ وعَرَفَ أنَّ لَهُ رَبًّا، فَسَألَ الأُمَّ فَقالَ لَها: مَن رَبِّي ؟ فَقالَتْ: أنا، فَقالَ: ومَن رَبُّكِ ؟ قالَتْ: أبُوكَ. فَقالَ لِلْأبِ: ومَن رَبُّكَ ؟ فَقالَ: مَلِكُ البَلَدِ. فَعَرَفَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَهْلَهُما بِرَبِّهِما فَنَظَرَ مِن بابِ ذَلِكَ الغارِ لِيَرى شَيْئًا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى وُجُودِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَرَأى النَّجْمَ الَّذِي هو أضْوَأُ النُّجُومِ في السَّماءِ. فَقالَ: هَذا رَبِّي؛ إلى آخِرِ القِصَّةِ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ بَعْدَ البُلُوغِ وجَرَيانِ قَلَمِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ البُلُوغِ. واتَّفَقَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ عَلى فَسادِ القَوْلِ الأوَّلِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ القَوْلَ بِرُبُوبِيَّةِ النَّجْمِ كُفْرٌ بِالإجْماعِ والكُفْرُ غَيْرُ جائِزٍ بِالإجْماعِ عَلى الأنْبِياءِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ عَرَفَ رَبَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ بِالدَّلِيلِ. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ لِأبِيهِ آزَرَ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِالرِّفْقِ حَيْثُ قالَ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [التحريم: ٢] وحَكى في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِالكَلامِ الخَشِنِ واللَّفْظِ المُوحِشِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن دَعا غَيْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يُقَدِّمُ الرِّفْقَ عَلى العُنْفِ واللِّينَ عَلى الغِلَظِ، ولا يَخُوضُ في التَّعْنِيفِ والتَّغْلِيظِ إلّا بَعْدَ المُدَّةِ المَدِيدَةِ واليَأْسِ التّامِّ. فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ دَعا أباهُ إلى التَّوْحِيدِ مِرارًا وأطْوارًا، ولا شَكَّ أنَّهُ إنَّما اشْتَغَلَ بِدَعْوَةِ أبِيهِ بَعْدَ فَراغِهِ مِن مُهِمِّ نَفْسِهِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ عَرَفَ اللَّهَ بِمُدَّةٍ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ أراهُ اللَّهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى رَأى مَن فَوْقَ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وما تَحْتَهُما إلى ما تَحْتَ الثَّرى، ومَن كانَ مَنصِبُهُ في الدِّينِ كَذَلِكَ، وعِلْمُهُ بِاللَّهِ كَذَلِكَ، كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَعْتَقِدَ إلَهِيَّةَ الكَواكِبِ ؟
صفحة ٤٠
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ دَلائِلَ الحُدُوثِ في الأفْلاكِ ظاهِرَةٌ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ وجْهًا وأكْثَرَ ومَعَ هَذِهِ الوُجُوهِ الظّاهِرَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِأقَلِّ العُقَلاءِ نَصِيبًا مِنَ العَقْلِ والفَهْمِ أنْ يَقُولَ بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ فَضْلًا عَنْ أعْقَلِ العُقَلاءِ وأعْلَمِ العُلَماءِ ؟
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] وأقَلُّ مَراتِبِ القَلْبِ السَّلِيمِ أنْ يَكُونَ سَلِيمًا عَنِ الكُفْرِ، وأيْضًا مَدَحَهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] أيْ آتَيْناهُ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ مِن أوَّلِ زَمانِ الفِكْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ بِطَهارَتِهِ وكَمالِهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ أيْ ولِيَكُونَ بِسَبَبِ تِلْكَ الإراءَةِ مِنَ المُوقِنِينَ.
ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ والفاءُ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ أنْ صارَ إبْراهِيمُ مِنَ المُوقِنِينَ العارِفِينَ بِرَبِّهِ.
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ مُناظَرَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ قالَ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] ولَمْ يَقُلْ عَلى نَفْسِهِ، فَعُلِمَ أنَّ هَذِهِ المُباحَثَةَ إنَّما جَرَتْ مَعَ قَوْمِهِ لِأجْلِ أنْ يُرْشِدَهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ. لا لِأجْلِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَطْلُبُ الدِّينَ والمَعْرِفَةَ لِنَفْسِهِ.
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: أنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما اشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ في الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ حالَ ما كانَ في الغارِ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَقُولُ: ﴿ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ ما كانَ في الغارِ لا قَوْمَ ولا صَنَمَ.
الحُجَّةُ العاشِرَةُ: قالَ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٠] وكَيْفَ يُحاجُّونَهُ وهم بَعْدُ ما رَأوْهُ وهو ما رَآهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما اشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ في الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ بَعْدَ أنْ خالَطَ قَوْمَهُ ورَآهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ودَعَوْهُ إلى عِبادَتِها فَذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ.
الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِلْقَوْمِ: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا خَوَّفُوهُ بِالأصْنامِ، كَما حَكى عَنْ قَوْمِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَلِيقُ بِالغارِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِالنَّهارِ، ولا شَكَّ أنَّ الشَّمْسَ كانَتْ طالِعَةً في اليَوْمِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ غَرَبَتْ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُسْتَدَلَّ بِغُرُوبِها السّابِقِ عَلى أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، وإذا بَطَلَ بِهَذا الدَّلِيلِ صَلاحِيَةُ الشَّمْسِ لِلْإلَهِيَّةِ بَطَلَ ذَلِكَ أيْضًا في القَمَرِ والكَوْكَبِ بِطَرِيقِ الأوْلى. هَذا إذا قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَ المَقْصُودُ مِنها تَحْصِيلَ المَعْرِفَةِ لِنَفْسِهِ. أمّا إذا قُلْنا المَقْصُودُ مِنها إلْزامُ القَوْمِ وإلْجاؤُهم، فَهَذا
صفحة ٤١
السُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما اتَّفَقَتْ مُكالَمَتُهُ مَعَ القَوْمِ حالَ طُلُوعِ ذَلِكَ النَّجْمِ، ثُمَّ امْتَدَّتِ المُناظَرَةُ إلى أنْ طَلَعَ القَمَرُ وطَلَعَتِ الشَّمْسُ بَعْدَهُ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فالسُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ: هَذا رَبِّي. وإذا بَطَلَ هَذا بَقِيَ هَهُنا احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: هَذا كَلامُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ البُلُوغِ ولَكِنْ لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ إثْباتَ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ بَلِ الغَرَضُ مِنهُ أحَدُ أُمُورٍ سَبْعَةٍ:
الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَقُلْ: هَذا رَبِّي عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ كانَ يُناظِرُ عَبَدَةَ الكَوْكَبِ وكانَ مَذْهَبُهم أنَّ الكَوْكَبَ رَبُّهم وإلَهُهم، فَذَكَرَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ القَوْلَ الَّذِي قالُوهُ بِلَفْظِهِمْ وعِبارَتِهِمْ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْهِ فَيُبْطِلُهُ، ومِثالُهُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا إذا ناظَرَ مَن يَقُولُ بِقِدَمِ الجِسْمِ، فَيَقُولُ: الجِسْمُ قَدِيمٌ ؟ فَإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلِمَ نَراهُ ونُشاهِدُهُ مُرَكَّبًا مُتَغَيِّرًا ؟ فَهو إنَّما قالَ: الجِسْمُ قَدِيمٌ؛ إعادَةٌ لِكَلامِ الخَصْمِ حَتّى يُلْزِمَ المُحالَ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا قالَ: (هَذا رَبِّي) والمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ قَوْلِ الخَصْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ وهَذا الوَجْهُ هو المُعْتَمَدُ في الجَوابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى دَلَّ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ المُناظَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] .
والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: (هَذا رَبِّي) مَعْناهُ هَذا رَبِّي في زَعْمِكم واعْتِقادِكم، ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ المُوجِدُ لِلْمُجَسِّمِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: إنَّ إلَهَهُ جِسْمٌ مَحْدُودٌ أيْ في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ قالَ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] وقالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ [القصص: ٦٢] وكانَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ يَقُولُ: ”يا إلَهَ الآلِهَةِ“ . والمُرادُ أنَّهُ تَعالى إلَهُ الآلِهَةِ في زَعْمِهِمْ وقالَ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أيْ عِنْدَ نَفْسِكَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ إلّا أنَّهُ أسْقَطَ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ اسْتِغْناءً عَنْهُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ القَوْلُ مُضْمَرًا فِيهِ، والتَّقْدِيرُ: قالَ يَقُولُونَ هَذا رَبِي. وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا﴾ [البقرة: ١٢٧] أيْ يَقُولُونَ رَبَّنا وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] أيْ يَقُولُونَ ما نَعْبُدُهم، فَكَذا هَهُنا التَّقْدِيرُ: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِقَوْمِهِ: يَقُولُونَ هَذا رَبِي. أيْ هَذا هو الَّذِي يُدَبِّرُنِي ويُرَبِّينِي.
والوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما يُقالُ لِذَلِيلٍ سادَ قَوْمًا: هَذا سَيِّدُكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ ﷺ أرادَ أنْ يُبْطِلَ قَوْلَهم بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ عَرَفَ مِن تَقْلِيدِهِمْ لِأسْلافِهِمْ وبُعْدِ طِباعِهِمْ عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ أنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَقْبَلُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، فَمالَ إلى طَرِيقٍ بِهِ يَسْتَدْرِجُهم إلى اسْتِماعِ الحُجَّةِ. وذَلِكَ بِأنْ ذَكَرَ كَلامًا يُوهِمُ كَوْنَهُ مُساعِدًا لَهم عَلى مَذْهَبِهِمْ بِرُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ مَعَ أنَّ قَلْبَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ مُطَمْئِنًا بِالإيمانِ، ومَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِن ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلى إبْطالِهِ وإفْسادِهِ وأنْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ إلى الدَّعْوَةِ طَرِيقًا سِوى هَذا الطَّرِيقِ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَأْمُورًا بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ كانَ بِمَنزِلَةِ المُكْرَهِ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ عِنْدَ الإكْراهِ يَجُوزُ
صفحة ٤٢
إجْراءُ كَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى اللِّسانِ قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فَإذا جازَ ذِكْرُ كَلِمَةِ الكُفْرِ لِمَصْلَحَةِ بَقاءِ شَخْصٍ واحِدٍ فَبِأنْ يَجُوزَ إظْهارُ كَلِمَةِ الكُفْرِ لِتَخْلِيصِ عالَمٍ مِنَ العُقَلاءِ عَنِ الكُفْرِ والعِقابِ المُؤَبَّدِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، وأيْضًا المُكْرَهُ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ لَوْ صَلّى حَتّى قُتِلَ اسْتَحَقَّ الأجْرَ العَظِيمَ، ثُمَّ إذا جاءَ وقْتُ القِتالِ مَعَ الكُفّارِ وعَلِمَ أنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالصَّلاةِ انْهَزَمَ عَسْكَرُ الإسْلامِ فَهَهُنا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الصَّلاةِ والِاشْتِغالُ بِالقِتالِ، حَتّى لَوْ صَلّى وتَرَكَ القِتالَ أثِمَ ولَوْ تَرَكَ الصَّلاةَ وقاتَلَ اسْتَحَقَّ الثَّوابَ، بَلْ نَقُولُ: أنَّ مَن كانَ في الصَّلاةِ فَرَأى طِفْلًا أوْ أعْمى أشْرَفَ عَلى غَرَقٍ أوْ حَرْقٍ وجَبَ عَلَيْهِ قَطْعُ الصَّلاةِ لِإنْقاذِ ذَلِكَ الطِّفْلِ أوْ ذَلِكَ الأعْمى عَنْ ذَلِكَ البَلاءِ. فَكَذا هَهُنا أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ لِيَظْهَرَ مِن نَفْسِهِ مُوافِقَةَ القَوْمِ حَتّى إذا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الدَّلِيلَ المُبْطِلَ لِقَوْلِهِمْ كانَ قَبُولُهم لِذَلِكَ الدَّلِيلِ أتَمَّ وانْتِفاعُهم بِاسْتِماعِهِ أكْمَلَ.
