Tafsir Al-Razi — المائدة 5:99 – الأنعام 6:37
المحتويات
- المائدة 5:99
- المائدة 5:100
- المائدة 5:101
- المائدة 5:102
- المائدة 5:103
- المائدة 5:104
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:112
- المائدة 5:113
- المائدة 5:114
- المائدة 5:115
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:3
- الأنعام 6:4
- الأنعام 6:5
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:12
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:14
- الأنعام 6:15
- الأنعام 6:16
- الأنعام 6:17
- الأنعام 6:18
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:20
- الأنعام 6:21
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:23
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:29
- الأنعام 6:30
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:32
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:34
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:37
المائدة 5:99
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ التَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كانَ مُكَلَّفًا بِالتَّبْلِيغِ فَلَمّا بَلَّغَ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ وبَقِيَ الأمْرُ مِن جانِبِكم وأنا عالِمٌ بِما تُبْدُونَ
صفحة ٨٦
وبِما تَكْتُمُونَ، فَإنْ خالَفْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وإنْ أطَعْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَجَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ ورَغَّبَ في الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ قِسْمانِ، أحَدُهُما: الَّذِي يَكُونُ جُسْمانِيًّا، وهو ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ.
والثّانِي: الَّذِي يَكُونُ رُوحانِيًّا، وأخْبَثُ الخَبائِثِ الرُّوحانِيَّةِ الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، وأطْيَبُ الطَّيِّباتِ الرُّوحانِيَّةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَلْتَصِقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجاساتِ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا عِنْدَ أرْبابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ، فَكَذَلِكَ الأرْواحُ المَوْصُوفَةُ بِالجَهْلِ بِاللَّهِ والإعْراضِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى تَصِيرُ مُسْتَقْذَرَةً عِنْدَ الأرْواحِ الكامِلَةِ المُقَدَّسَةِ.
وأمّا الأرْواحُ العارِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى المُواظِبَةُ عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّها تَصِيرُ مُشْرِقَةً بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، مُبْتَهِجَةً بِالقُرْبِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ، وكَما أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، فَكَذَلِكَ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، بَلِ المُبايَنَةُ بَيْنَهُما في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدُّ؛ لِأنَّ مَضَرَّةَ خُبْثِ الخَبِيثِ الجُسْمانِيِّ شَيْءٌ قَلِيلٌ، ومَنفَعَتَهُ طَيِّبَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، وأمّا خُبْثُ الخَبِيثِ الرُّوحانِيِّ فَمَضَرَّتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وطَيِّبُ الطَّيِّبِ الرُّوحانِيِّ فَمَنفَعَتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وهو القُرْبُ مِن جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والمُرافَقَةُ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ وُجُوهِ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَكُونُ خَبِيثًا في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ قَدْ يَكُونُ طَيِّبًا في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ، ويَكُونُ كَثِيرَ المِقْدارِ، وعَظِيمَ اللَّذَّةِ، إلّا أنَّهُ مَعَ كَثْرَةِ مِقْدارِهِ ولَذاذَةِ مُتَناوَلِهِ وقُرْبِ وِجْدانِهِ، سَبَبٌ لِلْحِرْمانِ مِنَ السَّعاداتِ الباقِيَةِ الأبَدِيَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ، الَّتِي إلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالخَبِيثُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَتُهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلطَّيِّبِ الَّذِي هو المَعْرِفَةُ والمَحَبَّةُ والطّاعَةُ والِابْتِهاجُ بِالسَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والكَراماتِ الرَّبّانِيَّةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ التَّرْغِيباتِ الكَثِيرَةَ في الطّاعَةِ، والتَّحْذِيراتِ مِنَ المَعْصِيَةِ، أتْبَعَها بِوَجْهٍ آخَرَ يُؤَكِّدُها، فَقالَ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ فاتَّقُوا اللَّهَ بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ الجَلِيَّةِ والتَّعْرِيفاتِ القَوِيَّةِ، ولا تُقْدِمُوا عَلى مُخالَفَتِهِ لَعَلَّكم تَصِيرُونَ فائِزِينَ بِالمَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ.
المائدة 5:100
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ التَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كانَ مُكَلَّفًا بِالتَّبْلِيغِ فَلَمّا بَلَّغَ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ وبَقِيَ الأمْرُ مِن جانِبِكم وأنا عالِمٌ بِما تُبْدُونَ
صفحة ٨٦
وبِما تَكْتُمُونَ، فَإنْ خالَفْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وإنْ أطَعْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَجَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ ورَغَّبَ في الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ قِسْمانِ، أحَدُهُما: الَّذِي يَكُونُ جُسْمانِيًّا، وهو ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ.
والثّانِي: الَّذِي يَكُونُ رُوحانِيًّا، وأخْبَثُ الخَبائِثِ الرُّوحانِيَّةِ الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، وأطْيَبُ الطَّيِّباتِ الرُّوحانِيَّةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَلْتَصِقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجاساتِ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا عِنْدَ أرْبابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ، فَكَذَلِكَ الأرْواحُ المَوْصُوفَةُ بِالجَهْلِ بِاللَّهِ والإعْراضِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى تَصِيرُ مُسْتَقْذَرَةً عِنْدَ الأرْواحِ الكامِلَةِ المُقَدَّسَةِ.
وأمّا الأرْواحُ العارِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى المُواظِبَةُ عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّها تَصِيرُ مُشْرِقَةً بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، مُبْتَهِجَةً بِالقُرْبِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ، وكَما أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، فَكَذَلِكَ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، بَلِ المُبايَنَةُ بَيْنَهُما في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدُّ؛ لِأنَّ مَضَرَّةَ خُبْثِ الخَبِيثِ الجُسْمانِيِّ شَيْءٌ قَلِيلٌ، ومَنفَعَتَهُ طَيِّبَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، وأمّا خُبْثُ الخَبِيثِ الرُّوحانِيِّ فَمَضَرَّتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وطَيِّبُ الطَّيِّبِ الرُّوحانِيِّ فَمَنفَعَتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وهو القُرْبُ مِن جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والمُرافَقَةُ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ وُجُوهِ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَكُونُ خَبِيثًا في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ قَدْ يَكُونُ طَيِّبًا في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ، ويَكُونُ كَثِيرَ المِقْدارِ، وعَظِيمَ اللَّذَّةِ، إلّا أنَّهُ مَعَ كَثْرَةِ مِقْدارِهِ ولَذاذَةِ مُتَناوَلِهِ وقُرْبِ وِجْدانِهِ، سَبَبٌ لِلْحِرْمانِ مِنَ السَّعاداتِ الباقِيَةِ الأبَدِيَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ، الَّتِي إلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالخَبِيثُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَتُهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلطَّيِّبِ الَّذِي هو المَعْرِفَةُ والمَحَبَّةُ والطّاعَةُ والِابْتِهاجُ بِالسَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والكَراماتِ الرَّبّانِيَّةِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ التَّرْغِيباتِ الكَثِيرَةَ في الطّاعَةِ، والتَّحْذِيراتِ مِنَ المَعْصِيَةِ، أتْبَعَها بِوَجْهٍ آخَرَ يُؤَكِّدُها، فَقالَ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ فاتَّقُوا اللَّهَ بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ الجَلِيَّةِ والتَّعْرِيفاتِ القَوِيَّةِ، ولا تُقْدِمُوا عَلى مُخالَفَتِهِ لَعَلَّكم تَصِيرُونَ فائِزِينَ بِالمَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ.
المائدة 5:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ .
المَسْألَةُ الأُولى: في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ صارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ إلَيْكم فَخُذُوهُ وكُونُوا مُنْقادِينَ لَهُ، وما لَمْ يُبَلِّغْهُ الرَّسُولُ إلَيْكم
صفحة ٨٧
فَلا تَسْألُوا عَنْهُ ولا تَخُوضُوا فِيهِ، فَإنَّكم إنْ خُضْتُمْ فِيما لا تَكْلِيفَ فِيهِ عَلَيْكم فَرُبَّما جاءَكم بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَوْضِ الفاسِدِ مِنَ التَّكالِيفِ ما يَثْقُلُ عَلَيْكم ويَشُقُّ عَلَيْكم.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ وهَذا ادِّعاءٌ مِنهُ لِلرِّسالَةِ، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ كانُوا يُطالِبُونَهُ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهم: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٣] والمَعْنى أنِّي رَسُولٌ أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والشَّرائِعِ والأحْكامِ إلَيْكم، واللَّهُ تَعالى قَدْ أقامَ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ دَعْوايَ في الرِّسالَةِ بِإظْهارِ أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبُ الزِّيادَةِ مِن بابِ التَّحَكُّمِ وذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِي، ولَعَلَّ إظْهارَها يُوجِبُ ما يَسُوءُكم مِثْلُ أنَّها لَوْ ظَهَرَتْ فَكُلُّ مَن خالَفَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَوْجَبَ العِقابَ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا الكُفّارَ يُطالِبُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ، وقَعَ في قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ إلى ظُهُورِها فَعَرَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لا يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ فَرُبَّما كانَ ظُهُورُها يُوجِبُ ما يَسُوءُهم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ فاتْرُكُوا الأُمُورَ عَلى ظَواهِرِها ولا تَسْألُوا عَنْ أحْوالٍ مُخِيفَةٍ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (أشْياءَ) جَمْعُ شَيْءٍ، وإنَّها غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ، ولِلنَّحْوِيِّينَ في سَبَبِ امْتِناعِ الصَّرْفِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: قَوْلُنا: شَيْءٌ، جَمْعُهُ في الأصْلِ شَيْآءُ، عَلى وزْنِ فَعْلاءَ، فاسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ الهَمْزَتَيْنِ في آخِرِهِ، فَنَقَلُوا الهَمْزَةَ الأُولى الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ إلى أوَّلِ الكَلِمَةِ فَجاءَتْ: لَفْعاءُ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَنعَ الصَّرْفِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، واحِدٌ مِنها مَذْكُورٌ، واثْنانِ خَطَرا بِبالِي:
أمّا الأوَّلُ: وهو المَذْكُورُ؛ فَهو أنَّ الكَلِمَةَ لَمّا كانَتْ في الأصْلِ عَلى وزْنِ فَعَلاءَ، مِثْلُ حَمْراءَ، لا جَرَمَ لَمْ تَنْصَرِفْ حَمْراءُ. ٥٠ والثّانِي: أنَّها لَمّا كانَتْ في الأصْلِ (شَيَآءَ) ثُمَّ جُعِلَتْ (أشْياءَ) كانَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالمَعْدُولِ كَما في عامِرٍ وعُمَرَ، وزافِرٍ وزُفَرَ، والعَدْلُ أحَدُ أسْبابِ مَنعِ الصَّرْفِ.
الثّالِثُ: وهو أنّا لَمّا قَطَعْنا الحَرْفَ الأخِيرَ مِنهُ وجَعَلْناهُ أوَّلَهُ، والكَلِمَةُ مِن حَيْثُ إنَّها قُطِعَ مِنها الحَرْفُ الأخِيرُ صارَتْ كَنِصْفِ الكَلِمَةِ، ونِصْفُ الكَلِمَةِ لا يَقْبَلُ الإعْرابَ، ومِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الحَرْفَ الَّذِي قَطَعْناهُ مِنها ما حَذَفْناهُ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ ألْصَقْناهُ بِأوَّلِها، كانَتِ الكَلِمَةُ كَأنَّها باقِيَةٌ بِتَمامِها، فَلا جَرَمَ مَنَعْناهُ بَعْضَ وُجُوهِ الإعْرابِ دُونَ البَعْضِ، تَنْبِيهًا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في هَذا المَقامِ.
الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ السَّبَبِ في مَنعِ الصَّرْفِ: ما ذَكَرَهُ الأخْفَشُ والفَرّاءُ وهو أنَّ (أشْياءَ) وزْنُهُ أفْعِلاءُ، كَقَوْلِهِ أصْدِقاءُ وأصْفِياءُ، ثُمَّ إنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ الياءِ والهَمْزَتَيْنِ فَقَدَّمُوا الهَمْزَةَ، فَلَمّا كانَ (أشْياءُ) في الأصْلِ (أشْيِياءَ) عَلى وزْنِ أصْدِقاءَ وأفْعِلاءَ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا لا يَجْرِي فِيهِ الصَّرْفُ، فَكَذا هاهُنا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الكِسائِيُّ وهو أنَّ (أشْياءَ) عَلى وزْنِ أفْعالٍ، إلّا أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوهُ لِكَوْنِهِ شَبِيهًا في الظّاهِرِ بِحَمْراءَ وصَفْراءَ، وألْزَمَهُ الزَّجّاجُ أنْ لا يَنْصَرِفَ أسْماءٌ وأبْناءٌ، وعِنْدِي أنَّ سُؤالَ الزَّجّاجِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لِلْكِسائِيِّ أنْ يَقُولَ: القِياسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ في أبْناءٍ وأسْماءٍ، إلّا أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ لِلنَّصِّ؛ لِأنَّ النَّصَّ أقْوى مِنَ القِياسِ، ولَمْ يُوجَدِ النَّصُّ في لَفْظِ أشْياءَ فَوَجَبَ الجَرْيُ فِيهِ عَلى القِياسِ، ولِأنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ العِلَلَ النَّحْوِيَّةَ لا تُوجِبُ الِاطِّرادَ، ألا تَرى أنّا إذا قُلْنا: الفاعِلِيَّةُ تُوجِبُ الرَّفْعَ، لَزِمَنا أنْ نَحْكُمَ
صفحة ٨٨
بِحُصُولِ الرَّفْعِ في جَمِيعِ المَواضِعِ، كَقَوْلِنا جاءَنِي هَؤُلاءِ وضَرَبَنِي هَذا؛ بَلْ نَقُولُ: القِياسُ ذَلِكَ، فَيُعْمَلُ بِهِ إلّا إذا عارَضَهُ نَصٌّ، فَكَذا القَوْلُ فِيما أوْرَدَهُ الزَّجّاجُ عَلى الكِسائِيِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «رَوى أنَسٌ أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ فَأكْثَرُوا المَسْألَةَ، فَقامَ عَلى المِنبَرِ فَقالَ: سَلُونِي فَواللَّهِ لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا إلّا حَدَّثْتُكم بِهِ، فَقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ السَّهْمِيُّ وكانَ يُطْعَنُ في نَسَبِهِ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مَن أبِي ؟ فَقالَ: أبُوكَ حُذافَةُ بْنُ قَيْسٍ، وقالَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ - ويُرْوى عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ - يا رَسُولَ اللَّهِ، الحَجُّ عَلَيْنا في كُلِّ عامٍ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أعادَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَةً، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ويْحَكَ وما يُؤَمِّنُكَ أنْ أقُولَ نَعَمْ، واللَّهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَتَرَكْتُمْ، ولَوْ تَرَكْتُمْ لَكَفَرْتُمْ، فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكم؛ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، فَإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فائْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ“ وقامَ آخَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ أبِي ؟ فَقالَ: ”فِي النّارِ“ ولَمّا اشْتَدَّ غَضَبُ الرَّسُولِ ﷺ قامَ عُمَرُ وقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ عَنِ الأشْياءِ رُبَّما يُؤَدِّي إلى ظُهُورِ أحْوالٍ مَكْتُومَةٍ يُكْرَهُ ظُهُورُها ورُبَّما تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ تَكالِيفُ شاقَّةٌ صَعْبَةٌ، فالأوْلى بِالعاقِلِ أنْ يَسْكُتَ عَمّا لا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ، ألا تَرى أنَّ الَّذِي سَألَ عَنْ أبِيهِ فَإنَّهُ لَمْ يَأْمَن أنْ يُلْحِقَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغَيْرِ أبِيهِ فَيَفْتَضِحَ، وأمّا السّائِلُ عَنِ الحَجِّ فَقَدْ كادَ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ: ”«إنَّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن كانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ حَلالٍ» “ إذْ لَمْ يُؤْمَن أنْ يَقُولَ في الحَجِّ إيجابٌ في كُلِّ عامٍ. وكانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أحَلَّ وحَرَّمَ، فَما أحَلَّ فاسْتَحِلُّوهُ وما حَرَّمَ فاجْتَنِبُوهُ، وتَرَكَ بَيْنَ ذَلِكَ أشْياءَ لَمْ يُحَلِّلْها ولَمْ يُحَرِّمْها، فَذَلِكَ عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ أبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ: إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، ونَهى عَنْ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وعَفا عَنْ أشْياءَ مِن غَيْرِ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ بَيَّنَ بِالآيَةِ الأُولى أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألُوا عَنْها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، ثُمَّ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهم، فَكانَ حاصِلُ الكَلامِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهم، وإنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، فَيَلْزَمُ مِن مَجْمُوعِ المُقَدِّمَتَيْنِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها ظَهَرَ لَهم ما يَسُوءُهم ولا يَسُرُّهم.
والوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّ السُّؤالَ عَلى قِسْمَيْنِ، أحَدُهُما: السُّؤالُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَهَذا السُّؤالُ مَنهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ .
والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ السُّؤالِ: السُّؤالُ عَنْ شَيْءٍ نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ لَكِنَّ السّامِعَ لَمْ يَفْهَمْهُ كَما يَنْبَغِي فَهاهُنا
صفحة ٨٩
السُّؤالُ واجِبٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا القِسْمِ أنَّهُ لَمّا مَنَعَ في الآيَةِ الأُولى مِنَ السُّؤالِ أوْهَمَ أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ السُّؤالِ مَمْنُوعٌ مِنهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ تَمْيِيزًا لِهَذا القِسْمِ عَنْ ذَلِكَ القِسْمِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾ هَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ فَكَيْفَ يُعْقَلُ في (أشْياءَ) بِأعْيانِها أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا وجائِزًا مَعًا ؟
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ بِها ومَأْمُورًا بِهِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ بِها.
والثّانِي: أنَّهُما وإنْ كانا نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إلّا أنَّهُما في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَسْئُولًا عَنْهُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَلِهَذا الوَجْهِ حَسُنَ اتِّحادُ الضَّمِيرِ وإنْ كانا في الحَقِيقَةِ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ دَلَّ عَلى سُؤالاتِهِمْ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾ أيْ وإنْ تَسْألُوا عَنْ تِلْكَ السُّؤالاتِ حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ يُبَيَّنْ لَكم أنَّ تِلْكَ السُّؤالاتِ هَلْ هي جائِزَةٌ أمْ لا ؟ والحاصِلُ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَجِبُ السُّؤالُ أوَّلًا، وأنَّهُ هَلْ يَجُوزُ السُّؤالُ عَنْ كَذا وكَذا أمْ لا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ مِن مَسائِلِكم وإغْضابِكم لِلرَّسُولِ بِسَبَبِها، فَلا تَعُودُوا إلى مِثْلِها.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألُوا عَنْها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، فَقالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ يَعْنِي عَمّا ظَهَرَ عِنْدَ تِلْكَ السُّؤالاتِ مِمّا يَسُوءُكم ويَثْقُلُ ويَشُقُّ في التَّكْلِيفِ عَلَيْكم.
الثّالِثُ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ عَفا اللَّهُ عَنْها في الآيَةِ ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الكَلامَ إذا اسْتَقامَ مِن غَيْرِ تَغْيِيرِ النَّظْمِ لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ أيْ أمْسَكَ عَنْها وكَفَّ عَنْ ذِكْرِها ولَمْ يُكَلِّفْ فِيها بِشَيْءٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَفَوْتُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ، والرَّقِيقِ» “ أيْ خَفَّفْتُ عَنْكم بِإسْقاطِها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ ما ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي قَوْمَ صالِحٍ سَألُوا النّاقَةَ ثُمَّ عَقَرُوها، وقَوْمُ مُوسى قالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فَصارَ ذَلِكَ وبالًا عَلَيْهِمْ، وبَنُو إسْرائِيلَ ﴿قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ و﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٧] فَسَألُوها ثُمَّ كَفَرُوا بِها، وقَوْمُ عِيسى سَألُوا المائِدَةَ ثُمَّ كَفَرُوا بِها، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أُولَئِكَ سَألُوا فَلَمّا أُعْطُوا سُؤْلَهم ساءَهم ذَلِكَ فَلا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ فَلَعَلَّكم إنْ أُعْطِيتُمْ سُؤْلَكم ساءَكم ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ ثُمَّ قالَ هاهُنا: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وكانَ الأوْلى أنْ يَقُولَ: قَدْ سَألَ عَنْها قَوْمٌ فَما السَّبَبُ في ذَلِكَ ؟
صفحة ٩٠
قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ السُّؤالَ عَنِ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالَةٍ مِن أحْوالِهِ وصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، وسُؤالُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، يُقالُ: سَألْتُهُ دِرْهَمًا؛ أيْ طَلَبْتُ مِنهُ الدِّرْهَمَ، ويُقالُ: سَألْتُهُ عَنِ الدِّرْهَمِ؛ أيْ سَألْتُهُ عَنْ صِفَةِ الدِّرْهَمِ وعَنْ نَعْتِهِ، فالمُتَقَدِّمُونَ إنَّما سَألُوا مِنَ اللَّهِ إخْراجَ النّاقَةِ مِنَ الصَّخْرَةِ، وإنْزالَ المائِدَةِ مِنَ السَّماءِ، فَهم سَألُوا نَفْسَ الشَّيْءِ، وأمّا أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم ما سَألُوا ذَلِكَ، وإنَّما سَألُوا عَنْ أحْوالِ الأشْياءِ وصِفاتِها، فَلَمّا اخْتَلَفَ السُّؤالانِ في النَّوْعِ اخْتَلَفَتِ العِبارَةُ أيْضًا، إلّا أنَّ كِلا القِسْمَيْنِ يَشْتَرِكانِ في وصْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَوْضٌ في الفُضُولِ، وشُرُوعٌ فِيما لا حاجَةَ إلَيْهِ، وفِيهِ خَطَرُ المَفْسَدَةِ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يُحْتاجُ إلَيْهِ ويَكُونُ فِيهِ خَطَرُ المَفْسَدَةِ يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ عَنْهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في السُّؤالِ عَنْ أحْوالِ الأشْياءِ مُشابِهُونَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في سُؤالِ تِلْكَ الأشْياءِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فُضُولًا وخَوْضًا فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَألَها﴾ غَيْرُ عائِدَةٍ إلى الأشْياءِ الَّتِي سَألُوا عَنْها، بَلْ عائِدَةٌ إلى سُؤالاتِهِمْ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، والتَّقْدِيرُ: قَدْ سَألَ تِلْكَ السُّؤالاتِ الفاسِدَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم، فَلَمّا أُجِيبُوا عَنْها أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ.
المائدة 5:102
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ .
المَسْألَةُ الأُولى: في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ صارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ إلَيْكم فَخُذُوهُ وكُونُوا مُنْقادِينَ لَهُ، وما لَمْ يُبَلِّغْهُ الرَّسُولُ إلَيْكم
صفحة ٨٧
فَلا تَسْألُوا عَنْهُ ولا تَخُوضُوا فِيهِ، فَإنَّكم إنْ خُضْتُمْ فِيما لا تَكْلِيفَ فِيهِ عَلَيْكم فَرُبَّما جاءَكم بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَوْضِ الفاسِدِ مِنَ التَّكالِيفِ ما يَثْقُلُ عَلَيْكم ويَشُقُّ عَلَيْكم.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ وهَذا ادِّعاءٌ مِنهُ لِلرِّسالَةِ، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ كانُوا يُطالِبُونَهُ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهم: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٣] والمَعْنى أنِّي رَسُولٌ أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والشَّرائِعِ والأحْكامِ إلَيْكم، واللَّهُ تَعالى قَدْ أقامَ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ دَعْوايَ في الرِّسالَةِ بِإظْهارِ أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبُ الزِّيادَةِ مِن بابِ التَّحَكُّمِ وذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِي، ولَعَلَّ إظْهارَها يُوجِبُ ما يَسُوءُكم مِثْلُ أنَّها لَوْ ظَهَرَتْ فَكُلُّ مَن خالَفَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَوْجَبَ العِقابَ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا الكُفّارَ يُطالِبُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ، وقَعَ في قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ إلى ظُهُورِها فَعَرَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لا يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ فَرُبَّما كانَ ظُهُورُها يُوجِبُ ما يَسُوءُهم.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ فاتْرُكُوا الأُمُورَ عَلى ظَواهِرِها ولا تَسْألُوا عَنْ أحْوالٍ مُخِيفَةٍ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (أشْياءَ) جَمْعُ شَيْءٍ، وإنَّها غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ، ولِلنَّحْوِيِّينَ في سَبَبِ امْتِناعِ الصَّرْفِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: قَوْلُنا: شَيْءٌ، جَمْعُهُ في الأصْلِ شَيْآءُ، عَلى وزْنِ فَعْلاءَ، فاسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ الهَمْزَتَيْنِ في آخِرِهِ، فَنَقَلُوا الهَمْزَةَ الأُولى الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ إلى أوَّلِ الكَلِمَةِ فَجاءَتْ: لَفْعاءُ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَنعَ الصَّرْفِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، واحِدٌ مِنها مَذْكُورٌ، واثْنانِ خَطَرا بِبالِي:
أمّا الأوَّلُ: وهو المَذْكُورُ؛ فَهو أنَّ الكَلِمَةَ لَمّا كانَتْ في الأصْلِ عَلى وزْنِ فَعَلاءَ، مِثْلُ حَمْراءَ، لا جَرَمَ لَمْ تَنْصَرِفْ حَمْراءُ. ٥٠ والثّانِي: أنَّها لَمّا كانَتْ في الأصْلِ (شَيَآءَ) ثُمَّ جُعِلَتْ (أشْياءَ) كانَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالمَعْدُولِ كَما في عامِرٍ وعُمَرَ، وزافِرٍ وزُفَرَ، والعَدْلُ أحَدُ أسْبابِ مَنعِ الصَّرْفِ.
الثّالِثُ: وهو أنّا لَمّا قَطَعْنا الحَرْفَ الأخِيرَ مِنهُ وجَعَلْناهُ أوَّلَهُ، والكَلِمَةُ مِن حَيْثُ إنَّها قُطِعَ مِنها الحَرْفُ الأخِيرُ صارَتْ كَنِصْفِ الكَلِمَةِ، ونِصْفُ الكَلِمَةِ لا يَقْبَلُ الإعْرابَ، ومِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الحَرْفَ الَّذِي قَطَعْناهُ مِنها ما حَذَفْناهُ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ ألْصَقْناهُ بِأوَّلِها، كانَتِ الكَلِمَةُ كَأنَّها باقِيَةٌ بِتَمامِها، فَلا جَرَمَ مَنَعْناهُ بَعْضَ وُجُوهِ الإعْرابِ دُونَ البَعْضِ، تَنْبِيهًا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في هَذا المَقامِ.
الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ السَّبَبِ في مَنعِ الصَّرْفِ: ما ذَكَرَهُ الأخْفَشُ والفَرّاءُ وهو أنَّ (أشْياءَ) وزْنُهُ أفْعِلاءُ، كَقَوْلِهِ أصْدِقاءُ وأصْفِياءُ، ثُمَّ إنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ الياءِ والهَمْزَتَيْنِ فَقَدَّمُوا الهَمْزَةَ، فَلَمّا كانَ (أشْياءُ) في الأصْلِ (أشْيِياءَ) عَلى وزْنِ أصْدِقاءَ وأفْعِلاءَ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا لا يَجْرِي فِيهِ الصَّرْفُ، فَكَذا هاهُنا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الكِسائِيُّ وهو أنَّ (أشْياءَ) عَلى وزْنِ أفْعالٍ، إلّا أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوهُ لِكَوْنِهِ شَبِيهًا في الظّاهِرِ بِحَمْراءَ وصَفْراءَ، وألْزَمَهُ الزَّجّاجُ أنْ لا يَنْصَرِفَ أسْماءٌ وأبْناءٌ، وعِنْدِي أنَّ سُؤالَ الزَّجّاجِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لِلْكِسائِيِّ أنْ يَقُولَ: القِياسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ في أبْناءٍ وأسْماءٍ، إلّا أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ لِلنَّصِّ؛ لِأنَّ النَّصَّ أقْوى مِنَ القِياسِ، ولَمْ يُوجَدِ النَّصُّ في لَفْظِ أشْياءَ فَوَجَبَ الجَرْيُ فِيهِ عَلى القِياسِ، ولِأنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ العِلَلَ النَّحْوِيَّةَ لا تُوجِبُ الِاطِّرادَ، ألا تَرى أنّا إذا قُلْنا: الفاعِلِيَّةُ تُوجِبُ الرَّفْعَ، لَزِمَنا أنْ نَحْكُمَ
صفحة ٨٨
بِحُصُولِ الرَّفْعِ في جَمِيعِ المَواضِعِ، كَقَوْلِنا جاءَنِي هَؤُلاءِ وضَرَبَنِي هَذا؛ بَلْ نَقُولُ: القِياسُ ذَلِكَ، فَيُعْمَلُ بِهِ إلّا إذا عارَضَهُ نَصٌّ، فَكَذا القَوْلُ فِيما أوْرَدَهُ الزَّجّاجُ عَلى الكِسائِيِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «رَوى أنَسٌ أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ فَأكْثَرُوا المَسْألَةَ، فَقامَ عَلى المِنبَرِ فَقالَ: سَلُونِي فَواللَّهِ لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا إلّا حَدَّثْتُكم بِهِ، فَقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ السَّهْمِيُّ وكانَ يُطْعَنُ في نَسَبِهِ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مَن أبِي ؟ فَقالَ: أبُوكَ حُذافَةُ بْنُ قَيْسٍ، وقالَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ - ويُرْوى عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ - يا رَسُولَ اللَّهِ، الحَجُّ عَلَيْنا في كُلِّ عامٍ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أعادَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَةً، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ويْحَكَ وما يُؤَمِّنُكَ أنْ أقُولَ نَعَمْ، واللَّهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَتَرَكْتُمْ، ولَوْ تَرَكْتُمْ لَكَفَرْتُمْ، فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكم؛ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، فَإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فائْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ“ وقامَ آخَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ أبِي ؟ فَقالَ: ”فِي النّارِ“ ولَمّا اشْتَدَّ غَضَبُ الرَّسُولِ ﷺ قامَ عُمَرُ وقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ عَنِ الأشْياءِ رُبَّما يُؤَدِّي إلى ظُهُورِ أحْوالٍ مَكْتُومَةٍ يُكْرَهُ ظُهُورُها ورُبَّما تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ تَكالِيفُ شاقَّةٌ صَعْبَةٌ، فالأوْلى بِالعاقِلِ أنْ يَسْكُتَ عَمّا لا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ، ألا تَرى أنَّ الَّذِي سَألَ عَنْ أبِيهِ فَإنَّهُ لَمْ يَأْمَن أنْ يُلْحِقَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغَيْرِ أبِيهِ فَيَفْتَضِحَ، وأمّا السّائِلُ عَنِ الحَجِّ فَقَدْ كادَ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ: ”«إنَّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن كانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ حَلالٍ» “ إذْ لَمْ يُؤْمَن أنْ يَقُولَ في الحَجِّ إيجابٌ في كُلِّ عامٍ. وكانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أحَلَّ وحَرَّمَ، فَما أحَلَّ فاسْتَحِلُّوهُ وما حَرَّمَ فاجْتَنِبُوهُ، وتَرَكَ بَيْنَ ذَلِكَ أشْياءَ لَمْ يُحَلِّلْها ولَمْ يُحَرِّمْها، فَذَلِكَ عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ أبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ: إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، ونَهى عَنْ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وعَفا عَنْ أشْياءَ مِن غَيْرِ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ بَيَّنَ بِالآيَةِ الأُولى أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألُوا عَنْها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، ثُمَّ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهم، فَكانَ حاصِلُ الكَلامِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهم، وإنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، فَيَلْزَمُ مِن مَجْمُوعِ المُقَدِّمَتَيْنِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها ظَهَرَ لَهم ما يَسُوءُهم ولا يَسُرُّهم.
والوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّ السُّؤالَ عَلى قِسْمَيْنِ، أحَدُهُما: السُّؤالُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَهَذا السُّؤالُ مَنهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ .
والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ السُّؤالِ: السُّؤالُ عَنْ شَيْءٍ نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ لَكِنَّ السّامِعَ لَمْ يَفْهَمْهُ كَما يَنْبَغِي فَهاهُنا
صفحة ٨٩
السُّؤالُ واجِبٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا القِسْمِ أنَّهُ لَمّا مَنَعَ في الآيَةِ الأُولى مِنَ السُّؤالِ أوْهَمَ أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ السُّؤالِ مَمْنُوعٌ مِنهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ تَمْيِيزًا لِهَذا القِسْمِ عَنْ ذَلِكَ القِسْمِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾ هَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ فَكَيْفَ يُعْقَلُ في (أشْياءَ) بِأعْيانِها أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا وجائِزًا مَعًا ؟
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ بِها ومَأْمُورًا بِهِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ بِها.
والثّانِي: أنَّهُما وإنْ كانا نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إلّا أنَّهُما في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَسْئُولًا عَنْهُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَلِهَذا الوَجْهِ حَسُنَ اتِّحادُ الضَّمِيرِ وإنْ كانا في الحَقِيقَةِ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ دَلَّ عَلى سُؤالاتِهِمْ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾ أيْ وإنْ تَسْألُوا عَنْ تِلْكَ السُّؤالاتِ حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ يُبَيَّنْ لَكم أنَّ تِلْكَ السُّؤالاتِ هَلْ هي جائِزَةٌ أمْ لا ؟ والحاصِلُ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَجِبُ السُّؤالُ أوَّلًا، وأنَّهُ هَلْ يَجُوزُ السُّؤالُ عَنْ كَذا وكَذا أمْ لا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ مِن مَسائِلِكم وإغْضابِكم لِلرَّسُولِ بِسَبَبِها، فَلا تَعُودُوا إلى مِثْلِها.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألُوا عَنْها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، فَقالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ يَعْنِي عَمّا ظَهَرَ عِنْدَ تِلْكَ السُّؤالاتِ مِمّا يَسُوءُكم ويَثْقُلُ ويَشُقُّ في التَّكْلِيفِ عَلَيْكم.
الثّالِثُ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ عَفا اللَّهُ عَنْها في الآيَةِ ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الكَلامَ إذا اسْتَقامَ مِن غَيْرِ تَغْيِيرِ النَّظْمِ لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ أيْ أمْسَكَ عَنْها وكَفَّ عَنْ ذِكْرِها ولَمْ يُكَلِّفْ فِيها بِشَيْءٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَفَوْتُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ، والرَّقِيقِ» “ أيْ خَفَّفْتُ عَنْكم بِإسْقاطِها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ ما ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي قَوْمَ صالِحٍ سَألُوا النّاقَةَ ثُمَّ عَقَرُوها، وقَوْمُ مُوسى قالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فَصارَ ذَلِكَ وبالًا عَلَيْهِمْ، وبَنُو إسْرائِيلَ ﴿قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ و﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٧] فَسَألُوها ثُمَّ كَفَرُوا بِها، وقَوْمُ عِيسى سَألُوا المائِدَةَ ثُمَّ كَفَرُوا بِها، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أُولَئِكَ سَألُوا فَلَمّا أُعْطُوا سُؤْلَهم ساءَهم ذَلِكَ فَلا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ فَلَعَلَّكم إنْ أُعْطِيتُمْ سُؤْلَكم ساءَكم ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ ثُمَّ قالَ هاهُنا: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وكانَ الأوْلى أنْ يَقُولَ: قَدْ سَألَ عَنْها قَوْمٌ فَما السَّبَبُ في ذَلِكَ ؟
صفحة ٩٠
قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ السُّؤالَ عَنِ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالَةٍ مِن أحْوالِهِ وصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، وسُؤالُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، يُقالُ: سَألْتُهُ دِرْهَمًا؛ أيْ طَلَبْتُ مِنهُ الدِّرْهَمَ، ويُقالُ: سَألْتُهُ عَنِ الدِّرْهَمِ؛ أيْ سَألْتُهُ عَنْ صِفَةِ الدِّرْهَمِ وعَنْ نَعْتِهِ، فالمُتَقَدِّمُونَ إنَّما سَألُوا مِنَ اللَّهِ إخْراجَ النّاقَةِ مِنَ الصَّخْرَةِ، وإنْزالَ المائِدَةِ مِنَ السَّماءِ، فَهم سَألُوا نَفْسَ الشَّيْءِ، وأمّا أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم ما سَألُوا ذَلِكَ، وإنَّما سَألُوا عَنْ أحْوالِ الأشْياءِ وصِفاتِها، فَلَمّا اخْتَلَفَ السُّؤالانِ في النَّوْعِ اخْتَلَفَتِ العِبارَةُ أيْضًا، إلّا أنَّ كِلا القِسْمَيْنِ يَشْتَرِكانِ في وصْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَوْضٌ في الفُضُولِ، وشُرُوعٌ فِيما لا حاجَةَ إلَيْهِ، وفِيهِ خَطَرُ المَفْسَدَةِ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يُحْتاجُ إلَيْهِ ويَكُونُ فِيهِ خَطَرُ المَفْسَدَةِ يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ عَنْهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في السُّؤالِ عَنْ أحْوالِ الأشْياءِ مُشابِهُونَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في سُؤالِ تِلْكَ الأشْياءِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فُضُولًا وخَوْضًا فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَألَها﴾ غَيْرُ عائِدَةٍ إلى الأشْياءِ الَّتِي سَألُوا عَنْها، بَلْ عائِدَةٌ إلى سُؤالاتِهِمْ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، والتَّقْدِيرُ: قَدْ سَألَ تِلْكَ السُّؤالاتِ الفاسِدَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم، فَلَمّا أُجِيبُوا عَنْها أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ.
المائدة 5:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ النّاسَ مِنَ البَحْثِ عَنْ أُمُورٍ ما كُلِّفُوا بِالبَحْثِ عَنْها، كَذَلِكَ مَنَعَهم عَنِ التِزامِ أُمُورٍ ما كُلِّفُوا التِزامَها، ولَمّا كانَ الكُفّارُ يُحَرِّمُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ الحَيَواناتِ وإنْ كانُوا في غايَةِ الِاحْتِياجِ إلى الِانْتِفاعِ بِها، بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ فَقالَ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: فَعَلَ وعَمِلَ وطَفِقَ وجَعَلَ وأنْشَأ وأقْبَلَ، وبَعْضُها أعَمُّ مِن بَعْضٍ، وأكْثَرُها عُمُومًا فَعَلَ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ وأعْمالِ القُلُوبِ، أمّا إنَّهُ واقِعٌ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ فَظاهِرٌ، وأمّا إنَّهُ واقِعٌ عَلى أعْمالِ القُلُوبِ، فَدَلِيلٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٣٣] وأمّا (عَمِلَ) فَإنَّهُ أخَصُّ مِن فَعَلَ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إلّا عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ، ولا يَقَعُ عَلى الهَمِّ والعَزْمِ والقَصْدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ» “ جَعَلَ النِّيَّةَ خَيْرًا مِنَ العَمَلِ، فَلَوْ كانَتِ النِّيَّةُ عَمَلًا، لَزِمَ كَوْنُ النِّيَّةِ خَيْرًا مِن نَفْسِها، وأمّا ”جَعَلَ“ فَلَهُ وُجُوهٌ:
أحَدُها: الحُكْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] .
وثانِيها: الخَلْقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنْعامِ: ١] . وثالِثُها: بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: (إنّا)
صفحة ٩١
﴿جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ أيْ ما حَكَمَ اللَّهُ بِذَلِكَ ولا شَرَعَ ولا أمَرَ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا أرْبَعَةَ أشْياءَ:
أوَّلُها: البَحِيرَةُ، وهي فَعِيلَةٌ مِنَ البَحْرِ وهو الشَّقُّ، يُقالُ: بَحَرَ ناقَتَهُ: إذا شَقَّ أُذُنَها، وهي بِمَعْنى المَفْعُولِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وكانَ آخِرُها ذَكَرًا شَقُّوا أُذُنَ النّاقَةِ وامْتَنَعُوا مِن رُكُوبِها وذَبْحِها وسَيَّبُوها لِآلِهَتِهِمْ، ولا يُجَزُّ لَها وبَرٌ، ولا يُحْمَلُ عَلى ظَهْرِها، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ، ولا تُمْنَعُ عَنْ مَرْعًى، ولا يُنْتَفَعُ بِها، وإذا لَقِيَها المُعْيى لَمْ يَرْكَبْها تَحْرِيجًا.
وأمّا السّائِبَةُ: فَهي فاعِلَةٌ مِن سابَ: إذا جَرى عَلى وجْهِ الأرْضِ، يُقالُ: سابَ الماءُ وسابَتِ الحَيَّةُ، فالسّائِبَةُ هي الَّتِي تُرِكَتْ حَتّى تَسِيبَ إلى حَيْثُ شاءَتْ، وهي المُسَيَّبَةُ، كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، وذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا:
أحَدُها: ما ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وهو أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا مَرِضَ أوْ قَدِمَ مِن سَفَرٍ أوْ نَذَرَ نَذْرًا أوْ شَكَرَ نِعْمَةً سَيَّبَ بَعِيرًا، فَكانَ بِمَنزِلَةِ البَحِيرَةِ في جَمِيعِ ما حَكَمُوا لَها.
وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: إذا ولَدَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ كُلُّهُنَّ إناثٌ، سُيِّبَتْ فَلَمْ تُرْكَبْ ولَمْ تُحْلَبْ ولَمْ يُجَزَّ لَها وبَرٌ، ولَمْ يَشْرَبْ لَبَنَها إلّا ولَدٌ أوْ ضَيْفٌ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السّائِبَةُ هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ؛ أيْ تُعْتَقُ لَها، وكانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ ما يَشاءُ، فَيَجِيءُ بِهِ إلى السَّدَنَةِ وهم خَدَمُ آلِهَتِهِمْ فَيُطْعِمُونَ مِن لَبَنِها أبْناءَ السَّبِيلِ.
ورابِعُها: السّائِبَةُ هو العَبْدُ يُعْتَقُ عَلى أنْ لا يَكُونَ عَلَيْهِ ولاءٌ ولا عَقْلٌ ولا مِيراثٌ.
وأمّا الوَصِيلَةُ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: إذا ولَدَتِ الشّاةُ أُنْثى فَهي لَهم، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا فَهو لِآلِهَتِهِمْ، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها. وأمّا الحامُ فَيُقالُ: حَماهُ يَحْمِيهِ: إذا حَفِظَهُ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: الفَحْلُ إذا رُكِبَ ولَدُ ولَدِهِ قِيلَ: حَمى ظَهْرَهُ؛ أيْ حَفِظَهُ عَنِ الرُّكُوبِ، فَلا يُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ ولا مَرْعًى إلى أنْ يَمُوتَ، فَحِينَئِذٍ تَأْكُلُهُ الرِّجالُ والنِّساءُ.
وثانِيها: إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ قالُوا: حَمَتْ ظَهْرَها، حَكاهُ أبُو مُسْلِمٍ.
وثالِثُها: الحامُ هو الفَحْلُ الَّذِي يَضْرِبُ في الإبِلِ عَشْرَ سِنِينَ فَيُخَلّى، وهو مِنَ الأنْعامِ الَّتِي حُرِّمَتْ ظُهُورُها، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
فَإنْ قِيلَ: إذا جازَ إعْتاقُ العَبِيدِ والإماءِ فَلِمَ لا يَجُوزُ إعْتاقُ هَذِهِ البَهائِمِ مِنَ الذَّبْحِ والإتْعابِ والإيلامِ ؟
قُلْنا: الإنْسانُ مَخْلُوقٌ لِخِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى وعُبُودِيَّتِهِ، فَإذا تَمَرَّدَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى عُوقِبَ بِضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِ، فَإذا أُزِيلَ الرِّقُّ عَنْهُ تَفَرَّغَ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ عِبادَةً مُسْتَحْسَنَةً، وأمّا هَذِهِ الحَيَواناتُ فَإنَّها مَخْلُوقَةٌ لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، فَتَرْكُها وإهْمالُها يَقْتَضِي فَواتَ مَنفَعَةٍ عَلى مالِكِها مِن غَيْرِ أنْ يَحْصُلَ في مُقابَلَتِها فائِدَةٌ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأيْضًا الإنْسانُ إذا كانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ قَدَرَ عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ نَفْسِهِ، وأمّا البَهِيمَةُ إذا أُعْتِقَتْ وتُرِكَتْ لَمْ تَقْدِرْ عَلى رِعايَةِ مَصالِحِ نَفْسِها فَوَقَعَتْ في أنْواعٍ مِنَ المِحْنَةِ أشَدَّ وأشَقَّ مِمّا كانَتْ فِيها حالَ ما كانَتْ مَمْلُوكَةً، فَظَهَرَ الفَرْقُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ .
صفحة ٩٢
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ الخُزاعِيَّ كانَ قَدْ مَلَكَ مَكَّةَ، وكانَ أوَّلَ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ، فاتَّخَذَ الأصْنامَ ونَصَبَ الأوْثانَ وشَرَعَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ.
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«فَلَقَدْ رَأيْتُهُ في النّارِ يُؤْذِي أهْلَ النّارِ بِرِيحِ قُصْبِهِ» “ والقُصْبُ المِعى وجَمْعُهُ الأقْصابُ، ويُرْوى يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وأصْحابَهُ، يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ هَذِهِ الأكاذِيبَ والأباطِيلَ في تَحْرِيمِهِمْ هَذِهِ الأنْعامَ، والمَعْنى أنَّ الرُّؤَساءَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ عَلى الكَذِبِ، فَأمّا الأتْباعُ والعَوامُّ فَأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ، فَلا جَرَمَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ هَذِهِ الأكاذِيبَ مِن أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ.
المائدة 5:104
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ .
والمَعْنى مَعْلُومٌ، وهو رَدٌّ عَلى أصْحابِ التَّقْلِيدِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ فِيهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
واعْلَمْ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ واوُ الحالِ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، وتَقْدِيرُهُ: أحْسُبُهم كَذَلِكَ ولَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ.
واعْلَمْ أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَجُوزُ بِالعالِمِ المُهْتَدِي، وإنَّما يَكُونُ عالِمًا مُهْتَدِيًا إذا بَنى قَوْلَهُ عَلى الحُجَّةِ والدَّلِيلِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عالِمًا مُهْتَدِيًا، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الِاقْتِداءُ بِهِ.
المائدة 5:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ والأحْكامِ ثُمَّ قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن أنْواعِ المُبالَغَةِ في الإعْذارِ والإنْذارِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنهُ بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى جَهْلِهِمْ مُجِدِّينَ عَلى جَهالاتِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، فَلا تُبالُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِجَهالَتِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، بَلْ كُونُوا مُنْقادِينَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ مُطِيعِينَ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَلا يَضُرُّكم ضَلالَتُهم
صفحة ٩٣
وجَهالَتُهم، فَلِهَذا قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيِ احْفَظُوا أنْفُسَكم مِن مُلابَسَةِ المَعاصِي والإصْرارِ عَلى الذُّنُوبِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: عَلَيْكَ وعِنْدَكَ ودُونَكَ، مِن جُمْلَةِ أسْماءِ الأفْعالِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: عَلَيْكَ وعِنْدَكَ ودُونَكَ، فَيُعَدُّونَها إلى المَفْعُولِ ويُقِيمُونَها مُقامَ الفِعْلِ، ويَنْصِبُونَ بِها، فَيُقالُ: عَلَيْكَ زَيْدًا، كَأنَّهُ قِيلَ: خُذْ زَيْدًا فَقَدْ عَلاكَ، أيْ أشْرَفَ عَلَيْكَ، وعِنْدَكَ زَيْدًا، أيْ حَضَرَكَ فَخُذْهُ، ودُونَكَ؛ أيْ قَرُبَ مِنكَ فَخُذْهُ، فَهَذِهِ الأحْرُفُ الثَّلاثَةُ لا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في إجازَةِ النَّصْبِ بِها، ونَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ (عَلَيْكم أنْفُسُكم) بِالرَّفْعِ عَنْ نافِعٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:
أحَدُها: ما رَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَبِلَ مِن أهْلِ الكِتابِ الجِزْيَةَ ولَمْ يَقْبَلْ مِنَ العَرَبِ إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ، عَيَّرَ المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ مِن بَعْضِ الكُفّارِ دُونَ البَعْضِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْ ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ مَلامَةُ اللّائِمِينَ إذا كُنْتُمْ عَلى الهُدى» .
وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنِينَ كانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ بَقاءُ الكُفّارِ في كُفْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: عَلَيْكم أنْفُسَكم، وما كُلِّفْتُمْ مِن إصْلاحِها والمَشْيِ بِها في طَرِيقِ الهُدى ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ ضَلالُ الضّالِّينَ ولا جَهْلُ الجاهِلِينَ.
وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يَغْتَمُّونَ لِعَشائِرِهِمْ لَمّا ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنَّهُ لَمّا حَكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم: ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والمَقْصُودُ مِنها بَيانُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الفاسِدَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا مُصِرِّينَ عَلى دِينِهِمْ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَضُرُّهم جَهْلُ أُولَئِكَ الجاهِلِينَ إذا كانُوا راسِخِينَ في دِينِهِمْ ثابِتِينَ فِيهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُوهِمُ أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ غَيْرُ واجِبٍ.
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ، أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بَلْ تُوجِبُ أنَّ المُطِيعَ لِرَبِّهِ لا يَكُونُ مُؤاخَذًا بِذُنُوبِ العاصِي، فَأمّا وُجُوبُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَثابِتٌ بِالدَّلائِلِ، «خَطَبَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ وتَضَعُونَها غَيْرَ مَوْضِعِها وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا المُنْكَرَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ» “ .
والوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ أنَّهُما قالا: قَوْلُهُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ يَكُونُ هَذا في آخِرِ الزَّمانِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمّا قُرِئَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ: لَيْسَ هَذا بِزَمانِها، ما دامَتْ قُلُوبُكم واحِدَةً، ولَمْ تُلْبَسُوا شِيَعًا ولَمْ يَذُقْ بَعْضُكم بَأْسَ بَعْضٍ، فَأْمُرُوا وانْهَوْا، فَإذا اخْتَلَفَتِ القُلُوبُ والأهْواءُ وأُلْبِسْتُمْ شِيَعًا ووُكِّلَ كُلُّ امْرِئٍ ونَفْسَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ عامٌّ، وهو أيْضًا خِطابٌ مَعَ الحاضِرِينَ فَكَيْفَ يُخْرِجُ الحاضِرَ ويَخُصُّ الغائِبَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: ما ذَهَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ فَقالَ: هَذِهِ أوْكَدُ آيَةٍ في وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ يَعْنِي عَلَيْكم أهْلَ دِينِكم ولا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِنَ الكُفّارِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٤] يَعْنِي أهْلَ دِينِكم فَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ يَعْنِي بِأنْ يَعِظَ
صفحة ٩٤
بَعْضُكم بَعْضًا ويُرَغِّبُ بَعْضُكم بَعْضًا في الخَيْراتِ، ويُنَفِّرُهُ عَنِ القَبائِحِ والسَّيِّئاتِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ مَعْناهُ احْفَظُوا أنْفُسَكم، فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا بِأنْ نَحْفَظَ أنْفُسَنا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الحِفْظُ إلّا بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ كانَ ذَلِكَ واجِبًا.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ عُلِمَ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُمُ الوَعْظُ، ولا يَتْرُكُونَ الكُفْرَ بِسَبَبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، فَهاهُنا لا يَجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَأْمُرَهم بِالمَعْرُوفِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ ما ذَكَرْنا في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في المُنافِقِينَ، حَيْثُ عَيَّرُوا المُسْلِمِينَ بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ دُونَ المُشْرِكِينَ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِما إذا خافَ الإنْسانُ عِنْدَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى عِرْضِهِ أوْ عَلى مالِهِ، فَهاهُنا عَلَيْهِ نَفْسُهُ لا تَضُرُّهُ ضَلالَةُ مَن ضَلَّ ولا جَهالَةُ مَن جَهِلَ، وكانَ ابْنُ شُبْرُمَةَ يَقُولُ: مَن فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، ومَن فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ.
الوَجْهُ السّادِسُ: لا يَضُرُّكم - إذا اهْتَدَيْتُمْ فَأمَرْتُمْ بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْتُمْ عَنِ المُنْكَرِ - ضَلالُ مَن ضَلَّ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ.
الوَجْهُ السّابِعُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ مِن أداءِ الواجِباتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ عِنْدَ القُدْرَةِ، فَإنْ لَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَسْتَوْحِشُوا مِن ذَلِكَ فَإنَّكم خَرَجْتُمْ عَنْ عُهْدَةِ تَكْلِيفِكم فَلا يَضُرُّكم ضَلالُ غَيْرِكم.
والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ﴾ [النِّساءِ: ٨٤] وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ عَنِ الرَّسُولِ، فَكَذا هاهُنا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قُرِئَ (لا يَضُرَّكُمْ) بِفَتْحِ الرّاءِ مَجْزُومًا عَلى جَوابِ قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَلى وجْهِ الخَبَرِ؛ أيْ لَيْسَ يَضُرُّكم مَن ضَلَّ.
والثّانِي: أنَّ حَقَّها الفَتْحُ عَلى الجَوابِ، ولَكِنْ ضُمَّتِ الرّاءُ إتْباعًا لِضَمَّةِ الضّادِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ يُرِيدُ مَصِيرَكم ومَصِيرَ مَن خالَفَكم ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي يُجازِيكم بِأعْمالِكم.
المائدة 5:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِحِفْظِ النَّفْسِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ أمَرَ بِحِفْظِ المالِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ وأخاهُ عَدِيًّا كانا نَصْرانِيَّيْنِ خَرَجا
صفحة ٩٥
إلى الشّامِ ومَعَهُما بَدِيلٌ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ وكانَ مُسْلِمًا مُهاجِرًا، خَرَجُوا لِلتِّجارَةِ، فَلَمّا قَدِمُوا الشّامَ مَرِضَ بَدِيلٌ فَكَتَبَ كِتابًا فِيهِ نُسْخَةُ جَمِيعِ ما مَعَهُ وألْقاهُ فِيما بَيْنَ الأقْمِشَةِ ولَمْ يُخْبِرْ صاحِبَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ أوْصى إلَيْهِما وأمَرَهُما أنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إذا رَجَعا إلى أهْلِهِ، وماتَ بَدِيلٌ فَأخَذا مِن مَتاعِهِ إناءً مِن فِضَّةٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ ثَلاثَمِائَةِ مِثْقالٍ، ودَفَعا باقِيَ المَتاعِ إلى أهْلِهِ لَمّا قَدِما، فَفَتَّشُوا فَوَجَدُوا الصَّحِيفَةَ وفِيها ذِكْرُ الإناءِ، فَقالُوا لِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ: أيْنَ الإناءُ ؟ فَقالا: لا نَدْرِي، والَّذِي دَفَعَ إلَيْنا دَفَعْناهُ إلَيْكم، فَرَفَعُوا الواقِعَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ يَعْنِي شَهادَةَ ما بَيْنَكم، وما بَيْنَكم كِنايَةٌ عَنِ التَّنازُعِ والتَّشاجُرِ، وإنَّما أضافَ الشَّهادَةَ إلى التَّنازُعِ لِأنَّ الشُّهُودَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِمْ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنازُعِ، وحَذْفُ (ما) مِن قَوْلِهِ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ جائِزٌ لِظُهُورِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكَهْفِ: ٧٨] أيْ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٩٤] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ، وقَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ يَعْنِي الشَّهادَةَ المُحْتاجَ إلَيْها عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، و﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ﴾ لِأنَّ زَمانَ حُضُورِ المَوْتِ هو زَمانُ حُضُورِ الوَصِيَّةِ، فَعُرِفَ ذَلِكَ الزَّمانُ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ الواقِعَيْنِ فِيهِ، كَما يُقالُ: ائْتِنِي إذا زالَتِ الشَّمْسُ حِينَ صَلاةِ الظُّهْرِ. والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ مُشارَفَتُهُ وظُهُورُ أماراتِ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٠] قالُوا: وقَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ زَمانَ حُضُورِ المَوْتِ غَيْرَ زَمانِ الوَصِيَّةِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ إذا كانا مُتَلازِمَيْنِ، وإنَّما تَحْصُلُ هَذِهِ المُلازَمَةُ عِنْدَ وُجُوبِ الوَصِيَّةِ.
﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ، والمُرادُ أنْ يَشْهَدَ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: شَهادَةُ ما بَيْنَكم عِنْدَ المَوْتِ المَوْصُوفِ، هي أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، وإنَّما حَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: (مِنكم) عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ: اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ، أيْ مِن أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكم، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ يَعْنِي أوْ شَهادَةَ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكم إذا كُنْتُمْ في السَّفَرِ، فالعَدْلانِ المُسْلِمانِ صالِحانِ لِلشَّهادَةِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وسَعِيدِ بْنِ
صفحة ٩٦
جُبَيْرٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ سِيرِينَ وابْنِ جُرَيْجٍ. قالُوا: إذا كانَ الإنْسانُ في الغُرْبَةِ، ولَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ، جازَ لَهُ أنْ يُشْهِدَ اليَهُودِيَّ أوِ النَّصْرانِيَّ أوِ المَجُوسِيَّ أوْ عابِدَ الوَثَنِ أوْ أيَّ كافِرٍ كانَ، وشَهادَتُهم مَقْبُولَةٌ، ولا يَجُوزُ شَهادَةُ الكافِرِينَ عَلى المُسْلِمِينَ إلّا في هَذِهِ الصُّورَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَرِضَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في الغُرْبَةِ، فَلَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ، فَأشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَقَدِما الكُوفَةَ وأتَيا أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ وكانَ والِيًا عَلَيْها، فَأخْبَراهُ بِالواقِعَةِ وقَدَّما تَرِكَتَهُ ووَصِيَّتَهُ، فَقالَ أبُو مُوسى: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في عَهْدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ حَلَّفَهُما في مَسْجِدِ الكُوفَةِ بَعْدَ العَصْرِ بِاللَّهِ أنَّهُما ما كَذَبا ولا بَدَّلا، وأجازَ شَهادَتَهُما. ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ، مِنهم مَن قالَ: هَذا الحُكْمُ بَقِيَ مُحْكَمًا، ومِنهم مَن قالَ: صارَ مَنسُوخًا.
القَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ الحَسَنِ والزُّهْرِيِّ وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ، أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ مِن أقارِبِكم، وقَوْلَهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الأجانِبِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ أيْ إنْ تُوُقِّعَ المَوْتُ في السَّفَرِ، ولَمْ يَكُنْ مَعَكم أحَدٌ مِن أقارِبِكم، فاسْتَشْهِدُوا أجْنَبِيَّيْنِ عَلى الوَصِيَّةِ. وجَعَلَ الأقارِبَ أوَّلًا لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ وهم بِهِ أشْفَقُ، وبِوَرَثَتِهِ أرْحَمُ وأرْأفُ. واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَعَمَّمَ بِهَذا الخِطابِ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ كانَ المُرادُ أوْ آخَرانِ مِن جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ لا مَحالَةَ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَوازَ الِاسْتِشْهادِ بِهَذَيْنِ الآخَرَيْنِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ المُسْتَشْهِدِ في السَّفَرِ، فَلَوْ كانَ هَذانِ الشّاهِدانِ مُسْلِمَيْنِ لَما كانَ جَوازُ الِاسْتِشْهادِ بِهِما مَشْرُوطًا بِالسَّفَرِ؛ لِأنَّ اسْتِشْهادَ المُسْلِمِ جائِزٌ في السَّفَرِ والحَضَرِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الحَلِفِ عَلى هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ، وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الشّاهِدَ المُسْلِمَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَلِفُ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ لَيْسا مِنَ المُسْلِمِينَ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ مِن شَهادَةِ النَّصْرانِيَّيْنِ عَلى بَدِيلٍ وكانَ مُسْلِمًا.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: ما رُوِّينا أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ قَضى بِشَهادَةِ اليَهُودِيَّيْنِ بَعْدَ أنْ حَلَّفَهُما، وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَكانَ ذَلِكَ إجْماعًا.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنّا إنَّما نُجِيزُ إشْهادَ الكافِرِينَ إذا لَمْ نَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ، والضَّرُوراتُ قَدْ تُبِيحُ المَحْظُوراتِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أجازَ التَّيَمُّمَ والقَصْرَ في الصَّلاةِ، والإفْطارَ في رَمَضانَ، وأكْلَ المَيْتَةِ في حالِ الضَّرُورَةِ، والضَّرُورَةُ حاصِلَةٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا قَرُبَ أجْلُهُ في الغُرْبَةِ ولَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلى نَفْسِهِ ولَمْ تَكُنْ شَهادَةُ الكُفّارِ مَقْبُولَةً، فَإنَّهُ يُضَيِّعُ أكْثَرَ مُهِمّاتِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما وجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَواتٌ وكَفّاراتٌ وما أدّاها، ورُبَّما كانَ عِنْدَهُ ودائِعُ أوْ دُيُونٌ كانَتْ في ذِمَّتِهِ. وكَما تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ النِّساءِ، كالحَيْضِ والحَبَلِ والوِلادَةِ والِاسْتِهْلالِ؛ لِأجْلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ وُقُوفُ الرِّجالِ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ، فاكْتَفَيْنا فِيها بِشَهادَةِ النِّساءِ لِأجْلِ الضَّرُورَةِ، فَكَذا هاهُنا. وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ بِأنَّ هَذا الحُكْمَ صارَ مَنسُوخًا، فَبَعِيدٌ؛ لِاتِّفاقِ أكْثَرِ الأُمَّةِ عَلى أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطَّلاقِ: ٢] والكافِرُ لا يَكُونُ عَدْلًا.
صفحة ٩٧
أجابَ الأوَّلُونَ عَنْهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَدْلِ مَن كانَ عَدْلًا في الِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ، لا مَن كانَ عَدْلًا في الدِّينِ والِاعْتِقادِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنّا أجْمَعْنا عَلى قَبُولِ شَهادَةِ أهْلِ الأهْواءِ والبِدَعِ، مَعَ أنَّهم لَيْسُوا عُدُولًا في مَذاهِبِهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا عُدُولًا في الِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ قَبِلْنا شَهادَتَهم، فَكَذا هاهُنا. سَلَّمْنا أنَّ الكافِرَ لَيْسَ بِعَدْلٍ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ عامٌّ، وقَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ خاصٌّ، فَإنَّهُ أوْجَبَ شَهادَةَ العَدْلِ الَّذِي يَكُونُ مِنّا في الحَضَرِ، واكْتَفى بِشَهادَةِ مَن لا يَكُونُ مِنّا في السَّفَرِ، فَهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ، والآيَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عامَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، لا سِيَّما إذا كانَ الخاصُّ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ، ولا شَكَّ أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مُتَأخِّرَةٌ، فَكانَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الآيَةِ الخاصَّةِ عَلى الآيَةِ العامَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها واجِبًا بِالِاتِّفاقِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ .
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أوْ آخَرانِ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ﴾ والتَّقْدِيرُ: شَهادَةُ بَيْنِكم أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ جَوازَ الِاسْتِشْهادِ بِآخَرَيْنِ مِن غَيْرِهِمْ مَشْرُوطٌ بِما إذا كانَ المُسْتَشْهِدُ مُسافِرًا ضارِبًا في الأرْضِ وحَضَرَتْ عَلاماتُ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَحْبِسُونَهُما، أيْ تُوقِفُونَهُما كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: مَرَّ بِي فُلانٌ عَلى فَرَسٍ فَحَبَسَ عَلَيَّ دابَّتَهُ؛ أيْ أوْقَفَها، وحَبَسْتُ الرَّجُلَ في الطَّرِيقِ أُكَلِّمُهُ؛ أيْ أوْقَفْتُهُ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَوْقِعُ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ ؟
قُلْنا: هو اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهُ: قِيلَ كَيْفَ نَعْمَلُ إنْ حَصَلَتِ الرِّيبَةُ فِيهِما ؟ فَقِيلَ: تَحْبِسُونَهُما.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ فِيهِ أقْوالٌ، الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن بَعْدِ صَلاةِ أهْلِ دِينِهِما.
والثّانِي: قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ: مِن بَعْدِ صَلاةِ العَصْرِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عُرِفَ أنَّ المُرادَ هو صَلاةُ العَصْرِ، مَعَ أنَّ المَذْكُورَ هو الصَّلاةُ المُطْلَقَةُ ؟
قُلْنا: إنَّما عُرِفَ هَذا التَّعْيِينُ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا الوَقْتَ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهم بِالتَّحْلِيفِ بَعْدَها، فالتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ المَشْهُورِ أغْنى عَنِ التَّقْيِيدِ بِاللَّفْظِ.
وثانِيها: ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَلّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاةَ العَصْرِ، ودَعا بِعَدِيٍّ وتَمِيمٍ، فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ، فَصارَ فِعْلُ الرَّسُولِ دَلِيلًا عَلى التَّقْيِيدِ.
وثالِثُها: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيانِ يُعَظِّمُونَ هَذا الوَقْتَ ويَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ ويَحْتَرِزُونَ عَنِ الحَلِفِ الكاذِبِ، وأهْلُ الكِتابِ يُصَلُّونَ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ بَعْدَ الظُّهْرِ أوْ بَعْدَ العَصْرِ؛ لِأنَّ أهْلَ الحِجازِ كانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُما.
صفحة ٩٨
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بَعْدَ أداءِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ والغَرَضُ مِنَ التَّحْلِيفِ بَعْدَ إقامَةِ الصَّلاةِ هو أنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَكانَ احْتِرازُ الحالِفِ عَنِ الكَذِبِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أتَمَّ وأكْمَلَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأيْمانُ تُغَلَّظُ في الدِّماءِ والطَّلاقِ والعَتاقِ، والمالِ إذا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، في الزَّمانِ والمَكانِ، فَيَحْلِفُ بَعْدَ العَصْرِ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ، وبِالمَدِينَةِ عِنْدَ المِنبَرِ، وفي بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وفي سائِرِ البُلْدانِ في أشْرَفِ المَساجِدِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَحْلِفُ مِن غَيْرِ أنْ يَخْتَصَّ الحَلِفُ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ، وهَذا عَلى خِلافِ الآيَةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّهْوِيلُ والتَّعْظِيمُ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أقْوى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ لِلْجَزاءِ، يَعْنِي: تَحْبِسُونَهُما فَيُقْدِمانِ لِأجْلِ ذَلِكَ الحَبْسِ عَلى القَسَمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: إنِ ارْتَبْتُمْ في شَأْنِهِما واتَّهَمْتُمُوهُما فَحَلِّفُوهُما، وبِهَذا يَحْتَجُّ مَن يَقُولُ الآيَةُ نازِلَةٌ في إشْهادِ الكُفّارِ؛ لِأنَّ تَحْلِيفَ الشّاهِدِ المُسْلِمِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، ومَن قالَ: الآيَةُ نازِلَةٌ في حَقِّ المُسْلِمِ، قالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يُحَلِّفُ الشّاهِدَ والرّاوِيَ عِنْدَ التُّهْمَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ يَعْنِي يُقْسِمانِ بِاللَّهِ أنّا لا نَبِيعُ عَهْدَ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا قائِلِينَ: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٧] أيْ لا نَأْخُذُ ولا نَسْتَبْدِلُ، ومَن باعَ شَيْئًا فَقَدِ اشْتَرى ثَمَنَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيْ لا نَبِيعُ عَهْدَ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا، ولَوْ كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَبْوَةَ ذِي قُرْبى أوْ نَفْسِهِ، وخَصَّ ذا القُرْبى بِالذِّكْرِ لِأنَّ المَيْلَ إلَيْهِمْ أتَمُّ والمُداهَنَةَ بِسَبَبِهِمْ أعْظَمُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النِّساءِ: ١٣٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ يَعْنِي أنَّهُما يُقْسِمانِ حالَ ما يَقُولانِ: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ؛ أيِ الشَّهادَةَ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِحِفْظِها وإظْهارِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: (شَهادَةً) ثُمَّ ابْتَدَأ (آللَّهِ) بِالمَدِّ عَلى طَرْحِ حَرْفِ القَسَمِ وتَعْوِيضِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مِنهُ، ورُوِيَ عَنْهُ بِغَيْرِ مَدٍّ عَلى ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ أنَّ مِنهم مَن يَقُولُ: اللَّهِ لَقَدْ كانَ كَذا، والمَعْنى تاللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ يَعْنِي إذا كَتَمْناها كُنّا مِنَ الآثِمِينَ.
المائدة 5:107
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ قالَ اللَّيْثُ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عُثُورًا: إذا هَجَمَ عَلى أمْرٍ لَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وأعْثَرْتُ فُلانًا عَلى أمْرِي؛ أيْ أطْلَعْتُهُ عَلَيْهِ، وعَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عَثْرَةً: إذا وقَعَ عَلى شَيْءٍ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وأصْلُ عَثَرَ بِمَعْنى اطَّلَعَ مِنَ العَثْرَةِ الَّتِي هي الوُقُوعُ، وذَلِكَ لِأنَّ العاثِرَ إنَّما يَعْثُرُ بِشَيْءٍ كانَ لا يَراهُ، فَلَمّا عَثَرَ بِهِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ ونَظَرَ ما هو، فَقِيلَ لِكُلِّ مَنِ اطَّلَعَ عَلى أمْرٍ كانَ خَفِيًّا عَلَيْهِ: قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ، وأعْثَرَ غَيْرَهُ: إذا أطْلَعَهُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢١] أيْ أطْلَعْنا، ومَعْنى الآيَةِ فَإنْ حَصَلَ العُثُورُ والوُقُوفُ عَلى أنَّهُما أتَيا بِخِيانَةٍ واسْتَحَقّا الإثْمَ بِسَبَبِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَإنْ عُثِرَ بَعْدَما حَلَفَ الوَصِيّانِ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيْ حَنَثا في اليَمِينِ بِكَذِبٍ في قَوْلٍ أوْ خِيانَةٍ في مالٍ، قامَ في اليَمِينِ مَقامَهُما رَجُلانِ مِن قَرابَةِ المَيِّتِ فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرْنا عَلى خِيانَةِ الذِّمِّيَّيْنِ وكَذِبِهِما وتَبْدِيلِهِما وما اعْتَدَيْنا في ذَلِكَ وما كَذَبْنا. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ ودَعا بِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنّا خِيانَةٌ في هَذا المالِ، ولَمّا حَلَفا خَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبِيلَهُما وكَتَما الإناءَ مُدَّةً، ثُمَّ ظَهَرَ، واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: وُجِدَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: لَمّا طالَتِ المُدَّةُ أظْهَرا الإناءَ فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي سَهْمٍ فَطالَبُوهُما، فَقالا: كُنّا قَدِ اشْتَرَيْناهُ مِنهُ، فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكم: هَلْ باعَ صاحِبُنا شَيْئًا، فَقُلْتُما لا ؟ فَقالا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا بَيِّنَةٌ فَكَرِهْنا أنْ نُعْثَرَ فَكَتَمْنا، فَرَفَعُوا القِصَّةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ الآيَةَ، فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي رِفاعَةَ السَّهْمِيّانِ فَحَلَفا بِاللَّهِ بَعْدَ العَصْرِ فَدَفَعَ الرَّسُولُ ﷺ الإناءَ إلَيْهِما وإلى أوْلِياءِ المَيِّتِ.
وكانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ يَقُولُ بَعْدَما أسْلَمَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أنا أخَذْتُ الإناءَ فَأتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بَقِيَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ مَخْفِيَّةً إلى أنْ أسْلَمَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، فَلَمّا أسْلَمَ أخْبَرَ بِذَلِكَ وقالَ: حَلَفْتُ كاذِبًا، وأنا وصاحِبِي بِعْنا الإناءَ بِألْفٍ وقَسَمْنا الثَّمَنَ، ثُمَّ دَفَعَ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِن نَفْسِهِ ونَزَعَ مِن صاحِبِهِ خَمْسَمِائَةٍ أُخْرى ودَفَعَ الألْفَ إلى مَوالِي المَيِّتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ أيْ مَقامَ الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِن غَيْرِ مِلَّتِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ المُرادُ بِهِ مَوالِي المَيِّتِ، وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في أنَّهُ لِمَ وصَفَ مَوالِيَ المَيِّتِ بِهَذا الوَصْفِ، والأصَحُّ عِنْدِي فِيهِ وجْهٌ واحِدٌ، وهو أنَّهم إنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أُخِذَ مالُهم فَقَدِ اسْتَحَقَّ
صفحة ١٠٠
عَلَيْهِمْ مالُهم، فَإنَّ مَن أخَذَ مالَ غَيْرِهِ فَقَدْ حاوَلَ أنْ يَكُونَ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ المالِ مُسْتَعْلِيًا عَلى تَعَلُّقِ مالِكِهِ بِهِ، فَصَحَّ أنْ يُوصَفَ المالِكُ بِأنَّهُ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ المالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿الأوْلَيانِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: هُما الأوْلَيانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما ؟ فَقِيلَ: الأوْلَيانِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في يَقُومانِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَقُومُ الأوْلَيانِ.
والثّالِثُ: أجازَ الأخْفَشُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الأوْلَيانِ﴾ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا تَقَدَّمَ ذِكْرُها ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْها الذِّكْرُ صارَتْ مَعْرِفَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ [النُّورِ: ٣٥] فَمِصْباحٌ نَكِرَةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿المِصْباحُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿الزُّجاجَةُ﴾، وهَذا مِثْلُ قَوْلِكَ: رَأيْتُ رَجُلًا، ثُمَّ يَقُولُ إنْسانٌ: مَنِ الرَّجُلُ ؟ فَصارَ بِالعَوْدِ إلى ذِكْرِهِ مَعْرِفَةً.
الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الأوْلَيانِ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿آخَرانِ﴾ وإبْدالُ المَعْرِفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ كَثِيرٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما وصَفَهُما بِأنَّهُما أوْلَيانِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: مَعْنى الأوْلَيانِ الأقْرَبانِ إلى المَيِّتِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى الأوْلَيانِ بِاليَمِينِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الوَصِيَّيْنِ قَدِ ادَّعَيا أنَّ المَيِّتَ باعَ الإناءَ الفِضَّةَ فانْتَقَلَ اليَمِينُ إلى مَوالِي المَيِّتِ؛ لِأنَّ الوَصِيَّيْنِ قَدِ ادَّعَيا أنَّ مُورِثَهُما باعَ الإناءَ وهُما أنْكَرا ذَلِكَ، فَكانَ اليَمِينُ حَقًّا لَهُما، وهَذا كَما لَوْ أنَّ إنْسانًا أقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ ثُمَّ ادَّعى أنَّهُ قَضاهُ، حُكِمَ بِرَدِّ اليَمِينِ إلى الَّذِي ادَّعى الدَّيْنَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ صارَ مُدَّعًى عَلَيْهِ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْفاهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ لِلْجُمْهُورِ ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ، والأوْلَيانِ تَثْنِيَةُ الأوْلى، وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَهُ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ وعاصِمٍ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ (الأوَّلِينَ) بِالجَمْعِ، وهو نَعْتٌ لِجَمِيعِ الوَرَثَةِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ وتَقْدِيرُهُ: مِنَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مالُهم، وإنَّما قِيلَ لَهُمُ الأوَّلِينَ مِن حَيْثُ كانُوا أوَّلِينَ في الذِّكْرِ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وكَذَلِكَ ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ﴾ ذِكْرًا في اللَّفْظِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِفَتْحِ التّاءِ والحاءِ، ﴿الأوْلَيانِ﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ، ووَجْهُهُ أنَّ الوَصِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ ظَهَرَتْ خِيانَتُهُما هُما أوْلى مِن غَيْرِهِما بِسَبَبِ أنَّ المَيِّتَ عَيَّنَهُما لِلْوِصايَةِ، ولَمّا خانا في مالِ الوَرَثَةِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ الوَرَثَةَ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ، أيْ خانَ في مالِهِمُ الأوْلَيانِ، وقَرَأ الحَسَنُ (الأوَّلانِ) ووَجْهُهُ ظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ .
والمَعْنى ظاهِرٌ؛ أيْ وما اعْتَدَيْنا في طَلَبِ هَذا المالِ، وفي نِسْبَتِهِمْ إلى الخِيانَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ إنّا إذًا حَلَفْنا مُوقِنِينَ بِالكَذِبِ مُعْتَقِدِينَ الزُّورَ والباطِلَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ .
والمَعْنى: ذَلِكَ الحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْناهُ والطَّرِيقُ الَّذِي شَرَعْناهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، وأنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ لا عَلى وجْهِها، ولَكِنَّهم يَخافُونَ أنْ يَحْلِفُوا عَلى ما ذَكَرُوهُ لِخَوْفِهِمْ مِن أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ عَلى الوَرَثَةِ بَعْدَ أيْمانِهِمْ، فَيَظْهَرُ كَذِبُهم ويَفْتَضِحُونَ فِيما بَيْنَ النّاسِ.
* * *
صفحة ١٠١
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .
والمَعْنى: اتَّقُوا اللَّهَ أنْ تَخُونُوا في الأماناتِ واسْمَعُوا مَواعِظَ اللَّهِ؛ أيِ اعْمَلُوا بِها وأطِيعُوا اللَّهَ فِيها ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ وهو تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِمَن خالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وأوامِرَهُ، فَهَذا هو القَوْلُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها في غايَةِ الصُّعُوبَةِ إعْرابًا ونَظْمًا وحُكْمًا، ورَوى الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”البَسِيطِ“ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أعْضَلُ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ. والحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَنسُوخٌ عِنْدَ أكْثَرِ الفُقَهاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
المائدة 5:108
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ قالَ اللَّيْثُ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عُثُورًا: إذا هَجَمَ عَلى أمْرٍ لَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وأعْثَرْتُ فُلانًا عَلى أمْرِي؛ أيْ أطْلَعْتُهُ عَلَيْهِ، وعَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عَثْرَةً: إذا وقَعَ عَلى شَيْءٍ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وأصْلُ عَثَرَ بِمَعْنى اطَّلَعَ مِنَ العَثْرَةِ الَّتِي هي الوُقُوعُ، وذَلِكَ لِأنَّ العاثِرَ إنَّما يَعْثُرُ بِشَيْءٍ كانَ لا يَراهُ، فَلَمّا عَثَرَ بِهِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ ونَظَرَ ما هو، فَقِيلَ لِكُلِّ مَنِ اطَّلَعَ عَلى أمْرٍ كانَ خَفِيًّا عَلَيْهِ: قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ، وأعْثَرَ غَيْرَهُ: إذا أطْلَعَهُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢١] أيْ أطْلَعْنا، ومَعْنى الآيَةِ فَإنْ حَصَلَ العُثُورُ والوُقُوفُ عَلى أنَّهُما أتَيا بِخِيانَةٍ واسْتَحَقّا الإثْمَ بِسَبَبِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَإنْ عُثِرَ بَعْدَما حَلَفَ الوَصِيّانِ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيْ حَنَثا في اليَمِينِ بِكَذِبٍ في قَوْلٍ أوْ خِيانَةٍ في مالٍ، قامَ في اليَمِينِ مَقامَهُما رَجُلانِ مِن قَرابَةِ المَيِّتِ فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرْنا عَلى خِيانَةِ الذِّمِّيَّيْنِ وكَذِبِهِما وتَبْدِيلِهِما وما اعْتَدَيْنا في ذَلِكَ وما كَذَبْنا. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ ودَعا بِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنّا خِيانَةٌ في هَذا المالِ، ولَمّا حَلَفا خَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبِيلَهُما وكَتَما الإناءَ مُدَّةً، ثُمَّ ظَهَرَ، واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: وُجِدَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: لَمّا طالَتِ المُدَّةُ أظْهَرا الإناءَ فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي سَهْمٍ فَطالَبُوهُما، فَقالا: كُنّا قَدِ اشْتَرَيْناهُ مِنهُ، فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكم: هَلْ باعَ صاحِبُنا شَيْئًا، فَقُلْتُما لا ؟ فَقالا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا بَيِّنَةٌ فَكَرِهْنا أنْ نُعْثَرَ فَكَتَمْنا، فَرَفَعُوا القِصَّةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ الآيَةَ، فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي رِفاعَةَ السَّهْمِيّانِ فَحَلَفا بِاللَّهِ بَعْدَ العَصْرِ فَدَفَعَ الرَّسُولُ ﷺ الإناءَ إلَيْهِما وإلى أوْلِياءِ المَيِّتِ.
وكانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ يَقُولُ بَعْدَما أسْلَمَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أنا أخَذْتُ الإناءَ فَأتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بَقِيَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ مَخْفِيَّةً إلى أنْ أسْلَمَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، فَلَمّا أسْلَمَ أخْبَرَ بِذَلِكَ وقالَ: حَلَفْتُ كاذِبًا، وأنا وصاحِبِي بِعْنا الإناءَ بِألْفٍ وقَسَمْنا الثَّمَنَ، ثُمَّ دَفَعَ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِن نَفْسِهِ ونَزَعَ مِن صاحِبِهِ خَمْسَمِائَةٍ أُخْرى ودَفَعَ الألْفَ إلى مَوالِي المَيِّتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ أيْ مَقامَ الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِن غَيْرِ مِلَّتِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ المُرادُ بِهِ مَوالِي المَيِّتِ، وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في أنَّهُ لِمَ وصَفَ مَوالِيَ المَيِّتِ بِهَذا الوَصْفِ، والأصَحُّ عِنْدِي فِيهِ وجْهٌ واحِدٌ، وهو أنَّهم إنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أُخِذَ مالُهم فَقَدِ اسْتَحَقَّ
صفحة ١٠٠
عَلَيْهِمْ مالُهم، فَإنَّ مَن أخَذَ مالَ غَيْرِهِ فَقَدْ حاوَلَ أنْ يَكُونَ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ المالِ مُسْتَعْلِيًا عَلى تَعَلُّقِ مالِكِهِ بِهِ، فَصَحَّ أنْ يُوصَفَ المالِكُ بِأنَّهُ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ المالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿الأوْلَيانِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: هُما الأوْلَيانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما ؟ فَقِيلَ: الأوْلَيانِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في يَقُومانِ، والتَّقْدِيرُ: فَيَقُومُ الأوْلَيانِ.
والثّالِثُ: أجازَ الأخْفَشُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الأوْلَيانِ﴾ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا تَقَدَّمَ ذِكْرُها ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْها الذِّكْرُ صارَتْ مَعْرِفَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ [النُّورِ: ٣٥] فَمِصْباحٌ نَكِرَةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿المِصْباحُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿الزُّجاجَةُ﴾، وهَذا مِثْلُ قَوْلِكَ: رَأيْتُ رَجُلًا، ثُمَّ يَقُولُ إنْسانٌ: مَنِ الرَّجُلُ ؟ فَصارَ بِالعَوْدِ إلى ذِكْرِهِ مَعْرِفَةً.
الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الأوْلَيانِ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿آخَرانِ﴾ وإبْدالُ المَعْرِفَةِ مِنَ النَّكِرَةِ كَثِيرٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنَّما وصَفَهُما بِأنَّهُما أوْلَيانِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: مَعْنى الأوْلَيانِ الأقْرَبانِ إلى المَيِّتِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى الأوْلَيانِ بِاليَمِينِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الوَصِيَّيْنِ قَدِ ادَّعَيا أنَّ المَيِّتَ باعَ الإناءَ الفِضَّةَ فانْتَقَلَ اليَمِينُ إلى مَوالِي المَيِّتِ؛ لِأنَّ الوَصِيَّيْنِ قَدِ ادَّعَيا أنَّ مُورِثَهُما باعَ الإناءَ وهُما أنْكَرا ذَلِكَ، فَكانَ اليَمِينُ حَقًّا لَهُما، وهَذا كَما لَوْ أنَّ إنْسانًا أقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ ثُمَّ ادَّعى أنَّهُ قَضاهُ، حُكِمَ بِرَدِّ اليَمِينِ إلى الَّذِي ادَّعى الدَّيْنَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ صارَ مُدَّعًى عَلَيْهِ أنَّهُ قَدِ اسْتَوْفاهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ لِلْجُمْهُورِ ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ، والأوْلَيانِ تَثْنِيَةُ الأوْلى، وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَهُ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ وعاصِمٍ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ (الأوَّلِينَ) بِالجَمْعِ، وهو نَعْتٌ لِجَمِيعِ الوَرَثَةِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ وتَقْدِيرُهُ: مِنَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مالُهم، وإنَّما قِيلَ لَهُمُ الأوَّلِينَ مِن حَيْثُ كانُوا أوَّلِينَ في الذِّكْرِ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وكَذَلِكَ ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ﴾ ذِكْرًا في اللَّفْظِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ وقَرَأ حَفْصٌ وحْدَهُ بِفَتْحِ التّاءِ والحاءِ، ﴿الأوْلَيانِ﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ، ووَجْهُهُ أنَّ الوَصِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ ظَهَرَتْ خِيانَتُهُما هُما أوْلى مِن غَيْرِهِما بِسَبَبِ أنَّ المَيِّتَ عَيَّنَهُما لِلْوِصايَةِ، ولَمّا خانا في مالِ الوَرَثَةِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ الوَرَثَةَ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ، أيْ خانَ في مالِهِمُ الأوْلَيانِ، وقَرَأ الحَسَنُ (الأوَّلانِ) ووَجْهُهُ ظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ .
والمَعْنى ظاهِرٌ؛ أيْ وما اعْتَدَيْنا في طَلَبِ هَذا المالِ، وفي نِسْبَتِهِمْ إلى الخِيانَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ إنّا إذًا حَلَفْنا مُوقِنِينَ بِالكَذِبِ مُعْتَقِدِينَ الزُّورَ والباطِلَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ .
والمَعْنى: ذَلِكَ الحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْناهُ والطَّرِيقُ الَّذِي شَرَعْناهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، وأنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ لا عَلى وجْهِها، ولَكِنَّهم يَخافُونَ أنْ يَحْلِفُوا عَلى ما ذَكَرُوهُ لِخَوْفِهِمْ مِن أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ عَلى الوَرَثَةِ بَعْدَ أيْمانِهِمْ، فَيَظْهَرُ كَذِبُهم ويَفْتَضِحُونَ فِيما بَيْنَ النّاسِ.
* * *
صفحة ١٠١
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .
والمَعْنى: اتَّقُوا اللَّهَ أنْ تَخُونُوا في الأماناتِ واسْمَعُوا مَواعِظَ اللَّهِ؛ أيِ اعْمَلُوا بِها وأطِيعُوا اللَّهَ فِيها ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ وهو تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِمَن خالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وأوامِرَهُ، فَهَذا هو القَوْلُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها في غايَةِ الصُّعُوبَةِ إعْرابًا ونَظْمًا وحُكْمًا، ورَوى الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”البَسِيطِ“ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أعْضَلُ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ. والحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَنسُوخٌ عِنْدَ أكْثَرِ الفُقَهاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
المائدة 5:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ أنَّهُ إذا ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ والأحْكامِ أتْبَعَها إمّا بِالإلَهِيّاتِ، وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ الأنْبِياءِ، أوْ بِشَرْحِ أحْوالِ القِيامَةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ، فَلا جَرَمَ لَمّا ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرائِعِ أتْبَعَها بِوَصْفِ أحْوالِ القِيامَةِ أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ عِيسى. أمّا وصْفُ أحْوالِ القِيامَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ: واتَّقُوا اللَّهَ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الظَّرْفِ لِهَذا الفِعْلِ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِالتَّقْوى في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولَكِنْ عَلى المَفْعُولِ لَهُ.
الثّانِي: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، أيْ لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النِّساءِ: ١٦٩] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: اذْكُرْ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ كانَ كَيْتُ وكَيْتُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ: (ماذا) مُنْتَصِبٌ بِـ (أُجِبْتُمْ) انْتِصابَ مَصْدَرِهِ، عَلى مَعْنى: أيَّ إجابَةٍ أُجِبْتُمْ ؟ إجابَةُ إنْكارٍ أمْ إجابَةُ إقْرارٍ. ولَوْ أُرِيدَ الجَوابُ لَقِيلَ: بِماذا أُجِبْتُمْ ؟ فَإنْ قِيلَ: وأيُّ فائِدَةٍ في هَذا السُّؤالِ ؟ قُلْنا: تَوْبِيخُ قَوْمِهِمْ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٨] المَقْصُودُ مِنهُ تَوْبِيخُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ.
* المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ لا يَشْهَدُونَ لِأُمَمِهِمْ. والجَمْعُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ﴾
صفحة ١٠٢
﴿شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] مُشْكِلٌ. وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] فَإذا كانَتْ أُمَّتُنا تَشْهَدُ لِسائِرِ النّاسِ فالأنْبِياءُ أوْلى بِأنْ يَشْهَدُوا لِأُمَمِهِمْ بِذَلِكَ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ لِلْقِيامَةِ زَلازِلَ وأهْوالًا بِحَيْثُ تَزُولُ القُلُوبُ عَنْ مَواضِعِها عِنْدَ مُشاهَدَتِها، فالأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأهْوالِ يَنْسَوْنَ أكْثَرَ الأُمُورِ، فَهُنالِكَ يَقُولُونَ: لا عِلْمَ لَنا، فَإذا عادَتْ قُلُوبُهم إلَيْهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَشْهَدُونَ لِلْأُمَمِ. وهَذا الجَوابُ وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ الأكابِرِ فَهو عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ أهْلِ الثَّوابِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٣] وقالَ أيْضًا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عَبَسَ: ٣٨] بَلْ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٢] فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ أقَلَّ مِن ذَلِكَ، ومَعْلُومٌ أنَّهم لَوْ خافُوا لَكانُوا أقَلَّ مَنزِلَةً مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم لا يَخافُونَ البَتَّةَ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ المُبالَغَةُ في تَحْقِيقِ فَضِيحَتِهِمْ كَمَن يَقُولُ لِغَيْرِهِ: ما تَقُولُ في فُلانٍ ؟ فَيَقُولُ: أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الشَّهادَةِ لِظُهُورِهِ، وهَذا أيْضًا لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما وقَعَ عَنْ كُلِّ الأُمَّةِ، وكُلُّ الأُمَّةِ ما كانُوا كافِرِينَ حَتّى تُرِيدَ الرُّسُلُ بِالنَّفْيِ تَبْكِيتَهم وفَضِيحَتَهم.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ، وهو الأصَحُّ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهم إنَّما قالُوا: لا عِلْمَ لَنا؛ لِأنَّكَ تَعْلَمُ ما أظْهَرُوا وما أضْمَرُوا، ونَحْنُ لا نَعْلَمُ إلّا ما أظْهَرُوا، فَعِلْمُكَ فِيهِمْ أنْفَذُ مِن عِلْمِنا. فَلِهَذا المَعْنى نَفَوُا العِلْمَ عَنْ أنْفُسِهِمْ لِأنَّ عِلْمَهم عِنْدَ اللَّهِ كَلا عِلْمٍ.
والوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ أنَّهم قالُوا: لا عِلْمَ لَنا، إلّا أنَّ عَلِمْنا جَوابَهم لَنا وقْتَ حَياتِنا، ولا نَعْلَمُ ما كانَ مِنهم بَعْدَ وفاتِنا، والجَزاءُ والثَّوابُ إنَّما يَحْصُلانِ عَلى الخاتِمَةِ وذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا. فَلِهَذا المَعْنى قالُوا لا عِلْمَ لَنا. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذَيْنِ الجَوابَيْنِ.
الوَجْهُ الخامِسُ، وهو الَّذِي خَطَرَ بِبالِي وقْتَ الكِتابَةِ، أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ العِلْمَ غَيْرٌ والظَّنَّ غَيْرٌ، والحاصِلُ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِن حالِ الغَيْرِ إنَّما هو الظَّنُّ لا العِلْمُ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ» “، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّكم لَتَخْتَصِمُونَ لَدَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ، فَمَن حَكَمْتُ لَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ فَكَأنَّما قَطَعْتُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ» “ أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ. فالأنْبِياءُ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا البَتَّةَ بِأحْوالِهِمْ، إنَّما الحاصِلُ عِنْدَنا مِن أحْوالِهِمْ هو الظَّنُّ، والظَّنُّ كانَ مُعْتَبَرًا في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الأحْكامَ في الدُّنْيا كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى الظَّنِّ، وأمّا الآخِرَةُ فَلا التِفاتَ فِيها إلى الظَّنِّ؛ لِأنَّ الأحْكامَ في الآخِرَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ وبَواطِنِ الأُمُورِ. فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا البَتَّةَ ما مَعَهم مِنَ الظَّنِّ لِأنَّ الظَّنَّ لا عِبْرَةَ بِهِ في القِيامَةِ.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ لا يَجْهَلُ، حَكِيمٌ لا يَسْفَهُ، عادِلٌ لا يَظْلِمُ، عَلِمُوا أنَّ قَوْلَهم لا يُفِيدُ خَيْرًا، ولا يَدْفَعُ شَرًّا، فَرَأوْا أنَّ الأدَبَ في السُّكُوتِ وفي تَفْوِيضِ الأمْرِ إلى عَدْلِ الحَيِّ القَيُّومِ الَّذِي لا يَمُوتُ.
صفحة ١٠٣
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ (عَلّامَ الغُيُوبِ) بِالنَّصْبِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ والتَّقْدِيرُ أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾ أيْ أنْتَ المَوْصُوفُ بِأوْصافِكَ المَعْرُوفَةِ مِنَ العِلْمِ وغَيْرِهِ. ثُمَّ نَصَبَ (عَلّامَ الغُيُوبِ) عَلى الِاخْتِصاصِ، أوْ عَلى النِّداءِ، أوْ وصْفًا لِاسْمِ (إنَّ) .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ إطْلاقِ لَفْظِ العَلّامِ عَلَيْهِ، كَما جازَ إطْلاقُ لَفْظِ الخَلّاقِ عَلَيْهِ، أمّا العَلّامَةُ فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إطْلاقُها في حَقِّهِ ولَعَلَّ السَّبَبَ ما فِيهِ مِن لَفْظِ التَّأْنِيثِ.
المائدة 5:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الغَرَضَ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِلرُّسُلِ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ تَوْبِيخُ مَن تَمَرَّدَ مِن أُمَمِهِمْ، وأشَدُّ الأُمَمِ افْتِقارًا إلى التَّوْبِيخِ والمَلامَةِ النَّصارى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم أتْباعُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ طَعْنَ سائِرِ الأُمَمِ كانَ مَقْصُورًا عَلى الأنْبِياءِ، وطَعْنَ هَؤُلاءِ المَلاعِينِ تَعَدّى إلى جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، حَيْثُ وصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِعاقِلٍ أنْ يَصِفَ الإلَهَ بِهِ، وهو اتِّخاذُ الزَّوْجَةِ والوَلَدِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَدِّدُ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى عِيسى بِحَضْرَةِ الرُّسُلِ واحِدَةً فَواحِدَةً، والمَقْصُودُ مِنهُ تَوْبِيخُ النَّصارى وتَقْرِيعُهم عَلى سُوءِ مَقالَتِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ المُعَدَّدَةِ عَلى عِيسى تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَبْدٌ ولَيْسَ بِإلَهٍ. والفائِدَةُ في هَذِهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهُ النَّصارى الَّذِينَ كانُوا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قُبْحِ مَقالَتِهِمْ ورَكاكَةِ مَذْهَبِهِمْ واعْتِقادِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَوْضِعُ (إذْ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ عَلى مَعْنى: ذاكَ إذْ قالَ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اذْكُرْ إذْ قالَ اللَّهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خَرَجَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ﴾ عَلى لَفْظِ الماضِي دُونَ المُسْتَقْبَلِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الدَّلالَةُ عَلى قُرْبِ القِيامَةِ حَتّى كَأنَّها قَدْ قامَتْ ووَقَعَتْ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ويُقالُ: الجَيْشُ قَدْ أتى: إذا قَرُبَ إتْيانُهم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١] الثّانِي: أنَّهُ ورَدَ عَلى حِكايَةِ الحالِ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِصاحِبِهِ: كَأنَّكَ بِنا وقَدْ دَخَلْنا بَلْدَةَ كَذا فَصَنَعْنا فِيها كَذا إذْ صاحَ صائِحٌ فَتَرَكْتَنِي وأجَبْتَهُ، ونَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ [سَبَأٍ: ٥١] ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠] ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سَبَأٍ: ٣١] والوَجْهُ في كُلِّ هَذِهِ الآياتِ ما ذَكَرْناهُ، مِن أنَّهُ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَنِ الحالِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِأنَّهُ مُنادى مُفْرَدٌ وُصِفَ بِمُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا
صفحة ١٠٤
جازَ فِيهِ وجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، ويا زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:
يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ
بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِهِ عَلى ما بَيَّنّاهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أرادَ الجَمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ (النَّحْلِ: ١٨) وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ مُضافٌ يَصْلُحُ لِلْجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَسَّرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ، أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: رُوحُ القُدُسِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، الرُّوحُ جِبْرِيلُ والقُدُسُ هو اللَّهُ تَعالى، كَأنَّهُ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لَهُ.
الثّانِي: أنَّ الأرْواحَ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ، فَمِنها طاهِرَةٌ نُورانِيَّةٌ ومِنها خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ، ومِنها مُشْرِقَةٌ، ومِنها كَدِرَةٌ، ومِنها خَيِّرَةٌ، ومِنها نَذْلَةٌ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» فاللَّهُ تَعالى خَصَّ عِيسى بِالرُّوحِ الطّاهِرَةِ النُّورانِيَّةِ المُشْرِقَةِ العُلْوِيَّةِ الخَيِّرَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَأْيِيدَ عِيسى إنَّما حَصَلَ مِن جِبْرِيلَ أوْ بِسَبَبِ رُوحِهِ المُخْتَصِّ بِهِ، قَدَحَ هَذا في دَلالَةِ المُعْجِزاتِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ؛ لِأنّا قَبْلَ العِلْمِ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ نُجَوِّزُ أنَّهُ أعانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذَلِكَ، عَلى سَبِيلِ إغْواءِ الخَلْقِ وإضْلالِهِمْ؛ فَما لَمْ تُعْرَفْ عِصْمَةُ جِبْرِيلَ لا يَنْدَفِعُ هَذا، وما لَمْ تُعْرَفْ نُبُوَّةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا تُعْرَفُ عِصْمَةُ جِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ. وجَوابُهُ ما ثَبَتَ مِن أصْلِنا أنَّ الخالِقَ لَيْسَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ يَنْدَفِعُ هَذا السُّؤالُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ أمّا كَلامُ عِيسى في المَهْدِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: يُكَلِّمُهم طِفْلًا وكَهْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَتَفاوَتَ كَلامُهُ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وهَذِهِ خاصِّيَّةٌ شَرِيفَةٌ كانَتْ حاصِلَةً لَهُ وما حَصَلَتْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ .
وفِي (الكِتابِ) قَوْلانِ، أحَدُهُما: المُرادُ بِهِ الكِتابَةُ وهي الخَطُّ. والثّانِي: المُرادُ مِنهُ جِنْسُ الكُتُبِ. فَإنَّ الإنْسانَ يَتَعَلَّمُ أوَّلًا كُتُبًا سَهْلَةً مُخْتَصَرَةً، ثُمَّ يَتَرَقّى مِنها إلى الكُتُبِ الشَّرِيفَةِ. وأمّا (الحِكْمَةُ) فَهي عِبارَةٌ عَنِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، والعُلُومِ العَمَلِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ (التَّوْراةَ والإنْجِيلَ) وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُما خُصّا بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ الكُتُبِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحْزابِ: ٧] .
والثّانِي وهو الأقْوى: أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن صارَ بانِيًا في أصْنافِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي يَبْحَثُ عَنْها العُلَماءُ. فَقَوْلُهُ: (التَّوْراةُ والإنْجِيلُ) إشارَةٌ إلى الأسْرارِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها أحَدٌ إلّا أكابِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
* *
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ (فَتَكُونُ طائِرًا) والباقُونَ (طَيْرًا) بِغَيْرِ ألِفٍ، وطَيْرٌ جَمْعُ طائِرٍ كَضَأْنٍ وضائِنٍ ورَكْبٍ وراكِبٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ وذَكَرَ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ .
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أيْ هَيْئَةٌ مِثْلُ هَيْئَةِ الطَّيْرِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ الضَّمِيرُ لِلْكافِ؛ لِأنَّها صِفَةُ الهَيْئَةِ الَّتِي كانَ يَخْلُقُها عِيسى ويَنْفُخُ فِيها ولا يَرْجِعُ إلى الهَيْئَةِ المُضافِ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ ولا نَفْخِهِ في شَيْءٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الكافُ تُؤَنَّثُ بِحَسَبَ المَعْنى لِدَلالَتِها عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي هي مِثْلُ هَيْئَةِ الطَّيْرِ، وتُذَكَّرُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَقَعَ الضَّمِيرُ عَنْها تارَةً عَلى وجْهِ التَّذْكِيرِ وأُخْرى عَلى وجْهِ التَّأْنِيثِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى اعْتَبَرَ الإذْنَ في خَلْقِ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وفي صَيْرُورَتِهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ طَيْرًا. وإنَّما أعادَ قَوْلَهُ: ﴿بِإذْنِي﴾ تَأْكِيدًا لِكَوْنِ ذَلِكَ واقِعًا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ لا بِقُدْرَةِ عِيسى وإيجادِهِ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي﴾ وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ مَعْرُوفٌ، وقالَ الخَلِيلِيُّ: الأكْمَهُ مَن وُلِدَ أعْمى، والأعْمى مَن وُلِدَ بَصِيرًا ثُمَّ عَمِيَ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ أيْ وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً بِإذْنِي؛ أيْ بِفِعْلِي ذَلِكَ عِنْدَ دُعائِكَ، وعِنْدَ قَوْلِكَ لِلْمَيِّتِ: اخْرُجْ بِإذْنِ اللَّهِ مِن قَبْرِكَ، وذِكْرُ الإذْنِ في هَذِهِ الأفاعِيلِ إنَّما هو عَلى مَعْنى إضافَةِ حَقِيقَةِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٥] أيْ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ المَوْتَ فِيها.
* وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ١٠٦
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ هَذِهِ البَيِّناتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ جِنْسَ البَيِّناتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أظْهَرَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ العَجِيبَةَ قَصَدَ اليَهُودُ قَتْلَهُ فَخَلَّصَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم حَيْثُ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ساحِرٌ) بِالألِفِ وكَذَلِكَ في يُونُسَ وهُودٍ والصَّفِّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في يُونُسَ بِالألِفِ فَقَطْ والباقُونَ (سِحْرٌ) فَمَن قَرَأ (ساحِرٌ) أشارَ إلى الرَّجُلِ ومَن قَرَأ (سِحْرٌ) أشارَ بِهِ إلى ما جاءَ بِهِ، وكِلاهُما حَسَنٌ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والِاخْتِيارُ (سِحْرٌ) لِجَوازِ وُقُوعِهِ عَلى الحَدَثِ والشَّخْصِ، أمّا وُقُوعُهُ عَلى الحَدَثِ فَظاهِرٌ وأمّا وُقُوعُهُ عَلى الشَّخْصِ فَتَقُولُ: هَذا سِحْرٌ، وتُرِيدُ بِهِ: ذُو سِحْرٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] أيْ ذا البِرِّ، قالَ الشّاعِرُ:
فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى شَرَعَ هاهُنا في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُ الكُفّارِ في حَقِّهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ لَيْسَ مِنَ النِّعَمِ، فَكَيْفَ ذَكَرَهُ هاهُنا ؟
والجَوابُ: أنَّ مِنَ الأمْثالِ المَشْهُورَةِ أنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ، وطَعْنُ الكُفّارِ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ في حَقِّهِ كانَتْ عَظِيمَةً، فَحَسُنَ ذِكْرُهُ عِنْدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَحْيِ، فَمَن قالَ: إنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، قالَ: ذَلِكَ الوَحْيُ هو الوَحْيُ الَّذِي يُوحى إلى الأنْبِياءِ، ومَن قالَ: إنَّهم ما كانُوا أنْبِياءَ، قالَ: المُرادُ بِذَلِكَ الوَحْيُ والإلْهامُ والإلْقاءُ في القَلْبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النَّحْلِ: ٦٨] وإنَّما ذَكَرَ هَذا في مَعْرِضِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ لِأنَّ صَيْرُورَةَ الإنْسانِ مَقْبُولَ القَوْلِ عِنْدَ النّاسِ مَحْبُوبًا في قُلُوبِهِمْ مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَمّا ألْقى ذَلِكَ الوَحْيَ في قُلُوبِهِمْ آمَنُوا وأسْلَمُوا، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الإيمانِ عَلى الإسْلامِ لِأنَّ الإيمانَ صِفَةُ القَلْبِ، والإسْلامَ عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ والخُضُوعِ في الظّاهِرِ، يَعْنِي آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ وانْقادُوا بِظَواهِرِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ ثُمَّ إنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرَهُ تَعالى مِنَ النِّعَمِ مُخْتَصٌّ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ لِأُمِّهِ بِشَيْءٍ مِنها تَعَلُّقٌ.
قُلْنا: كُلُّ ما حَصَلَ لِلْوَلَدِ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ فَهو حاصِلٌ عَلى سَبِيلِ الضِّمْنِ والتَّبَعِ لِلْأُمِّ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] فَجَعَلَهُما مَعًا آيَةً واحِدَةً لِشِدَّةِ اتِّصالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِعِيسى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ كانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ ويَأْكُلُ الشَّجَرَ ولا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ ويَقُولُ: مَعَ كُلِّ يَوْمٍ رِزْقُهُ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ فَيَخْرَبُ، ولا ولَدٌ فَيَمُوتُ، أيْنَما أمْسى باتَ.
المائدة 5:111
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الغَرَضَ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِلرُّسُلِ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ تَوْبِيخُ مَن تَمَرَّدَ مِن أُمَمِهِمْ، وأشَدُّ الأُمَمِ افْتِقارًا إلى التَّوْبِيخِ والمَلامَةِ النَّصارى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم أتْباعُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ طَعْنَ سائِرِ الأُمَمِ كانَ مَقْصُورًا عَلى الأنْبِياءِ، وطَعْنَ هَؤُلاءِ المَلاعِينِ تَعَدّى إلى جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، حَيْثُ وصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِعاقِلٍ أنْ يَصِفَ الإلَهَ بِهِ، وهو اتِّخاذُ الزَّوْجَةِ والوَلَدِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَدِّدُ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى عِيسى بِحَضْرَةِ الرُّسُلِ واحِدَةً فَواحِدَةً، والمَقْصُودُ مِنهُ تَوْبِيخُ النَّصارى وتَقْرِيعُهم عَلى سُوءِ مَقالَتِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ المُعَدَّدَةِ عَلى عِيسى تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَبْدٌ ولَيْسَ بِإلَهٍ. والفائِدَةُ في هَذِهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهُ النَّصارى الَّذِينَ كانُوا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قُبْحِ مَقالَتِهِمْ ورَكاكَةِ مَذْهَبِهِمْ واعْتِقادِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَوْضِعُ (إذْ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ عَلى مَعْنى: ذاكَ إذْ قالَ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اذْكُرْ إذْ قالَ اللَّهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خَرَجَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ﴾ عَلى لَفْظِ الماضِي دُونَ المُسْتَقْبَلِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الدَّلالَةُ عَلى قُرْبِ القِيامَةِ حَتّى كَأنَّها قَدْ قامَتْ ووَقَعَتْ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ويُقالُ: الجَيْشُ قَدْ أتى: إذا قَرُبَ إتْيانُهم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١] الثّانِي: أنَّهُ ورَدَ عَلى حِكايَةِ الحالِ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِصاحِبِهِ: كَأنَّكَ بِنا وقَدْ دَخَلْنا بَلْدَةَ كَذا فَصَنَعْنا فِيها كَذا إذْ صاحَ صائِحٌ فَتَرَكْتَنِي وأجَبْتَهُ، ونَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ [سَبَأٍ: ٥١] ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠] ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سَبَأٍ: ٣١] والوَجْهُ في كُلِّ هَذِهِ الآياتِ ما ذَكَرْناهُ، مِن أنَّهُ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَنِ الحالِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِأنَّهُ مُنادى مُفْرَدٌ وُصِفَ بِمُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا
صفحة ١٠٤
جازَ فِيهِ وجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، ويا زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:
يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ
بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِهِ عَلى ما بَيَّنّاهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أرادَ الجَمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ (النَّحْلِ: ١٨) وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ مُضافٌ يَصْلُحُ لِلْجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَسَّرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ، أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: رُوحُ القُدُسِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، الرُّوحُ جِبْرِيلُ والقُدُسُ هو اللَّهُ تَعالى، كَأنَّهُ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لَهُ.
الثّانِي: أنَّ الأرْواحَ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ، فَمِنها طاهِرَةٌ نُورانِيَّةٌ ومِنها خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ، ومِنها مُشْرِقَةٌ، ومِنها كَدِرَةٌ، ومِنها خَيِّرَةٌ، ومِنها نَذْلَةٌ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» فاللَّهُ تَعالى خَصَّ عِيسى بِالرُّوحِ الطّاهِرَةِ النُّورانِيَّةِ المُشْرِقَةِ العُلْوِيَّةِ الخَيِّرَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَأْيِيدَ عِيسى إنَّما حَصَلَ مِن جِبْرِيلَ أوْ بِسَبَبِ رُوحِهِ المُخْتَصِّ بِهِ، قَدَحَ هَذا في دَلالَةِ المُعْجِزاتِ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ؛ لِأنّا قَبْلَ العِلْمِ بِعِصْمَةِ جِبْرِيلَ نُجَوِّزُ أنَّهُ أعانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذَلِكَ، عَلى سَبِيلِ إغْواءِ الخَلْقِ وإضْلالِهِمْ؛ فَما لَمْ تُعْرَفْ عِصْمَةُ جِبْرِيلَ لا يَنْدَفِعُ هَذا، وما لَمْ تُعْرَفْ نُبُوَّةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا تُعْرَفُ عِصْمَةُ جِبْرِيلَ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ. وجَوابُهُ ما ثَبَتَ مِن أصْلِنا أنَّ الخالِقَ لَيْسَ إلّا اللَّهُ، وبِهِ يَنْدَفِعُ هَذا السُّؤالُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ أمّا كَلامُ عِيسى في المَهْدِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: يُكَلِّمُهم طِفْلًا وكَهْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَتَفاوَتَ كَلامُهُ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وهَذِهِ خاصِّيَّةٌ شَرِيفَةٌ كانَتْ حاصِلَةً لَهُ وما حَصَلَتْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ .
وفِي (الكِتابِ) قَوْلانِ، أحَدُهُما: المُرادُ بِهِ الكِتابَةُ وهي الخَطُّ. والثّانِي: المُرادُ مِنهُ جِنْسُ الكُتُبِ. فَإنَّ الإنْسانَ يَتَعَلَّمُ أوَّلًا كُتُبًا سَهْلَةً مُخْتَصَرَةً، ثُمَّ يَتَرَقّى مِنها إلى الكُتُبِ الشَّرِيفَةِ. وأمّا (الحِكْمَةُ) فَهي عِبارَةٌ عَنِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، والعُلُومِ العَمَلِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ (التَّوْراةَ والإنْجِيلَ) وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُما خُصّا بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ الكُتُبِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحْزابِ: ٧] .
والثّانِي وهو الأقْوى: أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن صارَ بانِيًا في أصْنافِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي يَبْحَثُ عَنْها العُلَماءُ. فَقَوْلُهُ: (التَّوْراةُ والإنْجِيلُ) إشارَةٌ إلى الأسْرارِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها أحَدٌ إلّا أكابِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
* *
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ (فَتَكُونُ طائِرًا) والباقُونَ (طَيْرًا) بِغَيْرِ ألِفٍ، وطَيْرٌ جَمْعُ طائِرٍ كَضَأْنٍ وضائِنٍ ورَكْبٍ وراكِبٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ وذَكَرَ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ .
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أيْ هَيْئَةٌ مِثْلُ هَيْئَةِ الطَّيْرِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ الضَّمِيرُ لِلْكافِ؛ لِأنَّها صِفَةُ الهَيْئَةِ الَّتِي كانَ يَخْلُقُها عِيسى ويَنْفُخُ فِيها ولا يَرْجِعُ إلى الهَيْئَةِ المُضافِ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ ولا نَفْخِهِ في شَيْءٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الكافُ تُؤَنَّثُ بِحَسَبَ المَعْنى لِدَلالَتِها عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي هي مِثْلُ هَيْئَةِ الطَّيْرِ، وتُذَكَّرُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَقَعَ الضَّمِيرُ عَنْها تارَةً عَلى وجْهِ التَّذْكِيرِ وأُخْرى عَلى وجْهِ التَّأْنِيثِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى اعْتَبَرَ الإذْنَ في خَلْقِ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وفي صَيْرُورَتِهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ طَيْرًا. وإنَّما أعادَ قَوْلَهُ: ﴿بِإذْنِي﴾ تَأْكِيدًا لِكَوْنِ ذَلِكَ واقِعًا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ لا بِقُدْرَةِ عِيسى وإيجادِهِ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي﴾ وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ مَعْرُوفٌ، وقالَ الخَلِيلِيُّ: الأكْمَهُ مَن وُلِدَ أعْمى، والأعْمى مَن وُلِدَ بَصِيرًا ثُمَّ عَمِيَ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ أيْ وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً بِإذْنِي؛ أيْ بِفِعْلِي ذَلِكَ عِنْدَ دُعائِكَ، وعِنْدَ قَوْلِكَ لِلْمَيِّتِ: اخْرُجْ بِإذْنِ اللَّهِ مِن قَبْرِكَ، وذِكْرُ الإذْنِ في هَذِهِ الأفاعِيلِ إنَّما هو عَلى مَعْنى إضافَةِ حَقِيقَةِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٥] أيْ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ المَوْتَ فِيها.
* وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ١٠٦
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ هَذِهِ البَيِّناتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ جِنْسَ البَيِّناتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أظْهَرَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ العَجِيبَةَ قَصَدَ اليَهُودُ قَتْلَهُ فَخَلَّصَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهم حَيْثُ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ساحِرٌ) بِالألِفِ وكَذَلِكَ في يُونُسَ وهُودٍ والصَّفِّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في يُونُسَ بِالألِفِ فَقَطْ والباقُونَ (سِحْرٌ) فَمَن قَرَأ (ساحِرٌ) أشارَ إلى الرَّجُلِ ومَن قَرَأ (سِحْرٌ) أشارَ بِهِ إلى ما جاءَ بِهِ، وكِلاهُما حَسَنٌ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والِاخْتِيارُ (سِحْرٌ) لِجَوازِ وُقُوعِهِ عَلى الحَدَثِ والشَّخْصِ، أمّا وُقُوعُهُ عَلى الحَدَثِ فَظاهِرٌ وأمّا وُقُوعُهُ عَلى الشَّخْصِ فَتَقُولُ: هَذا سِحْرٌ، وتُرِيدُ بِهِ: ذُو سِحْرٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] أيْ ذا البِرِّ، قالَ الشّاعِرُ:
فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى شَرَعَ هاهُنا في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُ الكُفّارِ في حَقِّهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ لَيْسَ مِنَ النِّعَمِ، فَكَيْفَ ذَكَرَهُ هاهُنا ؟
والجَوابُ: أنَّ مِنَ الأمْثالِ المَشْهُورَةِ أنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ، وطَعْنُ الكُفّارِ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ في حَقِّهِ كانَتْ عَظِيمَةً، فَحَسُنَ ذِكْرُهُ عِنْدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَحْيِ، فَمَن قالَ: إنَّهم كانُوا أنْبِياءَ، قالَ: ذَلِكَ الوَحْيُ هو الوَحْيُ الَّذِي يُوحى إلى الأنْبِياءِ، ومَن قالَ: إنَّهم ما كانُوا أنْبِياءَ، قالَ: المُرادُ بِذَلِكَ الوَحْيُ والإلْهامُ والإلْقاءُ في القَلْبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النَّحْلِ: ٦٨] وإنَّما ذَكَرَ هَذا في مَعْرِضِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ لِأنَّ صَيْرُورَةَ الإنْسانِ مَقْبُولَ القَوْلِ عِنْدَ النّاسِ مَحْبُوبًا في قُلُوبِهِمْ مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَمّا ألْقى ذَلِكَ الوَحْيَ في قُلُوبِهِمْ آمَنُوا وأسْلَمُوا، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الإيمانِ عَلى الإسْلامِ لِأنَّ الإيمانَ صِفَةُ القَلْبِ، والإسْلامَ عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ والخُضُوعِ في الظّاهِرِ، يَعْنِي آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ وانْقادُوا بِظَواهِرِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ ثُمَّ إنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرَهُ تَعالى مِنَ النِّعَمِ مُخْتَصٌّ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ لِأُمِّهِ بِشَيْءٍ مِنها تَعَلُّقٌ.
قُلْنا: كُلُّ ما حَصَلَ لِلْوَلَدِ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ فَهو حاصِلٌ عَلى سَبِيلِ الضِّمْنِ والتَّبَعِ لِلْأُمِّ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] فَجَعَلَهُما مَعًا آيَةً واحِدَةً لِشِدَّةِ اتِّصالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، ورُوِيَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِعِيسى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ كانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ ويَأْكُلُ الشَّجَرَ ولا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ ويَقُولُ: مَعَ كُلِّ يَوْمٍ رِزْقُهُ، ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ فَيَخْرَبُ، ولا ولَدٌ فَيَمُوتُ، أيْنَما أمْسى باتَ.
المائدة 5:112
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (إذْ قالَ) وجْهانِ:
الأوَّلُ: أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ.
الثّانِي: اذْكُرْ إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ) بِالتّاءِ (رَبَّكَ) بِالنَّصْبِ وبِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ، وسَبَبُ الإدْغامِ أنَّ اللّامَ قَرِيبُ المَخْرَجِ مِنَ التّاءِ لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا، وبِحَسَبَ قُرْبِ الحَرْفِ مِنَ الحَرْفِ يَحْسُنُ الإدْغامُ، وهَذِهِ القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: كانُوا أعْلَمَ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ ؟ وإنَّما قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. وعَنْ «مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (هَلْ تَسْتَطِيعُ) بِالتّاءِ (رَبَّكَ) بِالنَّصْبِ» . والباقُونَ (يَسْتَطِيعُ) بِالياءِ (رَبُّكَ) بِرَفْعِ الباءِ وبِالإظْهارِ، فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَمَعْناها: هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤالَ رَبِّكَ ؟ قالُوا: وهَذِهِ القِراءَةُ أوْلى مِنَ الثّانِيَةِ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تُوجِبُ شَكَّهم في اسْتِطاعَةِ عِيسى، والثّانِيَةُ تُوجِبُ شَكَّهم في اسْتِطاعَةِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ الأُولى أوْلى، وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها إشْكالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ وبَعْدَ الإيمانِ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم بَقُوا شاكِّينَ في اقْتِدارِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ما وصَفَهم بِالإيمانِ والإسْلامِ بَلْ حَكى عَنْهُمُ ادِّعاءَهم لَهُما ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم كانُوا شاكِّينَ مُتَوَقِّفِينَ؛ فَإنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصْدُرُ عَمَّنْ كانَ كامِلًا في الإيمانِ، وقالُوا: ﴿ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى مَرَضٍ في القَلْبِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما كانُوا كامِلِينَ في الإيمانِ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ إلّا أنَّهم طَلَبُوا هَذِهِ الآيَةَ لِيَحْصُلَ لَهم مَزِيدُ الطُّمَأْنِينَةِ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فَإنَّ مُشاهَدَةَ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ لا شَكَّ أنَّها تُورِثُ الطُّمَأْنِينَةَ، ولِهَذا السَّبَبِ قالُوا: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ أنَّ المُرادَ مِن هَذا الكَلامِ اسْتِفْهامُ أنَّ ذَلِكَ هَلْ هو جائِزٌ في الحِكْمَةِ أمْ لا، وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لَمّا كانَتْ مَوْقُوفَةً عَلى رِعايَةِ وُجُوهِ الحِكْمَةِ، فَفي المَوْضِعِ الَّذِي لا يَحْصُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ يَكُونُ الفِعْلُ مُمْتَنِعًا، فَإنَّ المُنافِيَ مِن جِهَةِ الحِكْمَةِ كالمُنافِي مِن جِهَةِ القُدْرَةِ، وهَذا الجَوابُ
صفحة ١٠٨
يَتَمَشّى عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِنا فَهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى هَلْ قَضى بِذَلِكَ وهَلْ عَلِمَ وُقُوعَهُ ؟ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْضِ بِهِ ولَمْ يَعْلَمْ وُقُوعَهُ كانَ ذَلِكَ مُحالًا غَيْرَ مَقْدُورٍ لِأنَّ خِلافَ المَعْلُومِ غَيْرُ مَقْدُورٍ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ السُّدِّيُّ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ أيْ هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ إنْ سَألْتَهُ، وهَذا تَفْرِيعٌ عَلى أنَّ (اسْتَطاعَ) بِمَعْنى (أطاعَ) والسِّينُ زائِدَةٌ.
الوَجْهُ الخامِسُ: لَعَلَّ المُرادَ بِالرَّبِّ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُرَبِّيهِ ويَخُصُّهُ بِأنْواعِ الإعانَةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ يَعْنِي أنَّكَ تَدَّعِي أنَّهُ يُرَبِّيكَ ويَخُصُّكَ بِأنْواعِ الكَرامَةِ، فَهَلْ يَقْدِرُ عَلى إنْزالِ مائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ عَلَيْكَ.
والوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ كَوْنَهم شاكِّينَ فِيهِ بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ أنَّ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ كَمَن يَأْخُذُ بِيَدِ ضَعِيفٍ ويَقُولُ: هَلْ يَقْدِرُ السُّلْطانُ عَلى إشْباعِ هَذا ؟ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ جَلِيٌّ واضِحٌ لا يَجُوزُ لِعاقِلٍ أنْ يَشُكَّ فِيهِ، فَكَذا هاهُنا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: (المائِدَةُ) فاعِلَةٌ مِن مادَ يَمِيدُ: إذا تَحَرَّكَ، فَكَأنَّها تَمِيدُ بِما عَلَيْها، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَتْ مائِدَةً لِأنَّها عَطِيَّةٌ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: مادَ فُلانٌ فُلانًا يَمِيدُهُ مَيْدًا: إذا أحْسَنَ إلَيْهِ، فالمائِدَةُ عَلى هَذا القَوْلِ فاعِلَةٌ مِنَ المَيْدِ بِمَعْنى مُعْطِيَةٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (المائِدَةُ) فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، مِثْلُ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وأصْلُها: مُمِيدَةٌ مِيدَ بِها صاحِبُها، أيْ أُعْطِيها وتَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِها، والعَرَبُ تَقُولُ: مادَنِي فُلانٌ يَمِيدُنِي: إذا أحْسَنَ إلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ عِيسى: اتَّقُوا اللَّهَ في تَعْيِينِ المُعْجِزَةِ؛ فَإنَّهُ جارٍ مَجْرى التَّعَنُّتِ والتَّحَكُّمِ، وهَذا مِنَ العَبْدِ في حَضْرَةِ الرَّبِّ جُرْمٌ عَظِيمٌ، ولِأنَّهُ أيْضًا اقْتِراحُ مُعْجِزَةٍ بَعْدَ تَقَدُّمِ مُعْجِزاتٍ كَثِيرَةٍ، وهو جُرْمٌ عَظِيمٌ.
الثّانِي: أنَّهُ أمَرَهم بِالتَّقْوى لِتَصِيرَ التَّقْوى سَبَبًا لِحُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ، كَما قالَ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلاقِ: ٢] وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائِدَةِ: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرًا عَلى إنْزالِ المائِدَةِ فاتَّقُوا اللَّهَ لِتَصِيرَ تَقْواكم وسِيلَةً إلى حُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ.
المائدة 5:113
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ .
والمَعْنى: كَأنَّهم لَمّا طَلَبُوا ذَلِكَ قالَ عِيسى لَهم: إنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَتِ المُعْجِزاتُ الكَثِيرَةُ فاتَّقُوا اللَّهَ في طَلَبِ
صفحة ١٠٩
هَذِهِ المُعْجِزَةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، فَأجابُوا وقالُوا: إنّا لا نَطْلُبُ هَذِهِ المائِدَةَ لِمُجَرَّدِ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً بَلْ لِمَجْمُوعِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ:
أحَدُها: أنّا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها فَإنَّ الجُوعَ قَدْ غَلَبَنا ولا نَجِدُ طَعامًا آخَرَ.
وثانِيها: أنّا وإنْ عَلِمْنا قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى بِالدَّلِيلِ، ولَكِنّا إذا شاهَدْنا نُزُولَ هَذِهِ المائِدَةِ ازْدادَ اليَقِينُ وقَوِيَتِ الطُّمَأْنِينَةُ.
وثالِثُها: أنّا وإنْ عَلِمْنا بِسائِرِ المُعْجِزاتِ صِدْقَكَ، ولَكِنّا إذا شاهَدْنا هَذِهِ المُعْجِزَةَ ازْدادَ اليَقِينُ والعِرْفانُ وتَأكَّدَتِ الطُّمَأْنِينَةُ.
ورابِعُها: أنَّ جَمِيعَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي أوْرَدْتَها كانَتْ مُعْجِزاتٍ أرْضِيَّةً، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ سَماوِيَّةٌ وهي أعْجَبُ وأعْظَمُ، فَإذا شاهَدْناها كُنّا عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ، نَشْهَدُ عَلَيْها عِنْدَ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوها مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِكَمالِ القُدْرَةِ، ولَكَ بِالنُّبُوَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) فَقَدْ تَقَدَّمَ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٦] فَقَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ) نِداءٌ، وقَوْلُهُ: (رَبَّنا) نِداءٌ ثانٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا﴾ صِفَةٌ لِلْمائِدَةِ ولَيْسَ بِجَوابٍ لِلْأمْرِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (تَكُنْ) لِأنَّهُ جَعَلَهُ جَوابَ الأمْرِ. قالَ الفَرّاءُ: وما كانَ مِن نَكِرَةٍ قَدْ وقَعَ عَلَيْها أمْرٌ جازَ في الفِعْلِ بَعْدَهُ الجَزْمُ والرَّفْعُ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي﴾ [مَرْيَمَ: ٦] بِالجَزْمِ والرَّفْعِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القَصَصِ: ٣٤] بِالجَزْمِ والرَّفْعِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ أيْ نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي تَنْزِلُ فِيهِ المائِدَةُ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن يَأْتِي بَعْدَنا، ونَزَلَتْ يَوْمَ الأحَدِ فاتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا، والعِيدُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِما عادَ إلَيْكَ في وقْتٍ مَعْلُومٍ، واشْتِقاقُهُ مِن عادَ يَعُودُ، فَأصْلُهُ هو العَوْدُ، فَسُمِّيَ العِيدُ عِيدًا لِأنَّهُ يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ بِفَرَحٍ جَدِيدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ أيْ دَلالَةً عَلى تَوْحِيدِكَ وصِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِكَ ﴿وارْزُقْنا﴾ أيْ وارْزُقْنا طَعامًا نَأْكُلُهُ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَأمَّلْ في هَذا التَّرْتِيبِ فَإنَّ الحَوارِيِّينَ لَمّا سَألُوا المائِدَةَ ذَكَرُوا في طَلَبِها أغْراضًا، فَقَدَّمُوا ذِكْرَ الأكْلِ فَقالُوا: ﴿نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ وأخَّرُوا الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، فَأمّا عِيسى فَإنَّهُ لَمّا طَلَبَ المائِدَةَ وذَكَرَ أغْراضَهُ فِيها قَدَّمَ الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ وأخَّرَ غَرَضَ الأكْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿وارْزُقْنا﴾ وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ لَكَ مَراتِبُ دَرَجاتِ الأرْواحِ في كَوْنِ بَعْضِها رُوحانِيَّةً وبَعْضِها جُسْمانِيَّةً، ثُمَّ إنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِشِدَّةِ صَفاءِ دِينِهِ وإشْراقِ رُوحِهِ لَمّا ذَكَرَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْنا﴾ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ بَلِ انْتَقَلَ مِنَ الرِّزْقِ إلى الرَّزّاقِ فَقالَ: ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: (رَبَّنا) ابْتِداءٌ مِنهُ بِذِكْرِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: (أنْزِلْ عَلَيْنا) انْتِقالٌ مِنَ الذّاتِ إلى الصِّفاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ إشارَةٌ إلى ابْتِهاجِ الرُّوحِ بِالنِّعْمَةِ لا مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها صادِرَةٌ عَنِ المُنْعِمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ هَذِهِ المائِدَةِ دَلِيلًا لِأصْحابِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وقَوْلُهُ: ﴿وارْزُقْنا﴾ إشارَةٌ إلى حِصَّةِ النَّفْسِ، وكُلُّ ذَلِكَ نُزُولٌ مِن حَضْرَةِ الجَلالِ. فانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأ بِالأشْرَفِ فالأشْرَفِ نازِلًا إلى الأدْوَنِ فالأدْوَنِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ وهو عُرُوجٌ مَرَّةً أُخْرى مِنَ الخَلْقِ إلى الخالِقِ ومِن غَيْرِ اللَّهِ إلى اللَّهِ ومِنَ الأخَسِّ إلى الأشْرَفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَلُوحُ لَكَ شَمَّةٌ مِن كَيْفِيَّةِ عُرُوجِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ النُّورانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ ونُزُولِها، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن أهْلِهِ.
صفحة ١١٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قِراءَةِ زَيْدٍ (يَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا) والتَّأْنِيثُ بِمَعْنى الآيَةِ.
المائدة 5:114
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ .
والمَعْنى: كَأنَّهم لَمّا طَلَبُوا ذَلِكَ قالَ عِيسى لَهم: إنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَتِ المُعْجِزاتُ الكَثِيرَةُ فاتَّقُوا اللَّهَ في طَلَبِ
صفحة ١٠٩
هَذِهِ المُعْجِزَةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، فَأجابُوا وقالُوا: إنّا لا نَطْلُبُ هَذِهِ المائِدَةَ لِمُجَرَّدِ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً بَلْ لِمَجْمُوعِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ:
أحَدُها: أنّا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها فَإنَّ الجُوعَ قَدْ غَلَبَنا ولا نَجِدُ طَعامًا آخَرَ.
وثانِيها: أنّا وإنْ عَلِمْنا قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى بِالدَّلِيلِ، ولَكِنّا إذا شاهَدْنا نُزُولَ هَذِهِ المائِدَةِ ازْدادَ اليَقِينُ وقَوِيَتِ الطُّمَأْنِينَةُ.
وثالِثُها: أنّا وإنْ عَلِمْنا بِسائِرِ المُعْجِزاتِ صِدْقَكَ، ولَكِنّا إذا شاهَدْنا هَذِهِ المُعْجِزَةَ ازْدادَ اليَقِينُ والعِرْفانُ وتَأكَّدَتِ الطُّمَأْنِينَةُ.
ورابِعُها: أنَّ جَمِيعَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي أوْرَدْتَها كانَتْ مُعْجِزاتٍ أرْضِيَّةً، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ سَماوِيَّةٌ وهي أعْجَبُ وأعْظَمُ، فَإذا شاهَدْناها كُنّا عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ، نَشْهَدُ عَلَيْها عِنْدَ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوها مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِكَمالِ القُدْرَةِ، ولَكَ بِالنُّبُوَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) فَقَدْ تَقَدَّمَ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٦] فَقَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ) نِداءٌ، وقَوْلُهُ: (رَبَّنا) نِداءٌ ثانٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا﴾ صِفَةٌ لِلْمائِدَةِ ولَيْسَ بِجَوابٍ لِلْأمْرِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (تَكُنْ) لِأنَّهُ جَعَلَهُ جَوابَ الأمْرِ. قالَ الفَرّاءُ: وما كانَ مِن نَكِرَةٍ قَدْ وقَعَ عَلَيْها أمْرٌ جازَ في الفِعْلِ بَعْدَهُ الجَزْمُ والرَّفْعُ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي﴾ [مَرْيَمَ: ٦] بِالجَزْمِ والرَّفْعِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القَصَصِ: ٣٤] بِالجَزْمِ والرَّفْعِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ أيْ نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي تَنْزِلُ فِيهِ المائِدَةُ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن يَأْتِي بَعْدَنا، ونَزَلَتْ يَوْمَ الأحَدِ فاتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا، والعِيدُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِما عادَ إلَيْكَ في وقْتٍ مَعْلُومٍ، واشْتِقاقُهُ مِن عادَ يَعُودُ، فَأصْلُهُ هو العَوْدُ، فَسُمِّيَ العِيدُ عِيدًا لِأنَّهُ يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ بِفَرَحٍ جَدِيدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ أيْ دَلالَةً عَلى تَوْحِيدِكَ وصِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِكَ ﴿وارْزُقْنا﴾ أيْ وارْزُقْنا طَعامًا نَأْكُلُهُ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَأمَّلْ في هَذا التَّرْتِيبِ فَإنَّ الحَوارِيِّينَ لَمّا سَألُوا المائِدَةَ ذَكَرُوا في طَلَبِها أغْراضًا، فَقَدَّمُوا ذِكْرَ الأكْلِ فَقالُوا: ﴿نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ وأخَّرُوا الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، فَأمّا عِيسى فَإنَّهُ لَمّا طَلَبَ المائِدَةَ وذَكَرَ أغْراضَهُ فِيها قَدَّمَ الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ وأخَّرَ غَرَضَ الأكْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿وارْزُقْنا﴾ وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ لَكَ مَراتِبُ دَرَجاتِ الأرْواحِ في كَوْنِ بَعْضِها رُوحانِيَّةً وبَعْضِها جُسْمانِيَّةً، ثُمَّ إنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِشِدَّةِ صَفاءِ دِينِهِ وإشْراقِ رُوحِهِ لَمّا ذَكَرَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْنا﴾ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ بَلِ انْتَقَلَ مِنَ الرِّزْقِ إلى الرَّزّاقِ فَقالَ: ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: (رَبَّنا) ابْتِداءٌ مِنهُ بِذِكْرِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: (أنْزِلْ عَلَيْنا) انْتِقالٌ مِنَ الذّاتِ إلى الصِّفاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ إشارَةٌ إلى ابْتِهاجِ الرُّوحِ بِالنِّعْمَةِ لا مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها صادِرَةٌ عَنِ المُنْعِمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ هَذِهِ المائِدَةِ دَلِيلًا لِأصْحابِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وقَوْلُهُ: ﴿وارْزُقْنا﴾ إشارَةٌ إلى حِصَّةِ النَّفْسِ، وكُلُّ ذَلِكَ نُزُولٌ مِن حَضْرَةِ الجَلالِ. فانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأ بِالأشْرَفِ فالأشْرَفِ نازِلًا إلى الأدْوَنِ فالأدْوَنِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ وهو عُرُوجٌ مَرَّةً أُخْرى مِنَ الخَلْقِ إلى الخالِقِ ومِن غَيْرِ اللَّهِ إلى اللَّهِ ومِنَ الأخَسِّ إلى الأشْرَفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَلُوحُ لَكَ شَمَّةٌ مِن كَيْفِيَّةِ عُرُوجِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ النُّورانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ ونُزُولِها، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن أهْلِهِ.
صفحة ١١٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قِراءَةِ زَيْدٍ (يَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا) والتَّأْنِيثُ بِمَعْنى الآيَةِ.
المائدة 5:115
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ونافِعٌ ﴿مُنَزِّلُها﴾ بِالتَّشْدِيدِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ وهُما لُغَتانِ (نَزَلَ وأنْزَلَ) وقِيلَ: بِالتَّشْدِيدِ؛ أيْ مُنَزِّلُها مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وبِالتَّخْفِيفِ مَرَّةً واحِدَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أيْ بَعْدَ إنْزالِ المائِدَةِ ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي مَسْخَهم خَنازِيرَ، وقِيلَ: قِرَدَةً، وقِيلَ: جِنْسًا مِنَ العَذابِ لا يُعَذَّبُ بِهِ غَيْرُهم. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَذابُ مُعَجَّلًا لَهم في الدُّنْيا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُؤَخَّرًا إلى الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ العالَمِينَ﴾ يَعْنِي عالَمِي زَمانِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: إنَّهم سَألُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا السُّؤالَ عِنْدَ نُزُولِهِمْ في مَفازَةٍ عَلى غَيْرِ ماءٍ ولا طَعامٍ، ولِذَلِكَ قالُوا: نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ سَألَ المائِدَةَ لِنَفْسِهِ أوْ سَألَها لِقَوْمِهِ وإنْ كانَ قَدْ أضافَها إلى نَفْسِهِ في الظّاهِرِ، وكِلاهُما مُحْتَمَلٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ نَزَلَتِ المائِدَةُ ؟ فَقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: ما نَزَلَتْ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: ﴿أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ اسْتَغْفَرُوا وقالُوا لا نُرِيدُها.
والثّانِي: أنَّهُ [لَمّا] وصَفَ المائِدَةَ بِكَوْنِها عِيدًا، [فَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ] لَبَقِيَ ذَلِكَ العِيدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقالَ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّها نَزَلَتْ [لِأنَّهُ تَعالى قالَ]: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا وعْدٌ بِالإنْزالِ جَزْمًا مِن غَيْرِ تَعْلِيقٍ عَلى شَرْطٍ، فَوَجَبَ حُصُولُ هَذا النُّزُولِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ شَرْطٌ وجَزاءٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ .
والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّ يَوْمَ نُزُولِها كانَ عِيدًا لَهم ولِمَن بَعْدَهم مِمَّنْ كانَ عَلى شَرْعِهِمْ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ الدُّعاءَ لَبِسَ صُوفًا، ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا﴾ فَنَزَلَتْ سُفْرَةٌ حَمْراءُ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ غَمامَةٌ فَوْقَها وأُخْرى تَحْتَها، وهم يَنْظُرُونَ إلَيْها حَتّى سَقَطَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَبَكى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الشّاكِرِينَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً ولا تَجْعَلْها مُثْلَةً وعُقُوبَةً، وقالَ لَهم:
صفحة ١١١
لِيَقُمْ أحْسَنُكم عَمَلًا يَكْشِفُ عَنْها ويَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ويَأْكُلُ مِنها. فَقالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الحَوارِيِّينَ: أنْتَ أوْلى بِذَلِكَ، فَقامَ عِيسى وتَوَضَّأ وصَلّى وبَكى ثُمَّ كَشَفَ المِندِيلَ، وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرّازِقِينَ، فَإذا سَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ بِلا شَوْكٍ ولا فُلُوسٍ تَسِيلُ دَسَمًا، وعِنْدَ رَأْسِها مِلْحٌ وعِنْدَ ذَنَبِها خَلٌّ، وحَوْلَها مِن ألْوانِ البُقُولِ ما خَلا الكُرّاثَ، وإذا خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ، وعَلى الثّانِي عَسَلٌ، وعَلى الثّالِثِ سَمْنٌ، وعَلى الرّابِعِ جُبْنٌ، وعَلى الخامِسِ قَدِيدٌ، فَقالَ شَمْعُونُ: يا رُوحَ اللَّهِ أمِن طَعامِ الدُّنْيا أمْ مِن طَعامِ الآخِرَةِ ؟ فَقالَ: لَيْسَ مِنهُما ولَكِنَّهُ شَيْءٌ اخْتَرَعَهُ اللَّهُ بِالقُدْرَةِ العالِيَةِ، كُلُوا ما سَألْتُمْ واشْكُرُوا يُمْدِدْكُمُ اللَّهُ ويَزِدْكم مِن فَضْلِهِ، فَقالَ الحَوارِيُّونَ: يا رُوحَ اللَّهِ لَوْ أرَيْتَنا مِن هَذِهِ الآيَةِ آيَةً أُخْرى، فَقالَ يا سَمَكَةُ احْيَيْ بِإذْنِ اللَّهِ، فاضْطَرَبَتْ، ثُمَّ قالَ لَها: عُودِي كَما كُنْتِ، فَعادَتْ مَشْوِيَّةً، ثُمَّ طارَتِ المائِدَةُ، ثُمَّ عَصَوْا مِن بَعْدِها، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
المائدة 5:116
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَذْكُرُهُ لِعِيسى يَوْمَ القِيامَةِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى قالَ هَذا الكَلامَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَفَعَهُ إلَيْهِ، وتَعَلَّقَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ و(إذْ) تُسْتَعْمَلُ لِلْماضِي، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَقَّبَ هَذِهِ القِصَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائِدَةِ: ١١٩] والمُرادُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا التَّمَسُّكُ بِكَلِمَةِ (إذْ) فَقَدَ سَبَقَ الجَوابُ عَنْهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ سُؤالانِ، أحَدُهُما: أنَّ الِاسْتِفْهامَ كَيْفَ يَلِيقُ بِعَلّامِ الغُيُوبِ ؟ وثانِيهِما: أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَلِمَ خاطَبَهُ بِهِ ؟ فَإنْ قُلْتُمُ: الغَرَضُ مِنهُ تَوْبِيخُ النَّصارى وتَقْرِيعُهم، فَنَقُولُ: إنَّ أحَدًا مِنَ النَّصارى لَمْ يَذْهَبْ إلى القَوْلِ بِإلَهِيَّةِ عِيسى ومَرْيَمَ مَعَ القَوْلِ بِنَفْيِ إلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ هَذا القَوْلُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ أحَدًا مِنهم لَمْ يَقُلْ بِهِ.
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ.
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّ الإلَهَ هو الخالِقُ، والنَّصارى يَعْتَقِدُونَ أنَّ خالِقَ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِ عِيسى ومَرْيَمَ هو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَرْيَمُ، واللَّهُ تَعالى ما خَلَقَها البَتَّةَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالنَّصارى قَدْ قالُوا: إنَّ خالِقَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ هو عِيسى ومَرْيَمُ، واللَّهُ تَعالى لَيْسَ خالِقَها، فَصَحَّ أنَّهم أثْبَتُوا في حَقِّ بَعْضِ
صفحة ١١٢
الأشْياءِ كَوْنَ عِيسى ومَرْيَمَ إلَهَيْنِ لَهُ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ إلَهًا لَهُ، فَصَحَّ بِهَذا التَّأْوِيلِ هَذِهِ الحِكايَةُ والرِّوايَةُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أمّا قَوْلُهُ: (سُبْحانَكَ) فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٢] .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا سَألَ عِيسى أنَّكَ هَلْ قُلْتَ كَذا ؟ لَمْ يَقُلْ عِيسى بِأنِّي قُلْتُ أوْ ما قُلْتُ، بَلْ قالَ: ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، وهَذا لَيْسَ بِحَقٍّ؛ يُنْتِجُ أنَّهُ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ هَذا الكَلامَ، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَقُولَ هَذا الكَلامَ شَرَعَ في بَيانِ أنَّهُ هَلْ وقَعَ هَذا القَوْلُ مِنهُ أمْ لا ؟ فَلَمْ يَقُلْ بِأنِّي ما قُلْتُ هَذا الكَلامَ؛ لِأنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى دَعْوى الطَّهارَةِ والنَّزاهَةِ، والمَقامُ مَقامُ الخُضُوعِ والتَّواضُعِ، ولَمْ يَقُلْ بِأنِّي قُلْتُهُ، بَلْ فَوَّضَ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ بِالكُلِّ.
فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وهَذا مُبالَغَةٌ في الأدَبِ وفي إظْهارِ الذُّلِّ والمَسْكَنَةِ في حَضْرَةِ الجَلالِ، وتَفْوِيضِ الأُمُورِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ عِباراتِ: تَعْلَمُ ما أُخْفِي ولا أعْلَمُ ما تُخْفِي، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما عِنْدِي ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما في غَيْبِي ولا أعْلَمُ ما في غَيْبِكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما كانَ مِنِّي في الدُّنْيا ولا أعْلَمُ ما كانَ مِنكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أقُولُ وأفْعَلُ، ولا أعْلَمُ ما تَقُولُ وتَفْعَلُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَتِ المُجَسِّمَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: النَّفْسُ هو الشَّخْصُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى جِسْمًا.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّفْسَ عِبارَةٌ عَنِ الذّاتِ، يُقالُ: نَفْسُ الشَّيْءِ وذاتُهُ، بِمَعْنًى واحِدٍ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ تَعْلَمُ مَعْلُومِي ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ عَلى طَرِيقِ المُطابَقَةِ والمُشاكَلَةِ وهو مِن فَصِيحِ الكَلامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ وهَذا تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ .
المائدة 5:117
ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، والمُفَسَّرُ هو الهاءُ في (بِهِ) الرّاجِعِ إلى القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، والمَعْنى ما قُلْتُ لَهم إلّا قَوْلًا أمَرْتَنِي بِهِ وذَلِكَ القَوْلُ هو أنْ أقُولَ لَهم: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ، إلّا أنَّهُ وضَعَ القَوْلَ مَوْضِعَ الأمْرِ، نُزُولًا عَلى مُوجِبِ الأدَبِ الحَسَنِ، لِئَلّا يَجْعَلَ نَفْسَهُ ورَبَّهُ آمِرَيْنِ مَعًا، ودَلَّ عَلى
صفحة ١١٣
الأصْلِ بِذِكْرِ (أنِ) المُفَسِّرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ كُنْتُ أشْهَدُ عَلى ما يَفْعَلُونَ ما دُمْتُ مُقِيمًا فِيهِمْ.
﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ والمُرادُ مِنهُ وفاةُ الرَّفْعِ إلى السَّماءِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٥] .
﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحافِظُ عَلَيْهِمُ المُراقِبُ لِأحْوالِهِمْ.
﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ يَعْنِي أنْتَ الشَّهِيدُ لِي حِينَ كُنْتُ فِيهِمْ وأنْتَ الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُفارَقَتِي لَهم، فالشَّهِيدُ الشّاهِدُ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الكَلامِ بِمَعْنى الشَّهادَةِ، فالشَّهِيدُ مِن أسْماءِ الصِّفاتِ الحَقِيقِيَّةِ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ ظاهِرٌ، وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كَيْفَ جازَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ واللَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عُلِمَ أنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى حَكَوْا هَذا الكَلامَ عَنْهُ، والحاكِي لِهَذا الكُفْرِ عَنْهُ لا يَكُونُ كافِرًا بَلْ يَكُونُ مُذْنِبًا حَيْثُ كَذَبَ في هَذِهِ الحِكايَةِ، وغُفْرانُ الذَّنْبِ جائِزٌ، فَلِهَذا المَعْنى طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِنا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُدْخِلَ الكُفّارَ الجَنَّةَ وأنْ يُدْخِلَ الزُّهّادَ والعُبّادَ النّارَ؛ لِأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ عِيسى هَذا الكَلامَ ومَقْصُودُهُ مِنهُ تَفْوِيضُ الأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ، وتَرَكَ التَّعَرُّضَ والِاعْتِراضَ بِالكُلِّيَّةِ، ولِذَلِكَ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ يَعْنِي أنْتَ قادِرٌ عَلى ما تُرِيدُ، حَكِيمٌ في كُلِّ ما تَفْعَلُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْكَ، فَمَن أنا والخَوْضُ في أحْوالِ الرُّبُوبِيَّةِ ؟ وقَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، فَنَقُولُ: إنَّ غُفْرانَهُ جائِزٌ عِنْدَنا وعِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، قالُوا: لِأنَّ العِقابَ حَقُّ اللَّهِ عَلى المُذْنِبِ وفي إسْقاطِهِ مَنفَعَةٌ لِلْمُذْنِبِ، ولَيْسَ في إسْقاطِهِ عَلى اللَّهِ مَضَرَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَسَنًا، بَلْ دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ في شَرْعِنا عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ، فَلَعَلَّ هَذا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ ما كانَ مَوْجُودًا في شَرْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا هَذا الكُفْرَ فَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم قَدْ تابَ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ عَلِمْتُ أنَّ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَلَكَ أنْ تُعَذِّبَهم بِسَبَبِ أنَّهم عِبادُكَ، وأنْتَ قَدْ حَكَمْتَ عَلى كُلِّ مَن كَفَرَ مِن عِبادِكَ بِالعُقُوبَةِ، ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ عَلِمْتُ أنَّهم تابُوا عَنِ الكُفْرِ، وأنْتَ حَكَمْتَ عَلى مَن تابَ عَنِ الكُفْرِ بِالمَغْفِرَةِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى لِعِيسى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إنَّما كانَ عِنْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ لا في يَوْمِ القِيامَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجَوابُ سَهْلٌ؛
صفحة ١١٤
لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ يَعْنِي إنْ تَوَفَّيْتَهم عَلى هَذا الكُفْرِ وعَذَّبْتَهم فَإنَّهم عِبادُكَ فَلَكَ ذاكَ، وإنْ أخْرَجْتَهم بِتَوْفِيقِكَ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ وغَفَرْتَ لَهم ما سَلَفَ مِنهم فَلَكَ أيْضًا ذاكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا إشْكالَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بَعْضُ الأصْحابِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى شَفاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في حَقِّ الفُسّاقِ قالُوا: لِأنَّ قَوْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ لَيْسَ في حَقِّ أهْلِ الثَّوابِ لِأنَّ التَّعْذِيبَ لا يَلِيقُ بِهِمْ، ولَيْسَ أيْضًا في حَقِّ الكُفّارِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ لا يَلِيقُ بِهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا في حَقِّ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ، وإذا ثَبَتَ شَفاعَةُ الفُسّاقِ في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَبَتَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَصْلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رَوى الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) سَمِعْتُ شَيْخِي ووالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ هاهُنا أوْلى مِنَ الغَفُورِ الرَّحِيمِ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ غَفُورًا رَحِيمًا يُشْبِهُ الحالَةَ المُوجِبَةَ لِلْمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِكُلِّ مُحْتاجٍ، وأمّا العِزَّةُ والحِكْمَةُ فَهُما لا يُوجِبانِ المَغْفِرَةَ، فَإنَّ كَوْنَهُ عَزِيزًا يَقْتَضِي أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وأنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ، فَإذا كانَ عَزِيزًا مُتَعالِيًا عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ الِاسْتِحْقاقِ، ثُمَّ حَكَمَ بِالمَغْفِرَةِ كانَ الكَرَمُ هاهُنا أتَمَّ مِمّا إذا كانَ كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا يُوجِبُ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ، فَكانَتْ عِبارَتُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ: عَزَّ عَنِ الكُلِّ، ثُمَّ حَكَمَ بِالرَّحْمَةِ فَكانَ هَذا أكْمَلَ. وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: إنَّهُ لَوْ قالَ: فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، أشْعَرَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ شَفِيعًا لَهم، فَلَمّا قالَ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ غَرَضَهُ تَفْوِيضُ الأمْرِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتَرْكُ التَّعَرُّضِ لِهَذا البابِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.
المائدة 5:118
ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، والمُفَسَّرُ هو الهاءُ في (بِهِ) الرّاجِعِ إلى القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، والمَعْنى ما قُلْتُ لَهم إلّا قَوْلًا أمَرْتَنِي بِهِ وذَلِكَ القَوْلُ هو أنْ أقُولَ لَهم: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ، إلّا أنَّهُ وضَعَ القَوْلَ مَوْضِعَ الأمْرِ، نُزُولًا عَلى مُوجِبِ الأدَبِ الحَسَنِ، لِئَلّا يَجْعَلَ نَفْسَهُ ورَبَّهُ آمِرَيْنِ مَعًا، ودَلَّ عَلى
صفحة ١١٣
الأصْلِ بِذِكْرِ (أنِ) المُفَسِّرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ كُنْتُ أشْهَدُ عَلى ما يَفْعَلُونَ ما دُمْتُ مُقِيمًا فِيهِمْ.
﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ والمُرادُ مِنهُ وفاةُ الرَّفْعِ إلى السَّماءِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٥] .
﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحافِظُ عَلَيْهِمُ المُراقِبُ لِأحْوالِهِمْ.
﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ يَعْنِي أنْتَ الشَّهِيدُ لِي حِينَ كُنْتُ فِيهِمْ وأنْتَ الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُفارَقَتِي لَهم، فالشَّهِيدُ الشّاهِدُ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الكَلامِ بِمَعْنى الشَّهادَةِ، فالشَّهِيدُ مِن أسْماءِ الصِّفاتِ الحَقِيقِيَّةِ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ ظاهِرٌ، وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كَيْفَ جازَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ واللَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عُلِمَ أنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى حَكَوْا هَذا الكَلامَ عَنْهُ، والحاكِي لِهَذا الكُفْرِ عَنْهُ لا يَكُونُ كافِرًا بَلْ يَكُونُ مُذْنِبًا حَيْثُ كَذَبَ في هَذِهِ الحِكايَةِ، وغُفْرانُ الذَّنْبِ جائِزٌ، فَلِهَذا المَعْنى طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِنا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُدْخِلَ الكُفّارَ الجَنَّةَ وأنْ يُدْخِلَ الزُّهّادَ والعُبّادَ النّارَ؛ لِأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ عِيسى هَذا الكَلامَ ومَقْصُودُهُ مِنهُ تَفْوِيضُ الأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ، وتَرَكَ التَّعَرُّضَ والِاعْتِراضَ بِالكُلِّيَّةِ، ولِذَلِكَ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ يَعْنِي أنْتَ قادِرٌ عَلى ما تُرِيدُ، حَكِيمٌ في كُلِّ ما تَفْعَلُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْكَ، فَمَن أنا والخَوْضُ في أحْوالِ الرُّبُوبِيَّةِ ؟ وقَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، فَنَقُولُ: إنَّ غُفْرانَهُ جائِزٌ عِنْدَنا وعِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، قالُوا: لِأنَّ العِقابَ حَقُّ اللَّهِ عَلى المُذْنِبِ وفي إسْقاطِهِ مَنفَعَةٌ لِلْمُذْنِبِ، ولَيْسَ في إسْقاطِهِ عَلى اللَّهِ مَضَرَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَسَنًا، بَلْ دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ في شَرْعِنا عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ، فَلَعَلَّ هَذا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ ما كانَ مَوْجُودًا في شَرْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا هَذا الكُفْرَ فَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم قَدْ تابَ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ عَلِمْتُ أنَّ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَلَكَ أنْ تُعَذِّبَهم بِسَبَبِ أنَّهم عِبادُكَ، وأنْتَ قَدْ حَكَمْتَ عَلى كُلِّ مَن كَفَرَ مِن عِبادِكَ بِالعُقُوبَةِ، ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ عَلِمْتُ أنَّهم تابُوا عَنِ الكُفْرِ، وأنْتَ حَكَمْتَ عَلى مَن تابَ عَنِ الكُفْرِ بِالمَغْفِرَةِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى لِعِيسى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إنَّما كانَ عِنْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ لا في يَوْمِ القِيامَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالجَوابُ سَهْلٌ؛
صفحة ١١٤
لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ يَعْنِي إنْ تَوَفَّيْتَهم عَلى هَذا الكُفْرِ وعَذَّبْتَهم فَإنَّهم عِبادُكَ فَلَكَ ذاكَ، وإنْ أخْرَجْتَهم بِتَوْفِيقِكَ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ وغَفَرْتَ لَهم ما سَلَفَ مِنهم فَلَكَ أيْضًا ذاكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا إشْكالَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بَعْضُ الأصْحابِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى شَفاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في حَقِّ الفُسّاقِ قالُوا: لِأنَّ قَوْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ لَيْسَ في حَقِّ أهْلِ الثَّوابِ لِأنَّ التَّعْذِيبَ لا يَلِيقُ بِهِمْ، ولَيْسَ أيْضًا في حَقِّ الكُفّارِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ لا يَلِيقُ بِهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا في حَقِّ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ، وإذا ثَبَتَ شَفاعَةُ الفُسّاقِ في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَبَتَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَصْلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رَوى الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) سَمِعْتُ شَيْخِي ووالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ هاهُنا أوْلى مِنَ الغَفُورِ الرَّحِيمِ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ غَفُورًا رَحِيمًا يُشْبِهُ الحالَةَ المُوجِبَةَ لِلْمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِكُلِّ مُحْتاجٍ، وأمّا العِزَّةُ والحِكْمَةُ فَهُما لا يُوجِبانِ المَغْفِرَةَ، فَإنَّ كَوْنَهُ عَزِيزًا يَقْتَضِي أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وأنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ، فَإذا كانَ عَزِيزًا مُتَعالِيًا عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ الِاسْتِحْقاقِ، ثُمَّ حَكَمَ بِالمَغْفِرَةِ كانَ الكَرَمُ هاهُنا أتَمَّ مِمّا إذا كانَ كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا يُوجِبُ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ، فَكانَتْ عِبارَتُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ: عَزَّ عَنِ الكُلِّ، ثُمَّ حَكَمَ بِالرَّحْمَةِ فَكانَ هَذا أكْمَلَ. وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: إنَّهُ لَوْ قالَ: فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، أشْعَرَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ شَفِيعًا لَهم، فَلَمّا قالَ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ غَرَضَهُ تَفْوِيضُ الأمْرِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وتَرْكُ التَّعَرُّضِ لِهَذا البابِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.
المائدة 5:119
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى أنَّ صِدْقَهم في الدُّنْيا يَنْفَعُهم في القِيامَةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْنا أنَّ صِدْقَ الكُفّارِ في القِيامَةِ لا يَنْفَعُهم، ألا تَرى أنَّ إبْلِيسَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] فَلَمْ يَنْفَعْهُ هَذا الصِّدْقُ، وهَذا الكَلامُ تَصْدِيقٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِيسى في قَوْلِهِ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ (يَوْمُ) بِالرَّفْعِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالنَّصْبِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ: هَذا اليَوْمُ يَوْمُ مَنفَعَةِ الصّادِقِينَ، وأمّا النَّصْبُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِـ (قالَ) والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ لِعِيسى يَوْمَ يَنْفَعُ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذا الصِّدْقُ واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ
صفحة ١١٥
الصّادِقِينَ صِدْقُهم، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ ظُرُوفَ الزَّمانِ أخْبارًا عَنِ الأحْداثِ بِهَذا التَّأْوِيلِ، كَقَوْلِكَ: القِتالُ يَوْمَ السَّبْتِ، والحَجُّ يَوْمَ عَرَفَةَ، أيْ واقِعٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
والثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: (يَوْمَ) أُضِيفَ إلى ما لَيْسَ بِاسْمٍ فَبُنِيَ عَلى الفَتْحِ كَما في يَوْمَئِذٍ. قالَ البَصْرِيُّونَ: هَذا خَطَأٌ لِأنَّ الظَّرْفَ إنَّما يُبْنى إذا أُضِيفَ إلى المَبْنِيِّ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا
بُنِيَ (حِينَ) لِإضافَتِهِ إلى المَبْنِيِّ وهو الفِعْلُ الماضِي، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٩] بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى (لا) وهي مَبْنِيَّةٌ، أمّا هُنا فالإضافَةُ إلى مُعْرَبٍ لِأنَّ (يَنْفَعُ) فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، والفِعْلُ المُسْتَقْبَلُ مُعْرَبٌ، فالإضافَةُ إلَيْهِ لا تُوجِبُ البِناءَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّ صِدْقَ الصّادِقِينَ في الدُّنْيا يَنْفَعُهم في القِيامَةِ، شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّفْعِ وهو الثَّوابُ، وحَقِيقَةُ الثَّوابِ أنَّها مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إشارَةٌ إلى المَنفَعَةِ الخالِصَةِ عَنِ الغُمُومِ والهُمُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ. واعْتَبِرْ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ، فَإنَّهُ أيْنَما ذَكَرَ الثَّوابَ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وأيْنَما ذَكَرَ عِقابَ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ ذَكَرَ لَفْظَ الخُلُودِ ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ التَّأْبِيدَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ. هَذا ظاهِرُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ، وأمّا عِنْدَ أصْحابِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ بِأنْوارِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ أسْرارٌ عَجِيبَةٌ لا تَسْمَحُ الأقْلامُ بِمِثْلِها، جَعَلَنا اللَّهُ مِن أهْلِها، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ) عائِدٌ إلى جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ وعِنْدِي أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِقَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ فَإنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ أرْبابِ الألْبابِ أنَّ جُمْلَةَ الجَنَّةِ بِما فِيها بِالنِّسْبَةِ إلى رِضْوانِ اللَّهِ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى الوُجُودِ، وكَيْفَ والجَنَّةُ مَرْغُوبُ الشَّهْوَةِ، والرِّضْوانُ صِفَةُ الحَقِّ، وأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَهُما، وهَذا الكَلامُ يَشْمَئِزُّ مِنهُ طَبْعُ المُتَكَلِّمِ الظّاهِرِيِّ، ولَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
قِيلَ: إنَّ هَذا جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ الفَوْزَ العَظِيمَ ؟ فَقِيلَ: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ. وفي هَذِهِ الخاتِمَةِ الشَّرِيفَةِ أسْرارٌ كَثِيرَةٌ ونَحْنُ نَذْكُرُ القَلِيلَ مِنها. فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾ ولَمْ يَقُلْ ومَن فِيهِنَّ، فَغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ عَلى العُقَلاءِ، والسَّبَبُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ كُلَّ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّرُونَ في قَبْضَةِ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وهم في ذَلِكَ التَّسْخِيرِ كالجَماداتِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها وكالبَهائِمِ الَّتِي لا عَقْلَ لَها، فَعِلْمُ الكُلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ كَلا عِلْمٍ، وقُدْرَةُ الكُلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ كَلا قُدْرَةٍ. والثّانِي: أنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ كانَ بِذِكْرِ العَهْدِ المُنْعَقِدِ بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ وكَمالُ حالِ المُؤْمِنِ في أنْ يَشْرَعَ في العُبُودِيَّةِ ويَنْتَهِيَ إلى الفَناءِ المَحْضِ عَنْ نَفْسِهِ بِالكُلِّيَّةِ، فالأوَّلُ هو الشَّرِيعَةُ وهو البِدايَةُ، والآخِرُ هو الحَقِيقَةُ وهو النِّهايَةُ. فَمُفْتَتَحُ السُّورَةِ مِنَ الشَّرِيعَةِ ومُخْتَتَمُها بِذِكْرِ كِبْرِياءِ اللَّهِ وجَلالِهِ وعِزَّتِهِ وقُدْرَتِهِ وعُلُوِّهِ، وذَلِكَ هو الوُصُولُ إلى مَقامِ الحَقِيقَةِ، فَما أحْسَنَ
صفحة ١١٦
المُناسَبَةَ بَيْنَ ذَلِكَ المُفْتَتَحِ، وهَذا المُخْتَتَمِ.
والثّالِثُ: أنَّ السُّورَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلُومِ، فَمِنها: بَيانُ الشَّرائِعِ والأحْكامِ والتَّكالِيفِ. ومِنها المُناظَرَةُ مَعَ اليَهُودِ في إنْكارِهِمْ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِنها المُناظَرَةُ مَعَ النَّصارى في قَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ، فَخَتَمَ السُّورَةَ بِهَذِهِ النُّكْتَةِ الوافِيَةِ بِإثْباتِ كُلِّ هَذِهِ المَطالِبِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾ ومَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ مَوْجُودٌ بِإيجادِهِ تَعالى. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ مالِكًا لِجَمِيعِ المُمْكِناتِ والكائِناتِ، مُوجِدًا لِجَمِيعِ الأرْواحِ والأجْسادِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَزِمَ مِنهُ ثُبُوتُ كُلِّ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. وأمّا حُسْنُ التَّكْلِيفِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، فَذاكَ ثابِتٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ مالِكًا لِلْكُلِّ كانَ لَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ في الكُلِّ بِالأمْرِ والنَّهْيِ والثَّوابِ والعِقابِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، فَصَحَّ القَوْلُ بِالتَّكْلِيفِ عَلى أيِّ وجْهٍ أرادَهُ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأمّا الرَّدُّ عَلى اليَهُودِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ مالِكَ المُلْكِ فَلَهُ بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ أنْ يَنْسَخَ شَرْعَ مُوسى ويَضَعَ شَرْعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا الرَّدُّ عَلى النَّصارى فَلِأنَّ عِيسى ومَرْيَمَ داخِلانِ فِيما سِوى اللَّهِ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المُوجِدَ إمّا أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ تَعالى أوْ غَيْرَهُ، وعِيسى ومَرْيَمُ لا شَكَّ في كَوْنِهِما داخِلَيْنِ في هَذا القِسْمِ، فَإذا دَلَّلْنا عَلى أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مُمْكِنٌ لِذاتِهِ مَوْجُودٌ بِإيجادِ اللَّهِ كائِنٌ بِتَكْوِينِ اللَّهِ، كانَ عِيسى ومَرْيَمُ عَلَيْهِما السَّلامُ كَذَلِكَ، ولا مَعْنى لِلْعُبُودِيَّةِ إلّا ذَلِكَ، فَثَبَتَ كَوْنُهُما عَبْدَيْنِ مَخْلُوقَيْنِ، فَظَهَرَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ خاتِمَةً لِهَذِهِ السُّورَةِ بُرْهانٌ قاطِعٌ في صِحَّةِ جَمِيعِ العُلُومِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ ومَنِّهِ، وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
المائدة 5:120
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى أنَّ صِدْقَهم في الدُّنْيا يَنْفَعُهم في القِيامَةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْنا أنَّ صِدْقَ الكُفّارِ في القِيامَةِ لا يَنْفَعُهم، ألا تَرى أنَّ إبْلِيسَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] فَلَمْ يَنْفَعْهُ هَذا الصِّدْقُ، وهَذا الكَلامُ تَصْدِيقٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِيسى في قَوْلِهِ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ (يَوْمُ) بِالرَّفْعِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالنَّصْبِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ: هَذا اليَوْمُ يَوْمُ مَنفَعَةِ الصّادِقِينَ، وأمّا النَّصْبُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِـ (قالَ) والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ لِعِيسى يَوْمَ يَنْفَعُ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذا الصِّدْقُ واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ
صفحة ١١٥
الصّادِقِينَ صِدْقُهم، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ ظُرُوفَ الزَّمانِ أخْبارًا عَنِ الأحْداثِ بِهَذا التَّأْوِيلِ، كَقَوْلِكَ: القِتالُ يَوْمَ السَّبْتِ، والحَجُّ يَوْمَ عَرَفَةَ، أيْ واقِعٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
والثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: (يَوْمَ) أُضِيفَ إلى ما لَيْسَ بِاسْمٍ فَبُنِيَ عَلى الفَتْحِ كَما في يَوْمَئِذٍ. قالَ البَصْرِيُّونَ: هَذا خَطَأٌ لِأنَّ الظَّرْفَ إنَّما يُبْنى إذا أُضِيفَ إلى المَبْنِيِّ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا
بُنِيَ (حِينَ) لِإضافَتِهِ إلى المَبْنِيِّ وهو الفِعْلُ الماضِي، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٩] بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى (لا) وهي مَبْنِيَّةٌ، أمّا هُنا فالإضافَةُ إلى مُعْرَبٍ لِأنَّ (يَنْفَعُ) فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، والفِعْلُ المُسْتَقْبَلُ مُعْرَبٌ، فالإضافَةُ إلَيْهِ لا تُوجِبُ البِناءَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّ صِدْقَ الصّادِقِينَ في الدُّنْيا يَنْفَعُهم في القِيامَةِ، شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّفْعِ وهو الثَّوابُ، وحَقِيقَةُ الثَّوابِ أنَّها مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إشارَةٌ إلى المَنفَعَةِ الخالِصَةِ عَنِ الغُمُومِ والهُمُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ. واعْتَبِرْ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ، فَإنَّهُ أيْنَما ذَكَرَ الثَّوابَ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وأيْنَما ذَكَرَ عِقابَ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ ذَكَرَ لَفْظَ الخُلُودِ ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ التَّأْبِيدَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ. هَذا ظاهِرُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ، وأمّا عِنْدَ أصْحابِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ بِأنْوارِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ أسْرارٌ عَجِيبَةٌ لا تَسْمَحُ الأقْلامُ بِمِثْلِها، جَعَلَنا اللَّهُ مِن أهْلِها، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ) عائِدٌ إلى جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ وعِنْدِي أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِقَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ فَإنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ أرْبابِ الألْبابِ أنَّ جُمْلَةَ الجَنَّةِ بِما فِيها بِالنِّسْبَةِ إلى رِضْوانِ اللَّهِ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى الوُجُودِ، وكَيْفَ والجَنَّةُ مَرْغُوبُ الشَّهْوَةِ، والرِّضْوانُ صِفَةُ الحَقِّ، وأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَهُما، وهَذا الكَلامُ يَشْمَئِزُّ مِنهُ طَبْعُ المُتَكَلِّمِ الظّاهِرِيِّ، ولَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
قِيلَ: إنَّ هَذا جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ الفَوْزَ العَظِيمَ ؟ فَقِيلَ: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ. وفي هَذِهِ الخاتِمَةِ الشَّرِيفَةِ أسْرارٌ كَثِيرَةٌ ونَحْنُ نَذْكُرُ القَلِيلَ مِنها. فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾ ولَمْ يَقُلْ ومَن فِيهِنَّ، فَغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ عَلى العُقَلاءِ، والسَّبَبُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ كُلَّ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّرُونَ في قَبْضَةِ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وهم في ذَلِكَ التَّسْخِيرِ كالجَماداتِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها وكالبَهائِمِ الَّتِي لا عَقْلَ لَها، فَعِلْمُ الكُلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ كَلا عِلْمٍ، وقُدْرَةُ الكُلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ كَلا قُدْرَةٍ. والثّانِي: أنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ كانَ بِذِكْرِ العَهْدِ المُنْعَقِدِ بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ وكَمالُ حالِ المُؤْمِنِ في أنْ يَشْرَعَ في العُبُودِيَّةِ ويَنْتَهِيَ إلى الفَناءِ المَحْضِ عَنْ نَفْسِهِ بِالكُلِّيَّةِ، فالأوَّلُ هو الشَّرِيعَةُ وهو البِدايَةُ، والآخِرُ هو الحَقِيقَةُ وهو النِّهايَةُ. فَمُفْتَتَحُ السُّورَةِ مِنَ الشَّرِيعَةِ ومُخْتَتَمُها بِذِكْرِ كِبْرِياءِ اللَّهِ وجَلالِهِ وعِزَّتِهِ وقُدْرَتِهِ وعُلُوِّهِ، وذَلِكَ هو الوُصُولُ إلى مَقامِ الحَقِيقَةِ، فَما أحْسَنَ
صفحة ١١٦
المُناسَبَةَ بَيْنَ ذَلِكَ المُفْتَتَحِ، وهَذا المُخْتَتَمِ.
