Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الأنفال 8:66 – التوبة 9:37

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الأنفال 8:66
  2. الأنفال 8:67
  3. الأنفال 8:68
  4. الأنفال 8:69
  5. الأنفال 8:70
  6. الأنفال 8:71
  7. الأنفال 8:72
  8. الأنفال 8:73
  9. الأنفال 8:74
  10. الأنفال 8:75
  11. التوبة 9:1
  12. التوبة 9:2
  13. التوبة 9:3
  14. التوبة 9:4
  15. التوبة 9:5
  16. التوبة 9:6
  17. التوبة 9:7
  18. التوبة 9:8
  19. التوبة 9:9
  20. التوبة 9:10
  21. التوبة 9:11
  22. التوبة 9:12
  23. التوبة 9:13
  24. التوبة 9:14
  25. التوبة 9:15
  26. التوبة 9:16
  27. التوبة 9:17
  28. التوبة 9:18
  29. التوبة 9:19
  30. التوبة 9:20
  31. التوبة 9:21
  32. التوبة 9:22
  33. التوبة 9:23
  34. التوبة 9:24
  35. التوبة 9:25
  36. التوبة 9:26
  37. التوبة 9:27
  38. التوبة 9:28
  39. التوبة 9:29
  40. التوبة 9:30
  41. التوبة 9:31
  42. التوبة 9:32
  43. التوبة 9:33
  44. التوبة 9:34
  45. التوبة 9:35
  46. التوبة 9:36
  47. التوبة 9:37

الأنفال 8:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ . صفحة ١٥٥ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَبْعَثُ العَشَرَةَ إلى وجْهِ المِائَةِ، بَعَثَ حَمْزَةَ في ثَلاثِينَ راكِبًا قِبَلَ بَدْرٍ إلى قَوْمٍ فَلَقِيَهم أبُو جَهْلٍ في ثَلاثِمِائَةِ راكِبٍ وأرادُوا قِتالَهم، فَمَنَعَهم حَمْزَةُ» «وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ إلى خالِدِ بْنِ صَفْوانَ الهُذَلِيِّ وكانَ في جَماعَةٍ، فابْتَدَرَ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُ لِي، فَقالَ: ”إنَّكَ إذا رَأيْتَهُ ذَكَرْتَ الشَّيْطانَ ووَجَدْتَ لِذَلِكَ قَشْعَرِيرَةً وقَدْ بَلَغَنِي أنَّهُ جَمَعَ لِي فاخْرُجْ إلَيْهِ واقْتُلْهُ“ قالَ: فَخَرَجْتُ نَحْوَهُ فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ وجَدْتُ القَشْعَرِيرَةَ فَقالَ لِي: مَنِ الرَّجُلُ ؟ قُلْتُ لَهُ: مِنَ العَرَبِ، سَمِعْتُ بِكَ وبِجَمْعِكَ، ومَشَيْتُ مَعَهُ حَتّى إذا تَمَكَّنْتُ مِنهُ قَتَلْتُهُ بِالسَّيْفِ وأسْرَعْتُ إلى الرَّسُولِ ﷺ وذَكَرْتُ أنِّي قَتَلْتُهُ، فَأعْطانِي عَصًا وقالَ: ”أمْسِكْها فَإنَّها آيَةٌ بَيْنِي وبَيْنَكَ يَوْمَ القِيامَةِ“» ثُمَّ إنَّ هَذا التَّكْلِيفَ شَقَّ عَلى المُسْلِمِينَ فَأزالَهُ اللَّهُ عَنْهم بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ التَّكْلِيفُ الأوَّلُ ضَجَّ المُهاجِرُونَ، وقالُوا: يا رَبِّ نَحْنُ جِياعٌ وعَدُوُّنا شِباعٌ، ونَحْنُ في غُرْبَةٍ وعَدُوُّنا في أهْلِيهِمْ، ونَحْنُ قَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأمْوالِنا وأوْلادِنا وعَدُوُّنا لَيْسَ كَذَلِكَ، وقالَ الأنْصارُ: شُغِلْنا بِعَدُوِّنا وواسَيْنا إخْوانَنا، فَنَزَلَ التَّخْفِيفُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّما أُمِرَ الرَّجُلُ أنْ يَصْبِرَ لِعَشَرَةٍ، والعَشَرَةُ لِمِائَةٍ حالَ ما كانَ المُسْلِمُونَ قَلِيلِينَ، فَلَمّا كَثُرُوا خَفَّفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيُّما رَجُلٍ فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ، فَإنْ فَرَّ مِنَ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، والحاصِلُ أنَّ الجُمْهُورَ ادَّعَوْا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ناسِخٌ لِلْآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وأنْكَرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ هَذا النَّسْخَ، وتَقْرِيرُ قَوْلِهِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فَهَبْ أنّا نَحْمِلُ هَذا الخَبَرَ عَلى الأمْرِ إلّا أنَّ هَذا الأمْرَ كانَ مَشْرُوطًا بِكَوْنِ العِشْرِينَ قادِرِينَ عَلى الصَّبْرِ في مُقابَلَةِ المِائَتَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ غَيْرُ حاصِلٍ في حَقِّ هَؤُلاءِ، فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ أنَّ الآيَةَ الأُولى دَلَّتْ عَلى ثُبُوتِ حُكْمٍ عِنْدَ شَرْطٍ مَخْصُوصٍ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَفْقُودٌ في حَقِّ هَذِهِ الجَماعَةِ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ الحُكْمُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ البَتَّةَ. فَإنْ قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ مَعْناهُ: لِيَكُنِ العِشْرُونَ الصّابِرُونَ في مُقابَلَةِ المِائَتَيْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالنَّسْخُ لازِمٌ. قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ: إنْ حَصَلَ عِشْرُونَ صابِرُونَ في مُقابَلَةِ المِائَتَيْنِ، فَلْيَشْتَغِلُوا بِجِهادِهِمْ ؟ والحاصِلُ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ ورَدَ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ فَخالَفْنا هَذا الظّاهِرَ وحَمَلْناهُ عَلى الأمْرِ، أمّا في رِعايَةِ الشَّرْطِ فَقَدْ تَرَكْناهُ عَلى ظاهِرِهِ، وتَقْدِيرُهُ: إنْ حَصَلَ مِنكم عِشْرُونَ مَوْصُوفُونَ بِالصَّبْرِ عَلى مُقاوَمَةِ المِائَتَيْنِ فَلْيَشْتَغِلُوا بِمُقاوَمَتِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نَسْخَ. فَإنْ قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِمْ قَبْلَ هَذا التَّكْلِيفِ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ لَفْظَ التَّخْفِيفِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ التَّثْقِيلِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ الرُّخْصَةُ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى عِنْدَ الرُّخْصَةِ لِلْحُرِّ في نِكاحِ الأمَةِ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٨] ولَيْسَ هُناكَ نَسْخٌ وإنَّما هو إطْلاقُ نِكاحِ الأمَةِ لِمَن لا يَسْتَطِيعُ نِكاحَ الحَرائِرِ، فَكَذا هَهُنا. وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّ هَؤُلاءِ العِشْرِينَ كانُوا في مَحَلِّ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ حاصِلٌ فِيهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ لازِمًا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ غَيْرُ حاصِلٍ وأنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّ فِيهِمْ ضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ تَخَلَّصُوا عَنْ ذَلِكَ صفحة ١٥٦ الخَوْفِ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ: خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم، ومِمّا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ النَّسْخِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ مُقارِنَةً لِلْآيَةِ الأُولى، وجَعْلُ النّاسِخِ مُقارِنًا لِلْمَنسُوخِ لا يَجُوزُ. فَإنْ قالُوا: العِبْرَةُ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ بِالنُّزُولِ دُونَ التِّلاوَةِ فَإنَّها قَدْ تَتَقَدَّمُ وقَدْ تَتَأخَّرُ، ألا تَرى أنَّ في عِدَّةِ الوَفاةِ النّاسِخَ مُقَدَّمٌ عَلى المَنسُوخِ. قُلْنا: لَمّا كانَ كَوْنُ النّاسِخِ مُقارِنًا لِلْمَنسُوخِ غَيْرَ جائِزٍ في الوُجُودِ، وجَبَ أنْ لا يَكُونَ جائِزًا في الذِّكْرِ، اللَّهُمَّ إلّا لِدَلِيلٍ قاهِرٍ وأنْتُمْ ما ذَكَرْتُمْ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ في عِدَّةِ الوَفاةِ: النّاسِخُ مُقَدَّمٌ عَلى المَنسُوخِ فَنَقُولُ: إنَّ أبا مُسْلِمٍ يُنْكِرُ كُلَّ أنْواعِ النَّسْخِ في القُرْآنِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ إلْزامُ هَذا الكَلامِ عَلَيْهِ ؟ فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ، وأقُولُ: إنْ ثَبَتَ إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى الإطْلاقِ قَبْلَ أبِي مُسْلِمٍ عَلى حُصُولِ هَذا النَّسْخِ فَلا كَلامَ عَلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الإجْماعُ القاطِعُ فَنَقُولُ: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ صَحِيحٌ حَسَنٌ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ هِشامٌ عَلى قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ إلّا عِنْدَ وُقُوعِها بِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ قالَ: فَإنَّ مَعْنى الآيَةِ: الآنَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ فِيكم ضَعْفًا وهَذا يَقْتَضِي أنَّ عِلْمَهُ بِضَعْفِهِمْ ما حَصَلَ إلّا في هَذا الوَقْتِ، والمُتَكَلِّمُونَ أجابُوا بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى قَبْلَ حُدُوثِ الشَّيْءِ لا يَعْلَمُهُ حاصِلًا واقِعًا، بَلْ يَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ سَيَحْدُثُ، أمّا عِنْدَ حُدُوثِهِ ووُقُوعِهِ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ حادِثًا واقِعًا، فَقَوْلُهُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ مَعْناهُ: أنَّ الآنَ حَصَلَ العِلْمُ بِوُقُوعِهِ وحُصُولِهِ، وقَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ كانَ الحاصِلُ هو العِلْمُ بِأنَّهُ سَيَقَعُ أوْ سَيَحْدُثُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ”عَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا“ بِفَتْحِ الضّادِ وفي الرَّوْمِ مِثْلَهُ، والباقُونَ فِيهِما بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ صَحِيحَتانِ، الضَّعْفُ والضُّعْفُ كالمَكْثِ والمُكْثِ. وخالَفَ حَفْصٌ عاصِمًا في هَذا الحَرْفِ وقَرَأهُما بِالضَّمِّ وقالَ: ما خالَفْتُ عاصِمًا في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ إلّا في هَذا الحَرْفِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الَّذِي اسْتَقَرَّ حُكْمُ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ بالِغٍ مُكَلَّفٍ وقَفَ بِإزاءِ مُشْرِكَيْنِ، عَبْدًا كانَ أوْ حُرًّا فالهَزِيمَةُ عَلَيْهِ مُحَرَّمَةٌ ما دامَ مَعَهُ سِلاحٌ يُقاتِلُ بِهِ، فَإنْ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِلاحٌ فَلَهُ أنْ يَنْهَزِمَ، وإنْ قاتَلَهُ ثَلاثَةٌ حَلَّتْ لَهُ الهَزِيمَةُ، والصَّبْرُ أحْسَنُ. رَوى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ أنَّهُ وقَفَ جَيْشُ مُؤْتَةَ وهم ثَلاثَةُ آلافٍ وأُمَراؤُهم عَلى التَّعاقُبِ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ ثُمَّ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ في مُقابَلَةِ مِائَتَيْ ألْفٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِائَةُ ألْفٍ مِنَ الرُّومِ ومِائَةُ ألْفٍ مِنَ المُسْتَعْرِبَةِ وهم لَخْمٌ وجُذامُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ لا تَقَعُ الغَلَبَةُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، والإذْنُ هَهُنا هو الإرادَةُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ وإرادَةِ الكائِناتِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ والمُرادُ ما ذَكَرَهُ في الآيَةِ الأُولى مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٥] فَبَيَّنَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ والمَقْصُودُ أنَّ العِشْرِينَ لَوْ صَبَرُوا ووَقَفُوا فَإنَّ نُصْرَتِي مَعَهم وتَوْفِيقِي مُقارِنٌ لَهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ أبِي مُسْلِمٍ وهو أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ ما صارَ مَنسُوخًا بَلْ هو ثابِتٌ كَما كانَ، فَإنَّ العِشْرِينَ إنْ قَدَرُوا عَلى مُصابَرَةِ المِائَتَيْنِ بَقِيَ ذَلِكَ الحُكْمُ، وإنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُصابَرَتِهِمْ فالحُكْمُ المَذْكُورُ هَهُنا زائِلٌ.

الأنفال 8:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَعْلِيمُ حُكْمٍ آخَرَ مِن أحْكامِ الغَزْوِ والجِهادِ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ”تَكُونَ“ بِالتّاءِ والباقُونَ بِالياءِ، أمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو بِالتّاءِ فَعَلى لَفْظِ الأسْرى؛ لِأنَّ الأسْرى وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّذْكِيرَ لِلرِّجالِ فَهو مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ، وأمّا القِراءَةُ بِالياءِ فَلِأنَّ الفِعْلَ مُتَقَدِّمٌ، والأسْرى مُذَكَّرُونَ في المَعْنى، وقَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ إذا انْفَرَدَ أوْجَبَ تَذْكِيرَ الفِعْلِ كَقَوْلِكَ: جاءَ الرِّجالُ وحَضَرَ قَبِيلَتُكَ وحَضَرَ القاضِيَ امْرَأةٌ، فَإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأشْياءُ كانَ التَّذْكِيرُ أوْلى، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى التَّعْرِيفِ و”أُسارى“ و”يُثَخِّنَ“ بِالتَّشْدِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَبْعِينَ أسِيرًا فِيهِمُ العَبّاسُ عَمُّهُ وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ فاسْتَشارَ أبا بَكْرٍ فِيهِمْ فَقالَ: قَوْمُكَ وأهْلُكَ اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وخُذْ مِنهم فِدْيَةً تُقَوِّي بِها أصْحابَكَ، فَقامَ عُمَرُ وقالَ: كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ فَقَدِّمْهم واضْرِبْ أعْناقَهم، فَإنَّ هَؤُلاءِ أئِمَّةُ الكُفْرِ وإنَّ اللَّهَ أغْناكَ عَنِ الفِداءِ، فَمَكِّنْ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ وحَمْزَةَ مِنَ العَبّاسِ ومَكِّنِّي مِن فُلانٍ يُنْسَبُ لَهُ فَنَضْرِبُ أعْناقَهم. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦] ومَثَلُ عِيسى في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائِدَةِ: ١١٨] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] ومَثَلُ مُوسى حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [يُونُسَ: ٨٨] ومالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ»، رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ: «يا أبا حَفْصٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما كَنّاهُ، تَأْمُرُنِي أنْ أقْتُلَ العَبّاسَ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَقُولُ: ويْلٌ لِعُمَرَ ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ»، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ أشارَ بِأنْ تُضْرَمَ عَلَيْهِمْ نارٌ كَثِيرَةُ الحَطَبِ فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ»، ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ:“ «لا تُخْرِجُوا أحَدًا مِنهم إلّا بِفِداءٍ أوْ بِضَرْبِ العُنُقِ”فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ، فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واشْتَدَّ خَوْفِي، ثُمَّ قالَ مِن بَعْدُ:“إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ ”» وعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْقَوْمِ:“ «إنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهم، وإنْ شِئْتُمْ فادَيْتُمُوهم واسْتُشْهِدَ مِنكم بِعِدَّتِهِمْ”فَقالُوا: بَلْ نَأْخُذُ الفِداءَ فاسْتُشْهِدُوا بِأُحُدٍ، وكانَ فِداءُ الأُسارى عِشْرِينَ أُوقِيَّةً وفِداءُ العَبّاسِ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً»، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كانَ فِداؤُهم مِائَةَ أُوقِيَّةٍ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا أوْ سِتَّةُ دَنانِيرَ. صفحة ١٥٨ ورُوِيَ «أنَّهم لَمّا أخَذُوا الفِداءَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَدَخَلَ عُمَرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو وأبُو بَكْرٍ يَبْكِيانِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بَكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ تَباكَيْتُ، فَقالَ: ابْكِ عَلى أصْحابِكَ في أخْذِهِمُ الفِداءَ، ولَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُهم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ - لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنهُ - ولَوْ نَزَلَ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ لَما نَجا مِنهُ غَيْرُ عُمَرَ وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ»، هَذا هو الكَلامُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ صَرِيحٌ في أنَّ هَذا المَعْنى مَنهِيٌّ عَنْهُ، ومَمْنُوعٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ هَذا المَعْنى قَدْ حَصَلَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ [الأنْفالِ: ٧٠] . الثّانِي: أنَّ الرِّوايَةَ الَّتِي ذَكَرْناها قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما قَتَلَ أُولَئِكَ الكُفّارَ، بَلْ أسَرَهم، فَكانَ الذَّنْبُ لازِمًا مِن هَذا الوَجْهِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَمِيعَ قَوْمِهِ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَتْلِ الكُفّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنْفالِ: ١٢] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَلَمّا لَمْ يَقْتُلُوا بَلْ أسَرُوا كانَ الأسْرُ مَعْصِيَةً. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِأخْذِ الفِداءِ، وكانَ أخْذُ الفِداءِ مَعْصِيَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن عَرَضِ الدُّنْيا هَهُنا هو أخْذُ الفِداءِ. والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَذْتُمْ﴾ ذَلِكَ الفِداءُ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ بَكَيا، وصَرَّحَ الرَّسُولُ ﷺ أنَّهُ إنَّما بَكى لِأجْلِ أنَّهُ حَكَمَ بِأخْذِ الفِداءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ذَنْبٌ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:“ «إنَّ العَذابَ قَرُبَ نُزُولُهُ ولَوْ نَزَلَ لَما نَجا مِنهُ إلّا عُمَرُ» ”وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الذَّنْبِ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ وُجُوهِ تَمَسُّكِ القَوْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ أوَّلًا: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ الأسْرُ مَشْرُوعًا، ولَكِنْ بِشَرْطِ سَبْقِ الإثْخانِ في الأرْضِ، والمُرادُ بِالإثْخانِ هو القَتْلُ والتَّخْوِيفُ الشَّدِيدُ، ولا شَكَّ أنَّ الصَّحابَةَ قَتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ خَلْقًا عَظِيمًا، ولَيْسَ مِن شَرْطِ الإثْخانِ في الأرْضِ قَتْلُ جَمِيعِ النّاسِ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ القَتْلِ الكَثِيرِ أسَرُوا جَماعَةً، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْدَ الإثْخانِ يَجُوزُ الأسْرُ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ الأسْرَ كانَ جائِزًا بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ ذَلِكَ الأسْرَ كانَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً ؟ ويَتَأكَّدُ هَذا الكَلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [مُحَمَّدٍ: ٤] . فَإنْ قالُوا: فَعَلى ما شَرَحْتُمُوهُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأسْرَ كانَ جائِزًا، والإتْيانُ بِالجائِزِ المَشْرُوعِ لا يَلِيقُ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلَيْهِ، فَلِمَ ذَكَرَ اللَّهُ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى العِقابِ ؟ فَنَقُولُ: الوَجْهُ فِيهِ أنَّ الإثْخانَ في الأرْضِ لَيْسَ مَضْبُوطًا بِضابِطٍ مَعْلُومٍ مُعَيَّنٍ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ إكْثارُ القَتْلِ بِحَيْثُ يُوجِبُ وُقُوعَ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكافِرِينَ، وأنْ لا يَجْتَرِئُوا عَلى مُحارَبَةِ المُؤْمِنِينَ، وبُلُوغُ القَتْلِ إلى هَذا الحَدِّ المُعَيَّنِ لا شَكَّ أنَّهُ يَكُونُ مُفَوَّضًا إلى صفحة ١٥٩ الِاجْتِهادِ، فَلَعَلَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ القَتْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ كَفى في حُصُولِ هَذا المَقْصُودِ، مَعَ أنَّهُ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكانَ هَذا خَطَأً واقِعًا في الِاجْتِهادِ في صُورَةٍ لَيْسَ فِيها نَصٌّ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَحَسُنَ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى ذِكْرِ هَذا الكَلامِ لِهَذا السَّبَبِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ البَتَّةَ ذَنْبًا ولا مَعْصِيَةً. والجَوابُ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ثانِيًا أنْ نَقُولَ: إنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أنَّ هَذا الخِطابَ إنَّما كانَ مَعَ الصَّحابَةِ لِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ مَأْمُورًا أنْ يُباشِرَ قَتْلَ الكُفّارِ بِنَفْسِهِ، وإذا كانَ هَذا الخِطابُ مُخْتَصًّا بِالصَّحابَةِ، فَهم لَمّا تَرَكُوا القَتْلَ وأقْدَمُوا عَلى الأسْرِ، كانَ الذَّنْبُ صادِرًا مِنهم لا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ . ونُقِلَ أنَّ الصَّحابَةَ لَمّا هَزَمُوا الكُفّارَ وقَتَلُوا مِنهم جَمْعًا عَظِيمًا، والكُفّارُ فَرُّوا ذَهَبَ الصَّحابَةُ خَلْفَهم وتَباعَدُوا عَنِ الرَّسُولِ وأسَرُوا أُولَئِكَ الأقْوامَ، ولَمْ يَعْلَمِ الرَّسُولُ بِإقْدامِهِمْ عَلى الأسْرِ إلّا بَعْدَ رُجُوعِ الصَّحابَةِ إلى حَضْرَتِهِ، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ ما أسَرَ وما أمَرَ بِالأسْرِ، فَزالَ هَذا السُّؤالُ. فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهم لَمّا حَمَلُوا الأُسارى إلى حَضْرَتِهِ فَلِمَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِهِمُ امْتِثالًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ . قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاضْرِبُوا﴾ تَكْلِيفٌ مُخْتَصُّ بِحالَةِ الحَرْبِ عِنْدَ اشْتِغالِ الكُفّارِ بِالحَرْبِ، فَأمّا بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ فَهَذا التَّكْلِيفُ ما كانَ مُتَناوِلًا لَهُ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَشارَ الصَّحابَةَ في أنَّهُ بِماذا يُعامِلُهم، ولَوْ كانَ ذَلِكَ النَّصُّ مُتَناوِلًا لِتِلْكَ الحالَةِ، لَكانَ مَعَ قِيامِ النَّصِّ القاطِعِ تارِكًا لِحُكْمِهِ وطالِبًا ذَلِكَ الحُكْمَ مِن مُشاوَرَةِ الصَّحابَةِ، وذَلِكَ مُحالٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أمْرٌ، والأمْرُ لا يُفِيدُ إلّا المَرَّةَ الواحِدَةَ، وثَبَتَ بِالإجْماعِ أنَّ هَذا المَعْنى كانَ واجِبًا حالَ المُحارَبَةِ فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَدِيمَ الدَّلالَةِ عَلى ما وراءَ وقْتِ المُحارَبَةِ، وهَذا الجَوابُ شافٍ. والجَوابُ عَمّا ذَكَرُوهُ ثالِثًا، وهو قَوْلُهم: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكَمَ بِأخْذِ الفِداءِ، وأخْذُ الفِداءِ مُحَرَّمٌ، فَنَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ أخْذَ الفِداءِ مُحَرَّمٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ فَنَقُولُ: هَذا لا يَدُلُّ عَلى قَوْلِكم، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حُصُولُ العِتابِ عَلى الأسْرِ لِغَرَضِ أخْذِ الفِداءِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ أخْذَ الفِداءِ مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا. الثّانِي: أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: الأوْلى أنْ نَأْخُذَ الفِداءَ لِتَقْوى العَسْكَرُ بِهِ عَلى الجِهادِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ الفِداءَ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلى الدِّينِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَمِّ مَن طَلَبَ الفِداءَ لِمَحْضِ عَرَضِ الدُّنْيا ولا تَعَلُّقَ لِأحَدِ البابَيْنِ بِالثّانِي، وهَذانِ الجَوابانِ بِعَيْنِهِما هُما الجَوابانِ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . والجَوابُ عَمّا ذَكَرُوهُ رابِعًا: أنَّ بُكاءَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ لَمّا خالَفَ أمْرَ اللَّهِ في القَتْلِ، واشْتَغَلَ بِالأسْرِ اسْتَوْجَبَ العَذابَ، فَبَكى الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَهَدَ في أنَّ القَتْلَ الَّذِي حَصَلَ هَلْ بَلَغَ مَبْلَغَ الإثْخانِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ ووَقَعَ الخَطَأُ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَأقْدَمَ عَلى البُكاءِ لِأجْلِ هَذا المَعْنى. صفحة ١٦٠ والجَوابُ عَمّا ذَكَرُوهُ خامِسًا: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ بِالقَتْلِ، وأقْدَمُوا عَلى الأسْرِ حالَ ما وجَبَ عَلَيْهِمُ الِاشْتِغالُ بِالقَتْلِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في شَرْحِ الألْفاظِ المُشْكِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ حَسُنَ إدْخالُ لَفْظَةِ“كانَ”عَلى لَفْظَةِ“يَكُونُ”في هَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: قَوْلُهُ﴿ما كانَ﴾ مَعْناهُ النَّفْيُ والتَّنْزِيهُ، أيْ ما يَجِبُ وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهُ المَعْنى المَذْكُورُ، ونَظِيرُهُ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ ذَلِكَ، فَلا يَكُونُ لَكَ، وأمّا مَن قَرَأ“ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ”فَمَعْناهُ: أنَّ هَذا الحُكْمَ ما كانَ يَنْبَغِي حُصُولُهُ لِهَذا النَّبِيِّ، وهو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ الزَّجّاجُ:“ أسْرى ”جَمْعٌ، و“ أُسارى ”جَمْعُ الجَمْعِ، قالَ: ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ“ أسارى ”وهي جائِزَةٌ كَما نَقَلْنا عَنْ صاحِبِ“الكَشّافِ”أنَّهُ نَقَلَ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ فِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: الإثْخانُ في كُلِّ شَيْءٍ عِبارَةٌ عَنْ قُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ، يُقالُ: قَدْ أثْخَنَهُ المَرَضُ إذا اشْتَدَّ قُوَّةُ المَرَضِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ أثْخَنَهُ الجِراحُ، والثَّخانَةُ الغِلْظَةُ فَكُلُّ شَيْءٍ غَلِيظٍ فَهو ثَخِينٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ مَعْناهُ حَتّى يَقْوى ويَشْتَدَّ ويَغْلِبَ ويُبالِغَ ويَقْهَرَ، ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا المُرادُ مِنهُ: أنْ يُبالِغَ في قَتْلِ أعْدائِهِ، قالُوا: وإنَّما حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُلْكَ والدَّوْلَةَ إنَّما تَقْوى وتَشْتَدُّ بِالقَتْلِ، قالَ الشّاعِرُ: لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأذى حَتّى يُراقَ عَلى جَوانِبِهِ الدَّمُ ولِأنَّ كَثْرَةَ القَتْلِ تُوجِبُ قُوَّةَ الرُّعْبِ وشِدَّةَ المَهابَةِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ الجَراءَةِ، ومِنَ الإقْدامِ عَلى ما لا يَنْبَغِي، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ“ حَتّى " لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْدَ حُصُولِ الإثْخانِ في الأرْضِ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى الأسْرِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ فالمُرادُ الفِداءُ، وإنَّما سَمّى مَنافِعَ الدُّنْيا ومَتاعَها عَرَضًا؛ لِأنَّهُ لا ثَباتَ لَهُ ولا دَوامَ، فَكَأنَّهُ يَعْرِضُ ثُمَّ يَزُولُ، ولِذَلِكَ سَمّى المُتَكَلِّمُونَ الأعْراضَ أعْراضًا؛ لِأنَّهُ لا ثَباتَ لَها كَثَباتِ الأجْسامِ؛ لِأنَّها تَطْرَأُ عَلى الأجْسامِ، وتَزُولُ عَنْها مَعَ كَوْنِ الأجْسامِ باقِيَةً، ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ ما يُفْضِي إلى السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَعْرِضُ وتَزُولُ، وإنَّما يُرِيدُ ما يُفْضِي إلى السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ الباقِيَةِ الدّائِمَةِ المَصُونَةِ عَنِ التَّبْدِيلِ والزَّوالِ. واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ والقاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: لا كائِنَ مِنَ العَبْدِ إلّا واللَّهُ يُرِيدُهُ؛ لِأنَّ هَذا الأسْرَ وقَعَ مِنهم عَلى هَذا الوَجْهِ، ونَصَّ اللَّهُ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُهُ بَلْ يُرِيدُ مِنهم ما يُؤَدِّي إلى ثَوابِ الآخِرَةِ وهو الطّاعَةُ دُونَ ما يَكُونُ فِيهِ عِصْيانٌ. وأجابَ أهْلُ السُّنَّةِ عَنْهُ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى ما أرادَ أنْ يَكُونَ هَذا الأسْرُ مِنهم طاعَةً وعَمَلًا جائِزًا مَأْذُونًا، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ إرادَةِ كَوْنِ هَذا الأسْرِ طاعَةً نَفِيُ كَوْنِهِ مُرادَ الوُجُودِ، وأمّا الحُكَماءُ فَإنَّهم يَقُولُونَ: الشَّيْءُ مُرادٌ بِالعَرَضِ مَكْرُوهٌ بِالذّاتِ. صفحة ١٦١ ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّكم إنْ طَلَبْتُمُ الآخِرَةَ لَمْ يَغْلِبْكم عَدُوُّكم؛ لِأنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يُقْهَرُ ولا يُغْلَبُ حَكِيمٌ في تَدْبِيرِ مَصالِحِ العالَمِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الحُكْمُ إنَّما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَلِيلِينَ، فَلَمّا كَثُرُوا وقَوِيَ سُلْطانُهم أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ في الأُسارى﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٤ ] وأقُولُ: إنَّ هَذا الكَلامَ يُوهِمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ يَزِيدُ عَلى حُكْمِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كِلْتا الآيَتَيْنِ مُتَوافِقَتانِ، فَإنَّ كِلْتَيْهِما يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ الإثْخانِ، ثُمَّ بَعْدَهُ أخْذُ الفِداءِ.

الأنفال 8:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَعْلِيمُ حُكْمٍ آخَرَ مِن أحْكامِ الغَزْوِ والجِهادِ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ”تَكُونَ“ بِالتّاءِ والباقُونَ بِالياءِ، أمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو بِالتّاءِ فَعَلى لَفْظِ الأسْرى؛ لِأنَّ الأسْرى وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّذْكِيرَ لِلرِّجالِ فَهو مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ، وأمّا القِراءَةُ بِالياءِ فَلِأنَّ الفِعْلَ مُتَقَدِّمٌ، والأسْرى مُذَكَّرُونَ في المَعْنى، وقَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ إذا انْفَرَدَ أوْجَبَ تَذْكِيرَ الفِعْلِ كَقَوْلِكَ: جاءَ الرِّجالُ وحَضَرَ قَبِيلَتُكَ وحَضَرَ القاضِيَ امْرَأةٌ، فَإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأشْياءُ كانَ التَّذْكِيرُ أوْلى، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى التَّعْرِيفِ و”أُسارى“ و”يُثَخِّنَ“ بِالتَّشْدِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَبْعِينَ أسِيرًا فِيهِمُ العَبّاسُ عَمُّهُ وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ فاسْتَشارَ أبا بَكْرٍ فِيهِمْ فَقالَ: قَوْمُكَ وأهْلُكَ اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وخُذْ مِنهم فِدْيَةً تُقَوِّي بِها أصْحابَكَ، فَقامَ عُمَرُ وقالَ: كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ فَقَدِّمْهم واضْرِبْ أعْناقَهم، فَإنَّ هَؤُلاءِ أئِمَّةُ الكُفْرِ وإنَّ اللَّهَ أغْناكَ عَنِ الفِداءِ، فَمَكِّنْ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ وحَمْزَةَ مِنَ العَبّاسِ ومَكِّنِّي مِن فُلانٍ يُنْسَبُ لَهُ فَنَضْرِبُ أعْناقَهم. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦] ومَثَلُ عِيسى في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائِدَةِ: ١١٨] ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] ومَثَلُ مُوسى حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [يُونُسَ: ٨٨] ومالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ»، رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ: «يا أبا حَفْصٍ، وذَلِكَ أوَّلُ ما كَنّاهُ، تَأْمُرُنِي أنْ أقْتُلَ العَبّاسَ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَقُولُ: ويْلٌ لِعُمَرَ ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ»، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ أشارَ بِأنْ تُضْرَمَ عَلَيْهِمْ نارٌ كَثِيرَةُ الحَطَبِ فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ»، ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ:“ «لا تُخْرِجُوا أحَدًا مِنهم إلّا بِفِداءٍ أوْ بِضَرْبِ العُنُقِ”فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ، فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإسْلامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واشْتَدَّ خَوْفِي، ثُمَّ قالَ مِن بَعْدُ:“إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضاءَ ”» وعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْقَوْمِ:“ «إنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهم، وإنْ شِئْتُمْ فادَيْتُمُوهم واسْتُشْهِدَ مِنكم بِعِدَّتِهِمْ”فَقالُوا: بَلْ نَأْخُذُ الفِداءَ فاسْتُشْهِدُوا بِأُحُدٍ، وكانَ فِداءُ الأُسارى عِشْرِينَ أُوقِيَّةً وفِداءُ العَبّاسِ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً»، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كانَ فِداؤُهم مِائَةَ أُوقِيَّةٍ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا أوْ سِتَّةُ دَنانِيرَ. صفحة ١٥٨ ورُوِيَ «أنَّهم لَمّا أخَذُوا الفِداءَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَدَخَلَ عُمَرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو وأبُو بَكْرٍ يَبْكِيانِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بَكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ تَباكَيْتُ، فَقالَ: ابْكِ عَلى أصْحابِكَ في أخْذِهِمُ الفِداءَ، ولَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُهم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ - لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنهُ - ولَوْ نَزَلَ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ لَما نَجا مِنهُ غَيْرُ عُمَرَ وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ»، هَذا هو الكَلامُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ صَرِيحٌ في أنَّ هَذا المَعْنى مَنهِيٌّ عَنْهُ، ومَمْنُوعٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ هَذا المَعْنى قَدْ حَصَلَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ [الأنْفالِ: ٧٠] . الثّانِي: أنَّ الرِّوايَةَ الَّتِي ذَكَرْناها قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما قَتَلَ أُولَئِكَ الكُفّارَ، بَلْ أسَرَهم، فَكانَ الذَّنْبُ لازِمًا مِن هَذا الوَجْهِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَمِيعَ قَوْمِهِ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَتْلِ الكُفّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنْفالِ: ١٢] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَلَمّا لَمْ يَقْتُلُوا بَلْ أسَرُوا كانَ الأسْرُ مَعْصِيَةً. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِأخْذِ الفِداءِ، وكانَ أخْذُ الفِداءِ مَعْصِيَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن عَرَضِ الدُّنْيا هَهُنا هو أخْذُ الفِداءِ. والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَذْتُمْ﴾ ذَلِكَ الفِداءُ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ بَكَيا، وصَرَّحَ الرَّسُولُ ﷺ أنَّهُ إنَّما بَكى لِأجْلِ أنَّهُ حَكَمَ بِأخْذِ الفِداءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ذَنْبٌ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:“ «إنَّ العَذابَ قَرُبَ نُزُولُهُ ولَوْ نَزَلَ لَما نَجا مِنهُ إلّا عُمَرُ» ”وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الذَّنْبِ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ وُجُوهِ تَمَسُّكِ القَوْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ أوَّلًا: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ الأسْرُ مَشْرُوعًا، ولَكِنْ بِشَرْطِ سَبْقِ الإثْخانِ في الأرْضِ، والمُرادُ بِالإثْخانِ هو القَتْلُ والتَّخْوِيفُ الشَّدِيدُ، ولا شَكَّ أنَّ الصَّحابَةَ قَتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ خَلْقًا عَظِيمًا، ولَيْسَ مِن شَرْطِ الإثْخانِ في الأرْضِ قَتْلُ جَمِيعِ النّاسِ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ القَتْلِ الكَثِيرِ أسَرُوا جَماعَةً، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْدَ الإثْخانِ يَجُوزُ الأسْرُ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ الأسْرَ كانَ جائِزًا بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ ذَلِكَ الأسْرَ كانَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً ؟ ويَتَأكَّدُ هَذا الكَلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [مُحَمَّدٍ: ٤] . فَإنْ قالُوا: فَعَلى ما شَرَحْتُمُوهُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأسْرَ كانَ جائِزًا، والإتْيانُ بِالجائِزِ المَشْرُوعِ لا يَلِيقُ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلَيْهِ، فَلِمَ ذَكَرَ اللَّهُ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى العِقابِ ؟ فَنَقُولُ: الوَجْهُ فِيهِ أنَّ الإثْخانَ في الأرْضِ لَيْسَ مَضْبُوطًا بِضابِطٍ مَعْلُومٍ مُعَيَّنٍ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ إكْثارُ القَتْلِ بِحَيْثُ يُوجِبُ وُقُوعَ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكافِرِينَ، وأنْ لا يَجْتَرِئُوا عَلى مُحارَبَةِ المُؤْمِنِينَ، وبُلُوغُ القَتْلِ إلى هَذا الحَدِّ المُعَيَّنِ لا شَكَّ أنَّهُ يَكُونُ مُفَوَّضًا إلى صفحة ١٥٩ الِاجْتِهادِ، فَلَعَلَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ القَتْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ كَفى في حُصُولِ هَذا المَقْصُودِ، مَعَ أنَّهُ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكانَ هَذا خَطَأً واقِعًا في الِاجْتِهادِ في صُورَةٍ لَيْسَ فِيها نَصٌّ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَحَسُنَ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى ذِكْرِ هَذا الكَلامِ لِهَذا السَّبَبِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ البَتَّةَ ذَنْبًا ولا مَعْصِيَةً. والجَوابُ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ثانِيًا أنْ نَقُولَ: إنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أنَّ هَذا الخِطابَ إنَّما كانَ مَعَ الصَّحابَةِ لِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ مَأْمُورًا أنْ يُباشِرَ قَتْلَ الكُفّارِ بِنَفْسِهِ، وإذا كانَ هَذا الخِطابُ مُخْتَصًّا بِالصَّحابَةِ، فَهم لَمّا تَرَكُوا القَتْلَ وأقْدَمُوا عَلى الأسْرِ، كانَ الذَّنْبُ صادِرًا مِنهم لا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ . ونُقِلَ أنَّ الصَّحابَةَ لَمّا هَزَمُوا الكُفّارَ وقَتَلُوا مِنهم جَمْعًا عَظِيمًا، والكُفّارُ فَرُّوا ذَهَبَ الصَّحابَةُ خَلْفَهم وتَباعَدُوا عَنِ الرَّسُولِ وأسَرُوا أُولَئِكَ الأقْوامَ، ولَمْ يَعْلَمِ الرَّسُولُ بِإقْدامِهِمْ عَلى الأسْرِ إلّا بَعْدَ رُجُوعِ الصَّحابَةِ إلى حَضْرَتِهِ، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ ما أسَرَ وما أمَرَ بِالأسْرِ، فَزالَ هَذا السُّؤالُ. فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهم لَمّا حَمَلُوا الأُسارى إلى حَضْرَتِهِ فَلِمَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِهِمُ امْتِثالًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ . قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاضْرِبُوا﴾ تَكْلِيفٌ مُخْتَصُّ بِحالَةِ الحَرْبِ عِنْدَ اشْتِغالِ الكُفّارِ بِالحَرْبِ، فَأمّا بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ فَهَذا التَّكْلِيفُ ما كانَ مُتَناوِلًا لَهُ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَشارَ الصَّحابَةَ في أنَّهُ بِماذا يُعامِلُهم، ولَوْ كانَ ذَلِكَ النَّصُّ مُتَناوِلًا لِتِلْكَ الحالَةِ، لَكانَ مَعَ قِيامِ النَّصِّ القاطِعِ تارِكًا لِحُكْمِهِ وطالِبًا ذَلِكَ الحُكْمَ مِن مُشاوَرَةِ الصَّحابَةِ، وذَلِكَ مُحالٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أمْرٌ، والأمْرُ لا يُفِيدُ إلّا المَرَّةَ الواحِدَةَ، وثَبَتَ بِالإجْماعِ أنَّ هَذا المَعْنى كانَ واجِبًا حالَ المُحارَبَةِ فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَدِيمَ الدَّلالَةِ عَلى ما وراءَ وقْتِ المُحارَبَةِ، وهَذا الجَوابُ شافٍ. والجَوابُ عَمّا ذَكَرُوهُ ثالِثًا، وهو قَوْلُهم: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكَمَ بِأخْذِ الفِداءِ، وأخْذُ الفِداءِ مُحَرَّمٌ، فَنَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ أخْذَ الفِداءِ مُحَرَّمٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ فَنَقُولُ: هَذا لا يَدُلُّ عَلى قَوْلِكم، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حُصُولُ العِتابِ عَلى الأسْرِ لِغَرَضِ أخْذِ الفِداءِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ أخْذَ الفِداءِ مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا. الثّانِي: أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: الأوْلى أنْ نَأْخُذَ الفِداءَ لِتَقْوى العَسْكَرُ بِهِ عَلى الجِهادِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ الفِداءَ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلى الدِّينِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَمِّ مَن طَلَبَ الفِداءَ لِمَحْضِ عَرَضِ الدُّنْيا ولا تَعَلُّقَ لِأحَدِ البابَيْنِ بِالثّانِي، وهَذانِ الجَوابانِ بِعَيْنِهِما هُما الجَوابانِ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . والجَوابُ عَمّا ذَكَرُوهُ رابِعًا: أنَّ بُكاءَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ لَمّا خالَفَ أمْرَ اللَّهِ في القَتْلِ، واشْتَغَلَ بِالأسْرِ اسْتَوْجَبَ العَذابَ، فَبَكى الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَهَدَ في أنَّ القَتْلَ الَّذِي حَصَلَ هَلْ بَلَغَ مَبْلَغَ الإثْخانِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ ووَقَعَ الخَطَأُ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَأقْدَمَ عَلى البُكاءِ لِأجْلِ هَذا المَعْنى. صفحة ١٦٠ والجَوابُ عَمّا ذَكَرُوهُ خامِسًا: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ بِالقَتْلِ، وأقْدَمُوا عَلى الأسْرِ حالَ ما وجَبَ عَلَيْهِمُ الِاشْتِغالُ بِالقَتْلِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في شَرْحِ الألْفاظِ المُشْكِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ حَسُنَ إدْخالُ لَفْظَةِ“كانَ”عَلى لَفْظَةِ“يَكُونُ”في هَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: قَوْلُهُ﴿ما كانَ﴾ مَعْناهُ النَّفْيُ والتَّنْزِيهُ، أيْ ما يَجِبُ وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهُ المَعْنى المَذْكُورُ، ونَظِيرُهُ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ ذَلِكَ، فَلا يَكُونُ لَكَ، وأمّا مَن قَرَأ“ ما كانَ لِلنَّبِيِّ ”فَمَعْناهُ: أنَّ هَذا الحُكْمَ ما كانَ يَنْبَغِي حُصُولُهُ لِهَذا النَّبِيِّ، وهو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ الزَّجّاجُ:“ أسْرى ”جَمْعٌ، و“ أُسارى ”جَمْعُ الجَمْعِ، قالَ: ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ“ أسارى ”وهي جائِزَةٌ كَما نَقَلْنا عَنْ صاحِبِ“الكَشّافِ”أنَّهُ نَقَلَ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ فِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: الإثْخانُ في كُلِّ شَيْءٍ عِبارَةٌ عَنْ قُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ، يُقالُ: قَدْ أثْخَنَهُ المَرَضُ إذا اشْتَدَّ قُوَّةُ المَرَضِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ أثْخَنَهُ الجِراحُ، والثَّخانَةُ الغِلْظَةُ فَكُلُّ شَيْءٍ غَلِيظٍ فَهو ثَخِينٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ مَعْناهُ حَتّى يَقْوى ويَشْتَدَّ ويَغْلِبَ ويُبالِغَ ويَقْهَرَ، ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا المُرادُ مِنهُ: أنْ يُبالِغَ في قَتْلِ أعْدائِهِ، قالُوا: وإنَّما حَمَلْنا اللَّفْظَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُلْكَ والدَّوْلَةَ إنَّما تَقْوى وتَشْتَدُّ بِالقَتْلِ، قالَ الشّاعِرُ: لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأذى حَتّى يُراقَ عَلى جَوانِبِهِ الدَّمُ ولِأنَّ كَثْرَةَ القَتْلِ تُوجِبُ قُوَّةَ الرُّعْبِ وشِدَّةَ المَهابَةِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ الجَراءَةِ، ومِنَ الإقْدامِ عَلى ما لا يَنْبَغِي، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ“ حَتّى " لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْدَ حُصُولِ الإثْخانِ في الأرْضِ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى الأسْرِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ فالمُرادُ الفِداءُ، وإنَّما سَمّى مَنافِعَ الدُّنْيا ومَتاعَها عَرَضًا؛ لِأنَّهُ لا ثَباتَ لَهُ ولا دَوامَ، فَكَأنَّهُ يَعْرِضُ ثُمَّ يَزُولُ، ولِذَلِكَ سَمّى المُتَكَلِّمُونَ الأعْراضَ أعْراضًا؛ لِأنَّهُ لا ثَباتَ لَها كَثَباتِ الأجْسامِ؛ لِأنَّها تَطْرَأُ عَلى الأجْسامِ، وتَزُولُ عَنْها مَعَ كَوْنِ الأجْسامِ باقِيَةً، ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ ما يُفْضِي إلى السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَعْرِضُ وتَزُولُ، وإنَّما يُرِيدُ ما يُفْضِي إلى السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ الباقِيَةِ الدّائِمَةِ المَصُونَةِ عَنِ التَّبْدِيلِ والزَّوالِ. واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ والقاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: لا كائِنَ مِنَ العَبْدِ إلّا واللَّهُ يُرِيدُهُ؛ لِأنَّ هَذا الأسْرَ وقَعَ مِنهم عَلى هَذا الوَجْهِ، ونَصَّ اللَّهُ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُهُ بَلْ يُرِيدُ مِنهم ما يُؤَدِّي إلى ثَوابِ الآخِرَةِ وهو الطّاعَةُ دُونَ ما يَكُونُ فِيهِ عِصْيانٌ. وأجابَ أهْلُ السُّنَّةِ عَنْهُ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى ما أرادَ أنْ يَكُونَ هَذا الأسْرُ مِنهم طاعَةً وعَمَلًا جائِزًا مَأْذُونًا، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ إرادَةِ كَوْنِ هَذا الأسْرِ طاعَةً نَفِيُ كَوْنِهِ مُرادَ الوُجُودِ، وأمّا الحُكَماءُ فَإنَّهم يَقُولُونَ: الشَّيْءُ مُرادٌ بِالعَرَضِ مَكْرُوهٌ بِالذّاتِ. صفحة ١٦١ ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّكم إنْ طَلَبْتُمُ الآخِرَةَ لَمْ يَغْلِبْكم عَدُوُّكم؛ لِأنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يُقْهَرُ ولا يُغْلَبُ حَكِيمٌ في تَدْبِيرِ مَصالِحِ العالَمِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الحُكْمُ إنَّما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَلِيلِينَ، فَلَمّا كَثُرُوا وقَوِيَ سُلْطانُهم أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ في الأُسارى﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ [مُحَمَّدٍ: ٤ ] وأقُولُ: إنَّ هَذا الكَلامَ يُوهِمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ يَزِيدُ عَلى حُكْمِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كِلْتا الآيَتَيْنِ مُتَوافِقَتانِ، فَإنَّ كِلْتَيْهِما يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ الإثْخانِ، ثُمَّ بَعْدَهُ أخْذُ الفِداءِ.

الأنفال 8:69

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ كَثُرَ أقاوِيلُ النّاسِ في تَفْسِيرِ هَذا الكِتابِ السّابِقِ، ونَحْنُ نَذْكُرُها ونَذْكُرُ ما فِيها مِنَ المَباحِثِ: فالقَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ يا مُحَمَّدُ بِحِلِّ الغَنائِمِ لَكَ ولِأُمَّتِكَ لَمَسَّكُمُ العَذابُ، وهو مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ تَحْلِيلَ الغَنائِمِ والفِداءَ هَلْ كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ ما كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ فَإنْ كانَ التَّحْلِيلُ والإذْنُ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ امْتَنَعَ إنْزالُ العَذابِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ما كانَ مَأْذُونًا فِيهِ مِن قَبْلُ لَمْ يَحْصُلِ العِقابُ عَلى فِعْلِهِ، وإنْ قُلْنا: إنَّ الإذْنَ ما كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ حَرامًا في ذَلِكَ الوَقْتِ أقْصى ما في البابِ أنَّهُ كانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَحْكُمُ بِحِلِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنَّ هَذا لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ حَرامًا في ذَلِكَ الوَقْتِ. فَإنْ قالُوا: إنَّ كَوْنَهُ بِحَيْثُ سَيَصِيرُ حَلالًا بَعْدَ ذَلِكَ يُوجِبُ تَخْفِيفَ العِقابِ. قُلْنا: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ إنْزالُ العِقابِ بِسَبَبِهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ التَّخْوِيفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ العِقابِ. القَوْلُ الثّانِي: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أنِّي لا أُعَذِّبُ إلّا بَعْدَ النَّهْيِ لَعَذَّبْتُكم فِيما صَنَعْتُمْ، وأنَّهُ تَعالى ما نَهاهم عَنْ أخْذِ الفِداءِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: حاصِلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ ما وُجِدَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ يُوجِبُ حُرْمَةَ ذَلِكَ الفِداءِ، فَهَلْ حَصَلَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ يَقْتَضِي حُرْمَتَهُ أمْ لا ؟ فَإنْ قُلْنا: حَصَلَ، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى قَدْ بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ تِلْكَ الحُرْمَةَ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ في العَقْلِ ولا في الشَّرْعِ ما يَقْتَضِي المَنعَ، فَحِينَئِذٍ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ المَنعُ حاصِلًا، وإلّا لَكانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وإذا لَمْ يَكُنِ المَنعُ حاصِلًا كانَ الإذْنُ حاصِلًا، وإذا كانَ الإذْنُ حاصِلًا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى فِعْلِهِ ؟ القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ قَوْمٌ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا أيْضًا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّهم ما مُنِعُوا عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي والزِّنا والخَمْرِ وما هُدِّدُوا بِتَرْتِيبِ العِقابِ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ، وذَلِكَ يُوجِبُ سُقُوطَ التَّكالِيفِ عَنْهم ولا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وأيْضًا فَلَوْ صارَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ آخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ المَوْضِعِ بِعَيْنِهِ في تِلْكَ الواقِعَةِ بِعَيْنِها، وكَيْفَ وجَّهَ عَلَيْهِمْ هَذا العِقابَ القَوِيَّ ؟ والقَوْلُ الرّابِعُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في أنَّ مَن أتى ذَنْبًا بِجَهالَةٍ، فَإنَّهُ لا يُؤاخِذُهُ بِهِ لَمَسَّهُمُ العَذابُ، وهَذا مِن جِنْسِ ما سَبَقَ. واعْلَمْ أنَّ النّاسَ قَدْ أكْثَرُوا فِيهِ، والمُعْتَمَدُ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: أمّا عَلى قَوْلِنا: فَنَقُولُ: يَجُوزُ أنْ صفحة ١٦٢ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنِ الكَبائِرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ مَعْناهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى حَكَمَ في الأزَلِ بِالعَفْوِ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ لَمَسَّهم عَذابٌ عَظِيمٌ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٤] ومِن قَوْلِهِ: ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَهم لا يُجَوِّزُونَ العَفْوَ عَنِ الكَبائِرِ، فَكانَ مَعْناهُ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ في أنَّ مَنِ احْتَرَزَ عَنِ الكَبائِرِ صارَتْ صَغائِرُهُ مَغْفُورَةً وإلّا لَمَسَّهم عَذابٌ عَظِيمٌ، وهَذا الحُكْمُ وإنْ كانَ ثابِتًا في حَقِّ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، إلّا أنَّ طاعاتِ أهْلِ بَدْرٍ كانَتْ عَظِيمَةً وهو قَبُولُهُمُ الإسْلامَ، وانْقِيادُهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وإقْدامُهم عَلى مُقاتَلَةِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ سِلاحٍ وأُهْبَةٍ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ الثَّوابَ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ عَلى هَذِهِ الطّاعاتِ كانَ أزْيَدَ مِنَ العِقابِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ عَلى هَذا الذَّنْبِ، فَلا جَرَمَ صارَ هَذا الذَّنْبُ مَغْفُورًا، ولَوْ قَدَّرْنا صُدُورَ هَذا الذَّنْبِ مِن سائِرِ المُسْلِمِينَ لَما صارَ مَغْفُورًا، فَبِسَبَبِ هَذا القَدْرِ مِنَ التَّفاوُتِ حَصَلَ لِأهْلِ بَدْرٍ هَذا الِاخْتِصاصُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ رُوِيَ أنَّهم أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ ولَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم إلَيْها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ هو إباحَةُ الفِداءِ. فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى الفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا﴾ . قُلْنا التَّقْدِيرُ: قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المَغْنُومِ أوْ صِفَةٍ لِلْمَصْدَرِ، أيْ أكْلًا حَلالًا﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى: واتَّقُوا اللَّهَ فَلا تُقْدِمُوا عَلى المَعاصِي بَعْدَ ذَلِكَ، واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لِما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ في الماضِي مِنَ الزَّلَّةِ، رَحِيمٌ بِما أتَيْتُمْ مِنَ الجُرْمِ والمَعْصِيَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى المُسْتَقْبَلِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الماضِيَةِ.

الأنفال 8:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الرَّسُولَ لَمّا أخَذَ الفِداءَ مِنَ الأُسارى وشَقَّ عَلَيْهِمْ أخْذُ أمْوالِهِمْ مِنهم، ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ اسْتِمالَةً لَهم فَقالَ:( «﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ في العَبّاسِ، وعَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ، ونَوْفَلِ بْنِ الحارِثِ، كانَ العَبّاسُ أسِيرًا يَوْمَ بَدْرٍ ومَعَهُ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ أخْرَجَها لِيُطْعِمَ النّاسَ، وكانَ أحَدَ العَشَرَةِ الَّذِينَ ضَمِنُوا الطَّعامَ لِأهْلِ بَدْرٍ فَلَمْ تَبْلُغْهُ التَّوْبَةُ حَتّى أُسِرَ، فَقالَ العَبّاسُ: كُنْتُ مُسْلِمًا إلّا أنَّهم أكْرَهُونِي، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنْ يَكُنْ ما تَذْكُرُهُ حَقًّا فاللَّهُ يَجْزِيكَ“ فَأمّا ظاهِرُ أمْرِكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْنا، قالَ العَبّاسُ: فَكَلَّمْتُ رَسُولَ اللَّهِ أنْ يَرُدَّ ذَلِكَ الذَّهَبَ عَلَيَّ، فَقالَ: ”أمّا شَيْءٌ خَرَجْتَ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلَيْنا فَلا“ قالَ: وكَلَّفَنِي الرَّسُولُ فِداءَ ابْنِ أخِي عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وفِداءَ نَوْفَلِ بْنِ صفحة ١٦٣ الحارِثِ»، فَقالَ العَبّاسُ: تَرَكْتَنِي يا مُحَمَّدُ أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ مِن مَكَّةَ وقُلْتَ لَها: لا أدْرِي ما يُصِيبُنِي، فَإنْ حَدَثَ بِي حادِثٌ فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ وعُبَيْدِ اللَّهِ والفَضْلِ“ فَقالَ العَبّاسُ: وما يُدْرِيكَ ؟ قالَ: ”أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي“ قالَ العَبّاسُ: فَأنا أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ، ولَقَدْ كُنْتُ مُرْتابًا في أمْرِكَ، فَأمّا إذْ أخْبَرْتَنِي بِذَلِكَ فَلا رَيْبَ، قالَ العَبّاسُ: فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ، لِي الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا، وإنَّ أدْناهم لَيَضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا، وأعْطانِي زَمْزَمَ، وما أُحِبُّ أنَّ لِيَ بِها جَمِيعَ أمْوالِ أهْلِ مَكَّةَ، وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّي، ورُوِيَ أنَّهُ «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ مالُ البَحْرَيْنِ ثَمانُونَ ألْفًا، فَتَوَضَّأ لِصَلاةِ الظُّهْرِ وما صَلّى حَتّى فَرَّقَهُ، وأمَرَ العَبّاسَ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ، فَأخَذَ ما قَدَرَ عَلى حَمْلِهِ، وكانَ يَقُولُ: هَذا خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا أرْجُو المَغْفِرَةَ»، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في العَبّاسِ خاصَّةً، أوْ في جُمْلَةِ الأُسارى، قالَ قَوْمٌ: إنَّها في العَبّاسِ خاصَّةً، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها نَزَلَتْ في الكُلِّ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي العُمُومَ مِن سِتَّةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَن في أيْدِيكُمْ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الأسْرى﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا﴾ . وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ . وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ . فَلَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الألْفاظُ السِّتَّةُ عَلى العُمُومِ، فَما المُوجِبُ لِلتَّخْصِيصِ ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ هو العَبّاسُ، إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الخَيْرِ: الإيمانُ والعَزْمُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ في جَمِيعِ التَّكالِيفِ، والتَّوْبَةُ عَنِ الكُفْرِ وعَنْ جَمِيعِ المَعاصِي، ويَدْخُلُ فِيهِ العَزْمُ عَلى نُصْرَةِ الرَّسُولِ، والتَّوْبَةُ عَنْ مُحارَبَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ عَلى قَوْلِهِ: إنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلّا عِنْدَ حُدُوثِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ فَعَلَ كَذا، وكَذا شَرْطٌ وجَزاءٌ، والشَّرْطُ هو حُصُولُ هَذا العِلْمِ، والشَّرْطُ والجَزاءُ لا يَصِحُّ وُجُودُهُما إلّا في المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ يُوجِبُ حُدُوثَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ وإنْ كانَ يَقْتَضِي ما ذَكَرَهُ هِشامٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ عِلْمَ اللَّهِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا وجَبَ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ العِلْمَ وأرادَ بِهِ المَعْلُومَ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَدُلُّ حُصُولُ العِلْمِ عَلى حُصُولِ المَعْلُومِ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ الحَسَنُ ”مِمّا أخَذَ مِنكم“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا الخَيْرِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ: الخُلْفُ مِمّا أُخِذَ مِنهم في الدُّنْيا، قالَ القاضِي: لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ أمْرَ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فَما تَقَدَّمَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ مَنافِعَ الدُّنْيا. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ إزالَةُ العِقابِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لَمْ يَبْعُدْ أنْ صفحة ١٦٤ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الخَيْرِ المَذْكُورِ أيْضًا الثَّوابَ والتَّفَضُّلَ في الآخِرَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِن هَذا الخَيْرِ ثَوابُ الآخِرَةِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ في الآخِرَةِ، فالخَيْرُ الَّذِي تُقَدِّمُهُ يَجِبُ أيْضًا أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الكُلِّ. فَإنْ قِيلَ: إذا حَمَلْتُمُ الخَيْرَ عَلى خَيْراتِ الدُّنْيا، فَهَلْ تَقُولُونَ إنَّ كُلَّ مَن أخْلَصَ مِنَ الأُسارى قَدْ آتاهُ اللَّهُ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنهُ ؟ قُلْنا: هَكَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِحُكْمِ الآيَةِ، إلّا أنّا لا نَعْلَمُ مَنِ المُخْلِصُ بِقَلْبِهِ حَتّى يَتَوَجَّهَ عَلَيْنا فِيهِ السُّؤالُ، ولا نَعْلَمُ أيْضًا مَنِ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ عِلْمًا، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ قَلِيلَ الدُّنْيا مَعَ الإيمانِ أعْظَمُ مِن كَثِيرِ الدُّنْيا مَعَ الكُفْرِ. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهو تَأْكِيدٌ لِما مَضى ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهُ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ والمَعْنى: كَيْفَ لا يَفِي بِوَعْدِ المَغْفِرَةِ وأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؟

الأنفال 8:71

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الخِيانَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الخِيانَةُ في الدِّينِ وهو الكُفْرُ، يَعْنِي إنْ كَفَرُوا بِكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الخِيانَةِ مَنعُ ما ضَمِنُوا مِنَ الفِداءِ. الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أطْلَقَهم مِنَ الأسْرِ عَهِدَ مَعَهم أنْ لا يَعُودُوا إلى مُحارَبَتِهِ وإلى مُعاهَدَةِ المُشْرِكِينَ، وهَذا هو العادَةُ فِيمَن يُطْلَقُ مِنَ الحَبْسِ والأسْرِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ أيْ نَكْثَ هَذا العَهْدِ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ، والمُرادُ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] و﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨٩] ثُمَّ إذا وصَلُوا إلى النِّعْمَةِ وتَخَلَّصُوا مِنَ البَلِيَّةِ نَكَثُوا العَهْدَ ونَقَضُوا المِيثاقَ، ولا يَمْنَعُ دُخُولَ الكُلِّ فِيهِ، وإنْ كانَ الأظْهَرُ هو هَذا الأخِيرَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ أمْكَنَنِي الأمْرُ يُمْكِنُنِي فَهو مُمْكِنٌ ومَفْعُولُ الإمْكانِ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: فَأمْكَنَ المُؤْمِنِينَ مِنهم، والمَعْنى أنَّهم خانُوا اللَّهَ بِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِن مُحارَبَةِ الرَّسُولِ يَوْمَ بَدْرٍ فَأمْكَنَ اللَّهُ مِنهم قَتْلًا وأسْرًا، وذَلِكَ نِهايَةُ الإمْكانِ والظَّفَرِ، فَنَبَّهَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم قَدْ ذاقُوا وبالَ ما فَعَلُوهُ ثَمَّ، فَإنْ عادُوا كانَ التَّمْكِينُ مِنهم ثابِتًا حاصِلًا، وفِيهِ بِشارَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِن كُلِّ مَن يَخُونُهُ ويَنْقُضُ عَهْدَهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ بِبَواطِنِهِمْ وضَمائِرِهِمْ﴿حَكِيمٌ﴾ يُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ.

