Tafsir Al-Razi — الأعراف 7:1 – الأعراف 7:53
المحتويات
- الأعراف 7:1
- الأعراف 7:2
- الأعراف 7:3
- الأعراف 7:4
- الأعراف 7:5
- الأعراف 7:6
- الأعراف 7:7
- الأعراف 7:8
- الأعراف 7:9
- الأعراف 7:10
- الأعراف 7:11
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:13
- الأعراف 7:14
- الأعراف 7:15
- الأعراف 7:16
- الأعراف 7:17
- الأعراف 7:18
- الأعراف 7:19
- الأعراف 7:20
- الأعراف 7:21
- الأعراف 7:22
- الأعراف 7:23
- الأعراف 7:24
- الأعراف 7:25
- الأعراف 7:26
- الأعراف 7:27
- الأعراف 7:28
- الأعراف 7:29
- الأعراف 7:30
- الأعراف 7:31
- الأعراف 7:32
- الأعراف 7:33
- الأعراف 7:34
- الأعراف 7:35
- الأعراف 7:36
- الأعراف 7:37
- الأعراف 7:38
- الأعراف 7:39
- الأعراف 7:40
- الأعراف 7:41
- الأعراف 7:42
- الأعراف 7:43
- الأعراف 7:44
- الأعراف 7:45
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:47
- الأعراف 7:48
- الأعراف 7:49
- الأعراف 7:50
- الأعراف 7:51
- الأعراف 7:52
- الأعراف 7:53
الأعراف 7:1
صفحة ١٣
(سُورَةُ الأعْرافِ)
مَكِّيَّةٌ إلّا مِن آيَةِ: ١٦٣ إلى غايَةِ آيَةِ ١٧٠، فَمَدَنِيَّةٌ
وآياتُها ٢٠٦ نَزَلَتْ بَعْدَ ص
﷽
﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
﷽
﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿المص﴾ أنا اللَّهُ أفْصِلُ، وعَنْهُ أيْضًا: أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأفْصِلُ، قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَهَذِهِ الحُرُوفُ واقِعَةٌ في مَوْضِعِ جُمَلٍ، والجُمَلُ إذا كانَتِ ابْتِداءً وخَبَرًا فَقَطْ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، فَقَوْلُهُ: أنا اللَّهُ أعْلَمُ، لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، فَقَوْلُهُ: ”أنا“ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ”اللَّهُ“ وقَوْلُهُ: ”أعْلَمُ“ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وإذا كانَ المَعْنى ﴿المص﴾ أنا اللَّهُ أعْلَمُ كانَ إعْرابُها كَإعْرابِ الشَّيْءِ الَّذِي هو تَأْوِيلٌ لَها، وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿المص﴾ عَلى هِجاءِ قَوْلِنا في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: إنَّهُ المُصَوِّرُ. قالَ القاضِي: لَيْسَ هَذا اللَّفْظُ عَلى قَوْلِنا: أنا اللَّهُ أفْصِلُ، أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى قَوْلِهِ: أنا اللَّهُ أُصْلِحُ، أنا اللَّهُ أمْتَحِنُ، أنا اللَّهُ المَلِكُ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَتِ العِبْرَةُ بِحَرْفِ الصّادِ فَهو مَوْجُودٌ في قَوْلِنا: أنا اللَّهُ أُصْلِحُ، وإنْ كانَتِ العِبْرَةُ بِحَرْفِ المِيمِ، فَكَما أنَّهُ مَوْجُودٌ في العِلْمِ فَهو أيْضًا مَوْجُودٌ في المُلْكِ والِامْتِحانِ، فَكانَ حَمْلُ قَوْلِنا: ﴿المص﴾ عَلى ذَلِكَ المَعْنى بِعَيْنِهِ مَحْضَ التَّحَكُّمِ، وأيْضًا فَإنْ جاءَ تَفْسِيرُ الألْفاظِ بِناءً عَلى ما فِيها مِنَ الحُرُوفِ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ تِلْكَ اللَّفْظَةُ مَوْضُوعَةً في اللُّغَةِ لِذَلِكَ المَعْنى، انْفَتَحَتْ طَرِيقَةُ الباطِنِيَّةِ في تَفْسِيرِ سائِرِ ألْفاظِ القُرْآنِ بِما يُشاكِلُ هَذا الطَّرِيقَ.
وأمّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى فَأبْعَدُ، لِأنَّهُ لَيْسَ جَعْلُهُ اسْمًا لِلَّهِ تَعالى، أوْلى مِن جَعْلِهِ اسْمًا لِبَعْضِ رُسُلِهِ مِنَ المَلائِكَةِ أوِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ إنَّما يَصِيرُ اسْمًا لِلْمُسَمّى بِواسِطَةِ الوَضْعِ والِاصْطِلاحِ، وذَلِكَ مَفْقُودٌ هَهُنا، بَلِ الحَقُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿المص﴾ اسْمٌ لَقَبٌ لِهَذِهِ السُّورَةِ، وأسْماءُ الألْقابِ لا تُفِيدُ فائِدَةً في
صفحة ١٤
المُسَمَّياتِ، بَلْ هي قائِمَةٌ مَقامَ الإشاراتِ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يُسَمِّيَ هَذِهِ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿المص﴾ كَما أنَّ الواحِدَ مِنّا إذا حَدَثَ لَهُ ولَدٌ، فَإنَّهُ يُسَمِّيهِ بِمُحَمَّدٍ.
إذا عَرَفَتْ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ صِفَةٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ. أيِ السُّورَةُ المُسَمّاةُ بِقَوْلِنا: ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ - مُحَمَّدٍ ﷺ- هو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهُ بِإنْزالِ هَذا القُرْآنِ عَلَيْهِ، فَما لَمْ نَعْرِفْ هَذا المَعْنى لا يُمْكِنُنا أنْ نَعْرِفَ نُبُوَّتَهُ، وما لَمْ نَعْرِفْ نُبُوَّتَهُ، لا يُمْكِنُنا أنْ نَحْتَجَّ بِقَوْلِهِ. فَلَوْ أثْبَتْنا كَوْنَ هَذِهِ السُّورَةِ نازِلَةً عَلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ؛ لَزِمَ الدَّوْرُ.
قُلْنا: نَحْنُ بِمَحْضِ العَقْلِ نَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما تَلْمَذَ لِأُسْتاذٍ، ولا تَعَلَّمَ مِن مُعَلِّمٍ، ولا طالَعَ كِتابًا، ولَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ والشُّعَراءَ وأهْلَ الأخْبارِ، وانْقَضى مِن عُمُرِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً، ولَمْ يَتَّفِقْ لَهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، ثُمَّ بَعْدَ انْقِضاءِ الأرْبَعِينَ ظَهَرَ عَلَيْهِ هَذا الكِتابُ العَزِيزُ المُشْتَمِلُ عَلى عُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وصَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ هَذا لا يَكُونُ إلّا بِطَرِيقِ الوَحْيِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
فَثَبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أنَّ ﴿المص﴾ كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى - مُحَمَّدٍ ﷺ- مِن عِنْدِ رَبِّهِ وإلَهِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِخَلْقِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ قالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا، والإنْزالُ يَقْتَضِي الِانْتِقالَ مِن حالٍ إلى حالٍ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالقَدِيمِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مُحْدَثٌ.
وجَوابُهُ: إنَّ المَوْصُوفَ بِالإنْزالِ والتَّنْزِيلِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ هو هَذِهِ الحُرُوفُ ولا نِزاعَ في كَوْنِها مُحْدَثَةً مَخْلُوقَةً. واللَّهُ أعْلَمُ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَبْ أنَّ المُرادَ مِنهُ الحُرُوفُ، إلّا أنَّ الحُرُوفَ أعْراضٌ غَيْرُ باقِيَةٍ بِدَلِيلِ أنَّها مُتَوالِيَةٌ، وكَوْنُها مُتَوالِيَةً يُشْعِرُ بِعَدَمِ بَقائِها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالعَرَضُ الَّذِي لا يَبْقى زَمانَيْنِ كَيْفَ يُعْقَلُ وصْفُهُ بِالنُّزُولِ.
والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أحْدَثَ هَذِهِ الرُّقُومَ والنُّقُوشَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ إنَّ المَلَكَ يُطالِعُ تِلْكَ النُّقُوشَ، ويَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ويُعَلِّمُ مُحَمَّدًا تِلْكَ الحُرُوفَ والكَلِماتِ، فَكانَ المُرادُ بِكَوْنِ تِلْكَ الحُرُوفِ نازِلَةً، هو أنَّ مُبَلِّغَها نَزَلَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ بِها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ أثْبَتُوا لِلَّهِ مَكانًا تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وكَلِمَةَ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ مَسافَةٍ مَبْدَؤُها هو اللَّهُ تَعالى وغايَتُها مُحَمَّدٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِجِهَةِ فَوْقُ، لِأنَّ النُّزُولَ هو الِانْتِقالُ مِن فَوْقُ إلى أسْفَلُ.
وجَوابُهُ: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ أنَّ المَكانَ والجِهَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ المَلَكَ انْتَقَلَ بِهِ مِنَ العُلُوِّ إلى أسْفَلَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ وفي تَفْسِيرِ الحَرَجِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: الحَرَجُ الضِّيقُ، والمَعْنى: لا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِسَبَبِ أنْ يُكَذِّبُوكَ في التَّبْلِيغِ.
والثّانِي: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ أيْ: شَكٌّ
صفحة ١٥
مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ [يُونُسَ: ٩٤] وسُمِّي الشَّكُّ حَرَجًا، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ حَرِجُ الصَّدْرِ، كَما أنَّ المُتَيَقِّنَ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ مُنْفَسِحُ القَلْبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ هَذِهِ ”اللّامُ“ بِماذا تَتَعَلَّقُ ؟
فِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ هَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ الإقْدامَ عَلى الإنْذارِ والتَّبْلِيغِ لا يَتِمُّ ولا يَكْمُلُ إلّا عِنْدَ زَوالِ الحَرَجِ عَنِ الصَّدْرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإزالَةِ الحَرَجِ عَنِ الصَّدْرِ، ثُمَّ أمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالإنْذارِ والتَّبْلِيغِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللّامُ هَهُنا بِمَعْنى: كَيْ. والتَّقْدِيرُ: فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ شَكٌّ كَيْ تُنْذِرَ غَيْرَكَ.
الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: اللّامُ هَهُنا: بِمَعْنى: أنْ. والتَّقْدِيرُ: لا يَضِقْ صَدْرُكَ ولا يَضْعُفْ عَنْ أنْ تُنْذِرَ بِهِ، والعَرَبُ تَضَعُ هَذِهِ اللّامَ في مَوْضِعِ ”أنْ“ قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٢] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصَّفِّ: ٨] وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
والرّابِعُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: إنَّ هَذا الكِتابَ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، وإذا عَلِمْتَ أنَّهُ تَنْزِيلُ اللَّهِ تَعالى، فاعْلَمْ أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ مَعَكَ، وإذا عَلِمْتَ هَذا فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ، لِأنَّ مَن كانَ اللَّهُ حافِظًا لَهُ وناصِرًا، لَمْ يَخَفْ أحَدًا، وإذا زالَ الخَوْفُ والضِّيقُ عَنِ القَلْبِ، فاشْتَغَلَ بِالإنْذارِ والتَّبْلِيغِ والتَّذْكِيرِ اشْتِغالَ الرِّجالِ الأبْطالِ، ولا تُبالِ بِأحَدٍ مِن أهْلِ الزَّيْغِ والضَّلالِ والإبْطالِ.
الأعراف 7:2
ثُمَّ قالَ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَواعِظَ لِلْمُصَدِّقِينَ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو اسْمٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ. قالَ اللَّيْثُ: (الذِّكْرى) اسْمٌ لِلتَّذْكِرَةِ، وفي مَحَلِّ ذِكْرى مِنَ الإعْرابِ وُجُوهٌ:
قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَعْنى: لِتَنْذُرَ بِهِ ولِتُذَكِّرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالرَّدِّ عَلى قَوْلِهِ: (كِتابٌ) والتَّقْدِيرُ: كِتابٌ حَقٌّ وذِكْرى، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ، وهو ذِكْرى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا؛ لِأنَّ مَعْنى لِتُنْذِرَ بِهِ، لِأنْ تُنْذِرَ بِهِ فَهو في مَوْضِعِ خَفْضٍ، لِأنَّ المَعْنى لِلْإنْذارِ والذِّكْرى.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قَيَّدَ هَذِهِ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ ؟
قُلْنا: هو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والبَحْثُ العَقْلِيُّ فِيهِ أنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ عَلى قِسْمَيْنِ: نُفُوسٌ بَلِيدَةٌ جاهِلَةٌ، بَعِيدَةٌ عَنْ عالَمِ الغَيْبِ، غَرِيقَةٌ في طَلَبِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ، والشَّهَواتِ الجَسَدانِيَّةِ، ونُفُوسٌ شَرِيفَةٌ مُشْرِقَةٌ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ مُسْتَعِدَّةٌ بِالحَوادِثِ الرُّوحانِيَّةِ، فَبَعْثَةُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ في حَقِّ القِسْمِ الأوَّلِ، إنْذارٌ وتَخْوِيفٌ، فَإنَّهم لَمّا غَرِقُوا في نَوْمِ الغَفْلَةِ ورَقْدَةِ الجَهالَةِ، احْتاجُوا إلى مُوقِظٍ يُوقِظُهم، وإلى مُنَبِّهٍ يُنَبِّهُهم. وأمّا في حَقِّ القِسْمِ الثّانِي فَتَذْكِيرٌ وتَنْبِيهٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ بِمُقْتَضى جَواهِرِها الأصْلِيَّةِ مُسْتَعِدَّةٌ لِلِانْجِذابِ إلى عالَمِ القُدُسِ والِاتِّصالِ بِالحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ، إلّا أنَّهُ رُبَّما غَشِيَها غَواشٍ مِن عالَمِ الجِسْمِ، فَيَعْرِضُ لَها نَوْعُ ذُهُولٍ وغَفْلَةٍ، فَإذا سَمِعَتْ دَعْوَةَ الأنْبِياءِ واتَّصَلَ بِها أنْوارُ أرْواحِ رُسُلِ اللَّهِ تَعالى، تَذَكَّرَتْ مَرْكَزَها وأبْصَرَتْ مَنشَأها، واشْتاقَتْ إلى ما حَصَلَ هُنالِكَ مِنَ الرُّوحِ والرّاحَةِ والرَّيْحانِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ لِيَكُونَ إنْذارًا في حَقِّ طائِفَةٍ، وذِكْرى في حَقِّ طائِفَةٍ أُخْرى. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ أمْرَ الرِّسالَةِ إنَّما يَتِمُّ بِالمُرْسِلِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمُرْسَلِ وهو الرَّسُولُ، والمُرْسَلِ إلَيْهِ، وهو الأُمَّةُ، فَلَمّا أمَرَ في الآيَةِ الأُولى الرَّسُولَ بِالتَّبْلِيغِ والإنْذارِ مَعَ قَلْبٍ قَوِيٍّ، وعَزْمٍ صَحِيحٍ أمَرَ المُرْسَلَ إلَيْهِ، وهُمُ الأُمَّةُ بِمُتابَعَةِ الرَّسُولِ، فَقالَ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الحَسَنُ: يا ابْنَ آدَمَ، أُمِرْتَ بِاتِّباعِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ يَتَناوَلُ القُرْآنَ والسُّنَّةَ.
فَإنْ قِيلَ: لِماذا قالَ: ﴿أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ وإنَّما أُنْزِلَ عَلى الرَّسُولِ.
قُلْنا: إنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلى الكُلِّ بِمَعْنى أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُلِّ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ عُمُومِ القُرْآنِ بِالقِياسِ لا يَجُوزُ لِأنَّ عُمُومَ القُرْآنِ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. واللَّهُ تَعالى أوْجَبَ مُتابَعَتَهُ، فَوَجَبَ العَمَلُ بِعُمُومِ القُرْآنِ ولَمّا وجَبَ العَمَلُ بِهِ امْتَنَعَ العَمَلُ بِالقِياسِ، وإلّا لَزِمَ التَّناقُضُ.
فَإنْ قالُوا: لَمّا ورَدَ الأمْرُ بِالقِياسِ في القُرْآنِ. وهو قَوْلُهُ: ﴿فاعْتَبِرُوا﴾ [الحَشْرِ: ٢] كانَ العَمَلُ بِالقِياسِ عَمَلًا بِما أنْزَلَ اللَّهُ.
قُلْنا: هَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: الآيَةُ الدّالَّةُ عَلى وُجُوبِ العَمَلِ بِالقِياسِ إنَّما تَدُلُّ عَلى الحُكْمِ المُثْبَتِ بِالقِياسِ، لا ابْتِداءً بَلْ بِواسِطَةِ ذَلِكَ القِياسِ. وأمّا عُمُومُ القُرْآنِ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ ذَلِكَ الحُكْمِ ابْتِداءً لا بِواسِطَةٍ، ولَمّا وقَعَ التَّعارُضُ كانَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ ابْتِداءً أوْلى بِالرِّعايَةِ مِنَ الحُكْمِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ بِواسِطَةِ شَيْءٍ آخَرَ، فَكانَ التَّرْجِيحُ مِن جانِبِنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ قالُوا: مَعْناهُ ولا تَتَوَلَّوْا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ مِن شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ فَيَحْمِلُوكم عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ والأهْواءِ والبِدَعِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَتْبُوعَ إمّا أنْ يَكُونَ هو الشَّيْءَ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى أوْ غَيْرَهُ.
أمّا الأوَّلُ: فَهو الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِاتِّباعِهِ.
وأمّا الثّانِي: فَهو الَّذِي نَهى اللَّهُ عَنِ اتِّباعِهِ، فَكانَ المَعْنى أنَّ كُلَّ ما يُغايِرُ الحُكْمَ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ نُفاةَ القِياسِ تَمَسَّكُوا بِهِ في نَفْيِ القِياسِ. فَقالُوا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مُتابَعَةُ غَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، والعَمَلُ بِالقِياسِ مُتابَعَةٌ لِغَيْرِ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ.
فَإنْ قالُوا: لَمّا دَلَّ قَوْلُهُ: فاعْتَبِرُوا عَلى العَمَلِ بِالقِياسِ كانَ العَمَلُ بِالقِياسِ عَمَلًا بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى
صفحة ١٧
أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ العَمَلَ بِالقِياسِ، لَوْ كانَ عَمَلًا بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى، لَكانَ تارِكُ العَمَلِ بِمُقْتَضى القِياسِ كافِرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٤٤] وحَيْثُ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عَدَمِ التَّكْفِيرِ عَلِمْنا أنَّ العَمَلَ بِحُكْمِ القِياسِ لَيْسَ عَمَلًا بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَتِمُّ الدَّلِيلُ.
وأجابَ عَنْهُ مُثْبِتُو القِياسِ: بِأنَّ كَوْنَ القِياسِ حُجَّةً ثَبَتَ بِإجْماعِ الصَّحابَةِ، والإجْماعُ دَلِيلٌ قاطِعٌ وما ذَكَرْتُمُوهُ تَمَسُّكٌ بِظاهِرِ العُمُومِ، وهو دَلِيلٌ مَظْنُونٌ، والقاطِعُ أوْلى مِنَ المَظْنُونِ.
وأجابَ الأوَّلُونَ: بِأنَّكم أثْبَتُّمْ أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النِّساءِ: ١١٥] وعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ (البَقَرَةِ: ١٤٣) وعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١١٠) وبِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلى الضَّلالَةِ» وعَلى هَذا فَإثْباتُ كَوْنِ الإجْماعِ حُجَّةً، فَرْعٌ عَنِ التَّمَسُّكِ بِالعُمُوماتِ، والفَرْعُ لا يَكُونُ أقْوى مِنَ الأصْلِ.
فَأجابَ مُثْبِتُو القِياسِ: بِأنَّ الآياتِ والأحادِيثَ والإجْماعَ لَمّا تَعاضَدَتْ في إثْباتِ القِياسِ قَوِيَتِ القُوَّةُ وحَصَلَ التَّرْجِيحُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحَشْوِيَّةُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النَّظَرَ العَقْلِيَّ والبَراهِينَ العَقْلِيَّةَ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ القُرْآنِ حُجَّةً مَوْقُوفٌ عَلى صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَلَوْ جَعَلْنا القُرْآنَ طاعِنًا في صِحَّةِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لَزِمَ التَّناقُضُ وهو باطِلٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (قَلِيلًا ما يَتَذَكَّرُونَ) بِالياءِ تارَةً والتّاءِ أُخْرى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتّاءِ وتَخْفِيفِ الذّالِ، والباقُونَ بِالتّاءِ وتَشْدِيدِ الذّالِ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَذَّكَّرُونَ أصْلُهُ تَتَذَكَّرُونَ فَأُدْغِمَ تاءُ تَفَّعَّلَ في الذّالِ لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والذّالَ مَجْهُورَةٌ، والمَجْهُورُ أزْيَدُ صَوْتًا مِنَ المَهْمُوسِ، فَحَسُنَ إدْغامُ الأنْقَصِ في الأزْيَدِ، وما مَوْصُولَةٌ بِالفِعْلِ وهي مَعَهُ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ. فالمَعْنى: قَلِيلًا تَذَكُّرُكم، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ (يَتَذَكَّرُونَ) بِياءٍ وتاءٍ فَوَجْهُها أنَّ هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أيْ: قَلِيلًا ما يَتَذَكَّرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذُكِّرُوا بِهَذا الخِطابِ، وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ، خَفِيفَةَ الذّالِ شَدِيدَةَ الكافِ، فَقَدْ حَذَفُوا التّاءَ الَّتِي أدْغَمَها الأوَّلُونَ، وذَلِكَ حَسَنٌ لِاجْتِماعِ ثَلاثَةِ أحْرُفٍ مُتَقارِبَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ (ولا تَبْتَغُوا) مِنَ الِابْتِغاءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٨٥) .
الأعراف 7:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾
صفحة ١٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإنْذارِ والتَّبْلِيغِ، وأمَرَ القَوْمَ بِالقَبُولِ والمُتابَعَةِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما في تَرْكِ المُتابَعَةِ والإعْراضِ عَنْها مِنَ الوَعِيدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ (كَمْ) رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ أهْلَكْناها. قالَ: وهو أحْسَنُ مِن أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: لِأنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ أجْوَدُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، والنَّصْبُ جَيِّدٌ عَرَبِيٌّ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَرِ: ١٩] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ والبَأْسُ لا يَلِيقُ إلّا بِالأهْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ فَعادَ الضَّمِيرُ إلى أهْلِ القَرْيَةِ.
وثالِثُها: إنَّ الزَّجْرَ والتَّحْذِيرَ لا يَقَعُ لِلْمُكَلَّفِينَ إلّا بِإهْلاكِهِمْ.
ورابِعُها: إنَّ مَعْنى البَياتِ والقائِلَةِ لا يَصِحُّ إلّا فِيهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِماذا قالَ أهْلَكْناها ؟ أجابُوا بِأنَّهُ تَعالى رَدَّ الكَلامَ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ (الطَّلاقِ: ٨) فَرَدَّهُ عَلى اللَّفْظِ. ثُمَّ قالَ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فَرَدَّهُ عَلى المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ الزَّجّاجُ: ولَوْ قالَ: فَجاءَهم بَأْسُنا لَكانَ صَوابًا، وقالَ بَعْضُهم: لا مَحْذُوفَ في الآيَةِ، والمُرادُ إهْلاكُ نَفْسِ القَرْيَةِ؛ لِأنَّ في إهْلاكِها بِهَدْمٍ أوْ خَسْفٍ أوْ غَيْرِهِما إهْلاكَ مَن فِيها، ولِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ مَحْمُولًا عَلى ظاهِرِهِ ولا حاجَةَ فِيهِ إلى التَّأْوِيلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإهْلاكُ مُتَقَدِّمًا عَلى مَجِيءِ البَأْسِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ مَجِيءَ البَأْسِ مُقَدَّمٌ عَلى الإهْلاكِ، والعُلَماءُ أجابُوا عَنْ هَذا السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: (أهْلَكْناها) أيْ: حَكَمْنا بِهَلاكِها فَجاءَها بَأْسُنا.
وثانِيها: كَمْ مِن قَرْيَةٍ أرَدْنا إهْلاكَها فَجاءَها بَأْسُنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ٦)
وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَهم إهْلاكُنا لَمْ يَكُنِ السُّؤالُ وارِدًا، فَكَذا هَهُنا؛ لِأنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الإهْلاكِ بِلَفْظِ البَأْسِ. فَإنْ قالُوا: السُّؤالُ باقٍ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ فاءُ التَّعْقِيبِ، وهو يُوجِبُ المُغايَرَةَ. فَنَقُولُ: الفاءُ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى التَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أحَدِكم حَتّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَواضِعَهُ فَيَغْسِلُ وجْهَهُ ويَدَيْهِ» فالفاءُ في قَوْلِهِ: فَيَغْسِلُ لِلتَّفْسِيرِ، لِأنَّ غَسْلَ الوَجْهِ واليَدَيْنِ كالتَّفْسِيرِ لِوَضْعِ الطَّهُورِ مَواضِعَهُ. فَكَذَلِكَ هَهُنا البَأْسُ جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ، لِذَلِكَ الإهْلاكِ، لِأنَّ الإهْلاكَ، قَدْ يَكُونُ بِالمَوْتِ المُعْتادِ، وقَدْ يَكُونُ بِتَسْلِيطِ البَأْسِ والبَلاءِ عَلَيْهِمْ، فَكانَ ذِكْرُ البَأْسِ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ الإهْلاكِ.
الرّابِعُ: قالَ الفَرّاءُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: البَأْسُ والهَلاكُ يَقَعانِ مَعًا، كَما يُقالُ: أعْطَيْتَنِي فَأحْسَنْتَ، وما كانَ الإحْسانُ بَعْدَ الإعْطاءِ ولا قَبْلَهُ، وإنَّما وقَعا مَعًا فَكَذا هَهُنا، وقَوْلُهُ: (بَياتًا) قالَ الفَرّاءُ يُقالُ: باتَ الرَّجُلُ يَبِيتُ بَيْتًا، ورُبَّما قالُوا: بَياتًا، قالُوا: وسُمِّيَ البَيْتُ؛ لِأنَّهُ يَباتُ فِيهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: (بَياتًا) مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ بِمَعْنى بائِتِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: (بَياتًا) كَأنَّهُ قِيلَ: فَجاءَها بَأْسُنا بائِتِينَ أوْ قائِلِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: وفِيهِ واوٌ مُضْمَرَةٌ، والمَعْنى: أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ وهم قائِلُونَ، إلّا أنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا الجَمْعَ بَيْنَ حَرْفَيِ العَطْفِ، ولَوْ قِيلَ: كانَ صَوابًا، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لَيْسَ بِصَوابٍ: لِأنَّ واوَ الحالِ قَرِيبَةٌ مِن واوِ العَطْفِ،
صفحة ١٩
فالجَمْعُ بَيْنَهُما يُوجِبُ الجَمْعَ بَيْنَ المِثْلَيْنِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، ولَوْ قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ راجِلًا وهو فارِسٌ لَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إلى واوِ العَطْفِ.
البَحْثُ الثّانِي: كَلِمَةُ ”أوْ“ دَخَلَتْ هَهُنا بِمَعْنى أنَّهم جاءَهم بَأْسُنا مَرَّةً لَيْلًا ومَرَّةً نَهارًا، وفي القَيْلُولَةِ قَوْلانِ: قالَ اللَّيْثُ: القَيْلُولَةُ نَوْمَةُ نِصْفِ النَّهارِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الجَنَّةَ لا نَوْمَ فِيها واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (الفُرْقانِ: ٢٤) ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جاءَهم بَأْسُنا وهم غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ، إمّا لَيْلًا وهم نائِمُونَ، أوْ نَهارًا وهم قائِلُونَ، والمَقْصُودُ: أنَّهم جاءَهُمُ العَذابُ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنهم مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ أمارَةٍ تَدُلُّهم عَلى نُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لِلْكَفّارِ: لا تَغْتَرُّوا بِأسْبابِ الأمْنِ والرّاحَةِ والفَراغِ، فَإنَّ عَذابَ اللَّهِ إذا وقَعَ، وقَعَ دَفْعَةً مِن غَيْرِ سَبْقِ أمارَةٍ، فَلا تَغْتَرُّوا بِأحْوالِكم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الدَّعْوى اسْمٌ يَقُومُ مَقامَ الِادِّعاءِ، ومَقامَ الدُّعاءِ حَكى سِيبَوَيْهِ: اللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دُعاءِ المُسْلِمِينَ، ودَعْوى المُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَما كانَ تَضَرُّعُهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ، فَأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالشِّرْكِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَما كانَ قَوْلُهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا الِاعْتِرافَ بِالظُّلْمِ والإقْرارَ بِالإساءَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ الِاخْتِيارُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ أنْ رَفْعًا بِكانَ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ نَصْبًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا﴾ (النَّمْلِ: ٥٦) وقَوْلِهِ: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ﴾ (الحَشْرِ: ١٧) وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ﴾ (الجاثِيَةِ: ٢٥) قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أيْضًا عَلى الضِّدِّ مِن هَذا بِأنْ يَكُونَ الدَّعْوى رَفْعًا، وإنْ قالُوا نَصْبًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: (لَيْسَ البِرُّ أنْ تَوُلُّوا ) (البَقَرَةِ: ١٧٧) عَلى قِراءَةِ مَن رَفَعَ البِرَّ، والأصْلُ في هَذا البابِ أنَّهُ إذا حَصَلَ بَعْدَ كَلِمَةِ كانَ مَعْرِفَتانِ، فَأنْتَ بِالخِيارِ في رَفْعِ أيِّهِما شِئْتَ، وفي نَصْبِ الآخَرِ، كَقَوْلِكَ: كانَ زَيْدٌ أخاكَ، وإنْ شِئْتَ كانَ زَيْدًا أخُوكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ إذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أنْ يَقُولَ: (فَما كانَتْ دَعْواهم) فَلَمّا قالَ: كانَ، دَلَّ عَلى أنَّ الدَّعْوى في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ يَجُوزُ تَذْكِيرُ الدَّعْوى، وإنْ كانَتْ رَفْعًا فَتَقُولُ: كانَ دَعْواهُ باطِلًا، وباطِلَةً، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾
صفحة ١٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإنْذارِ والتَّبْلِيغِ، وأمَرَ القَوْمَ بِالقَبُولِ والمُتابَعَةِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما في تَرْكِ المُتابَعَةِ والإعْراضِ عَنْها مِنَ الوَعِيدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ (كَمْ) رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ أهْلَكْناها. قالَ: وهو أحْسَنُ مِن أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: لِأنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ أجْوَدُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، والنَّصْبُ جَيِّدٌ عَرَبِيٌّ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَرِ: ١٩] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ والبَأْسُ لا يَلِيقُ إلّا بِالأهْلِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ فَعادَ الضَّمِيرُ إلى أهْلِ القَرْيَةِ.
وثالِثُها: إنَّ الزَّجْرَ والتَّحْذِيرَ لا يَقَعُ لِلْمُكَلَّفِينَ إلّا بِإهْلاكِهِمْ.
ورابِعُها: إنَّ مَعْنى البَياتِ والقائِلَةِ لا يَصِحُّ إلّا فِيهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِماذا قالَ أهْلَكْناها ؟ أجابُوا بِأنَّهُ تَعالى رَدَّ الكَلامَ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ (الطَّلاقِ: ٨) فَرَدَّهُ عَلى اللَّفْظِ. ثُمَّ قالَ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فَرَدَّهُ عَلى المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ الزَّجّاجُ: ولَوْ قالَ: فَجاءَهم بَأْسُنا لَكانَ صَوابًا، وقالَ بَعْضُهم: لا مَحْذُوفَ في الآيَةِ، والمُرادُ إهْلاكُ نَفْسِ القَرْيَةِ؛ لِأنَّ في إهْلاكِها بِهَدْمٍ أوْ خَسْفٍ أوْ غَيْرِهِما إهْلاكَ مَن فِيها، ولِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ مَحْمُولًا عَلى ظاهِرِهِ ولا حاجَةَ فِيهِ إلى التَّأْوِيلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإهْلاكُ مُتَقَدِّمًا عَلى مَجِيءِ البَأْسِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ مَجِيءَ البَأْسِ مُقَدَّمٌ عَلى الإهْلاكِ، والعُلَماءُ أجابُوا عَنْ هَذا السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: (أهْلَكْناها) أيْ: حَكَمْنا بِهَلاكِها فَجاءَها بَأْسُنا.
وثانِيها: كَمْ مِن قَرْيَةٍ أرَدْنا إهْلاكَها فَجاءَها بَأْسُنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ٦)
وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَهم إهْلاكُنا لَمْ يَكُنِ السُّؤالُ وارِدًا، فَكَذا هَهُنا؛ لِأنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الإهْلاكِ بِلَفْظِ البَأْسِ. فَإنْ قالُوا: السُّؤالُ باقٍ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ فاءُ التَّعْقِيبِ، وهو يُوجِبُ المُغايَرَةَ. فَنَقُولُ: الفاءُ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى التَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أحَدِكم حَتّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَواضِعَهُ فَيَغْسِلُ وجْهَهُ ويَدَيْهِ» فالفاءُ في قَوْلِهِ: فَيَغْسِلُ لِلتَّفْسِيرِ، لِأنَّ غَسْلَ الوَجْهِ واليَدَيْنِ كالتَّفْسِيرِ لِوَضْعِ الطَّهُورِ مَواضِعَهُ. فَكَذَلِكَ هَهُنا البَأْسُ جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ، لِذَلِكَ الإهْلاكِ، لِأنَّ الإهْلاكَ، قَدْ يَكُونُ بِالمَوْتِ المُعْتادِ، وقَدْ يَكُونُ بِتَسْلِيطِ البَأْسِ والبَلاءِ عَلَيْهِمْ، فَكانَ ذِكْرُ البَأْسِ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ الإهْلاكِ.
الرّابِعُ: قالَ الفَرّاءُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: البَأْسُ والهَلاكُ يَقَعانِ مَعًا، كَما يُقالُ: أعْطَيْتَنِي فَأحْسَنْتَ، وما كانَ الإحْسانُ بَعْدَ الإعْطاءِ ولا قَبْلَهُ، وإنَّما وقَعا مَعًا فَكَذا هَهُنا، وقَوْلُهُ: (بَياتًا) قالَ الفَرّاءُ يُقالُ: باتَ الرَّجُلُ يَبِيتُ بَيْتًا، ورُبَّما قالُوا: بَياتًا، قالُوا: وسُمِّيَ البَيْتُ؛ لِأنَّهُ يَباتُ فِيهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: (بَياتًا) مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ بِمَعْنى بائِتِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: (بَياتًا) كَأنَّهُ قِيلَ: فَجاءَها بَأْسُنا بائِتِينَ أوْ قائِلِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: وفِيهِ واوٌ مُضْمَرَةٌ، والمَعْنى: أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ وهم قائِلُونَ، إلّا أنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا الجَمْعَ بَيْنَ حَرْفَيِ العَطْفِ، ولَوْ قِيلَ: كانَ صَوابًا، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لَيْسَ بِصَوابٍ: لِأنَّ واوَ الحالِ قَرِيبَةٌ مِن واوِ العَطْفِ،
صفحة ١٩
فالجَمْعُ بَيْنَهُما يُوجِبُ الجَمْعَ بَيْنَ المِثْلَيْنِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، ولَوْ قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ راجِلًا وهو فارِسٌ لَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إلى واوِ العَطْفِ.
البَحْثُ الثّانِي: كَلِمَةُ ”أوْ“ دَخَلَتْ هَهُنا بِمَعْنى أنَّهم جاءَهم بَأْسُنا مَرَّةً لَيْلًا ومَرَّةً نَهارًا، وفي القَيْلُولَةِ قَوْلانِ: قالَ اللَّيْثُ: القَيْلُولَةُ نَوْمَةُ نِصْفِ النَّهارِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الجَنَّةَ لا نَوْمَ فِيها واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (الفُرْقانِ: ٢٤) ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جاءَهم بَأْسُنا وهم غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ، إمّا لَيْلًا وهم نائِمُونَ، أوْ نَهارًا وهم قائِلُونَ، والمَقْصُودُ: أنَّهم جاءَهُمُ العَذابُ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنهم مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ أمارَةٍ تَدُلُّهم عَلى نُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لِلْكَفّارِ: لا تَغْتَرُّوا بِأسْبابِ الأمْنِ والرّاحَةِ والفَراغِ، فَإنَّ عَذابَ اللَّهِ إذا وقَعَ، وقَعَ دَفْعَةً مِن غَيْرِ سَبْقِ أمارَةٍ، فَلا تَغْتَرُّوا بِأحْوالِكم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الدَّعْوى اسْمٌ يَقُومُ مَقامَ الِادِّعاءِ، ومَقامَ الدُّعاءِ حَكى سِيبَوَيْهِ: اللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دُعاءِ المُسْلِمِينَ، ودَعْوى المُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَما كانَ تَضَرُّعُهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ، فَأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالشِّرْكِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَما كانَ قَوْلُهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا الِاعْتِرافَ بِالظُّلْمِ والإقْرارَ بِالإساءَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ الِاخْتِيارُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ أنْ رَفْعًا بِكانَ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ نَصْبًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا﴾ (النَّمْلِ: ٥٦) وقَوْلِهِ: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ﴾ (الحَشْرِ: ١٧) وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ﴾ (الجاثِيَةِ: ٢٥) قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أيْضًا عَلى الضِّدِّ مِن هَذا بِأنْ يَكُونَ الدَّعْوى رَفْعًا، وإنْ قالُوا نَصْبًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: (لَيْسَ البِرُّ أنْ تَوُلُّوا ) (البَقَرَةِ: ١٧٧) عَلى قِراءَةِ مَن رَفَعَ البِرَّ، والأصْلُ في هَذا البابِ أنَّهُ إذا حَصَلَ بَعْدَ كَلِمَةِ كانَ مَعْرِفَتانِ، فَأنْتَ بِالخِيارِ في رَفْعِ أيِّهِما شِئْتَ، وفي نَصْبِ الآخَرِ، كَقَوْلِكَ: كانَ زَيْدٌ أخاكَ، وإنْ شِئْتَ كانَ زَيْدًا أخُوكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ إذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أنْ يَقُولَ: (فَما كانَتْ دَعْواهم) فَلَمّا قالَ: كانَ، دَلَّ عَلى أنَّ الدَّعْوى في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ يَجُوزُ تَذْكِيرُ الدَّعْوى، وإنْ كانَتْ رَفْعًا فَتَقُولُ: كانَ دَعْواهُ باطِلًا، وباطِلَةً، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّظْمِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرُّسُلَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالتَّبْلِيغِ، وأمَرَ الأُمَّةَ بِالقَبُولِ والمُتابَعَةِ، وذَكَرَ التَّهْدِيدَ عَلى تَرْكِ القَبُولِ والمُتابَعَةِ بِذِكْرِ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا، أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وهو أنَّهُ تَعالى
صفحة ٢٠
يَسْألُ الكُلَّ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِأنَّهُ لا يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ الِاقْتِصارُ عَلى ما يَكُونُ مِنهم مِنَ الِاعْتِرافِ. بَلْ يَنْضافُ إلَيْهِ أنَّهُ تَعالى يَسْألُ الكُلَّ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَخْتَصُّ بِأهْلِ العِقابِ. بَلْ هو عامٌّ في أهْلِ العِقابِ وأهْلِ الثَّوابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ هُمُ الأُمَّةُ، والمُرْسَلُونَ هُمُ الرُّسُلُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَسْألُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحِجْرِ: ٩٢) .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ أنْ يُخْبِرَ المَسْؤُولُ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم يُقِرُّونَ بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ بَعْدَهُ ؟
وأيْضًا قالَ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ فَإذا كانَ يَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، فَما مَعْنى هَذا السُّؤالِ ؟
والجَوابُ: أنَّهم لَمّا أقَرُّوا بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ مُقَصِّرِينَ، سُئِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ الظُّلْمِ والتَّقْصِيرِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ.
فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في سُؤالِ الرُّسُلِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ ؟
قُلْنا: لِأنَّهم إذا أثْبَتُوا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ التَحَقَ التَّقْصِيرُ بِكُلِّيَّتِهِ بِالأُمَّةِ، فَيَتَضاعَفُ إكْرامُ اللَّهِ في حَقِّ الرُّسُلِ لِظُهُورِ بَراءَتِهِمْ عَنْ جَمِيعِ مُوجِباتِ التَّقْصِيرِ، ويَتَضاعَفُ أسْبابُ الخِزْيِ والإهانَةِ في حَقِّ الكُفّارِ، لِما ثَبَتَ أنَّ كُلَّ التَّقْصِيرِ كانَ مِنهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى يُكَرِّرُ ويُبَيِّنُ لِلْقَوْمِ ما أعْلَنُوهُ وأسَرُّوهُ مِن أعْمالِهِمْ، وأنْ يَقُصَّ الوُجُوهَ الَّتِي لِأجْلِها أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ الأعْمالِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُصَّ تِلْكَ الأحْوالَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ ما كانَ غائِبًا عَنْ أحْوالِهِمْ بَلْ كانَ عالِمًا بِها. وما خَرَجَ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهِيَّةَ لا تَكْمُلُ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يُمَيِّزَ المُطِيعَ عَنِ العاصِي، والمُحْسِنَ عَنِ المُسِيءِ، فَظَهَرَ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، امْتَنَعَ مِنهُ الِاعْتِرافُ بِكَوْنِهِ تَعالى آمِرًا ناهِيًا مُثِيبًا مُعاقِبًا، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّهُ تَعالى أيْنَما ذَكَرَ أحْوالَ البَعْثِ والقِيامَةِ بَيَّنَ كَوْنَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالعِلْمِ، وأنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا عِلْمَ لِلَّهِ، قَوْلٌ باطِلٌ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٣٩) وقَوْلِهِ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ (القَصَصِ: ٧٨) .
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إنَّ القَوْمَ لا يُسْألُونَ عَنِ الأعْمالِ، لِأنَّ الكُتُبَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْها ولَكِنَّهم يُسْألُونَ عَنِ الدَّواعِي الَّتِي دَعَتْهم إلى الأعْمالِ، وعَنِ الصَّوارِفِ الَّتِي صَرَفَتْهم عَنْها.
وثانِيها: إنَّ السُّؤالَ قَدْ يَكُونُ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ والِاسْتِفادَةِ، وقَدْ يَكُونُ لِأجْلِ التَّوْبِيخِ والإهانَةِ، كَقَوْلِ القائِلِ: ألَمْ أُعْطِكَ ؟ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ﴾ (يس: ٦٠) قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٢١
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لا يَسْألُ أحَدًا لِأجْلِ الِاسْتِفادَةِ والِاسْتِرْشادِ، ويَسْألُهم لِأجْلِ تَوْبِيخِ الكُفّارِ وإهانَتِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ٢٧) ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠١) فَإنَّ الآيَةَ الأُولى تَدُلُّ عَلى أنَّ المَسْألَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَهم إنَّما كانَتْ عَلى سَبِيلِ أنَّ بَعْضَهم يَلُومُ بَعْضًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ (القَلَمِ: ٣٠) وقَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠١) مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ واللُّطْفِ؛ لِأنَّ النَّسَبَ يُوجِبُ المَيْلَ والرَّحْمَةَ والإكْرامَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ ومَواقِفَها كَثِيرَةٌ، فَأخْبَرَ عَنْ بَعْضِ الأوْقاتِ بِحُصُولِ السُّؤالِ، وعَنْ بَعْضِها بِعَدَمِ السُّؤالِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُحاسِبُ كُلَّ عِبادِهِ؛ لِأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ أنْ يَكُونُوا رُسُلًا أوْ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ، ويُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ لا حِسابَ عَلى الأنْبِياءِ والكُفّارِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُتَعالِيًا عَنِ المَكانِ والجِهَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ ولَوْ كانَ تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ غائِبًا عَنّا.
فَإنْ قالُوا: نَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما كانَ غائِبًا عَنْهم بِالعِلْمِ والإحاطَةِ.
قُلْنا: هَذا تَأْوِيلٌ والأصْلُ في الكَلامِ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ.
فَإنْ قالُوا: فَأنْتُمْ لَمّا قُلْتُمْ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِشَيْءٍ مِنَ الأحْيازِ والجِهاتِ، فَقَدْ قُلْتُمْ أيْضًا بِكَوْنِهِ غائِبًا.
قُلْنا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ الغائِبَ هو الَّذِي يَعْقِلُ أنْ يَحْضُرَ بَعْدَ غَيْبَةٍ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ، فَأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ وكانَ ذَلِكَ مُحالًا في حَقِّهِ، امْتَنَعَ وصْفُهُ بِالغَيْبَةِ والحُضُورِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّظْمِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرُّسُلَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالتَّبْلِيغِ، وأمَرَ الأُمَّةَ بِالقَبُولِ والمُتابَعَةِ، وذَكَرَ التَّهْدِيدَ عَلى تَرْكِ القَبُولِ والمُتابَعَةِ بِذِكْرِ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا، أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وهو أنَّهُ تَعالى
صفحة ٢٠
يَسْألُ الكُلَّ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِأنَّهُ لا يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ الِاقْتِصارُ عَلى ما يَكُونُ مِنهم مِنَ الِاعْتِرافِ. بَلْ يَنْضافُ إلَيْهِ أنَّهُ تَعالى يَسْألُ الكُلَّ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَخْتَصُّ بِأهْلِ العِقابِ. بَلْ هو عامٌّ في أهْلِ العِقابِ وأهْلِ الثَّوابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ هُمُ الأُمَّةُ، والمُرْسَلُونَ هُمُ الرُّسُلُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَسْألُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحِجْرِ: ٩٢) .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ أنْ يُخْبِرَ المَسْؤُولُ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم يُقِرُّونَ بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ بَعْدَهُ ؟
وأيْضًا قالَ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ فَإذا كانَ يَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، فَما مَعْنى هَذا السُّؤالِ ؟
والجَوابُ: أنَّهم لَمّا أقَرُّوا بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ مُقَصِّرِينَ، سُئِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ الظُّلْمِ والتَّقْصِيرِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ.
فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في سُؤالِ الرُّسُلِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ ؟
قُلْنا: لِأنَّهم إذا أثْبَتُوا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ التَحَقَ التَّقْصِيرُ بِكُلِّيَّتِهِ بِالأُمَّةِ، فَيَتَضاعَفُ إكْرامُ اللَّهِ في حَقِّ الرُّسُلِ لِظُهُورِ بَراءَتِهِمْ عَنْ جَمِيعِ مُوجِباتِ التَّقْصِيرِ، ويَتَضاعَفُ أسْبابُ الخِزْيِ والإهانَةِ في حَقِّ الكُفّارِ، لِما ثَبَتَ أنَّ كُلَّ التَّقْصِيرِ كانَ مِنهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى يُكَرِّرُ ويُبَيِّنُ لِلْقَوْمِ ما أعْلَنُوهُ وأسَرُّوهُ مِن أعْمالِهِمْ، وأنْ يَقُصَّ الوُجُوهَ الَّتِي لِأجْلِها أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ الأعْمالِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُصَّ تِلْكَ الأحْوالَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ ما كانَ غائِبًا عَنْ أحْوالِهِمْ بَلْ كانَ عالِمًا بِها. وما خَرَجَ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهِيَّةَ لا تَكْمُلُ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يُمَيِّزَ المُطِيعَ عَنِ العاصِي، والمُحْسِنَ عَنِ المُسِيءِ، فَظَهَرَ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، امْتَنَعَ مِنهُ الِاعْتِرافُ بِكَوْنِهِ تَعالى آمِرًا ناهِيًا مُثِيبًا مُعاقِبًا، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّهُ تَعالى أيْنَما ذَكَرَ أحْوالَ البَعْثِ والقِيامَةِ بَيَّنَ كَوْنَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالعِلْمِ، وأنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا عِلْمَ لِلَّهِ، قَوْلٌ باطِلٌ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٣٩) وقَوْلِهِ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ (القَصَصِ: ٧٨) .
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إنَّ القَوْمَ لا يُسْألُونَ عَنِ الأعْمالِ، لِأنَّ الكُتُبَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْها ولَكِنَّهم يُسْألُونَ عَنِ الدَّواعِي الَّتِي دَعَتْهم إلى الأعْمالِ، وعَنِ الصَّوارِفِ الَّتِي صَرَفَتْهم عَنْها.
وثانِيها: إنَّ السُّؤالَ قَدْ يَكُونُ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ والِاسْتِفادَةِ، وقَدْ يَكُونُ لِأجْلِ التَّوْبِيخِ والإهانَةِ، كَقَوْلِ القائِلِ: ألَمْ أُعْطِكَ ؟ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ﴾ (يس: ٦٠) قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٢١
ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لا يَسْألُ أحَدًا لِأجْلِ الِاسْتِفادَةِ والِاسْتِرْشادِ، ويَسْألُهم لِأجْلِ تَوْبِيخِ الكُفّارِ وإهانَتِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ٢٧) ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠١) فَإنَّ الآيَةَ الأُولى تَدُلُّ عَلى أنَّ المَسْألَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَهم إنَّما كانَتْ عَلى سَبِيلِ أنَّ بَعْضَهم يَلُومُ بَعْضًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ (القَلَمِ: ٣٠) وقَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠١) مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ واللُّطْفِ؛ لِأنَّ النَّسَبَ يُوجِبُ المَيْلَ والرَّحْمَةَ والإكْرامَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ ومَواقِفَها كَثِيرَةٌ، فَأخْبَرَ عَنْ بَعْضِ الأوْقاتِ بِحُصُولِ السُّؤالِ، وعَنْ بَعْضِها بِعَدَمِ السُّؤالِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُحاسِبُ كُلَّ عِبادِهِ؛ لِأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ أنْ يَكُونُوا رُسُلًا أوْ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ، ويُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ لا حِسابَ عَلى الأنْبِياءِ والكُفّارِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُتَعالِيًا عَنِ المَكانِ والجِهَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ ولَوْ كانَ تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ غائِبًا عَنّا.
فَإنْ قالُوا: نَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما كانَ غائِبًا عَنْهم بِالعِلْمِ والإحاطَةِ.
قُلْنا: هَذا تَأْوِيلٌ والأصْلُ في الكَلامِ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ.
فَإنْ قالُوا: فَأنْتُمْ لَمّا قُلْتُمْ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِشَيْءٍ مِنَ الأحْيازِ والجِهاتِ، فَقَدْ قُلْتُمْ أيْضًا بِكَوْنِهِ غائِبًا.
قُلْنا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ الغائِبَ هو الَّذِي يَعْقِلُ أنْ يَحْضُرَ بَعْدَ غَيْبَةٍ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ، فَأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ وكانَ ذَلِكَ مُحالًا في حَقِّهِ، امْتَنَعَ وصْفُهُ بِالغَيْبَةِ والحُضُورِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ القِيامَةِ السُّؤالَ والحِسابَ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ القِيامَةِ أيْضًا وزْنَ الأعْمالِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٢٢
المَسْألَةُ الأُولى: (الوَزْنُ) مُبْتَدَأٌ و(يَوْمَئِذٍ) ظَرْفٌ لَهُ و(الحَقُّ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) الخَبَرَ و(الحَقُّ) صِفَةً لِلْوَزْنِ، أيْ: والوَزْنُ الحَقُّ؛ أيِ: العَدْلُ يَوْمَ يَسْألُ اللَّهُ الأُمَمَ والرُّسُلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ وزْنِ الأعْمالِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: في الخَبَرِ أنَّهُ تَعالى يَنْصِبُ مِيزانًا لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ يَوْمَ القِيامَةِ، يُوزَنُ بِهِ أعْمالُ العِبادِ خَيْرُها وشَرُّها، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا المُؤْمِنُ فَيُؤْتى بِعَمَلِهِ في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَتُوضَعُ في كِفَّةِ المِيزانِ فَتَثْقُلُ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ النّاجُونَ، قالَ: وهَذا كَما قالَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ (الأنْبِياءِ: ٤٧) وأمّا كَيْفِيَّةُ وزْنِ الأعْمالِ عَلى هَذا القَوْلِ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُهُما: إنَّ أعْمالَ المُؤْمِنِ تَتَصَوَّرُ بِصُورَةٍ حَسَنَةٍ، وأعْمالَ الكافِرِ بِصُورَةٍ قَبِيحَةٍ، فَتُوزَنُ تِلْكَ الصُّورَةُ: كَما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: إنَّ الوَزْنَ يَعُودُ إلى الصُّحُفِ الَّتِي تَكُونُ فِيها أعْمالُ العِبادِ مَكْتُوبَةً، وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمّا يُوزَنُ يَوْمَ القِيامَةِ فَقالَ: ”الصُّحُفُ“ وهَذا القَوْلُ مَذْهَبُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّ مِيزانَ رَبِّ العالَمِينَ يُنْصَبُ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ يُسْتَقْبَلُ بِهِ العَرْشُ، إحْدى كِفَّتَيِ المِيزانِ عَلى الجَنَّةِ، والأُخْرى عَلى جَهَنَّمَ، ولَوْ وُضِعَتِ السَّماواتُ والأرْضُ في إحْداهُما لَوَسِعَتْهُنَّ، وجِبْرِيلُ آخِذٌ بِعَمُودِهِ يَنْظُرُ إلى لِسانِهِ.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُؤْتى بِرَجُلٍ يَوْمَ القِيامَةِ إلى المِيزانِ ويُؤْتى لَهُ بِتِسْعَةٍ وتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدَّ البَصَرِ، فِيها خَطاياهُ وذُنُوبُهُ فَتُوضَعُ في كِفَّةِ المِيزانِ، ثُمَّ يُخْرَجُ لَهُ قِرْطاسٌ كالأُنْمُلَةِ فِيهِ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، يُوضَعُ في الأُخْرى، فَتَرْجُحُ» وعَنِ الحَسَنِ: «بَيْنَما الرَّسُولُ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ واضِعٌ رَأْسَهُ في حِجْرِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ أغْفى فَسالَتِ الدُّمُوعُ مِن عَيْنِها، فَقالَ: ”ما أصابَكِ ما أبْكاكِ ؟“ فَقالَتْ: ذَكَرْتُ حَشْرَ النّاسِ وهَلْ يَذْكُرُ أحَدٌ أحَدًا، فَقالَ لَها: "يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، لِكُلٍّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لا يَذْكُرُ أحَدٌ أحَدًا عِنْدَ الصُّحُفِ، وعِنْدَ وزْنِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ» .
وعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ يُؤْتى بِالرَّجُلِ العَظِيمِ الأكُولِ الشَّرُوبِ فَلا يَكُونُ لَهُ وزْنُ بَعُوضَةٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ والأعْمَشِ، أنَّ المُرادَ مِنَ المِيزانِ العَدْلُ والقَضاءُ. وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ ذَهَبُوا إلى هَذا القَوْلِ، وقالُوا: حَمْلُ لَفْظِ الوَزْنِ عَلى هَذا المَعْنى سائِغٌ في اللُّغَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وأمّا بَيانُ أنَّ حَمْلَ لَفْظِ الوَزْنِ عَلى هَذا المَعْنى جائِزٌ في اللُّغَةِ، فَلِأنَّ العَدْلَ في الأخْذِ والإعْطاءِ، لا يَظْهَرُ إلّا بِالكَيْلِ والوَزْنِ في الدُّنْيا، فَلَمْ يَبْعُدْ جَعْلُ الوَزْنِ كِنايَةً عَنِ العَدْلِ، ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ ولا قِيمَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ يُقالُ: إنَّ فُلانًا لا يُقِيمُ لِفُلانٍ وزْنًا، قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ (الكَهْفِ: ١٠٥) ويُقالُ أيْضًا: فُلانٌ اسْتَخَفَّ بِفُلانٍ، ويُقالُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا وفي وِزانِهِ، أيْ يُعادِلُهُ ويُساوِيهِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ وزْنٌ في الحَقِيقَةِ، قالَ الشّاعِرُ:
قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا قُوَّةٍ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
أرادَ: عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ كَلامٌ يُعادِلُ كَلامَهُ، فَجَعَلَ الوَزْنَ مَثَلًا لِلْعَدْلِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ هَذا المَعْنى فَقَطْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ المِيزانَ، إنَّما يُرادُ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلى مَعْرِفَةِ مِقْدارِ الشَّيْءِ، ومَقادِيرُ الثَّوابِ والعِقابِ لا يُمْكِنُ إظْهارُها بِالمِيزانِ، لِأنَّ أعْمالَ العِبادِ أعْراضٌ، وهي قَدْ فَنِيَتْ وعُدِمَتْ، ووَزْنُ المَعْدُومِ مُحالٌ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ بَقائِها كانَ وزْنُها مُحالًا، وأمّا
صفحة ٢٣
قَوْلُهُمُ: المَوْزُونُ صَحائِفُ الأعْمالِ أوْ صُوَرٌ مَخْلُوقَةٌ عَلى حَسَبِ مَقادِيرِ الأعْمالِ، فَنَقُولُ: المُكَلَّفُ يَوْمَ القِيامَةِ، إمّا أنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِأنَّهُ تَعالى عادِلٌ حَكِيمٌ أوْ لا يَكُونَ مُقِرًّا بِذَلِكَ، فَإنْ كانَ مُقِرًّا بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ كَفاهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِمَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ في عِلْمِهِ بِأنَّهُ عَدْلٌ وصَوابٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِذَلِكَ لَمْ يُعْرَفْ مِن رُجْحانِ كِفَّةِ الحَسَناتِ عَلى كِفَّةِ السَّيِّئاتِ أوْ بِالعَكْسِ حُصُولُ الرُّجْحانِ؛ لِاحْتِمالِ أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ ذَلِكَ الرُّجْحانَ لا عَلى سَبِيلِ العَدْلِ والإنْصافِ: فَثَبَتَ أنَّ هَذا الوَزْنَ لا فائِدَةَ فِيهِ ألْبَتَّةَ، أجابَ الأوَّلُونَ وقالُوا: إنَّ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ يَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلْمِ والجَوْرِ، والفائِدَةُ في وضْعِ ذَلِكَ المِيزانِ أنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الرُّجْحانُ لِأهْلِ القِيامَةِ، فَإنْ كانَ ظُهُورُ الرُّجْحانِ في طَرَفِ الحَسَناتِ، ازْدادَ فَرَحُهُ وسُرُورُهُ بِسَبَبِ ظُهُورِ فَضْلِهِ وكَمالِ دَرَجَتِهِ لِأهْلِ القِيامَةِ، وإنْ كانَ بِالضِّدِّ فَيَزْدادُ غَمُّهُ وحُزْنُهُ وخَوْفُهُ وفَضِيحَتُهُ في مَوْقِفِ القِيامَةِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الرُّجْحانِ، فَبَعْضُهم قالَ: يَظْهَرُ هُناكَ نُورٌ في رُجْحانِ الحَسَناتِ، وظُلْمَةٌ في رُجْحانِ السَّيِّئاتِ، وآخَرُونَ قالُوا: بَلْ بِظُهُورِ رُجْحانٍ في الكِفَّةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأظْهَرُ إثْباتُ مَوازِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ لا مِيزانٍ واحِدٍ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٤٧) وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ وعَلى هَذا فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِأفْعالِ القُلُوبِ مِيزانٌ، ولِأفْعالِ الجَوارِحِ مِيزانٌ، ولِما يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ مِيزانٌ آخَرُ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما جَمَعَ اللَّهُ المَوازِينَ هَهُنا، فَقالَ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مِيزانُهُ؛ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: إنَّ العَرَبَ قَدْ تُوقِعُ لَفْظَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ. فَيَقُولُونَ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ.
والثّانِي: إنَّ المُرادَ مِنَ المَوازِينِ هَهُنا جَمْعُ مَوْزُونٍ لا جَمْعُ مِيزانٍ وأرادَ بِالمَوازِينِ الأعْمالَ المَوْزُونَةَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذانِ الوَجْهانِ يُوجِبانِ العُدُولَ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ، وذَلِكَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ ولا مانِعَ هَهُنا مِنهُ فَوَجَبَ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَكَما لَمْ يَمْتَنِعْ إثْباتُ مِيزانٍ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ، فَكَذَلِكَ لا يَمْتَنِعُ إثْباتُ مَوازِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَما المُوجِبُ لِتَرْكِ الظّاهِرِ والمَصِيرِ إلى التَّأْوِيلِ ؟
الأعراف 7:9
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ فَرِيقانِ: مِنهم مَن يَزِيدُ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ، ومِنهم مَن يَزِيدُ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ، فَأمّا القِسْمُ الثّالِثُ وهو الَّذِي تَكُونُ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ مُتَعادِلَةً مُتَساوِيَةً، فَإنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ الكافِرُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ والأثَرُ. أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٩] ولا مَعْنى لِكَوْنِ الإنْسانِ ظالِمًا بِآياتِ اللَّهِ إلّا كَوْنُهُ كافِرًا بِها مُنْكِرًا لَها، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أهْلُ الكُفْرِ، وأمّا الخَبَرُ فَما رُوِيَ أنَّهُ «إذا خَفَّتْ حَسَناتُ المُؤْمِنِ أخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن حُجْرَتِهِ بِطاقَةً كالأُنْمُلَةِ فَيُلْقِيها في كِفَّةِ المِيزانِ اليُمْنى الَّتِي فِيها حَسَناتُهُ فَتَرْجَحُ الحَسَناتُ، فَيَقُولُ ذَلِكَ العَبْدُ المُؤْمِنُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي ما أحْسَنَ وجْهَكَ وأحْسَنَ خُلُقَكَ، فَمَن أنْتَ ؟ فَيَقُولُ: ”أنا نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ، وهَذِهِ صَلاتُكَ الَّتِي كُنْتَ تُصَلِّي عَلَيَّ قَدْ وفَّيْتُكَ أحْوَجَ ما تَكُونُ إلَيْها» وهَذا الخَبَرُ رَواهُ الواحِدِيُّ في“البَسِيطِ"، وأمّا جُمْهُورُ العُلَماءِ فَرَوَوْا هَهُنا
صفحة ٢٤
الخَبَرَ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ تَعالى يُلْقِي في كِفَّةِ الحَسَناتِ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قالَ القاضِي: يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى أنَّهُ أتى بِالشَّهادَتَيْنِ بِحَقِّهِما مِنَ العِباداتِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ لَكانَ مَن أتى بِالشَّهادَتَيْنِ يَعْلَمُ أنَّ المَعاصِيَ لا تَضُرُّهُ، وذَلِكَ إغْراءٌ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ هَذا الخَبَرُ، وذَلِكَ أنَّ العَمَلَ كُلَّما كانَ أشْرَفَ وأعْلى دَرَجَةً، وجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ ثَوابًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتَهُ أعْلى شَأْنًا، وأعْظَمُ دَرَجَةً مِن سائِرِ الأعْمالِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أوْفى ثَوابًا، وأعْلى دَرَجَةً مِن سائِرِ الأعْمالِ. وأمّا الأثَرُ فَلِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وأكْثَرَ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلى أهْلِ الكُفْرِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ فَنَقُولُ: إنَّ المُرْجِئَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: المَعْصِيَةُ لا تَضُرُّ مَعَ الإيمانِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى حَصَرَ أهْلَ مَوْقِفِ القِيامَةِ في قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: الَّذِينَ رَجَحَتْ كِفَّةُ حَسَناتِهِمْ وحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالفَلاحِ.
والثّانِي: الَّذِينَ رَجَحَتْ كِفَّةُ سَيِّئاتِهِمْ، وحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أهْلُ الكُفْرِ الَّذِينَ كانُوا يَظْلِمُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لا يُعاقَبُ ألْبَتَّةَ.
ونَحْنُ نَقُولُ في الجَوابِ: أقْصى ما في البابِ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ هَذا القِسْمَ الثّالِثَ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ في سائِرِ الآياتِ، فَقالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ (النِّساءِ: ٤٨) والمَنطُوقُ راجِحٌ عَلى المَفْهُومِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى إثْباتِهِ، وأيْضًا فَقالَ تَعالى في هَذا القِسْمِ: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ونَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالكافِرِ، وأمّا العاصِي المُؤْمِنُ فَإنَّهُ يُعَذَّبُ أيّامًا ثُمَّ يُعْفى عَنْهُ، ويَتَخَلَّصُ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ ما خَسِرَ نَفْسَهُ، بَلْ فازَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ أبَدَ الآبادِ مِن غَيْرِ زَوالٍ وانْقِطاعٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الخَلْقَ بِمُتابَعَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وبِقَبُولِ دَعَوْتِهِمْ ثُمَّ خَوَّفَهم بِعَذابِ الدُّنْيا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ ثُمَّ خَوَّفَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: السُّؤالُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾
والثّانِي: بِوَزْنِ الأعْمالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ رَغَّبَهم في قَبُولِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- في هَذِهِ الآيَةِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ كَثُرَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وكَثْرَةُ النِّعَمِ تُوجِبُ الطّاعَةَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وقَرارًا، ومَكَّنّاكم فِيها، وأقْدَرْناكم عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وجَعَلَنا لَكم فِيها مَعايِشَ، والمُرادُ مِنَ المَعايِشِ: وُجُوهُ المَنافِعِ، وهي عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً مِثْلَ خَلْقِ الثِّمارِ وغَيْرِها، ومِنها ما يَحْصُلُ بِالِاكْتِسابِ، وكِلاهُما في الحَقِيقَةِ إنَّما حَصَلَ بِفَضْلِ اللَّهِ وإقْدارِهِ وتَمْكِينِهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ إنْعامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكَثْرَةُ الإنْعامِ لا شَكَّ أنَّها تُوجِبُ الطّاعَةَ والِانْقِيادَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مَعَ هَذا
صفحة ٢٥
الإفْضالِ والإنْعامِ عالِمٌ بِأنَّهم لا يَقُومُونَ بِشُكْرِهِ كَما يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ يَشْكُرُونَ، والأمْرُ كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ الصّانِعِ كالأمْرِ الضَّرُورِيِّ اللّازِمِ لِجِبِلَّةِ عَقْلِ كُلِّ عاقِلٍ، ونِعَمُ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ كَثِيرَةٌ، فَلا إنْسانَ إلّا ويَشْكُرُ اللَّهَ تَعالى في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلى نِعَمِهِ، إنَّما التَّفاوُتُ في أنَّ بَعْضَهم قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ الشُّكْرِ، وبَعْضَهم يَكُونُ قَلِيلَ الشُّكْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى خارِجَةُ، عَنْ نافِعٍ: أنَّهُ هَمَزَ (مَعائِشَ) قالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ يَزْعُمُونَ أنَّ هَمْزَ (مَعائِشَ) خَطَأٌ، وذَكَرُوا أنَّهُ إنَّما يَجُوزُ جَعْلُ الياءِ هَمْزَةً إذا كانَتْ زائِدَةً نَحْوَ صَحِيفَةٍ وصَحائِفَ، فَأمّا (مَعايِشُ) فَمِنَ العَيْشِ، والياءُ أصْلِيَّةٌ، وقِراءَةُ نافِعٍ لا أعْرِفُ لَها وجْهًا، إلّا أنَّ لَفْظَةَ هَذِهِ الياءِ الَّتِي هي مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ أُسْكِنَ في مَعِيشَةٍ فَصارَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ مُشابِهَةً لِقَوْلِنا: صَحِيفَةٌ، فَجُعِلَ قَوْلُهُ: (مَعائِشَ) شَبِيهًا لِقَوْلِنا: صَحائِفُ، فَكَما أدْخَلُوا الهَمْزَةَ في قَوْلِنا: صَحائِفُ فَكَذا في قَوْلِنا: مَعائِشُ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، إلّا أنَّ الفَرْقَ ما ذَكَرْناهُ أنَّ الياءَ في مَعِيشَةٍ أصْلِيَّةٌ وفي صَحِيفَةٍ زائِدَةٌ.
الأعراف 7:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ الأُمَمَ في قَبُولِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- بِالتَّخْوِيفِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالتَّرْغِيبِ ثانِيًا عَلى ما بَيَّنّاهُ، والتَّرْغِيبُ إنَّما كانَ لِأجْلِ التَّنْبِيهِ عَلى كَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَلْقِ، فَبَدَأ في شَرْحِ تِلْكَ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ أنَّهُ خَلَقَ أبانا آدَمَ وجَعَلَهُ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، والإنْعامُ عَلى الأبِ يَجْرِي مَجْرى الإنْعامِ عَلى الِابْنِ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآياتِ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨) فَمَنَعَ تَعالى مِنَ المَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وعَلَّلَ ذَلِكَ المَنعَ بِكَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلى الخَلْقِ، وهو أنَّهم كانُوا أمْواتًا فَأحْياهم، ثُمَّ خَلَقَ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ المَنافِعِ، ثُمَّ أتْبَعَ تِلْكَ المَنفَعَةَ بِأنْ جَعْلَ آدَمَ خَلِيفَةً في الأرْضِ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ تَقْرِيرُ أنَّ مَعَ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لا يَلِيقُ بِهِمُ التَّمَرُّدُ والجُحُودُ فَكَذا في هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ تَعالى عَيْنَ هَذا المَعْنى بِغَيْرِ هَذا التَّرْتِيبِ فَهَذا بَيانُ وجْهِ النَّظْمِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ:
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قِصَّةِ إبْلِيسَ في القُرْآنِ في سَبْعَةِ مَواضِعَ:
أوَّلُها: في سُورَةِ البَقَرَةِ، وثانِيها: في هَذِهِ السُّورَةِ، وثالِثُها: في سُورَةِ الحِجْرِ، ورابِعُها: في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وخامِسُها: في سُورَةِ الكَهْفِ، وسادِسُها: في سُورَةِ طه، وسابِعُها: في سُورَةِ ص.
صفحة ٢٦
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ يُفِيدُ أنَّ المُخاطَبَ بِهَذا الخِطابِ نَحْنُ.
ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وكَلِمَةُ (ثُمَّ) تُفِيدُ التَّراخِي، فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ أمْرَ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وقَعَ بَعْدَ خَلْقِنا وتَصْوِيرِنا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: خَلَقْنا أباكم آدَمَ وصَوَّرْناكم، أيْ صَوَّرْنا آدَمَ، ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ ويُوسُفَ النَّحْوِيِّ وهو المُخْتارُ، وذَلِكَ لِأنَّ أمْرَ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ تَأخَّرَ عَنْ خَلْقِ آدَمَ وتَصْوِيرِهِ، ولَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ خَلْقِنا وتَصْوِيرِنا.
أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: كَيْفَ يَحْسُنُ جَعْلُ خَلْقِنا وتَصْوِيرِنا كِنايَةً عَنْ خَلْقِ آدَمَ وتَصْوِيرِهِ ؟
فَنَقُولُ: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أصْلُ البَشَرِ، فَوَجَبَ أنْ تَحْسُنَ هَذِهِ الكِنايَةُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ (البَقَرَةِ: ٦٣) أيْ مِيثاقَ أسْلافِكم مِن بَنِي إسْرائِيلَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُقالُ: قَتَلَتْ بَنُو أسَدٍ فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ أحَدُهم. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ثُمَّ أنْتُمْ يا خُزاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذا القَتِيلَ، وإنَّما قَتَلَهُ أحَدُهم، وقالَ تَعالى مُخاطِبًا لِلْيَهُودِ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (الأعْرافِ: ١٤١) ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ (البَقَرَةِ: ٧٢) والمُرادُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الخِطاباتِ أسْلافُهم، فَكَذا هَهُنا.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ آدَمَ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أيْ: صَوَّرْنا ذُرِّيَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ظَهْرِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ: اسْجُدُوا لِآدَمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ. فَذَكَرَ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ آدَمَ أوَّلًا، ثُمَّ أخْرَجَ أوْلادَهُ مِن ظَهْرِهِ في صُورَةِ الذَّرِّ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: خَلَقْناكم، ثُمَّ صَوَّرْناكم، ثُمَّ إنّا نُخْبِرُكم أنّا قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَهَذا العَطْفُ يُفِيدُ تَرْتِيبَ خَبَرٍ عَلى خَبَرٍ، ولا يُفِيدُ تَرْتِيبَ المُخْبَرِ عَلى المُخْبَرِ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: إنَّ الخَلْقَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، كَما قَرَّرْناهُ في هَذا الكِتابِ، وتَقْدِيرُ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ ومَشِيئَتِهِ لِتَخْصِيصِ كُلِّ شَيْءٍ بِمِقْدارِهِ المُعَيَّنِ، فَقَوْلُهُ: (خَلَقْناكم) إشارَةٌ إلى حُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ لِإحْداثِ البَشَرِ في هَذا العالَمِ. وقَوْلُهُ: ﴿صَوَّرْناكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ صُورَةَ كُلِّ شَيْءٍ كائِنٍ مُحْدَثٍ إلى قِيامِ السّاعَةِ عَلى ما جاءَ في الخَبَرِ أنَّهُ تَعالى قالَ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَخَلْقُ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ حُكْمِهِ ومَشِيئَتِهِ، والتَّصْوِيرُ عِبارَةٌ عَنْ إثْباتِ صُوَرِ الأشْياءِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ أحْدَثَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ وأمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ وهَذا التَّأْوِيلُ عِنْدِي أقْرَبُ مِن سائِرِ الوُجُوهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ هَذِهِ السَّجْدَةَ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: إنَّ المُرادَ مِنها مُجَرَّدُ التَّعْظِيمِ لا نَفْسُ السَّجْدَةِ.
وثانِيها: إنَّ المُرادَ هو السَّجْدَةُ، إلّا أنَّ المَسْجُودَ لَهُ هو اللَّهُ تَعالى، فَآدَمُ كانَ كالقِبْلَةِ.
وثالِثُها: إنَّ المَسْجُودَ لَهُ هو آدَمُ، وأيْضًا ذَكَرْنا أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالسُّجُودِ لِآدَمَ هَلْ هم مَلائِكَةُ السَّماواتِ والعَرْشِ أوِ المُرادُ مَلائِكَةُ الأرْضِ، فَفِيهِ خِلافٌ، وهَذِهِ المَباحِثُ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٢٧
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مِنهم، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا أيْضًا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: إبْلِيسُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُ خُلِقَ مِن نارٍ والمَلائِكَةُ مِن نُورٍ، والمَلائِكَةُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ ولا يَعْصُونَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ إبْلِيسُ، فَقَدْ عَصى واسْتَكْبَرَ، والمَلائِكَةُ لَيْسُوا مِنَ الجِنِّ، وإبْلِيسُ مِنَ الجِنِّ، والمَلائِكَةُ رُسُلُ اللَّهِ، وإبْلِيسُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإبْلِيسُ أوَّلُ خَلِيقَةِ الجِنِّ وأبُوهم، كَما أنَّ آدَمَ ﷺ أوَّلُ خَلِيقَةِ الإنْسِ وأبُوهم.
قالَ الحَسَنُ: ولَمّا كانَ إبْلِيسُ مَأْمُورًا مَعَ المَلائِكَةِ اسْتَثْناهُ اللَّهُ تَعالى، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ شَيْئًا آخَرَ، فَلَمّا عَصى اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ بِذَلِكَ وكانَ مُؤْمِنًا عابِدًا في السَّماءِ حَتّى عَصى رَبَّهُ فَأُهْبِطَ إلى الأرْضِ.
الأعراف 7:12
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ. فَإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ قَدْ تَناوَلَ إبْلِيسَ، وظاهِرُ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، إلّا أنَّ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرْناها تَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ. وأمّا الِاسْتِثْناءُ فَقَدْ أجَبْنا عَنْهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى طَلَبَ مِن إبْلِيسَ ما مَنَعَهُ مِن تَرْكِ السُّجُودِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فَإنَّ المَقْصُودَ طَلَبُ ما مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ، ولِهَذا الإشْكالِ حَصَلَ في الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ كَلِمَةَ (لا) صِلَةٌ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ؟ ! ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ (القِيامَةِ: ١) مَعْناهُ: أُقْسِمُ. وقَوْلِهِ: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ (الأنْبِياءِ: ٩٥) أيْ يَرْجِعُونَ. وقَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ أيْ: لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ. وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، والأكْثَرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ كَلِمَةَ (لا) هَهُنا مُفِيدَةٌ ولَيْسَتْ لَغْوًا، وهَذا هو الصَّحِيحُ: لِأنَّ الحُكْمَ بِأنَّ كَلِمَةً مِن كِتابِ اللَّهِ لَغْوٌ لا فائِدَةَ فِيها مُشْكِلٌ صَعْبٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي تَأْوِيلِ الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ عَنْ تَرْكِ السُّجُودِ ؟ ! ويَكُونُ هَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، ومَعْناهُ: أنَّهُ ما مَنَعَكَ عَنْ تَرْكِ السُّجُودِ ؟ ! كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن ضَرَبَهُ ظُلْمًا: ما الَّذِي مَنَعَكَ مِن ضَرْبِي، أدِينُكَ، أمْ عَقْلُكَ، أمْ حَياؤُكَ ؟ ! والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أحَدُ هَذِهِ الأُمُورِ، وما امْتَنَعْتَ مِن ضَرْبِي.
الثّانِي: قالَ القاضِي: ذَكَرَ اللَّهُ المَنعَ وأرادَ الدّاعِيَ فَكَأنَّهُ قالَ: ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ ؟ ! لِأنَّ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى حالَةٌ عَظِيمَةٌ يَتَعَجَّبُ مِنها ويَسْألُ عَنِ الدّاعِي إلَيْها.
* * *
صفحة ٢٨
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ تُفِيدُ الوُجُوبَ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى ذَمَّ إبْلِيسَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَرْكِ ما أُمِرَ بِهِ ولَوْ لَمْ يُفِدِ الأمْرُ الوُجُوبَ لَما كانَ مُجَرَّدُ تَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ مُوجِبًا لِلذَّمِّ.
فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ كانَ يُفِيدُ الوُجُوبَ، فَلَعَلَّ تِلْكَ الصِّيغَةَ في ذَلِكَ الأمْرِ كانَتْ تُفِيدُ الوُجُوبَ. فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ جَمِيعَ الصِّيَغِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ ؟
قُلْنا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ يُفِيدُ تَعْلِيلَ ذَلِكَ الذَّمِّ بِمُجَرَّدِ تَرْكِ الأمْرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ، والمَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ هو الأمْرُ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمْرٌ لا كَوْنُهُ أمْرًا مَخْصُوصًا في صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَرْكُ الأمْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمْرٌ مُوجِبًا لِلذَّمِّ، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ كُلَّ أمْرٍ فَإنَّهُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ وهو المَطْلُوبُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن زَعَمَ أنَّ الأمْرَ يُفِيدُ الفَوْرَ بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ: إنَّهُ تَعالى ذَمَّ إبْلِيسَ عَلى تَرْكِ السُّجُودِ في الحالِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ لا يُفِيدُ الفَوْرَ لَما اسْتَوْجَبَ هَذا الذَّمَّ بِتَرْكِ السُّجُودِ في الحالِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ طَلَبَ الدّاعِيَ الَّذِي دَعاهُ إلى تَرْكِ السُّجُودِ، فَحَكى تَعالى عَنْ إبْلِيسَ ذِكْرَ ذَلِكَ الدّاعِي، وهو أنَّهُ قالَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ومَعْناهُ: إنَّ إبْلِيسَ قالَ: إنَّما لَمْ أسْجُدْ لِآدَمَ؛ لِأنِّي خَيْرٌ مِنهُ، ومَن كانَ خَيْرًا مِن غَيْرِهِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أمْرُ ذَلِكَ الأكْمَلِ بِالسُّجُودِ لِذَلِكَ الأدْوَنِ، ثُمَّ بَيَّنَ المُقَدِّمَةَ الأُولى وهو قَوْلُهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ بِأنْ قالَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ والنّارُ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، والمَخْلُوقُ مِنَ الأفْضَلِ أفْضَلُ، فَوَجَبَ كَوْنُ إبْلِيسَ خَيْرًا مِن آدَمَ. أمّا بَيانُ أنَّ النّارَ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، فَلِأنَّ النّارَ مُشْرِقٌ عُلْوِيٌّ لَطِيفٌ خَفِيفٌ حارٌّ يابِسٌ مُجاوِرٌ لِجَواهِرِ السَّماواتِ مُلاصِقٌ لَها، والطِّينَ مُظْلِمٌ سُفْلِيٌّ كَثِيفٌ ثَقِيلٌ بارِدٌ يابِسٌ بَعِيدٌ عَنْ مُجاوَرَةِ السَّماواتِ، وأيْضًا فالنّارُ قَوِيَّةُ التَّأْثِيرِ والفِعْلِ، والأرْضُ لَيْسَ لَها إلّا القَبُولُ والِانْفِعالُ. والفِعْلُ أشْرَفُ مِنَ الِانْفِعالِ، وأيْضًا فالنّارُ مُناسِبَةٌ لِلْحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وهي مادَّةُ الحَياةِ، وأمّا الأرْضِيَّةُ والبَرَدُ واليُبْسُ فَهُما مُناسِبانِ لِلْمَوْتِ. والحَياةُ أشْرَفُ مِنَ المَوْتِ، وأيْضًا فَنُضْجُ الثِّمارِ مُتَعَلِّقٌ بِالحَرارَةِ، وأيْضًا فَسِنُّ النُّمُوِّ مِنَ النَّباتِ لَمّا كانَ وقْتَ كَمالِ الحَرارَةِ كانَ غايَةُ كَمالِ الحَيَوانِ حاصِلًا في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وأمّا وقْتُ الشَّيْخُوخَةِ، فَهو وقْتُ البَرْدِ واليُبْسِ المُناسِبُ، لا جَرَمَ كانَ هَذا الوَقْتُ أرْدَأ أوْقاتِ عُمُرِ الإنْسانِ. فَأمّا بَيانُ أنَّ المَخْلُوقَ مِنَ الأفْضَلِ أفْضَلُ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ شَرَفَ الأُصُولِ يُوجِبُ شَرَفَ الفُرُوعِ.
وأمّا بَيانُ أنَّ الأشْرَفَ لا يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ بِخِدْمَةِ الأدْوَنِ؛ فَلِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ مَن أمَرَ أبا حَنِيفَةَ والشّافِعِيَّ وسائِرَ أكابِرِ الفُقَهاءِ بِخِدْمَةِ فَقِيهٍ نازِلِ الدَّرَجَةِ كانَ ذَلِكَ قَبِيحًا في العُقُولِ، فَهَذا هو تَقْرِيرٌ لِشُبْهَةِ إبْلِيسَ.
فَنَقُولُ: هَذِهِ الشُّبْهَةُ مُرَكَّبَةٌ مِن مُقَدِّماتٍ ثَلاثَةٍ.
أوَّلُها: إنَّ النّارَ أفْضَلُ مِنَ التُّرابِ، فَهَذا قَدْ تَكَلَّمْنا فِيهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنْ مَن كانَتْ مادَّتُهُ أفْضَلَ فَصُورَتُهُ أفْضَلُ، فَهَذا هو مَحَلُّ النِّزاعِ والبَحْثِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الفَضِيلَةُ عَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ ابْتِداءً لَمْ يَلْزَمْ مِن فَضِيلَةِ المادَّةِ فَضِيلَةُ الصُّورَةِ. ألا تَرى أنَّهُ يَخْرُجُ الكافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ والمُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، والنُّورُ مِنَ الظُّلْمَةِ والظُّلْمَةُ مِنَ النُّورِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَضِيلَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لا بِسَبَبِ فَضِيلَةِ الأصْلِ والجَوْهَرِ.
وأيْضًا التَّكْلِيفُ إنَّما يَتَناوَلُ الحَيَّ بَعْدَ انْتِهائِهِ إلى حَدِّ كَمالِ العَقْلِ، فالمُعْتَبَرُ بِما انْتَهى إلَيْهِ لا بِما خُلِقَ مِنهُ، وأيْضًا فالفَضْلُ إنَّما يَكُونُ بِالأعْمالِ وما يَتَّصِلُ بِها لا بِسَبَبِ المادَّةِ. ألا تَرى أنَّ الحَبَشِيَّ المُؤْمِنَ مُفَضَّلٌ عَلى القُرَشِيِّ الكافِرِ.
* * *
صفحة ٢٩
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ النَّصِّ بِالقِياسِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ تَخْصِيصُ عُمُومِ النَّصِّ بِالقِياسِ جائِزًا لَما اسْتَوْجَبَ إبْلِيسُ هَذا الذَّمَّ الشَّدِيدَ والتَّوْبِيخَ العَظِيمَ، ولَمّا حَصَلَ ذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ عُمُومِ النَّصِّ بِالقِياسِ لا يَجُوزُ، وبَيانُ المُلازَمَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ خِطابٌ عامٌّ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَلائِكَةِ. ثُمَّ إنَّ إبْلِيسَ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِن هَذا العُمُومِ بِالقِياسِ. وهو أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، والنّارُ أشْرَفُ مِنَ الطِّينِ، ومَن كانَ أصْلُهُ أشْرَفَ فَهو أشْرَفُ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ إبْلِيسَ أشْرَفَ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن كانَ أشْرَفَ مِن غَيْرِهِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ بِخِدْمَةِ الأدْوَنِ الأدْنى. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذا الحُكْمَ ثابِتٌ في جَمِيعِ النَّظائِرِ، ولا مَعْنى لِلْقِياسِ إلّا ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ إبْلِيسَ ما عَمِلَ في هَذِهِ الواقِعَةِ شَيْئًا إلّا أنَّهُ خَصَّصَ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ بِهَذا القِياسِ، فَلَوْ كانَ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ جائِزًا لَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ إبْلِيسُ الذَّمَّ عَلى هَذا العَمَلِ: وحَيْثُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ الشَّدِيدَ عَلَيْهِ، عَلِمْنا أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ لا يَجُوزُ.
وأيْضًا فَفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المَسْألَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا القِياسَ قالَ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ فَوَصَفَ تَعالى إبْلِيسَ بِكَوْنِهِ مُتَكَبِّرًا بَعْدَ أنْ حَكى عَنْهُ ذَلِكَ القِياسَ الَّذِي يُوجِبُ تَخْصِيصَ النَّصِّ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن حاوَلَ تَخْصِيصَ عُمُومِ النَّصِّ بِالقِياسِ تَكَبَّرَ عَلى اللَّهِ، ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ عُمُومِ النَّصِّ بِالقِياسِ تَكَبُّرٌ عَلى اللَّهِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّكَبُّرَ عَلى اللَّهِ يُوجِبُ العِقابَ الشَّدِيدَ والإخْراجَ مِن زُمْرَةِ الأوْلِياءِ والإدْخالَ في زُمْرَةِ المَلْعُونِينَ، ثَبَتَ أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ لا يَجُوزُ. وهَذا هو المُرادُ مِمّا نَقَلَهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ الطّاعَةُ أوْلى بِإبْلِيسَ مِنَ القِياسِ، فَعَصى رَبَّهُ وقاسَ، وأوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ، فَكَفَرَ بِقِياسِهِ، فَمَن قاسَ الدِّينَ بِشَيْءٍ مِن رَأْيِهِ قَرَنَهُ اللَّهُ مَعَ إبْلِيسَ. هَذا جُمْلَةُ الألْفاظِ الَّتِي نَقَلَها الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَإنْ قِيلَ: القِياسُ الَّذِي يُبْطِلُ النَّصَّ بِالكُلِّيَّةِ باطِلٌ. أمّا القِياسُ الَّذِي يُخَصِّصُ النَّصَّ في بَعْضِ الصُّوَرِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ باطِلٌ ؟
وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ لَوْ قَبُحَ أمْرُ مَن كانَ مَخْلُوقًا مِنَ النّارِ بِالسُّجُودِ لِمَن كانَ مَخْلُوقًا مِنَ الأرْضِ، لَكانَ قُبْحُ أمْرِ مَن كانَ مَخْلُوقًا مِنَ النُّورِ المَحْضِ بِالسُّجُودِ لِمَن كانَ مَخْلُوقًا مِنَ الأرْضِ أوْلى وأقْوى، لِأنَّ النُّورَ أشْرَفُ مِنَ النّارِ، وهَذا القِياسُ يَقْتَضِي أنْ يَقْبُحَ أمْرُ أحَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، فَهَذا القِياسُ يَقْتَضِي رَفْعَ مَدْلُولِ النَّصِّ بِالكُلِّيَّةِ وأنَّهُ باطِلٌ.
وأمّا القِياسُ الَّذِي يَقْتَضِي تَخْصِيصَ مَدْلُولِ النَّصِّ العامِّ، لِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ باطِلٌ ؟ فَهَذا سُؤالٌ حَسَنٌ أوْرَدْتُهُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وما رَأيْتُ أحَدًا ذَكَرَ هَذا السُّؤالَ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ، فَيُقالُ: إنَّ كَوْنَهُ أشْرَفَ مِن غَيْرِهِ يَقْتَضِي قُبْحَ أمْرِ مَن لا يَرْضى أنْ يَلْجَأ إلى خِدْمَةِ الأدْنى الأدْوَنِ، أمّا لَوْ رَضِيَ ذَلِكَ الشَّرِيفُ بِتِلْكَ الخِدْمَةِ لَمْ يَقْبُحْ؛ لِأنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في أنَّهُ يُسْقِطُ حَقَّ نَفْسِهِ، أمّا المَلائِكَةُ فَقَدْ رَضُوا بِذَلِكَ، فَلا بَأْسَ بِهِ، وأمّا إبْلِيسُ فَإنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِإسْقاطِ هَذا الحَقِّ، فَوَجَبَ أنْ يَقْبُحَ أمْرُهُ بِذَلِكَ السُّجُودِ، فَهَذا قِياسٌ مُناسِبٌ، وأنَّهُ يُوجِبُ تَخْصِيصَ النَّصِّ ولا يُوجِبُ رَفْعَهُ بِالكُلِّيَّةِ ولا إبْطالَهُ. فَلَوْ كانَ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ جائِزًا، لَما اسْتَوْجَبَ الذَّمَّ العَظِيمَ، فَلَمّا اسْتَوْجَبَ اسْتِحْقاقَ هَذا الذَّمِّ العَظِيمِ في حَقِّهِ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ غَيْرُ جائِزٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
صفحة ٣٠
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ لا شَكَّ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾ فَلا شَكَّ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو إبْلِيسُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها﴾ فَلا شَكَّ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى، ومِثْلُ هَذِهِ المُناظَرَةِ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَيْنَ إبْلِيسَ مَذْكُورٌ في سُورَةِ (ص) عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِأحَدٍ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- مُكالَمَةٌ مَعَ اللَّهِ مِثْلَ ما اتَّفَقَ لِإبْلِيسَ، وقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ تَشْرِيفَ مُوسى بِأنْ كَلَّمَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (الأعْرافِ: ١٤٣) وقالَ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ (النِّساءِ: ١٦٤) فَإنْ كانَتْ هَذِهِ المُكالَمَةُ تُفِيدُ الشَّرَفَ العَظِيمَ، فَكَيْفَ حَصَلَتْ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ لِإبْلِيسَ ؟ وإنْ لَمْ تُوجِبِ الشَّرَفَ العَظِيمَ، فَكَيْفَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في مَعْرِضِ التَّشْرِيفِ الكامِلِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ؟
والجَوابُ: أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ قالَ: إنَّهُ تَعالى قالَ لِإبْلِيسَ عَلى لِسانِ مَن يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ المَلائِكَةِ: ما مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ ؟ ولَمْ يُسَلَّمْ أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَ إبْلِيسَ بِلا واسِطَةٍ. قالُوا: لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ غَيْرَ الأنْبِياءِ لا يُخاطِبُهُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا بِواسِطَةٍ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَ إبْلِيسَ بِلا واسِطَةٍ، ولَكِنْ عَلى وجْهِ الإهانَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ وتَكَلَّمَ مَعَ مُوسى ومَعَ سائِرِ الأنْبِياءِ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- عَلى سَبِيلِ الإكْرامِ. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ لِمُوسى: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ (طه: ١٣) وقالَ لَهُ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (طه: ٤١) وهَذا نِهايَةُ الإكْرامِ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الجَنَّةِ، وكانُوا في جَنَّةِ عَدْنٍ وفِيها خُلِقَ آدَمُ. وقالَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ: إنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِالهُبُوطِ مِنَ السَّماءِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ أيْ في السَّماءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أنْ أهْلَ السَّماواتِ مَلائِكَةٌ مُتَواضِعُونَ خاشِعُونَ فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ، والصَّغارُ: الذِّلَّةُ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ إبْلِيسَ طَلَبَ التَّكَبُّرَ فابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِالذِّلَّةِ والصَّغارِ تَنْبِيهًا عَلى صِحَّةِ ما قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن تَواضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ ومَن تَكَبَّرَ وضَعَهُ اللَّهُ» وقالَ بَعْضُهم: لَمّا أظْهَرَ الِاسْتِكْبارَ أُلْبِسَ الصَّغارَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:13
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ. فَإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ قَدْ تَناوَلَ إبْلِيسَ، وظاهِرُ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، إلّا أنَّ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرْناها تَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ. وأمّا الِاسْتِثْناءُ فَقَدْ أجَبْنا عَنْهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى طَلَبَ مِن إبْلِيسَ ما مَنَعَهُ مِن تَرْكِ السُّجُودِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فَإنَّ المَقْصُودَ طَلَبُ ما مَنَعَهُ مِنَ السُّجُودِ، ولِهَذا الإشْكالِ حَصَلَ في الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ أنَّ كَلِمَةَ (لا) صِلَةٌ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ؟ ! ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ (القِيامَةِ: ١) مَعْناهُ: أُقْسِمُ. وقَوْلِهِ: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ (الأنْبِياءِ: ٩٥) أيْ يَرْجِعُونَ. وقَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ أيْ: لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ. وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ، والأكْثَرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ كَلِمَةَ (لا) هَهُنا مُفِيدَةٌ ولَيْسَتْ لَغْوًا، وهَذا هو الصَّحِيحُ: لِأنَّ الحُكْمَ بِأنَّ كَلِمَةً مِن كِتابِ اللَّهِ لَغْوٌ لا فائِدَةَ فِيها مُشْكِلٌ صَعْبٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي تَأْوِيلِ الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ عَنْ تَرْكِ السُّجُودِ ؟ ! ويَكُونُ هَذا الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، ومَعْناهُ: أنَّهُ ما مَنَعَكَ عَنْ تَرْكِ السُّجُودِ ؟ ! كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن ضَرَبَهُ ظُلْمًا: ما الَّذِي مَنَعَكَ مِن ضَرْبِي، أدِينُكَ، أمْ عَقْلُكَ، أمْ حَياؤُكَ ؟ ! والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أحَدُ هَذِهِ الأُمُورِ، وما امْتَنَعْتَ مِن ضَرْبِي.
الثّانِي: قالَ القاضِي: ذَكَرَ اللَّهُ المَنعَ وأرادَ الدّاعِيَ فَكَأنَّهُ قالَ: ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ ؟ ! لِأنَّ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى حالَةٌ عَظِيمَةٌ يَتَعَجَّبُ مِنها ويَسْألُ عَنِ الدّاعِي إلَيْها.
* * *
صفحة ٢٨
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ تُفِيدُ الوُجُوبَ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى ذَمَّ إبْلِيسَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَرْكِ ما أُمِرَ بِهِ ولَوْ لَمْ يُفِدِ الأمْرُ الوُجُوبَ لَما كانَ مُجَرَّدُ تَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ مُوجِبًا لِلذَّمِّ.
فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ كانَ يُفِيدُ الوُجُوبَ، فَلَعَلَّ تِلْكَ الصِّيغَةَ في ذَلِكَ الأمْرِ كانَتْ تُفِيدُ الوُجُوبَ. فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ جَمِيعَ الصِّيَغِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ ؟
قُلْنا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ يُفِيدُ تَعْلِيلَ ذَلِكَ الذَّمِّ بِمُجَرَّدِ تَرْكِ الأمْرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ، والمَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ هو الأمْرُ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمْرٌ لا كَوْنُهُ أمْرًا مَخْصُوصًا في صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَرْكُ الأمْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمْرٌ مُوجِبًا لِلذَّمِّ، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ كُلَّ أمْرٍ فَإنَّهُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ وهو المَطْلُوبُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن زَعَمَ أنَّ الأمْرَ يُفِيدُ الفَوْرَ بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ: إنَّهُ تَعالى ذَمَّ إبْلِيسَ عَلى تَرْكِ السُّجُودِ في الحالِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ لا يُفِيدُ الفَوْرَ لَما اسْتَوْجَبَ هَذا الذَّمَّ بِتَرْكِ السُّجُودِ في الحالِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ طَلَبَ الدّاعِيَ الَّذِي دَعاهُ إلى تَرْكِ السُّجُودِ، فَحَكى تَعالى عَنْ إبْلِيسَ ذِكْرَ ذَلِكَ الدّاعِي، وهو أنَّهُ قالَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ومَعْناهُ: إنَّ إبْلِيسَ قالَ: إنَّما لَمْ أسْجُدْ لِآدَمَ؛ لِأنِّي خَيْرٌ مِنهُ، ومَن كانَ خَيْرًا مِن غَيْرِهِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أمْرُ ذَلِكَ الأكْمَلِ بِالسُّجُودِ لِذَلِكَ الأدْوَنِ، ثُمَّ بَيَّنَ المُقَدِّمَةَ الأُولى وهو قَوْلُهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ بِأنْ قالَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ والنّارُ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، والمَخْلُوقُ مِنَ الأفْضَلِ أفْضَلُ، فَوَجَبَ كَوْنُ إبْلِيسَ خَيْرًا مِن آدَمَ. أمّا بَيانُ أنَّ النّارَ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، فَلِأنَّ النّارَ مُشْرِقٌ عُلْوِيٌّ لَطِيفٌ خَفِيفٌ حارٌّ يابِسٌ مُجاوِرٌ لِجَواهِرِ السَّماواتِ مُلاصِقٌ لَها، والطِّينَ مُظْلِمٌ سُفْلِيٌّ كَثِيفٌ ثَقِيلٌ بارِدٌ يابِسٌ بَعِيدٌ عَنْ مُجاوَرَةِ السَّماواتِ، وأيْضًا فالنّارُ قَوِيَّةُ التَّأْثِيرِ والفِعْلِ، والأرْضُ لَيْسَ لَها إلّا القَبُولُ والِانْفِعالُ. والفِعْلُ أشْرَفُ مِنَ الِانْفِعالِ، وأيْضًا فالنّارُ مُناسِبَةٌ لِلْحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وهي مادَّةُ الحَياةِ، وأمّا الأرْضِيَّةُ والبَرَدُ واليُبْسُ فَهُما مُناسِبانِ لِلْمَوْتِ. والحَياةُ أشْرَفُ مِنَ المَوْتِ، وأيْضًا فَنُضْجُ الثِّمارِ مُتَعَلِّقٌ بِالحَرارَةِ، وأيْضًا فَسِنُّ النُّمُوِّ مِنَ النَّباتِ لَمّا كانَ وقْتَ كَمالِ الحَرارَةِ كانَ غايَةُ كَمالِ الحَيَوانِ حاصِلًا في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وأمّا وقْتُ الشَّيْخُوخَةِ، فَهو وقْتُ البَرْدِ واليُبْسِ المُناسِبُ، لا جَرَمَ كانَ هَذا الوَقْتُ أرْدَأ أوْقاتِ عُمُرِ الإنْسانِ. فَأمّا بَيانُ أنَّ المَخْلُوقَ مِنَ الأفْضَلِ أفْضَلُ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ شَرَفَ الأُصُولِ يُوجِبُ شَرَفَ الفُرُوعِ.
وأمّا بَيانُ أنَّ الأشْرَفَ لا يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ بِخِدْمَةِ الأدْوَنِ؛ فَلِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ مَن أمَرَ أبا حَنِيفَةَ والشّافِعِيَّ وسائِرَ أكابِرِ الفُقَهاءِ بِخِدْمَةِ فَقِيهٍ نازِلِ الدَّرَجَةِ كانَ ذَلِكَ قَبِيحًا في العُقُولِ، فَهَذا هو تَقْرِيرٌ لِشُبْهَةِ إبْلِيسَ.
فَنَقُولُ: هَذِهِ الشُّبْهَةُ مُرَكَّبَةٌ مِن مُقَدِّماتٍ ثَلاثَةٍ.
أوَّلُها: إنَّ النّارَ أفْضَلُ مِنَ التُّرابِ، فَهَذا قَدْ تَكَلَّمْنا فِيهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنْ مَن كانَتْ مادَّتُهُ أفْضَلَ فَصُورَتُهُ أفْضَلُ، فَهَذا هو مَحَلُّ النِّزاعِ والبَحْثِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الفَضِيلَةُ عَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ ابْتِداءً لَمْ يَلْزَمْ مِن فَضِيلَةِ المادَّةِ فَضِيلَةُ الصُّورَةِ. ألا تَرى أنَّهُ يَخْرُجُ الكافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ والمُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، والنُّورُ مِنَ الظُّلْمَةِ والظُّلْمَةُ مِنَ النُّورِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَضِيلَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لا بِسَبَبِ فَضِيلَةِ الأصْلِ والجَوْهَرِ.
وأيْضًا التَّكْلِيفُ إنَّما يَتَناوَلُ الحَيَّ بَعْدَ انْتِهائِهِ إلى حَدِّ كَمالِ العَقْلِ، فالمُعْتَبَرُ بِما انْتَهى إلَيْهِ لا بِما خُلِقَ مِنهُ، وأيْضًا فالفَضْلُ إنَّما يَكُونُ بِالأعْمالِ وما يَتَّصِلُ بِها لا بِسَبَبِ المادَّةِ. ألا تَرى أنَّ الحَبَشِيَّ المُؤْمِنَ مُفَضَّلٌ عَلى القُرَشِيِّ الكافِرِ.
* * *
صفحة ٢٩
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ النَّصِّ بِالقِياسِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ تَخْصِيصُ عُمُومِ النَّصِّ بِالقِياسِ جائِزًا لَما اسْتَوْجَبَ إبْلِيسُ هَذا الذَّمَّ الشَّدِيدَ والتَّوْبِيخَ العَظِيمَ، ولَمّا حَصَلَ ذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ عُمُومِ النَّصِّ بِالقِياسِ لا يَجُوزُ، وبَيانُ المُلازَمَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ خِطابٌ عامٌّ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَلائِكَةِ. ثُمَّ إنَّ إبْلِيسَ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِن هَذا العُمُومِ بِالقِياسِ. وهو أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ، والنّارُ أشْرَفُ مِنَ الطِّينِ، ومَن كانَ أصْلُهُ أشْرَفَ فَهو أشْرَفُ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ إبْلِيسَ أشْرَفَ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن كانَ أشْرَفَ مِن غَيْرِهِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ بِخِدْمَةِ الأدْوَنِ الأدْنى. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذا الحُكْمَ ثابِتٌ في جَمِيعِ النَّظائِرِ، ولا مَعْنى لِلْقِياسِ إلّا ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ إبْلِيسَ ما عَمِلَ في هَذِهِ الواقِعَةِ شَيْئًا إلّا أنَّهُ خَصَّصَ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ بِهَذا القِياسِ، فَلَوْ كانَ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ جائِزًا لَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ إبْلِيسُ الذَّمَّ عَلى هَذا العَمَلِ: وحَيْثُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ الشَّدِيدَ عَلَيْهِ، عَلِمْنا أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ لا يَجُوزُ.
وأيْضًا فَفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المَسْألَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا القِياسَ قالَ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ فَوَصَفَ تَعالى إبْلِيسَ بِكَوْنِهِ مُتَكَبِّرًا بَعْدَ أنْ حَكى عَنْهُ ذَلِكَ القِياسَ الَّذِي يُوجِبُ تَخْصِيصَ النَّصِّ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن حاوَلَ تَخْصِيصَ عُمُومِ النَّصِّ بِالقِياسِ تَكَبَّرَ عَلى اللَّهِ، ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ عُمُومِ النَّصِّ بِالقِياسِ تَكَبُّرٌ عَلى اللَّهِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّكَبُّرَ عَلى اللَّهِ يُوجِبُ العِقابَ الشَّدِيدَ والإخْراجَ مِن زُمْرَةِ الأوْلِياءِ والإدْخالَ في زُمْرَةِ المَلْعُونِينَ، ثَبَتَ أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ لا يَجُوزُ. وهَذا هو المُرادُ مِمّا نَقَلَهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ الطّاعَةُ أوْلى بِإبْلِيسَ مِنَ القِياسِ، فَعَصى رَبَّهُ وقاسَ، وأوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ، فَكَفَرَ بِقِياسِهِ، فَمَن قاسَ الدِّينَ بِشَيْءٍ مِن رَأْيِهِ قَرَنَهُ اللَّهُ مَعَ إبْلِيسَ. هَذا جُمْلَةُ الألْفاظِ الَّتِي نَقَلَها الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَإنْ قِيلَ: القِياسُ الَّذِي يُبْطِلُ النَّصَّ بِالكُلِّيَّةِ باطِلٌ. أمّا القِياسُ الَّذِي يُخَصِّصُ النَّصَّ في بَعْضِ الصُّوَرِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ باطِلٌ ؟
وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ لَوْ قَبُحَ أمْرُ مَن كانَ مَخْلُوقًا مِنَ النّارِ بِالسُّجُودِ لِمَن كانَ مَخْلُوقًا مِنَ الأرْضِ، لَكانَ قُبْحُ أمْرِ مَن كانَ مَخْلُوقًا مِنَ النُّورِ المَحْضِ بِالسُّجُودِ لِمَن كانَ مَخْلُوقًا مِنَ الأرْضِ أوْلى وأقْوى، لِأنَّ النُّورَ أشْرَفُ مِنَ النّارِ، وهَذا القِياسُ يَقْتَضِي أنْ يَقْبُحَ أمْرُ أحَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، فَهَذا القِياسُ يَقْتَضِي رَفْعَ مَدْلُولِ النَّصِّ بِالكُلِّيَّةِ وأنَّهُ باطِلٌ.