والثّالِثُ: أنَّ السُّورَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلُومِ، فَمِنها: بَيانُ الشَّرائِعِ والأحْكامِ والتَّكالِيفِ. ومِنها المُناظَرَةُ مَعَ اليَهُودِ في إنْكارِهِمْ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِنها المُناظَرَةُ مَعَ النَّصارى في قَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ، فَخَتَمَ السُّورَةَ بِهَذِهِ النُّكْتَةِ الوافِيَةِ بِإثْباتِ كُلِّ هَذِهِ المَطالِبِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾ ومَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ مَوْجُودٌ بِإيجادِهِ تَعالى. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ مالِكًا لِجَمِيعِ المُمْكِناتِ والكائِناتِ، مُوجِدًا لِجَمِيعِ الأرْواحِ والأجْسادِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَزِمَ مِنهُ ثُبُوتُ كُلِّ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. وأمّا حُسْنُ التَّكْلِيفِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، فَذاكَ ثابِتٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ مالِكًا لِلْكُلِّ كانَ لَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ في الكُلِّ بِالأمْرِ والنَّهْيِ والثَّوابِ والعِقابِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، فَصَحَّ القَوْلُ بِالتَّكْلِيفِ عَلى أيِّ وجْهٍ أرادَهُ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأمّا الرَّدُّ عَلى اليَهُودِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ مالِكَ المُلْكِ فَلَهُ بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ أنْ يَنْسَخَ شَرْعَ مُوسى ويَضَعَ شَرْعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا الرَّدُّ عَلى النَّصارى فَلِأنَّ عِيسى ومَرْيَمَ داخِلانِ فِيما سِوى اللَّهِ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المُوجِدَ إمّا أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ تَعالى أوْ غَيْرَهُ، وعِيسى ومَرْيَمُ لا شَكَّ في كَوْنِهِما داخِلَيْنِ في هَذا القِسْمِ، فَإذا دَلَّلْنا عَلى أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مُمْكِنٌ لِذاتِهِ مَوْجُودٌ بِإيجادِ اللَّهِ كائِنٌ بِتَكْوِينِ اللَّهِ، كانَ عِيسى ومَرْيَمُ عَلَيْهِما السَّلامُ كَذَلِكَ، ولا مَعْنى لِلْعُبُودِيَّةِ إلّا ذَلِكَ، فَثَبَتَ كَوْنُهُما عَبْدَيْنِ مَخْلُوقَيْنِ، فَظَهَرَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ خاتِمَةً لِهَذِهِ السُّورَةِ بُرْهانٌ قاطِعٌ في صِحَّةِ جَمِيعِ العُلُومِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ ومَنِّهِ، وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
الأنعام 6:1
صفحة ١١٧
(سُورَةُ الأنْعامِ)
مَكِّيَّةٌ إلّا الآياتِ: ٢٠ و٢٣ و٩١ و٩٣ و١١٤ و١٤١ و١٥١ و١٥٢ و١٥٣ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها ١٦٥ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الحِجْرِ
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّها مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً، فامْتَلَأ مِنها الوادِي، وشَيَّعَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ فَمَلَأُوا ما بَيْنَ الأخْشَبَيْنِ، فَدَعا الرَّسُولُ ﷺ الكُتّابَ وكَتَبُوها مِن لَيْلَتِهِمْ، إلّا سِتَّ آياتٍ فَإنَّها مَدَنِيّاتٌ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ١٥١] إلى آخِرِ الآياتِ الثَّلاثِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٩١] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنْعامِ: ٢١] وعَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«ما نَزَلَ عَلَيَّ سُورَةٌ مِنَ القُرْآنِ جُمْلَةً غَيْرَ سُورَةِ الأنْعامِ، وما اجْتَمَعَتِ الشَّياطِينُ لِسُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ جَمْعَها لَها، وقَدْ بُعِثَ بِها إلَيَّ مَعَ جِبْرِيلَ مَعَ خَمْسِينَ مَلَكًا (أوْ: خَمْسِينَ ألْفَ مَلَكٍ) يَزُفُّونَها ويَحُفُّونَها حَتّى أقَرُّوها في صَدْرِي كَما أُقِرَّ الماءُ في الحَوْضِ، ولَقَدْ أعَزَّنِي اللَّهُ وإيّاكم بِها عِزًّا لا يُذِلُّنا بَعْدَهُ أبَدًا، فِيها دَحْضُ حُجَجِ المُشْرِكِينَ ووَعْدٌ مِنَ اللَّهِ لا يُخْلِفُهُ» “ وعَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ: «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”لَقَدْ شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ المَلائِكَةِ ما سَدَّ الأُفُقَ“» .
قالَ الأُصُولِيُّونَ: هَذِهِ السُّورَةُ اخْتُصَّتْ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الفَضِيلَةِ. أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً.
والثّانِي: أنَّها شَيَّعَها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وإبْطالِ مَذاهِبِ المُبْطِلِينَ والمُلْحِدِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِلْمَ الأُصُولِ في غايَةِ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ، وأيْضًا فَإنْزالُ ما يَدُلُّ عَلى الأحْكامِ قَدْ تَكُونُ المَصْلَحَةُ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ تَعالى قَدْرَ حاجَتِهِمْ، وبِحَسَبِ الحَوادِثِ والنَّوازِلِ. وأمّا ما يَدُلُّ عَلى عِلْمِ الأُصُولِ فَقَدْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى جُمْلَةً واحِدَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعَلُّمَ عِلْمِ الأُصُولِ واجِبٌ عَلى الفَوْرِ لا عَلى التَّراخِي.
* *
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ المُسْتَقْصى في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قَدْ سَبَقَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَ بَعْضَ تِلْكَ الفَوائِدِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الفَرْقِ بَيْنَ المَدْحِ والحَمْدِ والشُّكْرِ.
اعْلَمْ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ، والحَمْدَ أعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ.
أمّا بَيانُ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ فَلِأنَّ المَدْحَ يَحْصُلُ لِلْعاقِلِ ولِغَيْرِ العاقِلِ، ألا تَرى أنَّهُ كَما يَحْسُنُ مَدْحُ الرَّجُلِ العاقِلِ عَلى أنْواعِ فَضائِلِهِ، فَكَذَلِكَ قَدْ يُمْدَحُ اللُّؤْلُؤُ لِحُسْنِ شَكْلِهِ ولَطافَةِ خِلْقَتِهِ، ويُمْدَحُ الياقُوتُ عَلى نِهايَةِ صَفائِهِ وصَقالَتِهِ، فَيُقالُ: ما أحْسَنَهُ وما أصْفاهُ!، وأمّا الحَمْدُ: فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا لِلْفاعِلِ المُخْتارِ عَلى ما يَصْدُرُ مِنهُ مِنَ الإنْعامِ والإحْسانِ، فَثَبَتَ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ.
وأمّا بَيانُ أنَّ الحَمْدَ أعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، فَلِأنَّ الحَمْدَ عِبارَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ الفاعِلِ لِأجْلِ ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الإنْعامِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ واصِلًا إلَيْكَ أوْ إلى غَيْرِكَ، وأمّا الشُّكْرُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ تَعْظِيمِهِ لِأجْلِ إنْعامٍ وصَلَ إلَيْكَ وحَصَلَ عِنْدَكَ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ، وهو أعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّما لَمْ يَقُلِ المَدْحُ لِلَّهِ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المَدْحَ كَما يَحْصُلُ لِلْفاعِلِ المُخْتارِ، فَقَدْ يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ. أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا لِلْفاعِلِ المُخْتارِ. فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَصْرِيحًا بِأنَّ المُؤَثِّرَ في وُجُودِ هَذا العالَمِ فاعِلٌ مُخْتارٌ خَلَقَهُ بِالقُدْرَةِ والمَشِيئَةِ ولَيْسَ عِلَّةً مُوجِبَةً لَهُ إيجابَ العِلَّةِ لِمَعْلُولِها، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الفائِدَةَ عَظِيمَةٌ في الدِّينِ، وإنَّما لَمْ يَقُلِ الشُّكْرُ لِلَّهِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الشُّكْرَ عِبارَةٌ عَنْ تَعْظِيمِهِ بِسَبَبِ إنْعامٍ صَدَرَ مِنهُ ووَصَلَ إلَيْكَ، وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّ العَبْدَ إذا ذَكَرَ تَعْظِيمَهُ بِسَبَبِ ما وصَلَ إلَيْهِ مِنَ النِّعْمَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المَطْلُوبُ الأصْلِيُّ لَهُ وصُولَ النِّعْمَةِ إلَيْهِ وهَذِهِ دَرَجَةٌ حَقِيرَةٌ، فَأمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ حَمِدَهُ لِأجْلِ كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ لا لِخُصُوصِ أنَّهُ تَعالى أوْصَلَ النِّعْمَةَ إلَيْهِ، فَيَكُونُ الإخْلاصُ أكْمَلَ، واسْتِغْراقُ القَلْبِ في مُشاهَدَةِ نُورِ الحَقِّ أتَمَّ، وانْقِطاعُهُ عَمّا سِوى الحَقِّ أقْوى وأثْبَتَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَمْدُ: لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِالألِفِ واللّامِ فَيُفِيدُ أصْلَ الماهِيَّةِ.
صفحة ١١٩
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يُفِيدُ أنَّ هَذِهِ الماهِيَّةَ لِلَّهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الحَمْدِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ جَمِيعَ أقْسامِ الحَمْدِ والثَّناءِ والتَّعْظِيمِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ، مِثْلُ شُكْرِ الأُسْتاذِ عَلى تَعْلِيمِهِ، وشُكْرُ السُّلْطانِ عَلى عَدْلِهِ، وشُكْرُ المُحْسِنِ عَلى إحْسانِهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ يَشْكُرِ النّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ» “ .
قُلْنا: المَحْمُودُ والمَشْكُورُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: صُدُورُ الإحْسانِ مِنَ العَبْدِ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ داعِيَةِ الإحْسانِ في قَلْبِ العَبْدِ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في القَلْبِ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ، وإلّا لافْتَقَرَ في حُصُولِها إلى داعِيَةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، بَلْ حُصُولُها لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَتِلْكَ الدّاعِيَةُ عِنْدَ حُصُولِها يَجِبُ الفِعْلُ وعِنْدَ زَوالِها يَمْتَنِعُ الفِعْلُ، فَيَكُونُ المُحْسِنُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ، فَيَكُونُ المُسْتَحِقُّ لِكُلِّ حَمْدٍ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَن أحْسَنَ مِنَ المَخْلُوقِينَ إلى الغَيْرِ، فَإنَّهُ إنَّما يُقْدِمُ عَلى ذَلِكَ الإحْسانِ إمّا لِجَلْبِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، أمّا جَلْبُ المَنفَعَةِ فَإنَّهُ يَطْمَعُ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الإحْسانِ بِما يَصِيرُ سَبَبًا لِحُصُولِ السُّرُورِ في قَلْبِهِ أوْ مُكافَأةٍ بِقَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ في الدُّنْيا أوْ وِجْدانِ ثَوابٍ في الآخِرَةِ. وأمّا دَفْعُ المَضَرَّةِ فَهو أنَّ الإنْسانَ إذا رَأى حَيَوانًا في ضُرٍّ أوْ بَلِيَّةٍ فَإنَّهُ يَرِقُّ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، وتِلْكَ الرِّقَّةُ ألَمٌ مَخْصُوصٌ يَحْصُلُ في القَلْبِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ الحَيَوانِ في تِلْكَ المَضَرَّةِ، فَإذا حاوَلَ إنْقاذَ ذَلِكَ الحَيَوانِ مِن تِلْكَ المَضَرَّةِ زالَتْ تِلْكَ الرِّقَّةُ عَنِ القَلْبِ وصارَ فارِغَ القَلْبِ طَيِّبَ الوَقْتِ، فَذَلِكَ الإحْسانُ كَأنَّهُ سَبَبٌ أفادَ تَخْلِيصَ القَلْبِ عَنْ ألَمِ الرِّقَّةِ الحِسِّيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن سِوى الحَقِّ فَإنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِفِعْلِ الإحْسانِ إمّا جَلْبُ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعُ مَضَرَّةٍ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ يُحْسِنُ ولا يَسْتَفِيدُ مِنهُ جَلْبَ مَنفَعَةٍ ولا دَفْعَ مَضَرَّةٍ، وكانَ المُحْسِنُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ تَعالى، فَبِهَذا السَّبَبِ كانَ المُسْتَحِقُّ لِكُلِّ أقْسامِ الحَمْدِ هو اللَّهَ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .
وثالِثُها: أنَّ كُلَّ إحْسانٍ يُقْدِمُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ فالِانْتِفاعُ بِهِ لا يَكْمُلُ إلّا بِواسِطَةِ إحْسانِ اللَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ أنْواعَ النِّعْمَةِ وإلّا لَمْ يَقْدِرِ الإنْسانُ عَلى إيصالِ تِلْكَ الحِنْطَةِ والفَواكِهِ إلى الغَيْرِ، وأيْضًا فَلَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطى الإنْسانَ الحَواسَّ الخَمْسَ الَّتِي بِها يُمْكِنُهُ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ النِّعَمِ وإلّا لَعَجَزَ عَنِ الِانْتِفاعِ بِها. ولَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهُ المِزاجَ الصَّحِيحَ والبِنْيَةَ السَّلِيمَةَ وإلّا لَما أمْكَنَهُ الِانْتِفاعُ بِها، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ إحْسانٍ يَصْدُرُ عَنْ مُحْسِنٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الِانْتِفاعَ بِهِ لا يَكْمُلُ إلّا بِواسِطَةِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى. وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ لا مُحْسِنَ في الحَقِيقَةِ إلّا اللَّهُ، ولا مُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ إلّا اللَّهُ، فَلِهَذا قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .
ورابِعُها: أنَّ الِانْتِفاعَ بِجَمِيعِ النِّعَمِ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ وُجُودِ المُنْتَفِعِ بَعْدَ كَوْنِهِ حَيًّا قادِرًا عالِمًا، ونِعْمَةُ الوُجُودِ والحَياةِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والتَّرْبِيَةُ الأصْلِيَّةُ والأرْزاقُ المُخْتَلِفَةُ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن أوَّلِ الطُّفُولِيَّةِ إلى آخِرِ العُمُرِ. ثُمَّ إذا تَأمَّلَ الإنْسانُ في آثارِ حِكْمَةِ الرَّحْمَنِ في خَلْقِ الإنْسانِ ووَصَلَ إلى ما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى في أعْضائِهِ مِن أنْواعِ المَنافِعِ والمَصالِحِ، عَلِمَ أنَّها بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبْراهِيَمِ: ٣٤] فَبِتَقْدِيرِ أنْ نُسَلِّمَ أنَّ العَبْدَ يُمْكِنُهُ أنْ يُنْعِمَ عَلى الغَيْرِ، إلّا أنَّ نِعَمَ العَبْدِ كالقَطْرَةِ، ونِعَمَ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها أوَّلًا وآخِرًا وظاهِرًا وباطِنًا، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ المُطْلَقِ والثَّناءِ المُطْلَقِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ، فَلِهَذا قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أحْمَدُ اللَّهَ، لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الحَمْدَ صِفَةُ القَلْبِ
صفحة ١٢٠
ورُبَّما احْتاجَ الإنْسانُ إلى أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ حالَ كَوْنِهِ غافِلًا بِقَلْبِهِ عَنِ اسْتِحْضارِ مَعْنى الحَمْدِ والثَّناءِ، فَلَوْ قالَ في ذَلِكَ الوَقْتِ: أحْمَدُ اللَّهَ، كانَ كاذِبًا واسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الذَّمَّ والعِقابَ، حَيْثُ أخْبَرَ عَنْ دَعْوى شَيْءٍ مَعَ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا. أمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَمَعْناهُ: أنَّ ماهِيَّةَ الحَمْدِ وحَقِيقَتَهُ مُسَلَّمَةٌ لِلَّهِ تَعالى. وهَذا الكَلامُ حَقٌّ وصِدْقٌ سَواءٌ كانَ مَعْنى الحَمْدِ والثَّناءِ حاضِرًا في قَلْبِهِ أوْ لَمْ يَكُنْ، وكانَ تَكَلُّمُهُ بِهَذا الكَلامِ عِبادَةً شَرِيفَةً وطاعَةً رَفِيعَةً، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ.
وثانِيها: رُوِيَ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْمُرُهُ بِالشُّكْرِ، فَقالَ داوُدُ: يا رَبِّ وكَيْفَ أشْكُرُكَ وشُكْرِي لَكَ لا يَحْصُلُ إلّا أنْ تُوَفِّقَنِي لِشُكْرِكَ، وذَلِكَ التَّوْفِيقُ نِعْمَةٌ زائِدَةٌ، وإنَّها تُوجِبُ الشُّكْرَ لِي أيْضًا، وذَلِكَ يَجُرُّ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ ولا طاقَةَ لِي بِفِعْلِ ما لا نِهايَةَ لَهُ ؟ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى داوُدَ: لَمّا عَرَفْتَ عَجْزَكَ عَنْ شُكْرِي فَقَدْ شَكَرْتَنِي.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ قالَ العَبْدُ: أحْمَدُ اللَّهَ، كانَ دَعْوى أنَّهُ أتى بِالحَمْدِ والشُّكْرِ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ السُّؤالُ. أمّا لَوْ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَلَيْسَ فِيهِ ادِّعاءٌ أنَّ العَبْدَ أتى بِالحَمْدِ والثَّناءِ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ والثَّناءِ سَواءٌ قَدَرَ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الحَمْدِ أوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَظَهَرَ التَّفاوُتُ بَيْنَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مِن هَذا الوَجْهِ، وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ، كانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِأنَّهُ ذَكَرَ حَمْدَ نَفْسِهِ ولَمْ يَذْكُرْ حَمْدَ غَيْرِهِ. أمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ حَمْدُهُ وحَمْدُ غَيْرِهِ مِن أوَّلِ خَلْقِ العالَمِ إلى آخِرِ اسْتِقْرارِ المُكَلَّفِينَ في دَرَجاتِ الجِنانِ ودَرَكاتِ النِّيرانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يُونُسَ: ١٠] فَكانَ هَذا الكَلامُ أفْضَلَ وأكْمَلَ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مَذْكُورَةٌ في أوَّلِ سُوَرٍ خَمْسَةٍ. أوَّلُها: الفاتِحَةُ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتِحَةِ: ٢] .
وثانِيها: في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ والأوَّلُ أعَمُّ لِأنَّ العالَمَ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، أمّا قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ لا يَدْخُلُ فِيهِ إلّا خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ والظُّلُماتِ والنُّورِ، ولا يَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الكائِناتِ والمُبْدَعاتِ، فَكانَ التَّحْمِيدُ المَذْكُورُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ كَأنَّهُ قِسْمٌ مِنَ الأقْسامِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ التَّحْمِيدِ المَذْكُورِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ وتَفْصِيلٌ لِتِلْكَ الجُمْلَةِ.
وثالِثُها: سُورَةُ الكَهْفِ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكَهْفِ: ١] وذَلِكَ أيْضًا تَحْمِيدٌ مَخْصُوصٌ بِنَوْعٍ خاصٍّ مِنَ النِّعْمَةِ وهو نِعْمَةُ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ والهِدايَةِ والقُرْآنِ، وبِالجُمْلَةِ النِّعَمُ الحاصِلَةُ بِواسِطَةِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ.
ورابِعُها: سُورَةُ سَبَأٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [سَبَأٍ: ١] وهو أيْضًا قِسْمٌ مِنَ الأقْسامِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وخامِسُها: سُورَةُ فاطِرٍ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [فاطِرٍ: ١] وظاهِرٌ أيْضًا أنَّهُ قِسْمٌ مِنَ الأقْسامِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَظَهَرَ أنَّ الكَلامَ الكُلِّيَّ التّامَّ هو التَّحْمِيدُ المَذْكُورُ في أوَّلِ الفاتِحَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فَهو إمّا واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ. وواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وما سِواهُ مُمْكِنٌ وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلا يُمْكِنُ دُخُولُهُ في الوُجُودِ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ والوُجُودُ نِعْمَةٌ فالإيجادُ إنْعامٌ وتَرْبِيَةٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وأنَّهُ تَعالى المُرَبِّي لِكُلِّ ما سِواهُ والمُحْسِنُ إلى كُلِّ ما سِواهُ، فَذَلِكَ الكَلامُ هو الكَلامُ الكُلِّيُّ الوافِي
صفحة ١٢١
بِالمَقْصُودِ. أمّا التَّحْمِيداتُ المَذْكُورَةُ في أوائِلِ هَذِهِ السُّوَرِ فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها قِسْمٌ مِن أقْسامِ ذَلِكَ التَّحْمِيدِ ونَوْعٌ مِن أنْواعِهِ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ الفاطِرِ والرَّبِّ ؟ وأيْضًا لِمَ قالَ هاهُنا: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ بِصِيغَةِ فِعْلِ الماضِي ؟ وقالَ في سُورَةِ فاطِرٍ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ ؟
فَنَقُولُ في الجَوابِ عَنِ الأوَّلِ: الخَلْقُ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، وهو في حَقِّ الحَقِّ سُبْحانَهُ عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ النّافِذِ في جَمِيعِ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ الواصِلِ إلى جَمِيعِ ذَواتِ الكائِناتِ والمُمْكِناتِ، وأمّا كَوْنُهُ فاطِرًا فَهو عِبارَةٌ عَنِ الإيجادِ والإبْداعِ، فَكَوْنُهُ تَعالى خالِقًا إشارَةٌ إلى صِفَةِ العِلْمِ، وكَوْنُهُ فاطِرًا إشارَةٌ إلى صِفَةِ القُدْرَةِ، وكَوْنُهُ تَعالى رَبًّا ومُرَبِّيًا مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرَيْنِ، فَكانَ ذَلِكَ أكْمَلَ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ وهو في حَقِّ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ بِالمَعْلُوماتِ، والعِلْمُ بِالشَّيْءِ يَصِحُّ تَقَدُّمُهُ عَلى وُجُودِ المَعْلُومِ، ألا تَرى أنَّهُ يُمْكِنُنا أنْ نَعْلَمَ الشَّيْءَ قَبْلَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ، أمّا إيجادُ الشَّيْءِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا حالَ وُجُودِ الأثَرِ بِناءً عَلى مَذْهَبِنا أنَّ القُدْرَةَ إنَّما تُؤَثِّرُ في وُجُودِ المَقْدُورِ حالَ وُجُودِ المَقْدُورِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِها قَبْلَ وُجُودِها، وقالَ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [فاطِرٍ: ١] والمُرادُ أنَّهُ تَعالى إنَّما يَكُونُ فاطِرًا لَها ومُوجِدًا لَها عِنْدَ وُجُودِها.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ احْمَدُوا اللَّهَ تَعالى، وإنَّما جاءَ عَلى صِيغَةِ الخَبَرِ لِفَوائِدَ:
إحْداها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يُفِيدُ تَعْلِيمَ اللَّفْظِ والمَعْنى، ولَوْ قالَ: احْمَدُوا، لَمْ يَحْصُلْ مَجْمُوعُ هاتَيْنِ الفائِدَتَيْنِ.
وثانِيها: أنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى مُسْتَحِقُّ الحَمْدِ سَواءٌ حَمِدَهُ حامِدٌ أوْ لَمْ يَحْمَدْهُ.
وثالِثُها: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ ذِكْرُ الحُجَّةِ فَذِكْرُهُ بِصِيغَةِ الخَبَرِ أوْلى.
والقَوْلُ الثّانِي وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، مَعْناهُ: قُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ تَعْلِيمُ العِبادِ أنَّهُ تَعالى قالَ في أثْناءِ السُّورَةِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٤] وهَذا الكَلامُ لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ إلّا بِالعِبادِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالحَمْدِ وقَدْ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ الحَمْدَ لا يَحْسُنُ إلّا عَلى الإنْعامِ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذا الأمْرُ حامِلًا لِلْمُكَلَّفِ عَلى أنْ يَتَفَكَّرَ في أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّ تِلْكَ النِّعَمَ يُسْتَدَلُّ بِذِكْرِها عَلى مَقْصُودَيْنِ شَرِيفَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ قَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَعْدُومَةً فَلا بُدَّ لَها مِن مُحْدِثٍ ومُحَصِّلٍ ولَيْسَ ذَلِكَ هو العَبْدَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ تَحْصِيلَ جَمِيعِ أنْواعِ النِّعَمِ لِنَفْسِهِ، فَلَوْ كانَ حُصُولُ النِّعَمِ لِلْعَبْدِ بِواسِطَةِ قُدْرَةِ العَبْدِ واخْتِيارِهِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ واصِلًا إلى جَمِيعِ أقْسامِ النِّعَمِ، إذْ لا أحَدَ إلّا وهو يُرِيدُ تَحْصِيلَ كُلِّ النِّعَمِ لِنَفْسِهِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِحُدُوثِ هَذِهِ النِّعَمِ مِن مُحْدِثٍ وثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ المُحْدِثَ لَيْسَ هو العَبْدَ، فَوَجَبَ الإقْرارُ بِمُحْدِثٍ قاهِرٍ قادِرٍ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن مَقاصِدِ هَذِهِ الكَلِمَةِ: أنَّ القُلُوبَ مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ مَن أحْسَنَ إلَيْها وبُغْضِ مَن أساءَ إلَيْها، فَإذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى العَبْدَ بِالتَّحْمِيدِ، وكانَ الأمْرُ بِالتَّحْمِيدِ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى تَذَكُّرِ أنْواعِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، صارَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ حامِلًا لِلْعَبْدِ عَلى تَذَكُّرِ أنْواعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ النِّعَمُ كَثِيرَةً خارِجَةً عَنِ الحَدِّ والإحْصاءِ، صارَ تَذَكُّرُ تِلْكَ النِّعَمِ مُوجِبَةً رُسُوخَ حُبِّ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ العَبْدِ، فَثَبَتَ أنَّ تَذْكِيرَ النِّعَمِ يُفِيدُ
صفحة ١٢٢
هاتَيْنِ الفائِدَتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ:
إحْداهُما: الِاسْتِدْلالُ بِحُدُوثِها عَنِ الإقْرارِ بِوُجُودِ اللَّهِ تَعالى.
وثانِيهِما: أنَّ الشُّعُورَ بِكَوْنِها نِعَمًا يُوجِبُ ظُهُورَ حُبِّ اللَّهِ في القَلْبِ، ولا مَقْصُودَ مِن جَمِيعِ العِباداتِ إلّا هَذانِ الأمْرانِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِابْتِداءُ في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ؛ لِأنَّ العالَمَ اسْمٌ لِكُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، وما سِوى اللَّهِ إمّا جِسْمٌ أوْ حالٌّ فِيهِ أوْ لا جِسْمٌ ولا حالٌّ فِيهِ، وهو الأرْواحُ. ثُمَّ الأجْسامُ إمّا فَلَكِيَّةٌ، وإمّا عُنْصُرِيَّةٌ، أمّا الفَلَكِيّاتُ فَأوَّلُها العَرْشُ المَجِيدُ، ثُمَّ الكُرْسِيُّ الرَّفِيعُ. ويَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَعْرِفَ أنَّ العَرْشَ ما هو، وأنَّ الكُرْسِيَّ ما هو، وأنْ يَعْرِفَ صِفاتِهِما وأحْوالَهُما، ثُمَّ يَتَأمَّلَ أنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ والقَلَمَ والرَّفْرَفَ والبَيْتَ المَعْمُورَ وسِدْرَةَ المُنْتَهى ما هي، وأنْ يَعْرِفَ حَقائِقَها، ثُمَّ يَتَفَكَّرَ في طَبَقاتِ السَّماواتِ وكَيْفِيَّةِ اتِّساعِها وأجْرامِها وأبْعادِها، ثُمَّ يَتَأمَّلَ في الكَواكِبِ الثّابِتَةِ والسَّيّارَةِ، ثُمَّ يَتَأمَّلَ في عالَمِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ وهي المَعادِنُ والنَّباتُ والحَيَوانُ، ثُمَّ يَتَأمَّلَ في كَيْفِيَّةِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِهِ الأشْياءَ الحَقِيرَةَ والضَّعِيفَةَ كالبَقِّ والبَعُوضِ، ثُمَّ يَنْتَقِلَ مِنها إلى مَعْرِفَةِ أجْناسِ الأعْراضِ وأنْواعِها القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ، وكَيْفِيَّةِ المَنافِعِ الحاصِلَةِ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها، ثُمَّ يَنْتَقِلَ مِنها إلى تَعَرُّفِ مَراتِبِ الأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ والعُلْوِيَّةِ والعَرْشِيَّةِ والفَلَكِيَّةِ، ومَراتِبِ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ عَنْ عَلائِقِ الأجْسامِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] فَإذا اسْتَحْضَرَ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأشْياءِ بِقَدْرِ القُدْرَةِ والطّاقَةِ، فَقَدْ حَضَرَ في عَقْلِهِ ذَرَّةٌ مِن مَعْرِفَةِ العالَمِ، وهو كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَعْرِفُ أنَّ كُلَّ ما حَصَلَ لَها مِنَ الوُجُودِ وكَمالاتِ الوُجُودِ في ذَواتِها مِن صِفاتِها وأحْوالِها وعَلائِقِها، فَمِن إيجادِ الحَقِّ ومِن جُودِهِ ووُجُودِهِ، فَعِنْدَ هَذا يَعْرِفُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ذَرَّةً، وهَذا بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، وكَلامٌ لا آخِرَ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنّا وإنْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أُجْرِيَ مَجْرى قَوْلِهِ قُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، فَإنَّما ذَكَرْناهُ لِأنَّ قَوْلَهُ في أثْناءِ السُّورَةِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤] لا يَلِيقُ إلّا بِالعَبْدِ، فَلِهَذا السَّبَبِ افْتَقَرْنا هُناكَ إلى هَذا الإضْمارِ. أمّا هَذِهِ السُّورَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ثَناءَ اللَّهِ تَعالى بِهِ عَلى نَفْسِهِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ هَذا يَدُلُّ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّبِيهِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ جارٍ مَجْرى مَدْحِ النَّفْسِ وذَلِكَ قَبِيحٌ في الشّاهِدِ، فَلَمّا أمَرَنا بِذَلِكَ دَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ قِياسُ الحَقِّ عَلى الخَلْقِ، فَكَما أنَّ هَذا قَبِيحٌ مِنَ الخَلْقِ مَعَ أنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنَ الحَقِّ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ كُلُّ ما يَقْبُحُ مِنَ الخَلْقِ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنَ الحَقِّ، وبِهَذا الطَّرِيقِ وجَبَ أنْ يَبْطُلَ كَلِماتُ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ ما قَبُحَ مِنّا وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنَ اللَّهِ.
إذا عَرَفْتَ بِهَذا الطَّرِيقِ أنَّ أفْعالَهُ لا تُشْبِهُ أفْعالَ الخَلْقِ، فَكَذَلِكَ صِفاتُهُ لا تُشْبِهُ صِفاتِ الخَلْقِ، وذاتُهُ لا تُشْبِهُ ذَواتَ الخَلْقِ، وعِنْدَ هَذا يَحْصُلُ التَّنْزِيهُ المُطْلَقُ والتَّقْدِيسُ الكامِلُ عَنْ كَوْنِهِ تَعالى مُشابِهًا لِغَيْرِهِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ، فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ واحِدٌ في ذاتِهِ، لا شَرِيكَ لَهُ في صِفاتِهِ، ولا نَظِيرَ لَهُ، واحِدٌ في أفْعالِهِ لا شَبِيهَ لَهُ، تَعالى وتَقَدَّسَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
صفحة ١٢٣
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
الأُولى: في السُّؤالاتِ المُتَوَجِّهَةِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ وهي ثَلاثَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ جارٍ مَجْرى ما يُقالُ: جاءَنِي الرَّجُلُ الفَقِيهُ، فَإنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ رَجُلٍ آخَرَ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وإلّا لَمْ يَكُنْ إلى ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ حاجَةٌ، كَذا هَهُنا، قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ يُوهِمُ أنَّ هُناكَ إلَهًا لَمْ يَخْلُقِ السَّماواتِ والأرْضَ، وإلّا فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذِهِ الصِّفَةِ ؟
والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ”اللَّهِ“ جارٍ مَجْرى اسْمِ العَلَمِ، فَإذا ذُكِرَ الوَصْفُ لِاسْمِ العَلَمِ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الوَصْفِ التَّمْيِيزَ، بَلْ تَعْرِيفَ كَوْنِ ذَلِكَ المَعْنى المُسَمّى مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ. مِثالُهُ إذا قُلْنا: الرَّجُلُ العالِمُ، فَقَوْلُنا: الرَّجُلُ اسْمُ الماهِيَّةِ، والماهِيَّةُ تَتَناوَلُ الأشْخاصَ المَذْكُورِينَ الكَثِيرِينَ، فَكانَ المَقْصُودُ هَهُنا مِن ذِكْرِ الوَصْفِ تَمْيِيزَ هَذا الرَّجُلِ بِهَذا الِاعْتِبارِ عَنْ سائِرِ الرِّجالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أمّا إذا قُلْنا: زَيْدٌ العالِمُ، فَلَفْظُ ”زَيْدٌ“ اسْمُ عَلَمٍ، وهو لا يُفِيدُ إلّا هَذِهِ الذّاتَ المُعَيَّنَةَ؛ لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ قائِمَةٌ مَقامَ الإشاراتِ، فَإذا وصَفْناهُ بِالعِلْمِيَّةِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ تَمْيِيزَ ذَلِكَ الشَّخْصِ عَنْ غَيْرِهِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ تَعْرِيفُ كَوْنِ ذَلِكَ المُسَمّى مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ولَمّا كانَ لَفْظُ ”اللَّهِ“ مِن بابِ أسْماءِ الأعْلامِ، لا جَرَمَ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ السَّماءِ عَلى الأرْضِ، مَعَ أنَّ ظاهِرَ التَّنْزِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ ؟
والجَوابُ: السَّماءُ كالدّائِرَةِ، والأرْضُ كالمَرْكَزِ، وحُصُولُ الدّائِرَةِ يُوجِبُ تَعَيُّنَ المَرْكَزِ ولا يَنْعَكِسُ، فَإنَّ حُصُولَ المَرْكَزِ لا يُوجِبُ تَعَيُّنَ الدّائِرَةِ لِإمْكانِ أنْ يُحِيطَ بِالمَرْكَزِ الواحِدِ دَوائِرُ لا نِهايَةَ لَها، فَلَمّا كانَتِ السَّماءُ مُتَقَدِّمَةً عَلى الأرْضِ بِهَذا الِاعْتِبارِ وجَبَ تَقْدِيمُ ذِكْرِ السَّماءِ عَلى الأرْضِ بِهَذا الِاعْتِبارِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ ذَكَرَ السَّماءَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ والأرْضَ بِصِيغَةِ الواحِدِ مَعَ أنَّ الأرَضِينَ أيْضًا كَثِيرَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] .
والجَوابُ: أنَّ السَّماءَ جارِيَةٌ مَجْرى الفاعِلِ والأرْضَ مَجْرى القابِلِ، فَلَوْ كانَتِ السَّماءُ واحِدَةً لَتَشابَهَ الأثَرُ، وذَلِكَ يُخِلُّ بِمَصالِحِ هَذا العالَمِ، أمّا لَوْ كانَتْ كَثِيرَةً اخْتَلَفَتِ الِاتِّصالاتُ الكَوْكَبِيَّةُ فَحَصَلَ بِسَبَبِها الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، وسائِرُ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ، وحَصَلَ بِسَبَبِ تِلْكَ الِاخْتِلافاتِ مَصالِحُ هَذا العالَمِ، أمّا الأرْضُ فَهي قابِلَةٌ لِلْأثَرِ والقابِلُ الواحِدُ كافٍ في القَبُولِ، وأمّا دَلالَةُ الآيَةِ المَذْكُورَةِ عَلى تَعَدُّدِ الأرَضِينَ فَقَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ تِلْكَ الآيَةِ كَيْفِيَّةَ الحالِ فِيها واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ أجْرامَ السَّماواتِ والأرْضِ تَقَدَّرَتْ في أُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ بِمَقادِيرَ مَخْصُوصَةٍ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ إلّا بِتَخْصِيصِ الفاعِلِ المُخْتارِ.
أمّا بَيانُ المَقامِ الأوَّلِ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ فَلَكٍ مَخْصُوصٍ اخْتَصَّ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ الَّذِي كانَ حاصِلًا مِقْدارًا أزْيَدَ مِنهُ أوْ أنْقَصَ مِنهُ.
والثّانِي: أنَّ كُلَّ فَلَكٍ بِمِقْدارٍ مُرَكَّبٍ مِن
صفحة ١٢٤
أجْزاءٍ، والجُزْءُ الدّاخِلُ كانَ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ خارِجًا وبِالعَكْسِ، فَوُقُوعُ كُلِّ واحِدٍ مِنها في حَيِّزِهِ الخاصِّ أمْرٌ جائِزٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الحَرَكَةَ والسُّكُونَ جائِزانِ عَلى كُلِّ الأجْسامِ بِدَلِيلِ أنَّ الطَّبِيعَةَ الجِسْمِيَّةَ واحِدَةٌ، ولَوازِمَ الأُمُورِ الواحِدَةِ واحِدَةٌ، فَإذا صَحَّ السُّكُونُ والحَرَكَةُ عَلى بَعْضِ الأجْسامِ وجَبَ أنْ يَصِحّا عَلى كُلِّها. فاخْتِصاصُ الجِسْمِ الفَلَكِيِّ بِالحَرَكَةِ دُونَ السُّكُونِ اخْتِصاصٌ بِأمْرٍ مُمْكِنٍ.
والرّابِعُ: أنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ، فَإنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُها أسْرَعَ مِمّا وقَعَ وأبْطَأ مِمّا وقَعَ، فاخْتِصاصُ تِلْكَ الحَرَكَةِ المُعَيَّنَةِ بِذَلِكَ القَدْرِ المُعَيَّنِ مِنَ السُّرْعَةِ والبُطْءِ اخْتِصاصٌ بِأمْرٍ مُمْكِنٍ.
والخامِسُ: أنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ وقَعَتْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةٍ، فَإنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُها مُتَوَجِّهَةً إلى سائِرِ الجِهاتِ، فاخْتِصاصُها بِالوُقُوعِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ الخاصِّ اخْتِصاصٌ بِأمْرٍ مُمْكِنٍ.
والسّادِسُ: أنَّ كُلَّ فَلَكٍ، فَإنَّهُ يُوجَدُ جِسْمٌ آخَرُ إمّا أعْلى مِنهُ وإمّا أسْفَلَ مِنهُ، وقَدْ كانَ وُقُوعُهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ أمْرًا مُمْكِنًا، بِدَلِيلِ أنَّ الأجْسامَ لَمّا كانَتْ مُتَساوِيَةً في الطَّبِيعَةِ الجِسْمِيَّةِ، فَكُلُّ ما صَحَّ عَلى بَعْضِها صَحَّ عَلى كُلِّها، فَكانَ اخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ الحَيِّزِ والتَّرْتِيبِ أمْرًا مُمْكِنًا.
والسّابِعُ: وهو أنَّ لِحَرَكَةِ كُلِّ فَلَكٍ أوَّلًا؛ لِأنَّ وُجُودَ حَرَكَةٍ لا أوَّلَ لَها مُحالٌ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الحَرَكَةِ انْتِقالٌ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، وهَذا الِانْتِقالُ يَقْتَضِي كَوْنَها مَسْبُوقَةً بِالغَيْرِ، والأوَّلُ يُنافِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ لِكُلِّ حَرَكَةٍ أوَّلًا، واخْتِصاصُ ابْتِداءِ حُدُوثِهِ بِذَلِكَ الوَقْتِ دُونَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ اخْتِصاصٌ بِأمْرٍ مُمْكِنٍ.
والثّامِنُ: هو أنَّ الأجْسامَ لَمّا كانَتْ مُتَساوِيَةً في تَمامِ الماهِيَّةِ كانَ اتِّصافُ بَعْضِها بِالفَلَكِيَّةِ وبَعْضِها بِالعُنْصُرِيَّةِ دُونَ العَكْسِ، اخْتِصاصًا بِأمْرٍ مُمْكِنٍ.
والتّاسِعُ: وهو أنَّ حَرَكاتِها فِعْلٌ لِفاعِلٍ مُخْتارٍ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ فَلَها أوَّلٌ، بَيانُ المَقامِ الأوَّلِ أنَّ المُؤَثِّرَ فِيها لَوْ كانَ عِلَّةً مُوجِبَةً بِالذّاتِ لَزِمَ مِن دَوامِ تِلْكَ العِلَّةِ دَوامُ آثارِها، فَيَلْزَمُ مِن دَوامِ تِلْكَ العِلَّةِ دَوامُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ المُتَقَوِّمَةِ في هَذِهِ الحَرَكَةِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُحالًا ثَبَتَ أنَّ المُؤَثِّرَ فِيها لَيْسَ عِلَّةً مُوجِبَةً بِالذّاتِ، بَلْ فاعِلًا مُخْتارًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ كَوْنُ ذَلِكَ الفاعِلِ مُتَقَدِّمًا عَلى هَذِهِ الحَرَكاتِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ لَها بِدايَةٌ.
العاشِرُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ حَصَلَ خارِجَ العالَمِ خَلاءٌ لا نِهايَةَ لَهُ بِدَلِيلِ أنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنّا لَوْ فَرَضْنا أنْفُسَنا واقِفِينَ عَلى طَرَفِ الفَلَكِ الأعْلى فَإنّا نُمَيِّزُ بَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي قُدّامَنا وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي خَلْفَنا، وثُبُوتُ هَذا الِامْتِيازِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ خارِجَ العالَمِ خَلاءٌ لا نِهايَةَ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحُصُولُ هَذا العالَمِ في هَذا الحَيِّزِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ دُونَ سائِرِ الأحْيازِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ العَشَرَةِ: أنَّ أجْرامَ السَّماواتِ والأرَضِينَ مُخْتَلِفَةٌ بِصِفاتٍ وأحْوالٍ، فَكانَ يَجُوزُ في العَقْلِ حُصُولُ أضْدادِها ومُقابَلاتِها، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الِاخْتِصاصُ الخاصُّ إلّا لِمُرَجِّحٍ ومُقَدِّرٍ وإلّا فَقَدْ تُرُجِّحَ أحَدُ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ لا مَعْنى لِلْخَلْقِ إلّا التَّقْدِيرُ، فَلَمّا دَلَّ العَقْلُ عَلى حُصُولِ التَّقْدِيرِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ العَشَرَةِ وجَبَ حُصُولُ الخَلْقِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ العَشَرَةِ؛ فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ والظُّلُماتِ والنُّورِ التَّنْبِيهُ عَلى ما فِيها مِنَ المَنافِعِ.
واعْلَمْ أنَّ مَنافِعَ السَّماواتِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحِيطَ بِجُزْءٍ مِن أجْزائِها المُجَلَّداتُ، وذَلِكَ لِأنَّ السَّماواتِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَوالِيدِ هَذا العالَمِ جارِيَةٌ مَجْرى الأبِ، والأرْضَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها جارِيَةٌ مَجْرى الأُمِّ، فالعِلَلُ الفاعِلَةُ سَماوِيَّةٌ
صفحة ١٢٥
والعِلَلُ القابِلَةُ أرْضِيَّةٌ وبِها يَتِمُّ أمْرُ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، والِاسْتِقْصاءُ في شَرْحِ ذَلِكَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ (جَعَلَ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ إذا كانَ بِمَعْنى أحْدَثَ وأنْشَأ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ وإلى مَفْعُولَيْنِ إذا كانَ بِمَعْنى صَيَّرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] والفَرْقُ بَيْنَ الخَلْقِ والجَعْلِ أنَّ الخَلْقَ فِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ، وفي الجَعْلِ مَعْنى التَّضْمِينِ والتَّصْيِيرِ كَإنْشاءِ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وتَصْيِيرِ شَيْءٍ شَيْئًا، ومِنهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الأعراف: ١٨٩] وقَوْلُهُ: ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ [النبأ: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] وإنَّما حَسُنَ لَفْظُ الجَعْلِ هَهُنا؛ لِأنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ لَمّا تَعاقَبا صارَ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما إنَّما تَوَلَّدَ مِنَ الآخَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في لَفْظِ ﴿الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُما الأمْرانِ المَحْسُوسانِ بِحِسِّ البَصَرِ والَّذِي يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِيهِما، وأيْضًا هَذانِ الأمْرانِ إذا جُعِلا مَقْرُونَيْنِ بِذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنهُما إلّا هاتانِ الكَيْفِيَّتانِ المَحْسُوسَتانِ.
والثّانِي: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ أيْ: ظُلْمَةَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ والكُفْرِ، والنُّورُ يُرِيدُ نُورَ الإسْلامِ والإيمانِ والنُّبُوَّةِ واليَقِينِ. ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: يَعْنِي الكُفْرَ والإيمانَ، ولا تَفاوُتَ بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، فَكانَ قَوْلُ الحَسَنِ كالتَّلْخِيصِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى، لِما ذَكَرْنا أنَّ الأصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ ولِأنَّ الظُّلُماتِ والنُّورَ إذا كانَ ذِكْرُهُما مَقْرُونًا بِالسَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ إلّا ما ذَكَرْناهُ.
قالَ الواحِدِيُّ: والأوْلى حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِما مَعًا، وأقُولُ هَذا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ حَمْلٌ لِلَّفْظِ عَلى مَجازِهِ، واللَّفْظُ الواحِدُ بِالِاعْتِبارِ الواحِدِ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ مَعًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الظُّلُماتِ عَلى ذِكْرِ النُّورِ لِأجْلِ أنَّ الظُّلْمَةَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ النُّورِ عَنِ الجِسْمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ قَبُولُ النُّورِ، ولَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ كَيْفِيَّةٍ وُجُودِيَّةٍ مُضادَّةٍ لِلنُّورِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا جَلَسَ إنْسانٌ بِقُرْبِ السِّراجِ، وجَلَسَ إنْسانٌ آخَرُ بِالبُعْدِ مِنهُ، فَإنَّ البَعِيدَ يَرى القَرِيبَ ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ صافِيًا مُضِيئًا، وأمّا القَرِيبُ فَإنَّهُ لا يَرى البَعِيدَ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُظْلِمًا، فَلَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً لَكانَتْ حاصِلَةً بِالنِّسْبَةِ إلى هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الظُّلْمَةَ لَيْسَتْ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً.
وإذْ ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَدَمُ المُحْدَثاتِ مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِها، فالظُّلْمَةُ مُتَقَدِّمَةٌ في التَّقْدِيرِ والتَّحَقُّقِ عَلى النُّورِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُها في اللَّفْظِ، ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ ما يُرْوى في الأخْبارِ الإلَهِيَّةِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ ذَكَرَ الظُّلُماتِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، والنُّورَ بِصِيغَةِ الواحِدِ ؟ فَنَقُولُ: أمّا مَن حَمَلَ الظُّلُماتِ عَلى الكُفْرِ والنُّورَ عَلى الإيمانِ، فَكَلامُهُ هَهُنا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ الحَقَّ واحِدٌ والباطِلَ كَثِيرٌ، وأمّا مَن حَمَلَها عَلى الكَيْفِيَّةِ المَحْسُوسَةِ، فالجَوابُ: أنَّ النُّورَ عِبارَةٌ عَنْ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ الكامِلَةِ القَوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّها تَقْبَلُ التَّناقُصَ قَلِيلًا قَلِيلًا، وتِلْكَ المَراتِبُ كَثِيرَةٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَبَّرَ عَنِ الظُّلُماتِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ.
صفحة ١٢٦
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
فاعْلَمْ أنَّ العَدْلَ هو التَّسْوِيَةُ، يُقالُ: عَدَلَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا سَوّاهُ بِهِ، ومَعْنى ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ.
فَإنْ قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ عُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ؟
قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى كُلِّ ما خَلَقَ؛ لِأنَّهُ ما خَلَقَهُ إلّا نِعْمَةً ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فَيَكْفُرُونَ بِنِعْمَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ عَلى مَعْنى أنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ العَظِيمَةَ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ إنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا.
فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى ثُمَّ ؟
قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ اسْتِبْعادُ أنْ يَعْدِلُوا بِهِ بَعْدَ وُضُوحِ آياتِ قُدْرَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ذِكْرَ دَلِيلٍ آخَرَ مِن دَلائِلَ إثْباتِ الصّانِعِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ذِكْرَ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ المَعادِ وصِحَّةِ الحَشْرِ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِخَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ وتَعاقُبِ الظُّلُماتِ والنُّورِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ أتْبَعَهُ بِالِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِهِ الإنْسانَ عَلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهم مِن آدَمَ وآدَمُ كانَ مَخْلُوقًا مِن طِينٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، وهُما يَتَوالَدانِ مِنَ الدَّمِ، والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، والأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، فَإنْ كانَتْ حَيَوانِيَّةً كانَ الحالُ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ ذَلِكَ الحَيَوانِ كالحالِ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ الإنْسانِ، فَبَقِيَ أنْ تَكُونَ نَباتِيَّةً فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ الأغْذِيَةِ النَّباتِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّها مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الطِّينِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الطِّينِ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي أقْرَبُ إلى الصَّوابِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هُنا الطِّينُ قَدْ تَوَلَّدَتِ النُّطْفَةُ مِنهُ بِهَذا الطَّرِيقِ المَذْكُورِ، ثُمَّ تَوَلَّدَ مِنَ النُّطْفَةِ أنْواعُ الأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ في الصِّفَةِ والصُّورَةِ واللَّوْنِ والشَّكْلِ مِثْلَ القَلْبِ والدِّماغِ والكَبِدِ، وأنْواعُ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ كالعِظامِ والغَضارِيفِ والرِّباطاتِ والأوْتارِ وغَيْرِها، وتَوَلُّدُ الصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ في المادَّةِ المُتَشابِهَةِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ حَكِيمٍ، ومُدَبِّرٍ رَحِيمٍ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.
صفحة ١٢٧
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَقْرِيرُ أمْرِ المَعادِ، فَنَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ تَخْلِيقَ بَدَنِ الإنْسانِ إنَّما حَصَلَ لِأنَّ الفاعِلَ الحَكِيمَ والمُقَدِّرَ الرَّحِيمَ رَتَّبَ خِلْقَةَ هَذِهِ الأعْضاءِ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ بِحِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وتِلْكَ القُدْرَةُ والحِكْمَةُ باقِيَةٌ بَعْدَ مَوْتِ الحَيَوانِ فَيَكُونُ قادِرًا عَلى إعادَتِها وإعادَةِ الحَياةِ فِيها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالمَعادِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:
المَبْحَثُ الأوَّلُ: لَفْظُ القَضاءِ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنى الحُكْمِ والأمْرِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وبِمَعْنى الخَبَرِ والإعْلامِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤]، وبِمَعْنى صِفَةِ الفِعْلِ إذا تَمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] ومِنهُ قَوْلُهم: قَضى فُلانٌ حاجَةَ فُلانٍ، وأمّا الأجَلُ فَهو في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَضْرُوبِ لِانْقِضاءِ الأمَدِ، وأجَلُ الإنْسانِ هو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِانْقِضاءِ عُمُرِهِ، وأجَلُ الدَّيْنِ مَحِلُّهُ لِانْقِضاءِ التَّأْخِيرِ فِيهِ، وأصْلُهُ مِنَ التَّأْخِيرِ يُقالُ: أجِلَ الشَّيْءُ يَأْجَلُ أجُولًا، وهو آجِلٌ إذا تَأخَّرَ، والآجِلُ نَقِيضُ العاجِلِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ مَوْتَ كُلِّ واحِدٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وذَلِكَ التَّخْصِيصُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ بِإيقاعِ ذَلِكَ المَوْتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ صَرِيحَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ أجَلَيْنِ لِكُلِّ إنْسانٍ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِهِما عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ المُرادُ مِنهُ آجالُ الماضِينَ مِنَ الخَلْقِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ المُرادُ مِنهُ آجالُ الباقِينَ مِنَ الخَلْقِ فَهو خَصَّ هَذا الأجَلَ الثّانِيَ بِكَوْنِهِ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛ لِأنَّ الماضِينَ لَمّا ماتُوا صارَتْ آجالُهم مَعْلُومَةً، أمّا الباقُونَ فَهم بَعْدُ لَمْ يَمُوتُوا فَلَمْ تَصِرْ آجالُهم مَعْلُومَةً، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ .
والثّانِي: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ هو أجَلُ المَوْتِ والأجَلُ المُسَمّى عِنْدَ اللَّهِ هو أجَلُ القِيامَةِ؛ لِأنَّ مُدَّةَ حَياتِهِمْ في الآخِرَةِ لا آخِرَةَ لَها ولا انْقِضاءَ ولا يَعْلَمُ أحَدٌ كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا الأجَلِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
والثّالِثُ: الأجَلُ الأوَّلُ ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ وهو البَرْزَخُ.
والرّابِعُ: أنَّ الأوَّلَ هو النَّوْمُ، والثّانِيَ المَوْتُ.
والخامِسُ: أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ مِقْدارُ ما انْقَضى مِن عُمُرِ كُلِّ أحَدٍ، والأجَلَ الثّانِي مِقْدارُ ما بَقِيَ مِن عُمُرِ كُلِّ أحَدٍ.
والسّادِسُ: وهو قَوْلُ حُكَماءَ الإسْلامِ أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلَيْنِ:
أحَدُهُما: الآجالُ الطَّبِيعِيَّةُ.
والثّانِي: الآجالُ الِاخْتِرامِيَّةُ، أمّا الآجالُ الطَّبِيعِيَّةُ: فَهي الَّتِي لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ المِزاجُ مَصُونًا مِنَ العَوارِضِ الخارِجِيَّةِ لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقائِهِ إلى الوَقْتِ الفُلانِيِّ، وأمّا الآجالُ الِاخْتِرامِيَّةُ: فَهي الَّتِي تَحْصُلُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ كالغَرَقِ والحَرْقِ ولَدْغِ الحَشَراتِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ المُعْضِلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أيْ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ أوْ مَذْكُورٌ اسْمُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ومَعْنى عِنْدَهُ شَبِيهٌ بِما يَقُولُ الرَّجُلُ في المَسْألَةِ: عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذا وكَذا أيْ هَذا اعْتِقادِي وقَوْلِي.
فَإنْ قِيلَ: المُبْتَدَأُ النَّكِرَةُ إذا كانَ خَبَرُهُ ظَرْفًا وجَبَ تَأْخِيرُهُ فَلِمَ جازَ تَقْدِيمُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ ؟
صفحة ١٢٨
قُلْنا: لِأنَّهُ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ فَقارَبَ المَعْرِفَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ فَنَقُولُ: المِرْيَةُ والِامْتِراءُ هو الشَّكُّ.
واعْلَمْ أنّا إنْ قُلْنا: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ الِاسْتِدْلالُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ كانَ مَعْناهُ أنَّ بَعْدَ ظُهُورِ مِثْلِ هَذِهِ الحُجَّةِ الباهِرَةِ: أنْتُمْ تَمْتَرُونَ في صِحَّةِ التَّوْحِيدِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ تَصْحِيحَ القَوْلِ بِالمَعادِ، فَكَذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾
واعْلَمْ أنّا إنْ قُلْنا: إنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ المُخْتارِ.
قُلْنا: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَإنَّ الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ يَدُلّانِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَمالِ العِلْمِ، وحِينَئِذٍ يَكْمُلُ العِلْمُ بِالصِّفاتِ المُعْتَبَرَةِ في حُصُولِ الإلَهِيَّةِ، وإنْ قُلْنا: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إقامَةُ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ المَعادِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَكْمِيلُ ذَلِكَ البَيانِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ مُنْكِرِي المَعادِ إنَّما أنْكَرُوهُ لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُؤَثِّرَ في حُدُوثِ بَدَنِ الإنْسانِ هو امْتِزاجُ الطَّبائِعِ، ويُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ فِيهِ قادِرًا مُخْتارًا.
والثّانِي: أنَّهم يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ إلّا أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ فَلا يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ المُطِيعِ مِنَ العاصِي، ولا تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ زَيْدٍ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ عَمْرٍو، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ بِالآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا ومُخْتارًا لا عِلَّةً مُوجِبَةً، وأثْبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وحِينَئِذٍ تَبْطُلُ جَمِيعُ الشُّبُهاتِ الَّتِي عَلَيْها مَدارُ القَوْلِ بِإنْكارِ المَعادِ وصِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَهَذا هو الكَلامُ في نَظْمِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُخْتَصٌّ بِالمَكانِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ مُسْتَقِرٌّ في السَّماءِ، قالُوا: ويَتَأكَّدُ هَذا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ﴾ [الملك: ١٦] قالُوا: ولا يَلْزَمُنا أنْ يُقالَ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في الأرْضِ لِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَهُ تَعالى في المَكانَيْنِ مَعًا وهو مُحالٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ في الأرْضِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ العَمَلِ بِأحَدِ الظّاهِرَيْنَ تَرْكُ العَمَلِ بِالظّاهِرِ الآخَرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ عَلى ذَلِكَ الظّاهِرِ، ولِأنَّ مِنَ القُرّاءِ مَن وقَفَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: ﴿وفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ سَرائِرَكُمُ المَوْجُودَةَ في الأرْضِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (في الأرْضِ) صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿سِرَّكُمْ﴾ هَذا تَمامُ الكَلامِ.