الأنفال 8:72

صفحة ١٦٥ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَسَّمَ المُؤْمِنِينَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، وذَكَرَ حُكْمَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وتَقْرِيرُ هَذِهِ القِسْمَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَهَرَتْ نُبُوَّتُهُ بِمَكَّةَ ودَعا النّاسَ هُناكَ إلى الدِّينِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، فَحِينَ هاجَرَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ صارَ المُؤْمِنُونَ عَلى قِسْمَيْنِ مِنهم مَن وافَقَهُ في تِلْكَ الهِجْرَةِ، ومِنهم مَن لَمْ يُوافِقْهُ فِيها بَلْ بَقِيَ هُناكَ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، وقَدْ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وإنَّما قُلْنا إنَّ المُرادَ مِنهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ هَؤُلاءِ مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ: أوَّلُها: أنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ وقَبِلُوا جَمِيعَ التَّكالِيفِ الَّتِي بَلَّغَها مُحَمَّدٌ ﷺ ولَمْ يَتَمَرَّدُوا، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ يُفِيدُ هَذا المَعْنى. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهاجَرُوا﴾ يَعْنِي: فارَقُوا الأوْطانَ، وتَرَكُوا الأقارِبَ والجِيرانَ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ حالَةٌ شَدِيدَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٦٦] جَعَلَ مُفارَقَةَ الأوْطانِ مُعادِلَةً لِقَتْلِ النَّفْسِ، فَهَؤُلاءِ في المَرْتَبَةِ الأُولى تَرَكُوا الأدْيانَ القَدِيمَةَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وفي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ تَرَكُوا الأقارِبَ والخِلّانَ والأوْطانَ والجِيرانَ لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أمّا المُجاهَدَةُ بِالمالِ فَلِأنَّهم لَمّا فارَقُوا الأوْطانَ فَقَدْ ضاعَتْ دُورُهم ومَساكِنُهم وضِياعُهم ومَزارِعُهم، وبَقِيَتْ في أيْدِي الأعْداءِ، وأيْضًا فَقَدِ احْتاجُوا إلى الإنْفاقِ الكَثِيرِ بِسَبَبِ تِلْكَ العَزِيمَةِ، وأيْضًا كانُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم عَلى تِلْكَ الغَزَواتِ، وأمّا المُجاهَدَةُ بِالنَّفْسِ فَلِأنَّهم كانُوا أقْدَمُوا عَلى مُحارَبَةِ بَدْرٍ مِن غَيْرِ آلَةٍ ولا أُهْبَةٍ ولا عُدَّةٍ مَعَ الأعْداءِ المَوْصُوفِينَ بِالكَثْرَةِ والشِّدَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أزالُوا أطْماعَهم عَنِ الحَياةِ وبَذَلُوا أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللَّهِ. صفحة ١٦٦ وأمّا الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: فَهي أنَّهم كانُوا أوَّلَ النّاسِ إقْدامًا عَلى هَذِهِ الأفْعالِ والتِزامًا لِهَذِهِ الأحْوالِ، ولِهَذِهِ المُسابَقَةِ أثَرٌ عَظِيمٌ في تَقْوِيَةِ الدِّينِ، قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحَدِيدِ: ١٠] وقالَ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وإنَّما كانَ السَّبْقُ مُوجِبًا لِلْفَضِيلَةِ؛ لِأنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأفْعالِ يُوجِبُ اقْتِداءَ غَيْرِهِمْ بِهِمْ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْقُوَّةِ أوِ الكَمالِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائِدَةِ: ٣٢] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ ومِن عادَةِ النّاسِ أنَّ دَواعِيَهم تَقْوى بِما يَرَوْنَ مِن أمْثالِهِمْ في أحْوالِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما أنَّ المِحَنَ تَخِفُّ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالمُشارَكَةِ فِيها، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ لِلْمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الفَضِيلَةِ ونِهايَةِ المَنقَبَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الِاعْتِرافَ بِكَوْنِهِمْ رُؤَساءَ المُسْلِمِينَ وسادَةً لَهم. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِنَ المُؤْمِنِينَ المَوْجُودِينَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُمُ الأنْصارُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا هاجَرَ إلَيْهِمْ مَعَ طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ، فَلَوْلا أنَّهم آوَوْا ونَصَرُوا وبَذَلُوا النَّفْسَ والمالَ في خِدْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإصْلاحِ مُهِمّاتِ أصْحابِهِ لَما تَمَّ المَقْصُودُ البَتَّةَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ حالُ المُهاجِرِينَ أعْلى في الفَضِيلَةِ مِن حالِ الأنْصارِ لِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهم هُمُ السّابِقُونَ في الإيمانِ الَّذِي هو رَئِيسُ الفَضائِلِ وعُنْوانُ المَناقِبِ. وثانِيها: أنَّهم تَحَمَّلُوا العَناءَ والمَشَقَّةَ دَهْرًا دَهِيرًا، وزَمانًا مَدِيدًا مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وصَبَرُوا عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحالُ ما حَصَلَتْ لِلْأنْصارِ. وثالِثُها: أنَّهم تَحَمَّلُوا المَضارَّ النّاشِئَةَ مِن مُفارَقَةِ الأوْطانِ والأهْلِ والجِيرانِ، ولَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِلْأنْصارِ. ورابِعُها: أنَّ فَتْحَ البابِ في قَبُولِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما حَصَلَ مِنَ المُهاجِرِينَ، والأنْصارُ اقْتَدَوْا بِهِمْ وتَشَبَّهُوا بِهِمْ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُقْتَدِي أقَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ المُقْتَدى بِهِ، فَجُمْلَةُ هَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ تَقْدِيمَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ عَلى الأنْصارِ في الفَضْلِ والدَّرَجَةِ والمَنقَبَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أيْنَما ذَكَرَ اللَّهُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ قَدَّمَ المُهاجِرِينَ عَلى الأنْصارِ وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ ورَدَ ذِكْرُهُما في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ الوِلايَةِ، فَنَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والمُفَسِّرِينَ كُلِّهِمْ، أنَّ المُرادَ هو الوِلايَةُ في المِيراثِ، وقالُوا: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى سَبَبَ الإرْثِ الهِجْرَةَ والنُّصْرَةَ دُونَ القَرابَةِ، وكانَ القَرِيبُ الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لَمْ يَرِثْ مِن أجْلِ أنَّهُ لَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الوِلايَةِ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِالقُرْبِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ، ويُقالُ: ”«السُّلْطانُ ولِيُّ مَن لا ولِيَّ لَهُ» “ ولا يُفِيدُ الإرْثَ، وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يُونُسَ: ٦٢] ولا يُفِيدُ الإرْثَ بَلِ الوِلايَةُ تُفِيدُ القُرْبَ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى غَيْرِ الإرْثِ، وهو كَوْنُ بَعْضِهِمْ مُعَظِّمًا لِلْبَعْضِ مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ مَخْصُوصًا بِمُعاوَنَتِهِ ومُناصَرَتِهِ، والمَقْصُودُ أنْ يَكُونُوا يَدًا واحِدَةً عَلى الأعْداءِ، وأنْ يَكُونَ حُبُّ كُلِّ واحِدٍ لِغَيْرِهِ جارِيًا مَجْرى حَبْسِهِ لِنَفْسِهِ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِهَذا المَعْنى كانَ حَمْلُهُ عَلى الإرْثِ بَعِيدًا عَنْ دَلالَةِ اللَّفْظِ، لا سِيَّما وهم يَقُولُونَ إنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ وأيُّ حاجَةٍ تَحْمِلُنا عَلى صفحة ١٦٧ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْنى لا إشْعارَ لِذَلِكَ اللَّفْظِ بِهِ ! ثُمَّ الحُكْمُ بِأنَّهُ صارَ مَنسُوخًا بِآيَةٍ أُخْرى مَذْكُورَةٍ مَعَهُ، هَذا في غايَةِ البُعْدِ، اللَّهُمَّ إلّا إذا حَصَلَ إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا أنَّ دَعْوى الإجْماعِ بَعِيدَةٌ. * * * القِسْمُ الثّالِثُ مِن أقْسامِ مُؤْمِنِي زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ما وافَقُوا الرَّسُولَ في الهِجْرَةِ وبَقُوا في مَكَّةَ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ فَبَيَّنَ تَعالى حُكْمَهم مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ في هَذِهِ الصُّورَةِ، هي الوَلايَةُ المُثْبَتَةُ في القِسْمِ الَّذِي تَقَدَّمَ، فَمَن حَمَلَ تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى الإرْثِ، زَعَمَ أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ هَهُنا هي الإرْثُ، ومَن حَمَلَ تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى سائِرِ الِاعْتِباراتِ المَذْكُورَةِ، فَكَذا هَهُنا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الوَلايَةِ الإرْثُ، بِأنْ قالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها الوَلايَةَ بِمَعْنى النُّصْرَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ المُوالاةِ في الدِّينِ والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالوَلايَةِ المَذْكُورَةِ أمْرًا مُغايِرًا لِمَعْنى النُّصْرَةِ وهَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا حَمَلْنا تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى التَّعْظِيمِ والإكْرامِ وهو أمْرٌ مُغايِرٌ لِلنُّصْرَةِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَنْصُرُ بَعْضَ أهْلِ الذِّمَّةِ في بَعْضِ المُهِمّاتِ وقَدْ يَنْصُرُ عَبْدَهُ وأمَتَهُ بِمَعْنى الإعانَةِ مَعَ أنَّهُ لا يُوالِيهِ بِمَعْنى التَّعْظِيمِ والإجْلالِ فَسَقَطَ هَذا الدَّلِيلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ يُوهِمُ أنَّهم لَمّا لَمْ يُهاجِرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَقَطَتْ وِلايَتُهم مُطْلَقًا، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ يَعْنِي أنَّهم لَوْ هاجَرُوا لَعادَتْ تِلْكَ الوَلايَةُ وحَصَلَتْ، والمَقْصُودُ مِنهُ الحَمْلُ عَلى المُهاجَرَةِ والتَّرْغِيبُ فِيها؛ لِأنَّ المُسْلِمَ مَتى سَمِعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: إنْ قَطَعَ المُهاجَرَةَ انْقَطَعَتِ الوِلايَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ ولَوْ هاجَرَ حَصَلَتْ تِلْكَ الوِلايَةُ وعادَتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَلا شَكَّ أنَّ هَذا يَصِيرُ مُرَغِّبًا لَهُ في الهِجْرَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ المُهاجَرَةِ كَثْرَةُ المُسْلِمِينَ واجْتِماعُهم وإعانَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وحُصُولُ الأُلْفَةِ والشَّوْكَةِ وعَدَمُ التَّفْرِقَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ ”مِن وِلايَتِهِمْ“ بِكَسْرِ الواوِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ جَعَلَها مِنَ النُّصْرَةِ والنَّسَبِ، وقالَ: والوِلايَةُ الَّتِي بِمَنزِلَةِ الإمارَةِ مَكْسُورَةٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ وقَدْ يَجُوزُ كَسْرُ الوَلايَةِ؛ لِأنَّ في تَوَلِّي بَعْضِ القَوْمِ بَعْضًا جِنْسًا مِنَ الصِّناعَةِ كالقِصارَةِ والخِياطَةِ فَهي مَكْسُورَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الفَتْحُ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الوَلايَةَ هَهُنا مِنَ الدِّينِ والكَسْرُ في السُّلْطانِ. والحُكْمُ الثّانِي: مِن أحْكامِ هَذا القِسْمِ الثّالِثِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحُكْمَ في قَطْعِ الوَلايَةِ بَيْنَ تِلْكَ الطّائِفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ المُقاطَعَةَ التّامَّةَ كَما في حَقِّ الكُفّارِ بَلْ هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا لَوِ اسْتَنْصَرُوكم فانْصُرُوهم ولا تَخْذُلُوهم، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ قامَ الزُّبَيْرُ وقالَ: فَهَلْ صفحة ١٦٨ نُعِينُهم عَلى أمْرٍ إنِ اسْتَعانُوا بِنا ؟ فَنَزَلَ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَكم نَصْرُهم عَلَيْهِمْ إذِ المِيثاقُ مانِعٌ مِن ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ الَّذِي اعْتَبَرَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ في غايَةِ الحُسْنِ لِأنَّهُ ذَكَرَ هَهُنا أقْسامًا ثَلاثَةً: فالأوَّلُ: المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وهم أفْضَلُ النّاسِ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُوالِيَ بَعْضُهم بَعْضًا. والقِسْمُ الثّانِي: المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا فَهَؤُلاءِ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ لَهم فَضْلٌ وكَرامَةٌ وبِسَبَبِ تَرْكِ الهِجْرَةِ لَهم حالَةٌ نازِلَةٌ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهم حُكْمًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الإجْلالِ والإذْلالِ وذَلِكَ هو أنَّ الوَلايَةَ المُثْبَتَةَ لِلْقِسْمِ الأوَّلِ، تَكُونُ مَنفِيَّةً عَنْ هَذا القِسْمِ، إلّا أنَّهم يَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَنْصَرُوا المُؤْمِنِينَ واسْتَعانُوا بِهِمْ نَصَرُوهم وأعانُوهم، فَهَذا الحُكْمُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الإجْلالِ والإذْلالِ، وأمّا الكُفّارُ فَلَيْسَ لَهُمُ البَتَّةَ ما يُوجِبُ شَيْئًا مِن أسْبابِ الفَضِيلَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُ المُسْلِمِينَ مُنْقَطِعِينَ عَنْهم مِن كُلِّ الوُجُوهِ فَلا يَكُونُ بَيْنَهم ولايَةٌ ولا مُناصَرَةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ في غايَةِ الحُسْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ في المُوارَثَةِ مَعَ اخْتِلافِ مِلَلِهِمْ كَأهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ، فالمَجُوسِيُّ يَرِثُ الوَثَنِيَّ، والنَّصْرانِيُّ يَرِثُ المَجُوسِيَّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا حَمَلْنا الوَلايَةَ عَلى الإرْثِ وقَدْ سَبَقَ القَوْلُ فِيهِ، بَلِ الحَقُّ أنْ يُقالَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا في غايَةِ العَداوَةِ لِلْيَهُودِ فَلَمّا ظَهَرَتْ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَناصَرُوا وتَعاوَنُوا عَلى إيذائِهِ ومُحارَبَتِهِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ذَلِكَ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ، والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ والنَّصارى لَمّا اشْتَرَكُوا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ صارَتْ هَذِهِ الجِهَةُ مُوجِبَةً لِانْضِمامِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ العَداوَةِ لِأجْلِ الدِّينِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ في نِهايَةِ الإنْكارِ لِدِينِ صاحِبِهِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ لِمَحْضِ الحَسَدِ والبَغْيِ والعِنادِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأحْكامَ قالَ: ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ والمَعْنى: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ المَذْكُورَةِ المُتَقَدِّمَةِ تَحْصُلُ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ومَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وبَيانُ هَذِهِ الفِتْنَةِ والفَسادِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوِ اخْتَلَطُوا بِالكُفّارِ في زَمانِ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وزَمانِ قُوَّةِ الكُفّارِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَرُبَّما صارَتْ تِلْكَ المُخالَطَةُ سَبَبًا لِالتِحاقِ المُسْلِمِ بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ لَمْ يَظْهَرْ مِنهم جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَراءَةِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ. الثّالِثُ: أنَّهُ إذا كانَ جَمْعُ المُسْلِمِينَ كُلَّ يَوْمٍ في الزِّيادَةِ في العَدَدِ والعُدَّةِ، صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ فِيما هم فِيهِ ورَغْبَةِ المُخالِفِ في الِالتِحاقِ بِهِمْ. صفحة ١٦٩ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا القِسْمَ الثّالِثَ، عادَ إلى ذِكْرِ القِسْمِ الأوَّلِ والثّانِي مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا لَيْسَ بِتَكْرارٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهم أوَّلًا لِيُبَيِّنَ حُكْمَهم وهو ولايَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَهم هَهُنا لِبَيانِ تَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الإعادَةَ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِحالِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ والتَّعْظِيمِ. والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ هَهُنا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ وقَوْلُهُ: ﴿حَقًّا﴾ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ مُحَقِّقِينَ في طَرِيقِ الدِّينِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُحِقًّا في دِينِهِ لَمْ يَتَحَمَّلْ تَرْكَ الأدْيانِ السّالِفَةِ، ولَمْ يُفارِقِ الأهْلَ والوَطَنَ ولَمْ يَبْذُلِ النَّفْسَ والمالَ ولَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ المُتَسارِعِينَ المُتَسابِقِينَ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ وتَنْكِيرُ لَفْظِ المَغْفِرَةِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ كَما أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٦] يَدُلُّ عَلى كَمالِ تِلْكَ الحَياةِ، والمَعْنى: لَهم مَغْفِرَةٌ تامَّةٌ كامِلَةٌ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ والتَّبِعاتِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ الثَّوابُ الرَّفِيعُ الشَّرِيفُ. والحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى شَرَحَ حالَهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَقَدْ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وأمّا في الآخِرَةِ فالمَقْصُودُ إمّا دَفْعُ العِقابِ، وإمّا جَلْبُ الثَّوابِ، أمّا دَفْعُ العِقابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ وأمّا جَلْبُ الثَّوابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهَذِهِ السَّعاداتُ العالِيَةُ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَتَرَكُوا الأهْلَ والوَطَنَ وبَذَلُوا النَّفْسَ والمالَ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ السَّعاداتِ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ. * * * القِسْمُ الرّابِعُ مِن مُؤْمِنِي زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُوافِقُوا الرَّسُولَ في الهِجْرَةِ إلّا أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرُوا إلَيْهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدُ﴾ نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ وهي الهِجْرَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، والأصَحُّ أنَّ المُرادَ والَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ الأُولى، وهَؤُلاءِ هُمُ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٠] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأصَحُّ أنَّ الهِجْرَةَ انْقَطَعَتْ بِفَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ صارَتْ مَكَّةُ بَلَدَ الإسْلامِ وقالَ الحَسَنُ: الهِجْرَةُ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ أبَدًا، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» “ فالمُرادُ الهِجْرَةُ المَخْصُوصَةُ، فَإنَّها انْقَطَعَتْ بِالفَتْحِ وبِقُوَّةِ الإسْلامِ، أمّا لَوِ اتَّفَقَ في بَعْضِ الأزْمانِ كَوْنُ المُؤْمِنِينَ في بَلَدٍ وفي عَدَدِهِمْ قِلَّةٌ، ويَحْصُلُ لِلْكُفّارِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَعَهم شَوْكَةٌ وإنْ هاجَرَ المُسْلِمُونَ مِن تِلْكَ البَلْدَةِ وانْتَقَلُوا إلى بَلْدَةٍ أُخْرى ضَعُفَتْ شَوْكَةُ الكُفّارِ، فَهَهُنا تَلْزَمُهُمُ الهِجْرَةُ عَلى ما قالَهُ الحَسَنُ؛ لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِيهِمْ مِثْلُ العِلَّةِ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَرْتَبَةَ هَؤُلاءِ دُونَ مَرْتَبَةِ المُهاجِرِينَ السّابِقِينَ؛ لِأنَّهُ صفحة ١٧٠ ألْحَقَ هَؤُلاءِ بِهِمْ وجَعَلَهم مِنهم في مَعْرِضِ التَّشْرِيفِ، ولَوْلا كَوْنُ القِسْمِ الأوَّلِ أشْرَفَ وإلّا لَما صَحَّ هَذا المَعْنى، فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الَّذِينَ قالُوا المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وِلايَةُ المِيراثِ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لَهُ، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الإرْثَ كانَ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ والهِجْرَةِ، والآنَ قَدْ صارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا فَلا يَحْصُلُ الإرْثُ إلّا بِسَبَبِ القَرابَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ المُرادُ مِنهُ السِّهامُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ النِّساءِ، وأمّا الَّذِينَ فَسَّرُوا تِلْكَ الآيَةَ بِالنُّصْرَةِ والمَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ قالُوا: إنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ لَمّا كانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلْوِلايَةِ بِسَبَبِ المِيراثِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ وِلايَةَ الإرْثِ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ القَرابَةِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إزالَةَ هَذا الوَهْمِ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ تَكْثِيرَ النَّسْخِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ ولا حاجَةٍ لا يَجُوزُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في كِتابِهِ إلى أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ الإمامَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوِلايَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ في ثُبُوتِ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ فِيهِ الإمامَةُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ مِن أُولِي الأرْحامِ لِما نُقِلَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْطاهُ سُورَةَ بَراءَةَ لِيُبَلِّغَها إلى القَوْمِ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا خَلْفَهُ وأمَرَ بِأنْ يَكُونَ المُبَلِّغَ هو عَلِيٌّ، وقالَ: ”لا يُؤَدِّيها إلّا رَجُلٌ مِنِّي» “ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ ما كانَ مِنهُ، فَهَذا هو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ كانَ العَبّاسُ أوْلى بِالإمامَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ أقْرَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ مِن عَلِيٍّ، وبِهَذا الوَجْهِ أجابَ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، في تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ مُجْمَلٌ في الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةُ، فَلَمّا قالَ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ كانَ مَعْناهُ في الحُكْمِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، فَصارَتْ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِالأحْكامِ الَّتِي بَيَّنَها اللَّهُ في كِتابِهِ، وتِلْكَ الأحْكامُ لَيْسَتْ إلّا مِيراثَ العَصَباتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا المُجْمَلِ هو ذَلِكَ فَقَطْ فَلا يَتَعَدّى إلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ. ثُمَّ قالَ في خَتْمِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ الَّتِي ذَكَرْتُها وفَصَّلْتُها كُلُّها حِكْمَةٌ وصَوابٌ وصَلاحٌ، ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ العَبَثِ والباطِلِ؛ لِأنَّ العالِمَ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَحْكُمُ إلّا بِالصَّوابِ، ونَظِيرُهُ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا قالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] قالَ مُجِيبًا لَهم: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] يَعْنِي لَمّا عَلِمْتُمْ كَوْنِي عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فاعْلَمُوا أنَّ حُكْمِي يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الغَلَطِ كَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ، كَما هو أهْلُهُ ومُسْتَحِقُّهُ. يَوْمَ الأحَدِ في رَمَضانَ سَنَةَ إحْدى صفحة ١٧١ وسِتِّمِائَةٍ في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها بَغْدانُ. ونَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنَ الأهْوالِ وشِدَّةِ الزَّمانِ، وكَيْدِ أهْلِ البَغْيِ والخِذْلانِ، إنَّهُ المَلِكُ الدَّيّانُ. وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى حَبِيبِ الرَّحْمَنِ، مُحَمَّدٍ المُصْطَفى صاحِبِ المُعْجِزاتِ والبُرْهانِ.

الأنفال 8:73

صفحة ١٦٥ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَسَّمَ المُؤْمِنِينَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، وذَكَرَ حُكْمَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وتَقْرِيرُ هَذِهِ القِسْمَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَهَرَتْ نُبُوَّتُهُ بِمَكَّةَ ودَعا النّاسَ هُناكَ إلى الدِّينِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، فَحِينَ هاجَرَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ صارَ المُؤْمِنُونَ عَلى قِسْمَيْنِ مِنهم مَن وافَقَهُ في تِلْكَ الهِجْرَةِ، ومِنهم مَن لَمْ يُوافِقْهُ فِيها بَلْ بَقِيَ هُناكَ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، وقَدْ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وإنَّما قُلْنا إنَّ المُرادَ مِنهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ هَؤُلاءِ مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ: أوَّلُها: أنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ وقَبِلُوا جَمِيعَ التَّكالِيفِ الَّتِي بَلَّغَها مُحَمَّدٌ ﷺ ولَمْ يَتَمَرَّدُوا، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ يُفِيدُ هَذا المَعْنى. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهاجَرُوا﴾ يَعْنِي: فارَقُوا الأوْطانَ، وتَرَكُوا الأقارِبَ والجِيرانَ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ حالَةٌ شَدِيدَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٦٦] جَعَلَ مُفارَقَةَ الأوْطانِ مُعادِلَةً لِقَتْلِ النَّفْسِ، فَهَؤُلاءِ في المَرْتَبَةِ الأُولى تَرَكُوا الأدْيانَ القَدِيمَةَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وفي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ تَرَكُوا الأقارِبَ والخِلّانَ والأوْطانَ والجِيرانَ لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أمّا المُجاهَدَةُ بِالمالِ فَلِأنَّهم لَمّا فارَقُوا الأوْطانَ فَقَدْ ضاعَتْ دُورُهم ومَساكِنُهم وضِياعُهم ومَزارِعُهم، وبَقِيَتْ في أيْدِي الأعْداءِ، وأيْضًا فَقَدِ احْتاجُوا إلى الإنْفاقِ الكَثِيرِ بِسَبَبِ تِلْكَ العَزِيمَةِ، وأيْضًا كانُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم عَلى تِلْكَ الغَزَواتِ، وأمّا المُجاهَدَةُ بِالنَّفْسِ فَلِأنَّهم كانُوا أقْدَمُوا عَلى مُحارَبَةِ بَدْرٍ مِن غَيْرِ آلَةٍ ولا أُهْبَةٍ ولا عُدَّةٍ مَعَ الأعْداءِ المَوْصُوفِينَ بِالكَثْرَةِ والشِّدَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أزالُوا أطْماعَهم عَنِ الحَياةِ وبَذَلُوا أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللَّهِ. صفحة ١٦٦ وأمّا الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: فَهي أنَّهم كانُوا أوَّلَ النّاسِ إقْدامًا عَلى هَذِهِ الأفْعالِ والتِزامًا لِهَذِهِ الأحْوالِ، ولِهَذِهِ المُسابَقَةِ أثَرٌ عَظِيمٌ في تَقْوِيَةِ الدِّينِ، قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحَدِيدِ: ١٠] وقالَ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وإنَّما كانَ السَّبْقُ مُوجِبًا لِلْفَضِيلَةِ؛ لِأنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأفْعالِ يُوجِبُ اقْتِداءَ غَيْرِهِمْ بِهِمْ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْقُوَّةِ أوِ الكَمالِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائِدَةِ: ٣٢] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ ومِن عادَةِ النّاسِ أنَّ دَواعِيَهم تَقْوى بِما يَرَوْنَ مِن أمْثالِهِمْ في أحْوالِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما أنَّ المِحَنَ تَخِفُّ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالمُشارَكَةِ فِيها، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ لِلْمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الفَضِيلَةِ ونِهايَةِ المَنقَبَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الِاعْتِرافَ بِكَوْنِهِمْ رُؤَساءَ المُسْلِمِينَ وسادَةً لَهم. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِنَ المُؤْمِنِينَ المَوْجُودِينَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُمُ الأنْصارُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا هاجَرَ إلَيْهِمْ مَعَ طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ، فَلَوْلا أنَّهم آوَوْا ونَصَرُوا وبَذَلُوا النَّفْسَ والمالَ في خِدْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإصْلاحِ مُهِمّاتِ أصْحابِهِ لَما تَمَّ المَقْصُودُ البَتَّةَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ حالُ المُهاجِرِينَ أعْلى في الفَضِيلَةِ مِن حالِ الأنْصارِ لِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهم هُمُ السّابِقُونَ في الإيمانِ الَّذِي هو رَئِيسُ الفَضائِلِ وعُنْوانُ المَناقِبِ. وثانِيها: أنَّهم تَحَمَّلُوا العَناءَ والمَشَقَّةَ دَهْرًا دَهِيرًا، وزَمانًا مَدِيدًا مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وصَبَرُوا عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحالُ ما حَصَلَتْ لِلْأنْصارِ. وثالِثُها: أنَّهم تَحَمَّلُوا المَضارَّ النّاشِئَةَ مِن مُفارَقَةِ الأوْطانِ والأهْلِ والجِيرانِ، ولَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِلْأنْصارِ. ورابِعُها: أنَّ فَتْحَ البابِ في قَبُولِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما حَصَلَ مِنَ المُهاجِرِينَ، والأنْصارُ اقْتَدَوْا بِهِمْ وتَشَبَّهُوا بِهِمْ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُقْتَدِي أقَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ المُقْتَدى بِهِ، فَجُمْلَةُ هَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ تَقْدِيمَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ عَلى الأنْصارِ في الفَضْلِ والدَّرَجَةِ والمَنقَبَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أيْنَما ذَكَرَ اللَّهُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ قَدَّمَ المُهاجِرِينَ عَلى الأنْصارِ وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ ورَدَ ذِكْرُهُما في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ الوِلايَةِ، فَنَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والمُفَسِّرِينَ كُلِّهِمْ، أنَّ المُرادَ هو الوِلايَةُ في المِيراثِ، وقالُوا: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى سَبَبَ الإرْثِ الهِجْرَةَ والنُّصْرَةَ دُونَ القَرابَةِ، وكانَ القَرِيبُ الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لَمْ يَرِثْ مِن أجْلِ أنَّهُ لَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الوِلايَةِ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِالقُرْبِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ، ويُقالُ: ”«السُّلْطانُ ولِيُّ مَن لا ولِيَّ لَهُ» “ ولا يُفِيدُ الإرْثَ، وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يُونُسَ: ٦٢] ولا يُفِيدُ الإرْثَ بَلِ الوِلايَةُ تُفِيدُ القُرْبَ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى غَيْرِ الإرْثِ، وهو كَوْنُ بَعْضِهِمْ مُعَظِّمًا لِلْبَعْضِ مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ مَخْصُوصًا بِمُعاوَنَتِهِ ومُناصَرَتِهِ، والمَقْصُودُ أنْ يَكُونُوا يَدًا واحِدَةً عَلى الأعْداءِ، وأنْ يَكُونَ حُبُّ كُلِّ واحِدٍ لِغَيْرِهِ جارِيًا مَجْرى حَبْسِهِ لِنَفْسِهِ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِهَذا المَعْنى كانَ حَمْلُهُ عَلى الإرْثِ بَعِيدًا عَنْ دَلالَةِ اللَّفْظِ، لا سِيَّما وهم يَقُولُونَ إنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ وأيُّ حاجَةٍ تَحْمِلُنا عَلى صفحة ١٦٧ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْنى لا إشْعارَ لِذَلِكَ اللَّفْظِ بِهِ ! ثُمَّ الحُكْمُ بِأنَّهُ صارَ مَنسُوخًا بِآيَةٍ أُخْرى مَذْكُورَةٍ مَعَهُ، هَذا في غايَةِ البُعْدِ، اللَّهُمَّ إلّا إذا حَصَلَ إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا أنَّ دَعْوى الإجْماعِ بَعِيدَةٌ. * * * القِسْمُ الثّالِثُ مِن أقْسامِ مُؤْمِنِي زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ما وافَقُوا الرَّسُولَ في الهِجْرَةِ وبَقُوا في مَكَّةَ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ فَبَيَّنَ تَعالى حُكْمَهم مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ في هَذِهِ الصُّورَةِ، هي الوَلايَةُ المُثْبَتَةُ في القِسْمِ الَّذِي تَقَدَّمَ، فَمَن حَمَلَ تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى الإرْثِ، زَعَمَ أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ هَهُنا هي الإرْثُ، ومَن حَمَلَ تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى سائِرِ الِاعْتِباراتِ المَذْكُورَةِ، فَكَذا هَهُنا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الوَلايَةِ الإرْثُ، بِأنْ قالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها الوَلايَةَ بِمَعْنى النُّصْرَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ المُوالاةِ في الدِّينِ والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالوَلايَةِ المَذْكُورَةِ أمْرًا مُغايِرًا لِمَعْنى النُّصْرَةِ وهَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا حَمَلْنا تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى التَّعْظِيمِ والإكْرامِ وهو أمْرٌ مُغايِرٌ لِلنُّصْرَةِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَنْصُرُ بَعْضَ أهْلِ الذِّمَّةِ في بَعْضِ المُهِمّاتِ وقَدْ يَنْصُرُ عَبْدَهُ وأمَتَهُ بِمَعْنى الإعانَةِ مَعَ أنَّهُ لا يُوالِيهِ بِمَعْنى التَّعْظِيمِ والإجْلالِ فَسَقَطَ هَذا الدَّلِيلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ يُوهِمُ أنَّهم لَمّا لَمْ يُهاجِرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَقَطَتْ وِلايَتُهم مُطْلَقًا، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ يَعْنِي أنَّهم لَوْ هاجَرُوا لَعادَتْ تِلْكَ الوَلايَةُ وحَصَلَتْ، والمَقْصُودُ مِنهُ الحَمْلُ عَلى المُهاجَرَةِ والتَّرْغِيبُ فِيها؛ لِأنَّ المُسْلِمَ مَتى سَمِعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: إنْ قَطَعَ المُهاجَرَةَ انْقَطَعَتِ الوِلايَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ ولَوْ هاجَرَ حَصَلَتْ تِلْكَ الوِلايَةُ وعادَتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَلا شَكَّ أنَّ هَذا يَصِيرُ مُرَغِّبًا لَهُ في الهِجْرَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ المُهاجَرَةِ كَثْرَةُ المُسْلِمِينَ واجْتِماعُهم وإعانَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وحُصُولُ الأُلْفَةِ والشَّوْكَةِ وعَدَمُ التَّفْرِقَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ ”مِن وِلايَتِهِمْ“ بِكَسْرِ الواوِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ جَعَلَها مِنَ النُّصْرَةِ والنَّسَبِ، وقالَ: والوِلايَةُ الَّتِي بِمَنزِلَةِ الإمارَةِ مَكْسُورَةٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ وقَدْ يَجُوزُ كَسْرُ الوَلايَةِ؛ لِأنَّ في تَوَلِّي بَعْضِ القَوْمِ بَعْضًا جِنْسًا مِنَ الصِّناعَةِ كالقِصارَةِ والخِياطَةِ فَهي مَكْسُورَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الفَتْحُ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الوَلايَةَ هَهُنا مِنَ الدِّينِ والكَسْرُ في السُّلْطانِ. والحُكْمُ الثّانِي: مِن أحْكامِ هَذا القِسْمِ الثّالِثِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحُكْمَ في قَطْعِ الوَلايَةِ بَيْنَ تِلْكَ الطّائِفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ المُقاطَعَةَ التّامَّةَ كَما في حَقِّ الكُفّارِ بَلْ هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا لَوِ اسْتَنْصَرُوكم فانْصُرُوهم ولا تَخْذُلُوهم، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ قامَ الزُّبَيْرُ وقالَ: فَهَلْ صفحة ١٦٨ نُعِينُهم عَلى أمْرٍ إنِ اسْتَعانُوا بِنا ؟ فَنَزَلَ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَكم نَصْرُهم عَلَيْهِمْ إذِ المِيثاقُ مانِعٌ مِن ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ الَّذِي اعْتَبَرَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ في غايَةِ الحُسْنِ لِأنَّهُ ذَكَرَ هَهُنا أقْسامًا ثَلاثَةً: فالأوَّلُ: المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وهم أفْضَلُ النّاسِ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُوالِيَ بَعْضُهم بَعْضًا. والقِسْمُ الثّانِي: المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا فَهَؤُلاءِ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ لَهم فَضْلٌ وكَرامَةٌ وبِسَبَبِ تَرْكِ الهِجْرَةِ لَهم حالَةٌ نازِلَةٌ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهم حُكْمًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الإجْلالِ والإذْلالِ وذَلِكَ هو أنَّ الوَلايَةَ المُثْبَتَةَ لِلْقِسْمِ الأوَّلِ، تَكُونُ مَنفِيَّةً عَنْ هَذا القِسْمِ، إلّا أنَّهم يَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَنْصَرُوا المُؤْمِنِينَ واسْتَعانُوا بِهِمْ نَصَرُوهم وأعانُوهم، فَهَذا الحُكْمُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الإجْلالِ والإذْلالِ، وأمّا الكُفّارُ فَلَيْسَ لَهُمُ البَتَّةَ ما يُوجِبُ شَيْئًا مِن أسْبابِ الفَضِيلَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُ المُسْلِمِينَ مُنْقَطِعِينَ عَنْهم مِن كُلِّ الوُجُوهِ فَلا يَكُونُ بَيْنَهم ولايَةٌ ولا مُناصَرَةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ في غايَةِ الحُسْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ في المُوارَثَةِ مَعَ اخْتِلافِ مِلَلِهِمْ كَأهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ، فالمَجُوسِيُّ يَرِثُ الوَثَنِيَّ، والنَّصْرانِيُّ يَرِثُ المَجُوسِيَّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا حَمَلْنا الوَلايَةَ عَلى الإرْثِ وقَدْ سَبَقَ القَوْلُ فِيهِ، بَلِ الحَقُّ أنْ يُقالَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا في غايَةِ العَداوَةِ لِلْيَهُودِ فَلَمّا ظَهَرَتْ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَناصَرُوا وتَعاوَنُوا عَلى إيذائِهِ ومُحارَبَتِهِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ذَلِكَ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ، والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ والنَّصارى لَمّا اشْتَرَكُوا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ صارَتْ هَذِهِ الجِهَةُ مُوجِبَةً لِانْضِمامِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ العَداوَةِ لِأجْلِ الدِّينِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ في نِهايَةِ الإنْكارِ لِدِينِ صاحِبِهِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ لِمَحْضِ الحَسَدِ والبَغْيِ والعِنادِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأحْكامَ قالَ: ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ والمَعْنى: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ المَذْكُورَةِ المُتَقَدِّمَةِ تَحْصُلُ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ومَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وبَيانُ هَذِهِ الفِتْنَةِ والفَسادِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوِ اخْتَلَطُوا بِالكُفّارِ في زَمانِ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وزَمانِ قُوَّةِ الكُفّارِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَرُبَّما صارَتْ تِلْكَ المُخالَطَةُ سَبَبًا لِالتِحاقِ المُسْلِمِ بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ لَمْ يَظْهَرْ مِنهم جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَراءَةِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ. الثّالِثُ: أنَّهُ إذا كانَ جَمْعُ المُسْلِمِينَ كُلَّ يَوْمٍ في الزِّيادَةِ في العَدَدِ والعُدَّةِ، صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ فِيما هم فِيهِ ورَغْبَةِ المُخالِفِ في الِالتِحاقِ بِهِمْ. صفحة ١٦٩ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا القِسْمَ الثّالِثَ، عادَ إلى ذِكْرِ القِسْمِ الأوَّلِ والثّانِي مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا لَيْسَ بِتَكْرارٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهم أوَّلًا لِيُبَيِّنَ حُكْمَهم وهو ولايَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَهم هَهُنا لِبَيانِ تَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الإعادَةَ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِحالِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ والتَّعْظِيمِ. والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ هَهُنا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ وقَوْلُهُ: ﴿حَقًّا﴾ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ مُحَقِّقِينَ في طَرِيقِ الدِّينِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُحِقًّا في دِينِهِ لَمْ يَتَحَمَّلْ تَرْكَ الأدْيانِ السّالِفَةِ، ولَمْ يُفارِقِ الأهْلَ والوَطَنَ ولَمْ يَبْذُلِ النَّفْسَ والمالَ ولَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ المُتَسارِعِينَ المُتَسابِقِينَ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ وتَنْكِيرُ لَفْظِ المَغْفِرَةِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ كَما أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٦] يَدُلُّ عَلى كَمالِ تِلْكَ الحَياةِ، والمَعْنى: لَهم مَغْفِرَةٌ تامَّةٌ كامِلَةٌ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ والتَّبِعاتِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ الثَّوابُ الرَّفِيعُ الشَّرِيفُ. والحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى شَرَحَ حالَهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَقَدْ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وأمّا في الآخِرَةِ فالمَقْصُودُ إمّا دَفْعُ العِقابِ، وإمّا جَلْبُ الثَّوابِ، أمّا دَفْعُ العِقابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ وأمّا جَلْبُ الثَّوابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهَذِهِ السَّعاداتُ العالِيَةُ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَتَرَكُوا الأهْلَ والوَطَنَ وبَذَلُوا النَّفْسَ والمالَ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ السَّعاداتِ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ. * * * القِسْمُ الرّابِعُ مِن مُؤْمِنِي زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُوافِقُوا الرَّسُولَ في الهِجْرَةِ إلّا أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرُوا إلَيْهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدُ﴾ نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ وهي الهِجْرَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، والأصَحُّ أنَّ المُرادَ والَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ الأُولى، وهَؤُلاءِ هُمُ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٠] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأصَحُّ أنَّ الهِجْرَةَ انْقَطَعَتْ بِفَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ صارَتْ مَكَّةُ بَلَدَ الإسْلامِ وقالَ الحَسَنُ: الهِجْرَةُ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ أبَدًا، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» “ فالمُرادُ الهِجْرَةُ المَخْصُوصَةُ، فَإنَّها انْقَطَعَتْ بِالفَتْحِ وبِقُوَّةِ الإسْلامِ، أمّا لَوِ اتَّفَقَ في بَعْضِ الأزْمانِ كَوْنُ المُؤْمِنِينَ في بَلَدٍ وفي عَدَدِهِمْ قِلَّةٌ، ويَحْصُلُ لِلْكُفّارِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَعَهم شَوْكَةٌ وإنْ هاجَرَ المُسْلِمُونَ مِن تِلْكَ البَلْدَةِ وانْتَقَلُوا إلى بَلْدَةٍ أُخْرى ضَعُفَتْ شَوْكَةُ الكُفّارِ، فَهَهُنا تَلْزَمُهُمُ الهِجْرَةُ عَلى ما قالَهُ الحَسَنُ؛ لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِيهِمْ مِثْلُ العِلَّةِ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَرْتَبَةَ هَؤُلاءِ دُونَ مَرْتَبَةِ المُهاجِرِينَ السّابِقِينَ؛ لِأنَّهُ صفحة ١٧٠ ألْحَقَ هَؤُلاءِ بِهِمْ وجَعَلَهم مِنهم في مَعْرِضِ التَّشْرِيفِ، ولَوْلا كَوْنُ القِسْمِ الأوَّلِ أشْرَفَ وإلّا لَما صَحَّ هَذا المَعْنى، فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الَّذِينَ قالُوا المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وِلايَةُ المِيراثِ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لَهُ، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الإرْثَ كانَ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ والهِجْرَةِ، والآنَ قَدْ صارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا فَلا يَحْصُلُ الإرْثُ إلّا بِسَبَبِ القَرابَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ المُرادُ مِنهُ السِّهامُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ النِّساءِ، وأمّا الَّذِينَ فَسَّرُوا تِلْكَ الآيَةَ بِالنُّصْرَةِ والمَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ قالُوا: إنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ لَمّا كانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلْوِلايَةِ بِسَبَبِ المِيراثِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ وِلايَةَ الإرْثِ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ القَرابَةِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إزالَةَ هَذا الوَهْمِ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ تَكْثِيرَ النَّسْخِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ ولا حاجَةٍ لا يَجُوزُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في كِتابِهِ إلى أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ الإمامَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوِلايَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ في ثُبُوتِ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ فِيهِ الإمامَةُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ مِن أُولِي الأرْحامِ لِما نُقِلَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْطاهُ سُورَةَ بَراءَةَ لِيُبَلِّغَها إلى القَوْمِ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا خَلْفَهُ وأمَرَ بِأنْ يَكُونَ المُبَلِّغَ هو عَلِيٌّ، وقالَ: ”لا يُؤَدِّيها إلّا رَجُلٌ مِنِّي» “ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ ما كانَ مِنهُ، فَهَذا هو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ كانَ العَبّاسُ أوْلى بِالإمامَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ أقْرَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ مِن عَلِيٍّ، وبِهَذا الوَجْهِ أجابَ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، في تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ مُجْمَلٌ في الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةُ، فَلَمّا قالَ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ كانَ مَعْناهُ في الحُكْمِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، فَصارَتْ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِالأحْكامِ الَّتِي بَيَّنَها اللَّهُ في كِتابِهِ، وتِلْكَ الأحْكامُ لَيْسَتْ إلّا مِيراثَ العَصَباتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا المُجْمَلِ هو ذَلِكَ فَقَطْ فَلا يَتَعَدّى إلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ. ثُمَّ قالَ في خَتْمِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ الَّتِي ذَكَرْتُها وفَصَّلْتُها كُلُّها حِكْمَةٌ وصَوابٌ وصَلاحٌ، ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ العَبَثِ والباطِلِ؛ لِأنَّ العالِمَ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَحْكُمُ إلّا بِالصَّوابِ، ونَظِيرُهُ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا قالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] قالَ مُجِيبًا لَهم: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] يَعْنِي لَمّا عَلِمْتُمْ كَوْنِي عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فاعْلَمُوا أنَّ حُكْمِي يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الغَلَطِ كَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ، كَما هو أهْلُهُ ومُسْتَحِقُّهُ. يَوْمَ الأحَدِ في رَمَضانَ سَنَةَ إحْدى صفحة ١٧١ وسِتِّمِائَةٍ في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها بَغْدانُ. ونَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنَ الأهْوالِ وشِدَّةِ الزَّمانِ، وكَيْدِ أهْلِ البَغْيِ والخِذْلانِ، إنَّهُ المَلِكُ الدَّيّانُ. وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى حَبِيبِ الرَّحْمَنِ، مُحَمَّدٍ المُصْطَفى صاحِبِ المُعْجِزاتِ والبُرْهانِ.

الأنفال 8:74

صفحة ١٦٥ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَسَّمَ المُؤْمِنِينَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، وذَكَرَ حُكْمَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وتَقْرِيرُ هَذِهِ القِسْمَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَهَرَتْ نُبُوَّتُهُ بِمَكَّةَ ودَعا النّاسَ هُناكَ إلى الدِّينِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، فَحِينَ هاجَرَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ صارَ المُؤْمِنُونَ عَلى قِسْمَيْنِ مِنهم مَن وافَقَهُ في تِلْكَ الهِجْرَةِ، ومِنهم مَن لَمْ يُوافِقْهُ فِيها بَلْ بَقِيَ هُناكَ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، وقَدْ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وإنَّما قُلْنا إنَّ المُرادَ مِنهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ هَؤُلاءِ مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ: أوَّلُها: أنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ وقَبِلُوا جَمِيعَ التَّكالِيفِ الَّتِي بَلَّغَها مُحَمَّدٌ ﷺ ولَمْ يَتَمَرَّدُوا، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ يُفِيدُ هَذا المَعْنى. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهاجَرُوا﴾ يَعْنِي: فارَقُوا الأوْطانَ، وتَرَكُوا الأقارِبَ والجِيرانَ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ حالَةٌ شَدِيدَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٦٦] جَعَلَ مُفارَقَةَ الأوْطانِ مُعادِلَةً لِقَتْلِ النَّفْسِ، فَهَؤُلاءِ في المَرْتَبَةِ الأُولى تَرَكُوا الأدْيانَ القَدِيمَةَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وفي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ تَرَكُوا الأقارِبَ والخِلّانَ والأوْطانَ والجِيرانَ لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أمّا المُجاهَدَةُ بِالمالِ فَلِأنَّهم لَمّا فارَقُوا الأوْطانَ فَقَدْ ضاعَتْ دُورُهم ومَساكِنُهم وضِياعُهم ومَزارِعُهم، وبَقِيَتْ في أيْدِي الأعْداءِ، وأيْضًا فَقَدِ احْتاجُوا إلى الإنْفاقِ الكَثِيرِ بِسَبَبِ تِلْكَ العَزِيمَةِ، وأيْضًا كانُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم عَلى تِلْكَ الغَزَواتِ، وأمّا المُجاهَدَةُ بِالنَّفْسِ فَلِأنَّهم كانُوا أقْدَمُوا عَلى مُحارَبَةِ بَدْرٍ مِن غَيْرِ آلَةٍ ولا أُهْبَةٍ ولا عُدَّةٍ مَعَ الأعْداءِ المَوْصُوفِينَ بِالكَثْرَةِ والشِّدَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أزالُوا أطْماعَهم عَنِ الحَياةِ وبَذَلُوا أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللَّهِ. صفحة ١٦٦ وأمّا الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: فَهي أنَّهم كانُوا أوَّلَ النّاسِ إقْدامًا عَلى هَذِهِ الأفْعالِ والتِزامًا لِهَذِهِ الأحْوالِ، ولِهَذِهِ المُسابَقَةِ أثَرٌ عَظِيمٌ في تَقْوِيَةِ الدِّينِ، قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحَدِيدِ: ١٠] وقالَ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وإنَّما كانَ السَّبْقُ مُوجِبًا لِلْفَضِيلَةِ؛ لِأنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأفْعالِ يُوجِبُ اقْتِداءَ غَيْرِهِمْ بِهِمْ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْقُوَّةِ أوِ الكَمالِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائِدَةِ: ٣٢] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ ومِن عادَةِ النّاسِ أنَّ دَواعِيَهم تَقْوى بِما يَرَوْنَ مِن أمْثالِهِمْ في أحْوالِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما أنَّ المِحَنَ تَخِفُّ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالمُشارَكَةِ فِيها، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ لِلْمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الفَضِيلَةِ ونِهايَةِ المَنقَبَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الِاعْتِرافَ بِكَوْنِهِمْ رُؤَساءَ المُسْلِمِينَ وسادَةً لَهم. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِنَ المُؤْمِنِينَ المَوْجُودِينَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُمُ الأنْصارُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا هاجَرَ إلَيْهِمْ مَعَ طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ، فَلَوْلا أنَّهم آوَوْا ونَصَرُوا وبَذَلُوا النَّفْسَ والمالَ في خِدْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإصْلاحِ مُهِمّاتِ أصْحابِهِ لَما تَمَّ المَقْصُودُ البَتَّةَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ حالُ المُهاجِرِينَ أعْلى في الفَضِيلَةِ مِن حالِ الأنْصارِ لِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهم هُمُ السّابِقُونَ في الإيمانِ الَّذِي هو رَئِيسُ الفَضائِلِ وعُنْوانُ المَناقِبِ. وثانِيها: أنَّهم تَحَمَّلُوا العَناءَ والمَشَقَّةَ دَهْرًا دَهِيرًا، وزَمانًا مَدِيدًا مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وصَبَرُوا عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحالُ ما حَصَلَتْ لِلْأنْصارِ. وثالِثُها: أنَّهم تَحَمَّلُوا المَضارَّ النّاشِئَةَ مِن مُفارَقَةِ الأوْطانِ والأهْلِ والجِيرانِ، ولَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِلْأنْصارِ. ورابِعُها: أنَّ فَتْحَ البابِ في قَبُولِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما حَصَلَ مِنَ المُهاجِرِينَ، والأنْصارُ اقْتَدَوْا بِهِمْ وتَشَبَّهُوا بِهِمْ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُقْتَدِي أقَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ المُقْتَدى بِهِ، فَجُمْلَةُ هَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ تَقْدِيمَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ عَلى الأنْصارِ في الفَضْلِ والدَّرَجَةِ والمَنقَبَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أيْنَما ذَكَرَ اللَّهُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ قَدَّمَ المُهاجِرِينَ عَلى الأنْصارِ وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ ورَدَ ذِكْرُهُما في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ الوِلايَةِ، فَنَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والمُفَسِّرِينَ كُلِّهِمْ، أنَّ المُرادَ هو الوِلايَةُ في المِيراثِ، وقالُوا: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى سَبَبَ الإرْثِ الهِجْرَةَ والنُّصْرَةَ دُونَ القَرابَةِ، وكانَ القَرِيبُ الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لَمْ يَرِثْ مِن أجْلِ أنَّهُ لَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الوِلايَةِ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِالقُرْبِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ، ويُقالُ: ”«السُّلْطانُ ولِيُّ مَن لا ولِيَّ لَهُ» “ ولا يُفِيدُ الإرْثَ، وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يُونُسَ: ٦٢] ولا يُفِيدُ الإرْثَ بَلِ الوِلايَةُ تُفِيدُ القُرْبَ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى غَيْرِ الإرْثِ، وهو كَوْنُ بَعْضِهِمْ مُعَظِّمًا لِلْبَعْضِ مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ مَخْصُوصًا بِمُعاوَنَتِهِ ومُناصَرَتِهِ، والمَقْصُودُ أنْ يَكُونُوا يَدًا واحِدَةً عَلى الأعْداءِ، وأنْ يَكُونَ حُبُّ كُلِّ واحِدٍ لِغَيْرِهِ جارِيًا مَجْرى حَبْسِهِ لِنَفْسِهِ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِهَذا المَعْنى كانَ حَمْلُهُ عَلى الإرْثِ بَعِيدًا عَنْ دَلالَةِ اللَّفْظِ، لا سِيَّما وهم يَقُولُونَ إنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ وأيُّ حاجَةٍ تَحْمِلُنا عَلى صفحة ١٦٧ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْنى لا إشْعارَ لِذَلِكَ اللَّفْظِ بِهِ ! ثُمَّ الحُكْمُ بِأنَّهُ صارَ مَنسُوخًا بِآيَةٍ أُخْرى مَذْكُورَةٍ مَعَهُ، هَذا في غايَةِ البُعْدِ، اللَّهُمَّ إلّا إذا حَصَلَ إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا أنَّ دَعْوى الإجْماعِ بَعِيدَةٌ. * * * القِسْمُ الثّالِثُ مِن أقْسامِ مُؤْمِنِي زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ما وافَقُوا الرَّسُولَ في الهِجْرَةِ وبَقُوا في مَكَّةَ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ فَبَيَّنَ تَعالى حُكْمَهم مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ في هَذِهِ الصُّورَةِ، هي الوَلايَةُ المُثْبَتَةُ في القِسْمِ الَّذِي تَقَدَّمَ، فَمَن حَمَلَ تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى الإرْثِ، زَعَمَ أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ هَهُنا هي الإرْثُ، ومَن حَمَلَ تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى سائِرِ الِاعْتِباراتِ المَذْكُورَةِ، فَكَذا هَهُنا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الوَلايَةِ الإرْثُ، بِأنْ قالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها الوَلايَةَ بِمَعْنى النُّصْرَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ المُوالاةِ في الدِّينِ والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالوَلايَةِ المَذْكُورَةِ أمْرًا مُغايِرًا لِمَعْنى النُّصْرَةِ وهَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا حَمَلْنا تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى التَّعْظِيمِ والإكْرامِ وهو أمْرٌ مُغايِرٌ لِلنُّصْرَةِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَنْصُرُ بَعْضَ أهْلِ الذِّمَّةِ في بَعْضِ المُهِمّاتِ وقَدْ يَنْصُرُ عَبْدَهُ وأمَتَهُ بِمَعْنى الإعانَةِ مَعَ أنَّهُ لا يُوالِيهِ بِمَعْنى التَّعْظِيمِ والإجْلالِ فَسَقَطَ هَذا الدَّلِيلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ يُوهِمُ أنَّهم لَمّا لَمْ يُهاجِرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَقَطَتْ وِلايَتُهم مُطْلَقًا، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ يَعْنِي أنَّهم لَوْ هاجَرُوا لَعادَتْ تِلْكَ الوَلايَةُ وحَصَلَتْ، والمَقْصُودُ مِنهُ الحَمْلُ عَلى المُهاجَرَةِ والتَّرْغِيبُ فِيها؛ لِأنَّ المُسْلِمَ مَتى سَمِعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: إنْ قَطَعَ المُهاجَرَةَ انْقَطَعَتِ الوِلايَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ ولَوْ هاجَرَ حَصَلَتْ تِلْكَ الوِلايَةُ وعادَتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَلا شَكَّ أنَّ هَذا يَصِيرُ مُرَغِّبًا لَهُ في الهِجْرَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ المُهاجَرَةِ كَثْرَةُ المُسْلِمِينَ واجْتِماعُهم وإعانَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وحُصُولُ الأُلْفَةِ والشَّوْكَةِ وعَدَمُ التَّفْرِقَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ ”مِن وِلايَتِهِمْ“ بِكَسْرِ الواوِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ جَعَلَها مِنَ النُّصْرَةِ والنَّسَبِ، وقالَ: والوِلايَةُ الَّتِي بِمَنزِلَةِ الإمارَةِ مَكْسُورَةٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ وقَدْ يَجُوزُ كَسْرُ الوَلايَةِ؛ لِأنَّ في تَوَلِّي بَعْضِ القَوْمِ بَعْضًا جِنْسًا مِنَ الصِّناعَةِ كالقِصارَةِ والخِياطَةِ فَهي مَكْسُورَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الفَتْحُ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الوَلايَةَ هَهُنا مِنَ الدِّينِ والكَسْرُ في السُّلْطانِ. والحُكْمُ الثّانِي: مِن أحْكامِ هَذا القِسْمِ الثّالِثِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحُكْمَ في قَطْعِ الوَلايَةِ بَيْنَ تِلْكَ الطّائِفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ المُقاطَعَةَ التّامَّةَ كَما في حَقِّ الكُفّارِ بَلْ هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا لَوِ اسْتَنْصَرُوكم فانْصُرُوهم ولا تَخْذُلُوهم، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ قامَ الزُّبَيْرُ وقالَ: فَهَلْ صفحة ١٦٨ نُعِينُهم عَلى أمْرٍ إنِ اسْتَعانُوا بِنا ؟ فَنَزَلَ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَكم نَصْرُهم عَلَيْهِمْ إذِ المِيثاقُ مانِعٌ مِن ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ الَّذِي اعْتَبَرَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ في غايَةِ الحُسْنِ لِأنَّهُ ذَكَرَ هَهُنا أقْسامًا ثَلاثَةً: فالأوَّلُ: المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وهم أفْضَلُ النّاسِ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُوالِيَ بَعْضُهم بَعْضًا. والقِسْمُ الثّانِي: المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا فَهَؤُلاءِ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ لَهم فَضْلٌ وكَرامَةٌ وبِسَبَبِ تَرْكِ الهِجْرَةِ لَهم حالَةٌ نازِلَةٌ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهم حُكْمًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الإجْلالِ والإذْلالِ وذَلِكَ هو أنَّ الوَلايَةَ المُثْبَتَةَ لِلْقِسْمِ الأوَّلِ، تَكُونُ مَنفِيَّةً عَنْ هَذا القِسْمِ، إلّا أنَّهم يَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَنْصَرُوا المُؤْمِنِينَ واسْتَعانُوا بِهِمْ نَصَرُوهم وأعانُوهم، فَهَذا الحُكْمُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الإجْلالِ والإذْلالِ، وأمّا الكُفّارُ فَلَيْسَ لَهُمُ البَتَّةَ ما يُوجِبُ شَيْئًا مِن أسْبابِ الفَضِيلَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُ المُسْلِمِينَ مُنْقَطِعِينَ عَنْهم مِن كُلِّ الوُجُوهِ فَلا يَكُونُ بَيْنَهم ولايَةٌ ولا مُناصَرَةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ في غايَةِ الحُسْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ في المُوارَثَةِ مَعَ اخْتِلافِ مِلَلِهِمْ كَأهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ، فالمَجُوسِيُّ يَرِثُ الوَثَنِيَّ، والنَّصْرانِيُّ يَرِثُ المَجُوسِيَّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا حَمَلْنا الوَلايَةَ عَلى الإرْثِ وقَدْ سَبَقَ القَوْلُ فِيهِ، بَلِ الحَقُّ أنْ يُقالَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا في غايَةِ العَداوَةِ لِلْيَهُودِ فَلَمّا ظَهَرَتْ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَناصَرُوا وتَعاوَنُوا عَلى إيذائِهِ ومُحارَبَتِهِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ذَلِكَ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ، والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ والنَّصارى لَمّا اشْتَرَكُوا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ صارَتْ هَذِهِ الجِهَةُ مُوجِبَةً لِانْضِمامِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ العَداوَةِ لِأجْلِ الدِّينِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ في نِهايَةِ الإنْكارِ لِدِينِ صاحِبِهِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ لِمَحْضِ الحَسَدِ والبَغْيِ والعِنادِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأحْكامَ قالَ: ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ والمَعْنى: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ المَذْكُورَةِ المُتَقَدِّمَةِ تَحْصُلُ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ومَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وبَيانُ هَذِهِ الفِتْنَةِ والفَسادِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوِ اخْتَلَطُوا بِالكُفّارِ في زَمانِ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وزَمانِ قُوَّةِ الكُفّارِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَرُبَّما صارَتْ تِلْكَ المُخالَطَةُ سَبَبًا لِالتِحاقِ المُسْلِمِ بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ لَمْ يَظْهَرْ مِنهم جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَراءَةِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ. الثّالِثُ: أنَّهُ إذا كانَ جَمْعُ المُسْلِمِينَ كُلَّ يَوْمٍ في الزِّيادَةِ في العَدَدِ والعُدَّةِ، صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ فِيما هم فِيهِ ورَغْبَةِ المُخالِفِ في الِالتِحاقِ بِهِمْ. صفحة ١٦٩ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا القِسْمَ الثّالِثَ، عادَ إلى ذِكْرِ القِسْمِ الأوَّلِ والثّانِي مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا لَيْسَ بِتَكْرارٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهم أوَّلًا لِيُبَيِّنَ حُكْمَهم وهو ولايَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَهم هَهُنا لِبَيانِ تَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الإعادَةَ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِحالِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ والتَّعْظِيمِ. والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ هَهُنا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ وقَوْلُهُ: ﴿حَقًّا﴾ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ مُحَقِّقِينَ في طَرِيقِ الدِّينِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُحِقًّا في دِينِهِ لَمْ يَتَحَمَّلْ تَرْكَ الأدْيانِ السّالِفَةِ، ولَمْ يُفارِقِ الأهْلَ والوَطَنَ ولَمْ يَبْذُلِ النَّفْسَ والمالَ ولَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ المُتَسارِعِينَ المُتَسابِقِينَ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ وتَنْكِيرُ لَفْظِ المَغْفِرَةِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ كَما أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٦] يَدُلُّ عَلى كَمالِ تِلْكَ الحَياةِ، والمَعْنى: لَهم مَغْفِرَةٌ تامَّةٌ كامِلَةٌ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ والتَّبِعاتِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ الثَّوابُ الرَّفِيعُ الشَّرِيفُ. والحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى شَرَحَ حالَهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَقَدْ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وأمّا في الآخِرَةِ فالمَقْصُودُ إمّا دَفْعُ العِقابِ، وإمّا جَلْبُ الثَّوابِ، أمّا دَفْعُ العِقابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ وأمّا جَلْبُ الثَّوابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهَذِهِ السَّعاداتُ العالِيَةُ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَتَرَكُوا الأهْلَ والوَطَنَ وبَذَلُوا النَّفْسَ والمالَ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ السَّعاداتِ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ. * * * القِسْمُ الرّابِعُ مِن مُؤْمِنِي زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُوافِقُوا الرَّسُولَ في الهِجْرَةِ إلّا أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرُوا إلَيْهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدُ﴾ نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ وهي الهِجْرَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، والأصَحُّ أنَّ المُرادَ والَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ الأُولى، وهَؤُلاءِ هُمُ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٠] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأصَحُّ أنَّ الهِجْرَةَ انْقَطَعَتْ بِفَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ صارَتْ مَكَّةُ بَلَدَ الإسْلامِ وقالَ الحَسَنُ: الهِجْرَةُ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ أبَدًا، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» “ فالمُرادُ الهِجْرَةُ المَخْصُوصَةُ، فَإنَّها انْقَطَعَتْ بِالفَتْحِ وبِقُوَّةِ الإسْلامِ، أمّا لَوِ اتَّفَقَ في بَعْضِ الأزْمانِ كَوْنُ المُؤْمِنِينَ في بَلَدٍ وفي عَدَدِهِمْ قِلَّةٌ، ويَحْصُلُ لِلْكُفّارِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَعَهم شَوْكَةٌ وإنْ هاجَرَ المُسْلِمُونَ مِن تِلْكَ البَلْدَةِ وانْتَقَلُوا إلى بَلْدَةٍ أُخْرى ضَعُفَتْ شَوْكَةُ الكُفّارِ، فَهَهُنا تَلْزَمُهُمُ الهِجْرَةُ عَلى ما قالَهُ الحَسَنُ؛ لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِيهِمْ مِثْلُ العِلَّةِ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَرْتَبَةَ هَؤُلاءِ دُونَ مَرْتَبَةِ المُهاجِرِينَ السّابِقِينَ؛ لِأنَّهُ صفحة ١٧٠ ألْحَقَ هَؤُلاءِ بِهِمْ وجَعَلَهم مِنهم في مَعْرِضِ التَّشْرِيفِ، ولَوْلا كَوْنُ القِسْمِ الأوَّلِ أشْرَفَ وإلّا لَما صَحَّ هَذا المَعْنى، فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الَّذِينَ قالُوا المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وِلايَةُ المِيراثِ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لَهُ، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الإرْثَ كانَ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ والهِجْرَةِ، والآنَ قَدْ صارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا فَلا يَحْصُلُ الإرْثُ إلّا بِسَبَبِ القَرابَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ المُرادُ مِنهُ السِّهامُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ النِّساءِ، وأمّا الَّذِينَ فَسَّرُوا تِلْكَ الآيَةَ بِالنُّصْرَةِ والمَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ قالُوا: إنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ لَمّا كانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلْوِلايَةِ بِسَبَبِ المِيراثِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ وِلايَةَ الإرْثِ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ القَرابَةِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إزالَةَ هَذا الوَهْمِ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ تَكْثِيرَ النَّسْخِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ ولا حاجَةٍ لا يَجُوزُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في كِتابِهِ إلى أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ الإمامَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوِلايَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ في ثُبُوتِ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ فِيهِ الإمامَةُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ مِن أُولِي الأرْحامِ لِما نُقِلَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْطاهُ سُورَةَ بَراءَةَ لِيُبَلِّغَها إلى القَوْمِ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا خَلْفَهُ وأمَرَ بِأنْ يَكُونَ المُبَلِّغَ هو عَلِيٌّ، وقالَ: ”لا يُؤَدِّيها إلّا رَجُلٌ مِنِّي» “ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ ما كانَ مِنهُ، فَهَذا هو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ كانَ العَبّاسُ أوْلى بِالإمامَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ أقْرَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ مِن عَلِيٍّ، وبِهَذا الوَجْهِ أجابَ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، في تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ مُجْمَلٌ في الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةُ، فَلَمّا قالَ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ كانَ مَعْناهُ في الحُكْمِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، فَصارَتْ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِالأحْكامِ الَّتِي بَيَّنَها اللَّهُ في كِتابِهِ، وتِلْكَ الأحْكامُ لَيْسَتْ إلّا مِيراثَ العَصَباتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا المُجْمَلِ هو ذَلِكَ فَقَطْ فَلا يَتَعَدّى إلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ. ثُمَّ قالَ في خَتْمِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ الَّتِي ذَكَرْتُها وفَصَّلْتُها كُلُّها حِكْمَةٌ وصَوابٌ وصَلاحٌ، ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ العَبَثِ والباطِلِ؛ لِأنَّ العالِمَ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَحْكُمُ إلّا بِالصَّوابِ، ونَظِيرُهُ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا قالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] قالَ مُجِيبًا لَهم: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] يَعْنِي لَمّا عَلِمْتُمْ كَوْنِي عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فاعْلَمُوا أنَّ حُكْمِي يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الغَلَطِ كَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ، كَما هو أهْلُهُ ومُسْتَحِقُّهُ. يَوْمَ الأحَدِ في رَمَضانَ سَنَةَ إحْدى صفحة ١٧١ وسِتِّمِائَةٍ في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها بَغْدانُ. ونَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنَ الأهْوالِ وشِدَّةِ الزَّمانِ، وكَيْدِ أهْلِ البَغْيِ والخِذْلانِ، إنَّهُ المَلِكُ الدَّيّانُ. وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى حَبِيبِ الرَّحْمَنِ، مُحَمَّدٍ المُصْطَفى صاحِبِ المُعْجِزاتِ والبُرْهانِ.

