Tafsir Al-Razi — الأعراف 7:88 – الأعراف 7:142
المحتويات
- الأعراف 7:88
- الأعراف 7:89
- الأعراف 7:90
- الأعراف 7:91
- الأعراف 7:92
- الأعراف 7:93
- الأعراف 7:94
- الأعراف 7:95
- الأعراف 7:96
- الأعراف 7:97
- الأعراف 7:98
- الأعراف 7:99
- الأعراف 7:100
- الأعراف 7:101
- الأعراف 7:102
- الأعراف 7:103
- الأعراف 7:104
- الأعراف 7:105
- الأعراف 7:106
- الأعراف 7:107
- الأعراف 7:108
- الأعراف 7:109
- الأعراف 7:110
- الأعراف 7:111
- الأعراف 7:112
- الأعراف 7:113
- الأعراف 7:114
- الأعراف 7:115
- الأعراف 7:116
- الأعراف 7:117
- الأعراف 7:118
- الأعراف 7:119
- الأعراف 7:120
- الأعراف 7:121
- الأعراف 7:122
- الأعراف 7:123
- الأعراف 7:124
- الأعراف 7:125
- الأعراف 7:126
- الأعراف 7:127
- الأعراف 7:128
- الأعراف 7:129
- الأعراف 7:130
- الأعراف 7:131
- الأعراف 7:132
- الأعراف 7:133
- الأعراف 7:134
- الأعراف 7:135
- الأعراف 7:136
- الأعراف 7:137
- الأعراف 7:138
- الأعراف 7:139
- الأعراف 7:140
- الأعراف 7:141
- الأعراف 7:142
الأعراف 7:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ شُعَيْبًا لَمّا قَرَّرَ تِلْكَ الكَلِماتِ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وأنِفُوا مِن تَصْدِيقِهِ وقَبُولِ قَوْلِهِ لا بُدَّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ:
إمّا أنْ نُخْرِجَكَ ونُخْرِجَ أتْباعَكَ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ.
وإمّا أنْ تَعُودَ إلى مِلَّتِنا.
والإشْكالُ فِيهِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهم: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى مِلَّتِهِمُ الَّتِي هي الكُفْرُ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كافِرًا قَبْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ في غايَةِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ يَدُلُّ أيْضًا عَلى هَذا المَعْنى.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أتْباعَ شُعَيْبٍ كانُوا قَبْلَ دُخُولِهِمْ في دِينِهِ كُفّارًا، فَخاطَبُوا شُعَيْبًا بِخِطابِ أتْباعِهِ وأجْرَوْا عَلَيْهِ أحْكامَهم.
الثّانِي: أنَّ رُؤَساءَهم قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّلْبِيسِ عَلى العَوامِّ يُوهِمُونَ أنَّهُ كانَ مِنهم، وأنَّ شُعَيْبًا ذَكَرَ جَوابَهُ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الإيهامِ.
الثّالِثُ: أنَّ شُعَيْبًا في أوَّلِ أمْرِهِ كانَ يُخْفِي دِينَهُ ومَذْهَبَهُ، فَتَوَهَّمُوا أنَّهُ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ.
الرّابِعُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ شُعَيْبًا كانَ عَلى شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِالوَحْيِ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْهِ.
الخامِسُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ أيْ لَتَصِيرُنَّ إلى مِلَّتِنا، فَوَقَعَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ، يُرِيدُونَ قَدْ صارَ إلَيَّ مِنهُ المَكْرُوهُ ابْتِداءً. قالَ الشّاعِرُ:
فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَ مُدَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ
أرادَ فَقَدْ صارَتْ لَهُنَّ ذُنُوبٌ، ولَمْ يَرِدْ أنَّ ذُنُوبًا كانَتْ لَهُنَّ قَبْلَ الإحْسانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ كَلامِهِمْ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ الهَمْزَةُ
صفحة ١٤٥
لِلِاسْتِفْهامِ، والواوُ واوُ الحالِ، تَقْدِيرُهُ: أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا ومَعَ كَوْنِنا كارِهِينَ ؟ .
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ والجَوابُ الأوَّلُ يَجْرِي مَجْرى الرَّمْزِ في أنَّهُ لا يَعُودُ إلى مِلَّتِهِمْ، وهَذا الجَوابُ الثّانِي تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّهُ إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ فَقَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ. وأصْلُ البابِ في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ صِدْقُ اللَّهْجَةِ، والبَراءَةُ عَنِ الكَذِبِ، فالعَوْدُ في مِلَّتِكم يُبْطِلُ النُّبُوَّةَ، ويُزِيلُ الرِّسالَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْنى ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ عَلَّمَنا قُبْحَهُ وفَسادَهُ، ونَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى أنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ نَجّى قَوْمَهُ مِن تِلْكَ المِلَّةِ، إلّا أنَّهُ نَظَمَ نَفْسَهُ في جُمْلَتِهِمْ، وإنْ كانَ بَرِيئًا مِنهُ، إجْراءَ الكَلامِ عَلى حُكْمِ التَّغْلِيبِ.
والثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ أُوهِمُوا أنَّهُ كانَ عَلى مِلَّتِهِمْ، أوِ اعْتَقَدُوا أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ أيِ حَسَبَ مُعْتَقَدِكم وزَعْمِكم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَشاءُ الكُفْرَ، والمُعْتَزِلَةُ يَتَمَسَّكُونَ بِها عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ إلّا الخَيْرَ والصَّلاحَ. أمّا وجْهُ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا بِهَذِهِ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُنَجِّيَ مِنَ الكُفْرِ هو اللَّهُ تَعالى، ولَوْ كانَ الإيمانُ يَحْصُلُ بِخَلْقِ العَبْدِ لَكانَتِ النَّجاةُ مِنَ الكُفْرِ تَحْصُلُ لِلْإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ .
الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ لَنا أنَّ نَعُودَ إلى مِلَّتِكم إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ يُعِيدَنا إلى تِلْكَ المِلَّةِ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ المِلَّةُ كُفْرًا كانَ هَذا تَجْوِيزًا مِن شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعِيدَهم إلى الكُفْرِ، فَكادَ هَذا يَكُونُ تَصْرِيحًا مِن شُعَيْبٍ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ شاءَ رَدَّ المُسْلِمَ إلى الكُفْرِ، وذَلِكَ غَيْرُ مَذْهَبِنا. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ تَزَلِ الأنْبِياءُ والأكابِرُ يَخافُونَ العاقِبَةَ وانْقِلابَ الأمْرِ ألا تَرى إلى قَوْلِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وكَثِيرًا ما كانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: ”«يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ والأبْصارِ ثَبِّتْ قُلُوبَنا عَلى دِينِكَ وطاعَتِكَ» “ وقالَ يُوسُفُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] .
أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: لَيْسَ لَنا أنْ نَعُودَ إلى تِلْكَ المِلَّةِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ يُعِيدَنا إلَيْها - قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، ولَيْسَ فِيها بَيانٌ أنَّهُ تَعالى شاءَ ذَلِكَ أوْ ما شاءَ.
والثّانِي: أنَّ هَذا مَذْكُورٌ عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ، كَما يُقالُ: لا أفْعَلُ ذَلِكَ إلّا إذا ابْيَضَّ القارُ، وشابَ الغُرابُ، فَعَلَّقَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَوْدَهُ إلى مِلَّتِهِمْ عَلى مَشِيئَتِهِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَكُونُ نَفْيًا لِذَلِكَ أصْلًا، فَهو عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ، لا عَلى وجْهِ الشَّرْطِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ أنَّ الَّذِي شاءَهُ اللَّهُ ما هو، فَنَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا بِأنْ يُظْهِرَ هَذا الكُفْرَ مِن أنْفُسِنا إذا أكْرَهْتُمُونا عَلَيْهِ بِالقَتْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الإكْراهِ عَلى إظْهارِ الكُفْرِ بِالقَتْلِ يَجُوزُ إظْهارُهُ، وما كانَ جائِزًا كانَ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، وكَوْنُ الضَّمِيرِ أفْضَلَ مِنَ الإظْهارِ، لا يُخْرِجُ ذَلِكَ الإظْهارَ مِن أنْ يَكُونَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى، كَما أنَّ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ مُرادُ اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ أفْضَلَ.
الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ﴾ المُرادُ: الإخْراجُ عَنِ القَرْيَةِ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ كانَ حَرَّمَ عَلَيْهِ إذا أخْرَجُوهُ عَنِ القَرْيَةِ أنْ يَعُودَ فِيها إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ.
الخامِسُ: أنْ نَقُولَ يَجِبُ حَمْلُ المَشِيئَةِ هَهُنا عَلى الأمْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ إذا شاءَ كانَ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيْ يَكُونَ ذَلِكَ العَوْدُ جائِزًا،
صفحة ١٤٦
والمَشِيئَةُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لا تُوجِبُ جَوازَ الفِعْلِ، فَإنَّهُ تَعالى يَشاءُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ عِنْدَهم، ولا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، إنَّما الَّذِي يُوجِبُ الجَوازَ هو الأمْرُ. فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ المَشِيئَةِ هَهُنا الأمْرُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: إلّا أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِعَوْدِنا في مِلَّتِكم فَإنّا نَعُودُ إلَيْها، والشَّرِيعَةُ الَّتِي صارَتْ مَنسُوخَةً لا يَبْعُدُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِالعَمَلِ بِها مَرَّةً أُخْرى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ اسْتِدْلالُكم.
والوَجْهُ السّادِسُ لِلْقَوْمِ في الجَوابِ: ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ، فَقالَ: المُرادُ مِنَ المِلَّةِ الشَّرِيعَةُ الَّتِي يَجُوزُ اخْتِلافُ العِبادَةِ فِيها بِالأوْقاتِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ وغَيْرِهِما، فَقالَ شُعَيْبٌ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ ولَمّا دَخَلَ في ذَلِكَ كُلُّ ما هم عَلَيْهِ، وكانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ بَعْضُ تِلْكَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ باقِيًا غَيْرَ مَنسُوخٍ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ والمَعْنى: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إبْقاءَ بَعْضِها فَيَدُلَّنا عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ نَعُودُ إلَيْها. فَهَذا الِاسْتِثْناءُ عائِدٌ إلى الأحْكامِ الَّتِي يَجُوزُ دُخُولُ النَّسْخِ والتَّغْيِيرِ فِيها، وغَيْرُ عائِدٍ إلى ما لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ البَتَّةَ. فَهَذِهِ أسْئِلَةُ القَوْمِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وهي جَيِّدَةٌ، وفي الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا كَثْرَةٌ، ولا يَلْزَمُ مِن ضَعْفِ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ دُخُولُ الضَّعْفِ في المَذْهَبِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: لَمّا قالُوا: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَوْدَنا إلَيْها لَكانَ لَنا أنْ نَعُودَ إلَيْها، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ما شاءَ اللَّهُ وُجُودَهُ كانَ فِعْلُهُ جائِزًا مَأْذُونًا فِيهِ، ولَمْ يَكُنْ حَرامًا. قالُوا: وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ حُصُولَهُ كانَ حَسَنًا مَأْذُونًا فِيهِ، وما كانَ حَرامًا مَمْنُوعًا مِنهُ لَمْ يَكُنْ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى.
والوَجْهُ الثّانِي لَهم أنْ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ﴾ ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ لا وجْهَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ عَلى قَوْلِ الخَصْمِ؛ لِأنَّ عَلى قَوْلِهِمْ: خُرُوجُهم مِنَ القَرْيَةِ بِخَلْقِ اللَّهِ وعَوْدُهم إلى تِلْكَ المِلَّةِ أيْضًا بِخَلْقِ اللَّهِ، وإذا كانَ حُصُولُ القِسْمَيْنِ بِخَلْقِ اللَّهِ، لَمْ يَبْقَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ فائِدَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَعارَضَ اسْتِدْلالُ الفَرِيقَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ وجَبَ الرُّجُوعُ إلى سائِرِ الآياتِ في هَذا البابِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِالكَلامِ الأوَّلِ وُجُوهٌ: قالَ القاضِي: قَدْ نَقَلْنا عَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ قَوْلَ شُعَيْبٍ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَخْلُقَ المَصْلَحَةَ في تِلْكَ العِباداتِ فَحِينَئِذٍ يُكَلِّفُنا بِها، والعالِمُ بِالمَصالِحِ لَيْسَ إلّا مَن وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ؛ فَلِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِهَذا القَوْلِ. وقالَ أصْحابُنا: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، هو أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا لِشُعَيْبٍ: إمّا أنْ تَخْرُجَ مِن قَرْيَتِنا وإمّا أنْ تَعُودَ إلى مِلَّتِنا، فَقالَ شُعَيْبٌ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَرُبَّما كانَ في عِلْمِهِ حُصُولُ قِسْمٍ ثالِثٍ، وهو أنَّ نَبْقى في هَذِهِ القَرْيَةِ مِن غَيْرِ أنْ نَعُودَ إلى مِلَّتِكم، بَلْ يَجْعَلُكم مَقْهُورِينَ تَحْتَ أمْرِنا ذَلِيلِينَ خاضِعِينَ تَحْتَ حُكْمِنا، وهَذا الوَجْهُ أوْلى مِمّا قالَهُ القاضِي؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ لائِقٌ بِهَذا الوَجْهِ، لا بِما قالَهُ القاضِي.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا في الأزَلِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وسِعَ﴾ فِعْلٌ ماضٍ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ ماضٍ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ كانَ في الأزَلِ عالِمًا بِجَمِيعِ
صفحة ١٤٧
المَعْلُوماتِ، وثَبَتَ أنَّ تَغَيُّرَ مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لَزِمَ أنَّهُ ثَبَتَتِ الأحْكامُ وجَفَّتِ الأقْلامُ، والسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في عِلْمِ اللَّهِ، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في عِلْمِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلِمَ الماضِيَ والحالَ والمُسْتَقْبَلَ، وعَلِمَ المَعْدُومَ أنَّهُ لَوْ كانَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ، ثُمَّ كَلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ يَقَعُ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أمّا الماضِي: فَإنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ لَمّا كانَ ماضِيًا فَإنَّهُ كَيْفَ كانَ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ماضِيًا بَلْ كانَ حاضِرًا فَإنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْتَقْبَلًا كَيْفَ يَكُونُ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ كانَ عَدَمًا مَحْضًا كَيْفَ يَكُونُ، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ بِحَسَبِ الماضِي، واعْتَبَرَ هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ بِحَسَبِ الحالِ، وبِحَسَبِ المُسْتَقْبَلِ، وبِحَسَبِ المَعْدُومِ المَحْضِ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ سِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ اعْتَبَرَ هَذِهِ الأقْسامَ السِّتَّةَ عَشَرَ بِحَسَبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الذَّواتِ والألْوانِ والطُّعُومِ والرَّوائِحِ، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ المُفْرَداتِ مِن أنْواعِ الأعْراضِ وأجْناسِها، فَحِينَئِذٍ يَلُوحُ لِعَقْلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ بَحْرٌ لا يَنْتَهِي مَجْمُوعُ عُقُولِ العُقَلاءِ إلى أوَّلِ خَطْوَةٍ مِن خُطُواتِ ساحِلِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَتَمَ كَلامَهُ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ فَهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا لا عَلى غَيْرِهِ، وكَأنَّهُ في هَذا المَقامِ عَزَلَ الأسْبابَ، وارْتَقى عَنْها إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ.
والثّانِي: الدُّعاءُ، فَقالَ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: احْكم واقْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ عَمّانَ يُسَمُّونَ القاضِيَ الفاتِحَ والفَتّاحَ؛ لِأنَّهُ يَفْتَحُ مَواضِعَ الحَقِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنٍ تَقُولُ لِزَوْجِها: تَعالَ أُفاتِحْكَ، أيْ أُحاكِمْكَ. قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ أيْ أظْهِرْ أمْرَنا حَتّى يَنْفَتِحَ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا ويَنْكَشِفَ، والمُرادُ مِنهُ: أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ عَذابًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، وعَلى كَوْنِ شُعَيْبٍ وقَوْمِهِ مُحِقِّينَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُرادُ بِهِ الكَشْفُ والتَّبْيِينُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا اللَّفْظِ عَلى أنَّهُ هو الَّذِي يَخْلُقُ الإيمانَ في العَبْدِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ أشْرَفُ المُحْدَثاتِ، ولَوْ فَسَّرْنا الفَتْحَ بِالكَشْفِ والتَّبْيِينِ فَلا شَكَّ أنَّ الإيمانَ كَذَلِكَ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ كانَ المُوجِدُ لِلْإيمانِ هو العَبْدَ لَكانَ خَيْرُ الفاتِحِينَ هو العَبْدَ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَهُ تَعالى خَيْرَ الفاتِحِينَ.
الأعراف 7:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ شُعَيْبًا لَمّا قَرَّرَ تِلْكَ الكَلِماتِ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وأنِفُوا مِن تَصْدِيقِهِ وقَبُولِ قَوْلِهِ لا بُدَّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ:
إمّا أنْ نُخْرِجَكَ ونُخْرِجَ أتْباعَكَ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ.
وإمّا أنْ تَعُودَ إلى مِلَّتِنا.
والإشْكالُ فِيهِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهم: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى مِلَّتِهِمُ الَّتِي هي الكُفْرُ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كافِرًا قَبْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ في غايَةِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ يَدُلُّ أيْضًا عَلى هَذا المَعْنى.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أتْباعَ شُعَيْبٍ كانُوا قَبْلَ دُخُولِهِمْ في دِينِهِ كُفّارًا، فَخاطَبُوا شُعَيْبًا بِخِطابِ أتْباعِهِ وأجْرَوْا عَلَيْهِ أحْكامَهم.
الثّانِي: أنَّ رُؤَساءَهم قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّلْبِيسِ عَلى العَوامِّ يُوهِمُونَ أنَّهُ كانَ مِنهم، وأنَّ شُعَيْبًا ذَكَرَ جَوابَهُ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الإيهامِ.
الثّالِثُ: أنَّ شُعَيْبًا في أوَّلِ أمْرِهِ كانَ يُخْفِي دِينَهُ ومَذْهَبَهُ، فَتَوَهَّمُوا أنَّهُ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ.
الرّابِعُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ شُعَيْبًا كانَ عَلى شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِالوَحْيِ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْهِ.
الخامِسُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ أيْ لَتَصِيرُنَّ إلى مِلَّتِنا، فَوَقَعَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ، يُرِيدُونَ قَدْ صارَ إلَيَّ مِنهُ المَكْرُوهُ ابْتِداءً. قالَ الشّاعِرُ:
فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَ مُدَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ
أرادَ فَقَدْ صارَتْ لَهُنَّ ذُنُوبٌ، ولَمْ يَرِدْ أنَّ ذُنُوبًا كانَتْ لَهُنَّ قَبْلَ الإحْسانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ كَلامِهِمْ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ الهَمْزَةُ
صفحة ١٤٥
لِلِاسْتِفْهامِ، والواوُ واوُ الحالِ، تَقْدِيرُهُ: أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا ومَعَ كَوْنِنا كارِهِينَ ؟ .
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ والجَوابُ الأوَّلُ يَجْرِي مَجْرى الرَّمْزِ في أنَّهُ لا يَعُودُ إلى مِلَّتِهِمْ، وهَذا الجَوابُ الثّانِي تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّهُ إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ فَقَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ. وأصْلُ البابِ في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ صِدْقُ اللَّهْجَةِ، والبَراءَةُ عَنِ الكَذِبِ، فالعَوْدُ في مِلَّتِكم يُبْطِلُ النُّبُوَّةَ، ويُزِيلُ الرِّسالَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْنى ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ عَلَّمَنا قُبْحَهُ وفَسادَهُ، ونَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى أنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ نَجّى قَوْمَهُ مِن تِلْكَ المِلَّةِ، إلّا أنَّهُ نَظَمَ نَفْسَهُ في جُمْلَتِهِمْ، وإنْ كانَ بَرِيئًا مِنهُ، إجْراءَ الكَلامِ عَلى حُكْمِ التَّغْلِيبِ.
والثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ أُوهِمُوا أنَّهُ كانَ عَلى مِلَّتِهِمْ، أوِ اعْتَقَدُوا أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ أيِ حَسَبَ مُعْتَقَدِكم وزَعْمِكم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَشاءُ الكُفْرَ، والمُعْتَزِلَةُ يَتَمَسَّكُونَ بِها عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ إلّا الخَيْرَ والصَّلاحَ. أمّا وجْهُ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا بِهَذِهِ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُنَجِّيَ مِنَ الكُفْرِ هو اللَّهُ تَعالى، ولَوْ كانَ الإيمانُ يَحْصُلُ بِخَلْقِ العَبْدِ لَكانَتِ النَّجاةُ مِنَ الكُفْرِ تَحْصُلُ لِلْإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ .
الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ لَنا أنَّ نَعُودَ إلى مِلَّتِكم إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ يُعِيدَنا إلى تِلْكَ المِلَّةِ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ المِلَّةُ كُفْرًا كانَ هَذا تَجْوِيزًا مِن شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعِيدَهم إلى الكُفْرِ، فَكادَ هَذا يَكُونُ تَصْرِيحًا مِن شُعَيْبٍ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ شاءَ رَدَّ المُسْلِمَ إلى الكُفْرِ، وذَلِكَ غَيْرُ مَذْهَبِنا. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ تَزَلِ الأنْبِياءُ والأكابِرُ يَخافُونَ العاقِبَةَ وانْقِلابَ الأمْرِ ألا تَرى إلى قَوْلِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وكَثِيرًا ما كانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: ”«يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ والأبْصارِ ثَبِّتْ قُلُوبَنا عَلى دِينِكَ وطاعَتِكَ» “ وقالَ يُوسُفُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] .
أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: لَيْسَ لَنا أنْ نَعُودَ إلى تِلْكَ المِلَّةِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ يُعِيدَنا إلَيْها - قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، ولَيْسَ فِيها بَيانٌ أنَّهُ تَعالى شاءَ ذَلِكَ أوْ ما شاءَ.
والثّانِي: أنَّ هَذا مَذْكُورٌ عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ، كَما يُقالُ: لا أفْعَلُ ذَلِكَ إلّا إذا ابْيَضَّ القارُ، وشابَ الغُرابُ، فَعَلَّقَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَوْدَهُ إلى مِلَّتِهِمْ عَلى مَشِيئَتِهِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَكُونُ نَفْيًا لِذَلِكَ أصْلًا، فَهو عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ، لا عَلى وجْهِ الشَّرْطِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ أنَّ الَّذِي شاءَهُ اللَّهُ ما هو، فَنَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا بِأنْ يُظْهِرَ هَذا الكُفْرَ مِن أنْفُسِنا إذا أكْرَهْتُمُونا عَلَيْهِ بِالقَتْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الإكْراهِ عَلى إظْهارِ الكُفْرِ بِالقَتْلِ يَجُوزُ إظْهارُهُ، وما كانَ جائِزًا كانَ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، وكَوْنُ الضَّمِيرِ أفْضَلَ مِنَ الإظْهارِ، لا يُخْرِجُ ذَلِكَ الإظْهارَ مِن أنْ يَكُونَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى، كَما أنَّ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ مُرادُ اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ أفْضَلَ.
الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ﴾ المُرادُ: الإخْراجُ عَنِ القَرْيَةِ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ كانَ حَرَّمَ عَلَيْهِ إذا أخْرَجُوهُ عَنِ القَرْيَةِ أنْ يَعُودَ فِيها إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ.
الخامِسُ: أنْ نَقُولَ يَجِبُ حَمْلُ المَشِيئَةِ هَهُنا عَلى الأمْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ إذا شاءَ كانَ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيْ يَكُونَ ذَلِكَ العَوْدُ جائِزًا،
صفحة ١٤٦
والمَشِيئَةُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لا تُوجِبُ جَوازَ الفِعْلِ، فَإنَّهُ تَعالى يَشاءُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ عِنْدَهم، ولا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، إنَّما الَّذِي يُوجِبُ الجَوازَ هو الأمْرُ. فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ المَشِيئَةِ هَهُنا الأمْرُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: إلّا أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِعَوْدِنا في مِلَّتِكم فَإنّا نَعُودُ إلَيْها، والشَّرِيعَةُ الَّتِي صارَتْ مَنسُوخَةً لا يَبْعُدُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِالعَمَلِ بِها مَرَّةً أُخْرى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ اسْتِدْلالُكم.
والوَجْهُ السّادِسُ لِلْقَوْمِ في الجَوابِ: ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ، فَقالَ: المُرادُ مِنَ المِلَّةِ الشَّرِيعَةُ الَّتِي يَجُوزُ اخْتِلافُ العِبادَةِ فِيها بِالأوْقاتِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ وغَيْرِهِما، فَقالَ شُعَيْبٌ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ ولَمّا دَخَلَ في ذَلِكَ كُلُّ ما هم عَلَيْهِ، وكانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ بَعْضُ تِلْكَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ باقِيًا غَيْرَ مَنسُوخٍ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ والمَعْنى: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إبْقاءَ بَعْضِها فَيَدُلَّنا عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ نَعُودُ إلَيْها. فَهَذا الِاسْتِثْناءُ عائِدٌ إلى الأحْكامِ الَّتِي يَجُوزُ دُخُولُ النَّسْخِ والتَّغْيِيرِ فِيها، وغَيْرُ عائِدٍ إلى ما لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ البَتَّةَ. فَهَذِهِ أسْئِلَةُ القَوْمِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وهي جَيِّدَةٌ، وفي الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا كَثْرَةٌ، ولا يَلْزَمُ مِن ضَعْفِ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ دُخُولُ الضَّعْفِ في المَذْهَبِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: لَمّا قالُوا: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَوْدَنا إلَيْها لَكانَ لَنا أنْ نَعُودَ إلَيْها، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ما شاءَ اللَّهُ وُجُودَهُ كانَ فِعْلُهُ جائِزًا مَأْذُونًا فِيهِ، ولَمْ يَكُنْ حَرامًا. قالُوا: وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ حُصُولَهُ كانَ حَسَنًا مَأْذُونًا فِيهِ، وما كانَ حَرامًا مَمْنُوعًا مِنهُ لَمْ يَكُنْ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى.
والوَجْهُ الثّانِي لَهم أنْ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ﴾ ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ لا وجْهَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ عَلى قَوْلِ الخَصْمِ؛ لِأنَّ عَلى قَوْلِهِمْ: خُرُوجُهم مِنَ القَرْيَةِ بِخَلْقِ اللَّهِ وعَوْدُهم إلى تِلْكَ المِلَّةِ أيْضًا بِخَلْقِ اللَّهِ، وإذا كانَ حُصُولُ القِسْمَيْنِ بِخَلْقِ اللَّهِ، لَمْ يَبْقَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ فائِدَةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَعارَضَ اسْتِدْلالُ الفَرِيقَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ وجَبَ الرُّجُوعُ إلى سائِرِ الآياتِ في هَذا البابِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِالكَلامِ الأوَّلِ وُجُوهٌ: قالَ القاضِي: قَدْ نَقَلْنا عَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ قَوْلَ شُعَيْبٍ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَخْلُقَ المَصْلَحَةَ في تِلْكَ العِباداتِ فَحِينَئِذٍ يُكَلِّفُنا بِها، والعالِمُ بِالمَصالِحِ لَيْسَ إلّا مَن وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ؛ فَلِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِهَذا القَوْلِ. وقالَ أصْحابُنا: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، هو أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا لِشُعَيْبٍ: إمّا أنْ تَخْرُجَ مِن قَرْيَتِنا وإمّا أنْ تَعُودَ إلى مِلَّتِنا، فَقالَ شُعَيْبٌ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَرُبَّما كانَ في عِلْمِهِ حُصُولُ قِسْمٍ ثالِثٍ، وهو أنَّ نَبْقى في هَذِهِ القَرْيَةِ مِن غَيْرِ أنْ نَعُودَ إلى مِلَّتِكم، بَلْ يَجْعَلُكم مَقْهُورِينَ تَحْتَ أمْرِنا ذَلِيلِينَ خاضِعِينَ تَحْتَ حُكْمِنا، وهَذا الوَجْهُ أوْلى مِمّا قالَهُ القاضِي؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ لائِقٌ بِهَذا الوَجْهِ، لا بِما قالَهُ القاضِي.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا في الأزَلِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وسِعَ﴾ فِعْلٌ ماضٍ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ ماضٍ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ كانَ في الأزَلِ عالِمًا بِجَمِيعِ
صفحة ١٤٧
المَعْلُوماتِ، وثَبَتَ أنَّ تَغَيُّرَ مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لَزِمَ أنَّهُ ثَبَتَتِ الأحْكامُ وجَفَّتِ الأقْلامُ، والسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في عِلْمِ اللَّهِ، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في عِلْمِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلِمَ الماضِيَ والحالَ والمُسْتَقْبَلَ، وعَلِمَ المَعْدُومَ أنَّهُ لَوْ كانَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ، ثُمَّ كَلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ يَقَعُ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أمّا الماضِي: فَإنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ لَمّا كانَ ماضِيًا فَإنَّهُ كَيْفَ كانَ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ماضِيًا بَلْ كانَ حاضِرًا فَإنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْتَقْبَلًا كَيْفَ يَكُونُ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ كانَ عَدَمًا مَحْضًا كَيْفَ يَكُونُ، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ بِحَسَبِ الماضِي، واعْتَبَرَ هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ بِحَسَبِ الحالِ، وبِحَسَبِ المُسْتَقْبَلِ، وبِحَسَبِ المَعْدُومِ المَحْضِ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ سِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ اعْتَبَرَ هَذِهِ الأقْسامَ السِّتَّةَ عَشَرَ بِحَسَبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الذَّواتِ والألْوانِ والطُّعُومِ والرَّوائِحِ، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ المُفْرَداتِ مِن أنْواعِ الأعْراضِ وأجْناسِها، فَحِينَئِذٍ يَلُوحُ لِعَقْلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ بَحْرٌ لا يَنْتَهِي مَجْمُوعُ عُقُولِ العُقَلاءِ إلى أوَّلِ خَطْوَةٍ مِن خُطُواتِ ساحِلِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَتَمَ كَلامَهُ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ فَهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا لا عَلى غَيْرِهِ، وكَأنَّهُ في هَذا المَقامِ عَزَلَ الأسْبابَ، وارْتَقى عَنْها إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ.
والثّانِي: الدُّعاءُ، فَقالَ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: احْكم واقْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ عَمّانَ يُسَمُّونَ القاضِيَ الفاتِحَ والفَتّاحَ؛ لِأنَّهُ يَفْتَحُ مَواضِعَ الحَقِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنٍ تَقُولُ لِزَوْجِها: تَعالَ أُفاتِحْكَ، أيْ أُحاكِمْكَ. قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ أيْ أظْهِرْ أمْرَنا حَتّى يَنْفَتِحَ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا ويَنْكَشِفَ، والمُرادُ مِنهُ: أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ عَذابًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، وعَلى كَوْنِ شُعَيْبٍ وقَوْمِهِ مُحِقِّينَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُرادُ بِهِ الكَشْفُ والتَّبْيِينُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا اللَّفْظِ عَلى أنَّهُ هو الَّذِي يَخْلُقُ الإيمانَ في العَبْدِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ أشْرَفُ المُحْدَثاتِ، ولَوْ فَسَّرْنا الفَتْحَ بِالكَشْفِ والتَّبْيِينِ فَلا شَكَّ أنَّ الإيمانَ كَذَلِكَ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ كانَ المُوجِدُ لِلْإيمانِ هو العَبْدَ لَكانَ خَيْرُ الفاتِحِينَ هو العَبْدَ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَهُ تَعالى خَيْرَ الفاتِحِينَ.
الأعراف 7:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ .
صفحة ١٤٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ عِظَمَ ضَلالَتِهِمْ بِتَكْذِيبِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ذَلِكَ، حَتّى أضَلُّوا غَيْرَهم، ولامُوهم عَلى مُتابَعَتِهِ فَقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: خاسِرُونَ في الدِّينِ، وقالَ آخَرُونَ: خاسِرُونَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُكم مِن أخْذِ الزِّيادَةِ مِن أمْوالِ النّاسِ، وعِنْدَ هَذا المَقالِ كَمُلَ حالَهم في الضَّلالِ أوَّلًا وفي الإضْلالِ ثانِيًا، فاسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وهي الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ المُهْلِكَةُ، فَإذا انْضافَ إلَيْها الجَزاءُ الشَّدِيدُ المُخَوِّفُ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قِصَّةِ الظَّلَمَةِ، كانَ الهَلاكُ أعْظَمَ؛ لِأنَّهُ أحاطَ بِهِمُ العَذابَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ خامِدِينَ ساكِنِينَ بِلا حَياةٍ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: يُقالُ: غَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ، إذا طالَ مَقامُهم فِيها.
والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَ بِها أهْلُوها واحِدُها مَغْنًى. قالَ الشّاعِرُ:
ولَقَدْ غَنُوا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ
أرادَ أقامُوا فِيها، وعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا بِها ولَمْ يَنْزِلُوا فِيها.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا، كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها مُسْتَغْنِينَ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ يَغْنى إذا اسْتَغْنى، وهو مِنَ الغِنى الَّذِي هو ضِدُّ الفَقْرِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ: شَبَّهَ اللَّهُ حالَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِحالِ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ في تِلْكَ الدِّيارِ، قالَ الشّاعِرُ:
كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرٌ
بَلى نَحْنُ كُنّا أهْلَها فَأبادَنا ∗∗∗ صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَواثِرُ
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ الَّذِينَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُخْتَصًّا بِأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أشْياءَ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ أثَرُ الكَواكِبِ والطَّبِيعَةِ، وإلّا لَحَصَلَ في أتْباعِ شُعَيْبٍ كَما حَصَلَ في حَقِّ الكُفّارِ.
والثّانِي: يَدُلُّ
صفحة ١٤٩
عَلى أنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي.
وثالِثُها: يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ في حَقِّ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ العَذابَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ لَمّا وقَعَ عَلى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ مَعَ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في بَلْدَةٍ واحِدَةٍ، كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ وإنَّما كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ لِتَعْظِيمِ المَذَلَّةِ لَهم وتَفْظِيعِ ما يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الجَزاءِ عَلى جَهْلِهِمْ، والعَرَبُ تُكَرِّرُ مِثْلَ هَذا في التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: أخُوكَ الَّذِي ظَلَمَنا، أخُوكَ الَّذِي أخَذَ أمْوالَنا، أخُوكَ الَّذِي هَتَكَ أعْراضَنا، وأيْضًا أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ وخالَفُوهُ هُمُ الخاسِرُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَوَلّى بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ أوْ قَبْلَ ذَلِكَ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ المَسْألَةِ. قالَ الكَلْبِيُّ: خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، ولَمْ يُعَذَّبْ قَوْمُ نَبِيٍّ حَتّى أُخْرِجَ مِن بَيْنِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، قالَ العَجّاجُ:
وانْحَلَبَتْ عَيْناهُ مِن فَرْطِ الأسى
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اشْتَدَّ حُزْنُهُ عَلى قَوْمِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا كَثِيرِينَ، وكانَ يَتَوَقَّعُ مِنهُمُ الِاسْتِجابَةَ لِلْإيمانِ، فَلَمّا أنْ نَزَلَ بِهِمْ ذَلِكَ الهَلاكُ العَظِيمُ حَصَلَ في قَلْبِهِ مِن جِهَةِ الوَصْلَةِ والقَرابَةِ والمُجاوَرَةِ وطُولِ الأُلْفَةِ، ثُمَّ عَزّى نَفْسَهُ وقالَ: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أهْلَكُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ لَقَدْ أعْذَرْتُ إلَيْكم في الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ والتَّحْذِيرِ مِمّا حَلَّ بِكم، فَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلِي، ولَمْ تَقْبَلُوا نَصِيحَتِي فَكَيْفَ آسى عَلَيْكم ؟ يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا مُسْتَحِقِّينَ بِأنْ يَأْسى الإنْسانُ عَلَيْهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ”فَكَيْفَ إيسى“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
الأعراف 7:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ .
صفحة ١٤٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ عِظَمَ ضَلالَتِهِمْ بِتَكْذِيبِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ذَلِكَ، حَتّى أضَلُّوا غَيْرَهم، ولامُوهم عَلى مُتابَعَتِهِ فَقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: خاسِرُونَ في الدِّينِ، وقالَ آخَرُونَ: خاسِرُونَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُكم مِن أخْذِ الزِّيادَةِ مِن أمْوالِ النّاسِ، وعِنْدَ هَذا المَقالِ كَمُلَ حالَهم في الضَّلالِ أوَّلًا وفي الإضْلالِ ثانِيًا، فاسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وهي الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ المُهْلِكَةُ، فَإذا انْضافَ إلَيْها الجَزاءُ الشَّدِيدُ المُخَوِّفُ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قِصَّةِ الظَّلَمَةِ، كانَ الهَلاكُ أعْظَمَ؛ لِأنَّهُ أحاطَ بِهِمُ العَذابَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ خامِدِينَ ساكِنِينَ بِلا حَياةٍ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: يُقالُ: غَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ، إذا طالَ مَقامُهم فِيها.
والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَ بِها أهْلُوها واحِدُها مَغْنًى. قالَ الشّاعِرُ:
ولَقَدْ غَنُوا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ
أرادَ أقامُوا فِيها، وعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا بِها ولَمْ يَنْزِلُوا فِيها.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا، كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها مُسْتَغْنِينَ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ يَغْنى إذا اسْتَغْنى، وهو مِنَ الغِنى الَّذِي هو ضِدُّ الفَقْرِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ: شَبَّهَ اللَّهُ حالَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِحالِ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ في تِلْكَ الدِّيارِ، قالَ الشّاعِرُ:
كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرٌ
بَلى نَحْنُ كُنّا أهْلَها فَأبادَنا ∗∗∗ صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَواثِرُ
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ الَّذِينَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُخْتَصًّا بِأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أشْياءَ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ أثَرُ الكَواكِبِ والطَّبِيعَةِ، وإلّا لَحَصَلَ في أتْباعِ شُعَيْبٍ كَما حَصَلَ في حَقِّ الكُفّارِ.
والثّانِي: يَدُلُّ
صفحة ١٤٩
عَلى أنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي.
وثالِثُها: يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ في حَقِّ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ العَذابَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ لَمّا وقَعَ عَلى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ مَعَ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في بَلْدَةٍ واحِدَةٍ، كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ وإنَّما كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ لِتَعْظِيمِ المَذَلَّةِ لَهم وتَفْظِيعِ ما يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الجَزاءِ عَلى جَهْلِهِمْ، والعَرَبُ تُكَرِّرُ مِثْلَ هَذا في التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: أخُوكَ الَّذِي ظَلَمَنا، أخُوكَ الَّذِي أخَذَ أمْوالَنا، أخُوكَ الَّذِي هَتَكَ أعْراضَنا، وأيْضًا أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ وخالَفُوهُ هُمُ الخاسِرُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَوَلّى بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ أوْ قَبْلَ ذَلِكَ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ المَسْألَةِ. قالَ الكَلْبِيُّ: خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، ولَمْ يُعَذَّبْ قَوْمُ نَبِيٍّ حَتّى أُخْرِجَ مِن بَيْنِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، قالَ العَجّاجُ:
وانْحَلَبَتْ عَيْناهُ مِن فَرْطِ الأسى
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اشْتَدَّ حُزْنُهُ عَلى قَوْمِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا كَثِيرِينَ، وكانَ يَتَوَقَّعُ مِنهُمُ الِاسْتِجابَةَ لِلْإيمانِ، فَلَمّا أنْ نَزَلَ بِهِمْ ذَلِكَ الهَلاكُ العَظِيمُ حَصَلَ في قَلْبِهِ مِن جِهَةِ الوَصْلَةِ والقَرابَةِ والمُجاوَرَةِ وطُولِ الأُلْفَةِ، ثُمَّ عَزّى نَفْسَهُ وقالَ: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أهْلَكُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ لَقَدْ أعْذَرْتُ إلَيْكم في الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ والتَّحْذِيرِ مِمّا حَلَّ بِكم، فَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلِي، ولَمْ تَقْبَلُوا نَصِيحَتِي فَكَيْفَ آسى عَلَيْكم ؟ يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا مُسْتَحِقِّينَ بِأنْ يَأْسى الإنْسانُ عَلَيْهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ”فَكَيْفَ إيسى“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
الأعراف 7:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ .
صفحة ١٤٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ عِظَمَ ضَلالَتِهِمْ بِتَكْذِيبِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ذَلِكَ، حَتّى أضَلُّوا غَيْرَهم، ولامُوهم عَلى مُتابَعَتِهِ فَقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: خاسِرُونَ في الدِّينِ، وقالَ آخَرُونَ: خاسِرُونَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُكم مِن أخْذِ الزِّيادَةِ مِن أمْوالِ النّاسِ، وعِنْدَ هَذا المَقالِ كَمُلَ حالَهم في الضَّلالِ أوَّلًا وفي الإضْلالِ ثانِيًا، فاسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وهي الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ المُهْلِكَةُ، فَإذا انْضافَ إلَيْها الجَزاءُ الشَّدِيدُ المُخَوِّفُ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قِصَّةِ الظَّلَمَةِ، كانَ الهَلاكُ أعْظَمَ؛ لِأنَّهُ أحاطَ بِهِمُ العَذابَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ خامِدِينَ ساكِنِينَ بِلا حَياةٍ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: يُقالُ: غَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ، إذا طالَ مَقامُهم فِيها.
والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَ بِها أهْلُوها واحِدُها مَغْنًى. قالَ الشّاعِرُ:
ولَقَدْ غَنُوا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ
أرادَ أقامُوا فِيها، وعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا بِها ولَمْ يَنْزِلُوا فِيها.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا، كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها مُسْتَغْنِينَ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ يَغْنى إذا اسْتَغْنى، وهو مِنَ الغِنى الَّذِي هو ضِدُّ الفَقْرِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ: شَبَّهَ اللَّهُ حالَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِحالِ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ في تِلْكَ الدِّيارِ، قالَ الشّاعِرُ:
كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرٌ
بَلى نَحْنُ كُنّا أهْلَها فَأبادَنا ∗∗∗ صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَواثِرُ
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ الَّذِينَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُخْتَصًّا بِأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أشْياءَ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ أثَرُ الكَواكِبِ والطَّبِيعَةِ، وإلّا لَحَصَلَ في أتْباعِ شُعَيْبٍ كَما حَصَلَ في حَقِّ الكُفّارِ.
والثّانِي: يَدُلُّ
صفحة ١٤٩
عَلى أنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي.
وثالِثُها: يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ في حَقِّ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ العَذابَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ لَمّا وقَعَ عَلى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ مَعَ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في بَلْدَةٍ واحِدَةٍ، كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ وإنَّما كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ لِتَعْظِيمِ المَذَلَّةِ لَهم وتَفْظِيعِ ما يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الجَزاءِ عَلى جَهْلِهِمْ، والعَرَبُ تُكَرِّرُ مِثْلَ هَذا في التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: أخُوكَ الَّذِي ظَلَمَنا، أخُوكَ الَّذِي أخَذَ أمْوالَنا، أخُوكَ الَّذِي هَتَكَ أعْراضَنا، وأيْضًا أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ وخالَفُوهُ هُمُ الخاسِرُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَوَلّى بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ أوْ قَبْلَ ذَلِكَ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ المَسْألَةِ. قالَ الكَلْبِيُّ: خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، ولَمْ يُعَذَّبْ قَوْمُ نَبِيٍّ حَتّى أُخْرِجَ مِن بَيْنِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، قالَ العَجّاجُ:
وانْحَلَبَتْ عَيْناهُ مِن فَرْطِ الأسى
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اشْتَدَّ حُزْنُهُ عَلى قَوْمِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا كَثِيرِينَ، وكانَ يَتَوَقَّعُ مِنهُمُ الِاسْتِجابَةَ لِلْإيمانِ، فَلَمّا أنْ نَزَلَ بِهِمْ ذَلِكَ الهَلاكُ العَظِيمُ حَصَلَ في قَلْبِهِ مِن جِهَةِ الوَصْلَةِ والقَرابَةِ والمُجاوَرَةِ وطُولِ الأُلْفَةِ، ثُمَّ عَزّى نَفْسَهُ وقالَ: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أهْلَكُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ لَقَدْ أعْذَرْتُ إلَيْكم في الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ والتَّحْذِيرِ مِمّا حَلَّ بِكم، فَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلِي، ولَمْ تَقْبَلُوا نَصِيحَتِي فَكَيْفَ آسى عَلَيْكم ؟ يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا مُسْتَحِقِّينَ بِأنْ يَأْسى الإنْسانُ عَلَيْهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ”فَكَيْفَ إيسى“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
الأعراف 7:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ .
صفحة ١٤٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ عِظَمَ ضَلالَتِهِمْ بِتَكْذِيبِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ذَلِكَ، حَتّى أضَلُّوا غَيْرَهم، ولامُوهم عَلى مُتابَعَتِهِ فَقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: خاسِرُونَ في الدِّينِ، وقالَ آخَرُونَ: خاسِرُونَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُكم مِن أخْذِ الزِّيادَةِ مِن أمْوالِ النّاسِ، وعِنْدَ هَذا المَقالِ كَمُلَ حالَهم في الضَّلالِ أوَّلًا وفي الإضْلالِ ثانِيًا، فاسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وهي الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ المُهْلِكَةُ، فَإذا انْضافَ إلَيْها الجَزاءُ الشَّدِيدُ المُخَوِّفُ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قِصَّةِ الظَّلَمَةِ، كانَ الهَلاكُ أعْظَمَ؛ لِأنَّهُ أحاطَ بِهِمُ العَذابَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ خامِدِينَ ساكِنِينَ بِلا حَياةٍ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: يُقالُ: غَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ، إذا طالَ مَقامُهم فِيها.
والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَ بِها أهْلُوها واحِدُها مَغْنًى. قالَ الشّاعِرُ:
ولَقَدْ غَنُوا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ
أرادَ أقامُوا فِيها، وعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا بِها ولَمْ يَنْزِلُوا فِيها.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا، كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها مُسْتَغْنِينَ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ يَغْنى إذا اسْتَغْنى، وهو مِنَ الغِنى الَّذِي هو ضِدُّ الفَقْرِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ: شَبَّهَ اللَّهُ حالَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِحالِ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ في تِلْكَ الدِّيارِ، قالَ الشّاعِرُ:
كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرٌ
بَلى نَحْنُ كُنّا أهْلَها فَأبادَنا ∗∗∗ صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَواثِرُ
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ الَّذِينَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُخْتَصًّا بِأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أشْياءَ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ أثَرُ الكَواكِبِ والطَّبِيعَةِ، وإلّا لَحَصَلَ في أتْباعِ شُعَيْبٍ كَما حَصَلَ في حَقِّ الكُفّارِ.
والثّانِي: يَدُلُّ
صفحة ١٤٩
عَلى أنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي.
وثالِثُها: يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ في حَقِّ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ العَذابَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ لَمّا وقَعَ عَلى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ مَعَ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في بَلْدَةٍ واحِدَةٍ، كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ وإنَّما كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ لِتَعْظِيمِ المَذَلَّةِ لَهم وتَفْظِيعِ ما يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الجَزاءِ عَلى جَهْلِهِمْ، والعَرَبُ تُكَرِّرُ مِثْلَ هَذا في التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: أخُوكَ الَّذِي ظَلَمَنا، أخُوكَ الَّذِي أخَذَ أمْوالَنا، أخُوكَ الَّذِي هَتَكَ أعْراضَنا، وأيْضًا أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ وخالَفُوهُ هُمُ الخاسِرُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَوَلّى بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ أوْ قَبْلَ ذَلِكَ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ المَسْألَةِ. قالَ الكَلْبِيُّ: خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، ولَمْ يُعَذَّبْ قَوْمُ نَبِيٍّ حَتّى أُخْرِجَ مِن بَيْنِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، قالَ العَجّاجُ:
وانْحَلَبَتْ عَيْناهُ مِن فَرْطِ الأسى
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اشْتَدَّ حُزْنُهُ عَلى قَوْمِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا كَثِيرِينَ، وكانَ يَتَوَقَّعُ مِنهُمُ الِاسْتِجابَةَ لِلْإيمانِ، فَلَمّا أنْ نَزَلَ بِهِمْ ذَلِكَ الهَلاكُ العَظِيمُ حَصَلَ في قَلْبِهِ مِن جِهَةِ الوَصْلَةِ والقَرابَةِ والمُجاوَرَةِ وطُولِ الأُلْفَةِ، ثُمَّ عَزّى نَفْسَهُ وقالَ: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أهْلَكُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ لَقَدْ أعْذَرْتُ إلَيْكم في الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ والتَّحْذِيرِ مِمّا حَلَّ بِكم، فَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلِي، ولَمْ تَقْبَلُوا نَصِيحَتِي فَكَيْفَ آسى عَلَيْكم ؟ يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا مُسْتَحِقِّينَ بِأنْ يَأْسى الإنْسانُ عَلَيْهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ”فَكَيْفَ إيسى“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
الأعراف 7:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَنا أحْوالَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ وأحْوالَ ما جَرى عَلى أُمَمِهِمْ كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يُظَنَّ
صفحة ١٥٠
أنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ إلّا في زَمَنِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ فَقَطْ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الهَلاكِ قَدْ فَعَلَهُ بِغَيْرِهِمْ، وبَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي بِها يَفْعَلُ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ وإنَّما ذَكَرَ القَرْيَةَ لِأنَّها مُجْتَمَعُ القَوْمِ الَّذِينَ إلَيْهِمْ يُبْعَثُ الرُّسُلُ، ويَدْخُلُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ المَدِينَةُ؛ لِأنَّها مُجْتَمَعُ الأقْوامِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن نَبِيٍّ﴾ فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: مِن نَبِيٍّ فَكُذِّبَ أوْ كَذَّبَهُ أهْلُها إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: البَأْساءُ كُلُّ ما نالَهم مِنَ الشِّدَّةِ في أحْوالِهِمْ، والضَّرّاءُ ما نالَهم مِنَ الأمْراضِ. وقِيلَ عَلى العَكْسِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِكَيْ يَضَّرَّعُوا، مَعْناهُ: يَتَضَرَّعُوا، والتَّضَرُّعُ هو الخُضُوعُ والِانْقِيادُ لِلَّهِ تَعالى، ولَمّا عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَهُ: (لَعَلَّهم) لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الشَّكِّ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ هَذا الفِعْلَ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن كُلِّ المُكَلَّفِينَ الإيمانَ والطّاعَةَ. وقالَ أصْحابُنا: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ وأحْكامِهِ مُحالٌ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالعِلَّةِ والغَرَضِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَدْبِيرَهُ في أهْلِ القُرى لا يَجْرِي عَلى نَمَطٍ واحِدٍ، وإنَّما يُدَبِّرُهم بِما يَكُونُ إلى الإيمانِ أقْرَبَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ لِأنَّ وُرُودَ النِّعْمَةِ في البَدَنِ والمالِ بَعْدَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ يَدْعُو إلى الِانْقِيادِ والِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ، ومَعْنى الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هَهُنا الشِّدَّةُ والرَّخاءُ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”السَّيِّئَةُ“ كُلُّ ما يَسُوءُ صاحِبَهُ، و”الحَسَنَةُ“ ما يَسْتَحْسِنُهُ الطَّبْعُ والعَقْلُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَأْخُذُ أهْلَ المَعاصِي بِالشِّدَّةِ تارَةً وبِالرَّخاءِ أُخْرى. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: قَدْ عَفا الشَّعَرُ وغَيْرُهُ، إذا كَثُرَ، يَعْفُو فَهو عافٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ يَعْنِي كَثُرُوا، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أمَرَ أنْ تُحَفَّ الشَّوارِبُ، وتُعْفى اللِّحى» يَعْنِي تَوَفَّرَ وتُكَثَّرَ. وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم مَتى نالَهم شِدَّةٌ قالُوا: لَيْسَ هَذا بِسَبَبِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ والعَمَلِ، وتِلْكَ عادَةُ الدَّهْرِ، ولَمْ يَكُنْ ما مَسَّنا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ، وهَذِهِ الحِكايَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما دَبَّرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن رَخاءٍ بَعْدَ شِدَّةٍ، وأمْنٍ بَعْدَ خَوْفٍ، بَلْ عَدَلُوا إلى أنَّ هَذِهِ عادَةَ الزَّمانِ في أهْلِهِ، فَمَرَّةً يَحْصُلُ فِيهِمُ الشِّدَّةُ والنَّكَدُ، ومَرَّةً يَحْصُلُ لَهُمُ الرَّخاءُ والرّاحَةُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أزالَ عُذْرَهم وأزاحَ عِلَّتَهم، فَلَمْ يَنْقادُوا ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ الإمْهالِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ والمَعْنى: أنَّهم لَمّا تَمَرَّدُوا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً أيْنَما كانُوا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أعْظَمَ في الحَسْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ والحِكْمَةَ في حِكايَةِ هَذا المَعْنى أنْ يَحْصُلَ الِاعْتِبارُ لِمَن سَمِعَ هَذِهِ القِصَّةَ وعَرَفَها.
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِن أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِن أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .
الأعراف 7:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَنا أحْوالَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ وأحْوالَ ما جَرى عَلى أُمَمِهِمْ كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يُظَنَّ
صفحة ١٥٠
أنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ إلّا في زَمَنِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ فَقَطْ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الهَلاكِ قَدْ فَعَلَهُ بِغَيْرِهِمْ، وبَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي بِها يَفْعَلُ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ وإنَّما ذَكَرَ القَرْيَةَ لِأنَّها مُجْتَمَعُ القَوْمِ الَّذِينَ إلَيْهِمْ يُبْعَثُ الرُّسُلُ، ويَدْخُلُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ المَدِينَةُ؛ لِأنَّها مُجْتَمَعُ الأقْوامِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن نَبِيٍّ﴾ فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: مِن نَبِيٍّ فَكُذِّبَ أوْ كَذَّبَهُ أهْلُها إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: البَأْساءُ كُلُّ ما نالَهم مِنَ الشِّدَّةِ في أحْوالِهِمْ، والضَّرّاءُ ما نالَهم مِنَ الأمْراضِ. وقِيلَ عَلى العَكْسِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِكَيْ يَضَّرَّعُوا، مَعْناهُ: يَتَضَرَّعُوا، والتَّضَرُّعُ هو الخُضُوعُ والِانْقِيادُ لِلَّهِ تَعالى، ولَمّا عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَهُ: (لَعَلَّهم) لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الشَّكِّ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ هَذا الفِعْلَ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن كُلِّ المُكَلَّفِينَ الإيمانَ والطّاعَةَ. وقالَ أصْحابُنا: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ وأحْكامِهِ مُحالٌ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالعِلَّةِ والغَرَضِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَدْبِيرَهُ في أهْلِ القُرى لا يَجْرِي عَلى نَمَطٍ واحِدٍ، وإنَّما يُدَبِّرُهم بِما يَكُونُ إلى الإيمانِ أقْرَبَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ لِأنَّ وُرُودَ النِّعْمَةِ في البَدَنِ والمالِ بَعْدَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ يَدْعُو إلى الِانْقِيادِ والِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ، ومَعْنى الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هَهُنا الشِّدَّةُ والرَّخاءُ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”السَّيِّئَةُ“ كُلُّ ما يَسُوءُ صاحِبَهُ، و”الحَسَنَةُ“ ما يَسْتَحْسِنُهُ الطَّبْعُ والعَقْلُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَأْخُذُ أهْلَ المَعاصِي بِالشِّدَّةِ تارَةً وبِالرَّخاءِ أُخْرى. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: قَدْ عَفا الشَّعَرُ وغَيْرُهُ، إذا كَثُرَ، يَعْفُو فَهو عافٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ يَعْنِي كَثُرُوا، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أمَرَ أنْ تُحَفَّ الشَّوارِبُ، وتُعْفى اللِّحى» يَعْنِي تَوَفَّرَ وتُكَثَّرَ. وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم مَتى نالَهم شِدَّةٌ قالُوا: لَيْسَ هَذا بِسَبَبِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ والعَمَلِ، وتِلْكَ عادَةُ الدَّهْرِ، ولَمْ يَكُنْ ما مَسَّنا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ، وهَذِهِ الحِكايَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما دَبَّرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن رَخاءٍ بَعْدَ شِدَّةٍ، وأمْنٍ بَعْدَ خَوْفٍ، بَلْ عَدَلُوا إلى أنَّ هَذِهِ عادَةَ الزَّمانِ في أهْلِهِ، فَمَرَّةً يَحْصُلُ فِيهِمُ الشِّدَّةُ والنَّكَدُ، ومَرَّةً يَحْصُلُ لَهُمُ الرَّخاءُ والرّاحَةُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أزالَ عُذْرَهم وأزاحَ عِلَّتَهم، فَلَمْ يَنْقادُوا ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ الإمْهالِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ والمَعْنى: أنَّهم لَمّا تَمَرَّدُوا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً أيْنَما كانُوا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أعْظَمَ في الحَسْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ والحِكْمَةَ في حِكايَةِ هَذا المَعْنى أنْ يَحْصُلَ الِاعْتِبارُ لِمَن سَمِعَ هَذِهِ القِصَّةَ وعَرَفَها.
