Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الأنعام 6:125 – الأنعام 6:165

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الأنعام 6:125
  2. الأنعام 6:126
  3. الأنعام 6:127
  4. الأنعام 6:128
  5. الأنعام 6:129
  6. الأنعام 6:130
  7. الأنعام 6:131
  8. الأنعام 6:132
  9. الأنعام 6:133
  10. الأنعام 6:134
  11. الأنعام 6:135
  12. الأنعام 6:136
  13. الأنعام 6:137
  14. الأنعام 6:138
  15. الأنعام 6:139
  16. الأنعام 6:140
  17. الأنعام 6:141
  18. الأنعام 6:142
  19. الأنعام 6:143
  20. الأنعام 6:144
  21. الأنعام 6:145
  22. الأنعام 6:146
  23. الأنعام 6:147
  24. الأنعام 6:148
  25. الأنعام 6:149
  26. الأنعام 6:150
  27. الأنعام 6:151
  28. الأنعام 6:152
  29. الأنعام 6:153
  30. الأنعام 6:154
  31. الأنعام 6:155
  32. الأنعام 6:156
  33. الأنعام 6:157
  34. الأنعام 6:158
  35. الأنعام 6:159
  36. الأنعام 6:160
  37. الأنعام 6:161
  38. الأنعام 6:162
  39. الأنعام 6:163
  40. الأنعام 6:164
  41. الأنعام 6:165

الأنعام 6:125

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ الضَّلالَ والهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَما أنَّ لَفْظَها يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا، فَلَفْظُها أيْضًا يَدُلُّ عَلى الدَّلِيلِ القاطِعِ العَقْلِيِّ الَّذِي في هَذِهِ المَسْألَةِ، وبَيانُهُ أنَّ العَبْدَ قادِرٌ عَلى الإيمانِ وقادِرٌ عَلى الفِكْرِ، فَقُدْرَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ حاصِلَةٌ عَلى السَّوِيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ صُدُورُ الإيمانِ عَنْهُ بَدَلًا مِنَ الكُفْرِ أوِ الكُفْرِ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ، إلّا إذا حَصَلَ في القَلْبِ داعِيَةٌ إلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ مِرارًا كَثِيرَةً في هَذا الكِتابِ، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ لا مَعْنى لَها إلّا عِلْمُهُ أوِ اعْتِقادُهُ أوْ ظَنُّهُ بِكَوْنِ ذَلِكَ الفِعْلِ مُشْتَمِلًا عَلى مَصْلَحَةٍ زائِدَةٍ ومَنفَعَةٍ راجِحَةٍ، فَإنَّهُ إذا حَصَلَ هَذا المَعْنى في القَلْبِ دَعاهُ ذَلِكَ إلى فِعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وإنْ حَصَلَ في القَلْبِ عِلْمٌ أوِ اعْتِقادٌ أوْ ظَنٌّ بِكَوْنِ ذَلِكَ الفِعْلِ مُشْتَمِلًا عَلى ضَرَرٍ زائِدٍ ومَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ دَعاهُ ذَلِكَ إلى تَرْكِهِ، وبَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الدَّواعِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي يُوجِبُ الفِعْلَ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: يَسْتَحِيلُ أنْ يَصْدُرَ الإيمانُ عَنِ العَبْدِ إلّا إذا خَلَقَ اللَّهُ في قَلْبِهِ اعْتِقادَ أنَّ الإيمانَ راجِحُ المَنفَعَةِ زائِدُ المَصْلَحَةِ، وإذا حَصَلَ في القَلْبِ هَذا الِاعْتِقادُ مالَ القَلْبُ، وحَصَلَ في النَّفْسِ رَغْبَةٌ شَدِيدَةٌ في تَحْصِيلِهِ، وهَذا هو انْشِراحُ الصَّدْرِ لِلْإيمانِ. فَأمّا إذا حَصَلَ في القَلْبِ اعْتِقادُ أنَّ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ مَثَلًا سَبَبُ مَفْسَدَةٍ عَظِيمَةٍ في الدِّينِ والدُّنْيا، ويُوجِبُ المَضارَّ الكَثِيرَةَ فَعِنْدَ هَذا يَتَرَتَّبُ عَلى حُصُولِ هَذا الِاعْتِقادِ نَفْرَةٌ شَدِيدَةٌ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا هو المُرادُ مِن أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: أنَّ مَن أرادَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ الإيمانَ قَوّى دَواعِيَهُ إلى الإيمانِ، ومَن أرادَ اللَّهُ مِنهُ الكُفْرَ صفحة ١٤٦ قَوّى صَوارِفَهُ عَنِ الإيمانِ، وقَوّى دَواعِيَهُ إلى الكُفْرِ. ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، وإذا انْطَبَقَ قاطِعُ البُرْهانِ عَلى صَرِيحِ لَفْظَةِ القُرْآنِ، فَلَيْسَ وراءَهُ بَيانٌ ولا بُرْهانٌ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَنا في هَذِهِ الآيَةِ مَقامانِ: المَقامُ الأوَّلُ: بَيانُ أنَّهُ لا دَلالَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِكم. المَقامُ الثّانِي: مَقامُ التَّأْوِيلِ المُطابِقِ لِمَذْهَبِنا وقَوْلِنا. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَ فِيها أنَّهُ تَعالى أضَلَّ قَوْمًا أوْ يُضِلُّهُمْ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِن أنَّهُ مَتى أرادَ أنْ يَهْدِيَ إنْسانًا فَعَلَ بِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، وإذا أرادَ إضْلالَهُ فَعَلَ بِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ ذَلِكَ أوْ لا يُرِيدُهُ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ اللَّهْوَ لَوْ أرادَهُ، ولا خِلافَ أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ ذَلِكَ ولا يَفْعَلُهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ عَنِ الإسْلامِ، بَلْ قالَ: ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ المُرادَ ؟ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ عَنِ الإيمانِ. والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آخِرِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ بِهَذا الكافِرِ جَزاءً عَلى كُفْرِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ، فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ فَهَذا يُشْعِرُ بِأنَّ جَعْلَ الصَّدْرِ ضَيِّقًا حَرَجًا يَتَقَدَّمُ حُصُولُهُ عَلى حُصُولِ الضَّلالَةِ، وأنَّ لِحُصُولِ ذَلِكَ المُتَقَدِّمِ أثَرًا في حُصُولِ الضَّلالِ وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ. أمّا عِنْدَنا: فَلا نَقُولُ بِهِ. وأمّا عِنْدَكم: فَلِأنَّ المُقْتَضى لِحُصُولِ الجَهْلِ والضَّلالِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُهُ فِيهِ لِقُدْرَتِهِ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى قَوْلِكم. أمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِقَوْلِنا، فَتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو الَّذِي اخْتارَهُ الجًبّائِيُّ، ونَصَرَهُ القاضِي، فَنَقُولُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ومَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ حَتّى يَثْبُتَ عَلَيْهِ، ولا يَزُولَ عَنْهُ، وتَفْسِيرُ هَذا الشَّرْحِ هو أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ بِهِ ألْطافًا تَدْعُوهُ إلى البَقاءِ عَلى الإيمانِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، وفي هَذا النَّوْعِ ألْطافٌ لا يُمْكِنُ فِعْلُها بِالمُؤْمِنِ، إلّا بَعْدَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، وهي بَعْدَ أنْ يَصِيرَ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا يَدْعُوهُ إلى البَقاءِ عَلى الإيمانِ والثَّباتِ عَلَيْهِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] وبِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] فَإذا آمَنَ عَبْدٌ وأرادَ اللَّهُ ثَباتَهُ فَحِينَئِذٍ يَشْرَحُ صَدْرَهُ، أيْ يَفْعَلُ بِهِ الألْطافَ الَّتِي تَقْتَضِي ثَباتَهُ عَلى الإيمانِ ودَوامَهُ عَلَيْهِ. فَأمّا إذا كَفَرَ وعانَدَ، وأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُلْقِي في صَدْرِهِ الضِّيقَ والحَرَجَ. ثُمَّ سَألَ الجُبّائِيُّ نَفْسَهُ وقالَ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ ونَجِدُ الكُفّارَ طَيِّبِي النُّفُوسَ لا غَمَّ لَهُمُ البَتَّةَ ولا حَزَنَ ؟ وأجابَ عَنْهُ: بِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُخْبِرْ بِأنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ فَلا يَمْتَنِعُ كَوْنُهم في بَعْضِ الأوْقاتِ طَيِّبِي القُلُوبِ. وسَألَ القاضِي نَفْسَهُ عَلى هَذا الجَوابِ سُؤالًا آخَرَ فَقالَ: فَيَجِبُ أنْ تَقْطَعُوا في كُلِّ كافِرٍ بِأنَّهُ صفحة ١٤٧ يَجِدُ مِن نَفْسِهِ ذَلِكَ الضِّيقَ والحَرَجَ في بَعْضِ الأوْقاتِ. وأجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: وكَذَلِكَ نَقُولُ، ودَفْعُ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ خُصُوصًا عِنْدَ وُرُودِ أدِلَّةِ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ ظُهُورِ نُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعِنْدَ ظُهُورِ الذِّلَّةِ والصَّغارِ فِيهِمْ، هَذا غايَةُ تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ. والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ قالُوا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ إلى الجَنَّةِ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ؟ أيْ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي يَهْدِيهِ فِيهِ إلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا رَأى أنَّ بِسَبَبِ الإيمانِ وجَدَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ العالِيَةَ، والمَرْتَبَةَ الشَّرِيفَةَ يَزْدادُ رَغْبَةً في الإيمانِ، ويَحْصُلُ في قَلْبِهِ مَزِيدُ انْشِراحٍ ومَيْلٍ إلَيْهِ، ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، فَفي ذَلِكَ الوَقْتِ يُضَيِّقُ صَدْرَهُ، ويُحْرِجُ صَدْرَهُ بِسَبَبِ الحُزْنِ الشَّدِيدِ الَّذِي نالَهُ عِنْدَ الحِرْمانِ مِنَ الجَنَّةِ والدُّخُولِ في النّارِ. قالُوا: فَهَذا وجْهٌ قَرِيبٌ واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ أنْ يُقالَ: حَصَلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، فَيَكُونُ المَعْنى مَن شَرَحَ صَدْرَ نَفْسِهِ بِالإيمانِ فَقَدْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ أيْ يَخُصَّهُ بِالألْطافِ الدّاعِيَةِ إلى الثَّباتِ عَلى الإيمانِ، أوْ يَهْدِيَهُ بِمَعْنى أنَّهُ يَهْدِيهِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ومَن جُعِلَ صَدْرُهُ ضَيِّقًا حَرَجًا عَنِ الإيمانِ، فَقَدْ أرادَ اللَّهُ أنْ يُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أوْ يُضِلَّهُ بِمَعْنى أنَّهُ يَحْرِمُهُ عَنِ الألْطافِ الدّاعِيَةِ إلى الثَّباتِ عَلى الإيمانِ، فَهَذا هو مَجْمُوعُ كَلامِهِمْ في هَذا البابِ. والجَوابُ عَمّا قالُوهُ أوَّلًا: مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُضِلُّهُ، بَلِ المَذْكُورُ فِيهِ أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ يُضِلَّهُ لَفَعَلَ كَذا وكَذا. فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ الإضْلالَ لِأنَّ حَرْفَ ”الكافِ“ في قَوْلِهِ: (كَذَلِكَ) يُفِيدُ التَّشْبِيهَ، والتَّقْدِيرُ: وكَما جَعَلْنا ذَلِكَ الضِّيقَ والحَرَجَ في صَدْرِهِ، فَكَذَلِكَ نَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. والجَوابُ عَمّا قالُوهُ ثانِيًا وهو قَوْلُهُ: ومَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُضِلَّهُ عَنِ الدِّينِ. فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾ هو أنَّهُ يُضِلُّهُ عَنِ الدِّينِ. والجَوابُ عَمّا قالُوهُ ثالِثًا: مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يُلْقِي ذَلِكَ الضِّيقَ والحَرَجَ في صُدُورِهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ. فَنَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وإذا حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ، سَقَطَ ما ذَكَرُوهُ. والجَوابُ عَمّا قالُوهُ رابِعًا: مِن أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ضِيقُ الصَّدْرِ وحَرَجُهُ شَيْئًا مُتَقَدِّمًا عَلى الضَّلالِ ومُوجِبًا لَهُ. فَنَقُولُ: الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَ في قَلْبِهِ اعْتِقادًا بِأنَّ الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ يُوجِبُ الذَّمَّ في الدُّنْيا والعُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، فَهَذا الِاعْتِقادُ يُوجِبُ إعْراضَ النَّفْسِ ونُفُورَ القَلْبِ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ الإيمانِ ويَحْصُلُ في ذَلِكَ القَلْبِ نَفْرَةٌ ونَبْوَةٌ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ الإيمانِ، وهَذِهِ الحالَةُ شَبِيهَةٌ بِالضِّيقِ الشَّدِيدِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ إذا كانَ ضَيِّقًا صفحة ١٤٨ لَمْ يَقْدِرِ الدّاخِلُ عَلى أنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ القَلْبُ إذا حَصَلَ فِيهِ هَذا الِاعْتِقادُ امْتَنَعَ دُخُولُ الإيمانِ فِيهِ، فَلِأجْلِ حُصُولِ هَذِهِ المُشابَهَةِ مِن هَذا الوَجْهِ، أُطْلِقَ لَفْظُ الضِّيقِ والحَرَجِ عَلَيْهِ، فَقَدْ سَقَطَ هَذا الكَلامُ. وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: مِنَ التَّأْوِيلاتِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرُوها. فالجَوابُ عَنْهُ: أنَّ حاصِلَ ذَلِكَ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى تَفْصِيلِ الضِّيقِ والحَرَجِ بِاسْتِيلاءِ الغَمِّ والحُزْنِ عَلى قَلْبِ الكافِرِ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى مَيَّزَ الكافِرَ عَنِ المُؤْمِنِ بِهَذا الضِّيقِ والحَرَجِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ حُصُولَ الغَمِّ والحُزْنِ في قَلْبِ الكافِرِ، لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ما يَحْصُلُ في قَلْبِ الكافِرِ مِنَ الغُمُومِ والهُمُومِ والأحْزانِ أزْيَدَ مِمّا يَحْصُلُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ زِيادَةً يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ الأمْرُ في حُزْنِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ عَلى السَّوِيَّةِ، بَلِ الحُزْنُ والبَلاءُ في حَقِّ المُؤْمِنِ أكْثَرُ. قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ بِالأوْلِياءِ ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “ . وأمّا الوَجْهُ الثّانِي مِنَ التَّأْوِيلاتِ الثَّلاثَةِ فَهو أيْضًا مَدْفُوعٌ؛ لِأنَّهُ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى إيضاحِ الواضِحاتِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كُلَّ مَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى الجَنَّةِ بِسَبَبِ الإيمانِ فَإنَّهُ يَفْرَحُ بِسَبَبِ تِلْكَ الهِدايَةِ ويَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لِلْإيمانِ مَزِيدَ انْشِراحٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾ [الزخرف: ٣٣] المُرادُ مَن يُضِلُّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ فَإنَّهُ يَضِيقُ قَلْبُهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَإنَّ حُصُولَ هَذا المَعْنى مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ إخْراجٌ لِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ الفائِدَةِ. وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فَهو يَقْتَضِي تَفْكِيكَ نَظْمِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي أنْ يَحْصُلَ انْشِراحُ الصَّدْرِ مِن قِبَلِ اللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُصُولُ الهِدايَةِ والإيمانِ، وأنْتُمْ عَكَسْتُمُ القَضِيَّةَ فَقُلْتُمُ: العَبْدُ يَجْعَلُ نَفْسَهُ أوَّلًا مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ يَهْدِيهِ، بِمَعْنى أنَّهُ يَخُصُّهُ بِمَزِيدِ الألْطافِ الدّاعِيَةِ لَهُ إلى الثَّباتِ عَلى الإيمانِ، والدَّلائِلُ اللَّفْظِيَّةُ إنَّما يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِها إذا أبْقَيْنا ما فِيها مِنَ التَّرْكِيباتِ والتَّرْتِيباتِ فَأمّا إذا أبْطَلْناها وأزَلْناها لَمْ يُمْكِنِ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنها أصْلًا، وفَتْحُ هَذا البابِ يُوجِبُ أنْ لا يُمْكِنَ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ، وإنَّهُ طَعْنٌ في القُرْآنِ وإخْراجٌ لَهُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً، فَهَذا هو الكَلامُ الفَصْلُ في هَذِهِ السُّؤالاتِ، ثُمَّ إنّا نَخْتِمُ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ القاهِرَةِ، وهي أنّا بَيَّنّا أنَّ فِعْلَ الإيمانِ يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ يَحْصُلَ في القَلْبِ داعِيَةٌ جازِمَةٌ إلى فِعْلِ الإيمانِ، وفاعِلُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جانِبِ الكُفْرِ، ولَفْظُ الآيَةِ مُنْطَبِقٌ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ فَمَن يُرِدِ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهُ قَوّى في قَلْبِهِ ما يَدْعُوهُ إلى الإيمانِ، ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ ألْقى في قَلْبِهِ ما يَصْرِفُهُ عَنِ الإيمانِ ويَدْعُوهُ إلى الكُفْرِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ الأمْرَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَجَمِيعُ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ السُّؤالاتِ ساقِطٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ، أمّا شَرْحُ الصَّدْرِ فَفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ فانْشَرَحَ أيْ وسَّعَ صَدْرَهُ لِقَبُولِ ذَلِكَ الأمْرِ فَتَوَسَّعَ. أقُولُ: إنِ اللَّيْثَ فَسَّرَ شَرْحَ الصَّدْرِ بِتَوْسِيعِ الصَّدْرِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنْ يُوَسِّعَ صَدْرَهُ عَلى سَبِيلِ صفحة ١٤٩ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ أنَّ ذَلِكَ مُحالٌ، بَلْ لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ تَوْسِيعِ الصَّدْرِ فَنَقُولُ: تَحْقِيقُهُ ما ذَكَرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ ولا بَأْسَ بِإعادَتِهِ، فَنَقُولُ إذا اعْتَقَدَ الإنْسانُ في عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ أنَّ نَفْعَهُ زائِدٌ وخَيْرَهُ راجِحٌ، مالَ طَبْعُهُ إلَيْهِ، وقَوِيَتْ رَغْبَتُهُ في حُصُولِهِ وحَصَلَ في القَلْبِ اسْتِعْدادٌ شَدِيدٌ لِتَحْصِيلِهِ، فَتُسَمّى هَذِهِ الحالَةُ بِسِعَةِ النَّفْسِ، وإذا اعْتَقَدَ في عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ أنَّ شَرَّهُ زائِدٌ وضَرَرَهُ راجِحٌ عَظُمَتِ النَّفْرَةُ عَنْهُ، وحَصَلَ في الطَّبْعِ نَفْرَةٌ ونَبْوَةٌ عَنْ قَبُولِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الطَّرِيقَ إذا كانَ ضَيِّقًا لَمْ يَتَمَكَّنِ الدّاخِلُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ، وإذا كانَ واسِعًا قَدَرَ الدّاخِلُ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ، فَإذا حَصَلَ اعْتِقادٌ أنَّ الأمْرَ الفُلانِيَّ زائِدُ النَّفْعِ والخَيْرِ وحَصَلَ المَيْلُ إلَيْهِ، فَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ المَيْلُ في ذَلِكَ القَلْبِ، فَقِيلَ: اتَّسَعَ الصَّدْرُ لَهُ، وإذا حَصَلَ اعْتِقادٌ أنَّهُ زائِدُ الضَّرَرِ والمَفْسَدَةِ لَمْ يَحْصُلْ في القَلْبِ مَيْلٌ إلَيْهِ فَقِيلَ إنَّهُ ضَيِّقٌ فَقَدْ صارَ الصَّدْرُ شَبِيهًا بِالطَّرِيقِ الضَّيِّقِ الَّذِي لا يُمْكِنُ الدُّخُولُ فِيهِ، فَهَذا تَحْقِيقُ الكَلامِ في سِعَةِ الصَّدْرِ وضِيقِهِ. والوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الشَّرْحِ يُقالُ: شَرَحَ فُلانٌ أمْرَهُ إذا أظْهَرَهُ وأوْضَحَهُ وشَرَحَ المَسْألَةَ إذا كانَتْ مُشْكِلَةً فَبَيَّنَها. واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الشَّرْحِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالجانِبِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ وارِدٌ في الإسْلامِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] وفي الكُفْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يَقْذِفُ فِيهِ نُورًا حَتّى يَنْفَسِحَ ويَنْشَرِحَ“ فَقِيلَ لَهُ وهَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ“» وأقُولُ: هَذا الحَدِيثُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ شَرْحِ اللَّهِ الصَّدْرَ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الإنْسانَ إذا تَصَوَّرَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِعَمَلِ الآخِرَةِ زائِدُ النَّفْعِ والخَيْرِ، وأنَّ الِاشْتِغالَ بِعَمَلِ الدُّنْيا زائِدُ الضَّرَرِ والشَّرِّ، فَإذا حَصَلَ الجَزْمُ بِذَلِكَ إمّا بِالبُرْهانِ أوْ بِالتَّجْرِبَةِ أوِ التَّقْلِيدِ لا بُدَّ وأنْ يَتَرَتَّبَ عَلى حُصُولِ هَذا الِاعْتِقادِ حُصُولُ الرَّغْبَةِ في الآخِرَةِ، وهو المُرادُ مِنَ الإنابَةِ إلى دارِ الخُلُودِ والنَّفْرَةِ عَنْ دارِ الدُّنْيا، وهو المُرادُ مِنَ التَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، وأمّا الِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرَيْنِ، أعْنِي النَّفْرَةَ عَنِ الدُّنْيا والرَّغْبَةَ في الآخِرَةِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الدّاعِي إلى الفِعْلِ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ قَبْلَ حُصُولِ الفِعْلِ، وشَرْحُ الصَّدْرِ لِلْإيمانِ عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ الدّاعِي إلى الإيمانِ، فَلِهَذا المَعْنى أشْعَرَ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ مُتَقَدِّمٌ عَلى حُصُولِ الإسْلامِ، وكَذا القَوْلُ في جانِبِ الكُفْرِ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”ضَيْقًا“ ساكِنَةَ الياءِ وكَذا في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ مُشَدَّدَةَ الياءِ مَكْسُورَةً، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُشَدَّدُ والمُخَفَّفُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَسَيِّدٍ وسَيْدٍ، وهَيِّنٍ وهَيْنٍ ولَيِّنٍ ولَيْنٍ، ومَيِّتٍ ومَيْتٍ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”حَرِجًا“ بِكَسْرِ الرّاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها قالَ الفَرّاءُ: وهو في كَسْرِهِ ونَصْبِهِ بِمَنزِلَةِ الوَجَلِ والوَجِلِ، والقَرَدِ والقَرِدِ، والدَّنَفِ والدَّنِفِ. قالَ الزَّجّاجُ: الحَرَجُ في اللُّغَةِ أضْيَقُ الضِّيقِ ومَعْناهُ: أنَّهُ ضَيِّقٌ جِدًّا، فَمَن قالَ: إنَّهُ رَجُلٌ حَرَجُ الصَّدْرِ بِفَتْحِ الرّاءِ فَمَعْناهُ: ذُو حَرَجٍ في صَدْرِهِ، ومَن قالَ: حَرِجَ جَعَلَهُ فاعِلًا، وكَذَلِكَ رَجُلٌ دَنَفٌ ذُو دَنَفٍ، ودَنِفٌ نَعْتٌ. صفحة ١٥٠ البَحْثُ الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: الحَرِجُ، بِكَسْرِ الرّاءِ الضَّيِّقُ، والحَرَجُ بِالفَتْحِ جَمْعُ حَرَجَةٍ، وهو المَوْضِعُ الكَثِيرُ الأشْجارِ الَّذِي لا تَنالُهُ الرّاعِيَةُ. وحَكى الواحِدِيُّ في هَذا البابِ حِكايَتَيْنِ: إحْداهُما: رُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: هَلْ هاهُنا أحَدٌ مِن بَنِي بَكْرٍ. قالَ رَجُلٌ: نَعَمْ. قالَ: ما الحَرَجَةُ فِيكم. قالَ: الوادِي الكَثِيرُ الشَّجَرِ المُشْتَبِكُ الَّذِي لا طَرِيقَ فِيهِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذَلِكَ قَلْبُ الكافِرِ. والثّانِيَةُ: رَوى الواحِدِيُّ عَنْ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ قالَ: قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: ائْتُونِي بِرَجُلٍ مِن كِنانَةَ جَعَلُوهُ راعِيًا فَأتَوْا بِهِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا فَتى ما الحَرَجَةُ فِيكم. قالَ: الحَرَجَةُ فِينا الشَّجَرَةُ تُحْدِقُ بِها الأشْجارُ فَلا يَصِلُ إلَيْها راعِيَةٌ ولا وحْشِيَّةٌ. فَقالَ عُمَرُ: كَذَلِكَ قَلْبُ الكافِرِ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرِ ”يَصْعَدُ“ ساكِنَةَ الصّادِ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”يَصّاعَدُ“ بِالألِفِ وتَشْدِيدِ الصّادِ بِمَعْنى يَتَصاعَدُ، والباقُونَ ”يَصَّعَّدُ“ بِتَشْدِيدِ الصّادِ والعَيْنِ بِغَيْرِ ألِفٍ، أمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ”يَصْعَدُ“ فَهي مِنَ الصُّعُودِ، والمَعْنى: أنَّهُ في نُفُورِهِ عَنِ الإسْلامِ وثِقَلِهِ عَلَيْهِ بِمَنزِلَةِ مِن تَكَلَّفَ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ، فَكَما أنَّ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ ثَقِيلٌ عَلى القَلْبِ، فَكَذَلِكَ الإيمانُ ثَقِيلٌ عَلى قَلْبِ الكافِرِ، وأمّا قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ ”يَصّاعَدُ“ فَهو مِثْلُ يَتَصاعَدُ. وأمّا قِراءَةُ الباقِينَ ”يَصَّعَّدُ“ فَهي بِمَعْنى يَتَصَعَّدُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ ومَعْنى يَتَصَعَّدُ يَتَكَلَّفُ ما يَثْقُلُ عَلَيْهِ. البَحْثُ الثّانِي: في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّشْبِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: كَما أنَّ الإنْسانَ إذا كُلِّفَ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ ثَقُلَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ، وعَظُمَ وصَعُبَ عَلَيْهِ، وقَوِيَتْ نَفْرَتُهُ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ الكافِرُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ الإيمانُ وتَعْظُمُ نَفْرَتُهُ عَنْهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّ قَلْبَهُ يَنْبُو عَنِ الإسْلامِ ويَتَباعَدُ عَنْ قَبُولِ الإيمانِ، فَشَبَّهَ ذَلِكَ البُعْدَ بِبُعْدِ مَن يَصْعَدُ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: الكافُ في قَوْلِهِ: (كَذَلِكَ) يُفِيدُ التَّشْبِيهَ بِشَيْءٍ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَيْهِمْ كَجَعْلِهِ ضِيقَ الصَّدْرِ في قُلُوبِهِمْ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ التَّقْدِيرُ: مِثْلُ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ، يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ. البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ ”الرِّجْسِ“ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الشَّيْطانُ يُسَلِّطُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: ”الرِّجْسُ“ ما لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ عَطاءٌ: ”الرِّجْسُ“ العَذابُ. وقالَ الزَّجّاجُ: ”الرِّجْسُ“ اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ. ولْنَخْتِمْ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ بِما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ تَذاكَرْنا في أمْرِ القَدَرِيَّةِ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ. فَقالَ: لُعِنَتِ القَدَرِيَّةُ عَلى لِسانِ سَبْعِينَ نَبِيًّا، مِنهم نَبِيُّنا ﷺ . فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ، وقَدْ جُمِعَ النّاسُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الكُلُّ أيْنَ خُصَماءُ اللَّهِ فَتَقُومُ القَدَرِيَّةُ، وقَدْ أوْرَدَ القاضِي هَذا الحَدِيثَ في تَفْسِيرِهِ. وقالَ: هَذا الحَدِيثُ مِن أقْوى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ القَدَرِيَّةَ هُمُ الَّذِينَ يَنْسِبُونَ أفْعالَ العِبادِ إلى اللَّهِ تَعالى قَضاءً وقَدَرًا صفحة ١٥١ وخَلْقًا؛ لِأنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ، هم خُصَماءُ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ لِلَّهِ أيُّ ذَنْبٍ لَنا حَتّى تُعاقِبَنا، وأنْتَ الَّذِي خَلَقْتَهُ فِينا وأرَدْتَهُ مِنّا، وقَضَيْتَهُ عَلَيْنا، ولَمْ تَخْلُقْنا إلّا لَهُ، وما يَسَّرْتَ لَنا غَيْرَهُ ؟ فَهَؤُلاءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا خُصَماءَ اللَّهِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحُجَّةِ. أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ مَكَّنَ وأزاحَ العِلَّةَ، وإنَّما أتى العَبْدُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، فَكَلامُهُ مُوافِقٌ لِما يُعامَلُ بِهِ مِن إنْزالِ العُقُوبَةِ، فَلا يَكُونُونَ خُصَماءَ اللَّهِ، بَلْ يَكُونُونَ مُنْقادِينَ لِلَّهِ، هَذا كَلامُ القاضِي وهو عَجِيبٌ جِدًّا، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُقالُ لَهُ: يَبْعُدُ مِنكَ أنَّكَ ما عَرَفْتَ مِن مَذاهِبِ خُصُومِكَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ ولا اسْتِحْقاقٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ في العَبْدِ فَهو حِكْمَةٌ وصَوابٌ، ولَيْسَ لِلْعَبْدِ عَلى الرَّبِّ اعْتِراضٌ ولا مُناظَرَةٌ، فَكَيْفَ يَصِيرُ الإنْسانُ الَّذِي هَذا دِينُهُ واعْتِقادُهُ خَصْمًا لِلَّهِ تَعالى. أمّا الَّذِينَ يَكُونُونَ خُصَماءَ لِلَّهِ فَهُمُ المُعْتَزِلَةُ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ وُجُوبَ الثَّوابِ والعِوَضِ، ويَقُولُ: لَوْ لَمْ تُعْطِنِي ذَلِكَ لَخَرَجْتَ عَنِ الإلَهِيَّةِ وصِرْتَ مَعْزُولًا عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ وصِرْتَ مِن جُمْلَةِ السُّفَهاءِ، فَهَذا الَّذِي مَذْهَبُهُ واعْتِقادُهُ ذَلِكَ هو الخَصْمُ لِلَّهِ تَعالى. والثّانِي: أنَّ مَن واظَبَ عَلى الكُفْرِ سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ إنَّهُ في آخِرِ زَمَنِ حَياتِهِ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ القَلْبِ، ثُمَّ ماتَ، ثُمَّ إنَّ رَبَّ العالَمِينَ أعْطاهُ النِّعَمَ الفائِقَةَ والدَّرَجاتِ الزّائِدَةَ ألْفَ ألْفِ سَنَةٍ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَقْطَعَ تِلْكَ النِّعَمَ عَنْهُ لَحْظَةً واحِدَةً، فَذَلِكَ العَبْدُ يَقُولُ: أيُّها الإلَهُ إيّاكَ، ثُمَّ إيّاكَ أنْ تَتْرُكَ ذَلِكَ لَحْظَةً واحِدَةً، فَإنَّكَ إنْ تَرَكْتَهُ لَحْظَةً واحِدَةً صِرْتَ مَعْزُولًا عَنِ الإلَهِيَّةِ، والحاصِلُ: أنَّ إقْدامَ ذَلِكَ العَبْدِ عَلى ذَلِكَ الإيمانِ لَحْظَةً واحِدَةً أوْجَبَ عَلى الإلَهِ إيصالَ تِلْكَ النِّعَمِ مُدَّةً لا آخِرَ لَها، ولا طَرِيقَ لَهُ البَتَّةَ إلى الخَلاصِ عَنْ هَذِهِ العُهْدَةِ، فَهَذا هو الخُصُومَةُ. أمّا مَن يَقُولُ إنَّهُ لا حَقَّ لِأحَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلى اللَّهِ تَعالى. وكُلُّ ما يُوصَلُ إلَيْهِمْ مِنَ الثَّوابِ فَهو تَفَضُّلٌ وإحْسانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا لا يَكُونُ خَصْمًا. والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ هَذِهِ الخُصُومَةِ ما حُكِيَ أنَّ الشَّيْخَ أبا الحَسَنِ الأشْعَرِيَّ لَمّا فارَقَ مَجْلِسَ أُسْتاذِهِ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ وتَرَكَ مَذْهَبَهُ وكَثُرَ اعْتِراضُهُ عَلى أقاوِيلِهِ عَظُمَتِ الوَحْشَةُ بَيْنَهُما فاتَّفَقَ أنَّ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ عَقَدَ الجُبّائِيُّ مَجْلِسَ التَّذْكِيرِ وحَضَرَ عِنْدَهُ عالَمٌ مِنَ النّاسِ، وذَهَبَ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ إلى ذَلِكَ المَجْلِسِ، وجَلَسَ في بَعْضِ الجَوانِبِ مُخْتَفِيًا عَنِ الجُبّائِيِّ، وقالَ لِبَعْضِ مَن حَضَرَ هُناكَ مِنَ العَجائِزِ إنِّي أُعَلِّمُكِ مَسْألَةً فاذْكُرِيها لِهَذا الشَّيْخِ قُولِي لَهُ: كانَ لِي ثَلاثَةٌ مِنَ البَنِينَ واحِدٌ كانَ في غايَةِ الدِّينِ والزُّهْدِ، والثّانِي كانَ في غايَةِ الكُفْرِ والفِسْقِ، والثّالِثُ كانَ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ، فَماتُوا عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ فَأخْبِرْنِي أيُّها الشَّيْخُ عَنْ أحْوالِهِمْ. فَقالَ الجُبّائِيُّ: أمّا الزّاهِدُ، فَفي دَرَجاتِ الجَنَّةِ، وأمّا الكافِرُ، فَفي دَرَكاتِ النّارِ، وأمّا الصَّبِيُّ، فَمِن أهْلِ السَّلامَةِ. قالَ قُولِي لَهُ: لَوْ أنَّ الصَّبِيَّ أرادَ أنْ يَذْهَبَ إلى تِلْكَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيها أخُوهُ الزّاهِدُ هَلْ يُمْكِنُ مِنهُ. فَقالَ الجُبّائِيُّ: لا؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَهُ إنَّما وصَلَ إلى تِلْكَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ بِسَبَبِ أنَّهُ أتْعَبَ نَفْسَهُ في العِلْمِ والعَمَلِ. وأنْتَ فَلَيْسَ مَعَكَ ذاكَ فَقالَ أبُو الحَسَنِ: قُولِي لَهُ: لَوْ أنَّ الصَّبِيَّ حِينَئِذٍ يَقُولُ: يا رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ الذَّنْبُ لِي، لِأنَّكَ أمَتَّنِي قَبْلَ البُلُوغِ ولَوْ أمْهَلْتَنِي فَرُبَّما زِدْتُ عَلى أخِي الزّاهِدِ في الزُّهْدِ والدِّينِ. فَقالَ الجُبّائِيُّ: يَقُولُ اللَّهُ لَهُ عَلِمْتُ أنَّكَ لَوْ عِشْتَ لَطَغَيْتَ وكَفَرْتَ وكُنْتَ تَسْتَوْجِبُ النّارَ، فَقَبْلَ أنْ تَصِلَ إلى تِلْكَ الحالَةِ راعَيْتُ مَصْلَحَتَكَ وأمَتُّكَ حَتّى تَنْجُوَ مِنَ العِقابِ، فَقالَ أبُو الحَسَنِ: قُولِي لَهُ: لَوْ أنَّ الأخَ الكافِرَ الفاسِقَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، فَقالَ: يا رَبَّ العالَمِينَ، ويا أحْكَمَ الحاكِمِينَ، ويا أرْحَمَ صفحة ١٥٢ الرّاحِمِينَ، كَما عَلِمْتَ مِن ذَلِكَ الأخِ الصَّغِيرِ أنَّهُ لَوْ بَلَغَ كَفَرَ عَلِمْتَ مِنِّي ذَلِكَ، فَلِمَ راعَيْتَ مَصْلَحَتَهُ وما راعَيْتَ مَصْلَحَتِي ؟ قالَ الرّاوِي: فَلَمّا وصَلَ الكَلامُ إلى هَذا المَوْضِعِ انْقَطَعَ الجُبّائِيُّ. فَلَمّا نَظَرَ رَأى أبا الحَسَنِ، فَعَلِمَ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِنهُ، لا مِنَ العَجُوزِ، ثُمَّ إنَّ أبا الحُسَيْنِ البَصْرِيَّ جاءَ بَعْدَ أرْبَعَةِ أدْوارٍ أوْ أكْثَرَ مِن بَعْدِ الجُبّائِيِّ فَأرادَ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذا السُّؤالِ، فَقالَ: نَحْنُ لا نَرْضى في حَقِّ هَؤُلاءِ الإخْوَةِ الثَّلاثَةِ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ، بَلْ لَنا هاهُنا جَوابانِ آخَرانِ سِوى ما ذَكَرْتُمْ، ثُمَّ قالَ: وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَسْألَةٍ اخْتَلَفَ شُيُوخُنا فِيها، وهي أنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلى اللَّهِ أنْ يُكَلِّفَ العَبْدَ أمْ لا ؟ فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّكْلِيفُ مَحْضُ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ، وهو غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ البَغْدادِيُّونَ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ: فَإنْ فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ البَصْرِيِّينَ، فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يَقُولَ لِذَلِكَ الصَّبِيِّ إنِّي طَوَّلْتُ عُمُرَ الأخِ الزّاهِدِ، وكَلَّفْتُهُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ ولَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِي مُتَفَضِّلًا عَلى أخِيكَ الزّاهِدِ بِهَذا الفَضْلِ أنْ أكُونَ مُتَفَضِّلًا عَلَيْكَ بِمِثْلِهِ. وأمّا إنْ فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ البَغْدادِيِّينَ. فالجَوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ إطالَةَ عُمُرِ أخِيكَ وتَوْجِيهَ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ كانَ إحْسانًا في حَقِّهِ، ولَمْ يَلْزَمْ مِنهُ عَوْدُ مَفْسَدَةٍ إلى الغَيْرِ فَلا جَرَمَ فَعَلْتُهُ، وأمّا إطالَةُ عُمُرِكَ وتَوْجِيهُ التَّكْلِيفِ عَلَيْكَ كانَ يَلْزَمُ مِنهُ عَوْدُ مَفْسَدَةٍ إلى غَيْرِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ ما فَعَلْتُ ذَلِكَ في حَقِّكَ فَظَهَرَ الفَرْقُ. هَذا تَلْخِيصُ كَلامِ أبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ سَعْيًا مِنهُ في تَخْلِيصِ شَيْخِهِ المُتَقَدِّمِ عَنْ سُؤالِ الأشْعَرِيِّ، بَلْ سَعْيًا مِنهُ في تَخْلِيصِ إلَهِهِ عَنْ سُؤالِ العَبْدِ، وأقُولُ قَبْلَ الخَوْضِ في الجَوابِ عَنْ كَلامِ أبِي الحُسَيْنِ: صِحَّةُ هَذِهِ المُناظَرَةِ الدَّقِيقَةِ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، إنَّما لَزِمَتْ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. وأمّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ فَلا مُناظَرَةَ البَتَّةَ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الرَّبِّ، ولَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْ يَقُولَ لِرَبِّهِ، لِمَ فَعَلْتَ كَذا ؟ أوْ ما فَعَلْتَ كَذا. فَثَبَتَ أنَّ خُصَماءَ اللَّهِ هُمُ المُعْتَزِلَةُ، لا أهْلُ السُّنَّةِ، وذَلِكَ يُقَوِّي غَرَضَنا ويُحَصِّلُ مَقْصُودَنا، ثُمَّ نَقُولُ: أمّا الجَوابُ الأوَّلُ: وهو أنَّ إطالَةَ العُمُرِ وتَوْجِيهَ التَّكْلِيفِ تَفَضُّلٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَخُصَّ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ. فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ مَدْفُوعٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أوْصَلَ التَّفَضُّلَ إلى أحَدِهِما، فالِامْتِناعُ مِن إيصالِهِ إلى الثّانِي قَبِيحٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الإيصالَ إلى هَذا الثّانِي، لَيْسَ فِعْلًا شاقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى، ولا يُوجِبُ دُخُولَ نُقْصانٍ في مُلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهَذا الثّانِي يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ التَّفَضُّلِ، ومِثْلُ هَذا الِامْتِناعِ قَبِيحٌ في الشّاهِدِ. ألا تَرى أنَّ مَن مَنَعَ غَيْرَهُ مِنَ النَّظَرِ في مِرْآتِهِ المَنصُوبَةِ عَلى الجِدارِ لِعامَّةِ النّاسِ قَبُحَ ذَلِكَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ مَنعٌ مِنَ النَّفْعِ مِن غَيْرِ انْدِفاعِ ضَرَرٍ إلَيْهِ، ولا وُصُولِ نَفْعٍ إلَيْهِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ بِالتَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ مَقْبُولًا، فَلْيَكُنْ مَقْبُولًا هاهُنا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُولًا لَمْ يَكُنْ مَقْبُولًا البَتَّةَ في شَيْءٍ مِنَ المَواضِعِ، وتَبْطُلُ كُلِّيَّةُ مَذْهَبِكم. فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ فاسِدٌ. وأمّا الجَوابُ الثّانِي: فَهو أيْضًا فاسِدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَنا: تَكْلِيفُهُ يَتَضَمَّنُ مَفْسَدَةً لَيْسَ مَعْناهُ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ يُوجِبُ لِذاتِهِ حُصُولَ تِلْكَ المَفْسَدَةِ، وإلّا لَزِمَ أنْ تَحْصُلَ هَذِهِ المَفْسَدَةُ أبَدًا في حَقِّ الكُلِّ وأنَّهُ باطِلٌ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنَّهُ إذا كَلَّفَ هَذا الشَّخْصَ، فَإنَّ إنْسانًا آخَرَ يَخْتارُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ فِعْلًا قَبِيحًا، فَإنِ اقْتَضى هَذا القَدَرُ أنْ يَتْرُكَ اللَّهُ تَكْلِيفَهُ، فَكَذَلِكَ قَدْ عَلِمَ مِن ذَلِكَ الكافِرِ أنَّهُ إذا كَلَّفَهُ فَإنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ عِنْدَ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ أنْ يَتْرُكَ تَكْلِيفَهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ قُبْحَ تَكْلِيفِ مَن عَلِمَ اللَّهُ مِن حالِهِ أنَّهُ يَكْفُرُ، وإنْ لَمْ يَجِبْ هاهُنا لَمْ يَجِبْ هُنالِكَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعالى تَرْكُ التَّكْلِيفِ إذا عَلِمَ أنَّ غَيْرَهُ يَخْتارُ فِعْلًا قَبِيحًا عِنْدَ صفحة ١٥٣ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، ولا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ إذا عَلِمَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ يَخْتارُ القَبِيحَ عِنْدَ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، فَهَذا مَحْضُ التَّحَكُّمِ. فَثَبَتَ أنَّ الجَوابَ الَّذِي اسْتَخْرَجَهُ أبُو الحُسَيْنِ بِلَطِيفِ فِكْرِهِ، ودَقِيقِ نَظَرِهِ بَعْدَ أرْبَعَةِ أدْوارٍ ضَعِيفٌ، وظَهَرَ أنَّ خُصَماءَ اللَّهِ هُمُ المُعْتَزِلَةُ، لا أصْحابُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

الأنعام 6:126

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (وهَذا) إشارَةٌ إلى مَذْكُورٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأقْوى عِنْدِي أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَهُ وقَرَّرَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهو أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى الدّاعِي وحُصُولِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ كَوْنُ الفِعْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّوْحِيدَ المَحْضَ وهو كَوْنُهُ تَعالى مُبْدِئًا لِجَمِيعِ الكائِناتِ والمُمْكِناتِ، وإنَّما سَمّاهُ صِراطًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ الحَقِّ، وإنَّما وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا لِأنَّ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وذَلِكَ لِأنَّ رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ إمّا أنْ يَتَوَقَّفَ عَلى المُرَجِّحِ أوْ لا يَتَوَقَّفَ، فَإنْ تَوَقَّفَ عَلى المُرَجِّحِ لَزِمَ أنْ يُقالَ الفِعْلُ لا يَصْدُرُ عَنِ القادِرِ إلّا عِنْدَ انْضِمامِ الدّاعِي إلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَتِمُّ قَوْلُنا ويَكُونُ الكُلُّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ ويَبْطُلُ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وإمّا أنْ لا يَتَوَقَّفَ رُجْحانُ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ عَلى مُرَجِّحٍ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ هَذا الِاسْتِغْناءُ في كُلِّ المُمْكِناتِ والمُحْدَثاتِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ نَفْيُ الصُّنْعِ والصّانِعِ، وإبْطالُ القَوْلِ بِالفِعْلِ والفاعِلِ والتَّأْثِيرِ والمُؤَثِّرِ. فَأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا الرُّجْحانَ يَحْتاجُ إلى المُؤَثِّرِ في بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ البَعْضِ كَما يَقُولُهُ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ فَهو مُعْوَجٌّ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، إنَّما المُسْتَقِيمُ هو الحُكْمُ بِثُبُوتِ الحاجَةِ عَلى الإطْلاقِ، وذَلِكَ يُوجِبُ عَيْنَ مَذْهَبِنا. فَهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ في كُلِّ القُرْآنِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ هَذا الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ يا مُحَمَّدُ دِينُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَعْنِي القُرْآنَ. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى. لِأنَّ عَوْدَ الإشارَةِ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ أوْلى. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِمُتابَعَةِ ما في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ مِنَ المُحْكَماتِ لا مِنَ المُتَشابِهاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا ذَكَرَ شَيْئًا وبالَغَ في الأمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ والتَّعْوِيلِ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُحْكَماتِ. فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ مِنَ المُحْكَماتِ وأنَّهُ يَجِبُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها ويَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيها بِالتَّأْوِيلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: انْتَصَبَ مُسْتَقِيمًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى ”هَذا“ وذَلِكَ لِأنَّ ”ذا“ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الإشارَةِ، كَقَوْلِكَ: هَذا زِيدٌ قائِمًا مَعْناهُ أُشِيرُ إلَيْهِ في حالِ قِيامِهِ، وإذا كانَ العامِلُ في الحالِ صفحة ١٥٤ مَعْنى الفِعْلِ لا الفِعْلُ، لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ الحالِ عَلَيْهِ، لا يَجُوزُ قائِمًا هَذا زِيدٌ، ويَجُوزُ ضاحِكًا جاءَ زَيْدٌ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ . فَنَقُولُ: أمّا تَفْصِيلُ الآياتِ فَمَعْناهُ ذِكْرُها فَصْلًا فَصْلًا بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ واحِدٌ مِنها بِالآخَرِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ بَيَّنَ صِحَّةَ القَوْلِ بِالقَضاءِ والقَدَرِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ مُتَوالِيَةٍ مُتَعاقِبَةٍ، بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ ووُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ فالَّذِي أظُنُّهُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أنَّهُ تَعالى إنَّما جَعَلَ مَقْطَعَ هَذِهِ الآيَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِأنَّهُ تَقَرَّرَ في عَقْلِ كُلِّ واحِدٍ أنَّ أحَدَ طَرَفَيِ المُمْكِنِ لا يَتَرَجَّحُ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُعْتَزِلِيِّ: أيُّها المُعْتَزِلِيُّ تَذَكَّرْ ما تَقَرَّرَ في عَقْلِكَ أنَّ المُمْكِنَ لا يَتَرَجَّحُ أحَدُ طَرَفَيْهِ عَلى الآخَرِ، إلّا لِمُرَجِّحٍ، حَتّى تَزُولَ الشُّبْهَةُ عَنْ قَلْبِكَ بِالكُلْيَةِ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ.