الأنفال 8:75

صفحة ١٦٥ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَسَّمَ المُؤْمِنِينَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، وذَكَرَ حُكْمَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وتَقْرِيرُ هَذِهِ القِسْمَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَهَرَتْ نُبُوَّتُهُ بِمَكَّةَ ودَعا النّاسَ هُناكَ إلى الدِّينِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، فَحِينَ هاجَرَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ صارَ المُؤْمِنُونَ عَلى قِسْمَيْنِ مِنهم مَن وافَقَهُ في تِلْكَ الهِجْرَةِ، ومِنهم مَن لَمْ يُوافِقْهُ فِيها بَلْ بَقِيَ هُناكَ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، وقَدْ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وإنَّما قُلْنا إنَّ المُرادَ مِنهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ هَؤُلاءِ مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ: أوَّلُها: أنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ وقَبِلُوا جَمِيعَ التَّكالِيفِ الَّتِي بَلَّغَها مُحَمَّدٌ ﷺ ولَمْ يَتَمَرَّدُوا، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ يُفِيدُ هَذا المَعْنى. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهاجَرُوا﴾ يَعْنِي: فارَقُوا الأوْطانَ، وتَرَكُوا الأقارِبَ والجِيرانَ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ حالَةٌ شَدِيدَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٦٦] جَعَلَ مُفارَقَةَ الأوْطانِ مُعادِلَةً لِقَتْلِ النَّفْسِ، فَهَؤُلاءِ في المَرْتَبَةِ الأُولى تَرَكُوا الأدْيانَ القَدِيمَةَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وفي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ تَرَكُوا الأقارِبَ والخِلّانَ والأوْطانَ والجِيرانَ لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أمّا المُجاهَدَةُ بِالمالِ فَلِأنَّهم لَمّا فارَقُوا الأوْطانَ فَقَدْ ضاعَتْ دُورُهم ومَساكِنُهم وضِياعُهم ومَزارِعُهم، وبَقِيَتْ في أيْدِي الأعْداءِ، وأيْضًا فَقَدِ احْتاجُوا إلى الإنْفاقِ الكَثِيرِ بِسَبَبِ تِلْكَ العَزِيمَةِ، وأيْضًا كانُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم عَلى تِلْكَ الغَزَواتِ، وأمّا المُجاهَدَةُ بِالنَّفْسِ فَلِأنَّهم كانُوا أقْدَمُوا عَلى مُحارَبَةِ بَدْرٍ مِن غَيْرِ آلَةٍ ولا أُهْبَةٍ ولا عُدَّةٍ مَعَ الأعْداءِ المَوْصُوفِينَ بِالكَثْرَةِ والشِّدَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أزالُوا أطْماعَهم عَنِ الحَياةِ وبَذَلُوا أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللَّهِ. صفحة ١٦٦ وأمّا الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: فَهي أنَّهم كانُوا أوَّلَ النّاسِ إقْدامًا عَلى هَذِهِ الأفْعالِ والتِزامًا لِهَذِهِ الأحْوالِ، ولِهَذِهِ المُسابَقَةِ أثَرٌ عَظِيمٌ في تَقْوِيَةِ الدِّينِ، قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحَدِيدِ: ١٠] وقالَ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وإنَّما كانَ السَّبْقُ مُوجِبًا لِلْفَضِيلَةِ؛ لِأنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأفْعالِ يُوجِبُ اقْتِداءَ غَيْرِهِمْ بِهِمْ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْقُوَّةِ أوِ الكَمالِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائِدَةِ: ٣٢] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ ومِن عادَةِ النّاسِ أنَّ دَواعِيَهم تَقْوى بِما يَرَوْنَ مِن أمْثالِهِمْ في أحْوالِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما أنَّ المِحَنَ تَخِفُّ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالمُشارَكَةِ فِيها، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ لِلْمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الفَضِيلَةِ ونِهايَةِ المَنقَبَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الِاعْتِرافَ بِكَوْنِهِمْ رُؤَساءَ المُسْلِمِينَ وسادَةً لَهم. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِنَ المُؤْمِنِينَ المَوْجُودِينَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُمُ الأنْصارُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا هاجَرَ إلَيْهِمْ مَعَ طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ، فَلَوْلا أنَّهم آوَوْا ونَصَرُوا وبَذَلُوا النَّفْسَ والمالَ في خِدْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإصْلاحِ مُهِمّاتِ أصْحابِهِ لَما تَمَّ المَقْصُودُ البَتَّةَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ حالُ المُهاجِرِينَ أعْلى في الفَضِيلَةِ مِن حالِ الأنْصارِ لِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهم هُمُ السّابِقُونَ في الإيمانِ الَّذِي هو رَئِيسُ الفَضائِلِ وعُنْوانُ المَناقِبِ. وثانِيها: أنَّهم تَحَمَّلُوا العَناءَ والمَشَقَّةَ دَهْرًا دَهِيرًا، وزَمانًا مَدِيدًا مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وصَبَرُوا عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحالُ ما حَصَلَتْ لِلْأنْصارِ. وثالِثُها: أنَّهم تَحَمَّلُوا المَضارَّ النّاشِئَةَ مِن مُفارَقَةِ الأوْطانِ والأهْلِ والجِيرانِ، ولَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِلْأنْصارِ. ورابِعُها: أنَّ فَتْحَ البابِ في قَبُولِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما حَصَلَ مِنَ المُهاجِرِينَ، والأنْصارُ اقْتَدَوْا بِهِمْ وتَشَبَّهُوا بِهِمْ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُقْتَدِي أقَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ المُقْتَدى بِهِ، فَجُمْلَةُ هَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ تَقْدِيمَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ عَلى الأنْصارِ في الفَضْلِ والدَّرَجَةِ والمَنقَبَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أيْنَما ذَكَرَ اللَّهُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ قَدَّمَ المُهاجِرِينَ عَلى الأنْصارِ وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ ورَدَ ذِكْرُهُما في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ الوِلايَةِ، فَنَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والمُفَسِّرِينَ كُلِّهِمْ، أنَّ المُرادَ هو الوِلايَةُ في المِيراثِ، وقالُوا: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى سَبَبَ الإرْثِ الهِجْرَةَ والنُّصْرَةَ دُونَ القَرابَةِ، وكانَ القَرِيبُ الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لَمْ يَرِثْ مِن أجْلِ أنَّهُ لَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الوِلايَةِ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِالقُرْبِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ، ويُقالُ: ”«السُّلْطانُ ولِيُّ مَن لا ولِيَّ لَهُ» “ ولا يُفِيدُ الإرْثَ، وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يُونُسَ: ٦٢] ولا يُفِيدُ الإرْثَ بَلِ الوِلايَةُ تُفِيدُ القُرْبَ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى غَيْرِ الإرْثِ، وهو كَوْنُ بَعْضِهِمْ مُعَظِّمًا لِلْبَعْضِ مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ مَخْصُوصًا بِمُعاوَنَتِهِ ومُناصَرَتِهِ، والمَقْصُودُ أنْ يَكُونُوا يَدًا واحِدَةً عَلى الأعْداءِ، وأنْ يَكُونَ حُبُّ كُلِّ واحِدٍ لِغَيْرِهِ جارِيًا مَجْرى حَبْسِهِ لِنَفْسِهِ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِهَذا المَعْنى كانَ حَمْلُهُ عَلى الإرْثِ بَعِيدًا عَنْ دَلالَةِ اللَّفْظِ، لا سِيَّما وهم يَقُولُونَ إنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ وأيُّ حاجَةٍ تَحْمِلُنا عَلى صفحة ١٦٧ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْنى لا إشْعارَ لِذَلِكَ اللَّفْظِ بِهِ ! ثُمَّ الحُكْمُ بِأنَّهُ صارَ مَنسُوخًا بِآيَةٍ أُخْرى مَذْكُورَةٍ مَعَهُ، هَذا في غايَةِ البُعْدِ، اللَّهُمَّ إلّا إذا حَصَلَ إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا أنَّ دَعْوى الإجْماعِ بَعِيدَةٌ. * * * القِسْمُ الثّالِثُ مِن أقْسامِ مُؤْمِنِي زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ما وافَقُوا الرَّسُولَ في الهِجْرَةِ وبَقُوا في مَكَّةَ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ فَبَيَّنَ تَعالى حُكْمَهم مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ في هَذِهِ الصُّورَةِ، هي الوَلايَةُ المُثْبَتَةُ في القِسْمِ الَّذِي تَقَدَّمَ، فَمَن حَمَلَ تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى الإرْثِ، زَعَمَ أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ هَهُنا هي الإرْثُ، ومَن حَمَلَ تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى سائِرِ الِاعْتِباراتِ المَذْكُورَةِ، فَكَذا هَهُنا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الوَلايَةِ الإرْثُ، بِأنْ قالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها الوَلايَةَ بِمَعْنى النُّصْرَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ المُوالاةِ في الدِّينِ والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالوَلايَةِ المَذْكُورَةِ أمْرًا مُغايِرًا لِمَعْنى النُّصْرَةِ وهَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا حَمَلْنا تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى التَّعْظِيمِ والإكْرامِ وهو أمْرٌ مُغايِرٌ لِلنُّصْرَةِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَنْصُرُ بَعْضَ أهْلِ الذِّمَّةِ في بَعْضِ المُهِمّاتِ وقَدْ يَنْصُرُ عَبْدَهُ وأمَتَهُ بِمَعْنى الإعانَةِ مَعَ أنَّهُ لا يُوالِيهِ بِمَعْنى التَّعْظِيمِ والإجْلالِ فَسَقَطَ هَذا الدَّلِيلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ يُوهِمُ أنَّهم لَمّا لَمْ يُهاجِرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَقَطَتْ وِلايَتُهم مُطْلَقًا، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ يَعْنِي أنَّهم لَوْ هاجَرُوا لَعادَتْ تِلْكَ الوَلايَةُ وحَصَلَتْ، والمَقْصُودُ مِنهُ الحَمْلُ عَلى المُهاجَرَةِ والتَّرْغِيبُ فِيها؛ لِأنَّ المُسْلِمَ مَتى سَمِعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: إنْ قَطَعَ المُهاجَرَةَ انْقَطَعَتِ الوِلايَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ ولَوْ هاجَرَ حَصَلَتْ تِلْكَ الوِلايَةُ وعادَتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَلا شَكَّ أنَّ هَذا يَصِيرُ مُرَغِّبًا لَهُ في الهِجْرَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ المُهاجَرَةِ كَثْرَةُ المُسْلِمِينَ واجْتِماعُهم وإعانَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وحُصُولُ الأُلْفَةِ والشَّوْكَةِ وعَدَمُ التَّفْرِقَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ ”مِن وِلايَتِهِمْ“ بِكَسْرِ الواوِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ جَعَلَها مِنَ النُّصْرَةِ والنَّسَبِ، وقالَ: والوِلايَةُ الَّتِي بِمَنزِلَةِ الإمارَةِ مَكْسُورَةٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ وقَدْ يَجُوزُ كَسْرُ الوَلايَةِ؛ لِأنَّ في تَوَلِّي بَعْضِ القَوْمِ بَعْضًا جِنْسًا مِنَ الصِّناعَةِ كالقِصارَةِ والخِياطَةِ فَهي مَكْسُورَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الفَتْحُ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الوَلايَةَ هَهُنا مِنَ الدِّينِ والكَسْرُ في السُّلْطانِ. والحُكْمُ الثّانِي: مِن أحْكامِ هَذا القِسْمِ الثّالِثِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحُكْمَ في قَطْعِ الوَلايَةِ بَيْنَ تِلْكَ الطّائِفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ المُقاطَعَةَ التّامَّةَ كَما في حَقِّ الكُفّارِ بَلْ هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا لَوِ اسْتَنْصَرُوكم فانْصُرُوهم ولا تَخْذُلُوهم، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ قامَ الزُّبَيْرُ وقالَ: فَهَلْ صفحة ١٦٨ نُعِينُهم عَلى أمْرٍ إنِ اسْتَعانُوا بِنا ؟ فَنَزَلَ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَكم نَصْرُهم عَلَيْهِمْ إذِ المِيثاقُ مانِعٌ مِن ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ الَّذِي اعْتَبَرَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ في غايَةِ الحُسْنِ لِأنَّهُ ذَكَرَ هَهُنا أقْسامًا ثَلاثَةً: فالأوَّلُ: المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وهم أفْضَلُ النّاسِ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُوالِيَ بَعْضُهم بَعْضًا. والقِسْمُ الثّانِي: المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا فَهَؤُلاءِ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ لَهم فَضْلٌ وكَرامَةٌ وبِسَبَبِ تَرْكِ الهِجْرَةِ لَهم حالَةٌ نازِلَةٌ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهم حُكْمًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الإجْلالِ والإذْلالِ وذَلِكَ هو أنَّ الوَلايَةَ المُثْبَتَةَ لِلْقِسْمِ الأوَّلِ، تَكُونُ مَنفِيَّةً عَنْ هَذا القِسْمِ، إلّا أنَّهم يَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَنْصَرُوا المُؤْمِنِينَ واسْتَعانُوا بِهِمْ نَصَرُوهم وأعانُوهم، فَهَذا الحُكْمُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الإجْلالِ والإذْلالِ، وأمّا الكُفّارُ فَلَيْسَ لَهُمُ البَتَّةَ ما يُوجِبُ شَيْئًا مِن أسْبابِ الفَضِيلَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُ المُسْلِمِينَ مُنْقَطِعِينَ عَنْهم مِن كُلِّ الوُجُوهِ فَلا يَكُونُ بَيْنَهم ولايَةٌ ولا مُناصَرَةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ في غايَةِ الحُسْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ في المُوارَثَةِ مَعَ اخْتِلافِ مِلَلِهِمْ كَأهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ، فالمَجُوسِيُّ يَرِثُ الوَثَنِيَّ، والنَّصْرانِيُّ يَرِثُ المَجُوسِيَّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا حَمَلْنا الوَلايَةَ عَلى الإرْثِ وقَدْ سَبَقَ القَوْلُ فِيهِ، بَلِ الحَقُّ أنْ يُقالَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا في غايَةِ العَداوَةِ لِلْيَهُودِ فَلَمّا ظَهَرَتْ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَناصَرُوا وتَعاوَنُوا عَلى إيذائِهِ ومُحارَبَتِهِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ذَلِكَ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ، والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ والنَّصارى لَمّا اشْتَرَكُوا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ صارَتْ هَذِهِ الجِهَةُ مُوجِبَةً لِانْضِمامِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ العَداوَةِ لِأجْلِ الدِّينِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ في نِهايَةِ الإنْكارِ لِدِينِ صاحِبِهِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ لِمَحْضِ الحَسَدِ والبَغْيِ والعِنادِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأحْكامَ قالَ: ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ والمَعْنى: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ المَذْكُورَةِ المُتَقَدِّمَةِ تَحْصُلُ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ومَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وبَيانُ هَذِهِ الفِتْنَةِ والفَسادِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوِ اخْتَلَطُوا بِالكُفّارِ في زَمانِ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وزَمانِ قُوَّةِ الكُفّارِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَرُبَّما صارَتْ تِلْكَ المُخالَطَةُ سَبَبًا لِالتِحاقِ المُسْلِمِ بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ لَمْ يَظْهَرْ مِنهم جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَراءَةِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ. الثّالِثُ: أنَّهُ إذا كانَ جَمْعُ المُسْلِمِينَ كُلَّ يَوْمٍ في الزِّيادَةِ في العَدَدِ والعُدَّةِ، صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ فِيما هم فِيهِ ورَغْبَةِ المُخالِفِ في الِالتِحاقِ بِهِمْ. صفحة ١٦٩ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا القِسْمَ الثّالِثَ، عادَ إلى ذِكْرِ القِسْمِ الأوَّلِ والثّانِي مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا لَيْسَ بِتَكْرارٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهم أوَّلًا لِيُبَيِّنَ حُكْمَهم وهو ولايَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَهم هَهُنا لِبَيانِ تَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الإعادَةَ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِحالِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ والتَّعْظِيمِ. والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ هَهُنا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ وقَوْلُهُ: ﴿حَقًّا﴾ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ مُحَقِّقِينَ في طَرِيقِ الدِّينِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُحِقًّا في دِينِهِ لَمْ يَتَحَمَّلْ تَرْكَ الأدْيانِ السّالِفَةِ، ولَمْ يُفارِقِ الأهْلَ والوَطَنَ ولَمْ يَبْذُلِ النَّفْسَ والمالَ ولَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ المُتَسارِعِينَ المُتَسابِقِينَ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ وتَنْكِيرُ لَفْظِ المَغْفِرَةِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ كَما أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٦] يَدُلُّ عَلى كَمالِ تِلْكَ الحَياةِ، والمَعْنى: لَهم مَغْفِرَةٌ تامَّةٌ كامِلَةٌ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ والتَّبِعاتِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ الثَّوابُ الرَّفِيعُ الشَّرِيفُ. والحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى شَرَحَ حالَهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَقَدْ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وأمّا في الآخِرَةِ فالمَقْصُودُ إمّا دَفْعُ العِقابِ، وإمّا جَلْبُ الثَّوابِ، أمّا دَفْعُ العِقابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ وأمّا جَلْبُ الثَّوابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهَذِهِ السَّعاداتُ العالِيَةُ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَتَرَكُوا الأهْلَ والوَطَنَ وبَذَلُوا النَّفْسَ والمالَ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ السَّعاداتِ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ. * * * القِسْمُ الرّابِعُ مِن مُؤْمِنِي زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُوافِقُوا الرَّسُولَ في الهِجْرَةِ إلّا أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرُوا إلَيْهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدُ﴾ نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ وهي الهِجْرَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، والأصَحُّ أنَّ المُرادَ والَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ الأُولى، وهَؤُلاءِ هُمُ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ كَما قالَ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٠] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأصَحُّ أنَّ الهِجْرَةَ انْقَطَعَتْ بِفَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ صارَتْ مَكَّةُ بَلَدَ الإسْلامِ وقالَ الحَسَنُ: الهِجْرَةُ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ أبَدًا، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» “ فالمُرادُ الهِجْرَةُ المَخْصُوصَةُ، فَإنَّها انْقَطَعَتْ بِالفَتْحِ وبِقُوَّةِ الإسْلامِ، أمّا لَوِ اتَّفَقَ في بَعْضِ الأزْمانِ كَوْنُ المُؤْمِنِينَ في بَلَدٍ وفي عَدَدِهِمْ قِلَّةٌ، ويَحْصُلُ لِلْكُفّارِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَعَهم شَوْكَةٌ وإنْ هاجَرَ المُسْلِمُونَ مِن تِلْكَ البَلْدَةِ وانْتَقَلُوا إلى بَلْدَةٍ أُخْرى ضَعُفَتْ شَوْكَةُ الكُفّارِ، فَهَهُنا تَلْزَمُهُمُ الهِجْرَةُ عَلى ما قالَهُ الحَسَنُ؛ لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِيهِمْ مِثْلُ العِلَّةِ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَرْتَبَةَ هَؤُلاءِ دُونَ مَرْتَبَةِ المُهاجِرِينَ السّابِقِينَ؛ لِأنَّهُ صفحة ١٧٠ ألْحَقَ هَؤُلاءِ بِهِمْ وجَعَلَهم مِنهم في مَعْرِضِ التَّشْرِيفِ، ولَوْلا كَوْنُ القِسْمِ الأوَّلِ أشْرَفَ وإلّا لَما صَحَّ هَذا المَعْنى، فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الَّذِينَ قالُوا المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وِلايَةُ المِيراثِ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لَهُ، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الإرْثَ كانَ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ والهِجْرَةِ، والآنَ قَدْ صارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا فَلا يَحْصُلُ الإرْثُ إلّا بِسَبَبِ القَرابَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ المُرادُ مِنهُ السِّهامُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ النِّساءِ، وأمّا الَّذِينَ فَسَّرُوا تِلْكَ الآيَةَ بِالنُّصْرَةِ والمَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ قالُوا: إنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ لَمّا كانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلْوِلايَةِ بِسَبَبِ المِيراثِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ وِلايَةَ الإرْثِ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ القَرابَةِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إزالَةَ هَذا الوَهْمِ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ تَكْثِيرَ النَّسْخِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ ولا حاجَةٍ لا يَجُوزُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في كِتابِهِ إلى أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ الإمامَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوِلايَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ في ثُبُوتِ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ فِيهِ الإمامَةُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ مِن أُولِي الأرْحامِ لِما نُقِلَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْطاهُ سُورَةَ بَراءَةَ لِيُبَلِّغَها إلى القَوْمِ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا خَلْفَهُ وأمَرَ بِأنْ يَكُونَ المُبَلِّغَ هو عَلِيٌّ، وقالَ: ”لا يُؤَدِّيها إلّا رَجُلٌ مِنِّي» “ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ ما كانَ مِنهُ، فَهَذا هو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ كانَ العَبّاسُ أوْلى بِالإمامَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ أقْرَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ مِن عَلِيٍّ، وبِهَذا الوَجْهِ أجابَ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، في تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ مُجْمَلٌ في الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةُ، فَلَمّا قالَ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ كانَ مَعْناهُ في الحُكْمِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، فَصارَتْ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِالأحْكامِ الَّتِي بَيَّنَها اللَّهُ في كِتابِهِ، وتِلْكَ الأحْكامُ لَيْسَتْ إلّا مِيراثَ العَصَباتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا المُجْمَلِ هو ذَلِكَ فَقَطْ فَلا يَتَعَدّى إلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ. ثُمَّ قالَ في خَتْمِ السُّورَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ الَّتِي ذَكَرْتُها وفَصَّلْتُها كُلُّها حِكْمَةٌ وصَوابٌ وصَلاحٌ، ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ العَبَثِ والباطِلِ؛ لِأنَّ العالِمَ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَحْكُمُ إلّا بِالصَّوابِ، ونَظِيرُهُ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا قالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] قالَ مُجِيبًا لَهم: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] يَعْنِي لَمّا عَلِمْتُمْ كَوْنِي عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فاعْلَمُوا أنَّ حُكْمِي يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الغَلَطِ كَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ، كَما هو أهْلُهُ ومُسْتَحِقُّهُ. يَوْمَ الأحَدِ في رَمَضانَ سَنَةَ إحْدى صفحة ١٧١ وسِتِّمِائَةٍ في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها بَغْدانُ. ونَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنَ الأهْوالِ وشِدَّةِ الزَّمانِ، وكَيْدِ أهْلِ البَغْيِ والخِذْلانِ، إنَّهُ المَلِكُ الدَّيّانُ. وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى حَبِيبِ الرَّحْمَنِ، مُحَمَّدٍ المُصْطَفى صاحِبِ المُعْجِزاتِ والبُرْهانِ.

التوبة 9:1

صفحة ١٧٢ (سُورَةُ التَّوْبَةِ) مَدَنِيَّةٌ، إلّا الآيَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ فَمَكِّيَّتانِ وآياتُها ”١٢٩“ نَزَلَتْ بَعْدَ المائِدَةِ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَها عِدَّةُ أسْماءٍ: بَراءَةُ، والتَّوْبَةُ، والمُقَشْقِشَةُ، والمُبَعْثِرَةُ، والمُشَرِّدَةُ، والمُخْزِيَةُ، والفاضِحَةُ، والمُثِيرَةُ، والحافِرَةُ، والمُنَكِّلَةُ، والمُدَمْدِمَةُ، وسُورَةُ العَذابِ، قالَ: لِأنَّ فِيها التَّوْبَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ، وهي تُقَشْقِشُ مِنَ النِّفاقِ أيْ تُبَرِّئُ مِنهُ، وتُبَعْثِرُ عَنْ أسْرارِ المُنافِقِينَ، وتَبْحَثُ عَنْها، وتُثِيرُها، وتَحْفِرُ عَنْها، وتَفْضَحُهم، وتُنَكِّلُ بِهِمْ، وتُشَرِّدُهم وتُخْزِيهِمْ، وتُدَمْدِمُ عَلَيْهِمْ، وعَنْ حُذَيْفَةَ: إنَّكم تُسَمُّونَها سُورَةَ التَّوْبَةِ، واللَّهِ ما تَرَكَتْ أحَدًا إلّا نالَتْ مِنهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: إنَّها الفاضِحَةُ ما زالَتْ تَنْزِلُ فِيهِمْ وتَنالُ مِنهم حَتّى خَشِينا أنْ لا تَدَعَ أحَدًا، وسُورَةُ الأنْفالِ نَزَلَتْ في بَدْرٍ، وسُورَةُ الحَشْرِ نَزَلَتْ في بَنِي النَّضِيرِ. فَإنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في إسْقاطِ التَّسْمِيَةِ مِن أوَّلِها ؟ قُلْنا: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الوَجْهُ الأوَّلُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، ما حَمَلَكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى سُورَةِ بَراءَةَ وهي مِنَ المِئِينَ، وإلى سُورَةِ الأنْفالِ وهي مِنَ المَثانِي، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما وما فَصَلْتُمْ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ فَقالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ كُلَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةٌ يَقُولُ: ”ضَعُوها في مَوْضِعِ كَذا» “ وكانَتْ بَراءَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، فَتُوُفِّيَ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَها، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها فَقُرِنَ بَيْنَهُما، قالَ القاضِي: يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُبَيِّنْ كَوْنَ هَذِهِ السُّورَةِ تالِيَةً لِسُورَةِ الأنْفالِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُرَتَّبٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى ومِن قِبَلِ رَسُولِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي نُقِلَ، ولَوْ جَوَّزْنا في بَعْضِ السُّوَرِ أنْ لا يَكُونَ تَرْتِيبُها مِنَ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الوَحْيِ، لَجَوَّزْنا مِثْلَهُ في سائِرِ السُّوَرِ وفي آياتِ السُّورَةِ الواحِدَةِ، وتَجْوِيزُهُ يُطَرِّفُ ما يَقُولُهُ الإمامِيَّةُ مِن تَجْوِيزِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في القُرْآنِ. وذَلِكَ يُخْرِجُهُ مِن كَوْنِهِ حُجَّةً، بَلِ الصَّحِيحُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ بِوَضْعِ هَذِهِ السُّورَةِ، بَعْدَ سُورَةِ الأنْفالِ وحْيًا، وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَذَفَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وحْيًا. الوَجْهُ الثّانِي: في هَذا البابِ ما يُرْوى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما تَوَهَّمُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّ في الأنْفالِ ذِكْرَ العُهُودِ، وفي بَراءَةَ نَبْذَ العُهُودِ، فَوُضِعَتْ إحْداهُما بِجَنْبِ الأُخْرى، والسُّؤالُ المَذْكُورُ عائِدٌ هَهُنا؛ لِأنَّ هَذا الوَجْهَ إنَّما يَتِمُّ إذا قُلْنا: إنَّهم إنَّما وضَعُوا هَذِهِ السُّورَةَ بَعْدَ الأنْفالِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ لِهَذِهِ العِلَّةِ. صفحة ١٧٣ والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الصَّحابَةَ اخْتَلَفُوا في أنَّ سُورَةَ الأنْفالِ وسُورَةَ التَّوْبَةِ سُورَةٌ واحِدَةٌ أمْ سُورَتانِ ؟ فَقالَ بَعْضُهم: هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ؛ لِأنَّ كِلْتَيْهِما نَزَلَتْ في القِتالِ ومَجْمُوعُهُما هَذِهِ السُّورَةُ السّابِعَةُ مِنَ الطِّوالِ وهي سَبْعٌ، وما بَعْدَها المِئُونَ. وهَذا قَوْلٌ ظاهِرٌ لِأنَّهُما مَعًا مِائَتانِ وسِتُّ آياتٍ، فَهُما بِمَنزِلَةِ سُورَةٍ واحِدَةٍ. ومِنهم مَن قالَ: هُما سُورَتانِ، فَلَمّا ظَهَرَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ الصَّحابَةِ في هَذا البابِ تَرَكُوا بَيْنَهُما فُرْجَةً تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ هُما سُورَتانِ، وما كَتَبُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَيْنَهُما تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَلْزَمُنا تَجْوِيزُ مَذْهَبِ الإمامِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا وقَعَ الِاشْتِباهُ في هَذا المَعْنى بَيْنَ الصَّحابَةِ لَمْ يَقْطَعُوا بِأحَدِ القَوْلَيْنِ، وعَمِلُوا عَمَلًا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الِاشْتِباهَ كانَ حاصِلًا، فَلَمّا لَمْ يَتَسامَحُوا بِهَذا القَدْرِ مِنَ الشُّبْهَةِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا مُشَدِّدِينَ في ضَبْطِ القُرْآنِ عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ الإمامِيَّةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: في هَذا البابِ: أنَّهُ تَعالى خَتَمَ سُورَةَ الأنْفالِ بِإيجابِ أنْ يُوالِيَ المُؤْمِنُونَ بَعْضُهم بَعْضًا وأنْ يَكُونُوا مُنْقَطِعِينَ عَنِ الكُفّارِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ فَلَمّا كانَ هَذا عَيْنَ ذَلِكَ الكَلامِ وتَأْكِيدًا لَهُ وتَقْرِيرًا لَهُ، لَزِمَ وُقُوعُ الفاصِلِ بَيْنَهُما، فَكانَ إيقاعُ الفَصْلِ بَيْنَهُما تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِما سُورَتَيْنِ مُتَغايِرَتَيْنِ، وتُرِكَ كَتْبُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَيْنَهُما تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا المَعْنى هو عَيْنُ ذَلِكَ المَعْنى. الوَجْهُ الخامِسُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَألْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِمَ لَمْ يُكْتَبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَيْنَهُما ؟ قالَ: لِأنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أمانٌ، وهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ ونَبْذِ العُهُودِ ولَيْسَ فِيها أمانٌ، ويُرْوى أنَّ سُفْيانَ بْنَ عُيَيْنَةَ ذَكَرَ هَذا المَعْنى، وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [ النِّساءِ: ٩٤] فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلى أهْلِ الحَرْبِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَأجابَ عَنْهُ: بِأنَّ ذَلِكَ ابْتِداءٌ مِنهُ بِدَعْوَتِهِمْ إلى اللَّهِ، ولَمْ يَنْبِذْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، ألا تَراهُ قالَ في آخِرِ الكِتابِ: ”«والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى» “ وأمّا في هَذِهِ السُّورَةِ فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى المُقاتَلَةِ ونَبْذِ العُهُودِ فَظَهَرَ الفَرْقُ. والوَجْهُ السّادِسُ: قالَ أصْحابُنا: لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ مِن بَعْضِ النّاسِ أنَّهم يَتَنازَعُونَ في كَوْنِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنَ القُرْآنِ، أمَرَ بِأنْ لا تُكْتَبَ هَهُنا، تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِها آيَةً مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، وأنَّها لَمّا لَمْ تَكُنْ آيَةً مِن هَذِهِ السُّورَةِ، لا جَرَمَ لَمْ تُكْتَبْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها لَمّا كُتِبَتْ في أوَّلِ سائِرِ السُّوَرِ وجَبَ كَوْنُها آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ. ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ . صفحة ١٧٤ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى البَراءَةِ انْقِطاعُ العِصْمَةِ، يُقالُ: بَرِئْتُ مِن فُلانٍ أبْرَأُ بَراءَةً، أيِ انْقَطَعَتْ بَيْنَنا العِصْمَةُ ولَمْ يَبْقَ بَيْنَنا عُلْقَةٌ، ومِن هُنا يُقالُ: بَرِئْتُ مِنَ الدِّينِ، وفي رَفْعِ قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذِهِ بَراءَةٌ، قالَ الفَرّاءُ: ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ إذا نَظَرْتَ إلى رَجُلٍ جَمِيلٍ: جَمِيلٌ واللَّهِ، أيْ هَذا جَمِيلٌ واللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: هَذِهِ بَراءَةٌ واصِلَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، كَما تَقُولُ كِتابٌ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿بَراءَةٌ﴾ مُبْتَدَأً وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ صِفَتُها وقَوْلُهُ: ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ هو الخَبَرُ كَما تَقُولُ: رَجُلٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ في الدّارِ. فَإنْ قالُوا: ما السَّبَبُ في أنْ نَسَبَ البَراءَةَ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ونَسَبَ المُعاهَدَةَ إلى المُشْرِكِينَ ؟ قُلْنا: قَدْ أذِنَ اللَّهُ في مُعاهَدَةِ المُشْرِكِينَ، فاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعاهَدَهم، ثُمَّ إنَّ المُشْرِكِينَ نَقَضُوا العَهْدَ فَأوْجَبَ اللَّهُ النَّبْذَ إلَيْهِمْ، فَخُوطِبَ المُسْلِمُونَ بِما يُحَذِّرُهم مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ قَدْ بَرِئا مِمّا عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا خَرَجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ وتَخَلَّفَ المُنافِقُونَ وأرْجَفُوا بِالأراجِيفِ، جَعَلَ المُشْرِكُونَ يَنْقُضُونَ العَهْدَ، فَنَبَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَهْدَ إلَيْهِمْ» . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَنْقُضَ النَّبِيُّ ﷺ العَهْدَ ؟ قُلْنا: لا يَجُوزُ أنْ يَنْقُضَ العَهْدَ إلّا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَظْهَرَ لَهُ مِنهم خِيانَةٌ مَسْتُورَةٌ، ويَخافَ ضَرَرَهم فَيَنْبِذَ العَهْدَ إلَيْهِمْ، حَتّى يَسْتَوُوا في مَعْرِفَةِ نَقْضِ العَهْدِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنْفالِ: ٥٨] وقالَ أيْضًا: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنْفالِ: ٥٦] . والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ لِبَعْضِهِمْ في وقْتِ العَهْدِ أنْ يُقِرَّهم عَلى العَهْدِ فِيما ذُكِرَ مِنَ المُدَّةِ إلى أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعالى بِقَطْعِهِ، فَلَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَطْعِ العَهْدِ بَيْنَهم قَطَعَ لِأجْلِ الشَّرْطِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا فَتَنْقَضِيَ المُدَّةُ ويَنْقَضِيَ العَهْدُ، ويَكُونَ الغَرَضُ مِن إظْهارِ هَذِهِ البَراءَةِ أنْ يُظْهِرَ لَهم أنَّهُ لا يَعُودُ إلى العَهْدِ، وأنَّهُ عَلى عَزْمِ المُحارَبَةِ والمُقاتَلَةِ، فَأمّا فِيما وراءَ هَذِهِ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ لا يَجُوزُ نَقْضُ العَهْدِ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى الغَدْرِ وخُلْفِ القَوْلِ، واللَّهُ ورَسُولُهُ مِنهُ بَرِيئانِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٤] وقِيلَ: إنَّ أكْثَرَ المُشْرِكِينَ نَقَضُوا العَهْدَ إلّا أُناسًا مِنهم وهم بَنُو ضَمْرَةَ وبَنُو كِنانَةَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ سَنَةَ ثَمانٍ وكانَ الأمِيرَ فِيها عَتّابُ بْنُ أسِيدٍ، ونُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ سَنَةَ تِسْعٍ، «وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَةَ تِسْعٍ أنْ يَكُونَ عَلى المَوْسِمِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أمَرَ عَلِيًّا أنْ يَذْهَبَ إلى أهْلِ المَوْسِمِ لِيَقْرَأها عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ بَعَثْتَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ، فَقالَ: لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي، فَلَمّا دَنا عَلِيٌّ سَمِعَ أبُو بَكْرٍ الرُّغاءَ، فَوَقَفَ وقالَ: هَذا رُغاءُ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا لَحِقَهُ قالَ: أمِيرٌ أوْ مَأْمُورٌ ؟ قالَ: مَأْمُورٌ، ثُمَّ سارُوا، فَلَمّا كانَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ خَطَبَ أبُو بَكْرٍ وحَدَّثَهم عَنْ مَناسِكِهِمْ، وقامَ عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْكم، فَقالُوا: بِماذا ؟ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ صفحة ١٧٥ ثَلاثِينَ أوْ أرْبَعِينَ آيَةً، وعَنْ مُجاهِدٍ ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً، ثُمَّ قالَ: أُمِرْتُ بِأرْبَعٍ: أنْ لا يَقْرَبَ هَذا البَيْتَ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا كُلُّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ، وأنْ يَتِمَّ إلى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدُهُ، فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: يا عَلِيُّ أبْلِغِ ابْنَ عَمِّكَ أنّا قَدْ نَبَذْنا العَهْدَ وراءَ ظُهُورِنا، وأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَهْدٌ إلّا طَعْنٌ بِالرِّماحِ وضَرْبٌ بِالسُّيُوفِ»، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ أمَرَ عَلِيًّا بِقِراءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِمْ وتَبْلِيغِ هَذِهِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ، فَقالُوا: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ عادَةَ العَرَبِ أنْ لا يَتَوَلّى تَقْرِيرَ العَهْدِ ونَقْضَهُ إلّا رَجُلٌ مِنَ الأقارِبِ، فَلَوْ تَوَلّاهُ أبُو بَكْرٍ لَجازَ أنْ يَقُولُوا هَذا خِلافُ ما نَعْرِفُ فِينا مِن نَقْضِ العُهُودِ فَرُبَّما لَمْ يَقْبَلُوا، فَأُزِيحَتْ عِلَّتُهم بِتَوْلِيَةِ ذَلِكَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ: لَمّا خَصَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِتَوْلِيَتِهِ أمِيرَ المَوْسِمِ خَصَّ عَلِيًّا بِهَذا التَّبْلِيغِ تَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ ورِعايَةً لِلْجَوانِبِ، وقِيلَ: قَرَّرَ أبا بَكْرٍ عَلى المَوْسِمِ وبَعَثَ عَلِيًّا خَلْفَهُ لِتَبْلِيغِ هَذِهِ الرِّسالَةِ، حَتّى يُصَلِّيَ عَلِيٌّ خَلْفَ أبِي بَكْرٍ ويَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى التَّنْبِيهِ عَلى إمامَةِ أبِي بَكْرٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. وقَرَّرَ الجاحِظُ هَذا المَعْنى فَقالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبا بَكْرٍ أمِيرًا عَلى الحَجِّ ووَلّاهُ المَوْسِمَ، وبَعَثَ عَلِيًّا يَقْرَأُ عَلى النّاسِ آياتٍ مِن سُورَةِ بَراءَةَ فَكانَ أبُو بَكْرٍ الإمامَ وعَلِيٌّ المُؤْتَمَّ وكانَ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبَ وعَلِيٌّ المُسْتَمِعَ، وكانَ أبُو بَكْرٍ الرّافِعَ بِالمَوْسِمِ والسّابِقَ لَهم والآمِرَ لَهم، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يُبَلِّغُ عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي» “ فَهَذا لا يَدُلُّ عَلى تَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلى أبِي بَكْرٍ، ولَكِنَّهُ عامَلَ العَرَبَ بِما يَتَعارَفُونَهُ فِيما بَيْنَهم، وكانَ السَّيِّدُ الكَبِيرُ مِنهم إذا عَقَدَ لِقَوْمٍ حِلْفًا أوْ عاهَدَ عَهْدًا لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ العَهْدَ والعَقْدَ إلّا هو أوْ رَجُلٌ مِن أقارِبِهِ القَرِيبِينَ مِنهُ كَأخٍ أوْ عَمٍّ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ القَوْلَ.

التوبة 9:2

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ: الأوَّلُ: أصْلُ السِّياحَةِ الضَّرْبُ في الأرْضِ والِاتِّساعُ في السَّيْرِ والبُعْدُ عَنِ المُدُنِ ومَوْضِعِ العِمارَةِ مَعَ الإقْلالِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، يُقالُ لِلصّائِمِ سائِحٌ لِأنَّهُ يُشْبِهُ السّائِحَ لِتَرْكِهِ المَطْعَمَ والمَشْرَبَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ يَعْنِي اذْهَبُوا فِيها كَيْفَ شِئْتُمْ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ الأمْرِ، بَلِ المَقْصُودُ الإباحَةُ والإطْلاقُ والإعْلامُ بِحُصُولِ الأمانِ وإزالَةِ الخَوْفِ، يَعْنِي أنْتُمْ آمِنُونَ مِنَ القَتْلِ والقِتالِ في هَذِهِ المُدَّةِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا تَأْجِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَمَن كانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ حَطَّهُ إلى الأرْبَعَةِ، ومَن كانَتْ مُدَّتُهُ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ رَفَعَهُ إلى الأرْبَعَةِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الإعْلامِ أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنْ يَتَفَكَّرُوا لِأنْفُسِهِمْ ويَحْتاطُوا في هَذا الأمْرِ، ويَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ لَهم بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ إلّا أحَدُ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: إمّا الإسْلامُ أوْ قَبُولُ الجِزْيَةِ أوِ السَّيْفُ، فَيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لَهم عَلى قَبُولِ الإسْلامِ ظاهِرًا. والثّانِي: لِئَلّا يُنْسَبَ المُسْلِمُونَ إلى نَكْثِ العَهْدِ. والثّالِثُ: أرادَ اللَّهُ أنْ يَعُمَّ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ بِالجِهادِ، فَعَمَّ الكُلَّ بِالبَراءَةِ وأجَّلَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وذَلِكَ لِقُوَّةِ الإسْلامِ وتَخْوِيفِ الكُفّارِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِنَقْضِ العُهُودِ. والرّابِعُ: أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ يَحُجَّ في السَّنَةِ الآتِيَةِ، فَأمَرَ بِإظْهارِ هَذِهِ البَراءَةِ لِئَلّا يُشاهِدَ العُراةَ. البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قَوْلُهُ: ﴿فَسِيحُوا﴾ القَوْلُ فِيهِ مُضْمَرٌ والتَّقْدِيرُ: فَقُلْ لَهم سِيحُوا أوْ يَكُونُ هَذا رُجُوعًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ كَقَوْلِهِ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ [الإنْسانِ: ٢١ - ٢٢] . البَحْثُ الرّابِعُ: اخْتَلَفُوا في هَذِهِ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ بَراءَةَ نَزَلَتْ في شَوّالٍ، وهي أرْبَعَةُ صفحة ١٧٦ أشْهُرٍ: شَوّالٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وقِيلَ: هي عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وصَفَرُ، ورَبِيعٌ الأوَّلُ، وعَشْرٌ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، وإنَّما سُمِّيَتْ حُرُمًا؛ لِأنَّهُ كانَ يَحْرُمُ فِيها القَتْلُ والقِتالُ، فَهَذِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ لَمّا حُرِّمَ القَتْلُ والقِتالُ فِيها كانَتْ حُرُمًا، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ حُرُمًا؛ لِأنَّ أحَدَ أقْسامِ هَذِهِ المُدَّةِ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ؛ لِأنَّ عِشْرِينَ مِن ذِي الحِجَّةِ مَعَ المُحَرَّمِ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ. وقِيلَ: ابْتِداءُ تِلْكَ المُدَّةِ كانَ مِن عَشْرِ ذِي القِعْدَةِ إلى عَشْرٍ مِن رَبِيعٍ الأوَّلِ، لِأنَّ الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِسَبَبِ النَّسِيءِ الَّذِي كانَ فِيهِمْ، ثُمَّ صارَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ وهي حَجَّةُ الوَداعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ» “ . وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ فَقِيلَ: اعْلَمُوا أنَّ هَذا الإمْهالَ لَيْسَ لِعَجْزٍ ولَكِنْ لِمَصْلَحَةٍ ولُطْفٍ لِيَتُوبَ مَن تابَ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: فَسِيحُوا عالِمِينَ أنَّكم لا تُعْجِزُونَ اللَّهَ في حالٍ. والمَقْصُودُ: أنِّي أمْهَلْتُكم وأطْلَقْتُ لَكم فافْعَلُوا كُلَّ ما أمْكَنَكم فِعْلُهُ مِن إعْدادِ الآلاتِ والأدَواتِ، فَإنَّكم لا تُعْجِزُونَ اللَّهَ بَلِ اللَّهُ يُعْجِزُكم ويَقْهَرُكم، وقِيلَ: اعْلَمُوا أنَّ هَذا الإمْهالَ لِأجْلِ أنَّهُ لا يَخافُ الفَوْتَ؛ لِأنَّكم حَيْثُ كُنْتُمْ فَأنْتُمْ في مُلْكِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالقَتْلِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا ضَمانٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِنُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ والإخْزاءِ والإذْلالِ مَعَ إظْهارِ الفَضِيحَةِ والعارِ، والخِزْيِ والنَّكالِ الفاضِحِ.

التوبة 9:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ جُمْلَةٌ تامَّةٌ، مَخْصُوصَةٌ بِالمُشْرِكِينَ، وقَوْلَهُ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ جُمْلَةٌ أُخْرى تامَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى وهي عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ النّاسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ أنْ يَعْرِفَهُ المُؤْمِنُ والمُشْرِكُ مِن حَيْثُ كانَ الحُكْمُ المُتَعَلِّقُ بِذَلِكَ يَلْزَمُهُما جَمِيعًا، فَيَجِبُ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يَعْرِفُوا الوَقْتَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ القِتالُ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الإعْلامِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، وهو الجَمْعُ الأعْظَمُ لِيَصِلَ ذَلِكَ الخَبَرُ إلى الكُلِّ ويَشْتَهِرَ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الأذانُ الإعْلامُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ آذَنْتُهُ أُوذِنُهُ إيذانًا، فالأذانُ اسْمٌ يَقُومُ مَقامَ الإيذانِ، وهو المَصْدَرُ الحَقِيقِيُّ، ومِنهُ أذانُ الصَّلاةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ﴾ أيْ أذانٌ صادِرٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، واصِلٌ إلى النّاسِ، كَقَوْلِكَ: إعْلامٌ صادِرٌ مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ إنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وهو قَوْلُ صفحة ١٧٧ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ، ورِوايَةٌ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو أنَّهُ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقالَ: أمّا بَعْدُ فَإنَّ هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في رِوايَةِ عَطاءٍ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ والسُّدِّيِّ وأحَدُ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ، وقَوْلُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والقَوْلُ الثّالِثُ ما رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ أيّامُ مِنى كُلُّها، وهو مَذْهَبُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وكانَ يَقُولُ: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ أيّامُهُ كُلُّها، ويَقُولُ: يَوْمُ صِفِّينَ، ويَوْمُ الجَمَلِ يُرادُ بِهِ الحِينُ والزَّمانُ؛ لِأنَّ كُلَّ حَرْبٍ مِن هَذِهِ الحُرُوبِ دامَتْ أيّامًا كَثِيرَةً. حُجَّةُ مَن قالَ: يَوْمُ عَرَفَةَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الحَجُّ عَرَفَةُ» “ ولِأنَّ أعْظَمَ أعْمالِ الحَجِّ هو الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ؛ لِأنَّ مَن أدْرَكَهُ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، ومَن فاتَهُ فَقَدْ فاتَهُ الحَجُّ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ في هَذا اليَوْمِ، وحُجَّةُ مَن قالَ إنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، هي أنَّ أعْمالَ الحَجِّ إنَّما تَتِمُّ في هَذا اليَوْمِ، وهي الطَّوافُ والنَّحْرُ والحَلْقُ والرَّمْيُ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَجُلًا أخَذَ بِلِجامِ دابَّتِهِ فَقالَ: ما الحَجُّ الأكْبَرُ ؟ قالَ: يَوْمُكَ هَذا، خَلِّ عَنْ دابَّتِي، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الجَمَراتِ في حَجَّةِ الوَداعِ، فَقالَ: هَذا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ»، وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: المُرادُ مَجْمُوعُ تِلْكَ الأيّامِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْسِيرَ اليَوْمِ بِالأيّامِ الكَثِيرَةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ سُمِّيَ ذَلِكَ بِالحَجِّ الأكْبَرِ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا هو الحَجُّ الأكْبَرُ؛ لِأنَّ العُمْرَةَ تُسَمّى الحَجَّ الأصْغَرَ. الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ هو الحَجَّ الأكْبَرَ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ واجِباتِهِ لِأنَّهُ إذا فاتَ فاتَ الحَجُّ، وكَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِهِ يَوْمُ النَّحْرِ؛ لِأنَّ ما يُفْعَلُ فِيهِ مُعْظَمُ أفْعالِ الحَجِّ الأكْبَرِ. الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: سُمِّيَ ذَلِكَ اليَوْمُ بِيَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ لِاجْتِماعِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ فِيهِ، ومُوافَقَتِهِ لِأعْيادِ أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، فَعَظُمَ ذَلِكَ اليَوْمُ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، طَعَنَ الأصَمُّ في هَذا الوَجْهِ وقالَ: عِيدُ الكُفّارِ فِيهِ سُخْطٌ، وهَذا الطَّعْنُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المُرادَ أنْ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمٌ اسْتَعْظَمَهُ جَمِيعُ الطَّوائِفِ، وكانَ مَن وصَفَهُ بِالأكْبَرِ أُولَئِكَ. والرّابِعُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ حَجُّوا في تِلْكَ السَّنَةِ. والخامِسُ: الأكْبَرُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، والأصْغَرُ النَّحْرُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ. السّادِسُ: الحَجُّ الأكْبَرُ القِرانُ والأصْغَرُ الإفْرادُ، وهو مَنقُولٌ عَنْ مُجاهِدٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأذانَ بِأيِّ شَيْءٍ كانَ، فَقالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ الإخْبارُ بِثُبُوتِ البَراءَةِ، والمَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ إعْلامُ جَمِيعِ النّاسِ بِما حَصَلَ وثَبَتَ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ البَراءَةُ مِنَ العَهْدِ، ومِنَ الكَلامِ الثّانِي البَراءَةُ الَّتِي هي نَقِيضُ المُوالاةِ الجارِيَةِ مَجْرى الزَّجْرِ والوَعِيدِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا الفَرْقِ أنَّ في البَراءَةِ الأُولى بَرِئَ إلَيْهِمْ، وفي الثّانِيَةِ: بَرِئَ مِنهم، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ المُسْلِمِينَ بِأنْ يُوالِيَ بَعْضُهم صفحة ١٧٨ بَعْضًا، ونَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ لا يُوالُوا الكُفّارَ وأنْ يَتَبَرَّءُوا مِنهم، فَهَهُنا بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى كَما يَتَوَلّى المُؤْمِنِينَ فَهو يَتَبَرَّأُ عَنِ المُشْرِكِينَ ويَذُمُّهم ويَلْعَنُهم، وكَذَلِكَ الرَّسُولُ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ المُزِيلَةِ لِلْبَراءَةِ. والوَجْهُ الثّالِثُ: في الفَرْقِ أنَّهُ تَعالى في الكَلامِ الأوَّلِ أظْهَرَ البَراءَةَ عَنِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عاهَدُوا ونَقَضُوا العَهْدَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أظْهَرَ البَراءَةَ عَنِ المُشْرِكِينَ مِن غَيْرِ أنْ وصَفَهم بِوَصْفٍ مُعَيَّنٍ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُوجِبَ لِهَذِهِ البَراءَةِ كُفْرُهم وشِرْكُهم. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بِأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ الباءَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ عَنِ الشِّرْكِ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وذَلِكَ تَرْغِيبٌ مِنَ اللَّهِ في التَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ الشِّرْكِ المُوجِبِ لِكَوْنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ مَوْصُوفَيْنِ بِالبَراءَةِ مِنهُ﴿وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ التَّوْبَةِ عَنِ الشِّرْكِ﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ وذَلِكَ وعِيدٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى إنْزالِ أشَدِّ العَذابِ بِهِمْ. ثُمَّ قالَ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ في الآخِرَةِ لِكَيْ لا يَظُنَّ أنَّ عَذابَ الدُّنْيا لَمّا فاتَ وزالَ، فَقَدْ تَخَلَّصَ عَنِ العَذابِ، بَلِ العَذابُ الشَّدِيدُ مُعَدٌّ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَفْظُ البِشارَةِ ورَدَ هَهُنا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما يُقالُ: تَحِيَّتُهُمُ الضَّرْبُ وإكْرامُهُمُ الشَّتْمُ.

التوبة 9:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ . هَذا الِاسْتِثْناءُ إلى أيِّ شَيْءٍ عادَ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى المُشْرِكِينَ المُعاهِدِينَ إلّا مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ. والثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ لِأنَّ الكَلامَ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، والتَّقْدِيرُ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنهم ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ﴾ . والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ . والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأوَّلِ أنْ يُقْدِمُوا عَلى المُحارَبَةِ بِأنْفُسِهِمْ، ومِنَ الثّانِي أنْ يُهَيِّجُوا أقْوامًا آخَرِينَ ويَنْصُرُوهم ويُرَغِّبُوهم في الحَرْبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ ما غَدَرُوا مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم، ولا تَجْعَلُوا الوافِينَ كالغادِرِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ أيْ أدُّوهُ إلَيْهِمْ تامًّا كامِلًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَقِيَ لِحَيٍّ مِن كِنانَةَ مِن عَهْدِهِمْ تِسْعَةُ أشْهُرٍ فَأتَمَّ إلَيْهِمْ عَهْدَهم،﴿إنَّ اللَّهَ﴾ صفحة ١٧٩ ﴿يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ التَّقْوى أنْ لا يُسَوّى بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ لَمّا أنِفُوا النَّكْثَ ونَقْضَ العَهْدِ، اسْتَحَقُّوا مِنَ اللَّهِ أنْ يُصانَ عَهْدُهم أيْضًا عَنِ النَّقْضِ والنَّكْثِ، رُوِيَ أنَّهُ «عَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلى بَنِي خُزاعَةَ في حالِ غَيْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ وظاهَرَتْهم قُرَيْشٌ بِالسِّلاحِ، حَتّى وفَدَ عَمْرُو بْنُ سالِمٍ الخُزاعِيُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَأنْشَدَهُ: اللَّهُمَّ إنِّي ناشِدٌ مُحَمَّدا حِلْفَ أبِينا وأبِيكَ الأتْلَدا إنَّ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدا ونَقَضُوا ذِمامَكَ المُؤَكَّدا هم بَيَّتُونا بِالحَطِيمِ هُجَّدا وقَتَلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لا نُصِرْتُ إنْ لَمْ أنْصُرْكُمْ“» وقُرِئَ ”لَمْ يَنْقُضُوكم“ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ أيْ لَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم.