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِن أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِن أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .
الأعراف 7:96
صفحة ١٥١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِينَ عَصَوْا وتَمَرَّدُوا أخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ أطاعُوا لَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ أيْ آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ (واتَّقَوْا) ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ وحَرَّمَهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بَرَكاتُ السَّماءِ بِالمَطَرِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ بِالنَّباتِ والثِّمارِ، وكَثْرَةِ المَواشِي والأنْعامِ، وحُصُولِ الأمْنِ والسَّلامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ، والأرْضَ تَجْرِي مَجْرى الأُمِّ، ومِنهُما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ والخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ (فَأخَذْناهم) بِالجُدُوبَةِ والقَحْطِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ التَّهْدِيدَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَقالَ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَوَّفَهم بِنُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ في غايَةِ الغَفْلَةِ، وهو حالُ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، وحالُ الضُّحى بِالنَّهارِ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى المَرْءِ التَّشاغُلُ بِاللَّذّاتِ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ التَّشاغُلَ بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَهي لَعِبٌ ولَهْوٌ، ويَحْتَمِلُ خَوْضَهم في كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كاللَّعِبِ في أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ ”أوَأمِنَ“ بِفَتْحِ الواوِ، وهو حَرْفُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، كَما دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ [يونس: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠] وهَذِهِ القِراءَةُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وما بَعْدَهُ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”أوْ أمِنَ“ ساكِنَةَ الواوِ، واسْتُعْمِلَ عَلى ضَرْبَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو جاءَ، والمَعْنى: أحَدُهُما جاءَ.
والضَّرْبُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ لِلْإضْرابِ عَمّا قَبْلَها، كَقَوْلِكَ: أنا أخْرُجُ أوْ أُقِيمُ، أضْرَبْتَ عَنِ الخُرُوجِ وأثْبَتَّ الإقامَةَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: لا بَلْ أُقِيمُ، فَوَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ جَعَلَ ”أوْ“ لِلْإضْرابِ لا عَلى أنَّهُ أبْطَلَ الأوَّلَ، وهو ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة: ١، ٢، ٣] فَكانَ المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتِواءُ هَذِهِ الضُّرُوبِ مِنَ العَذابِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”أوْ“ هَهُنا الَّتِي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى: أفَأمِنُوا إحْدى هَذِهِ العُقُوباتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ضُحًى﴾ الضُّحى: صَدْرُ النَّهارِ، وأصْلُهُ الظُّهُورُ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَحا لِلشَّمْسِ إذا ظَهَرَ لَها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ المَكْرِ في اللُّغَةِ، ومَعْنى المَكْرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ويَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ أنَّ المُرادَ أنْ يَأْتِيَهم عَذابُهُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، قالَهُ عَلى وجْهِ التَّحْذِيرِ، وسَمّى هَذا العَذابَ مَكْرًا تَوَسُّعًا؛ لِأنَّ الواحِدَ مِنّا إذا أرادَ المَكْرَ بِصاحِبِهِ، فَإنَّهُ يُوقِعُهُ في البَلاءِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ، فَسَمّى العَذابَ مَكْرًا لِنُزُولِهِ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَأْمَنُ نُزُولَ عَذابِ اللَّهِ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لِغَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ لا يَعْرِفُونَ رَبَّهم، فَلا يَخافُونَهُ، ومَن هَذِهِ سَبِيلُهُ فَهو أخْسَرُ الخاسِرِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ أوْقَعَ نَفْسَهُ في الدُّنْيا في الضَّرَرِ، وفي الآخِرَةِ في أشَدِّ العَذابِ.
الأعراف 7:97
صفحة ١٥١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِينَ عَصَوْا وتَمَرَّدُوا أخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ أطاعُوا لَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ أيْ آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ (واتَّقَوْا) ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ وحَرَّمَهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بَرَكاتُ السَّماءِ بِالمَطَرِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ بِالنَّباتِ والثِّمارِ، وكَثْرَةِ المَواشِي والأنْعامِ، وحُصُولِ الأمْنِ والسَّلامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ، والأرْضَ تَجْرِي مَجْرى الأُمِّ، ومِنهُما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ والخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ (فَأخَذْناهم) بِالجُدُوبَةِ والقَحْطِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ التَّهْدِيدَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَقالَ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَوَّفَهم بِنُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ في غايَةِ الغَفْلَةِ، وهو حالُ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، وحالُ الضُّحى بِالنَّهارِ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى المَرْءِ التَّشاغُلُ بِاللَّذّاتِ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ التَّشاغُلَ بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَهي لَعِبٌ ولَهْوٌ، ويَحْتَمِلُ خَوْضَهم في كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كاللَّعِبِ في أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ ”أوَأمِنَ“ بِفَتْحِ الواوِ، وهو حَرْفُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، كَما دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ [يونس: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠] وهَذِهِ القِراءَةُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وما بَعْدَهُ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”أوْ أمِنَ“ ساكِنَةَ الواوِ، واسْتُعْمِلَ عَلى ضَرْبَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو جاءَ، والمَعْنى: أحَدُهُما جاءَ.
والضَّرْبُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ لِلْإضْرابِ عَمّا قَبْلَها، كَقَوْلِكَ: أنا أخْرُجُ أوْ أُقِيمُ، أضْرَبْتَ عَنِ الخُرُوجِ وأثْبَتَّ الإقامَةَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: لا بَلْ أُقِيمُ، فَوَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ جَعَلَ ”أوْ“ لِلْإضْرابِ لا عَلى أنَّهُ أبْطَلَ الأوَّلَ، وهو ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة: ١، ٢، ٣] فَكانَ المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتِواءُ هَذِهِ الضُّرُوبِ مِنَ العَذابِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”أوْ“ هَهُنا الَّتِي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى: أفَأمِنُوا إحْدى هَذِهِ العُقُوباتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ضُحًى﴾ الضُّحى: صَدْرُ النَّهارِ، وأصْلُهُ الظُّهُورُ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَحا لِلشَّمْسِ إذا ظَهَرَ لَها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ المَكْرِ في اللُّغَةِ، ومَعْنى المَكْرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ويَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ أنَّ المُرادَ أنْ يَأْتِيَهم عَذابُهُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، قالَهُ عَلى وجْهِ التَّحْذِيرِ، وسَمّى هَذا العَذابَ مَكْرًا تَوَسُّعًا؛ لِأنَّ الواحِدَ مِنّا إذا أرادَ المَكْرَ بِصاحِبِهِ، فَإنَّهُ يُوقِعُهُ في البَلاءِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ، فَسَمّى العَذابَ مَكْرًا لِنُزُولِهِ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَأْمَنُ نُزُولَ عَذابِ اللَّهِ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لِغَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ لا يَعْرِفُونَ رَبَّهم، فَلا يَخافُونَهُ، ومَن هَذِهِ سَبِيلُهُ فَهو أخْسَرُ الخاسِرِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ أوْقَعَ نَفْسَهُ في الدُّنْيا في الضَّرَرِ، وفي الآخِرَةِ في أشَدِّ العَذابِ.
الأعراف 7:98
صفحة ١٥١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِينَ عَصَوْا وتَمَرَّدُوا أخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ أطاعُوا لَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ أيْ آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ (واتَّقَوْا) ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ وحَرَّمَهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بَرَكاتُ السَّماءِ بِالمَطَرِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ بِالنَّباتِ والثِّمارِ، وكَثْرَةِ المَواشِي والأنْعامِ، وحُصُولِ الأمْنِ والسَّلامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ، والأرْضَ تَجْرِي مَجْرى الأُمِّ، ومِنهُما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ والخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ (فَأخَذْناهم) بِالجُدُوبَةِ والقَحْطِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ التَّهْدِيدَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَقالَ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَوَّفَهم بِنُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ في غايَةِ الغَفْلَةِ، وهو حالُ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، وحالُ الضُّحى بِالنَّهارِ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى المَرْءِ التَّشاغُلُ بِاللَّذّاتِ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ التَّشاغُلَ بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَهي لَعِبٌ ولَهْوٌ، ويَحْتَمِلُ خَوْضَهم في كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كاللَّعِبِ في أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ ”أوَأمِنَ“ بِفَتْحِ الواوِ، وهو حَرْفُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، كَما دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ [يونس: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠] وهَذِهِ القِراءَةُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وما بَعْدَهُ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”أوْ أمِنَ“ ساكِنَةَ الواوِ، واسْتُعْمِلَ عَلى ضَرْبَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو جاءَ، والمَعْنى: أحَدُهُما جاءَ.
والضَّرْبُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ لِلْإضْرابِ عَمّا قَبْلَها، كَقَوْلِكَ: أنا أخْرُجُ أوْ أُقِيمُ، أضْرَبْتَ عَنِ الخُرُوجِ وأثْبَتَّ الإقامَةَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: لا بَلْ أُقِيمُ، فَوَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ جَعَلَ ”أوْ“ لِلْإضْرابِ لا عَلى أنَّهُ أبْطَلَ الأوَّلَ، وهو ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة: ١، ٢، ٣] فَكانَ المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتِواءُ هَذِهِ الضُّرُوبِ مِنَ العَذابِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”أوْ“ هَهُنا الَّتِي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى: أفَأمِنُوا إحْدى هَذِهِ العُقُوباتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ضُحًى﴾ الضُّحى: صَدْرُ النَّهارِ، وأصْلُهُ الظُّهُورُ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَحا لِلشَّمْسِ إذا ظَهَرَ لَها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ المَكْرِ في اللُّغَةِ، ومَعْنى المَكْرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ويَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ أنَّ المُرادَ أنْ يَأْتِيَهم عَذابُهُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، قالَهُ عَلى وجْهِ التَّحْذِيرِ، وسَمّى هَذا العَذابَ مَكْرًا تَوَسُّعًا؛ لِأنَّ الواحِدَ مِنّا إذا أرادَ المَكْرَ بِصاحِبِهِ، فَإنَّهُ يُوقِعُهُ في البَلاءِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ، فَسَمّى العَذابَ مَكْرًا لِنُزُولِهِ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَأْمَنُ نُزُولَ عَذابِ اللَّهِ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لِغَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ لا يَعْرِفُونَ رَبَّهم، فَلا يَخافُونَهُ، ومَن هَذِهِ سَبِيلُهُ فَهو أخْسَرُ الخاسِرِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ أوْقَعَ نَفْسَهُ في الدُّنْيا في الضَّرَرِ، وفي الآخِرَةِ في أشَدِّ العَذابِ.
الأعراف 7:99
صفحة ١٥١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِينَ عَصَوْا وتَمَرَّدُوا أخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ أطاعُوا لَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ أيْ آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ (واتَّقَوْا) ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ وحَرَّمَهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بَرَكاتُ السَّماءِ بِالمَطَرِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ بِالنَّباتِ والثِّمارِ، وكَثْرَةِ المَواشِي والأنْعامِ، وحُصُولِ الأمْنِ والسَّلامَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ، والأرْضَ تَجْرِي مَجْرى الأُمِّ، ومِنهُما يَحْصُلُ جَمِيعُ المَنافِعِ والخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ (فَأخَذْناهم) بِالجُدُوبَةِ والقَحْطِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ التَّهْدِيدَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَقالَ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَوَّفَهم بِنُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ عَلَيْهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ في غايَةِ الغَفْلَةِ، وهو حالُ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، وحالُ الضُّحى بِالنَّهارِ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى المَرْءِ التَّشاغُلُ بِاللَّذّاتِ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ يَحْتَمِلُ التَّشاغُلَ بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَهي لَعِبٌ ولَهْوٌ، ويَحْتَمِلُ خَوْضَهم في كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كاللَّعِبِ في أنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ ”أوَأمِنَ“ بِفَتْحِ الواوِ، وهو حَرْفُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، كَما دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ [يونس: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠] وهَذِهِ القِراءَةُ أشْبَهُ بِما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ وما بَعْدَهُ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”أوْ أمِنَ“ ساكِنَةَ الواوِ، واسْتُعْمِلَ عَلى ضَرْبَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، كَقَوْلِهِ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو جاءَ، والمَعْنى: أحَدُهُما جاءَ.
والضَّرْبُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ لِلْإضْرابِ عَمّا قَبْلَها، كَقَوْلِكَ: أنا أخْرُجُ أوْ أُقِيمُ، أضْرَبْتَ عَنِ الخُرُوجِ وأثْبَتَّ الإقامَةَ، كَأنَّكَ قُلْتَ: لا بَلْ أُقِيمُ، فَوَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ جَعَلَ ”أوْ“ لِلْإضْرابِ لا عَلى أنَّهُ أبْطَلَ الأوَّلَ، وهو ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة: ١، ٢، ٣] فَكانَ المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتِواءُ هَذِهِ الضُّرُوبِ مِنَ العَذابِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”أوْ“ هَهُنا الَّتِي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، ويَكُونُ المَعْنى: أفَأمِنُوا إحْدى هَذِهِ العُقُوباتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ضُحًى﴾ الضُّحى: صَدْرُ النَّهارِ، وأصْلُهُ الظُّهُورُ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَحا لِلشَّمْسِ إذا ظَهَرَ لَها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ المَكْرِ في اللُّغَةِ، ومَعْنى المَكْرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ويَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ أنَّ المُرادَ أنْ يَأْتِيَهم عَذابُهُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، قالَهُ عَلى وجْهِ التَّحْذِيرِ، وسَمّى هَذا العَذابَ مَكْرًا تَوَسُّعًا؛ لِأنَّ الواحِدَ مِنّا إذا أرادَ المَكْرَ بِصاحِبِهِ، فَإنَّهُ يُوقِعُهُ في البَلاءِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ، فَسَمّى العَذابَ مَكْرًا لِنُزُولِهِ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَأْمَنُ نُزُولَ عَذابِ اللَّهِ عَلى هَذا الوَجْهِ ﴿إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لِغَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ لا يَعْرِفُونَ رَبَّهم، فَلا يَخافُونَهُ، ومَن هَذِهِ سَبِيلُهُ فَهو أخْسَرُ الخاسِرِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ أوْقَعَ نَفْسَهُ في الدُّنْيا في الضَّرَرِ، وفي الآخِرَةِ في أشَدِّ العَذابِ.
الأعراف 7:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ حالَ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِئْصالِ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّ الغَرَضَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القَصَصِ حُصُولُ العِبْرَةِ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ في مَصالِحِ أدْيانِهِمْ وطاعاتِهِمْ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ بَعْضُهم ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالنُّونِ، قالَ الزَّجّاجُ: إذا قُرِئَ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتُ كانَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلُهُ، بِمَعْنى: أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينِ يَخْلُفُونَ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ ويَرِثُونَ أرْضَهم ودِيارَهم، وهَذا الشَّأْنُ وهو أنّا لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم وأهْلَكْنا الوارِثِينَ كَما أهْلَكْنا المُوَرِّثِينَ، إذا قُرِئَ بِالنُّونِ فَهو مَنصُوبٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ نَهْدِ لِلْوارِثِينَ هَذا الشَّأْنَ، بِمَعْنى أوَلَمْ نُبَيِّنْ لَهم أنَّ قُرَيْشًا أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم ؟
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى أوَلَمْ نُبَيِّنْ لِلَّذِينِ نَبْعَثُهم في الأرْضِ بَعْدَ إهْلاكِنا مَن كانَ قَبْلَهم فِيها فَنُهْلِكُهم بَعْدَهم ؟ وهو مَعْنى ﴿لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ عِقابِ ذُنُوبِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ إنْ لَمْ نُهْلِكْهم بِالعِقابِ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَقْبَلُونَ، ولا يَتَّعِظُونَ، ولا يَنْزَجِرُونَ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المُرادَ إمّا الإهْلاكُ وإمّا الطَّبْعُ عَلى القَلْبِ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الطَّبْعِ عَلى القَلْبِ، فَإنَّهُ إذا أهْلَكَهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَطْبَعَ عَلى قَلْبِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ العَبْدَ عَنِ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ والطَّبْعُ والخَتْمُ والرَّيْنُ والكِنانُ والغِشاوَةُ والصَّدُّ والمَنعُ واحِدٌ عَلى ما قَرَّرْناهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن هَذا الطَّبْعِ أنَّهُ تَعالى يَسِمُ قُلُوبَ الكُفّارِ بِسِماتٍ وعَلاماتٍ تَعْرِفُ المَلائِكَةُ بِها أنَّ أصْحابَها لا يُؤْمِنُونَ، وتِلْكَ العَلامَةُ غَيْرُ مانِعَةٍ مِنَ الإيمانِ.
وقالَ الكَعْبِيُّ: إنَّما أضافَ الطَّبْعَ إلى نَفْسِهِ لِأجْلِ أنَّ القَوْمَ إنَّما صارُوا إلى ذَلِكَ الكُفْرِ عِنْدَ أمْرِهِ وامْتِحانِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] .
واعْلَمْ أنَّ البَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ الطَّبْعِ والخَتْمِ قَدْ مَرَّ مِرارًا كَثِيرَةً، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
صفحة ١٥٣
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ﴾ هَلْ هو مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أصَبْنا) ماضٍ، وقَوْلَهُ: ﴿ونَطْبَعُ﴾ مُسْتَقْبَلٌ، وهَذا العَطْفُ لَيْسَ بِمُسْتَحْسَنٍ، بَلْ هو مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ، ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ ثُمَّ قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿أصَبْناهُمْ﴾ لِأنَّهم كانُوا كُفّارًا وكُلُّ كافِرٍ فَهو مَطْبُوعٌ عَلى قَلْبِهِ، فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ يَجْرِي مَجْرى تَحْصِيلِ الحاصِلِ، وهو مُحالٌ، هَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ عَلى أقْوى الوُجُوهِ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ إنَّما يَحْصُلُ حالَ اسْتِمْرارِهِ وثَباتِهِ عَلَيْهِ، فَهو يَكْفُرُ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ في الكُفْرِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا مُنافِيًا لِصِحَّةِ العَطْفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ قَوْلُهُ: ”تِلْكَ“ مُبْتَدَأٌ، و”القُرى“ صِفَةٌ، و”نَقُصُّ عَلَيْكَ“ خَبَرٌ، والمُرادُ بِتِلْكَ القُرى قُرى الأقْوامِ الخَمْسَةِ الَّذِينَ وصَفَهم فِيما سَبَقَ وهم: قَوْمُ نُوحٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ، نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أخْبارِها كَيْفَ أُهْلِكَتْ، وأمّا أخْبارُ غَيْرِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ فَلَمْ نَقُصَّها عَلَيْكَ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ أنْباءَ هَذِهِ القُرى لِأنَّهُمُ اغْتَرُّوا بِطُولِ الإمْهالِ مَعَ كَثْرَةِ النِّعَمِ، فَتَوَهَّمُوا أنَّهم عَلى الحَقِّ، فَذَكَرَها اللَّهُ تَعالى تَنْبِيهًا لِقَوْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الِاحْتِرازِ مِن مِثْلِ تِلْكَ الأعْمالِ.
ثُمَّ عَزاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ يُرِيدُ الأنْبِياءَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: فَما كانَ أُولَئِكَ الكُفّارُ لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ بِما كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ أخَذَ مِيثاقَهم حِينَ أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ، فَآمَنُوا كُرْهًا، وأقَرُّوا بِاللِّسانِ، وأضْمَرُوا التَّكْذِيبَ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ بَعْدَ رُؤْيَةِ المُعْجِزاتِ بِما كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ رُؤْيَةِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ.
الثّالِثُ: ما كانُوا لَوْ أحْيَيْناهم بَعْدَ إهْلاكِهِمْ ورَدَدْناهم إلى دارِ التَّكْلِيفِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلِ إهْلاكِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] .
الرّابِعُ: قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، فَهَؤُلاءِ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ أيْضًا.
الخامِسُ: لِيُؤْمِنُوا في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ السَّبَبَ في عَدَمِ هَذا القَبُولُ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: والكافُ في (كَذَلِكَ) نَصْبٌ، والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، يَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ لا يُؤْمِنُوا أبَدًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
الأعراف 7:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ حالَ الكُفّارِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِئْصالِ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّ الغَرَضَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القَصَصِ حُصُولُ العِبْرَةِ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ في مَصالِحِ أدْيانِهِمْ وطاعاتِهِمْ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ، فَقَرَأ بَعْضُهم ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتِها، وبَعْضُهم بِالنُّونِ، قالَ الزَّجّاجُ: إذا قُرِئَ بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن تَحْتُ كانَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ مَرْفُوعًا بِأنَّهُ فاعِلُهُ، بِمَعْنى: أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينِ يَخْلُفُونَ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ ويَرِثُونَ أرْضَهم ودِيارَهم، وهَذا الشَّأْنُ وهو أنّا لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم وأهْلَكْنا الوارِثِينَ كَما أهْلَكْنا المُوَرِّثِينَ، إذا قُرِئَ بِالنُّونِ فَهو مَنصُوبٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ نَهْدِ لِلْوارِثِينَ هَذا الشَّأْنَ، بِمَعْنى أوَلَمْ نُبَيِّنْ لَهم أنَّ قُرَيْشًا أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم ؟
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى أوَلَمْ نُبَيِّنْ لِلَّذِينِ نَبْعَثُهم في الأرْضِ بَعْدَ إهْلاكِنا مَن كانَ قَبْلَهم فِيها فَنُهْلِكُهم بَعْدَهم ؟ وهو مَعْنى ﴿لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ عِقابِ ذُنُوبِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ إنْ لَمْ نُهْلِكْهم بِالعِقابِ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَقْبَلُونَ، ولا يَتَّعِظُونَ، ولا يَنْزَجِرُونَ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المُرادَ إمّا الإهْلاكُ وإمّا الطَّبْعُ عَلى القَلْبِ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الطَّبْعِ عَلى القَلْبِ، فَإنَّهُ إذا أهْلَكَهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَطْبَعَ عَلى قَلْبِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّ أصْحابُنا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ العَبْدَ عَنِ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ والطَّبْعُ والخَتْمُ والرَّيْنُ والكِنانُ والغِشاوَةُ والصَّدُّ والمَنعُ واحِدٌ عَلى ما قَرَّرْناهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن هَذا الطَّبْعِ أنَّهُ تَعالى يَسِمُ قُلُوبَ الكُفّارِ بِسِماتٍ وعَلاماتٍ تَعْرِفُ المَلائِكَةُ بِها أنَّ أصْحابَها لا يُؤْمِنُونَ، وتِلْكَ العَلامَةُ غَيْرُ مانِعَةٍ مِنَ الإيمانِ.
وقالَ الكَعْبِيُّ: إنَّما أضافَ الطَّبْعَ إلى نَفْسِهِ لِأجْلِ أنَّ القَوْمَ إنَّما صارُوا إلى ذَلِكَ الكُفْرِ عِنْدَ أمْرِهِ وامْتِحانِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] .
واعْلَمْ أنَّ البَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ الطَّبْعِ والخَتْمِ قَدْ مَرَّ مِرارًا كَثِيرَةً، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
صفحة ١٥٣
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ﴾ هَلْ هو مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (أصَبْنا) ماضٍ، وقَوْلَهُ: ﴿ونَطْبَعُ﴾ مُسْتَقْبَلٌ، وهَذا العَطْفُ لَيْسَ بِمُسْتَحْسَنٍ، بَلْ هو مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ، ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ ثُمَّ قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿أصَبْناهُمْ﴾ لِأنَّهم كانُوا كُفّارًا وكُلُّ كافِرٍ فَهو مَطْبُوعٌ عَلى قَلْبِهِ، فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ يَجْرِي مَجْرى تَحْصِيلِ الحاصِلِ، وهو مُحالٌ، هَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ عَلى أقْوى الوُجُوهِ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ إنَّما يَحْصُلُ حالَ اسْتِمْرارِهِ وثَباتِهِ عَلَيْهِ، فَهو يَكْفُرُ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ في الكُفْرِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا مُنافِيًا لِصِحَّةِ العَطْفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ قَوْلُهُ: ”تِلْكَ“ مُبْتَدَأٌ، و”القُرى“ صِفَةٌ، و”نَقُصُّ عَلَيْكَ“ خَبَرٌ، والمُرادُ بِتِلْكَ القُرى قُرى الأقْوامِ الخَمْسَةِ الَّذِينَ وصَفَهم فِيما سَبَقَ وهم: قَوْمُ نُوحٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ، نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أخْبارِها كَيْفَ أُهْلِكَتْ، وأمّا أخْبارُ غَيْرِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ فَلَمْ نَقُصَّها عَلَيْكَ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ أنْباءَ هَذِهِ القُرى لِأنَّهُمُ اغْتَرُّوا بِطُولِ الإمْهالِ مَعَ كَثْرَةِ النِّعَمِ، فَتَوَهَّمُوا أنَّهم عَلى الحَقِّ، فَذَكَرَها اللَّهُ تَعالى تَنْبِيهًا لِقَوْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الِاحْتِرازِ مِن مِثْلِ تِلْكَ الأعْمالِ.
ثُمَّ عَزاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ يُرِيدُ الأنْبِياءَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ: فَما كانَ أُولَئِكَ الكُفّارُ لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ بِما كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ أخَذَ مِيثاقَهم حِينَ أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ، فَآمَنُوا كُرْهًا، وأقَرُّوا بِاللِّسانِ، وأضْمَرُوا التَّكْذِيبَ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ بَعْدَ رُؤْيَةِ المُعْجِزاتِ بِما كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ رُؤْيَةِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ.
الثّالِثُ: ما كانُوا لَوْ أحْيَيْناهم بَعْدَ إهْلاكِهِمْ ورَدَدْناهم إلى دارِ التَّكْلِيفِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلِ إهْلاكِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] .
الرّابِعُ: قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، فَهَؤُلاءِ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ أيْضًا.
الخامِسُ: لِيُؤْمِنُوا في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ السَّبَبَ في عَدَمِ هَذا القَبُولُ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: والكافُ في (كَذَلِكَ) نَصْبٌ، والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، يَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ لا يُؤْمِنُوا أبَدًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
الأعراف 7:102
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ فِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الوَفاءَ بِالعَهْدِ الَّذِي عاهَدَهُمُ اللَّهُ وهم في صُلْبِ آدَمَ، حَيْثُ قالَ:
صفحة ١٥٤
﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَلَمّا أخَذَ اللَّهُ مِنهم هَذا العَهْدَ وأقَرُّوا بِهِ، ثُمَّ خالَفُوا ذَلِكَ، صارَ كَأنَّهُ ما كانَ لَهم عَهْدٌ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ .
والثّانِي: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: العَهْدُ هُنا الإيمانُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] يَعْنِي: آمَنَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
والثّالِثُ: أنَّ العَهْدَ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُرادُ ما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِنَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ أيْ وإنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ وجَدْنا أكْثَرَهم فاسِقِينَ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ، صارِفِينَ عَنِ الدِّينِ.
الأعراف 7:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ السّادِسَةُ مِنَ القِصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وذَكَرَ في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الشَّرْحِ والتَّفْصِيلِ ما لَمْ يَذْكُرْ في سائِرِ القِصَصِ؛ لِأجْلِ أنَّ مُعْجِزاتِ مُوسى كانَتْ أقْوى مِن مُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ، وجَهْلَ قَوْمِهِ كانَ أعْظَمَ وأفْحَشَ مِن جَهْلِ سائِرِ الأقْوامِ.
واعْلَمْ أنَّ الكِنايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَعُودَ إلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهم، ويَجُوزُ أنْ تَعُودَ إلى الأُمَمِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم بِإهْلاكِهِمْ.
وقَوْلُهُ: (بِآياتِنا) فِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا بُدَّ لَهُ مِن آيَةٍ ومُعْجِزَةٍ بِها يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِهَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ قَبُولُ قَوْلِهِ أوْلى مِن قَبُولِ قَوْلِ غَيْرِهِ.
والبَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى آتاهُ آياتٍ كَثِيرَةً ومُعْجِزاتٍ كَثِيرَةً.
والبَحْثُ الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أوَّلُ آياتِهِ العَصا ثُمَّ اليَدُ، ضَرَبَ بِالعَصا بابَ فِرْعَوْنَ، فَفَزِعَ مِنها فَشابَ رَأْسُهُ، فاسْتَحْيا فَخَضَّبَ بِالسَّوادِ، فَهو أوَّلُ مَن خَضَّبَ.
قالَ: وآخِرُ الآياتِ الطَّمْسُ.
قالَ: ولِلْعَصا فَوائِدُ كَثِيرَةٌ مِنها ما هو مَذْكُورٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] .
وذَكَرَ اللَّهُ مِن تِلْكَ المَآرِبِ في القُرْآنِ قَوْلَهُ: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] .
وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أشْياءَ أُخْرى:
مِنها: أنَّهُ كانَ يَضْرِبُ الأرْضَ بِها فَتَنْبُتُ.
ومِنها: أنَّهُ كانَتْ تُحارِبُ اللُّصُوصَ والسِّباعَ الَّتِي كانَتْ تَقْصِدُ غَنَمَهُ.
ومِنها: أنَّها كانَتْ تَشْتَعِلُ في اللَّيْلِ كاشْتِعالِ الشَّمْعَةِ.
ومِنها: أنَّها كانَتْ تَصِيرُ كالحَبْلِ الطَّوِيلِ فَيَنْزَحُ بِهِ الماءَ مِنَ البِئْرِ العَمِيقَةِ.
صفحة ١٥٥
واعْلَمْ أنَّ الفَوائِدَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مَعْلُومَةٌ، فَأمّا الأُمُورُ الَّتِي هي غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في القُرْآنِ فَكُلُّ ما ورَدَ بِهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَهو مَقْبُولٌ، وما لا فَلا، وقَوْلُهُ: إنَّهُ كانَ يَضْرِبُ بِها الأرْضَ فَتُخْرِجُ النَّباتَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ يَفْزَعُ إلى العَصا في الماءِ الخارِجِ مِنَ الحَجَرِ، وما كانَ يَفْزَعُ إلَيْها في طَلَبِ الطَّعامِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ فَظَلَمُوا بِالآياتِ الَّتِي جاءَتْهم؛ لِأنَّ الظُّلْمَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الآياتُ قاهِرَةً ظاهِرَةً، ثُمَّ إنَّهم كَفَرُوا بِها فَوَضَعُوا الإنْكارَ في مَوْضِعِ الإقْرارِ، والكُفْرَ في مَوْضِعِ الإيمانِ - كانَ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنهم عَلى تِلْكَ الآياتِ.
ثُمَّ قالَ: (فانْظُرْ) أيْ بِعَيْنِ عَقْلِكَ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ وكَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ.
الأعراف 7:104
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ كانَ يُقالُ لِمُلُوكِ مِصْرَ: الفَراعِنَةُ، كَما يُقالُ لِمُلُوكِ فارِسَ: الأكاسِرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا مَلِكَ مِصْرَ، وكانَ اسْمُهُ قايُوسَ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيّانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العالَمَ مَوْصُوفٌ بِصِفاتٍ لِأجْلِها افْتَقَرَ إلى رَبٍّ يُرَبِّيهِ وإلَهٍ يُوجِدُهُ ويَخْلُقُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، فَصارَ نَظْمُ الكَلامِ كَأنَّهُ قالَ: أنا رَسُولُ اللَّهِ، ورَسُولُ اللَّهِ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، يَنْتِجُ أنِّي لا أقُولُ إلّا الحَقَّ، ولَمّا كانَتِ المُقَدِّمَةُ الأوْلى خَفِيَّةً، وكانَتِ المُقْدِّمَةُ الثّانِيَةُ جَلِيَّةً ظاهِرَةً - ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الظّاهِرَةُ القاهِرَةُ، ولَمّا قَرَّرَ رِسالَةَ نَفْسِهِ فَرَّعَ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ الحُكْمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ دَلِيلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْنِيًّا عَلى مُقَدِّماتٍ:
إحْداها: أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا
صفحة ١٥٦
قادِرًا عالِمًا حَكِيمًا.
والثّانِيَةُ: أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْهِمْ بِدَلِيلِ أنَّهُ أظْهَرَ المُعْجِزَ عَلى وفْقِ دَعْواهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا حَقًّا.
والثّالِثَةُ: أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ ما يُبَلِّغُهُ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ. ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ ما نازَعَهُ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُقَدِّماتِ إلّا في طَلَبِ المُعْجِزَةِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّهُ كانَ مُساعِدًا عَلى صِحَّةِ سائِرِ المُقَدِّماتِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ طه أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ كانَ عارِفًا بِرَبِّهِ أمْ لا ؟ ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولَ: إنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ أوَّلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وثانِيًا عَلى أنَّ الإلَهَ جَعَلَهُ قائِمًا مَقامَ تَصْدِيقِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، فَلَعَلَّ فِرْعَوْنَ كانَ جاهِلًا بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ وطَلَبَ مِنهُ إظْهارَ تِلْكَ البَيِّنَةِ، حَتّى إنَّهُ إنْ أظْهَرَها وأتى بِها كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ أوَّلًا وعَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ثانِيًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ مِنَ اقْتِصارِ فِرْعَوْنَ عَلى طَلَبِ البَيِّنَةِ كَوْنُهُ مُقِرًّا بِوُجُودِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”حَقِيقٌ عَلَيَّ“ مُشَدَّدَ الياءِ، والباقُونَ بِسُكُونِ الياءِ والتَّخْفِيفِ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ ”فَحَقِيقٌ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ. قالَ اللَّيْثُ: حَقَّ الشَّيْءُ، مَعْناهُ وجَبَ، ويَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، وحَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَهُ، بِمَعْنى فاعِلٍ، والمَعْنى: واجِبٌ عَلَيَّ تَرْكُ القَوْلِ عَلى اللَّهِ إلّا بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وُضِعَ فَعِيلٌ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ، تَقُولُ العَرَبُ: حَقٌّ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ كَذا، وإنِّي لَمَحْقُوقٌ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ خَيْرًا، أيْ حَقٌّ عَلَيَّ ذَلِكَ، بِمَعْنى اسْتَحَقَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حُجَّةُ نافِعٍ في تَشْدِيدِ الياءِ أنَّ حَقَّ يَتَعَدّى بِعَلى، قالَ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ [الصافات: ٣١] وقالَ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦] فَحَقِيقٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِحَرْفِ ”عَلى“ مَن هَذا الوَجْهِ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِمَعْنى واجِبٍ، فَكَما أنَّ ”وجَبَ“ يَتَعَدّى بِعَلى، كَذَلِكَ ”حَقِيقٌ“ إنْ أُرِيدَ بِهِ ”وجَبَ“ يَتَعَدّى بِعَلى. وأمّا قِراءَةُ العامَّةِ ﴿حَقِيقٌ عَلى﴾ بِسُكُونِ الياءِ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ الباءَ في مَوْضِعِ ”عَلى“ تَقُولُ: رَمَيْتَ عَلى القَوْسِ وبِالقَوْسِ، وجِئْتُ عَلى حالٍ حَسَنَةٍ، وبِحالٍ حَسَنَةٍ. قالَ الأخْفَشُ: وهَذا كَما قالَ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَكَما وقَعَتِ الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ مَوْضِعَ ”عَلى“ كَذَلِكَ وقَعَتْ كَلِمَةُ ”عَلى“ مَوْقِعَ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ”حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ“ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالتَّقْدِيرُ: أنا حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ .
الثّانِي: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الدّائِمُ، والحَقِيقُ مُبالَغَةٌ فِيهِ، وكانَ المَعْنى: أنا ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ عَلى أنْ لا أقُولَ إلّا الحَقَّ.
الثّالِثُ: الحَقِيقُ هَهُنا بِمَعْنى المَحْقُوقِ، وهو مِن قَوْلِكَ: حَقَقْتُ الرَّجُلَ إذا ما تَحَقَّقْتَهُ وعَرَفْتَهُ عَلى يَقِينٍ، ولَفْظَةُ ”عَلى“ هَهُنا هي الَّتِي تُقْرَنُ بِالأوْصافِ اللّازِمَةِ الأصْلِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] وتَقُولُ: جاءَنِي فُلانٌ عَلى هَيْئَتِهِ وعادَتِهِ، وعَرَفْتُهُ وتَحَقَّقْتُهُ عَلى كَذا وكَذا مِنَ الصِّفاتِ، فَمَعْنى الآيَةِ: إنِّي لَمْ أعْرِفْ ولَمْ أتَحَقَّقْ إلّا عَلى قَوْلِ الحَقِّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ أطْلِقْ عَنْهم وخَلِّهِمْ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدِ اسْتَخْدَمَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، مِثْلِ ضَرْبِ اللَّبَنِ ونَقْلِ التُّرابِ، فَعِنْدَ هَذا الكَلامِ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ قالَ لَهُ: ﴿فَأْتِ بِها﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ﴾ ؟
صفحة ١٥٧
وجَوابُهُ: إنْ كُنْتَ جِئْتَ مِن عِنْدِ مَن أرْسَلَكَ بِآيَةٍ فَأْتِنِي بِها وأحْضِرْها عِنْدِي؛ لِيَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتُ صِدْقُكَ.
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ جَزاءٌ وقَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ، فَكَيْفَ حُكْمُهُ ؟ وجَوابُهُ أنَّ نَظِيرَهُ قَوْلُهُ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا. وهَهُنا المُؤَخَّرُ في اللَّفْظِ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا في المَعْنى، وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذا المَعْنى فِيما تَقَدَّمَ.
الأعراف 7:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ كانَ يُقالُ لِمُلُوكِ مِصْرَ: الفَراعِنَةُ، كَما يُقالُ لِمُلُوكِ فارِسَ: الأكاسِرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا مَلِكَ مِصْرَ، وكانَ اسْمُهُ قايُوسَ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيّانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العالَمَ مَوْصُوفٌ بِصِفاتٍ لِأجْلِها افْتَقَرَ إلى رَبٍّ يُرَبِّيهِ وإلَهٍ يُوجِدُهُ ويَخْلُقُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، فَصارَ نَظْمُ الكَلامِ كَأنَّهُ قالَ: أنا رَسُولُ اللَّهِ، ورَسُولُ اللَّهِ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، يَنْتِجُ أنِّي لا أقُولُ إلّا الحَقَّ، ولَمّا كانَتِ المُقَدِّمَةُ الأوْلى خَفِيَّةً، وكانَتِ المُقْدِّمَةُ الثّانِيَةُ جَلِيَّةً ظاهِرَةً - ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الظّاهِرَةُ القاهِرَةُ، ولَمّا قَرَّرَ رِسالَةَ نَفْسِهِ فَرَّعَ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ الحُكْمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ دَلِيلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْنِيًّا عَلى مُقَدِّماتٍ:
إحْداها: أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا
صفحة ١٥٦
قادِرًا عالِمًا حَكِيمًا.
والثّانِيَةُ: أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْهِمْ بِدَلِيلِ أنَّهُ أظْهَرَ المُعْجِزَ عَلى وفْقِ دَعْواهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا حَقًّا.
والثّالِثَةُ: أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ ما يُبَلِّغُهُ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ. ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ ما نازَعَهُ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُقَدِّماتِ إلّا في طَلَبِ المُعْجِزَةِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّهُ كانَ مُساعِدًا عَلى صِحَّةِ سائِرِ المُقَدِّماتِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ طه أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ كانَ عارِفًا بِرَبِّهِ أمْ لا ؟ ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولَ: إنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ أوَّلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وثانِيًا عَلى أنَّ الإلَهَ جَعَلَهُ قائِمًا مَقامَ تَصْدِيقِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، فَلَعَلَّ فِرْعَوْنَ كانَ جاهِلًا بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ وطَلَبَ مِنهُ إظْهارَ تِلْكَ البَيِّنَةِ، حَتّى إنَّهُ إنْ أظْهَرَها وأتى بِها كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ أوَّلًا وعَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ثانِيًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ مِنَ اقْتِصارِ فِرْعَوْنَ عَلى طَلَبِ البَيِّنَةِ كَوْنُهُ مُقِرًّا بِوُجُودِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”حَقِيقٌ عَلَيَّ“ مُشَدَّدَ الياءِ، والباقُونَ بِسُكُونِ الياءِ والتَّخْفِيفِ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ ”فَحَقِيقٌ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ. قالَ اللَّيْثُ: حَقَّ الشَّيْءُ، مَعْناهُ وجَبَ، ويَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، وحَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَهُ، بِمَعْنى فاعِلٍ، والمَعْنى: واجِبٌ عَلَيَّ تَرْكُ القَوْلِ عَلى اللَّهِ إلّا بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وُضِعَ فَعِيلٌ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ، تَقُولُ العَرَبُ: حَقٌّ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ كَذا، وإنِّي لَمَحْقُوقٌ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ خَيْرًا، أيْ حَقٌّ عَلَيَّ ذَلِكَ، بِمَعْنى اسْتَحَقَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حُجَّةُ نافِعٍ في تَشْدِيدِ الياءِ أنَّ حَقَّ يَتَعَدّى بِعَلى، قالَ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ [الصافات: ٣١] وقالَ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦] فَحَقِيقٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِحَرْفِ ”عَلى“ مَن هَذا الوَجْهِ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِمَعْنى واجِبٍ، فَكَما أنَّ ”وجَبَ“ يَتَعَدّى بِعَلى، كَذَلِكَ ”حَقِيقٌ“ إنْ أُرِيدَ بِهِ ”وجَبَ“ يَتَعَدّى بِعَلى. وأمّا قِراءَةُ العامَّةِ ﴿حَقِيقٌ عَلى﴾ بِسُكُونِ الياءِ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ الباءَ في مَوْضِعِ ”عَلى“ تَقُولُ: رَمَيْتَ عَلى القَوْسِ وبِالقَوْسِ، وجِئْتُ عَلى حالٍ حَسَنَةٍ، وبِحالٍ حَسَنَةٍ. قالَ الأخْفَشُ: وهَذا كَما قالَ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَكَما وقَعَتِ الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ مَوْضِعَ ”عَلى“ كَذَلِكَ وقَعَتْ كَلِمَةُ ”عَلى“ مَوْقِعَ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ”حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ“ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالتَّقْدِيرُ: أنا حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ .
الثّانِي: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الدّائِمُ، والحَقِيقُ مُبالَغَةٌ فِيهِ، وكانَ المَعْنى: أنا ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ عَلى أنْ لا أقُولَ إلّا الحَقَّ.
الثّالِثُ: الحَقِيقُ هَهُنا بِمَعْنى المَحْقُوقِ، وهو مِن قَوْلِكَ: حَقَقْتُ الرَّجُلَ إذا ما تَحَقَّقْتَهُ وعَرَفْتَهُ عَلى يَقِينٍ، ولَفْظَةُ ”عَلى“ هَهُنا هي الَّتِي تُقْرَنُ بِالأوْصافِ اللّازِمَةِ الأصْلِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] وتَقُولُ: جاءَنِي فُلانٌ عَلى هَيْئَتِهِ وعادَتِهِ، وعَرَفْتُهُ وتَحَقَّقْتُهُ عَلى كَذا وكَذا مِنَ الصِّفاتِ، فَمَعْنى الآيَةِ: إنِّي لَمْ أعْرِفْ ولَمْ أتَحَقَّقْ إلّا عَلى قَوْلِ الحَقِّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ أطْلِقْ عَنْهم وخَلِّهِمْ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدِ اسْتَخْدَمَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، مِثْلِ ضَرْبِ اللَّبَنِ ونَقْلِ التُّرابِ، فَعِنْدَ هَذا الكَلامِ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ قالَ لَهُ: ﴿فَأْتِ بِها﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ﴾ ؟
صفحة ١٥٧
وجَوابُهُ: إنْ كُنْتَ جِئْتَ مِن عِنْدِ مَن أرْسَلَكَ بِآيَةٍ فَأْتِنِي بِها وأحْضِرْها عِنْدِي؛ لِيَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتُ صِدْقُكَ.
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ جَزاءٌ وقَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ، فَكَيْفَ حُكْمُهُ ؟ وجَوابُهُ أنَّ نَظِيرَهُ قَوْلُهُ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا. وهَهُنا المُؤَخَّرُ في اللَّفْظِ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا في المَعْنى، وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذا المَعْنى فِيما تَقَدَّمَ.
الأعراف 7:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ كانَ يُقالُ لِمُلُوكِ مِصْرَ: الفَراعِنَةُ، كَما يُقالُ لِمُلُوكِ فارِسَ: الأكاسِرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا مَلِكَ مِصْرَ، وكانَ اسْمُهُ قايُوسَ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيّانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العالَمَ مَوْصُوفٌ بِصِفاتٍ لِأجْلِها افْتَقَرَ إلى رَبٍّ يُرَبِّيهِ وإلَهٍ يُوجِدُهُ ويَخْلُقُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، فَصارَ نَظْمُ الكَلامِ كَأنَّهُ قالَ: أنا رَسُولُ اللَّهِ، ورَسُولُ اللَّهِ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، يَنْتِجُ أنِّي لا أقُولُ إلّا الحَقَّ، ولَمّا كانَتِ المُقَدِّمَةُ الأوْلى خَفِيَّةً، وكانَتِ المُقْدِّمَةُ الثّانِيَةُ جَلِيَّةً ظاهِرَةً - ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهي المُعْجِزَةُ الظّاهِرَةُ القاهِرَةُ، ولَمّا قَرَّرَ رِسالَةَ نَفْسِهِ فَرَّعَ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ الحُكْمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ دَلِيلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْنِيًّا عَلى مُقَدِّماتٍ:
إحْداها: أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا
صفحة ١٥٦
قادِرًا عالِمًا حَكِيمًا.
والثّانِيَةُ: أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْهِمْ بِدَلِيلِ أنَّهُ أظْهَرَ المُعْجِزَ عَلى وفْقِ دَعْواهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا حَقًّا.
والثّالِثَةُ: أنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ ما يُبَلِّغُهُ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ. ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ ما نازَعَهُ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُقَدِّماتِ إلّا في طَلَبِ المُعْجِزَةِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّهُ كانَ مُساعِدًا عَلى صِحَّةِ سائِرِ المُقَدِّماتِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ طه أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ كانَ عارِفًا بِرَبِّهِ أمْ لا ؟ ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولَ: إنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ أوَّلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وثانِيًا عَلى أنَّ الإلَهَ جَعَلَهُ قائِمًا مَقامَ تَصْدِيقِ ذَلِكَ الرَّسُولِ، فَلَعَلَّ فِرْعَوْنَ كانَ جاهِلًا بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ وطَلَبَ مِنهُ إظْهارَ تِلْكَ البَيِّنَةِ، حَتّى إنَّهُ إنْ أظْهَرَها وأتى بِها كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ أوَّلًا وعَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ثانِيًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ مِنَ اقْتِصارِ فِرْعَوْنَ عَلى طَلَبِ البَيِّنَةِ كَوْنُهُ مُقِرًّا بِوُجُودِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”حَقِيقٌ عَلَيَّ“ مُشَدَّدَ الياءِ، والباقُونَ بِسُكُونِ الياءِ والتَّخْفِيفِ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ ”فَحَقِيقٌ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ. قالَ اللَّيْثُ: حَقَّ الشَّيْءُ، مَعْناهُ وجَبَ، ويَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، وحَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَهُ، بِمَعْنى فاعِلٍ، والمَعْنى: واجِبٌ عَلَيَّ تَرْكُ القَوْلِ عَلى اللَّهِ إلّا بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وُضِعَ فَعِيلٌ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ، تَقُولُ العَرَبُ: حَقٌّ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ كَذا، وإنِّي لَمَحْقُوقٌ عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ خَيْرًا، أيْ حَقٌّ عَلَيَّ ذَلِكَ، بِمَعْنى اسْتَحَقَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حُجَّةُ نافِعٍ في تَشْدِيدِ الياءِ أنَّ حَقَّ يَتَعَدّى بِعَلى، قالَ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ [الصافات: ٣١] وقالَ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦] فَحَقِيقٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِحَرْفِ ”عَلى“ مَن هَذا الوَجْهِ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِمَعْنى واجِبٍ، فَكَما أنَّ ”وجَبَ“ يَتَعَدّى بِعَلى، كَذَلِكَ ”حَقِيقٌ“ إنْ أُرِيدَ بِهِ ”وجَبَ“ يَتَعَدّى بِعَلى. وأمّا قِراءَةُ العامَّةِ ﴿حَقِيقٌ عَلى﴾ بِسُكُونِ الياءِ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ الباءَ في مَوْضِعِ ”عَلى“ تَقُولُ: رَمَيْتَ عَلى القَوْسِ وبِالقَوْسِ، وجِئْتُ عَلى حالٍ حَسَنَةٍ، وبِحالٍ حَسَنَةٍ. قالَ الأخْفَشُ: وهَذا كَما قالَ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦] فَكَما وقَعَتِ الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ مَوْضِعَ ”عَلى“ كَذَلِكَ وقَعَتْ كَلِمَةُ ”عَلى“ مَوْقِعَ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ”حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ“ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالتَّقْدِيرُ: أنا حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ .
الثّانِي: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الدّائِمُ، والحَقِيقُ مُبالَغَةٌ فِيهِ، وكانَ المَعْنى: أنا ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ عَلى أنْ لا أقُولَ إلّا الحَقَّ.
الثّالِثُ: الحَقِيقُ هَهُنا بِمَعْنى المَحْقُوقِ، وهو مِن قَوْلِكَ: حَقَقْتُ الرَّجُلَ إذا ما تَحَقَّقْتَهُ وعَرَفْتَهُ عَلى يَقِينٍ، ولَفْظَةُ ”عَلى“ هَهُنا هي الَّتِي تُقْرَنُ بِالأوْصافِ اللّازِمَةِ الأصْلِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] وتَقُولُ: جاءَنِي فُلانٌ عَلى هَيْئَتِهِ وعادَتِهِ، وعَرَفْتُهُ وتَحَقَّقْتُهُ عَلى كَذا وكَذا مِنَ الصِّفاتِ، فَمَعْنى الآيَةِ: إنِّي لَمْ أعْرِفْ ولَمْ أتَحَقَّقْ إلّا عَلى قَوْلِ الحَقِّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ أطْلِقْ عَنْهم وخَلِّهِمْ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدِ اسْتَخْدَمَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، مِثْلِ ضَرْبِ اللَّبَنِ ونَقْلِ التُّرابِ، فَعِنْدَ هَذا الكَلامِ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ قالَ لَهُ: ﴿فَأْتِ بِها﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ﴾ ؟
صفحة ١٥٧
وجَوابُهُ: إنْ كُنْتَ جِئْتَ مِن عِنْدِ مَن أرْسَلَكَ بِآيَةٍ فَأْتِنِي بِها وأحْضِرْها عِنْدِي؛ لِيَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتُ صِدْقُكَ.
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ جَزاءٌ وقَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ، فَكَيْفَ حُكْمُهُ ؟ وجَوابُهُ أنَّ نَظِيرَهُ قَوْلُهُ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا. وهَهُنا المُؤَخَّرُ في اللَّفْظِ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا في المَعْنى، وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذا المَعْنى فِيما تَقَدَّمَ.
الأعراف 7:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا طالَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُعْجِزَتَهُ كانَتْ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا، وإظْهارَ اليَدِ البَيْضاءِ، والكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةَ الطَّبِيعِيِّينَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِهِ أنَّ تَجْوِيزَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَنِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وما يُفْضِي إلى الباطِلِ فَهو باطِلٌ، إنَّما قُلْنا: إنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَلى العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَتَوَلَّدَ الثُّعْبانُ العَظِيمُ مِنَ العَصا الصَّغِيرَةِ لَجَوَّزْنا أيْضًا أنْ يَتَوَلَّدَ الإنْسانُ الشّابُّ القَوِيُّ عَنِ التِّبْنَةِ الواحِدَةِ والحَبَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الشَّعِيرِ، ولَوْ جَوَّزَ ذَلِكَ لَجَوَّزْناهُ في هَذا الإنْسانِ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ إنَّما حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً لا مِنَ الأبَوَيْنِ، ولَجَوَّزْنا في زَيْدٍ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ لَيْسَ هو زَيْدًا الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ، بَلْ هو شَخْصٌ آخَرُ حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن فَتَحَ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ هَذِهِ التَّجْوِيزاتِ فَإنَّ جُمْهُورَ العُقَلاءِ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالخَبَلِ والعَتَهِ والجُنُونِ، ولِأنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يُقالَ: إنَّ الجِبالَ انْقَلَبَتْ ذَهَبًا ومِياهَ البِحارِ انْقَلَبَتْ دَمًا، ولَجَوَّزْنا في التُّراثِ الَّذِي كانَ في مَزْبَلَةِ البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ دَقِيقًا، وفي الدَّقِيقِ الَّذِي كانَ في البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ تُرابًا، وتَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا يُبْطِلُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ، ويُوجِبُ دُخُولَ الإنْسانِ في السَّفْسَطَةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَما يُفْضِي إلَيْهِ كانَ أيْضًا باطِلًا.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: تَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مُخْتَصٌّ بِزَمانِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، وهَذا الزَّمانُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ حَصَلَ الأمانُ في هَذا الزَّمانِ عَنْ تَجْوِيزِ هَذِهِ الأحْوالِ.
فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّجْوِيزَ إذا كانَ قائِمًا في الجُمْلَةِ كانَ تَخْصِيصُ هَذا التَّجْوِيزِ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِدَلِيلٍ غامِضٍ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الجاهِلُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ الغامِضِ جاهِلًا بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ بِذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ، فَكانَ يَلْزَمُ مِن جُمْهُورِ العُقَلاءِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ
صفحة ١٥٨
الغامِضَ أنْ يُجَوِّزُوا كُلَّ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الجِهاتِ وأنْ لا يَكُونُوا قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها، وحَيْثُ نَراهم قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ فاسِدٌ.