ومِمّا يُقَوِّي هَذا الوَجْهَ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ مِثْلَ هَذا الطَّرِيقِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٩٠] وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِعِلْمِ النَّجْمِ عَلى حُصُولِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ فَوافَقَهم إبْراهِيمُ عَلى هَذا الطَّرِيقِ في الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْهُ في الباطِنِ، ومَقْصُودُهُ أنْ يَتَوَسَّلَ بِهَذا الطَّرِيقِ إلى كَسْرِ الأصْنامِ، فَإذا جازَتِ المُوافَقَةُ في الظّاهِرِ هَهُنا. مَعَ أنَّهُ كانَ بَرِيئًا عَنْهُ في الباطِنِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَسْألَتِنا كَذَلِكَ ؟ وأيْضًا المُتَكَلِّمُونَ قالُوا: إنَّهُ يَصِحُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إظْهارُ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِ مَن يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ؛ لِأنَّ صُورَةَ هَذا المُدَّعِي وشَكْلَهُ يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِ فَلا يَحْصُلُ فِيهِ التَّلْبِيسُ بِسَبَبِ ظُهُورِ تِلْكَ الخَوارِقِ عَلى يَدِهِ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ إظْهارُها عَلى يَدِ مَن يَدَّعِي النُّبُوَّةَ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ التَّلْبِيسَ فَكَذا هَهُنا. وقَوْلُهُ: (هَذا رَبِّي) لا يُوجِبُ الضَّلالَ؛ لِأنَّ دَلائِلَ بُطْلانِهِ جَلِيَّةٌ وفي إظْهارِهِ هَذِهِ الكَلِمَةَ مَنفَعَةٌ عَظِيمَةٌ وهي اسْتِدْراجُهم لِقَبُولِ الدَّلِيلِ فَكانَ جائِزًا واللَّهُ أعْلَمُ.
الوَجْهُ السّابِعُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ النُّجُومِ فَكانُوا في تِلْكَ المُناظَرَةِ إلى أنْ طَلَعَ النَّجْمُ الدُّرِّيُّ فَقالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (هَذا رَبِّي) أيْ هَذا هو الرَّبُّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إلَيْهِ ثُمَّ سَكَتَ زَمانًا حَتّى أفَلَ ثُمَّ قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذِهِ الأجْوِبَةِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ وهو أنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ذَكَرَ هَذا الكَلامَ بَعْدَ البُلُوغِ.
أمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنَّهُ ذَكَرَهُ قَبْلَ البُلُوغِ وعِنْدَ القُرْبِ مِنهُ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ خَصَّ إبْراهِيمَ بِالعَقْلِ الكامِلِ والقَرِيحَةِ الصّافِيَةِ، فَخَطَرَ بِبالِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ إثْباتُ الصّانِعِ سُبْحانَهُ فَتَفَكَّرَ فَرَأى النَّجْمَ، فَقالَ: (هَذا رَبِّي) فَلَمّا شاهَدَ حَرَكَتَهُ قالَ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكْمَلَ بُلُوغَهُ في أثْناءِ هَذا البَحْثِ فَقالَ في الحالِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ فَهَذا الِاحْتِمالُ لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى بِالقَبُولِ لِما ذَكَرْنا مِنَ الدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ، عَلى أنَّ هَذِهِ المُناظَرَةَ إنَّما جَرَتْ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقْتَ اشْتِغالِهِ بِدَعْوَةِ القَوْمِ إلى التَّوْحِيدِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ ”رُئِيَ“ بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ حَيْثُ كانَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكَسائِيُّ بِكَسْرِهِما، فَإذا كانَ بَعْدَ الألْفِ كافٌ أوْ هاءٌ نَحْوَ: رَآكَ ورَآها فَحِينَئِذٍ يَكْسِرُها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَفْتَحُها ابْنُ عامِرٍ. ورَوى يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ مِثْلَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَإذا تَلَتْهُ ألِفُ وصْلٍ نَحْوَ: رَأى الشَّمْسَ، ورَأى القَمَرَ. فَإنَّ حَمْزَةَ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ ونَصْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ يَكْسِرُونَ الرّاءَ ويَفْتَحُونَ
صفحة ٤٣
الهَمْزَةَ والباقُونَ يَقْرَؤُنَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الرّاءِ والهَمْزَةِ، واتَّفَقُوا في رَأوْكَ، ورَأوْهُ أنَّهُ بِالفَتْحِ. قالَ الواحِدِيُّ: أمّا مَن فَتَحَ الرّاءَ والهَمْزَةَ فَعِلَّتُهُ واضِحَةٌ وهي تَرْكُ الألِفِ عَلى الأصْلِ نَحْوَ: رَعى ورَمى. وأمّا مَن فَتَحَ الرّاءَ وكَسَرَ الهَمْزَةَ فَإنَّهُ أمالَ الهَمْزَةَ نَحْوَ الكَسْرِ لِيُمِيلَ الألِفَ الَّتِي في رَأى نَحْوَ الياءِ، وتَرَكَ الرّاءَ مَفْتُوحَةً عَلى الأصْلِ. وأمّا مَن كَسَرَهُما جَمِيعًا فَلِأجْلِ أنْ تَصِيرَ حَرَكَةُ الرّاءِ مُشابَهَةً لِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ، والواحِدِيُّ طَوَّلَ في هَذا البابِ في ”كِتابِ البَسِيطِ“ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القِصَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها مِن أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُلِدَ في الغارِ وتَرَكَتْهُ أُمَّهُ وكانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُرَبِّيهِ كُلُّ ذَلِكَ مُجْمَلٌ في الجُمْلَةِ. وقالَ القاضِي: كُلُّ ما يَجْرِي مَجْرى المُعْجِزاتِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المُعْجِزِ عَلى وقْتِ الدَّعْوى غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَهم، وهَذا هو المُسَمّى بِالإرْهاصِ إلّا إذا حَضَرَ في ذَلِكَ الزَّمانِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فَتُجْعَلُ تِلْكَ الخَوارِقُ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ. وأمّا عِنْدَ أصْحابِنا فالإرْهاصُ جائِزٌ فَزالَتِ الشُّبْهَةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَدَلَّ بِأُفُولِ الكَوْكَبِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَبًّا لَهُ وخالِقًا لَهُ. ويَجِبُ عَلَيْنا هَهُنا أنْ نَبْحَثَ عَنْ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الأُفُولَ ما هو ؟