وأمّا القِياسُ الَّذِي يَقْتَضِي تَخْصِيصَ مَدْلُولِ النَّصِّ العامِّ، لِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ باطِلٌ ؟ فَهَذا سُؤالٌ حَسَنٌ أوْرَدْتُهُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وما رَأيْتُ أحَدًا ذَكَرَ هَذا السُّؤالَ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ، فَيُقالُ: إنَّ كَوْنَهُ أشْرَفَ مِن غَيْرِهِ يَقْتَضِي قُبْحَ أمْرِ مَن لا يَرْضى أنْ يَلْجَأ إلى خِدْمَةِ الأدْنى الأدْوَنِ، أمّا لَوْ رَضِيَ ذَلِكَ الشَّرِيفُ بِتِلْكَ الخِدْمَةِ لَمْ يَقْبُحْ؛ لِأنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في أنَّهُ يُسْقِطُ حَقَّ نَفْسِهِ، أمّا المَلائِكَةُ فَقَدْ رَضُوا بِذَلِكَ، فَلا بَأْسَ بِهِ، وأمّا إبْلِيسُ فَإنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِإسْقاطِ هَذا الحَقِّ، فَوَجَبَ أنْ يَقْبُحَ أمْرُهُ بِذَلِكَ السُّجُودِ، فَهَذا قِياسٌ مُناسِبٌ، وأنَّهُ يُوجِبُ تَخْصِيصَ النَّصِّ ولا يُوجِبُ رَفْعَهُ بِالكُلِّيَّةِ ولا إبْطالَهُ. فَلَوْ كانَ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ جائِزًا، لَما اسْتَوْجَبَ الذَّمَّ العَظِيمَ، فَلَمّا اسْتَوْجَبَ اسْتِحْقاقَ هَذا الذَّمِّ العَظِيمِ في حَقِّهِ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ غَيْرُ جائِزٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
صفحة ٣٠
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ لا شَكَّ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾ فَلا شَكَّ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو إبْلِيسُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها﴾ فَلا شَكَّ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى، ومِثْلُ هَذِهِ المُناظَرَةِ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَيْنَ إبْلِيسَ مَذْكُورٌ في سُورَةِ (ص) عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِأحَدٍ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- مُكالَمَةٌ مَعَ اللَّهِ مِثْلَ ما اتَّفَقَ لِإبْلِيسَ، وقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ تَشْرِيفَ مُوسى بِأنْ كَلَّمَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (الأعْرافِ: ١٤٣) وقالَ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ (النِّساءِ: ١٦٤) فَإنْ كانَتْ هَذِهِ المُكالَمَةُ تُفِيدُ الشَّرَفَ العَظِيمَ، فَكَيْفَ حَصَلَتْ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ لِإبْلِيسَ ؟ وإنْ لَمْ تُوجِبِ الشَّرَفَ العَظِيمَ، فَكَيْفَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في مَعْرِضِ التَّشْرِيفِ الكامِلِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ؟
والجَوابُ: أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ قالَ: إنَّهُ تَعالى قالَ لِإبْلِيسَ عَلى لِسانِ مَن يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ المَلائِكَةِ: ما مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ ؟ ولَمْ يُسَلَّمْ أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَ إبْلِيسَ بِلا واسِطَةٍ. قالُوا: لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ غَيْرَ الأنْبِياءِ لا يُخاطِبُهُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا بِواسِطَةٍ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَ إبْلِيسَ بِلا واسِطَةٍ، ولَكِنْ عَلى وجْهِ الإهانَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ وتَكَلَّمَ مَعَ مُوسى ومَعَ سائِرِ الأنْبِياءِ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- عَلى سَبِيلِ الإكْرامِ. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ لِمُوسى: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ (طه: ١٣) وقالَ لَهُ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (طه: ٤١) وهَذا نِهايَةُ الإكْرامِ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الجَنَّةِ، وكانُوا في جَنَّةِ عَدْنٍ وفِيها خُلِقَ آدَمُ. وقالَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ: إنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِالهُبُوطِ مِنَ السَّماءِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ أيْ في السَّماءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أنْ أهْلَ السَّماواتِ مَلائِكَةٌ مُتَواضِعُونَ خاشِعُونَ فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ، والصَّغارُ: الذِّلَّةُ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ إبْلِيسَ طَلَبَ التَّكَبُّرَ فابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِالذِّلَّةِ والصَّغارِ تَنْبِيهًا عَلى صِحَّةِ ما قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن تَواضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ ومَن تَكَبَّرَ وضَعَهُ اللَّهُ» وقالَ بَعْضُهم: لَمّا أظْهَرَ الِاسْتِكْبارَ أُلْبِسَ الصَّغارَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:14
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٣١
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الإنْظارَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى وقْتِ البَعْثِ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ حِينَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ.
ومَقْصُودُهُ أنَّهُ لا يَذُوقُ المَوْتَ فَلَمْ يُعْطِهِ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.
بَلْ قالَ: إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ، ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أنْظَرَهُ إلى النَّفْخَةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٣٧، ٣٨] والمُرادُ مِنهُ اليَوْمُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ الأحْياءُ كُلُّهم، وقالَ آخَرُونَ: لَمْ يُوَقِّتِ اللَّهُ لَهُ أجَلًا، بَلْ قالَ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ وقَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٣٨] المُرادُ مِنهُ الوَقْتُ المَعْلُومُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مُكَلَّفًا، والمُكَلَّفُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَّرَ أجَلَهُ إلى الوَقْتِ الفُلانِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُكَلَّفَ يَعْلَمُ أنَّهُ مَتى تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، فَإذا عَلِمَ أنَّ وقْتَ مَوْتِهِ هو الوَقْتُ الفُلانِيُّ أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ بِقَلْبٍ فارِغٍ، فَإذا قَرُبَ وقْتُ أجَلِهِ تابَ عَنْ تِلْكَ المَعاصِي، فَثَبَتَ أنَّ تَعْرِيفَ وقْتِ المَوْتِ بِعَيْنِهِ يَجْرِي مَجْرى الإغْراءِ بِالقَبِيحِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى.
وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّ تَعْرِيفَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَوْنَهُ مِنَ المُنْظَرِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا يَقْتَضِي إغْراءَهُ بِالقَبِيحِ؛ لِأنَّهُ تَعالى كانَ يَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى أقْبَحِ أنْواعِ الكُفْرِ والفِسْقِ سَواءٌ أعْلَمَهُ بِوَقْتِ مَوْتِهِ، أوْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الإعْلامُ مُوجِبًا إغْراءَهُ بِالقَبِيحِ، ومِثالُهُ أنَّهُ تَعالى عَرَّفَ أنْبِياءَهُ أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا إغْراءَهم بِالقَبِيحِ؛ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهم سَواءٌ عَرَّفَهم تِلْكَ الحالَةَ أوْ لَمْ يُعَرِّفْهم هَذِهِ الحالَةَ أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ.
فَلَمّا كانَ لا يَتَفاوَتُ حالُهم بِسَبَبِ هَذا التَّعْرِيفِ، لا جَرَمَ ما كانَ ذَلِكَ التَّعْرِيفُ إغْراءً بِالقَبِيحِ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أضافَ إغْواءَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أضافَ إغْواءَ العِبادِ إلى نَفْسِهِ.
فالأوَّلُ: يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِ.
والثّانِي: يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَلى مَذْهَبِ القَدَرِ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُتَحَيِّرًا في هَذِهِ المَسْألَةِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإغْواءَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالمُغْوِي فَجَعَلَ نَفْسَهُ مُغْوِيًا لِغَيْرِهِ مِنَ الغاوِينَ، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ المُغْوِيَ لَهُ هو اللَّهُ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، واخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ، أمّا أصْحابُنا فَقالُوا: الإغْواءُ إيقاعُ الغَيِّ في القَلْبِ، والغَيُّ هو الِاعْتِقادُ الباطِلُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الحَقَّ والباطِلَ إنَّما يَقَعُ في القَلْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
أمّا المُعْتَزِلَةُ فَلَهم هَهُنا مَقامانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُفَسِّرُوا الغَيَّ بِما ذَكَرْناهُ.
والثّانِي: أنْ يَذْكُرُوا في تَفْسِيرِهِ وجْهًا آخَرَ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَلَهم فِيهِ أعْذارٌ:
الأوَّلُ: إنْ قالُوا: هَذا قَوْلُ إبْلِيسَ فَهَبْ أنَّ إبْلِيسَ اعْتَقَدَ أنَّ خالِقَ الغَيِّ والجَهْلِ والكُفْرِ هو اللَّهُ تَعالى، إلّا أنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
الثّانِي: قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ غَيُّهُ وكُفْرُهُ: فَجازَ أنْ يُضِيفَ ذَلِكَ الغَيَّ إلى اللَّهِ تَعالى بِهَذا المَعْنى، وقَدْ يَقُولُ القائِلُ: لا تَحْمِلْنِي عَلى ضَرْبِكَ أيْ: لا تَفْعَلْ ما أضْرِبُكَ عِنْدَهُ.
الثّالِثُ: ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ والمَعْنى: إنَّكَ بِما لَعَنْتَنِي بِسَبَبِ آدَمَ، فَأنا لِأجْلِ هَذِهِ العَداوَةِ أُلْقِي الوَساوِسَ في قُلُوبِهِمْ.
الرّابِعُ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ أيْ خَيَّبْتَنِي مِن جَنَّتِكَ عُقُوبَةً عَلى عَمَلِي لَأقْعُدَنَّ لَهم.
صفحة ٣٢
الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الإغْواءِ الإهْلاكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٥٩] أيْ هَلاكًا ووَيْلًا، ومِنهُ أيْضًا قَوْلُهم: غَوى الفَصِيلُ يَغْوِي غَوًى إذا أكْثَرَ مِنَ اللَّبَنِ حَتّى يَفْسُدَ جَوْفُهُ، ويُشارِفَ الهَلاكَ والعَطَبَ، وفَسَّرُوا قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هُودٍ: ٣٤] إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُهْلِكَكم بِعِنادِكم. فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.
واعْلَمْ أنّا لا نُبالِغُ في بَيانِ أنَّ المُرادَ مِنَ الإغْواءِ في هَذِهِ الآيَةِ الإضْلالُ، لِأنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِ إبْلِيسَ وأنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، إلّا أنّا نُقِيمُ البُرْهانَ اليَقِينِيَّ عَلى أنَّ المُغْوِيَ لِإبْلِيسَ هو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الغاوِيَ لا بُدَّ لَهُ مِن مُغْوٍ، كَما أنَّ المُتَحَرِّكَ لا بُدَّ لَهُ مِن مُحَرِّكٍ، والسّاكِنَ لا بُدَّ لَهُ مَن مُسَكِّنٍ، والمُهْتَدِيَ لا بُدَّ لَهُ مِن هادٍ. فَلَمّا كانَ إبْلِيسُ غاوِيًا فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُغْوٍ، والمُغْوِي لَهُ إمّا أنْ يَكُونَ نَفْسَهُ أوْ مَخْلُوقًا آخَرَ أوِ اللَّهَ تَعالى، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَخْتارُ الغَوايَةَ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِها غَوايَةً. والثّانِي باطِلٌ وإلّا لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ وإمّا الدَّوْرُ. والثّالِثُ هو المَقْصُودُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:15
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٣١
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الإنْظارَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى وقْتِ البَعْثِ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ حِينَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ.
ومَقْصُودُهُ أنَّهُ لا يَذُوقُ المَوْتَ فَلَمْ يُعْطِهِ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.
بَلْ قالَ: إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ، ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أنْظَرَهُ إلى النَّفْخَةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٣٧، ٣٨] والمُرادُ مِنهُ اليَوْمُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ الأحْياءُ كُلُّهم، وقالَ آخَرُونَ: لَمْ يُوَقِّتِ اللَّهُ لَهُ أجَلًا، بَلْ قالَ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ وقَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٣٨] المُرادُ مِنهُ الوَقْتُ المَعْلُومُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مُكَلَّفًا، والمُكَلَّفُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَّرَ أجَلَهُ إلى الوَقْتِ الفُلانِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُكَلَّفَ يَعْلَمُ أنَّهُ مَتى تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، فَإذا عَلِمَ أنَّ وقْتَ مَوْتِهِ هو الوَقْتُ الفُلانِيُّ أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ بِقَلْبٍ فارِغٍ، فَإذا قَرُبَ وقْتُ أجَلِهِ تابَ عَنْ تِلْكَ المَعاصِي، فَثَبَتَ أنَّ تَعْرِيفَ وقْتِ المَوْتِ بِعَيْنِهِ يَجْرِي مَجْرى الإغْراءِ بِالقَبِيحِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى.
وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّ تَعْرِيفَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَوْنَهُ مِنَ المُنْظَرِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا يَقْتَضِي إغْراءَهُ بِالقَبِيحِ؛ لِأنَّهُ تَعالى كانَ يَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى أقْبَحِ أنْواعِ الكُفْرِ والفِسْقِ سَواءٌ أعْلَمَهُ بِوَقْتِ مَوْتِهِ، أوْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الإعْلامُ مُوجِبًا إغْراءَهُ بِالقَبِيحِ، ومِثالُهُ أنَّهُ تَعالى عَرَّفَ أنْبِياءَهُ أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا إغْراءَهم بِالقَبِيحِ؛ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنهم سَواءٌ عَرَّفَهم تِلْكَ الحالَةَ أوْ لَمْ يُعَرِّفْهم هَذِهِ الحالَةَ أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ.
فَلَمّا كانَ لا يَتَفاوَتُ حالُهم بِسَبَبِ هَذا التَّعْرِيفِ، لا جَرَمَ ما كانَ ذَلِكَ التَّعْرِيفُ إغْراءً بِالقَبِيحِ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أضافَ إغْواءَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أضافَ إغْواءَ العِبادِ إلى نَفْسِهِ.
فالأوَّلُ: يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِ.
والثّانِي: يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَلى مَذْهَبِ القَدَرِ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُتَحَيِّرًا في هَذِهِ المَسْألَةِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإغْواءَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالمُغْوِي فَجَعَلَ نَفْسَهُ مُغْوِيًا لِغَيْرِهِ مِنَ الغاوِينَ، ثُمَّ زَعَمَ أنَّ المُغْوِيَ لَهُ هو اللَّهُ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، واخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ، أمّا أصْحابُنا فَقالُوا: الإغْواءُ إيقاعُ الغَيِّ في القَلْبِ، والغَيُّ هو الِاعْتِقادُ الباطِلُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الحَقَّ والباطِلَ إنَّما يَقَعُ في القَلْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
أمّا المُعْتَزِلَةُ فَلَهم هَهُنا مَقامانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُفَسِّرُوا الغَيَّ بِما ذَكَرْناهُ.
والثّانِي: أنْ يَذْكُرُوا في تَفْسِيرِهِ وجْهًا آخَرَ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَلَهم فِيهِ أعْذارٌ:
الأوَّلُ: إنْ قالُوا: هَذا قَوْلُ إبْلِيسَ فَهَبْ أنَّ إبْلِيسَ اعْتَقَدَ أنَّ خالِقَ الغَيِّ والجَهْلِ والكُفْرِ هو اللَّهُ تَعالى، إلّا أنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
الثّانِي: قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ غَيُّهُ وكُفْرُهُ: فَجازَ أنْ يُضِيفَ ذَلِكَ الغَيَّ إلى اللَّهِ تَعالى بِهَذا المَعْنى، وقَدْ يَقُولُ القائِلُ: لا تَحْمِلْنِي عَلى ضَرْبِكَ أيْ: لا تَفْعَلْ ما أضْرِبُكَ عِنْدَهُ.
الثّالِثُ: ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ والمَعْنى: إنَّكَ بِما لَعَنْتَنِي بِسَبَبِ آدَمَ، فَأنا لِأجْلِ هَذِهِ العَداوَةِ أُلْقِي الوَساوِسَ في قُلُوبِهِمْ.
الرّابِعُ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ أيْ خَيَّبْتَنِي مِن جَنَّتِكَ عُقُوبَةً عَلى عَمَلِي لَأقْعُدَنَّ لَهم.
صفحة ٣٢
الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الإغْواءِ الإهْلاكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٥٩] أيْ هَلاكًا ووَيْلًا، ومِنهُ أيْضًا قَوْلُهم: غَوى الفَصِيلُ يَغْوِي غَوًى إذا أكْثَرَ مِنَ اللَّبَنِ حَتّى يَفْسُدَ جَوْفُهُ، ويُشارِفَ الهَلاكَ والعَطَبَ، وفَسَّرُوا قَوْلَهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هُودٍ: ٣٤] إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُهْلِكَكم بِعِنادِكم. فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.
واعْلَمْ أنّا لا نُبالِغُ في بَيانِ أنَّ المُرادَ مِنَ الإغْواءِ في هَذِهِ الآيَةِ الإضْلالُ، لِأنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِ إبْلِيسَ وأنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، إلّا أنّا نُقِيمُ البُرْهانَ اليَقِينِيَّ عَلى أنَّ المُغْوِيَ لِإبْلِيسَ هو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الغاوِيَ لا بُدَّ لَهُ مِن مُغْوٍ، كَما أنَّ المُتَحَرِّكَ لا بُدَّ لَهُ مِن مُحَرِّكٍ، والسّاكِنَ لا بُدَّ لَهُ مَن مُسَكِّنٍ، والمُهْتَدِيَ لا بُدَّ لَهُ مِن هادٍ. فَلَمّا كانَ إبْلِيسُ غاوِيًا فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُغْوٍ، والمُغْوِي لَهُ إمّا أنْ يَكُونَ نَفْسَهُ أوْ مَخْلُوقًا آخَرَ أوِ اللَّهَ تَعالى، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَخْتارُ الغَوايَةَ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِها غَوايَةً. والثّانِي باطِلٌ وإلّا لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ وإمّا الدَّوْرُ. والثّالِثُ هو المَقْصُودُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:16
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ باءُ القَسَمِ؛ أيْ: بِإغْوائِكَ إيّايَ لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ؛ أيْ: بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ ونَفاذِ سُلْطانِكَ فِيَّ لَأقْعُدَنَّ لَهم عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي يَسْلُكُونَهُ إلى الجَنَّةِ، بِأنْ أُزَيِّنَ لَهُمُ الباطِلَ، وما يُكْسِبُهُمُ المَآثِمَ، ولَمّا كانَتِ (الباءُ) باءَ القَسَمِ، كانَتِ (اللّامُ) جَوابَ القَسَمِ (وما) بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ و﴿أغْوَيْتَنِي﴾ صِلَتُها.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ أيْ فَبِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ لَأقْعُدَنَّ لَهم، والمُرادُ أنَّكَ لَمّا أغْوَيْتَنِي فَأنا أيْضًا أسْعى في إغْوائِهِمْ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: (ما) في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ لِلِاسْتِفْهامِ. كَأنَّهُ قِيلَ: بِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ وفِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ إثْباتَ الألِفِ إذا أُدْخِلَ حَرْفُ الجَرِّ عَلى ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ قَلِيلٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ لا خِلافَ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ ”عَلى“ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَأقْعُدَنَّ لَهم عَلى صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مِثالُهُ قَوْلُكَ: ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، والمَعْنى عَلى الظَّهْرِ والبَطْنِ. وإلْقاءُ كَلِمَةِ ”عَلى“ جائِزٌ؛ لِأنَّ الصِّراطَ ظَرْفٌ في المَعْنى: فاحْتَمَلَ ما يَحْتَمِلُهُ لِلْيَوْمِ واللَّيْلَةِ، في قَوْلِكَ: آتِيكَ غَدًا وفي غَدٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ فِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يُواظِبُ عَلى الإفْسادِ مُواظَبَةً لا يَفْتُرُ عَنْها، ولِهَذا المَعْنى ذَكَرَ القُعُودَ؛ لِأنَّ مَن أرادَ أنْ يُبالِغَ في تَكْمِيلِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ قَعَدَ حَتّى يَصِيرَ فارِغَ البالِ فَيُمْكِنُهُ إتْمامُ المَقْصُودِ. ومُواظَبَتُهُ عَلى الإفْسادِ هي مُواظَبَتُهُ عَلى الوَسْوَسَةِ حَتّى لا يَفْتُرَ عَنْها.
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالدِّينِ الحَقِّ والمَنهَجِ الصَّحِيحِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ وصِراطُ اللَّهِ المُسْتَقِيمُ هو دِينُهُ الحَقُّ.
البَحْثُ الثّالِثُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ كانَ عالِمًا بِأنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ مِنَ المَذْهَبِ والِاعْتِقادِ هو مَحْضُ الغَوايَةِ والضَّلالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَما قالَ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ وأيْضًا كانَ عالِمًا بِالدِّينِ الحَقِّ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما قالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ .
صفحة ٣٣
وإذا ثَبَتَ هَذا فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَرْضى إبْلِيسُ بِذَلِكَ المَذْهَبِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ ضَلالًا وغَوايَةً وبِكَوْنِهِ مُضادًّا لِلدِّينِ الحَقِّ ومُنافِيًا لِلصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّ المَرْءَ إنَّما يَعْتَقِدُ الفاسِدَ إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ كَوْنُهُ حَقًّا، فَأمّا مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ باطِلٌ وضَلالٌ وغَوايَةٌ يَسْتَحِيلُ أنْ يَخْتارَهُ ويَرْضى بِهِ ويَعْتَقِدَهُ.
واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ كُفْرَ إبْلِيسَ كُفْرُ عِنادٍ لا كُفْرُ جَهْلٍ؛ لِأنَّهُ مَتى عَلِمَ أنَّ مَذْهَبَهُ ضَلالٌ وغَوايَةٌ، فَقَدْ عَلِمَ أنَّ ضِدَّهُ هو الحَقُّ، فَكانَ إنْكارُهُ إنْكارًا بِمَحْضِ اللِّسانِ، فَكانَ ذَلِكَ كُفْرَ عِنادٍ، ومِنهم مَن قالَ: لا. بَلْ كُفْرُهُ كُفْرُ جَهْلٍ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ يُرِيدُ بِهِ في زَعْمِ الخَصْمِ، وفي اعْتِقادِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ رِعايَةُ مَصالِحِ العَبْدِ في دِينِهِ ولا في دُنْياهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ إبْلِيسَ اسْتَمْهَلَ الزَّمانَ الطَّوِيلَ فَأمْهَلَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما اسْتَمْهَلَهُ لِإغْواءِ الخَلْقِ وإضْلالِهِمْ وإلْقاءِ الوَساوِسِ في قُلُوبِهِمْ، وكانَ تَعالى عالِمًا بِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يُطِيعُونَهُ ويَقْبَلُونَ وسْوَسَتَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ (سَبَأٍ: ٢٠) فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ إنْظارَ إبْلِيسَ، وإمْهالَهُ هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ يَقْتَضِي حُصُولَ المَفاسِدِ العَظِيمَةِ والكُفْرَ الكَبِيرَ، فَلَوْ كانَ تَعالى مُراعِيًا لِمَصالِحِ العِبادِ لامْتَنَعَ أنْ يُمْهِلَهُ، وأنْ يُمَكِّنَهُ مِن هَذِهِ المَفاسِدِ. فَحَيْثُ أنْظَرَهُ وأمْهَلَهُ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رِعايَةِ المَصالِحِ أصْلًا، ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ الأنْبِياءَ دُعاةً إلى الخَلْقِ، وعَلِمَ مِن حالِ إبْلِيسَ أنَّهُ لا يَدْعُو إلّا إلى الكُفْرِ والضَّلالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أماتَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ هُمُ الدُّعاةُ لِلْخَلْقِ، وأبْقى إبْلِيسَ وسائِرَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ هُمُ الدُّعاةُ لِلْخَلْقِ إلى الكُفْرِ والباطِلِ ومَن كانَ يُرِيدُ مَصالِحَ العِبادِ امْتَنَعَ مِنهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: اخْتَلَفَ شُيُوخُنا في هَذِهِ المَسْألَةِ. فَقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ لا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ وُجُودِهِ وعَدَمِهِ، ولا يَضِلُّ بِقَوْلِهِ أحَدٌ إلّا مَن لَوْ فَرَضْنا عَدَمَ إبْلِيسَ لَكانَ يَضِلُّ أيْضًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ (الصّافّاتِ: ١٦٢) ولِأنَّهُ لَوْ ضَلَّ بِهِ أحَدٌ لَكانَ بَقاؤُهُ مَفْسَدَةً.
وقالَ أبُو هاشِمٍ: يَجُوزُ أنْ يَضِلَّ بِهِ قَوْمٌ، ويَكُونُ خَلْقُهُ جارِيًا مَجْرى خَلْقِ زِيادَةِ الشَّهْوَةِ، فَإنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ مِنَ الشَّهْوَةِ لا تُوجِبُ فِعْلَ القَبِيحِ إلّا أنَّ الِامْتِناعَ مِنها يَصِيرُ أشَقَّ، ولِأجْلِ تِلْكَ الزِّيادَةِ مِنَ المَشَقَّةِ تَحْصُلُ الزِّيادَةُ في الثَّوابِ، فَكَذا هَهُنا بِسَبَبِ إبْقاءِ إبْلِيسَ يَصِيرُ الِامْتِناعُ مِنَ القَبائِحِ أشَدَّ وأشَقَّ، ولَكِنَّهُ لا يَنْتَهِي إلى حَدِّ الإلْجاءِ والإكْراهِ.
والجَوابُ: أمّا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ فَضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لا بُدَّ وأنْ يُزَيِّنَ القَبائِحَ في قَلْبِ الكافِرِ ويُحَسِّنَها إلَيْهِ، ويُذَكِّرَهُ ما في القَبائِحِ مِن أنْواعِ اللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ حالَ الإنْسانِ مَعَ حُصُولِ هَذا التَّذْكِيرِ والتَّزْيِينِ لا يَكُونُ مُساوِيًا لِحالِهِ عِنْدَ عَدَمِ هَذا التَّذْكِيرِ، وهَذا التَّزْيِينِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ العُرْفُ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا حَصَلَ لَهُ جُلَساءُ يُرَغِّبُونَهُ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ويُحَسِّنُونَهُ في عَيْنِهِ ويُسَهِّلُونَ طَرِيقَ الوُصُولِ إلَيْهِ ويُواظِبُونَ عَلى دَعْوَتِهِ إلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ حالُهُ في الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ كَحالِهِ إذا لَمْ يُوجَدْ هَذا التَّذْكِيرُ والتَّحْسِينُ والتَّزْيِينُ. والعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ، وأمّا قَوْلُ أبِي هاشِمٍ فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ إذا صارَ حُصُولُ هَذا التَّذْكِيرِ والتَّزْيِينِ حاصِلًا لِلْمَرْءِ عَلى الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ القَبِيحِ كانَ ذَلِكَ سَعْيًا في إلْقائِهِ في المَفْسَدَةِ، وما ذَكَرَهُ مِن خَلْقِ الزِّيادَةِ في الشَّهْوَةِ، فَهو حُجَّةٌ أُخْرى لَنا في أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُراعِي المَصْلَحَةَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَحْتَجَّ
صفحة ٣٤
بِهِ ؟ والَّذِي يُقَرِّرُهُ غايَةَ التَّقْرِيرِ أنَّ لِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ الزِّيادَةِ في الشَّهْوَةِ يَقَعُ في الكُفْرِ وعِقابِ الأبَدِ، ولَوِ احْتَرَزَ عَنْ تِلْكَ الشَّهْوَةِ فَغايَتُهُ أنَّهُ يَزْدادُ ثَوابُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ زِيادَةِ تِلْكَ المَشَقَّةِ، وحُصُولُ هَذِهِ الزِّيادَةِ مِنَ الثَّوابِ شَيْءٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ البَتَّةَ، أمّا دَفْعُ العِقابِ المُؤَبَّدِ فَإلَيْهِ أعْظَمُ الحاجاتِ، فَلَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ مُراعِيًا لِمَصالِحِ العِبادِ لاسْتَحالَ أنْ يُهْمِلَ الأهَمَّ الأكْمَلَ الأعْظَمَ لِطَلَبِ الزِّيادَةِ الَّتِي لا حاجَةَ إلَيْها ولا ضَرُورَةَ، فَثَبَتَ فَسادُ هَذِهِ المَذاهِبِ وأنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ أصْلًا. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
الأعراف 7:17
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في ذِكْرِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُخْتَصٌّ بِنَوْعٍ مِنَ الآفَةِ في الدِّينِ. والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي أُشَكِّكُهم في صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ أُلْقِي إلَيْهِمْ أنَّ الدُّنْيا قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةٌ.
وثانِيها: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ والمَعْنى أُفَتِّرُهم عَنِ الرَّغْبَةِ في سَعاداتِ الآخِرَةِ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ يَعْنِي أُقَوِّي رَغْبَتَهم في لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها وأُحَسِّنُها في أعْيُنِهِمْ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ الآخِرَةُ؛ لِأنَّهم يَرِدُونَ عَلَيْها ويَصِلُونَ إلَيْها، فَهي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإذا كانَتِ الآخِرَةُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ كانَتِ الدُّنْيا خَلْفَهم؛ لِأنَّهم يَخْلُفُونَها.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ الحاكِمِ والسُّدِّيِّ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي الدُّنْيا ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ الآخِرَةَ، وإنَّما فَسَّرْنا ﴿بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ بِالدُّنْيا، لِأنَّها بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَسْعى فِيها ويُشاهِدُها، وأمّا الآخِرَةُ فَهي تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ.
ورابِعُها: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ الَّذِينَ يَكُونُونَ حاضِرِينَ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ في تَكْذِيبِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ في الكُفْرِ والبِدْعَةِ ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ في أنْواعِ المَعاصِي.
وثانِيها: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ في الصَّرْفِ عَنِ الحَقِّ ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ في التَّرْغِيبِ في الباطِلِ.
وثالِثُها: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ يَعْنِي أُفَتِّرُهم عَنِ الحَسَناتِ ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أُقَوِّي دَواعِيَهم في السَّيِّئاتِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَوْلُ مَن قالَ: الأيْمانُ كِنايَةٌ عَنِ الحَسَناتِ، والشَّمائِلُ عَنِ السَّيِّئاتِ قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ، يُرِيدُ: اجْعَلْنِي مِنَ المُقَدَّمِينَ عِنْدَكَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُؤَخَّرِينَ. ورَوى أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ يُقالُ: هو عِنْدَنا بِاليَمِينِ أيْ بِمَنزِلَةٍ حَسَنَةٍ، وإذا خَبُثَتْ مَنزِلَتُهُ قالَ: أنْتَ عِنْدِي بِالشِّمالِ، فَهَذا تَلْخِيصُ ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ. أمّا حُكَماءُ الإسْلامِ، فَقَدْ ذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا أُخْرى:
أوَّلُها: وهو الأقْوى الأشْرَفُ أنَّ في البَدَنِ قُوًى أرْبَعًا، هي المُوجِبَةُ لِقُوّاتِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ:
فَإحْداها: القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيها مِثْلُ المَحْسُوساتِ وصُوَرِها، وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ المُقَدَّمِ مِنَ الدِّماغِ، وصُوَرُ المَحْسُوساتِ إنَّما تَرِدُ عَلَيْها مِن مُقَدَّمِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ .
والقُوَّةُ الثّانِيَةُ: القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الَّتِي تَحْكُمُ في غَيْرِ المَحْسُوساتِ بِالأحْكامِ المُناسِبَةِ لِلْمَحْسُوساتِ، وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ المُؤَخَّرِ مِنَ الدِّماغِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ .
صفحة ٣٥
والقُوَّةُ الثّالِثَةُ: الشَّهْوَةُ وهي مَوْضُوعَةٌ في الكَبِدِ وهي مِن يَمِينِ البَدَنِ.
والقُوَّةُ الرّابِعَةُ: الغَضَبُ، وهو مَوْضُوعٌ في البَطْنِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ، فَهَذِهِ القُوى الأرْبَعُ هي الَّتِي تَتَوَلَّدُ عَنْها أحْوالٌ تُوجِبُ زَوالَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ. والشَّياطِينُ الخارِجَةُ ما لَمْ تَسْتَعِنْ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القُوى الأرْبَعِ لَمْ تَقْدِرْ عَلى إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في تَعْيِينِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ، وهو وجْهٌ حَقِيقِيٌّ شَرِيفٌ.
وثانِيها: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ المُرادُ مِنهُ الشُّبُهاتُ المَبْنِيَّةُ عَلى التَّشْبِيهِ: إمّا في الذّاتِ والصِّفاتِ مِثْلُ شُبَهِ المُجَسَّمَةِ، وإمّا في الأفْعالِ: مِثْلُ شُبَهِ المُعْتَزِلَةِ في التَّعْدِيلِ والتَّخْوِيفِ والتَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ
﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ المُرادُ مِنهُ الشُّبُهاتُ النّاشِئَةُ عَنِ التَّعْطِيلِ، وإنَّما جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ لِشُبُهاتِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يُشاهِدُ هَذِهِ الجِسْمانِيّاتِ وأحْوالَها، فَهي حاضِرَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَعْتَقِدُ أنَّ الغائِبَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِهَذا الشّاهِدِ، وإنَّما جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ كِنايَةً عَنِ التَّعْطِيلِ؛ لِأنَّ التَّشْبِيهَ عَيْنُ التَّعْطِيلِ، فَلَمّا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ كِنايَةً عَنِ التَّشْبِيهِ وجَبَ أنْ نَجْعَلَ قَوْلَهُ: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ كِنايَةً عَنِ التَّعْطِيلِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ فالمُرادُ مِنهُ التَّرْغِيبُ في تَرْكِ المَأْمُوراتِ ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ التَّرْغِيبُ في فِعْلِ المَنهِيّاتِ.
وثالِثُها: نُقِلَ عَنْ شَقِيقٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أنَّهُ قالَ: ما مِن صَباحٍ إلّا ويَأْتِينِي الشَّيْطانُ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ، مِن بَيْنِ يَدَيَّ ومِن خَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي. أمّا مِن بَيْنِ يَدَيَّ، فَيَقُولُ: لا تَخَفْ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فَأقْرَأُ ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ (طه: ٨٢) وأمّا مِن خَلْفِي: فَيُخَوِّفُنِي مِن وُقُوعِ أوْلادِي في الفَقْرِ، فَأقْرَأُ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ (هُودٍ: ٦) وأمّا مِن قِبَلِ يَمِينِي: فَيَأْتِينِي مِن قِبَلِ الثَّناءِ، فَأقْرَأُ ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعْرافِ: ١٢٨) وأمّا مِن قِبَلِ شَمالِي: فَيَأْتِينِي مِن قِبَلِ الشَّهَواتِ، فَأقْرَأُ ﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ (سَبَأٍ: ٥٤) .
والقَوْلُ الثّانِي: في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الشَّيْطانِ ذِكْرَ هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ يُبالِغُ في إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ، ولا يُقَصِّرُ في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ البَتَّةَ. وتَقْدِيرُ الآيَةِ: ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن جَمِيعِ الجِهاتِ المُمْكِنَةِ بِجَمِيعِ الِاعْتِباراتِ المُمْكِنَةِ. وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِطَرِيقِ الإسْلامِ، فَقالَ لَهُ: تَدَعُ دِينَ آبائِكَ ؟ فَعَصاهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجْرَةِ، فَقالَ لَهُ: تَدَعُ دِيارَكَ وتَتَغَرَّبُ ؟ فَعَصاهُ وهاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهادِ، فَقالَ لَهُ: تُقاتِلُ فَتُقْتَلُ، ويُقَسَّمُ مالُكَ، وتُنْكَحُ امْرَأتُكَ ؟ فَعَصاهُ فَقاتَلَ، وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ لا يَتْرُكُ جِهَةً مِن جِهاتِ الوَسْوَسَةِ إلّا ويُلْقِيها في القَلْبِ» .
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْ مَعَ الجِهاتِ الأرْبَعِ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ.
قُلْنا: أمّا في التَّحْقِيقِ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القُوى الَّتِي يَتَوَلَّدُ مِنها ما يُوجِبُ تَفْوِيتَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَهي مَوْضُوعَةٌ في هَذِهِ الجَوانِبِ الأرْبَعَةِ مِنَ البَدَنِ. وأمّا في الظّاهِرِ: فَيُرْوى أنَّ الشَّيْطانَ لَمّا قالَ هَذا الكَلامَ رَقَّتْ قُلُوبُ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ، فَقالُوا: يا إلَهَنا كَيْفَ يَتَخَلَّصُ الإنْسانُ مِنَ الشَّيْطانِ مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ أنَّهُ بَقِيَ لِلْإنْسانِ جِهَتانِ: الفَوْقُ والتَّحْتُ، فَإذا رَفَعَ يَدَيْهِ إلى فَوْقُ في الدُّعاءِ عَلى سَبِيلِ الخُضُوعِ، أوْ وضَعَ جَبْهَتَهُ عَلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ الخُشُوعِ غَفَرْتُ لَهُ ذَنْبَ سَبْعِينَ سَنَةً. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ فَذَكَرَ هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ بِكَلِمَةِ (مِن) .
صفحة ٣٦
ثُمَّ قالَ: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ فَذَكَرَ هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ بِكَلِمَةِ (عَنْ) ولا بُدَّ في هَذا الفَرْقِ مِن فائِدَةٍ. فَنَقُولُ: إذا قالَ القائِلُ جَلَسَ عَنْ يَمِينِهِ، مَعْناهُ أنَّهُ جَلَسَ مُتَجافِيًا عَنْ صاحِبِ اليَمِينِ غَيْرَ مُلْتَصِقٍ بِهِ. قالَ تَعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ (ق: ١٧) فَبَيَّنَ أنَّهُ حَضَرَ عَلى هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ مَلَكانِ، ولَمْ يَحْضُرْ في القُدّامِ والخَلْفِ مَلَكانِ، والشَّيْطانُ يَتَباعَدُ عَنِ المَلَكِ، فَلِهَذا المَعْنى خَصَّ اليَمِينَ والشِّمالَ بِكَلِمَةِ (عَنْ) لِأجْلِ أنَّها تُفِيدُ البُعْدَ والمُبايَنَةَ، وأيْضًا فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ الخَيالُ والوَهْمُ، والضَّرَرُ النّاشِئُ مِنهُما هو حُصُولُ العَقائِدِ الباطِلَةِ، وذَلِكَ هو حُصُولُ الكُفْرِ، وقَوْلِهِ: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ، والضَّرَرُ النّاشِئُ مِنهُما هو حُصُولُ الأعْمالِ الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، وذَلِكَ هو المَعْصِيَةُ، ولا شَكَّ أنَّ الضَّرَرَ الحاصِلَ مِنَ الكُفْرِ لازِمٌ، لِأنَّ عِقابَهُ دائِمٌ. أمّا الضَّرَرُ الحاصِلُ مِنَ المَعْصِيَةِ فَسَهْلٌ؛ لِأنَّ عِقابَهُ مُنْقَطِعٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بِكَلِمَةِ (عَنْ) تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ في اللُّزُومِ والِاتِّصالِ دُونَ القِسْمِ الأوَّلِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: هَذا القَوْلُ مِن إبْلِيسَ كالدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِ ما يُقالُ: إنَّهُ يَدْخُلُ في بَدَنِ ابْنِ آدَمَ ويُخالِطُهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ أمْكَنَهُ ذَلِكَ لَكانَ بِأنْ يَذْكُرَهُ في بابِ المُبالَغَةِ أحَقَّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ هَذا مِن بابِ الغَيْبِ، فَكَيْفَ عَرَفَ إبْلِيسُ ذَلِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم: كانَ قَدْ رَآهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَقالَ لَهُ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ واليَقِينِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ قالَهُ عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ؛ لِأنَّهُ كانَ عازِمًا عَلى المُبالَغَةِ في تَزْيِينِ الشَّهَواتِ وتَحْسِينِ الطَّيِّباتِ، وعَلِمَ أنَّها أشْياءُ يَرْغَبُ فِيها غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم يَقْبَلُونَ قَوْلَهُ فِيها عَلى سَبِيلِ الأكْثَرِ والأغْلَبِ، ويُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا﴾ (سَبَأٍ: ٢٠) والعَجَبُ أنَّ إبْلِيسَ قالَ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ فَقالَ الحَقُّ ما يُطابِقُ ذَلِكَ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سَبَأٍ: ١٣) وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ. وهو أنَّهُ حَصَلَ لِلنَّفْسِ تِسْعَ عَشْرَةَ قُوَّةً، وكُلُّها تَدْعُو النَّفْسَ إلى اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ والطَّيِّباتِ الشَّهْوانِيَّةِ: فَخَمْسَةٌ مِنها هي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ، وخَمْسَةٌ أُخْرى هي الحَواسُّ الباطِنَةُ، واثْنانِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ، وسَبْعَةٌ هي القُوى الكامِنَةُ، وهي الجاذِبَةُ، والماسِكَةُ، والهاضِمَةُ، والدّافِعَةُ، والغاذِيَةُ، والنّامِيَةُ، والمُوَلِّدَةُ. فَمَجْمُوعُها تِسْعَةَ عَشَرَ، وهي بِأسْرِها تَدْعُو النَّفْسَ إلى عالَمِ الجِسْمِ وتُرَغِّبُها في طَلَبِ اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، وأمّا العَقْلُ فَهو قُوَّةٌ واحِدَةٌ، وهي الَّتِي تَدْعُو النَّفْسَ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ اسْتِيلاءَ تِسْعَ عَشْرَةَ قُوَّةً أكْمَلُ مِنِ اسْتِيلاءِ القُوَّةِ الواحِدَةِ. لا سِيَّما وتِلْكَ القُوى التِّسْعَةَ عَشَرَ تَكُونُ في أوَّلِ الخِلْقَةِ قَوِيَّةً ويَكُونُ العَقْلُ ضَعِيفًا جِدًّا وهي بَعْدَ قُوَّتِها يَعْسُرُ جَعْلُها ضَعِيفَةً مَرْجُوحَةً، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يَكُونُونَ طالِبِينَ لِهَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ مُعْرِضِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ ومَحَبَّتِهِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾
صفحة ٣٧
اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا وعَدَ بِالإفْسادِ الَّذِي ذَكَرَهُ، خاطَبَهُ اللَّهُ تَعالى بِما يَدُلُّ عَلى الزَّجْرِ والإهانَةِ فَقالَ: (اخْرُجْ مِنها) مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماءِ (مَذْءُومًا) قالَ اللَّيْثَ: ذَأمْتُ الرَّجُلَ فَهو مَذْءُومٌ أيْ: مَحْقُورٌ والذّامُ الِاحْتِقارُ، وقالَ الفَرّاءُ: ذَأمْتُهُ إذا عِبْتَهُ يَقُولُونَ في المَثَلِ لا تَعْدَمُ الحَسْناءُ ذامًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَذْءُومُ المَذْمُومُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَذْءُومًا: مَذْمُومًا بِأبْلَغِ الذَّمِّ، قالَ أُمَيَّةُ:
وقالَ لِإبْلِيسَ رَبُّ العِبادِ أنِ اخْرُجْ دَحِيرًا لَعِينًا ذَءُوما
وقَوْلُهُ: (مَدْحُورًا) الدَّحْرُ في اللُّغَةِ الطَّرْدُ والتَّبْعِيدُ، يُقالُ دَحَرَهُ دَحْرًا ودُحُورًا إذا طَرَدَهُ وبَعَّدَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا﴾ وقالَ أُمَيَّةُ:
وبِإذْنِهِ سَجَدُوا لِآدَمَ كُلُّهم ∗∗∗ إلّا لَعِينًا خاطِئًا مَدْحُورا
وقَوْلُهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ قَوْلُهُ: (لَأمْلَأنَّ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ رَوى عِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ: (لِمَن تَبِعَكَ) بِكَسْرِ اللّامِ بِمَعْنى (لِمَن تَبِعَكَ مِنهم هَذا الوَعِيدُ) وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأمَلانَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: إنَّ (لَأمْلَأنَّ) في مَحَلِّ الِابْتِداءِ (ولَمَن تَبِعَكَ) خَبَرُهُ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ولَدِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ حِينَ قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ كانَ مُخاطِبًا لِوَلَدِ آدَمَ فَرَجَعَتِ الكِنايَةُ إلَيْهِمْ.
قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ التّابِعَ والمَتْبُوعَ مَعْنِيّانِ في أنَّ جَهَنَّمَ تُمْلَأُ مِنهُما ثُمَّ إنَّ الكافِرَ تَبِعَهُ، فَكَذَلِكَ الفاسِقُ تَبِعَهُ، فَيَجِبُ القَطْعُ بِدُخُولِ الفاسِقِ النّارَ، وجَوابُهُ أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِمَّنْ تَبِعَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّ كُلَّ مَن تَبِعَهُ فَإنَّهُ يَدْخُلُ جَهَنَّمَ فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ، ونَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ أصْحابِ البِدَعِ والضَّلالاتِ يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ كُلَّهم مُتابِعُونَ لِإبْلِيسَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مَسائِلَ:
أحَدُها: إنَّ قَوْلَهُ: (اسْكُنْ) أمْرُ تَعَبُّدٍ، أوْ أمْرُ إباحَةٍ وإطْلاقٍ، مِن حَيْثُ إنَّهُ لا مَشَقَّةَ فِيهِ. فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ.
وثانِيها: إنَّ زَوْجَ آدَمَ هو حَوّاءُ، ويَجِبُ أنْ نَذْكُرَ أنَّهُ تَعالى كَيْفَ خَلَقَ حَوّاءَ.
وثالِثُها: إنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ كانَتْ جَنَّةَ الخُلْدِ، أوْ جَنَّةً مِن جِنانِ السَّماءِ أوْ جَنَّةً مِن جِنانِ الأرْضِ.
ورابِعُها: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلا﴾ أمْرُ إباحَةٍ لا أمْرُ تَكْلِيفٍ.
وخامِسُها: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَقْرَبا﴾ نَهْيُ تَنْزِيهٍ أوْ نَهْيُ تَحْرِيمٍ.
وسادِسُها: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ المُرادُ شَجَرَةٌ واحِدَةٌ بِالشَّخْصِ أوِ النَّوْعِ.
وسابِعُها: إنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ أيُّ شَجَرَةٍ كانَتْ.
وثامِنُها: إنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ كانَ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا.
وتاسِعُها: أنَّهُ ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وهَلْ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ ظالِمًا بِهَذا القُرْبانِ الدُّخُولُ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ (هُودٍ: ١٨) .
وعاشِرُها: إنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ وقَعَتْ قَبْلَ نُبُوَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ بَعْدَها، فَهَذِهِ المَسائِلُ العَشَرَةُ قَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُها وتَقْرِيرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُها، والَّذِي بَقِيَ عَلَيْنا مِن هَذِهِ الآيَةِ حَرْفٌ واحِدٌ،
صفحة ٣٨
وهُوَ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا﴾ (البَقَرَةِ: ٣٥) بِالواوِ، وقالَ هَهُنا: (فَكُلا) بِالفاءِ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟
وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: إنَّ الواوَ تُفِيدُ الجَمْعَ المُطْلَقَ، والفاءَ تُفِيدُ الجَمْعَ عَلى سَبِيلِ التَّعْقِيبِ، فالمَفْهُومُ مِنَ الفاءِ نَوْعٌ داخِلٌ تَحْتَ المَفْهُومِ مِنَ الواوِ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ النَّوْعِ والجِنْسِ، فَفي سُورَةِ البَقَرَةِ ذَكَرَ الجِنْسَ وفي سُورَةِ الأعْرافِ ذَكَرَ النَّوْعَ.
الأعراف 7:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
يُقالُ: وسْوَسَ إذا تَكَلَّمَ كَلامًا خَفِيًّا يُكَرِّرُهُ، وبِهِ سُمِّيَ صَوْتُ الحُلِيِّ وسْواسًا وهو فِعْلٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، كَقَوْلِنا: ولَوْلَتِ المَرْأةُ، وقَوْلِنا: وعْوَعَ الذِّئْبُ، ورَجُلٌ مُوَسْوِسٌ بِكَسْرِ الواوِ ولا يُقالُ: مُوَسْوَسٌ بِالفَتْحِ، ولَكِنْ مُوَسْوَسٌ لَهُ ومُوَسْوَسٌ إلَيْهِ، وهو الَّذِي يُلْقى إلَيْهِ الوَسْوَسَةُ، ومَعْنى وسْوَسَ لَهُ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ، ووَسْوَسَ إلَيْهِ ألْقاها إلَيْهِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ وسْوَسَ إلَيْهِ وآدَمُ كانَ في الجَنَّةِ وإبْلِيسُ أُخْرِجَ مِنها ؟
والجَوابُ: قالَ الحَسَنُ: كانَ يُوَسْوِسُ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ وإلى الجَنَّةِ بِالقُوَّةِ الفَوْقِيَّةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لَهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: بَلْ كانَ آدَمُ وإبْلِيسُ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ كانَتْ بَعْضَ جَنّاتِ الأرْضِ، والَّذِي يَقُولُهُ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ إبْلِيسَ دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ، ودَخَلَتِ الحَيَّةُ في الجَنَّةِ فَتِلْكَ القِصَّةُ الرَّكِيكَةُ مَشْهُورَةٌ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ آدَمَ وحَوّاءَ رُبَّما قَرُبا مِن بابِ الجَنَّةِ، وكانَ إبْلِيسُ واقِفًا مِن خارِجِ الجَنَّةِ عَلى بابِها، فَيَقْرُبُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ وتَحْصُلُ الوَسْوَسَةُ هُناكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْرِفُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ إبْلِيسَ مِنَ العَداوَةِ فَكَيْفَ قَبِلَ قَوْلَهُ
والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ إبْلِيسَ لَقِيَ آدَمَ مِرارًا كَثِيرَةً ورَغَّبَهُ في أكْلِ الشَّجَرَةِ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ: فَلِأجْلِ المُواظَبَةِ والمُداوَمَةِ عَلى هَذا التَّمْوِيهِ أثَّرَ كَلامُهُ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة ٣٩
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ .
والجَوابُ: مَعْنى وسْوَسَ لَهُ أيْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾ في هَذا اللّامِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لامُ العاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ (القَصَصِ: ٨) وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لَمْ يَقْصِدْ بِالوَسْوَسَةِ ظُهُورَ عَوْرَتِهِما، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُما إنْ أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ بَدَتْ عَوْراتُهُما، وإنَّما كانَ قَصْدُهُ أنْ يَحْمِلَهُما عَلى المَعْصِيَةِ فَقَطْ.
الثّانِي: لا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لامُ الغَرَضِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُجْعَلَ بُدُوُّ العَوْرَةِ كِنايَةً عَنْ سُقُوطِ الحُرْمَةِ وزَوالِ الجاهِ، والمَعْنى: أنَّ غَرَضَهُ مِن إلْقاءِ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ إلى آدَمَ زَوالُ حُرْمَتِهِ وذَهابُ مَنصِبِهِ.
والثّانِي: لَعَلَّهُ رَأى في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ سَمِعَ مِن بَعْضِ المَلائِكَةِ، أنَّهُ إذا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ بَدَتْ عَوْرَتُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الضَّرَرِ وسُقُوطِ الحُرْمَةِ، فَكانَ يُوَسْوِسُ إلَيْهِ لِحُصُولِ هَذا الغَرَضِ.
* * *
وقَوْلُهُ: ﴿ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ فِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ما وُورِيَ مَأْخُوذٌ مِنَ المُواراةِ يُقالُ: وارَيْتُهُ أيْ سَتَرْتُهُ. قالَ تَعالى: ﴿يُوارِي سَوْأةَ أخِيهِ﴾ . «وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ لَمّا أخْبَرَهُ بِوَفاةِ أبِيهِ: اذْهَبْ فَوارِهِ» .
البَحْثُ الثّانِي: السَّوْءَةُ فَرْجُ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، وذَلِكَ لِأنَّ ظُهُورَهُ يَسُوءُ الإنْسانَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كَأنَّهُما قَدْ أُلْبِسا ثَوْبًا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُما، فَلَمّا عَصَيا زالَ عَنْهُما ذَلِكَ الثَّوْبُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما﴾ .
البَحْثُ الثّالِثُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ مِنَ المُنْكَراتِ، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَهْجَنًا في الطِّباعِ مُسْتَقْبَحًا في العُقُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ (الأعْرافِ: ٢٠) يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ ذَكَرَهُ إبْلِيسُ بِحَيْثُ خاطَبَ بِهِ آدَمَ وحَوّاءَ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ وسْوَسَةً أوْقَعَها في قُلُوبِهِما، والأمْرانِ مَرْوِيّانِ إلّا أنَّ الأغْلَبَ أنَّهُ كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ ومَعْنى الكَلامِ أنَّ إبْلِيسَ قالَ لَهُما في الوَسْوَسَةِ: إلّا أنْ تَكُونَ مَلَكَيْنِ، وأرادَ بِهِ أنْ تَكُونا بِمَنزِلَةِ المَلائِكَةِ إنْ أكَلْتُما مِنها أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ إنْ أكَلْتُما، فَرَغَّبَهُما بِأنْ أوْهَمَهُما أنَّ مَن أكَلَها صارَ كَذَلِكَ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما نَهاهُما عَنْها لِكَيْ لا يَكُونا بِمَنزِلَةِ المَلائِكَةِ ولا يَخْلُدا، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ أطْمَعَ إبْلِيسُ آدَمَ في أنْ يَكُونَ مَلَكًا عِنْدَ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ مَعَ أنَّهُ شاهَدَ المَلائِكَةَ مُتَواضِعِينَ ساجِدِينَ لَهُ مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: إنَّ هَذا المَعْنى أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ سَجَدُوا لِآدَمَ هم مَلائِكَةُ الأرْضِ. أمّا مَلائِكَةُ السَّماواتِ وسُكّانُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ والمَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ فَما سَجَدُوا البَتَّةَ لِآدَمَ، ولَوْ كانُوا سَجَدُوا لَهُ لَكانَ هَذا التَّطْمِيعُ فاسِدًا مُخْتَلًّا.
وثانِيها: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: إنَّ آدَمَ عَلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَمُوتُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ إبْلِيسُ أنْ يَصِيرَ مِثْلَ المَلَكِ في البَقاءِ، وأقُولُ: هَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَطْلُوبُ مِنَ المَلائِكَةِ هو الخُلُودُ وحِينَئِذٍ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ .
صفحة ٤٠
والوَجْهُ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ (مَلِكَيْنِ)، ويَقُولُ: ما طَمِعا في أنْ يَكُونا مَلَكَيْنِ، لَكِنَّهُما اسْتَشْرَفا إلى أنْ يَكُونا مَلِكَيْنِ، وإنَّما أتاهُما المَلْعُونُ مِن جِهَةِ المُلْكِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ (طه: ١٢٠) وأقُولُ: هَذا الجَوابُ أيْضًا ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: هَبْ أنَّهُ حَصَلَ الجَوابُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: فَهَلْ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ تِلْكَ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ باطِلَةٌ. أوْ لا يَقُولُ ذَلِكَ ؟ والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ القِراءَةَ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيها.
وأمّا الثّانِي: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الإشْكالُ باقٍ؛ لِأنَّ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ يَكُونُ بِالتَّطْمِيعِ قَدْ وقَعَ في أنْ يَصِيرَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الأكْلِ مِن جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤالُ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ سُجُودَ المَلائِكَةِ والخَلْقِ لَهُ في أنْ يَسْكُنَ الجَنَّةَ، وأنْ يَأْكُلَ مِنها رَغَدًا كَيْفَ شاءَ وأرادَ، ولا مَزِيدَ في المُلْكِ عَلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ دَرَجَةَ المَلائِكَةِ أكْمَلُ وأفْضَلُ مِن دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنّا إذا قُلْنا إنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَدُلَّ عَلى ذَلِكَ ولِأنَّ آدَمَ حِينَ طَلَبَ الوُصُولَ إلى دَرَجَةِ المَلائِكَةِ ما كانَ مِنَ الأنْبِياءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ زالَ الِاسْتِدْلالُ.
والثّانِي: إنَّ بِتَقْدِيرِ ”أنْ“ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ وقَعَتْ في زَمانِ النُّبُوَّةِ، فَلَعَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَغِبَ في أنْ يَصِيرَ مِنَ المَلائِكَةِ في القُدْرَةِ والقُوَّةِ والشِّدَّةِ أوْ في خِلْقَةِ الذّاتِ بِأنْ يَصِيرَ جَوْهَرًا نُورانِيًّا، وفي أنْ يَصِيرَ مِن سُكّانِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: نُقِلَ أنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ قالَ لِلْحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ وفي قَوْلِهِ: وقاسَمَهُما قالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: فَهَلْ صَدَّقاهُ في ذَلِكَ ؟ فَقالَ الحَسَنُ: مَعاذَ اللَّهِ لَوْ صَدَّقاهُ لَكانا مِنَ الكافِرِينَ، ووَجْهُ السُّؤالِ أنَّهُ كَيْفَ يَلْزَمُ هَذا التَّكْفِيرُ بِتَقْدِيرِ أنْ يُصَدِّقا إبْلِيسَ في ذَلِكَ القَوْلِ.