والثّانِي: أنّا لَوْ جَوَّزْنا أمْثالَ هَذِهِ الأحْوالِ في زَمانِ دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّهُ يَبْطُلُ أيْضًا بِهِ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّهُ إذا جازَ أنْ تَنْقَلِبَ العَصا ثُعْبانًا جازَ في الشَّخْصِ الَّذِي شاهَدْناهُ أنَّهُ لَيْسَ هو الشَّخْصَ الأوَّلَ، بَلِ اللَّهُ أعْدَمَ الشَّخْصَ الأوَّلَ دُفْعَةً واحِدَةً وأوْجَدَ شَخْصًا آخَرَ يُساوِيهِ في جَمِيعِ الصِّفاتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يُمْكِنُنا أنْ نَعْلَمَ أنَّ هَذا الَّذِي نَراهُ الآنَ هو الَّذِي رَأيْناهُ بِالأمْسِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ وُقُوعُ الشَّكِّ في الَّذِينَ رَأوْا مُوسى وعِيسى ومُحَمَّدًا عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ هَلْ هو الَّذِي رَأوْهُ بِالأمْسِ أمْ لا ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ القَدْحَ في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
والثّالِثُ: وهو أنَّ هَذا الزَّمانَ وإنْ لَمْ يَكُنْ زَمانَ جَوازِ المُعْجِزاتِ إلّا أنَّهُ زَمانُ جَوازِ الكَراماتِ عِنْدَكم، فَيَلْزَمُكم تَجْوِيزُهُ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِتَجْوِيزِ انْقِلابِ العاداتِ عَنْ مَجارِيها صَعْبٌ مُشْكِلٌ، والعُقَلاءُ اضْطَرَبُوا فِيهِ وحَصَلَ لِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قَوْلُ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ عَلى الإطْلاقِ وهو قَوْلُ أصْحابِنا، وذَلِكَ لِأنَّهم جَوَّزُوا تَوَلُّدَ الإنْسانِ وسائِرِ أنْواعِ الحَيَوانِ والنَّباتِ دُفْعَةً واحِدَةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ مادَّةٍ ولا مُدَّةٍ ولا أصْلٍ ولا تَرْبِيَةٍ. وجَوَّزُوا في الجَوْهَرِ الفَرْدِ أنْ يَكُونَ حَيًّا عالِمًا قادِرًا عاقِلًا قاهِرًا مِن غَيْرِ حُصُولِ بِنْيَةٍ ولا مِزاجٍ ولا رُطُوبَةٍ ولا تَرْكِيبٍ، وجَوَّزُوا في الأعْمى الَّذِي يَكُونُ بِالأنْدَلُسِ أنْ يُبْصِرَ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البُقْعَةَ الَّتِي تَكُونُ بِأقْصى المَشْرِقِ، مَعَ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ سَلِيمَ البَصَرِ لا يَرى الشَّمْسَ الطّالِعَةَ في ضِياءِ النَّهارِ، فَهَذا هو قَوْلُ أصْحابِنا.
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ الفَلاسِفَةِ الطَّبِيعِيِّينَ وهو أنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلى الإطْلاقِ، وزَعَمُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ حُدُوثُ هَذِهِ الأشْياءِ ودُخُولُها في الوُجُودِ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ المَخْصُوصِ والطَّرِيقِ المُعَيَّنِ، وقالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ دَفَعْنا عَنْ أنْفُسِنا التِزامَ الجَهالاتِ الَّتِي ذَكَرْناها والمُحالاتِ الَّتِي شَرَحْناها، واعْلَمْ أنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ لَهم، إلّا أنَّهم في الحَقِيقَةِ يَلْزَمُهم ذَلِكَ لُزُومًا لا دافِعَ لَهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ هَذِهِ الحَوادِثَ الَّتِي تَحْدُثُ في عالَمِنا هَذا إمّا أنْ تَحْدُثَ لا لِمُؤَثِّرٍ أوْ لِمُؤَثِّرٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ: فالقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ لازِمٌ؛ أمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّها تَحْدُثُ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ، فَهَذا القَوْلُ باطِلٌ في صَرِيحِ العَقْلِ، إلّا أنَّ مَعَ تَجْوِيزِهِ فالإلْزامُ المَذْكُورُ لازِمٌ؛ لِأنّا إذا جَوَّزْنا حُدُوثَ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ ولا عَنْ مُوجِدٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ الأمانُ مِن تَجْوِيزِ حُدُوثِ إنْسانٍ لا عَنِ الأبَوَيْنِ، ومِن تَجْوِيزِ انْقِلابِ الجَبَلِ ذَهَبًا والبَحْرِ دَمًا ؟ فَإنَّ تَجْوِيزَ حُدُوثِ بَعْضِ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ لَيْسَ أبْعَدَ عِنْدَ العَقْلِ مِن تَجْوِيزِ حُدُوثِ سائِرِ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ، فَثَبَتَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الإلْزامَ المَذْكُورَ لازِمٌ. أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وهو إثْباتُ مُؤَثِّرٍ ومُدَبِّرٍ لِهَذا العالَمِ فَذَلِكَ المُؤَثِّرُ إمّا أنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِالذّاتِ وإمّا أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ.
أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فالإلْزاماتُ المَذْكُورَةُ لازِمَةٌ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّهُ إذا كانَ مُؤَثِّرًا ومُرَجِّحُهُ مُوجِبًا بِالذّاتِ وجَبَ الجَزْمُ بِأنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِالحادِثِ المُعَيَّنِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأشْكالِ الفَلَكِيَّةِ تَخْتَلِفُ حَوادِثُ هَذا العالَمِ، إذْ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ هَذا المَعْنى لامْتَنَعَ أنْ تَكُونَ العِلَّةُ القَدِيمَةُ الدّائِمَةُ سَبَبًا لِحُدُوثِ المَعْلُولِ الحادِثِ المُتَغَيِّرِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَيْفَ الأمانُ مِن أنْ يَحْدُثَ في الفَلَكِ شَكْلٌ غَرِيبٌ يَقْتَضِي حُدُوثَ إنْسانٍ دُفْعَةً واحِدَةً لا عَنِ الأبَوَيْنِ وانْتِقالَ مادَّةِ الجَبَلِ مِنَ الصُّورَةِ الجَبَلِيَّةِ إلى الصُّورَةِ الذَّهَبِيَّةِ أوْ لِلصُّورَةِ الحَيَوانِيَّةِ ؟ وحِينَئِذٍ
صفحة ١٥٩
تَعُودُ جَمِيعُ الإلْزاماتِ المَذْكُورَةِ. وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وهو أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرُ العالِمِ ومُرَجِّحُهُ فاعِلًا مُخْتارًا، فَلا شَكَّ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ مُحْتَمَلَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ يَخْلُقُ بِإرادَتِهِ إنْسانًا دُفْعَةً واحِدَةً لا عَنِ الأبَوَيْنِ، وانْتِقالُ مادَّةِ الجَبَلِ ذَهَبًا والبَحْرِ دَمًا، فَثَبَتَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي ألْزَمُوها عَلَيْنا وارِدَةٌ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ وعَلى جَمِيعِ الفِرَقِ وأنَّهُ لا دافِعَ لَها البَتَّةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم يُجَوِّزُونَ انْخِراقَ العاداتِ وانْقِلابَها عَنْ مَجارِيها في بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ بَعْضٍ، فَأكْثَرُ شُيُوخِهِمْ يُجَوِّزُونَ حُدُوثَ الإنْسانِ دُفْعَةً واحِدَةً لا عَنِ الأبَوَيْنِ، ويُجَوِّزُونَ انْقِلابَ الماءِ نارًا وبِالعَكْسِ، ويُجَوِّزُونَ حُدُوثَ الزَّرْعِ لا عَنْ سابِقَةِ بَذْرٍ. ثُمَّ قالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوْهَرُ الفَرْدُ مَوْصُوفًا بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والحَياةِ، بَلْ صِحَّةُ هَذِهِ الأشْياءِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ بِنْيَةٍ مَخْصُوصَةٍ ومِزاجٍ مَخْصُوصٍ، وزَعَمُوا أنَّ عِنْدَ كَوْنِ الحاسَّةِ سَلِيمَةً وكَوْنِ المَرْئِيِّ حاضِرًا، وعَدَمِ القُرْبِ القَرِيبِ والبُعْدِ البَعِيدِ يَجِبُ حُصُولُ الإدْراكِ، وعِنْدَ فِقْدانِ أحَدِ هَذِهِ الشُّرُوطِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الإدْراكِ. وبِالجُمْلَةِ فالمُعْتَزِلَةُ في بَعْضِ الصُّوَرِ لا يَعْتَبِرُونَ مَجارِيَ العاداتِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ انْقِلابَها مُمْكِنٌ، وانْخِراقَها جائِزٌ، وفي سائِرِ الصُّوَرِ يَزْعُمُونَ أنَّها واجِبَةٌ، ويَمْتَنِعُ زَوالُها وانْقِلابُها، ولَيْسَ لَهم بَيْنَ النّاسِ قانُونٌ مَضْبُوطٌ ولا ضابِطٌ مَعْلُومٌ، فَلا جَرَمَ كانَ قَوْلُهم أدْخَلَ الأقاوِيلِ في الفَسادِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ التَّفاصِيلَ فَنَقُولُ: ذَواتُ الأجْسامِ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، وكُلُّ ما صَحَّ عَلى الشَّيْءِ صَحَّ عَلى مِثْلِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ جِسْمٍ ما صَحَّ عَلى غَيْرِهِ، فَإذا صَحَّ عَلى بَعْضِ الأجْسامِ صِفَةٌ مِنَ الصِّفاتِ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّها مِثْلُ تِلْكَ الصِّفَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ جِسْمُ العَصا قابِلًا لِلصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَصِيرُ ثُعْبانًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ انْقِلابُ العَصا ثُعْبانًا أمْرًا مُمْكِنًا لِذاتِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى قَلْبِ العَصا ثُعْبانًا، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، وهَذا الدَّلِيلُ مَوْقُوفٌ عَلى إثْباتِ مُقَدِّماتٍ ثَلاثٍ: إثْباتُ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الذّاتِ، وإثْباتُ أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، وإثْباتُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. ومَتى قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الثَّلاثَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ التّامُّ، واللَّهُ أعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَإذا هي) أيِ العَصا وهي مُؤَنَّثَةٌ، والثُّعْبانُ الحَيَّةُ الضَّخْمَةُ الذَّكَرُ في قَوْلِ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ. فَأمّا مِقْدارُها فَغَيْرُ مَذْكُورٍ في القُرْآنِ، ونُقِلَ عَنِ المُفَسِّرِينَ في صِفَتِها أشْياءُ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّها مَلَأتْ ثَمانِينَ ذِراعًا، ثُمَّ شَدَّتْ عَلى فِرْعَوْنَ لِتَبْتَلِعَهُ فَوَثَبَ فِرْعَوْنُ عَنْ سَرِيرِهِ هارِبًا وأحْدَثَ، وانْهَزَمَ النّاسُ وماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وقِيلَ: كانَ بَيْنَ لَحْيَيْها أرْبَعُونَ ذِراعًا، ووُضِعَ لَحْيُها الأسْفَلُ عَلى الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، وصاحَ فِرْعَوْنُ: يا مُوسى خُذْها، فَأنا أُؤْمِنُ بِكَ، فَلَمّا أخَذَها مُوسى عادَتْ عَصًا كَما كانَتْ. وفي وصْفِ ذَلِكَ الثُّعْبانِ بِكَوْنِهِ مُبِينًا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: تَمْيِيزُ ذَلِكَ عَمّا جاءَتْ بِهِ السَّحَرَةُ مِنَ التَّمْوِيهِ الَّذِي يَلْتَبِسُ عَلى مَن لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وبِذَلِكَ تَتَمَيَّزُ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ مِنَ الحِيَلِ والتَّمْوِيهاتِ.
والثّانِي: المُرادُ أنَّهم شاهَدُوا كَوْنَهُ حَيَّةً لَمْ يَشْتَبِهِ الأمْرُ عَلَيْهِمْ فِيهِ.
الثّالِثُ: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ أبانَ قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَوْلِ المُدَّعِي الكاذِبِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ فالنَّزْعُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ عَنْ مَكانِهِ، فَقَوْلُهُ: ”نَزَعَ يَدِهِ“ أيْ أخْرَجَها مِن جَيْبِهِ أوْ مِن جَناحِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ﴾
صفحة ١٦٠
﴿إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ لَها نُورٌ ساطِعٌ يُضِيءُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ البَياضُ كالعَيْبِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كانَ مِن غَيْرِ سُوءٍ.
فَإنْ قِيلَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ .
قُلْنا: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْضاءُ﴾ والمَعْنى: فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنَّظّارَةِ، ولا تَكُونُ بَيْضاءَ لِلنَّظّارَةِ إلّا إذا كانَ بَياضُها بَياضًا عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ لِلنَّظَرِ إلَيْهِ كَما تَجْتَمِعُ النَّظّارَةُ لِلْعَجائِبِ. وبَقِيَ هَهُنا مَباحِثُ:
فَأوَّلُها: أنَّ انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا مِن كَمْ وجْهٍ يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ ؟ .
والثّانِي: أنَّ هَذا المُعْجِزَ كانَ أعْظَمَ أمِ اليَدُ البَيْضاءُ ؟ وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ في سُورَةِ طه.
والثّالِثُ: أنَّ المُعْجِزَ الواحِدَ كانَ كافِيًا، فالجَمْعُ بَيْنَهُما كانَ عَبَثًا.
وجَوابُهُ: أنَّ كَثْرَةَ الدَّلائِلِ تُوجِبُ القُوَّةَ في اليَقِينِ وزَوالِ الشَّكِّ، ومِنَ المُلْحِدِينَ مَن قالَ: المُرادُ بِالثُّعْبانِ وبِاليَدِ البَيْضاءِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو أنَّ حُجَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ قَوِيَّةً ظاهِرَةً قاهِرَةً، فَتِلْكَ الحُجَّةُ مِن حَيْثُ إنَّها أبْطَلَتْ أقْوالَ المُخالِفِينَ، وأظْهَرَتْ فَسادَها، كانَتْ كالثُّعْبانِ العَظِيمِ الَّذِي يَتَلَقَّفُ حُجَجَ المُبْطِلِينَ، ومِن حَيْثُ كانَتْ ظاهِرَةً في نَفْسِها وُصِفَتْ بِاليَدِ البَيْضاءِ، كَما يُقالُ في العُرْفِ: لِفُلانٍ يَدٌ بَيْضاءُ في العِلْمِ الفُلانِيِّ، أيْ قُوَّةٌ كامِلَةٌ، ومَرْتَبَةٌ ظاهِرَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ هَذَيْنِ المُعْجِزَيْنِ عَلى هَذا الوَجْهِ يَجْرِي مَجْرى دَفْعِ التَّواتُرِ وتَكْذِيبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ولَمّا بَيَّنّا أنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَّةً أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، فَأيُّ حامِلٍ يَحْمِلُنا عَلى المَصِيرِ إلى هَذا التَّأْوِيلِ ؟ ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أظْهَرَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ المُعْجِزاتِ. حُكِيَ عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أنَّهم قالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السِّحْرَ كانَ غالِبًا في ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا شَكَّ أنَّ مَراتِبَ السَّحَرَةِ كانَتْ مُتَفاضِلَةً مُتَفاوِتَةً، ولا شَكَّ أنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِمْ مَن يَكُونُ غايَةً في ذَلِكَ العِلْمِ ونِهايَةً فِيهِ. فالقَوْمُ زَعَمُوا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ في النِّهايَةِ مِن عِلْمِ السِّحْرِ أتى بِتِلْكَ الصِّفَةِ، ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهُ إنَّما أتى بِذَلِكَ السِّحْرِ لِكَوْنِهِ طالِبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ حَكاهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ أنَّهُ قالَهُ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ، وحَكى هَهُنا أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ قالُوهُ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ قَدْ قالَهُ هو وقالُوهُ هم، فَحَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ ثَمَّ وقَوْلَهم هَهُنا.
والثّانِي: لَعَلَّ فِرْعَوْنَ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّتْهُ المَلَأُ مِنهُ، فَقالُوهُ لِغَيْرِهِ أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِسائِرِ النّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ، فَإنَّ المُلُوكَ إذا رَأوْا رَأْيًا ذَكَرُوهُ لِلْخاصَّةِ وهم يَذْكُرُونَهُ لِلْعامَّةِ، فَكَذا هَهُنا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقَدْ ذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلامَ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ ثُمَّ عِنْدَ هَذا الكَلامِ قالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ خِطابٌ لِلْجَمْعِ لا لِلْواحِدِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامَ فِرْعَوْنَ لِلْقَوْمِ، أمّا لَوْ جَعَلْناهُ كَلامَ القَوْمِ مَعَ فِرْعَوْنَ لَكانُوا قَدْ خاطَبُوهُ بِخِطابِ الواحِدِ لا بِخِطابِ الجَمْعِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا خاطَبُوهُ بِخِطابِ الجَمْعِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ لِأنَّ العَظِيمَ إنَّما يُكَنّى عَنْهُ بِكِنايَةِ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نوح: ١]
صفحة ١٦١
﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] .
والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قالُوا أرْجِهْ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا كَلامُ القَوْمِ، وجَعَلَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ غَيْرَ الَّذِي قالُوا: أرْجِهْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ كَلامٌ لِغَيْرِ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ القَوْمَ قالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ثُمَّ قالُوا لِفِرْعَوْنَ ولِأكابِرِ خَدَمِهِ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ثُمَّ أتْبَعُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أرْجِهْ وأخاهُ﴾ فَإنَّ الخَدَمَ والأتْباعَ يُفَوِّضُونَ الأمْرَ والنَّهْيَ إلى المَخْدُومِ والمَتْبُوعِ أوَّلًا، ثُمَّ يَذْكُرُونَ ما حَضَرَ في خَواطِرِهِمْ مِنَ المَصْلَحَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ القَوْمِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَنسُوقٌ عَلى كَلامِ القَوْمِ مِن غَيْرِ فاصِلٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ الرُّتْبَةَ مُعْتَبَرَةٌ في الأمْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ خِطابًا مِنَ الأدْنى مَعَ الأعْلى، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ فِرْعَوْنَ مَعَهُ.
وأُجِيبَ عَنْ هَذا الثّانِي بِأنَّ الرَّئِيسَ المَخْدُومَ قَدْ يَقُولُ لِلْجَمْعِ الحاضِرِ عِنْدَهُ مِن رَهْطِهِ ورَعِيَّتِهِ: ماذا تَأْمُرُونَ ؟ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ تَطْيِيبَ قُلُوبِهِمْ وإدْخالَ السُّرُورِ في صُدُورِهِمْ وأنْ يُظْهِرَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ مُعَظِّمًا لَهم ومُعْتَقِدًا فِيهِمْ، ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِأنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُخاطَبَ بِهَذا الخِطابِ هو فِرْعَوْنُ وحْدَهُ، فَإنَّهُ يُقالُ لِلرَّئِيسِ المُطاعِ: ما تَرَوْنَ في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ أيْ ما تَرى أنْتَ وحْدَكَ، والمَقْصُودُ أنَّكَ وحْدَكَ قائِمٌ مَقامَ الجَماعَةِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِهِ ورِفْعَةِ شَأْنِهِ وحالِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ هو فِرْعَوْنَ وأكابِرَ دَوْلَتِهِ وعُظَماءَ حَضْرَتِهِ؛ لِأنَّهم هُمُ المُسْتَقِلُّونَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا طالَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُعْجِزَتَهُ كانَتْ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا، وإظْهارَ اليَدِ البَيْضاءِ، والكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةَ الطَّبِيعِيِّينَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِهِ أنَّ تَجْوِيزَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَنِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وما يُفْضِي إلى الباطِلِ فَهو باطِلٌ، إنَّما قُلْنا: إنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَلى العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَتَوَلَّدَ الثُّعْبانُ العَظِيمُ مِنَ العَصا الصَّغِيرَةِ لَجَوَّزْنا أيْضًا أنْ يَتَوَلَّدَ الإنْسانُ الشّابُّ القَوِيُّ عَنِ التِّبْنَةِ الواحِدَةِ والحَبَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الشَّعِيرِ، ولَوْ جَوَّزَ ذَلِكَ لَجَوَّزْناهُ في هَذا الإنْسانِ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ إنَّما حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً لا مِنَ الأبَوَيْنِ، ولَجَوَّزْنا في زَيْدٍ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ لَيْسَ هو زَيْدًا الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ، بَلْ هو شَخْصٌ آخَرُ حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن فَتَحَ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ هَذِهِ التَّجْوِيزاتِ فَإنَّ جُمْهُورَ العُقَلاءِ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالخَبَلِ والعَتَهِ والجُنُونِ، ولِأنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يُقالَ: إنَّ الجِبالَ انْقَلَبَتْ ذَهَبًا ومِياهَ البِحارِ انْقَلَبَتْ دَمًا، ولَجَوَّزْنا في التُّراثِ الَّذِي كانَ في مَزْبَلَةِ البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ دَقِيقًا، وفي الدَّقِيقِ الَّذِي كانَ في البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ تُرابًا، وتَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا يُبْطِلُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ، ويُوجِبُ دُخُولَ الإنْسانِ في السَّفْسَطَةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَما يُفْضِي إلَيْهِ كانَ أيْضًا باطِلًا.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: تَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مُخْتَصٌّ بِزَمانِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، وهَذا الزَّمانُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ حَصَلَ الأمانُ في هَذا الزَّمانِ عَنْ تَجْوِيزِ هَذِهِ الأحْوالِ.
فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّجْوِيزَ إذا كانَ قائِمًا في الجُمْلَةِ كانَ تَخْصِيصُ هَذا التَّجْوِيزِ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِدَلِيلٍ غامِضٍ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الجاهِلُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ الغامِضِ جاهِلًا بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ بِذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ، فَكانَ يَلْزَمُ مِن جُمْهُورِ العُقَلاءِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ
صفحة ١٥٨
الغامِضَ أنْ يُجَوِّزُوا كُلَّ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الجِهاتِ وأنْ لا يَكُونُوا قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها، وحَيْثُ نَراهم قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ فاسِدٌ.
والثّانِي: أنّا لَوْ جَوَّزْنا أمْثالَ هَذِهِ الأحْوالِ في زَمانِ دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّهُ يَبْطُلُ أيْضًا بِهِ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّهُ إذا جازَ أنْ تَنْقَلِبَ العَصا ثُعْبانًا جازَ في الشَّخْصِ الَّذِي شاهَدْناهُ أنَّهُ لَيْسَ هو الشَّخْصَ الأوَّلَ، بَلِ اللَّهُ أعْدَمَ الشَّخْصَ الأوَّلَ دُفْعَةً واحِدَةً وأوْجَدَ شَخْصًا آخَرَ يُساوِيهِ في جَمِيعِ الصِّفاتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يُمْكِنُنا أنْ نَعْلَمَ أنَّ هَذا الَّذِي نَراهُ الآنَ هو الَّذِي رَأيْناهُ بِالأمْسِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ وُقُوعُ الشَّكِّ في الَّذِينَ رَأوْا مُوسى وعِيسى ومُحَمَّدًا عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ هَلْ هو الَّذِي رَأوْهُ بِالأمْسِ أمْ لا ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ القَدْحَ في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
والثّالِثُ: وهو أنَّ هَذا الزَّمانَ وإنْ لَمْ يَكُنْ زَمانَ جَوازِ المُعْجِزاتِ إلّا أنَّهُ زَمانُ جَوازِ الكَراماتِ عِنْدَكم، فَيَلْزَمُكم تَجْوِيزُهُ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِتَجْوِيزِ انْقِلابِ العاداتِ عَنْ مَجارِيها صَعْبٌ مُشْكِلٌ، والعُقَلاءُ اضْطَرَبُوا فِيهِ وحَصَلَ لِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قَوْلُ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ عَلى الإطْلاقِ وهو قَوْلُ أصْحابِنا، وذَلِكَ لِأنَّهم جَوَّزُوا تَوَلُّدَ الإنْسانِ وسائِرِ أنْواعِ الحَيَوانِ والنَّباتِ دُفْعَةً واحِدَةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ مادَّةٍ ولا مُدَّةٍ ولا أصْلٍ ولا تَرْبِيَةٍ. وجَوَّزُوا في الجَوْهَرِ الفَرْدِ أنْ يَكُونَ حَيًّا عالِمًا قادِرًا عاقِلًا قاهِرًا مِن غَيْرِ حُصُولِ بِنْيَةٍ ولا مِزاجٍ ولا رُطُوبَةٍ ولا تَرْكِيبٍ، وجَوَّزُوا في الأعْمى الَّذِي يَكُونُ بِالأنْدَلُسِ أنْ يُبْصِرَ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البُقْعَةَ الَّتِي تَكُونُ بِأقْصى المَشْرِقِ، مَعَ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ سَلِيمَ البَصَرِ لا يَرى الشَّمْسَ الطّالِعَةَ في ضِياءِ النَّهارِ، فَهَذا هو قَوْلُ أصْحابِنا.
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ الفَلاسِفَةِ الطَّبِيعِيِّينَ وهو أنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلى الإطْلاقِ، وزَعَمُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ حُدُوثُ هَذِهِ الأشْياءِ ودُخُولُها في الوُجُودِ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ المَخْصُوصِ والطَّرِيقِ المُعَيَّنِ، وقالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ دَفَعْنا عَنْ أنْفُسِنا التِزامَ الجَهالاتِ الَّتِي ذَكَرْناها والمُحالاتِ الَّتِي شَرَحْناها، واعْلَمْ أنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ لَهم، إلّا أنَّهم في الحَقِيقَةِ يَلْزَمُهم ذَلِكَ لُزُومًا لا دافِعَ لَهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ هَذِهِ الحَوادِثَ الَّتِي تَحْدُثُ في عالَمِنا هَذا إمّا أنْ تَحْدُثَ لا لِمُؤَثِّرٍ أوْ لِمُؤَثِّرٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ: فالقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ لازِمٌ؛ أمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّها تَحْدُثُ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ، فَهَذا القَوْلُ باطِلٌ في صَرِيحِ العَقْلِ، إلّا أنَّ مَعَ تَجْوِيزِهِ فالإلْزامُ المَذْكُورُ لازِمٌ؛ لِأنّا إذا جَوَّزْنا حُدُوثَ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ ولا عَنْ مُوجِدٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ الأمانُ مِن تَجْوِيزِ حُدُوثِ إنْسانٍ لا عَنِ الأبَوَيْنِ، ومِن تَجْوِيزِ انْقِلابِ الجَبَلِ ذَهَبًا والبَحْرِ دَمًا ؟ فَإنَّ تَجْوِيزَ حُدُوثِ بَعْضِ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ لَيْسَ أبْعَدَ عِنْدَ العَقْلِ مِن تَجْوِيزِ حُدُوثِ سائِرِ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ، فَثَبَتَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الإلْزامَ المَذْكُورَ لازِمٌ. أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وهو إثْباتُ مُؤَثِّرٍ ومُدَبِّرٍ لِهَذا العالَمِ فَذَلِكَ المُؤَثِّرُ إمّا أنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِالذّاتِ وإمّا أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ.
أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فالإلْزاماتُ المَذْكُورَةُ لازِمَةٌ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّهُ إذا كانَ مُؤَثِّرًا ومُرَجِّحُهُ مُوجِبًا بِالذّاتِ وجَبَ الجَزْمُ بِأنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِالحادِثِ المُعَيَّنِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأشْكالِ الفَلَكِيَّةِ تَخْتَلِفُ حَوادِثُ هَذا العالَمِ، إذْ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ هَذا المَعْنى لامْتَنَعَ أنْ تَكُونَ العِلَّةُ القَدِيمَةُ الدّائِمَةُ سَبَبًا لِحُدُوثِ المَعْلُولِ الحادِثِ المُتَغَيِّرِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَيْفَ الأمانُ مِن أنْ يَحْدُثَ في الفَلَكِ شَكْلٌ غَرِيبٌ يَقْتَضِي حُدُوثَ إنْسانٍ دُفْعَةً واحِدَةً لا عَنِ الأبَوَيْنِ وانْتِقالَ مادَّةِ الجَبَلِ مِنَ الصُّورَةِ الجَبَلِيَّةِ إلى الصُّورَةِ الذَّهَبِيَّةِ أوْ لِلصُّورَةِ الحَيَوانِيَّةِ ؟ وحِينَئِذٍ
صفحة ١٥٩
تَعُودُ جَمِيعُ الإلْزاماتِ المَذْكُورَةِ. وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وهو أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرُ العالِمِ ومُرَجِّحُهُ فاعِلًا مُخْتارًا، فَلا شَكَّ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ مُحْتَمَلَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ يَخْلُقُ بِإرادَتِهِ إنْسانًا دُفْعَةً واحِدَةً لا عَنِ الأبَوَيْنِ، وانْتِقالُ مادَّةِ الجَبَلِ ذَهَبًا والبَحْرِ دَمًا، فَثَبَتَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي ألْزَمُوها عَلَيْنا وارِدَةٌ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ وعَلى جَمِيعِ الفِرَقِ وأنَّهُ لا دافِعَ لَها البَتَّةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم يُجَوِّزُونَ انْخِراقَ العاداتِ وانْقِلابَها عَنْ مَجارِيها في بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ بَعْضٍ، فَأكْثَرُ شُيُوخِهِمْ يُجَوِّزُونَ حُدُوثَ الإنْسانِ دُفْعَةً واحِدَةً لا عَنِ الأبَوَيْنِ، ويُجَوِّزُونَ انْقِلابَ الماءِ نارًا وبِالعَكْسِ، ويُجَوِّزُونَ حُدُوثَ الزَّرْعِ لا عَنْ سابِقَةِ بَذْرٍ. ثُمَّ قالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوْهَرُ الفَرْدُ مَوْصُوفًا بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والحَياةِ، بَلْ صِحَّةُ هَذِهِ الأشْياءِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ بِنْيَةٍ مَخْصُوصَةٍ ومِزاجٍ مَخْصُوصٍ، وزَعَمُوا أنَّ عِنْدَ كَوْنِ الحاسَّةِ سَلِيمَةً وكَوْنِ المَرْئِيِّ حاضِرًا، وعَدَمِ القُرْبِ القَرِيبِ والبُعْدِ البَعِيدِ يَجِبُ حُصُولُ الإدْراكِ، وعِنْدَ فِقْدانِ أحَدِ هَذِهِ الشُّرُوطِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الإدْراكِ. وبِالجُمْلَةِ فالمُعْتَزِلَةُ في بَعْضِ الصُّوَرِ لا يَعْتَبِرُونَ مَجارِيَ العاداتِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ انْقِلابَها مُمْكِنٌ، وانْخِراقَها جائِزٌ، وفي سائِرِ الصُّوَرِ يَزْعُمُونَ أنَّها واجِبَةٌ، ويَمْتَنِعُ زَوالُها وانْقِلابُها، ولَيْسَ لَهم بَيْنَ النّاسِ قانُونٌ مَضْبُوطٌ ولا ضابِطٌ مَعْلُومٌ، فَلا جَرَمَ كانَ قَوْلُهم أدْخَلَ الأقاوِيلِ في الفَسادِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ التَّفاصِيلَ فَنَقُولُ: ذَواتُ الأجْسامِ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، وكُلُّ ما صَحَّ عَلى الشَّيْءِ صَحَّ عَلى مِثْلِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ جِسْمٍ ما صَحَّ عَلى غَيْرِهِ، فَإذا صَحَّ عَلى بَعْضِ الأجْسامِ صِفَةٌ مِنَ الصِّفاتِ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّها مِثْلُ تِلْكَ الصِّفَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ جِسْمُ العَصا قابِلًا لِلصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَصِيرُ ثُعْبانًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ انْقِلابُ العَصا ثُعْبانًا أمْرًا مُمْكِنًا لِذاتِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى قَلْبِ العَصا ثُعْبانًا، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، وهَذا الدَّلِيلُ مَوْقُوفٌ عَلى إثْباتِ مُقَدِّماتٍ ثَلاثٍ: إثْباتُ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الذّاتِ، وإثْباتُ أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، وإثْباتُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. ومَتى قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الثَّلاثَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ التّامُّ، واللَّهُ أعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَإذا هي) أيِ العَصا وهي مُؤَنَّثَةٌ، والثُّعْبانُ الحَيَّةُ الضَّخْمَةُ الذَّكَرُ في قَوْلِ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ. فَأمّا مِقْدارُها فَغَيْرُ مَذْكُورٍ في القُرْآنِ، ونُقِلَ عَنِ المُفَسِّرِينَ في صِفَتِها أشْياءُ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّها مَلَأتْ ثَمانِينَ ذِراعًا، ثُمَّ شَدَّتْ عَلى فِرْعَوْنَ لِتَبْتَلِعَهُ فَوَثَبَ فِرْعَوْنُ عَنْ سَرِيرِهِ هارِبًا وأحْدَثَ، وانْهَزَمَ النّاسُ وماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وقِيلَ: كانَ بَيْنَ لَحْيَيْها أرْبَعُونَ ذِراعًا، ووُضِعَ لَحْيُها الأسْفَلُ عَلى الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، وصاحَ فِرْعَوْنُ: يا مُوسى خُذْها، فَأنا أُؤْمِنُ بِكَ، فَلَمّا أخَذَها مُوسى عادَتْ عَصًا كَما كانَتْ. وفي وصْفِ ذَلِكَ الثُّعْبانِ بِكَوْنِهِ مُبِينًا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: تَمْيِيزُ ذَلِكَ عَمّا جاءَتْ بِهِ السَّحَرَةُ مِنَ التَّمْوِيهِ الَّذِي يَلْتَبِسُ عَلى مَن لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وبِذَلِكَ تَتَمَيَّزُ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ مِنَ الحِيَلِ والتَّمْوِيهاتِ.
والثّانِي: المُرادُ أنَّهم شاهَدُوا كَوْنَهُ حَيَّةً لَمْ يَشْتَبِهِ الأمْرُ عَلَيْهِمْ فِيهِ.
الثّالِثُ: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ أبانَ قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَوْلِ المُدَّعِي الكاذِبِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ فالنَّزْعُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ عَنْ مَكانِهِ، فَقَوْلُهُ: ”نَزَعَ يَدِهِ“ أيْ أخْرَجَها مِن جَيْبِهِ أوْ مِن جَناحِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ﴾
صفحة ١٦٠
﴿إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ لَها نُورٌ ساطِعٌ يُضِيءُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ البَياضُ كالعَيْبِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كانَ مِن غَيْرِ سُوءٍ.
فَإنْ قِيلَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ .
قُلْنا: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْضاءُ﴾ والمَعْنى: فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنَّظّارَةِ، ولا تَكُونُ بَيْضاءَ لِلنَّظّارَةِ إلّا إذا كانَ بَياضُها بَياضًا عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ لِلنَّظَرِ إلَيْهِ كَما تَجْتَمِعُ النَّظّارَةُ لِلْعَجائِبِ. وبَقِيَ هَهُنا مَباحِثُ:
فَأوَّلُها: أنَّ انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا مِن كَمْ وجْهٍ يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ ؟ .
والثّانِي: أنَّ هَذا المُعْجِزَ كانَ أعْظَمَ أمِ اليَدُ البَيْضاءُ ؟ وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ في سُورَةِ طه.
والثّالِثُ: أنَّ المُعْجِزَ الواحِدَ كانَ كافِيًا، فالجَمْعُ بَيْنَهُما كانَ عَبَثًا.
وجَوابُهُ: أنَّ كَثْرَةَ الدَّلائِلِ تُوجِبُ القُوَّةَ في اليَقِينِ وزَوالِ الشَّكِّ، ومِنَ المُلْحِدِينَ مَن قالَ: المُرادُ بِالثُّعْبانِ وبِاليَدِ البَيْضاءِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو أنَّ حُجَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ قَوِيَّةً ظاهِرَةً قاهِرَةً، فَتِلْكَ الحُجَّةُ مِن حَيْثُ إنَّها أبْطَلَتْ أقْوالَ المُخالِفِينَ، وأظْهَرَتْ فَسادَها، كانَتْ كالثُّعْبانِ العَظِيمِ الَّذِي يَتَلَقَّفُ حُجَجَ المُبْطِلِينَ، ومِن حَيْثُ كانَتْ ظاهِرَةً في نَفْسِها وُصِفَتْ بِاليَدِ البَيْضاءِ، كَما يُقالُ في العُرْفِ: لِفُلانٍ يَدٌ بَيْضاءُ في العِلْمِ الفُلانِيِّ، أيْ قُوَّةٌ كامِلَةٌ، ومَرْتَبَةٌ ظاهِرَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ هَذَيْنِ المُعْجِزَيْنِ عَلى هَذا الوَجْهِ يَجْرِي مَجْرى دَفْعِ التَّواتُرِ وتَكْذِيبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ولَمّا بَيَّنّا أنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَّةً أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، فَأيُّ حامِلٍ يَحْمِلُنا عَلى المَصِيرِ إلى هَذا التَّأْوِيلِ ؟ ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أظْهَرَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ المُعْجِزاتِ. حُكِيَ عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أنَّهم قالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السِّحْرَ كانَ غالِبًا في ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا شَكَّ أنَّ مَراتِبَ السَّحَرَةِ كانَتْ مُتَفاضِلَةً مُتَفاوِتَةً، ولا شَكَّ أنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِمْ مَن يَكُونُ غايَةً في ذَلِكَ العِلْمِ ونِهايَةً فِيهِ. فالقَوْمُ زَعَمُوا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ في النِّهايَةِ مِن عِلْمِ السِّحْرِ أتى بِتِلْكَ الصِّفَةِ، ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهُ إنَّما أتى بِذَلِكَ السِّحْرِ لِكَوْنِهِ طالِبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ حَكاهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ أنَّهُ قالَهُ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ، وحَكى هَهُنا أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ قالُوهُ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ قَدْ قالَهُ هو وقالُوهُ هم، فَحَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ ثَمَّ وقَوْلَهم هَهُنا.
والثّانِي: لَعَلَّ فِرْعَوْنَ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّتْهُ المَلَأُ مِنهُ، فَقالُوهُ لِغَيْرِهِ أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِسائِرِ النّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ، فَإنَّ المُلُوكَ إذا رَأوْا رَأْيًا ذَكَرُوهُ لِلْخاصَّةِ وهم يَذْكُرُونَهُ لِلْعامَّةِ، فَكَذا هَهُنا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقَدْ ذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلامَ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ ثُمَّ عِنْدَ هَذا الكَلامِ قالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ خِطابٌ لِلْجَمْعِ لا لِلْواحِدِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامَ فِرْعَوْنَ لِلْقَوْمِ، أمّا لَوْ جَعَلْناهُ كَلامَ القَوْمِ مَعَ فِرْعَوْنَ لَكانُوا قَدْ خاطَبُوهُ بِخِطابِ الواحِدِ لا بِخِطابِ الجَمْعِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا خاطَبُوهُ بِخِطابِ الجَمْعِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ لِأنَّ العَظِيمَ إنَّما يُكَنّى عَنْهُ بِكِنايَةِ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نوح: ١]
صفحة ١٦١
﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] .
والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قالُوا أرْجِهْ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا كَلامُ القَوْمِ، وجَعَلَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ غَيْرَ الَّذِي قالُوا: أرْجِهْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ كَلامٌ لِغَيْرِ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ القَوْمَ قالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ثُمَّ قالُوا لِفِرْعَوْنَ ولِأكابِرِ خَدَمِهِ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ثُمَّ أتْبَعُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أرْجِهْ وأخاهُ﴾ فَإنَّ الخَدَمَ والأتْباعَ يُفَوِّضُونَ الأمْرَ والنَّهْيَ إلى المَخْدُومِ والمَتْبُوعِ أوَّلًا، ثُمَّ يَذْكُرُونَ ما حَضَرَ في خَواطِرِهِمْ مِنَ المَصْلَحَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ القَوْمِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَنسُوقٌ عَلى كَلامِ القَوْمِ مِن غَيْرِ فاصِلٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ الرُّتْبَةَ مُعْتَبَرَةٌ في الأمْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ خِطابًا مِنَ الأدْنى مَعَ الأعْلى، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ فِرْعَوْنَ مَعَهُ.
وأُجِيبَ عَنْ هَذا الثّانِي بِأنَّ الرَّئِيسَ المَخْدُومَ قَدْ يَقُولُ لِلْجَمْعِ الحاضِرِ عِنْدَهُ مِن رَهْطِهِ ورَعِيَّتِهِ: ماذا تَأْمُرُونَ ؟ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ تَطْيِيبَ قُلُوبِهِمْ وإدْخالَ السُّرُورِ في صُدُورِهِمْ وأنْ يُظْهِرَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ مُعَظِّمًا لَهم ومُعْتَقِدًا فِيهِمْ، ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِأنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُخاطَبَ بِهَذا الخِطابِ هو فِرْعَوْنُ وحْدَهُ، فَإنَّهُ يُقالُ لِلرَّئِيسِ المُطاعِ: ما تَرَوْنَ في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ أيْ ما تَرى أنْتَ وحْدَكَ، والمَقْصُودُ أنَّكَ وحْدَكَ قائِمٌ مَقامَ الجَماعَةِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِهِ ورِفْعَةِ شَأْنِهِ وحالِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ هو فِرْعَوْنَ وأكابِرَ دَوْلَتِهِ وعُظَماءَ حَضْرَتِهِ؛ لِأنَّهم هُمُ المُسْتَقِلُّونَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا طالَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُعْجِزَتَهُ كانَتْ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا، وإظْهارَ اليَدِ البَيْضاءِ، والكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةَ الطَّبِيعِيِّينَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِهِ أنَّ تَجْوِيزَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَنِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وما يُفْضِي إلى الباطِلِ فَهو باطِلٌ، إنَّما قُلْنا: إنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَلى العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَتَوَلَّدَ الثُّعْبانُ العَظِيمُ مِنَ العَصا الصَّغِيرَةِ لَجَوَّزْنا أيْضًا أنْ يَتَوَلَّدَ الإنْسانُ الشّابُّ القَوِيُّ عَنِ التِّبْنَةِ الواحِدَةِ والحَبَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الشَّعِيرِ، ولَوْ جَوَّزَ ذَلِكَ لَجَوَّزْناهُ في هَذا الإنْسانِ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ إنَّما حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً لا مِنَ الأبَوَيْنِ، ولَجَوَّزْنا في زَيْدٍ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ لَيْسَ هو زَيْدًا الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ، بَلْ هو شَخْصٌ آخَرُ حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن فَتَحَ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ هَذِهِ التَّجْوِيزاتِ فَإنَّ جُمْهُورَ العُقَلاءِ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالخَبَلِ والعَتَهِ والجُنُونِ، ولِأنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يُقالَ: إنَّ الجِبالَ انْقَلَبَتْ ذَهَبًا ومِياهَ البِحارِ انْقَلَبَتْ دَمًا، ولَجَوَّزْنا في التُّراثِ الَّذِي كانَ في مَزْبَلَةِ البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ دَقِيقًا، وفي الدَّقِيقِ الَّذِي كانَ في البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ تُرابًا، وتَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا يُبْطِلُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ، ويُوجِبُ دُخُولَ الإنْسانِ في السَّفْسَطَةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَما يُفْضِي إلَيْهِ كانَ أيْضًا باطِلًا.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: تَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مُخْتَصٌّ بِزَمانِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، وهَذا الزَّمانُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ حَصَلَ الأمانُ في هَذا الزَّمانِ عَنْ تَجْوِيزِ هَذِهِ الأحْوالِ.
فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّجْوِيزَ إذا كانَ قائِمًا في الجُمْلَةِ كانَ تَخْصِيصُ هَذا التَّجْوِيزِ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِدَلِيلٍ غامِضٍ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الجاهِلُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ الغامِضِ جاهِلًا بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ بِذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ، فَكانَ يَلْزَمُ مِن جُمْهُورِ العُقَلاءِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ
صفحة ١٥٨
الغامِضَ أنْ يُجَوِّزُوا كُلَّ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الجِهاتِ وأنْ لا يَكُونُوا قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها، وحَيْثُ نَراهم قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ فاسِدٌ.
والثّانِي: أنّا لَوْ جَوَّزْنا أمْثالَ هَذِهِ الأحْوالِ في زَمانِ دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّهُ يَبْطُلُ أيْضًا بِهِ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّهُ إذا جازَ أنْ تَنْقَلِبَ العَصا ثُعْبانًا جازَ في الشَّخْصِ الَّذِي شاهَدْناهُ أنَّهُ لَيْسَ هو الشَّخْصَ الأوَّلَ، بَلِ اللَّهُ أعْدَمَ الشَّخْصَ الأوَّلَ دُفْعَةً واحِدَةً وأوْجَدَ شَخْصًا آخَرَ يُساوِيهِ في جَمِيعِ الصِّفاتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يُمْكِنُنا أنْ نَعْلَمَ أنَّ هَذا الَّذِي نَراهُ الآنَ هو الَّذِي رَأيْناهُ بِالأمْسِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ وُقُوعُ الشَّكِّ في الَّذِينَ رَأوْا مُوسى وعِيسى ومُحَمَّدًا عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ هَلْ هو الَّذِي رَأوْهُ بِالأمْسِ أمْ لا ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ القَدْحَ في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
والثّالِثُ: وهو أنَّ هَذا الزَّمانَ وإنْ لَمْ يَكُنْ زَمانَ جَوازِ المُعْجِزاتِ إلّا أنَّهُ زَمانُ جَوازِ الكَراماتِ عِنْدَكم، فَيَلْزَمُكم تَجْوِيزُهُ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِتَجْوِيزِ انْقِلابِ العاداتِ عَنْ مَجارِيها صَعْبٌ مُشْكِلٌ، والعُقَلاءُ اضْطَرَبُوا فِيهِ وحَصَلَ لِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قَوْلُ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ عَلى الإطْلاقِ وهو قَوْلُ أصْحابِنا، وذَلِكَ لِأنَّهم جَوَّزُوا تَوَلُّدَ الإنْسانِ وسائِرِ أنْواعِ الحَيَوانِ والنَّباتِ دُفْعَةً واحِدَةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ مادَّةٍ ولا مُدَّةٍ ولا أصْلٍ ولا تَرْبِيَةٍ. وجَوَّزُوا في الجَوْهَرِ الفَرْدِ أنْ يَكُونَ حَيًّا عالِمًا قادِرًا عاقِلًا قاهِرًا مِن غَيْرِ حُصُولِ بِنْيَةٍ ولا مِزاجٍ ولا رُطُوبَةٍ ولا تَرْكِيبٍ، وجَوَّزُوا في الأعْمى الَّذِي يَكُونُ بِالأنْدَلُسِ أنْ يُبْصِرَ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البُقْعَةَ الَّتِي تَكُونُ بِأقْصى المَشْرِقِ، مَعَ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ سَلِيمَ البَصَرِ لا يَرى الشَّمْسَ الطّالِعَةَ في ضِياءِ النَّهارِ، فَهَذا هو قَوْلُ أصْحابِنا.
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ الفَلاسِفَةِ الطَّبِيعِيِّينَ وهو أنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلى الإطْلاقِ، وزَعَمُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ حُدُوثُ هَذِهِ الأشْياءِ ودُخُولُها في الوُجُودِ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ المَخْصُوصِ والطَّرِيقِ المُعَيَّنِ، وقالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ دَفَعْنا عَنْ أنْفُسِنا التِزامَ الجَهالاتِ الَّتِي ذَكَرْناها والمُحالاتِ الَّتِي شَرَحْناها، واعْلَمْ أنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ لَهم، إلّا أنَّهم في الحَقِيقَةِ يَلْزَمُهم ذَلِكَ لُزُومًا لا دافِعَ لَهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ هَذِهِ الحَوادِثَ الَّتِي تَحْدُثُ في عالَمِنا هَذا إمّا أنْ تَحْدُثَ لا لِمُؤَثِّرٍ أوْ لِمُؤَثِّرٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ: فالقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ لازِمٌ؛ أمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّها تَحْدُثُ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ، فَهَذا القَوْلُ باطِلٌ في صَرِيحِ العَقْلِ، إلّا أنَّ مَعَ تَجْوِيزِهِ فالإلْزامُ المَذْكُورُ لازِمٌ؛ لِأنّا إذا جَوَّزْنا حُدُوثَ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ ولا عَنْ مُوجِدٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ الأمانُ مِن تَجْوِيزِ حُدُوثِ إنْسانٍ لا عَنِ الأبَوَيْنِ، ومِن تَجْوِيزِ انْقِلابِ الجَبَلِ ذَهَبًا والبَحْرِ دَمًا ؟ فَإنَّ تَجْوِيزَ حُدُوثِ بَعْضِ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ لَيْسَ أبْعَدَ عِنْدَ العَقْلِ مِن تَجْوِيزِ حُدُوثِ سائِرِ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ، فَثَبَتَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الإلْزامَ المَذْكُورَ لازِمٌ. أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وهو إثْباتُ مُؤَثِّرٍ ومُدَبِّرٍ لِهَذا العالَمِ فَذَلِكَ المُؤَثِّرُ إمّا أنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِالذّاتِ وإمّا أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ.
أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فالإلْزاماتُ المَذْكُورَةُ لازِمَةٌ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّهُ إذا كانَ مُؤَثِّرًا ومُرَجِّحُهُ مُوجِبًا بِالذّاتِ وجَبَ الجَزْمُ بِأنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِالحادِثِ المُعَيَّنِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأشْكالِ الفَلَكِيَّةِ تَخْتَلِفُ حَوادِثُ هَذا العالَمِ، إذْ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ هَذا المَعْنى لامْتَنَعَ أنْ تَكُونَ العِلَّةُ القَدِيمَةُ الدّائِمَةُ سَبَبًا لِحُدُوثِ المَعْلُولِ الحادِثِ المُتَغَيِّرِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَيْفَ الأمانُ مِن أنْ يَحْدُثَ في الفَلَكِ شَكْلٌ غَرِيبٌ يَقْتَضِي حُدُوثَ إنْسانٍ دُفْعَةً واحِدَةً لا عَنِ الأبَوَيْنِ وانْتِقالَ مادَّةِ الجَبَلِ مِنَ الصُّورَةِ الجَبَلِيَّةِ إلى الصُّورَةِ الذَّهَبِيَّةِ أوْ لِلصُّورَةِ الحَيَوانِيَّةِ ؟ وحِينَئِذٍ
صفحة ١٥٩
تَعُودُ جَمِيعُ الإلْزاماتِ المَذْكُورَةِ. وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وهو أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرُ العالِمِ ومُرَجِّحُهُ فاعِلًا مُخْتارًا، فَلا شَكَّ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ مُحْتَمَلَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ يَخْلُقُ بِإرادَتِهِ إنْسانًا دُفْعَةً واحِدَةً لا عَنِ الأبَوَيْنِ، وانْتِقالُ مادَّةِ الجَبَلِ ذَهَبًا والبَحْرِ دَمًا، فَثَبَتَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي ألْزَمُوها عَلَيْنا وارِدَةٌ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ وعَلى جَمِيعِ الفِرَقِ وأنَّهُ لا دافِعَ لَها البَتَّةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم يُجَوِّزُونَ انْخِراقَ العاداتِ وانْقِلابَها عَنْ مَجارِيها في بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ بَعْضٍ، فَأكْثَرُ شُيُوخِهِمْ يُجَوِّزُونَ حُدُوثَ الإنْسانِ دُفْعَةً واحِدَةً لا عَنِ الأبَوَيْنِ، ويُجَوِّزُونَ انْقِلابَ الماءِ نارًا وبِالعَكْسِ، ويُجَوِّزُونَ حُدُوثَ الزَّرْعِ لا عَنْ سابِقَةِ بَذْرٍ. ثُمَّ قالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوْهَرُ الفَرْدُ مَوْصُوفًا بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والحَياةِ، بَلْ صِحَّةُ هَذِهِ الأشْياءِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ بِنْيَةٍ مَخْصُوصَةٍ ومِزاجٍ مَخْصُوصٍ، وزَعَمُوا أنَّ عِنْدَ كَوْنِ الحاسَّةِ سَلِيمَةً وكَوْنِ المَرْئِيِّ حاضِرًا، وعَدَمِ القُرْبِ القَرِيبِ والبُعْدِ البَعِيدِ يَجِبُ حُصُولُ الإدْراكِ، وعِنْدَ فِقْدانِ أحَدِ هَذِهِ الشُّرُوطِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الإدْراكِ. وبِالجُمْلَةِ فالمُعْتَزِلَةُ في بَعْضِ الصُّوَرِ لا يَعْتَبِرُونَ مَجارِيَ العاداتِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ انْقِلابَها مُمْكِنٌ، وانْخِراقَها جائِزٌ، وفي سائِرِ الصُّوَرِ يَزْعُمُونَ أنَّها واجِبَةٌ، ويَمْتَنِعُ زَوالُها وانْقِلابُها، ولَيْسَ لَهم بَيْنَ النّاسِ قانُونٌ مَضْبُوطٌ ولا ضابِطٌ مَعْلُومٌ، فَلا جَرَمَ كانَ قَوْلُهم أدْخَلَ الأقاوِيلِ في الفَسادِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ التَّفاصِيلَ فَنَقُولُ: ذَواتُ الأجْسامِ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، وكُلُّ ما صَحَّ عَلى الشَّيْءِ صَحَّ عَلى مِثْلِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ جِسْمٍ ما صَحَّ عَلى غَيْرِهِ، فَإذا صَحَّ عَلى بَعْضِ الأجْسامِ صِفَةٌ مِنَ الصِّفاتِ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّها مِثْلُ تِلْكَ الصِّفَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ جِسْمُ العَصا قابِلًا لِلصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَصِيرُ ثُعْبانًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ انْقِلابُ العَصا ثُعْبانًا أمْرًا مُمْكِنًا لِذاتِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى قَلْبِ العَصا ثُعْبانًا، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، وهَذا الدَّلِيلُ مَوْقُوفٌ عَلى إثْباتِ مُقَدِّماتٍ ثَلاثٍ: إثْباتُ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الذّاتِ، وإثْباتُ أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، وإثْباتُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. ومَتى قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الثَّلاثَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ التّامُّ، واللَّهُ أعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَإذا هي) أيِ العَصا وهي مُؤَنَّثَةٌ، والثُّعْبانُ الحَيَّةُ الضَّخْمَةُ الذَّكَرُ في قَوْلِ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ. فَأمّا مِقْدارُها فَغَيْرُ مَذْكُورٍ في القُرْآنِ، ونُقِلَ عَنِ المُفَسِّرِينَ في صِفَتِها أشْياءُ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّها مَلَأتْ ثَمانِينَ ذِراعًا، ثُمَّ شَدَّتْ عَلى فِرْعَوْنَ لِتَبْتَلِعَهُ فَوَثَبَ فِرْعَوْنُ عَنْ سَرِيرِهِ هارِبًا وأحْدَثَ، وانْهَزَمَ النّاسُ وماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وقِيلَ: كانَ بَيْنَ لَحْيَيْها أرْبَعُونَ ذِراعًا، ووُضِعَ لَحْيُها الأسْفَلُ عَلى الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، وصاحَ فِرْعَوْنُ: يا مُوسى خُذْها، فَأنا أُؤْمِنُ بِكَ، فَلَمّا أخَذَها مُوسى عادَتْ عَصًا كَما كانَتْ. وفي وصْفِ ذَلِكَ الثُّعْبانِ بِكَوْنِهِ مُبِينًا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: تَمْيِيزُ ذَلِكَ عَمّا جاءَتْ بِهِ السَّحَرَةُ مِنَ التَّمْوِيهِ الَّذِي يَلْتَبِسُ عَلى مَن لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وبِذَلِكَ تَتَمَيَّزُ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ مِنَ الحِيَلِ والتَّمْوِيهاتِ.