واعْلَمْ أنّا نُقِيمُ الدَّلالَةَ أوَّلًا عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] فَبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ
صفحة ١٢٩
ما في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى ومَمْلُوكٌ لَهُ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ أحَدَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في السَّماواتِ لَزِمَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ طه: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [طه: ٦] فَإنْ قالُوا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ فَهو لِلَّهِ إلّا أنَّ كَلِمَةَ ما مُخْتَصَّةٌ بِمَن لا يَعْقِلُ فَلا يَدْخُلُ فِيها ذاتُ اللَّهِ تَعالى.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] ونَظِيرُهُ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِكَلِمَةِ ما هَهُنا هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ مَوْجُودٌ في جَمِيعِ السَّماواتِ، أوِ المُرادُ أنَّهُ مَوْجُودٌ في سَماءٍ واحِدَةٍ، والثّانِي تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، والأوَّلُ عَلى قِسْمَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ الحاصِلُ مِنهُ تَعالى في أحَدِ السَّماواتِ عَيْنَ ما حَصَلَ مِنهُ في سائِرِ السَّماواتِ أوْ غَيْرَهُ، والأوَّلُ يَقْتَضِي حُصُولَ المُتَحَيِّزِ الواحِدِ في مَكانَيْنِ وهو باطِلٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ.
والثّانِي: يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ وهو مُحالٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا في السَّماواتِ لَكانَ مَحْدُودًا مُتَناهِيًا وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ قَبُولُهُ لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ مُمْكِنًا، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُهُ بِالمِقْدارِ المُعَيَّنِ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ كانَ في السَّماواتِ فَهَلْ يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ عالَمٍ آخَرَ فَوْقَ السَّماواتِ أوْ لا يَقْدِرُ، والثّانِي يُوجِبُ تَعْجِيزَهُ، والأوَّلُ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَحَصَلَ تَحْتَ هَذا العالَمِ، والقَوْمُ يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ تَحْتَ العالَمِ.
والخامِسُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقالَ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وكُلُّ ذَلِكَ يُبْطِلُ القَوْلَ بِالمَكانِ والجِهَةِ لِلَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ فَوَجَبَ التَّأْوِيلُ وهو مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ يَعْنِي: وهو اللَّهُ في تَدْبِيرِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما يُقالُ: فُلانٌ في أمْرِ كَذا أيْ في تَدْبِيرِهِ وإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] .
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (وهو اللَّهُ) كَلامٌ تامٌّ، ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْلَمُ في السَّماواتِ سَرائِرَ المَلائِكَةِ، وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سَرائِرَ الإنْسِ والجِنِّ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وهو اللَّهُ يَعْلَمُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ سِرَّكم وجَهْرَكم، ومِمّا يُقَوِّي هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ أنَّ قَوْلَنا: وهو اللَّهُ نَظِيرُ قَوْلِنا هو الفاضِلُ العالِمُ، وكَلِمَةُ هو إنَّما تُذْكَرُ هَهُنا لِإفادَةِ الحَصْرِ، وهَذِهِ الفائِدَةُ إنَّما تَحْصُلُ إذا جَعَلْنا لَفْظَ اللَّهِ اسْمًا مُشْتَقًّا، فَأمّا لَوْ جَعَلْناهُ اسْمَ عَلَمِ شَخْصٍ قائِمٍ مَقامَ التَّعْيِينِ لَمْ يَصِحَّ إدْخالُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَلَيْهِ، وإذا جَعَلْنا قَوْلَنا: ”اللَّهُ“ لَفْظًا مُفِيدًا صارَ مَعْناهُ وهو المَعْبُودُ في السَّماءِ وفي الأرْضِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالسِّرِّ صِفاتُ القُلُوبِ وهي الدَّواعِي والصَّوارِفُ، والمُرادُ بِالجَهْرِ أعْمالُ الجَوارِحِ، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ السِّرِّ عَلى ذِكْرِ الجَهْرِ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ في الفِعْلِ هو مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي، فالدّاعِيَةُ الَّتِي هي مِن بابِ السِّرِّ هي المُؤَثِّرَةُ في أعْمالِ الجَوارِحِ المُسَمّاةِ بِالجَهْرِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، والعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى المَعْلُولِ، والمُتَقَدِّمُ بِالذّاتِ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ.
* * *
صفحة ١٣٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ فِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ الأفْعالَ إمّا أفْعالُ القُلُوبِ وهي المُسَمّاةُ بِالسِّرِّ، وإمّا أعْمالُ الجَوارِحِ وهي المُسَمّاةُ بِالجَهْرِ، فالأفْعالُ لا تَخْرُجُ عَنِ السِّرِّ والجَهْرِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ يَقْتَضِي عَطْفَ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وأنَّهُ فاسِدٌ.
والجَوابُ: يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: (ما تَكْسِبُونَ) عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ الإنْسانُ عَلى فِعْلِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، والحاصِلُ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المُكْتَسَبِ كَما يُقالُ: هَذا المالُ كَسْبُ فُلانٍ أيْ مُكْتَسَبُهُ، ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى نَفْسِ الكَسْبِ، وإلّا لَزِمَ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ عَلى ما ذَكَرْتُمُوهُ في السُّؤالِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ الإنْسانِ مُكْتَسِبًا لِلْفِعْلِ والكَسْبُ هو الفِعْلُ المُفْضِي إلى اجْتِلابِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ؛ ولِهَذا السَّبَبِ لا يُوصَفُ فِعْلُ اللَّهِ بِأنَّهُ كَسْبٌ لِكَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنْ جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في المَعادِ، وثالِثًا فِيما يُقَرِّرُ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ وبَدَأ فِيهِ بِأنْ بَيَّنَ كَوْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُعْرِضِينَ عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْها وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، والتَّأمُّلَ في الدَّلائِلِ واجِبٌ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ذَمَّ اللَّهُ المُعْرِضِينَ عَنِ الدَّلائِلِ.
قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ الَّذِي يَقَعُ في النَّفْيِ كَقَوْلِكَ: ما أتانِي مِن أحَدٍ.
والثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى: وما يَظْهَرُ لَهم دَلِيلٌ قَطُّ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها النَّظَرُ والِاعْتِبارُ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ أحْوالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ، فالمَرْتَبَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنِ التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والتَّفَكُّرِ في البَيِّناتِ.
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهم مُكَذِّبِينَ بِها وهَذِهِ المَرْتَبَةُ أزْيَدُ مِمّا قَبْلَها؛ لِأنَّ المُعْرِضَ عَنِ الشَّيْءِ قَدْ لا يَكُونُ مُكَذِّبًا بِهِ، بَلْ يَكُونُ غافِلًا عَنْهُ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لَهُ، فَإذا صارَ مُكَذِّبًا بِهِ فَقَدْ زادَ عَلى الإعْراضِ.
والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهم مُسْتَهْزِئِينَ بِها؛ لِأنَّ المُكَذِّبَ بِالشَّيْءِ قَدْ لا يَبْلُغُ تَكْذِيبُهُ بِهِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ، فَإذا بَلَغَ إلى هَذا الحَدِّ فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى في الإنْكارِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ وصَلُوا إلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالحَقِّ، فَقِيلَ: إنَّهُ المُعْجِزاتُ؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: انْشَقَّ القَمَرُ بِمَكَّةَ وانْفَلَقَ فِلْقَتَيْنِ فَذَهَبَتْ فِلْقَةٌ وبَقِيَتْ فِلْقَةٌ، وقِيلَ إنَّهُ القُرْآنُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقِيلَ: إنَّهُ الشَّرْعُ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والأحْكامُ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ وقِيلَ: إنَّهُ الوَعْدُ والوَعِيدُ الَّذِي يُرَغِّبُهم بِهِ تارَةً ويُحَذِّرُهم بِسَبَبِهِ أُخْرى، والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ.
صفحة ١٣١
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ والزَّجْرُ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأنْباءِ لا نَفْسَ الأنْباءِ بَلِ العَذابُ الَّذِي أنْبَأ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [القصص: ٨٨]، والحَكِيمُ إذا تَوَعَّدَ فَرُبَّما قالَ: سَتَعْرِفُ نَبَأ هَذا الأمْرِ إذْ نَزَلَ بِكَ ما تَحْذَرُهُ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ بِالخَبَرِ الَّذِي هو الوَعِيدُ حُصُولُ العِلْمِ بِالعِقابِ الَّذِي يَنْزِلُ، فَنَفْسُ العِقابِ إذا نَزَلَ يُحَقِّقُ ذَلِكَ الخَبَرَ، حَتّى تَزُولَ عَنْهُ الشُّبْهَةُ، ثُمَّ المُرادُ مِن هَذا العَذابِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الدُّنْيا، وهو الَّذِي ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ.
الأنعام 6:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ أوَّلًا في التَّوْحِيدِ، وثانِيًا في المَعادِ، وثالِثًا فِيما يُقَرِّرُ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِتَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ وبَدَأ فِيهِ بِأنْ بَيَّنَ كَوْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُعْرِضِينَ عَنْ تَأمُّلِ الدَّلائِلِ، غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْها وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ باطِلٌ، والتَّأمُّلَ في الدَّلائِلِ واجِبٌ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ذَمَّ اللَّهُ المُعْرِضِينَ عَنِ الدَّلائِلِ.
قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ الَّذِي يَقَعُ في النَّفْيِ كَقَوْلِكَ: ما أتانِي مِن أحَدٍ.
والثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى: وما يَظْهَرُ لَهم دَلِيلٌ قَطُّ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها النَّظَرُ والِاعْتِبارُ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ أحْوالَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ، فالمَرْتَبَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنِ التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والتَّفَكُّرِ في البَيِّناتِ.
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهم مُكَذِّبِينَ بِها وهَذِهِ المَرْتَبَةُ أزْيَدُ مِمّا قَبْلَها؛ لِأنَّ المُعْرِضَ عَنِ الشَّيْءِ قَدْ لا يَكُونُ مُكَذِّبًا بِهِ، بَلْ يَكُونُ غافِلًا عَنْهُ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لَهُ، فَإذا صارَ مُكَذِّبًا بِهِ فَقَدْ زادَ عَلى الإعْراضِ.
والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهم مُسْتَهْزِئِينَ بِها؛ لِأنَّ المُكَذِّبَ بِالشَّيْءِ قَدْ لا يَبْلُغُ تَكْذِيبُهُ بِهِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ، فَإذا بَلَغَ إلى هَذا الحَدِّ فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى في الإنْكارِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ وصَلُوا إلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالحَقِّ، فَقِيلَ: إنَّهُ المُعْجِزاتُ؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: انْشَقَّ القَمَرُ بِمَكَّةَ وانْفَلَقَ فِلْقَتَيْنِ فَذَهَبَتْ فِلْقَةٌ وبَقِيَتْ فِلْقَةٌ، وقِيلَ إنَّهُ القُرْآنُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقِيلَ: إنَّهُ الشَّرْعُ الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والأحْكامُ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ وقِيلَ: إنَّهُ الوَعْدُ والوَعِيدُ الَّذِي يُرَغِّبُهم بِهِ تارَةً ويُحَذِّرُهم بِسَبَبِهِ أُخْرى، والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ.
صفحة ١٣١
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ والزَّجْرُ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأنْباءِ لا نَفْسَ الأنْباءِ بَلِ العَذابُ الَّذِي أنْبَأ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [القصص: ٨٨]، والحَكِيمُ إذا تَوَعَّدَ فَرُبَّما قالَ: سَتَعْرِفُ نَبَأ هَذا الأمْرِ إذْ نَزَلَ بِكَ ما تَحْذَرُهُ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ بِالخَبَرِ الَّذِي هو الوَعِيدُ حُصُولُ العِلْمِ بِالعِقابِ الَّذِي يَنْزِلُ، فَنَفْسُ العِقابِ إذا نَزَلَ يُحَقِّقُ ذَلِكَ الخَبَرَ، حَتّى تَزُولَ عَنْهُ الشُّبْهَةُ، ثُمَّ المُرادُ مِن هَذا العَذابِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الدُّنْيا، وهو الَّذِي ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ.
الأنعام 6:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ في هَذا البابِ فَوَعَظَهم بِسائِرِ القُرُونِ الماضِيَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وقَوْمِ شُعَيْبٍ وفِرْعَوْنَ وغَيْرِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: ما القَرْنُ ؟ قُلْنا: قالَ الواحِدِيُّ: القَرْنُ القَوْمُ المُقْتَرِنُونَ في زَمانٍ مِنَ الدَّهْرِ فالمُدَّةُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيها قَوْمٌ ثُمَّ يَفْتَرِقُونَ بِالمَوْتِ فَهي قَرْنٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهم أقْوامٌ آخَرُونَ اقْتَرَنُوا فَهم قَرْنٌ آخَرُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» واشْتِقاقُهُ مِنَ الأقْرانِ، ولَمّا كانَ أعْمارُ النّاسِ في الأكْثَرِ السِّتِّينَ والسَّبْعِينَ والثَّمانِينَ لا جَرَمَ قالَ بَعْضُهم: القَرْنُ هو السِّتُّونَ، وقالَ آخَرُونَ: هو السَّبْعُونَ، وقالَ قَوْمٌ: هو الثَّمانُونَ والأقْرَبُ أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِزَمانٍ مُعَيَّنٍ لا يَقَعُ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ، بَلِ المُرادُ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ فَإذا انْقَضى مِنهُمُ الأكْثَرُ قِيلَ: قَدِ انْقَضى القَرْنُ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ القُرُونَ الماضِيَةَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا ونَحْوَهُ في أرْضٍ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]، ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ [القصص: ٥٧]، وأمّا مَكَّنْتُهُ في الأرْضِ، فَمَعْناهُ أثْبَتُّهُ فِيها ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ولِتَقارُبِ المَعْنَيَيْنِ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ والمَعْنى: لَمْ نُعْطِ أهْلَ مَكَّةَ مِثْلَ ما أعْطَيْنا عادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم مِنَ البَسْطَةِ في الأجْسامِ والسَّعَةِ في الأمْوالِ والِاسْتِظْهارِ بِأسْبابِ الدُّنْيا.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ الغَيْثَ والمَطَرَ، فالسَّماءُ مَعْناهُ المَطَرُ هَهُنا، والمِدْرارُ الكَثِيرُ الدَّرِّ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: دَرَّ اللَّبَنُ إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ مِنهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ فالمِدْرارُ يَصْلُحُ أنْ
صفحة ١٣٢
يَكُونَ مِن نَعْتِ السَّحابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَعْتِ المَطَرِ يُقالُ: سَحابٌ مِدْرارٌ إذا تَتابَعَ أمْطارُهُ، ومِفْعالٌ يَجِيءُ في نَعْتٍ يُرادُ المُبالَغَةُ فِيهِ، قالَ مُقاتِلٌ: (مِدْرارًا) مُتَتابِعًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ويَسْتَوِي في المِدْرارِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ كَثْرَةُ البَساتِينِ.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الأوْصافِ أنَّهم وجَدُوا مِن مَنافِعِ الدُّنْيا أكْثَرَ مِمّا وجَدَهُ أهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم مَعَ مَزِيدِ العِزِّ في الدُّنْيا بِهَذِهِ الوُجُوهِ، ومَعَ كَثْرَةِ العَدَدِ والبَسْطَةِ في المالِ والجِسْمِ جَرى عَلَيْهِمْ عِنْدَ الكُفْرِ ما سَمِعْتُمْ، وهَذا المَعْنى يُوجِبُ الِاعْتِبارَ والِانْتِباهَ مِن نَوْمِ الغَفْلَةِ ورَقْدَةِ الجَهالَةِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لَيْسَ في هَذا الكَلامِ إلّا أنَّهم هَلَكُوا، إلّا أنَّ هَذا الهَلاكَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ بَلِ الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ كُلُّهم أيْضًا قَدْ هَلَكُوا فَكَيْفَ يَحْسُنُ إيرادُ هَذا الكَلامِ في مَعْرِضِ الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ مَعَ أنَّهُ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ غَيْرِهِ.
والجَوابُ: لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ الزَّجْرَ بِمُجَرَّدِ المَوْتِ والهَلاكِ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهم باعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيا فَفاتَهم وبَقُوا في العَذابِ الشَّدِيدِ بِسَبَبِ الحِرْمانِ عَنِ الدِّينِ. وهَذا المَعْنى غَيْرُ مُشْتَرَكٍ فِيهِ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ (ألَمْ يَرَوْا) مَعَ أنَّ القَوْمَ ما كانُوا مُقِرِّينَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يُخْبِرُ عَنْهُ وهم أيْضًا ما شاهَدُوا وقائِعَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟
والجَوابُ: أنْ أقاصِيصَ المُتَقَدِّمِينَ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ الخَلْقِ فَيَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم ما سَمِعُوا هَذِهِ الحِكاياتِ ولِمُجَرَّدِ سَماعِها يَكْفِي في الِاعْتِبارِ.
والسُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ إنْشاءِ قَرْنٍ آخَرِينَ بَعْدَهم ؟
والجَوابُ: أنَّ الفائِدَةَ هي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ أنْ يُهْلِكَهم ويُخْلِيَ بِلادَهم مِنهم، فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْشِئَ مَكانَهم قَوْمًا آخَرِينَ يُعَمِّرُ بِهِمْ بِلادَهم كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥] واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:7
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ يَتَمَرَّدُونَ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ طَوائِفُ كَثِيرَةٌ
فالطّائِفَةُ الأُولى الَّذِينَ بالَغُوا في حُبِّ الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها وشَهَواتِها إلى أنِ اسْتَغْرَقُوا فِيها واغْتَنَمُوا وِجْدانَها، فَصارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهم عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وبَيَّنَ أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا ذاهِبَةٌ وعَذابُ الكُفْرِ باقٍ ولَيْسَ مِنَ العَقْلِ تَحَمُّلُ العِقابِ الدّائِمِ لِأجْلِ اللَّذّاتِ المُنْقَرِضَةِ الخَسِيسَةِ، والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ مُعْجِزاتِ
صفحة ١٣٣
الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّها مِن بابِ السِّحْرِ لا مِن بابِ المُعْجِزَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ
المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَوْ أنَّهم شاهَدُوا نُزُولَ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ دُفْعَةً واحِدَةً عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ بَلْ حَمَلُوهُ عَلى أنَّهُ سِحْرٌ ومَخْرَقَةٌ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ الكِتابُ جُمْلَةً واحِدَةً في صَحِيفَةٍ واحِدَةٍ، فَرَأوْهُ ولَمَسُوهُ وشاهَدُوهُ عِيانًا لَطَعَنُوا فِيهِ وقالُوا إنَّهُ سِحْرٌ.
فَإنْ قِيلَ: ظُهُورُ الكِتابِ ونُزُولُهُ مِنَ السَّماءِ هَلْ هو مِن بابِ المُعْجِزاتِ أمْ لا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بابِ المُعْجِزاتِ لَمْ يَكُنْ إنْكارُهم لِدَلالَتِهِ عَلى النُّبُوَّةِ مُنْكَرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِن بابِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّ المَلِكَ يَقْدِرُ عَلى إنْزالِهِ مِنَ السَّماءِ، وقَبْلَ الإيمانِ بِصِدْقِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ لَمْ تَكُنْ عِصْمَةُ المَلائِكَةِ مَعْلُومَةً، وقَبْلَ الإيمانِ بِالرُّسُلِ، لا شَكَّ أنّا نُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُ ذَلِكَ الكِتابِ مِنَ السَّماءِ مِن قِبَلِ بَعْضِ الجِنِّ والشَّياطِينِ، أوْ مِن قِبَلِ بَعْضِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لَمْ تَثْبُتْ عِصْمَتُهم، وإذا كانَ هَذا التَّجْوِيزُ قائِمًا فَقَدْ خَرَجَ نُزُولُ الكِتابِ مِنَ السَّماءِ عَنْ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ.
قُلْنا: لَيْسَ المَقْصُودُ ما ذَكَرْتُمْ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهم إذا رَأوْهُ بَقُوا شاكِّينَ فِيهِ، وقالُوا: إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا، فَإذا لَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ فَقَدْ يَقْوى الإدْراكُ البَصْرِيُّ بِالإدْراكِ اللَّمْسِيِّ، وبَلَغَ الغايَةَ في الظُّهُورِ والقُوَّةِ، ثُمَّ هَؤُلاءِ يَبْقُونَ شاكِّينَ في أنَّ ذَلِكَ الَّذِي رَأوْهُ ولَمَسُوهُ هَلْ هو مَوْجُودٌ أمْ لا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم بَلَغُوا في الجَهالَةِ إلى حَدِّ السَّفْسَطَةِ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ لا ما ذَكَرْتُمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمْنَعَ العَبْدَ لُطْفًا. عَلِمَ أنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَآمَنَ عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما لا يُنَزِّلُ هَذا الكِتابَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَوْ أنْزَلَهُ لَقالُوا هَذا القَوْلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ إلّا والمَعْلُومُ أنَّهم لَوْ قَبِلُوهُ وآمَنُوا بِهِ لِأنْزَلَهُ لا مَحالَةَ فَثَبَتَ بِهَذا وُجُوبُ اللُّطْفِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابَ لَقالُوا هَذا القَوْلَ، لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْزِلُهُ عَلَيْهِمْ لَوْ لَمْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ إلّا عَلى سَبِيلِ دَلِيلِ الخِطابِ، وهو عِنْدَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وأيْضًا فَلَيْسَ كُلُّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ وجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ إنْ دَلَّتْ فَإنَّما تَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ لا عَلى وُجُوبِ الوُقُوعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ الثّالِثَ مِن شُبَهِ مُنْكِرِي النُّبُوّاتِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لَوْ بَعَثَ اللَّهُ إلى الخَلْقِ رَسُولًا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّهم إذا كانُوا مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ كانَتْ عُلُومُهم أكْثَرَ، وقُدْرَتُهم أشَدَّ، ومَهابَتُهم أعْظَمَ، وامْتِيازُهم عَنِ الخَلْقِ أكْمَلَ، والشُّبُهاتُ والشُّكُوكُ في نُبُوَّتِهِمْ ورِسالَتِهِمْ أقَلَّ.
صفحة ١٣٤
والحَكِيمُ إذا أرادَ تَحْصِيلَ مُهِمٍّ فَكُلُّ شَيْءٍ كانَ أشَدَّ إفْضاءً إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ كانَ أوْلى، فَلَمّا كانَ وُقُوعُ الشُّبُهاتِ في نُبُوَّةِ المَلائِكَةِ أقَلَّ، وجَبَ لَوْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إلى الخَلْقِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ، هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أمّا الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ ومَعْنى القَضاءِ الإتْمامُ والإلْزامُ، وقَدْ ذَكَرْنا مَعانِيَ القَضاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ هَهُنا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى البَشَرِ آيَةٌ باهِرَةٌ، فَبِتَقْدِيرِ إنْزالِ المَلَكِ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ فَرُبَّما لَمْ يُؤْمِنُوا كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] وإذا لَمْ يُؤْمِنُوا وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جارِيَةٌ بِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ الآيَةِ الباهِرَةِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا جاءَهم عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، فَهَهُنا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المَلَكَ إلَيْهِمْ لِئَلّا يَسْتَحِقُّوا هَذا العَذابَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم إذا شاهَدُوا المَلَكَ زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يَشْهَدُونَ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الآدَمِيَّ إذا رَأى المَلَكَ فَإمّا أنْ يَراهُ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ أوْ عَلى صُورَةِ البَشَرِ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَبْقَ الآدَمِيُّ حَيًّا، ألا تَرى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ غُشِيَ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المَرْئِيُّ شَخْصًا عَلى صُورَةِ البَشَرِ، وذَلِكَ لا يَتَفاوَتُ الحالُ فِيهِ سَواءٌ كانَ هو في نَفْسِهِ مَلَكًا أوْ بَشَرًا. ألا تَرى أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ عايَنُوا المَلائِكَةَ في صُورَةِ البَشَرِ كَأضْيافِ إبْراهِيمَ، وأضْيافِ لُوطٍ، وكالَّذِينِ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ، وكَجِبْرِيلَ حَيْثُ تَمَثَّلَ لِمَرْيَمَ بَشَرًا سَوِيًّا.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ آيَةٌ باهِرَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى الإلْجاءِ، وإزالَةِ الِاخْتِيارِ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ وإنْ كانَ يَدْفَعُ الشُّبُهاتِ المَذْكُورَةَ إلّا أنَّهُ يُقَوِّي الشُّبُهاتِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ أيَّ مُعْجِزَةٍ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ قالُوا: هَذا فِعْلُكَ فَعَلْتَهُ بِاخْتِيارِكَ وقُدْرَتِكَ، ولَوْ حَصَلَ لَنا مِثْلُ ما حَصَلَ لَكَ مِنَ القُدْرَةِ والقُوَّةِ والعِلْمِ لَفَعَلْنا مِثْلَ ما فَعَلْتَهُ أنْتَ، فَعَلِمْنا أنَّ إنْزالَ المَلَكِ وإنْ كانَ يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ لَكِنَّهُ يُقَوِّي الشُّبْهَةَ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ فالفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ عَدَمَ الإنْظارِ أشَدُّ مِن قَضاءِ الأمْرِ، لِأنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ.
وأمّا الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَجَعَلْناهُ في صُورَةِ البَشَرِ. والحِكْمَةُ فِيهِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمَيْلُ.
وثانِيها: أنَّ البَشَرَ لا يُطِيقُ رُؤْيَةَ المَلَكِ.
وثالِثُها: أنَّ طاعاتِ المَلائِكَةِ قَوِيَّةٌ فَيَسْتَحْقِرُونَ طاعَةَ البَشَرِ، ورُبَّما لا يَعْذُرُونَهم في الإقْدامِ عَلى المَعاصِي.
ورابِعُها: أنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ فَيَخْتَصُّ بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، سَواءٌ كانَ مَلَكًا أوْ بَشَرًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ لَبَسْتُ الأمْرَ عَلى القَوْمِ ألْبِسُهُ لَبْسًا إذا شَبَّهْتَهُ عَلَيْهِمْ وجَعَلْتَهُ مُشْكِلًا، وأصْلُهُ مِنَ التَّسَتُّرِ بِالثَّوْبِ، ومِنهُ لَبِسَ الثَّوْبَ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ سَتْرَ النَّفْسِ، والمَعْنى أنّا إذا جَعَلْنا المَلَكَ في صُورَةِ البَشَرِ فَهم يَظُنُّونَ كَوْنَ ذَلِكَ المَلَكِ بَشَرًا، فَيَعُودُ سُؤالُهم أنّا لا نَرْضى بِرِسالَةِ هَذا الشَّخْصِ. وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَصارَ فِعْلُ اللَّهِ نَظِيرًا لِفِعْلِهِمْ في التَّلْبِيسِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَظُنُّونَ أنَّهُ بَشَرٌ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما كانَ فِعْلُهم تَلْبِيسًا؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ لِقَوْمِهِمْ: إنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُكم والبَشَرُ لا يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ الثّالِثَ مِن شُبَهِ مُنْكِرِي النُّبُوّاتِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لَوْ بَعَثَ اللَّهُ إلى الخَلْقِ رَسُولًا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّهم إذا كانُوا مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ كانَتْ عُلُومُهم أكْثَرَ، وقُدْرَتُهم أشَدَّ، ومَهابَتُهم أعْظَمَ، وامْتِيازُهم عَنِ الخَلْقِ أكْمَلَ، والشُّبُهاتُ والشُّكُوكُ في نُبُوَّتِهِمْ ورِسالَتِهِمْ أقَلَّ.
صفحة ١٣٤
والحَكِيمُ إذا أرادَ تَحْصِيلَ مُهِمٍّ فَكُلُّ شَيْءٍ كانَ أشَدَّ إفْضاءً إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ كانَ أوْلى، فَلَمّا كانَ وُقُوعُ الشُّبُهاتِ في نُبُوَّةِ المَلائِكَةِ أقَلَّ، وجَبَ لَوْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إلى الخَلْقِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ، هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أمّا الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ ومَعْنى القَضاءِ الإتْمامُ والإلْزامُ، وقَدْ ذَكَرْنا مَعانِيَ القَضاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ هَهُنا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى البَشَرِ آيَةٌ باهِرَةٌ، فَبِتَقْدِيرِ إنْزالِ المَلَكِ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ فَرُبَّما لَمْ يُؤْمِنُوا كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] وإذا لَمْ يُؤْمِنُوا وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جارِيَةٌ بِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ الآيَةِ الباهِرَةِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا جاءَهم عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، فَهَهُنا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المَلَكَ إلَيْهِمْ لِئَلّا يَسْتَحِقُّوا هَذا العَذابَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم إذا شاهَدُوا المَلَكَ زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يَشْهَدُونَ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الآدَمِيَّ إذا رَأى المَلَكَ فَإمّا أنْ يَراهُ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ أوْ عَلى صُورَةِ البَشَرِ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَبْقَ الآدَمِيُّ حَيًّا، ألا تَرى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ غُشِيَ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المَرْئِيُّ شَخْصًا عَلى صُورَةِ البَشَرِ، وذَلِكَ لا يَتَفاوَتُ الحالُ فِيهِ سَواءٌ كانَ هو في نَفْسِهِ مَلَكًا أوْ بَشَرًا. ألا تَرى أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ عايَنُوا المَلائِكَةَ في صُورَةِ البَشَرِ كَأضْيافِ إبْراهِيمَ، وأضْيافِ لُوطٍ، وكالَّذِينِ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ، وكَجِبْرِيلَ حَيْثُ تَمَثَّلَ لِمَرْيَمَ بَشَرًا سَوِيًّا.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ آيَةٌ باهِرَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى الإلْجاءِ، وإزالَةِ الِاخْتِيارِ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ وإنْ كانَ يَدْفَعُ الشُّبُهاتِ المَذْكُورَةَ إلّا أنَّهُ يُقَوِّي الشُّبُهاتِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ أيَّ مُعْجِزَةٍ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ قالُوا: هَذا فِعْلُكَ فَعَلْتَهُ بِاخْتِيارِكَ وقُدْرَتِكَ، ولَوْ حَصَلَ لَنا مِثْلُ ما حَصَلَ لَكَ مِنَ القُدْرَةِ والقُوَّةِ والعِلْمِ لَفَعَلْنا مِثْلَ ما فَعَلْتَهُ أنْتَ، فَعَلِمْنا أنَّ إنْزالَ المَلَكِ وإنْ كانَ يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ لَكِنَّهُ يُقَوِّي الشُّبْهَةَ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ فالفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ عَدَمَ الإنْظارِ أشَدُّ مِن قَضاءِ الأمْرِ، لِأنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ.
وأمّا الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَجَعَلْناهُ في صُورَةِ البَشَرِ. والحِكْمَةُ فِيهِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمَيْلُ.
وثانِيها: أنَّ البَشَرَ لا يُطِيقُ رُؤْيَةَ المَلَكِ.
وثالِثُها: أنَّ طاعاتِ المَلائِكَةِ قَوِيَّةٌ فَيَسْتَحْقِرُونَ طاعَةَ البَشَرِ، ورُبَّما لا يَعْذُرُونَهم في الإقْدامِ عَلى المَعاصِي.
ورابِعُها: أنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ فَيَخْتَصُّ بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، سَواءٌ كانَ مَلَكًا أوْ بَشَرًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ لَبَسْتُ الأمْرَ عَلى القَوْمِ ألْبِسُهُ لَبْسًا إذا شَبَّهْتَهُ عَلَيْهِمْ وجَعَلْتَهُ مُشْكِلًا، وأصْلُهُ مِنَ التَّسَتُّرِ بِالثَّوْبِ، ومِنهُ لَبِسَ الثَّوْبَ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ سَتْرَ النَّفْسِ، والمَعْنى أنّا إذا جَعَلْنا المَلَكَ في صُورَةِ البَشَرِ فَهم يَظُنُّونَ كَوْنَ ذَلِكَ المَلَكِ بَشَرًا، فَيَعُودُ سُؤالُهم أنّا لا نَرْضى بِرِسالَةِ هَذا الشَّخْصِ. وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَصارَ فِعْلُ اللَّهِ نَظِيرًا لِفِعْلِهِمْ في التَّلْبِيسِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَظُنُّونَ أنَّهُ بَشَرٌ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما كانَ فِعْلُهم تَلْبِيسًا؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ لِقَوْمِهِمْ: إنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُكم والبَشَرُ لا يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:10
اعْلَمْ أنَّ بَعْضَ الأقْوامِ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ كانُوا يَقُولُونَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، وكانَ يَضِيقُ قَلْبُ الرَّسُولِ عِنْدَ سَماعِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِيَصِيرَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنِ القَلْبِ لِأنَّ أحَدَ ما يُخَفِّفُ عَنِ القَلْبِ المُشارَكَةُ في سَبَبِ المِحْنَةِ والغَمِّ. فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الكَثِيرَةَ مِن سُوءِ الأدَبِ الَّتِي يُعامِلُونَكَ بِها قَدْ كانَتْ مَوْجُودَةً في سائِرِ القُرُونِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، فَلَسْتَ أنْتَ فَرِيدًا في هَذا الطَّرِيقِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ لِأهْلِ اللُّغَةِ وهي بِأسْرِها مُتَقارِبَةٌ:
قالَ النَّضْرُ: وجَبَ عَلَيْهِمْ.
قالَ اللَّيْثُ: ”الحَيْقُ“ ما حاقَ بِالإنْسانِ مِن مَكْرٍ أوْ سُوءٍ يَعْمَلُهُ فَنَزَلَ ذَلِكَ بِهِ، يَقُولُ أحاقَ اللَّهُ بِهِمْ مَكْرَهم وحاقَ بِهِمْ مَكْرُهم.
وقالَ الفَرّاءُ: ”حاقَ بِهِمْ“ عائِدٌ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ: ”حاقَ بِهِمْ“ حَلَّ بِهِمْ ذَلِكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ”حاقَ“ أيْ أحاطَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: فَسَّرَ الزَّجّاجُ ”حاقَ“ بِمَعْنى أحاطَ وكانَ مَأْخَذُهُ مِنَ الحَوْقِ وهو ما اسْتَدارَ بِالكَمَرَةِ.
وفِي الآيَةِ بَحْثٌ آخَرُ وهو أنَّ لَفْظَةَ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا بِهِ﴾ فِيها قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ والشَّرْعُ وهو ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ فَحاقَ بِهِمْ عِقابُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّهم كانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُخَوِّفُهُمُ الرَّسُولُ بِنُزُولِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى هَذا الإضْمارِ.
الأنعام 6:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما صَبَّرَ رَسُولَهُ بِالآيَةِ الأُولى، فَكَذَلِكَ حَذَّرَ القَوْمَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ لِرَسُولِهِ قُلْ لَهم لا تَغْتَرُّوا بِما وجَدْتُمْ مِنَ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ووَصَلْتُمْ إلَيْهِ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، بَلْ سِيرُوا في الأرْضِ لِتَعْرِفُوا صِحَّةَ ما أخْبَرَكُمُ الرَّسُولُ عَنْهُ مِن نُزُولِ العَذابِ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ في الأزْمِنَةِ السّالِفَةِ، فَإنَّكم عِنْدَ السَّيْرِ في الأرْضِ والسَّفَرِ في البِلادِ لا بُدَّ وأنْ تُشاهِدُوا تِلْكَ الآثارَ، فَيَكْمُلَ الِاعْتِبارُ، ويَقْوى الِاسْتِبْصارُ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: (فانْظُرُوا) وبَيْنَ قَوْلِهِ: (ثُمَّ انْظُرُوا) .
قُلْنا: قَوْلُهُ: (فانْظُرُوا) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ النَّظَرَ سَبَبًا عَنِ السَّيْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: سِيرُوا لِأجْلِ النَّظَرِ ولا تَسِيرُوا سَيْرَ الغافِلِينَ.
صفحة ١٣٦
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ فَمَعْناهُ إباحَةُ السَّيْرِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ، وإيجابُ النَّظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ، ثُمَّ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى هَذا الفَرْقِ بِكَلِمَةِ ”ثُمَّ“ لِتَباعُدِ ما بَيْنَ الواجِبِ والمُباحِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:12
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن تَقْرِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ إثْباتِ الصّانِعِ، وتَقْرِيرُ المَعادِ وتَقْرِيرُ النُّبُوَّةِ. وبَيانُهُ أنَّ أحْوالَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الأجْسامِ مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كانَ يَجُوزُ عَلَيْها اتِّصافُها بِأضْدادِها ومُقابَلاتِها، ومَتى كانَ كَذَلِكَ، فاخْتِصاصُ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الأجْزاءِ الجُسْمانِيَّةِ بِصِفَتِهِ المُعَيَّنَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ الصّانِعَ الحَكِيمَ القادِرَ المُخْتارَ خَصَّهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العالَمَ مَعَ كُلِّ ما فِيهِ مَمْلُوكٌ لِلَّهِ تَعالى.
وإذا ثَبَتَ هَذا، ثَبَتَ كَوْنُهُ قادِرًا عَلى الإعادَةِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، لِأنَّ التَّرْكِيبَ الأوَّلَ إنَّما حَصَلَ لِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وهَذِهِ القُدْرَةُ والعِلْمُ يَمْتَنِعُ زَوالُهُما، فَوَجَبَ صِحَّةُ الإعادَةِ ثانِيًا. وأيْضًا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى مَلِكٌ مُطاعٌ، والمَلِكُ المُطاعُ مَن لَهُ الأمْرُ والنَّهْيُ عَلى عَبِيدِهِ، ولا بُدَّ مِن مُبَلِّغٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْثَةَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الخَلْقِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وافِيَةٌ بِإثْباتِ هَذِهِ المَطالِبِ الثَّلاثَةِ. ولَمّا سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثَةِ، ذَكَرَ اللَّهُ بَعْدَها هَذِهِ الآيَةَ لِتَكُونَ مُقَرِّرَةً لِمَجْمُوعِ تِلْكَ المَطالِبِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي شَرَحْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ سُؤالٌ. وقَوْلُهُ: (قُلْ لِلَّهِ) جَوابٌ فَقَدْ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالسُّؤالِ أوَّلًا ثُمَّ بِالجَوابِ ثانِيًا. وهَذا إنَّما يَحْسُنُ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ الجَوابُ قَدْ بَلَغَ في الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِهِ مُنْكِرٌ، ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ دافِعٌ. ولَمّا بَيَّنّا أنَّ آثارَ الحُدُوثِ والإمْكانِ ظاهِرَةٌ في ذَواتِ جَمِيعِ الأجْسامِ وفي جَمِيعِ صِفاتِها، لا جَرَمَ كانَ الِاعْتِرافُ بِأنَّها بِأسْرِها مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى ومِلْكٌ لَهُ ومَحِلُّ تَصَرُّفِهِ وقُدْرَتِهِ، لا جَرَمَ أمَرَهُ بِالسُّؤالِ أوَّلًا ثُمَّ بِالجَوابِ ثانِيًا؛ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِهَذا المَعْنى مِمّا لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ البَتَّةَ. وأيْضًا فالقَوْمُ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ كُلَّ العالَمِ مُلْكٌ لِلَّهِ، ومِلْكُهُ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ بِهَذا المَعْنى كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ
صفحة ١٣٧
تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِهَذا الطَّرِيقِ كَمالَ إلَهِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ في عالَمِ المَخْلُوقاتِ بِالكُلِّيَّةِ، أرْدَفَهُ بِكَمالِ رَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى الخَلْقِ فَقالَ: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لَمْ يَرْضَ مِن نَفْسِهِ بِأنْ لا يُنْعِمَ ولا بُدَّ أنْ يَعِدَ بِالإنْعامِ، بَلْ أبَدًا يُنْعِمُ وأبَدًا يُعِدُ في المُسْتَقْبَلِ بِالإنْعامِ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ ذَلِكَ وأوْجَبَهُ إيجابَ الفَضْلِ والكَرَمِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ فَقالَ بَعْضُهم: تِلْكَ الرَّحْمَةُ هي أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُهم مُدَّةَ عُمُرِهِمْ ويَرْفَعُ عَنْهم عَذابَ الِاسْتِئْصالَ ولا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ في الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لِمَن تَرَكَ التَّكْذِيبَ بِالرُّسُلِ وتابَ وأنابَ وصَدَّقَهم وقَبِلَ شَرِيعَتَهم.
واعْلَمْ أنَّهُ جاءَتِ الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَمّا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الخَلْقِ كَتَبَ كِتابًا أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» “ .
فَإنْ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي إرادَةُ الخَيْرِ، والغَضَبُ هو إرادَةُ الِانْتِقامِ، وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي كَوْنَ إحْدى الإرادَتَيْنِ سابِقَةً عَلى الأُخْرى، والمَسْبُوقُ بِالغَيْرِ مُحْدَثٌ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى مُحْدَثَةً.
قُلْنا: المُرادُ بِهَذا السَّبْقِ سَبْقُ الكَثْرَةِ لا سَبْقُ الزَّمانِ. وعَنْ سَلْمانَ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ مَلْءُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَعِنْدَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ رَحْمَةً، وقَسَّمَ رَحْمَةً واحِدَةً بَيْنَ الخَلائِقِ، فَبِها يَتَعاطَفُونَ ويَتَراحَمُونَ، فَإذا كانَ آخِرُ الأمْرِ قَصَرَها عَلى المُتَّقِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: (لَيَجْمَعَنَّكم) لامُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكم.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الكَلامَ مُبْتَدَأٌ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ. فَقالَ بَعْضُهم إنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَمالَ إلَهِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَرْحَمُهم في الدُّنْيا بِالإمْهالِ ودَفْعِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وبَيَّنَ أنَّهُ يَجْمَعُهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أنَّهُ يُمْهِلُهم وقَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أنَّهُ لا يُمْهِلُهم بَلْ يَحْشُرُهم ويُحاسِبُهم عَلى كُلِّ ما فَعَلُوا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ والتَّقْدِيرُ: كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ. وكَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما تِلْكَ الرَّحْمَةُ ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ تَعالى ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْلا خَوْفُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ لَحَصَلَ الهَرَجُ والمَرَجُ ولارْتَفَعَ الضَّبْطُ وكَثُرَ الخَبْطُ، فَصارَ التَّهْدِيدُ بِيَوْمِ القِيامَةِ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الرَّحْمَةِ في الدُّنْيا، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ .
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ كَلامٌ ورَدَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ كَلامٌ ورَدَ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ. والمَقْصُودُ مِنهُ التَّأْكِيدُ في التَّهْدِيدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا عَلِمْتُمْ أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ المَلِكَ الحَكِيمَ لا يُهْمِلُ أمْرَ رَعِيَّتِهِ ولا
صفحة ١٣٨
يَجُوزُ في حِكْمَتِهِ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي وبَيْنَ المُشْتَغِلِ بِالخِدْمَةِ والمُعْرِضِ عَنْها، فَهَلّا عَلِمْتُمْ أنَّهُ يُقِيمُ القِيامَةَ ويُحْضِرُ الخَلائِقَ ويُحاسِبُهم في الكُلِّ ؟
البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّ كَلِمَةَ: (إلى يَوْمِ القِيامَةِ) فِيها أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّها صِلَةٌ والتَّقْدِيرُ: لَيَجْمَعَنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: (إلى) بِمَعْنى في، أيْ لَيَجْمَعَنَّكم في يَوْمِ القِيامَةِ.
وقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ أيْ لَيَجْمَعَنَّكم إلى المَحْشَرِ في يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّ الجَمْعَ يَكُونُ إلى المَكانِ لا إلى الزَّمانِ. وقِيلَ: لَيَجْمَعَنَّكم في الدُّنْيا بِخَلْقِكم قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (الَّذِينَ) مَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: (لَيَجْمَعَنَّكم) والمَعْنى لَيَجْمَعَنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وهو قَوْلُ الأخْفَشِ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ خَبَرُهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى الكُلِّ، عَلى الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وعَلى غَيْرِهِمْ ”والفاءُ“ في قَوْلِهِ: (فَهم) يُفِيدُ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: الَّذِي يُكْرِمُنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، لِأنَّ الدِّرْهَمَ وجَبَ بِالإكْرامِ فَكانَ الإكْرامُ شَرْطًا والدِّرْهَمُ جَزاءً.
فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ خُسْرانَهم سَبَبٌ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ، والأمْرُ عَلى العَكْسِ.
قُلْنا: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ سَبْقَ القَضاءِ بِالخُسْرانِ والخِذْلانِ، هو الَّذِي حَمَلَهم عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ، وذَلِكَ عَيْنُ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ.
الأنعام 6:13
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أحْسَنَ ما قِيلَ في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى السَّماواتِ والأرْضَ، إذْ لا مَكانَ سِواهُما، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ إذْ لا زَمانَ سِواهُما، فالزَّمانُ والمَكانُ ظَرْفانِ لِلْمُحْدَثاتِ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مالِكٌ لِلْمَكانِ والمَكانِيّاتِ، ومالِكٌ لِلزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ؛ وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الجَلالَةِ.
صفحة ١٣٩
وأقُولُ: هَهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهو أنَّ الِابْتِداءَ وقَعَ بِذِكْرِ المَكانِ والمَكانِيّاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الزَّمانَ والزَّمانِيّاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَكانَ والمَكانِيّاتِ أقْرَبُ إلى العُقُولِ والأفْكارِ مِنَ الزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ، لِدَقائِقَ مَذْكُورَةٍ في العَقْلِيّاتِ الصِّرْفَةِ، والتَّعْلِيمُ الكامِلُ هو الَّذِي يُبْدَأُ فِيهِ بِالأظْهَرِ مُتَرَقِّيًا إلى الأخْفى فالأخْفى، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِوَجْهِ النَّظْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ الأشْياءُ لَهُ لا لِغَيْرِهِ. وهَذا هو الحَقُّ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا الواحِدُ، وما سِوى ذَلِكَ الواحِدِ مُمْكِنٌ. والمُمْكِنُ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما حَصَلَ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ كانَ مُلْكًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِوى ذَلِكَ المَوْجُودِ الواجِبِ لِذاتِهِ فَهو مُلْكُهُ ومالِكُهُ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ هَذا السُّكُونِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّيْءُ الَّذِي سَكَنَ بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَ، فَعَلى هَذا، المُرادُ كُلُّ ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الدَّوابِّ وجُمْلَةِ الحَيَواناتِ في البَرِّ والبَحْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قالُوا في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ولَهُ ما سَكَنَ وتَحَرَّكَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أرادَ الحَرَّ والبَرْدَ فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالقَرِينَةِ المَذْكُورَةِ، كَذَلِكَ هُنا حَذَفَ ذِكْرَ الحَرَكَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ السُّكُونِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا السُّكُونِ ما هو ضِدُّ الحَرَكَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ السُّكُونُ بِمَعْنى الحُلُولِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَسْكُنُ بَلَدَ كَذا إذا كانَ مَحِلُّهُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، كانَ المُرادُ: ولَهُ كُلُّ ما حَصَلَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ. والتَّقْدِيرُ: كُلُّ ما في الوَقْتِ والزَّمانِ سَواءٌ كانَ مُتَحَرِّكًا أوْ ساكِنًا، وهَذا التَّفْسِيرُ أوْلى وأكْمَلُ. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ تَحْتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ حَصَلَ في الزَّمانِ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ انْقَضى الماضِي وسَيَجِيءُ المُسْتَقْبَلُ، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالتَّغَيُّرِ وهو الحُدُوثُ، والحُدُوثُ يُنافِي الأزَلِيَّةَ والدَّوامَ، فَكُلُّ ما مَرَّ بِهِ الوَقْتُ ودَخَلَ تَحْتَ الزَّمانِ فَهو مُحْدَثٌ، وكُلُّ حادِثٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ الفِعْلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، والمُتَقَدِّمُ عَلى الزَّمانِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى الوَقْتِ والزَّمانِ، فَلا تَجْرِي عَلَيْهِ الأوْقاتُ ولا تَمُرُّ بِهِ السّاعاتُ ولا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ وسَيَكُونُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيما سَبَقَ أنَّهُ مالِكٌ لِلْمَكانِ وجُمْلَةِ المَكانِيّاتِ ومالِكٌ لِلزَّمانِ وجُمْلَةِ الزَّمانِيّاتِ، بَيَّنَ أنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يَسْمَعُ نِداءَ المُحْتاجِينَ ويَعْلَمُ حاجاتِ المُضْطَرِّينَ. والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى مَن يَقُولُ الإلَهُ تَعالى مُوجَبٌ بِالذّاتِ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ وإنْ كانَ مالِكًا لِكُلِّ المُحْدَثاتِ، لَكِنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ يَسْمَعُ ويَرى ويَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى. ولَمّا قَرَّرَ هَذِهِ المَعانِيَ قالَ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ أنْ يُقالَ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ وبَيْنَ أنْ يُقالَ: أتَّخِذُ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا. لِأنَّ الإنْكارَ إنَّما حَصَلَ عَلى اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، لا عَلى اتِّخاذِ الوَلِيِّ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ فالأهَمَّ الَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنِي فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ أوْلى مِنَ العِبارَةِ الثّانِيَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] .
* * *
صفحة ١٤٠
ثُمَّ قالَ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقُرِئَ ”فاطِرِ السَّماواتِ“ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ، وبِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، والنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ”فَطَرَ السَّماواتِ“ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما عَرَفْتُ ”﴿فاطِرِ السَّماواتِ﴾“ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها أيِ ابْتَدَأْتُها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أصْلُ الفَطْرِ شَقُّ الشَّيْءِ عِنْدَ ابْتِدائِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ خالِقَهُما ومُنْشِئَهُما بِالتَّرْكِيبِ الَّذِي سَبِيلُهُ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ الشَّقُّ والتَّأْلِيفُ عِنْدَ ضَمِّ الأشْياءِ إلى بَعْضٍ، فَلَمّا كانَ الشَّقُّ جازَ أنْ يَكُونَ في حالٍ شَقَّ إصْلاحٍ، وفي حالٍ أُخْرى شَقَّ إفْسادٍ. فَفاطِرُ السَّماواتِ مِنَ الإصْلاحِ لا غَيْرَ. وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] و﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] مِنَ الإفْسادِ، وأصْلُهُما واحِدٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ أيْ وهو الرَّزّاقُ لِغَيْرِهِ ولا يَرْزُقُهُ أحَدٌ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ فَسَّرْتَ الإطْعامَ بِالرِّزْقِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] والعَطْفُ يُوجِبُ المُغايَرَةَ ؟
قُلْنا: لا شَكَّ في حُصُولِ المُغايَرَةِ بَيْنَهُما، إلّا أنَّهُ قَدْ يَحْسُنُ جَعْلُ أحَدِهِما كِنايَةً عَنِ الآخَرِ لِشِدَّةِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُقارَبَةِ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ المَنافِعَ كُلَّها مِن عِنْدِهِ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِفاعُ. وقُرِئَ ”ولا يَطْعَمُ“ بِفَتْحِ الياءِ، ورَوى ابْنُ المَأْمُونِ عَنْ يَعْقُوبَ: ”وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِمُ“ عَلى بِناءٍ الأوَّلِ لِلْمَفْعُولِ والثّانِي لِلْفاعِلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: (أغَيْرَ اللَّهِ) وقَرَأ الأشْهَبُ ”وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ“ عَلى بِنائِهِما لِلْفاعِلِ، وفُسِّرَ بِأنَّ مَعْناهُ: وهو يُطْعِمُ ولا يَسْتَطْعِمُ. وحَكى الأزْهَرِيُّ: أطْعَمْتُ بِمَعْنى اسْتَطْعَمْتُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وهو يُطْعِمُ تارَةً ولا يُطْعِمُ أُخْرى عَلى حَسَبِ المَصالِحِ كَقَوْلِهِ: وهو يُعْطِي ويَمْنَعُ، ويَبْسُطُ ويَقْدِرُ، ويُغْنِي ويُفْقِرُ.
واعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في صَدْرِ الآيَةِ هو المَنعُ مِنَ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولِيًّا. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ وبِأنَّهُ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ اتِّخاذُ غَيْرِهِ ولِيًّا. أمّا بَيانُ أنَّهُ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ ما سِوى الواحِدِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَقَعُ مَوْجُودًا إلّا بِإيجادِ غَيْرِهِ، فَنَتَجَ أنَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو حاصِلٌ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ. فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الفاطِرُ لِكُلِّ ما سِواهُ مِنَ المَوْجُوداتِ وأمّا بَيانُ أنَّهُ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ فَظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ الإطْعامَ عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ المَنافِعِ، وعَدَمُ الِاسْتِطْعامِ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفاعِ. ولَمّا كانَ واجِبًا لِذاتِهِ كانَ لا مَحالَةَ غَنِيًّا ومُتَعالِيًا عَنِ الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ آخَرَ. فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ صِحَّةُ أنَّهُ تَعالى فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، وصِحَّةُ أنَّهُ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ، وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ في العَقْلِ اتِّخاذُ غَيْرِهِ ولِيًّا، لِأنَّ ما سِواهُ مُحْتاجٌ في ذاتِهِ وفي جَمِيعِ صِفاتِهِ وفي جَمِيعِ ما تَحْتَ يَدِهِ. والحَقُّ سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لِذاتِهِ، الجَوادُ لِذاتِهِ. وتَرُكُ الغَنِيِّ الجَوادِ، والذَّهابُ إلى الفَقِيرِ المُحْتاجِ مَمْنُوعٌ عَنْهُ في صَرِيحِ العَقْلِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَدْ سَبَقَ في هَذا الكِتابِ بَيانُ أنَّ الوَلِيَّ مَعْناهُ الأصْلِيُّ في اللُّغَةِ: هو القَرِيبُ. وقَدْ ذَكَرْنا وُجُوهَ الِاشْتِقاقاتِ فِيهِ. فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ يَمْنَعُ مِنَ القُرْبِ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا يَقْتَضِي تَنْزِيهَ القَلْبِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَطْعَ العَلائِقِ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ والسَّبَبُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سابِقُ أُمَّتِهِ في الإسْلامِ
صفحة ١٤١
لِقَوْلِهِ: ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] ولِقَوْلِ مُوسى ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ومَعْناهُ أُمِرْتُ بِالإسْلامِ ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَ رَسُولِهِ مَأْمُورًا بِالإسْلامِ ثُمَّ عَقِبَهُ بِكَوْنِهِ مَنهِيًّا عَنِ الشِّرْكِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ والمَقْصُودُ أنِّي إنْ خالَفْتُهُ في هَذا الأمْرِ والنَّهْيِ صِرْتُ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ العَظِيمِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ، ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ عَلَيْهِ لَما كانَ خائِفًا.
والجَوابُ: أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ خافَ عَلى نَفْسِهِ، بَلِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ الكُفْرُ والمَعْصِيَةُ فَإنَّهُ يَخافُ. وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ، ومِثالُهُ قَوْلُنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَمْسَةَ زَوْجٌ، ولا عَلى كَوْنِها مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ (إنِّيَ) بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والباقُونَ بِالإرْسالِ.
الأنعام 6:14
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أحْسَنَ ما قِيلَ في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى السَّماواتِ والأرْضَ، إذْ لا مَكانَ سِواهُما، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ إذْ لا زَمانَ سِواهُما، فالزَّمانُ والمَكانُ ظَرْفانِ لِلْمُحْدَثاتِ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مالِكٌ لِلْمَكانِ والمَكانِيّاتِ، ومالِكٌ لِلزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ؛ وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الجَلالَةِ.