الأنعام 6:127

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَظِيمَ نِعَمِهِ في الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى مَعَدٌّ مُهَيَّأٌ لِمَن يَكُونُ مِنَ المَذْكُورِينَ بَيَّنَ الفائِدَةَ الشَّرِيفَةَ الَّتِي تَحْصُلُ مِنَ التَمَسُّكِ بِذَلِكَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَقالَ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفاتٌ. النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ وهَذا يُوجِبُ الحَصْرَ، فَمَعْناهُ: لَهم دارُ السَّلامِ لا لِغَيْرِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿دارُ السَّلامِ﴾ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ السَّلامَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَدارُ السَّلامِ هي الدّارُ المُضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى، كَما قِيلَ لِلْكَعْبَةِ بَيْتُ اللَّهِ تَعالى ولِلْخَلِيفَةِ عَبْدُ اللَّهِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّلامَ صِفَةُ الدّارِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَعْنى دارُ السَّلامَةِ، والعَرَبُ تُلْحِقُ هَذِهِ الهاءَ في كَثِيرٍ مِنَ المَصادِرِ وتَحْذِفُها، يَقُولُونَ ضَلالٌ وضَلالَةٌ، وسَفاهٌ وسَفاهَةٌ، ولَذاذٌ ولَذاذَةٌ، ورَضاعٌ ورَضاعَةٌ. الثّانِي: أنَّ السَّلامَ جَمْعُ السَّلامَةِ، وإنَّما سُمِّيَتِ الجَنَّةُ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّ أنْواعَ السَّلامَةِ حاصِلَةٌ فِيها بِأسْرِها. إذا عَرَفْتَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ: فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ قالُوا بِهِ؛ لِأنَّهُ أوْلى؛ لِأنَّ إضافَةَ الدّارِ إلى اللَّهِ تَعالى نِهايَةٌ في تَشْرِيفِها وتَعْظِيمِها وإكْبارِ قَدْرِها، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ الإضافَةِ مُبالَغَةً في تَعْظِيمِ الأمْرِ والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي رَجَّحُوا قَوْلَهم مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ وصْفَ الدّارِ بِكَوْنِها دارَ السَّلامَةِ أدْخَلُ في التَّرْغِيبِ مِن إضافَةِ الدّارِ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: أنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ السَّلامُ في الأصْلِ مَجازٌ، وإنَّما وُصِفَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ صفحة ١٥٥ تَعالى ذُو السَّلامِ، فَإذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ أوْلى. النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الفَوائِدِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ مَعَدٌّ عِنْدَهُ تَعالى كَما تَكُونُ الحُقُوقُ مُعَدَّةً مُهَيَّأةً حاضِرَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وذَلِكَ نِهايَةٌ في بَيانِ وُصُولِهِمْ إلَيْها، وكَوْنِهِمْ عَلى ثِقَةٍ مِن ذَلِكَ. الوَجْهُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ أنَّ قَوْلَهُ: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) يُشْعِرُ بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُدَّخَرَ مَوْصُوفٌ بِالقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا القُرْبُ لا يَكُونُ بِالمَكانِ والجِهَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ بِالشَّرَفِ والعُلُوِّ والرُّتْبَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ بَلَغَ في الكَمالِ والرِّفْعَةِ إلى حَيْثُ لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] . الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقالَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا ”«أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي» “ وقالَ أيْضًا ”«أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» “ وقالَ في صِفَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وقالَ في دارِهِمْ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وقالَ في ثَوابِهِمْ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البينة: ٨] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ كَمالِ صِفَةِ العُبُودِيَّةِ بِواسِطَةِ صِفَةِ العِنْدِيَّةِ. النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ التَّشْرِيفاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ والوَلِيُّ مَعْناهُ القَرِيبُ، فَقَوْلُهُ: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) يَدُلُّ عَلى قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ اللَّهِ مِنهم، ولا نَرى في العَقْلِ دَرَجَةً لِلْعَبْدِ أعْلى مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لا ولِيَّ لَهم إلّا هو، وكَيْفَ وهَذا التَّشْرِيفُ إنَّما حَصَلَ عَلى التَّوْحِيدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ فَهَؤُلاءِ الأقْوامُ قَدْ عَرَفُوا مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُدَبِّرَ والمُقَدِّرَ لَيْسَ إلّا هو، وأنَّ النّافِعَ والضّارَّ لَيْسَ إلّا هو، وأنَّ المُسْعِدَ والمُشْقِيَ لَيْسَ إلّا هو، وأنَّهُ لا مُبْدِئَ لِلْكائِناتِ والمُمْكِناتِ إلّا هو، فَلَمّا عَرَفُوا هَذا انْقَطَعُوا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، فَما كانَ رُجُوعُهم إلّا إلَيْهِ، وما كانَ تَوَكُّلُهم إلّا عَلَيْهِ، وما كانَ أُنْسُهم إلّا بِهِ، وما كانَ خُضُوعُهم إلّا لَهُ، فَلَمّا صارُوا بِالكُلِّيَّةِ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ وهَذا إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى مُتَكَفِّلٌ بِجَمِيعِ مَصالِحِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيها الحِفْظُ والحِراسَةُ والمَعُونَةُ والنُّصْرَةُ وإيصالُ الخَيْراتِ ودَفْعُ الآفاتِ والبَلِيّاتِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ لِئَلّا يَنْقَطِعَ المَرْءُ عَنِ العَمَلِ، فَإنَّ العَمَلَ لا بُدَّ مِنهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ بَيْنَ النَّفْسِ والبَدَنِ تَعَلُّقًا شَدِيدًا، فَكَما أنَّ الهَيْئاتِ النَّفْسانِيَّةَ قَدْ تَنْزِلُ مِنَ النَّفْسِ إلى البَدَنِ، مِثْلَ ما إذا تَصَوَّرَ أمْرًا مُغْضِبًا ظَهَرَ الأثَرُ عَلَيْهِ في البَدَنِ، فَيَسْخَنُ البَدَنُ ويَحْمى، فَكَذَلِكَ الهَيْئاتُ البَدَنِيَّةُ قَدْ تَصْعَدُ مِنَ البَدَنِ إلى النَّفْسِ، فَإذا واظَبَ الإنْسانُ عَلى أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ ظَهَرَتِ الآثارُ المُناسِبَةُ لَها في جَوْهَرِ النَّفْسِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السّالِكَ لا بُدَّ لَهُ مِنَ العَمَلِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى تَرْكِهِ البَتَّةَ.

الأنعام 6:128

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن يَتَمَسَّكُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ حالَ مَن يَكُونُ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ لِتَكُونَ قِصَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ مُرْدَفَةً بِقِصَّةِ أهْلِ النّارِ، ولِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا بَعْدَ الوَعْدِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم، أوْ يَوْمَ نَحْشُرُهم قُلْنا يا مَعْشَرَ الجِنِّ، أوْ يَوْمَ نَحْشُرُهم وقُلْنا يا مَعْشَرَ الجِنِّ، كانَ ما لا يُوصَفُ لِفَظاعَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: يَعُودُ إلى المَعْلُومِ، لا إلى المَذْكُورِ، وهو الثَّقَلانِ، وجَمِيعُ المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ عُلِمَ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهم. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّياطِينِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا فَنَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ، فَيَكُونُ هَذا القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، كَما أنَّهُ الحاشِرُ لِجَمِيعِهِمْ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ تَعالى بَعْدَ الحَشْرِ لا يَكُونُ إلّا تَبْكِيتًا وبَيانًا لِجِهَةِ أنَّهم وإنْ تَمَرَّدُوا في الدُّنْيا فَيَنْتَهِي حالُهم في الآخِرَةِ إلى الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ والِاعْتِرافِ بِالجُرْمِ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ فَيُقالُ لَهم يا مَعْشَرَ الجِنِّ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ مَعَ الكُفّارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ فَنَقُولُ: هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ. لِأنَّ الجِنَّ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِكْثارِ مِن نَفْسِ الإنْسِ؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى الجِسْمِ وعَلى الإحْياءِ والفِعْلِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الدُّعاءِ إلى الضَّلالِ مَعَ مُصادَفَةِ القَبُولِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ﴾ فالأقْرَبُ أنَّ فِيهِ حَذْفًا، فَكَما قالَ لِلْجِنِّ تَبْكِيتًا، فَكَذَلِكَ قالَ لِلْإنْسِ تَوْبِيخًا؛ لِأنَّهُ حَصَلَ مِنَ الجِنِّ الدُّعاءُ، ومِنَ الإنْسِ القَبُولُ، والمُشارَكَةُ حاصِلَةٌ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، فَلَمّا بَكَّتَ تَعالى كِلا الفَرِيقَيْنِ حَكى هاهُنا جَوابَ الإنْسِ، وهو قَوْلُهم: رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ فَوَصَفُوا أنْفُسَهم بِالتَّوَفُّرِ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، والِاسْتِمْتاعِ بِلَذّاتِها إلى أنْ بَلَغُوا هَذا المَبْلَغَ الَّذِي عِنْدَهُ أيْقَنُوا بِسُوءِ عاقِبَتِهِمْ. ثُمَّ صفحة ١٥٧ هاهُنا قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُمُ اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، المُرادُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَمْتَعَ الجِنُّ بِالإنْسِ والإنْسُ بِالجِنِّ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي المُرادِ بِذَلِكَ الِاسْتِمْتاعِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى هَذا الِاسْتِمْتاعِ هو أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا سافَرَ فَأمْسى بِأرْضٍ قَفْرٍ وخافَ عَلى نَفْسِهِ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن سُفَهاءِ قَوْمِهِ، فَيَبِيتُ آمِنًا في نَفْسِهِ، فَهَذا اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ، وأمّا اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ فَهو أنَّ الإنْسِيَّ إذا عاذَ بِالجِنِّيِّ، كانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا مِنهم لِلْجِنِّ، وذَلِكَ الجِنِّيُّ يَقُولُ: قَدْ سُدْتُ الجِنَّ والإنْسَ؛ لِأنَّ الإنْسِيَّ قَدِ اعْتَرَفَ لَهُ بِأنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ واحْتَجُّوا عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] . والوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا الِاسْتِمْتاعِ: أنَّ الإنْسَ كانُوا يُطِيعُونَ الجِنَّ ويَنْقادُونَ لِحُكْمِهِمْ فَصارَ الجِنُّ كالرُّؤَساءِ، والإنْسُ كالأتْباعِ والخادِمِينَ المُطِيعِينَ المُنْقادِينَ الَّذِينَ لا يُخالِفُونَ رَئِيسَهم ومَخْدُومَهم في قَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الرَّئِيسَ قَدِ انْتَفَعَ بِهَذا الخادِمِ، فَهَذا اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ. وأمّا اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ، فَهو أنَّ الجِنَّ كانُوا يَدُلُّونَهم عَلى أنْواعِ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ ويُسَهِّلُونَ تِلْكَ الأُمُورَ عَلَيْهِمْ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قالَ: وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ ومَن كانَ يَقُولُ مِنَ الإنْسِ أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي، قَلِيلٌ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ هو كَلامُ الإنْسِ خاصَّةً؛ لِأنَّ اسْتِمْتاعَ الجِنِّ بِالإنْسِ وبِالعَكْسِ أمْرٌ قَلِيلٌ نادِرٌ لا يَكادُ يَظْهَرُ. أمّا اسْتِمْتاعُ بَعْضِ الإنْسِ بِبَعْضٍ، فَهو أمْرٌ ظاهِرٌ. فَوَجَبَ حَمْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ كَلامُ الإنْسِ الَّذِينَ هم أوْلِياءُ الجِنِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ اسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ اسْتِمْتاعَ بَعْضِ أُولَئِكَ القَوْمِ بِبَعْضٍ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ فالمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِمْتاعَ كانَ حاصِلًا إلى أجَلٍ مُعَيَّنٍ ووَقْتٍ مَحْدُودٍ، ثُمَّ جاءَتِ الخَيْبَةُ والحَسْرَةُ والنَّدامَةُ مِن حَيْثُ لا تَنْفَعُ، واخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ الأجَلَ أيُّ الأوْقاتِ ؟ فَقالَ بَعْضُهم: هو وقْتُ المَوْتِ. وقالَ آخَرُونَ: هو وقْتُ التَّخْلِيَةِ والتَّمْكِينِ. وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ وقْتُ المُحاسَبَةِ في القِيامَةِ، والَّذِينَ قالُوا بِالقَوْلِ الأوَّلِ قالُوا إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن ماتَ مِن مَقْتُولٍ وغَيْرِهِ فَإنَّهُ يَمُوتُ بِأجَلِهِ؛ لِأنَّهم أقَرُّوا أنّا بَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا، وفِيهِمُ المَقْتُولُ وغَيْرُ المَقْتُولِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ المَثْوى: المَقامُ والمَقَرُّ والمَصِيرُ، ثُمَّ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ مَقامٌ ومَقَرٌّ ثُمَّ يَمُوتُ ويَتَخَلَّصُ بِالمَوْتِ عَنْ ذَلِكَ المَثْوى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ المَقامَ والمَثْوى مَخَلَّدٌ مُؤَبَّدٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ اسْتِثْناءُ أوْقاتِ المُحاسَبَةِ؛ لِأنَّ في تِلْكَ الأحْوالِ لَيْسُوا بِخالِدِينَ في النّارِ. الثّانِي: المُرادُ، الأوْقاتُ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِن عَذابِ النّارِ إلى عَذابِ الزَّمْهَرِيرِ. ورُوِيَ أنَّهم يَدْخُلُونَ وادِيًا فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ فَهم يَطْلُبُونَ الرَّدَّ مِن ذَلِكَ البَرْدِ إلى حَرِّ الجَحِيمِ. الثّالِثُ: صفحة ١٥٨ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى قَوْمًا سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُسْلِمُونَ ويُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ ﷺ . وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ ”ما“ بِمَعْنى ”مَن“ قالَ الزَّجّاجُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ إنَّما هو مِن يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ مُنْذُ يُبْعَثُونَ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مِن مِقْدارِ حَشْرِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ ومِقْدارِ مُدَّتِهِمْ في مُحاسَبَتِهِمْ. الرّابِعُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا الِاسْتِثْناءُ غَيْرُ راجِعٍ إلى الخُلُودِ، وإنَّما هو راجِعٌ إلى الأجَلِ المُؤَجَّلِ لَهم، فَكَأنَّهم قالُوا: وبَلَغْنا الأجَلَ الَّذِي أجَّلْتَ لَنا، أيِ الَّذِي سَمَّيْتَهُ لَنا إلّا مَن أهْلَكْتَهُ قَبْلَ الأجَلِ المُسَمّى. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] وكَما فَعَلَ في قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ مِمِن أهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ الأجَلِ الَّذِي لَوْ آمَنُوا، لَبَقُوا إلى الوُصُولِ إلَيْهِ فَتَلْخِيصُ الكَلامِ أنْ يَقُولُوا: اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، وبَلَغْنا ما سَمَّيْتَ لَنا مِنَ الأجَلِ إلّا مَن شِئْتَ أنْ تَخْتَرِمَهُ فاخْتَرَمْتَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ وضَلالِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا إلّا أنَّهُ تَرْكٌ لِظاهِرِ تَرْتِيبِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ. ولَمّا أمْكَنَ إجْراءُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها فَلا حاجَةَ إلى هَذا التَّكَلُّفِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ فِيما يَفْعَلُهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ وسائِرِ وُجُوهِ المُجازاةِ، وكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّما حَكَمْتُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ بِعَذابِ الأبَدِ لِعِلْمِي أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ المَثْوى اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ دُونَ المَكانِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ واسْمُ المَوْضِعِ لا يَعْمَلُ عَمَلَ الفِعْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ مَعْناهُ: النّارُ أهْلٌ أنْ تُقِيمُوا فِيها خالِدِينَ.

الأنعام 6:129

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الجِنِّ والإنْسِ أنَّ بَعْضَهم يَتَوَلّى بَعْضًا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِتَقْدِيرِهِ وقَضائِهِ، فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ. أنَّ القُدْرَةَ صالِحَةٌ لِلطَّرَفَيْنِ أعْنِي العَداوَةَ والصَّداقَةَ، فَلَوْلا حُصُولُ الدّاعِيَةِ إلى الصَّداقَةِ لَما حَصَلَتِ الصَّداقَةُ، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا. وبِهَذا التَّقْرِيرِ تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا لَنا في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنْ لَهم دارَ السَّلامِ، بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى ولِيُّهم بِمَعْنى الحِفْظِ والحِراسَةِ والمَعُونَةِ والنُّصْرَةِ، فَكَذَلِكَ لَمّا بَيَّنَ حالَ أهْلِ النّارِ ذَكَرَ أنَّ مَقَرَّهم ومَثْواهُمُ النّارُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أوْلِياءَهم مَن يُشْبِهُهم في الظُّلْمِ والخِزْيِ والنَّكالِ وهَذِهِ مُناسَبَةٌ حَسَنَةٌ لَطِيفَةٌ. صفحة ١٥٩ الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: كافُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي﴾ تَقْتَضِي شَيْئًا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قالَ كَما أنْزَلْتَ بِالجِنِّ والإنْسِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمُ العَذابَ الألِيمَ الدّائِمَ الَّذِي لا مُخَلِّصَ مِنهُ ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ . الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ لِأنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ، فالأرْواحُ الخَبِيثَةُ تَنْضَمُّ إلى ما يُشاكِلُها في الخُبْثِ، وكَذا القَوْلُ في الأرْواحِ الطّاهِرَةِ، فَكُلُّ أحَدٍ يَهْتَمُّ بِشَأْنِ مَن يُشاكِلُهُ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والتَّقْوِيَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّعِيَّةَ مَتى كانُوا ظالِمِينَ، فاللَّهُ تَعالى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ظالِمًا مِثْلَهم فَإنْ أرادُوا أنْ يَتَخَلَّصُوا مِن ذَلِكَ الأمِيرِ الظّالِمِ فَلْيَتْرُكُوا الظُّلْمَ. وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في الخَلْقِ مِن أمِيرٍ وحاكِمٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا كانَ لا يُخَلِّي أهْلَ الظُّلْمِ مِن أمِيرٍ ظالِمٍ، فَبِأنْ لا يُخَلِّي أهْلَ الصَّلاحِ مِن أمِيرٍ يَحْمِلُهم عَلى زِيادَةِ الصَّلاحِ كانَ أوْلى. قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَصْلُحُ لِلنّاسِ إلّا أمِيرٌ عادِلٌ أوْ جائِرٌ، فَأنْكَرُوا قَوْلَهُ: أوْ جائِرٌ فَقالَ: نَعَمْ يُؤَمِّنُ السَّبِيلَ، ويُمَكِّنُ مِن إقامَةِ الصَّلَواتِ، وحَجِّ البَيْتِ. ورُوِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ الإمارَةَ، فَقالَ لَهُ: ”إنَّكَ ضَعِيفٌ وإنَّها أمانَةٌ وهي في القِيامَةِ خِزْيٌ ونَدامَةٌ إلّا مَن أخَذَها بِحَقِّها وأدّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيها» “ وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: جاءَ في بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى أنا اللَّهُ مالِكُ المُلُوكِ قُلُوبُ المُلُوكِ ونَواصِيها بِيَدِي فَمَن أطاعَنِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِ رَحْمَةً ومَن عَصانِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِ نِقْمَةً لا تَشْغَلُوا أنْفُسَكم بِسَبِّ المُلُوكِ لَكِنْ تُوبُوا إلَيَّ أُعَطِّفُهم عَلَيْكم. أمّا قَوْلُهُ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِسَبَبِ كَوْنِ ذَلِكَ البَعْضِ مُكْتَسِبًا لِلظُّلْمِ، والمُرادُ مِنهُ ما بَيَّنّا أنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةٌ لِلضَّمِّ.

الأنعام 6:130

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ ما يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعالى في تَوْبِيخِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَكُونُ لَهم إلى الجُحُودِ سَبِيلٌ، فَيَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم كانُوا كافِرِينَ، وإنَّهم لَمْ يُعَذَّبُوا إلّا بِالحُجَّةِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: المَعْشَرُ. كُلُّ جَماعَةٍ أمْرُهم واحِدٌ، ويَحْصُلُ بَيْنَهم مُعاشَرَةٌ ومُخالَطَةٌ، والجَمْعُ: المَعاشِرُ. وقَوْلُهُ: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَ مِنَ الجِنِّ رَسُولٌ أمْ لا ؟ فَقالَ الضَّحّاكُ: صفحة ١٦٠ أُرْسِلَ مِنَ الجِنِّ رُسُلٌ كالإنْسِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ وتَلا قَوْلَهُ: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ويُمْكِنُ أنْ يَحْتَجَّ الضَّحّاكُ بِوَجْهٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ اسْتِئْناسَ الإنْسانِ بِالإنْسانِ أكْمَلُ مِنَ اسْتِئْناسِهِ بِالمَلَكِ، فَوَجَبَ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَجْعَلَ رَسُولَ الإنْسِ مِنَ الإنْسِ لِيَكْمُلَ هَذا الِاسْتِئْناسُ. إذا ثَبَتَ هَذا المَعْنى، فَهَذا السَّبَبُ حاصِلٌ في الجِنِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولُ الجِنِّ مِنَ الجِنِّ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّهُ ما كانَ مِنَ الجِنِّ رَسُولٌ البَتَّةَ، وإنَّما كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ. وما رَأيْتُ في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ حُجَّةً إلّا ادِّعاءَ الإجْماعِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّهُ كَيْفَ يَنْعَقِدُ الإجْماعُ مَعَ حُصُولِ الِاخْتِلافِ، ويُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الِاصْطِفاءِ إنَّما هو النُّبُوَّةُ، فَوَجَبَ كَوْنُ النُّبُوَّةِ مَخْصُوصَةً بِهَؤُلاءِ القَوْمِ فَقَطْ، فَأمّا تَمَسُّكُ الضَّحّاكِ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، فالكَلامُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ رُسُلَ الجِنِّ والإنْسِ تَكُونُ بَعْضًا مِن أبْعاضِ هَذا المَجْمُوعِ، وإذا كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ كانَ الرُّسُلُ بَعْضًا مِن أبْعاضِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، فَكانَ هَذا القَدْرُ كافِيًا في حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إثْباتُ رَسُولٍ مِنَ الجِنِّ. الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرُّسُلَ كانُوا مِنَ الإنْسِ إلّا أنَّهُ تَعالى كانَ يُلْقِي الدّاعِيَةَ في قُلُوبِ قَوْمٍ مِنَ الجِنِّ حَتّى يَسْمَعُوا كَلامَ الرُّسُلِ ويَأْتُوا قَوْمَهم مِنَ الجِنِّ ويُخْبِرُونَهم بِما سَمِعُوهُ مِنَ الرُّسُلِ ويُنْذِرُونَهم بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] فَأُولَئِكَ الجِنُّ كانُوا رُسُلَ الرُّسُلِ، فَكانُوا رُسُلًا لِلَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى سَمّى رُسُلَ عِيسى رُسُلَ نَفْسِهِ. فَقالَ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّهُ تَعالى إنَّما بَكَّتَ الكُفّارَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى أزالَ العُذْرَ وأزاحَ العِلَّةَ، بِسَبَبِ أنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى الكُلِّ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، فَإذا وصَلَتِ البِشارَةُ والنِّذارَةُ إلى الكُلِّ بِهَذا الطَّرِيقِ، فَقَدْ حَصَلَ ما هو المَقْصُودُ مِن إزاحَةِ العُذْرِ وإزالَةِ العِلَّةِ، فَكانَ المَقْصُودُ حاصِلًا. الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ أرادَ مِن أحَدِكم وهو الإنْسُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] أيْ مِن أحَدِهِما وهو المِلْحُ الَّذِي لَيْسَ بِعَذْبٍ. واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ لا حاجَةَ مَعَهُما إلى تَرْكِ الظّاهِرِ. أمّا هَذا الثّالِثُ فَإنَّهُ يُوجِبُ تَرْكَ الظّاهِرِ، ولا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا بِالدَّلِيلِ المُنْفَصِلِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ فالمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى الأدِلَّةِ بِالتِّلاوَةِ وبِالتَّأْوِيلِ ﴿ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ يُخَوِّفُونَكم عَذابَ هَذا اليَوْمِ فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَ ذَلِكَ إلّا الِاعْتِرافَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا. فَإنْ قالُوا: ما السَّبَبُ في أنَّهم أقَرُّوا في هَذِهِ الآيَةِ بِالكُفْرِ وجَحَدُوهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] . قُلْنا: يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ والأحْوالُ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يُقِرُّونَ، وأُخْرى يَجْحَدُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ صفحة ١٦١ خَوْفِهِمْ واضْطِرابِ أحْوالِهِمْ، فَإنَّ مَن عَظُمَ خَوْفُهُ كَثُرَ الِاضْطِرابُ في كَلامِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا أقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وإنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ الكُفْرِ بِسَبَبِ أنَّهم غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ والمُرادُ أنَّهم وإنْ بالَغُوا في عَداوَةِ الأنْبِياءِ والطَّعْنِ في شَرائِعِهِمْ ومُعْجِزاتِهِمْ، إلّا أنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ أنَّهم أقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ بِأنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِمُ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ والكُفْرِ، ومَقْصُودُهم دَفْعُ التَّكْرارِ عَنِ الآيَةِ، وكَيْفَما كانَ، فالمَقْصُودُ مِن شَرْحِ أحْوالِهِمْ في القِيامَةِ زَجْرُهم في الدُّنْيا عَنِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الوُجُوبُ البَتَّةَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، فَإنَّهُ لَوْ حَصَلَ الوُجُوبُ واسْتِحْقاقُ العِقابِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّعْلِيلِ والذِّكْرِ فائِدَةٌ.

الأنعام 6:131

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ ما عَذَّبَ الكُفّارَ إلّا بَعْدَ أنْ بَعَثَ إلَيْهِمُ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا هو العَدْلُ والحَقُّ والواجِبُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن بَعْثَةِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإنْذارِهِمْ سُوءَ العاقِبَةِ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكَ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعْلِيلٌ، والمَعْنى: الأمْرُ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ، وكَلِمَةُ ”أنْ“ هاهُنا هي الَّتِي تَنْصِبُ الأفْعالَ. وثانِيها: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لِأنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ والحَدِيثِ؛ والتَّقْدِيرُ: لِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ: لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ. وثالِثُها: أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: (ذَلِكَ) كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] . وأمّا قَوْلُهُ: (بِظُلْمٍ) فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى، وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمٍ أقْدَمُوا عَلَيْهِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ. وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى ظُلْمًا عَلَيْهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] في سُورَةِ هُودٍ. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ الظُّلْمُ فِعْلًا لِلْكُفّارِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ عائِدًا إلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، والوَجْهُ الأوَّلُ ألْيَقُ بِقَوْلِنا؛ لِأنَّ القَوْلَ الثّانِيَ يُوهِمُ أنَّهُ صفحة ١٦٢ تَعالى لَوْ أهْلَكَهم قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ كانَ ظالِمًا، ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدَنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ: فَهَذا القَوْلُ الثّانِي مُطابِقٌ لِمَذْهَبِهِمْ مُوافِقٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ. وأمّا أصْحابُنا فَمَن فَسَّرَ الآيَةَ بِهَذا الوَجْهِ الثّانِي. قالَ: إنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ظالِمًا لَكِنَّهُ يَكُونُ في صُورَةِ الظّالِمِ فِيما بَيَّنّا، فَوُصِفَ بِكَوْنِهِ ظالِمًا مَجازًا، وتَمامُ الكَلامِ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ هُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الغَفْلَةِ أنْ يَتَغافَلَ المَرْءُ عَمّا يُوعَظُ بِهِ، بَلْ مَعْناها أنْ لا يُبَيِّنَ اللَّهُ لَهم كَيْفِيَّةَ الحالِ، ولا أنْ يُزِيلَ عُذْرَهم وعِلَّتَهم. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّهُ لا يَحْصُلُ الوُجُوبُ قَبْلَ الشَّرْعِ، وأنَّ العَقْلَ المَحْضَ لا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ البَتَّةَ. قالُوا: لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بَعْدَ البَعْثَةِ لِلرَّسُولِ. والمُعْتَزِلَةُ قالُوا: إنَّها تَدُلُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَلى أنَّ الوُجُوبَ قَدْ يَتَقَرَّرُ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ فَهَذا الظُّلْمُ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى العَبْدِ أوْ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهَذا يَدُلُّ عَلى إمْكانِ أنْ يَصْدُرَ مِنهُ الظُّلْمُ قَبْلَ البَعْثَةِ، وإنَّما يَكُونُ الفِعْلُ ظُلْمًا قَبْلَ البَعْثَةِ، لَوْ كانَ قَبِيحًا وذَنْبًا قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا الفِعْلُ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ الِاعْتِرافِ بِتَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ.

الأنعام 6:132

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”تَعْمَلُونَ“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ أهْلِ الثَّوابِ والدَّرَجاتِ، وأحْوالَ أهْلِ العِقابِ والدَّرَكاتِ ذَكَرَ كَلامًا كُلِّيًّا، فَقالَ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ وفي الآيَةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ عامٌّ في المُطِيعِ والعاصِي، والتَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ عامِلٍ عَمِلَ فَلَهُ في عَمَلِهِ دَرَجاتٌ، فَتارَةً يَكُونُ في دَرَجَةٍ ناقِصَةٍ، وتارَةً يَتَرَقّى مِنها إلى دَرَجَةٍ كامِلَةٍ، وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِها عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، فَرَتَّبَ عَلى كُلِّ دَرَجَةٍ مِن تِلْكَ الدَّرَجاتِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الطّاعَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الدَّرَجَةِ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ والصَّوابُ هو الأوَّلُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ صفحة ١٦٣ تَعالى حَكَمَ لِكُلِّ واحِدٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِحَسَبِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ بِدَرَجَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وعَلِمَ تِلْكَ الدَّرَجَةَ بِعَيْنِها وأثْبَتَ تِلْكَ الدَّرَجَةَ المُعَيَّنَةَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وأشْهَدَ عَلَيْهِ زُمَرَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ الدَّرَجَةُ لِذَلِكَ الإنْسانِ لَبَطَلَ ذَلِكَ الحُكْمُ، ولَصارَ ذَلِكَ العِلْمُ جَهْلًا، ولَصارَ ذَلِكَ الإشْهادُ كَذِبًا وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ والشَّقِيُّ مِن شِقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ.

الأنعام 6:133

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ثَوابَ أصْحابِ الطّاعاتِ وعِقابَ أصْحابِ المَعاصِي والمُحَرَّماتِ وذَكَرَ أنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ دَرَجَةً مَخْصُوصَةً ومَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً، بَيَّنَ أنَّ تَخْصِيصَ المُطِيعِينَ بِالثَّوابِ، والمُذْنِبِينَ بِالعَذابِ، لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلى طاعَةِ المُطِيعِينَ أوْ يَنْتَقِصُ بِمَعْصِيَةِ المُذْنِبِينَ. فَإنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لِذاتِهِ عَنْ جَمِيعِ العالَمِينَ، ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا فَإنَّ رَحْمَتَهُ عامَّةٌ كامِلَةٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَرْتِيبِ هَذِهِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ والنُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ وإيصالِها إلى دَرَجاتِ السُّعَداءِ الأبْرارِ، إلّا بِتَرْتِيبِ التَّرْغِيبِ في الطّاعاتِ والتَّرْهِيبِ عَنِ المَحْظُوراتِ فَقالَ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ومِن رَحْمَتِهِ عَلى الخَلْقِ تَرْتِيبُ الثَّوابِ والعِقابِ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، فَنَفْتَقِرُ هاهُنا إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: إلى بَيانِ كَوْنِهِ تَعالى غَنِيًّا. فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُحْتاجًا لَكانَ مُسْتَكْمِلًا بِذَلِكَ الفِعْلِ، والمُسْتَكْمِلُ بِغَيْرِهِ ناقِصٌ بِذاتِهِ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وأيْضًا فَكُلُّ إيجابٍ أوْ سَلْبٍ يُفْرَضُ، فَإنْ كانَتْ ذاتُهُ كافِيَةً في تَحَقُّقِهِ، وجَبَ دَوامُ ذَلِكَ الإيجابِ أوْ ذَلِكَ السَّلْبِ بِدَوامِ ذاتِهِ. وإنْ لَمْ تَكُنْ كافِيَةً، فَحِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ حُصُولُ تِلْكَ الحالَةِ وعَدَمُها عَلى وُجُودِ سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ أوْ عَدَمِهِ، فَذاتُهُ لا تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ الثُّبُوتِ والعَدَمِ وهُما مَوْقُوفانِ عَلى وُجُودِ ذَلِكَ السَّبَبِ المُنْفَصِلِ وعَدَمِهِ، والمَوْقُوفُ عَلى المَوْقُوفِ عَلى الشَّيْءِ مَوْقُوفٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ ذاتِهِ مَوْقُوفَةً عَلى الغَيْرِ، والمَوْقُوفُ عَلى الغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالواجِبُ لِذاتِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وهو مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ: أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مُحْتاجٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو. فَثَبَتَ بِهَذا صفحة ١٦٤ البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ وأمّا إثْباتُ أنَّهُ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا شَكَّ في وُجُودِ خَيْراتٍ وسَعاداتٍ ولَذّاتٍ وراحاتٍ، إمّا بِحَسَبِ الأحْوالِ الجِسْمانِيَّةِ، وإمّا بِحَسَبِ الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ. فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وإنَّما يَدْخُلُ في الوُجُودِ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ. فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ مِنَ الخَيْراتِ والرّاحاتِ والكَراماتِ والسَّعاداتِ فَهو مِنَ الحَقِّ سُبْحانَهُ، وبِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ. ثُمَّ إنَّ الِاسْتِقْراءَ دَلَّ عَلى أنَّ الخَيْرَ غالِبٌ عَلى الشَّرِّ فَإنَّ المَرِيضَ وإنْ كانَ كَثِيرًا فالصَّحِيحُ أكْثَرُ مِنهُ، والجائِعُ وإنْ كانَ كَثِيرًا فالشَّبْعانُ أكْثَرُ مِنهُ، والأعْمى وإنْ كانَ كَثِيرًا، إلّا أنَّ البَصِيرَ أكْثَرُ مِنهُ. فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِحُصُولِ الرَّحْمَةِ والرّاحَةِ، وثَبَتَ أنَّ الخَيْرَ أغْلَبُ مِنَ الشَّرِّ والألَمِ والآفَةِ، وثَبَتَ أنَّ مَبْدَأ تِلْكَ الرّاحاتِ والخَيْراتِ بِأسْرِها هو اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّهُ تَعالى هُوَ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا مِنهُ، والأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ أوْ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ واحِدٌ فَكُلُّ ما سِواهُ فَهو مِنهُ، والرَّحْمَةُ داخِلَةٌ فِيما سِواهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا مِنَ الحَقِّ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ صِحَّةُ هَذا الحَصْرِ فَثَبَتَ أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو. فَثَبَتَ أنَّهُ لا رَحِيمَ إلّا هو. فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَكَيْفَ يُمْكِنُنا إنْكارُ رَحْمَةِ الوالِدَيْنِ عَلى الوَلَدِ والمَوْلى عَلى عَبْدِهِ، وكَذَلِكَ سائِرُ أنْواعِ الرَّحْمَةِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ كُلَّها عِنْدَ التَّحْقِيقِ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: لَوْلا أنَّهُ تَعالى ألْقى في قَلْبِ هَذا الرَّحِيمِ داعِيَةَ الرَّحْمَةِ، لَما أقْدَمَ عَلى الرَّحْمَةِ، فَلَمّا كانَ مُوجِدُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ، كانَ الرَّحِيمُ هو اللَّهُ. ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ شَدِيدَ الغَضَبِ عَلى إنْسانٍ قاسِي القَلْبِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ رَءُوفًا رَحِيمًا عَطُوفًا؟ فانْقِلابُهُ مِنَ الحالَةِ الأُولى إلى الثّانِيَةِ لَيْسَ إلّا بِانْقِلابِ تِلْكَ الدَّواعِي، فَثَبَتَ أنَّ مُقَلِّبَ القُلُوبِ هو اللَّهُ تَعالى بِالبُرْهانِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وبِالقُرْآنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] فَثَبَتَ أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا مِنَ اللَّهِ. والثّانِي: هَبْ أنَّ ذَلِكَ الرَّحِيمَ أعْطى الطَّعامَ والثَّوْبَ والذَّهَبَ، ولَكِنْ لا صِحَّةَ لِلْمِزاجِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِتِلْكَ الأشْياءِ، وإلّا فَكَيْفَ الِانْتِفاعُ ؟ فالَّذِي أعْطى صِحَّةَ المِزاجِ والقُدْرَةَ والمُكْنَةَ هو الرَّحِيمُ في الحَقِيقَةِ. والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ مَن أعْطى غَيْرَهُ شَيْئًا فَهو إنَّما يُعْطِي لِطَلَبِ عِوَضٍ، وهو إمّا الثَّناءُ في الدُّنْيا، أوِ الثَّوابُ في الآخِرَةِ، أوْ دَفْعُ الرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ عَنِ القَلْبِ، وهو تَعالى يُعْطِي لا لِغَرَضٍ أصْلًا، فَكانَ تَعالى هو الرَّحِيمُ الكَرِيمُ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ البَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ القَطْعِيَّةِ صِحَّةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ لا غَنِيَّ ولا رَحِيمَ إلّا هو، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ، ثَبَتَ أنَّهُ لا يَسْتَكْمِلُ بِطاعاتِ المُطِيعِينَ ولا يَنْتَقِصُ بِمَعاصِي المُذْنِبِينَ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ ثَبَتَ أنَّهُ ما رَتَّبَ العَذابَ عَلى الذُّنُوبِ، ولا الثَّوابَ عَلى الطّاعاتِ، إلّا لِأجْلِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والكَرَمِ والجُودِ والإحْسانِ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] فَهَذا البَيانُ الإجْمالِيُّ كافٍ في هَذا البابِ، وأمّا تَفْصِيلُ تِلْكَ الحالَةِ وشَرْحُها عَلى البَيانِ التّامِّ، فَمِمّا لا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ عادِلًا مُنَزَّهًا عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ، وعَلى كَوْنِهِ رَحِيمًا مُحْسِنًا بِعِبادِهِ. أمّا المَطْلُوبُ الأوَّلُ فَقالَ: تَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِقُبْحِ القَبائِحِ وعالِمٌ صفحة ١٦٥ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَتَعالى عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ. أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى، فَتَقْرِيرُها إنَّما يَتِمُّ بِمَجْمُوعِ مُقَدِّماتٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنَّ في الحَوادِثِ ما يَكُونُ قَبِيحًا، نَحْوَ: الظُّلْمُ، والسَّفَهُ، والكَذِبُ، والغِيبَةُ، وهَذِهِ المُقَدِّمَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ لِغايَةِ ظُهُورِها. وثانِيها: كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ . وثالِثُها: كَوْنُهُ تَعالى غَنِيًّا عَنِ الحاجاتِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ وإذا ثَبَتَ مَجْمُوعُ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الثَّلاثَةِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِقُبْحِ القَبائِحِ وعالِمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْها، فَإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ كَوْنُهُ فاعِلًا لَها؛ لِأنَّ المُقْدِمَ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ إنَّما يُقْدِمُ عَلَيْهِ إمّا لِجَهْلِهِ بِكَوْنِهِ قَبِيحًا، وإمّا لِاحْتِياجِهِ، فَإذا كانَ عالِمًا بِالكُلِّ امْتَنَعَ كَوْنُهُ جاهِلًا بِقُبْحِ القَبائِحِ. وإذا كانَ غَنِيًّا عَنِ الكُلِّ امْتَنَعَ كَوْنُهُ مُحْتاجًا إلى فِعْلِ القَبائِحِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ القَبائِحِ مُتَعالٍ عَنْها، فَحِينَئِذٍ يُقْطَعُ بِأنَّهُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، فَلَمّا كَلَّفَ عَبِيدَهُ الأفْعالَ الشّاقَّةَ وجَبَ أنْ يُثِيبَهم عَلَيْها، ولَمّا رَتَّبَ العِقابَ والعَذابَ عَلى فِعْلِ المَعاصِي وجَبَ أنْ يَكُونَ عادِلًا فِيها، فَبِهَذا الطَّرِيقِ ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عادِلًا في الكُلِّ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَبْ أنَّ بِهَذا الطَّرِيقِ انْتَفى الظُّلْمُ عَنْهُ تَعالى، فَما الفائِدَةُ في التَّكْلِيفِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ التَّكْلِيفَ إحْسانٌ ورَحْمَةٌ عَلى ما هو مُقَرَّرٌ في ”كُتُبِ الكَلامِ“ فَقَوْلُهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الأوَّلِ وقَوْلُهُ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الثّانِي. فَهَذا تَقْرِيرُ الدَّلائِلِ الَّتِي اسْتَنْبَطَها طَوائِفُ العُقَلاءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ. واعْلَمْ يا أخِي أنَّ الكُلَّ لا يُحاوِلُونَ إلّا التَّقْدِيسَ والتَّعْظِيمَ، وسَمِعْتُ الشَّيْخَ الإمامَ الوالِدَ ضِياءَ الدِّينِ عُمَرَ بْنَ الحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا القاسِمِ سُلَيْمانَ بْنَ ناصِرٍ الأنْصارِيَّ، يَقُولُ: نَظَرَ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ في جانِبِ القُدْرَةِ ونَفاذِ المَشِيئَةِ، ونَظَرَ المُعْتَزِلَةُ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ في جانِبِ العَدْلِ والبَراءَةِ عَنْ فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، فَإذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ أحَدًا لَمْ يَصِفِ اللَّهَ إلّا بِالتَّعْظِيمِ والإجْلالِ والتَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهِ، ولَكِنْ مِنهم مَن أخْطَأ ومِنهم مَن أصابَ، ورَجاءُ الكُلِّ مُتَعَلِّقٌ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّهُ وإنْ كانَ ذا الرَّحْمَةِ إلّا أنَّ لِرَحْمَتِهِ مَعْدِنًا مَخْصُوصًا ومَوْضِعًا مُعَيَّنًا فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قادِرٌ عَلى وضْعِ الرَّحْمَةِ في هَذا الخَلْقِ، وقادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ قَوْمًا آخَرِينَ ويَضَعَ رَحْمَتَهُ فِيهِمْ وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ العالَمِينَ أكْمَلَ وأتَمَّ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ الرَّحْمَةِ بِهَؤُلاءِ لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ إظْهارُ رَحْمَتِهِ إلّا بِخَلْقِ هَؤُلاءِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ فالأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ الإهْلاكُ ويُحْتَمَلُ الإماتَةُ أيْضًا ويُحْتَمَلُ أنْ لا يُبْلِغَهم مَبْلَغَ التَّكْلِيفِ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ إذْهابِكم؛ لِأنَّ الِاسْتِخْلافَ لا يَكُونُ إلّا عَلى طَرِيقِ البَدَلِ مِن فائِتٍ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ما يَشاءُ﴾ فالمُرادُ مِنهُ خَلْقٌ ثالِثٌ ورابِعٌ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: خَلْقًا آخَرَ مِن أمْثالِ الجِنِّ والإنْسِ يَكُونُونَ أطْوَعَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلِ المُرادُ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ خَلْقًا ثالِثًا مُخالِفًا لِلْجِنِّ والإنْسِ قالَ القاضِي: وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ لِأنَّ القَوْمَ صفحة ١٦٦ يَعْلَمُونَ بِالعادَةِ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إنْشاءِ أمْثالِ هَذا الخَلْقِ فَمَتى حُمِلَ عَلى خَلْقٍ ثالِثٍ ورابِعٍ يَكُونُ أقْوى في دَلالَةِ القُدْرَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ قُدْرَتَهُ لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَلى جِنْسٍ دُونَ جِنْسٍ مِنَ الخَلْقِ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِرَحْمَتِهِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي الثَّوابُ، فَبَيَّنَ بِهَذا الطَّرِيقِ أنَّهُ تَعالى لِرَحْمَتِهِ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ الحاضِرِينَ أبْقاهم وأمْهَلَهم ولَوْ شاءَ لَأماتَهم وأفْناهم وأبْدَلَ بِهِمْ سِواهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عِلَّةَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ لِأنَّ المَرْءَ العاقِلَ إذا تَفَكَّرَ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ لَيْسَ فِيها مِن صُورَتِهِ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَحْضِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَما قَدَرَ تَعالى عَلى تَصْوِيرِ هَذِهِ الأجْسامِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ الخاصَّةِ، فَكَذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى تَصْوِيرِهِمْ بِصُورَةٍ مُخالِفَةٍ لَها. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم ”ذُرِّيَّةِ“ بِضَمِّ الذّالِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ بِكَسْرِ الذّالِ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ قالَ الحَسَنُ: أيْ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ القِيامَةَ، وأقُولُ فِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ: وهو أنَّ الوَعْدَ مَخْصُوصٌ بِالإخْبارِ عَنِ الثَّوابِ، وأمّا الوَعِيدُ فَهو مَخْصُوصٌ بِالإخْبارِ عَنِ العِقابِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ يَعْنِي كُلَّ ما تَعَلَّقُ بِالوَعْدِ بِالثَّوابِ فَهو آتٍ لا مَحالَةَ، فَتَخْصِيصُ الوَعْدِ بِهَذا الجَزْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الوَعِيدِ لَيْسَ كَذَلِكَ ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ آخِرُ الآيَةِ، وهو أنَّهُ قالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يَعْنِي لا تَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِنا وحُكْمِنا، فالحاصِلُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ جَزْمَ بِكَوْنِهِ آتِيًا، ولَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ، ما زادَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنْ جانِبَ الرَّحْمَةِ والإحْسانِ غالِبٌ.

