Tafsir Al-Razi — الأعراف 7:143 – الأعراف 7:197
المحتويات
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:147
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:149
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:151
- الأعراف 7:152
- الأعراف 7:153
- الأعراف 7:154
- الأعراف 7:155
- الأعراف 7:156
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:158
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:160
- الأعراف 7:161
- الأعراف 7:162
- الأعراف 7:163
- الأعراف 7:164
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:166
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:174
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:186
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:188
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:191
- الأعراف 7:192
- الأعراف 7:193
- الأعراف 7:194
- الأعراف 7:195
- الأعراف 7:196
- الأعراف 7:197
الأعراف 7:143
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ .
صفحة ١٨٦
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ الفائِدَةَ الَّتِي لِأجْلِها حَضَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المِيقاتَ، وهي أنْ كَلَّمَهُ رَبُّهُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ مِنَ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى كَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والنّاسُ مُخْتَلِفُونَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، فَمِنهم مَن قالَ: كَلامُهُ عِبارَةٌ عَنِ الحُرُوفِ المُؤَلَّفَةِ المُنْتَظِمَةِ، ومِنهم مَن قالَ: كَلامُهُ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ مُغايِرَةٌ لِلْحُرُوفِ والأصْواتِ.
أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فالعُقَلاءُ المُحَصِّلُونَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يَجِبُ كَوْنُهُ حادِثًا كائِنًا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. وزَعَمَتِ الحَنابِلَةُ والحَشْوِيَّةُ أنَّ الكَلامَ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ قَدِيمٌ، وهَذا القَوْلُ أخَسُّ مِن أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلَيْهِ، وذَلِكَ أنِّي قُلْتُ يَوْمًا: إنَّهُ تَعالى إمّا أنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذِهِ الحُرُوفِ عَلى الجَمْعِ أوْ عَلى التَّعاقُبِ والتَّوالِي، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ المَسْمُوعَةَ المَفْهُومَةَ إنَّما تَكُونُ مَفْهُومَةً إذا كانَتْ حُرُوفُها مُتَوالِيَةً، فَأمّا إذا كانَتْ حُرُوفُها تُوجَدُ دُفْعَةً واحِدَةً فَذاكَ لا يَكُونُ مُفِيدًا البَتَّةَ، والثّانِي: يُوجِبُ كَوْنَها حادِثَةً؛ لِأنَّ الحُرُوفَ إذا كانَتْ مُتَوالِيَةً فَعِنْدَ مَجِيءِ الثّانِي يَنْقَضِي الأوَّلُ، فالأوَّلُ حادِثٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ما ثَبَتَ عَدَمُهُ امْتَنَعَ قِدَمُهُ، والثّانِي حادِثٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ وُجُودُهُ مُتَأخِّرًا عَنْ وُجُودِ غَيْرِهِ فَهو حادِثٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ الحُرُوفِ والأصْواتِ مُحْدَثٌ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ لِلنّاسِ: هَهُنا مَذْهَبانِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَحَلَّ تِلْكَ الحُرُوفِ والأصْواتِ الحادِثَةِ هو ذاتُ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ الكَرّامِيَّةُ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّها جِسْمٌ مُبايِنٌ لِذاتِ اللَّهِ تَعالى كالشَّجَرَةِ وغَيْرِها، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ.
أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى صِفَةٌ مُغايِرَةٌ لِهَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، فَهَذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ. وتِلْكَ الصِّفَةُ قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةٌ. والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في الشَّيْءِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَقالَتِ الأشْعَرِيَّةُ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ تِلْكَ الصِّفَةَ الحَقِيقِيَّةَ الأزَلِيَّةَ، قالُوا: وكَما لا يَتَعَذَّرُ رُؤْيَةُ ذاتِهِ، مَعَ أنَّ ذاتَهُ لَيْسَتْ جِسْمًا ولا عَرَضًا، فَكَذَلِكَ لا يَبْعُدُ سَماعُ كَلامِهِ مَعَ أنَّ كَلامَهُ لا يَكُونُ حَرْفًا ولا صَوْتًا. وقالَ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ: الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أصْواتٌ مُقَطَّعَةٌ وحُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ قائِمَةٌ بِالشَّجَرَةِ، فَأمّا الصِّفَةُ الأزَلِيَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ فَذاكَ ما سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَتَّةَ، فَهَذا تَفْصِيلُ مَذاهِبِ النّاسِ في سَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَعالى كَلَّمَ مُوسى وحْدَهُ أوْ كَلَّمَهُ مَعَ أقْوامٍ آخَرِينَ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا التَّشْرِيفِ، والتَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ. وقالَ القاضِي: بَلِ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ لِلْمِيقاتِ سَمِعُوا أيْضًا كَلامَ اللَّهِ تَعالى. قالَ: لِأنَّ الغَرَضَ بِإحْضارِهِمْ أنْ يُخْبِرُوا قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا يَجْرِي هُناكَ، وهَذا المَقْصُودُ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ سَماعِ الكَلامِ، وأيْضًا فَإنَّ تَكْلِيمَ اللَّهِ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُعْجِزٌ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نُبُوَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا بُدَّ مِن ظُهُورِ هَذا المَعْنى لِغَيْرِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَجُوزُ أنْ يُرى، وتَقْرِيرُهُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ الرُّؤْيَةَ، ولا شَكَّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَكُونُ عارِفًا بِما يَجِبُ ويَجُوزُ ويَمْتَنِعُ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى لَما سَألَها، وحَيْثُ سَألَها
صفحة ١٨٧
عَلِمْنا أنَّ الرُّؤْيَةَ جائِزَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ القاضِي: الَّذِي قالَهُ المُحَصِّلُونَ مِنَ العُلَماءِ في ذَلِكَ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ:
أحَدُها: ما قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما عَرَفَ أنَّ الرُّؤْيَةَ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، قالَ: ومَعَ الجَهْلِ بِهَذا المَعْنى قَدْ يَكُونُ المَرْءُ عارِفًا بِرَبِّهِ وبِعَدْلِهِ وتَوْحِيدِهِ، فَلَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِامْتِناعِ الرُّؤْيَةِ وجَوازِها مَوْقُوفًا عَلى السَّمْعِ.
وثانِيها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ الرُّؤْيَةَ عَلى لِسانِ قَوْمِهِ، فَقَدْ كانُوا جاهِلِينَ بِذَلِكَ يُكَرِّرُونَ المَسْألَةَ عَلَيْهِ يَقُولُونَ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فَسَألَ مُوسى الرُّؤْيَةَ لا لِنَفْسِهِ، فَلَمّا ورَدَ المَنعُ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ لا سَبِيلَ إلَيْهِ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ أبِي عَلِيٍّ وأبِي هاشِمٍ.
وثالِثُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ مِن عِنْدِهِ مَعْرِفَةً باهِرَةً بِاضْطِرارٍ، وأهْلُ هَذا التَّأْوِيلِ مُخْتَلِفُونَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: سَألَ رَبَّهُ المَعْرِفَةَ الضَّرُورِيَّةَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: بَلْ سَألَهُ إظْهارَ الآياتِ الباهِرَةِ الَّتِي عِنْدَها تَزُولُ الخَواطِرُ والوَساوِسُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وإنْ كانَتْ مِن فِعْلِهِ، كَما نَقُولُهُ في مَعْرِفَةِ أهْلِ الآخِرَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو القاسِمِ الكَعْبِيُّ.
ورابِعُها: المَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ أنْ يَذْكُرَ تَعالى مِنَ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ ما يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ رُؤْيَتِهِ حَتّى يَتَأكَّدَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ. وتَعاضُدُ الدَّلائِلِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ لِلْعُقَلاءِ، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ. فَهَذا مَجْمُوعُ أقْوالِ المُعْتَزِلَةِ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ. قالَ أصْحابُنا: أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَضَعِيفٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: إجْماعُ العُقَلاءِ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ في العِلْمِ بِاللَّهِ أقَلَّ مَنزِلَةً ومَرْتَبَةً مِن أراذِلِ المُعْتَزِلَةِ، فَلَمّا كانَ كُلُّهم عالِمِينَ بِامْتِناعِ الرُّؤْيَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفَرَضْنا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ، كانَتْ مَعْرِفَتُهُ بِاللَّهِ أقَلَّ دَرَجَةٍ مِن مَعْرِفَةِ كُلِّ واحِدٍ مِن أراذِلِ المُعْتَزِلَةِ، وذَلِكَ باطِلٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ.
الثّانِي: أنَّ المُعْتَزِلَةَ يَدَّعُونَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأنَّ كُلَّ ما كانَ مَرْئِيًّا فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقابِلًا أوْ في حُكْمِ المُقابِلِ. فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَصَلَ لَهُ هَذا العِلْمُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذا العِلْمُ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ تَجْوِيزُهُ لِكَوْنِهِ تَعالى مَرْئِيًّا يُوجِبُ تَجْوِيزَ كَوْنِهِ تَعالى حاصِلًا في الحَيِّزِ والجِهَةِ، وتَجْوِيزُ هَذا المَعْنى عَلى اللَّهِ تَعالى يُوجِبُ الكُفْرَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، فَيَلْزَمُهم كَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كافِرًا، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ.
وإنْ كانَ الثّانِي فَنَقُولُ: لَمّا كانَ العِلْمُ بِأنَّ كُلَّ مَرْئِيٍّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقابِلًا أوْ في حُكْمِ المُقابِلِ عِلْمًا بَدِيهِيًّا ضَرُورِيًّا، ثُمَّ فَرَضْنا أنَّ هَذا العِلْمَ ما كانَ حاصِلًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُحَصِّلْ فِيهِ جَمِيعَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مَجْنُونٌ، فَيَلْزَمُهُمِ الحُكْمُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ كامِلَ العَقْلِ، بَلْ كانَ مَجْنُونًا، وذَلِكَ كُفْرٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ما كانَ عالِمًا بِامْتِناعِ الرُّؤْيَةِ مَعَ فَرْضِ أنَّهُ تَعالى مُمْتَنِعُ الرُّؤْيَةِ يُوجِبُ أحَدَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ الباطِلَيْنِ، فَكانَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
وأمّا التَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَألَ الرُّؤْيَةَ لِقَوْمِهِ لا لِنَفَسِهِ، فَهو أيْضًا فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَقالَ مُوسى: أرِهِمْ يَنْظُرُوا إلَيْكَ، ولَقالَ اللَّهُ تَعالى: لَنْ يَرَوْنِي، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَطَلَ هَذا التَّأْوِيلُ.
والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ هَذا السُّؤالُ طَلَبًا لِلْمُحالِ لَمَنَعَهم عَنْهُ، كَما أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ مَنَعَهم عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ .
والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَجِبُ عَلى مُوسى إقامَةُ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ رُؤْيَتُهُ، وأنْ يَمْنَعَ قَوْمَهُ بِتِلْكَ الدَّلائِلِ عَنْ هَذا السُّؤالِ، فَأمّا أنْ لا يَذْكُرَ شَيْئًا مِن تِلْكَ الدَّلائِلِ البَتَّةَ، مَعَ أنَّ ذِكْرَها كانَ فَرْضًا مُضَيَّقًا، كانَ هَذا نِسْبَةً لِتَرْكِ الواجِبِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
والرّابِعُ: أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ الَّذِينَ طَلَبُوا الرُّؤْيَةَ، إمّا أنْ يَكُونُوا قَدْ آمَنُوا
صفحة ١٨٨
بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ ما آمَنُوا بِها، فَإنْ كانَ الأوَّلُ، كَفاهم في الِامْتِناعِ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ الباطِلِ مُجَرَّدُ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا حاجَةَ إلى هَذا السُّؤالِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا الجَوابِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ لَهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ مَنَعَ مِنَ الرُّؤْيَةِ، بَلْ هَذا قَوْلٌ افْتَرَيْتَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى. فَثَبَتَ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا فائِدَةَ لِلْقَوْمِ في قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ .
وأمّا التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: فَبَعِيدٌ أيْضًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: أرِنِي أمْرًا أنْظُرْ إلى أمْرِكَ، ثُمَّ حُذِفَ المَفْعُولُ والمُضافُ، إلّا أنَّ سِياقَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي﴾ فَسَوْفَ تَرانِي ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ جَمِيعُ هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أراهُ مِنَ الآيَةِ ما لا غايَةَ بَعْدَها، كالعَصا، واليَدِ البَيْضاءِ، والطُّوفانِ، والجَرادِ، والقُمَّلِ، والضَّفادِعِ، والدَّمِ، وإظْلالِ الجَبَلِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ بَعْدَ هَذِهِ الأحْوالِ طَلَبُ آيَةٍ ظاهِرَةٍ قاهِرَةٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَكَلَّمُ مَعَ اللَّهِ بِلا واسِطَةٍ. فَفي هَذِهِ الحالَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَقُولَ: أظْهِرْ لِي آيَةً قاهِرَةً ظاهِرَةً تَدُلُّ عَلى أنَّكَ مَوْجُودٌ ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الكَلامَ في غايَةِ الفَسادِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المَطْلُوبُ آيَةً تَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ لَأعْطاهُ تِلْكَ الآيَةَ كَما أعْطاهُ سائِرَ الآياتِ، ولَكانَ لا مَعْنى لِمَنعِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ.
وأمّا التَّأْوِيلُ الرّابِعُ وهو أنْ يُقالَ: المَقْصُودُ مِنهُ إظْهارُ آيَةٍ سَمْعِيَّةٍ تُقَوِّي ما دَلَّ العَقْلُ عَلَيْهِ، فَهو أيْضًا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَكانَ الواجِبُ أنْ يَقُولَ: أُرِيدُ يا إلَهِي أنْ يَقْوى امْتِناعُ رُؤْيَتِكَ بِوُجُوهٍ زائِدَةٍ عَلى ما ظَهَرَ في العَقْلِ، وحَيْثُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ طَلَبَ الرُّؤْيَةَ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ بِأسْرِها فاسِدَةٌ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ مِنَ الوُجُوهِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى جائِزُ الرُّؤْيَةِ: وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ مُسْتَحِيلَ الرُّؤْيَةِ لَقالَ: لا أُرى. ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ في يَدِ رَجُلٍ حَجَرٌ، فَقالَ لَهُ إنْسانٌ: ناوِلْنِي هَذا لِآكُلَهُ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ: هَذا لا يُؤْكَلُ، ولا يَقُولُ لَهُ: لا تَأْكُلْ. ولَوْ كانَ في يَدِهِ بَدَلَ الحَجَرِ تُفّاحَةٌ، لَقالَ لَهُ: لا تَأْكُلْها، أيْ هَذا مِمّا يُؤْكَلُ، ولَكِنَّكَ لا تَأْكُلُهُ. فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ ولَمْ يَقُلْ: لا أُرى، عَلِمْنا أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى في ذاتِهِ جائِزُ الرُّؤْيَةِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ الوُجُوهِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى عَلَّقَ رُؤْيَتَهُ عَلى أمْرٍ جائِزٍ، والمُعَلَّقُ عَلى الجائِزِ جائِزٌ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ الرُّؤْيَةِ في نَفْسِها جائِزَةً. إنَّما قُلْنا: إنَّهُ تَعالى عَلَّقَ رُؤْيَتَهُ عَلى أمْرٍ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ رُؤْيَتَهُ عَلى اسْتِقْرارِ الجَبَلِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ واسْتِقْرارُ الجَبَلِ أمْرٌ جائِزُ الوُجُودِ في نَفْسِهِ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عَلَّقَ رُؤْيَتَهُ عَلى أمْرٍ جائِزِ الوُجُودِ في نَفْسِهِ.
إذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ تَكُونَ رُؤْيَتُهُ جائِزَةَ الوُجُودِ في نَفْسِها؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ أمْرًا جائِزَ الوُجُودِ، لَمْ يَلْزَمْ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحالٌ، فَبِتَقْدِيرِ حُصُولِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، إمّا أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الجَزاءُ الَّذِي هو حُصُولُ الرُّؤْيَةِ أوْ لا يَتَرَتَّبَ، فَإنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُصُولُ الرُّؤْيَةِ لَزِمَ القَطْعُ بِكَوْنِ الرُّؤْيَةِ جائِزَةَ الحُصُولِ، وإنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حُصُولُ الرُّؤْيَةِ قَدَحَ هَذا في صِحَّةِ قَوْلِهِ، إنَّهُ مَتى حَصَلَ ذَلِكَ الشَّرْطُ حَصَلَتِ الرُّؤْيَةُ، وذَلِكَ باطِلٌ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى عَلَّقَ حُصُولَ الرُّؤْيَةِ عَلى اسْتِقْرارِ الجَبَلِ حالَ حَرَكَتِهِ، واسْتِقْرارُ الجَبَلِ حالَ حَرَكَتِهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الرُّؤْيَةِ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ مُمْتَنِعِ الحُصُولِ، لا عَلى شَرْطٍ جائِزِ الحُصُولِ، فَلَمْ يَلْزَمْ
صفحة ١٨٩
صِحَّةُ ما قُلْتُمُوهُ ؟ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الشَّرْطَ هو اسْتِقْرارُ الجَبَلِ حالَ حَرَكَتِهِ أنَّ الجَبَلَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ حالَ ما جَعَلَ اسْتِقْرارَهُ شَرْطًا لِحُصُولِ الرُّؤْيَةِ كانَ ساكِنًا أوْ مُتَحَرِّكًا، فَإنْ كانَ الأوَّلُ، لَزِمَ حُصُولُ الرُّؤْيَةِ بِمُقْتَضى الِاشْتِراطِ، وحَيْثُ لَمْ تَحْصُلْ عَلِمْنا أنَّ الجَبَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ما كانَ مُسْتَقِرًّا، ولَمّا لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا كانَ مُتَحَرِّكًا. فَثَبَتَ أنَّ الجَبَلَ حالَ ما جَعَلَ اسْتِقْرارَهُ شَرْطًا لِحُصُولِ الرُّؤْيَةِ، كانَ مُتَحَرِّكًا لا ساكِنًا. فَثَبَتَ أنَّ الشَّرْطَ هو كَوْنُ الجَبَلِ مُسْتَقِرًّا حالَ كَوْنِهِ ساكِنًا، فَثَبَتَ أنَّ الشَّرْطَ الَّذِي عَلَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلى حُصُولِهِ حُصُولَ الرُّؤْيَةِ هو كَوْنُ الجَبَلِ مُسْتَقِرًّا حالَ كَوْنِهِ مُتَحَرِّكًا، وأنَّهُ شَرْطٌ مُحالٌ.
والجَوابُ: هو أنَّ اعْتِبارَ حالِ الجَبَلِ مِن حَيْثُ هو مُغايِرٌ لِاعْتِبارِ حالِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَحَرِّكٌ أوْ ساكِنٌ، وكَوْنُهُ مُمْتَنِعَ الخُلُوِّ عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ لا يَمْنَعُ اعْتِبارَ حالِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَحَرِّكٌ أوْ ساكِنٌ؛ ألا تَرى أنَّ الشَّيْءَ لَوْ أخَذْتَهُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَوْجُودًا كانَ واجِبَ الوُجُودِ، ولَوْ أخَذْتَهُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَعْدُومًا كانَ واجِبَ العَدَمِ، فَلَوْ أخَذْتَهُ مِن حَيْثُ هو هو مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ مَوْجُودًا أوْ كَوْنِهِ مَعْدُومًا كانَ مُمْكِنَ الوُجُودِ، فَكَذا هَهُنا الَّذِي جُعِلَ شَرْطًا في اللَّفْظِ هو اسْتِقْرارُ الجَبَلِ، وهَذا القَدْرُ مُمْكِنُ الوُجُودِ، فَثَبَتَ أنَّ القَدْرَ الَّذِي جُعِلَ شَرْطًا أمْرٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ جائِزُ الحُصُولِ، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي لِبِناءِ المَطْلُوبِ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: مِنَ الوُجُوهِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ جَوازِ الرُّؤْيَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وهَذا التَّجَلِّي هو الرُّؤْيَةُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ العِلْمَ بِالشَّيْءِ يُجَلِّي لِذَلِكَ الشَّيْءِ، وإبْصارَ الشَّيْءِ أيْضًا يُجَلِّي لِذَلِكَ الشَّيْءِ. إلّا أنَّ الإبْصارَ في كَوْنِهِ مُجَلِّيًا أكْمَلُ مِنَ العِلْمِ بِهِ، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المَفْهُومِ الأكْمَلِ أوْلى.
الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ أنَّ الإنْسانَ لا يُطِيقُ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى، بِدَلِيلِ أنَّ الجَبَلَ مَعَ عَظَمَتِهِ لَمّا رَأى اللَّهَ تَعالى انْدَكَّ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ، ولَوْلا أنَّ المُرادَ مِنَ التَّجَلِّي ما ذَكَرْناهُ وإلّا لَمْ يَحْصُلْ هَذا المَقْصُودُ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ هو أنَّ الجَبَلَ لَمّا رَأى اللَّهَ تَعالى انْدَكَّتْ أجْزاؤُهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى جائِزُ الرُّؤْيَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: الجَبَلُ جَمادٌ، والجَمادُ يَمْتَنِعُ أنْ يَرى شَيْئًا، إلّا أنّا نَقُولُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ في ذاتِ الجَبَلِ الحَياةَ والعَقْلَ والفَهْمَ، ثُمَّ خَلَقَ فِيهِ رُؤْيَةً مُتَعَلِّقَةً بِذاتِ اللَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] وكَوْنُهُ مُخاطَبًا بِهَذا الخِطابِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ الحَياةِ والعَقْلِ فِيهِ فَكَذا هَهُنا، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى جائِزُ الرُّؤْيَةِ.
أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ أنَّهُ تَعالى تَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ، فَوَجَبَ صَرْفُ هَذِهِ الظَّواهِرِ إلى التَّأْوِيلاتِ.
أمّا دَلائِلُهُمُ العَقْلِيَّةُ فَقَدْ بَيَّنّا في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ ضَعْفَها وسُقُوطَها، فَلا حاجَةَ هُنا إلى ذِكْرِها.
وأمّا دَلائِلُهُمُ السَّمْعِيَّةُ فَأقْوى ما لَهم في هَذا البابِ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ الأنْعامِ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المَباحِثِ الدَّقِيقَةِ واللَّطائِفِ العَمِيقَةِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى عَدَمِ الرُّؤْيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ وتَقْرِيرُ الِاسْتِدْلالِ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَرى اللَّهَ البَتَّةَ، لا في الدُّنْيا ولا في القِيامَةِ، ومَتى ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ أنَّ أحَدًا لا يَراهُ البَتَّةَ، ومَتى ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَمْتَنِعُ أنْ يُرى، فَهَذِهِ مُقَدِّماتٌ ثَلاثَةٌ.
أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى فَتَقْرِيرُها مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: ما نُقِلَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ كَلِمَةَ ”لَنْ“ لِلتَّأْبِيدِ. قالَ
صفحة ١٩٠
الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ دَعْوى باطِلَةٌ عَلى أهْلِ اللُّغَةِ، ولَيْسَ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ كِتابٌ مُعْتَبَرٌ ولا نَقْلٌ صَحِيحٌ. وقالَ أصْحابُنا: الدَّلِيلُ عَلى فَسادِهِ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ اليَهُودِ: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] مَعَ أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ يَتَناوَلُ الأوْقاتَ كُلَّها بِدَلِيلِ صِحَّةِ اسْتِثْناءِ أيِّ وقْتٍ أُرِيدَ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ، ومُقْتَضى الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ تَحْتَ اللَّفْظِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الِاسْتِثْناءِ في صَرْفِ الصِّحَّةِ لا في صَرْفِ الوُجُوبِ عَلى ما هو مُقَرَّرٌ في أُصُولِ الفِقْهِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: لَنْ أفْعَلَ كَذا، يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ، ومَعْناهُ أنَّ فِعْلَهُ يُنافِي حالَتَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مُنافِيَةٌ لِلْإلَهِيَّةِ، والجَوابُ: أنَّ ”لَنْ“ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ ما وقَعَ السُّؤالُ عَنْهُ، والسُّؤالُ إنَّما وقَعَ عَنْ تَحْصِيلِ الرُّؤْيَةِ في الحالِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ نَفْيًا لِذَلِكَ المَطْلُوبِ، فَأمّا أنْ يُفِيدَ النَّفْيَ الدّائِمَ فَلا. فَهَذِهِ جُمْلَةُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ المَسْألَةِ.
أمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: فَقالُوا: القائِلُ اثْنانِ: قائِلٌ يَقُولُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ ومُوسى أيْضًا يَراهُ، وقائِلٌ يَنْفِي الرُّؤْيَةَ عَنِ الكُلِّ، أمّا القَوْلُ بِإثْباتِهِ لِغَيْرِ مُوسى ونَفْيِهِ عَنْ مُوسى فَهو قَوْلٌ خارِقٌ لِلْإجْماعِ، وهو باطِلٌ.
وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: فَهي أنَّ كُلَّ مَن نَفى الوُقُوعَ نَفى الصِّحَّةَ، فالقَوْلُ بِثُبُوتِ الصِّحَّةِ مَعَ نَفْيِ الوُقُوعِ قَوْلٌ عَلى خِلافِ الإجْماعِ، وهو باطِلٌ.
واعْلَمْ أنَّ بِناءَ هَذِهِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الأوْلى، فَلَمّا ثَبَتَ ضَعْفُها سَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِالكُلِّيَّةِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ لِلْقَوْمِ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ خَرَّ صَعِقًا، ولَوْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ جائِزَةً فَلِمَ خَرَّ عِنْدَ سُؤالِها صَعِقًا ؟
والحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أفاقَ قالَ: سُبْحانَكَ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ لِلتَّنْزِيهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى عَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ قَوْلُهُ: (سُبْحانَكَ) تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ. فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى، وتَنْزِيهُ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، فَوَجَبَ كَوْنُ الرُّؤْيَةِ مِنَ النَّقائِصِ والآفاتِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ الرُّؤْيَةَ عَلى اللَّهِ مُمْتَنِعَةٌ.
والحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى لَمّا أفاقَ أنَّهُ قالَ: ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ ولَوْلا أنَّ طَلَبَ الرُّؤْيَةِ ذَنْبٌ لَما تابَ مِنهُ، ولَوْلا أنَّهُ ذَنْبٌ يُنافِي صِحَّةَ الإسْلامِ لَما قالَ: ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قالُوا: الرُّؤْيَةُ كانَتْ جائِزَةً، إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَها بِغَيْرِ الإذْنِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَكانَتِ التَّوْبَةُ تَوْبَةً عَنْ هَذا المَعْنى لا عَمّا ذَكَرُوهُ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ في البَحْثِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: جاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعَهُ السَّبْعُونَ، وصَعِدَ مُوسى الجَبَلَ وبَقِيَ السَّبْعُونَ في أسْفَلِ الجَبَلِ، وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى وكَتَبَ لَهُ في الألْواحِ كِتابًا وقَرَّبَهُ نَجِيًّا، فَلَمّا سَمِعَ مُوسى صَرِيرَ القَلَمِ عَظُمَ شَوْقُهُ، فَقالَ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ثانِي مَفْعُولَيْ ”أرِنِي“ مَحْذُوفٌ، أيْ ”أرِنِي“ نَفْسَكَ ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ وفي لَفْظِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: النَّظَرُ: إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ أوْ عَنْ مُقَدِّمَتِها وهي تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ السَّلِيمَةِ إلى
صفحة ١٩١
جانِبِ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ.
وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: أرِنِي حَتّى أراكَ، وهَذا فاسِدٌ.
وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: أرِنِي حَتّى أُقَلِّبَ الحَدَقَةَ إلى جانِبِكَ، وهَذا فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَقْتَضِي إثْباتَ الجِهَةِ لِلَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّ تَقْلِيبَ الحَدَقَةِ إلى جِهَةِ المَرْئِيِّ مُقَدِّمَةٌ لِلرُّؤْيَةِ، فَجَعَلَهُ كالنَّتِيجَةِ عَنِ الرُّؤْيَةِ وذَلِكَ فاسِدٌ.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أرِنِي﴾ مَعْناهُ اجْعَلْنِي مُتَمَكِّنًا مِن رُؤْيَتِكَ حَتّى أنْظُرَ إلَيْكَ وأراكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ ولَمْ يَقُلْ لَنْ تَنْظُرَ إلَيَّ، حَتّى يَكُونَ مُطابِقًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ .
والجَوابُ: أنَّ النَّظَرَ لَمّا كانَ مُقَدِّمَةً لِلرُّؤْيَةِ كانَ المَقْصُودُ هو الرُّؤْيَةَ لا النَّظَرَ الَّذِي لا رُؤْيَةَ مَعَهُ.
والسُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ اتَّصَلَ الِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ بِما قَبْلَهُ ؟
والجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ تَعْظِيمُ أمْرِ الرُّؤْيَةِ، وأنَّ أحَدًا لا يَقْوى عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا إذا قَوّاهُ اللَّهُ تَعالى بِمَعُونَتِهِ وتَأْيِيدِهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ أثَرُ التَّجَلِّي والرُّؤْيَةِ لِلْجَبَلِ انْدَكَّ وتَفَرَّقَ، فَهَذا مِن هَذا الوَجْهِ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ أمْرِ الرُّؤْيَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: ”تَجَلّى“ أيْ ظَهَرَ وبانَ، ومِنهُ يُقالُ: جَلَوْتُ العَرُوسَ إذا أبْرَزْتَها، وجَلَوْتُ المِرْآةَ والسَّيْفَ إذا أزَلْتَ ما عَلَيْهِما مِنَ الصَّدَأِ. وقَوْلُهُ: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ ”دَكًّا“ بِالتَّنْوِينِ و”دَكّاءَ“ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، أيْ جَعَلَهُ مَدْقُوقًا مَعَ الأرْضِ يُقالُ: دَكَكْتُ الشَّيْءَ إذا دَقَقْتَهُ أدُكُّهُ دَكًّا، والدَّكّاءُ والدَّكّاواتُ: الرَّوابِي الَّتِي تَكُونُ مَعَ الأرْضِ ناشِزَةً. فَعَلى هَذا، الدَّكُّ مَصْدَرٌ، والدَّكّاءُ اسْمٌ. ثُمَّ رَوى الواحِدِيُّ بِإسْنادِهِ عَنِ الأخْفَشِ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أنَّهُ قالَ: دَكَّهُ دَكًّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، ويَجُوزُ جَعْلُهُ ذا دَكٍّ. قالَ: ومَن قَرَأ ”دَكّاءَ“ مَمْدُودًا أرادَ جَعْلَهُ دَكّاءَ أيْ أرْضًا مُرْتَفِعَةً، وهو مُوافِقٌ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: جَعَلَهُ تُرابًا. وقَوْلُهُ: ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ قالَ اللَّيْثُ: الصَّعْقُ مِثْلُ الغَشْيِ يَأْخُذُ الإنْسانَ، والصَّعْقَةُ الغَشْيَةُ. يُقالُ: صَعِقَ الرَّجُلُ وصُعِقَ، فَمَن قالَ: صَعِقَ فَهو صَعِقٌ. ومَن قالَ: صُعِقَ فَهو مَصْعُوقٌ. ويُقالُ أيْضًا: صَعِقَ إذا ماتَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] فَسَّرُوهُ بِالمَوْتِ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] أيْ يَمُوتُونَ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: صَعِقَ أصْلُهُ مِنَ الصّاعِقَةِ، ويُقالُ لَها: الصّاقِعَةُ مِن صَعَقَهُ إذا ضَرَبَهُ عَلى رَأْسِهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ بِالغَشْيِ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالمَوْتِ، والأوَّلُ أقْوى؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ولا يَكادُ يُقالُ لِلْمَيِّتِ: قَدْ أفاقَ مِن مَوْتِهِ، ولَكِنْ يُقالُ لِلَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ: إنَّهُ أفاقَ مِن غَشْيِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الَّذِينَ ماتُوا: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ عَنْ أنْ يَسْألَكَ غَيْرُكَ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِكَ، ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: ”﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾“ مِن سُؤالِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا.
الثّانِي: ”﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾“ مِن سُؤالِ الرُّؤْيَةِ بِغَيْرِ إذْنِكَ ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ بِأنَّكَ لا تُرى في الدُّنْيا، أوْ يُقالُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ السُّؤالُ مِنكَ إلّا بِإذْنِكَ.
الأعراف 7:144
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يامُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ الرُّؤْيَةَ ومَنَعَهُ اللَّهُ مِنها، عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ وُجُوهَ نِعَمِهِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يَشْتَغِلَ بِشُكْرِها، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: إنْ كُنْتُ قَدْ مَنَعْتُكَ الرُّؤْيَةَ فَقَدْ أعْطَيْتُكَ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ كَذا وكَذا، فَلا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِسَبَبِ مَنعِ الرُّؤْيَةِ، وانْظُرْ إلى سائِرِ أنْواعِ النِّعَمِ الَّتِي خَصَصْتُكَ بِها واشْتَغِلْ بِشُكْرِها. والمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ مَنعِ الرُّؤْيَةِ، وهَذا أيْضًا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّؤْيا جائِزَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، إذْ لَوْ كانَتْ مُمْتَنِعَةً في نَفْسِها لَما كانَ إلى ذِكْرِ هَذا القَدْرِ حاجَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ الِاصْطِفاءَ اسْتِخْلاصُ الصَّفْوَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اصْطَفَيْتُكَ﴾ أيِ اتَّخَذْتُكَ صَفْوَةً عَلى النّاسِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فَضَّلْتُكَ عَلى النّاسِ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى اصْطَفاهُ ذَكَرَ الأمْرَ الَّذِي بِهِ حَصَلَ هَذا الِاصْطِفاءُ، فَقالَ: ﴿بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ ”بِرِسالَتِي“ عَلى الواحِدِ، والباقُونَ ”بِرِسالاتِي“ عَلى الجَمْعِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ومَن قَرَأ ”بِرِسالَتِي“ فَلِأنَّ الرِّسالَةَ تَجْرِي مَجْرى المَصْدَرِ، فَيَجُوزُ إفْرادُها في مَوْضِعِ الجَمْعِ، وإنَّما قالَ: ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَلى الخَلْقِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كَما سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ اصْطَفاهُ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِهِ مَعَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ قَدْ ساواهُ في الرِّسالَةِ ؟
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ خَصَّهُ مِن دُونِ النّاسِ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وهو الرِّسالَةُ مَعَ الكَلامِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وهَذا المَجْمُوعُ ما حَصَلَ لِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ إنَّما حَصَلَ التَّخْصِيصُ هَهُنا لِأنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وإنَّما كانَ الكَلامُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ سَبَبًا لِمَزِيدِ الشَّرَفِ بِناءً عَلى العُرْفِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مَن سَمِعَ كَلامَ المَلِكِ العَظِيمِ مِن فَلْقِ فِيهِ كانَ أعْلى حالًا وأشْرَفَ مَرْتَبَةً مِمَّنْ سَمِعَهُ بِواسِطَةِ الحُجّابِ والنُّوّابِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ. قالَ: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي فَخُذْ هَذِهِ النِّعْمَةَ، ولا يَضِيقُ قَلْبُكَ بِسَبَبِ مَنعِكَ الرُّؤْيَةَ، واشْتَغِلْ بِشُكْرِ الفَوْزِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، والِاشْتِغالُ بِشُكْرِها إنَّما يَكُونُ بِالقِيامِ بِلَوازِمِها عِلْمًا وعَمَلًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:145
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ .
صفحة ١٩٣
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ خَصَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالرِّسالَةِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ تِلْكَ الرِّسالَةِ، فَقالَ: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْ بَعْضِهِمْ: أنَّ مُوسى خَرَّ صَعِقًا يَوْمَ عَرَفَةَ، وأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى التَّوْراةَ يَوْمَ النَّحْرِ، وذَكَرُوا في عَدَدِ الألْواحِ، وفي جَوْهَرِها وطُولِها أنَّها كانَتْ عَشَرَةَ ألْواحٍ. وقِيلَ: سَبْعَةٌ. وقِيلَ: إنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدَةٍ جاءَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: مِن زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ وياقُوتَةٍ حَمْراءَ. وقالَ الحَسَنُ: كانَتْ مِن خَشَبٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ. وقالَ وهْبٌ: كانَتْ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيَّنَها اللَّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا كَيْفِيَّةُ الكِتابَةِ فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَتَبَها جِبْرِيلُ بِالقَلَمِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ الذِّكْرَ واسْتَمَدَّ مِن نَهْرِ النُّورِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الألْواحِ، وعَلى كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الكِتابَةِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ قَوِيٍّ، وجَبَ القَوْلُ بِهِ، وإلّا وجَبَ السُّكُوتُ عَنْهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَلا شُبْهَةَ فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ عَلى العُمُومِ، بَلِ المُرادُ مِن كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مُوسى وقَوْمُهُ في دِينِهِمْ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ والمَحاسِنِ والمَقابِحِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فَهو كالبَيانِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَدَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قَسَمَهُ إلى ضَرْبَيْنِ:
أحَدُهُما: ”مَوْعِظَةً“ والآخَرُ ”تَفْصِيلًا“ لِما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ مِنَ الأحْكامِ، فَيَدْخُلُ في المَوْعِظَةِ كُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ الرَّغْبَةَ في الطّاعَةِ والنَّفْرَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ بِذِكْرِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، ولَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ أوَّلًا أتْبَعَهُ بِشَرْحِ أقْسامِ الأحْكامِ وتَفْصِيلِ الحَلالِ والحَرامِ، فَقالَ: ﴿وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ولَمّا شَرَحَ ذَلِكَ قالَ لِمُوسى: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِعَزِيمَةٍ قَوِيَّةٍ ونِيَّةٍ صادِقَةٍ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْمُرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها، وظاهِرُ ذَلِكَ أنَّ بَيْنَ التَّكْلِيفَيْنِ فَرْقًا؛ لِيَكُونَ في هَذا التَّفْصِيلِ فائِدَةٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ التَّكْلِيفَ كانَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أشَدَّ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُرَخِّصْ لَهُ ما رَخَّصَ لِغَيْرِهِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ خَصَّهُ مِن حَيْثُ كَلَّفَهُ البَلاغَ والأداءَ، وإنْ كانَ مُشارِكًا لِقَوْمِهِ فِيما عَداهُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا تُعُبِّدَ بِكُلِّ ما في التَّوْراةِ وجَبَ كَوْنُ الكُلِّ مَأْمُورًا بِهِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ يَقْتَضِي أنَّ فِيهِ ما لَيْسَ بِأحْسَنَ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُمُ الأخْذُ بِهِ، وذَلِكَ مُتَناقِضٌ، وذَكَرَ العُلَماءُ في الجَوابِ عَنْهُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ تِلْكَ التَّكالِيفَ مِنها ما هو حَسَنٌ ومِنها ما هو أحْسَنُ، كالقِصاصِ، والعَفْوِ، والِانْتِصارِ، والصَّبْرِ، أيْ فَمُرْهم أنْ يَحْمِلُوا أنْفُسَهم عَلى الأخْذِ بِما هو أدْخَلُ في الحُسْنِ، وأكْثَرُ لِلثَّوابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] .
فَإنْ قالُوا: فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالأخْذِ بِالأحْسَنِ، فَقَدْ مَنَعَ مِنَ الأخْذِ بِذَلِكَ الحَسَنِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ حَسَنًا. فَنَقُولُ يُحْمَلُ أمْرُ اللَّهِ تَعالى بِالأخْذِ بِالأحْسَنِ عَلى النَّدْبِ حَتّى يَزُولَ هَذا التَّناقُضُ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: قالَ قُطْرُبٌ ﴿يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ أيْ بِحُسْنِها وكُلُّها حَسَنٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: الحَسَنُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الواجِبُ والمَندُوبُ والمُباحُ، وأحْسَنُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ الواجِباتُ والمَندُوباتُ.
صفحة ١٩٤
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: دارُ الفاسِقِينَ هي جَهَنَّمُ، أيْ فَلْيَكُنْ ذِكْرُ جَهَنَّمَ حاضِرًا في خاطِرِكم؛ لِتَحْذَرُوا أنْ تَكُونُوا مِنهم.
والثّانِي: قالَ قَتادَةُ: سَأُدْخِلُكُمُ الشّامَ وأُرِيكم مَنازِلَ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا مُتَوَطِّنِينَ فِيها مِنَ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ لِتَعْتَبِرُوا بِها وما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّكالِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿دارَ الفاسِقِينَ﴾ هي المَساكِنُ الَّتِي كانُوا يَمُرُّونَ عَلَيْها إذا سافَرُوا مِن مَنازِلِ عادٍ وثَمُودَ والقُرُونِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ الوَعْدُ والبِشارَةُ بِأنَّهُ تَعالى سَيُورِثُهم أرْضَ أعْدائِهِمْ ودِيارَهم. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:146
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَوْلَهُ: ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُعامِلُهم بِهِ فَقالَ: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّ عَنْهُ وذَلِكَ ظاهِرٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرْتُمُوهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى يَصْرِفُهم عَنِ الإيمانِ بِآياتِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَأصْرِفُ﴾ يَتَناوَلُ المُسْتَقْبَلَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم كَفَرُوا فَكَذَّبُوا مِن قَبْلِ هَذا الصَّرْفِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ مُتَكَبِّرِينَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وبِأنَّهم إنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ قَدْ حَصَلَ لَهم في الزَّمانِ الماضِي، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الصَّرْفِ الكُفْرَ بِاللَّهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ مَذْكُورٌ عَلى وجْهِ العُقُوبَةِ عَلى التَّكَبُّرِ والكُفْرِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذا الصَّرْفِ هو كُفْرَهم، لَكانَ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ عُقُوبَةً لَهم عَلى إقْدامِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ العُقُوبَةَ عَلى الكُفْرِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُعاقَبِ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الصَّرْفِ الكُفْرَ.
صفحة ٤
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ صَرَفَهم عَنِ الإيمانِ وصَدَّهم عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الِانْشِقاقِ: ٢٠ ]،﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]،﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [الكَهْفِ: ٥٥] فَثَبَتَ أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى وُجُوهٍ أُخْرى.
فالوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الكَعْبِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّ هَذا الكَلامَ تَمامٌ لِما وعَدَ اللَّهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِ مِن إهْلاكِ أعْدائِهِ، ومَعْنى صَرْفِهِمْ إهْلاكُهم فَلا يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِ مُوسى مِن تَبْلِيغِها ولا عَلى المُؤْمِنِينَ مِنَ الإيمانِ بِها، وهو شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَأرادَ تَعالى أنْ يَمْنَعَ أعْداءَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن إيذائِهِ، ومَنعِهِ مِنَ القِيامِ بِما يَلْزَمُهُ في تَبْلِيغِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ فَقالَ: سَأصْرِفُ هَؤُلاءِ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ نَيْلِ ما في آياتِي مِنَ العِزِّ والكَرامَةِ المُعَدَّيْنِ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ، وإنَّما يَصْرِفُهم عَنْ ذَلِكَ بِواسِطَةِ إنْزالِ الذُّلِّ والإذْلالِ بِهِمْ، وذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى العُقُوبَةِ عَلى كُفْرِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ عَلى اللَّهِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مِنَ الآياتِ آياتٍ لا يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِها إلّا بَعْدَ سَبْقِ الإيمانِ. فَإذا كَفَرُوا فَقَدْ صَيَّرُوا أنْفُسَهم بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُمُ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ الآياتِ، فَحِينَئِذٍ يَصْرِفُهُمُ اللَّهُ عَنْها.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا عَلِمَ مِن حالِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ إذا شاهَدَ تِلْكَ الآياتِ فَإنَّهُ لا يَسْتَدِلُّ بِها بَلْ يَسْتَخِفُّ بِها ولا يَقُومُ بِحَقِّها، فَإذا عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنهُ، صَحَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَصْرِفَهُ عَنْها.
والوَجْهُ الخامِسُ: نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ مِنَ الكُفّارِ مَن يُبالِغُ في كُفْرِهِ ويَنْتَهِي إلى الحَدِّ الَّذِي إذا وصَلَ إلَيْهِ ماتَ قَلْبُهُ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ هَؤُلاءِ. فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا البابِ، وظَهَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَ فِيها دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى صِحَّةِ ما يَقُولُ بِهِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى يَتَكَبَّرُونَ: أنَّهم يَرَوْنَ أنَّهم أفْضَلُ الخَلْقِ، وأنَّ لَهم مِنَ الحَقِّ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، وهَذِهِ الصِّفَةُ -أعْنِي التَّكَبُّرَ- لا تَكُونُ إلّا لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ والفَضْلُ الَّذِي لَيْسَ لِأحَدٍ؛ فَلا جَرَمَ يَسْتَحِقُّ كَوْنَهُ مُتَكَبِّرًا، وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّكَبُّرُ: إظْهارُ كِبْرِ النَّفْسِ عَلى غَيْرِها. وصِفَةُ التَّكَبُّرِ صِفَةُ ذَمٍّ في جَمِيعِ العِبادِ، وصِفَةُ مَدْحٍ في اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ إظْهارَ ذَلِكَ عَلى مَن سِواهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في حَقِّهِ حَقٌّ. وفي حَقِّ غَيْرِهِ باطِلٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ لِأنَّ إظْهارَ الكِبْرِ عَلى الغَيْرِ قَدْ يَكُونُ بِالحَقِّ، فَإنَّ لِلْمُحِقِّ أنْ يَتَكَبَّرَ عَلى المُبْطِلِ، وفي الكَلامِ المَشْهُورِ: ”التَّكَبُّرُ عَلى المُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ“ .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”الرَّشَدِ“ بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ. وفَرَّقَ أبُو عَمْرٍو بَيْنَهُما فَقالَ: ﴿الرُّشْدِ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ الصَّلاحُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]
صفحة ٥
أيْ صَلاحًا، و”الرَّشَدِ“ بِفَتْحِهِما الِاسْتِقامَةُ في الدِّينِ. قالَ تَعالى: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] وقالَ الكِسائِيُّ هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ الحَزَنِ والحُزْنِ، والسَّقَمِ والسُّقُمِ، وقِيلَ: ﴿الرُّشْدِ﴾ بِالضَّمِّ الِاسْمُ، وبِالفَتْحَتَيْنِ المَصْدَرُ.
البَحْثُ الثّانِي: ﴿سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ سَبِيلِ الهُدى والدِّينِ الحَقِّ، والصَّوابِ في العِلْمِ والعَمَلِ و﴿سَبِيلَ الغَيِّ﴾ ما يَكُونُ مُضادًّا لِذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الصَّرْفَ إنَّما كانَ لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: كَوْنُهم مُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ.
والثّانِي: كَوْنُهم غافِلِينَ عَنْها، والمُرادُ أنَّهم واظَبُوا عَلى الإعْراضِ عَنْها حَتّى صارُوا بِمَنزِلَةِ الغافِلِ عَنْها. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:147
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما لِأجْلِهِ صَرَفَ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ آياتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ بَيَّنَ حالَ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ، فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ أنَّهم يَخْتَلِفُونَ في بابِ العِقابِ لِأنَّ فِيهِمْ مَن يَعْمَلُ بَعْضَ أعْمالِ البِرِّ، فَبَيَّنَ تَعالى حالَ جَمِيعِهِمْ سَواءٌ كانَ مُتَكَبِّرًا أوْ مُتَواضِعًا، أوْ كانَ قَلِيلَ الإحْسانِ، أوْ كانَ كَثِيرَ الإحْسانِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ جَحْدَهم لِلْمِيعادِ وجَراءَتَهم عَلى المَعاصِي، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ أعْمالَهم مُحْبَطَةٌ، والكَلامُ في حَقِيقَةِ الإحْباطِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفِيهِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ يُجْزَوْنَ إلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ؟ أوْ عَلى ما كانُوا يَعْمَلُونَ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ أبِي هاشِمٍ في أنَّ تارِكَ الواجِبِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ بِمُجَرَّدِ أنْ لا يَفْعَلَ الواجِبَ، وإنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ فِعْلٌ عِنْدَ ذَلِكَ الواجِبِ. قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا جَزاءَ إلّا عَلى العَمَلِ، ولَيْسَ تَرْكُ الواجِبِ بِعَمَلٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يُجازى عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ الجَزاءَ إنَّما حَصَلَ عَلى فِعْلِ ضِدِّهِ. وأجابَ أبُو هاشِمٍ: بِأنِّي لا أُسَمِّي ذَلِكَ العِقابَ جَزاءً فَسَقَطَ الِاسْتِدْلالُ.
وأجابَ أصْحابُنا عَنْ هَذا الجَوابِ: بِأنَّ الجَزاءَ إنَّما سُمِّيَ جَزاءً؛ لِأنَّهُ يَجْزِي ويَكْفِي في المَنعِ مِنَ النَّهْيِ، وفي الحَثِّ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، فَإنْ تَرَتَّبَ العِقابُ عَلى مُجَرَّدِ تَرْكِ الواجِبِ كانَ ذَلِكَ العِقابُ كافِيًا في الزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ التَّرْكِ فَكانَ جَزاءً، فَثَبَتَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الِامْتِناعِ مِن تَسْمِيَتِهِ جَزاءً. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:148
صفحة ٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةُ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ العِجْلَ، وفِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”حِلِيِّهِمْ“ بِكَسْرِ الحاءِ واللّامِ وتَشْدِيدِ الياءِ لِلْإتْباعِ كَدُلِيٍّ. والباقُونَ: ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِ الياءِ جَمْعُ حَلْيٍ كَثَدْيٍ وثُدِيٍّ، وقَرَأ بَعْضُهم: ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ، والحُلِيُّ اسْمُ ما يُتَحَسَّنُ بِهِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ قِيلَ: إنْ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ لَهم عِيدٌ يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ ويَسْتَعِيرُونَ مِنَ القِبْطِ الحُلِيَّ فاسْتَعارُوا حُلِيَّ القِبْطِ لِذَلِكَ اليَوْمِ، فَلَمّا أغْرَقَ اللَّهُ القِبْطَ بَقِيَتْ تِلْكَ الحُلِيُّ في أيْدِي بَنِي إسْرائِيلَ، فَجَمَعَ السّامِرِيُّ تِلْكَ الحُلِيَّ، وكانَ رَجُلًا مُطاعًا فِيهِمْ ذا قَدْرٍ وكانُوا قَدْ سَألُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا يَعْبُدُونَهُ، فَصاغَ السّامِرِيُّ عِجْلًا. ثُمَّ اخْتَلَفَ النّاسُ، فَقالَ قَوْمٌ كانَ قَدْ أخَذَ كَفًّا مِن تُرابِ حافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَألْقاهُ في جَوْفِ ذَلِكَ العِجْلِ، فانْقَلَبَ لَحْمًا ودَمًا وظَهَرَ مِنهُ الخُوارُ مَرَّةً واحِدَةً. فَقالَ السّامِرِيُّ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى ! وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: إنَّهُ كانَ قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ العِجْلَ مُجَوَّفًا، ووَضَعَ في جَوْفِهِ أنابِيبَ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، وكانَ قَدْ وضَعَ ذَلِكَ التِّمْثالَ عَلى مَهَبِّ الرِّياحِ، فَكانَتِ الرِّيحُ تَدْخُلُ في جَوْفِ الأنابِيبِ ويَظْهَرُ مِنهُ صَوْتٌ مَخْصُوصٌ يُشْبِهُ خُوارَ العِجْلِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ التِّمْثالَ أجْوَفَ، وجَعَلَ تَحْتَهُ في المَوْضِعِ الَّذِي نَصَبَ فِيهِ العِجْلَ مَن يَنْفُخُ فِيهِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ النّاسُ فَسَمِعُوا الصَّوْتَ مِن جَوْفِهِ كالخُوارِ. قالَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ: والنّاسُ قَدْ يَفْعَلُونَ الآنَ في هَذِهِ التَّصاوِيرِ الَّتِي يُجْرُونَ فِيها الماءَ عَلى سَبِيلِ الفَوّاراتِ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ وغَيْرِهِ أظْهَرَ الصَّوْتَ مِن ذَلِكَ التِّمْثالِ، ثُمَّ ألْقى إلى النّاسِ أنَّ هَذا العِجْلَ إلَهُهم وإلَهُ مُوسى.
* * *
بَقِيَ في لَفْظِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قِيلَ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ والمُتَّخِذُ هو السّامِرِيُّ وحْدَهُ ؟
والجَوابُ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ نَسَبَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ رَجُلًا مِنهم باشَرَهُ كَما يُقالُ: بَنُو تَمِيمٍ قالُوا كَذا وفَعَلُوا كَذا، والقائِلُ والفاعِلُ واحِدٌ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا مُرِيدِينَ لِاتِّخاذِهِ، راضِينَ بِهِ، فَكَأنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ ولَمْ يَكُنِ الحُلِيُّ لَهم، وإنَّما حَصَلَ في أيْدِيهِمْ عَلى سَبِيلِ العارِيَّةِ ؟
والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أهْلَكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ بَقِيَتْ تِلْكَ الأمْوالُ في أيْدِيهِمْ، وصارَتْ مِلْكًا لَهم كَسائِرِ أمْلاكِهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ هم كُلُّ قَوْمِ مُوسى أوْ بَعْضُهم ؟
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ يُفِيدُ العُمُومَ. قالَ الحَسَنُ:
صفحة ٧
كُلُّهم عَبَدُوا العِجْلَ غَيْرَ هارُونَ. واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: عُمُومُ هَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: قَوْلُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ القِصَّةِ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ [الأعْرافِ: ١٥١] قالَ خَصَّ نَفْسَهُ وأخاهُ بِالدُّعاءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن كانَ مُغايِرًا لَهُما ما كانَ أهْلًا لِلدُّعاءِ، ولَوْ بَقُوا عَلى الإيمانِ لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ قَدْ بَقِيَ في بَنِي إسْرائِيلَ مَن ثَبَتَ عَلى إيمانِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ الكُفْرَ إنَّما وقَعَ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: هَلِ انْقَلَبَ ذَلِكَ التِّمْثالُ لَحْمًا ودَمًا عَلى ما قالَهُ بَعْضُهم أوْ بَقِيَ ذَهَبًا كَما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ ؟
والجَوابُ: الذّاهِبُونَ إلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ والجَسَدُ اسْمٌ لِلْجِسْمِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ اللَّحْمِ والدَّمِ، ومِنهم مَن نازَعَ في ذَلِكَ، وقالَ بَلِ الجَسَدُ اسْمٌ لِكُلِّ جِسْمٍ كَثِيفٍ، سَواءٌ كانَ مِنَ اللَّحْمِ والدَّمِ أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لَهُ خُوارًا، وذَلِكَ إنَّما يَتَأتّى في الحَيَوانِ. وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ ذَلِكَ الصَّوْتَ لَمّا أشْبَهَ الخُوارَ لَمْ يَبْعُدْ إطْلاقُ لَفْظِ الخُوارِ عَلَيْهِ، وقَرَأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (جُؤارٌ) بِالجِيمِ والهَمْزَةِ، مِن جَأرَ إذا صاحَ، فَهَذا ما قِيلَ في هَذا البابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذا المَذْهَبَ والمَقالَةَ احْتَجَّ عَلى فَسادِ كَوْنِ ذَلِكَ العِجْلِ إلَهًا بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ أنَّ هَذا العِجْلَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُكَلِّمَهم، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَهْدِيَهم إلى الصَّوابِ والرُّشْدِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ إمّا جَمادًا وإمّا حَيَوانًا عاجِزًا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن لا يَكُونُ مُتَكَلِّمًا ولا هادِيًا إلى سَبِيلٍ لَمْ يَكُنْ إلَهًا؛ لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي لَهُ الأمْرُ والنَّهْيُ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَ مُتَكَلِّمًا، فَمَن لا يَكُونُ مُتَكَلِّمًا لَمْ يَصْحَّ مِنهُ الأمْرُ والنَّهْيُ، والعِجْلُ عاجِزٌ عَنِ الأمْرِ والنَّهْيِ فَلَمْ يَكُنْ إلَهًا. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ إلَهًا أنْ يَكُونَ هادِيًا إلى الصِّدْقِ والصَّوابِ، فَمَن كانَ مُضِلًّا عَنْهُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ إلَهًا.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يُوجِبُ أنَّهُ لَوْ صَحَّ أنْ يَتَكَلَّمَ ويَهْدِيَ، يَجُوزُ أنْ يُتَّخَذَ إلَهًا، وإلّا فَإنْ كانَ إثْباتُ ذَلِكَ كَنَفْيِهِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُتَّخَذَ إلَهًا فَلا فائِدَةَ فِيما ذَكَرْتُمْ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرْطًا لِحُصُولِ الإلَهِيَّةِ، فَيَلْزَمَ مِن عَدَمِهِ عَدَمُ الإلَهِيَّةِ وإنْ كانَ لا يَلْزَمُ مِن حُصُولِهِ حُصُولُ الإلَهِيَّةِ.
الثّانِي: أنَّ كُلَّ مَن قَدَرَ عَلى أنْ يُكَلِّمَهم وعَلى أنْ يَهْدِيَهم إلى الخَيْرِ والشَّرِّ فَهو إلَهٌ، والخَلْقُ لا يَقْدِرُونَ عَلى الهِدايَةِ، إنَّما يَقْدِرُونَ عَلى وصْفِ الهِدايَةِ، فَأمّا عَلى وضْعِ الدَّلائِلِ ونَصْبِها فَلا قادِرَ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
واعْلَمْ أنَّهُ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا ظالِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ظالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، واشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:149
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أنَّهُ اشْتَدَّ نَدَمُهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ واخْتَلَفُوا في الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ حَسُنَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ.
فالوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ سَقَطَ النَّدَمُ في أيْدِيهِمْ، أيْ في قُلُوبِهِمْ كَما يُقالُ حَصَلَ في يَدِيهِ مَكْرُوهٌ، وإنْ كانَ مِنَ المُحالِ حُصُولُ المَكْرُوهِ الواقِعِ في اليَدِ، إلّا أنَّهم أطْلَقُوا عَلى المَكْرُوهِ الواقِعِ في القَلْبِ والنَّفْسِ كَوْنَهُ واقِعًا في اليَدِ، فَكَذا هَهُنا.
والوَجْهُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ (الكَشّافِ): إنَّما يُقالُ لِمَن نَدِمَ سُقِطَ في يَدِهِ لِأنَّ مِن شَأْنِ مَنِ اشْتَدَّ نَدَمُهُ أنْ يَعَضَّ يَدَهُ غَمًّا، فَيَصِيرُ نَدَمُهُ مَسْقُوطًا فِيها، لِأنَّ فاهُ قَدْ وقَعَ فِيها.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ السُّقُوطَ عِبارَةٌ عَنْ نُزُولِ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلُ، ولِهَذا قالُوا سَقَطَ المَطَرُ، ويُقالُ: سَقَطَ مِن يَدِكَ شَيْءٌ، وأسْقَطَتِ المَرْأةُ، فَمَن أقْدَمَ عَلى عَمَلٍ فَهو إنَّما يَقْدِمُ عَلَيْهِ لِاعْتِقادِهِ أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ خَيْرٌ وصَوابٌ، وأنَّ ذَلِكَ العَمَلَ يُورِثُهُ شَرَفًا ورِفْعَةً، فَإذا بانَ لَهُ أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ كانَ باطِلًا فاسِدًا فَكَأنَّهُ قَدِ انْحَطَّ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ، وسَقَطَ مِن فَوْقُ إلى تَحْتُ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أخْطَأ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ سَقْطَةً، شَبَّهُوا ذَلِكَ بِالسَّقْطَةِ عَلى الأرْضِ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ السُّقُوطِ عَلى الحالَةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ النَّدَمِ جائِزٌ مُسْتَحْسَنٌ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ اليَدِ ؟ فَنَقُولُ: اليَدُ هي الآلَةُ الَّتِي بِها يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى الأخْذِ والضَّبْطِ والحِفْظِ، فالنّادِمُ كَأنَّهُ يَتَدارَكُ الحالَةَ الَّتِي لِأجْلِها حَصَلَ لَهُ النَّدَمُ ويَشْتَغِلُ بِتَلافِيها، فَكَأنَّهُ قَدْ سَقَطَ في يَدِ نَفْسِهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ بَعْدَ حُصُولِ ذَلِكَ النَّدَمِ اشْتَغَلَ بِالتَّدارُكِ والتَّلافِي.
والوَجْهُ الرّابِعُ: حَكى الواحِدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ: أنَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِنَ السَّقِيطِ وهو ما يَغْشى الأرْضَ بِالغَدَواتِ شِبْهَ الثَّلْجِ. يُقالُ مِنهُ: سَقَطَتِ الأرْضُ، كَما يُقالُ مِنَ الثَّلْجِ: ثَلَجَتِ الأرْضُ وثُلِجْنا أيْ أصابَها الثَّلْجُ، ومَعْنى سُقِطَ في يَدِهِ أيْ وقَعَ في يَدِهِ السَّقِيطُ، والسَّقِيطُ يَذُوبُ بِأدْنى حَرارَةٍ ولا يَبْقى، فَمَن وقَعَ في يَدِهِ السَّقِيطُ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ عَلى شَيْءٍ قَطُّ فَصارَ هَذا مَثَلًا لِكُلِّ مَن خَسِرَ في عاقِبَتِهِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن سَعْيِهِ عَلى طائِلٍ، وكانَتِ النَّدامَةُ آخِرَ أمْرِهِ.