والثّانِي: أنَّ الأُفُولَ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ ؟ فَنَقُولُ: الأُفُولُ عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَةِ الشَّيْءِ بَعْدَ ظُهُورِهِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَلِسائِلٍ أنْ يَسْألَ، فَيَقُولُ: الأُفُولُ إنَّما يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَرَكَةٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ الطُّلُوعُ أيْضًا دَلِيلًا عَلى الحُدُوثِ، فَلِمَ تَرَكَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِاسْتِدْلالَ عَلى حُدُوثِها بِالطُّلُوعِ وعَوَّلَ في إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ عَلى الأُفُولِ ؟
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ الطُّلُوعَ والغُرُوبَ يَشْتَرِكانِ في الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ إلّا أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ الأنْبِياءُ في مَعْرِضِ دَعْوَةِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى اللَّهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ظاهِرًا جَلِيًّا بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ في فَهْمِهِ الذَّكِيُّ والغَبِيُّ والعاقِلُ. ودَلالَةُ الحَرَكَةِ عَلى الحُدُوثِ وإنْ كانَتْ يَقِينِيَّةً إلّا أنَّها دَقِيقَةٌ لا يَعْرِفُها إلّا الأفاضِلُ مِنَ الخَلْقِ. أمّا دَلالَةُ الأُفُولِ فَإنَّها دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ، فَإنَّ الكَوْكَبَ يَزُولُ سُلْطانُهُ وقْتَ الأُفُولِ فَكانَتْ دَلالَةُ الأُفُولِ عَلى هَذا المَقْصُودِ أتَمَّ. وأيْضًا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الهَوى في خَطِرَةِ الإمْكانِ أُفُولٌ، وأحْسَنُ الكَلامِ ما يَحْصُلُ فِيهِ حِصَّةُ الخَواصِّ وحِصَّةُ الأوْساطِ وحِصَّةُ العَوامِّ، فالخَواصُّ يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الإمْكانَ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ، والمُحْتاجُ لا يَكُونُ مَقْطُوعَ الحاجَةِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى مَن يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الإمْكانِ حَتّى تَنْقَطِعَ الحاجاتُ بِسَبَبِ وُجُودِهِ كَما قالَ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] وأمّا الأوْساطُ فَإنَّهم يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ مُطْلَقَ الحَرَكَةِ، فَكُلُّ مُتَحَرِّكٍ مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَهو مُحْتاجٌ إلى القَدِيمِ القادِرِ؛ فَلا يَكُونُ الآفِلُ إلَهًا بَلِ الإلَهُ هو الَّذِي احْتاجَ إلَيْهِ ذَلِكَ الآفِلُ. وأمّا العَوامُّ فَإنَّهم يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الغُرُوبَ وهم يُشاهِدُونَ أنَّ كُلَّ كَوْكَبٍ يَقْرُبُ مِنَ الأُفُولِ والغُرُوبِ فَإنَّهُ يَزُولُ نُورُهُ ويَنْتَقِصُ ضَوْءُهُ ويَذْهَبُ سُلْطانُهُ ويَصِيرُ كالمَعْزُولِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ الواحِدَةُ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ كَلِمَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَصِيبِ المُقَرَّبِينَ وأصْحابِ اليَمِينِ وأصْحابِ الشِّمالِ، فَكانَتْ أكْمَلَ الدَّلائِلِ وأفْضَلَ البَراهِينِ.
وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى: وهو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما كانَ يُناظِرُهم وهم كانُوا مُنَجِّمِينَ. ومَذْهَبُ أهْلِ النُّجُومِ أنَّ
صفحة ٤٤
الكَوْكَبَ إذا كانَ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ ويَكُونُ صاعِدًا إلى وسَطِ السَّماءِ كانَ قَوِيًّا عَظِيمَ التَّأْثِيرِ. أمّا إذا كانَ غَرْبِيًّا وقَرِيبًا مِنَ الأُفُولِ فَإنَّهُ يَكُونُ ضَعِيفَ التَّأْثِيرِ قَلِيلَ القُوَّةِ. فَنَبَّهَ بِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ عَلى أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي لا تَتَغَيَّرُ قُدْرَتُهُ إلى العَجْزِ وكَمالُهُ إلى النُّقْصانِ، ومَذْهَبُكم أنَّ الكَوْكَبَ حالَ كَوْنِهِ في الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ، يَكُونُ ضَعِيفَ القُوَّةِ، ناقِصَ التَّأْثِيرِ، عاجِزًا عَنِ التَّدْبِيرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى القَدْحِ في إلَهِيَّتِهِ، فَظَهَرَ عَلى قَوْلِ المُنَجِّمِينَ أنَّ لِلْأُفُولِ مَزِيدَ خاصِّيَّةٍ في كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْقَدْحِ في إلَهِيَّتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا المَقامُ الثّانِي: وهو بَيانُ أنَّ كَوْنَ الكَوْكَبِ آفِلًا يَمْنَعُ مِن رُبُوبِيَّتِهِ. فَلِقائِلٍ أيْضًا أنْ يَقُولَ: أقْصى ما في البابِ أنْ يَكُونَ أُفُولُهُ دالًّا عَلى حُدُوثِهِ إلّا أنَّ حُدُوثَهُ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ رَبًّا لِإبْراهِيمَ ومَعْبُودًا لَهُ، ألا تَرى أنَّ المُنَجِّمِينَ وأصْحابَ الوَسايِطِ يَقُولُونَ: إنَّ الإلَهَ الأكْبَرَ خَلَقَ الكَواكِبَ وأبْدَعَها وأحْدَثَها، ثُمَّ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْلُقُ النَّباتَ والحَيَوانَ في هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، فَثَبَتَ أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ وإنْ دَلَّ عَلى حُدُوثِها إلّا أنَّهُ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِها أرْبابًا لِلْإنْسانِ وآلِهَةً لِهَذا العالَمِ. والجَوابُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ:
المَقامُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّبِّ والإلَهِ المَوْجُودَ الَّذِي عِنْدَهُ تَنْقَطِعُ الحاجاتُ، ومَتى ثَبَتَ بِأُفُولِ الكَواكِبِ حُدُوثُها، وثَبَتَ في بَداهَةِ العُقُولِ أنَّ كُلَّ ما كانَ مُحْدَثًا فَإنَّهُ يَكُونُ في وُجُودِهِ مُحْتاجًا إلى الغَيْرِ. وجَبَ القَطْعُ بِاحْتِياجِ هَذِهِ الكَواكِبِ في وُجُودِها إلى غَيْرِها، ومَتى ثَبَتَ هَذا المَعْنى امْتَنَعَ كَوْنُها أرْبابًا وآلِهَةً، بِمَعْنى أنَّهُ تَنْقَطِعُ الحاجاتُ عِنْدَ وُجُودِها، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَها آفِلَةً يُوجِبُ القَدْحَ في كَوْنِها أرْبابًا وآلِهَةً بِهَذا التَّفْسِيرِ.
المَقامُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّبِّ والإلَهِ مَن يَكُونُ خالِقًا لَنا ومُوجِدًا لِذَواتِنا وصِفاتِنا. فَنَقُولُ: أُفُولُ الكَواكِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِها عاجِزَةً عَنِ الخَلْقِ والإيجادِ وعَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَتُها وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أُفُولَها يَدُلُّ عَلى حُدُوثِها. وحُدُوثُها يَدُلُّ عَلى افْتِقارِها إلى فاعِلٍ قَدِيمٍ قادِرٍ، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ قادِرِيَّةُ ذَلِكَ القادِرِ أزَلِيَّةً، وإلّا لافْتَقَرَتْ قادِرِيَّتُهُ إلى قادِرٍ آخَرَ، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قادِرِيَّتَهُ أزَلِيَّةٌ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الشَّيْءُ الَّذِي هو مَقْدُورٌ لَهُ إنَّما صَحَّ كَوْنُهُ مَقْدُورًا لَهُ بِاعْتِبارِ إمْكانِهِ، والإمْكانُ واحِدٌ في كُلِّ المُمْكِناتِ. فَثَبَتَ أنَّ ما لِأجْلِهِ صارَ بَعْضُ المُمْكِناتِ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعالى فَهو حاصِلٌ في كُلِّ المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ في كُلِّ المُمْكِناتِ أنْ تَكُونَ مَقْدُورَةً لِلَّهِ تَعالى.
وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ وُقُوعُ شَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ بِغَيْرِهِ عَلى ما بَيَّنّا صِحَّةَ هَذِهِ المَقاماتِ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ في عِلْمِ الأُصُولِ.
فالحاصِلُ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كَوْنَ الكَواكِبِ آفِلَةً يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مُحْدَثَةً، وإنْ كانَ لا يَثْبُتُ هَذا المَعْنى إلّا بِواسِطَةِ مُقَدِّماتٍ كَثِيرَةٍ، وأيْضًا فَكَوْنُها في نَفْسِها مُحْدَثَةً يُوجِبُ القَوْلَ بِامْتِناعِ كَوْنِها قادِرَةً عَلى الإيجادِ والإبْداعِ، وإنْ كانَ لا يَثْبُتُ هَذا المَعْنى إلّا بِواسِطَةِ مُقَدِّماتٍ كَثِيرَةٍ. ودَلائِلُ القُرْآنِ إنَّما يُذْكَرُ فِيها أُصُولُ المُقَدِّماتِ، فَأمّا التَّفْرِيعُ والتَّفْصِيلُ، فَذاكَ إنَّما يَلِيقُ بِعِلْمِ الجَدَلِ. فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ لا جَرَمَ اكْتَفى بِذِكْرِهِما في بَيانِ أنَّ الكَواكِبَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الإيجادِ والإبْداعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَدَلَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأُفُولِها عَلى امْتِناعِ كَوْنِها أرْبابًا وآلِهَةً لِحَوادِثِ هَذا العالَمِ.
صفحة ٤٥
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِها، وحُدُوثِها يَدُلُّ عَلى افْتِقارِها في وُجُودِها إلى القادِرِ المُخْتارِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الفاعِلُ هو الخالِقُ لِلْأفْلاكِ والكَواكِبِ، ومَن كانَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الكَواكِبِ والأفْلاكِ مِن دُونِ واسِطَةِ أيِّ شَيْءٍ كانَ فَبِأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الإنْسانِ أوْلى؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ الشَّيْءِ الأعْظَمِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الشَّيْءِ الأضْعَفِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وبِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ [ يس: ٨١] فَثَبَتَ بِهَذا الطَّرِيقِ أنَّ الإلَهَ الأكْبَرَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ البَشَرِ، وعَلى تَدْبِيرِ العالِمِ الأسْفَلِ بِدُونِ واسِطَةِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الإلَهِ الأكْبَرِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ الشَّمْسِ والنُّجُومِ والقَمَرِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ صَحَّ كَوْنُ بَعْضِ الكَواكِبِ مُوجِدَةً وخالِقَةً، لَبَقِيَ هَذا الِاحْتِمالُ في الكُلِّ وحِينَئِذٍ لا يَعْرِفُ الإنْسانُ أنَّ خالِقَهُ هَذا الكَوْكَبُ. أوْ ذَلِكَ الآخَرُ أوْ مَجْمُوعُ الكَواكِبِ فَيَبْقى شاكًّا في مَعْرِفَةِ خالِقِهِ. أمّا لَوْ عَرَفْنا الكُلَّ وأسْنَدْنا الخَلْقَ والإيجادَ والتَّدْبِيرَ إلى خالِقِ الكُلِّ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُنا مَعْرِفَةُ الخالِقِ والمُوجِدِ، ويُمْكِنُنا الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِهِ وشُكْرِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ كَما يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ كَوْنِها قَدِيمَةً فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ كَوْنِها آلِهَةً لِهَذا العالَمِ وأرْبابًا لِلْحَيَوانِ والإنْسانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ.
فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِنَهارٍ ولَيْلٍ، وكانَ أُفُولُ الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ حاصِلًا في اللَّيْلِ السّابِقِ والنَّهارِ السّابِقِ، وبِهَذا التَّقْرِيرِ لا يَبْقى لِلْأُفُولِ الحاصِلِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَزِيدُ فائِدَةٍ.
والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - إنَّما أوْرَدَ هَذا الدَّلِيلَ عَلى الأقْوامِ الَّذِينَ كانَ يَدْعُوهم مِن عِبادَةِ النُّجُومِ إلى التَّوْحِيدِ. فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ جالِسًا مَعَ أُولَئِكَ الأقْوامِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي وزَجَرَهم عَنْ عِبادَةِ الكَواكِبِ، فَبَيْنَما هو في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الكَلامِ إذْ وقَعَ بَصَرُهُ عَلى كَوْكَبٍ مُضِيءٍ، فَلَمّا أفَلَ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: لَوْ كانَ هَذا الكَوْكَبُ إلَهًا لَما انْتَقَلَ مِنَ الصُّعُودِ إلى الأُفُولِ ومِنَ القُوَّةِ إلى الضَّعْفِ. ثُمَّ في أثْناءِ ذَلِكَ الكَلامِ طَلَعَ القَمَرُ وأفَلَ. فَأعادَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الكَلامَ، وكَذا القَوْلُ في الشَّمْسِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَحْضُرُنا في تَقْرِيرِ دَلِيلِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: تَفَلْسَفَ الغَزالِيُّ في بَعْضِ كُتُبِهِ وحَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الحَيَوانِيَّةِ الَّتِي لِكُلِّ كَوْكَبٍ، والقَمَرَ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي لِكُلِّ فَلَكٍ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ المُجَرَّدِ الَّذِي لِكُلِّ ذَلِكَ، وكانَ أبُو عَلِيِّ بْنُ سَيْناءَ يُفَسِّرُ الأُفُولَ بِالإمْكانِ، فَزَعَمَ الغَزالِيُّ أنَّ المُرادَ بِأُفُولِها إمْكانُها في نَفْسِها، وزَعَمَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ بِأسْرِها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، ولا بُدَّ لَهُ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى واجِبِ الوُجُودِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لا بَأْسَ بِهِ. إلّا أنَّهُ يَبْعُدُ حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى الحِسِّ والقَمَرَ عَلى الخَيالِ والوَهْمِ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ، والمُرادُ أنَّ هَذِهِ القُوى المُدْرِكَةَ الثَّلاثَةَ قاصِرَةٌ مُتَناهِيَةٌ، ومُدَبِّرُ العالَمِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْها قاهِرٌ لَها. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ عَلى أحْكامٍ:
صفحة ٤٦
الحُكْمُ الأوَّلُ
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ إذْ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ غائِبًا عَنّا أبَدًا فَكانَ آفِلًا أبَدًا، وأيْضًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تَعالى يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ تارَةً، ويَصْعَدُ مِنَ السَّماءِ إلى العَرْشِ أُخْرى، وإلّا لَحَصَلَ مَعْنى الأُفُولِ.
الحُكْمُ الثّانِي
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مَحَلًّا لِلصِّفاتِ المُحْدَثَةِ كَما تَقُولُهُ الكَرامِيَّةُ، وإلّا لَكانَ مُتَغَيِّرًا، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مَعْنى الأُفُولِ، وذَلِكَ مُحالٌ.
الحُكْمُ الثّالِثُ
تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدِّينَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى الدَّلِيلِ لا عَلى التَّقْلِيدِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا الِاسْتِدْلالِ فائِدَةٌ البَتَّةَ.
الحُكْمُ الرّابِعُ
تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَعارِفَ الأنْبِياءِ بِرَبِّهِمِ اسْتِدْلالِيَّةٌ لا ضَرُورِيَّةٌ، وإلّا لَما احْتاجَ إبْراهِيمُ إلى الِاسْتِدْلالِ.
الحُكْمُ الخامِسُ
تَدُلُّ عَلى هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في أحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ، إذْ لَوْ أمْكَنَ تَحْصِيلُها بِطَرِيقٍ آخَرَ لَما عَدَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ .
فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، وبَزَغَتِ الشَّمْسُ إذا بَدَأ مِنها طُلُوعٌ، ونُجُومٌ بِوازِغُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ في البَزْغِ وهو الشَّقُّ كَأنَّهُ بِنُورِهِ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ اعْتَبَرَ في القَمَرِ مِثْلَ ما اعْتَبَرَ في الكَوْكَبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ولا يُمْكِنُ حَمْلُ لَفْظِ الهِدايَةِ عَلى التَّمَكُّنِ وإزاحَةِ الأعْذارِ ونَصْبِ الدَّلائِلِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا، فالهِدايَةُ الَّتِي كانَ يَطْلُبُها بَعْدَ حُصُولِ تِلْكَ الأشْياءِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ زائِدَةٌ عَلَيْها.
واعْلَمْ أنَّ كَوْنَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مَذْهَبِنا أظْهَرُ مِن أنْ يَشْتَبِهَ عَلى العاقِلِ؛ لِأنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ أضافَ الهِدايَةَ إلى اللَّهِ تَعالى، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨] وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٥] .
* * *
صفحة ٤٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ في الشَّمْسِ هَذا مَعَ أنَّها مُؤَنَّثَةٌ، ولَمْ يَقُلْ هَذِهِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الشَّمْسَ بِمَعْنى الضِّياءِ والنُّورِ، فَحُمِلَ اللَّفْظُ عَلى التَّأْوِيلِ فَذُكِرَ.
وثانِيها: أنَّ الشَّمْسَ لَمْ يَحْصُلْ فِيها عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، فَلَمّا أشْبَهَ لَفْظُها لَفْظَ المُذَكَّرِ وكانَ تَأْوِيلُها تَأْوِيلًا لِلنُّورِ صَلَحَ التَّذْكِيرُ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ.
وثالِثُها: أرادَ هَذا الطّالِعَ أوْ هَذا الَّذِي أراهُ.