التوبة 9:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ سَلَخْتُ الشَّهْرَ إذا خَرَجْتَ مِنهُ، وكَشَفَ أبُو الهَيْثَمِ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: يُقالُ: أهْلَلْنا هِلالَ شَهْرِ كَذا، أيْ دَخَلْنا فِيهِ ولَبِسْناهُ، فَنَحْنُ نَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى مُضِيِّ نِصْفِهِ لِباسًا مِنهُ، ثُمَّ نَسْلَخُهُ عَنْ أنْفُسِنا بَعْدَ تَكامُلِ النِّصْفِ مِنهُ جُزْءًا، حَتّى نَسْلَخَهُ عَنْ أنْفُسِنا، وأنْشَدَ: إذا ما سَلَخْتُ الشَّهْرَ أهْلَلْتُ مِثْلَهُ كَفى قاتِلًا سَلْخِي الشُّهُورَ وإهْلالِي وأقُولُ: تَمامُ البَيانِ فِيهِ أنَّ الزَّمانَ مُحِيطٌ بِالشَّيْءِ وظَرْفٌ لَهُ، كَما أنَّ المَكانَ مُحِيطٌ بِهِ وظَرْفٌ لَهُ ومَكانُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ السَّطْحِ الباطِنِ مِنَ الجِسْمِ الحاوِي المُماسِّ لِلسَّطْحِ الظّاهِرِ، ومِنَ الجِسْمِ المَحْوِيِّ فَإذا انْسَلَخَ الشَّيْءُ مِن جِلْدِهِ فَقَدِ انْفَصَلَ مِنَ السَّطْحِ الباطِنِ مِن ذَلِكَ الجِلْدِ وذَلِكَ السَّطْحِ، وهو مَكانُهُ في الحَقِيقَةِ فَكَذَلِكَ إذا تَمَّ الشَّهْرُ فَقَدِ انْفَصَلَ عَنْ إحاطَةِ ذَلِكَ الشَّهْرِ بِهِ، ودَخَلَ في شَهْرٍ آخَرَ، والسَّلْخُ اسْمٌ لِانْفِصالِ الشَّيْءِ عَنْ مَكانِهِ المُعَيَّنِ، فَجُعِلَ أيْضًا اسْمًا لِانْفِصالِهِ عَنْ زَمانِهِ المُعَيَّنِ، لِما بَيْنَ المَكانِ والزَّمانِ مِنَ المُناسَبَةِ التّامَّةِ الشَّدِيدَةِ، وأمّا الأشْهُرُ الحُرُمُ فَقَدْ فَسَّرْناها في قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ وهي يَوْمُ النَّحْرِ إلى العاشِرِ مِن رَبِيعٍ الآخِرِ، والمُرادُ مِن كَوْنِها حُرُمًا أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ القَتْلَ والقِتالَ فِيها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عِنْدَ انْقِضاءِ هَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ أذِنَ في أرْبَعَةِ أشْياءَ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٨٩] وذَلِكَ أمْرٌ بِقَتْلِهِمْ عَلى الإطْلاقِ، في أيِّ وقْتٍ، وأيِّ مَكانٍ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وخُذُوهُمْ﴾ أيْ بِالأسْرِ، والأخِيذُ الأسِيرُ. صفحة ١٨٠ وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ مَعْنى الحَصْرِ المَنعُ مِنَ الخُرُوجِ مِن مُحِيطٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إنْ تَحَصَّنُوا فاحْصُرُوهم، وقالَ الفَرّاءُ: حَصْرُهم أنْ يُمْنَعُوا مِنَ البَيْتِ الحَرامِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ والمَرْصَدُ المَوْضِعُ الَّذِي يُرْقَبُ فِيهِ العَدُوُّ مِن قَوْلِهِمْ: رَصَدْتُ فُلانًا أرْصُدُهُ إذا تَرَقَّبْتُهُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى اقْعُدُوا لَهم عَلى كُلِّ طَرِيقٍ يَأْخُذُونَ فِيهِ إلى البَيْتِ أوْ إلى الصَّحْراءِ أوْ إلى التِّجارَةِ، قالَ الأخْفَشُ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: اقْعُدُوا لَهم عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ يُقْتَلُ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى أباحَ دِماءَ الكُفّارِ مُطْلَقًا بِجَمِيعِ الطُّرُقِ، ثُمَّ حَرَّمَها عِنْدَ مَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وهي التَّوْبَةُ عَنِ الكُفْرِ، وإقامَةُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، فَعِنْدَما لَمْ يُوجَدُ هَذا المَجْمُوعُ، وجَبَ أنْ يَبْقى إباحَةُ الدَّمِ عَلى الأصْلِ. فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الإقْرارَ بِهِما واعْتِقادَ وُجُوبِهِما ؟ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ تارِكَ الزَّكاةِ لا يُقْتَلُ. أجابُوا عَنْهُ: بِأنَّ ما ذَكَرْتُمْ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأمّا في تارِكِ الزَّكاةِ فَقَدْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ. فَإنْ قالُوا: لِمَ كانَ حَمْلُ التَّخْصِيصِ أوْلى مِن حَمْلِ الكَلامِ عَلى اعْتِقادِ وُجُوبِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ مَهْما وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ المَجازِ وبَيْنَ التَّخْصِيصِ، فالتَّخْصِيصُ أوْلى بِالحَمْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ في مانِعِي الزَّكاةِ: لا أُفَرِّقُ بَيْنَ ما جَمَعَ اللَّهُ، ولَعَلَّ مُرادَهُ كانَ هَذِهِ الآيَةَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَأْمُرْ بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ إلّا لِمَن تابَ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ، فَأوْجَبَ مُقاتَلَةَ أهْلِ الرِّدَّةِ لَمّا امْتَنَعُوا مِنَ الزَّكاةِ وهَذا بَعْدَ أنْ جَحَدُوا وُجُوبَها أمّا إنْ أقَرُّوا بِوُجُوبِها وامْتَنَعُوا مِنَ الدَّفْعِ إلَيْهِ خاصَّةً، فَمِنَ الجائِزِ أنَّهُ كانَ يَذْهَبُ إلى وُجُوبِ مُقاتَلَتِهِمْ مِن حَيْثُ امْتَنَعُوا مِن دَفْعِ الزَّكاةِ إلى الإمامِ، وقَدْ كانَ مَذْهَبُهُ أنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن دِينِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يُعْلَمُ سائِرُ الشَّرائِعِ الظّاهِرَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدْ تَكَلَّمْنا في حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٧] رَوى الحَسَنُ «أنَّ أسِيرًا نادى بِحَيْثُ يُسْمِعُ الرَّسُولَ: أتُوبُ إلى اللَّهِ ولا أتُوبُ إلى مُحَمَّدٍ ثَلاثًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: عَرَفَ الحَقَّ لِأهْلِهِ فَأرْسِلُوهُ» . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قِيلَ إلى البَيْتِ الحَرامِ، وقِيلَ إلى التَّصَرُّفِ في مُهِمّاتِهِمْ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهو أنَّهُ تَعالى ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ الخَيْراتِ وألْقاهم في جَمِيعِ الآفاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لَوْ تابُوا عَنِ الكُفْرِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَقَدْ تَخَلَّصُوا عَنْ كُلِّ تِلْكَ الآفاتِ في الدُّنْيا، فَنَرْجُو مِن فَضْلِ اللَّهِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا فالتَّوْبَةُ عِبارَةٌ عَنْ تَطْهِيرِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ عَنِ الجَهْلِ، والصَّلاةُ والزَّكاةُ عِبارَةٌ عَنْ تَطْهِيرِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ عَمّا لا يَنْبَغِي وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ مَنُوطٌ بِهَذا المَعْنى.

التوبة 9:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّظْمِ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: إنْ أرَدْنا أنْ نَأْتِيَ الرَّسُولَ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ أوْ لِحاجَةٍ أُخْرى فَهَلْ نُقْتَلُ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: ”لا“ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ أيْ فَأمِّنْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ: أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ بَعْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ قَتْلَ المُشْرِكِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُجَّةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ قامَتْ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ قَبْلَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ كَفى في إزاحَةِ عُذْرِهِمْ وعِلَّتِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ لَوْ طَلَبَ الدَّلِيلَ والحُجَّةَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، بَلْ يُطالَبُ إمّا بِالإسْلامِ وإمّا بِالقَتْلِ، فَلَمّا كانَ هَذا الكَلامُ واقِعًا في القَلْبِ لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ إزالَةً لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ الكافِرَ إذا جاءَ طالِبًا لِلْحُجَّةِ والدَّلِيلِ، أوْ جاءَ طالِبًا لِاسْتِماعِ القُرْآنِ، فَإنَّهُ يَجِبُ إمْهالُهُ ويَحْرُمُ قَتْلُهُ ويَجِبُ إيصالُهُ إلى مَأْمَنِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن شَرْعِ القَتْلِ قَبُولُ الدِّينِ والإقْرارُ بِالتَّوْحِيدِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ النَّظَرَ في دِينِ اللَّهِ أعْلى المَقاماتِ وأعْلى الدَّرَجاتِ، فَإنَّ الكافِرَ الَّذِي صارَ دَمُهُ مُهْدَرًا لَمّا أظْهَرَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ طالِبًا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ زالَ ذَلِكَ الإهْدارُ، ووَجَبَ عَلى الرَّسُولِ أنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أحَدٌ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وتَقْدِيرُهُ: وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ لِأنَّ ”إنْ“ مِن عَوامِلِ الفِعْلِ لا يَدْخُلُ عَلى غَيْرِهِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ التَّقْدِيرُ ما ذَكَرْتُمْ فَما الحِكْمَةُ في تَرْكِ هَذا التَّرْتِيبِ الحَقِيقِيِّ ؟ قُلْنا: الحِكْمَةُ فِيهِ ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وهو أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنى، وقَدْ بَيَّنّا هَهُنا أنَّ ظاهِرَ الدَّلِيلِ يَقْتَضِي إباحَةَ دَمِ المُشْرِكِينَ، فَقُدِّمَ ذِكْرُهُ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى مَزِيدِ العِنايَةِ بِصَوْنِ دَمِهِ عَنِ الإهْدارِ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنْ طَلَبَ مِنكَ أحَدٌ مِنهم أنْ تُجِيرَهُ مِنَ القَتْلِ إلى أنْ يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فَأجِرْهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ يَسْمَعُهُ الكافِرُ والمُؤْمِنُ والزِّنْدِيقُ والصِّدِّيقُ والَّذِي يَسْمَعُهُ جُمْهُورُ الخَلْقِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الحُرُوفَ والأصْواتَ لا تَكُونُ قَدِيمَةً؛ لِأنَّ تَكَلُّمَ اللَّهِ بِهَذِهِ الحُرُوفِ إمّا أنْ يَكُونَ مَعًا أوْ عَلى التَّرْتِيبِ، فَإنْ تَكَلَّمَ بِها مَعًا لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ هَذا الكَلامُ المُنْتَظِمُ؛ لِأنَّ الكَلامَ لا يَحْصُلُ مُنْتَظِمًا إلّا عِنْدَ دُخُولِ هَذِهِ الحُرُوفِ في الوُجُودِ عَلى التَّعاقُبِ، فَلَوْ حَصَلَتْ مَعًا لا مُتَعاقِبَةً لَما حَصَلَ الِانْتِظامُ، فَلَمْ يَحْصُلِ الكَلامُ، وأمّا إنْ حَصَلَتْ مُتَعاقِبَةً، لَزِمَ أنْ يَنْقَضِيَ المُتَقَدِّمُ ويَحْدُثَ المُتَأخِّرُ، صفحة ١٨٢ وذَلِكَ يُوجِبُ الحُدُوثَ، فَدَلَّ هَذا عَنْ أنَّ كَلامَ اللَّهِ مُحْدَثٌ، قالُوا: فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ كَلامَ اللَّهِ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، فَهَذا باطِلٌ لِأنَّ الرَّسُولَ ما كانَ يُشِيرُ بِقَوْلِهِ: كَلامُ اللَّهِ إلّا لِهَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، وأمّا الحَشْوِيَّةُ والحَمْقى مِنَ النّاسِ، فَقالُوا: ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، وثَبَتَ أنَّ كَلامَ اللَّهِ قَدِيمٌ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِقِدَمِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. واعْلَمْ أنَّ الأُسْتاذَ أبا بَكْرِ بْنَ فُورَكَ زَعَمَ أنّا إذا سَمِعْنا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ فَقَدْ سَمِعْنا مَعَ ذَلِكَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا سائِرُ الأصْحابِ فَقَدْ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا القَوْلَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الكَلامَ القَدِيمَ إمّا أنْ يَكُونَ نَفْسَ هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ شَيْئًا آخَرَ مُغايِرًا لَها، والأوَّلُ: هو قَوْلُ الرَّعاعِ والحَشْوِيَّةِ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ. وأمّا الثّانِي فَباطِلٌ؛ لِأنّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمّا سَمِعْنا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، فَقَدْ سَمِعْنا شَيْئًا آخَرَ يُخالِفُ ماهِيَّةَ هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، لَكِنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِنْدَ سَماعِ هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ لَمْ نَسْمَعْ شَيْئًا آخَرَ سِواها ولَمْ نُدْرِكْ بِحاسَّةِ السَّمْعِ أمْرًا آخَرَ مُغايِرًا لَها فَسَقَطَ هَذا الكَلامُ. والجَوابُ الصَّحِيحُ عَنْ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ أنْ نَقُولَ: هَذا الَّذِي نَسْمَعُهُ لَيْسَ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ عَلى مَذْهَبِكم؛ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ إلّا الحُرُوفَ والأصْواتَ الَّتِي خَلَقَها أوَّلًا، بَلْ تِلْكَ الحُرُوفُ والأصْواتُ انْقَضَتْ وهَذِهِ الَّتِي نَسْمَعُها حُرُوفٌ وأصْواتٌ فَعَلَها الإنْسانُ، فَما ألْزَمْتُمُوهُ عَلَيْنا فَهو لازِمٌ عَلَيْكم. واعْلَمْ أنَّ أبا عَلِيٍّ الجُبّائِيَّ لِقُوَّةِ هَذا الإلْزامِ ارْتَكَبَ مَذْهَبًا عَجِيبًا فَقالَ: كَلامُ اللَّهِ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِلْحُرُوفِ والأصْواتِ وهو باقٍ مَعَ قِراءَةِ كُلِّ قارِئٍ، وقَدْ أطْبَقَ المُعْتَزِلَةُ عَلى سُقُوطِ هَذا المَذْهَبِ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ كافٍ في الدِّينِ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْلِيدُ كافِيًا، لَوَجَبَ أنْ لا يُمْهَلَ هَذا الكافِرُ، بَلْ يُقالُ لَهُ إمّا أنْ تُؤْمِنَ، وإمّا أنْ نَقْتُلَكَ فَلَمّا لَمْ يُقَلْ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ أمْهَلْناهُ وأزَلْنا الخَوْفَ عَنْهُ ووَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّ التَّقْلِيدَ في الدِّينِ غَيْرُ كافٍ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ فَأمْهَلْناهُ وأخَّرْناهُ لِيَحْصُلَ لَهُ مُهْلَةُ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مِقْدارَ هَذِهِ المُهْلَةِ كَمْ يَكُونُ ولَعَلَّهُ لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ إلّا بِالعُرْفِ، فَمَتى ظَهَرَ عَلى المُشْرِكِ عَلاماتُ كَوْنِهِ طالِبًا لِلْحَقِّ باحِثًا عَنْ وجْهِ الِاسْتِدْلالِ أُمْهِلَ وتُرِكَ، ومَتّى ظَهَرَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُعْرِضًا عَنِ الحَقِّ دافِعًا لِلزَّمانِ بِالأكاذِيبِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنُهُ طالِبًا لِسَماعِ القُرْآنِ فَنَقُولُ: ويَلْتَحِقُ بِهِ كَوْنُهُ طالِبًا لِسَماعِ الدَّلائِلِ، وكَوْنُهُ طالِبًا لِلْجَوابِ عَنِ الشُّبُهاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ وُجُوبَ تِلْكَ الإجارَةِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ عالِمٍ؛ لِأنَّهُ قالَ: ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ وكانَ المَعْنى فَأجِرْهُ لِكَوْنِهِ طالِبًا لِلْعِلْمِ مُسْتَرْشِدًا لِلْحَقِّ وكُلُّ مَن حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ العِلَّةُ وجَبَتْ إجارَتُهُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وُجُوهٌ: قِيلَ: أرادَ سَماعَ جَمِيعِ القُرْآنِ، لِأنَّ تَمامَ الدَّلِيلِ والبَيِّناتِ فِيهِ، وقِيلَ: أرادَ سَماعَ سُورَةِ بَراءَةَ؛ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى كَيْفِيَّةِ المُعامَلَةِ مَعَ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: صفحة ١٨٣ أرادَ سَماعَ كُلِّ الدَّلائِلِ، وإنَّما خَصَّ القُرْآنَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ الكِتابُ الجارِي لِمُعْظَمِ الدَّلائِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ مَعْناهُ أوْصِلْهُ إلى دِيارِ قَوْمِهِ الَّتِي يَأْمَنُونَ فِيها عَلى أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ قِتالُهم وقَتْلُهم. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ الفُقَهاءُ: الكافِرُ الحَرْبِيُّ إذا دَخَلَ دارَ الإسْلامِ كانَ مَغْنُومًا مَعَ مالِهِ إلّا أنْ يَدْخُلَ مُسْتَجِيرًا لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ كاسْتِماعِ كَلامِ اللَّهِ رَجاءَ الإسْلامِ، أوْ دَخَلَ لِتِجارَةٍ، فَإنْ دَخَلَ بِأمانِ صَبِيٍّ أوْ مَجْنُونٍ فَأمانُهُما شُبْهَةُ أمانٍ، فَيَجِبُ تَبْلِيغُهُ مَأْمَنَهُ، وهو أنْ يَبْلُغَ مَحْرُوسًا في نَفْسِهِ ومالِهِ إلى مَكانِهِ الَّذِي هو مَأْمَنٌ لَهُ، ومَن دَخَلَ مِنهم دارَ الإسْلامِ رَسُولًا فالرِّسالَةُ أمانٌ، ومَن دَخَلَ لِيَأْخُذَ مالًا في دارِ الإسْلامِ ولِمالِهِ أمانٌ فَأمانٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

التوبة 9:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّظْمِ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: إنْ أرَدْنا أنْ نَأْتِيَ الرَّسُولَ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذا الأجَلِ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ أوْ لِحاجَةٍ أُخْرى فَهَلْ نُقْتَلُ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: ”لا“ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ أيْ فَأمِّنْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ: أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ بَعْدَ انْسِلاخِ الأشْهُرِ الحُرُمِ قَتْلَ المُشْرِكِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُجَّةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ قامَتْ عَلَيْهِمْ وأنَّ ما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ قَبْلَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ كَفى في إزاحَةِ عُذْرِهِمْ وعِلَّتِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ لَوْ طَلَبَ الدَّلِيلَ والحُجَّةَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، بَلْ يُطالَبُ إمّا بِالإسْلامِ وإمّا بِالقَتْلِ، فَلَمّا كانَ هَذا الكَلامُ واقِعًا في القَلْبِ لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ إزالَةً لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ الكافِرَ إذا جاءَ طالِبًا لِلْحُجَّةِ والدَّلِيلِ، أوْ جاءَ طالِبًا لِاسْتِماعِ القُرْآنِ، فَإنَّهُ يَجِبُ إمْهالُهُ ويَحْرُمُ قَتْلُهُ ويَجِبُ إيصالُهُ إلى مَأْمَنِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن شَرْعِ القَتْلِ قَبُولُ الدِّينِ والإقْرارُ بِالتَّوْحِيدِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ النَّظَرَ في دِينِ اللَّهِ أعْلى المَقاماتِ وأعْلى الدَّرَجاتِ، فَإنَّ الكافِرَ الَّذِي صارَ دَمُهُ مُهْدَرًا لَمّا أظْهَرَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ طالِبًا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ زالَ ذَلِكَ الإهْدارُ، ووَجَبَ عَلى الرَّسُولِ أنْ يُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أحَدٌ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وتَقْدِيرُهُ: وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ لِأنَّ ”إنْ“ مِن عَوامِلِ الفِعْلِ لا يَدْخُلُ عَلى غَيْرِهِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ التَّقْدِيرُ ما ذَكَرْتُمْ فَما الحِكْمَةُ في تَرْكِ هَذا التَّرْتِيبِ الحَقِيقِيِّ ؟ قُلْنا: الحِكْمَةُ فِيهِ ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وهو أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعْنى، وقَدْ بَيَّنّا هَهُنا أنَّ ظاهِرَ الدَّلِيلِ يَقْتَضِي إباحَةَ دَمِ المُشْرِكِينَ، فَقُدِّمَ ذِكْرُهُ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى مَزِيدِ العِنايَةِ بِصَوْنِ دَمِهِ عَنِ الإهْدارِ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إنْ طَلَبَ مِنكَ أحَدٌ مِنهم أنْ تُجِيرَهُ مِنَ القَتْلِ إلى أنْ يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فَأجِرْهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ يَسْمَعُهُ الكافِرُ والمُؤْمِنُ والزِّنْدِيقُ والصِّدِّيقُ والَّذِي يَسْمَعُهُ جُمْهُورُ الخَلْقِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الحُرُوفَ والأصْواتَ لا تَكُونُ قَدِيمَةً؛ لِأنَّ تَكَلُّمَ اللَّهِ بِهَذِهِ الحُرُوفِ إمّا أنْ يَكُونَ مَعًا أوْ عَلى التَّرْتِيبِ، فَإنْ تَكَلَّمَ بِها مَعًا لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ هَذا الكَلامُ المُنْتَظِمُ؛ لِأنَّ الكَلامَ لا يَحْصُلُ مُنْتَظِمًا إلّا عِنْدَ دُخُولِ هَذِهِ الحُرُوفِ في الوُجُودِ عَلى التَّعاقُبِ، فَلَوْ حَصَلَتْ مَعًا لا مُتَعاقِبَةً لَما حَصَلَ الِانْتِظامُ، فَلَمْ يَحْصُلِ الكَلامُ، وأمّا إنْ حَصَلَتْ مُتَعاقِبَةً، لَزِمَ أنْ يَنْقَضِيَ المُتَقَدِّمُ ويَحْدُثَ المُتَأخِّرُ، صفحة ١٨٢ وذَلِكَ يُوجِبُ الحُدُوثَ، فَدَلَّ هَذا عَنْ أنَّ كَلامَ اللَّهِ مُحْدَثٌ، قالُوا: فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ كَلامَ اللَّهِ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِهَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، فَهَذا باطِلٌ لِأنَّ الرَّسُولَ ما كانَ يُشِيرُ بِقَوْلِهِ: كَلامُ اللَّهِ إلّا لِهَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، وأمّا الحَشْوِيَّةُ والحَمْقى مِنَ النّاسِ، فَقالُوا: ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، وثَبَتَ أنَّ كَلامَ اللَّهِ قَدِيمٌ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِقِدَمِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. واعْلَمْ أنَّ الأُسْتاذَ أبا بَكْرِ بْنَ فُورَكَ زَعَمَ أنّا إذا سَمِعْنا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ فَقَدْ سَمِعْنا مَعَ ذَلِكَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا سائِرُ الأصْحابِ فَقَدْ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا القَوْلَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الكَلامَ القَدِيمَ إمّا أنْ يَكُونَ نَفْسَ هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ شَيْئًا آخَرَ مُغايِرًا لَها، والأوَّلُ: هو قَوْلُ الرَّعاعِ والحَشْوِيَّةِ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ. وأمّا الثّانِي فَباطِلٌ؛ لِأنّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمّا سَمِعْنا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، فَقَدْ سَمِعْنا شَيْئًا آخَرَ يُخالِفُ ماهِيَّةَ هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، لَكِنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِنْدَ سَماعِ هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ لَمْ نَسْمَعْ شَيْئًا آخَرَ سِواها ولَمْ نُدْرِكْ بِحاسَّةِ السَّمْعِ أمْرًا آخَرَ مُغايِرًا لَها فَسَقَطَ هَذا الكَلامُ. والجَوابُ الصَّحِيحُ عَنْ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ أنْ نَقُولَ: هَذا الَّذِي نَسْمَعُهُ لَيْسَ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ عَلى مَذْهَبِكم؛ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ إلّا الحُرُوفَ والأصْواتَ الَّتِي خَلَقَها أوَّلًا، بَلْ تِلْكَ الحُرُوفُ والأصْواتُ انْقَضَتْ وهَذِهِ الَّتِي نَسْمَعُها حُرُوفٌ وأصْواتٌ فَعَلَها الإنْسانُ، فَما ألْزَمْتُمُوهُ عَلَيْنا فَهو لازِمٌ عَلَيْكم. واعْلَمْ أنَّ أبا عَلِيٍّ الجُبّائِيَّ لِقُوَّةِ هَذا الإلْزامِ ارْتَكَبَ مَذْهَبًا عَجِيبًا فَقالَ: كَلامُ اللَّهِ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِلْحُرُوفِ والأصْواتِ وهو باقٍ مَعَ قِراءَةِ كُلِّ قارِئٍ، وقَدْ أطْبَقَ المُعْتَزِلَةُ عَلى سُقُوطِ هَذا المَذْهَبِ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ كافٍ في الدِّينِ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْلِيدُ كافِيًا، لَوَجَبَ أنْ لا يُمْهَلَ هَذا الكافِرُ، بَلْ يُقالُ لَهُ إمّا أنْ تُؤْمِنَ، وإمّا أنْ نَقْتُلَكَ فَلَمّا لَمْ يُقَلْ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ أمْهَلْناهُ وأزَلْنا الخَوْفَ عَنْهُ ووَجَبَ عَلَيْنا أنْ نُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّ التَّقْلِيدَ في الدِّينِ غَيْرُ كافٍ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ فَأمْهَلْناهُ وأخَّرْناهُ لِيَحْصُلَ لَهُ مُهْلَةُ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مِقْدارَ هَذِهِ المُهْلَةِ كَمْ يَكُونُ ولَعَلَّهُ لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ إلّا بِالعُرْفِ، فَمَتى ظَهَرَ عَلى المُشْرِكِ عَلاماتُ كَوْنِهِ طالِبًا لِلْحَقِّ باحِثًا عَنْ وجْهِ الِاسْتِدْلالِ أُمْهِلَ وتُرِكَ، ومَتّى ظَهَرَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُعْرِضًا عَنِ الحَقِّ دافِعًا لِلزَّمانِ بِالأكاذِيبِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنُهُ طالِبًا لِسَماعِ القُرْآنِ فَنَقُولُ: ويَلْتَحِقُ بِهِ كَوْنُهُ طالِبًا لِسَماعِ الدَّلائِلِ، وكَوْنُهُ طالِبًا لِلْجَوابِ عَنِ الشُّبُهاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ وُجُوبَ تِلْكَ الإجارَةِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ عالِمٍ؛ لِأنَّهُ قالَ: ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ وكانَ المَعْنى فَأجِرْهُ لِكَوْنِهِ طالِبًا لِلْعِلْمِ مُسْتَرْشِدًا لِلْحَقِّ وكُلُّ مَن حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ العِلَّةُ وجَبَتْ إجارَتُهُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وُجُوهٌ: قِيلَ: أرادَ سَماعَ جَمِيعِ القُرْآنِ، لِأنَّ تَمامَ الدَّلِيلِ والبَيِّناتِ فِيهِ، وقِيلَ: أرادَ سَماعَ سُورَةِ بَراءَةَ؛ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى كَيْفِيَّةِ المُعامَلَةِ مَعَ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: صفحة ١٨٣ أرادَ سَماعَ كُلِّ الدَّلائِلِ، وإنَّما خَصَّ القُرْآنَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ الكِتابُ الجارِي لِمُعْظَمِ الدَّلائِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ مَعْناهُ أوْصِلْهُ إلى دِيارِ قَوْمِهِ الَّتِي يَأْمَنُونَ فِيها عَلى أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ قِتالُهم وقَتْلُهم. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ الفُقَهاءُ: الكافِرُ الحَرْبِيُّ إذا دَخَلَ دارَ الإسْلامِ كانَ مَغْنُومًا مَعَ مالِهِ إلّا أنْ يَدْخُلَ مُسْتَجِيرًا لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ كاسْتِماعِ كَلامِ اللَّهِ رَجاءَ الإسْلامِ، أوْ دَخَلَ لِتِجارَةٍ، فَإنْ دَخَلَ بِأمانِ صَبِيٍّ أوْ مَجْنُونٍ فَأمانُهُما شُبْهَةُ أمانٍ، فَيَجِبُ تَبْلِيغُهُ مَأْمَنَهُ، وهو أنْ يَبْلُغَ مَحْرُوسًا في نَفْسِهِ ومالِهِ إلى مَكانِهِ الَّذِي هو مَأْمَنٌ لَهُ، ومَن دَخَلَ مِنهم دارَ الإسْلامِ رَسُولًا فالرِّسالَةُ أمانٌ، ومَن دَخَلَ لِيَأْخُذَ مالًا في دارِ الإسْلامِ ولِمالِهِ أمانٌ فَأمانٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

التوبة 9:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ يَسْبِقُنِي مِثْلُكَ ؟ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْبِقَنِي وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ فِيما وقَعَ مِنَ العَهْدِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِأجْلِ أنَّهم ما نَكَثُوا وما نَقَضُوا قِيلَ: إنَّهم بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ فَتَرَبَّصُوا أمْرَهم ولا تَقْتُلُوهم فَما اسْتَقامُوا لَكم عَلى العَهْدِ فاسْتَقِيمُوا لَهم عَلى مِثْلِهِ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي مَنِ اتَّقى اللَّهَ يُوفِي بِعَهْدِهِ لِمَن عاهَدَ واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ﴾ تِكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِ المُشْرِكِينَ عَلى العَهْدِ، وحُذِفَ الفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أيْ كَيْفَ يَكُونُ عَهْدُهم وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بَعْدَما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الإيمانِ والمَواثِيقِ لَمْ يَنْظُرُوا إلى حِلْفٍ ولا عَهْدٍ ”ولَمْ يُبْقُوا عَلَيْكم“ هَذا هو المَعْنى، ولا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ يُقالُ: صفحة ١٨٤ ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتُهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتُ فَوْقَهُ، قالَ اللَّيْثُ: الظُّهُورُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ، وأظْهَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ أيْ أعْلاهم عَلَيْهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصَّفِّ: ١٤] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] أيْ لِيُعْلِيَهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ مَن غَلَبَ غَيْرَهُ حَصَلَتْ لَهُ صِفَةُ كَمالٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ أظْهَرَ نَفْسَهُ ومَن صارَ مَغْلُوبًا صارَ كالنّاقِصِ، والنّاقِصُ لا يُظْهِرُ نَفْسَهُ ويُخْفِي نُقْصانَهُ فَصارَ الظُّهُورُ كِنايَةً لِلْغَلَبَةِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يُرِيدُ إنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: رَقَبَ الإنْسانَ يَرْقُبُهُ رِقْبَةً ورُقُوبًا وهو أنْ يَنْتَظِرَهُ ورَقِيبُ القَوْمِ حارِسُهم وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أيْ لَمْ تَحْفَظْهُ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ العَهْدُ قالَ الشّاعِرُ: وجَدْناهم كاذِبًا إلُّهم وذُو الإلِّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ يَعْنِي العَهْدَ. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الإلُّ القَرابَةُ. قالَ حَسّانُ: لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ يَعْنِي القَرابَةَ. والثّالِثُ: الإلُّ الحِلْفُ، قالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ: لَوْلا بَنُو مالِكٍ والإلُّ مَرْقَبَةٌ ∗∗∗ ومالِكٌ فِيهِمُ الآلاءُ والشَّرَفُ يَعْنِي الحِلْفَ. والرّابِعُ: الإلُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هَذَيانَ مُسَيْلِمَةَ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ، وطَعَنَ الزَّجّاجُ في هَذا القَوْلِ وقالَ: أسْماءُ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ مِنَ الأخْبارِ والقُرْآنِ ولَمْ يُسْمَعْ أحَدٌ يَقُولُ: يا إلُّ. الخامِسُ: قالَ الزَّجّاجُ: حَقِيقَةُ الإلِّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ، فَمِن ذَلِكَ الإلَّةُ الحَرْبَةُ. وأُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ، فالإلُّ يَخْرُجُ في جَمِيعِ ما فُسِّرَ مِنَ العَهْدِ والقَرابَةِ. السّادِسُ: قالَ الأزْهَرِيُّ: إيلْ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ عُرِّبَ، فَقِيلَ إلٌّ. السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: الإلُّ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ألَّ يَؤُلُّ ألًّا، إذا صَفا ولَمَعَ ومِنهُ الآلُ لِلَمَعانِهِ، وأُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ شَبِيهَةٌ بِالحَرْبَةِ في تَحْدِيدِها ولَهُ ألِيلٌ أيْ أنِينٌ يَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ، ورَفَعَتِ المَرْأةُ ألِيلَها إذا ولْوَلَتْ، فالعَهْدُ سُمِّيَ إلًّا، لِظُهُورِهِ وصَفائِهِ مِن شَوائِبِ الغَدْرِ، أوْ لِأنَّ القَوْمَ إذا تَحالَفُوا رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهم وشَهَرُوهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا ذِمَّةً﴾ فالذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ وذِمامٌ، كُلُّ أمْرٍ لَزِمَكَ، وكانَ بِحَيْثُ لَوْ ضَيَّعْتَهُ لَزِمَتْكَ مَذَمَّةٌ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: الذِّمَّةُ ما يُتَذَمَّمُ مِنهُ، يَعْنِي ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ يُقالُ: تَذَمَّمَ فُلانٌ، أيْ ألْقى عَلى نَفْسِهِ الذَّمَّ، ونَظِيرُهُ تَحَوَّبَ، وتَأثَّمَ وتَحَرَّجَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ كَلامًا حُلْوًا طَيِّبًا، والَّذِي في قُلُوبِهِمْ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَإنَّهم لا يُضْمِرُونَ إلّا الشَّرَّ والإيذاءَ إنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كُفّارٌ، والكُفْرُ أقْبَحُ وأخْبَثُ مِنَ الفِسْقِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ وصْفُهم بِالفِسْقِ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ ؟ السُّؤالُ الثّانِي: إنَّ الكُفّارَ كُلَّهم فاسِقُونَ، فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِ: ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ فائِدَةٌ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ، وقَدْ يَكُونُ فاسِقًا خَبِيثَ النَّفْسِ في دِينِهِ، صفحة ١٨٥ فالمُرادُ هَهُنا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ مِن عادَتِهِمْ نَقْضُ العُهُودِ ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ في دِينِهِمْ وعِنْدَ أقْوامِهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الذَّمِّ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي عَيْنُ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ مُحْتَرِزًا عَنِ الكَذِبِ، ونَقْضِ العَهْدِ والمَكْرِ والخَدِيعَةِ، وقَدْ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ يَكُونُ مَذْمُومًا عِنْدَ جَمِيعِ النّاسِ وفي جَمِيعِ الأدْيانِ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ:(﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ أنَّ أكْثَرَهم مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ، وأيْضًا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أُولَئِكَ الكُفّارِ قَدْ أسْلَمَ وتابَ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ حَتّى يَخْرُجَ عَنْ هَذا الحُكْمِ أُولَئِكَ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ المُشْرِكُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: أطْعَمَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ حُلَفاءَهُ، وتَرَكَ حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقَضُوا العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم بِسَبَبِ تِلْكَ الأكْلَةِ. الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ أعانُوا المُشْرِكِينَ عَلى نَقْضِ تِلْكَ العُهُودِ، فَكانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذَمَّ أُولَئِكَ اليَهُودِ، وهَذا اللَّفْظُ في القُرْآنِ كالأمْرِ المُخْتَصِّ بِاليَهُودِ، ويَقْوى هَذا الوَجْهُ بِما أنَّ اللَّهَ تَعالى أعادَ قَوْلَهُ: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ المُشْرِكِينَ لَكانَ هَذا تِكْرارًا مَحْضًا، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ اليَهُودَ لَمْ يَكُنْ هَذا تِكْرارًا، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى. ثُمَّ قالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ يَعْنِي يَعْتَدُونَ ما حَدَّهُ اللَّهُ في دِينِهِ وما يُوجِبُهُ العَقْدُ والعَهْدُ، وفي ذَلِكَ نِهايَةُ الذَّمِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

التوبة 9:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ يَسْبِقُنِي مِثْلُكَ ؟ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْبِقَنِي وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ فِيما وقَعَ مِنَ العَهْدِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِأجْلِ أنَّهم ما نَكَثُوا وما نَقَضُوا قِيلَ: إنَّهم بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ فَتَرَبَّصُوا أمْرَهم ولا تَقْتُلُوهم فَما اسْتَقامُوا لَكم عَلى العَهْدِ فاسْتَقِيمُوا لَهم عَلى مِثْلِهِ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي مَنِ اتَّقى اللَّهَ يُوفِي بِعَهْدِهِ لِمَن عاهَدَ واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ﴾ تِكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِ المُشْرِكِينَ عَلى العَهْدِ، وحُذِفَ الفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أيْ كَيْفَ يَكُونُ عَهْدُهم وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بَعْدَما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الإيمانِ والمَواثِيقِ لَمْ يَنْظُرُوا إلى حِلْفٍ ولا عَهْدٍ ”ولَمْ يُبْقُوا عَلَيْكم“ هَذا هو المَعْنى، ولا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ يُقالُ: صفحة ١٨٤ ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتُهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتُ فَوْقَهُ، قالَ اللَّيْثُ: الظُّهُورُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ، وأظْهَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ أيْ أعْلاهم عَلَيْهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصَّفِّ: ١٤] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] أيْ لِيُعْلِيَهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ مَن غَلَبَ غَيْرَهُ حَصَلَتْ لَهُ صِفَةُ كَمالٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ أظْهَرَ نَفْسَهُ ومَن صارَ مَغْلُوبًا صارَ كالنّاقِصِ، والنّاقِصُ لا يُظْهِرُ نَفْسَهُ ويُخْفِي نُقْصانَهُ فَصارَ الظُّهُورُ كِنايَةً لِلْغَلَبَةِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يُرِيدُ إنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: رَقَبَ الإنْسانَ يَرْقُبُهُ رِقْبَةً ورُقُوبًا وهو أنْ يَنْتَظِرَهُ ورَقِيبُ القَوْمِ حارِسُهم وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أيْ لَمْ تَحْفَظْهُ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ العَهْدُ قالَ الشّاعِرُ: وجَدْناهم كاذِبًا إلُّهم وذُو الإلِّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ يَعْنِي العَهْدَ. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الإلُّ القَرابَةُ. قالَ حَسّانُ: لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ يَعْنِي القَرابَةَ. والثّالِثُ: الإلُّ الحِلْفُ، قالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ: لَوْلا بَنُو مالِكٍ والإلُّ مَرْقَبَةٌ ∗∗∗ ومالِكٌ فِيهِمُ الآلاءُ والشَّرَفُ يَعْنِي الحِلْفَ. والرّابِعُ: الإلُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هَذَيانَ مُسَيْلِمَةَ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ، وطَعَنَ الزَّجّاجُ في هَذا القَوْلِ وقالَ: أسْماءُ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ مِنَ الأخْبارِ والقُرْآنِ ولَمْ يُسْمَعْ أحَدٌ يَقُولُ: يا إلُّ. الخامِسُ: قالَ الزَّجّاجُ: حَقِيقَةُ الإلِّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ، فَمِن ذَلِكَ الإلَّةُ الحَرْبَةُ. وأُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ، فالإلُّ يَخْرُجُ في جَمِيعِ ما فُسِّرَ مِنَ العَهْدِ والقَرابَةِ. السّادِسُ: قالَ الأزْهَرِيُّ: إيلْ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ عُرِّبَ، فَقِيلَ إلٌّ. السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: الإلُّ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ألَّ يَؤُلُّ ألًّا، إذا صَفا ولَمَعَ ومِنهُ الآلُ لِلَمَعانِهِ، وأُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ شَبِيهَةٌ بِالحَرْبَةِ في تَحْدِيدِها ولَهُ ألِيلٌ أيْ أنِينٌ يَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ، ورَفَعَتِ المَرْأةُ ألِيلَها إذا ولْوَلَتْ، فالعَهْدُ سُمِّيَ إلًّا، لِظُهُورِهِ وصَفائِهِ مِن شَوائِبِ الغَدْرِ، أوْ لِأنَّ القَوْمَ إذا تَحالَفُوا رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهم وشَهَرُوهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا ذِمَّةً﴾ فالذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ وذِمامٌ، كُلُّ أمْرٍ لَزِمَكَ، وكانَ بِحَيْثُ لَوْ ضَيَّعْتَهُ لَزِمَتْكَ مَذَمَّةٌ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: الذِّمَّةُ ما يُتَذَمَّمُ مِنهُ، يَعْنِي ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ يُقالُ: تَذَمَّمَ فُلانٌ، أيْ ألْقى عَلى نَفْسِهِ الذَّمَّ، ونَظِيرُهُ تَحَوَّبَ، وتَأثَّمَ وتَحَرَّجَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ كَلامًا حُلْوًا طَيِّبًا، والَّذِي في قُلُوبِهِمْ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَإنَّهم لا يُضْمِرُونَ إلّا الشَّرَّ والإيذاءَ إنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كُفّارٌ، والكُفْرُ أقْبَحُ وأخْبَثُ مِنَ الفِسْقِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ وصْفُهم بِالفِسْقِ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ ؟ السُّؤالُ الثّانِي: إنَّ الكُفّارَ كُلَّهم فاسِقُونَ، فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِ: ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ فائِدَةٌ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ، وقَدْ يَكُونُ فاسِقًا خَبِيثَ النَّفْسِ في دِينِهِ، صفحة ١٨٥ فالمُرادُ هَهُنا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ مِن عادَتِهِمْ نَقْضُ العُهُودِ ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ في دِينِهِمْ وعِنْدَ أقْوامِهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الذَّمِّ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي عَيْنُ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ مُحْتَرِزًا عَنِ الكَذِبِ، ونَقْضِ العَهْدِ والمَكْرِ والخَدِيعَةِ، وقَدْ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ يَكُونُ مَذْمُومًا عِنْدَ جَمِيعِ النّاسِ وفي جَمِيعِ الأدْيانِ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ:(﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ أنَّ أكْثَرَهم مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ، وأيْضًا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أُولَئِكَ الكُفّارِ قَدْ أسْلَمَ وتابَ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ حَتّى يَخْرُجَ عَنْ هَذا الحُكْمِ أُولَئِكَ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ المُشْرِكُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: أطْعَمَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ حُلَفاءَهُ، وتَرَكَ حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقَضُوا العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم بِسَبَبِ تِلْكَ الأكْلَةِ. الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ أعانُوا المُشْرِكِينَ عَلى نَقْضِ تِلْكَ العُهُودِ، فَكانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذَمَّ أُولَئِكَ اليَهُودِ، وهَذا اللَّفْظُ في القُرْآنِ كالأمْرِ المُخْتَصِّ بِاليَهُودِ، ويَقْوى هَذا الوَجْهُ بِما أنَّ اللَّهَ تَعالى أعادَ قَوْلَهُ: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ المُشْرِكِينَ لَكانَ هَذا تِكْرارًا مَحْضًا، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ اليَهُودَ لَمْ يَكُنْ هَذا تِكْرارًا، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى. ثُمَّ قالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ يَعْنِي يَعْتَدُونَ ما حَدَّهُ اللَّهُ في دِينِهِ وما يُوجِبُهُ العَقْدُ والعَهْدُ، وفي ذَلِكَ نِهايَةُ الذَّمِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

التوبة 9:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ يَسْبِقُنِي مِثْلُكَ ؟ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْبِقَنِي وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ فِيما وقَعَ مِنَ العَهْدِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِأجْلِ أنَّهم ما نَكَثُوا وما نَقَضُوا قِيلَ: إنَّهم بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ فَتَرَبَّصُوا أمْرَهم ولا تَقْتُلُوهم فَما اسْتَقامُوا لَكم عَلى العَهْدِ فاسْتَقِيمُوا لَهم عَلى مِثْلِهِ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي مَنِ اتَّقى اللَّهَ يُوفِي بِعَهْدِهِ لِمَن عاهَدَ واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ﴾ تِكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِ المُشْرِكِينَ عَلى العَهْدِ، وحُذِفَ الفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أيْ كَيْفَ يَكُونُ عَهْدُهم وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بَعْدَما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الإيمانِ والمَواثِيقِ لَمْ يَنْظُرُوا إلى حِلْفٍ ولا عَهْدٍ ”ولَمْ يُبْقُوا عَلَيْكم“ هَذا هو المَعْنى، ولا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ يُقالُ: صفحة ١٨٤ ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتُهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتُ فَوْقَهُ، قالَ اللَّيْثُ: الظُّهُورُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ، وأظْهَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ أيْ أعْلاهم عَلَيْهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصَّفِّ: ١٤] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] أيْ لِيُعْلِيَهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ مَن غَلَبَ غَيْرَهُ حَصَلَتْ لَهُ صِفَةُ كَمالٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ أظْهَرَ نَفْسَهُ ومَن صارَ مَغْلُوبًا صارَ كالنّاقِصِ، والنّاقِصُ لا يُظْهِرُ نَفْسَهُ ويُخْفِي نُقْصانَهُ فَصارَ الظُّهُورُ كِنايَةً لِلْغَلَبَةِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يُرِيدُ إنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: رَقَبَ الإنْسانَ يَرْقُبُهُ رِقْبَةً ورُقُوبًا وهو أنْ يَنْتَظِرَهُ ورَقِيبُ القَوْمِ حارِسُهم وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أيْ لَمْ تَحْفَظْهُ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ العَهْدُ قالَ الشّاعِرُ: وجَدْناهم كاذِبًا إلُّهم وذُو الإلِّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ يَعْنِي العَهْدَ. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الإلُّ القَرابَةُ. قالَ حَسّانُ: لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ يَعْنِي القَرابَةَ. والثّالِثُ: الإلُّ الحِلْفُ، قالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ: لَوْلا بَنُو مالِكٍ والإلُّ مَرْقَبَةٌ ∗∗∗ ومالِكٌ فِيهِمُ الآلاءُ والشَّرَفُ يَعْنِي الحِلْفَ. والرّابِعُ: الإلُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هَذَيانَ مُسَيْلِمَةَ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ، وطَعَنَ الزَّجّاجُ في هَذا القَوْلِ وقالَ: أسْماءُ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ مِنَ الأخْبارِ والقُرْآنِ ولَمْ يُسْمَعْ أحَدٌ يَقُولُ: يا إلُّ. الخامِسُ: قالَ الزَّجّاجُ: حَقِيقَةُ الإلِّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ، فَمِن ذَلِكَ الإلَّةُ الحَرْبَةُ. وأُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ، فالإلُّ يَخْرُجُ في جَمِيعِ ما فُسِّرَ مِنَ العَهْدِ والقَرابَةِ. السّادِسُ: قالَ الأزْهَرِيُّ: إيلْ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ عُرِّبَ، فَقِيلَ إلٌّ. السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: الإلُّ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ألَّ يَؤُلُّ ألًّا، إذا صَفا ولَمَعَ ومِنهُ الآلُ لِلَمَعانِهِ، وأُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ شَبِيهَةٌ بِالحَرْبَةِ في تَحْدِيدِها ولَهُ ألِيلٌ أيْ أنِينٌ يَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ، ورَفَعَتِ المَرْأةُ ألِيلَها إذا ولْوَلَتْ، فالعَهْدُ سُمِّيَ إلًّا، لِظُهُورِهِ وصَفائِهِ مِن شَوائِبِ الغَدْرِ، أوْ لِأنَّ القَوْمَ إذا تَحالَفُوا رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهم وشَهَرُوهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا ذِمَّةً﴾ فالذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ وذِمامٌ، كُلُّ أمْرٍ لَزِمَكَ، وكانَ بِحَيْثُ لَوْ ضَيَّعْتَهُ لَزِمَتْكَ مَذَمَّةٌ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: الذِّمَّةُ ما يُتَذَمَّمُ مِنهُ، يَعْنِي ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ يُقالُ: تَذَمَّمَ فُلانٌ، أيْ ألْقى عَلى نَفْسِهِ الذَّمَّ، ونَظِيرُهُ تَحَوَّبَ، وتَأثَّمَ وتَحَرَّجَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ كَلامًا حُلْوًا طَيِّبًا، والَّذِي في قُلُوبِهِمْ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَإنَّهم لا يُضْمِرُونَ إلّا الشَّرَّ والإيذاءَ إنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كُفّارٌ، والكُفْرُ أقْبَحُ وأخْبَثُ مِنَ الفِسْقِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ وصْفُهم بِالفِسْقِ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ ؟ السُّؤالُ الثّانِي: إنَّ الكُفّارَ كُلَّهم فاسِقُونَ، فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِ: ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ فائِدَةٌ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ، وقَدْ يَكُونُ فاسِقًا خَبِيثَ النَّفْسِ في دِينِهِ، صفحة ١٨٥ فالمُرادُ هَهُنا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ مِن عادَتِهِمْ نَقْضُ العُهُودِ ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ في دِينِهِمْ وعِنْدَ أقْوامِهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الذَّمِّ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي عَيْنُ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ مُحْتَرِزًا عَنِ الكَذِبِ، ونَقْضِ العَهْدِ والمَكْرِ والخَدِيعَةِ، وقَدْ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ يَكُونُ مَذْمُومًا عِنْدَ جَمِيعِ النّاسِ وفي جَمِيعِ الأدْيانِ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ:(﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ أنَّ أكْثَرَهم مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ، وأيْضًا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أُولَئِكَ الكُفّارِ قَدْ أسْلَمَ وتابَ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ حَتّى يَخْرُجَ عَنْ هَذا الحُكْمِ أُولَئِكَ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ المُشْرِكُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: أطْعَمَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ حُلَفاءَهُ، وتَرَكَ حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقَضُوا العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم بِسَبَبِ تِلْكَ الأكْلَةِ. الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ أعانُوا المُشْرِكِينَ عَلى نَقْضِ تِلْكَ العُهُودِ، فَكانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذَمَّ أُولَئِكَ اليَهُودِ، وهَذا اللَّفْظُ في القُرْآنِ كالأمْرِ المُخْتَصِّ بِاليَهُودِ، ويَقْوى هَذا الوَجْهُ بِما أنَّ اللَّهَ تَعالى أعادَ قَوْلَهُ: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ المُشْرِكِينَ لَكانَ هَذا تِكْرارًا مَحْضًا، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ اليَهُودَ لَمْ يَكُنْ هَذا تِكْرارًا، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى. ثُمَّ قالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ يَعْنِي يَعْتَدُونَ ما حَدَّهُ اللَّهُ في دِينِهِ وما يُوجِبُهُ العَقْدُ والعَهْدُ، وفي ذَلِكَ نِهايَةُ الذَّمِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

التوبة 9:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ يَسْبِقُنِي مِثْلُكَ ؟ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْبِقَنِي وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ مَعَ إضْمارِ الغَدْرِ فِيما وقَعَ مِنَ العَهْدِ إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِأجْلِ أنَّهم ما نَكَثُوا وما نَقَضُوا قِيلَ: إنَّهم بَنُو كِنانَةَ وبَنُو ضَمْرَةَ فَتَرَبَّصُوا أمْرَهم ولا تَقْتُلُوهم فَما اسْتَقامُوا لَكم عَلى العَهْدِ فاسْتَقِيمُوا لَهم عَلى مِثْلِهِ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي مَنِ اتَّقى اللَّهَ يُوفِي بِعَهْدِهِ لِمَن عاهَدَ واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَيْفَ﴾ تِكْرارٌ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِ المُشْرِكِينَ عَلى العَهْدِ، وحُذِفَ الفِعْلُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أيْ كَيْفَ يَكُونُ عَهْدُهم وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم بَعْدَما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الإيمانِ والمَواثِيقِ لَمْ يَنْظُرُوا إلى حِلْفٍ ولا عَهْدٍ ”ولَمْ يُبْقُوا عَلَيْكم“ هَذا هو المَعْنى، ولا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ يُقالُ: صفحة ١٨٤ ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتُهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتُ فَوْقَهُ، قالَ اللَّيْثُ: الظُّهُورُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ، وأظْهَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ أيْ أعْلاهم عَلَيْهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصَّفِّ: ١٤] وقَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] أيْ لِيُعْلِيَهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ مَن غَلَبَ غَيْرَهُ حَصَلَتْ لَهُ صِفَةُ كَمالٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ أظْهَرَ نَفْسَهُ ومَن صارَ مَغْلُوبًا صارَ كالنّاقِصِ، والنّاقِصُ لا يُظْهِرُ نَفْسَهُ ويُخْفِي نُقْصانَهُ فَصارَ الظُّهُورُ كِنايَةً لِلْغَلَبَةِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِها فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يُرِيدُ إنْ يَقْدِرُوا عَلَيْكم وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: رَقَبَ الإنْسانَ يَرْقُبُهُ رِقْبَةً ورُقُوبًا وهو أنْ يَنْتَظِرَهُ ورَقِيبُ القَوْمِ حارِسُهم وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] أيْ لَمْ تَحْفَظْهُ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ العَهْدُ قالَ الشّاعِرُ: وجَدْناهم كاذِبًا إلُّهم وذُو الإلِّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ يَعْنِي العَهْدَ. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الإلُّ القَرابَةُ. قالَ حَسّانُ: لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِن قُرَيْشٍ ∗∗∗ كَإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعامِ يَعْنِي القَرابَةَ. والثّالِثُ: الإلُّ الحِلْفُ، قالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ: لَوْلا بَنُو مالِكٍ والإلُّ مَرْقَبَةٌ ∗∗∗ ومالِكٌ فِيهِمُ الآلاءُ والشَّرَفُ يَعْنِي الحِلْفَ. والرّابِعُ: الإلُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هَذَيانَ مُسَيْلِمَةَ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلٍّ، وطَعَنَ الزَّجّاجُ في هَذا القَوْلِ وقالَ: أسْماءُ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ مِنَ الأخْبارِ والقُرْآنِ ولَمْ يُسْمَعْ أحَدٌ يَقُولُ: يا إلُّ. الخامِسُ: قالَ الزَّجّاجُ: حَقِيقَةُ الإلِّ عِنْدِي عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ، فَمِن ذَلِكَ الإلَّةُ الحَرْبَةُ. وأُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ، فالإلُّ يَخْرُجُ في جَمِيعِ ما فُسِّرَ مِنَ العَهْدِ والقَرابَةِ. السّادِسُ: قالَ الأزْهَرِيُّ: إيلْ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ عُرِّبَ، فَقِيلَ إلٌّ. السّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: الإلُّ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ألَّ يَؤُلُّ ألًّا، إذا صَفا ولَمَعَ ومِنهُ الآلُ لِلَمَعانِهِ، وأُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ شَبِيهَةٌ بِالحَرْبَةِ في تَحْدِيدِها ولَهُ ألِيلٌ أيْ أنِينٌ يَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ، ورَفَعَتِ المَرْأةُ ألِيلَها إذا ولْوَلَتْ، فالعَهْدُ سُمِّيَ إلًّا، لِظُهُورِهِ وصَفائِهِ مِن شَوائِبِ الغَدْرِ، أوْ لِأنَّ القَوْمَ إذا تَحالَفُوا رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهم وشَهَرُوهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا ذِمَّةً﴾ فالذِّمَّةُ العَهْدُ، وجَمْعُها ذِمَمٌ وذِمامٌ، كُلُّ أمْرٍ لَزِمَكَ، وكانَ بِحَيْثُ لَوْ ضَيَّعْتَهُ لَزِمَتْكَ مَذَمَّةٌ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: الذِّمَّةُ ما يُتَذَمَّمُ مِنهُ، يَعْنِي ما يُجْتَنَبُ فِيهِ الذَّمُّ يُقالُ: تَذَمَّمَ فُلانٌ، أيْ ألْقى عَلى نَفْسِهِ الذَّمَّ، ونَظِيرُهُ تَحَوَّبَ، وتَأثَّمَ وتَحَرَّجَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ كَلامًا حُلْوًا طَيِّبًا، والَّذِي في قُلُوبِهِمْ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَإنَّهم لا يُضْمِرُونَ إلّا الشَّرَّ والإيذاءَ إنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كُفّارٌ، والكُفْرُ أقْبَحُ وأخْبَثُ مِنَ الفِسْقِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ وصْفُهم بِالفِسْقِ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ ؟ السُّؤالُ الثّانِي: إنَّ الكُفّارَ كُلَّهم فاسِقُونَ، فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِ: ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ فائِدَةٌ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ، وقَدْ يَكُونُ فاسِقًا خَبِيثَ النَّفْسِ في دِينِهِ، صفحة ١٨٥ فالمُرادُ هَهُنا أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ مِن عادَتِهِمْ نَقْضُ العُهُودِ ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ في دِينِهِمْ وعِنْدَ أقْوامِهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ المُبالَغَةَ في الذَّمِّ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي عَيْنُ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ مُحْتَرِزًا عَنِ الكَذِبِ، ونَقْضِ العَهْدِ والمَكْرِ والخَدِيعَةِ، وقَدْ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ يَكُونُ مَذْمُومًا عِنْدَ جَمِيعِ النّاسِ وفي جَمِيعِ الأدْيانِ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ:(﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ أنَّ أكْثَرَهم مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ، وأيْضًا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أُولَئِكَ الكُفّارِ قَدْ أسْلَمَ وتابَ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ حَتّى يَخْرُجَ عَنْ هَذا الحُكْمِ أُولَئِكَ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ المُشْرِكُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: أطْعَمَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ حُلَفاءَهُ، وتَرَكَ حُلَفاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقَضُوا العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم بِسَبَبِ تِلْكَ الأكْلَةِ. الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ أعانُوا المُشْرِكِينَ عَلى نَقْضِ تِلْكَ العُهُودِ، فَكانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذَمَّ أُولَئِكَ اليَهُودِ، وهَذا اللَّفْظُ في القُرْآنِ كالأمْرِ المُخْتَصِّ بِاليَهُودِ، ويَقْوى هَذا الوَجْهُ بِما أنَّ اللَّهَ تَعالى أعادَ قَوْلَهُ: ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ المُشْرِكِينَ لَكانَ هَذا تِكْرارًا مَحْضًا، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ اليَهُودَ لَمْ يَكُنْ هَذا تِكْرارًا، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى. ثُمَّ قالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ يَعْنِي يَعْتَدُونَ ما حَدَّهُ اللَّهُ في دِينِهِ وما يُوجِبُهُ العَقْدُ والعَهْدُ، وفي ذَلِكَ نِهايَةُ الذَّمِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

التوبة 9:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن لا يَرْقُبُ في اللَّهِ إلًّا ولا ذِمَّةً، ويَنْقُضُ العَهْدَ ويَنْطَوِي عَلى النِّفاقِ ويَتَعَدّى ما حُدَّ لَهُ بَيَّنَ مِن بَعْدُ أنَّهم إنْ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ كَيْفَ حُكْمُهم، فَجَمَعَ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ وهو يُفِيدُ جُمْلَةَ أحْكامِ الإيمانِ، ولَوْ شُرِحَ لَطالَ. فَإنْ قِيلَ: المُعَلَّقُ عَلى الشَّيْءِ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ مَتى لَمْ تُوجَدُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ لا يَحْصُلُ الأُخُوَّةُ في الدِّينِ، وهو مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ فَقِيرًا، أوْ إنْ كانَ غَنِيًّا، لَكِنْ قَبْلَ انْقِضاءِ الحَوْلِ لا تَلْزَمُهُ الزَّكاةُ. قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النِّساءِ: ٣١] أنَّ المُعَلَّقَ عَلى الشَّيْءِ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِهِ عَدَمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَزالَ هَذا السُّؤالُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُعَلَّقُ عَلى صفحة ١٨٦ الشَّيْءِ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَهَهُنا قالَ: المُؤاخاةُ بِالإسْلامِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مَوْقُوفَةٌ عَلى فِعْلِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ جَمِيعًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَطَها في إثْباتِ المُؤاخاةِ، ومَن لَمْ يَكُنْ أهْلًا لِوُجُوبِ الزَّكاةِ عَلَيْهِ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُقِرَّ بِحُكْمِها، فَإذا أقَرَّ بِهَذا الحُكْمِ دَخَلَ في الشَّرْطِ الَّذِي بِهِ تَجِبُ الأُخُوَّةُ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ أبا بَكْرٍ ما أفْقَهَهُ في الدِّينِ، أرادَ بِهِ ما ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ في حَقِّ مانِعِي الزَّكاةِ، وهو قَوْلُهُ: واللَّهِ لا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما، بَقِيَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ بَحْثانِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ فَهم إخْوانُكم بِإضْمارِ المُبْتَدَأِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٥] أيْ فَهم إخْوانُكم. الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أهْلُ البَصْرَةِ أجْمَعُونَ: الإخْوَةُ في النَّسَبِ والإخْوانُ في الصَّداقَةِ، وهَذا غَلَطٌ؛ يُقالُ لِلْأصْدِقاءِ وغَيْرِ الأصْدِقاءِ إخْوَةٌ وإخْوانٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحُجُراتِ: ١٠] ولَمْ يَعْنِ النَّسَبَ، وقالَ تَعالى: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٦١] وهَذا في النَّسَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَرَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ دِماءَ أهْلِ القِبْلَةِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهَذا اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والمَقْصُودُ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى تَأمُّلِ ما فُصِّلَ مِن أحْكامِ المُشْرِكِينَ المُعاهِدِينَ، وعَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ يُقالُ: نَكَثَ فُلانٌ عَهْدَهُ إذا نَقَضَهُ بَعْدَ إحْكامِهِ كَما يُنْكَثُ خَيْطُ الصُّوفِ بَعْدَ إبْرامِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ [النَّحْلِ: ٩٢] والأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ بِمَعْنى الحَلِفِ والقَسَمِ، وقِيلَ لِلْحَلِفِ يَمِينٌ، وهو اسْمُ اليَدِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَبْسُطُونَ أيْمانَهم إذا حَلَفُوا أوْ تَحالَفُوا، وقِيلَ: سُمِّيَ القَسَمُ يَمِينًا لِيَمِينِ البِرِّ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ أيْ نَقَضُوا عُهُودَهم، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: إنَّ المُرادَ نَكْثُهم لِعَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أنَّ المُرادَ حَمْلُ العَهْدِ عَلى الإسْلامِ بَعْدَ الإيمانِ، فَيَكُونُ المُرادُ رِدَّتَهم بَعْدَ الإيمانِ، ولِذَلِكَ قَرَأ بَعْضُهم: ”وإنْ نَكَثُوا إيمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ“ والأوَّلُ أوْلى لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ؛ ولِأنَّ الآيَةَ ورَدَتْ في ناقِضِي العَهْدِ لِأنَّهُ تَعالى صَنَّفَهم صِنْفَيْنِ، فَإذا مَيَّزَ مِنهم مَن تابَ لَمْ يَبْقَ إلّا مَن أقامَ عَلى نَقْضِ العَهْدِ. وقَوْلُهُ: ﴿وطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ يُقالُ: طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ يَطْعُنُهُ، وطَعَنَ بِالقَوْلِ السَّيِّئِ يَطْعُنُ، قالَ اللَّيْثُ: وبَعْضُهم يَقُولُ: يَطْعُنُ بِالرُّمْحِ، ويَطْعَنُ بِالقَوْلِ فَيُفَرِّقُ بَيْنَهُما، والمَعْنى أنَّهم عابُوا دِينَكم، وقَدَحُوا فِيهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ مَتى فَعَلُوا ذَلِكَ فافْعَلُوا هَذا، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”أيِمَّةَ الكُفْرِ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى التَّحْقِيقِ، قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ في الأئِمَّةِ أأْمِمَةٌ؛ لِأنَّها جَمْعُ إمامٍ، مِثْلَ: مِثالٍ وأمْثِلَةٍ، لَكِنَّ المِيمَيْنِ إذا اجْتَمَعَتا أُدْغِمَتِ الأُولى في الثّانِيَةِ، وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الهَمْزَةِ، فَصارَتْ أئِمَّةً، فَأُبْدِلَتْ مِنَ المَكْسُورَةِ الياءُ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، هَذا هو الِاخْتِيارُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَفْظَةُ ”أئِمَّةٍ“ هَمْزَةٌ بَعْدَها هَمْزَةٌ بَيْنَ بَيْنَ، والمُرادُ بَيْنَ مَخْرَجِ الهَمْزَةِ والياءِ. أمّا بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ فَقِراءَةٌ مَشْهُورَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِالياءِ فَلَيْسَ بِقِراءَةٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قِراءَةً، ومَن صَرَّحَ بِها فَهو لاحِنٌ مُحَرِّفٌ. صفحة ١٨٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ مَعْناهُ قاتِلُوا الكُفّارَ بِأسْرِهِمْ، إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّ الأئِمَّةَ والسّادَةَ مِنهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَ الأتْباعَ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الباطِلَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ قَتْلَ الذِّمِّيِّ إذا أظْهَرَ الطَّعْنَ في الإسْلامِ؛ لِأنَّ عَهْدَهُ مَشْرُوطٌ بِأنْ لا يَطْعَنُ فَإنْ طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ ونَقَضَ عَهْدَهم. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”لا إيمانَ لَهم“ بِكَسْرِ الألِفِ ولَها وجْهانِ: أحَدُهُما: لا أمانَ لَهم، أيْ لا تُؤَمِّنُوهم، فَيَكُونُ مَصْدَرًا مِنَ الإيمانِ الَّذِي هو ضِدُّ الإخافَةِ. والثّانِي: أنَّهم كَفَرَةٌ لا إيمانَ لَهم، أيْ لا تَصْدِيقَ ولا دِينَ لَهم، والباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو جَمْعُ يَمِينٍ، ومَعْناهُ لا أيْمانَ لَهم عَلى الحَقِيقَةِ، وأيْمانُهم لَيْسَتْ بِأيْمانٍ، وبِهِ تَمَسَّكَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أنَّ يَمِينَ الكافِرِ لا يَكُونُ يَمِينًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَمِينُهم يَمِينٌ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَهُ: أنَّهم لَمّا لَمْ يَفُوا بِها صارَتْ أيْمانُهم كَأنَّها لَيْسَتْ بِأيْمانٍ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ أيْمانَهم لَيْسَتْ بِأيْمانٍ أنَّهُ تَعالى وصَفَها بِالنَّكْثِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُنْعَقِدًا لَما صَحَّ وصْفُها بِالنَّكْثِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ لِيَكُنْ غَرَضُكم في مُقاتَلَتِهِمْ بَعْدَما وُجِدَ مِنَ العَظائِمِ أنْ تَكُونَ المُقاتَلَةُ سَبَبًا في انْتِهائِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وهَذا مِن غايَةِ كَرَمِ اللَّهِ وفَضْلِهِ عَلى الإحْسانِ.