والوَجْهُ الخامِسُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: النّادِمُ إنَّما يُقالُ لَهُ: سُقِطَ في يَدِهِ، لِأنَّهُ يَتَحَيَّرُ في أمْرِهِ ويَعْجَزُ عَنْ أعْمالِهِ، والآلَةُ الأصْلِيَّةُ في الأعْمالِ في أكْثَرِ الأمْرِ هي اليَدُ. والعاجِزُ في حُكْمِ السّاقِطِ، فَلَمّا قُرِنَ السُّقُوطُ بِالأيْدِي عُلِمَ أنَّ السُّقُوطَ في اليَدِ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ العَجْزِ التّامِّ، ويُقالُ في العُرْفِ لِمَن لا يَهْتَدِي لِما يَصْنَعُ: ضَلَّتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ.
صفحة ٩
والوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ مِن عادَةِ النّادِمِ أنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ ويَضَعَهُ عَلى يَدِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ، وتارَةً يَضَعَها تَحْتَ ذَقَنِهِ وشَطْرٍ مِن وجْهِهِ عَلى هَيْئَةٍ لَوْ نُزِعَتْ يَدُهُ لَسَقَطَ عَلى وجْهِهِ فَكانَتِ اليَدُ مَسْقُوطًا فِيها لِتَمَكُّنِ السُّقُوطِ فِيها، ويَكُونُ قَوْلُهُ: سُقِطَ في أيْدِيهِمْ بِمَعْنى سُقِطَ عَلى أيْدِيهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١ ] أيْ عَلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا﴾ أيْ قَدْ تَبَيَّنُوا ضَلالَهَمْ تَبْيِينًا كَأنَّهم أبْصَرُوهُ بِعُيُونِهِمْ، قالَ القاضِي: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤَخَّرُ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ النَّدَمَ والتَّحَيُّرَ إنَّما يَقَعانِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَمّا رَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ لِما نالَهم مِن عَظِيمِ الحَسْرَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى هَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا صارَ شاكًّا في أنَّ العَمَلَ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ هَلْ هو صَوابٌ أوْ خَطَأٌ ؟ فَقَدْ يَنْدَمُ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ الإقْدامَ عَلى ما لا يُعْلَمُ كَوْنُهُ صَوابًا أوْ خَطَأً فاسِدًا أوْ باطِلًا غَيْرُ جائِزٍ، فَعِنْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الحالَةِ يَحْصُلُ النَّدَمُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكامَلُ العِلْمُ ويَظْهَرُ أنَّهُ كانَ خَطَأً وفاسِدًا وباطِلًا فَثَبَتَ أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا حاجَةَ إلى التِزامِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم عِنْدَ ظُهُورِ هَذا النَّدَمِ، وحُصُولِ العِلْمِ بِأنَّ الَّذِي عَمِلُوهُ كانَ باطِلًا أظْهَرُوا الِانْقِطاعَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقالُوا﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهَذا كَلامُ مَنِ اعْتَرَفَ بِعَظِيمِ ما أقْدَمَ عَلَيْهِ ونَدِمَ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ ورَغِبَ إلى رَبِّهِ في إقالَةِ عَثْرَتِهِ، ثُمَّ صَدَّقُوا عَلى أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم مِنَ الخاسِرِينَ إنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهم، وهَذا النَّدَمُ والِاسْتِغْفارُ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ، وقُرِئَ: ”لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنا رَبَّنا وتَغْفِرْ لَنا“ بِالتّاءِ ”ورَبَّنا“ بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ، وهَذا كَلامُ التّائِبِينَ كَما قالَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] .
الأعراف 7:150
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَ
صفحة ١٠
خَبَرَهم مِن قَبْلُ في عِبادَةِ العِجْلِ، ولا يُوجِبُ ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عِنْدَ الرُّجُوعِ ومُشاهَدَةِ أحْوالِهِمْ صارَ كَذَلِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ عِنْدَ هُجُومِهِ عَلَيْهِمْ عَرَفَ ذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلْ كانَ عارِفًا بِذَلِكَ مِن قَبْلُ، وهَذا أقْرَبُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حالَ ما كانَ راجِعًا كانَ غَضْبانَ أسِفًا، وهو إنَّما كانَ راجِعًا إلى قَوْمِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ كانَ عالِمًا بِهَذِهِ الحالَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في سُورَةِ طه أنَّهُ أخْبَرَهُ بِوُقُوعِ تِلْكَ الواقِعَةِ في المِيقاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الأسَفِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأسَفَ الشَّدِيدَ الغَضَبُ، وهو قَوْلُ أبِي الدَّرْداءِ وعَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ الزَّجّاجِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] أيْ أغْضَبُونا.
والثّانِي: وهو أيْضًا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والسُّدِّيِّ: إنَّ الآسِفَ هو الحَزِينُ. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: إنَّ أبا بَكْرٍ رَجُلٌ أسِيفٌ أيْ حَزِينٌ. قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ، لِأنَّ الغَضَبَ مِنَ الحُزْنِ والحُزْنَ مِنَ الغَضَبِ، فَإذا جاءَكَ ما تَكْرَهُ مِمَّنْ هو دُونَكَ غَضِبْتَ، وإذا جاءَكَ مِمَّنْ هو فَوْقَكَ حَزِنْتَ. فَتُسَمّى إحْدى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ حُزْنًا والأُخْرى غَضَبًا، فَعَلى هَذا كانَ مُوسى غَضْبانَ عَلى قَوْمِهِ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، أسِفًا حَزِينًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَنَهم، وقَدْ كانَ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ فَمَعْناهُ بِئْسَما قُمْتُمْ مَقامِي وكُنْتُمْ خُلَفائِي مِن بَعْدِي وهَذا الخِطابُ إنَّما يَكُونُ لِعَبَدَةِ العِجْلِ مِنَ السّامِرِيِّ وأشْياعِهِ، أوْ لِوُجُوهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم: هارُونُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ مَكانَ عِبادَةِ اللَّهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الثّانِي، يَكُونُ المَعْنى بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي حَيْثُ لَمْ تُمْنَعُوا مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أيْنَ ما يَقْتَضِيهِ(بِئْسَ) مِنَ الفاعِلِ، والمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ ؟
والجَوابُ: الفاعِلُ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ:(ما خَلَفْتُمُونِي) والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِئْسَ خِلافَةً خَلَفْتُمُونِيها مِن بَعْدِي خِلافَتُكم.
السُّؤالُ الثّانِي: أيُّ مَعْنًى لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِي﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ ؟
والجَوابُ: مَعْناهُ مِن بَعْدِ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ ما كُنْتُ أحْمِلُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى التَّوْحِيدِ وأمْنَعُهم مِن عِبادَةِ البَقَرِ حِينَ قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾؛ ومِن حَقِّ الخُلَفاءِ أنْ يَسِيرُوا سِيرَةَ المُسْتَخْلَفِينَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ فَمَعْنى العَجَلَةِ التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ، ولِذَلِكَ صارَتْ مَذْمُومَةً والسُّرْعَةُ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ؛ لِأنَّ مَعْناها عَمَلُ الشَّيْءِ في أوَّلِ أوْقاتِهِ. هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَتِ العَجَلَةُ مَذْمُومَةً، فَلِمَ قالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ المَعْنى: ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي مِيعادَ رَبِّكم فَلَمْ تَصْبِرُوا لَهُ ؟ وقالَ الحَسَنُ: وعْدُ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَكم مِنَ الأرْبَعِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَدَّرُوا أنَّهُ لَمّا لَمْ يَأْتِ عَلى رَأْسِ الثَّلاثِينَ لَيْلَةً، فَقَدْ ماتَ.
صفحة ١١
وقالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أعْجِلْتُمْ سُخْطَ رَبِّكم ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: أعْجِلْتُمْ بِعِبادَةِ العِجْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكم أمْرُ رَبِّكم ؟ ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ مُوسى رَجَعَ غَضْبانَ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما كانَ ذَلِكَ الغَضَبُ مُوجِبًا لَهُ، وهو أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ: ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ يُرِيدُ الَّتِي فِيها التَّوْراةُ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ الألْواحُ أعْظَمَ مَعاجِزِهِ، ثُمَّ إنَّهُ ألْقاها، دَلَّ ذَلِكَ عَلى شِدَّةِ الغَضَبِ، لِأنَّ المَرْءَ لا يَقْدِمُ عَلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الغَضَبِ المُدْهِشِ. رُوِيَ أنَّ التَّوْراةَ كانَتْ سَبْعَةَ أسْباعٍ، فَلَمّا ألْقى الألْواحَ تَكَسَّرَتْ، فَرَفَعَ مِنها سِتَّةَ أسِباعِها وبَقِيَ سُبُعٌ واحِدٌ. وكانَ فِيما رَفَعَ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وفِيما بَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («يَرْحَمُ اللَّهُ أخِي مُوسى لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ، لَقَدْ أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِفِتْنَةِ قَوْمِهِ فَعَرَفَ أنَّ ما أخْبَرَهُ بِهِ حَقٌّ، وأنَّهُ عَلى ذَلِكَ مُتَمَسِّكٌ بِما في يَدِهِ» ) .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَيْسَ في القُرْآنِ إلّا أنَّهُ ألْقى الألْواحَ فَأمّا أنَّهُ ألْقاها بِحَيْثُ تَكَسَّرَتْ، فَهَذا لَيْسَ في القُرْآنِ وإنَّهُ لَجَراءَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى كِتابِ اللَّهِ، ومِثْلُهُ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والأمْرُ الثّانِي: مِنَ الأُمُورِ المُتَوَلِّدَةِ عَنْ ذَلِكَ الغَضَبِ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ وفي هَذا المَوْضِعِ سُؤالٌ لِمَن يَقْدَحُ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ طه مَعَ الجَوابِ الصَّحِيحِ، وبِالجُمْلَةِ فالطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ والِاسْتِخْفافِ، والمُثْبِتُونَ لِعِصْمَةِ الأنْبِياءِ قالُوا: إنَّهُ جَرَّ رَأْسَ أخِيهِ إلى نَفْسِهِ لِيُسارَّهُ ويَسْتَكْشِفَ مِنهُ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الواقِعَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِماذا قالَ: ﴿ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ ؟
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ أنَّ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خافَ أنْ يَتَوَهَّمَ جُهّالُ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَضْبانُ عَلَيْهِ كَما أنَّهُ غَضْبانُ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ، فَقالَ لَهُ: ابْنَ أُمَّ، إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وما أطاعُونِي في تَرْكِ عِبادَةِ العِجْلِ، وقَدْ نَهَيْتُهم ولَمْ يَكُنْ مَعِي مِنَ الجَمْعِ ما أمْنَعُهم بِهِمْ عَنْ هَذا العَمَلِ، فَلا تَفْعَلْ بِي ما تَشْمَتُ أعْدائِي بِهِ، فَهم أعْداؤُكَ فَإنَّ القَوْمَ يَحْمِلُونَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي تَفْعَلُهُ بِي عَلى الإهانَةِ لا عَلى الإكْرامِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى﴿ابْنَ أُمَّ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”ابْنَ أُمِّ“ بِكَسْرِ المِيمِ، وفي طه مِثْلُهُ عَلى تَقْدِيرِ أُمِّي فَحَذَفَ ياءَ الإضافَةِ لِأنَّ مَبْنى النِّداءِ عَلى الحَذْفِ وبَقِيَ الكَسْرُ عَلى المِيمِ لِيَدُلَّ عَلى الإضافَةِ، كَقَوْلِهِ: (يا عِبادِ) والباقُونَ بِفَتْحِ المِيمِ في السُّورَتَيْنِ، وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما جُعِلا اسْمًا واحِدًا وبُنِي لِكَثْرَةِ اصْطِحابِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ فَصارَ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ نَحْوَ حَضْرَمَوْتَ وخَمْسَةَ عَشَرَ.
وثانِيهِما: أنَّهُ عَلى حَذْفِ الألِفِ المُبْدَلَةِ مِن ياءِ الإضافَةِ، وأصْلُهُ يا ابْنَ أمّا كَما قالَ الشّاعِرُ:
يا ابْنَةَ عَمّا لا تَلُومِي واهْجَعِي
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ أيْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى كَلامِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي، فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ -يَعْنِي أصْحابَ العِجْلِ- ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، أيْ لا تَجْعَلْنِي شَرِيكًا لَهم في عُقُوبَتِكَ لَهم عَلى فِعْلِهِمْ، فَعِنْدَ هَذا قالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ أيْ فِيما أقْدَمْتُ عَلَيْهِ مِن هَذا الغَضَبِ والحِدَّةِ﴿ولِأخِي﴾ في تَرْكِهِ التَّشْدِيدَ العَظِيمَ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ﴿وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ .
صفحة ١٢
واعْلَمْ أنَّ تَمامَ هَذِهِ السُّؤالاتِ والجَواباتِ في هَذِهِ القِصَّةِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ طه. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:151
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَ
صفحة ١٠
خَبَرَهم مِن قَبْلُ في عِبادَةِ العِجْلِ، ولا يُوجِبُ ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عِنْدَ الرُّجُوعِ ومُشاهَدَةِ أحْوالِهِمْ صارَ كَذَلِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ عِنْدَ هُجُومِهِ عَلَيْهِمْ عَرَفَ ذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلْ كانَ عارِفًا بِذَلِكَ مِن قَبْلُ، وهَذا أقْرَبُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حالَ ما كانَ راجِعًا كانَ غَضْبانَ أسِفًا، وهو إنَّما كانَ راجِعًا إلى قَوْمِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ كانَ عالِمًا بِهَذِهِ الحالَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في سُورَةِ طه أنَّهُ أخْبَرَهُ بِوُقُوعِ تِلْكَ الواقِعَةِ في المِيقاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الأسَفِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأسَفَ الشَّدِيدَ الغَضَبُ، وهو قَوْلُ أبِي الدَّرْداءِ وعَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ الزَّجّاجِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] أيْ أغْضَبُونا.
والثّانِي: وهو أيْضًا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والسُّدِّيِّ: إنَّ الآسِفَ هو الحَزِينُ. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: إنَّ أبا بَكْرٍ رَجُلٌ أسِيفٌ أيْ حَزِينٌ. قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ، لِأنَّ الغَضَبَ مِنَ الحُزْنِ والحُزْنَ مِنَ الغَضَبِ، فَإذا جاءَكَ ما تَكْرَهُ مِمَّنْ هو دُونَكَ غَضِبْتَ، وإذا جاءَكَ مِمَّنْ هو فَوْقَكَ حَزِنْتَ. فَتُسَمّى إحْدى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ حُزْنًا والأُخْرى غَضَبًا، فَعَلى هَذا كانَ مُوسى غَضْبانَ عَلى قَوْمِهِ لِأجْلِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، أسِفًا حَزِينًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَنَهم، وقَدْ كانَ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ فَمَعْناهُ بِئْسَما قُمْتُمْ مَقامِي وكُنْتُمْ خُلَفائِي مِن بَعْدِي وهَذا الخِطابُ إنَّما يَكُونُ لِعَبَدَةِ العِجْلِ مِنَ السّامِرِيِّ وأشْياعِهِ، أوْ لِوُجُوهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم: هارُونُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ مَكانَ عِبادَةِ اللَّهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الثّانِي، يَكُونُ المَعْنى بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي حَيْثُ لَمْ تُمْنَعُوا مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أيْنَ ما يَقْتَضِيهِ(بِئْسَ) مِنَ الفاعِلِ، والمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ ؟
والجَوابُ: الفاعِلُ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ:(ما خَلَفْتُمُونِي) والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِئْسَ خِلافَةً خَلَفْتُمُونِيها مِن بَعْدِي خِلافَتُكم.
السُّؤالُ الثّانِي: أيُّ مَعْنًى لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِي﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ ؟
والجَوابُ: مَعْناهُ مِن بَعْدِ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ ما كُنْتُ أحْمِلُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى التَّوْحِيدِ وأمْنَعُهم مِن عِبادَةِ البَقَرِ حِينَ قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾؛ ومِن حَقِّ الخُلَفاءِ أنْ يَسِيرُوا سِيرَةَ المُسْتَخْلَفِينَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ فَمَعْنى العَجَلَةِ التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ، ولِذَلِكَ صارَتْ مَذْمُومَةً والسُّرْعَةُ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ؛ لِأنَّ مَعْناها عَمَلُ الشَّيْءِ في أوَّلِ أوْقاتِهِ. هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَتِ العَجَلَةُ مَذْمُومَةً، فَلِمَ قالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ المَعْنى: ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي مِيعادَ رَبِّكم فَلَمْ تَصْبِرُوا لَهُ ؟ وقالَ الحَسَنُ: وعْدُ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَكم مِنَ الأرْبَعِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهم قَدَّرُوا أنَّهُ لَمّا لَمْ يَأْتِ عَلى رَأْسِ الثَّلاثِينَ لَيْلَةً، فَقَدْ ماتَ.
صفحة ١١
وقالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ أعْجِلْتُمْ سُخْطَ رَبِّكم ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: أعْجِلْتُمْ بِعِبادَةِ العِجْلِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكم أمْرُ رَبِّكم ؟ ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ مُوسى رَجَعَ غَضْبانَ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما كانَ ذَلِكَ الغَضَبُ مُوجِبًا لَهُ، وهو أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ: ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ يُرِيدُ الَّتِي فِيها التَّوْراةُ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ الألْواحُ أعْظَمَ مَعاجِزِهِ، ثُمَّ إنَّهُ ألْقاها، دَلَّ ذَلِكَ عَلى شِدَّةِ الغَضَبِ، لِأنَّ المَرْءَ لا يَقْدِمُ عَلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الغَضَبِ المُدْهِشِ. رُوِيَ أنَّ التَّوْراةَ كانَتْ سَبْعَةَ أسْباعٍ، فَلَمّا ألْقى الألْواحَ تَكَسَّرَتْ، فَرَفَعَ مِنها سِتَّةَ أسِباعِها وبَقِيَ سُبُعٌ واحِدٌ. وكانَ فِيما رَفَعَ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وفِيما بَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («يَرْحَمُ اللَّهُ أخِي مُوسى لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ، لَقَدْ أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِفِتْنَةِ قَوْمِهِ فَعَرَفَ أنَّ ما أخْبَرَهُ بِهِ حَقٌّ، وأنَّهُ عَلى ذَلِكَ مُتَمَسِّكٌ بِما في يَدِهِ» ) .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَيْسَ في القُرْآنِ إلّا أنَّهُ ألْقى الألْواحَ فَأمّا أنَّهُ ألْقاها بِحَيْثُ تَكَسَّرَتْ، فَهَذا لَيْسَ في القُرْآنِ وإنَّهُ لَجَراءَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى كِتابِ اللَّهِ، ومِثْلُهُ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والأمْرُ الثّانِي: مِنَ الأُمُورِ المُتَوَلِّدَةِ عَنْ ذَلِكَ الغَضَبِ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ وفي هَذا المَوْضِعِ سُؤالٌ لِمَن يَقْدَحُ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ طه مَعَ الجَوابِ الصَّحِيحِ، وبِالجُمْلَةِ فالطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ والِاسْتِخْفافِ، والمُثْبِتُونَ لِعِصْمَةِ الأنْبِياءِ قالُوا: إنَّهُ جَرَّ رَأْسَ أخِيهِ إلى نَفْسِهِ لِيُسارَّهُ ويَسْتَكْشِفَ مِنهُ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الواقِعَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِماذا قالَ: ﴿ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ ؟
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ أنَّ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خافَ أنْ يَتَوَهَّمَ جُهّالُ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَضْبانُ عَلَيْهِ كَما أنَّهُ غَضْبانُ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ، فَقالَ لَهُ: ابْنَ أُمَّ، إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وما أطاعُونِي في تَرْكِ عِبادَةِ العِجْلِ، وقَدْ نَهَيْتُهم ولَمْ يَكُنْ مَعِي مِنَ الجَمْعِ ما أمْنَعُهم بِهِمْ عَنْ هَذا العَمَلِ، فَلا تَفْعَلْ بِي ما تَشْمَتُ أعْدائِي بِهِ، فَهم أعْداؤُكَ فَإنَّ القَوْمَ يَحْمِلُونَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي تَفْعَلُهُ بِي عَلى الإهانَةِ لا عَلى الإكْرامِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى﴿ابْنَ أُمَّ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”ابْنَ أُمِّ“ بِكَسْرِ المِيمِ، وفي طه مِثْلُهُ عَلى تَقْدِيرِ أُمِّي فَحَذَفَ ياءَ الإضافَةِ لِأنَّ مَبْنى النِّداءِ عَلى الحَذْفِ وبَقِيَ الكَسْرُ عَلى المِيمِ لِيَدُلَّ عَلى الإضافَةِ، كَقَوْلِهِ: (يا عِبادِ) والباقُونَ بِفَتْحِ المِيمِ في السُّورَتَيْنِ، وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما جُعِلا اسْمًا واحِدًا وبُنِي لِكَثْرَةِ اصْطِحابِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ فَصارَ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ نَحْوَ حَضْرَمَوْتَ وخَمْسَةَ عَشَرَ.
وثانِيهِما: أنَّهُ عَلى حَذْفِ الألِفِ المُبْدَلَةِ مِن ياءِ الإضافَةِ، وأصْلُهُ يا ابْنَ أمّا كَما قالَ الشّاعِرُ:
يا ابْنَةَ عَمّا لا تَلُومِي واهْجَعِي
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ أيْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى كَلامِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي، فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ -يَعْنِي أصْحابَ العِجْلِ- ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، أيْ لا تَجْعَلْنِي شَرِيكًا لَهم في عُقُوبَتِكَ لَهم عَلى فِعْلِهِمْ، فَعِنْدَ هَذا قالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ أيْ فِيما أقْدَمْتُ عَلَيْهِ مِن هَذا الغَضَبِ والحِدَّةِ﴿ولِأخِي﴾ في تَرْكِهِ التَّشْدِيدَ العَظِيمَ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ﴿وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ .
صفحة ١٢
واعْلَمْ أنَّ تَمامَ هَذِهِ السُّؤالاتِ والجَواباتِ في هَذِهِ القِصَّةِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ طه. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:152
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَرْحُ حالِ مَن عَبَدَ العِجْلَ.
واعْلَمْ أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مِن مَفْعُولَيِ الِاتِّخاذِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: اتَّخَذُوا العِجْلَ إلَهًا ومَعْبُودًا ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ اتَّخَذُوا العِجْلَ هُمُ الَّذِينَ باشَرُوا عِبادَةَ العِجْلِ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم قَتَلُوا أنْفُسَهم في مَعْرِضِ التَّوْبَةِ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ، وإذا تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في حَقِّهِمْ إنَّهُ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ؟
والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ ذَلِكَ الغَضَبَ إنَّما حَصَلَ في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ الغَضَبِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هو أنَّهم قَدْ ضَلُّوا فَذَلُّوا.
فَإنْ قالُوا: السِّينُ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَنالُهُمْ﴾ لِلِاسْتِقْبالِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ هَذا عَلى حُكْمِ الدُّنْيا ؟
قُلْنا: هَذا الكَلامُ حِكايَةٌ عَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أخْبَرَهُ بِافْتِتانِ قَوْمِهِ واتِّخاذِهِمُ العِجْلَ، فَأخْبَرَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّهُ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ هَذا الكَلامُ سابِقًا عَلى وُقُوعِهِمْ في القَتْلِ وفي الذِّلَّةِ، فَصَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ مِن هَذا الِاعْتِبارِ.
والطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ اتَّخَذُوا العِجْلَ أبْناؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَفي الآيَةِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ تُعَيِّرُ الأبْناءَ بِقَبائِحِ أفْعالِ الآباءِ كَما تَفْعَلُ ذَلِكَ في المَناقِبِ. يَقُولُونَ لِلْأبْناءِ: فَعَلْتُمْ كَذا وكَذا، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مَن مَضى مِن آبائِهِمْ، فَكَذا هَهُنا وُصِفَ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِاتِّخاذِ العِجْلِ، وإنْ كانَ آباؤُهم فَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ في الآخِرَةِ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كَما قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] .
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيِ الَّذِينَ باشَرُوا ذَلِكَ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ أيْ سَيَنالُ أوْلادُهم، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
صفحة ١٣
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ كُلَّ مُفْتَرٍ في دِينِ اللَّهِ فَجَزاؤُهُ غَضَبُ اللَّهِ والذِّلَّةُ في الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: ما مِن مُبْتَدِعٍ إلّا ويَجِدُ فَوْقَ رَأْسِهِ ذِلَّةً، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُبْتَدِعَ مُفْتَرٍ في دِينِ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا﴾ فَهَذا يُفِيدُ أنَّ مَن عَمِلَ السَّيِّئاتِ فَلا بُدَّ وأنْ يَتُوبَ عَنْها أوَّلًا، وذَلِكَ بِأنْ يَتْرُكَها أوَّلًا ويَرْجِعَ عَنْها، ثُمَّ يُؤْمِنَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وثانِيًا: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى، ويُصَدِّقُ بِأنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّيِّئاتِ بِأسْرِها مُشْتَرِكَةٌ في أنَّ التَّوْبَةَ مِنها تُوجِبُ الغُفْرانَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ. والتَّقْدِيرُ: أنَّ مَن أتى بِجَمِيعِ السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابَ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُها لَهُ، وهَذا مِن أعْظَمِ ما يُفِيدُ البِشارَةَ والفَرَحَ لِلْمُذْنِبِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:153
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَرْحُ حالِ مَن عَبَدَ العِجْلَ.
واعْلَمْ أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مِن مَفْعُولَيِ الِاتِّخاذِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: اتَّخَذُوا العِجْلَ إلَهًا ومَعْبُودًا ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ اتَّخَذُوا العِجْلَ هُمُ الَّذِينَ باشَرُوا عِبادَةَ العِجْلِ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم قَتَلُوا أنْفُسَهم في مَعْرِضِ التَّوْبَةِ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ، وإذا تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في حَقِّهِمْ إنَّهُ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ؟
والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ ذَلِكَ الغَضَبَ إنَّما حَصَلَ في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ الغَضَبِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هو أنَّهم قَدْ ضَلُّوا فَذَلُّوا.
فَإنْ قالُوا: السِّينُ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَنالُهُمْ﴾ لِلِاسْتِقْبالِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ هَذا عَلى حُكْمِ الدُّنْيا ؟
قُلْنا: هَذا الكَلامُ حِكايَةٌ عَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أخْبَرَهُ بِافْتِتانِ قَوْمِهِ واتِّخاذِهِمُ العِجْلَ، فَأخْبَرَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّهُ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ هَذا الكَلامُ سابِقًا عَلى وُقُوعِهِمْ في القَتْلِ وفي الذِّلَّةِ، فَصَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ مِن هَذا الِاعْتِبارِ.
والطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ اتَّخَذُوا العِجْلَ أبْناؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَفي الآيَةِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ تُعَيِّرُ الأبْناءَ بِقَبائِحِ أفْعالِ الآباءِ كَما تَفْعَلُ ذَلِكَ في المَناقِبِ. يَقُولُونَ لِلْأبْناءِ: فَعَلْتُمْ كَذا وكَذا، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مَن مَضى مِن آبائِهِمْ، فَكَذا هَهُنا وُصِفَ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِاتِّخاذِ العِجْلِ، وإنْ كانَ آباؤُهم فَعَلُوا ذَلِكَ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ في الآخِرَةِ﴿وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كَما قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] .
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيِ الَّذِينَ باشَرُوا ذَلِكَ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ أيْ سَيَنالُ أوْلادُهم، ثُمَّ حَذَفَ المُضافَ بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
صفحة ١٣
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ كُلَّ مُفْتَرٍ في دِينِ اللَّهِ فَجَزاؤُهُ غَضَبُ اللَّهِ والذِّلَّةُ في الدُّنْيا، قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: ما مِن مُبْتَدِعٍ إلّا ويَجِدُ فَوْقَ رَأْسِهِ ذِلَّةً، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُبْتَدِعَ مُفْتَرٍ في دِينِ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا﴾ فَهَذا يُفِيدُ أنَّ مَن عَمِلَ السَّيِّئاتِ فَلا بُدَّ وأنْ يَتُوبَ عَنْها أوَّلًا، وذَلِكَ بِأنْ يَتْرُكَها أوَّلًا ويَرْجِعَ عَنْها، ثُمَّ يُؤْمِنَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وثانِيًا: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى، ويُصَدِّقُ بِأنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّيِّئاتِ بِأسْرِها مُشْتَرِكَةٌ في أنَّ التَّوْبَةَ مِنها تُوجِبُ الغُفْرانَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ يَتَناوَلُ الكُلَّ. والتَّقْدِيرُ: أنَّ مَن أتى بِجَمِيعِ السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابَ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُها لَهُ، وهَذا مِن أعْظَمِ ما يُفِيدُ البِشارَةَ والفَرَحَ لِلْمُذْنِبِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:154
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لَنا ما كانَ مِنهُ مَعَ الغَضَبِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما كانَ مِنهُ عِنْدَ سُكُوتِ الغَضَبِ.
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ عَلى قانُونِ الِاسْتِعارَةِ كَأنَّ الغَضَبَ كانَ يُقَوِّيهِ عَلى ما فَعَلَ، ويَقُولُ لَهُ: قُلْ لِقَوْمِكَ كَذا وكَذا، وألْقِ الألْواحَ وخُذْ بِرَأْسِ أخِيكَ إلَيْكَ، فَلَمّا زالَ الغَضَبُ، صارَ كَأنَّهُ سَكَتَ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ، إنَّ المَعْنى: سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ وقُلِبَ كَما قالُوا: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، والمَعْنى: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ بِالسُّكُوتِ السُّكُونُ والزَّوالُ، وعَلى هَذا جازَ﴿سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ ولا يَجُوزُ صَمَتَ لِأنَّ﴿سَكَتَ﴾ بِمَعْنى سَكَنَ، وأمّا صَمَتَ فَمَعْناهُ سَدَّ فاهُ عَنِ الكَلامِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ في الغَضَبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَرَفَ أنَّ أخاهُ هارُونَ لَمْ يَقَعْ مِنهُ تَقْصِيرٌ وظَهَرَ لَهُ صِحَّةُ عُذْرِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَكَنَ غَضَبُهُ. وهو الوَقْتُ الَّذِي قالَ فِيهِ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ وكَما دَعا لِأخِيهِ مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى زَوالِ غَضَبِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ أوَّلُ ما تَقَدَّمَ مِن أماراتِ غَضَبِهِ عَلى ما فَعَلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ، فَجُعِلَ ضِدَّ ذَيْنِكَ الفِعْلَيْنِ كالعَلامَةِ لِسُكُونِ غَضَبِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ المُرادُ مِنهُ الألْواحُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ وظاهِرُ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ شَيْئًا مِنها لَمْ يَنْكَسِرْ ولَمْ يَبْطَلْ، وأنَّ الَّذِي قِيلَ مِن أنَّ سِتَّةَ أسْباعِ التَّوْراةِ رُفِعَتْ إلى السَّماءِ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ النَّسْخُ عِبارَةٌ عَنِ النَّقْلِ والتَّحْوِيلِ فَإذا كَتَبْتَ كِتابًا عَنْ كِتابٍ
صفحة ١٤
حَرْفًا بَعْدَ حَرْفٍ. قُلْتَ: نَسَخْتُ ذَلِكَ الكِتابَ، كَأنَّكَ نَقَلْتَ ما في الأصْلِ إلى الكِتابِ الثّانِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا ألْقى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الألْواحَ تَكَسَّرَتْ فَصامَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَأعادَ اللَّهُ تَعالى الألْواحَ وفِيها عَيْنُ ما في الأُولى، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أيْ وفِيما نُسِخَ مِنها. وأمّا إنْ قُلْنا إنَّ الألْواحَ لَمْ تَتَكَسَّرْ وأخَذَها مُوسى بِأعْيانِها بَعْدَما ألْقاها، ولا شَكَّ أنَّها كانَتْ مَكْتُوبَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَهي أيْضًا تَكُونُ نَسْخًا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةٌ﴾ أيْ﴿هُدًى﴾ مِنَ الضَّلالَةِ﴿ورَحْمَةٌ﴾ مِنَ العَذابِ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يُرِيدُ الخائِفِينَ مِن رَبِّهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: التَّقْدِيرُ لِلَّذِينِ يَرْهَبُونَ رَبَّهم فَما الفائِدَةُ في اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ ؟
قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ تَأْخِيرَ الفِعْلِ عَنْ مَفْعُولِهِ يُكْسِبُهُ ضَعْفًا فَدَخَلَتِ اللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] .
الثّانِي: أنَّها لامُ الأجْلِ، والمَعْنى: لِلَّذِينِ هم لِأجْلِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ لا رِياءً ولا سُمْعَةً.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ يُزادُ حَرْفُ الجَرِّ في المَفْعُولِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا، كَقَوْلِكَ قَرَأْتُ في السُّورَةِ وقَرَأْتُ السُّورَةَ، وألْقى يَدَهُ وألْقى بِيَدِهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ﴾ [النُّورِ: ٢٥]، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ اللّامُ صِلَةٌ وتَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [ النَّمْلِ: ٧٢] وقَدْ ذَكَرْنا مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] .
الأعراف 7:155
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الِاخْتِيارُ: افْتِعالٌ مِن لَفْظِ الخَيْرِ يُقالُ: اخْتارَ الشَّيْءَ إذا أخَذَ خَيْرَهُ وخِيارَهُ، وأصْلُ اخْتارَ: اخْتَيَرَ، فَلَمّا تَحَرَّكَتِ الياءُ وقَبْلَها فَتْحَةٌ قُلِبَتْ ألِفًا نَحْوَ قالَ وباعَ، ولِهَذا السَّبَبِ اسْتَوى لَفْظُ الفاعِلِ والمَفْعُولِ فَقِيلَ فِيهِما مُخْتارٌ، والأصْلُ مُخْتَيِرٌ ومُخْتَيَرٌ، فَقُلِبَتِ الياءُ فِيهِما ألِفًا فاسْتَوَيا في اللَّفْظِ. وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنْ نَقُولَ: إنَّ الأعْضاءَ السَّلِيمَةَ بِحَسَبِ سَلامَتِها الأصْلِيَّةِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، وصالِحَةٌ لِلْفِعْلِ ولِضِدِّهِ، وما دامَ يَبْقى عَلى هَذا الِاسْتِواءِ امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ مَصْدَرًا لِأحَدِ الجانِبَيْنِ دُونَ الثّانِي، وإلّا لَزِمَ رُجْحانُ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وهو مُحالٌ، فَإذا حَكَمَ الإنْسانُ بِأنَّ لَهُ في الفِعْلِ نَفْعًا زائِدًا وصَلاحًا راجِحًا، فَقَدْ حَكَمَ بِأنَّ ذَلِكَ الجانِبَ خَيْرٌ لَهُ مِن ضِدِّهِ. فَعِنْدَ حُصُولِ هَذا الِاعْتِقادِ في القَلْبِ يَصِيرُ الفِعْلُ راجِحًا عَلى التَّرْكِ، فَلَوْلا الحُكَمُ بِكَوْنِ ذَلِكَ الطَّرَفِ خَيْرًا مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ فاعِلًا، فَلَمّا كانَ صُدُورُ الفِعْلِ
صفحة ١٥
عَنِ الحَيَوانِ مَوْقُوفًا عَلى حُكْمِهِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الفِعْلِ خَيْرًا مِن تَرْكِهِ، فَلا جَرَمَ سُمِّيَ الفِعْلُ الحَيَوانِيُّ فِعْلًا اخْتِيارِيًّا. واللَّهُ أعْلَمُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقْتُلُ نَفْسَهُ، وقَدْ يَرْمِي نَفْسَهُ مِن شاهِقِ جَبَلٍ مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الخَيْراتِ بَلْ مِنَ الشُّرُورِ.
فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ لا يَقْدِمُ عَلى قَتْلِ نَفْسِهِ إلّا إذا اعْتَقَدَ أنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَتْلِ يَتَخَلَّصُ عَنْ ضَرَرٍ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ القَتْلِ، والضَّرَرُ الأسْهَلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الضَّرَرِ الأعْظَمِ يَكُونُ خَيْرًا لا شَرًّا. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ جَماعَةُ النَّحْوِيِّينَ: مَعْناهُ واخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ، فَحُذِفَتْ كَلِمَةُ ”مِن“ ووُصِلَ الفِعْلُ فَنُصِبَ، يُقالُ: اخْتَرْتُ مِنَ الرِّجالِ زَيْدًا، واخْتَرْتُ الرِّجالَ زَيْدًا، وأنْشَدُوا قَوْلَ الفَرَزْدَقِ:
ومِنّا الَّذِي اخْتارَ الرِّجالَ سَماحَةً وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزُّعازِعُ
قالَ أبُو عَلِيٍّ: والأصْلُ في هَذا البابِ أنَّ مِنَ الأفْعالِ ما يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِحَرْفٍ واحِدٍ، ثُمَّ يُتَّسَعُ فَيُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ فَيَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ الثّانِي، مِن ذَلِكَ قَوْلُكَ: اخْتَرْتُ مِنَ الرِّجالِ زَيْدًا ثُمَّ يُتَّسَعُ فَيُقالُ اخْتَرْتُ الرِّجالَ زَيْدًا، وقَوْلُكَ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِن ذَنْبِي، وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبِي، قالَ الشّاعِرُ:
أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ أُحْصِيهِ
ويُقالُ أمَرْتُ زَيْدًا بِالخَيْرِ وأمَرْتُ زَيْدًا الخَيْرَ، قالَ الشّاعِرُ:
أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ
واللَّهُ أعْلَمُ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ لِمِيقاتِنا، وأرادَ بِقَوْمِهِ المُعْتَبِرِينَ مِنهم إطْلاقًا لِاسْمِ الجِنْسِ عَلى ما هو المَقْصُودُ مِنهم، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلا حاجَةَ إلى ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّكَلُّفاتِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتارَ مِن قَوْمِهِ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا مِن كُلِّ سِبْطٍ سِتَّةً، فَصارُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ، فَقالَ لِيَتَخَلَّفْ مِنكم رَجُلانِ فَتَشاجَرُوا، فَقالَ إنَّ لِمَن قَعَدَ مِنكم مِثْلَ أجْرِ مَن خَرَجَ، فَقَعَدَ كالِبٌ ويُوشَعُ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ إلّا سِتِّينَ شَيْخًا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَخْتارَ مِنَ الشُّبّانِ عَشَرَةً فاخْتارَهم فَأصْبَحُوا شُيُوخًا فَأمَرَهم أنْ يَصُومُوا ويَتَطَهَّرُوا، ويُطَهِّرُوا ثِيابَهم، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ إلى المِيقاتِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا الِاخْتِيارُ هَلْ هو لِلْخُرُوجِ إلى المِيقاتِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى فِيهِ، وسَألَ مُوسى مِنَ اللَّهِ الرُّؤْيَةَ، أوْ هو لِلْخُرُوجِ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ ؟ فِيهِ أقْوالٌ لِلْمُفَسِّرِينَ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّهُ لِمِيقاتِ الكَلامِ والرُّؤْيَةِ قالُوا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَرَجَ بِهَؤُلاءِ السَّبْعِينَ إلى طُورِ سَيْناءَ، فَلَمّا دَنا مُوسى مِنَ الجَبَلِ وقَعَ عَلَيْهِ عَمُودٌ مِنَ الغَمامِ، حَتّى أحاطَ بِالجَبَلِ كُلِّهِ، ودَنا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ودَخَلَ فِيهِ، وقالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا، فَدَنَوْا، حَتّى إذا دَخَلُوا الغَمامَ وقَعُوا سُجَّدًا، فَسَمِعُوهُ، وهو يُكَلِّمُ مُوسى يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ
صفحة ١٦
افْعَلْ ولا تَفْعَلْ. ثُمَّ انْكَشَفَ الغَمامُ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ فَطَلَبُوا الرُّؤْيَةَ، وقالُوا﴿يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥] وهي المُرادُ مِنَ الرَّجْفَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ فالمُرادُ مِنهُ قَوْلُهم: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النِّساءِ: ١٥٣] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا المِيقاتِ مِيقاتٌ مُغايِرٌ لِمِيقاتِ الكَلامِ وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ السَّبْعِينَ وإنْ كانُوا ما عَبَدُوا العِجْلَ إلّا أنَّهم ما فارَقُوا عَبَدَةَ العِجْلِ عِنْدَ اشْتِغالِهِمْ بِعِبادَةِ العِجْلِ.
وثانِيها: أنَّهم ما بالَغُوا في النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ.
وثالِثُها: أنَّهم لَمّا خَرَجُوا إلى المِيقاتِ لِيَتُوبُوا دَعَوْا رَبَّهم وقالُوا أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِهِ أحَدًا قَبْلَنا، ولا تُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَنا، فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الكَلامَ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ.
واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قِصَّةَ مِيقاتِ الكَلامِ وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ ثُمَّ أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَّةِ العِجْلِ ثُمَّ أتْبَعَها بِهَذِهِ القِصَّةِ، وظاهِرُ الحالِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ مُغايِرَةً لِلْقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي لا يُنْكَرُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا عَوْدًا إلى تَتِمَّةِ الكَلامِ في القِصَّةِ الأوْلى إلّا أنَّ الألْيَقَ بِالفَصاحَةِ إتْمامُ الكَلامِ في القِصَّةِ الواحِدَةِ في وضْعٍ واحِدٍ، ثُمَّ الِانْتِقالُ مِنها بَعْدَ تَمامِها إلى غَيْرِها، فَأمّا ذِكْرُ بَعْضِ القِصَّةِ، ثُمَّ الِانْتِقالُ مِنها إلى قِصَّةٍ أُخْرى، ثُمَّ الِانْتِقالُ مِنها بَعْدَ تَمامِها إلى بَقِيَّةِ الكَلامِ في القِصَّةِ الأُولى، فَإنَّهُ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ الخَبْطِ والِاضْطِرابِ، والأوْلى صَوْنُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّ في مِيقاتِ الكَلامِ وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَظْهَرْ هُناكَ مُنْكِرٌ، إلّا أنَّهم ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فَلَوْ كانَتِ الرَّجْفَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: أتُهْلِكُنا بِما يَقُولُهُ السُّفَهاءُ مِنّا ؟ فَلَمّا لَمْ يَقُلْ مُوسى كَذَلِكَ بَلْ قالَ: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الرَّجْفَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ لا بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى طَلَبِ الرُّؤْيَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في مِيقاتِ الكَلامِ والرُّؤْيَةِ: أنَّهُ خَرَّ مُوسى صَعِقًا، وأنَّهُ جَعَلَ الجَبَلَ دَكًّا، وأمّا المِيقاتُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ أنَّ القَوْمَ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخَذَتْهُ الرَّجْفَةُ، وكَيْفَ يُقالُ أخَذَتْهُ الرَّجْفَةُ، وهو الَّذِي قالَ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ ؟ واخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ المِيقاتَيْنِ بِهَذِهِ الأحْكامِ يُفِيدُ ظَنَّ أنَّ أحَدَهُما غَيْرُ الآخَرِ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ هَذا المِيقاتَ هو مِيقاتُ الكَلامِ، وطَلَبِ الرُّؤْيَةِ بِأنْ قالُوا إنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ لَفْظَ المِيقاتِ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ المِيقاتِ، فَلَمّا قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا المِيقاتِ هو عَيْنُ ذَلِكَ المِيقاتِ.
وجَوابُهُ: أنَّ هَذا الدَّلِيلَ ضَعِيفٌ، ولا شَكَّ أنَّ الوُجُوهَ المَذْكُورَةَ في تَقْوِيَةِ القَوْلِ الأوَّلِ أقْوى. واللَّهُ أعْلَمُ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ هَذا المِيقاتِ: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: إنَّ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - انْطَلَقا إلى سَفْحِ جَبَلٍ، فَنامَ هارُونُ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالُوا إنَّهُ هو الَّذِي قَتَلَ هارُونَ، فاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا، وذَهَبُوا إلى هارُونَ فَأحْياهُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ ما قَتَلَنِي أحَدٌ، فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ هُنالِكَ، فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ١٧
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في تِلْكَ الرَّجْفَةِ فَقِيلَ: إنَّها رَجْفَةٌ أوْجَبَتِ المَوْتَ. قالَ السُّدِّيُّ: قالَ مُوسى يا رَبِّ كَيْفَ أرْجِعُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وقَدْ أهْلَكْتَ خِيارَهم ولَمْ يَبْقَ مَعِي مِنهم واحِدٌ ؟ فَماذا أقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكَيْفَ يَأْمَنُونِي عَلى أحَدٍ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَأحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى. فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خافَ أنْ يَتَّهِمَهُ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى السَّبْعِينَ إذا عادَ إلَيْهِمْ ولَمْ يُصَدِّقُوا أنَّهم ماتُوا، فَقالَ لِرَبِّهِ: لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَنا قَبْلَ خُرُوجِنا لِلْمِيقاتِ، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يُعايِنُونَ ذَلِكَ ولا يَتَّهِمُونَنِي.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ تِلْكَ الرَّجْفَةَ ما كانَتْ مَوْتًا، ولَكِنَّ القَوْمَ لَمّا رَأوْا تِلْكَ الحالَةَ المَهِيبَةَ أخَذَتْهُمُ الرِّعْدَةُ ورَجَفُوا حَتّى كادَتْ تَبِينُ مِنهم مَفاصِلُهم، وتَنْقَصِمُ ظُهُورُهم، وخافَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَوْتَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَكى ودَعا فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ الرَّجْفَةَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ فَقالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُ قَوْمًا بِذُنُوبِ غَيْرِهِمْ، فَيَجِبُ تَأْوِيلُ الآيَةِ، وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الجَحْدِ، وأرادَ أنَّكَ لا تَفْعَلُ ذَلِكَ. كَما تَقُولُ: أتُهِينُ مَن يَخْدِمُكَ ؟ أيْ لا تَفْعَلُ ذَلِكَ.
الثّانِي: قالَ المُبَرِّدُ: هو اسْتِفْهامُ اسْتِعْطافٍ، أيْ لا تُهْلِكْنا.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ﴾ عائِدَةٌ إلى الفِتْنَةِ كَما تَقُولُ: إنْ هو إلّا زَيْدٌ، وإنْ هي إلّا هِنْدُ. والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ الفِتْنَةَ الَّتِي وقَعَ فِيها السُّفَهاءُ لَمْ تَكُنْ إلّا فِتْنَتُكَ أضْلَلْتَ بِها قَوْمًا فافْتَتَنُوا، وعَصَمْتَ قَوْمًا عَنْها فَثَبَتُوا عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أكَّدَ بَيانَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الحُجَجِ الظّاهِرَةِ عَلى القَدَرِيَّةِ الَّتِي لا يَبْقى لَهم مَعَها عُذْرٌ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا تَعَلُّقَ لِلْجَبْرِيَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ؛ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ مِن عِبادِكَ عَنِ الدِّينِ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿تُضِلُّ بِها﴾ أيْ بِالرَّجْفَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الرَّجْفَةَ لا يُضِلُّ اللَّهُ بِها، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّأْوِيلِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ فالمَعْنى: امْتِحانُكَ وشِدَّةُ تَعَبُّدِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا أظْهَرَ الرَّجْفَةَ كَلَّفَهم بِالصَّبْرِ عَلَيْها.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: تَهْدِي بِهَذا الِامْتِحانِ إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ بِشَرْطِ أنْ يُؤْمِنَ ذَلِكَ المُكَلَّفُ ويَبْقى عَلى الإيمانِ، وتُعاقِبُ مَن تَشاءُ بِشَرْطِ أنْ لا يُؤْمِنَ، أوْ إنْ آمَنَ لَكِنْ لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإضْلالِ الإهْلاكَ، والتَّقْدِيرُ: تُهْلِكُ مَن تَشاءُ بِهَذِهِ الرَّجْفَةِ وتَصْرِفُها عَمَّنْ تَشاءُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الِامْتِحانُ كالسَّبَبِ في هِدايَةِ مَنِ اهْتَدى، وضَلالِ مَن ضَلَّ، جازَ أنْ يُضافا إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مُتَّسِعَةٌ، والدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذَكَرْناهُ، وتَقْرِيرُها مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القُدْرَةَ الصّالِحَةَ لِلْإيمانِ والكُفْرِ لا يَتَرَجَّحُ تَأْثِيرُها في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى تَأْثِيرِها في الطَّرَفِ الآخَرِ، إلّا لِأجْلِ داعِيَةٍ مُرَجَّحَةٍ، وخالِقُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وعِنْدَ حُصُولِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ يَجِبُ الفِعْلُ وإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ ثَبَتَ أنَّ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ الإضْلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: أنَّ أحَدًا مِنَ العُقَلاءِ لا يُرِيدُ إلّا الإيمانَ والحَقَّ والصِّدْقَ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ بِاخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مُؤْمِنًا مُحِقًّا، وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ كانَ حُصُولُ الهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ بِفِعْلِ العَبْدِ فَما لَمْ يَتَمَيَّزْ عِنْدَهُ الِاعْتِقادُ الحَقُّ عَنِ الِاعْتِقادِ الباطِلِ، امْتَنَعَ أنْ يَخُصَّ أحَدَ
صفحة ١٨
الِاعْتِقادَيْنِ بِالتَّحْصِيلِ والتَّكْوِينِ، لَكِنَّ عِلْمَهُ بِأنَّ هَذا الِاعْتِقادَ هو الحَقُّ وأنَّ الآخَرَ هو الباطِلُ، يَقْتَضِي كَوْنَهُ عالِمًا بِذَلِكَ المُعْتَقَدِ أوَّلًا كَما هو عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ القُدْرَةُ عَلى تَحْصِيلِ الِاعْتِقادِ مَشْرُوطَةً بِكَوْنِ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ الحَقِّ حاصِلًا، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الشَّيْءِ مَشْرُوطًا بِنَفْسِهِ وأنَّهُ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ حُصُولُ الهِدايَةِ والعِلْمِ بِتَخْلِيقِ العَبْدِ، وأمّا الكَلامُ في إبْطالِ تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في هَذا الكِتابِ غَيْرَ مَرَّةٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّهُ لا ولِيَّ لَنا ولا ناصِرَ ولا هادِيَ إلّا أنْتَ، وهَذا مِن تَمامِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا﴾ المُرادُ مِنهُ أنَّ إقْدامَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ غُفْرانَها والتَّجاوُزَ عَنْها، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ مَن سِواكَ فَإنَّما يَتَجاوَزُ عَنِ الذَّنْبِ إمّا طَلَبًا لِلثَّناءِ الجَمِيلِ أوْ لِلثَّوابِ الجَزِيلِ، أوْ دَفْعًا لِلرِّبْقَةِ الخَسِيسَةِ عَنِ القَلْبِ، وبِالجُمْلَةِ فَذَلِكَ الغُفْرانُ يَكُونُ لِطَلَبِ نَفْعٍ أوْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ، أمّا أنْتَ فَتَغْفِرُ ذُنُوبَ عِبادِكَ لا لِطَلَبِ عِوَضٍ وغَرَضٍ، بَلْ لِمَحْضِ الفَضْلِ والكَرَمِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ﴿خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:156
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ دُعاءِ مُوسى ﷺ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الرَّجْفَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ مَعْناهُ أنَّهُ قَرَّرَ أوَّلًا أنَّهُ لا ولِيَّ لَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ ثُمَّ إنَّ المُتَوَقَّعَ مِنَ الوَلِيِّ والنّاصِرِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: دَفْعُ الضَّرَرِ.
والثّانِي: تَحْصِيلُ النَّفْعِ.
ودَفْعُ الضَّرَرِ مُقَدَّمٌ عَلى تَحْصِيلِ النَّفْعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِطَلَبِ دَفْعِ الضَّرَرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِطَلَبِ تَحْصِيلِ النَّفْعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿واكْتُبْ﴾ أيْ أوْجِبْ لَنا، والكِتابَةُ تُذْكَرُ بِمَعْنى الإيجابِ، وسُؤالُهُ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَسُؤالِ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، حَيْثُ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] .
واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى ولِيًّا لِلْعَبْدِ يُناسِبُ أنْ يَطْلُبَ العَبْدُ مِنهُ دَفْعَ المَضارِّ وتَحْصِيلَ المَنافِعِ؛ لِيُظْهِرَ آثارَ كَرَمِهِ وفَضْلِهِ وإلَهِيَّتِهِ، وأيْضًا اشْتِغالُ العَبْدِ بِالتَّوْبَةِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ يُناسِبُ طَلَبَ هَذِهِ الأشْياءِ، فَذَكَرَ السَّبَبَ الأوَّلَ أوَّلًا، وهو كَوْنُهُ تَعالى ولِيًّا لَهُ، وفَرَّعَ عَلَيْهِ طَلَبَ هَذِهِ الأشْياءِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ السَّبَبَ الثّانِيَ، وهو اشْتِغالُ العَبْدِ بِالتَّوْبَةِ والخُضُوعِ فَقالَ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿هُدْنا﴾ أيْ تُبْنا ورَجَعْنا إلَيْكَ، قالَ
صفحة ١٩
اللَّيْثُ: الهَوْدُ التَّوْبَةُ، وإنَّما ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ أيْضًا؛ لِأنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَقْتَضِي حُسْنَ طَلَبِ هَذِهِ الأشْياءِ لَيْسَ إلّا مَجْمُوعَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: كَوْنُهُ إلَهًا ورَبًّا ووَلِيًّا، وكَوْنُنا عَبِيدًا لَهُ تائِبِينَ خاضِعِينَ خاشِعِينَ، فالأوَّلُ عَهْدُ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ، والثّانِي عَهْدُ ذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، فَإذا حَصَلا واجْتَمَعا فَلا سَبَبَ أقْوى مِنهُما.
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى دُعاءَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ بَعْدَهُ ما كانَ جَوابًا لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقالَ تَعالى قالَ: ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ مَعْناهُ أنِّي أُعَذِّبُ مَن أشاءُ ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيَّ اعْتِراضٌ؛ لِأنَّ الكُلَّ مِلْكِي، ومَن تَصَرَّفَ في خالِصِ مِلْكِهِ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ، وقَرَأ الحَسَنُ ”مَن أساءَ“ مِنَ الإساءَةِ، واخْتارَ الشّافِعِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فِيهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ. قِيلَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو أنَّ رَحْمَتَهُ في الدُّنْيا عَمَّتِ الكُلَّ، وأمّا في الآخِرَةِ فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وقِيلَ: الوُجُودُ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا مَوْجُودَ إلّا وقَدْ وصَلَتْ إلَيْهِ رَحْمَتُهُ، وأقَلُّ المَراتِبِ وجُودُهُ، وقِيلَ الخَيْرُ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، والشَّرُّ مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ، وما بِالذّاتِ راجِحٌ غالِبٌ، وما بِالعَرَضِ مَرْجُوحٌ مَغْلُوبٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الرَّحْمَةُ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ، ولا حَيَّ إلّا وقَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلرَّحْمَةِ واللَّذَّةِ والخَيْرِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ مُنْتَفِعًا أوْ مُتَمَكِّنًا مِنَ الِانْتِفاعِ فَهو بِرَحْمَةِ اللَّهِ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ، وإنْ حَصَلَ هُناكَ ألَمٌ فَلَهُ الأعْواضُ الكَثِيرَةُ، وهي مِن نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقالَ أصْحابُنا قَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ: ٢٣] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ تَكالِيفِ اللَّهِ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ:
الأوَّلُ: التُّرُوكُ، وهي الأشْياءُ الَّتِي يَجِبُ عَلى الإنْسانِ تَرْكُها، والِاحْتِرازُ عَنْها والِاتِّقاءُ مِنها، وهَذا النَّوْعُ إلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ .
والثّانِي: الأفْعالُ؛ وتِلْكَ التَّكالِيفُ إمّا أنْ تَكُونَ مُتَوَجِّهَةً عَلى مالِ الإنْسانِ أوْ عَلى نَفْسِهِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو الزَّكاةُ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ .
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَجِبُ عَلى الإنْسانِ عِلْمًا وعَمَلًا؛ أمّا العِلْمُ فالمَعْرِفَةُ، وأمّا العَمَلُ فالإقْرارُ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ بِالأرْكانِ، ويَدْخُلُ فِيها الصَّلاةُ وإلى هَذا المَجْمُوعِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢-٣] .
الأعراف 7:157
صفحة ٢٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مِن صِفَةِ مَن تُكْتَبُ لَهُ الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ التَّقْوى وإيتاءَ الزَّكاةِ والإيمانَ بِالآياتِ، ضَمَّ إلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِن صِفَتِهِ اتِّباعُ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَتَّبِعُوهُ بِاعْتِقادِ نُبُوَّتِهِ مِن حَيْثُ وجَدُوا صِفَتَهُ في التَّوْراةِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَتَّبِعُوهُ في شَرائِعِهِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ إلى الخَلْقِ، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿والإنْجِيلِ﴾ إنَّ المُرادَ سَيَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في الإنْجِيلِ؛ لِأنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَجِدُوهُ فِيهِ قَبْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ الإنْجِيلَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ مَن لَحِقَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أيّامَ الرَّسُولِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ اللّاحِقِينَ لا يَكْتُبُ لَهم رَحْمَةَ الآخِرَةِ إلّا إذا اتَّبَعُوا الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ. والقَوْلُ الثّانِي أقْرَبُ، لِأنَّ اتِّباعَهُ قَبْلَ أنْ بُعِثَ ووُجِدَ لا يُمْكِنُ. فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ لا يَفُوزُ بِها مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلّا مَنِ اتَّقى وآتى الزَّكاةَ وآمَنَ بِالدَّلائِلِ في زَمَنِ مُوسى، ومَن هَذِهِ صِفَتُهُ في أيّامِ الرَّسُولِ إذا كانَ مَعَ ذَلِكَ مُتَبِّعًا لِلنَّبِيِّ الأُمِّيِّ في شَرائِعِهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ مُحَمَّدًا ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ تِسْعٍ.
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ رَسُولًا، وقَدِ اخْتَصَّ هَذا اللَّفْظُ بِحَسَبِ العُرْفِ بِمَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى الخَلْقِ لِتَبْلِيغِ التَّكالِيفِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ نَبِيًّا، وهو يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَفِيعَ القَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ أُمِّيًّا. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى﴿الأُمِّيَّ﴾ الَّذِي هو عَلى صِفَةِ أُمَّةِ العَرَبِ. قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ» ) فالعَرَبُ أكْثَرُهم ما كانُوا يَكْتُبُونَ ولا يَقْرَءُونَ، والنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ كَذَلِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ أُمِّيًّا. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: وكَوْنُهُ أُمِّيًّا بِهَذا التَّفْسِيرِ كانَ مِن جُمْلَةِ مُعْجِزاتِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ كِتابَ اللَّهِ تَعالى مَنظُومًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى مِن غَيْرِ تَبْدِيلِ ألْفاظِهِ ولا تَغْيِيرِ كَلِماتِهِ، والخَطِيبُ مِنَ العَرَبِ إذا ارْتَجَلَ خُطْبَةً ثُمَّ أعادَها فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُزِيدَ فِيها وأنْ يُنْقِصَ عَنْها بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ أنَّهُ ما كانَ يَكْتُبُ، وما كانَ يَقْرَأُ كانَ يَتْلُو كِتابَ اللَّهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ ولا تَغْيِيرٍ. فَكانَ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] .
والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ يُحْسِنُ الخَطَّ والقِراءَةَ لَصارَ مُتَّهَمًا في أنَّهُ رُبَّما طالَعَ كُتُبَ الأوَّلِينَ؛ فَحَصَّلَ هَذِهِ العُلُومَ مِن تِلْكَ المُطالَعَةِ، فَلَمّا أتى بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُشْتَمِلِ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ مِن غَيْرِ تَعَلُّمٍ ولا مُطالَعَةٍ، كانَ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
الثّالِثُ: أنَّ تَعَلُّمَ الخَطِّ شَيْءٌ سَهْلٌ، فَإنَّ أقَلَّ النّاسِ ذَكاءً وفِطْنَةً يَتَعَلَّمُونَ الخَطَّ بِأدْنى سَعْيٍ، فَعَدَمُ تَعَلُّمِهِ يَدُلُّ عَلى نُقْصانٍ عَظِيمٍ في الفَهْمِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى آتاهُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وأعْطاهُ مِنَ العُلُومِ والحَقائِقِ ما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ، ومَعَ تِلْكَ القُوَّةِ العَظِيمَةِ في العَقْلِ والفَهْمِ جَعَلَهُ بِحَيْثُ لَمْ يَتَعَلَّمِ الخَطَّ الَّذِي يَسْهُلُ تَعَلُّمُهُ عَلى أقَلِّ الخَلْقِ عَقْلًا وفَهْمًا، فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ
صفحة ٢١
هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ المُتَضادَّتَيْنِ جارِيًا مَجْرى الجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، وجارٍ مَجْرى المُعْجِزاتِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ نَعْتَهُ وصِحَّةَ نُبُوَّتِهِ مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، لِأنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا لَكانَ ذِكْرُ هَذا الكَلامِ مِن أعْظَمِ المُنَفِّراتِ لِلْيَهُودِ والنَّصارى عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ؛ لِأنَّ الإصْرارَ عَلى الكَذِبِ والبُهْتانِ مَن أعْظَمِ المُنَفِّراتِ، والعاقِلُ لا يَسْعى فِيما يُوجِبُ نُقْصانَ حالِهِ، ويُنَفِّرُ النّاسَ عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ النَّعْتَ كانَ مَذْكُورًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ اسْتِئْنافًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ أنَّهُ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ وأقُولُ مَجامِعُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ مَحْصُورَةٌ في قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» ) وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ. أمّا الواجِبُ لِذاتِهِ فَهو اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ، ولا مَعْرُوفَ أشْرَفُ مِن تَعْظِيمِهِ وإظْهارِ عُبُودِيَّتِهِ وإظْهارِ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى بابِ عِزَّتِهِ، والِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ مُبَرَّأً عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، مُنَزَّهًا عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، وأمّا المُمْكِنُ لِذاتِهِ فَإنْ لَمْ يَكُنْ حَيَوانًا، فَلا سَبِيلَ إلى إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الِانْتِفاعَ مَشْرُوطٌ بِالحَياةِ، ومَعَ هَذا فَإنَّهُ يَجِبُ النَّظَرُ إلى كُلِّها بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ مِن حَيْثُ إنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، ومِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ المَخْلُوقاتِ لَمّا كانَتْ دَلِيلًا قاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا عَلى تَوْحِيدِهِ وتَنْزِيهِهِ، فَإنَّهُ يَجِبُ النَّظَرُ إلَيْهِ بِعَيْنِ الِاحْتِرامِ. ومِن حَيْثُ إنَّ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ المَخْلُوقاتِ أسْرارًا عَجِيبَةً وحِكَمًا خَفِيَّةً فَيَجِبُ النَّظَرُ إلَيْها بِعَيْنِ الِاحْتِرامِ، وأمّا إنْ كانَ ذَلِكَ المَخْلُوقُ مِن جِنْسِ الحَيَوانِ فَإنَّهُ يَجِبُ إظْهارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ بِأقْصى ما يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلَيْهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ بِرُّ الوالِدَيْنِ وصِلَةُ الأرْحامِ وبَثُّ المَعْرُوفِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» ) كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ جِهاتِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ والمُرادُ مِنهُ أضْدادُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، وهي عِبادَةُ الأوْثانِ، والقَوْلُ في صِفاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، والكُفْرُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّينَ، وقَطْعُ الرَّحِمِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِالطَّيِّباتِ الأشْياءُ الَّتِي حَكَمَ اللَّهُ بِحِلِّها، وهَذا بِعِيدٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَصِيرُ الآيَةُ ويَحِلُّ لَهُمُ المُحَلَّلاتِ، وهَذا مَحْضُ التَّكْرِيرِ.
الثّانِي: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَخْرُجُ الآيَةُ عَنِ الفائِدَةِ، لِأنّا لا نَدْرِي أنَّ الأشْياءَ الَّتِي أحَلَّها اللَّهُ ما هي وكَمْ هي ؟ بَلِ الواجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الطَّيِّباتِ الأشْياءَ المُسْتَطابَةَ بِحَسَبِ الطَّبْعِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَناوُلَها يُفِيدُ اللَّذَّةَ، والأصْلُ في المَنافِعِ الحِلُّ فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ الأصْلَ في كُلِّ ما تَسْتَطِيبُهُ النَّفْسُ ويَسْتَلِذُّهُ الطَّبْعُ الحِلُّ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المَيْتَةَ والدَّمَ وما ذُكِرَ في سُورَةِ المائِدَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ [المائِدَةِ: ٣] وأقُولُ: كُلُّ ما يَسْتَخْبِثُهُ الطَّبْعُ وتَسْتَقْذِرُهُ النَّفْسُ كانَ تَناوُلُهُ سَبَبًا لِلْألَمِ، والأصْلُ في المَضارِّ الحُرْمَةُ، فَكانَ مُقْتَضاهُ أنَّ كُلَّ ما يَسْتَخْبِثُهُ الطَّبْعُ فالأصْلُ فِيهِ الحُرْمَةُ إلّا
صفحة ٢٢
لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. وعَلى هَذا الأصْلِ: فَرَّعَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَحْرِيمَ بَيْعِ الكَلْبِ، لِأنَّهُ رَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في كِتابِ الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ قالَ: («الكَلْبُ خَبِيثٌ، وخَبِيثٌ ثَمَنُهُ» ) وإذا ثَبَتَ أنَّ ثَمَنَهُ خَبِيثٌ وجَبَ أنْ يَكُونَ حَرامًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ وأيْضًا الخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ لِأنَّها رِجْسٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠] والرِّجْسُ خَبِيثٌ بِدَلِيلِ إطْباقِ أهْلِ اللُّغَةِ عَلَيْهِ، والخَبِيثُ حَرامٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ .
* * *
الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”آصارَهم“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ﴿إصْرَهُمْ﴾ عَلى الواحِدِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الإصْرُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الكَثْرَةِ مَعَ إفْرادِ لَفْظِهِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إضافَتُهُ، وهو مُفْرَدٌ إلى الكَثْرَةِ، كَما قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] ومَن جَمَعَ أرادَ ضُرُوبًا مِنَ العُهُودِ مُخْتَلِفَةً، والمَصادِرُ قَدْ تُجْمَعُ إذا اخْتَلَفَتْ ضُرُوبُها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإصْرُ الثِّقَلُ الَّذِي يَأْصِرُ صاحِبَهُ، أيْ يَحْبِسُهُ مِنَ الحَراكِ لِثِقَلِهِ، والمُرادُ مِنهُ: أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ شَدِيدَةً. وقَوْلُهُ: ﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ المُرادُ مِنهُ: الشَّدائِدُ الَّتِي كانَتْ في عِباداتِهِمْ كَقَطْعِ أثَرِ البَوْلِ، وقَتْلِ النَّفْسِ في التَّوْبَةِ، وقَطْعِ الأعْضاءِ الخاطِئَةِ، وتَتَبُّعِ العُرُوقِ مِنَ اللَّحْمِ، وجَعَلَها اللَّهُ أغْلالًا، لِأنَّ التَّحْرِيمَ يَمْنَعُ مِنَ الفِعْلِ، كَما أنَّ الغِلَّ يَمْنَعُ عَنِ الفِعْلِ، وقِيلَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا قامَتْ إلى الصَّلاةِ لَبِسُوا المُسُوحَ، وغَلُّوا أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ تَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذا القَوْلِ الأغْلالُ غَيْرُ مُسْتَعارَةٍ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ أنْ لا تَكُونَ مَشْرُوعَةً، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ ضَرَرًا كانَ إصْرًا وغِلًّا، وظاهِرُ هَذا النَّصِّ يَقْتَضِي عَدَمَ المَشْرُوعِيَّةِ، وهَذا نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسْلامِ» )، ولِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ» ) وهو أصْلٌ كَبِيرٌ في الشَّرِيعَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا وصَفَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِهَذِهِ الصِّفاتِ التِّسْعِ. قالَ بَعْدَهُ: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي مِنَ اليَهُودِ ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ يَعْنِي وقَّرُوهُ. قالَ صاحِبُ (الكَشّافِ): أصْلُ التَّعْزِيرِ المَنعُ، ومِنهُ التَّعْزِيرُ وهو الضَّرْبُ دُونَ الحَدِّ، لِأنَّهُ مَنعٌ مِن مُعاوَدَةِ القَبِيحِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونَصَرُوهُ﴾ أيْ عَلى عَدُوِّهِ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ وهو القُرْآنُ، وقِيلَ الهُدى والبَيانُ والرِّسالَةُ. وقِيلَ الحَقُّ الَّذِي بَيانُهُ في القُلُوبِ كَبَيانِ النُّورِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ النُّورِ هَهُنا عَلى القُرْآنِ ؟ والقُرْآنُ ما أُنْزِلَ مَعَ مُحَمَّدٍ، وإنَّما أُنْزِلَ مَعَ جِبْرِيلَ.
قُلْنا: مَعْناهُ إنَّهُ أُنْزِلَ مَعَ نُبُوَّتِهِ لِأنَّ نُبُوَّتَهُ ظَهَرَتْ مَعَ ظُهُورِ القُرْآنِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيْ هُمُ الفائِزُونَ بِالمَطْلُوبِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
الأعراف 7:158
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن شَرْطِ حُصُولِ الرَّحْمَةِ لِأُولَئِكَ المُتَّقِينَ، كَوْنَهم مُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، حَقَّقَ في هَذِهِ الآيَةِ رِسالَتَهُ إلى الخَلْقِ بِالكُلِّيَّةِ. فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَبْعُوثٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ. وقالَ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُمُ العِيسَوِيَّةُ وهم أتْباعُ عِيسى الأصْفَهانِيِّ: إنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ صادِقٌ مَبْعُوثٌ إلى العَرَبِ. وغَيْرُ مَبْعُوثٍ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ودَلِيلُنا عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ خِطابٌ يَتَناوَلُ كُلَّ النّاسِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إلى جَمِيعِ النّاسِ، وأيْضًا فَما يُعْلَمُ بِالتَّواتُرِ مِن دِينِهِ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ. فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ رَسُولًا حَقًّا أوْ ما كانَ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ رَسُولًا حَقًّا، امْتَنَعَ الكَذِبُ عَلَيْهِ. ووَجَبَ الجَزْمُ بِكَوْنِهِ صادِقًا في كُلِّ ما يَدَّعِيهِ، فَلَمّا ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ وبِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، وجَبَ كَوْنُهُ صادِقًا في هَذا القَوْلِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ مَبْعُوثًا إلى العَرَبِ فَقَطْ، لا إلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وأمّا قَوْلُ القائِلِ: إنَّهُ ما كانَ رَسُولًا حَقًّا، فَهَذا يَقْتَضِي القَدْحَ في كَوْنِهِ رَسُولًا إلى العَرَبِ وإلى غَيْرِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ رَسُولٌ إلى بَعْضِ الخَلْقِ دُونَ بَعْضٍ كَلامٌ باطِلٌ مُتَناقِضٌ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ مِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، ومِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ، أمّا الأوَّلُونَ فَقالُوا: إنَّهُ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ رَسُولٌ إلى النّاسِ إذا كانُوا مِن جُمْلَةِ المُكَلَّفِينَ فَأمّا إذا لَمْ يَكُونُوا مِن جُمْلَةِ المُكَلَّفِينَ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: («رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَبْلُغَ، وعَنِ النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتّى يُفِيقَ» ) .
الثّانِي: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى كُلِّ مَن وصَلَ إلَيْهِ خَبَرُ وُجُودِهِ وخَبَرُ مُعْجِزاتِهِ وشَرائِعِهِ، حَتّى يُمْكِنَهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُتابَعَتُهُ، أمّا لَوْ قَدَّرْنا حُصُولَ قَوْمٍ في طَرَفٍ مِن أطْرافِ العالَمِ لَمْ يَبْلَغْهم خَبَرُ وُجُودِهِ ولا مُعْجِزاتِهِ، فَهم لا يَكُونُونَ مُكَلَّفِينَ بِالإقْرارِ بِنُبُوَّتِهِ، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ القَوْلَ بِدُخُولِ التَّخْصِيصِ في الآيَةِ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ:
أمّا الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ خِطابٌ، وهَذا الخِطابُ لا يَتَناوَلُ إلّا المُكَلَّفِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالنّاسُ الَّذِينَ دَخَلُوا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ لَيْسُوا إلّا المُكَلَّفِينَ مِنَ النّاسِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَمْ
صفحة ٢٤
يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ.
وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ يَبْعُدُ جِدًّا أنْ يُقالَ: حَصَلَ في طَرَفٍ مِن أطْرافِ الأرْضِ قَوْمٌ لَمْ يَبْلُغْهم خَبَرُ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وخَبَرُ مُعْجِزاتِهِ وشَرائِعِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ كالمُسْتَبْعَدِ لَمْ يَكُنْ بِنا حاجَةٌ إلى التِزامِ هَذا التَّخْصِيصِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَبْعُوثٌ إلى كُلِّ الخَلْقِ، فَلَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما كانَ مَبْعُوثًا إلى كُلِّ الخَلْقِ، بَلْ يَجِبُ الرُّجُوعُ في أنَّهُ هَلْ كانَ في غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ مَن كانَ مَبْعُوثًا إلى كُلِّ الخَلْقِ أمْ لا ؟ إلى سائِرِ الدَّلائِلِ. فَنَقُولُ: تَمَسَّكَ جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ في أنَّ أحَدًا غَيْرَهُ ما كانَ مَبْعُوثًا إلى كُلِّ الخَلْقِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي: أُرْسِلْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، ونُصِرْتُ عَلى عَدُوِّي بِالرُّعْبِ يُرْعَبُ مِنِّي مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأُطْعِمْتُ الغَنِيمَةَ دُونَ مَن قَبْلِي. وقِيلَ لِي سَلْ تُعْطَهُ. فاخْتَبَأْتُها شَفاعَةً لِأُمَّتِي» ) .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الخَبَرُ لا يَتَناوَلُ دَلالَتَهُ عَلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَجْمُوعَ هَذِهِ الخَمْسَةِ مِن خَواصِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يَحْصُلْ لِأحَدٍ سِواهُ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِ هَذا المَجْمُوعِ مِن خَواصِّهِ كَوْنُ واحِدٍ مِن آحادِ هَذا المَجْمُوعِ مِن خَواصِّهِ، وأيْضًا قِيلَ إنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَبْعُوثًا إلى جَمِيعِ أوْلادِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ كانَ مَبْعُوثًا إلى جَمِيعِ النّاسِ، وإنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ، كانَ مَبْعُوثًا إلى الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ، مَعَ أنَّ جَمِيعَ النّاسِ في ذَلِكَ الزَّمانِ ما كانَ إلّا ذَلِكَ القَوْمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ: إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوى.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الدَّعْوى لا تَتِمُّ ولا تَظْهَرُ فائِدَتُها إلّا بِتَقْرِيرِ أُصُولٍ أرْبَعَةٍ.
الأصْلُ الأوَّلُ: إثْباتُ أنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا حَيًّا عالِمًا قادِرًا. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أجْسامَ السَّماواتِ والأرْضِ، تَدُلُّ عَلى افْتِقارِها إلى الصّانِعِ الحَيِّ العالِمِ القادِرِ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ مَذْكُورَةٍ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وشَرْحُها وتَقْرِيرُها مَذْكُورٌ في هَذا التَّفْسِيرِ، وإنَّما افْتَقَرْنا في حُسْنِ التَّكْلِيفِ وبَعْثَةِ الرُّسُلِ إلى إثْباتِ هَذا الأصْلِ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ لا يَحْصُلَ لِلْعالَمِ مُؤَثِّرٌ يُؤَثِّرُ في وُجُودِهِ، أوْ إنْ حَصَلَ لَهُ مُؤَثِّرٌ، لَكِنْ كانَ ذَلِكَ المُؤَثِّرُ مُوجِبًا بِالذّاتِ لا فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ، لَمْ يَكُنِ القَوْلُ بِبَعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُمْكِنًا.
والأصْلُ الثّانِي: إثْباتُ أنَّ إلَهَ العالَمِ واحِدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّرِيكِ والضِّدِّ والنِّدِّ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ وإنَّما افْتَقَرْنا في حُسْنِ التَّكْلِيفِ وجَوازِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ إلى تَقْرِيرِ هَذا الأصْلِ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ لِلْعالَمِ إلَهانِ، وأرْسَلَ أحَدُ الإلَهَيْنِ نَبِيًّا إلى الخَلْقِ فَلَعَلَّ هَذا الإنْسانَ الَّذِي يَدْعُوهُ الرَّسُولُ إلى عِبادَةِ هَذا الإلَهِ ما كانَ مَخْلُوقًا لَهُ، بَلْ كانَ مَخْلُوقًا لِلْإلَهِ الثّانِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلى هَذا الإنْسانِ عِبادَةُ هَذا الإلَهِ وطاعَتُهُ، فَكانَتْ بَعْثَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإيجابُ الطّاعَةِ عَلَيْهِ ظُلْمًا وباطِلًا. أمّا إذا ثَبَتَ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ جَمِيعُ الخَلْقِ عَبِيدًا لَهُ، ويَكُونُ تَكْلِيفُهُ في الكُلِّ نافِذًا، وانْقِيادُ الكُلِّ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ لازِمًا، فَثَبَتَ أنَّ ما لَمْ
صفحة ٢٥
يَثْبُتْ كَوْنُ الإلَهِ تَعالى واحِدًا لَمْ يَكُنْ إرْسالُ الرُّسُلِ وإنْزالُ الكُتُبِ المُشْتَمِلَةِ عَلى التَّكالِيفِ جائِزًا.
والأصْلُ الثّالِثُ: إثْباتُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ، والبَعْثِ والقِيامَةِ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ لا يَثْبُتَ ذَلِكَ، كانَ الِاشْتِغالُ بِالطّاعَةِ والِاحْتِرازُ عَنِ المَعْصِيَةِ عَبَثًا ولَغْوًا، وإلى تَقْدِيرِ هَذا الأصْلِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ لِأنَّهُ لَمّا أحْيا أوَّلًا، ثَبَتَ كَوْنُهُ قادِرًا عَلى الإحْياءِ ثانِيًا، فَيَكُونُ قادِرًا عَلى الإعادَةِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الإحْياءُ الأوَّلُ إنْعامًا عَظِيمًا، فَلا يَبْعُدُ مِنهُ تَعالى أنْ يُطالِبَهُ بِالعُبُودِيَّةِ؛ لِيَكُونَ قِيامُهُ بِتِلْكَ الطّاعَةِ قائِمًا مَقامَ الشُّكْرِ عَنِ الإحْياءِ الأوَّلِ، وأيْضًا لَمّا دَلَّ الإحْياءُ الأوَّلُ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ الثّانِي، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قادِرًا عَلى إيصالِ الجَزاءِ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ القَوْلُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ. ثَبَتَ أنَّهُ يَصِحُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرُّسُلِ، ومُطالَبَةُ الخَلْقِ بِالتَّكالِيفِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ الخَلْقُ كُلُّهم عَبِيدُهُ ولا مَوْلًى لَهم سِواهُ، وأيْضًا إنَّهُ مُنْعِمٌ عَلى الكُلِّ بِأعْظَمِ النِّعَمِ، وأيْضًا إنَّهُ قادِرٌ عَلى إيصالِ الجَزاءِ إلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأسْبابِ الثَّلاثَةِ سَبَبٌ تامٌّ في أنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ تَكْلِيفُ الخَلْقِ، أمّا بِحَسَبِ السَّبَبِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ المَوْلى مُطالَبَةُ عَبْدِهِ بِطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ، وأمّا بِحَسَبِ السَّبَبِ الثّانِي فَلِأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ المُنْعِمِ مُطالَبَةُ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ، وأمّا بِحَسَبِ السَّبَبِ الثّالِثِ فَلِأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ القادِرِ عَلى إيصالِ الجَزاءِ التّامِّ إلى المُكَلَّفِ أنْ يُكَلِّفَهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الطّاعَةِ، فَظَهَرَ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَتِ الأُصُولُ الثَّلاثَةُ بِالدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ يَلْزَمُ الجَزْمُ بِأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ إرْسالُ الرُّسُلِ، ويَجُوزُ مِنهُ تَعالى أنْ يَخُصَّهم بِأنْواعِ التَّكالِيفِ، فَثَبَتَ أنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ لِلْعالِمِ إلَهًا حَيًّا عالِمًا قادِرًا، وعَلى أنَّ هَذا الإلَهَ واحِدٌ، وعَلى أنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ إرْسالُ الرُّسُلِ وإنْزالُ الكُتُبِ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ هَذِهِ الأُصُولَ المَذْكُورَةَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ قَوْلَهُ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ القَوْلَ بِبَعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أمْرٌ جائِزٌ مُمْكِنٌ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن حاوَلَ إثْباتَ مَطْلُوبٍ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُبَيِّنَ جَوازَهُ أوَّلًا، ثُمَّ حُصُولَهُ ثانِيًا، ثُمَّ إنَّهُ بَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾ لِأنّا بَيِّنا أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ أصْلٌ، والإيمانَ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ فَرْعٌ عَلَيْهِ، والأصْلُ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ. فَلِهَذا السَّبَبِ بَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى ذِكْرِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا حَقًّا، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَتْ عَلى نَوْعَيْنِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: المُعْجِزاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ في ذاتِهِ المُبارَكَةِ، وأجَلُّها وأشْرَفُها أنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا لَمْ يَتَعَلَّمْ مِن أُسْتاذٍ، ولَمْ يُطالِعْ كِتابًا، ولَمْ يَتَّفِقْ لَهُ مُجالَسَةُ أحَدٍ مِنَ العُلَماءِ، لِأنَّهُ ما كانَتْ مَكَّةُ بَلْدَةَ العُلَماءِ، وما غابَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ مَكَّةَ غَيْبَةً طَوِيلَةً يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ في مُدَّةِ تِلْكَ الغَيْبَةِ تَعَلَّمَ العُلُومَ الكَثِيرَةَ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بابَ العِلْمِ والتَّحْقِيقِ وأظْهَرَ عَلَيْهِ هَذا القُرْآنَ المُشْتَمِلَ عَلى عُلُومِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، فَكانَ ظُهُورُ هَذِهِ العُلُومِ العَظِيمَةِ عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا لَمْ يَلْقَ أُسْتاذًا ولَمْ يُطالِعْ كِتابًا، مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ .
صفحة ٢٦
والنَّوْعُ الثّانِي مِن مُعْجِزاتِهِ: الأُمُورُ الَّتِي ظَهَرَتْ مِن مَخارِجِ ذاتِهِ مِثْلُ انْشِقاقِ القَمَرِ، ونُبُوعِ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ. وهي تُسَمّى بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا كانَ حُدُوثُهُ أمْرًا غَرِيبًا مُخالِفًا لِلْمُعْتادِ، لا جَرَمَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى كَلِمَةً. فَكَذَلِكَ المُعْجِزاتُ لَمّا كانَتْ أُمُورًا غَرِيبَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ لَمْ يَبْعُدْ تَسْمِيَتُها بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا النَّوْعُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ أيْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ عَلَيْهِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ الَّتِي قَرَّرْناها بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَبَ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ الطَّرِيقَ الَّذِي بِهِ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ شَرْعِهِ عَلى التَّفْصِيلِ، وما ذاكَ إلّا بِالرُّجُوعِ إلى أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المُتابَعَةَ تَتَناوَلُ المُتابَعَةَ في القَوْلِ وفي الفِعْلِ. أمّا المُتابَعَةُ في القَوْلِ فَهو أنْ يَمْتَثِلَ المُكَلَّفُ كُلَّ ما يَقُولُهُ في طَرَفَيِ الأمْرِ والنَّهْيِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. وأمّا المُتابَعَةُ في الفِعْلِ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ ما أتى المَتْبُوعُ بِهِ سَواءٌ كانَ في طَرَفِ الفِعْلِ أوْ في طَرَفِ التَّرْكِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفَظَ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ يَتَناوَلُ القِسْمَيْنِ. وثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ يَجِبُ الِانْقِيادُ لَهُ في كُلِّ أمْرٍ ونَهْيٍ، ويَجِبُ الِاقْتِداءُ بِهِ في كُلِّ ما فَعَلَهُ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وهو الأشْياءُ الَّتِي ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ المُنْفَصِلِ أنَّها مِن خَواصِّ الرَّسُولِ ﷺ .
فَإنْ قِيلَ: الشَّيْءُ الَّذِي أتى بِهِ الرَّسُولُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ أتى بِهِ عَلى سَبِيلِ أنَّ ذَلِكَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّهُ أتى بِهِ عَلى سَبِيلِ أنَّ ذَلِكَ كانَ مَندُوبًا، فَبِتَقْدِيرِ أنَّهُ أتى بِهِ عَلى سَبِيلِ أنَّ ذَلِكَ كانَ مَندُوبًا، فَلَوْ أتَيْنا بِهِ عَلى سَبِيلِ أنَّهُ واجِبٌ عَلَيْنا، كانَ ذَلِكَ تَرْكًا، ونَقْضًا لِمُبايَعَتِهِ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ مُتابَعَتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ إقْدامَ الرَّسُولِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِهِ عَلَيْنا.
قُلْنا: المُتابَعَةُ في الفِعْلِ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ الفِعْلِ الَّذِي أتى بِهِ المَتْبُوعُ، بِدَلِيلِ أنَّ مَن أتى بِفِعْلٍ ثُمَّ إنْ غَيْرُهُ وافَقَهُ في ذَلِكَ الفِعْلِ، قِيلَ: إنَّهُ تابَعُهُ عَلَيْهِ. ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ. قِيلَ: إنَّهُ خالَفَهُ فِيهِ. فَلَمّا كانَ الإتْيانُ بِمِثْلِ فِعْلِ المَتْبُوعِ مُتابَعَةً، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ المُتابَعَةِ، لَزِمَ أنْ يَجِبَ عَلى الأُمَّةِ مِثْلُ فِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ .
بَقِيَ هَهُنا أنّا لا نَعْرِفُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى بِذَلِكَ عَلى قَصْدِ الوُجُوبِ أوْ عَلى قَصْدِ النَّدْبِ. فَنَقُولُ: حالُ الدَّواعِي والعَزائِمِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وحالُ الإتْيانِ بِالفِعْلِ الظّاهِرِ والعَمَلِ المَحْسُوسِ مَعْلُومٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يُلْتَفَتَ إلى البَحْثِ عَنْ حالِ العَزائِمِ والدَّواعِي، لِكَوْنِها أُمُورًا مَخْفِيَّةً عَنّا، وأنْ نَحْكُمَ بِوُجُوبِ المُتابَعَةِ في العَمَلِ الظّاهِرِ. لِكَوْنِها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُمْكِنُ رِعايَتُها، فَزالَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في كُلِّ فِعْلٍ فَعَلَهُ الرَّسُولُ أنْ يَجِبَ عَلَيْنا الإتْيانُ بِمِثْلِهِ إلّا إذا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنّا إذا أرَدْنا أنْ نَحْكُمَ بِوُجُوبِ عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ.
قُلْنا: إنَّ هَذا العَمَلَ فِعْلُهُ أفْضَلُ مِن تَرْكِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ نَعْلَمُ أنَّ الرَّسُولَ قَدْ أتى بِهِ في الجُمْلَةِ، لِأنَّ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ حاصِلٌ بِأنَّ الرَّسُولَ لا يَجُوزُ أنْ يُواظِبَ طُولَ عُمْرِهِ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ أتى بِهَذا الطَّرِيقِ الأفْضَلِ. وأمّا أنَّهُ هَلْ أتى بِالطَّرَفِ الأحْسَنِ فَهو مَشْكُوكٌ، والمَشْكُوكُ لا يُعارِضُ المَعْلُومَ، فَثَبَتَ أنَّهُ
صفحة ٢٧
- عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى بِالجانِبِ الأفْضَلِ. ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْنا ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ فَهَذا أصْلٌ شَرِيفٌ، وقانُونٌ كُلِّيٌّ في مَعْرِفَةِ الأحْكامِ، دالٌّ عَلى النُّصُوصِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٣ - ٤] فَوَجَبَ عَلَيْنا مِثْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ .
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
أحَدُهُما: أنَّ كَلِمَةَ ”لَعَلَّ“ لِلتَّرَجِّي، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ، فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ.
والثّانِي: أنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن كُلِّ المُكَلَّفِينَ الهِدايَةَ والإيمانَ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، والكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ المَقامَيْنِ قَدْ سَبَقَ في هَذا الكِتابِ مِرارًا كَثِيرَةً، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
الأعراف 7:159
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الرَّسُولَ، وذَكَرَ أنَّهُ يَجِبُ عَلى الخَلْقِ مُتابَعَتُهُ، ذَكَرَ أنَّ مِن قَوْمِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ وهُدِيَ إلَيْهِ، وبَيَّنَ أنَّهم جَماعَةٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ الأُمَّةِ يُنْبِئُ عَنِ الكَثْرَةِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ مَتى حَصَلَتْ، وفي أيِّ زَمانٍ كانَتْ ؟ فَقِيلَ هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وأسْلَمُوا مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وابْنِ صُورِيا، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّهم كانُوا قَلِيلِينَ في العَدَدِ، ولَفْظُ الأُمَّةِ يَقْتَضِي الكَثْرَةَ، يُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لَمّا كانُوا مُخْتَلِفِينَ في الدِّينِ، جازَ إطْلاقُ لَفْظِ الأُمَّةِ عَلَيْهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] وقِيلَ: إنَّهم قَوْمٌ مَشَوْا عَلى الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى ودَعَوُا النّاسَ إلَيْهِ وصانُوهُ عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ في زَمَنِ تَفَرُّقِ بَنِي إسْرائِيلَ وإحْداثِهِمُ البِدَعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أقامُوا عَلى ذَلِكَ إلى أنْ جاءَ المَسِيحُ فَدَخَلُوا في دِينِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا هَلَكُوا قَبْلَ ذَلِكَ، وقالَ السُّدِّيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنْ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كَفَرُوا وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، بَقِيَ سِبْطٌ في جُمْلَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَما صَنَعُوا وسَألُوا اللَّهَ أنْ يُنْقِذَهم مِنهم، فَفَتَحَ اللَّهُ لَهم نَفَقًا في الأرْضِ فَسارُوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ. ثُمَّ هَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا، مِنهم مَن قالَ: إنَّهم بَقُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ اليَهُودِيَّةِ إلى الآنِ، ومِنهم مَن قالَ إنَّهُمُ الآنَ عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَسْتَقْبِلُونَ الكَعْبَةَ، وتَرَكُوا السَّبْتَ وتَمَسَّكُوا بِالجُمُعَةِ، لا يَتَظالَمُونَ ولا يَتَحاسَدُونَ ولا يَصِلُ إلَيْهِمْ مِنّا أحَدٌ ولا إلَيْنا مِنهم أحَدٌ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُقالَ: وصَلَ إلَيْهِمْ خَبَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ ما وصَلَ إلَيْهِمْ هَذا الخَبَرُ.
فَإنْ قُلْنا: وصَلَ خَبَرُهُ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهم أصَرُّوا عَلى اليَهُودِيَّةِ فَهم كُفّارٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ وصْفُهم بِكَوْنِهِمْ أُمَّةً يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ؟ وإنْ قُلْنا بِأنَّهم لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ خَبَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا وصَلَ خَبَرُهم إلَيْنا، مَعَ أنَّ الدَّواعِيَ لا تَتَوَفَّرُ عَلى نَقْلِ أخْبارِهِمْ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ لا يَصِلَ إلَيْهِمْ خَبَرُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ أنَّ الدُّنْيا قَدِ امْتَلَأتْ مِن خَبَرِهِ وذِكْرِهِ ؟
فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ قَدْ وصَلَ خَبَرُهم إلَيْنا ولَمْ يَصِلْ خَبَرُنا إلَيْهِمْ ؟
قُلْنا: هَذا مَمْنُوعٌ، فَمِن أيْنَ عُرِفَ أنَّهُ لَمْ يَصِلْ خَبَرُنا إلَيْهِمْ ؟ فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا البابِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهِدايَةِ بِالحَقِّ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قالَ
صفحة ٢٨
الزَّجّاجُ: العَدْلُ الحُكْمُ بِالحَقِّ. يُقالُ: هو يَقْضِي بِالحَقِّ ويَعْدِلُ؛ وهو حَكَمٌ عادِلٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] .
الأعراف 7:160
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ، شَرْحُ نَوْعَيْنِ مِن أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى فَرَقَ بَنِي إسْرائِيلَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةٌ؛ لِأنَّهم كانُوا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ، فَمَيَّزَهم وفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لِئَلّا يَتَحاسَدُوا فَيَقَعَ فِيهِمُ الهَرْجُ والمَرْجُ. وقَوْلُهُ: ﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ أيْ صَيَّرْناهم قِطَعًا أيْ فِرَقًا ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وقُرِئَ ”وقَطَعْناهم“ بِالتَّخْفِيفِ وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: مُمَيَّزُ ما عَدا العَشَرَةَ مُفْرَدٌ، فَما وجْهُ مَجِيئِهِ مَجْمُوعًا، وهَلّا قِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا ؟
والجَوابُ: المُرادُ وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً، وكُلُّ قَبِيلَةٍ أسْباطٌ، فَوَضَعَ أسْباطًا مَوْضِعَ قَبِيلَةٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: قالَ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ مَعَ أنَّ السِّبْطَ مُذَكَّرٌ لا مُؤَنَّثٌ.
الجَوابُ قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَهُ﴿أُمَمًا﴾ فَذَهَبَ التَّأْنِيثُ إلى الأُمَمِ.
ثُمَّ قالَ: ولَوْ قالَ: اثْنَيْ عَشَرَ لِأجْلِ أنَّ السِّبْطَ مُذَكَّرٌ كانَ جائِزًا. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ فِرْقَةً ”أسْباطًا“ فَقَوْلُهُ: ﴿أسْباطًا﴾ نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، وهو الفِرْقَةُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿أسْباطًا﴾ تَمْيِيزًا، ولَكِنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ .
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أُمَمًا﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هو بَدَلٌ مِن﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ بِمَعْنى: وقَطَّعْناهم أُمَمًا لِأنَّ كُلَّ سِبْطٍ كانَتْ أُمَّةً عَظِيمَةً وجَماعَةً كَثِيفَةَ العَدَدِ، وكُلَّ واحِدَةٍ كانَتْ تَؤُمُّ خِلافَ ما تَؤُمُّهُ الأُخْرى، ولا تَكادُ تَأْتَلِفُ. وقُرِئَ ”اثْنَتَيْ عَشِرَةَ“ بِكَسْرِ الشِّينِ.
النَّوْعُ الثّانِي مِن شَرْحِ أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ وهَذِهِ القِصَّةُ أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ. قالَ الحَسَنُ: ما كانَ إلّا حَجَرًا اعْتَرَضَهُ وإلّا عَصًا أخَذَها.
واعْلَمْ أنَّهم كانُوا رُبَّما احْتاجُوا في التِّيهِ إلى ماءٍ يَشْرَبُونَهُ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَضْرِبَ
صفحة ٢٩
بِعَصاهُ الحَجَرَ، وكانُوا يُرِيدُونَهُ مَعَ أنْفُسِهِمْ فَيَأْخُذُوا مِنهُ قَدْرَ الحاجَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: فانْبَجَسَ الماءُ وانْبِجاسُهُ انْفِجارُهُ. يُقالُ: بَجَسَ الماءُ يَبْجُسُ، وانْبَجَسَ وتَبَجَّسَ إذا تَفَجَّرَ، هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ، ثُمَّ قالَ: والِانْبِجاسُ والِانْفِجارُ سَواءٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا تَناقُضَ بَيْنَ الِانْبِجاسِ المَذْكُورِ هَهُنا وبَيْنَ الِانْفِجارِ المَذْكُورِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: الِانْبِجاسُ خُرُوجُ الماءِ بِقِلَّةٍ، والِانْفِجارُ خُرُوجُهُ بِكَثْرَةٍ، وطَرِيقُ الجَمْعِ: أنَّ الماءَ ابْتَدَأ بِالخُرُوجِ قَلِيلًا، ثُمَّ صارَ كَثِيرًا، وهَذا الفَرْقُ مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ كَيْفَ كانَ يَسْقِيهِمْ، ذَكَرَ ثانِيًا أنَّهُ ظَلَّلَ الغَمامَ عَلَيْهِمْ، وثالِثًا: أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، ولا شَكَّ أنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأحْوالِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى سَهَّلَ عَلَيْهِمُ الطَّعامَ والشَّرابَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ ودَفَعَ عَنْهم مَضارَّ الشَّمْسِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ والمُرادُ قَصْرُ أنْفُسِهِمْ عَلى ذَلِكَ المَطْعُومِ وتَرْكُ غَيْرِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ظَلَمُونا﴾ وفِيهِ حَذْفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ لَوْ أنَّهم تَعَدَّوْا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وذَلِكَ إمّا بِأنْ تَقُولَ إنَّهُمُ ادَّخَرُوا مَعَ أنَّ اللَّهَ مَنَعَهم مِنهُ، أوْ أقْدَمُوا عَلى الأكْلِ في وقْتٍ مَنَعَهُمُ اللَّهُ عَنْهُ، أوْ لِأنَّهم سَألُوا غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ مَنَعَهم مِنهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُكَلَّفَ إذا ارْتَكَبَ المَحْظُورَ فَهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ وذَلِكَ أنَّ المُكَلَّفَ إذا أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ فَهو ما أضَرَّ إلّا نَفْسَهُ حَيْثُ سَعى في صَيْرُورَةِ نَفْسِهِ مُسْتَحِقَّةً لِلْعِقابِ العَظِيمِ.
الأعراف 7:161
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ أيْضًا مَذْكُورَةٌ مَعَ الشَّرْحِ والبَيانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الآيَةِ تُخالِفُ ألْفاظَ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] وهَهُنا قالَ: ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَكُلُوا﴾ بِالفاءِ، وهَهُنا﴿وكُلُوا﴾ بِالواوِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿رَغَدًا﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وقالَ هَهُنا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ.
والخامِسُ: أنَّهُ قالَ في البَقَرَةِ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] وقالَ هَهُنا: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ .
والسّادِسُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ وهَهُنا حَذَفَ
صفحة ٣٠
حَرْفَ الواوِ.
والسّابِعُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩] وقالَ هَهُنا: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ .
والثّامِنُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] وقالَ هَهُنا: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ مُتَقارِبَةٌ ولا مُنافاةَ بَيْنَها البَتَّةَ، ويُمْكِنُ ذِكْرُ فَوائِدِ هَذِهِ الألْفاظِ المُخْتَلِفَةِ.
أمّا الأوَّلُ: وهو أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] وقالَ هَهُنا: ﴿اسْكُنُوا﴾ فالفَرْقُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن دُخُولِ القَرْيَةِ أوَّلًا، ثُمَّ سُكُونِها ثانِيًا.
وأمّا الثّانِي: فَهو أنَّهُ تَعالى قالَ في البَقَرَةِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا﴾ [البقرة: ٥٨] بِالفاءِ. وقالَ هَهُنا: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا﴾ بِالواوِ، والفَرْقُ أنَّ الدُّخُولَ حالَةٌ مَخْصُوصَةٌ، كَما يُوجَدُ بَعْضُها يَنْعَدِمُ. فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ داخِلًا في أوَّلِ دُخُولِهِ، وأمّا ما بَعْدُ ذَلِكَ فَيَكُونُ سُكُونًا لا دُخُولًا.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الدُّخُولُ حالَةٌ مُنْقَضِيَةٌ زائِلَةٌ ولَيْسَ لَها اسْتِمْرارٌ. فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ ذِكْرُ فاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَهُ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ وأمّا السُّكُونُ فَحالَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ باقِيَةٌ. فَيَكُونُ الأكْلُ حاصِلًا مَعَهُ لا عَقِيبَهُ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
وأمّا الثّالِثُ: وهو أنَّهُ ذَكَرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ﴿رَغَدًا﴾ وما ذَكَرَهُ هُنا، فالفَرْقُ أنَّ الأكْلَ عَقِيبَ دُخُولِ القَرْيَةِ يَكُونُ ألَذَّ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ الأكْلِ كانَتْ أكْمَلَ وأتَمَّ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الأكْلُ ألَذَّ لا جَرَمَ ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُ: ﴿رَغَدًا﴾ وأمّا الأكْلُ حالَ سُكُونِ القَرْيَةِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَكُونُ في مَحَلِّ الحاجَةِ الشَّدِيدَةِ ما لَمْ تَكُنِ اللَّذَّةُ فِيهِ مُتَكامِلَةً، فَلا جَرَمَ تَرَكَ قَوْلَهُ: ﴿رَغَدًا﴾ فِيهِ.
وأمّا الرّابِعُ: وهو قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وفي سُورَةِ الأعْرافِ عَلى العَكْسِ مِنهُ، فالمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يَحْسُنُ تَقْدِيمُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الذِّكْرَيْنِ عَلى الآخَرِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنهُما تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى، وإظْهارَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ لَمْ يَتَفاوَتِ الحالُ بِحَسَبِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ.
وأمّا الخامِسُ: وهو أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿خَطاياكُمْ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿خَطِيئاتِكُمْ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ سَواءٌ كانَتْ قَلِيلَةً أوْ كَثِيرَةً، فَهي مَغْفُورَةٌ عِنْدَ الإتْيانِ بِهَذا الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ.
وأمّا السّادِسُ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وسَنَزِيدُ﴾ بِالواوِ، وهَهُنا حَذَفَ الواوَ فالفائِدَةُ في حَذْفِ الواوِ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّ قائِلًا قالَ: وماذا حَصَلَ بَعْدَ الغُفْرانِ ؟ فَقِيلَ لَهُ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ .
وأمّا السّابِعُ: وهو الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلْنا﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا﴾ فَلِأنَّ الإنْزالَ لا يُشْعِرُ بِالكَثْرَةِ، والإرْسالَ يُشْعِرُ بِها، فَكَأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِإنْزالِ العَذابِ القَلِيلِ، ثُمَّ جَعَلَهُ كَثِيرًا، وهو نَظِيرُ ما ذَكَرْناهُ في الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: (فانْفَجَرَتْ) .
وأمّا الثّامِنُ: وهو الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿يَظْلِمُونَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿يَفْسُقُونَ﴾ فَذَلِكَ لِأنَّهم مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ ظالِمِينَ، لِأجْلِ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم، وبِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، لِأجْلِ أنَّهم خَرَجُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فالفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ التَّنْبِيهُ عَلى حُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في ذِكْرِ فَوائِدِ هَذِهِ الألْفاظِ المُخْتَلِفَةِ، وتَمامِ العِلْمِ بِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:162
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ أيْضًا مَذْكُورَةٌ مَعَ الشَّرْحِ والبَيانِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الآيَةِ تُخالِفُ ألْفاظَ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] وهَهُنا قالَ: ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَكُلُوا﴾ بِالفاءِ، وهَهُنا﴿وكُلُوا﴾ بِالواوِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿رَغَدًا﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وقالَ هَهُنا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ.
والخامِسُ: أنَّهُ قالَ في البَقَرَةِ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] وقالَ هَهُنا: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ .
والسّادِسُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ وهَهُنا حَذَفَ
صفحة ٣٠
حَرْفَ الواوِ.
والسّابِعُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩] وقالَ هَهُنا: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ .
والثّامِنُ: أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] وقالَ هَهُنا: ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ مُتَقارِبَةٌ ولا مُنافاةَ بَيْنَها البَتَّةَ، ويُمْكِنُ ذِكْرُ فَوائِدِ هَذِهِ الألْفاظِ المُخْتَلِفَةِ.
أمّا الأوَّلُ: وهو أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] وقالَ هَهُنا: ﴿اسْكُنُوا﴾ فالفَرْقُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن دُخُولِ القَرْيَةِ أوَّلًا، ثُمَّ سُكُونِها ثانِيًا.
وأمّا الثّانِي: فَهو أنَّهُ تَعالى قالَ في البَقَرَةِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا﴾ [البقرة: ٥٨] بِالفاءِ. وقالَ هَهُنا: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا﴾ بِالواوِ، والفَرْقُ أنَّ الدُّخُولَ حالَةٌ مَخْصُوصَةٌ، كَما يُوجَدُ بَعْضُها يَنْعَدِمُ. فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ داخِلًا في أوَّلِ دُخُولِهِ، وأمّا ما بَعْدُ ذَلِكَ فَيَكُونُ سُكُونًا لا دُخُولًا.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الدُّخُولُ حالَةٌ مُنْقَضِيَةٌ زائِلَةٌ ولَيْسَ لَها اسْتِمْرارٌ. فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ ذِكْرُ فاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَهُ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ وأمّا السُّكُونُ فَحالَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ باقِيَةٌ. فَيَكُونُ الأكْلُ حاصِلًا مَعَهُ لا عَقِيبَهُ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
وأمّا الثّالِثُ: وهو أنَّهُ ذَكَرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ﴿رَغَدًا﴾ وما ذَكَرَهُ هُنا، فالفَرْقُ أنَّ الأكْلَ عَقِيبَ دُخُولِ القَرْيَةِ يَكُونُ ألَذَّ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ الأكْلِ كانَتْ أكْمَلَ وأتَمَّ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الأكْلُ ألَذَّ لا جَرَمَ ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُ: ﴿رَغَدًا﴾ وأمّا الأكْلُ حالَ سُكُونِ القَرْيَةِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَكُونُ في مَحَلِّ الحاجَةِ الشَّدِيدَةِ ما لَمْ تَكُنِ اللَّذَّةُ فِيهِ مُتَكامِلَةً، فَلا جَرَمَ تَرَكَ قَوْلَهُ: ﴿رَغَدًا﴾ فِيهِ.
وأمّا الرّابِعُ: وهو قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وفي سُورَةِ الأعْرافِ عَلى العَكْسِ مِنهُ، فالمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يَحْسُنُ تَقْدِيمُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الذِّكْرَيْنِ عَلى الآخَرِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنهُما تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى، وإظْهارَ الخُضُوعِ والخُشُوعِ لَمْ يَتَفاوَتِ الحالُ بِحَسَبِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ.
وأمّا الخامِسُ: وهو أنَّهُ قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿خَطاياكُمْ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿خَطِيئاتِكُمْ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ سَواءٌ كانَتْ قَلِيلَةً أوْ كَثِيرَةً، فَهي مَغْفُورَةٌ عِنْدَ الإتْيانِ بِهَذا الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ.
وأمّا السّادِسُ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وسَنَزِيدُ﴾ بِالواوِ، وهَهُنا حَذَفَ الواوَ فالفائِدَةُ في حَذْفِ الواوِ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّ قائِلًا قالَ: وماذا حَصَلَ بَعْدَ الغُفْرانِ ؟ فَقِيلَ لَهُ﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ .
وأمّا السّابِعُ: وهو الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلْنا﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا﴾ فَلِأنَّ الإنْزالَ لا يُشْعِرُ بِالكَثْرَةِ، والإرْسالَ يُشْعِرُ بِها، فَكَأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِإنْزالِ العَذابِ القَلِيلِ، ثُمَّ جَعَلَهُ كَثِيرًا، وهو نَظِيرُ ما ذَكَرْناهُ في الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: (فانْفَجَرَتْ) .
وأمّا الثّامِنُ: وهو الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿يَظْلِمُونَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿يَفْسُقُونَ﴾ فَذَلِكَ لِأنَّهم مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ ظالِمِينَ، لِأجْلِ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم، وبِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، لِأجْلِ أنَّهم خَرَجُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فالفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ التَّنْبِيهُ عَلى حُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في ذِكْرِ فَوائِدِ هَذِهِ الألْفاظِ المُخْتَلِفَةِ، وتَمامِ العِلْمِ بِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:163
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ أيْضًا مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألْهُمْ﴾ المَقْصُودُ تَعْرِفُ هَذِهِ القِصَّةَ مِن قَبْلِهِمْ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ صارَتْ مَعْلُومَةً لِلرَّسُولِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ أحَدُ أشْياءَ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ تَقْرِيرُ أنَّهم كانُوا قَدْ أقْدَمُوا عَلى هَذا الذَّنْبِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ الفاحِشَةِ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِمُعْجِزاتِهِ لَيْسَ شَيْئًا حَدَثَ في هَذا الزَّمانِ، بَلْ هَذا الكُفْرُ والإصْرارُ كانَ حاصِلًا في أسْلافِهِمْ مِنَ الزَّمانِ القَدِيمِ.
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: هَلْ هَذا الأمْرُ كَذا وكَذا ؟ لِيَعْرِفَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُحِيطٌ بِتِلْكَ الواقِعَةِ، وغَيْرُ ذاهِلٍ عَنْ دَقائِقِها، ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أُمِّيًّا لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا، ولَمْ يُطالِعْ كِتابًا، ثُمَّ أنَّهُ يَذْكُرُ هَذِهِ القَصَصَ عَلى وجْهِها مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، كانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى المُعْجِزِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ تِلْكَ القَرْيَةَ أيْلَةُ. وقِيلَ: مَدْيَنُ. وقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، والعَرَبُ تُسَمِّي المَدِينَةَ قَرْيَةً، وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: ما رَأيْتُ قَرَوِيِّينَ أفْصَحَ مِنَ الحَسَنِ والحَجّاجِ يَعْنِي رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ المُدُنِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ يَعْنِي قَرِيبَةً مِنَ البَحْرِ وبِقُرْبِهِ وعَلى شاطِئِهِ، والحُضُورُ نَقِيضُ الغَيْبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ يَعْنِي يُجاوِزُونَ حَدَّ اللَّهِ فِيهِ، وهو اصْطَيادُهم يَوْمَ السَّبْتِ وقَدْ نُهُوا عَنْهُ، وقُرِئَ ”يَعَدُّونَ“ بِمَعْنى يَعْتَدُونَ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ ”يُعِدُّونَ“ مِنَ الإعْدادِ وكانُوا يُعِدُّونَ آلاتِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ وهم مَأْمُورُونَ بِأنْ لا يَشْتَغِلُوا فِيهِ بِغَيْرِ العِبادَةِ و”السَّبْتُ“ مَصْدَرُ سَبَتَتِ اليَهُودُ إذا عَظَّمَتْ سَبْتَها، فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ مَعْناهُ يَعْدُونَ في تَعْظِيمِ هَذا اليَوْمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ مَعْناهُ: يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ أمْرَ السَّبْتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾ ويُؤَكِّدُهُ أيْضًا قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ ”يَوْمَ أسْباتِهِمْ“، وقُرِئَ ”لا يَسْبُتُونَ“ بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”لا يُسْبِتُونَ“ بِضَمِّ الياءِ مَن أسْبَتُوا، وعَنِ الحَسَنِ ”لا يُسْبَتُونَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ نُصِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْدُونَ﴾ والمَعْنى: سَلْهم إذْ عَدُوا في وقْتِ الإتْيانِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أيْ ظاهِرَةً عَلى الماءِ، وشُرَّعٌ جَمْعُ شارِعٍ وشارِعَةٍ، وكُلُّ شَيْءٍ دانَ مِن شَيْءٍ فَهو شارِعٌ، ودارٌ شارِعَةٌ أيْ دَنَتْ مِنَ الطَّرِيقِ، ونُجُومٌ شارِعَةٌ أيْ دَنَتْ مِنَ المَغِيبِ. وعَلى هَذا فالحِيَتانُ كانَتْ تَدْنُو مِنَ القَرْيَةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهم صَيْدُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: إنِّ اليَهُودَ أُمِرُوا بِاليَوْمِ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ - يَوْمُ الجُمُعَةِ - فَتَرَكُوهُ واخْتارُوا السَّبْتَ فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِهِ وحُرِّمَ عَلَيْهِمُ الصَّيْدُ
صفحة ٣٢
فِيهِ وأُمِرُوا بِتَعْظِيمِهِ، فَإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ شَرَعَتْ لَهُمُ الحِيتانُ يَنْظُرُونَ إلَيْها في البَحْرِ. فَإذا انْقَضى السَّبْتُ ذَهَبَتْ وما تَعُودُ إلّا في السَّبْتِ المُقْبِلِ. وذَلِكَ بَلاءٌ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ البَلاءِ الشَّدِيدِ نَبْلُوهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ تَعالى خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُ أحْوالَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن عَصا ابْتَلاهُ بِأنْواعِ البَلاءِ والمِحَنِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ رِعايَةُ الصَّلاحِ والأصْلَحِ لا في الدِّينِ ولا في الدُّنْيا؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّ تَكْثِيرَ الحِيتانِ يَوْمَ السَّبْتِ رُبَّما يَحْمِلُهم عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ، فَلَوْ وجَبَ عَلَيْهِ رِعايَةُ الصَّلاحِ والأصْلَحِ؛ لَوَجَبَ أنْ لا يُكْثِرَ هَذِهِ الحِيتانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ صَوْنًا لَهم عَنْ ذَلِكَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ. فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ، ولَمْ يُبالِ بِكُفْرِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ عَلِمْنا أنَّ رِعايَةَ الصَّلاحِ والأصْلَحِ غَيْرُ واجِبَةٍ عَلى اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:164
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ قالَتْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ وحُكْمُهُ حُكْمُهُ في الإعْرابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ القَرْيَةِ مِن صُلَحائِهِمُ الَّذِينَ رَكِبُوا الصَّعْبَ والذَّلُولَ في مَوْعِظَةِ أُولَئِكَ الصَّيّادِينَ حَتّى أيِسُوا مِن قَبُولِهِمْ لِأقْوامٍ آخَرِينَ ما كانُوا يُقْلِعُونَ عَنْ وعْظِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ مُخْتَرِمُهم ومُطَهِّرُ الأرْضِ مِنهُمْ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ لِتَمادِيهِمْ في الشَّرِّ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ الوَعْظَ لا يَنْفَعُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (مَعْذِرَةً) بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا مَن نَصَبَ ”مَعْذِرَةً“ فَقالَ الزَّجّاجُ مَعْناهُ: نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً، وأمّا مَن رَفَعَ فالتَّقْدِيرُ: هَذِهِ مَعْذِرَةٌ أوْ قَوْلُنا مَعْذِرَةٌ، وهي خَبَرٌ لِهَذا المَحْذُوفِ.
البَحْثُ الثّانِي: المَعْذِرَةُ مَصْدَرٌ كالعُذْرِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: عَذَرْتُهُ أعْذُرُهُ عُذْرًا ومَعْذِرَةً، ومَعْنى عَذَرَهُ في اللُّغَةِ أيْ قامَ بِعُذْرِهِ، وقِيلَ: عُذْرُهُ، يُقالُ: مَن يَعْذُرُنِي أيْ يَقُومُ بِعُذْرِي، وعَذَرْتُ فُلانًا فِيما صَنَعَ أيْ قُمْتُ بِعُذْرِهِ، فَعَلى هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ قِيامٌ مِنّا بِعُذْرِ أنْفُسِنا إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنّا إذا طَوَّلْنا بِإقامَةِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، قُلْنا: قَدْ فَعَلْنا، فَنَكُونُ بِذَلِكَ مَعْذُورِينَ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: المَعْذِرَةُ اسْمٌ عَلى مَفْعِلَةٍ مِن عَذَرَ يَعْذُرُ، وأُقِيمَ مُقامَ الِاعْتِذارِ. كَأنَّهم قالُوا: مَوْعِظَتُنا اعْتِذارٌ إلى رَبِّنا. فَأُقِيمَ الِاسْمُ مُقامَ الِاعْتِذارِ، ويُقالُ: اعْتَذَرَ فُلانٌ اعْتِذارًا وعُذْرًا ومَعْذِرَةً مِن ذَنْبِهِ فَعَذَرْتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ وجائِزٌ عِنْدَنا أنْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا الوَعْظِ فَيَتَّقُوا اللَّهَ ويَتْرُكُوا هَذا الذَّنْبَ.
صفحة ٣٣
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ مِنهم مَن صادَ السَّمَكَ وأقْدَمَ عَلى ذَلِكَ الذَّنْبِ، ومِنهم مَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وهَذا القِسْمُ الثّانِي صارُوا قِسْمَيْنِ: مِنهم مَن وعَظَ الفِرْقَةَ المُذْنِبَةَ، وزَجَرَهم عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ، ومِنهم مَن سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ الوَعْظِ، وأنْكَرُوا عَلى الواعِظِينَ وقالُوا لَهم: لِمَ تَعِظُونَهم، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم ؟ يَعْنِي: أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإصْرارِ عَلى هَذا الذَّنْبِ إلى حَدٍّ لا يَكادُونَ يُمْنَعُونَ عَنْهُ، فَصارَ هَذا الوَعْظُ عَدِيمَ الفائِدَةِ عَدِيمَ الأثَرِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ أهْلَ القَرْيَةِ كانُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ أقْدَمَتْ عَلى الذَّنْبِ، وفِرْقَةٌ أحْجَمُوا عَنْهُ ووَعَظُوا الأوَّلِينَ، فَلَمّا اشْتَغَلَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ بِوَعْظِ الفِرْقَةِ المُذْنِبَةِ المُتَعَدِّيَةِ المُقْدِمَةِ عَلى القَبِيحِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتِ الفِرْقَةُ المُذْنِبَةُ لِلْفِرْقَةِ الواعِظَةِ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ بِزَعْمِكم ؟ قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّهم لَوْ كانُوا فِرْقَتَيْنِ وكانَ قَوْلُهُ: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ خِطابًا مِنَ الفِرْقَةِ النّاهِيَةِ لِلْفِرْقَةِ المُعْتَدِيَةِ لَقالُوا:(ولَعَلَّكم تَتَّقُونَ) .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ يَعْنِي: أنَّهم لَمّا تَرَكُوا ما ذَكَّرَهم بِهِ الصّالِحُونَ تَرْكَ النّاسِي لِما يَنْساهُ، أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الظّالِمِينَ المُقْدِمِينَ عَلى فِعْلِ المَعْصِيَةِ.
واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِرْقَةَ المُتَعَدِّيَةَ هَلَكَتْ، والفِرْقَةَ النّاهِيَةَ عَنِ المُنْكَرِ نَجَتْ. أمّا الَّذِينَ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّهم مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ كانُوا ؟ فَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِ. ونُقِلَ عَنْهُ أيْضًا: هَلَكَتِ الفِرْقَتانِ ونَجَتِ النّاهِيَةُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ بَكى، وقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَكَتُوا عَنِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ هَلَكُوا، ونَحْنُ نَرى أشْياءَ نُنْكِرُها، ثُمَّ نَسْكُتُ ولا نَقُولُ شَيْئًا. قالَ الحَسَنُ: الفِرْقَةُ السّاكِتَةُ ناجِيَةٌ، فَعَلى هَذا نَجَتْ فِرْقَتانِ وهَلَكَتِ الثّالِثَةُ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ أشَدَّ الإنْكارِ، وأنَّهم إنَّما تَرَكُوا وعْظَهم لِأنَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لا يَلْتَفِتُونَ إلى ذَلِكَ الوَعْظِ ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ تَرْكَ الوَعْظِ مَعْصِيَةٌ، والنَّهْيَ عَنْهُ أيْضًا مَعْصِيَةٌ، فَوَجَبَ دُخُولُ هَؤُلاءِ التّارِكِينَ لِلْوَعْظِ النّاهِينَ عَنْهُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ .
قُلْنا: هَذا غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ إنَّما يَجِيءُ عَلى الكِفايَةِ. فَإذا قامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى أخَذَهم بِعَذابٍ بَئِيسٍ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا العَذابَ غَيْرُ المَسْخِ المُتَأخِّرِ ذِكْرُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ، وفي هَذِهِ اللَّفْظَةِ قِراءاتٌ:
أحَدُها: ”بَئِيسٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ فَعِيلًا مِن بَؤُسَ يَبْؤُسُ بَأْسًا إذا اشْتَدَّ.
والآخَرُ: ما قالَهُ أبُو زَيْدٍ، وهو أنَّهُ مِنَ البُؤْسِ وهو الفَقْرُ يُقالُ بَئِسَ الرَّجُلُ يَبْأسُ بُؤْسًا وبَأْسًا وبَئِيسًا إذا افْتَقَرَ فَهو بائِسٌ، أيْ فَقِيرٌ. فَقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ ذِي بُؤْسٍ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ ”بَئِسٍ“ بِوَزْنِ حَذِرٍ.
والثّالِثَةُ: ”بَيِسٍ“ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، كالذِّيبِ في ذِئْبٍ.
والرّابِعَةُ: ”بَيْئَسٍ“ عَلى فَيْعَلٍ.
والخامِسَةُ: ”بَيِّسٍ“ كَوَزْنِ رَيِّسٍ عَلى قَلْبِ هَمْزَةِ بَئِيسٍ ياءً وإدْغامِ الياءِ فِيها.