صفحة ١٣٩
وأقُولُ: هَهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهو أنَّ الِابْتِداءَ وقَعَ بِذِكْرِ المَكانِ والمَكانِيّاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الزَّمانَ والزَّمانِيّاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَكانَ والمَكانِيّاتِ أقْرَبُ إلى العُقُولِ والأفْكارِ مِنَ الزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ، لِدَقائِقَ مَذْكُورَةٍ في العَقْلِيّاتِ الصِّرْفَةِ، والتَّعْلِيمُ الكامِلُ هو الَّذِي يُبْدَأُ فِيهِ بِالأظْهَرِ مُتَرَقِّيًا إلى الأخْفى فالأخْفى، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِوَجْهِ النَّظْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ الأشْياءُ لَهُ لا لِغَيْرِهِ. وهَذا هو الحَقُّ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا الواحِدُ، وما سِوى ذَلِكَ الواحِدِ مُمْكِنٌ. والمُمْكِنُ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما حَصَلَ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ كانَ مُلْكًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِوى ذَلِكَ المَوْجُودِ الواجِبِ لِذاتِهِ فَهو مُلْكُهُ ومالِكُهُ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ هَذا السُّكُونِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّيْءُ الَّذِي سَكَنَ بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَ، فَعَلى هَذا، المُرادُ كُلُّ ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الدَّوابِّ وجُمْلَةِ الحَيَواناتِ في البَرِّ والبَحْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قالُوا في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ولَهُ ما سَكَنَ وتَحَرَّكَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أرادَ الحَرَّ والبَرْدَ فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالقَرِينَةِ المَذْكُورَةِ، كَذَلِكَ هُنا حَذَفَ ذِكْرَ الحَرَكَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ السُّكُونِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا السُّكُونِ ما هو ضِدُّ الحَرَكَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ السُّكُونُ بِمَعْنى الحُلُولِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَسْكُنُ بَلَدَ كَذا إذا كانَ مَحِلُّهُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، كانَ المُرادُ: ولَهُ كُلُّ ما حَصَلَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ. والتَّقْدِيرُ: كُلُّ ما في الوَقْتِ والزَّمانِ سَواءٌ كانَ مُتَحَرِّكًا أوْ ساكِنًا، وهَذا التَّفْسِيرُ أوْلى وأكْمَلُ. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ تَحْتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ حَصَلَ في الزَّمانِ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ انْقَضى الماضِي وسَيَجِيءُ المُسْتَقْبَلُ، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالتَّغَيُّرِ وهو الحُدُوثُ، والحُدُوثُ يُنافِي الأزَلِيَّةَ والدَّوامَ، فَكُلُّ ما مَرَّ بِهِ الوَقْتُ ودَخَلَ تَحْتَ الزَّمانِ فَهو مُحْدَثٌ، وكُلُّ حادِثٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ الفِعْلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، والمُتَقَدِّمُ عَلى الزَّمانِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى الوَقْتِ والزَّمانِ، فَلا تَجْرِي عَلَيْهِ الأوْقاتُ ولا تَمُرُّ بِهِ السّاعاتُ ولا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ وسَيَكُونُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيما سَبَقَ أنَّهُ مالِكٌ لِلْمَكانِ وجُمْلَةِ المَكانِيّاتِ ومالِكٌ لِلزَّمانِ وجُمْلَةِ الزَّمانِيّاتِ، بَيَّنَ أنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يَسْمَعُ نِداءَ المُحْتاجِينَ ويَعْلَمُ حاجاتِ المُضْطَرِّينَ. والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى مَن يَقُولُ الإلَهُ تَعالى مُوجَبٌ بِالذّاتِ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ وإنْ كانَ مالِكًا لِكُلِّ المُحْدَثاتِ، لَكِنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ يَسْمَعُ ويَرى ويَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى. ولَمّا قَرَّرَ هَذِهِ المَعانِيَ قالَ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ أنْ يُقالَ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ وبَيْنَ أنْ يُقالَ: أتَّخِذُ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا. لِأنَّ الإنْكارَ إنَّما حَصَلَ عَلى اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، لا عَلى اتِّخاذِ الوَلِيِّ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ فالأهَمَّ الَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنِي فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ أوْلى مِنَ العِبارَةِ الثّانِيَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] .
* * *
صفحة ١٤٠
ثُمَّ قالَ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقُرِئَ ”فاطِرِ السَّماواتِ“ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ، وبِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، والنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ”فَطَرَ السَّماواتِ“ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما عَرَفْتُ ”﴿فاطِرِ السَّماواتِ﴾“ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها أيِ ابْتَدَأْتُها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أصْلُ الفَطْرِ شَقُّ الشَّيْءِ عِنْدَ ابْتِدائِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ خالِقَهُما ومُنْشِئَهُما بِالتَّرْكِيبِ الَّذِي سَبِيلُهُ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ الشَّقُّ والتَّأْلِيفُ عِنْدَ ضَمِّ الأشْياءِ إلى بَعْضٍ، فَلَمّا كانَ الشَّقُّ جازَ أنْ يَكُونَ في حالٍ شَقَّ إصْلاحٍ، وفي حالٍ أُخْرى شَقَّ إفْسادٍ. فَفاطِرُ السَّماواتِ مِنَ الإصْلاحِ لا غَيْرَ. وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] و﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] مِنَ الإفْسادِ، وأصْلُهُما واحِدٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ أيْ وهو الرَّزّاقُ لِغَيْرِهِ ولا يَرْزُقُهُ أحَدٌ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ فَسَّرْتَ الإطْعامَ بِالرِّزْقِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] والعَطْفُ يُوجِبُ المُغايَرَةَ ؟
قُلْنا: لا شَكَّ في حُصُولِ المُغايَرَةِ بَيْنَهُما، إلّا أنَّهُ قَدْ يَحْسُنُ جَعْلُ أحَدِهِما كِنايَةً عَنِ الآخَرِ لِشِدَّةِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُقارَبَةِ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ المَنافِعَ كُلَّها مِن عِنْدِهِ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِفاعُ. وقُرِئَ ”ولا يَطْعَمُ“ بِفَتْحِ الياءِ، ورَوى ابْنُ المَأْمُونِ عَنْ يَعْقُوبَ: ”وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِمُ“ عَلى بِناءٍ الأوَّلِ لِلْمَفْعُولِ والثّانِي لِلْفاعِلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: (أغَيْرَ اللَّهِ) وقَرَأ الأشْهَبُ ”وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ“ عَلى بِنائِهِما لِلْفاعِلِ، وفُسِّرَ بِأنَّ مَعْناهُ: وهو يُطْعِمُ ولا يَسْتَطْعِمُ. وحَكى الأزْهَرِيُّ: أطْعَمْتُ بِمَعْنى اسْتَطْعَمْتُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وهو يُطْعِمُ تارَةً ولا يُطْعِمُ أُخْرى عَلى حَسَبِ المَصالِحِ كَقَوْلِهِ: وهو يُعْطِي ويَمْنَعُ، ويَبْسُطُ ويَقْدِرُ، ويُغْنِي ويُفْقِرُ.
واعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في صَدْرِ الآيَةِ هو المَنعُ مِنَ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولِيًّا. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ وبِأنَّهُ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ اتِّخاذُ غَيْرِهِ ولِيًّا. أمّا بَيانُ أنَّهُ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ ما سِوى الواحِدِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَقَعُ مَوْجُودًا إلّا بِإيجادِ غَيْرِهِ، فَنَتَجَ أنَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو حاصِلٌ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ. فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الفاطِرُ لِكُلِّ ما سِواهُ مِنَ المَوْجُوداتِ وأمّا بَيانُ أنَّهُ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ فَظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ الإطْعامَ عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ المَنافِعِ، وعَدَمُ الِاسْتِطْعامِ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفاعِ. ولَمّا كانَ واجِبًا لِذاتِهِ كانَ لا مَحالَةَ غَنِيًّا ومُتَعالِيًا عَنِ الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ آخَرَ. فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ صِحَّةُ أنَّهُ تَعالى فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، وصِحَّةُ أنَّهُ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ، وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ في العَقْلِ اتِّخاذُ غَيْرِهِ ولِيًّا، لِأنَّ ما سِواهُ مُحْتاجٌ في ذاتِهِ وفي جَمِيعِ صِفاتِهِ وفي جَمِيعِ ما تَحْتَ يَدِهِ. والحَقُّ سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لِذاتِهِ، الجَوادُ لِذاتِهِ. وتَرُكُ الغَنِيِّ الجَوادِ، والذَّهابُ إلى الفَقِيرِ المُحْتاجِ مَمْنُوعٌ عَنْهُ في صَرِيحِ العَقْلِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَدْ سَبَقَ في هَذا الكِتابِ بَيانُ أنَّ الوَلِيَّ مَعْناهُ الأصْلِيُّ في اللُّغَةِ: هو القَرِيبُ. وقَدْ ذَكَرْنا وُجُوهَ الِاشْتِقاقاتِ فِيهِ. فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ يَمْنَعُ مِنَ القُرْبِ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا يَقْتَضِي تَنْزِيهَ القَلْبِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَطْعَ العَلائِقِ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ والسَّبَبُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سابِقُ أُمَّتِهِ في الإسْلامِ
صفحة ١٤١
لِقَوْلِهِ: ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] ولِقَوْلِ مُوسى ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ومَعْناهُ أُمِرْتُ بِالإسْلامِ ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَ رَسُولِهِ مَأْمُورًا بِالإسْلامِ ثُمَّ عَقِبَهُ بِكَوْنِهِ مَنهِيًّا عَنِ الشِّرْكِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ والمَقْصُودُ أنِّي إنْ خالَفْتُهُ في هَذا الأمْرِ والنَّهْيِ صِرْتُ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ العَظِيمِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ، ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ عَلَيْهِ لَما كانَ خائِفًا.
والجَوابُ: أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ خافَ عَلى نَفْسِهِ، بَلِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ الكُفْرُ والمَعْصِيَةُ فَإنَّهُ يَخافُ. وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ، ومِثالُهُ قَوْلُنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَمْسَةَ زَوْجٌ، ولا عَلى كَوْنِها مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ (إنِّيَ) بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والباقُونَ بِالإرْسالِ.
الأنعام 6:15
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أحْسَنَ ما قِيلَ في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى السَّماواتِ والأرْضَ، إذْ لا مَكانَ سِواهُما، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ إذْ لا زَمانَ سِواهُما، فالزَّمانُ والمَكانُ ظَرْفانِ لِلْمُحْدَثاتِ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مالِكٌ لِلْمَكانِ والمَكانِيّاتِ، ومالِكٌ لِلزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ؛ وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الجَلالَةِ.
صفحة ١٣٩
وأقُولُ: هَهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهو أنَّ الِابْتِداءَ وقَعَ بِذِكْرِ المَكانِ والمَكانِيّاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الزَّمانَ والزَّمانِيّاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَكانَ والمَكانِيّاتِ أقْرَبُ إلى العُقُولِ والأفْكارِ مِنَ الزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ، لِدَقائِقَ مَذْكُورَةٍ في العَقْلِيّاتِ الصِّرْفَةِ، والتَّعْلِيمُ الكامِلُ هو الَّذِي يُبْدَأُ فِيهِ بِالأظْهَرِ مُتَرَقِّيًا إلى الأخْفى فالأخْفى، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِوَجْهِ النَّظْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ الأشْياءُ لَهُ لا لِغَيْرِهِ. وهَذا هو الحَقُّ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا الواحِدُ، وما سِوى ذَلِكَ الواحِدِ مُمْكِنٌ. والمُمْكِنُ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما حَصَلَ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ كانَ مُلْكًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِوى ذَلِكَ المَوْجُودِ الواجِبِ لِذاتِهِ فَهو مُلْكُهُ ومالِكُهُ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ هَذا السُّكُونِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّيْءُ الَّذِي سَكَنَ بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَ، فَعَلى هَذا، المُرادُ كُلُّ ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الدَّوابِّ وجُمْلَةِ الحَيَواناتِ في البَرِّ والبَحْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قالُوا في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ولَهُ ما سَكَنَ وتَحَرَّكَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أرادَ الحَرَّ والبَرْدَ فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالقَرِينَةِ المَذْكُورَةِ، كَذَلِكَ هُنا حَذَفَ ذِكْرَ الحَرَكَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ السُّكُونِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا السُّكُونِ ما هو ضِدُّ الحَرَكَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ السُّكُونُ بِمَعْنى الحُلُولِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَسْكُنُ بَلَدَ كَذا إذا كانَ مَحِلُّهُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، كانَ المُرادُ: ولَهُ كُلُّ ما حَصَلَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ. والتَّقْدِيرُ: كُلُّ ما في الوَقْتِ والزَّمانِ سَواءٌ كانَ مُتَحَرِّكًا أوْ ساكِنًا، وهَذا التَّفْسِيرُ أوْلى وأكْمَلُ. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ تَحْتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ حَصَلَ في الزَّمانِ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ انْقَضى الماضِي وسَيَجِيءُ المُسْتَقْبَلُ، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالتَّغَيُّرِ وهو الحُدُوثُ، والحُدُوثُ يُنافِي الأزَلِيَّةَ والدَّوامَ، فَكُلُّ ما مَرَّ بِهِ الوَقْتُ ودَخَلَ تَحْتَ الزَّمانِ فَهو مُحْدَثٌ، وكُلُّ حادِثٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ، وفاعِلُ ذَلِكَ الفِعْلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، والمُتَقَدِّمُ عَلى الزَّمانِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى الوَقْتِ والزَّمانِ، فَلا تَجْرِي عَلَيْهِ الأوْقاتُ ولا تَمُرُّ بِهِ السّاعاتُ ولا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ وسَيَكُونُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيما سَبَقَ أنَّهُ مالِكٌ لِلْمَكانِ وجُمْلَةِ المَكانِيّاتِ ومالِكٌ لِلزَّمانِ وجُمْلَةِ الزَّمانِيّاتِ، بَيَّنَ أنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يَسْمَعُ نِداءَ المُحْتاجِينَ ويَعْلَمُ حاجاتِ المُضْطَرِّينَ. والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى مَن يَقُولُ الإلَهُ تَعالى مُوجَبٌ بِالذّاتِ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ وإنْ كانَ مالِكًا لِكُلِّ المُحْدَثاتِ، لَكِنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ يَسْمَعُ ويَرى ويَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى. ولَمّا قَرَّرَ هَذِهِ المَعانِيَ قالَ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ أنْ يُقالَ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ وبَيْنَ أنْ يُقالَ: أتَّخِذُ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا. لِأنَّ الإنْكارَ إنَّما حَصَلَ عَلى اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، لا عَلى اتِّخاذِ الوَلِيِّ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ فالأهَمَّ الَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنِي فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ أوْلى مِنَ العِبارَةِ الثّانِيَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] .
* * *
صفحة ١٤٠
ثُمَّ قالَ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقُرِئَ ”فاطِرِ السَّماواتِ“ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ، وبِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، والنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ”فَطَرَ السَّماواتِ“ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما عَرَفْتُ ”﴿فاطِرِ السَّماواتِ﴾“ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها أيِ ابْتَدَأْتُها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أصْلُ الفَطْرِ شَقُّ الشَّيْءِ عِنْدَ ابْتِدائِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ خالِقَهُما ومُنْشِئَهُما بِالتَّرْكِيبِ الَّذِي سَبِيلُهُ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ الشَّقُّ والتَّأْلِيفُ عِنْدَ ضَمِّ الأشْياءِ إلى بَعْضٍ، فَلَمّا كانَ الشَّقُّ جازَ أنْ يَكُونَ في حالٍ شَقَّ إصْلاحٍ، وفي حالٍ أُخْرى شَقَّ إفْسادٍ. فَفاطِرُ السَّماواتِ مِنَ الإصْلاحِ لا غَيْرَ. وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] و﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] مِنَ الإفْسادِ، وأصْلُهُما واحِدٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ أيْ وهو الرَّزّاقُ لِغَيْرِهِ ولا يَرْزُقُهُ أحَدٌ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ فَسَّرْتَ الإطْعامَ بِالرِّزْقِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] والعَطْفُ يُوجِبُ المُغايَرَةَ ؟
قُلْنا: لا شَكَّ في حُصُولِ المُغايَرَةِ بَيْنَهُما، إلّا أنَّهُ قَدْ يَحْسُنُ جَعْلُ أحَدِهِما كِنايَةً عَنِ الآخَرِ لِشِدَّةِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُقارَبَةِ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ المَنافِعَ كُلَّها مِن عِنْدِهِ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِفاعُ. وقُرِئَ ”ولا يَطْعَمُ“ بِفَتْحِ الياءِ، ورَوى ابْنُ المَأْمُونِ عَنْ يَعْقُوبَ: ”وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِمُ“ عَلى بِناءٍ الأوَّلِ لِلْمَفْعُولِ والثّانِي لِلْفاعِلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: (أغَيْرَ اللَّهِ) وقَرَأ الأشْهَبُ ”وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ“ عَلى بِنائِهِما لِلْفاعِلِ، وفُسِّرَ بِأنَّ مَعْناهُ: وهو يُطْعِمُ ولا يَسْتَطْعِمُ. وحَكى الأزْهَرِيُّ: أطْعَمْتُ بِمَعْنى اسْتَطْعَمْتُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وهو يُطْعِمُ تارَةً ولا يُطْعِمُ أُخْرى عَلى حَسَبِ المَصالِحِ كَقَوْلِهِ: وهو يُعْطِي ويَمْنَعُ، ويَبْسُطُ ويَقْدِرُ، ويُغْنِي ويُفْقِرُ.
واعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في صَدْرِ الآيَةِ هو المَنعُ مِنَ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولِيًّا. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ وبِأنَّهُ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ اتِّخاذُ غَيْرِهِ ولِيًّا. أمّا بَيانُ أنَّهُ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ ما سِوى الواحِدِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَقَعُ مَوْجُودًا إلّا بِإيجادِ غَيْرِهِ، فَنَتَجَ أنَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو حاصِلٌ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ. فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الفاطِرُ لِكُلِّ ما سِواهُ مِنَ المَوْجُوداتِ وأمّا بَيانُ أنَّهُ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ فَظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ الإطْعامَ عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ المَنافِعِ، وعَدَمُ الِاسْتِطْعامِ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفاعِ. ولَمّا كانَ واجِبًا لِذاتِهِ كانَ لا مَحالَةَ غَنِيًّا ومُتَعالِيًا عَنِ الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ آخَرَ. فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ صِحَّةُ أنَّهُ تَعالى فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، وصِحَّةُ أنَّهُ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ، وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ في العَقْلِ اتِّخاذُ غَيْرِهِ ولِيًّا، لِأنَّ ما سِواهُ مُحْتاجٌ في ذاتِهِ وفي جَمِيعِ صِفاتِهِ وفي جَمِيعِ ما تَحْتَ يَدِهِ. والحَقُّ سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لِذاتِهِ، الجَوادُ لِذاتِهِ. وتَرُكُ الغَنِيِّ الجَوادِ، والذَّهابُ إلى الفَقِيرِ المُحْتاجِ مَمْنُوعٌ عَنْهُ في صَرِيحِ العَقْلِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَدْ سَبَقَ في هَذا الكِتابِ بَيانُ أنَّ الوَلِيَّ مَعْناهُ الأصْلِيُّ في اللُّغَةِ: هو القَرِيبُ. وقَدْ ذَكَرْنا وُجُوهَ الِاشْتِقاقاتِ فِيهِ. فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ يَمْنَعُ مِنَ القُرْبِ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا يَقْتَضِي تَنْزِيهَ القَلْبِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَطْعَ العَلائِقِ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ والسَّبَبُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سابِقُ أُمَّتِهِ في الإسْلامِ
صفحة ١٤١
لِقَوْلِهِ: ﴿وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] ولِقَوْلِ مُوسى ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ومَعْناهُ أُمِرْتُ بِالإسْلامِ ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَ رَسُولِهِ مَأْمُورًا بِالإسْلامِ ثُمَّ عَقِبَهُ بِكَوْنِهِ مَنهِيًّا عَنِ الشِّرْكِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ والمَقْصُودُ أنِّي إنْ خالَفْتُهُ في هَذا الأمْرِ والنَّهْيِ صِرْتُ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ العَظِيمِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ، ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ عَلَيْهِ لَما كانَ خائِفًا.
والجَوابُ: أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ خافَ عَلى نَفْسِهِ، بَلِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ الكُفْرُ والمَعْصِيَةُ فَإنَّهُ يَخافُ. وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ، ومِثالُهُ قَوْلُنا: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَمْسَةَ زَوْجٌ، ولا عَلى كَوْنِها مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ (إنِّيَ) بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والباقُونَ بِالإرْسالِ.
الأنعام 6:16
قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَصْرِفْ) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ. وفاعِلُ الصَّرْفِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ الضَّمِيرُ العائِدُ إلى رَبِّي مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ والتَّقْدِيرُ: مَن يَصْرِفُ هو عَنْهُ يَوْمَئِذٍ العَذابَ.
وحُجَّةُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: (فَقَدْ رَحِمَهُ) فَلَمّا كانَ هَذا فِعْلًا مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ في تِلْكَ اللَّفْظَةِ الأُخْرى عَلى هَذا الوَجْهِ لِيَتَّفِقَ الفِعْلانِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ صَرْفُ العَذابِ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْنَدَةً إلى اللَّهِ تَعالى، وأمّا الباقُونَ فَإنَّهم قَرَأُوا: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والتَّقْدِيرُ: مَن يُصْرَفُ عَنْهُ عَذابُ يَوْمِئِذٍ، وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ العَذابَ إلى اليَوْمِ في قَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فَلِذَلِكَ أضافَ الصَّرْفَ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: مَن يُصْرَفُ عَنْهُ عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ مَصْرُوفًا وذَلِكَ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ، وحَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الطّاعَةَ لا تُوجِبُ الثَّوابَ، والمَعْصِيَةَ لا تُوجِبُ العِقابَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أيْ كُلُّ مَن صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ العَذابَ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقَدْ رَحِمَهُ. وهَذا إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانَ ذَلِكَ الصَّرْفُ واقِعًا عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، أمّا لَوْ كانَ واجِبًا مُسْتَحَقًّا لَمْ يَحْسُنْ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ رَحِمَهُ، ألا تَرى أنَّ الَّذِي يَقْبُحُ مِنهُ أنْ يَضْرِبَ العَبْدَ، فَإذا لَمْ يَضْرِبْهُ لا يُقالُ إنَّهُ رَحِمَهُ. أمّا إذا حَسُنَ مِنهُ أنْ
صفحة ١٤٢
يَضْرِبَهُ ولَمْ يَضْرِبْهُ فَإنَّهُ يُقالُ إنَّهُ رَحِمَهُ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ عِقابٍ انْصَرَفَ وكُلَّ ثَوابٍ حَصَلَ، فَهو ابْتِداءً فَضْلٌ وإحْسانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو مُوافِقٌ لِما يُرْوى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما مِنَ النّاسِ أحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ. ووَضَعَ يَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ، وطَوَّلَ بِها صَوْتَهُ»
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القاضِي: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يُعاقَبْ في الآخِرَةِ مِمَّنْ يُصْرَفُ عَنْهُ العِقابُ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يُثابَ وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ فِيمَن يُصْرَفُ عَنْهُ العِقابُ مِنَ المُكَلَّفِينَ مَن لا يُثابُ، لَكِنَّهُ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ مَن لَمْ يُعاقِبْهُ اللَّهُ تَعالى ويَتَفَضَّلْ عَلَيْهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الفَوْزُ المُبِينُ وذَلِكَ يُبْطِلُ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى قَوْلِكم ؟
قُلْنا: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّفَضُّلَ يَكُونُ كالِابْتِداءِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ يَكُونُ ذَلِكَ مَطْلُوبًا مِنَ الفِعْلِ، والفَوْزُ هو الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُفِيدَ أمْرًا مَطْلُوبًا.
والثّانِي: أنَّ الفَوْزَ المُبِينَ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى التَّفَضُّلِ بَلْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى ما يَقْتَضِي مُبالَغَةً في عِظَمِ النِّعْمَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا ثَوابًا.
والثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ والمُقابِلُ لِلْعَذابِ هو الثَّوابُ، فَيَجِبُ حَمْلُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ عَلى الثَّوابِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ جِدًّا وضَعْفُهُ ظاهِرٌ فَلا حاجَةَ فِيهِ إلى الِاسْتِقْصاءِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا دَلِيلٌ آخَرُ في بَيانِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَتَّخِذَ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الضُّرَّ: اسْمٌ لِلْألَمِ والحُزْنِ والخَوْفِ وما يُفْضِي إلَيْها أوْ إلى أحَدِها. والنَّفْعُ: اسْمٌ لِلَّذَّةِ والسُّرُورِ وما يُفْضِي إلَيْهِما أوْ إلى أحَدِهِما. والخَيْرُ: اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ دَفْعِ الضُّرِّ وبَيْنَ حُصُولِ النَّفْعِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ الحَصْرُ في أنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ في الضُّرِّ أوْ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ زَوالَ الضُّرِّ خَيْرٌ، سَواءٌ حَصَلَ فِيهِ اللَّذَّةُ أوْ لَمْ تَحْصُلْ. وإذا ثَبَتَ هَذا الحَصْرُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المَضارَّ قَلِيلَها وكَثِيرَها لا يَنْدَفِعُ إلّا بِاللَّهِ، والخَيْراتُ لا يَحْصُلُ قَلِيلُها وكَثِيرُها إلّا بِاللَّهِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، أنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، أمّا الواجِبُ لِذاتِهِ فَواحِدٌ فَيَكُونُ كُلُّ ما سِواهُ مُمْكِنًا لِذاتِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ
صفحة ١٤٣
لِذاتِهِ، وكُلُّ ما سِوى الحَقِّ فَهو إنَّما حَصَلَ بِإيجادِ الحَقِّ وتَكْوِينِهِ فَثَبَتَ أنَّ انْدِفاعَ جَمِيعِ المَضارِّ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ، وحُصُولَ جَمِيعِ الخَيِّراتِ والمَنافِعِ لا يَكُونُ إلّا بِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ العَقْلِيِّ البَيِّنِ صِحَّةُ ما دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ نَرى أنَّ الإنْسانَ يَدْفَعُ المَضارَّ عَنْ نَفْسِهِ بِمالِهِ وبِأعْوانِهِ وأنْصارِهِ، وقَدْ يَحْصُلُ الخَيْرُ لَهُ بِكَسْبِ نَفْسِهِ وبِإعانَةِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في عُمُومِ الآيَةِ. وأيْضًا فَرَأْسُ المَضارِّ هو الكُفْرُ فَوَجَبَ أنْ يُقالَ إنَّهُ لَمْ يَنْدَفِعْ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى. ورَأْسُ الخَيْراتِ هو الإيمانُ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الإنْسانُ بِفِعْلِ الكُفْرِ عِقابًا ولا بِفِعْلِ الإيمانِ ثَوابًا. وأيْضًا فَإنّا نَرى أنَّ الإنْسانَ يَنْتَفِعُ بِأكْلِ الدَّواءِ ويَتَضَرَّرُ بِتَناوُلِ السُّمُومِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْدَحُ في ظاهِرِ الآيَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ فَإنَّما يَصْدُرُ عَنْهُ إذا دَعاهُ الدّاعِي إلَيْهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ بِدُونِ الدّاعِي مُحالٌ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهَكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ السُّؤالاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ إمْساسَ الضُّرِّ وإمْساسَ الخَيْرِ، إلّا أنَّهُ مَيَّزَ الأوَّلَ عَنِ الثّانِي بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ إمْساسِ الضُّرِّ عَلى ذِكْرِ إمْساسِ الخَيْرِ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ المَضارِّ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ عَقِيبَها الخَيْرُ والسَّلامَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ في إمْساسِ الضُّرِّ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ وذَكَرَ في إمْساسِ الخَيْرِ ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَذَكَرَ في الخَيْرِ كَوْنَهُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى لِإيصالِ الخَيْراتِ غالِبَةٌ عَلى إرادَتِهِ لِإيصالِ المَضارِّ. وهَذِهِ الشُّبُهاتُ بِأسْرِها دالَّةٌ عَلى أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى جانِبَ الرَّحْمَةِ غالِبٌ، كَما قالَ: ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ .
الأنعام 6:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ صِفاتِ الكَمالِ مَحْصُورَةٌ في القُدْرَةِ والعِلْمِ فَإنْ قالُوا: كَيْفَ أهْمَلْتُمْ وُجُوبَ الوُجُودِ.
قُلْنا: ذَلِكَ عَيْنُ الذّاتِ لا صِفَةً قائِمَةً بِالذّاتِ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ القائِمَةَ بِالذّاتِ مُفْتَقِرَةٌ إلى الذّاتِ، والمُفْتَقِرُ إلى الذّاتِ مُفْتَقِرٌ إلى الغَيْرِ؛ فَيَكُونُ مُمْكِنًا لِذاتِهِ واجِبًا بِغَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ حُصُولُ وُجُوبٍ قَبْلَ الوُجُوبِ وذَلِكَ مُحالٌ فَثَبَتَ أنَّهُ عَيْنُ الذّاتِ، وثَبَتَ أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي هي الكِمالاتُ حَقِيقَتُها هي القُدْرَةُ والعِلْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ. وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ ومَعْناهُ أنَّهُ لا مَوْصُوفَ بِكَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ العِلْمِ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ لا كامِلَ إلّا هو، وكُلُّ مَن سِواهُ فَهو ناقِصٌ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا دَلالَةُ كَوْنِهِ قاهِرًا عَلى القُدْرَةِ فَلِأنّا بَيَّنّا أنَّ ما عَدا الحَقِّ سُبْحانَهُ مُمْكِنٌ بِالوُجُودِ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَتَرَجَّحُ وجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ ولا عَدَمُهُ عَلى وُجُودِهِ إلّا بِتَرْجِيحِهِ وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ وإبْداعِهِ؛ فَيَكُونُ في الحَقِيقَةِ هو الَّذِي قَهَرَ المُمْكِناتِ تارَةً في طَرَفِ تَرْجِيحِ الوُجُودِ عَلى العَدَمِ، وتارَةً في طَرَفِ تَرْجِيحِ العَدَمِ عَلى الوُجُودِ، ويَدْخُلُ في هَذا البابِ كَوْنُهُ قاهِرًا لَهم بِالمَوْتِ والفَقْرِ والإذْلالِ ويَدْخُلُ فِيهِ
صفحة ١٤٤
كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] إلى آخِرِ الآيَةِ. وأمّا كَوْنُهُ حَكِيمًا، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُهُ هَهُنا عَلى العِلْمِ؛ لِأنَّ الخَبِيرَ إشارَةٌ إلى العِلْمِ فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى كَوْنِهِ مُحْكَمًا في أفْعالِهِ بِمَعْنى أنَّ أفْعالَهُ تَكُونُ مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً آمِنَةً مِن وُجُوهِ الخَلَلِ والفَسادِ، والخَبِيرُ هو العالِمُ بِالشَّيْءِ المَرْوِيِّ. قالَ الواحِدِيُّ: وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ العالِمُ بِما يَصِحُّ أنْ يُخْبَرَ بِهِ قالَ: والخَبَرُ عِلْمُكَ بِالشَّيْءِ تَقُولُ: لِي بِهِ خَبَرٌ أيْ عِلْمٌ، وأصْلُهُ مِنَ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ طَرِيقٌ مِن طُرُقِ العِلْمِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى مَوْجُودٌ في الجِهَةِ الَّتِي هي فَوْقَ العالَمِ وهو مَرْدُودٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا فَوْقَ العالَمِ لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ في الصِّغَرِ بِحَيْثُ لا يَتَمَيَّزُ جانِبٌ مِنهُ مِن جانِبٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ ذاهِبًا في الأقْطارِ مُتَمَدِّدًا في الجِهاتِ.
والأوَّلُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ في الصِّغَرِ والحَقارَةِ كالجَوْهَرِ الفَرْدِ فَلَوْ جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إلَهُ العالَمِ بَعْضَ الذَّرّاتِ المَخْلُوطَةِ بِالهَباآتِ الواقِعَةِ في كُوَّةِ البَيْتِ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ مُتَبَعِّضًا مُتَجَزِّئًا، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ.
والثّانِي: أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَناهٍ مِن كُلِّ الجِهاتِ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ عَلَيْهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ. وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُهُ بِمِقْدارِهِ المُعَيَّنِ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ، فَيَكُونُ مُحْدَثًا أوْ يَكُونُ مُتَناهِيًا مِن بَعْضِ الجَوانِبِ دُونَ البَعْضِ، فَيَكُونُ الجانِبُ المَوْصُوفُ بِكَوْنِهِ مُتَناهِيًا غَيْرَ الجانِبِ المَوْصُوفِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَناهٍ وذَلِكَ يُوجِبُ القِسْمَةَ والتَّجْزِئَةَ.
والثّالِثُ: إمّا أنْ يُفَسَّرَ المَكانُ بِالسَّطْحِ الحاوِي أوْ بِالبُعْدِ والخَلاءِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَنَقُولُ: أجْسامُ العالَمِ مُتَناهِيَةٌ فَخارِجُ العالَمِ لا خَلاءَ ولا مِلاءَ ولا مَكانَ ولا حَيْثُ ولا جِهَةَ، فَيَمْتَنِعُ حُصُولُ ذاتِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ. وإنْ كانَ الثّانِي فَنَقُولُ الخَلاءُ مُتَساوِي الأجْزاءِ في حَقِيقَتِهِ وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلَوْ صَحَّ حُصُولُ اللَّهِ في جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ الخَلاءِ لَصَحَّ حُصُولُهُ في سائِرِ الأجْزاءِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ حُصُولُهُ فِيهِ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ، وكُلُّ ما كانَ واقِعًا بِالفاعِلِ المُخْتارِ فَهو مُحْدَثٌ، فَحُصُولُ ذاتِهِ في الجُزْءِ مُحْدَثٌ. وذاتُهُ لا تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ الحُصُولِ وما لا يَنْفَكُّ عَنِ المُحْدَثِ فَهو مُحْدَثٌ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ ذاتِهِ مُحْدَثَةً وهو مُحالٌ.
الرّابِعُ: أنَّ البُعْدَ والخَلاءَ أمْرٌ قابِلٌ لِلْقِسْمَةِ والتَّجْزِئَةِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ ومُفْتَقِرٌ إلى المُوجِدِ ويَكُونُ مُوجِدُهُ قَبْلَهُ فَيَكُونُ ذاتُ اللَّهِ تَعالى قَدْ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ وُجُودِ الخَلاءِ والجِهَةِ والحَيْثِ والحَيِّزِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا: فَبَعْدَ الحَيِّزِ والجِهَةِ والخَلاءِ وجَبَ أنْ تَبْقى ذاتُ اللَّهِ تَعالى كَما كانَتْ وإلّا فَقَدَ وقَعَ التَّغْيِيرُ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُحالٌ.
وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ القَوْلُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الأحْيازِ والجِهاتِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ.
والخامِسُ: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ العالَمَ كُرَةٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالَّذِي يَكُونُ فَوْقَ رُءُوسِ أهْلِ الرَّيِّ يَكُونُ تَحْتَ أقْدامِ قَوْمٍ آخَرِينَ.
وإذا ثَبَتَ هَذا، فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى فَوْقَ أقْوامٍ بِأعْيانِهِمْ. أوْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى فَوْقَ الكُلِّ. والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّ كَوْنَهُ فَوْقًا لِبَعْضِهِمْ يُوجِبُ كَوْنَهُ تَحْتًا لِآخَرِينَ، وذَلِكَ باطِلٌ، والثّانِي يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى مُحِيطًا بِكُرَةِ الفَلَكِ، فَيَصِيرُ حاصِلُ الأمْرِ إلى أنَّ إلَهَ العالَمِ هو فَلَكٌ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الأفْلاكِ وذَلِكَ لا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ.
والسّادِسُ: هو أنَّ لَفْظَ الفَوْقِيَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ مَسْبُوقٌ بِلَفْظٍ ومَلْحُوقٌ بِلَفْظٍ آخَرَ. أمّا أنَّها مَسْبُوقَةٌ فَلِأنَّها مَسْبُوقَةٌ بِلَفْظِ القاهِرِ،
صفحة ١٤٥
والقاهِرُ مُشْعِرٌ بِكَمالِ القُدْرَةِ وتَمامِ المُكْنَةِ. وأمّا أنَّها مَلْحُوقَةٌ بِلَفْظٍ فَلِأنَّها مَلْحُوقَةٌ بِقَوْلِهِ: (عِبادِهِ) وهَذا اللَّفْظُ مُشْعِرٌ بِالمَمْلُوكِيَّةِ والمَقْدُورِيَّةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ تِلْكَ الفَوْقِيَّةِ عَلى فَوْقِيَّةِ القُدْرَةِ لا عَلى فَوْقِيَّةِ الجِهَةِ.
فَإنْ قِيلَ: ما ذَكَرْتُمُوهُ عَلى الضِّدِّ مِن قَوْلِكم، إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ دَلَّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ. فَلَوْ حَمَلْنا لَفْظَ الفَوْقِ عَلى فَوْقِيَّةِ القُدْرَةِ لَزِمَ التَّكْرارُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى فَوْقِيَّةِ المَكانِ والجِهَةِ.
قُلْنا: لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَكُونُ الذّاتُ مَوْصُوفَةً بِكَوْنِها قاهِرَةً لِلْبَعْضِ دُونَ البَعْضِ وقَوْلُهُ: ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ القَهْرَ والقُدْرَةَ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ.
والسّابِعُ: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلى مَن يَتَّخِذُ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قالَ إنَّهُ تَعالى فَوْقَ كُلِّ عِبادِهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ اتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، وهَذِهِ النَّتِيجَةُ إنَّما يَحْسُنُ تَرْتِيبُها عَلى تِلْكَ الفَوْقِيّاتِ؛ كانَ المُرادُ مِن تِلْكَ الفَوْقِيَّةِ، الفَوْقِيَّةَ بِالقُدْرَةِ والقُوَّةِ. أمّا لَوْ كانَ المُرادُ مِنها الفَوْقِيَّةَ بِالجِهَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ هَذا المَقْصُودَ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن مُجَرَّدِ كَوْنِهِ حاصِلًا في جِهَةٍ فَوْقَ أنْ يَكُونَ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ في كُلِّ الأُمُورِ مُفِيدًا، وأنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ في كُلِّ المَطالِبِ لازِمًا. أمّا إذا حَمَلْنا ذَلِكَ عَلى فَوْقِيَّةِ القُدْرَةِ حَسُنَ تَرْتِيبُ هَذِهِ النَّتِيجَةِ عَلَيْهِ فَظَهَرَ بِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ، لا ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّشْبِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ أكْبَرَ الشَّهاداتِ وأعْظَمَها شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ شَهادَةَ اللَّهِ حاصِلَةٌ إلّا أنَّ الآيَةَ لَمْ تَدُلَّ عَلى أنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ حَصَلَتْ في إثْباتِ أيِّ المَطالِبِ، فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُصُولَ شَهادَةِ اللَّهِ في ثُبُوتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُصُولَ هَذِهِ الشَّهادَةِ في ثُبُوتِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.
أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَقَدْ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما وجَدَ اللَّهُ غَيْرَكَ رَسُولًا ! وما نَرى أحَدًا يُصَدِّقُكَ، وقَدْ سَألْنا اليَهُودَ والنَّصارى عَنْكَ فَزَعَمُوا أنَّهُ لا ذِكْرَ لَكَ عِنْدَهم بِالنُّبُوَّةِ فَأرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ حَتّى يَعْتَرِفُوا بِالنُّبُوَّةِ، فَإنَّ أكْبَرَ الأشْياءِ شَهادَةً هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإذا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ فَقُلْ إنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ لِي بِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ أوْحى إلَيَّ هَذا القُرْآنَ وهَذا القُرْآنُ مُعْجِزٌ، لِأنَّكم أنْتُمُ الفُصَحاءُ والبُلَغاءُ وقَدْ عَجَزْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ فَإذا كانَ مُعْجِزًا، كانَ إظْهارُ اللَّهِ إيّاهُ عَلى وفْقِ دَعْوايَ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ عَلى كَوْنِي صادِقًا في دَعْوايَ. والحاصِلُ: أنَّهم طَلَبُوا شاهِدًا
صفحة ١٤٦
مَقْبُولَ القَوْلِ يَشْهَدُ عَلى نُبُوَّتِهِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ أكْبَرَ الأشْياءِ شَهادَةً هو اللَّهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ شَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ فَهَذا تَقْرِيرٌ واضِحٌ.
وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ حُصُولَ هَذِهِ الشَّهادَةِ في وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.
فاعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِمُقَدِّمَةٍ، وهي أنّا نَقُولُ: المَطالِبُ عَلى أقْسامٍ ثَلاثَةٍ: مِنها ما يَمْتَنِعُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، فَإنَّ كُلَّ ما يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ السَّمْعِ عَلى صِحَّتِهِ امْتَنَعَ إثْباتُهُ بِالسَّمْعِ، وإلّا لَزِمَ الدَّوْرُ. ومِنها ما يَمْتَنِعُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ وهو كُلُّ شَيْءٍ يَصِحُّ وُجُودُهُ ويَصِحُّ عَدَمُهُ عَقْلًا، فَلا امْتِناعَ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ أصْلًا، فالقَطْعُ عَلى أحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِعَيْنِهِ لا يُمْكِنُ إلّا بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، ومِنها ما يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ والسَّمْعِ مَعًا، وهو كُلُّ أمْرٍ عَقْلِيٍّ لا يَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِهِ، فَلا جَرَمَ أمْكَنَ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ في إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ والبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ والأمْثالِ والأشْباهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ أيْ إنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ هو الحَقُّ الواجِبُ، وإنَّ القَوْلَ بِالشِّرْكِ باطِلٌ مَرْدُودٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنْ جَهْمٍ أنَّهُ يُنْكِرُ كَوْنَهُ تَعالى شَيْئًا.
واعْلَمْ أنَّهُ لا يُنازِعُ في كَوْنِهِ تَعالى ذاتًا مَوْجُودًا وحَقِيقَةً إلّا أنَّهُ يُنْكِرُ تَسْمِيَتَهُ تَعالى بِكَوْنِهِ شَيْئًا، فَيَكُونُ هَذا خِلافًا في مُجَرَّدِ العِبارَةِ. واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعالى بِالشَّيْءِ بِهَذِهِ الآيَةِ وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ قالَ: أيُّ الأشْياءِ أكْبَرُ شَهادَةً. ثُمَّ ذَكَرَ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ قَوْلَهُ: (قُلِ اللَّهُ) وهَذا يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى شَيْئًا، كَما أنَّهُ لَوْ قالَ: أيُّ النّاسِ أصْدَقُ، فَلَوْ قِيلَ: جِبْرِيلُ، كانَ هَذا الجَوابُ خَطَأً؛ لِأنَّ جِبْرِيلَ لَيْسَ مِنَ النّاسِ فَكَذا هَهُنا.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ كَلامٌ تامٌّ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: (اللَّهُ) مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ خَبَرُهُ، وهو جُمْلَةٌ تامَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها لا تَعَلُّقُ لَها بِما قَبْلَها.
قُلْنا: الجَوابُ في وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ لا شَكَّ أنَّهُ سُؤالٌ ولا بُدَّ لَهُ مِن جَوابٍ: إمّا مَذْكُورٍ، وإمّا مَحْذُوفٍ.
فَإنْ قُلْنا: الجَوابُ مَحْذُوفٌ فَنَقُولُ: هَذا عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا، إلّا أنَّ ذَلِكَ المَحْذُوفَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أمْرًا يَدُلُّ المَذْكُورُ عَلَيْهِ ويَكُونَ لائِقًا بِذَلِكَ المَوْضِعِ.
والجَوابُ اللّائِقُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ هو أنْ يُقالَ: هو اللَّهُ، ثُمَّ يُقالُ بَعْدَهُ ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّهُ تَعالى يُسَمّى باسْمِ الشَّيْءِ فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ.
صفحة ١٤٧
وفِي المَسْألَةِ دَلِيلٌ آخَرُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] والمُرادُ بِوَجْهِهِ ذاتُهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى ذاتَ نَفْسِهِ مِن قَوْلِهِ: (كُلُّ شَيْءٍ) والمُسْتَثْنى يَجِبُ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُسَمّى باسْمِ الشَّيْءِ. واحْتَجَّ جَهْمٌ عَلى فَسادِ هَذا الِاسْمِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] والمُرادُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ وذاتُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُسَمّى باسِمِ الشَّيْءِ، ولا يُقالُ: الكافُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّ جَعْلَ كَلِمَةٍ مِن كَلِماتِ القُرْآنِ عَبَثًا باطِلًا لا يَلِيقُ بِأهْلِ الدِّينِ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ الشَّدِيدَةِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] .
ولَوْ كانَ تَعالى مُسَمّى بِالشَّيْءِ لَزِمَ كَوْنُهُ خالِقًا لِنَفْسِهِ، وهو مُحالٌ لا يُقالُ، هَذا عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ لِأنّا نَقُولُ إدْخالُ التَّخْصِيصِ إنَّما يَجُوزُ في صُورَةٍ نادِرَةٍ شاذَّةٍ لا يُؤْبَهُ بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها، فَيَجْرِي وُجُودُها مَجْرى عَدَمِها فَيُطْلَقُ لَفْظُ الكُلِّ عَلى الأكْثَرِ تَنْبِيهًا، عَلى أنَّ البَقِيَّةَ جارِيَةٌ مَجْرى العَدَمِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ البارِي تَعالى لَوْ كانَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ لَكانَ هو تَعالى أعْظَمَ الأشْياءِ وأشْرَفَها، وإطْلاقُ لَفْظِ الكُلِّ مَعَ أنْ يَكُونَ هَذا القِسْمُ خارِجًا عَنْهُ يَكُونُ مَحْضَ كَذِبٍ ولا يَكُونُ مِن بابِ التَّخْصِيصِ.
الثّالِثُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] والِاسْمُ إنَّما يَحْسُنُ لِحُسْنِ مُسَمّاهُ وهو أنْ يَدُلَّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ونَعَتٍ مِن نُعُوتِ الجَلالِ، ولَفَظُ الشَّيْءِ أعَمُّ الأشْياءِ فَيَكُونُ مُسَمّاهُ حاصِلًا في أحْسَنِ الأشْياءِ وفي أرْذَلِها، ومَتى كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ المُسَمّى بِهَذا اللَّفْظِ صِفَةً مِن صِفاتِ الكَمالِ ولا نَعْتًا مِن نُعُوتِ الجَلالِ. فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ دَعْوَةُ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى واللَّهُ تَعالى أمَرَ بِأنْ يُدْعى بِالأسْماءِ الحُسْنى، وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ دُعاءُ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ، وكُلُّ مَن مَنَعَ مِن دُعاءِ اللَّهِ بِهَذا الِاسْمِ قالَ: إنَّ هَذا اللَّفْظَ لَيْسَ اسْمًا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى البَتَّةَ.
الرّابِعُ: أنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يَتَناوَلُ المَعْدُومَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى.
بَيانُ الأوَّلِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] سَمّى الشَّيْءَ الَّذِي سَيَفْعَلُهُ غَدًا بِاسْمِ الشَّيْءِ في الحالِ والَّذِي سَيَفْعَلُهُ غَدًا يَكُونُ مَعْدُومًا في الحالِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يَقَعُ عَلى المَعْدُومِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُنا: إنَّهُ شَيْءٌ لا يُفِيدُ امْتِيازَ ذاتِهِ عَنْ سائِرِ الذَّواتِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ ولا بِخاصَّةِ مُتَمَيِّزَةٍ، ولا يُفِيدُ كَوْنَهُ مَوْجُودًا فَيَكُونُ هَذا لَفْظًا لا يُفِيدُ فائِدَةً في حَقِّ اللَّهِ تَعالى ألْبَتَّةَ، فَكانَ عَبَثًا مُطْلَقًا، فَوَجَبَ أوْ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى.
والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ أنْ يُقالَ: لَمّا تَعارَضَتِ الدَّلائِلُ فَنَقُولُ: لَفْظُ الشَّيْءِ أعَمُّ الألْفاظِ، ومَتى صَدَقَ الخاصُّ صَدَقَ العامُّ، فَمَتى صَدَقَ فِيهِ كَوْنُهُ ذاتًا وحَقِيقَةً وجَبَ أنْ يَصْدُقَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ شَيْئًا وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيَّ هَذا القُرْآنَ لِأُنْذِرَكم بِهِ، وهو خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وقَوْلُهُ: (ومَن بَلَغَ) عَطْفٌ عَلى المُخاطَبِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أيْ لِأُنْذِرَكم بِهِ، وأُنْذِرَ كُلَّ مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ، وقِيلَ: مِنَ الثَّقَلَيْنِ، وقِيلَ: مَن بَلَغَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ، فَكَأنَّما رَأى مُحَمَّدًا ﷺ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَيَحْصُلُ في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ، ومَن بَلَغَهُ هَذا القُرْآنُ. إلّا أنَّ هَذا العائِدَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ
صفحة ١٤٨
عَلَيْهِ، كَما يُقالُ: الَّذِي رَأيْتُ زَيْدٌ، والَّذِي ضَرَبْتُ عَمْرٌو. وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (ومَن بَلَغَ) قَوْلٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (ومَن بَلَغَ) أيْ ومَنِ احْتَلَمَ وبَلَغَ حَدَّ التَّكْلِيفِ، وعِنْدَ هَذا لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ العائِدِ إلّا أنَّ الجُمْهُورَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ فَنَقُولُ: فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيِنَّكم“ بِهَمْزَةٍ وكَسْرَةٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ مُشْبِهَةٍ ياءً ساكِنَةً بِلا مَدٍّ، وأبُو عَمْرٍو وقالُونُ عَنْ نافِعٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ يَمُدُّ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ.
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الجَحْدُ والإنْكارُ. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ آخَرُ لِأنَّ الآلِهَةَ جَمْعٌ والجَمْعُ يَقَعُ عَلَيْهِ التَّأْنِيثُ كَما قالَ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ولَمْ يَقُلِ الأوَّلِ ولا الأوَّلِينَ وكُلُّ ذَلِكَ صَوابٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ دالٌّ عَلى إيجابِ التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنِ الشِّرْكِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ أيْ لا أشْهَدُ بِما تَذْكُرُونَهُ مِن إثْباتِ الشُّرَكاءِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ وكَلِمَةُ: ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، ولَفْظُ الواحِدِ صَرِيحٌ في التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ وفِيهِ تَصْرِيحٌ بِالبَراءَةِ عَنْ إثْباتِ الشُّرَكاءِ. فَثَبَتَ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى إيجابِ التَّوْحِيدِ بِأعْظَمِ طُرُقِ البَيانِ وأبْلَغِ وُجُوهِ التَّأْكِيدِ. قالَ العُلَماءُ: المُسْتَحَبُّ لِمَن أسْلَمَ ابْتِداءً أنْ يَأْتِيَ بِالشَّهادَتَيْنِ ويَتَبَرَّأ مِن كُلِّ دِينٍ سِوى دِينِ الإسْلامِ. ونَصَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى اسْتِحْبابِ ضَمِّ التَّبَرِّي إلى الشَّهادَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ عُقَيْبَ التَّصْرِيحِ بِالتَّوْحِيدِ.
الأنعام 6:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنّا رُوِّينا في الآيَةِ الأُولى أنَّ الكُفّارَ سَألُوا اليَهُودَ والنَّصارى عَنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْكَرُوا دَلالَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى أنَّ شَهادَةَ اللَّهِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ كافِيَةٌ في ثُبُوتِها وتَحَقُّقِها، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ أنّا لا نَعْرِفُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَهُ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم لِما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ قالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ هَذِهِ الآيَةَ فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ ؟ فَقالَ: يا عُمَرُ لَقَدْ عَرَفْتُهُ فِيكم حِينَ رَأيْتُهُ كَما أعْرِفُ ابْنِي ولَأنا أشَدُّ مَعْرِفَةً بِمُحَمَّدٍ مِنِّي بِابْنِي لِأنِّي لا أدْرِي ما صَنَعَ النِّساءُ، وأشْهَدُ أنَّهُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
صفحة ١٤٩
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهم بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلَ عِلْمِهِمْ بِأبْنائِهِمْ، وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ: المَكْتُوبُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُجَرَّدُ أنَّهُ سَيَخْرُجُ نَبِيٌّ في آخِرِ الزَّمانِ يَدْعُو الخَلْقَ إلى الدِّينِ الحَقِّ، أوِ المَكْتُوبُ فِيهِ هَذا المَعْنى مَعَ تَعَيُّنِ الزَّمانِ والمَكانِ والنَّسَبِ والصِّفَةِ والحِلْيَةِ والشَّكْلِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَذَلِكَ القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: عِلْمُهم بِنُبُوَّتِهِ مِثْلُ عِلْمِهِمْ بِبُنُوَّةِ أبْنائِهِمْ، وإنْ كانَ الثّانِيَ وجَبَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ اليَهُودِ والنَّصارى عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِكَوْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، والكَذِبُ عَلى الجَمْعِ العَظِيمِ لا يَجُوزُ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ما كانا مُشْتَمِلَيْنِ عَلى هَذِهِ التَّفاصِيلِ التّامَّةِ الكامِلَةِ، لِأنَّ هَذا التَّفْصِيلَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ باقِيًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ حالَ ظُهُورِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ ما بَقِيَتْ هَذِهِ التَّفاصِيلُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في وقْتِ ظُهُورِهِ لِأجْلِ أنَّ التَّحْرِيفَ قَدْ تَطَرَّقَ إلَيْهِما قَبْلَ ذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ إخْفاءَ مِثْلِ هَذِهِ التَّفاصِيلِ التّامَّةِ في كِتابٍ وصَلَ إلى أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ مُمْتَنِعٌ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَكُنْ يَهُودُ ذَلِكَ الزَّمانِ ونَصارى ذَلِكَ الزَّمانِ عالِمِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمَهم بِبُنُوَّةِ أبْنائِهِمْ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ هَذا الكَلامُ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنْ يُقالَ المُرادُ بِـ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى، وهم كانُوا أهْلًا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وكانُوا قَدْ شاهَدُوا ظُهُورَ المُعْجِزاتِ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَعَرَفُوا بِواسِطَةِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِن تَشْبِيهِ إحْدى المَعْرِفَتَيْنِ بِالمَعْرِفَةِ الثّانِيَةِ هَذا القَدْرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلَّذِينِ الأُولى، فَيَكُونُ عامِلُهُما واحِدًا ويَكُونُ المَقْصُودُ وعِيدَ المُعانِدِينَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ ويَجْحَدُونَ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمُ ابْتِداءٌ، وقَوْلَهُ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ خَبَرُهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم بِمَعْنى الهَلاكِ الدّائِمِ الَّذِي حَصَلَ لَهم بِسَبَبِ الكُفْرِ.
والثّانِي: جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ لَيْسَ مِن كافِرٍ ولا مُؤْمِنٍ إلّا ولَهُ مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ فَمَن كَفَرَ صارَتْ مَنزِلَتُهُ إلى مَن أسْلَمَ فَيَكُونُ قَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ بِأنْ ورِثَ مَنزِلَتَهُ غَيْرُهُ
الأنعام 6:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ بِالخُسْرانِ في الآيَةِ الأُولى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبَبَ ذَلِكَ الخُسْرانِ، وهو أمْرانِ:
أحَدُهُما أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا وهَذا الِافْتِراءُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ كُفّارَ
صفحة ١٥٠
مَكَّةَ كانُوا يَقُولُونَ: هَذِهِ الأصْنامُ شُرَكاءُ اللَّهِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهم بِعِبادَتِها والتَّقَرُّبِ إلَيْها، وكانُوا أيْضًا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ ثُمَّ نَسَبُوا إلى اللَّهِ تَحْرِيمَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ.
وثانِيها: أنِ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ حَصَلَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّ هاتَيْنِ الشَّرِيعَتَيْنِ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِما النَّسْخُ والتَّغْيِيرُ، وأنَّهُما لا يَجِيءُ بَعْدَهُما نَبِيٌّ.
وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] .
ورابِعُها: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وكانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] .
وخامِسُها: أنَّ بَعْضَ الجُهّالِ مِنهم كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، وأمْثالُ هَذِهِ الأباطِيلِ الَّتِي كانُوا يَنْسُبُونَها إلى اللَّهِ كَثِيرَةٌ، وكُلُّها افْتِراءٌ مِنهم عَلى اللَّهِ.
والنَّوْعُ الثّانِي: مِن أسْبابِ خُسْرانِهِمْ تَكْذِيبُهم بِآياتِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنهُ قَدْحُهم في مُعْجِزاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وطَعْنُهم فِيها وإنْكارُهم كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزَةً قاهِرَةً بَيِّنَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ لا يَظْفَرُونَ بِمَطالِبِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ بَلْ يَبْقَوْنَ في الحِرْمانِ والخِذْلانِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ فَفي ناصِبِ قَوْلِهِ: (ويَوْمَ) أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَتُرِكَ لِيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ.
والثّانِي: التَّقْدِيرُ اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ أبَدًا ويَوْمَ نَحْشُرُهم.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّبْكِيتُ لا السُّؤالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أيْنَ نَفْسُ الشُّرَكاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أيْنَ شَفاعَتُهم لَكم وانْتِفاعُكم بِهِمْ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: لا يَكُونُ الكَلامُ إلّا تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَقْرِيرًا في نُفُوسِهِمْ أنَّ الَّذِي كانُوا يَظُنُّونَهُ مَأْيُوسٌ عَنْهُ، وصارَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهم في دارِ الدُّنْيا عَلى فَسادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاءُ، فَحَذَفَ مَفْعُولَ الزَّعْمِ لِدَلالَةِ السُّؤالِ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكُلُّ زَعْمٍ في كِتابِ اللَّهِ كَذِبٌ.