والجَوابُ: ذَكَرُوا في تَقْرِيرِ ذَلِكَ التَّكْفِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ صَدَّقَ إبْلِيسَ في الخُلُودِ لَكانَ ذَلِكَ يُوجِبُ إنْكارَ البَعْثِ والقِيامَةِ، وإنَّهُ كُفْرٌ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ التَّصْدِيقِ حُصُولُ الكُفْرِ ؟ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: إنَّ لَفْظَ الخُلُودِ مَحْمُولٌ عَلى طُولِ المُكْثِ لا عَلى الدَّوامِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَنْدَفِعُ ما ذَكَرُوهُ.
الوَجْهُ الثّانِي: هَبْ أنَّ الخُلُودَ مُفَسَّرٌ بِالدَّوامِ، إلّا أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اعْتِقادَ الدَّوامِ يُوجِبُ الكُفْرَ وتَقْرِيرُهُ أنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ تَعالى هَلْ يُمِيتُ هَذا المُكَلَّفَ أوْ لا يُمِيتُهُ عِلْمٌ لا يَحْصُلُ إلّا مِن دَلِيلِ السَّمْعِ، فَلَعَلَّهُ تَعالى ما بَيَّنَ في وقْتِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يُمِيتُ الخَلْقَ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ كانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُجَوِّزُ دَوامَ البَقاءِ، فَلِهَذا السَّبَبِ رَغِبَ فِيهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالتَّكْفِيرُ غَيْرُ لازِمٍ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ثَبَتَ بِما سَبَقَ أنْ آدَمَ وحَوّاءَ لَوْ صَدَّقا إبْلِيسَ فِيما قالَ لَمْ يَلْزَمْ تَكْفِيرُهُما، فَهَلْ يَقُولُونَ: إنَّهُما صَدَّقاهُ فِيهِ قَطْعًا ؟ وإنْ لَمْ يَحْصُلِ القَطْعُ فَهَلْ يَقُولُونَ إنَّهُما ظَنّا أنَّ الأمْرَ كَما قالَ ؟ أوْ يُنْكِرُونَ هَذا الظَّنَّ أيْضًا ؟
صفحة ٤١
والجَوابُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ أنْكَرُوا حُصُولَ هَذا التَّصْدِيقِ قَطْعًا وظَنًّا، بَلِ الصَّوابُ أنَّهُما إنَّما أقْدَما عَلى الأكْلِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ، لا أنَّهُما صَدَّقاهُ عِلْمًا أوْ ظَنًّا كَما نَجِدُ أنْفُسَنا عِنْدَ الشَّهْوَةِ نُقْدِمُ عَلى الفِعْلِ إذا زَيَّنَ لَنا الغَيْرُ ما نَشْتَهِيهِ، وإنْ لَمْ نَعْتَقِدْ أنَّ الأمْرَ كَما قالَ.
السُّؤالُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ هَذا التَّرْغِيبُ والتَّطْمِيعُ وقَعَ في مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أوْ في أحَدِهِما.
والجَوابُ: قالَ بَعْضُهم: التَّرْغِيبُ كانَ في مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ أُدْخِلَ في التَّرْغِيبِ.
وقِيلَ: بَلْ هو عَلى ظاهِرِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيرِ.
الأعراف 7:21
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ وأقْسَمَ لَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ.
فَإنْ قِيلَ: المُقاسَمَةُ أنْ تُقْسِمَ لِصاحِبِكَ ويُقْسِمَ لَكَ. تَقُولُ: قاسَمْتُ فُلانًا؛ أيْ: حالَفَتْهُ، وتَقاسَما تَحالَفا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ (النَّمْلِ: ٤٩) .
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ أنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَكُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ. وقالا لَهُ: أتُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ ؟ فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً بَيْنَهم.
والثّانِي: أقْسَمَ لَهُما بِالنَّصِيحَةِ، وأقْسَما لَهُ بِقَبُولِها.
الثّالِثُ: إنَّهُ أخْرَجَ قَسَمَ إبْلِيسَ عَلى زِنَةِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّهُ اجْتَهَدَ فِيهِ اجْتِهادَ المُقاسِمِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ قَتادَةُ: حَلَفَ لَهُما بِاللَّهِ حَتّى خَدَعَهُما، وقَدْ يُخْدَعُ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ قالَ إبْلِيسُ: إنِّي خُلِقْتُ قَبْلَكُما، وأنا أعْلَمُ أحْوالًا كَثِيرَةً مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لا تَعْرِفانِها، فامْتَثِلا قَوْلِي أُرْشِدْكُما.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ وذَكَرَ أبُو مَنصُورٍ الأزْهَرِيُّ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ أصْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أصْلُها الرَّجُلُ العَطْشانُ يُدَلِّي رِجْلَيْهِ في البِئْرِ لِيَأْخُذَ الماءَ فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، فَوُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الطَّمَعِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ. فَيُقالُ: دَلّاهُ إذا أطْمَعَهُ.
الثّانِي: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أيْ أجْرَأهُما إبْلِيسُ عَلى أكْلِ الشَّجَرَةِ بِغُرُورٍ، والأصْلُ فِيهِ دَلَّلَهُما مِنَ الدَّلِّ، والدّالَّةُ وهي الجُرْأةُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أيْ غَرَّهُما بِاليَمِينِ، وكانَ آدَمُ يَظُنُّ أنَّ أحَدًا لا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا رَأى مِن عَبْدِهِ طاعَةً وحُسْنَ صَلاةٍ أعْتَقَهُ، فَكانَ عَبِيدُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْعِتْقِ. فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم يَخْدَعُونَكَ، فَقالَ: مَن خَدَعَنا بِاللَّهِ انْخَدَعْنا لَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما تَناوَلا اليَسِيرَ قَصْدًا إلى مَعْرِفَةِ طَعْمِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُما أكَلا مِنها، لَكانَ ما في هَذِهِ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الأكْلِ، لِأنَّ الذّائِقَ قَدْ يَكُونُ ذائِقًا مِن دُونِ أكْلٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ ظَهَرَتْ عَوْراتُهُما، وزالَ النُّورُ عَنْهُما ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى طَفِقَ: أخَذَ في الفِعْلِ (يَخْصِفانِ) أيْ يَجْعَلانِ ورَقَةً عَلى ورَقَةٍ. ومِنهُ قِيلَ لِلَّذِي يُرَقِّعُ النَّعْلَ: خَصّافٌ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ قَبِيحٌ مِن لَدُنْ آدَمَ، ألا تَرى أنَّهُما كَيْفَ بادَرا إلى السَّتْرِ لِما تَقَرَّرَ في عَقْلِهِما مِن قُبْحِ كَشْفِ العَوْرَةِ ﴿وناداهُما رَبُّهُما﴾ قالَ عَطاءٌ: بَلَغَنِي أنَّ اللَّهَ ناداهُما أفِرارًا مِنِّي يا آدَمُ. قالَ بَلْ
صفحة ٤٢
حَياءً مِنكَ يا رَبِّ، ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا يُقْسِمُ بِاسْمِكَ كاذِبًا، ثُمَّ ناداهُ رَبُّهُ أما خَلَقْتُكَ بِيَدَيَّ، أما نَفَخْتُ فِيكَ مِن رُوحِي، أما أسْجَدْتُ لَكَ مَلائِكَتِي، أما أسْكَنْتُكَ في جَنَّتِي في جِوارِي.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيَّنَ العَداوَةَ حَيْثُ أبى السُّجُودَ، وقالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الأعْرافِ: ١٦) .
الأعراف 7:22
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ وأقْسَمَ لَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ.
فَإنْ قِيلَ: المُقاسَمَةُ أنْ تُقْسِمَ لِصاحِبِكَ ويُقْسِمَ لَكَ. تَقُولُ: قاسَمْتُ فُلانًا؛ أيْ: حالَفَتْهُ، وتَقاسَما تَحالَفا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ (النَّمْلِ: ٤٩) .
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ أنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَكُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ. وقالا لَهُ: أتُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ ؟ فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً بَيْنَهم.
والثّانِي: أقْسَمَ لَهُما بِالنَّصِيحَةِ، وأقْسَما لَهُ بِقَبُولِها.
الثّالِثُ: إنَّهُ أخْرَجَ قَسَمَ إبْلِيسَ عَلى زِنَةِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّهُ اجْتَهَدَ فِيهِ اجْتِهادَ المُقاسِمِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ قَتادَةُ: حَلَفَ لَهُما بِاللَّهِ حَتّى خَدَعَهُما، وقَدْ يُخْدَعُ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ قالَ إبْلِيسُ: إنِّي خُلِقْتُ قَبْلَكُما، وأنا أعْلَمُ أحْوالًا كَثِيرَةً مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لا تَعْرِفانِها، فامْتَثِلا قَوْلِي أُرْشِدْكُما.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ وذَكَرَ أبُو مَنصُورٍ الأزْهَرِيُّ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ أصْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أصْلُها الرَّجُلُ العَطْشانُ يُدَلِّي رِجْلَيْهِ في البِئْرِ لِيَأْخُذَ الماءَ فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، فَوُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الطَّمَعِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ. فَيُقالُ: دَلّاهُ إذا أطْمَعَهُ.
الثّانِي: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أيْ أجْرَأهُما إبْلِيسُ عَلى أكْلِ الشَّجَرَةِ بِغُرُورٍ، والأصْلُ فِيهِ دَلَّلَهُما مِنَ الدَّلِّ، والدّالَّةُ وهي الجُرْأةُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أيْ غَرَّهُما بِاليَمِينِ، وكانَ آدَمُ يَظُنُّ أنَّ أحَدًا لا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا رَأى مِن عَبْدِهِ طاعَةً وحُسْنَ صَلاةٍ أعْتَقَهُ، فَكانَ عَبِيدُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْعِتْقِ. فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم يَخْدَعُونَكَ، فَقالَ: مَن خَدَعَنا بِاللَّهِ انْخَدَعْنا لَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما تَناوَلا اليَسِيرَ قَصْدًا إلى مَعْرِفَةِ طَعْمِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُما أكَلا مِنها، لَكانَ ما في هَذِهِ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الأكْلِ، لِأنَّ الذّائِقَ قَدْ يَكُونُ ذائِقًا مِن دُونِ أكْلٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ ظَهَرَتْ عَوْراتُهُما، وزالَ النُّورُ عَنْهُما ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى طَفِقَ: أخَذَ في الفِعْلِ (يَخْصِفانِ) أيْ يَجْعَلانِ ورَقَةً عَلى ورَقَةٍ. ومِنهُ قِيلَ لِلَّذِي يُرَقِّعُ النَّعْلَ: خَصّافٌ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ قَبِيحٌ مِن لَدُنْ آدَمَ، ألا تَرى أنَّهُما كَيْفَ بادَرا إلى السَّتْرِ لِما تَقَرَّرَ في عَقْلِهِما مِن قُبْحِ كَشْفِ العَوْرَةِ ﴿وناداهُما رَبُّهُما﴾ قالَ عَطاءٌ: بَلَغَنِي أنَّ اللَّهَ ناداهُما أفِرارًا مِنِّي يا آدَمُ. قالَ بَلْ
صفحة ٤٢
حَياءً مِنكَ يا رَبِّ، ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا يُقْسِمُ بِاسْمِكَ كاذِبًا، ثُمَّ ناداهُ رَبُّهُ أما خَلَقْتُكَ بِيَدَيَّ، أما نَفَخْتُ فِيكَ مِن رُوحِي، أما أسْجَدْتُ لَكَ مَلائِكَتِي، أما أسْكَنْتُكَ في جَنَّتِي في جِوارِي.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيَّنَ العَداوَةَ حَيْثُ أبى السُّجُودَ، وقالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الأعْرافِ: ١٦) .
الأعراف 7:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا الذَّنْبُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو آدَمُ، وحَوّاءُ، وإبْلِيسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (اهْبِطُوا) يَجِبُ أنْ يَتَناوَلَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي: العَداوَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ لا تَزُولُ البَتَّةَ. وقَوْلُهُ: (فِيها تَحْيَوْنَ) الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ﴾ والمُرادُ في الأرْضِ تَعِيشُونَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ إلى البَعْثِ والقِيامَةِ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ، وكَذَلِكَ في الرُّومِ والزُّخْرُفِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ بِفَتْحِ التّاءِ، وفي الرُّومِ والجاثِيَةِ بِضَمِّ التّاءِ، والباقُونَ - جَمِيعَ ذَلِكَ - بِضَمِّ التّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
فِي نَظْمِ الآيَةِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ آدَمَ وحَوّاءَ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ الأرْضَ لَهُما مُسْتَقَرًّا بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلَّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِن جُمْلَتِها اللِّباسُ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا.
صفحة ٤٣
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ واقِعَةَ آدَمَ في انْكِشافِ العَوْرَةِ أنَّهُ كانَ يَخْصِفُ الوَرَقَ عَلَيْها، أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ اللِّباسَ لِلْخَلْقِ لِيَسْتُرُوا بِها عَوْرَتَهم، ونَبَّهَ بِهِ عَلى المِنَّةِ العَظِيمَةِ عَلى الخَلْقِ بِسَبَبِ أنَّهُ أقْدَرَهم عَلى التَّسَتُّرِ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى إنْزالِ اللِّباسِ ؟
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المَطَرَ، وبِالمَطَرِ تَتَكَوَّنُ الأشْياءُ الَّتِي مِنها يَحْصُلُ اللِّباسُ، فَصارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ اللِّباسَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ في الأرْضِ لَمّا كانَتْ مُعَلَّقَةً بِالأُمُورِ النّازِلَةِ مِنَ السَّماءِ صارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها مِنَ السَّماءِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ (الزُّمَرِ: ٦) وقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورِيشًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّيشُ لِباسُ الزِّينَةِ، اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم، ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْلِ: ٨) وقالَ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ (النَّحْلِ: ٦) .
البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عاصِمٍ رِوايَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ (ورِياشًا) وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والباقُونَ (ورِيشًا) واخْتَلَفُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الرِّيشِ والرِّياشِ فَقِيلَ: رِياشٌ جَمْعُ رِيشٍ، كَذِيابٍ وذَيبٍ، وقِداحٍ وقِدْحٍ، وشِعابٍ وشِعْبٍ، وقِيلَ: هُما واحِدٌ، كَلِباسٍ ولِبْسٍ وجِلالٍ وجِلٍّ. رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ مِن مَتاعٍ أوْ مالٍ أوْ مَأْكُولٍ فَهو رِيشٌ ورِياشٌ، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الرِّياشُ مُخْتَصٌّ بِالثِّيابِ والأثاثِ، والرِّيشُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى سائِرِ الأمْوالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ (ولِباسَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (لِباسًا) والعامِلُ فِيهِ أنْزَلْنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: (خَيْرٌ) خَبَرُهُ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وقَوْلُهُ: (خَيْرٌ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ ومَعْنى قَوْلِنا: صِفَةٌ، أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ) أُشِيرَ بِهِ إلى اللِّباسِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِباسُ التَّقْوى المُشارُ إلَيْهِ خَيْرٌ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ والضّابِطُ فِيهِ أنَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ المَلْبُوسِ ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى غَيْرِهِ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إنَّ المُرادَ أنَّ اللِّباسَ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِيُوارِيَ سَوْآتِكم هو لِباسُ التَّقْوى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلِباسُ التَّقْوى هو اللِّباسُ الأوَّلُ، وإنَّما أعادَهُ اللَّهُ لِأجْلِ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ خَيْرٌ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَتَعَبَّدُونَ بِالتَّعَرِّي وخَلْعِ الثِّيابِ في الطَّوافِ بِالبَيْتِ، فَجَرى هَذا في التَّكْرِيرِ مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: قَدْ عَرَّفْتُكَ الصِّدْقَ في أبْوابِ البِرِّ، والصِّدْقُ خَيْرٌ لَكَ مِن غَيْرِهِ. فَيُعِيدُ ذِكْرَ الصِّدْقِ لِيُخْبِرَ عَنْهُ بِهَذا المَعْنى.
وثانِيها: إنَّ المُرادَ مِن لِباسِ التَّقْوى ما يُلْبَسُ مِنَ الدُّرُوعِ والجَواشِنِ والمَغافِرِ وغَيْرِها مِمّا يُتَّقى بِهِ في الحُرُوبِ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن لِباسِ التَّقْوى المَلْبُوساتُ المُعَدَّةُ لِأجْلِ إقامَةِ الصَّلَواتِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ عَلى المَجازاتِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: لِباسُ التَّقْوى الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِباسُ التَّقْوى العَمَلُ الصّالِحُ، وقِيلَ: هو السَّمْتُ الحَسَنُ،
صفحة ٤٤
وقِيلَ: هو العَفافُ والتَّوْحِيدُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا تَبْدُو عَوْرَتُهُ، وإنْ كانَ عارِيًا مِنَ الثِّيابِ. والفاجِرُ لا تَزالُ عَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةً وإنْ كانَ كاسِيًا، وقالَ مَعْبَدٌ: هو الحَياءُ. وقِيلَ: هو ما يَظْهَرُ عَلى الإنْسانِ مِنَ السَّكِينَةِ والإخْباتِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وإنَّما حَمَلْنا لَفْظَ اللِّباسِ عَلى هَذِهِ المَجازاتِ؛ لِأنَّ اللِّباسَ الَّذِي يُفِيدُ التَّقْوى، لَيْسَ إلّا هَذِهِ الأشْياءَ أمّا قَوْلُهُ: (ذَلِكَ خَيْرٌ) قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَعْنى الآيَةِ ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ لِصاحِبِهِ إذا أخَذَ بِهِ، وأقْرَبُ لَهُ إلى اللَّهِ تَعالى مِمّا خَلَقَ مِنَ اللِّباسِ والرِّياشِ الَّذِي يَتَجَمَّلُ بِهِ. قالَ: وأُضِيفَ اللِّباسُ إلى التَّقْوى كَما أُضِيفَ إلى الجُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ (النَّحْلِ: ١١٢) وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ: يَعْنِي إنْزالَ اللِّباسِ عَلَيْهِمْ ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ فَيَعْرِفُونَ عَظِيمَ النِّعْمَةِ فِيهِ.
الأعراف 7:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا الذَّنْبُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو آدَمُ، وحَوّاءُ، وإبْلِيسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (اهْبِطُوا) يَجِبُ أنْ يَتَناوَلَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي: العَداوَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ لا تَزُولُ البَتَّةَ. وقَوْلُهُ: (فِيها تَحْيَوْنَ) الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ﴾ والمُرادُ في الأرْضِ تَعِيشُونَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ إلى البَعْثِ والقِيامَةِ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ، وكَذَلِكَ في الرُّومِ والزُّخْرُفِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ بِفَتْحِ التّاءِ، وفي الرُّومِ والجاثِيَةِ بِضَمِّ التّاءِ، والباقُونَ - جَمِيعَ ذَلِكَ - بِضَمِّ التّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
فِي نَظْمِ الآيَةِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ آدَمَ وحَوّاءَ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ الأرْضَ لَهُما مُسْتَقَرًّا بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلَّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِن جُمْلَتِها اللِّباسُ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا.
صفحة ٤٣
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ واقِعَةَ آدَمَ في انْكِشافِ العَوْرَةِ أنَّهُ كانَ يَخْصِفُ الوَرَقَ عَلَيْها، أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ اللِّباسَ لِلْخَلْقِ لِيَسْتُرُوا بِها عَوْرَتَهم، ونَبَّهَ بِهِ عَلى المِنَّةِ العَظِيمَةِ عَلى الخَلْقِ بِسَبَبِ أنَّهُ أقْدَرَهم عَلى التَّسَتُّرِ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى إنْزالِ اللِّباسِ ؟
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المَطَرَ، وبِالمَطَرِ تَتَكَوَّنُ الأشْياءُ الَّتِي مِنها يَحْصُلُ اللِّباسُ، فَصارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ اللِّباسَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ في الأرْضِ لَمّا كانَتْ مُعَلَّقَةً بِالأُمُورِ النّازِلَةِ مِنَ السَّماءِ صارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها مِنَ السَّماءِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ (الزُّمَرِ: ٦) وقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورِيشًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّيشُ لِباسُ الزِّينَةِ، اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم، ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْلِ: ٨) وقالَ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ (النَّحْلِ: ٦) .
البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عاصِمٍ رِوايَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ (ورِياشًا) وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والباقُونَ (ورِيشًا) واخْتَلَفُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الرِّيشِ والرِّياشِ فَقِيلَ: رِياشٌ جَمْعُ رِيشٍ، كَذِيابٍ وذَيبٍ، وقِداحٍ وقِدْحٍ، وشِعابٍ وشِعْبٍ، وقِيلَ: هُما واحِدٌ، كَلِباسٍ ولِبْسٍ وجِلالٍ وجِلٍّ. رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ مِن مَتاعٍ أوْ مالٍ أوْ مَأْكُولٍ فَهو رِيشٌ ورِياشٌ، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الرِّياشُ مُخْتَصٌّ بِالثِّيابِ والأثاثِ، والرِّيشُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى سائِرِ الأمْوالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ (ولِباسَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (لِباسًا) والعامِلُ فِيهِ أنْزَلْنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: (خَيْرٌ) خَبَرُهُ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وقَوْلُهُ: (خَيْرٌ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ ومَعْنى قَوْلِنا: صِفَةٌ، أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ) أُشِيرَ بِهِ إلى اللِّباسِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِباسُ التَّقْوى المُشارُ إلَيْهِ خَيْرٌ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ والضّابِطُ فِيهِ أنَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ المَلْبُوسِ ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى غَيْرِهِ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إنَّ المُرادَ أنَّ اللِّباسَ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِيُوارِيَ سَوْآتِكم هو لِباسُ التَّقْوى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلِباسُ التَّقْوى هو اللِّباسُ الأوَّلُ، وإنَّما أعادَهُ اللَّهُ لِأجْلِ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ خَيْرٌ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَتَعَبَّدُونَ بِالتَّعَرِّي وخَلْعِ الثِّيابِ في الطَّوافِ بِالبَيْتِ، فَجَرى هَذا في التَّكْرِيرِ مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: قَدْ عَرَّفْتُكَ الصِّدْقَ في أبْوابِ البِرِّ، والصِّدْقُ خَيْرٌ لَكَ مِن غَيْرِهِ. فَيُعِيدُ ذِكْرَ الصِّدْقِ لِيُخْبِرَ عَنْهُ بِهَذا المَعْنى.
وثانِيها: إنَّ المُرادَ مِن لِباسِ التَّقْوى ما يُلْبَسُ مِنَ الدُّرُوعِ والجَواشِنِ والمَغافِرِ وغَيْرِها مِمّا يُتَّقى بِهِ في الحُرُوبِ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن لِباسِ التَّقْوى المَلْبُوساتُ المُعَدَّةُ لِأجْلِ إقامَةِ الصَّلَواتِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ عَلى المَجازاتِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: لِباسُ التَّقْوى الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِباسُ التَّقْوى العَمَلُ الصّالِحُ، وقِيلَ: هو السَّمْتُ الحَسَنُ،
صفحة ٤٤
وقِيلَ: هو العَفافُ والتَّوْحِيدُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا تَبْدُو عَوْرَتُهُ، وإنْ كانَ عارِيًا مِنَ الثِّيابِ. والفاجِرُ لا تَزالُ عَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةً وإنْ كانَ كاسِيًا، وقالَ مَعْبَدٌ: هو الحَياءُ. وقِيلَ: هو ما يَظْهَرُ عَلى الإنْسانِ مِنَ السَّكِينَةِ والإخْباتِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وإنَّما حَمَلْنا لَفْظَ اللِّباسِ عَلى هَذِهِ المَجازاتِ؛ لِأنَّ اللِّباسَ الَّذِي يُفِيدُ التَّقْوى، لَيْسَ إلّا هَذِهِ الأشْياءَ أمّا قَوْلُهُ: (ذَلِكَ خَيْرٌ) قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَعْنى الآيَةِ ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ لِصاحِبِهِ إذا أخَذَ بِهِ، وأقْرَبُ لَهُ إلى اللَّهِ تَعالى مِمّا خَلَقَ مِنَ اللِّباسِ والرِّياشِ الَّذِي يَتَجَمَّلُ بِهِ. قالَ: وأُضِيفَ اللِّباسُ إلى التَّقْوى كَما أُضِيفَ إلى الجُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ (النَّحْلِ: ١١٢) وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ: يَعْنِي إنْزالَ اللِّباسِ عَلَيْهِمْ ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ فَيَعْرِفُونَ عَظِيمَ النِّعْمَةِ فِيهِ.
الأعراف 7:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا الذَّنْبُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو آدَمُ، وحَوّاءُ، وإبْلِيسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (اهْبِطُوا) يَجِبُ أنْ يَتَناوَلَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي: العَداوَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ لا تَزُولُ البَتَّةَ. وقَوْلُهُ: (فِيها تَحْيَوْنَ) الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ﴾ والمُرادُ في الأرْضِ تَعِيشُونَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ إلى البَعْثِ والقِيامَةِ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ، وكَذَلِكَ في الرُّومِ والزُّخْرُفِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ بِفَتْحِ التّاءِ، وفي الرُّومِ والجاثِيَةِ بِضَمِّ التّاءِ، والباقُونَ - جَمِيعَ ذَلِكَ - بِضَمِّ التّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
فِي نَظْمِ الآيَةِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ آدَمَ وحَوّاءَ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ الأرْضَ لَهُما مُسْتَقَرًّا بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلَّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِن جُمْلَتِها اللِّباسُ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا.
صفحة ٤٣
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ واقِعَةَ آدَمَ في انْكِشافِ العَوْرَةِ أنَّهُ كانَ يَخْصِفُ الوَرَقَ عَلَيْها، أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ اللِّباسَ لِلْخَلْقِ لِيَسْتُرُوا بِها عَوْرَتَهم، ونَبَّهَ بِهِ عَلى المِنَّةِ العَظِيمَةِ عَلى الخَلْقِ بِسَبَبِ أنَّهُ أقْدَرَهم عَلى التَّسَتُّرِ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى إنْزالِ اللِّباسِ ؟
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المَطَرَ، وبِالمَطَرِ تَتَكَوَّنُ الأشْياءُ الَّتِي مِنها يَحْصُلُ اللِّباسُ، فَصارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ اللِّباسَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ في الأرْضِ لَمّا كانَتْ مُعَلَّقَةً بِالأُمُورِ النّازِلَةِ مِنَ السَّماءِ صارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها مِنَ السَّماءِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ (الزُّمَرِ: ٦) وقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورِيشًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّيشُ لِباسُ الزِّينَةِ، اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم، ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْلِ: ٨) وقالَ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ (النَّحْلِ: ٦) .
البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عاصِمٍ رِوايَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ (ورِياشًا) وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والباقُونَ (ورِيشًا) واخْتَلَفُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الرِّيشِ والرِّياشِ فَقِيلَ: رِياشٌ جَمْعُ رِيشٍ، كَذِيابٍ وذَيبٍ، وقِداحٍ وقِدْحٍ، وشِعابٍ وشِعْبٍ، وقِيلَ: هُما واحِدٌ، كَلِباسٍ ولِبْسٍ وجِلالٍ وجِلٍّ. رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ مِن مَتاعٍ أوْ مالٍ أوْ مَأْكُولٍ فَهو رِيشٌ ورِياشٌ، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الرِّياشُ مُخْتَصٌّ بِالثِّيابِ والأثاثِ، والرِّيشُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى سائِرِ الأمْوالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ (ولِباسَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (لِباسًا) والعامِلُ فِيهِ أنْزَلْنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: (خَيْرٌ) خَبَرُهُ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وقَوْلُهُ: (خَيْرٌ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ ومَعْنى قَوْلِنا: صِفَةٌ، أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ) أُشِيرَ بِهِ إلى اللِّباسِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِباسُ التَّقْوى المُشارُ إلَيْهِ خَيْرٌ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ والضّابِطُ فِيهِ أنَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ المَلْبُوسِ ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى غَيْرِهِ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إنَّ المُرادَ أنَّ اللِّباسَ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِيُوارِيَ سَوْآتِكم هو لِباسُ التَّقْوى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلِباسُ التَّقْوى هو اللِّباسُ الأوَّلُ، وإنَّما أعادَهُ اللَّهُ لِأجْلِ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ خَيْرٌ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَتَعَبَّدُونَ بِالتَّعَرِّي وخَلْعِ الثِّيابِ في الطَّوافِ بِالبَيْتِ، فَجَرى هَذا في التَّكْرِيرِ مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: قَدْ عَرَّفْتُكَ الصِّدْقَ في أبْوابِ البِرِّ، والصِّدْقُ خَيْرٌ لَكَ مِن غَيْرِهِ. فَيُعِيدُ ذِكْرَ الصِّدْقِ لِيُخْبِرَ عَنْهُ بِهَذا المَعْنى.
وثانِيها: إنَّ المُرادَ مِن لِباسِ التَّقْوى ما يُلْبَسُ مِنَ الدُّرُوعِ والجَواشِنِ والمَغافِرِ وغَيْرِها مِمّا يُتَّقى بِهِ في الحُرُوبِ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن لِباسِ التَّقْوى المَلْبُوساتُ المُعَدَّةُ لِأجْلِ إقامَةِ الصَّلَواتِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ عَلى المَجازاتِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: لِباسُ التَّقْوى الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِباسُ التَّقْوى العَمَلُ الصّالِحُ، وقِيلَ: هو السَّمْتُ الحَسَنُ،
صفحة ٤٤
وقِيلَ: هو العَفافُ والتَّوْحِيدُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا تَبْدُو عَوْرَتُهُ، وإنْ كانَ عارِيًا مِنَ الثِّيابِ. والفاجِرُ لا تَزالُ عَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةً وإنْ كانَ كاسِيًا، وقالَ مَعْبَدٌ: هو الحَياءُ. وقِيلَ: هو ما يَظْهَرُ عَلى الإنْسانِ مِنَ السَّكِينَةِ والإخْباتِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وإنَّما حَمَلْنا لَفْظَ اللِّباسِ عَلى هَذِهِ المَجازاتِ؛ لِأنَّ اللِّباسَ الَّذِي يُفِيدُ التَّقْوى، لَيْسَ إلّا هَذِهِ الأشْياءَ أمّا قَوْلُهُ: (ذَلِكَ خَيْرٌ) قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَعْنى الآيَةِ ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ لِصاحِبِهِ إذا أخَذَ بِهِ، وأقْرَبُ لَهُ إلى اللَّهِ تَعالى مِمّا خَلَقَ مِنَ اللِّباسِ والرِّياشِ الَّذِي يَتَجَمَّلُ بِهِ. قالَ: وأُضِيفَ اللِّباسُ إلى التَّقْوى كَما أُضِيفَ إلى الجُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ (النَّحْلِ: ١١٢) وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ: يَعْنِي إنْزالَ اللِّباسِ عَلَيْهِمْ ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ فَيَعْرِفُونَ عَظِيمَ النِّعْمَةِ فِيهِ.
الأعراف 7:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا الذَّنْبُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو آدَمُ، وحَوّاءُ، وإبْلِيسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (اهْبِطُوا) يَجِبُ أنْ يَتَناوَلَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي: العَداوَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ لا تَزُولُ البَتَّةَ. وقَوْلُهُ: (فِيها تَحْيَوْنَ) الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ﴾ والمُرادُ في الأرْضِ تَعِيشُونَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ إلى البَعْثِ والقِيامَةِ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ، وكَذَلِكَ في الرُّومِ والزُّخْرُفِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ بِفَتْحِ التّاءِ، وفي الرُّومِ والجاثِيَةِ بِضَمِّ التّاءِ، والباقُونَ - جَمِيعَ ذَلِكَ - بِضَمِّ التّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
فِي نَظْمِ الآيَةِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ آدَمَ وحَوّاءَ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ الأرْضَ لَهُما مُسْتَقَرًّا بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلَّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِن جُمْلَتِها اللِّباسُ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا.
صفحة ٤٣
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ واقِعَةَ آدَمَ في انْكِشافِ العَوْرَةِ أنَّهُ كانَ يَخْصِفُ الوَرَقَ عَلَيْها، أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ اللِّباسَ لِلْخَلْقِ لِيَسْتُرُوا بِها عَوْرَتَهم، ونَبَّهَ بِهِ عَلى المِنَّةِ العَظِيمَةِ عَلى الخَلْقِ بِسَبَبِ أنَّهُ أقْدَرَهم عَلى التَّسَتُّرِ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى إنْزالِ اللِّباسِ ؟
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المَطَرَ، وبِالمَطَرِ تَتَكَوَّنُ الأشْياءُ الَّتِي مِنها يَحْصُلُ اللِّباسُ، فَصارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ اللِّباسَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ في الأرْضِ لَمّا كانَتْ مُعَلَّقَةً بِالأُمُورِ النّازِلَةِ مِنَ السَّماءِ صارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها مِنَ السَّماءِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ (الزُّمَرِ: ٦) وقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورِيشًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّيشُ لِباسُ الزِّينَةِ، اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم، ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْلِ: ٨) وقالَ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ (النَّحْلِ: ٦) .
البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عاصِمٍ رِوايَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ (ورِياشًا) وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والباقُونَ (ورِيشًا) واخْتَلَفُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الرِّيشِ والرِّياشِ فَقِيلَ: رِياشٌ جَمْعُ رِيشٍ، كَذِيابٍ وذَيبٍ، وقِداحٍ وقِدْحٍ، وشِعابٍ وشِعْبٍ، وقِيلَ: هُما واحِدٌ، كَلِباسٍ ولِبْسٍ وجِلالٍ وجِلٍّ. رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ مِن مَتاعٍ أوْ مالٍ أوْ مَأْكُولٍ فَهو رِيشٌ ورِياشٌ، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الرِّياشُ مُخْتَصٌّ بِالثِّيابِ والأثاثِ، والرِّيشُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى سائِرِ الأمْوالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ (ولِباسَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (لِباسًا) والعامِلُ فِيهِ أنْزَلْنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: (خَيْرٌ) خَبَرُهُ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وقَوْلُهُ: (خَيْرٌ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ ومَعْنى قَوْلِنا: صِفَةٌ، أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ) أُشِيرَ بِهِ إلى اللِّباسِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِباسُ التَّقْوى المُشارُ إلَيْهِ خَيْرٌ.
البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ والضّابِطُ فِيهِ أنَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ المَلْبُوسِ ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى غَيْرِهِ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إنَّ المُرادَ أنَّ اللِّباسَ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِيُوارِيَ سَوْآتِكم هو لِباسُ التَّقْوى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلِباسُ التَّقْوى هو اللِّباسُ الأوَّلُ، وإنَّما أعادَهُ اللَّهُ لِأجْلِ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ خَيْرٌ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَتَعَبَّدُونَ بِالتَّعَرِّي وخَلْعِ الثِّيابِ في الطَّوافِ بِالبَيْتِ، فَجَرى هَذا في التَّكْرِيرِ مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: قَدْ عَرَّفْتُكَ الصِّدْقَ في أبْوابِ البِرِّ، والصِّدْقُ خَيْرٌ لَكَ مِن غَيْرِهِ. فَيُعِيدُ ذِكْرَ الصِّدْقِ لِيُخْبِرَ عَنْهُ بِهَذا المَعْنى.
وثانِيها: إنَّ المُرادَ مِن لِباسِ التَّقْوى ما يُلْبَسُ مِنَ الدُّرُوعِ والجَواشِنِ والمَغافِرِ وغَيْرِها مِمّا يُتَّقى بِهِ في الحُرُوبِ.
وثالِثُها: المُرادُ مِن لِباسِ التَّقْوى المَلْبُوساتُ المُعَدَّةُ لِأجْلِ إقامَةِ الصَّلَواتِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ عَلى المَجازاتِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: لِباسُ التَّقْوى الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِباسُ التَّقْوى العَمَلُ الصّالِحُ، وقِيلَ: هو السَّمْتُ الحَسَنُ،
صفحة ٤٤
وقِيلَ: هو العَفافُ والتَّوْحِيدُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا تَبْدُو عَوْرَتُهُ، وإنْ كانَ عارِيًا مِنَ الثِّيابِ. والفاجِرُ لا تَزالُ عَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةً وإنْ كانَ كاسِيًا، وقالَ مَعْبَدٌ: هو الحَياءُ. وقِيلَ: هو ما يَظْهَرُ عَلى الإنْسانِ مِنَ السَّكِينَةِ والإخْباتِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وإنَّما حَمَلْنا لَفْظَ اللِّباسِ عَلى هَذِهِ المَجازاتِ؛ لِأنَّ اللِّباسَ الَّذِي يُفِيدُ التَّقْوى، لَيْسَ إلّا هَذِهِ الأشْياءَ أمّا قَوْلُهُ: (ذَلِكَ خَيْرٌ) قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَعْنى الآيَةِ ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ لِصاحِبِهِ إذا أخَذَ بِهِ، وأقْرَبُ لَهُ إلى اللَّهِ تَعالى مِمّا خَلَقَ مِنَ اللِّباسِ والرِّياشِ الَّذِي يَتَجَمَّلُ بِهِ. قالَ: وأُضِيفَ اللِّباسُ إلى التَّقْوى كَما أُضِيفَ إلى الجُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ (النَّحْلِ: ١١٢) وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ: يَعْنِي إنْزالَ اللِّباسِ عَلَيْهِمْ ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ فَيَعْرِفُونَ عَظِيمَ النِّعْمَةِ فِيهِ.
الأعراف 7:27
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- حُصُولُ العِبْرَةِ لِمَن يَسْمَعُها، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ وبَيَّنَ فِيها شِدَّةَ عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِآدَمَ وأوْلادِهِ أتْبَعَها بِأنْ حَذَّرَ أوْلادَ آدَمَ مِن قَبُولِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لَمّا بَلَغَ أثَرُ كَيْدِهِ ولُطْفُ وسْوَسَتِهِ وشِدَّةُ اهْتِمامِهِ إلى أنْ قَدَرَ عَلى إلْقاءِ آدَمَ في الزَّلَّةِ المُوجِبَةِ لِإخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ، فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى أمْثالِ هَذِهِ المَضارِّ في حَقِّ بَنِي آدَمَ أوْلى. فَبِهَذا الطَّرِيقِ حَذَّرَ تَعالى بَنِي آدَمَ بِالِاحْتِرازِ عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أنْ لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ كَما فَتَنَ أبَوَيْكم، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ خُرُوجُهُما مِنها وأصْلُ الفُتُونِ عَرْضُ الذَّهَبِ عَلى النّارِ وتَخْلِيصُهُ مِنَ الغِشِّ. ثُمَّ أتى في القُرْآنِ بِمَعْنى المِحْنَةِ وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى مَن نَسَبَ خُرُوجَ آدَمَ وحَوّاءَ وسائِرَ وُجُوهِ المَعاصِي إلى الشَّيْطانِ: وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَرِيءٌ مِنها. فَيُقالُ لَهُ: لِمَ قُلْتُمْ أنَّ كَوْنَ هَذا العَمَلِ مَنسُوبًا إلى الشَّيْطانِ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى ؟ ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ القُدْرَةَ والدّاعِيَةَ المُوجِبَتَيْنِ لِذَلِكَ العَمَلِ، كانَ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى ؟ ولَمّا أجْرى عادَتَهُ بِأنَّهُ يَخْلُقُ تِلْكَ الدّاعِيَةَ بَعْدَ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، وتَحْسِينِهِ تِلْكَ الأعْمالَ عِنْدَ ذَلِكَ الكافِرِ، كانَ مَنسُوبًا إلى الشَّيْطانِ.
البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أخْرَجَ آدَمَ وحَوّاءَ مِنَ الجَنَّةِ، عُقُوبَةً لَهُما عَلى تِلْكَ الزَّلَّةِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البَقَرَةِ: ٣٠) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُما لِخِلافَةِ الأرْضِ وأنْزَلَهُما مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ لِهَذا المَقْصُودِ. فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ ؟
صفحة ٤٥
وجَوابُهُ: أنَّهُ رُبَّما قِيلَ حَصَلَ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ حالٌ، أيْ أخْرَجَهُما نازِعًا لِباسَهُما وأضافَ نَزْعَ اللِّباسِ إلى الشَّيْطانِ وإنْ لَمْ يَتَوَلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ بِسَبَبٍ مِنهُ، فَأُسْنِدَ إلَيْهِ كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلَتْ هَذا ؟ لِمَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ الفِعْلُ بِسَبَبٍ، وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ، وكَذَلِكَ لَمّا كانَ نَزْعُ لِباسِهِما بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وغُرُورِهِ أُسْنِدَ إلَيْهِ.
البَحْثُ الثّانِي: اللّامُ في قَوْلِهِ: (لِيُرِيَهُما) لامُ العاقِبَةِ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: (لِيُبْدِيَ لَهُما) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما يَرى آدَمُ سَوْءَةَ حَوّاءَ وتَرى حَوّاءُ سَوْءَةَ آدَمَ.
البَحْثُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في اللِّباسِ الَّذِي نُزِعَ مِنهُما، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ النُّورُ، وبَعْضُهم: التُّقى، وبَعْضُهم: اللِّباسُ الَّذِي هو ثِيابُ الجَنَّةِ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ إطْلاقَ اللِّباسِ يَقْتَضِيهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَأْكِيدُ التَّحْذِيرِ لِبَنِي آدَمَ؛ لِأنَّهُ لَمّا بَلَغَ تَأْثِيرُ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في حَقِّ آدَمَ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ إلى هَذا الحَدِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ آحادِ الخَلْقِ ؟ ثُمَّ أكَّدَ تَعالى هَذا التَّحْذِيرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ﴿إنَّهُ يَراكُمْ﴾ يَعْنِي إبْلِيسَ ﴿هُوَ وقَبِيلُهُ﴾ أعادَ الكِنايَةَ لِيَحْسُنَ العَطْفُ كَقَوْلِهِ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي زَيْدٍ: ”القَبِيلُ“ الجَماعَةُ يَكُونُونَ مِنَ الثَّلاثَةِ فَصاعِدًا مِن قَوْمٍ شَتّى، وجَمْعُهُ قُبُلٌ. والقَبِيلَةُ: بَنُو أبٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَبِيلُهُ أصْحابُهُ وجُنْدُهُ، وقالَ اللَّيْثُ: ﴿هُوَ وقَبِيلُهُ﴾ أيْ هو ومَن كانَ مِن نَسْلِهِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ أصْحابُنا: إنَّهم يَرَوْنَ الإنْسَ؛ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ في عُيُونِهِمْ إدْراكًا، والإنْسُ لا يَرَوْنَهم؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ هَذا الإدْراكَ في عُيُونِ الإنْسِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الوَجْهُ في أنَّ الإنْسَ لا يَرَوْنَ الجِنَّ، رِقَّةُ أجْسامِ الجِنِّ ولَطافَتُها. والوَجْهُ في رُؤْيَةِ الجِنِّ لِلْإنْسِ، كَثافَةُ أجْسامِ الإنْسِ، والوَجْهُ في أنْ يَرى بَعْضُ الجِنِّ بَعْضًا، أنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَوِّي شُعاعَ أبْصارِ الجِنِّ ويَزِيدُ فِيهِ، ولَوْ زادَ اللَّهُ في قُوَّةِ أبْصارِنا لَرَأيْناهم كَما يَرى بَعْضُنا بَعْضًا، ولَوْ أنَّهُ تَعالى كَثَّفَ أجْسامَهم وبَقِيَتْ أبْصارُنا عَلى هَذِهِ الحالَةِ لَرَأيْناهم، فَعَلى هَذا كَوْنُ الإنْسِ مُبْصِرًا لِلْجِنِّ مَوْقُوفٌ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ: إمّا عَلى زِيادَةِ كَثافَةِ أجْسامِ الجِنِّ، أوْ عَلى زِيادَةِ قُوَّةِ أبْصارِ الإنْسِ.
البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسَ لا يَرَوْنَ الجِنَّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ يَتَناوَلُ أوْقاتَ الِاسْتِقْبالِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ ولَوْ قَدَرَ الجِنُّ عَلى تَغْيِيرِ صُوَرِ أنْفُسِهِمْ بِأيِّ صُورَةٍ شاءُوا وأرادُوا، لَوَجَبَ أنَّ تَرْتَفِعَ الثِّقَةُ عَنْ مَعْرِفَةِ النّاسِ، فَلَعَلَّ هَذا الَّذِي أُشاهِدُهُ وأحْكُمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ ولَدِي أوْ زَوْجَتِي جِنِّيٌّ صَوَّرَ نَفْسَهُ بِصُورَةِ ولَدِي أوْ زَوْجَتِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَرْتَفِعُ الوُثُوقُ عَنْ مَعْرِفَةِ الأشْخاصِ، وأيْضًا فَلَوْ كانُوا قادِرِينَ عَلى تَخْبِيطِ النّاسِ وإزالَةِ العَقْلِ عَنْهم مَعَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الإنْسِ، فَلِمَ لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ في حَقِّ أكْثَرِ البَشَرِ وفي حَقِّ العُلَماءِ والأفاضِلِ والزُّهّادِ ؟ لِأنَّ هَذِهِ العَداوَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ العُلَماءِ والزُّهّادِ أكْثَرُ وأقْوى، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى البَشَرِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾
صفحة ٤٦
[إبْراهِيمَ: ٢٢] قالَ مُجاهِدٌ: قالَ إبْلِيسُ: أُعْطِينا أرْبَعَ خِصالٍ: نَرى ولا نُرى، ونَخْرُجُ مِن تَحْتِ الثَّرى، ويَعُودُ شَيْخُنا فَتًى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا النَّصِّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي سَلَّطَ الشَّيْطانَ الرَّجِيمَ عَلَيْهِمْ حَتّى أضَلَّهم وأغْواهم، قالَ الزَّجّاجُ: ويَتَأكَّدُ هَذا النَّصُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ (مَرْيَمَ: ٨٣) قالَ القاضِي: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ هو أنّا حَكَمْنا بِأنَّ الشَّيْطانَ ولِيٌّ لِمَن لا يُؤْمِنُ، قالَ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ (مَرْيَمَ: ٨٣) هو أنّا خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَهم، كَما يُقالُ فِيمَن يَرْبُطُ الكَلْبَ في دارِهِ ولا يَمْنَعُهُ مِنَ التَّوَثُّبِ عَلى الدّاخِلِ: إنَّهُ أرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبَهُ.
والجَوابُ: إنَّ القائِلَ إذا قالَ: إنَّ فُلانًا جَعَلَ هَذا الثَّوْبَ أبْيَضَ أوْ أسْوَدَ، لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ أنَّهُ حُكْمٌ بِهِ، بَلْ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ حَصَلَ السَّوادُ أوِ البَياضُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا وجَبَ حَمْلُ الجَعْلِ عَلى التَّأْثِيرِ والتَّحْصِيلِ، لا عَلى مُجَرَّدِ الحُكْمِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِذَلِكَ، لَكِنَّ مُخالَفَةَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى تُوجِبُ كَوْنَهُ كاذِبًا وهو مُحالٌ، فالمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَكَوْنُ العَبْدِ قادِرًا عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُحالًا.
وأمّا قَوْلُهُ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الكافِرِينَ فَهو ضَعِيفٌ أيْضًا، ألا تَرى أنَّ أهْلَ السُّوقِ يُؤْذِي بَعْضُهم بَعْضًا، ويَشْتُمُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ إنَّ زَيْدًا وعَمْرًا إذا لَمْ يَمْنَعْ بَعْضُهم عَنِ البَعْضِ. لا يُقالُ إنَّهُ أرْسَلَ بَعْضَهم عَلى البَعْضِ، بَلْ لَفْظُ الإرْسالِ إنَّما يَصْدُقُ إذا كانَ تَسْلِيطُ بَعْضِهِمْ عَلى البَعْضِ بِسَبَبٍ مِن جِهَتِهِ، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ في النّاسِ مَن حَمَلَ الفَحْشاءَ عَلى ما كانُوا يُحَرِّمُونَهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، وفِيهِمْ مَن حَمَلَهُ عَلى أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً الرِّجالُ والنِّساءُ، والأوْلى أنْ يُحْكَمَ بِالتَّعْمِيمِ، والفَحْشاءُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الكَبائِرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا يُسَلِّمُونَ كَوْنَ تِلْكَ الأفْعالِ فَواحِشَ. ثُمَّ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِها، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. بَلِ المُرادُ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ كانَتْ في أنْفُسِها فَواحِشَ، والقَوْمُ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّها طاعاتٌ، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم كانُوا يَحْتَجُّونَ عَلى إقْدامِهِمْ عَلى تِلْكَ الفَواحِشِ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إنّا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا.
والثّانِي: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِها.
صفحة ٤٧
أمّا الحُجَّةُ الأُولى: فَما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْها جَوابًا؛ لِأنَّها إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عَقْلِ كُلِّ أحَدٍ أنَّهُ طَرِيقَةٌ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ التَّقْلِيدَ حاصِلٌ في الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ، فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ طَرِيقًا حَقًّا لَلَزِمَ الحُكْمُ بِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتَناقِضَيْنِ حَقًّا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ، ولَمّا كانَ فَسادُ هَذا الطَّرِيقِ ظاهِرًا جَلِيًّا لِكُلِّ أحَدٍ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى الجَوابَ عَنْهُ.
وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُهم: ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ ثَبَتَ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كَوْنُ هَذِهِ الأفْعالِ مُنْكَرَةً قَبِيحَةً، فَكَيْفَ يُمْكِنُ القَوْلُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا بِها ؟ وأقُولُ: لِلْمُعْتَزِلَةِ أنْ يَحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَقْبُحُ لِوَجْهٍ عائِدٍ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهى عَنْهُ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْصُوفًا في نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ مِنَ الفَحْشاءِ امْتَنَعَ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ في نَفْسِهِ مِنَ الفَحْشاءِ مُغايِرًا لِتَعَلُّقِ الأمْرِ والنَّهْبِ بِهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ.
وجَوابُهُ: يَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالِاسْتِقْراءِ أنَّهُ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ مَصْلَحَةً لِلْعِبادِ، ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ مَفْسَدَةً لَهم، فَقَدْ صَحَّ هَذا التَّعْلِيلُ لِهَذا المَعْنى. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّكم تَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ أمَرَكم بِهَذِهِ الأفْعالِ المَخْصُوصَةِ، فَعِلْمُكم بِأنَّ اللَّهَ أمَرَكم بِها حَصَلَ؛ لِأنَّكم سَمِعْتُمْ كَلامَ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، أوْ عَرَفْتُمْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ.
أمّا الأوَّلُ: فَمَعْلُومُ الفَسادِ بِالضَّرُورَةِ.
وأمّا الثّانِي: فَباطِلٌ عَلى قَوْلِكم؛ لِأنَّكم تُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ الأنْبِياءِ عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّ هَذِهِ المُناظَرَةَ وقَعَتْ مَعَ كُفّارِ قُرَيْشٍ، وهم كانُوا يُنْكِرُونَ أصْلَ النُّبُوَّةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَلا طَرِيقَ لَهم إلى تَحْصِيلِ العِلْمِ بِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ قَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِها؛ قَوْلًا عَلى اللَّهِ تَعالى بِما لا يَكُونُ مَعْلُومًا. وإنَّهُ باطِلٌ.
البَحْثُ الثّانِي: نُفاةُ القِياسِ قالُوا: الحُكْمُ المُثْبَتُ بِالقِياسِ مَظْنُونٌ وغَيْرُ مَعْلُومٍ، وما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لَمْ يَجُزِ القَوْلُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى في مَعْرِضِ الذَّمِّ والسُّخْرِيَةِ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وجَوابُ مُثْبِتِي القِياسِ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الدَّلالَةِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾
صفحة ٤٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أمْرَ الأمْرِ بِالفَحْشاءِ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَأْمُرُ بِالقِسْطِ والعَدْلِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ في نَفْسِهِ قِسْطًا لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْهِ في ذاتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَأْمُرُ بِهِ لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في نَفْسِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الحُسْنَ إنَّما يَحْسُنُ لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْهِ، وجَوابُهُ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ وبِما ظَهَرَ في المَعْقُولِ كَوْنُهُ حَسَنًا صَوابًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٨) وذَلِكَ القِسْطُ لَيْسَ إلّا شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَثَبَتَ أنَّ القِسْطَ لَيْسَ إلّا قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ:
أوَّلُها: أنَّهُ أمَرَ بِالقِسْطِ، وهو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وهو يَشْتَمِلُ عَلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ، ثُمَّ عَلى مَعْرِفَةِ أنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
وثانِيها: أنَّهُ أمَرَ بِالصَّلاةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ خَبَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمْرٌ، وعَطْفُ الأمْرِ عَلى الخَبَرِ لا يَجُوزُ. وجَوابُهُ: التَّقْدِيرُ: قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ، وقُلْ: أقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
البَحْثُ الثّانِي: في الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ بِقَوْلِهِ: (أقِيمُوا) هو اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ.
والثّانِي: إنَّ المُرادَ هو الإخْلاصُ، والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، أنَّ إقامَةَ الوَجْهِ في العِبادَةِ قَدْ تَكُونُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالإخْلاصِ في تِلْكَ العِبادَةِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ مَذْكُورٌ مِن بَعْدُ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى مَعْنى الإخْلاصِ، صارَ كَأنَّهُ قالَ: وأخْلِصُوا عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ.
فَإنْ قِيلَ: يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ، إذا عَلَّقْتَ الإخْلاصَ بِالدُّعاءِ فَقَطْ.