والسّادِسَةُ: ”بَيْسٍ“ عَلى تَخْفِيفِ بَيِّسٍ كَهَيْنٍ في هَيِّنٍ، وهَذِهِ القِراءاتُ نَقَلَها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ . ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم مَعَ نُزُولِ هَذا العَذابِ بِهِمْ تَمَرَّدُوا.
الأعراف 7:165
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ قالَتْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَعْدُونَ﴾ وحُكْمُهُ حُكْمُهُ في الإعْرابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ القَرْيَةِ مِن صُلَحائِهِمُ الَّذِينَ رَكِبُوا الصَّعْبَ والذَّلُولَ في مَوْعِظَةِ أُولَئِكَ الصَّيّادِينَ حَتّى أيِسُوا مِن قَبُولِهِمْ لِأقْوامٍ آخَرِينَ ما كانُوا يُقْلِعُونَ عَنْ وعْظِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ مُخْتَرِمُهم ومُطَهِّرُ الأرْضِ مِنهُمْ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ لِتَمادِيهِمْ في الشَّرِّ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ الوَعْظَ لا يَنْفَعُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (مَعْذِرَةً) بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا مَن نَصَبَ ”مَعْذِرَةً“ فَقالَ الزَّجّاجُ مَعْناهُ: نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً، وأمّا مَن رَفَعَ فالتَّقْدِيرُ: هَذِهِ مَعْذِرَةٌ أوْ قَوْلُنا مَعْذِرَةٌ، وهي خَبَرٌ لِهَذا المَحْذُوفِ.
البَحْثُ الثّانِي: المَعْذِرَةُ مَصْدَرٌ كالعُذْرِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: عَذَرْتُهُ أعْذُرُهُ عُذْرًا ومَعْذِرَةً، ومَعْنى عَذَرَهُ في اللُّغَةِ أيْ قامَ بِعُذْرِهِ، وقِيلَ: عُذْرُهُ، يُقالُ: مَن يَعْذُرُنِي أيْ يَقُومُ بِعُذْرِي، وعَذَرْتُ فُلانًا فِيما صَنَعَ أيْ قُمْتُ بِعُذْرِهِ، فَعَلى هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ قِيامٌ مِنّا بِعُذْرِ أنْفُسِنا إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنّا إذا طَوَّلْنا بِإقامَةِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، قُلْنا: قَدْ فَعَلْنا، فَنَكُونُ بِذَلِكَ مَعْذُورِينَ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: المَعْذِرَةُ اسْمٌ عَلى مَفْعِلَةٍ مِن عَذَرَ يَعْذُرُ، وأُقِيمَ مُقامَ الِاعْتِذارِ. كَأنَّهم قالُوا: مَوْعِظَتُنا اعْتِذارٌ إلى رَبِّنا. فَأُقِيمَ الِاسْمُ مُقامَ الِاعْتِذارِ، ويُقالُ: اعْتَذَرَ فُلانٌ اعْتِذارًا وعُذْرًا ومَعْذِرَةً مِن ذَنْبِهِ فَعَذَرْتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ وجائِزٌ عِنْدَنا أنْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا الوَعْظِ فَيَتَّقُوا اللَّهَ ويَتْرُكُوا هَذا الذَّنْبَ.
صفحة ٣٣
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ مِنهم مَن صادَ السَّمَكَ وأقْدَمَ عَلى ذَلِكَ الذَّنْبِ، ومِنهم مَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وهَذا القِسْمُ الثّانِي صارُوا قِسْمَيْنِ: مِنهم مَن وعَظَ الفِرْقَةَ المُذْنِبَةَ، وزَجَرَهم عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ، ومِنهم مَن سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ الوَعْظِ، وأنْكَرُوا عَلى الواعِظِينَ وقالُوا لَهم: لِمَ تَعِظُونَهم، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم ؟ يَعْنِي: أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإصْرارِ عَلى هَذا الذَّنْبِ إلى حَدٍّ لا يَكادُونَ يُمْنَعُونَ عَنْهُ، فَصارَ هَذا الوَعْظُ عَدِيمَ الفائِدَةِ عَدِيمَ الأثَرِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ أهْلَ القَرْيَةِ كانُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ أقْدَمَتْ عَلى الذَّنْبِ، وفِرْقَةٌ أحْجَمُوا عَنْهُ ووَعَظُوا الأوَّلِينَ، فَلَمّا اشْتَغَلَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ بِوَعْظِ الفِرْقَةِ المُذْنِبَةِ المُتَعَدِّيَةِ المُقْدِمَةِ عَلى القَبِيحِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتِ الفِرْقَةُ المُذْنِبَةُ لِلْفِرْقَةِ الواعِظَةِ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ بِزَعْمِكم ؟ قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّهم لَوْ كانُوا فِرْقَتَيْنِ وكانَ قَوْلُهُ: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ خِطابًا مِنَ الفِرْقَةِ النّاهِيَةِ لِلْفِرْقَةِ المُعْتَدِيَةِ لَقالُوا:(ولَعَلَّكم تَتَّقُونَ) .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ يَعْنِي: أنَّهم لَمّا تَرَكُوا ما ذَكَّرَهم بِهِ الصّالِحُونَ تَرْكَ النّاسِي لِما يَنْساهُ، أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الظّالِمِينَ المُقْدِمِينَ عَلى فِعْلِ المَعْصِيَةِ.
واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِرْقَةَ المُتَعَدِّيَةَ هَلَكَتْ، والفِرْقَةَ النّاهِيَةَ عَنِ المُنْكَرِ نَجَتْ. أمّا الَّذِينَ قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّهم مِن أيِّ الفَرِيقَيْنِ كانُوا ؟ فَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِ. ونُقِلَ عَنْهُ أيْضًا: هَلَكَتِ الفِرْقَتانِ ونَجَتِ النّاهِيَةُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ بَكى، وقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَكَتُوا عَنِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ هَلَكُوا، ونَحْنُ نَرى أشْياءَ نُنْكِرُها، ثُمَّ نَسْكُتُ ولا نَقُولُ شَيْئًا. قالَ الحَسَنُ: الفِرْقَةُ السّاكِتَةُ ناجِيَةٌ، فَعَلى هَذا نَجَتْ فِرْقَتانِ وهَلَكَتِ الثّالِثَةُ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ أشَدَّ الإنْكارِ، وأنَّهم إنَّما تَرَكُوا وعْظَهم لِأنَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لا يَلْتَفِتُونَ إلى ذَلِكَ الوَعْظِ ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ تَرْكَ الوَعْظِ مَعْصِيَةٌ، والنَّهْيَ عَنْهُ أيْضًا مَعْصِيَةٌ، فَوَجَبَ دُخُولُ هَؤُلاءِ التّارِكِينَ لِلْوَعْظِ النّاهِينَ عَنْهُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ .
قُلْنا: هَذا غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ إنَّما يَجِيءُ عَلى الكِفايَةِ. فَإذا قامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى أخَذَهم بِعَذابٍ بَئِيسٍ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا العَذابَ غَيْرُ المَسْخِ المُتَأخِّرِ ذِكْرُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ، وفي هَذِهِ اللَّفْظَةِ قِراءاتٌ:
أحَدُها: ”بَئِيسٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ فَعِيلًا مِن بَؤُسَ يَبْؤُسُ بَأْسًا إذا اشْتَدَّ.
والآخَرُ: ما قالَهُ أبُو زَيْدٍ، وهو أنَّهُ مِنَ البُؤْسِ وهو الفَقْرُ يُقالُ بَئِسَ الرَّجُلُ يَبْأسُ بُؤْسًا وبَأْسًا وبَئِيسًا إذا افْتَقَرَ فَهو بائِسٌ، أيْ فَقِيرٌ. فَقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ ذِي بُؤْسٍ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ ”بَئِسٍ“ بِوَزْنِ حَذِرٍ.
والثّالِثَةُ: ”بَيِسٍ“ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، كالذِّيبِ في ذِئْبٍ.
والرّابِعَةُ: ”بَيْئَسٍ“ عَلى فَيْعَلٍ.
والخامِسَةُ: ”بَيِّسٍ“ كَوَزْنِ رَيِّسٍ عَلى قَلْبِ هَمْزَةِ بَئِيسٍ ياءً وإدْغامِ الياءِ فِيها.
والسّادِسَةُ: ”بَيْسٍ“ عَلى تَخْفِيفِ بَيِّسٍ كَهَيْنٍ في هَيِّنٍ، وهَذِهِ القِراءاتُ نَقَلَها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ . ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم مَعَ نُزُولِ هَذا العَذابِ بِهِمْ تَمَرَّدُوا.
الأعراف 7:166
فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾
وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: العُتُوُّ عِبارَةٌ عَنِ الإباءِ والعِصْيانِ، وإذا عَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ فَقَدْ أطاعُوا؛ لِأنَّهم أبَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا عَتَوْا عَنْ تَرْكِ ما نُهُوا عَنْهُ، ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ، وإذا أبَوْا تَرْكَ المَنهِيِّ كانَ ذَلِكَ ارْتِكابًا لِلْمَنهِيِّ.
البَحْثُ الثّانِي: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً﴾ لَيْسَ مِنَ المَقالِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ. قالَ: وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] هو بِمَعْنى الفِعْلِ لا الكَلامِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ بِقَوْلٍ سُمِعَ فَيَكُونُ أبْلَغَ.
واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ هَذا الكَلامِ عَلى هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ المَأْمُورَ بِالفِعْلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلَيْهِ، والقَوْمُ ما كانُوا قادِرِينَ عَلى أنْ يَقْلِبُوا أنْفُسَهم قِرَدَةً.
البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أصْبَحَ القَوْمُ وهم قِرَدَةٌ صاغِرُونَ، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ثَلاثًا فَرَآهُمُ النّاسُ ثُمَّ هَلَكُوا. ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ شَبابَ القَوْمِ صارُوا قِرَدَةً، والشُّيُوخَ خَنازِيرَ، وهَذا القَوْلُ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ. واخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ مُسِخُوا هَلْ بَقُوا قِرَدَةً ؟ وهَلْ هَذِهِ القِرَدَةُ مِن نَسْلِهِمْ أوْ هَلَكُوا، وانْقَطَعَ نَسْلُهم ؟ ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلَيْهِ، والكَلامُ في المَسْخِ وما فِيهِ مِنَ المُباحَثاتِ قَدْ سَبَقَ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:167
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ هَهُنا بَعْضَ مَصالِحِ أعْمالِ اليَهُودِ وقَبائِحِ أفْعالِهِمْ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والصَّغارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: أذَّنَ أعْلَمَ. وأذَّنَ نادى وصاحَ لِلْإعْلامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وقَوْلُهُ:(تَأذَّنَ) بِمَعْنى أذَّنَ أيْ أعْلَمَ. ولَفْظَةُ تَفَعَّلَ، هَهُنا لَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ أظْهَرَ شَيْئًا لَيْسَ فِيهِ، بَلْ مَعْناهُ فَعَلَ، فَقَوْلُهُ:(تَأذَّنَ) بِمَعْنى أذِنَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] مَعْناهُ عَلا وارْتَفَعَ لا بِمَعْنى أنَّهُ أظْهَرَ مِن نَفْسِهِ العُلُوَّ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فِيهِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ:(لَيَبْعَثَنَّ) جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ﴾ جارٍ مَجْرى القَسَمِ في كَوْنِهِ جازِمًا بِذَلِكَ الخَبَرِ.
البَحْثُ الثّانِي: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ:(عَلَيْهِمْ) يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾
صفحة ٣٥
لَكِنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّ الَّذِينَ مُسِخُوا لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِمُ التَّكْلِيفُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ نَسْلُهم والَّذِينَ بَقُوا مِنهم. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ سائِرُ اليَهُودِ فَإنَّ أهْلَ القَرْيَةِ كانُوا بَيْنَ صالِحٍ وبَيْنَ مُتَعَدٍّ، فَمُسِخَ المُتَعَدِّي وأُلْحِقَ الذُّلُّ بِالبَقِيَّةِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ الَّذِينَ أدْرَكَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ ودَعاهم إلى شَرِيعَتِهِ، وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَخْوِيفُ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ وزَجْرُهم عَنِ البَقاءِ عَلى اليَهُودِيَّةِ؛ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا بَقاءَ الذُّلِّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ انْزَجَرُوا.
البَحْثُ الثّالِثُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ اليَهُودُ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى الكُفْرِ واليَهُودِيَّةِ، فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَخارِجُونَ عَنْ هَذا الحُكْمِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَهَذا تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَذابَ مَمْدُودٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما يَحْصُلُ في الدُّنْيا، وعِنْدَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: هو أخْذُ الجِزْيَةِ. وقِيلَ: الِاسْتِخْفافُ والإهانَةُ والإذْلالُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٢ ] وقِيلَ: القَتْلُ والقِتالُ. وقِيلَ: الإخْراجُ والإبْعادُ مِنَ الوَطَنِ، وهَذا القائِلُ جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ في أهْلِ خَيْبَرَ وبَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في اليَهُودِ عَلى أنَّهُ لا دَوْلَةَ لَهم ولا عِزَّ، وأنَّ الذُّلَّ يَلْزَمُهم، والصَّغارُ لا يُفارِقُهم. ولَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ، ثُمَّ شاهَدْنا بِأنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ كانَ هَذا إخْبارًا صِدْقًا عَنِ الغَيْبِ، فَكانَ مُعْجِزًا، والخَبَرُ المَرْوِيُّ في أنَّ أتْباعَ الدَّجّالِ هُمُ اليَهُودُ إنْ صَحَّ، فَمَعْناهُ أنَّهم كانُوا قَبْلَ خُرُوجِهِ يَهُودًا ثُمَّ دانُوا بِإلَهِيَّتِهِ، فَذُكِرُوا بِالِاسْمِ الأوَّلِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ في وقْتِ اتِّباعِهِمُ الدَّجّالَ قَدْ خَرَجُوا عَنِ الذِّلَّةِ والقَهْرِ، وذَلِكَ خِلافُ هَذِهِ الآيَةِ. واحْتَجَّ بَعْضُ العُلَماءِ عَلى لُزُومِ الذُّلِّ والصَّغارِ لِلْيَهُودِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ إلّا أنَّ دَلالَتَها لَيْسَتْ قَوِيَّةً؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ يَمْنَعُ مِنَ القَطْعِ عَلى لُزُومِ الذُّلِّ لَهم في كُلِّ الأحْوالِ. أمّا الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها لَمْ يَحْصُلْ فِيها تَقْيِيدٌ ولا اسْتِثْناءٌ، فَكانَتْ دَلالَتُها عَلى هَذا المَعْنى قَوِيَّةً جِدًّا. واخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ يُلْحِقُونَ هَذا الذُّلَّ بِهَؤُلاءِ اليَهُودِ مَن هم، فَقالَ بَعْضُهم: الرَّسُولُ وأمَتُّهُ، وقِيلَ يَحْتَمِلُ دُخُولَ الوُلاةِ الظَّلَمَةِ مِنهم، وإنْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالقِيامِ بِذَلِكَ إذا أذَلُّوهم. وهَذا القائِلُ حَمَلَ قَوْلَهُ:(لَيَبْعَثَنَّ) عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣] فَإذا جازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإرْسالِ التَّخْلِيَةَ وتَرْكَ المَنعِ، فَكَذَلِكَ البَعْثَةُ، وهَذا القائِلُ قالَ: المُرادُ بُخْتُنَصَّرُ وغَيْرُهُ إلى هَذا اليَوْمِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ والمُرادُ التَّحْذِيرُ مِن عِقابِهِ في الآخِرَةِ مَعَ الذِّلَّةِ في الدُّنْيا﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن تابَ مِنَ الكُفْرِ واليَهُودِيَّةِ، ودَخَلَ في الإيمانِ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ .
الأعراف 7:168
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
صفحة ٣٦
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ:(وقَطَّعْناهم) أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ المُرادُ جُمْلَةُ اليَهُودِ، ومَعْنى(قَطَّعْناهم) أيْ فَرَّقْناهم تَفْرِيقًا شَدِيدًا. فَلِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فِي الأرْضِ أُمَمًا﴾ وظاهِرُ ذَلِكَ أنَّهُ لا أرْضَ مَسْكُونَةً إلّا ومِنهم فِيها أُمَّةٌ، وهَذا هو الغالِبُ مِن حالِ اليَهُودِ، ومَعْنى قَطَّعْناهم، فَإنَّهُ قَلَّما يُوجَدُ بَلَدٌ إلّا وفِيهِ طائِفَةٌ مِنهم.
ثُمَّ قالَ: ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ قِيلَ المُرادُ القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: يُرِيدُ الَّذِينَ أدْرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ وآمَنُوا، وقَوْلُهُ: ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ ومِنهم قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ، والمُرادُ مَن أقامَ عَلى اليَهُودِيَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ مَن يَكُونُ صالِحًا إلّا أنَّ صَلاحَهُ كانَ دُونَ صَلاحِ الأوَّلِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إلى الظّاهِرِ أقْرَبُ ؟
قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ مَن ثَبَتَ عَلى اليَهُودِيَّةِ وخَرَجَ مِنَ الصَّلاحِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ أيْ عامَلْناهم مُعامَلَةَ المُبْتَلى المُخْتَبَرِ بِالحَسَناتِ، وهي النِّعَمُ والخِصْبُ والعافِيَةُ، والسَّيِّئاتُ هي الجَدْبُ والشَّدائِدُ، قالَ أهْلُ المَعانِي: وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ يَدْعُو إلى الطّاعَةِ، أمّا النِّعَمُ فَلِأجْلِ التَّرْغِيبِ، وأمّا النِّقَمُ فَلِأجْلِ التَّرْهِيبِ. وقَوْلُهُ:(يَرْجِعُونَ) يُرِيدُ كَيْ يَتُوبُوا.
الأعراف 7:169
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الأوَّلَ مَمْدُوحٌ، والثّانِي مَذْمُومٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَخَلَفَ مِن بَعْدِ الصّالِحِينَ مِنهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم خَلْفٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَلْفُ ما أخْلَفَ عَلَيْكَ مِمّا أُخِذَ مِنكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُقالُ لِلْقَرْنِ الَّذِي يَجِيءُ في إثْرِ قَرْنٍ خَلْفٌ، ويُقالُ فِيهِ أيْضًا خَلَفٌ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: النّاسُ كُلُّهم يَقُولُونَ: خَلْفُ صِدْقٍ وخَلْفُ سُوءٍ، وخَلْفٌ لِلسُّوءِ لا غَيْرُ. وحاصِلُ
صفحة ٣٧
الكَلامِ: أنَّ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ مَن قالَ: الخَلْفُ والخَلَفُ قَدْ يُذْكَرُ في الصّالِحِ وفي الرَّدِيءِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: الخَلْفُ مَخْصُوصٌ بِالذَّمِّ؛ قالَ لَبِيَدٌ.
وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
ومِنهم مَن يَقُولُ: الخَلْفُ المُسْتَعْمَلُ في الذَّمِّ مَأْخُوذٌ مِنَ الخُلْفِ، وهو الفَسادُ، يُقالُ: لِلرَّدِيءِ مِنَ القَوْلِ خُلْفٌ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ سَكَتَ ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا، وخَلَفَ الشَّيْءُ يَخْلَفُ خُلُوفًا وخَلَفًا إذا فَسَدَ، وكَذَلِكَ الفَمُ إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمِيعُ مَتاعِ الدُّنْيا عَرَضٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، يُقالُ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْكُلُ مِنها البَرُّ والفاجِرُ، وأمّا العَرْضُ بِسُكُونِ الرّاءِ فَما خالَفَ العَيْنَ، أعْنِي الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، وجَمْعُهُ عُرُوضٌ، فَكانَ كُلُّ عَرْضٍ عَرَضًا، ولَيْسَ كُلُّ عَرَضٍ عَرْضًا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أيْ حُطامَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى يُرِيدُ الدُّنْيا وما يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنها، وفي قَوْلِهِ: ﴿هَذا الأدْنى﴾ تَخْسِيسٌ وتَحْقِيرٌ، و(الأدْنى) إمّا مِنَ الدُّنُوِّ بِمَعْنى القُرْبِ لِأنَّهُ عاجِلٌ قَرِيبٌ، وإمّا مِن دُنُوِّ الحالِ وسُقُوطِها وقِلَّتِها. والمُرادُ ما كانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا في الأحْكامِ عَلى تَحْرِيفِ الكَلامِ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم يَسْتَحْقِرُونَ ذَلِكَ الذَّنْبَ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا.
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ والمُرادُ الإخْبارُ عَنْ إصْرارِهِمْ عَلى الذُّنُوبِ. وقالَ الحَسَنُ هَذا إخْبارٌ عَنْ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا وأنَّهم لا يَسْتَمْتِعُونَ مِنها. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قُبْحَ فِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ التَّوْراةِ،﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قِيلَ المُرادُ مَنعُهم عَنْ تَحْرِيفِ الكِتابِ وتَغْيِيرِ الشَّرائِعِ لِأجْلِ أخْذِ الرِّشْوَةِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم قالُوا سَيُغْفَرُ لَنا هَذا الذَّنْبُ مَعَ الإصْرارِ، وذَلِكَ قَوْلٌ باطِلٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ هو أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يُغْفَرُ لَهُ.
قُلْنا: إنَّهم كانُوا يَقْطَعُونَ بِأنَّ هَذِهِ الكَبِيرَةَ مَغْفُورَةٌ، ونَحْنُ لا نَقْطَعُ بِالغُفْرانِ بَلْ نَرْجُو الغُفْرانَ، ونَقُولُ: إنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ عَلَيْها فَذَلِكَ العَذابُ مُنْقَطِعٌ غَيْرُ دائِمٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ أيْ فَهم ذاكِرُونَ لِما أُخِذَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم قَدْ قَرَءُوهُ ودَرَسُوهُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ مِن تِلْكَ الرِّشْوَةِ الخَبِيثَةِ المُحَقَّرَةِ ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾ يُقالُ مَسَكْتُ بِالشَّيْءِ وتَمَسَّكْتُ بِهِ واسْتَمْسَكْتُ بِهِ وامْتَسَكْتُ بِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”يُمْسِكُونَ“ مُخَفَّفَةً، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. أمّا حُجَّةُ عاصِمٍ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] قالَ الواحِدِيُّ: والتَّشْدِيدُ أقْوى، لِأنَّ التَّشْدِيدَ لِلْكَثْرَةِ وهَهُنا أُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةُ، ولِأنَّهُ يُقالُ: أمْسَكْتُهُ، وقَلَّما يُقالُ أمْسَكْتُ بِهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ والمَعْنى: إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهم وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] وهَذا الوَجْهُ حَسَنٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ مَن تَرَكَ التَّمَسُّكَ بِالكِتابِ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ مَن تَمَسَّكَ بِهِ.
صفحة ٣٨
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ زِيادَةً مَذْكُورَةً لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُ.
فَإنْ قِيلَ: التَّمَسُّكُ بِالكِتابِ يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ عِبادَةٍ، ومِنها إقامَةُ الصَّلاةِ فَكَيْفَ أفُرِدَتْ بِالذِّكْرِ ؟
قُلْنا: إظْهارًا لِعُلُوِّ مَرْتَبَةِ الصَّلاةِ، وأنَّها أعْظَمُ العِباداتِ بَعْدَ الإيمانِ.
الأعراف 7:170
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الأوَّلَ مَمْدُوحٌ، والثّانِي مَذْمُومٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَخَلَفَ مِن بَعْدِ الصّالِحِينَ مِنهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم خَلْفٌ. قالَ الزَّجّاجُ: الخَلْفُ ما أخْلَفَ عَلَيْكَ مِمّا أُخِذَ مِنكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُقالُ لِلْقَرْنِ الَّذِي يَجِيءُ في إثْرِ قَرْنٍ خَلْفٌ، ويُقالُ فِيهِ أيْضًا خَلَفٌ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: النّاسُ كُلُّهم يَقُولُونَ: خَلْفُ صِدْقٍ وخَلْفُ سُوءٍ، وخَلْفٌ لِلسُّوءِ لا غَيْرُ. وحاصِلُ
صفحة ٣٧
الكَلامِ: أنَّ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ مَن قالَ: الخَلْفُ والخَلَفُ قَدْ يُذْكَرُ في الصّالِحِ وفي الرَّدِيءِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: الخَلْفُ مَخْصُوصٌ بِالذَّمِّ؛ قالَ لَبِيَدٌ.
وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
ومِنهم مَن يَقُولُ: الخَلْفُ المُسْتَعْمَلُ في الذَّمِّ مَأْخُوذٌ مِنَ الخُلْفِ، وهو الفَسادُ، يُقالُ: لِلرَّدِيءِ مِنَ القَوْلِ خُلْفٌ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ سَكَتَ ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا، وخَلَفَ الشَّيْءُ يَخْلَفُ خُلُوفًا وخَلَفًا إذا فَسَدَ، وكَذَلِكَ الفَمُ إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَمِيعُ مَتاعِ الدُّنْيا عَرَضٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، يُقالُ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْكُلُ مِنها البَرُّ والفاجِرُ، وأمّا العَرْضُ بِسُكُونِ الرّاءِ فَما خالَفَ العَيْنَ، أعْنِي الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، وجَمْعُهُ عُرُوضٌ، فَكانَ كُلُّ عَرْضٍ عَرَضًا، ولَيْسَ كُلُّ عَرَضٍ عَرْضًا، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أيْ حُطامَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى يُرِيدُ الدُّنْيا وما يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنها، وفي قَوْلِهِ: ﴿هَذا الأدْنى﴾ تَخْسِيسٌ وتَحْقِيرٌ، و(الأدْنى) إمّا مِنَ الدُّنُوِّ بِمَعْنى القُرْبِ لِأنَّهُ عاجِلٌ قَرِيبٌ، وإمّا مِن دُنُوِّ الحالِ وسُقُوطِها وقِلَّتِها. والمُرادُ ما كانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا في الأحْكامِ عَلى تَحْرِيفِ الكَلامِ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم يَسْتَحْقِرُونَ ذَلِكَ الذَّنْبَ ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا.
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ والمُرادُ الإخْبارُ عَنْ إصْرارِهِمْ عَلى الذُّنُوبِ. وقالَ الحَسَنُ هَذا إخْبارٌ عَنْ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا وأنَّهم لا يَسْتَمْتِعُونَ مِنها. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قُبْحَ فِعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ التَّوْراةِ،﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قِيلَ المُرادُ مَنعُهم عَنْ تَحْرِيفِ الكِتابِ وتَغْيِيرِ الشَّرائِعِ لِأجْلِ أخْذِ الرِّشْوَةِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم قالُوا سَيُغْفَرُ لَنا هَذا الذَّنْبُ مَعَ الإصْرارِ، وذَلِكَ قَوْلٌ باطِلٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ هو أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يُغْفَرُ لَهُ.
قُلْنا: إنَّهم كانُوا يَقْطَعُونَ بِأنَّ هَذِهِ الكَبِيرَةَ مَغْفُورَةٌ، ونَحْنُ لا نَقْطَعُ بِالغُفْرانِ بَلْ نَرْجُو الغُفْرانَ، ونَقُولُ: إنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ عَلَيْها فَذَلِكَ العَذابُ مُنْقَطِعٌ غَيْرُ دائِمٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ أيْ فَهم ذاكِرُونَ لِما أُخِذَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم قَدْ قَرَءُوهُ ودَرَسُوهُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ مِن تِلْكَ الرِّشْوَةِ الخَبِيثَةِ المُحَقَّرَةِ ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾ يُقالُ مَسَكْتُ بِالشَّيْءِ وتَمَسَّكْتُ بِهِ واسْتَمْسَكْتُ بِهِ وامْتَسَكْتُ بِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”يُمْسِكُونَ“ مُخَفَّفَةً، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. أمّا حُجَّةُ عاصِمٍ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] قالَ الواحِدِيُّ: والتَّشْدِيدُ أقْوى، لِأنَّ التَّشْدِيدَ لِلْكَثْرَةِ وهَهُنا أُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةُ، ولِأنَّهُ يُقالُ: أمْسَكْتُهُ، وقَلَّما يُقالُ أمْسَكْتُ بِهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ والمَعْنى: إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهم وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] وهَذا الوَجْهُ حَسَنٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ مَن تَرَكَ التَّمَسُّكَ بِالكِتابِ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ مَن تَمَسَّكَ بِهِ.
صفحة ٣٨
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ زِيادَةً مَذْكُورَةً لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُ.
فَإنْ قِيلَ: التَّمَسُّكُ بِالكِتابِ يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ عِبادَةٍ، ومِنها إقامَةُ الصَّلاةِ فَكَيْفَ أفُرِدَتْ بِالذِّكْرِ ؟
قُلْنا: إظْهارًا لِعُلُوِّ مَرْتَبَةِ الصَّلاةِ، وأنَّها أعْظَمُ العِباداتِ بَعْدَ الإيمانِ.
الأعراف 7:171
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أصْلُ النَّتْقِ قَلْعُ الشَّيْءِ مِن مَوْضِعِهِ، والرَّمْيُ بِهِ. يُقالُ: نَتَقَ ما في الجِرابِ إذا رَمى بِهِ وصَبَّهُ. وامْرَأةٌ ناتِقٌ ومِنتاقٌ إذا كَثُرَ ولَدُها؛ لِأنَّها تَرْمِي بِأوْلادِها رَمْيًا، فَمَعْنى﴿نَتَقْنا الجَبَلَ﴾ أيْ قَلَعْناهُ مِن أصْلِهِ، وجَعَلْناهُ فَوْقَهم وقَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَأنَّهُ سَقِيفَةٌ، والظُّلَّةُ كُلُّ ما أظَلَّكَ مِن سَقْفِ بَيْتٍ أوْ سَحابَةٍ أوْ جَناحِ حائِطٍ، والجَمْعُ ظُلَلٌ وظِلالٌ، وهَذِهِ القِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ﴿وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عَلِمُوا وأيْقَنُوا. وقالَ أهْلُ المَعانِي: قَوِيَ في نُفُوسِهِمْ أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ إنْ خالَفُوهُ، وهَذا هو الأظْهَرُ في مَعْنى الظَّنِّ، ومَضى الكَلامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] رُوِيَ أنَّهم أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا أحْكامَ التَّوْراةِ لِغِلَظِها وثِقَلِها، فَرَفَعَ اللَّهُ الطُّورَ عَلى رَءُوسِهِمْ مِقْدارَ عَسْكَرِهِمْ، وكانَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ، وقِيلَ لَهم: إنْ قَبِلْتُمُوها بِما فِيها وإلّا لَيَقَعَنَّ عَلَيْكم، فَلَمّا نَظَرُوا إلى الجَبَلِ خَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ساجِدًا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ، وهو يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ اليُمْنى خَوْفًا مِن سُقُوطِهِ، فَلِذَلِكَ لا تَرى يَهُودِيًّا يَسْجُدُ إلّا عَلى حاجِبِهِ الأيْسَرِ وهو يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ اليُمْنى، ويَقُولُونَ هي السَّجْدَةُ الَّتِي رُفِعَتْ عَنّا بِها العُقُوبَةُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ أيْ وقُلْنا: خُذُوا ما آتَيْناكم أوْ قائِلِينَ: خُذُوا ما آتَيْناكم مِنَ الكِتابِ بِقُوَّةٍ وعَزْمٍ عَلى احْتِمالِ مَشاقِّهِ وتَكالِيفِهِ،﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، أيْ واذْكُرُوا ما فِيهِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: خُذُوا ما آتَيْناكم مِنَ الآيَةِ العَظِيمَةِ بِقُوَّةٍ، إنْ كُنْتُمْ تُطِيقُونَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] واذْكُرُوا ما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
الأعراف 7:172
صفحة ٣٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ تَوابِعِها عَلى أقْصى الوُجُوهِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَجْرِي مَجْرى تَقْرِيرِ الحُجَّةِ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ الأثَرِ ما رَوى مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ الجُهَنِيُّ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْها فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: إنَّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلَهُ اللَّهُ النّارَ» .
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِن ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ مِن ذُرِّيَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّهَ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِ آدَمَ اليُمْنى فَخَرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةٌ بَيْضاءُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ تَتَحَرَّكُ، ثُمَّ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى، فَخَرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةٌ سَوْداءُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقالَ يا آدَمُ هَؤُلاءِ ذُرِّيَّتُكَ.
ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ فَقالَ لِلْبِيضِ هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ بِرَحْمَتِي وهم أصْحابُ اليَمِينِ، وقالَ لِلسُّودِ هَؤُلاءِ في النّارِ ولا أُبالِي وهم أصْحابُ المَشْأمَةِ، ثُمَّ أعادَهم جَمِيعًا في صُلْبِ آدَمَ، فَأهْلُ القَبُولِ مَحْبُوسُونَ حَتّى يَخْرُجَ أهْلُ المِيثاقِ كُلُّهم مِن أصْلابِ الرِّجالِ، وأرْحامِ النِّساءِ. وقالَ تَعالى فِيمَن نَقَضَ العَهْدَ الأوَّلَ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] وهَذا القَوْلُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن قُدَماءِ المُفَسِّرِينَ كَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، والكَلْبِيِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ أبْصَرَ آدَمَ في ذُرِّيَّتِهِ قَوْمًا لَهم نُورٌ. فَقالَ يا رَبِّ مَن هم ؟ فَقالَ: الأنْبِياءُ، ورَأى واحِدًا هو أشَدُّهم نُورًا فَقالَ مَن هو ؟ قالَ: داوُدُ، قالَ: فَكَمْ عُمْرُهُ ؟ قالَ: سَبْعُونَ سَنَةً قالَ آدَمُ: هو قَلِيلٌ قَدْ وهَبْتُهُ مِن عُمُرِي أرْبَعِينَ سَنَةً، وكانَ عُمُرُ آدَمَ ألْفَ سَنَةٍ، فَلَمّا تَمَّ عُمُرُ آدَمَ تِسْعَمِائَةٍ وسِتِّينَ سَنَةً أتاهُ مَلَكُ المَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقالَ بَقِيَ مِن أجَلِي أرْبَعُونَ سَنَةً، فَقالَ: ألَسْتَ وقَدْ وهَبْتَهُ مِنَ ابْنِكَ داوُدَ ؟ فَقالَ: ما كُنْتُ لِأجْعَلَ لِأحَدٍ مِن أجَلِي شَيْئًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ كُتِبَ لِكُلِّ نَفْسٍ أجَلُها. أمّا المُعْتَزِلَةُ: فَقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا الوَجْهِ. واحْتَجُّوا عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ.
الحُجَّةُ الأُولى لَهم قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَنِي آدَمَ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَ مِن ظَهْرِ آدَمَ شَيْئًا.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ مِن ظَهْرِ آدَمَ شَيْئًا مِنَ الذُّرِّيَّةِ لَما قالَ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ: مِن ظَهْرِهِ، لِأنَّ آدَمَ لَيْسَ لَهُ إلّا ظَهْرٌ واحِدٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:(ذُرِّيَّتَهم) لَوْ كانَ آدَمُ لَقالَ: ذُرِّيَّتَهُ.
صفحة ٤٠
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أُولَئِكَ الذُّرِّيَّةِ أنَّهم قالُوا: ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ وهَذا الكَلامُ يَلِيقُ بِأوْلادِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ مُشْرِكًا.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ أخْذَ المِيثاقِ لا يُمْكِنُ إلّا مِنَ العاقِلِ، فَلَوْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ مِن أُولَئِكَ الذَّرِّ لَكانُوا عُقَلاءَ، ولَوْ كانُوا عُقَلاءَ وأُعْطُوا ذَلِكَ المِيثاقَ حالَ عَقْلِهِمْ لَوَجَبَ أنْ يَتَذَكَّرُوا في هَذا الوَقْتِ أنَّهم أُعْطُوا المِيثاقَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ في هَذا العالَمِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا وقَعَتْ لَهُ واقِعَةٌ عَظِيمَةٌ مَهِيبَةٌ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ مَعَ كَوْنِهِ عاقِلًا أنْ يَنْساها نِسْيانًا كُلِّيًّا لا يَتَذَكَّرُ مِنها شَيْئًا لا بِالقَلِيلِ ولا بِالكَثِيرِ، وبِهَذا الدَّلِيلِ يَبْطُلُ القَوْلُ بِالتَّناسُخِ. فَإنّا نَقُولُ لَوْ كانَتْ أرْواحُنا قَدْ حَصَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ الأجْسادِ في أجْسادٍ أُخْرى؛ لَوَجَبَ أنْ نَتَذَكَّرَ الآنَ أنّا كُنّا قَبْلَ هَذا الجَسَدِ في جَسَدٍ آخَرَ، وحَيْثُ لَمْ نَتَذَكَّرْ ذَلِكَ كانَ القَوْلُ بِالتَّناسُخِ باطِلًا. فَإذا كانَ اعْتِمادُنا في إبْطالِ التَّناسُخِ لَيْسَ إلّا عَلى هَذا الدَّلِيلِ، وهَذا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ قائِمٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وجَبَ القَوْلُ بِمُقْتَضاهُ، فَلَوْ جازَ أنْ يُقالَ إنّا في وقْتِ المِيثاقِ أُعْطِينا العَهْدُ والمِيثاقُ مَعَ أنّا في هَذا الوَقْتِ لا نَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِنهُ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنّا كُنّا قَبْلَ هَذا البَدَنِ في بَدَنٍ آخَرَ مَعَ أنّا في هَذا البَدَنِ لا نَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأحْوالِ. وبِالجُمْلَةِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ هَذا القَوْلِ وبَيْنَ مَذْهَبِ أهْلِ التَّناسُخِ، فَإنْ لَمْ يَبْعُدِ التِزامُ هَذا القَوْلِ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا التِزامُ مَذْهَبِ التَّناسُخِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ مِن أوْلادِ آدَمَ عَدَدٌ عَظِيمٌ وكَثْرَةٌ كَثِيرَةٌ، فالمَجْمُوعُ الحاصِلُ مِن تِلْكَ الذُّرِّيّاتِ يَبْلُغُ مَبْلَغًا عَظِيمًا في الحَجْمِيَّةِ والمِقْدارِ، وصُلْبُ آدَمَ عَلى صِغَرِهِ يَبْعُدُ أنْ يَتَّسِعَ لِذَلِكَ المَجْمُوعِ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّ البِنْيَةَ شَرْطٌ لِحُصُولِ الحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ الهَباءِ أنْ يَكُونَ عاقِلًا فاهِمًا مُصَنِّفًا لِلتَّصانِيفِ الكَثِيرَةِ في العُلُومِ الدَّقِيقَةِ. وفَتْحُ هَذا البابِ يُفْضِي إلى التِزامِ الجَهالاتِ. وإذا ثَبَتَ أنَّ البِنْيَةَ شَرْطٌ لِحُصُولِ الحَياةِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الذَّرّاتِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عالِمًا فاهِمًا عاقِلًا؛ إلّا إذا حَصَلَتْ لَهُ قُدْرَةٌ مِنَ البِنْيَةِ واللَّحْمِيَّةِ والدَّمِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمَجْمُوعُ تِلْكَ الأشْخاصِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى الوُجُودِ مَن أوَّلِ تَخْلِيقِ آدَمَ إلى آخِرِ قِيامِ القِيامَةِ لا تَحْوِيهِمْ عَرْصَةُ الدُّنْيا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّهم بِأسْرِهِمْ حَصَلُوا دُفْعَةً واحِدَةً في صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ؟
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قالُوا هَذا المِيثاقُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَهُ اللَّهُ مِنهم في ذَلِكَ الوَقْتِ لِيَصِيرَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ لِيَصِيرَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ عِنْدَ دُخُولِهِمْ في دارِ الدُّنْيا. والأوَّلُ باطِلٌ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ المِيثاقِ لا يَصِيرُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوابِ والعِقابِ والمَدْحِ والذَّمِّ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ مِنهُ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ عِنْدَ دُخُولِهِمْ في دارِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ المِيثاقَ في الدُّنْيا فَكَيْفَ يَصِيرُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في التَّمَسُّكِ بِالإيمانِ ؟
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ حالَ أُولَئِكَ الذُّرِّيَّةِ لا يَكُونُ أعْلى في الفَهْمِ والعِلْمِ مِن حالِ الأطْفالِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ تَوْجِيهُ التَّكْلِيفِ عَلى الطِّفْلِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ عَلى أُولَئِكَ الذَّواتِ ؟
وأجابَ الزَّجّاجُ عَنْهُ فَقالَ: لَمّا لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ النَّمْلَ العَقْلَ كَما قالَ: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ﴾ [النمل: ١٨] وأنْ يُعْطِيَ الجَبَلَ الفَهْمَ حَتّى يُسَبِّحَ كَما قالَ: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وكَما أعْطى اللَّهُ العَقْلَ لِلْبَعِيرِ حَتّى سَجَدَ لِلرَّسُولِ، ولِلنَّخْلَةِ حَتّى سَمِعَتْ وانْقادَتْ حِينَ دُعِيَتْ فَكَذا هَهُنا.
صفحة ٤١
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: أنَّ أُولَئِكَ الذَّرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ إمّا أنْ يَكُونُوا كامِلِي العُقُولِ والقَدْرِ أوْ ما كانُوا كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانُوا مُكَلَّفِينَ لا مَحالَةَ وإنَّما يَبْقُونَ مُكَلَّفِينَ إذا عَرَفُوا اللَّهَ بِالِاسْتِدْلالِ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ لَما امْتازَتْ أحْوالُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ عَنْ أحْوالِهِمْ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا، فَلَوِ افْتَقَرَ التَّكْلِيفُ في الدُّنْيا إلى سَبْقِ ذَلِكَ المِيثاقِ لافْتَقَرَ التَّكْلِيفُ في وقْتِ ذَلِكَ المِيثاقِ إلى سَبْقِ مِيثاقٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. وأمّا الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّهم في وقْتِ ذَلِكَ المِيثاقِ ما كانُوا كامِلِي العُقُولِ ولا كامِلِي القَدْرِ، فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ تَوْجِيهُ الخِطابِ والتَّكْلِيفُ عَلَيْهِمْ.
الحُجَّةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٥ - ٦] ولَوْ كانَتْ تِلْكَ الذَّرّاتُ عُقَلاءَ فاهِمِينَ كامِلِينَ، لَكانُوا مَوْجُودِينَ قَبْلَ هَذا الماءِ الدّافِقِ، ولا مَعْنى لِلْإنْسانِ إلّا ذَلِكَ الشَّيْءُ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الإنْسانُ مَخْلُوقًا مِنَ الماءِ الدّافِقِ وذَلِكَ رَدٌّ لِنَصِّ القُرْآنِ.
فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ كامِلَ العَقْلِ والفَهْمِ عِنْدَ المِيثاقِ ثُمَّ أزالَ عَقْلَهُ وفَهْمَهُ وقُدْرَتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ خَلَقَهُ مَرَّةً أُخْرى في رَحِمِ الأُمِّ وأخْرَجَهُ إلى هَذِهِ الحَياةِ ؟ .
قُلْنا: هَذا باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ خَلَقَهُ مِنَ النُّطْفَةِ خَلْقًا عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ خَلْقًا عَلى سَبِيلِ الإعادَةِ. وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ خَلْقَهُ مِنَ النُّطْفَةِ هو الخَلْقُ المُبْتَدَأُ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ باطِلٌ.
الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: هي أنَّ تِلْكَ الذَّرّاتِ إمّا أنْ يُقالَ هي عَيْنُ هَؤُلاءِ النّاسِ أوْ غَيْرِهِمْ، والقَوْلُ الثّانِي باطِلٌ بِالإجْماعِ، بَقِيَ القَوْلُ الأوَّلُ. فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهم بَقُوا فُهَماءَ عُقَلاءَ قادِرِينَ حالَ ما كانُوا نُطْفَةً وعَلَقَةً ومُضْغَةً أوْ ما بَقُوا كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ، والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يُقالَ الإنْسانُ حَصَلَ لَهُ الحَياةُ أرْبَعَ مَرّاتٍ: أوَّلُها وقْتَ المِيثاقِ، وثانِيها في الدُّنْيا، وثالِثُها في القَبْرِ، ورابِعُها في القِيامَةِ. وأنَّهُ حَصَلَ لَهُ المَوْتُ ثَلاثَ مَرّاتٍ. مَوْتٌ بَعْدَ الحَياةِ الحاصِلَةِ في المِيثاقِ الأوَّلِ، ومَوْتٌ في الدُّنْيا، ومَوْتٌ في القَبْرِ، وهَذا العَدَدُ مُخالِفٌ لِلْعَدَدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] .
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] فَلَوْ كانَ القَوْلُ بِهَذا الذَّرِّ صَحِيحًا لَكانَ ذَلِكَ الذَّرُّ هو الإنْسانُ؛ لِأنَّهُ هو المُكَلَّفُ المُخاطَبُ المُثابُ المُعاقَبُ، وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الذَّرَّ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنَ النُّطْفَةِ، والعَلَقَةِ، والمُضْغَةِ، ونَصُّ الكِتابِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٧ - ١٩] فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في بَيانِ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُ أصْحابِ النَّظَرِ وأرْبابِ المَعْقُولاتِ: إنَّهُ تَعالى أخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ وهُمُ الأوْلادُ مِن أصْلابِ آبائِهِمْ، وذَلِكَ الإخْراجُ أنَّهم كانُوا نُطْفَةً فَأخْرَجَها اللَّهُ تَعالى في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، وجَعَلَها عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ جَعَلَهم بَشَرًا سَوِيًّا، وخَلْقًا كامِلًا، ثُمَّ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما رَكَّبَ فِيهِمْ مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ، وعَجائِبِ خَلْقِهِ، وغَرائِبِ صُنْعِهِ. فَبِالإشْهادِ صارُوا كَأنَّهم قالُوا بَلى، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ بِاللِّسانِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]
صفحة ٤٢
ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وقَوْلُ العَرَبِ:
قالَ الجِدارُ لِلْوَتِدِ لِمَ تَشُقُّنِي قالَ سَلْ مَن يَدُقُّنِي
فَإنَّ الَّذِي ورايِي ∗∗∗ ما خَلّانِي ورايِي
وقالَ الشّاعِرُ:
امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي
فَهَذا النَّوْعُ مِنَ المَجازِ والِاسْتِعارَةِ مَشْهُورٌ في الكَلامِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ، فَهَذا هو الكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، وهَذا القَوْلُ الثّانِي لا طَعْنَ فِيهِ البَتَّةَ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ هَذا القَوْلُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُنافِيًا لِصِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ؛ إنَّما الكَلامُ في أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ هَلْ يَصِحُّ أمْ لا ؟
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما المُخْتارُ عِنْدَكم فِيهِ ؟
قُلْنا: هَهُنا مَقامانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ القَوْلُ بِأخْذِ المِيثاقِ عَنِ الذَّرِّ ؟
والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ القَوْلُ بِهِ، فَهَلْ يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَفْسِيرًا لِألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ؟
أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فالمُنْكِرُونَ لَهُ قَدْ تَمَسَّكُوا بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها وقَرَّرْناها، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِوَجْهٍ مُقْنِعٍ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ مِنَ الوُجُوهِ العَقْلِيَّةِ المَذْكُورَةِ: وهو أنَّهُ لَوْ صَحَّ القَوْلُ بِأخْذِ هَذا المِيثاقِ لَوَجَبَ أنْ نَتَذَكَّرَهُ الآنَ.
قُلْنا: خالِقُ العِلْمِ بِحُصُولِ الأحْوالِ الماضِيَةِ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ هَذِهِ العُلُومَ عَقْلِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ. والعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ خالِقُها هو اللَّهُ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ صَحَّ مِنهُ تَعالى أنْ يَخْلُقَها.
فَإنْ قالُوا: فَإذا جَوَّزْتُمْ هَذا، فَجَوِّزُوا أنْ يُقالَ: إنّا قَبْلَ هَذا البَدَنِ كُنّا في أبْدانٍ أُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّناسُخِ، وإنْ كُنّا لا نَتَذَكَّرُ الآنَ أحْوالَ تِلْكَ الأبْدانِ !
قُلْنا: الفَرْقُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنّا إذا كُنّا في أبْدانٍ أُخْرى، وبَقِينا فِيها سِنِينَ ودُهُورًا، امْتَنَعَ في مَجْرى العادَةِ نِسْيانُها، أمّا أخْذُ هَذا المِيثاقِ إنَّما حَصَلَ في أسْرَعِ زَمانٍ، وأقَلِّ وقْتٍ، فَلَمْ يَبْعُدْ حُصُولُ النِّسْيانِ فِيهِ، والفَرْقُ الظّاهِرُ حاكِمٌ بِصِحَّةِ هَذا الفَرْقِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا بَقِيَ عَلى العَمَلِ الواحِدِ سِنِينَ كَثِيرَةً يَمْتَنِعُ أنْ يَنْساهُ، أمّا إذا مارَسَ العَمَلَ الواحِدَ لَحْظَةً واحِدَةً فَقَدْ يَنْساهُ، فَقَدْ ظَهَرَ الفَرْقُ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: مَجْمُوعُ تِلْكَ الذَّرّاتِ يَمْتَنِعُ حُصُولُها بِأسْرِها في ظَهْرِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قُلْنا: عِنْدَنا البِنْيَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا لِحُصُولِ الحَياةِ، والجَوْهَرُ الفَرْدُ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ قابِلٌ لِلْحَياةِ والعَقْلِ، فَإذا جَعَلْنا كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الذَّرّاتِ جَوْهَرًا فَرْدًا، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ظَهْرَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَتَّسِعُ لِمَجْمُوعِها ؟ إلّا أنَّ هَذا الجَوابَ لا يَتِمُّ إلّا إذا قُلْنا: الإنْسانُ جَوْهَرٌ فَرْدٌ، وجُزْءٌ لا يَتَجَزَّأُ في البَدَنِ. عَلى ما هو مَذْهَبُ بَعْضِ القُدَماءِ، وأمّا إذا قُلْنا: الإنْسانُ هو النَّفْسُ النّاطِقَةُ، وإنَّهُ جَوْهَرٌ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ، ولا حالَ في المُتَحَيِّزِ، فالسُّؤالُ زائِلٌ.
صفحة ٤٣
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: فائِدَةُ أخْذِ المِيثاقِ هي أنْ تَكُونَ حُجَّةً في ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ في الحَياةِ الدُّنْيا.
فَجَوابُنا أنْ نَقُولَ: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وأيْضًا ألَيْسَ أنَّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ إذا أرادُوا تَصْحِيحَ القَوْلِ بِوَزْنِ الأعْمالِ، وإنْطاقِ الجَوارِحِ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِبَعْضِ المُكَلَّفِينَ في إسْماعِ هَذِهِ الأشْياءِ لُطْفٌ ؟ فَكَذا هَهُنا لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِبَعْضِ المَلائِكَةِ في تَمْيِيزِ السُّعَداءِ مِنَ الأشْقِياءِ في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ لُطْفٌ. وقِيلَ أيْضًا إنَّ اللَّهَ تَعالى يُذَكِّرُهم ذَلِكَ المِيثاقَ يَوْمَ القِيامَةِ، وبَقِيَّةُ الوُجُوهِ ضَعِيفَةٌ والكَلامُ عَلَيْها سَهْلٌ هَيِّنٌ.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ القَوْلُ بِأخْذِ المِيثاقِ مِنَ الذَّرِّ. فَهَلْ يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَفْسِيرًا لِألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَنَقُولُ: الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ أوَّلًا دافِعَةٌ لِذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنهُ، وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ، وأيْضًا لَوْ كانَتْ هَذِهِ الذُّرِّيَّةُ مَأْخُوذَةً مَن ظَهْرِ آدَمَ لَقالَ: مِن ظَهْرِهِ ذُرِّيَّتَهُ ولَمْ يَقُلْ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم. أجابَ النّاصِرُونَ لِذَلِكَ القَوْلِ: بِأنَّهُ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا الوَجْهِ، والطَّعْنُ في تَفْسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ. فَنَقُولُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ الذَّرَّ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ أنَّ الشَّخْصَ الفُلانِيَّ يَتَوَلَّدُ مِنهُ فُلانٌ، وذَلِكَ الفُلانُ فُلانٌ آخَرُ، فَعَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي عُلِمَ دُخُولُهم في الوُجُودِ يُخْرِجُهم ويُمَيِّزُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وأمّا أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ كُلَّ تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ مِن صُلْبِ آدَمَ، فَلَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، ولَيْسَ في الآيَةِ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ، إلّا أنَّ الخَبَرَ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ إخْراجُ الذُّرِّيَّةِ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ بِالقُرْآنِ، وثَبَتَ إخْراجُ الذُّرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ آدَمَ بِالخَبَرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ولا مُدافَعَةَ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِما مَعًا صَوْنًا لِلْآيَةِ، والخَبَرُ عَنِ الطَّعْنِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، فَهَذا مُنْتَهى الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا المَقامِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عُمَرَ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ بِالألْفِ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ(ذُرِّيَّتَهم) عَلى الواحِدِ. قالَ الواحِدِيُّ: الذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، فَمَن أفْرَدَ فَإنَّهُ قَدِ اسْتَغْنى عَنْ جَمْعِهِ وبِوُقُوعِهِ عَلى الجَمْعِ فَصارَ كالبَشَرِ فَإنَّهُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ [يُوسُفَ: ٣١] وعَلى الجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [إبْراهِيمَ: ١٠] وكَما لَمْ يُجْمَعْ بَشَرٌ بِتَصْحِيحٍ ولا تَكْسِيرٍ كَذَلِكَ لا يُجْمَعُ الذُّرِّيَّةُ، ومَن جَمَعَ قالَ: إنَّ الذُّرِّيَّةَ وإنْ كانَ واحِدًا فَلا إشْكالَ في جَوازِ الجَمْعِ فِيهِ، وإنْ كانَ جَمْعًا فَجَمْعُهُ أيْضًا حَسُنٌ؛ لِأنَّكَ قَدْ رَأيْتَ الجُمُوعَ المُكَسَّرَةَ قَدْ جُمِعَتْ، نَحْوَ الطُّرُقاتِ والجَدَراتِ، وهو اخْتِيارُ يُونُسَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ فَنَقُولُ: أمّا عَلى قَوْلِ مَن أثْبَتَ المِيثاقَ الأوَّلَ فَكُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ مَحْمُولَةٌ عَلى ظَواهِرِها، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن أنْكَرَهُ قالَ: إنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى التَّمْثِيلِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى نَصَبَ لَهُمُ الأدِلَّةَ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ، وشَهِدَتْ بِها عُقُولُهم، فَصارَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى ما إذا أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِنا وإقْرارِنا بِوَحْدانِيَّتِهِ، أمّا قَوْلُهُ:(شَهِدْنا) فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا قالُوا:(بَلى) قالَ اللَّهُ لِلْمَلائِكَةِ اشْهَدُوا، فَقالُوا شَهِدْنا، وعَلى هَذا القَوْلِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا بَلى﴾ لِأنَّ كَلامَ الذُّرِّيَّةِ قَدِ انْقَطَعَ هَهُنا. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ تَقْرِيرُهُ: أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا شَهِدْنا عَلَيْهِمْ بِالإقْرارِ، لِئَلّا يَقُولُوا ما
صفحة ٤٤
أقْرَرْنا، فَأسْقَطَ كَلِمَةَ ”لا“ كَما قالَ: ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] يُرِيدُ لِئَلّا تَمِيدَ بِكم، هَذا قَوْلُ الكُوفِيِّينَ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ تَقْدِيرُهُ: شَهِدْنا كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ:(شَهِدْنا) مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الذُّرِّيَّةِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِكَذا وكَذا، لِئَلّا يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ أوْ كَراهِيَةَ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يَجُوزُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ:(شَهِدْنا)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ:(أنْ يَقُولُوا) مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وهو قَوْلُهُ:(وأشْهَدَهم) فَلَمْ يَجُزْ قَطْعُهُ مِنهُ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ:(أنْ يَقُولُوا) أوْ تَقُولُوا: فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ عَلى الغَيْبَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾،﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ لِئَلّا يَقُولُوا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى في الكَلامِ خِطابٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ وكِلا الوَجْهَيْنِ حَسَنٌ، لِأنَّ الغائِبِينَ هُمُ المُخاطَبُونَ في المَعْنى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الإشْهادِ: أنْ لا يَقُولَ الكُفّارُ إنَّما أشْرَكْنا؛ لِأنَّ آباءَنا أشْرَكُوا، فَقَلَّدْناهم في ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ والحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ امْتَنَعَ عَلَيْهِمُ التَّمَسُّكُ بِهَذا القَدْرِ. وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُجَرَّدُ نَصْبِ الدَّلائِلِ. قالُوا: مَعْنى الآيَةِ أنّا نَصَبْنا هَذِهِ الدَّلائِلَ، وأظْهَرْناها لِلْعُقُولِ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ فَما نَبَّهَنا عَلَيْهِ مُنَبِّهٌ، أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا إنَّما أشْرَكْنا عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ لِأسْلافِنا، لِأنَّ نَصْبَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ قائِمٌ مَعَهم، فَلا عُذْرَ لَهم في الإعْراضِ عَنْهُ، والإقْبالِ عَلى التَّقْلِيدِ والِاقْتِداءِ بِالآباءِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ والمَعْنى: أنَّ مِثْلَ ما فَصَّلْنا وبَيَّنّا في هَذِهِ الآيَةِ، بَيَّنّا سائِرَ الآياتِ لِيَتَدَبَّرُوها فَيَرْجِعُوا إلى الحَقِّ، ويُعْرِضُوا عَنِ الباطِلِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ وقِيلَ: أيْ ما أخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ في التَّوْحِيدِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ؛ وهو أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الأبْدانِ، والإقْرارَ بِوُجُودِ الإلَهِ مِن لَوازِمِ ذَواتِها وحَقائِقِها، وهَذا العِلْمُ لَيْسَ يَحْتاجُ في تَحْصِيلِهِ إلى كَسْبٍ وطَلَبٍ، وهَذا البَحْثُ إنَّما يَنْكَشِفُ تَمامَ الِانْكِشافِ بِأبْحاثٍ عَقْلِيَّةٍ غامِضَةٍ، لا يُمْكِنُ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:173
صفحة ٣٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ تَوابِعِها عَلى أقْصى الوُجُوهِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَجْرِي مَجْرى تَقْرِيرِ الحُجَّةِ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ الأثَرِ ما رَوى مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ الجُهَنِيُّ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْها فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: إنَّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلَهُ اللَّهُ النّارَ» .
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِن ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ مِن ذُرِّيَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّهَ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِ آدَمَ اليُمْنى فَخَرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةٌ بَيْضاءُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ تَتَحَرَّكُ، ثُمَّ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى، فَخَرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةٌ سَوْداءُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقالَ يا آدَمُ هَؤُلاءِ ذُرِّيَّتُكَ.
ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ فَقالَ لِلْبِيضِ هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ بِرَحْمَتِي وهم أصْحابُ اليَمِينِ، وقالَ لِلسُّودِ هَؤُلاءِ في النّارِ ولا أُبالِي وهم أصْحابُ المَشْأمَةِ، ثُمَّ أعادَهم جَمِيعًا في صُلْبِ آدَمَ، فَأهْلُ القَبُولِ مَحْبُوسُونَ حَتّى يَخْرُجَ أهْلُ المِيثاقِ كُلُّهم مِن أصْلابِ الرِّجالِ، وأرْحامِ النِّساءِ. وقالَ تَعالى فِيمَن نَقَضَ العَهْدَ الأوَّلَ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] وهَذا القَوْلُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن قُدَماءِ المُفَسِّرِينَ كَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، والكَلْبِيِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ أبْصَرَ آدَمَ في ذُرِّيَّتِهِ قَوْمًا لَهم نُورٌ. فَقالَ يا رَبِّ مَن هم ؟ فَقالَ: الأنْبِياءُ، ورَأى واحِدًا هو أشَدُّهم نُورًا فَقالَ مَن هو ؟ قالَ: داوُدُ، قالَ: فَكَمْ عُمْرُهُ ؟ قالَ: سَبْعُونَ سَنَةً قالَ آدَمُ: هو قَلِيلٌ قَدْ وهَبْتُهُ مِن عُمُرِي أرْبَعِينَ سَنَةً، وكانَ عُمُرُ آدَمَ ألْفَ سَنَةٍ، فَلَمّا تَمَّ عُمُرُ آدَمَ تِسْعَمِائَةٍ وسِتِّينَ سَنَةً أتاهُ مَلَكُ المَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقالَ بَقِيَ مِن أجَلِي أرْبَعُونَ سَنَةً، فَقالَ: ألَسْتَ وقَدْ وهَبْتَهُ مِنَ ابْنِكَ داوُدَ ؟ فَقالَ: ما كُنْتُ لِأجْعَلَ لِأحَدٍ مِن أجَلِي شَيْئًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ كُتِبَ لِكُلِّ نَفْسٍ أجَلُها. أمّا المُعْتَزِلَةُ: فَقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا الوَجْهِ. واحْتَجُّوا عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ.