والثّانِي: المُرادُ أنَّهم شاهَدُوا كَوْنَهُ حَيَّةً لَمْ يَشْتَبِهِ الأمْرُ عَلَيْهِمْ فِيهِ.
الثّالِثُ: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ أبانَ قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَوْلِ المُدَّعِي الكاذِبِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ فالنَّزْعُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ عَنْ مَكانِهِ، فَقَوْلُهُ: ”نَزَعَ يَدِهِ“ أيْ أخْرَجَها مِن جَيْبِهِ أوْ مِن جَناحِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ﴾
صفحة ١٦٠
﴿إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ لَها نُورٌ ساطِعٌ يُضِيءُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ البَياضُ كالعَيْبِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كانَ مِن غَيْرِ سُوءٍ.
فَإنْ قِيلَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ .
قُلْنا: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْضاءُ﴾ والمَعْنى: فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنَّظّارَةِ، ولا تَكُونُ بَيْضاءَ لِلنَّظّارَةِ إلّا إذا كانَ بَياضُها بَياضًا عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ لِلنَّظَرِ إلَيْهِ كَما تَجْتَمِعُ النَّظّارَةُ لِلْعَجائِبِ. وبَقِيَ هَهُنا مَباحِثُ:
فَأوَّلُها: أنَّ انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا مِن كَمْ وجْهٍ يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ ؟ .
والثّانِي: أنَّ هَذا المُعْجِزَ كانَ أعْظَمَ أمِ اليَدُ البَيْضاءُ ؟ وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ في سُورَةِ طه.
والثّالِثُ: أنَّ المُعْجِزَ الواحِدَ كانَ كافِيًا، فالجَمْعُ بَيْنَهُما كانَ عَبَثًا.
وجَوابُهُ: أنَّ كَثْرَةَ الدَّلائِلِ تُوجِبُ القُوَّةَ في اليَقِينِ وزَوالِ الشَّكِّ، ومِنَ المُلْحِدِينَ مَن قالَ: المُرادُ بِالثُّعْبانِ وبِاليَدِ البَيْضاءِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو أنَّ حُجَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ قَوِيَّةً ظاهِرَةً قاهِرَةً، فَتِلْكَ الحُجَّةُ مِن حَيْثُ إنَّها أبْطَلَتْ أقْوالَ المُخالِفِينَ، وأظْهَرَتْ فَسادَها، كانَتْ كالثُّعْبانِ العَظِيمِ الَّذِي يَتَلَقَّفُ حُجَجَ المُبْطِلِينَ، ومِن حَيْثُ كانَتْ ظاهِرَةً في نَفْسِها وُصِفَتْ بِاليَدِ البَيْضاءِ، كَما يُقالُ في العُرْفِ: لِفُلانٍ يَدٌ بَيْضاءُ في العِلْمِ الفُلانِيِّ، أيْ قُوَّةٌ كامِلَةٌ، ومَرْتَبَةٌ ظاهِرَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ هَذَيْنِ المُعْجِزَيْنِ عَلى هَذا الوَجْهِ يَجْرِي مَجْرى دَفْعِ التَّواتُرِ وتَكْذِيبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ولَمّا بَيَّنّا أنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَّةً أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، فَأيُّ حامِلٍ يَحْمِلُنا عَلى المَصِيرِ إلى هَذا التَّأْوِيلِ ؟ ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أظْهَرَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ المُعْجِزاتِ. حُكِيَ عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أنَّهم قالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السِّحْرَ كانَ غالِبًا في ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا شَكَّ أنَّ مَراتِبَ السَّحَرَةِ كانَتْ مُتَفاضِلَةً مُتَفاوِتَةً، ولا شَكَّ أنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِمْ مَن يَكُونُ غايَةً في ذَلِكَ العِلْمِ ونِهايَةً فِيهِ. فالقَوْمُ زَعَمُوا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ في النِّهايَةِ مِن عِلْمِ السِّحْرِ أتى بِتِلْكَ الصِّفَةِ، ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهُ إنَّما أتى بِذَلِكَ السِّحْرِ لِكَوْنِهِ طالِبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ حَكاهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ أنَّهُ قالَهُ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ، وحَكى هَهُنا أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ قالُوهُ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ قَدْ قالَهُ هو وقالُوهُ هم، فَحَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ ثَمَّ وقَوْلَهم هَهُنا.
والثّانِي: لَعَلَّ فِرْعَوْنَ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّتْهُ المَلَأُ مِنهُ، فَقالُوهُ لِغَيْرِهِ أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِسائِرِ النّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ، فَإنَّ المُلُوكَ إذا رَأوْا رَأْيًا ذَكَرُوهُ لِلْخاصَّةِ وهم يَذْكُرُونَهُ لِلْعامَّةِ، فَكَذا هَهُنا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقَدْ ذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلامَ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ ثُمَّ عِنْدَ هَذا الكَلامِ قالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ خِطابٌ لِلْجَمْعِ لا لِلْواحِدِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامَ فِرْعَوْنَ لِلْقَوْمِ، أمّا لَوْ جَعَلْناهُ كَلامَ القَوْمِ مَعَ فِرْعَوْنَ لَكانُوا قَدْ خاطَبُوهُ بِخِطابِ الواحِدِ لا بِخِطابِ الجَمْعِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا خاطَبُوهُ بِخِطابِ الجَمْعِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ لِأنَّ العَظِيمَ إنَّما يُكَنّى عَنْهُ بِكِنايَةِ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نوح: ١]
صفحة ١٦١
﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] .
والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قالُوا أرْجِهْ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا كَلامُ القَوْمِ، وجَعَلَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ غَيْرَ الَّذِي قالُوا: أرْجِهْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ كَلامٌ لِغَيْرِ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ القَوْمَ قالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ثُمَّ قالُوا لِفِرْعَوْنَ ولِأكابِرِ خَدَمِهِ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ثُمَّ أتْبَعُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أرْجِهْ وأخاهُ﴾ فَإنَّ الخَدَمَ والأتْباعَ يُفَوِّضُونَ الأمْرَ والنَّهْيَ إلى المَخْدُومِ والمَتْبُوعِ أوَّلًا، ثُمَّ يَذْكُرُونَ ما حَضَرَ في خَواطِرِهِمْ مِنَ المَصْلَحَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ القَوْمِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَنسُوقٌ عَلى كَلامِ القَوْمِ مِن غَيْرِ فاصِلٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ الرُّتْبَةَ مُعْتَبَرَةٌ في الأمْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ خِطابًا مِنَ الأدْنى مَعَ الأعْلى، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ فِرْعَوْنَ مَعَهُ.
وأُجِيبَ عَنْ هَذا الثّانِي بِأنَّ الرَّئِيسَ المَخْدُومَ قَدْ يَقُولُ لِلْجَمْعِ الحاضِرِ عِنْدَهُ مِن رَهْطِهِ ورَعِيَّتِهِ: ماذا تَأْمُرُونَ ؟ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ تَطْيِيبَ قُلُوبِهِمْ وإدْخالَ السُّرُورِ في صُدُورِهِمْ وأنْ يُظْهِرَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ مُعَظِّمًا لَهم ومُعْتَقِدًا فِيهِمْ، ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِأنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُخاطَبَ بِهَذا الخِطابِ هو فِرْعَوْنُ وحْدَهُ، فَإنَّهُ يُقالُ لِلرَّئِيسِ المُطاعِ: ما تَرَوْنَ في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ أيْ ما تَرى أنْتَ وحْدَكَ، والمَقْصُودُ أنَّكَ وحْدَكَ قائِمٌ مَقامَ الجَماعَةِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِهِ ورِفْعَةِ شَأْنِهِ وحالِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ هو فِرْعَوْنَ وأكابِرَ دَوْلَتِهِ وعُظَماءَ حَضْرَتِهِ؛ لِأنَّهم هُمُ المُسْتَقِلُّونَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا طالَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُعْجِزَتَهُ كانَتْ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا، وإظْهارَ اليَدِ البَيْضاءِ، والكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةَ الطَّبِيعِيِّينَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِهِ أنَّ تَجْوِيزَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَنِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وما يُفْضِي إلى الباطِلِ فَهو باطِلٌ، إنَّما قُلْنا: إنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ ارْتِفاعَ الوُثُوقِ عَلى العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَتَوَلَّدَ الثُّعْبانُ العَظِيمُ مِنَ العَصا الصَّغِيرَةِ لَجَوَّزْنا أيْضًا أنْ يَتَوَلَّدَ الإنْسانُ الشّابُّ القَوِيُّ عَنِ التِّبْنَةِ الواحِدَةِ والحَبَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الشَّعِيرِ، ولَوْ جَوَّزَ ذَلِكَ لَجَوَّزْناهُ في هَذا الإنْسانِ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ إنَّما حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً لا مِنَ الأبَوَيْنِ، ولَجَوَّزْنا في زَيْدٍ الَّذِي نُشاهِدُهُ الآنَ أنَّهُ لَيْسَ هو زَيْدًا الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ، بَلْ هو شَخْصٌ آخَرُ حَدَثَ الآنَ دُفْعَةً واحِدَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن فَتَحَ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ هَذِهِ التَّجْوِيزاتِ فَإنَّ جُمْهُورَ العُقَلاءِ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالخَبَلِ والعَتَهِ والجُنُونِ، ولِأنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يُقالَ: إنَّ الجِبالَ انْقَلَبَتْ ذَهَبًا ومِياهَ البِحارِ انْقَلَبَتْ دَمًا، ولَجَوَّزْنا في التُّراثِ الَّذِي كانَ في مَزْبَلَةِ البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ دَقِيقًا، وفي الدَّقِيقِ الَّذِي كانَ في البَيْتِ أنَّهُ انْقَلَبَ تُرابًا، وتَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا يُبْطِلُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ، ويُوجِبُ دُخُولَ الإنْسانِ في السَّفْسَطَةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا، فَما يُفْضِي إلَيْهِ كانَ أيْضًا باطِلًا.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: تَجْوِيزُ أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ مُخْتَصٌّ بِزَمانِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، وهَذا الزَّمانُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ حَصَلَ الأمانُ في هَذا الزَّمانِ عَنْ تَجْوِيزِ هَذِهِ الأحْوالِ.
فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّجْوِيزَ إذا كانَ قائِمًا في الجُمْلَةِ كانَ تَخْصِيصُ هَذا التَّجْوِيزِ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِدَلِيلٍ غامِضٍ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الجاهِلُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ الغامِضِ جاهِلًا بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ بِذَلِكَ الزَّمانِ المُعَيَّنِ، فَكانَ يَلْزَمُ مِن جُمْهُورِ العُقَلاءِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ
صفحة ١٥٨
الغامِضَ أنْ يُجَوِّزُوا كُلَّ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الجِهاتِ وأنْ لا يَكُونُوا قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها، وحَيْثُ نَراهم قاطِعِينَ بِامْتِناعِ وُقُوعِها عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ فاسِدٌ.
والثّانِي: أنّا لَوْ جَوَّزْنا أمْثالَ هَذِهِ الأحْوالِ في زَمانِ دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّهُ يَبْطُلُ أيْضًا بِهِ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّهُ إذا جازَ أنْ تَنْقَلِبَ العَصا ثُعْبانًا جازَ في الشَّخْصِ الَّذِي شاهَدْناهُ أنَّهُ لَيْسَ هو الشَّخْصَ الأوَّلَ، بَلِ اللَّهُ أعْدَمَ الشَّخْصَ الأوَّلَ دُفْعَةً واحِدَةً وأوْجَدَ شَخْصًا آخَرَ يُساوِيهِ في جَمِيعِ الصِّفاتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يُمْكِنُنا أنْ نَعْلَمَ أنَّ هَذا الَّذِي نَراهُ الآنَ هو الَّذِي رَأيْناهُ بِالأمْسِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ وُقُوعُ الشَّكِّ في الَّذِينَ رَأوْا مُوسى وعِيسى ومُحَمَّدًا عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ هَلْ هو الَّذِي رَأوْهُ بِالأمْسِ أمْ لا ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ القَدْحَ في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
والثّالِثُ: وهو أنَّ هَذا الزَّمانَ وإنْ لَمْ يَكُنْ زَمانَ جَوازِ المُعْجِزاتِ إلّا أنَّهُ زَمانُ جَوازِ الكَراماتِ عِنْدَكم، فَيَلْزَمُكم تَجْوِيزُهُ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِتَجْوِيزِ انْقِلابِ العاداتِ عَنْ مَجارِيها صَعْبٌ مُشْكِلٌ، والعُقَلاءُ اضْطَرَبُوا فِيهِ وحَصَلَ لِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قَوْلُ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ عَلى الإطْلاقِ وهو قَوْلُ أصْحابِنا، وذَلِكَ لِأنَّهم جَوَّزُوا تَوَلُّدَ الإنْسانِ وسائِرِ أنْواعِ الحَيَوانِ والنَّباتِ دُفْعَةً واحِدَةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ مادَّةٍ ولا مُدَّةٍ ولا أصْلٍ ولا تَرْبِيَةٍ. وجَوَّزُوا في الجَوْهَرِ الفَرْدِ أنْ يَكُونَ حَيًّا عالِمًا قادِرًا عاقِلًا قاهِرًا مِن غَيْرِ حُصُولِ بِنْيَةٍ ولا مِزاجٍ ولا رُطُوبَةٍ ولا تَرْكِيبٍ، وجَوَّزُوا في الأعْمى الَّذِي يَكُونُ بِالأنْدَلُسِ أنْ يُبْصِرَ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البُقْعَةَ الَّتِي تَكُونُ بِأقْصى المَشْرِقِ، مَعَ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ سَلِيمَ البَصَرِ لا يَرى الشَّمْسَ الطّالِعَةَ في ضِياءِ النَّهارِ، فَهَذا هو قَوْلُ أصْحابِنا.
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ الفَلاسِفَةِ الطَّبِيعِيِّينَ وهو أنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلى الإطْلاقِ، وزَعَمُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ حُدُوثُ هَذِهِ الأشْياءِ ودُخُولُها في الوُجُودِ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ المَخْصُوصِ والطَّرِيقِ المُعَيَّنِ، وقالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ دَفَعْنا عَنْ أنْفُسِنا التِزامَ الجَهالاتِ الَّتِي ذَكَرْناها والمُحالاتِ الَّتِي شَرَحْناها، واعْلَمْ أنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ لَهم، إلّا أنَّهم في الحَقِيقَةِ يَلْزَمُهم ذَلِكَ لُزُومًا لا دافِعَ لَهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ هَذِهِ الحَوادِثَ الَّتِي تَحْدُثُ في عالَمِنا هَذا إمّا أنْ تَحْدُثَ لا لِمُؤَثِّرٍ أوْ لِمُؤَثِّرٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ: فالقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ لازِمٌ؛ أمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّها تَحْدُثُ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ، فَهَذا القَوْلُ باطِلٌ في صَرِيحِ العَقْلِ، إلّا أنَّ مَعَ تَجْوِيزِهِ فالإلْزامُ المَذْكُورُ لازِمٌ؛ لِأنّا إذا جَوَّزْنا حُدُوثَ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ ولا عَنْ مُوجِدٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ الأمانُ مِن تَجْوِيزِ حُدُوثِ إنْسانٍ لا عَنِ الأبَوَيْنِ، ومِن تَجْوِيزِ انْقِلابِ الجَبَلِ ذَهَبًا والبَحْرِ دَمًا ؟ فَإنَّ تَجْوِيزَ حُدُوثِ بَعْضِ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ لَيْسَ أبْعَدَ عِنْدَ العَقْلِ مِن تَجْوِيزِ حُدُوثِ سائِرِ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ، فَثَبَتَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الإلْزامَ المَذْكُورَ لازِمٌ. أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وهو إثْباتُ مُؤَثِّرٍ ومُدَبِّرٍ لِهَذا العالَمِ فَذَلِكَ المُؤَثِّرُ إمّا أنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِالذّاتِ وإمّا أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ.
أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فالإلْزاماتُ المَذْكُورَةُ لازِمَةٌ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّهُ إذا كانَ مُؤَثِّرًا ومُرَجِّحُهُ مُوجِبًا بِالذّاتِ وجَبَ الجَزْمُ بِأنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِالحادِثِ المُعَيَّنِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأشْكالِ الفَلَكِيَّةِ تَخْتَلِفُ حَوادِثُ هَذا العالَمِ، إذْ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ هَذا المَعْنى لامْتَنَعَ أنْ تَكُونَ العِلَّةُ القَدِيمَةُ الدّائِمَةُ سَبَبًا لِحُدُوثِ المَعْلُولِ الحادِثِ المُتَغَيِّرِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَيْفَ الأمانُ مِن أنْ يَحْدُثَ في الفَلَكِ شَكْلٌ غَرِيبٌ يَقْتَضِي حُدُوثَ إنْسانٍ دُفْعَةً واحِدَةً لا عَنِ الأبَوَيْنِ وانْتِقالَ مادَّةِ الجَبَلِ مِنَ الصُّورَةِ الجَبَلِيَّةِ إلى الصُّورَةِ الذَّهَبِيَّةِ أوْ لِلصُّورَةِ الحَيَوانِيَّةِ ؟ وحِينَئِذٍ
صفحة ١٥٩
تَعُودُ جَمِيعُ الإلْزاماتِ المَذْكُورَةِ. وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وهو أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرُ العالِمِ ومُرَجِّحُهُ فاعِلًا مُخْتارًا، فَلا شَكَّ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ مُحْتَمَلَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ يَخْلُقُ بِإرادَتِهِ إنْسانًا دُفْعَةً واحِدَةً لا عَنِ الأبَوَيْنِ، وانْتِقالُ مادَّةِ الجَبَلِ ذَهَبًا والبَحْرِ دَمًا، فَثَبَتَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي ألْزَمُوها عَلَيْنا وارِدَةٌ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ وعَلى جَمِيعِ الفِرَقِ وأنَّهُ لا دافِعَ لَها البَتَّةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم يُجَوِّزُونَ انْخِراقَ العاداتِ وانْقِلابَها عَنْ مَجارِيها في بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ بَعْضٍ، فَأكْثَرُ شُيُوخِهِمْ يُجَوِّزُونَ حُدُوثَ الإنْسانِ دُفْعَةً واحِدَةً لا عَنِ الأبَوَيْنِ، ويُجَوِّزُونَ انْقِلابَ الماءِ نارًا وبِالعَكْسِ، ويُجَوِّزُونَ حُدُوثَ الزَّرْعِ لا عَنْ سابِقَةِ بَذْرٍ. ثُمَّ قالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوْهَرُ الفَرْدُ مَوْصُوفًا بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والحَياةِ، بَلْ صِحَّةُ هَذِهِ الأشْياءِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ بِنْيَةٍ مَخْصُوصَةٍ ومِزاجٍ مَخْصُوصٍ، وزَعَمُوا أنَّ عِنْدَ كَوْنِ الحاسَّةِ سَلِيمَةً وكَوْنِ المَرْئِيِّ حاضِرًا، وعَدَمِ القُرْبِ القَرِيبِ والبُعْدِ البَعِيدِ يَجِبُ حُصُولُ الإدْراكِ، وعِنْدَ فِقْدانِ أحَدِ هَذِهِ الشُّرُوطِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الإدْراكِ. وبِالجُمْلَةِ فالمُعْتَزِلَةُ في بَعْضِ الصُّوَرِ لا يَعْتَبِرُونَ مَجارِيَ العاداتِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ انْقِلابَها مُمْكِنٌ، وانْخِراقَها جائِزٌ، وفي سائِرِ الصُّوَرِ يَزْعُمُونَ أنَّها واجِبَةٌ، ويَمْتَنِعُ زَوالُها وانْقِلابُها، ولَيْسَ لَهم بَيْنَ النّاسِ قانُونٌ مَضْبُوطٌ ولا ضابِطٌ مَعْلُومٌ، فَلا جَرَمَ كانَ قَوْلُهم أدْخَلَ الأقاوِيلِ في الفَسادِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ التَّفاصِيلَ فَنَقُولُ: ذَواتُ الأجْسامِ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، وكُلُّ ما صَحَّ عَلى الشَّيْءِ صَحَّ عَلى مِثْلِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ جِسْمٍ ما صَحَّ عَلى غَيْرِهِ، فَإذا صَحَّ عَلى بَعْضِ الأجْسامِ صِفَةٌ مِنَ الصِّفاتِ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّها مِثْلُ تِلْكَ الصِّفَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ جِسْمُ العَصا قابِلًا لِلصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَصِيرُ ثُعْبانًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ انْقِلابُ العَصا ثُعْبانًا أمْرًا مُمْكِنًا لِذاتِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى قَلْبِ العَصا ثُعْبانًا، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، وهَذا الدَّلِيلُ مَوْقُوفٌ عَلى إثْباتِ مُقَدِّماتٍ ثَلاثٍ: إثْباتُ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الذّاتِ، وإثْباتُ أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، وإثْباتُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. ومَتى قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الثَّلاثَةِ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ التّامُّ، واللَّهُ أعْلَمُ. قَوْلُهُ: (فَإذا هي) أيِ العَصا وهي مُؤَنَّثَةٌ، والثُّعْبانُ الحَيَّةُ الضَّخْمَةُ الذَّكَرُ في قَوْلِ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ. فَأمّا مِقْدارُها فَغَيْرُ مَذْكُورٍ في القُرْآنِ، ونُقِلَ عَنِ المُفَسِّرِينَ في صِفَتِها أشْياءُ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّها مَلَأتْ ثَمانِينَ ذِراعًا، ثُمَّ شَدَّتْ عَلى فِرْعَوْنَ لِتَبْتَلِعَهُ فَوَثَبَ فِرْعَوْنُ عَنْ سَرِيرِهِ هارِبًا وأحْدَثَ، وانْهَزَمَ النّاسُ وماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وقِيلَ: كانَ بَيْنَ لَحْيَيْها أرْبَعُونَ ذِراعًا، ووُضِعَ لَحْيُها الأسْفَلُ عَلى الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، وصاحَ فِرْعَوْنُ: يا مُوسى خُذْها، فَأنا أُؤْمِنُ بِكَ، فَلَمّا أخَذَها مُوسى عادَتْ عَصًا كَما كانَتْ. وفي وصْفِ ذَلِكَ الثُّعْبانِ بِكَوْنِهِ مُبِينًا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: تَمْيِيزُ ذَلِكَ عَمّا جاءَتْ بِهِ السَّحَرَةُ مِنَ التَّمْوِيهِ الَّذِي يَلْتَبِسُ عَلى مَن لا يَعْرِفُ سَبَبَهُ، وبِذَلِكَ تَتَمَيَّزُ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ مِنَ الحِيَلِ والتَّمْوِيهاتِ.
والثّانِي: المُرادُ أنَّهم شاهَدُوا كَوْنَهُ حَيَّةً لَمْ يَشْتَبِهِ الأمْرُ عَلَيْهِمْ فِيهِ.
الثّالِثُ: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ أبانَ قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَوْلِ المُدَّعِي الكاذِبِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ فالنَّزْعُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ عَنْ مَكانِهِ، فَقَوْلُهُ: ”نَزَعَ يَدِهِ“ أيْ أخْرَجَها مِن جَيْبِهِ أوْ مِن جَناحِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ﴾
صفحة ١٦٠
﴿إلى جَناحِكَ﴾ [طه: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ لَها نُورٌ ساطِعٌ يُضِيءُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ البَياضُ كالعَيْبِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كانَ مِن غَيْرِ سُوءٍ.
فَإنْ قِيلَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ .
قُلْنا: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْضاءُ﴾ والمَعْنى: فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنَّظّارَةِ، ولا تَكُونُ بَيْضاءَ لِلنَّظّارَةِ إلّا إذا كانَ بَياضُها بَياضًا عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ لِلنَّظَرِ إلَيْهِ كَما تَجْتَمِعُ النَّظّارَةُ لِلْعَجائِبِ. وبَقِيَ هَهُنا مَباحِثُ:
فَأوَّلُها: أنَّ انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا مِن كَمْ وجْهٍ يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ ؟ .
والثّانِي: أنَّ هَذا المُعْجِزَ كانَ أعْظَمَ أمِ اليَدُ البَيْضاءُ ؟ وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ في هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ في سُورَةِ طه.
والثّالِثُ: أنَّ المُعْجِزَ الواحِدَ كانَ كافِيًا، فالجَمْعُ بَيْنَهُما كانَ عَبَثًا.
وجَوابُهُ: أنَّ كَثْرَةَ الدَّلائِلِ تُوجِبُ القُوَّةَ في اليَقِينِ وزَوالِ الشَّكِّ، ومِنَ المُلْحِدِينَ مَن قالَ: المُرادُ بِالثُّعْبانِ وبِاليَدِ البَيْضاءِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو أنَّ حُجَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ قَوِيَّةً ظاهِرَةً قاهِرَةً، فَتِلْكَ الحُجَّةُ مِن حَيْثُ إنَّها أبْطَلَتْ أقْوالَ المُخالِفِينَ، وأظْهَرَتْ فَسادَها، كانَتْ كالثُّعْبانِ العَظِيمِ الَّذِي يَتَلَقَّفُ حُجَجَ المُبْطِلِينَ، ومِن حَيْثُ كانَتْ ظاهِرَةً في نَفْسِها وُصِفَتْ بِاليَدِ البَيْضاءِ، كَما يُقالُ في العُرْفِ: لِفُلانٍ يَدٌ بَيْضاءُ في العِلْمِ الفُلانِيِّ، أيْ قُوَّةٌ كامِلَةٌ، ومَرْتَبَةٌ ظاهِرَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ هَذَيْنِ المُعْجِزَيْنِ عَلى هَذا الوَجْهِ يَجْرِي مَجْرى دَفْعِ التَّواتُرِ وتَكْذِيبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ولَمّا بَيَّنّا أنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَّةً أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، فَأيُّ حامِلٍ يَحْمِلُنا عَلى المَصِيرِ إلى هَذا التَّأْوِيلِ ؟ ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أظْهَرَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ المُعْجِزاتِ. حُكِيَ عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أنَّهم قالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السِّحْرَ كانَ غالِبًا في ذَلِكَ الزَّمانِ، ولا شَكَّ أنَّ مَراتِبَ السَّحَرَةِ كانَتْ مُتَفاضِلَةً مُتَفاوِتَةً، ولا شَكَّ أنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِمْ مَن يَكُونُ غايَةً في ذَلِكَ العِلْمِ ونِهايَةً فِيهِ. فالقَوْمُ زَعَمُوا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ في النِّهايَةِ مِن عِلْمِ السِّحْرِ أتى بِتِلْكَ الصِّفَةِ، ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهُ إنَّما أتى بِذَلِكَ السِّحْرِ لِكَوْنِهِ طالِبًا لِلْمُلْكِ والرِّياسَةِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ حَكاهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ أنَّهُ قالَهُ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ، وحَكى هَهُنا أنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ قالُوهُ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ قَدْ قالَهُ هو وقالُوهُ هم، فَحَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ ثَمَّ وقَوْلَهم هَهُنا.
والثّانِي: لَعَلَّ فِرْعَوْنَ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّتْهُ المَلَأُ مِنهُ، فَقالُوهُ لِغَيْرِهِ أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِسائِرِ النّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ، فَإنَّ المُلُوكَ إذا رَأوْا رَأْيًا ذَكَرُوهُ لِلْخاصَّةِ وهم يَذْكُرُونَهُ لِلْعامَّةِ، فَكَذا هَهُنا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقَدْ ذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلامَ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ ثُمَّ عِنْدَ هَذا الكَلامِ قالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ خِطابٌ لِلْجَمْعِ لا لِلْواحِدِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامَ فِرْعَوْنَ لِلْقَوْمِ، أمّا لَوْ جَعَلْناهُ كَلامَ القَوْمِ مَعَ فِرْعَوْنَ لَكانُوا قَدْ خاطَبُوهُ بِخِطابِ الواحِدِ لا بِخِطابِ الجَمْعِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا خاطَبُوهُ بِخِطابِ الجَمْعِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ لِأنَّ العَظِيمَ إنَّما يُكَنّى عَنْهُ بِكِنايَةِ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نوح: ١]
صفحة ١٦١
﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] .
والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قالُوا أرْجِهْ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا كَلامُ القَوْمِ، وجَعَلَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ غَيْرَ الَّذِي قالُوا: أرْجِهْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ كَلامٌ لِغَيْرِ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ القَوْمَ قالُوا: ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ثُمَّ قالُوا لِفِرْعَوْنَ ولِأكابِرِ خَدَمِهِ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ثُمَّ أتْبَعُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أرْجِهْ وأخاهُ﴾ فَإنَّ الخَدَمَ والأتْباعَ يُفَوِّضُونَ الأمْرَ والنَّهْيَ إلى المَخْدُومِ والمَتْبُوعِ أوَّلًا، ثُمَّ يَذْكُرُونَ ما حَضَرَ في خَواطِرِهِمْ مِنَ المَصْلَحَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ القَوْمِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَنسُوقٌ عَلى كَلامِ القَوْمِ مِن غَيْرِ فاصِلٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ الرُّتْبَةَ مُعْتَبَرَةٌ في الأمْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ خِطابًا مِنَ الأدْنى مَعَ الأعْلى، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ فِرْعَوْنَ مَعَهُ.
وأُجِيبَ عَنْ هَذا الثّانِي بِأنَّ الرَّئِيسَ المَخْدُومَ قَدْ يَقُولُ لِلْجَمْعِ الحاضِرِ عِنْدَهُ مِن رَهْطِهِ ورَعِيَّتِهِ: ماذا تَأْمُرُونَ ؟ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ تَطْيِيبَ قُلُوبِهِمْ وإدْخالَ السُّرُورِ في صُدُورِهِمْ وأنْ يُظْهِرَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ مُعَظِّمًا لَهم ومُعْتَقِدًا فِيهِمْ، ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِأنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُخاطَبَ بِهَذا الخِطابِ هو فِرْعَوْنُ وحْدَهُ، فَإنَّهُ يُقالُ لِلرَّئِيسِ المُطاعِ: ما تَرَوْنَ في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ أيْ ما تَرى أنْتَ وحْدَكَ، والمَقْصُودُ أنَّكَ وحْدَكَ قائِمٌ مَقامَ الجَماعَةِ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِهِ ورِفْعَةِ شَأْنِهِ وحالِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ بِهَذا الخِطابِ هو فِرْعَوْنَ وأكابِرَ دَوْلَتِهِ وعُظَماءَ حَضْرَتِهِ؛ لِأنَّهم هُمُ المُسْتَقِلُّونَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:111
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ”أرْجِهِ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ وكَسْرِ الهاءِ والإشْباعِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ”ارْجِهْ“ بِغَيْرِ الهَمْزِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ”أرْجِئْهُ“ بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ، ثُمَّ إنَّ ابْنَ كَثِيرٍ
صفحة ١٦٢
أشْبَعَ الهاءَ عَلى أصْلِهِ، والباقُونَ لا يُشْبِعُونَ. قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ”أرْجِهْ“ مَهْمُوزٌ وغَيْرُ مَهْمُوزٍ لُغَتانِ، يُقالُ: أرْجَأْتُ الأمْرَ وأرْجَيْتُهُ إذا أخَّرْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] قُرِئَ في الآيَتَيْنِ بِاللُّغَتَيْنِ، وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ بِغَيْرِ الهَمْزِ وسُكُونِ الهاءِ. فَقالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ العَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ المُكَنّى عَنْها في الوَصْلِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، وأنْشَدَ:
فَيُصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُهُ غَدًا
قالَ: وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ فَيَقُولُونَ: هَذِهِ طَلْحَهْ قَدْ أقْبَلَتْ، وأنْشَدَ:
لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ
ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ولا وجْهَ لِهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في القِياسِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا شِعْرٌ لا نَعْرِفُ قائِلَهُ، ولَوْ قالَهُ شاعِرٌ مَذْكُورٌ لَقِيلَ لَهُ: أخْطَأْتَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أرْجِهْ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: الإرْجاءُ: التَّأْخِيرُ فَقَوْلُهُ: ﴿أرْجِهْ﴾ أيْ أخِّرْهُ. ومَعْنى أخِّرْهُ: أيْ أخِّرْ أمْرَهُ ولا تَعْجَلْ في أمْرِهِ بِحُكْمٍ، فَتَصِيرَ عَجَلَتُكَ حُجَّةً عَلَيْكَ، والمَقْصُودُ أنَّهم حاوَلُوا مُعارَضَةَ مُعْجِزَتِهِ بِسِحْرِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْوى في إبْطالِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وقَتادَةَ ﴿أرْجِهْ﴾ احْبِسْهُ. قالَ المُحَقِّقُونَ: هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإرْجاءَ في اللُّغَةِ هو التَّأْخِيرُ لا الحَبْسُ.
والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ ما كانَ قادِرًا عَلى حَبْسِ مُوسى بَعْدَ ما شاهَدَ حالَ العَصا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا كَثِيرِينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ في طِباعِ الخَلْقِ مَعْرِفَةَ المُعارَضَةِ، وأنَّها إذا أمْكَنَتْ فَلا نُبُوَّةَ، وإذا تَعَذَّرَتْ فَقَدْ صَحَّتِ النُّبُوَّةُ، وأمّا بَيانُ أنَّ السِّحْرَ ما هو وهَلْ لَهُ حَقِيقَةٌ أمْ لا بَلْ هو مَحْضُ التَّمْوِيهِ فَقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أبِي القاسِمِ الزَّجّاجِيِّ أنَّهُ قالَ: اخْتَلَفَ أصْحابُنا في المَدِينَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها فَعِيلَةٌ؛ لِأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ مَدَنَ بِالمَكانِ يَمْدُنُ مُدُونًا، إذا أقامَ بِهِ، وهَذا القائِلُ يَسْتَدِلُّ بِإطْباقِ القُرّاءِ عَلى هَمْزِ المَدائِنِ، وهي فَعائِلُ، كَصَحائِفَ وصَحِيفَةٍ وسَفائِنَ وسَفِينَةٍ، والياءُ إذا كانَتْ زائِدَةً في الواحِدِ هُمِزَتْ في الجَمْعِ، كَقَبائِلَ وقَبِيلَةٍ، وإذا كانَتْ مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ لَمْ تُهْمَزْ في الجَمْعِ نَحْوَ مَعايِشَ ومَعِيشَةٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَفْعِلَةٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ، فَمَعْنى المَدِينَةِ المَمْلُوكَةُ، مِن دانَهُ يَدِينُهُ، فَقَوْلُنا: مَدِينَةٌ مِن دانَ، مِثْلُ مَعِيشَةٍ، مِن عاشَ، وجَمْعُها مَدايِنُ عَلى مَفاعِلَ، كَمَعايِشَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، ويَكُونُ اسْمًا لِلْمَكانِ والأرْضِ الَّتِي دانَهُمُ السُّلْطانَ فِيها أيْ ساسَهم وقَهَرَهم.
صفحة ١٦٣
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ المُبَرِّدُ: مَدِينَةٌ أصْلُها مَدْيُونَةٌ، مِن دانَهُ إذا قَهَرَهُ وساسَهُ، فاسْتَثْقَلُوا حَرَكَةَ الضَّمَّةِ عَلى الياءِ فَسَكَّنُوها ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى ما قَبْلَها، واجْتَمَعَ ساكِنانِ: الواوُ المَزِيدَةُ الَّتِي هي واوُ المَفْعُولِ، والياءُ الَّتِي هي مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، فَحُذِفَتِ الواوُ؛ لِأنَّها زائِدَةٌ، وحَذْفُ الزّائِدِ أوْلى مِن حَذْفِ الحَرْفِ الأصْلِيِّ، ثُمَّ كَسَرُوا الدّالَ لِتَسْلَمَ الياءُ، فَلا تَنْقَلِبُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها فَيَخْتَلِطُ ذَواتُ الواوِ بِذَواتِ الياءِ، وهَكَذا القَوْلُ في المَبِيعِ والمَخِيطِ والمَكِيلِ. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّها فَعِيلَةٌ لِاجْتِماعِ القُرّاءِ عَلى هَمْزِ المَدائِنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ يُرِيدُ وأرْسِلْ في مَدائِنِ صَعِيدِ مِصْرَ رِجالًا يَحْشُرُوا إلَيْكَ ما فِيها مِنَ السَّحَرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ رُؤَساءُ السَّحَرَةِ بِأقْصى مَدائِنِ الصَّعِيدِ، ونَقَلَ القاضِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ ساحِرًا سِوى رَئِيسِهِمْ، وكانَ الَّذِي يُعَلِّمُهم رَجُلًا مَجُوسِيًّا مِن أهْلِ نِينَوى بَلْدَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي قَرْيَةٌ بِالمَوْصِلِ. وأقُولُ: هَذا النَّقْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ المَجُوسَ أتْباعُ زَرادِشْتَ، وزَرادِشْتُ إنَّما جاءَ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”بِكُلِّ سَحّارٍ“، والباقُونَ ”بِكُلِّ ساحِرٍ“، فَمَن قَرَأ ”سَحّارٍ“ فَحُجَّتُهُ أنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِعَلِيمٍ، ووَصْفُهُ بِهِ يَدُلُّ عَلى تَناهِيهِ فِيهِ وحِذْقِهِ بِهِ، فَحَسُنَ لِذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ في السِّحْرِ، ومَن قَرَأ ”ساحِرٍ“ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ [الأعراف: ١٢٠] ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ [الشورى: ٤٠] والسَّحَرَةُ جَمْعُ ساحِرٍ مِثْلَ كَتَبَةٍ وكاتِبٍ وفَجَرَةٍ وفاجِرٍ. واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ واسْمُ الفاعِلِ مِن سَحَرُوا ساحِرٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”مَعَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءُ التَّعْدِيَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا كَثِيرِينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُونَ، مِن أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ مُعْجِزَةَ كُلِّ نَبِيِّ مِن جِنْسِ ما كانَ غالِبًا عَلى أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ، فَلَمّا كانَ السِّحْرُ غالِبًا عَلى أهْلِ زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ شَبِيهَةً بِالسِّحْرِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلسِّحْرِ في الحَقِيقَةِ، ولَمّا كانَ الطِّبُّ غالِبًا عَلى أهْلِ زَمانِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ، ولَمّا كانَتِ الفَصاحَةُ غالِبَةً عَلى أهْلِ زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا جَرَمَ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الفَصاحَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: ”إنَّ لَنا لَأجْرًا“ بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الخَبَرِ، والباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى أصْلِهِ، والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ، قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الِاسْتِفْهامُ أحْسَنُ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَعْلَمُوا هَلْ لَهم أجْرٌ أمْ لا ؟ ويَقْطَعُونَ عَلى أنَّ لَهُمُ الأجْرَ؛ ويُقَوِّي ذَلِكَ إجْماعُهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ عَلى الهَمْزِ لِلِاسْتِفْهامِ.
وحُجَّةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّهُما أرادا هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، ولَكِنَّهُما حَذَفا ذَلِكَ مِنَ اللَّفْظِ، وقَدْ تُحْذَفُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مِنَ اللَّفْظِ، وإنْ كانَتْ باقِيَةً في المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] فَإنَّهُ يَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ إلى أنَّ مَعْناهُ
صفحة ١٦٤
أوَتِلْكَ بِالِاسْتِفْهامِ، وكَما في قَوْلِهِ: (هَذا رَبِّي) والتَّقْدِيرُ: أهَذا رَبِّي. وقِيلَ أيْضًا: المُرادُ أنَّ السَّحَرَةَ أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ أجْرًا عَظِيمًا؛ لِأنَّهم قالُوا: لا بُدَّ لَنا مِن أجْرٍ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّ لَهُ لَإبِلًا، وإنَّ لَهُ لَغَنَمًا، يَقْصِدُونَ الكَثْرَةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلّا قِيلَ: ”وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا“ .
وجَوابُهُ: هو عَلى تَقْدِيرِ: سائِلٌ سَألَ: ما قالُوا. إذْ جاءُوهُ.
فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ جُعْلًا عَلى الغَلَبَةِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مَعْطُوفٌ، وما المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ؟
وجَوابُهُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، سَدَّ مَسَدَّهُ حَرْفُ الإيجابِ، كَأنَّهُ قالَ إيجابًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا لَأجْرًا، نَعَمْ إنَّ لَكم لَأجْرًا، وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ. أرادَ أنِّي لا أقْتَصِرُ بِكم عَلى الثَّوابِ، بَلْ أزِيدُكم عَلَيْهِ، وتِلْكَ الزِّيادَةُ أنِّي أجْعَلُكم مِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدِي. قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الثَّوابَ إنَّما يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ إذا كانَ مَقْرُونًا بِالتَّعْظِيمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا وعَدَهم بِالأجْرِ قَرَنَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، وهو حُصُولُ القُرْبَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ الخَلْقِ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا ذَلِيلًا مَهِينًا عاجِزًا، وإلّا لَما احْتاجَ إلى الِاسْتِعانَةِ بِالسَّحَرَةِ في دَفْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ السَّحَرَةَ ما كانُوا قادِرِينَ عَلى قَلْبِ الأعْيانِ، وإلّا لَما احْتاجُوا إلى طَلَبِ الأجْرِ والمالِ مِن فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهم لَوْ قَدَرُوا عَلى قَلْبِ الأعْيانِ، فَلِمَ لَمْ يَقْلِبُوا التُّرابَ ذَهَبًا، ولِمَ لَمْ يَنْقُلُوا مُلْكَ فِرْعَوْنَ إلى أنْفُسِهِمْ، ولِمَ لَمْ يَجْعَلُوا أنْفُسَهم مُلُوكَ العالَمِ ورُؤَساءَ الدُّنْيا ؟ والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَنْبِيهُ الإنْسانِ لِهَذِهِ الدَّقائِقِ، وأنْ لا يَغْتَرَّ بِكَلِماتِ أهْلِ الأباطِيلِ والأكاذِيبِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:112
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ”أرْجِهِ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ وكَسْرِ الهاءِ والإشْباعِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ”ارْجِهْ“ بِغَيْرِ الهَمْزِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ”أرْجِئْهُ“ بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ، ثُمَّ إنَّ ابْنَ كَثِيرٍ
صفحة ١٦٢
أشْبَعَ الهاءَ عَلى أصْلِهِ، والباقُونَ لا يُشْبِعُونَ. قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ”أرْجِهْ“ مَهْمُوزٌ وغَيْرُ مَهْمُوزٍ لُغَتانِ، يُقالُ: أرْجَأْتُ الأمْرَ وأرْجَيْتُهُ إذا أخَّرْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] قُرِئَ في الآيَتَيْنِ بِاللُّغَتَيْنِ، وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ بِغَيْرِ الهَمْزِ وسُكُونِ الهاءِ. فَقالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ العَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ المُكَنّى عَنْها في الوَصْلِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، وأنْشَدَ:
فَيُصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُهُ غَدًا
قالَ: وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ فَيَقُولُونَ: هَذِهِ طَلْحَهْ قَدْ أقْبَلَتْ، وأنْشَدَ:
لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ
ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ولا وجْهَ لِهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في القِياسِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا شِعْرٌ لا نَعْرِفُ قائِلَهُ، ولَوْ قالَهُ شاعِرٌ مَذْكُورٌ لَقِيلَ لَهُ: أخْطَأْتَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أرْجِهْ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: الإرْجاءُ: التَّأْخِيرُ فَقَوْلُهُ: ﴿أرْجِهْ﴾ أيْ أخِّرْهُ. ومَعْنى أخِّرْهُ: أيْ أخِّرْ أمْرَهُ ولا تَعْجَلْ في أمْرِهِ بِحُكْمٍ، فَتَصِيرَ عَجَلَتُكَ حُجَّةً عَلَيْكَ، والمَقْصُودُ أنَّهم حاوَلُوا مُعارَضَةَ مُعْجِزَتِهِ بِسِحْرِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْوى في إبْطالِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وقَتادَةَ ﴿أرْجِهْ﴾ احْبِسْهُ. قالَ المُحَقِّقُونَ: هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإرْجاءَ في اللُّغَةِ هو التَّأْخِيرُ لا الحَبْسُ.
والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ ما كانَ قادِرًا عَلى حَبْسِ مُوسى بَعْدَ ما شاهَدَ حالَ العَصا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا كَثِيرِينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ في طِباعِ الخَلْقِ مَعْرِفَةَ المُعارَضَةِ، وأنَّها إذا أمْكَنَتْ فَلا نُبُوَّةَ، وإذا تَعَذَّرَتْ فَقَدْ صَحَّتِ النُّبُوَّةُ، وأمّا بَيانُ أنَّ السِّحْرَ ما هو وهَلْ لَهُ حَقِيقَةٌ أمْ لا بَلْ هو مَحْضُ التَّمْوِيهِ فَقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أبِي القاسِمِ الزَّجّاجِيِّ أنَّهُ قالَ: اخْتَلَفَ أصْحابُنا في المَدِينَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها فَعِيلَةٌ؛ لِأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ مَدَنَ بِالمَكانِ يَمْدُنُ مُدُونًا، إذا أقامَ بِهِ، وهَذا القائِلُ يَسْتَدِلُّ بِإطْباقِ القُرّاءِ عَلى هَمْزِ المَدائِنِ، وهي فَعائِلُ، كَصَحائِفَ وصَحِيفَةٍ وسَفائِنَ وسَفِينَةٍ، والياءُ إذا كانَتْ زائِدَةً في الواحِدِ هُمِزَتْ في الجَمْعِ، كَقَبائِلَ وقَبِيلَةٍ، وإذا كانَتْ مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ لَمْ تُهْمَزْ في الجَمْعِ نَحْوَ مَعايِشَ ومَعِيشَةٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَفْعِلَةٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ، فَمَعْنى المَدِينَةِ المَمْلُوكَةُ، مِن دانَهُ يَدِينُهُ، فَقَوْلُنا: مَدِينَةٌ مِن دانَ، مِثْلُ مَعِيشَةٍ، مِن عاشَ، وجَمْعُها مَدايِنُ عَلى مَفاعِلَ، كَمَعايِشَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، ويَكُونُ اسْمًا لِلْمَكانِ والأرْضِ الَّتِي دانَهُمُ السُّلْطانَ فِيها أيْ ساسَهم وقَهَرَهم.
صفحة ١٦٣
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ المُبَرِّدُ: مَدِينَةٌ أصْلُها مَدْيُونَةٌ، مِن دانَهُ إذا قَهَرَهُ وساسَهُ، فاسْتَثْقَلُوا حَرَكَةَ الضَّمَّةِ عَلى الياءِ فَسَكَّنُوها ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى ما قَبْلَها، واجْتَمَعَ ساكِنانِ: الواوُ المَزِيدَةُ الَّتِي هي واوُ المَفْعُولِ، والياءُ الَّتِي هي مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، فَحُذِفَتِ الواوُ؛ لِأنَّها زائِدَةٌ، وحَذْفُ الزّائِدِ أوْلى مِن حَذْفِ الحَرْفِ الأصْلِيِّ، ثُمَّ كَسَرُوا الدّالَ لِتَسْلَمَ الياءُ، فَلا تَنْقَلِبُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها فَيَخْتَلِطُ ذَواتُ الواوِ بِذَواتِ الياءِ، وهَكَذا القَوْلُ في المَبِيعِ والمَخِيطِ والمَكِيلِ. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّها فَعِيلَةٌ لِاجْتِماعِ القُرّاءِ عَلى هَمْزِ المَدائِنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ يُرِيدُ وأرْسِلْ في مَدائِنِ صَعِيدِ مِصْرَ رِجالًا يَحْشُرُوا إلَيْكَ ما فِيها مِنَ السَّحَرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ رُؤَساءُ السَّحَرَةِ بِأقْصى مَدائِنِ الصَّعِيدِ، ونَقَلَ القاضِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ ساحِرًا سِوى رَئِيسِهِمْ، وكانَ الَّذِي يُعَلِّمُهم رَجُلًا مَجُوسِيًّا مِن أهْلِ نِينَوى بَلْدَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي قَرْيَةٌ بِالمَوْصِلِ. وأقُولُ: هَذا النَّقْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ المَجُوسَ أتْباعُ زَرادِشْتَ، وزَرادِشْتُ إنَّما جاءَ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”بِكُلِّ سَحّارٍ“، والباقُونَ ”بِكُلِّ ساحِرٍ“، فَمَن قَرَأ ”سَحّارٍ“ فَحُجَّتُهُ أنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِعَلِيمٍ، ووَصْفُهُ بِهِ يَدُلُّ عَلى تَناهِيهِ فِيهِ وحِذْقِهِ بِهِ، فَحَسُنَ لِذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ في السِّحْرِ، ومَن قَرَأ ”ساحِرٍ“ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ [الأعراف: ١٢٠] ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ [الشورى: ٤٠] والسَّحَرَةُ جَمْعُ ساحِرٍ مِثْلَ كَتَبَةٍ وكاتِبٍ وفَجَرَةٍ وفاجِرٍ. واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ واسْمُ الفاعِلِ مِن سَحَرُوا ساحِرٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”مَعَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءُ التَّعْدِيَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا كَثِيرِينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُونَ، مِن أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ مُعْجِزَةَ كُلِّ نَبِيِّ مِن جِنْسِ ما كانَ غالِبًا عَلى أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ، فَلَمّا كانَ السِّحْرُ غالِبًا عَلى أهْلِ زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ شَبِيهَةً بِالسِّحْرِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلسِّحْرِ في الحَقِيقَةِ، ولَمّا كانَ الطِّبُّ غالِبًا عَلى أهْلِ زَمانِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ، ولَمّا كانَتِ الفَصاحَةُ غالِبَةً عَلى أهْلِ زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا جَرَمَ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الفَصاحَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: ”إنَّ لَنا لَأجْرًا“ بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الخَبَرِ، والباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى أصْلِهِ، والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ، قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الِاسْتِفْهامُ أحْسَنُ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَعْلَمُوا هَلْ لَهم أجْرٌ أمْ لا ؟ ويَقْطَعُونَ عَلى أنَّ لَهُمُ الأجْرَ؛ ويُقَوِّي ذَلِكَ إجْماعُهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ عَلى الهَمْزِ لِلِاسْتِفْهامِ.
وحُجَّةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّهُما أرادا هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، ولَكِنَّهُما حَذَفا ذَلِكَ مِنَ اللَّفْظِ، وقَدْ تُحْذَفُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مِنَ اللَّفْظِ، وإنْ كانَتْ باقِيَةً في المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] فَإنَّهُ يَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ إلى أنَّ مَعْناهُ
صفحة ١٦٤
أوَتِلْكَ بِالِاسْتِفْهامِ، وكَما في قَوْلِهِ: (هَذا رَبِّي) والتَّقْدِيرُ: أهَذا رَبِّي. وقِيلَ أيْضًا: المُرادُ أنَّ السَّحَرَةَ أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ أجْرًا عَظِيمًا؛ لِأنَّهم قالُوا: لا بُدَّ لَنا مِن أجْرٍ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّ لَهُ لَإبِلًا، وإنَّ لَهُ لَغَنَمًا، يَقْصِدُونَ الكَثْرَةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلّا قِيلَ: ”وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا“ .
وجَوابُهُ: هو عَلى تَقْدِيرِ: سائِلٌ سَألَ: ما قالُوا. إذْ جاءُوهُ.
فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ جُعْلًا عَلى الغَلَبَةِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مَعْطُوفٌ، وما المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ؟
وجَوابُهُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، سَدَّ مَسَدَّهُ حَرْفُ الإيجابِ، كَأنَّهُ قالَ إيجابًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا لَأجْرًا، نَعَمْ إنَّ لَكم لَأجْرًا، وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ. أرادَ أنِّي لا أقْتَصِرُ بِكم عَلى الثَّوابِ، بَلْ أزِيدُكم عَلَيْهِ، وتِلْكَ الزِّيادَةُ أنِّي أجْعَلُكم مِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدِي. قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الثَّوابَ إنَّما يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ إذا كانَ مَقْرُونًا بِالتَّعْظِيمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا وعَدَهم بِالأجْرِ قَرَنَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، وهو حُصُولُ القُرْبَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ الخَلْقِ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا ذَلِيلًا مَهِينًا عاجِزًا، وإلّا لَما احْتاجَ إلى الِاسْتِعانَةِ بِالسَّحَرَةِ في دَفْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ السَّحَرَةَ ما كانُوا قادِرِينَ عَلى قَلْبِ الأعْيانِ، وإلّا لَما احْتاجُوا إلى طَلَبِ الأجْرِ والمالِ مِن فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهم لَوْ قَدَرُوا عَلى قَلْبِ الأعْيانِ، فَلِمَ لَمْ يَقْلِبُوا التُّرابَ ذَهَبًا، ولِمَ لَمْ يَنْقُلُوا مُلْكَ فِرْعَوْنَ إلى أنْفُسِهِمْ، ولِمَ لَمْ يَجْعَلُوا أنْفُسَهم مُلُوكَ العالَمِ ورُؤَساءَ الدُّنْيا ؟ والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَنْبِيهُ الإنْسانِ لِهَذِهِ الدَّقائِقِ، وأنْ لا يَغْتَرَّ بِكَلِماتِ أهْلِ الأباطِيلِ والأكاذِيبِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:113
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ”أرْجِهِ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ وكَسْرِ الهاءِ والإشْباعِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ”ارْجِهْ“ بِغَيْرِ الهَمْزِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ”أرْجِئْهُ“ بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ، ثُمَّ إنَّ ابْنَ كَثِيرٍ
صفحة ١٦٢
أشْبَعَ الهاءَ عَلى أصْلِهِ، والباقُونَ لا يُشْبِعُونَ. قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ”أرْجِهْ“ مَهْمُوزٌ وغَيْرُ مَهْمُوزٍ لُغَتانِ، يُقالُ: أرْجَأْتُ الأمْرَ وأرْجَيْتُهُ إذا أخَّرْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] قُرِئَ في الآيَتَيْنِ بِاللُّغَتَيْنِ، وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ بِغَيْرِ الهَمْزِ وسُكُونِ الهاءِ. فَقالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ العَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ المُكَنّى عَنْها في الوَصْلِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، وأنْشَدَ:
فَيُصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُهُ غَدًا
قالَ: وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ فَيَقُولُونَ: هَذِهِ طَلْحَهْ قَدْ أقْبَلَتْ، وأنْشَدَ:
لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ
ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ولا وجْهَ لِهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في القِياسِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا شِعْرٌ لا نَعْرِفُ قائِلَهُ، ولَوْ قالَهُ شاعِرٌ مَذْكُورٌ لَقِيلَ لَهُ: أخْطَأْتَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أرْجِهْ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: الإرْجاءُ: التَّأْخِيرُ فَقَوْلُهُ: ﴿أرْجِهْ﴾ أيْ أخِّرْهُ. ومَعْنى أخِّرْهُ: أيْ أخِّرْ أمْرَهُ ولا تَعْجَلْ في أمْرِهِ بِحُكْمٍ، فَتَصِيرَ عَجَلَتُكَ حُجَّةً عَلَيْكَ، والمَقْصُودُ أنَّهم حاوَلُوا مُعارَضَةَ مُعْجِزَتِهِ بِسِحْرِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْوى في إبْطالِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وقَتادَةَ ﴿أرْجِهْ﴾ احْبِسْهُ. قالَ المُحَقِّقُونَ: هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإرْجاءَ في اللُّغَةِ هو التَّأْخِيرُ لا الحَبْسُ.
والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ ما كانَ قادِرًا عَلى حَبْسِ مُوسى بَعْدَ ما شاهَدَ حالَ العَصا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا كَثِيرِينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ في طِباعِ الخَلْقِ مَعْرِفَةَ المُعارَضَةِ، وأنَّها إذا أمْكَنَتْ فَلا نُبُوَّةَ، وإذا تَعَذَّرَتْ فَقَدْ صَحَّتِ النُّبُوَّةُ، وأمّا بَيانُ أنَّ السِّحْرَ ما هو وهَلْ لَهُ حَقِيقَةٌ أمْ لا بَلْ هو مَحْضُ التَّمْوِيهِ فَقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أبِي القاسِمِ الزَّجّاجِيِّ أنَّهُ قالَ: اخْتَلَفَ أصْحابُنا في المَدِينَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها فَعِيلَةٌ؛ لِأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ مَدَنَ بِالمَكانِ يَمْدُنُ مُدُونًا، إذا أقامَ بِهِ، وهَذا القائِلُ يَسْتَدِلُّ بِإطْباقِ القُرّاءِ عَلى هَمْزِ المَدائِنِ، وهي فَعائِلُ، كَصَحائِفَ وصَحِيفَةٍ وسَفائِنَ وسَفِينَةٍ، والياءُ إذا كانَتْ زائِدَةً في الواحِدِ هُمِزَتْ في الجَمْعِ، كَقَبائِلَ وقَبِيلَةٍ، وإذا كانَتْ مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ لَمْ تُهْمَزْ في الجَمْعِ نَحْوَ مَعايِشَ ومَعِيشَةٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَفْعِلَةٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ، فَمَعْنى المَدِينَةِ المَمْلُوكَةُ، مِن دانَهُ يَدِينُهُ، فَقَوْلُنا: مَدِينَةٌ مِن دانَ، مِثْلُ مَعِيشَةٍ، مِن عاشَ، وجَمْعُها مَدايِنُ عَلى مَفاعِلَ، كَمَعايِشَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، ويَكُونُ اسْمًا لِلْمَكانِ والأرْضِ الَّتِي دانَهُمُ السُّلْطانَ فِيها أيْ ساسَهم وقَهَرَهم.
صفحة ١٦٣
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ المُبَرِّدُ: مَدِينَةٌ أصْلُها مَدْيُونَةٌ، مِن دانَهُ إذا قَهَرَهُ وساسَهُ، فاسْتَثْقَلُوا حَرَكَةَ الضَّمَّةِ عَلى الياءِ فَسَكَّنُوها ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى ما قَبْلَها، واجْتَمَعَ ساكِنانِ: الواوُ المَزِيدَةُ الَّتِي هي واوُ المَفْعُولِ، والياءُ الَّتِي هي مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، فَحُذِفَتِ الواوُ؛ لِأنَّها زائِدَةٌ، وحَذْفُ الزّائِدِ أوْلى مِن حَذْفِ الحَرْفِ الأصْلِيِّ، ثُمَّ كَسَرُوا الدّالَ لِتَسْلَمَ الياءُ، فَلا تَنْقَلِبُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها فَيَخْتَلِطُ ذَواتُ الواوِ بِذَواتِ الياءِ، وهَكَذا القَوْلُ في المَبِيعِ والمَخِيطِ والمَكِيلِ. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّها فَعِيلَةٌ لِاجْتِماعِ القُرّاءِ عَلى هَمْزِ المَدائِنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ يُرِيدُ وأرْسِلْ في مَدائِنِ صَعِيدِ مِصْرَ رِجالًا يَحْشُرُوا إلَيْكَ ما فِيها مِنَ السَّحَرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ رُؤَساءُ السَّحَرَةِ بِأقْصى مَدائِنِ الصَّعِيدِ، ونَقَلَ القاضِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ ساحِرًا سِوى رَئِيسِهِمْ، وكانَ الَّذِي يُعَلِّمُهم رَجُلًا مَجُوسِيًّا مِن أهْلِ نِينَوى بَلْدَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي قَرْيَةٌ بِالمَوْصِلِ. وأقُولُ: هَذا النَّقْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ المَجُوسَ أتْباعُ زَرادِشْتَ، وزَرادِشْتُ إنَّما جاءَ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”بِكُلِّ سَحّارٍ“، والباقُونَ ”بِكُلِّ ساحِرٍ“، فَمَن قَرَأ ”سَحّارٍ“ فَحُجَّتُهُ أنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِعَلِيمٍ، ووَصْفُهُ بِهِ يَدُلُّ عَلى تَناهِيهِ فِيهِ وحِذْقِهِ بِهِ، فَحَسُنَ لِذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ في السِّحْرِ، ومَن قَرَأ ”ساحِرٍ“ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ [الأعراف: ١٢٠] ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ [الشورى: ٤٠] والسَّحَرَةُ جَمْعُ ساحِرٍ مِثْلَ كَتَبَةٍ وكاتِبٍ وفَجَرَةٍ وفاجِرٍ. واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ واسْمُ الفاعِلِ مِن سَحَرُوا ساحِرٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”مَعَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءُ التَّعْدِيَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا كَثِيرِينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُونَ، مِن أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ مُعْجِزَةَ كُلِّ نَبِيِّ مِن جِنْسِ ما كانَ غالِبًا عَلى أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ، فَلَمّا كانَ السِّحْرُ غالِبًا عَلى أهْلِ زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ شَبِيهَةً بِالسِّحْرِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلسِّحْرِ في الحَقِيقَةِ، ولَمّا كانَ الطِّبُّ غالِبًا عَلى أهْلِ زَمانِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ، ولَمّا كانَتِ الفَصاحَةُ غالِبَةً عَلى أهْلِ زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا جَرَمَ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الفَصاحَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: ”إنَّ لَنا لَأجْرًا“ بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الخَبَرِ، والباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى أصْلِهِ، والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ، قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الِاسْتِفْهامُ أحْسَنُ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَعْلَمُوا هَلْ لَهم أجْرٌ أمْ لا ؟ ويَقْطَعُونَ عَلى أنَّ لَهُمُ الأجْرَ؛ ويُقَوِّي ذَلِكَ إجْماعُهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ عَلى الهَمْزِ لِلِاسْتِفْهامِ.
وحُجَّةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّهُما أرادا هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، ولَكِنَّهُما حَذَفا ذَلِكَ مِنَ اللَّفْظِ، وقَدْ تُحْذَفُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مِنَ اللَّفْظِ، وإنْ كانَتْ باقِيَةً في المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] فَإنَّهُ يَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ إلى أنَّ مَعْناهُ
صفحة ١٦٤
أوَتِلْكَ بِالِاسْتِفْهامِ، وكَما في قَوْلِهِ: (هَذا رَبِّي) والتَّقْدِيرُ: أهَذا رَبِّي. وقِيلَ أيْضًا: المُرادُ أنَّ السَّحَرَةَ أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ أجْرًا عَظِيمًا؛ لِأنَّهم قالُوا: لا بُدَّ لَنا مِن أجْرٍ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّ لَهُ لَإبِلًا، وإنَّ لَهُ لَغَنَمًا، يَقْصِدُونَ الكَثْرَةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلّا قِيلَ: ”وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا“ .
وجَوابُهُ: هو عَلى تَقْدِيرِ: سائِلٌ سَألَ: ما قالُوا. إذْ جاءُوهُ.
فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ جُعْلًا عَلى الغَلَبَةِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مَعْطُوفٌ، وما المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ؟
وجَوابُهُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، سَدَّ مَسَدَّهُ حَرْفُ الإيجابِ، كَأنَّهُ قالَ إيجابًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا لَأجْرًا، نَعَمْ إنَّ لَكم لَأجْرًا، وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ. أرادَ أنِّي لا أقْتَصِرُ بِكم عَلى الثَّوابِ، بَلْ أزِيدُكم عَلَيْهِ، وتِلْكَ الزِّيادَةُ أنِّي أجْعَلُكم مِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدِي. قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الثَّوابَ إنَّما يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ إذا كانَ مَقْرُونًا بِالتَّعْظِيمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا وعَدَهم بِالأجْرِ قَرَنَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، وهو حُصُولُ القُرْبَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ الخَلْقِ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا ذَلِيلًا مَهِينًا عاجِزًا، وإلّا لَما احْتاجَ إلى الِاسْتِعانَةِ بِالسَّحَرَةِ في دَفْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ السَّحَرَةَ ما كانُوا قادِرِينَ عَلى قَلْبِ الأعْيانِ، وإلّا لَما احْتاجُوا إلى طَلَبِ الأجْرِ والمالِ مِن فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهم لَوْ قَدَرُوا عَلى قَلْبِ الأعْيانِ، فَلِمَ لَمْ يَقْلِبُوا التُّرابَ ذَهَبًا، ولِمَ لَمْ يَنْقُلُوا مُلْكَ فِرْعَوْنَ إلى أنْفُسِهِمْ، ولِمَ لَمْ يَجْعَلُوا أنْفُسَهم مُلُوكَ العالَمِ ورُؤَساءَ الدُّنْيا ؟ والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَنْبِيهُ الإنْسانِ لِهَذِهِ الدَّقائِقِ، وأنْ لا يَغْتَرَّ بِكَلِماتِ أهْلِ الأباطِيلِ والأكاذِيبِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:114
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ”أرْجِهِ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ وكَسْرِ الهاءِ والإشْباعِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ”ارْجِهْ“ بِغَيْرِ الهَمْزِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ”أرْجِئْهُ“ بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ، ثُمَّ إنَّ ابْنَ كَثِيرٍ
صفحة ١٦٢
أشْبَعَ الهاءَ عَلى أصْلِهِ، والباقُونَ لا يُشْبِعُونَ. قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ”أرْجِهْ“ مَهْمُوزٌ وغَيْرُ مَهْمُوزٍ لُغَتانِ، يُقالُ: أرْجَأْتُ الأمْرَ وأرْجَيْتُهُ إذا أخَّرْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] قُرِئَ في الآيَتَيْنِ بِاللُّغَتَيْنِ، وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ بِغَيْرِ الهَمْزِ وسُكُونِ الهاءِ. فَقالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ العَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ المُكَنّى عَنْها في الوَصْلِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، وأنْشَدَ:
فَيُصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُهُ غَدًا
قالَ: وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ فَيَقُولُونَ: هَذِهِ طَلْحَهْ قَدْ أقْبَلَتْ، وأنْشَدَ:
لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ
ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ولا وجْهَ لِهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في القِياسِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا شِعْرٌ لا نَعْرِفُ قائِلَهُ، ولَوْ قالَهُ شاعِرٌ مَذْكُورٌ لَقِيلَ لَهُ: أخْطَأْتَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أرْجِهْ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: الإرْجاءُ: التَّأْخِيرُ فَقَوْلُهُ: ﴿أرْجِهْ﴾ أيْ أخِّرْهُ. ومَعْنى أخِّرْهُ: أيْ أخِّرْ أمْرَهُ ولا تَعْجَلْ في أمْرِهِ بِحُكْمٍ، فَتَصِيرَ عَجَلَتُكَ حُجَّةً عَلَيْكَ، والمَقْصُودُ أنَّهم حاوَلُوا مُعارَضَةَ مُعْجِزَتِهِ بِسِحْرِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْوى في إبْطالِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وقَتادَةَ ﴿أرْجِهْ﴾ احْبِسْهُ. قالَ المُحَقِّقُونَ: هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإرْجاءَ في اللُّغَةِ هو التَّأْخِيرُ لا الحَبْسُ.
والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ ما كانَ قادِرًا عَلى حَبْسِ مُوسى بَعْدَ ما شاهَدَ حالَ العَصا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا كَثِيرِينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ في طِباعِ الخَلْقِ مَعْرِفَةَ المُعارَضَةِ، وأنَّها إذا أمْكَنَتْ فَلا نُبُوَّةَ، وإذا تَعَذَّرَتْ فَقَدْ صَحَّتِ النُّبُوَّةُ، وأمّا بَيانُ أنَّ السِّحْرَ ما هو وهَلْ لَهُ حَقِيقَةٌ أمْ لا بَلْ هو مَحْضُ التَّمْوِيهِ فَقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أبِي القاسِمِ الزَّجّاجِيِّ أنَّهُ قالَ: اخْتَلَفَ أصْحابُنا في المَدِينَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها فَعِيلَةٌ؛ لِأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ مَدَنَ بِالمَكانِ يَمْدُنُ مُدُونًا، إذا أقامَ بِهِ، وهَذا القائِلُ يَسْتَدِلُّ بِإطْباقِ القُرّاءِ عَلى هَمْزِ المَدائِنِ، وهي فَعائِلُ، كَصَحائِفَ وصَحِيفَةٍ وسَفائِنَ وسَفِينَةٍ، والياءُ إذا كانَتْ زائِدَةً في الواحِدِ هُمِزَتْ في الجَمْعِ، كَقَبائِلَ وقَبِيلَةٍ، وإذا كانَتْ مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ لَمْ تُهْمَزْ في الجَمْعِ نَحْوَ مَعايِشَ ومَعِيشَةٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَفْعِلَةٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ، فَمَعْنى المَدِينَةِ المَمْلُوكَةُ، مِن دانَهُ يَدِينُهُ، فَقَوْلُنا: مَدِينَةٌ مِن دانَ، مِثْلُ مَعِيشَةٍ، مِن عاشَ، وجَمْعُها مَدايِنُ عَلى مَفاعِلَ، كَمَعايِشَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، ويَكُونُ اسْمًا لِلْمَكانِ والأرْضِ الَّتِي دانَهُمُ السُّلْطانَ فِيها أيْ ساسَهم وقَهَرَهم.
صفحة ١٦٣
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ المُبَرِّدُ: مَدِينَةٌ أصْلُها مَدْيُونَةٌ، مِن دانَهُ إذا قَهَرَهُ وساسَهُ، فاسْتَثْقَلُوا حَرَكَةَ الضَّمَّةِ عَلى الياءِ فَسَكَّنُوها ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى ما قَبْلَها، واجْتَمَعَ ساكِنانِ: الواوُ المَزِيدَةُ الَّتِي هي واوُ المَفْعُولِ، والياءُ الَّتِي هي مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، فَحُذِفَتِ الواوُ؛ لِأنَّها زائِدَةٌ، وحَذْفُ الزّائِدِ أوْلى مِن حَذْفِ الحَرْفِ الأصْلِيِّ، ثُمَّ كَسَرُوا الدّالَ لِتَسْلَمَ الياءُ، فَلا تَنْقَلِبُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها فَيَخْتَلِطُ ذَواتُ الواوِ بِذَواتِ الياءِ، وهَكَذا القَوْلُ في المَبِيعِ والمَخِيطِ والمَكِيلِ. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّها فَعِيلَةٌ لِاجْتِماعِ القُرّاءِ عَلى هَمْزِ المَدائِنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ يُرِيدُ وأرْسِلْ في مَدائِنِ صَعِيدِ مِصْرَ رِجالًا يَحْشُرُوا إلَيْكَ ما فِيها مِنَ السَّحَرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ رُؤَساءُ السَّحَرَةِ بِأقْصى مَدائِنِ الصَّعِيدِ، ونَقَلَ القاضِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ ساحِرًا سِوى رَئِيسِهِمْ، وكانَ الَّذِي يُعَلِّمُهم رَجُلًا مَجُوسِيًّا مِن أهْلِ نِينَوى بَلْدَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي قَرْيَةٌ بِالمَوْصِلِ. وأقُولُ: هَذا النَّقْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ المَجُوسَ أتْباعُ زَرادِشْتَ، وزَرادِشْتُ إنَّما جاءَ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”بِكُلِّ سَحّارٍ“، والباقُونَ ”بِكُلِّ ساحِرٍ“، فَمَن قَرَأ ”سَحّارٍ“ فَحُجَّتُهُ أنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِعَلِيمٍ، ووَصْفُهُ بِهِ يَدُلُّ عَلى تَناهِيهِ فِيهِ وحِذْقِهِ بِهِ، فَحَسُنَ لِذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ في السِّحْرِ، ومَن قَرَأ ”ساحِرٍ“ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ [الأعراف: ١٢٠] ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ [الشورى: ٤٠] والسَّحَرَةُ جَمْعُ ساحِرٍ مِثْلَ كَتَبَةٍ وكاتِبٍ وفَجَرَةٍ وفاجِرٍ. واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ واسْمُ الفاعِلِ مِن سَحَرُوا ساحِرٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”مَعَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءُ التَّعْدِيَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا كَثِيرِينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُونَ، مِن أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ مُعْجِزَةَ كُلِّ نَبِيِّ مِن جِنْسِ ما كانَ غالِبًا عَلى أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ، فَلَمّا كانَ السِّحْرُ غالِبًا عَلى أهْلِ زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ شَبِيهَةً بِالسِّحْرِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلسِّحْرِ في الحَقِيقَةِ، ولَمّا كانَ الطِّبُّ غالِبًا عَلى أهْلِ زَمانِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ، ولَمّا كانَتِ الفَصاحَةُ غالِبَةً عَلى أهْلِ زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا جَرَمَ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الفَصاحَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: ”إنَّ لَنا لَأجْرًا“ بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الخَبَرِ، والباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى أصْلِهِ، والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ، قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الِاسْتِفْهامُ أحْسَنُ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَعْلَمُوا هَلْ لَهم أجْرٌ أمْ لا ؟ ويَقْطَعُونَ عَلى أنَّ لَهُمُ الأجْرَ؛ ويُقَوِّي ذَلِكَ إجْماعُهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ عَلى الهَمْزِ لِلِاسْتِفْهامِ.
وحُجَّةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّهُما أرادا هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، ولَكِنَّهُما حَذَفا ذَلِكَ مِنَ اللَّفْظِ، وقَدْ تُحْذَفُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مِنَ اللَّفْظِ، وإنْ كانَتْ باقِيَةً في المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] فَإنَّهُ يَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ إلى أنَّ مَعْناهُ
صفحة ١٦٤
أوَتِلْكَ بِالِاسْتِفْهامِ، وكَما في قَوْلِهِ: (هَذا رَبِّي) والتَّقْدِيرُ: أهَذا رَبِّي. وقِيلَ أيْضًا: المُرادُ أنَّ السَّحَرَةَ أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ أجْرًا عَظِيمًا؛ لِأنَّهم قالُوا: لا بُدَّ لَنا مِن أجْرٍ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّ لَهُ لَإبِلًا، وإنَّ لَهُ لَغَنَمًا، يَقْصِدُونَ الكَثْرَةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلّا قِيلَ: ”وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا“ .
وجَوابُهُ: هو عَلى تَقْدِيرِ: سائِلٌ سَألَ: ما قالُوا. إذْ جاءُوهُ.
فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ جُعْلًا عَلى الغَلَبَةِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مَعْطُوفٌ، وما المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ؟
وجَوابُهُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، سَدَّ مَسَدَّهُ حَرْفُ الإيجابِ، كَأنَّهُ قالَ إيجابًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا لَأجْرًا، نَعَمْ إنَّ لَكم لَأجْرًا، وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ. أرادَ أنِّي لا أقْتَصِرُ بِكم عَلى الثَّوابِ، بَلْ أزِيدُكم عَلَيْهِ، وتِلْكَ الزِّيادَةُ أنِّي أجْعَلُكم مِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدِي. قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الثَّوابَ إنَّما يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ إذا كانَ مَقْرُونًا بِالتَّعْظِيمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا وعَدَهم بِالأجْرِ قَرَنَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، وهو حُصُولُ القُرْبَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ الخَلْقِ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا ذَلِيلًا مَهِينًا عاجِزًا، وإلّا لَما احْتاجَ إلى الِاسْتِعانَةِ بِالسَّحَرَةِ في دَفْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ السَّحَرَةَ ما كانُوا قادِرِينَ عَلى قَلْبِ الأعْيانِ، وإلّا لَما احْتاجُوا إلى طَلَبِ الأجْرِ والمالِ مِن فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهم لَوْ قَدَرُوا عَلى قَلْبِ الأعْيانِ، فَلِمَ لَمْ يَقْلِبُوا التُّرابَ ذَهَبًا، ولِمَ لَمْ يَنْقُلُوا مُلْكَ فِرْعَوْنَ إلى أنْفُسِهِمْ، ولِمَ لَمْ يَجْعَلُوا أنْفُسَهم مُلُوكَ العالَمِ ورُؤَساءَ الدُّنْيا ؟ والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَنْبِيهُ الإنْسانِ لِهَذِهِ الدَّقائِقِ، وأنْ لا يَغْتَرَّ بِكَلِماتِ أهْلِ الأباطِيلِ والأكاذِيبِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:115
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٥
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ في ”بابِ أمّا وإمّا“ إذا كُنْتَ آمِرًا أوْ ناهِيًا أوْ مُخْبِرًا فَهي مَفْتُوحَةٌ، وإذا كُنْتَ مُشْتَرِطًا أوْ شاكًّا أوْ مُخَيِّرًا فَهي مَكْسُورَةٌ، تَقُولُ في المَفْتُوحَةِ: أمّا اللَّهُ فاعْبُدُوهُ، وأمّا الخَمْرُ فَلا تَشْرَبُوها، وأمّا زَيْدٌ فَقَدْ خَرَجَ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَتَقُولُ إذا كُنْتَ مُشْتَرِطًا، إمّا تُعْطِيَنَّ زَيْدًا فَإنَّهُ يَشْكُرُكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وتَقُولُ في الشَّكِّ: لا أدْرِي مَن قامَ إمّا زَيْدٌ وإمّا عَمْرٌو، وتَقُولُ في التَّخْيِيرِ: لِي بِالكُوفَةِ دارٌ فَإمّا أنْ أسْكُنَها، وإمّا أنْ أبِيعَها، والفَرْقُ بَيْنَ ”إمّا“ إذا أتَتْ لِلشَّكِّ وبَيْنَ ”أوْ“، أنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَقَدْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَدْ بَنَيْتَ كَلامَكَ عَلى اليَقِينِ ثُمَّ أدْرَكَكَ الشَّكُّ فَقُلْتَ: أوْ عَمْرٌو، فَصارَ الشَّكُّ فِيهِما جَمِيعًا. فَأوَّلُ الِاسْمَيْنِ في ”أوْ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَعْرِضُ الشَّكُّ فَتَسْتَدْرِكُ بِالِاسْمِ الآخَرِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: قامَ أخُوكَ. وتَسْكُتُ ثُمَّ تَشُكُّ فَتَقُولُ: أوْ أبُوكَ ؟ وإذا ذَكَرْتَ ”إمّا“ فَإنَّما تَبْنِي كَلامَكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الشَّكِّ، ولَيْسَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتَ إمّا عَبْدَ اللَّهِ، وتَسْكُتُ. وأمّا دُخُولُ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ وسُقُوطُها مِن قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فَقالَ الفَرّاءُ: أدْخَلَ ”أنْ“ في ”إمّا“ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ أمْرٍ بِالِاخْتِيارِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: اخْتَرْ ذا أوْ ذا، كَأنَّهم قالُوا اخْتَرْ أنْ تُلْقِيَ أوْ نُلْقِيَ، وقَوْلُهُ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ أمْرٌ بِالتَّخْيِيرِ، ألا تَرى أنَّ الأمْرَ لا يَصْلُحُ هَهُنا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ”أنْ“، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ يُرِيدُ عَصاهُ ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ أيْ ما مَعَنا مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، فَمَفْعُولُ الإلْقاءِ مَحْذُوفٌ. وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ القَوْمَ راعَوْا حُسْنَ الأدَبِ، حَيْثُ قَدَّمُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الذِّكْرِ، وقالَ أهْلُ التَّصَوُّفِ: إنَّهم لَمّا راعَوْا هَذا الأدَبَ لا جَرَمَ رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى الإيمانَ بِبَرَكَةِ رِعايَةِ هَذا الأدَبِ. ثُمَّ ذَكَرُوا ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ الإلْقاءِ مِن جانِبِهِمْ وهو قَوْلُهم: (﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ لِأنَّهم ذَكَرُوا الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ وأكَّدُوهُ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، وجَعَلُوا الخَبَرَ مَعْرِفَةً لا نَكِرَةً.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا راعَوُا الأدَبَ أوَّلًا وأظْهَرُوا ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في الِابْتِداءِ بِالإلْقاءِ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ إلْقاءَهم حِبالَهم وعِصِيَّهم مُعارَضَةٌ لِلْمُعْجِزَةِ بِالسِّحْرِ، وذَلِكَ كُفْرٌ، والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، وحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ: ألْقُوا ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أمَرَهم بِشَرْطِ أنْ يَعْلَمُوا في فِعْلِهِمْ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا أمْرَ هُناكَ، كَقَوْلِ القائِلِ مِنّا لِغَيْرِهِ: اسْقِنِي الماءَ مِنَ الجَرَّةِ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَكُونُ أمْرًا بِشَرْطِ حُصُولِ الماءِ في الجَرَّةِ، فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ فِيها ماءً فَلا أمْرَ البَتَّةَ، كَذَلِكَ هَهُنا.
الثّانِي: أنَّ القَوْمَ إنَّما جاءُوا لِإلْقاءِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ، وعَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وإنَّما وقَعَ التَّخْيِيرُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أذِنَ لَهم في التَّقْدِيمِ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ، وقِلَّةَ مُبالاةٍ بِهِمْ، وثِقَةً بِما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ والقُوَّةِ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لا يَغْلِبُها سِحْرٌ أبَدًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُرِيدُ إبْطالَ ما أتَوْا بِهِ مِنَ السِّحْرِ، وإبْطالُهُ ما كانَ يُمْكِنُ إلّا بِإقْدامِهِمْ عَلى إظْهارِهِ، فَأذِنَ لَهم في الإتْيانِ بِذَلِكَ السِّحْرِ؛ لِيُمْكِنَهُ الإقْدامُ عَلى إبْطالِهِ. ومِثالُهُ أنَّ مَن يُرِيدُ سَماعَ شُبْهَةِ مُلْحِدٍ لِيُجِيبَ عَنْها ويَكْشِفَ عَنْ ضَعْفِها وسُقُوطِها؛ يَقُولُ لَهُ: هاتِ، وقُلْ، واذْكُرْها، وبالِغْ في تَقْرِيرِها، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّهُ إذا أجابَ عَنْها بَعْدَ هَذِهِ المُبالَغَةِ
صفحة ١٦٦
فَإنَّهُ يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ ضَعْفُها وسُقُوطُها، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ واحْتَجَّ بِهِ القائِلُونَ بِأنَّ السِّحْرَ مَحْضُ التَّمْوِيهِ. قالَ القاضِي: لَوْ كانَ السِّحْرُ حَقًّا لَكانُوا قَدْ سَحَرُوا قُلُوبَهم لا أعْيُنَهم، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّهم تَخَيَّلُوا أحْوالًا عَجِيبَةً مَعَ أنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ ما كانَ عَلى وفْقِ ما تَخَيَّلُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: بَلِ المُرادُ: سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ، أيْ قَلَبُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِسَبَبِ تِلْكَ التَّمْوِيهاتِ. وقِيلَ: إنَّهم أتَوْا بِالحِبالِ والعِصِيِّ، ولَطَّخُوا تِلْكَ الحِبالَ بِالزِّئْبَقِ، وجَعَلُوا الزِّئْبَقَ في دَواخِلِ تِلْكَ العِصِيِّ، فَلَمّا أثَّرَ تَسْخِينُ الشَّمْسِ فِيها تَحَرَّكَتْ والتَوى بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وكانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا، فالنّاسُ تَخَيَّلُوا أنَّها تَتَحَرَّكُ وتَلْتَوِي بِاخْتِيارِها وقُدْرَتِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ فالمَعْنى: أنَّ العَوامَّ خافُوا مِن حَرَكاتِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ. قالَ المُبَرِّدُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرْهَبُوهم، والسِّينُ زائِدَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَدْعُوا رَهْبَةَ النّاسِ حَتّى رَهِبَهُمُ النّاسُ، وذَلِكَ بِأنْ بَعَثُوا جَماعَةً يُنادُونَ عِنْدَ إلْقاءِ ذَلِكَ: أيُّها النّاسُ احْذَرُوا ! فَهَذا هو الِاسْتِرْهابُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ خُيِّلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم حَيّاتٌ مِثْلُ عَصا مُوسى، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ ﴿أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كانَ عَلى ثِقَةٍ ويَقِينٍ مِن أنَّ القَوْمَ لَمْ يُغالِبُوهُ، وهو عالِمٌ بِأنَّ ما أتَوْا بِهِ عَلى وجْهِ المُعارَضَةِ فَهو مِن بابِ السِّحْرِ والباطِلِ، ومَعَ هَذا الجَزْمِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الخَوْفِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] .
قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الخِيفَةَ إنَّما حَصَلَتْ لِأجْلِ هَذا السَّبَبِ، بَلْ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن وُقُوعِ التَّأْخِيرِ في ظُهُورِ حُجَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سِحْرِهِمْ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ سِحْرِهِمْ: ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ رُوِيَ أنَّ السَّحَرَةَ قالُوا: قَدْ عَلِمْنا سِحْرًا لا يُطِيقُهُ سَحَرَةُ أهْلِ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ، فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ، فَمِن مُقِلٍّ ومِن مُكْثِرٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى المِقْدارِ والكَيْفِيَّةِ والعَدَدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الوَحْيِ حَقِيقَةَ الوَحْيِ. ورَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ: وألْهَمْنا مُوسى أنْ ”ألْقِ عَصاكَ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَإذا هي تَلْقَفُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿تَلْقَفُ﴾ ساكِنَةَ اللّامِ خَفِيفَةَ القافِ، والباقُونَ بِتَشْدِيدِ القافِ مَفْتُوحَةَ اللّامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ”تَلَقَّفُ“ بِتَشْدِيدِ القافِ، وعَلى هَذا الخِلافِ في طه والشُّعَراءِ. أمّا مَن خَفَّفَ فَقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: اللَّقْفُ مَصْدَرُ لَقَفْتُ الشَّيْءَ ألْقَفُهُ لَقْفًا، إذا أخَذْتَهُ فَأكَلْتَهُ أوِ ابْتَلَعْتَهُ، ورَجُلٌ لَقِفٌ سَرِيعُ الأخْذِ، وقالَ اللِّحْيانِيُّ: ومِثْلُهُ ثَقُفَ يَثْقِفُ ثَقْفًا وثَقِيفٌ كَلَقِيفٍ بَيْنَ الثَّقافَةِ واللَّقافَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَهو مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ فَأصْلُها تَتَلَقَّفُ، أدْغَمَ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.
صفحة ١٦٧
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا ألْقى مُوسى العَصا صارَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ، ثُمَّ فَتَحَتْ فَكَّها، فَكانَ ما بَيْنَ فَكَّيْها ثَمانِينَ ذِراعًا وابْتَلَعَتْ ما ألْقَوْا مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، فَلَمّا أخَذَها مُوسى صارَتْ عَصًا كَما كانَتْ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ في الحَجْمِ والمِقْدارِ أصْلًا. واعْلَمْ أنَّ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وعَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ العَظِيمَ لَمّا ابْتَلَعَتْ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ مَعَ كَثْرَتِها ثُمَّ صارَتْ عَصًا كَما كانَتْ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْدَمَ أجْسامَ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ، أوْ عَلى أنَّهُ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ تِلْكَ الأجْزاءِ وجَعَلَها ذَرّاتٍ غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ، وأذْهَبَها في الهَواءِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِذَهابِها وتَفَرُّقِها؛ وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَلا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْنى الإفْكِ في اللُّغَةِ قَلْبُ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَذِبِ إفْكٌ؛ لِأنَّهُ مَقْلُوبٌ عَنْ وجْهِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ يُرِيدُ يَكْذِبُونَ، والمَعْنى: أنَّ العَصا تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَهُ أيْ يَقْلِبُونَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويُزَوِّرُونَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَفْظَةُ ”ما“ مَوْصُولَةٌ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا هي تَلْقَفُ إفْكَهم، تَسْمِيَةً لِلْمَأْفُوكِ بِالإفْكِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ظَهَرَ. وقالَ الفَرّاءُ: فَتَبَيَّنَ الحَقُّ مِنَ السِّحْرِ. قالَ أهْلُ المَعانِي: الوُقُوعُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ بِوُجُودِهِ نازِلًا إلى مُسْتَقَرِّهِ، وسَبَبُ هَذا الظُّهُورِ أنَّ السَّحَرَةَ قالُوا: لَوْ كانَ ما صَنَعَ مُوسى سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا ولَمْ تُفْقَدْ، فَلَمّا فُقِدَتْ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وتَقْدِيرِهِ، لا لِأجْلِ السِّحْرِ، فَهَذا هو الَّذِي لِأجْلِهِ تَمَيَّزَ المُعْجِزُ عَنِ السِّحْرِ. قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ يُفِيدُ قُوَّةَ الثُّبُوتِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ فِيهِ البُطْلانُ كَما لا يَصِحُّ في الواقِعِ أنْ يَصِيرَ لا واقِعًا.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ هَذا الظُّهُورِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ !
قُلْنا: المُرادُ أنَّ مَعَ ثُبُوتِ هَذا الحَقِّ زالَتِ الأعْيانُ الَّتِي أفَكُوها وهي تِلْكَ الحِبالُ والعِصِيُّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَتِ الغَلَبَةُ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ﴾ لِأنَّهُ لا غَلَبَةَ أظْهَرُ مِن ذَلِكَ ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ لِأنَّهُ لا ذُلَّ ولا صَغارَ أعْظَمُ في حَقِّ المُبْطِلِ مِن ظُهُورِ بُطْلانِ قَوْلِهِ وحُجَّتِهِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ فِيهِ حِيلَةٌ ولا شُبْهَةٌ أصْلًا. قالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”الَّذِي“، فَيَكُونُ المَعْنى: بَطَلَ الحِبالُ والعِصِيُّ الَّذِي عَمِلُوا بِهِ السِّحْرَ، أيْ زالَ وذَهَبَ بِفِقْدانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَطَلَ عَمَلُهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:116
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٥
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ في ”بابِ أمّا وإمّا“ إذا كُنْتَ آمِرًا أوْ ناهِيًا أوْ مُخْبِرًا فَهي مَفْتُوحَةٌ، وإذا كُنْتَ مُشْتَرِطًا أوْ شاكًّا أوْ مُخَيِّرًا فَهي مَكْسُورَةٌ، تَقُولُ في المَفْتُوحَةِ: أمّا اللَّهُ فاعْبُدُوهُ، وأمّا الخَمْرُ فَلا تَشْرَبُوها، وأمّا زَيْدٌ فَقَدْ خَرَجَ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَتَقُولُ إذا كُنْتَ مُشْتَرِطًا، إمّا تُعْطِيَنَّ زَيْدًا فَإنَّهُ يَشْكُرُكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وتَقُولُ في الشَّكِّ: لا أدْرِي مَن قامَ إمّا زَيْدٌ وإمّا عَمْرٌو، وتَقُولُ في التَّخْيِيرِ: لِي بِالكُوفَةِ دارٌ فَإمّا أنْ أسْكُنَها، وإمّا أنْ أبِيعَها، والفَرْقُ بَيْنَ ”إمّا“ إذا أتَتْ لِلشَّكِّ وبَيْنَ ”أوْ“، أنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَقَدْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَدْ بَنَيْتَ كَلامَكَ عَلى اليَقِينِ ثُمَّ أدْرَكَكَ الشَّكُّ فَقُلْتَ: أوْ عَمْرٌو، فَصارَ الشَّكُّ فِيهِما جَمِيعًا. فَأوَّلُ الِاسْمَيْنِ في ”أوْ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَعْرِضُ الشَّكُّ فَتَسْتَدْرِكُ بِالِاسْمِ الآخَرِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: قامَ أخُوكَ. وتَسْكُتُ ثُمَّ تَشُكُّ فَتَقُولُ: أوْ أبُوكَ ؟ وإذا ذَكَرْتَ ”إمّا“ فَإنَّما تَبْنِي كَلامَكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الشَّكِّ، ولَيْسَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتَ إمّا عَبْدَ اللَّهِ، وتَسْكُتُ. وأمّا دُخُولُ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ وسُقُوطُها مِن قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فَقالَ الفَرّاءُ: أدْخَلَ ”أنْ“ في ”إمّا“ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ أمْرٍ بِالِاخْتِيارِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: اخْتَرْ ذا أوْ ذا، كَأنَّهم قالُوا اخْتَرْ أنْ تُلْقِيَ أوْ نُلْقِيَ، وقَوْلُهُ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ أمْرٌ بِالتَّخْيِيرِ، ألا تَرى أنَّ الأمْرَ لا يَصْلُحُ هَهُنا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ”أنْ“، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ يُرِيدُ عَصاهُ ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ أيْ ما مَعَنا مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، فَمَفْعُولُ الإلْقاءِ مَحْذُوفٌ. وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ القَوْمَ راعَوْا حُسْنَ الأدَبِ، حَيْثُ قَدَّمُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الذِّكْرِ، وقالَ أهْلُ التَّصَوُّفِ: إنَّهم لَمّا راعَوْا هَذا الأدَبَ لا جَرَمَ رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى الإيمانَ بِبَرَكَةِ رِعايَةِ هَذا الأدَبِ. ثُمَّ ذَكَرُوا ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ الإلْقاءِ مِن جانِبِهِمْ وهو قَوْلُهم: (﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ لِأنَّهم ذَكَرُوا الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ وأكَّدُوهُ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، وجَعَلُوا الخَبَرَ مَعْرِفَةً لا نَكِرَةً.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا راعَوُا الأدَبَ أوَّلًا وأظْهَرُوا ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في الِابْتِداءِ بِالإلْقاءِ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ إلْقاءَهم حِبالَهم وعِصِيَّهم مُعارَضَةٌ لِلْمُعْجِزَةِ بِالسِّحْرِ، وذَلِكَ كُفْرٌ، والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، وحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ: ألْقُوا ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أمَرَهم بِشَرْطِ أنْ يَعْلَمُوا في فِعْلِهِمْ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا أمْرَ هُناكَ، كَقَوْلِ القائِلِ مِنّا لِغَيْرِهِ: اسْقِنِي الماءَ مِنَ الجَرَّةِ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَكُونُ أمْرًا بِشَرْطِ حُصُولِ الماءِ في الجَرَّةِ، فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ فِيها ماءً فَلا أمْرَ البَتَّةَ، كَذَلِكَ هَهُنا.
الثّانِي: أنَّ القَوْمَ إنَّما جاءُوا لِإلْقاءِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ، وعَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وإنَّما وقَعَ التَّخْيِيرُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أذِنَ لَهم في التَّقْدِيمِ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ، وقِلَّةَ مُبالاةٍ بِهِمْ، وثِقَةً بِما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ والقُوَّةِ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لا يَغْلِبُها سِحْرٌ أبَدًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُرِيدُ إبْطالَ ما أتَوْا بِهِ مِنَ السِّحْرِ، وإبْطالُهُ ما كانَ يُمْكِنُ إلّا بِإقْدامِهِمْ عَلى إظْهارِهِ، فَأذِنَ لَهم في الإتْيانِ بِذَلِكَ السِّحْرِ؛ لِيُمْكِنَهُ الإقْدامُ عَلى إبْطالِهِ. ومِثالُهُ أنَّ مَن يُرِيدُ سَماعَ شُبْهَةِ مُلْحِدٍ لِيُجِيبَ عَنْها ويَكْشِفَ عَنْ ضَعْفِها وسُقُوطِها؛ يَقُولُ لَهُ: هاتِ، وقُلْ، واذْكُرْها، وبالِغْ في تَقْرِيرِها، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّهُ إذا أجابَ عَنْها بَعْدَ هَذِهِ المُبالَغَةِ
صفحة ١٦٦
فَإنَّهُ يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ ضَعْفُها وسُقُوطُها، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ واحْتَجَّ بِهِ القائِلُونَ بِأنَّ السِّحْرَ مَحْضُ التَّمْوِيهِ. قالَ القاضِي: لَوْ كانَ السِّحْرُ حَقًّا لَكانُوا قَدْ سَحَرُوا قُلُوبَهم لا أعْيُنَهم، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّهم تَخَيَّلُوا أحْوالًا عَجِيبَةً مَعَ أنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ ما كانَ عَلى وفْقِ ما تَخَيَّلُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: بَلِ المُرادُ: سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ، أيْ قَلَبُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِسَبَبِ تِلْكَ التَّمْوِيهاتِ. وقِيلَ: إنَّهم أتَوْا بِالحِبالِ والعِصِيِّ، ولَطَّخُوا تِلْكَ الحِبالَ بِالزِّئْبَقِ، وجَعَلُوا الزِّئْبَقَ في دَواخِلِ تِلْكَ العِصِيِّ، فَلَمّا أثَّرَ تَسْخِينُ الشَّمْسِ فِيها تَحَرَّكَتْ والتَوى بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وكانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا، فالنّاسُ تَخَيَّلُوا أنَّها تَتَحَرَّكُ وتَلْتَوِي بِاخْتِيارِها وقُدْرَتِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ فالمَعْنى: أنَّ العَوامَّ خافُوا مِن حَرَكاتِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ. قالَ المُبَرِّدُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرْهَبُوهم، والسِّينُ زائِدَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَدْعُوا رَهْبَةَ النّاسِ حَتّى رَهِبَهُمُ النّاسُ، وذَلِكَ بِأنْ بَعَثُوا جَماعَةً يُنادُونَ عِنْدَ إلْقاءِ ذَلِكَ: أيُّها النّاسُ احْذَرُوا ! فَهَذا هو الِاسْتِرْهابُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ خُيِّلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم حَيّاتٌ مِثْلُ عَصا مُوسى، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ ﴿أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كانَ عَلى ثِقَةٍ ويَقِينٍ مِن أنَّ القَوْمَ لَمْ يُغالِبُوهُ، وهو عالِمٌ بِأنَّ ما أتَوْا بِهِ عَلى وجْهِ المُعارَضَةِ فَهو مِن بابِ السِّحْرِ والباطِلِ، ومَعَ هَذا الجَزْمِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الخَوْفِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] .
قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الخِيفَةَ إنَّما حَصَلَتْ لِأجْلِ هَذا السَّبَبِ، بَلْ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن وُقُوعِ التَّأْخِيرِ في ظُهُورِ حُجَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سِحْرِهِمْ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ سِحْرِهِمْ: ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ رُوِيَ أنَّ السَّحَرَةَ قالُوا: قَدْ عَلِمْنا سِحْرًا لا يُطِيقُهُ سَحَرَةُ أهْلِ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ، فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ، فَمِن مُقِلٍّ ومِن مُكْثِرٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى المِقْدارِ والكَيْفِيَّةِ والعَدَدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الوَحْيِ حَقِيقَةَ الوَحْيِ. ورَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ: وألْهَمْنا مُوسى أنْ ”ألْقِ عَصاكَ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَإذا هي تَلْقَفُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿تَلْقَفُ﴾ ساكِنَةَ اللّامِ خَفِيفَةَ القافِ، والباقُونَ بِتَشْدِيدِ القافِ مَفْتُوحَةَ اللّامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ”تَلَقَّفُ“ بِتَشْدِيدِ القافِ، وعَلى هَذا الخِلافِ في طه والشُّعَراءِ. أمّا مَن خَفَّفَ فَقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: اللَّقْفُ مَصْدَرُ لَقَفْتُ الشَّيْءَ ألْقَفُهُ لَقْفًا، إذا أخَذْتَهُ فَأكَلْتَهُ أوِ ابْتَلَعْتَهُ، ورَجُلٌ لَقِفٌ سَرِيعُ الأخْذِ، وقالَ اللِّحْيانِيُّ: ومِثْلُهُ ثَقُفَ يَثْقِفُ ثَقْفًا وثَقِيفٌ كَلَقِيفٍ بَيْنَ الثَّقافَةِ واللَّقافَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَهو مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ فَأصْلُها تَتَلَقَّفُ، أدْغَمَ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.
صفحة ١٦٧
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا ألْقى مُوسى العَصا صارَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ، ثُمَّ فَتَحَتْ فَكَّها، فَكانَ ما بَيْنَ فَكَّيْها ثَمانِينَ ذِراعًا وابْتَلَعَتْ ما ألْقَوْا مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، فَلَمّا أخَذَها مُوسى صارَتْ عَصًا كَما كانَتْ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ في الحَجْمِ والمِقْدارِ أصْلًا. واعْلَمْ أنَّ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وعَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ العَظِيمَ لَمّا ابْتَلَعَتْ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ مَعَ كَثْرَتِها ثُمَّ صارَتْ عَصًا كَما كانَتْ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْدَمَ أجْسامَ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ، أوْ عَلى أنَّهُ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ تِلْكَ الأجْزاءِ وجَعَلَها ذَرّاتٍ غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ، وأذْهَبَها في الهَواءِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِذَهابِها وتَفَرُّقِها؛ وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَلا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْنى الإفْكِ في اللُّغَةِ قَلْبُ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَذِبِ إفْكٌ؛ لِأنَّهُ مَقْلُوبٌ عَنْ وجْهِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ يُرِيدُ يَكْذِبُونَ، والمَعْنى: أنَّ العَصا تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَهُ أيْ يَقْلِبُونَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويُزَوِّرُونَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَفْظَةُ ”ما“ مَوْصُولَةٌ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا هي تَلْقَفُ إفْكَهم، تَسْمِيَةً لِلْمَأْفُوكِ بِالإفْكِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ظَهَرَ. وقالَ الفَرّاءُ: فَتَبَيَّنَ الحَقُّ مِنَ السِّحْرِ. قالَ أهْلُ المَعانِي: الوُقُوعُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ بِوُجُودِهِ نازِلًا إلى مُسْتَقَرِّهِ، وسَبَبُ هَذا الظُّهُورِ أنَّ السَّحَرَةَ قالُوا: لَوْ كانَ ما صَنَعَ مُوسى سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا ولَمْ تُفْقَدْ، فَلَمّا فُقِدَتْ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وتَقْدِيرِهِ، لا لِأجْلِ السِّحْرِ، فَهَذا هو الَّذِي لِأجْلِهِ تَمَيَّزَ المُعْجِزُ عَنِ السِّحْرِ. قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ يُفِيدُ قُوَّةَ الثُّبُوتِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ فِيهِ البُطْلانُ كَما لا يَصِحُّ في الواقِعِ أنْ يَصِيرَ لا واقِعًا.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ هَذا الظُّهُورِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ !
قُلْنا: المُرادُ أنَّ مَعَ ثُبُوتِ هَذا الحَقِّ زالَتِ الأعْيانُ الَّتِي أفَكُوها وهي تِلْكَ الحِبالُ والعِصِيُّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَتِ الغَلَبَةُ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ﴾ لِأنَّهُ لا غَلَبَةَ أظْهَرُ مِن ذَلِكَ ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ لِأنَّهُ لا ذُلَّ ولا صَغارَ أعْظَمُ في حَقِّ المُبْطِلِ مِن ظُهُورِ بُطْلانِ قَوْلِهِ وحُجَّتِهِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ فِيهِ حِيلَةٌ ولا شُبْهَةٌ أصْلًا. قالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”الَّذِي“، فَيَكُونُ المَعْنى: بَطَلَ الحِبالُ والعِصِيُّ الَّذِي عَمِلُوا بِهِ السِّحْرَ، أيْ زالَ وذَهَبَ بِفِقْدانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَطَلَ عَمَلُهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:117
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٥
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ في ”بابِ أمّا وإمّا“ إذا كُنْتَ آمِرًا أوْ ناهِيًا أوْ مُخْبِرًا فَهي مَفْتُوحَةٌ، وإذا كُنْتَ مُشْتَرِطًا أوْ شاكًّا أوْ مُخَيِّرًا فَهي مَكْسُورَةٌ، تَقُولُ في المَفْتُوحَةِ: أمّا اللَّهُ فاعْبُدُوهُ، وأمّا الخَمْرُ فَلا تَشْرَبُوها، وأمّا زَيْدٌ فَقَدْ خَرَجَ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَتَقُولُ إذا كُنْتَ مُشْتَرِطًا، إمّا تُعْطِيَنَّ زَيْدًا فَإنَّهُ يَشْكُرُكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وتَقُولُ في الشَّكِّ: لا أدْرِي مَن قامَ إمّا زَيْدٌ وإمّا عَمْرٌو، وتَقُولُ في التَّخْيِيرِ: لِي بِالكُوفَةِ دارٌ فَإمّا أنْ أسْكُنَها، وإمّا أنْ أبِيعَها، والفَرْقُ بَيْنَ ”إمّا“ إذا أتَتْ لِلشَّكِّ وبَيْنَ ”أوْ“، أنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَقَدْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَدْ بَنَيْتَ كَلامَكَ عَلى اليَقِينِ ثُمَّ أدْرَكَكَ الشَّكُّ فَقُلْتَ: أوْ عَمْرٌو، فَصارَ الشَّكُّ فِيهِما جَمِيعًا. فَأوَّلُ الِاسْمَيْنِ في ”أوْ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَعْرِضُ الشَّكُّ فَتَسْتَدْرِكُ بِالِاسْمِ الآخَرِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: قامَ أخُوكَ. وتَسْكُتُ ثُمَّ تَشُكُّ فَتَقُولُ: أوْ أبُوكَ ؟ وإذا ذَكَرْتَ ”إمّا“ فَإنَّما تَبْنِي كَلامَكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الشَّكِّ، ولَيْسَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتَ إمّا عَبْدَ اللَّهِ، وتَسْكُتُ. وأمّا دُخُولُ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ وسُقُوطُها مِن قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فَقالَ الفَرّاءُ: أدْخَلَ ”أنْ“ في ”إمّا“ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ أمْرٍ بِالِاخْتِيارِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: اخْتَرْ ذا أوْ ذا، كَأنَّهم قالُوا اخْتَرْ أنْ تُلْقِيَ أوْ نُلْقِيَ، وقَوْلُهُ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ أمْرٌ بِالتَّخْيِيرِ، ألا تَرى أنَّ الأمْرَ لا يَصْلُحُ هَهُنا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ”أنْ“، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ يُرِيدُ عَصاهُ ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ أيْ ما مَعَنا مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، فَمَفْعُولُ الإلْقاءِ مَحْذُوفٌ. وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ القَوْمَ راعَوْا حُسْنَ الأدَبِ، حَيْثُ قَدَّمُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الذِّكْرِ، وقالَ أهْلُ التَّصَوُّفِ: إنَّهم لَمّا راعَوْا هَذا الأدَبَ لا جَرَمَ رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى الإيمانَ بِبَرَكَةِ رِعايَةِ هَذا الأدَبِ. ثُمَّ ذَكَرُوا ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ الإلْقاءِ مِن جانِبِهِمْ وهو قَوْلُهم: (﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ لِأنَّهم ذَكَرُوا الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ وأكَّدُوهُ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، وجَعَلُوا الخَبَرَ مَعْرِفَةً لا نَكِرَةً.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا راعَوُا الأدَبَ أوَّلًا وأظْهَرُوا ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في الِابْتِداءِ بِالإلْقاءِ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ إلْقاءَهم حِبالَهم وعِصِيَّهم مُعارَضَةٌ لِلْمُعْجِزَةِ بِالسِّحْرِ، وذَلِكَ كُفْرٌ، والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، وحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ: ألْقُوا ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أمَرَهم بِشَرْطِ أنْ يَعْلَمُوا في فِعْلِهِمْ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا أمْرَ هُناكَ، كَقَوْلِ القائِلِ مِنّا لِغَيْرِهِ: اسْقِنِي الماءَ مِنَ الجَرَّةِ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَكُونُ أمْرًا بِشَرْطِ حُصُولِ الماءِ في الجَرَّةِ، فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ فِيها ماءً فَلا أمْرَ البَتَّةَ، كَذَلِكَ هَهُنا.
الثّانِي: أنَّ القَوْمَ إنَّما جاءُوا لِإلْقاءِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ، وعَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وإنَّما وقَعَ التَّخْيِيرُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أذِنَ لَهم في التَّقْدِيمِ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ، وقِلَّةَ مُبالاةٍ بِهِمْ، وثِقَةً بِما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ والقُوَّةِ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لا يَغْلِبُها سِحْرٌ أبَدًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُرِيدُ إبْطالَ ما أتَوْا بِهِ مِنَ السِّحْرِ، وإبْطالُهُ ما كانَ يُمْكِنُ إلّا بِإقْدامِهِمْ عَلى إظْهارِهِ، فَأذِنَ لَهم في الإتْيانِ بِذَلِكَ السِّحْرِ؛ لِيُمْكِنَهُ الإقْدامُ عَلى إبْطالِهِ. ومِثالُهُ أنَّ مَن يُرِيدُ سَماعَ شُبْهَةِ مُلْحِدٍ لِيُجِيبَ عَنْها ويَكْشِفَ عَنْ ضَعْفِها وسُقُوطِها؛ يَقُولُ لَهُ: هاتِ، وقُلْ، واذْكُرْها، وبالِغْ في تَقْرِيرِها، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّهُ إذا أجابَ عَنْها بَعْدَ هَذِهِ المُبالَغَةِ
صفحة ١٦٦
فَإنَّهُ يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ ضَعْفُها وسُقُوطُها، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ واحْتَجَّ بِهِ القائِلُونَ بِأنَّ السِّحْرَ مَحْضُ التَّمْوِيهِ. قالَ القاضِي: لَوْ كانَ السِّحْرُ حَقًّا لَكانُوا قَدْ سَحَرُوا قُلُوبَهم لا أعْيُنَهم، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّهم تَخَيَّلُوا أحْوالًا عَجِيبَةً مَعَ أنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ ما كانَ عَلى وفْقِ ما تَخَيَّلُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: بَلِ المُرادُ: سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ، أيْ قَلَبُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِسَبَبِ تِلْكَ التَّمْوِيهاتِ. وقِيلَ: إنَّهم أتَوْا بِالحِبالِ والعِصِيِّ، ولَطَّخُوا تِلْكَ الحِبالَ بِالزِّئْبَقِ، وجَعَلُوا الزِّئْبَقَ في دَواخِلِ تِلْكَ العِصِيِّ، فَلَمّا أثَّرَ تَسْخِينُ الشَّمْسِ فِيها تَحَرَّكَتْ والتَوى بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وكانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا، فالنّاسُ تَخَيَّلُوا أنَّها تَتَحَرَّكُ وتَلْتَوِي بِاخْتِيارِها وقُدْرَتِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ فالمَعْنى: أنَّ العَوامَّ خافُوا مِن حَرَكاتِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ. قالَ المُبَرِّدُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرْهَبُوهم، والسِّينُ زائِدَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَدْعُوا رَهْبَةَ النّاسِ حَتّى رَهِبَهُمُ النّاسُ، وذَلِكَ بِأنْ بَعَثُوا جَماعَةً يُنادُونَ عِنْدَ إلْقاءِ ذَلِكَ: أيُّها النّاسُ احْذَرُوا ! فَهَذا هو الِاسْتِرْهابُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ خُيِّلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم حَيّاتٌ مِثْلُ عَصا مُوسى، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ ﴿أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كانَ عَلى ثِقَةٍ ويَقِينٍ مِن أنَّ القَوْمَ لَمْ يُغالِبُوهُ، وهو عالِمٌ بِأنَّ ما أتَوْا بِهِ عَلى وجْهِ المُعارَضَةِ فَهو مِن بابِ السِّحْرِ والباطِلِ، ومَعَ هَذا الجَزْمِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الخَوْفِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] .
قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الخِيفَةَ إنَّما حَصَلَتْ لِأجْلِ هَذا السَّبَبِ، بَلْ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن وُقُوعِ التَّأْخِيرِ في ظُهُورِ حُجَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سِحْرِهِمْ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ سِحْرِهِمْ: ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ رُوِيَ أنَّ السَّحَرَةَ قالُوا: قَدْ عَلِمْنا سِحْرًا لا يُطِيقُهُ سَحَرَةُ أهْلِ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ، فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ، فَمِن مُقِلٍّ ومِن مُكْثِرٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى المِقْدارِ والكَيْفِيَّةِ والعَدَدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الوَحْيِ حَقِيقَةَ الوَحْيِ. ورَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ: وألْهَمْنا مُوسى أنْ ”ألْقِ عَصاكَ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَإذا هي تَلْقَفُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿تَلْقَفُ﴾ ساكِنَةَ اللّامِ خَفِيفَةَ القافِ، والباقُونَ بِتَشْدِيدِ القافِ مَفْتُوحَةَ اللّامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ”تَلَقَّفُ“ بِتَشْدِيدِ القافِ، وعَلى هَذا الخِلافِ في طه والشُّعَراءِ. أمّا مَن خَفَّفَ فَقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: اللَّقْفُ مَصْدَرُ لَقَفْتُ الشَّيْءَ ألْقَفُهُ لَقْفًا، إذا أخَذْتَهُ فَأكَلْتَهُ أوِ ابْتَلَعْتَهُ، ورَجُلٌ لَقِفٌ سَرِيعُ الأخْذِ، وقالَ اللِّحْيانِيُّ: ومِثْلُهُ ثَقُفَ يَثْقِفُ ثَقْفًا وثَقِيفٌ كَلَقِيفٍ بَيْنَ الثَّقافَةِ واللَّقافَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَهو مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ فَأصْلُها تَتَلَقَّفُ، أدْغَمَ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.
صفحة ١٦٧
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا ألْقى مُوسى العَصا صارَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ، ثُمَّ فَتَحَتْ فَكَّها، فَكانَ ما بَيْنَ فَكَّيْها ثَمانِينَ ذِراعًا وابْتَلَعَتْ ما ألْقَوْا مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، فَلَمّا أخَذَها مُوسى صارَتْ عَصًا كَما كانَتْ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ في الحَجْمِ والمِقْدارِ أصْلًا. واعْلَمْ أنَّ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وعَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ العَظِيمَ لَمّا ابْتَلَعَتْ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ مَعَ كَثْرَتِها ثُمَّ صارَتْ عَصًا كَما كانَتْ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْدَمَ أجْسامَ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ، أوْ عَلى أنَّهُ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ تِلْكَ الأجْزاءِ وجَعَلَها ذَرّاتٍ غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ، وأذْهَبَها في الهَواءِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِذَهابِها وتَفَرُّقِها؛ وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَلا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْنى الإفْكِ في اللُّغَةِ قَلْبُ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَذِبِ إفْكٌ؛ لِأنَّهُ مَقْلُوبٌ عَنْ وجْهِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ يُرِيدُ يَكْذِبُونَ، والمَعْنى: أنَّ العَصا تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَهُ أيْ يَقْلِبُونَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويُزَوِّرُونَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَفْظَةُ ”ما“ مَوْصُولَةٌ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا هي تَلْقَفُ إفْكَهم، تَسْمِيَةً لِلْمَأْفُوكِ بِالإفْكِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ظَهَرَ. وقالَ الفَرّاءُ: فَتَبَيَّنَ الحَقُّ مِنَ السِّحْرِ. قالَ أهْلُ المَعانِي: الوُقُوعُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ بِوُجُودِهِ نازِلًا إلى مُسْتَقَرِّهِ، وسَبَبُ هَذا الظُّهُورِ أنَّ السَّحَرَةَ قالُوا: لَوْ كانَ ما صَنَعَ مُوسى سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا ولَمْ تُفْقَدْ، فَلَمّا فُقِدَتْ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وتَقْدِيرِهِ، لا لِأجْلِ السِّحْرِ، فَهَذا هو الَّذِي لِأجْلِهِ تَمَيَّزَ المُعْجِزُ عَنِ السِّحْرِ. قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ يُفِيدُ قُوَّةَ الثُّبُوتِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ فِيهِ البُطْلانُ كَما لا يَصِحُّ في الواقِعِ أنْ يَصِيرَ لا واقِعًا.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ هَذا الظُّهُورِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ !
قُلْنا: المُرادُ أنَّ مَعَ ثُبُوتِ هَذا الحَقِّ زالَتِ الأعْيانُ الَّتِي أفَكُوها وهي تِلْكَ الحِبالُ والعِصِيُّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَتِ الغَلَبَةُ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ﴾ لِأنَّهُ لا غَلَبَةَ أظْهَرُ مِن ذَلِكَ ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ لِأنَّهُ لا ذُلَّ ولا صَغارَ أعْظَمُ في حَقِّ المُبْطِلِ مِن ظُهُورِ بُطْلانِ قَوْلِهِ وحُجَّتِهِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ فِيهِ حِيلَةٌ ولا شُبْهَةٌ أصْلًا. قالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”الَّذِي“، فَيَكُونُ المَعْنى: بَطَلَ الحِبالُ والعِصِيُّ الَّذِي عَمِلُوا بِهِ السِّحْرَ، أيْ زالَ وذَهَبَ بِفِقْدانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَطَلَ عَمَلُهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:118
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٥
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ في ”بابِ أمّا وإمّا“ إذا كُنْتَ آمِرًا أوْ ناهِيًا أوْ مُخْبِرًا فَهي مَفْتُوحَةٌ، وإذا كُنْتَ مُشْتَرِطًا أوْ شاكًّا أوْ مُخَيِّرًا فَهي مَكْسُورَةٌ، تَقُولُ في المَفْتُوحَةِ: أمّا اللَّهُ فاعْبُدُوهُ، وأمّا الخَمْرُ فَلا تَشْرَبُوها، وأمّا زَيْدٌ فَقَدْ خَرَجَ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَتَقُولُ إذا كُنْتَ مُشْتَرِطًا، إمّا تُعْطِيَنَّ زَيْدًا فَإنَّهُ يَشْكُرُكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وتَقُولُ في الشَّكِّ: لا أدْرِي مَن قامَ إمّا زَيْدٌ وإمّا عَمْرٌو، وتَقُولُ في التَّخْيِيرِ: لِي بِالكُوفَةِ دارٌ فَإمّا أنْ أسْكُنَها، وإمّا أنْ أبِيعَها، والفَرْقُ بَيْنَ ”إمّا“ إذا أتَتْ لِلشَّكِّ وبَيْنَ ”أوْ“، أنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَقَدْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَدْ بَنَيْتَ كَلامَكَ عَلى اليَقِينِ ثُمَّ أدْرَكَكَ الشَّكُّ فَقُلْتَ: أوْ عَمْرٌو، فَصارَ الشَّكُّ فِيهِما جَمِيعًا. فَأوَّلُ الِاسْمَيْنِ في ”أوْ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَعْرِضُ الشَّكُّ فَتَسْتَدْرِكُ بِالِاسْمِ الآخَرِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: قامَ أخُوكَ. وتَسْكُتُ ثُمَّ تَشُكُّ فَتَقُولُ: أوْ أبُوكَ ؟ وإذا ذَكَرْتَ ”إمّا“ فَإنَّما تَبْنِي كَلامَكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الشَّكِّ، ولَيْسَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتَ إمّا عَبْدَ اللَّهِ، وتَسْكُتُ. وأمّا دُخُولُ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ وسُقُوطُها مِن قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فَقالَ الفَرّاءُ: أدْخَلَ ”أنْ“ في ”إمّا“ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ أمْرٍ بِالِاخْتِيارِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: اخْتَرْ ذا أوْ ذا، كَأنَّهم قالُوا اخْتَرْ أنْ تُلْقِيَ أوْ نُلْقِيَ، وقَوْلُهُ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ أمْرٌ بِالتَّخْيِيرِ، ألا تَرى أنَّ الأمْرَ لا يَصْلُحُ هَهُنا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ”أنْ“، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ يُرِيدُ عَصاهُ ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ أيْ ما مَعَنا مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، فَمَفْعُولُ الإلْقاءِ مَحْذُوفٌ. وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ القَوْمَ راعَوْا حُسْنَ الأدَبِ، حَيْثُ قَدَّمُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الذِّكْرِ، وقالَ أهْلُ التَّصَوُّفِ: إنَّهم لَمّا راعَوْا هَذا الأدَبَ لا جَرَمَ رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى الإيمانَ بِبَرَكَةِ رِعايَةِ هَذا الأدَبِ. ثُمَّ ذَكَرُوا ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ الإلْقاءِ مِن جانِبِهِمْ وهو قَوْلُهم: (﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ لِأنَّهم ذَكَرُوا الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ وأكَّدُوهُ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، وجَعَلُوا الخَبَرَ مَعْرِفَةً لا نَكِرَةً.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا راعَوُا الأدَبَ أوَّلًا وأظْهَرُوا ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في الِابْتِداءِ بِالإلْقاءِ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ إلْقاءَهم حِبالَهم وعِصِيَّهم مُعارَضَةٌ لِلْمُعْجِزَةِ بِالسِّحْرِ، وذَلِكَ كُفْرٌ، والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، وحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ: ألْقُوا ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أمَرَهم بِشَرْطِ أنْ يَعْلَمُوا في فِعْلِهِمْ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا أمْرَ هُناكَ، كَقَوْلِ القائِلِ مِنّا لِغَيْرِهِ: اسْقِنِي الماءَ مِنَ الجَرَّةِ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَكُونُ أمْرًا بِشَرْطِ حُصُولِ الماءِ في الجَرَّةِ، فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ فِيها ماءً فَلا أمْرَ البَتَّةَ، كَذَلِكَ هَهُنا.
الثّانِي: أنَّ القَوْمَ إنَّما جاءُوا لِإلْقاءِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ، وعَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وإنَّما وقَعَ التَّخْيِيرُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أذِنَ لَهم في التَّقْدِيمِ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ، وقِلَّةَ مُبالاةٍ بِهِمْ، وثِقَةً بِما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ والقُوَّةِ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لا يَغْلِبُها سِحْرٌ أبَدًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُرِيدُ إبْطالَ ما أتَوْا بِهِ مِنَ السِّحْرِ، وإبْطالُهُ ما كانَ يُمْكِنُ إلّا بِإقْدامِهِمْ عَلى إظْهارِهِ، فَأذِنَ لَهم في الإتْيانِ بِذَلِكَ السِّحْرِ؛ لِيُمْكِنَهُ الإقْدامُ عَلى إبْطالِهِ. ومِثالُهُ أنَّ مَن يُرِيدُ سَماعَ شُبْهَةِ مُلْحِدٍ لِيُجِيبَ عَنْها ويَكْشِفَ عَنْ ضَعْفِها وسُقُوطِها؛ يَقُولُ لَهُ: هاتِ، وقُلْ، واذْكُرْها، وبالِغْ في تَقْرِيرِها، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّهُ إذا أجابَ عَنْها بَعْدَ هَذِهِ المُبالَغَةِ
صفحة ١٦٦
فَإنَّهُ يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ ضَعْفُها وسُقُوطُها، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ واحْتَجَّ بِهِ القائِلُونَ بِأنَّ السِّحْرَ مَحْضُ التَّمْوِيهِ. قالَ القاضِي: لَوْ كانَ السِّحْرُ حَقًّا لَكانُوا قَدْ سَحَرُوا قُلُوبَهم لا أعْيُنَهم، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّهم تَخَيَّلُوا أحْوالًا عَجِيبَةً مَعَ أنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ ما كانَ عَلى وفْقِ ما تَخَيَّلُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: بَلِ المُرادُ: سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ، أيْ قَلَبُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِسَبَبِ تِلْكَ التَّمْوِيهاتِ. وقِيلَ: إنَّهم أتَوْا بِالحِبالِ والعِصِيِّ، ولَطَّخُوا تِلْكَ الحِبالَ بِالزِّئْبَقِ، وجَعَلُوا الزِّئْبَقَ في دَواخِلِ تِلْكَ العِصِيِّ، فَلَمّا أثَّرَ تَسْخِينُ الشَّمْسِ فِيها تَحَرَّكَتْ والتَوى بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وكانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا، فالنّاسُ تَخَيَّلُوا أنَّها تَتَحَرَّكُ وتَلْتَوِي بِاخْتِيارِها وقُدْرَتِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ فالمَعْنى: أنَّ العَوامَّ خافُوا مِن حَرَكاتِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ. قالَ المُبَرِّدُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرْهَبُوهم، والسِّينُ زائِدَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَدْعُوا رَهْبَةَ النّاسِ حَتّى رَهِبَهُمُ النّاسُ، وذَلِكَ بِأنْ بَعَثُوا جَماعَةً يُنادُونَ عِنْدَ إلْقاءِ ذَلِكَ: أيُّها النّاسُ احْذَرُوا ! فَهَذا هو الِاسْتِرْهابُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ خُيِّلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم حَيّاتٌ مِثْلُ عَصا مُوسى، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ ﴿أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كانَ عَلى ثِقَةٍ ويَقِينٍ مِن أنَّ القَوْمَ لَمْ يُغالِبُوهُ، وهو عالِمٌ بِأنَّ ما أتَوْا بِهِ عَلى وجْهِ المُعارَضَةِ فَهو مِن بابِ السِّحْرِ والباطِلِ، ومَعَ هَذا الجَزْمِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الخَوْفِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] .
قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الخِيفَةَ إنَّما حَصَلَتْ لِأجْلِ هَذا السَّبَبِ، بَلْ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن وُقُوعِ التَّأْخِيرِ في ظُهُورِ حُجَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سِحْرِهِمْ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ سِحْرِهِمْ: ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ رُوِيَ أنَّ السَّحَرَةَ قالُوا: قَدْ عَلِمْنا سِحْرًا لا يُطِيقُهُ سَحَرَةُ أهْلِ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ، فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ، فَمِن مُقِلٍّ ومِن مُكْثِرٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى المِقْدارِ والكَيْفِيَّةِ والعَدَدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الوَحْيِ حَقِيقَةَ الوَحْيِ. ورَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ: وألْهَمْنا مُوسى أنْ ”ألْقِ عَصاكَ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَإذا هي تَلْقَفُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿تَلْقَفُ﴾ ساكِنَةَ اللّامِ خَفِيفَةَ القافِ، والباقُونَ بِتَشْدِيدِ القافِ مَفْتُوحَةَ اللّامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ”تَلَقَّفُ“ بِتَشْدِيدِ القافِ، وعَلى هَذا الخِلافِ في طه والشُّعَراءِ. أمّا مَن خَفَّفَ فَقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: اللَّقْفُ مَصْدَرُ لَقَفْتُ الشَّيْءَ ألْقَفُهُ لَقْفًا، إذا أخَذْتَهُ فَأكَلْتَهُ أوِ ابْتَلَعْتَهُ، ورَجُلٌ لَقِفٌ سَرِيعُ الأخْذِ، وقالَ اللِّحْيانِيُّ: ومِثْلُهُ ثَقُفَ يَثْقِفُ ثَقْفًا وثَقِيفٌ كَلَقِيفٍ بَيْنَ الثَّقافَةِ واللَّقافَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَهو مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ فَأصْلُها تَتَلَقَّفُ، أدْغَمَ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.
صفحة ١٦٧
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا ألْقى مُوسى العَصا صارَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ، ثُمَّ فَتَحَتْ فَكَّها، فَكانَ ما بَيْنَ فَكَّيْها ثَمانِينَ ذِراعًا وابْتَلَعَتْ ما ألْقَوْا مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، فَلَمّا أخَذَها مُوسى صارَتْ عَصًا كَما كانَتْ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ في الحَجْمِ والمِقْدارِ أصْلًا. واعْلَمْ أنَّ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وعَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ العَظِيمَ لَمّا ابْتَلَعَتْ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ مَعَ كَثْرَتِها ثُمَّ صارَتْ عَصًا كَما كانَتْ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْدَمَ أجْسامَ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ، أوْ عَلى أنَّهُ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ تِلْكَ الأجْزاءِ وجَعَلَها ذَرّاتٍ غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ، وأذْهَبَها في الهَواءِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِذَهابِها وتَفَرُّقِها؛ وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَلا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْنى الإفْكِ في اللُّغَةِ قَلْبُ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَذِبِ إفْكٌ؛ لِأنَّهُ مَقْلُوبٌ عَنْ وجْهِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ يُرِيدُ يَكْذِبُونَ، والمَعْنى: أنَّ العَصا تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَهُ أيْ يَقْلِبُونَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويُزَوِّرُونَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَفْظَةُ ”ما“ مَوْصُولَةٌ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا هي تَلْقَفُ إفْكَهم، تَسْمِيَةً لِلْمَأْفُوكِ بِالإفْكِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ظَهَرَ. وقالَ الفَرّاءُ: فَتَبَيَّنَ الحَقُّ مِنَ السِّحْرِ. قالَ أهْلُ المَعانِي: الوُقُوعُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ بِوُجُودِهِ نازِلًا إلى مُسْتَقَرِّهِ، وسَبَبُ هَذا الظُّهُورِ أنَّ السَّحَرَةَ قالُوا: لَوْ كانَ ما صَنَعَ مُوسى سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا ولَمْ تُفْقَدْ، فَلَمّا فُقِدَتْ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وتَقْدِيرِهِ، لا لِأجْلِ السِّحْرِ، فَهَذا هو الَّذِي لِأجْلِهِ تَمَيَّزَ المُعْجِزُ عَنِ السِّحْرِ. قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ يُفِيدُ قُوَّةَ الثُّبُوتِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ فِيهِ البُطْلانُ كَما لا يَصِحُّ في الواقِعِ أنْ يَصِيرَ لا واقِعًا.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ هَذا الظُّهُورِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ !
قُلْنا: المُرادُ أنَّ مَعَ ثُبُوتِ هَذا الحَقِّ زالَتِ الأعْيانُ الَّتِي أفَكُوها وهي تِلْكَ الحِبالُ والعِصِيُّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَتِ الغَلَبَةُ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ﴾ لِأنَّهُ لا غَلَبَةَ أظْهَرُ مِن ذَلِكَ ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ لِأنَّهُ لا ذُلَّ ولا صَغارَ أعْظَمُ في حَقِّ المُبْطِلِ مِن ظُهُورِ بُطْلانِ قَوْلِهِ وحُجَّتِهِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ فِيهِ حِيلَةٌ ولا شُبْهَةٌ أصْلًا. قالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”الَّذِي“، فَيَكُونُ المَعْنى: بَطَلَ الحِبالُ والعِصِيُّ الَّذِي عَمِلُوا بِهِ السِّحْرَ، أيْ زالَ وذَهَبَ بِفِقْدانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَطَلَ عَمَلُهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:119
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٥
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ في ”بابِ أمّا وإمّا“ إذا كُنْتَ آمِرًا أوْ ناهِيًا أوْ مُخْبِرًا فَهي مَفْتُوحَةٌ، وإذا كُنْتَ مُشْتَرِطًا أوْ شاكًّا أوْ مُخَيِّرًا فَهي مَكْسُورَةٌ، تَقُولُ في المَفْتُوحَةِ: أمّا اللَّهُ فاعْبُدُوهُ، وأمّا الخَمْرُ فَلا تَشْرَبُوها، وأمّا زَيْدٌ فَقَدْ خَرَجَ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَتَقُولُ إذا كُنْتَ مُشْتَرِطًا، إمّا تُعْطِيَنَّ زَيْدًا فَإنَّهُ يَشْكُرُكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وتَقُولُ في الشَّكِّ: لا أدْرِي مَن قامَ إمّا زَيْدٌ وإمّا عَمْرٌو، وتَقُولُ في التَّخْيِيرِ: لِي بِالكُوفَةِ دارٌ فَإمّا أنْ أسْكُنَها، وإمّا أنْ أبِيعَها، والفَرْقُ بَيْنَ ”إمّا“ إذا أتَتْ لِلشَّكِّ وبَيْنَ ”أوْ“، أنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَقَدْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَدْ بَنَيْتَ كَلامَكَ عَلى اليَقِينِ ثُمَّ أدْرَكَكَ الشَّكُّ فَقُلْتَ: أوْ عَمْرٌو، فَصارَ الشَّكُّ فِيهِما جَمِيعًا. فَأوَّلُ الِاسْمَيْنِ في ”أوْ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَعْرِضُ الشَّكُّ فَتَسْتَدْرِكُ بِالِاسْمِ الآخَرِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: قامَ أخُوكَ. وتَسْكُتُ ثُمَّ تَشُكُّ فَتَقُولُ: أوْ أبُوكَ ؟ وإذا ذَكَرْتَ ”إمّا“ فَإنَّما تَبْنِي كَلامَكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الشَّكِّ، ولَيْسَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتَ إمّا عَبْدَ اللَّهِ، وتَسْكُتُ. وأمّا دُخُولُ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ وسُقُوطُها مِن قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فَقالَ الفَرّاءُ: أدْخَلَ ”أنْ“ في ”إمّا“ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ أمْرٍ بِالِاخْتِيارِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: اخْتَرْ ذا أوْ ذا، كَأنَّهم قالُوا اخْتَرْ أنْ تُلْقِيَ أوْ نُلْقِيَ، وقَوْلُهُ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ أمْرٌ بِالتَّخْيِيرِ، ألا تَرى أنَّ الأمْرَ لا يَصْلُحُ هَهُنا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ”أنْ“، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ يُرِيدُ عَصاهُ ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ أيْ ما مَعَنا مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، فَمَفْعُولُ الإلْقاءِ مَحْذُوفٌ. وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ القَوْمَ راعَوْا حُسْنَ الأدَبِ، حَيْثُ قَدَّمُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الذِّكْرِ، وقالَ أهْلُ التَّصَوُّفِ: إنَّهم لَمّا راعَوْا هَذا الأدَبَ لا جَرَمَ رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى الإيمانَ بِبَرَكَةِ رِعايَةِ هَذا الأدَبِ. ثُمَّ ذَكَرُوا ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ الإلْقاءِ مِن جانِبِهِمْ وهو قَوْلُهم: (﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ لِأنَّهم ذَكَرُوا الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ وأكَّدُوهُ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، وجَعَلُوا الخَبَرَ مَعْرِفَةً لا نَكِرَةً.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا راعَوُا الأدَبَ أوَّلًا وأظْهَرُوا ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في الِابْتِداءِ بِالإلْقاءِ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ إلْقاءَهم حِبالَهم وعِصِيَّهم مُعارَضَةٌ لِلْمُعْجِزَةِ بِالسِّحْرِ، وذَلِكَ كُفْرٌ، والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، وحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ: ألْقُوا ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أمَرَهم بِشَرْطِ أنْ يَعْلَمُوا في فِعْلِهِمْ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا أمْرَ هُناكَ، كَقَوْلِ القائِلِ مِنّا لِغَيْرِهِ: اسْقِنِي الماءَ مِنَ الجَرَّةِ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَكُونُ أمْرًا بِشَرْطِ حُصُولِ الماءِ في الجَرَّةِ، فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ فِيها ماءً فَلا أمْرَ البَتَّةَ، كَذَلِكَ هَهُنا.
الثّانِي: أنَّ القَوْمَ إنَّما جاءُوا لِإلْقاءِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ، وعَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وإنَّما وقَعَ التَّخْيِيرُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أذِنَ لَهم في التَّقْدِيمِ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ، وقِلَّةَ مُبالاةٍ بِهِمْ، وثِقَةً بِما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ والقُوَّةِ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لا يَغْلِبُها سِحْرٌ أبَدًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُرِيدُ إبْطالَ ما أتَوْا بِهِ مِنَ السِّحْرِ، وإبْطالُهُ ما كانَ يُمْكِنُ إلّا بِإقْدامِهِمْ عَلى إظْهارِهِ، فَأذِنَ لَهم في الإتْيانِ بِذَلِكَ السِّحْرِ؛ لِيُمْكِنَهُ الإقْدامُ عَلى إبْطالِهِ. ومِثالُهُ أنَّ مَن يُرِيدُ سَماعَ شُبْهَةِ مُلْحِدٍ لِيُجِيبَ عَنْها ويَكْشِفَ عَنْ ضَعْفِها وسُقُوطِها؛ يَقُولُ لَهُ: هاتِ، وقُلْ، واذْكُرْها، وبالِغْ في تَقْرِيرِها، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّهُ إذا أجابَ عَنْها بَعْدَ هَذِهِ المُبالَغَةِ
صفحة ١٦٦
فَإنَّهُ يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ ضَعْفُها وسُقُوطُها، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ واحْتَجَّ بِهِ القائِلُونَ بِأنَّ السِّحْرَ مَحْضُ التَّمْوِيهِ. قالَ القاضِي: لَوْ كانَ السِّحْرُ حَقًّا لَكانُوا قَدْ سَحَرُوا قُلُوبَهم لا أعْيُنَهم، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّهم تَخَيَّلُوا أحْوالًا عَجِيبَةً مَعَ أنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ ما كانَ عَلى وفْقِ ما تَخَيَّلُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: بَلِ المُرادُ: سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ، أيْ قَلَبُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِسَبَبِ تِلْكَ التَّمْوِيهاتِ. وقِيلَ: إنَّهم أتَوْا بِالحِبالِ والعِصِيِّ، ولَطَّخُوا تِلْكَ الحِبالَ بِالزِّئْبَقِ، وجَعَلُوا الزِّئْبَقَ في دَواخِلِ تِلْكَ العِصِيِّ، فَلَمّا أثَّرَ تَسْخِينُ الشَّمْسِ فِيها تَحَرَّكَتْ والتَوى بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وكانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا، فالنّاسُ تَخَيَّلُوا أنَّها تَتَحَرَّكُ وتَلْتَوِي بِاخْتِيارِها وقُدْرَتِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ فالمَعْنى: أنَّ العَوامَّ خافُوا مِن حَرَكاتِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ. قالَ المُبَرِّدُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرْهَبُوهم، والسِّينُ زائِدَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَدْعُوا رَهْبَةَ النّاسِ حَتّى رَهِبَهُمُ النّاسُ، وذَلِكَ بِأنْ بَعَثُوا جَماعَةً يُنادُونَ عِنْدَ إلْقاءِ ذَلِكَ: أيُّها النّاسُ احْذَرُوا ! فَهَذا هو الِاسْتِرْهابُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ خُيِّلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم حَيّاتٌ مِثْلُ عَصا مُوسى، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ ﴿أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كانَ عَلى ثِقَةٍ ويَقِينٍ مِن أنَّ القَوْمَ لَمْ يُغالِبُوهُ، وهو عالِمٌ بِأنَّ ما أتَوْا بِهِ عَلى وجْهِ المُعارَضَةِ فَهو مِن بابِ السِّحْرِ والباطِلِ، ومَعَ هَذا الجَزْمِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الخَوْفِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] .
قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الخِيفَةَ إنَّما حَصَلَتْ لِأجْلِ هَذا السَّبَبِ، بَلْ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن وُقُوعِ التَّأْخِيرِ في ظُهُورِ حُجَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سِحْرِهِمْ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ سِحْرِهِمْ: ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ رُوِيَ أنَّ السَّحَرَةَ قالُوا: قَدْ عَلِمْنا سِحْرًا لا يُطِيقُهُ سَحَرَةُ أهْلِ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ، فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ، فَمِن مُقِلٍّ ومِن مُكْثِرٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى المِقْدارِ والكَيْفِيَّةِ والعَدَدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الوَحْيِ حَقِيقَةَ الوَحْيِ. ورَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ: وألْهَمْنا مُوسى أنْ ”ألْقِ عَصاكَ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَإذا هي تَلْقَفُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿تَلْقَفُ﴾ ساكِنَةَ اللّامِ خَفِيفَةَ القافِ، والباقُونَ بِتَشْدِيدِ القافِ مَفْتُوحَةَ اللّامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ”تَلَقَّفُ“ بِتَشْدِيدِ القافِ، وعَلى هَذا الخِلافِ في طه والشُّعَراءِ. أمّا مَن خَفَّفَ فَقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: اللَّقْفُ مَصْدَرُ لَقَفْتُ الشَّيْءَ ألْقَفُهُ لَقْفًا، إذا أخَذْتَهُ فَأكَلْتَهُ أوِ ابْتَلَعْتَهُ، ورَجُلٌ لَقِفٌ سَرِيعُ الأخْذِ، وقالَ اللِّحْيانِيُّ: ومِثْلُهُ ثَقُفَ يَثْقِفُ ثَقْفًا وثَقِيفٌ كَلَقِيفٍ بَيْنَ الثَّقافَةِ واللَّقافَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَهو مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ فَأصْلُها تَتَلَقَّفُ، أدْغَمَ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.
صفحة ١٦٧
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا ألْقى مُوسى العَصا صارَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ، ثُمَّ فَتَحَتْ فَكَّها، فَكانَ ما بَيْنَ فَكَّيْها ثَمانِينَ ذِراعًا وابْتَلَعَتْ ما ألْقَوْا مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، فَلَمّا أخَذَها مُوسى صارَتْ عَصًا كَما كانَتْ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ في الحَجْمِ والمِقْدارِ أصْلًا. واعْلَمْ أنَّ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وعَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ العَظِيمَ لَمّا ابْتَلَعَتْ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ مَعَ كَثْرَتِها ثُمَّ صارَتْ عَصًا كَما كانَتْ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْدَمَ أجْسامَ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ، أوْ عَلى أنَّهُ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ تِلْكَ الأجْزاءِ وجَعَلَها ذَرّاتٍ غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ، وأذْهَبَها في الهَواءِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِذَهابِها وتَفَرُّقِها؛ وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَلا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْنى الإفْكِ في اللُّغَةِ قَلْبُ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَذِبِ إفْكٌ؛ لِأنَّهُ مَقْلُوبٌ عَنْ وجْهِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ يُرِيدُ يَكْذِبُونَ، والمَعْنى: أنَّ العَصا تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَهُ أيْ يَقْلِبُونَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويُزَوِّرُونَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَفْظَةُ ”ما“ مَوْصُولَةٌ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا هي تَلْقَفُ إفْكَهم، تَسْمِيَةً لِلْمَأْفُوكِ بِالإفْكِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ظَهَرَ. وقالَ الفَرّاءُ: فَتَبَيَّنَ الحَقُّ مِنَ السِّحْرِ. قالَ أهْلُ المَعانِي: الوُقُوعُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ بِوُجُودِهِ نازِلًا إلى مُسْتَقَرِّهِ، وسَبَبُ هَذا الظُّهُورِ أنَّ السَّحَرَةَ قالُوا: لَوْ كانَ ما صَنَعَ مُوسى سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا ولَمْ تُفْقَدْ، فَلَمّا فُقِدَتْ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وتَقْدِيرِهِ، لا لِأجْلِ السِّحْرِ، فَهَذا هو الَّذِي لِأجْلِهِ تَمَيَّزَ المُعْجِزُ عَنِ السِّحْرِ. قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ يُفِيدُ قُوَّةَ الثُّبُوتِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ فِيهِ البُطْلانُ كَما لا يَصِحُّ في الواقِعِ أنْ يَصِيرَ لا واقِعًا.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ هَذا الظُّهُورِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ !
قُلْنا: المُرادُ أنَّ مَعَ ثُبُوتِ هَذا الحَقِّ زالَتِ الأعْيانُ الَّتِي أفَكُوها وهي تِلْكَ الحِبالُ والعِصِيُّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَتِ الغَلَبَةُ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ﴾ لِأنَّهُ لا غَلَبَةَ أظْهَرُ مِن ذَلِكَ ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ لِأنَّهُ لا ذُلَّ ولا صَغارَ أعْظَمُ في حَقِّ المُبْطِلِ مِن ظُهُورِ بُطْلانِ قَوْلِهِ وحُجَّتِهِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ فِيهِ حِيلَةٌ ولا شُبْهَةٌ أصْلًا. قالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”الَّذِي“، فَيَكُونُ المَعْنى: بَطَلَ الحِبالُ والعِصِيُّ الَّذِي عَمِلُوا بِهِ السِّحْرَ، أيْ زالَ وذَهَبَ بِفِقْدانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَطَلَ عَمَلُهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:120
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٨
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ كانَتْ حِمْلَ ثَلاثِمِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمّا ابْتَلَعَها ثُعْبانُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ، قالَ بَعْضُ السَّحَرَةِ لِبَعْضٍ: هَذا خارِجٌ عَنِ السِّحْرِ، بَلْ هو أمْرٌ إلَهِيٌّ، فاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا عالِمِينَ بِحَقِيقَةِ السِّحْرِ واقِفِينَ عَلى مُنْتَهاهُ، فَلَمّا كانُوا كَذَلِكَ ووَجَدُوا مُعْجِزَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خارِجَةً عَنْ حَدِّ السِّحْرِ - عَلِمُوا أنَّهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الإلَهِيَّةِ، لا مِن جِنْسِ التَّمْوِيهاتِ البَشَرِيَّةِ. ولَوْ أنَّهم ما كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لَما قَدَرُوا عَلى ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَعَلَّهُ أكْمَلُ مِنّا في عِلْمِ السِّحْرِ فَقَدَرَ عَلى ما عَجَزْنا عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّهم كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ. فَلِأجْلِ كَمالِهِمْ في ذَلِكَ العِلْمِ انْتَقَلُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. فَإذا كانَ حالُ عِلْمِ السِّحْرِ كَذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِكَمالِ حالِ الإنْسانِ في عِلْمِ التَّوْحِيدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ قالُوا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ غَيْرَهم ألْقاهم ساجِدِينَ، وما ذاكَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُقاتِلٌ: ألْقاهُمُ اللَّهُ تَعالى ساجِدِينَ. وقالَ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا شاهَدُوا الآياتِ العَظِيمَةَ والمُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ، فَصارَ كَأنَّ مُلْقِيًا ألْقاهم.
الثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: مِن سُرْعَةِ ما سَجَدُوا صارُوا كَأنَّهم ألْقاهم غَيْرُهم؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ ألْقاهم مُلْقٍ إلى السُّجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ المُلْقِي هو أنْفُسُهم.
والجَوابُ: أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، وإلّا لافْتَقَرُوا في خَلْقِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ إلى داعِيَةٍ أُخْرى، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. ثُمَّ إنَّ أصْلَ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ تَصِيرُ مُوجِبَةً لِلْفِعْلِ. وخالِقُ ذَلِكَ المُوجِبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ والأثَرُ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهم صارُوا ساجِدِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ فَما الفائِدَةُ فِيهِ مَعَ أنَّ الإيمانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى السُّجُودِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا ظَفِرُوا بِالمَعْرِفَةِ سَجَدُوا لِلَّهِ تَعالى في الحالِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ السُّجُودَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى الفَوْزِ بِالمَعْرِفَةِ والإيمانِ، وعَلامَةً أيْضًا عَلى انْقِلابِهِمْ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وإظْهارِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ السُّجُودَ الواحِدَ عَلامَةً عَلى هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ.
الوَجْهُ الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنَّهم عِنْدَ الذَّهابِ إلى السُّجُودِ قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. والوَجْهُ الصَّحِيحُ هو الأوَّلُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّعْلِيمِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تَحْصُلُ إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - أنَّ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ لَمّا قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لَمْ يَتِمَّ إيمانُهم، فَلَمّا قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ تَمَّ إيمانُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا.
وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ: بِأنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ إيّايَ تَعْنُونَ ؟ فَلَمّا قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى﴾ قالَ إيّايَ تَعْنُونَ لِأنِّي أنا الَّذِي رَبَّيْتُ مُوسى ؟ فَلَمّا قالُوا: ﴿وهارُونَ﴾ زالَتِ الشُّبْهَةُ، وعَرَفَ الكُلُّ أنَّهم كَفَرُوا بِفِرْعَوْنَ وآمَنُوا بِإلَهِ السَّماءِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّهُما بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِما في جُمْلَةِ العالِمَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: آمَنّا
صفحة ١٦٩
بِرَبِّ العالَمِينَ وهو الَّذِي دَعا إلى الإيمانِ بِهِ مُوسى وهارُونُ. وقِيلَ: خَصَّهُما بِالذِّكْرِ تَفْضِيلًا وتَشْرِيفًا كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] .
الأعراف 7:121
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٨
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ كانَتْ حِمْلَ ثَلاثِمِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمّا ابْتَلَعَها ثُعْبانُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ، قالَ بَعْضُ السَّحَرَةِ لِبَعْضٍ: هَذا خارِجٌ عَنِ السِّحْرِ، بَلْ هو أمْرٌ إلَهِيٌّ، فاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا عالِمِينَ بِحَقِيقَةِ السِّحْرِ واقِفِينَ عَلى مُنْتَهاهُ، فَلَمّا كانُوا كَذَلِكَ ووَجَدُوا مُعْجِزَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خارِجَةً عَنْ حَدِّ السِّحْرِ - عَلِمُوا أنَّهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الإلَهِيَّةِ، لا مِن جِنْسِ التَّمْوِيهاتِ البَشَرِيَّةِ. ولَوْ أنَّهم ما كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لَما قَدَرُوا عَلى ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَعَلَّهُ أكْمَلُ مِنّا في عِلْمِ السِّحْرِ فَقَدَرَ عَلى ما عَجَزْنا عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّهم كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ. فَلِأجْلِ كَمالِهِمْ في ذَلِكَ العِلْمِ انْتَقَلُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. فَإذا كانَ حالُ عِلْمِ السِّحْرِ كَذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِكَمالِ حالِ الإنْسانِ في عِلْمِ التَّوْحِيدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ قالُوا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ غَيْرَهم ألْقاهم ساجِدِينَ، وما ذاكَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُقاتِلٌ: ألْقاهُمُ اللَّهُ تَعالى ساجِدِينَ. وقالَ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا شاهَدُوا الآياتِ العَظِيمَةَ والمُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ، فَصارَ كَأنَّ مُلْقِيًا ألْقاهم.
الثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: مِن سُرْعَةِ ما سَجَدُوا صارُوا كَأنَّهم ألْقاهم غَيْرُهم؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ ألْقاهم مُلْقٍ إلى السُّجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ المُلْقِي هو أنْفُسُهم.
والجَوابُ: أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، وإلّا لافْتَقَرُوا في خَلْقِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ إلى داعِيَةٍ أُخْرى، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. ثُمَّ إنَّ أصْلَ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ تَصِيرُ مُوجِبَةً لِلْفِعْلِ. وخالِقُ ذَلِكَ المُوجِبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ والأثَرُ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهم صارُوا ساجِدِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ فَما الفائِدَةُ فِيهِ مَعَ أنَّ الإيمانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى السُّجُودِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا ظَفِرُوا بِالمَعْرِفَةِ سَجَدُوا لِلَّهِ تَعالى في الحالِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ السُّجُودَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى الفَوْزِ بِالمَعْرِفَةِ والإيمانِ، وعَلامَةً أيْضًا عَلى انْقِلابِهِمْ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وإظْهارِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ السُّجُودَ الواحِدَ عَلامَةً عَلى هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ.
الوَجْهُ الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنَّهم عِنْدَ الذَّهابِ إلى السُّجُودِ قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. والوَجْهُ الصَّحِيحُ هو الأوَّلُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّعْلِيمِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تَحْصُلُ إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - أنَّ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ لَمّا قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لَمْ يَتِمَّ إيمانُهم، فَلَمّا قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ تَمَّ إيمانُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا.
وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ: بِأنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ إيّايَ تَعْنُونَ ؟ فَلَمّا قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى﴾ قالَ إيّايَ تَعْنُونَ لِأنِّي أنا الَّذِي رَبَّيْتُ مُوسى ؟ فَلَمّا قالُوا: ﴿وهارُونَ﴾ زالَتِ الشُّبْهَةُ، وعَرَفَ الكُلُّ أنَّهم كَفَرُوا بِفِرْعَوْنَ وآمَنُوا بِإلَهِ السَّماءِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّهُما بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِما في جُمْلَةِ العالِمَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: آمَنّا
صفحة ١٦٩
بِرَبِّ العالَمِينَ وهو الَّذِي دَعا إلى الإيمانِ بِهِ مُوسى وهارُونُ. وقِيلَ: خَصَّهُما بِالذِّكْرِ تَفْضِيلًا وتَشْرِيفًا كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] .
الأعراف 7:122
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٨
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ كانَتْ حِمْلَ ثَلاثِمِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمّا ابْتَلَعَها ثُعْبانُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ، قالَ بَعْضُ السَّحَرَةِ لِبَعْضٍ: هَذا خارِجٌ عَنِ السِّحْرِ، بَلْ هو أمْرٌ إلَهِيٌّ، فاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا عالِمِينَ بِحَقِيقَةِ السِّحْرِ واقِفِينَ عَلى مُنْتَهاهُ، فَلَمّا كانُوا كَذَلِكَ ووَجَدُوا مُعْجِزَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خارِجَةً عَنْ حَدِّ السِّحْرِ - عَلِمُوا أنَّهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الإلَهِيَّةِ، لا مِن جِنْسِ التَّمْوِيهاتِ البَشَرِيَّةِ. ولَوْ أنَّهم ما كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لَما قَدَرُوا عَلى ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَعَلَّهُ أكْمَلُ مِنّا في عِلْمِ السِّحْرِ فَقَدَرَ عَلى ما عَجَزْنا عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّهم كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ. فَلِأجْلِ كَمالِهِمْ في ذَلِكَ العِلْمِ انْتَقَلُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. فَإذا كانَ حالُ عِلْمِ السِّحْرِ كَذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِكَمالِ حالِ الإنْسانِ في عِلْمِ التَّوْحِيدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ قالُوا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ غَيْرَهم ألْقاهم ساجِدِينَ، وما ذاكَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُقاتِلٌ: ألْقاهُمُ اللَّهُ تَعالى ساجِدِينَ. وقالَ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا شاهَدُوا الآياتِ العَظِيمَةَ والمُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ، فَصارَ كَأنَّ مُلْقِيًا ألْقاهم.
الثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: مِن سُرْعَةِ ما سَجَدُوا صارُوا كَأنَّهم ألْقاهم غَيْرُهم؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ ألْقاهم مُلْقٍ إلى السُّجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ المُلْقِي هو أنْفُسُهم.
والجَوابُ: أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، وإلّا لافْتَقَرُوا في خَلْقِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ إلى داعِيَةٍ أُخْرى، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. ثُمَّ إنَّ أصْلَ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ تَصِيرُ مُوجِبَةً لِلْفِعْلِ. وخالِقُ ذَلِكَ المُوجِبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ والأثَرُ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهم صارُوا ساجِدِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ فَما الفائِدَةُ فِيهِ مَعَ أنَّ الإيمانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى السُّجُودِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا ظَفِرُوا بِالمَعْرِفَةِ سَجَدُوا لِلَّهِ تَعالى في الحالِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ السُّجُودَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى الفَوْزِ بِالمَعْرِفَةِ والإيمانِ، وعَلامَةً أيْضًا عَلى انْقِلابِهِمْ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وإظْهارِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ السُّجُودَ الواحِدَ عَلامَةً عَلى هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ.
الوَجْهُ الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنَّهم عِنْدَ الذَّهابِ إلى السُّجُودِ قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. والوَجْهُ الصَّحِيحُ هو الأوَّلُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّعْلِيمِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تَحْصُلُ إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - أنَّ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ لَمّا قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لَمْ يَتِمَّ إيمانُهم، فَلَمّا قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ تَمَّ إيمانُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا.
وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ: بِأنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ إيّايَ تَعْنُونَ ؟ فَلَمّا قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى﴾ قالَ إيّايَ تَعْنُونَ لِأنِّي أنا الَّذِي رَبَّيْتُ مُوسى ؟ فَلَمّا قالُوا: ﴿وهارُونَ﴾ زالَتِ الشُّبْهَةُ، وعَرَفَ الكُلُّ أنَّهم كَفَرُوا بِفِرْعَوْنَ وآمَنُوا بِإلَهِ السَّماءِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّهُما بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِما في جُمْلَةِ العالِمَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: آمَنّا
صفحة ١٦٩
بِرَبِّ العالَمِينَ وهو الَّذِي دَعا إلى الإيمانِ بِهِ مُوسى وهارُونُ. وقِيلَ: خَصَّهُما بِالذِّكْرِ تَفْضِيلًا وتَشْرِيفًا كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] .
الأعراف 7:123
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”أأمِنتُمْ“ بِهَمْزَتَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ في جَمِيعِهِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. قالَ الفَرّاءُ: أمّا قِراءَةُ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِلَفْظِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، فالوَجْهُ فِيها أنَّهُ يُخْبِرُهم بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ التَّقْرِيعِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأمّا القِراءَةُ بِالهَمْزَتَيْنِ فَأصْلُهُ ”أأمِنتُمْ“ عَلى وزْنِ أفَعِلْتُمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا رَأى أنَّ أعْلَمَ النّاسِ بِالسِّحْرِ أقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ اجْتِماعِ الخَلْقِ العَظِيمِ، خافَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً قَوِيَّةً عِنْدَ قَوْمِهِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبْهَةِ إلى أسْماعِ العَوامِّ؛ لِتَصِيرَ تِلْكَ الشُّبْهَةُ مانِعَةً لِلْقَوْمِ مِنَ اعْتِقادِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّ إيمانَ هَؤُلاءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم تَواطَئُوا مَعَ مُوسى أنَّهُ إذا كانَ كَذا وكَذا فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُقِرُّ بِنُبُوَّتِكَ، فَهَذا الإيمانُ إنَّما حَصَلَ بِهَذا الطَّرِيقِ.
والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ غَرَضَ مُوسى والسَّحَرَةِ فِيما تَواطَئُوا عَلَيْهِ إخْراجُ القَوْمِ مِنَ المَدِينَةِ وإبْطالُ مُلْكِهِمْ، ومَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ والنِّعْمَةِ المَأْلُوفَةِ مِن أصْعَبِ الأُمُورِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ اللَّعِينُ بَيْنَ الشُّبْهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا يُوجَدُ أقْوى مِنهُما في هَذا البابِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّ مُوسى وأمِيرَ السَّحَرَةِ التَقَيا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ
صفحة ١٧٠
السَّلامُ: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ، أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ الحَقُّ ؟ قالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما ويَسْمَعُ قَوْلَهُما، فَهَذا هو قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّ فِرْعَوْنَ ألْقى هَذا الكَلامَ في البَيْنِ؛ لِيَصِيرَ صارِفًا لِلْعَوامِّ عَنِ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ القاضِي: وقَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى مُناقَضَةِ فِرْعَوْنَ في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ إلَهًا لَما جازَ أنْ يَأْذَنَ لَهم في أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مَعَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وذَلِكَ مِن خِذْلانِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَظْهَرُ عَلى المُبْطِلِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ ابْتِداءُ وعِيدٍ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى هَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ، بَلْ فَسَّرَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ وقَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ مِن خِلافٍ مَعْرُوفُ المَعْنى، وهو أنْ يَقْطَعَهُما مِن جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، إمّا مِنَ اليَدِ اليُمْنى والرِّجْلِ اليُسْرى، أوْ مِنَ اليَدِ اليُسْرى والرِّجْلِ اليُمْنى، وأمّا الصَّلْبُ فَمَعْرُوفٌ. فَتَوَعَّدَهم بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ العَظِيمَيْنِ. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ. واحْتَجَّ بَعْضُهم عَلى وُقُوعِهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ ولَوْ أنَّهُ تَرَكَ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ وقَوْمَهُ أحْياءً وما قَتَلَهم لَذَكَرَهم أيْضًا، ولَحَذَّرَهم عَنِ الإفْسادِ الحاصِلِ مِن جِهَتِهِمْ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ قَوْمِهِ، فَلا وجْهَ لِإفْرادِهِمْ بِالذِّكْرِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ بَلاءٌ شَدِيدٌ عَظِيمٌ، حَتّى طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُصَبِّرَهم عَلَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى الصَّبْرَ عَلى الإيمانِ وعَدَمَ الِالتِفاتِ إلى وعِيدِهِ.
الثّالِثُ: ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وقَطَّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وهَذا هو الأظْهَرُ؛ مُبالَغَةً مِنهُ في تَحْذِيرِ القَوْمِ عَنْ قَبُولِ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِن فِرْعَوْنَ ذَلِكَ، بَلِ اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الدُّعاءَ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ لِأنَّهم سَألُوهُ تَعالى أنْ يَكُونَ تَوَفِّيهِمْ مِن جِهَتِهِ لا بِهَذا القَتْلِ والقَطْعِ. وهَذا الِاسْتِدْلالُ قَرِيبٌ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ القَوْمِ ما لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنَ المُؤْمِنِ عِنْدَ هَذا الوَعِيدِ أحْسَنُ مِنهُ، وهو قَوْلُهم لِفِرْعَوْنَ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ فَبَيَّنُوا أنَّ الَّذِي كانَ مِنهم لا يُوجِبُ الوَعِيدَ ولا إنْزالَ النِّقْمَةِ بِهِمْ، بَلْ يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ، وهو أنْ يَتَأسّى بِهِمْ في الإقْرارِ بِالحَقِّ والِاحْتِرازِ عَنِ الباطِلِ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ. يُقالُ: نَقَمْتُ أنْقِمُ إذا بالَغْتَ في كَراهِيَةِ الشَّيْءِ، وقَدْ مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ [المائدة: ٥٩] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: ما أتَيْنا بِذَنْبٍ تُعَذِّبُنا عَلَيْهِ إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا. والمُرادُ: ما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِها إلّا اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالُوا: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ مَعْنى الإفْراغِ في اللُّغَةِ: الصَّبُّ. يُقالُ: دِرْهَمٌ مُفْرَغٌ إذا كانَ مَصْبُوبًا في قالَبِهِ ولَيْسَ بِمَضْرُوبٍ، وأصْلُهُ مِن إفْراغِ الإناءِ وهو صَبُّ ما فِيهِ حَتّى يَخْلُوَ الإناءُ وهو مِنَ الفَراغِ، فاسْتُعْمِلَ في الصَّبْرِ عَلى التَّشْبِيهِ بِحالِ إفْراغِ الإناءِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: صُبَّ عَلَيْنا الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّلْبِ والقَطْعِ. وفي الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: أنْزِلْ عَلَيْنا صَبْرًا؛ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ إفْراغَ الإناءِ هو
صفحة ١٧١
صَبُّ ما فِيهِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكَأنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ كُلَّ الصَّبْرِ لا بَعْضَهُ.
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَبْرًا﴾ مَذْكُورٌ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ والتَّمامِ، أيْ صَبْرًا كامِلًا تامًّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] أيْ عَلى حَياةٍ كامِلَةٍ تامَّةٍ.
والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ مِن قِبَلِهِمْ ومِن أعْمالِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم طَلَبُوهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ وقَضائِهِ. قالَ القاضِي: إنَّما سَألُوهُ - تَعالى - الألْطافَ الَّتِي تَدْعُوهم إلى الثَّباتِ والصَّبْرِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ في الأدْعِيَةِ.
والجَوابُ: هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، ثُمَّ الدَّلِيلُ يَأْباهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ، وحُصُولُها لَيْسَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ فَمَعْناهُ تَوَفَّنا عَلى الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ لا يَحْصُلُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ظاهِرٌ. والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَهُ عَلى فِعْلِ الألْطافِ، والكَلامُ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ واحِدٌ، فَقالَ: إنَّهم قالُوا أوَّلًا: ﴿آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا﴾ ثُمَّ قالُوا ثانِيًا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الإسْلامُ هو ذاكَ الإيمانَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهُما هو الآخَرُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:124
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”أأمِنتُمْ“ بِهَمْزَتَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ في جَمِيعِهِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. قالَ الفَرّاءُ: أمّا قِراءَةُ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِلَفْظِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، فالوَجْهُ فِيها أنَّهُ يُخْبِرُهم بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ التَّقْرِيعِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأمّا القِراءَةُ بِالهَمْزَتَيْنِ فَأصْلُهُ ”أأمِنتُمْ“ عَلى وزْنِ أفَعِلْتُمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا رَأى أنَّ أعْلَمَ النّاسِ بِالسِّحْرِ أقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ اجْتِماعِ الخَلْقِ العَظِيمِ، خافَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً قَوِيَّةً عِنْدَ قَوْمِهِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبْهَةِ إلى أسْماعِ العَوامِّ؛ لِتَصِيرَ تِلْكَ الشُّبْهَةُ مانِعَةً لِلْقَوْمِ مِنَ اعْتِقادِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّ إيمانَ هَؤُلاءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم تَواطَئُوا مَعَ مُوسى أنَّهُ إذا كانَ كَذا وكَذا فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُقِرُّ بِنُبُوَّتِكَ، فَهَذا الإيمانُ إنَّما حَصَلَ بِهَذا الطَّرِيقِ.
والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ غَرَضَ مُوسى والسَّحَرَةِ فِيما تَواطَئُوا عَلَيْهِ إخْراجُ القَوْمِ مِنَ المَدِينَةِ وإبْطالُ مُلْكِهِمْ، ومَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ والنِّعْمَةِ المَأْلُوفَةِ مِن أصْعَبِ الأُمُورِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ اللَّعِينُ بَيْنَ الشُّبْهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا يُوجَدُ أقْوى مِنهُما في هَذا البابِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّ مُوسى وأمِيرَ السَّحَرَةِ التَقَيا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ
صفحة ١٧٠
السَّلامُ: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ، أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ الحَقُّ ؟ قالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما ويَسْمَعُ قَوْلَهُما، فَهَذا هو قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّ فِرْعَوْنَ ألْقى هَذا الكَلامَ في البَيْنِ؛ لِيَصِيرَ صارِفًا لِلْعَوامِّ عَنِ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ القاضِي: وقَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى مُناقَضَةِ فِرْعَوْنَ في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ إلَهًا لَما جازَ أنْ يَأْذَنَ لَهم في أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مَعَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وذَلِكَ مِن خِذْلانِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَظْهَرُ عَلى المُبْطِلِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ ابْتِداءُ وعِيدٍ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى هَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ، بَلْ فَسَّرَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ وقَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ مِن خِلافٍ مَعْرُوفُ المَعْنى، وهو أنْ يَقْطَعَهُما مِن جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، إمّا مِنَ اليَدِ اليُمْنى والرِّجْلِ اليُسْرى، أوْ مِنَ اليَدِ اليُسْرى والرِّجْلِ اليُمْنى، وأمّا الصَّلْبُ فَمَعْرُوفٌ. فَتَوَعَّدَهم بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ العَظِيمَيْنِ. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ. واحْتَجَّ بَعْضُهم عَلى وُقُوعِهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ ولَوْ أنَّهُ تَرَكَ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ وقَوْمَهُ أحْياءً وما قَتَلَهم لَذَكَرَهم أيْضًا، ولَحَذَّرَهم عَنِ الإفْسادِ الحاصِلِ مِن جِهَتِهِمْ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ قَوْمِهِ، فَلا وجْهَ لِإفْرادِهِمْ بِالذِّكْرِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ بَلاءٌ شَدِيدٌ عَظِيمٌ، حَتّى طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُصَبِّرَهم عَلَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى الصَّبْرَ عَلى الإيمانِ وعَدَمَ الِالتِفاتِ إلى وعِيدِهِ.