الأنعام 6:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ بِالخُسْرانِ في الآيَةِ الأُولى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبَبَ ذَلِكَ الخُسْرانِ، وهو أمْرانِ:
أحَدُهُما أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا وهَذا الِافْتِراءُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ كُفّارَ
صفحة ١٥٠
مَكَّةَ كانُوا يَقُولُونَ: هَذِهِ الأصْنامُ شُرَكاءُ اللَّهِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهم بِعِبادَتِها والتَّقَرُّبِ إلَيْها، وكانُوا أيْضًا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ ثُمَّ نَسَبُوا إلى اللَّهِ تَحْرِيمَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ.
وثانِيها: أنِ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ حَصَلَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّ هاتَيْنِ الشَّرِيعَتَيْنِ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِما النَّسْخُ والتَّغْيِيرُ، وأنَّهُما لا يَجِيءُ بَعْدَهُما نَبِيٌّ.
وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] .
ورابِعُها: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وكانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] .
وخامِسُها: أنَّ بَعْضَ الجُهّالِ مِنهم كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، وأمْثالُ هَذِهِ الأباطِيلِ الَّتِي كانُوا يَنْسُبُونَها إلى اللَّهِ كَثِيرَةٌ، وكُلُّها افْتِراءٌ مِنهم عَلى اللَّهِ.
والنَّوْعُ الثّانِي: مِن أسْبابِ خُسْرانِهِمْ تَكْذِيبُهم بِآياتِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنهُ قَدْحُهم في مُعْجِزاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وطَعْنُهم فِيها وإنْكارُهم كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزَةً قاهِرَةً بَيِّنَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ لا يَظْفَرُونَ بِمَطالِبِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ بَلْ يَبْقَوْنَ في الحِرْمانِ والخِذْلانِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ فَفي ناصِبِ قَوْلِهِ: (ويَوْمَ) أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَتُرِكَ لِيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ.
والثّانِي: التَّقْدِيرُ اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ أبَدًا ويَوْمَ نَحْشُرُهم.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّبْكِيتُ لا السُّؤالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أيْنَ نَفْسُ الشُّرَكاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أيْنَ شَفاعَتُهم لَكم وانْتِفاعُكم بِهِمْ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: لا يَكُونُ الكَلامُ إلّا تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَقْرِيرًا في نُفُوسِهِمْ أنَّ الَّذِي كانُوا يَظُنُّونَهُ مَأْيُوسٌ عَنْهُ، وصارَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهم في دارِ الدُّنْيا عَلى فَسادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاءُ، فَحَذَفَ مَفْعُولَ الزَّعْمِ لِدَلالَةِ السُّؤالِ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكُلُّ زَعْمٍ في كِتابِ اللَّهِ كَذِبٌ.
الأنعام 6:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾“ بِالتّاءِ المُنْقَطَةِ مِن فَوْقُ، وفِتْنَتُهم بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”ثُمَّ لَمْ يَكُنْ“ بِالياءِ وفِتْنَتَهم بِالنَّصْبِ، وأمّا القِراءَةُ بِالتّاءِ المُنْقَطَةِ مِن فَوْقُ ونَصْبِ الفِتْنَةِ، فَهَهُنا قَوْلُهُ أنْ قالُوا: في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ تَكُنْ، وإنَّما أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ مَن كانَتْ أُمُّكَ
صفحة ١٥١
أوْ لِأنَّ ما قالُوا فِتْنَةٌ في المَعْنى، ويَجُوزُ تَأْوِيلُ إلّا أنْ قالُوا لا مَقالَتُهم. وأمّا القِراءَةُ بِالياءِ المُنْقَطَةِ مِن تَحْتُ، ونَصْبِ فِتْنَتَهم، فَهَهُنا قَوْلُهُ: (أنْ قالُوا) في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ يَكُنْ، وفِتْنَتَهم هو الخَبَرُ. قالَ الواحِدِيُّ: الِاخْتِيارُ قِراءَةُ مَن جَعَلَ أنْ قالُوا الِاسْمَ دُونَ الخَبَرِ؛ لِأنَّ أنْ إذا وُصِلَتْ بِالفِعْلِ لَمْ تُوصَفْ فَأشْبَهَتْ بِامْتِناعِ وصْفِها المُضْمَرَ، فَكَما أنَّ المُظْهَرَ والمُضْمَرَ إذا اجْتَمَعا كانَ جَعْلُ المُضْمَرِ اسْمًا أوْلى مِن جَعْلِهِ خَبَرًا، فَكَذا هَهُنا تَقُولُ كُنْتُ القائِمَ، فَجَعَلْتَ المُضْمَرَ اسْمًا والمُظْهَرَ خَبَرًا فَكَذا هَهُنا، ونَقُولُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: واللَّهِ رَبَّنا بِنَصْبِ قَوْلِهِ رَبَّنا لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِإضْمارٍ أعْنِي وأذْكُرُ.
والثّانِي: عَلى النِّداءِ، أيْ واللَّهِ يا رَبَّنا، والباقُونَ بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ حَسَنٌ في اللُّغَةِ لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ مَعانِيَ الكَلامِ وتَصَرُّفَ العَرَبِ في ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ المُشْرِكِينَ مَفْتُونِينَ بِشِرْكِهِمْ مُتَهالِكِينَ عَلى حُبِّهِ، فَأعْلَمَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ افْتِتانُهم بِشِرْكِهِمْ وإقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، إلّا أنْ تَبَرَّأُوا مِنهُ وتَباعَدُوا عَنْهُ، فَحَلَفُوا أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ: ومِثالُهُ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ عارِيًا مَذْمُومَ الطَّرِيقَةِ فَإذا وقَعَ في مِحْنَةٍ بِسَبَبِهِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَيُقالُ لَهُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ، إلّا أنِ انْتَفَيْتَ مِنهُ، فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ هَهُنا افْتِتانُهم بِالأوْثانِ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِما رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْناهُ شِرْكُهم في الدُّنْيا، وهَذا القَوْلُ راجِعٌ إلى حَذْفِ المُضافِ؛ لِأنَّ المَعْنى ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ فِتْنَتِهِمْ إلّا البَراءَةَ، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ، إلّا أنْ فَرَرْتَ مِنهُ وتَرَكْتَهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي: أنَّهم حَلَفُوا في القِيامَةِ عَلى أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ، وهَذا يَقْتَضِي إقْدامَهم عَلى الكَذِبِ يَوْمَ القِيامَةِ، ولِلنّاسِ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، والقاضِي: أنَّ أهْلَ القِيامَةِ لا يَجُوزُ إقْدامُهم عَلى الكَذِبِ واحْتَجّا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعالى بِالِاضْطِرارِ، إذْ لَوْ عَرَفُوهُ بِالِاسْتِدْلالِ لَصارَ مَوْقِفُ القِيامَةِ دارَ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وإذا كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرارِ وجَبَ أنْ يَكُونُوا مُلْجَئِينَ إلى أنْ لا يَفْعَلُوا القَبِيحَ بِمَعْنى أنَّهم لَوْ رامُوا فِعْلَ القَبِيحِ لَمَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنهُ؛ لَأنَّ مَعَ زَوالِ التَّكْلِيفِ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا المَعْنى لَكانَ ذَلِكَ إطْلاقَهم في فِعْلِ القَبِيحِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، فَثَبَتَ أنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ اللَّهَ بِالِاضْطِرارِ، وثَبَتَ أنَّهُ مَتى كانَ كَذَلِكَ كانُوا مُلْجَئِينَ إلى تَرْكِ القَبِيحِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُقْدِمُ أحَدٌ مِن أهْلِ القِيامَةِ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ مِنهم فِعْلُ القَبِيحِ، إذا كانُوا عُقَلاءَ، إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وقَعَ مِنهم هَذا الكَذِبُ لِأنَّهم لَمّا عايَنُوا أهْوالَ القِيامَةِ اضْطَرَبَتْ عُقُولُهم، فَقالُوا هَذا القَوْلَ الكَذِبَ عِنْدَ اخْتِلالِ عُقُولِهِمْ ؟ أوْ يُقالُ: إنَّهم نَسُوا كَوْنَهم مُشْرِكِينَ في الدُّنْيا.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يَحْشُرَهم: ويُورِدَ عَلَيْهِمُ التَّوْبِيخَ بِقَوْلِهِ: (أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ) ثُمَّ يَحْكِي عَنْهم ما يَجْرِي مَجْرى الِاعْتِذارِ مَعَ أنَّهم غَيْرُ عُقَلاءٍ، لِأنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وأيْضًا فالمُكَلَّفُونَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا عُقَلاءَ يَوْمَ القِيامَةِ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم بِما يُعامِلُهُمُ اللَّهُ بِهِ غَيْرُ مَظْلُومِينَ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ النِّسْيانَ لِما كانُوا عَلَيْهِ في دارِ الدُّنْيا مَعَ كَمالِ العَقْلِ بَعِيدٌ لِأنَّ العاقِلَ لا
صفحة ١٥٢
يَجُوزُ أنْ يَنْسى مِثْلَ هَذِهِ الأحْوالِ، وإنْ بَعُدَ العَهْدُ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يَنْسى اليَسِيرَ مِنَ الأُمُورِ ولَوْلا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يَكُونَ العاقِلُ قَدْ مارَسَ الوِلاياتِ العَظِيمَةَ دَهْرًا طَوِيلًا، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَسِيَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ السَّفْسَطَةَ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ الكَذِبِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ أوْ كانُوا عُقَلاءَ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ فَهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَحْكِيَ كَلامَ المَجانِينِ في مَعْرِضِ تَمْهِيدِ العُذْرِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهم كانُوا عُقَلاءَ فَهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِأحْوالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلى أفْعالِهِمْ ويَعْلَمُونَ أنَّ تَجْوِيزَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وأنَّهم لا يَسْتَفِيدُونَ بِذَلِكَ الكَذِبِ إلّا زِيادَةَ المَقْتِ والغَضَبِ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ إقْدامُهم في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ عَلى الكَذِبِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم لَوْ كَذَبُوا في مَوْقِفِ القِيامَةِ ثُمَّ حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ الكَذِبِ لَكانُوا قَدْ أقْدَمُوا عَلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ القُبْحِ والذَّنْبِ وذَلِكَ يُوجِبُ العِقابَ، فَتَصِيرُ الدّارُ الآخِرَةُ دارَ التَّكْلِيفِ، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وأمّا إنْ قِيلَ: إنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ عَلى ذَلِكَ الكَذِبِ، وعَلى ذَلِكَ الحَلِفِ الكاذِبِ عِقابًا وذَمًّا، فَهَذا يَقْتَضِي حُصُولَ الإذْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى في ارْتِكابِ القَبائِحِ والذُّنُوبِ، وأنَّهُ باطِلٌ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إقْدامُ أهْلِ القِيامَةِ عَلى القَبِيحِ والكَذِبِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا: فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ أيْ ما كُنّا مُشْرِكِينَ في اعْتِقادِنا وظُنُونِنا، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا مُوَحِّدِينَ مُتَباعِدِينَ مِنَ الشِّرْكِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَكُونُونَ صادِقِينَ فِيما أخْبَرُوا عَنْهُ لِأنَّهم أخْبَرُوا بِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، فَلِماذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ ولَنا أنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أنَّهم كَذَبُوا فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ حَتّى يَلْزَمَنا هَذا السُّؤالُ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في دارِ الدُّنْيا في أُمُورٍ كانُوا يُخْبِرُونَ عَنْها كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم عَلى صَوابٍ وإنَّ ما هم عَلَيْهِ لَيْسَ بِشِرْكٍ، والكَذِبُ يَصِحُّ عَلَيْهِمْ في دارِ الدُّنْيا، وإنَّما يُنْفى ذَلِكَ عَنْهم في الآخِرَةِ، والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ اخْتِلافُ الحالَيْنِ، وأنَّهم في دارِ الدُّنْيا كانُوا يَكْذِبُونَ ولا يَحْتَرِزُونَ عَنْهُ وأنَّهم في الآخِرَةِ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الكَذِبِ ولَكِنْ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الصِّدْقُ، فَلِتَعَلُّقِ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى لِلرَّسُولِ ذَلِكَ وبَيَّنَ أنَّ القَوْمَ لِأجْلِ شِرْكِهِمْ كَيْفَ يَكُونُ حالُهم في الآخِرَةِ عِنْدَ الِاعْتِذارِ مَعَ أنَّهم كانُوا في دارِ الدُّنْيا يَكْذِبُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ويَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى صَوابٍ. هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي في تَقْرِيرِ القَوْلِ الَّذِي اخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّ الكُفّارَ يَكْذِبُونَ في هَذا القَوْلِ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ يَكْذِبُونَ في القِيامَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ [المجادلة: ١٤] فَشَبَّهَ كَذِبَهم في الآخِرَةِ بِكَذِبِهِمْ في الدُّنْيا.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣] وكُلُّ
صفحة ١٥٣
ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إقْدامِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلى الكَذِبِ.
والرّابِعُ: قَوْلُهُ حِكايَةً عَنْهم: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ تَعالى لا يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِالخَلاصِ.
والخامِسُ: أنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ. وحَمْلُ هَذا عَلى أنَّ المُرادَ ما كُنّا مُشْرِكِينَ في ظُنُونِنا وعَقائِدِنا مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ. ثُمَّ حَمْلُ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ عَلى أنَّهم كَذَبُوا في الدُّنْيا يُوجِبُ فَكَّ نَظْمِ الآيَةِ، وصَرْفَ أوَّلِ الآيَةِ إلى أحْوالِ القِيامَةِ وصَرْفَ آخِرِها إلى أحْوالِ الدُّنْيا وهو في غايَةِ البُعْدِ.
أمّا قَوْلُهُ: إمّا أنْ يَكُونُوا قَدْ كَذَبُوا حالَ كَمالِ العَقْلِ أوْ حالَ نُقْصانِ العَقْلِ فَنَقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّهم حالَ ما عايَنُوا أهْوالَ القِيامَةِ، وشاهَدُوا مُوجِباتِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ اخْتَلَّتْ عُقُولُهم فَذَكَرُوا هَذا الكَلامَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَوْلُهُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَحْكِيَ ما ذَكَرُوهُ في حالِ اضْطِرابِ العُقُولِ، فَهَذا يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا، ولا مَقْصُودَ مِن تَنْزِيلِ هَذِهِ الآياتِ إلّا ذَلِكَ.
وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا المُكَلَّفُونَ لا بُدَّ أنْ يَكُونُوا عُقَلاءَ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَقُولُ: اخْتِلالُ عُقُولِهِمْ ساعَةً واحِدَةً حالَ ما يَتَكَلَّمُونَ بِهَذا الكَلامِ لا يَمْنَعُ مِن كَمالِ عُقُولِهِمْ في سائِرِ الأوْقاتِ. فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ فالمُرادُ إنْكارُهم كَوْنَهم مُشْرِكِينَ، وقَوْلُهُ: (وضَلَّ عَنْهم) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: (كَذَبُوا) تَقْدِيرُهُ: وكَيْفَ ضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ بِعِبادَتِهِ مِنَ الأصْنامِ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ شَفاعَتَها ونُصْرَتَها لَهم.
الأنعام 6:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾“ بِالتّاءِ المُنْقَطَةِ مِن فَوْقُ، وفِتْنَتُهم بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”ثُمَّ لَمْ يَكُنْ“ بِالياءِ وفِتْنَتَهم بِالنَّصْبِ، وأمّا القِراءَةُ بِالتّاءِ المُنْقَطَةِ مِن فَوْقُ ونَصْبِ الفِتْنَةِ، فَهَهُنا قَوْلُهُ أنْ قالُوا: في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ تَكُنْ، وإنَّما أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ مَن كانَتْ أُمُّكَ
صفحة ١٥١
أوْ لِأنَّ ما قالُوا فِتْنَةٌ في المَعْنى، ويَجُوزُ تَأْوِيلُ إلّا أنْ قالُوا لا مَقالَتُهم. وأمّا القِراءَةُ بِالياءِ المُنْقَطَةِ مِن تَحْتُ، ونَصْبِ فِتْنَتَهم، فَهَهُنا قَوْلُهُ: (أنْ قالُوا) في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ يَكُنْ، وفِتْنَتَهم هو الخَبَرُ. قالَ الواحِدِيُّ: الِاخْتِيارُ قِراءَةُ مَن جَعَلَ أنْ قالُوا الِاسْمَ دُونَ الخَبَرِ؛ لِأنَّ أنْ إذا وُصِلَتْ بِالفِعْلِ لَمْ تُوصَفْ فَأشْبَهَتْ بِامْتِناعِ وصْفِها المُضْمَرَ، فَكَما أنَّ المُظْهَرَ والمُضْمَرَ إذا اجْتَمَعا كانَ جَعْلُ المُضْمَرِ اسْمًا أوْلى مِن جَعْلِهِ خَبَرًا، فَكَذا هَهُنا تَقُولُ كُنْتُ القائِمَ، فَجَعَلْتَ المُضْمَرَ اسْمًا والمُظْهَرَ خَبَرًا فَكَذا هَهُنا، ونَقُولُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: واللَّهِ رَبَّنا بِنَصْبِ قَوْلِهِ رَبَّنا لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِإضْمارٍ أعْنِي وأذْكُرُ.
والثّانِي: عَلى النِّداءِ، أيْ واللَّهِ يا رَبَّنا، والباقُونَ بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ حَسَنٌ في اللُّغَةِ لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ مَعانِيَ الكَلامِ وتَصَرُّفَ العَرَبِ في ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ المُشْرِكِينَ مَفْتُونِينَ بِشِرْكِهِمْ مُتَهالِكِينَ عَلى حُبِّهِ، فَأعْلَمَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ افْتِتانُهم بِشِرْكِهِمْ وإقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، إلّا أنْ تَبَرَّأُوا مِنهُ وتَباعَدُوا عَنْهُ، فَحَلَفُوا أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ: ومِثالُهُ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ عارِيًا مَذْمُومَ الطَّرِيقَةِ فَإذا وقَعَ في مِحْنَةٍ بِسَبَبِهِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَيُقالُ لَهُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ، إلّا أنِ انْتَفَيْتَ مِنهُ، فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ هَهُنا افْتِتانُهم بِالأوْثانِ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِما رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْناهُ شِرْكُهم في الدُّنْيا، وهَذا القَوْلُ راجِعٌ إلى حَذْفِ المُضافِ؛ لِأنَّ المَعْنى ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ فِتْنَتِهِمْ إلّا البَراءَةَ، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ، إلّا أنْ فَرَرْتَ مِنهُ وتَرَكْتَهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي: أنَّهم حَلَفُوا في القِيامَةِ عَلى أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ، وهَذا يَقْتَضِي إقْدامَهم عَلى الكَذِبِ يَوْمَ القِيامَةِ، ولِلنّاسِ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، والقاضِي: أنَّ أهْلَ القِيامَةِ لا يَجُوزُ إقْدامُهم عَلى الكَذِبِ واحْتَجّا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعالى بِالِاضْطِرارِ، إذْ لَوْ عَرَفُوهُ بِالِاسْتِدْلالِ لَصارَ مَوْقِفُ القِيامَةِ دارَ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وإذا كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرارِ وجَبَ أنْ يَكُونُوا مُلْجَئِينَ إلى أنْ لا يَفْعَلُوا القَبِيحَ بِمَعْنى أنَّهم لَوْ رامُوا فِعْلَ القَبِيحِ لَمَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنهُ؛ لَأنَّ مَعَ زَوالِ التَّكْلِيفِ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا المَعْنى لَكانَ ذَلِكَ إطْلاقَهم في فِعْلِ القَبِيحِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، فَثَبَتَ أنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ اللَّهَ بِالِاضْطِرارِ، وثَبَتَ أنَّهُ مَتى كانَ كَذَلِكَ كانُوا مُلْجَئِينَ إلى تَرْكِ القَبِيحِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُقْدِمُ أحَدٌ مِن أهْلِ القِيامَةِ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ مِنهم فِعْلُ القَبِيحِ، إذا كانُوا عُقَلاءَ، إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وقَعَ مِنهم هَذا الكَذِبُ لِأنَّهم لَمّا عايَنُوا أهْوالَ القِيامَةِ اضْطَرَبَتْ عُقُولُهم، فَقالُوا هَذا القَوْلَ الكَذِبَ عِنْدَ اخْتِلالِ عُقُولِهِمْ ؟ أوْ يُقالُ: إنَّهم نَسُوا كَوْنَهم مُشْرِكِينَ في الدُّنْيا.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يَحْشُرَهم: ويُورِدَ عَلَيْهِمُ التَّوْبِيخَ بِقَوْلِهِ: (أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ) ثُمَّ يَحْكِي عَنْهم ما يَجْرِي مَجْرى الِاعْتِذارِ مَعَ أنَّهم غَيْرُ عُقَلاءٍ، لِأنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وأيْضًا فالمُكَلَّفُونَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا عُقَلاءَ يَوْمَ القِيامَةِ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم بِما يُعامِلُهُمُ اللَّهُ بِهِ غَيْرُ مَظْلُومِينَ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ النِّسْيانَ لِما كانُوا عَلَيْهِ في دارِ الدُّنْيا مَعَ كَمالِ العَقْلِ بَعِيدٌ لِأنَّ العاقِلَ لا
صفحة ١٥٢
يَجُوزُ أنْ يَنْسى مِثْلَ هَذِهِ الأحْوالِ، وإنْ بَعُدَ العَهْدُ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يَنْسى اليَسِيرَ مِنَ الأُمُورِ ولَوْلا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يَكُونَ العاقِلُ قَدْ مارَسَ الوِلاياتِ العَظِيمَةَ دَهْرًا طَوِيلًا، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَسِيَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ السَّفْسَطَةَ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ الكَذِبِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ أوْ كانُوا عُقَلاءَ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ فَهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَحْكِيَ كَلامَ المَجانِينِ في مَعْرِضِ تَمْهِيدِ العُذْرِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهم كانُوا عُقَلاءَ فَهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِأحْوالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلى أفْعالِهِمْ ويَعْلَمُونَ أنَّ تَجْوِيزَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وأنَّهم لا يَسْتَفِيدُونَ بِذَلِكَ الكَذِبِ إلّا زِيادَةَ المَقْتِ والغَضَبِ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ إقْدامُهم في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ عَلى الكَذِبِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم لَوْ كَذَبُوا في مَوْقِفِ القِيامَةِ ثُمَّ حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ الكَذِبِ لَكانُوا قَدْ أقْدَمُوا عَلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ القُبْحِ والذَّنْبِ وذَلِكَ يُوجِبُ العِقابَ، فَتَصِيرُ الدّارُ الآخِرَةُ دارَ التَّكْلِيفِ، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وأمّا إنْ قِيلَ: إنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ عَلى ذَلِكَ الكَذِبِ، وعَلى ذَلِكَ الحَلِفِ الكاذِبِ عِقابًا وذَمًّا، فَهَذا يَقْتَضِي حُصُولَ الإذْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى في ارْتِكابِ القَبائِحِ والذُّنُوبِ، وأنَّهُ باطِلٌ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إقْدامُ أهْلِ القِيامَةِ عَلى القَبِيحِ والكَذِبِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا: فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ أيْ ما كُنّا مُشْرِكِينَ في اعْتِقادِنا وظُنُونِنا، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا مُوَحِّدِينَ مُتَباعِدِينَ مِنَ الشِّرْكِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَكُونُونَ صادِقِينَ فِيما أخْبَرُوا عَنْهُ لِأنَّهم أخْبَرُوا بِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، فَلِماذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ ولَنا أنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أنَّهم كَذَبُوا فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ حَتّى يَلْزَمَنا هَذا السُّؤالُ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في دارِ الدُّنْيا في أُمُورٍ كانُوا يُخْبِرُونَ عَنْها كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم عَلى صَوابٍ وإنَّ ما هم عَلَيْهِ لَيْسَ بِشِرْكٍ، والكَذِبُ يَصِحُّ عَلَيْهِمْ في دارِ الدُّنْيا، وإنَّما يُنْفى ذَلِكَ عَنْهم في الآخِرَةِ، والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ اخْتِلافُ الحالَيْنِ، وأنَّهم في دارِ الدُّنْيا كانُوا يَكْذِبُونَ ولا يَحْتَرِزُونَ عَنْهُ وأنَّهم في الآخِرَةِ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الكَذِبِ ولَكِنْ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الصِّدْقُ، فَلِتَعَلُّقِ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى لِلرَّسُولِ ذَلِكَ وبَيَّنَ أنَّ القَوْمَ لِأجْلِ شِرْكِهِمْ كَيْفَ يَكُونُ حالُهم في الآخِرَةِ عِنْدَ الِاعْتِذارِ مَعَ أنَّهم كانُوا في دارِ الدُّنْيا يَكْذِبُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ويَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى صَوابٍ. هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي في تَقْرِيرِ القَوْلِ الَّذِي اخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّ الكُفّارَ يَكْذِبُونَ في هَذا القَوْلِ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ يَكْذِبُونَ في القِيامَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ [المجادلة: ١٤] فَشَبَّهَ كَذِبَهم في الآخِرَةِ بِكَذِبِهِمْ في الدُّنْيا.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣] وكُلُّ
صفحة ١٥٣
ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إقْدامِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلى الكَذِبِ.
والرّابِعُ: قَوْلُهُ حِكايَةً عَنْهم: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ تَعالى لا يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِالخَلاصِ.
والخامِسُ: أنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ. وحَمْلُ هَذا عَلى أنَّ المُرادَ ما كُنّا مُشْرِكِينَ في ظُنُونِنا وعَقائِدِنا مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ. ثُمَّ حَمْلُ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ عَلى أنَّهم كَذَبُوا في الدُّنْيا يُوجِبُ فَكَّ نَظْمِ الآيَةِ، وصَرْفَ أوَّلِ الآيَةِ إلى أحْوالِ القِيامَةِ وصَرْفَ آخِرِها إلى أحْوالِ الدُّنْيا وهو في غايَةِ البُعْدِ.
أمّا قَوْلُهُ: إمّا أنْ يَكُونُوا قَدْ كَذَبُوا حالَ كَمالِ العَقْلِ أوْ حالَ نُقْصانِ العَقْلِ فَنَقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّهم حالَ ما عايَنُوا أهْوالَ القِيامَةِ، وشاهَدُوا مُوجِباتِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ اخْتَلَّتْ عُقُولُهم فَذَكَرُوا هَذا الكَلامَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَوْلُهُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَحْكِيَ ما ذَكَرُوهُ في حالِ اضْطِرابِ العُقُولِ، فَهَذا يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا، ولا مَقْصُودَ مِن تَنْزِيلِ هَذِهِ الآياتِ إلّا ذَلِكَ.
وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا المُكَلَّفُونَ لا بُدَّ أنْ يَكُونُوا عُقَلاءَ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَقُولُ: اخْتِلالُ عُقُولِهِمْ ساعَةً واحِدَةً حالَ ما يَتَكَلَّمُونَ بِهَذا الكَلامِ لا يَمْنَعُ مِن كَمالِ عُقُولِهِمْ في سائِرِ الأوْقاتِ. فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ فالمُرادُ إنْكارُهم كَوْنَهم مُشْرِكِينَ، وقَوْلُهُ: (وضَلَّ عَنْهم) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: (كَذَبُوا) تَقْدِيرُهُ: وكَيْفَ ضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ بِعِبادَتِهِ مِنَ الأصْنامِ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ شَفاعَتَها ونُصْرَتَها لَهم.
الأنعام 6:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ الكُفّارِ في الآخِرَةِ أتْبَعَهُ بِما يُوجِبُ اليَأْسَ عَنْ إيمانِ بَعْضِهِمْ فَقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَضَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أبُو سُفْيانَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأُمَيَّةُ وأُبَيٌّ ابْنا خَلَفٍ والحارِثُ بْنُ عامِرٍ وأبُو جَهِلٍ واسْتَمَعُوا إلى حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ، فَقالُوا لِلنَّضْرِ: ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي ما يَقُولُ لَكِنِّي أراهُ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ويَتَكَلَّمُ بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ كالَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكم بِهِ عَنْ أخْبارِ القُرُونِ الأُولى. وقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأرى بَعْضَ ما يَقُولُ حَقًّا. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: كَلّا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو ما وقى شَيْئًا وسَتَرَهُ، مِثْلُ عِنانٍ وأعِنَّةٍ، والفِعْلُ مِنهُ كَنَنْتُ وأكْنَنْتُ. وأمّا قَوْلُهُ: (أنْ يَفْقَهُوهُ) فَقالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والمَعْنى: وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً لِكَراهَةِ أنْ يَفْقَهُوهُ، فَلَمّا حُذِفَتِ ”اللّامُ“ نُصِبَتِ الكَراهَةُ، ولَمّا حُذِفَتِ الكَراهَةُ انْتَقَلَ نَصْبُها إلى ”أنْ“ وقَوْلُهُ: ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ
صفحة ١٥٤
ابْنُ السِّكِّيتِ: الوَقْرُ الثِّقَلُ في الأُذُنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَصْرِفُ عَنِ الإيمانِ، ويَمْنَعُ مِنهُ ويَحُولُ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَعَلَ القَلْبَ في الكِنانِ الَّذِي يَمْنَعُهُ عَنِ الإيمانِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يُمْكِنُ إجْراءُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَكُونَ حُجَّةً لِلرَّسُولِ عَلى الكُفّارِ لا لِيَكُونَ حُجَّةً لِلْكُفّارِ عَلى الرَّسُولِ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى مَنَعَ الكُفّارَ عَنِ الإيمانِ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا لِلرَّسُولِ لَمّا حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مَنَعَنا مِنَ الإيمانِ فَلِمَ يَذُمُّنا عَلى تَرْكِ الإيمانِ، ولِمَ يَدْعُونا إلى فِعْلِ الإيمانِ ؟
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ ثُمَّ دَعاهم إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا لِلْعاجِزِ وهو مَنفِيٌّ بِصَرِيحِ العَقْلِ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكى صَرِيحَ هَذا الكَلامِ عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] وإذا كانَ قَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى هَذا المَذْهَبَ عَنْهم في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُمُ امْتَنَعَ أنْ يَذْكُرَهُ هَهُنا في مَعْرِضِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا لَزِمَ التَّناقُضُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَفْهَمُونَ ويَسْمَعُونَ ويَعْقِلُونَ.
والخامِسُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ ولَوْ كانَ هَذا الصَّدُّ والمَنعُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لَما كانُوا مَذْمُومِينَ بَلْ كانُوا مَعْذُورِينَ.
والسّادِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَفْقَهُونَ ويُمَيِّزُونَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، وعِنْدَ هَذا قالُوا لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ القَوْمَ كانُوا يَسْتَمِعُونَ لِقِراءَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِيَتَوَسَّلُوا بِسَماعِ قِراءَتِهِ إلى مَعْرِفَةِ مَكانِهِ بِاللَّيْلِ فَيَقْصِدُوا قَتْلَهُ وإيذاءَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُلْقِي عَلى قُلُوبِهِمُ النَّوْمَ وهو المُرادُ مِنَ الأكِنَّةِ، ويَثْقُلُ أسْماعُهم عَنِ اسْتِماعِ تِلْكَ القِراءَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّوْمِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ وأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ فَإنَّهُ تَعالى يَسِمُ قَلْبَهُ بِعَلامَةٍ مَخْصُوصَةٍ يَسْتَدِلُّ المَلائِكَةُ بِرُؤْيَتِها عَلى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَصارَتْ تِلْكَ العَلامَةُ دَلالَةً عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يَبْعُدُ تَسْمِيَةُ تِلْكَ العَلامَةِ بِالكِنانِ والغِطاءِ المانِعِ، مَعَ أنَّ تِلْكَ العَلامَةَ في نَفْسِها لَيْسَتْ مانِعَةً عَنِ الإيمانِ.
والتَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ وعانَدُوا وصَمَّمُوا عَلَيْهِ، فَصارَ عُدُولُهم عَنِ الإيمانِ والحالَةُ هَذِهِ كالكِنانِ المانِعِ عَنِ الإيمانِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الكِنانَ كِنايَةً عَنْ هَذا المَعْنى.
والتَّأْوِيلُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَهُمُ الألْطافَ الَّتِي إنَّما تَصْلُحُ أنْ تُفْعَلَ بِمَن قَدِ اهْتَدى فَأخْلاهم مِنها، وفَوَّضَ أمْرَهم إلى أنْفُسِهِمْ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُضِيفَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ .
والتَّأْوِيلُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ ورَدَ حِكايَةً لِما كانُوا يَذْكُرُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
والجَوابُ عَنِ الوُجُوهِ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في بَيانِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ الكِنانِ والوَقْرِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهم عَنِ الإيمانِ، وهو أنْ نَقُولَ: بَلِ البُرْهانُ العَقْلِيُّ السّاطِعُ قائِمٌ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ
صفحة ١٥٥
الَّذِي أتى بِالكُفْرِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الإتْيانِ بِالإيمانِ، فَقَدْ صَحَّ قَوْلُنا إنَّهُ تَعالى هو الَّذِي حَمَلَهُ عَلى الكُفْرِ وصَدَّهُ عَنِ الإيمانِ. وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ القادِرَ عَلى الكُفْرِ كانَ قادِرًا عَلى الإيمانِ فَنَقُولُ: يَمْتَنِعُ صَيْرُورَةُ تِلْكَ القُدْرَةِ مَصْدَرًا لِلْكُفْرِ دُونَ الإيمانِ، إلّا عِنْدَ انْضِمامِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ، وقَدْ عَرَفْتَ في هَذا الكِتابِ أنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي يُوجِبُ الفِعْلَ، فَيَكُونُ الكُفْرُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وتَكُونُ تِلْكَ الدّاعِيَةُ الجارَّةُ إلى الكُفْرِ كِنانًا لِلْقَلْبِ عَنِ الإيمانِ، ووَقْرًا لِلسَّمْعِ عَنِ اسْتِماعِ دَلائِلِ الإيمانِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ البُرْهانَ العَقْلِيَّ مُطابِقٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ.
وإذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ صِحَّةُ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ عَمَلًا بِالبُرْهانِ وبِظاهِرِ القُرْآنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ فَذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الإفْرادِ ثُمَّ قالَ: (عَلى قُلُوبِهِمْ) فَذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ صِيغَةَ ”مَن“ واحِدٌ في اللَّفْظِ جَمْعٌ في المَعْنى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وإنْ يَرَوْا كُلَّ دَلِيلٍ وحُجَّةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ التَّأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي نَقَلْناهُ عَنِ الجُبّائِيِّ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ إلْقاءَ النَّوْمِ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ لِئَلّا يُمْكِنُهُمُ التَّوَسُّلُ بِسَماعِ صَوْتِهِ عَلى وِجْدانِ مَكانِهِ لَما كانَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ لائِقًا بِهَذا الكَلامِ، وأيْضًا لَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ لَكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَسْمَعُوهُ، لِأنَّ المَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ إنَّما يَحْصُلُ بِالمَنعِ مِن سَماعِ صَوْتِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمّا المَنعُ مِن نَفْسِ كَلامِهِ ومِن فَهْمِ مَقْصُودِهِ، فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ فَظَهَرَ سُقُوطُ قَوْلِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ جُمْلَةٌ أُخْرى مُرَتَّبَةٌ عَلى ما قَبْلَها و”حَتّى“ في هَذا المَوْضِعِ هي الَّتِي يَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، والجُمْلَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ويُجادِلُونَكَ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: (يُجادِلُونَكَ) والمَعْنى أنَّهُ بَلَغَ بِتَكْذِيبِهِمُ الآياتِ إلى أنَّهم يُجادِلُونَكَ ويُناكِرُونَكَ، وفَسَّرَ مُجادَلَتَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ الأساطِيرِ مِنَ السَّطْرِ، وهو أنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مُمْتَدًّا مُؤَلَّفًا ومِنهُ سَطْرُ الكِتابِ وسَطْرٌ مِن شَجَرٍ مَغْرُوسٍ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ سَطْرٌ وسَطَرٌ، فَمَن قالَ: سَطْرٌ فَجَمْعُهُ في القَلِيلِ أسْطُرٌ والكَثِيرِ سُطُورٌ، ومَن قالَ: سَطَرٌ فَجَمْعُهُ أسْطارٌ، والأساطِيرُ جَمْعُ الجَمْعِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: واحِدُ الأساطِيرِ أُسْطُورٌ وأُسْطُورَةٌ وأسْطِيرٌ وأسْطِيرَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ الأساطِيرِ أُسْطُورَةٌ مِثْلَ أحادِيثَ وأُحْدُوثَةٍ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: الأساطِيرُ مِنَ الجَمْعِ الَّذِي لا واحِدَ لَهُ مِثْلَ عَبادِيدَ. ثُمَّ قالَ الجُمْهُورُ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ ما سَطَرَهُ الأوَّلُونَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ أحادِيثُ الأوَّلِينَ الَّتِي كانُوا يَسْطُرُونَها أيْ يَكْتُبُونَها. فَأمّا قَوْلُ مَن فَسَّرَ الأساطِيرَ بِالتُّرَّهاتِ، فَهو مَعْنًى ولَيْسَ مُفَسِّرًا. ولَمّا كانَتْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ مِثْلَ حَدِيثِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ كَلامًا لا فائِدَةَ فِيهِ لا جَرَمَ فُسِّرَتْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ بِالتُّرَّهاتِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ كانَ مَقْصُودُ القَوْمِ مِن ذِكْرِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ القَدْحَ في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الكَلامَ مِن جِنْسِ سائِرِ الحِكاياتِ المَكْتُوبَةِ، والقِصَصِ المَذْكُورَةِ
صفحة ١٥٦
لِلْأوَّلِينَ، وإذا كانَ هَذا مِن جِنْسِ تِلْكَ الكُتُبِ المُشْتَمِلَةِ عَلى حِكاياتِ الأوَّلِينَ وأقاصِيصِ الأقْدَمِينَ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا خارِقًا لِلْعادَةِ. وأجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا السُّؤالُ مَدْفُوعٌ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: لَوْ كانَ في مَقْدُورِكم مُعارَضَتُهُ لَوَجَبَ أنْ تَأْتُوا بِتِلْكَ المُعارَضَةِ، وحَيْثُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها ظَهَرَ أنَّها مُعْجِزَةٌ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كانَ لِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا نَحْنُ وإنْ كُنّا أرْبابَ هَذا اللِّسانِ العَرَبِيِّ إلّا أنّا لا نَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ تَصْنِيفِ الكُتُبِ وتَأْلِيفِها ولَسْنا أهْلًا لِذَلِكَ. ولا يَلْزَمُ مِن عَجْزِنا عَنِ التَّصْنِيفِ كَوْنُ القُرْآنِ مُعْجِزًا لِأنّا بَيَّنّا أنَّهُ مَن جِنْسِ سائِرِ الكُتُبِ المُشْتَمِلَةِ عَلى أخْبارِ الأوَّلِينَ وأقاصِيصِ الأقْدَمِينَ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ سَيَأْتِي في الآيَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.
الأنعام 6:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم طَعَنُوا في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا بِأنْ قالُوا: إنَّهُ مِن جِنْسِ أساطِيرِ الأوَّلِينَ وأقاصِيصِ الأقْدَمِينَ؛ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القُرْآنِ وذِكْرُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (عَنْهُ) مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى القُرْآنِ وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ والِاسْتِماعِ لَهُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ يَنْهَوْنَ عَنِ الرَّسُولِ.
واعْلَمْ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحالٌ بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ فَلا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِهِ والإقْرارِ بِرِسالَتِهِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى قُرَيْشًا عَنْ إيذاءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ يَتَباعَدُ عَنْهُ ولا يَتْبَعُهُ عَلى دِينِهِ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ جَمِيعَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي ذَمَّ طَرِيقَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى أمْرٍ مَذْمُومٍ، فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ أبا طالِبٍ كانَ يَنْهى عَنْ إيذائِهِ، لَما حَصَلَ هَذا النَّظْمُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي بِهِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ النَّهْيَ عَنْ أذِيَّتِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ لا يُوجِبُ الهَلاكَ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ لا إلى قَوْلِهِ: ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّهم يَبْعُدُونَ عَنْهُ بِمُفارَقَةِ دِينِهِ، وتَرْكِ المُوافَقَةِ لَهُ وذَلِكَ ذَمٌّ فَلا يَصِحُّ ما رَجَّحْتُمْ بِهِ هَذا القَوْلَ.
صفحة ١٥٧
قُلْنا: إنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: إنَّ فَلانًا يَبْعُدُ عَنِ الشَّيْءِ الفُلانِيِّ ويَنْفُرُ عَنْهُ ولا يَضُرُّ بِذَلِكَ إلّا نَفْسَهُ، فَلا يَكُونُ هَذا الضَّرَرُ مُتَعَلِّقًا بِأحَدِ الأمْرَيْنِ دُونَ الآخَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ كانُوا يُعامِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَوْعَيْنِ مِنَ القَبِيحِ:
الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنْ قَبُولِ دِينِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّتِهِ.
والثّانِي: كانُوا يَنْأوْنَ عَنْهُ، والنَّأْيُ البُعْدُ يُقالُ: نَأى يَنْأى إذا بَعُدَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ وما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم بِسَبَبِ تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ وغُلُوِّهِمْ فِيهِ وما يَشْعُرُونَ أنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم ويُذْهِبُونَها إلى النّارِ بِما يَرْتَكِبُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:27
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ مَن يَنْهى عَنْ مُتابَعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَنْأى عَنْ طاعَتِهِ بِأنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الهَلاكِ بِهَذِهِ الآيَةِ وفِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (ولَوْ تَرى) يَقْتَضِي لَهُ جَوابًا، وقَدْ حُذِفَ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لِلشَّأْنِ، وجازَ حَذْفُهُ لِعِلْمِ المُخاطَبِ بِهِ وأشْباهُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ. ولَوْ قَدَّرْتَ الجَوابَ، كانَ التَّقْدِيرُ: لَرَأيْتَ سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ أوْ لَرَأيْتَ سُوءَ حالِهِمْ وحَذْفُ الجَوابِ في هَذِهِ الأشْياءِ أبْلَغُ في المَعْنى مِن إظْهارِهِ، ألا تَرى: أنَّكَ لَوْ قُلْتَ لِغُلامِكَ، واللَّهِ لَئِنْ قُمْتُ إلَيْكَ ! وسَكَتَّ عَنِ الجَوابِ، ذَهَبَ بِفِكْرِهِ إلى أنْواعِ المَكْرُوهِ، مِنَ الضَّرْبِ، والقَتْلِ، والكَسْرِ، وعَظُمَ الخَوْفُ ولَمْ يَدْرِ أيَّ الأقْسامِ تَبْغِي. ولَوْ قُلْتَ: واللَّهِ لَئِنْ قُمْتُ إلَيْكَ لِأضْرِبَنَّكَ، فَأتَيْتَ بِالجَوابِ، لَعَلِمَ أنَّكَ لَمْ تَبْلُغْ شَيْئًا غَيْرَ الضَّرْبِ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ نَوْعٌ مِنَ المَكْرُوهِ سِواهُ، فَثَبَتَ أنَّ حَذْفَ الجَوابِ أقْوى تَأْثِيرًا في حُصُولِ الخَوْفِ. ومِنهم مَن قالَ: جَوابُ ”لَوْ“ مَذْكُورٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ يَنُوحُونَ ويَقُولُونَ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (وُقِفُوا) يُقالُ وقَفْتُهُ وقْفًا، ووَقَفْتُهُ وُقُوفًا كَما يُقالُ: رَجَعْتُهُ رُجُوعًا. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ وُقِفُوا عِنْدَها وهم يُعايِنُونَها فَهم مَوْقُوفُونَ عَلى أنْ يَدْخُلُوا النّارَ.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا وُقِفُوا عَلَيْها وهي تَحْتُهم، بِمَعْنى أنَّهم وُقِفُوا فَوْقَ النّارِ عَلى الصِّراطِ، وهو جِسْرٌ فَوْقَ جَهَنَّمَ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ عَرَفُوا حَقِيقَتَها تَعْرِيفًا مِن قَوْلِكَ وقَفْتُ فَلانًا عَلى كَلامِ فُلانٍ؛ أيْ عَلَّمْتُهُ مَعْناهُ وعَرَّفْتُهُ.
وفِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهم أنَّهم يَكُونُونَ في جَوْفِ النّارِ، وتَكُونُ
صفحة ١٥٨
النّارُ مُحِيطَةً بِهِمْ، ويَكُونُونَ غائِصِينَ فِيها وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أُقِيمَ ”عَلى“ مَقامَ ”في“ وإنَّما صَحَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، أنْ يُقالَ: وُقِفُوا عَلى النّارِ، لِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ وطَبَقاتٌ، وبَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَيَصِحُّ هُناكَ مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِماذا قالَ: ولَوْ تَرى ؟ وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِالِاسْتِقْبالِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: إذْ وُقِفُوا، وكَلِمَةُ ”إذْ“ لِلْماضِي ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: فَقالُوا: وهو يَدُلُّ عَلى الماضِي.
قُلْنا: إنَّ كَلِمَةَ ”إذْ“ تُقامُ مَقامَ ”إذا“ إذا أرادَ المُتَكَلِّمُ المُبالَغَةَ في التَّكْرِيرِ والتَّوْكِيدِ، وإزالَةَ الشُّبْهَةِ لِأنَّ الماضِيَ قَدْ وقَعَ واسْتَقَرَّ، فالتَّعْبِيرُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِاللَّفْظِ المَوْضُوعِ لِلْماضِي، يُفِيدُ المُبالَغَةَ مِن هَذا الِاعْتِبارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الإمالَةُ في النّارِ حَسَنَةٌ جَيِّدَةٌ، لِأنَّ ما بَعْدَ الألِفِ مَكْسُورٌ وهو حَرْفُ الرّاءِ، كَأنَّهُ تَكَرَّرَ في اللِّسانِ فَصارَتِ الكَسْرَةُ فِيهِ كالكَسْرَتَيْنِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (يا لَيْتَنا) يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ تَمَنَّوْا أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ داخِلٌ في التَّمَنِّي والتَّقْدِيرُ أنَّهم تَمَنَّوْا أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا ولا يَكُونُوا مُكَذِّبِينَ وأنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.
فَإنْ قالُوا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ بِقَوْلِهِ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ والمُتَمَنِّي لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ كاذِبًا.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُتَمَنِّيَ لا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ كاذِبًا؛ لِأنَّ مَن أظْهَرَ التَّمَنِّيَ فَقَدْ أخْبَرَ ضِمْنًا كَوْنَهُ مُرِيدًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ فَلَمْ يَبْعُدْ تَكْذِيبُهُ فِيهِ، ومِثالُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لَيْتَ اللَّهَ يَرْزُقُنِي مالًا فَأُحْسِنَ إلَيْكَ، فَهَذا تَمَنٍّ في حُكْمِ الوَعْدِ، فَلَوْ رُزِقَ مالًا ولَمْ يُحْسِنْ إلى صاحِبِهِ لَقِيلَ: إنَّهُ كَذَبَ في وعْدِهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّمَنِّيَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَهَذا الكَلامُ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ عائِدٌ إلَيْهِ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ، ثُمَّ قالُوا: ولَوْ رُدِدْنا لَمْ نُكَذِّبْ بِالدِّينِ وكُنّا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهم وبَيَّنَ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَكَذَّبُوا ولَأعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ نُرَدُّ ونُكَذِّبُ بِالرَّفْعِ فِيهِما ونَكُونَ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ نُرَدُّ بِالرَّفْعِ، ونُكَذِّبَ ونَكُونَ بِالنَّصْبِ فِيهِما، والباقُونَ بِالرَّفْعِ في الثَّلاثَةِ، فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى الرَّفْعِ في قَوْلِهِ: (نُرَدُّ) وذَلِكَ لِأنَّهُ داخِلٌ في التَّمَنِّي لا مَحالَةَ، فَأمّا الَّذِينَ رَفَعُوا قَوْلَهُ: ”ولا نُكَذِّبُ. ونَكُونُ“ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (نُرَدُّ) فَتَكُونُ الثَّلاثَةُ داخِلٌ في التَّمَنِّي، فَعَلى هَذا قَدْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ وأنْ لا يُكَذِّبُوا وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقْطَعَ ولا نُكَذِّبُ وما بَعْدَهُ عَنِ الأوَّلِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ ونَحْنُ لا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَهم ضَمِنُوا أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ بِتَقْدِيرِ حُصُولِ الرَّدِّ. والمَعْنى يا لَيْتَنا نُرَدُّ
صفحة ١٥٩
ونَحْنُ لا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا رُدِدْنا أوْ لَمْ نَرُدَّ أيْ قَدْ عايَنّا وشاهَدْنا ما لا نُكَذِّبُ مَعَهُ أبَدًا. قالَ سِيبَوَيْهِ: وهو مِثْلُ قَوْلِكَ دَعْنِي ولا أعُودُ، فَهَهُنا المَطْلُوبُ بِالسُّؤالِ تَرْكُهُ. فَأمّا أنَّهُ لا يَعُودُ فَغَيْرُ داخِلٍ في الطَّلَبِ، فَكَذا هُنا قَوْلُهُ: (يا لَيْتَنا نُرَدُّ) الدّاخِلُ في هَذا التَّمَنِّي الرَّدُّ، فَأمّا تَرْكُ التَّكْذِيبِ وفِعْلُ الإيمانِ فَغَيْرُ داخِلٍ في التَّمَنِّي، بَلْ هو حاصِلٌ سَواءٌ حَصَلَ الرَّدُّ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، وهَذانَ الوَجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ والنَّحْوِيُّونَ قالُوا: الوَجْهُ الثّانِي أقْوى، وهو أنْ يَكُونَ الرَّدُّ داخِلًا في التَّمَنِّي، ويَكُونُ ما بَعْدَهُ إخْبارًا مَحْضًا. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ اللَّهَ كَذَّبَهم في الآيَةِ الثّانِيَةِ، فَقالَ: (وإنَّهم لَكاذِبُونَ) والمُتَمَنِّي لا يَجُوزُ تَكْذِيبُهُ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي عَمْرٍو. وقَدِ احْتُجَّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِهَذِهِ الحُجَّةِ، إلّا أنّا قَدْ أجَبْنا عَنْ هَذِهِ الحُجَّةِ، وذَكَرْنا أنَّها لَيْسَتْ قَوِيَّةً.
وأمّا مَن قَرَأ ”ولا نُكَذِّبَ. ونَكُونَ“ بِالنَّصْبِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: بِإضْمارِ ”أنْ“ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، والتَّقْدِيرُ: يا لَيْتَنا نَرُدُّ وأنْ لا نُكَذِّبَ.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ مُبْدَلَةً مِنَ الفاءِ، والتَّقْدِيرُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ، فَتَكُونُ الواوُ هَهُنا بِمَنزِلَةِ الفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقْرَأُ ”فَلا نُكَذِّبَ“ بِالفاءِ عَلى النَّصْبِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ الحالُ، والتَّقْدِيرُ: يا لَيْتَنا نُرَدُّ غَيْرَ مُكَذِّبِينَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ. أيْ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ شارِبًا لِلَّبَنِ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ داخِلَةً في التَّمَنِّي. وأمّا أنَّ المُتَمَنِّيَ كَيْفَ يَجُوزُ تَكْذِيبُهُ فَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وهي أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ ”ولا نُكَذِّبُ“ ويَنْصُبُ ”ونَكُونَ“ فالتَّقْدِيرُ: أنَّهُ يَجْعَلُ قَوْلَهُ: (ولا نُكَذِّبَ) داخِلًا في التَّمَنِّي، بِمَعْنى أنّا إنْ رُدِدْنا غَيْرَ مُكَذِّبِينَ نَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ تَمَنِّي رَدِّهِمْ إلى حالَةِ التَّكْلِيفِ لِأنَّ لَفْظَ الرَّدِّ إذا اسْتُعْمِلَ في المُسْتَقْبَلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، فالمَفْهُومُ مِنهُ الرَّدُّ إلى الحالَةِ الأُولى. والظّاهِرُ أنَّ مَن صَدَرَ مِنهُ تَقْصِيرٌ ثُمَّ عايَنَ الشَّدائِدَ والأحْوالَ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّقْصِيرِ أنَّهُ يَتَمَنّى الرَّدَّ إلى الحالَةِ الأُولى، لِيَسْعى في إزالَةِ جَمِيعِ وُجُوهِ التَّقْصِيراتِ. ومَعْلُومٌ أنَّ الكُفّارَ قَصَّرُوا في دارِ الدُّنْيا فَهم يَتَمَنَّوْنَ العَوْدَ إلى الدُّنْيا لِتَدارُكِ تِلْكَ التَّقْصِيراتِ، وذَلِكَ التَّدارُكُ لا يَحْصُلُ بِالعَوْدِ إلى الدُّنْيا فَقَطْ، ولا بِتَرْكِ التَّكْذِيبِ، ولا بِعَمَلِ الإيمانِ بَلْ إنَّما يَحْصُلُ التَّدارُكُ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ فَوَجَبَ إدْخالُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ تَحْتَ التَّمَنِّي.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَحْسُنُ مِنهم تَمَنِّي الرَّدِّ مَعَ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّدَّ لا يَحْصُلُ البَتَّةَ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: لَعَلَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الرَّدَّ لا يَحْصُلُ.
والثّانِي: أنَّهم وإنْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ؛ إلّا أنَّ هَذا العِلْمَ لا يَمْنَعُ مِن حُصُولِ إرادَةِ الرَّدِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ﴾ [المائدة: ٣٧] وكَقَوْلِهِ: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] فَلَمّا صَحَّ أنْ يُرِيدُوا هَذِهِ الأشْياءَ مَعَ العِلْمِ بِأنَّها لا تَحْصُلُ، فَبِأنْ يَتَمَنَّوْهُ أقْرَبُ، لِأنَّ بابَ التَّمَنِّي أوْسَعُ، لِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَتَمَنّى ما لا يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ الماضِيَةِ.
الأنعام 6:28
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى ”بَلْ“ هَهُنا رَدُّ كَلامِهم، والتَّقْدِيرُ: أنَّهم ما تَمَنَّوُا العَوْدَ إلى الدُّنْيا، وتَرْكَ التَّكْذِيبِ، وتَحْصِيلَ الإيمانِ لِأجْلِ كَوْنِهِمْ راغِبِينَ في الإيمانِ، بَلْ لِأجْلِ خَوْفِهِمْ مِنَ العِقابِ الَّذِي شاهَدُوهُ
صفحة ١٦٠
وعايَنُوهُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّغْبَةَ في الإيمانِ والطّاعَةِ لا تَنْفَعُ إلّا إذا كانَتْ تِلْكَ الرَّغْبَةُ رَغْبَةً فِيهِ، لِكَوْنِهِ إيمانًا وطاعَةً، فَأمّا الرَّغْبَةُ فِيهِ لِطَلَبِ الثَّوابِ، والخَوْفِ مِنَ العِقابِ فَغَيْرُ مُفِيدٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ: أنَّهُ ظَهَرَ لَهم في الآخِرَةِ ما أخْفَوْهُ في الدُّنْيا. وقَدِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الَّذِي أخْفَوْهُ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو رَوْقٍ: إنَّ المُشْرِكِينَ في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ الشِّرْكَ فَيَقُولُونَ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فَيُنْطِقُ اللَّهُ جَوارِحَهم فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، فَذَلِكَ حِينَ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ. قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا القَوْلِ أهْلُ التَّفْسِيرِ.
الثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم وبالُ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ وسُوءُ عاقِبَتِها، وذَلِكَ لِأنَّ كُفْرَهم ما كانَ بادِيًا ظاهِرًا لَهم، لِأنَّ مَضارَّ كُفْرِهِمْ كانَتْ خَفِيَّةً، فَلَمّا ظَهَرَتْ يَوْمَ القِيامَةِ لا جَرَمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ .
الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: بَدا لِلْأتْباعِ ما أخَفاهُ الرُّؤَساءُ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ. قالَ: والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ: ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ، وقَدْ كانُوا يُسِرُّونَ الكُفْرَ ويُظْهِرُونَ الإسْلامَ، وبَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وظَهَرَ بِأنْ عَرَفَ غَيْرُهم أنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ مُنافِقِينَ.