الحُجَّةُ الأُولى لَهم قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَنِي آدَمَ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَ مِن ظَهْرِ آدَمَ شَيْئًا.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ مِن ظَهْرِ آدَمَ شَيْئًا مِنَ الذُّرِّيَّةِ لَما قالَ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ: مِن ظَهْرِهِ، لِأنَّ آدَمَ لَيْسَ لَهُ إلّا ظَهْرٌ واحِدٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:(ذُرِّيَّتَهم) لَوْ كانَ آدَمُ لَقالَ: ذُرِّيَّتَهُ.
صفحة ٤٠
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أُولَئِكَ الذُّرِّيَّةِ أنَّهم قالُوا: ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ وهَذا الكَلامُ يَلِيقُ بِأوْلادِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ مُشْرِكًا.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ أخْذَ المِيثاقِ لا يُمْكِنُ إلّا مِنَ العاقِلِ، فَلَوْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ مِن أُولَئِكَ الذَّرِّ لَكانُوا عُقَلاءَ، ولَوْ كانُوا عُقَلاءَ وأُعْطُوا ذَلِكَ المِيثاقَ حالَ عَقْلِهِمْ لَوَجَبَ أنْ يَتَذَكَّرُوا في هَذا الوَقْتِ أنَّهم أُعْطُوا المِيثاقَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ في هَذا العالَمِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا وقَعَتْ لَهُ واقِعَةٌ عَظِيمَةٌ مَهِيبَةٌ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ مَعَ كَوْنِهِ عاقِلًا أنْ يَنْساها نِسْيانًا كُلِّيًّا لا يَتَذَكَّرُ مِنها شَيْئًا لا بِالقَلِيلِ ولا بِالكَثِيرِ، وبِهَذا الدَّلِيلِ يَبْطُلُ القَوْلُ بِالتَّناسُخِ. فَإنّا نَقُولُ لَوْ كانَتْ أرْواحُنا قَدْ حَصَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ الأجْسادِ في أجْسادٍ أُخْرى؛ لَوَجَبَ أنْ نَتَذَكَّرَ الآنَ أنّا كُنّا قَبْلَ هَذا الجَسَدِ في جَسَدٍ آخَرَ، وحَيْثُ لَمْ نَتَذَكَّرْ ذَلِكَ كانَ القَوْلُ بِالتَّناسُخِ باطِلًا. فَإذا كانَ اعْتِمادُنا في إبْطالِ التَّناسُخِ لَيْسَ إلّا عَلى هَذا الدَّلِيلِ، وهَذا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ قائِمٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وجَبَ القَوْلُ بِمُقْتَضاهُ، فَلَوْ جازَ أنْ يُقالَ إنّا في وقْتِ المِيثاقِ أُعْطِينا العَهْدُ والمِيثاقُ مَعَ أنّا في هَذا الوَقْتِ لا نَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِنهُ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنّا كُنّا قَبْلَ هَذا البَدَنِ في بَدَنٍ آخَرَ مَعَ أنّا في هَذا البَدَنِ لا نَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأحْوالِ. وبِالجُمْلَةِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ هَذا القَوْلِ وبَيْنَ مَذْهَبِ أهْلِ التَّناسُخِ، فَإنْ لَمْ يَبْعُدِ التِزامُ هَذا القَوْلِ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا التِزامُ مَذْهَبِ التَّناسُخِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ مِن أوْلادِ آدَمَ عَدَدٌ عَظِيمٌ وكَثْرَةٌ كَثِيرَةٌ، فالمَجْمُوعُ الحاصِلُ مِن تِلْكَ الذُّرِّيّاتِ يَبْلُغُ مَبْلَغًا عَظِيمًا في الحَجْمِيَّةِ والمِقْدارِ، وصُلْبُ آدَمَ عَلى صِغَرِهِ يَبْعُدُ أنْ يَتَّسِعَ لِذَلِكَ المَجْمُوعِ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّ البِنْيَةَ شَرْطٌ لِحُصُولِ الحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ الهَباءِ أنْ يَكُونَ عاقِلًا فاهِمًا مُصَنِّفًا لِلتَّصانِيفِ الكَثِيرَةِ في العُلُومِ الدَّقِيقَةِ. وفَتْحُ هَذا البابِ يُفْضِي إلى التِزامِ الجَهالاتِ. وإذا ثَبَتَ أنَّ البِنْيَةَ شَرْطٌ لِحُصُولِ الحَياةِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الذَّرّاتِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عالِمًا فاهِمًا عاقِلًا؛ إلّا إذا حَصَلَتْ لَهُ قُدْرَةٌ مِنَ البِنْيَةِ واللَّحْمِيَّةِ والدَّمِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمَجْمُوعُ تِلْكَ الأشْخاصِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى الوُجُودِ مَن أوَّلِ تَخْلِيقِ آدَمَ إلى آخِرِ قِيامِ القِيامَةِ لا تَحْوِيهِمْ عَرْصَةُ الدُّنْيا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّهم بِأسْرِهِمْ حَصَلُوا دُفْعَةً واحِدَةً في صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ؟
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قالُوا هَذا المِيثاقُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَهُ اللَّهُ مِنهم في ذَلِكَ الوَقْتِ لِيَصِيرَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ لِيَصِيرَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ عِنْدَ دُخُولِهِمْ في دارِ الدُّنْيا. والأوَّلُ باطِلٌ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ المِيثاقِ لا يَصِيرُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوابِ والعِقابِ والمَدْحِ والذَّمِّ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ مِنهُ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ عِنْدَ دُخُولِهِمْ في دارِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ المِيثاقَ في الدُّنْيا فَكَيْفَ يَصِيرُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في التَّمَسُّكِ بِالإيمانِ ؟
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ حالَ أُولَئِكَ الذُّرِّيَّةِ لا يَكُونُ أعْلى في الفَهْمِ والعِلْمِ مِن حالِ الأطْفالِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ تَوْجِيهُ التَّكْلِيفِ عَلى الطِّفْلِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ عَلى أُولَئِكَ الذَّواتِ ؟
وأجابَ الزَّجّاجُ عَنْهُ فَقالَ: لَمّا لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ النَّمْلَ العَقْلَ كَما قالَ: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ﴾ [النمل: ١٨] وأنْ يُعْطِيَ الجَبَلَ الفَهْمَ حَتّى يُسَبِّحَ كَما قالَ: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وكَما أعْطى اللَّهُ العَقْلَ لِلْبَعِيرِ حَتّى سَجَدَ لِلرَّسُولِ، ولِلنَّخْلَةِ حَتّى سَمِعَتْ وانْقادَتْ حِينَ دُعِيَتْ فَكَذا هَهُنا.
صفحة ٤١
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: أنَّ أُولَئِكَ الذَّرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ إمّا أنْ يَكُونُوا كامِلِي العُقُولِ والقَدْرِ أوْ ما كانُوا كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانُوا مُكَلَّفِينَ لا مَحالَةَ وإنَّما يَبْقُونَ مُكَلَّفِينَ إذا عَرَفُوا اللَّهَ بِالِاسْتِدْلالِ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ لَما امْتازَتْ أحْوالُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ عَنْ أحْوالِهِمْ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا، فَلَوِ افْتَقَرَ التَّكْلِيفُ في الدُّنْيا إلى سَبْقِ ذَلِكَ المِيثاقِ لافْتَقَرَ التَّكْلِيفُ في وقْتِ ذَلِكَ المِيثاقِ إلى سَبْقِ مِيثاقٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. وأمّا الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّهم في وقْتِ ذَلِكَ المِيثاقِ ما كانُوا كامِلِي العُقُولِ ولا كامِلِي القَدْرِ، فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ تَوْجِيهُ الخِطابِ والتَّكْلِيفُ عَلَيْهِمْ.
الحُجَّةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٥ - ٦] ولَوْ كانَتْ تِلْكَ الذَّرّاتُ عُقَلاءَ فاهِمِينَ كامِلِينَ، لَكانُوا مَوْجُودِينَ قَبْلَ هَذا الماءِ الدّافِقِ، ولا مَعْنى لِلْإنْسانِ إلّا ذَلِكَ الشَّيْءُ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الإنْسانُ مَخْلُوقًا مِنَ الماءِ الدّافِقِ وذَلِكَ رَدٌّ لِنَصِّ القُرْآنِ.
فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ كامِلَ العَقْلِ والفَهْمِ عِنْدَ المِيثاقِ ثُمَّ أزالَ عَقْلَهُ وفَهْمَهُ وقُدْرَتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ خَلَقَهُ مَرَّةً أُخْرى في رَحِمِ الأُمِّ وأخْرَجَهُ إلى هَذِهِ الحَياةِ ؟ .
قُلْنا: هَذا باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ خَلَقَهُ مِنَ النُّطْفَةِ خَلْقًا عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ خَلْقًا عَلى سَبِيلِ الإعادَةِ. وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ خَلْقَهُ مِنَ النُّطْفَةِ هو الخَلْقُ المُبْتَدَأُ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ باطِلٌ.
الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: هي أنَّ تِلْكَ الذَّرّاتِ إمّا أنْ يُقالَ هي عَيْنُ هَؤُلاءِ النّاسِ أوْ غَيْرِهِمْ، والقَوْلُ الثّانِي باطِلٌ بِالإجْماعِ، بَقِيَ القَوْلُ الأوَّلُ. فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهم بَقُوا فُهَماءَ عُقَلاءَ قادِرِينَ حالَ ما كانُوا نُطْفَةً وعَلَقَةً ومُضْغَةً أوْ ما بَقُوا كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ، والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يُقالَ الإنْسانُ حَصَلَ لَهُ الحَياةُ أرْبَعَ مَرّاتٍ: أوَّلُها وقْتَ المِيثاقِ، وثانِيها في الدُّنْيا، وثالِثُها في القَبْرِ، ورابِعُها في القِيامَةِ. وأنَّهُ حَصَلَ لَهُ المَوْتُ ثَلاثَ مَرّاتٍ. مَوْتٌ بَعْدَ الحَياةِ الحاصِلَةِ في المِيثاقِ الأوَّلِ، ومَوْتٌ في الدُّنْيا، ومَوْتٌ في القَبْرِ، وهَذا العَدَدُ مُخالِفٌ لِلْعَدَدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] .
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] فَلَوْ كانَ القَوْلُ بِهَذا الذَّرِّ صَحِيحًا لَكانَ ذَلِكَ الذَّرُّ هو الإنْسانُ؛ لِأنَّهُ هو المُكَلَّفُ المُخاطَبُ المُثابُ المُعاقَبُ، وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الذَّرَّ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنَ النُّطْفَةِ، والعَلَقَةِ، والمُضْغَةِ، ونَصُّ الكِتابِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٧ - ١٩] فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في بَيانِ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُ أصْحابِ النَّظَرِ وأرْبابِ المَعْقُولاتِ: إنَّهُ تَعالى أخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ وهُمُ الأوْلادُ مِن أصْلابِ آبائِهِمْ، وذَلِكَ الإخْراجُ أنَّهم كانُوا نُطْفَةً فَأخْرَجَها اللَّهُ تَعالى في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، وجَعَلَها عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ جَعَلَهم بَشَرًا سَوِيًّا، وخَلْقًا كامِلًا، ثُمَّ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما رَكَّبَ فِيهِمْ مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ، وعَجائِبِ خَلْقِهِ، وغَرائِبِ صُنْعِهِ. فَبِالإشْهادِ صارُوا كَأنَّهم قالُوا بَلى، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ بِاللِّسانِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]
صفحة ٤٢
ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وقَوْلُ العَرَبِ:
قالَ الجِدارُ لِلْوَتِدِ لِمَ تَشُقُّنِي قالَ سَلْ مَن يَدُقُّنِي
فَإنَّ الَّذِي ورايِي ∗∗∗ ما خَلّانِي ورايِي
وقالَ الشّاعِرُ:
امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي
فَهَذا النَّوْعُ مِنَ المَجازِ والِاسْتِعارَةِ مَشْهُورٌ في الكَلامِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ، فَهَذا هو الكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، وهَذا القَوْلُ الثّانِي لا طَعْنَ فِيهِ البَتَّةَ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ هَذا القَوْلُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُنافِيًا لِصِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ؛ إنَّما الكَلامُ في أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ هَلْ يَصِحُّ أمْ لا ؟
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما المُخْتارُ عِنْدَكم فِيهِ ؟
قُلْنا: هَهُنا مَقامانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ القَوْلُ بِأخْذِ المِيثاقِ عَنِ الذَّرِّ ؟
والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ القَوْلُ بِهِ، فَهَلْ يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَفْسِيرًا لِألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ؟
أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فالمُنْكِرُونَ لَهُ قَدْ تَمَسَّكُوا بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها وقَرَّرْناها، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِوَجْهٍ مُقْنِعٍ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ مِنَ الوُجُوهِ العَقْلِيَّةِ المَذْكُورَةِ: وهو أنَّهُ لَوْ صَحَّ القَوْلُ بِأخْذِ هَذا المِيثاقِ لَوَجَبَ أنْ نَتَذَكَّرَهُ الآنَ.
قُلْنا: خالِقُ العِلْمِ بِحُصُولِ الأحْوالِ الماضِيَةِ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ هَذِهِ العُلُومَ عَقْلِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ. والعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ خالِقُها هو اللَّهُ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ صَحَّ مِنهُ تَعالى أنْ يَخْلُقَها.
فَإنْ قالُوا: فَإذا جَوَّزْتُمْ هَذا، فَجَوِّزُوا أنْ يُقالَ: إنّا قَبْلَ هَذا البَدَنِ كُنّا في أبْدانٍ أُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّناسُخِ، وإنْ كُنّا لا نَتَذَكَّرُ الآنَ أحْوالَ تِلْكَ الأبْدانِ !
قُلْنا: الفَرْقُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنّا إذا كُنّا في أبْدانٍ أُخْرى، وبَقِينا فِيها سِنِينَ ودُهُورًا، امْتَنَعَ في مَجْرى العادَةِ نِسْيانُها، أمّا أخْذُ هَذا المِيثاقِ إنَّما حَصَلَ في أسْرَعِ زَمانٍ، وأقَلِّ وقْتٍ، فَلَمْ يَبْعُدْ حُصُولُ النِّسْيانِ فِيهِ، والفَرْقُ الظّاهِرُ حاكِمٌ بِصِحَّةِ هَذا الفَرْقِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا بَقِيَ عَلى العَمَلِ الواحِدِ سِنِينَ كَثِيرَةً يَمْتَنِعُ أنْ يَنْساهُ، أمّا إذا مارَسَ العَمَلَ الواحِدَ لَحْظَةً واحِدَةً فَقَدْ يَنْساهُ، فَقَدْ ظَهَرَ الفَرْقُ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: مَجْمُوعُ تِلْكَ الذَّرّاتِ يَمْتَنِعُ حُصُولُها بِأسْرِها في ظَهْرِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قُلْنا: عِنْدَنا البِنْيَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا لِحُصُولِ الحَياةِ، والجَوْهَرُ الفَرْدُ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ قابِلٌ لِلْحَياةِ والعَقْلِ، فَإذا جَعَلْنا كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الذَّرّاتِ جَوْهَرًا فَرْدًا، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ظَهْرَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَتَّسِعُ لِمَجْمُوعِها ؟ إلّا أنَّ هَذا الجَوابَ لا يَتِمُّ إلّا إذا قُلْنا: الإنْسانُ جَوْهَرٌ فَرْدٌ، وجُزْءٌ لا يَتَجَزَّأُ في البَدَنِ. عَلى ما هو مَذْهَبُ بَعْضِ القُدَماءِ، وأمّا إذا قُلْنا: الإنْسانُ هو النَّفْسُ النّاطِقَةُ، وإنَّهُ جَوْهَرٌ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ، ولا حالَ في المُتَحَيِّزِ، فالسُّؤالُ زائِلٌ.
صفحة ٤٣
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: فائِدَةُ أخْذِ المِيثاقِ هي أنْ تَكُونَ حُجَّةً في ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ في الحَياةِ الدُّنْيا.
فَجَوابُنا أنْ نَقُولَ: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وأيْضًا ألَيْسَ أنَّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ إذا أرادُوا تَصْحِيحَ القَوْلِ بِوَزْنِ الأعْمالِ، وإنْطاقِ الجَوارِحِ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِبَعْضِ المُكَلَّفِينَ في إسْماعِ هَذِهِ الأشْياءِ لُطْفٌ ؟ فَكَذا هَهُنا لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِبَعْضِ المَلائِكَةِ في تَمْيِيزِ السُّعَداءِ مِنَ الأشْقِياءِ في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ لُطْفٌ. وقِيلَ أيْضًا إنَّ اللَّهَ تَعالى يُذَكِّرُهم ذَلِكَ المِيثاقَ يَوْمَ القِيامَةِ، وبَقِيَّةُ الوُجُوهِ ضَعِيفَةٌ والكَلامُ عَلَيْها سَهْلٌ هَيِّنٌ.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ القَوْلُ بِأخْذِ المِيثاقِ مِنَ الذَّرِّ. فَهَلْ يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَفْسِيرًا لِألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَنَقُولُ: الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ أوَّلًا دافِعَةٌ لِذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنهُ، وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ، وأيْضًا لَوْ كانَتْ هَذِهِ الذُّرِّيَّةُ مَأْخُوذَةً مَن ظَهْرِ آدَمَ لَقالَ: مِن ظَهْرِهِ ذُرِّيَّتَهُ ولَمْ يَقُلْ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم. أجابَ النّاصِرُونَ لِذَلِكَ القَوْلِ: بِأنَّهُ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا الوَجْهِ، والطَّعْنُ في تَفْسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ. فَنَقُولُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ الذَّرَّ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ أنَّ الشَّخْصَ الفُلانِيَّ يَتَوَلَّدُ مِنهُ فُلانٌ، وذَلِكَ الفُلانُ فُلانٌ آخَرُ، فَعَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي عُلِمَ دُخُولُهم في الوُجُودِ يُخْرِجُهم ويُمَيِّزُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وأمّا أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ كُلَّ تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ مِن صُلْبِ آدَمَ، فَلَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، ولَيْسَ في الآيَةِ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ، إلّا أنَّ الخَبَرَ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ إخْراجُ الذُّرِّيَّةِ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ بِالقُرْآنِ، وثَبَتَ إخْراجُ الذُّرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ آدَمَ بِالخَبَرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ولا مُدافَعَةَ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِما مَعًا صَوْنًا لِلْآيَةِ، والخَبَرُ عَنِ الطَّعْنِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، فَهَذا مُنْتَهى الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا المَقامِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عُمَرَ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ بِالألْفِ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ(ذُرِّيَّتَهم) عَلى الواحِدِ. قالَ الواحِدِيُّ: الذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، فَمَن أفْرَدَ فَإنَّهُ قَدِ اسْتَغْنى عَنْ جَمْعِهِ وبِوُقُوعِهِ عَلى الجَمْعِ فَصارَ كالبَشَرِ فَإنَّهُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ [يُوسُفَ: ٣١] وعَلى الجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [إبْراهِيمَ: ١٠] وكَما لَمْ يُجْمَعْ بَشَرٌ بِتَصْحِيحٍ ولا تَكْسِيرٍ كَذَلِكَ لا يُجْمَعُ الذُّرِّيَّةُ، ومَن جَمَعَ قالَ: إنَّ الذُّرِّيَّةَ وإنْ كانَ واحِدًا فَلا إشْكالَ في جَوازِ الجَمْعِ فِيهِ، وإنْ كانَ جَمْعًا فَجَمْعُهُ أيْضًا حَسُنٌ؛ لِأنَّكَ قَدْ رَأيْتَ الجُمُوعَ المُكَسَّرَةَ قَدْ جُمِعَتْ، نَحْوَ الطُّرُقاتِ والجَدَراتِ، وهو اخْتِيارُ يُونُسَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ فَنَقُولُ: أمّا عَلى قَوْلِ مَن أثْبَتَ المِيثاقَ الأوَّلَ فَكُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ مَحْمُولَةٌ عَلى ظَواهِرِها، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن أنْكَرَهُ قالَ: إنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى التَّمْثِيلِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى نَصَبَ لَهُمُ الأدِلَّةَ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ، وشَهِدَتْ بِها عُقُولُهم، فَصارَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى ما إذا أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِنا وإقْرارِنا بِوَحْدانِيَّتِهِ، أمّا قَوْلُهُ:(شَهِدْنا) فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا قالُوا:(بَلى) قالَ اللَّهُ لِلْمَلائِكَةِ اشْهَدُوا، فَقالُوا شَهِدْنا، وعَلى هَذا القَوْلِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا بَلى﴾ لِأنَّ كَلامَ الذُّرِّيَّةِ قَدِ انْقَطَعَ هَهُنا. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ تَقْرِيرُهُ: أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا شَهِدْنا عَلَيْهِمْ بِالإقْرارِ، لِئَلّا يَقُولُوا ما
صفحة ٤٤
أقْرَرْنا، فَأسْقَطَ كَلِمَةَ ”لا“ كَما قالَ: ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] يُرِيدُ لِئَلّا تَمِيدَ بِكم، هَذا قَوْلُ الكُوفِيِّينَ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ تَقْدِيرُهُ: شَهِدْنا كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ:(شَهِدْنا) مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الذُّرِّيَّةِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِكَذا وكَذا، لِئَلّا يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ أوْ كَراهِيَةَ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يَجُوزُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ:(شَهِدْنا)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ:(أنْ يَقُولُوا) مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وهو قَوْلُهُ:(وأشْهَدَهم) فَلَمْ يَجُزْ قَطْعُهُ مِنهُ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ:(أنْ يَقُولُوا) أوْ تَقُولُوا: فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ عَلى الغَيْبَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾،﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ لِئَلّا يَقُولُوا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى في الكَلامِ خِطابٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ وكِلا الوَجْهَيْنِ حَسَنٌ، لِأنَّ الغائِبِينَ هُمُ المُخاطَبُونَ في المَعْنى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الإشْهادِ: أنْ لا يَقُولَ الكُفّارُ إنَّما أشْرَكْنا؛ لِأنَّ آباءَنا أشْرَكُوا، فَقَلَّدْناهم في ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ والحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ امْتَنَعَ عَلَيْهِمُ التَّمَسُّكُ بِهَذا القَدْرِ. وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُجَرَّدُ نَصْبِ الدَّلائِلِ. قالُوا: مَعْنى الآيَةِ أنّا نَصَبْنا هَذِهِ الدَّلائِلَ، وأظْهَرْناها لِلْعُقُولِ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ فَما نَبَّهَنا عَلَيْهِ مُنَبِّهٌ، أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا إنَّما أشْرَكْنا عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ لِأسْلافِنا، لِأنَّ نَصْبَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ قائِمٌ مَعَهم، فَلا عُذْرَ لَهم في الإعْراضِ عَنْهُ، والإقْبالِ عَلى التَّقْلِيدِ والِاقْتِداءِ بِالآباءِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ والمَعْنى: أنَّ مِثْلَ ما فَصَّلْنا وبَيَّنّا في هَذِهِ الآيَةِ، بَيَّنّا سائِرَ الآياتِ لِيَتَدَبَّرُوها فَيَرْجِعُوا إلى الحَقِّ، ويُعْرِضُوا عَنِ الباطِلِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ وقِيلَ: أيْ ما أخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ في التَّوْحِيدِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ؛ وهو أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الأبْدانِ، والإقْرارَ بِوُجُودِ الإلَهِ مِن لَوازِمِ ذَواتِها وحَقائِقِها، وهَذا العِلْمُ لَيْسَ يَحْتاجُ في تَحْصِيلِهِ إلى كَسْبٍ وطَلَبٍ، وهَذا البَحْثُ إنَّما يَنْكَشِفُ تَمامَ الِانْكِشافِ بِأبْحاثٍ عَقْلِيَّةٍ غامِضَةٍ، لا يُمْكِنُ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:174
صفحة ٣٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ تَوابِعِها عَلى أقْصى الوُجُوهِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَجْرِي مَجْرى تَقْرِيرِ الحُجَّةِ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ الأثَرِ ما رَوى مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ الجُهَنِيُّ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْها فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: إنَّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلَهُ اللَّهُ النّارَ» .
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِن ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ مِن ذُرِّيَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّهَ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِ آدَمَ اليُمْنى فَخَرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةٌ بَيْضاءُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ تَتَحَرَّكُ، ثُمَّ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى، فَخَرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةٌ سَوْداءُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقالَ يا آدَمُ هَؤُلاءِ ذُرِّيَّتُكَ.
ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ فَقالَ لِلْبِيضِ هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ بِرَحْمَتِي وهم أصْحابُ اليَمِينِ، وقالَ لِلسُّودِ هَؤُلاءِ في النّارِ ولا أُبالِي وهم أصْحابُ المَشْأمَةِ، ثُمَّ أعادَهم جَمِيعًا في صُلْبِ آدَمَ، فَأهْلُ القَبُولِ مَحْبُوسُونَ حَتّى يَخْرُجَ أهْلُ المِيثاقِ كُلُّهم مِن أصْلابِ الرِّجالِ، وأرْحامِ النِّساءِ. وقالَ تَعالى فِيمَن نَقَضَ العَهْدَ الأوَّلَ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] وهَذا القَوْلُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن قُدَماءِ المُفَسِّرِينَ كَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، والكَلْبِيِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ أبْصَرَ آدَمَ في ذُرِّيَّتِهِ قَوْمًا لَهم نُورٌ. فَقالَ يا رَبِّ مَن هم ؟ فَقالَ: الأنْبِياءُ، ورَأى واحِدًا هو أشَدُّهم نُورًا فَقالَ مَن هو ؟ قالَ: داوُدُ، قالَ: فَكَمْ عُمْرُهُ ؟ قالَ: سَبْعُونَ سَنَةً قالَ آدَمُ: هو قَلِيلٌ قَدْ وهَبْتُهُ مِن عُمُرِي أرْبَعِينَ سَنَةً، وكانَ عُمُرُ آدَمَ ألْفَ سَنَةٍ، فَلَمّا تَمَّ عُمُرُ آدَمَ تِسْعَمِائَةٍ وسِتِّينَ سَنَةً أتاهُ مَلَكُ المَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقالَ بَقِيَ مِن أجَلِي أرْبَعُونَ سَنَةً، فَقالَ: ألَسْتَ وقَدْ وهَبْتَهُ مِنَ ابْنِكَ داوُدَ ؟ فَقالَ: ما كُنْتُ لِأجْعَلَ لِأحَدٍ مِن أجَلِي شَيْئًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ كُتِبَ لِكُلِّ نَفْسٍ أجَلُها. أمّا المُعْتَزِلَةُ: فَقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا الوَجْهِ. واحْتَجُّوا عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ.
الحُجَّةُ الأُولى لَهم قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَنِي آدَمَ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَ مِن ظَهْرِ آدَمَ شَيْئًا.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ مِن ظَهْرِ آدَمَ شَيْئًا مِنَ الذُّرِّيَّةِ لَما قالَ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ: مِن ظَهْرِهِ، لِأنَّ آدَمَ لَيْسَ لَهُ إلّا ظَهْرٌ واحِدٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:(ذُرِّيَّتَهم) لَوْ كانَ آدَمُ لَقالَ: ذُرِّيَّتَهُ.
صفحة ٤٠
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أُولَئِكَ الذُّرِّيَّةِ أنَّهم قالُوا: ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ وهَذا الكَلامُ يَلِيقُ بِأوْلادِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ مُشْرِكًا.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ أخْذَ المِيثاقِ لا يُمْكِنُ إلّا مِنَ العاقِلِ، فَلَوْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ مِن أُولَئِكَ الذَّرِّ لَكانُوا عُقَلاءَ، ولَوْ كانُوا عُقَلاءَ وأُعْطُوا ذَلِكَ المِيثاقَ حالَ عَقْلِهِمْ لَوَجَبَ أنْ يَتَذَكَّرُوا في هَذا الوَقْتِ أنَّهم أُعْطُوا المِيثاقَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ في هَذا العالَمِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا وقَعَتْ لَهُ واقِعَةٌ عَظِيمَةٌ مَهِيبَةٌ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ مَعَ كَوْنِهِ عاقِلًا أنْ يَنْساها نِسْيانًا كُلِّيًّا لا يَتَذَكَّرُ مِنها شَيْئًا لا بِالقَلِيلِ ولا بِالكَثِيرِ، وبِهَذا الدَّلِيلِ يَبْطُلُ القَوْلُ بِالتَّناسُخِ. فَإنّا نَقُولُ لَوْ كانَتْ أرْواحُنا قَدْ حَصَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ الأجْسادِ في أجْسادٍ أُخْرى؛ لَوَجَبَ أنْ نَتَذَكَّرَ الآنَ أنّا كُنّا قَبْلَ هَذا الجَسَدِ في جَسَدٍ آخَرَ، وحَيْثُ لَمْ نَتَذَكَّرْ ذَلِكَ كانَ القَوْلُ بِالتَّناسُخِ باطِلًا. فَإذا كانَ اعْتِمادُنا في إبْطالِ التَّناسُخِ لَيْسَ إلّا عَلى هَذا الدَّلِيلِ، وهَذا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ قائِمٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وجَبَ القَوْلُ بِمُقْتَضاهُ، فَلَوْ جازَ أنْ يُقالَ إنّا في وقْتِ المِيثاقِ أُعْطِينا العَهْدُ والمِيثاقُ مَعَ أنّا في هَذا الوَقْتِ لا نَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِنهُ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنّا كُنّا قَبْلَ هَذا البَدَنِ في بَدَنٍ آخَرَ مَعَ أنّا في هَذا البَدَنِ لا نَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأحْوالِ. وبِالجُمْلَةِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ هَذا القَوْلِ وبَيْنَ مَذْهَبِ أهْلِ التَّناسُخِ، فَإنْ لَمْ يَبْعُدِ التِزامُ هَذا القَوْلِ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا التِزامُ مَذْهَبِ التَّناسُخِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ مِن أوْلادِ آدَمَ عَدَدٌ عَظِيمٌ وكَثْرَةٌ كَثِيرَةٌ، فالمَجْمُوعُ الحاصِلُ مِن تِلْكَ الذُّرِّيّاتِ يَبْلُغُ مَبْلَغًا عَظِيمًا في الحَجْمِيَّةِ والمِقْدارِ، وصُلْبُ آدَمَ عَلى صِغَرِهِ يَبْعُدُ أنْ يَتَّسِعَ لِذَلِكَ المَجْمُوعِ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّ البِنْيَةَ شَرْطٌ لِحُصُولِ الحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ الهَباءِ أنْ يَكُونَ عاقِلًا فاهِمًا مُصَنِّفًا لِلتَّصانِيفِ الكَثِيرَةِ في العُلُومِ الدَّقِيقَةِ. وفَتْحُ هَذا البابِ يُفْضِي إلى التِزامِ الجَهالاتِ. وإذا ثَبَتَ أنَّ البِنْيَةَ شَرْطٌ لِحُصُولِ الحَياةِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الذَّرّاتِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عالِمًا فاهِمًا عاقِلًا؛ إلّا إذا حَصَلَتْ لَهُ قُدْرَةٌ مِنَ البِنْيَةِ واللَّحْمِيَّةِ والدَّمِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمَجْمُوعُ تِلْكَ الأشْخاصِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى الوُجُودِ مَن أوَّلِ تَخْلِيقِ آدَمَ إلى آخِرِ قِيامِ القِيامَةِ لا تَحْوِيهِمْ عَرْصَةُ الدُّنْيا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّهم بِأسْرِهِمْ حَصَلُوا دُفْعَةً واحِدَةً في صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ؟
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قالُوا هَذا المِيثاقُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أخَذَهُ اللَّهُ مِنهم في ذَلِكَ الوَقْتِ لِيَصِيرَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ لِيَصِيرَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ عِنْدَ دُخُولِهِمْ في دارِ الدُّنْيا. والأوَّلُ باطِلٌ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ المِيثاقِ لا يَصِيرُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوابِ والعِقابِ والمَدْحِ والذَّمِّ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ مِنهُ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ عِنْدَ دُخُولِهِمْ في دارِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ المِيثاقَ في الدُّنْيا فَكَيْفَ يَصِيرُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في التَّمَسُّكِ بِالإيمانِ ؟
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّ حالَ أُولَئِكَ الذُّرِّيَّةِ لا يَكُونُ أعْلى في الفَهْمِ والعِلْمِ مِن حالِ الأطْفالِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ تَوْجِيهُ التَّكْلِيفِ عَلى الطِّفْلِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ عَلى أُولَئِكَ الذَّواتِ ؟
وأجابَ الزَّجّاجُ عَنْهُ فَقالَ: لَمّا لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ النَّمْلَ العَقْلَ كَما قالَ: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ﴾ [النمل: ١٨] وأنْ يُعْطِيَ الجَبَلَ الفَهْمَ حَتّى يُسَبِّحَ كَما قالَ: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وكَما أعْطى اللَّهُ العَقْلَ لِلْبَعِيرِ حَتّى سَجَدَ لِلرَّسُولِ، ولِلنَّخْلَةِ حَتّى سَمِعَتْ وانْقادَتْ حِينَ دُعِيَتْ فَكَذا هَهُنا.
صفحة ٤١
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: أنَّ أُولَئِكَ الذَّرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ إمّا أنْ يَكُونُوا كامِلِي العُقُولِ والقَدْرِ أوْ ما كانُوا كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانُوا مُكَلَّفِينَ لا مَحالَةَ وإنَّما يَبْقُونَ مُكَلَّفِينَ إذا عَرَفُوا اللَّهَ بِالِاسْتِدْلالِ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ لَما امْتازَتْ أحْوالُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ عَنْ أحْوالِهِمْ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا، فَلَوِ افْتَقَرَ التَّكْلِيفُ في الدُّنْيا إلى سَبْقِ ذَلِكَ المِيثاقِ لافْتَقَرَ التَّكْلِيفُ في وقْتِ ذَلِكَ المِيثاقِ إلى سَبْقِ مِيثاقٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. وأمّا الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ إنَّهم في وقْتِ ذَلِكَ المِيثاقِ ما كانُوا كامِلِي العُقُولِ ولا كامِلِي القَدْرِ، فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ تَوْجِيهُ الخِطابِ والتَّكْلِيفُ عَلَيْهِمْ.
الحُجَّةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٥ - ٦] ولَوْ كانَتْ تِلْكَ الذَّرّاتُ عُقَلاءَ فاهِمِينَ كامِلِينَ، لَكانُوا مَوْجُودِينَ قَبْلَ هَذا الماءِ الدّافِقِ، ولا مَعْنى لِلْإنْسانِ إلّا ذَلِكَ الشَّيْءُ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الإنْسانُ مَخْلُوقًا مِنَ الماءِ الدّافِقِ وذَلِكَ رَدٌّ لِنَصِّ القُرْآنِ.
فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ كامِلَ العَقْلِ والفَهْمِ عِنْدَ المِيثاقِ ثُمَّ أزالَ عَقْلَهُ وفَهْمَهُ وقُدْرَتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ خَلَقَهُ مَرَّةً أُخْرى في رَحِمِ الأُمِّ وأخْرَجَهُ إلى هَذِهِ الحَياةِ ؟ .
قُلْنا: هَذا باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ خَلَقَهُ مِنَ النُّطْفَةِ خَلْقًا عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ خَلْقًا عَلى سَبِيلِ الإعادَةِ. وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ خَلْقَهُ مِنَ النُّطْفَةِ هو الخَلْقُ المُبْتَدَأُ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ باطِلٌ.
الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: هي أنَّ تِلْكَ الذَّرّاتِ إمّا أنْ يُقالَ هي عَيْنُ هَؤُلاءِ النّاسِ أوْ غَيْرِهِمْ، والقَوْلُ الثّانِي باطِلٌ بِالإجْماعِ، بَقِيَ القَوْلُ الأوَّلُ. فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهم بَقُوا فُهَماءَ عُقَلاءَ قادِرِينَ حالَ ما كانُوا نُطْفَةً وعَلَقَةً ومُضْغَةً أوْ ما بَقُوا كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ، والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يُقالَ الإنْسانُ حَصَلَ لَهُ الحَياةُ أرْبَعَ مَرّاتٍ: أوَّلُها وقْتَ المِيثاقِ، وثانِيها في الدُّنْيا، وثالِثُها في القَبْرِ، ورابِعُها في القِيامَةِ. وأنَّهُ حَصَلَ لَهُ المَوْتُ ثَلاثَ مَرّاتٍ. مَوْتٌ بَعْدَ الحَياةِ الحاصِلَةِ في المِيثاقِ الأوَّلِ، ومَوْتٌ في الدُّنْيا، ومَوْتٌ في القَبْرِ، وهَذا العَدَدُ مُخالِفٌ لِلْعَدَدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] .
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] فَلَوْ كانَ القَوْلُ بِهَذا الذَّرِّ صَحِيحًا لَكانَ ذَلِكَ الذَّرُّ هو الإنْسانُ؛ لِأنَّهُ هو المُكَلَّفُ المُخاطَبُ المُثابُ المُعاقَبُ، وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الذَّرَّ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنَ النُّطْفَةِ، والعَلَقَةِ، والمُضْغَةِ، ونَصُّ الكِتابِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٧ - ١٩] فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في بَيانِ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُ أصْحابِ النَّظَرِ وأرْبابِ المَعْقُولاتِ: إنَّهُ تَعالى أخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ وهُمُ الأوْلادُ مِن أصْلابِ آبائِهِمْ، وذَلِكَ الإخْراجُ أنَّهم كانُوا نُطْفَةً فَأخْرَجَها اللَّهُ تَعالى في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، وجَعَلَها عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ جَعَلَهم بَشَرًا سَوِيًّا، وخَلْقًا كامِلًا، ثُمَّ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما رَكَّبَ فِيهِمْ مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ، وعَجائِبِ خَلْقِهِ، وغَرائِبِ صُنْعِهِ. فَبِالإشْهادِ صارُوا كَأنَّهم قالُوا بَلى، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ بِاللِّسانِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]
صفحة ٤٢
ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وقَوْلُ العَرَبِ:
قالَ الجِدارُ لِلْوَتِدِ لِمَ تَشُقُّنِي قالَ سَلْ مَن يَدُقُّنِي
فَإنَّ الَّذِي ورايِي ∗∗∗ ما خَلّانِي ورايِي
وقالَ الشّاعِرُ:
امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي
فَهَذا النَّوْعُ مِنَ المَجازِ والِاسْتِعارَةِ مَشْهُورٌ في الكَلامِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ، فَهَذا هو الكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، وهَذا القَوْلُ الثّانِي لا طَعْنَ فِيهِ البَتَّةَ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ هَذا القَوْلُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُنافِيًا لِصِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ؛ إنَّما الكَلامُ في أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ هَلْ يَصِحُّ أمْ لا ؟
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما المُخْتارُ عِنْدَكم فِيهِ ؟
قُلْنا: هَهُنا مَقامانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ القَوْلُ بِأخْذِ المِيثاقِ عَنِ الذَّرِّ ؟
والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ القَوْلُ بِهِ، فَهَلْ يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَفْسِيرًا لِألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ؟
أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فالمُنْكِرُونَ لَهُ قَدْ تَمَسَّكُوا بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها وقَرَّرْناها، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِوَجْهٍ مُقْنِعٍ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ مِنَ الوُجُوهِ العَقْلِيَّةِ المَذْكُورَةِ: وهو أنَّهُ لَوْ صَحَّ القَوْلُ بِأخْذِ هَذا المِيثاقِ لَوَجَبَ أنْ نَتَذَكَّرَهُ الآنَ.
قُلْنا: خالِقُ العِلْمِ بِحُصُولِ الأحْوالِ الماضِيَةِ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ هَذِهِ العُلُومَ عَقْلِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ. والعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ خالِقُها هو اللَّهُ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ صَحَّ مِنهُ تَعالى أنْ يَخْلُقَها.
فَإنْ قالُوا: فَإذا جَوَّزْتُمْ هَذا، فَجَوِّزُوا أنْ يُقالَ: إنّا قَبْلَ هَذا البَدَنِ كُنّا في أبْدانٍ أُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّناسُخِ، وإنْ كُنّا لا نَتَذَكَّرُ الآنَ أحْوالَ تِلْكَ الأبْدانِ !
قُلْنا: الفَرْقُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنّا إذا كُنّا في أبْدانٍ أُخْرى، وبَقِينا فِيها سِنِينَ ودُهُورًا، امْتَنَعَ في مَجْرى العادَةِ نِسْيانُها، أمّا أخْذُ هَذا المِيثاقِ إنَّما حَصَلَ في أسْرَعِ زَمانٍ، وأقَلِّ وقْتٍ، فَلَمْ يَبْعُدْ حُصُولُ النِّسْيانِ فِيهِ، والفَرْقُ الظّاهِرُ حاكِمٌ بِصِحَّةِ هَذا الفَرْقِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا بَقِيَ عَلى العَمَلِ الواحِدِ سِنِينَ كَثِيرَةً يَمْتَنِعُ أنْ يَنْساهُ، أمّا إذا مارَسَ العَمَلَ الواحِدَ لَحْظَةً واحِدَةً فَقَدْ يَنْساهُ، فَقَدْ ظَهَرَ الفَرْقُ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: مَجْمُوعُ تِلْكَ الذَّرّاتِ يَمْتَنِعُ حُصُولُها بِأسْرِها في ظَهْرِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قُلْنا: عِنْدَنا البِنْيَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا لِحُصُولِ الحَياةِ، والجَوْهَرُ الفَرْدُ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ قابِلٌ لِلْحَياةِ والعَقْلِ، فَإذا جَعَلْنا كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الذَّرّاتِ جَوْهَرًا فَرْدًا، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ظَهْرَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَتَّسِعُ لِمَجْمُوعِها ؟ إلّا أنَّ هَذا الجَوابَ لا يَتِمُّ إلّا إذا قُلْنا: الإنْسانُ جَوْهَرٌ فَرْدٌ، وجُزْءٌ لا يَتَجَزَّأُ في البَدَنِ. عَلى ما هو مَذْهَبُ بَعْضِ القُدَماءِ، وأمّا إذا قُلْنا: الإنْسانُ هو النَّفْسُ النّاطِقَةُ، وإنَّهُ جَوْهَرٌ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ، ولا حالَ في المُتَحَيِّزِ، فالسُّؤالُ زائِلٌ.
صفحة ٤٣
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: فائِدَةُ أخْذِ المِيثاقِ هي أنْ تَكُونَ حُجَّةً في ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ في الحَياةِ الدُّنْيا.
فَجَوابُنا أنْ نَقُولَ: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وأيْضًا ألَيْسَ أنَّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ إذا أرادُوا تَصْحِيحَ القَوْلِ بِوَزْنِ الأعْمالِ، وإنْطاقِ الجَوارِحِ قالُوا: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِبَعْضِ المُكَلَّفِينَ في إسْماعِ هَذِهِ الأشْياءِ لُطْفٌ ؟ فَكَذا هَهُنا لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِبَعْضِ المَلائِكَةِ في تَمْيِيزِ السُّعَداءِ مِنَ الأشْقِياءِ في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ لُطْفٌ. وقِيلَ أيْضًا إنَّ اللَّهَ تَعالى يُذَكِّرُهم ذَلِكَ المِيثاقَ يَوْمَ القِيامَةِ، وبَقِيَّةُ الوُجُوهِ ضَعِيفَةٌ والكَلامُ عَلَيْها سَهْلٌ هَيِّنٌ.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ القَوْلُ بِأخْذِ المِيثاقِ مِنَ الذَّرِّ. فَهَلْ يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَفْسِيرًا لِألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَنَقُولُ: الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ أوَّلًا دافِعَةٌ لِذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنهُ، وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ، وأيْضًا لَوْ كانَتْ هَذِهِ الذُّرِّيَّةُ مَأْخُوذَةً مَن ظَهْرِ آدَمَ لَقالَ: مِن ظَهْرِهِ ذُرِّيَّتَهُ ولَمْ يَقُلْ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم. أجابَ النّاصِرُونَ لِذَلِكَ القَوْلِ: بِأنَّهُ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا الوَجْهِ، والطَّعْنُ في تَفْسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ. فَنَقُولُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ الذَّرَّ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ أنَّ الشَّخْصَ الفُلانِيَّ يَتَوَلَّدُ مِنهُ فُلانٌ، وذَلِكَ الفُلانُ فُلانٌ آخَرُ، فَعَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي عُلِمَ دُخُولُهم في الوُجُودِ يُخْرِجُهم ويُمَيِّزُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، وأمّا أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ كُلَّ تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ مِن صُلْبِ آدَمَ، فَلَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ، ولَيْسَ في الآيَةِ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ، إلّا أنَّ الخَبَرَ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ إخْراجُ الذُّرِّيَّةِ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ بِالقُرْآنِ، وثَبَتَ إخْراجُ الذُّرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ آدَمَ بِالخَبَرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ولا مُدافَعَةَ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِما مَعًا صَوْنًا لِلْآيَةِ، والخَبَرُ عَنِ الطَّعْنِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، فَهَذا مُنْتَهى الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا المَقامِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عُمَرَ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ بِالألْفِ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ(ذُرِّيَّتَهم) عَلى الواحِدِ. قالَ الواحِدِيُّ: الذُّرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، فَمَن أفْرَدَ فَإنَّهُ قَدِ اسْتَغْنى عَنْ جَمْعِهِ وبِوُقُوعِهِ عَلى الجَمْعِ فَصارَ كالبَشَرِ فَإنَّهُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ [يُوسُفَ: ٣١] وعَلى الجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [إبْراهِيمَ: ١٠] وكَما لَمْ يُجْمَعْ بَشَرٌ بِتَصْحِيحٍ ولا تَكْسِيرٍ كَذَلِكَ لا يُجْمَعُ الذُّرِّيَّةُ، ومَن جَمَعَ قالَ: إنَّ الذُّرِّيَّةَ وإنْ كانَ واحِدًا فَلا إشْكالَ في جَوازِ الجَمْعِ فِيهِ، وإنْ كانَ جَمْعًا فَجَمْعُهُ أيْضًا حَسُنٌ؛ لِأنَّكَ قَدْ رَأيْتَ الجُمُوعَ المُكَسَّرَةَ قَدْ جُمِعَتْ، نَحْوَ الطُّرُقاتِ والجَدَراتِ، وهو اخْتِيارُ يُونُسَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ فَنَقُولُ: أمّا عَلى قَوْلِ مَن أثْبَتَ المِيثاقَ الأوَّلَ فَكُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ مَحْمُولَةٌ عَلى ظَواهِرِها، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن أنْكَرَهُ قالَ: إنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى التَّمْثِيلِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى نَصَبَ لَهُمُ الأدِلَّةَ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ، وشَهِدَتْ بِها عُقُولُهم، فَصارَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى ما إذا أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِنا وإقْرارِنا بِوَحْدانِيَّتِهِ، أمّا قَوْلُهُ:(شَهِدْنا) فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا قالُوا:(بَلى) قالَ اللَّهُ لِلْمَلائِكَةِ اشْهَدُوا، فَقالُوا شَهِدْنا، وعَلى هَذا القَوْلِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا بَلى﴾ لِأنَّ كَلامَ الذُّرِّيَّةِ قَدِ انْقَطَعَ هَهُنا. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ تَقْرِيرُهُ: أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا شَهِدْنا عَلَيْهِمْ بِالإقْرارِ، لِئَلّا يَقُولُوا ما
صفحة ٤٤
أقْرَرْنا، فَأسْقَطَ كَلِمَةَ ”لا“ كَما قالَ: ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] يُرِيدُ لِئَلّا تَمِيدَ بِكم، هَذا قَوْلُ الكُوفِيِّينَ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ تَقْدِيرُهُ: شَهِدْنا كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ:(شَهِدْنا) مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الذُّرِّيَّةِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِكَذا وكَذا، لِئَلّا يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ أوْ كَراهِيَةَ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يَجُوزُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ:(شَهِدْنا)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ:(أنْ يَقُولُوا) مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وهو قَوْلُهُ:(وأشْهَدَهم) فَلَمْ يَجُزْ قَطْعُهُ مِنهُ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ:(أنْ يَقُولُوا) أوْ تَقُولُوا: فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ عَلى الغَيْبَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾،﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ لِئَلّا يَقُولُوا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ؛ لِأنَّهُ قَدْ جَرى في الكَلامِ خِطابٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ وكِلا الوَجْهَيْنِ حَسَنٌ، لِأنَّ الغائِبِينَ هُمُ المُخاطَبُونَ في المَعْنى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الإشْهادِ: أنْ لا يَقُولَ الكُفّارُ إنَّما أشْرَكْنا؛ لِأنَّ آباءَنا أشْرَكُوا، فَقَلَّدْناهم في ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ والحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ امْتَنَعَ عَلَيْهِمُ التَّمَسُّكُ بِهَذا القَدْرِ. وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُجَرَّدُ نَصْبِ الدَّلائِلِ. قالُوا: مَعْنى الآيَةِ أنّا نَصَبْنا هَذِهِ الدَّلائِلَ، وأظْهَرْناها لِلْعُقُولِ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ فَما نَبَّهَنا عَلَيْهِ مُنَبِّهٌ، أوْ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا إنَّما أشْرَكْنا عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ لِأسْلافِنا، لِأنَّ نَصْبَ الأدِلَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ قائِمٌ مَعَهم، فَلا عُذْرَ لَهم في الإعْراضِ عَنْهُ، والإقْبالِ عَلى التَّقْلِيدِ والِاقْتِداءِ بِالآباءِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ والمَعْنى: أنَّ مِثْلَ ما فَصَّلْنا وبَيَّنّا في هَذِهِ الآيَةِ، بَيَّنّا سائِرَ الآياتِ لِيَتَدَبَّرُوها فَيَرْجِعُوا إلى الحَقِّ، ويُعْرِضُوا عَنِ الباطِلِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ وقِيلَ: أيْ ما أخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ في التَّوْحِيدِ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ؛ وهو أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الأبْدانِ، والإقْرارَ بِوُجُودِ الإلَهِ مِن لَوازِمِ ذَواتِها وحَقائِقِها، وهَذا العِلْمُ لَيْسَ يَحْتاجُ في تَحْصِيلِهِ إلى كَسْبٍ وطَلَبٍ، وهَذا البَحْثُ إنَّما يَنْكَشِفُ تَمامَ الِانْكِشافِ بِأبْحاثٍ عَقْلِيَّةٍ غامِضَةٍ، لا يُمْكِنُ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:175
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾
صفحة ٤٥
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَلْعَمَ بْنِ باعُوراءَ، وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَصَدَ بَلَدَهُ الَّذِي هو فِيهِ، وغَزا أهْلَهُ وكانُوا كُفّارًا، فَطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ، وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، وعِنْدَهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، فامْتَنَعَ مِنهُ، فَما زالُوا يَطْلُبُونَهُ مِنهُ حَتّى دَعا عَلَيْهِ فاسْتُجِيبَ لَهُ، ووَقَعَ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ في التِّيهِ بِدُعائِهِ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ بِأيِّ ذَنْبٍ وقَعْنا في التِّيهِ ؟ فَقالَ: بِدُعاءِ بَلْعَمَ. فَقالَ: كَما سَمِعْتَ دُعاءَهُ عَلَيَّ، فاسْمَعْ دُعائِي عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعا مُوسى عَلَيْهِ أنْ يَنْزِعَ مِنهُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ والإيمانَ، فَسَلَخَهُ اللَّهُ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ونَزَعَ مِنهُ المَعْرِفَةَ. فَخَرَجَتْ مِن صَدْرِهِ كَحَمامَةٍ بَيْضاءَ، فَهَذِهِ قِصَّتُهُ. ويُقالُ أيْضًا: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، فَلَمّا دَعا عَلَيْهِ مُوسى انْتَزَعَ اللَّهُ مِنهُ الإيمانَ وصارَ كافِرًا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وأبُو رَوْقٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَجا أنْ يَكُونَ هو، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَسَدَهُ، ثُمَّ ماتَ كافِرًا، ولَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ وهو الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: (آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ) يُرِيدُ أنَّ شِعْرَهُ كَشِعْرِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ يُوَحِّدُ اللَّهَ في شِعْرِهِ، ويَذْكُرُ دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وأحْوالِ الآخِرَةِ، والجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي عامِرٍ الرّاهِبِ الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ الفاسِقَ كانَ يَتَرَهَّبُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ خَرَجَ إلى الشّامِ، وأمَرَ المُنافِقِينَ بِاتِّخاذِ مَسْجِدِ ضِرارٍ، وأتى قَيْصَرَ واسْتَنْجَدَهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَماتَ هُناكَ طَرِيدًا وحِيدًا، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ، كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ، عَنِ الحَسَنِ والأصَمِّ، وقِيلَ: هو عامٌّ فِيمَن عُرِضَ عَلَيْهِ الهَدْيُ فَأعْرَضَ عَنْهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي مُسْلِمٍ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ كانَ نَبِيًّا، ثُمَّ صارَ كافِرًا ؟
قُلْنا: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُشَرِّفُ عَبْدًا مِن عَبِيدِهِ بِالرِّسالَةِ، إلّا إذا عَلِمَ امْتِيازَهُ عَنْ سائِرِ العَبِيدِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ، والدَّرَجاتِ العالِيَةِ، والمَناقِبِ العَظِيمَةِ، فَمَن كانَ هَذا حالَهُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ الكُفْرُ ؟
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ يَعْنِي: عَلَّمْناهُ حُجَجَ التَّوْحِيدِ، وفَهَّمْناهُ أدِلَّتَهُ، حَتّى صارَ عالِمًا بِها﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ أيْ خَرَجَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ، ومِن رَحْمَةِ اللَّهِ إلى سُخْطِهِ، ومَعْنى انْسَلَخَ: خَرَجَ مِنها. يُقالُ لِكُلِّ مَن فارَقَ شَيْئًا بِالكُلِّيَّةِ انْسَلَخَ مِنهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ أيْ بَيَّناها فَلَمْ يَقْبَلْ وعَرِيَ مِنها، وسَواءٌ قَوْلُكَ: انْسَلَخَ، وعَرِيَ، وتَباعَدَ، وهَذا يَقَعُ عَلى كُلِّ كافِرٍ لَمْ يُؤْمِن بِالأدِلَّةِ، وأقامَ عَلى الكُفْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧] وقالَ في حَقِّ فِرْعَوْنَ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] وجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا المَوْصُوفُ فِرْعَوْنَ، فَإنَّهُ تَعالى أرْسَلَ إلَيْهِ مُوسى وهارُونَ، فَأعْرَضَ وأبى، وكانَ عادِيًا ضالًّا مُتَّبِعًا لِلشَّيْطانِ.
صفحة ٤٦
واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الفَرْقِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: هو أنَّ هَذا الرَّجُلَ في القَوْلِ الأوَّلِ، كانَ عالِمًا بِدِينِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنهُ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي لَمّا آتاهُ اللَّهُ الدَّلائِلَ والبَيِّناتِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِها، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ قَوْلَهُ انْسَلَخَ مِنها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ فِيها ثُمَّ خَرَجَ مِنها، وأيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في إنْسانٍ كانَ عالِمًا بِدِينِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ خَرَجَ مِنهُ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أتْبَعَهُ الشَّيْطانُ كُفّارَ الإنْسِ وغُواتَهم، أيِ الشَّيْطانُ جَعَلَ كُفّارَ الإنْسِ أتْباعًا لَهُ.
والثّانِي: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ أدْرَكَهُ. يُقالُ: أتْبَعْتُ القَوْمَ. أيْ لَحِقْتُهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ: أتْبَعْتُ القَوْمَ، مِثالُ: أفْعَلْتُ إذا كانُوا قَدْ سَبَقُوكَ فَلَحِقْتَهم. ويُقالُ: ما زِلْتُ أتْبَعُهم حَتّى أتْبَعْتُهم. أيْ حَتّى أدْرَكْتُهم. وقَوْلُهُ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ أيْ أطاعَ الشَّيْطانَ فَكانَ مِنَ الظّالِمِينَ. قالَ أهْلُ المَعانِي: المَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ مَن أُوتِيَ الهُدى، فانْسَلَخَ مِنهُ إلى الضَّلالِ والهَوى والعَمى، ومالَ إلى الدُّنْيا حَتّى تَلاعَبَ بِهِ الشَّيْطانُ، كانَ مُنْتَهاهُ إلى البَوارِ والرَّدى، وخابَ في الآخِرَةِ والأُولى، فَذَكَرَ اللَّهُ قِصَّتَهُ لِيَحْذَرَ النّاسُ عَنْ مِثْلِ حالَتِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ قالَ أصْحابُنا: مَعْناهُ ولَوْ شِئْنا رَفَعْناهُ لِلْعَمَلِ بِها، فَكانَ يَرْفَعُ بِواسِطَةِ تِلْكَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ مَنزِلَتَهُ، ولَفْظَةُ(لَوْ) تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ لا يُرِيدُ الإيمانَ، وقَدْ يُرِيدُ الكُفْرَ.
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَفْظُ الآيَةِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخْرى سِوى هَذا الوَجْهِ:
فالأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ مَعْناهُ: ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِأعْمالِهِ، بِأنْ نُكْرِمَهُ، ونُزِيلَ التَّكْلِيفَ عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ الكُفْرِ حَتّى نُسَلِّمَ لَهُ الرِّفْعَةَ، لَكِنّا رَفَعْناهُ بِزِيادَةِ التَّكْلِيفِ بِمَنزِلَةٍ زائِدَةٍ، فَأبى أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الإيمانِ.
الثّانِي: لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ، بِأنْ نَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ، قَهْرًا وجَبْرًا، إلّا أنَّ ذَلِكَ يُنافِي التَّكْلِيفَ. فَلا جَرَمَ تَرَكْناهُ مَعَ اخْتِيارِهِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ حَمْلَ الرِّفْعَةِ عَلى الأمانَةِ بَعِيدٌ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إذا مَنَعَهُ مِنهُ قَهْرًا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلثَّوابِ والرِّفْعَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ قالَ أصْحابُ العَرَبِيَّةِ: أصْلُ الإخْلادِ اللُّزُومُ عَلى الدَّوامِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: لَزِمَ المَيْلُ إلى الأرْضِ، ومِنهُ يُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ، إذا لَزِمَ الإقامَةَ بِهِ. قالَ مالِكُ بْنُ سُوِيدٍ:
بِأبْناءِ حَيٍّ مِن قَبائِلِ مالِكٍ وعَمْرِو بْنِ يَرْبُوعٍ أقامُوا فَأخْلَدُوا
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ يُرِيدُ مالَ إلى الدُّنْيا، وقالَ مُقاتِلٌ: بِالدُّنْيا، وقالَ الزَّجّاجُ: سَكَنَ إلى الدُّنْيا. قالَ الواحِدِيُّ: فَهَؤُلاءِ فَسَّرُوا الأرْضَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالدُّنْيا، وذَلِكَ لِأنَّ الدُّنْيا هي الأرْضُ، لِأنَّ ما فِيها مِنَ العَقارِ والضِّياعِ وسائِرِ أمْتِعَتِها مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ مُسْتَخْرَجٌ مِنَ الأرْضِ، وإنَّما يَقْوى ويَكْمُلُ بِها، فالدُّنْيا كُلُّها هي الأرْضُ، فَصَحَّ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ الدُّنْيا بِالأرْضِ، ونَقُولُ: لَوْ جاءَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ لَقِيلَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ، ولَكِنّا لَمْ نَشَأْ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى لا جَرَمَ أُقِيمَ مُقامَهُ. قَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ أعْرَضَ عَنِ التَّمَسُّكِ بِما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ واتَّبَعَ الهَوى، فَلا جَرَمَ وقَعَ في هاوِيَةِ الرَّدى، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أشَدِّ الآياتِ عَلى أصْحابِ العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ خَصَّ هَذا
صفحة ٤٧
الرَّجُلَ بِآياتِهِ وبَيِّناتِهِ، وعَلَّمَهُ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وخَصَّهُ بِالدَّعَواتِ المُسْتَجابَةِ، لَمّا اتَّبَعَ الهَوى انْسَلَخَ مِنَ الدِّينِ وصارَ في دَرَجَةِ الكَلْبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ في حَقِّهِ أكْثَرَ، فَإذا أعْرَضَ عَنْ مُتابَعَةِ الهُدى وأقْبَلَ عَلى مُتابَعَةِ الهَوى، كانَ بُعْدُهُ عَنِ اللَّهِ أعْظَمَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «مَنِ ازْدادَ عِلْمًا ولَمْ يَزْدَدْ هُدًى لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: اللَّهْثُ هو أنَّ الكَلْبَ إذا نالَهُ الإعْياءُ عِنْدَ شِدَّةِ العَدْوِ وعِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، فَإنَّهُ يُدْلِعُ لِسانَهُ مِنَ العَطَشِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّمْثِيلَ ما وقَعَ بِجَمِيعِ الكِلابِ، وإنَّما وقَعَ بِالكَلْبِ اللّاهِثِ، وأخَسُّ الحَيَواناتِ هو الكَلْبُ، وأخَسُّ الكِلابِ هو الكَلْبُ اللّاهِثُ، فَمَن آتاهُ اللَّهُ العِلْمَ والدِّينَ فَمالَ إلى الدُّنْيا، وأخْلَدَ إلى الأرْضِ، كانَ مُشَبَّهًا بِأخَسِّ الحَيَواناتِ، وهو الكَلْبُ اللّاهِثُ، وفي تَقْرِيرِ هَذا التَّمْثِيلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَلْهَثُ فَإنَّما يَلْهَثُ مِن إعْياءٍ أوْ عَطَشٍ إلّا الكَلْبَ اللّاهِثَ فَإنَّهُ يَلْهَثُ في حالِ الإعْياءِ، وفي حالِ الرّاحَةِ، وفي حالِ العَطَشِ، وفي حالِ الرِّيِّ، فَكانَ ذَلِكَ عادَةً مِنهُ وطَبِيعَةً، وهو مُواظِبٌ عَلَيْهِ كَعادَتِهِ الأصْلِيَّةِ، وطَبِيعَتِهِ الخَسِيسَةِ، لا لِأجْلِ حاجَةٍ وضَرُورَةٍ، فَكَذَلِكَ مَن آتاهُ اللَّهُ العِلْمَ والدِّينَ وأغْناهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِأوْساخِ أمْوالِ النّاسِ، ثُمَّ إنَّهُ يَمِيلُ إلى طَلَبِ الدُّنْيا، ويُلْقِي نَفْسَهُ فِيها، كانَتْ حالُهُ كَحالِ ذَلِكَ اللّاهِثِ، حَيْثُ واظَبَ عَلى العَمَلِ الخَسِيسِ، والفِعْلِ القَبِيحِ، لِمُجَرَّدِ نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ، وطَبِيعَتِهِ الخَسِيسَةِ، لا لِأجْلِ الحاجَةِ والضَّرُورَةِ.
والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ العالِمَ إذا تَوَسَّلَ بِعِلْمِهِ إلى طَلَبِ الدُّنْيا، فَذاكَ إنَّما يَكُونُ لِأجْلِ أنَّهُ يُورِدُ عَلَيْهِمْ أنْواعَ عُلُومِهِ ويُظْهِرُ عِنْدَهم فَضائِلَ نَفْسِهِ ومَناقِبَها، ولا شَكَّ أنَّهُ عِنْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الكَلِماتِ، وتَقْرِيرِ تِلْكَ العِباراتِ يُدْلِعُ لِسانَهُ، ويُخْرِجُهُ لِأجْلِ ما تَمَكَّنَ في قَلْبِهِ مِن حَرارَةِ الحِرْصِ وشِدَّةِ العَطَشِ إلى الفَوْزِ بِالدُّنْيا، فَكانَتْ حالَتُهُ شَبِيهَةً بِحالَةِ ذَلِكَ الكَلْبِ الَّذِي أخْرَجَ لِسانَهُ أبَدًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ ولا ضَرُورَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الطَّبِيعَةِ الخَسِيسَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الكَلْبَ اللّاهِثَ لا يَزالُ لَهْثُهُ البَتَّةَ، فَكَذَلِكَ الإنْسانُ الحَرِيصُ لا يَزالُ حِرْصُهُ البَتَّةَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ فالمَعْنى أنَّ هَذا الكَلْبَ إنْ شُدَّ عَلَيْهِ وهُيِّجَ لَهَثَ، وإنْ تُرِكَ أيْضًا لَهَثَ، لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ القَبِيحَ طَبِيعَةٌ أصْلِيَّةٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ هَذا الحَرِيصُ الضّالُّ إنْ وعَظْتَهُ فَهو ضالٌّ، وإنْ لَمْ تَعِظْهُ فَهو ضالٌّ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الضَّلالَةَ والخَسارَةَ عادَةٌ أصْلِيَّةٌ وطَبِيعِيَّةٌ ذاتِيَّةٌ لَهُ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ ؟
قُلْنا: النَّصْبُ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ كَمَثَلِ الكَلْبِ ذَلِيلًا لاهِثًا في الأحْوالِ كُلِّها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ فَعَمَّ بِهَذا التَّمْثِيلِ جَمِيعَ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ هادِيًا يَهْدِيهِمْ وداعِيًا يَدْعُوهم إلى طاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ جاءَهم مَن لا يَشُكُّونَ في صِدْقِهِ ودِيانَتِهِ فَكَذَّبُوهُ، فَحَصَلَ التَّمْثِيلُ بَيْنَهم وبَيْنَ الكَلْبِ الَّذِي إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ؛ لِأنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا لَمّا تُرِكُوا ولَمْ يَهْتَدُوا لَمّا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَبَقُوا عَلى الضَّلالِ في كُلِّ الأحْوالِ مِثْلَ هَذا الكَلْبِ الَّذِي بَقِيَ عَلى اللَّهْثِ في كُلِّ الأحْوالِ.
صفحة ٤٨
ثُمَّ قالَ: ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ يُرِيدُ قَصَصَ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا أنْبِياءَهُمْ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ يُرِيدُ يَتَّعِظُونَ.
الأعراف 7:176
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾
صفحة ٤٥
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَلْعَمَ بْنِ باعُوراءَ، وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَصَدَ بَلَدَهُ الَّذِي هو فِيهِ، وغَزا أهْلَهُ وكانُوا كُفّارًا، فَطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ، وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، وعِنْدَهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، فامْتَنَعَ مِنهُ، فَما زالُوا يَطْلُبُونَهُ مِنهُ حَتّى دَعا عَلَيْهِ فاسْتُجِيبَ لَهُ، ووَقَعَ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ في التِّيهِ بِدُعائِهِ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ بِأيِّ ذَنْبٍ وقَعْنا في التِّيهِ ؟ فَقالَ: بِدُعاءِ بَلْعَمَ. فَقالَ: كَما سَمِعْتَ دُعاءَهُ عَلَيَّ، فاسْمَعْ دُعائِي عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعا مُوسى عَلَيْهِ أنْ يَنْزِعَ مِنهُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ والإيمانَ، فَسَلَخَهُ اللَّهُ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ونَزَعَ مِنهُ المَعْرِفَةَ. فَخَرَجَتْ مِن صَدْرِهِ كَحَمامَةٍ بَيْضاءَ، فَهَذِهِ قِصَّتُهُ. ويُقالُ أيْضًا: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، فَلَمّا دَعا عَلَيْهِ مُوسى انْتَزَعَ اللَّهُ مِنهُ الإيمانَ وصارَ كافِرًا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وأبُو رَوْقٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَجا أنْ يَكُونَ هو، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَسَدَهُ، ثُمَّ ماتَ كافِرًا، ولَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ وهو الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: (آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ) يُرِيدُ أنَّ شِعْرَهُ كَشِعْرِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ يُوَحِّدُ اللَّهَ في شِعْرِهِ، ويَذْكُرُ دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وأحْوالِ الآخِرَةِ، والجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي عامِرٍ الرّاهِبِ الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ الفاسِقَ كانَ يَتَرَهَّبُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ خَرَجَ إلى الشّامِ، وأمَرَ المُنافِقِينَ بِاتِّخاذِ مَسْجِدِ ضِرارٍ، وأتى قَيْصَرَ واسْتَنْجَدَهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَماتَ هُناكَ طَرِيدًا وحِيدًا، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ، كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ، عَنِ الحَسَنِ والأصَمِّ، وقِيلَ: هو عامٌّ فِيمَن عُرِضَ عَلَيْهِ الهَدْيُ فَأعْرَضَ عَنْهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي مُسْلِمٍ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ كانَ نَبِيًّا، ثُمَّ صارَ كافِرًا ؟
قُلْنا: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُشَرِّفُ عَبْدًا مِن عَبِيدِهِ بِالرِّسالَةِ، إلّا إذا عَلِمَ امْتِيازَهُ عَنْ سائِرِ العَبِيدِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ، والدَّرَجاتِ العالِيَةِ، والمَناقِبِ العَظِيمَةِ، فَمَن كانَ هَذا حالَهُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ الكُفْرُ ؟
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ يَعْنِي: عَلَّمْناهُ حُجَجَ التَّوْحِيدِ، وفَهَّمْناهُ أدِلَّتَهُ، حَتّى صارَ عالِمًا بِها﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ أيْ خَرَجَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ، ومِن رَحْمَةِ اللَّهِ إلى سُخْطِهِ، ومَعْنى انْسَلَخَ: خَرَجَ مِنها. يُقالُ لِكُلِّ مَن فارَقَ شَيْئًا بِالكُلِّيَّةِ انْسَلَخَ مِنهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ أيْ بَيَّناها فَلَمْ يَقْبَلْ وعَرِيَ مِنها، وسَواءٌ قَوْلُكَ: انْسَلَخَ، وعَرِيَ، وتَباعَدَ، وهَذا يَقَعُ عَلى كُلِّ كافِرٍ لَمْ يُؤْمِن بِالأدِلَّةِ، وأقامَ عَلى الكُفْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧] وقالَ في حَقِّ فِرْعَوْنَ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] وجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا المَوْصُوفُ فِرْعَوْنَ، فَإنَّهُ تَعالى أرْسَلَ إلَيْهِ مُوسى وهارُونَ، فَأعْرَضَ وأبى، وكانَ عادِيًا ضالًّا مُتَّبِعًا لِلشَّيْطانِ.
صفحة ٤٦
واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الفَرْقِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: هو أنَّ هَذا الرَّجُلَ في القَوْلِ الأوَّلِ، كانَ عالِمًا بِدِينِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنهُ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي لَمّا آتاهُ اللَّهُ الدَّلائِلَ والبَيِّناتِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِها، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ قَوْلَهُ انْسَلَخَ مِنها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ فِيها ثُمَّ خَرَجَ مِنها، وأيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في إنْسانٍ كانَ عالِمًا بِدِينِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ خَرَجَ مِنهُ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أتْبَعَهُ الشَّيْطانُ كُفّارَ الإنْسِ وغُواتَهم، أيِ الشَّيْطانُ جَعَلَ كُفّارَ الإنْسِ أتْباعًا لَهُ.
والثّانِي: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ أدْرَكَهُ. يُقالُ: أتْبَعْتُ القَوْمَ. أيْ لَحِقْتُهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ: أتْبَعْتُ القَوْمَ، مِثالُ: أفْعَلْتُ إذا كانُوا قَدْ سَبَقُوكَ فَلَحِقْتَهم. ويُقالُ: ما زِلْتُ أتْبَعُهم حَتّى أتْبَعْتُهم. أيْ حَتّى أدْرَكْتُهم. وقَوْلُهُ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ أيْ أطاعَ الشَّيْطانَ فَكانَ مِنَ الظّالِمِينَ. قالَ أهْلُ المَعانِي: المَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ مَن أُوتِيَ الهُدى، فانْسَلَخَ مِنهُ إلى الضَّلالِ والهَوى والعَمى، ومالَ إلى الدُّنْيا حَتّى تَلاعَبَ بِهِ الشَّيْطانُ، كانَ مُنْتَهاهُ إلى البَوارِ والرَّدى، وخابَ في الآخِرَةِ والأُولى، فَذَكَرَ اللَّهُ قِصَّتَهُ لِيَحْذَرَ النّاسُ عَنْ مِثْلِ حالَتِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ قالَ أصْحابُنا: مَعْناهُ ولَوْ شِئْنا رَفَعْناهُ لِلْعَمَلِ بِها، فَكانَ يَرْفَعُ بِواسِطَةِ تِلْكَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ مَنزِلَتَهُ، ولَفْظَةُ(لَوْ) تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ لا يُرِيدُ الإيمانَ، وقَدْ يُرِيدُ الكُفْرَ.
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَفْظُ الآيَةِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخْرى سِوى هَذا الوَجْهِ:
فالأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ مَعْناهُ: ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِأعْمالِهِ، بِأنْ نُكْرِمَهُ، ونُزِيلَ التَّكْلِيفَ عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ الكُفْرِ حَتّى نُسَلِّمَ لَهُ الرِّفْعَةَ، لَكِنّا رَفَعْناهُ بِزِيادَةِ التَّكْلِيفِ بِمَنزِلَةٍ زائِدَةٍ، فَأبى أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الإيمانِ.
الثّانِي: لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ، بِأنْ نَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ، قَهْرًا وجَبْرًا، إلّا أنَّ ذَلِكَ يُنافِي التَّكْلِيفَ. فَلا جَرَمَ تَرَكْناهُ مَعَ اخْتِيارِهِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ حَمْلَ الرِّفْعَةِ عَلى الأمانَةِ بَعِيدٌ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إذا مَنَعَهُ مِنهُ قَهْرًا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلثَّوابِ والرِّفْعَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ قالَ أصْحابُ العَرَبِيَّةِ: أصْلُ الإخْلادِ اللُّزُومُ عَلى الدَّوامِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: لَزِمَ المَيْلُ إلى الأرْضِ، ومِنهُ يُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ، إذا لَزِمَ الإقامَةَ بِهِ. قالَ مالِكُ بْنُ سُوِيدٍ:
بِأبْناءِ حَيٍّ مِن قَبائِلِ مالِكٍ وعَمْرِو بْنِ يَرْبُوعٍ أقامُوا فَأخْلَدُوا
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ يُرِيدُ مالَ إلى الدُّنْيا، وقالَ مُقاتِلٌ: بِالدُّنْيا، وقالَ الزَّجّاجُ: سَكَنَ إلى الدُّنْيا. قالَ الواحِدِيُّ: فَهَؤُلاءِ فَسَّرُوا الأرْضَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالدُّنْيا، وذَلِكَ لِأنَّ الدُّنْيا هي الأرْضُ، لِأنَّ ما فِيها مِنَ العَقارِ والضِّياعِ وسائِرِ أمْتِعَتِها مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ مُسْتَخْرَجٌ مِنَ الأرْضِ، وإنَّما يَقْوى ويَكْمُلُ بِها، فالدُّنْيا كُلُّها هي الأرْضُ، فَصَحَّ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ الدُّنْيا بِالأرْضِ، ونَقُولُ: لَوْ جاءَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ لَقِيلَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ، ولَكِنّا لَمْ نَشَأْ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى لا جَرَمَ أُقِيمَ مُقامَهُ. قَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ أعْرَضَ عَنِ التَّمَسُّكِ بِما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ واتَّبَعَ الهَوى، فَلا جَرَمَ وقَعَ في هاوِيَةِ الرَّدى، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أشَدِّ الآياتِ عَلى أصْحابِ العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ خَصَّ هَذا
صفحة ٤٧
الرَّجُلَ بِآياتِهِ وبَيِّناتِهِ، وعَلَّمَهُ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وخَصَّهُ بِالدَّعَواتِ المُسْتَجابَةِ، لَمّا اتَّبَعَ الهَوى انْسَلَخَ مِنَ الدِّينِ وصارَ في دَرَجَةِ الكَلْبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ في حَقِّهِ أكْثَرَ، فَإذا أعْرَضَ عَنْ مُتابَعَةِ الهُدى وأقْبَلَ عَلى مُتابَعَةِ الهَوى، كانَ بُعْدُهُ عَنِ اللَّهِ أعْظَمَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «مَنِ ازْدادَ عِلْمًا ولَمْ يَزْدَدْ هُدًى لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: اللَّهْثُ هو أنَّ الكَلْبَ إذا نالَهُ الإعْياءُ عِنْدَ شِدَّةِ العَدْوِ وعِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، فَإنَّهُ يُدْلِعُ لِسانَهُ مِنَ العَطَشِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّمْثِيلَ ما وقَعَ بِجَمِيعِ الكِلابِ، وإنَّما وقَعَ بِالكَلْبِ اللّاهِثِ، وأخَسُّ الحَيَواناتِ هو الكَلْبُ، وأخَسُّ الكِلابِ هو الكَلْبُ اللّاهِثُ، فَمَن آتاهُ اللَّهُ العِلْمَ والدِّينَ فَمالَ إلى الدُّنْيا، وأخْلَدَ إلى الأرْضِ، كانَ مُشَبَّهًا بِأخَسِّ الحَيَواناتِ، وهو الكَلْبُ اللّاهِثُ، وفي تَقْرِيرِ هَذا التَّمْثِيلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَلْهَثُ فَإنَّما يَلْهَثُ مِن إعْياءٍ أوْ عَطَشٍ إلّا الكَلْبَ اللّاهِثَ فَإنَّهُ يَلْهَثُ في حالِ الإعْياءِ، وفي حالِ الرّاحَةِ، وفي حالِ العَطَشِ، وفي حالِ الرِّيِّ، فَكانَ ذَلِكَ عادَةً مِنهُ وطَبِيعَةً، وهو مُواظِبٌ عَلَيْهِ كَعادَتِهِ الأصْلِيَّةِ، وطَبِيعَتِهِ الخَسِيسَةِ، لا لِأجْلِ حاجَةٍ وضَرُورَةٍ، فَكَذَلِكَ مَن آتاهُ اللَّهُ العِلْمَ والدِّينَ وأغْناهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِأوْساخِ أمْوالِ النّاسِ، ثُمَّ إنَّهُ يَمِيلُ إلى طَلَبِ الدُّنْيا، ويُلْقِي نَفْسَهُ فِيها، كانَتْ حالُهُ كَحالِ ذَلِكَ اللّاهِثِ، حَيْثُ واظَبَ عَلى العَمَلِ الخَسِيسِ، والفِعْلِ القَبِيحِ، لِمُجَرَّدِ نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ، وطَبِيعَتِهِ الخَسِيسَةِ، لا لِأجْلِ الحاجَةِ والضَّرُورَةِ.
والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ العالِمَ إذا تَوَسَّلَ بِعِلْمِهِ إلى طَلَبِ الدُّنْيا، فَذاكَ إنَّما يَكُونُ لِأجْلِ أنَّهُ يُورِدُ عَلَيْهِمْ أنْواعَ عُلُومِهِ ويُظْهِرُ عِنْدَهم فَضائِلَ نَفْسِهِ ومَناقِبَها، ولا شَكَّ أنَّهُ عِنْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الكَلِماتِ، وتَقْرِيرِ تِلْكَ العِباراتِ يُدْلِعُ لِسانَهُ، ويُخْرِجُهُ لِأجْلِ ما تَمَكَّنَ في قَلْبِهِ مِن حَرارَةِ الحِرْصِ وشِدَّةِ العَطَشِ إلى الفَوْزِ بِالدُّنْيا، فَكانَتْ حالَتُهُ شَبِيهَةً بِحالَةِ ذَلِكَ الكَلْبِ الَّذِي أخْرَجَ لِسانَهُ أبَدًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ ولا ضَرُورَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الطَّبِيعَةِ الخَسِيسَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ الكَلْبَ اللّاهِثَ لا يَزالُ لَهْثُهُ البَتَّةَ، فَكَذَلِكَ الإنْسانُ الحَرِيصُ لا يَزالُ حِرْصُهُ البَتَّةَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ فالمَعْنى أنَّ هَذا الكَلْبَ إنْ شُدَّ عَلَيْهِ وهُيِّجَ لَهَثَ، وإنْ تُرِكَ أيْضًا لَهَثَ، لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ القَبِيحَ طَبِيعَةٌ أصْلِيَّةٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ هَذا الحَرِيصُ الضّالُّ إنْ وعَظْتَهُ فَهو ضالٌّ، وإنْ لَمْ تَعِظْهُ فَهو ضالٌّ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الضَّلالَةَ والخَسارَةَ عادَةٌ أصْلِيَّةٌ وطَبِيعِيَّةٌ ذاتِيَّةٌ لَهُ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ ؟
قُلْنا: النَّصْبُ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ كَمَثَلِ الكَلْبِ ذَلِيلًا لاهِثًا في الأحْوالِ كُلِّها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ فَعَمَّ بِهَذا التَّمْثِيلِ جَمِيعَ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ هادِيًا يَهْدِيهِمْ وداعِيًا يَدْعُوهم إلى طاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ جاءَهم مَن لا يَشُكُّونَ في صِدْقِهِ ودِيانَتِهِ فَكَذَّبُوهُ، فَحَصَلَ التَّمْثِيلُ بَيْنَهم وبَيْنَ الكَلْبِ الَّذِي إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ؛ لِأنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا لَمّا تُرِكُوا ولَمْ يَهْتَدُوا لَمّا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَبَقُوا عَلى الضَّلالِ في كُلِّ الأحْوالِ مِثْلَ هَذا الكَلْبِ الَّذِي بَقِيَ عَلى اللَّهْثِ في كُلِّ الأحْوالِ.
صفحة ٤٨
ثُمَّ قالَ: ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ يُرِيدُ قَصَصَ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا أنْبِياءَهُمْ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ يُرِيدُ يَتَّعِظُونَ.
الأعراف 7:177
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ تَمْثِيلِهِمْ بِالكَلْبِ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وزَجَرَ بِذَلِكَ عَنِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ أكَّدَهُ في بابِ الزَّجْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: ساءَ يَسُوءُ فِعْلٌ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، يُقالُ: سَيَأ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو ساءٍ إذا قَبُحَ، وساءَهُ يَسُوءُهُ مَساءَةً. قالَ النَّحْوِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، انْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ ساءَ جازَ أنْ تَذْكُرَ شَيْئًا آخَرَ سِوى مَثَلًا، فَلَمّا ذَكَرْتَ نَوْعًا، فَقَدْ مَيَّزْتَهُ مِن سائِرِ الأنْواعِ، وقَوْلُكَ القَوْمُ ارْتِفاعُهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويَكُونُ قَوْلُكَ ساءَ مَثَلًا خَبَرُهُ.
والثّانِي: أنَّكَ لَمّا قُلْتَ ساءَ مَثَلًا. قِيلَ لَكَ: مَن هو ؟ قُلْتَ القَوْمُ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ساءَ مَثَلُ القَوْمِ.
البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ساءَ مَثَلًا﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ المَثَلِ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ هَذا المَثَلَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ، وأيْضًا فَهو يُفِيدُ الزَّجْرَ عَنِ الكُفْرِ والدَّعْوَةَ إلى الإيمانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بِالسُّوءِ ما أفادَهُ المَثَلُ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وإعْراضِهِمْ عَنْها، حَتّى صارُوا في التَّمْثِيلِ بِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الكَلْبِ اللّاهِثِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ فَإمّا أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ”كَذَّبُوا“ فَيَدْخُلَ حِينَئِذٍ في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِمَعْنى الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ وظُلْمِ أنْفُسِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَلامًا مُنْقَطِعًا عَنِ الصِّلَةِ بِمَعْنى وما ظَلَمُوا إلّا أنْفُسَهم بِالتَّكْذِيبِ، وأمّا تَقْدِيمُ المَفْعُولِ فَهو لِلِاخْتِصاصِ، كَأنَّهُ قِيلَ وخَصُّوا أنْفُسَهم بِالظُّلْمِ وما تَعَدّى أثَرُ ذَلِكَ الظُّلْمِ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ.
الأعراف 7:178
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الضّالِّينَ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ وعَرَّفَ حالَهم بِالمَثَلِ المَذْكُورِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ الإضْلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ هَذِهِ اضْطَرَبَتِ المُعْتَزِلَةُ، وذَكَرُوا في التَّأْوِيلِ وُجُوهًا كَثِيرَةً:
الأوَّلُ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ وارْتَضاهُ القاضِي أنَّ المُرادَ مَن يَهْدِهِ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ في الآخِرَةِ، فَهو المُهْتَدِي في الدُّنْيا، السّالِكُ طَرِيقَةَ الرُّشْدِ فِيما كُلِّفَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَهْدِي إلى الثَّوابِ في الآخِرَةِ إلّا مَن هَذا وصْفُهُ، ومَن يُضْلِلْهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .
والثّانِي:
صفحة ٤٩
قالَ بَعْضُهم: إنَّ في الآيَةِ حَذْفًا، والتَّقْدِيرُ: مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فَقَبِلَ وتَمَسَّكَ بِهُداهُ فَهو المُهْتَدِي، ومَن يُضَلِلْ بِأنْ لَمْ يَقْبَلْ فَهو الخاسِرُ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن يَهْدِهِ اللَّهُ بِمَعْنى أنَّ مَن وصَفَهُ اللَّهُ بِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا فَهو المُهْتَدِي، لِأنَّ ذَلِكَ كالمَدْحِ ومَدْحُ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا في حَقِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ الوَصْفِ المَمْدُوحِ، ومَن يُضْلِلْ أيْ ومَن وصَفَهُ اللَّهُ بِكَوْنِهِ ضالًّا﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن يَهْدِهِ اللَّهُ بِالألْطافِ وزِيادَةِ الهُدى فَهو المُهْتَدِي، ومَن يُضْلِلْ عَنْ ذَلِكَ لِما تَقَدَّمَ مِنهُ مِن سُوءِ اخْتِيارِهِ، فَأُخْرِجَ لِهَذا السَّبَبِ بِتِلْكَ الألْطافِ مِن أنْ يُؤَثَّرَ فِيهِ فَهو مِنَ الخاسِرِينَ.
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ القاطِعَةَ، قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ الهِدايَةَ والإضْلالَ لا يَكُونانِ إلّا مِنَ اللَّهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي وحُصُولُ الدّاعِي لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ فالفِعْلُ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ.
الثّانِي: أنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ، فَمَن عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ الإيمانَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الكُفْرِ وبِالضِّدِّ.
الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقْصِدُ حُصُولَ الإيمانِ والمَعْرِفَةِ، فَإذا حَصَلَ الكُفْرُ عَقِيبَهُ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ بَلْ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ نَقُولُ:
أمّا التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: فَضَعِيفٌ لِأنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ عَلى الهِدايَةِ في الآخِرَةِ إلى الجَنَّةِ، وقَوْلَهُ: ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ عَلى الِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ في الدُّنْيا، وذَلِكَ يُوجِبُ رَكاكَةً في النَّظْمِ، بَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الهِدايَةُ والِاهْتِداءُ راجِعَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، حَتّى يَكُونَ الكَلامُ حَسَنَ النَّظْمِ.
وأمّا الثّانِي: فَإنَّهُ التِزامٌ لِإضْمارِ زائِدٍ، وهو خِلافُ اللَّفْظِ، ولَوْ جازَ فَتْحُ بابِ أمْثالِ هَذِهِ الإضْماراتِ لانْقَلَبَ النَّفْيُ إثْباتًا، والإثْباتُ نَفْيًا، ويَخْرُجُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن أنْ يَكُونَ حُجَّةً، فَإنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يُضْمِرَ في الآيَةِ ما يَشاءُ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ الكُلُّ عَنِ الإفادَةِ.
وأمّا الثّالِثُ: فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: فُلانٌ هَدى فُلانًا. لا يُفِيدُ في اللُّغَةِ البَتَّةَ أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا، وقِياسُ هَذا عَلى قَوْلِهِ: فُلانٌ ضَلَّلَ فُلانًا وكَفَّرَهُ، قِياسٌ في اللُّغَةِ، وأنَّهُ في نِهايَةِ الفَسادِ. والرّابِعُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ما في مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ، فَقَدْ فَعَلَهُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ في حَقِّ جَمِيعِ الكُفّارِ، فَحَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِعِيدٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ يَجُوزُ إثْباتُ الياءِ فِيهِ عَلى الأصْلِ، ويَجُوزُ حَذْفُها طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ كَما قِيلَ في بَيْتِ الكِتابِ:
فَطِرْتُ بِمُنْصُلِي في يَعْمَلاتٍ دَوامِي الأيْدِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحا
ومِن أبْياتِهِ أيْضًا:
كَخَوافِ رِيشِ حَمامَةٍ نَجْدِيَّةٍ ∗∗∗ مَسَحَتْ بِماءِ البَيْنِ عَطْفَ الأثْمَدِ
قالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ يُرِيدُ كَخَوافِ مَحْذُوفَ الياءِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلْ﴾ يُرِيدُ ومَن يُضْلِلْهُ اللَّهُ ويَخْذُلْهُ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ.
الأعراف 7:179
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ هي الحُجَّةُ الثّانِيَةُ في هَذا المَوْضِعِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ وإرادَةِ الكائِناتِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ أنَّهُ خَلَقَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لِجَهَنَّمَ، ولا مَزِيدَ عَلى بَيانِ اللَّهِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ، فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ النّارِ انْقَلَبَ عِلْمُ اللَّهِ جَهْلًا وخَبَرُهُ الصِّدْقُ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَعَدَمُ دُخُولِهِمْ في النّارِ مُحالٌ، ومَن عَلِمَ كَوْنَ الشَّيْءِ مُحالًا امْتَنَعَ أنْ يُرِيدَهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ أنْ لا يُدْخِلَهم في النّارِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُرِيدَ أنْ يُدْخِلَهم في النّارِ، وذَلِكَ هو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ القادِرَ عَلى الكُفْرِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الإيمانِ، فالَّذِي خَلَقَ فِيهِ القُدْرَةَ عَلى الكُفْرِ، فَقَدْ أرادَ أنْ يُدْخِلَهُ في النّارِ، وإنْ كانَ قادِرًا عَلى الكُفْرِ وعَلى الإيمانِ مَعًا امْتَنَعَ رُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ حَصَلَ مِن قِبَلِهِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ حَصَلَ مَن قِبَلِهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ هو الخالِقَ لِلدّاعِيَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ، فَقَدْ خَلَقَهُ لِلنّارِ قَطْعًا.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَهُ لِلْجَنَّةِ وأعانَهُ عَلى اكْتِسابِ تَحْصِيلِ ما يُوجِبُ دُخُولَ الجَنَّةِ، ثُمَّ قَدَّرْنا أنَّ العَبْدَ سَعى في تَحْصِيلِ الكُفْرِ المُوجِبِ لِلدُّخُولِ في النّارِ، فَحِينَئِذٍ حَصَلَ مُرادُ العَبْدِ، ولَمْ يَحْصُلْ مُرادُ اللَّهِ تَعالى، فَيَلْزَمُ كَوْنُ العَبْدِ أقْدَرَ وأقْوى مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ.
والخامِسُ: أنَّ العاقِلَ لا يُرِيدُ الكُفْرَ والجَهْلَ المُوجِبَ لِاسْتِحْقاقِ النّارِ، وإنَّما يُرِيدُ الإيمانَ والمَعْرِفَةَ المُوجِبَةَ لِاسْتِحْقاقِ الثَّوابِ والدُّخُولِ في الجَنَّةِ، فَلَمّا حَصَلَ الكُفْرُ والجَهْلُ عَلى خِلافِ قَصْدِ العَبْدِ وضِدِّ جَهْدِهِ واجْتِهادِهِ، وجَبَ أنْ لا يَكُونَ حُصُولُهُ مِن قِبَلِ العَبْدِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قالُوا: العَبْدُ إنَّما سَعى في تَحْصِيلِ ذَلِكَ الِاعْتِقادِ الفاسِدِ الباطِلِ؛ لِأنَّهُ اشْتَبَهَ الأمْرُ عَلَيْهِ وظَنَّ أنَّهُ هو الِاعْتِقادُ الحَقُّ الصَّحِيحُ.
فَنَقُولُ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: إنَّما وقَعَ في هَذا الجَهْلِ لِأجْلِ ذَلِكَ الجَهْلِ المُتَقَدِّمِ، فَإنْ كانَ إقْدامُهُ عَلى ذَلِكَ الجَهْلِ السّابِقِ لِجَهْلٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وهو مُحالٌ، وإنِ انْتَهى إلى جَهْلٍ حَصَلَ ابْتِداءً لا لِسابِقَةِ جَهْلٍ آخَرَ، فَقَدْ تَوَجَّهَ الإلْزامُ وتَأكَّدَ الدَّلِيلُ والبُرْهانُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ البَراهِينَ العَقْلِيَّةَ ناطِقَةٌ بِصِحَّةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ أرادَ مِنَ الكُلِّ الطّاعَةَ والعِبادَةَ والخَيْرَ والصَّلاحَ. قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الفتح: ٨ - ٩] وقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] وقالَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [الحديد: ٩] وقالَ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾
صفحة ٥١
﴿والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]
وقالَ: ﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وأمْثالُ هَذِهِ الآياتِ كَثِيرَةٌ، ونَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ وُقُوعُ التَّناقُضِ في القُرْآنِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ عَلى ظاهِرِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ وهو تَعالى إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم، ولَوْ كانُوا مَخْلُوقِينَ لِلنّارِ، لَما كانُوا قادِرِينَ عَلى الإيمانِ البَتَّةَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَقْبُحُ ذَمُّهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَهم لِلنّارِ لَما كانَ لَهُ عَلى أحَدٍ مِنَ الكُفّارِ نِعْمَةٌ أصْلًا؛ لِأنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا بِالقِياسِ إلى العَذابِ الدّائِمِ، كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، وكانَ كَمَن دَفَعَ إلى إنْسانٍ حَلْوًا مَسْمُومًا فَإنَّهُ لا يَكُونُ مُنْعِمًا عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا. ولَمّا كانَ القُرْآنُ مَمْلُوءًا مِن كَثْرَةِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى كُلِّ الخَلْقِ، عَلِمْنا أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما ذَكَرْتُمْ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المَدْحَ والذَّمَّ، والثَّوابَ والعِقابَ، والتَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ يُبْطِلُ هَذا المَذْهَبَ الَّذِي يَنْصُرُونَهُ.
الوَجْهُ الخامِسُ: لَوْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهم لِلنّارِ، لَوَجَبَ أنْ يَخْلُقَهُمُ ابْتِداءً في النّارِ، لِأنَّهُ لا فائِدَةَ في أنْ يَسْتَدْرِجَهم إلى النّارِ بِخَلْقِ الكُفْرِ فِيهِمْ.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ مَتْرُوكُ الظّاهِرِ، لِأنَّ جَهَنَّمَ اسْمٌ لِذَلِكَ المَوْضِعِ المُعَيَّنِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْضِعُ المُعَيَّنُ مُرادًا مِنهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُقالَ: إنَّ ما أرادَ اللَّهُ تَعالى بِخَلْقِهِمْ مِنهم مَحْذُوفٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ ذَرَأْنا لِكَيْ يَكْفُرُوا فَيَدْخُلُوا جَهَنَّمَ، فَصارَتِ الآيَةُ عَلى قَوْلِهِمْ مَتْرُوكَةَ الظّاهِرِ، فَيَجِبُ بِناؤُها عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ لِأنَّ ظاهِرَها يَصِحُّ دُونَ حَذْفٍ.
الوَجْهُ السّابِعُ: أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ أنَّهُ إذا ذَرَأهم لِكَيْ يَكْفُرُوا فَيَصِيرُوا إلى جَهَنَّمَ، عادَ الأمْرُ في تَأْوِيلِهِمْ إلى أنَّ هَذِهِ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ، لَكِنَّهم يَجْعَلُونَها لِلْعاقِبَةِ مَعَ أنَّهُ لا اسْتِحْقاقَ لِلنّارِ، ونَحْنُ قَدْ قُلْناها عَلى عاقِبَةٍ حاصِلَةٍ مَعَ اسْتِحْقاقِ النّارِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها، فَوَجَبَ المَصِيرُ فِيهِ إلى التَّأْوِيلِ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّهُ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ كَثِيرٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، هي الدُّخُولُ في نارِ جَهَنَّمَ، جائِزٌ ذِكْرُ هَذِهِ اللّامِ بِمَعْنى العاقِبَةِ، ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ: أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى ما صَرَّفَها لِيَقُولُوا ذَلِكَ، لَكِنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ، حَسُنَ وُرُودُ هَذا اللَّفْظِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨]، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وهم ما التَقَطُوهُ لِهَذا الغَرَضِ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ ذَلِكَ، حَسُنَ هَذا اللَّفْظُ، وأمّا الشِّعْرُ فَأبْياتٌ قالَ:
صفحة ٥٢
ولِلْمَوْتِ تَغْدُوا الوالِداتُ سِخالَها كَما لِخَرابِ الدَّهْرِ تُبْنى المَساكِنُ
وقالَ:
أمْوالُنا لِذَوِي المِيراثِ نَجْمَعُها ∗∗∗ ودُورُنا لِخَرابِ الدَّهْرِ نَبْنِيها
وقالَ:
لَهُ مَلَكٌ يُنادِي كُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ
وقالَ:
وأُمَّ سِماكٍ فَلا تَجْزَعِي ∗∗∗ فَلِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَةُ
هَذا مُنْتَهى كَلامِ القَوْمِ في الجَوابِ.
واعْلَمْ أنَّ المَصِيرَ في التَّأْوِيلِ إنَّما يَحْسُنُ إذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ امْتِناعُ العَقْلِ حَمْلَ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، وأمّا لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ لا حَقَّ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ، كانَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ عَبَثًا. وأمّا الآياتُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في إثْباتِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، فَهي: مُعارَضَةٌ بِالبِحارِ الزّاخِرَةِ المَمْلُوءَةِ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، ومِن جُمْلَتِها ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وهو صَرِيحُ مَذْهَبِنا، وما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣] ولَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها لَيْسَ إلّا ما يُقَوِّي قَوْلَنا ويُشَيِّدُ مَذْهَبَنا، كانَ كَلامُ المُعْتَزِلَةِ في وُجُوبِ تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفًا جِدًّا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في خَلْقِ الأعْمالِ، فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ كانَتْ لَهم قُلُوبٌ يَفْقَهُونَ بِها مَصالِحَهُمُ المُتَعَلِّقَةَ بِالدُّنْيا، ولا شَكَّ أنَّهُ كانَتْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها المَرْئِيّاتِ، وآذانٌ يَسْمَعُونَ بِها الكَلِماتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْيِيدَها بِما يَرْجِعُ إلى الدِّينِ، وهو أنَّهم ما كانُوا يَفْقَهُونَ بِقُلُوبِهِمْ ما يَرْجِعُ إلى مَصالِحِ الدِّينِ، وما كانُوا يُبْصِرُونَ ويَسْمَعُونَ ما يَرْجِعُ إلى مَصالِحِ الدِّينِ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى كَلَّفَهم بِتَحْصِيلِ الدِّينِ مَعَ أنَّ قُلُوبَهم وأبْصارَهم وأسْماعَهم ما كانَتْ صالِحَةً لِذَلِكَ، وهو يَجْرِي مَجْرى المَنعِ عَنِ الشَّيْءِ والصَّدِّ عَنْهُ مَعَ الأمْرِ بِهِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لَوْ كانُوا كَذَلِكَ، لَقَبُحَ مِنَ اللَّهِ تَكْلِيفُهم؛ لَأنَّ تَكْلِيفَ مَن لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى العَمَلِ قَبِيحٌ غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ؛ فَوَجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهم بِكَثْرَةِ الإعْراضِ عَنِ الدَّلائِلِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْها صارُوا مُشْبِهِينَ بِمَن لا يَكُونُ لَهُ قَلْبٌ فاهِمٌ ولا عَيْنٌ باصِرَةٌ ولا أُذُنٌ سامِعَةٌ.
والجَوابُ: أنَّ الإنْسانَ إذا تَأكَّدَتْ نَفْرَتُهُ عَنْ شَيْءٍ، صارَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ المُتَأكِّدَةُ الرّاسِخَةُ مانِعَةً لَهُ عَنْ فَهْمِ الكَلامِ الدّالِّ عَلى صِحَّةِ الشَّيْءِ، ومانِعَةً عَنْ إبْصارِ مَحاسِنِهِ وفَضائِلِهِ، وهَذِهِ حالَةٌ وِجْدانِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ يَجِدُها كُلُّ عاقِلٍ مِن نَفْسِهِ. ولِهَذا السَّبَبِ قالُوا في المَثَلِ المَشْهُورِ (حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي ويُصِمُّ) .
صفحة ٥٣
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ أقْوامًا مِنَ الكُفّارِ بَلَغُوا في عَداوَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفي بُغْضِهِ وفي شِدَّةِ النَّفْرَةِ عَنْ قَبُولِ دِينِهِ والِاعْتِرافِ بِرِسالَتِهِ هَذا المَبْلَغَ وأقْوى مِنهُ، والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حاصِلٌ بِأنَّ حُصُولَ البُغْضِ والحُبِّ في القَلْبِ لَيْسَ بِاخْتِيارِ الإنْسانِ، بَلْ هو حاصِلٌ في القَلْبِ، شاءَ الإنْسانُ أمْ كَرِهَ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظَهَرَ أنَّ حُصُولَ هَذِهِ النَّفْرَةِ والعَداوَةِ في القَلْبِ لَيْسَ بِاخْتِيارِ العَبْدِ، وثَبَتَ أنَّهُ مَتى حَصَلَتْ هَذِهِ النَّفْرَةُ والعَداوَةُ في القَلْبِ، فَإنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ مَعَ تِلْكَ النَّفْرَةِ الرّاسِخَةِ والعَداوَةِ الشَّدِيدَةِ تَحْصِيلُ الفَهْمِ والعِلْمِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ القَوْلُ بِالجَبْرِ لُزُومًا لا مَحِيصَ عَنْهُ. ونُقِلَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ خُطْبَةٌ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى وهو في غايَةِ الحُسْنِ. رَوى الشَّيْخُ أحْمَدُ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ مَناقِبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: وأعْجَبُ ما في الإنْسانِ قَلْبُهُ فِيهِ مَوادٌّ مِنَ الحِكْمَةِ وأضْدادِها، فَإنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجاءُ أوْلَهَهُ الطَّمَعُ، وإنْ هاجَ لَهُ الطَّمَعُ أهْلَكَهُ الحِرْصُ، وإنْ أهْلَكَهُ اليَأْسُ قَتَلَهُ الأسَفُ، وإنْ عَرَضَ لَهُ الغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الغَيْظُ، وإنْ سَعِدَ بِالرِّضا شَقِيَ بِالسُّخْطِ، وإنْ نالَهُ الخَوْفُ شَغَلَهُ الحُزْنُ، وإنْ أصابَتْهُ المُصِيبَةُ قَتَلَهُ الجَزَعُ، وإنْ وجَدَ مالًا أطْغاهُ الغِنى، وإنْ عَضَّتْهُ فاقَةٌ شَغَلَهُ البَلاءُ، وإنْ أجْهَدَهُ الجُوعُ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ، فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌّ وكُلُّ إفْراطٍ لَهُ مُفْسِدٌ، وأقُولُ: هَذا الفَصْلُ في غايَةِ الجَلالَةِ والشَّرَفِ، وهو كالمُطَّلِعِ عَلى سِرِّ مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ؛ لِأنَّ أعْمالَ الجَوارِحِ مَرْبُوطَةٌ بِأحْوالِ القُلُوبِ، وكُلُّ حالَةٍ مِن أحْوالِ القَلْبِ فَإنَّها مُسْتَنِدَةٌ إلى حالَةٍ أُخْرى حَصَلَتْ قَبْلَها، وإذا وقَفَ الإنْسانُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ عَلِمَ أنَّهُ لا خَلاصَ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالجَبْرِ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِ (الإحْياءِ) فَصْلًا في تَقْرِيرِ مَذْهَبِ الجَبْرِ.
ثُمَّ قالَ فَإنْ قِيلَ: إنِّي أجِدُ مِن نَفْسِي أنِّي إنْ شِئْتُ الفِعْلَ فَعَلْتُ، وإنْ شِئْتُ التَّرْكَ تَرَكْتُ، فَيَكُونُ فِعْلِي حاصِلًا بِي لا بِغَيْرِي ثُمَّ قالَ: وهَبْ أنَّكَ وجَدْتَ مِن نَفْسِكَ ذَلِكَ إلّا أنّا نَقُولُ: وهَلْ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ أنَّكَ إنْ شِئْتَ أنْ تَشاءَ شَيْئًا شِئْتَهُ، وإنْ شِئْتَ أنْ لا تَشاءَ لَمْ تَشَأْهُ، ما أظُنُّكَ أنْ تَقُولَ ذَلِكَ، وإلّا لَذَهَبَ الأمْرُ فِيهِ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ؛ بَلْ شِئْتَ أوْ لَمْ تَشَأْ فَإنَّكَ تَشاءُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، وإذا شِئْتَهُ فَشِئْتَ أوْ لَمْ تَشَأْ فَعَلْتَهُ، فَلا مَشِيئَتَكَ بِهِ ولا حُصُولَ فِعْلِكَ بَعْدَ حُصُولِ مَشِيئَتِكَ بِكَ، فالإنْسانُ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ العُلَماءُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ عَلى أنَّ مَحَلَّ العِلْمِ هو القَلْبُ، لِأنَّهُ تَعالى نَفى الفِقْهُ والفَهْمُ عَنْ قُلُوبِهِمْ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ مَحَلُّ الفَهْمِ والفِقْهِ هو القَلْبُ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ فَتَقْرِيرُهُ أنَّ الإنْسانَ وسائِرَ الحَيَواناتِ مُتَشارِكَةٌ في قُوى الطَّبِيعَةِ الغاذِيَةِ والنّامِيَةِ والمُوَلِّدَةِ، ومُتَشارِكَةٌ أيْضًا في مَنافِعِ الحَواسِّ الخَمْسِ الباطِنَةِ والظّاهِرَةِ وفي أحْوالِ التَّخَيُّلِ والتَّفَكُّرِ والتَّذَكُّرِ، وإنَّما حَصَلَ الِامْتِيازُ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ سائِرِ الحَيَواناتِ في القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ والفِكْرِيَّةِ الَّتِي تَهْدِيهِ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ لِذاتِهِ، والخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فَلَمّا أعْرَضَ الكُفّارُ عَنِ اعْتِبارِ أحْوالِ العَقْلِ والفِكْرِ ومَعْرِفَةِ الحَقِّ والعَمَلِ بِالخَيْرِ كانُوا كالأنْعامِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ لِأنَّ الحَيَواناتِ لا قُدْرَةَ لَها عَلى تَحْصِيلِ هَذِهِ الفَضائِلِ، والإنْسانُ أُعْطِيَ القُدْرَةَ
صفحة ٥٤
عَلى تَحْصِيلِها، ومَن أعْرَضَ عَنِ اكْتِسابِ الفَضائِلِ العَظِيمَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَحْصِيلِها كانَ أخَصَّ حالًا مِمَّنْ لَمْ يَكْتَسِبْها مَعَ العَجْزِ عَنْها. فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ وقالَ حَكِيمُ الشُّعَراءِ:
الرُّوحُ عِنْدَ إلَهِ العَرْشِ مَبْدَؤُهُ وتُرْبَةُ الأرْضِ أصْلُ الجِسْمِ والبَدَنِ
قَدْ ألَّفَ المَلِكُ الحَنّانُ بَيْنَهُما ∗∗∗ لِيَصْلُحا لِقَبُولِ الأمْرِ والمِحَنِ
فالرُّوحُ في غُرْبَةٍ والجِسْمُ في وطَنٍ ∗∗∗ فاعْرِفْ ذِمامَ الغَرِيبِ النّازِحِ الوَطَنِ
وقِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ وُجُوهٌ أُخْرى، فَقِيلَ: لِأنَّ الأنْعامَ مُطِيعَةٌ لِلَّهِ تَعالى، والكافِرَ غَيْرُ مُطِيعٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: هم أخْطَأُ طَرِيقًا مِنَ الأنْعامِ، لِأنَّ الأنْعامَ تَعْرِفُ رَبَّها وتَذْكُرُهُ، وهم لا يَعْرِفُونَ رَبَّهم ولا يَذْكُرُونَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ لِأنَّ الأنْعامَ تُبْصِرُ مَنافِعَها ومَضارَّها فَتَسْعى في تَحْصِيلِ مَنافِعِها وتَحْتَرِزُ عَنْ مَضارِّها، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ وأهْلُ العِنادِ أكْثَرُهم يَعْلَمُونَ أنَّهم مُعانِدُونَ ومَعَ ذَلِكَ فَيُصِرُّونَ عَلَيْهِ، ويُلْقُونَ أنْفُسَهم في النّارِ وفي العَذابِ، وقِيلَ إنَّها تَفِرُّ أبَدًا إلى أرْبابِها، ومَن يَقُومُ بِمَصالِحِها، والكافِرُ يَهْرُبُ عَنْ رَبِّهِ وإلَهِهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بِنِعَمٍ لا حَدَّ لَها. وقِيلَ: لِأنَّها تَضِلُّ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَها مُرْشِدٌ، فَأمّا إذا كانَ مَعَها مُرْشِدٌ قَلَّما تَضِلُّ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ قَدْ جاءَهُمُ الأنْبِياءُ وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ وهم يَزْدادُونَ في الضَّلالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ قالَ عَطاءٌ: عَمّا أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ مِنَ الثَّوابِ ولِأعْدائِهِ مِنَ العِقابِ.
الأعراف 7:180
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ المَخْلُوقِينَ لِجَهَنَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أمَرَ بَعْدَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِدُخُولِ جَهَنَّمَ هو الغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، والمُخَلِّصُ عَنْ عَذابِ جَهَنَّمَ هو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، وأصْحابُ الذَّوْقِ والمُشاهَدَةِ يَجِدُونَ مِن أرْواحِهِمْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَإنَّ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وأقْبَلَ عَلى الدُّنْيا وشَهَواتِها، وقَعَ في بابِ الحِرْصِ وزَمْهَرِيرِ الحِرْمانِ، ولا يَزالُ يَنْتَقِلُ مِن رَغْبَةٍ إلى رَغْبَةٍ، ومِن طَلَبٍ إلى طَلَبٍ، ومِن ظُلْمَةٍ إلى ظُلْمَةٍ، فَإذا انْفَتَحَ عَلى قَلْبِهِ بابُ ذِكْرِ اللَّهِ ومَعْرِفَةِ اللَّهِ تَخَلَّصَ عَنْ نِيرانِ الآفاتِ وعَنْ حَسَراتِ الخَساراتِ، واسْتَشْعَرَ بِمَعْرِفَةِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ مَذْكُورٌ في سُوَرٍ أرْبَعَةٍ:
أوَّلُها: هَذِهِ السُّورَةُ.
وثانِيها: في آخِرِ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] .
وثالِثُها: في أوَّلِ طه، وهو قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] .
ورابِعُها: في آخِرِ الحَشْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الحشر: ٢٤] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: (الأسْماءُ) ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى المَعانِي فَهي إنَّما تَحْسُنُ بِحُسْنِ مَعانِيها ومَفْهُوماتِها، ولا مَعْنى لِلْحُسْنِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى إلّا ذِكْرُ صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ، وهي مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: عَدَمُ
صفحة ٥٥
افْتِقارِهِ إلى غَيْرِهِ، وثُبُوتُ افْتِقارِ غَيْرِهِ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ لَنا في تَفْسِيرِ أسْماءِ اللَّهِ كِتابًا كَثِيرَ الدَّقائِقِ شَرِيفَ الحَقائِقِ سَمَّيْناهُ بِلَوامِعِ البَيِّناتِ في تَفْسِيرِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، مَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ فِيهِ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ هَهُنا لُمَعًا ونُكَتًا مِنها. فَنَقُولُ: إنَّ أسْماءَ اللَّهِ يُمْكِنُ تَقْسِيمُها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: الِاسْمُ إمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلذّاتِ، أوْ لِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الذّاتِ، أوْ لِصِفَةٍ خارِجَةٍ عَنِ الذّاتِ قائِمَةٍ بِها. أمّا اسْمُ الذّاتِ فَهو المُسَمّى بِالِاسْمِ الأعْظَمِ، وفي كَشْفِ الغِطاءِ عَمّا فِيهِ مِنَ المُباحَثاتِ أسْرارٌ. وأمّا اسْمُ جُزْءِ الذّاتِ فَهو في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ؛ لِأنَّ هَذا إنَّما يُفْعَلُ في الذّاتِ المُرَكَّبَةِ مِنَ الأجْزاءِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُمْكِنٌ، فَواجِبُ الوُجُودِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ.
وأمّا اسْمُ الصِّفَةِ فَنَقُولُ: الصِّفَةُ إمّا أنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً أوْ إضافِيَّةً أوْ سَلْبِيَّةً، أوْ ما يَتَرَكَّبُ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وهي أرْبَعَةٌ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً حَقِيقِيَّةً مَعَ إضافَةٍ أوْ مَعَ سَلْبٍ أوْ صِفَةً سَلْبِيَّةً مَعَ إضافَةٍ أوْ مَجْمُوعَ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وإضافَةٍ وسَلْبِيَّةٍ. أمّا الصِّفَةُ الحَقِيقِيَّةُ العارِيَةُ عَنِ الإضافَةِ فَكَقَوْلِنا مَوْجُودٌ عِنْدَ مَن يَقُولُ: الوُجُودُ صِفَةٌ، أوْ قَوْلُنا واحِدٌ، عِنْدَ مَن يَقُولُ: الوَحْدَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وكَقَوْلِنا حَيٌّ، فَإنَّ الحَياةَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ عارِيَةٌ عَنِ النَّسَبِ والإضافاتِ، وأمّا الصِّفَةُ الإضافِيَّةُ المَحْضَةُ، فَكَقَوْلِنا: مَذْكُورٌ ومَعْلُومٌ، وأمّا الصِّفَةُ السَّلْبِيَّةُ، فَكَقَوْلِنا: القُدُّوسُ السَّلامُ. وأمّا الصِّفَةُ الحَقِيقِيَّةُ مَعَ الإضافَةِ، فَكَقَوْلِنا: عالِمٌ وقادِرٌ، فَإنَّ العِلْمَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، ولَهُ تَعَلُّقٌ بِالمَعْلُومِ والقادِرِ، فَإنَّ القُدْرَةَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، ولَها تَعَلُّقٌ بِالمَقْدُورِ، وأمّا الصِّفَةُ الحَقِيقِيَّةُ مَعَ السَّلْبِيَّةِ. فَكَقَوْلِنا: قَدِيمٌ أزَلِيٌّ، لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ لا أوَّلَ لَهُ. وأمّا الصِّفَةُ الإضافِيَّةُ مَعَ السَّلْبِيَّةِ، فَكَقَوْلِنا: أوَّلُ. فَإنَّهُ هو الَّذِي سَبَقَ غَيْرَهُ وما سَبَقَهُ غَيْرُهُ، وأمّا الصِّفَةُ الحَقِيقِيَّةُ مَعَ الإضافَةِ والسَّلْبِ، فَكَقَوْلِنا: حَكِيمٌ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يَعْلَمُ حَقائِقَ الأشْياءِ، ولا يَفْعَلُ ما لا يَجُوزُ فِعْلُهُ، فَصِفَةُ العِلْمِ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وكَوْنُ هَذِهِ الصِّفَةِ مُتَعَلِّقَةً بِالمَعْلُوماتِ، نَسَبٌ وإضافاتٌ، وكَوْنُهُ غَيْرَ فاعِلٍ لِما لا يَنْبَغِي سَلْبٌ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: السُّلُوبُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والإضافاتُ أيْضًا غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَكَوْنُهُ خالِقًا لِلْمَخْلُوقاتِ صِفَةٌ إضافِيَّةٌ، وكَوْنُهُ مُحْيِيًا ومُمِيتًا إضافاتٌ مَخْصُوصَةٌ، وكَوْنُهُ رازِقًا أيْضًا إضافَةٌ أُخْرى مَخْصُوصَةٌ. فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الِاعْتِباراتِ أسْماءٌ لا نِهايَةَ لَها لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّ مَقْدُوراتِهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، ولَمّا كانَ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ كُنْهِ ذاتِهِ، وإنَّما السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَتِهِ بِمَعْرِفَةِ أفْعالِهِ فَكُلُّ مَن كانَ وُقُوفُهُ عَلى أسْرارِ حِكْمَتِهِ في مَخْلُوقاتِهِ أكْثَرَ، كانَ عِلْمُهُ بِأسْماءِ اللَّهِ أكْثَرَ، ولَمّا كانَ هَذا بَحْرًا لا ساحِلَ لَهُ ولا نِهايَةَ لَهُ، فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِمَعْرِفَةِ أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى.
النَّوْعُ الثّانِي في تَقْسِيمِ أسْماءِ اللَّهِ: ما قالَهُ المُتَكَلِّمُونَ: وهو أنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةُ أنْواعٍ: ما يَجِبُ، ويَجُوزُ، ويَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ تَعالى. ولِلَّهِ تَعالى بِحَسَبِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ أسْماءٌ مَخْصُوصَةٌ.
والنَّوْعُ الثّالِثُ في تَقْسِيمِ أسْماءِ اللَّهِ: أنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى إمّا أنْ تَكُونَ ذاتِيَّةً، أوْ مَعْنَوِيَّةً، أوْ كانَتْ مِن صِفاتِ الأفْعالِ.
صفحة ٥٦
والنَّوْعُ الرّابِعُ في تَقْسِيمِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: إمّا أنْ يَجُوزَ إطْلاقُها عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، أوْ لا يَجُوزُ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو كَقَوْلِنا: الكَرِيمُ الرَّحِيمُ العَزِيزُ اللَّطِيفُ الكَبِيرُ الخالِقُ، فَإنَّ هَذِهِ الألْفاظَ يَجُوزُ إطْلاقُها عَلى العِبادِ، وإنْ كانَ مَعْناها في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُغايِرًا لِمَعْناها في حَقِّ العِبادِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي فَهو كَقَوْلِنا: اللَّهُ الرَّحْمَنُ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَإنَّها إذا قُيِّدَتْ بِقُيُودٍ مَخْصُوصَةٍ صارَتْ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إطْلاقُها إلّا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِنا: يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ، ويا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ، ويا خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِينَ.
النَّوْعُ الخامِسُ في تَقْسِيمِ أسْماءِ اللَّهِ أنْ يُقالَ: مِن أسْماءِ اللَّهِ ما يُمْكِنُ ذِكْرُهُ وحْدَهُ، كَقَوْلِنا: يا اللَّهُ، يا رَحْمَنُ، يا حَيُّ، يا حَكِيمُ، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، كَقَوْلِنا: مُمِيتٌ وضارٌّ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ إفْرادُهُ بِالذِّكْرِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُقالَ: يا مُحْيِي يا مُمِيتُ يا ضارُّ يا نافِعُ.