قُلْنا: لَمّا أمْكَنَ رُجُوعُهُ إلَيْهِما جَمِيعًا، لَمْ يَجُزْ قَصْرُهُ عَلى أحَدِهِما، خُصُوصًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فَإنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ ما يُسَمّى دِينًا.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنهُ زَمانُ الصَّلاةِ أوْ مَكانُهُ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ المَوْضِعُ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ إقامَةُ الوَجْهِ لِلْقِبْلَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَنا أنْ لا نَعْتَبِرَ الأماكِنَ، بَلْ نَعْتَبِرُ القِبْلَةَ، فَكانَ المَعْنى: وجِّهُوا وُجُوهَكم حَيْثُما كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وأنْتُمْ عِنْدَ مَسْجِدٍ فَصَلُّوا فِيهِ، ولا يَقُولَنَّ أحَدُكم، لا أُصَلِّي إلّا في مَسْجِدِ قَوْمِي.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلى هَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ إقامَةِ الوَجْهِ في كُلِّ مَسْجِدٍ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ العُدُولُ مِن مَسْجِدٍ إلى مَسْجِدٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ في الآيَةِ الأُولى بِالتَّوَجُّهِ إلى القِبْلَةِ، أمَرَ بَعْدَهُ بِالدُّعاءِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ بِهِ أعْمالُ الصَّلاةِ، وسَمّاها دُعاءً؛ لِأنَّ الصَّلاةَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ، ولِأنَّ أشْرَفَ أجْزاءِ الصَّلاةِ هو الدُّعاءُ والذِّكْرُ، وبَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُؤْتى بِذَلِكَ الدُّعاءِ مَعَ
صفحة ٤٩
الإخْلاصِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البَيِّنَةِ: ٥) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿كَما بَدَأكُمْ﴾ خَلَقَكم مُؤْمِنًا أوْ كافِرًا (تَعُودُونَ) فَبَعَثَ المُؤْمِنَ مُؤْمِنًا، والكافِرَ كافِرًا، فَإنَّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ في أوَّلِ الأمْرِ لِلشَّقاوَةِ، أعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاوَةِ، وكانَتْ عاقِبَتَهُ الشَّقاوَةُ، وإنْ خَلَقَهُ لِلسَّعادَةِ أعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وكانَتْ عاقِبَتَهُ السَّعادَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: ﴿كَما بَدَأكُمْ﴾ خَلَقَكم في الدُّنْيا ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، كَذَلِكَ تَعُودُونَ أحْياءً، فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ: احْتَجُّوا عَلى صِحَّتِهِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قَوْلَهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ وذَلِكَ يُوجِبُ ما قُلْناهُ. قالَ القاضِي: هَذا القَوْلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَقُولُ إنَّهُ تَعالى بَدَأنا مُؤْمِنِينَ أوْ كافِرِينَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ في الإيمانِ والكُفْرِ أنْ يَكُونَ طارِئًا، وهَذا السُّؤالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ جَوابَهُ أنْ يُقالَ: كَما بَدَأكم بِالإيمانِ، والكُفْرِ، والسَّعادَةِ، والشَّقاوَةِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ الحالُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ في الآيَةِ أوَّلًا بِكَلِمَةِ ”القِسْطِ“ وهي كَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ أمَرَ بِالصَّلاةِ ثانِيًا، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الفائِدَةَ في الإتْيانِ بِهَذِهِ الأعْمالِ، إنَّما تَظْهَرُ في الدّارِ الآخِرَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في ”طه“ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ (طه: ١٤ - ١٥) .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ فَرِيقًا هَدى إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ، وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ، أيِ العَذابُ والصَّرْفُ عَنْ طَرِيقِ الثَّوابِ. قالَ القاضِي: لِأنَّ هَذا هو الَّذِي يَحِقُّ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، إذِ العَبْدُ لا يَسْتَحِقُّ لِأنْ يَضِلَّ عَنِ الدِّينِ، إذْ لَوِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَأْمُرَ أنْبِياءَهُ بِإضْلالِهِمْ عَنِ الدِّينِ، كَما أمَرَهم بِإقامَةِ الحُدُودِ المُسْتَحَقَّةِ، وفي ذَلِكَ زَوالُ الثِّقَةِ بِالنُّبُوّاتِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى﴾ إشارَةٌ إلى الماضِي، وعَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ يَصِيرُ المَعْنى إلى أنَّهُ تَعالى سَيَهْدِيهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كانَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ في الماضِي بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ، كانَ هَذا عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، لِأنّا بَيَّنّا بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ الهُدى والضَّلالَ لَيْسا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: نَقُولُ هَبْ أنَّ المُرادَ مِنَ الهِدايَةِ والضَّلالِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ، إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ هَذا الحُكْمُ امْتَنَعَ مِنَ العَبْدِ صُدُورُ غَيْرِهِ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا، والكَذِبُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ غَيْرِ ذَلِكَ الفِعْلِ مِنَ العَبْدِ مُحالًا، وذَلِكَ يُوجِبُ فَسادَ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ مِن هَذا الوَجْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
البَحْثُ الثّانِي: انْتِصابُ قَوْلِهِ: ﴿وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وخَذَلَ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي لِأجْلِهِ حَقَّتْ عَلى هَذِهِ الفِرْقَةِ الضَّلالَةُ، هو أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ فَقَبِلُوا ما دَعَوْهم إلَيْهِ، ولَمْ يَتَأمَّلُوا في التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
صفحة ٥٠
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذا التَّفْصِيلُ مَعَ قَوْلِكم، بِأنَّ الهُدى والضَّلالَ إنَّما يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً. فَنَقُولُ: عِنْدَنا مَجْمُوعُ القُدْرَةِ، والدّاعِي يُوجِبُ الفِعْلَ، والدّاعِيَةُ الَّتِي دَعَتْهم إلى ذَلِكَ الفِعْلِ هي: أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما بَيَّنَ لَهم عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وهَذا بَعِيدٌ بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِهِ، فَكُلُّ مَن شَرَعَ في باطِلٍ، فَهو يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعَذابَ سَواءٌ حَسِبَ كَوْنَهُ حَقًّا، أوْ لَمْ يَحْسَبْ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ والحُسْبانِ لا يَكْفِي في صِحَّةِ الدِّينِ، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الجَزْمِ والقَطْعِ واليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عابَ الكُفّارَ بِأنَّهم يَحْسَبُونَ كَوْنَهم مُهْتَدِينَ، ولَوْلا أنَّ هَذا الحُسْبانَ مَذْمُومٌ، وإلّا لَما ذَمَّهم بِذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾
صفحة ٤٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أمْرَ الأمْرِ بِالفَحْشاءِ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَأْمُرُ بِالقِسْطِ والعَدْلِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ في نَفْسِهِ قِسْطًا لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْهِ في ذاتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَأْمُرُ بِهِ لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في نَفْسِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الحُسْنَ إنَّما يَحْسُنُ لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْهِ، وجَوابُهُ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ وبِما ظَهَرَ في المَعْقُولِ كَوْنُهُ حَسَنًا صَوابًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٨) وذَلِكَ القِسْطُ لَيْسَ إلّا شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَثَبَتَ أنَّ القِسْطَ لَيْسَ إلّا قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ:
أوَّلُها: أنَّهُ أمَرَ بِالقِسْطِ، وهو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وهو يَشْتَمِلُ عَلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ، ثُمَّ عَلى مَعْرِفَةِ أنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
وثانِيها: أنَّهُ أمَرَ بِالصَّلاةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ خَبَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمْرٌ، وعَطْفُ الأمْرِ عَلى الخَبَرِ لا يَجُوزُ. وجَوابُهُ: التَّقْدِيرُ: قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ، وقُلْ: أقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
البَحْثُ الثّانِي: في الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ بِقَوْلِهِ: (أقِيمُوا) هو اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ.
والثّانِي: إنَّ المُرادَ هو الإخْلاصُ، والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، أنَّ إقامَةَ الوَجْهِ في العِبادَةِ قَدْ تَكُونُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالإخْلاصِ في تِلْكَ العِبادَةِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ مَذْكُورٌ مِن بَعْدُ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى مَعْنى الإخْلاصِ، صارَ كَأنَّهُ قالَ: وأخْلِصُوا عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ.
فَإنْ قِيلَ: يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ، إذا عَلَّقْتَ الإخْلاصَ بِالدُّعاءِ فَقَطْ.
قُلْنا: لَمّا أمْكَنَ رُجُوعُهُ إلَيْهِما جَمِيعًا، لَمْ يَجُزْ قَصْرُهُ عَلى أحَدِهِما، خُصُوصًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فَإنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ ما يُسَمّى دِينًا.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنهُ زَمانُ الصَّلاةِ أوْ مَكانُهُ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ المَوْضِعُ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ إقامَةُ الوَجْهِ لِلْقِبْلَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَنا أنْ لا نَعْتَبِرَ الأماكِنَ، بَلْ نَعْتَبِرُ القِبْلَةَ، فَكانَ المَعْنى: وجِّهُوا وُجُوهَكم حَيْثُما كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وأنْتُمْ عِنْدَ مَسْجِدٍ فَصَلُّوا فِيهِ، ولا يَقُولَنَّ أحَدُكم، لا أُصَلِّي إلّا في مَسْجِدِ قَوْمِي.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلى هَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ إقامَةِ الوَجْهِ في كُلِّ مَسْجِدٍ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ العُدُولُ مِن مَسْجِدٍ إلى مَسْجِدٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ في الآيَةِ الأُولى بِالتَّوَجُّهِ إلى القِبْلَةِ، أمَرَ بَعْدَهُ بِالدُّعاءِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ بِهِ أعْمالُ الصَّلاةِ، وسَمّاها دُعاءً؛ لِأنَّ الصَّلاةَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ، ولِأنَّ أشْرَفَ أجْزاءِ الصَّلاةِ هو الدُّعاءُ والذِّكْرُ، وبَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُؤْتى بِذَلِكَ الدُّعاءِ مَعَ
صفحة ٤٩
الإخْلاصِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البَيِّنَةِ: ٥) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿كَما بَدَأكُمْ﴾ خَلَقَكم مُؤْمِنًا أوْ كافِرًا (تَعُودُونَ) فَبَعَثَ المُؤْمِنَ مُؤْمِنًا، والكافِرَ كافِرًا، فَإنَّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ في أوَّلِ الأمْرِ لِلشَّقاوَةِ، أعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاوَةِ، وكانَتْ عاقِبَتَهُ الشَّقاوَةُ، وإنْ خَلَقَهُ لِلسَّعادَةِ أعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وكانَتْ عاقِبَتَهُ السَّعادَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: ﴿كَما بَدَأكُمْ﴾ خَلَقَكم في الدُّنْيا ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، كَذَلِكَ تَعُودُونَ أحْياءً، فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ: احْتَجُّوا عَلى صِحَّتِهِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قَوْلَهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ وذَلِكَ يُوجِبُ ما قُلْناهُ. قالَ القاضِي: هَذا القَوْلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَقُولُ إنَّهُ تَعالى بَدَأنا مُؤْمِنِينَ أوْ كافِرِينَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ في الإيمانِ والكُفْرِ أنْ يَكُونَ طارِئًا، وهَذا السُّؤالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ جَوابَهُ أنْ يُقالَ: كَما بَدَأكم بِالإيمانِ، والكُفْرِ، والسَّعادَةِ، والشَّقاوَةِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ الحالُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ في الآيَةِ أوَّلًا بِكَلِمَةِ ”القِسْطِ“ وهي كَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ أمَرَ بِالصَّلاةِ ثانِيًا، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الفائِدَةَ في الإتْيانِ بِهَذِهِ الأعْمالِ، إنَّما تَظْهَرُ في الدّارِ الآخِرَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في ”طه“ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ (طه: ١٤ - ١٥) .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ فَرِيقًا هَدى إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ، وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ، أيِ العَذابُ والصَّرْفُ عَنْ طَرِيقِ الثَّوابِ. قالَ القاضِي: لِأنَّ هَذا هو الَّذِي يَحِقُّ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، إذِ العَبْدُ لا يَسْتَحِقُّ لِأنْ يَضِلَّ عَنِ الدِّينِ، إذْ لَوِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَأْمُرَ أنْبِياءَهُ بِإضْلالِهِمْ عَنِ الدِّينِ، كَما أمَرَهم بِإقامَةِ الحُدُودِ المُسْتَحَقَّةِ، وفي ذَلِكَ زَوالُ الثِّقَةِ بِالنُّبُوّاتِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى﴾ إشارَةٌ إلى الماضِي، وعَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ يَصِيرُ المَعْنى إلى أنَّهُ تَعالى سَيَهْدِيهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كانَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ في الماضِي بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ، كانَ هَذا عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، لِأنّا بَيَّنّا بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ الهُدى والضَّلالَ لَيْسا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: نَقُولُ هَبْ أنَّ المُرادَ مِنَ الهِدايَةِ والضَّلالِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ، إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ هَذا الحُكْمُ امْتَنَعَ مِنَ العَبْدِ صُدُورُ غَيْرِهِ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا، والكَذِبُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ غَيْرِ ذَلِكَ الفِعْلِ مِنَ العَبْدِ مُحالًا، وذَلِكَ يُوجِبُ فَسادَ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ مِن هَذا الوَجْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
البَحْثُ الثّانِي: انْتِصابُ قَوْلِهِ: ﴿وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وخَذَلَ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي لِأجْلِهِ حَقَّتْ عَلى هَذِهِ الفِرْقَةِ الضَّلالَةُ، هو أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ فَقَبِلُوا ما دَعَوْهم إلَيْهِ، ولَمْ يَتَأمَّلُوا في التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
صفحة ٥٠
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذا التَّفْصِيلُ مَعَ قَوْلِكم، بِأنَّ الهُدى والضَّلالَ إنَّما يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً. فَنَقُولُ: عِنْدَنا مَجْمُوعُ القُدْرَةِ، والدّاعِي يُوجِبُ الفِعْلَ، والدّاعِيَةُ الَّتِي دَعَتْهم إلى ذَلِكَ الفِعْلِ هي: أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما بَيَّنَ لَهم عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وهَذا بَعِيدٌ بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِهِ، فَكُلُّ مَن شَرَعَ في باطِلٍ، فَهو يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعَذابَ سَواءٌ حَسِبَ كَوْنَهُ حَقًّا، أوْ لَمْ يَحْسَبْ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ والحُسْبانِ لا يَكْفِي في صِحَّةِ الدِّينِ، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الجَزْمِ والقَطْعِ واليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عابَ الكُفّارَ بِأنَّهم يَحْسَبُونَ كَوْنَهم مُهْتَدِينَ، ولَوْلا أنَّ هَذا الحُسْبانَ مَذْمُومٌ، وإلّا لَما ذَمَّهم بِذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِسْطِ في الآيَةِ الأُولى، وكانَ مِن جُمْلَةِ القِسْطِ أمَرَ اللِّباسَ وأمَرَ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ، لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِهِما، وأيْضًا لَمّا أمَرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وكانَ سَتْرُ العَوْرَةِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ، لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ اللِّباسِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً: الرِّجالُ بِالنَّهارِ، والنِّساءُ بِاللَّيْلِ، وكانُوا إذا وصَلُوا إلى مَسْجِدِ مِنًى، طَرَحُوا ثِيابَهم وأتَوُا المَسْجِدَ عُراةً. وقالُوا: لا نَطُوفُ في ثِيابٍ أصَبْنا فِيها الذُّنُوبَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: نَفْعَلُ ذَلِكَ تَفاؤُلًا حَتّى نَتَعَرّى عَنِ الذُّنُوبِ كَما تَعَرَّيْنا عَنِ الثِّيابِ، وكانَتِ المَرْأةُ مِنهم تَتَّخِذُ سِتْرًا تُعَلِّقُهُ عَلى حِقْوَيْها، لِتَسْتَتِرَ بِهِ عَنِ الحُمْسِ، وهم قُرَيْشٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وكانُوا يُصَلُّونَ في ثِيابِهِمْ، ولا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا، ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ أحَقُّ أنَّ نَفْعَلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، أيْ: ”البَسُوا ثِيابَكم وكُلُوا اللَّحْمَ والدَّسَمَ واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا“» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الزِّينَةِ لُبْسُ الثِّيابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (النُّورِ: ٣١) يَعْنِي الثِّيابَ، وأيْضًا فالزِّينَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالسَّتْرِ التّامِّ لِلْعَوْراتِ، ولِذَلِكَ صارَ التَّزْيِينُ بِأجْوَدِ الثِّيابِ في الجَمْعِ والأعْيادِ سُنَّةً، وأيْضًا إنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾
صفحة ٥١
فَبَيَّنَ أنَّ اللِّباسَ الَّذِي يُوارِي السَّوْءَةَ مِن قَبِيلِ الرِّياشِ والزِّينَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأخْذِ الزِّينَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الزِّينَةِ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تِلْكَ الآيَةِ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الزِّينَةِ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ، وأيْضًا فَقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ هَهُنا لُبْسُ الثَّوْبِ الَّذِي يَسْتُرُ العَوْرَةَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرٌ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَثَبَتَ أنَّ أخْذَ الزِّينَةِ واجِبٌ، وكُلُّ ما سِوى اللُّبْسِ فَغَيْرُ واجِبٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ الزِّينَةِ عَلى اللُّبْسِ عَمَلًا بِالنَّصِّ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرٌ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ عِنْدَ إقامَةِ كُلِّ صَلاةٍ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ أمْرُ إباحَةٍ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرَ إباحَةٍ أيْضًا.
وجَوابُهُ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الظّاهِرِ في المَعْطُوفِ تَرْكُهُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأيْضًا فالأكْلُ والشُّرْبُ قَدْ يَكُونانِ واجِبَيْنِ أيْضًا في الحُكْمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المَنعِ مِنَ الطَّوافِ حالَ العُرْيِ.
والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ اللُّبْسِ التّامِّ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ؛ لِأنَّ اللُّبْسَ التّامَّ هو الزِّينَةُ. تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في القَدْرِ الَّذِي لا يَجِبُ سَتْرُهُ مِنَ الأعْضاءِ إجْماعًا، فَبَقِيَ الباقِي داخِلًا تَحْتَ اللَّفْظِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ واجِبٌ في الصَّلاةِ وجَبَ أنْ تَفْسُدَ الصَّلاةُ عِنْدَ تَرْكِهِ؛ لِأنَّ تَرْكَهُ يُوجِبُ تَرْكَ المَأْمُورِ بِهِ، وتَرْكُ المَأْمُورِ بِهِ مَعْصِيَةٌ، والمَعْصِيَةُ تُوجِبُ العِقابَ عَلى ما شَرَحْنا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ في الأُصُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ إزالَةِ النَّجاسَةِ بِماءِ الوَرْدِ، فَقالُوا: أمَرَنا بِالصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (الأنْعامِ: ٧٢) والصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ، وقَدْ أتى بِها، والإتْيانُ بِالمَأْمُورِ بِهِ يُوجِبُ الخُرُوجَ عَنِ العُهْدَةِ، فَمُقْتَضى هَذا الدَّلِيلِ أنْ لا تَتَوَقَّفَ صِحَّةُ الصَّلاةِ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ، إلّا أنّا أوْجَبْنا هَذا المَعْنى عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ولُبْسُ الثَّوْبِ المَغْسُولِ بِماءِ الوَرْدِ عَلى أقْصى وُجُوهِ النَّظافَةِ أخْذُ الزِّينَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كافِيًا في صِحَّةِ الصَّلاةِ.
وجَوابُنا: إنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ يَنْصَرِفانِ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وذَلِكَ هو عَمَلُ الرَّسُولِ ﷺ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَلّى في الثَّوْبِ المَغْسُولِ بِماءِ الوَرْدِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ فاعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ في أيّامِ حَجِّهِمْ إلّا القَلِيلَ، وكانُوا لا يَأْكُلُونَ الدَّسَمَ، يُعَظِّمُونَ بِذَلِكَ حَجَّهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِبَيانِ فَسادِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا في بُطُونِ الأنْعامِ فَحَرَّمَ عَلَيْهِمُ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ بَيانًا لِفَسادِ قَوْلِهِمْ في هَذا البابِ.
صفحة ٥٢
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الأوْقاتَ والأحْوالَ، ويَتَناوَلُ جَمِيعَ المَطْعُوماتِ والمَشْرُوباتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ فِيها هو الحِلَّ في كُلِّ الأوْقاتِ، وفي كُلِّ المَطْعُوماتِ والمَشْرُوباتِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ المُنْفَصِلُ، والعَقْلُ أيْضًا مُؤَكِّدٌ لَهُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في المَنافِعِ الحِلُّ والإباحَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَأْكُلَ ويَشْرَبَ بِحَيْثُ لا يَتَعَدّى إلى الحَرامِ، ولا يُكْثِرُ الإنْفاقَ المُسْتَقْبَحَ ولا يَتَناوَلُ مِقْدارًا كَثِيرًا يَضُرُّهُ ولا يَحْتاجُ إلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإسْرافِ، قَوْلُهم بِتَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، فَإنَّهم أخْرَجُوها عَنْ مِلْكِهِمْ، وتَرَكُوا الِانْتِفاعَ بِها، وأيْضًا إنَّهم حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في وقْتِ الحَجِّ أيْضًا أشْياءَ أحَلَّها اللَّهُ تَعالى لَهم، وذَلِكَ إسْرافٌ.
واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ لَفْظِ الإسْرافِ عَلى الِاسْتِكْثارِ، مِمّا لا يَنْبَغِي أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَنعِ مِمّا لا يَجُوزُ ويَنْبَغِي.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا نِهايَةُ التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى بَقِيَ مَحْرُومًا عَنِ الثَّوابِ؛ لِأنَّ مَعْنى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ إيصالُهُ الثَّوابَ إلَيْهِ، فَعَدَمُ هَذِهِ المَحَبَّةِ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ حُصُولِ الثَّوابِ، ومَتى لَمْ يَحْصُلِ الثَّوابُ، فَقَدْ حَصَلَ العِقابُ؛ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ مُكَلَّفٌ، لا يُثابُ ولا يُعاقَبُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ظاهِرُها اسْتِفْهامٌ، إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ تَقْرِيرُ الإنْكارِ، والمُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الإنْكارِ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الزِّينَةِ في هَذِهِ الآيَةِ اللِّباسُ الَّذِي تُسْتَرُ بِهِ العَوْرَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وكَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ الزِّينَةِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ الزِّينَةِ جَمِيعُ أنْواعِ التَّزْيِينِ، ويَدْخُلُ تَحْتَها تَنْظِيفُ البَدَنِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَها المَرْكُوبُ، ويَدْخُلُ تَحْتَها أيْضًا أنْواعُ الحُلِيِّ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ زِينَةٌ، ولَوْلا النَّصُّ الوارِدُ في تَحْرِيمِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والإبْرِيسَمِ عَلى الرِّجالِ لَكانَ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ هَذا العُمُومِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ كُلُّ ما يُسْتَلَذُّ ويُشْتَهى مِن أنْواعِ المَأْكُولاتِ والمَشْرُوباتِ، ويَدْخُلُ أيْضًا تَحْتَهُ التَّمَتُّعُ بِالنِّساءِ وبِالطِّيبِ. ورُوِيَ «عَنْ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: أنَّهُ أتى الرَّسُولَ ﷺ، وقالَ: غَلَبَنِي حَدِيثُ النَّفْسِ، عَزَمْتُ عَلى أنْ أخْتَصِيَ، فَقالَ: مَهْلًا يا عُثْمانُ، إنَّ خِصاءَ أُمَّتِي الصِّيامُ، قالَ: فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي بِالتَّرَهُّبِ. قالَ: إنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتِي القُعُودُ في المَساجِدِ لِانْتِظارِ الصَّلاةِ، فَقالَ: تُحَدِّثُنِي نَفْسِي بِالسِّياحَةِ، فَقالَ: سِياحَةُ أُمَّتِي الغَزْوُ والحَجُّ والعُمْرَةُ، فَقالَ: إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ أخْرُجَ مِمّا أمْلِكُ، فَقالَ: الأوْلى أنْ تَكْفِيَ نَفْسَكَ وعِيالَكَ وأنْ تَرْحَمَ اليَتِيمَ والمِسْكِينَ فَتُعْطِيَهُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ. فَقالَ: إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ أُطَلِّقَ خَوْلَةَ، فَقالَ: إنَّ الهِجْرَةَ في أُمَّتِي هِجْرَةُ ما حَرَّمَ اللَّهُ، قالَ: فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لا أغْشاها. قالَ: إنَّ المُسْلِمَ
صفحة ٥٣
إذا غَشِيَ أهْلَهُ أوْ ما مَلَكَتْ يَمِينَهُ، فَإنْ لَمْ يُصِبْ مِن وقْعَتِهِ تِلْكَ ولَدًا كانَ لَهُ وصَيْفٌ في الجَنَّةِ، وإذا كانَ لَهُ ولَدٌ ماتَ قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ كانَ لَهُ قُرَّةَ عَيْنٍ، وفَرِحَ يَوْمِ القِيامَةِ، وإنْ ماتَ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ الحِنْثَ كانَ لَهُ شَفِيعًا ورَحْمَةً يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ: فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لا آكُلَ اللَّحْمَ، قالَ: مَهْلًا إنِّي آكُلُ اللَّحْمَ إذا وجَدْتُهُ، ولَوْ سَألْتُ اللَّهَ أنْ يُطْعِمَنِيهِ كُلَّ يَوْمٍ فَعَلَهُ. قالَ: فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لا أمَسَّ الطِّيبَ. قالَ: مَهْلًا فَإنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي بِالطِّيبِ غَبًّا، وقالَ: لا تَتْرُكْهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قالَ: يا عُثْمانُ، لا تَرْغَبْ عَنْ سُنَّتِي، فَإنَّ مَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي وماتَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ صَرَفَتِ المَلائِكَةُ وجْهَهُ عَنْ حَوْضِي» .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الكامِلَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ الزِّينَةِ مُباحٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أدْخَلْنا الكُلَّ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ ما تَزَيَّنَ الإنْسانُ بِهِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ حَلالًا، وكَذَلِكَ كُلُّ ما يُسْتَطابُ وجَبَ أنْ يَكُونَ حَلالًا، فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي حِلَّ كُلِّ المَنافِعِ، وهَذا أصْلٌ مُعْتَبَرٌ في كُلِّ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واقِعَةٍ تَقَعُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ النَّفْعُ فِيها خالِصًا، أوْ راجِحًا أوِ الضَّرَرُ يَكُونُ خالِصًا أوْ راجِحًا، أوْ يَتَساوى الضَّرَرُ والنَّفْعُ، أوْ يَرْتَفِعا. أمّا القِسْمانِ الأخِيرانِ، وهو أنْ يَتَعادَلَ الضَّرَرُ والنَّفْعُ، أوْ لَمْ يُوجَدا قَطُّ فَفي هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، وجَبَ الحُكْمُ بِبَقاءِ ما كانَ عَلى ما كانَ، وإنْ كانَ النَّفْعُ خالِصًا، وجَبَ الإطْلاقُ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ كانَ النَّفْعُ راجِحًا والضَّرَرُ مَرْجُوحًا يُقابَلُ المِثْلُ بِالمِثْلِ، ويَبْقى القَدْرُ الزّائِدُ نَفْعًا خالِصًا، فَيَلْتَحِقُ بِالقِسْمِ الَّذِي يَكُونُ النَّفْعُ فِيهِ خالِصًا، وإنْ كانَ الضَّرَرُ خالِصًا، كانَ تَرْكُهُ خالِصَ النَّفْعِ، فَيَلْتَحِقُ بِالقِسْمِ المُتَقَدِّمِ، وإنْ كانَ الضَّرَرُ راجِحًا بَقِيَ القَدْرُ الزّائِدُ ضَرَرًا خالِصًا، فَكانَ تَرْكُهُ نَفْعًا خالِصًا، فَبِهَذا الطَّرِيقِ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى الأحْكامِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها في الحِلِّ والحُرْمَةِ، ثُمَّ إنْ وجَدْنا نَصًّا خالِصًا في الواقِعَةِ، قَضَيْنا في النَّفْعِ بِالحِلِّ، وفي الضَّرَرِ بِالحُرْمَةِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ صارَ جَمِيعُ الأحْكامِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها داخِلًا تَحْتَ النَّصِّ ثُمَّ قالَ نُفاةُ القِياسِ: فَلَوْ تَعَبَّدَنا اللَّهُ تَعالى بِالقِياسِ، لَكانَ حُكْمُ ذَلِكَ القِياسِ: إمّا أنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِحُكْمِ هَذا النَّصِّ العامِّ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ ضائِعًا؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ مُسْتَقِلٌّ بِهِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا كانَ ذَلِكَ القِياسُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ هَذا النَّصِّ، فَيَكُونُ مَرْدُودًا لِأنَّ العَمَلَ بِالنَّصِّ أوْلى مِنَ العَمَلِ بِالقِياسِ. قالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ يَكُونُ القُرْآنُ وحْدَهُ وافِيًا بِبَيانِ كُلِّ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ، ولا حاجَةَ مَعَهُ إلى طَرِيقٍ آخَرَ، فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: القُرْآنُ وافٍ بِبَيانِ جَمِيعِ الوَقائِعِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَفْسِيرُ الآيَةِ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا غَيْرَ خالِصَةٍ لَهم؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ شُرَكاؤُهم فِيها خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ لا يَشْرَكُهم فِيها أحَدٌ.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ولِغَيْرِهِمْ ؟
قُلْنا: فُهِمَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّها خُلِقَتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا عَلى طَرِيقِ الأصالَةِ، وأنَّ الكَفَرَةَ تَبَعٌ لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ (البَقَرَةِ: ١٢٦) والحاصِلُ: إنَّ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ إنَّما تَصْفُو عَنْ شَوائِبِ الرَّحْمَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَإنَّها تَكُونُ مُكَدَّرَةً مَشُوبَةً.
صفحة ٥٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ (خالِصَةٌ) بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ عاقِلٌ لَبِيبٌ، والمَعْنى: قُلْ هي ثابِتَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (خالِصَةٌ) خَبَرَ المُبْتَدَأِ، وقَوْلُهُ: (لِلَّذِينَ آمَنُوا) مُتَعَلِّقًا بِـ (خالِصَةٌ) . والتَّقْدِيرُ: هي خالِصَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا. وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ، فَعَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّها ثابِتَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا في حالِ كَوْنِها خالِصَةً لَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ومَعْنى تَفْصِيلِ الآياتِ قَدْ سَبَقَ، وقَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لِقَوْمٍ يُمْكِنُهُمُ النَّظَرُ بِهِ والِاسْتِدْلالُ حَتّى يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى تَحْصِيلِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِسْطِ في الآيَةِ الأُولى، وكانَ مِن جُمْلَةِ القِسْطِ أمَرَ اللِّباسَ وأمَرَ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ، لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِهِما، وأيْضًا لَمّا أمَرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وكانَ سَتْرُ العَوْرَةِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ، لا جَرَمَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ اللِّباسِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً: الرِّجالُ بِالنَّهارِ، والنِّساءُ بِاللَّيْلِ، وكانُوا إذا وصَلُوا إلى مَسْجِدِ مِنًى، طَرَحُوا ثِيابَهم وأتَوُا المَسْجِدَ عُراةً. وقالُوا: لا نَطُوفُ في ثِيابٍ أصَبْنا فِيها الذُّنُوبَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: نَفْعَلُ ذَلِكَ تَفاؤُلًا حَتّى نَتَعَرّى عَنِ الذُّنُوبِ كَما تَعَرَّيْنا عَنِ الثِّيابِ، وكانَتِ المَرْأةُ مِنهم تَتَّخِذُ سِتْرًا تُعَلِّقُهُ عَلى حِقْوَيْها، لِتَسْتَتِرَ بِهِ عَنِ الحُمْسِ، وهم قُرَيْشٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وكانُوا يُصَلُّونَ في ثِيابِهِمْ، ولا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا، ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ أحَقُّ أنَّ نَفْعَلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، أيْ: ”البَسُوا ثِيابَكم وكُلُوا اللَّحْمَ والدَّسَمَ واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا“» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الزِّينَةِ لُبْسُ الثِّيابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (النُّورِ: ٣١) يَعْنِي الثِّيابَ، وأيْضًا فالزِّينَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالسَّتْرِ التّامِّ لِلْعَوْراتِ، ولِذَلِكَ صارَ التَّزْيِينُ بِأجْوَدِ الثِّيابِ في الجَمْعِ والأعْيادِ سُنَّةً، وأيْضًا إنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾
صفحة ٥١
فَبَيَّنَ أنَّ اللِّباسَ الَّذِي يُوارِي السَّوْءَةَ مِن قَبِيلِ الرِّياشِ والزِّينَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأخْذِ الزِّينَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الزِّينَةِ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تِلْكَ الآيَةِ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الزِّينَةِ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ، وأيْضًا فَقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّينَةِ هَهُنا لُبْسُ الثَّوْبِ الَّذِي يَسْتُرُ العَوْرَةَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرٌ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَثَبَتَ أنَّ أخْذَ الزِّينَةِ واجِبٌ، وكُلُّ ما سِوى اللُّبْسِ فَغَيْرُ واجِبٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ الزِّينَةِ عَلى اللُّبْسِ عَمَلًا بِالنَّصِّ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرٌ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ عِنْدَ إقامَةِ كُلِّ صَلاةٍ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ أمْرُ إباحَةٍ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمْرَ إباحَةٍ أيْضًا.
وجَوابُهُ: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الظّاهِرِ في المَعْطُوفِ تَرْكُهُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأيْضًا فالأكْلُ والشُّرْبُ قَدْ يَكُونانِ واجِبَيْنِ أيْضًا في الحُكْمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المَنعِ مِنَ الطَّوافِ حالَ العُرْيِ.
والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ اللُّبْسِ التّامِّ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ؛ لِأنَّ اللُّبْسَ التّامَّ هو الزِّينَةُ. تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في القَدْرِ الَّذِي لا يَجِبُ سَتْرُهُ مِنَ الأعْضاءِ إجْماعًا، فَبَقِيَ الباقِي داخِلًا تَحْتَ اللَّفْظِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ واجِبٌ في الصَّلاةِ وجَبَ أنْ تَفْسُدَ الصَّلاةُ عِنْدَ تَرْكِهِ؛ لِأنَّ تَرْكَهُ يُوجِبُ تَرْكَ المَأْمُورِ بِهِ، وتَرْكُ المَأْمُورِ بِهِ مَعْصِيَةٌ، والمَعْصِيَةُ تُوجِبُ العِقابَ عَلى ما شَرَحْنا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ في الأُصُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ إزالَةِ النَّجاسَةِ بِماءِ الوَرْدِ، فَقالُوا: أمَرَنا بِالصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (الأنْعامِ: ٧٢) والصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ، وقَدْ أتى بِها، والإتْيانُ بِالمَأْمُورِ بِهِ يُوجِبُ الخُرُوجَ عَنِ العُهْدَةِ، فَمُقْتَضى هَذا الدَّلِيلِ أنْ لا تَتَوَقَّفَ صِحَّةُ الصَّلاةِ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ، إلّا أنّا أوْجَبْنا هَذا المَعْنى عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ولُبْسُ الثَّوْبِ المَغْسُولِ بِماءِ الوَرْدِ عَلى أقْصى وُجُوهِ النَّظافَةِ أخْذُ الزِّينَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كافِيًا في صِحَّةِ الصَّلاةِ.
وجَوابُنا: إنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ يَنْصَرِفانِ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وذَلِكَ هو عَمَلُ الرَّسُولِ ﷺ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَلّى في الثَّوْبِ المَغْسُولِ بِماءِ الوَرْدِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ فاعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ في أيّامِ حَجِّهِمْ إلّا القَلِيلَ، وكانُوا لا يَأْكُلُونَ الدَّسَمَ، يُعَظِّمُونَ بِذَلِكَ حَجَّهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِبَيانِ فَسادِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا في بُطُونِ الأنْعامِ فَحَرَّمَ عَلَيْهِمُ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ بَيانًا لِفَسادِ قَوْلِهِمْ في هَذا البابِ.
صفحة ٥٢
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الأوْقاتَ والأحْوالَ، ويَتَناوَلُ جَمِيعَ المَطْعُوماتِ والمَشْرُوباتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ فِيها هو الحِلَّ في كُلِّ الأوْقاتِ، وفي كُلِّ المَطْعُوماتِ والمَشْرُوباتِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ المُنْفَصِلُ، والعَقْلُ أيْضًا مُؤَكِّدٌ لَهُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في المَنافِعِ الحِلُّ والإباحَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَأْكُلَ ويَشْرَبَ بِحَيْثُ لا يَتَعَدّى إلى الحَرامِ، ولا يُكْثِرُ الإنْفاقَ المُسْتَقْبَحَ ولا يَتَناوَلُ مِقْدارًا كَثِيرًا يَضُرُّهُ ولا يَحْتاجُ إلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإسْرافِ، قَوْلُهم بِتَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، فَإنَّهم أخْرَجُوها عَنْ مِلْكِهِمْ، وتَرَكُوا الِانْتِفاعَ بِها، وأيْضًا إنَّهم حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في وقْتِ الحَجِّ أيْضًا أشْياءَ أحَلَّها اللَّهُ تَعالى لَهم، وذَلِكَ إسْرافٌ.
واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ لَفْظِ الإسْرافِ عَلى الِاسْتِكْثارِ، مِمّا لا يَنْبَغِي أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَنعِ مِمّا لا يَجُوزُ ويَنْبَغِي.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ وهَذا نِهايَةُ التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى بَقِيَ مَحْرُومًا عَنِ الثَّوابِ؛ لِأنَّ مَعْنى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ إيصالُهُ الثَّوابَ إلَيْهِ، فَعَدَمُ هَذِهِ المَحَبَّةِ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ حُصُولِ الثَّوابِ، ومَتى لَمْ يَحْصُلِ الثَّوابُ، فَقَدْ حَصَلَ العِقابُ؛ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ مُكَلَّفٌ، لا يُثابُ ولا يُعاقَبُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ظاهِرُها اسْتِفْهامٌ، إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ تَقْرِيرُ الإنْكارِ، والمُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الإنْكارِ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الزِّينَةِ في هَذِهِ الآيَةِ اللِّباسُ الَّذِي تُسْتَرُ بِهِ العَوْرَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وكَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ الزِّينَةِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ الزِّينَةِ جَمِيعُ أنْواعِ التَّزْيِينِ، ويَدْخُلُ تَحْتَها تَنْظِيفُ البَدَنِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، ويَدْخُلُ تَحْتَها المَرْكُوبُ، ويَدْخُلُ تَحْتَها أيْضًا أنْواعُ الحُلِيِّ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ زِينَةٌ، ولَوْلا النَّصُّ الوارِدُ في تَحْرِيمِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والإبْرِيسَمِ عَلى الرِّجالِ لَكانَ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ هَذا العُمُومِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ كُلُّ ما يُسْتَلَذُّ ويُشْتَهى مِن أنْواعِ المَأْكُولاتِ والمَشْرُوباتِ، ويَدْخُلُ أيْضًا تَحْتَهُ التَّمَتُّعُ بِالنِّساءِ وبِالطِّيبِ. ورُوِيَ «عَنْ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: أنَّهُ أتى الرَّسُولَ ﷺ، وقالَ: غَلَبَنِي حَدِيثُ النَّفْسِ، عَزَمْتُ عَلى أنْ أخْتَصِيَ، فَقالَ: مَهْلًا يا عُثْمانُ، إنَّ خِصاءَ أُمَّتِي الصِّيامُ، قالَ: فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي بِالتَّرَهُّبِ. قالَ: إنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتِي القُعُودُ في المَساجِدِ لِانْتِظارِ الصَّلاةِ، فَقالَ: تُحَدِّثُنِي نَفْسِي بِالسِّياحَةِ، فَقالَ: سِياحَةُ أُمَّتِي الغَزْوُ والحَجُّ والعُمْرَةُ، فَقالَ: إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ أخْرُجَ مِمّا أمْلِكُ، فَقالَ: الأوْلى أنْ تَكْفِيَ نَفْسَكَ وعِيالَكَ وأنْ تَرْحَمَ اليَتِيمَ والمِسْكِينَ فَتُعْطِيَهُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ. فَقالَ: إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ أُطَلِّقَ خَوْلَةَ، فَقالَ: إنَّ الهِجْرَةَ في أُمَّتِي هِجْرَةُ ما حَرَّمَ اللَّهُ، قالَ: فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لا أغْشاها. قالَ: إنَّ المُسْلِمَ
صفحة ٥٣
إذا غَشِيَ أهْلَهُ أوْ ما مَلَكَتْ يَمِينَهُ، فَإنْ لَمْ يُصِبْ مِن وقْعَتِهِ تِلْكَ ولَدًا كانَ لَهُ وصَيْفٌ في الجَنَّةِ، وإذا كانَ لَهُ ولَدٌ ماتَ قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ كانَ لَهُ قُرَّةَ عَيْنٍ، وفَرِحَ يَوْمِ القِيامَةِ، وإنْ ماتَ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ الحِنْثَ كانَ لَهُ شَفِيعًا ورَحْمَةً يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ: فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لا آكُلَ اللَّحْمَ، قالَ: مَهْلًا إنِّي آكُلُ اللَّحْمَ إذا وجَدْتُهُ، ولَوْ سَألْتُ اللَّهَ أنْ يُطْعِمَنِيهِ كُلَّ يَوْمٍ فَعَلَهُ. قالَ: فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لا أمَسَّ الطِّيبَ. قالَ: مَهْلًا فَإنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي بِالطِّيبِ غَبًّا، وقالَ: لا تَتْرُكْهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قالَ: يا عُثْمانُ، لا تَرْغَبْ عَنْ سُنَّتِي، فَإنَّ مَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي وماتَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ صَرَفَتِ المَلائِكَةُ وجْهَهُ عَنْ حَوْضِي» .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الكامِلَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ الزِّينَةِ مُباحٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أدْخَلْنا الكُلَّ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ ما تَزَيَّنَ الإنْسانُ بِهِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ حَلالًا، وكَذَلِكَ كُلُّ ما يُسْتَطابُ وجَبَ أنْ يَكُونَ حَلالًا، فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي حِلَّ كُلِّ المَنافِعِ، وهَذا أصْلٌ مُعْتَبَرٌ في كُلِّ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واقِعَةٍ تَقَعُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ النَّفْعُ فِيها خالِصًا، أوْ راجِحًا أوِ الضَّرَرُ يَكُونُ خالِصًا أوْ راجِحًا، أوْ يَتَساوى الضَّرَرُ والنَّفْعُ، أوْ يَرْتَفِعا. أمّا القِسْمانِ الأخِيرانِ، وهو أنْ يَتَعادَلَ الضَّرَرُ والنَّفْعُ، أوْ لَمْ يُوجَدا قَطُّ فَفي هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، وجَبَ الحُكْمُ بِبَقاءِ ما كانَ عَلى ما كانَ، وإنْ كانَ النَّفْعُ خالِصًا، وجَبَ الإطْلاقُ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ كانَ النَّفْعُ راجِحًا والضَّرَرُ مَرْجُوحًا يُقابَلُ المِثْلُ بِالمِثْلِ، ويَبْقى القَدْرُ الزّائِدُ نَفْعًا خالِصًا، فَيَلْتَحِقُ بِالقِسْمِ الَّذِي يَكُونُ النَّفْعُ فِيهِ خالِصًا، وإنْ كانَ الضَّرَرُ خالِصًا، كانَ تَرْكُهُ خالِصَ النَّفْعِ، فَيَلْتَحِقُ بِالقِسْمِ المُتَقَدِّمِ، وإنْ كانَ الضَّرَرُ راجِحًا بَقِيَ القَدْرُ الزّائِدُ ضَرَرًا خالِصًا، فَكانَ تَرْكُهُ نَفْعًا خالِصًا، فَبِهَذا الطَّرِيقِ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى الأحْكامِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها في الحِلِّ والحُرْمَةِ، ثُمَّ إنْ وجَدْنا نَصًّا خالِصًا في الواقِعَةِ، قَضَيْنا في النَّفْعِ بِالحِلِّ، وفي الضَّرَرِ بِالحُرْمَةِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ صارَ جَمِيعُ الأحْكامِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها داخِلًا تَحْتَ النَّصِّ ثُمَّ قالَ نُفاةُ القِياسِ: فَلَوْ تَعَبَّدَنا اللَّهُ تَعالى بِالقِياسِ، لَكانَ حُكْمُ ذَلِكَ القِياسِ: إمّا أنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِحُكْمِ هَذا النَّصِّ العامِّ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ ضائِعًا؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ مُسْتَقِلٌّ بِهِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا كانَ ذَلِكَ القِياسُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ هَذا النَّصِّ، فَيَكُونُ مَرْدُودًا لِأنَّ العَمَلَ بِالنَّصِّ أوْلى مِنَ العَمَلِ بِالقِياسِ. قالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ يَكُونُ القُرْآنُ وحْدَهُ وافِيًا بِبَيانِ كُلِّ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ، ولا حاجَةَ مَعَهُ إلى طَرِيقٍ آخَرَ، فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: القُرْآنُ وافٍ بِبَيانِ جَمِيعِ الوَقائِعِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَفْسِيرُ الآيَةِ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا غَيْرَ خالِصَةٍ لَهم؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ شُرَكاؤُهم فِيها خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ لا يَشْرَكُهم فِيها أحَدٌ.
فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ولِغَيْرِهِمْ ؟
قُلْنا: فُهِمَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّها خُلِقَتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا عَلى طَرِيقِ الأصالَةِ، وأنَّ الكَفَرَةَ تَبَعٌ لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ (البَقَرَةِ: ١٢٦) والحاصِلُ: إنَّ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ إنَّما تَصْفُو عَنْ شَوائِبِ الرَّحْمَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَإنَّها تَكُونُ مُكَدَّرَةً مَشُوبَةً.
صفحة ٥٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ (خالِصَةٌ) بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ عاقِلٌ لَبِيبٌ، والمَعْنى: قُلْ هي ثابِتَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (خالِصَةٌ) خَبَرَ المُبْتَدَأِ، وقَوْلُهُ: (لِلَّذِينَ آمَنُوا) مُتَعَلِّقًا بِـ (خالِصَةٌ) . والتَّقْدِيرُ: هي خالِصَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا. وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ، فَعَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّها ثابِتَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا في حالِ كَوْنِها خالِصَةً لَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ومَعْنى تَفْصِيلِ الآياتِ قَدْ سَبَقَ، وقَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لِقَوْمٍ يُمْكِنُهُمُ النَّظَرُ بِهِ والِاسْتِدْلالُ حَتّى يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى تَحْصِيلِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أسْكَنَ حَمْزَةُ الياءَ مِن (رَبِّيَ) والباقُونَ فَتَحُوها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِي حَرَّمُوهُ لَيْسَ بِحَرامٍ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ المُحَرَّماتِ، فَحَرَّمَ أوَّلًا الفَواحِشَ، وثانِيًا الإثْمَ، واخْتَلَفُوا في الفَرْقِ بَيْنَهُما عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: إنَّ الفَواحِشَ عِبارَةٌ عَنِ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَفاحَشَ قُبْحُها أيْ تَزايَدَ، والإثْمُ عِبارَةٌ عَنِ الصَّغائِرِ، فَكانَ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ حَرَّمَ الكَبائِرَ والصَّغائِرَ، وطَعَنَ القاضِي فِيهِ، فَقالَ: هَذا يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: الزِّنا، والسَّرِقَةُ، والكُفْرُ لَيْسَ بِإثْمٍ. وهو بَعِيدٌ.
القَوْلُ الثّانِي: إنَّ الفاحِشَةَ اسْمٌ لا يَجِبُ فِيهِ الحَدُّ، والإثْمَ اسْمٌ لِما يَجِبُ فِيهِ الحَدُّ، وهَذا وإنْ كانَ مُغايِرًا لِلْأوَّلِ إلّا أنَّهُ قَرِيبٌ مِنهُ، والسُّؤالُ فِيهِ ما تَقَدَّمَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ الفاحِشَةَ اسْمٌ لِلْكَبِيرَةِ، والإثْمُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الذَّنْبِ سَواءٌ كانَ كَبِيرًا أوْ صَغِيرًا، والفائِدَةُ فِيهِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَرَّمَ الكَبِيرَةَ أرْدَفَها بِتَحْرِيمِ مُطْلَقِ الذَّنْبِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ التَّحْرِيمَ مَقْصُودٌ عَلى الكَبِيرَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتِيارُ القاضِي.
والقَوْلُ الرّابِعُ: إنَّ الفاحِشَةَ وإنْ كانَتْ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ اسْمًا لِكُلِّ ما تَفاحَشَ وتَزايَدَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، إلّا أنَّهُ في العُرْفِ مَخْصُوصٌ بِالزِّيادَةِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ في الزِّنا: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ (النِّساءِ: ٢٢) ولِأنَّ لَفْظَ الفاحِشَةِ إذا أُطْلِقَ لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ إلّا ذَلِكَ، وإذا قِيلَ: فُلانٌ فَحّاشٌ، فُهِمَ أنَّهُ يَشْتُمُ النّاسَ بِألْفاظِ الوِقاعِ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الفاحِشَةِ عَلى الزِّنا فَقَطْ.
صفحة ٥٥
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: يُرِيدُ سِرَّ الزِّنا، وهو الَّذِي يَقَعُ عَلى سَبِيلِ العِشْقِ والمَحَبَّةِ، وما ظَهَرَ مِنها بِأنْ يَقَعَ عَلانِيَةً.
والثّانِي: أنْ يُرادَ بِما ظَهَرَ مِنَ الزِّنا المُلامَسَةُ والمُعانَقَةُ (وما بَطَنَ) الدُّخُولُ. وأمّا الإثْمُ فَيَجِبُ تَخْصِيصُهُ بِالخَمْرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الخَمْرِ: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ (البَقَرَةِ: ٢١٩) وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ المُحَرَّماتِ: قَوْلُهُ: ﴿والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ فَنَقُولُ: أمّا الَّذِينَ قالُوا: المُرادُ بِالفَواحِشِ جَمِيعُ الكَبائِرِ، وبِالإثْمِ جَمِيعُ الذُّنُوبِ. قالُوا: إنَّ البَغْيَ والشِّرْكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا داخِلَيْنِ تَحْتَ الفَواحِشِ وتَحْتَ الإثْمِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهُما بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما أقْبَحُ أنْواعِ الذُّنُوبِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ (البَقَرَةِ: ٩٨) وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ (الأحْزابِ: ٧)، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: الفاحِشَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالزِّنا، والإثْمُ بِالخَمْرِ، قالُوا: البَغْيُ والشِّرْكُ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ غَيْرُ داخِلَيْنِ تَحْتَ الفَواحِشِ والإثْمِ. فَنَقُولُ: البَغْيُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الإقْدامِ عَلى الغَيْرِ نَفْسًا، أوْ مالًا، أوْ عِرْضًا، وأيْضًا قَدْ يُرادُ بِالبَغْيِ الخُرُوجُ عَلى سُلْطانِ الوَقْتِ.
فَإنْ قِيلَ: البَغْيُ لا يَكُونُ إلّا بِغَيْرِ الحَقِّ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا الشَّرْطِ ؟
قُلْنا: إنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ (الأنْعامِ: ١٥١) والمَعْنى: لا تُقْدِمُوا عَلى إيذاءِ النّاسِ بِالقَتْلِ والقَهْرِ، إلّا أنْ يَكُونَ لَكم فِيهِ حَقٌّ، فَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ مِن أنْ يَكُونَ بَغْيًا.
والنَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ المُحَرَّماتِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ هَذا يُوهِمُ أنَّ في الشِّرْكِ بِاللَّهِ ما قَدْ أنْزَلَ بِهِ سُلْطانًا، وجَوابُهُ: المُرادُ مِنهُ أنَّ الإقْرارَ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَيْسَ عَلى ثُبُوتِهِ حُجَّةٌ، ولا سُلْطانٌ مُمْتَنِعٌ، فَلَمّا امْتَنَعَ حُصُولُ الحُجَّةِ والتَّنْبِيهِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالشِّرْكِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا عَلى الإطْلاقِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ.
والنَّوْعُ الخامِسُ مِنَ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وبَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَلِمَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ﴾ كَذا وكَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، والمُحَرَّماتُ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ في هَذِهِ الأشْياءِ.
والجَوابُ: إنْ قُلْنا: الفاحِشَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مُطْلَقِ الكَبائِرِ، والإثْمُ عَلى مُطْلَقِ الذَّنْبِ دَخَلَ كُلُّ الذُّنُوبِ فِيهِ، وإنْ حَمْلَنا الفاحِشَةَ عَلى الزِّنا، والإثْمَ عَلى الخَمْرِ.
قُلْنا: الجِناياتُ مَحْصُورَةٌ في خَمْسَةِ أنْواعٍ:
أحَدُها: الجِناياتُ عَلى الأنْسابِ، وهي إنَّما تَحْصُلُ بِالزِّنا، وهي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾ .
وثانِيها: الجِناياتُ عَلى العُقُولِ، وهي شُرْبُ الخَمْرِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (والإثْمَ) .
وثالِثُها: الجِناياتُ عَلى الأعْراضِ.
ورابِعُها: الجِناياتُ عَلى النُّفُوسِ وعَلى الأمْوالِ، وإلَيْهِما الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ .
وخامِسُها: الجِناياتُ عَلى الأدْيانِ، وهي مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُها: الطَّعْنُ في تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وأنْ)
صفحة ٥٦
﴿تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾ .
وثانِيها: القَوْلُ في دِينِ اللَّهِ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَلَمّا كانَتْ أُصُولُ الجِناياتِ هي هَذِهِ الأشْياءَ، وكانَتِ البَواقِي كالفُرُوعِ والتَّوابِعِ، لا جَرَمَ جَعَلَ تَعالى ذِكْرَها جارِيًا مَجْرى ذِكْرِ الكُلِّ، فَأدْخَلَ فِيها كَلِمَةَ ”إنَّما“ المُفِيدَةِ لِلْحَصْرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: الفاحِشَةُ والإثْمُ هو الَّذِي نَهى اللَّهُ عَنْهُ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ المُحَرَّماتِ، وهو كَلامٌ خالٍ عَنِ الفائِدَةِ.