الثّالِثُ: ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وقَطَّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وهَذا هو الأظْهَرُ؛ مُبالَغَةً مِنهُ في تَحْذِيرِ القَوْمِ عَنْ قَبُولِ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِن فِرْعَوْنَ ذَلِكَ، بَلِ اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الدُّعاءَ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ لِأنَّهم سَألُوهُ تَعالى أنْ يَكُونَ تَوَفِّيهِمْ مِن جِهَتِهِ لا بِهَذا القَتْلِ والقَطْعِ. وهَذا الِاسْتِدْلالُ قَرِيبٌ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ القَوْمِ ما لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنَ المُؤْمِنِ عِنْدَ هَذا الوَعِيدِ أحْسَنُ مِنهُ، وهو قَوْلُهم لِفِرْعَوْنَ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ فَبَيَّنُوا أنَّ الَّذِي كانَ مِنهم لا يُوجِبُ الوَعِيدَ ولا إنْزالَ النِّقْمَةِ بِهِمْ، بَلْ يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ، وهو أنْ يَتَأسّى بِهِمْ في الإقْرارِ بِالحَقِّ والِاحْتِرازِ عَنِ الباطِلِ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ. يُقالُ: نَقَمْتُ أنْقِمُ إذا بالَغْتَ في كَراهِيَةِ الشَّيْءِ، وقَدْ مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ [المائدة: ٥٩] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: ما أتَيْنا بِذَنْبٍ تُعَذِّبُنا عَلَيْهِ إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا. والمُرادُ: ما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِها إلّا اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالُوا: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ مَعْنى الإفْراغِ في اللُّغَةِ: الصَّبُّ. يُقالُ: دِرْهَمٌ مُفْرَغٌ إذا كانَ مَصْبُوبًا في قالَبِهِ ولَيْسَ بِمَضْرُوبٍ، وأصْلُهُ مِن إفْراغِ الإناءِ وهو صَبُّ ما فِيهِ حَتّى يَخْلُوَ الإناءُ وهو مِنَ الفَراغِ، فاسْتُعْمِلَ في الصَّبْرِ عَلى التَّشْبِيهِ بِحالِ إفْراغِ الإناءِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: صُبَّ عَلَيْنا الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّلْبِ والقَطْعِ. وفي الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: أنْزِلْ عَلَيْنا صَبْرًا؛ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ إفْراغَ الإناءِ هو
صفحة ١٧١
صَبُّ ما فِيهِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكَأنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ كُلَّ الصَّبْرِ لا بَعْضَهُ.
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَبْرًا﴾ مَذْكُورٌ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ والتَّمامِ، أيْ صَبْرًا كامِلًا تامًّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] أيْ عَلى حَياةٍ كامِلَةٍ تامَّةٍ.
والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ مِن قِبَلِهِمْ ومِن أعْمالِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم طَلَبُوهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ وقَضائِهِ. قالَ القاضِي: إنَّما سَألُوهُ - تَعالى - الألْطافَ الَّتِي تَدْعُوهم إلى الثَّباتِ والصَّبْرِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ في الأدْعِيَةِ.
والجَوابُ: هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، ثُمَّ الدَّلِيلُ يَأْباهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ، وحُصُولُها لَيْسَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ فَمَعْناهُ تَوَفَّنا عَلى الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ لا يَحْصُلُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ظاهِرٌ. والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَهُ عَلى فِعْلِ الألْطافِ، والكَلامُ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ واحِدٌ، فَقالَ: إنَّهم قالُوا أوَّلًا: ﴿آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا﴾ ثُمَّ قالُوا ثانِيًا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الإسْلامُ هو ذاكَ الإيمانَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهُما هو الآخَرُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:125
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”أأمِنتُمْ“ بِهَمْزَتَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ في جَمِيعِهِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. قالَ الفَرّاءُ: أمّا قِراءَةُ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِلَفْظِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، فالوَجْهُ فِيها أنَّهُ يُخْبِرُهم بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ التَّقْرِيعِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأمّا القِراءَةُ بِالهَمْزَتَيْنِ فَأصْلُهُ ”أأمِنتُمْ“ عَلى وزْنِ أفَعِلْتُمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا رَأى أنَّ أعْلَمَ النّاسِ بِالسِّحْرِ أقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ اجْتِماعِ الخَلْقِ العَظِيمِ، خافَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً قَوِيَّةً عِنْدَ قَوْمِهِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبْهَةِ إلى أسْماعِ العَوامِّ؛ لِتَصِيرَ تِلْكَ الشُّبْهَةُ مانِعَةً لِلْقَوْمِ مِنَ اعْتِقادِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّ إيمانَ هَؤُلاءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم تَواطَئُوا مَعَ مُوسى أنَّهُ إذا كانَ كَذا وكَذا فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُقِرُّ بِنُبُوَّتِكَ، فَهَذا الإيمانُ إنَّما حَصَلَ بِهَذا الطَّرِيقِ.
والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ غَرَضَ مُوسى والسَّحَرَةِ فِيما تَواطَئُوا عَلَيْهِ إخْراجُ القَوْمِ مِنَ المَدِينَةِ وإبْطالُ مُلْكِهِمْ، ومَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ والنِّعْمَةِ المَأْلُوفَةِ مِن أصْعَبِ الأُمُورِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ اللَّعِينُ بَيْنَ الشُّبْهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا يُوجَدُ أقْوى مِنهُما في هَذا البابِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّ مُوسى وأمِيرَ السَّحَرَةِ التَقَيا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ
صفحة ١٧٠
السَّلامُ: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ، أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ الحَقُّ ؟ قالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما ويَسْمَعُ قَوْلَهُما، فَهَذا هو قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّ فِرْعَوْنَ ألْقى هَذا الكَلامَ في البَيْنِ؛ لِيَصِيرَ صارِفًا لِلْعَوامِّ عَنِ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ القاضِي: وقَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى مُناقَضَةِ فِرْعَوْنَ في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ إلَهًا لَما جازَ أنْ يَأْذَنَ لَهم في أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مَعَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وذَلِكَ مِن خِذْلانِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَظْهَرُ عَلى المُبْطِلِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ ابْتِداءُ وعِيدٍ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى هَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ، بَلْ فَسَّرَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ وقَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ مِن خِلافٍ مَعْرُوفُ المَعْنى، وهو أنْ يَقْطَعَهُما مِن جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، إمّا مِنَ اليَدِ اليُمْنى والرِّجْلِ اليُسْرى، أوْ مِنَ اليَدِ اليُسْرى والرِّجْلِ اليُمْنى، وأمّا الصَّلْبُ فَمَعْرُوفٌ. فَتَوَعَّدَهم بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ العَظِيمَيْنِ. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ. واحْتَجَّ بَعْضُهم عَلى وُقُوعِهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ ولَوْ أنَّهُ تَرَكَ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ وقَوْمَهُ أحْياءً وما قَتَلَهم لَذَكَرَهم أيْضًا، ولَحَذَّرَهم عَنِ الإفْسادِ الحاصِلِ مِن جِهَتِهِمْ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ قَوْمِهِ، فَلا وجْهَ لِإفْرادِهِمْ بِالذِّكْرِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ بَلاءٌ شَدِيدٌ عَظِيمٌ، حَتّى طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُصَبِّرَهم عَلَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى الصَّبْرَ عَلى الإيمانِ وعَدَمَ الِالتِفاتِ إلى وعِيدِهِ.
الثّالِثُ: ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وقَطَّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وهَذا هو الأظْهَرُ؛ مُبالَغَةً مِنهُ في تَحْذِيرِ القَوْمِ عَنْ قَبُولِ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِن فِرْعَوْنَ ذَلِكَ، بَلِ اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الدُّعاءَ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ لِأنَّهم سَألُوهُ تَعالى أنْ يَكُونَ تَوَفِّيهِمْ مِن جِهَتِهِ لا بِهَذا القَتْلِ والقَطْعِ. وهَذا الِاسْتِدْلالُ قَرِيبٌ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ القَوْمِ ما لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنَ المُؤْمِنِ عِنْدَ هَذا الوَعِيدِ أحْسَنُ مِنهُ، وهو قَوْلُهم لِفِرْعَوْنَ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ فَبَيَّنُوا أنَّ الَّذِي كانَ مِنهم لا يُوجِبُ الوَعِيدَ ولا إنْزالَ النِّقْمَةِ بِهِمْ، بَلْ يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ، وهو أنْ يَتَأسّى بِهِمْ في الإقْرارِ بِالحَقِّ والِاحْتِرازِ عَنِ الباطِلِ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ. يُقالُ: نَقَمْتُ أنْقِمُ إذا بالَغْتَ في كَراهِيَةِ الشَّيْءِ، وقَدْ مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ [المائدة: ٥٩] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: ما أتَيْنا بِذَنْبٍ تُعَذِّبُنا عَلَيْهِ إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا. والمُرادُ: ما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِها إلّا اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالُوا: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ مَعْنى الإفْراغِ في اللُّغَةِ: الصَّبُّ. يُقالُ: دِرْهَمٌ مُفْرَغٌ إذا كانَ مَصْبُوبًا في قالَبِهِ ولَيْسَ بِمَضْرُوبٍ، وأصْلُهُ مِن إفْراغِ الإناءِ وهو صَبُّ ما فِيهِ حَتّى يَخْلُوَ الإناءُ وهو مِنَ الفَراغِ، فاسْتُعْمِلَ في الصَّبْرِ عَلى التَّشْبِيهِ بِحالِ إفْراغِ الإناءِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: صُبَّ عَلَيْنا الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّلْبِ والقَطْعِ. وفي الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: أنْزِلْ عَلَيْنا صَبْرًا؛ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ إفْراغَ الإناءِ هو
صفحة ١٧١
صَبُّ ما فِيهِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكَأنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ كُلَّ الصَّبْرِ لا بَعْضَهُ.
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَبْرًا﴾ مَذْكُورٌ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ والتَّمامِ، أيْ صَبْرًا كامِلًا تامًّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] أيْ عَلى حَياةٍ كامِلَةٍ تامَّةٍ.
والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ مِن قِبَلِهِمْ ومِن أعْمالِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم طَلَبُوهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ وقَضائِهِ. قالَ القاضِي: إنَّما سَألُوهُ - تَعالى - الألْطافَ الَّتِي تَدْعُوهم إلى الثَّباتِ والصَّبْرِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ في الأدْعِيَةِ.
والجَوابُ: هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، ثُمَّ الدَّلِيلُ يَأْباهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ، وحُصُولُها لَيْسَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ فَمَعْناهُ تَوَفَّنا عَلى الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ لا يَحْصُلُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ظاهِرٌ. والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَهُ عَلى فِعْلِ الألْطافِ، والكَلامُ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ واحِدٌ، فَقالَ: إنَّهم قالُوا أوَّلًا: ﴿آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا﴾ ثُمَّ قالُوا ثانِيًا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الإسْلامُ هو ذاكَ الإيمانَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهُما هو الآخَرُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:126
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”أأمِنتُمْ“ بِهَمْزَتَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ في جَمِيعِهِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. قالَ الفَرّاءُ: أمّا قِراءَةُ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِلَفْظِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، فالوَجْهُ فِيها أنَّهُ يُخْبِرُهم بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ التَّقْرِيعِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأمّا القِراءَةُ بِالهَمْزَتَيْنِ فَأصْلُهُ ”أأمِنتُمْ“ عَلى وزْنِ أفَعِلْتُمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا رَأى أنَّ أعْلَمَ النّاسِ بِالسِّحْرِ أقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ اجْتِماعِ الخَلْقِ العَظِيمِ، خافَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً قَوِيَّةً عِنْدَ قَوْمِهِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبْهَةِ إلى أسْماعِ العَوامِّ؛ لِتَصِيرَ تِلْكَ الشُّبْهَةُ مانِعَةً لِلْقَوْمِ مِنَ اعْتِقادِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّ إيمانَ هَؤُلاءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم تَواطَئُوا مَعَ مُوسى أنَّهُ إذا كانَ كَذا وكَذا فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُقِرُّ بِنُبُوَّتِكَ، فَهَذا الإيمانُ إنَّما حَصَلَ بِهَذا الطَّرِيقِ.
والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ غَرَضَ مُوسى والسَّحَرَةِ فِيما تَواطَئُوا عَلَيْهِ إخْراجُ القَوْمِ مِنَ المَدِينَةِ وإبْطالُ مُلْكِهِمْ، ومَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ والنِّعْمَةِ المَأْلُوفَةِ مِن أصْعَبِ الأُمُورِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ اللَّعِينُ بَيْنَ الشُّبْهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا يُوجَدُ أقْوى مِنهُما في هَذا البابِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّ مُوسى وأمِيرَ السَّحَرَةِ التَقَيا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ
صفحة ١٧٠
السَّلامُ: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ، أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ الحَقُّ ؟ قالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما ويَسْمَعُ قَوْلَهُما، فَهَذا هو قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّ فِرْعَوْنَ ألْقى هَذا الكَلامَ في البَيْنِ؛ لِيَصِيرَ صارِفًا لِلْعَوامِّ عَنِ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ القاضِي: وقَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى مُناقَضَةِ فِرْعَوْنَ في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ إلَهًا لَما جازَ أنْ يَأْذَنَ لَهم في أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مَعَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وذَلِكَ مِن خِذْلانِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَظْهَرُ عَلى المُبْطِلِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ ابْتِداءُ وعِيدٍ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى هَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ، بَلْ فَسَّرَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ وقَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ مِن خِلافٍ مَعْرُوفُ المَعْنى، وهو أنْ يَقْطَعَهُما مِن جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، إمّا مِنَ اليَدِ اليُمْنى والرِّجْلِ اليُسْرى، أوْ مِنَ اليَدِ اليُسْرى والرِّجْلِ اليُمْنى، وأمّا الصَّلْبُ فَمَعْرُوفٌ. فَتَوَعَّدَهم بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ العَظِيمَيْنِ. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ. واحْتَجَّ بَعْضُهم عَلى وُقُوعِهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ ولَوْ أنَّهُ تَرَكَ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ وقَوْمَهُ أحْياءً وما قَتَلَهم لَذَكَرَهم أيْضًا، ولَحَذَّرَهم عَنِ الإفْسادِ الحاصِلِ مِن جِهَتِهِمْ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ قَوْمِهِ، فَلا وجْهَ لِإفْرادِهِمْ بِالذِّكْرِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ بَلاءٌ شَدِيدٌ عَظِيمٌ، حَتّى طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُصَبِّرَهم عَلَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى الصَّبْرَ عَلى الإيمانِ وعَدَمَ الِالتِفاتِ إلى وعِيدِهِ.
الثّالِثُ: ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وقَطَّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وهَذا هو الأظْهَرُ؛ مُبالَغَةً مِنهُ في تَحْذِيرِ القَوْمِ عَنْ قَبُولِ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِن فِرْعَوْنَ ذَلِكَ، بَلِ اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الدُّعاءَ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ لِأنَّهم سَألُوهُ تَعالى أنْ يَكُونَ تَوَفِّيهِمْ مِن جِهَتِهِ لا بِهَذا القَتْلِ والقَطْعِ. وهَذا الِاسْتِدْلالُ قَرِيبٌ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ القَوْمِ ما لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنَ المُؤْمِنِ عِنْدَ هَذا الوَعِيدِ أحْسَنُ مِنهُ، وهو قَوْلُهم لِفِرْعَوْنَ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ فَبَيَّنُوا أنَّ الَّذِي كانَ مِنهم لا يُوجِبُ الوَعِيدَ ولا إنْزالَ النِّقْمَةِ بِهِمْ، بَلْ يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ، وهو أنْ يَتَأسّى بِهِمْ في الإقْرارِ بِالحَقِّ والِاحْتِرازِ عَنِ الباطِلِ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ. يُقالُ: نَقَمْتُ أنْقِمُ إذا بالَغْتَ في كَراهِيَةِ الشَّيْءِ، وقَدْ مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ [المائدة: ٥٩] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: ما أتَيْنا بِذَنْبٍ تُعَذِّبُنا عَلَيْهِ إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا. والمُرادُ: ما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِها إلّا اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالُوا: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ مَعْنى الإفْراغِ في اللُّغَةِ: الصَّبُّ. يُقالُ: دِرْهَمٌ مُفْرَغٌ إذا كانَ مَصْبُوبًا في قالَبِهِ ولَيْسَ بِمَضْرُوبٍ، وأصْلُهُ مِن إفْراغِ الإناءِ وهو صَبُّ ما فِيهِ حَتّى يَخْلُوَ الإناءُ وهو مِنَ الفَراغِ، فاسْتُعْمِلَ في الصَّبْرِ عَلى التَّشْبِيهِ بِحالِ إفْراغِ الإناءِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: صُبَّ عَلَيْنا الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّلْبِ والقَطْعِ. وفي الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: أنْزِلْ عَلَيْنا صَبْرًا؛ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ إفْراغَ الإناءِ هو
صفحة ١٧١
صَبُّ ما فِيهِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكَأنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ كُلَّ الصَّبْرِ لا بَعْضَهُ.
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَبْرًا﴾ مَذْكُورٌ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ والتَّمامِ، أيْ صَبْرًا كامِلًا تامًّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] أيْ عَلى حَياةٍ كامِلَةٍ تامَّةٍ.
والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ مِن قِبَلِهِمْ ومِن أعْمالِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم طَلَبُوهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ وقَضائِهِ. قالَ القاضِي: إنَّما سَألُوهُ - تَعالى - الألْطافَ الَّتِي تَدْعُوهم إلى الثَّباتِ والصَّبْرِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ في الأدْعِيَةِ.
والجَوابُ: هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، ثُمَّ الدَّلِيلُ يَأْباهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ، وحُصُولُها لَيْسَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ فَمَعْناهُ تَوَفَّنا عَلى الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ لا يَحْصُلُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ظاهِرٌ. والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَهُ عَلى فِعْلِ الألْطافِ، والكَلامُ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ واحِدٌ، فَقالَ: إنَّهم قالُوا أوَّلًا: ﴿آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا﴾ ثُمَّ قالُوا ثانِيًا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الإسْلامُ هو ذاكَ الإيمانَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهُما هو الآخَرُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:127
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ بَعْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِرْعَوْنُ لِمُوسى ولا أخَذَهُ ولا حَبَسَهُ، بَلْ خَلّى سَبِيلَهُ، فَقالَ قَوْمُهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ كُلَّما رَأى مُوسى خافَهُ أشَدَّ الخَوْفِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ إلّا أنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ، فَحَمَلُوهُ عَلى أخْذِهِ وحَبْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ أيْ يُفْسِدُوا عَلى النّاسِ دِينَهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وإذا أفْسَدُوا عَلَيْهِمْ أدْيانَهم تَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إلى أخْذِ المُلْكِ.
صفحة ١٧٢
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ﴾ فالقِراءَةُ المَشْهُورَةُ فِيهِ ”ويَذَرَكَ“ بِالنَّصْبِ. وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”ويَذَرَكَ“ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ لِأنَّهُ إذا تَرَكَهم ولَمْ يَمْنَعْهم كانَ ذَلِكَ مُؤَدِّيًا إلى تَرْكِهِ وتَرْكِ آلِهَتِهِ، فَكَأنَّهُ تَرَكَهم لِذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّهُ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ بِالواوِ، وكَما يُجابُ بِالفاءِ مِثْلَ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
ألَمْ أكُ جارَكم ويَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخاءُ ؟
والتَّقْدِيرُ: أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ فَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى أيَكُونُ مِنكَ أنْ تَذَرَ مُوسى وأنْ يَذَرَكَ مُوسى ؟ .
وثالِثُها: النَّصْبُ بِإضْمارِ ”أنْ“، تَقْدِيرُهُ: أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا وأنْ يَذَرَكَ وآلِهَتَكَ ؟ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”ويَذَرُكَ وآلِهَتَكَ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”أتَذَرُ“ بِمَعْنى أتَذَرُهُ ”ويَذَرُكَ“ أيِ انْطَلِقْ لَهُ، وذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَأْنَفًا أوْ حالًا عَلى مَعْنى: أتَذَرُهُ هو يَذَرُكَ وآلِهَتَكَ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ ”ويَذَرْكَ“ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أنَسٌ ”ونَذَرَكَ“ بِالنُّونِ والنُّصْبِ، أيْ يَصْرِفُنا عَنْ عِبادَتِكَ فَنَذَرُها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآلِهَتَكَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يُنْكِرُ قِراءَةَ العامَّةِ، ويَقْرَأُ إلاهَتَكَ ”أيْ عِبادَتَكَ، ويَقُولُ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا قِراءَةُ العامَّةِ“ وآلِهَتَكَ ”فالمُرادُ جَمْعُ إلَهٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قَدْ وضَعَ لِقَوْمِهِ أصْنامًا صِغارًا، أمَرَهم بِعِبادَتِها. وقالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ورَبُّ هَذِهِ الأصْنامِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ الحَسَنُ: كانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ الأصْنامَ. وأقُولُ: الَّذِي يَخْطُرُ بِبالِي أنَّ فِرْعَوْنَ إنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ كامِلَ العَقْلِ لَمْ يَجُزْ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ولَمْ يَجُزْ في الجَمْعِ العَظِيمِ مِنَ العُقَلاءِ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ فَسادَهُ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ العَقْلِ. بَلِ الأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا يُنْكِرُ وُجُودَ الصّانِعِ، وكانَ يَقُولُ: مُدَبِّرُ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ هو الكَواكِبُ، وأمّا المُجْدِي في هَذا العالَمِ لِلْخَلْقِ ولِتِلْكَ الطّائِفَةِ والمُرَبِّي لَهم فَهو نَفْسُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ أيْ مُرَبِّيكم والمُنْعِمُ عَلَيْكم والمُطْعِمُ لَكم. وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] أيْ لا أعْلَمَ لَكم أحَدًا يَجِبُ عَلَيْكم عِبادَتُهُ إلّا أنا. وإذا كانَ مَذْهَبُهُ ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدِ اتَّخَذَ أصْنامًا عَلى صُوَرِ الكَواكِبِ، ويَعْبُدُها ويَتَقَرَّبُ إلَيْها عَلى ما هو دِينُ عَبْدَةِ الكَواكِبِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلا امْتِناعَ في حَمْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ عَلى ظاهِرِهِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ والِاحْتِمالاتِ فالقَوْمُ أرادُوا بِذِكْرِ هَذا الكَلامِ حَمْلَ فِرْعَوْنَ عَلى أخْذِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَبْسِهِ، وإنْزالِ أنْواعِ العَذابِ بِهِ، فَعِنْدَ هَذا لَمْ يَذْكُرْ فِرْعَوْنُ ما هو حَقِيقَةُ الحالِ، وهو كَوْنُهُ خائِفًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ“ سَنَقْتُلُ " بِفَتْحِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِضَمِّ النُّونِ والتَّشْدِيدِ عَلى التَّكْثِيرِ، يَعْنِي أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما يُمْكِنُهُ الإفْسادُ بِواسِطَةِ الرَّهْطِ والشِّيعَةِ، فَنَحْنُ نَسْعى في تَقْلِيلِ
صفحة ١٧٣
رَهْطِهِ وشِيعَتِهِ، وذَلِكَ بِأنْ نَقْتُلَ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ ونَسْتَحْيِي نِساءَهم. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ تَرْكُ مُوسى وقَوْمِهِ، لا مِن عَجْزٍ وخَوْفٍ، ولَوْ أرادَ بِهِ البَطْشَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ يُوهِمُ قَوْمَهُ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَحْبِسْهُ ولَمْ يَمْنَعْهُ لِعَدَمِ التِفاتِهِ إلَيْهِ ولِعَدَمِ خَوْفِهِ مِنهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَمِنهم مَن قالَ: كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَما فَعَلَهُ ابْتِداءً عِنْدَ وِلادَةِ مُوسى، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ مُنِعَ مِنهُ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا التَّهْدِيدَ وقَعَ في غَيْرِ الزَّمانِ الأوَّلِ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي قالَهُ المَلَأُ لِفِرْعَوْنَ والَّذِي قالَ فِرْعَوْنُ لَهم قَدْ عَرَفَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ووَصَلَ إلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَهَهُنا أمَرَهم بِشَيْئَيْنِ وبَشَّرَهم بِشَيْئَيْنِ:
أمّا اللَّذانِ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِما:
فالأوَّلُ: الِاسْتِعانَةُ بِاللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: الصَّبْرُ عَلى بَلاءِ اللَّهِ.
وإنَّما أمَرَهم أوَّلًا بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن عَرَفَ أنَّهُ لا مُدَبِّرَ في العالَمِ إلّا اللَّهُ تَعالى انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وحِينَئِذٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أنْواعُ البَلاءِ؛ ولِأنَّهُ يَرى عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ أنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ، واسْتِعْدادُهُ بِمُشاهَدَةِ قَضاءِ اللَّهِ خَفَّفَ عَلَيْهِ أنْواعَ البَلاءِ.
وأمّا اللَّذانِ بَشَّرَ بِهِما:
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وهَذا إطْماعٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمَهُ في أنْ يُورِثَهُمُ اللَّهُ تَعالى أرْضَ فِرْعَوْنَ بَعْدَ إهْلاكِهِ، وذَلِكَ مَعْنى الإرْثِ، وهو جَعْلُ الشَّيْءِ لِلْخَلَفِ بَعْدَ السَّلَفِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ أمْرُ الآخِرَةِ فَقَطْ، وقِيلَ: المُرادُ أمْرُ الدُّنْيا فَقَطْ، وهو: الفَتْحُ، والظَّفَرُ، والنَّصْرُ عَلى الأعْداءِ. وقِيلَ: المُرادُ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ تَعالى وخافَهُ فاللَّهُ يُعِينُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
الأعراف 7:128
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ بَعْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِرْعَوْنُ لِمُوسى ولا أخَذَهُ ولا حَبَسَهُ، بَلْ خَلّى سَبِيلَهُ، فَقالَ قَوْمُهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ كُلَّما رَأى مُوسى خافَهُ أشَدَّ الخَوْفِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ إلّا أنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ، فَحَمَلُوهُ عَلى أخْذِهِ وحَبْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ أيْ يُفْسِدُوا عَلى النّاسِ دِينَهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وإذا أفْسَدُوا عَلَيْهِمْ أدْيانَهم تَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إلى أخْذِ المُلْكِ.
صفحة ١٧٢
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ﴾ فالقِراءَةُ المَشْهُورَةُ فِيهِ ”ويَذَرَكَ“ بِالنَّصْبِ. وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”ويَذَرَكَ“ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ لِأنَّهُ إذا تَرَكَهم ولَمْ يَمْنَعْهم كانَ ذَلِكَ مُؤَدِّيًا إلى تَرْكِهِ وتَرْكِ آلِهَتِهِ، فَكَأنَّهُ تَرَكَهم لِذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّهُ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ بِالواوِ، وكَما يُجابُ بِالفاءِ مِثْلَ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
ألَمْ أكُ جارَكم ويَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخاءُ ؟
والتَّقْدِيرُ: أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ فَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى أيَكُونُ مِنكَ أنْ تَذَرَ مُوسى وأنْ يَذَرَكَ مُوسى ؟ .
وثالِثُها: النَّصْبُ بِإضْمارِ ”أنْ“، تَقْدِيرُهُ: أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا وأنْ يَذَرَكَ وآلِهَتَكَ ؟ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”ويَذَرُكَ وآلِهَتَكَ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”أتَذَرُ“ بِمَعْنى أتَذَرُهُ ”ويَذَرُكَ“ أيِ انْطَلِقْ لَهُ، وذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَأْنَفًا أوْ حالًا عَلى مَعْنى: أتَذَرُهُ هو يَذَرُكَ وآلِهَتَكَ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ ”ويَذَرْكَ“ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أنَسٌ ”ونَذَرَكَ“ بِالنُّونِ والنُّصْبِ، أيْ يَصْرِفُنا عَنْ عِبادَتِكَ فَنَذَرُها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآلِهَتَكَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يُنْكِرُ قِراءَةَ العامَّةِ، ويَقْرَأُ إلاهَتَكَ ”أيْ عِبادَتَكَ، ويَقُولُ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا قِراءَةُ العامَّةِ“ وآلِهَتَكَ ”فالمُرادُ جَمْعُ إلَهٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قَدْ وضَعَ لِقَوْمِهِ أصْنامًا صِغارًا، أمَرَهم بِعِبادَتِها. وقالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ورَبُّ هَذِهِ الأصْنامِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ الحَسَنُ: كانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ الأصْنامَ. وأقُولُ: الَّذِي يَخْطُرُ بِبالِي أنَّ فِرْعَوْنَ إنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ كامِلَ العَقْلِ لَمْ يَجُزْ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ولَمْ يَجُزْ في الجَمْعِ العَظِيمِ مِنَ العُقَلاءِ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ فَسادَهُ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ العَقْلِ. بَلِ الأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا يُنْكِرُ وُجُودَ الصّانِعِ، وكانَ يَقُولُ: مُدَبِّرُ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ هو الكَواكِبُ، وأمّا المُجْدِي في هَذا العالَمِ لِلْخَلْقِ ولِتِلْكَ الطّائِفَةِ والمُرَبِّي لَهم فَهو نَفْسُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ أيْ مُرَبِّيكم والمُنْعِمُ عَلَيْكم والمُطْعِمُ لَكم. وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] أيْ لا أعْلَمَ لَكم أحَدًا يَجِبُ عَلَيْكم عِبادَتُهُ إلّا أنا. وإذا كانَ مَذْهَبُهُ ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدِ اتَّخَذَ أصْنامًا عَلى صُوَرِ الكَواكِبِ، ويَعْبُدُها ويَتَقَرَّبُ إلَيْها عَلى ما هو دِينُ عَبْدَةِ الكَواكِبِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلا امْتِناعَ في حَمْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ عَلى ظاهِرِهِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ والِاحْتِمالاتِ فالقَوْمُ أرادُوا بِذِكْرِ هَذا الكَلامِ حَمْلَ فِرْعَوْنَ عَلى أخْذِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَبْسِهِ، وإنْزالِ أنْواعِ العَذابِ بِهِ، فَعِنْدَ هَذا لَمْ يَذْكُرْ فِرْعَوْنُ ما هو حَقِيقَةُ الحالِ، وهو كَوْنُهُ خائِفًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ“ سَنَقْتُلُ " بِفَتْحِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِضَمِّ النُّونِ والتَّشْدِيدِ عَلى التَّكْثِيرِ، يَعْنِي أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما يُمْكِنُهُ الإفْسادُ بِواسِطَةِ الرَّهْطِ والشِّيعَةِ، فَنَحْنُ نَسْعى في تَقْلِيلِ
صفحة ١٧٣
رَهْطِهِ وشِيعَتِهِ، وذَلِكَ بِأنْ نَقْتُلَ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ ونَسْتَحْيِي نِساءَهم. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ تَرْكُ مُوسى وقَوْمِهِ، لا مِن عَجْزٍ وخَوْفٍ، ولَوْ أرادَ بِهِ البَطْشَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ يُوهِمُ قَوْمَهُ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَحْبِسْهُ ولَمْ يَمْنَعْهُ لِعَدَمِ التِفاتِهِ إلَيْهِ ولِعَدَمِ خَوْفِهِ مِنهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَمِنهم مَن قالَ: كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَما فَعَلَهُ ابْتِداءً عِنْدَ وِلادَةِ مُوسى، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ مُنِعَ مِنهُ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا التَّهْدِيدَ وقَعَ في غَيْرِ الزَّمانِ الأوَّلِ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي قالَهُ المَلَأُ لِفِرْعَوْنَ والَّذِي قالَ فِرْعَوْنُ لَهم قَدْ عَرَفَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ووَصَلَ إلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَهَهُنا أمَرَهم بِشَيْئَيْنِ وبَشَّرَهم بِشَيْئَيْنِ:
أمّا اللَّذانِ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِما:
فالأوَّلُ: الِاسْتِعانَةُ بِاللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: الصَّبْرُ عَلى بَلاءِ اللَّهِ.
وإنَّما أمَرَهم أوَّلًا بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن عَرَفَ أنَّهُ لا مُدَبِّرَ في العالَمِ إلّا اللَّهُ تَعالى انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وحِينَئِذٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أنْواعُ البَلاءِ؛ ولِأنَّهُ يَرى عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ أنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ، واسْتِعْدادُهُ بِمُشاهَدَةِ قَضاءِ اللَّهِ خَفَّفَ عَلَيْهِ أنْواعَ البَلاءِ.
وأمّا اللَّذانِ بَشَّرَ بِهِما:
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وهَذا إطْماعٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمَهُ في أنْ يُورِثَهُمُ اللَّهُ تَعالى أرْضَ فِرْعَوْنَ بَعْدَ إهْلاكِهِ، وذَلِكَ مَعْنى الإرْثِ، وهو جَعْلُ الشَّيْءِ لِلْخَلَفِ بَعْدَ السَّلَفِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ أمْرُ الآخِرَةِ فَقَطْ، وقِيلَ: المُرادُ أمْرُ الدُّنْيا فَقَطْ، وهو: الفَتْحُ، والظَّفَرُ، والنَّصْرُ عَلى الأعْداءِ. وقِيلَ: المُرادُ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ تَعالى وخافَهُ فاللَّهُ يُعِينُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
الأعراف 7:129
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعُوا ما ذَكَرَهُ فِرْعَوْنُ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ خافُوا أوْ فَزِعُوا، وقالُوا: قَدْ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا، وذَلِكَ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَضْعَفِينَ في يَدِ فِرْعَوْنَ اللَّعِينِ، فَكانَ يَأْخُذُ مِنهُمُ الجِزْيَةَ، ويَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ويَمْنَعُهم مِنَ التَّرَفُّهِ والتَّنَعُّمِ، ويَقْتُلُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوِيَ رَجاؤُهم في زَوالِ تِلْكَ المَضارِّ والمَتاعِبِ، فَلَمّا سَمِعُوا أنَّ فِرْعَوْنَ أعادَ التَّهْدِيدَ مَرَّةً ثانِيَةً عَظُمَ خَوْفُهم وحُزْنُهم، فَقالُوا هَذا الكَلامَ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ هَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَرِهُوا مَجِيءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ يُوجِبُ كُفْرَهم ؟
صفحة ١٧٤
والجَوابُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا جاءَ، وعَدَهم بِزَوالِ تِلْكَ المَضارِّ، فَظَنُّوا أنَّها تَزُولُ عَلى الفَوْرِ، فَلَمّا رَأوْا أنَّها ما زالَتْ، رَجَعُوا إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الوَعْدِ، فَبَيَّنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الوَعْدَ بِإزالَتِها لا يُوجِبُ الوَعْدَ بِإزالَتِها في الحالِ، وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ تَعالى سَيُنْجِزُ لَهم ذَلِكَ الوَعْدَ في الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ، والحاصِلُ أنَّ هَذا ما كانَ بِنَفْرَةٍ عَنْ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالرِّسالَةِ، بَلِ اسْتِكْشافًا لِكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الوَعْدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: ”عَسى“ طَمَعٌ وإشْفاقٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وما يَطْمَعُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ فَهو واجِبٌ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ ”عَسى“ هَهُنا لَيْسَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، بَلْ هو حِكايَةً عَنْ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنّا نَقُولُ: مِثْلُ هَذا الكَلامِ إذا صَدَرَ عَنْ رَسُولٍ ظَهَرَتْ حُجَّةُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ - أفادَ قُوَّةَ النَّفْسِ، وأزالَ ما خامَرَها مِنَ الِانْكِسارِ والضَّعْفِ، فَقَوّى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قُلُوبَهم بِهَذا القَوْلِ، وحَقَّقَ عِنْدَهُمُ الوَعْدَ؛ لِيَتَمَسَّكُوا بِالصَّبْرِ، ويَتْرُكُوا الجَزَعَ المَذْمُومَ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ما يَجْرِي مَجْرى الحَثِّ لَهم عَلى التَّمَسُّكِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ النَّظَرَ قَدْ يُرادُ بِهِ النَّظَرُ الَّذِي يُفِيدُ العِلْمَ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، وهو أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الِانْتِظارُ، وهو أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الرُّؤْيَةُ، ويَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ هَهُنا عَلَيْها. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ يَرى ذَلِكَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنكم؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُجازِيهِمْ عَلى ما يَعْلَمُهُ مِنهم، وإنَّما يُجازِيهِمْ عَلى ما يَقَعُ مِنهم.
فَإنْ قِيلَ: إذا حَمَلْتُمْ هَذا النَّظَرَ عَلى الرُّؤْيَةِ لَزِمَ الإشْكالُ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْظُرَ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى لِتِلْكَ الأعْمالِ مُتَأخِّرَةً عَنْ حُصُولِ تِلْكَ الأعْمالِ، وذَلِكَ يُوجِبُ حُدُوثَ صِفَةِ اللَّهِ تَعالى.
قُلْنا: تَعَلُّقُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ الشَّيْءِ نِسْبَةٌ حادِثَةٌ، والنَّسَبُ والإضافاتُ لا وُجُودَ لَها في الأعْيانِ، فَلَمْ يَلْزَمْ حُدُوثُ الصِّفَةِ الحَقِيقِيَّةِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:130
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
صفحة ١٧٥
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ لا جَرَمَ بَدَأ هَهُنا بِذِكْرِ ما أنْزَلَهُ بِفِرْعَوْنَ وبِقَوْمِهِ مِنَ المِحَنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، إلى أنْ وصَلَ الأمْرُ إلى الهَلاكِ تَنْبِيهًا لِلْمُكَلَّفِينَ عَلى الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ والتَّمَسُّكِ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، خَوْفًا مِن نُزُولِ هَذِهِ المِحَنِ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: السِّنِينَ جَمْعُ السَّنَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: السَّنَةُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: يُرادُ بِها الحَوْلُ والعامُ.
والآخَرُ: يُرادُ بِها الجَدْبُ، وهو خِلافُ الخِصْبِ.
فَمِمّا أُرِيدَ بِهِ الجَدْبُ: هَذِهِ الآيَةُ وقَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينًا كَسِنِي يُوسُفَ» وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنّا لا نَقَعُ في عامِ السَّنَةِ، فَلَمّا كانَتِ السَّنَةُ يُعْنى بِها الجَدْبُ، اشْتَقُّوا مِنها كَما يُشْتَقُّ مِنَ الجَدَبِ. ويُقالُ: أسْنَتُوا كَما يُقالُ: أجْدَبُوا، قالَ الشّاعِرُ:
ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
قالَ أبُو زَيْدٍ: بَعْضُ العَرَبِ تَقُولُ: هَذِهِ سِنِينٌ، ورَأيْتُ سِنِينًا، فَتُعْرِبُ النُّونَ. ونَحْوَهُ قالَ الفَرّاءُ: ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
دَعانِيَ مِن نَجْدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ ∗∗∗ لَعِبْنَ بِنا شَيْبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدًا
قالَ الزَّجّاجُ: السِّنِينُ في كَلامِ العَرَبِ: الجُدُوبُ، يُقالُ مَسَّتْهُمُ السَّنَةُ، ومَعْناهُ: جَدْبُ السَّنَةِ وشِدَّةُ السَّنَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ يُرِيدُ الجُوعَ والقَحْطَ عامًا بَعْدَ عامٍ، فالسُّنُونُ لِأهْلِ البَوادِي ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ لِأهْلِ القُرى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ المَضارَّ لِأجْلِ أنْ يَرْجِعُوا عَنْ طَرِيقَةِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ إلى الِانْقِيادِ والعُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحْوالَ الشِّدَّةِ تُرَقِّقُ القَلْبَ وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللَّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ إرادَةً مِنهُ أنْ يَتَذَكَّرُوا، لا أنْ يُقِيمُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.
أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ لَفْظُ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ في القُرْآنِ، لا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَمْتَحِنُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى عامَلَهم مُعامَلَةً تُشْبِهُ الِابْتِلاءَ والِامْتِحانَ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم عِنْدَ نُزُولِ تِلْكَ المِحَنِ عَلَيْهِمْ يُقْدِمُونَ عَلى ما يَزِيدُ في كُفْرِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالحَسَنَةِ العُشْبَ والخِصْبَ والثِّمارَ والمَواشِيَ والسَّعَةَ في الرِّزْقِ والعافِيَةَ والسَّلامَةَ و﴿قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيْ نَحْنُ مُسْتَحِقُّونَ عَلى العادَةِ الَّتِي جَرَتْ مِن كَثْرَةِ نِعَمِنا وسَعَةِ أرْزاقِنا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَيَشْكُرُوهُ عَلَيْهِ ويَقُومُوا بِحَقِّ النِّعْمَةِ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾
صفحة ١٧٦
يُرِيدُ القَحْطَ والجَدْبَ والمَرَضَ والضُّرَّ والبَلاءَ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ أيْ يَتَشاءَمُوا بِهِ، ويَقُولُوا: إنَّما أصابَنا هَذا الشَّرُّ بِشُؤْمِ مُوسى وقَوْمِهِ، والتَّطَيُّرُ: التَّشاؤُمُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ هو في الأصْلِ يَتَطَيَّرُوا، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ؛ لِأنَّهُما مِن مَكانٍ واحِدٍ مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا، وقَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ في الطّائِرِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ شُؤْمَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أيْ مِن قِبَلِ اللَّهِ، أيْ إنَّما جاءَهُمُ الشَّرُّ بِقَضاءِ اللَّهِ وحُكْمِهِ، فالطّائِرُ هَهُنا الشُّؤْمُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ ثَمُودَ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧] قالَ الفَرّاءُ: وقَدْ تَشاءَمَتِ اليَهُودُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا: غَلَتْ أسْعارُنا وقَلَّتْ أمْطارُنا مُذْ أتانا، قالَ الأزْهَرِيُّ: وقِيلَ لِلشُّؤْمِ: طائِرٌ وطَيْرٌ وطِيرَةٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانَ مِن شَأْنِها عِيافَةُ الطَّيْرِ وزَجْرُها، والتَّطَيُّرُ بِبارِحِها، ونَعِيقِ غِرْبانِها، وأخْذِها ذاتِ اليَسارِ إذا أثارُوها، فَسَمَّوُا الشُّؤْمَ طَيْرًا وطائِرًا وطِيَرَةً؛ لِتَشاؤُمِهِمْ بِها.
ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ أنَّ طِيَرَتَهم باطِلَةٌ، فَقالَ: «لا طِيَرَةَ ولا هامَ» وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَفاءَلُ ولا يَتَطَيَّرُ. وأصْلُ الفَأْلِ الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ، وكانَتِ العَرَبُ مَذْهَبُها في الفَأْلِ والطِّيَرَةِ واحِدٌ، فَأثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ الفَأْلَ وأبْطَلَ الطِّيَرَةَ. قالَ مُحَمَّدٌ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولا بُدَّ مِن ذِكْرِ فَرْقٍ بَيْنَ البابَيْنِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأرْواحَ الإنْسانِيَّةَ أصْفى وأقْوى مِنَ الأرْواحِ البَهِيمِيَّةِ والطَّيْرِيَّةِ. فالكَلِمَةُ الَّتِي تَجْرِي عَلى لِسانِ الإنْسانِ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِها بِخِلافِ طَيَرانِ الطَّيْرِ وحَرَكاتِ البَهائِمِ، فَإنَّ أرْواحَها ضَعِيفَةٌ، فَلا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الطّائِرِ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ حَظُّهم. وهو ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّما طائِرُهم ما قُضِيَ عَلَيْهِمْ وقُدِّرَ لَهم. والعَرَبُ تَقُولُ: أطَرْتُ المالَ وطَيَّرْتُهُ بَيْنَ القَوْمِ، فَطارَ لِكُلٍّ مِنهم سَهْمُهُ، أيْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ السَّهْمُ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، المَعْنى: أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهم مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَهو بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وبِتَقْدِيرِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يُضِيفُونَ الحَوادِثَ إلى الأسْبابِ المَحْسُوسَةِ ويَقْطَعُونَها عَنْ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ، والحَقُّ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ، فَهو إمّا واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ أوْ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ واحِدٌ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ، فَإسْنادُها إلى غَيْرِ اللَّهِ يَكُونُ جَهْلًا بِكَمالِ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:131
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
صفحة ١٧٥
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ لا جَرَمَ بَدَأ هَهُنا بِذِكْرِ ما أنْزَلَهُ بِفِرْعَوْنَ وبِقَوْمِهِ مِنَ المِحَنِ حالًا بَعْدَ حالٍ، إلى أنْ وصَلَ الأمْرُ إلى الهَلاكِ تَنْبِيهًا لِلْمُكَلَّفِينَ عَلى الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ والتَّمَسُّكِ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، خَوْفًا مِن نُزُولِ هَذِهِ المِحَنِ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: السِّنِينَ جَمْعُ السَّنَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: السَّنَةُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: يُرادُ بِها الحَوْلُ والعامُ.
والآخَرُ: يُرادُ بِها الجَدْبُ، وهو خِلافُ الخِصْبِ.
فَمِمّا أُرِيدَ بِهِ الجَدْبُ: هَذِهِ الآيَةُ وقَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينًا كَسِنِي يُوسُفَ» وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنّا لا نَقَعُ في عامِ السَّنَةِ، فَلَمّا كانَتِ السَّنَةُ يُعْنى بِها الجَدْبُ، اشْتَقُّوا مِنها كَما يُشْتَقُّ مِنَ الجَدَبِ. ويُقالُ: أسْنَتُوا كَما يُقالُ: أجْدَبُوا، قالَ الشّاعِرُ:
ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
قالَ أبُو زَيْدٍ: بَعْضُ العَرَبِ تَقُولُ: هَذِهِ سِنِينٌ، ورَأيْتُ سِنِينًا، فَتُعْرِبُ النُّونَ. ونَحْوَهُ قالَ الفَرّاءُ: ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
دَعانِيَ مِن نَجْدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ ∗∗∗ لَعِبْنَ بِنا شَيْبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدًا
قالَ الزَّجّاجُ: السِّنِينُ في كَلامِ العَرَبِ: الجُدُوبُ، يُقالُ مَسَّتْهُمُ السَّنَةُ، ومَعْناهُ: جَدْبُ السَّنَةِ وشِدَّةُ السَّنَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ يُرِيدُ الجُوعَ والقَحْطَ عامًا بَعْدَ عامٍ، فالسُّنُونُ لِأهْلِ البَوادِي ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ لِأهْلِ القُرى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ المَضارَّ لِأجْلِ أنْ يَرْجِعُوا عَنْ طَرِيقَةِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ إلى الِانْقِيادِ والعُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحْوالَ الشِّدَّةِ تُرَقِّقُ القَلْبَ وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللَّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ إرادَةً مِنهُ أنْ يَتَذَكَّرُوا، لا أنْ يُقِيمُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.
أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ لَفْظُ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ في القُرْآنِ، لا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَمْتَحِنُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى عامَلَهم مُعامَلَةً تُشْبِهُ الِابْتِلاءَ والِامْتِحانَ، فَكَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم عِنْدَ نُزُولِ تِلْكَ المِحَنِ عَلَيْهِمْ يُقْدِمُونَ عَلى ما يَزِيدُ في كُفْرِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالحَسَنَةِ العُشْبَ والخِصْبَ والثِّمارَ والمَواشِيَ والسَّعَةَ في الرِّزْقِ والعافِيَةَ والسَّلامَةَ و﴿قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيْ نَحْنُ مُسْتَحِقُّونَ عَلى العادَةِ الَّتِي جَرَتْ مِن كَثْرَةِ نِعَمِنا وسَعَةِ أرْزاقِنا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَيَشْكُرُوهُ عَلَيْهِ ويَقُومُوا بِحَقِّ النِّعْمَةِ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾
صفحة ١٧٦
يُرِيدُ القَحْطَ والجَدْبَ والمَرَضَ والضُّرَّ والبَلاءَ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ أيْ يَتَشاءَمُوا بِهِ، ويَقُولُوا: إنَّما أصابَنا هَذا الشَّرُّ بِشُؤْمِ مُوسى وقَوْمِهِ، والتَّطَيُّرُ: التَّشاؤُمُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ هو في الأصْلِ يَتَطَيَّرُوا، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ؛ لِأنَّهُما مِن مَكانٍ واحِدٍ مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا، وقَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ في الطّائِرِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ شُؤْمَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أيْ مِن قِبَلِ اللَّهِ، أيْ إنَّما جاءَهُمُ الشَّرُّ بِقَضاءِ اللَّهِ وحُكْمِهِ، فالطّائِرُ هَهُنا الشُّؤْمُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ ثَمُودَ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧] قالَ الفَرّاءُ: وقَدْ تَشاءَمَتِ اليَهُودُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا: غَلَتْ أسْعارُنا وقَلَّتْ أمْطارُنا مُذْ أتانا، قالَ الأزْهَرِيُّ: وقِيلَ لِلشُّؤْمِ: طائِرٌ وطَيْرٌ وطِيرَةٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانَ مِن شَأْنِها عِيافَةُ الطَّيْرِ وزَجْرُها، والتَّطَيُّرُ بِبارِحِها، ونَعِيقِ غِرْبانِها، وأخْذِها ذاتِ اليَسارِ إذا أثارُوها، فَسَمَّوُا الشُّؤْمَ طَيْرًا وطائِرًا وطِيَرَةً؛ لِتَشاؤُمِهِمْ بِها.
ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ أنَّ طِيَرَتَهم باطِلَةٌ، فَقالَ: «لا طِيَرَةَ ولا هامَ» وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَفاءَلُ ولا يَتَطَيَّرُ. وأصْلُ الفَأْلِ الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ، وكانَتِ العَرَبُ مَذْهَبُها في الفَأْلِ والطِّيَرَةِ واحِدٌ، فَأثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ الفَأْلَ وأبْطَلَ الطِّيَرَةَ. قالَ مُحَمَّدٌ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولا بُدَّ مِن ذِكْرِ فَرْقٍ بَيْنَ البابَيْنِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأرْواحَ الإنْسانِيَّةَ أصْفى وأقْوى مِنَ الأرْواحِ البَهِيمِيَّةِ والطَّيْرِيَّةِ. فالكَلِمَةُ الَّتِي تَجْرِي عَلى لِسانِ الإنْسانِ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِها بِخِلافِ طَيَرانِ الطَّيْرِ وحَرَكاتِ البَهائِمِ، فَإنَّ أرْواحَها ضَعِيفَةٌ، فَلا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الطّائِرِ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ حَظُّهم. وهو ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّما طائِرُهم ما قُضِيَ عَلَيْهِمْ وقُدِّرَ لَهم. والعَرَبُ تَقُولُ: أطَرْتُ المالَ وطَيَّرْتُهُ بَيْنَ القَوْمِ، فَطارَ لِكُلٍّ مِنهم سَهْمُهُ، أيْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ السَّهْمُ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، المَعْنى: أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهم مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَهو بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وبِتَقْدِيرِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يُضِيفُونَ الحَوادِثَ إلى الأسْبابِ المَحْسُوسَةِ ويَقْطَعُونَها عَنْ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ، والحَقُّ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ، فَهو إمّا واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ أوْ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ واحِدٌ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ، فَإسْنادُها إلى غَيْرِ اللَّهِ يَكُونُ جَهْلًا بِكَمالِ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:132
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ .
صفحة ١٧٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى أنَّهم لِجَهْلِهِمْ أسْنَدُوا حَوادِثَ هَذا العالَمِ لا إلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ، فَحَكى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا آخَرَ مِن أنْواعِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، وهو أنَّهم لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ المُعْجِزاتِ وبَيْنَ السِّحْرِ، وجَعَلُوا جُمْلَةَ الآياتِ مِثْلَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً مِن بابِ السِّحْرِ مِنهم، وقالُوا لِمُوسى: إنّا لا نَقْبَلُ شَيْئًا مِنها البَتَّةَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَلِمَةِ ”مَهْما“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ أصْلَها ”ما ما“ الأُولى هي ”ما“ الجَزاءُ، والثّانِيَةُ هي الَّتِي تُزادُ تَوْكِيدًا لِلْجَزاءِ، كَما تُزادُ في سائِرِ حُرُوفِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: إمّا ومِمّا وكَيْفَما، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وهو كَقَوْلِكَ: إنْ تَثْقَفَنَّهم، ثُمَّ أبْدَلُوا مِن ألْفِ ”ما“ الأُولى ”ها“ كَراهَةً لِتَكْرارِ اللَّفْظِ، فَصارَ ”مَهْما“ هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ والبَصْرِيِّينَ.