النَّوْعُ السّادِسُ في تَقْسِيمِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُقالَ: أوَّلُ ما يُعْلَمُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى كَوْنُهُ مُحْدِثًا لِلْأشْياءِ مُرَجِّحًا لِوُجُودِها عَلى عَدَمِها، وذَلِكَ لِأنّا إنَّما نَعْلَمُ وُجُودَهُ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ الِاسْتِدْلالِ بِوُجُودِ المُمْكِناتِ عَلَيْهِ، فَإذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا العالَمَ المَحْسُوسَ مُمْكِنُ الوُجُودِ والعَدَمِ لِذاتِهِ، قَضى العَقْلُ بِافْتِقارِهِ إلى مُرَجِّحٍ يُرَجِّحُ وجُودَهُ عَلى عَدَمِهِ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ لَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَثَبَتَ أنَّ أوَّلَ ما يُعْلَمُ مِنهُ تَعالى هو كَوْنُهُ مُرَجِّحًا ومُؤَثِّرًا، ثُمَّ نَقُولُ ذَلِكَ المُرَجِّحُ إمّا أنْ يُرَجِّحَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الصِّحَّةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَدامَ العالِمُ بِدَوامِهِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَبَقِيَ أنَّهُ إنَّما رُجِّحَ عَلى سَبِيلِ الصِّحَّةِ، وكَوْنُهُ مُرَجِّحًا عَلى سَبِيلِ الصِّحَّةِ، لَيْسَ إلّا كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا، فَثَبَتَ أنَّ المَعْلُومَ مِنهُ بَعْدَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ مُرَجِّحًا، هو كَوْنُهُ قادِرًا. ثُمَّ إنّا بَعْدَ هَذا نَسْتَدِلُّ بِكَوْنِ أفْعالِهِ مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً عَلى كَوْنِهِ عالِمًا، ثُمَّ إنّا إذا عَلِمْنا كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عالِمًا، وعَلِمْنا أنَّ العالِمَ القادِرَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ إلّا حَيًّا، عَلِمْنا مِن كَوْنِهِ قادِرًا عالِمًا، كَوْنَهُ حَيًّا. فَظَهَرَ بِهَذا أنَّهُ لَيْسَ العِلْمُ بِصِفاتِهِ تَعالى وبِأسْمائِهِ واقِعًا في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، بَلِ العِلْمُ بِها عُلُومٌ مُتَرَتَّبَةٌ يُسْتَفادُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّ الأسْماءَ الحُسْنى لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ تَعالى، والبُرْهانُ العَقْلِيُّ قَدْ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا الواحِدُ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ الواحِدِ، فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ، فَهو مُحْتاجٌ في ماهِيَّتِهِ وفي وُجُودِهِ، وفي جَمِيعِ صِفاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ والإضافِيَّةِ والسَّلْبِيَّةِ إلى تَكْوِينِ الواجِبِ لِذاتِهِ، ولَوْلاهُ لَبَقِيَ عَلى العَدَمِ المَحْضِ والسَّلْبِ الصِّرْفِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، وكَمالُ كُلِّ ما سِواهُ فَهو حاصِلٌ بِجُودِهِ وإحْسانِهِ، فَكُلُّ كَمالٍ وجَلالٍ وشَرَفٍ، فَهو لَهُ سُبْحانَهُ بِذاتِهِ ولِذاتِهِ وفي ذاتِهِ، ولِغَيْرِهِ عَلى سَبِيلِ العارِيَةِ، والَّذِي لِغَيْرِهِ مِن ذاتِهِ، فَهو الفَقْرُ والحاجَةُ والنُّقْصانُ والعَدَمُ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ البَيِّنِ أنَّ الأسْماءَ الحُسْنى لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ، والصِّفاتِ الحُسْنى لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ، فَهو غَرَقٌ في بَحْرِ الفَناءِ والنُّقْصانِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ أسْماءَ اللَّهِ لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ، والصِّفاتِ الحُسْنى لَيْسَتْ إلّا لِلَّهِ، فَيَجِبُ كَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالحُسْنِ والكَمالِ فَهَذا يُفِيدُ أنَّ كُلَّ اسْمٍ لا يُفِيدُ في المُسَمّى صِفَةَ كَمالٍ وجَلالٍ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وعِنْدَ هَذا نُقِلَ عَنْ جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ أنَّهُ قالَ: لا أُطْلِقُ عَلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى
صفحة ٥٧
اسْمَ الشَّيْءِ. قالَ: لِأنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يَقَعُ عَلى أخَسِّ الأشْياءِ وأكْثَرِها حَقارَةً وأبْعَدِها عَنْ دَرَجاتِ الشَّرَفِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ لا يُفِيدُ في المُسَمّى شَرَفًا ورُتْبَةً وجَلالَةً.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ثَبَتَ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى الشَّرَفِ والكَمالِ، وثَبَتَ أنَّ اسْمَ الشَّيْءِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فامْتَنَعَ تَسْمِيَةُ اللَّهِ بِكَوْنِهِ شَيْئًا. قالَ ومَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ هَذا نِزاعًا في كَوْنِهِ في نَفْسِهِ حَقِيقَةً وذاتًا ومَوْجُودًا، إنَّما النِّزاعُ وقَعَ في مَحْضِ اللَّفْظِ، وهو أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ بِهَذا اللَّفْظِ أمْ لا ؟ فَأمّا قَوْلُنا إنَّهُ مُنْشِئُ الأشْياءِ، فَهو اسْمٌ يُفِيدُ المَدْحَ والجَلالَ والشَّرَفَ، فَكانَ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلى اللَّهِ حَقًّا، ثُمَّ أكَّدَ هَذِهِ الحُجَّةَ بِأنْواعٍ أُخَرَ مِنَ الدَّلائِلِ:
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] مَعْناهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، ولا شَكَّ أنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ مِثْلٌ لِمِثْلِ نَفْسِهِ. فَلَمّا ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ، ودَلَّ الدَّلِيلُ القُرْآنِيُّ عَلى أنَّ مِثْلَ مِثْلِ اللَّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، كانَ هَذا تَصْرِيحًا بِأنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ (الكافُ) في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ [الشُّورى: ١١] حَرْفٌ زائِدٌ لا فائِدَةَ فِيهِ، لِأنَّ حَمْلَ كَلامِ اللَّهِ عَلى اللَّغْوِ والعَبَثِ وعَدَمِ الفائِدَةِ بَعِيدٌ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ولَوْ كانَ تَعالى داخِلًا تَحْتَ اسْمِ الشَّيْءِ لَزِمَ كَوْنُهُ تَعالى خالِقًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ. لا يُقالُ هَذا عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، لِأنّا نَقُولُ هَذا كَلامٌ لا بُدَّ مِنَ البَحْثِ عَنْهُ، فَنَقُولُ: ثَبَتَ بِحَسَبِ العُرْفِ المَشْهُورِ أنَّهم يُقِيمُونَ الأكْثَرَ مُقامَ الكُلِّ، ويُقِيمُونَ الشّاذَّ النّادِرَ مُقامَ العَدَمِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ إذا حَصَلَ الأكْثَرُ الأغْلَبُ وكانَ الغالِبُ الشّاذُّ الخارِجُ نادِرًا، ألْحَقُوا ذَلِكَ الأكْثَرَ بِالكُلِّ، وألْحَقُوا ذَلِكَ النّادِرَ بِالمَعْدُومِ، وأطْلَقُوا لَفْظَ الكُلِّ عَلَيْهِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ الشّاذَّ النّادِرَ مِن بابِ تَخْصِيصِ العُمُومِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصْدُقَ عَلى اللَّهِ تَعالى اسْمُ الشَّيْءِ كانَ أعْظَمُ الأشْياءِ هو اللَّهُ تَعالى، وإدْخالُ التَّخْصِيصِ في مِثْلِ هَذا المُسَمّى يَكُونُ مِن بابِ الكَذِبِ، فَوَجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ حَتّى لا يَلْزَمَنا هَذا المَحْذُورُ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: هَذا الِاسْمُ ما ورَدَ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وما رَأيْنا أحَدًا مِنَ السَّلَفِ قالَ في دُعائِهِ يا شَيْءُ، فَوَجَبَ الِامْتِناعُ مِنهُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ في كِتابِ اللَّهِ أنَّ الآيَةَ الَّتِي يُتَوَهَّمُ اشْتِمالُها عَلى هَذا الِاسْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، فَسَقَطَ الكَلامُ فِيهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَقَوْلُنا: مَوْجُودٌ ومَذْكُورٌ وذاتٌ ومَعْلُومٌ، ألْفاظٌ لا تَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ والجَلالِ، فَوَجَبَ أنْ تَقُولُوا إنَّهُ لا يَجُوزُ إطْلاقُها عَلى اللَّهِ تَعالى. فَنَقُولُ: الحَقُّ في هَذا البابِ التَّفْصِيلُ، وهو أنّا نَقُولُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِكَ: إنَّهُ تَعالى شَيْءٌ، وذاتٌ، وحَقِيقَةٌ ؟ إنْ عَنَيْتَ أنَّهُ تَعالى في نَفْسِهِ ذاتٌ وحَقِيقَةٌ وثابِتٌ ومَوْجُودٌ وشَيْءٌ، فَهو كَذَلِكَ مِن غَيْرِ شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ، وإنْ عَنَيْتَ بِهِ أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُنادى بِهَذِهِ الألْفاظِ أمْ لا ؟ فَنَقُولُ لا يَجُوزُ؛ لِأنّا رَأيْنا السَّلَفَ يَقُولُونَ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ إلى سائِرِ الأسْماءِ الشَّرِيفَةِ، وما رَأيْنا ولا سَمِعْنا أنَّ أحَدًا يَقُولُ: يا ذاتُ يا حَقِيقَةُ يا مَفْهُومُ ويا مَعْلُومُ، فَكانَ الِامْتِناعُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الألْفاظِ في مَعْرِضِ النِّداءِ
صفحة ٥٨
والدُّعاءِ واجِبًا لِلَّهِ تَعالى. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى حَصَلَتْ لَهُ أسْماءٌ حَسَنَةٌ، وأنَّهُ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ لا اصْطِلاحِيَّةٌ. ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا جَوادُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا سَخِيُّ، ولا أنْ يُقالَ يا عاقِلُ يا طَبِيبُ يا فَقِيهُ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ لا اصْطِلاحِيَّةٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الِاسْمَ غَيْرُ المُسَمّى لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ أسْماءَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لِأنَّ لَفْظَ الأسْماءِ الجَمْعُ، وهي تُفِيدُ الثَّلاثَةَ فَما فَوْقَها، فَثَبَتَ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ واحِدٌ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ الِاسْمَ غَيْرُ المُسَمّى وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ يَقْتَضِي إضافَةَ الأسْماءِ إلى اللَّهِ، وإضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مُحالٌ. وأيْضًا فَلَوْ قِيلَ: ولِلَّهِ الذَّواتُ لَكانَ باطِلًا. ولَمّا قالَ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ﴾ كانَ حَقًّا وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْمَ غَيْرُ المُسَمّى.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَدْعُو رَبَّهُ إلّا بِتِلْكَ الأسْماءِ الحُسْنى، وهَذِهِ الدَّعْوَةُ لا تَتَأتّى إلّا إذا عَرَفَ مَعانِيَ تِلْكَ الأسْماءِ، وعَرَفَ بِالدَّلِيلِ أنَّ لَهُ إلَهًا ورَبًّا خالِقًا مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ المُقَدَّسَةِ، فَإذا عَرَفَ بِالدَّلِيلِ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ أنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ بِتِلْكَ الأسْماءِ والصِّفاتِ، ثُمَّ إنَّ لِتِلْكَ الدَّعْوَةِ شَرائِطَ كَثِيرَةً مَذْكُورَةً بِالِاسْتِقْصاءِ في كِتابِ (المِنهاجِ) لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الحَلِيمِيِّ، وأحْسَنُ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: عِزَّةُ الرُّبُوبِيَّةِ.
والثّانِيَةُ: ذِلَّةُ العُبُودِيَّةِ.
فَهُناكَ يَحْسُنُ الدُّعاءُ ويَعْظُمُ مَوْقِعُ ذَلِكَ الذِّكْرِ. فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ قَلِيلَ الفائِدَةِ، وأنا أذْكُرُ لِهَذا المَعْنى مِثالًا، وهو أنَّ مَن أرادَ أنْ يَقُولَ في تَحْرِيمَةِ صَلاتِهِ اللَّهُ أكْبَرُ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَسْتَحْضِرَ في النِّيَّةِ جَمِيعَ ما أمْكَنَهُ مِن مَعْرِفَةِ آثارِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ نَفْسِهِ وبَدَنِهِ وقُواهُ العَقْلِيَّةِ والحِسِّيَّةِ أوِ الحَرَكِيَّةِ، ثُمَّ يَتَعَدّى مِن نَفْسِهِ إلى اسْتِحْضارِ آثارِ حِكْمَةِ اللَّهِ في تَخْلِيقِ جَمِيعِ النّاسِ، وجَمِيعِ الحَيَواناتِ، وجَمِيعِ أصْنافِ النَّباتِ والمَعادِنِ، والآثارِ العُلْوِيَّةِ مِنَ الرَّعْدِ والبَرْقِ والصَّواعِقِ الَّتِي تُوجَدُ في كُلِّ أطْرافِ العالَمِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ آثارَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ الأرْضِينَ والجِبالِ والبِحارِ والمَفاوِزِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ آثارَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ طَبَقاتِ العَناصِرِ السُّفْلِيَّةِ والعُلْوِيَّةِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ آثارَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ أطْباقِ السَّماواتِ عَلى سَعَتِها وعِظَمِها، وفي تَخْلِيقِ أجْرامِ النَّيِّراتِ مِنَ الثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ آثارَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ الكُرْسِيِّ وسِدْرَةِ المُنْتَهى، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ آثارَ قُدْرَتِهِ في تَخْلِيقِ العَرْشِ العَظِيمِ المُحِيطِ بِكُلِّ هَذِهِ المَوْجُوداتِ، ثُمَّ يَسْتَحْضِرُ آثارَ قُدْرَتِهِ في تَخْلِيقِ المَلائِكَةِ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وجُنُودِ عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، فَلا يَزالُ يَسْتَحْضِرُ مِن هَذِهِ الدَّرَجاتِ والمَراتِبِ أقْصى ما يَصِلُ إلَيْهِ فَهْمُهُ وعَقْلُهُ وذِكْرُهُ وخاطِرُهُ وخَيالُهُ، ثُمَّ عِنْدَ اسْتِحْضارِ جَمِيعِ هَذِهِ الرُّوحانِيّاتِ والجُسْمانِيّاتِ عَلى تَفاوُتِ دَرَجاتِها وتَبايُنِ مَنازِلِها ومَراتِبِها، يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ، ويُشِيرُ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ إلى المَوْجُودِ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ وأخْرَجَها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ورَتَّبَها بِما لَها مِنَ الصِّفاتِ والنُّعُوتِ، وبِقَوْلِهِ: أكْبَرُ أيْ أنَّهُ لا يُشْبِهُ لِكِبْرِيائِهِ وجَبَرُوتِهِ وعِزِّهِ وعُلُوِّهِ وصَمَدِيَّتِهِ هَذِهِ الأشْياءَ بَلْ هو أكْبَرُ مِن أنْ يُقالَ: إنَّهُ أكْبَرُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ. فَإذا عَرَفْتَ هَذا المِثالَ الواحِدَ فَقِسِ الذِّكْرَ الحاصِلَ مَعَ العِرْفانِ والشُّعُورِ، وعِنْدَها يَنْفَتِحُ عَلى عَقْلِكَ نَسَمَةٌ مِنَ الأسْرارِ المُودَعَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ .
* * *
صفحة ٥٩
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”يَلْحُدُونَ“ ووافَقَهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ في النَّحْلِ. قالَ الفَرّاءُ: ”يَلْحُدُونَ“، ”ويُلْحِدُونَ“ لُغَتانِ: يُقالُ: لَحَدْتُ لَحْدًا وألْحَدْتُ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى الإلْحادِ في اللُّغَةِ المَيْلُ عَنِ القَصْدِ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: المُلْحِدُ العادِلُ عَنِ الحَقِّ المُدْخِلُ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ. يُقالُ: قَدْ ألْحَدَ في الدِّينِ ولَحَدَ، وقالَ أبُو عَمْرٍو مِن أهْلِ اللُّغَةِ: الإلْحادُ: العَدْلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ والِانْحِرافُ عَنْها. ومِنهُ اللَّحْدُ الَّذِي يُحْفَرُ في جانِبِ القَبْرِ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والأجْوَدُ قِراءَةُ العامَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ﴾ والإلْحادُ أكْثَرُ في كَلامِهِمْ لِقَوْلِهِمْ: مُلْحِدٌ، ولا تَكادُ تَسْمَعُ العَرَبَ يَقُولُونَ لاحِدٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُحَقِّقُونَ: الإلْحادُ في أسْماءِ اللَّهِ يَقَعُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: إطْلاقُ أسْماءِ اللَّهِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ، مِثْلَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُسَمُّونَ الأوْثانَ بِآلِهَةٍ، ومِن ذَلِكَ أنَّهم سَمَّوْا أصْنامًا بِاللّاتِ والعُزّى والمَناةِ، واشْتِقاقُ اللّاتِ مِنَ الإلَهِ، والعُزّى مِنَ العَزِيزِ، واشْتِقاقُ مَناةَ مِنَ المَنّانِ. وكانَ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ لَقَّبَ نَفْسَهُ بِالرَّحْمَنِ.
والثّانِي: أنْ يُسَمُّوا اللَّهَ بِما لا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ بِهِ، مِثْلَ تَسْمِيَةِ مَن سَمّاهُ أبًا لِلْمَسِيحِ. وقَوْلُ جُمْهُورِ النَّصارى: أبٌ، وابْنٌ، ورُوحُ القُدُسِ، ومِثْلَ أنَّ الكَرّامِيَّةَ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الجِسْمِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ويُسَمُّونَهُ بِهِ، ومِثْلَ أنَّ المُعْتَزِلَةَ قَدْ يَقُولُونَ في أثْناءِ كَلامِهِمْ: لَوْ فَعَلَ تَعالى كَذا وكَذا لَكانَ سَفِيهًا مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ، وهَذِهِ الألْفاظُ مُشْعِرَةٌ بِسُوءِ الأدَبِ. قالَ أصْحابُنا: ولَيْسَ كُلُّ ما صَحَّ مَعْناهُ جازَ إطْلاقُهُ بِاللَّفْظِ في حَقِّ اللَّهِ، فَإنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِجَمِيعِ الأجْسامِ، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا خالِقَ الدِّيدانِ والقُرُودِ والقِرْدانِ، بَلِ الواجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الأذْكارِ، وأنْ يُقالَ: يا خالِقَ الأرْضِ والسَّماواتِ يا مُقِيلَ العَثَراتِ يا راحِمَ العَبَراتِ إلى غَيْرِها مِنَ الأذْكارِ الجَمِيلَةِ الشَّرِيفَةِ.
والثّالِثُ: أنْ يَذْكُرَ العَبْدُ رَبَّهُ بِلَفْظٍ لا يَعْرِفُ مَعْناهُ ولا يَتَصَوَّرُ مُسَمّاهُ، فَإنَّهُ رُبَّما كانَ مُسَمّاهُ أمْرًا غَيْرَ لائِقٍ بِجَلالِ اللَّهِ، فَهَذِهِ الأقْسامُ الثَّلاثَةُ هي الإلْحادُ في الأسْماءِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَلْ يَلْزَمُ مِن وُرُودِ الأوَّلِ في إطْلاقِ لَفْظِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ سائِرُ الألْفاظِ المُشْتَقَّةِ مِنهُ عَلى الإطْلاقِ ؟
قُلْنا: الحَقُّ عِنْدِي أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولا في حَقِّ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ لَفْظَ ”عَلَّمَ“ ورَدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى في آياتٍ مِنها قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١]،﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]،﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]،﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١، ٢]، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى يا مُعَلِّمُ، وأيْضًا ورَدَ قَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ثُمَّ لا يَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُقالَ يا مُحِبُّ. وأمّا في حَقِّ الأنْبِياءِ، فَقَدْ ورَدَ في حَقِّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١]، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ آدَمَ كانَ عاصِيًا غاوِيًا، ووَرَدَ في حَقِّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -﴿ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦] ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أجِيرًا، والضّابِطُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ المُوهِمَةَ يَجِبُ الِاقْتِصارُ فِيها عَلى الوارِدِ، فَأمّا التَّوَسُّعُ بِإطْلاقِ الألْفاظِ المُشْتَقَّةِ مِنها فَهي عِنْدِي مَمْنُوعَةٌ غَيْرُ جائِزَةٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَهو تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِمَن ألْحَدَ في أسْماءِ اللَّهِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلى إثْباتِ العَمَلِ لِلْعَبْدِ، وعَلى أنَّ الجَزاءَ مُفَرَّعٌ عَلى عَمَلِهِ وفِعْلِهِ.
الأعراف 7:181
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ فَأخْبَرَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ مَخْلُوقُونَ لِلنّارِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لِيُبَيِّنَ أيْضًا أنَّ كَثِيرًا مِنهم مَخْلُوقُونَ لِلْجَنَّةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في قِصَّةِ مُوسى قَوْلَهُ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٩ ] فَلَمّا أعادَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ هَهُنا حَمَلَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ قَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورَوى قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها هَذِهِ الأُمَّةُ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: («هَذِهِ فِيهِمْ وقَدْ أعْطى اللَّهُ قَوْمَ مُوسى مِثْلَها» ) وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: قَرَأ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: («إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ» ) وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المُهاجِرِينَ والأنْصارَ. قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَخْلُو زَمانٌ البَتَّةَ عَمَّنْ يَقُومُ بِالحَقِّ ويَعْمَلُ بِهِ ويَهْدِي إلَيْهِ وأنَّهم لا يَجْتَمِعُونَ في شَيْءٍ مِنَ الأزْمِنَةِ عَلى الباطِلِ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ زَمانَ وُجُودِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو الزَّمانُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ. أوِ المُرادُ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ زَمانٌ مِنَ الأزْمِنَةِ حَصَلَ فِيهِ قَوْمٌ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، أوِ المُرادُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ لا يَخْلُو زَمانٌ مِنَ الأزْمِنَةِ عَنْ قَوْمٍ مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ ظاهِرًا لِكُلِّ النّاسِ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ عَلى الحَقِّ، فَحَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى يُخْرِجُهُ عَنِ الفائِدَةِ، والثّانِي باطِلٌ أيْضًا؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ زَمانٌ ما في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ حَصَلَ فِيهِ جَمْعٌ مَنِ المُحِقِّينَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الثّالِثُ. وهو أدَلُّ عَلى أنَّهُ ما خَلا زَمانٌ عَنْ قَوْمٍ مِنَ المُحِقِّينَ وأنَّ إجْماعَهم حُجَّةٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إجْماعَ سائِرِ الأُمَمِ حُجَّةٌ.
الأعراف 7:182
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الأُمَّةِ الهادِيَةَ العادِلَةَ، أعادَ ذِكْرَ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، وما عَلَيْهِمْ مِنَ الوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهَذا يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَذِّبِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ أهْلُ مَكَّةَ، وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ صِفَةَ العُمُومِ يَتَناوَلُ الكُلَّ، إلّا ما دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى خُرُوجِهِ مِنهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ فالِاسْتِدْراجُ الِاسْتِفْعالُ مِنَ الدَّرَجَةِ بِمَعْنى الِاسْتِصْعادِ أوِ الِاسْتِنْزالِ، دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَ القَوْمُ، ماتَ بَعْضُهم عَقِيبَ بَعْضِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا اللَّفْظُ مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّرْجِ وهو لَفُّ الشَّيْءِ وطَيُّهُ جُزْءًا فَجُزْءًا.
إذا عَرَفْتَ هَذا فالمَعْنى سَنُقَرِّبُهم إلى ما يُهْلِكُهم، ونُضاعِفُ عِقابَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم كُلَّما أتَوْا بِجُرْمٍ أوْ أقْدَمُوا عَلى ذَنْبٍ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بابًا مِن أبْوابِ النِّعْمَةِ والخَيْرِ في الدُّنْيا، فَيَزْدادُونَ بَطَرًا وانْهِماكًا في الفَسادِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، ويَتَدَرَّجُونَ في المَعاصِي بِسَبَبِ تَرادُفِ تِلْكَ النِّعَمِ، ثُمَّ
صفحة ٦١
يَأْخُذُهُمُ اللَّهُ دُفْعَةً واحِدَةً عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُ، ولِهَذا قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا حُمِلَ إلَيْهِ كُنُوزُ كِسْرى: ( اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أكُونَ مُسْتَدْرَجًا فَإنِّي سَمِعْتُكَ تَقُولُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ الإمْلاءُ في اللُّغَةِ الإمْهالُ وإطالَةُ المُدَّةِ ونَقِيضُهُ الإعْجالُ والمَلِيُّ زَمانٌ طَوِيلٌ مِنَ الدَّهْرِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أيْ طَوِيلًا. ويُقالُ: مَلْوَةٌ ومُلْوَةٌ ومِلاوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ أيْ زَمانٌ طَوِيلٌ، فَمَعْنى﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ أُمْهِلُهم وأُطِيلُ لَهم مُدَّةَ عُمُرِهِمْ لِيَتَمادُوا في المَعاصِي ولا أُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ عَلى المَعْصِيَةِ لِيُقْلِعُوا عَنْها بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ، والمَتِينُ مِن كُلِّ شَيْءٍ هو القَوِيُّ، يُقالُ مَتُنَ مَتانَةً.
واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا احْتَجُّوا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ بِهَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ، وهي الِاسْتِدْراجُ والإمْلاءُ والكَيْدُ المَتِينُ، وكُلُّها تَدَلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالعَبْدِ ما يَسُوقُهُ إلى الكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ ضِدُّ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ.
أجابَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، بِأنَّ المُرادَ مِنَ الِاسْتِدْراجِ، أنَّهُ تَعالى اسْتَدْرَجَهم إلى العُقُوباتِ حَتّى يَقَعُوا فِيها مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، اسْتِدْراجًا لَهم إلى ذَلِكَ حَتّى يَقَعُوا فِيهِ بَغْتَةً، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في الدُّنْيا كالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ. قالَ وقَدْ قالَ بَعْضُ المُجْبِرَةِ المُرادُ: سَنَسْتَدْرِجُهم إلى الكُفْرِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. قالَ: وذَلِكَ فاسِدٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِتَقَدُّمِ كُفْرِهِمْ، فالَّذِي يَسْتَدْرِجُهم إلَيْهِ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ؛ لِأنَّ السِّينَ في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ يُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ، ولا يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنْ يَسْتَدْرِجَهم إلى كُفْرٍ آخَرَ لِجَوازِ أنْ يُمِيتَهم قَبْلَ أنْ يُوقِعَهم في كُفْرٍ آخَرَ، فالمُرادُ إذَنْ: ما قُلْناهُ، ولِأنَّهُ تَعالى لا يُعاقِبُ الكافِرَ بِأنْ يَخْلُقَ فِيهِ كُفْرًا آخَرَ، والكُفْرُ هو فِعْلُهُ، وإنَّما يُعاقِبُهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ فَمَعْناهُ: أنِّي أُبْقِيهِمْ في الدُّنْيا مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ولا أُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ لِأنَّهم لا يَفُوتُونَنِي ولا يُعْجِزُونَنِي، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ لِأنَّ كَيْدَهُ هو عَذابُهُ، وسَمّاهُ كَيْدًا لِنُزُولِهِ بِالعِبادِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ مَعْناهُ: ما ذَكَرْنا أنَّهم كُلَّما زادُوا تَمادِيًا في الذَّنْبِ والكُفْرِ، زادَهُمُ اللَّهُ نِعْمَةً وخَيْرًا في الدُّنْيا، فَيَصِيرُ فَوْزُهم بِلَذّاتِ الدُّنْيا سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وبُعْدًا عَنِ الرُّجُوعِ إلى طاعَةِ اللَّهِ، هَذِهِ حالَةٌ نُشاهِدُها في بَعْضِ النّاسِ، وإذا كانَ هَذا أمْرًا مَحْسُوسًا مُشاهَدًا فَكَيْفَ يُمْكِنُ إنْكارُهُ.
الثّانِي: هَبْ أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِدْراجُ إلى العِقابِ، إلّا أنَّ هَذا أيْضًا يُبْطِلُ القَوْلَ بِأنَّهُ تَعالى ما أرادَ بِعَبْدِهِ إلّا الخَيْرَ والصَّلاحَ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْراجَ، وهَذا الإمْهالَ، مِمّا قَدْ يَزِيدُ بِهِ عُتُوًّا وكُفْرًا وفَسادًا واسْتِحْقاقَ العِقابِ الشَّدِيدِ، فَلَوْ أرادَ بِهِ الخَيْرَ لَأماتَهُ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ مُسْتَوْجِبًا لِتِلْكَ الزِّياداتِ مِنَ العُقُوبَةِ بَلْ لَكانَ يَجِبُ في حِكْمَتِهِ ورِعايَتِهِ لِلْمَصالِحِ أنْ لا يَخْلُقَهُ ابْتِداءً صَوْنًا لَهُ عَنْ هَذا العِقابِ، أوْ أنْ يَخْلُقَهُ لَكِنَّهُ يُمِيتُهُ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ في حَدِّ التَّكْلِيفِ، أوْ أنْ لا يَخْلُقَهُ إلّا في الجَنَّةِ، صَوْنًا لَهُ عَنِ الوُقُوعِ في آفاتِ الدُّنْيا وفي عِقابِ الآخِرَةِ، فَلَمّا خَلَقَهُ في الدُّنْيا وألْقاهُ في ورْطَةِ التَّكْلِيفِ، وأطالَ عُمُرَهُ ومَكَّنَهُ مِنَ المَعاصِي مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ إلّا مَزِيدَ الكُفْرِ والفِسْقِ واسْتِحْقاقَ العِقابِ، عَلِمْنا أنَّهُ ما خَلَقَهُ إلّا لِلْعَذابِ وإلّا لِلنّارِ، كَما شَرَحَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي قَوْلُهُ:
صفحة ٦٢
﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وأنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِن هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم يَرَوْنَ القُرْآنَ كالبَحْرِ الَّذِي لا ساحِلَ لَهُ مَمْلُوءًا مِن هَذِهِ الآياتِ والدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ مُطابِقَةً لَها، ثُمَّ إنَّهم يَكْتَفُونَ في تَأْوِيلاتِ هَذِهِ الآياتِ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الضَّعِيفَةِ والكَلِماتِ الواهِيَةِ، إلّا أنَّ عِلْمِي بِأنَّ ما أرادَهُ اللَّهُ كائِنٌ يُزِيلُ هَذا التَّعَجُّبَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:183
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الأُمَّةِ الهادِيَةَ العادِلَةَ، أعادَ ذِكْرَ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، وما عَلَيْهِمْ مِنَ الوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهَذا يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَذِّبِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ أهْلُ مَكَّةَ، وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ صِفَةَ العُمُومِ يَتَناوَلُ الكُلَّ، إلّا ما دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى خُرُوجِهِ مِنهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ فالِاسْتِدْراجُ الِاسْتِفْعالُ مِنَ الدَّرَجَةِ بِمَعْنى الِاسْتِصْعادِ أوِ الِاسْتِنْزالِ، دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا قارَبَ بَيْنَ خُطاهُ، وأدْرَجَ الكِتابَ طَواهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ودَرَجَ القَوْمُ، ماتَ بَعْضُهم عَقِيبَ بَعْضِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا اللَّفْظُ مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّرْجِ وهو لَفُّ الشَّيْءِ وطَيُّهُ جُزْءًا فَجُزْءًا.
إذا عَرَفْتَ هَذا فالمَعْنى سَنُقَرِّبُهم إلى ما يُهْلِكُهم، ونُضاعِفُ عِقابَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم كُلَّما أتَوْا بِجُرْمٍ أوْ أقْدَمُوا عَلى ذَنْبٍ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بابًا مِن أبْوابِ النِّعْمَةِ والخَيْرِ في الدُّنْيا، فَيَزْدادُونَ بَطَرًا وانْهِماكًا في الفَسادِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، ويَتَدَرَّجُونَ في المَعاصِي بِسَبَبِ تَرادُفِ تِلْكَ النِّعَمِ، ثُمَّ
صفحة ٦١
يَأْخُذُهُمُ اللَّهُ دُفْعَةً واحِدَةً عَلى غِرَّتِهِمْ أغْفَلَ ما يَكُونُ، ولِهَذا قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا حُمِلَ إلَيْهِ كُنُوزُ كِسْرى: ( اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أكُونَ مُسْتَدْرَجًا فَإنِّي سَمِعْتُكَ تَقُولُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ الإمْلاءُ في اللُّغَةِ الإمْهالُ وإطالَةُ المُدَّةِ ونَقِيضُهُ الإعْجالُ والمَلِيُّ زَمانٌ طَوِيلٌ مِنَ الدَّهْرِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أيْ طَوِيلًا. ويُقالُ: مَلْوَةٌ ومُلْوَةٌ ومِلاوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ أيْ زَمانٌ طَوِيلٌ، فَمَعْنى﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ أُمْهِلُهم وأُطِيلُ لَهم مُدَّةَ عُمُرِهِمْ لِيَتَمادُوا في المَعاصِي ولا أُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ عَلى المَعْصِيَةِ لِيُقْلِعُوا عَنْها بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إنَّ مَكْرِي شَدِيدٌ، والمَتِينُ مِن كُلِّ شَيْءٍ هو القَوِيُّ، يُقالُ مَتُنَ مَتانَةً.
واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا احْتَجُّوا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ بِهَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ، وهي الِاسْتِدْراجُ والإمْلاءُ والكَيْدُ المَتِينُ، وكُلُّها تَدَلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالعَبْدِ ما يَسُوقُهُ إلى الكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ ضِدُّ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ.
أجابَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، بِأنَّ المُرادَ مِنَ الِاسْتِدْراجِ، أنَّهُ تَعالى اسْتَدْرَجَهم إلى العُقُوباتِ حَتّى يَقَعُوا فِيها مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، اسْتِدْراجًا لَهم إلى ذَلِكَ حَتّى يَقَعُوا فِيهِ بَغْتَةً، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ في الدُّنْيا كالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابَ الآخِرَةِ. قالَ وقَدْ قالَ بَعْضُ المُجْبِرَةِ المُرادُ: سَنَسْتَدْرِجُهم إلى الكُفْرِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. قالَ: وذَلِكَ فاسِدٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِتَقَدُّمِ كُفْرِهِمْ، فالَّذِي يَسْتَدْرِجُهم إلَيْهِ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ؛ لِأنَّ السِّينَ في قَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ يُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ، ولا يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنْ يَسْتَدْرِجَهم إلى كُفْرٍ آخَرَ لِجَوازِ أنْ يُمِيتَهم قَبْلَ أنْ يُوقِعَهم في كُفْرٍ آخَرَ، فالمُرادُ إذَنْ: ما قُلْناهُ، ولِأنَّهُ تَعالى لا يُعاقِبُ الكافِرَ بِأنْ يَخْلُقَ فِيهِ كُفْرًا آخَرَ، والكُفْرُ هو فِعْلُهُ، وإنَّما يُعاقِبُهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ فَمَعْناهُ: أنِّي أُبْقِيهِمْ في الدُّنْيا مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ولا أُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ لِأنَّهم لا يَفُوتُونَنِي ولا يُعْجِزُونَنِي، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ لِأنَّ كَيْدَهُ هو عَذابُهُ، وسَمّاهُ كَيْدًا لِنُزُولِهِ بِالعِبادِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ مَعْناهُ: ما ذَكَرْنا أنَّهم كُلَّما زادُوا تَمادِيًا في الذَّنْبِ والكُفْرِ، زادَهُمُ اللَّهُ نِعْمَةً وخَيْرًا في الدُّنْيا، فَيَصِيرُ فَوْزُهم بِلَذّاتِ الدُّنْيا سَبَبًا لِتَمادِيهِمْ في الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وبُعْدًا عَنِ الرُّجُوعِ إلى طاعَةِ اللَّهِ، هَذِهِ حالَةٌ نُشاهِدُها في بَعْضِ النّاسِ، وإذا كانَ هَذا أمْرًا مَحْسُوسًا مُشاهَدًا فَكَيْفَ يُمْكِنُ إنْكارُهُ.
الثّانِي: هَبْ أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِدْراجُ إلى العِقابِ، إلّا أنَّ هَذا أيْضًا يُبْطِلُ القَوْلَ بِأنَّهُ تَعالى ما أرادَ بِعَبْدِهِ إلّا الخَيْرَ والصَّلاحَ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْراجَ، وهَذا الإمْهالَ، مِمّا قَدْ يَزِيدُ بِهِ عُتُوًّا وكُفْرًا وفَسادًا واسْتِحْقاقَ العِقابِ الشَّدِيدِ، فَلَوْ أرادَ بِهِ الخَيْرَ لَأماتَهُ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ مُسْتَوْجِبًا لِتِلْكَ الزِّياداتِ مِنَ العُقُوبَةِ بَلْ لَكانَ يَجِبُ في حِكْمَتِهِ ورِعايَتِهِ لِلْمَصالِحِ أنْ لا يَخْلُقَهُ ابْتِداءً صَوْنًا لَهُ عَنْ هَذا العِقابِ، أوْ أنْ يَخْلُقَهُ لَكِنَّهُ يُمِيتُهُ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ في حَدِّ التَّكْلِيفِ، أوْ أنْ لا يَخْلُقَهُ إلّا في الجَنَّةِ، صَوْنًا لَهُ عَنِ الوُقُوعِ في آفاتِ الدُّنْيا وفي عِقابِ الآخِرَةِ، فَلَمّا خَلَقَهُ في الدُّنْيا وألْقاهُ في ورْطَةِ التَّكْلِيفِ، وأطالَ عُمُرَهُ ومَكَّنَهُ مِنَ المَعاصِي مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ إلّا مَزِيدَ الكُفْرِ والفِسْقِ واسْتِحْقاقَ العِقابِ، عَلِمْنا أنَّهُ ما خَلَقَهُ إلّا لِلْعَذابِ وإلّا لِلنّارِ، كَما شَرَحَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي قَوْلُهُ:
صفحة ٦٢
﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وأنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِن هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم يَرَوْنَ القُرْآنَ كالبَحْرِ الَّذِي لا ساحِلَ لَهُ مَمْلُوءًا مِن هَذِهِ الآياتِ والدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ مُطابِقَةً لَها، ثُمَّ إنَّهم يَكْتَفُونَ في تَأْوِيلاتِ هَذِهِ الآياتِ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الضَّعِيفَةِ والكَلِماتِ الواهِيَةِ، إلّا أنَّ عِلْمِي بِأنَّ ما أرادَهُ اللَّهُ كائِنٌ يُزِيلُ هَذا التَّعَجُّبَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:184
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَهْدِيدِ المُعْرِضِينَ عَنْ آياتِهِ، الغافِلِينَ عَنِ التَّأمُّلِ في دَلائِلِهِ وبَيِّناتِهِ، عادَ إلى الجَوابِ عَنْ شُبَهاتِهِمْ. فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ والتَّفَكُّرُ طَلَبُ المَعْنى بِالقَلْبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ فِكْرَةَ القَلْبِ هو المُسَمّى بِالنَّظَرِ، والتَّعَقُّلِ في الشَّيْءِ والتَّأمُّلِ فِيهِ والتَّدَبُّرِ لَهُ، وكَما أنَّ الرُّؤْيَةَ بِالبَصَرِ حالَةٌ مَخْصُوصَةٌ مِنَ الِانْكِشافِ والجَلاءِ، ولَها مُقَدِّمَةٌ وهي تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ إلى جِهَةِ المَرْئِيِّ: طَلَبًا لِتَحْصِيلِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ بِالبَصَرِ، فَكَذَلِكَ الرُّؤْيَةُ بِالبَصِيرَةِ، وهي المُسَمّاةُ بِالعِلْمِ واليَقِينِ حالَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الِانْكِشافِ والجَلاءِ، ولَها مُقَدِّمَةٌ وهي تَقْلِيبُ حَدَقَةِ العَقْلِ إلى الجَوانِبِ طَلَبًا لِذَلِكَ الِانْكِشافِ والتَّجَلِّي، وذَلِكَ هو المُسَمّى بِنَظَرِ العَقْلِ وفِكْرَتِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ أمْرٌ بِالفِكْرِ والتَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ والتَّرَوِّي لِطَلَبِ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ كَما هي عِرْفانًا تامًّا، وفي اللَّفْظِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فَيَعْلَمُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ، والجِنَّةُ حالَةٌ مِنَ الجُنُونِ، كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ ودُخُولُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ يُوجِبُ أنْ لا يَكُونَ بِهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الجُنُونِ.
واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ الجُهّالِ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى الجُنُونِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مُخالِفًا لِفِعْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مُعْرِضًا عَنِ الدُّنْيا مُقْبِلًا عَلى الآخِرَةِ، مُشْتَغِلًا بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، فَكانَ العَمَلُ مُخالِفًا لِطَرِيقَتِهِمْ، فاعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ مَجْنُونٌ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ لَيْلًا عَلى الصَّفا يَدْعُو فَخِذًا فَخِذًا مِن قُرَيْشٍ. فَقالَ يا بَنِي فُلانٍ يا بَنِي فُلانٍ، وكانَ يُحَذِّرُهم بَأْسَ اللَّهِ وعِقابَهُ، فَقالَ قائِلُهم: إنَّ صاحِبَكم هَذا لَمَجْنُونٌ، واظَبَ عَلى الصِّياحِ طُولَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وحَثَّهم عَلى التَّفَكُّرِ في أمْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، لِيَعْلَمُوا أنَّهُ إنَّما دَعا لِلْإنْذارِ لا لِما نَسَبَهُ إلَيْهِ الجُهّالُ.
الثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَغْشاهُ حالَةٌ عَجِيبَةٌ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ فَيَتَغَيَّرُ وجْهُهُ ويَصْفَرُّ لَوْنُهُ، وتَعْرِضُ لَهُ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالغَشْيِ، فالجُهّالُ كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ جُنُونٌ فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الجُنُونِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، ويُقِيمُ الدَّلائِلَ القاطِعَةَ والبَيِّناتِ الباهِرَةَ، بِألْفاظٍ فَصِيحَةٍ بَلَغَتْ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزَ الأوَّلُونَ والآخَرُونَ عَنْ مُعارَضَتِها، وكانَ حَسَنَ الخُلُقِ، طَيِّبَ العِشْرَةِ، مَرْضِيَّ الطَّرِيقَةِ نَقِيَّ السِّيرَةِ، مُواظِبًا عَلى أعْمالٍ حَسَنَةٍ صارَ بِسَبَبِها قُدْوَةً لِلْعُقَلاءِ العالِمِينَ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مِثْلَ هَذا الإنْسانِ لا يُمْكِنُ وصْفُهُ بِالجُنُونِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ اجْتِهادَهُ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ إنَّما كانَ لِأنَّهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أرْسَلَهُ رَبُّ العالَمِينَ لِتَرْهِيبِ الكافِرِينَ، وتَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ، ولَمّا كانَ النَّظَرُ في أمْرِ النُّبُوَّةِ مُفَرَّعًا عَلى تَقْرِيرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، لا جَرَمَ ذُكِرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ.
الأعراف 7:185
فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ القَدِيمِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ فَصَّلْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الدَّلائِلَ عَلى التَّوْحِيدِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ عالَمِ الأجْسامِ والأرْواحِ فَهي بُرْهانٌ باهِرٌ، ودَلِيلٌ قاهِرٌ عَلى التَّوْحِيدِ، ولِنُقَرِّرْ هَذا المَعْنى بِمِثالٍ. فَنَقُولُ: إنَّ الضَّوْءَ إذا وقَعَ عَلى كُوَّةِ البَيْتِ ظَهَرَ الذَّرّاتُ والهَباءاتُ، فَلْنَفْرِضِ الكَلامَ في ذَرَّةٍ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الذَّرّاتِ فَنَقُولُ: إنَّها تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ مِن جِهاتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ مِن جُمْلَةِ الأحْيازِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها في الخَلاءِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ، وكُلُّ حَيِّزٍ مِن تِلْكَ الأحْيازِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ فَرَضْنا وُقُوعَ تِلْكَ الذَّرَّةِ فِيهِ كانَ اخْتِصاصُها بِذَلِكَ الحَيِّزِ المُعَيَّنِ مِنَ المُمْكِناتِ والجائِزاتِ، والمُمْكِنُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ ومُرَجِّحٍ وذَلِكَ المُخَصَّصُ إنْ كانَ جِسْمًا عادَ السُّؤالُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأيْضًا فَتِلْكَ الذَّرَّةُ لا تَخْلُو عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَإنَّ حُدُوثَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَوازِ حُصُولِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وبَعْدَهُ، فاخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قَدِيمٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ المُخَصِّصُ جِسْمًا عادَ السُّؤالُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأيْضًا إنَّ تِلْكَ الذَّرَّةَ مُساوِيَةٌ لِسائِرِ الأجْسامِ في التَّحَيُّزِ والحَجْمِيَّةِ. ومُخالِفَةٌ لَها في اللَّوْنِ والشَّكْلِ والطَّبْعِ والطَّعْمِ وسائِرِ الصِّفاتِ. واخْتِصاصُها بِكُلِّ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها خالَفَتْ سائِرَ الأجْسامِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ الجائِزاتِ، والجائِزُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ كانَ جِسْمًا عادَ البَحْثُ الأوَّلُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الذَّرَّةَ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ مِن جِهاتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، واعْتِباراتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ أجْزاءِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ والرُّوحانِيِّ، مُفْرَداتِهِ ومُرَكَّباتِهِ وسُفْلِيّاتِهِ وعُلْوِيّاتِهِ وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ لَكَ صِدْقُ ما قالَ الشّاعِرُ:
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
وإذا عَرَفْتَ هَذا فَحِينَئِذٍ ظَهَرَتِ الفائِدَةُ لَكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ ولَمّا نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الأسْرارِ العَجِيبَةِ والدَّقائِقِ اللَّطِيفَةِ، أرْدَفَهُ بِما يُوجِبُ التَّرْغِيبَ الشَّدِيدَ في الإتْيانِ بِهَذا النَّظَرِ والتَّفَكُّرِ فَقالَ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ ولَفْظَةُ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ عَسى﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ تَقْدِيرُهُ: أنَّهُ عَسى، والضَّمِيرُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والمَعْنى: لَعَلَّ آجالَهم قَرُبَتْ فَهَلَكُوا عَلى الكُفْرِ ويَصِيرُوا إلى النّارِ، وإذا كانَ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا وجَبَ عَلى العاقِلِ المُسارَعَةُ إلى هَذِهِ الفِكْرَةِ، والمُبادَرَةُ إلى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ، سَعْيًا في تَخْلِيصِ النَّفْسِ مِن هَذا الخَوْفِ الشَّدِيدِ والخَطَرِ العَظِيمِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ البَياناتِ الجَلِيَّةَ والدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ قالَ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا القُرْآنِ مَعَ ما فِيهِ مِن هَذِهِ
صفحة ٦٤
التَّنْبِيهاتِ الظّاهِرَةِ والبَيِّناتِ الباهِرَةِ، فَكَيْفَ يَرْضى مِنهُمُ الإيمانَ بِغَيْرِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى مَطالِبَ كَثِيرَةٍ.
المَطْلَبُ الأوَّلُ: أنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ جائِزٍ ولا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ .
والمَطْلَبُ الثّانِي: أنَّ أمْرَ النُّبُوَّةِ مُتَفَرِّعٌ عَلى التَّوْحِيدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ، ولَوْلا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، لَما كانَ إلى هَذا الكَلامِ حاجَةٌ.
والمَطْلَبُ الثّالِثُ: تَمَسَّكَ الجُبّائِيُّ والقاضِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ قَدِيمًا قالُوا: لِأنَّ الحَدِيثَ ضِدُّ القَدِيمِ، وأيْضًا فَلَفْظُ الحَدِيثِ يُفِيدُ مِن جِهَةِ العادَةِ حُدُوثُهُ عَنْ قُرْبٍ، ولِذَلِكَ يُقالُ: إنَّ هَذا الشَّيْءَ حَدِيثٌ، ولَيْسَ بِعَتِيقٍ، فَيَجْعَلُونَ الحَدِيثَ ضِدَّ العَتِيقِ الَّذِي طالَ زَمانُ وُجُودِهِ، ويُقالُ في الكَلامِ: إنَّهُ حَدِيثٌ، لِأنَّهُ يَحْدُثُ حالًا بَعْدَ حالٍ عَلى الأسْماعِ.
وجَوابُنا عَنْهُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الألْفاظِ مِنَ الكَلِماتِ ولا نِزاعَ في حُدُوثِها.
المَطْلَبُ الرّابِعُ: أنَّ النَّظَرَ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أقْسامِها.
وتَفْصِيلُ الكَلامِ في شَرْحِ أقْسامِها، أنْ يُقالَ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، فَهو إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا أوْ حالًّا في المُتَحَيِّزِ أوْ لا مُتَحَيِّزًا، ولا حالًّا في المُتَحَيِّزِ، أمّا المُتَحَيِّزُ فَإمّا أنْ يَكُونَ بَسِيطًا، وإمّا أنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، أمّا البَسائِطُ فَهي إمّا عُلْوِيَّةٌ وإمّا سُفْلِيَّةٌ، أمّا العُلْوِيَّةُ فَهي الأفْلاكُ والكَواكِبُ، ويَنْدَرِجُ فِيما ذَكَرْناهُ العَرْشُ والكُرْسِيُّ، ويَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا الجَنَّةُ والنّارُ، والبَيْتُ المَعْمُورُ، والسَّقْفُ المَرْفُوعُ؛ واسْتَقْصِ في تَفْصِيلِ هَذِهِ الأقْسامِ، وأمّا السُّفْلِيَّةُ فَهي: طَبَقاتُ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، ويَدْخُلُ فِيها البِحارُ والجِبالُ والمَفاوِزُ، وأمّا المُرَكَّباتُ فَهي أرْبَعَةٌ؛ الآثارُ العُلْوِيَّةُ والمَعادِنُ والنَّباتُ والحَيَوانُ، واسْتَقْصِ في تَفْصِيلِ أنْواعِ هَذِهِ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ، وأمّا الحالُ في المُتَحَيِّزِ وهي الأعْراضُ، فَيَقْرُبُ أجْناسُها مِن أرْبَعِينَ جِنْسًا، ويَدْخُلُ تَحْتَ كُلِّ جِنْسٍ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ إذا تَأمَّلَ العاقِلُ في عَجائِبِ أحْكامِها ولَوازِمِها وآثارِها ومُؤَثِّراتِها فَكَأنَّهُ خاضَ في بَحْرٍ لا ساحِلَ لَهُ.
وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو أنَّ المَوْجُودَ لا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا ولا حالًّا في المُتَحَيِّزِ، فَهو قِسْمانِ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأجْسامٍ بِالتَّدْبِيرِ والتَّحْرِيكِ، وهو المُسَمّى بِالأرْواحِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، وهي الجَواهِرُ القُدْسِيَّةُ المُبَرَّأةُ عَنْ عَلائِقِ الأجْسامِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَأعْلاها وأشْرَفُها الأرْواحُ الثَّمانِيَةُ المُقَدَّسَةُ الحامِلَةُ لِلْعَرْشِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] ويَتْلُوها الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ المُشارَةُ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] ويَتْلُوها سُكّانُ الكُرْسِيِّ، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا بِما شاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ويَتْلُوها الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ في طَبَقاتِ السَّماواتِ السَّبْعِ. وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ١ - ٣] ومِن صِفاتِهِمْ، أنَّهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتَرُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ وفَصَّلْناهُ مِن مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، فَلَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَهُ ألْفُ
صفحة ٦٥
ألْفُ عالَمٍ وراءَ هَذا العالَمِ، ولَهُ في كُلِّ واحِدٍ مِنها عَرْشٌ أعْظَمُ مِن هَذا العَرْشِ، وكُرْسِيٌّ أعْلى مِن هَذا الكُرْسِيِّ، وسَماواتٌ أوْسَعُ مِن هَذِهِ السَّماواتِ، وكَيْفَ يُمْكِنُ إحاطَةُ عَقْلِ البَشَرِ بِكَمالِ مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ، بَعْدَ أنْ سَمِعَ قَوْلَهُ: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١] فَإذا اسْتَحْضَرَ الإنْسانُ هَذِهِ الأقْسامَ في عَقْلِهِ وأرادَ الخَوْضَ في مَعْرِفَةِ أسْرارِ حِكْمَتِهِ وإلَهِيَّتِهِ فُهِمَ قَوْلُهم: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٢] ونِعْمَ ما قالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ:
يا أيُّها النّاسُ كَمْ لِلَّهِ مِن فَلَكٍ ∗∗∗ تَجْرِي النُّجُومُ بِهِ والشَّمْسُ والقَمَرُ
هُنّا عَلى اللَّهِ ماضِينا وغابِرُنا ∗∗∗ فَما لَنا في نَواحِي غَيْرِهِ خَطَرُ
الأعراف 7:186
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً أُخْرى إلى نَعْتِ أحْوالِ الضّالِّينَ المُكَذِّبِينَ فَقالَ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ مِثْلُ ما سَبَقَ في الآيَةِ السّالِفَةِ، وتَأْوِيلاتُ المُعْتَزِلَةِ وجَوابُنا عَنْها مِثْلُ ما تَقَدَّمَ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ﴾ رَفْعٌ بِالِاسْتِئْنافِ وهو مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ”ويَذَرُهُمْ“ بِالياءِ ورَفْعِ الرّاءِ لِتَقَدُّمِ اسْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ والجَزْمِ، ووَجْهُ ذَلِكَ فِيما يَقُولُ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾ لِأنَّ مَوْضِعَ الفاءِ وما بَعْدَها جَزْمٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ، فَحَمْلُ ”ويَذَرُهُمْ“ عَلى مَوْضِعِ الَّذِي هو جَزْمٌ.
الأعراف 7:187
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في نَظْمِ الآيَةِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والقَضاءِ والقَدَرِ أتْبَعَهُ بِالكَلامِ في المَعادِ، لِما بَيَّنّا أنَّ المَطالِبَ الكُلِّيَّةَ في القُرْآنِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ باعِثًا بِذَلِكَ عَنِ المُثابَرَةِ إلى التَّوْبَةِ والإصْلاحِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ لِيَتَحَقَّقَ في القُلُوبِ أنَّ وقْتَ السّاعَةِ مَكْتُومٌ عَنِ الخَلْقِ، فَيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِلْمُكَلَّفِينَ عَلى المُسارَعَةِ إلى التَّوْبَةِ وأداءِ الواجِباتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ السّائِلَ مَن هو ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، أخْبِرْنا مَتى تَقُومُ السّاعَةُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: إنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ، بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةٌ،
صفحة ٦٦
فاذْكُرْ لَنا مَتى السّاعَةُ ؟ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السّاعَةُ مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا وسُمِّيَتِ القِيامَةُ بِالسّاعَةِ لِوُقُوعِها بَغْتَةً، أوْ لِأنَّ حِسابَ الخَلْقِ يُقْضى فِيها في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَسُمِّيَ بِالسّاعَةِ لِهَذا السَّبَبِ أوْ لِأنَّها عَلى طُولِها كَساعَةٍ واحِدَةٍ عِنْدَ الخَلْقِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”أيّانَ“ مَعْناهُ الِاسْتِفْهامُ عَنِ الوَقْتِ الَّذِي يَجِيءُ، وهو سُؤالٌ عَنِ الزَّمانِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ أيّانَ بِمَعْنى مَتى، وفي اشْتِقاقِهِ قَوْلانِ:
المَشْهُورُ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأيْنِ وأنْكَرَهُ ابْنُ جِنِّي وقالَ: ﴿أيّانَ﴾ سُؤالٌ عَنِ الزَّمانِ، وأيْنَ سُؤالٌ عَنِ المَكانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أحَدُهُما مَأْخُوذًا مِنَ الآخَرِ.
والثّانِي: وهو الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ جِنِّي أنَّ اشْتِقاقَهُ مِن أيِّ فَعْلانَ مِنهُ، لِأنَّ مَعْناهُ أيُّ وقْتٍ، ولَفْظَةُ أيٍّ فَعْلٌ مِن أوَيْتُ إلَيْهِ، لِأنَّ البَعْضَ آوٍ إلى مَكانِ الكُلِّ مُتَسانِدًا إلَيْهِ هَكَذا. قالَ ابْنُ جِنِّي: وقَرَأ السُّلَمِيُّ ”إيانَ“ بِكَسْرِ الهَمْزِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مُرْساها ”المُرْسى“ هَهُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإرْساءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] أيْ إجْراؤُها وإرْساؤُها، والإرْساءُ الإثْباتُ يُقالُ رَسا يَرْسُو إذا ثَبَتَ، قالَ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ [النّازِعاتِ: ٣٢] فَكانَ الرُّسُوُّ لَيْسَ اسْمًا لِمُطْلَقِ الثَّباتِ، بَلْ هو اسْمٌ لِثَباتِ الشَّيْءِ إذا كانَ ثَقِيلًا ومِنهُ إرْساءُ الجَبَلِ، وإرْساءُ السَّفِينَةِ، ولَمّا كانَ أثْقَلُ الأشْياءِ عَلى الخَلْقِ هو السّاعَةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا جَرَمَ سَمّى اللَّهُ تَعالى وُقُوعَها وثُبُوتَها بِالإرْساءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيْ لا يَعْلَمُ الوَقْتَ الَّذِي فِيهِ يَحْصُلُ قِيامُ القِيامَةِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لُقْمانَ: ٣٤] وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ [الحَجِّ: ٧] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ [طَهَ: ١٥] ولَمّا «سَألَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالَ: مَتى السّاعَةُ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لَيْسَ المَسْئُولُ عَنْها بِأعْلَمَ مِنَ السّائِلِ“» قالَ المُحَقِّقُونَ: والسَّبَبُ في إخْفاءِ السّاعَةِ عَنِ العِبادِ أنَّهم إذا لَمْ يَعْلَمُوا مَتى تَكُونُ، كانُوا عَلى حَذَرٍ مِنها، فَيَكُونُ ذَلِكَ أدْعى إلى الطّاعَةِ، وأزْجَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها﴾ التَّجْلِيَةُ إظْهارُ الشَّيْءِ والتَّجَلِّي ظُهُورُهُ، والمَعْنى: لا يُظْهِرُها في وقْتِها المُعَيَّنِ﴿إلّا هُوَ﴾ أيْ لا يَقْدِرُ عَلى إظْهارِ وقْتِها المُعَيَّنِ بِالإعْلامِ والإخْبارِ إلّا هو.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمُرادُ وصْفُ السّاعَةِ بِالثِّقَلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنْسانِ: ٢٧] وأيْضًا وصَفَ اللَّهُ تَعالى زَلْزَلَةَ السّاعَةِ بِالعِظَمِ فَقالَ: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحَجِّ: ١] ووَصَفَ عَذابَها بِالشِّدَّةِ فَقالَ: ﴿وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحَجِّ: ٢ ] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ: ثَقُلَ مَجِيئُها عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، لِأجْلِ أنَّ عِنْدَ مَجِيئِها شُقِّقَتِ السَّماواتُ، وتَكَوَّرَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ، وانْتَثَرَتِ النُّجُومُ وثَقُلَتْ عَلى الأرْضِ؛ لِأجْلِ أنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ، وتَبْطُلُ الجِبالُ والبِحارُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: إنَّ هَذا اليَوْمَ ثَقِيلٌ جِدًّا عَلى أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، لِأنَّ فِيهِ فَناءَهم وهَلاكَهم وذَلِكَ ثَقِيلٌ عَلى القُلُوبِ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذا اليَوْمَ عَظِيمُ الثِّقَلِ عَلى القُلُوبِ بِسَبَبِ أنَّ الخَلْقَ يَعْلَمُونَ أنَّهم يَصِيرُونَ بَعْدَها إلى البَعْثِ والحِسابِ والسُّؤالِ، والخَوْفُ مِنَ اللَّهِ في مِثْلِ هَذا اليَوْمِ شَدِيدٌ. وقالَ السُّدِّيُّ:
صفحة ٦٧
﴿ثَقُلَتْ﴾ أيْ خَفِيَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَعْلَمْ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ والأنْبِياءِ المُرْسَلِينَ مَتى يَكُونُ حُدُوثُها ووُقُوعُها. وقالَ قَوْمٌ: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ ثَقُلَ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِوَقْتِها المُعَيَّنِ عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وكَما يُقالُ في المَحْمُولِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ حَمْلُهُ أنَّهُ قَدْ ثَقُلَ عَلى حامِلِهِ، فَكَذَلِكَ يُقالُ في العِلْمِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ وهَذا أيْضًا تَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَ وتَقْرِيرٌ لِكَوْنِها بِحَيْثُ لا تَجِيءُ إلّا بَغْتَةً فَجْأةً عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ الخَلْقِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ السّاعَةَ تَفْجَأُ النّاسَ، فالرَّجُلُ يُصْلِحُ مَوْضِعَهُ، والرَّجُلُ يَسْقِي ماشِيَتَهُ، والرَّجُلُ يَقُومُ بِسِلْعَتِهِ في سُوقِهِ، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزانَهُ ويَرْفَعُهُ» “ ورَوى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وإنَّ الرَّجُلَ لِيَرْفَعُ اللُّقْمَةَ إلى فِيهِ حَتّى تَحُولَ السّاعَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ» “ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الحَفِيِّ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الحَفِيُّ البارُّ اللَّطِيفُ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ حَفى بِي حَفاوَةً وتَحَفّى بِي تَحَفِّيًا، والحَفى الكَلامُ واللِّقاءُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ أيْ بارًّا لَطِيفًا يُجِيبُ دُعائِي إذا دَعَوْتُهُ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ بارٌّ بِهِمْ لَطِيفُ العِشْرَةِ مَعَهم وعَلى هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ ما رُوِيَ في تَفْسِيرِهِ «أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةً، فاذْكُرْ لَنا مَتى السّاعَةُ، فَقالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها»﴾ أيْ كَأنَّكَ صَدِيقٌ لَهم بارٌّ بِمَعْنى أنَّكَ لا تَكُونُ حَفِيًّا بِهِمْ ما دامُوا عَلى كُفْرِهِمْ.
والقَوْلُ الثّانِي: ﴿حَفِيٌّ عَنْها﴾ أيْ كَثِيرُ السُّؤالِ عَنْها شَدِيدُ الطَّلَبِ لِمَعْرِفَتِها، وعَلى هَذا القَوْلِ﴿حَفِيٌّ﴾ فَعِيلٌ مِنَ الإحْفاءِ وهو الإلْحاحُ والإلْحافُ في السُّؤالِ، ومَن أكْثَرَ السُّؤالَ والبَحْثَ عَنِ الشَّيْءِ عَلِمَهُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ هو مِن قَوْلِهِمْ تَحَفّى في المَسْألَةِ، أيِ اسْتَقْصى، فَقَوْلُهُ: ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أيْ كَأنَّكَ أكْثَرْتَ السُّؤالَ عَنْها وبالَغْتَ في طَلَبِ عِلْمِها، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هَذا التَّرْتِيبُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ ومِنهُ إحْفاءُ الشّارِبِ، وإحْفاءُ البَقْلِ اسْتِئْصالُهُ، وأحْفى في المَسْألَةِ إذا ألْحَفَ، وحَفِيَ بِفُلانٍ وتَحَفّى بِهِ بالَغَ في البِرِّ بِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالقَوْلانِ الأوَّلانِ مُتَقارِبانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿عَنْها﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ والتَّقْدِيرُ: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها ثُمَّ حَذَفَ قَوْلَهُ: ”بِها“ لِطُولِ الكَلامِ ولِأنَّهُ مَعْلُومٌ لا يَحْصُلُ الِالتِباسُ بِسَبَبِ حَذْفِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ لِأنَّ لَفْظَ الحَفِيِّ يَجُوزُ أنْ يُعَدّى تارَةً بِالباءِ وأُخْرى بِكَلِمَةِ عَنْ ويُؤَكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (كَأنَّكَ حَفِيٌّ بِها) .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ سُؤالٌ عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ وقَوْلُهُ ثانِيًا: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ سُؤالٌ عَنْ كُنْهِ ثِقَلِ السّاعَةِ وشِدَّتِها ومَهابَتِها، فَلَمْ يَلْزَمِ التَّكْرارُ.