التوبة 9:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي يَبْعَثُهم عَلى مُقاتَلَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أسْبابٍ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُوجِبُ مُقاتَلَتَهم لَوِ انْفَرَدَ، فَكَيْفَ بِها حالَ الِاجْتِماعِ: أحَدُها: نَكْثُهُمُ العَهْدَ، وكُلُّ المُفَسِّرِينَ حَمَلَهُ عَلى نَقْضِ العَهْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ نَكَثُوا أيْمانَهم بَعْدَ عَهْدِ الحُدَيْبِيَةِ، وأعانُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِتالَ النّاكِثِينَ أوْلى مِن قِتالِ غَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لِغَيْرِهِمْ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ فَإنَّ هَذا مِن أوْكَدِ ما يَجِبُ القِتالُ لِأجْلِهِ، واخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ إخْراجُهُ مِن مَكَّةَ حِينَ هاجَرَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ مِنَ المَدِينَةِ لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المَشُورَةِ والِاجْتِماعِ عَلى قَصْدِهِ بِالقَتْلِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَمُّوا بِإخْراجِهِ مِن حَيْثُ أقْدَمُوا عَلى ما يَدْعُوهُ إلى الخُرُوجِ وهو نَقْضُ العَهْدِ، وإعانَةُ أعْدائِهِ، فَأُضِيفَ الإخْراجُ إلَيْهِمْ تَوَسُّعًا لِما وقَعَ مِنهم مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ إمّا صفحة ١٨٨ بِالفِعْلِ وإمّا بِالعَزْمِ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الفِعْلُ بِتَمامِهِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَعْنِي بِالقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأنَّهم حِينَ سَلِمَ العِيرُ قالُوا: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا ومَن مَعَهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أرادَ أنَّهم قاتَلُوا حُلَفاءَ خُزاعَةَ فَبَدَءُوا بِنَقْضِ العَهْدِ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وإنَّما قالَ: ﴿بَدَءُوكُمْ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ البادِئَ أظْلَمُ، ولَمّا شَرَحَ تَعالى هَذِهِ المُوجِباتِ الثَّلاثَةَ زادَ فِيها، فَقالَ: ﴿أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا الكَلامُ يُقَوِّي داعِيَةَ القِتالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ تَعْدِيدَ المُوجِباتِ القَوِيَّةِ وتَفْصِيلَها مِمّا يُقَوِّي هَذِهِ الدّاعِيَةَ. والثّانِي: أنَّكَ إذا قُلْتَ لِلرَّجُلِ: أتَخْشى خَصْمَكَ ؟ كانَ ذَلِكَ تَحْرِيكًا مِنهُ لِأنْ يَسْتَنْكِفَ أنْ يُنْسَبَ إلى كَوْنِهِ خائِفًا مِن خَصْمِهِ. والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ يُفِيدُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتَ تَخْشى أحَدًا فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ لِكَوْنِهِ في غايَةِ القُدْرَةِ والكِبْرِياءِ والجَلالَةِ، والضَّرَرُ المُتَوَقَّعُ مِنهم غايَتُهُ القَتْلُ، أمّا المُتَوَقَّعُ مِنَ اللَّهِ فالعِقابُ الشَّدِيدُ في القِيامَةِ، والذَّمُّ اللّازِمُ في الدُّنْيا. والرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ: أنَّكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالأيْمانِ وجَبَ عَلَيْكم أنْ تُقْدِمُوا عَلى هَذِهِ المُقاتَلَةِ، ومَعْناهُ أنَّكم إنْ لَمْ تُقْدِمُوا عَلَيْها وجَبَ أنْ لا تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فَثَبَتَ أنَّ هَذا كَلامٌ مُشْتَمِلٌ عَلى سَبْعَةِ أنْواعٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَحْمِلُهم عَلى مُقاتَلَةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ النّاقِضِينَ لِلْعَهْدِ. بَقِيَ في الآيَةِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: حَكى الواحِدِيُّ عَنْ أهْلِ المَعانِي أنَّهم قالُوا: إذا قُلْتَ: لا تَفْعَلْ كَذا، فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في فِعْلٍ مُقَدَّرٍ وُجُودُهُ، وإذا قُلْتَ: ألَسْتَ تَفْعَلُ، فَإنَّما تَقُولُ ذَلِكَ في فِعْلٍ تَحَقَّقَ وُجُودُهُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ لا يُنْفى بِها المُسْتَقْبَلُ، فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْها الألِفُ صارَ تَحْضِيضًا عَلى فِعْلِ ما يُسْتَقْبَلُ، ولَيْسَ إنَّما تُسْتَعْمَلُ لِنَفْيِ الحالِ. فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْها الألِفُ صارَ لِتَحْقِيقِ الحالِ. البَحْثُ الثّانِي: نُقِلَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ تَرْغِيبٌ في فَتْحِ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ أيْ عَهْدَهم، يَعْنِي قُرَيْشًا حِينَ أعانُوا بَنِي الدِّيلِ بْنِ بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ خُلَفاءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَسِيرَ إلَيْهِمْ فَيَنْصُرَ خُزاعَةَ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، وأمَرَ النّاسَ أنْ يَتَجَهَّزُوا إلى مَكَّةَ، وأبُو سُفْيانَ عِنْدَ هِرَقْلَ بِالرُّومِ، فَرَجَعَ وقَدِمَ المَدِينَةَ ودَخَلَ عَلى فاطِمَةَ بِنْتِ الرَّسُولِ ﷺ يَسْتَجِيرُ بِها فَأبَتْ، وقالَ ذَلِكَ لِابْنَيْها الحَسَنِ والحُسَيْنِ فَأبَيا، فَخاطَبَ أبا بَكْرٍ فَأبى، ثُمَّ خاطَبَ عُمَرَ فَتَشَدَّدَ، ثُمَّ خاطَبَ عَلِيًّا فَلَمْ يُجِبْهُ، فاسْتَجارَ بِالعَبّاسِ وكانَ مُصافِيًا لَهُ فَأجارَهُ، وأجارَهُ الرَّسُولُ لِإجارَتِهِ وخَلّى سَبِيلَهُ. فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أبا سُفْيانَ فِيهِ أُبَّهَةٌ فاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا ! فَقالَ: مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، فَعادَ إلى مَكَّةَ ونادى مَن دَخَلَ دارِي فَهو آمِنٌ، فَقامُوا إلَيْهِ وضَرَبُوهُ ضَرْبًا شَدِيدًا وحَصَلَ الفَتْحُ عِنْدَ ذَلِكَ»، فَهَذا ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ الحَسَنُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ سُورَةَ بَراءَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِسَنَةٍ، وتَمْيِيزُ حَقِّ هَذا البابِ مِن باطِلِهِ لا يُعْرَفُ إلّا بِالأخْبارِ. البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهم كَرِهُوا هَذا القِتالَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٦] فَآمَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآياتِ. قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى قَدْ يَحُثُّ عَلى فِعْلِ الواجِبِ مَن لا يَكُونُ كارِهًا لَهُ ولا مُقَصِّرًا فِيهِ، فَإنْ أرادَ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّحْرِيضِ عَلىَ الجِهادِ لا يَنْفَعُ إلّا صفحة ١٨٩ وهُناكَ كُرْهٌ لِلْقِتالِ لَمْ يَصِحَّ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَحُثَّ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الجِنْسِ عَلى الجِهادِ لِكَيْ لا يَحْصُلَ الكُرْهُ الَّذِي لَوْلا هَذا التَّحْرِيضُ كانَ يَقَعُ. البَحْثُ الرّابِعُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي أنْ يَخْشى رَبَّهُ، وأنْ لا يَخْشى أحَدًا سِواهُ.

التوبة 9:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٣] ذَكَرَ عَقِيبَهُ سَبْعَةَ أشْياءَ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُوجِبُ إقْدامَهم عَلى القِتالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أعادَ الأمْرَ بِالقِتالِ، وذَكَرَ في ذَلِكَ القِتالِ خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ الفَوائِدِ، كُلُّ واحِدٍ مِنها يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ إذا انْفَرَدَ، فَكَيْفَ بِها إذا اجْتَمَعَتْ ؟ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى ذَلِكَ عَذابًا وهو حَقٌّ فَإنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكافِرِينَ فَإنْ شاءَ عَجَّلَهُ في الدُّنْيا، وإنْ شاءَ أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعْذِيبِ القَتْلُ تارَةً، والأسْرُ أُخْرى، واغْتِنامُ الأمْوالِ ثالِثًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما ذَكَرْناهُ. فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنْفالِ: ٣٣] فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ ؟ . قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ عَذابُ القَتْلِ والحَرْبِ، والفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ أنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ قَدْ يَتَعَدّى إلى غَيْرِ المُذْنِبِ، وإنْ كانَ في حَقِّهِ سَبَبًا لِمَزِيدِ الثَّوابِ، أمّا عَذابُ القَتْلِ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَبْقى مَقْصُورًا عَلى المُذْنِبِ. البَحْثُ الثّالِثُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى قَوْلِهِمْ بِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ فَإنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعْذِيبِ القَتْلُ والأسْرُ، وظاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ القَتْلَ والأسْرَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُ في الوُجُودِ عَلى أيْدِي العِبادِ، وهو صَرِيحُ قَوْلِنا ومَذْهَبِنا. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ فَقالَ: لَوْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكُفّارَ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ لَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُعَذِّبُ المُؤْمِنِينَ بِأيْدِي الكافِرِينَ، ولَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُكَذِّبُ أنْبِياءَهُ عَلى ألْسِنَةِ الكُفّارِ، ويَلْعَنُ المُؤْمِنِينَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى خالِقٌ لِذَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ صفحة ٤ ذَلِكَ عِنْدَ المُجْبِرَةِ، عُلِمَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ أعْمالَ العِبادِ، وإنَّما نَسَبَ ما ذَكَرْناهُ إلى نَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ بِأمْرِهِ وألْطافِهِ، كَما يُضِيفُ جَمِيعَ الطّاعاتِ إلَيْهِ بِهَذا التَّفْسِيرِ. وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ فَقالُوا: أمّا الَّذِي ألْزَمْتُمُوهُ عَلَيْنا فالأمْرُ كَذَلِكَ إلّا أنّا لا نَقُولُهُ بِاللِّسانِ، كَما أنّا نَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِجَمِيعِ الأجْسامِ، ثُمَّ إنّا لا نَقُولُ: يا خالِقَ الأبْوالِ والعَذِراتِ، ويا مُكَوِّنَ الخَنافِسِ والدِّيدانِ، فَكَذا هَهُنا. وأيْضًا أنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّ الزِّنا واللِّواطَ وسائِرَ القَبائِحِ إنَّما حَصَلَتْ بِأقْدارِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا مُسَهِّلَ الزِّنا واللِّواطِ، ويا دافِعَ المَوانِعِ عَنْها، فَكَذا هُنا، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ المُرادَ إذَنِ الأقْدارُ فَنَقُولُ: هَذا صَرْفٌ لِلْكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ قاهِرٍ، والدَّلِيلُ القاهِرُ مِن جانِبِنا هَهُنا، فَإنَّ الفِعْلَ لا يَصْدُرُ إلّا عِنْدَ الدّاعِيَةِ الحاصِلَةِ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُخْزِهِمْ﴾ مَعْناهُ: ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ حَيْثُ شاهَدُوا أنْفُسَهم مَقْهُورِينَ في أيْدِي المُؤْمِنِينَ ذَلِيلِينَ مَهِينِينَ. قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ويُخْزِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ قَتْلِكم إيّاهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإخْزاءَ إنَّما وقَعَ بِهِمْ في الآخِرَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِما بَيَّنّا أنَّ الإخْزاءَ واقِعٌ في الدُّنْيا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الخِزْيُ لَهم بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَقْهُورِينَ فَقَدْ حَصَلَ النَّصْرُ لِلْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ قاهِرِينَ. فَإنْ قالُوا: لَمّا كانَ حُصُولُ ذَلِكَ الخِزْيِ مُسْتَلْزِمًا لِحُصُولِ هَذا النَّصْرِ، كانَ إفْرادُهُ بِالذِّكْرِ عَبَثًا، فَنَقُولُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يَحْصُلَ الخِزْيُ لَهم مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، إلّا أنَّ المُؤْمِنِينَ يَحْصُلُ لَهم آفَةٌ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَلَمّا قالَ: ﴿ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِهَذا النَّصْرِ والفَتْحِ والظَّفَرِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ خُزاعَةَ أسْلَمُوا، فَأعانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ حَتّى نَكَّلُوا بِهِمْ، فَشَفى اللَّهُ صُدُورَهم مِن بَنِي بَكْرٍ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن طالَ تَأذِّيهِ مِن خَصْمِهِ، ثُمَّ مَكَّنَهُ اللَّهُ مِنهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ فَإنَّهُ يَعْظُمُ سُرُورُهُ بِهِ، ويَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِقُوَّةِ النَّفْسِ، وثَباتِ العَزِيمَةِ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ . ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَشْفِي مِن ألَمِ الغَيْظِ، وهَذا هو عَيْنُ إذْهابِ الغَيْظِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ تِكْرارًا. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى وعَدَهم بِحُصُولِ هَذا الفَتْحِ فَكانُوا في زَحْمَةِ الِانْتِظارِ، كَما قِيلَ: الِانْتِظارُ المَوْتُ الأحْمَرُ، فَشَفى صُدُورَهم مِن زَحْمَةِ الِانْتِظارِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ فَهَذِهِ هي المَنافِعُ الخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذا القِتالِ، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى تَسْكِينِ الدَّواعِي النّاشِئَةِ مِنَ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وهي التَّشَفِّي ودَرْكُ الثَّأْرِ وإزالَةُ الغَيْظِ، ولَمْ يَذْكُرْ تَعالى فِيها وِجْدانَ الأمْوالِ والفَوْزَ بِالمَطاعِمِ والمَشارِبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ قَوْمٌ جُبِلُوا عَلى الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ، فَرَغَّبَهم في هَذِهِ المَعانِي لَكِنَّها لائِقَةٌ بِطِباعِهِمْ، بَقِيَ هَهُنا مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ مُناسِبَةٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأنَّ الَّذِي جَرى في تِلْكَ الواقِعَةِ مُشاكِلٌ لِهَذِهِ الأحْوالِ، ولِهَذا المَعْنى جازَ أنْ يُقالَ: الآيَةُ وارِدَةٌ فِيهِ. البَحْثُ الثّانِي: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى المُعْجِزَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ حُصُولِ هَذِهِ الأحْوالِ، وقَدْ وقَعَتْ مُوافِقَةً لِهَذِهِ الأخْبارِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، والأخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزٌ. صفحة ٥ البَحْثُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ الصَّحابَةِ مُؤْمِنِينَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى إيمانًا حَقِيقِيًّا؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ قُلُوبَهم كانَتْ مَمْلُوءَةً مِنَ الغَضَبِ، ومِنَ الحَمِيَّةِ لِأجْلِ الدِّينِ، ومِنَ الرَّغْبَةِ الشَّدِيدَةِ في عُلُوِّ دِينِ الإسْلامِ، وهَذِهِ الأحْوالُ لا تَحْصُلُ إلّا في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. واعْلَمْ أنَّ وصْفَ اللَّهِ لَهم بِذَلِكَ لا يَنْفِي كَوْنَهم مَوْصُوفِينَ بِالرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَتِهِمْ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤] وقالَ أيْضًا: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] . ثُمَّ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هَذا مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ جَزاءً لِمُقاتَلَتِهِمْ مَعَ الكُفّارِ، قالُوا: ونَظِيرُهُ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّورى: ٢٤] وتَمَّ الكَلامُ هَهُنا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشُّورى: ٢٤] ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُمْكِنُ جَعْلُ هَذِهِ التَّوْبَةِ جَزاءً لِتِلْكَ المُقاتَلَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ، فَرُبَّما شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأصَمُّ، فَإذا أقْدَمُوا عَلى المُقاتَلَةِ صارَ ذَلِكَ العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّوْبَةِ عَنْ تِلْكَ الكَراهِيَةِ. الثّانِي: أنَّ حُصُولَ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ إنْعامٌ عَظِيمٌ، والعَبْدُ إذا شاهَدَ تَوالِيَ نِعَمِ اللَّهِ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لَهُ إلى التَّوْبَةِ مِن جَمِيعِ الذُّنُوبِ. الثّالِثُ: أنَّهُ إذا حَصَلَ النَّصْرُ والظَّفَرُ والفَتْحُ، وكَثُرَتِ الأمْوالُ والنِّعَمُ، وكانَتْ لَذّاتُهُ تُطْلَبُ بِالطَّرِيقِ الحَرامِ، فَإنَّ عِنْدَ حُصُولِ المالِ والجاهِ يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بِطَرِيقٍ حَلالٍ، فَيَصِيرُ كَثْرَةُ المالِ والجاهِ داعِيًا إلى التَّوْبَةِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ. الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ النَّفْسَ شَدِيدَةُ المَيْلِ إلى الدُّنْيا ولَذّاتِها، فَإذا انْفَتَحَتْ أبْوابُ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ، وأرادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا عَرَفَ أنَّ لَذّاتِها حَقِيرَةٌ يَسِيرَةٌ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الدُّنْيا حَقِيرَةً في عَيْنِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْقِباضِ النَّفْسِ عَنِ الدُّنْيا، وهَذا هو أحَدُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥ ] يَعْنِي: أنَّ بَعْدَ حُصُولِ هَذا المُلْكِ لا يَبْقى لِلنَّفْسِ اشْتِغالٌ بِطَلَبِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَعْرِفُ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذا المُلْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَمالِكِ لا حاصِلَ لِلدُّنْيا، ولا فائِدَةَ في لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَحِينَئِذٍ يُعْرِضُ القَلْبُ عَنِ الدُّنْيا، ولا يُقِيمُ لَها وزْنًا، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ المُقاتَلَةِ يُفْضِي إلى المَنافِعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ، وتِلْكَ المَنافِعُ حُصُولُها يُوجِبُ التَّوْبَةَ، فَكانَتِ التَّوْبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِتِلْكَ المُقاتَلَةِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾؛ لِأنَّ وِجْدانَ الدُّنْيا، وانْفِتاحَ أبْوابِها عَلى الإنْسانِ قَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِانْقِباضِ القَلْبِ عَنِ الدُّنْيا، وذَلِكَ في حَقِّ مَن أرادَ بِهِ الخَيْرَ، وقَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِاسْتِغْراقِ الإنْسانِ فِيها، وتَهالُكِهِ عَلَيْها، وانْقِطاعِهِ بِسَبَبِها عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمّا اخْتَلَفَ الأمْرُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ . ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِكُلِّ ما يُعْمَلُ، ويُفْعَلُ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ﴿حَكِيمٌ﴾ مُصِيبٌ في أحْكامِهِ وأفْعالِهِ.

التوبة 9:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٣] ذَكَرَ عَقِيبَهُ سَبْعَةَ أشْياءَ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُوجِبُ إقْدامَهم عَلى القِتالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أعادَ الأمْرَ بِالقِتالِ، وذَكَرَ في ذَلِكَ القِتالِ خَمْسَةَ أنْواعٍ مِنَ الفَوائِدِ، كُلُّ واحِدٍ مِنها يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ إذا انْفَرَدَ، فَكَيْفَ بِها إذا اجْتَمَعَتْ ؟ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى ذَلِكَ عَذابًا وهو حَقٌّ فَإنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكافِرِينَ فَإنْ شاءَ عَجَّلَهُ في الدُّنْيا، وإنْ شاءَ أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعْذِيبِ القَتْلُ تارَةً، والأسْرُ أُخْرى، واغْتِنامُ الأمْوالِ ثالِثًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما ذَكَرْناهُ. فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنْفالِ: ٣٣] فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ ؟ . قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ عَذابُ القَتْلِ والحَرْبِ، والفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ أنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ قَدْ يَتَعَدّى إلى غَيْرِ المُذْنِبِ، وإنْ كانَ في حَقِّهِ سَبَبًا لِمَزِيدِ الثَّوابِ، أمّا عَذابُ القَتْلِ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَبْقى مَقْصُورًا عَلى المُذْنِبِ. البَحْثُ الثّالِثُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى قَوْلِهِمْ بِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ فَإنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّعْذِيبِ القَتْلُ والأسْرُ، وظاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ القَتْلَ والأسْرَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُ في الوُجُودِ عَلى أيْدِي العِبادِ، وهو صَرِيحُ قَوْلِنا ومَذْهَبِنا. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ فَقالَ: لَوْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ الكُفّارَ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ لَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُعَذِّبُ المُؤْمِنِينَ بِأيْدِي الكافِرِينَ، ولَجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُكَذِّبُ أنْبِياءَهُ عَلى ألْسِنَةِ الكُفّارِ، ويَلْعَنُ المُؤْمِنِينَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى خالِقٌ لِذَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ صفحة ٤ ذَلِكَ عِنْدَ المُجْبِرَةِ، عُلِمَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ أعْمالَ العِبادِ، وإنَّما نَسَبَ ما ذَكَرْناهُ إلى نَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ بِأمْرِهِ وألْطافِهِ، كَما يُضِيفُ جَمِيعَ الطّاعاتِ إلَيْهِ بِهَذا التَّفْسِيرِ. وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ فَقالُوا: أمّا الَّذِي ألْزَمْتُمُوهُ عَلَيْنا فالأمْرُ كَذَلِكَ إلّا أنّا لا نَقُولُهُ بِاللِّسانِ، كَما أنّا نَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِجَمِيعِ الأجْسامِ، ثُمَّ إنّا لا نَقُولُ: يا خالِقَ الأبْوالِ والعَذِراتِ، ويا مُكَوِّنَ الخَنافِسِ والدِّيدانِ، فَكَذا هَهُنا. وأيْضًا أنّا تَوافَقْنا عَلى أنَّ الزِّنا واللِّواطَ وسائِرَ القَبائِحِ إنَّما حَصَلَتْ بِأقْدارِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: يا مُسَهِّلَ الزِّنا واللِّواطِ، ويا دافِعَ المَوانِعِ عَنْها، فَكَذا هُنا، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ المُرادَ إذَنِ الأقْدارُ فَنَقُولُ: هَذا صَرْفٌ لِلْكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا لِدَلِيلٍ قاهِرٍ، والدَّلِيلُ القاهِرُ مِن جانِبِنا هَهُنا، فَإنَّ الفِعْلَ لا يَصْدُرُ إلّا عِنْدَ الدّاعِيَةِ الحاصِلَةِ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُخْزِهِمْ﴾ مَعْناهُ: ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ حَيْثُ شاهَدُوا أنْفُسَهم مَقْهُورِينَ في أيْدِي المُؤْمِنِينَ ذَلِيلِينَ مَهِينِينَ. قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ويُخْزِهِمْ﴾ أيْ: بَعْدَ قَتْلِكم إيّاهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإخْزاءَ إنَّما وقَعَ بِهِمْ في الآخِرَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِما بَيَّنّا أنَّ الإخْزاءَ واقِعٌ في الدُّنْيا. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الخِزْيُ لَهم بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَقْهُورِينَ فَقَدْ حَصَلَ النَّصْرُ لِلْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ قاهِرِينَ. فَإنْ قالُوا: لَمّا كانَ حُصُولُ ذَلِكَ الخِزْيِ مُسْتَلْزِمًا لِحُصُولِ هَذا النَّصْرِ، كانَ إفْرادُهُ بِالذِّكْرِ عَبَثًا، فَنَقُولُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يَحْصُلَ الخِزْيُ لَهم مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، إلّا أنَّ المُؤْمِنِينَ يَحْصُلُ لَهم آفَةٌ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَلَمّا قالَ: ﴿ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِهَذا النَّصْرِ والفَتْحِ والظَّفَرِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ خُزاعَةَ أسْلَمُوا، فَأعانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ حَتّى نَكَّلُوا بِهِمْ، فَشَفى اللَّهُ صُدُورَهم مِن بَنِي بَكْرٍ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن طالَ تَأذِّيهِ مِن خَصْمِهِ، ثُمَّ مَكَّنَهُ اللَّهُ مِنهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ فَإنَّهُ يَعْظُمُ سُرُورُهُ بِهِ، ويَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِقُوَّةِ النَّفْسِ، وثَباتِ العَزِيمَةِ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ . ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ يَشْفِي مِن ألَمِ الغَيْظِ، وهَذا هو عَيْنُ إذْهابِ الغَيْظِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ تِكْرارًا. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى وعَدَهم بِحُصُولِ هَذا الفَتْحِ فَكانُوا في زَحْمَةِ الِانْتِظارِ، كَما قِيلَ: الِانْتِظارُ المَوْتُ الأحْمَرُ، فَشَفى صُدُورَهم مِن زَحْمَةِ الِانْتِظارِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ فَهَذِهِ هي المَنافِعُ الخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذا القِتالِ، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى تَسْكِينِ الدَّواعِي النّاشِئَةِ مِنَ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وهي التَّشَفِّي ودَرْكُ الثَّأْرِ وإزالَةُ الغَيْظِ، ولَمْ يَذْكُرْ تَعالى فِيها وِجْدانَ الأمْوالِ والفَوْزَ بِالمَطاعِمِ والمَشارِبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ قَوْمٌ جُبِلُوا عَلى الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ، فَرَغَّبَهم في هَذِهِ المَعانِي لَكِنَّها لائِقَةٌ بِطِباعِهِمْ، بَقِيَ هَهُنا مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الأوْصافَ مُناسِبَةٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأنَّ الَّذِي جَرى في تِلْكَ الواقِعَةِ مُشاكِلٌ لِهَذِهِ الأحْوالِ، ولِهَذا المَعْنى جازَ أنْ يُقالَ: الآيَةُ وارِدَةٌ فِيهِ. البَحْثُ الثّانِي: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى المُعْجِزَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ حُصُولِ هَذِهِ الأحْوالِ، وقَدْ وقَعَتْ مُوافِقَةً لِهَذِهِ الأخْبارِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، والأخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزٌ. صفحة ٥ البَحْثُ الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ الصَّحابَةِ مُؤْمِنِينَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى إيمانًا حَقِيقِيًّا؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ قُلُوبَهم كانَتْ مَمْلُوءَةً مِنَ الغَضَبِ، ومِنَ الحَمِيَّةِ لِأجْلِ الدِّينِ، ومِنَ الرَّغْبَةِ الشَّدِيدَةِ في عُلُوِّ دِينِ الإسْلامِ، وهَذِهِ الأحْوالُ لا تَحْصُلُ إلّا في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. واعْلَمْ أنَّ وصْفَ اللَّهِ لَهم بِذَلِكَ لا يَنْفِي كَوْنَهم مَوْصُوفِينَ بِالرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَتِهِمْ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤] وقالَ أيْضًا: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] . ثُمَّ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هَذا مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ جَزاءً لِمُقاتَلَتِهِمْ مَعَ الكُفّارِ، قالُوا: ونَظِيرُهُ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّورى: ٢٤] وتَمَّ الكَلامُ هَهُنا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشُّورى: ٢٤] ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُمْكِنُ جَعْلُ هَذِهِ التَّوْبَةِ جَزاءً لِتِلْكَ المُقاتَلَةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالمُقاتَلَةِ، فَرُبَّما شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأصَمُّ، فَإذا أقْدَمُوا عَلى المُقاتَلَةِ صارَ ذَلِكَ العَمَلُ جارِيًا مَجْرى التَّوْبَةِ عَنْ تِلْكَ الكَراهِيَةِ. الثّانِي: أنَّ حُصُولَ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ إنْعامٌ عَظِيمٌ، والعَبْدُ إذا شاهَدَ تَوالِيَ نِعَمِ اللَّهِ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لَهُ إلى التَّوْبَةِ مِن جَمِيعِ الذُّنُوبِ. الثّالِثُ: أنَّهُ إذا حَصَلَ النَّصْرُ والظَّفَرُ والفَتْحُ، وكَثُرَتِ الأمْوالُ والنِّعَمُ، وكانَتْ لَذّاتُهُ تُطْلَبُ بِالطَّرِيقِ الحَرامِ، فَإنَّ عِنْدَ حُصُولِ المالِ والجاهِ يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بِطَرِيقٍ حَلالٍ، فَيَصِيرُ كَثْرَةُ المالِ والجاهِ داعِيًا إلى التَّوْبَةِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ. الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ النَّفْسَ شَدِيدَةُ المَيْلِ إلى الدُّنْيا ولَذّاتِها، فَإذا انْفَتَحَتْ أبْوابُ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ، وأرادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا عَرَفَ أنَّ لَذّاتِها حَقِيرَةٌ يَسِيرَةٌ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الدُّنْيا حَقِيرَةً في عَيْنِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْقِباضِ النَّفْسِ عَنِ الدُّنْيا، وهَذا هو أحَدُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥ ] يَعْنِي: أنَّ بَعْدَ حُصُولِ هَذا المُلْكِ لا يَبْقى لِلنَّفْسِ اشْتِغالٌ بِطَلَبِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَعْرِفُ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذا المُلْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ المَمالِكِ لا حاصِلَ لِلدُّنْيا، ولا فائِدَةَ في لَذّاتِها وشَهَواتِها، فَحِينَئِذٍ يُعْرِضُ القَلْبُ عَنِ الدُّنْيا، ولا يُقِيمُ لَها وزْنًا، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ المُقاتَلَةِ يُفْضِي إلى المَنافِعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ، وتِلْكَ المَنافِعُ حُصُولُها يُوجِبُ التَّوْبَةَ، فَكانَتِ التَّوْبَةُ مُتَعَلِّقَةً بِتِلْكَ المُقاتَلَةِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾؛ لِأنَّ وِجْدانَ الدُّنْيا، وانْفِتاحَ أبْوابِها عَلى الإنْسانِ قَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِانْقِباضِ القَلْبِ عَنِ الدُّنْيا، وذَلِكَ في حَقِّ مَن أرادَ بِهِ الخَيْرَ، وقَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِاسْتِغْراقِ الإنْسانِ فِيها، وتَهالُكِهِ عَلَيْها، وانْقِطاعِهِ بِسَبَبِها عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمّا اخْتَلَفَ الأمْرُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ قالَ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ . ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِكُلِّ ما يُعْمَلُ، ويُفْعَلُ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ﴿حَكِيمٌ﴾ مُصِيبٌ في أحْكامِهِ وأفْعالِهِ.

التوبة 9:16

صفحة ٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ كانَتْ مُرَغِّبَةً في الجِهادِ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَزِيدُ بَيانٍ في التَّرْغِيبِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿أمْ﴾ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَتَوَسَّطُ الكَلامَ، ولَوْ أُرِيدَ بِهِ الِابْتِداءُ لَكانَ بِالألِفِ أوْ بِها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ أدْخَلْتَهُ في شَيْءٍ لَيْسَ مِنهُ فَهو ولِيجَةٌ، وأصْلُهُ مِنَ الوُلُوجِ، فالدّاخِلُ الَّذِي يَكُونُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهم ولِيجَةٌ، فالوَلِيجَةُ فَعِيلَةٌ مِن ”ولَجَ“ كالدَّخِيلَةِ مِن دَخَلَ، قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: هو ولِيجَتِي وهم ولِيجَتِي لِلْواحِدِ والجَمْعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ المُكَلَّفَ في هَذِهِ الواقِعَةِ لا يَتَخَلَّصُ عَنِ العِقابِ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم، وذُكِرَ العِلْمُ، والمُرادُ مِنهُ المَعْلُومُ، والمُرادُ أنْ يَصْدُرَ الجِهادُ عَنْهم، إلّا أنَّهُ إنَّما كانَ وُجُودُ الشَّيْءِ يَلْزَمُهُ مَعْلُومُ الوُجُودِ عِنْدَ اللَّهِ، لا جَرَمَ جَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ بِوُجُودِهِ كِنايَةً عَنْ وُجُودِهِ، واحْتَجَّ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلّا حالَ وُجُودِهِ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ وإنْ كانَ يُوهِمُ ما ذَكَرَهُ إلّا أنَّ المَقْصُودَ ما بَيَّنّاهُ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الشَّرْطِ أنَّ المُجاهِدَ قَدْ يُجاهِدُ، ولا يَكُونُ مُخْلِصًا بَلْ يَكُونُ مُنافِقًا، باطِنُهُ خِلافُ ظاهِرِهِ، وهو الَّذِي يَتَّخِذُ الوَلِيجَةَ مِن دُونِ اللَّهِ ورَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَتْرُكُهم إلّا إذا أتَوْا بِالجِهادِ مَعَ الإخْلاصِ خالِيًا عَنِ النِّفاقِ والرِّياءِ، والتَّوَدُّدِ إلى الكُفّارِ، وإبْطالِ ما يُخالِفُ طَرِيقَةَ الدِّينِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ مِن إيجابِ القِتالِ نَفْسَ القِتالِ فَقَطْ، بَلِ الغَرَضُ أنْ يُؤْتى بِهِ انْقِيادًا لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِحُكْمِهِ وتَكْلِيفِهِ، لِيَظْهَرَ بِهِ بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِفاعُ، وأمّا الإقْدامُ عَلى القِتالِ لِسائِرِ الأغْراضِ فَذاكَ مِمّا لا يُفِيدُ أصْلًا. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: عالِمٌ بِنِيّاتِهِمْ وأغْراضِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، فَيَجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يُبالِغَ في أمْرِ النِّيَّةِ ورِعايَةِ القَلْبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ اللَّهَ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ الباطِنُ خِلافَ الظّاهِرِ، وإنَّما يُرِيدُ اللَّهُ مِن خَلْقِهِ الِاسْتِقامَةَ كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٠] قالَ: ولَمّا فُرِضَ القِتالُ تَبَيَّنَ المُنافِقُ مِن غَيْرِهِ، وتَمَيَّزَ مَن يُوالِي المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ يُعادِيهِمْ.

التوبة 9:17

صفحة ٧ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَدَأ السُّورَةَ بِذِكْرِ البَراءَةِ عَنِ الكُفّارِ، وبالَغَ في إيجابِ ذَلِكَ، وذَكَرَ مِن أنْواعِ فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمْ ما يُوجِبُ تِلْكَ البَراءَةَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم شُبَهًا احْتَجُّوا بِها في أنَّ هَذِهِ البَراءَةَ غَيْرُ جائِزَةٍ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ المُخالَطَةُ والمُناصَرَةُ حاصِلَةً، فَأوَّلُها ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّهم مَوْصُوفُونَ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ وخِصالٍ مَرْضِيَةٍ، وهي تُوجِبُ مُخالَطَتَهم ومُعاوَنَتَهم ومُناصَرَتَهم، ومِن جُمْلَةِ تِلْكَ الصِّفاتِ كَوْنُهم عامِرِينَ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ، أقْبَلَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فَعَيَّرُوهُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ عَلِيٌّ، وقالَ: ألَكم مَحاسِنُ ؟ فَقالَ: نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسَقِي الحاجَّ، ونَفُكُّ العانِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى رَدًّا عَلى العَبّاسِ ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عِمارَةُ المَساجِدِ قِسْمانِ: إمّا بِلُزُومِها وكَثْرَةِ إتْيانِها يُقالُ: فُلانٌ يَعْمُرُ مَجْلِسَ فُلانٍ إذا كَثُرَ غِشْيانُهُ إيّاهُ، وإمّا بِالعِمارَةِ المَعْرُوفَةِ في البِناءِ، فَإنْ كانَ المُرادُ هو الثّانِيَ، كانَ المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لِلْكافِرِ أنْ يُقْدِمَ عَلى حُرْمَةِ المَساجِدِ، وإنَّما لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ مَوْضِعُ العِبادَةِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُعَظَّمًا، والكافِرُ يُهِينُهُ ولا يُعَظِّمُهُ، وأيْضًا الكافِرُ نَجِسٌ في الحُكْمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وتَطْهِيرُ المَساجِدِ واجِبٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٥] وأيْضًا الكافِرُ لا يَحْتَرِزُ مِنَ النَّجاساتِ، فَدُخُولُهُ في المَسْجِدِ تَلْوِيثٌ لِلْمَسْجِدِ، وذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إلى فَسادِ عِبادَةِ المُسْلِمِينَ، وأيْضًا إقْدامُهُ عَلى مَرَمَّةِ المَسْجِدِ يَجْرِي مَجْرى الإنْعامِ عَلى المُسْلِمِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَصِيرَ الكافِرُ صاحِبَ المِنَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (أنْ يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اللَّهِ) عَلى الواحِدِ، والباقُونَ﴿مَساجِدَ اللَّهِ﴾ عَلى الجَمْعِ، حُجَّةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو قَوْلُهُ: عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ، وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يُرادَ المَسْجِدُ الحَرامُ، وإنَّما قِيلَ: مَساجِدَ؛ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها وإمامُها، فَعامِرُهُ كَعامِرِ جَمِيعِ المَساجِدِ. والثّانِي: أنْ يُقالَ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا شَيْئًا مِن مَساجِدِ اللَّهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَأوْلى أنْ لا يُمَكَّنُوا مِن عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي هو أشْرَفُ المَساجِدِ وأعْظَمُها. الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ يَضَعُونَ الواحِدَ مَكانَ الجَمْعِ، والجَمْعَ مَكانَ الواحِدِ، أمّا وضْعُ الواحِدِ مَكانَ الجَمْعِ فَفي قَوْلِهِمْ: فُلانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ، وأمّا وضْعُ الجَمْعِ مَكانَ الواحِدِ فَفي قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُجالِسُ المُلُوكَ مَعَ أنَّهُ لا يَجْلِسُ إلّا مَعَ مَلِكٍ واحِدٍ. الرّابِعُ: أنَّ المَسْجِدَ مَوْضِعُ السُّجُودِ، فَكُلُّ بُقْعَةٍ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَهي مَسْجِدٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ مَمْنُوعُونَ مِن عِمارَةِ مَسْجِدٍ مِن مَساجِدِ المُسْلِمِينَ، ولَوْ أوْصى بِها لَمْ تُقْبَلْ وصِيَّتُهُ، ويُمْنَعُ عَنْ دُخُولِ المَساجِدِ، وإنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ مُسْلِمٍ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ، وإنْ دَخَلَ بِإذْنٍ لَمْ يُعَزَّرْ، والأوْلى تَعْظِيمُ المَساجِدِ، ومَنعُهم مِنها، وقَدْ أنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفْدَ ثَقِيفٍ صفحة ٨ فِي المَسْجِدِ، وهم كُفّارٌ، وشَدَّ ثُمامَةَ بْنَ أُثالٍ الحَنَفِيَّ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ الحَرامِ وهو كافِرٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿شاهِدِينَ﴾ حالٌ، والمَعْنى ما كانَ لَهم أنْ يَعْمُرُوا المَساجِدَ حالَ كَوْنِهِمْ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الشَّهادَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّهم أقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، وتَكْذِيبِ القُرْآنِ، وإنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكُلُّ ذَلِكَ كُفْرٌ، فَمَن يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِكُلِّ هَذِهِ الأشْياءِ فَقَدْ شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ بِما هو كُفْرٌ في نَفْسِ الأمْرِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم شَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم كافِرُونَ. الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: شَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، هو أنَّ النَّصْرانِيَّ إذا قِيلَ لَهُ: مَن أنْتَ ؟ فَيَقُولُ: نَصْرانِيٌّ، واليَهُودِيُّ يَقُولُ: يَهُودِيٌّ، وعابِدُ الوَثَنِ يَقُولُ: أنا عابِدُ الوَثَنِ، وهَذا الوَجْهُ إنَّما يَتَقَرَّرُ بِما ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ. الثّالِثُ: أنَّ الغُلاةَ مِنهم كانُوا يَقُولُونَ: كَفَرْنا بِدِينِ مُحَمَّدٍ، وبِالقُرْآنِ، فَلَعَلَّ المُرادَ ذَلِكَ. الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ عُراةً يَقُولُونَ: لا نَطُوفُ عَلَيْها بِثِيابٍ عَصَيْنا اللَّهَ فِيها، وكُلَّما طافُوا شَوْطًا سَجَدُوا لِلْأصْنامِ، فَهَذا هو شَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِالشِّرْكِ. الخامِسُ: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. السّادِسُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ قالَ: المُرادُ أنَّهم يَشْهَدُونَ عَلى الرَّسُولِ بِالكُفْرِ، قالَ: وإنَّما جازَ هَذا التَّفْسِيرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] قالَ القاضِي: هَذا الوَجْهُ عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ، وإنَّما يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ لَوْ تَعَذَّرَ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ، أمّا لَمّا بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلى هَذا المَجازِ. وأقُولُ: لَوْ قَرَأ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ مِن قَوْلِكَ: زَيْدٌ نَفِيسٌ وعَمْرٌو أنْفَسُ مِنهُ، لَصَحَّ هَذا الوَجْهُ مِن عُدُولٍ فِيهِ عَنِ الظّاهِرِ. ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ: ما هو الفَصْلُ الحَقُّ في هَذا الكِتابِ، وهو أنَّهُ إنْ كانَ قَدْ صَدَرَ عَنْهم عَمَلٌ مِن أعْمالِ البِرِّ، مِثْلُ إكْرامِ الوالِدَيْنِ، وبِناءِ الرِّباطاتِ، وإطْعامِ الجائِعِ، وإكْرامِ الضَّيْفِ، فَكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ عِقابَ كُفْرِهِمْ زائِدٌ عَلى ثَوابِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَلا يَبْقى لِشَيْءٍ مِنها أثَرٌ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ والتَّعْظِيمِ مَعَ الكُفْرِ، وأمّا الكَلامُ في الإحْباطِ فَقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا الكِتابِ مِرارًا فَلا نُعِيدُهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ مُخَلَّدِينَ في النّارِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفاسِقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ: هم فِيها خالِدُونَ لا غَيْرُهم، ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ وارِدًا في حَقِّ الكُفّارِ ثَبَتَ أنَّ الخُلُودَ لا يَحْصُلُ إلّا لِلْكافِرِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الخُلُودَ في النّارِ جَزاءً لِلْكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ، ولَوْ كانَ هَذا الحُكْمُ ثابِتًا لِغَيْرِ اللَّهِ لَما صَحَّ تَهْدِيدُ الكافِرِ بِهِ.

التوبة 9:18

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكافِرَ لَيْسَ لَهُ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِمارَةِ المَسْجِدِ، بَيَّنَ أنَّ المُشْتَغِلَ بِهَذا العَمَلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ عِبارَةٌ عَنِ المَوْضِعِ الَّذِي يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ، فَما لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ، امْتَنَعَ أنْ يَبْنِيَ مَوْضِعًا يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما تُفِيدُ في القِيامَةِ، فَمَن أنْكَرَ القِيامَةَ لَمْ يَعْبُدِ اللَّهَ، ومَن لَمْ يَعْبُدِ اللَّهَ لَمْ يَبْنِ بِناءً لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ بِرَسُولِ اللَّهِ ؟ صفحة ٩ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا إنَّما ادَّعى رِسالَةَ اللَّهِ طَلَبًا لِلرِّياسَةِ والمُلْكِ، فَهَهُنا ذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وتَرَكَ النُّبُوَّةَ كَأنَّهُ يَقُولُ: مَطْلُوبِي مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ لَيْسَ إلّا الإيمانَ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، فَذَكَرَ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ، وحَذَفَ ذِكْرَ النُّبُوَّةِ تَنْبِيهًا لِلْكُفّارِ عَلى أنَّهُ لا مَطْلُوبَ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ إلّا هَذا القَدْرَ. الثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الصَّلاةَ، والصَّلاةُ لا تَتِمُّ إلّا بِالأذانِ والإقامَةِ والتَّشَهُّدِ، وهَذِهِ الأشْياءُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ النُّبُوَّةِ كانَ ذَلِكَ كافِيًا. الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الصَّلاةَ، والمُفْرَدُ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ يَنْصَرِفُ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، ثُمَّ المَعْهُودُ السّابِقُ مِنَ الصَّلاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ لَيْسَ إلّا الأعْمالَ الَّتِي كانَ أتى بِها مُحَمَّدٌ ﷺ، فَكانَ ذِكْرُ الصَّلاةِ دَلِيلًا عَلى النُّبُوَّةِ مِن هَذا الوَجْهِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقامَ الصَّلاةَ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن بِناءِ المَساجِدِ إقامَةُ الصَّلَواتِ، فالإنْسانُ ما لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِوُجُوبِ الصَّلَواتِ امْتَنَعَ أنْ يُقْدِمَ عَلى بِناءِ المَساجِدِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتى المالَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ اعْتِبارَ إقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ في عِمارَةِ المَسْجِدِ كَأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن عِمارَةِ المَسْجِدِ الحُضُورُ فِيهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا كانَ مُقِيمًا لِلصَّلاةِ فَإنَّهُ يَحْضُرُ في المَسْجِدِ، فَتَحْصُلُ عِمارَةُ المَسْجِدِ بِهِ، وإذا كانَ مُؤْتِيًا لِلزَّكاةِ فَإنَّهُ يَحْضُرُ في المَسْجِدِ طَوائِفُ الفُقَراءِ والمَساكِينِ لِطَلَبِ أخْذِ الزَّكاةِ، فَتَحْصُلُ عِمارَةُ المَسْجِدِ بِهِ، وأمّا إذا حَمَلْنا العِمارَةَ عَلى مَصالِحِ البِناءِ فَإيتاءُ الزَّكاةِ مُعْتَبَرٌ في هَذا البابِ أيْضًا؛ لِأنَّ إيتاءَ الزَّكاةِ واجِبٌ، وبِناءَ المَسْجِدِ نافِلَةٌ، والإنْسانُ ما لَمْ يَفْرَغْ عَنِ الواجِبِ لا يَشْتَغِلُ بِالنّافِلَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّيًا لِلزَّكاةِ لَمْ يَشْتَغِلْ بِبِناءِ المَساجِدِ. والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَنى في أوَّلِ الإسْلامِ عَلى بابِ دارِهِ مَسْجِدًا، وكانَ يُصَلِّي فِيهِ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ، والكَفّارُ يُؤْذُونَهُ بِسَبَبِهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو تِلْكَ الحالَةَ، يَعْنِي: أنَّهُ وإنْ خافَ النّاسُ مِن بِناءِ المَسْجِدِ إلّا أنَّهُ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ، ولا يَخْشاهم، ولَكِنَّهُ يَبْنِي المَسْجِدَ لِلْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَبْنِيَ المَسْجِدَ لا لِأجْلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، وأنْ يُقالَ: إنَّ فُلانًا يَبْنِي مَسْجِدًا، ولَكِنَّهُ يَبْنِيهِ لِمُجَرَّدِ طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، ولِمُجَرَّدِ تَقْوِيَةِ دِينِ اللَّهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ والمُؤْمِنُ قَدْ يَخافُ الظَّلَمَةَ والمُفْسِدِينَ ؟ قُلْنا: المُرادُ مِن هَذِهِ الخَشْيَةِ الخَوْفُ والتَّقْوى في بابِ الدِّينِ، وأنْ لا يَخْتارَ عَلى رِضا اللَّهِ رِضا غَيْرِهِ. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ، وكَلِمَةُ﴿إنَّما﴾ تُفِيدُ الحَصْرَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَسْجِدَ يَجِبُ صَوْنُهُ عَنْ غَيْرِ العِبادَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ فُضُولُ الحَدِيثِ، وإصْلاحُ مُهِمّاتِ الدُّنْيا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«يَأْتِي في آخِرِ الزَّمانِ أُناسٌ مِن أُمَّتِي يَأْتُونَ المَساجِدَ، يَقْعُدُونَ فِيها حِلَقًا ذِكْرُهُمُ الدُّنْيا وحُبُّ الدُّنْيا، لا تُجالِسُوهم فَلَيْسَ لِلَّهِ بِهِمْ حاجَةٌ» “ وفي الحَدِيثِ: ”«الحَدِيثُ في المَسْجِدِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ البَهِيمَةُ الحَشِيشَ» “ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: ”إنَّ بُيُوتِي في الأرْضِ المَساجِدُ، وإنَّ زُوّارِي فِيها عُمّارُها طُوبى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ زارَنِي في بَيْتِي، فَحَقٌّ عَلى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ زائِرَهُ“» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن ألِفَ المَسْجِدَ ألِفَهُ اللَّهُ تَعالى» “ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعاهَدُ المَسْجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» “ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن أسْرَجَ في مَسْجِدٍ سِراجًا لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ صفحة ١٠ وحَمَلَةُ العَرْشِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ما دامَ في المَسْجِدِ ضَوْؤُهُ» “ وهَذِهِ الأحادِيثُ نَقَلَها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأوْصافَ قالَ: ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: (عَسى) مِنَ اللَّهِ واجِبٌ؛ لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ الشَّكِّ والتَّرَدُّدِ. الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ:(عَسى) هَهُنا راجِعٌ إلى العِبادِ، وهو يُفِيدُ الرَّجاءَ، فَكانَ المَعْنى إنَّ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِهَذِهِ الطّاعاتِ إنَّما يَأْتُونَ بِها عَلى رَجاءِ الفَوْزِ بِالِاهْتِداءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [السَّجْدَةِ: ١٦] والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ العَبْدَ عِنْدَ الإتْيانِ بِهَذِهِ الأعْمالِ لا يَقْطَعُ عَلى الفَوْزِ بِالثَّوابِ؛ لِأنَّهُ يُجَوِّزُ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ قَدْ أخَلَّ بِقَيْدٍ مِنَ القُيُودِ المُعْتَبَرَةِ في حُصُولِ القَبُولِ. والثّالِثُ وهو أحْسَنُ الوُجُوهِ: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ تَبْعِيدُ المُشْرِكِينَ عَنْ مَواقِفِ الِاهْتِداءِ، وحَسْمُ أطْماعِهِمْ في الِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي اسْتَعْظَمُوها وافْتَخَرُوا بِها، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وضَمُّوا إلى إيمانِهِمُ العَمَلَ بِالشَّرائِعِ وضَمُّوا إلَيْها الخَشْيَةَ مِنَ اللَّهِ، فَهَؤُلاءِ صارَ حُصُولُ الِاهْتِداءِ لَهم دائِرًا بَيْنَ -لَعَلَّ وعَسى- فَما بالُ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَقْطَعُونَ بِأنَّهم مُهْتَدُونَ، ويَجْزِمُونَ بِفَوْزِهِمْ بِالخَيْرِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا الكَلامِ ونَحْوِهِ لُطْفٌ بِالمُؤْمِنِينَ في تَرْجِيحِ الخَشْيَةِ عَلى الرَّجاءِ.

التوبة 9:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أقْوالًا في نُزُولِ الآيَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ: إنَّ عَلِيًّا لَمّا أغْلَظَ الكَلامَ لِلْعَبّاسِ، قالَ العَبّاسُ: إنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ، والهِجْرَةِ، والجِهادِ، فَلَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسَقِي الحاجَّ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلْيَهُودِ: نَحْنُ سُقاةُ الحاجِّ وعُمّارُ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَنَحْنُ أفْضَلُ أمْ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ ؟ فَقالَتِ اليَهُودُ لَهم: أنْتُمْ أفْضَلُ، وقِيلَ: «إنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِلْعَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ إسْلامِهِ: يا عَمِّي ألا تُهاجِرُونَ ألا تَلْحَقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقالَ: ألَسْتُ في أفْضَلِ مِنَ الهِجْرَةِ ؟ أسْقِي حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ، وأعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ: ما أرانِي إلّا تارِكَ سِقايَتِنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أقِيمُوا عَلى سِقَياتِكم، فَإنَّ لَكم فِيها خَيْرًا“» وقِيلَ: افْتَخَرَ طَلْحَةُ بْنُ شَيْبَةَ والعَبّاسُ وعَلِيٌّ، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ بِيَدِي مِفْتاحُهُ، ولَوْ أرَدْتُ بِتُّ فِيهِ، وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ والقائِمُ عَلَيْها، قالَ عَلِيٌّ: أنا صاحِبُ الجِهادِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُفاضَلَةٌ جَرَتْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنَّها جَرَتْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ، أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّها جَرَتْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَقَدِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ أُولَئِكَ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٠] وهَذا يَقْتَضِي أيْضًا أنْ يَكُونَ لِلْمَرْجُوحِ أيْضًا دَرَجَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُؤْمِنِ وسَنُجِيبُ عَنْ هَذا الكَلامِ إذا انْتَهَيْنا إلَيْهِ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: صفحة ١١ إنَّها جَرَتْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ، فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وبَيَّنَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ، وهَذا هو الأقْرَبُ عِنْدِي. وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنْ نَقُولَ: إنّا قَدْ نَقَلْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أنَّ العَبّاسَ احْتَجَّ عَلى فَضائِلِ نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَمَّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وسَقى الحاجَّ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: ما بُيِّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ عِمارَةَ المَسْجِدِ، إنَّما تُوجِبُ الفَضِيلَةَ إذا كانَتْ صادِرَةً عَنِ المُؤْمِنِ، أمّا إذا كانَتْ صادِرَةً عَنِ الكافِرِ فَلا فائِدَةَ فِيها ألْبَتَّةَ. والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ: كُلُّ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنْ يُقالَ: هَبْ أنّا سَلَّمْنا أنَّ عِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وسَقْيَ الحاجِّ يُوجِبُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الفَضِيلَةِ، إلّا أنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ، والجِهادِ قَلِيلٌ جِدًّا، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ الأعْمالِ في مُقابَلَةِ الإيمانِ بِاللَّهِ والجِهادِ خَطَأً؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي مُقابَلَةَ الشَّيْءِ الشَّرِيفِ الرَّفِيعِ جِدًّا بِالشَّيْءِ الحَقِيرِ التّافِهِ جِدًّا، وأنَّهُ باطِلٌ، فَهَذا هو الوَجْهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَحْصُلُ النَّظْمُ الصَّحِيحُ لِهَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: السِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرانِ مِن سَقى وعَمَرَ كالصِّيانَةِ والوِقايَةِ. واعْلَمْ أنَّ السِّقايَةَ والعِمارَةَ فِعْلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الفاعِلِ، فَظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ الفِعْلِ بِالفاعِلِ، والصِّفَةِ بِالذّاتِ وإنَّهُ مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: التَّقْدِيرُ أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ ؟ ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ (سُقاةُ الحاجِّ وعَمَرَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ) . والثّانِي: أنْ نَقُولَ: التَّقْدِيرُ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ كَإيمانِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ؟ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: كانَتِ السِّقايَةُ بِنَبِيذِ الزَّبِيبِ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ وجَدَ نَبِيذَ السِّقايَةِ مِنَ الزَّبِيبِ شَدِيدًا، فَكَسَرَ مِنهُ بِالماءِ ثَلاثًا، وقالَ: إذا اشْتَدَّ عَلَيْكم فاكْسِرُوا مِنهُ بِالماءِ. وأمّا عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ فالمُرادُ تَجْهِيزُهُ، وتَحْسِينُ صُورَةِ جُدْرانِهِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى وصْفَ الفَرِيقَيْنِ قالَ: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ ولَكِنْ لَمّا كانَ نَفْيُ المُساواةِ بَيْنَهُما لا يُفِيدُ أنَّ الرّاجِحَ مَن هو ؟ نَبَّهَ عَلى الرّاجِحِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الكافِرِينَ ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ، فَإنَّهم خُلِقُوا لِلْإيمانِ وهم رَضُوا بِالكُفْرِ وكانُوا ظالِمِينَ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وأيْضًا ظَلَمُوا المَسْجِدَ الحَرامَ، فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ لِيَكُونَ مَوْضِعًا لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَجَعَلُوهُ مَوْضِعًا لِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَكانَ هَذا ظُلْمًا.

التوبة 9:20

قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ١٢ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ﴾ ( هُمُ الفائِزُونَ ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَرْجِيحَ الإيمانِ والجِهادِ عَلى السِّقايَةِ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، عَلى طَرِيقِ الرَّمْزِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ هَذا التَّرْجِيحِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ كانَ أعْظَمَ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ الأرْبَعَةُ هي هَذِهِ: فَأوَّلُها: الإيمانُ. وثانِيها: الهِجْرَةُ. وثالِثُها: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالمالِ. ورابِعُها: الجِهادُ بِالنَّفْسِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ في غايَةِ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لَيْسَ لَهُ إلّا مَجْمُوعَ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: الرُّوحُ، والبَدَنُ، والمالُ، أمّا الرُّوحُ فَلَمّا زالَ عَنْهُ الكُفْرُ وحَصَلَ فِيهِ الإيمانُ، فَقَدْ وصَلَ إلى مَراتِبِ السَّعاداتِ اللّائِقَةِ بِها. وأمّا البَدَنُ والمالُ فَبِسَبَبِ الهِجْرَةِ وقَعا في النُّقْصانِ، وبِسَبَبِ الِاشْتِغالِ بِالجِهادِ صارا مُعَرَّضَيْنِ لِلْهَلاكِ والبُطْلانِ، ولا شَكَّ أنَّ النَّفْسَ والمالَ مَحْبُوبُ الإنْسانِ، والإنْسانُ لا يُعْرِضُ عَنْ مَحْبُوبِهِ إلّا لِلْفَوْزِ بِمَحْبُوبٍ أكْمَلَ مِنَ الأوَّلِ، فَلَوْلا أنَّ طَلَبَ الرِّضْوانِ أتَمُّ عِنْدَهم مِنَ النَّفْسِ والمالِ، وإلّا لَما رَجَّحُوا جانِبَ الآخِرَةِ عَلى جانِبِ النَّفْسِ والمالِ، ولَما رَضُوا بِإهْدارِ النَّفْسِ والمالِ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ عِنْدَ حُصُولِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ صارَ الإنْسانُ واصِلًا إلى آخِرِ دَرَجاتِ البَشَرِيَّةِ، وأوَّلِ مَراتِبِ دَرَجاتِ المَلائِكَةِ، وأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ، وبَيْنَ الإقْدامِ عَلى السِّقايَةِ والعِمارَةِ لِمُجَرَّدِ الِاقْتِداءِ بِالآباءِ والأسْلافِ، ولِطَلَبِ الرِّياسَةِ والسُّمْعَةِ ؟ فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ اليَقِينِيِّ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ المُشْتَغِلِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَيَّنَ ذِكْرَهم لَأوْهَمَ أنَّ فَضِيلَتَهم إنَّما حَصَلَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، ولَمّا تَرَكَ ذِكْرَ المَرْجُوحِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم أفْضَلُ مِن كُلِّ مَن سِواهم عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّهُ لا يُعْقَلُ حُصُولُ سَعادَةٍ وفَضِيلَةٍ لِلْإنْسانِ أعْلى وأكْمَلَ مِن هَذا الصِّفاتِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِ العَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ الِاسْتِغْراقُ في عُبُودِيَّتِهِ وطاعَتِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ العِنْدِيَّةَ بِحَسَبِ الجِهَةِ والمَكانِ، وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ أنَّ المَلائِكَةَ كَما حَصَلَتْ لَهم مَنقَبَةُ العِنْدِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] فَكَذَلِكَ الأرْواحُ القُدُسِيَّةُ البَشَرِيَّةُ إذا تَطَهَّرَتْ عَنْ دَنَسِ الأوْصافِ البَدَنِيَّةِ والقاذُوراتِ الجَسَدانِيَّةِ، أشْرَقَتْ بِأنْوارِ الجَلالَةِ وتَجَلّى فِيها أضْواءُ عالَمِ الكَمالِ، وتَرَقَّتْ مِنَ العَبْدِيَّةِ إلى العِنْدِيَّةِ، بَلْ كَأنَّهُ لا كَمالَ في العَبْدِيَّةِ إلّا مُشاهَدَةَ حَقِيقَةِ العِنْدِيَّةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسْراءِ: ١] . فَإنْ قِيلَ: لَمّا أخْبَرْتُمْ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ كانَتْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ، فَكَيْفَ قالَ في وصْفِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْكُفّارِ دَرَجَةٌ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا ورَدَ عَلى حَسَبِ ما كانُوا يُقَدِّرُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الدَّرَجَةِ والفَضِيلَةِ عِنْدَ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ [النَّمْلِ: ٥٩] وقَوْلُهُ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصّافّاتِ: ٦٢] . الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِن كُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ صفحة ١٣ الصِّفاتِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمّا كانُوا أفْضَلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ما كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَبِأنْ لا يُقاسُوا إلى الكُفّارِ أوْلى. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ المُؤْمِنَ المُجاهِدَ المُهاجِرَ أفْضَلُ مِمَّنْ عَلى السِّقايَةِ والعِمارَةِ، والمُرادُ مِنهُ تَرْجِيحُ تِلْكَ الأعْمالِ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ، ولا شَكَّ أنَّ السِّقايَةَ والعِمارَةَ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، وإنَّما بَطَلَ إيجابُهُما لِلثَّوابِ في حَقِّ الكُفّارِ؛ لِأنَّ قِيامَ الكُفْرِ وهو أعْظَمُ الجِناياتِ يَمْنَعُ ظُهُورَ ذَلِكَ الأثَرِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ والهِجْرَةِ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ وهَذا لِلْحَصْرِ، والمَعْنى أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ بِالدَّرَجَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي وقَعَتِ الإشارَةُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهي دَرَجَةُ العِنْدِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وعَرَفَهُ فَقَلَّ أنْ يَبْقى قَلْبُهُ مُلْتَفِتًا إلى الدُّنْيا، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْتالُ إلى إزالَةِ هَذِهِ العُقْدَةِ عَنْ جَوْهَرِ الرُّوحِ، وإزالَةُ حُبِّ الدُّنْيا لا يَتِمُّ لَهُ إلّا بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ النَّفْسِ وبَيْنَ لَذّاتِ الدُّنْيا، فَإذا دامَ ذَلِكَ التَّفْرِيقُ، وانْتَقَصَ تَعَلُّقُهُ بِحُبِّ الدُّنْيا، فَهَذا التَّفْرِيقُ والنَّقْصُ يَحْصُلانِ بِالهِجْرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَهُ لا بُدَّ مِنَ اسْتِحْقارِ الدُّنْيا والوُقُوفِ عَلى مَعايِبِها وصَيْرُورَتِها في عَيْنِ العاقِلِ بِحَيْثُ يُوجِبُ عَلى نَفْسِهِ تَرْكَها ورَفْضَها، وذَلِكَ إنَّما يَتِمُّ بِالجِهادِ؛ لِأنَّهُ تَعْرِيضُ النَّفْسِ والمالِ لِلْهَلاكِ والبَوارِ، ولَوْلا أنَّهُ اسْتَحْقَرَ الدُّنْيا وإلّا لَما فَعَلَ ذَلِكَ، وعِنْدَ هَذا يَتِمُّ ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وهو أنَّ العِرْفانَ مُبْتَدَأٌ مِن تَفْرِيقٍ ونَقْصٍ وتَرْكٍ ورَفْضٍ، ثُمَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الحالَةِ يَصِيرُ القَلْبُ مُشْتَغِلًا بِالنَّظَرِ إلى صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ، وفي مُشاهَدَتِها يَحْصُلُ بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ، فَيَصِيرُ الإنْسانُ شَهِيدًا مُشاهِدًا لِعالَمِ الجَلالِ مُكاشِفًا بِنُورِ الجَلالَةِ مَشْهُودًا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وعِنْدَ هَذا يَحْصُلُ الِانْتِهاءُ إلى حَضْرَةِ الأحَدِ الصَّمَدِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهُنا يَحِقُّ الوُقُوفُ في الوُصُولِ.