والثّانِي - وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ -: الأصْلُ ”مَهِ“ الَّتِي بِمَعْنى الكَفِّ، أيِ ”اكْفُفْ“ دَخَلَتْ عَلى ”ما“ الَّتِي لِلْجَزاءِ، كَأنَّهم قالُوا: اكْفُفْ ما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ فَهو كَذا وكَذا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا لِمُوسى: مَهْما أتَيْتَنا بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ، فَهي عِنْدَنا مِن بابِ السِّحْرِ، ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِها البَتَّةَ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا حَدِيدًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا عَلَيْهِمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ الدّائِمَ لَيْلًا ونَهارًا سَبْتًا إلى سَبْتٍ، حَتّى كانَ الرَّجُلُ مِنهم لا يَرى شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِن دارِهِ وجاءَهُمُ الغَرَقُ، فَصَرَخُوا إلى فِرْعَوْنَ واسْتَغاثُوا بِهِ، فَأرْسَلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: اكْشِفْ عَنّا العَذابَ فَقَدْ صارَتْ مِصْرُ بَحْرًا واحِدًا، فَإنْ كَشَفْتَ هَذا العَذابَ آمَنّا بِكَ، فَأزالَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ، وأرْسَلَ الرِّياحَ فَجَفَّفَتِ الأرْضَ، وخَرَجَ مِنَ النَّباتِ ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ. فَقالُوا: هَذا الَّذِي جَزِعْنا مِنهُ خَيْرٌ لَنا، لَكِنّا لَمْ نَشْعُرْ، فَلا واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ فَنَكَثُوا العَهْدَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَرادَ، فَأكَلَ النَّباتَ وعَظُمَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ حَتّى صارَتْ عِنْدَ طَيَرانِها تُغَطِّي الشَّمْسَ، ووَقَعَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ في الأرْضِ ذِراعًا، فَأكَلَتِ النَّباتَ، فَصَرَخَ أهْلُ مِصْرَ، فَدَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا فاحْتَمَلَتِ الجَرادَ، فَألْقَتْهُ في البَحْرِ، فَنَظَرَ أهْلُ مِصْرَ إلى أنَّ بَقِيَّةً مِن كَلَئِهِمْ وزَرْعِهِمْ تَكْفِيهِمْ. فَقالُوا: هَذا الَّذِي بَقِيَ يَكْفِينا ولا نُؤْمِنُ بِكَ. فَأرْسَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ، سَبْتًا إلى سَبْتٍ، فَلَمْ يَبْقَ في أرْضِهِمْ عُودًا أخْضَرَ إلّا أكْلَتْهُ، فَصاحُوا وسَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْها رِيحًا حارَّةً فَأحْرَقَتْها، واحْتَمَلَتْها الرِّيحُ فَألْقَتْها في البَحْرِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنَ البَحْرِ مِثْلَ اللَّيْلِ الدّامِسِ، ووَقَعَ في الثِّيابِ والأطْعِمَةِ، فَكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَسْقُطُ وعَلى رَأْسِهِ ذِراعٌ مِنَ الضَّفادِعِ، فَصَرَخُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَلَفُوا بِإلَهِهِ لَئِنْ رَفَعْتَ عَنّا هَذا العَذابَ لَنُؤْمِنَنَّ بِكَ، فَدَعا اللَّهُ تَعالى فَأماتَ الضَّفادِعَ، وأرْسَلَ عَلَيْها المَطَرَ فَحَمَلَتْها إلى البَحْرِ، ثُمَّ أظْهَرُوا الكُفْرَ والفَسادَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ فَجَرَتْ أنْهارُهم دَمًا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى الماءِ العَذْبِ، وبَنُو إسْرائِيلَ يَجِدُونَ الماءَ العَذْبَ الطَّيِّبَ حَتّى بَلَغَ مِنهُمُ الجُهْدُ، فَصَرَخُوا ورَكِبَ فِرْعَوْنُ وأشْرافُ قَوْمِهِ إلى أنْهارِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَجَعَلَ يَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنهُمُ النَّهْرَ، فَإذا اغْتَرَفَ صارَ في يَدِهِ دَمًا، ومَكَثُوا سَبْعَةَ أيّامٍ في ذُلٍّ لا يَشْرَبُونَ إلّا الدَّمَ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. فَهَذا هو القَوْلُ المَرْضِيُّ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ وقَعَ في أكْثَرِها اخْتِلافاتٌ. أمّا الطُّوفانُ فَقالَ الزَّجّاجُ: الطُّوفانُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ما كانَ كَثِيرًا مُحِيطًا مُطْبِقًا بِالقَوْمِ كُلِّهِمْ، كالغَرَقِ الَّذِي يَشْمَلُ المُدُنَ الكَثِيرَةَ، فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: طُوفانٌ، وكَذَلِكَ القَتْلُ الذَّرِيعُ طُوفانٌ، والمَوْتُ الجارِفُ طُوفانٌ. وقالَ الأخْفَشُ: هو فُعْلانٌ مِنَ
صفحة ١٧٨
الطَّوْفِ؛ لِأنَّهُ يَطُوفُ بِالشَّيْءِ حَتّى يَعُمَّ، قالَ: وواحِدُهُ في القِياسِ طُوفانَةٌ. وقالَ المُبَرِّدُ: الطُّوفانُ مَصْدَرٌ مِثْلُ ”الرُّجْحانِ والنُّقْصانِ“ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يَطْلُبَ لَهُ واحِدًا.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ هَذا الطُّوفانَ هو المَطَرُ الكَثِيرُ عَلى ما رُوِّيناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الطُّوفانُ هو المَوْتُ، ورَوى الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِإسْنادِهِ خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الطُّوفانُ هو المَوْتُ» “ . وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهم لَوْ أُمِيتُوا لَمْ يَكُنْ لِإرْسالِ سائِرِ أنْواعِ العَذابِ عَلَيْهِمْ فائِدَةٌ، بَلْ لَوْ صَحَّ هَذا الخَبَرُ لَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ المَوْتِ عَلى حُصُولِ أسْبابِ المَوْتِ، مِثْلَ المَطَرِ الشَّدِيدِ والسَّيْلِ العَظِيمِ وغَيْرِهِما، وأمّا الجَرادُ، فَهو مَعْرُوفٌ والواحِدَةُ جَرادَةٌ، ونَبْتٌ مَجْرُودٌ قَدْ أكَلَ الجَرادُ ورَقَهُ. وقالَ اللِّحْيانِيُّ: أرْضٌ جَرْدَةٌ ومَجْرُودَةٌ قَدْ لَحَسَها الجَرادُ، وإذا أصابَ الجَرادُ الزَّرْعَ قِيلَ: جَرَدَ الزَّرْعَ، وأصْلُ هَذا كُلُّهُ مِنَ الجَرْدِ، وهو أخْذُكَ الشَّيْءَ عَنِ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ النَّحْتِ والسَّحْقِ، ومِنهُ يُقالُ لِلثَّوْبِ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ وبَرُهُ: جَرْدٌ، وأرْضٌ جَرِدَةٌ لا نَباتَ فِيها، وأمّا القُمَّلُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هو الدَّبى الصِّغارُ الَّذِي لا أجْنِحَةَ لَهُ، وهي بَناتُ الجَرادِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كانَ إلى جَنْبِهِمْ كَثِيبٌ أعْفَرُ، فَضَرَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَصاهُ، فَصارَ قُمَّلًا، فَأخَذَتْ في أبْشارِهِمْ وأشْعارِهِمْ وأشْفارِ عُيُونِهِمْ وحَواجِبِهِمْ، ولَزِمَ جُلُودَهم كَأنَّهُ الجُدَرِيُّ، فَصاحُوا وصَرَخُوا وفَزِعُوا إلى مُوسى فَرَفَعَ عَنْهم، فَقالُوا: قَدْ تَيَقَّنّا الآنَ أنَّكَ ساحِرٌ عَلِيمٌ، وعِزَّةِ فِرْعَوْنَ لا نُؤْمِنُ بِكَ أبَدًا. وقَرَأ الحَسَنُ ”والقَمْلَ“ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، يُرِيدُ القَمْلَ المَعْرُوفَ. وأمّا الدَّمُ فَما ذَكَرْناهُ. ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ قِيلَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ. ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ فِيهِمْ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمْ هَذِهِ الآياتِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ مُبَيَّناتٍ ظاهِراتٍ لا يُشْكِلُ عَلى عاقِلٍ أنَّها مِن آياتِ اللَّهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ.
وثانِيها: ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ فُصِلَ بَيْنَ بَعْضِها وبَعْضٍ بِزَمانٍ يَمْتَحِنُ فِيهِ أحْوالَهم ويَنْظُرُ أيَقْبَلُونَ الحُجَّةَ والدَّلِيلَ، أوْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الخِلافِ والتَّقْلِيدِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ العَذابُ يَبْقى عَلَيْهِمْ مِنَ السَّبْتِ إلى السَّبْتِ وبَيْنَ العَذابِ إلى العَذابِ شَهْرٌ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: (آياتٍ) مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ يُرِيدُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى الجُرْمِ والذَّنْبِ. ونَقَلَ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ المَذْكُورَةَ مِنَ العَذابِ كانَتْ عِنْدَ وُقُوعِها مُخْتَصَّةً بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ مِنها في أمانٍ وفَراغٍ. ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها فَهو في نَفْسِهِ مُعْجِزٌ، واخْتِصاصُهُ بِالقِبْطِيِّ دُونَ الإسْرائِيلِيِّ مُعْجِزٌ آخَرُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ أُولَئِكَ الأقْوامِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ، فَما الفائِدَةُ في تَوالِيها وإظْهارِ الكَثِيرِ مِنها ؟ وأيْضًا فَقَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ طَلَبُوا المُعْجِزاتِ فَما أُجِيبُوا، فَما الفَرْقُ ؟ .
والجَوابُ: أمّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا فَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في رِعايَةِ الصَّلاحِ، فَلَعَلَّهُ عَلِمَ مِن قَوْمِ مُوسى أنَّ بَعْضَهم كانَ يُؤْمِنُ عِنْدَ ظُهُورِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةِ، وعَلِمَ مِن قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ أحَدًا مِنهم لا يَزْدادُ بَعْدَ ظُهُورِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ إلّا كُفْرًا وعِنادًا، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:133
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ .
صفحة ١٧٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى أنَّهم لِجَهْلِهِمْ أسْنَدُوا حَوادِثَ هَذا العالَمِ لا إلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ، فَحَكى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا آخَرَ مِن أنْواعِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، وهو أنَّهم لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ المُعْجِزاتِ وبَيْنَ السِّحْرِ، وجَعَلُوا جُمْلَةَ الآياتِ مِثْلَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً مِن بابِ السِّحْرِ مِنهم، وقالُوا لِمُوسى: إنّا لا نَقْبَلُ شَيْئًا مِنها البَتَّةَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَلِمَةِ ”مَهْما“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ أصْلَها ”ما ما“ الأُولى هي ”ما“ الجَزاءُ، والثّانِيَةُ هي الَّتِي تُزادُ تَوْكِيدًا لِلْجَزاءِ، كَما تُزادُ في سائِرِ حُرُوفِ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: إمّا ومِمّا وكَيْفَما، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وهو كَقَوْلِكَ: إنْ تَثْقَفَنَّهم، ثُمَّ أبْدَلُوا مِن ألْفِ ”ما“ الأُولى ”ها“ كَراهَةً لِتَكْرارِ اللَّفْظِ، فَصارَ ”مَهْما“ هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ والبَصْرِيِّينَ.
والثّانِي - وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ -: الأصْلُ ”مَهِ“ الَّتِي بِمَعْنى الكَفِّ، أيِ ”اكْفُفْ“ دَخَلَتْ عَلى ”ما“ الَّتِي لِلْجَزاءِ، كَأنَّهم قالُوا: اكْفُفْ ما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ فَهو كَذا وكَذا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا لِمُوسى: مَهْما أتَيْتَنا بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ، فَهي عِنْدَنا مِن بابِ السِّحْرِ، ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِها البَتَّةَ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا حَدِيدًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا عَلَيْهِمْ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ الدّائِمَ لَيْلًا ونَهارًا سَبْتًا إلى سَبْتٍ، حَتّى كانَ الرَّجُلُ مِنهم لا يَرى شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِن دارِهِ وجاءَهُمُ الغَرَقُ، فَصَرَخُوا إلى فِرْعَوْنَ واسْتَغاثُوا بِهِ، فَأرْسَلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: اكْشِفْ عَنّا العَذابَ فَقَدْ صارَتْ مِصْرُ بَحْرًا واحِدًا، فَإنْ كَشَفْتَ هَذا العَذابَ آمَنّا بِكَ، فَأزالَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ، وأرْسَلَ الرِّياحَ فَجَفَّفَتِ الأرْضَ، وخَرَجَ مِنَ النَّباتِ ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ. فَقالُوا: هَذا الَّذِي جَزِعْنا مِنهُ خَيْرٌ لَنا، لَكِنّا لَمْ نَشْعُرْ، فَلا واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ فَنَكَثُوا العَهْدَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَرادَ، فَأكَلَ النَّباتَ وعَظُمَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ حَتّى صارَتْ عِنْدَ طَيَرانِها تُغَطِّي الشَّمْسَ، ووَقَعَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ في الأرْضِ ذِراعًا، فَأكَلَتِ النَّباتَ، فَصَرَخَ أهْلُ مِصْرَ، فَدَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا فاحْتَمَلَتِ الجَرادَ، فَألْقَتْهُ في البَحْرِ، فَنَظَرَ أهْلُ مِصْرَ إلى أنَّ بَقِيَّةً مِن كَلَئِهِمْ وزَرْعِهِمْ تَكْفِيهِمْ. فَقالُوا: هَذا الَّذِي بَقِيَ يَكْفِينا ولا نُؤْمِنُ بِكَ. فَأرْسَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ، سَبْتًا إلى سَبْتٍ، فَلَمْ يَبْقَ في أرْضِهِمْ عُودًا أخْضَرَ إلّا أكْلَتْهُ، فَصاحُوا وسَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْها رِيحًا حارَّةً فَأحْرَقَتْها، واحْتَمَلَتْها الرِّيحُ فَألْقَتْها في البَحْرِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنَ البَحْرِ مِثْلَ اللَّيْلِ الدّامِسِ، ووَقَعَ في الثِّيابِ والأطْعِمَةِ، فَكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَسْقُطُ وعَلى رَأْسِهِ ذِراعٌ مِنَ الضَّفادِعِ، فَصَرَخُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَلَفُوا بِإلَهِهِ لَئِنْ رَفَعْتَ عَنّا هَذا العَذابَ لَنُؤْمِنَنَّ بِكَ، فَدَعا اللَّهُ تَعالى فَأماتَ الضَّفادِعَ، وأرْسَلَ عَلَيْها المَطَرَ فَحَمَلَتْها إلى البَحْرِ، ثُمَّ أظْهَرُوا الكُفْرَ والفَسادَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ فَجَرَتْ أنْهارُهم دَمًا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى الماءِ العَذْبِ، وبَنُو إسْرائِيلَ يَجِدُونَ الماءَ العَذْبَ الطَّيِّبَ حَتّى بَلَغَ مِنهُمُ الجُهْدُ، فَصَرَخُوا ورَكِبَ فِرْعَوْنُ وأشْرافُ قَوْمِهِ إلى أنْهارِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَجَعَلَ يَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنهُمُ النَّهْرَ، فَإذا اغْتَرَفَ صارَ في يَدِهِ دَمًا، ومَكَثُوا سَبْعَةَ أيّامٍ في ذُلٍّ لا يَشْرَبُونَ إلّا الدَّمَ. فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. فَهَذا هو القَوْلُ المَرْضِيُّ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ وقَعَ في أكْثَرِها اخْتِلافاتٌ. أمّا الطُّوفانُ فَقالَ الزَّجّاجُ: الطُّوفانُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ما كانَ كَثِيرًا مُحِيطًا مُطْبِقًا بِالقَوْمِ كُلِّهِمْ، كالغَرَقِ الَّذِي يَشْمَلُ المُدُنَ الكَثِيرَةَ، فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: طُوفانٌ، وكَذَلِكَ القَتْلُ الذَّرِيعُ طُوفانٌ، والمَوْتُ الجارِفُ طُوفانٌ. وقالَ الأخْفَشُ: هو فُعْلانٌ مِنَ
صفحة ١٧٨
الطَّوْفِ؛ لِأنَّهُ يَطُوفُ بِالشَّيْءِ حَتّى يَعُمَّ، قالَ: وواحِدُهُ في القِياسِ طُوفانَةٌ. وقالَ المُبَرِّدُ: الطُّوفانُ مَصْدَرٌ مِثْلُ ”الرُّجْحانِ والنُّقْصانِ“ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يَطْلُبَ لَهُ واحِدًا.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ هَذا الطُّوفانَ هو المَطَرُ الكَثِيرُ عَلى ما رُوِّيناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الطُّوفانُ هو المَوْتُ، ورَوى الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِإسْنادِهِ خَبَرًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الطُّوفانُ هو المَوْتُ» “ . وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهم لَوْ أُمِيتُوا لَمْ يَكُنْ لِإرْسالِ سائِرِ أنْواعِ العَذابِ عَلَيْهِمْ فائِدَةٌ، بَلْ لَوْ صَحَّ هَذا الخَبَرُ لَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ المَوْتِ عَلى حُصُولِ أسْبابِ المَوْتِ، مِثْلَ المَطَرِ الشَّدِيدِ والسَّيْلِ العَظِيمِ وغَيْرِهِما، وأمّا الجَرادُ، فَهو مَعْرُوفٌ والواحِدَةُ جَرادَةٌ، ونَبْتٌ مَجْرُودٌ قَدْ أكَلَ الجَرادُ ورَقَهُ. وقالَ اللِّحْيانِيُّ: أرْضٌ جَرْدَةٌ ومَجْرُودَةٌ قَدْ لَحَسَها الجَرادُ، وإذا أصابَ الجَرادُ الزَّرْعَ قِيلَ: جَرَدَ الزَّرْعَ، وأصْلُ هَذا كُلُّهُ مِنَ الجَرْدِ، وهو أخْذُكَ الشَّيْءَ عَنِ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ النَّحْتِ والسَّحْقِ، ومِنهُ يُقالُ لِلثَّوْبِ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ وبَرُهُ: جَرْدٌ، وأرْضٌ جَرِدَةٌ لا نَباتَ فِيها، وأمّا القُمَّلُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: هو الدَّبى الصِّغارُ الَّذِي لا أجْنِحَةَ لَهُ، وهي بَناتُ الجَرادِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كانَ إلى جَنْبِهِمْ كَثِيبٌ أعْفَرُ، فَضَرَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَصاهُ، فَصارَ قُمَّلًا، فَأخَذَتْ في أبْشارِهِمْ وأشْعارِهِمْ وأشْفارِ عُيُونِهِمْ وحَواجِبِهِمْ، ولَزِمَ جُلُودَهم كَأنَّهُ الجُدَرِيُّ، فَصاحُوا وصَرَخُوا وفَزِعُوا إلى مُوسى فَرَفَعَ عَنْهم، فَقالُوا: قَدْ تَيَقَّنّا الآنَ أنَّكَ ساحِرٌ عَلِيمٌ، وعِزَّةِ فِرْعَوْنَ لا نُؤْمِنُ بِكَ أبَدًا. وقَرَأ الحَسَنُ ”والقَمْلَ“ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، يُرِيدُ القَمْلَ المَعْرُوفَ. وأمّا الدَّمُ فَما ذَكَرْناهُ. ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ قِيلَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ. ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ فِيهِمْ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمْ هَذِهِ الآياتِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ مُبَيَّناتٍ ظاهِراتٍ لا يُشْكِلُ عَلى عاقِلٍ أنَّها مِن آياتِ اللَّهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ.
وثانِيها: ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ فُصِلَ بَيْنَ بَعْضِها وبَعْضٍ بِزَمانٍ يَمْتَحِنُ فِيهِ أحْوالَهم ويَنْظُرُ أيَقْبَلُونَ الحُجَّةَ والدَّلِيلَ، أوْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الخِلافِ والتَّقْلِيدِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ العَذابُ يَبْقى عَلَيْهِمْ مِنَ السَّبْتِ إلى السَّبْتِ وبَيْنَ العَذابِ إلى العَذابِ شَهْرٌ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: (آياتٍ) مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ يُرِيدُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى الجُرْمِ والذَّنْبِ. ونَقَلَ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ المَذْكُورَةَ مِنَ العَذابِ كانَتْ عِنْدَ وُقُوعِها مُخْتَصَّةً بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ مِنها في أمانٍ وفَراغٍ. ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها فَهو في نَفْسِهِ مُعْجِزٌ، واخْتِصاصُهُ بِالقِبْطِيِّ دُونَ الإسْرائِيلِيِّ مُعْجِزٌ آخَرُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ أُولَئِكَ الأقْوامِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ، فَما الفائِدَةُ في تَوالِيها وإظْهارِ الكَثِيرِ مِنها ؟ وأيْضًا فَقَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ طَلَبُوا المُعْجِزاتِ فَما أُجِيبُوا، فَما الفَرْقُ ؟ .
والجَوابُ: أمّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا فَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في رِعايَةِ الصَّلاحِ، فَلَعَلَّهُ عَلِمَ مِن قَوْمِ مُوسى أنَّ بَعْضَهم كانَ يُؤْمِنُ عِنْدَ ظُهُورِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةِ، وعَلِمَ مِن قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ أحَدًا مِنهم لا يَزْدادُ بَعْدَ ظُهُورِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ إلّا كُفْرًا وعِنادًا، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:134
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا مَعْنى الرِّجْزِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو اسْمٌ لِلْعَذابِ، ثُمَّ إنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الرِّجْزِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الأنْواعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي كانَ نازِلًا بِهِمْ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ”الرِّجْزُ“ مَعْناهُ: الطّاعُونُ، وهو العَذابُ الَّذِي أصابَهم فَماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ سَبْعُونَ ألْفَ إنْسانٍ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَتُرِكُوا غَيْرَ مَدْفُونِينَ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أقْوى؛ لِأنَّ لَفْظَ ”الرِّجْزِ“ لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِالألِفِ واللّامِ، فَيَنْصَرِفُ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وهَهُنا المَعْهُودُ السّابِقُ هو الأنْواعُ الخَمْسَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأمّا غَيْرُها فَمَشْكُوكٌ فِيهِ، فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المَعْلُومِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَشْكُوكِ فِيهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المُناقَضَةِ القَبِيحَةِ؛ لِأنَّهم تارَةً يُكَذِّبُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُخْرى عِنْدَ الشَّدائِدِ يَفْزَعُونَ إلَيْهِ فَزَعَ الأُمَّةِ إلى نَبِيِّها، ويَسْألُونَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ رَفْعَ ذَلِكَ العَذابِ عَنْهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهم سَلَّمُوا إلَيْهِ كَوْنَهُ نَبِيًّا مُجابَ الدَّعْوَةِ، ثُمَّ بَعْدَ زَوالِ تِلْكَ الشَّدائِدِ يَعُودُونَ إلى تَكْذِيبِهِ والطَّعْنِ فِيهِ، وأنَّهُ إنَّما يَصِلُ إلى مُطالَبَةٍ بِسِحْرِهِ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ أنَّهم يُناقِضُونَ أنْفُسَهم في هَذِهِ الأقاوِيلِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ والمَعْنى: بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ وهو النُّبُوَّةُ، وفي هَذِهِ الباءِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ والتَّقْدِيرُ ”ادْعُ لَنا“ مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ.
والوَجْهُ الثّانِي: في هَذِهِ الباءِ أنْ تَكُونَ قَسَمًا وجَوابُها قَوْلُهُ: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ أيْ أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كانُوا قَدْ أخَذُوا بَنِي إسْرائِيلَ بِالكَدِّ الشَّدِيدِ، فَوَعَدُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى دُعائِهِ بِكَشْفِ العَذابِ عَنْهُمُ الإيمانَ بِهِ، والتَّخْلِيَةَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ وإرْسالَهم مَعَهُ يَذْهَبُ بِهِمْ أيْنَ شاءَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ المَعْنى أنّا ما أزَلْنا عَنْهُمُ العَذابَ مُطْلَقًا، وما كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ في جَمِيعِ الوَقائِعِ، بَلْ إنَّما أزَلْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أجَلٍ مُعَيَّنٍ، وعِنْدَ ذَلِكَ الأجَلِ لا نُزِيلُ عَنْهُمُ العَذابَ بَلْ نُهْلِكُهم بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ هو جَوابٌ لِ ”ما“، يَعْنِي فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهم فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ كَما كَشَفْنا عَنْهم نَكَثُوا.
الأعراف 7:135
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا مَعْنى الرِّجْزِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو اسْمٌ لِلْعَذابِ، ثُمَّ إنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الرِّجْزِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الأنْواعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي كانَ نازِلًا بِهِمْ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ”الرِّجْزُ“ مَعْناهُ: الطّاعُونُ، وهو العَذابُ الَّذِي أصابَهم فَماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ سَبْعُونَ ألْفَ إنْسانٍ في يَوْمٍ واحِدٍ، فَتُرِكُوا غَيْرَ مَدْفُونِينَ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أقْوى؛ لِأنَّ لَفْظَ ”الرِّجْزِ“ لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِالألِفِ واللّامِ، فَيَنْصَرِفُ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وهَهُنا المَعْهُودُ السّابِقُ هو الأنْواعُ الخَمْسَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأمّا غَيْرُها فَمَشْكُوكٌ فِيهِ، فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المَعْلُومِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَشْكُوكِ فِيهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المُناقَضَةِ القَبِيحَةِ؛ لِأنَّهم تارَةً يُكَذِّبُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُخْرى عِنْدَ الشَّدائِدِ يَفْزَعُونَ إلَيْهِ فَزَعَ الأُمَّةِ إلى نَبِيِّها، ويَسْألُونَهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ رَفْعَ ذَلِكَ العَذابِ عَنْهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهم سَلَّمُوا إلَيْهِ كَوْنَهُ نَبِيًّا مُجابَ الدَّعْوَةِ، ثُمَّ بَعْدَ زَوالِ تِلْكَ الشَّدائِدِ يَعُودُونَ إلى تَكْذِيبِهِ والطَّعْنِ فِيهِ، وأنَّهُ إنَّما يَصِلُ إلى مُطالَبَةٍ بِسِحْرِهِ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ أنَّهم يُناقِضُونَ أنْفُسَهم في هَذِهِ الأقاوِيلِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ والمَعْنى: بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ وهو النُّبُوَّةُ، وفي هَذِهِ الباءِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ والتَّقْدِيرُ ”ادْعُ لَنا“ مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ.
والوَجْهُ الثّانِي: في هَذِهِ الباءِ أنْ تَكُونَ قَسَمًا وجَوابُها قَوْلُهُ: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ أيْ أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كانُوا قَدْ أخَذُوا بَنِي إسْرائِيلَ بِالكَدِّ الشَّدِيدِ، فَوَعَدُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى دُعائِهِ بِكَشْفِ العَذابِ عَنْهُمُ الإيمانَ بِهِ، والتَّخْلِيَةَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ وإرْسالَهم مَعَهُ يَذْهَبُ بِهِمْ أيْنَ شاءَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ المَعْنى أنّا ما أزَلْنا عَنْهُمُ العَذابَ مُطْلَقًا، وما كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ في جَمِيعِ الوَقائِعِ، بَلْ إنَّما أزَلْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أجَلٍ مُعَيَّنٍ، وعِنْدَ ذَلِكَ الأجَلِ لا نُزِيلُ عَنْهُمُ العَذابَ بَلْ نُهْلِكُهم بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ هو جَوابٌ لِ ”ما“، يَعْنِي فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهم فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ كَما كَشَفْنا عَنْهم نَكَثُوا.
الأعراف 7:136
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَعْنى أنَّهُ تَعالى، لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ مِن قَبْلُ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ ولَمْ يَمْتَنِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ، ثُمَّ بَلَغُوا الأجَلَ المُؤَقَّتَ انْتَقَمَ مِنهم بِأنْ أهْلَكَهم بِالغَرَقِ. والِانْتِقامُ في اللُّغَةِ سَلْبُ النِّعْمَةِ بِالعَذابِ، واليَمُّ البَحْرُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اليَمُّ: البَحْرُ الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّةُ البَحْرِ ومُعْظَمُ مائِهِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ التَّيَمُّمِ؛ لِأنَّ المُسْتَقِينَ بِهِ يَقْصِدُونَهُ. وبَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أنَّ ذَلِكَ الِانْتِقامَ هو لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ اخْتَلَفُوا في الكِنايَةِ في ”عَنْها“ . فَقِيلَ: إنَّها عائِدَةٌ إلى النِّقْمَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿انْتَقَمْنا﴾ والمَعْنى: وكانُوا عَنِ النِّقْمَةِ قَبْلَ حُلُولِها غافِلِينَ، وقِيلَ: الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الآياتِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قالَ: لِأنَّهم كانُوا لا يَعْتَبِرُونَ بِالآياتِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: الغَفْلَةُ لَيْسَتْ مِن فِعْلِ الإنْسانِ ولا تَحْصُلُ بِاخْتِيارِهِ، فَكَيْفَ جاءَ الوَعِيدُ عَلى الغَفْلَةِ.
قُلْنا: المُرادُ بِالغَفْلَةِ هُنا الإعْراضُ عَنِ الآياتِ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْها، فَهم أعْرَضُوا عَنْها حَتّى صارُوا كالغافِلِينَ عَنْها.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ ضَمُّوا إلى التَّكْذِيبِ والغَفْلَةِ مَعاصِيَ كَثِيرَةً ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ الِانْتِقامُ لِهَذَيْنَ دُونَ غَيْرِهِما.
قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانٌ أنَّهُ تَعالى انْتَقَمَ مِنهم لِهَذَيْنَ مَعًا دَلالَةً عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ في الآياتِ النَّظَرُ فِيها؛ ولِذَلِكَ ذَمَّهم بِأنْ غَفَلُوا عَنْها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ طَرِيقٌ مَذْمُومٌ.
الأعراف 7:137
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ ذَكَرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ قَوْلَهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩] فَهَهُنا لَمّا بَيَّنَ تَعالى إهْلاكَ القَوْمِ بِالغَرَقِ عَلى وجْهِ العُقُوبَةِ، بَيَّنَ ما فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الخَيْراتِ، وهو أنَّهُ تَعالى أوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم فَقالَ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾
صفحة ١٨١
﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ والمُرادُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِضْعافِ أنَّهُ كانَ يُقَتِّلُ أبْناءَهم، ويَسْتَحْيِي نِساءَهم، ويَأْخُذُ مِنهُمُ الجِزْيَةَ، ويَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ فَبَعْضُهم حَمَلَهُ عَلى مَشارِقِ أرْضِ الشّامِ ومِصْرَ ومَغارِبِها؛ لِأنَّها هي الَّتِي كانَتْ تَحْتَ تَصَرُّفِ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ المُرادُ بارَكْنا فِيها بِالخِصْبِ وسَعَةِ الأرْزاقِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأرْضِ الشّامِ.
والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ جُمْلَةُ الأرْضِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن جُمْلَةِ بَنِي إسْرائِيلَ داوُدُ وسُلَيْمانُ قَدْ مَلَكَ الأرْضَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْضَ هَهُنا اسْمُ الجِنْسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قِيلَ: المُرادُ مِن ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، ومَعْنى تَمَّتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ: مَضَتْ عَلَيْهِمْ واسْتَمَرَّتْ، مِن قَوْلِهِمْ: تَمَّ عَلَيْكَ الأمْرُ إذا مَضى عَلَيْكَ. وقِيلَ: مَعْنى تَمامِ الكَلِمَةِ الحُسْنى إنْجازُ الوَعْدِ الَّذِي تَقَدَّمَ بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ واسْتِخْلافِهِمْ في الأرْضِ، وإنَّما كانَ الإنْجازُ تَمامًا لِلْكَلامِ؛ لِأنَّ الوَعْدَ بِالشَّيْءِ يَبْقى كالشَّيْءِ المُعَلَّقِ، فَإذا حَصَلَ المَوْعُودُ بِهِ فَقَدْ تَمَّ لَكَ الوَعْدُ وكَمُلَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أيْ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ التَّمامُ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ، وحَسْبُكَ بِهِ حاثًّا عَلى الصَّبْرِ ودالًّا عَلى أنَّ مَن قابَلَ البَلاءَ بِالجَزَعِ وكَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، ومَن قابَلَهُ بِالصَّبْرِ وانْتِظارِ النَّصْرِ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ الفَرَجَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ ”وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ الحُسْنى“ ونَظِيرُهُ ”﴿مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾“ [النجم: ١٨] . وقَوْلُهُ: ﴿ودَمَّرْنا﴾ قالَ اللَّيْثُ: الدَّمارُ الهَلاكُ التّامُّ. يُقالُ: دُمِّرَ القَوْمُ يُدَمَّرُونَ دَمارًا أيْ هَلَكُوا. وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الصّانِعَ ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ إذا بَنى، قِيلَ: وما كانُوا يَعْرِشُونَ مِنَ الجَنّاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقِيلَ: ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ يَرْفَعُونَ مِنَ الأبْنِيَةِ المُشَيَّدَةِ في السَّماءِ، كَصَرْحِ هامانَ وفِرْعَوْنَ. وقُرِئَ ”يَعْرِشُونَ“ بِالكَسْرِ والضَّمِّ، وذَكَرَ اليَزِيدِيُّ أنَّ الكَسْرَ أفْصَحُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وبَلَغَنِي أنَّهُ قَرَأ بَعْضُ النّاسِ ”يَغْرِسُونَ“ مِن غَرْسِ الأشْجارِ وما أحْسَبُهُ إلّا تَصْحِيفًا مِنهُ، وهَذا آخَرُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:138
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ أهْلَكَ عَدُوَّهم وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم أتْبَعَ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ العُظْمى، وهي أنْ جاوَزَ بِهِمُ البَحْرَ مَعَ السَّلامَةِ، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى في سائِرِ السُّوَرِ كَيْفَ سَيَّرَهم في البَحْرِ مَعَ السَّلامَةِ، وذَلِكَ بِأنْ فَلَقَ البَحْرَ عِنْدَ ضَرْبِ مُوسى البَحْرَ بِالعَصا وجَعْلَهُ يَبَسًا، بَيَّنَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا شاهَدُوا قَوْمًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَةِ أصْنامِهِمْ، جَهِلُوا وارْتَدُّوا وقالُوا لِمُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾، ولا
صفحة ١٨٢
شَكَّ أنَّ القَوْمَ لَمّا شاهَدُوا المُعْجِزاتِ الباهِرَةَ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلى فِرْعَوْنَ، ثُمَّ شاهَدُوا أنَّهُ تَعالى أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْواعِ السَّلامَةِ والكَرامَةِ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ هَذِهِ المَواقِفِ والمَقاماتِ يَذْكُرُونَ هَذا الكَلامَ الفاسِدَ الباطِلَ - كانُوا في نِهايَةِ الجَهْلِ وغايَةِ الخِلافِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ يُقالُ: جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ وخَلَفَهُ وراءَهُ، وجاوَزَ بِغَيْرِهِ: عَبَرَ بِهِ، وقُرِئَ ”جَوَّزْنا“ بِمَعْنى: أجَزْنا. يُقالُ: أجازَ المَكانَ وجَوَّزَهُ بِمَعْنى: جازَهُ ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُلازِمُونَها. يُقالُ لِكُلِّ مَن لَزِمَ شَيْئًا وواظَبَ عَلَيْهِ: عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ، ومِن هَذا قِيلَ لِمُلازِمِ المَسْجِدِ: مُعْتَكِفٌ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ أُولَئِكَ القَوْمُ مِن لَخْمٍ، وكانُوا نُزُولًا بِالرِّيفِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ تِلْكَ الأصْنامُ تَماثِيلَ بَقَرٍ، وذَلِكَ أوَّلُ بَيانِ قِصَّةِ العِجْلِ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يَقُولَ العاقِلُ لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ وخالِقًا ومُدَبِّرًا؛ لِأنَّ الَّذِي يَحْصُلُ بِجَعْلِ مُوسى، وتَقْدِيرُهُ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِلْعالَمِ ومُدَبِّرًا لَهُ، ومَن شَكَّ في ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كامِلَ العَقْلِ. والأقْرَبُ أنَّهم طَلَبُوا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعَيِّنَ لَهم أصْنامًا وتَماثِيلَ يَتَقَرَّبُونَ بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ عَبَدَةِ الأوْثانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ كانَ هَذا القَوْلُ كُفْرًا ؟ فَنَقُولُ: أجْمَعَ كُلُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، سَواءٌ اعْتَقَدَ في ذَلِكَ الغَيْرِ كَوْنَهُ إلَهًا لِلْعالَمِ، أوِ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّ عِبادَتَهُ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ، ونِهايَةُ التَّعْظِيمِ لا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ والإكْرامِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا القَوْلُ صَدَرَ مِن كُلِّ بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن بَعْضِهِمْ ؟
قُلْنا: بَلْ مِن بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ، وكانَ فِيهِمْ مَن يَرْتَفِعُ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ الباطِلِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ أجابَهم فَقالَ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَهْلِ ما ذُكِرَ أنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، فَلا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ غايَةُ الإنْعامِ، وهي بِخَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ والشَّهْوَةِ والقُدْرَةِ والعَقْلِ وخَلْقِ الأشْياءِ المُنْتَفَعِ بِها، والقادِرُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا تَلِيقَ العِبادَةُ إلّا بِهِ.
فَإنْ قالُوا: إذا كانَ مُرادُهم بِعِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ التَّقَرُّبَ بِها إلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، فَما الوَجْهُ في قُبْحِ هَذِهِ العِبادَةِ ؟
قُلْنا: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لَمْ يَتَّخِذُوها آلِهَةً أصْلًا، وإنَّما جَعَلُوها كالقِبْلَةِ، وذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهم: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ كَما ثَبَتَ لَهم آلِهَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وفي قَوْلِهِمْ: (لَهم) ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَيْهِ، و(آلِهَةٌ) بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ، تَقْدِيرُهُ: كالَّذِي هو لَهم آلِهَةٌ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: التَّبارُ: الهَلاكُ. يُقالُ: تَبِرَ الشَّيْءُ يَتْبَرُ تَبارًا، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٩] ويُقالُ لِلذَّهَبِ
صفحة ١٨٣
المُنْكَسِرِ المُتَفَتِّتِ: التِّبْرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ أيْ مُهْلَكٌ مُدَمَّرٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قِيلَ: البُطْلانُ عَدَمُ الشَّيْءِ، إمّا بِعَدَمِ ذاتِهِ أوْ بِعَدَمِ فائِدَتِهِ ومَقْصُودِهِ، والمُرادُ مِن بُطْلانِ عَمَلِهِمْ: أنَّهُ لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ العَمَلِ نَفْعٌ ولا دَفْعُ ضَرَرٍ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ في هَذا البابِ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِبادَةِ أنْ تَصِيرَ المُواظَبَةُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ سَبَبًا لِاسْتِحْكامِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى في القَلْبِ حَتّى تَصِيرَ تِلْكَ الرُّوحُ سَعِيدَةً بِحُصُولِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ فِيها. فَإذا اشْتَغَلَ الإنْسانُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِغَيْرِ اللَّهِ، ويَصِيرُ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ سَبَبًا لِإعْراضِ القَلْبِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وإذا ظَهَرَ هَذا التَّحْقِيقُ ظَهَرَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ مُتَبَّرٌ وباطِلٌ وضائِعٌ، وسَعْيٌ في تَحْصِيلِ ضِدِّ هَذا الشَّيْءِ ونَقِيضِهِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِبادَةِ رُسُوخُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في القَلْبِ، والِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ يُزِيلُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ عَنِ القَلْبِ، فَكانَ هَذا ضِدًّا لِلْغَرَضِ ونَقِيضًا لِلْمَطْلُوبِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:139
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ أهْلَكَ عَدُوَّهم وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم أتْبَعَ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ العُظْمى، وهي أنْ جاوَزَ بِهِمُ البَحْرَ مَعَ السَّلامَةِ، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى في سائِرِ السُّوَرِ كَيْفَ سَيَّرَهم في البَحْرِ مَعَ السَّلامَةِ، وذَلِكَ بِأنْ فَلَقَ البَحْرَ عِنْدَ ضَرْبِ مُوسى البَحْرَ بِالعَصا وجَعْلَهُ يَبَسًا، بَيَّنَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا شاهَدُوا قَوْمًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَةِ أصْنامِهِمْ، جَهِلُوا وارْتَدُّوا وقالُوا لِمُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾، ولا
صفحة ١٨٢
شَكَّ أنَّ القَوْمَ لَمّا شاهَدُوا المُعْجِزاتِ الباهِرَةَ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلى فِرْعَوْنَ، ثُمَّ شاهَدُوا أنَّهُ تَعالى أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْواعِ السَّلامَةِ والكَرامَةِ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ هَذِهِ المَواقِفِ والمَقاماتِ يَذْكُرُونَ هَذا الكَلامَ الفاسِدَ الباطِلَ - كانُوا في نِهايَةِ الجَهْلِ وغايَةِ الخِلافِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ يُقالُ: جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ وخَلَفَهُ وراءَهُ، وجاوَزَ بِغَيْرِهِ: عَبَرَ بِهِ، وقُرِئَ ”جَوَّزْنا“ بِمَعْنى: أجَزْنا. يُقالُ: أجازَ المَكانَ وجَوَّزَهُ بِمَعْنى: جازَهُ ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُلازِمُونَها. يُقالُ لِكُلِّ مَن لَزِمَ شَيْئًا وواظَبَ عَلَيْهِ: عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ، ومِن هَذا قِيلَ لِمُلازِمِ المَسْجِدِ: مُعْتَكِفٌ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ أُولَئِكَ القَوْمُ مِن لَخْمٍ، وكانُوا نُزُولًا بِالرِّيفِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ تِلْكَ الأصْنامُ تَماثِيلَ بَقَرٍ، وذَلِكَ أوَّلُ بَيانِ قِصَّةِ العِجْلِ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يَقُولَ العاقِلُ لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ وخالِقًا ومُدَبِّرًا؛ لِأنَّ الَّذِي يَحْصُلُ بِجَعْلِ مُوسى، وتَقْدِيرُهُ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِلْعالَمِ ومُدَبِّرًا لَهُ، ومَن شَكَّ في ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كامِلَ العَقْلِ. والأقْرَبُ أنَّهم طَلَبُوا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعَيِّنَ لَهم أصْنامًا وتَماثِيلَ يَتَقَرَّبُونَ بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ عَبَدَةِ الأوْثانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ كانَ هَذا القَوْلُ كُفْرًا ؟ فَنَقُولُ: أجْمَعَ كُلُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، سَواءٌ اعْتَقَدَ في ذَلِكَ الغَيْرِ كَوْنَهُ إلَهًا لِلْعالَمِ، أوِ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّ عِبادَتَهُ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ، ونِهايَةُ التَّعْظِيمِ لا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ والإكْرامِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا القَوْلُ صَدَرَ مِن كُلِّ بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن بَعْضِهِمْ ؟
قُلْنا: بَلْ مِن بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ، وكانَ فِيهِمْ مَن يَرْتَفِعُ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ الباطِلِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ أجابَهم فَقالَ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَهْلِ ما ذُكِرَ أنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، فَلا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ غايَةُ الإنْعامِ، وهي بِخَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ والشَّهْوَةِ والقُدْرَةِ والعَقْلِ وخَلْقِ الأشْياءِ المُنْتَفَعِ بِها، والقادِرُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا تَلِيقَ العِبادَةُ إلّا بِهِ.
فَإنْ قالُوا: إذا كانَ مُرادُهم بِعِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ التَّقَرُّبَ بِها إلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، فَما الوَجْهُ في قُبْحِ هَذِهِ العِبادَةِ ؟
قُلْنا: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لَمْ يَتَّخِذُوها آلِهَةً أصْلًا، وإنَّما جَعَلُوها كالقِبْلَةِ، وذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهم: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ كَما ثَبَتَ لَهم آلِهَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وفي قَوْلِهِمْ: (لَهم) ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَيْهِ، و(آلِهَةٌ) بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ، تَقْدِيرُهُ: كالَّذِي هو لَهم آلِهَةٌ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: التَّبارُ: الهَلاكُ. يُقالُ: تَبِرَ الشَّيْءُ يَتْبَرُ تَبارًا، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٩] ويُقالُ لِلذَّهَبِ
صفحة ١٨٣
المُنْكَسِرِ المُتَفَتِّتِ: التِّبْرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ أيْ مُهْلَكٌ مُدَمَّرٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قِيلَ: البُطْلانُ عَدَمُ الشَّيْءِ، إمّا بِعَدَمِ ذاتِهِ أوْ بِعَدَمِ فائِدَتِهِ ومَقْصُودِهِ، والمُرادُ مِن بُطْلانِ عَمَلِهِمْ: أنَّهُ لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ العَمَلِ نَفْعٌ ولا دَفْعُ ضَرَرٍ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ في هَذا البابِ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِبادَةِ أنْ تَصِيرَ المُواظَبَةُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ سَبَبًا لِاسْتِحْكامِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى في القَلْبِ حَتّى تَصِيرَ تِلْكَ الرُّوحُ سَعِيدَةً بِحُصُولِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ فِيها. فَإذا اشْتَغَلَ الإنْسانُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِغَيْرِ اللَّهِ، ويَصِيرُ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ سَبَبًا لِإعْراضِ القَلْبِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وإذا ظَهَرَ هَذا التَّحْقِيقُ ظَهَرَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ مُتَبَّرٌ وباطِلٌ وضائِعٌ، وسَعْيٌ في تَحْصِيلِ ضِدِّ هَذا الشَّيْءِ ونَقِيضِهِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِبادَةِ رُسُوخُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في القَلْبِ، والِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ يُزِيلُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ عَنِ القَلْبِ، فَكانَ هَذا ضِدًّا لِلْغَرَضِ ونَقِيضًا لِلْمَطْلُوبِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:140
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ في الجَوابِ وُجُوهًا:
أوَّلُها: أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالجَهْلِ، فَقالَ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ .
وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ أيْ سَبَبٌ لِلْخُسْرانِ والهَلاكِ.
وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ هَذا العَمَلُ الشّاقُّ لا يُفِيدُهم نَفْعًا في الدُّنْيا والدِّينِ.
ورابِعُها: ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ التَّعَجُّبِ مِنهم عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الإنْكارَ والتَّوْبِيخَ فَقالَ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّ الإلَهَ لَيْسَ شَيْئًا يُطْلَبُ ويُلْتَمَسُ ويُتَّخَذُ، بَلِ الإلَهُ هو اللَّهُ الَّذِي يَكُونُ قادِرًا عَلى الإنْعامِ بِالإيجادِ وإعْطاءِ الحَياةِ وجَمِيعِ النِّعَمِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ فَهَذا المَوْجُودُ هو الإلَهُ الَّذِي يَجِبُ عَلى الخَلْقِ عِبادَتُهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ العُدُولُ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقالُ: بَغَيْتُ فُلانًا شَيْئًا وبَغَيْتُ لَهُ. قالَ تَعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ يَبْغُونَ لَكم، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: (إلَهًا) وجْهانِ:
أحَدُهُما: الحالُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أطْلُبُ لَكم غَيْرَ اللَّهِ مَعْبُودًا، ونَصْبُ ”غَيْرَ“ في هَذا الوَجْهِ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
الثّانِي: أنْ يُنْصَبَ ”إلَهًا“ عَلى المَفْعُولِ بِهِ و”غَيْرَ“ عَلى الحالِ المُقَدَّمَةِ الَّتِي لَوْ تَأخَّرَتْ كانَتْ صِفَةً، كَما تَقُولُ: أبْغِيكم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى فَضَّلَهم عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَصَّهم بِتِلْكَ الآياتِ القاهِرَةِ، ولَمْ يَحْصُلْ مِثْلُها لِأحَدٍ مِنَ العالَمِينَ، وإنْ كانَ غَيْرُهم فَضَلَهم بِسائِرِ الخِصالِ، ومِثالُهُ: رَجُلٌ تَعْلَّمَ عِلْمًا واحِدًا وآخَرُ تَعَلَّمَ عُلُومًا كَثِيرَةً سِوى ذَلِكَ العِلْمِ، فَصاحِبُ العِلْمِ الواحِدِ مُفَضَّلٌ عَلى صاحِبِ العُلُومِ الكَثِيرَةِ بِذَلِكَ الواحِدِ، إلّا أنَّ صاحِبَ العُلُومِ الكَثِيرَةِ مُفَضَّلٌ عَلى صاحِبِ العِلْمِ الواحِدِ في الحَقِيقَةِ.
الأعراف 7:141
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِها في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكُمُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”وعَدْنا“ بِغَيْرِ ألْفٍ، والباقُونَ ”واعَدْنا“ بِالألْفِ عَلى المُفاعَلَةِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ هَذِهِ القِراءَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهو بِمِصْرَ: إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم أتاهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى رَبَّهُ الكِتابَ، فَهَذِهِ الآيَةُ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ نُزُولِ التَّوْراةِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] وذِكْرُ تَفْصِيلِ تِلْكَ الأرْبَعِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: وما الحِكْمَةُ هَهُنا في ذِكْرِ الثَّلاثِينَ ثُمَّ إتْمامِها بِعَشْرٍ ؟ وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ كَلامٌ عارٍ عَنِ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ الثَّلاثِينَ مَعَ العَشْرِ يَكُونُ أرْبَعِينَ.
قُلْنا: أمّا الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَهو مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِصَوْمِ ثَلاثِينَ يَوْمًا وهو شَهْرُ ذِي القَعْدَةِ فَلَمّا أتَمَّ الثَّلاثِينَ أنْكَرَ خُلُوفَ فِيهِ، فَتَسَوَّكَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: كُنّا نَشَمُّ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أما عَلِمْتَ أنَّ خُلُوفَ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدِي مِن رِيحِ المِسْكِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَزِيدَ عَلَيْها عَشَرَةَ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ لِهَذا السَّبَبِ.
والوَجْهُ الثّانِي في فائِدَةِ هَذا التَّفْضِيلِ: أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وأنْ يَعْمَلَ فِيها ما يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ عَلَيْهِ في العَشْرِ البَواقِي، وكَلَّمَهُ أيْضًا فِيهِ. فَهَذا هو الفائِدَةُ في تَفْصِيلِ الأرْبَعِينَ إلى الثَّلاثِينَ وإلى العَشْرَةِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ في سُورَةِ طه ما دَلَّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بادَرَ إلى مِيقاتِ رَبِّهِ قَبْلَ قَوْمِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾
صفحة ١٨٥
[طه: ٨٣] فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مُوسى أتى الطُّورَ عِنْدَ تَمامِ الثَّلاثِينَ، فَلَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى خَبَرَ قَوْمِهِ مَعَ السّامِرِيِّ، رَجَعَ إلى قَوْمِهِ قَبْلَ تَمامِ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ عادَ إلى المِيقاتِ في عَشْرَةٍ أُخْرى، فَتَمَّ أرْبَعُونَ لَيْلَةً.
والوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ الأوَّلُ حَضَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ، والوَعْدُ الثّانِي حَضَرَ المُخْتارُونَ مَعَهُ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَصارَ الوَعْدُ مُخْتَلِفًا لِاخْتِلافِ حالِ الحاضِرِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما قالَ: ﴿أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ إزالَةً لِتَوَهُّمِ أنَّ ذَلِكَ العَشْرَ مِنَ الثَّلاثِينَ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أتْمَمْناها بِعَشْرٍ مِنَ الثَّلاثِينَ، كَأنَّهُ كانَ عِشْرِينَ ثُمَّ أتَمَّهُ بِعَشْرٍ، فَصارَ ثَلاثِينَ، فَأزالَ هَذا الإيهامَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الفَرْقُ بَيْنَ المِيقاتِ وبَيْنَ الوَقْتِ أنَّ المِيقاتَ ما قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ مِنَ الأعْمالِ، والوَقْتَ وقْتٌ لِلشَّيْءِ بِتَقْدِيرٍ مُقَدَّرٍ أوَّلًا.
والبَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِ أيْ تَمَّ بالِغًا هَذا العَدَدَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: (هارُونَ) عَطْفُ بَيانٍ لِأخِيهِ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ (وأصْلِحْ) وكُنْ مُصْلِحًا أوْ (وأصْلِحْ) ما يَجِبُ أنْ يَصْلُحَ مِن أُمُورِ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَن دَعاكَ مِنهم إلى الإفْسادِ فَلا تَتْبَعْهُ ولا تُطِعْهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ هارُونَ كانَ شَرِيكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في النُّبُوَّةِ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ خَلِيفَةً لِنَفْسِهِ، فَإنَّ شَرِيكَ الإنْسانِ أعْلى حالًا مِن خَلِيفَتِهِ، ورَدُّ الإنْسانِ مِنَ المَنصِبِ الأعْلى إلى الأدْوَنِ يَكُونُ إهانَةً.
قُلْنا: الأمْرُ وإنْ كانَ كَما ذَكَرْتُمْ، إلّا أنَّهُ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الأصْلَ في تِلْكَ النُّبُوَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ هارُونُ نَبِيًّا والنَّبِيُّ لا يَفْعَلُ إلّا الإصْلاحَ، فَكَيْفَ وصّاهُ بِالإصْلاحِ ؟ .
قُلْنا: المَقْصُودُ مِن هَذا الأمْرِ التَّأْكِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:142
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِها في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكُمُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”وعَدْنا“ بِغَيْرِ ألْفٍ، والباقُونَ ”واعَدْنا“ بِالألْفِ عَلى المُفاعَلَةِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ هَذِهِ القِراءَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهو بِمِصْرَ: إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم أتاهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى رَبَّهُ الكِتابَ، فَهَذِهِ الآيَةُ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ نُزُولِ التَّوْراةِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] وذِكْرُ تَفْصِيلِ تِلْكَ الأرْبَعِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: وما الحِكْمَةُ هَهُنا في ذِكْرِ الثَّلاثِينَ ثُمَّ إتْمامِها بِعَشْرٍ ؟ وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ كَلامٌ عارٍ عَنِ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ الثَّلاثِينَ مَعَ العَشْرِ يَكُونُ أرْبَعِينَ.
قُلْنا: أمّا الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَهو مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِصَوْمِ ثَلاثِينَ يَوْمًا وهو شَهْرُ ذِي القَعْدَةِ فَلَمّا أتَمَّ الثَّلاثِينَ أنْكَرَ خُلُوفَ فِيهِ، فَتَسَوَّكَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: كُنّا نَشَمُّ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أما عَلِمْتَ أنَّ خُلُوفَ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدِي مِن رِيحِ المِسْكِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَزِيدَ عَلَيْها عَشَرَةَ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ لِهَذا السَّبَبِ.
والوَجْهُ الثّانِي في فائِدَةِ هَذا التَّفْضِيلِ: أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وأنْ يَعْمَلَ فِيها ما يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ عَلَيْهِ في العَشْرِ البَواقِي، وكَلَّمَهُ أيْضًا فِيهِ. فَهَذا هو الفائِدَةُ في تَفْصِيلِ الأرْبَعِينَ إلى الثَّلاثِينَ وإلى العَشْرَةِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ في سُورَةِ طه ما دَلَّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بادَرَ إلى مِيقاتِ رَبِّهِ قَبْلَ قَوْمِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾
صفحة ١٨٥
[طه: ٨٣] فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مُوسى أتى الطُّورَ عِنْدَ تَمامِ الثَّلاثِينَ، فَلَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى خَبَرَ قَوْمِهِ مَعَ السّامِرِيِّ، رَجَعَ إلى قَوْمِهِ قَبْلَ تَمامِ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ عادَ إلى المِيقاتِ في عَشْرَةٍ أُخْرى، فَتَمَّ أرْبَعُونَ لَيْلَةً.
والوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ الأوَّلُ حَضَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ، والوَعْدُ الثّانِي حَضَرَ المُخْتارُونَ مَعَهُ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَصارَ الوَعْدُ مُخْتَلِفًا لِاخْتِلافِ حالِ الحاضِرِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما قالَ: ﴿أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ إزالَةً لِتَوَهُّمِ أنَّ ذَلِكَ العَشْرَ مِنَ الثَّلاثِينَ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أتْمَمْناها بِعَشْرٍ مِنَ الثَّلاثِينَ، كَأنَّهُ كانَ عِشْرِينَ ثُمَّ أتَمَّهُ بِعَشْرٍ، فَصارَ ثَلاثِينَ، فَأزالَ هَذا الإيهامَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الفَرْقُ بَيْنَ المِيقاتِ وبَيْنَ الوَقْتِ أنَّ المِيقاتَ ما قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ مِنَ الأعْمالِ، والوَقْتَ وقْتٌ لِلشَّيْءِ بِتَقْدِيرٍ مُقَدَّرٍ أوَّلًا.
والبَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِ أيْ تَمَّ بالِغًا هَذا العَدَدَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: (هارُونَ) عَطْفُ بَيانٍ لِأخِيهِ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ (وأصْلِحْ) وكُنْ مُصْلِحًا أوْ (وأصْلِحْ) ما يَجِبُ أنْ يَصْلُحَ مِن أُمُورِ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَن دَعاكَ مِنهم إلى الإفْسادِ فَلا تَتْبَعْهُ ولا تُطِعْهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ هارُونَ كانَ شَرِيكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في النُّبُوَّةِ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ خَلِيفَةً لِنَفْسِهِ، فَإنَّ شَرِيكَ الإنْسانِ أعْلى حالًا مِن خَلِيفَتِهِ، ورَدُّ الإنْسانِ مِنَ المَنصِبِ الأعْلى إلى الأدْوَنِ يَكُونُ إهانَةً.
قُلْنا: الأمْرُ وإنْ كانَ كَما ذَكَرْتُمْ، إلّا أنَّهُ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الأصْلَ في تِلْكَ النُّبُوَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ هارُونُ نَبِيًّا والنَّبِيُّ لا يَفْعَلُ إلّا الإصْلاحَ، فَكَيْفَ وصّاهُ بِالإصْلاحِ ؟ .
قُلْنا: المَقْصُودُ مِن هَذا الأمْرِ التَّأْكِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] واللَّهُ أعْلَمُ.