أجابَ عَنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ .
صفحة ٦٨
وأجابَ عَنِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّ السُّؤالَ الأوَّلَ كانَ واقِعًا عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ، والسُّؤالُ الثّانِي كانَ واقِعًا عَنْ مِقْدارِ شِدَّتِها ومَهابَتِها، وأعْظَمُ أسْماءِ اللَّهِ مَهابَةً وعَظَمَةً هو قَوْلُهُ عِنْدَ السُّؤالِ عَنْ مِقْدارِ شِدَّةِ القِيامَةِ الِاسْمُ الدّالُّ عَلى غايَةِ المَهابَةِ وهو قَوْلُنا: ”اللَّهُ“، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ أخْفَيْتُ مَعْرِفَةَ وقْتِهِ المُعَيَّنِ عَنِ الخَلْقِ.
الأعراف 7:188
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أيْ أنا لا أدَّعِي عِلْمَ الغَيْبِ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يُونُسَ: ٤٨ - ٤٩] رُوِيَ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِالرُّخْصِ والغَلاءِ حَتّى نَشْتَرِيَ فَنَرْبَحَ، وبِالأرْضِ الَّتِي تَجْدُبُ لِنَرْتَحِلَ إلى الأرْضِ الخِصْبَةِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: «لَمّا رَجَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ جاءَتْ رِيحٌ في الطَّرِيقِ فَفَرَّتِ الدَّوابُّ مِنها، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَوْتِ رِفاعَةَ بِالمَدِينَةِ وكانَ فِيهِ غَيْظٌ لِلْمُنافِقِينَ، وقالَ: انْظُرُوا أيْنَ ناقَتِي، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مَعَ قَوْمِهِ: ألا تَعْجَبُونَ مِن هَذا الرَّجُلِ يُخْبِرُ عَنْ مَوْتِ رَجُلٍ بِالمَدِينَةِ ولا يَعْرِفُ أيْنَ ناقَتُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ، وناقَتِي في هَذا الشِّعْبِ قَدْ تَعَلَّقَ زِمامُها بِشَجَرَةٍ“ فَوَجَدَها عَلى ما قالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ»﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طالَبُوهُ بِالإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ وطالَبُوهُ بِإعْطاءِ الأمْوالِ الكَثِيرَةِ والدَّوْلَةِ العَظِيمَةِ ذَكَرَ أنَّ قُدْرَتَهُ قاصِرَةٌ وعِلْمَهُ قَلِيلٌ، وبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ عَبْدًا كانَ كَذَلِكَ، والقُدْرَةُ الكامِلَةُ والعِلْمُ المُحِيطُ لَيْسا إلّا لِلَّهِ تَعالى، فالعَبْدُ كَيْفَ يَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ القُدْرَةُ وهَذا العِلْمُ ؟ واحْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ والإيمانُ نَفْعٌ والكُفْرُ ضُرٌّ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلا إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ مِرارًا أنَّ القُدْرَةَ عَلى الكُفْرِ إنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِلْإيمانِ، فَخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ يَكُونُ مُرِيدًا لِلْكُفْرِ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلْإيمانِ، فَخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ يَكُونُ مُرِيدًا لِلْإيمانِ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلْإيمانِ امْتَنَعَ صُدُورُ الكُفْرِ عَنْها بَدَلًا عَنِ الإيمانِ إلّا عِنْدَ حُدُوثِ داعِيَةٍ جازِمَةٍ، فَخالِقُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ يَكُونُ مُرِيدًا
صفحة ٦٩
لِلْكُفْرِ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ لا يَمْلِكُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا ضُرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ.
أجابَ القاضِي عَنْهُ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ وإنْ كانَ عامًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ إلّا أنّا ذَكَرْنا أنَّ سَبَبَ نُزُولِهِ هو أنَّ الكُفّارَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِوَقْتِ السِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ، حَتّى نَشْتَرِيَ الرَّخِيصَ فَنَرْبَحَ عَلَيْهِ عِنْدَ الغَلاءِ، فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ العامُّ عَلى سَبَبِ نُزُولِهِ، والمُرادُ بِالنَّفْعِ: تَمَلُّكُ الأمْوالِ وغَيْرِها، والمُرادُ بِالضَّرِّ وقْتُ القَحْطِ والأمْراضِ وغَيْرِها.
الثّانِي: المُرادُ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا فِيما يَتَّصِلُ بِعِلْمِ الغَيْبِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ .
الثّالِثُ: المُرادُ: لا أمْلِكُ لِنَفْسِي مِنَ الضُّرِّ والنَّفْعِ إلّا قَدْرَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُقَدِّرَنِي عَلَيْهِ ويُمَكِّنَنِي مِنهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ إلّا إذا أقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ بِأسْرِها عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ، وكَيْفَ يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ مَعَ أنّا أقَمْنا البُرْهانَ القاطِعَ العَقْلِيَّ عَلى أنَّ الحَقَّ لَيْسَ إلّا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الرَّسُولُ ﷺ عَلى عَدَمِ عِلْمِهِ بِالغَيْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن هَذا الخَيْرِ، فَقِيلَ المُرادُ مِنهُ: جَلْبُ مَنافِعِ الدُّنْيا وخَيْراتِها، ودَفْعُ آفاتِها ومَضَرّاتِها، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يَتَّصِلُ بِالخِصْبِ والجَدْبِ والأرْباحِ والأكْسابِ. وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ ما يَتَّصِلُ بِأمْرِ الدِّينِ، يَعْنِي: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ كُنْتُ أعْلَمُ أنَّ الدَّعْوى إلى الدِّينِ الحَقِّ تُؤَثِّرُ في هَذا ولا تُؤَثِّرُ في ذاكَ، فَكَيْفَ أشْتَغِلُ بِدَعْوَةِ هَذا دُونَ ذاكَ.
وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ: ما يَتَّصِلُ بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالاتِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ.
والجَوابُ عَنْ هَذِهِ المَسائِلِ الَّتِي سَألُوهُ عَنْها مِثْلَ السُّؤالِ عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ وغَيْرِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ قالَ: ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيْ لَيْسَ بِي جُنُونٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم نَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ وهَذا القَوْلُ عِنْدِي بَعِيدٌ جِدًّا ويُوجِبُ تَفَكُّكَ نَظْمِ الآيَةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَمامُ الكَلامِ الأوَّلِ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِن تَحْصِيلِ الخَيْرِ، ولاحْتَرَزْتُ عَنِ الشَّرِّ حَتّى صِرْتُ بِحَيْثُ لا يَمَسُّنِي سُوءٌ. ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ عِلْمَ الغَيْبِ غَيْرُ حاصِلٍ عِنْدِي، ولَمّا بَيَّنَ بِما سَبَقَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ إلّا عَلى ما أقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ولا يَعْلَمُ إلّا ما أعْطاهُ اللَّهُ العِلْمَ بِهِ قالَ: ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ والنَّذِيرُ مُبالَغَةٌ في الإنْذارِ بِالعِقابِ عَلى فِعْلِ المَعاصِي وتَرْكِ الواجِباتِ، والبَشِيرُ مُبالَغَةٌ في البِشارَةِ بِالثَّوابِ عَلى فِعْلِ الواجِباتِ وتَرْكِ المَعاصِي وقَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وتَرَكَ ذِكْرَ الثّانِيَةِ لِأنَّ ذِكْرَ إحْداهُما يُفِيدُ ذِكْرَ الأُخْرى، كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ: ٨١] .
والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ كانَ نَذِيرًا وبَشِيرًا لِلْكُلِّ إلّا أنَّ المُنْتَفِعَ بِتِلْكَ النِّذارَةِ والبِشارَةِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِالذِّكْرِ، وقَدْ بالَغْنا في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى:(﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] .
الأعراف 7:189
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ وفِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ حَوّاءَ خَلَقَها اللَّهُ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ آدَمُ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ ! إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تُسَمِّيهِ عَبْدَ الحارِثِ، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ في المَلائِكَةِ الحارِثَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ لَمّا آتاهُما اللَّهُ ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ لَهُ شَرِيكًا، والمُرادُ بِهِ الحارِثُ، هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ.
الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ ”مَن“ لا بِصِيغَةِ ”ما“ .
الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البَقَرَةِ: ٣١] فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أنَّ اسْمَ إبْلِيسَ هو الحارِثُ، فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اسْمَهُ هو الحارِثُ كَيْفَ سَمّى ولَدَ نَفْسِهِ بِعَبْدِ الحارِثِ ؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ ؟ .
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ، فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها ؟ .
السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمّاهُ بِعَبْدِ الحارِثِ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنَّهُ عَبَدُ الحارِثِ ومَخْلُوقٌ مِن
صفحة ٧١
قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بِاللَّهِ لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ، ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ، فَلَمّا آتاهُما اللَّهُ ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لِلَّهِ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ﴾ قُصَيٌّ (وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها) عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ فِي﴿يُشْرِكُونَ﴾ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى لَوْ آتاهُما ولَدًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ تَعالى اللَّهُ عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بِالشَّرِّ والإساءَةِ والبَغْيِ ؟ عَلى التَّبْعِيدِ فَكَذا هَهُنا.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما
صفحة ٧٢
ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ ما الفائِدَةُ في التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ .
قُلْنا: لِأنَّ ولَدَهُ قِسْمانِ ذَكَرٌ وأُنْثى فَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلا﴾ المُرادُ مِنهُ الذَّكَرُ والأُنْثى مَرَّةً عَبَّرَ عَنْهُما بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِكَوْنِهِما صِنْفَيْنِ ونَوْعَيْنِ، ومَرَّةً عَبَّرَ عَنْهُما بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: سَلَّمْنا أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ عائِدٌ إلى آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، إلّا أنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا آتاهُما الوَلَدَ الصّالِحَ عَزَما عَلى أنْ يَجْعَلاهُ وقْفًا عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ بَدا لَهم في ذَلِكَ، فَتارَةً كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في مَصالِحِ الدُّنْيا ومَنافِعِها، وتارَةً كانُوا يَأْمُرُونَهُ بِخِدْمَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ. وهَذا العَمَلُ وإنْ كانَ مِنّا قُرْبَةً وطاعَةً، إلّا أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ والمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما نُقِلَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ حاكِيًا «عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ”أنا أغْنى الأغْنِياءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرْكُتُهُ وشِرْكَهُ“» وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالإشْكالُ زائِلٌ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ: سَلَّمْنا صِحَّةَ تِلْكَ القِصَّةِ المَذْكُورَةِ، إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّهم سَمَّوْا بِعَبْدِ الحارِثِ لِأجْلِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ إنَّما سَلِمَ مِنَ الآفَةِ والمَرَضِ بِسَبَبِ دُعاءِ ذَلِكَ الشَّخْصِ المُسَمّى بِالحارِثِ، وقَدْ يُسَمّى المُنْعَمُ عَلَيْهِ عَبْدًا لِلْمُنْعِمِ، يُقالُ في المَثَلِ: أنا عَبْدُ مَن تَعَلَّمْتُ مِنهُ حَرْفًا، ورَأيْتُ بَعْضَ الأفاضِلِ كَتَبَ عَلى عُنْوانٍ: كِتابَةُ عَبْدِ وُدِّهِ فُلانٌ، قالَ الشّاعِرُ:
وإنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا ولا شِيمَةَ لِي بَعْدَها تُشْبِهُ العَبْدا
فَآدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ سَمَّيا ذَلِكَ الوَلَدَ بِعَبْدِ الحارِثِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إنَّما سَلِمَ مِنَ الآفاتِ بِبَرَكَةِ دُعائِهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ عَبْدَ اللَّهِ مِن جِهَةِ أنَّهُ مَمْلُوكُهُ ومَخْلُوقُهُ، إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَلَمّا حَصَلَ الِاشْتِراكُ في لَفْظِ العَبْدِ لا جَرَمَ صارَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعاتَبًا في هَذا العَمَلِ بِسَبَبِ الِاشْتِراكِ الحاصِلِ في مُجَرَّدِ لَفْظِ العَبْدِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما نَقُولُهُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ وفِيها مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ المَشْهُورُ أنَّها نَفْسُ آدَمَ وقَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ المُرادُ حَوّاءُ، قالُوا: ومَعْنى كَوْنِها مَخْلُوقَةً مِن نَفْسِ آدَمَ، أنَّهُ تَعالى خَلَقَها مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِ آدَمَ، قالُوا: والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ، والجِنْسِيَّةُ عِلَّةُ الضَّمِّ، وأقُولُ هَذا الكَلامُ مُشْكِلٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ آدَمَ ابْتِداءً فَما الَّذِي حَمَلَنا عَلى أنْ نَقُولَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ مِن جُزْءٍ مِن أجْزاءِ آدَمَ ؟ ولِمَ لا نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ أيْضًا ابْتِداءً ؟ وأيْضًا الَّذِي يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ إنْسانٍ مِن عَظْمِ واحِدٍ فَلِمَ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِهِ ابْتِداءً ؟ وأيْضًا الَّذِي يُقالُ: إنَّ عَدَدَ أضْلاعِ الجانِبِ الأيْسَرِ أنْقَصُ مِن عَدَدِ أضْلاعِ الجانِبِ الأيْمَنِ فِيهِ مُؤاخَذَةٌ تُنْبِي عَنْ خِلافِ الحِسِّ والتَّشْرِيحِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إذًا لَمْ نَقُلَ بِذَلِكَ، فَما المُرادُ مِن كَلِمَةِ
صفحة ٧٣
”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الإشارَةَ إلى الشَّيْءِ تارَةً بِحَسَبِ شَخْصِهِ، وأُخْرى بِحَسَبِ نَوْعِهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» “ ولَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ الفَرْدَ المُعَيَّنَ بَلِ المُرادُ ذَلِكَ النَّوْعُ. وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في يَوْمِ عاشُوراءَ: ”«هَذا هو اليَوْمُ الَّذِي أظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ» “ والمُرادُ خَلَقَ مِنَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ زَوْجَةَ آدَمَ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ زَوْجَ آدَمَ إنْسانًا مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أيْ جامَعَها، والغِشْيانُ إتْيانُ الرَّجُلِ المَرْأةَ وقَدْ غَشّاها وتَغَشّاها إذا عَلاها، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا عَلاها فَقَدْ صارَ كالغاشِيَةِ لَها، ومِثْلُهُ يُجَلِّلُها، وهو يُشْبِهُ التَّغَطِّيَ واللُّبْسَ، قالَ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٧] وقَوْلُهُ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ قالُوا يُرِيدُ النُّطْفَةَ والمَنِيَّ، والحَمْلُ بِالفَتْحِ ما كانَ في البَطْنِ أوْ عَلى رَأْسِ الشَّجَرِ، والحِمْلُ بِكَسْرِ الحاءِ ما حُمِلَ عَلى ظَهْرٍ أوْ عَلى الدّابَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِالماءِ والحَمْلِ عَلى سَبِيلِ الخِفَّةِ، والمُرادُ أنَّها كانَتْ تَقُومُ وتَقْعُدُ وتَمْشِي مِن غَيْرِ ثِقَلٍ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ (فَمَرَّتْ بِهِ) بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ غَيْرُهُ (فَمارَتْ بِهِ) مِنَ المِرْيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ [النَّجْمِ: ١٢] مَعْناهُ وقَعَ في نَفْسِها ظَنُّ الحَمْلِ وارْتابَتْ فِيهِ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ صارَتْ إلى حالِ الثِّقَلِ ودَنَتْ وِلادَتُها﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أيْ ولَدًا سَوِيًّا مِثْلَنا﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ﴿فَلَمّا آتاهُما﴾ اللَّهُ﴿صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ والكَلامُ في تَفْسِيرِهِ قَدْ مَرَّ بِالِاسْتِقْصاءِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ (شُرَكاءَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ (شِرْكًا) بِكَسْرِ الشِّينِ وتَنْوِينِ الكافِ، ومَعْناهُ جَعَلا لَهُ نُظَراءَ ذَوِي شِرْكٍ وهُمُ الشُّرَكاءُ، أوْ يُقالُ مَعْناهُ أحْدَثا لِلَّهِ إشْراكًا في الوَلَدِ، ومَن قَرَأ (شُرَكاءَ) فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا﴾ [الرَّعْدِ: ١٦] وأرادَ بِالشُّرَكاءِ في هَذِهِ الآيَةِ إبْلِيسَ؛ لِأنَّ مَن أطاعَ إبْلِيسَ فَقَدْ أطاعَ جَمِيعَ الشَّياطِينِ، هَذا إذا حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى القِصَّةِ المَشْهُورَةِ، أمّا إذا لَمْ نَقُلْ بِهِ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:190
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ وفِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ حَوّاءَ خَلَقَها اللَّهُ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ آدَمُ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ ! إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تُسَمِّيهِ عَبْدَ الحارِثِ، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ في المَلائِكَةِ الحارِثَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ لَمّا آتاهُما اللَّهُ ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ لَهُ شَرِيكًا، والمُرادُ بِهِ الحارِثُ، هَذا تَمامُ القِصَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ.
الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ ”مَن“ لا بِصِيغَةِ ”ما“ .
الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البَقَرَةِ: ٣١] فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أنَّ اسْمَ إبْلِيسَ هو الحارِثُ، فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اسْمَهُ هو الحارِثُ كَيْفَ سَمّى ولَدَ نَفْسِهِ بِعَبْدِ الحارِثِ ؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ ؟ .
الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ، فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها ؟ .
السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمّاهُ بِعَبْدِ الحارِثِ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنَّهُ عَبَدُ الحارِثِ ومَخْلُوقٌ مِن
صفحة ٧١
قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بِاللَّهِ لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ، ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.
التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ، فَلَمّا آتاهُما اللَّهُ ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لِلَّهِ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ﴾ قُصَيٌّ (وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها) عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ فِي﴿يُشْرِكُونَ﴾ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.
التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى لَوْ آتاهُما ولَدًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ تَعالى اللَّهُ عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بِالشَّرِّ والإساءَةِ والبَغْيِ ؟ عَلى التَّبْعِيدِ فَكَذا هَهُنا.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما
صفحة ٧٢
ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ ما الفائِدَةُ في التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ .
قُلْنا: لِأنَّ ولَدَهُ قِسْمانِ ذَكَرٌ وأُنْثى فَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلا﴾ المُرادُ مِنهُ الذَّكَرُ والأُنْثى مَرَّةً عَبَّرَ عَنْهُما بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِكَوْنِهِما صِنْفَيْنِ ونَوْعَيْنِ، ومَرَّةً عَبَّرَ عَنْهُما بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: سَلَّمْنا أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ عائِدٌ إلى آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، إلّا أنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا آتاهُما الوَلَدَ الصّالِحَ عَزَما عَلى أنْ يَجْعَلاهُ وقْفًا عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ بَدا لَهم في ذَلِكَ، فَتارَةً كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في مَصالِحِ الدُّنْيا ومَنافِعِها، وتارَةً كانُوا يَأْمُرُونَهُ بِخِدْمَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ. وهَذا العَمَلُ وإنْ كانَ مِنّا قُرْبَةً وطاعَةً، إلّا أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ والمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما نُقِلَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ حاكِيًا «عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ”أنا أغْنى الأغْنِياءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرْكُتُهُ وشِرْكَهُ“» وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالإشْكالُ زائِلٌ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ: سَلَّمْنا صِحَّةَ تِلْكَ القِصَّةِ المَذْكُورَةِ، إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّهم سَمَّوْا بِعَبْدِ الحارِثِ لِأجْلِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ إنَّما سَلِمَ مِنَ الآفَةِ والمَرَضِ بِسَبَبِ دُعاءِ ذَلِكَ الشَّخْصِ المُسَمّى بِالحارِثِ، وقَدْ يُسَمّى المُنْعَمُ عَلَيْهِ عَبْدًا لِلْمُنْعِمِ، يُقالُ في المَثَلِ: أنا عَبْدُ مَن تَعَلَّمْتُ مِنهُ حَرْفًا، ورَأيْتُ بَعْضَ الأفاضِلِ كَتَبَ عَلى عُنْوانٍ: كِتابَةُ عَبْدِ وُدِّهِ فُلانٌ، قالَ الشّاعِرُ:
وإنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا ولا شِيمَةَ لِي بَعْدَها تُشْبِهُ العَبْدا
فَآدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ سَمَّيا ذَلِكَ الوَلَدَ بِعَبْدِ الحارِثِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إنَّما سَلِمَ مِنَ الآفاتِ بِبَرَكَةِ دُعائِهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ عَبْدَ اللَّهِ مِن جِهَةِ أنَّهُ مَمْلُوكُهُ ومَخْلُوقُهُ، إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَلَمّا حَصَلَ الِاشْتِراكُ في لَفْظِ العَبْدِ لا جَرَمَ صارَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعاتَبًا في هَذا العَمَلِ بِسَبَبِ الِاشْتِراكِ الحاصِلِ في مُجَرَّدِ لَفْظِ العَبْدِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما نَقُولُهُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ وفِيها مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ المَشْهُورُ أنَّها نَفْسُ آدَمَ وقَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ المُرادُ حَوّاءُ، قالُوا: ومَعْنى كَوْنِها مَخْلُوقَةً مِن نَفْسِ آدَمَ، أنَّهُ تَعالى خَلَقَها مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِ آدَمَ، قالُوا: والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ، والجِنْسِيَّةُ عِلَّةُ الضَّمِّ، وأقُولُ هَذا الكَلامُ مُشْكِلٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ آدَمَ ابْتِداءً فَما الَّذِي حَمَلَنا عَلى أنْ نَقُولَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ مِن جُزْءٍ مِن أجْزاءِ آدَمَ ؟ ولِمَ لا نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ أيْضًا ابْتِداءً ؟ وأيْضًا الَّذِي يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ إنْسانٍ مِن عَظْمِ واحِدٍ فَلِمَ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِهِ ابْتِداءً ؟ وأيْضًا الَّذِي يُقالُ: إنَّ عَدَدَ أضْلاعِ الجانِبِ الأيْسَرِ أنْقَصُ مِن عَدَدِ أضْلاعِ الجانِبِ الأيْمَنِ فِيهِ مُؤاخَذَةٌ تُنْبِي عَنْ خِلافِ الحِسِّ والتَّشْرِيحِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إذًا لَمْ نَقُلَ بِذَلِكَ، فَما المُرادُ مِن كَلِمَةِ
صفحة ٧٣
”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الإشارَةَ إلى الشَّيْءِ تارَةً بِحَسَبِ شَخْصِهِ، وأُخْرى بِحَسَبِ نَوْعِهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» “ ولَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ الفَرْدَ المُعَيَّنَ بَلِ المُرادُ ذَلِكَ النَّوْعُ. وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في يَوْمِ عاشُوراءَ: ”«هَذا هو اليَوْمُ الَّذِي أظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ» “ والمُرادُ خَلَقَ مِنَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ زَوْجَةَ آدَمَ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ زَوْجَ آدَمَ إنْسانًا مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أيْ جامَعَها، والغِشْيانُ إتْيانُ الرَّجُلِ المَرْأةَ وقَدْ غَشّاها وتَغَشّاها إذا عَلاها، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا عَلاها فَقَدْ صارَ كالغاشِيَةِ لَها، ومِثْلُهُ يُجَلِّلُها، وهو يُشْبِهُ التَّغَطِّيَ واللُّبْسَ، قالَ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٧] وقَوْلُهُ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ قالُوا يُرِيدُ النُّطْفَةَ والمَنِيَّ، والحَمْلُ بِالفَتْحِ ما كانَ في البَطْنِ أوْ عَلى رَأْسِ الشَّجَرِ، والحِمْلُ بِكَسْرِ الحاءِ ما حُمِلَ عَلى ظَهْرٍ أوْ عَلى الدّابَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِالماءِ والحَمْلِ عَلى سَبِيلِ الخِفَّةِ، والمُرادُ أنَّها كانَتْ تَقُومُ وتَقْعُدُ وتَمْشِي مِن غَيْرِ ثِقَلٍ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ (فَمَرَّتْ بِهِ) بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ غَيْرُهُ (فَمارَتْ بِهِ) مِنَ المِرْيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ [النَّجْمِ: ١٢] مَعْناهُ وقَعَ في نَفْسِها ظَنُّ الحَمْلِ وارْتابَتْ فِيهِ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ صارَتْ إلى حالِ الثِّقَلِ ودَنَتْ وِلادَتُها﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أيْ ولَدًا سَوِيًّا مِثْلَنا﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ﴿فَلَمّا آتاهُما﴾ اللَّهُ﴿صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ والكَلامُ في تَفْسِيرِهِ قَدْ مَرَّ بِالِاسْتِقْصاءِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ (شُرَكاءَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ (شِرْكًا) بِكَسْرِ الشِّينِ وتَنْوِينِ الكافِ، ومَعْناهُ جَعَلا لَهُ نُظَراءَ ذَوِي شِرْكٍ وهُمُ الشُّرَكاءُ، أوْ يُقالُ مَعْناهُ أحْدَثا لِلَّهِ إشْراكًا في الوَلَدِ، ومَن قَرَأ (شُرَكاءَ) فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا﴾ [الرَّعْدِ: ١٦] وأرادَ بِالشُّرَكاءِ في هَذِهِ الآيَةِ إبْلِيسَ؛ لِأنَّ مَن أطاعَ إبْلِيسَ فَقَدْ أطاعَ جَمِيعَ الشَّياطِينِ، هَذا إذا حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى القِصَّةِ المَشْهُورَةِ، أمّا إذا لَمْ نَقُلْ بِهِ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:191
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ما ذَكَرَهُ مِن قِصَّةِ إبْلِيسَ إذْ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أجْنَبِيَّةً عَنْها بِالكُلِّيَّةِ، وكانَ ذَلِكَ غايَةَ الفَسادِ في النَّظْمِ والتَّرْتِيبِ، بَلِ المُرادُ ما ذَكَرْناهُ في سائِرِ الأجْوِبَةِ مِن أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٧٤
المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى أنَّ الأوْثانَ لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فَقَوْلُهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ مَعْناهُ أيَعْبُدُونَ ما لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ؟ أيْ وهم مَخْلُوقُونَ يَعْنِي الأصْنامَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وحَّدَ﴿يَخْلُقُ﴾ ثُمَّ جَمَعَ فَقالَ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ وأيْضًا فَكَيْفَ ذَكَرَ الواوَ والنُّونَ في جَمْعِ غَيْرِ النّاسِ ؟ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ لَفْظَ﴿ما﴾ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، فَهَذِهِ مِن صِيَغِ الوِحْدانِ بِحَسَبِ ظاهِرِ لَفْظِها ومُحْتَمِلَةٌ لِلْجَمْعِ؛ فاللَّهُ تَعالى اعْتَبَرَ الجِهَتَيْنِ فَوَحَّدَ قَوْلَهُ: ﴿يَخْلُقُ﴾ رِعايَةً لِحُكْمِ ظاهِرِ اللَّفْظِ وجَمَعَ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو أنَّ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ في غَيْرِ مَن يَعْقِلُ كَيْفَ يَجُوزُ ؟ فَنَقُولُ: لَمّا اعْتَقَدَ عابِدُوها أنَّها تَعْقِلُ وتُمَيِّزُ فَوَرَدَ هَذا اللَّفْظُ بِناءً عَلى ما يَعْتَقِدُونَهُ ويَتَصَوَّرُونَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ ولا خالِقٍ لِأفْعالِهِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الأجْسامِ بِسَبَبِ أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، وهَذا الطَّعْنُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ قُلْنا إنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ خالِقَةً لِشَيْءٍ لَمْ يَتَوَجَّهِ الطَّعْنُ في إلَهِيَّتِها، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ خالِقًا كانَ إلَهًا، فَلَوْ كانَ العَبْدُ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ كانَ إلَهًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ العَبْدَ غَيْرُ خالِقٍ لِأفْعالِ نَفْسِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّ الأصْنامَ لا تَنْصُرُ مَن أطاعَها ولا تَنْتَصِرُ مِمَّنْ عَصاها، والنَّصْرُ: المَعُونَةُ عَلى العَدُوِّ، والمَعْنى أنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيصالِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ عِبادَتُها ؟ .
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ أيْ ولا يَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ مَكْرُوهًا فَإنَّ مَن أرادَ كَسْرَهم لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِهَذِهِ الأصْنامِ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا عِلْمَ لَها بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، والمَعْنى أنَّ هَذا المَعْبُودَ الَّذِي يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مَعْلُومٌ مِن حالِهِ أنَّهُ كَما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، فَكَذا لا يَصِحُّ فِيهِ إذا دَعا إلى الخَيْرِ الِاتِّباعُ، ولا يُفَصِّلُ حالَ مَن يُخاطِبُهُ مِمَّنْ يَسْكُتُ عَنْهُ، ثُمَّ قَوّى هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] وذَكَرْنا ما فِيهِ مِنَ المَباحِثِ في تِلْكَ الآيَةِ إلّا أنَّ الفَرْقَ في تِلْكَ الآيَةِ عَطْفُ الفِعْلِ عَلى الفِعْلِ، وهَهُنا عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ: وقَوْلَهُ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ عَطْفَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ لا يَجُوزُ إلّا لِفائِدَةٍ وحِكْمَةٍ، وتِلْكَ الفائِدَةُ هي أنَّ
صفحة ٧٥
صِيغَةَ الفِعْلِ مُشْعِرَةٌ بِالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وصِيغَةُ الِاسْمِ مُشْعِرَةٌ بِالدَّوامِ والثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا وقَعُوا في مُهِمٍّ وفي مُعْضِلَةٍ تَضَرَّعُوا إلى تِلْكَ الأصْنامِ، وإذا لَمْ تَحْدُثْ تِلْكَ الواقِعَةُ بَقُوا ساكِتِينَ صامِتِينَ، فَقِيلَ لَهم لا فَرْقَ بَيْنَ إحْداثِكم دُعاءَهم وبَيْنَ أنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى صَمْتِكم وسُكُوتِكم، فَهَذا هو الفائِدَةُ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ، ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ بَيانَ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كَيْفَ يَحْسُنُ وصْفُها بِأنَّها عِبادٌ مَعَ أنَّها جَماداتٌ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وجَبَ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيها كَوْنَها عاقِلَةً فاهِمَةً، فَلا جَرَمَ ورَدَتْ هَذِهِ الألْفاظُ عَلى وفْقِ مُعْتَقَداتِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِبْنَ لَكم وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ ولَمْ يَقُلِ الَّتِي.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ هَذا اللَّغْوَ أُورِدَ في مَعْرِضِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ أيْ قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءً عُقَلاءَ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهم عِبادٌ أمْثالُكم ولا فَضْلَ لَهم عَلَيْكم، فَلِمَ جَعَلْتُمْ أنْفُسَكم عَبِيدًا وجَعَلْتُمُوها آلِهَةً وأرْبابًا ؟ ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم. فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ ثُمَّ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ومَعْنى هَذا الدُّعاءِ طَلَبُ المَنافِعِ وكَشْفُ المَضارِّ مِن جِهَتِهِمْ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ لامُ الأمْرِ عَلى مَعْنى التَّعْجِيزِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى الإجابَةِ ظَهَرَ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْمَعْبُودِيَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في ادِّعاءِ أنَّها آلِهَةٌ ومُسْتَحِقَّةٌ لِلْعِبادَةِ، ولَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ الثَّلاثَةِ اليَقِينِيَّةِ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْمَعْبُودِيَّةِ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْها، وأنْ لا يَشْتَغِلَ إلّا بِعِبادَةِ الإلَهِ القادِرِ العالِمِ الحَيِّ الحَكِيمِ الضّارِّ النّافِعِ.
الأعراف 7:192
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ما ذَكَرَهُ مِن قِصَّةِ إبْلِيسَ إذْ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أجْنَبِيَّةً عَنْها بِالكُلِّيَّةِ، وكانَ ذَلِكَ غايَةَ الفَسادِ في النَّظْمِ والتَّرْتِيبِ، بَلِ المُرادُ ما ذَكَرْناهُ في سائِرِ الأجْوِبَةِ مِن أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٧٤
المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى أنَّ الأوْثانَ لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فَقَوْلُهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ مَعْناهُ أيَعْبُدُونَ ما لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ؟ أيْ وهم مَخْلُوقُونَ يَعْنِي الأصْنامَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وحَّدَ﴿يَخْلُقُ﴾ ثُمَّ جَمَعَ فَقالَ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ وأيْضًا فَكَيْفَ ذَكَرَ الواوَ والنُّونَ في جَمْعِ غَيْرِ النّاسِ ؟ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ لَفْظَ﴿ما﴾ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، فَهَذِهِ مِن صِيَغِ الوِحْدانِ بِحَسَبِ ظاهِرِ لَفْظِها ومُحْتَمِلَةٌ لِلْجَمْعِ؛ فاللَّهُ تَعالى اعْتَبَرَ الجِهَتَيْنِ فَوَحَّدَ قَوْلَهُ: ﴿يَخْلُقُ﴾ رِعايَةً لِحُكْمِ ظاهِرِ اللَّفْظِ وجَمَعَ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو أنَّ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ في غَيْرِ مَن يَعْقِلُ كَيْفَ يَجُوزُ ؟ فَنَقُولُ: لَمّا اعْتَقَدَ عابِدُوها أنَّها تَعْقِلُ وتُمَيِّزُ فَوَرَدَ هَذا اللَّفْظُ بِناءً عَلى ما يَعْتَقِدُونَهُ ويَتَصَوَّرُونَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ ولا خالِقٍ لِأفْعالِهِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الأجْسامِ بِسَبَبِ أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، وهَذا الطَّعْنُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ قُلْنا إنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ خالِقَةً لِشَيْءٍ لَمْ يَتَوَجَّهِ الطَّعْنُ في إلَهِيَّتِها، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ خالِقًا كانَ إلَهًا، فَلَوْ كانَ العَبْدُ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ كانَ إلَهًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ العَبْدَ غَيْرُ خالِقٍ لِأفْعالِ نَفْسِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّ الأصْنامَ لا تَنْصُرُ مَن أطاعَها ولا تَنْتَصِرُ مِمَّنْ عَصاها، والنَّصْرُ: المَعُونَةُ عَلى العَدُوِّ، والمَعْنى أنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيصالِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ عِبادَتُها ؟ .
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ أيْ ولا يَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ مَكْرُوهًا فَإنَّ مَن أرادَ كَسْرَهم لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِهَذِهِ الأصْنامِ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا عِلْمَ لَها بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، والمَعْنى أنَّ هَذا المَعْبُودَ الَّذِي يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مَعْلُومٌ مِن حالِهِ أنَّهُ كَما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، فَكَذا لا يَصِحُّ فِيهِ إذا دَعا إلى الخَيْرِ الِاتِّباعُ، ولا يُفَصِّلُ حالَ مَن يُخاطِبُهُ مِمَّنْ يَسْكُتُ عَنْهُ، ثُمَّ قَوّى هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] وذَكَرْنا ما فِيهِ مِنَ المَباحِثِ في تِلْكَ الآيَةِ إلّا أنَّ الفَرْقَ في تِلْكَ الآيَةِ عَطْفُ الفِعْلِ عَلى الفِعْلِ، وهَهُنا عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ: وقَوْلَهُ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ عَطْفَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ لا يَجُوزُ إلّا لِفائِدَةٍ وحِكْمَةٍ، وتِلْكَ الفائِدَةُ هي أنَّ
صفحة ٧٥
صِيغَةَ الفِعْلِ مُشْعِرَةٌ بِالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وصِيغَةُ الِاسْمِ مُشْعِرَةٌ بِالدَّوامِ والثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا وقَعُوا في مُهِمٍّ وفي مُعْضِلَةٍ تَضَرَّعُوا إلى تِلْكَ الأصْنامِ، وإذا لَمْ تَحْدُثْ تِلْكَ الواقِعَةُ بَقُوا ساكِتِينَ صامِتِينَ، فَقِيلَ لَهم لا فَرْقَ بَيْنَ إحْداثِكم دُعاءَهم وبَيْنَ أنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى صَمْتِكم وسُكُوتِكم، فَهَذا هو الفائِدَةُ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ، ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ بَيانَ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كَيْفَ يَحْسُنُ وصْفُها بِأنَّها عِبادٌ مَعَ أنَّها جَماداتٌ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وجَبَ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيها كَوْنَها عاقِلَةً فاهِمَةً، فَلا جَرَمَ ورَدَتْ هَذِهِ الألْفاظُ عَلى وفْقِ مُعْتَقَداتِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِبْنَ لَكم وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ ولَمْ يَقُلِ الَّتِي.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ هَذا اللَّغْوَ أُورِدَ في مَعْرِضِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ أيْ قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءً عُقَلاءَ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهم عِبادٌ أمْثالُكم ولا فَضْلَ لَهم عَلَيْكم، فَلِمَ جَعَلْتُمْ أنْفُسَكم عَبِيدًا وجَعَلْتُمُوها آلِهَةً وأرْبابًا ؟ ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم. فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ ثُمَّ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ومَعْنى هَذا الدُّعاءِ طَلَبُ المَنافِعِ وكَشْفُ المَضارِّ مِن جِهَتِهِمْ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ لامُ الأمْرِ عَلى مَعْنى التَّعْجِيزِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى الإجابَةِ ظَهَرَ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْمَعْبُودِيَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في ادِّعاءِ أنَّها آلِهَةٌ ومُسْتَحِقَّةٌ لِلْعِبادَةِ، ولَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ الثَّلاثَةِ اليَقِينِيَّةِ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْمَعْبُودِيَّةِ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْها، وأنْ لا يَشْتَغِلَ إلّا بِعِبادَةِ الإلَهِ القادِرِ العالِمِ الحَيِّ الحَكِيمِ الضّارِّ النّافِعِ.
الأعراف 7:193
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ما ذَكَرَهُ مِن قِصَّةِ إبْلِيسَ إذْ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أجْنَبِيَّةً عَنْها بِالكُلِّيَّةِ، وكانَ ذَلِكَ غايَةَ الفَسادِ في النَّظْمِ والتَّرْتِيبِ، بَلِ المُرادُ ما ذَكَرْناهُ في سائِرِ الأجْوِبَةِ مِن أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٧٤
المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى أنَّ الأوْثانَ لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فَقَوْلُهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ مَعْناهُ أيَعْبُدُونَ ما لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ؟ أيْ وهم مَخْلُوقُونَ يَعْنِي الأصْنامَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وحَّدَ﴿يَخْلُقُ﴾ ثُمَّ جَمَعَ فَقالَ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ وأيْضًا فَكَيْفَ ذَكَرَ الواوَ والنُّونَ في جَمْعِ غَيْرِ النّاسِ ؟ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ لَفْظَ﴿ما﴾ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، فَهَذِهِ مِن صِيَغِ الوِحْدانِ بِحَسَبِ ظاهِرِ لَفْظِها ومُحْتَمِلَةٌ لِلْجَمْعِ؛ فاللَّهُ تَعالى اعْتَبَرَ الجِهَتَيْنِ فَوَحَّدَ قَوْلَهُ: ﴿يَخْلُقُ﴾ رِعايَةً لِحُكْمِ ظاهِرِ اللَّفْظِ وجَمَعَ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو أنَّ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ في غَيْرِ مَن يَعْقِلُ كَيْفَ يَجُوزُ ؟ فَنَقُولُ: لَمّا اعْتَقَدَ عابِدُوها أنَّها تَعْقِلُ وتُمَيِّزُ فَوَرَدَ هَذا اللَّفْظُ بِناءً عَلى ما يَعْتَقِدُونَهُ ويَتَصَوَّرُونَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ ولا خالِقٍ لِأفْعالِهِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الأجْسامِ بِسَبَبِ أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، وهَذا الطَّعْنُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ قُلْنا إنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ خالِقَةً لِشَيْءٍ لَمْ يَتَوَجَّهِ الطَّعْنُ في إلَهِيَّتِها، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ خالِقًا كانَ إلَهًا، فَلَوْ كانَ العَبْدُ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ كانَ إلَهًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ العَبْدَ غَيْرُ خالِقٍ لِأفْعالِ نَفْسِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّ الأصْنامَ لا تَنْصُرُ مَن أطاعَها ولا تَنْتَصِرُ مِمَّنْ عَصاها، والنَّصْرُ: المَعُونَةُ عَلى العَدُوِّ، والمَعْنى أنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيصالِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ عِبادَتُها ؟ .
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ أيْ ولا يَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ مَكْرُوهًا فَإنَّ مَن أرادَ كَسْرَهم لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِهَذِهِ الأصْنامِ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا عِلْمَ لَها بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، والمَعْنى أنَّ هَذا المَعْبُودَ الَّذِي يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مَعْلُومٌ مِن حالِهِ أنَّهُ كَما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، فَكَذا لا يَصِحُّ فِيهِ إذا دَعا إلى الخَيْرِ الِاتِّباعُ، ولا يُفَصِّلُ حالَ مَن يُخاطِبُهُ مِمَّنْ يَسْكُتُ عَنْهُ، ثُمَّ قَوّى هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] وذَكَرْنا ما فِيهِ مِنَ المَباحِثِ في تِلْكَ الآيَةِ إلّا أنَّ الفَرْقَ في تِلْكَ الآيَةِ عَطْفُ الفِعْلِ عَلى الفِعْلِ، وهَهُنا عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ: وقَوْلَهُ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ عَطْفَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ لا يَجُوزُ إلّا لِفائِدَةٍ وحِكْمَةٍ، وتِلْكَ الفائِدَةُ هي أنَّ
صفحة ٧٥
صِيغَةَ الفِعْلِ مُشْعِرَةٌ بِالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وصِيغَةُ الِاسْمِ مُشْعِرَةٌ بِالدَّوامِ والثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا وقَعُوا في مُهِمٍّ وفي مُعْضِلَةٍ تَضَرَّعُوا إلى تِلْكَ الأصْنامِ، وإذا لَمْ تَحْدُثْ تِلْكَ الواقِعَةُ بَقُوا ساكِتِينَ صامِتِينَ، فَقِيلَ لَهم لا فَرْقَ بَيْنَ إحْداثِكم دُعاءَهم وبَيْنَ أنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى صَمْتِكم وسُكُوتِكم، فَهَذا هو الفائِدَةُ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ، ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ بَيانَ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كَيْفَ يَحْسُنُ وصْفُها بِأنَّها عِبادٌ مَعَ أنَّها جَماداتٌ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وجَبَ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيها كَوْنَها عاقِلَةً فاهِمَةً، فَلا جَرَمَ ورَدَتْ هَذِهِ الألْفاظُ عَلى وفْقِ مُعْتَقَداتِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِبْنَ لَكم وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ ولَمْ يَقُلِ الَّتِي.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ هَذا اللَّغْوَ أُورِدَ في مَعْرِضِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ أيْ قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءً عُقَلاءَ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهم عِبادٌ أمْثالُكم ولا فَضْلَ لَهم عَلَيْكم، فَلِمَ جَعَلْتُمْ أنْفُسَكم عَبِيدًا وجَعَلْتُمُوها آلِهَةً وأرْبابًا ؟ ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم. فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ ثُمَّ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ومَعْنى هَذا الدُّعاءِ طَلَبُ المَنافِعِ وكَشْفُ المَضارِّ مِن جِهَتِهِمْ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ لامُ الأمْرِ عَلى مَعْنى التَّعْجِيزِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى الإجابَةِ ظَهَرَ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْمَعْبُودِيَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في ادِّعاءِ أنَّها آلِهَةٌ ومُسْتَحِقَّةٌ لِلْعِبادَةِ، ولَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ الثَّلاثَةِ اليَقِينِيَّةِ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْمَعْبُودِيَّةِ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْها، وأنْ لا يَشْتَغِلَ إلّا بِعِبادَةِ الإلَهِ القادِرِ العالِمِ الحَيِّ الحَكِيمِ الضّارِّ النّافِعِ.
الأعراف 7:194
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ما ذَكَرَهُ مِن قِصَّةِ إبْلِيسَ إذْ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أجْنَبِيَّةً عَنْها بِالكُلِّيَّةِ، وكانَ ذَلِكَ غايَةَ الفَسادِ في النَّظْمِ والتَّرْتِيبِ، بَلِ المُرادُ ما ذَكَرْناهُ في سائِرِ الأجْوِبَةِ مِن أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٧٤
المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى أنَّ الأوْثانَ لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فَقَوْلُهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ مَعْناهُ أيَعْبُدُونَ ما لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ؟ أيْ وهم مَخْلُوقُونَ يَعْنِي الأصْنامَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وحَّدَ﴿يَخْلُقُ﴾ ثُمَّ جَمَعَ فَقالَ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ وأيْضًا فَكَيْفَ ذَكَرَ الواوَ والنُّونَ في جَمْعِ غَيْرِ النّاسِ ؟ .
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ لَفْظَ﴿ما﴾ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، فَهَذِهِ مِن صِيَغِ الوِحْدانِ بِحَسَبِ ظاهِرِ لَفْظِها ومُحْتَمِلَةٌ لِلْجَمْعِ؛ فاللَّهُ تَعالى اعْتَبَرَ الجِهَتَيْنِ فَوَحَّدَ قَوْلَهُ: ﴿يَخْلُقُ﴾ رِعايَةً لِحُكْمِ ظاهِرِ اللَّفْظِ وجَمَعَ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو أنَّ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ في غَيْرِ مَن يَعْقِلُ كَيْفَ يَجُوزُ ؟ فَنَقُولُ: لَمّا اعْتَقَدَ عابِدُوها أنَّها تَعْقِلُ وتُمَيِّزُ فَوَرَدَ هَذا اللَّفْظُ بِناءً عَلى ما يَعْتَقِدُونَهُ ويَتَصَوَّرُونَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ ولا خالِقٍ لِأفْعالِهِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الأجْسامِ بِسَبَبِ أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، وهَذا الطَّعْنُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ قُلْنا إنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ خالِقَةً لِشَيْءٍ لَمْ يَتَوَجَّهِ الطَّعْنُ في إلَهِيَّتِها، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ خالِقًا كانَ إلَهًا، فَلَوْ كانَ العَبْدُ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ كانَ إلَهًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ العَبْدَ غَيْرُ خالِقٍ لِأفْعالِ نَفْسِهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّ الأصْنامَ لا تَنْصُرُ مَن أطاعَها ولا تَنْتَصِرُ مِمَّنْ عَصاها، والنَّصْرُ: المَعُونَةُ عَلى العَدُوِّ، والمَعْنى أنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيصالِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ عِبادَتُها ؟ .
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ أيْ ولا يَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ مَكْرُوهًا فَإنَّ مَن أرادَ كَسْرَهم لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِهَذِهِ الأصْنامِ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا عِلْمَ لَها بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، والمَعْنى أنَّ هَذا المَعْبُودَ الَّذِي يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مَعْلُومٌ مِن حالِهِ أنَّهُ كَما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، فَكَذا لا يَصِحُّ فِيهِ إذا دَعا إلى الخَيْرِ الِاتِّباعُ، ولا يُفَصِّلُ حالَ مَن يُخاطِبُهُ مِمَّنْ يَسْكُتُ عَنْهُ، ثُمَّ قَوّى هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] وذَكَرْنا ما فِيهِ مِنَ المَباحِثِ في تِلْكَ الآيَةِ إلّا أنَّ الفَرْقَ في تِلْكَ الآيَةِ عَطْفُ الفِعْلِ عَلى الفِعْلِ، وهَهُنا عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ: وقَوْلَهُ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ.
واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ عَطْفَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ لا يَجُوزُ إلّا لِفائِدَةٍ وحِكْمَةٍ، وتِلْكَ الفائِدَةُ هي أنَّ
صفحة ٧٥
صِيغَةَ الفِعْلِ مُشْعِرَةٌ بِالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وصِيغَةُ الِاسْمِ مُشْعِرَةٌ بِالدَّوامِ والثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا وقَعُوا في مُهِمٍّ وفي مُعْضِلَةٍ تَضَرَّعُوا إلى تِلْكَ الأصْنامِ، وإذا لَمْ تَحْدُثْ تِلْكَ الواقِعَةُ بَقُوا ساكِتِينَ صامِتِينَ، فَقِيلَ لَهم لا فَرْقَ بَيْنَ إحْداثِكم دُعاءَهم وبَيْنَ أنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى صَمْتِكم وسُكُوتِكم، فَهَذا هو الفائِدَةُ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ، ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ بَيانَ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كَيْفَ يَحْسُنُ وصْفُها بِأنَّها عِبادٌ مَعَ أنَّها جَماداتٌ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وجَبَ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيها كَوْنَها عاقِلَةً فاهِمَةً، فَلا جَرَمَ ورَدَتْ هَذِهِ الألْفاظُ عَلى وفْقِ مُعْتَقَداتِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِبْنَ لَكم وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ ولَمْ يَقُلِ الَّتِي.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ هَذا اللَّغْوَ أُورِدَ في مَعْرِضِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ أيْ قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءً عُقَلاءَ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهم عِبادٌ أمْثالُكم ولا فَضْلَ لَهم عَلَيْكم، فَلِمَ جَعَلْتُمْ أنْفُسَكم عَبِيدًا وجَعَلْتُمُوها آلِهَةً وأرْبابًا ؟ ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم. فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ ثُمَّ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ومَعْنى هَذا الدُّعاءِ طَلَبُ المَنافِعِ وكَشْفُ المَضارِّ مِن جِهَتِهِمْ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ لامُ الأمْرِ عَلى مَعْنى التَّعْجِيزِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى الإجابَةِ ظَهَرَ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْمَعْبُودِيَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في ادِّعاءِ أنَّها آلِهَةٌ ومُسْتَحِقَّةٌ لِلْعِبادَةِ، ولَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ الثَّلاثَةِ اليَقِينِيَّةِ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْمَعْبُودِيَّةِ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْها، وأنْ لا يَشْتَغِلَ إلّا بِعِبادَةِ الإلَهِ القادِرِ العالِمِ الحَيِّ الحَكِيمِ الضّارِّ النّافِعِ.
الأعراف 7:195
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلِيلِ في بَيانِ أنَّهُ يَقْبُحُ مِنَ الإنْسانِ العاقِلِ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أعْضاءً أرْبَعَةً، وهي الأرْجُلُ والأيْدِي والأعْيُنُ والآذانُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الأعْضاءَ إذا حَصَلَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها ما يَلِيقُ بِها مِنَ القُوى المُحَرِّكَةِ والمُدْرِكَةِ تَكُونُ أفْضَلَ مِنها إذا كانَتْ خالِيَةً عَنْ هَذِهِ القُوى، فالرِّجْلُ القادِرَةُ عَلى المَشْيِ واليَدُ القادِرَةُ عَلى البَطْشِ أفْضَلُ مِنَ اليَدِ والرِّجْلِ الخالِيَتَيْنِ عَنْ قُوَّةِ الحَرَكَةِ والحَياةِ، والعَيْنُ الباصِرَةُ والأُذُنُ السّامِعَةُ أفْضَلُ مِنَ العَيْنِ والأُذُنِ الخالِيَتَيْنِ عَنِ القُوَّةِ الباصِرَةِ والسّامِعَةِ، وعَنْ قُوَّةِ الحَياةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ الإنْسانَ أفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الأصْنامِ، بَلْ لا نِسْبَةَ لِفَضِيلَةِ الإنْسانِ إلى فَضْلِ هَذِهِ الأصْنامِ البَتَّةَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالأفْضَلِ الأكْمَلِ الأشْرَفِ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ الأخَسِّ الأدْوَنِ الَّذِي لا يُحِسُّ مِنهُ فائِدَةً البَتَّةَ، لا في جَلْبِ المَنفَعَةِ ولا في دَفْعِ المَضَرَّةِ. هَذا هو الوَجْهُ في
صفحة ٧٦
تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُ أغْمارِ المُشَبِّهَةِ وجْهًا لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذِهِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى جَعَلَ عَدَمَ هَذِهِ الأعْضاءِ لِهَذِهِ الأصْنامِ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ إلَهِيَّتِها، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأعْضاءُ مَوْجُودَةً لِلَّهِ تَعالى لَكانَ عَدَمُها دَلِيلًا عَلى عَدَمِ الإلَهِيَّةِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِإثْباتِ هَذِهِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى. والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الإنْسانَ أفْضَلُ وأكْمَلُ حالًا مِنَ الصَّنَمِ، لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ رِجْلٌ ماشِيَةٌ، ويَدٌ باطِشَةٌ، وعَيْنٌ باصِرَةٌ، وأُذُنٌ سامِعَةٌ، والصَّنَمُ رِجْلُهُ غَيْرُ ماشِيَةٍ، ويَدُهُ غَيْرُ باطِشَةٍ، وعَيْنُهُ غَيْرُ مُبْصِرَةٍ، وأُذُنُهُ غَيْرُ سامِعَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الإنْسانُ أفْضَلَ وأكْمَلَ حالًا مِنَ الصَّنَمِ، واشْتِغالُ الأفْضَلِ الأكْمَلِ بِعِبادَةِ الأخَسِّ الأدْوَنِ جَهْلٌ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ، لا ما ذَهَبَ إلَيْهِ وهْمُ هَؤُلاءِ الجُهّالِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ تَقْرِيرُ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرَها قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ يَعْنِي كَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ مَن لا يَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضَّرَرِ ؟، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ بِأنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لَمْ يَحْصُلْ لَها أرْجُلٌ ماشِيَةٌ، وأيْدٍ باطِشَةٌ، وأعْيُنٌ باصِرَةٌ، وآذانٌ سامِعَةٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ قادِرَةً عَلى الإنْفاعِ والإضْرارِ، فامْتَنَعَ كَوْنُها آلِهَةً، أمّا إلَهُ العالَمِ تَعالى وتَقَدَّسَ فَهو وإنْ كانَ مُتَعالِيًا عَنْ هَذِهِ الجَوارِحِ والأعْضاءِ إلّا أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكَمالِ القُدْرَةِ عَلى النَّفْعِ والضَّرَرِ، وهو مَوْصُوفٌ بِكَمالِ السَّمْعِ والبَصَرِ فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ قالَ الحَسَنُ: إنَّهم كانُوا يُخَوِّفُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِآلِهَتِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ لِيَظْهَرَ لَكم أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَها عَلى إيصالِ المَضارِّ إلَيَّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأثْبَتَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو الياءَ في (كِيدُونِي) والباقُونَ حَذَفُوها، ومِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ، والقَوْلُ فِيهِ أنَّ الفَواصِلَ تُشْبِهُ القَوافِيَ، وقَدْ حَذَفُوا هَذِهِ الياءاتِ إذا كانَتْ في القَوافِي كَقَوْلِهِ:
يَلْمِسُ الأحْلاسَ في مَنزِلِهِ بِيَدَيْهِ كاليَهُودِيِّ المُمِلِّ
والَّذِينَ أثْبَتُوها فَلِأنَّ الأصْلَ هو الإثْباتُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ لا تُمْهِلُونِي واعْجَلُوا في كَيْدِي أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم.
الأعراف 7:196
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ .
صفحة ٧٧
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الواجِبَ عَلى كُلِّ عاقِلٍ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَتَوَلّى تَحْصِيلَ مَنافِعِ الدِّينِ ومَنافِعِ الدُّنْيا، أمّا تَحْصِيلُ مَنافِعِ الدِّينِ، فَبِسَبَبِ إنْزالِ الكِتابِ، وأمّا تَحْصِيلُ مَنافِعِ الدُّنْيا، فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَرَأ القُرّاءُ ولِيِّي بِثَلاثِ ياءاتٍ، الأُولى ياءُ فَعِيلٍ وهي ساكِنَةٌ، والثّانِيَةُ لامُ الفِعْلِ وهي مَكْسُورَةٌ، قَدْ أُدْغِمَتِ الأُولى فِيها فَصارَ ياءً مُشَدَّدَةً، والثّالِثَةُ ياءُ الإضافَةِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ولِيَّ اللَّهُ بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ حَذَفَ الياءَ الَّتِي هي لامُ فَعِيلٍ، كَما حَذَفَ اللّامَ مِن قَوْلِهِمْ فاماليت بِهِ فالهَ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ ياءُ فَعِيلٍ في ياءِ الإضافَةِ، فَقِيلَ ولِيَّ اللَّهُ وهَذِهِ الفَتْحَةُ فَتْحَةُ ياءِ الإضافَةِ، وأمّا الباقُونَ فَأجازُوا اجْتِماعَ ثَلاثِ ياءاتٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي يَتَوَلّى حِفْظِي ونُصْرَتِي هو اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ العُلُومِ العَظِيمَةِ النّافِعَةِ في الدِّينِ ويَتَوَلّى الصّالِحِينَ بِنَصْرِهِمْ، فَلا تَضُرُّهم عَداوَةُ مَن عاداهم، وفي ذَلِكَ يَأْمَنُ المُشْرِكِينَ مِن أنْ يَضُرَّهُ كَيْدُهم، وسَمِعْتُ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ ما كانَ يَدَّخِرُ لِأوْلادِهِ شَيْئًا، فَقِيلَ لَهُ فِيهِ فَقالَ: ولَدِي إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ أوْ مِنَ المُجْرِمِينَ، فَإنْ كانَ مِنَ الصّالِحِينَ فَوَلِيُّهُ اللَّهُ، ومَن كانَ لَهُ ولِيًّا فَلا حاجَةَ لَهُ إلى مالِي، وإنْ كانَ مِنَ المُجْرِمِينَ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القَصَصِ: ١٧] ومَن رَدَّهُ اللَّهُ لَمْ أشْتَغِلْ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ.
الأعراف 7:197
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ وصْفُ الأصْنامِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ.
فَإنْ قالُوا: فَهَذِهِ الأشْياءُ قَدْ صارَتْ مَذْكُورَةً في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ فَما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِها ؟ فَنَقُولُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّما أُعِيدَ هَذا المَعْنى لِأنَّ الأوَّلَ مَذْكُورٌ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ وهَذا مَذْكُورٌ عَلى جِهَةِ الفَرْقِ بَيْنَ مَن تَجُوزُ لَهُ العِبادَةُ وبَيْنَ مَن لا تَجُوزُ، كَأنَّهُ قِيلَ: الإلَهُ المَعْبُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلا تَكُونُ صالِحَةً لِلْإلَهِيَّةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ المَذْكُورَةَ صِفاتٌ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُخَوِّفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ فَقالَ تَعالى: إنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، بَلْ إنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الجَهْلِ والحَماقَةِ إلى أنَّكَ لَوْ دَعَوْتَهم وأظْهَرْتَ أعْظَمَ أنْواعِ الحُجَّةِ والبُرْهانِ لَمْ يَسْمَعُوا بِعُقُولِهِمْ ذَلِكَ البَتَّةَ.
فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَتَقَدَّمُ ذِكْرُ المُشْرِكِينَ وإنَّما تَقَدَّمَ ذَكْرُ الأصْنامِ فَكَيْفَ يَصِحُّ ما ذُكِرَ ؟ .
قُلْنا: قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ فَإنْ حَمَلْنا هَذِهِ الصِّفاتِ عَلى الأصْنامِ قُلْنا: المُرادُ مِن كَوْنِها ناظِرَةً كَوْنُها مُقابِلَةً بِوَجْهِها وُجُوهَ القَوْمِ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلانِ مُتَناظِرانِ أيْ مُتَقابِلانِ، وإنْ حَمَلْناها عَلى المُشْرِكِينَ فالمَعْنى: أنَّهم وإنْ كانُوا يَنْظُرُونَ إلى النّاسِ إلّا أنَّهم لِشِدَّةِ إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ لَمْ يَنْتَفِعُوا
صفحة ٧٨
بِذَلِكَ النَّظَرِ والرُّؤْيَةِ، فَصارُوا كَأنَّهم عُمْيٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ النَّظَرَ ونَفى الرُّؤْيَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّغايُرِ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ فَقِيلَ: مَعْناهُ تَحْسَبُهم أنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ مَعَ أنَّهم في الحَقِيقَةِ لا يَنْظُرُونَ، أيْ تَظُنُّ أنَّهم يَنْظُرُونَكَ مَعَ أنَّهم لا يُبْصِرُونَكَ، والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى الحُسْبانِ وارِدَةٌ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحَجِّ: ٢] .