الأنعام 6:134

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ثَوابَ أصْحابِ الطّاعاتِ وعِقابَ أصْحابِ المَعاصِي والمُحَرَّماتِ وذَكَرَ أنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ دَرَجَةً مَخْصُوصَةً ومَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً، بَيَّنَ أنَّ تَخْصِيصَ المُطِيعِينَ بِالثَّوابِ، والمُذْنِبِينَ بِالعَذابِ، لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلى طاعَةِ المُطِيعِينَ أوْ يَنْتَقِصُ بِمَعْصِيَةِ المُذْنِبِينَ. فَإنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لِذاتِهِ عَنْ جَمِيعِ العالَمِينَ، ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا فَإنَّ رَحْمَتَهُ عامَّةٌ كامِلَةٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَرْتِيبِ هَذِهِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ والنُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ وإيصالِها إلى دَرَجاتِ السُّعَداءِ الأبْرارِ، إلّا بِتَرْتِيبِ التَّرْغِيبِ في الطّاعاتِ والتَّرْهِيبِ عَنِ المَحْظُوراتِ فَقالَ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ومِن رَحْمَتِهِ عَلى الخَلْقِ تَرْتِيبُ الثَّوابِ والعِقابِ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، فَنَفْتَقِرُ هاهُنا إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: إلى بَيانِ كَوْنِهِ تَعالى غَنِيًّا. فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُحْتاجًا لَكانَ مُسْتَكْمِلًا بِذَلِكَ الفِعْلِ، والمُسْتَكْمِلُ بِغَيْرِهِ ناقِصٌ بِذاتِهِ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وأيْضًا فَكُلُّ إيجابٍ أوْ سَلْبٍ يُفْرَضُ، فَإنْ كانَتْ ذاتُهُ كافِيَةً في تَحَقُّقِهِ، وجَبَ دَوامُ ذَلِكَ الإيجابِ أوْ ذَلِكَ السَّلْبِ بِدَوامِ ذاتِهِ. وإنْ لَمْ تَكُنْ كافِيَةً، فَحِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ حُصُولُ تِلْكَ الحالَةِ وعَدَمُها عَلى وُجُودِ سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ أوْ عَدَمِهِ، فَذاتُهُ لا تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ الثُّبُوتِ والعَدَمِ وهُما مَوْقُوفانِ عَلى وُجُودِ ذَلِكَ السَّبَبِ المُنْفَصِلِ وعَدَمِهِ، والمَوْقُوفُ عَلى المَوْقُوفِ عَلى الشَّيْءِ مَوْقُوفٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ ذاتِهِ مَوْقُوفَةً عَلى الغَيْرِ، والمَوْقُوفُ عَلى الغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالواجِبُ لِذاتِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وهو مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ: أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مُحْتاجٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو. فَثَبَتَ بِهَذا صفحة ١٦٤ البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ وأمّا إثْباتُ أنَّهُ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا شَكَّ في وُجُودِ خَيْراتٍ وسَعاداتٍ ولَذّاتٍ وراحاتٍ، إمّا بِحَسَبِ الأحْوالِ الجِسْمانِيَّةِ، وإمّا بِحَسَبِ الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ. فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وإنَّما يَدْخُلُ في الوُجُودِ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ. فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ مِنَ الخَيْراتِ والرّاحاتِ والكَراماتِ والسَّعاداتِ فَهو مِنَ الحَقِّ سُبْحانَهُ، وبِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ. ثُمَّ إنَّ الِاسْتِقْراءَ دَلَّ عَلى أنَّ الخَيْرَ غالِبٌ عَلى الشَّرِّ فَإنَّ المَرِيضَ وإنْ كانَ كَثِيرًا فالصَّحِيحُ أكْثَرُ مِنهُ، والجائِعُ وإنْ كانَ كَثِيرًا فالشَّبْعانُ أكْثَرُ مِنهُ، والأعْمى وإنْ كانَ كَثِيرًا، إلّا أنَّ البَصِيرَ أكْثَرُ مِنهُ. فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِحُصُولِ الرَّحْمَةِ والرّاحَةِ، وثَبَتَ أنَّ الخَيْرَ أغْلَبُ مِنَ الشَّرِّ والألَمِ والآفَةِ، وثَبَتَ أنَّ مَبْدَأ تِلْكَ الرّاحاتِ والخَيْراتِ بِأسْرِها هو اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّهُ تَعالى هُوَ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا مِنهُ، والأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ أوْ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ واحِدٌ فَكُلُّ ما سِواهُ فَهو مِنهُ، والرَّحْمَةُ داخِلَةٌ فِيما سِواهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا مِنَ الحَقِّ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ صِحَّةُ هَذا الحَصْرِ فَثَبَتَ أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو. فَثَبَتَ أنَّهُ لا رَحِيمَ إلّا هو. فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَكَيْفَ يُمْكِنُنا إنْكارُ رَحْمَةِ الوالِدَيْنِ عَلى الوَلَدِ والمَوْلى عَلى عَبْدِهِ، وكَذَلِكَ سائِرُ أنْواعِ الرَّحْمَةِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ كُلَّها عِنْدَ التَّحْقِيقِ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: لَوْلا أنَّهُ تَعالى ألْقى في قَلْبِ هَذا الرَّحِيمِ داعِيَةَ الرَّحْمَةِ، لَما أقْدَمَ عَلى الرَّحْمَةِ، فَلَمّا كانَ مُوجِدُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ، كانَ الرَّحِيمُ هو اللَّهُ. ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ شَدِيدَ الغَضَبِ عَلى إنْسانٍ قاسِي القَلْبِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ رَءُوفًا رَحِيمًا عَطُوفًا؟ فانْقِلابُهُ مِنَ الحالَةِ الأُولى إلى الثّانِيَةِ لَيْسَ إلّا بِانْقِلابِ تِلْكَ الدَّواعِي، فَثَبَتَ أنَّ مُقَلِّبَ القُلُوبِ هو اللَّهُ تَعالى بِالبُرْهانِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وبِالقُرْآنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] فَثَبَتَ أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا مِنَ اللَّهِ. والثّانِي: هَبْ أنَّ ذَلِكَ الرَّحِيمَ أعْطى الطَّعامَ والثَّوْبَ والذَّهَبَ، ولَكِنْ لا صِحَّةَ لِلْمِزاجِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِتِلْكَ الأشْياءِ، وإلّا فَكَيْفَ الِانْتِفاعُ ؟ فالَّذِي أعْطى صِحَّةَ المِزاجِ والقُدْرَةَ والمُكْنَةَ هو الرَّحِيمُ في الحَقِيقَةِ. والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ مَن أعْطى غَيْرَهُ شَيْئًا فَهو إنَّما يُعْطِي لِطَلَبِ عِوَضٍ، وهو إمّا الثَّناءُ في الدُّنْيا، أوِ الثَّوابُ في الآخِرَةِ، أوْ دَفْعُ الرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ عَنِ القَلْبِ، وهو تَعالى يُعْطِي لا لِغَرَضٍ أصْلًا، فَكانَ تَعالى هو الرَّحِيمُ الكَرِيمُ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ البَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ القَطْعِيَّةِ صِحَّةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ لا غَنِيَّ ولا رَحِيمَ إلّا هو، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ، ثَبَتَ أنَّهُ لا يَسْتَكْمِلُ بِطاعاتِ المُطِيعِينَ ولا يَنْتَقِصُ بِمَعاصِي المُذْنِبِينَ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ ثَبَتَ أنَّهُ ما رَتَّبَ العَذابَ عَلى الذُّنُوبِ، ولا الثَّوابَ عَلى الطّاعاتِ، إلّا لِأجْلِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والكَرَمِ والجُودِ والإحْسانِ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] فَهَذا البَيانُ الإجْمالِيُّ كافٍ في هَذا البابِ، وأمّا تَفْصِيلُ تِلْكَ الحالَةِ وشَرْحُها عَلى البَيانِ التّامِّ، فَمِمّا لا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ عادِلًا مُنَزَّهًا عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ، وعَلى كَوْنِهِ رَحِيمًا مُحْسِنًا بِعِبادِهِ. أمّا المَطْلُوبُ الأوَّلُ فَقالَ: تَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِقُبْحِ القَبائِحِ وعالِمٌ صفحة ١٦٥ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَتَعالى عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ. أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى، فَتَقْرِيرُها إنَّما يَتِمُّ بِمَجْمُوعِ مُقَدِّماتٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنَّ في الحَوادِثِ ما يَكُونُ قَبِيحًا، نَحْوَ: الظُّلْمُ، والسَّفَهُ، والكَذِبُ، والغِيبَةُ، وهَذِهِ المُقَدِّمَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ لِغايَةِ ظُهُورِها. وثانِيها: كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ . وثالِثُها: كَوْنُهُ تَعالى غَنِيًّا عَنِ الحاجاتِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ وإذا ثَبَتَ مَجْمُوعُ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الثَّلاثَةِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِقُبْحِ القَبائِحِ وعالِمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْها، فَإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ كَوْنُهُ فاعِلًا لَها؛ لِأنَّ المُقْدِمَ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ إنَّما يُقْدِمُ عَلَيْهِ إمّا لِجَهْلِهِ بِكَوْنِهِ قَبِيحًا، وإمّا لِاحْتِياجِهِ، فَإذا كانَ عالِمًا بِالكُلِّ امْتَنَعَ كَوْنُهُ جاهِلًا بِقُبْحِ القَبائِحِ. وإذا كانَ غَنِيًّا عَنِ الكُلِّ امْتَنَعَ كَوْنُهُ مُحْتاجًا إلى فِعْلِ القَبائِحِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ القَبائِحِ مُتَعالٍ عَنْها، فَحِينَئِذٍ يُقْطَعُ بِأنَّهُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، فَلَمّا كَلَّفَ عَبِيدَهُ الأفْعالَ الشّاقَّةَ وجَبَ أنْ يُثِيبَهم عَلَيْها، ولَمّا رَتَّبَ العِقابَ والعَذابَ عَلى فِعْلِ المَعاصِي وجَبَ أنْ يَكُونَ عادِلًا فِيها، فَبِهَذا الطَّرِيقِ ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عادِلًا في الكُلِّ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَبْ أنَّ بِهَذا الطَّرِيقِ انْتَفى الظُّلْمُ عَنْهُ تَعالى، فَما الفائِدَةُ في التَّكْلِيفِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ التَّكْلِيفَ إحْسانٌ ورَحْمَةٌ عَلى ما هو مُقَرَّرٌ في ”كُتُبِ الكَلامِ“ فَقَوْلُهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الأوَّلِ وقَوْلُهُ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الثّانِي. فَهَذا تَقْرِيرُ الدَّلائِلِ الَّتِي اسْتَنْبَطَها طَوائِفُ العُقَلاءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ. واعْلَمْ يا أخِي أنَّ الكُلَّ لا يُحاوِلُونَ إلّا التَّقْدِيسَ والتَّعْظِيمَ، وسَمِعْتُ الشَّيْخَ الإمامَ الوالِدَ ضِياءَ الدِّينِ عُمَرَ بْنَ الحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا القاسِمِ سُلَيْمانَ بْنَ ناصِرٍ الأنْصارِيَّ، يَقُولُ: نَظَرَ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ في جانِبِ القُدْرَةِ ونَفاذِ المَشِيئَةِ، ونَظَرَ المُعْتَزِلَةُ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ في جانِبِ العَدْلِ والبَراءَةِ عَنْ فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، فَإذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ أحَدًا لَمْ يَصِفِ اللَّهَ إلّا بِالتَّعْظِيمِ والإجْلالِ والتَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهِ، ولَكِنْ مِنهم مَن أخْطَأ ومِنهم مَن أصابَ، ورَجاءُ الكُلِّ مُتَعَلِّقٌ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّهُ وإنْ كانَ ذا الرَّحْمَةِ إلّا أنَّ لِرَحْمَتِهِ مَعْدِنًا مَخْصُوصًا ومَوْضِعًا مُعَيَّنًا فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قادِرٌ عَلى وضْعِ الرَّحْمَةِ في هَذا الخَلْقِ، وقادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ قَوْمًا آخَرِينَ ويَضَعَ رَحْمَتَهُ فِيهِمْ وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ العالَمِينَ أكْمَلَ وأتَمَّ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ الرَّحْمَةِ بِهَؤُلاءِ لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ إظْهارُ رَحْمَتِهِ إلّا بِخَلْقِ هَؤُلاءِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ فالأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ الإهْلاكُ ويُحْتَمَلُ الإماتَةُ أيْضًا ويُحْتَمَلُ أنْ لا يُبْلِغَهم مَبْلَغَ التَّكْلِيفِ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ إذْهابِكم؛ لِأنَّ الِاسْتِخْلافَ لا يَكُونُ إلّا عَلى طَرِيقِ البَدَلِ مِن فائِتٍ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ما يَشاءُ﴾ فالمُرادُ مِنهُ خَلْقٌ ثالِثٌ ورابِعٌ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: خَلْقًا آخَرَ مِن أمْثالِ الجِنِّ والإنْسِ يَكُونُونَ أطْوَعَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلِ المُرادُ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ خَلْقًا ثالِثًا مُخالِفًا لِلْجِنِّ والإنْسِ قالَ القاضِي: وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ لِأنَّ القَوْمَ صفحة ١٦٦ يَعْلَمُونَ بِالعادَةِ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إنْشاءِ أمْثالِ هَذا الخَلْقِ فَمَتى حُمِلَ عَلى خَلْقٍ ثالِثٍ ورابِعٍ يَكُونُ أقْوى في دَلالَةِ القُدْرَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ قُدْرَتَهُ لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَلى جِنْسٍ دُونَ جِنْسٍ مِنَ الخَلْقِ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِرَحْمَتِهِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي الثَّوابُ، فَبَيَّنَ بِهَذا الطَّرِيقِ أنَّهُ تَعالى لِرَحْمَتِهِ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ الحاضِرِينَ أبْقاهم وأمْهَلَهم ولَوْ شاءَ لَأماتَهم وأفْناهم وأبْدَلَ بِهِمْ سِواهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عِلَّةَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ لِأنَّ المَرْءَ العاقِلَ إذا تَفَكَّرَ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ لَيْسَ فِيها مِن صُورَتِهِ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَحْضِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَما قَدَرَ تَعالى عَلى تَصْوِيرِ هَذِهِ الأجْسامِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ الخاصَّةِ، فَكَذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى تَصْوِيرِهِمْ بِصُورَةٍ مُخالِفَةٍ لَها. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم ”ذُرِّيَّةِ“ بِضَمِّ الذّالِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ بِكَسْرِ الذّالِ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ قالَ الحَسَنُ: أيْ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ القِيامَةَ، وأقُولُ فِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ: وهو أنَّ الوَعْدَ مَخْصُوصٌ بِالإخْبارِ عَنِ الثَّوابِ، وأمّا الوَعِيدُ فَهو مَخْصُوصٌ بِالإخْبارِ عَنِ العِقابِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ يَعْنِي كُلَّ ما تَعَلَّقُ بِالوَعْدِ بِالثَّوابِ فَهو آتٍ لا مَحالَةَ، فَتَخْصِيصُ الوَعْدِ بِهَذا الجَزْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الوَعِيدِ لَيْسَ كَذَلِكَ ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ آخِرُ الآيَةِ، وهو أنَّهُ قالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يَعْنِي لا تَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِنا وحُكْمِنا، فالحاصِلُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ جَزْمَ بِكَوْنِهِ آتِيًا، ولَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ، ما زادَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنْ جانِبَ الرَّحْمَةِ والإحْسانِ غالِبٌ.

الأنعام 6:135

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ أمَرَ رَسُولَهُ مِن بَعْدِهِ أنْ يُهَدِّدَ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”مَكاناتِكم“ بِالألِفِ، عَلى الجَمْعِ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ ”عَلى مَكانَتِكم“ قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ الإفْرادُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَصادِرُ في أكْثَرِ الأمْرِ مُفْرَدَةٌ، وقَدْ تُجْمَعُ أيْضًا في بَعْضِ الأحْوالِ، إلّا أنَّ الغالِبَ هو الأوَّلُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَكانَةُ تَكُونُ مَصْدَرًا، يُقالُ: مَكُنَ مَكانَةً إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ، وبِمَعْنى المَكانِ، يُقالُ: مَكانٌ ومَكانَةٌ، ومُقامٌ ومُقامَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ اعْمَلُوا عَلى تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم وأقْصى اسْتِطاعَتِكم وإمْكانِكم، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ اعْمَلُوا عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أُمِرَ أنْ يَثْبُتَ عَلى حالَةٍ: عَلى مَكانَتِكَ يا فُلانُ، أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ لا صفحة ١٦٧ تَنْحَرِفْ عَنْهُ ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ أنا عامِلٌ عَلى مَكانَتِي، الَّتِي عَلَيْها، والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم وعَداوَتِكم، فَإنِّي ثابِتٌ عَلى الإسْلامِ، وعَلى مَضارَّتِكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّنا لُهُ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ، وطَرِيقَةُ هَذا الأمْرِ طَرِيقَةُ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ وهي تَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ. البَحْثُ الثّالِثُ: مَن في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ ذَكَرَ الفَرّاءُ في مَوْضِعِهِ مِنَ الإعْرابِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نَصْبٌ لِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى مَعْنى: تَعْلَمُونَ أيُّنا تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢] . البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ يُوهِمُ أنَّ الكافِرَ لَيْسَتْ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، وذَلِكَ مُشْكِلٌ. قُلْنا: العاقِبَةُ تَكُونُ عَلى الكافِرِ ولا تَكُونُ لَهُ، كَما يُقالُ: لَهُ الكَثْرَةُ ولَهُمُ الظَّفَرُ، وفي ضِدِّهِ يُقالُ: عَلَيْكُمُ الكَثْرَةُ والظَّفَرُ. البَحْثُ الخامِسُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿مَن يَكُونُ﴾ بِالياءِ وفي القَصَصِ أيْضًا والباقُونَ بِالتّاءِ في السُّورَتَيْنِ. قالَ الواحِدِيُّ: العاقِبَةُ مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ، وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَمَن أنَّثَ، فَكَقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] ومَن ذَكَّرَ فَكَقَوْلِهِ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] وقالَ: ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ تَهْدِيدٌ وتَخْوِيفٌ لا أنَّهُ أمْرٌ وطَلَبٌ، ومَعْناهُ: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لا يُفْلِحُونَ ولا يَفُوزُونَ بِمَطالِبِهِمُ البَتَّةَ.

الأنعام 6:136

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ قُبْحَ طَرِيقَتِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، والقِيامَةَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنْواعًا مِن جَهالاتِهِمْ ورَكاكاتِ أقْوالِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وقِلَّةِ مَحْصُولِهِمْ، وتَنْفِيرًا لِلْعُقَلاءِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى كَلِماتِهِمْ، فَمِن جُمْلَتِها أنَّهم يَجْعَلُونَ لِلَّهِ مِن حُرُوثِهِمْ، كالتَّمْرِ والقَمْحِ، ومِن أنْعامِهِمْ كالضَّأْنِ والمَعَزِ والإبِلِ والبَقَرِ، نَصِيبًا، فَقالُوا: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ يُرِيدُ بِكَذِبِهِمْ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ لِلَّهِ فَكَيْفَ نُسِبُوا إلى الكَذِبِ في قَوْلِهِمْ: هَذا لِلَّهِ ؟ صفحة ١٦٨ قُلْنا: إفْرازُهم النَّصِيبَيْنِ نَصِيبًا لِلَّهِ؛ ونَصِيبًا لِلشَّيْطانِ هو الكَذِبُ. قالَ الزَّجّاجُ: وتَقْدِيرُ الكَلامِ جَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا ولِشُرَكائِهِمْ نَصِيبًا ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ تَفْصِيلُهُ القِسْمَيْنِ فِيما بَعْدُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ وجَعَلَ الأوْثانَ شُرَكاءَهم لِأنَّهم جَعَلُوا لَها نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ يُنْفِقُونَها عَلَيْها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ مِن حُرُوثِهِمْ وأنْعامِهِمْ نَصِيبًا، ولِلْأوْثانِ نَصِيبًا، فَما كانَ لِلصَّنَمِ أنْفَقُوهُ عَلَيْهِ، وما كانَ لِلَّهِ أطْعَمُوهُ الصِّبْيانَ والمَساكِينَ، ولا يَأْكُلُونَ مِنهُ البَتَّةَ. ثُمَّ إنْ سَقَطَ مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الأوْثانِ تَرَكُوهُ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ هَذا، وإنْ سَقَطَ مِمّا جَعَلُوهُ لِلْأوْثانِ في نَصِيبِ اللَّهِ أخَذُوهُ ورَدُّوهُ إلى نَصِيبِ الصَّنَمِ، وقالُوا: إنَّهُ فَقِيرٌ. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ والسَّدِّيُّ: كانَ إذا هَلَكَ ما لِأوْثانِهِمْ أخَذُوا بَدَلَهُ مِمّا لِلَّهِ، ولا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيما لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أنَّهُ إذا انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ في نَصِيبِ اللَّهِ سَدُّوهُ، وإنْ كانَ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ تَرَكُوهُ. الرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: إذا أصابَهُمُ القَحْطُ اسْتَعانُوا بِما لِلَّهِ ووَفَّرُوا ما جَعَلُوهُ لِشُرَكائِهِمْ. الخامِسُ: قالَ مُقاتِلٌ: إنْ زَكا ونَما نَصِيبُ الآلِهَةِ ولَمْ يَزْكُ نَصِيبُ اللَّهِ تَرَكُوا نَصِيبَ الآلِهَةِ لَها، وقالُوا لَوْ شاءَ زَكّى نَصِيبَ نَفْسِهِ وإنْ زَكا نَصِيبُ اللَّهِ ولَمْ يَزْكُ نَصِيبُ الآلِهَةِ، قالُوا لا بُدَّ لِآلِهَتِنا مِن نَفَقَةٍ، فَأخَذُوا نَصِيبَ اللَّهِ فَأعْطَوْهُ السَّدَنَةَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ﴾ يَعْنِي مِن نَماءِ الحَرْثِ والأنْعامِ ﴿فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي المَساكِينَ وإنَّما قالَ: (إلى اللَّهِ) لِأنَّهم كانُوا يَفْرِزُونَهُ لِلَّهِ ويُسَمُّونَهُ نَصِيبَ اللَّهِ، وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّ هَذا الفِعْلَ فَقالَ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وذَكَرَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الإساءَةِ وُجُوهًا كَثِيرَةً: الأوَّلُ: أنَّهم رَجَّحُوا جانِبَ الأصْنامِ في الرِّعايَةِ والحِفْظِ عَلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى، وهو سَفَهٌ. الثّانِي: أنَّهم جَعَلُوا بَعْضَ النَّصِيبِ لِلَّهِ وجَعَلُوا بَعْضَهُ لِغَيْرِهِ مَعَ أنَّهُ تَعالى الخالِقُ لِلْجَمِيعِ، وهَذا أيْضًا سَفَهٌ. الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ حُكْمٌ أحْدَثُوهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، ولَمْ يَشْهَدْ بِصِحَّتِهِ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ، فَكانَ أيْضًا سَفَهًا. الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ حَسُنَ إفْرازُ نَصِيبِ الأصْنامِ لَحَسُنَ إفْرازُ النَّصِيبِ لِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، الخامِسُ: أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْأصْنامِ في حُصُولِ الحَرْثِ والأنْعامِ، ولا قُدْرَةَ لَها أيْضًا عَلى الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ النَّصِيبِ فَكانَ إفْرازُ النَّصِيبِ لَها عَبَثًا، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ أمْثالِ هَذِهِ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ، أنْ يَعْرِفَ النّاسُ قِلَّةَ عُقُولِ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَذاهِبِ، وأنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَحْقِيرِهِمْ في أعْيُنِ العُقَلاءِ، وأنْ لا يَلْتَفِتَ إلى كَلامِهِمْ أحَدٌ البَتَّةَ.

الأنعام 6:137

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ صفحة ١٦٩ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن أحْكامِهِمُ الفاسِدَةِ، ومَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ، وقَوْلُهُ: (وكَذَلِكَ) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ﴾ أيْ كَما فَعَلُوا ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنهم شُرَكاؤُهم قَتْلَ الأوْلادِ، والمَعْنى: أنَّ جَعْلَهم لِلَّهِ نَصِيبًا، ولِلشُّرَكاءِ نَصِيبًا نِهايَةٌ في الجَهْلِ بِمَعْرِفَةِ الخالِقِ المُنْعِمِ، وإقْدامَهِمْ عَلى قَتْلِ أوْلادِ أنْفُسِهِمْ نِهايَةٌ في الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، وذَلِكَ يُفِيدُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ أحْكامَ هَؤُلاءِ وأحْوالَهم يُشاكِلُ بَعْضُها بَعْضًا في الرَّكاكَةِ والخَساسَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَدْفِنُونَ بَناتِهم أحْياءً خَوْفًا مِنَ الفَقْرِ أوْ مِنَ التَّزْوِيجِ، وهو المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالشُّرَكاءِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: شُرَكاؤُهم شَياطِينُهم أمَرُوهم بِأنْ يَئِدُوا أوْلادَهم خَشْيَةَ العَيْلَةِ، وسُمِّيَتِ الشَّياطِينُ شُرَكاءً؛ لِأنَّهم أطاعُوهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وأُضِيفَتِ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ لِآلِهَتِهِمْ سَدَنَةٌ وخُدّامٌ، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا يُزَيِّنُونَ لِلْكَفّارِ قَتْلَ أوْلادِهِمْ، وكانَ الرَّجُلُ يَقُومُ في الجاهِلِيَّةِ فَيَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ كَذا وكَذا غُلامًا لَيَنْحَرَنَّ أحَدَهم، كَما حَلَفَ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ: الشُّرَكاءُ هُمُ السَّدَنَةُ، سُمُّوا شُرَكاءً كَما سُمِّيَتِ الشَّياطِينُ شُرَكاءً في قَوْلِ مُجاهِدٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”زُيِّنَ“ بِضَمِّ الزّاءِ وكَسْرِ الياءِ، وبِضَمِّ اللّامِ مِن ”قَتْلُ“ و”أوْلادَهم“ بِنَصْبِ الدّالِّ ”شُرَكائِهِمْ“ بِالخَفْضِ والباقُونَ ”زَيَّنَ“ بِفَتْحِ الزّايِ والياءِ ”قَتْلَ“ بِفَتْحِ اللّامِ ”أوْلادِهِمْ“ بِالجَرِّ ”شُرَكاؤُهم“ بِالرَّفْعِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فالتَّقْدِيرُ: زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ شُرَكائِهِمْ أوْلادَهم، إلّا أنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ المُضافِ، والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ وهو الأوْلادُ، وهو مَكْرُوهٌ في الشِّعْرِ كَما في قَوْلِهِ: [: ] فَزَجَجْتُها بِمِزَجَّةٍ زَجَّ القَلُوصِ أبِي مَزادَهْ وإذا كانَ مُسْتَكْرَهًا في الشِّعْرِ فَكَيْفَ في القُرْآنِ الَّذِي هو مُعْجِزٌ في الفَصاحَةِ. قالُوا: والَّذِي حَمَلَ ابْنَ عامِرٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ المَصاحِفِ ”شُرَكائِهِمْ“ مَكْتُوبًا بِالياءِ، ولَوْ قَرَأ بِجَرِّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ، لِأجْلِ أنَّ الأوْلادَ شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ لَوَجَدَ في ذَلِكَ مَندُوحَةً عَنْ هَذا الِارْتِكابِ. وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ: فَلَيْسَ فِيها إلّا تَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾ [الأنعام: ١٥٨] وقَوْلُهُ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] والسَّبَبُ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ هو أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ، والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعَنى، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ هاهُنا إقْدامُهم عَلى قَتْلِ أوْلادِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هَذا التَّقْدِيرُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: (لِيُرْدُوهم) والإرْداءُ في اللُّغَةِ الإهْلاكُ، وفي القُرْآنِ ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيُرْدُوهم في النّارِ، واللّامُ هاهُنا مَحْمُولَةٌ عَلى لامِ العاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] أيْ لِيَخْلِطُوا؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى دِينِ إسْماعِيلَ، فَهَذا الَّذِي أتاهم بِهَذِهِ الأوْضاعِ الفاسِدَةِ، أرادَ أنْ يُزِيلَهم عَنْ ذَلِكَ الدِّينِ الحَقِّ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ فَهو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ مِرارًا ﴿فَذَرْهم وما﴾ صفحة ١٧٠ (يَفْتَرُونَ) وهَذا عَلى قانُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿وما يَفْتَرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِقَتْلِ أوْلادِهِمْ، فَكانُوا كاذِبِينَ في ذَلِكَ القَوْلِ.

الأنعام 6:138

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ ثالِثٌ مِن أحْكامِهِمُ الفاسِدَةِ، وهي أنَّهم قَسَّمُوا أنْعامَهم أقْسامًا: فَأوَّلُها: أنْ قالُوا: ﴿هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ فَقَوْلُهُ: (حِجْرٌ) فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالذَّبْحِ والطَّحْنِ، ويَسْتَوِي في الوَصْفِ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ؛ لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ، وأصْلُ الحِجْرِ المَنعُ، وسُمِّيَ العَقْلُ حِجْرًا لِمَنعِهِ عَنِ القَبائِحِ، وفُلانٌ في حِجْرِ القاضِي: أيْ في مَنعِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ ”حُجْرٌ“ بِضَمِّ الحاءِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”حَرَجٌ“ وهو مِنَ الضِّيقِ، وكانُوا إذا عَيَّنُوا شَيْئًا مِن حَرْثِهِمْ وأنْعامِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ قالُوا: ﴿لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ﴾ يَعْنُونَ خَدَمَ الأوْثانِ، والرِّجالَ دُونَ النِّساءِ. والقِسْمُ الثّانِي مِن أنْعامِهِمُ الَّذِي قالُوا فِيهِ: ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ وهي البَحائِرُ والسَّوائِبُ والحَوامِي، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ. والقِسْمُ الثّالِثُ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ في الذَّبْحِ، وإنَّما يَذْكُرُونَ عَلَيْها أسْماءَ الأصْنامِ، وقِيلَ لا يَحُجُّونَ عَلَيْها ولا يُلَبُّونَ عَلى ظُهُورِها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ في مَعْنى الِافْتِراءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ.

الأنعام 6:139

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ صفحة ١٧١ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا نَوْعٌ رابِعٌ مِن أنْواعِ قَضاياهُمُ الفاسِدَةِ، كانُوا يَقُولُونَ في أجِنَّةِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ما وُلِدَ مِنها حَيًّا فَهو خالِصٌ لِلذُّكُورِ لا تَأْكُلُ مِنها الإناثُ، وما وُلِدَ مَيِّتًا اشْتَرَكَ فِيهِ الذُّكُورُ والإناثُ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾، والمُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ لِيَكُونَ الزَّجْرُ واقِعًا عَلى حَدِّ الحِكْمَةِ وبِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في تَأْنِيثِ ”خالِصَةٌ“ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: قَوْلَيْنِ لِلْفَرّاءِ وقَوْلًا لِلْكِسائِيِّ: أحَدُها: أنَّ الهاءَ لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، وإنَّما هي لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ كَما قالُوا: راوِيَةٌ، وعَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، والدّاهِيَةُ، والطّاغِيَةُ، كَذَلِكَ يَقُولُ: هو خالِصَةٌ لِي، وخالِصٌ لِي، هَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الأجِنَّةِ، وإذا كانَ عِبارَةً عَنْ مُؤَنَّثٍ جازَ تَأْنِيثُهُ عَلى المَعْنى، وتَذْكِيرُهُ عَلى اللَّفْظِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ أُنِّثَ خَبَرُهُ الَّذِي هو (خالِصَةٌ) لِمَعْناهُ، وذُكِّرَ في قَوْلِهِ: (ومُحَرَّمٌ) عَلى اللَّفْظِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا والتَّقْدِيرُ: ذُو خالِصَةٍ كَقَوْلِهِمْ: عَطاؤُكَ عافِيَةٌ، والمَطَرُ رَحْمَةُ، والرُّخَصُ نِعْمَةٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”وإنْ تَكُنْ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يَكُنْ“ بِالياءِ ”مَيْتَةٌ“ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”تَكُنْ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ ”يَكُنْ“ بِالياءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ. أمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، فَوَجْهُها أنَّهُ ألْحَقَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ لَمّا كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثًا في اللَّفْظِ وأمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ فَوَجْهُها أنَّ قَوْلَهُ: ”مَيْتَةً“ اسْمُ ”يَكُنْ“ وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ. والتَّقْدِيرُ: وإنْ يَكُنْ لَهم مَيْتَةٌ أوْ وإنْ يَكُنْ هُناكَ مَيْتَةٌ، وذُكِّرَ لِأنَّ المَيِّتَةَ في مَعْنى المَيِّتِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ يَلْحِقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لَمّا كانَ الفاعِلُ المُسْنَدُ إلَيْهِ تَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولا يَحْتاجُ الكَوْنُ إلى خَبَرٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى حَدَثَ ووَقَعَ. وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ ”تَكُنْ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ فالتَّقْدِيرُ وإنْ تَكُنِ المَذْكُورُ مَيْتَهً فَأنَّثَ الفِعْلَ لِهَذا السَّبَبِ وأمّا قِراءَةُ الباقِينَ ”وإنْ يَكُنْ“ بِالياءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ. فَتَأْوِيلُها، وإنْ يَكُنِ المَذْكُورُ مَيْتَةً ذَكَّرُوا الفِعْلَ لِأنَّهُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ وهو مُذَكَّرٌ، وانْتَصَبَ قَوْلُهُ ”مَيْتَةً“ لَمّا كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الضَّمِيرِ.

الأنعام 6:140

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ قَتْلَهم أوْلادَهم وتَحْرِيمَهم ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَمَعَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ وبَيَّنَ ما لَزِمَهم عَلى هَذا الحُكْمِ، وهو الخُسْرانُ والسَّفاهَةُ، وعَدَمُ العِلْمِ، وتَحْرِيمُ صفحة ١٧٢ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ، والِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ، والضَّلالُ وعَدَمُ الِاهْتِداءِ، فَهَذِهِ أُمُورٌ سَبْعَةٌ وكُلُّ واحِدٍ مِنها سَبَبٌ تامٌّ في حُصُولِ الذَّمِّ. أمّا الأوَّلُ: وهو الخُسْرانُ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَلَدَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ، فَإذا سَعى في إبْطالِهِ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا عَظِيمًا لا سِيَّما ويَسْتَحِقُّ عَلى ذَلِكَ الإبْطالِ الذَّمَّ العَظِيمَ في الدُّنْيا، والعُقابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ، أمّا الذَّمُّ في الدُّنْيا فَلِأنَّ النّاسَ يَقُولُونَ قَتَلَ ولَدَهُ خَوْفًا مِن أنْ يَأْكُلَ طَعامَهُ ولَيْسَ في الدُّنْيا ذَمٌّ أشَدُّ مِنهُ. وأمّا العِقابُ في الآخِرَةِ، فَلِأنَّ قَرابَةَ الوِلادَةِ أعْظَمُ مُوجِباتِ المَحَبَّةِ فَمَعَ حُصُولِها إذا أقْدَمَ عَلى إلْحاقِ أعْظَمِ المَضارِّ بِهِ كانَ ذَلِكَ أعْظَمَ أنْواعِ الذُّنُوبِ، فَكانَ مُوجِبًا لِأعْظَمِ أنْواعِ العِقابِ. والنَّوْعُ الثّانِي: السَّفاهَةُ وهي عِبارَةٌ عَنِ الخِفَّةِ المَذْمُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَتْلَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِلْخَوْفِ مِنَ الفَقْرِ، والفَقْرُ وإنْ كانَ ضَرَرًا إلّا أنَّ القَتْلَ أعْظَمُ مِنهُ ضَرَرًا، وأيْضًا فَهَذا القَتْلُ ناجِزٌ وذَلِكَ الفَقْرُ مَوْهُومٌ فالتِزامُ أعْظَمِ المَضارِّ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ حَذَرًا مِن ضَرَرٍ قَلِيلٍ مَوْهُومٍ، لا شَكَّ أنَّهُ سَفاهَةٌ. والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فالمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ السَّفاهَةَ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِن عَدَمِ العِلْمِ ولا شَكَّ أنَّ الجَهْلَ أعْظَمُ المُنْكَراتِ والقَبائِحِ. والنَّوْعُ الرّابِعُ: تَحْرِيمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم، وهو أيْضًا مِن أعْظَمِ أنْواعِ الحَماقَةِ؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ تِلْكَ المَنافِعَ والطَّيِّباتِ، ويَسْتَوْجِبُ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَنعِ أعْظَمَ أنْواعِ العَذابِ والعِقابِ. والنَّوْعُ الخامِسُ: الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الجَراءَةَ عَلى اللَّهِ، والِافْتِراءَ عَلَيْهِ أعْظَمُ الذُّنُوبِ وأكْبَرُ الكَبائِرِ. والنَّوْعُ السّادِسُ: الضَّلالُ عَنِ الرُّشْدِ في مَصالِحِ الدِّينِ ومَنافِعِ الدُّنْيا. والنَّوْعُ السّابِعُ: أنَّهم ما كانُوا مُهْتَدِينَ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قَدْ يَضِلُّ الإنْسانُ عَنِ الحَقِّ إلّا أنْ يَعُودَ إلى الِاهْتِداءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم قَدْ ضَلُّوا ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ الِاهْتِداءُ قَطُّ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ذَمَّ المَوْصُوفِينَ بِقَتْلِ الأوْلادِ وتَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى لَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ السَّبْعَةِ المُوجِبَةِ لِأعْظَمِ أنْواعِ الذَّمِّ، وذَلِكَ نِهايَةُ المُبالَغَةِ.