ورابِعُها: المَقْصُودُ مِنهُ رِعايَةُ الأدَبِ، وهو تَرْكُ التَّأْنِيثِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ المُرادُ مِنهُ أكْبَرُ الكَواكِبِ جِرْمًا وأقْواها قُوَّةً، فَكانَ أوْلى بِالإلَهِيَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ الأُفُولُ حاصِلًا في الشَّمْسِ والأُفُولُ يَمْنَعُ مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإذا ثَبَتَ امْتِناعُ صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلشَّمْسِ كانَ امْتِناعُ حُصُولِها لِلْقَمَرِ ولِسائِرِ الكَواكِبِ أوْلى. وبِهَذا الطَّرِيقِ يَظْهَرُ أنَّ ذِكْرَ هَذا الكَلامِ في الشَّمْسِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ في القَمَرِ والكَواكِبِ. فَلِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ الشَّمْسِ رِعايَةً لِلْإيجازِ والِاخْتِصارِ ؟
قُلْنا: إنَّ الأخْذَ مِنَ الأدْوَنِ فالأدْوَنِ، مُتَرَقِّيًا إلى الأعْلى فالأعْلى، لَهُ نَوْعُ تَأْثِيرٍ في التَّقْرِيرِ والبَيانِ والتَّأْكِيدِ لا يَحْصُلُ مِن غَيْرِهِ، فَكانَ ذِكْرُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ، لا جَرَمَ تَبَرَّأ مِنَ الشِّرْكِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن هَذا القَدْرِ نَفْيُ الشَّرِيكِ مُطْلَقًا وإثْباتُ التَّوْحِيدِ، فَلِمَ فَرَّعَ عَلى قِيامِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الكَواكِبِ غَيْرَ صالِحَةٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ الجَزْمُ بِإثْباتِ التَّوْحِيدِ مُطْلَقًا ؟
والجَوابُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا مُساعِدِينَ عَلى نَفْيِ سائِرِ الشُّرَكاءِ، وإنَّما نازَعُوا في هَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ فَلَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَيْسَتْ أرْبابًا ولا آلِهَةً، وثَبَتَ بِالِاتِّفاقِ نَفْيُ غَيْرِها لا جَرَمَ حَصَلَ الجَزْمُ بِنَفْيِ الشُّرَكاءِ عَلى الإطْلاقِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَتَحَ الياءَ مِن ”وجْهِيَ“ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والباقُونَ تَرَكُوا هَذا الفَتْحَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا الكَلامُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ بَلِ المُرادُ وجَّهْتُ عِبادَتِي وطاعَتِي، وسَبَبُ جَوازِ هَذا المَجازِ أنَّ مَن كانَ مُطِيعًا لِغَيْرِهِ مُنْقادًا لِأمْرِهِ، فَإنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِوَجْهِهِ إلَيْهِ، فَجُعِلَ تَوْجِيهُ الوَجْهِ إلَيْهِ كِنايَةً عَنِ الطّاعَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَفِيهِ دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ لَمْ يَقُلْ وجَّهَتْ وجْهِي إلى الَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ. بَلْ تَرَكَ هَذا اللَّفْظَ وذَكَرَ قَوْلَهُ: (﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي﴾ والمَعْنى: أنَّ تَوْجِيهَ وجْهِ القَلْبِ لَيْسَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، بَلْ تَوْجِيهُ وجْهِ القَلْبِ إلى خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ لِأجْلِ عُبُودِيَّتِهِ، فَتَرْكُ كَلِمَةِ ”إلى“ هُنا والِاكْتِفاءُ بِحَرْفِ اللّامِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى كَوْنِ المَعْبُودِ مُتَعالِيًا عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، ومَعْنى فَطَرَ أخْرَجَهُما
صفحة ٤٨
إلى الوُجُودِ، وأصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ، يُقالُ: تَفَطَّرَ الشَّجَرُ بِالوَرَقِ والوَرْدِ إذا أظْهَرَهُما، وأمّا الحَنِيفُ فَهو المائِلُ قالَ أبُو العالِيَةِ: الحَنِيفُ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ البَيْتَ في صِلاتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ العادِلُ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:80
﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ المَذْكُورَةَ، فالقَوْمُ أوْرَدُوا عَلَيْهِ حُجَجًا عَلى صِحَّةِ أقْوالِهِمْ، مِنها أنَّهم تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] وكَقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ومِنها: أنَّهم خَوَّفُوهُ بِأنَّكَ لَمّا طَعَنْتَ في إلَهِيَّةِ هَذِهِ الأصْنامِ وقَعْتَ مِن جِهَةِ هَذِهِ الأصْنامِ في الآفاتِ والبَلِيّاتِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى في قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] فَذَكَرُوا هَذا الجِنْسَ مِنَ الكَلامِ مَعَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
فَأجابَ اللَّهُ عَنْ حُجَّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾، يَعْنِي لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ المُوجِبِ لِلْهِدايَةِ واليَقِينِ صِحَّةُ قَوْلِي، فَكَيْفَ يُلْتَفَتُ إلى حُجَّتِكُمُ العَلِيلَةِ، وكَلِماتِكُمُ الباطِلَةِ.
وأجابَ عَنْ حُجَّتِهِمُ الثّانِيَةِ وهي أنَّهم خَوَّفُوهُ بِالأصْنامِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ لِأنَّ الخَوْفَ إنَّما يَحْصُلُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، والأصْنامُ جَماداتٌ لا تَقْدِرُ ولا قُدْرَةَ لَها عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ الخَوْفُ مِنها ؟
فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ لِلطَّلْسَماتِ آثارًا مَخْصُوصَةً، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ الخَوْفُ مِنها مِن هَذِهِ الجِهَةِ ؟
قُلْنا: الطَّلْسَمُ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى تَأْثِيراتِ الكَواكِبِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قُوى الكَواكِبِ عَلى التَّأْثِيراتِ إنَّما يَحْصُلُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ الرَّجاءُ والخَوْفُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إلّا أنْ أُذْنِبَ فَيَشاءُ إنْزالَ العُقُوبَةِ بِي.
وثانِيها: إلّا أنْ يَشاءَ أنْ يَبْتَلِيَنِي بِمِحَنِ الدُّنْيا فَيَقْطَعَ عَنِّي بَعْضَ عاداتِ نِعَمِهِ.
وثالِثُها: إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي فَأخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ بِأنْ يُحْيِيَها ويُمَكِّنَها مِن ضُرِّي ونَفْعِي، ويُقَدِّرَها عَلى إيصالِ الخَيْرِ والشَّرِّ إلَيَّ.
واللَّفْظُ يَحْتَمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْدُثَ لِلْإنْسانِ في مُسْتَقْبَلِ عُمْرِهِ شَيْءٌ مِنَ المَكارِهِ، والحَمْقى مِنَ النّاسِ يَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما حَدَثَ ذَلِكَ المَكْرُوهُ بِسَبَبِ أنَّهُ طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، فَذَكَرَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ حَتّى لَوْ أنَّهُ حَدَثَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَكارِهِ لَمْ يُحْمَلْ عَلى هَذا السَّبَبِ.
صفحة ٤٩
ثُمَّ قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَعْنِي أنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ فَلا يَفْعَلُ إلّا الصَّلاحَ والخَيْرَ والحِكْمَةَ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَحْدُثَ مِن مَكارِهِ الدُّنْيا فَذاكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى عُرِفَ وجْهُ الصَّلاحِ والخَيْرِ فِيهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ عُقُوبَةٌ عَلى الطَّعْنِ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أفَلا تَتَذَكَّرُونَ أنَّ نَفْيَ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ عَنِ اللَّهِ تَعالى لا يُوجِبُ حُلُولَ العِقابِ ونُزُولَ العَذابِ، والسَّعْيُ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ لا يُوجِبُ اسْتِحْقاقَ العِقابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”أتُحاجُّونِي“ خَفِيفَةَ النُّونِ عَلى حَذْفِ أحَدِ النُّونَيْنِ، والباقُونَ عَلى التَّشْدِيدِ عَلى الإدْغامِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ هَدانِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (هَدانِي) بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها لِلتَّخْفِيفِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حاجَّهم في اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ والقَوْمُ أيْضًا حاجُّوهُ في اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى خَبَرًا عَنْهم: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ فَحَصَلَ لَنا مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُحاجَّةَ في اللَّهِ تارَةً تَكُونُ مُوجِبَةً لِلْمَدْحِ العَظِيمِ والثَّناءِ البالِغِ، وهي المُحاجَّةُ الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ المَدْحُ والثَّناءُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ وتارَةً تَكُونُ مُوجِبَةً لِلذَّمِّ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ البابَيْنِ إلّا أنَّ المُحاجَّةَ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ تُوجِبُ أعْظَمَ أنْواعِ المَدْحِ والثَّناءِ، والمُحاجَّةُ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الباطِلِ تُوجِبُ أعْظَمَ أنْواعِ الذَّمِّ والزَّجْرِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ صارَ هَذا قانُونًا مُعْتَبَرًا، فَكُلُّ مَوْضِعٍ جاءَ في القُرْآنِ والأخْبارِ يَدُلُّ عَلى تَهْجِينِ أمْرِ المُحاجَّةِ والمُناظَرَةِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى تَقْرِيرِ الدِّينِ الباطِلِ، وكُلُّ مَوْضِعٍ جاءَ يَدُلُّ عَلى مَدْحِهِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ والمَذْهَبِ الصِّدْقِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ الجَوابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، والتَّقْدِيرُ: وكَيْفَ أخافُ الأصْنامَ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، وأنْتُمْ لا تَخافُونَ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ الذُّنُوبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ فِيهِ
صفحة ٥٠
وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ امْتِناعِ وُجُودِ الحُجَّةِ والسُّلْطانِ في مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] والمُرادُ مِنهُ امْتِناعُ حُصُولِ البُرْهانِ فِيهِ.
والثّانِي: أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا أنْ يُؤْمَرَ بِاتِّخاذِ تِلْكَ التَّماثِيلِ والصُّوَرِ قِبْلَةً لِلدُّعاءِ والصَّلاةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَعْناهُ: عَدَمُ وُرُودِ الأمْرِ بِهِ. وحاصِلُ هَذا الكَلامِ: ما لَكم تُنْكِرُونَ عَلَيَّ الأمْنَ في مَوْضِعِ الأمْنِ، ولا تُنْكِرُونَ عَلى أنْفُسِكُمُ الأمْنَ في مَوْضِعِ الخَوْفِ ؟ ولَمْ يَقُلْ: فَأيُّنا أحَقُّ بِالأمْنِ أنا أمْ أنْتُمْ ؟ احْتِرازًا مِن تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ يَعْنِي فَرِيقَيِ المُشْرِكِينَ والمُوَحِّدِينَ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الجَوابَ عَنِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ وهَذا مِن تَمامِ كَلامِ إبْراهِيمَ في المُحاجَّةِ، والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ الأمْنُ المُطْلَقُ هُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ مُسْتَجْمِعِينَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ:
أوَّلُهُما: الإيمانُ وهو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ.
وثانِيهِما: ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ وهو كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهٍ، والمُعْتَزِلَةَ يَتَمَسَّكُونَ بِها مِن وجْهٍ آخَرَ.
أمّا وجْهُ تَمَسُّكِ أصْحابِنا فَهو أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى شَرَطَ في الإيمانِ المُوجِبِ لِلْأمْنِ عَدَمَ الظُّلْمِ، ولَوْ كانَ تَرْكُ الظُّلْمِ أحَدَ أجْزاءِ مُسَمّى الإيمانِ لَكانَ هَذا التَّقْيِيدُ عَبَثًا، فَثَبَتَ أنَّ الفاسِقَ مُؤْمِنٌ وبَطَلَ بِهِ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا وجْهُ تَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ بِها فَهو أنَّهُ تَعالى شَرَطَ في حُصُولِ الأمْنِ حُصُولَ الأمْرَيْنِ، الإيمانِ وعَدَمِ الظُّلْمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ الأمْنُ لِلْفاسِقِ وذَلِكَ يُوجِبُ حُصُولَ الوَعِيدِ لَهُ.
وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ المُرادُ مِنَ الظُّلْمِ الشِّرْكُ، لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ لُقْمانَ إذْ قالَ لِابْنِهِ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فالمُرادُ هَهُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ولَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ شَرِيكًا في المَعْبُودِيَّةِ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها إنَّما ورَدَتْ في نَفْيِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ، ولَيْسَ فِيها ذِكْرُ الطّاعاتِ والعِباداتِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الظُّلْمِ هَهُنا عَلى ذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ وعِيدَ الفاسِقِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ يُحْتَمَلُ أنْ يُعَذِّبَهُ اللَّهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ: فالأمْنُ زائِلٌ والخَوْفُ حاصِلٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ الأمْنِ القِطَعُ بِحُصُولِ العَذابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.