الخامِسُ: قِيلَ بَدا لَهم ما كانَ عُلَماؤُهم يُخْفُونَ مِن جَحْدِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ونَعْتِهِ وصِفَتِهِ في الكُتُبِ والبِشارَةِ بِهِ، وما كانُوا يُحَرِّفُونَهُ مِنَ التَّوْراةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. والمَقْصُودُ مِنها بِأسْرِها أنَّهُ ظَهَرَتْ فَضِيحَتُهم في الآخِرَةِ وانْتُهِكَتْ أسْتارُهم. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَوْ رَدَّهم لَمْ يَحْصُلْ مِنهم تَرْكُ التَّكْذِيبِ وفِعْلُ الإيمانِ، بَلْ كانُوا يَسْتَمِرُّونَ عَلى طَرِيقَتِهِمُ الأُولى في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ أهْلَ القِيامَةِ قَدْ عَرَفُوا اللَّهَ بِالضَّرُورَةِ، وشاهَدُوا أنْواعَ العِقابِ والعَذابِ فَلَوْ رَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الدُّنْيا فَمَعَ هَذِهِ الأحْوالِ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم يَعُودُونَ إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وإلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
قُلْنا: قالَ القاضِي: تَقْرِيرُ الآيَةِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا﴾ إلى حالَةِ التَّكْلِيفِ، وإنَّما يَحْصُلُ الرَّدُّ إلى هَذِهِ الحالَةِ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ في القِيامَةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِالضَّرُورَةِ ولَمْ يَحْصُلْ هُناكَ مُشاهَدَةُ الأهْوالِ وعَذابِ جَهَنَّمَ، فَهَذا الشَّرْطُ يَكُونُ مُضْمَرًا لا مَحالَةَ في الآيَةِ إلّا أنّا نَقُولُ هَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ غُلُوِّهِمْ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ وعَدَمِ الرَّغْبَةِ في الإيمانِ، ولَوْ قَدَّرْنا عَدَمَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في القِيامَةِ، وعَدَمَ مُشاهَدَةِ أهْوالِ القِيامَةِ لَمْ يَكُنْ في إصْرارِ القَوْمِ عَلى كُفْرِهِمُ الأوَّلِ مَزِيدُ تَعَجُّبٍ، لِأنَّ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ يَجْرِي مَجْرى إصْرارِ سائِرِ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ في الدُّنْيا، فَعَلِمْنا أنَّ الشَّرْطَ الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي لا يُمْكِنُ اعْتِبارُهُ البَتَّةَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ قَوْمٍ جَرى عَلَيْهِمْ قَضاؤُهُ في الأزَلِ بِالشِّرْكِ، وذَلِكَ القَضاءُ السّابِقُ فِيهِمْ، وإلّا فالعاقِلُ لا يَرْتابُ فِيما شاهَدَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ خَبَرٍ حَتّى يَصْرِفَ هَذا التَّكْذِيبَ إلَيْهِ.
صفحة ١٦١
والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ مِنهم مَن قالَ: الدّاخِلُ في التَّمَنِّي هو مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: ﴿يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أمّا الباقِي فَهو إخْبارٌ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ الكُلُّ داخِلٌ في التَّمَنِّي، لِأنَّ إدْخالَ التَّكْذِيبِ في التَّمَنِّي أيْضًا جائِزٌ، لِأنَّ التَّمَنِّيَ يَدُلُّ عَلى الإخْبارِ عَلى سَبِيلِ الضِّمْنِ والصَّيْرُورَةِ، كَقَوْلِ القائِلِ لَيْتَ زَيْدًا جاءَنا فَكُنّا نَأْكُلُ ونَشْرَبُ ونَتَحَدَّثُ فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ حَصَلَ في الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى، أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي يُخْفُونَهُ هو أمْرُ المَعادِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَهُ ويُخْفُونَ صِحَّتَهُ ويَقُولُونَ ما لَنا إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ لا ثَوابَ ولا عِقابَ.
والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ولَأنْكَرُوا الحَشْرَ والنَّشْرَ، وقالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .
الأنعام 6:30
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى إنْكارَهم لِلْحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ كَيْفِيَّةَ حالِهِمْ في القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِنَ المُشَبِّهَةِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَقِفُونَ عِنْدَ اللَّهِ وبِالقُرْبِ مِنهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى بِحَيْثُ يَحْضُرُ في مَكانٍ تارَةً ويَغِيبُ عَنْهُ تارَةً أُخْرى.
واعْلَمْ أنَّ هَذا خَطَأٌ وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ، يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ واقِفِينَ عَلى اللَّهِ تَعالى، كَما يَقِفُ أحَدُنا عَلى الأرْضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَعْلِيًا عَلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ بِالِاتِّفاقِ باطِلٌ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ:
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: هو أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى﴾ ما وعَدَهم رَبُّهم مِن عَذابِ الكافِرِينَ وثَوابِ المُؤْمِنِينَ وعَلى ما أخْبَرَهم بِهِ مِن أمْرِ الآخِرَةِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الوُقُوفِ المَعْرِفَةُ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ وقَفْتُ عَلى كَلامِكَ أيْ عَرَفْتُهُ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم وُقِفُوا لِأجْلِ السُّؤالِ فَخَرَجَ الكَلامُ مَخْرَجَ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ،
صفحة ١٦٢
مِن وُقُوفِ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّعْبِيرُ عَنِ المَقْصُودِ بِالألْفاظِ الفَصِيحَةِ البَلِيغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى، أنَّهم يُنْكِرُونَ القِيامَةَ والبَعْثَ في الدُّنْيا، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم في الآخِرَةِ يُقِرُّونَ بِهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ حالَهم في هَذا الإنْكارِ سَيَئُولُ إلى الإقْرارِ وذَلِكَ لِأنَّهم شاهَدُوا القِيامَةَ والثَّوابَ والعِقابَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ ؟ وهو كالمُناقِضِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤] والجَوابُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ﴾ أيْ لا يُكَلِّمُهم بِالكَلامِ الطَّيِّبِ النّافِعِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ التَّناقُضُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إذا قالَ لَهم ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ ؟ قالُوا: بَلى ورَبِّنا. المَقْصُودُ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِكَوْنِهِ حَقًّا مَعَ القَسَمِ واليَمِينِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم: فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وخَصَّ لَفْظَ الذَّوْقِ؛ لِأنَّهم في كُلِّ حالٍ يَجِدُونَهُ وِجْدانَ الذّائِقِ في قُوَّةِ الإحْساسِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ احْتِجاجًا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ [الأنعام: ٢] عَلى ما قَرَّرْناهُ وفَسَّرْناهُ، بَلِ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدْعُ والزَّجْرُ عَنْ هَذا المَذْهَبِ والقَوْلِ.
الأنعام 6:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَرْحُ حالَةٍ أُخْرى مِن أحْوالِ مُنْكِرِي البَعْثِ والقِيامَةِ وهي أمْرانِ:
أحَدُهُما: حُصُولُ الخُسْرانِ.
والثّانِي: حَمْلُ الأوْزارِ العَظِيمَةِ.
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: وهو حُصُولُ الخُسْرانِ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ جَوْهَرَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ القُدْسِيَّةِ الجُسْمانِيَّ وأعْطاهُ هَذِهِ الآلاتِ الجُسْمانِيَّةَ والأدَواتِ الجَسَدانِيَّةَ، وأعْطاهُ العَقْلَ والتَّفَكُّرَ لِأجْلِ أنْ يَتَوَصَّلَ بِاسْتِعْمالِ هَذِهِ الآلاتِ والأدَواتِ إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي يَعْظُمُ مَنافِعُها بَعْدَ المَوْتِ فَإذا اسْتَعْمَلَ الإنْسانُ هَذِهِ الآلاتِ والأدَواتِ والقُوَّةَ العَقْلِيَّةَ والقُوَّةَ الفِكْرِيَّةَ في تَحْصِيلِ هَذِهِ اللَّذّاتِ الدّائِرَةِ والسَّعاداتِ المُنْقَطِعَةِ ثُمَّ انْتَهى الإنْسانُ إلى آخِرِ عُمُرِهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا؛ لِأنَّ رَأْسَ المالِ قَدْ فَنِيَ والرِّبْحَ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ هو المَطْلُوبُ فَنِيَ أيْضًا وانْقَطَعَ، فَلَمْ يَبْقَ في يَدِهِ لا مِن رَأْسِ المالِ أثَرٌ ولا مِنَ الرِّبْحِ شَيْءٌ. فَكانَ هَذا هو الخُسْرانُ المُبِينُ. وهَذا الخُسْرانُ إنَّما يَحْصُلُ لِمَن كانَ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ وكانَ يَعْتَقِدُ أنَّ مُنْتَهى السَّعاداتِ ونِهايَةَ الكَمالاتِ هو هَذِهِ السَّعاداتُ العاجِلَةُ الفانِيَةُ. أمّا مَن كانَ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ فَإنَّهُ لا يَغْتَرُّ
صفحة ١٦٣
بِهَذِهِ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ، ولا يَكْتَفِي بِهَذِهِ الخَيْراتِ العاجِلَةِ بَلْ يَسْعى في إعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الخُسْرانُ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وأنْكَرُوا البَعْثَ والقِيامَةَ قَدْ خَسِرُوا خُسْرانًا مُبِينًا وأنَّهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى مَوْقِفِ القِيامَةِ يَتَحَسَّرُونَ عَلى تَفْرِيطِهِمْ في تَحْصِيلِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن وُجُوهِ خُسْرانِهِمْ: أنَّهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ. وتَقْرِيرُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ في الإقْبالِ عَلى اللَّهِ تَعالى والِاشْتِغالِ بِعُبُودِيَّتِهِ والِاجْتِهادِ في حُبِّهِ وخِدْمَتِهِ وأيْضًا في الِانْقِطاعِ عَنِ الدُّنْيا وتَرْكِ مَحَبَّتِها وفي قَطْعِ العَلاقَةِ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَها، فَمَن كانَ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ، فَإنَّهُ لا يَسْعى في إعْدادِ الزّادِ لِمَوْقِفِ القِيامَةِ، ولا يَسْعى في قَطْعِ العَلاقَةِ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ الدُّنْيا، فَإذا ماتَ بَقِيَ كالغَرِيبِ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، وكالمُنْقَطِعِ عَنْ أحْبابِهِ وأقارِبِهِ الَّذِينَ كانُوا في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ فَيَحْصُلُ لَهُ الحَسَراتُ العَظِيمَةُ بِسَبَبِ فُقْدانِ الزّادِ وعَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى المُخالَطَةِ بِأهْلِ ذَلِكَ العالَمِ ويَحْصُلُ لَهُ الآلامُ العَظِيمَةُ بِسَبَبِ الِانْقِطاعِ عَنْ لَذّاتِ هَذا العالَمِ والِامْتِناعِ عَنِ الِاسْتِسْعادِ بِخَيْراتِ هَذا العالَمِ.
فالأوَّلُ: هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ .
والثّانِي: هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ فَهَذا تَقْرِيرُ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الخُسْرانِ فَوْتُ الثَّوابِ العَظِيمِ وحُصُولُ العِقابِ العَظِيمِ و﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ المُرادُ مِنهُ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ والقِيامَةَ، وقَدْ بالَغْنا في شَرْحِ هَذِهِ الكَلِمَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وإنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الكِنايَةُ لِأنَّ مَوْقِفَ القِيامَةِ مَوْقِفٌ لا حُكْمَ فِيهِ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى، ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ والرَّفْعِ والخَفْضِ إلّا لِلَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ اعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ”حَتّى“ غايَةٌ لِقَوْلِهِ: (كَذَّبُوا) لا لِقَوْلِهِ: (قَدْ خَسِرَ) لِأنَّ خُسْرانَهم لا غايَةَ لَهُ ومَعْنى ”حَتّى“ هَهُنا أنَّ مُنْتَهى تَكْذِيبِهِمُ الحَسْرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ والمَعْنى أنَّهم كَذَّبُوا إلى أنْ ظَهَرَتِ السّاعَةُ بَغْتَةً.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما يَتَحَسَّرُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ.
قُلْنا: لَمّا كانَ المَوْتُ وُقُوعًا في أحْوالِ الآخِرَةِ ومُقَدِّماتِها جُعِلَ مِن جِنْسِ السّاعَةِ وسُمِّيَ بِاسْمِها ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» “ والمُرادُ بِالسّاعَةِ القِيامَةُ، وفي تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِهَذا الِاسْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَوْمَ القِيامَةِ يُسَمّى السّاعَةَ لِسُرْعَةِ الحِسابِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هي إلّا ساعَةُ الحِسابِ.
الثّانِي: السّاعَةُ هي الوَقْتُ الَّذِي تَقُومُ القِيامَةُ سُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَفْجَأُ النّاسَ في ساعَةٍ لا يَعْلَمُها أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: (بَغْتَةً) والبَغْتُ والبَغْتَةُ هو الفَجْأةُ والمَعْنى: أنَّ السّاعَةَ لا تَجِيءُ إلّا دَفْعَةً لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ مَتى يَكُونُ مَجِيئُها، وفي أيِّ وقْتٍ يَكُونُ حُدُوثُها وقَوْلُهُ: (بَغْتَةً) انْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِمَعْنى: باغِتَةً أوْ عَلى المَصْدَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَغَتَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ياحَسْرَتَنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى دُعاءِ الحَسْرَةِ تَنْبِيهٌ لِلنّاسِ عَلى ما سَيَحْصُلُ لَهم مِنَ الحَسْرَةِ والعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنْ تَعْظِيمِ أمْثالِ هَذِهِ الأُمُورِ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] و﴿ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ﴾ [هود: ٧٢] وهَذا أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: الحَسْرَةُ عَلَيْنا في تَفْرِيطِنا، ومِثْلُهُ ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] تَأْوِيلُهُ يا أيُّها النّاسُ تَنَبَّهُوا عَلى ما وقَعَ بِي مِنَ الأسَفِ فَوَقَعَ النِّداءُ عَلى غَيْرِ المُنادى في الحَقِيقَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّكَ إذا قُلْتَ: يا عَجَباهُ فَكَأنَّكَ قُلْتَ: يا عَجَبُ احْضَرْ وتَعالَ فَإنَّ هَذا زَمانُكَ.
صفحة ١٦٤
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حَصَلَ لِلنِّداءِ هَهُنا تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ النِّداءَ لِلْحَسْرَةِ، والمُرادُ مِنهُ تَنْبِيهُ المُخاطَبِينَ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّ المُنادى هو نَفْسُ الحَسْرَةِ عَلى مَعْنى: أنَّ هَذا وقْتُكِ فاحْضَرِي وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.
* * *
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ يُقالُ: فَرَّطْتُ في الشَّيْءِ أيْ ضَيَّعْتُهُ فَقَوْلُهُ: (فَرَّطْنا) أيْ تَرَكْنا وضَيَّعْنا وقالَ الزَّجّاجُ: فَرَّطْنا أيْ قَدَّمْنا العَجْزَ، جَعَلَهُ مِن قَوْلِهِمْ فَرَطَ فُلانٌ إذا سَبَقَ وتَقَدَّمَ، وفَرَّطَ الشَّيْءَ إذا قَدَّمَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: فالتَّفْرِيطُ عِنْدَهُ تَقْدِيمُ التَّقْصِيرِ.
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (فِيها) إلى ماذا يَعُودُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في الدُّنْيا، والسُّؤالُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلدُّنْيا ذِكْرٌ فَكَيْفَ يُمْكِنُ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ إلَيْها. وجَوابُهُ: أنَّ العَقْلَ دَلَّ عَلى أنَّ مَوْضِعَ التَّقْصِيرِ لَيْسَ إلّا الدُّنْيا، فَحَسُنَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْها لِهَذا المَعْنى.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ المُرادُ يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا في السّاعَةِ، والمَعْنى: عَلى ما فَرَّطْنا في إعْدادِ الزّادِ لِلسّاعَةِ وتَحْصِيلِ الأُهْبَةِ لَها.
والثّالِثُ: أنْ تَعُودَ الكِنايَةُ إلى مَعْنى ما في قَوْلِهِ: (فَرَّطْنا) أيْ حَسْرَتُنا عَلى الأعْمالِ والطّاعاتِ الَّتِي فَرَّطْنا فِيها.
والرّابِعُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الكِنايَةُ تَعُودُ إلى الصَّفْقَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الخُسْرانَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى حُصُولِ الصَّفْقَةِ والمُبايَعَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِمْ يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمْ يَحْصُلُوا لِأنْفُسِهِمْ ما بِهِ يَسْتَحِقُّونَ الثَّوابَ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم حَصَلُوا لِأنْفُسِهِمْ ما بِهِ اسْتَحَقُّوا العَذابَ العَظِيمَ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ نِهايَةُ الخُسْرانِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأوْزارُ الآثامُ والخَطايا. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الوِزْرُ الثِّقَلُ وأصْلُهُ مِنَ الحَمْلِ يُقالُ: وزَرْتُ الشَّيْءَ أيْ حَمَلْتُهُ أزِرُهُ وِزْرًا، ثُمَّ قِيلَ لِلذُّنُوبِ: أوْزارٌ؛ لِأنَّها تُثْقِلُ ظَهْرَ مَن عَمِلَها، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا بَسَطَ ثَوْبَهُ فَجَعَلَ فِيهِ المَتاعَ: احْمِلْ وِزْرَكَ، وأوْزارُ الحَرْبِ: أثْقالُها مِنَ السِّلاحِ، ووَزِيرُ السُّلْطانِ الَّذِي يَزِرُ عَنْهُ أثْقالَ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ مِن تَدْبِيرِ الوِلايَةِ أيْ يَحْمِلُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم أيْ يَحْمِلُونَ ثِقَلَ ذُنُوبِهِمْ، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ حَمْلِهِمُ الأوْزارِ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ شَيْءٌ هو أحْسَنُ الأشْياءِ صُورَةً وأطْيَبُها رِيحًا ويَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ طالَما رَكِبْتُكَ في الدُّنْيا فارْكَبْنِي أنْتَ اليَوْمَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] قالُوا رُكْبانًا، وإنَّ الكافِرَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ شَيْءٌ هو أقْبَحُ الأشْياءِ صُورَةً وأخْبَثُها رِيحًا، فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الفاسِدُ طالَما رَكِبْتَنِي في الدُّنْيا فَأنا أرْكَبُكَ اليَوْمَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الثِّقَلُ كَما يُذْكَرُ في المَنقُولِ، فَقَدْ يُذْكَرُ أيْضًا في الحالِ والصِّفَةِ يُقالُ: ثَقُلَ عَلَيَّ خِطابُ فُلانٍ، والمَعْنى كَرِهْتُهُ فالمَعْنى أنَّهم يُقاسُونَ عَذابَ ذُنُوبِهِمْ مُقاساةَ ثِقَلِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهُمْ﴾ أيْ لا تُزايِلُهم أوْزارُهم كَما تَقُولُ: شَخْصُكَ نُصْبَ عَيْنِي أيْ ذِكْرُكَ مُلازِمٌ لِي.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ والمَعْنى بِئْسَ الشَّيْءُ الَّذِي يَزِرُونَهُ أيْ يَحْمِلُونَهُ، والِاسْتِقْصاءُ في تَفْسِيرِ هَذا اللَّفْظِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ النِّساءِ في قَوْلِهِ: ﴿وساءَ سَبِيلًا﴾ [سورة النساء: ٢٢] .
الأنعام 6:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ تَعْظُمُ رَغْبَتُهم في الدُّنْيا وتَحْصِيلِ لَذّاتِها، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ تَنْبِيهًا عَلى خَساسَتِها ورَكاكَتِها.
واعْلَمْ أنَّ نَفْسَ هَذِهِ الحَياةِ لا يُمْكِنُ ذَمُّها؛ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ العاجِلَةَ لا يَصِحُّ اكْتِسابُ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ إلّا فِيها، فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ حَياةُ الكافِرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَياةَ أهْلِ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، والسَّبَبُ في وصْفِ حَياةِ هَؤُلاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أنَّ حَياةَ المُؤْمِنِ يَحْصُلُ فِيها أعْمالٌ صالِحَةٌ فَلا تَكُونُ لَعِبًا ولَهْوًا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا عامٌّ في حَياةِ المُؤْمِنِ والكافِرِ، والمُرادُ مِنهُ اللَّذّاتُ الحاصِلَةُ في هَذِهِ الحَياةِ والطَّيِّباتُ المَطْلُوبَةُ في هَذِهِ الحَياةِ، وإنَّما سَمّاها بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ اشْتِغالِهِ بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ يَلْتَذُّ بِهِ، ثُمَّ عِنْدَ انْقِراضِهِ وانْقِضائِهِ لا يَبْقى مِنهُ إلّا النَّدامَةُ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الحَياةُ لا يَبْقى عِنْدَ انْقِراضِها إلّا الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ.
واعْلَمْ أنَّ تَسْمِيَةَ هَذِهِ الحَياةِ بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ مُدَّةَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ قَلِيلَةٌ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ والزَّوالِ، ومُدَّةَ هَذِهِ الحَياةِ كَذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّ اللَّعِبَ واللَّهْوَ لا بُدَّ وأنْ يَنْساقا في أكْثَرِ الأمْرِ إلى شَيْءٍ مِنَ المَكارِهِ، ولَذّاتُ الدُّنْيا كَذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّعِبَ واللَّهْوَ، إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ الِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، وأمّا عِنْدَ التَّأمُّلِ التّامِّ والكَشْفِ عَنْ حَقائِقِ الأُمُورِ، لا يَبْقى اللَّعِبُ واللَّهْوُ أصْلًا، وكَذَلِكَ اللَّهْوُ واللَّعِبُ، فَإنَّهُما لا يَصْلُحانِ إلّا لِلصِّبْيانِ والجُهّالِ المُغَفَّلِينَ، أمّا العُقَلاءُ والحُصَفاءُ، فَقَلَّما يَحْصُلُ لَهم خَوْضٌ في اللَّعِبِ واللَّهْوِ، فَكَذَلِكَ الِالتِذاذُ بِطَيِّباتِ الدُّنْيا والِانْتِفاعِ بِخَيْراتِها لا يَحْصُلُ إلّا لِلْمُغَفَّلِينَ الجاهِلِينَ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، وأمّا الحُكَماءُ المُحَقِّقُونَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الخَيْراتِ غُرُورٌ، ولَيْسَ لَها في نَفْسِ الأمْرِ حَقِيقَةٌ مُعْتَبَرَةٌ.
الرّابِعُ: أنَّ اللَّعِبَ واللَّهْوَ لَيْسَ لَهُما عاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ اللَّذّاتِ والأحْوالَ الدُّنْيَوِيَّةَ لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَيْسَ لَهُما حَقِيقَةٌ مُعْتَبَرَةٌ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وصَفَ الآخِرَةَ بِكَوْنِها خَيْرًا، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ حُصُولُ التَّفاوُتِ بَيْنَ أحْوالِ الدُّنْيا وأحْوالِ الآخِرَةِ في أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ وخَيْراتِ الآخِرَةِ شَرِيفَةٌ.
بَيانُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا لَيْسَتْ إلّا قَضاءَ الشَّهْوَتَيْنِ، وهو في نِهايَةِ الخَساسَةِ، بِدَلِيلِ أنَّ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةَ تُشارِكُ الإنْسانَ فِيهِ، بَلْ رُبَّما كانَ أمْرُ تِلْكَ الحَيَواناتِ فِيها أكْمَلَ مِن أمْرِ الإنْسانِ، فَإنَّ الجَمَلَ أكْثَرُ أكْلًا، والدِّيكَ والعُصْفُورَ أكْثَرُ وِقاعًا، والذِّئْبَ أقْوى عَلى الفَسادِ والتَّمْزِيقِ، والعَقْرَبَ أقْوى عَلى الإيلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى خَساسَتِها أنَّها لَوْ كانَتْ شَرِيفَةً لَكانَ الإكْثارُ مِنها يُوجِبُ زِيادَةَ الشَّرَفِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ
صفحة ١٦٦
الَّذِي وقَّفَ كُلَّ عُمْرِهِ عَلى الأكْلِ والوِقاعِ أشْرَفَ النّاسِ، وأعْلاهم دَرَجَةً، ومَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ مِثْلُ هَذا الإنْسانِ يَكُونُ مَمْقُوتًا مُسْتَقْذَرًا مُسْتَحْقَرًا يُوصَفُ بِأنَّهُ بَهِيمَةٌ أوْ كَلْبٌ أوْ أخَسُّ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ النّاسَ لا يَفْتَخِرُونَ بِهَذِهِ الأحْوالِ بَلْ يُخْفُونَها، ولِذَلِكَ كانَ العُقَلاءُ عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِالوِقاعِ يَخْتَفُونَ ولا يُقْدِمُونَ عَلى هَذِهِ الأفْعالِ بِمَحْضَرٍ مِنَ النّاسِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ لا تُوجِبُ الشَّرَفَ بَلِ النَّقْصَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ النّاسَ إذا شَتَمَ بَعْضُهم بَعْضًا لا يَذْكُرُونَ فِيهِ إلّا الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلى الوِقاعِ، ولَوْلا أنَّ تِلْكَ اللَّذَّةَ مِن جِنْسِ النُّقْصاناتِ، وإلّا لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ تَرْجِعُ حَقِيقَتُها إلى دَفْعِ الآلامِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ كُلَّ مَن كانَ أشَدَّ جُوعًا وأقْوى حاجَةً كانَ التِذاذُهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ أكْمَلَ لَهُ وأقْوى، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِهَذِهِ اللَّذّاتِ في نَفْسِ الأمْرِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ سَرِيعَةُ الِاسْتِحالَةِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ خَساسَةُ هَذِهِ اللَّذّاتِ. وأمّا السَّعاداتُ الرُّوحانِيَّةُ فَإنَّها سَعاداتٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ باقِيَةٌ مُقَدَّسَةٌ، ولِذَلِكَ فَإنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ إذا تَخَيَّلُوا في الإنْسانِ كَثْرَةَ العِلْمِ وشِدَّةَ الِانْقِباضِ عَنِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَإنَّهم بِالطَّبْعِ يُعَظِّمُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ ويَعُدُّونَ أنْفُسَهم عَبِيدًا لِذَلِكَ الإنْسانِ وأشْقِياءَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَهادَةِ الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ بِخَساسَةِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وكَمالِ مَرْتَبَةِ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ أفْضَلُ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا، وهو أنْ نَقُولَ: هَبْ أنَّ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ تَشارَكا في الفَضْلِ والمَنقَبَةِ، إلّا أنَّ الوُصُولَ إلى الخَيْراتِ المَوْعُودَةِ في غَدِ القِيامَةِ مَعْلُومٌ قَطْعًا. وأمّا الوُصُولُ إلى الخَيْراتِ المَوْعُودَةِ في غَدِ الدُّنْيا فَغَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ ولا مَظْنُونٍ، فَكَمْ مِن سُلْطانٍ قاهِرٍ في بُكْرَةِ اليَوْمَ صارَ تَحْتَ التُّرابِ في آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وكَمْ مِن أمِيرٍ كَبِيرٍ أصْبَحَ في المُلْكِ والإمارَةِ، ثُمَّ أمْسى أسِيرًا حَقِيرًا، وهَذا التَّفاوُتُ أيْضًا يُوجِبُ المُبايَنَةَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ وجَدَ الإنْسانُ بَعْدَ هَذا اليَوْمِ يَوْمًا آخَرَ في الدُّنْيا، إلّا أنَّهُ لا يَدْرِي هَلْ يُمْكِنُهُ الِانْتِفاعُ بِما جَمَعَهُ مِنَ الأمْوالِ والطَّيِّباتِ واللَّذّاتِ أمْ لا ؟ أمّا كُلُّ ما جَمَعَهُ مِن مُوجِباتِ السَّعاداتِ، فَإنَّهُ يَعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِها إلّا أنَّ انْتِفاعَهُ بِخَيْراتِ الدُّنْيا لا يَكُونُ خالِيًا عَنْ شَوائِبِ المَكْرُوهاتِ، ومُمازَجَةِ المُحَرَّماتِ المُخَوَّفاتِ. ولِذَلِكَ قِيلَ: «مَن طَلَبَ ما لَمْ يُخْلَقْ أتْعَبَ نَفْسَهُ ولَمْ يُرْزَقْ. فَقِيلَ: وما هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ”سُرُورُ يَوْمٍ بِتَمامِهِ» “ .
الوَجْهُ الخامِسُ: هَبْ أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِتِلْكَ الأمْوالِ والطَّيِّباتِ في الغَدِ، إلّا أنَّ تِلْكَ المَنافِعَ مُنْقَرِضَةٌ ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ، وكُلَّما كانَتْ تِلْكَ المَنافِعُ أقْوى وألَذَّ وأكْمَلَ وأفْضَلَ كانَتِ الأحْزانُ الحاصِلَةُ عِنْدَ انْقِراضِها وانْقِضائِها أقْوى وأكْمَلَ كَما قالَ الشّاعِرُ المُتَنَبِّي:
أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالا
صفحة ١٦٧
فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ سَعاداتِ الدُّنْيا وخَيْراتِها مَوْصُوفَةٌ بِهَذِهِ العُيُوبِ العَظِيمَةِ، والنُّقْصاناتِ الكامِلَةِ، وسَعاداتِ الآخِرَةِ مُبَرَّأةٌ عَنْها، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ الآخِرَةَ أكْمَلُ وأفْضَلُ وأبْقى وأتْقى وأحْرى وأوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (ولَدارُ الآخِرَةِ) بِإضافَةِ الدّارِ إلى الآخِرَةِ، والباقُونَ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ عَلى جَعْلِ الآخِرَةِ نَعْتًا لِلدّارِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فَهو أنَّ الصِّفَةَ في الحَقِيقَةِ مُغايِرَةٌ لِلْمَوْصُوفِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ مِن هَذا الوَجْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم بارِحَةُ الأُولى، ويَوْمُ الخَمِيسَ وحَقُّ اليَقِينِ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا تَجُوزُ هَذِهِ الإضافَةُ، قالُوا: لِأنَّ الصِّفَةَ نَفْسُ المَوْصُوفِ، وإضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مُمْتَنِعَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا بِناءً عَلى أنَّ الصِّفَةَ نَفْسُ المَوْصُوفِ وهو مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ يُعْقَلُ تَصَوُّرُ المَوْصُوفِ مُنْفَكًّا عَنِ الصِّفَةِ، ولَوْ كانَ المَوْصُوفُ عَيْنَ الصِّفَةِ لَكانَ ذَلِكَ مُحالًا، ولِقَوْلِهِمْ وجْهٌ دَقِيقٌ يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ، إلّا أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهَذا المَكانِ، ثُمَّ إنَّ البَصْرِيِّينَ ذَكَرُوا في تَصْحِيحِ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وجْهًا آخَرَ، فَقالُوا: لَمْ يَجْعَلِ الآخِرَةَ صِفَةً لِلدّارِ، لَكِنَّهُ جَعَلَها صِفَةً لِلسّاعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَدارُ السّاعَةِ الآخِرَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ تَكُونُ قَدْ أُقِيمَتِ الآخِرَةُ الَّتِي هي الصِّفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ الَّذِي هو السّاعَةُ وذَلِكَ قَبِيحٌ. قُلْنا لا يَقْبُحُ ذَلِكَ إذا كانَتِ الصِّفَةُ قَدِ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ ولَفْظُ الآخِرَةِ قَدِ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: قَوْلُهُ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] وأمّا قِراءَةُ العامَّةِ فَهي ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي جَعْلَ الآخِرَةِ صِفَةً لِلدّارِ وذَلِكَ هو الحَقِيقَةُ ومَتى أمْكَنَ إجْراءُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَلا حاجَةَ إلى العُدُولِ عَنْهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالدّارِ الآخِرَةِ عَلى وُجُوهٍ:
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الجَنَّةُ، وإنَّها خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى الكُفْرَ والمَعاصِيَ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ نَفْسُ الآخِرَةِ خَيْرٌ.
وقالَ الأصَمُّ: التَّمَسُّكُ بِعَمَلِ الآخِرَةِ خَيْرٌ.
وقالَ آخَرُونَ: نَعِيمُ الآخِرَةِ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا، مِن حَيْثُ إنَّها باقِيَةٌ دائِمَةٌ مَصُونَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ آمِنَةٌ مِنَ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مِنَ المُتَّقِينَ مِنَ المَعاصِي والكَبائِرِ. فَأمّا الكافِرُ والفاسِقُ فَلا ! لِأنَّ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ خَيْرٌ مِنَ الآخِرَةِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» .
ثُمَّ قالَ: (أفَلا تَعْقِلُونَ) قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (أفَلا تَعْقِلُونَ) بِالتّاءِ هَهُنا وفي سُورَةِ الأعْرافِ ويُوسُفَ ويس. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في: ”يس“ بِالياءِ والباقِي بِالتّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ يَحْيى في يُوسُفَ بِالتّاءِ والباقِي بِالياءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْشى والبُرْجُمِيِّ جَمِيعَ ذَلِكَ بِالياءِ. قالَ الواحِدِيُّ: مَن قَرَأ بِالياءِ مَعْناهُ: أفَلا يَعْقِلُونَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهم مِن هَذِهِ الدّارِ ؟ فَيَعْمَلُونَ لِما يَنالُونَ بِهِ الدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ والنَّعِيمَ الدّائِمَ فَلا يَفْتُرُونَ في طَلَبِ ما يُوصِلُ إلى ذَلِكَ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ، فالمَعْنى: قُلْ لَهم أفَلا تَعْقِلُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ طَوائِفَ الكُفّارِ كانُوا فِرَقًا كَثِيرِينَ:
فَمِنهم مَن يُنْكِرُ نُبُوَّتَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُنْكِرُ رِسالَةَ البَشَرِ ويَقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ شُبْهَةَ هَؤُلاءِ وأجابَ عَنْها.
ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا يُخْبِرُنا بِالحَشْرِ والنَّشْرِ بَعْدَ المَوْتِ وذَلِكَ مُحالٌ. وكانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِامْتِناعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ عَلى الطَّعْنِ في رِسالَتِهِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وأجابَ عَنْهُ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها.
ومِنهم مَن كانَ يُشافِهُهُ بِالسَّفاهَةِ وذِكْرِ ما لا يَنْبَغِي مِنَ القَوْلِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.
واخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ المُحْزِنَ ما هو ؟
فَقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ ساحِرٌ وشاعِرٌ وكاهِنٌ ومَجْنُونٌ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يُصَرِّحُونَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ولا يَقْبَلُونَ دِينَهُ وشَرِيعَتَهُ.
وقِيلَ: كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى الكَذِبِ والِافْتِعالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ: ”لَيُحْزِنُكَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: حَزَنَنِي كَذا وأحْزَنَنِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ”فَإنَّهم لا يُكْذِبُونَكَ“ خَفِيفَةً والباقُونَ يُكَذِّبُونَكَ مُشَدَّدَةً وفي هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا ظاهِرًا ثُمَّ ذَكَرُوا في تَقْرِيرِ الفَرْقِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: كانَ الكِسائِيُّ يَقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ، ويَحْتَجُّ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ كَذَبْتَ الرَّجُلَ إذا نَسَبْتَهُ إلى الكَذِبِ وإلى صُنْعِهِ الأباطِيلَ مِنَ القَوْلِ، وأكْذَبْتَهُ إذا أخْبَرْتَ أنَّ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ كَذِبٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِافْتِعالِهِ وصُنْعِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى كَذَبْتُهُ قُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، ومَعْنى أكْذَبْتُهُ أنَّ الَّذِي أتى بِهِ كَذِبٌ في نَفْسِهِ مِن غَيْرِ ادِّعاءٍ أنَّ ذَلِكَ القائِلَ تَكَلَّفَ ذَلِكَ الكَذِبَ وأتى بِهِ عَلى سَبِيلِ الِافْتِعالِ والقَصْدِ فَكَأنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِافْتِعالِ والتَّرْوِيجِ بَلْ تَخَيَّلَ صِحَّةَ تِلْكَ النُّبُوَّةِ وتِلْكَ الرِّسالَةِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الَّذِي تَخَيَّلَهُ فَهو في نَفْسِهِ باطِلٌ.
والفَرْقُ الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى: ﴿لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أيْ لا يُصادِفُونَكَ كاذِبًا لِأنَّهم يَعْرِفُونَكَ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، كَما يُقالُ: أحْمَدْتُ الرَّجُلَ إذا أصَبْتَهُ مَحْمُودًا فَأحْبَبْتَهُ، وأحْسَنْتُ مَحْمَدَتَهُ إذا صادَفْتَهُ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا؛ لِأنَّ مَعْنى التَّفْعِيلِ النِّسْبَةُ إلى الكَذِبِ بِأنْ يَقُولَ لَهُ: كَذَبْتَ، كَما تَقُولُ: ذَنَّبْتُهُ وفَسَّقْتُهُ وخَطَّأْتُهُ، أيْ قُلْتُ لَهُ: فَعَلْتَ هَذِهِ الأشْياءَ، وسَقَّيْتُهُ ورَعَّيْتُهُ أيْ قُلْتُ لَهُ: سَقاكَ اللَّهُ ورَعاكَ، وقَدْ جاءَ في هَذا المَعْنى أفَعَلْتُهُ، قالُوا: أسْقَيْتُهُ. أيْ قُلْتُ لَهُ: سَقاكَ اللَّهُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
صفحة ١٦٩
وأسْقَيْتُهُ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
أيْ أنْسُبُهُ إلى السُّقْيا بِأنْ أقُولَ: سَقاكَ اللَّهُ. فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا، إلّا أنَّ فَعَّلْتُ إذا أرادُوا أنْ يَنْسُبُوهُ إلى أمْرٍ أكْثَرُ مِن أفْعَلْتُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ عَلى وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ ما كانُوا يُكَذِّبُونَهُ في السِّرِّ ولَكِنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَهُ في العَلانِيَةِ ويَجْحَدُونَ القُرْآنَ والنُّبُوَّةَ. ثُمَّ ذَكَرُوا لِتَصْحِيحِ هَذا الوَجْهِ رِواياتٍ:
إحْداها: أنَّ الحارِثَ بْنَ عامِرٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ: يا مُحَمَّدُ واللَّهِ ما كَذَبْتَنا قَطُّ ولَكِنّا إنِ اتَّبَعْناكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا فَنَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِكَ لِهَذا السَّبَبِ.
وثانِيها: رُوِيَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ قالَ لِأبِي جَهْلٍ: يا أبا الحَكَمِ أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ فَإنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا أحَدٌ غَيْرَنا ؟ فَقالَ لَهُ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ وما كَذَبَ قَطُّ ؟ ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّواءِ والسِّقايَةِ والحِجابَةِ والنُّبُوَّةِ فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ القَوْمَ لا يُكَذِّبُونَكَ بِقُلُوبِهِمْ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ نُبُوَّتَكَ بِألْسِنَتِهِمْ وظاهِرِ قَوْلِهِمْ، وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ مُوسى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] .
الوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنَّهم لا يَقُولُونَ إنَّكَ أنْتَ كَذّابٌ؛ لِأنَّهم جَرَّبُوكَ الدَّهْرَ الطَّوِيلَ والزَّمانَ المَدِيدَ وما وجَدُوا مِنكَ كَذِبًا البَتَّةَ، وسَمَّوْكَ بِالأمِينِ، فَلا يَقُولُونَ فِيكَ إنَّكَ كاذِبٌ ولَكِنْ جَحَدُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِكَ ورِسالَتِكَ، إمّا لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ مُحَمَّدًا عَرَضَ لَهُ نَوْعُ خَبَلٍ ونُقْصانٍ، فَلِأجْلِهِ تَخَيَّلَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ: لا يَنْسُبُونَهُ إلى الكَذِبِ أوْ لِأنَّهم قالُوا: إنَّهُ ما كَذَبَ في سائِرِ الأُمُورِ، بَلْ هو أمِينٌ في كُلِّها إلّا في هَذا الوَجْهِ الواحِدِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتِ المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ عَلى وفْقِ دَعْواهُ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ أصَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فاللَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: إنَّ القَوْمَ ما كَذَّبُوكَ، وإنَّما كَذَّبُونِي، ونَظِيرُهُ أنَّ رَجُلًا إذا أهانَ عَبْدًا لِرَجُلٍ آخَرَ، فَقالَ هَذا الآخَرُ: أيُّها العَبْدُ إنَّهُ ما أهانَكَ، وإنَّما أهانَنِي؛ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ نَفْيَ الإهانَةِ عَنْهُ بَلِ المَقْصُودُ تَعْظِيمُ الأمْرِ وتَفْخِيمُ الشَّأْنِ. وتَقْرِيرُهُ: أنَّ إهانَةَ ذَلِكَ العَبْدِ جارِيَةٌ مَجْرى إهانَتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] .
والوَجْهُ الرّابِعُ: في التَّأْوِيلِ وهو كَلامٌ خَطَرَ بِالبالِ، هو أنْ يُقالَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أيْ لا يَخُصُّونَكَ بِهَذا التَّكْذِيبِ بَلْ يُنْكِرُونَ دَلالَةَ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ مُطْلَقًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم يَقُولُونَ في كُلِّ مُعْجِزَةٍ إنَّها سِحْرٌ، ويُنْكِرُونَ دَلالَةَ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ عَلى الإطْلاقِ فَكانَ التَّقْدِيرُ: إنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ عَلى التَّعْيِينِ بَلِ القَوْمُ يُكَذِّبُونَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:34
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أزالَ الحُزْنَ عَنْ قَلْبِ رَسُولِهِ في الآيَةِ الأُولى بِأنْ بَيَّنَ أنَّ تَكْذِيبَهُ يَجْرِي مَجْرى تَكْذِيبِ اللَّهِ تَعالى فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقًا آخَرَ في إزالَةِ الحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، وذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ سائِرَ الأُمَمِ عامَلُوا أنْبِياءَهم بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلَةِ، وأنَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ صَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ حَتّى أتاهُمُ النَّصْرُ والفَتْحُ والظَّفَرُ فَأنْتَ أوْلى بِالتِزامِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِأنَّكَ مَبْعُوثٌ إلى جَمِيعِ العالَمِينَ، فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا تَظْفَرْ كَما ظَفِرُوا. ثُمَّ أكَّدَ وقَوّى تَعالى هَذا الوَعْدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّ وعْدَهُ إيّاكَ بِالنَّصْرِ حَقٌّ وصِدْقٌ، ولا يُمْكِنُ تَطَرُّقُ الخُلْفِ والتَّبْدِيلِ إلَيْهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] وقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وبِالجُمْلَةِ فالخُلْفُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ خَبَرُهم في القُرْآنِ كَيْفَ أنْجَيْناهم ودَمَّرْنا قَوْمَهم. قالَ الأخْفَشُ: ”مِن“ هَهُنا صِلَةٌ، كَما تَقُولُ أصابَنا مِن مَطَرٍ. وقالَ غَيْرُهُ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّها لا تُزادُ في الواجِبِ، وإنَّما تُزادُ مَعَ النَّفْيِ كَما تَقُولُ: ما أتانِي مِن أحَدٍ، وهي هَهُنا لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّ الواصِلَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَصُ بَعْضِ الأنْبِياءِ لا قَصَصُ كُلِّهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] وفاعِلُ: ”جاءَ“ مُضْمَرٌ أُضْمِرَ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا في خَلْقِ الأفْعالِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ وُقُوعِهِ، فَذَلِكَ الخَبَرُ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، وإذا امْتَنَعَ تَطْرَّقَ التَّغَيُّرُ إلى ذَلِكَ الخَبَرِ امْتَنَعَ تَطَرُّقُ التَّغَيُّرِ إلى المُخْبَرِ عَنْهُ. فَإذا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ كانَ تَرْكُ الكُفْرِ مِنهُ مُحالًا. فَكانَ تَكْلِيفُهُ بِالإيمانِ تَكْلِيفًا بِما لا يُطاقُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾
صفحة ١٧١
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ الحارِثَ بْنَ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ في نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِآيَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما كانَتِ الأنْبِياءُ تَفْعَلُ فَإنّا نُصَدِّقُ بِكَ، فَأبى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَهم بِها فَأعْرَضُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، والمَعْنى: وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم عَنِ الإيمانِ بِكَ وصِحَّةِ القُرْآنِ، فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فافْعَلْ.
فالجَوابُ مَحْذُوفٌ، وحَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ في النُّفُوسِ. والنَّفَقُ سَرَبٌ في الأرْضِ لَهُ مَخْلَصٌ إلى مَكانٍ آخَرَ، ومِنهُ نافِقاءُ اليَرْبُوعِ لِأنَّ اليَرْبُوعَ يَثْقُبُ الأرْضَ إلى العُقْرِ، ثُمَّ يَصْعَدُ مِن ذَلِكَ العُقْرِ إلى وجْهِ الأرْضِ مِن جانِبٍ آخَرَ، فَكَأنَّهُ يَنْفُقُ الأرْضَ نَفْقًا، أيْ يَجْعَلُ لَهُ مَنفَذًا مِن جانِبٍ آخَرَ. ومِنهُ أيْضًا سُمِّيَ المُنافِقُ مُنافِقًا لِأنَّهُ يُضْمِرُ غَيْرَ ما يُظْهِرُ كالنّافِقاءِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ اليَرْبُوعُ، وأمّا السُّلَّمُ فَهو مُشْتَقٌّ مِنَ السَّلامَةِ، وهو الشَّيْءُ الَّذِي يُسَلِّمُكَ إلى مَصْعَدِكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنْ يَقْطَعَ الرَّسُولُ طَمَعَهُ عَنْ إيمانِهِمْ، وأنْ لا يَتَأذّى بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ وإقْبالِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ تَقْدِيرُهُ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ هُداهم لَجَمَعَهم عَلى الهُدى وحَيْثُما جَمَعَهم عَلى الهُدى، وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ ما شاءَ هُداهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ بَلْ يُرِيدُ إبْقاءَهُ عَلى الكُفْرِ، والَّذِي يُقَرِّبُ هَذا الظّاهِرَ أنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ عَلى الكُفْرِ إمّا أنْ تَكُونَ صالِحَةً لِلْإيمانِ، أوْ غَيْرَ صالِحَةٍ لَهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لَهُ فالقُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْكُفْرِ، وغَيْرُ صالِحَةٍ لِلْإيمانِ، فَخالِقُ هَذِهِ القُدْرَةِ يَكُونُ قَدْ أرادَ هَذا الكُفْرَ مِنهُ لا مَحالَةَ، وأمّا إنْ كانَتْ هَذِهِ القُدْرَةُ، كَما أنَّها صَلَحَتْ لِلْكُفْرِ فَهي أيْضًا صالِحَةٌ لِلْإيمانِ، فَلَمّا اسْتَوَتْ نِسْبَةُ القُدْرَةِ إلى الطَّرَفَيْنِ امْتَنَعَ رُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ، إلّا لِداعِيَةٍ مُرَجِّحَةٍ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ، وإلّا وقَعَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وثَبَتَ أنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِيَةِ الحاصِلَةِ مُوجِبٌ لِلْفِعْلِ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ مَجْمُوعِ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِذَلِكَ الكُفْرِ مُرِيدٌ لِذَلِكَ الكُفْرِ، وغَيْرُ مُرِيدٍ لِذَلِكَ الإيمانِ. فَهَذا البُرْهانُ اليَقِينِيُّ قَوِيٌّ ظاهِرٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، ولا بَيانَ أقْوى مِن أنْ يَتَطابَقَ البُرْهانُ مَعَ ظاهِرِ القُرْآنِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يُلْجِئَهم إلى الإيمانِ لِجَمَعَهم عَلَيْهِ. قالَ القاضِي: والإلْجاءُ هو أنْ يُعْلِمَهم أنَّهم لَوْ حاوَلُوا غَيْرَ الإيمانِ لَمَنَعَهم مِنهُ، وحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُونَ مِن فِعْلِ شَيْءٍ غَيْرِ الإيمانِ. ومِثالُهُ: أنَّ أحَدَنا لَوْ حَصَلَ بِحَضْرَةِ السُّلْطانِ وحَضَرَ هُناكَ مِن حَشَمِهِ الجَمْعُ العَظِيمُ، وهَذا الرَّجُلُ عَلِمَ أنَّهُ لَوْ هَمَّ بِقَتْلِ السُّلْطانِ لَقَتَلُوهُ في الحالِ، فَإنَّ هَذا العِلْمَ يَصِيرُ مانِعًا لَهُ مِن قَصْدِ قَتْلِ ذَلِكَ السُّلْطانِ، ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَوْنِهِ مَلْجَأً إلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ فَكَذا هَهُنا.
إذا عَرَفْتَ الإلْجاءَ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى إنَّما تَرَكَ فِعْلَ هَذا الإلْجاءِ لِأنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ تَكْلِيفَهم فَيَكُونُ ما يَقَعُ مِنهم كَأنْ لَمْ يَقَعْ، وإنَّما أرادَ تَعالى أنْ يَنْتَفِعُوا بِما يَخْتارُونَهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ مِن جِهَةِ الوَصْلَةِ إلى الثَّوابِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا اخْتِيارًا.
والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهُمُ الإقْدامَ عَلى الإيمانِ حالَ كَوْنِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وإلى الكُفْرِ عَلى
صفحة ١٧٢
السَّوِيَّةِ أوْ حالَ حُصُولِ هَذا الرُّجْحانِ. والأوَّلُ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، لِأنَّ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ الرُّجْحانِ حالَ حُصُولِ الِاسْتِواءِ، تَكْلِيفٌ بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فالطَّرَفُ الرّاجِحُ يَكُونُ واجِبَ الوُقُوعِ، والطَّرَفُ المَرْجُوحُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ تُنافِي ما ذَكَرُوهُ مِنَ المُكْنَةِ والِاخْتِيارِ، فَسَقَطَ قَوْلُهم بِالكُلِّيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، وهَذا النَّهْيُ لا يَقْتَضِي إقْدامَهُ عَلى مَثَلِ هَذِهِ الحالَةِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٨] لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ أطاعَهم وقَبِلَ دِينَهم، والمَقْصُودُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَشْتَدَّ تَحَسُّرُكَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، ولا يَجُوزَ أنْ تَجْزَعَ مِن إعْراضِهِمْ عَنْكَ فَإنَّكَ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَرُبَ حالُكَ مِن حالِ الجاهِلِ، والمَقْصُودُ مِن تَغْلِيظِ الخِطابِ التَّبْعِيدُ والزَّجْرُ لَهُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ السَّبَبَ في كَوْنِهِمْ بِحَيْثُ لا يَقْبَلُونَ الإيمانَ ولا يَتْرُكُونَ الكُفْرَ فَقالَ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ تَحْرِصُ عَلى أنْ يُصَدِّقُوكَ بِمَنزِلَةِ المَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ، وإنَّما يَسْتَجِيبُ مَن يَسْمَعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: الفَرْقُ بَيْنَ يَسْتَجِيبُ ويُجِيبُ، أنَّ ”يَسْتَجِيبُ“ في قَبُولِهِ لِما دُعِيَ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ يُجِيبُ لِأنَّهُ قَدْ يُجِيبُ بِالمُخالَفَةِ كَقَوْلِ القائِلِ: أتُوافِقُ في هَذا المَذْهَبِ أمْ تُخالِفُ ؟ فَيَقُولُ المُجِيبُ: أُخالِفُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِقُدْرَتِهِ عَلى إلْجائِهِمْ إلى الِاسْتِجابَةِ والمُرادُ: أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ المَوْتى مِنَ القُبُورِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ لِلْجَزاءِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى إحْياءِ قُلُوبِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِحَياةِ الإيمانِ وأنْتَ لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: وهَؤُلاءِ المَوْتى يَعْنِي الكَفَرَةَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ، فَحِينَئِذٍ يَسْمَعُونَ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا سَبِيلَ إلى اسْتِماعِهِمْ، وقُرِئَ ”يَرْجِعُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ. وأقُولُ: لا شَكَّ أنَّ الجَسَدَ الخالِيَ عَنِ الرُّوحِ يَظْهَرُ مِنهُ النَّتَنُ والصَّدِيدُ والقَيْحُ وأنْواعُ العُفُوناتِ، وأصْلَحُ أحْوالِهِ أنْ يُدْفَنَ تَحْتَ التُّرابِ، وأيْضًا الرُّوحُ الخالِيَةُ عَنِ العَقْلِ يَكُونُ صاحِبُها مَجْنُونًا يَسْتَوْجِبُ القَيْدَ والحَبْسَ، والعَقْلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّوحِ كالرُّوحِ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَسَدِ، وأيْضًا العَقْلُ بِدُونِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وطاعَتِهِ كالضّائِعِ الباطِلِ، فَنِسْبَةُ التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ إلى العَقْلِ كَنِسْبَةِ العَقْلِ إلى الرُّوحِ، ونِسْبَةِ الرَّوْحِ إلى الجَسَدِ فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَحَبَّتُهُ رُوحُ رُوحِ الرُّوحِ فالنَّفْسُ الخالِيَةُ عَنْ هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَكُونُ بِصِفَةِ الأمْواتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وصَفَ اللَّهُ أُولَئِكَ الكُفّارَ المُصِرِّينَ بِأنَّهُمُ المَوْتى. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:37
صفحة ١٧٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعُ الرّابِعُ مِن شُبُهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهَلّا أنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةً قاهِرَةً ومُعْجِزَةً باهِرَةً !
ويُرْوى أنَّ بَعْضَ المُلْحِدَةِ طَعَنَ [ في كَوْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ أتى بِمُعْجِزَةٍ ] فَقالَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ أتى بِآيَةٍ مُعْجِزَةٍ لَما صَحَّ أنْ يَقُولَ أُولَئِكَ الكُفّارُ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ ولَما قالَ: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ .
والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ وبَيِّنَةٌ باهِرَةٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ ﷺ تَحَدّاهم بِهِ فَعَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا.
بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ؟
فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ طَعَنُوا في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا عَلى سَبِيلِ اللَّجاجِ والعِنادِ، وقالُوا: إنَّهُ مِن جِنْسِ الكُتُبِ، والكِتابُ لا يَكُونُ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ، كَما في التَّوْراةِ والزَّبُورِ والإنْجِيلِ، ولِأجْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ طَلَبُوا المُعْجِزَةَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم طَلَبُوا مُعْجِزاتٍ قاهِرَةً مِن جِنْسِ مُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ مِثْلَ فَلْقِ البَحْرِ وإظْلالِ الجَبَلِ وإحْياءِ المَوْتى.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهم طَلَبُوا مَزِيدَ الآياتِ والمُعْجِزاتِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ واللَّجاجِ مِثْلَ إنْزالِ المَلائِكَةِ وإسْقاطِ السَّماءِ كِسَفًا وسائِرِ ما حَكاهُ عَنِ الكافِرِينَ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مِمّا يَحْتَمِلُها لَفْظُ الآيَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ سُؤالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إيجادِ ما طَلَبْتُمُوهُ وتَحْصِيلِ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْزَلَ آيَةً باهِرَةً ومُعْجِزَةً قاهِرَةً وهي القُرْآنُ كانَ طَلَبُ الزِّيادَةِ جارِيًا مَجْرى التَّحَكُّمِ والتَّعَنُّتِ الباطِلِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الحُكْمُ والأمْرُ فَإنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، فَإنَّ فاعِلِيَّتَهُ لا تَكُونُ إلّا بِحَسَبِ مَحْضِ المَشِيئَةِ عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ، أوْ عَلى وفْقِ المَصْلَحَةِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّها لا تَكُونُ عَلى وفْقِ اقْتِراحاتِ النّاسِ ومُطالَباتِهِمْ، فَإنْ شاءَ أجابَهم إلَيْها، وإنْ شاءَ لَمْ يُجِبْهم إلَيْها.
والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ القاهِرَةُ والدَّلالَةُ الباهِرَةُ الكافِيَةُ لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَبَعْدَ ذَلِكَ لَوْ أجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ الِاقْتِراحِ فَلَعَلَّهم يَقْتَرِحُونَ اقْتِراحًا ثانِيًا، وثالِثًا، ورابِعًا، وهَكَذا إلى ما
صفحة ١٧٤
لا غايَةَ لَهُ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى أنْ لا يَسْتَقِرَّ الدَّلِيلُ ولا تَتِمَّ الحُجَّةُ، فَوَجَبَ في أوَّلِ الأمْرِ سَدُّ هَذا البابِ والِاكْتِفاءُ بِما سَبَقَ مِنَ المُعْجِزَةِ القاهِرَةِ والدَّلالَةِ الباهِرَةِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، فَلَوْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ ظُهُورِها لاسْتَحَقُّوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ، فاقْتَضَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ صَوْنَهم عَنْ هَذا البَلاءِ فَما أعْطاهم هَذا المَطْلُوبَ رَحْمَةً مِنهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا لا يَعْلَمُونَ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهم أنَّهم إنَّما يَطْلُبُونَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ لا لِطَلَبِ الفائِدَةِ بَلْ لِأجْلِ العِنادِ والتَّعَصُّبِ وعَلِمَ أنَّهُ تَعالى لَوْ أعْطاهم مَطْلُوبَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ، فَلِهَذا السَّبَبِ ما أعْطاهم مَطْلُوبَهم لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ هو أنَّ القَوْمَ لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لَمّا طَلَبُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والتَّعَصُّبِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعْطِيهِمْ مَطْلُوبَهم، ولَوْ كانُوا عالِمِينَ عاقِلِينَ لَطَلَبُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ طَلَبِ الفائِدَةِ، وحِينَئِذٍ كانَ اللَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ المَطْلُوبَ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.