التوبة 9:21

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الإشارَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أنْواعٍ مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، وأنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ فِيها بِالأشْرَفِ فالأشْرَفِ، نازِلًا إلى الأدْوَنِ فالأدْوَنِ، ونَحْنُ نُفَسِّرُها تارَةً عَلى طَرِيقِ المُتَكَلِّمِينَ وأُخْرى عَلى طَرِيقَةِ العارِفِينَ. أمّا الأوَّلُ فَنَقُولُ: فالمَرْتَبَةُ الأُولى مِنها وهي أعْلاها وأشْرَفُها كَوْنُ تِلْكَ البِشارَةِ حاصِلَةً مِن رَبِّهِمْ بِالرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ، وهَذا هو التَّعْظِيمُ والإجْلالُ مِن قِبَلِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ لَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى حُصُولِ المَنافِعِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِيها نَعِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ المَنافِعِ خالِصَةً عَنِ المُكَدِّراتِ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ مُبالَغَةٌ في النِّعْمَةِ، ولا مَعْنى لِلْمُبالَغَةِ في النِّعْمَةِ إلّا خَلُوُّها عَنْ مُمازَجَةِ الكُدُوراتِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقِيمٌ﴾ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِها دائِمَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ دَوامِها بِثَلاثِ عِباراتٍ: أوَّلُها: ﴿مُقِيمٌ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾ . فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى يُبَشِّرُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ بِمَنفَعَةٍ خالِصَةٍ دائِمَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ هو حَدُّ الثَّوابِ، وفائِدَةُ تَخْصِيصِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ هَذا الثَّوابِ كامِلَ الدَّرَجَةِ عالِيَ الرُّتْبَةِ بِحَسْبَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ القُيُودِ الأرْبَعَةِ، ومِنَ المُتَكَلِّمِينَ مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ المُرادُ مِنهُ خَيْراتُ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ﴾ المُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ تَعالى راضِيًا عَنْهم حالَ كَوْنِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا وقَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ﴾ المُرادُ مِنهُ المَنافِعُ وقَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها نَعِيمٌ﴾ المُرادُ مِنهُ كَوْنُ تِلْكَ النِّعَمِ صفحة ١٤ خالِصَةً عَنِ المُكَدِّراتِ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ مُبالَغَةٌ في النِّعْمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ المُرادُ مِنهُ الإجْلالُ والتَّعْظِيمُ الَّذِي يَجِبُ حُصُولُهُ في الثَّوابِ. وأمّا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى طَرِيقَةِ العارِفِينَ المُحِبِّينَ المُشْتاقِينَ فَنَقُولُ: المَرْتَبَةُ الأُولى مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الفَرَحَ بِالنِّعْمَةِ يَقَعُ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَفْرَحَ بِالنِّعْمَةِ؛ لِأنَّها نِعْمَةٌ. والثّانِي: أنْ يَفْرَحَ بِها لا مِن حَيْثُ هي بَلْ مِن حَيْثُ إنَّ المُنْعِمَ خَصَّهُ بِها وشَرَّفَهُ، وإنْ عَجَزَ ذِهْنُكَ عَنِ الوُصُولِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فَتَأمَّلْ فِيما إذا كانَ العَبْدُ واقِفًا في حَضْرَةِ السُّلْطانِ الأعْظَمِ، وسائِرُ العَبِيدِ كانُوا واقِفِينَ في خِدْمَتِهِ، فَإذا رَمى ذَلِكَ السُّلْطانُ تُفّاحَةً إلى أحَدِ أُولَئِكَ العَبِيدِ عَظُمَ فَرَحُهُ بِها، فَذَلِكَ الفَرَحُ العَظِيمُ ما حَصَلَ بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ التُّفّاحَةِ، بَلْ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ السُّلْطانَ خَصَّهُ بِذَلِكَ الإكْرامِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا. قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ مِنهم مَن كانَ فَرَحُهم بِسَبَبِ الفَوْزِ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، ومِنهم مَن لَمْ يَفْرَحْ بِالفَوْزِ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ وإنَّما فَرِحَ؛ لِأنَّ مَوْلاهُ خَصَّهُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ فَرَحُهُ لا بِالرَّحْمَةِ بَلْ بِمَن أعْطى الرَّحْمَةَ، ثُمَّ إنَّ هَذا المَقامَ يَحْصُلُ فِيهِ أيْضًا دَرَجاتٌ، فَمِنهم مَن يَكُونُ فَرَحُهُ بِالرّاحِمِ؛ لِأنَّهُ رَحِمَ، ومِنهم مَن يَتَوَغَّلُ في الخُلُوصِ فَيَنْسى الرَّحْمَةَ، ولا يَكُونُ فَرَحُهُ إلّا بِالمَوْلى؛ لِأنَّهُ هو المَقْصِدُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ ما دامَ مَشْغُولًا بِالحَقِّ مِن حَيْثُ إنَّهُ راحِمٌ فَهو غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ في الحَقِّ، بَلْ تارَةً مَعَ الحَقِّ وتارَةً مَعَ الخَلْقِ، فَإذا تَمَّ الأمْرُ انْقَطَعَ عَنِ الخَلْقِ، وغَرِقَ في بَحْرِ نُورِ الحَقِّ، وغَفَلَ عَنِ المَحَبَّةِ والمِحْنَةِ، والنِّقْمَةِ والنِّعْمَةِ، والبَلاءِ والآلاءِ، والمُحَقِّقُونَ وقَفُوا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ فَكانَ ابْتِهاجُهم بِهَذا وسُرُورُهم بِهِ، وتَعْوِيلُهم عَلَيْهِ ورُجُوعُهم إلَيْهِ، ومِنهم مَن لَمْ يَصِلْ إلى تِلْكَ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ، فَلا تَقْنَعُ نَفْسُهُ إلّا بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ فَلا يَعْرِفُ أنَّ الِاسْتِبْشارَ بِسَماعِ قَوْلِ رَبِّهِمْ، بَلْ إنَّما يَسْتَبْشِرُ بِمَجْمُوعِ كَوْنِهِ مُبَشَّرًا بِالرَّحْمَةِ. والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: هي أنْ يَكُونَ اسْتِبْشارُهُ بِالرَّحْمَةِ وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي النّازِلَةُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، واللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ مِن لَطائِفِ هَذِهِ الآيَةِ هي أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنْواعٍ مِنَ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ: أوَّلُها: أنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالرَّحْمَةِ والإحْسانِ. والثّانِي: أنَّ بِشارَةَ كُلِّ أحَدٍ يَجِبُ أنْ تَكُونَ لائِقَةً بِحالِهِ، فَلَمّا كانَ المُبَشِّرُ هَهُنا هو أكْرَمَ الأكْرَمِينَ، وجَبَ أنْ تَكُونَ البِشارَةُ بِخَيْراتٍ تَعْجَزُ العُقُولُ عَنْ وصْفِها، وتَتَقاصَرُ الأفْهامُ عَنْ نَعْتِها. والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ هَهُنا بِالرَّبِّ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ التَّرْبِيَةِ كَأنَّهُ قالَ: الَّذِي رَبّاكم في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ الَّتِي لا حَدَّ لَها، ولا حَصْرَ لَها يُبَشِّرُكم بِخَيْراتٍ عالِيَةٍ وسِعاداتٍ كامِلَةٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿رَبُّهُمْ﴾ فَأضافَ نَفْسَهُ إلَيْهِمْ، وما أضافَهم إلى نَفْسِهِ. والخامِسُ: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَهم عَلى ذِكْرِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ . والسّادِسُ: أنَّ البِشارَةَ هي الإخْبارُ عَنْ حُدُوثِ شَيْءٍ ما كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ، أمّا لَوْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ لَمْ يَكُنْ بِشارَةً، ألا تَرى أنَّ الفُقَهاءَ قالُوا: لَوْ أنَّ رَجُلًا قالَ: مَن يُبَشِّرُنِي مِن عَبِيدِي بِقُدُومِ ولَدِي فَهو حُرٌّ، فَأوَّلُ مَن أخْبَرَ بِذَلِكَ الخَبَرِ يُعْتَقُ، والَّذِينَ يُخْبِرُونَ بَعْدَهُ لا يُعْتَقُونَ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ حُصُولِ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبَ السَّعاداتِ ما عَرَفُوها قَبْلَ ذَلِكَ، وجَمِيعُ لَذّاتِ الجَنَّةِ وخَيْراتِها وطَيِّباتِها قَدْ عَرَفُوهُ في الدُّنْيا مِنَ القُرْآنِ، والإخْبارِ عَنْ حُصُولِ بِشارَةٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ هَذِهِ البِشارَةُ بِشارَةً عَنْ سَعاداتٍ لا تَصِلُ العُقُولُ إلى وصْفِها ألْبَتَّةَ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى الوُصُولَ إلَيْها بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ. صفحة ١٥ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي بِهِ يُبَشِّرُهم وهو أُمُورٌ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٍ﴾ . وأنا أظُنُّ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أنَّ المُرادَ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفَجْرِ: ٢٨] والرَّحْمَةُ كَوْنُ العَبْدِ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الحالَةُ كانَ نَظَرُهُ عَلى المُبْلِي والمُنْعِمِ لا عَلى النِّعْمَةِ والبَلاءِ، ومَن كانَ نَظَرُهُ عَلى المُبْلِي والمُنْعِمِ لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُهُ؛ لِأنَّ المُبْلِيَ والمُنْعِمَ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّغَيُّرِ. فالحاصِلُ أنَّ حالَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ التَّغَيُّرِ، أمّا مَن كانَ طالِبًا لِمَحْضِ النَّفْسِ كانَ أبَدًا في التَّغَيُّرِ مِنَ الفَرَحِ إلى الحُزْنِ، ومِنَ السُّرُورِ إلى الغَمِّ، ومِنَ الصِّحَّةِ إلى الجِراحَةِ، ومِنَ اللَّذَّةِ إلى الألَمِ، فَثَبَتَ أنَّ الرَّحْمَةَ التّامَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَما يَصِيرُ العَبْدُ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ هو أنَّهُ يُزِيلُ عَنْ قَلْبِهِ الِالتِفاتَ إلى غَيْرِ هَذِهِ الحالَةِ، ويَجْعَلُهُ راضِيًا بِقَضائِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَصِيرُ راضِيًا. وهو قَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٍ﴾ وعِنْدَ هَذا تَصِيرُ هاتانِ الحالَتانِ هُما المَذْكُورَتانِ في قَوْلِهِ: ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ وهَذِهِ هي الجَنَّةُ الرُّوحانِيَّةُ النُّورانِيَّةُ العَقْلِيَّةُ القُدُسِيَّةُ الإلَهِيَّةُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذِهِ الجَنَّةَ العالِيَةَ المُقَدَّسَةَ ذَكَرَ الجَنَّةَ الجُسْمانِيَّةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ المَراتِبِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأحْوالَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ والمَقْصُودُ شَرْحُ تَعْظِيمِ هَذِهِ الأحْوالِ، ولْنَخْتِمْ هَذا الفَصْلَ بِبَيانِ أنَّ أصْحابَنا يَقُولُونَ: إنَّ الخُلُودَ يَدُلُّ عَلى طُولِ المُكْثِ، ولا يَدُلُّ عَلى التَّأْبِيدِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ في هَذا البابِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ ولَوْ كانَ الخُلُودُ يُفِيدُ التَّأْبِيدَ، لَكانَ ذِكْرُ التَّأْبِيدِ بَعْدَ ذِكْرِ الخُلُودِ تِكْرارًا وأنَّهُ لا يَجُوزُ.

التوبة 9:22

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الإشارَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أنْواعٍ مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، وأنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ فِيها بِالأشْرَفِ فالأشْرَفِ، نازِلًا إلى الأدْوَنِ فالأدْوَنِ، ونَحْنُ نُفَسِّرُها تارَةً عَلى طَرِيقِ المُتَكَلِّمِينَ وأُخْرى عَلى طَرِيقَةِ العارِفِينَ. أمّا الأوَّلُ فَنَقُولُ: فالمَرْتَبَةُ الأُولى مِنها وهي أعْلاها وأشْرَفُها كَوْنُ تِلْكَ البِشارَةِ حاصِلَةً مِن رَبِّهِمْ بِالرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ، وهَذا هو التَّعْظِيمُ والإجْلالُ مِن قِبَلِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ لَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى حُصُولِ المَنافِعِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِيها نَعِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ المَنافِعِ خالِصَةً عَنِ المُكَدِّراتِ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ مُبالَغَةٌ في النِّعْمَةِ، ولا مَعْنى لِلْمُبالَغَةِ في النِّعْمَةِ إلّا خَلُوُّها عَنْ مُمازَجَةِ الكُدُوراتِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقِيمٌ﴾ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِها دائِمَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ دَوامِها بِثَلاثِ عِباراتٍ: أوَّلُها: ﴿مُقِيمٌ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾ . فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى يُبَشِّرُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ بِمَنفَعَةٍ خالِصَةٍ دائِمَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ هو حَدُّ الثَّوابِ، وفائِدَةُ تَخْصِيصِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ هَذا الثَّوابِ كامِلَ الدَّرَجَةِ عالِيَ الرُّتْبَةِ بِحَسْبَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ القُيُودِ الأرْبَعَةِ، ومِنَ المُتَكَلِّمِينَ مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ المُرادُ مِنهُ خَيْراتُ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ﴾ المُرادُ مِنهُ كَوْنُهُ تَعالى راضِيًا عَنْهم حالَ كَوْنِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا وقَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ﴾ المُرادُ مِنهُ المَنافِعُ وقَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها نَعِيمٌ﴾ المُرادُ مِنهُ كَوْنُ تِلْكَ النِّعَمِ صفحة ١٤ خالِصَةً عَنِ المُكَدِّراتِ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ مُبالَغَةٌ في النِّعْمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ المُرادُ مِنهُ الإجْلالُ والتَّعْظِيمُ الَّذِي يَجِبُ حُصُولُهُ في الثَّوابِ. وأمّا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى طَرِيقَةِ العارِفِينَ المُحِبِّينَ المُشْتاقِينَ فَنَقُولُ: المَرْتَبَةُ الأُولى مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الفَرَحَ بِالنِّعْمَةِ يَقَعُ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَفْرَحَ بِالنِّعْمَةِ؛ لِأنَّها نِعْمَةٌ. والثّانِي: أنْ يَفْرَحَ بِها لا مِن حَيْثُ هي بَلْ مِن حَيْثُ إنَّ المُنْعِمَ خَصَّهُ بِها وشَرَّفَهُ، وإنْ عَجَزَ ذِهْنُكَ عَنِ الوُصُولِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فَتَأمَّلْ فِيما إذا كانَ العَبْدُ واقِفًا في حَضْرَةِ السُّلْطانِ الأعْظَمِ، وسائِرُ العَبِيدِ كانُوا واقِفِينَ في خِدْمَتِهِ، فَإذا رَمى ذَلِكَ السُّلْطانُ تُفّاحَةً إلى أحَدِ أُولَئِكَ العَبِيدِ عَظُمَ فَرَحُهُ بِها، فَذَلِكَ الفَرَحُ العَظِيمُ ما حَصَلَ بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ التُّفّاحَةِ، بَلْ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ السُّلْطانَ خَصَّهُ بِذَلِكَ الإكْرامِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا. قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ مِنهم مَن كانَ فَرَحُهم بِسَبَبِ الفَوْزِ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، ومِنهم مَن لَمْ يَفْرَحْ بِالفَوْزِ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ وإنَّما فَرِحَ؛ لِأنَّ مَوْلاهُ خَصَّهُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ فَرَحُهُ لا بِالرَّحْمَةِ بَلْ بِمَن أعْطى الرَّحْمَةَ، ثُمَّ إنَّ هَذا المَقامَ يَحْصُلُ فِيهِ أيْضًا دَرَجاتٌ، فَمِنهم مَن يَكُونُ فَرَحُهُ بِالرّاحِمِ؛ لِأنَّهُ رَحِمَ، ومِنهم مَن يَتَوَغَّلُ في الخُلُوصِ فَيَنْسى الرَّحْمَةَ، ولا يَكُونُ فَرَحُهُ إلّا بِالمَوْلى؛ لِأنَّهُ هو المَقْصِدُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ ما دامَ مَشْغُولًا بِالحَقِّ مِن حَيْثُ إنَّهُ راحِمٌ فَهو غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ في الحَقِّ، بَلْ تارَةً مَعَ الحَقِّ وتارَةً مَعَ الخَلْقِ، فَإذا تَمَّ الأمْرُ انْقَطَعَ عَنِ الخَلْقِ، وغَرِقَ في بَحْرِ نُورِ الحَقِّ، وغَفَلَ عَنِ المَحَبَّةِ والمِحْنَةِ، والنِّقْمَةِ والنِّعْمَةِ، والبَلاءِ والآلاءِ، والمُحَقِّقُونَ وقَفُوا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ فَكانَ ابْتِهاجُهم بِهَذا وسُرُورُهم بِهِ، وتَعْوِيلُهم عَلَيْهِ ورُجُوعُهم إلَيْهِ، ومِنهم مَن لَمْ يَصِلْ إلى تِلْكَ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ، فَلا تَقْنَعُ نَفْسُهُ إلّا بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ فَلا يَعْرِفُ أنَّ الِاسْتِبْشارَ بِسَماعِ قَوْلِ رَبِّهِمْ، بَلْ إنَّما يَسْتَبْشِرُ بِمَجْمُوعِ كَوْنِهِ مُبَشَّرًا بِالرَّحْمَةِ. والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: هي أنْ يَكُونَ اسْتِبْشارُهُ بِالرَّحْمَةِ وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي النّازِلَةُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، واللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ مِن لَطائِفِ هَذِهِ الآيَةِ هي أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى أنْواعٍ مِنَ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ: أوَّلُها: أنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالرَّحْمَةِ والإحْسانِ. والثّانِي: أنَّ بِشارَةَ كُلِّ أحَدٍ يَجِبُ أنْ تَكُونَ لائِقَةً بِحالِهِ، فَلَمّا كانَ المُبَشِّرُ هَهُنا هو أكْرَمَ الأكْرَمِينَ، وجَبَ أنْ تَكُونَ البِشارَةُ بِخَيْراتٍ تَعْجَزُ العُقُولُ عَنْ وصْفِها، وتَتَقاصَرُ الأفْهامُ عَنْ نَعْتِها. والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ هَهُنا بِالرَّبِّ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ التَّرْبِيَةِ كَأنَّهُ قالَ: الَّذِي رَبّاكم في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ الَّتِي لا حَدَّ لَها، ولا حَصْرَ لَها يُبَشِّرُكم بِخَيْراتٍ عالِيَةٍ وسِعاداتٍ كامِلَةٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿رَبُّهُمْ﴾ فَأضافَ نَفْسَهُ إلَيْهِمْ، وما أضافَهم إلى نَفْسِهِ. والخامِسُ: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَهم عَلى ذِكْرِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ . والسّادِسُ: أنَّ البِشارَةَ هي الإخْبارُ عَنْ حُدُوثِ شَيْءٍ ما كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ، أمّا لَوْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ لَمْ يَكُنْ بِشارَةً، ألا تَرى أنَّ الفُقَهاءَ قالُوا: لَوْ أنَّ رَجُلًا قالَ: مَن يُبَشِّرُنِي مِن عَبِيدِي بِقُدُومِ ولَدِي فَهو حُرٌّ، فَأوَّلُ مَن أخْبَرَ بِذَلِكَ الخَبَرِ يُعْتَقُ، والَّذِينَ يُخْبِرُونَ بَعْدَهُ لا يُعْتَقُونَ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ حُصُولِ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبَ السَّعاداتِ ما عَرَفُوها قَبْلَ ذَلِكَ، وجَمِيعُ لَذّاتِ الجَنَّةِ وخَيْراتِها وطَيِّباتِها قَدْ عَرَفُوهُ في الدُّنْيا مِنَ القُرْآنِ، والإخْبارِ عَنْ حُصُولِ بِشارَةٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ هَذِهِ البِشارَةُ بِشارَةً عَنْ سَعاداتٍ لا تَصِلُ العُقُولُ إلى وصْفِها ألْبَتَّةَ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى الوُصُولَ إلَيْها بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ. صفحة ١٥ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي بِهِ يُبَشِّرُهم وهو أُمُورٌ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٍ﴾ . وأنا أظُنُّ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أنَّ المُرادَ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفَجْرِ: ٢٨] والرَّحْمَةُ كَوْنُ العَبْدِ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الحالَةُ كانَ نَظَرُهُ عَلى المُبْلِي والمُنْعِمِ لا عَلى النِّعْمَةِ والبَلاءِ، ومَن كانَ نَظَرُهُ عَلى المُبْلِي والمُنْعِمِ لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُهُ؛ لِأنَّ المُبْلِيَ والمُنْعِمَ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّغَيُّرِ. فالحاصِلُ أنَّ حالَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ التَّغَيُّرِ، أمّا مَن كانَ طالِبًا لِمَحْضِ النَّفْسِ كانَ أبَدًا في التَّغَيُّرِ مِنَ الفَرَحِ إلى الحُزْنِ، ومِنَ السُّرُورِ إلى الغَمِّ، ومِنَ الصِّحَّةِ إلى الجِراحَةِ، ومِنَ اللَّذَّةِ إلى الألَمِ، فَثَبَتَ أنَّ الرَّحْمَةَ التّامَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَما يَصِيرُ العَبْدُ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ هو أنَّهُ يُزِيلُ عَنْ قَلْبِهِ الِالتِفاتَ إلى غَيْرِ هَذِهِ الحالَةِ، ويَجْعَلُهُ راضِيًا بِقَضائِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَصِيرُ راضِيًا. وهو قَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٍ﴾ وعِنْدَ هَذا تَصِيرُ هاتانِ الحالَتانِ هُما المَذْكُورَتانِ في قَوْلِهِ: ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ وهَذِهِ هي الجَنَّةُ الرُّوحانِيَّةُ النُّورانِيَّةُ العَقْلِيَّةُ القُدُسِيَّةُ الإلَهِيَّةُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذِهِ الجَنَّةَ العالِيَةَ المُقَدَّسَةَ ذَكَرَ الجَنَّةَ الجُسْمانِيَّةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ المَراتِبِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأحْوالَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ والمَقْصُودُ شَرْحُ تَعْظِيمِ هَذِهِ الأحْوالِ، ولْنَخْتِمْ هَذا الفَصْلَ بِبَيانِ أنَّ أصْحابَنا يَقُولُونَ: إنَّ الخُلُودَ يَدُلُّ عَلى طُولِ المُكْثِ، ولا يَدُلُّ عَلى التَّأْبِيدِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ في هَذا البابِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ ولَوْ كانَ الخُلُودُ يُفِيدُ التَّأْبِيدَ، لَكانَ ذِكْرُ التَّأْبِيدِ بَعْدَ ذِكْرِ الخُلُودِ تِكْرارًا وأنَّهُ لا يَجُوزُ.

التوبة 9:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ شُبْهَةٍ أُخْرى ذَكَرُوها في أنَّ البَراءَةَ مِنَ الكُفّارِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، وتِلْكَ الشُّبْهَةُ أنْ قالُوا: إنَّ الرَّجُلَ المُسْلِمَ قَدْ يَكُونُ أبُوهُ كافِرًا، والرَّجُلُ الكافِرُ قَدْ يَكُونُ أبُوهُ أوْ أخُوهُ مُسْلِمًا، وحُصُولُ المُقاطَعَةِ التّامَّةِ بَيْنَ الرَّجُلِ وأبِيهِ وأخِيهِ كالمُتَعَذَّرِ المُمْتَنِعِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَتْ تِلْكَ البَراءَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها، كالشّاقِّ المُمْتَنِعِ المُتَعَذَّرِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِيُزِيلَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِالهِجْرَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فَمَن لَمْ يُهاجِرْ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ إيمانَهُ حَتّى يُجانِبَ الآباءَ والأقارِبَ إنْ كانُوا كُفّارًا، قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرُوهُ ؟ والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى ما ذَكَرْتُهُ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّبَرِّي عَنِ المُشْرِكِينَ وبالَغَ في إيجابِهِ، قالُوا: كَيْفَ تُمْكِنُ هَذِهِ المُقاطَعَةُ التّامَّةُ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَ أبِيهِ وأُمِّهِ وأخِيهِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى: أنَّ الِانْقِطاعَ عَنِ الآباءِ والأوْلادِ صفحة ١٦ والإخْوانِ واجِبٌ بِسَبَبِ الكُفْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ والِاسْتِحْبابُ طَلَبُ المَحَبَّةِ يُقالُ: اسْتَحَبَّ لَهُ، بِمَعْنى أحَبَّهُ، كَأنَّهُ طَلَبَ مَحَبَّتَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَهى عَنْ مُخالَطَتِهِمْ، وكانَ لَفْظُ النَّهْيِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، وأنْ يَكُونَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، ذَكَرَ ما يُزِيلُ الشُّبْهَةَ، فَقالَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مُشْرِكًا مِثْلَهم؛ لِأنَّهُ رَضِيَ بِشِرْكِهِمْ، والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ، كَما أنَّ الرِّضا بِالفِسْقِ فِسْقٌ، قالَ القاضِي: هَذا النَّهْيُ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَتَبَرَّأ المَرْءُ مِن أبِيهِ في الدُّنْيا، كَما لا يَمْنَعُ مِن قَضاءِ دَيْنِ الكافِرِ ومِنِ اسْتِعْمالِهِ في أعْمالِهِ.

التوبة 9:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي تَقْرِيرُ الجَوابِ الَّذِي ذَكَرَهُ في الآيَةِ الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُمْكِنُ البَراءَةُ مِنهم بِالكُلِّيَّةِ ؟ وإنَّ هَذِهِ البَراءَةَ تُوجِبُ انْقِطاعَنا عَنْ آبائِنا وإخْوانِنا وعَشِيرَتِنا، وذَهابَ تِجارَتِنا، وهَلاكَ أمْوالِنا وخَرابَ دِيارِنا، وإبْقاءَنا ضائِعِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَجِبُ تَحَمُّلُ جَمِيعِ هَذِهِ المَضارِّ الدُّنْيَوِيَّةِ لِيَبْقى الدِّينُ سَلِيمًا، وذَكَرَ أنَّهُ إنْ كانَتْ رِعايَةُ هَذِهِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ عِنْدَكم أوْلى مِن طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، ومِنَ المُجاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَرَبَّصُوا بِما تُحِبُّونَ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ، أيْ: بِعُقُوبَةٍ عاجِلَةٍ أوْ آجِلَةٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ إلى مَعْصِيَتِهِ، وهَذا أيْضًا تَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ مَصْلَحَةٍ واحِدَةٍ مِن مَصالِحِ الدِّينِ وبَيْنَ جَمِيعِ مُهِمّاتِ الدُّنْيا، وجَبَ عَلى المُسْلِمِ تَرْجِيحُ الدِّينِ عَلى الدُّنْيا، قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿وعَشِيرَتُكُمْ﴾ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ أهْلُهُ الأدْنَوْنَ، وهُمُ الَّذِينَ يُعاشِرُونَهُ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وعَشِيراتُكم) بِالجَمْعِ والباقُونَ عَلى الواحِدِ، أمّا مَن قَرَأ بِالجَمْعِ، فَذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ لَهُ عَشِيرَةٌ، فَإذا جَمَعْتَ قُلْتَ: عَشِيراتُكم، ومَن أفْرَدَ قالَ: العَشِيرَةُ واقِعَةٌ عَلى الجَمْعِ، واسْتَغْنى عَنْ جَمْعِها، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ الأخْفَشَ قالَ: لا تَكادُ العَرَبُ تَجْمَعُ عَشِيرَةً عَلى عَشِيراتٍ، إنَّما يَجْمَعُونَها عَلى عَشائِرَ، وقَوْلُهُ: ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ الِاقْتِرافُ الِاكْتِسابُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأُمُورَ الدّاعِيَةَ إلى مُخالَطَةِ الكُفّارِ، وهي أُمُورٌ أرْبَعَةٌ: أوَّلُها: مُخالَطَةُ الأقارِبِ، وذَكَرَ مِنهم أرْبَعَةَ أصْنافٍ عَلى التَّفْصِيلِ وهُمُ الآباءُ والأبْناءُ والإخْوانُ والأزْواجُ، ثُمَّ ذَكَرَ البَقِيَّةَ بِلَفْظٍ واحِدٍ يَتَناوَلُ الكُلَّ، وهي لَفْظُ العَشِيرَةِ. وثانِيها: المَيْلُ إلى إمْساكِ الأمْوالِ المُكْتَسَبَةِ. وثالِثُها: الرَّغْبَةُ في تَحْصِيلِ صفحة ١٧ الأمْوالِ بِالتِّجارَةِ. ورابِعُها: الرَّغْبَةُ في المَساكِنِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ، فَإنَّ أعْظَمَ الأسْبابِ الدّاعِيَةِ إلى المُخالَطَةِ القَرابَةُ، ثُمَّ إنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِتِلْكَ المُخالَطَةِ إلى إبْقاءِ الأمْوالِ الحاصِلَةِ، ثُمَّ إنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِالمُخالَطَةِ إلى اكْتِسابِ الأمْوالِ الَّتِي هي غَيْرُ حاصِلَةٍ، وفي آخِرِ المَراتِبِ الرَّغْبَةُ في البِناءِ في الأوْطانِ والدُّورِ الَّتِي بُنِيَتْ لِأجْلِ السُّكْنى، فَذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ الواجِبِ، وبَيَّنَ بِالآخِرَةِ أنَّ رِعايَةَ الدِّينِ خَيْرٌ مِن رِعايَةِ جُمْلَةِ هَذِهِ الأُمُورِ.

التوبة 9:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ يَجِبُ الإعْراضُ عَنْ مُخالَطَةِ الآباءِ والأبْناءِ والإخَوانِ، والعَشائِرِ وعَنِ الأمْوالِ والتِّجاراتِ والمَساكِنِ، رِعايَةً لِمَصالِحِ الدِّينِ، ولَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا يَشُقُّ جِدًّا عَلى النُّفُوسِ والقُلُوبِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَرَكَ الدُّنْيا لِأجْلِ الدِّينِ فَإنَّهُ يُوصِلُهُ إلى مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا أيْضًا، وضَرَبَ تَعالى لِهَذا مَثَلًا، وذَلِكَ أنَّ عَسْكَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في واقِعَةِ حُنَيْنٍ كانُوا في غايَةِ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ، فَلَمّا أُعْجِبُوا بِكَثْرَتِهِمْ صارُوا مُنْهَزِمِينَ، ثُمَّ في حالِ الِانْهِزامِ لَمّا تَضَّرَّعُوا إلى اللَّهِ قَوّاهم حَتّى هَزَمُوا عَسْكَرَ الكُفّارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ مَتى اعْتَمَدَ عَلى الدُّنْيا فاتَهُ الدِّينُ والدُّنْيا، ومَتى أطاعَ اللَّهَ ورَجَّحَ الدِّينَ عَلى الدُّنْيا آتاهُ اللَّهُ الدِّينَ والدُّنْيا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا تَسْلِيَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِمُقاطَعَةِ الآباءِ والأبْناءِ والأمْوالِ والمَساكِنِ، لِأجْلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ وتَصْبِيرًا لَهم عَلَيْها، ووَعْدًا لَهم عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، بِأنَّهم إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى يُوصِلُهم إلى أقارِبِهِمْ وأمْوالِهِمْ ومَساكِنِهِمْ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، هَذا تَقْرِيرُ النَّظْمِ وهو في غايَةِ الحُسْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: النَّصْرُ: المَعُونَةُ عَلى العَدُوِّ خاصَّةً، والمُواطِنُ جَمْعُ مَوْطِنٍ، وهو كُلُّ مَوْضِعٍ أقامَ بِهِ الإنْسانُ لِأمْرٍ، فَعَلى هَذا: مَواطِنُ الحَرْبِ مَقاماتُها ومَواقِفُها، وامْتِناعُها مِنَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ صفحة ١٨ عَلى صِيغَةٍ لَمْ يَأْتِ عَلَيْها واحِدٌ، والمَواطِنُ الكَثِيرَةُ غَزَواتُ رَسُولِ اللَّهِ، ويُقالُ: إنَّها ثَمانُونَ مَوْطِنًا، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ هو الَّذِي نَصَرَ المُؤْمِنِينَ، ومَن نَصَرَهُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ أيْ: واذْكُرُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ المَواطِنِ حالَ ما أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وقَدْ بَقِيَتْ أيّامٌ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، خَرَجَ مُتَوَجِّهًا إلى حُنَيْنٍ لِقِتالِ هَوازِنَ وثَقِيفٍ، واخْتَلَفُوا في عَدَدِ عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ قَتادَةُ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا عَشَرَةُ آلافٍ الَّذِينَ حَضَرُوا مَكَّةَ، وألْفانِ مِنَ الطُّلَقاءِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا عَشَرَةَ آلافٍ، وبِالجُمْلَةِ فَكانُوا عَدَدًا كَثِيرِينَ، وكانَ هَوازِنُ وثَقِيفٌ أرْبَعَةَ آلافٍ، فَلَمّا التَقَوْا قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ ساءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ قالَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: قالَها أبُو بَكْرٍ، وإسْنادُ هَذِهِ الكَلِمَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ كانَ في أكْثَرِ الأحْوالِ مُتَوَكِّلًا عَلى اللَّهِ مُنْقَطِعَ القَلْبِ عَنِ الدُّنْيا وأسْبابِها.

التوبة 9:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ يَجِبُ الإعْراضُ عَنْ مُخالَطَةِ الآباءِ والأبْناءِ والإخَوانِ، والعَشائِرِ وعَنِ الأمْوالِ والتِّجاراتِ والمَساكِنِ، رِعايَةً لِمَصالِحِ الدِّينِ، ولَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا يَشُقُّ جِدًّا عَلى النُّفُوسِ والقُلُوبِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَرَكَ الدُّنْيا لِأجْلِ الدِّينِ فَإنَّهُ يُوصِلُهُ إلى مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا أيْضًا، وضَرَبَ تَعالى لِهَذا مَثَلًا، وذَلِكَ أنَّ عَسْكَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في واقِعَةِ حُنَيْنٍ كانُوا في غايَةِ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ، فَلَمّا أُعْجِبُوا بِكَثْرَتِهِمْ صارُوا مُنْهَزِمِينَ، ثُمَّ في حالِ الِانْهِزامِ لَمّا تَضَّرَّعُوا إلى اللَّهِ قَوّاهم حَتّى هَزَمُوا عَسْكَرَ الكُفّارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ مَتى اعْتَمَدَ عَلى الدُّنْيا فاتَهُ الدِّينُ والدُّنْيا، ومَتى أطاعَ اللَّهَ ورَجَّحَ الدِّينَ عَلى الدُّنْيا آتاهُ اللَّهُ الدِّينَ والدُّنْيا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذا تَسْلِيَةً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِمُقاطَعَةِ الآباءِ والأبْناءِ والأمْوالِ والمَساكِنِ، لِأجْلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ وتَصْبِيرًا لَهم عَلَيْها، ووَعْدًا لَهم عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، بِأنَّهم إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى يُوصِلُهم إلى أقارِبِهِمْ وأمْوالِهِمْ ومَساكِنِهِمْ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، هَذا تَقْرِيرُ النَّظْمِ وهو في غايَةِ الحُسْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: النَّصْرُ: المَعُونَةُ عَلى العَدُوِّ خاصَّةً، والمُواطِنُ جَمْعُ مَوْطِنٍ، وهو كُلُّ مَوْضِعٍ أقامَ بِهِ الإنْسانُ لِأمْرٍ، فَعَلى هَذا: مَواطِنُ الحَرْبِ مَقاماتُها ومَواقِفُها، وامْتِناعُها مِنَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ صفحة ١٨ عَلى صِيغَةٍ لَمْ يَأْتِ عَلَيْها واحِدٌ، والمَواطِنُ الكَثِيرَةُ غَزَواتُ رَسُولِ اللَّهِ، ويُقالُ: إنَّها ثَمانُونَ مَوْطِنًا، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ هو الَّذِي نَصَرَ المُؤْمِنِينَ، ومَن نَصَرَهُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ أيْ: واذْكُرُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ المَواطِنِ حالَ ما أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وقَدْ بَقِيَتْ أيّامٌ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، خَرَجَ مُتَوَجِّهًا إلى حُنَيْنٍ لِقِتالِ هَوازِنَ وثَقِيفٍ، واخْتَلَفُوا في عَدَدِ عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ قَتادَةُ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا عَشَرَةُ آلافٍ الَّذِينَ حَضَرُوا مَكَّةَ، وألْفانِ مِنَ الطُّلَقاءِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا عَشَرَةَ آلافٍ، وبِالجُمْلَةِ فَكانُوا عَدَدًا كَثِيرِينَ، وكانَ هَوازِنُ وثَقِيفٌ أرْبَعَةَ آلافٍ، فَلَمّا التَقَوْا قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ ساءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ قالَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: قالَها أبُو بَكْرٍ، وإسْنادُ هَذِهِ الكَلِمَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ كانَ في أكْثَرِ الأحْوالِ مُتَوَكِّلًا عَلى اللَّهِ مُنْقَطِعَ القَلْبِ عَنِ الدُّنْيا وأسْبابِها.

التوبة 9:27

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ ومَعْنى الإغْناءِ إعْطاءُ ما يَدْفَعُ الحاجَةَ فَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تُعْطِكم شَيْئًا يَدْفَعُ حاجَتَكم، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّهم لا يَغْلِبُونَ بِكَثْرَتِهِمْ، وإنَّما يَغْلِبُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، فَلَمّا أُعْجِبُوا بِكَثْرَتِهِمْ صارُوا مُنْهَزِمِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ يُقالُ: رَحُبَ يَرْحُبُ رَحْبًا ورَحابَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِرَحَبِها، ومَعْناهُ مَعَ رَحَبِها ”فَما“ هَهُنا مَعَ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّكم لِشِدَّةِ ما لَحِقَكم مِنَ الخَوْفِ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ فَلَمْ تَجِدُوا فِيها مَوْضِعًا يَصْلُحُ لِفِرارِكم عَنْ عَدُوِّكم، «قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: كانَتْ هَوازِنُ رُماةً، فَلَمّا حَمَلْنا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، وكَبَبْنا عَلى الغَنائِمِ فاسْتَقْبَلُونا بِالسِّهامِ، وانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، قالَ البَراءُ: والَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما ولّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دُبُرَهُ قَطُّ، قالَ: ورَأيْتُهُ وأبُو سُفْيانَ آخِذٌ بِالرِّكابِ، والعَبّاسُ آخِذٌ بِلِجامِ دابَّتِهِ وهو يَقُولُ: ”أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ“ وطَفِقَ يُرْكِضُ بَغْلَتَهُ نَحْوَ الكُفّارِ لا يُبالِي، وكانَتْ بَغْلَتُهُ شَهْباءَ، ثُمَّ قالَ لِلْعَبّاسِ: نادِ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ، وكانَ العَبّاسُ رَجُلًا صَيِّتًا، فَجَعَلَ يُنادِي يا عِبادَ اللَّهِ، يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَجاءَ المُسْلِمُونَ حِينَ سَمِعُوا صَوْتَهُ عُنُقًا واحِدًا، وأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ كَفًّا مِنَ الحَصى فَرَماهم بِها وقالَ: ”شاهَتِ الوُجُوهُ“ فَما زالَ أمْرُهم مُدْبِرًا، وحَدُّهم كَلِيلًا حَتّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ولَمْ يَبْقَ مِنهم يَوْمَئِذٍ أحَدٌ إلّا وقَدِ امْتَلَأتْ عَيْناهُ مِن ذَلِكَ التُّرابِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ»﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكَثْرَةَ لا تَنْفَعُ، وأنَّ الَّذِي أوْجَبَ النَّصْرَ ما كانَ إلّا مِنَ اللَّهِ ذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً: أحَدُها: إنْزالُ السَّكِينَةِ، والسَّكِينَةُ ما يَسْكُنُ إلَيْهِ القَلْبُ والنَّفْسُ، ويُوجِبُ الأمَنَةَ والطُّمَأْنِينَةَ، وأظُنُّ وجْهَ الِاسْتِعارَةِ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ إذا خافَ فَرَّ وفُؤادُهُ مُتَحَرِّكٌ، وإذا أمِنَ سَكَنَ وثَبَتَ، فَلَمّا كانَ الأمْنُ مُوجِبًا لِلسُّكُونِ جَعَلَ لَفْظَ السَّكِينَةِ كِنايَةً عَنِ الأمْنِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ الدّاعِي، ويَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الدّاعِي لَيْسَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. صفحة ١٩ أمّا بَيانُ الأوَّلِ: فَهو أنَّ حالَ انْهِزامِ القَوْمِ لَمْ تَحْصُلْ داعِيَةُ السُّكُونِ والثَّباتِ في قُلُوبِهِمْ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَحْصُلِ السُّكُونُ والثَّباتُ، بَلْ فَرَّ القَوْمُ وانْهَزَمُوا، ولَمّا حَصَلَتِ السَّكِينَةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ داعِيَةِ السُّكُونِ والثَّباتِ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وثَبَتُوا عِنْدَهُ وسَكَنُوا، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ حُصُولَ الفِعْلِ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ الدّاعِيَةِ. وأمّا بَيانُ الثّانِي: وهو أنَّ حُصُولَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهو صَرِيحٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ والعَقْلُ أيْضًا دَلَّ عَلَيْهِ، وهو أنَّهُ لَوْ كانَ حُصُولُ ذَلِكَ الدّاعِي في القَلْبِ مِن جِهَةِ العَبْدِ، لَتَوَقَّفَ عَلى حُصُولِ داعٍ آخَرَ، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو الأمْرُ الثّانِي الَّذِي فَعَلَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا خِلافَ أنَّ المُرادَ إنْزالُ المَلائِكَةِ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ ما يَدُلُّ عَلى عِدَّةِ المَلائِكَةِ كَما هو مَذْكُورٌ في قِصَّةِ بَدْرٍ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أمَدَّ اللَّهُ نَبِيَّهَ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، ولَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ هَذا العَدَدَ قِياسًا عَلى يَوْمِ بَدْرٍ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ في المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ: لَمّا كَشَفْنا المُسْلِمِينَ جَعَلْنا نَسُوقُهم، فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ الشَّهْباءِ، تَلَقّانا رِجالٌ بِيضُ الوُجُوهِ حِسانٌ، فَقالُوا: شاهَتِ الوُجُوهُ ارْجِعُوا، فَرَجَعْنا فَرَكِبُوا أكْتافَنا، وأيْضًا اخْتَلَفُوا أنَّ المَلائِكَةَ هَلْ قاتَلُوا ذَلِكَ اليَوْمَ ؟ والرِّوايَةُ الَّتِي نَقَلْناها عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ تَدُلُّ عَلى أنَّهم قاتَلُوا، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ ما قاتَلُوا إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا فائِدَةُ نُزُولِهِمْ في هَذا اليَوْمِ فَهو إلْقاءُ الخَواطِرِ الحَسَنَةِ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهَذا هو الأمْرُ الثّالِثُ الَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ اليَوْمِ، والمُرادُ مِن هَذا التَّعْذِيبِ قَتْلُهم وأسْرُهم، وأخْذُ أمْوالِهِمْ وسَبْيُ ذَرارِيِّهِمْ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ التَّعْذِيبِ لَيْسَ إلّا الأخْذَ والأسْرَ، وهو تَعالى نَسَبَ تِلْكَ الأشْياءَ إلى نَفْسِهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَصارَ مَجْمُوعُ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ دَلِيلًا بَيِّنًا ثابِتًا، وفي هَذِهِ المَسْألَةِ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّما نَسَبَ تَعالى ذَلِكَ الفِعْلَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ بِأمْرِهِ، وقَدْ سَبَقَ جَوابُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. ثُمَّ قالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ التَّعْذِيبَ هو جَزاءُ الكافِرِينَ، واعْلَمْ أنَّ أهْلَ الحَقِيقَةِ تَمَسَّكُوا في مَسْألَةِ الجَلْدِ مَعَ التَّعْزِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾ [النُّورِ: ٢] قالُوا: الفاءُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ الجَلْدِ جَزاءً، والجَزاءُ اسْمٌ لِلْكافِي، وكَوْنُ الجَلْدِ كافِيًا يَمْنَعُ كَوْنَ غَيْرِهِ مَشْرُوعًا مَعَهُ، فَنَقُولُ في الجَوابِ عَنْهُ: الجَزاءُ لَيْسَ اسْمًا لِلْكافِي، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ تَعالى سَمّى هَذا التَّعْذِيبَ جَزاءً، مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ العُقُوبَةَ الدّائِمَةَ في القِيامَةِ مُدَّخَرَةٌ لَهم، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ لَيْسَ اسْمًا لِما يَقَعُ بِهِ الكِفايَةُ. ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي: أنَّ مَعَ كُلِّ ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الخِذْلانِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ. قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ تَعالى قَدْ يَتُوبُ عَلى بَعْضِهِمْ بِأنْ يُزِيلَ عَنْ قَلْبِهِ الكُفْرَ، ويَخْلُقَ فِيهِ الإسْلامَ، قالَ القاضِي: مَعْناهُ فَإنَّهم بَعْدَ أنْ جَرى عَلَيْهِمْ ما جَرى، إذا أسْلَمُوا وتابُوا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَتَهم، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾ ظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ التَّوْبَةَ إنَّما حَصَلَتْ صفحة ٢٠ لَهم مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَعْنى مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ:(فَتابَ عَلَيْهِ) ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: غَفُورٌ لِمَن تابَ، رَحِيمٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

التوبة 9:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ الَّتِي وقَعَتْ في قُلُوبِ القَوْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ لَمّا أمَرَ عَلِيًّا أنْ يَقْرَأ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ أوَّلَ سُورَةِ بَراءَةَ، ويَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَهْدَهم، وأنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ، قالَ أُناسٌ: يا أهْلَ مَكَّةَ سَتَعْلَمُونَ ما تَلْقَوْنَهُ مِنَ الشِّدَّةِ لِانْقِطاعِ السُّبُلِ وفَقْدِ الحُمُولاتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أيْ: فَقْرًا وحاجَةً﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ، وهو حَسَنٌ مُوافِقٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الأكْثَرُونَ لَفْظُ المُشْرِكِينَ يَتَناوَلُ عَبَدَةَ الأوْثانِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الكُفّارِ، وقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ، وصَحَّحْنا هَذا القَوْلَ بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ، والَّذِي يُفِيدُ هَهُنا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: النَّجَسُ مَصْدَرُ: نَجِسَ نَجَسًا وقَذِرَ قَذَرًا، ومَعْناهُ ذُو نَجَسٍ، وقالَ اللَّيْثُ: النَّجَسُ الشَّيْءُ القَذِرُ مِنَ النّاسِ ومِن كُلِّ شَيْءٍ، ورَجُلٌ نَجِسٌ، وقَوْمٌ أنْجاسٌ، ولُغَةٌ أُخْرى رَجُلٌ نَجِسٌ وقَوْمٌ نُجْسٌ وفُلانٌ نَجِسٌ، ورَجُلٌ نَجَسٌ وامْرَأةٌ نَجَسٌ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ كَوْنِ المُشْرِكِ نَجَسًا نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أعْيانَهم نَجِسَةٌ كالكِلابِ والخَنازِيرِ، وعَنِ الحَسَنِ مَن صافَحَ مُشْرِكًا تَوَضَّأ، وهَذا هو قَوْلُ الهادِي مِن أئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ، وأمّا الفُقَهاءُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى طَهارَةِ أبْدانِهِمْ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ أنْجاسًا فَلا يُرْجَعُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولا يُمْكِنُ ادِّعاءُ الإجْماعِ فِيهِ لِما بَيَّنّا أنَّ الِاخْتِلافَ فِيهِ حاصِلٌ، واحْتَجَّ القاضِي عَلى طَهارَتِهِمْ بِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِن أوانِيهِمْ، وأيْضًا لَوْ كانَ جِسْمُهُ نَجِسًا لَمْ يُبَدَّلْ ذَلِكَ بِسَبَبِ الإسْلامِ، والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أجابُوا عَنْهُ: بِأنَّ القُرْآنَ أقْوى مِن خَبَرِ الواحِدِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ الخَبَرِ وجَبَ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ حِلَّ الشُّرْبِ مِن أوانِيهِمْ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وأيْضًا كانَتِ المُخالَطَةُ مَعَ الكُفّارِ جائِزَةً فَحَرَّمَها اللَّهُ تَعالى، وكانَتِ المُعاهَداتُ مَعَهم حاصِلَةً فَأزالَها اللَّهُ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ أيْضًا: الشُّرْبُ مِن أوانِيهِمْ كانَ جائِزًا فَحَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى. الثّانِي: أنَّ الأصْلَ حِلُّ الشُّرْبِ مِن أيِّ إناءٍ كانَ، فَلَوْ صفحة ٢١ قُلْنا: إنَّهُ حُرِّمَ بِحُكْمِ الآيَةِ، ثُمَّ حَلَّ بِحُكْمِ الخَبَرِ فَقَدْ حَصَلَ نَسْخانِ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ كانَ حِلًّا لا بِحُكْمِ الأصْلِ، والرَّسُولُ شَرِبَ مِن آنِيَتِهِمْ بِحُكْمِ الأصْلِ، ثُمَّ جاءَ التَّحْرِيمُ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا أوْلى، أمّا قَوْلُ القاضِي: لَوْ كانَ الكافِرُ نَجِسَ الجِسْمِ لَما تَبَدَّلَتِ النَّجاسَةُ بِالطَّهارَةِ بِسَبَبِ الإسْلامِ. فَجَوابُهُ أنَّهُ قِياسٌ في مُعارَضَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ، وأيْضًا أنَّ أصْحابَ هَذا المَذْهَبِ يَقُولُونَ إنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ وجَبَ عَلَيْهِ الِاغْتِسالُ إزالَةً لِلنَّجاسَةِ الحاصِلَةِ بِحُكْمِ الكُفْرِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، وأمّا جُمْهُورُ الفُقَهاءِ فَإنَّهم حَكَمُوا بِكَوْنِ الكافِرِ طاهِرًا في جِسْمِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: مَعْناهُ أنَّهم لا يَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ، ولا يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الحَدَثِ. الثّانِي: المُرادُ أنَّهم بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ النَّجِسِ في وُجُوبِ النُّفْرَةِ عَنْهُ. الثّالِثُ: أنَّ كُفْرَهُمُ الَّذِي هو صِفَةٌ لَهم بِمَنزِلَةِ النَّجاسَةِ المُلْتَصِقَةِ بِالشَّيْءِ. واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أعْضاءُ المُحْدِثِ نَجِسَةٌ نَجاسَةً حُكْمِيَّةً، وبَنَوْا عَلَيْهِ أنَّ الماءَ المُسْتَعْمَلَ في الوُضُوءِ والجَنابَةِ نَجِسٌ، ثُمَّ رَوى أبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ نَجِسٌ نَجاسَةً خَفِيفَةً، ورَوى الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ: أنَّهُ نَجِسٌ نَجاسَةً غَلِيظَةً، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ الماءَ طاهِرٌ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا نَجَسَ إلّا المُشْرِكُ، فالقَوْلُ بِأنَّ أعْضاءَ المُحْدِثِ نَجِسَةٌ مُخالِفٌ لِهَذا النَّصِّ، والعَجَبُ أنَّ هَذا النَّصَّ صَرِيحٌ في أنَّ المُشْرِكَ نَجَسٌ، وفي أنَّ المُؤْمِنَ لَيْسَ بِنَجَسٍ، ثُمَّ إنَّ قَوْمًا ما قَلَبُوا القَضِيَّةَ، وقالُوا: المُشْرِكُ طاهِرٌ والمُؤْمِنُ حالَ كَوْنِهِ مُحْدِثًا أوْ جُنُبًا نَجِسٌ، وزَعَمُوا أنَّ المِياهَ الَّتِي اسْتَعْمَلَها المُشْرِكُونَ في أعْضائِهِمْ بَقِيَتْ طاهِرَةً مُطَهِّرَةً، والمِياهَ الَّتِي يَسْتَعْمِلُها أكابِرُ الأنْبِياءِ في أعْضائِهِمْ نَجِسَةٌ نَجاسَةً غَلِيظَةً، وهَذا مِنَ العَجائِبِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ القَوْلَ بِطَهارَةِ أعْضاءِ المُسْلِمِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ حَيًّا ولا مَيِّتًا» “ فَصارَ هَذا الخَبَرُ مُطابِقًا لِلْقُرْآنِ، ثُمَّ الِاعْتِباراتُ الحُكْمِيَّةُ طابَقَتِ القُرْآنَ، والأخْبارَ في هَذا البابِ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ إنْسانًا لَوْ حَمَلَ مُحْدِثًا في صَلاتِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ، ولَوْ كانَتْ يَدُهُ رَطْبَةً، فَوَصَلَتْ إلى يَدِ مُحْدِثٍ لَمْ تَنْجُسْ يَدُهُ، ولَوْ عَرِقَ المُحْدِثُ ووَصَلَتْ تِلْكَ النَّداوَةُ إلى ثَوْبِهِ لَمْ يَنْجُسْ ذَلِكَ الثَّوْبُ، فالقُرْآنُ والخَبَرُ والإجْماعُ تَطابَقَتْ عَلى القَوْلِ بِطَهارَةِ أعْضاءِ المُحْدِثِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مُخالَفَتُهُ ؟ وشُبْهَةُ المُخالِفِ أنَّ الوُضُوءَ يُسَمّى طَهارَةً، والطَّهارَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ سَبْقِ النَّجاسَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الطَّهارَةَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ في إزالَةِ الأوْزارِ والآثامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ أهْلِ البَيْتِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٣٣] ولَيْسَتْ هَذِهِ الطَّهارَةُ إلّا عَنِ الآثامِ والأوْزارِ، وقالَ في صِفَةِ مَرْيَمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٢] والمُرادُ تَطْهِيرُها عَنِ التُّهْمَةِ الفاسِدَةِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: جاءَتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ في أنَّ الوُضُوءَ تَطْهِيرُ الأعْضاءِ عَنِ الآثامِ والأوْزارِ، فَلَمّا فَسَّرَ الشّارِعُ كَوْنَ الوُضُوءِ طَهارَةً بِهَذا المَعْنى، فَما الَّذِي حَمَلَنا عَلى مُخالَفَتِهِ، والذَّهابِ إلى شَيْءٍ يُبْطِلُ القُرْآنَ والأخْبارَ والأحْكامَ الإجْماعِيَّةَ ؟ * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الكُفّارُ يُمْنَعُونَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ خاصَّةً، صفحة ٢٢ وعِنْدَ مالِكٍ: يُمْنَعُونَ مِن كُلِّ المَساجِدِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يُمْنَعُونَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، ولا مِن سائِرِ المَساجِدِ، والآيَةُ بِمَنطُوقِها تُبْطِلُ قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وبِمَفْهُومِها تُبْطِلُ قَوْلَ مالِكٍ، أوْ نَقُولُ: الأصْلُ عَدَمُ المَنعِ، وخالَفْناهُ في المَسْجِدِ الحَرامِ لِهَذا النَّصِّ الصَّرِيحِ القاطِعِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى في غَيْرِهِ عَلى وِفْقِ الأصْلِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ هَلْ هو نَفْسُ المَسْجِدِ أوِ المُرادُ مِنهُ جَمِيعُ الحَرَمِ ؟ والأقْرَبُ هو هَذا الثّانِي، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَوْضِعَ التِّجاراتِ لَيْسَ هو عَيْنَ المَسْجِدِ، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ المَنعَ مِنَ المَسْجِدِ خاصَّةً لَما خافُوا بِسَبَبِ هَذا المَنعِ مِنَ العَيْلَةِ، وإنَّما يَخافُونَ العَيْلَةَ إذا مُنِعُوا مِن حُضُورِ الأسْواقِ والمَواسِمِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ حَسَنٌ مِنَ الآيَةِ، ويَتَأكَّدُ هَذا القَوْلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسْراءِ: ١] مَعَ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ إنَّما رُفِعَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ، وأيْضًا يَتَأكَّدُ هَذا بِما رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لا يَجْتَمِعُ دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ» “ . واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قالُوا: الحَرَمُ حَرامٌ عَلى المُشْرِكِينَ، ولَوْ كانَ الإمامُ بِمَكَّةَ فَجاءَ رَسُولُ المُشْرِكِينَ فَلْيَخْرُجْ إلى الحِلِّ لِاسْتِماعِ الرِّسالَةِ، وإنْ دَخَلَ مُشْرِكٌ الحَرَمَ مُتَوارِيًا فَمَرِضَ فِيهِ أخْرَجْناهُ مَرِيضًا، وإنْ ماتَ ودُفِنَ ولُمْ يُعْلَمْ نَبَشْناهُ وأخْرَجْنا عِظامَهُ إذا أمْكَنَ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ السَّنَةُ الَّتِي حَصَلَ فِيها النِّداءُ بِالبَراءَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهي السَّنَةُ التّاسِعَةُ مِنَ الهِجْرَةِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ والعَيْلَةُ الفَقْرُ، يُقالُ: عالَ الرَّجُلُ يَعِيلُ عَيْلَةً إذا افْتَقَرَ، والمَعْنى: إنْ خِفْتُمْ فَقْرًا بِسَبَبِ مَنعِ الكُفّارِ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذا الفَضْلِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أسْلَمَ أهْلُ جُدَّةَ وصَنْعاءَ وحُنَيْنٍ، وحَمَلُوا الطَّعامَ إلى مَكَّةَ وكَفاهُمُ اللَّهُ الحاجَةَ إلى مُبايَعَةِ الكُفّارِ. والثّانِي: قالَ الحَسَنُ: جَعَلَ اللَّهُ ما يُوجَدُ مِنَ الجِزْيَةِ بَدَلًا مِن ذَلِكَ. وقِيلَ: أغْناهم بِالفَيْءِ. الثّالِثُ: قالَ عِكْرِمَةُ: أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَطَرَ، وكَثُرَ خَيْرُهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ إخْبارٌ عَنْ غَيْبٍ في المُسْتَقْبَلِ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ في حادِثَةٍ عَظِيمَةٍ، وقَدْ وقَعَ الأمْرُ مُطابِقًا لِذَلِكَ الخَبَرِ فَكانَ مُعْجِزَةً. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ شاءَ﴾ ولِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ: الغَرَضُ بِهَذا الخَبَرِ إزالَةُ الخَوْفِ بِالعَيْلَةِ، وهَذا الشَّرْطُ يَمْنَعُ مِن إفادَةِ هَذا المَقْصُودِ، وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنْ لا يَحْصُلَ الِاعْتِمادُ عَلى حُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ، فَيَكُونَ الإنْسانُ أبَدًا مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ الخَيْراتِ ودَفْعِ الآفاتِ. الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الشَّرْطِ تَعْلِيمُ رِعايَةِ الأدَبِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٧] . الثّالِثُ: أنَّ المَقْصُودَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذا المَعْنى لا يَكُونُ في كُلِّ الأوْقاتِ وفي جَمِيعِ الأُمُورِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في دُعائِهِ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٦] وكَلِمَةُ ”مِن“ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، فَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنْ شاءَ﴾ المُرادُ مِنهُ ذَلِكَ التَّبْعِيضُ. صفحة ٢٣ ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: عَلِيمٌ بِأحْوالِكم، وحَكِيمٌ لا يُعْطِي ولا يَمْنَعُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