الأنعام 6:141

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ صفحة ١٧٣ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ مَدارَ هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ، وأنَّهُ تَعالى بالَغَ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الأُصُولِ، وانْتَهى الكَلامُ إلى شَرْحِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهُ إلى تَهْجِينِ طَرِيقَةِ مَن أنْكَرَ البَعْثَ والقِيامَةَ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِحِكايَةِ أقْوالِهِمُ الرَّكِيكَةِ، وكَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ في مَسائِلَ أرْبَعَةٍ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وقِلَّةِ مَحْصُولِهِمْ، وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى قَوْلِهِمْ، والِاغْتِرارِ بَشُبُهاتِهِمْ. فَلَمّا تَمَّمَ هَذِهِ الأشْياءَ عادَ بَعْدَها إلى ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وهو إقامَةُ الدَّلائِلِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذا الدَّلِيلِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فالآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ ذَكَرَ تَعالى فِيها خَمْسَةَ أنْواعٍ، وهي: الزَّرْعُ والنَّخْلُ، وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ والزَّيْتُونُ والرُّمّانُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها ذَكَرَ هَذِهِ الخَمْسَةَ بِأعْيانِها لَكِنْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ لِأنَّهُ ذَكَرَ العِنَبَ، ثُمَّ النَّخْلَ، ثُمَّ الزَّرْعَ، ثُمَّ الزَّيْتُونَ ثُمَّ الرُّمّانَ. وذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ ﴿مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ﴾ فَأمَرَ تَعالى هُناكَ بِالنَّظَرِ في أحْوالِها والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ فَأذِنَ في الِانْتِفاعِ بِها، وأمَرَ بِصَرْفِ جُزْءٍ مِنها إلى الفُقَراءِ، فالَّذِي حَصَلَ بِهِ الِامْتِيازُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ هُناكَ أمَرَ بِالِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ. وهاهُنا أذِنَ في الِانْتِفاعِ بِها، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ مُقَدَّمٌ عَلى الإذْنِ في الِانْتِفاعِ بِها؛ لِأنَّ الحاصِلَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها سَعادَةٌ رُوحانِيَّةٌ أبَدِيَّةٌ، والحاصِلُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهَذِهِ سَعادَةٌ جُسْمانِيَّةٌ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ، والأوَّلُ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى الأمْرَ بِالِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الإذْنِ بِالِانْتِفاعِ بِها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ﴾ أيْ خَلَقَ، يُقالُ: نَشَأ الشَّيْءُ يَنْشَأُ نَشْأةً ونَشاءَةً إذا ظَهَرَ وارْتَفَعَ، واللَّهُ يُنْشِئُهُ إنْشاءً أيْ يُظْهِرُهُ ويَرْفَعُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ يُقالُ عَرَّشْتُ الكَرْمَ أُعَرِّشُهُ عَرْشًا وعَرَّشْتُهُ تَعْرِيشًا، إذا عَطَفْتَ العِيدانَ الَّتِي يُرْسَلُ عَلَيْها قُضْبانُ الكَرْمِ، والواحِدُ عَرْشٌ، والجَمْعُ عُرُوشٌ، ويُقالُ: عَرِيشٌ وجَمْعُهُ عُرُشٌ، واعْتَرَشَ العِنَبُ العَرِيشَ اعْتِراشًا إذا عَلاهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ المَعْرُوشاتِ وغَيْرَ المَعْرُوشاتِ كِلاهُما الكَرْمُ، فَإنَّ بَعْضَ الأعْنابِ يُعَرَّشُ وبَعْضُها لا يُعَرَّشُ، بَلْ يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ مُنْبَسِطًا. والثّانِي: المَعْرُوشاتُ العِنَبُ الَّذِي يُجْعَلُ لَها عُرُوشٌ، وغَيْرُ المَعْرُوشاتِ كُلُّ ما يَنْبُتُ مُنْبَسِطًا عَلى وجْهِ الأرْضِ مِثْلُ القَرْعِ والبِطِّيخِ. والثّالِثُ: المَعْرُوشاتُ ما يَحْتاجُ إلى أنْ يُتَّخَذَ لَهُ عَرِيشٌ يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَيُمْسِكُهُ، وهو الكَرْمُ وما يَجْرِي مَجْراهُ، وغَيْرُ المَعْرُوشِ هو القائِمُ مِنَ الشَّجَرِ المُسْتَغْنِي بِاسْتِوائِهِ وذَهابِهِ عُلُوًّا لِقُوَّةِ ساقِهِ عَنِ التَّعْرِيشِ. والرّابِعُ: المَعْرُوشاتُ ما يَحْصُلُ في البَساتِينِ والعُمْراناتِ مِمّا يَغْرِسُهُ النّاسُ واهْتَمُّوا بِهِ فَعَرَّشُوهُ ﴿وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ مِمّا أنْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى وحْشِيًّا في البَرارِي والجِبالِ فَهو غَيْرُ مَعْرُوشٍ، وقَوْلُهُ: صفحة ١٧٤ ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ﴾ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ ”الزَّرْعَ“ هاهُنا بِجَمِيعِ الحُبُوبِ الَّتِي يُقْتاتُ بِها ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أيْ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنها طَعْمٌ غَيْرُ طَعْمِ الآخَرِ ”والأُكُلُ“ كُلُّ ما أُكِلَ، وهاهُنا المُرادُ ثَمَرُ النَّخْلِ والزَّرْعِ، ومَضى القَوْلُ في ”الأُكُلِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] وقَوْلُهُ: (مُخْتَلِفًا) نُصِبَ عَلى الحالِ. أيْ أنْشَأهُ في حالِ اخْتِلافِ أُكُلِهِ، وهو قَدْ أنْشَأهُ مِن قَبْلِ ظُهُورِ أُكُلِهِ وأُكُلِ ثَمَرِهِ. الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أنْشَأها حالَ اخْتِلافِ ثَمَرِها، وصِدْقُ هَذا لا يُنافِي صِدْقَ أنَّهُ تَعالى أنْشَأها قَبْلَ ذَلِكَ أيْضًا. وأيْضًا نُصِبَ عَلى الحالِ مَعَ أنَّهُ يُؤْكَلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمانٍ؛ لِأنَّ اخْتِلافَ أُكُلِهِ مُقَدَّرٌ كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا، أيْ مُقَدَّرًا لِلصَّيْدِ بِهِ غَدًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ ”أُكْلُهُ“ بِتَخْفِيفِ الكافِ والباقُونَ ”أُكُلُهُ“ في كُلِّ القُرْآنِ. وأمّا تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ فالسَّبَبُ فِيهِ: أنَّهُ اكْتَفى بِإعادَةِ الذِّكْرِ عَلى أحَدِهِما مِن إعادَتِهِ عَلَيْهِما جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] والمَعْنى: إلَيْهِما، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ فَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ. البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِهَذِهِ الأشْياءِ ذَكَرَ ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن خَلْقِها، وهو انْتِفاعُ المُكَلَّفِينَ بِها، فَقالَ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ واخْتَلَفُوا ما الفائِدَةُ مِنهُ ؟ فَقالَ بَعْضُهم: الإباحَةُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ إباحَةُ الأكْلِ قَبْلَ إخْراجِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الحَقَّ فِيهِ كانَ يَجُوزُ أنْ يُحَرِّمَ عَلى المالِكِ تَناوُلَهُ لِمَكانِ شَرِكَةِ المَساكِينِ فِيهِ، بَلْ هَذا هو الظّاهِرُ فَأباحَ تَعالى هَذا الأكْلَ، وأخْرَجَ وُجُوبَ الحَقِّ فِيهِ مِن أنْ يَكُونَ مانِعًا مِن هَذا التَّصَرُّفِ. وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أباحَ تَعالى ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ أنَّ المَقْصِدَ بِخَلْقِ هَذِهِ النِّعَمِ؛ إمّا الأكْلُ وإمّا التَّصَدُّقُ، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الأكْلِ عَلى التَّصَدُّقِ؛ لِأنَّ رِعايَةَ النَّفْسِ مُقَدَّمَةٌ عَلى رِعايَةِ الغَيْرِ. قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] . البَحْثُ الثّانِي: تَمَسَّكَ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ بِأنَّ الأصْلَ في المَنافِعِ الإباحَةُ والإطْلاقُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (كُلُوا) خِطابٌ عامٌّ يَتَناوَلُ الكُلَّ، فَصارَ هَذا جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ وأيْضًا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ عَلى أنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ، وأنَّ مَنِ ادَّعى إيجابَهُ كانَ هو المُحْتاجُ إلى الدَّلِيلِ، فَيُتَمَسَّكُ بِهِ في أنَّ المَجْنُونَ إذا أفاقَ في أثْناءِ الشَّهْرِ، لا يَلْزَمُهُ قَضاءُ ما مَضى، وفي أنَّ الشّارِعَ في صَوْمِ النَّفْلِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الإتْمامُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ قَدْ تَرِدُ في غَيْرِ مَوْضِعِ الوُجُوبِ وفي غَيْرِ مَوْضِعِ النَّدْبِ، وعِنْدَ هَذا قالَ بَعْضُهم: الأصْلُ في الِاسْتِعْمالِ الحَقِيقَةُ، فَوَجَبَ جَعْلُ هَذِهِ الصِّيغَةِ مُفِيدَةً لِرَفْعِ الحَجْرِ، فَلِهَذا قالُوا: الأمْرُ مُقْتَضاهُ الإباحَةُ، إلّا أنّا نَقُولُ: نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ مِن لُغَةِ العَرَبِ أنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُفِيدُ تَرْجِيحَ جانِبِ الفِعْلِ، وأنَّ حَمْلَها عَلى الإباحَةِ لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ”حَصادِهِ“ بِفَتْحِ الحاءِ والباقُونَ بِكَسْرِ الحاءِ قالَ صفحة ١٧٥ الواحِدِيُّ: قالَ جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ يُقالُ: حَصادٌ وحِصادٌ، وجَدادٌ وجِدادٌ، وقَطافٌ وقِطافٌ، وجَذاذٌ وجِذاذٌ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: جاءُوا بِالمَصادِرِ حِينَ أرادُوا انْتِهاءَ الزَّمانِ عَلى مِثالِ فَعالٍ، ورُبَّما قالُوا فِيهِ فِعالٌ. البَحْثُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ يُرِيدُ بِهِ العُشْرَ فِيما سَقَتِ السَّماءُ، ونِصْفَ العُشْرِ فِيما سُقِيَ بِالدَّوالِيبِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ وطاوُسٍ والضَّحّاكِ. فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يُؤَدِّي الزَّكاةَ يَوْمَ الحَصادِ والحَبُّ في السُّنْبُلِ ؟ وأيْضًا هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وإيجابُ الزَّكاةِ مَدَنِيٌّ. قُلْنا: لَمّا تَعَذَّرَ إجْراءُ قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ﴾ عَلى ظاهِرِهِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ. لا جَرَمَ حَمَلْناهُ عَلى تَعَلُّقِ حَقِّ الزَّكاةِ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والمَعْنى: اعْزِمُوا عَلى إيتاءِ الحَقِّ يَوْمَ الحَصادِ ولا تُؤَخِّرُوهُ عَنْ أوَّلِ وقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ الإيتاءُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: لا نُسَلِّمُ أنَّ الزَّكاةَ ما كانَتْ واجِبَةً في مَكَّةَ، بَلْ لا نِزاعَ أنَّ الآيَةَ المَدَنِيَّةَ ورَدَتْ بِإيجابِها، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ أنَّها كانَتْ واجِبَةً بِمَكَّةَ. وقِيلَ أيْضًا: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا حَقٌّ في المالِ سِوى الزَّكاةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إذا حَصَدْتَ فَحَضَرَتِ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم مِنهُ، وإذا دَرَسْتَهُ وذَرَّيْتَهُ فاطْرَحْ لَهم مِنهُ، وإذا كَرْبَلْتَهُ فاطْرَحْ لَهم مِنهُ، وإذا عَرَفْتَ كَيْلَهُ فاعْزِلْ زَكاتَهُ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا كانَ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكاةِ، فَلَمّا فُرِضَتِ الزَّكاةُ نُسِخَ هَذا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والأصَحُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ﴾ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ الحَقُّ مَعْلُومًا قَبْلَ وُرُودِ هَذِهِ الآيَةِ لِئَلّا تَبْقى هَذِهِ الآيَةُ مُجْمَلَةً. وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَيْسَ في المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ“ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا الحَقِّ حَقَّ الزَّكاةِ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ الأنْواعِ الخَمْسَةِ، وهو العِنَبُ والنَّخْلُ، والزَّيْتُونُ، والرُّمّانُ؛ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في الكُلِّ، وهَذا يَقْتَضِي وُجُوبَ الزَّكاةِ في الثِّمارِ، كَما كانَ يَقُولُهُ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. فَإنْ قالُوا: لَفْظُ الحَصادِ مَخْصُوصٌ بِالزَّرْعِ. فَنَقُولُ: لَفْظُ الحَصْدِ في أصْلِ اللُّغَةِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالزَّرْعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ، أنَّ الحَصْدَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ القَطْعِ، وذَلِكَ يَتَناوَلُ الكُلَّ وأيْضًا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ”حَصادِهِ“ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وذَلِكَ هو الزَّيْتُونُ والرُّمّانُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلَيْهِ. البَحْثُ الرّابِعُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: العُشْرُ واجِبٌ في القَلِيلِ والكَثِيرِ. وقالَ الأكْثَرُونَ إنَّهُ لا يَجِبُ إلّا إذا بَلَغَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ يَقْتَضِي ثُبُوتَ حَقٍّ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ الحَقُّ هو الزَّكاةَ وجَبَ القَوْلُ بِوُجُوبِ الزَّكاةِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (ولا تُسْرِفُوا) فاعْلَمْ أنَّ لِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ الإسْرافِ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: السَّرَفُ تَجاوُزُ ما حُدَّ لَكَ. الثّانِي: قالَ شِمْرٌ: سَرْفُ المالِ، ما ذَهَبَ مِنهُ مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ. صفحة ١٧٦ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ إذا أعْطى كُلَّ مالِهِ ولَمْ يُوَصِّلْ إلى عِيالِهِ شَيْئًا فَقَدْ أسْرَفَ؛ لِأنَّهُ جاءَ في الخَبَرِ، ”«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَن تَعُولُ» “ . ورُوِيَ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ عَمَدَ إلى خَمْسِمِائَةِ نَخْلَةٍ فَجَذَّها، ثُمَّ قَسَّمَها في يَوْمٍ واحِدٍ ولَمْ يُدْخِلْ مِنها إلى مَنزِلِهِ شَيْئًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا﴾ أيْ ولا تُعْطُوا كُلَّهُ. والثّانِي: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: ”لا تُسْرِفُوا“ أيْ لا تَمْنَعُوا الصَّدَقَةَ، وهَذانِ القَوْلانِ يَشْتَرِكانِ في أنَّ المُرادَ مِنَ الإسْرافِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، إلّا أنَّ الأوَّلَ مُجاوَزَةٌ في الإعْطاءِ، والثّانِيَ مُجاوَزَةٌ في المَنعِ. الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: لا تُشْرِكُوا الأصْنامَ في الحَرْثِ والأنْعامِ، وهَذا أيْضًا مِن بابِ المُجاوَزَةِ؛ لِأنَّ مَن أشْرَكَ الأصْنامَ في الحَرْثِ والأنْعامِ، فَقَدْ جاوَزَ ما حُدَّ لَهُ. الرّابِعُ: قالَ الزُّهْرِيُّ مَعْناهُ: لا تُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ كانَ أبُو قُبَيْسٍ ذَهَبًا، فَأنْفَقَهُ رَجُلٌ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا. ولَوْ أنْفَقَ دِرْهَمًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ كانَ مُسْرِفًا. وهَذا المَعْنى أرادَهُ حاتِمٌ الطّائِيُّ حِينَ قِيلَ لَهُ: لا خَيْرَ في السَّرَفِ. فَقالَ لا سَرَفَ في الخَيْرِ، وهَذا عَلى القَوْلِ الثّانِي في مَعْنى السَّرَفِ، فَإنَّ مَن أنْفَقَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَقَدْ أنْفَقَ فِيما لا نَفْعَ فِيهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الزَّجْرُ؛ لِأنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مِن أهْلِ النّارِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ كُلَّ مَن أحَبَّهُ اللَّهُ فَلَيْسَ هو مِن أهْلِ النّارِ. وذَلِكَ يُفِيدُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ أنَّ مَن لَمْ يُحِبُّهُ اللَّهُ فَهو مِن أهْلِ النّارِ.

الأنعام 6:142

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ صفحة ١٧٧ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ إنْعامِهِ عَلى عِبادِهِ بِالمَنافِعِ النَّباتِيَّةِ أتْبَعَها بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِالمَنافِعِ الحَيَوانِيَّةِ. فَقالَ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ”الواوُ“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ تُوجِبُ العَطْفَ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ، وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا وكَثُرَ أقْوالُهم في تَفْسِيرِ الحَمُولَةِ والفَرْشِ، وأقْرَبُها إلى التَّحْصِيلِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الحَمُولَةَ ما تَحْمِلُ الأثْقالَ، والفَرْشَ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ يُنْسَجُ مِن وبَرِهِ وصُوفِهِ وشَعْرِهِ لِلْفَرْشِ. والثّانِي: الحَمُولَةُ الكِبارُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، والفَرْشُ الصِّغارُ كالفُصْلانِ والعَجاجِيلِ والغَنَمِ لِأنَّها دانِيَةٌ مِنَ الأرْضِ بِسَبَبِ صِغَرِ أجْرامِها مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يُرِيدُ ما أحَلَّها لَكم. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأكْلِ الرِّزْقِ، ومَنَعَ مِن أكْلِ الحَرامِ، يَنْتُجُ أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِحَرامٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم كَما فَعَلَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ ”خُطُواتِ“ جَمْعُ خُطْوَةٍ. وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: بِضَمِّ الطّاءِ وفَتْحِها وبِإسْكانِها، ومَعْناهُ: طُرُقُ الشَّيْطانِ. أيْ لا تَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّذِي يُسَوِّلُهُ لَكُمُ الشَّيْطانُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ بَيِّنُ العَداوَةِ، أخْرَجَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ، وهو القائِلُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (ثَمانِيَةَ) وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ ”ثَمانِيَةَ“ بِالبَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ . والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ. البَحْثُ الثّانِي: الواحِدُ إذا كانَ وحْدَهُ فَهو فَرْدٌ، فَإذا كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِن جِنْسِهِ سُمِّيَ زَوْجًا، وهُما زَوْجانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ يَعْنِي الذَّكَرَ والأُنْثى، والضَّأْنُ ذَواتُ الصُّوفِ مِنَ الغَنَمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهي جَمْعُ ضائِنٍ وضائِنَةٍ مِثْلَ تاجِرٍ وتاجِرَةٍ. ويُجْمَعُ الضَّأْنُ أيْضًا عَلى الضِّئِينِ بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وقَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ قُرِئَ (ومِنَ المَعَزِ) بِفَتْحِ العَيْنِ، والمَعْزُ ذَواتُ الشَّعْرِ مِنَ الغَنَمِ. ويُقالُ لِلْواحِدِ: ماعِزٌ، ولِلْجَمْعِ: مِعْزى، فَمَن قَرَأ ”المَعَزِ“ بِفَتْحِ العَيْنِ فَهو جَمْعُ ماعِزٍ، مِثْلَ خادِمٍ وخَدَمٍ وطالِبٍ وطَلَبٍ، وحارِسٍ وحَرَسٍ، ومَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ فَهو أيْضًا جَمْعُ ماعِزٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وتاجِرٍ وتَجْرٍ، وراكِبٍ ورَكْبٍ، وأمّا انْتِصابُ اثْنَيْنِ فَلِأنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ أنْشَأ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ أنْشَأ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ نَصَبَ الذَّكَرَيْنِ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمَ) والِاسْتِفْهامُ يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ بَعْضَ الأنْعامِ، فاحْتَجَّ اللَّهُ تَعالى عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ بِأنْ ذَكَرَ الضَّأْنَ والمَعْزَ والإبِلَ والبَقَرَ، وذَكَرَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ زَوْجَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى. صفحة ١٧٨ ثُمَّ قالَ: إنْ كانَ حَرَّمَ مِنها الذَّكَرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ذُكُورِها حَرامًا، وإنْ كانَ حَرَّمَ الأُنْثى، وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ إناثِها حَرامًا، وقَوْلُهُ: ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ حَرَّمَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ وجَبَ تَحْرِيمُ الأوْلادِ كُلِّها لِأنَّ الأرْحامَ تَشْتَمِلُ عَلى الذُّكُورِ والإناثِ، هَذا ما أطْبَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو عِنْدِي بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الأرْبَعَةَ، أعْنِي: الضَّأْنَ، والمَعْزَ، والإبِلَ، والبَقَرَ، مَحْصُورَةٌ في الذُّكُورِ والإناثِ، إلّا أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ تَكُونَ عِلَّةُ تَحْرِيمِ ما حَكَمُوا بِتَحْرِيمِهِ مَحْصُورَةً في الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، بَلْ عِلَّةُ تَحْرِيمِها كَوْنُها بَحِيرَةً أوْ سائِبَةً أوْ وصِيلَةً أوْ حامًا أوْ سائِرَ الِاعْتِباراتِ، كَما أنّا إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ ذَبْحَ بَعْضِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ الأكْلِ. فَإذا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحَيَوانَ إنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ ذَكَرًا وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ، وإنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ أُنْثى وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ أُنْثى، ولَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا الكَلامُ لازِمًا عَلَيْنا، فَكَذا هَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَذْكُرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وجْهًا صَحِيحًا، فَأمّا تَفْسِيرُهُ بِالوُجُوهِ الفاسِدَةِ فَلا يَجُوزُ، والأقْرَبُ عِنْدِي فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ ما ورَدَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ، بَلْ هو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ يَعْنِي أنَّكم لا تُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ، ولا تَعْرِفُونَ شَرِيعَةَ شارِعٍ، فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ بِأنَّ هَذا يَحِلُّ وأنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ ؟ وثانِيهِما: أنَّ حُكْمَهم بِالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ مَخْصُوصٌ بِالإبِلِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ النِّعَمَ عِبارَةٌ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ، فَلَمّا لَمْ تَحْكُمُوا بِهَذِهِ الأحْكامِ في الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وهي: الضَّأْنُ والمَعْزُ والبَقَرُ، فَكَيْفَ خَصَصْتُمُ الإبِلَ بِهَذا الحُكْمِ عَلى التَّعْيِينِ ؟ فَهَذا ما عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ والمُرادُ هَلْ شاهَدْتُمُ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا إنْ كُنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِرَسُولٍ ؟ وحاصِلُ الكَلامِ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أنَّكم لا تَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّةِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَكَيْفَ تُثْبِتُونَ هَذِهِ الأحْكامَ المُخْتَلِفَةَ ؟ ولَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي غَيَّرَ شَرِيعَةَ إسْماعِيلَ، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ هَذا مَحْمُولًا عَلى كُلِّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ والعِلَّةُ المُوجِبَةُ لِهَذا الحُكْمِ عامَّةٌ، فالتَّخْصِيصُ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ. قالَ المُحَقِّقُونَ: إذا ثَبَتَ أنَّ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في تَحْرِيمِ مُباحٍ اسْتَحَقَّ هَذا الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في مَسائِلِ التَّوْحِيدِ ومَعْرِفَةِ الذّاتِ والصِّفاتِ والنُّبُوّاتِ والمَلائِكَةِ ومَباحِثِ المَعادِ كانَ وعِيدُهُ أشَدَّ وأشَقَّ. قالَ القاضِي: ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإضْلالَ عَنِ الدِّينِ مَذْمُومٌ، لا يَلِيقُ بِاللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا ذَمَّ الإضْلالَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلّا تَحْرِيمُ المُباحِ، فالَّذِي هو أعْظَمُ مِنهُ أوْلى بِالذَّمِّ. وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما كانَ مَذْمُومًا مِنّا كانَ مَذْمُومًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ألا تَرى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ العَبِيدِ والإماءِ وتَسْلِيطَ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ وتَمْكِينَهم مِن أسْبابِ الفُجُورِ مَذْمُومٌ مِنّا وغَيْرُ مَذْمُومٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَكَذا هاهُنا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ قالَ القاضِي: لا يَهْدِيهِمْ إلى ثَوابِهِ وإلى زِياداتِ الهُدى الَّتِي يَخْتَصُّ المُهْتَدِيَ بِها. وقالَ أصْحابُنا: المُرادُ مِنهُ الإخْبارُ بِأنَّهُ تَعالى لا يَهْدِي أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ، أيْ لا يَنْقُلُهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، والكَلامُ في تَرْجِيحِ أحْدِ القَوْلَيْنِ عَلى الآخَرِ مَعْلُومٌ.

الأنعام 6:143

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ صفحة ١٧٧ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ إنْعامِهِ عَلى عِبادِهِ بِالمَنافِعِ النَّباتِيَّةِ أتْبَعَها بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِالمَنافِعِ الحَيَوانِيَّةِ. فَقالَ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ”الواوُ“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ تُوجِبُ العَطْفَ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ، وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا وكَثُرَ أقْوالُهم في تَفْسِيرِ الحَمُولَةِ والفَرْشِ، وأقْرَبُها إلى التَّحْصِيلِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الحَمُولَةَ ما تَحْمِلُ الأثْقالَ، والفَرْشَ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ يُنْسَجُ مِن وبَرِهِ وصُوفِهِ وشَعْرِهِ لِلْفَرْشِ. والثّانِي: الحَمُولَةُ الكِبارُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، والفَرْشُ الصِّغارُ كالفُصْلانِ والعَجاجِيلِ والغَنَمِ لِأنَّها دانِيَةٌ مِنَ الأرْضِ بِسَبَبِ صِغَرِ أجْرامِها مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يُرِيدُ ما أحَلَّها لَكم. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأكْلِ الرِّزْقِ، ومَنَعَ مِن أكْلِ الحَرامِ، يَنْتُجُ أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِحَرامٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم كَما فَعَلَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ ”خُطُواتِ“ جَمْعُ خُطْوَةٍ. وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: بِضَمِّ الطّاءِ وفَتْحِها وبِإسْكانِها، ومَعْناهُ: طُرُقُ الشَّيْطانِ. أيْ لا تَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّذِي يُسَوِّلُهُ لَكُمُ الشَّيْطانُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ بَيِّنُ العَداوَةِ، أخْرَجَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ، وهو القائِلُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (ثَمانِيَةَ) وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ ”ثَمانِيَةَ“ بِالبَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ . والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ. البَحْثُ الثّانِي: الواحِدُ إذا كانَ وحْدَهُ فَهو فَرْدٌ، فَإذا كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِن جِنْسِهِ سُمِّيَ زَوْجًا، وهُما زَوْجانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ يَعْنِي الذَّكَرَ والأُنْثى، والضَّأْنُ ذَواتُ الصُّوفِ مِنَ الغَنَمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهي جَمْعُ ضائِنٍ وضائِنَةٍ مِثْلَ تاجِرٍ وتاجِرَةٍ. ويُجْمَعُ الضَّأْنُ أيْضًا عَلى الضِّئِينِ بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وقَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ قُرِئَ (ومِنَ المَعَزِ) بِفَتْحِ العَيْنِ، والمَعْزُ ذَواتُ الشَّعْرِ مِنَ الغَنَمِ. ويُقالُ لِلْواحِدِ: ماعِزٌ، ولِلْجَمْعِ: مِعْزى، فَمَن قَرَأ ”المَعَزِ“ بِفَتْحِ العَيْنِ فَهو جَمْعُ ماعِزٍ، مِثْلَ خادِمٍ وخَدَمٍ وطالِبٍ وطَلَبٍ، وحارِسٍ وحَرَسٍ، ومَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ فَهو أيْضًا جَمْعُ ماعِزٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وتاجِرٍ وتَجْرٍ، وراكِبٍ ورَكْبٍ، وأمّا انْتِصابُ اثْنَيْنِ فَلِأنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ أنْشَأ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ أنْشَأ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ نَصَبَ الذَّكَرَيْنِ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمَ) والِاسْتِفْهامُ يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ بَعْضَ الأنْعامِ، فاحْتَجَّ اللَّهُ تَعالى عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ بِأنْ ذَكَرَ الضَّأْنَ والمَعْزَ والإبِلَ والبَقَرَ، وذَكَرَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ زَوْجَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى. صفحة ١٧٨ ثُمَّ قالَ: إنْ كانَ حَرَّمَ مِنها الذَّكَرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ذُكُورِها حَرامًا، وإنْ كانَ حَرَّمَ الأُنْثى، وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ إناثِها حَرامًا، وقَوْلُهُ: ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ حَرَّمَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ وجَبَ تَحْرِيمُ الأوْلادِ كُلِّها لِأنَّ الأرْحامَ تَشْتَمِلُ عَلى الذُّكُورِ والإناثِ، هَذا ما أطْبَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو عِنْدِي بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الأرْبَعَةَ، أعْنِي: الضَّأْنَ، والمَعْزَ، والإبِلَ، والبَقَرَ، مَحْصُورَةٌ في الذُّكُورِ والإناثِ، إلّا أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ تَكُونَ عِلَّةُ تَحْرِيمِ ما حَكَمُوا بِتَحْرِيمِهِ مَحْصُورَةً في الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، بَلْ عِلَّةُ تَحْرِيمِها كَوْنُها بَحِيرَةً أوْ سائِبَةً أوْ وصِيلَةً أوْ حامًا أوْ سائِرَ الِاعْتِباراتِ، كَما أنّا إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ ذَبْحَ بَعْضِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ الأكْلِ. فَإذا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحَيَوانَ إنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ ذَكَرًا وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ، وإنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ أُنْثى وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ أُنْثى، ولَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا الكَلامُ لازِمًا عَلَيْنا، فَكَذا هَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَذْكُرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وجْهًا صَحِيحًا، فَأمّا تَفْسِيرُهُ بِالوُجُوهِ الفاسِدَةِ فَلا يَجُوزُ، والأقْرَبُ عِنْدِي فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ ما ورَدَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ، بَلْ هو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ يَعْنِي أنَّكم لا تُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ، ولا تَعْرِفُونَ شَرِيعَةَ شارِعٍ، فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ بِأنَّ هَذا يَحِلُّ وأنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ ؟ وثانِيهِما: أنَّ حُكْمَهم بِالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ مَخْصُوصٌ بِالإبِلِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ النِّعَمَ عِبارَةٌ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ، فَلَمّا لَمْ تَحْكُمُوا بِهَذِهِ الأحْكامِ في الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وهي: الضَّأْنُ والمَعْزُ والبَقَرُ، فَكَيْفَ خَصَصْتُمُ الإبِلَ بِهَذا الحُكْمِ عَلى التَّعْيِينِ ؟ فَهَذا ما عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ والمُرادُ هَلْ شاهَدْتُمُ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا إنْ كُنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِرَسُولٍ ؟ وحاصِلُ الكَلامِ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أنَّكم لا تَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّةِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَكَيْفَ تُثْبِتُونَ هَذِهِ الأحْكامَ المُخْتَلِفَةَ ؟ ولَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي غَيَّرَ شَرِيعَةَ إسْماعِيلَ، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ هَذا مَحْمُولًا عَلى كُلِّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ والعِلَّةُ المُوجِبَةُ لِهَذا الحُكْمِ عامَّةٌ، فالتَّخْصِيصُ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ. قالَ المُحَقِّقُونَ: إذا ثَبَتَ أنَّ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في تَحْرِيمِ مُباحٍ اسْتَحَقَّ هَذا الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في مَسائِلِ التَّوْحِيدِ ومَعْرِفَةِ الذّاتِ والصِّفاتِ والنُّبُوّاتِ والمَلائِكَةِ ومَباحِثِ المَعادِ كانَ وعِيدُهُ أشَدَّ وأشَقَّ. قالَ القاضِي: ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإضْلالَ عَنِ الدِّينِ مَذْمُومٌ، لا يَلِيقُ بِاللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا ذَمَّ الإضْلالَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلّا تَحْرِيمُ المُباحِ، فالَّذِي هو أعْظَمُ مِنهُ أوْلى بِالذَّمِّ. وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما كانَ مَذْمُومًا مِنّا كانَ مَذْمُومًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ألا تَرى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ العَبِيدِ والإماءِ وتَسْلِيطَ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ وتَمْكِينَهم مِن أسْبابِ الفُجُورِ مَذْمُومٌ مِنّا وغَيْرُ مَذْمُومٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَكَذا هاهُنا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ قالَ القاضِي: لا يَهْدِيهِمْ إلى ثَوابِهِ وإلى زِياداتِ الهُدى الَّتِي يَخْتَصُّ المُهْتَدِيَ بِها. وقالَ أصْحابُنا: المُرادُ مِنهُ الإخْبارُ بِأنَّهُ تَعالى لا يَهْدِي أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ، أيْ لا يَنْقُلُهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، والكَلامُ في تَرْجِيحِ أحْدِ القَوْلَيْنِ عَلى الآخَرِ مَعْلُومٌ.

الأنعام 6:144

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ صفحة ١٧٧ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ إنْعامِهِ عَلى عِبادِهِ بِالمَنافِعِ النَّباتِيَّةِ أتْبَعَها بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِالمَنافِعِ الحَيَوانِيَّةِ. فَقالَ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ”الواوُ“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ تُوجِبُ العَطْفَ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: وهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ، وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا وكَثُرَ أقْوالُهم في تَفْسِيرِ الحَمُولَةِ والفَرْشِ، وأقْرَبُها إلى التَّحْصِيلِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الحَمُولَةَ ما تَحْمِلُ الأثْقالَ، والفَرْشَ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ يُنْسَجُ مِن وبَرِهِ وصُوفِهِ وشَعْرِهِ لِلْفَرْشِ. والثّانِي: الحَمُولَةُ الكِبارُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، والفَرْشُ الصِّغارُ كالفُصْلانِ والعَجاجِيلِ والغَنَمِ لِأنَّها دانِيَةٌ مِنَ الأرْضِ بِسَبَبِ صِغَرِ أجْرامِها مِثْلَ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يُرِيدُ ما أحَلَّها لَكم. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأكْلِ الرِّزْقِ، ومَنَعَ مِن أكْلِ الحَرامِ، يَنْتُجُ أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِحَرامٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم كَما فَعَلَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ ”خُطُواتِ“ جَمْعُ خُطْوَةٍ. وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: بِضَمِّ الطّاءِ وفَتْحِها وبِإسْكانِها، ومَعْناهُ: طُرُقُ الشَّيْطانِ. أيْ لا تَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّذِي يُسَوِّلُهُ لَكُمُ الشَّيْطانُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ بَيِّنُ العَداوَةِ، أخْرَجَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ، وهو القائِلُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: (ثَمانِيَةَ) وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: انْتَصَبَ ”ثَمانِيَةَ“ بِالبَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ . والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ. البَحْثُ الثّانِي: الواحِدُ إذا كانَ وحْدَهُ فَهو فَرْدٌ، فَإذا كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِن جِنْسِهِ سُمِّيَ زَوْجًا، وهُما زَوْجانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ يَعْنِي الذَّكَرَ والأُنْثى، والضَّأْنُ ذَواتُ الصُّوفِ مِنَ الغَنَمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهي جَمْعُ ضائِنٍ وضائِنَةٍ مِثْلَ تاجِرٍ وتاجِرَةٍ. ويُجْمَعُ الضَّأْنُ أيْضًا عَلى الضِّئِينِ بِكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِها، وقَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ قُرِئَ (ومِنَ المَعَزِ) بِفَتْحِ العَيْنِ، والمَعْزُ ذَواتُ الشَّعْرِ مِنَ الغَنَمِ. ويُقالُ لِلْواحِدِ: ماعِزٌ، ولِلْجَمْعِ: مِعْزى، فَمَن قَرَأ ”المَعَزِ“ بِفَتْحِ العَيْنِ فَهو جَمْعُ ماعِزٍ، مِثْلَ خادِمٍ وخَدَمٍ وطالِبٍ وطَلَبٍ، وحارِسٍ وحَرَسٍ، ومَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ فَهو أيْضًا جَمْعُ ماعِزٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وتاجِرٍ وتَجْرٍ، وراكِبٍ ورَكْبٍ، وأمّا انْتِصابُ اثْنَيْنِ فَلِأنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ أنْشَأ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ أنْشَأ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ نَصَبَ الذَّكَرَيْنِ بِقَوْلِهِ: (حَرَّمَ) والِاسْتِفْهامُ يَعْمَلُ فِيهِ ما بَعْدَهُ ولا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ بَعْضَ الأنْعامِ، فاحْتَجَّ اللَّهُ تَعالى عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ بِأنْ ذَكَرَ الضَّأْنَ والمَعْزَ والإبِلَ والبَقَرَ، وذَكَرَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ زَوْجَيْنِ، ذَكَرًا وأُنْثى. صفحة ١٧٨ ثُمَّ قالَ: إنْ كانَ حَرَّمَ مِنها الذَّكَرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ذُكُورِها حَرامًا، وإنْ كانَ حَرَّمَ الأُنْثى، وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ إناثِها حَرامًا، وقَوْلُهُ: ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ حَرَّمَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ وجَبَ تَحْرِيمُ الأوْلادِ كُلِّها لِأنَّ الأرْحامَ تَشْتَمِلُ عَلى الذُّكُورِ والإناثِ، هَذا ما أطْبَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو عِنْدِي بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الأرْبَعَةَ، أعْنِي: الضَّأْنَ، والمَعْزَ، والإبِلَ، والبَقَرَ، مَحْصُورَةٌ في الذُّكُورِ والإناثِ، إلّا أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ تَكُونَ عِلَّةُ تَحْرِيمِ ما حَكَمُوا بِتَحْرِيمِهِ مَحْصُورَةً في الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، بَلْ عِلَّةُ تَحْرِيمِها كَوْنُها بَحِيرَةً أوْ سائِبَةً أوْ وصِيلَةً أوْ حامًا أوْ سائِرَ الِاعْتِباراتِ، كَما أنّا إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ ذَبْحَ بَعْضِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ الأكْلِ. فَإذا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحَيَوانَ إنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ ذَكَرًا وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ، وإنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ أُنْثى وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ أُنْثى، ولَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا الكَلامُ لازِمًا عَلَيْنا، فَكَذا هَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَذْكُرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وجْهًا صَحِيحًا، فَأمّا تَفْسِيرُهُ بِالوُجُوهِ الفاسِدَةِ فَلا يَجُوزُ، والأقْرَبُ عِنْدِي فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ ما ورَدَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ، بَلْ هو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ يَعْنِي أنَّكم لا تُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ، ولا تَعْرِفُونَ شَرِيعَةَ شارِعٍ، فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ بِأنَّ هَذا يَحِلُّ وأنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ ؟ وثانِيهِما: أنَّ حُكْمَهم بِالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ مَخْصُوصٌ بِالإبِلِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ النِّعَمَ عِبارَةٌ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ، فَلَمّا لَمْ تَحْكُمُوا بِهَذِهِ الأحْكامِ في الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وهي: الضَّأْنُ والمَعْزُ والبَقَرُ، فَكَيْفَ خَصَصْتُمُ الإبِلَ بِهَذا الحُكْمِ عَلى التَّعْيِينِ ؟ فَهَذا ما عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ والمُرادُ هَلْ شاهَدْتُمُ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا إنْ كُنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِرَسُولٍ ؟ وحاصِلُ الكَلامِ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أنَّكم لا تَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّةِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَكَيْفَ تُثْبِتُونَ هَذِهِ الأحْكامَ المُخْتَلِفَةَ ؟ ولَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي غَيَّرَ شَرِيعَةَ إسْماعِيلَ، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ هَذا مَحْمُولًا عَلى كُلِّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ والعِلَّةُ المُوجِبَةُ لِهَذا الحُكْمِ عامَّةٌ، فالتَّخْصِيصُ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ. قالَ المُحَقِّقُونَ: إذا ثَبَتَ أنَّ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في تَحْرِيمِ مُباحٍ اسْتَحَقَّ هَذا الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في مَسائِلِ التَّوْحِيدِ ومَعْرِفَةِ الذّاتِ والصِّفاتِ والنُّبُوّاتِ والمَلائِكَةِ ومَباحِثِ المَعادِ كانَ وعِيدُهُ أشَدَّ وأشَقَّ. قالَ القاضِي: ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإضْلالَ عَنِ الدِّينِ مَذْمُومٌ، لا يَلِيقُ بِاللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا ذَمَّ الإضْلالَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلّا تَحْرِيمُ المُباحِ، فالَّذِي هو أعْظَمُ مِنهُ أوْلى بِالذَّمِّ. وجَوابُهُ: أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما كانَ مَذْمُومًا مِنّا كانَ مَذْمُومًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ألا تَرى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ العَبِيدِ والإماءِ وتَسْلِيطَ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ وتَمْكِينَهم مِن أسْبابِ الفُجُورِ مَذْمُومٌ مِنّا وغَيْرُ مَذْمُومٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَكَذا هاهُنا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ قالَ القاضِي: لا يَهْدِيهِمْ إلى ثَوابِهِ وإلى زِياداتِ الهُدى الَّتِي يَخْتَصُّ المُهْتَدِيَ بِها. وقالَ أصْحابُنا: المُرادُ مِنهُ الإخْبارُ بِأنَّهُ تَعالى لا يَهْدِي أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ، أيْ لا يَنْقُلُهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، والكَلامُ في تَرْجِيحِ أحْدِ القَوْلَيْنِ عَلى الآخَرِ مَعْلُومٌ.

الأنعام 6:145

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقَةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَطْعُوماتِ أتْبَعَهُ بِالبَيانِ الصَّحِيحِ في هَذا البابِ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ ”إلّا أنْ تَكُونَ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ تَكُونَ العَيْنُ أوِ النَّفْسُ أوِ الجُثَّةُ مَيْتَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ إلّا أنْ تَكُونَ بِالتّاءِ ”مَيْتَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى إلّا أنْ تَقَعَ مَيْتَةٌ أوْ تَحْدُثَ مَيْتَةٌ والباقُونَ ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أيْ إلّا أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ مَيْتَةً، أوْ إلّا أنْ يَكُونَ المَوْجُودُ مَيْتَةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ لا يَثْبُتُ إلّا بِالوَحْيِ. قالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أيْ عَلى آكِلٍ يَأْكُلُهُ، وذَكَرَ هَذا لِيُظْهِرَ أنَّ المُرادَ مِنهُ هو بَيانُ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَأْكُولاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أُمُورًا أرْبَعَةً: أوَّلُها: المَيِّتَةُ. وثانِيها: الدَّمُ المَسْفُوحُ. وثالِثُها: لَحْمُ الخِنْزِيرِ فَإنَّهُ رِجْسٌ. ورابِعُها: الفِسْقُ وهو الَّذِي أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ مُبالَغَةٌ في بَيانِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُحَرَّماتِ والمُحَلَّلاتِ إلّا بِالوَحْيِ، وثَبَتَ أنَّهُ لا وحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُهُ أنْ يَقُولَ: إنِّي لا أجِدُ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا مِنَ المُحَرَّماتِ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ كانَ هَذا مُبالَغَةً في بَيانِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ المَكِّيَّةِ أنَّهُ لا مُحَرَّمَ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ ثُمَّ أكَدَّ ذَلِكَ بِأنْ قالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ صفحة ١٨٠ ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَقَدْ حَصَلَتْ لَنا آيَتانِ مَكِّيَّتانِ يَدُلّانِ عَلى حَصْرِ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ، فَبَيَّنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهي مَدَنِيَّةٌ أيْضًا أنَّهُ لا مُحَرَّمَ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَدَنِيَّةُ مُطابِقَةً لِتِلْكَ الآيَةِ المَكِّيَّةِ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، فَكَلِمَةُ ”إنَّما“ في الآيَةِ المَدَنِيَّةِ مُطابِقَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلّا كَذا وكَذا في الآيَةِ المَكِّيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ هو ما ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَلِيلٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ وكُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ أقْسامُ المَيْتَةِ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما أعادَها بِالذِّكْرِ لِأنَّهم كانُوا يَحْكُمُونَ عَلَيْها بِالتَّحْلِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ الشَّرِيعَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كانَتْ مُسْتَقِرَّةً عَلى هَذا الحُكْمِ وعَلى هَذا الحَصْرِ. * * * فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَيَلْزَمُكم في التِزامِ هَذا الحَصْرِ تَحْلِيلُ النَّجاساتِ والمُسْتَقْذَراتِ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أيْضًا تَحْلِيلُ الخَمْرِ، وأيْضًا فَيَلْزَمُكم تَحْلِيلُ المُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِتَحْرِيمِها. قُلْنا: هَذا لا يَلْزَمُنا مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى إنَّما حَرَّمَ لَحْمَ الخِنْزِيرِ لِكَوْنِهِ نَجِسًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ النَّجاسَةَ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ الأكْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ نَجِسٍ يَحْرُمُ أكْلُهُ، وإذا كانَ هَذا مَذْكُورًا في الآيَةِ كانَ السُّؤالُ ساقِطًا. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ الخَبائِثِ، والنَّجاساتُ خَبائِثُ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِتَحْرِيمِها. الثّالِثُ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى حُرْمَةِ تَناوُلِ النَّجاساتِ، فَهَبْ أنّا التَزَمْنا تَخْصِيصَ هَذِهِ السُّورَةِ بِدَلالَةِ النَّقْلِ المُتَواتِرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ في بابِ النَّجاساتِ. فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ما سِواها عَلى وفْقِ الأصْلِ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ كِتابِ اللَّهِ في الآيَةِ المَكِّيَّةِ والآيَةِ المَدَنِيَّةِ، فَهَذا أصْلٌ مُقَرَّرٌ كامِلٌ في بابِ ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ مِنَ المَطْعُوماتِ، وأمّا الخَمْرُ فالجَوابُ عَنْهُ: أنَّها نَجِسَةٌ فَيَكُونُ مِنَ الرِّجْسِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: (رِجْسٌ) وتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ وأيْضًا ثَبَتَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ في تَحْرِيمِهِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: (فاجْتَنِبُوهُ) وبِقَوْلِهِ: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] والعامُّ المَخْصُوصُ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ، فَتَبْقى هَذِهِ الآيَةُ فِيما عَداها حُجَّةً. وأمّا قَوْلُهُ ويَلْزَمُ تَحْلِيلُ المَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ. فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّها مَيْتاتٌ. فَكانَتْ داخِلَةً تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيها: أنّا نَخُصُّ عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ بِتِلْكَ الآيَةِ. وثالِثُها: أنْ نَقُولَ إنَّها إنْ كانَتْ مَيْتَةً دَخَلَتْ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَيْتَةً فَنُخَصِّصُها بِتِلْكَ الآيَةِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: المُحَرَّماتُ مِنَ المَطْعُوماتِ أكْثَرُ مِمّا ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ فَما وجْهُها ؟ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى لا أجِدُ مُحَرَّمًا مِمّا كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ وغَيْرِها إلّا ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ أنَّ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمٌ غَيْرَ ما نَصَّ صفحة ١٨١ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ وُجِدَتْ مُحَرَّماتٌ أُخْرى بَعْدَ ذَلِكَ. وثالِثُها: هَبْ أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ إلّا أنَّ تَخْصِيصَ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ فَنَحْنُ نُخَصِّصُ هَذا العُمُومَ بِأخْبارِ الآحادِ. ورابِعُها: أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنْ نَقُولَ إنَّهُ لا يَجِدُ في القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ تَعالى ما سِوى هَذِهِ الأرْبَعَةِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذِهِ الأجْوِبَةُ ضَعِيفَةٌ. أمّا الجَوابُ الأوَّلُ: فَضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ ما كانَ يُحَرِّمُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ وغَيْرِها إذْ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَما كانَتِ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ داخِلَةً تَحْتَهُ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأشْياءُ داخِلَةً تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ لَما حَسُنَ اسْتِثْناؤُها، ولَمّا رَأيْنا أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مُسْتَثْناةٌ عَنْ تِلْكَ الكَلِمَةِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ ما ذَكَرُوهُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِفَسادِ قَوْلِهِمْ في تَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ خَصَّصَ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وتَحْلِيلُ تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمَها أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَمْنَعُ مِن تَحْلِيلِ غَيْرِها، فَوَجَبَ إبْقاءُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عُمُومِها، لِأنَّ تَخْصِيصَها يُوجِبُ تَرْكَ العَمَلِ بِعُمُومِها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ وذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الأرْبَعَةَ، وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، وهَذِهِ الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِحِكايَةِ أقْوالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ فَسَقَطَ هَذا العُذْرُ. وأمّا جَوابُهُمُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ أنَّ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ. فَجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ اسْتِقْرارِ الشَّرِيعَةِ، وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَدَلَّ هاتانِ الآيَتانِ عَلى أنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ في شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها لَيْسَ إلّا حَصْرَ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأشْياءِ. وثانِيها: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِمُقْتَضى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ حَصْرُ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ كانَ هَذا اعْتِرافًا بِحِلِّ ما سِواها، فالقَوْلُ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ خامِسٍ يَكُونُ نَسْخًا، ولا شَكَّ أنَّ مَدارَ الشَّرِيعَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ احْتِمالُ طَرَيانِ النّاسِخِ مُعادِلًا لِاحْتِمالِ بَقاءِ الحُكْمِ عَلى ما كانَ، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنَ النُّصُوصِ في إثْباتِ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ كانَ ثابِتًا إلّا أنَّهُ زالَ، ولَمّا اتَّفَقَ الكُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ، وأنَّ القائِلَ بِهِ والذّاهِبَ إلَيْهِ هو المُحْتاجُ إلى الدَّلِيلِ؛ عَلِمْنا فَسادَ هَذا السُّؤالِ. وأمّا جَوابُهُمُ الثّالِثُ: وهو أنّا نُخَصِّصُ عُمُومَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ. فَنَقُولُ: لَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّخْصِيصِ، بَلْ هو صَرِيحُ النَّسْخِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ مُبالَغَةٌ في أنَّهُ لا يَحْرُمُ سِوى هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وقَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ وكَذا وكَذا، تَصْرِيحٌ بِحَصْرِ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، فالقَوْلُ بِأنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ يَكُونُ دَفْعًا لِهَذا الَّذِي ثَبَتَ بِمُقْتَضى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّهُ كانَ ثابِتًا في أوَّلِ الشَّرِيعَةِ بِمَكَّةَ، وفي آخِرِها بِالمَدِينَةِ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ. صفحة ١٨٢ وأمّا جَوابُهُمُ الرّابِعُ: فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ ما كانَ وحْيًا، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الوَحْيُ قُرْآنًا أوْ غَيْرَهُ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ يُزِيلُ هَذا الِاحْتِمالَ. فَثَبَتَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْنا قُوَّةُ هَذا الكَلامِ، وصِحَّةُ هَذا المَذْهَبِ، وهو الَّذِي كانَ يَقُولُ بِهِ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، ومِنَ السُّؤالاتِ الضَّعِيفَةِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهاءِ خَصَّصُوا عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ بِما نُقِلَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«ما اسْتَخْبَثَهُ العَرَبُ فَهو حَرامٌ» “ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الَّذِي يَسْتَخْبِثُهُ العَرَبُ فَهو غَيْرُ مَضْبُوطٍ، فَسَيِّدُ العَرَبِ بَلْ سَيِّدُ العالَمِينَ مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، لَمّا رَآهم يَأْكُلُونَ الضَّبَّ قالَ: ”«يَعافُهُ طَبْعِي» “ ثُمَّ إنَّ هَذا الِاسْتِقْذارَ ما صارَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ الضَّبِّ. وأمّا سائِرُ العَرَبِ فَمِنهم مَن لا يَسْتَقْذِرُ شَيْئًا، وقَدْ يَخْتَلِفُونَ في بَعْضِ الأشْياءِ، فَيَسْتَقْذِرُها قَوْمٌ ويَسْتَطِيبُها آخَرُونَ، فَعَلِمْنا أنَّ أمْرَ الِاسْتِقْذارِ غَيْرُ مَضْبُوطٍ، بَلْ هو مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ والأحْوالِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُ هَذا النَّصِّ القاطِعِ بِذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضابِطٌ مُعَيَّنٌ ولا قانُونٌ مَعْلُومٌ ؟ * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا المَسائِلَ المُتَعَلِّقَةَ بِهَذِهِ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. فَأوَّلُها: المَيْتَةُ، ودَخَلَها التَّخْصِيصُ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ السَّمَكُ والجَرادُ» “ . وثانِيها: الدَّمُ المَسْفُوحُ، والسَّفْحُ الصَّبُّ. يُقالُ: سَفَحَ الدَّمَ سَفْحًا، وسَفَحَ هو سُفُوحًا إذا سالَ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِكُثَيِّرٍ: أقُولُ ودَمْعِي واكِفٌ عِنْدَ رَسْمِها عَلَيْكِ سَلامُ اللَّهِ والدَّمْعُ يَسْفَحُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما خَرَجَ مِنَ الأنْعامِ وهي أحْياءٌ، وما يَخْرُجُ مِنَ الأوْداجِ عِنْدَ الذَّبْحِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلا يَدْخُلُ فِيهِ الكَبِدُ والطِّحالُ لِجُمُودِهِما، ولا ما يَخْتَلِطُ بِاللَّحْمِ مِنَ الدَّمِ فَإنَّهُ غَيْرُ سائِلٍ، وسُئِلَ أبُو مِجْلَزٍ عَمّا يَتَلَطَّخُ مِنَ اللَّحْمِ بِالدَّمِ، وعَنِ القَدَرِيِّ: يُرى فِيها حُمْرَةُ الدَّمِ، فَقالَ لا بَأْسَ بِهِ، إنَّما نُهِيَ عَنِ الدَّمِ المَسْفُوحِ. وثالِثُها: لَحْمُ الخِنْزِيرِ فَإنَّهُ رِجْسٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وهو مَنسُوقٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فَسُمِّيَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في بابِ الفِسْقِ كَما يُقالُ: فُلانٌ كَرَمٌ وجُودٌ إذا كانَ كامِلًا فِيهِما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ أنَّها مُحَرَّمَةٌ، بَيَّنَ أنْ عِنْدَ الِاضْطِرارِ يَزُولُ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ، وهَذِهِ الآيَةُ قَدِ اسْتَقْصَيْنا تَفْسِيرَها في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرُّخْصَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ أشْياءَ أُخْرى سِوى هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وهي نَوْعانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: في الظُّفُرِ لُغاتٌ ظُفُرٌ بِضَمِّ الفاءِ، وهو أعْلاها وظُفْرٌ بِسُكُونِ الفاءِ، وظِفْرٌ بِكَسْرِ الظّاءِ وسُكُونِ الفاءِ، وهي قِراءَةُالحَسَنِ وظِفِرٌ بِكَسْرِهِما وهي قِراءَةُ أبِي السَّمّالِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: اخْتَلَفُوا في كُلِّ ذِي ظُفُرٍ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى اليَهُودِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الإبِلُ فَقَطْ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الإبِلُ والنَّعامَةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وقالَ صفحة ١٨٣ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ: إنَّهُ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وكُلُّ ذِي حافِرٍ مِنَ الدَّوابِّ. ثُمَّ قالَ: ”كَذَلِكَ“ قالَ المُفَسِّرُونَ. وقالَ: وسُمِّيَ الحافِرُ ظُفُرًا عَلى الِاسْتِعارَةِ. وأقُولُ: أمّا حَمْلُ الظُّفُرِ عَلى الحافِرِ فَبَعِيدٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الحافِرَ لا يَكادُ يُسَمّى ظُفُرًا. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ حَيَوانٍ لَهُ حافِرٌ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الغَنَمَ والبَقَرَ مُباحانِ لَهم مِن حُصُولِ الحافِرِ لَهُما. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ حَمْلُ الظُّفُرِ عَلى المَخالِبِ والبَراثِنِ لِأنَّ المَخالِبَ آلاتُ الجَوارِحِ في الِاصْطِيادِ، والبَراثِنَ آلاتُ السِّباعِ في الِاصْطِيادِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَدْخُلُ فِيهِ أنْواعُ السِّباعِ والكِلابِ والسَّنانِيرِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الطُّيُورُ الَّتِي تَصْطادُ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَعُمُّ هَذِهِ الأجْناسَ. * * * إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ يُفِيدُ تَخْصِيصَ هَذِهِ الحُرْمَةِ بِهِمْ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ كَذا وكَذا يُفِيدُ الحَصْرَ في اللُّغَةِ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الحُرْمَةُ ثابِتَةً في حَقِّ الكُلِّ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ، ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ فائِدَةٌ. فَثَبَتَ أنَّ تَحْرِيمَ السِّباعِ وذَوِي المَخالِبِ مِنَ الطَّيْرِ مُخْتَصٌّ بِاليَهُودِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مُحَرَّمَةً عَلى المُسْلِمِينَ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى[ عَدَمِ حُرْمَةِ ] هَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى المُسْلِمِينَ، وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: ما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ «حَرَّمَ كُلَّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ» ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَقْبُولًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَقْوى قَوْلُ مالِكٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ. النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى عَلى اليَهُودِ خاصَّةً، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ شُحُومَ البَقَرِ والغَنَمِ، ثُمَّ في الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: إنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى عَنْ هَذا التَّحْرِيمِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما عَلِقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ، فَإنِّي لَمْ أُحَرِّمْهُ وقالَ قَتادَةُ: إلّا ما عَلِقَ بِالظَّهْرِ والجَنْبِ مِن داخِلِ بُطُونِها، وأقُولُ لَيْسَ عَلى الظَّهْرِ والجَنْبِ شَحْمٌ إلّا اللَّحْمُ الأبْيَضُ السَّمِينُ المُلْتَصِقُ بِاللَّحْمِ الأحْمَرِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَذَلِكَ اللَّحْمُ السَّمِينُ المُلْتَصِقُ مُسَمًّى بِالشَّحْمِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ: لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، وجَبَ أنْ يَحْنَثَ بِأكْلِ ذَلِكَ اللَّحْمِ السَّمِينِ. والِاسْتِثْناءُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: وهي المَباعِرُ والمَصارِينُ، واحِدَتُها حاوِيَةٌ وحَوِيَّةٌ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هي الحَوِيَّةُ أوِ الحاوِيَةُ، وهي الدَّوّارَةُ الَّتِي في بَطْنِ الشّاةِ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ حاوِيَةٌ وحَوايا، مِثْلُ راوِيَةٍ ورَوايا. إذا عَرَفْتَ هَذا: فالمُرادُ أنَّ الشُّحُومَ المُلْتَصِقَةَ بِالمَباعِرِ والمَصارِينِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ. والِاسْتِثْناءُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قالُوا: إنَّهُ شَحْمُ الألْيَةِ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كُلُّ شَحْمٍ في القائِمِ والجَنْبِ والرَّأْسِ، وفي العَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ. يَقُولُ: إنَّهُ اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ فَهو حَلالٌ لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالشَّحْمُ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هو الثَّرَبُ وشَحْمُ الكُلْيَةِ. القَوْلُ الثّانِي: في الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوِ الحَوايا﴾ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى المُسْتَثْنى، بَلْ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ والتَّقْدِيرُ: حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ شُحُومُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما فَإنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ قالُوا: صفحة ١٨٤ ودَخَلَتْ كَلِمَةُ ”أوْ“ كَدُخُولِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] والمَعْنى كُلُّ هَؤُلاءِ أهْلٌ أنْ يُعْصى، فاعْصِ هَذا واعْصِ هَذا، فَكَذا هاهُنا المَعْنى حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ هَذا وهَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ والمَعْنى: أنّا إنَّما خَصَّصْناهم بِهَذا التَّحْرِيمِ جَزاءً عَلى بَغْيِهِمْ، وهو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ، وأخْذُهُمُ الرِّبا، وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ أيْ في الإخْبارِ عَنْ بَغْيِهِمْ وفي الإخْبارِ عَنْ تَخْصِيصِهِمْ بِهَذا التَّحْرِيمِ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ. قالَ القاضِي: نَفْسُ التَّحْرِيمِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلى جُرْمٍ صَدَرَ عَنْهم؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ تَعْرِيضٌ لِلثَّوابِ، والتَّعْرِيضُ لِلثَّوابِ إحْسانٌ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ جَزاءً عَلى الجُرْمِ المُتَقَدِّمِ. فالجَوابُ: أنَّ المَنعَ مِنَ الِانْتِفاعِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِمَزِيدِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِلْجُرْمِ المُتَقَدِّمِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ يَعْنِي إنْ كَذَّبُوكَ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وكَذَّبُوكَ في تَبْلِيغِ هَذِهِ الأحْكامِ ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ فَلِذَلِكَ لا يُعَجِّلُ عَلَيْكم بِالعُقُوبَةِ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ أيْ عَذابُهُ إذا جاءَ الوَقْتُ ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ كَذَّبُوكَ فِيما تَقُولُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الأنعام 6:146