والجَوابُ كَوْنُ الفِعْلِ فاحِشَةً هو عِبارَةٌ عَنِ اشْتِمالِهِ في ذاتِهِ عَلى أُمُورٍ بِاعْتِبارِها يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَسْقُطُ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحَلالَ والحَرامَ وأحْوالَ التَّكْلِيفِ، بَيَّنَ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أجَلًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ ماتَ لا مَحالَةَ، والغَرَضُ مِنهُ التَّخْوِيفُ لِيَتَشَدَّدَ المَرْءُ في القِيامِ بِالتَّكالِيفِ كَما يَنْبَغِي.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الأجَلَ، هو الوَقْتُ المُوَقَّتُ المَضْرُوبُ لِانْقِضاءِ المُهْلَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُقاتِلٍ: إنَّ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أمْهَلَ كُلَّ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها إلى وقْتٍ مُعَيَّنٍ، وهو تَعالى لا يُعَذِّبُهم إلى أنْ يَنْظُرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ الَّذِي يَصِيرُونَ فِيهِ مُسْتَحِقِّينَ لِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ نَزَلَ ذَلِكَ العَذابُ لا مَحالَةَ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ بِهَذا الأجَلِ العُمُرُ، فَإذا انْقَطَعَ ذَلِكَ الأجَلُ وكَمُلَ امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فِيهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ولِكُلِّ أحَدٍ أجَلٌ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي: إنَّما قالَ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لِكُلِّ أحَدٍ؛ لِأنَّ الأُمَّةَ هي الجَماعَةُ في كُلِّ زَمانٍ، ومَعْلُومٌ مِن حالِها التَّقارُبُ في الأجَلِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الأُمَّةِ فِيما يَجْرِي مَجْرى الوَعِيدِ أفْحَمُ، وأيْضًا فالقَوْلُ الأوَّلُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ وقْتٌ مُعَيَّنٌ في نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلَيْهِمْ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أُمَّتَنا لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى القَوْلِ الثّانِي: لَزِمَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ أحَدٍ أجَلٌ، لا يَقَعُ فِيهِ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ فَيَكُونُ المَقْتُولُ مَيِّتًا بِأجَلِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى تَبْقِيَتِهِ أزْيَدَ مِن ذَلِكَ ولا أنْقَصَ، ولا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُمِيتَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّ هَذا يَقْتَضِي خُرُوجَهُ تَعالى عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا مُخْتارًا، وصَيْرُورَتِهِ كالمُوجِبِ لِذاتِهِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ الأمْرَ يَقَعُ عَلى هَذا الوَجْهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ المُرادُ أنَّهُ لا يَتَأخَّرُ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ
صفحة ٥٧
المُعَيَّنِ لا بِساعَةٍ ولا بِما هو أقَلُّ مِن ساعَةٍ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ السّاعَةَ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ أقَلُّ أسْماءِ الأوْقاتِ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فَإنَّ عِنْدَ حُضُورِ الأجَلِ امْتَنَعَ عَقْلًا وُقُوعُ ذَلِكَ الأجَلِ في الوَقْتِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ ؟
قُلْنا: يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ عَلى قُرْبِ حُضُورِ الأجَلِ. تَقُولُ العَرَبُ: جاءَ الشِّتاءُ، إذا قارَبَ وقْتُهُ، ومَعَ مُقارَبَةِ الأجَلِ يَصِحُّ التَّقَدُّمُ عَلى ذَلِكَ تارَةً والتَّأخُّرُ عَنْهُ أُخْرى.
الأعراف 7:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ التَّكْلِيفِ وبَيَّنَ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أجَلًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ بَيَّنَ أنَّهم بَعْدَ المَوْتِ كانُوا مُطِيعِينَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا حُزْنٌ، وإنْ كانُوا مُتَمَرِّدِينَ وقَعُوا في أشَدِّ العَذابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ ضُمَّتْ إلَيْها ما مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ لَزِمَتْ فِعْلَها النُّونُ الثَّقِيلَةُ، وجَزاءُ هَذا الشَّرْطِ هو الفاءُ وما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ وإنَّما قالَ: ”رُسُلٌ“ - وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو خاتَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى أجْرى الكَلامَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سُنَّتُهُ في الأُمَمِ، وإنَّما قالَ: (مِنكم) لِأنَّ كَوْنَ الرَّسُولِ مِنهم أقْطَعُ لِعُذْرِهِمْ وأبْيَنُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن جِهاتٍ:
أحَدُها: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِأحْوالِهِ وبِطَهارَتِهِ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً.
وثانِيها: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِما يَلِيقُ بِقُدْرَتِهِ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً، فَلا جَرَمَ لا يَقَعُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي تَظْهَرُ عَلَيْهِ شَكٌّ وشُبْهَةٌ في أنَّها حَصَلَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لا بِقُدْرَتِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنْعامِ: ٩] .
وثالِثُها: ما يَحْصُلُ مِنَ الأُلْفَةِ وسُكُونِ القَلْبِ إلى أبْناءِ الجِنْسِ، بِخِلافِ ما لا يَكُونُ مِنَ الجِنْسِ، فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ مَعَهُ الأُلْفَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ فَقِيلَ: تِلْكَ الآياتُ هي القُرْآنُ. وقِيلَ: الدَّلائِلُ، وقِيلَ: الأحْكامُ والشَّرائِعُ. والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ آياتُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إذا جاءُوا فَلا بُدَّ وأنْ يَذْكُرُوا جَمِيعَ هَذِهِ الأقْسامِ.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى حالَ الأُمَّةِ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ وجَمْعُ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِمّا يُوجِبُ الثَّوابَ؛ لِأنَّ المُتَّقِيَ هو الَّذِي يَتَّقِي كُلَّ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ودَخَلَ في قَوْلِهِ: (وأصْلَحَ) أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى في صِفَتِهِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأحْوالِ المُسْتَقْبَلَةِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأحْوالِ الماضِيَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا جُوِّزَ وُصُولُ المَضَرَّةِ إلَيْهِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ خافَ، وإذا تَفَكَّرَ فَعَلِمَ
صفحة ٥٨
أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ بَعْضُ ما لا يَنْبَغِي في الزَّمانِ الماضِي؛ حَصَلَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ لِهَذا السَّبَبِ، والأوْلى في نَفْيِ الحُزْنِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا يَحْزَنَ عَلى ما فاتَهُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ حُزْنَهُ عَلى عِقابِ الآخِرَةِ يَجِبُ أنْ يَرْتَفِعَ بِما حَصَلَ لَهُ مِن زَوالِ الخَوْفِ فَيَكُونُ كالمَعادِ، وحَمْلُهُ عَلى الفائِدَةِ الزّائِدَةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَهُ في الآخِرَةِ تُفارِقُ حالَهُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ في الآخِرَةِ لا يَحْصُلُ في قَلْبِهِ خَوْفٌ ولا حُزْنٌ البَتَّةَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الطّاعاتِ هَلْ يَلْحَقُهم خَوْفٌ وحُزْنٌ عِنْدَ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ. فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ لا يَلْحَقُهم ذَلِكَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ يَلْحَقُهم ذَلِكَ الفَزَعُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحج: ٢] أيْ: مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
وأجابَ هَؤُلاءِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: بِأنَّ مَعْناهُ أنَّ أمْرَهم يَؤُولُ إلى الأمْنِ والسُّرُورِ، كَقَوْلِ الطَّبِيبِ لِلْمَرِيضِ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ، أيْ: أمْرُكَ يَؤُولُ إلى العافِيَةِ والسَّلامَةِ، وإنْ كانَ في الوَقْتِ في بَأْسٍ مِن عِلَّتِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي يَجِيءُ بِها الرُّسُلُ ﴿واسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: أنِفُوا مِن قَبُولِها وتَمَرَّدُوا عَنِ التِزامِها ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وقَدْ تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفاسِقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ والمُسْتَكْبِرِينَ عَنْ قَبُولِها، هُمُ الَّذِينَ يَبْقُونَ مُخَلَّدِينَ في النّارِ، وكَلِمَةُ ”هم“ تُفِيدُ الحَصْرَ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ مَن لا يَكُونُ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ، لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ التَّكْلِيفِ وبَيَّنَ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أجَلًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ بَيَّنَ أنَّهم بَعْدَ المَوْتِ كانُوا مُطِيعِينَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا حُزْنٌ، وإنْ كانُوا مُتَمَرِّدِينَ وقَعُوا في أشَدِّ العَذابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ ضُمَّتْ إلَيْها ما مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ لَزِمَتْ فِعْلَها النُّونُ الثَّقِيلَةُ، وجَزاءُ هَذا الشَّرْطِ هو الفاءُ وما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ وإنَّما قالَ: ”رُسُلٌ“ - وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو خاتَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى أجْرى الكَلامَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سُنَّتُهُ في الأُمَمِ، وإنَّما قالَ: (مِنكم) لِأنَّ كَوْنَ الرَّسُولِ مِنهم أقْطَعُ لِعُذْرِهِمْ وأبْيَنُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن جِهاتٍ:
أحَدُها: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِأحْوالِهِ وبِطَهارَتِهِ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً.
وثانِيها: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِما يَلِيقُ بِقُدْرَتِهِ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً، فَلا جَرَمَ لا يَقَعُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي تَظْهَرُ عَلَيْهِ شَكٌّ وشُبْهَةٌ في أنَّها حَصَلَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لا بِقُدْرَتِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنْعامِ: ٩] .
وثالِثُها: ما يَحْصُلُ مِنَ الأُلْفَةِ وسُكُونِ القَلْبِ إلى أبْناءِ الجِنْسِ، بِخِلافِ ما لا يَكُونُ مِنَ الجِنْسِ، فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ مَعَهُ الأُلْفَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ فَقِيلَ: تِلْكَ الآياتُ هي القُرْآنُ. وقِيلَ: الدَّلائِلُ، وقِيلَ: الأحْكامُ والشَّرائِعُ. والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ آياتُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إذا جاءُوا فَلا بُدَّ وأنْ يَذْكُرُوا جَمِيعَ هَذِهِ الأقْسامِ.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى حالَ الأُمَّةِ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ وجَمْعُ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِمّا يُوجِبُ الثَّوابَ؛ لِأنَّ المُتَّقِيَ هو الَّذِي يَتَّقِي كُلَّ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ودَخَلَ في قَوْلِهِ: (وأصْلَحَ) أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى في صِفَتِهِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأحْوالِ المُسْتَقْبَلَةِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأحْوالِ الماضِيَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا جُوِّزَ وُصُولُ المَضَرَّةِ إلَيْهِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ خافَ، وإذا تَفَكَّرَ فَعَلِمَ
صفحة ٥٨
أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ بَعْضُ ما لا يَنْبَغِي في الزَّمانِ الماضِي؛ حَصَلَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ لِهَذا السَّبَبِ، والأوْلى في نَفْيِ الحُزْنِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا يَحْزَنَ عَلى ما فاتَهُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ حُزْنَهُ عَلى عِقابِ الآخِرَةِ يَجِبُ أنْ يَرْتَفِعَ بِما حَصَلَ لَهُ مِن زَوالِ الخَوْفِ فَيَكُونُ كالمَعادِ، وحَمْلُهُ عَلى الفائِدَةِ الزّائِدَةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَهُ في الآخِرَةِ تُفارِقُ حالَهُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ في الآخِرَةِ لا يَحْصُلُ في قَلْبِهِ خَوْفٌ ولا حُزْنٌ البَتَّةَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الطّاعاتِ هَلْ يَلْحَقُهم خَوْفٌ وحُزْنٌ عِنْدَ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ. فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ لا يَلْحَقُهم ذَلِكَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ يَلْحَقُهم ذَلِكَ الفَزَعُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحج: ٢] أيْ: مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
وأجابَ هَؤُلاءِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: بِأنَّ مَعْناهُ أنَّ أمْرَهم يَؤُولُ إلى الأمْنِ والسُّرُورِ، كَقَوْلِ الطَّبِيبِ لِلْمَرِيضِ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ، أيْ: أمْرُكَ يَؤُولُ إلى العافِيَةِ والسَّلامَةِ، وإنْ كانَ في الوَقْتِ في بَأْسٍ مِن عِلَّتِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي يَجِيءُ بِها الرُّسُلُ ﴿واسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: أنِفُوا مِن قَبُولِها وتَمَرَّدُوا عَنِ التِزامِها ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وقَدْ تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفاسِقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ والمُسْتَكْبِرِينَ عَنْ قَبُولِها، هُمُ الَّذِينَ يَبْقُونَ مُخَلَّدِينَ في النّارِ، وكَلِمَةُ ”هم“ تُفِيدُ الحَصْرَ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ مَن لا يَكُونُ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ، لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ وقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ) أيْ: فَمَن أعْظَمُ ظُلْمًا مِمَّنْ يَقُولُ عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ أوْ كَذَّبَ ما قالَهُ. والأوَّلُ: هو الحُكْمُ بِوُجُودِ ما لَمْ يُوجَدْ.
والثّانِي: هو الحُكْمُ بِإنْكارِ ما وُجِدَ.
والأوَّلُ: دَخَلَ فِيهِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ الشَّرِيكَ لِلَّهِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الشَّرِيكُ عِبارَةً عَنِ الأصْنامِ أوْ عَنِ الكَواكِبِ، أوْ عَنْ مَذْهَبِ القائِلِينَ بِيَزْدانُ وأهْرَمَنُ. ويَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ البَناتَ والبَنِينَ لِلَّهِ تَعالى، ويَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَن أضافَ الأحْكامَ الباطِلَةَ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَن أنْكَرَ كَوْنَ القُرْآنِ كِتابًا نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُ مَن أنْكَرَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
صفحة ٥٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِذَلِكَ النَّصِيبِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ العَذابُ، والمَعْنى يَنالُهم ذَلِكَ العَذابُ المُعَيَّنُ الَّذِي جَعَلَهُ نَصِيبًا لَهم في الكِتابِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ العَذابِ المُعَيَّنِ، فَقالَ بَعْضُهم: هو سَوادُ الوَجْهِ وزُرْقَةُ العَيْنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] وقالَ الزَّجّاجُ: هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [اللَّيْلِ: ١٤] وفي قَوْلِهِ: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٧] وفي قَوْلِهِ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافِرٍ: ٧١] فَهَذِهِ الأشْياءُ هي نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ عَلى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ في كُفْرِهِمْ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا النَّصِيبِ شَيْءٌ سِوى العَذابِ، واخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى يَجِبُ لَهم عَلَيْنا إذا كانُوا أهْلَ ذِمَّةٍ لَنا أنْ لا نَتَعَدّى عَلَيْهِمْ وأنْ نُنْصِفَهم وأنْ نَذُبَّ عَنْهم، فَذَلِكَ هو مَعْنى النَّصِيبِ مِنَ الكِتابِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ. أيْ: ما سَبَقَ لَهم في حُكْمِ اللَّهِ وفي مَشِيئَتِهِ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ، فَإنْ قَضى اللَّهُ لَهم بِالخَتْمِ عَلى الشَّقاوَةِ، أبْقاهم عَلى كُفْرِهِمْ، وإنْ قَضى لَهم بِالخَتْمِ عَلى السَّعادَةِ نَقَلَهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.
وقالَ الرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمالِ والأعْمارِ، فَإذا فَنِيَتْ وانْقَرَضَتْ وفَرَغُوا مِنها ﴿جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ إنَّما حَصَلَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ ولَفْظُ ”النَّصِيبِ“ مُجْمَلٌ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: حَمْلُهُ عَلى العُمُرِ والرِّزْقِ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم وإنْ بَلَغُوا في الكُفْرِ ذَلِكَ المَبْلَغَ العَظِيمَ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمانِعٍ مِن أنْ يَنالَهم ما كُتِبَ لَهم مِن رِزْقٍ وعُمُرٍ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، لِكَيْ يُصْلِحُوا ويَتُوبُوا، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ لِلتَّوَفِّي كالغايَةِ لِحُصُولِ ذَلِكَ النَّصِيبِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُصُولُ ذَلِكَ النَّصِيبِ مُتَقَدِّمًا عَلى حُصُولِ الوَفاةِ، والمُتَقَدِّمُ عَلى حُصُولِ الوَفاةِ لَيْسَ إلّا العُمُرَ والرِّزْقَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: لا يَجُوزُ إمالَةُ ”حَتّى“ و”ألّا“ و”أمّا“ وهَذِهِ ألِفاتٌ أُلْزِمَتِ الفَتْحَ؛ لِأنَّها أواخِرُ حُرُوفٍ جاءَتْ لِمَعانٍ، يُفْصَلُ بَيْنَها وبَيْنَ أواخِرِ الأسْماءِ الَّتِي فِيها الألِفُ، نَحْوَ: حُبْلى وهُدًى. إلّا أنَّ ”حَتّى“ كُتِبَتْ بِالياءِ لِأنَّها عَلى أرْبَعَةِ أحْرُفٍ فَأشْبَهَتْ سَكْرى. وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: لا يَجُوزُ إمالَةُ ”حَتّى“ لِأنَّها حَرْفٌ لا يَتَصَرَّفُ، والإمالَةُ ضَرْبٌ مِنَ التَّصَرُّفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ هو قَبْضُ الأرْواحِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الوَفاةِ يُفِيدُ هَذا المَعْنى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَوْتُ قِيامَةُ الكافِرِ، فالمَلائِكَةُ يُطالِبُونَهم بِهَذِهِ الأشْياءِ عِنْدَ المَوْتِ عَلى سَبِيلِ الزَّجْرِ والتَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ، وهَؤُلاءِ الرُّسُلُ هم مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وأحَدُ قَوْلَيِ الزَّجّاجِ أنَّ هَذا لا يَكُونُ في الآخِرَةِ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ أيْ: مَلائِكَةُ العَذابِ (يَتَوَفَّوْنَهم) أيْ: يَتَوَفَّوْنَ مُدَّتَهم عِنْدَ حَشْرِهِمْ إلى النّارِ عَلى مَعْنى أنَّهم يَسْتَكْمِلُونَ عِدَّتَهم، حَتّى لا يَنْفَلِتَ مِنهم أحَدٌ.
صفحة ٦٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ مَعْناهُ: أيْنَ الشُّرَكاءُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَدْعُونَهم وتَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ. ولَفْظَةُ ”ما“ وقَعَتْ مَوْصُولَةً بِأيْنَ في خَطِّ المُصْحَفِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وكانَ حَقُّها أنْ تُفْصَلَ؛ لِأنَّها مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى: أيْنَ الآلِهَةُ الَّذِينَ تَدْعُونَ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ بَطَلُوا وذَهَبُوا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ، فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ زَجْرُ الكُفّارِ عَنِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ التَّهْوِيلَ بِذِكْرِ هَذِهِ الأحْوالِ مِمّا يَحْمِلُ العاقِلَ عَلى المُبالَغَةِ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ والتَّسَدُّدِ في الِاحْتِرازِ عَنِ التَّقْلِيدِ.
الأعراف 7:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ وهو أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ النّارَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (قالَ ادْخُلُوا) فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ذَلِكَ.
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: هو مِن كَلامِ خازِنِ النّارِ.
وهَذا الِاخْتِلافُ بِناءً عَلى أنَّهُ تَعالى هَلْ يَتَكَلَّمُ مَعَ الكُفّارِ أمْ لا ؟ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ بِالِاسْتِقْصاءِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في النّارِ مَعَ أُمَمٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الآيَةِ إضْمارٌ ومَجازٌ: أمّا الإضْمارُ فَلِأنّا أضْمَرْنا فِيها قَوْلَنا: في النّارِ. وأمّا المَجازُ، فَلِأنّا حَمَلْنا كَلِمَةَ ”فِي“ عَلى ”مَعَ“ لِأنّا قُلْنا مَعْنى قَوْلِهِ: (في أُمَمٍ) أيْ: مَعَ أُمَمٍ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يَلْتَزِمَ الإضْمارَ ولا يَلْتَزِمَ المَجازَ، والتَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في أُمَمٍ في النّارِ، ومَعْنى الدُّخُولِ في الأُمَمِ، الدُّخُولُ فِيما بَيْنَهم، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ أيْ: تَقَدَّمَ زَمانُهم
صفحة ٦١
زَمانَكم، وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُدْخِلُ الكُفّارَ بِأجْمَعِهِمْ في النّارِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ يَدْخُلُ الفَوْجُ بَعْدَ الفَوْجِ، فَيَكُونُ فِيهِمْ سابِقٌ ومَسْبُوقٌ، لِيَصِحَّ هَذا القَوْلُ، ويُشاهِدُ الدّاخِلُ مِنَ الأُمَّةِ في النّارِ مَن سَبَقَها.
وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ والمَقْصُودُ أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] .
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: (أُخْتَها) أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكِينَ يَلْعَنُونَ المُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ اليَهُودُ تَلْعَنُ اليَهُودَ، والنَّصارى النَّصارى، وكَذا القَوْلُ في المَجُوسِ، والصّابِئَةِ وسائِرِ أدْيانِ الضَّلالَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ أيْ: تَدارَكُوا، بِمَعْنى تَلاحَقُوا، واجْتَمَعُوا في النّارِ، وأدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، واسْتَقَرَّ مَعَهُ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الأُولى والأُخْرى قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أُخْراهم يَعْنِي آخِرَهم دُخُولًا في النّارِ، لِأُولاهم دُخُولًا فِيها.
والثّانِي: أُخْراهم مَنزِلَةً، وهُمُ الأتْباعُ والسَّفَلَةُ، لِأُولاهم مَنزِلَةً وهُمُ القادَةُ والرُّؤَساءُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: (لِأُخْراهم) لامُ أجْلٍ، والمَعْنى: لِأجْلِهِمْ ولِإضْلالِهِمْ إيّاهم قالُوا ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم ذَكَرُوا هَذا القَوْلَ لِأُولاهم؛ لِأنَّهم ما خاطَبُوا أُولاهم، وإنَّما خاطَبُوا اللَّهَ تَعالى بِهَذا الكَلامِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ فالمَعْنى: أنَّ الأتْباعَ يَقُولُونَ: إنَّ المُتَقَدِّمِينَ أضَلُّونا، واعْلَمْ أنَّ هَذا الإضْلالَ يَقَعُ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ لِلْمُتَأخِّرِينَ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِالدَّعْوَةِ إلى الباطِلِ وتَزْيِينِهِ في أعْيُنِهِمْ، والسَّعْيِ في إخْفاءِ الدَّلائِلِ المُبْطِلَةِ لِتِلْكَ الأباطِيلِ.
والوَجْهُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُونَ مُعَظِّمِينَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، فَيُقَلِّدُونَهم في تِلْكَ الأباطِيلِ والأضالِيلِ الَّتِي لَفَّقُوها ويَتَأسَّوْنَ بِهِمْ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِإقْدامِ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ عَلى الإضْلالِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّهم يَدْعُونَ عَلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ بِمَزِيدِ العَذابِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ وفي الضِّعْفِ، قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ ”الضِّعْفُ“ هو مِثْلُ الشَّيْءِ مَرَّةً واحِدَةً. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ما يُقارِبُ هَذا، فَقالَ في رَجُلٍ أوْصى، فَقالَ: أعْطُوا فُلانًا ضِعْفَ نَصِيبِ ولَدِي. قالَ: يُعْطى مِثْلَهُ مَرَّتَيْنِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الأزْهَرِيُّ: ”الضِّعْفُ“ في كَلامِ العَرَبِ المِثْلُ إلى ما زادَ ولَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلى المِثْلَيْنِ، وجائِزٌ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تَقُولَ: هَذا ضِعْفُهُ أيْ مِثْلاهُ وثَلاثَةُ أمْثالِهِ؛ لِأنَّ الضِّعْفَ في الأصْلِ زِيادَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ [سَبَأٍ: ٣٧] ولَمْ يُرِدْ بِهِ مِثْلًا ولا مِثْلَيْنِ، بَلْ أوْلى الأشْياءِ بِهِ أنْ يُجْعَلَ عَشْرَةَ أمْثالِهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنْعامِ: ١٦٠] فَثَبَتَ أنَّ أقَلَّ الضِّعْفِ مَحْصُورٌ وهو المِثْلُ، وأكْثَرَهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.
وأمّا مَسْألَةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فاعْلَمْ أنَّ التَّرِكَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحُقُوقِ الوَرَثَةِ، إلّا أنّا لِأجْلِ الوَصِيَّةِ صَرَفْنا طائِفَةً مِنها إلى المُوصى لَهُ، والقَدْرُ المُتَيَقَّنُ في الوَصِيَّةِ هو المِثْلُ، والباقِي مَشْكُوكٌ، فَلا جَرَمَ أخَذْنا المُتَيَقَّنَ وطَرَحْنا المَشْكُوكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَمَلْنا الضِّعْفَ في تِلْكَ المَسْألَةِ عَلى المِثْلَيْنِ.
صفحة ٦٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عَنِ الغائِبِ، والمَعْنى: ولَكِنْ لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ مِقْدارَ عَذابِ الفَرِيقِ الآخَرِ، فَيُحْمَلُ الكَلامُ عَلى كُلٍّ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ لِلْمُخاطَبِينَ فَهو اسْمٌ ظاهِرٌ مَوْضُوعٌ لِلْغَيْبَةِ، فَحُمِلَ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى، وأمّا الباقُونَ فَقَرَءُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والمَعْنى: ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنكم مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ: ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ يا أهْلَ الدُّنْيا ما مِقْدارُ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أيْ: حَصَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ العَذابِ ضِعْفُ ما يَسْتَحِقُّهُ، فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ ظُلْمٌ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ ذَلِكَ، فَما مَعْنى كَوْنِهِ ضِعْفًا ؟
والجَوابُ: أنَّ عَذابَ الكُفّارِ يَزِيدُ، فَكُلُّ ألَمٍ يَحْصُلُ فَإنَّهُ يَعْقُبُهُ حُصُولُ ألَمٍ آخَرَ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، فَكانَتْ تِلْكَ الآلامُ مُتَضاعِفَةً مُتَزايِدَةً لا إلى آخِرَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أُخْراهم كَما خاطَبَتْ أُولاهم، فَكَذَلِكَ تُجِيبُ أُولاهم أُخْراهم، فَقالَ: ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: في تَرْكِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وإنّا مُتَشارِكُونَ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا مِنهم كَذِبٌ؛ لِأنَّهم لِكَوْنِهِمْ رُؤَساءَ وسادَةً وقادَةً قَدْ دَعَوْا إلى الكُفْرِ وبالَغُوا في التَّرْغِيبِ فِيهِ، فَكانُوا ضالِّينَ ومُضِلِّينَ. وأمّا الأتْباعُ والسَّفَلَةُ فَهم وإنْ كانُوا ضالِّينَ إلّا أنَّهم ما كانُوا مُضِلِّينَ، فَبَطَلَ قَوْلُهم أنَّهُ لا فَضْلَ لِلْأتْباعِ عَلى الرُّؤَساءِ في تَرْكِ الضَّلالِ والكُفْرِ.
وجَوابُهُ: أنَّ أقْصى ما في البابِ أنَّ الكُفّارَ كَذَبُوا في هَذا القَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، وعِنْدَنا أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، وقَدْ قَرَّرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فَهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ القادَةِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم جَمِيعًا.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ التَّخْوِيفُ والزَّجْرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ أنَّ بَعْضَهم يَتَبَرَّأُ عَنْ بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ في القَلْبِ.
الأعراف 7:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ وهو أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ النّارَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (قالَ ادْخُلُوا) فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ذَلِكَ.
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: هو مِن كَلامِ خازِنِ النّارِ.
وهَذا الِاخْتِلافُ بِناءً عَلى أنَّهُ تَعالى هَلْ يَتَكَلَّمُ مَعَ الكُفّارِ أمْ لا ؟ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ بِالِاسْتِقْصاءِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في النّارِ مَعَ أُمَمٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الآيَةِ إضْمارٌ ومَجازٌ: أمّا الإضْمارُ فَلِأنّا أضْمَرْنا فِيها قَوْلَنا: في النّارِ. وأمّا المَجازُ، فَلِأنّا حَمَلْنا كَلِمَةَ ”فِي“ عَلى ”مَعَ“ لِأنّا قُلْنا مَعْنى قَوْلِهِ: (في أُمَمٍ) أيْ: مَعَ أُمَمٍ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يَلْتَزِمَ الإضْمارَ ولا يَلْتَزِمَ المَجازَ، والتَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في أُمَمٍ في النّارِ، ومَعْنى الدُّخُولِ في الأُمَمِ، الدُّخُولُ فِيما بَيْنَهم، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ أيْ: تَقَدَّمَ زَمانُهم
صفحة ٦١
زَمانَكم، وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُدْخِلُ الكُفّارَ بِأجْمَعِهِمْ في النّارِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ يَدْخُلُ الفَوْجُ بَعْدَ الفَوْجِ، فَيَكُونُ فِيهِمْ سابِقٌ ومَسْبُوقٌ، لِيَصِحَّ هَذا القَوْلُ، ويُشاهِدُ الدّاخِلُ مِنَ الأُمَّةِ في النّارِ مَن سَبَقَها.
وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ والمَقْصُودُ أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] .
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: (أُخْتَها) أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكِينَ يَلْعَنُونَ المُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ اليَهُودُ تَلْعَنُ اليَهُودَ، والنَّصارى النَّصارى، وكَذا القَوْلُ في المَجُوسِ، والصّابِئَةِ وسائِرِ أدْيانِ الضَّلالَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ أيْ: تَدارَكُوا، بِمَعْنى تَلاحَقُوا، واجْتَمَعُوا في النّارِ، وأدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، واسْتَقَرَّ مَعَهُ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الأُولى والأُخْرى قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أُخْراهم يَعْنِي آخِرَهم دُخُولًا في النّارِ، لِأُولاهم دُخُولًا فِيها.
والثّانِي: أُخْراهم مَنزِلَةً، وهُمُ الأتْباعُ والسَّفَلَةُ، لِأُولاهم مَنزِلَةً وهُمُ القادَةُ والرُّؤَساءُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: (لِأُخْراهم) لامُ أجْلٍ، والمَعْنى: لِأجْلِهِمْ ولِإضْلالِهِمْ إيّاهم قالُوا ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم ذَكَرُوا هَذا القَوْلَ لِأُولاهم؛ لِأنَّهم ما خاطَبُوا أُولاهم، وإنَّما خاطَبُوا اللَّهَ تَعالى بِهَذا الكَلامِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ فالمَعْنى: أنَّ الأتْباعَ يَقُولُونَ: إنَّ المُتَقَدِّمِينَ أضَلُّونا، واعْلَمْ أنَّ هَذا الإضْلالَ يَقَعُ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ لِلْمُتَأخِّرِينَ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِالدَّعْوَةِ إلى الباطِلِ وتَزْيِينِهِ في أعْيُنِهِمْ، والسَّعْيِ في إخْفاءِ الدَّلائِلِ المُبْطِلَةِ لِتِلْكَ الأباطِيلِ.
والوَجْهُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُونَ مُعَظِّمِينَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، فَيُقَلِّدُونَهم في تِلْكَ الأباطِيلِ والأضالِيلِ الَّتِي لَفَّقُوها ويَتَأسَّوْنَ بِهِمْ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِإقْدامِ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ عَلى الإضْلالِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّهم يَدْعُونَ عَلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ بِمَزِيدِ العَذابِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ وفي الضِّعْفِ، قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ ”الضِّعْفُ“ هو مِثْلُ الشَّيْءِ مَرَّةً واحِدَةً. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ما يُقارِبُ هَذا، فَقالَ في رَجُلٍ أوْصى، فَقالَ: أعْطُوا فُلانًا ضِعْفَ نَصِيبِ ولَدِي. قالَ: يُعْطى مِثْلَهُ مَرَّتَيْنِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الأزْهَرِيُّ: ”الضِّعْفُ“ في كَلامِ العَرَبِ المِثْلُ إلى ما زادَ ولَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلى المِثْلَيْنِ، وجائِزٌ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تَقُولَ: هَذا ضِعْفُهُ أيْ مِثْلاهُ وثَلاثَةُ أمْثالِهِ؛ لِأنَّ الضِّعْفَ في الأصْلِ زِيادَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ [سَبَأٍ: ٣٧] ولَمْ يُرِدْ بِهِ مِثْلًا ولا مِثْلَيْنِ، بَلْ أوْلى الأشْياءِ بِهِ أنْ يُجْعَلَ عَشْرَةَ أمْثالِهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنْعامِ: ١٦٠] فَثَبَتَ أنَّ أقَلَّ الضِّعْفِ مَحْصُورٌ وهو المِثْلُ، وأكْثَرَهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.
وأمّا مَسْألَةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فاعْلَمْ أنَّ التَّرِكَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحُقُوقِ الوَرَثَةِ، إلّا أنّا لِأجْلِ الوَصِيَّةِ صَرَفْنا طائِفَةً مِنها إلى المُوصى لَهُ، والقَدْرُ المُتَيَقَّنُ في الوَصِيَّةِ هو المِثْلُ، والباقِي مَشْكُوكٌ، فَلا جَرَمَ أخَذْنا المُتَيَقَّنَ وطَرَحْنا المَشْكُوكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَمَلْنا الضِّعْفَ في تِلْكَ المَسْألَةِ عَلى المِثْلَيْنِ.
صفحة ٦٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عَنِ الغائِبِ، والمَعْنى: ولَكِنْ لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ مِقْدارَ عَذابِ الفَرِيقِ الآخَرِ، فَيُحْمَلُ الكَلامُ عَلى كُلٍّ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ لِلْمُخاطَبِينَ فَهو اسْمٌ ظاهِرٌ مَوْضُوعٌ لِلْغَيْبَةِ، فَحُمِلَ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى، وأمّا الباقُونَ فَقَرَءُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والمَعْنى: ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنكم مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ: ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ يا أهْلَ الدُّنْيا ما مِقْدارُ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أيْ: حَصَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ العَذابِ ضِعْفُ ما يَسْتَحِقُّهُ، فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ ظُلْمٌ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ ذَلِكَ، فَما مَعْنى كَوْنِهِ ضِعْفًا ؟
والجَوابُ: أنَّ عَذابَ الكُفّارِ يَزِيدُ، فَكُلُّ ألَمٍ يَحْصُلُ فَإنَّهُ يَعْقُبُهُ حُصُولُ ألَمٍ آخَرَ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، فَكانَتْ تِلْكَ الآلامُ مُتَضاعِفَةً مُتَزايِدَةً لا إلى آخِرَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أُخْراهم كَما خاطَبَتْ أُولاهم، فَكَذَلِكَ تُجِيبُ أُولاهم أُخْراهم، فَقالَ: ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: في تَرْكِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وإنّا مُتَشارِكُونَ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا مِنهم كَذِبٌ؛ لِأنَّهم لِكَوْنِهِمْ رُؤَساءَ وسادَةً وقادَةً قَدْ دَعَوْا إلى الكُفْرِ وبالَغُوا في التَّرْغِيبِ فِيهِ، فَكانُوا ضالِّينَ ومُضِلِّينَ. وأمّا الأتْباعُ والسَّفَلَةُ فَهم وإنْ كانُوا ضالِّينَ إلّا أنَّهم ما كانُوا مُضِلِّينَ، فَبَطَلَ قَوْلُهم أنَّهُ لا فَضْلَ لِلْأتْباعِ عَلى الرُّؤَساءِ في تَرْكِ الضَّلالِ والكُفْرِ.
وجَوابُهُ: أنَّ أقْصى ما في البابِ أنَّ الكُفّارَ كَذَبُوا في هَذا القَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، وعِنْدَنا أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، وقَدْ قَرَّرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فَهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ القادَةِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم جَمِيعًا.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ التَّخْوِيفُ والزَّجْرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ أنَّ بَعْضَهم يَتَبَرَّأُ عَنْ بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ في القَلْبِ.
الأعراف 7:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ وهو أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ النّارَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (قالَ ادْخُلُوا) فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ذَلِكَ.
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: هو مِن كَلامِ خازِنِ النّارِ.
وهَذا الِاخْتِلافُ بِناءً عَلى أنَّهُ تَعالى هَلْ يَتَكَلَّمُ مَعَ الكُفّارِ أمْ لا ؟ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ بِالِاسْتِقْصاءِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في النّارِ مَعَ أُمَمٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الآيَةِ إضْمارٌ ومَجازٌ: أمّا الإضْمارُ فَلِأنّا أضْمَرْنا فِيها قَوْلَنا: في النّارِ. وأمّا المَجازُ، فَلِأنّا حَمَلْنا كَلِمَةَ ”فِي“ عَلى ”مَعَ“ لِأنّا قُلْنا مَعْنى قَوْلِهِ: (في أُمَمٍ) أيْ: مَعَ أُمَمٍ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يَلْتَزِمَ الإضْمارَ ولا يَلْتَزِمَ المَجازَ، والتَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في أُمَمٍ في النّارِ، ومَعْنى الدُّخُولِ في الأُمَمِ، الدُّخُولُ فِيما بَيْنَهم، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ أيْ: تَقَدَّمَ زَمانُهم
صفحة ٦١
زَمانَكم، وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُدْخِلُ الكُفّارَ بِأجْمَعِهِمْ في النّارِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ يَدْخُلُ الفَوْجُ بَعْدَ الفَوْجِ، فَيَكُونُ فِيهِمْ سابِقٌ ومَسْبُوقٌ، لِيَصِحَّ هَذا القَوْلُ، ويُشاهِدُ الدّاخِلُ مِنَ الأُمَّةِ في النّارِ مَن سَبَقَها.
وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ والمَقْصُودُ أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] .
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: (أُخْتَها) أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكِينَ يَلْعَنُونَ المُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ اليَهُودُ تَلْعَنُ اليَهُودَ، والنَّصارى النَّصارى، وكَذا القَوْلُ في المَجُوسِ، والصّابِئَةِ وسائِرِ أدْيانِ الضَّلالَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ أيْ: تَدارَكُوا، بِمَعْنى تَلاحَقُوا، واجْتَمَعُوا في النّارِ، وأدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، واسْتَقَرَّ مَعَهُ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الأُولى والأُخْرى قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أُخْراهم يَعْنِي آخِرَهم دُخُولًا في النّارِ، لِأُولاهم دُخُولًا فِيها.
والثّانِي: أُخْراهم مَنزِلَةً، وهُمُ الأتْباعُ والسَّفَلَةُ، لِأُولاهم مَنزِلَةً وهُمُ القادَةُ والرُّؤَساءُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: (لِأُخْراهم) لامُ أجْلٍ، والمَعْنى: لِأجْلِهِمْ ولِإضْلالِهِمْ إيّاهم قالُوا ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم ذَكَرُوا هَذا القَوْلَ لِأُولاهم؛ لِأنَّهم ما خاطَبُوا أُولاهم، وإنَّما خاطَبُوا اللَّهَ تَعالى بِهَذا الكَلامِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ فالمَعْنى: أنَّ الأتْباعَ يَقُولُونَ: إنَّ المُتَقَدِّمِينَ أضَلُّونا، واعْلَمْ أنَّ هَذا الإضْلالَ يَقَعُ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ لِلْمُتَأخِّرِينَ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِالدَّعْوَةِ إلى الباطِلِ وتَزْيِينِهِ في أعْيُنِهِمْ، والسَّعْيِ في إخْفاءِ الدَّلائِلِ المُبْطِلَةِ لِتِلْكَ الأباطِيلِ.
والوَجْهُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُونَ مُعَظِّمِينَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، فَيُقَلِّدُونَهم في تِلْكَ الأباطِيلِ والأضالِيلِ الَّتِي لَفَّقُوها ويَتَأسَّوْنَ بِهِمْ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِإقْدامِ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ عَلى الإضْلالِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّهم يَدْعُونَ عَلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ بِمَزِيدِ العَذابِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ وفي الضِّعْفِ، قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ ”الضِّعْفُ“ هو مِثْلُ الشَّيْءِ مَرَّةً واحِدَةً. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ما يُقارِبُ هَذا، فَقالَ في رَجُلٍ أوْصى، فَقالَ: أعْطُوا فُلانًا ضِعْفَ نَصِيبِ ولَدِي. قالَ: يُعْطى مِثْلَهُ مَرَّتَيْنِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الأزْهَرِيُّ: ”الضِّعْفُ“ في كَلامِ العَرَبِ المِثْلُ إلى ما زادَ ولَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلى المِثْلَيْنِ، وجائِزٌ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تَقُولَ: هَذا ضِعْفُهُ أيْ مِثْلاهُ وثَلاثَةُ أمْثالِهِ؛ لِأنَّ الضِّعْفَ في الأصْلِ زِيادَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ [سَبَأٍ: ٣٧] ولَمْ يُرِدْ بِهِ مِثْلًا ولا مِثْلَيْنِ، بَلْ أوْلى الأشْياءِ بِهِ أنْ يُجْعَلَ عَشْرَةَ أمْثالِهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنْعامِ: ١٦٠] فَثَبَتَ أنَّ أقَلَّ الضِّعْفِ مَحْصُورٌ وهو المِثْلُ، وأكْثَرَهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.
وأمّا مَسْألَةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فاعْلَمْ أنَّ التَّرِكَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحُقُوقِ الوَرَثَةِ، إلّا أنّا لِأجْلِ الوَصِيَّةِ صَرَفْنا طائِفَةً مِنها إلى المُوصى لَهُ، والقَدْرُ المُتَيَقَّنُ في الوَصِيَّةِ هو المِثْلُ، والباقِي مَشْكُوكٌ، فَلا جَرَمَ أخَذْنا المُتَيَقَّنَ وطَرَحْنا المَشْكُوكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَمَلْنا الضِّعْفَ في تِلْكَ المَسْألَةِ عَلى المِثْلَيْنِ.
صفحة ٦٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عَنِ الغائِبِ، والمَعْنى: ولَكِنْ لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ مِقْدارَ عَذابِ الفَرِيقِ الآخَرِ، فَيُحْمَلُ الكَلامُ عَلى كُلٍّ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ لِلْمُخاطَبِينَ فَهو اسْمٌ ظاهِرٌ مَوْضُوعٌ لِلْغَيْبَةِ، فَحُمِلَ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى، وأمّا الباقُونَ فَقَرَءُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والمَعْنى: ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنكم مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ: ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ يا أهْلَ الدُّنْيا ما مِقْدارُ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أيْ: حَصَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ العَذابِ ضِعْفُ ما يَسْتَحِقُّهُ، فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ ظُلْمٌ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ ذَلِكَ، فَما مَعْنى كَوْنِهِ ضِعْفًا ؟
والجَوابُ: أنَّ عَذابَ الكُفّارِ يَزِيدُ، فَكُلُّ ألَمٍ يَحْصُلُ فَإنَّهُ يَعْقُبُهُ حُصُولُ ألَمٍ آخَرَ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، فَكانَتْ تِلْكَ الآلامُ مُتَضاعِفَةً مُتَزايِدَةً لا إلى آخِرَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أُخْراهم كَما خاطَبَتْ أُولاهم، فَكَذَلِكَ تُجِيبُ أُولاهم أُخْراهم، فَقالَ: ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: في تَرْكِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وإنّا مُتَشارِكُونَ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا مِنهم كَذِبٌ؛ لِأنَّهم لِكَوْنِهِمْ رُؤَساءَ وسادَةً وقادَةً قَدْ دَعَوْا إلى الكُفْرِ وبالَغُوا في التَّرْغِيبِ فِيهِ، فَكانُوا ضالِّينَ ومُضِلِّينَ. وأمّا الأتْباعُ والسَّفَلَةُ فَهم وإنْ كانُوا ضالِّينَ إلّا أنَّهم ما كانُوا مُضِلِّينَ، فَبَطَلَ قَوْلُهم أنَّهُ لا فَضْلَ لِلْأتْباعِ عَلى الرُّؤَساءِ في تَرْكِ الضَّلالِ والكُفْرِ.
وجَوابُهُ: أنَّ أقْصى ما في البابِ أنَّ الكُفّارَ كَذَبُوا في هَذا القَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، وعِنْدَنا أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، وقَدْ قَرَّرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فَهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ القادَةِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم جَمِيعًا.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ التَّخْوِيفُ والزَّجْرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ أنَّ بَعْضَهم يَتَبَرَّأُ عَنْ بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ في القَلْبِ.
الأعراف 7:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ .
صفحة ٦٣
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ إتْمامُ الكَلامِ في وعِيدِ الكُفّارِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾، ثُمَّ شَرَحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الخُلُودِ في حَقِّ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَكْبِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى المَسائِلِ الَّتِي هي أُصُولُ الدِّينِ، فالدَّهْرِيَّةُ يُنْكِرُونَ دَلائِلَ إثْباتِ الذّاتِ والصِّفاتِ، والمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، ومُنْكِرُو النُّبُوّاتِ يُكَذِّبُونَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوّاتِ، ومُنْكِرُو نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ يُنْكِرُونَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، ومُنْكِرُو المَعادِ يُنْكِرُونَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ المَعادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ، ومَعْنى الِاسْتِكْبارِ طَلَبُ التَّرَفُّعِ بِالباطِلِ، وهَذا اللَّفْظُ في حَقِّ البَشَرِ يَدُلُّ عَلى الذَّمِّ، قالَ تَعالى في صِفَةِ فِرْعَوْنَ: ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو (لا تُفْتَحُ) بِالتّاءِ خَفِيفَةً، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ خَفِيفَةً، والباقُونَ بِالتّاءِ مُشَدَّدَةً. أمّا القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَوَجْهُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنْعامِ: ٤٤]، ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ [القَمَرِ: ١١] وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ فَوَجْهُها أنَّ الفِعْلَ مُتَقَدِّمٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ أقْوالٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ لا تُفَتَّحُ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ ولا لِشَيْءٍ مِمّا يُرِيدُونَ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ، وهَذا التَّأْوِيلُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطِرٍ: ١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ١٨] وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: لا تُفَتَّحُ لِأرْواحِهِمْ أبْوابُ السَّماءِ وتُفَتَّحُ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ.
ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ ما رُوِيَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ: «أنَّ رُوحَ المُؤْمِنِ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَها، فَيُقالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ، ويُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، ويُسْتَفْتَحُ لِرُوحِ الكافِرِ فَيُقالُ لَها: ارْجِعِي ذَمِيمَةً فَإنَّهُ لا تُفْتَحُ لَكِ أبْوابُ السَّماءِ» .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ فالمَعْنى: لا يُؤْذَنُ لَهم في الصُّعُودِ إلى السَّماءِ. ولا تَطَرُّقَ لَهم إلَيْها لِيَدْخُلُوا الجَنَّةَ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البِرْكَةُ والخَيْرُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القَمَرِ: ١١] وأقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْواحَ إنَّما تَكُونُ سَعِيدَةً؛ إمّا بِأنْ يَنْزِلَ عَلَيْها مِنَ السَّماءِ أنْواعُ الخَيْراتِ، وإمّا بِأنْ يَصْعَدَ أعْمالُ تِلْكَ الأرْواحِ إلى السَّماواتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّماواتِ مَوْضِعُ بَهْجَةِ الأرْواحِ وأماكِنُ سَعادَتِها، ومِنها تَنْزِلُ الخَيْراتُ والبَرَكاتُ، وإلَيْها تَصْعَدُ الأرْواحُ حالَ فَوْزِها بِكَمالِ السَّعاداتِ، ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”الوُلُوجُ“ الدُّخُولُ. والجَمَلُ مَشْهُورٌ، و”السَّمُّ“ بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّها ثُقْبُ الإبْرَةِ، قَرَأ ابْنُ سِيرِينَ (سُمِّ) بِالضَّمِّ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُرْوى (سَمِّ) بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، وكُلُّ ثُقْبٍ في البَدَنِ لَطِيفٌ فَهو سَمٌّ وجَمْعُهُ سُمُومٌ، ومِنهُ قِيلَ: السُّمُّ القاتِلُ. لِأنَّهُ يَنْفُذُ بِلُطْفِهِ في مَسامِّ البَدَنِ حَتّى يَصِلَ إلى
صفحة ٦٤
القَلْبِ، و(الخِياطِ) ما يُخاطُ بِهِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: خِياطٌ ومِخْيَطٌ، كَما يُقالُ: إزارٌ ومِئْزَرٌ، ولِحافٌ ومِلْحَفٌ، وقِناعٌ ومِقْنَعٌ، وإنَّما خُصَّ الجَمَلُ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَواناتِ؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ الحَيَواناتِ جِسْمًا عِنْدَ العَرَبِ. قالَ الشّاعِرُ:
جِسْمُ الجِمالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ
فَجِسْمُ الجَمَلِ أعْظَمُ الأجْسامِ، وثُقْبُ الإبْرَةِ أضْيَقُ المَنافِذِ، فَكانَ وُلُوجُ الجَمَلِ في تِلْكَ الثُّقْبَةِ الضَّيِّقَةِ مُحالًا، فَلَمّا وقَفَ اللَّهُ تَعالى دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ عَلى حُصُولِ هَذا الشَّرْطِ، وكانَ هَذا شَرْطًا مُحالًا، وثَبَتَ في العُقُولِ أنَّ المَوْقُوفَ عَلى المُحالِ مُحالٌ، وجَبَ أنْ يَكُونَ دُخُولُهُمُ الجَنَّةَ مَأْيُوسًا مِنهُ قَطْعًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (الجُمَّلُ) بِوَزْنِ القُمَّلِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (الجُمَلُ) بِوَزْنِ النُّغَرِ. وقُرِئَ (الجُمْلُ) بِوَزْنِ القُفْلِ، و(الجُمُلُ) بِوَزْنِ النُّصُبِ، و(الجَمْلُ) بِوَزْنِ الحَبْلِ، ومَعْناها: القَلْسُ الغَلِيظُ؛ لِأنَّهُ حِبالٌ جُمِعَتْ وجُعِلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْسَنُ تَشْبِيهًا مِن أنْ يُشَبِّهَ بِالجَمَلِ. يَعْنِي: أنَّ الحَبْلَ مُناسِبٌ لِلْخَيْطِ الَّذِي يَسْلُكُ في سَمِّ الإبْرَةِ، والبَعِيرُ لا يُناسِبُهُ. إلّا أنّا ذَكَرْنا الفائِدَةَ فِيهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القائِلُونَ بِالتَّناسُخِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنِ الأرْواحَ الَّتِي كانَتْ في أجْسادِ البَشَرِ لَمّا عَصَتْ وأذْنَبَتْ، فَإنَّها بَعْدَ مَوْتِ الأبْدانِ تُرَدُّ مِن بَدَنٍ إلى بَدَنٍ، ولا تَزالُ تَبْقى في التَّعْذِيبِ حَتّى أنَّها تَنْتَقِلُ مِن بَدَنِ الجَمَلِ إلى بَدَنِ الدُّودَةِ الَّتِي تَنْفُذُ في سَمِّ الخِياطِ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ مُطَهَّرَةً عَنْ تِلْكَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، وحِينَئِذٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ وتَصِلُ إلى السَّعادَةِ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِالتَّناسُخِ باطِلٌ وهَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: ومِثْلُ هَذا الَّذِي وصَفْنا نَجْزِي المُجْرِمِينَ، والمُجْرِمُونَ -واللَّهُ أعْلَمُ- هَهُنا هُمُ الكافِرُونَ؛ لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن صِفَتِهِمْ هو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ، والِاسْتِكْبارُ عَنْها.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن حالِهِمْ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ البَتَّةَ بَيَّنَ أيْضًا أنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ، فَقالَ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”المِهادُ“ جَمْعُ مَهْدٍ، وهو الفِراشُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: أصْلُ المَهْدِ في اللُّغَةِ الفَرْشُ، يُقالُ لِلْفِراشِ مِهادٌ لِمُواتاتِهِ، والغَواشِي جُمَعُ غاشِيَةٍ، وهي كُلُّ ما يَغْشاكَ، أيْ: يُجَلِّلُكَ، وجَهَنَّمُ لا تَنْصَرِفُ لِاجْتِماعِ التَّأْنِيثِ فِيها والتَّعْرِيفِ، وقِيلَ اشْتِقاقُها مِنَ الجَهْمَةِ وهي الغِلَظُ، يُقالُ: رَجُلٌ جَهْمُ الوَجْهِ غَلِيظُهُ، وسُمِّيَتْ بِهَذا لِغِلَظِ أمْرِها في العَذابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الإخْبارُ عَنْ إحاطَةِ النّارِ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَلَهم مِنها غِطاءٌ ووِطاءٌ، وفِراشٌ ولِحافٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ غَواشٍ، عَلى وزْنِ فَواعِلَ، فَيَكُونُ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ، فَكَيْفَ دَخَلَهُ التَّنْوِينُ ؟ وجَوابُهُ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّ هَذا جَمْعٌ، والجَمْعُ أثْقَلُ مِنَ الواحِدِ، وهو أيْضًا الجَمْعُ الأكْبَرُ الَّذِي تَتَناهى الجُمُوعُ إلَيْهِ، فَزادَهُ ذَلِكَ ثِقَلًا، ثُمَّ وقَعَتِ الياءُ في آخِرِهِ وهي ثَقِيلَةٌ، فَلَمّا اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الأشْياءُ خَفَّفُوها بِحَذْفِ يائِهِ، فَلَمّا حُذِفَتِ الياءُ نَقَصَ عَنْ مِثالِ فَواعِلَ، وصارَ غَواشٍ بِوَزْنِ جَناحٍ، فَدَخَلَهُ
صفحة ٦٥
التَّنْوِينُ لِنُقْصانِهِ عَنْ هَذا المِثالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ إلَهًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالظّالِمُونَ هَهُنا هُمُ الكافِرُونَ.
الأعراف 7:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَوْفى الكَلامَ في الوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ أصْحابِ المَعانِي عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ والتَّقْدِيرُ: (والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ)، وإنَّما حَسُنَ وُقُوعُ هَذا الكَلامِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ؛ لِأنَّهُ مِن جِنْسِ هَذا الكَلامِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ عَمَلَهُمُ الصّالِحَ، ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ في وُسْعِهِمْ غَيْرُ خارِجٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْكَفّارِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَعَ عِظَمِ مَحَلِّها يُوصَلُ إلَيْها بِالعَمَلِ السَّهْلِ مِن غَيْرِ تَحَمُّلِ الصَّعْبِ. وقالَ قَوْمٌ: مَوْضِعُهُ خَبَرٌ عَنْ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا نُكَلِّفُ نَفْسًا مِنهم إلّا وُسْعَها، وإنَّما حُذِفَ العائِدُ لِلْعِلْمِ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الوُسْعِ ما يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلَيْهِ في حالِ السِّعَةِ والسُّهُولَةِ لا في حالِ الضِّيقِ والشِّدَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إلّا يُسْرَها لا عُسْرَها. وأمّا أقْصى الطّاقَةِ فَيُسَمّى جُهْدًا لا وُسْعًا، وغَلِطَ مَن ظَنَّ أنَّ الوُسْعَ بَذْلُ المَجْهُودِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّفَ العَبْدَ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ بَطَلَ قَوْلُهم في خَلْقِ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خالِقُ أعْمالِ العِبادِ هو اللَّهُ تَعالى، لَكانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كَلَّفَهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ حالَ ما خَلَقَهُ فِيهِ، فَذَلِكَ تَكْلِيفُهُ بِما لا يُطاقُ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وإنْ كَلَّفَهُ بِهِ حالَ ما لَمْ يَخْلُقْ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ فِيهِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلى تَكْوِينِ
صفحة ٦٦
ذَلِكَ الفِعْلِ وتَحْصِيلِهِ، قالُوا: وأيْضًا إذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ ظَهَرَ أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ؛ إذْ لَوْ كانَتْ حاصِلَةً مَعَ الفِعْلِ، والكافِرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الإيمانِ مَعَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَكانَ هَذا تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى نَفْيِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ، ثَبَتَ فَسادُ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ.
والجَوابُ: أنّا نَقُولُ: وهَذا الإشْكالُ أيْضًا وارِدٌ عَلَيْكم؛ لِأنَّهُ تَعالى يُكَلِّفُ العَبْدَ بِإيجادِ الفِعْلِ، حالَ اسْتِواءِ الدَّواعِي إلى الفِعْلِ والتَّرْكِ، أوْ حالَ رُجْحانِ أحَدِ الدّاعِيَيْنِ عَلى الآخَرِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الإيجادَ تَرْجِيحٌ لِجانِبِ الفِعْلِ، وحُصُولُ التَّرْجِيحِ حالَ حُصُولِ الِاسْتِواءِ مُحالٌ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ حالَ حُصُولِ الرُّجْحانِ كانَ الحُصُولُ واجِبًا، فَإنْ وقَعَ الأمْرُ بِالطَّرَفِ الرّاجِحِ كانَ أمْرًا بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وإنْ وقَعَ بِالطَّرَفِ المَرْجُوحِ كانَ أمْرًا بِتَحْصِيلِ المَرْجُوحِ حالَ كَوْنِهِ مَرْجُوحًا، فَيَكُونُ أمْرًا بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، فَكُلُّ ما تَجْعَلُونَهُ جَوابًا عَنْ هَذا السُّؤالِ، فَهو جَوابُنا عَنْ كَلامِكم. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ فاعْلَمْ أنَّ نَزْعَ الشَّيْءِ قَلْعُهُ عَنْ مَكانِهِ، والغِلُّ الحِقْدُ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وهو الَّذِي يَغُلُّ بِلُطْفِهِ إلى صَمِيمِ القَلْبِ، أيْ: يَدْخُلُ، ومِنهُ الغُلُولُ وهو الوُصُولُ بِالحِيلَةِ إلى الذُّنُوبِ الدَّقِيقَةِ، ويُقالُ: انْغَلَّ في الشَّيْءِ، وتَغَلْغَلَ فِيهِ إذا دَخَلَ فِيهِ بِلَطافَةٍ، كالحُبِّ يَدْخُلُ في صَمِيمِ الفُؤادِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِهَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أزَلْنا الأحْقادَ الَّتِي كانَتْ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في دارِ الدُّنْيا، ومَعْنى نَزْعِ الغِلِّ: تَصْفِيَةُ الطِّباعِ وإسْقاطُ الوَساوِسِ، ومَنعُها مِن أنْ تَرِدَ عَلى القُلُوبِ، فَإنَّ الشَّيْطانَ لَمّا كانَ في العَذابِ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِإلْقاءِ الوَساوِسِ في القُلُوبِ، وإلى هَذا المَعْنى أشارَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ دَرَجاتِ أهْلِ الجَنَّةِ مُتَفاوِتَةٌ بِحَسَبِ الكَمالِ والنُّقْصانِ، فاللَّهُ تَعالى أزالَ الحَسَدَ عَنْ قُلُوبِهِمْ حَتّى أنَّ صاحِبَ الدَّرَجَةِ النّازِلَةِ لا يَحْسُدُ صاحِبَ الدَّرَجَةِ الكامِلَةِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذا التَّأْوِيلُ أوْلى مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ، حَتّى يَكُونَ هَذا في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن تَبَرِّي بَعْضِ أهْلِ النّارِ مِن بَعْضٍ، ولَعْنِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، لِيُعْلَمَ أنَّ حالَ أهْلِ الجَنَّةِ في هَذا المَعْنى أيْضًا مُفارِقَةٌ لِحالِ أهْلِ النّارِ.
فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُشاهِدَ الإنْسانُ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، والدَّرَجاتِ العالِيَةَ، ويَرى نَفْسَهُ مَحْرُومًا عَنْها عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِها، ثُمَّ إنَّهُ لا يَمِيلُ طَبْعُهُ إلَيْها، ولا يَغْتَمُّ بِسَبَبِ الحِرْمانِ عَنْها، فَإنْ عُقِلَ ذَلِكَ، فَلِمَ لا يُعْقَلُ أيْضًا أنْ يُعِيدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَخْلُقَ فِيهِمْ شَهْوَةَ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ، ويُغْنِيَهم عَنْها ؟
قُلْنا: الكُلُّ مُمْكِنٌ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلَيْهِ، إلّا أنَّهُ تَعالى وعَدَ بِإزالَةِ الحِقْدِ والحَسَدِ عَنِ القُلُوبِ، وما وعَدَ بِإزالَةِ شَهْوَةِ الأكْلِ والشُّرْبِ عَنِ النُّفُوسِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى كَما خَلَّصَهم مِن رِبْقَةِ الحِقْدِ والحَسَدِ والحِرْصِ عَلى طَلَبِ الزِّيادَةِ فَقَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّذّاتِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وأنْواعِ المُكاشَفاتِ والسَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ.
صفحة ٦٧
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ وقالَ أصْحابُنا: مَعْنى (هَدانا اللَّهُ) أنَّهُ أعْطى القُدْرَةَ، وضَمَّ إلَيْها الدّاعِيَةَ الجازِمَةَ، وصَيَّرَ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ وتِلْكَ الدّاعِيَةَ مُوجِبًا لِحُصُولِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ. فَإنَّهُ لَوْ أعْطى القُدْرَةَ، وما خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ لَمْ يَحْصُلِ الأثَرُ، ولَوْ خَلَقَ اللَّهُ الدّاعِيَةَ المُعارِضَةَ أيْضًا لِسائِرِ الدَّواعِي الصّارِفَةِ، لَمْ يَحْصُلِ الفِعْلُ أيْضًا. أمّا لَمّا خَلَقَ القُدْرَةَ، وخَلَقَ الدّاعِيَةَ الجازِمَةَ، وكانَ مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِيَةِ المُعَيَّنَةِ مُوجِبًا لِلْفِعْلِ كانَتِ الهِدايَةُ حاصِلَةً في الحَقِيقَةِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى، وتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ.
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: التَّحْمِيدُ إنَّما وقَعَ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْطى العَقْلَ ووَضَعَ الدَّلائِلَ، وأزالَ المَوانِعَ، وعِنْدَ هَذا يُرْجَعُ إلى مَباحِثِ الجَبْرِ والقَدَرِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”ما كُنّا“ بِغَيْرِ واوٍ وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ، والباقُونَ بِالواوِ، والوَجْهُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿هَدانا لِهَذا﴾ فَلَمّا كانَ أحَدُهُما عَيْنَ الآخَرِ، وجَبَ حَذْفُ الحَرْفِ العاطِفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُهْتَدِيَ مَن هَداهُ اللَّهُ، وإنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ لَمْ يَهْتَدِ، بَلْ نَقُولُ: مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأوْلِياءِ مِن أنْواعِ الهِدايَةِ والإرْشادِ، فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ جَمِيعِ الكُفّارِ والفُسّاقِ، وإنَّما حَصَلَ الِامْتِيازُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ بِسَعْيِ نَفْسِهِ واخْتِيارِ نَفْسِهِ، فَكانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَحْمَدَ نَفْسَهُ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي حَصَلَ لِنَفْسِهِ الإيمانُ، وهو الَّذِي أوْصَلَ نَفْسَهُ إلى دَرَجاتِ الجِنانِ، وخَلَّصَها مِن دِرْكاتِ النِّيرانِ، فَلَمّا لَمْ يَحْمَدْ نَفْسَهُ البَتَّةَ، وإنَّما حَمِدَ اللَّهَ فَقَطْ. عَلِمْنا أنَّ الهادِيَ لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ وهَذا مِن قَوْلِ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ رَأوْا ما وعَدَهُمُ الرُّسُلُ عِيانًا، وقالُوا: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَلِكَ النِّداءُ إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ المُنادِي هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الزَّجّاجُ في كَلِمَةِ ”أنْ“ هَهُنا وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والتَّقْدِيرُ: ”أنَّهُ“ والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، والمَعْنى: نُودُوا بِأنَّهُ تِلْكُمُ الجَنَّةُ، أيْ نُودُوا بِهَذا القَوْلِ.
والثّانِي: قالَ: وهو الأجْوَدُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ ”أنْ“ في مَعْنى تَفْسِيرِ النِّداءِ، والمَعْنى: ونُودُوا أيْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ، والمَعْنى: قِيلَ لَهم: تِلْكُمُ الجَنَّةُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾ [ص: ٦] يَعْنِي أيِ امْشُوا. قالَ: إنَّما قالَ: ”تِلْكُمُ“ لِأنَّهم وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا. فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: هَذِهِ تِلْكُمُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بِها، وقَوْلُهُ: (أُورِثْتُمُوها) فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أهْلِ المَعانِي أنَّ مَعْناهُ: صارَتْ إلَيْكم كَما يَصِيرُ المِيراثُ إلى أهْلِهِ، والإرْثُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في اللُّغَةِ ولا يُرادُ بِهِ زَوالُ المِلْكِ عَنِ المَيِّتِ إلى الحَيِّ، كَما يُقالُ: هَذا العَمَلُ يُورِثُكَ الشَّرَفَ
صفحة ٦٨
ويُورِثُكَ العارَ أيْ: يُصَيِّرُكَ إلَيْهِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهم أُعْطُوا تِلْكَ المَنازِلَ مِن غَيْرِ تَعَبٍ في الحالِ فَصارَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُورِثُونَ مَنازِلَ أهْلِ النّارِ. قالَ ﷺ: «لَيْسَ مِن كافِرٍ ولا مُؤْمِنٍ إلّا ولَهُ في الجَنَّةِ والنّارِ مَنزِلٌ، فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ؛ رُفِعَتِ الجَنَّةُ لِأهْلِ النّارِ فَنَظَرُوا إلى مَنازِلِهِمْ فِيها فَقِيلَ لَهم: هَذِهِ مَنازِلُكم لَوْ عَمِلْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ رِثُوهم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ مَنازِلُهم»
* * *
وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ مَن قالَ: العَمَلُ يُوجِبُ هَذا الجَزاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَإنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَدُلُّ عَلى العِلِّيَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ يُوجِبُ هَذا الجَزاءَ، وجَوابُنا: أنَّهُ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ لَكِنْ بِسَبَبِ أنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ عِلَّةً لَهُ، لا لِأجْلِ أنَّهُ لِذاتِهِ مُوجِبٌ لِذَلِكَ الجَزاءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ لا نِهايَةَ لَها، فَإذا أتى العَبْدُ بِشَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ وقَعَتْ هَذِهِ الطّاعاتُ في مُقابَلَةِ تِلْكَ النِّعَمِ السّالِفَةِ، فَيَمْتَنِعُ أنْ تَصِيرَ مُوجِبَةً لِلثَّوابِ المُتَأخِّرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: طَعَنَ بَعْضُهم فَقالَ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ إنَّما يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ وإنَّما يَدْخُلُها بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى» وبَيْنَهُما تَناقُضٌ، وجَوابُ ما ذَكَرْنا: أنَّ العَمَلَ لا يُوجِبُ دُخُولَ الجَنَّةِ لِذاتِهِ، وإنَّما يُوجِبُهُ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بِفَضْلِهِ جَعَلَهُ عَلامَةً عَلَيْهِ ومَعْرِفَةً لَهُ، وأيْضًا لَمّا كانَ المُوفِّي لِلْعَمَلِ الصّالِحِ هو اللَّهُ تَعالى كانَ دُخُولُ الجَنَّةِ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ خِطابٌ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَإنَّما يَدْخُلُها بِعَمَلِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الفُسّاقَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ لا يَخْرُجَ الفاسِقُ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَكانَ إمّا أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، أوْ لا يَدْخُلَها. والثّانِي باطِلٌ بِالإجْماعِ، والأوَّلُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْقاقِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِالتَّفَضُّلِ.
والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا دَخَلَ النّارَ وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ، فَلَوْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْقاقِ لَزِمَ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ حُصُولُ الجَمْعِ بَيْنَ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ واسْتِحْقاقِ العِقابِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ الثَّوابَ مَنفَعَةٌ دائِمَةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ، والعِقابَ مَضَرَّةٌ دائِمَةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ المَنفَعَةِ. والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ. وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الجَمْعُ بَيْنَ حُصُولِ اسْتِحْقاقِهِما مُحالًا.
والجَوابُ: هَذا بِناءً عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ والعِقابِ لا يَجْتَمِعانِ. وقَدْ بالَغْنا في إبْطالِ هَذا الكَلامِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَوْفى الكَلامَ في الوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ أصْحابِ المَعانِي عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ والتَّقْدِيرُ: (والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ)، وإنَّما حَسُنَ وُقُوعُ هَذا الكَلامِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ؛ لِأنَّهُ مِن جِنْسِ هَذا الكَلامِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ عَمَلَهُمُ الصّالِحَ، ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ في وُسْعِهِمْ غَيْرُ خارِجٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْكَفّارِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَعَ عِظَمِ مَحَلِّها يُوصَلُ إلَيْها بِالعَمَلِ السَّهْلِ مِن غَيْرِ تَحَمُّلِ الصَّعْبِ. وقالَ قَوْمٌ: مَوْضِعُهُ خَبَرٌ عَنْ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا نُكَلِّفُ نَفْسًا مِنهم إلّا وُسْعَها، وإنَّما حُذِفَ العائِدُ لِلْعِلْمِ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الوُسْعِ ما يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلَيْهِ في حالِ السِّعَةِ والسُّهُولَةِ لا في حالِ الضِّيقِ والشِّدَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إلّا يُسْرَها لا عُسْرَها. وأمّا أقْصى الطّاقَةِ فَيُسَمّى جُهْدًا لا وُسْعًا، وغَلِطَ مَن ظَنَّ أنَّ الوُسْعَ بَذْلُ المَجْهُودِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ في أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّفَ العَبْدَ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَذَّبَهم في ذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ بَطَلَ قَوْلُهم في خَلْقِ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خالِقُ أعْمالِ العِبادِ هو اللَّهُ تَعالى، لَكانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنْ كَلَّفَهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ حالَ ما خَلَقَهُ فِيهِ، فَذَلِكَ تَكْلِيفُهُ بِما لا يُطاقُ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وإنْ كَلَّفَهُ بِهِ حالَ ما لَمْ يَخْلُقْ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ فِيهِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلى تَكْوِينِ
صفحة ٦٦
ذَلِكَ الفِعْلِ وتَحْصِيلِهِ، قالُوا: وأيْضًا إذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ ظَهَرَ أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ؛ إذْ لَوْ كانَتْ حاصِلَةً مَعَ الفِعْلِ، والكافِرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الإيمانِ مَعَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَكانَ هَذا تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى نَفْيِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ، ثَبَتَ فَسادُ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ.
والجَوابُ: أنّا نَقُولُ: وهَذا الإشْكالُ أيْضًا وارِدٌ عَلَيْكم؛ لِأنَّهُ تَعالى يُكَلِّفُ العَبْدَ بِإيجادِ الفِعْلِ، حالَ اسْتِواءِ الدَّواعِي إلى الفِعْلِ والتَّرْكِ، أوْ حالَ رُجْحانِ أحَدِ الدّاعِيَيْنِ عَلى الآخَرِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الإيجادَ تَرْجِيحٌ لِجانِبِ الفِعْلِ، وحُصُولُ التَّرْجِيحِ حالَ حُصُولِ الِاسْتِواءِ مُحالٌ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ حالَ حُصُولِ الرُّجْحانِ كانَ الحُصُولُ واجِبًا، فَإنْ وقَعَ الأمْرُ بِالطَّرَفِ الرّاجِحِ كانَ أمْرًا بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وإنْ وقَعَ بِالطَّرَفِ المَرْجُوحِ كانَ أمْرًا بِتَحْصِيلِ المَرْجُوحِ حالَ كَوْنِهِ مَرْجُوحًا، فَيَكُونُ أمْرًا بِالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، فَكُلُّ ما تَجْعَلُونَهُ جَوابًا عَنْ هَذا السُّؤالِ، فَهو جَوابُنا عَنْ كَلامِكم. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ فاعْلَمْ أنَّ نَزْعَ الشَّيْءِ قَلْعُهُ عَنْ مَكانِهِ، والغِلُّ الحِقْدُ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وهو الَّذِي يَغُلُّ بِلُطْفِهِ إلى صَمِيمِ القَلْبِ، أيْ: يَدْخُلُ، ومِنهُ الغُلُولُ وهو الوُصُولُ بِالحِيلَةِ إلى الذُّنُوبِ الدَّقِيقَةِ، ويُقالُ: انْغَلَّ في الشَّيْءِ، وتَغَلْغَلَ فِيهِ إذا دَخَلَ فِيهِ بِلَطافَةٍ، كالحُبِّ يَدْخُلُ في صَمِيمِ الفُؤادِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِهَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أزَلْنا الأحْقادَ الَّتِي كانَتْ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في دارِ الدُّنْيا، ومَعْنى نَزْعِ الغِلِّ: تَصْفِيَةُ الطِّباعِ وإسْقاطُ الوَساوِسِ، ومَنعُها مِن أنْ تَرِدَ عَلى القُلُوبِ، فَإنَّ الشَّيْطانَ لَمّا كانَ في العَذابِ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِإلْقاءِ الوَساوِسِ في القُلُوبِ، وإلى هَذا المَعْنى أشارَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ دَرَجاتِ أهْلِ الجَنَّةِ مُتَفاوِتَةٌ بِحَسَبِ الكَمالِ والنُّقْصانِ، فاللَّهُ تَعالى أزالَ الحَسَدَ عَنْ قُلُوبِهِمْ حَتّى أنَّ صاحِبَ الدَّرَجَةِ النّازِلَةِ لا يَحْسُدُ صاحِبَ الدَّرَجَةِ الكامِلَةِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذا التَّأْوِيلُ أوْلى مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ، حَتّى يَكُونَ هَذا في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن تَبَرِّي بَعْضِ أهْلِ النّارِ مِن بَعْضٍ، ولَعْنِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، لِيُعْلَمَ أنَّ حالَ أهْلِ الجَنَّةِ في هَذا المَعْنى أيْضًا مُفارِقَةٌ لِحالِ أهْلِ النّارِ.
فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُشاهِدَ الإنْسانُ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، والدَّرَجاتِ العالِيَةَ، ويَرى نَفْسَهُ مَحْرُومًا عَنْها عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِها، ثُمَّ إنَّهُ لا يَمِيلُ طَبْعُهُ إلَيْها، ولا يَغْتَمُّ بِسَبَبِ الحِرْمانِ عَنْها، فَإنْ عُقِلَ ذَلِكَ، فَلِمَ لا يُعْقَلُ أيْضًا أنْ يُعِيدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَخْلُقَ فِيهِمْ شَهْوَةَ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ، ويُغْنِيَهم عَنْها ؟
قُلْنا: الكُلُّ مُمْكِنٌ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلَيْهِ، إلّا أنَّهُ تَعالى وعَدَ بِإزالَةِ الحِقْدِ والحَسَدِ عَنِ القُلُوبِ، وما وعَدَ بِإزالَةِ شَهْوَةِ الأكْلِ والشُّرْبِ عَنِ النُّفُوسِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى كَما خَلَّصَهم مِن رِبْقَةِ الحِقْدِ والحَسَدِ والحِرْصِ عَلى طَلَبِ الزِّيادَةِ فَقَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّذّاتِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وأنْواعِ المُكاشَفاتِ والسَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ.
صفحة ٦٧
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ وقالَ أصْحابُنا: مَعْنى (هَدانا اللَّهُ) أنَّهُ أعْطى القُدْرَةَ، وضَمَّ إلَيْها الدّاعِيَةَ الجازِمَةَ، وصَيَّرَ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ وتِلْكَ الدّاعِيَةَ مُوجِبًا لِحُصُولِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ. فَإنَّهُ لَوْ أعْطى القُدْرَةَ، وما خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ لَمْ يَحْصُلِ الأثَرُ، ولَوْ خَلَقَ اللَّهُ الدّاعِيَةَ المُعارِضَةَ أيْضًا لِسائِرِ الدَّواعِي الصّارِفَةِ، لَمْ يَحْصُلِ الفِعْلُ أيْضًا. أمّا لَمّا خَلَقَ القُدْرَةَ، وخَلَقَ الدّاعِيَةَ الجازِمَةَ، وكانَ مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِيَةِ المُعَيَّنَةِ مُوجِبًا لِلْفِعْلِ كانَتِ الهِدايَةُ حاصِلَةً في الحَقِيقَةِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى، وتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ.
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: التَّحْمِيدُ إنَّما وقَعَ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْطى العَقْلَ ووَضَعَ الدَّلائِلَ، وأزالَ المَوانِعَ، وعِنْدَ هَذا يُرْجَعُ إلى مَباحِثِ الجَبْرِ والقَدَرِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”ما كُنّا“ بِغَيْرِ واوٍ وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ، والباقُونَ بِالواوِ، والوَجْهُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿هَدانا لِهَذا﴾ فَلَمّا كانَ أحَدُهُما عَيْنَ الآخَرِ، وجَبَ حَذْفُ الحَرْفِ العاطِفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُهْتَدِيَ مَن هَداهُ اللَّهُ، وإنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ لَمْ يَهْتَدِ، بَلْ نَقُولُ: مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأوْلِياءِ مِن أنْواعِ الهِدايَةِ والإرْشادِ، فَقَدْ فَعَلَهُ في حَقِّ جَمِيعِ الكُفّارِ والفُسّاقِ، وإنَّما حَصَلَ الِامْتِيازُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ بِسَعْيِ نَفْسِهِ واخْتِيارِ نَفْسِهِ، فَكانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَحْمَدَ نَفْسَهُ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي حَصَلَ لِنَفْسِهِ الإيمانُ، وهو الَّذِي أوْصَلَ نَفْسَهُ إلى دَرَجاتِ الجِنانِ، وخَلَّصَها مِن دِرْكاتِ النِّيرانِ، فَلَمّا لَمْ يَحْمَدْ نَفْسَهُ البَتَّةَ، وإنَّما حَمِدَ اللَّهَ فَقَطْ. عَلِمْنا أنَّ الهادِيَ لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ وهَذا مِن قَوْلِ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ رَأوْا ما وعَدَهُمُ الرُّسُلُ عِيانًا، وقالُوا: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَلِكَ النِّداءُ إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ المُنادِي هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الزَّجّاجُ في كَلِمَةِ ”أنْ“ هَهُنا وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والتَّقْدِيرُ: ”أنَّهُ“ والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، والمَعْنى: نُودُوا بِأنَّهُ تِلْكُمُ الجَنَّةُ، أيْ نُودُوا بِهَذا القَوْلِ.
والثّانِي: قالَ: وهو الأجْوَدُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ ”أنْ“ في مَعْنى تَفْسِيرِ النِّداءِ، والمَعْنى: ونُودُوا أيْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ، والمَعْنى: قِيلَ لَهم: تِلْكُمُ الجَنَّةُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾ [ص: ٦] يَعْنِي أيِ امْشُوا. قالَ: إنَّما قالَ: ”تِلْكُمُ“ لِأنَّهم وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا. فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: هَذِهِ تِلْكُمُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بِها، وقَوْلُهُ: (أُورِثْتُمُوها) فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أهْلِ المَعانِي أنَّ مَعْناهُ: صارَتْ إلَيْكم كَما يَصِيرُ المِيراثُ إلى أهْلِهِ، والإرْثُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في اللُّغَةِ ولا يُرادُ بِهِ زَوالُ المِلْكِ عَنِ المَيِّتِ إلى الحَيِّ، كَما يُقالُ: هَذا العَمَلُ يُورِثُكَ الشَّرَفَ
صفحة ٦٨
ويُورِثُكَ العارَ أيْ: يُصَيِّرُكَ إلَيْهِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهم أُعْطُوا تِلْكَ المَنازِلَ مِن غَيْرِ تَعَبٍ في الحالِ فَصارَ شَبِيهًا بِالمِيراثِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُورِثُونَ مَنازِلَ أهْلِ النّارِ. قالَ ﷺ: «لَيْسَ مِن كافِرٍ ولا مُؤْمِنٍ إلّا ولَهُ في الجَنَّةِ والنّارِ مَنزِلٌ، فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ؛ رُفِعَتِ الجَنَّةُ لِأهْلِ النّارِ فَنَظَرُوا إلى مَنازِلِهِمْ فِيها فَقِيلَ لَهم: هَذِهِ مَنازِلُكم لَوْ عَمِلْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ رِثُوهم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ مَنازِلُهم»
* * *
وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ مَن قالَ: العَمَلُ يُوجِبُ هَذا الجَزاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَإنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَدُلُّ عَلى العِلِّيَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ يُوجِبُ هَذا الجَزاءَ، وجَوابُنا: أنَّهُ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ لَكِنْ بِسَبَبِ أنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ عِلَّةً لَهُ، لا لِأجْلِ أنَّهُ لِذاتِهِ مُوجِبٌ لِذَلِكَ الجَزاءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ لا نِهايَةَ لَها، فَإذا أتى العَبْدُ بِشَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ وقَعَتْ هَذِهِ الطّاعاتُ في مُقابَلَةِ تِلْكَ النِّعَمِ السّالِفَةِ، فَيَمْتَنِعُ أنْ تَصِيرَ مُوجِبَةً لِلثَّوابِ المُتَأخِّرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: طَعَنَ بَعْضُهم فَقالَ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ إنَّما يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ وإنَّما يَدْخُلُها بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى» وبَيْنَهُما تَناقُضٌ، وجَوابُ ما ذَكَرْنا: أنَّ العَمَلَ لا يُوجِبُ دُخُولَ الجَنَّةِ لِذاتِهِ، وإنَّما يُوجِبُهُ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بِفَضْلِهِ جَعَلَهُ عَلامَةً عَلَيْهِ ومَعْرِفَةً لَهُ، وأيْضًا لَمّا كانَ المُوفِّي لِلْعَمَلِ الصّالِحِ هو اللَّهُ تَعالى كانَ دُخُولُ الجَنَّةِ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ خِطابٌ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَإنَّما يَدْخُلُها بِعَمَلِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الفُسّاقَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ لا يَخْرُجَ الفاسِقُ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَكانَ إمّا أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، أوْ لا يَدْخُلَها. والثّانِي باطِلٌ بِالإجْماعِ، والأوَّلُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْقاقِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِالتَّفَضُّلِ.
والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا دَخَلَ النّارَ وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ، فَلَوْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْقاقِ لَزِمَ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ حُصُولُ الجَمْعِ بَيْنَ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ واسْتِحْقاقِ العِقابِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ الثَّوابَ مَنفَعَةٌ دائِمَةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ، والعِقابَ مَضَرَّةٌ دائِمَةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ المَنفَعَةِ. والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ. وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الجَمْعُ بَيْنَ حُصُولِ اسْتِحْقاقِهِما مُحالًا.
والجَوابُ: هَذا بِناءً عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ والعِقابِ لا يَجْتَمِعانِ. وقَدْ بالَغْنا في إبْطالِ هَذا الكَلامِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ وعِيدَ الكُفّارِ وثَوابَ أهْلِ الإيمانِ والطّاعاتِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُناظَراتِ الَّتِي تَدُورُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ. وهي الأحْوالُ الَّتِي ذَكَرَها في هَذِهِ الآيَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ في وقْتِ هَذا النِّداءِ، فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا النِّداءَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ الِاسْتِقْرارِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا في الدُّنْيا مِنَ الثَّوابِ حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم مِنَ العِقابِ حَقًّا ؟ والغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ إظْهارُ أنَّهُ وصْلٌ إلى السَّعاداتِ الكامِلَةِ وإيقاعُ الحُزْنِ في قَلْبِ العَدُوِّ وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا كانَتِ الجَنَّةُ في أعْلى السَّماواتِ والنّارُ في أسْفَلِ الأرْضِينَ فَمَعَ هَذا البُعْدِ الشَّدِيدِ كَيْفَ يَصِحُّ هَذا النِّداءُ ؟
والجَوابُ: هَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِنا: لِأنّا عِنْدَنا البُعْدَ الشَّدِيدَ والقُرْبَ الشَّدِيدَ لَيْسَ مِن مَوانِعِ الإدْراكِ، والتَزَمَ القاضِي ذَلِكَ وقالَ: إنَّ في العُلَماءِ مَن يَقُولُ: في الصَّوْتِ خاصِّيَّةُ أنَّ البُعْدَ فِيهِ وحْدَهُ لا يَكُونُ مانِعًا مِنَ السَّماعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَذا النِّداءُ يَقَعُ مِن كُلِّ أهْلِ الجَنَّةِ لِكُلِّ أهْلِ النّارِ أوْ مِنَ البَعْضِ لِلْبَعْضِ ؟
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ. والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ يُوَزَّعُ الفَرْدُ عَلى الفَرْدِ، وكُلُّ فَرِيقٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ يُنادِي مَن كانَ يَعْرِفُهُ مِنَ الكُفّارِ في الدُّنْيا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى (أنْ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ .
والجَوابُ: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً كالَّتِي سَبَقَتْ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: هَلّا قِيلَ: (ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا) كَما قِيلَ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ ؟ .
والجَوابُ: قَوْلُهُ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خاطَبَهم بِهَذا الوَعْدِ، وكَوْنُهم مُخاطَبِينَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الوَعْدِ يُوجِبُ مَزِيدَ التَّشْرِيفِ. ومَزِيدُ التَّشْرِيفِ لائِقٌ بِحالِ المُؤْمِنِينَ، أمّا الكافِرُ فَهو لَيْسَ
صفحة ٧٠
أهْلًا لِأنْ يُخاطِبَهُ اللَّهُ تَعالى؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ خاطَبَهم بِهَذا الخِطابِ بَلْ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ بَيَّنَ هَذا الحُكْمَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَعْتَرِفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ ووَعِيدَهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا إذا كانُوا عارِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانُوا عارِفِينَ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، وثَبَتَ أنَّ مِن صِفاتِهِ أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، وعَلِمُوا بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِنْدَ قَبُولِ التَّوْبَةِ يَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ، فَلِمَ لا يَتُوبُونَ لِيُخَلِّصُوا أنْفُسَهم مِنَ العَذابِ ؟
ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى إنَّما يَقْبَلُ التَّوْبَةَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [الشُّورى: ٢٥] عامٌّ في الأحْوالِ كُلِّها، وأيْضًا فالتَّوْبَةُ اعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ وإقْرارٌ بِالذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، واللّائِقُ بِالرَّحِيمِ الحَكِيمِ التَّجاوُزُ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ سَواءٌ كانَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
أجابَ المُتَكَلِّمُونَ: بِأنَّ شِدَّةَ اشْتِغالِهِمْ بِتِلْكَ الآلامِ الشَّدِيدَةِ يَمْنَعُهم عَنِ الإقْدامِ عَلى التَّوْبَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذا كانَتْ تِلْكَ الآلامُ لا تَمْنَعُهم عَنْ هَذِهِ المُناظَراتِ، فَكَيْفَ تَمْنَعُهم عَنِ التَّوْبَةِ الَّتِي بِها يَتَخَلَّصُونَ عَنْ تِلْكَ الآلامِ الشَّدِيدَةِ ؟
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ قَبُولُ التَّوْبَةِ لا خَلاصَ لَهم عَنْ هَذا السُّؤالِ. أمّا أصْحابُنا لَمّا قالُوا: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا. قالُوا: لِلَّهِ تَعالى أنْ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ في الدُّنْيا، وأنْ لا يَقْبَلَها في الآخِرَةِ، فَزالَ السُّؤالُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: (نَعَمْ) عِدَةٌ وتَصْدِيقٌ، وقالَ الَّذِينَ شَرَحُوا كَلامَهُ: مَعْناهُ أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ تارَةً عِدَةً، وتارَةً تَصْدِيقًا، ولَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ عِدَةٌ وتَصْدِيقٌ مَعًا، ألا تَرى أنَّهُ إذا قالَ: أتُعْطِينِي ؟ وقالَ: نَعَمْ. كانَ عِدَةً ولا تَصْدِيقَ فِيهِ، وإذا قالَ: قَدْ كانَ كَذا وكَذا. فَقُلْتَ: نَعَمْ، فَقَدْ صَدَقْتَ ولا عِدَةَ فِيهِ، وأيْضًا إذا اسْتَفْهَمْتَ عَنْ مُوجَبٍ كَما يُقالُ: أيَقُومُ زَيْدٌ ؟ قُلْتَ: نَعَمْ. ولَوْ كانَ مَكانُ الإيجابِ نَفْيًا لَقُلْتَ: بَلى، ولَمْ تَقُلْ: نَعَمْ. فَلَفْظَةُ نَعَمْ مُخْتَصَّةٌ بِالجَوابِ عَنِ الإيجابِ، ولَفْظَةُ بَلى مُخْتَصَّةٌ بِالنَّفْيِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعْرافِ: ١٧٢] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ (نَعِمْ) بِكَسْرِ العَيْنِ في كُلِّ القُرْآنِ. قالَ أبُو الحَسَنِ: هُما لُغَتانِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: الكَسْرُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، واحْتَجَّ الكِسائِيُّ بِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ سَألَ قَوْمًا عَنْ شَيْءٍ فَقالُوا: نَعَمْ. فَقالَ عُمَرُ: أمّا النَّعَمُ فالإبِلُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذِهِ الرِّوايَةُ عَنْ عُمَرَ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى التَّأْذِينِ في اللُّغَةِ النِّداءُ والتَّصْوِيتُ بِالإعْلامِ، والأذانُ لِلصَّلاةِ إعْلامٌ بِها وبِوَقْتِها، وقالُوا في: ﴿أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مُنادٍ أسْمَعَ الفَرِيقَيْنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ المُؤَذِّنُ مِنَ المَلائِكَةِ وهو صاحِبُ الصُّورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (بَيْنَهم) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ: (أذَّنَ) والتَّقْدِيرُ: أنَّ المُؤَذِّنَ أوْقَعَ ذَلِكَ
صفحة ٧١
الأذانَ بَيْنَهم، وفي وسَطِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: (مُؤَذِّنٌ) والتَّقْدِيرُ: أنَّ مُؤَذِّنًا مِن بَيْنِهِمْ أذَّنَ بِذَلِكَ الأذانِ، والأوَّلُ أوْلى. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ (أنْ) مُخَفَّفَةً (لَعْنَةُ) بِالرَّفْعِ، والباقُونَ مُشَدَّدَةً (لَعْنَةَ) بِالنَّصْبِ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن شَدَّدَ فَهو الأصْلُ، ومَن خَفَّفَ (أنْ) فَهي مُخَفَّفَةٌ مِنَ الشَّدِيدَةِ عَلى إرادَةِ إضْمارِ القِصَّةِ والحَدِيثُ تَقْدِيرُهُ أنَّهُ لَعَنَةُ اللَّهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يُونُسَ: ١٠] التَّقْدِيرُ: أنَّهُ، ولا تُخَفَّفُ أنْ إلّا ويَكُونُ مَعَها إضْمارُ الحَدِيثِ والشَّأْنِ. ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةُ هي الَّتِي لِلتَّفْسِيرِ كَأنَّها تَفْسِيرٌ لِما أُذِّنُوا بِهِ كَما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ الأعْمَشَ قَرَأ (إنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ) بِكَسْرِ (إنَّ) عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ (أذَّنَ) مَجْرى ”قالَ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المُؤَذِّنَ أوْقَعَ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى مَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ.
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم ظالِمِينَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ قالَ أصْحابُنا: المُرادُ مِنهُ المُشْرِكُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُناظَرَةَ المُتَقَدِّمَةَ إنَّما وقَعَتْ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وبَيْنَ الكُفّارِ، بِدَلِيلِ أنَّ قَوْلَ أهْلِ الجَنَّةِ: هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا ؟ لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ إلّا مَعَ الكُفّارِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُ المُؤَذِّنِ بَعْدَهُ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُنْصَرِفًا إلَيْهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالظّالِمِينَ هَهُنا المُشْرِكُونَ، وأيْضًا أنَّهُ وصَفَ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ. هي مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ، وذَلِكَ يُقَوِّي ما ذَكَرْناهُ، وقالَ القاضِي: المُرادُ مِنهُ كُلُّ مَن كانَ ظالِمًا سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ كانَ فاسِقًا؛ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ومَعْناهُ: أنَّهم يَمْنَعُونَ النّاسَ مِن قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، تارَةً بِالزَّجْرِ والقَهْرِ، وأُخْرى بِسائِرِ الحِيَلِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ والمُرادُ مِنهُ إلْقاءُ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ في دَلائِلِ الدِّينِ الحَقِّ.
والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنْ تِلْكَ اللَّعْنَةَ إنَّما أوْقَعَها ذَلِكَ المُؤَذِّنُ عَلى الظّالِمِينَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، كانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِأنَّ تِلْكَ اللَّعْنَةَ ما وقَعَتْ إلّا عَلى الكافِرِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ ما ذَكَرَهُ القاضِي مِن أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ يَعُمُّ الفاسِقَ والكافِرَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ وعِيدَ الكُفّارِ وثَوابَ أهْلِ الإيمانِ والطّاعاتِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُناظَراتِ الَّتِي تَدُورُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ. وهي الأحْوالُ الَّتِي ذَكَرَها في هَذِهِ الآيَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَقَرُّوا في الجَنَّةِ في وقْتِ هَذا النِّداءِ، فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا النِّداءَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ الِاسْتِقْرارِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا في الدُّنْيا مِنَ الثَّوابِ حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم مِنَ العِقابِ حَقًّا ؟ والغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ إظْهارُ أنَّهُ وصْلٌ إلى السَّعاداتِ الكامِلَةِ وإيقاعُ الحُزْنِ في قَلْبِ العَدُوِّ وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا كانَتِ الجَنَّةُ في أعْلى السَّماواتِ والنّارُ في أسْفَلِ الأرْضِينَ فَمَعَ هَذا البُعْدِ الشَّدِيدِ كَيْفَ يَصِحُّ هَذا النِّداءُ ؟
والجَوابُ: هَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِنا: لِأنّا عِنْدَنا البُعْدَ الشَّدِيدَ والقُرْبَ الشَّدِيدَ لَيْسَ مِن مَوانِعِ الإدْراكِ، والتَزَمَ القاضِي ذَلِكَ وقالَ: إنَّ في العُلَماءِ مَن يَقُولُ: في الصَّوْتِ خاصِّيَّةُ أنَّ البُعْدَ فِيهِ وحْدَهُ لا يَكُونُ مانِعًا مِنَ السَّماعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَذا النِّداءُ يَقَعُ مِن كُلِّ أهْلِ الجَنَّةِ لِكُلِّ أهْلِ النّارِ أوْ مِنَ البَعْضِ لِلْبَعْضِ ؟
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ. والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ يُوَزَّعُ الفَرْدُ عَلى الفَرْدِ، وكُلُّ فَرِيقٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ يُنادِي مَن كانَ يَعْرِفُهُ مِنَ الكُفّارِ في الدُّنْيا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى (أنْ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ .
والجَوابُ: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً كالَّتِي سَبَقَتْ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ .
السُّؤالُ الرّابِعُ: هَلّا قِيلَ: (ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا) كَما قِيلَ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ ؟ .
والجَوابُ: قَوْلُهُ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خاطَبَهم بِهَذا الوَعْدِ، وكَوْنُهم مُخاطَبِينَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الوَعْدِ يُوجِبُ مَزِيدَ التَّشْرِيفِ. ومَزِيدُ التَّشْرِيفِ لائِقٌ بِحالِ المُؤْمِنِينَ، أمّا الكافِرُ فَهو لَيْسَ
صفحة ٧٠
أهْلًا لِأنْ يُخاطِبَهُ اللَّهُ تَعالى؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ خاطَبَهم بِهَذا الخِطابِ بَلْ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ بَيَّنَ هَذا الحُكْمَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَعْتَرِفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ ووَعِيدَهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا إذا كانُوا عارِفِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانُوا عارِفِينَ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، وثَبَتَ أنَّ مِن صِفاتِهِ أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، وعَلِمُوا بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِنْدَ قَبُولِ التَّوْبَةِ يَتَخَلَّصُونَ مِنَ العَذابِ، فَلِمَ لا يَتُوبُونَ لِيُخَلِّصُوا أنْفُسَهم مِنَ العَذابِ ؟
ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى إنَّما يَقْبَلُ التَّوْبَةَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [الشُّورى: ٢٥] عامٌّ في الأحْوالِ كُلِّها، وأيْضًا فالتَّوْبَةُ اعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ وإقْرارٌ بِالذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، واللّائِقُ بِالرَّحِيمِ الحَكِيمِ التَّجاوُزُ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ سَواءٌ كانَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
أجابَ المُتَكَلِّمُونَ: بِأنَّ شِدَّةَ اشْتِغالِهِمْ بِتِلْكَ الآلامِ الشَّدِيدَةِ يَمْنَعُهم عَنِ الإقْدامِ عَلى التَّوْبَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذا كانَتْ تِلْكَ الآلامُ لا تَمْنَعُهم عَنْ هَذِهِ المُناظَراتِ، فَكَيْفَ تَمْنَعُهم عَنِ التَّوْبَةِ الَّتِي بِها يَتَخَلَّصُونَ عَنْ تِلْكَ الآلامِ الشَّدِيدَةِ ؟
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ قَبُولُ التَّوْبَةِ لا خَلاصَ لَهم عَنْ هَذا السُّؤالِ. أمّا أصْحابُنا لَمّا قالُوا: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا. قالُوا: لِلَّهِ تَعالى أنْ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ في الدُّنْيا، وأنْ لا يَقْبَلَها في الآخِرَةِ، فَزالَ السُّؤالُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: (نَعَمْ) عِدَةٌ وتَصْدِيقٌ، وقالَ الَّذِينَ شَرَحُوا كَلامَهُ: مَعْناهُ أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ تارَةً عِدَةً، وتارَةً تَصْدِيقًا، ولَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ عِدَةٌ وتَصْدِيقٌ مَعًا، ألا تَرى أنَّهُ إذا قالَ: أتُعْطِينِي ؟ وقالَ: نَعَمْ. كانَ عِدَةً ولا تَصْدِيقَ فِيهِ، وإذا قالَ: قَدْ كانَ كَذا وكَذا. فَقُلْتَ: نَعَمْ، فَقَدْ صَدَقْتَ ولا عِدَةَ فِيهِ، وأيْضًا إذا اسْتَفْهَمْتَ عَنْ مُوجَبٍ كَما يُقالُ: أيَقُومُ زَيْدٌ ؟ قُلْتَ: نَعَمْ. ولَوْ كانَ مَكانُ الإيجابِ نَفْيًا لَقُلْتَ: بَلى، ولَمْ تَقُلْ: نَعَمْ. فَلَفْظَةُ نَعَمْ مُخْتَصَّةٌ بِالجَوابِ عَنِ الإيجابِ، ولَفْظَةُ بَلى مُخْتَصَّةٌ بِالنَّفْيِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعْرافِ: ١٧٢] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ (نَعِمْ) بِكَسْرِ العَيْنِ في كُلِّ القُرْآنِ. قالَ أبُو الحَسَنِ: هُما لُغَتانِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: الكَسْرُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، واحْتَجَّ الكِسائِيُّ بِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ سَألَ قَوْمًا عَنْ شَيْءٍ فَقالُوا: نَعَمْ. فَقالَ عُمَرُ: أمّا النَّعَمُ فالإبِلُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذِهِ الرِّوايَةُ عَنْ عُمَرَ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى التَّأْذِينِ في اللُّغَةِ النِّداءُ والتَّصْوِيتُ بِالإعْلامِ، والأذانُ لِلصَّلاةِ إعْلامٌ بِها وبِوَقْتِها، وقالُوا في: ﴿أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مُنادٍ أسْمَعَ الفَرِيقَيْنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ المُؤَذِّنُ مِنَ المَلائِكَةِ وهو صاحِبُ الصُّورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (بَيْنَهم) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ: (أذَّنَ) والتَّقْدِيرُ: أنَّ المُؤَذِّنَ أوْقَعَ ذَلِكَ
صفحة ٧١
الأذانَ بَيْنَهم، وفي وسَطِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: (مُؤَذِّنٌ) والتَّقْدِيرُ: أنَّ مُؤَذِّنًا مِن بَيْنِهِمْ أذَّنَ بِذَلِكَ الأذانِ، والأوَّلُ أوْلى. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ (أنْ) مُخَفَّفَةً (لَعْنَةُ) بِالرَّفْعِ، والباقُونَ مُشَدَّدَةً (لَعْنَةَ) بِالنَّصْبِ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَن شَدَّدَ فَهو الأصْلُ، ومَن خَفَّفَ (أنْ) فَهي مُخَفَّفَةٌ مِنَ الشَّدِيدَةِ عَلى إرادَةِ إضْمارِ القِصَّةِ والحَدِيثُ تَقْدِيرُهُ أنَّهُ لَعَنَةُ اللَّهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يُونُسَ: ١٠] التَّقْدِيرُ: أنَّهُ، ولا تُخَفَّفُ أنْ إلّا ويَكُونُ مَعَها إضْمارُ الحَدِيثِ والشَّأْنِ. ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةُ هي الَّتِي لِلتَّفْسِيرِ كَأنَّها تَفْسِيرٌ لِما أُذِّنُوا بِهِ كَما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ الأعْمَشَ قَرَأ (إنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ) بِكَسْرِ (إنَّ) عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ (أذَّنَ) مَجْرى ”قالَ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المُؤَذِّنَ أوْقَعَ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى مَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ.
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم ظالِمِينَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ قالَ أصْحابُنا: المُرادُ مِنهُ المُشْرِكُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُناظَرَةَ المُتَقَدِّمَةَ إنَّما وقَعَتْ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وبَيْنَ الكُفّارِ، بِدَلِيلِ أنَّ قَوْلَ أهْلِ الجَنَّةِ: هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا ؟ لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ إلّا مَعَ الكُفّارِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُ المُؤَذِّنِ بَعْدَهُ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُنْصَرِفًا إلَيْهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالظّالِمِينَ هَهُنا المُشْرِكُونَ، وأيْضًا أنَّهُ وصَفَ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ. هي مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ، وذَلِكَ يُقَوِّي ما ذَكَرْناهُ، وقالَ القاضِي: المُرادُ مِنهُ كُلُّ مَن كانَ ظالِمًا سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ كانَ فاسِقًا؛ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ومَعْناهُ: أنَّهم يَمْنَعُونَ النّاسَ مِن قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، تارَةً بِالزَّجْرِ والقَهْرِ، وأُخْرى بِسائِرِ الحِيَلِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ والمُرادُ مِنهُ إلْقاءُ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ في دَلائِلِ الدِّينِ الحَقِّ.
والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنْ تِلْكَ اللَّعْنَةَ إنَّما أوْقَعَها ذَلِكَ المُؤَذِّنُ عَلى الظّالِمِينَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، كانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِأنَّ تِلْكَ اللَّعْنَةَ ما وقَعَتْ إلّا عَلى الكافِرِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ ما ذَكَرَهُ القاضِي مِن أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ يَعُمُّ الفاسِقَ والكافِرَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٧٢
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ يَعْنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ أوْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وهَذا الحِجابُ هو المَشْهُورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحَدِيدِ: ١٣] .
فَإنْ قِيلَ: وأيُّ حاجَةٍ إلى ضَرْبِ هَذا السُّورِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماواتِ، وأنَّ الجَحِيمَ في أسْفَلِ السّافِلِينَ ؟
قُلْنا: بُعْدُ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى لا يَمْنَعُ أنْ يَحْصُلَ بَيْنَهُما سُورٌ وحِجابٌ، وأمّا الأعْرافُ فَهو جَمْعُ عُرْفٍ وهو كُلُّ مَكانٍ عالٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ عُرْفُ الفَرَسِ وعُرْفُ الدِّيكِ، وكُلُّ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ عُرْفٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِسَبَبِ ارْتِفاعِهِ يَصِيرُ أعْرَفَ مِمّا انْخَفَضَ مِنهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الأعْرافِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ المُرادَ مِنَ الأعْرافِ أعالِي ذَلِكَ السُّورِ المَضْرُوبِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الأعْرافُ شَرَفُ الصِّراطِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَوْلُ الزَّجّاجِ: في أحَدِ قَوْلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الأعْرافِ﴾ أيْ: وعَلى مَعْرِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بِسِيماهم. فَقِيلَ لِلْحَسَنِ: هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم ؟ فَضَرَبَ عَلى فَخْذَيْهِ ثُمَّ قالَ: هم قَوْمٌ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَعَرُّفِ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، يُمَيِّزُونَ البَعْضَ مِنَ البَعْضِ، واللَّهِ لا أدْرِي لَعَلَّ بَعْضَهُمُ الآنَ مَعَنا.
أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ هم عَلى الأعْرافِ مَن هم ؟ ولَقَدْ كَثُرَتِ الأقْوالُ فِيهِمْ وهي مَحْصُورَةٌ في قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ الأشْرافُ مِن أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ الثَّوابِ.
الثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّهم أقْوامٌ يَكُونُونَ في الدَّرَجَةِ السّافِلَةِ مِن أهْلِ الثَّوابِ.
أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ أبُو مِجْلَزٍ. هم مَلائِكَةٌ يَعْرِفُونَ أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ، فَقِيلَ لَهُ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ وتَزْعُمُ أنَّهم مَلائِكَةٌ ؟ فَقالَ: المَلائِكَةُ ذُكُورٌ لا إناثٌ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الوَصْفُ بِالرُّجُولِيَّةِ إنَّما يَحْسُنُ في المَوْضِعِ الَّذِي يَحْصُلُ في مُقابَلَةِ الرَّجُلِ مَن يَكُونُ أُنْثى، ولَمّا امْتَنَعَ كَوْنُ المَلَكِ أُنْثى امْتَنَعَ وصْفُهم بِالرُّجُولِيَّةِ.
وثانِيَها: قالُوا: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْلَسَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أعالِي ذَلِكَ السُّورِ تَمْيِيزًا لَهم عَنْ سائِرِ أهْلِ القِيامَةِ، وإظْهارًا لِشَرَفِهِمْ، وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وأجْلَسَهم عَلى ذَلِكَ المَكانِ العالِي لِيَكُونُوا مُشْرِفِينَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ مُطَّلِعِينَ عَلى أحْوالِهِمْ ومَقادِيرِ ثَوابِهِمْ وعِقابِهِمْ.
وثالِثُها: قالُوا: إنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ أصْحابَ الأعْرافِ بِأنَّهم يَعْرِفُونَ كُلَّ واحِدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ.
ثُمَّ قالَ قَوْمٌ: إنَّهم يَعْرِفُونَ أهْلَ الجَنَّةِ بِكَوْنِ وُجُوهِهِمْ ضاحِكَةً مُسْتَبْشِرَةً، وأهْلَ النّارِ بِسَوادِ وُجُوهِهِمْ وزُرْقَةِ عُيُونِهِمْ، وهَذا الوَجْهُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ أهْلَ الأعْرافِ بِأنَّهم يَعْرِفُونَ كُلَّ واحِدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ بِسِيماهم، ولَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرُوهُ لَما بَقِيَ لِأهْلِ الأعْرافِ اخْتِصاصٌ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ومِن أهْلِ النّارِ يَعْرِفُونَ هَذِهِ الأحْوالَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ومِن أهْلِ النّارِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا الوَجْهُ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾ هو أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ في الدُّنْيا أهْلَ الخَيْرِ والإيمانِ والصَّلاحِ، وأهْلَ الشَّرِّ والكُفْرِ والفَسادِ. وهم كانُوا في الدُّنْيا شُهَداءَ اللَّهِ عَلى أهْلِ الإيمانِ والطّاعَةِ وعَلى أهْلِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَهو تَعالى يُجْلِسُهم عَلى الأعْرافِ -وهِيَ الأمْكِنَةُ العالِيَةُ الرَّفِيعَةُ- لِيَكُونُوا مُطَّلِعِينَ عَلى الكُلِّ
صفحة ٧٣
يَشْهَدُونَ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ، ويَعْرِفُونَ أنَّ أهْلَ الثَّوابِ وصَلُوا إلى الدَّرَجاتِ، وأهْلَ العِقابِ إلى الدِّرْكاتِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ باطِلَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ أصْحابِ الأعْرافِ أنَّهم ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ أيْ: لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ وهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها، وهَذا الوَصْفُ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ، والمَلائِكَةِ والشُّهَداءِ.
أجابَ الذّاهِبُونَ إلى هَذا الوَجْهِ بِأنْ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ مِن صِفاتِ أصْحابِ الأعْرافِ أنَّ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ يَتَأخَّرُ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى مَيَّزَهم عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، وأجْلَسَهم عَلى تِلْكَ الشُّرُفاتِ العالِيَةِ والأمْكِنَةِ المُرْتَفِعَةِ لِيُشاهِدُوا أحْوالَ أهْلِ الجَنَّةِ وأحْوالَ أهْلِ النّارِ فَيَلْحَقُهُمُ السُّرُورُ العَظِيمُ بِمُشاهَدَةِ تِلْكَ الأحْوالِ، ثُمَّ إذا اسْتَقَرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَنْقُلُهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى أمْكِنَتِهِمُ العالِيَةِ في الجَنَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهم غَيْرَ داخِلِينَ في الجَنَّةِ لا يَمْنَعُ مِن كَمالِ شَرَفِهِمْ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ فالمُرادُ مِن هَذا الطَّمَعِ اليَقِينُ. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٢] وذَلِكَ الطَّمَعُ كانَ طَمَعَ يَقِينٍ، فَكَذا هَهُنا. فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ أصْحابَ الأعْرافِ هم أشْرافُ أهْلِ الجَنَّةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مَن يَقُولُ: أصْحابُ الأعْرافِ أقْوامٌ يَكُونُونَ في الدَّرَجَةِ النّازِلَةِ مِن أهْلِ الثَّوابِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم فَلا جَرَمَ ما كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ ولا مِن أهْلِ النّارِ، فَأوْقَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الأعْرافِ؛ لِكَوْنِها دَرَجَةً مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الجَنَّةِ وبَيْنَ النّارِ. ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ بِفَضْلِهِ ورَحِمَتِهِ وهم آخِرُ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وهَذا قَوْلُ حُذَيْفَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما واخْتِيارُ الفَرّاءِ.
وطَعَنَ الجُبّائِيُّ والقاضِي في هَذا القَوْلِ. واحْتَجُّوا عَلى فَسادِهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ قالُوا: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِدُخُولِها، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِوُجُودِ أقْوامٍ لا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، ثُمَّ إنَّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِمَحْضِ التَّفَضُّلِ لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ.
وثانِيهِما: أنَّ كَوْنَهم مِن أصْحابِ الأعْرافِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مَيَّزَهم مِن جَمِيعِ أهْلِ القِيامَةِ بِأنْ أجْلَسَهم عَلى الأماكِنِ العالِيَةِ المُشْرِفَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، وذَلِكَ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، ومِثْلُ هَذا التَّشْرِيفِ لا يَلِيقُ إلّا بِالأشْرافِ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم فَدَرَجَتُهم قاصِرَةٌ، فَلا يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ خِطابًا مَعَ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، فَلَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ أهْلِ الجَنَّةِ كَذَلِكَ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى أجْلَسَهم عَلى تِلْكَ المَواضِعِ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ بِمَزِيدِ التَّشْرِيفِ والإكْرامِ، وإنَّما أجْلَسَهم عَلَيْها؛ لِأنَّها كالمَرْتَبَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهَلِ النِّزاعُ إلّا في ذَلِكَ ؟ فَثَبَتَ أنَّ الحُجَّةَ الَّتِي عَوَّلُوا عَلَيْها في إبْطالِ هَذا الوَجْهِ ضَعِيفَةٌ.
* * *
الوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ أصْحابِ الأعْرافِ. قالُوا: المُرادُ مِن أصْحابِ الأعْرافِ أقْوامٌ خَرَجُوا إلى الغَزْوِ بِغَيْرِ إذَنِ آبائِهِمْ فاسْتُشْهِدُوا فَحُبِسُوا بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ.
صفحة ٧٤
واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ داخِلٌ في القَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ إنَّما صارُوا مِن أصْحابِ الأعْرافِ؛ لِأنَّ مَعْصِيَتَهم ساوَتْ طاعَتَهم بِالجِهادِ، فَهَذا أحَدُ الأُمُورِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ الوَجْهِ الأوَّلِ. وبِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ ذَلِكَ الوَجْهُ. فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِ هَذِهِ الصُّورَةِ وقَصْرِ لَفْظِ الآيَةِ عَلَيْها.
والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَرْثِ: إنَّهم مَساكِينُ أهْلِ الجَنَّةِ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّهُمُ الفُسّاقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، يَعْفُو اللَّهُ عَنْهم ويُسْكِنُهم في الأعْرافِ. فَهَذا كُلُّهُ شَرْحُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: الأعْرافُ عِبارَةٌ عَنِ الأمْكِنَةِ العالِيَةِ عَلى السُّورِ المَضْرُوبِ بَيْنَ الجَنَّةِ وبَيْنَ النّارِ.
وأمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: الأعْرافُ عِبارَةٌ عَنِ الرِّجالِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ؛ فَهَذا القَوْلُ أيْضًا غَيْرُ بَعِيدٍ إلّا أنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ لا بُدَّ لَهم مِن مَكانٍ عالٍ يُشْرِفُونَ مِنهُ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ. وحِينَئِذٍ يَعُودُ هَذا القَوْلُ إلى القَوْلِ الأوَّلِ. فَهَذِهِ تَفاصِيلُ أقْوالِ النّاسِ في هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ يَعْرِفُونَ كُلًّا مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ بِسِيماهُمْ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: (بِسِيماهم) عَلى وُجُوهٍ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ سِيما الرَّجُلِ المُسْلِمِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ بَياضُ وجْهِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٠٦] وكَوْنُ وُجُوهِهِمْ مُسْفِرَةً ضاحِكَةً مُسْتَبْشِرَةً، وكَوْنُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أغَرَّ مُحَجَّلًا مِن آثارِ الوُضُوءِ، وعَلامَةُ الكُفّارِ سَوادُ وُجُوهِهِمْ، وكَوْنُ وُجُوهِهِمْ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ، وكَوْنُ عُيُونِهِمْ زُرْقًا.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم لَمّا شاهَدُوا أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلَ النّارِ في النّارِ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى أنْ يُسْتَدَلَّ عَلى كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ بِهَذِهِ العَلاماتِ ؟ لِأنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى الِاسْتِدْلالِ عَلى ما عُلِمَ وجُودُهُ بِالحِسِّ، وذَلِكَ باطِلٌ.
وأيْضًا فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ مُخْتَصُّونَ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَمْ يَبْقَ هَذا الِاخْتِصاصُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمُورٌ مَحْسُوسَةٌ، فَلا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِها شَخْصٌ دُونَ شَخْصٍ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ كانُوا يَعْرِفُونَ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا بِظُهُورِ عَلاماتِ الإيمانِ والطّاعاتِ عَلَيْهِمْ، ويَعْرِفُونَ الكافِرِينَ في الدُّنْيا أيْضًا بِظُهُورِ عَلاماتِ الكُفْرِ والفِسْقِ عَلَيْهِمْ، فَإذا شاهَدُوا أُولَئِكَ الأقْوامَ في مَحْفِلِ القِيامَةِ مَيَّزُوا البَعْضَ عَنِ البَعْضِ بِتِلْكَ العَلاماتِ الَّتِي شاهَدُوها عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وهَذا الوَجْهُ هو المُخْتارُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فالمَعْنى إنَّهم إذا نَظَرُوا إلى أهْلِ الجَنَّةِ سَلَّمُوا عَلى أهْلِها، وعِنْدَ هَذا تَمَّ كَلامُ أهْلِ الأعْرافِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، ومَعَ ذَلِكَ فَهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها، ثُمَّ إنْ قُلْنا: إنَّ أصْحابَ الأعْرافِ هُمُ الأشْرافُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى إنَّما أجْلَسَهم عَلى الأعْرافِ، وأخَّرَ إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ لِيَطَّلِعُوا عَلى أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَنْقُلُهم إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ في الجَنَّةِ، كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ أهْلَ الدَّرَجاتِ العُلا لَيَراهم مَن تَحْتَهم كَما تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ في أُفُقِ السَّماءِ، وإنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ مِنهم» “ .
وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ هم أشْرافُ أهْلِ القِيامَةِ، فَعِنْدَ وُقُوفِ أهْلِ القِيامَةِ في المَوْقِفِ يُجْلِسُ اللَّهُ أهْلَ الأعْرافِ في
صفحة ٧٥
الأعْرافِ، وهي المَواضِعُ العالِيَةُ الشَّرِيفَةُ، فَإذا أدْخَلَ أهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلَ النّارِ النّارَ نَقْلَهم إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ في الجَنَّةِ، فَهم أبَدًا لا يَجْلِسُونَ إلّا في الدَّرَجاتِ العالِيَةِ.
وأمّا إنْ فَسَّرْنا أصْحابَ الأعْرافِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ في الدَّرَجَةِ النّازِلَةِ مِن أهْلِ النَّجاةِ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى يُجْلِسُهم في الأعْرافِ وهم يَطْمَعُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ أنْ يَنْقُلَهم مِن تِلْكَ المَواضِعِ إلى الجَنَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: التِّلْقاءُ جِهَةُ اللِّقاءِ، وهي جِهَةُ المُقابَلَةِ، ولِذَلِكَ كانَ ظَرْفا مِن ظُرُوفِ المَكانِ، يُقالُ: فُلانٌ تِلْقاءُكَ، كَما يُقالُ: هو حِذاءُكَ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا، ثُمَّ نَقَلَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِإسْنادِهِ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ الكُوفِيِّينَ والمُبَرَّدِ عَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُما قالا: لَمْ يَأْتِ مِنَ المَصادِرِ عَلى تِفْعالٍ ”إلّا“ حَرْفانِ تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ، فَإذا تَرَكْتُ هَذَيْنِ اسْتَوى ذَلِكَ القِياسُ، فَقُلْتُ: في كُلِّ مَصْدَرٍ تَفْعالٌ بِفَتْحِ التّاءِ، مِثْلُ تَسْيارٍ وتَرْسالٍ. وقُلْتُ: في كُلِّ اسْمٍ تِفْعالٌ بِكَسْرِ التّاءِ، مِثْلُ تِمْثالٍ وتِقْصارٍ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ كُلَّما وقَعَتْ أبْصارُ أصْحابِ الأعْرافِ عَلى أهْلِ النّارِ تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ لا يَجْعَلَهم مِن زُمْرَتِهِمْ. والمَقْصُودُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ التَّخْوِيفُ، حَتّى يُقْدِمَ المَرْءُ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ولا يَرْضى بِالتَّقْلِيدِ لِيَفُوزَ بِالدِّينِ الحَقِّ، فَيَصِلُ بِسَبَبِهِ إلى الثَّوابِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآياتِ، ويَتَخَلَّصُ عَنِ العِقابِ المَذْكُورِ فِيها.
الأعراف 7:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
صفحة ٧٢
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ يَعْنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ أوْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وهَذا الحِجابُ هو المَشْهُورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحَدِيدِ: ١٣] .
فَإنْ قِيلَ: وأيُّ حاجَةٍ إلى ضَرْبِ هَذا السُّورِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماواتِ، وأنَّ الجَحِيمَ في أسْفَلِ السّافِلِينَ ؟
قُلْنا: بُعْدُ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى لا يَمْنَعُ أنْ يَحْصُلَ بَيْنَهُما سُورٌ وحِجابٌ، وأمّا الأعْرافُ فَهو جَمْعُ عُرْفٍ وهو كُلُّ مَكانٍ عالٍ مُرْتَفِعٍ، ومِنهُ عُرْفُ الفَرَسِ وعُرْفُ الدِّيكِ، وكُلُّ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ عُرْفٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِسَبَبِ ارْتِفاعِهِ يَصِيرُ أعْرَفَ مِمّا انْخَفَضَ مِنهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الأعْرافِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّ المُرادَ مِنَ الأعْرافِ أعالِي ذَلِكَ السُّورِ المَضْرُوبِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الأعْرافُ شَرَفُ الصِّراطِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَوْلُ الزَّجّاجِ: في أحَدِ قَوْلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الأعْرافِ﴾ أيْ: وعَلى مَعْرِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ بِسِيماهم. فَقِيلَ لِلْحَسَنِ: هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم ؟ فَضَرَبَ عَلى فَخْذَيْهِ ثُمَّ قالَ: هم قَوْمٌ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَعَرُّفِ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، يُمَيِّزُونَ البَعْضَ مِنَ البَعْضِ، واللَّهِ لا أدْرِي لَعَلَّ بَعْضَهُمُ الآنَ مَعَنا.
أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ هم عَلى الأعْرافِ مَن هم ؟ ولَقَدْ كَثُرَتِ الأقْوالُ فِيهِمْ وهي مَحْصُورَةٌ في قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ الأشْرافُ مِن أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ الثَّوابِ.
الثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّهم أقْوامٌ يَكُونُونَ في الدَّرَجَةِ السّافِلَةِ مِن أهْلِ الثَّوابِ.
أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ أبُو مِجْلَزٍ. هم مَلائِكَةٌ يَعْرِفُونَ أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ، فَقِيلَ لَهُ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ وتَزْعُمُ أنَّهم مَلائِكَةٌ ؟ فَقالَ: المَلائِكَةُ ذُكُورٌ لا إناثٌ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الوَصْفُ بِالرُّجُولِيَّةِ إنَّما يَحْسُنُ في المَوْضِعِ الَّذِي يَحْصُلُ في مُقابَلَةِ الرَّجُلِ مَن يَكُونُ أُنْثى، ولَمّا امْتَنَعَ كَوْنُ المَلَكِ أُنْثى امْتَنَعَ وصْفُهم بِالرُّجُولِيَّةِ.
وثانِيَها: قالُوا: إنَّهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْلَسَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أعالِي ذَلِكَ السُّورِ تَمْيِيزًا لَهم عَنْ سائِرِ أهْلِ القِيامَةِ، وإظْهارًا لِشَرَفِهِمْ، وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وأجْلَسَهم عَلى ذَلِكَ المَكانِ العالِي لِيَكُونُوا مُشْرِفِينَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ مُطَّلِعِينَ عَلى أحْوالِهِمْ ومَقادِيرِ ثَوابِهِمْ وعِقابِهِمْ.
وثالِثُها: قالُوا: إنَّهم هُمُ الشُّهَداءُ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ أصْحابَ الأعْرافِ بِأنَّهم يَعْرِفُونَ كُلَّ واحِدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ.
ثُمَّ قالَ قَوْمٌ: إنَّهم يَعْرِفُونَ أهْلَ الجَنَّةِ بِكَوْنِ وُجُوهِهِمْ ضاحِكَةً مُسْتَبْشِرَةً، وأهْلَ النّارِ بِسَوادِ وُجُوهِهِمْ وزُرْقَةِ عُيُونِهِمْ، وهَذا الوَجْهُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ أهْلَ الأعْرافِ بِأنَّهم يَعْرِفُونَ كُلَّ واحِدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ بِسِيماهم، ولَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرُوهُ لَما بَقِيَ لِأهْلِ الأعْرافِ اخْتِصاصٌ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ومِن أهْلِ النّارِ يَعْرِفُونَ هَذِهِ الأحْوالَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ومِن أهْلِ النّارِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا الوَجْهُ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾ هو أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ في الدُّنْيا أهْلَ الخَيْرِ والإيمانِ والصَّلاحِ، وأهْلَ الشَّرِّ والكُفْرِ والفَسادِ. وهم كانُوا في الدُّنْيا شُهَداءَ اللَّهِ عَلى أهْلِ الإيمانِ والطّاعَةِ وعَلى أهْلِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَهو تَعالى يُجْلِسُهم عَلى الأعْرافِ -وهِيَ الأمْكِنَةُ العالِيَةُ الرَّفِيعَةُ- لِيَكُونُوا مُطَّلِعِينَ عَلى الكُلِّ
صفحة ٧٣
يَشْهَدُونَ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ، ويَعْرِفُونَ أنَّ أهْلَ الثَّوابِ وصَلُوا إلى الدَّرَجاتِ، وأهْلَ العِقابِ إلى الدِّرْكاتِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ باطِلَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ أصْحابِ الأعْرافِ أنَّهم ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ أيْ: لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ وهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها، وهَذا الوَصْفُ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ، والمَلائِكَةِ والشُّهَداءِ.
أجابَ الذّاهِبُونَ إلى هَذا الوَجْهِ بِأنْ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ مِن صِفاتِ أصْحابِ الأعْرافِ أنَّ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ يَتَأخَّرُ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى مَيَّزَهم عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، وأجْلَسَهم عَلى تِلْكَ الشُّرُفاتِ العالِيَةِ والأمْكِنَةِ المُرْتَفِعَةِ لِيُشاهِدُوا أحْوالَ أهْلِ الجَنَّةِ وأحْوالَ أهْلِ النّارِ فَيَلْحَقُهُمُ السُّرُورُ العَظِيمُ بِمُشاهَدَةِ تِلْكَ الأحْوالِ، ثُمَّ إذا اسْتَقَرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَنْقُلُهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى أمْكِنَتِهِمُ العالِيَةِ في الجَنَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهم غَيْرَ داخِلِينَ في الجَنَّةِ لا يَمْنَعُ مِن كَمالِ شَرَفِهِمْ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ فالمُرادُ مِن هَذا الطَّمَعِ اليَقِينُ. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٢] وذَلِكَ الطَّمَعُ كانَ طَمَعَ يَقِينٍ، فَكَذا هَهُنا. فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ أصْحابَ الأعْرافِ هم أشْرافُ أهْلِ الجَنَّةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مَن يَقُولُ: أصْحابُ الأعْرافِ أقْوامٌ يَكُونُونَ في الدَّرَجَةِ النّازِلَةِ مِن أهْلِ الثَّوابِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم فَلا جَرَمَ ما كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ ولا مِن أهْلِ النّارِ، فَأوْقَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الأعْرافِ؛ لِكَوْنِها دَرَجَةً مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الجَنَّةِ وبَيْنَ النّارِ. ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ بِفَضْلِهِ ورَحِمَتِهِ وهم آخِرُ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وهَذا قَوْلُ حُذَيْفَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما واخْتِيارُ الفَرّاءِ.
وطَعَنَ الجُبّائِيُّ والقاضِي في هَذا القَوْلِ. واحْتَجُّوا عَلى فَسادِهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ قالُوا: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِدُخُولِها، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِوُجُودِ أقْوامٍ لا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، ثُمَّ إنَّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِمَحْضِ التَّفَضُّلِ لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ.
وثانِيهِما: أنَّ كَوْنَهم مِن أصْحابِ الأعْرافِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مَيَّزَهم مِن جَمِيعِ أهْلِ القِيامَةِ بِأنْ أجْلَسَهم عَلى الأماكِنِ العالِيَةِ المُشْرِفَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ، وذَلِكَ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، ومِثْلُ هَذا التَّشْرِيفِ لا يَلِيقُ إلّا بِالأشْرافِ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم فَدَرَجَتُهم قاصِرَةٌ، فَلا يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ خِطابًا مَعَ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، فَلَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ أهْلِ الجَنَّةِ كَذَلِكَ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى أجْلَسَهم عَلى تِلْكَ المَواضِعِ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ بِمَزِيدِ التَّشْرِيفِ والإكْرامِ، وإنَّما أجْلَسَهم عَلَيْها؛ لِأنَّها كالمَرْتَبَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهَلِ النِّزاعُ إلّا في ذَلِكَ ؟ فَثَبَتَ أنَّ الحُجَّةَ الَّتِي عَوَّلُوا عَلَيْها في إبْطالِ هَذا الوَجْهِ ضَعِيفَةٌ.
* * *
الوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ أصْحابِ الأعْرافِ. قالُوا: المُرادُ مِن أصْحابِ الأعْرافِ أقْوامٌ خَرَجُوا إلى الغَزْوِ بِغَيْرِ إذَنِ آبائِهِمْ فاسْتُشْهِدُوا فَحُبِسُوا بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ.
صفحة ٧٤
واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ داخِلٌ في القَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ إنَّما صارُوا مِن أصْحابِ الأعْرافِ؛ لِأنَّ مَعْصِيَتَهم ساوَتْ طاعَتَهم بِالجِهادِ، فَهَذا أحَدُ الأُمُورِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ الوَجْهِ الأوَّلِ. وبِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ ذَلِكَ الوَجْهُ. فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِ هَذِهِ الصُّورَةِ وقَصْرِ لَفْظِ الآيَةِ عَلَيْها.
والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَرْثِ: إنَّهم مَساكِينُ أهْلِ الجَنَّةِ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّهُمُ الفُسّاقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، يَعْفُو اللَّهُ عَنْهم ويُسْكِنُهم في الأعْرافِ. فَهَذا كُلُّهُ شَرْحُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: الأعْرافُ عِبارَةٌ عَنِ الأمْكِنَةِ العالِيَةِ عَلى السُّورِ المَضْرُوبِ بَيْنَ الجَنَّةِ وبَيْنَ النّارِ.
وأمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: الأعْرافُ عِبارَةٌ عَنِ الرِّجالِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ؛ فَهَذا القَوْلُ أيْضًا غَيْرُ بَعِيدٍ إلّا أنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ لا بُدَّ لَهم مِن مَكانٍ عالٍ يُشْرِفُونَ مِنهُ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ. وحِينَئِذٍ يَعُودُ هَذا القَوْلُ إلى القَوْلِ الأوَّلِ. فَهَذِهِ تَفاصِيلُ أقْوالِ النّاسِ في هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ يَعْرِفُونَ كُلًّا مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ بِسِيماهُمْ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: (بِسِيماهم) عَلى وُجُوهٍ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ سِيما الرَّجُلِ المُسْلِمِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ بَياضُ وجْهِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٠٦] وكَوْنُ وُجُوهِهِمْ مُسْفِرَةً ضاحِكَةً مُسْتَبْشِرَةً، وكَوْنُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أغَرَّ مُحَجَّلًا مِن آثارِ الوُضُوءِ، وعَلامَةُ الكُفّارِ سَوادُ وُجُوهِهِمْ، وكَوْنُ وُجُوهِهِمْ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ، وكَوْنُ عُيُونِهِمْ زُرْقًا.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم لَمّا شاهَدُوا أهْلَ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلَ النّارِ في النّارِ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى أنْ يُسْتَدَلَّ عَلى كَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ بِهَذِهِ العَلاماتِ ؟ لِأنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى الِاسْتِدْلالِ عَلى ما عُلِمَ وجُودُهُ بِالحِسِّ، وذَلِكَ باطِلٌ.
وأيْضًا فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ مُخْتَصُّونَ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَمْ يَبْقَ هَذا الِاخْتِصاصُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أُمُورٌ مَحْسُوسَةٌ، فَلا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِها شَخْصٌ دُونَ شَخْصٍ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ كانُوا يَعْرِفُونَ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا بِظُهُورِ عَلاماتِ الإيمانِ والطّاعاتِ عَلَيْهِمْ، ويَعْرِفُونَ الكافِرِينَ في الدُّنْيا أيْضًا بِظُهُورِ عَلاماتِ الكُفْرِ والفِسْقِ عَلَيْهِمْ، فَإذا شاهَدُوا أُولَئِكَ الأقْوامَ في مَحْفِلِ القِيامَةِ مَيَّزُوا البَعْضَ عَنِ البَعْضِ بِتِلْكَ العَلاماتِ الَّتِي شاهَدُوها عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وهَذا الوَجْهُ هو المُخْتارُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فالمَعْنى إنَّهم إذا نَظَرُوا إلى أهْلِ الجَنَّةِ سَلَّمُوا عَلى أهْلِها، وعِنْدَ هَذا تَمَّ كَلامُ أهْلِ الأعْرافِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، ومَعَ ذَلِكَ فَهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها، ثُمَّ إنْ قُلْنا: إنَّ أصْحابَ الأعْرافِ هُمُ الأشْرافُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى إنَّما أجْلَسَهم عَلى الأعْرافِ، وأخَّرَ إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ لِيَطَّلِعُوا عَلى أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَنْقُلُهم إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ في الجَنَّةِ، كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ أهْلَ الدَّرَجاتِ العُلا لَيَراهم مَن تَحْتَهم كَما تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ في أُفُقِ السَّماءِ، وإنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ مِنهم» “ .
وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ هم أشْرافُ أهْلِ القِيامَةِ، فَعِنْدَ وُقُوفِ أهْلِ القِيامَةِ في المَوْقِفِ يُجْلِسُ اللَّهُ أهْلَ الأعْرافِ في
صفحة ٧٥
الأعْرافِ، وهي المَواضِعُ العالِيَةُ الشَّرِيفَةُ، فَإذا أدْخَلَ أهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلَ النّارِ النّارَ نَقْلَهم إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ في الجَنَّةِ، فَهم أبَدًا لا يَجْلِسُونَ إلّا في الدَّرَجاتِ العالِيَةِ.
وأمّا إنْ فَسَّرْنا أصْحابَ الأعْرافِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ في الدَّرَجَةِ النّازِلَةِ مِن أهْلِ النَّجاةِ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى يُجْلِسُهم في الأعْرافِ وهم يَطْمَعُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ أنْ يَنْقُلَهم مِن تِلْكَ المَواضِعِ إلى الجَنَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: التِّلْقاءُ جِهَةُ اللِّقاءِ، وهي جِهَةُ المُقابَلَةِ، ولِذَلِكَ كانَ ظَرْفا مِن ظُرُوفِ المَكانِ، يُقالُ: فُلانٌ تِلْقاءُكَ، كَما يُقالُ: هو حِذاءُكَ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا، ثُمَّ نَقَلَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِإسْنادِهِ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنِ الكُوفِيِّينَ والمُبَرَّدِ عَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُما قالا: لَمْ يَأْتِ مِنَ المَصادِرِ عَلى تِفْعالٍ ”إلّا“ حَرْفانِ تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ، فَإذا تَرَكْتُ هَذَيْنِ اسْتَوى ذَلِكَ القِياسُ، فَقُلْتُ: في كُلِّ مَصْدَرٍ تَفْعالٌ بِفَتْحِ التّاءِ، مِثْلُ تَسْيارٍ وتَرْسالٍ. وقُلْتُ: في كُلِّ اسْمٍ تِفْعالٌ بِكَسْرِ التّاءِ، مِثْلُ تِمْثالٍ وتِقْصارٍ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ كُلَّما وقَعَتْ أبْصارُ أصْحابِ الأعْرافِ عَلى أهْلِ النّارِ تَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ لا يَجْعَلَهم مِن زُمْرَتِهِمْ. والمَقْصُودُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ التَّخْوِيفُ، حَتّى يُقْدِمَ المَرْءُ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ولا يَرْضى بِالتَّقْلِيدِ لِيَفُوزَ بِالدِّينِ الحَقِّ، فَيَصِلُ بِسَبَبِهِ إلى الثَّوابِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآياتِ، ويَتَخَلَّصُ عَنِ العِقابِ المَذْكُورِ فِيها.
الأعراف 7:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بُقُولِهِ: ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا﴾ أتْبَعُهُ أيْضًا بِأنَّ أصْحابَ الأعْرافِ يُنادُونَ رِجالًا مِن أهْلِ النّارِ، واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ أهْلِ النّارِ لِأجْلِ أنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن يُبَكِّتُ ويُوَبِّخُ، ولا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِأكابِرِهِمْ، والمُرادُ بِالجَمْعِ، إمّا جَمْعُ المالِ، وإمّا الِاجْتِماعُ والكَثْرَةُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ والمُرادُ: اسْتِكْبارُهم عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، واسْتِكْبارُهم عَلى النّاسِ المُحِقِّينَ. وقُرِئَ (تَسْتَكْثِرُونَ) مِنَ الكَثْرَةِ، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى شَماتَةِ أصْحابِ الأعْرافِ بِوُقُوعِ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ في العِقابِ، وعَلى تَبْكِيتٍ عَظِيمٍ يَحْصُلُ لِأُولَئِكَ المُخاطَبِينَ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ، ثُمَّ زادُوا عَلى هَذا التَّبْكِيتِ، وهو قَوْلُهم: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ فَأشارُوا إلى فَرِيقٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كانُوا يَسْتَضْعِفُونَهم ويَسْتَقِلُّونَ أحْوالَهم، ورُبَّما هَزُؤُوا بِهِمْ، وأنِفُوا مِن مُشارَكَتِهِمْ في دِينِهِمْ، فَإذا رَأى مَن كانَ يَدَّعِي التَّقَدُّمَ حُصُولَ المَنزِلَةِ العالِيَةِ، لِمَن كانَ مُسْتَضْعَفًا عِنْدَهُ قَلِقَ لِذَلِكَ، وعَظُمَتْ حَسْرَتُهُ ونَدامَتُهُ عَلى ما كانَ مِنهُ في نَفْسِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هم أصْحابُ الأعْرافِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم ذَلِكَ، أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا القَوْلِ. وقِيلَ: بَلْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. والمُرادُ أنَّهُ
صفحة ٧٦
تَعالى يَحُثُّ أصْحابَ الأعْرافِ بِالدُّخُولِ في الجَنَّةِ، واللُّحُوقِ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ. وقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ولا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ لَهم هَذا كَما قالَ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١٠] وانْقَطَعَ هَهُنا كَلامُ المَلَأِ. ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فاتَّصَلَ كَلامُهُ بِكَلامِهِمْ مِن غَيْرِ إظْهارِ فارِقٍ، فَكَذا هَهُنا.
الأعراف 7:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بُقُولِهِ: ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا﴾ أتْبَعُهُ أيْضًا بِأنَّ أصْحابَ الأعْرافِ يُنادُونَ رِجالًا مِن أهْلِ النّارِ، واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ أهْلِ النّارِ لِأجْلِ أنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن يُبَكِّتُ ويُوَبِّخُ، ولا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِأكابِرِهِمْ، والمُرادُ بِالجَمْعِ، إمّا جَمْعُ المالِ، وإمّا الِاجْتِماعُ والكَثْرَةُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ والمُرادُ: اسْتِكْبارُهم عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، واسْتِكْبارُهم عَلى النّاسِ المُحِقِّينَ. وقُرِئَ (تَسْتَكْثِرُونَ) مِنَ الكَثْرَةِ، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى شَماتَةِ أصْحابِ الأعْرافِ بِوُقُوعِ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ في العِقابِ، وعَلى تَبْكِيتٍ عَظِيمٍ يَحْصُلُ لِأُولَئِكَ المُخاطَبِينَ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ، ثُمَّ زادُوا عَلى هَذا التَّبْكِيتِ، وهو قَوْلُهم: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ فَأشارُوا إلى فَرِيقٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كانُوا يَسْتَضْعِفُونَهم ويَسْتَقِلُّونَ أحْوالَهم، ورُبَّما هَزُؤُوا بِهِمْ، وأنِفُوا مِن مُشارَكَتِهِمْ في دِينِهِمْ، فَإذا رَأى مَن كانَ يَدَّعِي التَّقَدُّمَ حُصُولَ المَنزِلَةِ العالِيَةِ، لِمَن كانَ مُسْتَضْعَفًا عِنْدَهُ قَلِقَ لِذَلِكَ، وعَظُمَتْ حَسْرَتُهُ ونَدامَتُهُ عَلى ما كانَ مِنهُ في نَفْسِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هم أصْحابُ الأعْرافِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم ذَلِكَ، أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا القَوْلِ. وقِيلَ: بَلْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. والمُرادُ أنَّهُ
صفحة ٧٦
تَعالى يَحُثُّ أصْحابَ الأعْرافِ بِالدُّخُولِ في الجَنَّةِ، واللُّحُوقِ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ. وقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ولا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ لَهم هَذا كَما قالَ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١٠] وانْقَطَعَ هَهُنا كَلامُ المَلَأِ. ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فاتَّصَلَ كَلامُهُ بِكَلامِهِمْ مِن غَيْرِ إظْهارِ فارِقٍ، فَكَذا هَهُنا.
الأعراف 7:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بُقُولِهِ: ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا﴾ أتْبَعُهُ أيْضًا بِأنَّ أصْحابَ الأعْرافِ يُنادُونَ رِجالًا مِن أهْلِ النّارِ، واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ أهْلِ النّارِ لِأجْلِ أنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن يُبَكِّتُ ويُوَبِّخُ، ولا يَلِيقُ أيْضًا إلّا بِأكابِرِهِمْ، والمُرادُ بِالجَمْعِ، إمّا جَمْعُ المالِ، وإمّا الِاجْتِماعُ والكَثْرَةُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ والمُرادُ: اسْتِكْبارُهم عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، واسْتِكْبارُهم عَلى النّاسِ المُحِقِّينَ. وقُرِئَ (تَسْتَكْثِرُونَ) مِنَ الكَثْرَةِ، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى شَماتَةِ أصْحابِ الأعْرافِ بِوُقُوعِ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ في العِقابِ، وعَلى تَبْكِيتٍ عَظِيمٍ يَحْصُلُ لِأُولَئِكَ المُخاطَبِينَ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ، ثُمَّ زادُوا عَلى هَذا التَّبْكِيتِ، وهو قَوْلُهم: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ فَأشارُوا إلى فَرِيقٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كانُوا يَسْتَضْعِفُونَهم ويَسْتَقِلُّونَ أحْوالَهم، ورُبَّما هَزُؤُوا بِهِمْ، وأنِفُوا مِن مُشارَكَتِهِمْ في دِينِهِمْ، فَإذا رَأى مَن كانَ يَدَّعِي التَّقَدُّمَ حُصُولَ المَنزِلَةِ العالِيَةِ، لِمَن كانَ مُسْتَضْعَفًا عِنْدَهُ قَلِقَ لِذَلِكَ، وعَظُمَتْ حَسْرَتُهُ ونَدامَتُهُ عَلى ما كانَ مِنهُ في نَفْسِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هم أصْحابُ الأعْرافِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم ذَلِكَ، أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا القَوْلِ. وقِيلَ: بَلْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. والمُرادُ أنَّهُ
صفحة ٧٦
تَعالى يَحُثُّ أصْحابَ الأعْرافِ بِالدُّخُولِ في الجَنَّةِ، واللُّحُوقِ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ. وقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ولا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ لَهم هَذا كَما قالَ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعْرافِ: ١١٠] وانْقَطَعَ هَهُنا كَلامُ المَلَأِ. ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فاتَّصَلَ كَلامُهُ بِكَلامِهِمْ مِن غَيْرِ إظْهارِ فارِقٍ، فَكَذا هَهُنا.
الأعراف 7:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما يَقُولُهُ أصْحابُ الأعْرافِ لِأهْلِ النّارِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَقُولُهُ أهْلُ النّارِ لِأهْلِ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا صارَ أصْحابُ الأعْرافِ إلى الجَنَّةِ، طَمِعَ أهْلُ النّارِ بِفَرَجٍ بَعْدَ اليَأْسِ. فَقالُوا: يا رَبِّ إنَّ لَنا قَراباتٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَأْذَنْ لَنا حَتّى نَراهم ونُكَلِّمَهم، فَأمَرَ اللَّهُ الجَنَّةَ فَتَزَحْزَحَتْ، ثُمَّ نَظَرَ أهْلُ جَهَنَّمَ إلى قَراباتِهِمْ في الجَنَّةِ وما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَعَرَفُوهم، ونَظَرَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى قَراباتِهِمْ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ فَلَمْ يَعْرِفُوهم، وقَدِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وصارُوا خَلْقًا آخَرَ، فَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأسْمائِهِمْ وقالُوا: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ وإنَّما طَلَبُوا الماءَ خاصَّةً لِشِدَّةِ ما في بَواطِنِهِمْ مِنَ الِاحْتِراقِ واللَّهِيبِ بِسَبَبِ شِدَّةِ حَرِّ جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿أفِيضُوا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ أعْلى مَكانًا مِن أهْلِ النّارِ.
فَإنْ قِيلَ: أسَألُوا مَعَ الرَّجاءِ والجَوازِ، أوْ مَعَ اليَأْسِ ؟
قُلْنا: ما حَكَيْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهم طَلَبُوا الماءَ مَعَ جَوازِ الحُصُولِ. وقالَ القاضِي: بَلْ مَعَ اليَأْسِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَرَفُوا دَوامَ عِقابِهِمْ، وأنَّهُ لا يَفْتُرُ عَنْهم، ولَكِنَّ الآيِسَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يَطْلُبُهُ كَما يُقالُ في المَثَلِ: الغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِالزَّبَدِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يُغِيثُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قِيلَ: إنَّهُ الثِّمارُ، وقِيلَ: إنَّهُ الطَّعامُ، وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَطَشِ الشَّدِيدِ، والجُوعِ الشَّدِيدِ لَهم، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْسِلُ عَلى أهْلِ النّارِ الجُوعَ حَتّى يَزْدادَ عَذابُهم، فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغاثُونَ بِالضَّرِيعِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ. ثُمَّ يَسْتَغِيثُونَ فَيُغاثُونَ بِطَعامٍ ذِي غُصَّةٍ، ثُمَّ يَذْكُرُونَ الشَّرابَ فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُدْفَعُ إلَيْهِمُ الحَمِيمُ والصَّدِيدُ بِكَلالِيبِ
صفحة ٧٧
الحَدِيدِ فَيَقْطَعُ ما في بُطُونِهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ إلى أهْلِ الجَنَّةِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَيَقُولُ أهْلُ الجَنَّةِ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ، ويَقُولُونَ لِمالِكٍ: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُجِيبُهم عَلى ما قِيلَ بَعْدَ ألْفِ عامٍ، ويَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٧] فَيُجِيبُهم ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] فَعِنْدَ ذَلِكَ يَيْأسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ، ويَأْخُذُونَ في الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ ذَكَرَ في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَرَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كُلَّ جُمُعَةٍ، ولِمَنزِلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم ألْفُ بابٍ، فَإذا رَأوُا اللَّهَ تَعالى، دَخَلَ مِن كُلِّ بابٍ مَلَكٌ مَعَهُ الهَدايا الشَّرِيفَةُ وقالَ: إنَّ نَخْلَ الجَنَّةِ خَشَبُها الزُّمُرُّدُ، وتُرابُها الذَّهَبُ الأحْمَرُ، وسَعَفُها حُلَلٌ وكِسْوَةٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ، وثَمَرُها أمْثالُ القِلالِ أوِ الدِّلاءِ، أشَدُّ بَياضًا مِنَ الفِضَّةِ وألْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ وأحْلى مِنَ العَسَلِ، لا عَجَمَ لَهُ.
فَهَذا صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ، وصِفَةُ أهْلِ النّارِ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ: أنَّ قارِئًا قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ في تَذْكِرَةِ الأُسْتاذِ أبِي عَلِيٍّ الدَّقّاقِ، فَقالَ الأُسْتاذُ: هَؤُلاءِ كانَتْ رَغْبَتُهم وشَهْوَتُهم في الدُّنْيا في الشُّرْبِ والأكْلِ، وفي الآخِرَةِ بَقُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَمُوتُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ، ويُحْشَرُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لَمّا طَلَبُوا الماءَ والطَّعامَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ قالَ أهْلُ الجَنَّةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ الخَيْبَةَ التّامَّةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا، وفِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الَّذِي اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ دِينُهم، تَلاعَبُوا بِهِ، وما كانُوا فِيهِ مُجِدِّينَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُمُ اتَّخَذُوا اللَّهْوَ واللَّعِبَ دِينًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المُسْتَهْزِئِينَ المُقْتَسِمِينَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وهو مَجازٌ لِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا لا تَغُرُّ في الحَقِيقَةِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ حَصَلَ الغُرُورُ عِنْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَطْمَعُ في طُولِ العُمُرِ وحُسْنِ العَيْشِ وكَثْرَةِ المالِ وقُوَّةِ الجاهِ، فَلِشِدَّةِ رَغْبَتِهِ في هَذِهِ الأشْياءِ يَصِيرُ مَحْجُوبًا عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، غَرَقًا في طَلَبِ الدُّنْيا، ثُمَّ لَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى أُولَئِكَ الكُفّارَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ النِّسْيانَ هو التَّرْكُ. والمَعْنى: نَتْرُكُهم في عَذابِهِمْ كَما تَرَكُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ هَذا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِ والأكْثَرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى نَنْساهم كَما نَسُوا، أيْ نُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن نَسِيَ، نَتْرُكُهم في النّارِ كَما فَعَلُوا هم في الإعْراضِ بِآياتِنا، وبِالجُمْلَةِ فَسَمّى اللَّهُ جَزاءَ نِسْيانِهِمْ بِالنِّسْيانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] والمُرادُ مِن هَذا النِّسْيانِ أنَّهُ لا يُجِيبُ دُعاءَهم ولا يَرْحَمُهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ هَذِهِ التَّشْدِيداتِ إنَّما كانَ لِأنَّهم كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ. وفي الآيَةِ لَطِيفَةٌ عَجِيبَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ كانُوا كافِرِينَ ثُمَّ بَيَّنَ مِن حالِهِمْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا أوَّلًا، ثُمَّ لَعِبًا ثانِيًا، ثُمَّ غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ثالِثًا، ثُمَّ صارَ عاقِبَةُ هَذِهِ الأحْوالِ والدَّرَجاتِ أنَّهم جَحَدُوا بِآياتِ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا مَبْدَأُ كُلِّ آفَةٍ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» “، وقَدْ يُؤَدِّي حُبُّ الدُّنْيا إلى الكُفْرِ والضَّلالِ.
الأعراف 7:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما يَقُولُهُ أصْحابُ الأعْرافِ لِأهْلِ النّارِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَقُولُهُ أهْلُ النّارِ لِأهْلِ الجَنَّةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا صارَ أصْحابُ الأعْرافِ إلى الجَنَّةِ، طَمِعَ أهْلُ النّارِ بِفَرَجٍ بَعْدَ اليَأْسِ. فَقالُوا: يا رَبِّ إنَّ لَنا قَراباتٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَأْذَنْ لَنا حَتّى نَراهم ونُكَلِّمَهم، فَأمَرَ اللَّهُ الجَنَّةَ فَتَزَحْزَحَتْ، ثُمَّ نَظَرَ أهْلُ جَهَنَّمَ إلى قَراباتِهِمْ في الجَنَّةِ وما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَعَرَفُوهم، ونَظَرَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى قَراباتِهِمْ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ فَلَمْ يَعْرِفُوهم، وقَدِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وصارُوا خَلْقًا آخَرَ، فَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأسْمائِهِمْ وقالُوا: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ وإنَّما طَلَبُوا الماءَ خاصَّةً لِشِدَّةِ ما في بَواطِنِهِمْ مِنَ الِاحْتِراقِ واللَّهِيبِ بِسَبَبِ شِدَّةِ حَرِّ جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿أفِيضُوا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ أعْلى مَكانًا مِن أهْلِ النّارِ.
فَإنْ قِيلَ: أسَألُوا مَعَ الرَّجاءِ والجَوازِ، أوْ مَعَ اليَأْسِ ؟
قُلْنا: ما حَكَيْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهم طَلَبُوا الماءَ مَعَ جَوازِ الحُصُولِ. وقالَ القاضِي: بَلْ مَعَ اليَأْسِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَرَفُوا دَوامَ عِقابِهِمْ، وأنَّهُ لا يَفْتُرُ عَنْهم، ولَكِنَّ الآيِسَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يَطْلُبُهُ كَما يُقالُ في المَثَلِ: الغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِالزَّبَدِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يُغِيثُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ قِيلَ: إنَّهُ الثِّمارُ، وقِيلَ: إنَّهُ الطَّعامُ، وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَطَشِ الشَّدِيدِ، والجُوعِ الشَّدِيدِ لَهم، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُرْسِلُ عَلى أهْلِ النّارِ الجُوعَ حَتّى يَزْدادَ عَذابُهم، فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغاثُونَ بِالضَّرِيعِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ. ثُمَّ يَسْتَغِيثُونَ فَيُغاثُونَ بِطَعامٍ ذِي غُصَّةٍ، ثُمَّ يَذْكُرُونَ الشَّرابَ فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُدْفَعُ إلَيْهِمُ الحَمِيمُ والصَّدِيدُ بِكَلالِيبِ
صفحة ٧٧
الحَدِيدِ فَيَقْطَعُ ما في بُطُونِهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ إلى أهْلِ الجَنَّةِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَيَقُولُ أهْلُ الجَنَّةِ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ، ويَقُولُونَ لِمالِكٍ: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُجِيبُهم عَلى ما قِيلَ بَعْدَ ألْفِ عامٍ، ويَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٧] فَيُجِيبُهم ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] فَعِنْدَ ذَلِكَ يَيْأسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ، ويَأْخُذُونَ في الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ ذَكَرَ في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم يَرَوْنَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كُلَّ جُمُعَةٍ، ولِمَنزِلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم ألْفُ بابٍ، فَإذا رَأوُا اللَّهَ تَعالى، دَخَلَ مِن كُلِّ بابٍ مَلَكٌ مَعَهُ الهَدايا الشَّرِيفَةُ وقالَ: إنَّ نَخْلَ الجَنَّةِ خَشَبُها الزُّمُرُّدُ، وتُرابُها الذَّهَبُ الأحْمَرُ، وسَعَفُها حُلَلٌ وكِسْوَةٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ، وثَمَرُها أمْثالُ القِلالِ أوِ الدِّلاءِ، أشَدُّ بَياضًا مِنَ الفِضَّةِ وألْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ وأحْلى مِنَ العَسَلِ، لا عَجَمَ لَهُ.
فَهَذا صِفَةُ أهْلِ الجَنَّةِ، وصِفَةُ أهْلِ النّارِ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ: أنَّ قارِئًا قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ في تَذْكِرَةِ الأُسْتاذِ أبِي عَلِيٍّ الدَّقّاقِ، فَقالَ الأُسْتاذُ: هَؤُلاءِ كانَتْ رَغْبَتُهم وشَهْوَتُهم في الدُّنْيا في الشُّرْبِ والأكْلِ، وفي الآخِرَةِ بَقُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَمُوتُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ، ويُحْشَرُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لَمّا طَلَبُوا الماءَ والطَّعامَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ قالَ أهْلُ الجَنَّةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ الخَيْبَةَ التّامَّةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا، وفِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الَّذِي اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ دِينُهم، تَلاعَبُوا بِهِ، وما كانُوا فِيهِ مُجِدِّينَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُمُ اتَّخَذُوا اللَّهْوَ واللَّعِبَ دِينًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المُسْتَهْزِئِينَ المُقْتَسِمِينَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وهو مَجازٌ لِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا لا تَغُرُّ في الحَقِيقَةِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ حَصَلَ الغُرُورُ عِنْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَطْمَعُ في طُولِ العُمُرِ وحُسْنِ العَيْشِ وكَثْرَةِ المالِ وقُوَّةِ الجاهِ، فَلِشِدَّةِ رَغْبَتِهِ في هَذِهِ الأشْياءِ يَصِيرُ مَحْجُوبًا عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، غَرَقًا في طَلَبِ الدُّنْيا، ثُمَّ لَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى أُولَئِكَ الكُفّارَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا النِّسْيانِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ النِّسْيانَ هو التَّرْكُ. والمَعْنى: نَتْرُكُهم في عَذابِهِمْ كَما تَرَكُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ هَذا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِ والأكْثَرِينَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى نَنْساهم كَما نَسُوا، أيْ نُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن نَسِيَ، نَتْرُكُهم في النّارِ كَما فَعَلُوا هم في الإعْراضِ بِآياتِنا، وبِالجُمْلَةِ فَسَمّى اللَّهُ جَزاءَ نِسْيانِهِمْ بِالنِّسْيانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] والمُرادُ مِن هَذا النِّسْيانِ أنَّهُ لا يُجِيبُ دُعاءَهم ولا يَرْحَمُهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ هَذِهِ التَّشْدِيداتِ إنَّما كانَ لِأنَّهم كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ. وفي الآيَةِ لَطِيفَةٌ عَجِيبَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ كانُوا كافِرِينَ ثُمَّ بَيَّنَ مِن حالِهِمْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا أوَّلًا، ثُمَّ لَعِبًا ثانِيًا، ثُمَّ غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ثالِثًا، ثُمَّ صارَ عاقِبَةُ هَذِهِ الأحْوالِ والدَّرَجاتِ أنَّهم جَحَدُوا بِآياتِ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ الدُّنْيا مَبْدَأُ كُلِّ آفَةٍ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» “، وقَدْ يُؤَدِّي حُبُّ الدُّنْيا إلى الكُفْرِ والضَّلالِ.
الأعراف 7:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ، وأهْلِ الأعْرافِ، ثُمَّ شَرَحَ الكَلِماتِ الدّائِرَةَ بَيْنَ هَؤُلاءِ الفِرَقِ الثَّلاثِ عَلى وجْهٍ يَصِيرُ سَماعُ تِلْكَ المُناظَراتِ حامِلًا لِلْمُكَلَّفِ عَلى الحَذَرِ والِاحْتِرازِ، وداعِيًا لَهُ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، بَيَّنَ شَرَفَ هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ ونِهايَةَ مَنفَعَتِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ﴾ وهو القُرْآنُ (فَصَّلْناهُ) أيْ مَيَّزْنا بَعْضَهُ عَنْ بَعْضٍ، تَمْيِيزًا يَهْدِي إلى الرُّشْدِ ويُؤْمِنُ عَنِ الغَلَطِ والخَبْطِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ فالمُرادُ أنَّ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ والتَّمْيِيزَ إنَّما حَصَلَ مَعَ العِلْمِ التّامِّ بِما في كُلِّ فَصْلٍ مِن تِلْكَ الفُصُولِ مِنَ الفَوائِدِ المُتَكاثِرَةِ، والمَنافِعِ المُتَزايِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: (هُدًى) في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ فَصَّلْناهُ هادِيًا وذا رَحْمَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ جُعِلَ هُدًى لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، والمُرادُ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] واحْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالعِلْمِ، خِلافًا لِما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عِلْمٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ إزاحَةَ العِلَّةِ بِسَبَبِ إنْزالِ هَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ المُوجِبِ لِلْهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ حالَ مَن كَذَّبَ فَقالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ والنَّظَرُ هَهُنا بِمَعْنى الِانْتِظارِ والتَّوَقُّعِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَتَوَقَّعُونَ ويَنْتَظِرُونَ مَعَ جَحْدِهِمْ لَهُ وإنْكارِهِمْ ؟
قُلْنا: لَعَلَّ فِيهِمْ أقْوامًا تَشَكَّكُوا وتَوَقَّفُوا، فَلِهَذا السَّبَبِ انْتَظَرُوهُ، وأيْضًا إنَّهم وإنْ كانُوا جاحِدِينَ إلّا أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُنْتَظِرِينَ مِن حَيْثُ إنَّ تِلْكَ الأحْوالَ تَأْتِيهِمْ لا مَحالَةَ، وقَوْلُهُ: (إلّا تَأْوِيلَهُ) قالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (تَأْوِيلَهُ) لِلْكِتابِ يُرِيدُ عاقِبَةَ ما وُعِدُوا بِهِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. والتَّأْوِيلُ مَرْجِعُ الشَّيْءِ ومَصِيرُهُ مِن قَوْلِهِمْ: آلَ الشَّيْءُ يَئُولُ.
وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] أيْ ما يَعْلَمُ عاقِبَةَ الأمْرِ فِيهِ إلّا اللَّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: (يَوْمَ) نُصِبَ بِقَوْلِهِ: (يَقُولُ)، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ مَعْناهُ أنَّهم صارُوا في الإعْراضِ عَنْهُ بِمَنزِلَةِ مَن نَسِيَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (نَسُوهُ) أيْ تَرَكُوا العَمَلَ بِهِ والإيمانَ بِهِ، وهَذا كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَسُوا يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُونَ: ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾
صفحة ٧٩
والمُرادُ أنَّهم أقَرُّوا بِأنَّ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن ثُبُوتِ الحَشْرِ، والنَّشْرِ، والبَعْثِ، والقِيامَةِ، والثَّوابِ، والعِقابِ، كُلُّ ذَلِكَ كانَ حَقًّا، وإنَّما أقَرُّوا بِحَقِيقَةِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ لِأنَّهم شاهَدُوها وعايَنُوها، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَمّا رَأوْا أنْفُسَهم في العَذابِ قالُوا: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا طَرِيقَ لَنا إلى الخَلاصِ مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ إلّا أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: وهو أنْ يَشْفَعَ لَنا شَفِيعٌ، فَلِأجْلِ تِلْكَ الشَّفاعَةِ يَزُولُ هَذا العَذابُ، أوْ يَرُدُّنا اللَّهُ تَعالى إلى الدُّنْيا حَتّى نَعْمَلَ غَيْرَ ما كُنّا نَعْمَلُ يَعْنِي نُوَحِّدُ اللَّهَ تَعالى بَدَلًا عَنِ الكُفْرِ، ونُطِيعُهُ بَدَلًا عَنِ المَعْصِيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: أقالُوا هَذا الكَلامَ مَعَ الرَّجاءِ أوْ مَعَ اليَأْسِ ؟ وجَوابُنا عَنْهُ مِثْلُ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أنَّ الَّذِي طَلَبُوهُ لا يَكُونُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَطْلُوبَ لَوْ حَصَلَ لَما حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يُرِيدُ أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالأصْنامِ الَّتِي عَبَدُوها في الدُّنْيا ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِنُصْرَةِ الأدْيانِ الباطِلَةِ الَّتِي بالَغُوا في نُصْرَتِها، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُكْمَيْنِ:
الحُكْمُ الأوَّلُ
قالَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا في حالِ التَّكْلِيفِ قادِرِينَ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ فَلِذَلِكَ سَألُوا الرَّدَّ لِيُؤْمِنُوا ويَتُوبُوا، ولَوْ كانُوا في الدُّنْيا غَيْرَ قادِرِينَ، كَما يَقُولُهُ المُجْبِرَةُ، لَمْ يَكُنْ لَهم في الرَّدِّ فائِدَةٌ ولا جازَ أنْ يَسْألُوا ذَلِكَ.
الحُكْمُ الثّانِي
أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ والَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ أهْلَ الآخِرَةِ مُكَلَّفُونَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما سَألُوا الرَّدَّ إلى حالٍ وهم في الوَقْتِ عَلى مِثْلِها، بَلْ كانُوا يَتُوبُونَ ويُؤْمِنُونَ في الحالِ، فَبَطَلَ ما حُكِيَ عَنِ النَّجّارِ وطَبَقَتِهِ مِن أنَّ التَّكْلِيفَ باقٍ عَلى أهْلِ الآخِرَةِ.