التوبة 9:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُكْمَ المُشْرِكِينَ في إظْهارِ البَراءَةِ عَنْ عَهْدِهِمْ، وفي إظْهارِ البَراءَةِ عَنْهم في أنْفُسِهِمْ، وفي وُجُوبِ مُقاتَلَتِهِمْ، وفي تَبْعِيدِهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وأوْرَدَ الإشْكالاتِ الَّتِي ذَكَرُوها، وأجابَ عَنْها بِالجَواباتِ الصَّحِيحَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ حُكْمَ أهْلِ الكِتابِ، وهو أنْ يُقاتَلُوا إلى أنْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، فَحِينَئِذٍ يُقَرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ بِشَرائِطَ، ويَكُونُونَ عِنْدَ ذَلِكَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ والعَهْدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ إذا كانُوا مَوْصُوفِينَ بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ، وجَبَتْ مُقاتَلَتُهم إلى أنْ يُسْلِمُوا، أوْ إلى أنْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ. فالصِّفَةُ الأُولى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، إلّا أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ أكْثَرَ اليَهُودِ مُشَبِّهَةٌ، والمُشَبِّهُ يَزْعُمُ أنْ لا مَوْجُودَ إلّا الجِسْمُ وما يَحِلُّ فِيهِ، فَأمّا المَوْجُودُ الَّذِي لا يَكُونُ جِسْمًا ولا حالًّا فِيهِ فَهو مُنْكِرٌ لَهُ، وما ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّ الإلَهَ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا حالًّا في جِسْمٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المُشَبِّهُ مُنْكِرًا لِوُجُودِ الإلَهِ، فَثَبَتَ أنَّ اليَهُودَ مُنْكِرُونَ لِوُجُودِ الإلَهِ. فَإنْ قِيلَ: فاليَهُودُ قِسْمانِ: مِنهم مُشَبِّهَةٌ، ومِنهم مُوَحِّدَةٌ، كَما أنَّ المُسْلِمِينَ كَذَلِكَ، فَهَبْ أنَّ المُشَبِّهَةَ مِنهم مُنْكِرُونَ لِوُجُودِ الإلَهِ، فَما قَوْلُكم في مُوَحِّدَةِ اليَهُودِ ؟ قُلْنا: أُولَئِكَ لا يَكُونُونَ داخِلِينَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، ولَكِنَّ إيجابَ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ بِأنْ يُقالَ: لَمّا ثَبَتَ وُجُوبُ الجِزْيَةِ عَلى بَعْضِهِمْ وجَبَ القَوْلُ بِهِ في حَقِّ الكُلِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. وأمّا النَّصارى: فَهم يَقُولُونَ: بِالأبِ والِابْنِ ورُوحِ القُدُسِ، والحُلُولِ والِاتِّحادِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُنافِي الإلَهِيَّةَ. فَإنْ قِيلَ: حاصِلُ الكَلامِ: أنَّ كُلَّ مَن نازَعَ في صِفَةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ، كانَ مُنْكِرًا لِوُجُودِ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ تَقُولُوا: إنَّ أكْثَرَ المُتَكَلِّمِينَ مُنْكِرُونَ لِوُجُودِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أكْثَرَهم مُخْتَلِفُونَ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ألا تَرى أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ اخْتَلَفُوا اخْتِلافًا شَدِيدًا في هَذا البابِ، فالأشْعَرِيُّ أثْبَتَ البَقاءَ صِفَةً، والقاضِي أنْكَرَهُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أثْبَتَ القِدَمَ صِفَةً، والباقُونَ أنْكَرُوهُ، والقاضِي أثْبَتَ إدْراكَ الطُّعُومِ، وإدْراكَ الرَّوائِحِ، وإدْراكَ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ، وهي الَّتِي تُسَمّى في حَقِّ البَشَرِ بِإدْراكِ الشَّمِّ والذَّوْقِ واللَّمْسِ، والأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ أنْكَرَهُ، وأثْبَتَ القاضِي لِلصِّفاتِ السَّبْعِ أحْوالًا سَبْعَةً مُعَلَّلَةً بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ونُفاةُ الأحْوالِ أنْكَرُوهُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ زَعَمَ أنَّ كَلامَ اللَّهِ في الأزَلِ ما كانَ أمْرًا ولا نَهْيًا ولا خَبَرًا، ثُمَّ صارَ ذَلِكَ في الإنْزالِ، والباقُونَ أنْكَرُوهُ، وقَوْمٌ مِن قُدَماءِ الأصْحابِ أثْبَتُوا لِلَّهِ خَمْسَ كَلِماتٍ، في الأمْرِ، والنَّهْيِ، والخَبَرِ، والِاسْتِخْبارِ، والنِّداءِ، صفحة ٢٤ والمَشْهُورُ أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى واحِدٌ، واخْتَلَفُوا في أنَّ خِلافَ المَعْلُومِ هَلْ هو مَقْدُورٌ أمْ لا ؟ فَثَبَتَ بِهَذا حُصُولُ الِاخْتِلافِ بَيْنَ أصْحابِنا في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، وأمّا اخْتِلافاتُ المُعْتَزِلَةِ، وسائِرِ الفِرَقِ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، فَأكْثَرُ مِن أنْ يُمْكِنَ ذِكْرُهُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ في الصِّفاتِ مُوجِبًا إنْكارَ الذّاتِ أوْ لا يُوجِبُ ذَلِكَ ؟ فَإنْ أوْجَبَهُ لَزِمَ في أكْثَرِ فِرَقِ المُسْلِمِينَ أنْ يُقالَ: إنَّهم أنْكَرُوا الإلَهَ، وإنْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِن ذَهابِ بَعْضِ اليَهُودِ، وذَهابِ النَّصارى إلى الحُلُولِ والِاتِّحادِ كَوْنُهم مُنْكِرِينَ لِلْإيمانِ بِاللَّهِ، وأيْضًا فَمَذْهَبُ النَّصارى أنَّ أُقْنُومَ الكَلِمَةِ حَلَّ في عِيسى، وحَشْوِيَّةُ المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إنَّ مَن قَرَأ كَلامَ اللَّهِ فالَّذِي يَقْرَؤُهُ هو عَيْنُ كَلامِ تَعالى، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ يَدْخُلُ في لِسانِ هَذا القارِئِ، وفي لِسانِ جَمِيعِ القُرّاءِ، وإذا كُتِبَ كَلامُ اللَّهِ في جِسْمٍ فَقَدْ حَلَّ كَلامُ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ الجِسْمِ، فالنَّصارى إنَّما أثْبَتُوا الحُلُولَ والِاتِّحادَ في حَقِّ عِيسى، وأمّا هَؤُلاءِ الحَمْقى فَأثْبَتُوا كَلِمَةَ اللَّهِ في كُلِّ إنْسانٍ قَرَأ القُرْآنَ، وفي كُلِّ جِسْمٍ كُتِبَ فِيهِ القُرْآنُ، فَإنْ صَحَّ في حَقِّ النَّصارى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِهَذا السَّبَبِ، وجَبَ أنْ يَصِحَّ في حَقِّ هَؤُلاءِ الحُرُوفِيَّةِ والحُلُولِيَّةِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا السُّؤالِ. والجَوابُ: أنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلى أنَّ مَن قالَ: إنَّ الإلَهَ جِسْمٌ فَهو مُنْكِرٌ لِلْإلَهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ إلَهَ العالَمِ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا حالٍّ في الجِسْمِ، فَإذا أنْكَرَ المُجَسِّمُ هَذا المَوْجُودَ فَقَدْ أنْكَرَ ذاتَ الإلَهِ تَعالى، فالخِلافُ بَيْنَ المُجَسِّمِ والمُوَحِّدِ لَيْسَ في الصِّفَةِ، بَلْ في الذّاتِ، فَصَحَّ في المُجَسِّمِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، أمّا المَسائِلُ الَّتِي حَكَيْتُمُوها فَهي اخْتِلافاتٌ في الصِّفَةِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأمّا إلْزامُ مَذْهَبِ الحُلُولِيَّةِ والحُرُوفِيَّةِ، فَنَحْنُ نُكَفِّرُهم قَطْعًا، فَإنَّهُ تَعالى كَفَّرَ النَّصارى بِسَبَبِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا حُلُولَ كَلِمَةِ(اللَّهِ) في عِيسى، وهَؤُلاءِ اعْتَقَدُوا حُلُولَ كَلِمَةِ(اللَّهِ) في ألْسِنَةِ جَمِيعِ مَن قَرَأ القُرْآنَ، وفي جَمِيعِ الأجْسامِ الَّتِي كُتِبَ فِيها القُرْآنُ، فَإذا كانَ القَوْلُ بِالحُلُولِ في حَقِّ الذّاتِ الواحِدَةِ يُوجِبُ التَّكْفِيرَ، فَلِأنْ يَكُونَ القَوْلُ بِالحُلُولِ في حَقِّ جَمِيعِ الأشْخاصِ والأجْسامِ مُوجِبًا لِلْقَوْلِ بِالتَّكْفِيرِ كانَ أوْلى. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: مِن صِفاتِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاليَوْمِ الآخِرِ. واعْلَمْ أنَّ المَنقُولَ عَنِ اليَهُودِ والنَّصارى: إنْكارُ البَعْثِ الجُسْمانِيِّ، فَكَأنَّهم يَمِيلُونَ إلى البَعْثِ الرُّوحانِيِّ. واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في هَذا الكِتابِ أنْواعَ السَّعاداتِ والشَّقّاواتِ الرُّوحانِيَّةِ، ودَلَّلْنا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِها وبَيَّنّا دَلالَةَ الآياتِ الكَثِيرَةِ عَلَيْها، إلّا أنّا مَعَ ذَلِكَ نُثْبِتُ السَّعاداتِ والشَّقّاواتِ الجُسْمانِيَّةَ، ونَعْتَرِفُ بِأنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ أهْلَ الجَنَّةِ، بِحَيْثُ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، وبِالجَوارِي يَتَمَتَّعُونَ، ولا شَكَّ أنَّ مَن أنْكَرَ الحَشْرَ والبَعْثَ الجُسْمانِيَّ، فَقَدْ أنْكَرَ صَرِيحَ القُرْآنِ، ولَمّا كانَ اليَهُودُ والنَّصارى مُنْكِرِينَ لِهَذا المَعْنى، ثَبَتَ كَوْنُهم مُنْكِرِينَ لِلْيَوْمِ الآخِرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهم لا يُحَرِّمُونَ ما حُرِّمَ في القُرْآنِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ. والثّانِي: قالَ أبُو رَوْقٍ: لا يَعْمَلُونَ بِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، بَلْ حَرَّفُوهُما وأتَوْا بِأحْكامٍ كَثِيرَةٍ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ. صفحة ٢٥ الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يُقالُ: فُلانٌ يَدِينُ بِكَذا، إذا اتَّخَذَهُ دِينًا فَهو مُعْتَقَدُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ أيْ: لا يَعْتَقِدُونَ في صِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الدِّينُ الحَقُّ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةَ قالَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ فَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ، والمَقْصُودُ تَمْيِيزُهم مِنَ المُشْرِكِينَ في الحُكْمِ؛ لِأنَّ الواجِبَ في المُشْرِكِينَ القِتالُ أوِ الإسْلامُ، والواجِبُ في أهْلِ الكِتابِ القِتالُ أوِ الإسْلامُ أوِ الجِزْيَةُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: الجِزْيَةُ هي ما يُعْطِي المَعاهَدُ عَلى عَهْدِهِ، وهي فِعْلَةٌ مِن جَزى يَجْزِي إذا قَضى ما عَلَيْهِ، واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ إمّا أنْ يُرادَ بِهِ يَدُ المُعْطِي أوْ يَدُ الآخِذِ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ المُعْطِيَ، فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ﴿عَنْ يَدٍ﴾ مُؤاتِيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ؛ لِأنَّ مَن أبى وامْتَنَعَ لَمْ يُعْطِ يَدَهُ بِخِلافِ المُطِيعِ المُنْقادِ، ولِذَلِكَ يُقالُ: أعْطى يَدَهُ إذا انْقادَ وأطاعَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: نَزَعَ يَدَهُ عَنِ الطّاعَةِ، كَما يُقالُ: خَلَعَ رِبْقَةَ الطّاعَةِ مِن عُنُقِهِ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ حَتّى يُعْطُوها عَنْ يَدٍ إلى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ ولا مَبْعُوثًا عَلى يَدِ أحَدٍ، بَلْ عَلى يَدِ المُعْطِي إلى يَدِ الآخِذِ. وأمّا إذا كانَ المُرادُ يَدَ الآخِذِ فَفِيهِ أيْضًا وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ قاهِرَةٍ مُسْتَوْلِيَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ كَما تَقُولُ: اليَدُ في هَذا لِفُلانٍ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ قَبُولَ الجِزْيَةِ مِنهم وتَرْكَ أرْواحِهِمْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهم عَلى الصَّغارِ والذُّلِّ والهَوانِ بِأنْ يَأْتِيَ بِها بِنَفْسِهِ ماشِيًا غَيْرَ راكِبٍ، ويُسَلِّمَها وهو قائِمٌ والمُتَسَلِّمُ جالِسٌ، ويُؤْخَذُ بِلِحْيَتِهِ، فَيُقالُ لَهُ: أدِّ الجِزْيَةَ وإنْ كانَ يُؤَدِّيها ويُزَجُّ في قَفاهُ، فَهَذا مَعْنى الصَّغارِ، وقِيلَ: مَعْنى الصَّغارِ هَهُنا هو نَفْسُ إعْطاءِ الجِزْيَةِ، ولِلْفُقَهاءِ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ مِن تَوابِعِ الذُّلِّ والصَّغارِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في شَيْءٍ مِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ. الحُكْمُ الأوَّلُ اسْتَدْلَلْتُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ والوَجْهُ في تَقْرِيرِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾ يَقْتَضِي إيجابَ مُقاتَلَتِهِمْ، وذَلِكَ مُشْتَمِلٌ عَلى إباحَةِ قَتْلِهِمْ، وعَلى عَدَمِ وُجُوبِ القِصاصِ بِسَبَبِ قَتْلِهِمْ، فَلَمّا قالَ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ عَلِمْنا أنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأحْكامِ قَدِ انْتَهَتْ عِنْدَ إعْطاءِ الجِزْيَةِ، ويَكْفِي في انْتِهاءِ المَجْمُوعِ ارْتِفاعُ أحَدِ أجْزائِهِ، فَإذا ارْتَفَعَ وُجُوبُ قَتْلِهِ وإباحَةُ دَمِهِ، فَقَدِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ المَجْمُوعُ، ولا حاجَةَ في ارْتِفاعِ المَجْمُوعِ إلى ارْتِفاعِ جَمِيعِ أجْزاءِ المَجْمُوعِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: (قاتِلُوا طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ) يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ القِصاصِ بِقَتْلِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ لا يُوجِبُ ارْتِفاعَ ذَلِكَ الحُكْمِ؛ لِأنَّهُ كَفى في انْتِهاءِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ انْتِهاءُ أحَدِ أجْزائِهِ وهو وُجُوبُ قَتْلِهِمْ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى بَعْدَ أداءِ الجِزْيَةِ عَدَمُ وُجُوبِ القِصاصِ كَما كانَ. * * * صفحة ٢٦ الحُكْمُ الثّانِي الكُفّارُ فَرِيقانِ، فَرِيقٌ عَبْدَةُ الأوْثانِ وعَبَدَةُ ما اسْتَحْسَنُوا، فَهَؤُلاءِ لا يُقَرُّونَ عَلى دِينِهِمْ بِأخْذِ الجِزْيَةِ، ويَجِبُ قِتالُهم حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفَرِيقٌ هم أهْلُ الكِتابِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والسّامِرَةُ والصّابِئُونَ، وهَذانَ الصِّنْفانِ سَبِيلُهم في أهْلِ الكِتابِ سَبِيلُ أهْلِ البِدَعِ فِينا، والمَجُوسُ أيْضًا سَبِيلُهم سَبِيلُ أهْلِ الكِتابِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» “ ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ أخَذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ، فَهَؤُلاءِ يَجِبُ قِتالُهم حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، ويُعاهِدُوا المُسْلِمِينَ عَلى أداءِ الجِزْيَةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الصِّفاتِ الأرْبَعَةَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ قَيَّدَهم بِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ وإثْباتُ ذَلِكَ الحُكْمِ في غَيْرِهِمْ يَقْتَضِي إلْغاءَ هَذا القَيْدِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ. * * * الحُكْمُ الثّالِثُ: في قَدْرِ الجِزْيَةِ، قالَ أنَسٌ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمٍ دِينارًا، وقَسَمَ عُمَرُ عَلى الفُقَراءِ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وعَلى الأوْساطِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ، وعَلى أهْلِ الثَّرْوَةِ ثَمانِيَةً وأرْبَعِينَ، قالَ أصْحابُنا: وأقَلُّ الجِزْيَةِ دِينارٌ، ولا يُزادُ عَلى الدِّينارِ إلّا بِالتَّراضِي، فَإذا رَضُوا والتَزَمُوا الزِّيادَةَ ضَرَبْنا عَلى المُتَوَسِّطِ دِينارَيْنِ، وعَلى الغَنِيِّ أرْبَعَةَ دَنانِيرَ، والدَّلِيلُ عَلى ما ذَكَرْنا: أنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُ أخْذِ مالِ المُكَلَّفِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ يَدُلُّ عَلى أخْذِ شَيْءٍ، فَهَذا الَّذِي قُلْناهُ هو القَدْرُ الأقَلُّ، فَيَجُوزُ أخْذُهُ والزّائِدُ عَلَيْهِ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الجِزْيَةِ والأصْلُ فِيهِ الحُرْمَةُ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلَيْها. * * * الحُكْمُ الرّابِعُ: تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِ السَّنَةِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في آخِرِها. الحُكْمُ الخامِسُ: تَسْقُطُ الجِزْيَةُ بِالإسْلامِ والمَوْتِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَيْسَ عَلى المُسْلِمِ جِزْيَةٌ» “ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لا تَسْقُطُ. الحُكْمُ السّادِسُ: قالَ أصْحابُنا: هَؤُلاءِ إنَّما أُقِرُّوا عَلى دِينِهِمُ الباطِلِ بِأخْذِ الجِزْيَةِ حُرْمَةً لِآبائِهِمُ الَّذِينَ انْقَرَضُوا عَلى الحَقِّ مِن شَرِيعَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وأيْضًا مَكَّنّاهم مِن أيْدِيهِمْ، فَرُبَّما يَتَفَكَّرُونَ فَيَعْرِفُونَ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتِهِ، فَأُمْهِلُوا لِهَذا المَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * وبَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كانَ ابْنُ الرّاوِنْدِيِّ يَطْعَنُ في القُرْآنِ ويَقُولُ: إنَّهُ ذَكَرَ في تَعْظِيمِ كُفْرِ النَّصارى قَوْلَهُ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ صفحة ٢٧ [مَرْيَمَ: ٩٠] فَبَيَّنَ أنَّ إظْهارَهم لِهَذا القَوْلِ بَلَغَ إلى هَذا الحَدِّ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أخَذَ مِنهم دِينارًا واحِدًا قَرَّرَهم عَلَيْهِ وما مَنَعَهم مِنهُ. والجَوابُ: لَيْسَ المَقْصُودُ مِن أخْذِ الجِزْيَةِ تَقْرِيرُهُ عَلى الكُفْرِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنها حَقْنُ دَمِهِ وإمْهالُهُ مُدَّةً، رَجاءَ أنَّهُ رُبَّما وقَفَ في هَذِهِ المُدَّةِ عَلى مَحاسِنِ الإسْلامِ وقُوَّةِ دَلائِلِهِ، فَيَنْتَقِلُ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَكْفِي في حَقْنِ الدَّمِ دَفْعُ الجِزْيَةِ أمْ لا ؟ والجَوابُ: أنَّهُ لا بُدَّ مَعَهُ مِن إلْحاقِ الذُّلِّ والصَّغارِ لِلْكُفْرِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ طَبْعَ العاقِلِ يَنْفِرُ عَنْ تَحَمُّلِ الذُّلِّ والصَّغارِ، فَإذا أُمْهِلَ الكافِرُ مُدَّةً وهو يُشاهِدُ عِزَّ الإسْلامِ ويَسْمَعُ دَلائِلَ صِحَّتِهِ، ويُشاهِدُ الذُّلَّ والصَّغارَ في الكُفْرِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلى الِانْتِقالِ إلى الإسْلامِ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِن شَرْعِ الجِزْيَةِ.

التوبة 9:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، شَرَحَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ بِأنْ نَقَلَ عَنْهم أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ ابْنًا، ومَن جَوَّزَ ذَلِكَ في حَقِّ الإلَهِ فَهو في الحَقِيقَةِ قَدْ أنْكَرَ الإلَهَ، وأيْضًا بَيَّنَ تَعالى أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُشْرِكِينَ في الشِّرْكِ، وإنْ كانَتْ طُرُقُ القَوْلِ بِالشِّرْكِ مُخْتَلِفَةً، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ مَن يَعْبُدُ الصَّنَمَ وبَيْنَ مَن يَعْبُدُ المَسِيحَ وغَيْرَهُ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلشِّرْكِ إلّا أنْ يَتَّخِذَ الإنْسانُ مَعَ اللَّهِ مَعْبُودًا، فَإذا حَصَلَ هَذا المَعْنى فَقَدْ حَصَلَ الشِّرْكُ، بَلْ إنّا لَوْ تَأمَّلْنا لَعَلِمْنا أنَّ كُفْرَ عابِدِ الوَثَنِ أخَفُّ مِن كُفْرِ النَّصارى؛ لَأنَّ عابِدَ الوَثَنِ لا يَقُولُ إنَّ هَذا الوَثَنَ خالِقُ العالَمِ وإلَهُ العالَمِ، بَلْ يُجْرِيهِ مَجْرى الشَّيْءِ الَّذِي يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى طاعَةِ اللَّهِ، أمّا النَّصارى فَإنَّهم يُثْبِتُونَ الحُلُولَ والِاتِّحادَ وذَلِكَ كُفْرٌ قَبِيحٌ جِدًّا، فَثَبَتَ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ هَؤُلاءِ الحُلُولِيَّةِ وبَيْنَ سائِرِ المُشْرِكِينَ، وأنَّهم إنَّما خَصَّهم بِقَبُولِ الجِزْيَةِ مِنهم؛ لِأنَّهم في الظّاهِرِ ألْصَقُوا أنْفُسَهم بِمُوسى وعِيسى، وادَّعَوْا أنَّهم يَعْمَلُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَلِأجْلِ تَعْظِيمِ هَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ المُعَظَّمَيْنِ، وتَعْظِيمِ كِتابَيْهِما وتَعْظِيمِ أسْلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ والنَّصارى بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا عَلى الدِّينِ الحَقِّ، حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِقَبُولِ الجِزْيَةِ مِنهم، وإلّا فَفي الحَقِيقَةِ لا فَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ رَجُلٌ واحِدٌ مِنَ اليَهُودِ اسْمُهُ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ. الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ: أتى جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهم: سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، والنُّعْمانُ بْنُ أوْفى، ومالِكُ بْنُ صفحة ٢٨ الصَّيْفِ، وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنا، ولا تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فالقائِلُونَ بِهَذا المَذْهَبِ بَعْضُ اليَهُودِ، إلّا أنَّ اللَّهَ نَسَبَ ذَلِكَ القَوْلَ إلى اليَهُودِ بِناءً عَلى عادَةِ العَرَبِ في إيقاعِ اسْمِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ، يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخُيُولَ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَرْكَبْ إلّا واحِدًا مِنها، وفُلانٌ يُجالِسُ السَّلاطِينَ، ولَعَلَّهُ لا يُجالِسُ إلّا واحِدًا. والقَوْلُ الثّالِثُ: لَعَلَّ هَذا المَذْهَبَ كانَ فاشِيًا فِيهِمْ ثُمَّ انْقَطَعَ، فَحَكى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم، ولا عِبْرَةَ بِإنْكارِ اليَهُودِ ذَلِكَ، فَإنَّ حِكايَةَ اللَّهِ عَنْهم أصْدَقُ، والسَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ قالُوا هَذا القَوْلَ ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودَ أضاعُوا التَّوْراةَ، وعَمِلُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، فَأنْساهُمُ اللَّهُ تَعالى التَّوْراةَ، ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ فَتَضَرَّعَ عُزَيْرٌ إلى اللَّهِ وابْتَهَلَ إلَيْهِ، فَعادَ حِفْظُ التَّوْراةِ إلى قَلْبِهِ، فَأنْذَرَ قَوْمَهُ بِهِ، فَلَمّا جَرَّبُوهُ وجَدُوهُ صادِقًا فِيهِ، فَقالُوا: ما تَيَسَّرَ هَذا لِعُزَيْرٍ إلّا أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: قَتَلَ بُخَتُنَصَّرُ عُلَماءَهم فَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْرِفُ التَّوْراةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: العَمالِقَةُ قَتَلُوهم فَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ أحَدٌ يَعْرِفُ التَّوْراةَ، فَهَذا ما قِيلَ في هَذا البابِ. وأمّا حِكايَةُ اللَّهِ عَنِ النَّصارى أنَّهم يَقُولُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، فَهي ظاهِرَةٌ، لَكِنْ فِيها إشْكالٌ قَوِيٌّ، وهي أنّا نَقْطَعُ أنَّ المَسِيحَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وأصْحابُهُ كانُوا مُبَرَّئِينَ مِن دَعْوَةِ النّاسِ إلّا الأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ، فَإنَّ هَذا أفْحَشُ أنْواعِ الكُفْرِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِأكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ؟ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ إطْباقُ جُمْلَةِ مُحِبِّي عِيسى مِنَ النَّصارى عَلى هَذا الكُفْرِ ؟، ومَنِ الَّذِي وضَعَ هَذا المَذْهَبَ الفاسِدَ ؟ وكَيْفَ قَدِرَ عَلى نِسْبَتِهِ إلى المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ فَقالَ المُفَسِّرُونَ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ: إنَّ أتْباعَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا عَلى الحَقِّ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى حَتّى وقَعَ حَرْبٌ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ، وكانَ في اليَهُودِ رَجُلٌ شُجاعٌ يُقالُ لَهُ: بُولَسُ قَتَلَ جَمْعًا مِن أصْحابِ عِيسى، ثُمَّ قالَ لِلْيَهُودِ: إنْ كانَ الحَقُّ مَعَ عِيسى فَقَدْ كَفَرْنا والنّارُ مَصِيرُنا، ونَحْنُ مَغْبُونُونَ إنْ دَخَلُوا الجَنَّةَ ودَخَلْنا النّارَ، وإنِّي أحْتالُ فَأُضِلُّهم، فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ، وأظْهَرَ النَّدامَةَ مِمّا كانَ يَصْنَعُ، ووَضَعَ عَلى رَأْسِهِ التُّرابَ، وقالَ: نُودِيتُ مِنَ السَّماءِ لَيْسَ لَكَ تَوْبَةٌ إلّا أنْ تَتَنَصَّرَ، وقَدْ تُبْتُ فَأدْخَلَهُ النَّصارى الكَنِيسَةَ، ومَكَثَ سَنَةً لا يَخْرُجُ وتَعَلَّمَ الإنْجِيلَ فَصَدَّقُوهُ وأحَبُّوهُ، ثُمَّ مَضى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، واسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا اسْمُهُ نَسْطُورُ، وعَلَّمَهُ أنَّ عِيسى ومَرْيَمَ والإلَهَ كانُوا ثَلاثَةً، وتَوَجَّهَ إلى الرُّومِ وعَلَّمَهُمُ اللّاهُوتَ والنّاسُوتَ، وقالَ: ما كانَ عِيسى إنْسانًا، ولا جِسْمًا ولَكِنَّهُ اللَّهُ، وعَلَّمَ رَجُلًا آخَرَ يُقالُ لَهُ يَعْقُوبُ ذَلِكَ، ثُمَّ دَعا رَجُلًا يُقالُ لَهُ مَلَكا، فَقالَ لَهُ: إنَّ الإلَهَ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ عِيسى، ثُمَّ دَعا لِهَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، وقالَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم: أنْتَ خَلِيفَتِي فادْعُ النّاسَ إلى إنْجِيلِكَ، ولَقَدْ رَأيْتُ عِيسى في المَنامِ ورَضِيَ عَنِّي، وإنِّي أذْبَحُ نَفْسِي لِمَرْضاةِ عِيسى، ثُمَّ دَخَلَ المَذْبَحَ فَذَبَحَ نَفْسَهُ، ثُمَّ دَعا كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ النّاسَ إلى قَوْلِهِ ومَذْهَبِهِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في وُقُوعِ هَذا الكُفْرِ في طَوائِفِ النَّصارى، هَذا ما حَكاهُ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: لَعَلَّهُ ورَدَ لَفْظُ الِابْنِ في الإنْجِيلِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، كَما ورَدَ لَفْظُ الخَلِيلِ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ لِأجْلِ عَداوَةِ اليَهُودِ، ولِأجْلِ أنْ يُقابِلُوا غُلُوَّهُمُ الفاسِدَ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِغُلُوٍّ فاسِدٍ في الطَّرَفِ الثّانِي، فَبالَغُوا وفَسَّرُوا لَفْظَ الِابْنِ بِالبُنُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ. والجُهّالُ قَبِلُوا ذَلِكَ، وفَشا هَذا المَذْهَبُ الفاسِدُ في أتْباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيٌّ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو ”عُزَيْرٌ“ بِالتَّنْوِينِ والباقُونَ بِغَيْرِ صفحة ٢٩ التَّنْوِينِ، قالَ الزَّجّاجُ: الوَجْهُ إثْباتُ التَّنْوِينُ، فَقَوْلُهُ: ﴿عُزَيْرٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ خَبَرُهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنَ التَّنْوِينِ في حالِ السِّعَةِ؛ لِأنَّ عُزَيْرًا يَنْصَرِفُ سَواءٌ كانَ أعْجَمِيًّا أوْ عَرَبِيًّا، وسَبَبُ كَوْنِهِ مُنْصَرِفًا أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ خَفِيفٌ فَيَنْصَرِفُ، وإنْ كانَ أعْجَمِيًّا كَهُودٍ ولُوطٍ. والثّانِي: أنَّهُ عَلى صِيغَةِ التَّصْغِيرِ وأنَّ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ لا تُصَغَّرُ، وأمّا الَّذِينَ تَرَكُوا التَّنْوِينَ فَلَهم فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ أعْجَمِيٌّ ومَعْرِفَةٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَنْصَرِفَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ:(ابْنُ) صِفَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ مَعْبُودُنا، وطَعَنَ عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ في هَذا الوَجْهِ في كِتابِ ”دَلائِلِ الإعْجازِ“، وقالَ: الِاسْمُ إذا وُصِفَ بِصِفَةٍ، ثُمَّ أُخْبِرَ عَنْهُ فَمَن كَذَّبَهُ انْصَرَفَ التَّكْذِيبُ إلى الخَبَرِ، وصارَ ذَلِكَ الوَصْفُ مُسَلَّمًا، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ هو قَوْلَهم عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ مَعْبُودُنا، لَتَوَجَّهَ الإنْكارُ إلى كَوْنِهِ مَعْبُودًا لَهم، وحَصَلَ كَوْنُهُ ابْنًا لِلَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ، وهَذا الطَّعْنُ عِنْدِي ضَعِيفٌ. أمّا قَوْلُهُ: إنَّ مَن أخْبَرَ عَنْ ذاتٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفَةٍ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ وأنْكَرَهُ مُنْكِرٌ، تَوَجَّهَ الإنْكارُ إلى الخَبَرِ فَهَذا مُسَلَّمٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ويَكُونُ ذَلِكَ تَسْلِيمًا لِذَلِكَ الوَصْفِ فَهَذا مَمْنُوعٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ مُكَذِّبًا لِذَلِكَ الخَبَرِ بِالتَّكْذِيبِ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ ما سِواهُ لا يُكَذِّبُهُ بَلْ يُصَدِّقُهُ، وهَذا بِناءٌ عَلى دَلِيلِ الخِطابِ، وهو ضَعِيفٌ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذا المَقامِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: نُونُ التَّنْوِينِ ساكِنَةٌ مِن ”عُزَيْرٌ“، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ ساكِنَةٌ فَحَصَلَ هَهُنا التِقاءُ السّاكِنَيْنِ، فَحُذِفَ نُونُ التَّنْوِينِ لِلتَّخْفِيفِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: فَألْقَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا حَكى عَنْهم بِهَذِهِ الحِكايَةِ قالَ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ . ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ كُلَّ قَوْلٍ إنَّما يُقالُ بِالفَمِ، فَما مَعْنى تَخْصِيصِهِمْ لِهَذا القَوْلِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنْ يُرادَ بِهِ قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ بُرْهانٌ فَما هو إلّا لَفْظٌ يَفُوهُونَ بِهِ فارِغٌ مِن مَعْنًى مُعْتَبَرٍ لِحَقِّهِ، والحاصِلُ أنَّهم قالُوا بِاللِّسانِ قَوْلًا، ولَكِنْ لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ العَقْلِ مِن ذَلِكَ القَوْلِ أثَرٌ؛ لِأنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلْإلَهِ مَعَ أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحاجَةِ والشَّهْوَةِ والمُضاجَعَةِ والمُباضَعَةِ قَوْلٌ باطِلٌ، لَيْسَ عِنْدَ العَقْلِ مِنهُ أثَرٌ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ . والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَخْتارُ مَذْهَبًا إمّا عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، وإمّا عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، فَإذا صَرَّحَ بِهِ وذَكَرَهُ بِلِسانِهِ، فَذَلِكَ هو الغايَةُ في اخْتِيارِهِ لِذَلِكَ المَذْهَبِ، والنِّهايَةُ في كَوْنِهِ ذاهِبًا إلَيْهِ قائِلًا بِهِ، والمُرادُ هَهُنا أنَّهم يُصَرِّحُونَ بِهَذا المَذْهَبِ ولا يُخْفُونَهُ البَتَّةَ. والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ أنَّهم دَعَوُا الخَلْقَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ حَتّى وقَعَتْ هَذِهِ المَقالَةُ في الأفْواهِ والألْسِنَةِ، والمُرادُ مِنهُ مُبالَغَتُهم في دَعْوَةِ الخَلْقِ إلى المَذْهَبِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى يُضاهِي قَوْلَ المُشْرِكِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّصارى أيْ: قَوْلُهُمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ يُضاهِي قَوْلَ اليَهُودِ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ؛ لِأنَّهم أقْدَمُ مِنهم. الثّالِثُ: أنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ النَّصارى يُضاهِي قَوْلَ قُدَمائِهِمْ، يَعْنِي صفحة ٣٠ أنَّهُ كُفْرٌ قَدِيمٌ، فَهو غَيْرُ مُسْتَحْدَثٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُضاهاةُ: المُشابَهَةُ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ ضاهَيْتُهُ ضَهِيًّا ومُضاهاةً، هَذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ في المُضاهاةِ. وقالَ شِمْرٌ: المُضاهاةُ: المُتابَعَةُ، يُقالُ: فُلانٌ يُضاهِي فُلانًا أيْ: يُتابِعُهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عاصِمٌ: ﴿يُضاهِئُونَ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِكَسْرِ الهاءِ، والباقُونَ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ وضَمِّ الهاءِ، يُقالُ: ضاهَيْتُهُ وضاهَأْتُهُ لُغَتانِ مِثْلَ أرَجِيتُ وأرْجَأْتُ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: لَمْ يُتابِعْ عاصِمًا أحَدٌ عَلى الهَمْزَةِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: هم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم هَذا القَوْلُ تَعَجُّبًا مِن بَشاعَةِ قَوْلِهِمْ كَما يُقالُ: القَوْمُ رَكِبُوا سَبُعًا، قاتَلَهُمُ اللَّهُ ما أعْجَبَ فِعْلَهُمْ!﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ الإفْكُ الصَّرْفُ يُقالُ: أفِكَ الرَّجُلُ عَنِ الخَيْرِ، أيْ: قُلِبَ وصُرِفَ، ورَجُلٌ مَأْفُوكٌ أيْ: مَصْرُوفٌ عَنِ الخَيْرِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ مَعْناهُ كَيْفَ يُصَدُّونَ، ويُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ، حَتّى يَجْعَلُوا لِلَّهِ ولَدًا! وهَذا التَّعَجُّبُ إنَّما هو راجِعٌ إلى الخَلْقِ، واللَّهُ تَعالى لا يَتَعَجَّبُ مِن شَيْءٍ، ولَكِنَّ هَذا الخِطابَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في مُخاطَباتِهِمْ، واللَّهُ تَعالى عَجَّبَ نَبِيَّهُ مِن تَرْكِهِمُ الحَقَّ وإصْرارِهِمْ عَلى الباطِلِ.

التوبة 9:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ اليَهُودَ والنَّصارى بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ . وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأحْبارُ: الفُقَهاءُ، واخْتَلَفُوا في واحِدِهِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: حَبْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: حِبْرٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: لا أدْرِي أهُوَ الحَبْرُ أوِ الحِبْرُ ؟ وكانَ أبُو الهَيْثَمِ يَقُولُ: واحِدُ الأحْبارِ حَبْرٌ بِالفَتْحِ لا غَيْرَ، ويُنْكِرُ الكَسْرَ، وكانَ اللَّيْثُ وابْنُ السِّكِّيتِ يَقُولانِ: حَبْرٌ وحِبْرٌ لِلْعالِمِ ذِمِّيًّا كانَ أوْ مُسْلِمًا، بَعْدَ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ. وقالَ أهْلُ المَعانِي: الحَبْرُ العالِمُ الَّذِي بِصِناعَتِهِ يُحَبِّرُ المَعانِيَ، ويُحْسِنُ البَيانَ عَنْها، والرّاهِبُ الَّذِي تَمَكَّنَتِ الرَّهْبَةُ والخَشْيَةُ في قَلْبِهِ وظَهَرَتْ آثارُ الرَّهْبَةِ عَلى وجْهِهِ ولِباسِهِ، وفي عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ، صارَ الأحْبارُ مُخْتَصًّا بِعُلَماءِ اليَهُودِ مِن ولَدِ هارُونَ، والرُّهْبانُ بِعُلَماءِ النَّصارى أصْحابِ الصَّوامِعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الأرْبابِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِمْ أنَّهم آلِهَةُ العالَمِ، بَلِ المُرادُ أنَّهم أطاعُوهم في أوامِرِهِمْ ونَواهِيهِمْ، «نُقِلَ أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ كانَ نَصْرانِيًّا فانْتَهى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو يَقْرَأُ سُورَةَ بَراءَةَ، فَوَصَلَ إلى هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: فَقُلْتُ: لَسْنا نَعْبُدُهم فَقالَ: ”ألَيْسَ يُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ ؟“ فَقُلْتُ: بَلى قالَ: ”فَتِلْكَ عِبادَتُهُمْ“» وقالَ الرَّبِيعُ: قُلْتُ لِأبِي العالِيَةِ: كَيْفَ كانَتْ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةُ في بَنِي إسْرائِيلَ ؟ فَقالَ: إنَّهم رُبَّما وجَدُوا في كِتابِ اللَّهِ ما يُخالِفُ أقْوالَ الأحْبارِ صفحة ٣١ والرُّهْبانِ، فَكانُوا يَأْخُذُونَ بِأقْوالِهِمْ وما كانُوا يَقْبَلُونَ حُكْمَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، قالَ شَيْخُنا ومَوْلانا، خاتِمَةُ المُحَقِّقِينَ والمُجْتَهِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ شاهَدْتُ جَماعَةً مِن مُقَلِّدَةِ الفُقَهاءِ، قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ آياتٍ كَثِيرَةً مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى في بَعْضِ المَسائِلِ، وكانَتْ مَذاهِبُهم بِخِلافِ تِلْكَ الآياتِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا تِلْكَ الآياتِ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها وبَقُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ كالمُتَعَجِّبِ، يَعْنِي: كَيْفَ يُمْكِنُ العَمَلُ بِظَواهِرِ هَذِهِ الآياتِ مَعَ أنَّ الرِّوايَةَ عَنْ سَلَفِنا ورَدَتْ عَلى خِلافِها، ولَوْ تَأمَّلْتَ حَقَّ التَّأمُّلِ وجَدْتَ هَذا الدّاءَ سارِيًا في عُرُوقِ الأكْثَرِينَ مِن أهْلِ الدُّنْيا. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا كَفَّرَهم بِسَبَبِ أنَّهم أطاعُوا الأحْبارَ والرُّهْبانَ، فالفاسِقُ يُطِيعُ الشَّيْطانَ فَوَجَبَ الحُكْمُ بِكُفْرِهِ، كَما هو قَوْلُ الخَوارِجِ. والجَوابُ: أنَّ الفاسِقَ، وإنْ كانَ يَقْبَلُ دَعْوَةَ الشَّيْطانِ إلّا أنَّهُ لا يُعَظِّمُهُ لَكِنْ يَلْعَنُهُ، ويَسْتَخِفُّ بِهِ، أمّا أُولَئِكَ الأتْباعُ كانُوا يَقْبَلُونَ قَوْلَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ ويُعَظِّمُونَهم، فَظَهَرَ الفَرْقُ. والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ أنَّ الجُهّالَ والحَشْوِيَّةَ إذا بالَغُوا في تَعْظِيمِ شَيْخِهِمْ وقُدْوَتِهِمْ، فَقَدْ يَمِيلُ طَبْعُهم إلى القَوْلِ بِالحُلُولِ والِاتِّحادِ، وذَلِكَ الشَّيْخُ إذا كانَ طالِبًا لِلدُّنْيا بَعِيدًا عَنِ الدِّينِ، فَقَدْ يُلْقِي إلَيْهِمْ أنَّ الأمْرَ كَما يَقُولُونَ ويَعْتَقِدُونَ، وشاهَدْتُ بَعْضَ المُزَوِّرِينَ مِمَّنْ كانَ بَعِيدًا عَنِ الدِّينِ كانَ يَأْمُرُ أتْباعَهُ وأصْحابَهُ بِأنْ يَسْجُدُوا لَهُ، وكانَ يَقُولُ لَهم: أنْتُمْ عَبِيدِي، فَكانَ يُلْقِي إلَيْهِمْ مِن حَدِيثِ الحُلُولِ والِاتِّحادِ أشْياءَ، ولَوْ خَلا بِبَعْضِ الحَمْقى مِن أتْباعِهِ، فَرُبَّما ادَّعى الإلَهِيَّةَ، فَإذا كانَ مُشاهَدًا في هَذِهِ الأُمَّةِ، فَكَيْفَ يَبْعُدُ ثُبُوتُهُ في الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟ وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها أنَّهم أطاعُوهم فِيما كانُوا مُخالِفِينَ فِيهِ لِحُكْمِ اللَّهِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها أنَّهم قَبِلُوا أنْواعَ الكُفْرِ، فَكَفَرُوا بِاللَّهِ، فَصارَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى أنَّهُمُ اتَّخَذُوهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم أثْبَتُوا في حَقِّهِمُ الحُلُولَ والِاتِّحادَ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ مُشاهَدٌ وواقِعٌ في هَذِهِ الأُمَّةِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والكُتُبَ الإلَهِيَّةَ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ. ثُمَّ قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: سُبْحانَهُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، وأنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في كَوْنِهِ مَسْجُودًا ومَعْبُودًا، وأنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في وُجُوبِ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ.

التوبة 9:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ نَوْعٍ ثالِثٍ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ الصّادِرَةِ عَنْ رُؤَساءِ اليَهُودِ والنَّصارى، وهو سَعْيُهم في إبْطالِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجَدُّهم في إخْفاءِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ شَرْعِهِ وقُوَّةِ دِينِهِ، والمُرادُ مِنَ النُّورِ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وهي أُمُورٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا: أحَدُها: المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى صفحة ٣٢ يَدِهِ، فَإنَّ المُعْجِزَ إمّا أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ، فَحَيْثُ ظَهَرَ المُعْجِزُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ الصِّدْقِ، فَوَجَبَ كَوْنُ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا، وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى الصِّدْقِ قَدَحَ ذَلِكَ في نُبُوَّةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. وثانِيها: القُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي ظَهَرَ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّهُ مِن أوَّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ ما تَعَلَّمَ، وما طالَعَ، وما اسْتَفادَ، وما نَظَرَ في كِتابٍ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ. وثالِثُها: أنَّ حاصِلَ شَرِيعَتِهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ، والِانْقِيادُ لِطاعَتِهِ، وصَرْفُ النَّفْسِ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، والتَّرْغِيبُ في سَعاداتِ الآخِرَةِ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى اللَّهِ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ. ورابِعُها: أنَّ شَرْعَهُ كانَ خالِيًا عَنْ جَمِيعِ العُيُوبِ، فَلَيْسَ فِيهِ إثْباتُ ما لا يَلِيقُ بِاللَّهِ، ولَيْسَ فِيهِ دَعْوَةٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، وقَدْ مَلَكَ البِلادَ العَظِيمَةَ، وما غَيَّرَ طَرِيقَتَهُ في اسْتِحْقارِ الدُّنْيا، وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْها، ولَوْ كانَ مَقْصُودُهُ طَلَبَ الدُّنْيا لَما بَقِيَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الأحْوالُ دَلائِلُ نَيِّرَةٌ، وبَراهِينُ قاهِرَةٌ في صِحَّةِ قَوْلِهِ، ثُمَّ إنَّهم بِكَلِماتِهِمُ الرَّكِيكَةِ وشُبُهاتِهِمُ السَّخِيفَةِ، وأنْواعِ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، أرادُوا إبْطالَ هَذِهِ الدَّلائِلِ، فَكانَ هَذا جارِيًا مَجْرى مَن يُرِيدُ إبْطالَ نُورِ الشَّمْسِ بِسَبَبِ أنْ يَنْفُخَ فِيها، وكَما أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ وعَمَلٌ ضائِعٌ، فَكَذا هَهُنا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ مُحَمَّدًا ﷺ مَزِيدَ النُّصْرَةِ والقُوَّةِ، وإعْلاءَ الدَّرَجَةِ، وكَمالَ الرُّتْبَةِ، فَقالَ: ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أبى اللَّهُ إلّا كَذا، ولا يُقالُ كَرِهْتُ أوْ أبْغَضْتُ إلّا زَيْدًا ؟ قُلْنا: أجْرى(أبى) مَجْرى لَمْ يُرِدْ، والتَّقْدِيرُ: ما أرادَ اللَّهُ إلّا ذَلِكَ، إلّا أنَّ الإباءَ يُفِيدُ زِيادَةَ عَدَمِ الإرادَةِ وهي المَنعُ والِامْتِناعُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: ”«وإنْ أرادُوا ظُلْمَنا أبَيْنا» “ فامْتُدِحَ بِذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُمْتَدَحَ بِأنَّهُ يَكْرَهُ الظُّلْمَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ مِنَ القَوِيِّ والضَّعِيفِ، ويُقالُ: فُلانٌ أبى الضَّيْمَ، والمَعْنى ما ذَكَرْناهُ، وإنَّما سَمّى الدَّلائِلَ بِالنُّورِ؛ لِأنَّ النُّورَ يَهْدِي إلى الصَّوابِ، فَكَذَلِكَ الدَّلائِلُ تَهْدِي إلى الصَّوابِ في الأدْيانِ.

التوبة 9:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الأعْداءِ أنَّهم يُحاوِلُونَ إبْطالَ أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ الإبْطالَ وأنَّهُ يُتِمُّ أمْرَهُ، بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الإتْمامِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ . واعْلَمْ أنَّ كَمالَ حالِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تَحْصُلُ إلّا بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ: أوَّلُها: كَثْرَةُ الدَّلائِلِ والمُعْجِزاتِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ . وثانِيها: كَوْنُ دِينِهِ مُشْتَمِلًا عَلى أُمُورٍ يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ كَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالصَّوابِ والصَّلاحِ، ومُطابَقَةِ الحِكْمَةِ، ومُوافَقَةِ المَنفَعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ . وثالِثُها: صَيْرُورَةُ دِينِهِ مُسْتَعْلِيًا عَلى سائِرِ الأدْيانِ غالِبًا عَلَيْها، غالِبًا لِأضْدادِها قاهِرًا صفحة ٣٣ لِمُنْكِرِيها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ ظُهُورَ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ قَدْ يَكُونُ بِالحُجَّةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالكَثْرَةِ والوُفُورِ، وقَدْ يَكُونُ بِالغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى بَشَّرَ بِذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنَّ يُبَشِّرَ إلّا بِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ غَيْرِ حاصِلٍ، وظُهُورُ هَذا الدِّينِ بِالحُجَّةِ مُقَرَّرٌ مَعْلُومٌ، فالواجِبُ حَمْلُهُ عَلى الظُّهُورِ بِالغَلَبَةِ. فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهُ غالِبًا لِكُلِّ الأدْيانِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ الإسْلامَ لَمْ يَصِرْ غالِبًا لِسائِرِ الأدْيانِ في أرْضِ الهِنْدِ والصِّينِ والرُّومِ، وسائِرِ أراضِي الكَفَرَةِ. قُلْنا: أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ لا دِينَ بِخِلافِ الإسْلامِ إلّا وقَدْ قَهَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، وظَهَرُوا عَلَيْهِمْ في بَعْضِ المَواضِعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في جَمِيعِ مَواضِعِهِمْ، فَقَهَرُوا اليَهُودَ، وأخْرَجُوهم مِن بِلادِ العَرَبِ، وغَلَبُوا النَّصارى عَلى بِلادِ الشّامِ وما والاها إلى ناحِيَةِ الرُّومِ والغَرْبِ، وغَلَبُوا المَجُوسَ عَلى مُلْكِهِمْ، وغَلَبُوا عُبّادَ الأصْنامِ عَلى كَثِيرٍ مِن بِلادِهِمْ مِمّا يَلِي التُّرْكَ والهِنْدَ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأدْيانِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ وقَعَ وحَصَلَ، وكانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَكانَ مُعْجِزًا. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ الإسْلامَ عالِيًا عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ، وتَمامُ هَذا إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ خُرُوجِ عِيسى، وقالَ السُّدِّيُّ: ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ المَهْدِيِّ، لا يَبْقى أحَدٌ إلّا دَخَلَ في الإسْلامِ أوْ أدّى الخَراجَ. الوَجْهُ الثّالِثُ: المُرادُ: لِيُظْهِرَ الإسْلامَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى ما أبْقى فِيها أحَدًا مِنَ الكُفّارِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أنْ يُوقِفَهُ عَلى جَمِيعِ شَرائِعِ الدِّينِ، ويُطْلِعَهُ عَلَيْها بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ بِالحُجَّةِ والبَيانِ إلّا أنَّ هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذا وعْدٌ بِأنَّهُ تَعالى سَيَفْعَلُهُ، والتَّقْوِيَةُ بِالحُجَّةِ والبَيانِ كانَتْ حاصِلَةً مِن أوَّلِ الأمْرِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ في مَبْدَأِ الأمْرِ كَثُرَتِ الشُّبُهاتُ بِسَبَبِ ضَعْفِ المُؤْمِنِينَ واسْتِيلاءِ الكُفّارِ، ومَنعِ الكُفّارِ سائِرَ النّاسِ مِنَ التَّأمُّلِ في تِلْكَ الدَّلائِلِ. أمّا بَعْدَ قُوَّةِ دَوْلَةِ الإسْلامِ عَجَزَتِ الكُفّارُ فَضَعُفَتِ الشُّبُهاتُ، فَقَوِيَ ظُهُورُ دَلائِلِ الإسْلامِ، فَكانَ المُرادُ مِن تِلْكَ البِشارَةِ هَذِهِ الزِّيادَةُ.