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقَةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَطْعُوماتِ أتْبَعَهُ بِالبَيانِ الصَّحِيحِ في هَذا البابِ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ ”إلّا أنْ تَكُونَ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ تَكُونَ العَيْنُ أوِ النَّفْسُ أوِ الجُثَّةُ مَيْتَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ إلّا أنْ تَكُونَ بِالتّاءِ ”مَيْتَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى إلّا أنْ تَقَعَ مَيْتَةٌ أوْ تَحْدُثَ مَيْتَةٌ والباقُونَ ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أيْ إلّا أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ مَيْتَةً، أوْ إلّا أنْ يَكُونَ المَوْجُودُ مَيْتَةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ لا يَثْبُتُ إلّا بِالوَحْيِ. قالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أيْ عَلى آكِلٍ يَأْكُلُهُ، وذَكَرَ هَذا لِيُظْهِرَ أنَّ المُرادَ مِنهُ هو بَيانُ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَأْكُولاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أُمُورًا أرْبَعَةً: أوَّلُها: المَيِّتَةُ. وثانِيها: الدَّمُ المَسْفُوحُ. وثالِثُها: لَحْمُ الخِنْزِيرِ فَإنَّهُ رِجْسٌ. ورابِعُها: الفِسْقُ وهو الَّذِي أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ مُبالَغَةٌ في بَيانِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُحَرَّماتِ والمُحَلَّلاتِ إلّا بِالوَحْيِ، وثَبَتَ أنَّهُ لا وحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُهُ أنْ يَقُولَ: إنِّي لا أجِدُ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا مِنَ المُحَرَّماتِ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ كانَ هَذا مُبالَغَةً في بَيانِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ المَكِّيَّةِ أنَّهُ لا مُحَرَّمَ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ ثُمَّ أكَدَّ ذَلِكَ بِأنْ قالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ صفحة ١٨٠ ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَقَدْ حَصَلَتْ لَنا آيَتانِ مَكِّيَّتانِ يَدُلّانِ عَلى حَصْرِ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ، فَبَيَّنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهي مَدَنِيَّةٌ أيْضًا أنَّهُ لا مُحَرَّمَ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَدَنِيَّةُ مُطابِقَةً لِتِلْكَ الآيَةِ المَكِّيَّةِ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، فَكَلِمَةُ ”إنَّما“ في الآيَةِ المَدَنِيَّةِ مُطابِقَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلّا كَذا وكَذا في الآيَةِ المَكِّيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ هو ما ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَلِيلٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ وكُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ أقْسامُ المَيْتَةِ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما أعادَها بِالذِّكْرِ لِأنَّهم كانُوا يَحْكُمُونَ عَلَيْها بِالتَّحْلِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ الشَّرِيعَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كانَتْ مُسْتَقِرَّةً عَلى هَذا الحُكْمِ وعَلى هَذا الحَصْرِ. * * * فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَيَلْزَمُكم في التِزامِ هَذا الحَصْرِ تَحْلِيلُ النَّجاساتِ والمُسْتَقْذَراتِ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أيْضًا تَحْلِيلُ الخَمْرِ، وأيْضًا فَيَلْزَمُكم تَحْلِيلُ المُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِتَحْرِيمِها. قُلْنا: هَذا لا يَلْزَمُنا مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى إنَّما حَرَّمَ لَحْمَ الخِنْزِيرِ لِكَوْنِهِ نَجِسًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ النَّجاسَةَ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ الأكْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ نَجِسٍ يَحْرُمُ أكْلُهُ، وإذا كانَ هَذا مَذْكُورًا في الآيَةِ كانَ السُّؤالُ ساقِطًا. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ الخَبائِثِ، والنَّجاساتُ خَبائِثُ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِتَحْرِيمِها. الثّالِثُ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى حُرْمَةِ تَناوُلِ النَّجاساتِ، فَهَبْ أنّا التَزَمْنا تَخْصِيصَ هَذِهِ السُّورَةِ بِدَلالَةِ النَّقْلِ المُتَواتِرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ في بابِ النَّجاساتِ. فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ما سِواها عَلى وفْقِ الأصْلِ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ كِتابِ اللَّهِ في الآيَةِ المَكِّيَّةِ والآيَةِ المَدَنِيَّةِ، فَهَذا أصْلٌ مُقَرَّرٌ كامِلٌ في بابِ ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ مِنَ المَطْعُوماتِ، وأمّا الخَمْرُ فالجَوابُ عَنْهُ: أنَّها نَجِسَةٌ فَيَكُونُ مِنَ الرِّجْسِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: (رِجْسٌ) وتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ وأيْضًا ثَبَتَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ في تَحْرِيمِهِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: (فاجْتَنِبُوهُ) وبِقَوْلِهِ: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] والعامُّ المَخْصُوصُ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ، فَتَبْقى هَذِهِ الآيَةُ فِيما عَداها حُجَّةً. وأمّا قَوْلُهُ ويَلْزَمُ تَحْلِيلُ المَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ. فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّها مَيْتاتٌ. فَكانَتْ داخِلَةً تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيها: أنّا نَخُصُّ عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ بِتِلْكَ الآيَةِ. وثالِثُها: أنْ نَقُولَ إنَّها إنْ كانَتْ مَيْتَةً دَخَلَتْ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَيْتَةً فَنُخَصِّصُها بِتِلْكَ الآيَةِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: المُحَرَّماتُ مِنَ المَطْعُوماتِ أكْثَرُ مِمّا ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ فَما وجْهُها ؟ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى لا أجِدُ مُحَرَّمًا مِمّا كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ وغَيْرِها إلّا ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ أنَّ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمٌ غَيْرَ ما نَصَّ صفحة ١٨١ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ وُجِدَتْ مُحَرَّماتٌ أُخْرى بَعْدَ ذَلِكَ. وثالِثُها: هَبْ أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ إلّا أنَّ تَخْصِيصَ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ فَنَحْنُ نُخَصِّصُ هَذا العُمُومَ بِأخْبارِ الآحادِ. ورابِعُها: أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنْ نَقُولَ إنَّهُ لا يَجِدُ في القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ تَعالى ما سِوى هَذِهِ الأرْبَعَةِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذِهِ الأجْوِبَةُ ضَعِيفَةٌ. أمّا الجَوابُ الأوَّلُ: فَضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ ما كانَ يُحَرِّمُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ وغَيْرِها إذْ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَما كانَتِ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ داخِلَةً تَحْتَهُ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأشْياءُ داخِلَةً تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ لَما حَسُنَ اسْتِثْناؤُها، ولَمّا رَأيْنا أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مُسْتَثْناةٌ عَنْ تِلْكَ الكَلِمَةِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ ما ذَكَرُوهُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِفَسادِ قَوْلِهِمْ في تَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ خَصَّصَ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وتَحْلِيلُ تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمَها أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَمْنَعُ مِن تَحْلِيلِ غَيْرِها، فَوَجَبَ إبْقاءُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عُمُومِها، لِأنَّ تَخْصِيصَها يُوجِبُ تَرْكَ العَمَلِ بِعُمُومِها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ وذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الأرْبَعَةَ، وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، وهَذِهِ الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِحِكايَةِ أقْوالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ فَسَقَطَ هَذا العُذْرُ. وأمّا جَوابُهُمُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ أنَّ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ. فَجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ اسْتِقْرارِ الشَّرِيعَةِ، وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَدَلَّ هاتانِ الآيَتانِ عَلى أنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ في شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها لَيْسَ إلّا حَصْرَ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأشْياءِ. وثانِيها: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِمُقْتَضى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ حَصْرُ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ كانَ هَذا اعْتِرافًا بِحِلِّ ما سِواها، فالقَوْلُ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ خامِسٍ يَكُونُ نَسْخًا، ولا شَكَّ أنَّ مَدارَ الشَّرِيعَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ احْتِمالُ طَرَيانِ النّاسِخِ مُعادِلًا لِاحْتِمالِ بَقاءِ الحُكْمِ عَلى ما كانَ، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنَ النُّصُوصِ في إثْباتِ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ كانَ ثابِتًا إلّا أنَّهُ زالَ، ولَمّا اتَّفَقَ الكُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ، وأنَّ القائِلَ بِهِ والذّاهِبَ إلَيْهِ هو المُحْتاجُ إلى الدَّلِيلِ؛ عَلِمْنا فَسادَ هَذا السُّؤالِ. وأمّا جَوابُهُمُ الثّالِثُ: وهو أنّا نُخَصِّصُ عُمُومَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ. فَنَقُولُ: لَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّخْصِيصِ، بَلْ هو صَرِيحُ النَّسْخِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ مُبالَغَةٌ في أنَّهُ لا يَحْرُمُ سِوى هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وقَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ وكَذا وكَذا، تَصْرِيحٌ بِحَصْرِ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، فالقَوْلُ بِأنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ يَكُونُ دَفْعًا لِهَذا الَّذِي ثَبَتَ بِمُقْتَضى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّهُ كانَ ثابِتًا في أوَّلِ الشَّرِيعَةِ بِمَكَّةَ، وفي آخِرِها بِالمَدِينَةِ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ. صفحة ١٨٢ وأمّا جَوابُهُمُ الرّابِعُ: فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ ما كانَ وحْيًا، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الوَحْيُ قُرْآنًا أوْ غَيْرَهُ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ يُزِيلُ هَذا الِاحْتِمالَ. فَثَبَتَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْنا قُوَّةُ هَذا الكَلامِ، وصِحَّةُ هَذا المَذْهَبِ، وهو الَّذِي كانَ يَقُولُ بِهِ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، ومِنَ السُّؤالاتِ الضَّعِيفَةِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهاءِ خَصَّصُوا عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ بِما نُقِلَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«ما اسْتَخْبَثَهُ العَرَبُ فَهو حَرامٌ» “ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الَّذِي يَسْتَخْبِثُهُ العَرَبُ فَهو غَيْرُ مَضْبُوطٍ، فَسَيِّدُ العَرَبِ بَلْ سَيِّدُ العالَمِينَ مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، لَمّا رَآهم يَأْكُلُونَ الضَّبَّ قالَ: ”«يَعافُهُ طَبْعِي» “ ثُمَّ إنَّ هَذا الِاسْتِقْذارَ ما صارَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ الضَّبِّ. وأمّا سائِرُ العَرَبِ فَمِنهم مَن لا يَسْتَقْذِرُ شَيْئًا، وقَدْ يَخْتَلِفُونَ في بَعْضِ الأشْياءِ، فَيَسْتَقْذِرُها قَوْمٌ ويَسْتَطِيبُها آخَرُونَ، فَعَلِمْنا أنَّ أمْرَ الِاسْتِقْذارِ غَيْرُ مَضْبُوطٍ، بَلْ هو مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ والأحْوالِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُ هَذا النَّصِّ القاطِعِ بِذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضابِطٌ مُعَيَّنٌ ولا قانُونٌ مَعْلُومٌ ؟ * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا المَسائِلَ المُتَعَلِّقَةَ بِهَذِهِ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. فَأوَّلُها: المَيْتَةُ، ودَخَلَها التَّخْصِيصُ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ السَّمَكُ والجَرادُ» “ . وثانِيها: الدَّمُ المَسْفُوحُ، والسَّفْحُ الصَّبُّ. يُقالُ: سَفَحَ الدَّمَ سَفْحًا، وسَفَحَ هو سُفُوحًا إذا سالَ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِكُثَيِّرٍ: أقُولُ ودَمْعِي واكِفٌ عِنْدَ رَسْمِها عَلَيْكِ سَلامُ اللَّهِ والدَّمْعُ يَسْفَحُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما خَرَجَ مِنَ الأنْعامِ وهي أحْياءٌ، وما يَخْرُجُ مِنَ الأوْداجِ عِنْدَ الذَّبْحِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلا يَدْخُلُ فِيهِ الكَبِدُ والطِّحالُ لِجُمُودِهِما، ولا ما يَخْتَلِطُ بِاللَّحْمِ مِنَ الدَّمِ فَإنَّهُ غَيْرُ سائِلٍ، وسُئِلَ أبُو مِجْلَزٍ عَمّا يَتَلَطَّخُ مِنَ اللَّحْمِ بِالدَّمِ، وعَنِ القَدَرِيِّ: يُرى فِيها حُمْرَةُ الدَّمِ، فَقالَ لا بَأْسَ بِهِ، إنَّما نُهِيَ عَنِ الدَّمِ المَسْفُوحِ. وثالِثُها: لَحْمُ الخِنْزِيرِ فَإنَّهُ رِجْسٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وهو مَنسُوقٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فَسُمِّيَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في بابِ الفِسْقِ كَما يُقالُ: فُلانٌ كَرَمٌ وجُودٌ إذا كانَ كامِلًا فِيهِما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ أنَّها مُحَرَّمَةٌ، بَيَّنَ أنْ عِنْدَ الِاضْطِرارِ يَزُولُ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ، وهَذِهِ الآيَةُ قَدِ اسْتَقْصَيْنا تَفْسِيرَها في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرُّخْصَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ أشْياءَ أُخْرى سِوى هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وهي نَوْعانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: في الظُّفُرِ لُغاتٌ ظُفُرٌ بِضَمِّ الفاءِ، وهو أعْلاها وظُفْرٌ بِسُكُونِ الفاءِ، وظِفْرٌ بِكَسْرِ الظّاءِ وسُكُونِ الفاءِ، وهي قِراءَةُالحَسَنِ وظِفِرٌ بِكَسْرِهِما وهي قِراءَةُ أبِي السَّمّالِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: اخْتَلَفُوا في كُلِّ ذِي ظُفُرٍ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى اليَهُودِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الإبِلُ فَقَطْ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الإبِلُ والنَّعامَةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وقالَ صفحة ١٨٣ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ: إنَّهُ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وكُلُّ ذِي حافِرٍ مِنَ الدَّوابِّ. ثُمَّ قالَ: ”كَذَلِكَ“ قالَ المُفَسِّرُونَ. وقالَ: وسُمِّيَ الحافِرُ ظُفُرًا عَلى الِاسْتِعارَةِ. وأقُولُ: أمّا حَمْلُ الظُّفُرِ عَلى الحافِرِ فَبَعِيدٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الحافِرَ لا يَكادُ يُسَمّى ظُفُرًا. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ حَيَوانٍ لَهُ حافِرٌ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الغَنَمَ والبَقَرَ مُباحانِ لَهم مِن حُصُولِ الحافِرِ لَهُما. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ حَمْلُ الظُّفُرِ عَلى المَخالِبِ والبَراثِنِ لِأنَّ المَخالِبَ آلاتُ الجَوارِحِ في الِاصْطِيادِ، والبَراثِنَ آلاتُ السِّباعِ في الِاصْطِيادِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَدْخُلُ فِيهِ أنْواعُ السِّباعِ والكِلابِ والسَّنانِيرِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الطُّيُورُ الَّتِي تَصْطادُ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَعُمُّ هَذِهِ الأجْناسَ. * * * إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ يُفِيدُ تَخْصِيصَ هَذِهِ الحُرْمَةِ بِهِمْ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ كَذا وكَذا يُفِيدُ الحَصْرَ في اللُّغَةِ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الحُرْمَةُ ثابِتَةً في حَقِّ الكُلِّ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ، ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ فائِدَةٌ. فَثَبَتَ أنَّ تَحْرِيمَ السِّباعِ وذَوِي المَخالِبِ مِنَ الطَّيْرِ مُخْتَصٌّ بِاليَهُودِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مُحَرَّمَةً عَلى المُسْلِمِينَ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى[ عَدَمِ حُرْمَةِ ] هَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى المُسْلِمِينَ، وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: ما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ «حَرَّمَ كُلَّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ» ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَقْبُولًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَقْوى قَوْلُ مالِكٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ. النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى عَلى اليَهُودِ خاصَّةً، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ شُحُومَ البَقَرِ والغَنَمِ، ثُمَّ في الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: إنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى عَنْ هَذا التَّحْرِيمِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما عَلِقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ، فَإنِّي لَمْ أُحَرِّمْهُ وقالَ قَتادَةُ: إلّا ما عَلِقَ بِالظَّهْرِ والجَنْبِ مِن داخِلِ بُطُونِها، وأقُولُ لَيْسَ عَلى الظَّهْرِ والجَنْبِ شَحْمٌ إلّا اللَّحْمُ الأبْيَضُ السَّمِينُ المُلْتَصِقُ بِاللَّحْمِ الأحْمَرِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَذَلِكَ اللَّحْمُ السَّمِينُ المُلْتَصِقُ مُسَمًّى بِالشَّحْمِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ: لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، وجَبَ أنْ يَحْنَثَ بِأكْلِ ذَلِكَ اللَّحْمِ السَّمِينِ. والِاسْتِثْناءُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: وهي المَباعِرُ والمَصارِينُ، واحِدَتُها حاوِيَةٌ وحَوِيَّةٌ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هي الحَوِيَّةُ أوِ الحاوِيَةُ، وهي الدَّوّارَةُ الَّتِي في بَطْنِ الشّاةِ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ حاوِيَةٌ وحَوايا، مِثْلُ راوِيَةٍ ورَوايا. إذا عَرَفْتَ هَذا: فالمُرادُ أنَّ الشُّحُومَ المُلْتَصِقَةَ بِالمَباعِرِ والمَصارِينِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ. والِاسْتِثْناءُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قالُوا: إنَّهُ شَحْمُ الألْيَةِ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كُلُّ شَحْمٍ في القائِمِ والجَنْبِ والرَّأْسِ، وفي العَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ. يَقُولُ: إنَّهُ اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ فَهو حَلالٌ لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالشَّحْمُ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هو الثَّرَبُ وشَحْمُ الكُلْيَةِ. القَوْلُ الثّانِي: في الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوِ الحَوايا﴾ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى المُسْتَثْنى، بَلْ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ والتَّقْدِيرُ: حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ شُحُومُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما فَإنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ قالُوا: صفحة ١٨٤ ودَخَلَتْ كَلِمَةُ ”أوْ“ كَدُخُولِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] والمَعْنى كُلُّ هَؤُلاءِ أهْلٌ أنْ يُعْصى، فاعْصِ هَذا واعْصِ هَذا، فَكَذا هاهُنا المَعْنى حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ هَذا وهَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ والمَعْنى: أنّا إنَّما خَصَّصْناهم بِهَذا التَّحْرِيمِ جَزاءً عَلى بَغْيِهِمْ، وهو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ، وأخْذُهُمُ الرِّبا، وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ أيْ في الإخْبارِ عَنْ بَغْيِهِمْ وفي الإخْبارِ عَنْ تَخْصِيصِهِمْ بِهَذا التَّحْرِيمِ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ. قالَ القاضِي: نَفْسُ التَّحْرِيمِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلى جُرْمٍ صَدَرَ عَنْهم؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ تَعْرِيضٌ لِلثَّوابِ، والتَّعْرِيضُ لِلثَّوابِ إحْسانٌ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ جَزاءً عَلى الجُرْمِ المُتَقَدِّمِ. فالجَوابُ: أنَّ المَنعَ مِنَ الِانْتِفاعِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِمَزِيدِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِلْجُرْمِ المُتَقَدِّمِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ يَعْنِي إنْ كَذَّبُوكَ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وكَذَّبُوكَ في تَبْلِيغِ هَذِهِ الأحْكامِ ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ فَلِذَلِكَ لا يُعَجِّلُ عَلَيْكم بِالعُقُوبَةِ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ أيْ عَذابُهُ إذا جاءَ الوَقْتُ ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ كَذَّبُوكَ فِيما تَقُولُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الأنعام 6:147

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقَةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَطْعُوماتِ أتْبَعَهُ بِالبَيانِ الصَّحِيحِ في هَذا البابِ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ ”إلّا أنْ تَكُونَ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ تَكُونَ العَيْنُ أوِ النَّفْسُ أوِ الجُثَّةُ مَيْتَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ إلّا أنْ تَكُونَ بِالتّاءِ ”مَيْتَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى إلّا أنْ تَقَعَ مَيْتَةٌ أوْ تَحْدُثَ مَيْتَةٌ والباقُونَ ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أيْ إلّا أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ مَيْتَةً، أوْ إلّا أنْ يَكُونَ المَوْجُودُ مَيْتَةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ التَّحْرِيمَ والتَّحْلِيلَ لا يَثْبُتُ إلّا بِالوَحْيِ. قالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أيْ عَلى آكِلٍ يَأْكُلُهُ، وذَكَرَ هَذا لِيُظْهِرَ أنَّ المُرادَ مِنهُ هو بَيانُ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ المَأْكُولاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أُمُورًا أرْبَعَةً: أوَّلُها: المَيِّتَةُ. وثانِيها: الدَّمُ المَسْفُوحُ. وثالِثُها: لَحْمُ الخِنْزِيرِ فَإنَّهُ رِجْسٌ. ورابِعُها: الفِسْقُ وهو الَّذِي أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ مُبالَغَةٌ في بَيانِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُحَرَّماتِ والمُحَلَّلاتِ إلّا بِالوَحْيِ، وثَبَتَ أنَّهُ لا وحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُهُ أنْ يَقُولَ: إنِّي لا أجِدُ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا مِنَ المُحَرَّماتِ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ كانَ هَذا مُبالَغَةً في بَيانِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ المَكِّيَّةِ أنَّهُ لا مُحَرَّمَ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ ثُمَّ أكَدَّ ذَلِكَ بِأنْ قالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ صفحة ١٨٠ ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَقَدْ حَصَلَتْ لَنا آيَتانِ مَكِّيَّتانِ يَدُلّانِ عَلى حَصْرِ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ، فَبَيَّنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهي مَدَنِيَّةٌ أيْضًا أنَّهُ لا مُحَرَّمَ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَدَنِيَّةُ مُطابِقَةً لِتِلْكَ الآيَةِ المَكِّيَّةِ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، فَكَلِمَةُ ”إنَّما“ في الآيَةِ المَدَنِيَّةِ مُطابِقَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلّا كَذا وكَذا في الآيَةِ المَكِّيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ هو ما ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَلِيلٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ وكُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ أقْسامُ المَيْتَةِ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما أعادَها بِالذِّكْرِ لِأنَّهم كانُوا يَحْكُمُونَ عَلَيْها بِالتَّحْلِيلِ، فَثَبَتَ أنَّ الشَّرِيعَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كانَتْ مُسْتَقِرَّةً عَلى هَذا الحُكْمِ وعَلى هَذا الحَصْرِ. * * * فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَيَلْزَمُكم في التِزامِ هَذا الحَصْرِ تَحْلِيلُ النَّجاساتِ والمُسْتَقْذَراتِ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أيْضًا تَحْلِيلُ الخَمْرِ، وأيْضًا فَيَلْزَمُكم تَحْلِيلُ المُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِتَحْرِيمِها. قُلْنا: هَذا لا يَلْزَمُنا مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى إنَّما حَرَّمَ لَحْمَ الخِنْزِيرِ لِكَوْنِهِ نَجِسًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ النَّجاسَةَ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ الأكْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ نَجِسٍ يَحْرُمُ أكْلُهُ، وإذا كانَ هَذا مَذْكُورًا في الآيَةِ كانَ السُّؤالُ ساقِطًا. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ الخَبائِثِ، والنَّجاساتُ خَبائِثُ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِتَحْرِيمِها. الثّالِثُ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى حُرْمَةِ تَناوُلِ النَّجاساتِ، فَهَبْ أنّا التَزَمْنا تَخْصِيصَ هَذِهِ السُّورَةِ بِدَلالَةِ النَّقْلِ المُتَواتِرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ في بابِ النَّجاساتِ. فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ما سِواها عَلى وفْقِ الأصْلِ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ كِتابِ اللَّهِ في الآيَةِ المَكِّيَّةِ والآيَةِ المَدَنِيَّةِ، فَهَذا أصْلٌ مُقَرَّرٌ كامِلٌ في بابِ ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ مِنَ المَطْعُوماتِ، وأمّا الخَمْرُ فالجَوابُ عَنْهُ: أنَّها نَجِسَةٌ فَيَكُونُ مِنَ الرِّجْسِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: (رِجْسٌ) وتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ وأيْضًا ثَبَتَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ في تَحْرِيمِهِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: (فاجْتَنِبُوهُ) وبِقَوْلِهِ: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] والعامُّ المَخْصُوصُ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ، فَتَبْقى هَذِهِ الآيَةُ فِيما عَداها حُجَّةً. وأمّا قَوْلُهُ ويَلْزَمُ تَحْلِيلُ المَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ. فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّها مَيْتاتٌ. فَكانَتْ داخِلَةً تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيها: أنّا نَخُصُّ عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ بِتِلْكَ الآيَةِ. وثالِثُها: أنْ نَقُولَ إنَّها إنْ كانَتْ مَيْتَةً دَخَلَتْ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَيْتَةً فَنُخَصِّصُها بِتِلْكَ الآيَةِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: المُحَرَّماتُ مِنَ المَطْعُوماتِ أكْثَرُ مِمّا ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ فَما وجْهُها ؟ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى لا أجِدُ مُحَرَّمًا مِمّا كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ وغَيْرِها إلّا ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ أنَّ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمٌ غَيْرَ ما نَصَّ صفحة ١٨١ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ وُجِدَتْ مُحَرَّماتٌ أُخْرى بَعْدَ ذَلِكَ. وثالِثُها: هَبْ أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ إلّا أنَّ تَخْصِيصَ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ فَنَحْنُ نُخَصِّصُ هَذا العُمُومَ بِأخْبارِ الآحادِ. ورابِعُها: أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنْ نَقُولَ إنَّهُ لا يَجِدُ في القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ تَعالى ما سِوى هَذِهِ الأرْبَعَةِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذِهِ الأجْوِبَةُ ضَعِيفَةٌ. أمّا الجَوابُ الأوَّلُ: فَضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ ما كانَ يُحَرِّمُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ وغَيْرِها إذْ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَما كانَتِ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ داخِلَةً تَحْتَهُ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأشْياءُ داخِلَةً تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ لَما حَسُنَ اسْتِثْناؤُها، ولَمّا رَأيْنا أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مُسْتَثْناةٌ عَنْ تِلْكَ الكَلِمَةِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ ما ذَكَرُوهُ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِفَسادِ قَوْلِهِمْ في تَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ خَصَّصَ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وتَحْلِيلُ تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمَها أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَمْنَعُ مِن تَحْلِيلِ غَيْرِها، فَوَجَبَ إبْقاءُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عُمُومِها، لِأنَّ تَخْصِيصَها يُوجِبُ تَرْكَ العَمَلِ بِعُمُومِها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ وذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الأرْبَعَةَ، وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، وهَذِهِ الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِحِكايَةِ أقْوالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ فَسَقَطَ هَذا العُذْرُ. وأمّا جَوابُهُمُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ أنَّ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ. فَجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ اسْتِقْرارِ الشَّرِيعَةِ، وكَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ فَدَلَّ هاتانِ الآيَتانِ عَلى أنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ في شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها لَيْسَ إلّا حَصْرَ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأشْياءِ. وثانِيها: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِمُقْتَضى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ حَصْرُ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ كانَ هَذا اعْتِرافًا بِحِلِّ ما سِواها، فالقَوْلُ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ خامِسٍ يَكُونُ نَسْخًا، ولا شَكَّ أنَّ مَدارَ الشَّرِيعَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ احْتِمالُ طَرَيانِ النّاسِخِ مُعادِلًا لِاحْتِمالِ بَقاءِ الحُكْمِ عَلى ما كانَ، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنَ النُّصُوصِ في إثْباتِ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ كانَ ثابِتًا إلّا أنَّهُ زالَ، ولَمّا اتَّفَقَ الكُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ، وأنَّ القائِلَ بِهِ والذّاهِبَ إلَيْهِ هو المُحْتاجُ إلى الدَّلِيلِ؛ عَلِمْنا فَسادَ هَذا السُّؤالِ. وأمّا جَوابُهُمُ الثّالِثُ: وهو أنّا نُخَصِّصُ عُمُومَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ. فَنَقُولُ: لَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّخْصِيصِ، بَلْ هو صَرِيحُ النَّسْخِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ مُبالَغَةٌ في أنَّهُ لا يَحْرُمُ سِوى هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وقَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ وكَذا وكَذا، تَصْرِيحٌ بِحَصْرِ المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، فالقَوْلُ بِأنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ يَكُونُ دَفْعًا لِهَذا الَّذِي ثَبَتَ بِمُقْتَضى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّهُ كانَ ثابِتًا في أوَّلِ الشَّرِيعَةِ بِمَكَّةَ، وفي آخِرِها بِالمَدِينَةِ، ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لا يَجُوزُ. صفحة ١٨٢ وأمّا جَوابُهُمُ الرّابِعُ: فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ ما كانَ وحْيًا، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الوَحْيُ قُرْآنًا أوْ غَيْرَهُ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ يُزِيلُ هَذا الِاحْتِمالَ. فَثَبَتَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْنا قُوَّةُ هَذا الكَلامِ، وصِحَّةُ هَذا المَذْهَبِ، وهو الَّذِي كانَ يَقُولُ بِهِ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، ومِنَ السُّؤالاتِ الضَّعِيفَةِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهاءِ خَصَّصُوا عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ بِما نُقِلَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«ما اسْتَخْبَثَهُ العَرَبُ فَهو حَرامٌ» “ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الَّذِي يَسْتَخْبِثُهُ العَرَبُ فَهو غَيْرُ مَضْبُوطٍ، فَسَيِّدُ العَرَبِ بَلْ سَيِّدُ العالَمِينَ مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، لَمّا رَآهم يَأْكُلُونَ الضَّبَّ قالَ: ”«يَعافُهُ طَبْعِي» “ ثُمَّ إنَّ هَذا الِاسْتِقْذارَ ما صارَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ الضَّبِّ. وأمّا سائِرُ العَرَبِ فَمِنهم مَن لا يَسْتَقْذِرُ شَيْئًا، وقَدْ يَخْتَلِفُونَ في بَعْضِ الأشْياءِ، فَيَسْتَقْذِرُها قَوْمٌ ويَسْتَطِيبُها آخَرُونَ، فَعَلِمْنا أنَّ أمْرَ الِاسْتِقْذارِ غَيْرُ مَضْبُوطٍ، بَلْ هو مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ والأحْوالِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُ هَذا النَّصِّ القاطِعِ بِذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضابِطٌ مُعَيَّنٌ ولا قانُونٌ مَعْلُومٌ ؟ * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا المَسائِلَ المُتَعَلِّقَةَ بِهَذِهِ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. فَأوَّلُها: المَيْتَةُ، ودَخَلَها التَّخْصِيصُ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ السَّمَكُ والجَرادُ» “ . وثانِيها: الدَّمُ المَسْفُوحُ، والسَّفْحُ الصَّبُّ. يُقالُ: سَفَحَ الدَّمَ سَفْحًا، وسَفَحَ هو سُفُوحًا إذا سالَ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِكُثَيِّرٍ: أقُولُ ودَمْعِي واكِفٌ عِنْدَ رَسْمِها عَلَيْكِ سَلامُ اللَّهِ والدَّمْعُ يَسْفَحُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما خَرَجَ مِنَ الأنْعامِ وهي أحْياءٌ، وما يَخْرُجُ مِنَ الأوْداجِ عِنْدَ الذَّبْحِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلا يَدْخُلُ فِيهِ الكَبِدُ والطِّحالُ لِجُمُودِهِما، ولا ما يَخْتَلِطُ بِاللَّحْمِ مِنَ الدَّمِ فَإنَّهُ غَيْرُ سائِلٍ، وسُئِلَ أبُو مِجْلَزٍ عَمّا يَتَلَطَّخُ مِنَ اللَّحْمِ بِالدَّمِ، وعَنِ القَدَرِيِّ: يُرى فِيها حُمْرَةُ الدَّمِ، فَقالَ لا بَأْسَ بِهِ، إنَّما نُهِيَ عَنِ الدَّمِ المَسْفُوحِ. وثالِثُها: لَحْمُ الخِنْزِيرِ فَإنَّهُ رِجْسٌ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وهو مَنسُوقٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فَسُمِّيَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في بابِ الفِسْقِ كَما يُقالُ: فُلانٌ كَرَمٌ وجُودٌ إذا كانَ كامِلًا فِيهِما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ أنَّها مُحَرَّمَةٌ، بَيَّنَ أنْ عِنْدَ الِاضْطِرارِ يَزُولُ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ، وهَذِهِ الآيَةُ قَدِ اسْتَقْصَيْنا تَفْسِيرَها في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرُّخْصَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ أشْياءَ أُخْرى سِوى هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وهي نَوْعانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: في الظُّفُرِ لُغاتٌ ظُفُرٌ بِضَمِّ الفاءِ، وهو أعْلاها وظُفْرٌ بِسُكُونِ الفاءِ، وظِفْرٌ بِكَسْرِ الظّاءِ وسُكُونِ الفاءِ، وهي قِراءَةُالحَسَنِ وظِفِرٌ بِكَسْرِهِما وهي قِراءَةُ أبِي السَّمّالِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: اخْتَلَفُوا في كُلِّ ذِي ظُفُرٍ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى اليَهُودِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الإبِلُ فَقَطْ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الإبِلُ والنَّعامَةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وقالَ صفحة ١٨٣ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ: إنَّهُ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وكُلُّ ذِي حافِرٍ مِنَ الدَّوابِّ. ثُمَّ قالَ: ”كَذَلِكَ“ قالَ المُفَسِّرُونَ. وقالَ: وسُمِّيَ الحافِرُ ظُفُرًا عَلى الِاسْتِعارَةِ. وأقُولُ: أمّا حَمْلُ الظُّفُرِ عَلى الحافِرِ فَبَعِيدٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الحافِرَ لا يَكادُ يُسَمّى ظُفُرًا. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ حَيَوانٍ لَهُ حافِرٌ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الغَنَمَ والبَقَرَ مُباحانِ لَهم مِن حُصُولِ الحافِرِ لَهُما. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ حَمْلُ الظُّفُرِ عَلى المَخالِبِ والبَراثِنِ لِأنَّ المَخالِبَ آلاتُ الجَوارِحِ في الِاصْطِيادِ، والبَراثِنَ آلاتُ السِّباعِ في الِاصْطِيادِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَدْخُلُ فِيهِ أنْواعُ السِّباعِ والكِلابِ والسَّنانِيرِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الطُّيُورُ الَّتِي تَصْطادُ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ تَعُمُّ هَذِهِ الأجْناسَ. * * * إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ يُفِيدُ تَخْصِيصَ هَذِهِ الحُرْمَةِ بِهِمْ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ كَذا وكَذا يُفِيدُ الحَصْرَ في اللُّغَةِ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الحُرْمَةُ ثابِتَةً في حَقِّ الكُلِّ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ، ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ فائِدَةٌ. فَثَبَتَ أنَّ تَحْرِيمَ السِّباعِ وذَوِي المَخالِبِ مِنَ الطَّيْرِ مُخْتَصٌّ بِاليَهُودِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مُحَرَّمَةً عَلى المُسْلِمِينَ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى[ عَدَمِ حُرْمَةِ ] هَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى المُسْلِمِينَ، وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: ما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ «حَرَّمَ كُلَّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ» ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَقْبُولًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَقْوى قَوْلُ مالِكٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ. النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى عَلى اليَهُودِ خاصَّةً، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ شُحُومَ البَقَرِ والغَنَمِ، ثُمَّ في الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: إنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى عَنْ هَذا التَّحْرِيمِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا ما عَلِقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ، فَإنِّي لَمْ أُحَرِّمْهُ وقالَ قَتادَةُ: إلّا ما عَلِقَ بِالظَّهْرِ والجَنْبِ مِن داخِلِ بُطُونِها، وأقُولُ لَيْسَ عَلى الظَّهْرِ والجَنْبِ شَحْمٌ إلّا اللَّحْمُ الأبْيَضُ السَّمِينُ المُلْتَصِقُ بِاللَّحْمِ الأحْمَرِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَذَلِكَ اللَّحْمُ السَّمِينُ المُلْتَصِقُ مُسَمًّى بِالشَّحْمِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ: لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، وجَبَ أنْ يَحْنَثَ بِأكْلِ ذَلِكَ اللَّحْمِ السَّمِينِ. والِاسْتِثْناءُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: وهي المَباعِرُ والمَصارِينُ، واحِدَتُها حاوِيَةٌ وحَوِيَّةٌ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: هي الحَوِيَّةُ أوِ الحاوِيَةُ، وهي الدَّوّارَةُ الَّتِي في بَطْنِ الشّاةِ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ حاوِيَةٌ وحَوايا، مِثْلُ راوِيَةٍ ورَوايا. إذا عَرَفْتَ هَذا: فالمُرادُ أنَّ الشُّحُومَ المُلْتَصِقَةَ بِالمَباعِرِ والمَصارِينِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ. والِاسْتِثْناءُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قالُوا: إنَّهُ شَحْمُ الألْيَةِ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كُلُّ شَحْمٍ في القائِمِ والجَنْبِ والرَّأْسِ، وفي العَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ. يَقُولُ: إنَّهُ اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ فَهو حَلالٌ لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالشَّحْمُ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هو الثَّرَبُ وشَحْمُ الكُلْيَةِ. القَوْلُ الثّانِي: في الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوِ الحَوايا﴾ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى المُسْتَثْنى، بَلْ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ والتَّقْدِيرُ: حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ شُحُومُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما فَإنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ قالُوا: صفحة ١٨٤ ودَخَلَتْ كَلِمَةُ ”أوْ“ كَدُخُولِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] والمَعْنى كُلُّ هَؤُلاءِ أهْلٌ أنْ يُعْصى، فاعْصِ هَذا واعْصِ هَذا، فَكَذا هاهُنا المَعْنى حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ هَذا وهَذا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ والمَعْنى: أنّا إنَّما خَصَّصْناهم بِهَذا التَّحْرِيمِ جَزاءً عَلى بَغْيِهِمْ، وهو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ، وأخْذُهُمُ الرِّبا، وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ أيْ في الإخْبارِ عَنْ بَغْيِهِمْ وفي الإخْبارِ عَنْ تَخْصِيصِهِمْ بِهَذا التَّحْرِيمِ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ. قالَ القاضِي: نَفْسُ التَّحْرِيمِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلى جُرْمٍ صَدَرَ عَنْهم؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ تَعْرِيضٌ لِلثَّوابِ، والتَّعْرِيضُ لِلثَّوابِ إحْسانٌ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ جَزاءً عَلى الجُرْمِ المُتَقَدِّمِ. فالجَوابُ: أنَّ المَنعَ مِنَ الِانْتِفاعِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِمَزِيدِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِلْجُرْمِ المُتَقَدِّمِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ يَعْنِي إنْ كَذَّبُوكَ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وكَذَّبُوكَ في تَبْلِيغِ هَذِهِ الأحْكامِ ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ فَلِذَلِكَ لا يُعَجِّلُ عَلَيْكم بِالعُقُوبَةِ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ أيْ عَذابُهُ إذا جاءَ الوَقْتُ ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ كَذَّبُوكَ فِيما تَقُولُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الأنعام 6:148

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إقْدامَهم عَلى الحُكْمِ في دِينِ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، حَكى عَنْهم عُذْرَهم في كُلِّ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِيّاتِ، فَيَقُولُونَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ مِنّا أنْ لا نَكْفُرَ لَمَنَعَنا عَنْ هَذا الكُفْرِ، وحَيْثُ لَمْ يَمْنَعْنا عَنْهُ، ثَبَتَ أنَّهُ مُرِيدٌ لِذَلِكَ فَإذا أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنّا امْتَنَعَ مِنّا تَرْكُهُ فَكُنّا مَعْذُورِينَ فِيهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ زَعَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ في مَسْألَةِ إرادَةِ الكائِناتِ مِن سَبْعَةِ أوْجُهٍ: صفحة ١٨٥ فالوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ صَرِيحَ قَوْلِ المُجْبِرَةِ وهو قَوْلُهم: لَوْ شاءَ اللَّهُ مِنّا أنْ لا نُشْرِكَ لَمْ نُشْرِكْ، وإنَّما حَكى عَنْهم هَذا القَوْلَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والتَّقْبِيحِ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَذا المَذْهَبِ مَذْمُومًا باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ”كَذَّبَ“ وفِيهِ قِراءَتانِ بِالتَّخْفِيفِ وبِالتَّثْقِيلِ. أمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ فَهي تَصْرِيحٌ بِأنَّهم قَدْ كَذَبُوا في ذَلِكَ القَوْلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي تَقُولُهُ المُجْبِرَةُ في هَذِهِ المَسْألَةِ كَذِبٌ. وأمّا القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى أنَّ القَوْمَ اسْتَوْجَبُوا الذَّمَّ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا أهْلَ المَذاهِبِ، لِأنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْهِ لَكانَ هَذا المَعْنى ضِدًّا لِمَعْنى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ”كَذَبَ“ بِالتَّخْفِيفِ، وحِينَئِذٍ تَصِيرُ إحْدى القِراءَتَيْنِ ضِدًّا لِلْقِراءَةِ الأُخْرى، وذَلِكَ يُوجِبُ دُخُولَ التَّناقُضِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ كُلَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ، فَإنَّهُ كَذَّبَهُ بِهَذا الطَّرِيقِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا الَّذِي أنا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ إنَّما حَصَلَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنهُ، فَهَذا طَرِيقٌ مُتَعَيِّنٌ لِكُلِّ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وفي دَفْعِ دَعَوْتِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ، فَإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ صارَتِ القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ مُؤَكِّدَةً لِلْقِراءَةِ بِالتَّخْفِيفِ ويَصِيرُ مَجْمُوعُ القِراءَتَيْنِ دالًّا عَلى إبْطالِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى قَوْلِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا الوَعِيدَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في ذَهابِهِمْ إلى هَذا المَذْهَبِ. المَذْهَبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ ولا شَكَّ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ ولا حُجَّةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ حَقًّا كانَ القَوْلُ بِهِ عِلْمًا. الوَجْهُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ في سائِرِ الآياتِ: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ . [النجم: ٢٨] والوَجْهُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ والخَرَصُ أقْبَحُ أنْواعِ الكَذِبِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ . [الذاريات: ١٠] والوَجْهُ السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّهُمُ احْتَجُّوا في دَفْعِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنْ قالُوا: كُلُّ ما حَصَلَ فَهو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا شاءَ اللَّهُ مِنّا ذَلِكَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُنا تَرْكُهُ ؟ وإذا كُنّا عاجِزِينَ عَنْ تَرْكِهِ، فَكَيْفَ يَأْمُرُنا بِتَرْكِهِ ؟ وهَلْ في وُسْعِنا وطاقَتِنا أنْ نَأْتِيَ بِفِعْلٍ عَلى خِلافِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ فَهَذا هو حُجَّةُ الكُفّارِ عَلى الأنْبِياءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أعْطاكم عُقُولًا كامِلَةً، وأفْهامًا وافِيَةً، وآذانًا سامِعَةً، وعُيُونًا باصِرَةً، وأقْدَرَكم عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وأزالَ الأعْذارَ والمَوانِعَ بِالكُلِّيَّةِ عَنْكم، فَإنْ شِئْتُمْ ذَهَبْتُمْ إلى عَمَلِ الخَيْراتِ، وإنْ شِئْتُمْ إلى عَمَلِ المَعاصِي والمُنْكَراتِ، وهَذِهِ القُدْرَةُ والمُكْنَةُ مَعْلُومَةُ الثُّبُوتِ بِالضَّرُورَةِ، وزَوالُ المَوانِعِ والعَوائِقِ مَعْلُومُ الثُّبُوتِ أيْضًا بِالضَّرُورَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ ادِّعاؤُكم أنَّكم عاجِزُونَ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ دَعْوى باطِلَةً، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ لَيْسَ لَكم عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بالِغَةٌ، بَلْ لِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ عَلَيْكم. صفحة ١٨٦ والوَجْهُ الثّانِي: أنَّكم تَقُولُونَ: لَوْ كانَتْ أفْعالُنا واقِعَةً عَلى خِلافِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، لَكُنّا قَدْ غَلَبْنا اللَّهَ وقَهَرْناهُ، وأتَيْنا بِالفِعْلِ عَلى مُضادَّتِهِ ومُخالَفَتِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ عاجِزًا ضَعِيفًا، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ إلَهًا. فَأجابَ تَعالى عَنْهُ: بِأنَّ العَجْزَ والضَّعْفَ إنَّما يَلْزَمُ إذا لَمْ أكُنْ قادِرًا عَلى حَمْلِهِمْ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والإلْجاءِ، وأنا قادِرٌ عَلى ذَلِكَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ إلّا أنِّي لا أحْمِلُكم عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والإلْجاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الحِكْمَةَ المَطْلُوبَةَ مِنَ التَّكْلِيفِ، فَثَبَتَ بِهَذا البَيانِ أنَّ الَّذِي يَقُولُونَهُ مِن أنّا لَوْ أتَيْنا بِعَمَلٍ عَلى خِلافِ مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُهُ تَعالى عاجِزًا ضَعِيفًا، كَلامٌ باطِلٌ. فَهَذا أقْصى ما يُمْكِنُ أنْ يُذْكَرَ في تَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ المُعْتَمَدَ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: إنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا ومَذْهَبِنا، ونَقَلْنا في كُلِّ آيَةٍ ما يَذْكُرُونَهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ، وأجَبْنا عَنْها بِأجْوِبَةٍ واضِحَةٍ قَوِيَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ. وإذا ثَبَتَ هَذا، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ، لَوَقَعَ التَّناقُضُ الصَّرِيحُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يُوجِبُ أعْظَمَ أنْواعِ الطَّعْنِ فِيهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ القَوْمِ أنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ قالُوا لَمّا كانَ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ، كانَ التَّكْلِيفُ عَبَثًا، فَكانَتْ دَعْوى الأنْبِياءِ باطِلَةً، ونُبُوَّتُهم ورِسالَتُهم باطِلَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ التَمَسُّكَ بِهَذا الطَّرِيقِ في إبْطالِ النُّبُوَّةِ باطِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إلَهٌ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ في فِعْلِهِ، فَهو تَعالى يَشاءُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، ومَعَ هَذا فَيَبْعَثُ إلَيْهِ الأنْبِياءَ ويَأْمُرُهُ بِالإيمانِ، ووُرُودُ الأمْرِ عَلى خِلافِ الإرادَةِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. فالحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يَتَمَسَّكُونَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى في إبْطالِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ فاسِدٌ باطِلٌ، فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ المَشِيئَةِ لِلَّهِ في كُلِّ الأُمُورِ دَفْعُ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ فَقَطْ سَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِالكُلِّيَّةِ، وجَمِيعُ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها في التَّقْبِيحِ والتَّهْجِينِ عائِدٌ إلى تَمَسُّكِكم بِثُبُوتِ المَشِيئَةِ لِلَّهِ عَلى دَفْعِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، فَيَكُونُ الحاصِلُ: أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ باطِلٌ، ولَيْسَ فِيهِ البَتَّةَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالمَشِيئَةِ باطِلٌ. فَإنْ قالُوا: هَذا العُذْرُ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذْ قَرَأْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ. وأمّا إذا قَرَأْناهُ بِالتَّخْفِيفِ، فَإنَّهُ يَسْقُطُ هَذا العُذْرُ بِالكُلِّيَّةِ فَنَقُولُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنّا نَمْنَعُ صِحَّةَ هَذِهِ القِراءَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى قَوْلِهِمْ، لَوَقَعَ التَّناقُضُ، ولَخَرَجَ القُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ كَلامًا لِلَّهِ تَعالى، ويَنْدَفِعُ هَذا التَّناقُضُ بِأنْ لا تُقْبَلَ هَذِهِ القِراءَةُ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. الثّانِي: سَلَّمْنا صِحَّةَ هَذِهِ القِراءَةِ لَكِنّا نَحْمِلُها عَلى أنَّ القَوْمَ كَذَبُوا في أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ أفْعالِ العِبادِ سُقُوطُ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وبُطْلانُ دَعْوَتِهِمْ، وإذا حَمَلْناهُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَمْ يَبْقَ لِلْمُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ تَمَسُّكٌ البَتَّةَ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أعانَنا عَلى الخُرُوجِ مِن هَذِهِ العُهْدَةِ القَوِيَّةِ، ومِمّا يُقَوِّي ما ذَكَرْناهُ صفحة ١٨٧ ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَهابِ بَصَرِهِ ما تَقُولُ فِيمَن يَقُولُ: لا قَدَرَ، فَقالَ: إنْ كانَ في البَيْتِ أحَدٌ مِنهم أتَيْتُ عَلَيْهِ، ويْلَهُ ! أما يَقْرَأُ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، قالَ لَهُ اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى بِما يَكُونُ إلى قِيامِ السّاعَةِ، وقالَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ”«المُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ» “ . * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ عَطْفَ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ المَرْفُوعِ في الفِعْلِ قَبِيحٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: قُمْتُ وزَيْدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ أصْلٌ، والمَعْطُوفَ فَرْعٌ، والمُضْمَرَ ضَعِيفٌ، والمُظْهَرَ قَوِيٌّ، وجَعْلُ القَوِيِّ فَرْعًا لِلضَّعِيفِ لا يَجُوزُ. إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: إنْ جاءَ الكَلامُ في جانِبِ الإثْباتِ، وجَبَ تَأْكِيدُ الضَّمِيرِ فَنَقُولُ: قُمْتُ أنا وزَيْدٌ، وإنْ جاءَ في جانِبِ النَّفْيِ قُلْتَ: ما قُمْتُ ولا زَيْدٌ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ فَعُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿ولا آباؤُنا﴾ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا﴾ إلّا أنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَهُما كَلِمَةُ لا، فَلا جَرَمَ حَسُنَ هَذا العَطْفُ. قالَ في جامِعِ الأصْفَهانِيِّ: إنَّ حَرْفَ العَطْفِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عَنِ اللَّفْظَةِ المُؤَكِّدَةِ لِلضَّمِيرِ حَتّى يَحْسُنَ العَطْفُ ويَنْدَفِعَ المَحْذُورُ المَذْكُورُ مِن عَطْفِ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ، وهَذا المَقْصُودُ إنَّما يَحْصُلُ إذا قُلْنا: ”ما أشْرَكْنا نَحْنُ ولا آباؤُنا“ حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ ”لا“ مُقَدَّمَةً عَلى حَرْفِ العَطْفِ. أمّا هاهُنا حَرْفُ العَطْفِ مُقَدَّمٌ عَلى كَلِمَةِ ”لا“ وحِينَئِذٍ يَعُودُ المَحْذُورُ المَذْكُورُ. فالجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ ”لا“ لَمّا أُدْخِلَتْ عَلى قَوْلِهِ: ”آباؤُنا“ كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا إضْمارَ فِعْلٍ هُناكَ؛ لِأنَّ صَرْفَ النَّفْيِ إلى ذَواتِ الآباءِ مُحالٌ، بَلْ يَجِبُ صَرْفُ هَذا النَّفْيِ إلى فِعْلٍ يَصْدُرُ مِنهم، وذَلِكَ هو الإشْراكُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: ما أشْرَكْنا ولا أشْرَكَ آباؤُنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإشْكالُ زائِلٌ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى قَوْلِهِمُ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ فَكَلِمَةُ ”لَوْ“ في اللُّغَةِ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يَهْدِيَهم، وما هَداهم أيْضًا. وتَقْرِيرُهُ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، أنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ عَلى الكُفْرِ إنْ لَمْ تَكُنْ قُدْرَةً عَلى الإيمانِ، فاللَّهُ تَعالى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ما أقْدَرَهُ عَلى الإيمانِ، فَلَوْ شاءَ الإيمانَ مِنهُ، فَقَدْ شاءَ الفِعْلَ مِن غَيْرِ قُدْرَةٍ عَلى الفِعْلِ، وذَلِكَ مُحالٌ ومَشِيئَةُ المُحالِ مُحالٌ، وإنْ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ قُدْرَةً عَلى الإيمانِ تَوَقَّفَ رُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى حُصُولِ الدّاعِيَةِ المُرَجِّحَةِ. فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ فَقَدْ حَصَلَتِ الدّاعِيَةُ المُرَجِّحَةُ مَعَ القُدْرَةِ، ومَجْمُوعُهُما مُوجِبٌ لِلْفِعْلِ، فَحَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ الفِعْلُ عَلِمْنا أنَّ تِلْكَ الدّاعِيَةَ لَمْ تَحْصُلْ، وإذا لَمْ تَحْصُلِ امْتَنَعَ مِنهُ فِعْلُ الإيمانِ، وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ مِنهُ، امْتَنَعَ أنْ يُرِيدَهُ اللَّهُ مِنهُ؛ لِأنَّ إرادَةَ المُحالِ مُحالٌ مُمْتَنِعٌ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أرادَ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، والبُرْهانُ العَقْلِيُّ الَّذِي قَرَّرْناهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا، فَبَطَلَ قَوْلُهم مِن كُلِّ الوُجُوهِ، أمّا قَوْلُهُ: تُحْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ فَنَقُولُ: هَذا التَّأْوِيلُ إنَّما يَحْسُنُ المَصِيرُ إلَيْهِ لَوْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ امْتِناعُ الحَمْلِ عَلى ظاهِرِ هَذا الكَلامِ، أمّا لَوْ قامَ البُرْهانُ العَقْلِيُّ عَلى أنَّ الحَقَّ لَيْسَ إلّا ما دَلَّ صفحة ١٨٨ عَلَيْهِ هَذا الظّاهِرُ، فَكَيْفَ يُصارُ إلَيْهِ ؟ ثُمَّ نَقُولُ: هَذا الدَّلِيلُ باطِلٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، فَنَحْنُ نَقُولُ: التَّقْدِيرُ: لَوْ شاءَ الهِدايَةَ لَهَداكم، وأنْتُمْ تَقُولُونَ التَّقْدِيرُ: لَوْ شاءَ الهِدايَةَ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ لَهَداكم، فَإضْمارُكم أكْثَرُ فَكانَ قَوْلُكم مَرْجُوحًا. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنَ الكافِرِ الإيمانَ الِاخْتِيارِيَّ، والإيمانُ الحاصِلُ بِالإلْجاءِ غَيْرُ الإيمانِ الحاصِلِ بِالِاخْتِيارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ كَوْنُهُ تَعالى عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ مُرادِهِ؛ لِأنَّ مُرادَهُ هو الإيمانُ الِاخْتِيارِيُّ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ البَتَّةَ عَلى تَحْصِيلِهِ، فَكانَ القَوْلُ بِالعَجْزِ لازِمًا. الثّالِثُ: أنَّ هَذا الكَلامَ مَوْقُوفٌ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ الإيمانِ الحاصِلِ بِالِاخْتِيارِ، وبَيْنَ الإيمانِ الحاصِلِ بِالإلْجاءِ. أمّا الإيمانُ الحاصِلُ بِالِاخْتِيارِ. فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ داعِيَةٍ جازِمَةٍ، وإرادَةٍ لازِمَةٍ. فَإنَّ الدّاعِيَةَ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها حُصُولُ الفِعْلِ، إمّا أنْ تَكُونَ بِحَيْثُ يَجِبُ تَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلَيْها أوْ لا يَجِبُ. فَإنْ وجَبَ فَهي الدّاعِيَةُ الضَّرُورِيَّةُ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى بَيْنَها وبَيْنَ الدّاعِيَةِ الحاصِلَةِ بِالإلْجاءِ فَرْقٌ. وإنْ لَمْ يَجِبْ تَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلَيْها، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ تَخَلُّفُ الفِعْلِ عَنْها، فَلْنَفْرِضْ تارَةً ذَلِكَ الفِعْلَ مُتَخَلِّفًا عَنْها، وتارَةً غَيْرَ مُتَخَلِّفٍ، فامْتِيازُ أحَدِ الوَقْتَيْنِ عَنِ الآخَرِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِمُرَجِّحٍ زائِدٍ فالحاصِلُ قَبْلَ ذَلِكَ ما كانَ تَمامَ الدّاعِيَةِ، وقَدْ فَرَضْناهُ كَذَلِكَ، وهَذا خُلْفٌ، ثُمَّ عِنْدَ انْضِمامِ هَذا القَيْدِ الزّائِدِ إنْ وجَبَ الفِعْلُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الضَّرُورِيَّةِ فَرْقٌ، وإنْ لَمْ يَجِبِ افْتَقَرَ إلى قَيْدٍ زائِدٍ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ الفَرْقَ الَّذِي ذَكَرُوهُ بَيْنَ الدّاعِيَةِ الِاخْتِيارِيَّةِ وبَيْنَ الدّاعِيَةِ الضَّرُورِيَّةِ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مُعْتَبَرًا، إلّا أنَّهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ والبَحْثِ لا يَبْقى لَهُ مَحْصُولٌ.

الأنعام 6:149

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إقْدامَهم عَلى الحُكْمِ في دِينِ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، حَكى عَنْهم عُذْرَهم في كُلِّ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِيّاتِ، فَيَقُولُونَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ مِنّا أنْ لا نَكْفُرَ لَمَنَعَنا عَنْ هَذا الكُفْرِ، وحَيْثُ لَمْ يَمْنَعْنا عَنْهُ، ثَبَتَ أنَّهُ مُرِيدٌ لِذَلِكَ فَإذا أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنّا امْتَنَعَ مِنّا تَرْكُهُ فَكُنّا مَعْذُورِينَ فِيهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ زَعَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ في مَسْألَةِ إرادَةِ الكائِناتِ مِن سَبْعَةِ أوْجُهٍ: صفحة ١٨٥ فالوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ صَرِيحَ قَوْلِ المُجْبِرَةِ وهو قَوْلُهم: لَوْ شاءَ اللَّهُ مِنّا أنْ لا نُشْرِكَ لَمْ نُشْرِكْ، وإنَّما حَكى عَنْهم هَذا القَوْلَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والتَّقْبِيحِ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَذا المَذْهَبِ مَذْمُومًا باطِلًا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ”كَذَّبَ“ وفِيهِ قِراءَتانِ بِالتَّخْفِيفِ وبِالتَّثْقِيلِ. أمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ فَهي تَصْرِيحٌ بِأنَّهم قَدْ كَذَبُوا في ذَلِكَ القَوْلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي تَقُولُهُ المُجْبِرَةُ في هَذِهِ المَسْألَةِ كَذِبٌ. وأمّا القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى أنَّ القَوْمَ اسْتَوْجَبُوا الذَّمَّ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا أهْلَ المَذاهِبِ، لِأنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْهِ لَكانَ هَذا المَعْنى ضِدًّا لِمَعْنى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ”كَذَبَ“ بِالتَّخْفِيفِ، وحِينَئِذٍ تَصِيرُ إحْدى القِراءَتَيْنِ ضِدًّا لِلْقِراءَةِ الأُخْرى، وذَلِكَ يُوجِبُ دُخُولَ التَّناقُضِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ كُلَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ، فَإنَّهُ كَذَّبَهُ بِهَذا الطَّرِيقِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا الَّذِي أنا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ إنَّما حَصَلَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنهُ، فَهَذا طَرِيقٌ مُتَعَيِّنٌ لِكُلِّ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وفي دَفْعِ دَعَوْتِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ، فَإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ صارَتِ القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ مُؤَكِّدَةً لِلْقِراءَةِ بِالتَّخْفِيفِ ويَصِيرُ مَجْمُوعُ القِراءَتَيْنِ دالًّا عَلى إبْطالِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى قَوْلِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا الوَعِيدَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في ذَهابِهِمْ إلى هَذا المَذْهَبِ. المَذْهَبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ ولا شَكَّ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ ولا حُجَّةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ حَقًّا كانَ القَوْلُ بِهِ عِلْمًا. الوَجْهُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ في سائِرِ الآياتِ: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ . [النجم: ٢٨] والوَجْهُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ والخَرَصُ أقْبَحُ أنْواعِ الكَذِبِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ . [الذاريات: ١٠] والوَجْهُ السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّهُمُ احْتَجُّوا في دَفْعِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنْ قالُوا: كُلُّ ما حَصَلَ فَهو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا شاءَ اللَّهُ مِنّا ذَلِكَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُنا تَرْكُهُ ؟ وإذا كُنّا عاجِزِينَ عَنْ تَرْكِهِ، فَكَيْفَ يَأْمُرُنا بِتَرْكِهِ ؟ وهَلْ في وُسْعِنا وطاقَتِنا أنْ نَأْتِيَ بِفِعْلٍ عَلى خِلافِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ فَهَذا هو حُجَّةُ الكُفّارِ عَلى الأنْبِياءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أعْطاكم عُقُولًا كامِلَةً، وأفْهامًا وافِيَةً، وآذانًا سامِعَةً، وعُيُونًا باصِرَةً، وأقْدَرَكم عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وأزالَ الأعْذارَ والمَوانِعَ بِالكُلِّيَّةِ عَنْكم، فَإنْ شِئْتُمْ ذَهَبْتُمْ إلى عَمَلِ الخَيْراتِ، وإنْ شِئْتُمْ إلى عَمَلِ المَعاصِي والمُنْكَراتِ، وهَذِهِ القُدْرَةُ والمُكْنَةُ مَعْلُومَةُ الثُّبُوتِ بِالضَّرُورَةِ، وزَوالُ المَوانِعِ والعَوائِقِ مَعْلُومُ الثُّبُوتِ أيْضًا بِالضَّرُورَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ ادِّعاؤُكم أنَّكم عاجِزُونَ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ دَعْوى باطِلَةً، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ لَيْسَ لَكم عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بالِغَةٌ، بَلْ لِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ عَلَيْكم. صفحة ١٨٦ والوَجْهُ الثّانِي: أنَّكم تَقُولُونَ: لَوْ كانَتْ أفْعالُنا واقِعَةً عَلى خِلافِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، لَكُنّا قَدْ غَلَبْنا اللَّهَ وقَهَرْناهُ، وأتَيْنا بِالفِعْلِ عَلى مُضادَّتِهِ ومُخالَفَتِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ عاجِزًا ضَعِيفًا، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ إلَهًا. فَأجابَ تَعالى عَنْهُ: بِأنَّ العَجْزَ والضَّعْفَ إنَّما يَلْزَمُ إذا لَمْ أكُنْ قادِرًا عَلى حَمْلِهِمْ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والإلْجاءِ، وأنا قادِرٌ عَلى ذَلِكَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ إلّا أنِّي لا أحْمِلُكم عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والإلْجاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الحِكْمَةَ المَطْلُوبَةَ مِنَ التَّكْلِيفِ، فَثَبَتَ بِهَذا البَيانِ أنَّ الَّذِي يَقُولُونَهُ مِن أنّا لَوْ أتَيْنا بِعَمَلٍ عَلى خِلافِ مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُهُ تَعالى عاجِزًا ضَعِيفًا، كَلامٌ باطِلٌ. فَهَذا أقْصى ما يُمْكِنُ أنْ يُذْكَرَ في تَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ المُعْتَمَدَ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: إنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا ومَذْهَبِنا، ونَقَلْنا في كُلِّ آيَةٍ ما يَذْكُرُونَهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ، وأجَبْنا عَنْها بِأجْوِبَةٍ واضِحَةٍ قَوِيَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ. وإذا ثَبَتَ هَذا، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ، لَوَقَعَ التَّناقُضُ الصَّرِيحُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يُوجِبُ أعْظَمَ أنْواعِ الطَّعْنِ فِيهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ القَوْمِ أنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ قالُوا لَمّا كانَ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ، كانَ التَّكْلِيفُ عَبَثًا، فَكانَتْ دَعْوى الأنْبِياءِ باطِلَةً، ونُبُوَّتُهم ورِسالَتُهم باطِلَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ التَمَسُّكَ بِهَذا الطَّرِيقِ في إبْطالِ النُّبُوَّةِ باطِلٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إلَهٌ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ في فِعْلِهِ، فَهو تَعالى يَشاءُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، ومَعَ هَذا فَيَبْعَثُ إلَيْهِ الأنْبِياءَ ويَأْمُرُهُ بِالإيمانِ، ووُرُودُ الأمْرِ عَلى خِلافِ الإرادَةِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. فالحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يَتَمَسَّكُونَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى في إبْطالِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ فاسِدٌ باطِلٌ، فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ المَشِيئَةِ لِلَّهِ في كُلِّ الأُمُورِ دَفْعُ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ فَقَطْ سَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِالكُلِّيَّةِ، وجَمِيعُ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها في التَّقْبِيحِ والتَّهْجِينِ عائِدٌ إلى تَمَسُّكِكم بِثُبُوتِ المَشِيئَةِ لِلَّهِ عَلى دَفْعِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، فَيَكُونُ الحاصِلُ: أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ باطِلٌ، ولَيْسَ فِيهِ البَتَّةَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالمَشِيئَةِ باطِلٌ. فَإنْ قالُوا: هَذا العُذْرُ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذْ قَرَأْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ. وأمّا إذا قَرَأْناهُ بِالتَّخْفِيفِ، فَإنَّهُ يَسْقُطُ هَذا العُذْرُ بِالكُلِّيَّةِ فَنَقُولُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنّا نَمْنَعُ صِحَّةَ هَذِهِ القِراءَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى قَوْلِهِمْ، لَوَقَعَ التَّناقُضُ، ولَخَرَجَ القُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ كَلامًا لِلَّهِ تَعالى، ويَنْدَفِعُ هَذا التَّناقُضُ بِأنْ لا تُقْبَلَ هَذِهِ القِراءَةُ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. الثّانِي: سَلَّمْنا صِحَّةَ هَذِهِ القِراءَةِ لَكِنّا نَحْمِلُها عَلى أنَّ القَوْمَ كَذَبُوا في أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ أفْعالِ العِبادِ سُقُوطُ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وبُطْلانُ دَعْوَتِهِمْ، وإذا حَمَلْناهُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَمْ يَبْقَ لِلْمُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ تَمَسُّكٌ البَتَّةَ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أعانَنا عَلى الخُرُوجِ مِن هَذِهِ العُهْدَةِ القَوِيَّةِ، ومِمّا يُقَوِّي ما ذَكَرْناهُ صفحة ١٨٧ ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَهابِ بَصَرِهِ ما تَقُولُ فِيمَن يَقُولُ: لا قَدَرَ، فَقالَ: إنْ كانَ في البَيْتِ أحَدٌ مِنهم أتَيْتُ عَلَيْهِ، ويْلَهُ ! أما يَقْرَأُ ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، قالَ لَهُ اكْتُبِ القَدَرَ، فَجَرى بِما يَكُونُ إلى قِيامِ السّاعَةِ، وقالَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ”«المُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ» “ . * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ عَطْفَ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ المَرْفُوعِ في الفِعْلِ قَبِيحٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: قُمْتُ وزَيْدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ أصْلٌ، والمَعْطُوفَ فَرْعٌ، والمُضْمَرَ ضَعِيفٌ، والمُظْهَرَ قَوِيٌّ، وجَعْلُ القَوِيِّ فَرْعًا لِلضَّعِيفِ لا يَجُوزُ. إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: إنْ جاءَ الكَلامُ في جانِبِ الإثْباتِ، وجَبَ تَأْكِيدُ الضَّمِيرِ فَنَقُولُ: قُمْتُ أنا وزَيْدٌ، وإنْ جاءَ في جانِبِ النَّفْيِ قُلْتَ: ما قُمْتُ ولا زَيْدٌ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ فَعُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿ولا آباؤُنا﴾ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْرَكْنا﴾ إلّا أنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَهُما كَلِمَةُ لا، فَلا جَرَمَ حَسُنَ هَذا العَطْفُ. قالَ في جامِعِ الأصْفَهانِيِّ: إنَّ حَرْفَ العَطْفِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عَنِ اللَّفْظَةِ المُؤَكِّدَةِ لِلضَّمِيرِ حَتّى يَحْسُنَ العَطْفُ ويَنْدَفِعَ المَحْذُورُ المَذْكُورُ مِن عَطْفِ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ، وهَذا المَقْصُودُ إنَّما يَحْصُلُ إذا قُلْنا: ”ما أشْرَكْنا نَحْنُ ولا آباؤُنا“ حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ ”لا“ مُقَدَّمَةً عَلى حَرْفِ العَطْفِ. أمّا هاهُنا حَرْفُ العَطْفِ مُقَدَّمٌ عَلى كَلِمَةِ ”لا“ وحِينَئِذٍ يَعُودُ المَحْذُورُ المَذْكُورُ. فالجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ ”لا“ لَمّا أُدْخِلَتْ عَلى قَوْلِهِ: ”آباؤُنا“ كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا إضْمارَ فِعْلٍ هُناكَ؛ لِأنَّ صَرْفَ النَّفْيِ إلى ذَواتِ الآباءِ مُحالٌ، بَلْ يَجِبُ صَرْفُ هَذا النَّفْيِ إلى فِعْلٍ يَصْدُرُ مِنهم، وذَلِكَ هو الإشْراكُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: ما أشْرَكْنا ولا أشْرَكَ آباؤُنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإشْكالُ زائِلٌ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى قَوْلِهِمُ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ فَكَلِمَةُ ”لَوْ“ في اللُّغَةِ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يَهْدِيَهم، وما هَداهم أيْضًا. وتَقْرِيرُهُ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، أنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ عَلى الكُفْرِ إنْ لَمْ تَكُنْ قُدْرَةً عَلى الإيمانِ، فاللَّهُ تَعالى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ما أقْدَرَهُ عَلى الإيمانِ، فَلَوْ شاءَ الإيمانَ مِنهُ، فَقَدْ شاءَ الفِعْلَ مِن غَيْرِ قُدْرَةٍ عَلى الفِعْلِ، وذَلِكَ مُحالٌ ومَشِيئَةُ المُحالِ مُحالٌ، وإنْ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ قُدْرَةً عَلى الإيمانِ تَوَقَّفَ رُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى حُصُولِ الدّاعِيَةِ المُرَجِّحَةِ. فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ فَقَدْ حَصَلَتِ الدّاعِيَةُ المُرَجِّحَةُ مَعَ القُدْرَةِ، ومَجْمُوعُهُما مُوجِبٌ لِلْفِعْلِ، فَحَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ الفِعْلُ عَلِمْنا أنَّ تِلْكَ الدّاعِيَةَ لَمْ تَحْصُلْ، وإذا لَمْ تَحْصُلِ امْتَنَعَ مِنهُ فِعْلُ الإيمانِ، وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ مِنهُ، امْتَنَعَ أنْ يُرِيدَهُ اللَّهُ مِنهُ؛ لِأنَّ إرادَةَ المُحالِ مُحالٌ مُمْتَنِعٌ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أرادَ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، والبُرْهانُ العَقْلِيُّ الَّذِي قَرَّرْناهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا، فَبَطَلَ قَوْلُهم مِن كُلِّ الوُجُوهِ، أمّا قَوْلُهُ: تُحْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ فَنَقُولُ: هَذا التَّأْوِيلُ إنَّما يَحْسُنُ المَصِيرُ إلَيْهِ لَوْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ امْتِناعُ الحَمْلِ عَلى ظاهِرِ هَذا الكَلامِ، أمّا لَوْ قامَ البُرْهانُ العَقْلِيُّ عَلى أنَّ الحَقَّ لَيْسَ إلّا ما دَلَّ صفحة ١٨٨ عَلَيْهِ هَذا الظّاهِرُ، فَكَيْفَ يُصارُ إلَيْهِ ؟ ثُمَّ نَقُولُ: هَذا الدَّلِيلُ باطِلٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، فَنَحْنُ نَقُولُ: التَّقْدِيرُ: لَوْ شاءَ الهِدايَةَ لَهَداكم، وأنْتُمْ تَقُولُونَ التَّقْدِيرُ: لَوْ شاءَ الهِدايَةَ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ لَهَداكم، فَإضْمارُكم أكْثَرُ فَكانَ قَوْلُكم مَرْجُوحًا. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنَ الكافِرِ الإيمانَ الِاخْتِيارِيَّ، والإيمانُ الحاصِلُ بِالإلْجاءِ غَيْرُ الإيمانِ الحاصِلِ بِالِاخْتِيارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ كَوْنُهُ تَعالى عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ مُرادِهِ؛ لِأنَّ مُرادَهُ هو الإيمانُ الِاخْتِيارِيُّ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ البَتَّةَ عَلى تَحْصِيلِهِ، فَكانَ القَوْلُ بِالعَجْزِ لازِمًا. الثّالِثُ: أنَّ هَذا الكَلامَ مَوْقُوفٌ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ الإيمانِ الحاصِلِ بِالِاخْتِيارِ، وبَيْنَ الإيمانِ الحاصِلِ بِالإلْجاءِ. أمّا الإيمانُ الحاصِلُ بِالِاخْتِيارِ. فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ داعِيَةٍ جازِمَةٍ، وإرادَةٍ لازِمَةٍ. فَإنَّ الدّاعِيَةَ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها حُصُولُ الفِعْلِ، إمّا أنْ تَكُونَ بِحَيْثُ يَجِبُ تَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلَيْها أوْ لا يَجِبُ. فَإنْ وجَبَ فَهي الدّاعِيَةُ الضَّرُورِيَّةُ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى بَيْنَها وبَيْنَ الدّاعِيَةِ الحاصِلَةِ بِالإلْجاءِ فَرْقٌ. وإنْ لَمْ يَجِبْ تَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلَيْها، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ تَخَلُّفُ الفِعْلِ عَنْها، فَلْنَفْرِضْ تارَةً ذَلِكَ الفِعْلَ مُتَخَلِّفًا عَنْها، وتارَةً غَيْرَ مُتَخَلِّفٍ، فامْتِيازُ أحَدِ الوَقْتَيْنِ عَنِ الآخَرِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِمُرَجِّحٍ زائِدٍ فالحاصِلُ قَبْلَ ذَلِكَ ما كانَ تَمامَ الدّاعِيَةِ، وقَدْ فَرَضْناهُ كَذَلِكَ، وهَذا خُلْفٌ، ثُمَّ عِنْدَ انْضِمامِ هَذا القَيْدِ الزّائِدِ إنْ وجَبَ الفِعْلُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الضَّرُورِيَّةِ فَرْقٌ، وإنْ لَمْ يَجِبِ افْتَقَرَ إلى قَيْدٍ زائِدٍ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ الفَرْقَ الَّذِي ذَكَرُوهُ بَيْنَ الدّاعِيَةِ الِاخْتِيارِيَّةِ وبَيْنَ الدّاعِيَةِ الضَّرُورِيَّةِ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مُعْتَبَرًا، إلّا أنَّهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ والبَحْثِ لا يَبْقى لَهُ مَحْصُولٌ.

الأنعام 6:150

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أبْطَلَ عَلى الكُفّارِ جَمِيعَ أنْواعِ حُجَجِهِمْ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم عَلى قَوْلِهِمْ شُهُودٌ البَتَّةَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ”هَلُمَّ“ كَلِمَةُ دَعْوَةٍ إلى الشَّيْءِ، والمَعْنى: هاتُوا شُهَداءَكم، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والِاثْنانِ والجَمْعُ، والذَّكَرُ والأُنْثى. قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ وقالَ: ﴿والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحْزابِ: ١٨ ] واللُّغَةُ الثّانِيَةُ يُقالُ لِلِاثْنَيْنِ: هَلُمّا، ولِلْجَمْعِ: هَلُمُّوا، ولِلْمَرْأةِ: هَلُمِّي، ولِلِاثْنَيْنِ: هَلُمّا، ولِلْجَمْعِ: هَلُمَّمْنَ. والأوَّلُ أفْصَحُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في أصْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ قَوْلانِ: قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ إنَّها ”ها“ ضُمَّتْ إلَيْها ”لُمَّ“ أيْ جَمِّعْ، وتَكُونُ بِمَعْنى؛ ادْنُ. يُقالُ: لِفُلانٍ لَمَّةٌ، أيْ دُنُوٌّ، ثُمَّ جُعِلَتا كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، والفائِدَةُ في قَوْلِنا: ”ها“ اسْتِعْطافُ المَأْمُورِ واسْتِدْعاءُ إقْبالِهِ عَلى الأمْرِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حُذِفَ عَنْهُ الألِفُ عَلى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ. كَقَوْلِكَ: لَمْ أُبْلَ، ولَمْ أرَ، ولَمْ تَكُ، وقالَ الفَرّاءُ: أصْلُها ”هَلْ، أُمَّ“ أرادُوا ”بِهَلْ“ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ. صفحة ١٨٩ وبِقَوْلِنا: ”أُمَّ“ أيْ اقْصِدْ ؟ والتَّقْدِيرُ: هَلْ قَصَدَ ؟ والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الأمْرُ بِالقَصْدِ، كَأنَّكَ تَقُولُ: اقْصِدْ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: كانَ الأصْلُ أنْ قالُوا: هَلْ لَكَ في الطَّعامِ، أمٌّ أيْ قَصْدٌ ؟ ثُمَّ شاعَ في الكُلِّ كَما أنَّ كَلِمَةَ ”تَعالى“ كانَتْ مَخْصُوصَةً بِصُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ عَمَّتْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى نَبَّهَ بِاسْتِدْعاءِ إقامَةِ الشُّهَداءِ مِنَ الكافِرِينَ لِيُظْهِرَ أنْ لا شاهِدَ لَهم عَلى تَحْرِيمِ ما حَرَّمُوهُ، ومَعْنى ”هَلُمَّ“ أحْضِرُوا شُهَداءَكم. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنْ وقَعَتْ مِنهم تِلْكَ الشَّهادَةُ فَعَنِ اتِّباعِ الهَوى، فَأمَرَ نَبِيَّهُ أنْ لا يَتَّبِعَ أهْواءَهم، ثُمَّ زادَ في تَقْبِيحِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وكانُوا مِمَّنْ يُنْكِرُونَ البَعْثَ والنُّشُورَ، وزادَ في تَقْبِيحِهِمْ بِأنَّهم يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ فَيَجْعَلُونَ لَهُ شُرَكاءَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الأنعام 6:151

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ ما يَقُولُ الكُفّارُ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْنا كَذا وكَذا، أرْدَفَهُ تَعالى بِبَيانِ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمَها عَلَيْهِمْ، وهي الأشْياءُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَعالَ“ مِنَ الخاصِّ الَّذِي صارَ عامًّا، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَهُ مَن كانَ في مَكانٍ لِمَن هو أسْفَلُ مِنهُ، ثُمَّ كَثُرَ وعَمَّ، وما في قَوْلِهِ: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ مَنصُوبٌ، وفي ناصِبِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ”أتْلُ“ والتَّقْدِيرُ: أتْلُ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَيْكم. والثّانِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِحَرَّمَ، والتَّقْدِيرُ: أتْلُ الأشْياءَ الَّتِي حَرَّمَ عَلَيْكم. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ كالتَّفْصِيلِ لِما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ والإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ واجِبٌ، لا مُحَرَّمٌ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ التَّحْرِيمِ أنْ يَجْعَلَ لَهُ حَرِيمًا مُعَيَّنًا، وذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَهُ بَيانًا مَضْبُوطًا مُعَيَّنًا، فَقَوْلُهُ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ مَعْناهُ: أتْلُ عَلَيْكم ما بَيَّنَهُ بَيانًا شافِيًا بِحَيْثُ يَجْعَلُ لَهُ حَرِيمًا صفحة ١٩٠ مُعَيَّنًا، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ، والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ وانْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا﴾ كَما يُقالُ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ، أوْ أنَّ الكَلامَ تَمَّ وانْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ بِمَعْنى لِئَلّا تُشْرِكُوا، والتَّقْدِيرُ: أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم لِئَلّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا﴾ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى: أيْ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم، أيْ لا تُشْرِكُوا، أيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ هو قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . فَإنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الإحْسانُ بِالوالِدَيْنِ حَرامًا، وهو باطِلٌ. قُلْنا: لَمّا أوْجَبَ الإحْسانَ إلَيْهِما، فَقَدْ حَرَّمَ الإساءَةَ إلَيْهِما. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورًا خَمْسَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَدْ شَرَحَ فِرَقَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ طائِفَةً مِنَ المُشْرِكِينَ يَجْعَلُونَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] . والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةُ الكَواكِبِ، وهُمُ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم، أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْطَلَ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ . والطّائِفَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وهُمُ القائِلُونَ بِيَزْدانَ وأهْرِمَن. والطّائِفَةُ الرّابِعَةُ: الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ بَنِينَ وبَناتٍ، وأقامَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ أقْوالِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ والفِرَقِ، فَلَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ فَسادَ قَوْلِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ. قالَ هاهُنا: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أوْجَبَها هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وإنَّما ثَنّى بِهَذا التَّكْلِيفِ؛ لِأنَّ أعْظَمَ أنْواعِ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى، ويَتْلُوها نِعْمَةُ الوالِدَيْنِ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ في وُجُودِ الإنْسانِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وفي الظّاهِرِ هو الأبَوانِ، ثُمَّ نِعَمُهُما عَلى الإنْسانِ عَظِيمَةٌ وهي نِعْمَةُ التَّرْبِيَةِ والشَّفَقَةِ والحِفْظِ عَنِ الضَّياعِ والهَلاكِ في وقْتِ الصِّغَرِ. النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ فَأوْجَبَ بَعْدَ رِعايَةِ حُقُوقِ الأبَوَيْنِ رِعايَةَ حُقُوقِ الأوْلادِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ أيْ مِن خَوْفِ الفَقْرِ وقَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الخَوْفِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] والمُرادُ مِنهُ النَّهْيُ عَنِ الوَأْدِ، إذْ كانُوا يَدْفِنُونَ البَناتِ أحْياءً، بَعْضُهم لِلْغَيْرَةِ، وبَعْضُهم خَوْفَ الفَقْرِ، وهو السَّبَبُ الغالِبُ، فَبَيَّنَ تَعالى فَسادَ هَذِهِ العِلَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا كانَ مُتَكَفِّلًا بِرِزْقِ الوالِدِ والوَلَدِ، فَكَما وجَبَ عَلى الوالِدَيْنِ تَبْقِيَةُ النَّفْسِ والِاتِّكالُ في رِزْقِها عَلى اللَّهِ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في حالِ الوَلَدِ، قالَ شِمْرٌ: أمْلَقَ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ. يُقالُ: أمْلَقَ الرَّجُلُ، فَهو مُمْلِقٌ، إذا افْتَقَرَ، فَهَذا لازِمٌ، وأمْلَقَ الدَّهْرُ ما عِنْدَهُ، إذا أفْسَدَهُ، والإمْلاقُ الفَسادُ. صفحة ١٩١ والنَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَكْرَهُونَ الزِّنا عَلانِيَةً، ويَفْعَلُونَ ذَلِكَ سِرًّا، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنِ الزِّنا عَلانِيَةً وسِرًّا، والأوْلى أنْ لا يُخَصَّصَ هَذا النَّهْيُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَجْرِي عَلى عُمُومِهِ في جَمِيعِ الفَواحِشِ ظاهِرِها وباطِنِها لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ. والمَعْنى المُوجِبُ لِهَذا النَّهْيِ وهو كَوْنُهُ فاحِشَةً عامٌّ أيْضًا ومَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ والمَعْنى يَكُونُ التَّخْصِيصُ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ دَقِيقَةٌ، وهي: أنَّ الإنْسانَ إذا احْتَرَزَ عَنِ المَعْصِيَةِ في الظّاهِرِ ولَمْ يَحْتَرِزْ عَنْها في الباطِنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ احْتِرازَهُ عَنْها لَيْسَ لِأجْلِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، ولَكِنْ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن مَذَمَّةِ النّاسِ، وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ مَن كانَ مَذَمَّةُ النّاسِ عِنْدَهُ أعْظَمَ وقْعًا مِن عِقابِ اللَّهِ ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ يُخْشى عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ومَن تَرَكَ المَعْصِيَةَ ظاهِرًا وباطِنًا، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما تَرَكَها تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وخَوْفًا مِن عَذابِهِ ورَغْبَةً في عُبُودِيَّتِهِ. والنَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا داخِلٌ في جُمْلَةِ الفَواحِشِ إلّا أنَّهُ تَعالى أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِفائِدَتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّ الإفْرادَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ والثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يَسْتَثْنِيَ مِنهُ، ولا يَتَأتّى هَذا الِاسْتِثْناءُ في جُمْلَةِ الفَواحِشِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ قَتْلُ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ قَدْ يَكُونُ حَقًّا لِجُرْمٍ يَصْدُرُ مِنها. والحَدِيثُ أيْضًا مُوافِقٌ لَهُ وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ، وقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» “ والقُرْآنُ دَلَّ عَلى سَبَبٍ رابِعٍ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] . والحاصِلُ: أنَّ الأصْلَ في قَتْلِ النَّفْسِ هو الحُرْمَةُ وحِلُّهُ لا يَثْبُتُ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ هَذِهِ الأقْسامِ الخَمْسَةِ أتْبَعَهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُقَرِّبُ إلى القَلْبِ القَبُولَ، فَقالَ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ لِما في هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ اللُّطْفِ والرَّأْفَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِيَكُونَ المُكَلَّفُ أقْرَبَ إلى القَبُولِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَعْقِلُوا فَوائِدَ هَذِهِ التَّكالِيفِ، ومَنافِعَها في الدِّينِ والدُّنْيا. * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ صفحة ١٩٢ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ، وهي أُمُورٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ لا حاجَةَ فِيها إلى الفِكْرِ والِاجْتِهادِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ، وهي أُمُورٌ خَفِيَّةٌ يَحْتاجُ المَرْءُ العاقِلُ في مَعْرِفَتِهِ بِمِقْدارِها إلى التَّفَكُّرِ، والتَّأمُّلِ والِاجْتِهادِ. فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ والمَعْنى: ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِأنْ يَسْعى في تَنْمِيَتِهِ وتَحْصِيلِ الرِّبْحِ بِهِ ورِعايَةِ وُجُوهِ الغِبْطَةِ لَهُ، ثُمَّ إنْ كانَ القَيِّمُ فَقِيرًا مُحْتاجًا أخَذَ بِالمَعْرُوفِ، وإنْ كانَ غَنِيًّا فاحْتَرَزَ عَنْهُ كانَ أوْلى فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مَعْناهُ كَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ فالمَعْنى احْفَظُوا مالَهُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ، فَإذا بَلَغَ أشُدَّهُ فادْفَعُوا إلَيْهِ مالَهُ. وأمّا مَعْنى الأشُدِّ وتَفْسِيرُهُ: قالَ اللَّيْثُ: الأشُدُّ مَبْلَغُ الرَّجُلِ الحِكْمَةَ والمَعْرِفَةَ. قالَ الفَرّاءُ: الأشُدُّ. واحِدُها شَدٌّ؛ في القِياسِ، ولَمْ أسْمَعْ لَها بِواحِدٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: واحِدَةُ الأشُدِّ شِدَّةٌ كَما أنَّ واحِدَةَ الأنْعُمِ نِعْمَةٌ، والشِّدَّةُ: القُوَّةُ والجَلادَةُ، والشَّدِيدُ الرَّجُلُ القَوِيُّ، وفَسَّرُوا بُلُوغَ الأشُدِّ في هَذِهِ الآيَةِ بِالِاحْتِلامِ بِشَرْطِ أنْ يُؤْنَسَ مِنهُ الرُّشْدُ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في هَذا الفَصْلِ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ. والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَلَغَ تَمامَ الكَمالِ، فَقَدْ وفى وتَمَّ. يُقالُ: دِرْهَمٌ وافٍ، وكَيْلٌ وافٍ، وأوْفَيْتُهُ حَقَّهُ، ووَفَّيْتُهُ إذا أتْمَمْتَهُ، وأوْفى الكَيْلَ إذا أتَمَّهُ ولَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْئًا وقَوْلُهُ: (والمِيزانَ) أيِ الوَزْنَ بِالمِيزانِ وقَوْلُهُ: (بِالقِسْطِ) أيْ بِالعَدْلِ لا بَخْسَ ولا نُقْصانَ. فَإنْ قِيلَ: إيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ، هو عَيْنُ القِسْطِ، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟ قُلْنا: أمَرَ اللَّهُ المُعْطِيَ بِإيفاءِ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ مِن غَيْرِ نُقْصانِهِ، وأمَرَ صاحِبَ الحَقِّ بِأخْذِ حَقِّهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ الزِّيادَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ يَجُوزُ أنْ يَتَوَهَّمَ الإنْسانُ أنَّهُ يَجِبُ عَلى التَّحْقِيقِ وذَلِكَ صَعْبٌ شَدِيدٌ في العَدْلِ أتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِما يُزِيلُ هَذا التَّشْدِيدَ فَقالَ: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ أيِ الواجِبُ في إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ هَذا القَدْرُ المُمْكِنُ في إبْقاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ. أمّا التَّحْقِيقُ فَغَيْرُ واجِبٍ. قالَ القاضِي: إذا كانَ تَعالى قَدْ خَفَّفَ عَلى المُكَلَّفِ هَذا التَّخْفِيفَ مَعَ أنَّ ما هو التَّضْيِيقُ مَقْدُورٌ لَهُ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ تَعالى يُكَلِّفُ الكافِرَ الإيمانَ مَعَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ ؟ بَلْ قالُوا: يَخْلُقُ الكُفْرَ فِيهِ، ويُرِيدُهُ مِنهُ، ويَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ، ويَخْلُقُ فِيهِ القُدْرَةَ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ الكُفْرِ، والدّاعِيَةَ المُوجِبَةَ لَهُ، ثُمَّ يَنْهاهُ عَنْهُ فَهو تَعالى لَمّا لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ التَّشْدِيدِ والتَّضْيِيقِ عَلى العَبْدِ، وهو إيفاءُ الكَيْلِ والوَزْنِ عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ، فَكَيْفَ يُجَوِّزُ أنْ يُضِيفَ عَلى العَبْدِ مِثْلَ هَذا التَّضْيِيقِ والتَّشْدِيدِ ؟ واعْلَمْ أنّا نُعارِضُ القاضِيَ وشُيُوخَهُ في هَذا المَوْضِعِ بِمَسْألَةِ العِلْمِ ومَسْألَةِ الدّاعِي، وحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ ولا يَبْقى لِهَذا الكَلامِ رُواءٌ ولا رَوْنَقٌ. صفحة ١٩٣ النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا أيْضًا مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ الَّتِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى فِيها أداءَ الأمانَةِ، والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوهُ عَلى أداءِ الشَّهادَةِ فَقَطْ، والأمْرِ والنَّهْيِ فَقَطْ، قالَ القاضِي: ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَّصِلُ بِالقَوْلِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَقُولُ المَرْءُ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ وتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ؛ بِأنْ يَذْكُرَ الدَّلِيلَ مُلَخَّصًا عَنِ الحَشْوِ والزِّيادَةِ بِألْفاظٍ مَفْهُومَةٍ مُعْتادَةٍ، قَرِيبَةٍ مِنَ الأفْهامِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ واقِعًا عَلى وجْهِ العَدْلِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ في الإيذاءِ والإيحاشِ، ونُقْصانٍ عَنِ القَدْرِ الواجِبِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الحِكاياتُ الَّتِي يَذْكُرُها الرَّجُلُ حَتّى لا يَزِيدَ فِيها ولا يَنْقُصَ عَنْها، ومِن جُمْلَتِها تَبْلِيغُ الرِّسالاتِ عَنِ النّاسِ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يُؤَدِّيَها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ حُكْمُ الحاكِمِ بِالقَوْلِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُسَوّى فِيهِ بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنهُ طَلَبَ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ بِالقَرِيبِ والبَعِيدِ. والنَّوْعُ الرّابِعُ: مِن هَذِهِ التَّكالِيفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ وهَذا مِن خَفِيّاتِ الأُمُورِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَحْلِفُ مَعَ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الحَلِفُ خَفِيًّا، ويَكُونُ بِرُّهُ وحِنْثُهُ أيْضًا خَفِيًّا، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ قالَ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: فَما السَّبَبُ في أنْ جَعَلَ خاتِمَةَ الآيَةِ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وخاتِمَةَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ التَّكالِيفَ الخَمْسَةَ المَذْكُورَةَ في الأُولى أُمُورٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، فَوَجَبَ تَعَقُّلُها وتَفَهُّمُها وأمّا التَّكالِيفُ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ فَأُمُورٌ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ، لا بُدَّ فِيها مِنَ الِاجْتِهادِ والفِكْرِ حَتّى يَقِفَ عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِدالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (تَذَكَّرُونَ) بِالتَّخْفِيفِ والباقُونَ (تَذَّكَّرُونَ) بِتَشْدِيدِ الذّالِ في كُلِّ القُرْآنِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. * * * صفحة ٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (وأنْ هَذا) بِفَتْحِ الألِفِ وسُكُونِ النُّونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وإنَّ) بِكَسْرِ الألِفِ وتَشْدِيدِ النُّونِ، أمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فَأصْلُها (وإنَّهُ هَذا صِراطِي) والهاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ والحَدِيثِ، وعَلى هَذا الشَّرْطِ تُخَفَّفُ. قالَ الأعْشى: فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ أيْ: قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ هالِكٌ، وأمّا كَسْرُ (إنَّ) فالتَّقْدِيرُ (أتْلُ ما حَرَّمَ) وأتْلُ أنَّ هَذا صِراطِي بِمَعْنى أقُولُ، وقِيلَ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وأمّا فَتْحُ أنَّ، فَقالَ الفَرّاءُ: فَتْحُ (أنَّ) مِن وُقُوعِ أتْلُ عَلَيْها يَعْنِي وأتْلُ عَلَيْكم (أنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا) قالَ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها خَفْضًا، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكم وصّاكم بِهِ وبِأنَّ هَذا صِراطِي. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ (أنَّ) فَقِياسُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ حَمَلَها عَلى قَوْلِهِ: (فاتَّبِعُوهُ)، والتَّقْدِيرُ: لِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٢] وقالَ سِيبَوَيْهِ: لِأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٨] والمَعْنى: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القُرّاءُ أجْمَعُوا عَلى سُكُونِ الياءِ مِن (صِراطِي) غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ فَإنَّهُ فَتَحَها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (سِراطِي) بِالسِّينِ، وحَمْزَةُ بَيْنَ الصّادِ والزّايِ، والباقُونَ بِالصّادِّ صافِيَةً، وكُلُّها لُغاتٌ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ الأعْمَشُ (وهَذا صِراطِي) وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وهَذا صِراطُ رَبِّكم) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (وهَذا صِراطُ رَبِّكَ) . صفحة ٤ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ ما وصّى بِهِ أجْمَلَ في آخِرِهِ إجْمالًا يَقْتَضِي دُخُولَ ما تَقَدَّمَ فِيهِ، ودُخُولَ سائِرِ الشَّرِيعَةِ فِيهِ فَقالَ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ ما بَيَّنَهُ الرَّسُولُ -ﷺ- مِن دِينِ الإسْلامِ وهو المَنهَجُ القَوِيمُ والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، فاتَّبِعُوا جُمْلَتَهُ وتَفْصِيلَهُ ولا تَعْدِلُوا عَنْهُ فَتَقَعُوا في الضَّلالاتِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ خَطَّ خَطًّا، ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ الرُّشْدِ، ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ خُطُوطًا، ثُمَّ قالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ؟ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ»﴾، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآياتُ مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ، مَن عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النّارَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما كانَ حَقًّا فَهو واحِدٌ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ ما كانَ واحِدًا فَهو حَقٌّ، فَإذا كانَ الحَقُّ واحِدًا كانَ كُلُّ ما سِواهُ باطِلًا، وما سِوى الحَقِّ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، فَيَجِبُ الحُكْمُ بِأنَّ كُلَّ كَثِيرٍ باطِلٌ، ولَكِنْ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ باطِلٍ كَثِيرًا بِعَيْنِ ما قَرَّرْناهُ في القَضِيَّةِ الأُولى.

الأنعام 6:152

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ ما يَقُولُ الكُفّارُ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْنا كَذا وكَذا، أرْدَفَهُ تَعالى بِبَيانِ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمَها عَلَيْهِمْ، وهي الأشْياءُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَعالَ“ مِنَ الخاصِّ الَّذِي صارَ عامًّا، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَهُ مَن كانَ في مَكانٍ لِمَن هو أسْفَلُ مِنهُ، ثُمَّ كَثُرَ وعَمَّ، وما في قَوْلِهِ: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ مَنصُوبٌ، وفي ناصِبِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ”أتْلُ“ والتَّقْدِيرُ: أتْلُ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَيْكم. والثّانِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِحَرَّمَ، والتَّقْدِيرُ: أتْلُ الأشْياءَ الَّتِي حَرَّمَ عَلَيْكم. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ كالتَّفْصِيلِ لِما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ والإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ واجِبٌ، لا مُحَرَّمٌ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ التَّحْرِيمِ أنْ يَجْعَلَ لَهُ حَرِيمًا مُعَيَّنًا، وذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَهُ بَيانًا مَضْبُوطًا مُعَيَّنًا، فَقَوْلُهُ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ مَعْناهُ: أتْلُ عَلَيْكم ما بَيَّنَهُ بَيانًا شافِيًا بِحَيْثُ يَجْعَلُ لَهُ حَرِيمًا صفحة ١٩٠ مُعَيَّنًا، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ، والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ وانْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا﴾ كَما يُقالُ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ، أوْ أنَّ الكَلامَ تَمَّ وانْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ بِمَعْنى لِئَلّا تُشْرِكُوا، والتَّقْدِيرُ: أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم لِئَلّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا﴾ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى: أيْ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم، أيْ لا تُشْرِكُوا، أيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ هو قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . فَإنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الإحْسانُ بِالوالِدَيْنِ حَرامًا، وهو باطِلٌ. قُلْنا: لَمّا أوْجَبَ الإحْسانَ إلَيْهِما، فَقَدْ حَرَّمَ الإساءَةَ إلَيْهِما. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورًا خَمْسَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَدْ شَرَحَ فِرَقَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ طائِفَةً مِنَ المُشْرِكِينَ يَجْعَلُونَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] . والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةُ الكَواكِبِ، وهُمُ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم، أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْطَلَ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ . والطّائِفَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وهُمُ القائِلُونَ بِيَزْدانَ وأهْرِمَن. والطّائِفَةُ الرّابِعَةُ: الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ بَنِينَ وبَناتٍ، وأقامَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ أقْوالِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ والفِرَقِ، فَلَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ فَسادَ قَوْلِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ. قالَ هاهُنا: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أوْجَبَها هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وإنَّما ثَنّى بِهَذا التَّكْلِيفِ؛ لِأنَّ أعْظَمَ أنْواعِ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى، ويَتْلُوها نِعْمَةُ الوالِدَيْنِ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ في وُجُودِ الإنْسانِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وفي الظّاهِرِ هو الأبَوانِ، ثُمَّ نِعَمُهُما عَلى الإنْسانِ عَظِيمَةٌ وهي نِعْمَةُ التَّرْبِيَةِ والشَّفَقَةِ والحِفْظِ عَنِ الضَّياعِ والهَلاكِ في وقْتِ الصِّغَرِ. النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ فَأوْجَبَ بَعْدَ رِعايَةِ حُقُوقِ الأبَوَيْنِ رِعايَةَ حُقُوقِ الأوْلادِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ أيْ مِن خَوْفِ الفَقْرِ وقَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الخَوْفِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] والمُرادُ مِنهُ النَّهْيُ عَنِ الوَأْدِ، إذْ كانُوا يَدْفِنُونَ البَناتِ أحْياءً، بَعْضُهم لِلْغَيْرَةِ، وبَعْضُهم خَوْفَ الفَقْرِ، وهو السَّبَبُ الغالِبُ، فَبَيَّنَ تَعالى فَسادَ هَذِهِ العِلَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا كانَ مُتَكَفِّلًا بِرِزْقِ الوالِدِ والوَلَدِ، فَكَما وجَبَ عَلى الوالِدَيْنِ تَبْقِيَةُ النَّفْسِ والِاتِّكالُ في رِزْقِها عَلى اللَّهِ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في حالِ الوَلَدِ، قالَ شِمْرٌ: أمْلَقَ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ. يُقالُ: أمْلَقَ الرَّجُلُ، فَهو مُمْلِقٌ، إذا افْتَقَرَ، فَهَذا لازِمٌ، وأمْلَقَ الدَّهْرُ ما عِنْدَهُ، إذا أفْسَدَهُ، والإمْلاقُ الفَسادُ. صفحة ١٩١ والنَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَكْرَهُونَ الزِّنا عَلانِيَةً، ويَفْعَلُونَ ذَلِكَ سِرًّا، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنِ الزِّنا عَلانِيَةً وسِرًّا، والأوْلى أنْ لا يُخَصَّصَ هَذا النَّهْيُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَجْرِي عَلى عُمُومِهِ في جَمِيعِ الفَواحِشِ ظاهِرِها وباطِنِها لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ. والمَعْنى المُوجِبُ لِهَذا النَّهْيِ وهو كَوْنُهُ فاحِشَةً عامٌّ أيْضًا ومَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ والمَعْنى يَكُونُ التَّخْصِيصُ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ دَقِيقَةٌ، وهي: أنَّ الإنْسانَ إذا احْتَرَزَ عَنِ المَعْصِيَةِ في الظّاهِرِ ولَمْ يَحْتَرِزْ عَنْها في الباطِنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ احْتِرازَهُ عَنْها لَيْسَ لِأجْلِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، ولَكِنْ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن مَذَمَّةِ النّاسِ، وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ مَن كانَ مَذَمَّةُ النّاسِ عِنْدَهُ أعْظَمَ وقْعًا مِن عِقابِ اللَّهِ ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ يُخْشى عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ومَن تَرَكَ المَعْصِيَةَ ظاهِرًا وباطِنًا، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما تَرَكَها تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وخَوْفًا مِن عَذابِهِ ورَغْبَةً في عُبُودِيَّتِهِ. والنَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا داخِلٌ في جُمْلَةِ الفَواحِشِ إلّا أنَّهُ تَعالى أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِفائِدَتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّ الإفْرادَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ والثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يَسْتَثْنِيَ مِنهُ، ولا يَتَأتّى هَذا الِاسْتِثْناءُ في جُمْلَةِ الفَواحِشِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ قَتْلُ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ قَدْ يَكُونُ حَقًّا لِجُرْمٍ يَصْدُرُ مِنها. والحَدِيثُ أيْضًا مُوافِقٌ لَهُ وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ، وقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» “ والقُرْآنُ دَلَّ عَلى سَبَبٍ رابِعٍ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] . والحاصِلُ: أنَّ الأصْلَ في قَتْلِ النَّفْسِ هو الحُرْمَةُ وحِلُّهُ لا يَثْبُتُ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ هَذِهِ الأقْسامِ الخَمْسَةِ أتْبَعَهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُقَرِّبُ إلى القَلْبِ القَبُولَ، فَقالَ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ لِما في هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ اللُّطْفِ والرَّأْفَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِيَكُونَ المُكَلَّفُ أقْرَبَ إلى القَبُولِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَعْقِلُوا فَوائِدَ هَذِهِ التَّكالِيفِ، ومَنافِعَها في الدِّينِ والدُّنْيا. * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ صفحة ١٩٢ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ، وهي أُمُورٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ لا حاجَةَ فِيها إلى الفِكْرِ والِاجْتِهادِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ، وهي أُمُورٌ خَفِيَّةٌ يَحْتاجُ المَرْءُ العاقِلُ في مَعْرِفَتِهِ بِمِقْدارِها إلى التَّفَكُّرِ، والتَّأمُّلِ والِاجْتِهادِ. فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ والمَعْنى: ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِأنْ يَسْعى في تَنْمِيَتِهِ وتَحْصِيلِ الرِّبْحِ بِهِ ورِعايَةِ وُجُوهِ الغِبْطَةِ لَهُ، ثُمَّ إنْ كانَ القَيِّمُ فَقِيرًا مُحْتاجًا أخَذَ بِالمَعْرُوفِ، وإنْ كانَ غَنِيًّا فاحْتَرَزَ عَنْهُ كانَ أوْلى فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مَعْناهُ كَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ فالمَعْنى احْفَظُوا مالَهُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ، فَإذا بَلَغَ أشُدَّهُ فادْفَعُوا إلَيْهِ مالَهُ. وأمّا مَعْنى الأشُدِّ وتَفْسِيرُهُ: قالَ اللَّيْثُ: الأشُدُّ مَبْلَغُ الرَّجُلِ الحِكْمَةَ والمَعْرِفَةَ. قالَ الفَرّاءُ: الأشُدُّ. واحِدُها شَدٌّ؛ في القِياسِ، ولَمْ أسْمَعْ لَها بِواحِدٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: واحِدَةُ الأشُدِّ شِدَّةٌ كَما أنَّ واحِدَةَ الأنْعُمِ نِعْمَةٌ، والشِّدَّةُ: القُوَّةُ والجَلادَةُ، والشَّدِيدُ الرَّجُلُ القَوِيُّ، وفَسَّرُوا بُلُوغَ الأشُدِّ في هَذِهِ الآيَةِ بِالِاحْتِلامِ بِشَرْطِ أنْ يُؤْنَسَ مِنهُ الرُّشْدُ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في هَذا الفَصْلِ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ. والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَلَغَ تَمامَ الكَمالِ، فَقَدْ وفى وتَمَّ. يُقالُ: دِرْهَمٌ وافٍ، وكَيْلٌ وافٍ، وأوْفَيْتُهُ حَقَّهُ، ووَفَّيْتُهُ إذا أتْمَمْتَهُ، وأوْفى الكَيْلَ إذا أتَمَّهُ ولَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْئًا وقَوْلُهُ: (والمِيزانَ) أيِ الوَزْنَ بِالمِيزانِ وقَوْلُهُ: (بِالقِسْطِ) أيْ بِالعَدْلِ لا بَخْسَ ولا نُقْصانَ. فَإنْ قِيلَ: إيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ، هو عَيْنُ القِسْطِ، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟ قُلْنا: أمَرَ اللَّهُ المُعْطِيَ بِإيفاءِ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ مِن غَيْرِ نُقْصانِهِ، وأمَرَ صاحِبَ الحَقِّ بِأخْذِ حَقِّهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ الزِّيادَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ يَجُوزُ أنْ يَتَوَهَّمَ الإنْسانُ أنَّهُ يَجِبُ عَلى التَّحْقِيقِ وذَلِكَ صَعْبٌ شَدِيدٌ في العَدْلِ أتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِما يُزِيلُ هَذا التَّشْدِيدَ فَقالَ: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ أيِ الواجِبُ في إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ هَذا القَدْرُ المُمْكِنُ في إبْقاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ. أمّا التَّحْقِيقُ فَغَيْرُ واجِبٍ. قالَ القاضِي: إذا كانَ تَعالى قَدْ خَفَّفَ عَلى المُكَلَّفِ هَذا التَّخْفِيفَ مَعَ أنَّ ما هو التَّضْيِيقُ مَقْدُورٌ لَهُ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ تَعالى يُكَلِّفُ الكافِرَ الإيمانَ مَعَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ ؟ بَلْ قالُوا: يَخْلُقُ الكُفْرَ فِيهِ، ويُرِيدُهُ مِنهُ، ويَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ، ويَخْلُقُ فِيهِ القُدْرَةَ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ الكُفْرِ، والدّاعِيَةَ المُوجِبَةَ لَهُ، ثُمَّ يَنْهاهُ عَنْهُ فَهو تَعالى لَمّا لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ التَّشْدِيدِ والتَّضْيِيقِ عَلى العَبْدِ، وهو إيفاءُ الكَيْلِ والوَزْنِ عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ، فَكَيْفَ يُجَوِّزُ أنْ يُضِيفَ عَلى العَبْدِ مِثْلَ هَذا التَّضْيِيقِ والتَّشْدِيدِ ؟ واعْلَمْ أنّا نُعارِضُ القاضِيَ وشُيُوخَهُ في هَذا المَوْضِعِ بِمَسْألَةِ العِلْمِ ومَسْألَةِ الدّاعِي، وحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ ولا يَبْقى لِهَذا الكَلامِ رُواءٌ ولا رَوْنَقٌ. صفحة ١٩٣ النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا أيْضًا مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ الَّتِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى فِيها أداءَ الأمانَةِ، والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوهُ عَلى أداءِ الشَّهادَةِ فَقَطْ، والأمْرِ والنَّهْيِ فَقَطْ، قالَ القاضِي: ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَّصِلُ بِالقَوْلِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَقُولُ المَرْءُ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ وتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ؛ بِأنْ يَذْكُرَ الدَّلِيلَ مُلَخَّصًا عَنِ الحَشْوِ والزِّيادَةِ بِألْفاظٍ مَفْهُومَةٍ مُعْتادَةٍ، قَرِيبَةٍ مِنَ الأفْهامِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ واقِعًا عَلى وجْهِ العَدْلِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ في الإيذاءِ والإيحاشِ، ونُقْصانٍ عَنِ القَدْرِ الواجِبِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الحِكاياتُ الَّتِي يَذْكُرُها الرَّجُلُ حَتّى لا يَزِيدَ فِيها ولا يَنْقُصَ عَنْها، ومِن جُمْلَتِها تَبْلِيغُ الرِّسالاتِ عَنِ النّاسِ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يُؤَدِّيَها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ حُكْمُ الحاكِمِ بِالقَوْلِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُسَوّى فِيهِ بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنهُ طَلَبَ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ بِالقَرِيبِ والبَعِيدِ. والنَّوْعُ الرّابِعُ: مِن هَذِهِ التَّكالِيفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ وهَذا مِن خَفِيّاتِ الأُمُورِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَحْلِفُ مَعَ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الحَلِفُ خَفِيًّا، ويَكُونُ بِرُّهُ وحِنْثُهُ أيْضًا خَفِيًّا، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ قالَ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: فَما السَّبَبُ في أنْ جَعَلَ خاتِمَةَ الآيَةِ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وخاتِمَةَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ التَّكالِيفَ الخَمْسَةَ المَذْكُورَةَ في الأُولى أُمُورٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، فَوَجَبَ تَعَقُّلُها وتَفَهُّمُها وأمّا التَّكالِيفُ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ فَأُمُورٌ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ، لا بُدَّ فِيها مِنَ الِاجْتِهادِ والفِكْرِ حَتّى يَقِفَ عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِدالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (تَذَكَّرُونَ) بِالتَّخْفِيفِ والباقُونَ (تَذَّكَّرُونَ) بِتَشْدِيدِ الذّالِ في كُلِّ القُرْآنِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. * * * صفحة ٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (وأنْ هَذا) بِفَتْحِ الألِفِ وسُكُونِ النُّونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وإنَّ) بِكَسْرِ الألِفِ وتَشْدِيدِ النُّونِ، أمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فَأصْلُها (وإنَّهُ هَذا صِراطِي) والهاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ والحَدِيثِ، وعَلى هَذا الشَّرْطِ تُخَفَّفُ. قالَ الأعْشى: فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ أيْ: قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ هالِكٌ، وأمّا كَسْرُ (إنَّ) فالتَّقْدِيرُ (أتْلُ ما حَرَّمَ) وأتْلُ أنَّ هَذا صِراطِي بِمَعْنى أقُولُ، وقِيلَ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وأمّا فَتْحُ أنَّ، فَقالَ الفَرّاءُ: فَتْحُ (أنَّ) مِن وُقُوعِ أتْلُ عَلَيْها يَعْنِي وأتْلُ عَلَيْكم (أنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا) قالَ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها خَفْضًا، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكم وصّاكم بِهِ وبِأنَّ هَذا صِراطِي. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ (أنَّ) فَقِياسُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ حَمَلَها عَلى قَوْلِهِ: (فاتَّبِعُوهُ)، والتَّقْدِيرُ: لِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٢] وقالَ سِيبَوَيْهِ: لِأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٨] والمَعْنى: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القُرّاءُ أجْمَعُوا عَلى سُكُونِ الياءِ مِن (صِراطِي) غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ فَإنَّهُ فَتَحَها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (سِراطِي) بِالسِّينِ، وحَمْزَةُ بَيْنَ الصّادِ والزّايِ، والباقُونَ بِالصّادِّ صافِيَةً، وكُلُّها لُغاتٌ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ الأعْمَشُ (وهَذا صِراطِي) وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وهَذا صِراطُ رَبِّكم) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (وهَذا صِراطُ رَبِّكَ) . صفحة ٤ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ ما وصّى بِهِ أجْمَلَ في آخِرِهِ إجْمالًا يَقْتَضِي دُخُولَ ما تَقَدَّمَ فِيهِ، ودُخُولَ سائِرِ الشَّرِيعَةِ فِيهِ فَقالَ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ ما بَيَّنَهُ الرَّسُولُ -ﷺ- مِن دِينِ الإسْلامِ وهو المَنهَجُ القَوِيمُ والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، فاتَّبِعُوا جُمْلَتَهُ وتَفْصِيلَهُ ولا تَعْدِلُوا عَنْهُ فَتَقَعُوا في الضَّلالاتِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ خَطَّ خَطًّا، ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ الرُّشْدِ، ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ خُطُوطًا، ثُمَّ قالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ؟ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ»﴾، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآياتُ مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ، مَن عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النّارَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما كانَ حَقًّا فَهو واحِدٌ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ ما كانَ واحِدًا فَهو حَقٌّ، فَإذا كانَ الحَقُّ واحِدًا كانَ كُلُّ ما سِواهُ باطِلًا، وما سِوى الحَقِّ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، فَيَجِبُ الحُكْمُ بِأنَّ كُلَّ كَثِيرٍ باطِلٌ، ولَكِنْ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ باطِلٍ كَثِيرًا بِعَيْنِ ما قَرَّرْناهُ في القَضِيَّةِ الأُولى.

الأنعام 6:153

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ ما يَقُولُ الكُفّارُ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْنا كَذا وكَذا، أرْدَفَهُ تَعالى بِبَيانِ الأشْياءِ الَّتِي حَرَّمَها عَلَيْهِمْ، وهي الأشْياءُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَعالَ“ مِنَ الخاصِّ الَّذِي صارَ عامًّا، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَهُ مَن كانَ في مَكانٍ لِمَن هو أسْفَلُ مِنهُ، ثُمَّ كَثُرَ وعَمَّ، وما في قَوْلِهِ: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ مَنصُوبٌ، وفي ناصِبِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ”أتْلُ“ والتَّقْدِيرُ: أتْلُ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَيْكم. والثّانِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِحَرَّمَ، والتَّقْدِيرُ: أتْلُ الأشْياءَ الَّتِي حَرَّمَ عَلَيْكم. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ كالتَّفْصِيلِ لِما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ والإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ واجِبٌ، لا مُحَرَّمٌ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ التَّحْرِيمِ أنْ يَجْعَلَ لَهُ حَرِيمًا مُعَيَّنًا، وذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَهُ بَيانًا مَضْبُوطًا مُعَيَّنًا، فَقَوْلُهُ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ مَعْناهُ: أتْلُ عَلَيْكم ما بَيَّنَهُ بَيانًا شافِيًا بِحَيْثُ يَجْعَلُ لَهُ حَرِيمًا صفحة ١٩٠ مُعَيَّنًا، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ، والثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ وانْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا﴾ كَما يُقالُ: عَلَيْكُمُ السَّلامُ، أوْ أنَّ الكَلامَ تَمَّ وانْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ بِمَعْنى لِئَلّا تُشْرِكُوا، والتَّقْدِيرُ: أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم لِئَلّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا﴾ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى: أيْ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم، أيْ لا تُشْرِكُوا، أيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ هو قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . فَإنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الإحْسانُ بِالوالِدَيْنِ حَرامًا، وهو باطِلٌ. قُلْنا: لَمّا أوْجَبَ الإحْسانَ إلَيْهِما، فَقَدْ حَرَّمَ الإساءَةَ إلَيْهِما. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورًا خَمْسَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَدْ شَرَحَ فِرَقَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ طائِفَةً مِنَ المُشْرِكِينَ يَجْعَلُونَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] . والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةُ الكَواكِبِ، وهُمُ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم، أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْطَلَ قَوْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ . والطّائِفَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وهُمُ القائِلُونَ بِيَزْدانَ وأهْرِمَن. والطّائِفَةُ الرّابِعَةُ: الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ بَنِينَ وبَناتٍ، وأقامَ الدَّلائِلَ عَلى فَسادِ أقْوالِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ والفِرَقِ، فَلَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ فَسادَ قَوْلِ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ. قالَ هاهُنا: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أوْجَبَها هاهُنا قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ وإنَّما ثَنّى بِهَذا التَّكْلِيفِ؛ لِأنَّ أعْظَمَ أنْواعِ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى، ويَتْلُوها نِعْمَةُ الوالِدَيْنِ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ في وُجُودِ الإنْسانِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وفي الظّاهِرِ هو الأبَوانِ، ثُمَّ نِعَمُهُما عَلى الإنْسانِ عَظِيمَةٌ وهي نِعْمَةُ التَّرْبِيَةِ والشَّفَقَةِ والحِفْظِ عَنِ الضَّياعِ والهَلاكِ في وقْتِ الصِّغَرِ. النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ فَأوْجَبَ بَعْدَ رِعايَةِ حُقُوقِ الأبَوَيْنِ رِعايَةَ حُقُوقِ الأوْلادِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ أيْ مِن خَوْفِ الفَقْرِ وقَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الخَوْفِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] والمُرادُ مِنهُ النَّهْيُ عَنِ الوَأْدِ، إذْ كانُوا يَدْفِنُونَ البَناتِ أحْياءً، بَعْضُهم لِلْغَيْرَةِ، وبَعْضُهم خَوْفَ الفَقْرِ، وهو السَّبَبُ الغالِبُ، فَبَيَّنَ تَعالى فَسادَ هَذِهِ العِلَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا كانَ مُتَكَفِّلًا بِرِزْقِ الوالِدِ والوَلَدِ، فَكَما وجَبَ عَلى الوالِدَيْنِ تَبْقِيَةُ النَّفْسِ والِاتِّكالُ في رِزْقِها عَلى اللَّهِ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في حالِ الوَلَدِ، قالَ شِمْرٌ: أمْلَقَ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ. يُقالُ: أمْلَقَ الرَّجُلُ، فَهو مُمْلِقٌ، إذا افْتَقَرَ، فَهَذا لازِمٌ، وأمْلَقَ الدَّهْرُ ما عِنْدَهُ، إذا أفْسَدَهُ، والإمْلاقُ الفَسادُ. صفحة ١٩١ والنَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَكْرَهُونَ الزِّنا عَلانِيَةً، ويَفْعَلُونَ ذَلِكَ سِرًّا، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنِ الزِّنا عَلانِيَةً وسِرًّا، والأوْلى أنْ لا يُخَصَّصَ هَذا النَّهْيُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَجْرِي عَلى عُمُومِهِ في جَمِيعِ الفَواحِشِ ظاهِرِها وباطِنِها لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ. والمَعْنى المُوجِبُ لِهَذا النَّهْيِ وهو كَوْنُهُ فاحِشَةً عامٌّ أيْضًا ومَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ والمَعْنى يَكُونُ التَّخْصِيصُ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ دَقِيقَةٌ، وهي: أنَّ الإنْسانَ إذا احْتَرَزَ عَنِ المَعْصِيَةِ في الظّاهِرِ ولَمْ يَحْتَرِزْ عَنْها في الباطِنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ احْتِرازَهُ عَنْها لَيْسَ لِأجْلِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، ولَكِنْ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن مَذَمَّةِ النّاسِ، وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ مَن كانَ مَذَمَّةُ النّاسِ عِنْدَهُ أعْظَمَ وقْعًا مِن عِقابِ اللَّهِ ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ يُخْشى عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ومَن تَرَكَ المَعْصِيَةَ ظاهِرًا وباطِنًا، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما تَرَكَها تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وخَوْفًا مِن عَذابِهِ ورَغْبَةً في عُبُودِيَّتِهِ. والنَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا داخِلٌ في جُمْلَةِ الفَواحِشِ إلّا أنَّهُ تَعالى أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِفائِدَتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّ الإفْرادَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ والثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يَسْتَثْنِيَ مِنهُ، ولا يَتَأتّى هَذا الِاسْتِثْناءُ في جُمْلَةِ الفَواحِشِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ قَتْلُ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ قَدْ يَكُونُ حَقًّا لِجُرْمٍ يَصْدُرُ مِنها. والحَدِيثُ أيْضًا مُوافِقٌ لَهُ وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، وزِنًا بَعْدَ إحْصانٍ، وقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» “ والقُرْآنُ دَلَّ عَلى سَبَبٍ رابِعٍ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] . والحاصِلُ: أنَّ الأصْلَ في قَتْلِ النَّفْسِ هو الحُرْمَةُ وحِلُّهُ لا يَثْبُتُ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ هَذِهِ الأقْسامِ الخَمْسَةِ أتْبَعَهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُقَرِّبُ إلى القَلْبِ القَبُولَ، فَقالَ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ لِما في هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ اللُّطْفِ والرَّأْفَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِيَكُونَ المُكَلَّفُ أقْرَبَ إلى القَبُولِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَعْقِلُوا فَوائِدَ هَذِهِ التَّكالِيفِ، ومَنافِعَها في الدِّينِ والدُّنْيا. * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ صفحة ١٩٢ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ، وهي أُمُورٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ لا حاجَةَ فِيها إلى الفِكْرِ والِاجْتِهادِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ، وهي أُمُورٌ خَفِيَّةٌ يَحْتاجُ المَرْءُ العاقِلُ في مَعْرِفَتِهِ بِمِقْدارِها إلى التَّفَكُّرِ، والتَّأمُّلِ والِاجْتِهادِ. فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ والمَعْنى: ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِأنْ يَسْعى في تَنْمِيَتِهِ وتَحْصِيلِ الرِّبْحِ بِهِ ورِعايَةِ وُجُوهِ الغِبْطَةِ لَهُ، ثُمَّ إنْ كانَ القَيِّمُ فَقِيرًا مُحْتاجًا أخَذَ بِالمَعْرُوفِ، وإنْ كانَ غَنِيًّا فاحْتَرَزَ عَنْهُ كانَ أوْلى فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مَعْناهُ كَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ فالمَعْنى احْفَظُوا مالَهُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ، فَإذا بَلَغَ أشُدَّهُ فادْفَعُوا إلَيْهِ مالَهُ. وأمّا مَعْنى الأشُدِّ وتَفْسِيرُهُ: قالَ اللَّيْثُ: الأشُدُّ مَبْلَغُ الرَّجُلِ الحِكْمَةَ والمَعْرِفَةَ. قالَ الفَرّاءُ: الأشُدُّ. واحِدُها شَدٌّ؛ في القِياسِ، ولَمْ أسْمَعْ لَها بِواحِدٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: واحِدَةُ الأشُدِّ شِدَّةٌ كَما أنَّ واحِدَةَ الأنْعُمِ نِعْمَةٌ، والشِّدَّةُ: القُوَّةُ والجَلادَةُ، والشَّدِيدُ الرَّجُلُ القَوِيُّ، وفَسَّرُوا بُلُوغَ الأشُدِّ في هَذِهِ الآيَةِ بِالِاحْتِلامِ بِشَرْطِ أنْ يُؤْنَسَ مِنهُ الرُّشْدُ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في هَذا الفَصْلِ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ. والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَلَغَ تَمامَ الكَمالِ، فَقَدْ وفى وتَمَّ. يُقالُ: دِرْهَمٌ وافٍ، وكَيْلٌ وافٍ، وأوْفَيْتُهُ حَقَّهُ، ووَفَّيْتُهُ إذا أتْمَمْتَهُ، وأوْفى الكَيْلَ إذا أتَمَّهُ ولَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْئًا وقَوْلُهُ: (والمِيزانَ) أيِ الوَزْنَ بِالمِيزانِ وقَوْلُهُ: (بِالقِسْطِ) أيْ بِالعَدْلِ لا بَخْسَ ولا نُقْصانَ. فَإنْ قِيلَ: إيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ، هو عَيْنُ القِسْطِ، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟ قُلْنا: أمَرَ اللَّهُ المُعْطِيَ بِإيفاءِ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ مِن غَيْرِ نُقْصانِهِ، وأمَرَ صاحِبَ الحَقِّ بِأخْذِ حَقِّهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ الزِّيادَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ يَجُوزُ أنْ يَتَوَهَّمَ الإنْسانُ أنَّهُ يَجِبُ عَلى التَّحْقِيقِ وذَلِكَ صَعْبٌ شَدِيدٌ في العَدْلِ أتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِما يُزِيلُ هَذا التَّشْدِيدَ فَقالَ: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ أيِ الواجِبُ في إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ هَذا القَدْرُ المُمْكِنُ في إبْقاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ. أمّا التَّحْقِيقُ فَغَيْرُ واجِبٍ. قالَ القاضِي: إذا كانَ تَعالى قَدْ خَفَّفَ عَلى المُكَلَّفِ هَذا التَّخْفِيفَ مَعَ أنَّ ما هو التَّضْيِيقُ مَقْدُورٌ لَهُ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ تَعالى يُكَلِّفُ الكافِرَ الإيمانَ مَعَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ ؟ بَلْ قالُوا: يَخْلُقُ الكُفْرَ فِيهِ، ويُرِيدُهُ مِنهُ، ويَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ، ويَخْلُقُ فِيهِ القُدْرَةَ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ الكُفْرِ، والدّاعِيَةَ المُوجِبَةَ لَهُ، ثُمَّ يَنْهاهُ عَنْهُ فَهو تَعالى لَمّا لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ التَّشْدِيدِ والتَّضْيِيقِ عَلى العَبْدِ، وهو إيفاءُ الكَيْلِ والوَزْنِ عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ، فَكَيْفَ يُجَوِّزُ أنْ يُضِيفَ عَلى العَبْدِ مِثْلَ هَذا التَّضْيِيقِ والتَّشْدِيدِ ؟ واعْلَمْ أنّا نُعارِضُ القاضِيَ وشُيُوخَهُ في هَذا المَوْضِعِ بِمَسْألَةِ العِلْمِ ومَسْألَةِ الدّاعِي، وحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ ولا يَبْقى لِهَذا الكَلامِ رُواءٌ ولا رَوْنَقٌ. صفحة ١٩٣ النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ التَّكالِيفِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا أيْضًا مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ الَّتِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى فِيها أداءَ الأمانَةِ، والمُفَسِّرُونَ حَمَلُوهُ عَلى أداءِ الشَّهادَةِ فَقَطْ، والأمْرِ والنَّهْيِ فَقَطْ، قالَ القاضِي: ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يَتَّصِلُ بِالقَوْلِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَقُولُ المَرْءُ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ وتَقْرِيرِ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ؛ بِأنْ يَذْكُرَ الدَّلِيلَ مُلَخَّصًا عَنِ الحَشْوِ والزِّيادَةِ بِألْفاظٍ مَفْهُومَةٍ مُعْتادَةٍ، قَرِيبَةٍ مِنَ الأفْهامِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ واقِعًا عَلى وجْهِ العَدْلِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ في الإيذاءِ والإيحاشِ، ونُقْصانٍ عَنِ القَدْرِ الواجِبِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الحِكاياتُ الَّتِي يَذْكُرُها الرَّجُلُ حَتّى لا يَزِيدَ فِيها ولا يَنْقُصَ عَنْها، ومِن جُمْلَتِها تَبْلِيغُ الرِّسالاتِ عَنِ النّاسِ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يُؤَدِّيَها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ حُكْمُ الحاكِمِ بِالقَوْلِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُسَوّى فِيهِ بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنهُ طَلَبَ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَخْتَلِفْ ذَلِكَ بِالقَرِيبِ والبَعِيدِ. والنَّوْعُ الرّابِعُ: مِن هَذِهِ التَّكالِيفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ وهَذا مِن خَفِيّاتِ الأُمُورِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَحْلِفُ مَعَ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الحَلِفُ خَفِيًّا، ويَكُونُ بِرُّهُ وحِنْثُهُ أيْضًا خَفِيًّا، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ قالَ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: فَما السَّبَبُ في أنْ جَعَلَ خاتِمَةَ الآيَةِ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وخاتِمَةَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ؟ قُلْنا: لِأنَّ التَّكالِيفَ الخَمْسَةَ المَذْكُورَةَ في الأُولى أُمُورٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، فَوَجَبَ تَعَقُّلُها وتَفَهُّمُها وأمّا التَّكالِيفُ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ فَأُمُورٌ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ، لا بُدَّ فِيها مِنَ الِاجْتِهادِ والفِكْرِ حَتّى يَقِفَ عَلى مَوْضِعِ الِاعْتِدالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (تَذَكَّرُونَ) بِالتَّخْفِيفِ والباقُونَ (تَذَّكَّرُونَ) بِتَشْدِيدِ الذّالِ في كُلِّ القُرْآنِ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. * * * صفحة ٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (وأنْ هَذا) بِفَتْحِ الألِفِ وسُكُونِ النُّونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وإنَّ) بِكَسْرِ الألِفِ وتَشْدِيدِ النُّونِ، أمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فَأصْلُها (وإنَّهُ هَذا صِراطِي) والهاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ والحَدِيثِ، وعَلى هَذا الشَّرْطِ تُخَفَّفُ. قالَ الأعْشى: فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ أيْ: قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ هالِكٌ، وأمّا كَسْرُ (إنَّ) فالتَّقْدِيرُ (أتْلُ ما حَرَّمَ) وأتْلُ أنَّ هَذا صِراطِي بِمَعْنى أقُولُ، وقِيلَ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وأمّا فَتْحُ أنَّ، فَقالَ الفَرّاءُ: فَتْحُ (أنَّ) مِن وُقُوعِ أتْلُ عَلَيْها يَعْنِي وأتْلُ عَلَيْكم (أنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا) قالَ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها خَفْضًا، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكم وصّاكم بِهِ وبِأنَّ هَذا صِراطِي. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن فَتَحَ (أنَّ) فَقِياسُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ حَمَلَها عَلى قَوْلِهِ: (فاتَّبِعُوهُ)، والتَّقْدِيرُ: لِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٢] وقالَ سِيبَوَيْهِ: لِأنَّ هَذِهِ أُمَتُّكم، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٨] والمَعْنى: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القُرّاءُ أجْمَعُوا عَلى سُكُونِ الياءِ مِن (صِراطِي) غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ فَإنَّهُ فَتَحَها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (سِراطِي) بِالسِّينِ، وحَمْزَةُ بَيْنَ الصّادِ والزّايِ، والباقُونَ بِالصّادِّ صافِيَةً، وكُلُّها لُغاتٌ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ الأعْمَشُ (وهَذا صِراطِي) وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (وهَذا صِراطُ رَبِّكم) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (وهَذا صِراطُ رَبِّكَ) . صفحة ٤ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ ما وصّى بِهِ أجْمَلَ في آخِرِهِ إجْمالًا يَقْتَضِي دُخُولَ ما تَقَدَّمَ فِيهِ، ودُخُولَ سائِرِ الشَّرِيعَةِ فِيهِ فَقالَ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ ما بَيَّنَهُ الرَّسُولُ -ﷺ- مِن دِينِ الإسْلامِ وهو المَنهَجُ القَوِيمُ والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، فاتَّبِعُوا جُمْلَتَهُ وتَفْصِيلَهُ ولا تَعْدِلُوا عَنْهُ فَتَقَعُوا في الضَّلالاتِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ خَطَّ خَطًّا، ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ الرُّشْدِ، ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ خُطُوطًا، ثُمَّ قالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ؟ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ»﴾، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآياتُ مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ، مَن عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النّارَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما كانَ حَقًّا فَهو واحِدٌ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ ما كانَ واحِدًا فَهو حَقٌّ، فَإذا كانَ الحَقُّ واحِدًا كانَ كُلُّ ما سِواهُ باطِلًا، وما سِوى الحَقِّ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، فَيَجِبُ الحُكْمُ بِأنَّ كُلَّ كَثِيرٍ باطِلٌ، ولَكِنْ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ باطِلٍ كَثِيرًا بِعَيْنِ ما قَرَّرْناهُ في القَضِيَّةِ الأُولى.

الأنعام 6:154

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ثُمَّ إنِّي أُخْبِرُكم بَعْدَ تَعْدِيدِ المُحَرَّماتِ وغَيْرِها مِنَ الأحْكامِ، أنّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ، فَذُكِرَتْ كَلِمَةُ ”ثُمَّ“ لِتَأْخِيرِ الخَبَرِ عَنِ الخَبَرِ، لا لِتَأْخِيرِ الواقِعَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعْرافِ: ١١] . والثّانِي: إنَّ التَّكالِيفَ التِّسْعَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَجُوزُ اخْتِلافُها بِحَسَبِ اخْتِلافِ الشَّرائِعِ بَلْ هي أحْكامٌ واجِبَةُ الثُّبُوتِ مِن أوَّلِ زَمانِ التَّكْلِيفِ إلى قِيامِ القِيامَةِ. وأمّا الشَّرائِعُ الَّتِي كانَتِ التَّوْبَةُ مُخْتَصَّةً بِها، فَهي إنَّما حَدَثَتْ بَعْدَ تِلْكَ التَّكالِيفِ التِّسْعَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَها قالَ: ذَلِكم وصّاكم بِهِ يا بَنِي آدَمَ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ. الثّالِثُ: إنَّ فِيهِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ قُلْ يا مُحَمَّدُ إنّا آتَيْنا مُوسى، فَتَقْدِيرُهُ: اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، ثُمَّ اتْلُ عَلَيْهِمْ خَبَرَ ما آتَيْنا مُوسى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ تَمامًا لِلْكَرامَةِ والنِّعْمَةِ عَلى الَّذِي أحْسَنَ. أيْ: عَلى كُلِّ مَن كانَ مُحْسِنًا صالِحًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا) . والثّانِي: المُرادُ تَمامًا لِلنِّعْمَةِ والكَرامَةِ عَلى العَبْدِ الَّذِي أحْسَنَ الطّاعَةَ بِالتَّبْلِيغِ، وفي كُلِّ ما أُمِرَ بِهِ. والثّالِثُ: تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ مُوسى مِنَ العِلْمِ والشَّرائِعِ، مِن أحْسَنَ الشَّيْءَ إذا أجادَ مَعْرِفَتَهُ، أيْ زِيادَةً عَلى عِلْمِهِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ (عَلى الَّذِي أحْسَنُ) أيْ عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ (مَثَلًا ما بَعُوضَةٌ) صفحة ٥ بِالرَّفْعِ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ دِينًا وأرْضاهُ، أوْ يُقالُ: المُرادُ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا، أيْ تامًّا كامِلًا عَلى أحْسَنِ ما تَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ، أيْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو أحْسَنُ وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ: أتَمَّ لَهُ الكِتابَ عَلى أحْسَنِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما في التَّوْراةِ مِنَ النِّعَمِ في الدِّينِ وهو تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، والمُرادُ بِهِ ما يَخْتَصُّ بِالدِّينِ فَدَخَلَ في ذَلِكَ بَيانُ نُبُوَّةِ رَسُولِنا ﷺ: دِينِهِ، وشَرْعِهِ، وسائِرِ الأدِلَّةِ والأحْكامِ إلّا ما نُسِخَ مِنها ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وهُدًى ورَحْمَةً﴾ والهُدى مَعْرُوفٌ وهو الدَّلالَةُ، والرَّحْمَةُ هي النِّعْمَةُ ﴿لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لِكَيْ يُؤْمِنُوا بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، والمُرادُ بِهِ لِقاءُ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ.

الأنعام 6:155

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ﴾ لا شَكَّ أنَّ المُرادَ هو القُرْآنُ، وفائِدَةُ وصْفِهِ بِأنَّهُ مُبارَكٌ أنَّهُ ثابِتٌ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ النَّسْخُ كَما في الكِتابَيْنِ، أوِ المُرادُ أنَّهُ كَثِيرُ الخَيْرِ والنَّفْعِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ والمُرادُ ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تُرْحَمُوا. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: قِيلَ: اتَّقُوا مُخالَفَتَهُ عَلى رَجاءِ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: اتَّقُوا لِتُرْحَمُوا، أيْ لِيَكُونَ الغَرَضُ بِالتَّقْوى رَحْمَةَ اللَّهِ، وقِيلَ: اتَّقُوا لِتُرْحَمُوا جَزاءً عَلى التَّقْوى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، والتَّقْدِيرُ: أنْزَلْناهُ لِئَلّا تَقُولُوا، ثُمَّ حَذَفَ الجارَّ وحَرْفَ النَّفْيِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النِّساءِ: ١٧٦] وقَوْلِهِ: ﴿رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النَّحْلِ: ١٥] أيْ: لِئَلّا. والوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ مَعْناهُ: أنْزَلْناهُ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، ولا يُجِيزُونَ إضْمارَ ”لا“ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: جِئْتُ أنْ أُكْرِمَكَ بِمَعْنى أنْ لا أُكْرِمَكَ، وقَدْ ذَكَرْنا تَحْقِيقَ هَذِهِ المَسْألَةِ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ. صفحة ٦ والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أنْ“ مُتَعَلِّقَةً بِاتَّقُوا، والتَّأْوِيلُ: واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: (أنْ تَقُولُوا) خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمَعْنى: كَراهَةَ أنْ يَقُولَ أهْلُ مَكَّةَ أُنْزِلَ الكِتابُ، وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وإنْ كُنّا ”إنْ“ هي المُحَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والأصْلُ وأنَّهُ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآياتِ إثْباتُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ كَيْ لا يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ أُنْزِلا عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وكُنّا غافِلِينَ عَمّا فِيهِما، فَقَطَعَ اللَّهُ عُذْرَهم بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ أيْ لا نَعْلَمُ ما هي؛ لِأنَّ كِتابَهم ما كانَ بِلُغَتِنا، ومَعْنى ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾، مُفَسِّرٌ لِلْأوَّلِ في أنَّ مَعْناهُ لِئَلّا يَقُولُوا ويَحْتَجُّوا بِذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَطْعَ احْتِجاجِهِمْ بِهَذا، وقالَ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهو القُرْآنُ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ . فَإنْ قِيلَ: البَيِّنَةُ والهُدى واحِدٌ، فَما الفائِدَةُ في التَّكْرِيرِ ؟ قُلْنا: القُرْآنُ بَيِّنَةٌ فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وهو هُدًى فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وعَقْلًا، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفائِدَةُ صَحَّ هَذا العَطْفُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَعْنى (رَحْمَةٌ) أيْ إنَّهُ نِعْمَةٌ في الدِّينِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ تَعْظِيمُ كُفْرِ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ، وصَدَفَ عَنْها، أيْ مَنَعَ عَنْها، لِأنَّ الأوَّلَ ضَلالٌ، والثّانِيَ مَنعٌ عَنِ الحَقِّ وإضْلالٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النَّحْلِ: ٨٨] .

الأنعام 6:156

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ﴾ لا شَكَّ أنَّ المُرادَ هو القُرْآنُ، وفائِدَةُ وصْفِهِ بِأنَّهُ مُبارَكٌ أنَّهُ ثابِتٌ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ النَّسْخُ كَما في الكِتابَيْنِ، أوِ المُرادُ أنَّهُ كَثِيرُ الخَيْرِ والنَّفْعِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ والمُرادُ ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تُرْحَمُوا. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: قِيلَ: اتَّقُوا مُخالَفَتَهُ عَلى رَجاءِ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: اتَّقُوا لِتُرْحَمُوا، أيْ لِيَكُونَ الغَرَضُ بِالتَّقْوى رَحْمَةَ اللَّهِ، وقِيلَ: اتَّقُوا لِتُرْحَمُوا جَزاءً عَلى التَّقْوى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، والتَّقْدِيرُ: أنْزَلْناهُ لِئَلّا تَقُولُوا، ثُمَّ حَذَفَ الجارَّ وحَرْفَ النَّفْيِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النِّساءِ: ١٧٦] وقَوْلِهِ: ﴿رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النَّحْلِ: ١٥] أيْ: لِئَلّا. والوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ مَعْناهُ: أنْزَلْناهُ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، ولا يُجِيزُونَ إضْمارَ ”لا“ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: جِئْتُ أنْ أُكْرِمَكَ بِمَعْنى أنْ لا أُكْرِمَكَ، وقَدْ ذَكَرْنا تَحْقِيقَ هَذِهِ المَسْألَةِ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ. صفحة ٦ والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أنْ“ مُتَعَلِّقَةً بِاتَّقُوا، والتَّأْوِيلُ: واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: (أنْ تَقُولُوا) خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمَعْنى: كَراهَةَ أنْ يَقُولَ أهْلُ مَكَّةَ أُنْزِلَ الكِتابُ، وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وإنْ كُنّا ”إنْ“ هي المُحَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والأصْلُ وأنَّهُ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآياتِ إثْباتُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ كَيْ لا يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ أُنْزِلا عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وكُنّا غافِلِينَ عَمّا فِيهِما، فَقَطَعَ اللَّهُ عُذْرَهم بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ أيْ لا نَعْلَمُ ما هي؛ لِأنَّ كِتابَهم ما كانَ بِلُغَتِنا، ومَعْنى ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾، مُفَسِّرٌ لِلْأوَّلِ في أنَّ مَعْناهُ لِئَلّا يَقُولُوا ويَحْتَجُّوا بِذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَطْعَ احْتِجاجِهِمْ بِهَذا، وقالَ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهو القُرْآنُ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ . فَإنْ قِيلَ: البَيِّنَةُ والهُدى واحِدٌ، فَما الفائِدَةُ في التَّكْرِيرِ ؟ قُلْنا: القُرْآنُ بَيِّنَةٌ فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وهو هُدًى فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وعَقْلًا، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفائِدَةُ صَحَّ هَذا العَطْفُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَعْنى (رَحْمَةٌ) أيْ إنَّهُ نِعْمَةٌ في الدِّينِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ تَعْظِيمُ كُفْرِ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ، وصَدَفَ عَنْها، أيْ مَنَعَ عَنْها، لِأنَّ الأوَّلَ ضَلالٌ، والثّانِيَ مَنعٌ عَنِ الحَقِّ وإضْلالٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النَّحْلِ: ٨٨] .

الأنعام 6:157

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ﴾ لا شَكَّ أنَّ المُرادَ هو القُرْآنُ، وفائِدَةُ وصْفِهِ بِأنَّهُ مُبارَكٌ أنَّهُ ثابِتٌ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ النَّسْخُ كَما في الكِتابَيْنِ، أوِ المُرادُ أنَّهُ كَثِيرُ الخَيْرِ والنَّفْعِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ والمُرادُ ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تُرْحَمُوا. وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: قِيلَ: اتَّقُوا مُخالَفَتَهُ عَلى رَجاءِ الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: اتَّقُوا لِتُرْحَمُوا، أيْ لِيَكُونَ الغَرَضُ بِالتَّقْوى رَحْمَةَ اللَّهِ، وقِيلَ: اتَّقُوا لِتُرْحَمُوا جَزاءً عَلى التَّقْوى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، والتَّقْدِيرُ: أنْزَلْناهُ لِئَلّا تَقُولُوا، ثُمَّ حَذَفَ الجارَّ وحَرْفَ النَّفْيِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النِّساءِ: ١٧٦] وقَوْلِهِ: ﴿رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النَّحْلِ: ١٥] أيْ: لِئَلّا. والوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ مَعْناهُ: أنْزَلْناهُ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، ولا يُجِيزُونَ إضْمارَ ”لا“ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: جِئْتُ أنْ أُكْرِمَكَ بِمَعْنى أنْ لا أُكْرِمَكَ، وقَدْ ذَكَرْنا تَحْقِيقَ هَذِهِ المَسْألَةِ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ. صفحة ٦ والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أنْ“ مُتَعَلِّقَةً بِاتَّقُوا، والتَّأْوِيلُ: واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: (أنْ تَقُولُوا) خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمَعْنى: كَراهَةَ أنْ يَقُولَ أهْلُ مَكَّةَ أُنْزِلَ الكِتابُ، وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وإنْ كُنّا ”إنْ“ هي المُحَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والأصْلُ وأنَّهُ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآياتِ إثْباتُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ كَيْ لا يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ أُنْزِلا عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وكُنّا غافِلِينَ عَمّا فِيهِما، فَقَطَعَ اللَّهُ عُذْرَهم بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ أيْ لا نَعْلَمُ ما هي؛ لِأنَّ كِتابَهم ما كانَ بِلُغَتِنا، ومَعْنى ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾، مُفَسِّرٌ لِلْأوَّلِ في أنَّ مَعْناهُ لِئَلّا يَقُولُوا ويَحْتَجُّوا بِذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَطْعَ احْتِجاجِهِمْ بِهَذا، وقالَ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهو القُرْآنُ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ . فَإنْ قِيلَ: البَيِّنَةُ والهُدى واحِدٌ، فَما الفائِدَةُ في التَّكْرِيرِ ؟ قُلْنا: القُرْآنُ بَيِّنَةٌ فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وهو هُدًى فِيما يُعْلَمُ سَمْعًا وعَقْلًا، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الفائِدَةُ صَحَّ هَذا العَطْفُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَعْنى (رَحْمَةٌ) أيْ إنَّهُ نِعْمَةٌ في الدِّينِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ تَعْظِيمُ كُفْرِ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ، وصَدَفَ عَنْها، أيْ مَنَعَ عَنْها، لِأنَّ الأوَّلَ ضَلالٌ، والثّانِيَ مَنعٌ عَنِ الحَقِّ وإضْلالٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النَّحْلِ: ٨٨] .

الأنعام 6:158

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَأْتِيَهم) بِالياءِ وفي النَّحْلِ مِثْلَهُ، والباقُونَ (تَأْتِيَهم) بِالتّاءِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ الكِتابَ إزالَةً لِلْعُذْرِ، وإزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وبَيَّنَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ وشَرَحَ أحْوالًا تُوجِبُ اليَأْسَ عَنْ دُخُولِهِمْ في الإيمانِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠] ومَعْنى يَنْظُرُونَ يَنْتَظِرُونَ، و(هَلِ) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِكَ إلّا إذا جاءَهم أحَدُ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، صفحة ٧ وهِيَ مَجِيءُ المَلائِكَةِ، أوْ مَجِيءُ الرَّبِّ، أوْ مَجِيءُ الآياتِ القاهِرَةِ مِنَ الرَّبِّ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ هَلْ يَدُلُّ عَلى جَوازِ المَجِيءِ والغَيْبَةِ عَلى اللَّهِ. قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: إنَّ هَذا حِكايَةً عَنْهم، وهم كانُوا كُفّارًا، واعْتِقادُ الكافِرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. والثّانِي: إنَّ هَذا مَجازٌ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحْزابِ: ٥٧] . والثّالِثُ: قِيامُ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى أنَّ المَجِيءَ والغَيْبَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وأقْرَبُها قَوْلُ الخَلِيلِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الكَواكِبِ ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى إثْباتِ أثَرٍ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَصِيرُ هَذا عَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ﴾ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ إتْيانُ الرَّبِّ. قُلْنا: الجَوابُ المُعْتَمَدُ أنَّ هَذا حِكايَةُ مَذْهَبِ الكُفّارِ، فَلا يَكُونُ حُجَّةً، وقِيلَ: يَأْتِي رَبُّكَ بِالعَذابِ، أوْ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ، وهو المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآياتِ عَلاماتُ القِيامَةِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كُنّا نَتَذاكَرُ أمْرَ السّاعَةِ؛ إذْ أشْرَفَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ما تَتَذاكَرُونَ ؟ قُلْنا: نَتَذاكَرُ السّاعَةَ قالَ: إنَّها لا تَقُومُ حَتّى تَرَوْا قَبْلَها عَشْرَ آياتٍ: الدُّخانَ، ودابَّةَ الأرْضِ، وخَسْفًا بِالمَشْرِقِ، وخَسْفًا بِالمَغْرِبِ، وخَسْفًا بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، والدَّجّالَ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ونُزُولَ عِيسى، ونارًا تَخْرُجُ مِن عَدَنَ» وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (نَفْسًا) وقَوْلُهُ: ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّفَةِ الأُولى، والمَعْنى: إنَّ أشْراطَ السّاعَةِ إذا ظَهَرَتْ ذَهَبَ أوانُ التَّكْلِيفِ عِنْدَها، فَلَمْ يَنْفَعِ الإيمانُ نَفْسًا ما آمَنَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وما كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا قَبْلَ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ.

الأنعام 6:159

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (فارَقُوا) بِالألِفِ، والباقُونَ (فَرَّقُوا) ومَعْنى القِراءَتَيْنِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ واحِدٌ: لِأنَّ الَّذِي فَرَّقَ دِينَهُ بِمَعْنى أنَّهُ أقَرَّ بِبَعْضٍ وأنْكَرَ بَعْضًا، فَقَدْ فارَقَهُ في الحَقِيقَةِ، وفي الآيَةِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ سائِرُ المِلَلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المُشْرِكِينَ؛ بَعْضُهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ ويَزْعُمُونَ صفحة ٨ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَهَذا مَعْنى فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا، أيْ فِرَقًا وأحْزابًا في الضَّلالَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وذَلِكَ لِأنَّ النَّصارى تَفَرَّقُوا فِرَقًا، وكَفَّرَ بَعْضُهم بَعْضًا، وكَذَلِكَ اليَهُودُ، وهم أهْلُ كِتابٍ واحِدٍ، واليَهُودُ تُكَفِّرُ النَّصارى. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أخَذُوا بِبَعْضٍ وتَرَكُوا بَعْضًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٥] وقالَ أيْضًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ . والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، هم أهْلُ البِدَعِ والشُّبَهاتِ واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الحَثُّ عَلى أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةً، وأنْ لا يَتَفَرَّقُوا في الدِّينِ ولا يَبْتَدِعُوا البِدَعَ. وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْتَ مِنهم بَرِيءٌ وهم مِنكَ بُرَآءُ وتَأْوِيلُهُ: إنَّكَ بَعِيدٌ عَنْ أقْوالِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، والعِقابُ اللّازِمُ عَلى تِلْكَ الأباطِيلِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ ولا يَتَعَدّاهم. والثّانِي: لَسْتَ مِن قِتالِهِمْ في شَيْءٍ. قالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُونَ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِمْ، فَلَمّا أمَرَ بِقِتالِهِمْ نُسِخَ، وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ المَعْنى لَسْتَ مِن قِتالِهِمْ في هَذا الوَقْتِ في شَيْءٍ، فَوُرُودُ الأمْرِ بِالقِتالِ في وقْتٍ آخَرَ لا يُوجِبُ النَّسْخَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ أيْ فِيما يَتَّصِلُ بِالإمْهالِ والإنْظارِ، والِاسْتِئْصالِ والإهْلاكِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ والمُرادُ الوَعِيدُ.

الأنعام 6:160

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: الحَسَنَةُ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والسَّيِّئَةُ هي الشِّرْكُ، وهَذا بَعِيدٌ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى العُمُومِ إمّا تَمَسُّكًا بِاللَّفْظِ، وإمّا لِأجْلِ أنَّهُ حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلى وصْفٍ مُناسِبٍ لَهُ: فَيَقْتَضِي كَوْنَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ. فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ لِعُمُومِ العِلَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: حُذِفَتِ الهاءُ مِن عَشْرٍ، والأمْثالُ جَمْعُ مِثْلٍ، والمِثْلُ مُذَكَّرٌ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالِها، ثُمَّ حُذِفَتِ الحَسَناتُ وأُقِيمَتِ الأمْثالُ الَّتِي هي صِفَتُها مَقامَها، وحَذْفُ المَوْصُوفِ كَثِيرٌ في الكَلامِ، ويُقَوِّي هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ (عَشْرٌ أمْثالُها) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَذْهَبُنا أنَّ الثَّوابَ تَفَضَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَهم فَرَّقُوا بَيْنَ الثَّوابِ والتَّفَضُّلِ بِأنَّ الثَّوابَ هو المَنفَعَةُ المُسْتَحَقَّةُ، والتَّفَضُّلَ هو المَنفَعَةُ الَّتِي لا تَكُونُ مُسْتَحَقَّةً، ثُمَّ إنَّهم عَلى تَفْرِيعِ مَذاهِبِهِمُ اخْتَلَفُوا. فَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ العَشَرَةُ تَفَضُّلٌ، والثَّوابُ غَيْرُها، وهو قَوْلُ الجُبّائِيِّ، قالَ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ الواحِدُ ثَوابًا، وكانَتِ التِّسْعَةُ تَفَضُّلًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ الثَّوابُ دُونَ التَّفَضُّلِ، وذَلِكَ لا صفحة ٩ يَجُوزُ، لِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكُونَ التَّفَضُّلُ مُساوِيًا لِلثَّوابِ في الكَثْرَةِ والشَّرَفِ، لَمْ يَبْقَ في التَّكْلِيفِ فائِدَةٌ أصْلًا فَيَصِيرُ عَبَثًا وقَبِيحًا، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الثَّوابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أعْظَمَ في القَدْرِ وفي التَّعْظِيمِ مِنَ التَّفَضُّلِ. وقالَ آخَرُونَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الواحِدُ مِن هَذِهِ التِّسْعَةِ ثَوابًا، وتَكُونَ التِّسْعَةُ الباقِيَةُ تَفَضُّلًا، إلّا أنَّ ذَلِكَ الواحِدَ يَكُونُ أوْفَرَ وأعْظَمَ وأعْلى شَأْنًا مِنَ التِّسْعَةِ الباقِيَةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم: التَّقْدِيرُ بِالعَشَرَةِ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّحْدِيدَ، بَلْ أرادَ الأضْعافَ مُطْلَقًا، كَقَوْلِ القائِلِ: لَئِنْ أسْدَيْتَ إلَيَّ مَعْرُوفًا لَأُكافِئَنَّكَ بِعَشْرِ أمْثالِهِ، وفي الوَعِيدِ يُقالُ: لَئِنْ كَلَّمْتَنِي واحِدَةً لَأُكَلِّمَنَّكَ عَشْرًا، ولا يُرِيدُ التَّحْدِيدَ فَكَذا هَهُنا. والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى التَّحْدِيدِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ أيِ الإجْزاءُ يُساوِيها ويُوازِيها. رَوى أبُو ذَرٍّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: الحَسَنَةُ عَشْرٌ أوْ أزِيدُ، والسَّيِّئَةُ واحِدَةٌ أوْ أعْفُو، فالوَيْلُ لِمَن غَلَبَ آحادُهُ أعْشارَهُ» وقالَ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ إذا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ فاكْتُبُوها لَهُ حَسَنَةً وإنْ لَمْ يَعْمَلْها، فَإنْ عَمِلَها فَعَشْرٌ أمْثالُها. وإنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلا تَكْتُبُوها، وإنَّ عَمِلَها فَسَيِّئَةً واحِدَةً» وقَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن ثَوابِ طاعَتِهِمْ، ولا يُزادُ عَلى عِقابِ سَيِّئاتِهِمْ. فِي الآيَةِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كُفْرُ ساعَةٍ كَيْفَ يُوجِبُ عِقابَ الأبَدِ عَلى نِهايَةِ التَّغْلِيظِ. جَوابُهُ: أنَّهُ كانَ الكافِرُ عَلى عَزْمٍ أنَّهُ لَوْ عاشَ أبَدًا لَبَقِيَ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ أبَدًا، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ العَزْمُ مُؤَبَّدًا عُوقِبَ بِعِقابِ الأبَدِ خِلافَ المُسْلِمِ المُذْنِبِ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى عَزْمِ الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ عُقُوبَتُهُ مُنْقَطِعَةً. السُّؤالُ الثّانِي: إعْتاقُ الرَّقَبَةِ الواحِدَةِ تارَةً جُعِلَ بَدَلًا عَنْ صِيامِ سِتِّينَ يَوْمًا، وهو في كَفّارَةِ الظِّهارِ، وتارَةً جُعِلَ بَدَلًا عَنْ صِيامِ أيّامٍ قَلائِلَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُساواةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ. جَوابُهُ: إنَّ المُساواةَ إنَّما تَحْصُلُ بِوَضْعِ الشَّرْعِ وحُكْمِهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: إذا أحْدَثَ في رَأْسِ إنْسانٍ مُوضِحَتَيْنِ: وجَبَ فِيهِ أرْشانِ، فَإنْ رَفَعَ الحاجِزَ بَيْنَهُما صارَ الواجِبُ أرْشَ مُوضِحَةٍ واحِدَةٍ، فَهَهُنا ازْدادَتِ الجِنايَةُ، وقَلَّ العِقابُ، فالمُساواةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ. وجَوابُهُ: إنَّ ذَلِكَ مِن تَعَبُّداتِ الشَّرْعِ وتَحَكُّماتِهِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّهُ يَجِبُ في مُقابَلَةِ تَفْوِيتِ أكْثَرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْضاءِ دِيَةٌ كامِلَةٌ، ثُمَّ إذا قَتَلَهُ وفَوَّتَ كُلَّ الأعْضاءِ، وجَبَتْ دِيَةٌ واحِدَةٌ، وذَلِكَ يَمْنَعُ القَوْلَ مِن رِعايَةِ المُماثَلَةِ. جَوابُهُ: أنَّهُ مِن بابِ تَحَكُّماتِ الشَّرِيعَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الأنعام 6:161

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلَّمَ رَسُولَهُ أنْواعَ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والرَّدَّ عَلى القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ والأضْدادِ وبالَغَ في تَقْرِيرِ إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنّافِينَ لِلْقَضاءِ والقَدَرِ، ورَدَّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في أباطِيلِهِمْ، أمَرَهُ أنْ يَخْتِمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِاللَّهِ، وانْتَصَبَ ”دِينًا“ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ صِراطٍ؛ لِأنَّ مَعْناهُ هَدانِي رَبِّي صِراطًا مُسْتَقِيمًا كَما قالَ: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفَتْحِ: ٢] . والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الزَمُوا دِينًا، وقَوْلُهُ: (قِيَمًا) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَيِّمُ فَيْعِلٌ مِن قامَ كَسَيِّدٍ مِن سادَ وهو أبْلَغُ مِنَ القائِمِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ: (قِيَمًا) مَكْسُورَةَ القافِ خَفِيفَةَ الياءِ، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِيامِ كالصِّغَرِ والكِبَرِ والحِوَلِ والشِّبَعِ، والتَّأْوِيلُ: دِينًا ذا قِيَمٍ، ووَصَفَ الدِّينَ بِهَذا الوَصْفِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ فَقَوْلُهُ: (مِلَّةَ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ وحَنِيفًا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، والمَعْنى: هَدانِي رَبِّي وعَرَّفَنِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِالحَنِيفِيَّةِ، ثُمَّ قالَ في صِفَةِ إبْراهِيمَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما عَرَّفَهُ الدِّينَ المُسْتَقِيمَ عَرَّفَهُ كَيْفَ يَقُومُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُؤَدِّيهِ مَعَ الإخْلاصِ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي في العِباداتِ أنْ يُؤْتى بِها كَيْفَ كانَتْ بَلْ يَجِبُ أنْ يُؤْتى بِها مَعَ تَمامِ الإخْلاصِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الصَّلاةِ أنْ يُؤْتى بِها مَقْرُونَةً بِالإخْلاصِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونُسُكِي﴾ فَقِيلَ: المُرادُ بِالنُّسُكِ الذَّبِيحَةُ بِعَيْنِها، يَقُولُ: مَن فَعَلَ كَذا فَعَلَيْهِ نُسُكٌ؛ أيْ: دَمٌ يُهَرِيقُهُ، وجَمَعَ بَيْنَ الصَّلاةِ والذَّبْحِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكَوْثَرِ: ٢] ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: النُّسُكُ سَبائِكُ الفِضَّةِ، كُلُّ سَبِيكَةٍ مِنها نَسِيكَةٌ، وقِيلَ لِلْمُتَعَبِّدِ ناسِكٌ؛ لِأنَّهُ خَلَّصَ نَفْسَهُ مِن دَنَسِ الآثامِ، وصَفّاها كالسَّبِيكَةِ المُخَلَّصَةِ مِنَ الخَبَثِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ، فالنُّسُكُ كُلُّ ما تَقَرَّبْتَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. إلّا أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ في العُرْفِ الذَّبْحُ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي﴾ أيْ حَياتِي ومَوْتِي لِلَّهِ. صفحة ١١ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَأثْبَتَ كَوْنَ الكُلِّ لِلَّهِ، والمَحْيا والمَماتُ لَيْسا لِلَّهِ بِمَعْنى أنَّهُ يُؤْتى بِهِما لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ، بَلْ مَعْنى كَوْنِهِما لِلَّهِ أنَّهُما حاصِلانِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذَلِكَ أنْ يَكُونَ كَوْنُ الصَّلاةِ والنُّسُكِ لِلَّهِ مُفَسَّرًا بِكَوْنِهِما واقِعَيْنِ بِخَلْقِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ طاعاتِ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ نافِعٌ (مَحْيايْ) ساكِنَةَ الياءِ ونَصَبَها في مَماتِي، وإسْكانُ الياءِ في مَحْيايَ شاذٌّ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، لِأنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَلْتَقِيانِ عَلى هَذا الحَدِّ في نَثْرٍ ولا نَظْمٍ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ لُغَةٌ لِبَعْضِهِمْ، وحاصِلُ الكَلامِ، أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ صَلاتَهُ وسائِرَ عِباداتِهِ وحَياتَهُ ومَماتَهُ كُلَّها واقِعَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وتَقْدِيرِهِ وقَضائِهِ وحُكْمِهِ، ثُمَّ نَصَّ عَلى أنْ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ، والتَّقْدِيرُ: ثُمَّ يَقُولُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ: أيْ وبِهَذا التَّوْحِيدِ أُمِرْتُ. ثُمَّ يَقُولُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ المُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ أوَّلًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ أوَّلًا لِمُسْلِمِي زَمانِهِ.

الأنعام 6:162

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلَّمَ رَسُولَهُ أنْواعَ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والرَّدَّ عَلى القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ والأضْدادِ وبالَغَ في تَقْرِيرِ إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنّافِينَ لِلْقَضاءِ والقَدَرِ، ورَدَّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في أباطِيلِهِمْ، أمَرَهُ أنْ يَخْتِمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِاللَّهِ، وانْتَصَبَ ”دِينًا“ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ صِراطٍ؛ لِأنَّ مَعْناهُ هَدانِي رَبِّي صِراطًا مُسْتَقِيمًا كَما قالَ: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفَتْحِ: ٢] . والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الزَمُوا دِينًا، وقَوْلُهُ: (قِيَمًا) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَيِّمُ فَيْعِلٌ مِن قامَ كَسَيِّدٍ مِن سادَ وهو أبْلَغُ مِنَ القائِمِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ: (قِيَمًا) مَكْسُورَةَ القافِ خَفِيفَةَ الياءِ، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِيامِ كالصِّغَرِ والكِبَرِ والحِوَلِ والشِّبَعِ، والتَّأْوِيلُ: دِينًا ذا قِيَمٍ، ووَصَفَ الدِّينَ بِهَذا الوَصْفِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ فَقَوْلُهُ: (مِلَّةَ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ وحَنِيفًا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، والمَعْنى: هَدانِي رَبِّي وعَرَّفَنِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِالحَنِيفِيَّةِ، ثُمَّ قالَ في صِفَةِ إبْراهِيمَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما عَرَّفَهُ الدِّينَ المُسْتَقِيمَ عَرَّفَهُ كَيْفَ يَقُومُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُؤَدِّيهِ مَعَ الإخْلاصِ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي في العِباداتِ أنْ يُؤْتى بِها كَيْفَ كانَتْ بَلْ يَجِبُ أنْ يُؤْتى بِها مَعَ تَمامِ الإخْلاصِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الصَّلاةِ أنْ يُؤْتى بِها مَقْرُونَةً بِالإخْلاصِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونُسُكِي﴾ فَقِيلَ: المُرادُ بِالنُّسُكِ الذَّبِيحَةُ بِعَيْنِها، يَقُولُ: مَن فَعَلَ كَذا فَعَلَيْهِ نُسُكٌ؛ أيْ: دَمٌ يُهَرِيقُهُ، وجَمَعَ بَيْنَ الصَّلاةِ والذَّبْحِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكَوْثَرِ: ٢] ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: النُّسُكُ سَبائِكُ الفِضَّةِ، كُلُّ سَبِيكَةٍ مِنها نَسِيكَةٌ، وقِيلَ لِلْمُتَعَبِّدِ ناسِكٌ؛ لِأنَّهُ خَلَّصَ نَفْسَهُ مِن دَنَسِ الآثامِ، وصَفّاها كالسَّبِيكَةِ المُخَلَّصَةِ مِنَ الخَبَثِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ، فالنُّسُكُ كُلُّ ما تَقَرَّبْتَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. إلّا أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ في العُرْفِ الذَّبْحُ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي﴾ أيْ حَياتِي ومَوْتِي لِلَّهِ. صفحة ١١ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَأثْبَتَ كَوْنَ الكُلِّ لِلَّهِ، والمَحْيا والمَماتُ لَيْسا لِلَّهِ بِمَعْنى أنَّهُ يُؤْتى بِهِما لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ، بَلْ مَعْنى كَوْنِهِما لِلَّهِ أنَّهُما حاصِلانِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذَلِكَ أنْ يَكُونَ كَوْنُ الصَّلاةِ والنُّسُكِ لِلَّهِ مُفَسَّرًا بِكَوْنِهِما واقِعَيْنِ بِخَلْقِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ طاعاتِ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ نافِعٌ (مَحْيايْ) ساكِنَةَ الياءِ ونَصَبَها في مَماتِي، وإسْكانُ الياءِ في مَحْيايَ شاذٌّ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، لِأنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَلْتَقِيانِ عَلى هَذا الحَدِّ في نَثْرٍ ولا نَظْمٍ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ لُغَةٌ لِبَعْضِهِمْ، وحاصِلُ الكَلامِ، أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ صَلاتَهُ وسائِرَ عِباداتِهِ وحَياتَهُ ومَماتَهُ كُلَّها واقِعَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وتَقْدِيرِهِ وقَضائِهِ وحُكْمِهِ، ثُمَّ نَصَّ عَلى أنْ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ، والتَّقْدِيرُ: ثُمَّ يَقُولُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ: أيْ وبِهَذا التَّوْحِيدِ أُمِرْتُ. ثُمَّ يَقُولُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ المُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ أوَّلًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ أوَّلًا لِمُسْلِمِي زَمانِهِ.

الأنعام 6:163

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلَّمَ رَسُولَهُ أنْواعَ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والرَّدَّ عَلى القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ والأضْدادِ وبالَغَ في تَقْرِيرِ إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنّافِينَ لِلْقَضاءِ والقَدَرِ، ورَدَّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في أباطِيلِهِمْ، أمَرَهُ أنْ يَخْتِمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِاللَّهِ، وانْتَصَبَ ”دِينًا“ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ صِراطٍ؛ لِأنَّ مَعْناهُ هَدانِي رَبِّي صِراطًا مُسْتَقِيمًا كَما قالَ: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفَتْحِ: ٢] . والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الزَمُوا دِينًا، وقَوْلُهُ: (قِيَمًا) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَيِّمُ فَيْعِلٌ مِن قامَ كَسَيِّدٍ مِن سادَ وهو أبْلَغُ مِنَ القائِمِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ: (قِيَمًا) مَكْسُورَةَ القافِ خَفِيفَةَ الياءِ، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِيامِ كالصِّغَرِ والكِبَرِ والحِوَلِ والشِّبَعِ، والتَّأْوِيلُ: دِينًا ذا قِيَمٍ، ووَصَفَ الدِّينَ بِهَذا الوَصْفِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ فَقَوْلُهُ: (مِلَّةَ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ وحَنِيفًا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، والمَعْنى: هَدانِي رَبِّي وعَرَّفَنِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِالحَنِيفِيَّةِ، ثُمَّ قالَ في صِفَةِ إبْراهِيمَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما عَرَّفَهُ الدِّينَ المُسْتَقِيمَ عَرَّفَهُ كَيْفَ يَقُومُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُؤَدِّيهِ مَعَ الإخْلاصِ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي في العِباداتِ أنْ يُؤْتى بِها كَيْفَ كانَتْ بَلْ يَجِبُ أنْ يُؤْتى بِها مَعَ تَمامِ الإخْلاصِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الصَّلاةِ أنْ يُؤْتى بِها مَقْرُونَةً بِالإخْلاصِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونُسُكِي﴾ فَقِيلَ: المُرادُ بِالنُّسُكِ الذَّبِيحَةُ بِعَيْنِها، يَقُولُ: مَن فَعَلَ كَذا فَعَلَيْهِ نُسُكٌ؛ أيْ: دَمٌ يُهَرِيقُهُ، وجَمَعَ بَيْنَ الصَّلاةِ والذَّبْحِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكَوْثَرِ: ٢] ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: النُّسُكُ سَبائِكُ الفِضَّةِ، كُلُّ سَبِيكَةٍ مِنها نَسِيكَةٌ، وقِيلَ لِلْمُتَعَبِّدِ ناسِكٌ؛ لِأنَّهُ خَلَّصَ نَفْسَهُ مِن دَنَسِ الآثامِ، وصَفّاها كالسَّبِيكَةِ المُخَلَّصَةِ مِنَ الخَبَثِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ، فالنُّسُكُ كُلُّ ما تَقَرَّبْتَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. إلّا أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ في العُرْفِ الذَّبْحُ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي﴾ أيْ حَياتِي ومَوْتِي لِلَّهِ. صفحة ١١ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَأثْبَتَ كَوْنَ الكُلِّ لِلَّهِ، والمَحْيا والمَماتُ لَيْسا لِلَّهِ بِمَعْنى أنَّهُ يُؤْتى بِهِما لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ، بَلْ مَعْنى كَوْنِهِما لِلَّهِ أنَّهُما حاصِلانِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذَلِكَ أنْ يَكُونَ كَوْنُ الصَّلاةِ والنُّسُكِ لِلَّهِ مُفَسَّرًا بِكَوْنِهِما واقِعَيْنِ بِخَلْقِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ طاعاتِ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ نافِعٌ (مَحْيايْ) ساكِنَةَ الياءِ ونَصَبَها في مَماتِي، وإسْكانُ الياءِ في مَحْيايَ شاذٌّ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، لِأنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَلْتَقِيانِ عَلى هَذا الحَدِّ في نَثْرٍ ولا نَظْمٍ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ لُغَةٌ لِبَعْضِهِمْ، وحاصِلُ الكَلامِ، أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ صَلاتَهُ وسائِرَ عِباداتِهِ وحَياتَهُ ومَماتَهُ كُلَّها واقِعَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وتَقْدِيرِهِ وقَضائِهِ وحُكْمِهِ، ثُمَّ نَصَّ عَلى أنْ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ، والتَّقْدِيرُ: ثُمَّ يَقُولُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ: أيْ وبِهَذا التَّوْحِيدِ أُمِرْتُ. ثُمَّ يَقُولُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ المُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ أوَّلًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ أوَّلًا لِمُسْلِمِي زَمانِهِ.

الأنعام 6:164

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالتَّوْحِيدِ المَحْضِ، وهو أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّوْحِيدِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ أصْنافَ المُشْرِكِينَ أرْبَعَةٌ؛ لِأنَّ عَبْدَةَ الأصْنامِ أشْرَكُوا بِاللَّهِ، وعَبَدَةَ الكَواكِبِ أشْرَكُوا بِاللَّهِ، والقائِلُونَ بِيَزْدانُ، وأهْرَمَنُ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ في حَقِّهِمْ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أشْرَكُوا بِاللَّهِ، والقائِلُونَ: بِأنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ والمَلائِكَةَ بَناتُهُ، أشْرَكُوا أيْضًا بِاللَّهِ، فَهَؤُلاءِ هم فِرَقُ المُشْرِكِينَ، وكُلُّهم مُعْتَرِفُونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الكُلِّ، وذَلِكَ لِأنَّ عَبْدَةَ الأصْنامِ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ولِكُلِّ ما في العالَمِ مِنَ المَوْجُوداتِ، وهو الخالِقُ لِلْأصْنامِ والأوْثانِ بِأسْرِها. وأمّا عَبْدَةُ الكَواكِبِ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُها ومُوجِدُها. وأمّا القائِلُونَ بِيَزْدانُ وأهْرَمَنُ، فَهم أيْضًا مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ الشَّيْطانَ مُحْدَثٌ، وأنَّ مُحْدِثَهُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ. وأمّا القائِلُونَ بِالمَسِيحِ والمَلائِكَةِ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُ الكُلِّ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ طَوائِفَ المُشْرِكِينَ أطْبَقُوا واتَّفَقُوا عَلى أنَّ اللَّهَ خالِقُ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فاللَّهُ سُبْحانَهُ قالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ مَعَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا رَبًّا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُ تِلْكَ الأشْياءِ، وهَلْ يَدْخُلُ في العَقْلِ جَعْلُ المَرْبُوبِ شَرِيكًا لِلرَّبِّ وجَعْلُ العَبْدِ شَرِيكًا لِلْمَوْلى، وجَعْلُ المَخْلُوقِ شَرِيكًا لِلْخالِقِ ؟ ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ثَبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ أنَّ اتِّخاذَ رَبٍّ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى قَوْلٌ فاسِدٌ، ودِينٌ باطِلٌ. صفحة ١٢ الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ هَذا الكَلامِ أنَّ المَوْجُودَ، إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ. وثَبَتَ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ واحِدٌ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وثَبَتَ أنَّ المُمْكِنَ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ تَعالى رَبًّا لِكُلِّ شَيْءٍ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: صَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ المَرْبُوبِ شَرِيكًا لِلرَّبِّ وجَعْلُ المَخْلُوقِ شَرِيكًا لِلْخالِقِ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِهَذا الدَّلِيلِ القاهِرِ القاطِعِ هَذا التَّوْحِيدَ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِن كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ ذَمٌّ ولا عِقابٌ، فَقالَ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ ومَعْناهُ: أنَّ إثْمَ الجانِي عَلَيْهِ، لا عَلى غَيْرِهِ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ لا تُؤْخَذُ نَفْسٌ آثِمَةٌ بِإثْمِ أُخْرى، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ رُجُوعَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ إلى مَوْضِعٍ لا حاكِمَ فِيهِ ولا آمِرَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .

الأنعام 6:165

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: جَعَلَهم خَلائِفَ الأرْضِ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَخَلَفَتْ أُمَّتُهُ سائِرَ الأُمَمِ. وثانِيها: جَعَلَهم يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا. وثالِثُها: أنَّهم خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ يَمْلِكُونَها ويَتَصَرَّفُونَ فِيها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ في الشَّرَفِ، والعَقْلِ، والمالِ، والجاهِ، والرِّزْقِ، وإظْهارُ هَذا التَّفاوُتِ لَيْسَ لِأجْلِ العَجْزِ والجَهْلِ والبُخْلِ، فَإنَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ، وإنَّما هو لِأجْلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ حَقِيقَةَ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، إلّا أنَّ المُرادَ هو التَّكْلِيفُ وهو عَمَلٌ لَوْ صَدَرَ مِنَ الواحِدِ مِنّا لَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، فَسُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِأجْلِ هَذِهِ المُشابَهَةِ، ثُمَّ إنَّ هَذا المُكَلَّفَ إمّا أنْ يَكُونَ مُقَصِّرًا فِيما كُلِّفَ بِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُوَفِّرًا فِيهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ نَصِيبُهُ مِنَ التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ، هو قَوْلَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ ووَصَفَ العِقابَ بِالسُّرْعَةِ؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ، وهو أنْ يَكُونَ مُوَفِّرًا في تِلْكَ الطّاعاتِ كانَ نَصِيبُهُ مِنَ التَّشْرِيفِ والتَّرْغِيبِ هو قَوْلَهُ: ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ويَسْتُرُ العُيُوبَ في الدُّنْيا بِسَتْرِ فَضْلِهِ وكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، وفي الآخِرَةِ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ أنْواعَ نِعَمِهِ، وهَذا الكَلامُ بَلَغَ في شَرْحِ الإعْذارِ والإنْذارِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ، وهَذا آخِرُ الكَلامِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأنْعامِ، والحَمْدُ لِلَّهِ المَلِكِ العَلّامِ.