التوبة 9:34

صفحة ٣٤ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ رُؤَساءَ اليَهُودِ والنَّصارى بِالتَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ وادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ والتَّرَفُّعِ عَلى الخَلْقِ، وصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالطَّمَعِ والحِرْصِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن إظْهارِ تِلْكَ الرُّبُوبِيَّةِ والتَّجَبُّرِ والفَخْرِ أخْذُ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، ولَعَمْرِي مَن تَأمَّلَ أحْوالَ أهْلِ النّامُوسِ والتَّزْوِيرِ في زَمانِنا، وجَدَ هَذِهِ الآياتِ كَأنَّها ما أُنْزِلَتْ إلّا في شَأْنِهِمْ، وفي شَرْحِ أحْوالِهِمْ، فَتَرى الواحِدَ مِنهم يَدَّعِي أنَّهُ لا يَلْتَفِتُ إلى الدُّنْيا، ولا يَتَعَلَّقُ خاطِرُهُ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، وأنَّهُ في الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ مِثْلُ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ حَتّى إذا آلَ الأمْرُ إلى الرَّغِيفِ الواحِدِ تَراهُ يَتَهالَكُ عَلَيْهِ، ويَتَحَمَّلُ نِهايَةَ الذُّلِّ والدَّناءَةِ في تَحْصِيلِهِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأحْبارَ مِنَ اليَهُودِ، والرُّهْبانَ مِنَ النَّصارى بِحَسَبِ العُرْفِ، فاللَّهُ تَعالى حَكى عَنْ كَثِيرٍ مِنهم أنَّهم لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَثِيرًا﴾ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ طَرِيقَةُ بَعْضِهِمْ لا طَرِيقَةُ الكُلِّ، فَإنَّ العالَمَ لا يَخْلُو عَنِ الحَقِّ، وإطْباقُ الكُلِّ عَلى الباطِلِ كالمُمْتَنِعِ هَذا يُوهِمُ أنَّهُ كَما أنَّ إجْماعَ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى الباطِلِ لا يَحْصُلُ، فَكَذَلِكَ سائِرُ الأُمَمِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ أخْذِ الأمْوالِ بِالأكْلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ والسَّبَبُ في هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ، أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن جَمْعِ الأمْوالِ هو الأكْلُ، فَسُمِّيَ الشَّيْءُ بِاسْمِ ما هو أعْظَمُ مَقاصِدِهِ، أوْ يُقالُ: مَن أكَلَ شَيْئًا فَقَدْ ضَمِنَهُ إلى نَفْسِهِ، ومَنَعَهُ مِنَ الوُصُولِ إلى غَيْرِهِ، ومَن جَمَعَ المالَ فَقَدْ ضَمَّ تِلْكَ الأمْوالَ إلى نَفْسِهِ، ومَنَعَها مِنَ الوُصُولِ إلى غَيْرِهِ، فَلَمّا حَصَلَتِ المُشابَهَةُ بَيْنَ الأكْلِ وبَيْنَ الأخْذِ مِن هَذا الوَجْهِ، سُمِّيَ الأخْذُ بِالأكْلِ، أوْ يُقالُ: إنَّ مَن أخَذَ أمْوالَ النّاسِ، فَإذا طُولِبَ بِرَدِّها، قالَ: أكَلْتُها وما بَقِيَتْ، فَلا أقْدِرُ عَلى رَدِّها، فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَ الأخْذُ بِالأكْلِ. البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذا الباطِلِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ الرُّشا في تَخْفِيفِ الأحْكامِ والمُسامَحَةِ في الشَّرائِعِ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ عِنْدَ الحَشَراتِ والعَوامِّ مِنهم، أنَّهُ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى الفَوْزِ بِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِخِدْمَتِهِمْ وطاعَتِهِمْ، وبَذْلِ الأمْوالِ في طَلَبِ مَرْضاتِهِمْ، والعَوامُّ كانُوا يَغْتَرُّونَ بِتِلْكَ الأكاذِيبِ. الثّالِثُ: التَّوْراةُ كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى آياتٍ دالَّةٍ عَلى مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ الأحْبارُ والرُّهْبانُ، كانُوا يَذْكُرُونَ في تَأْوِيلِها وُجُوهًا فاسِدَةً، ويَحْمِلُونَها عَلى مُحامِلَ باطِلَةٍ، وكانُوا يُطَيِّبُونَ قُلُوبَ عَوامِّهِمْ بِهَذا السَّبَبِ، ويَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ. والرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يُقَرِّرُونَ عِنْدَ عَوامِّهِمْ أنَّ الدِّينَ الحَقَّ هو الَّذِي هم عَلَيْهِ، فَإذا قَرَّرُوا ذَلِكَ قالُوا: وتَقْوِيَةُ الدِّينِ الحَقِّ واجِبٌ، ثُمَّ قالُوا: ولا طَرِيقَ إلى تَقْوِيَتِهِ إلّا إذا كانَ أُولَئِكَ الفُقَهاءُ أقْوامًا عُظَماءَ أصْحابَ الأمْوالِ الكَثِيرَةِ والجَمْعِ العَظِيمِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَحْمِلُونَ العَوامَّ عَلى أنْ يَبْذُلُوا في خِدْمَتِهِمْ نُفُوسَهم وأمْوالَهم، فَهَذا هو الباطِلُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ، وهي بِأسْرِها حاضِرَةٌ في زَمانِنا، وهو الطَّرِيقُ لِأكْثَرِ الجُهّالِ والمُزَوِّرِينَ إلى أخْذِ أمْوالِ العَوامِّ والحَمْقى مِنَ الخَلْقِ. صفحة ٣٥ ثُمَّ قالَ: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ عَلى مُتابَعَتِهِمْ، ويَمْنَعُونَ عَنْ مُتابَعَةِ الأخْيارِ مِنَ الخَلْقِ والعُلَماءِ في الزَّمانِ، وفي زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا يُبالِغُونَ في المَنعِ عَنْ مُتابَعَتِهِ بِجَمِيعِ وُجُوهِ المَكْرِ والخِداعِ. قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: غايَةُ مَطْلُوبِ الخَلْقِ في الدُّنْيا المالُ والجاهُ، فَبَيَّنَ تَعالى في صِفَةِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ كَوْنَهم مَشْغُوفِينَ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فالمالُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ وأمّا الجاهُ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهم لَوْ أقَرُّوا بِأنَّ مُحَمَّدًا عَلى الحَقِّ لَزِمَهم مُتابَعَتُهُ، وحِينَئِذٍ فَكانَ يَبْطُلُ حُكْمُهم، وتَزُولُ حُرْمَتُهم فَلِأجْلِ الخَوْفِ مِن هَذا المَحْذُورِ كانُوا يُبالِغُونَ في المَنعِ مِن مُتابَعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُبالِغُونَ في إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، وفي اسْتِخْراجِ وُجُوهِ المَكْرِ والخَدِيعَةِ، وفي مَنعِ الخَلْقِ مِن قَبُولِ دِينِهِ الحَقِّ، والِاتِّباعِ لِمَنهَجِهِ الصَّحِيحِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ﴾ احْتِمالاتٌ ثَلاثَةٌ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ:(الَّذِينَ) أُولَئِكَ الأحْبارَ والرُّهْبانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَلامًا مُبْتَدَأً عَلى ما قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنهُ مانِعُو الزَّكاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كُلَّ مَن كَنَزَ المالَ ولَمْ يُخْرِجْ مِنهُ الحُقُوقَ الواجِبَةَ، سَواءٌ كانَ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ أوْ كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَلا شَكَّ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ قالَ: مَرَرْتُ بِأبِي ذَرٍّ فَقُلْتُ: يا أبا ذَرٍّ ما أنْزَلَكَ هَذِهِ البِلادَ ؟ فَقالَ: كُنْتُ بِالشّامِ فَقَرَأْتُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ . فَقالَ مُعاوِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ فَقُلْتُ: إنَّها فِيهِمْ وفِينا، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْوَحْشَةِ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَكَتَبَ إلَيَّ عُثْمانُ أنْ أقْبِلْ إلَيَّ، فَلَمّا قَدِمْتُ المَدِينَةَ انْحَرَفَ النّاسُ عَنِّي، كَأنَّهم لَمْ يَرَوْنِي مِن قَبْلُ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إلى عُثْمانَ فَقالَ لِي: تَنَحَّ قَرِيبًا إنِّي واللَّهِ لَنْ أدَعَ ما كُنْتُ أقُولُ، وعَنِ الأحْنَفِ قالَ: لَمّا قَدِمْتُ المَدِينَةَ رَأيْتُ أبا ذَرٍّ يَقُولُ: بَشِّرِ الكافِرِينَ بِرَضْفٍ يُحْمى عَلَيْهِ في نارِ جَهَنَّمَ، فَتُوضَعَ عَلى حَلَمَةِ ثَدْيِ أحَدِهِمْ حَتّى تَخْرُجَ مِن نُغَضِ كَتِفِهِ حَتّى يَرْفَضَّ بَدَنُهُ، وتُوضَعَ عَلى نُغَضِ كَتِفِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِن حَلَمَةِ ثَدْيِهِ، فَلَمّا سَمِعَ القَوْمُ ذَلِكَ تَرَكُوهُ فاتَّبَعْتُهُ وقُلْتُ: ما رَأيْتُ هَؤُلاءِ إلّا كَرِهُوا ما قُلْتَ لَهم؛ فَقالَ: ما عَسى أنْ يَصْنَعَ فِيَّ قُرَيْشٌ. قالَ مَوْلانا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنْ كانَ المُرادُ تَخْصِيصَ هَذا الوَعِيدِ بِمَن سَبَقَ ذِكْرُهم وهم أهْلُ الكِتابِ، كانَ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ ووَصَفَهم أيْضًا بِالبُخْلِ الشَّدِيدِ، والِامْتِناعِ عَنْ إخْراجِ الواجِباتِ عَنْ أمْوالِ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ وإنْ كانَ المُرادُ مانِعِي الزَّكاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كانَ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى وصَفَ قُبْحَ طَرِيقَتِهِمْ في الحِرْصِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، ثُمَّ نَدَبَ المُسْلِمِينَ إلى إخْراجِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ مِن أمْوالِهِمْ، وبَيَّنَ ما في تَرْكِهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وإنْ كانَ المُرادُ الكُلَّ كانَ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالحِرْصِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِوَعِيدِ كُلِّ مَنِ امْتَنَعَ عَنْ إخْراجِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ مِن مالِهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَمّا صفحة ٣٦ كانَ حالُ مَن أمْسَكَ مالَ نَفْسِهِ بِالباطِلِ، كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن سَعى في أخْذِ مالِ غَيْرِهِ بِالباطِلِ والتَّزْوِيرِ والمَكْرِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ الكَنْزِ في كَلامِ العَرَبِ هو الجَمْعُ، وكُلُّ شَيْءٍ جُمِعَ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ فَهو مَكْنُوزٌ، يُقالُ: هَذا جِسْمٌ مُكْتَنِزُ الأجْزاءِ إذا كانَ مُجْتَمِعَ الأجْزاءِ، واخْتَلَفَ عُلَماءُ الصَّحابَةِ في المُرادِ بِهَذا الكَنْزِ المَذْمُومِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: هو المالُ الَّذِي لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما أدَّيْتَ زَكاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: كُلُّ ما أدَّيْتَ زَكاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وإنْ كانَ تَحْتَ سَبْعِ أرَضِينَ، وكُلُّ ما لَمْ تُؤَدِّ زَكاتَهُ فَهو كَنْزٌ وإنْ كانَ فَوْقَ الأرْضِ، وقالَ جابِرٌ: إذا أخْرَجْتَ الصَّدَقَةَ مِن تِلْكَ فَقَدْ أذْهَبْتَ عَنْهُ شَرَّهُ ولَيْسَ بِكَنْزٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، قالَ القاضِي: تَخْصِيصُ هَذا المَعْنى بِمَنعِ الزَّكاةِ لا سَبِيلَ إلَيْهِ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ: الكَنْزُ هو المالُ الَّذِي ما أُخْرِجَ عَنْهُ ما وجَبَ إخْراجُهُ عَنْهُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الزَّكاةِ وبَيْنَ ما يَجِبُ مِنَ الكَفّاراتِ، وبَيْنَ ما يَلْزَمُ مِن نَفَقَةِ الحَجِّ أوِ الجُمُعَةِ، وبَيْنَ ما يَجِبُ إخْراجُهُ في الدَّيْنِ والحُقُوقِ، والإنْفاقِ عَلى الأهْلِ أوِ العِيالِ، وضَمانِ المُتْلَفاتِ وأُرُوشِ الجِناياتِ، فَيَجِبُ في كُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ أنْ يَكُونَ داخِلًا في الوَعِيدِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المالَ الكَثِيرَ إذا جُمِعَ فَهو الكَنْزُ المَذْمُومُ، سَواءٌ أدَّيْتَ زَكاتَهُ أوْ لَمْ تُؤَدِّ، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما اكْتَسَبَهُ الإنْسانُ فَهو حَقُّهُ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٦] وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«نِعْمَ المالُ الصّالِحُ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ» “ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كُلُّ امْرِئٍ أحَقُّ بِكَسْبِهِ» “ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وإنْ كانَ باطِنًا، وما بَلَغَ أنْ يُزَكّى ولَمْ يُزَكَّ فَهو كَنْزٌ» “ وإنْ كانَ ظاهِرًا. الثّانِي: أنَّهُ كانَ في زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَماعَةٌ كَعُثْمانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعُدُّهم مِن أكابِرِ المُؤْمِنِينَ. الثّالِثُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَدَبَ إلى إخْراجِ الثُّلُثِ أوْ أقَلَّ في المَرَضِ، ولَوْ كانَ جَمْعُ المالِ مُحَرَّمًا لَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقَرَّ المَرِيضَ بِالتَّصَدُّقِ بِكُلِّهِ، بَلْ كانَ يَأْمُرُ الصَّحِيحَ في حالِ صِحَّتِهِ بِذَلِكَ، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: عُمُومُ هَذِهِ الآيَةِ، ولا شَكَّ أنَّ ظاهِرَها دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِن جَمْعِ المالِ، فالمَصِيرُ إلى أنَّ الجَمْعَ مُباحٌ بَعْدَ إخْراجِ الزَّكاةِ تَرْكٌ لِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. والثّانِي: ما رَوى سالِمُ بْنُ الجَعْدِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”تَبًّا لِلذَّهَبِ، تَبًّا لِلْفِضَّةِ“ قالَها ثَلاثًا، فَقالُوا لَهُ: أيُّ مالٍ نَتَّخِذُ ؟ قالَ: لِسانًا ذاكِرًا، وقَلْبًا خاشِعًا، وزَوْجَةً تُعِينُ أحَدَكم عَلى دِينِهِ»، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”مَن تَرَكَ صَفْراءَ أوْ بَيْضاءَ كُوِيَ بِها»، «وتُوُفِّيَ رَجُلٌ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارٌ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“كَيَّةٌ”وتُوُفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارانِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“كَيَّتانِ”» . والثّالِثُ: ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ في هَذا البابِ فَقالَ عَلِيٌّ: كُلُّ مالٍ زادَ عَلى أرْبَعَةِ آلافٍ فَهو كَنْزٌ أدَّيْتَ مِنهُ الزَّكاةَ أوْ لَمْ تُؤَدِّ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: كُلُّ صَفْراءَ أوْ بَيْضاءَ أوْكى عَلَيْها صاحِبُها فَهي كَنْزٌ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ كانَ إذا رَأى أنَّ العِيرَ تَقْدُمُ بِالمالِ صَعِدَ عَلى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ، ويَقُولُ: جاءَتِ القِطارُ تَحْمِلُ النّارَ، وبَشِّرِ الكَنّازِينَ بِكَيٍّ في الجِباهِ والجُنُوبِ والظُّهُورِ والبُطُونِ. والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ الأمْوالَ لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى دَفْعِ الحاجاتِ، فَإذا حَصَلَ لِلْإنْسانِ قَدْرُ ما يَدْفَعُ بِهِ حاجَتَهُ، ثُمَّ جَمَعَ الأمْوالَ الزّائِدَةَ عَلَيْهِ فَهو لا يَنْتَفِعُ بِها لِكَوْنِها زائِدَةً عَلى قَدْرِ حاجَتِهِ صفحة ٣٧ ومَنَعَها مِنَ الغَيْرِ الَّذِي يُمْكِنُهُ أنْ يَدْفَعَ حاجَتَهُ بِها، فَكانَ هَذا الإنْسانُ بِهَذا المَنعِ مانِعًا مِن ظُهُورِ حِكْمَتِهِ، ومانِعًا مِن وُصُولِ إحْسانِ اللَّهِ إلى عَبِيدِهِ. واعْلَمْ أنَّ الطَّرِيقَ الحَقَّ أنْ يُقالَ: الأوْلى أنْ لا يَجْمَعَ الرَّجُلُ الطّالِبُ لِلدِّينِ المالَ الكَثِيرَ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُمْنَعْ عَنْهُ في ظاهِرِ الشَّرْعِ، فالأوَّلُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْوى، والثّانِي عَلى ظاهِرِ الفَتْوى، أمّا بَيانُ أنَّ الأوْلى الِاحْتِرازُ عَنْ طَلَبِ المالِ الكَثِيرِ فَبِوُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ إذا أحَبَّ شَيْئًا فَكُلَّما كانَ وُصُولُهُ إلَيْهِ أكْثَرَ، والتِذاذُهُ بِوِجْدانِهِ أكْثَرَ، كانَ حُبُّهُ لَهُ أشَدَّ ومَيْلُهُ أقْوى، فالإنْسانُ إذا كانَ فَقِيرًا فَكَأنَّهُ لَمْ يَذُقْ لَذَّةَ الِانْتِفاعِ بِالمالِ، وكَأنَّهُ غافِلٌ عَنْ تِلْكَ اللَّذَّةِ، فَإذا مَلَكَ القَلِيلَ مِنَ المالِ وجَدَ بِقَدْرِهِ اللَّذَّةَ، فَصارَ مَيْلُهُ أشَدَّ، فَكُلَّما صارَتْ أمْوالُهُ أزْيَدَ، كانَ التِذاذُهُ بِهِ أكْثَرَ، وكانَ حِرْصُهُ في طَلَبِهِ ومَيْلُهُ إلى تَحْصِيلِهِ أشَدَّ، فَثَبَتَ أنَّ تَكْثِيرَ المالِ سَبَبٌ لِتَكْثِيرِ الحِرْصِ في الطَّلَبِ، فالحِرْصُ مُتْعِبٌ لِلرُّوحِ والنَّفْسِ والقَلْبِ وضَرَرُهُ شَدِيدٌ، فَوَجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الإضْرارِ بِالنَّفْسِ، وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ كُلَّما كانَ المالُ أكْثَرَ كانَ الحِرْصُ أشَدَّ، فَلَوْ قَدَّرْنا أنَّهُ كانَ يَنْتَهِي طَلَبُ المالِ إلى حَدٍّ يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ الطَّلَبُ ويَزُولُ الحِرْصُ، لَقَدْ كانَ الإنْسانُ يَسْعى في الوُصُولِ إلى ذَلِكَ الحَدِّ، أمّا لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ كُلَّما كانَ تَمَلُّكُ الأمْوالِ أكْثَرَ كانَ الضَّرَرُ النّاشِئُ مِنَ الحِرْصِ أكْبَرَ، وأنَّهُ لا نِهايَةَ لِهَذا الضَّرَرِ ولِهَذا الطَّلَبِ، فَوَجَبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يَتْرُكَهُ في أوَّلِ الأمْرِ كَما قالَ: رَأى الأمْرَ يُفْضِي إلى آخَرَ فَيُصَيَّرُ آخِرُهُ أوَّلا والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ كَسْبَ المالِ شاقٌّ شَدِيدٌ، وحِفْظَهُ بَعْدَ حُصُولِهِ أشَدُّ وأشَقُّ وأصْعَبُ، فَيَبْقى الإنْسانُ طُولَ عُمُرِهِ تارَةً في طَلَبِ التَّحْصِيلِ، وأُخْرى في تَعَبِ الحِفْظِ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا بِالقَلِيلِ، وبِالآخَرِ يَتْرُكُها مَعَ الحَسَراتِ والزَّفَراتِ، وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ. والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهِ تُورِثُ الطُّغْيانَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦ - ٧] والطُّغْيانُ يَمْنَعُ مِن وُصُولِ العَبْدِ إلى مَقامِ رِضْوانِ الرَّحْمَنِ، ويُوقِعُهُ في الخُسْرانِ والخِذْلانِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ الزَّكاةَ، وذَلِكَ سَعْيٌ في تَنْقِيصِ المالِ، ولَوْ كانَ تَكْثِيرُهُ فَضِيلَةً لَما سَعى الشَّرْعُ في تَنْقِيصِهِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى» ”؟ قُلْنا: اليَدُ العُلْيا إنَّما أفادَتْهُ صِفَةَ الخَيْرِيَّةِ؛ لِأنَّهُ أعْطى ذَلِكَ القَلِيلَ، فَبِسَبَبِ أنَّهُ حَصَلَ في مالِهِ ذَلِكَ النُّقْصانُ القَلِيلُ حَصَلَتْ لَهُ الخَيْرِيَّةُ، وبِسَبَبِ أنَّهُ حَصَلَ لِلْفَقِيرِ تِلْكَ الزِّيادَةُ القَلِيلَةُ حَصَلَتِ المَرْجُوحِيَّةُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جاءَتِ الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في وعِيدِ مانِعِي الزَّكاةِ، أمّا مَنعُ زَكاةِ النُّقُودِ فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ وأمّا مَنعُ زَكاةِ المَواشِي فَما رُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُ أصْحابَ المَواشِي إذا لَمْ يُؤَدُّوا زَكاتَها بِأنْ يَسُوقَ إلَيْهِ تِلْكَ المَواشِيَ كَأعْظَمِ ما تَكُونُ في أجْسامِها، فَتَمُرُّ عَلى أرْبابِها صفحة ٣٨ فَتَطَؤُهم بِأظْلافِها، وتَنْطَحُهم بِقُرُونِها كُلَّما نَفِدَتْ أُخْراها عادَتْ إلَيْهِمْ أُولاها، فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ مِنَ الحِسابِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الصَّحِيحُ عِنْدَنا وُجُوبُ الزَّكاةِ في الحُلِيِّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَعِيدُ إنَّما يَتَناوَلُ الرِّجالَ لا النِّساءَ. قُلْنا: نَتَكَلَّمُ في الرَّجُلِ الَّذِي اتَّخَذَ الحُلِيَّ لِنِسائِهِ، وأيْضًا تَرْتِيبُ هَذا الوَعِيدِ عَلى جَمْعِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلى وصْفٍ يُناسِبُهُ، وهو أنَّ جَمْعَ ذَلِكَ المالِ يَمْنَعُهُ مِن صَرْفِهِ إلى المُحْتاجِينَ مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ، إذْ لَوِ احْتاجَ إلى إنْفاقِهِ لَما قَدَرَ عَلى جَمْعِهِ، وإقْدامُ غَيْرِ المُحْتاجِ عَلى مَنعِ المالِ مِنَ المُحْتاجِ يُناسِبُ أنْ يُمْنَعَ مِنهُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُرَتَّبٌ عَلى وصْفٍ يُناسِبُهُ، والحُكْمُ المَذْكُورُ عَقِيبَ وصْفٍ يُناسِبُهُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُعَلَّلًا بِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الوَعِيدَ لِذَلِكَ الجَمْعِ، فَأيْنَما حَصَلَ ذَلِكَ الوَصْفُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ مَعَهُ ذَلِكَ الوَعِيدُ، وأيْضًا إنَّ العُمُوماتِ الوارِدَةَ في إيجابِ الزَّكاةِ مَوْجُودَةٌ في الحُلِيِّ المُباحِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:“ «هاتُوا رُبْعَ عُشْرِ أمْوالِكم» ”وقالَ:“ «فِي الرِّقَّةِ رُبْعُ العُشْرِ» ”وقالَ:“يا «عَلِيُّ عَلَيْكَ زَكاةٌ، فَإذا مَلَكْتَ عِشْرِينَ مِثْقالا، فَأخْرِجْ نِصْفَ مِثْقالٍ» ”وقالَ:“ «لَيْسَ في المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ» ”وقالَ:“ «لا زَكاةَ في مالٍ حَتّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» ”فَهَذِهِ الآيَةُ مَعَ جَمِيعِ هَذِهِ الأخْبارِ تُوجِبُ الزَّكاةَ في الحُلِيِّ المُباحِ، ثُمَّ نَقُولُ: ولَمْ يُوجَدْ لِهَذا الدَّلِيلِ مُعارِضٌ مِنَ الكِتابِ، وهو ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ زَكاةٌ في الحُلِيِّ المُباحِ، ولَمْ يُوجَدْ في الأخْبارِ أيْضًا مَعارِضٌ إلّا أنَّ أصْحابَنا نَقَلُوا فِيهِ خَبَرًا، وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «“ لا زَكاةَ في الحُلِيِّ المُباحِ "» إلّا أنَّ أبا عِيسى التِّرْمِذِيَّ قالَ: لَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الحُلِيِّ خَبَرٌ صَحِيحٌ، وأيْضًا بِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ هَذا الخَبَرُ فَنَحْمِلُهُ عَلى اللَّآلِئِ؛ لِأنَّهُ قالَ: لا زَكاةَ في الحُلِيِّ، ولَفْظُ الحُلِيِّ مُفْرَدٌ مُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ، وجَبَ انْصِرافُهُ إلَيْهِ، والمَعْهُودُ في القُرْآنِ في لَفْظِ الحُلِيِّ اللَّآلِئُ، قالَ تَعالى:(﴿وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [النَّحْلِ: ١٤] وإذا كانَ كَذَلِكَ انْصَرَفَ لَفْظُ الحُلِيِّ إلى اللَّآلِئِ، فَسَقَطَتْ دَلالَتُهُ، وأيْضًا الِاحْتِياطُ في القَوْلِ بِوُجُوبِ الزَّكاةِ، وأيْضًا لا يُمْكِنُ مُعارَضَةُ هَذا النَّصِّ بِالقِياسِ؛ لِأنَّ النَّصَّ خَيْرٌ مِنَ القِياسِ، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ ما ذَكَرْناهُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وهُما الذَّهَبُ والفِضَّةُ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المَعْنى مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما جُمْلَةٌ: وآنِيَةٌ دَنانِيرُ ودَراهِمُ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحُجُراتِ: ٩] . وثانِيها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ، ولا يُنْفِقُونَ الكُنُوزَ. وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ: ولا يُنْفِقُونَ تِلْكَ الأمْوالَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى اللَّفْظِ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولا يُنْفِقُونَ الفِضَّةَ، وحُذِفَ الذَّهَبُ؛ لِأنَّهُ داخِلٌ في الفِضَّةِ مِن حَيْثُ إنَّهُما مَعًا يَشْتَرِكانِ في ثَمَنَيَّةِ الأشْياءِ، وفي كَوْنِهِما جَوْهَرَيْنِ شَرِيفَيْنِ، وفي كَوْنِهِما مَقْصُودَيْنِ بِالكَنْزِ، فَلَمّا كانا مُتَشارِكَيْنِ في أكْثَرِ الصِّفاتِ كانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ. وثانِيها: أنَّ ذِكْرَ أحَدِهِما قَدْ يُغْنِي عَنِ الآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٣٩ ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا﴾ (إلَيْها) [الجُمُعَةِ: ١١] جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلتِّجارَةِ، وقالَ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النِّساءِ: ١١٢] فَجَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْإثْمِ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولا يُنْفِقُونَها والذَّهَبُ كَذَلِكَ كَما أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: وإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ أيْ: وقَيّارٌ كَذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في أنْ خُصّا بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأمْوالِ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُما الأصْلُ المُعْتَبَرُ في الأمْوالِ، وهُما اللَّذانِ يُقْصَدانِ بِالكَنْزِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: فَأخْبِرْهم عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ إنَّما يَكْنِزُونَهُما لِيَتَوَسَّلُوا بِهِما إلى تَحْصِيلِ الفَرَجِ يَوْمَ الحاجَةِ، فَقِيلَ هَذا هو الفَرَجُ، كَما يُقالُ: تَحِيَّتُهم لَيْسَ إلّا الضَّرْبَ، وإكْرامُهم لَيْسَ إلّا الشَّتْمَ، وأيْضًا فالبِشارَةُ عَنِ الخَيْرِ الَّذِي يُؤَثِّرُ في القَلْبِ، فَيَتَغَيَّرُ بِسَبَبِهِ لَوْنُ بَشَرَةِ الوَجْهِ، وهَذا يَتَناوَلُ ما إذا تَغَيَّرَتِ البَشَرَةُ بِسَبَبِ الفَرَحِ أوْ بِسَبَبِ الغَمِّ.

التوبة 9:35

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ (وبُطُونُهم) وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لا يُقالُ أحْمَيْتُ عَلى الحَدِيدِ، بَلْ يُقالُ: أحْمَيْتُ الحَدِيدَ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها﴾ . والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّ تِلْكَ الأمْوالَ تُحْمى عَلى النّارِ، بَلِ المُرادُ أنَّ النّارَ تُحْمى عَلى تِلْكَ الأمْوالِ الَّتِي هي الذَّهَبُ والفِضَّةُ، أيْ يُوقَدُ عَلَيْها نارٌ ذاتُ حُمّى وحَرٍّ شَدِيدٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ ولَوْ قِيلَ: يَوْمَ تُحْمى لَمْ يُفِدْ هَذِهِ الفائِدَةَ. فَإنْ قالُوا: لَمّا كانَ المُرادُ يَوْمَ تُحْمى النّارُ عَلَيْها، فَلِمَ ذُكِرَ الفِعْلُ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّارَ تَأْنِيثُها لَفْظِيٌّ، والفِعْلُ غَيْرُ مُسْنَدٍ في الظّاهِرِ إلَيْهِ، بَلْ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها﴾ فَلا جَرَمَ حَسُنَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ(تُحْمى) بِالتّاءِ. السُّؤالُ الثّانِي: ما النّاصِبُ لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ﴾ ؟ الجَوابُ: التَّقْدِيرُ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ خُصَّتْ هَذِهِ الأعْضاءُ ؟ والجَوابُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِن كَسْبِ الأمْوالِ حُصُولُ فَرَحٍ في القَلْبِ يَظْهَرُ أثَرُهُ في الوُجُوهِ، وحُصُولُ شِبَعٍ يَنْتَفِخُ بِسَبَبِهِ الجَنْبانِ، ولَبْسُ ثِيابٍ فاخِرَةٍ يَطْرَحُونَها عَلى ظُهُورِهِمْ، فَلَمّا طَلَبُوا تَزَيُّنَ هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ، لا جَرَمَ حَصَلَ الكَيُّ عَلى الجِباهِ والجُنُوبِ والظُّهُورِ. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ الأعْضاءَ الثَّلاثَةَ مُجَوَّفَةٌ، قَدْ حَصَلَ في داخِلِها آلاتٌ ضَعِيفَةٌ يَعْظُمُ تَألُّمُها بِسَبَبِ وُصُولِ أدْنى أثَرٍ إلَيْها بِخِلافِ سائِرِ الأعْضاءِ. وثالِثُها: قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: خُصَّتْ هَذِهِ المَواضِعُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ صاحِبَ المالِ إذا رَأى الفَقِيرَ بِجَنْبِهِ تَباعَدَ صفحة ٤٠ عَنْهُ ووَلّى ظَهْرَهُ. ورابِعُها: أنَّ المَعْنى أنَّهم يُكْوَوْنَ عَلى الجِهاتِ الأرْبَعِ، إمّا مِن مُقَدَّمِهِ فَعَلى الجَبْهَةِ، وإمّا مِن خَلْفِهِ فَعَلى الظُّهُورِ، وإمّا مِن يَمِينِهِ ويَسارِهِ فَعَلى الجَنْبَيْنِ. وخامِسُها: أنَّ ألْطَفَ أعْضاءِ الإنْسانِ جَبِينُهُ والعُضْوُ المُتَوَسِّطُ في اللَّطافَةِ والصَّلابَةِ جَنْبُهُ، والعُضْوُ الَّذِي هو أصْلَبُ أعْضاءِ الإنْسانِ ظَهْرُهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ مِن أعْضائِهِ تَصِيرُ مَغْمُورَةً في الكَيِّ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَيَّ يَحْصُلُ في تِلْكَ الأعْضاءِ. وسادِسُها: أنَّ كَمالَ حالِ بَدَنِ الإنْسانِ في جَمالِهِ وقُوَّتِهِ، أمّا الجَمالُ فَمَحَلُّهُ الوَجْهُ، وأعَزُّ الأعْضاءِ في الوَجْهِ الجَبْهَةُ، فَإذا وقَعَ الكَيُّ في الجَبْهَةِ، فَقَدْ زالَ الجَمالُ بِالكُلِّيَّةِ، وأمّا القُوَّةُ فَمَحَلُّها الظَّهْرُ والجَنْبانِ، فَإذا حَصَلَ الكَيُّ عَلَيْها فَقَدْ زالَتِ القُوَّةُ عَنِ البَدَنِ، فالحاصِلُ: أنَّ حُصُولَ الكَيِّ في هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ يُوجِبُ زَوالَ الجَمالِ وزَوالَ القُوَّةِ، والإنْسانُ إنَّما طَلَبَ المالَ لِحُصُولِ الجَمالِ، ولِحُصُولِ القُوَّةِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: الَّذِي يُجْعَلُ كَيًّا عَلى بَدَنِ الإنْسانِ هو كُلُّ ذَلِكَ المالِ أوِ القَدْرُ الواجِبُ مِنَ الزَّكاةِ. والجَوابُ: مُقْتَضى الآيَةِ: الكُلُّ؛ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَخْرُجْ مِنهُ لَمْ يَكُنِ الحَقُّ مِنهُ جُزْءًا مُعَيَّنًا، بَلْ لا جُزْءَ إلّا والحَقُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَوَجَبَ أنْ يُعَذِّبَهُ اللَّهُ بِكُلِّ الأجْزاءِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهم: هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا، والغَرَضُ مِنهُ تَعْظِيمُ الوَعِيدِ؛ لِأنَّهم إذا عايَنُوا ما يُعَذَّبُونَ بِهِ مِن دِرْهَمٍ أوْ مِن دِينارٍ أوْ مِن صَفِيحَةٍ مَعْمُولَةٍ مِنهُما أوْ مِن أحَدِهِما جَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ عَنِ الحَقِّ الَّذِي مَنَعَهُ، وجَوَّزُوا خِلافَ ذَلِكَ، فَعَظَّمَ اللَّهُ تَبْكِيتَهم بِأنْ يُقالَ لَهم: هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم لَمْ تُؤْثِرُوا بِهِ رِضا رَبِّكم، ولا قَصَدْتُمْ بِالإنْفاقِ مِنهُ نَفْعَ أنْفُسِكم، والخَلاصَ بِهِ مِن عِقابِ رَبِّكم فَصِرْتُمْ كَأنَّكُمُ ادَّخَرْتُمُوهُ؛ لِيُجْعَلَ عِقابًا لَكم عَلى ما تُشاهِدُونَهُ، ثُمَّ يَقُولُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ومَعْناهُ لَمْ تَصْرِفُوهُ لِمَنافِعِ دِينِكم ودُنْياكم عَلى ما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ﴿فَذُوقُوا﴾ وبالَ ذَلِكَ بِهِ لا بِغَيْرِهِ.

التوبة 9:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا شَرْحُ النَّوْعِ الثّالِثِ مِن قَبائِحِ أعْمالِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ، وهو إقْدامُهم عَلى السَّعْيِ في تَغْيِيرِهِمْ أحْكامَ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ في كُلِّ وقْتٍ بِحُكْمٍ خاصٍّ، فَإذا غَيَّرُوا تِلْكَ الأحْكامَ بِسَبَبِ النَّسِيءِ، فَحِينَئِذٍ كانَ ذَلِكَ سَعْيًا مِنهم في تَغْيِيرِ حُكْمِ السُّنَّةِ بِحَسَبَ أهْوائِهِمْ وآرائِهِمْ فَكانَ ذَلِكَ زِيادَةً في كُفْرِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ السَّنَةَ عِنْدَ العَرَبِ عِبارَةٌ عَنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ القَمَرِيَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يُونُسَ: ٥] فَجَعَلَ تَقْدِيرَ القَمَرِ بِالمَنازِلِ عِلَّةً لِلسِّنِينَ والحِسابِ، وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَتِ السَّنَةُ صفحة ٤١ مُعَلَّقَةً بِسَيْرِ القَمَرِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٩] وعِنْدَ سائِرِ الطَّوائِفِ: عِبارَةٌ عَنِ المُدَّةِ الَّتِي تَدُورُ الشَّمْسُ فِيها دَوْرَةً تامَّةً، والسَّنَةُ القَمَرِيَّةُ أقَلُّ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ بِمِقْدارٍ مَعْلُومٍ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ النُّقْصانِ تَنْتَقِلُ الشُّهُورُ القَمَرِيَّةُ مِن فَصْلٍ إلى فَصْلٍ، فَيَكُونُ الحَجُّ واقِعًا في الشِّتاءِ مَرَّةً، وفي الصَّيْفِ أُخْرى، وكانَ يَشُقُّ الأمْرُ عَلَيْهِمْ بِهَذا السَّبَبِ، وأيْضًا إذا حَضَرُوا الحَجَّ حَضَرُوا لِلتِّجارَةِ، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ الوَقْتُ غَيْرَ مُوافِقٍ لِحُضُورِ التِّجاراتِ مِنَ الأطْرافِ، وكانَ يُخِلُّ أسْبابَ تِجاراتِهِمْ بِهَذا السَّبَبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أقْدَمُوا عَلى عَمَلِ الكَبِيسَةِ عَلى ما هو مَعْلُومٌ في عِلْمِ الزِّيجاتِ، واعْتَبَرُوا السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ، وعِنْدَ ذَلِكَ بَقِيَ زَمانُ الحَجِّ مُخْتَصًّا بِوَقْتٍ واحِدٍ مُعَيَّنٍ مُوافِقٍ لِمَصْلَحَتِهِمْ، وانْتَفَعُوا بِتِجاراتِهِمْ ومَصالِحِهِمْ، فَهَذا النَّسِيءُ وإنْ كانَ سَبَبًا لِحُصُولِ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، إلّا أنَّهُ لَزِمَ مِنهُ تَغَيُّرُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا خَصَّ الحَجَّ بِأشْهُرٍ مَعْلُومَةٍ عَلى التَّعْيِينِ، وكانَ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّسِيءِ يَقَعُ في سائِرِ الشُّهُورِ تَغَيُّرُ حُكْمِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِ. فالحاصِلُ: أنَّهم لِرِعايَةِ مَصالِحِهِمْ في الدُّنْيا سَعَوْا في تَغْيِيرِ أحْكامِ اللَّهِ وإبْطالِ تَكْلِيفِهِ، فَلِهَذا المَعْنى اسْتَوْجَبُوا الذَّمَّ العَظِيمَ في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ لَمّا كانَتْ زائِدَةً عَلى السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ جَمَعُوا تِلْكَ الزِّيادَةَ، فَإذا بَلَغَ مِقْدارُها إلى شَهْرٍ جَعَلُوا تِلْكَ السَّنَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وقالَ: إنَّ حُكْمَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ السَّنَةُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا لا أقَلَّ ولا أزْيَدَ، وتَحَكُّمُهم عَلى بَعْضِ السِّنِينَ، أنَّهُ صارَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا حُكْمٌ واقِعٌ عَلى خِلافِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، ويُوجِبُ تَغْيِيرَ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى خِلافِ الدِّينِ. واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ العَرَبِ مِنَ الزَّمانِ الأوَّلِ أنْ تَكُونَ السَّنَةُ قَمَرِيَّةً لا شَمْسِيَّةً، وهَذا حُكْمٌ تَوارَثُوهُ عَنْ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأمّا عِنْدَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَلَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ العَرَبِ تَعَلَّمَ صِفَةَ الكَبِيسَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَأظْهَرَ ذَلِكَ في بِلادِ العَرَبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الفَصْلَ بَيْنَ الصِّلَةِ والمَوْصُولِ بِالخَبَرِ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ وإنَّهُ لا يَجُوزُ، وأقُولُ: في إعْرابِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ خَبَرٌ. وقَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في كِتابِ اللَّهِ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ظُرُوفٌ أُبْدِلَ البَعْضُ مِنَ البَعْضِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا عِنْدَ اللَّهِ في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذِهِ الإبْدالاتِ المُتَوالِيَةِ تَقْرِيرُ أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ واجِبٌ مُتَقَرِّرٌ في عِلْمِ اللَّهِ، وفي كِتابِ اللَّهِ مِن أوَّلِ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العالَمَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ يَكُونُ صِفَةً لِلْخَبَرِ، تَقْدِيرُهُ: اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مُثْبَتَةً في كِتابِ اللَّهِ، ثُمَّ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا الكِتابِ كِتابًا مِنَ الكُتُبِ؛ لِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وأسْماءُ الأعْيانِ لا تَتَعَلَّقُ بِالظُّرُوفِ، فَلا تَقُولُ: غُلامُكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، بَلِ الكِتابُ هَهُنا مَصْدَرٌ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ، أيْ: في حُكْمِهِ الواقِعِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الكِتابُ اسْمًا. وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مَكْتُوبًا في كِتابِ اللَّهِ كَتَبَهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ. صفحة ٤٢ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ أحْكامِ الآيَةِ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في عِلْمِهِ﴿اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ﴾ وفي تَفْسِيرِ كِتابِ اللَّهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ الَّذِي كَتَبَ فِيهِ أحْوالَ مَخْلُوقاتِهِ بِأسْرِها عَلى التَّفْصِيلِ، وهو الأصْلُ لِلْكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ، وقَدْ ذَكَرْنا آياتٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّنَةَ المُعْتَبَرَةَ في دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ هي السَّنَةُ القَمَرِيَّةُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ هَذا الحُكْمُ مَكْتُوبًا في القُرْآنِ. الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: فِيما أوْجَبَهُ وحَكَمَ بِهِ، والكِتابُ في هَذا المَوْضِعِ هو الحُكْمُ والإيجابُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٦]﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨]﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٤] قالَ القاضِي: هَذا الوَجْهُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الكِتابَ في هَذِهِ الآيَةِ كالظَّرْفِ، وإذا حُمِلَ الكِتابُ عَلى الحِسابِ لَمْ يَسْتَقِمْ ذَلِكَ إلّا عَلى طَرِيقِ المَجازِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ: بِأنَّهُ وإنْ كانَ مَجازًا، إلّا أنَّهُ مَجازٌ مُتَعارَفٌ، يُقالُ: إنَّ الأمْرَ كَذا وكَذا في حِسابِ فُلانٍ وفي حُكْمِهِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا في المَسْألَةِ الثّانِيَةِ وُجُوهًا فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ، والأقْرَبُ ما ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الثّالِثِ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ كَتَبَ هَذا الحُكْمَ، وحَكَمَ بِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ هَذا الحُكْمَ حُكْمٌ مَحْكُومٌ بِهِ مِن أوَّلِ خَلْقِ العالَمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ فَقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الأرْبَعَةَ ثَلاثَةٌ مِنها سَرْدٌ، وهي ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، وواحِدٌ فَرْدٌ، وهو رَجَبٌ، ومَعْنى الحُرُمِ: أنَّ المَعْصِيَةَ فِيها أشَدُّ عِقابًا، والطّاعَةَ فِيها أكْثَرُ ثَوابًا، والعَرَبُ كانُوا يُعَظِّمُونَها جِدًّا حَتّى لَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ. فَإنْ قِيلَ: أجْزاءُ الزَّمانِ مُتَشابِهَةٌ في الحَقِيقَةِ، فَما السَّبَبُ في هَذا التَّمْيِيزِ ؟ . قُلْنا: إنَّ هَذا المَعْنى غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ في الشَّرائِعِ، فَإنَّ أمْثِلَتَهُ كَثِيرَةٌ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى مَيَّزَ البَلَدَ الحَرامَ عَنْ سائِرِ البِلادِ بِمَزِيدِ الحُرْمَةِ، ومَيَّزَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَنْ سائِرِ أيّامِ الأُسْبُوعِ بِمَزِيدِ الحُرْمَةِ، ومَيَّزَ يَوْمَ عَرَفَةَ عَنْ سائِرِ الأيّامِ بِتِلْكَ العِبادَةِ المَخْصُوصَةِ، ومَيَّزَ شَهْرَ رَمَضانَ عَنْ سائِرِ الشُّهُورِ بِمَزِيدِ حُرْمَةٍ وهو وُجُوبُ الصَّوْمِ، ومَيَّزَ بَعْضَ ساعاتِ اليَوْمِ بِوُجُوبِ الصَّلاةِ فِيها، ومَيَّزَ بَعْضَ اللَّيالِي عَنْ سائِرِها وهي لَيْلَةُ القَدْرِ، ومَيَّزَ بَعْضَ الأشْخاصِ عَنْ سائِرِ النّاسِ بِإعْطاءِ خُلْعَةِ الرِّسالَةِ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الأمْثِلَةُ ظاهِرَةً مَشْهُورَةً، فَأيُّ اسْتِبْعادٍ في تَخْصِيصِ بَعْضِ الأشْهُرِ بِمَزِيدِ الحُرْمَةِ، ثُمَّ نَقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ وُقُوعَ الطّاعَةِ في هَذِهِ الأوْقاتِ أكْثَرُ تَأْثِيرًا في طَهارَةِ النَّفْسِ، ووُقُوعَ المَعاصِي فِيها أقْوى تَأْثِيرًا في خُبْثِ النَّفْسِ، وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ عِنْدَ الحُكَماءِ، ألا تَرى أنَّ فِيهِمْ مَن صَنَّفَ كُتُبًا في الأوْقاتِ الَّتِي تُرْجى فِيها إجابَةُ الدَّعَواتِ، وذَكَرُوا أنَّ تِلْكَ الأوْقاتَ المُعَيَّنَةَ حَصَلَتْ فِيها أسْبابٌ تُوجِبُ ذَلِكَ. «وسُئِلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أيُّ الصِّيامِ أفْضَلُ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أفْضَلُهُ بَعْدَ صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ صِيامُ شَهْرِ اللَّهِ المُحَرَّمِ“» وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن صامَ يَوْمًا مِن أشْهُرِ اللَّهِ الحُرُمِ كانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ ثَلاثُونَ يَوْمًا» “ وكَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ غَلَّظُوا الدِّيَةَ عَلى القاتِلِ بِسَبَبِ وُقُوعِ القَتْلِ في هَذِهِ الأشْهُرِ، وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى: وهي أنَّ الطِّباعَ مَجْبُولَةٌ عَلى الظُّلْمِ والفَسادِ وامْتِناعُهم مِن هَذِهِ القَبائِحِ عَلى الإطْلاقِ شاقٌّ عَلَيْهِمْ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَصَّ بَعْضَ الأوْقاتِ بِمَزِيدِ التَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ، وخَصَّ بَعْضَ الأماكِنِ بِمَزِيدِ التَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ، حَتّى إنَّ صفحة ٤٣ الإنْسانَ رُبَّما امْتَنَعَ في تِلْكَ الأزْمِنَةِ، وفي تِلْكَ الأمْكِنَةِ مِنَ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْواعًا مِنَ الفَضائِلِ والفَوائِدِ: أحَدُها: أنَّ تَرْكَ تِلْكَ القَبائِحِ في تِلْكَ الأوْقاتِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ؛ لِأنَّهُ يُقِلُّ القَبائِحَ. وثانِيها: أنَّهُ لَمّا تَرَكَها في تِلْكَ الأوْقاتِ فَرُبَّما صارَ تَرْكُهُ لَها في تِلْكَ الأوْقاتِ سَبَبًا لِمَيْلِ طَبْعِهِ إلى الإعْراضِ عَنْها مُطْلَقًا. وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ إذا أتى بِالطّاعاتِ في تِلْكَ الأوْقاتِ، وأعْرَضَ عَنِ المَعاصِي فِيها، فَبَعْدَ انْقِضاءِ تِلْكَ الأوْقاتِ لَوْ شَرَعَ في القَبائِحِ والمَعاصِي صارَ شُرُوعُهُ فِيها سَبَبًا لِبُطْلانِ ما تَحَمَّلَهُ مِنَ العَناءِ والمَشَقَّةِ في أداءِ تِلْكَ الطّاعاتِ في تِلْكَ الأوْقاتِ، والظّاهِرُ مِن حالِ العاقِلِ أنْ لا يَرْضى بِذَلِكَ فَيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِنابِهِ عَنِ المَعاصِي بِالكُلِّيَّةِ، فَهَذا هو الحِكْمَةُ في تَخْصِيصِ بَعْضِ الأوْقاتِ، وبَعْضِ البِقاعِ بِمَزِيدِ التَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ لا أزْيَدُ ولا أنْقَصُ أوْ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وعِنْدِي أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ الكُفّارَ سَلَّمُوا أنَّ أرْبَعَةً مِنها حُرُمٌ، إلّا أنَّهم بِسَبَبِ الكَبِيسَةِ رُبَّما جَعَلُوا السَّنَةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانُوا يُغَيِّرُونَ مَواقِعَ الشُّهُورِ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى هَؤُلاءِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. البَحْثُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الدِّينِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الدِّينَ قَدْ يُرادُ بِهِ الحِسابُ، يُقالُ: ”«الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ» “ أيْ: حاسَبَها، والقَيِّمُ مَعْناهُ المُسْتَقِيمُ، فَتَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، ذَلِكَ الحِسابُ المُسْتَقِيمُ الصَّحِيحُ والعَدْلُ المُسْتَوْفى. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ الَّذِي لا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّرُ، فالقَيِّمُ هَهُنا بِمَعْنى القائِمِ الَّذِي لا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّرُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ، وهو الدِّينُ الَّذِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْهِ. الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ أنَّ هَذا التَّعَبُّدَ هو الدِّينُ اللّازِمُ في الإسْلامِ، وقالَ القاضِي: حَمْلُ لَفْظِ الدِّينِ عَلى العِبادَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الحِسابِ؛ لِأنَّهُ مَجازٌ فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الأصْلُ في لَفْظِ الدِّينِ الِانْقِيادُ، يُقالُ: يا مَن دانَتْ لَهُ الرِّقابُ، أيِ: انْقادَتْ، فالحِسابُ يُسَمّى دِينًا؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ الِانْقِيادَ، والعِدَّةُ تُسَمّى دِينًا، فَلَمْ يَكُنْ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى التَّعَبُّدِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الحِسابِ، قالَ أهْلُ العِلْمِ: الواجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَعْتَبِرُوا في بُيُوعِهِمْ، ومُدَدِ دُيُونِهِمْ، وأحْوالِ زَكَواتِهِمْ، وسائِرِ أحْكامِهِمُ السَّنَةَ العَرَبِيَّةَ بِالأهِلَّةِ، ولا يَجُوزُ لَهُمُ اعْتِبارُ السَّنَةِ العَجَمِيَّةِ والرُّومِيَّةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ: فَلا تَظْلِمُوا في الشُّهُورِ الِاثْنَيْ عَشَرَ أنْفُسَكم، والمَقْصُودُ مَنعُ الإنْسانِ مِنَ الإقْدامِ عَلى الفَسادِ مُطْلَقًا في جَمِيعِ العُمُرِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ﴾ عائِدٌ إلى الأرْبَعَةِ الحُرُمِ، قالُوا: والسَّبَبُ فِيهِ ما ذَكَرْنا أنَّ لِبَعْضِ الأوْقاتِ أثَرًا في زِيادَةِ الثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ والعِقابِ عَلى المَحْظُوراتِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ﴾ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ، فَوَجَبَ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وما ذاكَ إلّا قَوْلُهُ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ . الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ هَذِهِ الأشْهُرَ بِمَزِيدِ الِاحْتِرامِ في آيَةٍ أُخْرى وهو قَوْلُهُ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ﴾ صفحة ٤٤ ﴿فِي الحَجِّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٧ ] فَهَذِهِ الأشْياءُ غَيْرُ جائِزَةٍ في غَيْرِ الحَجِّ أيْضًا، إلّا أنَّهُ تَعالى أكَّدَ في المَنعِ مِنها في هَذِهِ الأيّامِ تَنْبِيهًا عَلى زِيادَتِها في الشَّرَفِ. الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: الأوْلى رُجُوعُها إلى الأرْبَعَةِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ فِيما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ﴿فِيهِنَّ﴾ فَإذا جاوَزَ هَذا العَدَدَ قالُوا فِيها: والأصْلُ فِيهِ أنَّ جَمْعَ القِلَّةِ يُكَنّى عَنْهُ كَما يُكَنّى عَنْ جَماعَةٍ مُؤَنَّثَةٍ، ويُكَنّى عَنْ جَمْعِ الكَثْرَةِ، كَما يُكَنّى عَنْ واحِدَةٍ مُؤَنَّثَةٍ، كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ في الضُّحى وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةٍ دَما قالَ: يَلْمَعْنَ ويَقْطُرْنَ؛ لِأنَّ الأسْيافَ والجَفَناتِ جَمْعُ قِلَّةٍ، ولَوْ جَمَعَ جَمْعَ الكَثْرَةِ لَقالَ: تَلْمَعُ وتَقْطُرُ، هَذا هو الِاخْتِيارُ، ثُمَّ يَجُوزُ إجْراءُ أحَدِهِما مَجْرى الآخَرِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ فَقالَ: بِهِنَّ والسُّيُوفُ جَمْعُ كَثْرَةٍ. البَحْثُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا الظُّلْمِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ النَّسِيءُ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَهُ، فَيَنْقُلُونَ الحَجَّ مِنَ الشَّهْرِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِإقامَتِهِ فِيهِ إلى شَهْرٍ آخَرَ، ويُغَيِّرُونَ تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: أنَّهُ نَهى عَنِ المُقاتَلَةِ في هَذِهِ الأشْهُرِ. والثّالِثُ: أنَّهُ نَهى عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي بِسَبَبِ ما ذَكَرْنا أنَّ لِهَذِهِ الأشْهُرِ مَزِيدَ أثَرٍ في تَعْظِيمِ الثَّوابِ والعِقابِ، والأقْرَبُ عِنْدِي حَمْلُهُ عَلى المَنعِ مِنَ النَّسِيءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَهُ عَقِيبَ الآيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: ﴿كافَّةً﴾ أيْ: جَمِيعًا، والكافَّةُ لا تَكُونُ مُذَكَّرَةً ولا مَجْمُوعَةً عَلى عَدَدِ الرِّجالِ فَنَقُولُ: كافِّينَ، أوْ كافّاتٍ لِلنِّساءِ، ولَكِنَّها﴿كافَّةً﴾ بِالهاءِ والتَّوْحِيدِ؛ لِأنَّها وإنْ كانَتْ عَلى لَفْظِ فاعِلَةٍ، فَإنَّها في تَرْتِيبِ مَصْدَرٍ مِثْلَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُدْخِلِ العَرَبُ فِيها الألِفَ واللّامَ؛ لِأنَّها في مَذْهَبِ قَوْلِكَ قامُوا مَعًا، وقامُوا جَمِيعًا، وقالَ الزَّجّاجُ: ”كافَّةً“ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُثَنّى ولا يُجْمَعَ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: قاتِلُوهم عامَّةً، لَمْ تُثَنِّ ولَمْ تَجْمَعْ، وكَذَلِكَ خاصَّةً. البَحْثُ الثّانِي: في قَوْلِهِ: ﴿كافَّةً﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ قاتِلُوهم بِأجْمَعِهِمْ مُجْتَمِعِينَ عَلى قِتالِهِمْ، كَما أنَّهم يُقاتِلُونَكم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، يُرِيدُ تَعاوَنُوا وتَناصَرُوا عَلى ذَلِكَ، ولا تَتَخاذَلُوا، ولا تَتَقاطَعُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ مُجْتَمِعِينَ مُتَوافِقِينَ في مُقاتَلَةِ الأعْداءِ. والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قاتِلُوهم بِكُلِّيَّتِهِمْ، ولا تُحابُوا بَعْضَهم بِتَرْكِ القِتالِ، كَما أنَّهم يَسْتَحِلُّونَ قِتالَ جَمِيعِكم، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ حَتّى يَصِحَّ قِياسُ أحَدِ الجانِبَيْنِ عَلى الآخَرِ. البَحْثُ الثّالِثُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ إباحَةُ قِتالِهِمْ في جَمِيعِ الأشْهُرِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: المُقاتَلَةُ مَعَ الكُفّارِ مُحَرَّمَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم بِاسْتِحْلالِ القِتالِ والغارَةِ فِيهِنَّ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٧] . صفحة ٤٥ ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ يُرِيدُ مَعَ أوْلِيائِهِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَهُ في أداءِ الطّاعاتِ، والِاجْتِنابِ عَنِ المُحَرَّماتِ، قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُهُ أنَّهُ ضامِنٌ لَهُمُ النَّصْرَ. ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾

التوبة 9:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في ”النَّسِيءِ“ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ التَّأْخِيرُ، قالَ أبُو زَيْدٍ: نَسَأْتُ الإبِلَ عَنِ الحَوْضِ أنْسَؤُها نَسْأً إذا أخَّرْتَها، وأنْسَأْتُهُ إنْساءً إذا أخَّرْتَهُ عَنْهُ، والِاسْمُ النَّسِيئَةُ والنَّسْءُ، ومِنهُ: أنْسَأ اللَّهُ فُلانًا أجَلَهَ، ونَسَأ في أجَلِهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: النَّسِيُّ مَصْدَرٌ كالنَّذِيرِ والنَّكِيرِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ نَسِيءٌ بِمَعْنى مَنسُوءٍ كَقَتِيلٍ: بِمَعْنى مَقْتُولٍ، إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ هَهُنا المَفْعُولَ؛ لِأنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلى ذَلِكَ كانَ مَعْناهُ: إنَّما المُؤَخَّرُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ، والمُؤَخَّرُ الشَّهْرُ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ الشَّهْرِ كُفْرًا، وذَلِكَ باطِلٌ، بَلِ المُرادُ مِنَ النَّسِيءِ هَهُنا المَصْدَرُ بِمَعْنى الإنْساءِ، وهو التَّأْخِيرُ، وكانَ النَّسِيءُ في الشُّهُورِ عِبارَةً عَنْ تَأْخِيرِ حُرْمَةِ شَهْرٍ إلى شَهْرٍ آخَرَ، لَيْسَتْ لَهُ تِلْكَ الحُرْمَةُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن طَرِيقِ شِبْلٍ: النَّسْءُ بِوَزْنِ النَّفْعِ وهو المَصْدَرُ الحَقِيقِيُّ، كَقَوْلِهِمْ: نَسَأْتُ، أيْ: أخَّرْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: النَّسِي مُخَفَّفَةَ الياءِ، ولَعَلَّهُ لُغَةٌ في النَّسِيءِ بِالهَمْزَةِ مِثْلَ: أرْجَيْتُ وأرْجَأْتُ، ورُوِيَ عَنْهُ: النَّسِيُّ مُشَدَّدَ الياءِ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وهَذا عَلى التَّخْفِيفِ القِياسِيِّ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ قُطْرُبٌ: النَّسِيءُ أصْلُهُ مِنَ الزِّيادَةِ يُقالُ: نَسَأ في الأجَلِ وأنْسَأ إذا زادَ فِيهِ، وكَذَلِكَ قِيلَ لِلَّبَنِ النَّسْءُ لِزِيادَةِ الماءِ فِيهِ، ونَسَأتِ المَرْأةُ حَبِلَتْ، جَعَلَ زِيادَةَ الوَلَدِ فِيها كَزِيادَةِ الماءِ في اللَّبَنِ، وقِيلَ لِلنّاقَةِ: نَسَأْتُها، أيْ: زَجَرْتُها لِيَزْدادَ سَيْرُها، وكُلُّ زِيادَةٍ حَدَثَتْ في شَيْءٍ فَهو نَسِيءٌ قالَ الواحِدِيُّ: الصَّحِيحُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو أنَّ أصْلَ النَّسِيءِ التَّأْخِيرُ، ونَسَأتِ المَرْأةُ إذا حَبِلَتْ لِتَأخُّرِ حَيْضِها، ونَسَأْتُ النّاقَةَ أيْ: أخَّرْتُها عَنْ غَيْرِها؛ لِئَلّا يَصِيرَ اخْتِلاطُ بَعْضِها بِبَعْضٍ مانِعًا مِن حُسْنِ المَسِيرِ، ونَسَأْتُ اللَّبَنَ إذا أخَّرْتَهُ حَتّى كَثُرَ الماءُ فِيهِ. إذا عَرَفْتَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَنَقُولُ: إنَّ القَوْمَ عَلِمُوا أنَّهم لَوْ رَتَّبُوا حِسابَهم عَلى السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ، فَإنَّهُ يَقَعُ حَجُّهم تارَةً في الصَّيْفِ وتارَةً في الشِّتاءِ، وكانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الأسْفارُ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِها في المُرابَحاتِ والتِّجاراتِ؛ لِأنَّ سائِرَ النّاسِ مِن سائِرِ البِلادِ ما كانُوا يَحْضُرُونَ إلّا في الأوْقاتِ اللّائِقَةِ المُوافِقَةِ، فَعَلِمُوا أنَّ صفحة ٤٦ بِناءَ الأمْرِ عَلى رِعايَةِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ يُخِلُّ بِمَصالِحِ الدُّنْيا، فَتَرَكُوا ذَلِكَ واعْتَبَرُوا السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ، ولَمّا كانَتِ السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ زائِدَةً عَلى السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، احْتاجُوا إلى الكَبِيسَةِ وحَصَلَ لَهم بِسَبَبِ تِلْكَ الكَبِيسَةِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ بَعْضَ السِّنِينَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا بِسَبَبِ اجْتِماعِ تِلْكَ الزِّياداتِ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَنْتَقِلُ الحَجُّ مِن بَعْضِ الشُّهُورِ القَمَرِيَّةِ إلى غَيْرِهِ، فَكانَ الحَجُّ يَقَعُ في بَعْضِ السِّنِينَ في ذِي الحِجَّةِ وبَعْدَهُ في المُحَرَّمِ وبَعْدَهُ في صَفَرٍ، وهَكَذا في الدَّوْرِ حَتّى يَنْتَهِيَ بَعْدَ مُدَّةٍ مَخْصُوصَةٍ مَرَّةً أُخْرى إلى ذِي الحِجَّةِ، فَحَصَلَ بِسَبَبِ الكَبِيسَةِ هَذانِ الأمْرانِ: أحَدُهُما: الزِّيادَةُ في عِدَّةِ الشُّهُورِ. والثّانِي: تَأْخِيرُ الحُرْمَةِ الحاصِلَةِ لِشَهْرٍ إلى شَهْرٍ آخَرَ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ لَفْظَ النَّسِيءِ يُفِيدُ التَّأْخِيرَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، ويُفِيدُ الزِّيادَةَ عِنْدَ الباقِينَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّهُ مُنْطَبِقٌ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ. والحاصِلُ مِن هَذا الكَلامِ: أنَّ بِناءَ العِباداتِ عَلى السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ يُخِلُّ مَصالِحَ الدُّنْيا، وبِناءَها عَلى السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ يُفِيدُ رِعايَةَ مَصالِحِ الدُّنْيا واللَّهُ تَعالى أمَرَهم مِن وقْتِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِبِناءِ الأمْرِ عَلى رِعايَةِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ، فَهم تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ في رِعايَةِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ، واعْتَبَرُوا السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ رِعايَةً لِمَصالِحِ الدُّنْيا، وأوْقَعُوا الحَجَّ في شَهْرٍ آخَرَ سِوى الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وجَعَلَهُ سَبَبًا لِزِيادَةِ كُفْرِهِمْ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِإيقاعِ الحَجِّ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، ثُمَّ إنَّهم بِسَبَبِ هَذِهِ الكَبِيسَةِ أوْقَعُوهُ في غَيْرِ هَذِهِ الأشْهُرِ، وذَكَرُوا لِأتْباعِهِمْ أنَّ هَذا الَّذِي عَمِلْناهُ هو الواجِبُ، وأنَّ إيقاعَهُ في الشُّهُورِ القَمَرِيَّةِ غَيْرُ واجِبٍ، فَكانَ هَذا إنْكارًا مِنهم لِحُكْمِ اللَّهِ مَعَ العِلْمِ بِهِ وتَمَرُّدًا عَنْ طاعَتِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، فَثَبَتَ أنَّ عَمَلَهم في ذَلِكَ النَّسِيءِ يُوجِبُ زِيادَةً في الكُفْرِ، وأمّا الحِسابُ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ مَقادِيرُ الزِّيادَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ تِلْكَ الكَبائِسِ فَمَذْكُورٌ في الزِّيجاتِ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَإنَّهم ذَكَرُوا في سَبَبِ هَذا التَّأْخِيرِ وجْهًا آخَرَ، فَقالُوا: إنَّ العَرَبَ كانَتْ تُحَرِّمُ الشُّهُورَ الأرْبَعَةَ، وكانَ ذَلِكَ شَرِيعَةً ثابِتَةً مِن زَمانِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ العَرَبُ أصْحابَ حُرُوبٍ وغاراتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَمْكُثُوا ثَلاثَةَ أشْهُرٍ مُتَوالِيَةٍ لا يَغْزُونَ فِيها، وقالُوا: إنْ تَوالَتْ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ حُرُمٍ لا نُصِيبُ فِيها شَيْئًا لِنَهْلِكَنَّ، وكانُوا يُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمَ المُحَرَّمِ إلى صَفَرٍ فَيُحَرِّمُونَهُ ويَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ، قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ هَذا التَّأْخِيرَ ما كانَ يَخْتَصُّ بِشَهْرٍ واحِدٍ، بَلْ كانَ ذَلِكَ حاصِلًا في كُلِّ الشُّهُورِ، وهَذا القَوْلُ عِنْدَنا هو الصَّحِيحُ عَلى ما قَرَّرْناهُ، واتَّفَقُوا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ أنْ يَحُجَّ في سَنَةِ حَجَّةِ الوَداعِ عادَ الحَجُّ إلى شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ في نَفْسِ الأمْرِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا» “ وأرادَ أنَّ الأشْهُرَ الحُرُمَ رَجَعَتْ إلى مَواضِعِها. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الكُفْرِ، فَلَمّا ضَمُّوا إلَيْها هَذا العَمَلَ ونَحْنُ قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ هَذا العَمَلَ كُفْرٌ، كانَ ضَمُّ هَذا العَمَلِ إلى تِلْكَ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ سالِفًا مِنَ الكُفْرِ زِيادَةً في الكُفْرِ، احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: الإيمانُ مُجَرَّدُ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا العَمَلَ زِيادَةٌ في الكُفْرِ والزِّيادَةُ عَلى الكُفْرِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ إتْمامًا، فَكانَ تَرْكُ هَذا التَّأْخِيرِ إيمانًا، وظاهِرٌ أنَّ هَذا التَّرْكَ لَيْسَ بِمَعْرِفَةٍ، ولا بِإقْرارٍ، فَثَبَتَ أنَّ غَيْرَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ قَدْ يَكُونُ إيمانًا، قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ عَلَيْهِمْ إيقاعَ الحَجِّ في شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ مَثَلًا مِنَ الأشْهُرِ القَمَرِيَّةِ، فَإذا اعْتَبَرْنا السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ، فَرُبَّما وقَعَ الحَجُّ صفحة ٤٧ فِي المُحَرَّمِ مَرَّةً وفي صَفَرٍ أُخْرى، فَقَوْلُهم: بِأنَّ هَذا الحَجَّ صَحِيحٌ يَجْزِي، وأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إيقاعُ الحَجِّ في شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ إنْ كانَ مِنهم بِحُكْمٍ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهُ مِن دِينِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَكانَ هَذا كُفْرًا بِسَبَبِ عَدَمِ العِلْمِ، وبِسَبَبِ عَدَمِ الإقْرارِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَهَذا قِراءَةُ العامَّةِ، وهي حَسَنَةٌ لِإسْنادِ الضَّلالِ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، لِأنَّهم إنْ كانُوا ضالِّينَ في أنْفُسِهِمْ فَقَدْ حَسُنَ إسْنادُ الضَّلالِ إلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا مُضِلِّينَ لِغَيْرِهِمْ حَسُنَ أيْضًا؛ لِأنَّ المُضِلَّ لِغَيْرِهِ ضالٌّ في نَفْسِهِ لا مَحالَةَ، وقِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ﴿يُضَلُّ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الضّادِ، ومَعْناهُ: أنَّ كُبَراءَهم يُضِلُّونَهم بِحَمْلِهِمْ عَلى هَذا التَّأْخِيرِ في الشُّهُورِ، فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ أيْ: زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ حامِلُوهم عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ مِقْسَمٍ (يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ، ولَهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُضِلُّ اللَّهُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا. والثّانِي: يُضِلُّ الشَّيْطانُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا. والثّالِثُ: وهو أقْواها يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا تابِعِيهِمْ والآخِذِينَ بِأقْوالِهِمْ، وإنَّما كانَ هَذا الوَجْهُ أقْوى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ اللَّهِ، ولا ذِكْرُ الشَّيْطانِ. واعْلَمْ أنَّ الكِنايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُضَلُّ بِهِ﴾ يَعُودُ إلى النَّسِيءِ. وقَوْلُهُ: ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى النَّسِيءِ، والمَعْنى: يُحِلُّونَ ذَلِكَ الإنْساءَ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا، قالَ الواحِدِيُّ: يُحِلُّونَ التَّأْخِيرَ عامًا وهو العامُ الَّذِي يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُوا في المُحَرَّمِ، ويُحَرِّمُونَ التَّأْخِيرَ عامًا آخَرَ وهو العامُ الَّذِي يَدَعُونَ المُحَرَّمَ عَلى تَحْرِيمِهِ. قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذا التَّأْوِيلُ إنَّما يَصِحُّ إذا فَسَّرْنا النَّسِيءَ بِأنَّهم كانُوا يُؤَخِّرُونَ المُحَرَّمَ في بَعْضِ السِّنِينَ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَنْقَلِبَ الشَّهْرُ المُحَرَّمُ إلى الحِلِّ وبِالعَكْسِ، إلّا أنَّ هَذا إنَّما يَصْلُحُ لَوْ حَمَلْنا النَّسِيءَ عَلى المَفْعُولِ وهو المَنسُوءُ المُؤَخَّرُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الشَّهْرُ المُؤَخَّرُ كُفْرًا، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إلّا إذا قُلْنا: إنَّ المُرادَ مِنَ النَّسِيءِ المَنسُوءُ وهو المَفْعُولُ، وحَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ العَمَلُ الَّذِي بِهِ يَصِيرُ النَّسِيءُ سَبَبًا في زِيادَةِ الكُفْرِ، وبِسَبَبِ هَذا الإضْمارِ يَقْوى هَذا التَّأْوِيلُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ يُقالُ: واطَأْتُ فُلانًا عَلى كَذا إذا وافَقْتَهُ عَلَيْهِ. قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: تَواطَأ القَوْمُ عَلى كَذا إذا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، كانَ كُلُّ واحِدٍ يَطَأُ حَيْثُ يَطَأُ صاحِبُهُ، والإيطاءُ في الشِّعْرِ مِن هَذا وهو أنْ يَأْتِيَ في القَصِيدَةِ بِقافِيَتَيْنِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، ومَعْنًى واحِدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّهم ما أحَلُّوا شَهْرًا مِنَ الحَرامِ إلّا حَرَّمُوا مَكانَهُ شَهْرًا مِنَ الحَلالِ، ولَمْ يُحَرِّمُوا شَهْرًا مِنَ الحَلالِ إلّا أحَلُّوا مَكانَهُ شَهْرًا مِنَ الحَرامِ؛ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ عَدَدُ الأشْهُرِ الحُرُمِ أرْبَعَةً، مُطابِقَةً لِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، هَذا هو المُرادُ مِنَ المُواطَأةِ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى كَوْنَ هَذا العَمَلِ كُفْرًا ومُنْكَرًا قالَ: ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: يُرِيدُ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ هَذا العَمَلَ، واللَّهُ لا يُرْشِدُ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ.