Tafsir Al-Razi — التوبة 9:38 – التوبة 9:88
المحتويات
- التوبة 9:38
- التوبة 9:39
- التوبة 9:40
- التوبة 9:41
- التوبة 9:42
- التوبة 9:43
- التوبة 9:44
- التوبة 9:45
- التوبة 9:46
- التوبة 9:47
- التوبة 9:48
- التوبة 9:49
- التوبة 9:50
- التوبة 9:51
- التوبة 9:52
- التوبة 9:53
- التوبة 9:54
- التوبة 9:55
- التوبة 9:56
- التوبة 9:57
- التوبة 9:58
- التوبة 9:59
- التوبة 9:60
- التوبة 9:61
- التوبة 9:62
- التوبة 9:63
- التوبة 9:64
- التوبة 9:65
- التوبة 9:66
- التوبة 9:67
- التوبة 9:68
- التوبة 9:69
- التوبة 9:70
- التوبة 9:71
- التوبة 9:72
- التوبة 9:73
- التوبة 9:74
- التوبة 9:75
- التوبة 9:76
- التوبة 9:77
- التوبة 9:78
- التوبة 9:79
- التوبة 9:80
- التوبة 9:81
- التوبة 9:82
- التوبة 9:83
- التوبة 9:84
- التوبة 9:85
- التوبة 9:86
- التوبة 9:87
- التوبة 9:88
التوبة 9:38
صفحة ٤٨
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وفَضائِحَهم، عادَ إلى التَّرْغِيبِ في مُقاتَلَتِهِمْ وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآياتِ السّابِقَةِ أسْبابًا كَثِيرَةً مُوجِبَةً لِقِتالِهِمْ، وذَكَرَ مَنافِعَ كَثِيرَةً تَحْصُلُ مِن مُقاتَلَتِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٤] وذَكَرَ أقْوالَهُمُ المُنْكَرَةَ، وأعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا، وعِنْدَ هَذا لا يَبْقى لِلْإنْسانِ مانِعٌ مِن قِتالِهِمْ إلّا مُجَرَّدُ أنْ يَخافَ القَتْلَ ويُحِبَّ الحَياةَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا المانِعَ خَسِيسٌ؛ لِأنَّ سَعادَةَ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى سَعادَةِ الآخِرَةِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، وتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ، لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ جَهْلٌ وسَفَهٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَجَعَ مِنَ الطّائِفِ أقامَ بِالمَدِينَةِ وأمَرَ بِجِهادِ الرُّومِ، وكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ زَمانَ شِدَّةِ الحَرِّ، وطابَتْ ثِمارُ المَدِينَةِ وأيْنَعَتْ، واسْتَعْظَمُوا غَزْوَ الرُّومِ وهابُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ المُحَقِّقُونَ: وإنَّما اسْتَثْقَلَ النّاسُ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: شِدَّةُ الزَّمانِ في الصَّيْفِ والقَحْطِ.
وثانِيها: بُعْدُ المَسافَةِ والحاجَةُ إلى الِاسْتِعْدادِ الكَثِيرِ الزّائِدِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ في سائِرِ الغَزَواتِ.
وثالِثُها: إدْراكُ الثِّمارِ بِالمَدِينَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
ورابِعُها: شِدَّةُ الحَرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
وخامِسُها: مَهابَةُ عَسْكَرِ الرُّومِ فَهَذِهِ الجِهاتُ الكَثِيرَةُ اجْتَمَعَتْ فاقْتَضَتْ تَثاقُلَ النّاسِ عَنْ ذَلِكَ الغَزْوِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ: اسْتَنْفَرَ الإمامُ النّاسَ لِجِهادِ العَدُوِّ فَنَفَرُوا يَنْفِرُونَ نَفْرًا ونُفُورًا، إذا حَثَّهم ودَعاهم إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ”«إذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» “ وأصْلُ النَّفْرِ الخُرُوجُ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ واجِبٍ، واسْمُ ذَلِكَ القَوْمِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ النَّفِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ لا في العِيرِ، ولا في النَّفِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ، وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ ومَعْناهُ: تَباطَأْتُمْ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فادّارَأْتُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٧٢] وقَوْلُهُ: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٧] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ فَعُدِّيَ بِإلى، والمَعْنى مِلْتُمْ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ ومَتاعِبَهُ، ونَظِيرُهُ: ﴿أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعْرافِ: ١٧٦] وإنْ كانَ في الظّاهِرِ اسْتِفْهامًا إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ المُبالَغَةُ في الإنْكارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ والمَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْنا المُوجِباتِ الكَثِيرَةَ الدّاعِيَةَ إلى القِتالِ، وقَدْ شَرَحْنا المَنافِعَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ القِتالِ، وبَيَّنّا أنْواعَ فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمُ الَّتِي تَحْمِلُ العاقِلَ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ، فَتَرَكْتُمْ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ، ألَيْسَ أنَّ مَعْبُودَكم يَأْمُرُكم بِمُقاتَلَتِهِمْ، وتَعْلَمُونَ أنَّ طاعَةَ المَعْبُودِ تُوجِبُ الثَّوابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ ؟ فَهَلْ يَلِيقُ بِالعاقِلِ تَرْكُ الثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، لِأجْلِ المَنفَعَةِ اليَسِيرَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا ؟ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ مَتاعَ الدُّنْيا في الآخِرَةِ قَلِيلٌ أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ في أنْفُسِها ومَشُوبَةٌ بِالآفاتِ والبَلِيّاتِ، ومُنْقَطِعَةٌ عَنْ قَرِيبٍ لا مَحالَةَ، ومَنافِعَ
صفحة ٤٩
الآخِرَةِ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ خالِصَةٌ عَنْ كُلِّ الآفاتِ، ودائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ سَرْمَدِيَّةٌ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ بِأنَّ مَتاعَ الدُّنْيا قَلِيلٌ حَقِيرٌ خَسِيسٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الجِهادِ في كُلِّ حالٍ، لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّ تَثاقُلَهم عَنِ الجِهادِ أمْرٌ مُنْكَرٌ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الجِهادُ واجِبًا لَما كانَ هَذا التَّثاقُلُ مُنْكَرًا، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الجِهادُ إنَّما يَجِبُ في الوَقْتِ الَّذِي يُخافُ هُجُومُ الكُفّارِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَخافُ هُجُومَ الرُّومِ عَلَيْهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أوْجَبَ الجِهادَ مَعَهم، ومَنافِعُ الجِهادِ مُسْتَقْصاةٌ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وأيْضًا هو واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ، فَإذا قامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ مَعَ كُلِّ المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَثاقِلِينَ في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ التَّثاقُلُ مَعْصِيَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى إطْباقِ كُلِّ الأُمَّةِ عَلى المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ.
الجَوابُ: أنَّ خِطابَ الكُلِّ لِإرادَةِ البَعْضِ مَجازٌ مَشْهُورٌ في القُرْآنِ، وفي سائِرِ أنْواعِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ:
إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةْ
التوبة 9:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَهم في الآيَةِ الأُولى في الجِهادِ بِناءً عَلى التَّرْغِيبِ في ثَوابِ الآخِرَةِ، رَغَّبَهم في هَذِهِ الآيَةِ في الجِهادِ بِناءً عَلى أنْواعٍ أُخَرَ مِنَ الأُمُورِ المُقَوِّيَةِ لِلدَّواعِي، وهي ثَلاثَةُ أنْواعٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَذابَ الدُّنْيا، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَذابَ الآخِرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «اسْتَنْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القَوْمَ فَتَثاقَلُوا، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ»، وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ عَذابُ الآخِرَةِ، إذِ الألِيمُ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَهْدِيدٌ بِكُلِّ الأقْسامِ، وهي عَذابُ الدُّنْيا وعَذابُ الآخِرَةِ، وقَطْعُ مَنافِعِ الدُّنْيا ومَنافِعِ الآخِرَةِ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ والمُرادُ تَنْبِيهُهم عَلى أنَّهُ تَعالى مُتَكَفِّلٌ بِنَصْرِهِ عَلى أعْدائِهِ، فَإنْ سارَعُوا مَعَهُ إلى الخُرُوجِ حَصَلَتِ النُّصْرَةُ بِهِمْ، وإنْ تَخَلَّفُوا وقَعَتِ النُّصْرَةُ بِغَيْرِهِمْ، وحَصَلَ العُتْبى لَهم؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمُوا أنَّ غَلَبَةَ أعْداءِ الدِّينَ وعِزَّ الإسْلامِ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِمْ، ولَيْسَ في النَّصِّ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَعْنى مِنهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ٥٠
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤] .
ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ التّابِعُونَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هم أبْناءُ فارِسَ، وقالَ أبُو رَوْقٍ: هم أهْلُ اليَمَنِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ لَيْسَتْ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِها، بَلْ حُمِلَ ذَلِكَ الكَلامُ المُطْلَقُ عَلى صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ شاهَدُوها، قالَ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنْ يُخْرِجَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم، وهي المَدِينَةُ، قالَ القاضِي: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُنْقَلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى غَيْرِها، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُظْهِرَ اللَّهُ في المَدِينَةِ أقْوامًا يُعِينُونَهُ عَلى الغَزْوِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُعِينَهُ بِأقْوامٍ مِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا حالَ كَوْنِهِ هُناكَ.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ والكِنايَةُ في قَوْلِ الحَسَنِ: راجِعَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: لا تَضُرُّوا اللَّهَ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، وفي قَوْلِ الباقِينَ يَعُودُ إلى الرَّسُولِ، أيْ: لا تَضُرُّوا الرَّسُولَ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّهُ تَعالى لا يَخْذُلُهُ إنْ تَثاقَلْتُمْ عَنْهُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهو تَنْبِيهٌ عَلى شِدَّةِ الزَّجْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى قادِرٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ العَجْزُ، فَإذا تَوَعَّدَ بِالعِقابِ فَعَلَ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ لِمَنِ اسْتَنْفَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْفِرُوا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نَسْخَ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وعِيدِ أهْلِ الصَّلاةِ حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ المُؤْمِنِينَ إنْ لَمْ يَنْفِرُوا يُعَذِّبْهم عَذابًا ألِيمًا وهو عَذابُ النّارِ، فَإنَّ تَرْكَ الجِهادِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَبَطَلَ بَذْلُ قَوْلِ المُرْجِئَةِ: إنَّ أهَّلَ الصَّلاةِ لا وعِيدَ لَهم، وإذا ثَبَتَ الوَعِيدُ لَهم في تَرْكِ الجِهادِ فَكَذا في غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، واعْلَمْ أنَّ مَسْألَةَ الوَعِيدِ ذَكَرْناها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الجِهادِ، سَواءٌ كانَ مَعَ الرَّسُولِ أوْ لا مَعَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ ولَمْ يَنُصَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ القائِلَ هو الرَّسُولُ.
فَإنْ قالُوا: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الرَّسُولَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٩] ولِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٩] إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ إلّا الرَّسُولَ.
قُلْنا: خُصُوصُ آخِرِ الآيَةِ لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِ أوَّلِها عَلى ما قَرَّرْنا في أُصُولِ الفِقْهِ.
التوبة 9:40
قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ٥١
﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
واعْلَمْ أنَّ هَذا ذِكْرُ طَرِيقٍ آخَرَ في تَرْغِيبِهِمْ في الجِهادِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم إنْ لَمْ يَنْفِرُوا بِاسْتِنْفارِهِ، ولَمْ يَشْتَغِلُوا بِنُصْرَتِهِ فَإنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ بِدَلِيلِ أنَّ اللَّهَ نَصَرَهُ وقَوّاهُ حالَ ما لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ، فَهَهُنا أوْلى، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ جَوابًا لِلشَّرْطِ ؟
وجَوابُهُ أنَّ التَّقْدِيرَ إلّا تَنْصُرُوهُ، فَسَيَنْصُرُهُ مَن نَصَرَهُ حِينَما لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ، ولا أقَلَّ مِنَ الواحِدِ، والمَعْنى أنَّهُ يَنْصُرُهُ الآنَ كَما نَصَرَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي: قَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ في الوَقْتِ الَّذِي أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَكَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: في الحالِ الَّتِي كانَ فِيها﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ سَبَقَ في قَوْلِهِ: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائِدَةِ: ٧٣] وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّهُ إذا حَضَرَ اثْنانِ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَكُونُ ثانِيًا في ذَيْنِكَ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: يُقالُ فُلانٌ ثانِي اثْنَيْنِ، أيْ: هو أحَدُهُما، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ (ثانِي اثْنَيْنِ) بِالسُّكُونِ و﴿إذْ هُما﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ أخْرَجَهُ﴾ والغارُ ثُقْبٌ عَظِيمٌ في الجَبَلِ، وكانَ ذَلِكَ الجَبَلُ يُقالُ لَهُ ثَوْرٌ، في يَمِينِ مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مَعَ أبِي بَكْرٍ ثَلاثًا، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ ثانٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا أنَّ قُرَيْشًا ومَن بِمَكَّةَ مِنَ المُشْرِكِينَ تَعاقَدُوا عَلى قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنْفالِ: ٣٠] فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَخْرُجَ هو وأبُو بَكْرٍ أوَّلَ اللَّيْلِ إلى الغارِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هو أنَّهم جَعَلُوهُ كالمُضْطَرِّ إلى الخُرُوجِ، «وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ أوَّلَ اللَّيْلِ إلى الغارِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَضْطَجِعَ عَلى فِراشِهِ، لِيَمْنَعَهُمُ السَّوادُ مِن طَلَبِهِ، حَتّى يَبْلُغَ هو وصاحِبُهُ إلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَلَمّا وصَلا إلى الغارِ دَخَلَ أبُو بَكْرٍ الغارَ أوَّلًا، يَلْتَمِسُ ما في الغارِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ما لَكَ ؟ فَقالَ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، الغِيرانُ مَأْوى السِّباعِ والهَوامِّ، فَإنْ كانَ فِيهِ شَيْءٌ كانَ بِي لا بِكَ، وكانَ في الغارِ جُحْرٌ، فَوَضَعَ عَقِبَهُ عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يَخْرُجَ ما يُؤْذِي الرَّسُولَ، فَلَمّا طَلَبَ المُشْرِكُونَ الأثَرَ وقَرُبُوا، بَكى أبُو بَكْرٍ خَوْفًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا“ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّ اللَّهَ لَمَعَنا ؟ فَقالَ الرَّسُولُ: ”نَعَمْ“ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدُّمُوعَ عَنْ خَدِّهِ»، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا ذَكَرَ بُكاءَ أبِي بَكْرٍ بَكى، وإذا ذَكَرَ مَسْحَهُ الدُّمُوعَ مَسَحَ هو الدُّمُوعَ عَنْ خَدِّهِ، وقِيلَ: لَمّا طَلَعَ المُشْرِكُونَ فَوْقَ الغارِ أشْفَقَ أبُو بَكْرٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ: إنْ تُصَبِ اليَوْمَ ذَهَبَ دِينُ اللَّهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ”«ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما» “ وقِيلَ: لَمّا دَخَلَ الغارَ وضَعَ أبُو بَكْرٍ ثُمامَةً عَلى بابِ الغارِ، وبَعَثَ اللَّهُ حَمامَتَيْنِ فَباضَتا في أسْفَلِهِ، والعَنْكَبُوتُ نَسَجَتْ عَلَيْهِ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«اللَّهُمَّ أعْمِ أبْصارَهم» “ فَجَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ حَوْلَ الغارِ، ولا يَرَوْنَ أحَدًا.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى فَضِيلَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَهَبَ إلى الغارِ؛ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ يَخافُ الكُفّارَ مِن أنْ يُقْدِمُوا عَلى قَتْلِهِ، فَلَوْلا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قاطِعًا عَلى باطِنِ أبِي بَكْرٍ، بِأنَّهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُحَقِّقِينَ الصّادِقِينَ الصِّدِّيقِينَ، وإلّا لَما أصْحَبَهُ نَفْسَهُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لَوْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ باطِنُهُ بِخِلافِ ظاهِرِهِ، لَخافَهُ مِن أنْ يَدُلَّ أعْداءَهُ عَلَيْهِ، وأيْضًا لَخافَهُ مِن أنْ يُقْدِمَ عَلى
صفحة ٥٢
قَتْلِهِ، فَلَمّا اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ في تِلْكَ الحالَةِ، دَلَّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قاطِعًا بِأنَّ باطِنَهُ عَلى وفْقِ ظاهِرِهِ.
الثّانِي: وهو أنَّ الهِجْرَةَ كانَتْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ في خِدْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَماعَةٌ مِنَ المُخْلِصِينَ، وكانُوا في النَّسَبِ إلى شَجَرَةِ رَسُولَ اللَّهِ أقْرَبَ مِن أبِي بَكْرٍ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يَسْتَصْحِبَ أبا بَكْرٍ في تِلْكَ الواقِعَةِ الصَّعْبَةِ الهائِلَةِ، وإلّا لَكانَ الظّاهِرُ أنْ لا يَخُصَّهُ بِهَذِهِ الصُّحْبَةِ، وتَخْصِيصُ اللَّهِ إيّاهُ بِهَذا التَّشْرِيفِ دَلَّ عَلى مَنصِبٍ عالٍ لَهُ في الدِّينِ.
الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ مَن سِوى أبِي بَكْرٍ فارَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أمّا هو فَما سَبَقَ رَسُولَ اللَّهِ كَغَيْرِهِ، بَلْ صَبَرَ عَلى مُؤانَسَتِهِ ومُلازَمَتِهِ وخِدْمَتِهِ عِنْدَ هَذا الخَوْفِ الشَّدِيدِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ مَعَهُ أحَدٌ، وذَلِكَ يُوجِبُ الفَضْلَ العَظِيمَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ فَجَعَلَهُ ثانِيَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ كَوْنِهِما في الغارِ، والعُلَماءُ أثْبَتُوا أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ ثانِيَ مُحَمَّدٍ في أكْثَرِ المَناصِبِ الدِّينِيَّةِ، فَإنَّهُ ﷺ لَمّا أُرْسِلَ إلى الخَلْقِ، وعَرَضَ الإسْلامَ عَلى أبِي بَكْرٍ آمَنَ أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ذَهَبَ وعَرَضَ الإسْلامَ عَلى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وجَماعَةٍ آخَرِينَ مِن أجِلَّةِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، والكُلُّ آمَنُوا عَلى يَدَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ جاءَ بِهِمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أيّامٍ قَلائِلَ، فَكانَ هو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وأيْضًا كُلَّما وقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ، كانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقِفُ في خِدْمَتِهِ، ولا يُفارِقُهُ، فَكانَ ثانِيَ اثْنَيْنِ في مَجْلِسِهِ، ولَمّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قامَ مَقامَهُ في إمامَةِ النّاسِ في الصَّلاةِ، فَكانَ ثانِيَ اثْنَيْنِ، ولَمّا تُوُفِّيَ دُفِنَ بِجَنْبِهِ، فَكانَ ثانِيَ اثْنَيْنِ هُناكَ أيْضًا، وطَعَنَ بَعْضُ الحَمْقى مِنَ الرَّوافِضِ في هَذا الوَجْهِ، وقالَ: كَوْنُهُ ثانِيَ اثْنَيْنِ لِلرَّسُولِ لا يَكُونُ أعْظَمَ مِن كَوْنِ اللَّهِ تَعالى رابِعًا لِكُلِّ ثَلاثٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ [المُجادَلَةِ: ٧] ثُمَّ إنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في حَقِّ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا المَعْنى مِنَ اللَّهِ تَعالى دالًّا عَلى فَضِيلَةِ الإنْسانِ، فَلِأنْ لا يَدُلَّ مِنَ النَّبِيِّ عَلى فَضِيلَةِ الإنْسانِ كانَ أوْلى.
والجَوابُ: أنَّ هَذا تَعَسُّفٌ بارِدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ هُناكَ كَوْنُهُ تَعالى مَعَ الكُلِّ بِالعِلْمِ والتَّدْبِيرِ، وكَوْنُهُ مُطَّلِعًا عَلى ضَمِيرِ كُلِّ أحَدٍ، أمّا هَهُنا فالمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ تَخْصِيصُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ، وأيْضًا قَدْ دَلَّلْنا بِالوُجُوهِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مَعَهُ في هَذا المَوْضِعِ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ قاطِعًا بِأنَّ باطِنَهُ كَظاهِرِهِ، فَأيْنَ أحَدُ الجانِبَيْنِ مِنَ الآخَرِ ؟
والوَجْهُ الخامِسُ: مِنَ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ ما جاءَ في الأخْبارِ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا حَزِنَ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما» ؟ “ ولا شَكَّ أنَّ هَذا مَنصِبٌ عَلِيٌّ، ودَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ الرَّوافِضَ في الدِّينِ كانُوا إذا حَلَفُوا قالُوا: وحَقِّ خَمْسَةٍ سادِسُهم جِبْرِيلُ، وأرادُوا بِهِ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ وعَلِيًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَ والحُسَيْنَ، كانُوا قَدِ احْتَجَبُوا تَحْتَ عَباءَةٍ يَوْمَ المُباهَلَةِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ وجَعَلَ نَفْسَهُ سادِسًا لَهم، فَذَكَرُوا لِلشَّيْخِ الإمامِ الوالِدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ القَوْمَ هَكَذا يَقُولُونَ، فَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَكم ما هو خَيْرٌ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ”«ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما» “ ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ هَذا أفْضَلُ وأكْمَلُ.
والوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ أبا بَكْرٍ بِكَوْنِهِ صاحِبًا لِلرَّسُولِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ الفَضْلِ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ البَجَلِيُّ: مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أبُو بَكْرٍ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ كافِرًا؛ لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ مِن﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ هو أبُو بَكْرٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ صاحِبًا لَهُ، اعْتَرَضُوا وقالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ الكافِرَ بِكَوْنِهِ صاحِبًا لِلْمُؤْمِنِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ﴾
صفحة ٥٣
﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ [الكَهْفِ: ٣٧] .
والجَوابُ: أنَّ هُناكَ وإنْ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ صاحِبًا لَهُ ذِكْرًا، إلّا أنَّهُ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى الإهانَةِ والإذْلالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ أمّا هَهُنا فَبَعْدَ أنْ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ صاحِبًا لَهُ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ فَأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ البابَيْنِ لَوْلا فَرْطُ العَداوَةِ ؟
والوَجْهُ السّابِعُ: في دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ، قَوْلُهُ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ المَعِيَّةِ، المَعِيَّةُ بِالحِفْظِ والنُّصْرَةِ والحِراسَةِ والمَعُونَةِ، وبِالجُمْلَةِ فالرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَرَكَ بَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَ أبِي بَكْرٍ في هَذِهِ المَعِيَّةِ، فَإنْ حَمَلُوا هَذِهِ المَعِيَّةَ عَلى وجْهٍ فاسِدٍ، لَزِمَهم إدْخالُ الرَّسُولِ فِيهِ، وإنْ حَمَلُوها عَلى مَحْمَلِ رَفِيعٍ شَرِيفٍ، لَزِمَهم إدْخالُ أبِي بَكْرٍ فِيهِ، ونَقُولُ بِعِبارَةٍ أُخْرى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ كانَ اللَّهُ مَعَهُ، وكُلُّ مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ المُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٨] والمُرادُ مِنهُ الحُصْرُ، والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا لا مَعَ غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ مِنَ المُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ.
والوَجْهُ الثّامِنُ: في تَقْرِيرِ هَذا المَطْلُوبِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ ثانِيَ اثْنَيْنِ في الشَّرَفِ الحاصِلِ مِن هَذِهِ المَعِيَّةِ، كَما كانَ ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ، وذَلِكَ مَنصِبٌ في غايَةِ الشَّرَفِ.
والوَجْهُ التّاسِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَحْزَنْ﴾ نَهْيٌ عَنِ الحُزْنِ مُطْلَقًا، والنَّهْيُ يُوجِبُ الدَّوامَ والتِّكْرارَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَحْزَنَ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ البَتَّةَ، قَبْلَ المَوْتِ وعِنْدَ المَوْتِ وبَعْدَ المَوْتِ.
والوَجْهُ العاشِرُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ ومَن قالَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ﴾ عائِدٌ إلى الرَّسُولِ فَهَذا باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وأقْرَبُ المَذْكُوراتِ المُتَقَدِّمَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هو أبُو بَكْرٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ والتَّقْدِيرُ: إذْ يَقُولُ مُحَمَّدٌ لِصاحِبِهِ أبِي بَكْرٍ: لا تَحْزَنْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَأقْرَبُ المَذْكُوراتِ السّابِقَةِ هو أبُو بَكْرٍ، فَوَجَبَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الحُزْنَ والخَوْفَ كانَ حاصِلًا لِأبِي بَكْرٍ لا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ آمِنًا ساكِنَ القَلْبِ بِما وعَدَهُ اللَّهُ أنْ يَنْصُرَهُ عَلى قُرَيْشٍ، فَلَمّا قالَ لِأبِي بَكْرٍ: لا تَحْزَنْ صارَ آمِنًا، فَصَرَفَ السَّكِينَةَ إلى أبِي بَكْرٍ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزَوالِ خَوْفِهِ أوْلى مِن صَرْفِها إلى الرَّسُولِ ﷺ، مَعَ أنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ كانَ ساكِنَ القَلْبِ، قَوِيَّ النَّفْسِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ إنْزالَ السَّكِينَةِ عَلى الرَّسُولِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ الرَّسُولَ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ خائِفًا، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما أمْكَنَهُ أنْ يَقُولَ لِأبِي بَكْرٍ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ فَمَن كانَ خائِفًا كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يُزِيلَ الخَوْفَ عَنْ قَلْبِ غَيْرِهِ ؟ ولَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالُوهُ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، فَقالَ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ، ثُمَّ ذَكَرَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ نُزُولَ السَّكِينَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذِهِ السَّكِينَةِ مَسْبُوقٌ بِحُصُولِ السَّكِينَةِ في قَلْبِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ السَّكِينَةُ نازِلَةً
صفحة ٥٤
عَلى قَلْبِ أبِي بَكْرٍ.
فَإنْ قِيلَ: وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ أنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلى قَلْبِ الرَّسُولِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالرَّسُولِ، والمَعْطُوفُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُشارِكًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَ هَذا المَعْطُوفُ عائِدًا إلى الرَّسُولِ وجَبَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الرَّسُولِ.
قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ بَدْرٍ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ وتَقْدِيرُ الآيَةِ: إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ في واقِعَةِ الغارِ، إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها في واقِعَةِ بَدْرٍ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ هَذا السُّؤالُ.
الوَجْهُ الحادِيَ عَشَرَ: مِنَ الوُجُوهِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ مِن هَذِهِ الآيَةِ إطْباقُ الكُلِّ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ هو الَّذِي اشْتَرى الرّاحِلَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَلى أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ وأسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ هُما اللَّذانِ كانا يَأْتِيانِهِما بِالطَّعامِ، «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”لَقَدْ كُنْتُ أنا وصاحِبِي في الغارِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ولَيْسَ لَنا طَعامٌ إلّا التَّمْرَ“ وذَكَرُوا أنَّ جِبْرِيلَ أتاهُ وهو جائِعٌ، فَقالَ: هَذِهِ أسْماءُ قَدْ أتَتْ بِحَيْسٍ، فَفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وأخْبَرَ بِهِ أبا بَكْرٍ، ولَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ أظْهَرَهُ لِأبِي بَكْرٍ، فَأمَرَ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أنْ يَشْتَرِيَ جَمَلَيْنِ ورَحْلَيْنِ وكُسْوَتَيْنِ، ويَفْصِلَ أحَدَهُما لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا قَرُبا مِنَ المَدِينَةِ وصَلَ الخَبَرُ إلى الأنْصارِ فَخَرَجُوا مُسْرِعِينَ، فَخافَ أبُو بَكْرٍ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَألْبَسَ رَسُولَ اللَّهِ ثَوْبَهُ، لِيَعْرِفُوا أنَّ الرَّسُولَ هو هو، فَلَمّا دَنَوْا خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا فَقالَ لَهم: ”اسْجُدُوا لِرَبِّكم وأكْرِمُوا أخًا لَكُمْ“ ثُمَّ أناخَتْ ناقَتُهُ بِبابِ أبِي أيُّوبَ»، رَوَيْنا هَذِهِ الرِّواياتِ مِن تَفْسِيرِ أبِي بَكْرٍ الأصَمِّ.
الوَجْهُ الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ المَدِينَةَ ما كانَ مَعَهُ إلّا أبُو بَكْرٍ، والأنْصارُ ما رَأوْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحَدًا إلّا أبا بَكْرٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ مِن بَيْنِ أصْحابِهِ في السَّفَرِ والحَضَرِ، وإنَّ أصْحابَنا زادُوا عَلَيْهِ وقالُوا: لَمّا لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ في ذَلِكَ السَّفَرِ أحَدٌ إلّا أبُو بَكْرٍ، فَلَوْ قَدَّرْنا أنَّهُ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ السَّفَرِ، لَزِمَ أنْ لا يَقُومَ بِأمْرِهِ إلّا أبُو بَكْرٍ، وأنْ لا يَكُونَ وصِّيَهُ عَلى أُمَّتِهِ إلّا أبُو بَكْرٍ، وأنْ لا يُبَلِّغَ ما حَدَثَ مِنَ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ في ذَلِكَ الطَّرِيقِ إلى أُمَّتِهِ إلّا أبُو بَكْرٍ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الفَضائِلِ العالِيَةِ والدَّرَجاتِ الرَّفِيعَةِ لِأبِي بَكْرٍ.
واعْلَمْ أنَّ الرَّوافِضَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِهَذِهِ الواقِعَةِ عَلى الطَّعْنِ في أبِي بَكْرٍ مِن وُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ حَقِيرَةٍ، جارِيَةٍ مَجْرى إخْفاءِ الشَّمْسِ بِكَفٍّ مِنَ الطِّينِ:
فالأوَّلُ: قالُوا: «إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِأبِي بَكْرٍ: ”لا تَحْزَنْ» “ فَذَلِكَ الحُزْنُ إنْ كانَ حَقًّا فَكَيْفَ نَهى الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ ؟ وإنْ كانَ خَطَأً، لَزِمَ أنْ يَكُونَ أبُو بَكْرٍ مُذْنِبًا وعاصِيًا في ذَلِكَ الحُزْنِ.
والثّانِي: قالُوا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَخافُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ في مَكَّةَ أنْ يَدُلَّ الكُفّارَ عَلَيْهِ، وأنْ يُوقِفَهم عَلى أسْرارِهِ ومَعانِيهِ، فَأخَذَهُ مَعَ نَفْسِهِ دَفْعًا لِهَذا الشَّرِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ وإنْ دَلَّتْ هَذِهِ الحالَةُ عَلى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ إلّا أنَّهُ أمَرَ عَلِيًّا بِأنْ يَضْطَجِعَ عَلى فِراشِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاضْطِجاعَ عَلى فِراشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مِثْلِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ مَعَ كَوْنِ الكُفّارِ قاصِدِينَ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ تَعْرِيضُ
صفحة ٥٥
النَّفْسِ لِلْفِداءِ، فَهَذا العَمَلُ مِن عَلِيٍّ أعْلى وأعْظَمُ مِن كَوْنِ أبِي بَكْرٍ صاحِبًا لِلرَّسُولِ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ ما ذَكَرُوهُ في ذَلِكَ البابِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ أبا عَلِيٍّ الجُبّائِيَّ لَمّا حَكى عَنْهم تِلْكَ الشُّبْهَةَ، قالَ: فَيُقالُ لَهم: يَجِبُ في قَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ كانَ عاصِيًا في خَوْفِهِ، وذَلِكَ طَعْنٌ في الأنْبِياءِ، ويَجِبُ في قَوْلِهِ تَعالى في إبْراهِيمَ، حَيْثُ قالَتِ المَلائِكَةُ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ﴾ في قِصَّةِ العِجْلِ المَشْوِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِمْ لِلُوطٍ: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣٣] مِثْلُ ذَلِكَ.
فَإذا قالُوا: إنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ إنَّما حَصَلَ بِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ﴾ لِيُفِيدَ الأمْنَ، وفَراغَ القَلْبِ.
قُلْنا لَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ كَذَلِكَ.
فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائِدَةِ: ٦٧] فَكَيْفَ خافَ مَعَ سَماعِ هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَنَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ في المَدِينَةِ، وهَذِهِ الواقِعَةُ سابِقَةٌ عَلى نُزُولِها، وأيْضًا فَهَبْ أنَّهُ كانَ آمِنًا عَلى عَدَمِ القَتْلِ، ولَكِنَّهُ ما كانَ آمِنًا مِنَ الضَّرْبِ، والجَرْحِ والإيلامِ الشَّدِيدِ. والعَجَبُ مِنهم، فَإنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ أبا بَكْرٍ ما كانَ خائِفًا، لَقالُوا: إنَّهُ فَرِحَ بِسَبَبِ وُقُوعِ الرَّسُولِ في البَلاءِ، ولَمّا خافَ وبَكى قالُوا هَذا السُّؤالَ الرَّكِيكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَطْلُبُونَ الحَقَّ، وإنَّما مَقْصُودُهم مَحْضُ الطَّعْنِ! .
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الَّذِي قالُوهُ أخَسُّ مِن شُبُهاتِ السُّوفِسْطائِيَّةِ، فَإنَّ أبا بَكْرٍ لَوْ كانَ قاصِدًا لَهُ، لَصاحَ بِالكُفّارِ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إلى بابِ الغارِ، وقالَ لَهم: نَحْنُ هَهُنا، ولَقالَ ابْنُهُ وابْنَتُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وأسْماءُ لِلْكُفّارِ: نَحْنُ نَعْرِفُ مَكانَ مُحَمَّدٍ فَنَدُلُّكم عَلَيْهِ، فَنَسْألُ اللَّهَ العِصْمَةَ مِن عَصَبِيَّةٍ تَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى مِثْلِ هَذا الكَلامِ الرَّكِيكِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنّا لا نُنْكِرُ أنَّ اضْطِجاعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ عَلى فِراشِ رَسُولِ اللَّهِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ ومَنصِبٌ رَفِيعٌ، إلّا أنّا نَدَّعِي أنَّ أبا بَكْرٍ بِمُصاحَبَتِهِ كانَ حاضِرًا في خِدْمَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وعَلِيٌّ كانَ غائِبًا، والحاضِرُ أعْلى حالًا مِنَ الغائِبِ.
الثّانِي: أنَّ عَلِيًّا ما تَحَمَّلَ المِحْنَةَ إلّا في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، أمّا بَعْدَها لَمّا عَرَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا غابَ تَرَكُوهُ، ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ. أمّا أبُو بَكْرٍ، فَإنَّهُ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مَعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثَلاثَةَ أيّامٍ في الغارِ كانَ في أشَدِّ أسْبابِ المِحْنَةِ، فَكانَ بَلاؤُهُ أشَدَّ.
الثّالِثُ: أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ مَشْهُورًا فِيما بَيْنَ النّاسِ بِأنَّهُ يُرَغِّبُ النّاسَ في دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَدْعُوهم إلَيْهِ، وشاهَدُوا مِنهُ أنَّهُ دَعا جَمْعًا مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم إلى ذَلِكَ الدِّينِ، وأنَّهم إنَّما قَبِلُوا ذَلِكَ الدِّينَ بِسَبَبِ دَعْوَتِهِ، وكانَ يُخاصِمُ الكُفّارَ بِقَدْرِ الإمْكانِ، وكانَ يَذُبُّ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِالنَّفْسِ والمالِ، وأمّا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ صَغِيرَ السِّنِّ، وما ظَهَرَ مِنهُ دَعْوَةٌ لا بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ، ولا جِهادٌ بِالسَّيْفِ والسِّنانِ؛ لِأنَّ مُحارَبَتَهُ مَعَ الكُفّارِ إنَّما ظَهَرَتْ بَعْدَ انْتِقالِهِمْ إلى المَدِينَةِ بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، فَحالَ الهِجْرَةِ ما ظَهَرَ مِنهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ غَضَبُ الكُفّارِ عَلى أبِي بَكْرٍ لا مَحالَةَ أشَدَّ مِن غَضَبِهِمْ عَلى عَلِيٍّ، ولِهَذا السَّبَبِ، فَإنَّهم لَمّا عَرَفُوا أنَّ المُضْطَجِعَ عَلى ذَلِكَ الفِراشِ
صفحة ٥٦
هُوَ عَلِيٌّ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ البَتَّةَ، ولَمْ يَقْصِدُوهُ بِضَرْبٍ ولا ألَمٍ، فَعَلِمْنا أنَّ خَوْفَ أبِي بَكْرٍ عَلى نَفْسِهِ في خِدْمَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أشَدُّ مِن خَوْفِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، فَكانَتْ تِلْكَ الدَّرَجَةُ أفْضَلَ وأكْمَلَ، هَذا ما نَقُولُهُ في هَذا البابِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ فاعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ أنْ يُقالَ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ﴾ فَلا بُدَّ لَهُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ صُورَتَيْنِ.
الصُّورَةُ الأُولى: أنَّهُ قَدْ نَصَرَهُ في واقِعَةِ الهِجْرَةِ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ .
والصُّورَةُ الثّانِيَةُ: واقِعَةُ بَدْرٍ، وهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ لِأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المَلائِكَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأيَّدَ رَسُولَهُ ﷺ بِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَلِمَةَ الشِّرْكِ سافِلَةً دَنِيئَةً حَقِيرَةً، وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، وهي قَوْلُهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَ الواحِدِيُّ: والِاخْتِيارُ في قَوْلِهِ: ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ الرَّفْعُ، وهي قِراءَةُ العامَّةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ ”كَلِمَةَ اللَّهِ“ بِالنَّصْبِ، ولا أُحِبُّ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّهُ لَوْ نَصَبَها لَكانَ الأجْوَدَ أنْ يُقالَ: وكَلِمَةَ اللَّهِ العُلْيا، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أعْتَقَ أبُوكَ غُلامَهُ، ولا تَقُولُ: أعْتَقَ غُلامَهُ أبُوكَ ؟ .
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: قاهِرٌ غالِبٌ، لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ.
التوبة 9:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَوَعَّدَ مَن لا يَنْفِرُ مَعَ الرَّسُولِ، وضَرَبَ لَهُ مِنَ الأمْثالِ ما وصَفْنا، أتْبَعَهُ بِهَذا الأمْرِ الجَزْمِ، فَقالَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ والمُرادُ انْفِرُوا سَواءٌ كُنْتُمْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي يَخِفُّ عَلَيْكُمُ الجِهادُ، أوْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي يَثْقُلُ، وهَذا الوَصْفُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوها:
فالأوَّلُ: ﴿خِفافًا﴾ في النُّفُورِ لِنَشاطِكم لَهُ﴿وثِقالًا﴾ عَنْهُ لِمَشَقَّتِهِ عَلَيْكم.
الثّانِي: ﴿خِفافًا﴾ لِقِلَّةِ عِيالِكُمْ﴿وثِقالًا﴾ لِكَثْرَتِها.
الثّالِثُ: ﴿خِفافًا﴾ مِنَ السِّلاحِ﴿وثِقالًا﴾ مِنهُ.
الرّابِعُ: رُكْبانًا ومُشاةً.
الخامِسُ: شُبّانًا وشُيُوخًا.
السّادِسُ: مَهازِيلَ وسِمانًا.
السّابِعُ: صِحاحًا ومِراضًا والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا إذِ الكُلُّ داخِلٌ فِيهِ؛ لِأنَّ الوَصْفَ المَذْكُورَ وصْفٌ كُلِّيٌّ، يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ.
فَإنْ قِيلَ: أتَقُولُونَ إنَّ هَذا الأمْرَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ النّاسِ حَتّى المَرْضى والعاجِزِينَ ؟
صفحة ٥٧
قُلْنا: ظاهِرُهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، «عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ ؟ قالَ: ”ما أنْتَ إلّا خَفِيفٌ أوْ ثَقِيلٌ“ فَرَجَعَ إلى أهْلِهِ، ولَبِسَ سِلاحَهُ، ووَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ»﴾ ) [النُّورِ: ٦١] وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ أبا أيُّوبَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، ولَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ غَزَواتِ المُسْلِمِينَ، ويَقُولُ: قالَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ فَلا أجِدُنِي إلّا خَفِيفًا أوْ ثَقِيلًا.
وعَنْ صَفْوانَ بْنِ عَمْرٍو قالَ: كُنْتُ والِيًا عَلى حِمْصَ، فَلَقِيتُ شَيْخًا قَدْ سَقَطَ حاجِباهُ، مِن أهْلِ دِمَشْقَ عَلى راحِلَتِهِ يُرِيدُ الغَزْوَ، قُلْتُ: يا عَمِّ أنْتَ مَعْذُورٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ حاجِبَيْهِ وقالَ: يا ابْنَ أخِي اسْتَنْفَرَنا اللَّهُ خِفافًا وثِقالًا، ألا إنَّ مَن أحَبَّهُ ابْتَلاهُ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ: خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ إلى الغَزْوِ، وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ عَلِيلٌ صاحِبُ ضَرَرٍ، فَقالَ: اسْتَنْفَرَ اللَّهُ الخَفِيفَ والثَّقِيلَ، فَإنْ عَجَزْتُ عَنِ الجِهادِ كَثَّرْتُ السَّوادَ، وحَفِظْتُ المَتاعَ.
وقِيلَ لِلْمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ وهو يُرِيدُ الغَزْوَ: أنْتَ مَعْذُورٌ، فَقالَ: أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْنا في سُورَةِ بَراءَةَ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ الَّذِي قَرَّرْناهُ يَقُولُونَ: هَذِهِ الآيَةُ صارَتْ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَلَّفَ النِّساءَ، وخَلَّفَ مِنَ الرِّجالِ أقْوامًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الوُجُوبَ لَيْسَ عَلى الأعْيانِ، لَكِنَّهُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، فَمَن أمَرَهُ الرَّسُولُ بِأنْ يَخْرُجَ، لَزِمَهُ ذَلِكَ خِفافًا وثِقالًا، ومَن أمَرَهُ بِأنْ يَبْقى هُناكَ، لَزِمَهُ أنْ يَبْقى ويَتْرُكَ النَّفْرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ النَّسْخِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِهادَ إنَّما يَجِبُ عَلى مَن لَهُ المالُ والنَّفْسُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْسٌ سَلِيمَةٌ صالِحَةٌ لِلْجِهادِ، ولا مالٌ يَتَقَوّى بِهِ عَلى تَحْصِيلِ آلاتِ الجِهادِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الجِهادُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الجِهادَ يَجِبُ بِالنَّفْسِ إذا انْفَرَدَ وقَوِيَ عَلَيْهِ، وبِالمالِ إذا ضَعُفَ عَنِ الجِهادِ بِنَفْسِهِ، فَيَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ مَن عَجَزَ أنْ يُنِيبَ عَنْهُ نَفَرًا بِنَفَقَةٍ مِن عِنْدِهِ، فَيَكُونُ مُجاهِدًا بِمالِهِ لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: الجِهادُ خَيْرٌ مِنَ القُعُودِ عَنْهُ، ولا خَيْرَ في القُعُودِ عَنْهُ.
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ﴿خَيْرٍ﴾ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: بِمَعْنى هَذا خَيْرٌ مِن ذاكَ.
والثّانِي: بِمَعْنى أنَّهُ في نَفْسِهِ خَيْرٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القَصَصِ: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العادِياتِ: ٨] ويُقالُ: الثَّرِيدُ خَيْرٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ: هو خَيْرٌ في نَفْسِهِ، وقَدْ حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ المُرادُ هَذا الثّانِي، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَسْقُطُ السُّؤالُ.
الوَجْهُ الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ كَوْنُهُ خَيْرًا مِن غَيْرِهِ، إلّا أنَّ التَّقْدِيرَ: أنَّ ما يُسْتَفادُ بِالجِهادِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا يَسْتَفِيدُهُ القاعِدُ عَنْهُ مِنَ الرّاحَةِ والدَّعَةِ والتَّنَعُّمِ بِهِما، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
صفحة ٥٨
لِأنَّ ما يَحْصُلُ مِنَ الخَيْراتِ في الآخِرَةِ عَلى الجِهادِ لا يُدْرَكُ إلّا بِالتَّأمُّلِ، ولا يَعْرِفُهُ إلّا المُؤْمِنُ الَّذِي عَرَفَ بِالدَّلِيلِ أنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، وأنَّ القَوْلَ بِالثَّوابِ والعِقابِ حَقٌّ وصِدْقٌ.
التوبة 9:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَرْغِيبِهِمْ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٨] عادَ إلى تَقْرِيرِ كَوْنِهِمْ مُتَثاقِلِينَ، وبَيَّنَ أنَّ أقْوامًا، مَعَ كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعِيدِ والحَثِّ عَلى الجِهادِ، تَخَلَّفُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وبَيَّنَ أنَّهُ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: العَرَضُ ما عَرَضَ لَكَ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، يُقالُ: الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْكُلُ مِنهُ البَرُّ والفاجِرُ، قالالزَّجّاجُ: فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ كانَ المَدْعُوُّ إلَيْهِ سَفَرًا قاصِدًا، فَحُذِفَ اسْمُ﴿كانَ﴾ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ سَهْلًا قَرِيبًا، وإنَّما قِيلَ لِمِثْلِ هَذا قاصِدًا؛ لِأنَّ المُتَوَسِّطَ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، يُقالُ لَهُ: مُقْتَصِدٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطِرٍ: ٣٢] وتَحْقِيقُهُ أنَّ المُتَوَسِّطَ بَيْنَ الكَثْرَةِ والقِلَّةِ يَقْصِدُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَسُمِّيَ قاصِدًا، وتَفْسِيرُ القاصِدِ: ذُو قَصْدٍ، كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ وتامِرٌ ورابِحٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الشُّقَّةُ بُعْدُ مَسِيرِهِ إلى أرْضٍ بَعِيدَةٍ، يُقالُ: شُقَّةٌ شاقَّةٌ، والمَعْنى: بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشّاقَّةُ البَعِيدَةُ، والسَّبَبُ في هَذا الِاسْمِ أنَّهُ شَقَّ عَلى الإنْسانِ سُلُوكُها، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ: أنَّهُ قَرَأ﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ بِكَسْرِ العَيْنِ والشِّينِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، ومَعْنى الكَلامِ أنَّهُ لَوْ كانَتِ المَنافِعُ قَرِيبَةً والسَّفَرُ قَرِيبًا لاتَّبَعُوكَ طَمَعًا مِنهم في الفَوْزِ بِتِلْكَ المَنافِعِ، ولَكِنْ طالَ السَّفَرُ فَكانُوا كالآيِسِينَ مِنَ الفَوْزِ بِالغَنِيمَةِ، بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ غَزْوَ الرُّومِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَخَلَّفُوا، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إذا رَجَعَ مِنَ الجِهادِ يَجِدُهُمْ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ إمّا عِنْدَما يُعاتِبُهم بِسَبَبِ التَّخَلُّفِ، وإمّا ابْتِداءً عَلى طَرِيقَةِ إقامَةِ العُذْرِ في التَّخَلُّفِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ الكَذِبِ والنِّفاقِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأيْمانَ الكاذِبَةَ تُوجِبُ الهَلاكَ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«اليَمِينُ الغَمُوسُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ» “ .
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في قَوْلِهِمْ ما كُنّا نَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ، فَإنَّهم كانُوا مُسْتَطِيعِينَ الخُرُوجَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن كانَ قادِرًا مُتَمَكِّنًا، إذْ عَدَمُ الِاسْتِطاعَةِ عُذْرٌ في التَّخَلُّفِ.
* * *
صفحة ٥٩
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اسْتَدَلَّ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى بُطْلانِ أنَّ الِاسْتِطاعَةَ مَعَ الفِعْلِ، فَقالَ: لَوْ كانَتِ الِاسْتِطاعَةُ مَعَ الفِعْلِ لَكانَ مَن يَخْرُجُ إلى القِتالِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَطِيعًا إلى القِتالِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانُوا صادِقِينَ في قَوْلِهِمْ: ما كُنّا نَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، ولَمّا كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذا القَوْلِ، عَلِمْنا أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، واسْتَدَلَّ الكَعْبِيُّ بِهَذا الوَجْهِ أيْضًا لَهُ، وسَألَ نَفْسَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ: ما كانَ لَهم زادٌ ولا راحِلَةٌ، وما أرادُوا بِهِ نَفْسَ القُدْرَةِ.
وأجابَ: إنْ كانَ مَن لا راحِلَةَ لَهُ يُعْذَرُ في تَرْكِ الخُرُوجِ، فَمَن لا اسْتِطاعَةَ لَهُ أوْلى بِالعُذْرِ، وأيْضًا الظّاهِرُ مِنَ الِاسْتِطاعَةِ قُوَّةُ البَدَنِ دُونَ وُجُودِ المالِ، وإذا أُرِيدَ بِهِ المالُ، فَإنَّما يُرادُ؛ لِأنَّهُ يُعِينُ عَلى ما يَفْعَلُهُ الإنْسانُ بِقُوَّةِ البَدَنِ، فَلا مَعْنى لِتَرْكِ الحَقِيقَةِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
وأجابَ أصْحابُنا: بِأنَّ المُعْتَزِلَةَ سَلَّمُوا أنَّ القُدْرَةَ عَلى الفِعْلِ لا تَتَقَدَّمُ عَلى الفِعْلِ، إلّا بِوَقْتٍ واحِدٍ، فَأمّا أنْ تَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ بِأوْقاتٍ كَثِيرَةٍ فَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَإنَّ الإنْسانَ الجالِسَ في المَكانِ لا يَكُونُ قادِرًا في هَذا الزَّمانِ أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا في مَكانٍ بَعِيدٍ عَنْهُ، بَلْ إنَّما يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا في المَكانِ المُلاصِقِ لِمَكانِهِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ القُدْرَةَ عِنْدَ القَوْمِ لا تَتَقَدَّمُ الفِعْلَ إلّا بِزَمانٍ واحِدٍ، فالقَوْمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما كانُوا قادِرِينَ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، فَيَلْزَمُهم مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ألْزَمُوهُ عَلَيْنا، وعِنْدَ هَذا يَجِبُ عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ أنْ نَحْمِلَ الِاسْتِطاعَةَ عَلى الزّادِ والرّاحِلَةِ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالُوا: الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم سَيَحْلِفُونَ، وهَذا إخْبارٌ عَنْ غَيْبٍ يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، والأمْرُ لَمّا وقَعَ كَما أخْبَرَ، كانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَكانَ مُعْجِزًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
التوبة 9:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ أنَّهُ تَخَلَّفَ قَوْمٌ مِن ذَلِكَ الغَزْوِ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ التَّخَلُّفَ، كانَ بِإذْنِ الرَّسُولِ أمْ لا ؟ فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن تَخَلَّفَ بِإذْنِهِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الرَّسُولِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ والعَفْوُ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الذَّنْبِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ الإذْنَ كانَ مَعْصِيَةً وذَنْبًا.
قالَ قَتادَةُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنانِ فَعَلَهُما الرَّسُولُ، لَمْ يُؤْمَرْ بِشَيْءٍ فِيهِما، إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ الفِداءَ مِنَ الأسارى، فَعاتَبَهُ اللَّهُ كَما تَسْمَعُونَ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يُوجِبُ الذَّنْبَ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مُبالَغَةِ اللَّهِ في تَعْظِيمِهِ وتَوْقِيرِهِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ إذا كانَ مُعَظَّمًا عِنْدَهُ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ ما صَنَعْتَ في أمْرِي ؟ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، ما جَوابُكَ عَنْ كَلامِي ؟ وعافاكَ اللَّهُ ما عَرَفْتَ حَقِّي! فَلا يَكُونُ غَرَضُهُ مِن هَذا الكَلامِ، إلّا مَزِيدَ التَّبْجِيلِ والتَّعْظِيمِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ الجَهْمِ فِيما يُخاطِبُ بِهِ المُتَوَكِّلَ، وقَدْ أمَرَ بِنَفْيِهِ:
صفحة ٦٠
عَفا اللَّهُ عَنْكَ ألا حُرْمَةٌ تَعُودُ بِعَفْوِكَ أنْ أُبْعَدا
ألَمْ تَرَ عَبْدًا عَدا طَوْرَهُ ∗∗∗ ومَوْلًى عَفا ورَشِيدًا هَدى
أقِلْنِي أقالَكَ مَن لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ يَقِيكَ ويَصْرِفُ عَنْكَ الرَّدى
والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنْ نَقُولَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الإنْكارُ؛ لِأنّا نَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ صَدَرَ عَنِ الرَّسُولِ ذَنْبٌ في هَذِهِ الواقِعَةِ أوْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَنْبٌ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ، امْتَنَعَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ إنْكارًا عَلَيْهِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَفْوِ عَنْهُ، وبَعْدَ حُصُولِ العَفْوِ عَنْهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَتَوَجَّهَ الإنْكارُ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الرَّسُولِ مُذْنِبًا، وهَذا جَوابٌ شافٍ قاطِعٌ، وعِنْدَ هَذا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ عَلى تَرْكِ الأوْلى والأكْمَلِ، لا سِيَّما وهَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ مِن جِنْسِ ما يَتَعَلَّقُ بِالحُرُوبِ ومَصالِحِ الدُّنْيا.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ، كانَ يَحْكُمُ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ في بَعْضِ الوَقائِعِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحَشْرِ: ٢] أمْرٌ لِأُولِي الأبْصارِ بِالِاعْتِبارِ والِاجْتِهادِ، والرَّسُولُ كانَ سَيِّدًا لَهم، فَكانَ داخِلًا تَحْتَ هَذا الأمْرِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ الإذْنِ أوْ مَنَعَهُ عَنْهُ، أوْ ما أذِنَ لَهُ فِيهِ، وما مَنَعَهُ عَنْهُ والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا امْتَنَعَ أنْ يَقُولَ لَهُ: لِمَ أذِنْتَ لَهم، والثّانِي باطِلٌ أيْضًا؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَكَمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ فَيَلْزَمُ دُخُولُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٤٤] و﴿أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥]﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٤٧] وذَلِكَ باطِلٌ بِصَرِيحِ القَوْلِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الثّالِثُ، وهو أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ في تِلْكَ الواقِعَةِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلى الِاجْتِهادِ أوْ ما كانَ كَذَلِكَ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ حُكْمٌ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وهو باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٩] فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ في تِلْكَ الواقِعَةِ، بِناءً عَلى الِاجْتِهادِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ يَحْكُمُ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا بِأنْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ الحُكْمُ بِالِاجْتِهادِ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى مَنَعَهُ مِن هَذا الحُكْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ .
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى ما مَنَعَهُ مِن ذَلِكَ الإذْنِ مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ والحُكْمُ المَمْدُودُ إلى غايَةٍ بِكَلِمَةِ حَتّى يَجِبُ انْتِهاؤُهُ عِنْدَ حُصُولِ تِلْكَ الغايَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا.
فَإنْ قالُوا: فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ التَّبَيُّنِ هو التَّبَيُّنَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ ؟
قُلْنا: ما ذَكَرْتُمُوهُ مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّ عَلى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ يَصِيرُ تَكْلِيفُهُ أنْ لا يَحْكُمَ البَتَّةَ، وأنْ يَصْبِرَ حَتّى يَنْزِلَ الوَحْيُ ويَظْهَرَ النَّصُّ، فَلَمّا تَرَكَ ذَلِكَ، كانَ ذَلِكَ كَبِيرَةً، وعَلى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنا كانَ ذَلِكَ الخَطَأُ خَطَأً واقِعًا في الِاجْتِهادِ، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ”«ومَنِ اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ» “ فَكانَ حَمْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ أوْلى.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنِ العَجَلَةِ، ووُجُوبِ التَّثَبُّتِ والتَّأنِّي وتَرْكِ
صفحة ٦١
الِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ الأُمُورِ والمُبالَغَةِ في التَّفَحُّصِ، حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يُعامِلَ كُلَّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ التَّقْرِيبِ أوِ الإبْعادِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ قَتادَةُ: عاتَبَهُ اللَّهُ كَما تَسْمَعُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ رَخَّصَ لَهُ في سُورَةِ النُّورِ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الإذْنَ في ماذا، فَيَحْتَمِلُ أنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَأْذَنَ في القُعُودِ فَأذِنَ لَهُ، ويَحْتَمِلُ أنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَأْذَنَ في الخُرُوجِ فَأذِنَ لَهُ، مَعَ أنَّهُ ما كانَ خُرُوجُهم مَعَهُ صَوابًا؛ لِأجْلِ أنَّهم كانُوا عُيُونًا لِلْمُنافِقِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَكانُوا يُثِيرُونَ الفِتَنَ ويَبْغُونَ الغَوائِلَ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ما كانَ في خُرُوجِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ مَصْلَحَةٌ. قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلى وجْهِ الذَّمِّ لِلْمُتَخَلِّفِينَ والمَدْحِ لِلْمُبادِرِينَ، وأيْضًا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَمِّ القاعِدِينَ وبَيانِ حالِهِمْ.
التوبة 9:44
قَوْلُهُ تَعالى:( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وقالَ الباقُونَ: هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَتْ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المُنافِقِينَ؛ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مَتى أُمِرُوا بِالخُرُوجِ إلى الجِهادِ تَبادَرُوا إلَيْهِ ولَمْ يَتَوَقَّفُوا، والمُنافِقُونَ يَتَوَقَّفُونَ ويَتَبَلَّدُونَ، ويَأْتُونَ بِالعِلَلِ والأعْذارِ. وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ سَواءٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ أوِ الماضِي، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ عَلامَةَ النِّفاقِ في ذَلِكَ الِوَقْتِ الِاسْتِئْذانَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: في أنْ يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِظُهُورِهِ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إجْراءُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ آخَرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الأكابِرُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ يَقُولُونَ: لا نَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ في الجِهادِ؛ فَإنَّ رَبَّنا نَدَبَنا إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاسْتِئْذانِ ؟ وكانُوا بِحَيْثُ لَوْ أمَرَهُمُ
صفحة ٦٢
الرَّسُولُ بِالقُعُودِ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ألا تَرى «أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لَمّا أمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَبْقى في المَدِينَةِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولَمْ يَرْضَ إلى أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ: ”أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى“» .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ هاهُنا مِن إضْمارٍ آخَرَ، قالُوا: لِأنَّ تَرْكَ اسْتِئْذانِ الإمامِ في الجِهادِ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ ذَمَّهُمُ اللَّهُ في تَرْكِ هَذا الِاسْتِئْذانِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ هَؤُلاءِ في أنْ لا يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ النَّفْيِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] . والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ أنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذا الذَّمِّ إنَّما كانَ عَلى الِاسْتِئْذانِ في القُعُودِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ أنَّ هَذا الِانْتِقالَ لا يَصْدُرُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ثُمَّ لَمّا كانَ عَدَمُ الإيمانِ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الشَّكِّ فِيهِ، وقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الجَزْمِ والقَطْعِ بِعَدَمِهِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ عَدَمَ إيمانِ هَؤُلاءِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ المُرْتابَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ. وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ العِلْمَ إذا كانَ اسْتِدْلالِيًّا كانَ وُقُوعُ الشَّكِّ في الدَّلِيلِ يُوجِبُ وُقُوعَ الشَّكِّ في المَدْلُولِ، ووُقُوعُ الشَّكِّ في مُقَدِّمَةٍ واحِدَةٍ مِن مُقَدِّماتِ الدَّلِيلِ يَكْفِي في حُصُولِ الشَّكِّ في صِحَّةِ الدَّلِيلِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ الرَّجُلَ المُؤْمِنَ إذا وقَعَ لَهُ سُؤالٌ وإشْكالٌ في مُقَدِّمَةٍ مِن مُقَدِّماتِ دَلِيلِهِ أنْ يَصِيرَ شاكًّا في المَدْلُولِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَخْرُجَ المُؤْمِنُ عَنْ إيمانِهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ، بِسَبَبِ أنَّهُ خَطَرَ بِبالِهِ سُؤالٌ وإشْكالٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ بِناءَ الإيمانِ لَيْسَ عَلى الدَّلِيلِ، بَلْ عَلى التَّقْلِيدِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ الأصْلَ في الإيمانِ هو التَّقْلِيدُ مِن هَذا الوَجْهِ.
والجَوابُ: أنَّ المُسْلِمَ وإنَّ عَرَضَ لَهُ الشَّكُّ في صِحَّةِ بَعْضِ مُقَدِّماتِ دَلِيلٍ واحِدٍ إلّا أنَّ سائِرَ الدَّلائِلِ سَلِيمَةٌ عِنْدَهُ مِنَ الطَّعْنِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ بَقِيَ إيمانُهُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا.
السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّ أصْحابَكم يَقُولُونَ: إنّا نُؤْمِنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ الشَّكِّ ؟
والجَوابُ: أنّا اسْتَقْصَيْنا في تَحْقِيقِ هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ الأنْفالِ، في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٧٤] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ الكَرّامِيَّةُ: الإيمانُ هو مُجَرَّدُ الإقْرارِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى شَهِدَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهم لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّ الرَّيْبِ هو القَلْبُ فَقَطْ، ومَتى كانَ مَحَلُّ الرَّيْبِ هو القَلْبَ كانَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ والإيمانِ أيْضًا هو القَلْبَ؛ لِأنَّ مَحَلَّ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو مَحَلًّا لِلضِّدِّ الآخَرِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] . وإذا كانَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ والكُفْرِ القَلْبَ، كانَ المُثابُ والمُعاقَبُ في الحَقِيقَةِ هو القَلْبَ والبَواقِي تَكُونُ تَبَعًا لَهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّ الشّاكَّ المُرْتابَ يَبْقى مُتَرَدِّدًا بَيْنَ النَّفْيِ
صفحة ٦٣
والإثْباتِ، غَيْرَ حاكِمٍ بِأحَدِ القِسْمَيْنِ ولا جازِمٍ بِأحَدِ النَّقِيضَيْنِ. وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الِاعْتِقادَ إمّا أنْ يَكُونَ جازِمًا أوْ لا يَكُونَ، فالجازِمُ إنْ كانَ غَيْرَ مُطابِقٍ فَهو الجَهْلُ، وإنْ كانَ مُطابِقًا فَإنْ كانَ عَنْ يَقِينٍ فَهو العِلْمُ، وإلّا فَهو اعْتِقادُ المُقَلِّدِ. وإنْ كانَ غَيْرَ جازِمٍ فَإنْ كانَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ راجِحًا فالرّاجِحُ هو الظَّنُّ، والمَرْجُوحُ هو الوَهْمُ، وإنِ اعْتَدَلَ الطَّرَفانِ فَهو الرَّيْبُ والشَّكُّ، وحِينَئِذٍ يَبْقى الإنْسانُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ قُرِئَ: ”عُدَّتَهُ“، وقُرِئَ أيْضًا: ”عِدَّةً“ بِكَسْرِ العَيْنِ بِغَيْرِ إضافَةٍ وبِإضافَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ وفي زَمانٍ شَدِيدٍ، وتَرْكَهُمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ آخَرُونَ: هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا مَياسِيرَ قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ الأُهْبَةِ والعُدَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الِانْبِعاثُ: الِانْطِلاقُ في الأمْرِ، يُقالُ: بَعَثْتُ البَعِيرَ فانْبَعَثَ، وبَعَثْتُهُ لِأمْرِ كَذا فانْبَعَثَ، وبَعَثَهُ لِأمْرِ كَذا أيْ: نَفَّذَهُ فِيهِ. والتَّثْبِيطُ: رَدُّ الإنْسانِ عَنِ الفِعْلِ الَّذِي هَمَّ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى كَرِهَ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَصَرَفَهم عَنْهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَفْسَدَةً، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَصْلَحَةً.
فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مَفْسَدَةً، فَلِمَ عاتَبَ الرَّسُولَ في إذْنِهِ إيّاهم في القُعُودِ ؟ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مَصْلَحَةً، فَلِمَ قالَ: إنَّهُ تَعالى كَرِهَ انْبِعاثَهم وخُرُوجَهم ؟
والجَوابُ الصَّحِيحُ: أنَّ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ ما كانَ مَصْلَحَةً، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ وشَرَحَ تِلْكَ المَفاسِدَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] . بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَلَمّا كانَ الأصْوَبُ الأصْلَحُ أنْ لا يَخْرُجُوا، فَلِمَ عاتَبَ الرَّسُولَ في الإذْنِ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ حَكَيْنا عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في قَوْلِهِ: لِمَ أذِنْتَ لَهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ قَدْ أذِنَ لَهم في القُعُودِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوهُ في الخُرُوجِ مَعَهُ فَأذِنَ لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ يَسْقُطُ السُّؤالُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما قُلْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ كانَ مَفْسَدَةً، فَوَجَبَ حَمْلُ ذَلِكَ العِتابِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ لَهم في الخُرُوجِ مَعَهُ، وتَأكَّدَ ذَلِكَ بِسائِرِ الآياتِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] . ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ﴾ [الفتح: ١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ فَهَذا دَفْعُ هَذا السُّؤالِ عَلى طَرِيقَةِ أبِي مُسْلِمٍ.
والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ العِتابَ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ إنَّما تَوَجَّهَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ لَهم في القُعُودِ، فَنَقُولُ: ذَلِكَ العِتابُ ما كانَ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ القُعُودَ كانَ مَفْسَدَةً، بَلْ لِأجْلِ أنَّ إذْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ القُعُودِ كانَ مَفْسَدَةً، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ قَبْلَ إتْمامِ التَّفَحُّصِ، وإكْمالِ التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ .
والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ يَأْذَنُ لَهم في القُعُودِ؛ فَهم كانُوا يَقْعُدُونَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، وكانَ يَصِيرُ ذَلِكَ القُعُودُ عَلامَةً عَلى نِفاقِهِمْ، وإذا ظَهَرَ نِفاقُهُمُ احْتَرَزَ المُسْلِمُونَ مِنهم ولَمْ
صفحة ٦٤
يَغْتَرُّوا بِقَوْلِهِمْ، فَلَمّا أذِنَ الرَّسُولُ في القُعُودِ بَقِيَ نِفاقُهم مَخْفِيًّا، وفاتَتْ تِلْكَ المَصالِحُ.
والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَضِبَ عَلَيْهِمْ وقالَ: ﴿اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ عَلى سَبِيلِ الزَّجْرِ، كَما حَكاهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ . ثُمَّ إنَّهُمُ اغْتَنَمُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وقالُوا: قَدْ أذِنَ لَنا؛ فَقالَ تَعالى: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِمَ ذَكَرْتَ عِنْدَهم هَذا اللَّفْظَ الَّذِي أمْكَنَهم أنْ يَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى تَحْصِيلِ غَرَضِهِمْ.
الرّابِعُ: أنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الِاجْتِهادُ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالُوا: إنَّهُ إنَّما أذِنَ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهم لَمّا تَمَكَّنُوا مِنَ الوَحْيِ وكانَ الإقْدامُ عَلى الِاجْتِهادِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الوَحْيِ جارِيًا مَجْرى الإقْدامِ عَلى الِاجْتِهادِ مَعَ حُصُولِ النَّصِّ، فَكَما أنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ فَكَذا ذاكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ البَصْرِيَّةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما هو مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ المُرِيدِيَّةِ هو مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ الكارِهِيَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ أصْحابُنا: مَعْنى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ﴾ أرادَ عَدَمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ. قالَتِ البَصْرِيَّةُ: العَدَمُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإرادَةَ عِبارَةٌ عَنْ صِفَةٍ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ، والعَدَمُ: نَفْيٌ مَحْضٌ، وأيْضًا فالعَدَمُ المُسْتَمِرُّ لا تَعَلُّقَ لِلْإرادَةِ بِالعَدَمِ بِهِ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، وجَعْلَ العَدَمِ عَدَمًا مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِالعَدَمِ مُحالٌ، فامْتَنَعَ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الكَراهَةِ إرادَةُ العَدَمِ.
أجابَ أصْحابُنا بِأنّا نُفَسِّرُ الكَراهَةَ في حَقِّ اللَّهِ بِإرادَةِ ضِدِّ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى أرادَ مِنهُمُ السُّكُونَ، فَوَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ الإرادَةِ بِكَوْنِهِ تَعالى كارِهًا لِخُرُوجِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أيْ: فَكَسَّلَهم، وضَعَّفَ رَغْبَتَهم في الِانْبِعاثِ، وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ لا يَتِمُّ إلّا إذا صَرَّحْنا بِالحَقِّ، وهو أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي إلَيْهِ، فَإذا صارَتِ الدّاعِيَةُ فاتِرَةً مَرْجُوحَةً امْتَنَعَ صُدُورُ الفِعْلِ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ صَيْرُورَةَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ جازِمَةٌ أوْ فاتِرَةٌ، إنْ كانَتْ مِنَ العَبْدِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَتْ مِنَ اللَّهِ فَحِينَئِذٍ لَزِمَ المَقْصُودُ؛ لِأنَّ تَقْوِيَةَ الدّاعِيَةِ لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ، ومَتى حَصَلَتْ تِلْكَ التَّقْوِيَةُ لَزِمَ حُصُولُ الفِعْلِ، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُنا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى ذَمِّهِمْ وإلْحاقِهِمْ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والعاجِزِينَ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ عَلى ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا القَوْلَ مِمَّنْ كانَ ؟ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِذَلِكَ هو الشَّيْطانُ عَلى سَبِيلِ الوَسْوَسَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم قالَ ذَلِكَ لِبَعْضٍ لَمّا أرادُوا الِاجْتِماعَ عَلى التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّ مَن يَتَوَلّى الفَسادَ يُحِبُّ التَّكَثُّرَ بِأشْكالِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو الرَّسُولَ ﷺ لَمّا أذِنَ لَهم في التَّخَلُّفِ فَعاتَبَهُ اللَّهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ كَرِهَ خُرُوجَهم لِلْإفْسادِ، وكانَ المُرادُ إذا كُنْتُمْ مُفْسِدِينَ فَقَدْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَكم عَلى هَذا الوَجْهِ فَأمَرَكم بِالقُعُودِ عَنْ هَذا الخُرُوجِ المَخْصُوصِ.
التوبة 9:45
قَوْلُهُ تَعالى:( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وقالَ الباقُونَ: هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَتْ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المُنافِقِينَ؛ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مَتى أُمِرُوا بِالخُرُوجِ إلى الجِهادِ تَبادَرُوا إلَيْهِ ولَمْ يَتَوَقَّفُوا، والمُنافِقُونَ يَتَوَقَّفُونَ ويَتَبَلَّدُونَ، ويَأْتُونَ بِالعِلَلِ والأعْذارِ. وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ سَواءٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ أوِ الماضِي، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ عَلامَةَ النِّفاقِ في ذَلِكَ الِوَقْتِ الِاسْتِئْذانَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: في أنْ يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِظُهُورِهِ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إجْراءُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ آخَرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الأكابِرُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ يَقُولُونَ: لا نَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ في الجِهادِ؛ فَإنَّ رَبَّنا نَدَبَنا إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاسْتِئْذانِ ؟ وكانُوا بِحَيْثُ لَوْ أمَرَهُمُ
صفحة ٦٢
الرَّسُولُ بِالقُعُودِ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ألا تَرى «أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لَمّا أمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَبْقى في المَدِينَةِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولَمْ يَرْضَ إلى أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ: ”أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى“» .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ هاهُنا مِن إضْمارٍ آخَرَ، قالُوا: لِأنَّ تَرْكَ اسْتِئْذانِ الإمامِ في الجِهادِ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ ذَمَّهُمُ اللَّهُ في تَرْكِ هَذا الِاسْتِئْذانِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ هَؤُلاءِ في أنْ لا يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ النَّفْيِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] . والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ أنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذا الذَّمِّ إنَّما كانَ عَلى الِاسْتِئْذانِ في القُعُودِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ أنَّ هَذا الِانْتِقالَ لا يَصْدُرُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ثُمَّ لَمّا كانَ عَدَمُ الإيمانِ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الشَّكِّ فِيهِ، وقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الجَزْمِ والقَطْعِ بِعَدَمِهِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ عَدَمَ إيمانِ هَؤُلاءِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ المُرْتابَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ. وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ العِلْمَ إذا كانَ اسْتِدْلالِيًّا كانَ وُقُوعُ الشَّكِّ في الدَّلِيلِ يُوجِبُ وُقُوعَ الشَّكِّ في المَدْلُولِ، ووُقُوعُ الشَّكِّ في مُقَدِّمَةٍ واحِدَةٍ مِن مُقَدِّماتِ الدَّلِيلِ يَكْفِي في حُصُولِ الشَّكِّ في صِحَّةِ الدَّلِيلِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ الرَّجُلَ المُؤْمِنَ إذا وقَعَ لَهُ سُؤالٌ وإشْكالٌ في مُقَدِّمَةٍ مِن مُقَدِّماتِ دَلِيلِهِ أنْ يَصِيرَ شاكًّا في المَدْلُولِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَخْرُجَ المُؤْمِنُ عَنْ إيمانِهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ، بِسَبَبِ أنَّهُ خَطَرَ بِبالِهِ سُؤالٌ وإشْكالٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ بِناءَ الإيمانِ لَيْسَ عَلى الدَّلِيلِ، بَلْ عَلى التَّقْلِيدِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ الأصْلَ في الإيمانِ هو التَّقْلِيدُ مِن هَذا الوَجْهِ.
والجَوابُ: أنَّ المُسْلِمَ وإنَّ عَرَضَ لَهُ الشَّكُّ في صِحَّةِ بَعْضِ مُقَدِّماتِ دَلِيلٍ واحِدٍ إلّا أنَّ سائِرَ الدَّلائِلِ سَلِيمَةٌ عِنْدَهُ مِنَ الطَّعْنِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ بَقِيَ إيمانُهُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا.
السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّ أصْحابَكم يَقُولُونَ: إنّا نُؤْمِنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ الشَّكِّ ؟
والجَوابُ: أنّا اسْتَقْصَيْنا في تَحْقِيقِ هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ الأنْفالِ، في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٧٤] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ الكَرّامِيَّةُ: الإيمانُ هو مُجَرَّدُ الإقْرارِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى شَهِدَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهم لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّ الرَّيْبِ هو القَلْبُ فَقَطْ، ومَتى كانَ مَحَلُّ الرَّيْبِ هو القَلْبَ كانَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ والإيمانِ أيْضًا هو القَلْبَ؛ لِأنَّ مَحَلَّ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو مَحَلًّا لِلضِّدِّ الآخَرِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] . وإذا كانَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ والكُفْرِ القَلْبَ، كانَ المُثابُ والمُعاقَبُ في الحَقِيقَةِ هو القَلْبَ والبَواقِي تَكُونُ تَبَعًا لَهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّ الشّاكَّ المُرْتابَ يَبْقى مُتَرَدِّدًا بَيْنَ النَّفْيِ
صفحة ٦٣
والإثْباتِ، غَيْرَ حاكِمٍ بِأحَدِ القِسْمَيْنِ ولا جازِمٍ بِأحَدِ النَّقِيضَيْنِ. وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الِاعْتِقادَ إمّا أنْ يَكُونَ جازِمًا أوْ لا يَكُونَ، فالجازِمُ إنْ كانَ غَيْرَ مُطابِقٍ فَهو الجَهْلُ، وإنْ كانَ مُطابِقًا فَإنْ كانَ عَنْ يَقِينٍ فَهو العِلْمُ، وإلّا فَهو اعْتِقادُ المُقَلِّدِ. وإنْ كانَ غَيْرَ جازِمٍ فَإنْ كانَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ راجِحًا فالرّاجِحُ هو الظَّنُّ، والمَرْجُوحُ هو الوَهْمُ، وإنِ اعْتَدَلَ الطَّرَفانِ فَهو الرَّيْبُ والشَّكُّ، وحِينَئِذٍ يَبْقى الإنْسانُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ قُرِئَ: ”عُدَّتَهُ“، وقُرِئَ أيْضًا: ”عِدَّةً“ بِكَسْرِ العَيْنِ بِغَيْرِ إضافَةٍ وبِإضافَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ وفي زَمانٍ شَدِيدٍ، وتَرْكَهُمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ آخَرُونَ: هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا مَياسِيرَ قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ الأُهْبَةِ والعُدَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الِانْبِعاثُ: الِانْطِلاقُ في الأمْرِ، يُقالُ: بَعَثْتُ البَعِيرَ فانْبَعَثَ، وبَعَثْتُهُ لِأمْرِ كَذا فانْبَعَثَ، وبَعَثَهُ لِأمْرِ كَذا أيْ: نَفَّذَهُ فِيهِ. والتَّثْبِيطُ: رَدُّ الإنْسانِ عَنِ الفِعْلِ الَّذِي هَمَّ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى كَرِهَ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَصَرَفَهم عَنْهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَفْسَدَةً، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَصْلَحَةً.
فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مَفْسَدَةً، فَلِمَ عاتَبَ الرَّسُولَ في إذْنِهِ إيّاهم في القُعُودِ ؟ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مَصْلَحَةً، فَلِمَ قالَ: إنَّهُ تَعالى كَرِهَ انْبِعاثَهم وخُرُوجَهم ؟
والجَوابُ الصَّحِيحُ: أنَّ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ ما كانَ مَصْلَحَةً، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ وشَرَحَ تِلْكَ المَفاسِدَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] . بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَلَمّا كانَ الأصْوَبُ الأصْلَحُ أنْ لا يَخْرُجُوا، فَلِمَ عاتَبَ الرَّسُولَ في الإذْنِ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ حَكَيْنا عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في قَوْلِهِ: لِمَ أذِنْتَ لَهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ قَدْ أذِنَ لَهم في القُعُودِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوهُ في الخُرُوجِ مَعَهُ فَأذِنَ لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ يَسْقُطُ السُّؤالُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما قُلْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ كانَ مَفْسَدَةً، فَوَجَبَ حَمْلُ ذَلِكَ العِتابِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ لَهم في الخُرُوجِ مَعَهُ، وتَأكَّدَ ذَلِكَ بِسائِرِ الآياتِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] . ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ﴾ [الفتح: ١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ فَهَذا دَفْعُ هَذا السُّؤالِ عَلى طَرِيقَةِ أبِي مُسْلِمٍ.
والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ العِتابَ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ إنَّما تَوَجَّهَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ لَهم في القُعُودِ، فَنَقُولُ: ذَلِكَ العِتابُ ما كانَ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ القُعُودَ كانَ مَفْسَدَةً، بَلْ لِأجْلِ أنَّ إذْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ القُعُودِ كانَ مَفْسَدَةً، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ قَبْلَ إتْمامِ التَّفَحُّصِ، وإكْمالِ التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ .
والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ يَأْذَنُ لَهم في القُعُودِ؛ فَهم كانُوا يَقْعُدُونَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، وكانَ يَصِيرُ ذَلِكَ القُعُودُ عَلامَةً عَلى نِفاقِهِمْ، وإذا ظَهَرَ نِفاقُهُمُ احْتَرَزَ المُسْلِمُونَ مِنهم ولَمْ
صفحة ٦٤
يَغْتَرُّوا بِقَوْلِهِمْ، فَلَمّا أذِنَ الرَّسُولُ في القُعُودِ بَقِيَ نِفاقُهم مَخْفِيًّا، وفاتَتْ تِلْكَ المَصالِحُ.
والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَضِبَ عَلَيْهِمْ وقالَ: ﴿اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ عَلى سَبِيلِ الزَّجْرِ، كَما حَكاهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ . ثُمَّ إنَّهُمُ اغْتَنَمُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وقالُوا: قَدْ أذِنَ لَنا؛ فَقالَ تَعالى: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِمَ ذَكَرْتَ عِنْدَهم هَذا اللَّفْظَ الَّذِي أمْكَنَهم أنْ يَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى تَحْصِيلِ غَرَضِهِمْ.
الرّابِعُ: أنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الِاجْتِهادُ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالُوا: إنَّهُ إنَّما أذِنَ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهم لَمّا تَمَكَّنُوا مِنَ الوَحْيِ وكانَ الإقْدامُ عَلى الِاجْتِهادِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الوَحْيِ جارِيًا مَجْرى الإقْدامِ عَلى الِاجْتِهادِ مَعَ حُصُولِ النَّصِّ، فَكَما أنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ فَكَذا ذاكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ البَصْرِيَّةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما هو مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ المُرِيدِيَّةِ هو مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ الكارِهِيَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ أصْحابُنا: مَعْنى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ﴾ أرادَ عَدَمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ. قالَتِ البَصْرِيَّةُ: العَدَمُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإرادَةَ عِبارَةٌ عَنْ صِفَةٍ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ، والعَدَمُ: نَفْيٌ مَحْضٌ، وأيْضًا فالعَدَمُ المُسْتَمِرُّ لا تَعَلُّقَ لِلْإرادَةِ بِالعَدَمِ بِهِ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، وجَعْلَ العَدَمِ عَدَمًا مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِالعَدَمِ مُحالٌ، فامْتَنَعَ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الكَراهَةِ إرادَةُ العَدَمِ.
أجابَ أصْحابُنا بِأنّا نُفَسِّرُ الكَراهَةَ في حَقِّ اللَّهِ بِإرادَةِ ضِدِّ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى أرادَ مِنهُمُ السُّكُونَ، فَوَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ الإرادَةِ بِكَوْنِهِ تَعالى كارِهًا لِخُرُوجِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أيْ: فَكَسَّلَهم، وضَعَّفَ رَغْبَتَهم في الِانْبِعاثِ، وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ لا يَتِمُّ إلّا إذا صَرَّحْنا بِالحَقِّ، وهو أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي إلَيْهِ، فَإذا صارَتِ الدّاعِيَةُ فاتِرَةً مَرْجُوحَةً امْتَنَعَ صُدُورُ الفِعْلِ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ صَيْرُورَةَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ جازِمَةٌ أوْ فاتِرَةٌ، إنْ كانَتْ مِنَ العَبْدِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَتْ مِنَ اللَّهِ فَحِينَئِذٍ لَزِمَ المَقْصُودُ؛ لِأنَّ تَقْوِيَةَ الدّاعِيَةِ لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ، ومَتى حَصَلَتْ تِلْكَ التَّقْوِيَةُ لَزِمَ حُصُولُ الفِعْلِ، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُنا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى ذَمِّهِمْ وإلْحاقِهِمْ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والعاجِزِينَ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ عَلى ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا القَوْلَ مِمَّنْ كانَ ؟ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِذَلِكَ هو الشَّيْطانُ عَلى سَبِيلِ الوَسْوَسَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم قالَ ذَلِكَ لِبَعْضٍ لَمّا أرادُوا الِاجْتِماعَ عَلى التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّ مَن يَتَوَلّى الفَسادَ يُحِبُّ التَّكَثُّرَ بِأشْكالِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو الرَّسُولَ ﷺ لَمّا أذِنَ لَهم في التَّخَلُّفِ فَعاتَبَهُ اللَّهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ كَرِهَ خُرُوجَهم لِلْإفْسادِ، وكانَ المُرادُ إذا كُنْتُمْ مُفْسِدِينَ فَقَدْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَكم عَلى هَذا الوَجْهِ فَأمَرَكم بِالقُعُودِ عَنْ هَذا الخُرُوجِ المَخْصُوصِ.
التوبة 9:46
قَوْلُهُ تَعالى:( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وقالَ الباقُونَ: هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها ورَدَتْ في قِصَّةِ تَبُوكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المُنافِقِينَ؛ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مَتى أُمِرُوا بِالخُرُوجِ إلى الجِهادِ تَبادَرُوا إلَيْهِ ولَمْ يَتَوَقَّفُوا، والمُنافِقُونَ يَتَوَقَّفُونَ ويَتَبَلَّدُونَ، ويَأْتُونَ بِالعِلَلِ والأعْذارِ. وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ سَواءٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ أوِ الماضِي، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ عَلامَةَ النِّفاقِ في ذَلِكَ الِوَقْتِ الِاسْتِئْذانَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: في أنْ يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِظُهُورِهِ. ثُمَّ هاهُنا قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إجْراءُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ آخَرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا، وكانَ الأكابِرُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ يَقُولُونَ: لا نَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ ﷺ في الجِهادِ؛ فَإنَّ رَبَّنا نَدَبَنا إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاسْتِئْذانِ ؟ وكانُوا بِحَيْثُ لَوْ أمَرَهُمُ
صفحة ٦٢
الرَّسُولُ بِالقُعُودِ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ألا تَرى «أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لَمّا أمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَبْقى في المَدِينَةِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولَمْ يَرْضَ إلى أنْ قالَ لَهُ الرَّسُولُ: ”أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى“» .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ هاهُنا مِن إضْمارٍ آخَرَ، قالُوا: لِأنَّ تَرْكَ اسْتِئْذانِ الإمامِ في الجِهادِ غَيْرُ جائِزٍ، وهَؤُلاءِ ذَمَّهُمُ اللَّهُ في تَرْكِ هَذا الِاسْتِئْذانِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ، والتَّقْدِيرُ: لا يَسْتَأْذِنُكَ هَؤُلاءِ في أنْ لا يُجاهِدُوا، إلّا أنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ النَّفْيِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] . والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ أنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذا الذَّمِّ إنَّما كانَ عَلى الِاسْتِئْذانِ في القُعُودِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ أنَّ هَذا الِانْتِقالَ لا يَصْدُرُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ثُمَّ لَمّا كانَ عَدَمُ الإيمانِ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الشَّكِّ فِيهِ، وقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ الجَزْمِ والقَطْعِ بِعَدَمِهِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ عَدَمَ إيمانِ هَؤُلاءِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ المُرْتابَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ. وهاهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ العِلْمَ إذا كانَ اسْتِدْلالِيًّا كانَ وُقُوعُ الشَّكِّ في الدَّلِيلِ يُوجِبُ وُقُوعَ الشَّكِّ في المَدْلُولِ، ووُقُوعُ الشَّكِّ في مُقَدِّمَةٍ واحِدَةٍ مِن مُقَدِّماتِ الدَّلِيلِ يَكْفِي في حُصُولِ الشَّكِّ في صِحَّةِ الدَّلِيلِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ الرَّجُلَ المُؤْمِنَ إذا وقَعَ لَهُ سُؤالٌ وإشْكالٌ في مُقَدِّمَةٍ مِن مُقَدِّماتِ دَلِيلِهِ أنْ يَصِيرَ شاكًّا في المَدْلُولِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَخْرُجَ المُؤْمِنُ عَنْ إيمانِهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ، بِسَبَبِ أنَّهُ خَطَرَ بِبالِهِ سُؤالٌ وإشْكالٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ بِناءَ الإيمانِ لَيْسَ عَلى الدَّلِيلِ، بَلْ عَلى التَّقْلِيدِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ الأصْلَ في الإيمانِ هو التَّقْلِيدُ مِن هَذا الوَجْهِ.
والجَوابُ: أنَّ المُسْلِمَ وإنَّ عَرَضَ لَهُ الشَّكُّ في صِحَّةِ بَعْضِ مُقَدِّماتِ دَلِيلٍ واحِدٍ إلّا أنَّ سائِرَ الدَّلائِلِ سَلِيمَةٌ عِنْدَهُ مِنَ الطَّعْنِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ بَقِيَ إيمانُهُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا.
السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّ أصْحابَكم يَقُولُونَ: إنّا نُؤْمِنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ الشَّكِّ ؟
والجَوابُ: أنّا اسْتَقْصَيْنا في تَحْقِيقِ هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ الأنْفالِ، في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٧٤] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ الكَرّامِيَّةُ: الإيمانُ هو مُجَرَّدُ الإقْرارِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى شَهِدَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهم لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّ الرَّيْبِ هو القَلْبُ فَقَطْ، ومَتى كانَ مَحَلُّ الرَّيْبِ هو القَلْبَ كانَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ والإيمانِ أيْضًا هو القَلْبَ؛ لِأنَّ مَحَلَّ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو مَحَلًّا لِلضِّدِّ الآخَرِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] . وإذا كانَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ والكُفْرِ القَلْبَ، كانَ المُثابُ والمُعاقَبُ في الحَقِيقَةِ هو القَلْبَ والبَواقِي تَكُونُ تَبَعًا لَهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّ الشّاكَّ المُرْتابَ يَبْقى مُتَرَدِّدًا بَيْنَ النَّفْيِ
صفحة ٦٣
والإثْباتِ، غَيْرَ حاكِمٍ بِأحَدِ القِسْمَيْنِ ولا جازِمٍ بِأحَدِ النَّقِيضَيْنِ. وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الِاعْتِقادَ إمّا أنْ يَكُونَ جازِمًا أوْ لا يَكُونَ، فالجازِمُ إنْ كانَ غَيْرَ مُطابِقٍ فَهو الجَهْلُ، وإنْ كانَ مُطابِقًا فَإنْ كانَ عَنْ يَقِينٍ فَهو العِلْمُ، وإلّا فَهو اعْتِقادُ المُقَلِّدِ. وإنْ كانَ غَيْرَ جازِمٍ فَإنْ كانَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ راجِحًا فالرّاجِحُ هو الظَّنُّ، والمَرْجُوحُ هو الوَهْمُ، وإنِ اعْتَدَلَ الطَّرَفانِ فَهو الرَّيْبُ والشَّكُّ، وحِينَئِذٍ يَبْقى الإنْسانُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ قُرِئَ: ”عُدَّتَهُ“، وقُرِئَ أيْضًا: ”عِدَّةً“ بِكَسْرِ العَيْنِ بِغَيْرِ إضافَةٍ وبِإضافَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِنَ الزّادِ والماءِ والرّاحِلَةِ؛ لِأنَّ سَفَرَهم بَعِيدٌ وفي زَمانٍ شَدِيدٍ، وتَرْكَهُمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا التَّخَلُّفَ. وقالَ آخَرُونَ: هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا مَياسِيرَ قادِرِينَ عَلى تَحْصِيلِ الأُهْبَةِ والعُدَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الِانْبِعاثُ: الِانْطِلاقُ في الأمْرِ، يُقالُ: بَعَثْتُ البَعِيرَ فانْبَعَثَ، وبَعَثْتُهُ لِأمْرِ كَذا فانْبَعَثَ، وبَعَثَهُ لِأمْرِ كَذا أيْ: نَفَّذَهُ فِيهِ. والتَّثْبِيطُ: رَدُّ الإنْسانِ عَنِ الفِعْلِ الَّذِي هَمَّ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى كَرِهَ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَصَرَفَهم عَنْهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَفْسَدَةً، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَصْلَحَةً.
فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مَفْسَدَةً، فَلِمَ عاتَبَ الرَّسُولَ في إذْنِهِ إيّاهم في القُعُودِ ؟ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مَصْلَحَةً، فَلِمَ قالَ: إنَّهُ تَعالى كَرِهَ انْبِعاثَهم وخُرُوجَهم ؟
والجَوابُ الصَّحِيحُ: أنَّ خُرُوجَهم مَعَ الرَّسُولِ ما كانَ مَصْلَحَةً، بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ وشَرَحَ تِلْكَ المَفاسِدَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] . بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَلَمّا كانَ الأصْوَبُ الأصْلَحُ أنْ لا يَخْرُجُوا، فَلِمَ عاتَبَ الرَّسُولَ في الإذْنِ ؟ فَنَقُولُ: قَدْ حَكَيْنا عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في قَوْلِهِ: لِمَ أذِنْتَ لَهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ قَدْ أذِنَ لَهم في القُعُودِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوهُ في الخُرُوجِ مَعَهُ فَأذِنَ لَهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ يَسْقُطُ السُّؤالُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما قُلْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ كانَ مَفْسَدَةً، فَوَجَبَ حَمْلُ ذَلِكَ العِتابِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ لَهم في الخُرُوجِ مَعَهُ، وتَأكَّدَ ذَلِكَ بِسائِرِ الآياتِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] . ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ﴾ [الفتح: ١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ فَهَذا دَفْعُ هَذا السُّؤالِ عَلى طَرِيقَةِ أبِي مُسْلِمٍ.
والوَجْهُ الثّانِي مِنَ الجَوابِ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ العِتابَ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ إنَّما تَوَجَّهَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ لَهم في القُعُودِ، فَنَقُولُ: ذَلِكَ العِتابُ ما كانَ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ القُعُودَ كانَ مَفْسَدَةً، بَلْ لِأجْلِ أنَّ إذْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ القُعُودِ كانَ مَفْسَدَةً، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أذِنَ قَبْلَ إتْمامِ التَّفَحُّصِ، وإكْمالِ التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ .
والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ يَأْذَنُ لَهم في القُعُودِ؛ فَهم كانُوا يَقْعُدُونَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، وكانَ يَصِيرُ ذَلِكَ القُعُودُ عَلامَةً عَلى نِفاقِهِمْ، وإذا ظَهَرَ نِفاقُهُمُ احْتَرَزَ المُسْلِمُونَ مِنهم ولَمْ
صفحة ٦٤
يَغْتَرُّوا بِقَوْلِهِمْ، فَلَمّا أذِنَ الرَّسُولُ في القُعُودِ بَقِيَ نِفاقُهم مَخْفِيًّا، وفاتَتْ تِلْكَ المَصالِحُ.
والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَضِبَ عَلَيْهِمْ وقالَ: ﴿اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ عَلى سَبِيلِ الزَّجْرِ، كَما حَكاهُ اللَّهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ . ثُمَّ إنَّهُمُ اغْتَنَمُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وقالُوا: قَدْ أذِنَ لَنا؛ فَقالَ تَعالى: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِمَ ذَكَرْتَ عِنْدَهم هَذا اللَّفْظَ الَّذِي أمْكَنَهم أنْ يَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى تَحْصِيلِ غَرَضِهِمْ.
الرّابِعُ: أنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الِاجْتِهادُ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالُوا: إنَّهُ إنَّما أذِنَ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهم لَمّا تَمَكَّنُوا مِنَ الوَحْيِ وكانَ الإقْدامُ عَلى الِاجْتِهادِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الوَحْيِ جارِيًا مَجْرى الإقْدامِ عَلى الِاجْتِهادِ مَعَ حُصُولِ النَّصِّ، فَكَما أنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ فَكَذا ذاكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ البَصْرِيَّةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى كَما هو مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ المُرِيدِيَّةِ هو مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ الكارِهِيَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ قالَ أصْحابُنا: مَعْنى: ﴿كَرِهَ اللَّهُ﴾ أرادَ عَدَمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ. قالَتِ البَصْرِيَّةُ: العَدَمُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإرادَةَ عِبارَةٌ عَنْ صِفَةٍ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ، والعَدَمُ: نَفْيٌ مَحْضٌ، وأيْضًا فالعَدَمُ المُسْتَمِرُّ لا تَعَلُّقَ لِلْإرادَةِ بِالعَدَمِ بِهِ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، وجَعْلَ العَدَمِ عَدَمًا مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِالعَدَمِ مُحالٌ، فامْتَنَعَ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الكَراهَةِ إرادَةُ العَدَمِ.
أجابَ أصْحابُنا بِأنّا نُفَسِّرُ الكَراهَةَ في حَقِّ اللَّهِ بِإرادَةِ ضِدِّ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى أرادَ مِنهُمُ السُّكُونَ، فَوَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذِهِ الإرادَةِ بِكَوْنِهِ تَعالى كارِهًا لِخُرُوجِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أيْ: فَكَسَّلَهم، وضَعَّفَ رَغْبَتَهم في الِانْبِعاثِ، وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ لا يَتِمُّ إلّا إذا صَرَّحْنا بِالحَقِّ، وهو أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي إلَيْهِ، فَإذا صارَتِ الدّاعِيَةُ فاتِرَةً مَرْجُوحَةً امْتَنَعَ صُدُورُ الفِعْلِ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ صَيْرُورَةَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ جازِمَةٌ أوْ فاتِرَةٌ، إنْ كانَتْ مِنَ العَبْدِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَتْ مِنَ اللَّهِ فَحِينَئِذٍ لَزِمَ المَقْصُودُ؛ لِأنَّ تَقْوِيَةَ الدّاعِيَةِ لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ، ومَتى حَصَلَتْ تِلْكَ التَّقْوِيَةُ لَزِمَ حُصُولُ الفِعْلِ، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُنا في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى ذَمِّهِمْ وإلْحاقِهِمْ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والعاجِزِينَ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ عَلى ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا القَوْلَ مِمَّنْ كانَ ؟ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِذَلِكَ هو الشَّيْطانُ عَلى سَبِيلِ الوَسْوَسَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم قالَ ذَلِكَ لِبَعْضٍ لَمّا أرادُوا الِاجْتِماعَ عَلى التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّ مَن يَتَوَلّى الفَسادَ يُحِبُّ التَّكَثُّرَ بِأشْكالِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو الرَّسُولَ ﷺ لَمّا أذِنَ لَهم في التَّخَلُّفِ فَعاتَبَهُ اللَّهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ كَرِهَ خُرُوجَهم لِلْإفْسادِ، وكانَ المُرادُ إذا كُنْتُمْ مُفْسِدِينَ فَقَدْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَكم عَلى هَذا الوَجْهِ فَأمَرَكم بِالقُعُودِ عَنْ هَذا الخُرُوجِ المَخْصُوصِ.
التوبة 9:47
ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ المَفاسِدِ الحاصِلَةِ مِن خُرُوجِهِمْ، وهي ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الخَبالُ: الشَّرُّ والفَسادُ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُسَمّى العَتَهُ بِالخَبَلِ، والمَعْتُوهُ بِالمَخْبُولِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ، قالَ الكَلْبِيُّ: إلّا شَرًّا، وقالَ يَمانٌ: إلّا مَكْرًا، وقِيلَ: إلّا غَيًّا، وقالَ الضَّحّاكُ: إلّا غَدْرًا، وقِيلَ: الخَبالُ: الِاضْطِرابُ في الرَّأْيِ، وذَلِكَ بِتَزْيِينِ أمْرٍ لِقَوْمٍ وتَقْبِيحِهِ لِقَوْمٍ آخَرِينَ؛ لِيَخْتَلِفُوا وتَفْتَرِقَ كَلِمَتُهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا خَبالًا﴾ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو أنْ لا يَكُونَ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، كَقَوْلِكَ: ما زادُوكم خَيْرًا إلّا خَبالًا، وهَهُنا المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، وإذا لَمْ يُذْكَرْ وقَعَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الأعَمِّ، والعامُّ هو الشَّيْءُ، فَكانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والتَّقْدِيرُ: ما زادُوكم شَيْئًا إلّا خَبالًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ كَرِهَ انْبِعاثَهم، وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما كَرِهَ ذَلِكَ الِانْبِعاثَ؛ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى هَذا الخَبالِ والشَّرِّ والفِتْنَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَكْرَهُ الشَّرَّ والفِتْنَةَ والفَسادَ عَلى الإطْلاقِ، ولا يَرْضى إلّا بِالخَيْرِ، ولا يُرِيدُ إلّا الطّاعَةَ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ المَفاسِدِ النّاشِئَةِ مِن خُرُوجِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ وفي الإيضاعِ قَوْلانِ نَقَلَهُما الواحِدِيُّ:
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ، أنَّ الإيضاعَ حَمْلُ البَعِيرِ عَلى العَدْوِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أوْضَعَ الرَّجُلُ إذا سارَ بِنَفْسِهِ سَيْرًا حَثِيثًا. يُقالُ: وضَعَ البَعِيرُ إذا عَدا، وأوْضَعَهُ الرّاكِبُ إذا حَمَلَهُ عَلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: وضَعَتِ النّاقَةُ، وأوْضَعَ الرّاكِبُ، ورُبَّما قالُوا لِلرّاكِبِ: وضَعَ.
والقَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، وأبِي عُبَيْدٍ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أوْضَعَ الرَّجُلُ إذا سارَ بِنَفْسِهِ سَيْرًا حَثِيثًا مِن غَيْرِ أنْ يُرادَ أنَّهُ وضَعَ ناقَتَهُ، رَوى أبُو عُبَيْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفاضَ مِن عَرَفَةَ وعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وأوْضَعَ في وادِي مُحَسِّرٍ» . وقالَ لَبِيدٌ:
أُرانا مُوضِعِينَ لِحُكْمِ غَيْبٍ ونَسْخُو بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
أرادَ مُسْرِعِينَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُرِيدُ مُوضِعِينَ الإبِلَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدِ السَّيْرَ في الطَّرِيقِ. وقالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
تَبالَهْنَ بِالعُدْوانِ لَمّا عَرَفْنَنِي ∗∗∗ وقُلْنَ امْرُؤٌ باغٍ أكَلَّ وأوْضَعا
قالَ الواحِدِيُّ: والآيَةُ تَشْهَدُ لِقَوْلِ الأخْفَشِ وأبِي عُبَيْدٍ.
صفحة ٦٦
واعْلَمْ أنَّ عَلى القَوْلَيْنِ فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ السَّعْيُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِالتَّضْرِيبِ والنَّمائِمِ، فَإنِ اعْتَبَرْنا القَوْلَ الأوَّلَ كانَ المَعْنى: ولَأوْضَعُوا رَكائِبَهم بَيْنَكم، والمُرادُ الإسْراعُ بِالنَّمائِمِ؛ لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي، وإنِ اعْتَبَرْنا القَوْلَ الثّانِيَ كانَ المُرادُ أنَّهم يُسْرِعُونَ في هَذا التَّضْرِيبِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: نَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَرَأ: ”ولَأوْقَصُوا“ مِن وقَصَتِ النّاقَةُ وقْصًا إذا أسْرَعَتْ، وأوْقَصْتُها. وقُرِئَ: ”ولَأرْفَضُوا“ .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كُتِبَ في المُصْحَفِ: ”ولاأوْضَعُوا“ بِزِيادَةِ الألِفِ ؟
أجابَ صاحِبُ الكَشّافِ بِأنَّ الفَتْحَةَ كانَتْ ألِفًا قَبْلَ الخَطِّ العَرَبِيِّ، والخَطُّ العَرَبِيُّ اخْتُرِعَ قَرِيبًا مِن نُزُولِ القُرْآنِ، وقَدْ بَقِيَ مِن ذَلِكَ الألِفِ أثَرٌ في الطِّباعِ، فَكَتَبُوا صُورَةَ الهَمْزَةِ ألِفًا وفَتْحَتَها ألِفًا أُخْرى، ونَحْوُهُ: ”أوْ لاأذْبَحَنَّهُ“ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿خِلالَكُمْ﴾ أيْ: فِيما بَيْنَكم، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] . وقَوْلُهُ: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ [الإسراء: ٥] . وأصْلُهُ مِنَ الخَلَلِ، وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وجَمْعُهُ خِلالٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] . وقُرِئَ ”مِن خَلَلِهِ“ وهي مَخارِجُ مَصَبِّ القَطْرِ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: تَخَلَّلْتُ القَوْمَ إذا دَخَلْتَ بَيْنَ خَلَلِهِمْ وخِلالِهِمْ. ويُقالُ: جَلَسْنا خِلالَ بُيُوتِ الحَيِّ، وخِلالَ دُورِهِمْ أيْ: جَلَسْنا بَيْنَ البُيُوتِ، ووَسَطَ الدُّورِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ أيْ: بِالنَّمِيمَةِ والإفْسادِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ أيْ: يَبْغُونَ لَكم، وقالَ الأصْمَعِيُّ: ابْغِنِي كَذا أيْ: اطْلُبْهُ لِي، ومَعْنى ابْغِنِي وابْغِ لِي سَواءٌ، وإذا قالَ: ابْغِنِي، فَمَعْناهُ: أعِنِّي عَلى ما بَغَيْتُهُ. ومَعْنى ”الفِتْنَةِ“ هَهُنا افْتِراقُ الكَلِمَةِ وظُهُورُ التَّشْوِيشِ.
واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ هو أنَّهم لَوْ خَرَجُوا فِيهِمْ ما زادُوهم إلّا خَبالًا، والخَبالُ: هو الإفْسادُ الَّذِي يُوجِبُ اخْتِلافَ الرَّأْيِ، وهو مِن أعْظَمِ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْها في الحُرُوبِ؛ لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ الِاخْتِلافِ في الرَّأْيِ يَحْصُلُ الِانْهِزامُ والِانْكِسارُ عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم لا يَقْتَصِرُونَ عَلى ذَلِكَ، بَلْ يَمْشُونَ بَيْنَ الأكابِرِ بِالنَّمِيمَةِ، فَيَكُونُ الإفْسادُ أكْثَرَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ: فِيكم عُيُونٌ لَهم يَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ ما يَسْمَعُونَ مِنكم، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ. والثّانِي: قالَ قَتادَةُ: فِيكم مَن يَسْمَعُ كَلامَهم ويَقْبَلُ قَوْلَهم، فَإذا ألْقَوْا إلَيْهِمْ أنْواعًا مِنَ الكَلِماتِ المُوجِبَةِ لِضَعْفِ القَلْبِ قَبِلُوها، وفَتَرُوا بِسَبَبِها عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الجِهادِ كَما يَنْبَغِي.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ مَعَ قُوَّةِ دِينِهِمْ ونِيَّتِهِمْ في الجِهادِ ؟
قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ فِيمَن قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإسْلامِ أنْ يُؤَثِّرَ قَوْلُ المُنافِقِينَ فِيهِمْ، ولا يَمْتَنِعُ كَوْنُ بَعْضِ النّاسِ مَجْبُولِينَ عَلى الجُبْنِ والفَشَلِ وضَعْفِ القَلْبِ، فَيُؤَثِّرُ قَوْلُهم فِيهِمْ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ مِن أقارِبِ رُؤَساءِ المُنافِقِينَ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ بِعَيْنِ الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ يُؤَثِّرُ قَوْلُ هَؤُلاءِ الأكابِرِ مِنَ المُنافِقِينَ فِيهِمْ، ولا يَمْتَنِعُ أيْضًا أنْ يُقالَ: المُنافِقُونَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهم مَن يَقْتَصِرُ عَلى النِّفاقِ ولا يَسْعى في الأرْضِ بِالفَسادِ، ثُمَّ إنَّ الفَرِيقَ الثّانِيَ مِنَ المُنافِقِينَ يَحْمِلُونَهم عَلى السَّعْيِ بِالفَسادِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّبُهاتِ والأراجِيفِ إلَيْهِمْ.
صفحة ٦٧
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، وظَلَمُوا غَيْرَهم بِسَبَبِ أنَّهم سَعَوْا في إلْقاءِ غَيْرِهِمْ في وُجُوهِ الآفاتِ والمُخالَفاتِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
التوبة 9:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعٌ آخَرُ مِن مَكْرِ المُنافِقِينَ وخُبْثِ باطِنِهِ، فَقالَ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ واقِعَةِ تَبُوكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو أنَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وقَفُوا عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ لِيَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ ما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ، حِينَ انْصَرَفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ، وقِيلَ: طَلَبُوا صَدَّ أصْحابِكَ عَنِ الدِّينِ، ورَدَّهم إلى الكُفْرِ، وتَخْذِيلَ النّاسِ عَنْكَ. ومَعْنى الفِتْنَةِ: هو الِاخْتِلافُ المُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ بَعْدَ الأُلْفَةِ، وهو الَّذِي طَلَبَهُ المُنافِقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وسَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ تَقْلِيبُ الأمْرِ تَصْرِيفُهُ وتَرْدِيدُهُ لِأجْلِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ، يَعْنِي: اجْتَهَدُوا في الحِيلَةِ عَلَيْكَ والكَيْدِ بِكَ، يُقالُ في الرَّجُلِ المُتَصَرِّفِ في وُجُوهِ الحِيَلِ: فُلانٌ حُوَّلٌ قُلَّبٌ، أيْ: يَتَقَلَّبُ في وُجُوهِ الحِيَلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا مُواظِبِينَ عَلى وجْهِ الكَيْدِ والمَكْرِ وإثارَةِ الفِتْنَةِ، وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ حَتّى جاءَ الحَقُّ الَّذِي كانَ في حُكْمِ المَذاهِبِ، والمُرادُ مِنهُ: القُرْآنُ ودَعْوَةُ مُحَمَّدٍ،﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الَّذِي كانَ كالمَسْتُورِ؛ والمُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ: الأسْبابُ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى وجَعَلَها مُؤَثِّرَةً في قُوَّةِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿وهم كارِهُونَ﴾ . أيْ: وهم لِمَجِيءِ هَذا الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ كارِهُونَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا أثَرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ، فَإنَّهم مُنْذُ كانُوا في طَلَبِ هَذا المَكْرِ والكَيْدِ، واللَّهُ تَعالى رَدَّهُ في نَحْرِهِمْ وقَلَبَ مُرادَهم وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الماضِي، فَهَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ يُرِيدُ ائْذَنْ لِي في القُعُودِ، ولا تَفْتِنِّي بِسَبَبِ الأمْرِ بِالخُرُوجِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ، وهي الإثْمُ بِأنْ لا تَأْذَنَ لِي، فَإنَّكَ إنْ مَنَعْتَنِي مِنَ القُعُودِ وقَعَدْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ وقَعْتُ في الإثْمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، وأنْ يَكُونُوا أيْضًا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وإنْ كانَ ذَلِكَ المُنافِقُ مُنافِقًا كانَ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِقًا، وإنْ كانَ غَيْرَ قاطِعٍ بِذَلِكَ.
والثّانِي: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُلْقِنِي في الهَلاكِ؛ فَإنَّ الزَّمانَ زَمانُ شِدَّةِ الحَرِّ ولا طاقَةَ لِي بِها.
والثّالِثُ: لا تَفْتِنِّي فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي.
والرّابِعُ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ؛ فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ - يَعْنِي نِساءَ الرُّومِ - ولَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالٍ
صفحة ٦٨
فاتْرُكْنِي. وقُرِئَ: ”ولا تُفْتِنِّي“ مِن أفْتَنَهُ.﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ والمَعْنى: أنَّهم يَحْتَرِزُونَ عَنِ الوُقُوعِ في الفِتْنَةِ، وهم في الحالِ ما وقَعُوا إلّا في الفِتْنَةِ، فَإنَّ أعْظَمَ أنْواعِ الفِتْنَةِ الكُفْرُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والتَّمَرُّدُ عَنْ قَبُولِ التَّكْلِيفِ. وأيْضًا فَهم يَبْقَوْنَ خالِفِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ، خائِفِينَ مِن أنْ يَفْضَحَهُمُ اللَّهُ، ويُنْزِلَ آياتٍ في شَرْحِ نِفاقِهِمْ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ”سَقَطَ“؛ لِأنَّ لَفْظَ مَن مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى. قالَ أهْلُ المَعانِي: وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن عَصى اللَّهَ لِغَرَضٍ ما، فَإنَّهُ تَعالى يَبْطُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الغَرَضُ، ألا تَرى أنَّ القَوْمَ إنَّما اخْتارُوا القُعُودَ؛ لِئَلّا يَقَعُوا في الفِتْنَةِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم في عَيْنِ الفِتْنَةِ واقِعُونَ ساقِطُونَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قِيلَ: إنَّها تُحِيطُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: إنَّ أسْبابَ تِلْكَ الإحاطَةِ حاصِلَةٌ في الحالِ، فَكَأنَّهم في وسَطِها. وقالَ الحُكَماءُ الإسْلامِيَّةُ: إنَّهم كانُوا مَحْرُومِينَ مِن نُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وما كانُوا يَعْتَقِدُونَ لِأنْفُسِهِمْ كَمالًا وسَعادَةً سِوى الدُّنْيا وما فِيها مِنَ المالِ والجاهِ، ثُمَّ إنَّهُمُ اشْتَهَرُوا بَيْنَ النّاسِ بِالنِّفاقِ والطَّعْنِ في الدِّينِ، وقَصْدِ الرَّسُولِ بِكُلِّ سُوءٍ، وكانُوا يُشاهِدُونَ أنَّ دَوْلَةَ الإسْلامِ أبَدًا في التَّرَقِّي والِاسْتِعْلاءِ والتَّزايُدِ، وكانُوا في أشَدِّ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ؛ والحاصِلُ أنَّهم كانُوا مَحْرُومِينَ عَنْ كُلِّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَكانُوا في أشَدِّ الخَوْفِ، بِسَبَبِ الأحْوالِ العاجِلَةِ، والخَوْفُ الشَّدِيدُ مَعَ الجَهْلِ الشَّدِيدِ أعْظَمُ أنْواعِ العُقُوباتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الأحْوالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .
التوبة 9:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعٌ آخَرُ مِن مَكْرِ المُنافِقِينَ وخُبْثِ باطِنِهِ، فَقالَ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ واقِعَةِ تَبُوكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو أنَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وقَفُوا عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ لِيَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ ما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ، حِينَ انْصَرَفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ، وقِيلَ: طَلَبُوا صَدَّ أصْحابِكَ عَنِ الدِّينِ، ورَدَّهم إلى الكُفْرِ، وتَخْذِيلَ النّاسِ عَنْكَ. ومَعْنى الفِتْنَةِ: هو الِاخْتِلافُ المُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ بَعْدَ الأُلْفَةِ، وهو الَّذِي طَلَبَهُ المُنافِقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وسَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ تَقْلِيبُ الأمْرِ تَصْرِيفُهُ وتَرْدِيدُهُ لِأجْلِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ، يَعْنِي: اجْتَهَدُوا في الحِيلَةِ عَلَيْكَ والكَيْدِ بِكَ، يُقالُ في الرَّجُلِ المُتَصَرِّفِ في وُجُوهِ الحِيَلِ: فُلانٌ حُوَّلٌ قُلَّبٌ، أيْ: يَتَقَلَّبُ في وُجُوهِ الحِيَلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا مُواظِبِينَ عَلى وجْهِ الكَيْدِ والمَكْرِ وإثارَةِ الفِتْنَةِ، وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ حَتّى جاءَ الحَقُّ الَّذِي كانَ في حُكْمِ المَذاهِبِ، والمُرادُ مِنهُ: القُرْآنُ ودَعْوَةُ مُحَمَّدٍ،﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الَّذِي كانَ كالمَسْتُورِ؛ والمُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ: الأسْبابُ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى وجَعَلَها مُؤَثِّرَةً في قُوَّةِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿وهم كارِهُونَ﴾ . أيْ: وهم لِمَجِيءِ هَذا الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ كارِهُونَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا أثَرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ، فَإنَّهم مُنْذُ كانُوا في طَلَبِ هَذا المَكْرِ والكَيْدِ، واللَّهُ تَعالى رَدَّهُ في نَحْرِهِمْ وقَلَبَ مُرادَهم وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الماضِي، فَهَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ يُرِيدُ ائْذَنْ لِي في القُعُودِ، ولا تَفْتِنِّي بِسَبَبِ الأمْرِ بِالخُرُوجِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ، وهي الإثْمُ بِأنْ لا تَأْذَنَ لِي، فَإنَّكَ إنْ مَنَعْتَنِي مِنَ القُعُودِ وقَعَدْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ وقَعْتُ في الإثْمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، وأنْ يَكُونُوا أيْضًا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وإنْ كانَ ذَلِكَ المُنافِقُ مُنافِقًا كانَ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِقًا، وإنْ كانَ غَيْرَ قاطِعٍ بِذَلِكَ.
والثّانِي: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُلْقِنِي في الهَلاكِ؛ فَإنَّ الزَّمانَ زَمانُ شِدَّةِ الحَرِّ ولا طاقَةَ لِي بِها.
والثّالِثُ: لا تَفْتِنِّي فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي.
والرّابِعُ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ؛ فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ - يَعْنِي نِساءَ الرُّومِ - ولَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالٍ
صفحة ٦٨
فاتْرُكْنِي. وقُرِئَ: ”ولا تُفْتِنِّي“ مِن أفْتَنَهُ.﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ والمَعْنى: أنَّهم يَحْتَرِزُونَ عَنِ الوُقُوعِ في الفِتْنَةِ، وهم في الحالِ ما وقَعُوا إلّا في الفِتْنَةِ، فَإنَّ أعْظَمَ أنْواعِ الفِتْنَةِ الكُفْرُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والتَّمَرُّدُ عَنْ قَبُولِ التَّكْلِيفِ. وأيْضًا فَهم يَبْقَوْنَ خالِفِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ، خائِفِينَ مِن أنْ يَفْضَحَهُمُ اللَّهُ، ويُنْزِلَ آياتٍ في شَرْحِ نِفاقِهِمْ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ”سَقَطَ“؛ لِأنَّ لَفْظَ مَن مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى. قالَ أهْلُ المَعانِي: وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن عَصى اللَّهَ لِغَرَضٍ ما، فَإنَّهُ تَعالى يَبْطُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الغَرَضُ، ألا تَرى أنَّ القَوْمَ إنَّما اخْتارُوا القُعُودَ؛ لِئَلّا يَقَعُوا في الفِتْنَةِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم في عَيْنِ الفِتْنَةِ واقِعُونَ ساقِطُونَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قِيلَ: إنَّها تُحِيطُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: إنَّ أسْبابَ تِلْكَ الإحاطَةِ حاصِلَةٌ في الحالِ، فَكَأنَّهم في وسَطِها. وقالَ الحُكَماءُ الإسْلامِيَّةُ: إنَّهم كانُوا مَحْرُومِينَ مِن نُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وما كانُوا يَعْتَقِدُونَ لِأنْفُسِهِمْ كَمالًا وسَعادَةً سِوى الدُّنْيا وما فِيها مِنَ المالِ والجاهِ، ثُمَّ إنَّهُمُ اشْتَهَرُوا بَيْنَ النّاسِ بِالنِّفاقِ والطَّعْنِ في الدِّينِ، وقَصْدِ الرَّسُولِ بِكُلِّ سُوءٍ، وكانُوا يُشاهِدُونَ أنَّ دَوْلَةَ الإسْلامِ أبَدًا في التَّرَقِّي والِاسْتِعْلاءِ والتَّزايُدِ، وكانُوا في أشَدِّ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ؛ والحاصِلُ أنَّهم كانُوا مَحْرُومِينَ عَنْ كُلِّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَكانُوا في أشَدِّ الخَوْفِ، بِسَبَبِ الأحْوالِ العاجِلَةِ، والخَوْفُ الشَّدِيدُ مَعَ الجَهْلِ الشَّدِيدِ أعْظَمُ أنْواعِ العُقُوباتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الأحْوالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .
التوبة 9:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعٌ آخَرُ مِن مَكْرِ المُنافِقِينَ وخُبْثِ باطِنِهِ، فَقالَ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ واقِعَةِ تَبُوكَ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو أنَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وقَفُوا عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ لِيَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: المُرادُ ما فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَوْمَ أُحُدٍ، حِينَ انْصَرَفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ، وقِيلَ: طَلَبُوا صَدَّ أصْحابِكَ عَنِ الدِّينِ، ورَدَّهم إلى الكُفْرِ، وتَخْذِيلَ النّاسِ عَنْكَ. ومَعْنى الفِتْنَةِ: هو الِاخْتِلافُ المُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ بَعْدَ الأُلْفَةِ، وهو الَّذِي طَلَبَهُ المُنافِقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وسَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ تَقْلِيبُ الأمْرِ تَصْرِيفُهُ وتَرْدِيدُهُ لِأجْلِ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ، يَعْنِي: اجْتَهَدُوا في الحِيلَةِ عَلَيْكَ والكَيْدِ بِكَ، يُقالُ في الرَّجُلِ المُتَصَرِّفِ في وُجُوهِ الحِيَلِ: فُلانٌ حُوَّلٌ قُلَّبٌ، أيْ: يَتَقَلَّبُ في وُجُوهِ الحِيَلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا مُواظِبِينَ عَلى وجْهِ الكَيْدِ والمَكْرِ وإثارَةِ الفِتْنَةِ، وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ حَتّى جاءَ الحَقُّ الَّذِي كانَ في حُكْمِ المَذاهِبِ، والمُرادُ مِنهُ: القُرْآنُ ودَعْوَةُ مُحَمَّدٍ،﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الَّذِي كانَ كالمَسْتُورِ؛ والمُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ: الأسْبابُ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى وجَعَلَها مُؤَثِّرَةً في قُوَّةِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿وهم كارِهُونَ﴾ . أيْ: وهم لِمَجِيءِ هَذا الحَقِّ وظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ كارِهُونَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا أثَرَ لِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومُبالَغَتِهِمْ في إثارَةِ الشَّرِّ، فَإنَّهم مُنْذُ كانُوا في طَلَبِ هَذا المَكْرِ والكَيْدِ، واللَّهُ تَعالى رَدَّهُ في نَحْرِهِمْ وقَلَبَ مُرادَهم وأتى بِضِدِّ مَقْصُودِهِمْ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الماضِي، فَهَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ يُرِيدُ ائْذَنْ لِي في القُعُودِ، ولا تَفْتِنِّي بِسَبَبِ الأمْرِ بِالخُرُوجِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ، وهي الإثْمُ بِأنْ لا تَأْذَنَ لِي، فَإنَّكَ إنْ مَنَعْتَنِي مِنَ القُعُودِ وقَعَدْتُ بِغَيْرِ إذْنِكَ وقَعْتُ في الإثْمِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، وأنْ يَكُونُوا أيْضًا ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وإنْ كانَ ذَلِكَ المُنافِقُ مُنافِقًا كانَ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِقًا، وإنْ كانَ غَيْرَ قاطِعٍ بِذَلِكَ.
والثّانِي: لا تَفْتِنِّي. أيْ: لا تُلْقِنِي في الهَلاكِ؛ فَإنَّ الزَّمانَ زَمانُ شِدَّةِ الحَرِّ ولا طاقَةَ لِي بِها.
والثّالِثُ: لا تَفْتِنِّي فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي.
والرّابِعُ: قالَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ: قَدْ عَلِمَتِ الأنْصارُ أنِّي مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ؛ فَلا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ - يَعْنِي نِساءَ الرُّومِ - ولَكِنِّي أُعِينُكَ بِمالٍ
صفحة ٦٨
فاتْرُكْنِي. وقُرِئَ: ”ولا تُفْتِنِّي“ مِن أفْتَنَهُ.﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ والمَعْنى: أنَّهم يَحْتَرِزُونَ عَنِ الوُقُوعِ في الفِتْنَةِ، وهم في الحالِ ما وقَعُوا إلّا في الفِتْنَةِ، فَإنَّ أعْظَمَ أنْواعِ الفِتْنَةِ الكُفْرُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والتَّمَرُّدُ عَنْ قَبُولِ التَّكْلِيفِ. وأيْضًا فَهم يَبْقَوْنَ خالِفِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ، خائِفِينَ مِن أنْ يَفْضَحَهُمُ اللَّهُ، ويُنْزِلَ آياتٍ في شَرْحِ نِفاقِهِمْ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ”سَقَطَ“؛ لِأنَّ لَفْظَ مَن مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى. قالَ أهْلُ المَعانِي: وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن عَصى اللَّهَ لِغَرَضٍ ما، فَإنَّهُ تَعالى يَبْطُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الغَرَضُ، ألا تَرى أنَّ القَوْمَ إنَّما اخْتارُوا القُعُودَ؛ لِئَلّا يَقَعُوا في الفِتْنَةِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم في عَيْنِ الفِتْنَةِ واقِعُونَ ساقِطُونَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ قِيلَ: إنَّها تُحِيطُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: إنَّ أسْبابَ تِلْكَ الإحاطَةِ حاصِلَةٌ في الحالِ، فَكَأنَّهم في وسَطِها. وقالَ الحُكَماءُ الإسْلامِيَّةُ: إنَّهم كانُوا مَحْرُومِينَ مِن نُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وما كانُوا يَعْتَقِدُونَ لِأنْفُسِهِمْ كَمالًا وسَعادَةً سِوى الدُّنْيا وما فِيها مِنَ المالِ والجاهِ، ثُمَّ إنَّهُمُ اشْتَهَرُوا بَيْنَ النّاسِ بِالنِّفاقِ والطَّعْنِ في الدِّينِ، وقَصْدِ الرَّسُولِ بِكُلِّ سُوءٍ، وكانُوا يُشاهِدُونَ أنَّ دَوْلَةَ الإسْلامِ أبَدًا في التَّرَقِّي والِاسْتِعْلاءِ والتَّزايُدِ، وكانُوا في أشَدِّ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ؛ والحاصِلُ أنَّهم كانُوا مَحْرُومِينَ عَنْ كُلِّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَكانُوا في أشَدِّ الخَوْفِ، بِسَبَبِ الأحْوالِ العاجِلَةِ، والخَوْفُ الشَّدِيدُ مَعَ الجَهْلِ الشَّدِيدِ أعْظَمُ أنْواعِ العُقُوباتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الأحْوالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .
التوبة 9:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن كَيْدِ المُنافِقِينَ ومِن خُبْثِ بَواطِنِهِمْ، والمَعْنى: إنْ تُصِبْكَ في بَعْضِ الغَزَواتِ حَسَنَةٌ؛ سَواءً كانَ ظَفَرًا، أوْ كانَ غَنِيمَةً، أوْ كانَ انْقِيادًا لِبَعْضِ مُلُوكِ الأطْرافِ، يَسُؤْهم ذَلِكَ، وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ؛ مِن نَكْبَةٍ وشِدَّةٍ ومُصِيبَةٍ ومَكْرُوهٍ يَفْرَحُوا بِهِ، ويَقُولُوا: قَدْ أخَذْنا أمْرَنا الَّذِي نَحْنُ مَشْهُورُونَ بِهِ، وهو الحَذَرُ والتَّيَقُّظُ والعَمَلُ بِالحَزْمِ،﴿مِن قَبْلُ﴾ . أيْ: قَبْلَ ما وقَعَ، وتَوَلَّوْا عَنْ مَقامِ التَّحَدُّثِ بِذَلِكَ، والِاجْتِماعِ لَهُ إلى أهالِيهِمْ، وهم فَرِحُونَ مَسْرُورُونَ.
ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحَسَنَةَ في يَوْمِ بَدْرٍ، والمُصِيبَةَ في يَوْمِ أُحُدٍ. فَإنْ ثَبَتَ بِخَبَرٍ أنَّ هَذا هو المُرادُ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، وإلّا فالواجِبُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ حَسَنَةٍ، وعَلى كُلِّ مُصِيبَةٍ؛ إذِ المَعْلُومُ مِن حالِ المُنافِقِينَ أنَّهم في كُلِّ حَسَنَةٍ وعِنْدَ كُلِّ مُصِيبَةٍ بِالوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ هَهُنا.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ المَعْنى أنَّهُ لَنْ يُصِيبَنا خَيْرٌ ولا شَرٌّ، ولا خَوْفٌ ولا رَجاءٌ، ولا شِدَّةٌ ولا رَخاءٌ، إلّا وهو
صفحة ٦٩
مُقَدَّرٌ عَلَيْنا، مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، وكَوْنُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَعْلُومًا عِنْدَ اللَّهِ مَقْضِيًّا بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ، والمُمْكِنُ لا يَتَرَجَّحُ إلّا بِتَرْجِيحِ الواجِبِ، والمُمْكِناتُ بِأسْرِها مُنْتَهِيَةٌ إلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ.
واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ قَضاءَ اللَّهِ شامِلٌ لِكُلِّ المُحْدَثاتِ، وأنَّ تَغَيُّرَ الشَّيْءِ عَمّا قَضى اللَّهُ بِهِ مُحالٌ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، والمُمْكِنُ يَمْتَنِعُ أنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُ طَرَفَيْهِ عَلى الآخَرِ لِنَفْسِهِ؛ فَوَجَبَ انْتِهاؤُهُ إلى تَرْجِيحِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وما سِواهُ فَواجِبٌ بِإيجادِهِ وتَأْثِيرِهِ وتَكْوِينِهِ. ولِهَذا المَعْنى قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ .
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كَتَبَ جَمِيعَ الأحْوالِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَقَدْ عَلِمَها وحَكَمَ بِها، فَلَوْ وقَعَ الأمْرُ بِخِلافِها لَزِمَ انْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا والحُكْمِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، وقَدْ أطْنَبْنا في شَرْحِ هَذِهِ المُناظَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ؛ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ في فَرَحِهِمْ بِحُزْنِهِ ومَكارِهِهِ، فَأيُّ تَعَلُّقِ لِهَذا المَذْهَبِ بِذَلِكَ ؟
قُلْنا: السَّبَبُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ: ”«مَن عَلِمَ سِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ» “ فَإنَّهُ إذا عَلِمَ الإنْسانُ أنَّ الَّذِي وقَعَ امْتَنَعَ أنْ لا يَقَعَ، زالَتِ المُنازَعَةُ عَنِ النَّفْسِ، وحَصَلَ الرِّضا بِهِ.
القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ . أيْ: في عاقِبَةِ أمْرِنا مِنَ الظَّفَرِ بِالعَدُوِّ والِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ أنْ يَظْهَرَ لِلْمُنافِقِينَ أنَّ أحْوالَ الرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ وإنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً في السُّرُورِ والغَمِّ، إلّا أنَّ في العاقِبَةِ الدَّوْلَةَ لَهم، والفَتْحَ والنَّصْرَ والظَّفَرَ مِن جانِبِهِمْ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ اغْتِياظًا لِلْمُنافِقِينَ، ورَدًّا عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الفَرَحِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى إذا صِرْنا مَغْلُوبِينَ صِرْنا مُسْتَحِقِّينَ لِلْأجْرِ العَظِيمِ، والثَّوابِ الكَثِيرِ، وإنْ صِرْنا غالِبِينَ صِرْنا مُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوابِ في الآخِرَةِ، وفُزْنا بِالمالِ الكَثِيرِ والثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، صارَتْ تِلْكَ المَصائِبُ والمُحْزِناتُ في جَنْبِ هَذا الفَوْزِ بِهَذِهِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ مُتَحَمَّلَةً. وهَذِهِ الأقْوالُ وإنْ كانَتْ حَسَنَةً، إلّا أنَّ الحَقَّ الصَّحِيحَ هو الأوَّلُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ والمُرادُ بِهِ ما يَقُولُهُ أصْحابُنا أنَّهُ سُبْحانَهُ يَحْسُنُ مِنهُ التَّصَرُّفُ في العالَمِ كَيْفَ شاءَ، وأرادَ لِأجْلِ أنَّهُ مالِكٌ لَهم وخالِقٌ لَهم، ولِأنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ، فَهَذا الكَلامُ يَنْطَبِقُ عَلى ما تَقَدَّمَ؛ ولِذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى وإنْ أوْصَلَ إلى بَعْضِ عَبِيدِهِ أنْواعًا مِنَ المَصائِبِ فَإنَّهُ يَجِبُ الرِّضا بِها؛ لِأنَّهُ تَعالى مَوْلاهم وهم عَبِيدُهُ، فَحَسُنَ مِنهُ تَعالى تِلْكَ التَّصَرُّفاتُ، بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَوْلًى لَهم، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ وإنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِأحَدٍ مِنَ العَبِيدِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ، ولا أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ إلّا أنَّهُ مَعَ هَذا عَظِيمُ الرَّحْمَةِ كَثِيرُ الفَضْلِ والإحْسانِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَوَكَّلَ المُؤْمِنُ في الأصْلِ إلّا عَلَيْهِ، وأنْ يَقْطَعَ طَمَعَهُ إلّا مِن فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ حالَ المُنافِقِينَ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ وأنَّهم لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ واللَّذّاتِ العاجِلَةِ الفانِيَةِ.
التوبة 9:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ فَرَحِ المُنافِقِينَ بِمَصائِبِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا ذَهَبَ إلى الغَزْوِ، فَإنْ صارَ مَغْلُوبًا مَقْتُولًا فازَ بِالِاسْمِ الحَسَنِ في الدُّنْيا، والثَّوابِ العَظِيمِ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لِلشُّهَداءِ في الآخِرَةِ، وإنْ صارَ غالِبًا فازَ في الدُّنْيا بِالمالِ الحَلالِ والِاسْمِ الجَمِيلِ، وهي الرُّجُولِيَّةُ والشَّوْكَةُ والقُوَّةُ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ العَظِيمِ. وأمّا المُنافِقُ إذا قَعَدَ في بَيْتِهِ فَهو في الحالِ قَعَدَ في بَيْتِهِ مَذْمُومًا، مَنسُوبًا إلى الجُبْنِ والفَشَلِ وضَعْفِ القَلْبِ والقَناعَةِ بِالأُمُورِ الخَسِيسَةِ مِنَ الدُّنْيا، عَلى وجْهٍ يُشارِكُهُ فِيها النِّسْوانُ والصِّبْيانُ والعاجِزُونَ مِنَ النِّساءِ، ثُمَّ يَكُونُونَ أبَدًا خائِفِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وفي الآخِرَةِ إنْ ماتُوا فَقَدِ انْتَقَلُوا إلى العَذابِ الدّائِمِ في القِيامَةِ، وإنْ أذِنَ اللَّهُ في قَتْلِهِمْ وقَعُوا في القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، وانْتَقَلُوا مِنَ الدُّنْيا إلى عَذابِ النّارِ، فالمُنافِقُ لا يَتَرَبَّصُ بِالمُؤْمِنِ إلّا إحْدى الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في غايَةِ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ والشَّرَفِ، والمُسْلِمُ يَتَرَبَّصُ بِالمُنافِقِ إحْدى الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أعْنِي البَقاءَ في الدُّنْيا مَعَ الخِزْيِ والذُّلِّ والهَوانِ، ثُمَّ الِانْتِقالَ إلى عَذابِ القِيامَةِ، والوُقُوعُ في القَتْلِ والنَّهْبِ مَعَ الخِزْيِ والذُّلِّ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ في غايَةِ الخَساسَةِ والدَّناءَةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ بِنا إحْدى الحالَتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ﴿إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ وُقُوعَكم في إحْدى الحالَتَيْنِ الخَسِيسَتَيْنِ النّازِلَتَيْنِ.
قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: فُلانٌ يَتَرَبَّصُ بِفُلانٍ الدَّوائِرَ، إذا كانَ يَنْتَظِرُ وُقُوعَ مَكْرُوهٍ بِهِ، وهَذا قَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ. وقالَ أهْلُ المَعانِي: التَّرَبُّصُ: التَّمَسُّكُ بِما يُنْتَظَرُ بِهِ مَجِيءُ حِينِهِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: فُلانٌ يَتَرَبَّصُ بِالطَّعامِ إذا تَمَسَّكَ بِهِ إلى حِينِ زِيادَةِ سِعْرِهِ. والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا﴾ قِيلَ: مِن عِنْدِ اللَّهِ، أيْ: بِعَذابٍ يُنْزِلُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، أوْ بِأيْدِينا بِأنْ يَأْذَنَ لَنا في قَتْلِكم. وقِيلَ: بِعَذابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَتَناوَلُ عَذابَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ بِأيْدِينا القَتْلُ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانُوا مُنافِقِينَ لا يَحِلُّ قَتْلُهم مَعَ إظْهارِهِمُ الإيمانَ، فَكَيْفَ يَقُولُ تَعالى ذَلِكَ ؟
قُلْنا: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِأيْدِينا إنْ ظَهَرَ نِفاقُكم؛ لِأنَّ نِفاقَهم إذا ظَهَرَ كانُوا كَسائِرِ المُشْرِكِينَ في كَوْنِهِمْ حَرْبًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ وإنْ كانَ بِصِيغَةِ الأمْرِ، إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّهْدِيدُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] . واللَّهُ أعْلَمُ.
التوبة 9:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ .
صفحة ٧١
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ هي العَذابُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، بَيَّنَ أنَّهم وإنْ أتَوْا بِشَيْءٍ مِن أعْمالِ البِرِّ فَإنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في الآخِرَةِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ أسْبابَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مُجْتَمِعَةٌ في حَقِّهِمْ، وأنَّ أسْبابَ الرّاحَةِ والخَيْرِ زائِلَةٌ عَنْهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”كُرْهًا“ بِضَمِّ الكافِ هَهُنا، وفي النِّساءِ والأحْقافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ في الأحْقافِ بِالضَّمِّ مِنَ المَشَقَّةِ، وفي النِّساءِ والتَّوْبَةِ بِالفَتْحِ مِنَ الإكْراهِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الكافِ في جَمِيعِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ. وقِيلَ: بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ، وبِالفَتْحِ ما أُكْرِهْتَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ائْذَنْ لِي في القُعُودِ، وهَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ.
واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ وإنْ كانَ خاصًّا إلّا أنَّ الحُكَمَ عامٌّ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ أمْرٍ، إلّا أنَّ مَعْناهُ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ. والمَعْنى: سَواءٌ أنْفَقْتُمْ طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ فَلَنْ يُقْبَلَ ذَلِكَ مِنكم.
واعْلَمْ أنَّ الخَبَرَ والأمْرَ يَتَقارَبانِ، فَيَحْسُنُ إقامَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ. أمّا إقامَةُ الأمْرِ مَقامَ الخَبَرِ فَكَما هَهُنا، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] . وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] . وأمّا إقامَةُ الخَبَرِ مَقامَ الأمْرِ، فَكَقَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٨٨] . وقالَ كُثَيِّرٌ:
أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةٌ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
وقَوْلُهُ: ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ يُرِيدُ طائِعِينَ أوْ كارِهِينَ. وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: طائِعِينَ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ مُكْرَهِينَ مِن قِبَلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وسَمّى الإلْزامَ إكْراهًا؛ لِأنَّهم مُنافِقُونَ، فَكانَ إلْزامُ اللَّهِ إيّاهُمُ الإنْفاقَ شاقًّا عَلَيْهِمْ كالإكْراهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: طائِعِينَ مِن غَيْرِ إكْراهٍ مِن رُؤَسائِكم؛ لِأنَّ رُؤَساءَ أهْلِ النِّفاقِ كانُوا يَحْمِلُونَ الِاتِّباعَ عَلى الإنْفاقِ لِما يَرَوْنَ مِنَ المَصْلَحَةِ فِيهِ أوْ مُكْرَهِينَ مِن جِهَتِهِمْ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَتَقَبَّلُ تِلْكَ الأمْوالَ مِنهم، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها لا تَصِيرُ مَقْبُولَةً عِنْدَ اللَّهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ القَبُولِ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ. قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُحْبِطُ الطّاعاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ نَفَقَتَهم لا تُقْبَلُ البَتَّةَ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، ومَعْنى التَّقَبُّلِ هو الثَّوابُ والمَدْحُ، وإذا لَمْ يُتَقَبَّلْ ذَلِكَ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ لا ثَوابَ ولا مَدْحَ، فَلَمّا عَلَّلَ ذَلِكَ بِالفِسْقِ دَلَّ عَلى أنَّ الفِسْقَ يُؤَثِّرُ في إزالَةِ هَذا المَعْنى، ثُمَّ إنَّ الجُبّائِيَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِمُ المَشْهُورِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنَّ الفِسْقَ يُوجِبُ الذَّمَّ والعِقابَ الدّائِمَيْنِ، والطّاعَةَ تُوجِبُ المَدْحَ والثَّوابَ الدّائِمَيْنِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ. فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ حُصُولِ اسْتِحْقاقِهِما مُحالًا.
واعْلَمْ أنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَذْكُرَ هَذا الِاسْتِدْلالَ بَعْدَما أزالَ اللَّهُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى بِصَرِيحِ هَذا اللَّفْظِ أنَّهُ
صفحة ٧٢
لا مُؤَثِّرَ في مَنعِ قَبُولِ هَذِهِ الأعْمالِ إلّا الكُفْرُ، وعِنْدَ هَذا يَصِيرُ هَذا الكَلامُ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الفِسْقَ لا يُحْبِطُ الطّاعاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ فَكَأنَّهُ سَألَ سائِلٌ وقالَ: هَذا الحُكْمُ مُعَلَّلٌ بِعُمُومِ كَوْنِ تِلْكَ الأعْمالِ فِسْقًا، أوْ بِخُصُوصِ كَوْنِ تِلْكَ الأعْمالِ مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ الفِسْقِ. فَبَيَّنَ تَعالى بِهِ ما أزالَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ، وهو أنَّ عَدَمَ القَبُولِ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِعُمُومِ كَوْنِهِ فِسْقًا، بَلْ بِخُصُوصِ وصْفِهِ، وهو كَوْنُ ذَلِكَ الفِسْقِ كُفْرًا. فَثَبَتَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ باطِلٌ.
التوبة 9:54
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّ صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْفِسْقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ فِسْقٌ في هَذا المَنعِ، وذَلِكَ صَرِيحٌ في بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ عَلى ما لَخَّصْناهُ وبَيَّنّاهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَنعَ القَبُولِ بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وهي الكُفْرُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وعَدَمُ الإتْيانِ بِالصَّلاةِ إلّا عَلى وجْهِ الكَسَلِ، والإنْفاقُ عَلى سَبِيلِ الكَراهِيَةِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الكُفْرُ بِاللَّهِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في المَنعِ مِنَ القَبُولِ، وعِنْدَ حُصُولِ السَّبَبِ المُسْتَقِلِّ لا يَبْقى لِغَيْرِهِ أثَرٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إسْنادُ هَذا الحُكَمِ إلى السَّبَبَيْنِ الباقِيَيْنِ ؟
وجَوابُهُ: أنَّ هَذا الإشْكالَ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، حَيْثُ قالُوا: إنَّ الكُفْرَ لِكَوْنِهِ كُفْرًا يُؤَثِّرُ في هَذا الحُكْمِ، أمّا عِنْدَنا فَإنَّ شَيْئًا مِنَ الأفْعالِ لا يُوجِبُ ثَوابًا ولا عِقابًا البَتَّةَ، وإنَّما هي مُعَرِّفاتٌ، واجْتِماعُ المُعَرِّفاتِ الكَثِيرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ مُحالٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ هَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ في هَذِهِ الأحْكامِ لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْها، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ حَصَلَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ في حَقِّهِمْ، فَلَوْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُوجِبًا تامًّا لِهَذا الحُكْمِ، لَزِمَ أنْ يَجْتَمِعَ عَلى الأثَرِ الواحِدِ أسْبابٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ المَعْلُولَ يَسْتَغْنِي بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَيَلْزَمُ افْتِقارُهُ إلَيْها بِأسْرِها حالَ اسْتِغْنائِهِ عَنْها بِأسْرِها، وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِكَوْنِ هَذِهِ الأفْعالِ مُؤَثِّرَةً في هَذِهِ الأحْكامِ يُفْضِي إلى هَذا المُحالِ، فَكانَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ شَيْئًا مِن أعْمالِ البِرِّ لا يَكُونُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الكُفْرِ بِاللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] .
قُلْنا: وجَبَ أنْ يُصْرَفَ ذَلِكَ إلى تَأْثِيرِهِ في تَخْفِيفِ العِقابِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لازِمَةٌ لِلْكافِرِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى فِعْلِها عَلى وجْهِ الكَسَلِ.
صفحة ٧٣
فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُوجِبُ لِلذَّمِّ لَيْسَ هو تَرْكَ الصَّلاةِ ؟ بَلِ المُوجِبُ لِلذَّمِّ هو الإتْيانُ بِها عَلى وجْهِ الكَسَلِ جارِيًا مَجْرى سائِرِ تَصَرُّفاتِها مِن قِيامٍ وقُعُودٍ، وكَما لا يَكُونُ قُعُودُهم عَلى وجْهِ الكَسَلِ مانِعًا مِن تَقَبُّلِ طاعَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ كانَ يَجِبُ في صَلاتِهِمْ لَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَضى تَفْسِيرُ الكُسالى في سُورَةِ النِّساءِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”كُسالى“ بِالضَّمِّ والفَتْحِ جَمْعُ الكَسْلانِ؛ نَحْوُ سُكارى وحَيارى في سَكْرانَ وحَيْرانَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا الكَسَلُ مَعْناهُ أنَّهُ إنْ كانَ في جَماعَةٍ صَلّى، وإنْ كانَ وحْدَهُ لَمْ يُصَلِّ. قالَ المُصَنِّفُ: إنَّ هَذا المَعْنى إنَّما أثَّرَ في مَنعِ قَبُولِ الطّاعاتِ؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُصَلِّي طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ، وإنَّما يُصَلِّي خَوْفًا مِن مَذَمَّةِ النّاسِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الكُفْرِ. أمّا لَمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِالكُفْرِ، دَلَّ عَلى أنَّ الكَسَلَ إنَّما كانَ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم لا يُنْفِقُونَ لِغَرَضِ الطّاعَةِ، بَلْ رِعايَةً لِلْمَصْلَحَةِ الظّاهِرَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ الإنْفاقَ مَغْرَمًا وضَيْعَةً بَيْنَهم، وهَذا يُوجِبُ أنْ تَكُونَ النَّفْسُ طَيِّبَةً عِنْدَ أداءِ الزَّكاةِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ المُنافِقِينَ بِكَراهَتِهِمُ الإنْفاقَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أدُّوا زَكاةَ أمْوالِكم طَيِّبَةً بِها نُفُوسُكم» “؛ فَإنْ أدّاها وهو كارِهٌ لِذَلِكَ كانَ مِن عَلاماتِ الكُفْرِ والنِّفاقِ. قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حاصِلُ هَذِهِ المَباحِثِ يَدُلُّ عَلى أنَّ رُوحَ الطّاعاتِ الإتْيانُ بِها لِغَرَضِ العُبُودِيَّةِ والِانْقِيادِ في الطّاعَةِ، فَإنْ لَمْ يُؤْتَ بِها لِهَذا الغَرَضِ، فَلا فائِدَةَ فِيهِ، بَلْ رُبَّما صارَتْ وبالًا عَلى صاحِبِها.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”أنْ يُقْبَلَ“ بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ. وجْهُ الأوَّلَيْنِ: أنَّ النَّفَقاتِ في مَعْنى الإنْفاقِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . ووَجْهُ مَن قَرَأ بِالتَّأْنِيثِ: أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى مُؤَنَّثٍ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”نَفَقاتُهم“ و”نَفَقَتُهم“ عَلى الجَمْعِ والتَّوْحِيدِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: ”أنْ يَقْبَلَ مِنهم نَفَقاتِهِمْ“ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
التوبة 9:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَطَعَ في الآيَةِ الأُولى رَجاءَ المُنافِقِينَ عَنْ جَمِيعِ مَنافِعِ الآخِرَةِ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي يَظُنُّونَها مِن بابِ المَنافِعِ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَها أسْبابَ تَعْظِيمِهِمْ في الدُّنْيا، وأسْبابَ اجْتِماعِ المِحَنِ والآفاتِ عَلَيْهِمْ، ومَن تَأمَّلَ في هَذِهِ الآياتِ عَرَفَ أنَّها مُرَتَّبَةٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ؛ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ قَبائِحَ أفْعالِهِمْ وفَضائِحَ أعْمالِهِمْ، بَيَّنَ ما لَهم في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ وما لَهم في الدُّنْيا مِن وُجُوهِ المِحْنَةِ والبَلِيَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ ما يَفْعَلُونَهُ مِن أعْمالِ البِرِّ لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ البَتَّةَ. ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ما يَظُنُّونَ أنَّهُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا فَهو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِعَذابِهِمْ وبَلائِهِمْ وتَشْدِيدِ المِحْنَةِ عَلَيْهِمْ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ
صفحة ٧٤
أنَّ النِّفاقَ جالِبٌ لِجَمِيعِ الآفاتِ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومُبْطِلٌ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وإذا وقَفَ الإنْسانُ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ عَرَفَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَرْتِيبُ الكَلامِ عَلى وجْهٍ أحْسَنَ مِن هَذا. ومِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقُ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الخِطابُ، وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مُخْتَصًّا بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ تَعْجَبُوا بِأمْوالِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ، ولا بِأوْلادِهِمْ ولا بِسائِرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] الآيَةَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإعْجابُ: السُّرُورُ بِالشَّيْءِ مَعَ نَوْعِ الِافْتِخارِ بِهِ، ومَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُساوِيهِ، وهَذِهِ الحالَةُ تَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ النَّفْسِ في ذَلِكَ الشَّيْءِ وانْقِطاعِها عَنِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ في حُكْمِ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ ذَلِكَ الشَّيْءَ عَنْ ذَلِكَ الإنْسانِ ويَجْعَلَهُ لِغَيْرِهِ، والإنْسانُ مَتى كانَ مُتَذَكِّرًا لِهَذا المَعْنى زالَ إعْجابُهُ بِالشَّيْءِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”ثَلاثٌ مُهْلِكاتٌ؛ شُحٌّ مُطاعٌ، وهَوًى مُتَّبَعٌ، وإعْجابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ“» وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: «”هَلَكَ المُكْثِرُونَ“»، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”ما لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ“» . وذَكَرَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ورَفَعَهُ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”مَن كَثُرَ مالُهُ اشْتَدَّ حِسابُهُ، ومَن كَثُرَ بَيْعُهُ كَثُرَتْ شَياطِينُهُ، ومَنِ ازْدادَ مِنَ السُّلْطانِ قُرْبًا ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا“» . والأخْبارُ المُناسِبَةُ لِهَذا البابِ كَثِيرَةٌ، والمَقْصُودُ مِنها الزَّجْرُ عَنِ الِارْتِكانِ إلى الدُّنْيا، والمَنعُ مِنَ التَّهالُكِ في حُبِّها والِافْتِخارِ بِها.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المَوْجُوداتُ بِحَسَبِ القِسْمَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: الأوَّلُ: الَّذِي يَكُونُ أزَلِيًّا أبَدِيًّا، وهو اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ، والثّانِي: الَّذِي لا يَكُونُ أزَلِيًّا ولا أبَدِيًّا وهو الدُّنْيا. والثّالِثُ: الَّذِي يَكُونُ أزَلِيًّا ولا يَكُونُ أبَدِيًّا، وهَذا مُحالُ الوُجُودِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ ما ثَبَتَ قِدَمُهُ امْتَنَعَ عَدَمُهُ. والرّابِعُ: الَّذِي يَكُونُ أبَدِيًّا ولا يَكُونُ أزَلِيًّا، وهو الآخِرَةُ وجَمِيعُ المُكَلَّفِينَ؛ فَإنَّ الآخِرَةَ لَها أوَّلٌ لَكِنْ لا آخِرَ لَها، وكَذَلِكَ المُكَلَّفُ سَواءً كانَ مُطِيعًا أوْ كانَ عاصِيًا فَلِحَياتِهِ أوَّلٌ، ولا آخِرَ لَها.
وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ أنَّ المُناسَبَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَ الإنْسانِ المُكَلَّفِ وبَيْنَ الآخِرَةِ أشَدُّ مِنَ المُناسَبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الدُّنْيا، ويَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُ خُلِقَ لِلْآخِرَةِ لا لِلدُّنْيا، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَشْتَدَّ عَجَبُهُ بِالدُّنْيا، وأنْ لا يَمِيلَ قَلْبُهُ إلَيْها؛ فَإنَّ المَسْكَنَ الأصْلِيَّ لَهُ هو الآخِرَةُ لا الدُّنْيا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ النَّحْوِيُّونَ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُمْلِيَ لَهم فِيها لِيُعَذِّبَهم، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ هَذا اللّامُ بِمَعْنى ”أنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] . أيْ: أنْ يُبَيِّنَ لَكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. والتَّقْدِيرُ: فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ. وقالَ القاضِي: وهَهُنا سُؤالانِ: الأوَّلُ: وهو أنْ يُقالَ: المالُ والوَلَدُ لا يَكُونانِ عَذابًا، بَلْ هُما مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الَّتِي مَنَّ اللَّهُ بِها عَلى عِبادِهِ، فَعِنْدَ هَذا التَزَمَ هَؤُلاءِ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ، إلّا أنَّ هَذا الِالتِزامَ لا يَدْفَعُ هَذا السُّؤالَ؛ لِأنَّهُ يُقالُ بَعْدَ هَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ،
صفحة ٧٥
فَكَيْفَ يَكُونُ المالُ والوَلَدُ عَذابًا ؟ فَلا بُدَّ لَهم مِن تَقْدِيرِ حَذْفٍ في الكَلامِ بِأنْ يَقُولُوا: أرادَ التَّعْذِيبَ بِها مِن حَيْثُ كانَتْ سَبَبًا لِلْعَذابِ، وإذا قالُوا ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَغْنَوْا عَنِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ لِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا مِن حَيْثُ كانَتْ سَبَبًا لِلْعَذابِ، وأيْضًا فَلَوْ أنَّهُ قالَ: ”فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا“ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الزِّيادَةِ كَثِيرُ فائِدَةٍ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الإعْجابَ بِالمالِ والوَلَدِ لا يَكُونُ إلّا في الدُّنْيا، ولَيْسَ كَذَلِكَ حالُ العَذابِ؛ فَإنَّها قَدْ تَكُونُ في الدُّنْيا كَما تَكُونُ في الآخِرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِهَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأمْوالُ والأوْلادُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلْعَذابِ في الدُّنْيا، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلْعَذابِ في الآخِرَةِ. أمّا كَوْنُها سَبَبًا لِلْعَذابِ في الدُّنْيا فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن كانَ حُبُّهُ لِلشَّيْءِ أشَدَّ وأقْوى، كانَ حُزْنُهُ وتَألُّمُ قَلْبِهِ عَلى فَواتِهِ أعْظَمَ وأصْعَبَ، وكانَ خَوْفُهُ عَلى فَواتِهِ أشَدَّ وأصْعَبَ، فالَّذِينَ حَصَلَتْ لَهُمُ الأمْوالُ الكَثِيرَةُ والأوْلادُ إنْ كانَتْ تِلْكَ الأشْياءُ باقِيَةً عِنْدَهم كانُوا في ألَمِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ مِن فَواتِها، وإنْ فاتَتْ وهَلَكَتْ كانُوا في ألَمِ الحُزْنِ الشَّدِيدِ بِسَبَبِ فَواتِها. فَثَبَتَ أنَّهُ بِحُصُولِ مُوجِباتِ السِّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ لا يَنْفَكُّ عَنْ تِلْكَ القَلْبُ؛ إمّا بِسَبَبِ خَوْفِ فَواتِها، وإمّا بِسَبَبِ الحُزْنِ مِن وُقُوعِ فَواتِها.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ يُحْتاجُ في اكْتِسابِها وتَحْصِيلِها إلى تَعَبٍ شَدِيدٍ ومَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، ثُمَّ عِنْدَ حُصُولِها يَحْتاجُ إلى مَتاعِبَ أشَدَّ وأشَقَّ وأصْعَبَ وأعْظَمَ في حِفْظِها، فَكانَ حِفْظُ المالِ بَعْدَ حُصُولِهِ أصْعَبَ مِنِ اكْتِسابِهِ، فالمَشْغُوفُ بِالمالِ والوَلَدِ أبَدًا يَكُونُ في تَعَبِ الحِفْظِ والصَّوْنِ عَنِ الهَلاكِ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَنْتَفِعُ إلّا بِالقَلِيلِ مِن تِلْكَ الأمْوالِ، فالتَّعَبُ كَثِيرٌ والنَّفْعُ قَلِيلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ إذا عَظُمَ حُبُّهُ لِهَذِهِ الأمْوالِ والأوْلادِ، فَإمّا أنْ تَبْقى عَلَيْهِ هَذِهِ الأمْوالُ والأوْلادُ إلى آخِرِ عُمُرِهِ أوْ لا تَبْقى، بَلْ تَهْلِكُ وتَبْطُلُ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ، فَعِنْدَ المَوْتِ يَعْظُمُ حُزْنُهُ وتَشْتَدُّ حَسْرَتُهُ؛ لِأنَّ مُفارَقَةَ المَحْبُوبِ شَدِيدَةٌ، وتَرْكَ المَحْبُوبِ أشَدُّ وأشَقُّ، وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ تَهْلِكُ وتَبْطُلُ حالَ حَياةِ الإنْسانِ عَظُمَ أسَفُهُ عَلَيْها، واشْتَدَّ تَألُّمُ قَلْبِهِ بِسَبَبِها، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الأمْوالِ والأوْلادِ سَبَبٌ لِحُصُولِ العَذابِ في الدُّنْيا.
الرّابِعُ: أنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، والحَواسُّ مائِلَةٌ إلَيْها، فَإذا كَثُرَتْ وتَوالَتِ اسْتَغْرَقْتَ فِيها وانْصَرَفَتِ النَّفْسُ بِكُلِّيَّتِها إلَيْها، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحِرْمانِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِهِ نَوْعُ قَسْوَةٍ وقُوَّةٍ وقَهْرٍ، وكُلَّما كانَ المالُ والجاهُ أكْثَرَ، كانَتْ تِلْكَ القَسْوَةُ أقْوى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] . فَظَهَرَ أنَّ كَثْرَةَ الأمْوالِ والأوْلادِ سَبَبٌ قَوِيٌّ في زَوالِ حُبِّ اللَّهِ وحُبِّ الآخِرَةِ عَنِ القَلْبِ، وفي حُصُولِ حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها في القَلْبِ، فَعِنْدَ المَوْتِ كَأنَّ الإنْسانَ يَنْتَقِلُ مِنَ البُسْتانِ إلى السِّجْنِ، ومِنَ مُجالَسَةِ الأقْرِباءِ والأحِبّاءِ إلى مَوْضِعِ الكُرْبَةِ والغُرْبَةِ، فَيَعْظُمُ تَألُّمُهُ وتَقْوى حَسْرَتُهُ، ثُمَّ عِنْدَ الحَشْرِ حَلالُها حِسابٌ، وحَرامُها عِقابٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَثْرَةَ الأمْوالِ والأوْلادِ سَبَبٌ لِحُصُولِ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا المَعْنى حاصِلٌ لِلْكُلِّ، فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِهَذا العَذابِ ؟
قُلْنا: المُنافِقُونَ مَخْصُوصُونَ بِزِياداتٍ في هَذا البابِ:
أحَدُها: أنَّ الرَّجُلَ إذا آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ عَلِمَ أنَّهُ خُلِقَ لِلْآخِرَةِ لا لِلدُّنْيا، فَبِهَذا العِلْمِ يَفْتُرُ حُبُّهُ لِلدُّنْيا، وأمّا المُنافِقُ لَمّا اعْتَقَدَ أنَّهُ لا سَعادَةَ إلّا في هَذِهِ الخَيْراتِ العاجِلَةِ عَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيها، واشْتَدَّ حُبُّهُ لَها، وكانَتِ الآلامُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ فَواتِها أكْثَرَ في حَقِّهِ،
صفحة ٧٦
وتَقْوى عِنْدَ قُرْبِ المَوْتِ وظُهُورِ عَلاماتِهِ، فَهَذا النَّوْعُ مِنَ العَذابِ حاصِلٌ لَهم في الدُّنْيا بِسَبَبِ حُبِّ الأمْوالِ والأوْلادِ.
وثانِيها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُكَلِّفُهم إنْفاقَ تِلْكَ الأمْوالِ في وُجُوهِ الخَيْراتِ، ويُكَلِّفُهم إرْسالَ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ إلى الجِهادِ والغَزْوِ، وذَلِكَ يُوجِبُ تَعْرِيضَ أوْلادِهِمْ لِلْقَتْلِ، والقَوْمُ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِصادِقٍ في كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ إنْفاقَ تِلْكَ الأمْوالِ تَضْيِيعٌ لَها مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وأنَّ تَعْرِيضَ أوْلادِهِمْ لِلْقَتْلِ التِزامٌ لِهَذا المَكْرُوهِ الشَّدِيدِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا أشَقُّ عَلى القَلْبِ جِدًّا، فَهَذِهِ الزِّيادَةُ مِنَ التَّعْذِيبِ كانَتْ حاصِلَةً لِلْمُنافِقِينَ.
وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يُبْغِضُونَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقُلُوبِهِمْ، ثُمَّ كانُوا يَحْتاجُونَ إلى بَذْلِ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ ونُفُوسِهِمْ في خِدْمَتِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ شاقَّةٌ شَدِيدَةٌ.
ورابِعُها: أنَّهم كانُوا خائِفِينَ مِن أنْ يَفْتَضِحُوا ويَظْهَرَ نِفاقُهم وكُفْرُهم ظُهُورًا تامًّا، فَيَصِيرُونَ أمْثالَ سائِرِ أهْلِ الحَرْبِ مِنَ الكُفّارِ، وحِينَئِذٍ يَتَعَرَّضُ الرَّسُولُ لَهم بِالقَتْلِ، وسَبْيِ الأوْلادِ ونَهْبِ الأمْوالِ، وكُلَّما نَزَلَتْ آيَةٌ خافُوا مِن ظُهُورِ الفَضِيحَةِ، وكُلَّما دَعاهُمُ الرَّسُولُ خافُوا مِن أنَّهُ رُبَّما وقَفَ عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ مَكْرِهِمْ وخُبْثِهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ تَألُّمَ القَلْبِ ومَزِيدَ العَذابِ.
وخامِسُها: أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُنافِقِينَ كانَ لَهم أوْلادٌ أتْقِياءُ، كَحَنْظَلَةَ بْنِ أبِي عامِرٍ غَسَّلَتْهُ المَلائِكَةُ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، شَهِدَ بَدْرًا وكانَ مِنَ اللَّهِ بِمَكانٍ، وهم خَلْقٌ كَثِيرٌ مُبَرَّؤُونَ عَنِ النِّفاقِ، وهم كانُوا لا يَرْتَضُونَ طَرِيقَةَ آبائِهِمْ في النِّفاقِ، ويَقْدَحُونَ فِيهِمْ، ويَعْتَرِضُونَ عَلَيْهِمْ، والِابْنُ إذا صارَ هَكَذا عَظُمَ تَأذِّي الأبِ بِهِ واسْتِيحاشُهُ مِنهُ، فَصارَ حُصُولُ تِلْكَ الأوْلادِ سَبَبًا لِعَذابِهِمْ.
وسادِسُها: أنَّ فُقَراءَ الصَّحابَةِ وضِعافَهم كانُوا يَذْهَبُونَ في خِدْمَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الغَزَواتِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ مَعَ الِاسْمِ الشَّرِيفِ والثَّناءِ العَظِيمِ والفَوْزِ بِالغَنائِمِ، وهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مَعَ الأمْوالِ الكَثِيرَةِ والأوْلادِ الأقْوِياءِ، كانُوا يَبْقَوْنَ في زَوايا بُيُوتِهِمْ أشْباهَ الزَّمْنى والضُّعَفاءِ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ إنَّ الخَلْقَ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ بِعَيْنِ المَقْتِ والِازْدِراءِ والسِّمَةِ بِالنِّفاقِ، وكَأنَّ كَثْرَةَ الأمْوالِ والأوْلادِ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذِهِ الأحْوالِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ كَثْرَةَ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ صارَتْ سَبَبًا لِمَزِيدِ العَذابِ في الدُّنْيا في حَقِّهِمْ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في إثْباتِ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ فَهو مُرادُ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ قالُوا: لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ إزْهاقَ أنْفُسِهِمْ مَعَ الكُفْرِ، ومَن أرادَ ذَلِكَ فَقَدْ أرادَ الكُفْرَ.
أجابَ الجُبّائِيُّ فَقالَ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى أرادَ إزْهاقَ أنْفُسِهِمْ حالَ ما كانُوا كافِرِينَ، وهَذا لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى مُرِيدًا لِلْكُفْرِ، ألا تَرى أنَّ المَرِيضَ قَدْ يَقُولُ لِلطَّبِيبِ: أُرِيدُ أنْ تَدْخُلَ عَلَيَّ في وقْتِ مَرَضِي، فَهَذِهِ الإرادَةُ لا تُوجِبُ كَوْنَهُ مُرِيدًا لِمَرَضِ نَفْسِهِ، وقَدْ يَقُولُ لِلطَّبِيبِ: أُرِيدُ أنْ تُطَيِّبَ جِراحَتِي، وهَذا لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِحُصُولِ تِلْكَ الجِراحَةِ، وقَدْ يَقُولُ السُّلْطانُ لِعَسْكَرِهِ: اقْتُلُوا البُغاةَ حالَ إقْدامِهِمْ عَلى الحَرْبِ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُرِيدًا لِذَلِكَ الحَرْبِ، فَكَذا هَهُنا.
والجَوابُ: أنَّ الَّذِي قالَهُ تَمْوِيهٌ عَجِيبٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَمِيعَ الأمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَها حاصِلُها يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ يُرِيدُ إزالَةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإذا قالَ المَرِيضُ لِلطَّبِيبِ: أُرِيدُ أنْ تَدْخُلَ عَلَيَّ في وقْتِ مَرَضِي، كانَ مَعْناهُ: أُرِيدُ أنْ تَسْعى في إزالَةِ مَرَضِي، وإذا قالَ لَهُ: أُرِيدُ أنْ تُطَيِّبَ جِراحَتِي كانَ مَعْناهُ: أُرِيدُ أنْ تُزِيلَ عَنِّي هَذِهِ الجِراحَةَ، وإذا قالَ السُّلْطانُ: اقْتُلُوا البُغاةَ حالَ إقْدامِهِمْ عَلى الحَرْبِ، كانَ مَعْناهُ طَلَبَ إزالَةِ تِلْكَ
صفحة ٧٧
المُحارَبَةِ وإبْطالِها وإعْدامِها، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ والمَطْلُوبَ في كُلِّ هَذِهِ الأمْثِلَةِ إعْدامُ ذَلِكَ الشَّيْءِ وإزالَتُهُ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ وجُودُهُ مُرادًا، بِخِلافِ هَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ إزْهاقَ نَفْسِ الكافِرِ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ إزالَةِ كُفْرِهِ، ولَيْسَ أيْضًا مُسْتَلْزِمًا لِتِلْكَ الإزالَةِ، بَلْ هُما أمْرانِ مُتَناسِبانِ، ولا مُنافاةَ بَيْنَهُما البَتَّةَ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أرادَ إزْهاقَ أنْفُسِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ كافِرِينَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِكَوْنِهِمْ كافِرِينَ حالَ حُصُولِ ذَلِكَ الإزْهاقِ، كَما أنَّهُ لَوْ قالَ: أُرِيدُ أنْ ألْقى فُلانًا حالَ كَوْنِهِ في الدّارِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَدْ أرادَ كَوْنَهُ في الدّارِ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ في هَذا التَّقْدِيرِ: أنَّ الإزْهاقَ في حالِ الكُفْرِ يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ إلّا حالَ حُصُولِ الكُفْرِ، ومُرِيدُ الشَّيْءِ مُرِيدٌ لِما هو مِن ضَرُوراتِهِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ الإزْهاقَ حالَ الكُفْرِ، وثَبَتَ أنَّ مَن أرادَ شَيْئًا فَقَدْ أرادَ جَمِيعَ ما هو مِن ضَرُوراتِهِ، لَزِمَ كَوْنُهُ تَعالى مُرِيدًا لِذَلِكَ الكُفْرِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْثِلَةَ الَّتِي أوْرَدَها الجُبّائِيُّ مَحْضُ التَّمْوِيهِ.
التوبة 9:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهم مُسْتَجْمِعِينَ لِكُلِّ مَضارِّ الآخِرَةِ والدُّنْيا، خائِبِينَ عَنْ جَمِيعِ مَنافِعِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، عادَ إلى ذِكْرِ قَبائِحِهِمْ وفَضائِحِهِمْ، وبَيَّنَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا جالَسُوهُمْ﴿إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ: عَلى دِينِكم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ أيْ: لَيْسُوا عَلى دِينِكُمْ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ القَتْلَ، فَأظْهَرُوا الإيمانَ وأسَرُّوا النِّفاقَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . والفَرَقُ: الخَوْفُ، ومِنهُ يُقالُ: رَجُلٌ فَرُوقٌ، وهو الشَّدِيدُ الخَوْفِ، ومِنها أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَفَرًّا يَتَحَصَّنُونَ فِيهِ آمِنِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنكم لَفَرُّوا إلَيْهِ ولَفارَقُوكم، فَلا تَظُنُّوا أنَّ مُوافَقَتَهم إيّاكم في الدّارِ والمَسْكَنِ عَنِ القَلْبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ . المَلْجَأُ: المَكانُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ فِيهِ، ومِثْلُهُ اللَّجَأُ مَقْصُورًا مَهْمُوزًا، وأصْلُهُ مِن لَجَأ إلى كَذا يَلْجَأُ، لَجْأً بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ الجِيمِ، ومِثْلُهُ التَجَأ وألْجَأْتُهُ إلى كَذا، أيْ: جَعَلْتُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ . هي جَمْعُ مَغارَةٍ، وهي المَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ الإنْسانُ فِيهِ، أيْ يَسْتَتِرُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كُلُّ شَيْءٍ جُزْتَ فِيهِ فَغِبْتَ فَهو مَغارَةٌ لَكَ، ومِنهُ غارَ الماءُ في الأرْضِ وغارَتِ العَيْنُ.
وقَوْلُهُ: ﴿مُدَّخَلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ، والتّاءُ بَعْدَ الدّالِ تُبْدَلُ دالًا؛ لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والدّالَ مَجْهُورَةٌ، وهُما مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ وهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ، كالمُتَّلَجِ مِنَ الوُلُوجِ. ومَعْناهُ: المَسْلَكُ الَّذِي يُسْتَتَرُ بِالدُّخُولِ فِيهِ. قالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَكانًا عَلى أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، مَعَ أنَّها شَرُّ الأمْكِنَةِ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ. يُقالُ: ولّى بِنَفْسِهِ إذا انْصَرَفَ، ووَلّى غَيْرَهُ إذا صَرَفَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّ وُجُوهَهم شَيْءٌ، ومِن هَذا يُقالُ: جَمَحَ الفَرَسُ، وهو فَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الَّذِي إذا حَمَلَ لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم مِن شِدَّةِ تَأذِّيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ومِنَ
صفحة ٧٨
المُسْلِمِينَ صارُوا بِهَذِهِ الحالَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي: المَلْجَأُ، والمَغاراتُ، والمُدَّخَلُ، والأقْرَبُ أنْ يُحْمَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى غَيْرِ ما يُحْمَلُ الآخَرُ عَلَيْهِ، فالمَلْجَأُ: يَحْتَمِلُ الحُصُونَ، والمَغاراتُ: الكُهُوفُ في الجِبالِ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ تَحْتَ الأرْضِ، نَحْوُ الآبارِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ: ”مَدْخَلًا“ مِن دَخَلَ و”مُدْخَلًا“ مِن أدْخَلَ، وهو مَكانٌ يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ”مُتَدَخَّلًا“، وقَرَأ: لَوَألُوا إلَيْهِ ”أيْ: لالتَجَأُوا، وقَرَأ أنَسٌ:“ يَجْمِزُونَ "، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: يَجْمَحُونَ ويَجْمِزُونَ ويَشْتَدُّونَ واحِدٌ.
التوبة 9:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهم مُسْتَجْمِعِينَ لِكُلِّ مَضارِّ الآخِرَةِ والدُّنْيا، خائِبِينَ عَنْ جَمِيعِ مَنافِعِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، عادَ إلى ذِكْرِ قَبائِحِهِمْ وفَضائِحِهِمْ، وبَيَّنَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا جالَسُوهُمْ﴿إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ: عَلى دِينِكم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ أيْ: لَيْسُوا عَلى دِينِكُمْ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ القَتْلَ، فَأظْهَرُوا الإيمانَ وأسَرُّوا النِّفاقَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . والفَرَقُ: الخَوْفُ، ومِنهُ يُقالُ: رَجُلٌ فَرُوقٌ، وهو الشَّدِيدُ الخَوْفِ، ومِنها أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَفَرًّا يَتَحَصَّنُونَ فِيهِ آمِنِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنكم لَفَرُّوا إلَيْهِ ولَفارَقُوكم، فَلا تَظُنُّوا أنَّ مُوافَقَتَهم إيّاكم في الدّارِ والمَسْكَنِ عَنِ القَلْبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ . المَلْجَأُ: المَكانُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ فِيهِ، ومِثْلُهُ اللَّجَأُ مَقْصُورًا مَهْمُوزًا، وأصْلُهُ مِن لَجَأ إلى كَذا يَلْجَأُ، لَجْأً بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ الجِيمِ، ومِثْلُهُ التَجَأ وألْجَأْتُهُ إلى كَذا، أيْ: جَعَلْتُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ . هي جَمْعُ مَغارَةٍ، وهي المَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ الإنْسانُ فِيهِ، أيْ يَسْتَتِرُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كُلُّ شَيْءٍ جُزْتَ فِيهِ فَغِبْتَ فَهو مَغارَةٌ لَكَ، ومِنهُ غارَ الماءُ في الأرْضِ وغارَتِ العَيْنُ.
وقَوْلُهُ: ﴿مُدَّخَلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ، والتّاءُ بَعْدَ الدّالِ تُبْدَلُ دالًا؛ لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والدّالَ مَجْهُورَةٌ، وهُما مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ وهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ، كالمُتَّلَجِ مِنَ الوُلُوجِ. ومَعْناهُ: المَسْلَكُ الَّذِي يُسْتَتَرُ بِالدُّخُولِ فِيهِ. قالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَكانًا عَلى أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، مَعَ أنَّها شَرُّ الأمْكِنَةِ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ. يُقالُ: ولّى بِنَفْسِهِ إذا انْصَرَفَ، ووَلّى غَيْرَهُ إذا صَرَفَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّ وُجُوهَهم شَيْءٌ، ومِن هَذا يُقالُ: جَمَحَ الفَرَسُ، وهو فَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الَّذِي إذا حَمَلَ لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم مِن شِدَّةِ تَأذِّيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ومِنَ
صفحة ٧٨
المُسْلِمِينَ صارُوا بِهَذِهِ الحالَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي: المَلْجَأُ، والمَغاراتُ، والمُدَّخَلُ، والأقْرَبُ أنْ يُحْمَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى غَيْرِ ما يُحْمَلُ الآخَرُ عَلَيْهِ، فالمَلْجَأُ: يَحْتَمِلُ الحُصُونَ، والمَغاراتُ: الكُهُوفُ في الجِبالِ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ تَحْتَ الأرْضِ، نَحْوُ الآبارِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ: ”مَدْخَلًا“ مِن دَخَلَ و”مُدْخَلًا“ مِن أدْخَلَ، وهو مَكانٌ يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ”مُتَدَخَّلًا“، وقَرَأ: لَوَألُوا إلَيْهِ ”أيْ: لالتَجَأُوا، وقَرَأ أنَسٌ:“ يَجْمِزُونَ "، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: يَجْمَحُونَ ويَجْمِزُونَ ويَشْتَدُّونَ واحِدٌ.
التوبة 9:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهم مُسْتَجْمِعِينَ لِكُلِّ مَضارِّ الآخِرَةِ والدُّنْيا، خائِبِينَ عَنْ جَمِيعِ مَنافِعِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، عادَ إلى ذِكْرِ قَبائِحِهِمْ وفَضائِحِهِمْ، وبَيَّنَ إقْدامَهم عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ، فَقالَ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا جالَسُوهُمْ﴿إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ: عَلى دِينِكم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ أيْ: لَيْسُوا عَلى دِينِكُمْ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ القَتْلَ، فَأظْهَرُوا الإيمانَ وأسَرُّوا النِّفاقَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . والفَرَقُ: الخَوْفُ، ومِنهُ يُقالُ: رَجُلٌ فَرُوقٌ، وهو الشَّدِيدُ الخَوْفِ، ومِنها أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَفَرًّا يَتَحَصَّنُونَ فِيهِ آمِنِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنكم لَفَرُّوا إلَيْهِ ولَفارَقُوكم، فَلا تَظُنُّوا أنَّ مُوافَقَتَهم إيّاكم في الدّارِ والمَسْكَنِ عَنِ القَلْبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ . المَلْجَأُ: المَكانُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ فِيهِ، ومِثْلُهُ اللَّجَأُ مَقْصُورًا مَهْمُوزًا، وأصْلُهُ مِن لَجَأ إلى كَذا يَلْجَأُ، لَجْأً بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ الجِيمِ، ومِثْلُهُ التَجَأ وألْجَأْتُهُ إلى كَذا، أيْ: جَعَلْتُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ . هي جَمْعُ مَغارَةٍ، وهي المَوْضِعُ الَّذِي يَغُورُ الإنْسانُ فِيهِ، أيْ يَسْتَتِرُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كُلُّ شَيْءٍ جُزْتَ فِيهِ فَغِبْتَ فَهو مَغارَةٌ لَكَ، ومِنهُ غارَ الماءُ في الأرْضِ وغارَتِ العَيْنُ.
وقَوْلُهُ: ﴿مُدَّخَلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مُدْتَخَلٌ، والتّاءُ بَعْدَ الدّالِ تُبْدَلُ دالًا؛ لِأنَّ التّاءَ مَهْمُوسَةٌ، والدّالَ مَجْهُورَةٌ، وهُما مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ وهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ، كالمُتَّلَجِ مِنَ الوُلُوجِ. ومَعْناهُ: المَسْلَكُ الَّذِي يُسْتَتَرُ بِالدُّخُولِ فِيهِ. قالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَكانًا عَلى أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، مَعَ أنَّها شَرُّ الأمْكِنَةِ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ. يُقالُ: ولّى بِنَفْسِهِ إذا انْصَرَفَ، ووَلّى غَيْرَهُ إذا صَرَفَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّ وُجُوهَهم شَيْءٌ، ومِن هَذا يُقالُ: جَمَحَ الفَرَسُ، وهو فَرَسٌ جَمُوحٌ، وهو الَّذِي إذا حَمَلَ لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم مِن شِدَّةِ تَأذِّيهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ومِنَ
صفحة ٧٨
المُسْلِمِينَ صارُوا بِهَذِهِ الحالَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي: المَلْجَأُ، والمَغاراتُ، والمُدَّخَلُ، والأقْرَبُ أنْ يُحْمَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى غَيْرِ ما يُحْمَلُ الآخَرُ عَلَيْهِ، فالمَلْجَأُ: يَحْتَمِلُ الحُصُونَ، والمَغاراتُ: الكُهُوفُ في الجِبالِ، والمُدَّخَلُ: السِّرْبُ تَحْتَ الأرْضِ، نَحْوُ الآبارِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ: ”مَدْخَلًا“ مِن دَخَلَ و”مُدْخَلًا“ مِن أدْخَلَ، وهو مَكانٌ يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ”مُتَدَخَّلًا“، وقَرَأ: لَوَألُوا إلَيْهِ ”أيْ: لالتَجَأُوا، وقَرَأ أنَسٌ:“ يَجْمِزُونَ "، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقالَ: يَجْمَحُونَ ويَجْمِزُونَ ويَشْتَدُّونَ واحِدٌ.
التوبة 9:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا شَرْحُ نَوْعٍ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ وفَضائِحِهِمْ، وهو طَعْنُهم في الرَّسُولِ بِسَبَبِ أخْذِ الصَّدَقاتِ مِنَ الأغْنِياءِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ يُؤْثِرُ بِها مَن يَشاءُ مِن أقارِبِهِ وأهْلِ مَوَدَّتِهِ، ويَنْسُبُونَهُ إلى أنَّهُ لا يُراعِي العَدْلَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ مالًا إذْ جاءَهُ المِقْدادُ بْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، وهو حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ، أصْلُ الخَوارِجِ، فَقالَ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: ”ويْلَكَ، ومَن يَعْدِلُ إذا لَمْ أعْدِلْ ؟!“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . قالَ الكَلْبِيُّ: «قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ: أبُو الجَوّاظِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أتَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ أمَرَكَ أنْ تَضَعَ الصَّدَقاتِ في الفُقَراءِ والمَساكِينِ، ولَمْ تَضَعْها في رِعاءِ الشّاءِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا أبا لَكَ، أما كانَ مُوسى راعِيًا، أما كانَ داوُدُ راعِيًا“ . فَلَمّا ذَهَبَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”احْذَرُوا هَذا وأصْحابَهُ؛ فَإنَّهم مُنافِقُونَ“» ورَوى أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في تَفْسِيرِهِ «أنَّهُ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ مِن أصْحابِهِ: ”ما عِلْمُكَ بِفُلانٍ ؟“ فَقالَ: ما لِي بِهِ عِلْمٌ إلّا أنَّكَ تُدْنِيهِ في المَجْلِسِ، وتُجْزِلُ لَهُ العَطاءَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّهُ مُنافِقٌ أُدارِي عَنْ نِفاقِهِ، وأخافُ أنْ يُفْسِدَ عَلى غَيْرِهِ“ فَقالَ: لَوْ أعْطَيْتَ فُلانًا بَعْضَ ما تُعْطِيهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّهُ مُؤْمِنٌ أكِلُهُ إلى إيمانِهِ، وأمّا هَذا فَمُنافِقٌ أُدارِيهِ خَوْفَ إفْسادِهِ“» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَلْمِزُكَ﴾ . قالَ اللَّيْثُ: اللَّمْزُ كالهَمْزِ في الوَجْهِ. يُقالُ: رَجُلٌ لُمَزَةٌ يَعِيبُكَ في وجْهِكَ، ورَجُلٌ هُمَزَةٌ يَعِيبُكَ بِالغَيْبِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: لَمَزْتُ الرَّجُلَ ألْمِزُهُ بِالكَسْرِ، وألْمُزُهُ بِضَمِّ المِيمِ إذا عَيَّبْتَهُ، وكَذَلِكَ هَمَزْتُهُ أهْمِزُهُ هَمْزًا إذا عَيَّبْتَهُ، والهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ: الَّذِي يَغْتابُ النّاسَ ويَعِيبُهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّجّاجَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الهَمْزِ واللَّمْزِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وأصْلُ الهَمْزِ واللَّمْزِ الدَّفْعُ. يُقالُ: هَمَزْتُهُ ولَمَزْتُهُ إذا دَفَعْتَهُ. وفَرَّقَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ بَيْنَهُما، فَقالَ: اللَّمْزُ أنْ يُشِيرَ إلى صاحِبِهِ بِعَيْبِ جَلِيسِهِ، والهَمْزُ: أنْ يَكْسِرَ عَيْنَهُ عَلى جَلِيسِهِ إلى صاحِبِهِ.
صفحة ٧٩
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَلْمِزُكَ يَغْتابُكَ. وقالَ قَتادَةُ: يَطْعَنُ عَلَيْكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعِيبُكَ في أمْرٍ ما، ولا تَفاوُتَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ إلّا في الألْفاظِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَهُنا مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يَعِيبُكَ في تَفْرِيقِ الصَّدَقاتِ. قالَ مَوْلانا العَلّامَةُ الدّاعِي إلى اللَّهِ: لَفْظُ القُرْآنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ اللَّمْزَ كانَ لِهَذا السَّبَبِ، إلّا أنَّ الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْناها دَلَّتْ أنَّ سَبَبَ اللَّمْزِ هو ذَلِكَ، ولَوْلا هَذِهِ الرِّواياتِ لَكانَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخَرَ سِواها.
فَأحَدُها: أنْ يَقُولُوا: أخْذُ الزَّكَواتِ مُطْلَقًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ انْتِزاعَ كَسْبِ الإنْسانِ مِن يَدِهِ غَيْرُ جائِزٍ. أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: يَأْخُذُها لِيَصْرِفَها إلى الفُقَراءِ، إلّا أنَّ الجُهّالَ مِنهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أغْنى الأغْنِياءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو المُتَكَفِّلَ بِمَصالِحِ عَبِيدِهِ الفُقَراءِ، فَأمّا أنْ يَأْمُرَنا بِذَلِكَ فَهو غَيْرُ مَعْقُولٍ. فَهَذا هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِ اليَهُودِ، وهو أنَّهم قالُوا: ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] .
وثانِيها: أنْ يَقُولُوا: هَبْ أنَّكَ تَأْخُذُ الزَّكَواتِ إلّا أنَّ الَّذِي تَأْخُذُهُ كَثِيرًا، فَوَجَبَ أنْ تَقْنَعَ بِأقَلَّ مِن ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنْ يَقُولُوا: هَبْ أنَّكَ تَأْخُذُ هَذا الكَثِيرَ إلّا أنَّكَ تَصْرِفُهُ إلى غَيْرِ مَصْرِفِهِ. وهَذا هو الَّذِي دَلَّتِ الأخْبارُ عَلى أنَّ القَوْمَ أرادُوهُ. قالَ أهْلُ المَعانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى رَكاكَةِ أخْلاقِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ ودَناءَةِ طِباعِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لِشِدَّةِ شَرَهِهِمْ إلى أخْذِ الصَّدَقاتِ عابُوا الرَّسُولَ فَنَسَبُوهُ إلى الجَوْرِ في القِسْمَةِ، مَعَ أنَّهُ كانَ أبْعَدَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى عَنِ المَيْلِ إلى الدُّنْيا. قالَ الضَّحّاكُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَهم ما آتاهُ اللَّهُ مِن قَلِيلِ المالِ وكَثِيرِهِ، وكانَ المُؤْمِنُونَ يَرْضَوْنَ بِما أُعْطُوا ويَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَيْهِ. وأمّا المُنافِقُونَ فَإنْ أُعْطُوا كَثِيرًا فَرِحُوا، وإنْ أُعْطُوا قَلِيلًا سَخِطُوا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ رِضاهم وسُخْطَهم لِطَلَبِ النَّصِيبِ لا لِأجْلِ الدِّينِ. وقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْتَعْطِفُ قُلُوبَ أهْلِ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ بِتَوَفُّرِ الغَنائِمِ عَلَيْهِمْ، فَسَخِطَ المُنافِقُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ كَلِمَةُ ”إذا“ لِلْمُفاجَأةِ، أيْ: وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها فاجَأُوا بِالسُّخْطِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا﴾ الآيَةَ. والمَعْنى: ولَوْ أنَّهم رَضُوا بِما أعْطاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَنِيمَةِ وطابَتْ نُفُوسُهم وإنْ قَلَّ، وقالُوا: كَفانا ذَلِكَ وسَيَرْزُقُنا اللَّهُ غَنِيمَةً أُخْرى، فَيُعْطِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أكْثَرَ مِمّا أعْطانا اليَوْمَ، إنّا إلى طاعَةِ اللَّهِ وإفْضالِهِ وإحْسانِهِ لَراغِبُونَ.
واعْلَمْ أنَّ جَوابَ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكانَ خَيْرًا لَهم وأعْوَدَ عَلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِمُ النِّفاقُ ولَمْ يَحْضُرِ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ فَيَتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ. وتَرْكُ الجَوابِ في هَذا المَعْرِضِ أدَلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ، وهو كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: لَوْ جِئْتَنا، ثُمَّ لا تَذْكُرُ الجَوابَ، أيْ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن طَلَبَ الدُّنْيا آلَ أمْرُهُ في الدِّينِ إلى النِّفاقِ. وأمّا مَن طَلَبَ الدُّنْيا بِقَدْرِ ما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ، وكانَ غَرَضُهُ مِنَ الدُّنْيا أنْ يَتَوَسَّلَ إلى مَصالِحِ الدِّينِ فَهَذا هو الطَّرِيقُ الحَقُّ، والأصْلُ في هَذا البابِ أنْ يَكُونَ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ فَذَكَرَ فِيهِ مَراتِبَ أرْبَعَةً:
المَرْتَبَةُ الأُولى: الرِّضا بِما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ مُنَزَّهٌ عَنِ العَبَثِ والخَطَأِ، وحَكِيمٌ بِمَعْنى أنَّهُ عَلِيمٌ بِعَواقِبِ الأُمُورِ، وكُلُّ ما كانَ حُكْمًا لَهُ وقَضاءً كانَ حَقًّا وصَوابًا ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ.
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَظْهَرَ آثارُ ذَلِكَ الرِّضا عَلى لِسانِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ يَعْنِي: أنَّ غَيْرَنا أخَذُوا المالَ ونَحْنُ لَمّا رَضِينا بِحُكْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ فَقَدْ فُزْنا بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ العَظِيمَةِ في العُبُودِيَّةِ، فَحَسْبُنا اللَّهُ.
صفحة ٨٠
والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: وهي أنَّ الإنْسانَ إذا لَمْ يَبْلُغْ إلى تِلْكَ الدَّرَجَةِ العالِيَةِ الَّتِي عِنْدَها يَقُولُ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ نَزَلَ مِنها إلى مَرْتَبَةٍ أُخْرى، وهي أنْ يَقُولَ: ﴿سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ﴾ إمّا في الدُّنْيا إنِ اقْتَضاهُ التَّقْدِيرُ، وإمّا في الآخِرَةِ وهي أوْلى وأفْضَلُ.
والمَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: أنْ يَقُولَ: ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ فَنَحْنُ لا نَطْلُبُ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ أخْذَ الأمْوالِ والفَوْزَ بِالمَناصِبِ في الدُّنْيا، وإنَّما المُرادُ إمّا اكْتِسابُ سَعاداتِ الآخِرَةِ، وإمّا الِاسْتِغْراقُ في العُبُودِيَّةِ عَلى ما دَلَّ لَفْظُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾، ولَمْ يَقُلْ: إنّا إلى ثَوابِ اللَّهِ راغِبُونَ، ونُقِلَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى، فَقالَ: ما الَّذِي يَحْمِلُكم عَلَيْهِ ؟ قالُوا: الخَوْفُ مِن عِقابِ اللَّهِ. فَقالَ: أصَبْتُمْ. ثُمَّ مَرَّ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ، فَقالَ: ما الَّذِي يَحْمِلُكم عَلَيْهِ، فَقالُوا: الرَّغْبَةُ في الثَّوابِ. فَقالَ: أصَبْتُمْ. ثُمَّ مَرَّ عَلى قَوْمٍ ثالِثٍ مُشْتَغِلِينَ بِالذِّكْرِ، فَسَألَهم فَقالُوا: لا نَذْكُرُهُ لِلْخَوْفِ مِنَ العِقابِ، ولا لِلرَّغْبَةِ في الثَّوابِ، بَلْ لِإظْهارِ ذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، وعِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وتَشْرِيفِ القَلْبِ بِمَعْرِفَتِهِ، وتَشْرِيفِ اللِّسانِ بِالألْفاظِ الدّالَّةِ عَلى صِفاتِ قُدْسِهِ وعِزَّتِهِ. فَقالَ: أنْتُمُ المُحِقُّونَ المُحَقِّقُونَ.
التوبة 9:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ واِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المُنافِقِينَ لَمّا لَمَزُوا الرَّسُولَ ﷺ في الصَّدَقاتِ، بَيَّنَ لَهم أنَّ مَصْرِفَ الصَّدَقاتِ هَؤُلاءِ، ولا تَعَلُّقَ لِي بِها، ولا آخُذُ لِنَفْسِي نَصِيبًا مِنها، فَلَمْ يَبْقَ لَهم طَعْنٌ في الرَّسُولِ بِسَبَبِ أخْذِ الصَّدَقاتِ. وهَهُنا مَقاماتٌ:
المَقامُ الأوَّلُ: بَيانُ الحِكْمَةِ في أخْذِ القَلِيلِ مِن أمْوالِ الأغْنِياءِ، وصَرْفِها إلى المُحْتاجِينَ مِنَ النّاسِ.
والمَقامُ الثّانِي: بَيانُ حالِ هَؤُلاءِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَنَقُولُ: الحِكْمَةُ في إيجابِ الزَّكاةِ أُمُورٌ، بَعْضُها مَصالِحُ عائِدَةٌ إلى مُعْطِي الزَّكاةِ، وبَعْضُها عائِدَةٌ إلى آخِذِ الزَّكاةِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَهو أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنَّ المالَ مَحْبُوبٌ بِالطَّبْعِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ القُدْرَةَ صِفَةٌ مِن صِفاتِ الكَمالِ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، ولِعَيْنِها لا لِغَيْرِها؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو مَحْبُوبٌ لِمَعْنًى آخَرَ، وإلّا لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ وإمّا الدَّوْرُ، وهُما مُحالانِ، فَوَجَبَ الِانْتِهاءُ في الأشْياءِ المَحْبُوبَةِ إلى ما يَكُونُ مَحْبُوبًا لِذاتِهِ. والكَمالُ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، والنُّقْصانُ مَكْرُوهٌ لِذاتِهِ، فَلَمّا كانَتِ القُدْرَةُ صِفَةَ كَمالٍ، وصِفَةُ الكَمالِ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، كانَتِ القُدْرَةُ مَحْبُوبَةً لِذاتِها، والمالُ سَبَبٌ لِحُصُولِ تِلْكَ القُدْرَةِ، ولِكَمالِها في حَقِّ البَشَرِ فَكانَ أقْوى أسْبابِ القُدْرَةِ في حَقِّ البَشَرِ هو المالَ، والَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَحْبُوبُ فَهو مَحْبُوبٌ، فَكانَ المالُ مَحْبُوبًا؛ فَهَذا هو السَّبَبُ في كَوْنِهِ مَحْبُوبًا، إلّا أنَّ الِاسْتِغْراقَ في حُبِّهِ يُذْهِبُ النَّفْسَ عَنْ حُبِّ اللَّهِ وعَنِ التَّأهُّبِ لِلْآخِرَةِ فاقْتَضَتْ
صفحة ٨١
حِكْمَةُ الشَّرْعِ تَكْلِيفَ مالِكِ المالِ بِإخْراجِ طائِفَةٍ مِنهُ مِن يَدِهِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ الإخْراجُ كَسْرًا مِن شِدَّةِ المَيْلِ إلى المالِ، ومَنعًا مِنِ انْصِرافِ النَّفْسِ بِالكُلِّيَّةِ إلَيْها وتَنْبِيهًا لَها عَلى أنَّ سَعادَةَ الإنْسانِ لا تَحْصُلُ عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ المالِ، وإنَّما تَحْصُلُ بِإنْفاقِ المالِ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، فَإيجابُ الزَّكاةِ عِلاجٌ صالِحٌ مُتَعَيِّنٌ؛ لِإزالَةِ مَرَضِ حُبِّ الدُّنْيا عَنِ القَلْبِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ أوْجَبَ الزَّكاةَ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] . أيْ: تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في طَلَبِ الدُّنْيا.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ كَثْرَةَ المالِ تُوجِبُ شِدَّةَ القُوَّةِ وكَمالَ القُدْرَةِ، وتَزايُدَ المالِ يُوجِبُ تَزايُدَ القُدْرَةِ، وتَزايُدَ القُدْرَةِ يُوجِبُ تَزايُدَ الِالتِذاذِ بِتِلْكَ القُدْرَةِ، وتَزايُدَ تِلْكَ اللَّذّاتِ يَدْعُو الإنْسانَ إلى أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِ المالِ الَّذِي صارَ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذِهِ اللَّذّاتِ المُتَزايِدَةِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ تَصِيرُ المَسْألَةُ مَسْألَةَ الدَّوْرِ؛ لِأنَّهُ إذا بالَغَ في السَّعْيِ ازْدادَ المالُ وذَلِكَ يُوجِبُ ازْدِيادَ القُدْرَةِ، وهو يُوجِبُ ازْدِيادَ اللَّذَّةِ، وهو يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى أنْ يَزِيدَ في طَلَبِ المالِ، ولَمّا صارَتِ المَسْألَةُ مَسْألَةَ الدَّوْرِ، لَمْ يَظْهَرْ لَها مَقْطَعٌ ولا آخَرُ، فَأثْبَتَ الشَّرْعُ لَها مَقْطَعًا آخَرَ وهو أنَّهُ أوْجَبَ عَلى صاحِبِهِ صَرْفَ طائِفَةٍ مِن تِلْكَ الأمْوالِ إلى الإنْفاقِ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِيَصْرِفَ النَّفْسَ عَنْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ الظَّلْمانِيِّ الَّذِي لا آخِرَ لَهُ، ويَتَوَجَّهَ إلى عالَمِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ وطَلَبِ رِضْوانِهِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ كَثْرَةَ المالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الطُّغْيانِ والقَسْوَةِ في القَلْبِ، وسَبَبُهُ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ كَثْرَةَ المالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ القُدْرَةِ، والقُدْرَةُ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، والعاشِقُ إذا وصَلَ لِمَعْشُوقِهِ اسْتَغْرَقَ فِيهِ، فالإنْسانُ يَصِيرُ غَرِقًا في طَلَبِ المالِ، فَإنْ عَرَضَ لَهُ مانِعٌ يَمْنَعُهُ عَنْ طَلَبِهِ اسْتَعانَ بِمالِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ المانِعِ، وهَذا هو المُرادُ بِالطُّغْيانِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] . فَإيجابُ الزَّكاةِ يُقَلِّلُ الطُّغْيانَ، ويَرُدُّ القَلْبَ إلى طَلَبِ رِضْوانِ الرَّحْمَنِ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ لَها قُوَّتانِ؛ نَظَرِيَّةٌ وعَمَلِيَّةٌ، فالقُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ كَمالُها في التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والقُوَّةُ العَمَلِيَّةُ كَمالُها في الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَأوْجَبَ اللَّهُ الزَّكاةَ؛ لِيَحْصُلَ لِجَوْهَرِ الرُّوحِ هَذا الكَمالُ، وهو اتِّصافُهُ بِكَوْنِهِ مُحْسِنًا إلى الخَلْقِ، ساعِيًا في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِمْ، دافِعًا لِلْآفاتِ عَنْهم، ولِهَذا السِّرِّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”تَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ اللَّهِ“» .
والوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ الخَلْقَ إذا عَلِمُوا في الإنْسانِ كَوْنَهُ ساعِيًا في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِمْ، وفي دَفْعِ الآفاتِ عَنْهم أحَبُّوهُ بِالطَّبْعِ ومالَتْ نُفُوسُهم إلَيْهِ لا مَحالَةَ، عَلى ما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلى حُبِّ مَن أحْسَنَ إلَيْها وبُغْضِ مَن أساءَ إلَيْها“» . فالفُقَراءُ إذا عَلِمُوا أنَّ الرَّجُلَ الغَنِيَّ يَصْرِفُ إلَيْهِمْ طائِفَةً مِن مالِهِ، وأنَّهُ كُلَّما كانَ مالُهُ أكْثَرَ كانَ الَّذِي يَصْرِفُهُ إلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ المالِ أكْثَرَ، أمَدُّوهُ بِالدُّعاءِ والهِمَّةِ، ولِلْقُلُوبِ آثارٌ ولِلْأرْواحِ حَرارَةٌ، فَصارَتْ تِلْكَ الدَّعَواتُ سَبَبًا لِبَقاءِ ذَلِكَ الإنْسانِ في الخَيْرِ والخِصْبِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] . وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”حَصِّنُوا أمْوالَكم بِالزَّكاةِ“» .
والوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ الِاسْتِغْناءَ عَنِ الشَّيْءِ أعْظَمُ مِنَ الِاسْتِغْناءِ بِالشَّيْءِ؛ فَإنَّ الِاسْتِغْناءَ بِالشَّيْءِ يُوجِبُ الِاحْتِياجَ إلَيْهِ، إلّا أنَّهُ يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ غَيْرِهِ، فَأمّا الِاسْتِغْناءُ عَنِ الشَّيْءِ فَهو الغِنى التّامُّ؛ ولِذَلِكَ فَإنَّ الِاسْتِغْناءَ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةُ الحَقِّ، والِاسْتِغْناءَ بِالشَّيْءِ صِفَةُ الخَلْقِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أعْطى بَعْضَ عَبِيدِهِ
صفحة ٨٢
أمْوالًا كَثِيرَةً فَقَدْ رَزَقَهُ نَصِيبًا وافِرًا مِن بابِ الِاسْتِغْناءِ بِالشَّيْءِ، فَإذا أمَرَهُ بِالزَّكاةِ كانَ المَقْصُودُ أنْ يَنْقُلَهُ مِن دَرَجَةِ الِاسْتِغْناءِ بِالشَّيْءِ، إلى المَقامِ الَّذِي هو أعْلى مِنهُ، وأشْرَفُ مِنهُ، وهو الِاسْتِغْناءُ عَنِ الشَّيْءِ.
والوَجْهُ السّابِعُ: أنَّ المالَ سُمِّيَ مالًا لِكَثْرَةِ مَيْلِ كُلِّ أحَدٍ إلَيْهِ، فَهو غادٍ ورائِحٌ، وهو سَرِيعُ الزَّوالِ مُشْرِفٌ عَلى التَّفَرُّقِ، فَما دامَ يَبْقى في يَدِهِ كانَ كالمُشْرِفِ عَلى الهَلاكِ والتَّفَرُّقِ، فَإذا أنْفَقَهُ الإنْسانُ في وُجُوهِ البِرِّ والخَيْرِ والمَصالِحِ بَقِيَ بَقاءً لا يُمْكِنُ زَوالُهُ، فَإنَّهُ يُوجِبُ المَدْحَ في الدُّنْيا والثَّوابَ الدّائِمَ في الآخِرَةِ، وسَمِعْتُ واحِدًا يَقُولُ: الإنْسانُ لا يَقْدِرُ أنْ يَذْهَبَ بِذَهَبِهِ إلى القَبْرِ، فَقُلْتُ: بَلْ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَإنَّهُ إذا أنْفَقَهُ في طَلَبِ الرِّضْوانِ الأكْبَرِ فَقَدْ ذَهَبَ بِهِ إلى القَبْرِ وإلى القِيامَةِ.
والوَجْهُ الثّامِنُ: وهو أنَّ بَذْلَ المالِ تَشَبُّهٌ بِالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، وإمْساكُهُ تَشَبُّهٌ بِالبُخَلاءِ المَذْمُومِينَ، فَكانَ البَذْلُ أوْلى.
والوَجْهُ التّاسِعُ: أنَّ إفاضَةَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ مِن صِفاتِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، والسَّعْيُ في تَحْصِيلِ هَذِهِ الصِّفَةِ بِقَدْرِ القُدْرَةِ تَخَلُّقٌ بِأخْلاقِ اللَّهِ، وذَلِكَ مُنْتَهى كَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ.
والوَجْهُ العاشِرُ: أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ لَهُ إلّا ثَلاثَةُ أشْياءَ: الرُّوحُ والبَدَنُ والمالُ. فَإذا أُمِرَ بِالإيمانِ فَقَدْ صارَ جَوْهَرُ الرُّوحِ مُسْتَغْرِقًا في هَذا التَّكْلِيفِ، ولَمّا أُمِرَ بِالصَّلاةِ فَقَدْ صارَ اللِّسانُ مُسْتَغْرِقًا بِالذِّكْرِ والقِراءَةِ، والبَدَنُ مُسْتَغْرِقًا في تِلْكَ الأعْمالِ، بَقِيَ المالُ؛ فَلَوْ لَمْ يَصِرِ المالُ مَصْرُوفًا إلى أوْجُهِ البِرِّ والخَيْرِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ شُحُّ الإنْسانِ بِمالِهِ فَوْقَ شُحِّهِ بِرُوحِهِ وبَدَنِهِ، وذَلِكَ جَهْلٌ؛ لِأنَّ مَراتِبَ السِّعاداتِ ثَلاثٌ:
أُولاها: السِّعاداتُ الرُّوحانِيَّةُ.
وثانِيها: السِّعاداتُ البَدَنِيَّةُ، وهي المَرْتَبَةُ الوُسْطى.
وثالِثُها: السَّعاداتُ الخارِجِيَّةُ، وهي المالُ والجاهُ. فَهَذِهِ المَراتِبُ تَجْرِي مَجْرى خادِمِ السَّعاداتِ النَّفْسانِيَّةِ، فَإذا صارَ الرُّوحُ مَبْذُولًا في مَقامِ العُبُودِيَّةِ، ثُمَّ حَصَلَ الشُّحُّ بِبَذْلِ المالِ لَزِمَ جَعْلُ الخادِمِ في مَرْتَبَةٍ أعْلى مِنَ المَخْدُومِ الأصْلِيِّ، وذَلِكَ جَهْلٌ. فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أيْضًا بَذْلُ المالِ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.
والوَجْهُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّ العُلَماءَ قالُوا: شُكْرُ النِّعْمَةِ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِها إلى طَلَبِ مَرْضاةِ المُنْعِمِ، والزَّكاةُ شُكْرُ النِّعْمَةِ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِوُجُوبِها لِما ثَبَتَ أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ.
والوَجْهُ الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ إيجابَ الزَّكاةِ يُوجِبُ حُصُولَ الأُلْفِ بِالمَوَدَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وزَوالَ الحِقْدِ والحَسَدِ عَنْهم، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ المُهِمّاتِ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ مُعْتَبَرَةٌ في بَيانِ الحِكْمَةِ النّاشِئَةِ مِن إيجابِ الزَّكاةِ العائِدَةِ إلى مُعْطِي الزَّكاةِ، فَأمّا المَصالِحُ العائِدَةُ مِن إيجابِ الزَّكاةِ إلى مَن يَأْخُذُ الزَّكاةَ فَهي كَثِيرَةٌ، الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأمْوالَ، ولَيْسَ المَطْلُوبُ مِنها أعْيانَها وذَواتِها؛ فَإنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ لا يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِهِما في أعْيانِهِما إلّا في الأمْرِ القَلِيلِ، بَلِ المَقْصُودُ مِن خَلْقِهِما أنْ يُتَوَسَّلَ بِهِما إلى تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، فالإنْسانُ إذا حَصَلَ لَهُ مِنَ المالِ بِقَدْرِ حاجَتِهِ كانَ هو أوْلى بِإمْساكِهِ؛ لِأنَّهُ يُشارِكُهُ سائِرَ المُحْتاجِينَ في صِفَةِ الحاجَةِ، وهو مُمْتازٌ عَنْهم بِكَوْنِهِ ساعِيًا في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المالِ، فَكانَ اخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ المالِ أوْلى مِنِ اخْتِصاصِ غَيْرِهِ، وأمّا إذا فَضَلَ المالُ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ، وحَضَرَ إنْسانٌ آخَرُ مُحْتاجٌ، فَهَهُنا حَصَلَ سَبَبانِ، كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُوجِبُ تَمَلُّكَ ذَلِكَ المالِ. أمّا في حَقِّ المالِكِ، فَهو أنَّهُ سَعى في اكْتِسابِهِ وتَحْصِيلِهِ، وأيْضًا شِدَّةُ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ أيْضًا نَوْعٌ مِن أنْواعِ الحاجَةِ. وأمّا في حَقِّ الفَقِيرِ، فاحْتِياجُهُ إلى ذَلِكَ المالِ
صفحة ٨٣
يُوجِبُ تَعَلُّقَهُ بِهِ، فَلَمّا وُجِدَ هَذانِ السَّبَبانِ المُتَدافِعانِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ رِعايَةَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ بِقَدْرِ الإمْكانِ، فَيُقالُ: حَصَلَ لِلْمالِكِ حَقُّ الِاكْتِسابِ وحَقُّ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِهِ، وحَصَلَ لِلْفَقِيرِ حَقُّ الِاحْتِياجِ، فَرَجَّحْنا جانِبَ المالِكِ، وأبْقَيْنا عَلَيْهِ الكَثِيرَ، وصَرَفْنا إلى الفَقِيرِ يَسِيرًا مِنهُ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلائِلِ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
الثّانِي: أنَّ المالَ الفاضِلَ عَنِ الحاجاتِ الأصْلِيَّةِ إذا أمْسَكَهُ الإنْسانُ في بَيْتِهِ يَبْقى مُعَطَّلًا عَنِ المَقْصُودِ الَّذِي لِأجْلِهِ خُلِقَ المالُ، وذَلِكَ سَعْيٌ في المَنعِ مِن ظُهُورِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو غَيْرُ جائِزٍ، فَأمَرَ اللَّهُ بِصَرْفِ طائِفَةٍ مِنهُ إلى الفَقِيرِ؛ حَتّى لا تَصِيرَ تِلْكَ الحِكْمَةُ مُعَطَّلَةً بِالكُلِّيَّةِ.
الثّالِثُ: أنَّ الفُقَراءَ عِيالُ اللَّهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] . والأغْنِياءُ خُزّانُ اللَّهِ؛ لِأنَّ الأمْوالَ الَّتِي في أيْدِيهِمْ أمْوالُ اللَّهِ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْقاها في أيْدِيهِمْ وإلّا لَما مَلَكُوا مِنها حَبَّةً، فَكَمْ مِن عاقِلٍ ذَكِيٍّ يَسْعى أشَدَّ السَّعْيِ، ولا يَمْلِكُ مِلْءَ بَطْنِهِ طَعامًا، وكَمْ مِن أبْلَهٍ جِلْفٍ تَأْتِيهِ الدُّنْيا عَفْوًا صَفْوًا.
إذا ثَبَتَ هَذا فَلَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ أنْ يَقُولَ المَلِكُ لِخازِنِهِ: اصْرِفْ طائِفَةً مِمّا في تِلْكَ الخِزانَةِ إلى المُحْتاجِينَ مِن عَبِيدِي.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يُقالَ: المالُ بِالكُلِّيَّةِ في يَدِ الغَنِيِّ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، وإهْمالُ جانِبِ الفَقِيرِ العاجِزِ عَنِ الكَسْبِ بِالكُلِّيَّةِ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلى الغَنِيِّ صَرْفُ طائِفَةٍ مِن ذَلِكَ المالِ إلى الفَقِيرِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ الشَّرْعَ لَمّا أبْقى في يَدِ المالِكِ أكْثَرَ ذَلِكَ المالِ وصَرَفَ إلى الفَقِيرِ مِنهُ جُزْءًا قَلِيلًا، تَمَكَّنَ المالِكُ مِن جَبْرِ ذَلِكَ النُّقْصانِ بِسَبَبِ أنْ يَتَّجِرَ بِما بَقِيَ في يَدِهِ مِن ذَلِكَ المالِ ويَرْبَحَ ويَزُولَ ذَلِكَ النُّقْصانُ. أمّا الفَقِيرُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ أصْلًا، فَلَوْ لَمْ يُصْرَفْ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِن أمْوالِ الأغْنِياءِ لَبَقِيَ مُعَطَّلًا، ولَيْسَ لَهُ ما يَجْبُرُهُ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ الأغْنِياءَ لَوْ لَمْ يَقُومُوا بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الفُقَراءِ فَرُبَّما حَمَلَهم شِدَّةُ الحاجَةِ ومَضَرَّةُ المَسْكَنَةِ عَلى الِالتِحاقِ بِأعْداءِ المُسْلِمِينَ، أوْ عَلى الإقْدامِ عَلى الأفْعالِ المُنْكَرَةِ؛ كالسَّرِقَةِ وغَيْرِها، فَكانَ إيجابُ الزَّكاةِ يُفِيدُ هَذِهِ الفائِدَةَ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِوُجُوبِها.
الوَجْهُ السّابِعُ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”الإيمانُ نِصْفانِ؛ نِصْفٌ صَبْرٌ ونِصْفٌ شُكْرٌ“» والمالُ مَحْبُوبٌ بِالطَّبْعِ، فَوِجْدانُهُ يُوجِبُ الشُّكْرَ، وفُقْدانُهُ يُوجِبُ الصَّبْرَ، وكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّها الغَنِيُّ، أعْطَيْتُكَ المالَ فَشَكَرْتَ فَصِرْتَ مِنَ الشّاكِرِينَ، فَأخْرِجْ مِن يَدِكَ نَصِيبًا مِنهُ حَتّى تَصْبِرَ عَلى فُقْدانِ ذَلِكَ المِقْدارِ؛ فَتَصِيرَ بِسَبَبِهِ مِنَ الصّابِرِينَ، وأيُّها الفَقِيرُ، ما أعْطَيْتُكَ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ فَصَبَرْتَ فَصِرْتَ مِنَ الصّابِرِينَ، ولَكِنَّنِي أُوجِبُ عَلى الغَنِيِّ أنْ يَصْرِفَ إلَيْكَ طائِفَةً مِن ذَلِكَ المالِ؛ حَتّى إذا حَلَّ ذَلِكَ المِقْدارُ في مِلْكِكَ شَكَرْتَنِي، فَصِرْتَ مِنَ الشّاكِرِينَ، فَكانَ إيجابُ الزَّكاةِ سَبَبًا في جَعْلِ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ الصَّبْرِ والشُّكْرِ مَعًا.
الوَجْهُ الثّامِنُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ لِلْفَقِيرِ: إنْ كُنْتُ قَدْ مَنَعْتُكَ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ، ولَكِنِّي جَعَلْتُ نَفْسِي مَدْيُونًا مِن قِبَلِكَ، وإنْ كُنْتُ قَدْ أعْطَيْتُ الغَنِيَّ أمْوالًا كَثِيرَةً لَكِنِّي كَلَّفْتُهُ أنْ يَعْدُوَ خَلْفَكَ، وأنْ يَتَضَرَّعَ إلَيْكَ حَتّى تَأْخُذَ ذَلِكَ القَدْرَ مِنهُ، فَتَكُونَ كالمُنْعِمِ عَلَيْهِ بِأنْ خَلَّصْتَهُ مِنَ النّارِ.
صفحة ٨٤
فَإنْ قالَ الغَنِيُّ: قَدْ أنْعَمْتُ عَلَيْكَ بِهَذا الدِّينارِ، فَقُلْ أيُّها الفَقِيرُ: بَلْ أنا المُنْعِمُ عَلَيْكَ حَيْثُ خَلَّصْتُكَ في الدُّنْيا مِنَ الذَّمِّ والعارِ، وفي الآخِرَةِ مِن عَذابِ النّارِ.
فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنَ الوُجُوهِ في حِكْمَةِ إيجابِ الزَّكاةِ، بَعْضُها يَقِينِيَّةٌ وبَعْضُها إقْناعِيَّةٌ، والعالِمُ بِأسْرارِ حُكْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَقامُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حَقَّ في الصَّدَقاتِ لِأحَدٍ إلّا لِهَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، وذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وأيْضًا فَلَفْظَةُ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ مُرَكَّبَةٌ مِن ”إنَّ“ و”ما“ وكَلِمَةُ إنَّ لِلْإثْباتِ، وكَلِمَةُ ما لِلنَّفْيِ، فَعِنْدَ اجْتِماعِهِما وجَبَ بَقاؤُهُما عَلى هَذا المَفْهُومِ، فَوَجَبَ أنْ يُفِيدَ الثُّبُوتَ المَذْكُورَ، وعَدَمَ ما يُغايِرُهُ.
الثّانِي: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ تَمَسَّكَ في نَفْيِ رِبا الفَضْلِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ“» . ولَوْلا أنَّ هَذا اللَّفْظَ يُفِيدُ الحَصْرَ، وإلّا لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وأيْضًا تَمَسَّكَ بَعْضُ الصَّحابَةِ في أنَّ الإكْسالَ لا يُوجِبُ الِاغْتِسالَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”إنَّما الماءُ مِنَ الماءِ“»، ولَوْلا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تُفِيدُ الحَصْرَ وإلّا لَما كانَ كَذَلِكَ. وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] . والمَقْصُودُ بَيانُ نَفْيِ الإلَهِيَّةِ لِلْغَيْرِ.
والثّالِثُ: الشِّعْرُ، قالَ الأعْشى:
ولَسْتُ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ
وقالَ الفَرَزْدَقُ:
أنا الذّائِدُ الحامِي الذِّمارَ وإنَّما ∗∗∗ يُدافِعُ عَنْ أحْسابِهِمْ أنا أوْ مِثْلِي
فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّدَقاتِ لا تُصْرَفُ إلّا لِهَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِرَجُلٍ: ”إنْ كُنْتَ مِنَ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ فَلَكَ فِيها حَقٌّ وإلّا فَهو صُداعٌ في الرَّأْسِ، وداءٌ في البَطْنِ“» وقالَ: «”لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ“» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم يَلْمِزُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ في أخْذِ الصَّدَقاتِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَأْخُذُها لِهَؤُلاءِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، ولا يَأْخُذُها لِنَفْسِهِ ولا لِأقارِبِهِ ومُتَّصِلِيهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ أخْذَ القَلِيلِ مِن مالِ الغَنِيِّ لِيُصْرَفَ إلى الفَقِيرِ في دَفْعِ حاجَتِهِ هو الحِكْمَةُ المُعَيَّنَةُ، والمَصْلَحَةُ اللّازِمَةُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ هَمْزُ المُنافِقِينَ ولَمْزُهم عَيْنَ السَّفَهِ والجَهالَةِ. فَكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: «”ما أُوتِيكم شَيْئًا ولا أمْنَعُكم، إنَّما أنا خازِنٌ أضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ“» .
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ الصَّدَقَةِ إلى بَعْضِ هَؤُلاءِ الأصْنافِ فَقَطْ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وحُذَيْفَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأبِي العالِيَةِ والنَّخَعِيِّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَوْ نَظَرْتُ إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فُقَراءَ مُتَعَفِّفِينَ فَحَبَوْتُهم بِها كانَ أحَبَّ إلَيَّ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا بُدَّ مِن صَرْفِها إلى الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، واحْتَجَّ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِسْمَةَ في نَصِّ الكِتابِ. ثُمَّ أكَّدَها بِقَوْلِهِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: ولا بُدَّ في كُلِّ صِنْفٍ مِن ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةٌ؛ فَإنْ دَفَعَ سَهْمَ الفُقَراءِ إلى فَقِيرَيْنِ ضَمِنَ نَصِيبَ الثّالِثِ، وهو ثُلُثُ سَهْمِ الفُقَراءِ. قالَ: ولا بُدَّ مِنَ التَّسْوِيَةِ في أنْصِباءِ هَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، مِثْلُ أنَّكَ إنْ وجَدْتَ خَمْسَةَ أصْنافٍ ولَزِمَكَ أنْ تَتَصَدَّقَ بِعَشَرَةِ
صفحة ٨٥
دَراهِمَ، جُعِلَتِ العَشَرَةُ خَمْسَةَ أسْهُمٍ، كُلُّ سَهْمٍ دِرْهَمانِ، ولا يَجُوزُ التَّفاضُلُ، ثُمَّ يَلْزَمُكَ أنْ تَدْفَعَ إلى كُلِّ صِنْفٍ دِرْهَمَيْنِ وأقَلُّ عَدَدِهِمْ ثَلاثَةٌ، ولا يَلْزَمُكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهم، فَلَكَ أنْ تُعْطِيَ فَقِيرًا دِرْهَمًا وفَقِيرًا خَمْسَةَ أسْداسِ دِرْهَمٍ وفَقِيرًا سُدُسَ دِرْهَمٍ، هَذِهِ صِفَةُ قِسْمَةِ الصَّدَقاتِ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. قالَ المُصَنِّفُ الدّاعِي إلى اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الآيَةُ لا دَلالَةَ فِيها عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الصَّدَقاتِ لِهَؤُلاءِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي في صَدَقَةِ زَيْدٍ بِعَيْنِهِ أنْ تَكُونَ لِجُمْلَةِ هَؤُلاءِ الثَّمانِيَةِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ العَقْلُ والنَّقْلُ.
أمّا النَّقْلُ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةَ، فَأثْبَتَ خُمُسَ الغَنِيمَةِ لِهَؤُلاءِ الطَّوائِفِ الخَمْسِ، ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُغْنَمُ بِعَيْنِهِ فَإنَّهُ يَجِبُ تَفْرِقَتُهُ عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ، بَلِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ إثْباتُ مَجْمُوعِ الغَنِيمَةِ لِهَؤُلاءِ الأصْنافِ، فَأمّا أنْ يَكُونَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الغَنِيمَةِ مُوَزَّعًا عَلى كُلِّ هَؤُلاءِ فَلا، فَكَذا هَهُنا مَجْمُوعُ الصَّدَقاتِ تَكُونُ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ. فَأمّا أنْ يُقالَ: إنَّ صَدَقَةَ زَيْدٍ بِعَيْنِها يَجِبُ تَوْزِيعُها عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ البَتَّةَ.
وأمّا العَقْلُ: فَهو أنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ في مَجْمُوعٍ لا يُوجَبُ ثُبُوتُهُ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، ولا يَلْزَمُ أنْ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ الكُلِّ وبَيْنَ الجُزْءِ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرَهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لا يَمْلِكُ إلّا عِشْرِينَ دِينارًا لَمّا وجَبَ عَلَيْهِ إخْراجُ نِصْفُ دِينارٍ، فَلَوْ كَلَّفْناهُ أنْ نَجْعَلَهُ عَلى أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ قِسْمًا لَصارَ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأقْسامِ حَقِيرًا صَغِيرًا غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ في مُهِمٍّ مُعْتَبَرٍ. الثّانِي: أنَّ هَذا التَّوْقِيفَ لَوْ كانَ مُعْتَبَرًا لَكانَ أوْلى النّاسِ بِرِعايَتِهِ أكابِرُ الصَّحابَةِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَصَلَ هَذا الخَبَرُ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وإلى ابْنِ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ وسائِرِ الأكابِرِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما خالَفُوا فِيهِ، وحَيْثُ خالَفُوا فِيهِ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ. الثّالِثُ: وهو أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَهُ اخْتِلافُ رَأْيٍ في جَوازِ نَقْلِ الصَّدَقاتِ؛ أمّا لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِوُجُوبِ نَقْلِ الصَّدَقاتِ، فالإنْسانُ إذا كانَ في بَعْضِ القُرى ولا يَكُونُ هُناكَ مُكاتَبٌ، ولا مُجاهِدٌ غازٍ، ولا عامِلٌ، ولا أحَدٌ مِنَ المُؤَلَّفَةِ، ولا يَمُرُّ بِهِ أحَدٌ مِنَ الغُرَباءِ، واتَّفَقَ أنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ في تِلْكَ القَرْيَةِ مَن كانَ مَدْيُونًا فَكَيْفَ تَكْلِيفُهُ ؟ فَإنْ قُلْنا: وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُسافِرَ بِما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكاةِ إلى بَلَدٍ يَجِدُ هَذِهِ الأصْنافَ فِيهِ، فَذاكَ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وإذا أسْقَطْنا عَنْهُ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُنا، فَهَذا ما نَقُولُهُ في هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَعْرِيفِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، فالأوَّلُ والثّانِي هُمُ الفُقَراءُ والمَساكِينُ، ولا شَكَّ أنَّهم هُمُ المُحْتاجُونَ الَّذِي لا يَفِي خَرْجُهم بِدَخْلِهِمْ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ بَعْضُهم: الَّذِي يَكُونُ أشَدَّ حاجَةً هو الفَقِيرُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وأصْحابِهِ. وقالَ آخَرُونَ: الَّذِي أشَدُّ حاجَةً هو المِسْكِينُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ، واللَّهُ تَعالى وصَفَهم بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، والمَقْصُودُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ رَحِمَهُما اللَّهُ، واخْتِيارُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، وفائِدَتُهُ تَظْهَرُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنَّهُ لَوْ أوْصى لِفُلانٍ ولِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ، فالَّذِينَ قالُوا: الفُقَراءُ غَيْرُ المَساكِينِ قالُوا: لِفُلانٍ الثُّلُثَ، والَّذِينَ قالُوا: الفُقَراءُ هُمُ المَساكِينُ قالُوا لِفُلانٍ النِّصْفُ. وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ
صفحة ٨٦
تَعالى ذَكَرَهم بِاسْمَيْنِ لِتَوْكِيدِ أمْرِهِمْ في الصَّدَقاتِ؛ لِأنَّهم هُمُ الأُصُولُ في الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ. وأيْضًا الفائِدَةُ فِيهِ أنْ يُصْرَفَ إلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ سَهْمانِ لا كَسائِرِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ فائِدَةَ هَذا الِاخْتِلافِ لا تَظْهَرُ في تَفْرِقَةِ الصَّدَقاتِ، وإنَّما تَظْهَرُ في الوَصايا، وهو أنَّ رَجُلًا لَوْ قالَ: أوْصَيْتُ لِلْفُقَراءِ بِمِائَتَيْنِ، ولِلْمَساكِينِ بِخَمْسِينَ، وجَبَ دَفْعُ المِائَتَيْنِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى مَن كانَ أشَدَّ حاجَةً، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى مَن كانَ أقَلَّ حاجَةً، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما أثْبَتَ الصَّدَقاتِ لِهَؤُلاءِ الأصْنافِ؛ دَفْعًا لِحاجَتِهِمْ وتَحْصِيلًا لِمَصْلَحَتِهِمْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِهِ يَكُونُ أشَدَّ حاجَةً؛ لِأنَّ الظّاهِرَ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الأهَمِّ عَلى المُهِمِّ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ؛ ومَن فَضَّلَ عُثْمانَ عَلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في ذِكْرِهِما: عُثْمانُ وعَلِيٌّ، ومَن فَضَّلَ عَلِيًّا عَلى عُثْمانَ يَقُولُ: عَلِيٌّ وعُثْمانُ، وأنْشَدَ عُمَرُ قَوْلَ الشّاعِرِ:
كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا
فَقالَ: هَلّا قَدَّمَ الإسْلامَ عَلى الشَّيْبِ ! فَلَمّا وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ الفُقَراءِ وجَبَ أنْ تَكُونَ حاجَتُهم أشَدَّ مِن حاجَةِ المَساكِينِ.
الوَجْهُ الثّانِي: قالَ أحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ: الفَقِيرُ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ؛ لِأنَّ الفَقِيرَ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: المَفْقُورُ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَةٌ مِن فِقارِ ظَهْرِهِ، فَصُرِفَ عَنْ مَفْقُورٍ إلى فَقِيرٍ، كَما قِيلَ: مَطْبُوخٌ وطَبِيخٌ، ومَجْرُوحٌ وجَرِيحٌ، فَثَبَتَ أنَّ الفَقِيرَ إنَّما سُمِّيَ فَقِيرًا لِزَمانَتِهِ مَعَ حاجَتِهِ الشَّدِيدَةِ، وتَمْنَعُهُ الزَّمانَةُ مِنَ التَّقَلُّبِ في الكَسْبِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا حالَ في الإقْلالِ والبُؤْسِ آكَدُ مِن هَذِهِ الحالِ. وأنْشَدُوا لِلَبِيدٍ:
لَمّا رَأى لُبَدُ النُّسُورَ تَطايَرَتْ ∗∗∗ رَفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ
قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: في هَذا البَيْتِ: الفَقِيرُ المَكْسُورُ الفَقارِ، يُضْرَبُ مَثَلًا لِكُلِّ ضَعِيفٍ لا يَتَقَلَّبُ في الأُمُورِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى إشْعارِ لَفْظِ الفَقِيرِ بِالشِّدَّةِ العَظِيمَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤ - ٢٥] . جَعَلَ لَفْظَ الفاقِرَةِ كِنايَةً عَنْ أعْظَمِ أنْواعِ الشَّرِّ والدَّواهِي.
الوَجْهُ الثّالِثُ: ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الفَقْرِ، وقالَ: «”كادَ الفَقْرُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا“»، ثُمَّ قالَ: «”اللَّهُمَّ أحْيِنِي مِسْكِينًا، وأمِتْنِي مِسْكِينًا، واحْشُرْنِي في زُمْرَةِ المَساكِينِ“»، فَلَوْ كانَ المِسْكِينُ أسْوَأ حالًا مِنَ الفَقِيرِ لَتَناقَضَ الحَدِيثانِ؛ لِأنَّهُ تَعَوَّذَ مِنَ الفَقْرِ، ثُمَّ سَألَ حالًا أسْوَأ مِنهُ، أمّا إذا قُلْنا: الفَقْرُ أشَدُّ مِنَ المَسْكَنَةِ فَلا تَناقُضَ البَتَّةَ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ كَوْنَهُ مِسْكِينًا، لا يُنافِي كَوْنَهُ مالِكًا لِلْمالِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] . فَوَصَفَ بِالمَسْكَنَةِ مَن لَهُ سَفِينَةٌ مِن سُفُنِ البَحْرِ تُساوِي جُمْلَةً مِنَ الدَّنانِيرِ، ولَمْ نَجِدْ في كِتابِ اللَّهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ سُمِّيَ فَقِيرًا مَعَ أنَّهُ يَمْلِكُ شَيْئًا.
فَإنْ قالُوا: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] . فَوَصَفَ الكُلَّ بِالفَقْرِ مَعَ أنَّهم يَمْلِكُونَ أشْياءَ.
صفحة ٨٧
قُلْنا: هَذا بِالضِّدِّ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ فُقَراءَ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ أحَدًا سِوى اللَّهِ تَعالى لا يَمْلِكُ البَتَّةَ شَيْئًا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، فَصَحَّ قَوْلُنا.
الوَجْهُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] . والمُرادُ مِنَ المِسْكِينِ ذِي المَتْرَبَةِ: الفَقِيرُ الَّذِي قَدْ أُلْصِقَ بِالتُّرابِ مِن شِدَّةِ الفَقْرِ، فَتَقْيِيدُ المِسْكِينِ بِهَذا القَيْدِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ مِسْكِينٌ خالٍ عَنْ وصْفِ كَوْنِهِ ذا مَتْرَبَةٍ؛ وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ أنْ يَمْلِكَ شَيْئًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مِسْكِينًا لا يُنافِي كَوْنَهُ مالِكًا لِبَعْضِ الأشْياءِ.
الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الفَقِيرُ هو المُحْتاجُ الَّذِي لا يَجِدُ شَيْئًا. قالَ: وهم أهْلُ الصُّفَّةِ، صُفَّةِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانُوا نَحْوَ أرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ لا مَنزِلَ لَهم، فَمَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ عِنْدَهُ فَضْلٌ أتاهم بِهِ إذا أمْسَوْا، والمَساكِينُ: هُمُ الطَّوّافُونَ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ.
وجْهُ الِاسْتِدْلالِ: أنَّ شِدَّةَ فَقْرِ أهْلِ الصُّفَّةِ مَعْلُومَةٌ بِالتَّواتُرِ، فَلَمّا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ الفُقَراءَ بِهِمْ، وفَسَّرَ المَساكِينَ بِالطَّوّافِينَ، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّ أحْوالَ المُحْتاجِ الَّذِي لا يَسْألُ أحَدًا شَيْئًا أشَدُّ مِن أحْوالِ مَن يَحْتاجُ ثُمَّ يَسْألُ النّاسَ ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ، ظَهَرَ أنَّ الفَقِيرَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أسْوَأ حالًا مِنَ المِسْكِينِ.
الوَجْهُ السّابِعُ: أنَّ المَسْكَنَةَ لَفْظٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّكُونِ، فالفَقِيرُ إذا سَألَ النّاسَ وتَضَرَّعَ إلَيْهِمْ وعَلِمَ أنَّهُ مَتى تَضَرَّعَ إلَيْهِمْ أعْطَوْهُ شَيْئًا فَقَدْ سَكَنَ قَلْبُهُ، وزالَ عَنْهُ الخَوْفُ والقَلَقُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهُ إذا أُجِيبَ بِالرَّدِّ ومُنِعَ سَكَنَ، ولَمْ يَضْطَرِبْ وأعادَ السُّؤالَ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ جَعَلَ التَمَسْكُنَ كِنايَةً عَنِ السُّؤالِ والتَّضَرُّعِ عِنْدَ الغَيْرِ، ويُقالُ: تَمَسْكَنَ الرَّجُلُ إذا لانَ وتَواضَعَ، ومِنهُ «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْمُصَلِّي: ”تَأنَّ وتَمَسْكَنْ“»، ويُرِيدُ تَواضَعْ وتَخَشَّعْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ المِسْكِينَ هو السّائِلُ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . فَلَمّا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا هَهُنا أنَّ المِسْكِينَ هو السّائِلُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ المَحْرُومُ هو الفَقِيرَ، ولا شَكَّ أنَّ المَحْرُومَ مُبالَغَةٌ في تَقْرِيرِ أمْرِ الحِرْمانِ، فَثَبَتَ أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ.
الوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«أحْيِنِي مِسْكِينًا» “ الحَدِيثَ، والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى أجابَ دُعاءَهُ فَأماتَهُ مِسْكِينًا، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ تُوُفِّيَ كانَ يَمْلِكُ أشْياءَ كَثِيرَةً، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ كَوْنَهُ مِسْكِينًا لا يُنافِي كَوْنَهُ مالِكًا لِبَعْضِ الأشْياءِ، أمّا الفَقِيرُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى الحاجَةِ الشَّدِيدَةِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”كادَ الفَقْرُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا“»، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ الفَقْرَ أشَدُّ حالًا مِنَ المَسْكَنَةِ.
الوَجْهُ التّاسِعُ: أنَّ النّاسَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الفَقْرَ والغِنى ضِدّانِ، كَما أنَّ السَّوادَ والبَياضَ ضِدّانِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ الغِنى والمَسْكَنَةَ ضِدّانِ، بَلْ قالُوا: التَّرَفُّعُ والتَّمَسُكُنَ ضِدّانِ؛ فَمَن كانَ مُنْقادًا لِكُلِّ أحَدٍ، خائِفًا مِنهم، مُتَحَمِّلًا لِشَرِّهِمْ، ساكِتًا عَنْ جَوابِهِمْ، مُتَضَرِّعًا إلَيْهِمْ، قالُوا: إنَّ فُلانًا يُظْهِرُ الذُّلَّ والمَسْكَنَةَ، وقالُوا: إنَّهُ مِسْكِينٌ عاجِزٌ، وأمّا الفَقِيرُ فَجَعَلُوهُ عِبارَةً عَنْ ضِدِّ الغَنِيِّ، وعَلى هَذا فَقَدَ يَصِفُونَ الرَّجُلَ الغَنِيَّ بِكَوْنِهِ مِسْكِينًا، إذا كانَ يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ الخُضُوعَ والطّاعَةَ وتَرْكَ المُعارَضَةِ، وقَدْ يَصِفُونَ الرَّجُلَ الفَقِيرَ بِكَوْنِهِ مُتَرَفِّعًا عَنِ التَّواضُعِ والمَسْكَنَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الفَقْرَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ المالِ، والمَسْكَنَةَ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ التَّواضُعِ، والأوَّلُ يُنافِي حُصُولَ المالِ، والثّانِي لا يُنافِي حُصُولَهُ.
صفحة ٨٨
الوَجْهُ العاشِرُ: «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمُعاذٍ في الزَّكاةِ: ”خُذْها مِن أغْنِيائِهِمْ، ورُدَّها عَلى فُقَرائِهِمْ“»، ولَوْ كانَتِ الحاجَةُ في المَساكِينِ أشَدَّ لَوَجَبَ أنْ يَقُولَ: ورُدَّها عَلى مَساكِينِهِمْ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الأهَمِّ أوْلى، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْناها تَدُلُّ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ مِنَ المِسْكِينِ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ المِسْكِينَ أسْوَأُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] . وصَفَ المِسْكِينَ بِكَوْنِهِ ذا مَتْرَبَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الضُّرِّ والشِّدَّةِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الكَفّاراتِ مِنَ الأطْعِمَةِ لَهُ، ولا فاقَةَ أعْظَمُ مِنَ الحاجَةِ إلى إزالَةِ الجُوعِ.
الثّانِي: احْتَجُّوا بِقَوْلِ الرّاعِي:
أمّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ ∗∗∗ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
سَمّاهُ فَقِيرًا ولَهُ حَلُوبَةٌ.
الثّالِثُ: قالُوا: المِسْكِينُ هو الَّذِي يَسْكُنُ حَيْثُ يَحْضُرُ لِأجْلِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ يَسْكُنُ فِيهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الضُّرِّ والبُؤْسِ.
الرّابِعُ: نَقَلُوا عَنِ الأصْمَعِيِّ، وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُما قالا: الفَقِيرُ الَّذِي لَهُ ما يَأْكُلُ، والمِسْكِينُ الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، وقالَ يُونُسُ: الفَقِيرُ قَدْ يَكُونُ لَهُ بَعْضُ ما يَكْفِيهِ، والمِسْكِينُ هو الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، وقُلْتُ لِأعْرابِيٍّ: أفَقِيرٌ أنْتَ ؟ قالَ: لا واللَّهِ بَلْ مِسْكِينٌ.
والجَوابُ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِالآيَةِ: أنّا بَيَّنّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ لَنا، فَإنَّهُ لَمّا قَيَّدَ المِسْكِينَ المَذْكُورَ هَهُنا بِكَوْنِهِ ذا مَتْرَبَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ قَدْ يُوجَدُ مِسْكِينٌ لا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وإلّا لَمْ يَبْقَ لِهَذا القَيْدِ فائِدَةٌ. قَوْلُهُ: إنَّهُ صَرْفُ الطَّعامِ الواجِبِ في الكَفّاراتِ إلَيْهِ، قُلْنا: نَعَمْ إنَّهُ أوْجَبَ صَرْفَهُ إلى المِسْكِينِ المُقَيَّدِ بِقَيْدِ كَوْنِهِ ذا مَتْرَبَةٍ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أوْجَبَ الصَّرْفَ إلى مُطْلَقِ المِسْكِينِ.
والجَوابُ عَنِ اسْتِدْلالِهِمْ بِبَيْتِ الرّاعِي: أنَّهُ ذَكَرَ أنَّ هَذا الَّذِي هو الآنَ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ فَقِيرًا فَقَدْ كانَتْ لَهُ حَلُوبَةٌ، ثُمَّ السَّيِّدُ لَمْ يَتْرُكْ لَهُ شَيْئًا، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كانَتْ لَهُ حَلُوبَةٌ، ثُمَّ لَمّا لَمْ يُتْرَكْ لَهُ شَيْءٌ وُصِفَ بِكَوْنِهِ فَقِيرًا ؟
والجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: المِسْكِينُ هو الَّذِي يَسْكُنُ حَيْثُ يَحْضُرُ لِأجْلِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ.
قُلْنا: بَلِ المِسْكِينُ هو الطَّوّافُ عَلى النّاسِ الَّذِي يَكْثُرُ إقْدامُهُ عَلى السُّؤالِ، وسُمِّيَ مِسْكِينًا إمّا لِسُكُونِهِ عِنْدَما يَنْتَهِرُونَهُ ويَرُدُّونَهُ، وإمّا لِسُكُونِ قَلْبِهِ بِسَبَبِ عِلْمِهِ أنَّ النّاسَ لا يُضَيِّعُونَهُ مَعَ كَثْرَةِ سُؤالِهِ إيّاهم، وأمّا الرِّواياتُ الَّتِي ذَكَرُوها عَنْ أبِي عَمْرٍو ويُونُسَ، فَهَذا مُعارَضٌ بِقَوْلِ الشّافِعِيِّ، وابْنِ الأنْبارِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ، وأيْضًا نَقَلَ القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: الفُقَراءُ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، والمَساكِينُ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا، وعَنِ الحَسَنِ: الفَقِيرُ الجالِسُ في بَيْتِهِ، والمِسْكِينُ الَّذِي يَسْعى، وعَنْ مُجاهِدٍ: الفَقِيرُ الَّذِي لا يَسْألُ، والمِسْكِينُ الَّذِي يَسْألُ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ: الفُقَراءُ هُمُ المُتَعَفِّفُونَ الَّذِينَ لا يَخْرُجُونَ، والمَساكِينُ الَّذِينَ يَسْألُونَ. قالَ مَوْلانا الدّاعِي إلى اللَّهِ: هَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَوافِقَةٌ عَلى أنَّ الفَقِيرَ لا يَسْألُ، والمِسْكِينَ يَسْألُ، ومَن سَألَ وجَدَ، فَكانَ المِسْكِينُ أسْهَلَ وأقَلَّ حاجَةً.
الصِّنْفُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ وهُمُ السُّعاةُ لِجِبايَةِ الصَّدَقَةِ، وهَؤُلاءِ يُعْطَوْنَ مِنَ الصَّدَقاتِ بِقَدْرِ أُجُورِ أعْمالِهِمْ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وابْنِ زَيْدٍ، وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: يُعْطَوْنَ الثُّمُنَ مِنَ الصَّدَقاتِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ مَعَ مُجاهِدٍ إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: هَذا أُجْرَةُ
صفحة ٨٩
العَمَلِ، فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ العَمَلِ، والصَّحِيحُ أنَّ مَوْلى الهاشِمِيِّ والمُطَّلِبِيِّ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامِلًا عَلى الصَّدَقاتِ لِيَنالَهُ مِنها؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أبى أنْ يَبْعَثَ أبا رافِعٍ عامِلًا عَلى الصَّدَقاتِ، وقالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ مَوْلى القَوْمِ مِنهم. وإنَّما قالَ: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾؛ لِأنَّ كَلِمَةَ عَلى تُفِيدُ الوَلايَةِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ عَلى بَلَدِ كَذا إذا كانَ والِيًا عَلَيْهِ.
الصِّنْفُ الرّابِعُ: «قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ أشْرافٌ مِنَ الأحْياءِ، أعْطاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وكانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا: أبُو سُفْيانَ، والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى، وسَهْلُ بْنُ عَمْرٍو مِن بَنِي عامِرٍ، والحارْثُ بْنُ هِشامٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الجُهَنِيُّ، وأبُو السَّنابِلِ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، ومالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَرْبُوعٍ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وعَمْرُو بْنُ مِرْداسٍ، والعَلاءُ بْنُ الحارِثِ؛ أعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ رَجُلٍ مِنهم مِائَةً مِنَ الإبِلِ، ورَغَّبَهم في الإسْلامِ، إلّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَرْبُوعٍ أعْطاهُ خَمْسِينَ مِنَ الإبِلِ، وأعْطى حَكِيمَ بْنَ حِزامٍ سَبْعِينَ مِنَ الإبِلِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما كُنْتُ أرى أنَّ أحَدًا مِنَ النّاسِ أحَقُّ بِعَطائِكَ مِنِّي. فَزادَهُ عَشَرَةً، ثُمَّ سَألَهُ فَزادَهُ عَشَرَةً، وهَكَذا حَتّى بَلَغَ مِائَةً، ثُمَّ قالَ حَكِيمٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أعَطِيَّتُكَ الأُولى الَّتِي رَغِبْتُ عَنْها خَيْرٌ أمْ هَذِهِ الَّتِي قَنِعْتُ بِها ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”بَلِ الَّتِي رَغِبْتَ عَنْها“ فَقالَ: واللَّهِ لا آخُذُ غَيْرَها. فَقِيلَ: ماتَ حَكِيمٌ وهو أكْثَرُ قُرَيْشٍ مالًا» . وشَقَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ العَطايا لَكِنْ ألَّفَهم بِذَلِكَ. قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ العَطايا إنَّما كانَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ ولا تَعَلُّقَ لَها بِالصَّدَقاتِ، ولا أدْرِي لِأيِّ سَبَبٍ ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما هَذِهِ القِصَّةَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَعَلَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في الجُمْلَةِ صَرْفُ الأمْوالِ إلى المُؤَلَّفَةِ، فَأمّا أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِصَرْفِ الزَّكاةِ إلَيْهِمْ فَلا يَلِيقُ بِابْنِ عَبّاسٍ. ونَقَلَ القَفّالُ أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أعْطى عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ لَمّا جاءَهُ بِصَدَقاتِهِ وصَدَقاتِ قَوْمِهِ أيّامَ الرِّدَّةِ، وقالَ: المَقْصُودُ أنْ يَسْتَعِينَ الإمامُ بِهِمْ عَلى اسْتِخْراجِ الصَّدَقاتِ مِنَ المُلّاكِ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أغْنى المُسْلِمِينَ عَنْ تَألُّفِ قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، فَإنْ رَأى الإمامُ أنْ يُؤَلِّفَ قُلُوبَ قَوْمٍ لِبَعْضِ المَصالِحِ الَّتِي يَعُودُ نَفْعُها عَلى المُسْلِمِينَ إذا كانُوا مُسْلِمِينَ جازَ؛ إذْ لا يَجُوزُ صَرْفُ شَيْءٍ مِن زَكَواتِ الأمْوالِ إلى المُشْرِكِينَ، فَأمّا المُؤَلَّفَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ فَإنَّما يُعْطَوْنَ مِن مالِ الفَيْءِ، لا مِنَ الصَّدَقاتِ، وأقُولُ: إنَّ قَوْلَ الواحِدِيِّ: إنَّ اللَّهَ أغْنى المُسْلِمِينَ عَنْ تَألُّفِ قُلُوبِ المُشْرِكِينَ؛ بِناءً عَلى أنَّهُ رُبَّما يُوهَمُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَفَعَ قِسْمًا مِنَ الزَّكاةِ إلَيْهِمْ، لَكِنّا بَيَّنّا أنَّ هَذا لَمْ يَحْصُلِ البَتَّةَ، وأيْضًا فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُؤَلَّفَةِ مُشْرِكِينَ، بَلْ قالَ: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، وهَذا عامٌّ في المُسْلِمِ وغَيْرِهِ، والصَّحِيحُ أنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وأنَّ لِلْإمامِ أنْ يَتَألَّفَ قَوْمًا عَلى هَذا الوَصْفِ، ويَدْفَعَ إلَيْهِمْ سَهْمَ المُؤَلَّفَةِ؛ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى نَسْخِهِ البَتَّةَ.
الصِّنْفُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وفِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: وفي فَكِّ الرِّقابِ. وقَدْ مَضى الِاسْتِقْصاءُ في ”تَفْسِيرِهِ“ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] . ثُمَّ في تَفْسِيرِ الرِّقابِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ سَهْمَ الرِّقابِ مَوْضُوعٌ في المُكاتَبِينَ لِيَعْتِقُوا بِهِ، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، واحْتَجُّوا بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ يُرِيدُ المُكاتَبَ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] .
صفحة ٩٠
والقَوْلُ الثّانِي: وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ أنَّهُ مَوْضُوعٌ لِعِتْقِ الرِّقابِ يُشْتَرى بِهِ عَبِيدٌ فَيَعْتِقُونَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيِّ، أنَّهُ لا يُعْتَقُ مِنَ الزَّكاةِ رَقَبَةٌ كامِلَةٌ، ولَكِنْ يُعْطى مِنها في رَقَبَةٍ، ويُعانُ بِها مُكاتَبٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ مَدْخَلٌ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ تامًّا فِيهِ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، قالَ: سَهْمُ الرِّقابِ نِصْفانِ؛ نِصْفٌ لِلْمُكاتَبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ونِصْفٌ يُشْتَرى بِهِ رِقابٌ مِمَّنْ صَلَّوْا وصامُوا، وقَدُمَ إسْلامُهم، فَيَعْتِقُونَ مِنَ الزَّكاةِ، قالَ أصْحابُنا: والِاحْتِياطُ في سَهْمِ الرِّقابِ دَفْعُهُ إلى السَّيِّدِ بِإذْنِ المُكاتَبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الصَّدَقاتِ لِلْأصْنافِ الأرْبَعَةِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم بِلامِ التَّمْلِيكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ ولَمّا ذَكَرَ الرِّقابَ أبْدَلَ حَرْفَ اللّامِ بِحَرْفِ في فَقالَ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ فَلا بُدَّ لِهَذا الفَرْقِ مِن فائِدَةٍ، وتِلْكَ الفائِدَةُ هي أنَّ تِلْكَ الأصْنافَ الأرْبَعَةَ المُتَقَدِّمَةَ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ نَصِيبُهم مِنَ الصَّدَقاتِ، حَتّى يَتَصَرَّفُوا فِيها كَما شاءُوا، وأمّا: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ فَيُوضَعُ نَصِيبُهم في تَخْلِيصِ رَقَبَتِهِمْ عَنِ الرِّقِّ، ولا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ ولا يُمَكَّنُوا مِنَ التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ النَّصِيبِ كَيْفَ شاءُوا، بَلْ يُوضَعُ في الرِّقابِ بِأنْ يُؤَدّى عَنْهم، وكَذا القَوْلُ في الغارِمِينَ يُصْرَفُ المالُ في قَضاءِ دُيُونِهِمْ، وفي الغُزاةِ يُصْرَفُ المالُ إلى إعْدادِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الغَزْوِ، وابْنُ السَّبِيلِ كَذَلِكَ.
والحاصِلُ: أنَّ في الأصْنافِ الأرْبَعَةِ الأُوَلِ يُصْرَفُ المالُ إلَيْهِمْ حَتّى يَتَصَرَّفُوا فِيهِ كَما شاءُوا، وفي الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ لا يُصْرَفُ المالُ إلَيْهِمْ، بَلْ يُصْرَفُ إلى جِهاتِ الحاجاتِ المُعْتَبَرَةِ في الصِّفاتِ الَّتِي لِأجْلِها اسْتَحَقُّوا سَهْمَ الزَّكاةِ.
الصِّنْفُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والغارِمِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الغُرْمِ في اللُّغَةِ: لُزُومُ ما يَشُقُّ، والغَرامُ: العَذابُ اللّازِمُ، وسُمِّيَ العِشْقُ غَرامًا؛ لِكَوْنِهِ أمْرًا شاقًّا ولازِمًا، ومِنهُ: فُلانٌ مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ إذا كانَ مُولَعًا بِهِنَّ، وسُمِّيَ الدَّيْنُ غَرامًا؛ لِكَوْنِهِ شاقًّا عَلى الإنْسانِ ولازِمًا لَهُ، فالمُرادُ بِالغارِمِينَ: المَدْيُونُونَ، ونَقُولُ: الدَّيْنُ إنْ حَصَلَ بِسَبَبِ مَعْصِيَةٍ لا يَدْخُلُ في الآيَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن صَرْفِ المالِ المَذْكُورِ في الآيَةِ الإعانَةُ، والمَعْصِيَةُ لا تَسْتَوْجِبُ الإعانَةَ، وإنْ حَصَلَ لا بِسَبَبِ مَعْصِيَةٍ فَهو قِسْمانِ: دَيْنٌ حَصَلَ بِسَبَبِ نَفَقاتٍ ضَرُورِيَّةٍ أوْ في مَصْلَحَةٍ، ودَيْنٌ حَصَلَ بِسَبَبِ حَمالاتٍ وإصْلاحِ ذاتِ بَيْنٍ، والكُلُّ داخِلٌ في الآيَةِ، ورَوى الأصَمُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَضى بِالغُرَّةِ في الجَنِينِ، قالَتِ العاقِلَةُ: لا نَمْلِكُ الغُرَّةَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ لِحَمْدِ بْنِ مالِكِ بْنِ النّابِغَةِ: ”أعِنْهم بِغُرَّةٍ مِن صَدَقاتِهِمْ“ . وكانَ حَمْدٌ عَلى الصَّدَقَةِ يَوْمَئِذٍ» .
الصِّنْفُ السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي الغُزاةَ. قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِن مالِ الزَّكاةِ وإنْ كانَ غَنِيًّا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وإسْحاقَ، وأبِي عُبَيْدٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وصاحِباهُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: لا يُعْطى الغازِي إلّا إذا كانَ مُحْتاجًا.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يُوجِبُ القَصْرَ عَلى كُلِّ الغُزاةِ، فَلِهَذا المَعْنى نَقَلَ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِ الفُقَهاءِ: أنَّهم أجازُوا صَرْفَ الصَّدَقاتِ إلى جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ؛ مِن تَكْفِينِ المَوْتى، وبِناءِ الحُصُونِ، وعِمارَةِ المَساجِدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عامٌّ في الكُلِّ.
والصِّنْفُ الثّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ابْنُ السَّبِيلِ المُسْتَحِقُّ لِلصَّدَقَةِ، وهو الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَيَعْجِزُ عَنْ بُلُوغِ سَفَرِهِ إلّا بِمَعُونَةٍ. قالَ الأصْحابُ: ومَن أنْشَأ السَّفَرَ مِن بَلَدِهِ لِحاجَةٍ،
صفحة ٩١
جازَ أنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ سَهْمُ ابْنِ السَّبِيلِ، فَهَذا هو الكَلامُ في شَرْحِ هَذِهِ الأصْنافِ الثَّمانِيَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في أحْكامِ هَذِهِ الأقْسامِ:
الحُكْمُ الأوَّلُ:
اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ﴾ دَخَلَ فِيهِ الزَّكاةُ الواجِبَةُ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ الواجِبَةَ مُسَمّاةٌ بِالصَّدَقَةِ، قالَ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «: ”لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ ذَوْدٍ، ولَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ“» . واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ تُدْخُلُ فِيها الصَّدَقَةُ المَندُوبَةُ ؟ فَمِنهم مَن قالَ: تَدْخُلُ فِيها؛ لِأنَّ لَفْظَ الصَّدَقَةِ مُخْتَصٌّ بِالمَندُوبَةِ، فَإذا أدْخَلْنا فِيهِ الزَّكاةَ الواجِبَةَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ تَدْخُلَ فِيهِ أيْضًا الصَّدَقَةُ المَندُوبَةُ، وتَكُونُ الفائِدَةُ أنَّ مَصارِفَ جَمِيعِ الصَّدَقاتِ لَيْسَ إلّا هَؤُلاءِ، والأقْرَبُ: أنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ الصَّدَقاتِ هَهُنا هو الزَّكَواتُ الواجِبَةُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ هَذِهِ الصَّدَقاتِ بِلامِ التَّمْلِيكِ لِلْأصْنافِ الثَّمانِيَةِ، والصَّدَقَةُ المَمْلُوكَةُ لَهم لَيْسَتْ إلّا الزَّكاةَ الواجِبَةَ.
الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَصْرِفَ الصَّدَقاتِ لَيْسَ إلّا لِهَؤُلاءِ الثَّمانِيَةِ، وهَذا الحَصْرُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الصَّدَقاتِ عَلى الزَّكَواتِ الواجِبَةِ، أمّا لَوْ أدْخَلْنا فِيها المَندُوباتِ لَمْ يَصِحَّ هَذا الحَصْرُ؛ لِأنَّ الصَّدَقاتِ المَندُوبَةَ يَجُوزُ صَرْفُها إلى بِناءِ المَساجِدِ، والرِّباطاتِ، والمَدارِسِ، وتَكْفِينِ المَوْتى وتَجْهِيزِهِمْ وسائِرِ الوُجُوهِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ لَوْ كانَ قَدْ سَبَقَ بَيانُ تِلْكَ الصَّدَقاتِ وأقْسامِها حَتّى يَنْصَرِفَ هَذا الكَلامُ إلَيْهِ، والصَّدَقاتُ الَّتِي سَبَقَ بَيانُها وتَفْصِيلُها هي الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ، فَوَجَبَ انْصِرافُ هَذا الكَلامِ إلَيْها.
الحُكْمُ الثّانِي
دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذِهِ الزَّكاةَ يَتَوَلّى أخْذَها وتَفْرِقَتَها الإمامُ، ومَن يَلِي مِن قِبَلِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِلْعامِلِينَ سَهْمًا فِيها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في أداءِ هَذِهِ الزَّكَواتِ مِن عامِلٍ، والعامِلُ هو الَّذِي نَصَبَهُ الإمامُ لِأخْذِ الزَّكَواتِ، فَدَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ الإمامَ هو الَّذِي يَأْخُذُ هَذِهِ الزَّكَواتِ، وتَأكَّدَ هَذا النَّصُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ . فالقَوْلُ بِأنَّ المالِكَ يَجُوزُ لَهُ إخْراجُ زَكاةِ الأمْوالِ الباطِنَةِ بِنَفْسِهِ إنَّما يُعْرَفُ بِدَلِيلٍ آخَرَ، ويُمْكِنُ أنْ يُتَمَسَّكَ في إثْباتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . فَإذا كانَ ذَلِكَ الحَقُّ حَقًّا لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ وجَبَ أنْ يَجُوزَ لَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ ابْتِداءً.
الحُكْمُ الثّالِثُ:
نَصُّ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العامِلَ لَهُ في مالِ الزَّكاةِ حَقٌّ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الإمامَ هَلْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ ؟ فَمِنهم مَن أثْبَتَهُ، قالَ: لِأنَّ العامِلَ إنَّما قَدَرَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ بِتَقْوِيَتِهِ وإمارَتِهِ، فالعامِلُ في الحَقِيقَةِ هو الإمامُ، ومِنهم مَن مَنَعَهُ، وقالَ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى حَصْرِ مالِ الزَّكاةِ في هَؤُلاءِ الثَّمانِيَةِ، والإمامُ خارِجٌ عَنْهم فَلا يُصْرَفُ هَذا المالُ إلَيْهِ.
الحُكْمُ الرّابِعُ:
اخْتَلَفُوا في هَذا العامِلِ إذا كانَ غَنِيًّا هَلْ يَأْخُذُ النَّصِيبَ ؟ قالَ الحَسَنُ: لا يَأْخُذُ إلّا مَعَ الحاجَةِ، وقالَ
صفحة ٩٢
الباقُونَ: يَأْخُذُ وإنْ كانَ غَنِيًّا؛ لِأنَّهُ يَأْخُذُهُ أُجْرَةً عَلى العَمَلِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ بَعْضُهم: لِلْعامِلِ في مالِ الزَّكاةِ الثُّمُنُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ الزَّكاةَ عَلى ثَمانِيَةِ أصْنافٍ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ الثُّمُنُ، كَما أنَّ مَن أوْصى بِمالٍ لِثَمانِيَةِ أنْفُسٍ حَصَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ثُمُنُهُ، وقالَ الأكْثَرُونَ: بَلْ حَقُّهُ بِقَدْرِ مُؤْنَتِهِ عِنْدَ الجِبايَةِ والجَمْعِ.
الحُكْمُ الخامِسُ:
اتَّفَقُوا عَلى أنَّ مالَ الزَّكاةِ لا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الثَّمانِيَةِ، واخْتَلَفُوا أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ وضْعُهُ في بَعْضِ الأصْنافِ فَقَطْ ؟ وقَدْ سَبَقَ دَلائِلُ هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ، إلّا أنّا إذا قُلْنا: يَجُوزُ وضْعُهُ في بَعْضِ الأصْنافِ فَقَطْ فَهَذا إنَّما يَجُوزُ في غَيْرِ العامِلِ، وأمّا وضْعُهُ بِالكُلِّيَّةِ في العامِلِ فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ بِالِاتِّفاقِ.
الحُكْمُ السّادِسُ:
أنَّ العامِلَ والمُؤَلَّفَةَ مَفْقُودانِ في هَذا الزَّمانِ، فَفِيهِ الأصْنافُ السِّتَّةُ، والأوْلى صَرْفُ الزَّكاةِ إلى هَذِهِ الأصْنافِ السِّتَّةِ عَلى ما يَقُولُهُ الشّافِعِيُّ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ في الِاحْتِياطِ، أمّا إنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أجْزَأهُ عَلى ما بَيَّنّاهُ.
الحُكْمُ السّابِعُ:
عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ يَتَناوَلُ الكافِرَ والمُسْلِمَ، إلّا أنَّ الأخْبارَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكاةِ إلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ وغَيْرِهِمْ إلّا إذا كانُوا مُسْلِمِينَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأصْنافَ الثَّمانِيَةَ وشَرَحَ أحْوالَهم، قالَ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”فَرِيضَةً“ مَنصُوبٌ عَلى التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ﴾ لِهَؤُلاءِ جارٍ مَجْرى قَوْلِهِ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّدَقاتِ لِهَؤُلاءِ فَرِيضَةً، وذَلِكَ كالزَّجْرِ عَنْ مُخالَفَةِ هَذا الظّاهِرِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَرْضَ بِقِسْمَةِ الزَّكاةِ أنْ يَتَوَلّاها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ حَتّى تَوَلّى قِسْمَتَها بِنَفْسِهِ“»، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ التَّأْكِيداتِ تَحْرِيمُ إخْراجِ الزَّكاةِ عَنْ هَذِهِ الأصْنافِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: أعْلَمُ بِمَقادِيرِ المَصالِحِ، ”حَكِيمٌ“ لا يُشَرِّعُ إلّا ما هو الأصْوَبُ الأصْلَحُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
التوبة 9:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن جَهالاتِ المُنافِقِينَ، وهو أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في رَسُولِ اللَّهِ: إنَّهُ أُذُنٌ، عَلى وجْهِ الطَّعْنِ والذَّمِّ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْمَشِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِي عِكْرِمَةَ عَنْهُ ”أُذُنٌ خَيْرٌ“ مَرْفُوعَيْنِ
صفحة ٩٣
مُنَوَّنَيْنِ، عَلى تَقْدِيرِ: إنْ كانَ كَما تَقُولُونَ: إنَّهُ أُذُنٌ، فَأُذُنٌ خَيْرٌ لَكم، يَقْبَلُ مِنكم ويَصْدُقُكم خَيْرٌ لَكم مِن أنْ يَكْذِبَكم، والباقُونَ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ بِالإضافَةِ، أيْ: هو أُذُنُ خَيْرٍ، لا أُذُنُ شَرٍّ، وقَرَأ نافِعٌ: ”أُذْنُ“ ساكِنَةَ الذّالِ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ، مِثْلُ عُنُقٍ وظُفُرٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ جَماعَةً مِنَ المُنافِقِينَ ذَكَرُوا النَّبِيَّ ﷺ بِما لا يَنْبَغِي مِنَ القَوْلِ، فَقالَ بَعْضُهم: لا تَفْعَلُوا فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَهُ ما نَقُولُ، فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: بَلْ نَقُولُ ما شِئْنا، ثُمَّ نَذْهَبُ إلَيْهِ ونَحْلِفُ أنّا ما قُلْنا، فَيَقْبَلُ قَوْلَنا، وإنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سامِعَةٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ الحَسَنُ: كانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: ما هَذا الرَّجُلُ إلّا أُذُنٌ، مَن شاءَ صَرَفَهُ حَيْثُ شاءَ، لا عَزِيمَةَ لَهُ. «ورَوى الأصَمُّ أنَّ رَجُلًا مِنهم قالَ لِقَوْمِهِ: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَسَمِعَها ابْنُ امْرَأتِهِ، فَقالَ: واللَّهِ إنَّهُ لَحَقٌّ وإنَّكَ أشَرُّ مِن حِمارِكَ. ثُمَّ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ، ولَوْ لَقِيتَهُ وحَلَفْتَ لَهُ لَيُصَدِّقَنَّكَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، فَقالَ القائِلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أُسْلِمْ قَطُّ قَبْلَ اليَوْمِ، وإنَّ هَذا الغُلامَ لَعَظِيمُ الثَّمَنِ عَلَيَّ، واللَّهِ لَأشْكُرَنَّهُ» . ثُمَّ قالَ الأصَمُّ: أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ وُجُوهَ كُفْرِهِمُ الَّتِي كانُوا يُسِرُّونَها؛ لِتَكُونَ حُجَّةً لِلرَّسُولِ ولِيَنْزَجِرُوا. فَقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وفي كُلِّ ذَلِكَ دَلائِلُ عَلى كَوْنِهِ نَبِيًّا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى أنَّ مِنَ المُنافِقِينَ مَن يُؤْذِي النَّبِيَّ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الإيذاءَ بِأنَّهم يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ: إنَّهُ أُذُنٌ، وغَرَضُهم مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَكاءٌ ولا بُعْدُ غَوْرٍ، بَلْ هو سَلِيمُ القَلْبِ سَرِيعُ الِاغْتِرارِ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ سَمَّوْهُ بِأنَّهُ أُذُنٌ، كَما أنَّ الجاسُوسَ يُسَمّى بِالعَيْنِ، يُقالُ: جَعَلَ فُلانٌ عَلَيْنا عَيْنًا، أيْ: جاسُوسًا مُتَفَحِّصًا عَنِ الأُمُورِ، فَكَذا هَهُنا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: هَبْ أنَّهُ أُذُنٌ، لَكِنَّهُ خَيْرٌ لَكم، وقَوْلُهُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ مِثْلَما يُقالُ: فُلانٌ رَجُلُ صِدْقٍ وشاهِدُ عَدْلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ جَعَلَ تَعالى هَذِهِ الثَّلاثَةَ كالمُوجِبَةِ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ فَلْنُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ اقْتِضاءِ هَذِهِ المَعانِي لِتِلْكَ الخَيْرِيَّةِ:
أمّا الأوَّلُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾؛ فَلِأنَّ كُلَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ كانَ خائِفًا مِنَ اللَّهِ، والخائِفُ مِنَ اللَّهِ لا يُقْدِمُ عَلى الإيذاءِ بِالباطِلِ.
وأمّا الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فالمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّمُ لِلْمُؤْمِنِينَ قَوْلَهم، والمَعْنى: أنَّهم إذا تَوافَقُوا عَلى قَوْلٍ واحِدٍ، سَلَّمَ لَهم ذَلِكَ القَوْلَ، وهَذا يُنافِي كَوْنَهُ سَلِيمَ القَلْبِ سَرِيعَ الِاغْتِرارِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ عَدّى الإيمانَ إلى اللَّهِ بِالباءِ، وإلى المُؤْمِنِينَ بِاللّامِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ الإيمانَ المُعَدّى إلى اللَّهِ المُرادُ مِنهُ التَّصْدِيقُ الَّذِي هو نَقِيضُ الكُفْرِ، فَعَدّى بِالباءِ، والإيمانُ المُعَدّى إلى المُؤْمِنِينَ مَعْناهُ الِاسْتِماعُ مِنهم، والتَّسْلِيمُ لِقَوْلِهِمْ، فَيَتَعَدّى بِاللّامِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] .﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] . وقَوْلِهِ: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ .
صفحة ٩٤
[الشعراء: ١١١] . وقَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: ٧١] .
وأمّا الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ . فَهَذا أيْضًا يُوجِبُ الخَيْرِيَّةَ؛ لِأنَّهُ يُجْرِي أمْرَكم عَلى الظّاهِرِ، ولا يُبالِغُ في التَّفْتِيشِ عَنْ بَواطِنِكم، ولا يَسْعى في هَتْكِ أسْتارِكم، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ يُوجِبُ كَوْنَهُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ . ولَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ سَبَبًا لِلْخَيْرِ والرَّحْمَةِ بَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَن آذاهُ اسْتَوْجَبَ العَذابَ الألِيمَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَسْعى في إيصالِ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ إلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ في غايَةِ الخُبْثِ والخِزْيِ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ يُقابِلُونَ إحْسانَهُ بِالإساءَةِ وخَيْراتِهِ بِالشُّرُورِ، فَلا شَكَّ أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ العَذابَ الشَّدِيدَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”أُذُنٌ خَيْرٌ“ بِالتَّنْوِينِ في الكَلِمَتَيْنِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: قُلْ: أُذُنٌ واعِيَةٌ سامِعَةٌ لِلْحَقِّ خَيْرٌ لَكم مِن هَذا الطَّعْنِ الفاسِدِ الَّذِي تَذْكُرُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا الطَّعْنِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الطَّعْنُ فِيهِ، وكَيْفَ يَجُوزُ وصْفُهُ بِكَوْنِهِ سَلِيمَ القَلْبِ سَرِيعَ الِاغْتِرارِ ؟
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُضْمِرَ مُبْتَدَأً، والتَّقْدِيرُ: هو أُذُنٌ خَيْرٌ لَكم، أيْ: هو أُذُنٌ مَوْصُوفٌ بِالخَيْرِيَّةِ في حَقِّكم؛ لِأنَّهُ يَقْبَلُ مَعاذِيرَكم، ويَتَغافَلُ عَنْ جَهالاتِكم، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ هَذِهِ الصِّفَةَ طَعْنًا في حَقِّهِ ؟
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ ذَكَرَهُ صاحِبُ النَّظْمِ، فَقالَ: (أُذُنٌ) وإنْ كانَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ في الظّاهِرِ لَكِنَّ مَوْضِعَهُ نَصْبٌ عَلى الحالِ، وتَأْوِيلُهُ قُلْ هو أُذُنًا خَيْرٌ، أيْ: إذا كانَ أُذُنًا فَهو خَيْرٌ لَكم؛ لِأنَّهُ يَقْبَلُ مَعاذِيرَكم، ونَظِيرُهُ: وهو حافِظًا خَيْرٌ لَكم، أيْ: هو حالَ كَوْنِهِ حافِظًا لَكم إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَحْذُوفًا وضَعَ الحالَ مَكانَ المُبْتَدَأِ، تَقْدِيرُهُ: وهو حافِظٌ خَيْرٌ لَكم، وإضْمارُ ”هو“ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] أيْ: هم ثَلاثَةٌ، وهَذا الوَجْهُ شَدِيدُ التَّكَلُّفِ، وإنْ كانَ قَدِ اسْتَحْسَنَهُ الواحِدِيُّ جِدًّا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ: ”ورَحْمَةٍ“ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ”خَيْرٍ“ كَأنَّهُ قِيلَ: أُذُنُ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ، أيْ: مُسْتَمِعُ كَلامٍ يَكُونُ سَبَبًا لِلْخَيْرِ والرَّحْمَةِ.
فَإنْ قِيلَ: وكُلُّ رَحْمَةٍ خَيْرٌ، فَأيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِ الرَّحْمَةِ عَقِيبَ ذِكْرِ الخَيْرِ ؟
قُلْنا: لِأنَّ أشْرَفَ أقْسامِ الخَيْرِ هو الرَّحْمَةُ، فَجازَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ عَقِيبَ ذِكْرِ الخَيْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] . قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ؛ لِأنَّهُ تَباعَدَ المَعْطُوفُ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: البُعْدُ لا يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ العَطْفِ، ألا تَرى أنَّ مَن قَرَأ: ”وقِيلِهِ يا رَبِّ“ . إنَّما يَحْمِلُهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] . تَقْدِيرُهُ: وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وعِلْمُ قِيلِهِ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: ”ورَحْمَةً“ بِالنَّصْبِ ؟
قُلْنا: هي عِلَّةٌّ مُعَلِّلُها مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ورَحْمَةً لَكم يَأْذَنُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
التوبة 9:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِ أفْعالِ المُنافِقِينَ، وهو إقْدامُهم عَلى اليَمِينِ الكاذِبَةِ. قِيلَ: هَذا بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ، يَعْنِي: يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويُسِيئُونَ القَوْلَ فِيهِ، ثُمَّ يَحْلِفُونَ لَكم. وقِيلَ: نَزَلَتْ في رَهْطٍ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ أتَوْهُ واعْتَذَرُوا وحَلَفُوا، فَفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ، والمَعْنى: أنَّهم حَلَفُوا عَلى أنَّهم ما قالُوا ما حُكِيَ عَنْهم، لِيُرْضُوا المُؤْمِنِينَ بِيَمِينِهِمْ، وكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُرْضُوا اللَّهَ بِالإخْلاصِ والتَّوْبَةِ، لا بِإظْهارِ ما يَسْتَسِرُّونَ خِلافَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [ البَقَرَةِ: ١٤ و٧٦ ] .
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يُرْضُوهُ﴾ بَعْدَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ اللَّهِ وذِكْرِ الرَّسُولِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لا يُذْكَرُ مَعَ غَيْرِهِ بِالذِّكْرِ المُجْمَلِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالذِّكْرِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ.
والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ بِجَمِيعِ الطّاعاتِ والعِباداتِ هو اللَّهُ، فاقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِ. «ويُرْوى أنَّ واحِدًا مِنَ الكُفّارِ رَفَعَ صَوْتَهُ، وقالَ: إنِّي أتُوبُ إلى اللَّهِ ولا أتُوبُ إلى مُحَمَّدٍ، فَسَمِعَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ وقالَ: ”وضَعَ الحَقَّ في أهْلِهِ“» .
الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يُرْضُوهُما فاكْتَفى بِذِكْرِ الواحِدِ؛ كَقَوْلِهِ:
نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
والرّابِعُ: أنَّ العالِمَ بِالأسْرارِ والضَّمائِرِ هو اللَّهُ تَعالى، وإخْلاصُ القَلْبِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ تَعالى نَفْسَهُ بِالذِّكْرِ. الخامِسُ: لَمّا وجَبَ أنْ يَكُونَ رِضا الرَّسُولِ مُطابِقًا لِرِضا اللَّهِ تَعالى، وامْتَنَعَ حُصُولُ المُخالَفَةِ بَيْنَهُما وقَعَ الِاكْتِفاءُ بِذِكْرِ أحَدِهِما، كَما يُقالُ: إحْسانُ زَيْدٍ وإجْمالُهُ نَعَشَنِي وجَبَرَنِي. السّادِسُ: التَّقْدِيرُ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ عَلى ما ادَّعَوْا. والثّانِي: أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِصِحَّةِ دِينِ الرَّسُولِ، إلّا أنَّهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ؛ حَسَدًا وعِنادًا، فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ . وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى رِضا اللَّهِ لا يَحْصُلُ بِإظْهارِ الإيمانِ، ما لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، ويَبْطُلُ قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الإيمانَ لَيْسَ إلّا القَوْلَ بِاللِّسانِ.
التوبة 9:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا شَرْحُ أحْوالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ المَعانِي: قَوْلُهُ: ”ألَمْ تَعْلَمْ“ خِطابٌ لِمَن حاوَلَ الإنْسانُ تَعْلِيمَهُ مُدَّةً وبالَغَ في ذَلِكَ التَّعْلِيمِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ، فَيُقالُ لَهُ: ألَمْ تَعْلَمْ بَعْدَ هَذِهِ السّاعاتِ الطَّوِيلَةِ والمُدَّةِ المَدِيدَةِ ؟
صفحة ٩٦
وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ طالَ مُكْثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهم، وكَثُرَتْ نِهاياتُهُ لِلتَّحْذِيرِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ والتَّرْغِيبِ في طاعَتِهِ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ ضَمِيرُ الأمْرِ والشَّأْنِ، والمَعْنى: أنَّ الأمْرَ والشَّأْنَ كَذا وكَذا. والفائِدَةُ في هَذا الضَّمِيرِ هو أنَّهُ لَوْ ذَكَرَ بَعْدَ كَلِمَةِ ”أنَّ“ ذَلِكَ المُبْتَدَأ والخَبَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَثِيرُ وقْعٍ. فَأمّا إذا قُلْتَ: الأمْرُ والشَّأْنُ كَذا وكَذا أوْجَبَ مَزِيدَ تَعْظِيمٍ وتَهْوِيلٍ لِذَلِكَ الكَلامِ. وقَوْلُهُ: ﴿مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ قالَ اللَّيْثُ: حادَدْتُهُ أيْ: خالَفْتُهُ، والمُحادَدَةُ كالمُجانَبَةِ والمُعاداةِ والمُخالَفَةِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَدِّ، ومَعْنى حادَّ فُلانٌ فُلانًا، أيْ: صارَ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّهِ، كَقَوْلِهِ: شاقَّهُ أيْ: صارَ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِ، ومَعْنى: ﴿يُحادِدِ اللَّهَ﴾ أيْ: يَصِيرُ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ أوْلِياءِ اللَّهِ بِالمُخالَفَةِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُحادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَدِيدِ؛ حَدِيدِ السِّلاحِ، ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ هَهُنا عِباراتٌ: يُخالِفُ اللَّهَ، وقِيلَ: يُحارِبُ اللَّهَ، وقِيلَ: يُعانِدُ اللَّهَ، وقِيلَ: يُعادِي اللَّهَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: فَحَقٌّ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. الثّانِي: مَعْناهُ فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ، وأنَّ تُكَرَّرُ لِلتَّوْكِيدِ.
الثّالِثُ: أنْ نَقُولَ: جَوابُ ”مَن“ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَهْلِكْ؛ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ كَسْرُ ”أنَّ“ عَلى الِاسْتِئْنافِ مِن بَعْدِ الفاءِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ. ونَقَلَ الكَعْبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ أنَّ القِراءَةَ بِالكَسْرِ مَوْجُودَةٌ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: جَهَنَّمُ مِن أسْماءِ النّارِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَحْكُونَ عَنِ العَرَبِ: أنَّ البِئْرَ البَعِيدَةَ القَعْرِ تُسَمّى الجِهِنّامَ عِنْدَهم، فَجازَ في جَهَنَّمَ أنْ تَكُونَ مَأْخُوذَةً مِن هَذا اللَّفْظِ، ومَعْنى بُعْدِ قَعْرِها أنَّهُ لا آخِرَ لِعَذابِها، والخالِدُ: الدّائِمُ، والخِزْيُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى النَّدَمِ وبِمَعْنى الِاسْتِحْياءِ، والنَّدَمُ هُنا أوْلى؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [يونس: ٥٤] .
التوبة 9:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ سُورَةَ بَراءَةَ ”الحافِرَةَ“؛ لِأنَّها حَفَرَتْ عَمّا في قُلُوبِ المُنافِقِينَ. «قالَ الحَسَنُ: اجْتَمَعَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ عَلى أمْرٍ مِنَ النِّفاقِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأسْمائِهِمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ أُناسًا اجْتَمَعُوا عَلى كَيْتَ وكَيْتَ، فَلْيَقُومُوا ولِيَعْتَرِفُوا ولِيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم؛ حَتّى أشْفَعَ لَهم“ . فَلَمْ يَقُومُوا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ: ”قُمْ يا فُلانُ ويا فُلانُ“ حَتّى أتى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالُوا: نَعْتَرِفُ ونَسْتَغْفِرُ، فَقالَ: ”الآنَ، أنا كُنْتُ في أوَّلِ الأمْرِ أطْيَبَ نَفْسًا بِالشَّفاعَةِ، واللَّهُ كانَ أسْرَعَ في الإجابَةِ، اخْرُجُوا عَنِّي اخْرُجُوا عَنِّي“» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ حَتّى خَرَجُوا بِالكُلِّيَّةِ، وقالَ الأصَمُّ: إنَّ «عِنْدَ رُجُوعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَبُوكَ وقَفَ لَهُ عَلى العَقَبَةِ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا لِيَفْتِكُوا بِهِ، فَأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ، وكانُوا مُتَلَثِّمِينَ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وأمَرَهُ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَن يَضْرِبُ وُجُوهَ رَواحِلِهِمْ، فَأمَرَ حُذَيْفَةَ بِذَلِكَ فَضَرَبَها حَتّى نَحّاهم، ثُمَّ قالَ: ”مَن عَرَفْتَ مِنَ القَوْمِ“ فَقالَ: لَمْ أعْرِفْ مِنهم أحَدًا، فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أسْماءَهم وعَدَّهم لَهُ، وقالَ: ”إنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَنِي بِذَلِكَ“، فَقالَ حُذَيْفَةُ: ألا تَبْعَثُ إلَيْهِمْ لِيُقْتَلُوا. فَقالَ: ”أكْرَهُ أنْ تَقُولَ العَرَبُ: قاتَلَ مُحَمَّدٌ بِأصْحابِهِ حَتّى إذا ظَفِرَ صارَ يَقْتُلُهم بَلْ يَكْفِينا اللَّهُ ذَلِكَ“» .
صفحة ٩٧
فَإنْ قِيلَ: المُنافِقُ كافِرٌ فَكَيْفَ يَحْذَرُ نُزُولَ الوَحْيِ عَلى الرَّسُولِ ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا حَذَرٌ أظْهَرَهُ المُنافِقُونَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ حِينَ رَأوُا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَذْكُرُ كُلَّ شَيْءٍ ويَدَّعِي أنَّهُ عَنِ الوَحْيِ، وكانَ المُنافِقُونَ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ فِيما بَيْنَهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ وأمَرَهُ أنْ يُعْلِمَهم أنَّهُ يُظْهِرُ سِرَّهُمُ الَّذِي حَذِرُوا ظُهُورَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿اسْتَهْزِئُوا﴾ دَلالَةٌ عَلى ما قُلْناهُ.
الثّانِي: أنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ بِدِينِ الرَّسُولِ إلّا أنَّهم شاهَدُوا أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُخْبِرُهم بِما يُضْمِرُونَهُ ويَكْتُمُونَهُ؛ فَلِهَذِهِ التَّجْرِبَةِ وقَعَ الحَذَرُ والخَوْفُ في قُلُوبِهِمْ.
الثّالِثُ: قالَ الأصَمُّ: إنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ كَوْنَهُ رَسُولًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا وعِنادًا. قالَ القاضِي: يَبْعُدُ في العالِمِ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وصِحَّةِ دِينِهِ أنْ يَكُونَ مُحادًّا لَهُما. قالَ الدّاعِي إلى اللَّهِ: هَذا غَيْرُ بَعِيدٍ؛ لِأنَّ الحَسَدَ إذا قَوِيَ في القَلْبِ صارَ بِحَيْثُ يُنازِعُ في المَحْسُوساتِ.
الرّابِعُ: مَعْنى الحَذَرِ الأمْرُ بِالحَذَرِ، أيْ: لِيَحْذَرِ المُنافِقُونَ ذَلِكَ.
الخامِسُ: أنَّهم كانُوا شاكِّينَ في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وما كانُوا قاطِعِينَ بِفَسادِها؛ والشّاكُّ خائِفٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ خافُوا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ في أمْرِهِمْ ما يَفْضَحُهم.
ثُمَّ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لِلْمُنافِقِينَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ كُلُّها لِلْمُنافِقِينَ؛ لِأنَّ السُّورَةَ إذا نَزَلَتْ في مَعْناهم فَهي نازِلَةٌ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى: ﴿تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ أنَّ السُّورَةَ كَأنَّها تَقُولُ لَهم: في قُلُوبِهِمْ كَيْتَ وكَيْتَ، يَعْنِي: أنَّها تُذِيعُ أسْرارَهم إذاعَةً ظاهِرَةً، فَكَأنَّها تُخْبِرُهم.
ثُمَّ قالَ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ وهو أمْرُ تَهْدِيدٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا﴾ [التوبة: ١٠٥] .﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ . أيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَحْذَرُونَهُ، فَإنَّ اللَّهَ يُخْرِجُهُ إلى الوُجُودِ؛ فَإنَّ الشَّيْءَ إذا حَصَلَ بَعْدَ عَدَمِهِ، فَكَأنَّ فاعِلَهُ أخْرَجَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
التوبة 9:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ أُمُورًا: الأوَّلُ: «رَوى ابْنُ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ هَؤُلاءِ القَوْمِ أرْعَبَ قُلُوبًا، ولا أكْذَبَ ألْسُنًا، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ. يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ: كَذَبْتَ ولَأنْتَ مُنافِقٌ. ثُمَّ ذَهَبَ لِيُخْبِرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ. فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ وكانَ قَدْ رَكِبَ ناقَتَهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ونَتَحَدَّثُ بِحَدِيثِ الرَّكْبِ نَقْطَعُ بِهِ الطَّرِيقَ. وكانَ يَقُولُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟“، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وما يَزِيدُهُ عَلَيْهِ» . الثّانِي: «قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: لَمّا سارَ الرَّسُولُ إلى تَبُوكَ
صفحة ٩٨
قالَ المُنافِقُونَ بَيْنَهم: أتُراهُ يَظْهَرُ عَلى الشَّأْمِ ويَأْخُذُ حُصُونَها وقُصُورَها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ! فَعِنْدَ رُجُوعِهِ دَعاهم وقالَ: أنْتُمُ القائِلُونَ بِكَذا وكَذا ؟ فَقالُوا: ما كانَ ذَلِكَ بِالجِدِّ في قُلُوبِنا، وإنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ» . الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ سُئِلُوا عَمّا كانُوا يَصْنَعُونَ وعَنْ سَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ، فَقالُوا هَذا القَوْلَ.
الرّابِعُ: حُكِّينا عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ . أظْهَرُوا هَذا الحَذَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم: لِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ؟ قالُوا: لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ، بَلْ لِأجْلِ أنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ.
الخامِسُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا حاجَةَ في مَعْرِفَةِ هَذِهِ الآيَةِ إلى هَذِهِ الرِّواياتِ؛ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا كَلامًا فاسِدًا عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ والِاسْتِهْزاءِ، فَلَمّا أخْبَرَهُمُ الرَّسُولُ بِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ خافُوا واعْتَذَرُوا عَنْهُ؛ بِأنّا إنَّما قُلْنا ذَلِكَ عَلى وجْهِ اللَّعِبِ، لا عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وذَلِكَ قَوْلُهم: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، أيْ: ما قُلْنا ذَلِكَ إلّا لِأجْلِ اللَّعِبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِهِمْ لاعِبِينَ، أنْ لا يَكُونُوا مُسْتَهْزِئِينَ، فَحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ هَذا العُذْرُ.
والجَوابُ: قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الخَوْضِ الدُّخُولُ في مائِعٍ مِنَ الماءِ والطِّينِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ اسْمًا لِكُلِّ دُخُولٍ فِيهِ تَلْوِيثٌ وأذًى، والمَعْنى: أنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ في الباطِلِ مِنَ الكَلامِ كَما يَخُوضُ الرَّكْبُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، فَأجابَهُمُ الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ: ”أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟!“ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: أتَسْتَهْزِئُ بِاللَّهِ ؟ وبَيْنَ قَوْلِكَ: أبِاللَّهِ تَسْتَهْزِئُ ؟ فالأوَّلُ يَقْتَضِي الإنْكارَ عَلى عَمَلِ الِاسْتِهْزاءِ، والثّانِي: يَقْتَضِي الإنْكارَ عَلى إيقاعِ الِاسْتِهْزاءِ في اللَّهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَبْ أنَّكَ قَدْ تُقْدِمُ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، ولَكِنْ كَيْفَ أقْدَمْتَ عَلى إيقاعِ الِاسْتِهْزاءِ في اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] . والمَقْصُودُ لَيْسَ نَفْيَ الغَوْلِ، بَلْ نَفْيُ أنْ يَكُونَ خَمْرُ الجَنَّةِ مَحَلًّا لِلْغَوْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِاللَّهِ مُحالٌ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن تَأْوِيلٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِاللَّهِ هو الِاسْتِهْزاءُ بِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الِاسْتِهْزاءَ بِذِكْرِ اللَّهِ؛ فَإنَّ أسْماءَ اللَّهِ قَدْ يَسْتَهْزِئُ الكافِرُ بِها، كَما أنَّ المُؤْمِنَ يُعَظِّمُها ويُمَجِّدُها؛ قالَ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] . فَأمَرَ المُؤْمِنَ بِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] . فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: ﴿أبِاللَّهِ﴾ ويُرادُ: أبِذِكْرِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: لَعَلَّ المُنافِقِينَ لَمّا قالُوا: كَيْفَ يَقْدِرُ مُحَمَّدٌ عَلى أخْذِ حُصُونِ الشَّأْمِ وقُصُورِها. قالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: اللَّهُ يُعِينُهُ عَلى ذَلِكَ ويَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الجُهّالِ مِنَ المُنافِقِينَ ذَكَرَ كَلامًا مُشْعِرًا بِالقَدْحِ في قُدْرَةِ اللَّهِ كَما هو عاداتُ الجُهّالِ والمُلْحِدَةِ، فَكانَ المُرادُ ذَلِكَ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآياتِهِ﴾ فالمُرادُ بِها القُرْآنُ، وسائِرُ ما يَدُلُّ عَلى الدِّينِ. وقَوْلُهُ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ مَعْلُومٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ إنَّما ذَكَرُوا ما ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ في لَفْظِ الِاعْتِذارِ قَوْلَيْنِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مَحْوِ الذَّنْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: اعْتَذَرَتِ المَنازِلُ إذا دَرَسَتْ. يُقالُ: مَرَرْتُ بِمَنزِلٍ
صفحة ٩٩
مُعْتَذِرٍ، والِاعْتِذارُ هو الدَّرْسُ وأخْذُ الِاعْتِذارِ مِنهُ؛ لِأنَّ المُعْتَذِرَ يُحاوِلُ إزالَةَ أثَرِ ذَنْبِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: حَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ أنَّ الِاعْتِذارَ هو القَطْعُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْقُلْفَةِ: عُذْرَةٌ؛ لِأنَّها تُقْطَعُ، وعُذْرَةُ الجارِيَةِ سُمِّيَتْ عُذْرَةً؛ لِأنَّها تُعْذَرُ أيْ: تُقْطَعُ، ويُقالُ: اعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ، فالعُذْرُ لَمّا كانَ سَبَبًا لِقَطْعِ اللَّوْمِ سُمِّيَ عُذْرًا، قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ؛ لِأنَّ مَحْوَ أثَرِ الذَّنْبِ وقَطْعَ اللَّوْمِ يَتَقارَبانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنْ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءَ كانَ كُفْرًا، والعَقْلُ يَقْتَضِي أنَّ الإقْدامَ عَلى الكُفْرِ لِأجْلِ اللَّعِبِ غَيْرُ جائِزٍ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهم: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ما كانَ عُذْرًا حَقِيقِيًّا في الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُذْرًا في نَفْسِهِ نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ أنْ يَعْتَذِرُوا بِهِ؛ لِأنَّ المَنعَ عَنِ الكَلامِ الباطِلِ واجِبٌ، فَقالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ: لا تَذْكُرُوا هَذا العُذْرَ في دَفْعِ هَذا الجُرْمِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أحْكامٍ:
الحُكْمُ الأوَّلُ:
أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالدِّينِ كَيْفَ كانَ كُفْرًا بِاللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِخْفافِ، والعُمْدَةُ الكُبْرى في الإيمانِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعالى بِأقْصى الإمْكانِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ.
الحُكْمُ الثّانِي:
أنَّهُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: الكُفْرُ لا يَدْخُلُ إلّا في أفْعالِ القُلُوبِ.
الحُكْمُ الثّالِثُ:
يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُمُ الَّذِي صَدَرَ مِنهم كُفْرٌ في الحَقِيقَةِ، وإنْ كانُوا مُنافِقِينَ مِن قَبْلُ، وأنَّ الكُفْرَ يُمْكِنُ أنْ يَتَجَدَّدَ مِنَ الكافِرِ حالًا فَحالًا.
الحُكْمُ الرّابِعُ:
يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: القَوْمُ لَمّا كانُوا مُنافِقِينَ فَكَيْفَ يَصِحُّ وصْفُهم بِذَلِكَ ؟
قُلْنا: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمُ الَّذِي أظْهَرْتُمُوهُ، وقالَ آخَرُونَ: ظَهَرَ كُفْرُكم لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ عِنْدَهم مُسْلِمِينَ، والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ: ”إنْ نَعْفُ ونُعَذِّبْ“ بِالنُّونِ وكَسْرِ الذّالِ، وطائِفَةً بِالنَّصْبِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يَقُولُ: إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ يُعَذِّبْ طائِفَةً، والباقُونَ بِالياءِ وضَمِّها، وفَتْحِ الفاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، إنْ يُعْفَ عَنْ طائِفَةٍ بِالتَّذْكِيرِ، وتُعَذَّبْ طائِفَةٌ بِالتَّأْنِيثِ، وحَكى صاحِبُ الكَشّافِ عَنْ مُجاهِدٍ: إنْ تُعْفَ عَنْ طائِفَةٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ التَّأْنِيثِ، ثُمَّ قالَ: والوَجْهُ التَّذْكِيرُ؛ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ الظَّرْفُ، كَما تَقُولُ: سِيرَ بِالدّابَّةِ، ولا تَقُولُ: سِيرَتْ بِالدّابَّةِ، وأمّا تَأْوِيلُ قِراءَتِهِ فَهو أنَّ مُجاهِدًا لَعَلَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ
صفحة ١٠٠
تُرْحَمْ طائِفَةٌ فَأنْتِ كَذَلِكَ، وهو غَرِيبٌ، والجَيِّدُ القِراءَةُ العامَّةُ: إنْ يُعْفَ عَنْ طائِفَةٍ بِالتَّذْكِيرِ وتُعَذَّبْ طائِفَةٌ بِالتَّأْنِيثِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الطّائِفَتَيْنِ كانُوا ثَلاثَةً، اسْتَهْزَأ اثْنانِ وضَحِكَ واحِدٌ، فالطّائِفَةُ الأُولى الضّاحِكُ، والثّانِيَةُ الهازِئانِ، وقالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا كانَ ذَنْبُ الضّاحِكِ أخَفَّ لا جَرَمَ عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وذَنْبُ الهازِئِينَ أغْلَظَ، فَلا جَرَمَ ما عَفا اللَّهُ عَنْهُما، قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ بِالكُفْرِ، وأنَّهُ تَعالى لا يَعْفُو عَنِ الكافِرِ إلّا بَعْدَ التَّوْبَةِ والرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ، وأيْضًا لا يُعَذِّبُ الكافِرَ إلّا بَعْدَ إصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ، أمّا لَوْ تابَ عَنْهُ ورَجَعَ إلى الإسْلامِ فَإنَّهُ لا يُعَذِّبُهُ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ طائِفَةٍ ويُعَذِّبُ الأُخْرى، كانَ فِيهِ إضْمارُ أنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي أخْبَرَ أنَّهُ يَعْفُو عَنْهم تابُوا عَنِ الكُفْرِ ورَجَعُوا إلى الإسْلامِ، وأنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي أخْبَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَرْجِعُوا إلى الإسْلامِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ الواحِدَ لَمّا لَمْ يُبالِغْ في الطَّعْنِ ولَمْ يُوافِقِ القَوْمَ في الذِّكْرِ خَفَّ كُفْرُهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وفَّقَهُ لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ الكُفْرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن خاضَ في عَمَلٍ باطِلٍ، فَلْيَجْتَهِدْ في التَّقْلِيلِ فَإنَّهُ يُرْجى لَهُ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ التَّقْلِيلِ أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الكُلِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: ثَبَتَ بِالرِّواياتِ أنَّ الطّائِفَتَيْنِ كانُوا ثَلاثَةً، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ إنْسانًا واحِدًا. قالَ الزَّجّاجُ: والطّائِفَةُ في اللُّغَةِ: أصْلُها الجَماعَةُ؛ لِأنَّها المِقْدارُ الَّذِي يُمْكِنُها أنْ تُطِيفَ بِالشَّيْءِ، ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى الواحِدُ بِالطّائِفَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] . وأقَلُّهُ الواحِدُ، ورَوى الفَرّاءُ بِإسْنادِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: الطّائِفَةُ الواحِدُ فَما فَوْقَهُ. وفي جَوازِ تَسْمِيَةِ الشَّخْصِ الواحِدِ بِالطّائِفَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ مَنِ اخْتارَ مَذْهَبًا ونَصَرَهُ فَإنَّهُ لا يَزالُ يَكُونُ ذابًّا عَنْهُ ناصِرًا لَهُ، فَكَأنَّهُ بِقَلْبِهِ يَطُوفُ عَلَيْهِ ويَذُبُّ عَنْهُ مِن كُلِّ الجَوانِبِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُسَمّى الواحِدُ طائِفَةً لِهَذا السَّبَبِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُوقِعُ لَفْظَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ فَتَقُولُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى الجِمالِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . يَعْنِي نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ.
الثّالِثُ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ إذا أُرِيدَ بِها الواحِدُ يَكُونُ أصْلُها طائِفًا، ثُمَّ أدْخَلَ الهاءَ عَلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ كَوْنَهُ مُعَذِّبًا لِلطّائِفَةِ الثّانِيَةِ بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ.
واعْلَمْ أنَّ الطّائِفَتَيْنِ لَمّا اشْتَرَكَتا في الكُفْرِ، فَقَدِ اشْتَرَكَتا في الجُرْمِ، والتَّعْذِيبُ يَخْتَصُّ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وتَعْلِيلُ الحُكْمِ الخاصِّ بِالعِلَّةِ العامَّةِ لا يَجُوزُ، وأيْضًا التَّعْذِيبُ حُكْمٌ حاصِلٌ في الحالِ. وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الجُرْمِ عَنْهم في الزَّمانِ الماضِي، وتَعْلِيلُ الحُكْمِ الحاصِلِ في الحالِ بِالعِلَّةِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَجُوزُ، بَلْ كانَ الأوْلى أنْ يُقالَ ذَلِكَ: بِأنَّهم مُجْرِمُونَ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْهُ أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جُرْمَ الطّائِفَةِ الثّانِيَةِ كانَ أغْلَظَ وأقْوى مِن جُرْمِ الطّائِفَةِ الأُولى، فَوَقَعَ التَّعْلِيلُ بِذَلِكَ الجُرْمِ الغَلِيظِ، وأيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجُرْمَ بَقِيَ واسْتَمَرَّ ولَمْ يَزَلْ، فَأوْجَبَ التَّعْذِيبَ.
التوبة 9:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ أُمُورًا: الأوَّلُ: «رَوى ابْنُ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ هَؤُلاءِ القَوْمِ أرْعَبَ قُلُوبًا، ولا أكْذَبَ ألْسُنًا، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ. يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ: كَذَبْتَ ولَأنْتَ مُنافِقٌ. ثُمَّ ذَهَبَ لِيُخْبِرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ. فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ وكانَ قَدْ رَكِبَ ناقَتَهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ونَتَحَدَّثُ بِحَدِيثِ الرَّكْبِ نَقْطَعُ بِهِ الطَّرِيقَ. وكانَ يَقُولُ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟“، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وما يَزِيدُهُ عَلَيْهِ» . الثّانِي: «قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: لَمّا سارَ الرَّسُولُ إلى تَبُوكَ
صفحة ٩٨
قالَ المُنافِقُونَ بَيْنَهم: أتُراهُ يَظْهَرُ عَلى الشَّأْمِ ويَأْخُذُ حُصُونَها وقُصُورَها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ! فَعِنْدَ رُجُوعِهِ دَعاهم وقالَ: أنْتُمُ القائِلُونَ بِكَذا وكَذا ؟ فَقالُوا: ما كانَ ذَلِكَ بِالجِدِّ في قُلُوبِنا، وإنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ» . الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ سُئِلُوا عَمّا كانُوا يَصْنَعُونَ وعَنْ سَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ، فَقالُوا هَذا القَوْلَ.
الرّابِعُ: حُكِّينا عَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ . أظْهَرُوا هَذا الحَذَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم: لِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ؟ قالُوا: لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ، بَلْ لِأجْلِ أنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ.
الخامِسُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا حاجَةَ في مَعْرِفَةِ هَذِهِ الآيَةِ إلى هَذِهِ الرِّواياتِ؛ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا كَلامًا فاسِدًا عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ والِاسْتِهْزاءِ، فَلَمّا أخْبَرَهُمُ الرَّسُولُ بِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ خافُوا واعْتَذَرُوا عَنْهُ؛ بِأنّا إنَّما قُلْنا ذَلِكَ عَلى وجْهِ اللَّعِبِ، لا عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وذَلِكَ قَوْلُهم: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، أيْ: ما قُلْنا ذَلِكَ إلّا لِأجْلِ اللَّعِبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِهِمْ لاعِبِينَ، أنْ لا يَكُونُوا مُسْتَهْزِئِينَ، فَحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ هَذا العُذْرُ.
والجَوابُ: قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الخَوْضِ الدُّخُولُ في مائِعٍ مِنَ الماءِ والطِّينِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ اسْمًا لِكُلِّ دُخُولٍ فِيهِ تَلْوِيثٌ وأذًى، والمَعْنى: أنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ في الباطِلِ مِنَ الكَلامِ كَما يَخُوضُ الرَّكْبُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، فَأجابَهُمُ الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ: ”أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟!“ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: أتَسْتَهْزِئُ بِاللَّهِ ؟ وبَيْنَ قَوْلِكَ: أبِاللَّهِ تَسْتَهْزِئُ ؟ فالأوَّلُ يَقْتَضِي الإنْكارَ عَلى عَمَلِ الِاسْتِهْزاءِ، والثّانِي: يَقْتَضِي الإنْكارَ عَلى إيقاعِ الِاسْتِهْزاءِ في اللَّهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَبْ أنَّكَ قَدْ تُقْدِمُ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، ولَكِنْ كَيْفَ أقْدَمْتَ عَلى إيقاعِ الِاسْتِهْزاءِ في اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] . والمَقْصُودُ لَيْسَ نَفْيَ الغَوْلِ، بَلْ نَفْيُ أنْ يَكُونَ خَمْرُ الجَنَّةِ مَحَلًّا لِلْغَوْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِاللَّهِ مُحالٌ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن تَأْوِيلٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِاللَّهِ هو الِاسْتِهْزاءُ بِتَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الِاسْتِهْزاءَ بِذِكْرِ اللَّهِ؛ فَإنَّ أسْماءَ اللَّهِ قَدْ يَسْتَهْزِئُ الكافِرُ بِها، كَما أنَّ المُؤْمِنَ يُعَظِّمُها ويُمَجِّدُها؛ قالَ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] . فَأمَرَ المُؤْمِنَ بِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ. وقالَ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] . فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: ﴿أبِاللَّهِ﴾ ويُرادُ: أبِذِكْرِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: لَعَلَّ المُنافِقِينَ لَمّا قالُوا: كَيْفَ يَقْدِرُ مُحَمَّدٌ عَلى أخْذِ حُصُونِ الشَّأْمِ وقُصُورِها. قالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: اللَّهُ يُعِينُهُ عَلى ذَلِكَ ويَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الجُهّالِ مِنَ المُنافِقِينَ ذَكَرَ كَلامًا مُشْعِرًا بِالقَدْحِ في قُدْرَةِ اللَّهِ كَما هو عاداتُ الجُهّالِ والمُلْحِدَةِ، فَكانَ المُرادُ ذَلِكَ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآياتِهِ﴾ فالمُرادُ بِها القُرْآنُ، وسائِرُ ما يَدُلُّ عَلى الدِّينِ. وقَوْلُهُ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ مَعْلُومٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ إنَّما ذَكَرُوا ما ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ في لَفْظِ الِاعْتِذارِ قَوْلَيْنِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مَحْوِ الذَّنْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: اعْتَذَرَتِ المَنازِلُ إذا دَرَسَتْ. يُقالُ: مَرَرْتُ بِمَنزِلٍ
صفحة ٩٩
مُعْتَذِرٍ، والِاعْتِذارُ هو الدَّرْسُ وأخْذُ الِاعْتِذارِ مِنهُ؛ لِأنَّ المُعْتَذِرَ يُحاوِلُ إزالَةَ أثَرِ ذَنْبِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: حَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ أنَّ الِاعْتِذارَ هو القَطْعُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْقُلْفَةِ: عُذْرَةٌ؛ لِأنَّها تُقْطَعُ، وعُذْرَةُ الجارِيَةِ سُمِّيَتْ عُذْرَةً؛ لِأنَّها تُعْذَرُ أيْ: تُقْطَعُ، ويُقالُ: اعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ، فالعُذْرُ لَمّا كانَ سَبَبًا لِقَطْعِ اللَّوْمِ سُمِّيَ عُذْرًا، قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ؛ لِأنَّ مَحْوَ أثَرِ الذَّنْبِ وقَطْعَ اللَّوْمِ يَتَقارَبانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنْ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءَ كانَ كُفْرًا، والعَقْلُ يَقْتَضِي أنَّ الإقْدامَ عَلى الكُفْرِ لِأجْلِ اللَّعِبِ غَيْرُ جائِزٍ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهم: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ما كانَ عُذْرًا حَقِيقِيًّا في الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُذْرًا في نَفْسِهِ نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ أنْ يَعْتَذِرُوا بِهِ؛ لِأنَّ المَنعَ عَنِ الكَلامِ الباطِلِ واجِبٌ، فَقالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ: لا تَذْكُرُوا هَذا العُذْرَ في دَفْعِ هَذا الجُرْمِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أحْكامٍ:
الحُكْمُ الأوَّلُ:
أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالدِّينِ كَيْفَ كانَ كُفْرًا بِاللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِخْفافِ، والعُمْدَةُ الكُبْرى في الإيمانِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعالى بِأقْصى الإمْكانِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ.
الحُكْمُ الثّانِي:
أنَّهُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: الكُفْرُ لا يَدْخُلُ إلّا في أفْعالِ القُلُوبِ.
الحُكْمُ الثّالِثُ:
يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُمُ الَّذِي صَدَرَ مِنهم كُفْرٌ في الحَقِيقَةِ، وإنْ كانُوا مُنافِقِينَ مِن قَبْلُ، وأنَّ الكُفْرَ يُمْكِنُ أنْ يَتَجَدَّدَ مِنَ الكافِرِ حالًا فَحالًا.
الحُكْمُ الرّابِعُ:
يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: القَوْمُ لَمّا كانُوا مُنافِقِينَ فَكَيْفَ يَصِحُّ وصْفُهم بِذَلِكَ ؟
قُلْنا: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمُ الَّذِي أظْهَرْتُمُوهُ، وقالَ آخَرُونَ: ظَهَرَ كُفْرُكم لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ عِنْدَهم مُسْلِمِينَ، والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ: ”إنْ نَعْفُ ونُعَذِّبْ“ بِالنُّونِ وكَسْرِ الذّالِ، وطائِفَةً بِالنَّصْبِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يَقُولُ: إنْ يَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ يُعَذِّبْ طائِفَةً، والباقُونَ بِالياءِ وضَمِّها، وفَتْحِ الفاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، إنْ يُعْفَ عَنْ طائِفَةٍ بِالتَّذْكِيرِ، وتُعَذَّبْ طائِفَةٌ بِالتَّأْنِيثِ، وحَكى صاحِبُ الكَشّافِ عَنْ مُجاهِدٍ: إنْ تُعْفَ عَنْ طائِفَةٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ التَّأْنِيثِ، ثُمَّ قالَ: والوَجْهُ التَّذْكِيرُ؛ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ الظَّرْفُ، كَما تَقُولُ: سِيرَ بِالدّابَّةِ، ولا تَقُولُ: سِيرَتْ بِالدّابَّةِ، وأمّا تَأْوِيلُ قِراءَتِهِ فَهو أنَّ مُجاهِدًا لَعَلَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ
صفحة ١٠٠
تُرْحَمْ طائِفَةٌ فَأنْتِ كَذَلِكَ، وهو غَرِيبٌ، والجَيِّدُ القِراءَةُ العامَّةُ: إنْ يُعْفَ عَنْ طائِفَةٍ بِالتَّذْكِيرِ وتُعَذَّبْ طائِفَةٌ بِالتَّأْنِيثِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الطّائِفَتَيْنِ كانُوا ثَلاثَةً، اسْتَهْزَأ اثْنانِ وضَحِكَ واحِدٌ، فالطّائِفَةُ الأُولى الضّاحِكُ، والثّانِيَةُ الهازِئانِ، وقالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا كانَ ذَنْبُ الضّاحِكِ أخَفَّ لا جَرَمَ عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وذَنْبُ الهازِئِينَ أغْلَظَ، فَلا جَرَمَ ما عَفا اللَّهُ عَنْهُما، قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ بِالكُفْرِ، وأنَّهُ تَعالى لا يَعْفُو عَنِ الكافِرِ إلّا بَعْدَ التَّوْبَةِ والرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ، وأيْضًا لا يُعَذِّبُ الكافِرَ إلّا بَعْدَ إصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ، أمّا لَوْ تابَ عَنْهُ ورَجَعَ إلى الإسْلامِ فَإنَّهُ لا يُعَذِّبُهُ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَعْفُو عَنْ طائِفَةٍ ويُعَذِّبُ الأُخْرى، كانَ فِيهِ إضْمارُ أنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي أخْبَرَ أنَّهُ يَعْفُو عَنْهم تابُوا عَنِ الكُفْرِ ورَجَعُوا إلى الإسْلامِ، وأنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي أخْبَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُهم أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَرْجِعُوا إلى الإسْلامِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ الواحِدَ لَمّا لَمْ يُبالِغْ في الطَّعْنِ ولَمْ يُوافِقِ القَوْمَ في الذِّكْرِ خَفَّ كُفْرُهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وفَّقَهُ لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ الكُفْرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن خاضَ في عَمَلٍ باطِلٍ، فَلْيَجْتَهِدْ في التَّقْلِيلِ فَإنَّهُ يُرْجى لَهُ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ التَّقْلِيلِ أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الكُلِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: ثَبَتَ بِالرِّواياتِ أنَّ الطّائِفَتَيْنِ كانُوا ثَلاثَةً، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ إنْسانًا واحِدًا. قالَ الزَّجّاجُ: والطّائِفَةُ في اللُّغَةِ: أصْلُها الجَماعَةُ؛ لِأنَّها المِقْدارُ الَّذِي يُمْكِنُها أنْ تُطِيفَ بِالشَّيْءِ، ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى الواحِدُ بِالطّائِفَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] . وأقَلُّهُ الواحِدُ، ورَوى الفَرّاءُ بِإسْنادِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: الطّائِفَةُ الواحِدُ فَما فَوْقَهُ. وفي جَوازِ تَسْمِيَةِ الشَّخْصِ الواحِدِ بِالطّائِفَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ مَنِ اخْتارَ مَذْهَبًا ونَصَرَهُ فَإنَّهُ لا يَزالُ يَكُونُ ذابًّا عَنْهُ ناصِرًا لَهُ، فَكَأنَّهُ بِقَلْبِهِ يَطُوفُ عَلَيْهِ ويَذُبُّ عَنْهُ مِن كُلِّ الجَوانِبِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُسَمّى الواحِدُ طائِفَةً لِهَذا السَّبَبِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تُوقِعُ لَفْظَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ فَتَقُولُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى الجِمالِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . يَعْنِي نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ.
الثّالِثُ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ إذا أُرِيدَ بِها الواحِدُ يَكُونُ أصْلُها طائِفًا، ثُمَّ أدْخَلَ الهاءَ عَلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ كَوْنَهُ مُعَذِّبًا لِلطّائِفَةِ الثّانِيَةِ بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ.
واعْلَمْ أنَّ الطّائِفَتَيْنِ لَمّا اشْتَرَكَتا في الكُفْرِ، فَقَدِ اشْتَرَكَتا في الجُرْمِ، والتَّعْذِيبُ يَخْتَصُّ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ، وتَعْلِيلُ الحُكْمِ الخاصِّ بِالعِلَّةِ العامَّةِ لا يَجُوزُ، وأيْضًا التَّعْذِيبُ حُكْمٌ حاصِلٌ في الحالِ. وقَوْلُهُ: ﴿كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الجُرْمِ عَنْهم في الزَّمانِ الماضِي، وتَعْلِيلُ الحُكْمِ الحاصِلِ في الحالِ بِالعِلَّةِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَجُوزُ، بَلْ كانَ الأوْلى أنْ يُقالَ ذَلِكَ: بِأنَّهم مُجْرِمُونَ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْهُ أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جُرْمَ الطّائِفَةِ الثّانِيَةِ كانَ أغْلَظَ وأقْوى مِن جُرْمِ الطّائِفَةِ الأُولى، فَوَقَعَ التَّعْلِيلُ بِذَلِكَ الجُرْمِ الغَلِيظِ، وأيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجُرْمَ بَقِيَ واسْتَمَرَّ ولَمْ يَزَلْ، فَأوْجَبَ التَّعْذِيبَ.
التوبة 9:67
صفحة ١٠١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا شَرْحُ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمْ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ إناثَهم كَذُكُورِهِمْ في تِلْكَ الأعْمالِ المُنْكَرَةِ والأفْعالِ الخَبِيثَةِ، فَقالَ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: في صِفَةِ النِّفاقِ، كَما يَقُولُ الإنْسانُ: أنْتَ مِنِّي وأنا مِنكَ، أيْ: أمْرُنا واحِدٌ لا مُبايَنَةَ فِيهِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ ذَكَرَ تَفْصِيلَهُ فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ . ولَفْظُ المُنْكَرِ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ قَبِيحٍ، إلّا أنَّ الأعْظَمَ هَهُنا تَكْذِيبُ الرَّسُولِ.﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ . ولَفْظُ المَعْرُوفِ يَدْخُلُ فِيهِ كُلَّ حَسَنٍ، إلّا أنَّ الأعْظَمَ هَهُنا الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ .﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ . قِيلَ: مِن كُلِّ خَيْرٍ، وقِيلَ: عَنْ كُلِّ خَيْرٍ واجِبٍ؛ مِن زَكاةٍ وصَدَقَةٍ وإنْفاقٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَذُمُّهم إلّا بِتَرْكِ الواجِبِ، ويَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ الإنْفاقِ في الجِهادِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الجِهادِ، والأصْلُ في هَذا أنَّ المُعْطِيَ يَمُدُّ يَدَهُ ويَبْسُطُها بِالعَطاءِ، فَقِيلَ لِمَن مَنَعَ وبَخِلَ: قَدْ قَبَضَ يَدَهُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى النِّسْيانِ عَلى الحَقِيقَةِ لَما اسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ ذَمًّا؛ لِأنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ في وُسْعِ البَشَرِ، وأيْضًا فَهو في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهم تَرَكُوا أمْرَهُ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ المَنسِيِّ، فَجازاهم بِأنْ صَيَّرَهم بِمَنزِلَةِ المَنسِيِّ مِن ثَوابِهِ ورَحْمَتِهِ، وجاءَ هَذا عَلى أوْجُهِ الكَلامِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الثّانِي: النِّسْيانُ ضِدُّ الذِّكْرِ، فَلَمّا تَرَكُوا ذِكْرَ اللَّهِ بِالعِبادَةِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ، تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهم بِالرَّحْمَةِ والإحْسانِ، وإنَّما حَسُنَ جَعْلُ النِّسْيانِ كِنايَةً عَنْ تَرْكِ الذِّكْرِ؛ لِأنَّ مَن نَسِيَ شَيْئًا لَمْ يَذْكُرْهُ، فَجَعَلَ اسْمَ المَلْزُومِ كِنايَةً عَنِ اللّازِمِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيْ: هُمُ الكامِلُونَ في الفِسْقِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
التوبة 9:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .
صفحة ١٠٢
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ في المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ أنَّهُ نَسِيَهم، أيْ جازاهم عَلى تَرْكِهِمُ التَّمَسُّكَ بِطاعَةِ اللَّهِ أكَّدَ هَذا الوَعِيدَ، وضَمَّ المُنافِقِينَ إلى الكُفّارِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ . ولا شَكَّ أنَّ النّارَ المُخَلَّدَةَ مِن أعْظَمِ العُقُوباتِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ العُقُوبَةَ كافِيَةٌ لَهم ولا شَيْءَ أبْلَغُ مِنها، ولا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْها.
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: ألْحَقَ بِتِلْكَ العُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ الإهانَةَ والذَّمَّ واللَّعْنَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَعْنى كَوْنِ العَذابِ مُقِيمًا وكَوْنِهِ خالِدًا واحِدٌ، فَكانَ هَذا تَكْرارًا ؟
والجَوابُ: لَيْسَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا، وبَيانُ الفَرْقِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ لَهم نَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ المُقِيمِ الدّائِمِ سِوى العَذابِ بِالنّارِ والخُلُودِ المَذْكُورِ أوَّلًا، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ بِالنّارِ دائِمٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهم مَعَ ذَلِكَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا التَّأْوِيلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ قالَ في النّارِ المُخَلَّدَةِ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾، وكَوْنُها حَسْبًا يَمْنَعُ مِن ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ.
وجَوابُهُ: أنَّها حَسْبُهم في الإيلامِ والإيجاعِ، ومَعَ ذَلِكَ فَيُضَمُّ إلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ زِيادَةً في تَعْذِيبِهِمْ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ العَذابُ العاجِلُ الَّذِي لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وهو ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ والخَوْفِ مِنِ اطِّلاعِ الرَّسُولِ عَلى بَواطِنِهِمْ، وما يَحْذَرُونَهُ أبَدًا مِن أنْواعِ الفَضائِحِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا رُجُوعٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وهَذا الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم في الأمْرِ بِالمُنْكَرِ والنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ، وقَبْضِ الأيْدِي عَنِ الخَيْراتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ أُولَئِكَ الكُفّارَ بِأنَّهم كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا، ثُمَّ اسْتَمْتَعُوا مُدَّةً بِالدُّنْيا ثُمَّ هَلَكُوا وبادُوا وانْقَلَبُوا إلى العِقابِ الدّائِمِ، فَأنْتُمْ مَعَ ضَعْفِكم وقِلَّةِ خَيْراتِ الدُّنْيا عِنْدَكم أوْلى أنْ تَكُونُوا كَذَلِكَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ المُنافِقِينَ في عُدُولِهِمْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لِأجْلِ طَلَبِ لَذّاتِ الدُّنْيا، بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ وبِأنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ، والخَلاقُ النَّصِيبُ، وهو ما خُلِقَ لِلْإنْسانِ، أيْ: قُدِّرَ لَهُ مِن خَيْرٍ، كَما قِيلَ لَهُ: قَسْمٌ لِأنَّها قَسْمٌ ونَصِيبٌ؛ لِأنَّهُ نُصِبَ أيْ: ثَبَتَ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ، فَأنْتُمْ أيُّها المُنافِقُونَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ أُولَئِكَ بِخَلاقِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ في حَقِّ الأوَّلِينَ مَرَّةً، ثُمَّ ذِكْرِهِ في حَقِّ المُنافِقِينَ ثانِيًا، ثُمَّ ذِكْرِهِ في حَقِّ الأوَّلِينَ ثالِثًا ؟
قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى ذَمَّ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ بِما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وحِرْمانِهِمْ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اسْتِغْراقِهِمْ في تِلْكَ الحُظُوظِ العاجِلَةِ، فَلَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا الذَّمَّ عادَ فَشَبَّهَ حالَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ
صفحة ١٠٣
بِحالِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نِهايَةً في المُبالَغَةِ، ومِثالُهُ: أنَّ مَن أرادَ أنْ يُنَبِّهَ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى قُبْحِ ظُلْمِهِ يَقُولُ لَهُ: أنْتَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ، كانَ يَقْتُلُ بِغَيْرِ جُرْمٍ ويُعَذِّبُ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وأنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلَهُ، وبِالجُمْلَةِ فالتَّكْرِيرُ هَهُنا لِلتَّأْكِيدِ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى مُشابَهَةَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في طَلَبِ الدُّنْيا، وفي الإعْراضِ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ، بَيَّنَ حُصُولَ المُشابَهَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وفي المَكْرِ والخَدِيعَةِ والغَدْرِ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ كَخَوْضِهِمُ الَّذِي خاضُوا، فَـ ”الَّذِي“ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾؛ أيْ: بَطَلَتْ حَسَناتُهم في الدُّنْيا بِسَبَبِ المَوْتِ والفَقْرِ والِانْتِقالِ مِنَ العِزِّ إلى الذُّلِّ، ومِنَ القُوَّةِ إلى الضَّعْفِ، وفي الآخِرَةِ بِسَبَبِ أنَّهم لا يُثابُونَ، بَلْ يُعاقَبُونَ أشَدَّ العِقابِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ حَيْثُ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في الرَّدِّ عَلى الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، فَما وجَدُوا مِنهُ إلّا فَواتَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإلّا حُصُولَ العِقابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَ حالَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِأُولَئِكَ الكُفّارِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لَمْ يَحْصُلْ لَهم إلّا حُبُوطُ الأعْمالِ، وإلّا الخِزْيُ والخَسارُ، مَعَ أنَّهم كانُوا أقْوى مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا مِنهم، فَهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ المُشارِكُونَ لَهم في هَذِهِ الأعْمالِ القَبِيحَةِ أوْلى أنْ يَكُونُوا واقِعِينَ في عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، مَحْرُومِينَ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
التوبة 9:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .
صفحة ١٠٢
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ في المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ أنَّهُ نَسِيَهم، أيْ جازاهم عَلى تَرْكِهِمُ التَّمَسُّكَ بِطاعَةِ اللَّهِ أكَّدَ هَذا الوَعِيدَ، وضَمَّ المُنافِقِينَ إلى الكُفّارِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ . ولا شَكَّ أنَّ النّارَ المُخَلَّدَةَ مِن أعْظَمِ العُقُوباتِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ العُقُوبَةَ كافِيَةٌ لَهم ولا شَيْءَ أبْلَغُ مِنها، ولا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْها.
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: ألْحَقَ بِتِلْكَ العُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ الإهانَةَ والذَّمَّ واللَّعْنَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: مَعْنى كَوْنِ العَذابِ مُقِيمًا وكَوْنِهِ خالِدًا واحِدٌ، فَكانَ هَذا تَكْرارًا ؟
والجَوابُ: لَيْسَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا، وبَيانُ الفَرْقِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ لَهم نَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ المُقِيمِ الدّائِمِ سِوى العَذابِ بِالنّارِ والخُلُودِ المَذْكُورِ أوَّلًا، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ بِالنّارِ دائِمٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهم مَعَ ذَلِكَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ العَذابِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا التَّأْوِيلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ قالَ في النّارِ المُخَلَّدَةِ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾، وكَوْنُها حَسْبًا يَمْنَعُ مِن ضَمِّ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ.
وجَوابُهُ: أنَّها حَسْبُهم في الإيلامِ والإيجاعِ، ومَعَ ذَلِكَ فَيُضَمُّ إلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ زِيادَةً في تَعْذِيبِهِمْ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ العَذابُ العاجِلُ الَّذِي لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وهو ما يُقاسُونَهُ مِن تَعَبِ النِّفاقِ والخَوْفِ مِنِ اطِّلاعِ الرَّسُولِ عَلى بَواطِنِهِمْ، وما يَحْذَرُونَهُ أبَدًا مِن أنْواعِ الفَضائِحِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا رُجُوعٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وهَذا الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: فَعَلْتُمْ كَأفْعالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم في الأمْرِ بِالمُنْكَرِ والنَّهْيِ عَنِ المَعْرُوفِ، وقَبْضِ الأيْدِي عَنِ الخَيْراتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ أُولَئِكَ الكُفّارَ بِأنَّهم كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا، ثُمَّ اسْتَمْتَعُوا مُدَّةً بِالدُّنْيا ثُمَّ هَلَكُوا وبادُوا وانْقَلَبُوا إلى العِقابِ الدّائِمِ، فَأنْتُمْ مَعَ ضَعْفِكم وقِلَّةِ خَيْراتِ الدُّنْيا عِنْدَكم أوْلى أنْ تَكُونُوا كَذَلِكَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ المُنافِقِينَ في عُدُولِهِمْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لِأجْلِ طَلَبِ لَذّاتِ الدُّنْيا، بِمَن قَبْلَهم مِنَ الكُفّارِ، ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ وبِأنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ، والخَلاقُ النَّصِيبُ، وهو ما خُلِقَ لِلْإنْسانِ، أيْ: قُدِّرَ لَهُ مِن خَيْرٍ، كَما قِيلَ لَهُ: قَسْمٌ لِأنَّها قَسْمٌ ونَصِيبٌ؛ لِأنَّهُ نُصِبَ أيْ: ثَبَتَ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ، فَأنْتُمْ أيُّها المُنافِقُونَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ أُولَئِكَ بِخَلاقِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ في حَقِّ الأوَّلِينَ مَرَّةً، ثُمَّ ذِكْرِهِ في حَقِّ المُنافِقِينَ ثانِيًا، ثُمَّ ذِكْرِهِ في حَقِّ الأوَّلِينَ ثالِثًا ؟
قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى ذَمَّ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ بِما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وحِرْمانِهِمْ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اسْتِغْراقِهِمْ في تِلْكَ الحُظُوظِ العاجِلَةِ، فَلَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا الذَّمَّ عادَ فَشَبَّهَ حالَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ
صفحة ١٠٣
بِحالِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نِهايَةً في المُبالَغَةِ، ومِثالُهُ: أنَّ مَن أرادَ أنْ يُنَبِّهَ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى قُبْحِ ظُلْمِهِ يَقُولُ لَهُ: أنْتَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ، كانَ يَقْتُلُ بِغَيْرِ جُرْمٍ ويُعَذِّبُ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وأنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلَهُ، وبِالجُمْلَةِ فالتَّكْرِيرُ هَهُنا لِلتَّأْكِيدِ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى مُشابَهَةَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في طَلَبِ الدُّنْيا، وفي الإعْراضِ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ، بَيَّنَ حُصُولَ المُشابَهَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وفي المَكْرِ والخَدِيعَةِ والغَدْرِ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ كَخَوْضِهِمُ الَّذِي خاضُوا، فَـ ”الَّذِي“ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾؛ أيْ: بَطَلَتْ حَسَناتُهم في الدُّنْيا بِسَبَبِ المَوْتِ والفَقْرِ والِانْتِقالِ مِنَ العِزِّ إلى الذُّلِّ، ومِنَ القُوَّةِ إلى الضَّعْفِ، وفي الآخِرَةِ بِسَبَبِ أنَّهم لا يُثابُونَ، بَلْ يُعاقَبُونَ أشَدَّ العِقابِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ حَيْثُ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في الرَّدِّ عَلى الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، فَما وجَدُوا مِنهُ إلّا فَواتَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإلّا حُصُولَ العِقابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَ حالَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِأُولَئِكَ الكُفّارِ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لَمْ يَحْصُلْ لَهم إلّا حُبُوطُ الأعْمالِ، وإلّا الخِزْيُ والخَسارُ، مَعَ أنَّهم كانُوا أقْوى مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا مِنهم، فَهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ المُشارِكُونَ لَهم في هَذِهِ الأعْمالِ القَبِيحَةِ أوْلى أنْ يَكُونُوا واقِعِينَ في عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، مَحْرُومِينَ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
التوبة 9:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ في الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا، وفي تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ والمُبالَغَةِ في إيذائِهِمْ بَيَّنَ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ المُتَقَدِّمِينَ مِنهم، فَذَكَرَ هَؤُلاءِ الطَّوائِفَ السِّتَّةَ، فَأوَّلُهم: قَوْمُ نُوحٍ واللَّهُ أهْلَكَهم بِالإغْراقِ. وثانِيهِمْ: عادٌ واللَّهُ تَعالى أهْلَكَهم بِإرْسالِ الرِّيحِ العَقِيمِ عَلَيْهِمْ. وثالِثُهم: ثَمُودُ واللَّهُ أهْلَكَهم بِإرْسالِ الصَّيْحَةِ والصّاعِقَةِ. ورابِعُهم: قَوْمُ إبْراهِيمَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِ سَلْبِ النِّعْمَةِ عَنْهم، وبِما رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّهُ تَعالى سَلَّطَ البَعُوضَةَ عَلى دِماغِ نُمْرُوذَ. وخامِسُهم: قَوْمُ شُعَيْبٍ وهم أصْحابُ مَدْيَنَ، ويُقالُ: إنَّهم مِن ولَدِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، واللَّهُ تَعالى أهْلَكَهم بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، والمُؤْتَفِكاتُ: قَوْمُ لُوطٍ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَ عالِيَ أرْضِهِمْ سافِلَها، وأمْطَرَ عَلَيْهِمُ الحِجارَةَ، وقالَ الواحِدِيُّ: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ، ومَعْنى الِائْتِفاكِ في اللُّغَةِ: الِانْقِلابُ، وتِلْكَ القُرى ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها، أيِ: انْقَلَبَتْ فَصارَ أعْلاها أسْفَلَها، يُقالُ: أفَكَهُ فائْتَفَكَ، أيْ: قَلَبَهُ فانْقَلَبَ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالمُؤْتَفِكاتُ صِفَةُ القُرى، وقِيلَ: ائْتِفاكُهُنَّ انْقِلابُ أحْوالِهِنَّ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ.
صفحة ١٠٤
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وذَكَرَ هَؤُلاءِ الطَّوائِفَ السِّتَّةَ؛ وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ أتاهم نَبَأُ هَؤُلاءِ تارَةً بِأنْ سَمِعُوا هَذِهِ الأخْبارَ مِنَ الخَلْقِ، وتارَةً لِأجْلِ أنَّ بِلادَ هَذِهِ الطَّوائِفِ، وهي بِلادُ الشّامِ، قَرِيبَةٌ مِن بِلادِ العَرَبِ، وقَدْ بَقِيَتْ آثارُهم مُشاهَدَةً. وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ وإنْ كانَ في صِفَةِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّ المُرادَ هو التَّقْرِيرُ، أيْ: أتاهم نَبَأُ هَؤُلاءِ الأقْوامِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ وهو راجِعٌ إلى كُلِّ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ: بِالمُعْجِزاتِ، ولا بُدَّ مِن إضْمارٍ في الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: فَكَذَّبُوا فَعَجَّلَ اللَّهُ هَلاكَهم.
ثُمَّ قالَ: ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ العَذابَ الَّذِي أوْصَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ما كانَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهُ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ ومُبالَغَتِهِمْ في تَكْذِيبِ أنْبِيائِهِمْ، بَلْ كانُوا ظَلَمُوا أنْفُسَهم.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَصِحُّ مِنهُ فِعْلُ الظُّلْمِ، وإلّا لَما حَسُنَ التَّمَدُّحُ بِهِ، وذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَظْلِمُ البَتَّةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ فاعِلَ الظُّلْمِ هو العَبْدُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾، وهَذا الكَلامُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ في هَذا الكِتابِ مِرارًا خارِجَةً عَنِ الإحْصاءِ.
التوبة 9:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في وصْفِ المُنافِقِينَ بِالأعْمالِ الفاسِدَةِ والأفْعالِ الخَبِيثَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنْواعَ الوَعِيدِ في حَقِّهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَ المُؤْمِنِينَ مَوْصُوفِينَ بِصِفاتِ الخَيْرِ وأعْمالِ البِرِّ، عَلى ضِدِّ صِفاتِ المُنافِقِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الدّائِمِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَأمّا صِفاتُ المُؤْمِنِينَ فَهي قَوْلُهُ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ المُنافِقِينَ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾، وهَهُنا قالَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾، فَلِمَ ذَكَرَ في المُنافِقِينَ لَفْظَ ”مِن“ وفي المُؤْمِنِينَ لَفْظَ ”أوْلِياءُ“ ؟ .
قُلْنا: قَوْلُهُ في صِفَةِ المُنافِقِينَ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ نِفاقَ الأتْباعِ كالأمْرِ المُتَفَرِّعِ عَلى نِفاقِ الأسْلافِ، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ نِفاقَ الأتْباعِ وكُفْرَهم حَصَلَ بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ لِأُولَئِكَ الأكابِرِ، وبِسَبَبِ مُقْتَضى الهَوى والطَّبِيعَةِ والعادَةِ، أمّا المُوافَقَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّما حَصَلَتْ لا بِسَبَبِ المَيْلِ
صفحة ١٠٥
والعادَةِ، بَلْ بِسَبَبِ المُشارَكَةِ في الِاسْتِدْلالِ والتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى في المُنافِقِينَ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾، وقالَ في المُؤْمِنِينَ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الوِلايَةَ ضِدُّ العَداوَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الأصْلَ في لَفْظِ الوِلايَةِ القُرْبُ، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِأنَّ ضِدَّ الوِلايَةِ هو العَداوَةُ، ولَفْظَةُ العَداوَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن عَدا الشَّيْءَ إذا جاوَزَ عَنْهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ بَعْضِهِمْ أوْلِياءَ بَعْضٍ، ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ والشَّرْحِ لَهُ، فَقالَ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . فَذَكَرَ هَذِهِ الأُمُورَ الخَمْسَةَ الَّتِي بِها يَتَمَيَّزُ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ، فالمُنافِقُ عَلى ما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ يَأْمُرُ بِالمُنْكَرِ، ويَنْهى عَنِ المَعْرُوفِ، والمُؤْمِنُ بِالضِّدِّ مِنهُ. والمُنافِقُ لا يَقُومُ إلى الصَّلاةِ إلّا مَعَ نَوْعٍ مِنَ الكَسَلِ، والمُؤْمِنُ بِالضِّدِّ مِنهُ. والمُنافِقُ يَبْخَلُ بِالزَّكاةِ وسائِرِ الواجِباتِ كَما قالَ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] . والمُؤْمِنُونَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، والمُنافِقُ إذا أمَرَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِالمُسارَعَةِ إلى الجِهادِ فَإنَّهُ يَتَخَلَّفُ بِنَفْسِهِ ويُثَبِّطُ غَيْرَهُ كَما وصَفَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، والمُؤْمِنُونَ بِالضِّدِّ مِنهم. وهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ:(﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ بَيَّنَ أنَّهُ كَما وعَدَ المُنافِقِينَ نارَ جَهَنَّمَ فَقَدْ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الرَّحْمَةَ المُسْتَقْبَلَةَ، وهي ثَوابُ الآخِرَةِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ . وذَكَرَ حَرْفَ السِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ لِلتَّوْكِيدِ والمُبالَغَةِ، كَما تُؤَكِّدُ الوَعِيدَ في قَوْلِكَ: سَأنْتَقِمُ مِنكَ يَوْمًا، يَعْنِي أنَّكَ لا تَفُوتُنِي وإنْ تَباطَأ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] -﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] -﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] .
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وذَلِكَ يُوجِبُ المُبالَغَةَ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ؛ لِأنَّ العَزِيزَ هو مَن لا يُمْنَعُ مِن مُرادِهِ في عِبادِهِ مِن رَحْمَةٍ أوْ عُقُوبَةٍ، والحَكِيمَ هو المُدَبِّرُ أمْرَ عِبادِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَدْلُ والصَّوابُ.
التوبة 9:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ في الآيَةِ الأُولى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وعَدَ بِالرَّحْمَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ هي هَذِهِ الأشْياءُ، فَأوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ . والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أرادَ بِها البَساتِينَ الَّتِي يَتَناوَلُها المَناظِرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ . والمَعْطُوفُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ مَساكِنُهم في جَنّاتِ عَدْنٍ، ومَناظِرُهُمُ الجَنّاتِ الَّتِي هي البَساتِينُ، فَتَكُونُ فائِدَةُ وصْفِها بِأنَّها عَدْنٌ، أنَّها تَجْرِي مَجْرى الدّارِ الَّتِي يَسْكُنُها الإنْسانُ. وأمّا الجَنّاتُ الآخِرَةُ فَهي جارِيَةٌ مَجْرى البَساتِينِ الَّتِي قَدْ يَذْهَبُ الإنْسانُ إلَيْها لِأجْلِ التَّنَزُّهِ ومُلاقاةِ الأحْبابِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قَدْ كَثُرَ كَلامُ أصْحابِ الآثارِ في صِفَةِ جَنّاتِ عَدْنٍ، قالَ الحَسَنُ: «سَألْتُ عِمْرانَ بْنَ الحُصَيْنِ وأبا هُرَيْرَةَ عَنْ قَوْلِهِ:
صفحة ١٠٦
﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ فَقالا: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، سَألْنا الرَّسُولَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ ﷺ: ”هو قَصْرٌ في الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دارًا مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، في كُلِّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا، عَلى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِراشًا، عَلى كُلِّ فِراشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، في كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائِدَةً، عَلى كُلِّ مائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعامِ، وفي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وصِيفَةً، يُعْطى المُؤْمِنُ مِنَ القُوَّةِ في غَداةٍ واحِدَةٍ ما يَأْتِي عَلى ذَلِكَ أجْمَعَ“» .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها دارُ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. وأقُولُ: لَعَلَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: إنَّها دارُ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ فَإنَّهُ كانَ أعْلَمَ بِاللَّهِ مِن أنْ يُثْبِتَ لَهُ دارًا، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي عَنِ الجَنَّةِ ما بِناؤُها ؟ فَقالَ: ”لَبِنَةٌ مِن ذَهَبٍ ولَبِنَةٌ مِن فِضَّةٍ، ومِلاطُها المِسْكُ الأذْفَرُ، وتُرابُها الزَّعْفَرانُ، وحَصاؤُها الدُّرُّ والياقُوتُ، فِيها النَّعِيمُ بِلا بُؤْسٍ، والخُلُودُ بِلا مَوْتٍ، لا تَبْلى ثِيابُهُ ولا يَفْنى شَبابُهُ“» .
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جَنّاتُ عَدْنٍ بُطْنانُ الجَنَّةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: بُطْنانُها وسَطُها، وبُطْنانُ الأوْدِيَةِ المَواضِعُ الَّتِي يَسْتَنْقِعُ فِيها ماءُ السَّيْلِ، واحِدُها بَطْنٌ، وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي قَصَبَةُ الجَنَّةِ، وسَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وهي المَدِينَةُ الَّتِي فِيها الرُّسُلُ والأنْبِياءُ والشُّهَداءُ وأئِمَّةُ الهُدى، وسائِرُ الجَنّاتِ حَوْلَها، وفِيها عَيْنُ التَّسْنِيمِ، وفِيها قُصُورُ الدُّرِّ والياقُوتِ والذَّهَبِ، فَتَهُبُّ رِيحٌ طَيِّبَةٌ مِن تَحْتِ العَرْشِ فَتُدْخِلُ عَلَيْهِمْ كُثْبانَ المِسْكِ الأذْفَرِ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إنَّ في الجَنَّةِ قَصْرًا يُقالُ لَهُ: عَدْنٌ، حَوْلَهُ البُرُوجُ، ولَهُ خَمْسَةُ آلافِ بابٍ، عَلى كُلِّ بابٍ خَمْسَةُ آلافِ حَرَّةٍ، لا يَدْخُلُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ.
وأقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ أنَّ في جَنّاتِ عَدْنٍ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ في الجَنَّةِ، وهَذِهِ الأخْبارُ والآثارُ الَّتِي نَقَلْناها تُقَوِّي هَذا القَوْلَ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وعَدْنٌ عَلَمٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ صِفَةٌ لِلْجَنَّةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: العَدْنُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِكَ: عَدَنَ فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ يَعْدِنُ عُدُونًا. والعَرَبُ تَقُولُ: تَرَكْتُ إبِلَ بَنِي فُلانٍ عَوادِنَ بِمَكانِ كَذا، وهو أنْ تَلْزَمَ الإبِلُ المَكانَ فَتَأْلَفَهُ ولا تَبْرَحَهُ، ومِنهُ المَعْدِنُ، وهو المَكانُ الَّذِي تُخْلَقُ الجَواهِرُ فِيهِ ومَنبَعُها مِنهُ. والقائِلُونَ بِهَذا الِاشْتِقاقِ قالُوا: الجَنّاتُ كُلُّها جَنّاتُ عَدْنٍ.
والنَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ المَواعِيدِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ والمَعْنى: أنَّ رِضْوانَ اللَّهِ أكْبَرُ مِن كُلِّ ما سَلَفَ ذِكْرُهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا هو البُرْهانُ القاطِعُ عَلى أنَّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةَ أشْرَفُ وأعْلى مِنَ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ الِابْتِهاجُ بِكَوْنِ مَوْلاهُ راضِيًا عَنْهُ، وأنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ الرِّضا إلى شَيْءٍ مِنَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ أوْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ عِلْمُهُ بِكَوْنِهِ راضِيًا عَنْهُ يُوجِبُ الِابْتِهاجَ والسَّعادَةَ لِذاتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَوَسَّلَ بِهِ إلى مَطْلُوبٍ آخَرَ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ ما كانَ وسِيلَةً إلى الشَّيْءِ لا يَكُونُ أعْلى حالًا مِن ذَلِكَ المَقْصُودِ، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن رِضْوانِ اللَّهِ أنْ يُتَوَسَّلَ بِهِ إلى اللَّذّاتِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ في الجَنَّةِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ، لَكانَ الِابْتِهاجُ بِالرِّضْوانِ ابْتِهاجًا بِالمَقْصُودِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الِابْتِهاجَ بِالوَسِيلَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أقَلَّ حالًا مِنَ الِابْتِهاجِ بِالمَقْصُودِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رِضْوانُ اللَّهِ أقَلَّ حالًا وأدْوَنَ مَرْتَبَةً مِنَ الفَوْزِ بِالجَنّاتِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ، لَكِنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّ الفَوْزَ بِالرِّضْوانِ أعْلى وأعْظَمُ وأجَلُّ وأكْبَرُ، وذَلِكَ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةَ أكْمَلُ وأشْرَفُ مِنَ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ الحَقَّ وُجُوبُ الإقْرارِ بِهِما مَعًا كَما جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما في هَذِهِ الآيَةِ.
صفحة ١٠٧
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ قالَ: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِن جَوْهَرَيْنِ؛ لَطِيفٌ عُلْوِيٌّ رُوحانِيٌّ، وكَثِيفٌ سُفْلِيٌّ جُسْمانِيٌّ، وانْضَمَّ إلَيْهِما حُصُولُ سَعادَةٍ وشَقاوَةٍ، فَإذا حَصَلَتِ الخَيْراتُ الجُسْمانِيَّةُ وانْضَمَّ إلَيْها حُصُولُ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ كانَتِ الرُّوحُ فائِزَةً بِالسَّعاداتِ اللّائِقَةِ بِها، والجَسَدُ واصِلًا إلى السَّعاداتِ اللّائِقَةِ بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في وصْفِ المُنافِقِينَ أنَّهم تَشَبَّهُوا بِالكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم في التَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا وطَيِّباتِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ وصْفَ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ والمَعْنى: أنَّ هَذا هو الفَوْزُ العَظِيمُ، لا ما يَطْلُبُهُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ مِنَ التَّنَعُّمِ بِطَيِّباتِ الدُّنْيا. ورُوِيَ «أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ”هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: وما لَنا لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أما أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ قالُوا: وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا“» .
واعْلَمْ أنَّ دَلالَةَ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةَ أفْضَلُ مِنَ الجُسْمانِيَّةِ كَدَلالَةِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ عَلى الوَجْهِ الكامِلِ.
التوبة 9:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ المُنافِقِينَ بِالصِّفاتِ الخَبِيثَةِ وتَوَعَّدَهم بِأنْواعِ العِقابِ، وكانَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ جارِيَةً بِذِكْرِ الوَعْدِ مَعَ الوَعِيدِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ وصْفَ المُؤْمِنِينَ بِالصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ الطّاهِرَةِ الطَّيِّبَةِ، ووَعَدَهم بِالثَّوابِ الرَّفِيعِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ، ثُمَّ عادَ مَرَّةً أُخْرى إلى شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ وفي الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ مُجاهَدَةِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ فَإنَّ المُنافِقَ هو الَّذِي يَسْتُرُ كَفْرَهُ ويُنْكِرُهُ بِلِسانِهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ مُحارَبَتُهُ ومُجاهَدَتُهُ.
واعْلَمْ أنَّ النّاسَ ذَكَرُوا أقْوالًا بِسَبَبِ هَذا الإشْكالِ.
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ الجِهادُ مَعَ الكُفّارِ وتَغْلِيظُ القَوْلِ مَعَ المُنافِقِينَ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ يَقْتَضِي الأمْرَ بِجِهادِهِما مَعًا، وكَذا ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الفَرِيقَيْنِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَحْكُمَ بِالظّاهِرِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ»، والقَوْمُ كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُنْكِرُونَ الكُفْرَ، فَكانَتِ المُحارَبَةُ مَعَهم غَيْرَ جائِزَةٍ.
والقَوْلُ الثّالِثُ وهو الصَّحِيحُ: أنَّ الجِهادَ عِبارَةٌ عَنْ بَذْلِ الجُهْدِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجِهادَ بِالسَّيْفِ أوْ بِاللِّسانِ أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَنَقُولُ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الجِهادِ مَعَ الفَرِيقَيْنِ، فَأمّا كَيْفِيَّةُ
صفحة ١٠٨
تِلْكَ المُجاهَدَةِ فَلَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلَيْها، بَلْ إنَّما يُعْرَفُ مِن دَلِيلٍ آخَرَ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: دَلَّتِ الدَّلائِلُ المُنْفَصِلَةُ عَلى أنَّ المُجاهَدَةَ مَعَ الكُفّارِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ بِالسَّيْفِ، ومَعَ المُنافِقِينَ بِإظْهارِ الحُجَّةِ تارَةً، وبِتَرْكِ الرِّفْقِ ثانِيًا، وبِالِانْتِهارِ ثالِثًا. قالَ عَبْدُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ قالَ: تارَةً بِاليَدِ، وتارَةً بِاللِّسانِ، فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُكَشِّرْ في وجْهِهِ، فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِالقَلْبِ. وحَمَلَ الحَسَنُ جِهادَ المُنافِقِينَ عَلى إقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ إذا تَعاطَوْا أسْبابَها. قالَ القاضِي: وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ إقامَةَ الحَدِّ واجِبَةٌ عَلى مَن لَيْسَ بِمُنافِقٍ، فَلا يَكُونُ لِهَذا تَعَلُّقٌ بِالنِّفاقِ.
ثُمَّ قالَ: وإنَّما قالَ الحَسَنُ ذَلِكَ لِأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمّا لِأنَّ كُلَّ فاسِقٍ مُنافِقٌ، وإمّا لِأجْلِ أنَّ الغالِبَ مِمَّنْ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ في زَمَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا مُنافِقِينَ.
التوبة 9:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ أقْوامًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا كَلِماتٍ فاسِدَةً، ثُمَّ لَمّا قِيلَ لَهم: إنَّكم ذَكَرْتُمْ هَذِهِ الكَلِماتِ خافُوا، وحَلَفُوا أنَّهم ما قالُوا، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في أسْبابِ النُّزُولِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقامَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ شَهْرَيْنِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ويَعِيبُ المُنافِقِينَ المُتَخَلِّفِينَ. فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ في إخْوانِنا الَّذِينَ خَلَّفْناهم في المَدِينَةِ حَقًّا مَعَ أنَّهم أشْرافُنا، فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَقالَ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ الأنْصارِيُّ لِلْجُلاسِ: أجَلْ واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، وأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ. وبَلَغَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فاسْتَحْضَرَ الجُلاسَ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ أنَّهُ ما قالَ، فَرَفَعَ عامِرٌ يَدَهُ وقالَ: اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلى عَبْدِكَ ونَبِيِّكَ تَصْدِيقَ الصّادِقِ وتَكْذِيبَ الكاذِبِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَقالَ الجُلاسُ: لَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ التَّوْبَةَ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَقَدْ قُلْتُ هَذا الكَلامَ وصَدَقَ عامِرٌ، فَتابَ الجُلاسُ، وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ» . الثّانِي: رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ لَمّا قالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، وأرادَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ . فَسَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ ذَلِكَ وبَلَّغَهُ إلى الرَّسُولِ، فَهَمَّ عُمَرُ بِقَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَجاءَ عَبْدُ اللَّهِ وحَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الثّالِثُ: رَوى قَتادَةُ «أنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا، أحَدُهُما مِن جُهَيْنَةَ، والآخَرُ مِن غِفارٍ، فَظَهَرَ الغِفارِيُّ عَلى الجُهَيْنِيِّ، فَنادى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: يا بَنِي الأوْسِ، انْصُرُوا أخاكم، واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قِيلَ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ. فَذَكَرُوهُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأنْكَرَ عَبْدُ اللَّهِ، وجَعَلَ يَحْلِفُ» . قالَ القاضِي: يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ هَذِهِ الوَقائِعَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ كُلُّها صِيَغُ الجُمُوعِ، وحَمْلُ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ خِلافُ الأصْلِ.
صفحة ١٠٩
فَإنْ قِيلَ: لَعَلَّ ذَلِكَ الواحِدَ قالَ في مَحْفِلٍ ورَضِيَ بِهِ الباقُونَ.
قُلْنا: هَذا أيْضًا خِلافُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ إسْنادَ القَوْلِ إلى مَن سَمِعَهُ ورَضِيَ بِهِ خِلافُ الأصْلِ. ثُمَّ قالَ: بَلى الأوْلى أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما رُوِيَ: «أنَّ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ عِنْدَ رُجُوعِهِ مِن تَبُوكَ وهم خَمْسَةَ عَشَرَ، تَعاهَدُوا أنْ يَدْفَعُوهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي إذا تَسَنَّمَ العَقَبَةَ بِاللَّيْلِ، وكانَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ آخِذًا بِالخِطامِ عَلى راحِلَتِهِ وحُذَيْفَةُ خَلْفَها يَسُوقُها، فَسَمِعَ حُذَيْفَةُ وقْعَ أخْفافِ الإبِلِ وقَعْقَعَةَ السِّلاحِ، فالتَفَتَ، فَإذا قَوْمٌ مُتَلَثِّمُونَ، فَقالَ: إلَيْكم إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ. فَهَرَبُوا» . والظّاهِرُ أنَّهم لَمّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ الغَرَضِ، فَقَدْ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ ونَسَبُوهُ إلى الكَذِبِ والتَّصَنُّعِ في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ هو قَوْلُ كَلِمَةِ الكُفْرِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهم أسْلَمُوا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمْ هَذا الكَلامُ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ الإسْلامِ السِّلْمُ الَّذِي هو نَقِيضُ الحَرْبِ؛ لِأنَّهم لَمّا نافَقُوا فَقَدْ أظْهَرُوا الإسْلامَ، وجَنَحُوا إلَيْهِ، فَإذا جاهَرُوا بِالحَرْبِ، وجَبَ حَرْبُهم.
والثّانِي: أنَّهم أظْهَرُوا الكُفْرَ بَعْدَ أنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ المُرادُ إطْباقُهم عَلى الفَتْكِ بِالرَّسُولِ، واللَّهُ تَعالى أخْبَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ حَتّى احْتَرَزَ عَنْهم، ولَمْ يَصِلُوا إلى مَقْصُودِهِمْ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ في هَذا الفَضْلِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ المَدِينَةَ في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ، لا يَرْكَبُونَ الخَيْلَ ولا يَحُوزُونَ الغَنِيمَةَ، وبَعْدَ قُدُومِهِ أخَذُوا الغَنائِمَ وفازُوا بِالأمْوالِ ووَجَدُوا الدَّوْلَةَ، وذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا مُحِبِّينَ لَهُ مُجْتَهِدِينَ في بَذْلِ النَّفْسِ والمالِ لِأجْلِهِ.
والثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ «قُتِلَ لِلْجُلاسِ مَوْلًى، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فاسْتَغْنى» .
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ شَيْءٌ يَنْقِمُونَ مِنهُ، وهَذا كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
وكَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ عَيْبٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ والمُرادُ: اسْتِعْطافُ قُلُوبِهِمْ بَعْدَما صَدَرَتِ الجِنايَةُ العَظِيمَةُ عَنْهم، ولَيْسَ في الظّاهِرِ إلّا أنَّهم إنْ تابُوا فازُوا بِالخَيْرِ، فَأمّا أنَّهم تابُوا فَلَيْسَ في الآيَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا ما قالُوهُ في تَوْبَةِ الجُلاسِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَنِ التَّوْبَةِ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾؛ أمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَمَعْلُومٌ، وأمّا العَذابُ في الدُّنْيا، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ كُفْرُهم بَيْنَ النّاسِ صارُوا مِثْلَ أهْلِ الحَرْبِ، فَيَحِلُّ قِتالُهم وقَتْلُهم وسَبْيُ أوْلادِهِمْ وأزْواجِهِمْ واغْتِنامُ أمْوالِهِمْ. وقِيلَ: بِما يَنالُهم عِنْدَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ مَلائِكَةِ
صفحة ١١٠
العَذابِ. وقِيلَ: المُرادُ عَذابُ القَبْرِ: ﴿وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يَعْنِي: أنَّ عَذابَ اللَّهِ إذا حُقَّ لَمْ يَنْفَعْهُ ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ.
التوبة 9:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أكْثَرُها في شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم أقْسامٌ وأصْنافٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ يَذْكُرُهم عَلى التَّفْصِيلِ، فَيَقُولُ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] -﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ أبْطَأ عَنْهُ مالُهُ بِالشَّأْمِ، فَلَحِقَهُ شِدَّةٌ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ وهو واقِفٌ بِبَعْضِ مَجالِسِ الأنْصارِ: لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَأصَّدَّقَنَّ ولَأُؤَدِّيَنَّ مِنهُ حَقَّ اللَّهِ، إلى آخِرِ الآيَةِ، والمَشْهُورُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا ! فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ“ فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ، فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ، حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا بِها، فَجَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ والعَصْرَ ويَتْرُكُ ما سِواهُما، ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرَتْ حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ إلّا الجُمُعَةَ، ثُمَّ تَرَكَ الجُمُعَةَ، وطَفِقَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ يَسْألُ عَنِ الأخْبارِ، وسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِ، فَقالَ: ”يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ“ . فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَبَعَثَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ وقالَ: ”مُرّا بِثَعْلَبَةَ فَخُذا صَدَقاتِهِ“، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُما: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ أوْ أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَلَمْ يَدْفَعِ الصَّدَقَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، فَأتى الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِن قَبُولِ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”قَدْ قُلْتُ لَكَ فَما أطَعْتَنِي“ فَرَجَعَ إلى مَنزِلِهِ وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ بِصَدَقَتِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْها؛ اقْتِداءً بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُمَرُ؛ اقْتِداءً بِأبِي بَكْرٍ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُثْمانُ، وهَلَكَ ثَعْلَبَةُ في خِلافَةِ عُثْمانَ» .
فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِإخْراجِ الصَّدَقَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يَقْبَلَها مِنهُ ؟
قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهُ
صفحة ١١١
لِيَعْتَبِرَ غَيْرُهُ بِهِ، فَلا يَمْتَنِعُ عَنْ أداءِ الصَّدَقاتِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهُ إنَّما أتى بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ عَلى وجْهِ الرِّياءِ، لا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ؛ وأعْلَمَ اللَّهُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلْ تِلْكَ الصَّدَقَةَ لِهَذا السَّبَبِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ وكانَ هَذا المَقْصُودُ غَيْرَ حاصِلٍ في ثَعْلَبَةَ مَعَ نِفاقِهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ امْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أخْذِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ عاهَدَ اللَّهَ في أنَّهُ لَوْ آتاهُ مالًا لَصَرَفَ بَعْضَهُ إلى مَصارِفِ الخَيْراتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى آتاهُ المالَ، وذَلِكَ الإنْسانُ ما وفى بِذَلِكَ العَهْدِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: المُنافِقُ كافِرٌ، والكافِرُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يُعاهِدَ اللَّهَ تَعالى ؟
والجَوابُ: المُنافِقُ قَدْ يَكُونُ عارِفًا بِاللَّهِ، إلّا أنَّهُ كانَ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِكَوْنِهِ عارِفًا بِاللَّهِ يُمْكِنُهُ أنْ يُعاهِدَ اللَّهَ، ولِكَوْنِهِ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ كافِرًا. وكَيْفَ لا أقُولُ ذَلِكَ وأكْثَرُ هَذا العالَمِ مَقْرُونٌ بِوُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ، ويَقِلُّ في أصْنافِ الكُفّارِ مَن يُنْكِرُهُ، والكُلُّ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَفْتَحُ عَلى الإنْسانِ أبْوابَ الخَيْراتِ، ويَعْلَمُونَ أنَّهُ يُمْكِنُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِالطّاعاتِ وأعْمالِ البِرِّ والإحْسانِ إلى الخَلْقِ، فَهَذِهِ أُمُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْها بَيْنَ الأكْثَرِينَ. وأيْضًا فَلَعَلَّهُ حِينَ عاهَدَ اللَّهَ تَعالى بِهَذا العَهْدِ كانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ لَمّا بَخِلَ بِالمالِ، ولَمْ يَفِ بِالعَهْدِ صارَ مُنافِقًا، ولَفْظُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِما ذَكَرْناهُ، حَيْثُ قالَ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ مِن شَرْطِ هَذِهِ المُعاهَدَةِ أنْ يَحْصُلَ التَّلَفُّظُ بِها بِاللِّسانِ، أوْ لا حاجَةَ إلى التَّلَفُّظِ حَتّى لَوْ نَواهُ بِقَلْبِهِ دَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ المُعاهَدَةِ ؟
الجَوابُ: مِنهم مَن قالَ: كُلُّ ما ذَكَرَهُ بِاللِّسانِ أوْ لَمْ يَذْكُرْهُ ولَكِنْ نَواهُ بِقَلْبِهِ فَهو داخِلٌ في هَذا العَهْدِ. يُرْوى عَنِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: أصابَتْنا رِيحٌ شَدِيدَةٌ في البَحْرِ، فَنَذَرَ قَوْمٌ مِنّا أنْواعًا مِنَ النُّذُورِ، ونَوَيْتُ أنا شَيْئًا وما تَكَلَّمْتُ بِهِ، فَلَمّا قَدِمْتُ البَصْرَةَ سَألْتُ أبِي، فَقالَ: يا بُنَيَّ فِ بِهِ ! وقالَ أصْحابُ هَذا القَوْلِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ كانَ شَيْئًا نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ وقالَ المُحَقِّقُونَ: هَذِهِ المُعاهَدَةُ مُقَيَّدَةٌ بِما إذا حَصَلَ التَّلَفُّظُ بِها بِاللِّسانِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ عَفا عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسَها ولَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ» “ أوْ لَفْظُ هَذا مَعْناهُ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إخْبارٌ عَنْ تَكَلُّمِهِ بِهَذا القَوْلِ، وظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِالقَوْلِ بِاللِّسانِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ المُرادُ مِنهُ إخْراجُ مالٍ، ثُمَّ إنَّ إخْراجَ المالِ عَلى قِسْمَيْنِ؛ قَدْ يَكُونُ واجِبًا، وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ واجِبٍ. والواجِبُ قِسْمانِ: قِسْمٌ وجَبَ بِإلْزامِ الشَّرْعِ ابْتِداءً، كَإخْراجِ الزَّكاةِ الواجِبَةِ، وإخْراجِ النَّفَقاتِ الواجِبَةِ، وقِسْمٌ لَمْ يَجِبْ إلّا إذا التَزَمَهُ العَبْدُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ مِثْلُ النُّذُورِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ هَلْ يَتَناوَلُ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ، أوْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ؟
والجَوابُ: قُلْنا: أمّا الصَّدَقاتُ الَّتِي لا تَكُونُ واجِبَةً، فَغَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ والبُخْلُ في عُرْفِ الشَّرْعِ: عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الواجِبِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم بِهَذا التَّرْكِ، وتارِكُ المَندُوبِ لا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ. وأمّا القِسْمانِ الباقِيانِ، فالَّذِي يَجِبُ بِإلْزامِ الشَّرْعِ داخِلٌ تَحْتَ الآيَةِ
صفحة ١١٢
لا مَحالَةَ، وهو مِثْلُ الزَّكَواتِ والمالِ الَّذِي يُحْتاجُ إلى إنْفاقِهِ في طَرِيقِ الحَجِّ والغَزْوِ، والمالِ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في النَّفَقاتِ الواجِبَةِ.
بَقِيَ أنْ يُقالَ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ القائِلَ كانَ قَدِ التَزَمَ إخْراجَ مالٍ عَلى سَبِيلِ النَّذْرِ ؟ والأظْهَرُ أنَّ اللَّفْظَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في اللَّفْظِ لَيْسَ إلّا قَوْلَهُ: ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهَذا لا يُشْعِرُ بِالنَّذْرِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُعاهِدُ رَبَّهُ في أنْ يَقُومَ بِما يَلْزَمُهُ مِنَ الإنْفاقاتِ الواجِبَةِ إنْ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الَّذِي لَزِمَهم إنَّما لَزِمَهم بِسَبَبِ هَذا الِالتِزامِ، والزَّكاةُ لا تَلْزَمُ بِسَبَبِ هَذا الِالتِزامِ، وإنَّما تَلْزَمُ بِسَبَبِ مِلْكِ النِّصابِ وحَوَلانِ الحَوْلِ.
قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ لا يُوجِبُ أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى الفَوْرِ؛ لِأنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ إيقاعِ هَذا الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا القَدْرُ لا يُوجِبُ الفَوْرَ، فَكَأنَّهم قالُوا: لَنَصَّدَّقَنَّ في وقْتٍ كَما قالُوا: ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في أوْقاتِ لُزُومِ الصَّلاةِ، فَخَرَجَ مِنَ التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ الدّاخِلَ تَحْتَ هَذا العَهْدِ إخْراجُ الأمْوالِ الَّتِي يَجِبُ إخْراجُها بِمُقْتَضى إلْزامِ الشَّرْعِ ابْتِداءً، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِما رُوِّينا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في حَقِّ مَنِ امْتَنَعَ مِن أداءِ الزَّكاةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ مِن حالِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أنَّهم كَما يُنافِقُونَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ، فَكَذَلِكَ يُنافِقُونَ رَبَّهم فِيما يُعاهِدُونَهُ عَلَيْهِ، ولا يَقُومُونَ بِما يَقُولُونَ، والغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةُ في وصْفِهِمْ بِالنِّفاقِ. وأكْثَرُ هَذِهِ الفُصُولِ مِن كَلامِ القاضِي.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما المُرادُ مِنَ الفَضْلِ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ ؟ .
والجَوابُ: المُرادُ إيتاءُ المالِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، سَواءٌ كانَ بِطَرِيقِ التِّجارَةِ، أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ أوْ بِغَيْرِهِما.
السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ اشْتِقاقُ ”لَنَصَّدَّقَنَّ“ ؟ .
الجَوابُ: قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ لَنَتَصَدَّقَنَّ، ولَكِنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الصّادِ لِقُرْبِها مِنها. قالَ اللَّيْثُ: المُصَّدِّقُ المُعْطِي، والمُتَصَدِّقُ السّائِلُ. قالَ الأصْمَعِيُّ والفَرّاءُ: هَذا خَطَأٌ فالمُتَصَدِّقُ هو المُعْطِي، قالَ تَعالى: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] .
السُّؤالُ السّادِسُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ؟ .
الجَوابُ: الصّالِحُ ضِدُّ المُفْسِدِ، والمُفْسِدُ عِبارَةٌ عَنِ الَّذِي بَخِلَ بِما يَلْزَمُهُ في التَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الصّالِحُ عِبارَةً عَمّا يَقُومُ بِما يَلْزَمُهُ في التَّكْلِيفِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانَ ثَعْلَبَةُ قَدْ عاهَدَ اللَّهَ تَعالى: لَئِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أبْوابَ الخَيْرِ لَيَصَّدَّقَنَّ ولَيَجْعَلَنَّ، وأقُولُ: التَّقْيِيدُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ قَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إشارَةٌ إلى إخْراجِ الزَّكاةِ الواجِبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ إشارَةٌ إلى إخْراجِ كُلِّ مالٍ يَجِبُ إخْراجُهُ عَلى الإطْلاقِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: البُخْلُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ.
صفحة ١١٣
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: التَّوَلِّي عَنِ العَهْدِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: الإعْراضُ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ وأوامِرِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ فِعْلٌ ولا بُدَّ مِن إسْنادِهِ إلى شَيْءٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ، والمُعاهَدَةُ والتَّصَدُّقُ والصَّلاحُ والبُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ، ولا يَجُوزُ إسْنادُ إعْقابِ النِّفاقِ إلى المُعاهَدَةِ أوِ التَّصَدُّقِ أوِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ أعْمالُ الخَيْرِ، فَلا يَجُوزُ جَعْلُها مُؤَثِّرَةً في حُصُولِ النِّفاقِ، ولا يَجُوزُ إسْنادُ هَذا الإعْقابِ إلى البُخْلِ والتَّوَلِّي والإعْراضِ؛ لِأنَّ حاصِلَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ كَوْنُهُ تارِكًا لِأداءِ الواجِبِ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُؤَثِّرًا في حُصُولِ النِّفاقِ في القَلْبِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ النِّفاقَ عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ، وهو جَهْلٌ وتَرْكُ بَعْضِ الواجِبِ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا في حُصُولِ الجَهْلِ في القَلْبِ؛ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ تَرْكَ الواجِبِ عَدَمٌ، والجَهْلُ وُجُودٌ، والعَدَمُ لا يَكُونُ مُؤَثِّرًا في الوُجُودِ، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ هَذا البُخْلَ والتَّوَلِّيَ والإعْراضَ قَدْ يُوجَدُ في حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ الفُسّاقِ، مَعَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ مَعَهُ النِّفاقُ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ هَذا التَّرْكَ لَوْ أوْجَبَ حُصُولَ الكُفْرِ في القَلْبِ لَأوْجَبَهُ سَواءٌ كانَ هَذا التَّرْكُ جائِزًا شَرْعًا أوْ كانَ مُحَرَّمًا شَرْعًا؛ لِأنَّ سَبَبَ اخْتِلافِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ لا يُخْرِجُ المُؤَثِّرَ عَنْ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . فَلَوْ كانَ فِعْلُ الإعْقابِ مُسْنَدًا إلى البُخْلِ والتَّوَلِّي والإعْراضِ لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ فَأعْقَبَهم بِخُلْفِهِمْ وإعْراضِهِمْ وتَوَلِّيهِمْ نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ التَّوَلِّي وحُصُولِ النِّفاقِ في القَلْبِ بِسَبَبِ التَّوَلِّي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كَلامٌ باطِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إسْنادُ هَذا الإعْقابِ إلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها إلّا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَوَجَبَ إسْنادُهُ إلَيْهِ، فَصارَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُعْقِبُ النِّفاقَ في قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ خالِقَ الكُفْرِ في القُلُوبِ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو الَّذِي قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَعْناهُ: أنَّهم لَمّا ضَلُّوا في الماضِي، فَهو تَعالى أضَلَّهم عَنِ الدِّينِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ القَوْلَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ . والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ الأوْلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى.
قالَ القاضِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَأعْقَبَهُمُ العُقُوبَةَ عَلى النِّفاقِ، وتِلْكَ العُقُوبَةُ هي حُدُوثُ الغَمِّ في قُلُوبِهِمْ وضِيقُ الصَّدْرِ، وما يَنالُهم مِنَ الذُّلِّ والذَّمِّ، ويَدُومُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى الآخِرَةِ. قُلْنا: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ ولا شُبْهَةٍ، فَإنْ ذَكَرَ أنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْلُقُ الكُفْرَ، قابَلْنا دَلائِلَهم بِدَلائِلَ عَقْلِيَّةٍ، لَوْ وُضِعَتْ عَلى الجِبالِ الرّاسِياتِ لانْدَكَّتْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: أعْقَبْتُ فُلانًا نَدامَةً إذا صَيَّرْتَ عاقِبَةَ أمْرِهِ ذَلِكَ. قالَ الهُذَلِيُّ:
أوْدى بَنِيَّ وأعْقَبُونِي حَسْرَةً بَعْدَ الرُّقادِ وعِبْرَةً لا تُقْلِعُ
ويُقالُ: أكَلَ فُلانٌ أكْلَةً أعْقَبَتْهُ سَقَمًا، وأعْقَبَهُ اللَّهُ خَيْرًا. وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ أنَّهُ إذا حَصَلَ شَيْءٌ عَقِيبَ شَيْءٍ آخَرَ يُقالُ: أعْقَبَهُ اللَّهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَقْضَ العَهْدِ وخُلْفَ الوَعْدِ يُورِثُ النِّفاقَ، فَيَجِبُ عَلى المُسْلِمِ أنْ يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنْهُ، فَإذا عاهَدَ اللَّهَ في أمْرٍ فَلْيَجْتَهِدْ في الوَفاءِ بِهِ، ومَذْهَبُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ
صفحة ١١٤
اللَّهُ أنَّهُ يُوجِبُ النِّفاقَ لا مَحالَةَ، وتَمَسَّكَ فِيهِ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ، وإنْ صَلّى وصامَ وزَعَمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ» “ . وعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«تَقَبَّلُوا لِي سِتًّا أتَقَبَّلْ لَكُمُ الجَنَّةَ: إذا حَدَّثْتُمْ فَلا تَكْذِبُوا، وإذا وعَدْتُمْ فَلا تُخْلِفُوا، وإذا ائْتُمِنتُمْ فَلا تَخُونُوا، وكُفُّوا أبْصارَكم، وأيْدِيَكم، وفُرُوجَكم؛ أبْصارَكم عَنِ الخِيانَةِ، وأيْدِيَكم عَنِ السَّرِقَةِ، وفُرُوجَكم عَنِ الزِّنا» “ . قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: حَدَّثَنِي جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ ﷺ إنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ في المُنافِقِينَ، خاصَّةً الَّذِينَ حَدَّثُوا النَّبِيَّ ﷺ فَكَذَبُوهُ، وائْتَمَنَهم عَلى سِرِّهِ فَخانُوهُ، ووَعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فَأخْلَفُوهُ.
ونُقِلَ أنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ فَسَّرَ الحَدِيثَ، فَقالَ: إذا حَدَّثَ عَنِ اللَّهِ كَذَبَ عَلَيْهِ وعَلى دِينِهِ ورَسُولِهِ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ كَما ذَكَرَهُ فِيمَن عاهَدَ اللَّهَ، وإذا ائْتُمِنَ عَلى دِينِ اللَّهِ خانَ في السِّرِّ، فَكانَ قَلْبُهُ عَلى خِلافِ لِسانِهِ. ونُقِلَ أنَّ واصِلَ بْنَ عَطاءٍ قالَ: أتى الحَسَنَ رَجُلٌ، فَقالَ لَهُ: إنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ حَدَّثُوهُ في قَوْلِهِمْ: أكَلَهُ الذِّئْبُ وكَذَبُوهُ، ووَعَدُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] فَأخْلَفُوهُ، وائْتَمَنَهم أبُوهم عَلى يُوسُفَ فَخانُوهُ، فَهَلْ نَحْكُمُ بِكَوْنِهِمْ مُنافِقِينَ ؟ فَتَوَقَّفَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المُعاهَدَ ماتَ مُنافِقًا، وهَذا الخَبَرُ وقَعَ مَخْبَرُهُ مُطابِقًا لَهُ، فَإنَّهُ رُوِيَ «أنَّ ثَعْلَبَةَ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ صَدَقَتَكَ» . وبَقِيَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وما قَبِلَ صَدَقَتَهُ أحَدٌ حَتّى ماتَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَخْبَرَ هَذا الخَبَرِ وقَعَ مُوافِقًا، فَكانَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَكانَ مُعْجِزًا.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ المُشَبِّهَةَ تَمَسَّكُوا في إثْباتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] قالَ: واللِّقاءُ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ المُنافِقِينَ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَرَوْنَهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللِّقاءَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ. قالَ: والَّذِي يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ لِيَقْطَعَ بِها حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» “ . وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ اللِّقاءِ هَهُنا: لِقاءُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العِقابِ، فَكَذا هَهُنا. والقاضِي اسْتَحْسَنَ هَذا الكَلامَ. وأقُولُ: أنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِن أمْثالِ هَؤُلاءِ الأفاضِلِ كَيْفَ قَنِعَتْ نُفُوسُهم بِأمْثالِ هَذِهِ الوُجُوهِ الضَّعِيفَةِ ؟ وذَلِكَ لِأنّا تَرَكْنا حَمْلَ لَفْظِ اللِّقاءِ عَلى الرُّؤْيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي هَذا الخَبَرِ لَدَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ، فَلَمْ يَلْزَمْنا ذَلِكَ في سائِرِ الصُّوَرِ، ألا تَرى أنّا لَمّا أدْخَلْنا التَّخْصِيصَ في بَعْضِ العُمُوماتِ لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، لَمْ يَلْزَمْنا مِثْلُهُ في جَمِيعِ العُمُوماتِ أنْ نُخَصِّصَها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، فَكَما لا يَلْزَمُ هَذا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ، فَإنْ قالَ: هَذا الكَلامُ إنَّما يَقْوى لَوْ ثَبَتَ أنَّ اللِّقاءَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وذَلِكَ مَمْنُوعٌ، فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ اللِّقاءَ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ، ومَن رَأى شَيْئًا فَقَدْ وصَلَ إلَيْهِ، فَكانَتِ الرُّؤْيَةُ لِقاءً، كَما أنَّ الإدْراكَ هو البُلُوغُ، قالَ تَعالى: ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] . أيْ: لَمُلْحَقُونَ، ثُمَّ حَمَلْناهُ عَلى الرُّؤْيَةِ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ نَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ اللِّقاءَ هَهُنا لَيْسَ هو الرُّؤْيَةَ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى أعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ، أيْ: حُكْمَهُ وقَضاءَهُ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: سَتَلْقى عَمَلَكَ غَدًا، أيْ: تُجازى عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى عاقَبَهم بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ النِّفاقِ في قُلُوبِهِمْ لِأجْلِ أنَّهم أقْدَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ عَلى خُلْفِ الوَعْدِ وعَلى الكَذِبِ.
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ والسِّرُّ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم، والنَّجْوى ما يُفاوِضُ فِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا فِيما بَيْنَهم، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْوَةِ وهو الكَلامُ الخَفِيُّ، كَأنَّ المُتَناجِيَيْنِ مَنَعا إدْخالَ غَيْرِهِما مَعَهُما وتَباعَدا مِن غَيْرِهِما، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ [المجادلة: ٩] . وقَوْلُهُ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] .
إذا عَرَفْتَ الفَرْقَ بَيْنَ السِّرِّ والنَّجْوى، فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم فَكَيْفَ يَتَجَرَّءُونَ عَلى النِّفاقِ الَّذِي الأصْلُ فِيهِ الِاسْتِسْرارُ والتَّناجِي فِيما بَيْنَهم، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ذَلِكَ مِن حالِهِمْ كَما يَعْلَمُ الظّاهِرَ، وأنَّهُ يُعاقِبُ عَلَيْهِ كَما يُعاقِبُ عَلى الظّاهِرِ ؟
ثُمَّ قالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ والعَلّامُ مُبالَغَةٌ في العالِمِ، والغَيْبُ ما كانَ غائِبًا عَنِ الخَلْقِ. والمُرادُ أنَّهُ تَعالى ذاتُهُ تَقْتَضِي العِلْمَ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ العِلْمُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَجِبُ كَوْنُهُ عالِمًا بِما في الضَّمائِرِ والسَّرائِرِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الإخْفاءُ مِنهُ ؟ ونَظِيرُ لَفْظِ عَلّامِ الغُيُوبِ هَهُنا قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] . فَأمّا وصْفُ اللَّهِ بِالعَلّامَةِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ فِيها يُعْلَمُ والتَّكَلُّفُ في حَقِّ اللَّهِ مُحالٌ.
التوبة 9:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أكْثَرُها في شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم أقْسامٌ وأصْنافٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ يَذْكُرُهم عَلى التَّفْصِيلِ، فَيَقُولُ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] -﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ أبْطَأ عَنْهُ مالُهُ بِالشَّأْمِ، فَلَحِقَهُ شِدَّةٌ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ وهو واقِفٌ بِبَعْضِ مَجالِسِ الأنْصارِ: لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَأصَّدَّقَنَّ ولَأُؤَدِّيَنَّ مِنهُ حَقَّ اللَّهِ، إلى آخِرِ الآيَةِ، والمَشْهُورُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا ! فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ“ فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ، فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ، حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا بِها، فَجَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ والعَصْرَ ويَتْرُكُ ما سِواهُما، ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرَتْ حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ إلّا الجُمُعَةَ، ثُمَّ تَرَكَ الجُمُعَةَ، وطَفِقَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ يَسْألُ عَنِ الأخْبارِ، وسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِ، فَقالَ: ”يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ“ . فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَبَعَثَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ وقالَ: ”مُرّا بِثَعْلَبَةَ فَخُذا صَدَقاتِهِ“، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُما: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ أوْ أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَلَمْ يَدْفَعِ الصَّدَقَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، فَأتى الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِن قَبُولِ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”قَدْ قُلْتُ لَكَ فَما أطَعْتَنِي“ فَرَجَعَ إلى مَنزِلِهِ وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ بِصَدَقَتِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْها؛ اقْتِداءً بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُمَرُ؛ اقْتِداءً بِأبِي بَكْرٍ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُثْمانُ، وهَلَكَ ثَعْلَبَةُ في خِلافَةِ عُثْمانَ» .
فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِإخْراجِ الصَّدَقَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يَقْبَلَها مِنهُ ؟
قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهُ
صفحة ١١١
لِيَعْتَبِرَ غَيْرُهُ بِهِ، فَلا يَمْتَنِعُ عَنْ أداءِ الصَّدَقاتِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهُ إنَّما أتى بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ عَلى وجْهِ الرِّياءِ، لا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ؛ وأعْلَمَ اللَّهُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلْ تِلْكَ الصَّدَقَةَ لِهَذا السَّبَبِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ وكانَ هَذا المَقْصُودُ غَيْرَ حاصِلٍ في ثَعْلَبَةَ مَعَ نِفاقِهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ امْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أخْذِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ عاهَدَ اللَّهَ في أنَّهُ لَوْ آتاهُ مالًا لَصَرَفَ بَعْضَهُ إلى مَصارِفِ الخَيْراتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى آتاهُ المالَ، وذَلِكَ الإنْسانُ ما وفى بِذَلِكَ العَهْدِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: المُنافِقُ كافِرٌ، والكافِرُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يُعاهِدَ اللَّهَ تَعالى ؟
والجَوابُ: المُنافِقُ قَدْ يَكُونُ عارِفًا بِاللَّهِ، إلّا أنَّهُ كانَ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِكَوْنِهِ عارِفًا بِاللَّهِ يُمْكِنُهُ أنْ يُعاهِدَ اللَّهَ، ولِكَوْنِهِ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ كافِرًا. وكَيْفَ لا أقُولُ ذَلِكَ وأكْثَرُ هَذا العالَمِ مَقْرُونٌ بِوُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ، ويَقِلُّ في أصْنافِ الكُفّارِ مَن يُنْكِرُهُ، والكُلُّ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَفْتَحُ عَلى الإنْسانِ أبْوابَ الخَيْراتِ، ويَعْلَمُونَ أنَّهُ يُمْكِنُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِالطّاعاتِ وأعْمالِ البِرِّ والإحْسانِ إلى الخَلْقِ، فَهَذِهِ أُمُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْها بَيْنَ الأكْثَرِينَ. وأيْضًا فَلَعَلَّهُ حِينَ عاهَدَ اللَّهَ تَعالى بِهَذا العَهْدِ كانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ لَمّا بَخِلَ بِالمالِ، ولَمْ يَفِ بِالعَهْدِ صارَ مُنافِقًا، ولَفْظُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِما ذَكَرْناهُ، حَيْثُ قالَ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ مِن شَرْطِ هَذِهِ المُعاهَدَةِ أنْ يَحْصُلَ التَّلَفُّظُ بِها بِاللِّسانِ، أوْ لا حاجَةَ إلى التَّلَفُّظِ حَتّى لَوْ نَواهُ بِقَلْبِهِ دَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ المُعاهَدَةِ ؟
الجَوابُ: مِنهم مَن قالَ: كُلُّ ما ذَكَرَهُ بِاللِّسانِ أوْ لَمْ يَذْكُرْهُ ولَكِنْ نَواهُ بِقَلْبِهِ فَهو داخِلٌ في هَذا العَهْدِ. يُرْوى عَنِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: أصابَتْنا رِيحٌ شَدِيدَةٌ في البَحْرِ، فَنَذَرَ قَوْمٌ مِنّا أنْواعًا مِنَ النُّذُورِ، ونَوَيْتُ أنا شَيْئًا وما تَكَلَّمْتُ بِهِ، فَلَمّا قَدِمْتُ البَصْرَةَ سَألْتُ أبِي، فَقالَ: يا بُنَيَّ فِ بِهِ ! وقالَ أصْحابُ هَذا القَوْلِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ كانَ شَيْئًا نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ وقالَ المُحَقِّقُونَ: هَذِهِ المُعاهَدَةُ مُقَيَّدَةٌ بِما إذا حَصَلَ التَّلَفُّظُ بِها بِاللِّسانِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ عَفا عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسَها ولَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ» “ أوْ لَفْظُ هَذا مَعْناهُ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إخْبارٌ عَنْ تَكَلُّمِهِ بِهَذا القَوْلِ، وظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِالقَوْلِ بِاللِّسانِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ المُرادُ مِنهُ إخْراجُ مالٍ، ثُمَّ إنَّ إخْراجَ المالِ عَلى قِسْمَيْنِ؛ قَدْ يَكُونُ واجِبًا، وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ واجِبٍ. والواجِبُ قِسْمانِ: قِسْمٌ وجَبَ بِإلْزامِ الشَّرْعِ ابْتِداءً، كَإخْراجِ الزَّكاةِ الواجِبَةِ، وإخْراجِ النَّفَقاتِ الواجِبَةِ، وقِسْمٌ لَمْ يَجِبْ إلّا إذا التَزَمَهُ العَبْدُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ مِثْلُ النُّذُورِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ هَلْ يَتَناوَلُ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ، أوْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ؟
والجَوابُ: قُلْنا: أمّا الصَّدَقاتُ الَّتِي لا تَكُونُ واجِبَةً، فَغَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ والبُخْلُ في عُرْفِ الشَّرْعِ: عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الواجِبِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم بِهَذا التَّرْكِ، وتارِكُ المَندُوبِ لا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ. وأمّا القِسْمانِ الباقِيانِ، فالَّذِي يَجِبُ بِإلْزامِ الشَّرْعِ داخِلٌ تَحْتَ الآيَةِ
صفحة ١١٢
لا مَحالَةَ، وهو مِثْلُ الزَّكَواتِ والمالِ الَّذِي يُحْتاجُ إلى إنْفاقِهِ في طَرِيقِ الحَجِّ والغَزْوِ، والمالِ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في النَّفَقاتِ الواجِبَةِ.
بَقِيَ أنْ يُقالَ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ القائِلَ كانَ قَدِ التَزَمَ إخْراجَ مالٍ عَلى سَبِيلِ النَّذْرِ ؟ والأظْهَرُ أنَّ اللَّفْظَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في اللَّفْظِ لَيْسَ إلّا قَوْلَهُ: ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهَذا لا يُشْعِرُ بِالنَّذْرِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُعاهِدُ رَبَّهُ في أنْ يَقُومَ بِما يَلْزَمُهُ مِنَ الإنْفاقاتِ الواجِبَةِ إنْ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الَّذِي لَزِمَهم إنَّما لَزِمَهم بِسَبَبِ هَذا الِالتِزامِ، والزَّكاةُ لا تَلْزَمُ بِسَبَبِ هَذا الِالتِزامِ، وإنَّما تَلْزَمُ بِسَبَبِ مِلْكِ النِّصابِ وحَوَلانِ الحَوْلِ.
قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ لا يُوجِبُ أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى الفَوْرِ؛ لِأنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ إيقاعِ هَذا الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا القَدْرُ لا يُوجِبُ الفَوْرَ، فَكَأنَّهم قالُوا: لَنَصَّدَّقَنَّ في وقْتٍ كَما قالُوا: ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في أوْقاتِ لُزُومِ الصَّلاةِ، فَخَرَجَ مِنَ التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ الدّاخِلَ تَحْتَ هَذا العَهْدِ إخْراجُ الأمْوالِ الَّتِي يَجِبُ إخْراجُها بِمُقْتَضى إلْزامِ الشَّرْعِ ابْتِداءً، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِما رُوِّينا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في حَقِّ مَنِ امْتَنَعَ مِن أداءِ الزَّكاةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ مِن حالِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أنَّهم كَما يُنافِقُونَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ، فَكَذَلِكَ يُنافِقُونَ رَبَّهم فِيما يُعاهِدُونَهُ عَلَيْهِ، ولا يَقُومُونَ بِما يَقُولُونَ، والغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةُ في وصْفِهِمْ بِالنِّفاقِ. وأكْثَرُ هَذِهِ الفُصُولِ مِن كَلامِ القاضِي.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما المُرادُ مِنَ الفَضْلِ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ ؟ .
والجَوابُ: المُرادُ إيتاءُ المالِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، سَواءٌ كانَ بِطَرِيقِ التِّجارَةِ، أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ أوْ بِغَيْرِهِما.
السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ اشْتِقاقُ ”لَنَصَّدَّقَنَّ“ ؟ .
الجَوابُ: قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ لَنَتَصَدَّقَنَّ، ولَكِنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الصّادِ لِقُرْبِها مِنها. قالَ اللَّيْثُ: المُصَّدِّقُ المُعْطِي، والمُتَصَدِّقُ السّائِلُ. قالَ الأصْمَعِيُّ والفَرّاءُ: هَذا خَطَأٌ فالمُتَصَدِّقُ هو المُعْطِي، قالَ تَعالى: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] .
السُّؤالُ السّادِسُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ؟ .
الجَوابُ: الصّالِحُ ضِدُّ المُفْسِدِ، والمُفْسِدُ عِبارَةٌ عَنِ الَّذِي بَخِلَ بِما يَلْزَمُهُ في التَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الصّالِحُ عِبارَةً عَمّا يَقُومُ بِما يَلْزَمُهُ في التَّكْلِيفِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانَ ثَعْلَبَةُ قَدْ عاهَدَ اللَّهَ تَعالى: لَئِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أبْوابَ الخَيْرِ لَيَصَّدَّقَنَّ ولَيَجْعَلَنَّ، وأقُولُ: التَّقْيِيدُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ قَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إشارَةٌ إلى إخْراجِ الزَّكاةِ الواجِبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ إشارَةٌ إلى إخْراجِ كُلِّ مالٍ يَجِبُ إخْراجُهُ عَلى الإطْلاقِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: البُخْلُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ.
صفحة ١١٣
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: التَّوَلِّي عَنِ العَهْدِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: الإعْراضُ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ وأوامِرِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ فِعْلٌ ولا بُدَّ مِن إسْنادِهِ إلى شَيْءٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ، والمُعاهَدَةُ والتَّصَدُّقُ والصَّلاحُ والبُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ، ولا يَجُوزُ إسْنادُ إعْقابِ النِّفاقِ إلى المُعاهَدَةِ أوِ التَّصَدُّقِ أوِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ أعْمالُ الخَيْرِ، فَلا يَجُوزُ جَعْلُها مُؤَثِّرَةً في حُصُولِ النِّفاقِ، ولا يَجُوزُ إسْنادُ هَذا الإعْقابِ إلى البُخْلِ والتَّوَلِّي والإعْراضِ؛ لِأنَّ حاصِلَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ كَوْنُهُ تارِكًا لِأداءِ الواجِبِ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُؤَثِّرًا في حُصُولِ النِّفاقِ في القَلْبِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ النِّفاقَ عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ، وهو جَهْلٌ وتَرْكُ بَعْضِ الواجِبِ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا في حُصُولِ الجَهْلِ في القَلْبِ؛ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ تَرْكَ الواجِبِ عَدَمٌ، والجَهْلُ وُجُودٌ، والعَدَمُ لا يَكُونُ مُؤَثِّرًا في الوُجُودِ، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ هَذا البُخْلَ والتَّوَلِّيَ والإعْراضَ قَدْ يُوجَدُ في حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ الفُسّاقِ، مَعَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ مَعَهُ النِّفاقُ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ هَذا التَّرْكَ لَوْ أوْجَبَ حُصُولَ الكُفْرِ في القَلْبِ لَأوْجَبَهُ سَواءٌ كانَ هَذا التَّرْكُ جائِزًا شَرْعًا أوْ كانَ مُحَرَّمًا شَرْعًا؛ لِأنَّ سَبَبَ اخْتِلافِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ لا يُخْرِجُ المُؤَثِّرَ عَنْ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . فَلَوْ كانَ فِعْلُ الإعْقابِ مُسْنَدًا إلى البُخْلِ والتَّوَلِّي والإعْراضِ لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ فَأعْقَبَهم بِخُلْفِهِمْ وإعْراضِهِمْ وتَوَلِّيهِمْ نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ التَّوَلِّي وحُصُولِ النِّفاقِ في القَلْبِ بِسَبَبِ التَّوَلِّي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كَلامٌ باطِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إسْنادُ هَذا الإعْقابِ إلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها إلّا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَوَجَبَ إسْنادُهُ إلَيْهِ، فَصارَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُعْقِبُ النِّفاقَ في قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ خالِقَ الكُفْرِ في القُلُوبِ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو الَّذِي قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَعْناهُ: أنَّهم لَمّا ضَلُّوا في الماضِي، فَهو تَعالى أضَلَّهم عَنِ الدِّينِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ القَوْلَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ . والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ الأوْلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى.
قالَ القاضِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَأعْقَبَهُمُ العُقُوبَةَ عَلى النِّفاقِ، وتِلْكَ العُقُوبَةُ هي حُدُوثُ الغَمِّ في قُلُوبِهِمْ وضِيقُ الصَّدْرِ، وما يَنالُهم مِنَ الذُّلِّ والذَّمِّ، ويَدُومُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى الآخِرَةِ. قُلْنا: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ ولا شُبْهَةٍ، فَإنْ ذَكَرَ أنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْلُقُ الكُفْرَ، قابَلْنا دَلائِلَهم بِدَلائِلَ عَقْلِيَّةٍ، لَوْ وُضِعَتْ عَلى الجِبالِ الرّاسِياتِ لانْدَكَّتْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: أعْقَبْتُ فُلانًا نَدامَةً إذا صَيَّرْتَ عاقِبَةَ أمْرِهِ ذَلِكَ. قالَ الهُذَلِيُّ:
أوْدى بَنِيَّ وأعْقَبُونِي حَسْرَةً بَعْدَ الرُّقادِ وعِبْرَةً لا تُقْلِعُ
ويُقالُ: أكَلَ فُلانٌ أكْلَةً أعْقَبَتْهُ سَقَمًا، وأعْقَبَهُ اللَّهُ خَيْرًا. وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ أنَّهُ إذا حَصَلَ شَيْءٌ عَقِيبَ شَيْءٍ آخَرَ يُقالُ: أعْقَبَهُ اللَّهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَقْضَ العَهْدِ وخُلْفَ الوَعْدِ يُورِثُ النِّفاقَ، فَيَجِبُ عَلى المُسْلِمِ أنْ يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنْهُ، فَإذا عاهَدَ اللَّهَ في أمْرٍ فَلْيَجْتَهِدْ في الوَفاءِ بِهِ، ومَذْهَبُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ
صفحة ١١٤
اللَّهُ أنَّهُ يُوجِبُ النِّفاقَ لا مَحالَةَ، وتَمَسَّكَ فِيهِ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ، وإنْ صَلّى وصامَ وزَعَمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ» “ . وعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«تَقَبَّلُوا لِي سِتًّا أتَقَبَّلْ لَكُمُ الجَنَّةَ: إذا حَدَّثْتُمْ فَلا تَكْذِبُوا، وإذا وعَدْتُمْ فَلا تُخْلِفُوا، وإذا ائْتُمِنتُمْ فَلا تَخُونُوا، وكُفُّوا أبْصارَكم، وأيْدِيَكم، وفُرُوجَكم؛ أبْصارَكم عَنِ الخِيانَةِ، وأيْدِيَكم عَنِ السَّرِقَةِ، وفُرُوجَكم عَنِ الزِّنا» “ . قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: حَدَّثَنِي جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ ﷺ إنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ في المُنافِقِينَ، خاصَّةً الَّذِينَ حَدَّثُوا النَّبِيَّ ﷺ فَكَذَبُوهُ، وائْتَمَنَهم عَلى سِرِّهِ فَخانُوهُ، ووَعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فَأخْلَفُوهُ.
ونُقِلَ أنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ فَسَّرَ الحَدِيثَ، فَقالَ: إذا حَدَّثَ عَنِ اللَّهِ كَذَبَ عَلَيْهِ وعَلى دِينِهِ ورَسُولِهِ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ كَما ذَكَرَهُ فِيمَن عاهَدَ اللَّهَ، وإذا ائْتُمِنَ عَلى دِينِ اللَّهِ خانَ في السِّرِّ، فَكانَ قَلْبُهُ عَلى خِلافِ لِسانِهِ. ونُقِلَ أنَّ واصِلَ بْنَ عَطاءٍ قالَ: أتى الحَسَنَ رَجُلٌ، فَقالَ لَهُ: إنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ حَدَّثُوهُ في قَوْلِهِمْ: أكَلَهُ الذِّئْبُ وكَذَبُوهُ، ووَعَدُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] فَأخْلَفُوهُ، وائْتَمَنَهم أبُوهم عَلى يُوسُفَ فَخانُوهُ، فَهَلْ نَحْكُمُ بِكَوْنِهِمْ مُنافِقِينَ ؟ فَتَوَقَّفَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المُعاهَدَ ماتَ مُنافِقًا، وهَذا الخَبَرُ وقَعَ مَخْبَرُهُ مُطابِقًا لَهُ، فَإنَّهُ رُوِيَ «أنَّ ثَعْلَبَةَ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ صَدَقَتَكَ» . وبَقِيَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وما قَبِلَ صَدَقَتَهُ أحَدٌ حَتّى ماتَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَخْبَرَ هَذا الخَبَرِ وقَعَ مُوافِقًا، فَكانَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَكانَ مُعْجِزًا.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ المُشَبِّهَةَ تَمَسَّكُوا في إثْباتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] قالَ: واللِّقاءُ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ المُنافِقِينَ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَرَوْنَهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللِّقاءَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ. قالَ: والَّذِي يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ لِيَقْطَعَ بِها حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» “ . وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ اللِّقاءِ هَهُنا: لِقاءُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العِقابِ، فَكَذا هَهُنا. والقاضِي اسْتَحْسَنَ هَذا الكَلامَ. وأقُولُ: أنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِن أمْثالِ هَؤُلاءِ الأفاضِلِ كَيْفَ قَنِعَتْ نُفُوسُهم بِأمْثالِ هَذِهِ الوُجُوهِ الضَّعِيفَةِ ؟ وذَلِكَ لِأنّا تَرَكْنا حَمْلَ لَفْظِ اللِّقاءِ عَلى الرُّؤْيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي هَذا الخَبَرِ لَدَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ، فَلَمْ يَلْزَمْنا ذَلِكَ في سائِرِ الصُّوَرِ، ألا تَرى أنّا لَمّا أدْخَلْنا التَّخْصِيصَ في بَعْضِ العُمُوماتِ لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، لَمْ يَلْزَمْنا مِثْلُهُ في جَمِيعِ العُمُوماتِ أنْ نُخَصِّصَها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، فَكَما لا يَلْزَمُ هَذا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ، فَإنْ قالَ: هَذا الكَلامُ إنَّما يَقْوى لَوْ ثَبَتَ أنَّ اللِّقاءَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وذَلِكَ مَمْنُوعٌ، فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ اللِّقاءَ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ، ومَن رَأى شَيْئًا فَقَدْ وصَلَ إلَيْهِ، فَكانَتِ الرُّؤْيَةُ لِقاءً، كَما أنَّ الإدْراكَ هو البُلُوغُ، قالَ تَعالى: ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] . أيْ: لَمُلْحَقُونَ، ثُمَّ حَمَلْناهُ عَلى الرُّؤْيَةِ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ نَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ اللِّقاءَ هَهُنا لَيْسَ هو الرُّؤْيَةَ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى أعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ، أيْ: حُكْمَهُ وقَضاءَهُ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: سَتَلْقى عَمَلَكَ غَدًا، أيْ: تُجازى عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى عاقَبَهم بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ النِّفاقِ في قُلُوبِهِمْ لِأجْلِ أنَّهم أقْدَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ عَلى خُلْفِ الوَعْدِ وعَلى الكَذِبِ.
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ والسِّرُّ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم، والنَّجْوى ما يُفاوِضُ فِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا فِيما بَيْنَهم، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْوَةِ وهو الكَلامُ الخَفِيُّ، كَأنَّ المُتَناجِيَيْنِ مَنَعا إدْخالَ غَيْرِهِما مَعَهُما وتَباعَدا مِن غَيْرِهِما، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ [المجادلة: ٩] . وقَوْلُهُ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] .
إذا عَرَفْتَ الفَرْقَ بَيْنَ السِّرِّ والنَّجْوى، فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم فَكَيْفَ يَتَجَرَّءُونَ عَلى النِّفاقِ الَّذِي الأصْلُ فِيهِ الِاسْتِسْرارُ والتَّناجِي فِيما بَيْنَهم، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ذَلِكَ مِن حالِهِمْ كَما يَعْلَمُ الظّاهِرَ، وأنَّهُ يُعاقِبُ عَلَيْهِ كَما يُعاقِبُ عَلى الظّاهِرِ ؟
ثُمَّ قالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ والعَلّامُ مُبالَغَةٌ في العالِمِ، والغَيْبُ ما كانَ غائِبًا عَنِ الخَلْقِ. والمُرادُ أنَّهُ تَعالى ذاتُهُ تَقْتَضِي العِلْمَ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ العِلْمُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَجِبُ كَوْنُهُ عالِمًا بِما في الضَّمائِرِ والسَّرائِرِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الإخْفاءُ مِنهُ ؟ ونَظِيرُ لَفْظِ عَلّامِ الغُيُوبِ هَهُنا قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] . فَأمّا وصْفُ اللَّهِ بِالعَلّامَةِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ فِيها يُعْلَمُ والتَّكَلُّفُ في حَقِّ اللَّهِ مُحالٌ.
التوبة 9:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أكْثَرُها في شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم أقْسامٌ وأصْنافٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ يَذْكُرُهم عَلى التَّفْصِيلِ، فَيَقُولُ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] -﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ أبْطَأ عَنْهُ مالُهُ بِالشَّأْمِ، فَلَحِقَهُ شِدَّةٌ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ وهو واقِفٌ بِبَعْضِ مَجالِسِ الأنْصارِ: لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَأصَّدَّقَنَّ ولَأُؤَدِّيَنَّ مِنهُ حَقَّ اللَّهِ، إلى آخِرِ الآيَةِ، والمَشْهُورُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا ! فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ“ فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ، فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ، حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا بِها، فَجَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ والعَصْرَ ويَتْرُكُ ما سِواهُما، ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرَتْ حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ إلّا الجُمُعَةَ، ثُمَّ تَرَكَ الجُمُعَةَ، وطَفِقَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ يَسْألُ عَنِ الأخْبارِ، وسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِ، فَقالَ: ”يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ“ . فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَبَعَثَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ وقالَ: ”مُرّا بِثَعْلَبَةَ فَخُذا صَدَقاتِهِ“، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُما: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ أوْ أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَلَمْ يَدْفَعِ الصَّدَقَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، فَأتى الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِن قَبُولِ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”قَدْ قُلْتُ لَكَ فَما أطَعْتَنِي“ فَرَجَعَ إلى مَنزِلِهِ وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ بِصَدَقَتِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْها؛ اقْتِداءً بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُمَرُ؛ اقْتِداءً بِأبِي بَكْرٍ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُثْمانُ، وهَلَكَ ثَعْلَبَةُ في خِلافَةِ عُثْمانَ» .
فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِإخْراجِ الصَّدَقَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يَقْبَلَها مِنهُ ؟
قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهُ
صفحة ١١١
لِيَعْتَبِرَ غَيْرُهُ بِهِ، فَلا يَمْتَنِعُ عَنْ أداءِ الصَّدَقاتِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهُ إنَّما أتى بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ عَلى وجْهِ الرِّياءِ، لا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ؛ وأعْلَمَ اللَّهُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلْ تِلْكَ الصَّدَقَةَ لِهَذا السَّبَبِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ وكانَ هَذا المَقْصُودُ غَيْرَ حاصِلٍ في ثَعْلَبَةَ مَعَ نِفاقِهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ امْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أخْذِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ عاهَدَ اللَّهَ في أنَّهُ لَوْ آتاهُ مالًا لَصَرَفَ بَعْضَهُ إلى مَصارِفِ الخَيْراتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى آتاهُ المالَ، وذَلِكَ الإنْسانُ ما وفى بِذَلِكَ العَهْدِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: المُنافِقُ كافِرٌ، والكافِرُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يُعاهِدَ اللَّهَ تَعالى ؟
والجَوابُ: المُنافِقُ قَدْ يَكُونُ عارِفًا بِاللَّهِ، إلّا أنَّهُ كانَ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِكَوْنِهِ عارِفًا بِاللَّهِ يُمْكِنُهُ أنْ يُعاهِدَ اللَّهَ، ولِكَوْنِهِ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ كافِرًا. وكَيْفَ لا أقُولُ ذَلِكَ وأكْثَرُ هَذا العالَمِ مَقْرُونٌ بِوُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ، ويَقِلُّ في أصْنافِ الكُفّارِ مَن يُنْكِرُهُ، والكُلُّ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَفْتَحُ عَلى الإنْسانِ أبْوابَ الخَيْراتِ، ويَعْلَمُونَ أنَّهُ يُمْكِنُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِالطّاعاتِ وأعْمالِ البِرِّ والإحْسانِ إلى الخَلْقِ، فَهَذِهِ أُمُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْها بَيْنَ الأكْثَرِينَ. وأيْضًا فَلَعَلَّهُ حِينَ عاهَدَ اللَّهَ تَعالى بِهَذا العَهْدِ كانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ لَمّا بَخِلَ بِالمالِ، ولَمْ يَفِ بِالعَهْدِ صارَ مُنافِقًا، ولَفْظُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِما ذَكَرْناهُ، حَيْثُ قالَ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ مِن شَرْطِ هَذِهِ المُعاهَدَةِ أنْ يَحْصُلَ التَّلَفُّظُ بِها بِاللِّسانِ، أوْ لا حاجَةَ إلى التَّلَفُّظِ حَتّى لَوْ نَواهُ بِقَلْبِهِ دَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ المُعاهَدَةِ ؟
الجَوابُ: مِنهم مَن قالَ: كُلُّ ما ذَكَرَهُ بِاللِّسانِ أوْ لَمْ يَذْكُرْهُ ولَكِنْ نَواهُ بِقَلْبِهِ فَهو داخِلٌ في هَذا العَهْدِ. يُرْوى عَنِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: أصابَتْنا رِيحٌ شَدِيدَةٌ في البَحْرِ، فَنَذَرَ قَوْمٌ مِنّا أنْواعًا مِنَ النُّذُورِ، ونَوَيْتُ أنا شَيْئًا وما تَكَلَّمْتُ بِهِ، فَلَمّا قَدِمْتُ البَصْرَةَ سَألْتُ أبِي، فَقالَ: يا بُنَيَّ فِ بِهِ ! وقالَ أصْحابُ هَذا القَوْلِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ كانَ شَيْئًا نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ وقالَ المُحَقِّقُونَ: هَذِهِ المُعاهَدَةُ مُقَيَّدَةٌ بِما إذا حَصَلَ التَّلَفُّظُ بِها بِاللِّسانِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ عَفا عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسَها ولَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ» “ أوْ لَفْظُ هَذا مَعْناهُ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إخْبارٌ عَنْ تَكَلُّمِهِ بِهَذا القَوْلِ، وظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِالقَوْلِ بِاللِّسانِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ المُرادُ مِنهُ إخْراجُ مالٍ، ثُمَّ إنَّ إخْراجَ المالِ عَلى قِسْمَيْنِ؛ قَدْ يَكُونُ واجِبًا، وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ واجِبٍ. والواجِبُ قِسْمانِ: قِسْمٌ وجَبَ بِإلْزامِ الشَّرْعِ ابْتِداءً، كَإخْراجِ الزَّكاةِ الواجِبَةِ، وإخْراجِ النَّفَقاتِ الواجِبَةِ، وقِسْمٌ لَمْ يَجِبْ إلّا إذا التَزَمَهُ العَبْدُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ مِثْلُ النُّذُورِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ هَلْ يَتَناوَلُ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ، أوْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ؟
والجَوابُ: قُلْنا: أمّا الصَّدَقاتُ الَّتِي لا تَكُونُ واجِبَةً، فَغَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ والبُخْلُ في عُرْفِ الشَّرْعِ: عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الواجِبِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم بِهَذا التَّرْكِ، وتارِكُ المَندُوبِ لا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ. وأمّا القِسْمانِ الباقِيانِ، فالَّذِي يَجِبُ بِإلْزامِ الشَّرْعِ داخِلٌ تَحْتَ الآيَةِ
صفحة ١١٢
لا مَحالَةَ، وهو مِثْلُ الزَّكَواتِ والمالِ الَّذِي يُحْتاجُ إلى إنْفاقِهِ في طَرِيقِ الحَجِّ والغَزْوِ، والمالِ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في النَّفَقاتِ الواجِبَةِ.
بَقِيَ أنْ يُقالَ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ القائِلَ كانَ قَدِ التَزَمَ إخْراجَ مالٍ عَلى سَبِيلِ النَّذْرِ ؟ والأظْهَرُ أنَّ اللَّفْظَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في اللَّفْظِ لَيْسَ إلّا قَوْلَهُ: ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهَذا لا يُشْعِرُ بِالنَّذْرِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُعاهِدُ رَبَّهُ في أنْ يَقُومَ بِما يَلْزَمُهُ مِنَ الإنْفاقاتِ الواجِبَةِ إنْ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الَّذِي لَزِمَهم إنَّما لَزِمَهم بِسَبَبِ هَذا الِالتِزامِ، والزَّكاةُ لا تَلْزَمُ بِسَبَبِ هَذا الِالتِزامِ، وإنَّما تَلْزَمُ بِسَبَبِ مِلْكِ النِّصابِ وحَوَلانِ الحَوْلِ.
قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ لا يُوجِبُ أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى الفَوْرِ؛ لِأنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ إيقاعِ هَذا الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا القَدْرُ لا يُوجِبُ الفَوْرَ، فَكَأنَّهم قالُوا: لَنَصَّدَّقَنَّ في وقْتٍ كَما قالُوا: ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في أوْقاتِ لُزُومِ الصَّلاةِ، فَخَرَجَ مِنَ التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ الدّاخِلَ تَحْتَ هَذا العَهْدِ إخْراجُ الأمْوالِ الَّتِي يَجِبُ إخْراجُها بِمُقْتَضى إلْزامِ الشَّرْعِ ابْتِداءً، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِما رُوِّينا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في حَقِّ مَنِ امْتَنَعَ مِن أداءِ الزَّكاةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ مِن حالِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أنَّهم كَما يُنافِقُونَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ، فَكَذَلِكَ يُنافِقُونَ رَبَّهم فِيما يُعاهِدُونَهُ عَلَيْهِ، ولا يَقُومُونَ بِما يَقُولُونَ، والغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةُ في وصْفِهِمْ بِالنِّفاقِ. وأكْثَرُ هَذِهِ الفُصُولِ مِن كَلامِ القاضِي.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما المُرادُ مِنَ الفَضْلِ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ ؟ .
والجَوابُ: المُرادُ إيتاءُ المالِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، سَواءٌ كانَ بِطَرِيقِ التِّجارَةِ، أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ أوْ بِغَيْرِهِما.
السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ اشْتِقاقُ ”لَنَصَّدَّقَنَّ“ ؟ .
الجَوابُ: قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ لَنَتَصَدَّقَنَّ، ولَكِنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الصّادِ لِقُرْبِها مِنها. قالَ اللَّيْثُ: المُصَّدِّقُ المُعْطِي، والمُتَصَدِّقُ السّائِلُ. قالَ الأصْمَعِيُّ والفَرّاءُ: هَذا خَطَأٌ فالمُتَصَدِّقُ هو المُعْطِي، قالَ تَعالى: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] .
السُّؤالُ السّادِسُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ؟ .
الجَوابُ: الصّالِحُ ضِدُّ المُفْسِدِ، والمُفْسِدُ عِبارَةٌ عَنِ الَّذِي بَخِلَ بِما يَلْزَمُهُ في التَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الصّالِحُ عِبارَةً عَمّا يَقُومُ بِما يَلْزَمُهُ في التَّكْلِيفِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانَ ثَعْلَبَةُ قَدْ عاهَدَ اللَّهَ تَعالى: لَئِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أبْوابَ الخَيْرِ لَيَصَّدَّقَنَّ ولَيَجْعَلَنَّ، وأقُولُ: التَّقْيِيدُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ قَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إشارَةٌ إلى إخْراجِ الزَّكاةِ الواجِبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ إشارَةٌ إلى إخْراجِ كُلِّ مالٍ يَجِبُ إخْراجُهُ عَلى الإطْلاقِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: البُخْلُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ.
صفحة ١١٣
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: التَّوَلِّي عَنِ العَهْدِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: الإعْراضُ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ وأوامِرِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ فِعْلٌ ولا بُدَّ مِن إسْنادِهِ إلى شَيْءٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ، والمُعاهَدَةُ والتَّصَدُّقُ والصَّلاحُ والبُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ، ولا يَجُوزُ إسْنادُ إعْقابِ النِّفاقِ إلى المُعاهَدَةِ أوِ التَّصَدُّقِ أوِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ أعْمالُ الخَيْرِ، فَلا يَجُوزُ جَعْلُها مُؤَثِّرَةً في حُصُولِ النِّفاقِ، ولا يَجُوزُ إسْنادُ هَذا الإعْقابِ إلى البُخْلِ والتَّوَلِّي والإعْراضِ؛ لِأنَّ حاصِلَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ كَوْنُهُ تارِكًا لِأداءِ الواجِبِ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُؤَثِّرًا في حُصُولِ النِّفاقِ في القَلْبِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ النِّفاقَ عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ، وهو جَهْلٌ وتَرْكُ بَعْضِ الواجِبِ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا في حُصُولِ الجَهْلِ في القَلْبِ؛ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ تَرْكَ الواجِبِ عَدَمٌ، والجَهْلُ وُجُودٌ، والعَدَمُ لا يَكُونُ مُؤَثِّرًا في الوُجُودِ، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ هَذا البُخْلَ والتَّوَلِّيَ والإعْراضَ قَدْ يُوجَدُ في حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ الفُسّاقِ، مَعَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ مَعَهُ النِّفاقُ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ هَذا التَّرْكَ لَوْ أوْجَبَ حُصُولَ الكُفْرِ في القَلْبِ لَأوْجَبَهُ سَواءٌ كانَ هَذا التَّرْكُ جائِزًا شَرْعًا أوْ كانَ مُحَرَّمًا شَرْعًا؛ لِأنَّ سَبَبَ اخْتِلافِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ لا يُخْرِجُ المُؤَثِّرَ عَنْ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . فَلَوْ كانَ فِعْلُ الإعْقابِ مُسْنَدًا إلى البُخْلِ والتَّوَلِّي والإعْراضِ لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ فَأعْقَبَهم بِخُلْفِهِمْ وإعْراضِهِمْ وتَوَلِّيهِمْ نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ التَّوَلِّي وحُصُولِ النِّفاقِ في القَلْبِ بِسَبَبِ التَّوَلِّي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كَلامٌ باطِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إسْنادُ هَذا الإعْقابِ إلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها إلّا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَوَجَبَ إسْنادُهُ إلَيْهِ، فَصارَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُعْقِبُ النِّفاقَ في قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ خالِقَ الكُفْرِ في القُلُوبِ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو الَّذِي قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَعْناهُ: أنَّهم لَمّا ضَلُّوا في الماضِي، فَهو تَعالى أضَلَّهم عَنِ الدِّينِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ القَوْلَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ . والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ الأوْلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى.
قالَ القاضِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَأعْقَبَهُمُ العُقُوبَةَ عَلى النِّفاقِ، وتِلْكَ العُقُوبَةُ هي حُدُوثُ الغَمِّ في قُلُوبِهِمْ وضِيقُ الصَّدْرِ، وما يَنالُهم مِنَ الذُّلِّ والذَّمِّ، ويَدُومُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى الآخِرَةِ. قُلْنا: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ ولا شُبْهَةٍ، فَإنْ ذَكَرَ أنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْلُقُ الكُفْرَ، قابَلْنا دَلائِلَهم بِدَلائِلَ عَقْلِيَّةٍ، لَوْ وُضِعَتْ عَلى الجِبالِ الرّاسِياتِ لانْدَكَّتْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: أعْقَبْتُ فُلانًا نَدامَةً إذا صَيَّرْتَ عاقِبَةَ أمْرِهِ ذَلِكَ. قالَ الهُذَلِيُّ:
أوْدى بَنِيَّ وأعْقَبُونِي حَسْرَةً بَعْدَ الرُّقادِ وعِبْرَةً لا تُقْلِعُ
ويُقالُ: أكَلَ فُلانٌ أكْلَةً أعْقَبَتْهُ سَقَمًا، وأعْقَبَهُ اللَّهُ خَيْرًا. وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ أنَّهُ إذا حَصَلَ شَيْءٌ عَقِيبَ شَيْءٍ آخَرَ يُقالُ: أعْقَبَهُ اللَّهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَقْضَ العَهْدِ وخُلْفَ الوَعْدِ يُورِثُ النِّفاقَ، فَيَجِبُ عَلى المُسْلِمِ أنْ يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنْهُ، فَإذا عاهَدَ اللَّهَ في أمْرٍ فَلْيَجْتَهِدْ في الوَفاءِ بِهِ، ومَذْهَبُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ
صفحة ١١٤
اللَّهُ أنَّهُ يُوجِبُ النِّفاقَ لا مَحالَةَ، وتَمَسَّكَ فِيهِ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ، وإنْ صَلّى وصامَ وزَعَمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ» “ . وعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«تَقَبَّلُوا لِي سِتًّا أتَقَبَّلْ لَكُمُ الجَنَّةَ: إذا حَدَّثْتُمْ فَلا تَكْذِبُوا، وإذا وعَدْتُمْ فَلا تُخْلِفُوا، وإذا ائْتُمِنتُمْ فَلا تَخُونُوا، وكُفُّوا أبْصارَكم، وأيْدِيَكم، وفُرُوجَكم؛ أبْصارَكم عَنِ الخِيانَةِ، وأيْدِيَكم عَنِ السَّرِقَةِ، وفُرُوجَكم عَنِ الزِّنا» “ . قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: حَدَّثَنِي جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ ﷺ إنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ في المُنافِقِينَ، خاصَّةً الَّذِينَ حَدَّثُوا النَّبِيَّ ﷺ فَكَذَبُوهُ، وائْتَمَنَهم عَلى سِرِّهِ فَخانُوهُ، ووَعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فَأخْلَفُوهُ.
ونُقِلَ أنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ فَسَّرَ الحَدِيثَ، فَقالَ: إذا حَدَّثَ عَنِ اللَّهِ كَذَبَ عَلَيْهِ وعَلى دِينِهِ ورَسُولِهِ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ كَما ذَكَرَهُ فِيمَن عاهَدَ اللَّهَ، وإذا ائْتُمِنَ عَلى دِينِ اللَّهِ خانَ في السِّرِّ، فَكانَ قَلْبُهُ عَلى خِلافِ لِسانِهِ. ونُقِلَ أنَّ واصِلَ بْنَ عَطاءٍ قالَ: أتى الحَسَنَ رَجُلٌ، فَقالَ لَهُ: إنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ حَدَّثُوهُ في قَوْلِهِمْ: أكَلَهُ الذِّئْبُ وكَذَبُوهُ، ووَعَدُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] فَأخْلَفُوهُ، وائْتَمَنَهم أبُوهم عَلى يُوسُفَ فَخانُوهُ، فَهَلْ نَحْكُمُ بِكَوْنِهِمْ مُنافِقِينَ ؟ فَتَوَقَّفَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المُعاهَدَ ماتَ مُنافِقًا، وهَذا الخَبَرُ وقَعَ مَخْبَرُهُ مُطابِقًا لَهُ، فَإنَّهُ رُوِيَ «أنَّ ثَعْلَبَةَ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ صَدَقَتَكَ» . وبَقِيَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وما قَبِلَ صَدَقَتَهُ أحَدٌ حَتّى ماتَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَخْبَرَ هَذا الخَبَرِ وقَعَ مُوافِقًا، فَكانَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَكانَ مُعْجِزًا.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ المُشَبِّهَةَ تَمَسَّكُوا في إثْباتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] قالَ: واللِّقاءُ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ المُنافِقِينَ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَرَوْنَهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللِّقاءَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ. قالَ: والَّذِي يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ لِيَقْطَعَ بِها حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» “ . وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ اللِّقاءِ هَهُنا: لِقاءُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العِقابِ، فَكَذا هَهُنا. والقاضِي اسْتَحْسَنَ هَذا الكَلامَ. وأقُولُ: أنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِن أمْثالِ هَؤُلاءِ الأفاضِلِ كَيْفَ قَنِعَتْ نُفُوسُهم بِأمْثالِ هَذِهِ الوُجُوهِ الضَّعِيفَةِ ؟ وذَلِكَ لِأنّا تَرَكْنا حَمْلَ لَفْظِ اللِّقاءِ عَلى الرُّؤْيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي هَذا الخَبَرِ لَدَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ، فَلَمْ يَلْزَمْنا ذَلِكَ في سائِرِ الصُّوَرِ، ألا تَرى أنّا لَمّا أدْخَلْنا التَّخْصِيصَ في بَعْضِ العُمُوماتِ لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، لَمْ يَلْزَمْنا مِثْلُهُ في جَمِيعِ العُمُوماتِ أنْ نُخَصِّصَها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، فَكَما لا يَلْزَمُ هَذا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ، فَإنْ قالَ: هَذا الكَلامُ إنَّما يَقْوى لَوْ ثَبَتَ أنَّ اللِّقاءَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وذَلِكَ مَمْنُوعٌ، فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ اللِّقاءَ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ، ومَن رَأى شَيْئًا فَقَدْ وصَلَ إلَيْهِ، فَكانَتِ الرُّؤْيَةُ لِقاءً، كَما أنَّ الإدْراكَ هو البُلُوغُ، قالَ تَعالى: ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] . أيْ: لَمُلْحَقُونَ، ثُمَّ حَمَلْناهُ عَلى الرُّؤْيَةِ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ نَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ اللِّقاءَ هَهُنا لَيْسَ هو الرُّؤْيَةَ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى أعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ، أيْ: حُكْمَهُ وقَضاءَهُ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: سَتَلْقى عَمَلَكَ غَدًا، أيْ: تُجازى عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى عاقَبَهم بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ النِّفاقِ في قُلُوبِهِمْ لِأجْلِ أنَّهم أقْدَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ عَلى خُلْفِ الوَعْدِ وعَلى الكَذِبِ.
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ والسِّرُّ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم، والنَّجْوى ما يُفاوِضُ فِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا فِيما بَيْنَهم، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْوَةِ وهو الكَلامُ الخَفِيُّ، كَأنَّ المُتَناجِيَيْنِ مَنَعا إدْخالَ غَيْرِهِما مَعَهُما وتَباعَدا مِن غَيْرِهِما، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ [المجادلة: ٩] . وقَوْلُهُ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] .
إذا عَرَفْتَ الفَرْقَ بَيْنَ السِّرِّ والنَّجْوى، فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم فَكَيْفَ يَتَجَرَّءُونَ عَلى النِّفاقِ الَّذِي الأصْلُ فِيهِ الِاسْتِسْرارُ والتَّناجِي فِيما بَيْنَهم، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ذَلِكَ مِن حالِهِمْ كَما يَعْلَمُ الظّاهِرَ، وأنَّهُ يُعاقِبُ عَلَيْهِ كَما يُعاقِبُ عَلى الظّاهِرِ ؟
ثُمَّ قالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ والعَلّامُ مُبالَغَةٌ في العالِمِ، والغَيْبُ ما كانَ غائِبًا عَنِ الخَلْقِ. والمُرادُ أنَّهُ تَعالى ذاتُهُ تَقْتَضِي العِلْمَ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ العِلْمُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَجِبُ كَوْنُهُ عالِمًا بِما في الضَّمائِرِ والسَّرائِرِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الإخْفاءُ مِنهُ ؟ ونَظِيرُ لَفْظِ عَلّامِ الغُيُوبِ هَهُنا قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] . فَأمّا وصْفُ اللَّهِ بِالعَلّامَةِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ فِيها يُعْلَمُ والتَّكَلُّفُ في حَقِّ اللَّهِ مُحالٌ.
التوبة 9:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أكْثَرُها في شَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ، ولا شَكَّ أنَّهم أقْسامٌ وأصْنافٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ يَذْكُرُهم عَلى التَّفْصِيلِ، فَيَقُولُ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] -﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ أبْطَأ عَنْهُ مالُهُ بِالشَّأْمِ، فَلَحِقَهُ شِدَّةٌ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ وهو واقِفٌ بِبَعْضِ مَجالِسِ الأنْصارِ: لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَأصَّدَّقَنَّ ولَأُؤَدِّيَنَّ مِنهُ حَقَّ اللَّهِ، إلى آخِرِ الآيَةِ، والمَشْهُورُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا ! فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ“ فَراجَعَهُ وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ، فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ، حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا بِها، فَجَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ والعَصْرَ ويَتْرُكُ ما سِواهُما، ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرَتْ حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ إلّا الجُمُعَةَ، ثُمَّ تَرَكَ الجُمُعَةَ، وطَفِقَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ يَسْألُ عَنِ الأخْبارِ، وسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِ، فَقالَ: ”يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ“ . فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَبَعَثَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ وقالَ: ”مُرّا بِثَعْلَبَةَ فَخُذا صَدَقاتِهِ“، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهُما: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ أوْ أُخْتُ الجِزْيَةِ، فَلَمْ يَدْفَعِ الصَّدَقَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ كَذا وكَذا، فَأتى الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي مِن قَبُولِ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”قَدْ قُلْتُ لَكَ فَما أطَعْتَنِي“ فَرَجَعَ إلى مَنزِلِهِ وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ بِصَدَقَتِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْها؛ اقْتِداءً بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُمَرُ؛ اقْتِداءً بِأبِي بَكْرٍ، ثُمَّ لَمْ يَقْبَلْها عُثْمانُ، وهَلَكَ ثَعْلَبَةُ في خِلافَةِ عُثْمانَ» .
فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِإخْراجِ الصَّدَقَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ لا يَقْبَلَها مِنهُ ؟
قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهُ
صفحة ١١١
لِيَعْتَبِرَ غَيْرُهُ بِهِ، فَلا يَمْتَنِعُ عَنْ أداءِ الصَّدَقاتِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهُ إنَّما أتى بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ عَلى وجْهِ الرِّياءِ، لا عَلى وجْهِ الإخْلاصِ؛ وأعْلَمَ اللَّهُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلْ تِلْكَ الصَّدَقَةَ لِهَذا السَّبَبِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ وكانَ هَذا المَقْصُودُ غَيْرَ حاصِلٍ في ثَعْلَبَةَ مَعَ نِفاقِهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ امْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أخْذِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ عاهَدَ اللَّهَ في أنَّهُ لَوْ آتاهُ مالًا لَصَرَفَ بَعْضَهُ إلى مَصارِفِ الخَيْراتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى آتاهُ المالَ، وذَلِكَ الإنْسانُ ما وفى بِذَلِكَ العَهْدِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: المُنافِقُ كافِرٌ، والكافِرُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يُعاهِدَ اللَّهَ تَعالى ؟
والجَوابُ: المُنافِقُ قَدْ يَكُونُ عارِفًا بِاللَّهِ، إلّا أنَّهُ كانَ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِكَوْنِهِ عارِفًا بِاللَّهِ يُمْكِنُهُ أنْ يُعاهِدَ اللَّهَ، ولِكَوْنِهِ مُنْكِرًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كانَ كافِرًا. وكَيْفَ لا أقُولُ ذَلِكَ وأكْثَرُ هَذا العالَمِ مَقْرُونٌ بِوُجُودِ الصّانِعِ القادِرِ، ويَقِلُّ في أصْنافِ الكُفّارِ مَن يُنْكِرُهُ، والكُلُّ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَفْتَحُ عَلى الإنْسانِ أبْوابَ الخَيْراتِ، ويَعْلَمُونَ أنَّهُ يُمْكِنُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِالطّاعاتِ وأعْمالِ البِرِّ والإحْسانِ إلى الخَلْقِ، فَهَذِهِ أُمُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْها بَيْنَ الأكْثَرِينَ. وأيْضًا فَلَعَلَّهُ حِينَ عاهَدَ اللَّهَ تَعالى بِهَذا العَهْدِ كانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ لَمّا بَخِلَ بِالمالِ، ولَمْ يَفِ بِالعَهْدِ صارَ مُنافِقًا، ولَفْظُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِما ذَكَرْناهُ، حَيْثُ قالَ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ مِن شَرْطِ هَذِهِ المُعاهَدَةِ أنْ يَحْصُلَ التَّلَفُّظُ بِها بِاللِّسانِ، أوْ لا حاجَةَ إلى التَّلَفُّظِ حَتّى لَوْ نَواهُ بِقَلْبِهِ دَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ المُعاهَدَةِ ؟
الجَوابُ: مِنهم مَن قالَ: كُلُّ ما ذَكَرَهُ بِاللِّسانِ أوْ لَمْ يَذْكُرْهُ ولَكِنْ نَواهُ بِقَلْبِهِ فَهو داخِلٌ في هَذا العَهْدِ. يُرْوى عَنِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: أصابَتْنا رِيحٌ شَدِيدَةٌ في البَحْرِ، فَنَذَرَ قَوْمٌ مِنّا أنْواعًا مِنَ النُّذُورِ، ونَوَيْتُ أنا شَيْئًا وما تَكَلَّمْتُ بِهِ، فَلَمّا قَدِمْتُ البَصْرَةَ سَألْتُ أبِي، فَقالَ: يا بُنَيَّ فِ بِهِ ! وقالَ أصْحابُ هَذا القَوْلِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ كانَ شَيْئًا نَوَوْهُ في أنْفُسِهِمْ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ وقالَ المُحَقِّقُونَ: هَذِهِ المُعاهَدَةُ مُقَيَّدَةٌ بِما إذا حَصَلَ التَّلَفُّظُ بِها بِاللِّسانِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ عَفا عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسَها ولَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهِ» “ أوْ لَفْظُ هَذا مَعْناهُ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إخْبارٌ عَنْ تَكَلُّمِهِ بِهَذا القَوْلِ، وظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِالقَوْلِ بِاللِّسانِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ المُرادُ مِنهُ إخْراجُ مالٍ، ثُمَّ إنَّ إخْراجَ المالِ عَلى قِسْمَيْنِ؛ قَدْ يَكُونُ واجِبًا، وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ واجِبٍ. والواجِبُ قِسْمانِ: قِسْمٌ وجَبَ بِإلْزامِ الشَّرْعِ ابْتِداءً، كَإخْراجِ الزَّكاةِ الواجِبَةِ، وإخْراجِ النَّفَقاتِ الواجِبَةِ، وقِسْمٌ لَمْ يَجِبْ إلّا إذا التَزَمَهُ العَبْدُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ مِثْلُ النُّذُورِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ هَلْ يَتَناوَلُ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ، أوْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ؟
والجَوابُ: قُلْنا: أمّا الصَّدَقاتُ الَّتِي لا تَكُونُ واجِبَةً، فَغَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ والبُخْلُ في عُرْفِ الشَّرْعِ: عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الواجِبِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم بِهَذا التَّرْكِ، وتارِكُ المَندُوبِ لا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ. وأمّا القِسْمانِ الباقِيانِ، فالَّذِي يَجِبُ بِإلْزامِ الشَّرْعِ داخِلٌ تَحْتَ الآيَةِ
صفحة ١١٢
لا مَحالَةَ، وهو مِثْلُ الزَّكَواتِ والمالِ الَّذِي يُحْتاجُ إلى إنْفاقِهِ في طَرِيقِ الحَجِّ والغَزْوِ، والمالِ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في النَّفَقاتِ الواجِبَةِ.
بَقِيَ أنْ يُقالَ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ القائِلَ كانَ قَدِ التَزَمَ إخْراجَ مالٍ عَلى سَبِيلِ النَّذْرِ ؟ والأظْهَرُ أنَّ اللَّفْظَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في اللَّفْظِ لَيْسَ إلّا قَوْلَهُ: ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وهَذا لا يُشْعِرُ بِالنَّذْرِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُعاهِدُ رَبَّهُ في أنْ يَقُومَ بِما يَلْزَمُهُ مِنَ الإنْفاقاتِ الواجِبَةِ إنْ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الَّذِي لَزِمَهم إنَّما لَزِمَهم بِسَبَبِ هَذا الِالتِزامِ، والزَّكاةُ لا تَلْزَمُ بِسَبَبِ هَذا الِالتِزامِ، وإنَّما تَلْزَمُ بِسَبَبِ مِلْكِ النِّصابِ وحَوَلانِ الحَوْلِ.
قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ لا يُوجِبُ أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى الفَوْرِ؛ لِأنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ إيقاعِ هَذا الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا القَدْرُ لا يُوجِبُ الفَوْرَ، فَكَأنَّهم قالُوا: لَنَصَّدَّقَنَّ في وقْتٍ كَما قالُوا: ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في أوْقاتِ لُزُومِ الصَّلاةِ، فَخَرَجَ مِنَ التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ الدّاخِلَ تَحْتَ هَذا العَهْدِ إخْراجُ الأمْوالِ الَّتِي يَجِبُ إخْراجُها بِمُقْتَضى إلْزامِ الشَّرْعِ ابْتِداءً، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِما رُوِّينا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في حَقِّ مَنِ امْتَنَعَ مِن أداءِ الزَّكاةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ مِن حالِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أنَّهم كَما يُنافِقُونَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ، فَكَذَلِكَ يُنافِقُونَ رَبَّهم فِيما يُعاهِدُونَهُ عَلَيْهِ، ولا يَقُومُونَ بِما يَقُولُونَ، والغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةُ في وصْفِهِمْ بِالنِّفاقِ. وأكْثَرُ هَذِهِ الفُصُولِ مِن كَلامِ القاضِي.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما المُرادُ مِنَ الفَضْلِ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ ؟ .
والجَوابُ: المُرادُ إيتاءُ المالِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، سَواءٌ كانَ بِطَرِيقِ التِّجارَةِ، أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ أوْ بِغَيْرِهِما.
السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ اشْتِقاقُ ”لَنَصَّدَّقَنَّ“ ؟ .
الجَوابُ: قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ لَنَتَصَدَّقَنَّ، ولَكِنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الصّادِ لِقُرْبِها مِنها. قالَ اللَّيْثُ: المُصَّدِّقُ المُعْطِي، والمُتَصَدِّقُ السّائِلُ. قالَ الأصْمَعِيُّ والفَرّاءُ: هَذا خَطَأٌ فالمُتَصَدِّقُ هو المُعْطِي، قالَ تَعالى: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] .
السُّؤالُ السّادِسُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ؟ .
الجَوابُ: الصّالِحُ ضِدُّ المُفْسِدِ، والمُفْسِدُ عِبارَةٌ عَنِ الَّذِي بَخِلَ بِما يَلْزَمُهُ في التَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الصّالِحُ عِبارَةً عَمّا يَقُومُ بِما يَلْزَمُهُ في التَّكْلِيفِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانَ ثَعْلَبَةُ قَدْ عاهَدَ اللَّهَ تَعالى: لَئِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أبْوابَ الخَيْرِ لَيَصَّدَّقَنَّ ولَيَجْعَلَنَّ، وأقُولُ: التَّقْيِيدُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ قَوْلُهُ: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إشارَةٌ إلى إخْراجِ الزَّكاةِ الواجِبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ إشارَةٌ إلى إخْراجِ كُلِّ مالٍ يَجِبُ إخْراجُهُ عَلى الإطْلاقِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: البُخْلُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الحَقِّ.
صفحة ١١٣
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: التَّوَلِّي عَنِ العَهْدِ.
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: الإعْراضُ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ وأوامِرِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ فِعْلٌ ولا بُدَّ مِن إسْنادِهِ إلى شَيْءٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ، والمُعاهَدَةُ والتَّصَدُّقُ والصَّلاحُ والبُخْلُ والتَّوَلِّي والإعْراضُ، ولا يَجُوزُ إسْنادُ إعْقابِ النِّفاقِ إلى المُعاهَدَةِ أوِ التَّصَدُّقِ أوِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ أعْمالُ الخَيْرِ، فَلا يَجُوزُ جَعْلُها مُؤَثِّرَةً في حُصُولِ النِّفاقِ، ولا يَجُوزُ إسْنادُ هَذا الإعْقابِ إلى البُخْلِ والتَّوَلِّي والإعْراضِ؛ لِأنَّ حاصِلَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ كَوْنُهُ تارِكًا لِأداءِ الواجِبِ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُؤَثِّرًا في حُصُولِ النِّفاقِ في القَلْبِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ النِّفاقَ عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ، وهو جَهْلٌ وتَرْكُ بَعْضِ الواجِبِ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا في حُصُولِ الجَهْلِ في القَلْبِ؛ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ تَرْكَ الواجِبِ عَدَمٌ، والجَهْلُ وُجُودٌ، والعَدَمُ لا يَكُونُ مُؤَثِّرًا في الوُجُودِ، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ هَذا البُخْلَ والتَّوَلِّيَ والإعْراضَ قَدْ يُوجَدُ في حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ الفُسّاقِ، مَعَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ مَعَهُ النِّفاقُ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ هَذا التَّرْكَ لَوْ أوْجَبَ حُصُولَ الكُفْرِ في القَلْبِ لَأوْجَبَهُ سَواءٌ كانَ هَذا التَّرْكُ جائِزًا شَرْعًا أوْ كانَ مُحَرَّمًا شَرْعًا؛ لِأنَّ سَبَبَ اخْتِلافِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ لا يُخْرِجُ المُؤَثِّرَ عَنْ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . فَلَوْ كانَ فِعْلُ الإعْقابِ مُسْنَدًا إلى البُخْلِ والتَّوَلِّي والإعْراضِ لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ فَأعْقَبَهم بِخُلْفِهِمْ وإعْراضِهِمْ وتَوَلِّيهِمْ نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ التَّوَلِّي وحُصُولِ النِّفاقِ في القَلْبِ بِسَبَبِ التَّوَلِّي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كَلامٌ باطِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إسْنادُ هَذا الإعْقابِ إلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها إلّا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَوَجَبَ إسْنادُهُ إلَيْهِ، فَصارَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُعْقِبُ النِّفاقَ في قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ خالِقَ الكُفْرِ في القُلُوبِ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو الَّذِي قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ مَعْناهُ: أنَّهم لَمّا ضَلُّوا في الماضِي، فَهو تَعالى أضَلَّهم عَنِ الدِّينِ في المُسْتَقْبَلِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ القَوْلَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ . والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ الأوْلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى.
قالَ القاضِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَأعْقَبَهُمُ العُقُوبَةَ عَلى النِّفاقِ، وتِلْكَ العُقُوبَةُ هي حُدُوثُ الغَمِّ في قُلُوبِهِمْ وضِيقُ الصَّدْرِ، وما يَنالُهم مِنَ الذُّلِّ والذَّمِّ، ويَدُومُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى الآخِرَةِ. قُلْنا: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ ولا شُبْهَةٍ، فَإنْ ذَكَرَ أنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْلُقُ الكُفْرَ، قابَلْنا دَلائِلَهم بِدَلائِلَ عَقْلِيَّةٍ، لَوْ وُضِعَتْ عَلى الجِبالِ الرّاسِياتِ لانْدَكَّتْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: أعْقَبْتُ فُلانًا نَدامَةً إذا صَيَّرْتَ عاقِبَةَ أمْرِهِ ذَلِكَ. قالَ الهُذَلِيُّ:
أوْدى بَنِيَّ وأعْقَبُونِي حَسْرَةً بَعْدَ الرُّقادِ وعِبْرَةً لا تُقْلِعُ
ويُقالُ: أكَلَ فُلانٌ أكْلَةً أعْقَبَتْهُ سَقَمًا، وأعْقَبَهُ اللَّهُ خَيْرًا. وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ أنَّهُ إذا حَصَلَ شَيْءٌ عَقِيبَ شَيْءٍ آخَرَ يُقالُ: أعْقَبَهُ اللَّهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَقْضَ العَهْدِ وخُلْفَ الوَعْدِ يُورِثُ النِّفاقَ، فَيَجِبُ عَلى المُسْلِمِ أنْ يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنْهُ، فَإذا عاهَدَ اللَّهَ في أمْرٍ فَلْيَجْتَهِدْ في الوَفاءِ بِهِ، ومَذْهَبُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ
صفحة ١١٤
اللَّهُ أنَّهُ يُوجِبُ النِّفاقَ لا مَحالَةَ، وتَمَسَّكَ فِيهِ بِهَذِهِ الآيَةِ وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ، وإنْ صَلّى وصامَ وزَعَمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ» “ . وعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«تَقَبَّلُوا لِي سِتًّا أتَقَبَّلْ لَكُمُ الجَنَّةَ: إذا حَدَّثْتُمْ فَلا تَكْذِبُوا، وإذا وعَدْتُمْ فَلا تُخْلِفُوا، وإذا ائْتُمِنتُمْ فَلا تَخُونُوا، وكُفُّوا أبْصارَكم، وأيْدِيَكم، وفُرُوجَكم؛ أبْصارَكم عَنِ الخِيانَةِ، وأيْدِيَكم عَنِ السَّرِقَةِ، وفُرُوجَكم عَنِ الزِّنا» “ . قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: حَدَّثَنِي جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ ﷺ إنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ في المُنافِقِينَ، خاصَّةً الَّذِينَ حَدَّثُوا النَّبِيَّ ﷺ فَكَذَبُوهُ، وائْتَمَنَهم عَلى سِرِّهِ فَخانُوهُ، ووَعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فَأخْلَفُوهُ.
ونُقِلَ أنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ فَسَّرَ الحَدِيثَ، فَقالَ: إذا حَدَّثَ عَنِ اللَّهِ كَذَبَ عَلَيْهِ وعَلى دِينِهِ ورَسُولِهِ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ كَما ذَكَرَهُ فِيمَن عاهَدَ اللَّهَ، وإذا ائْتُمِنَ عَلى دِينِ اللَّهِ خانَ في السِّرِّ، فَكانَ قَلْبُهُ عَلى خِلافِ لِسانِهِ. ونُقِلَ أنَّ واصِلَ بْنَ عَطاءٍ قالَ: أتى الحَسَنَ رَجُلٌ، فَقالَ لَهُ: إنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ حَدَّثُوهُ في قَوْلِهِمْ: أكَلَهُ الذِّئْبُ وكَذَبُوهُ، ووَعَدُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] فَأخْلَفُوهُ، وائْتَمَنَهم أبُوهم عَلى يُوسُفَ فَخانُوهُ، فَهَلْ نَحْكُمُ بِكَوْنِهِمْ مُنافِقِينَ ؟ فَتَوَقَّفَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المُعاهَدَ ماتَ مُنافِقًا، وهَذا الخَبَرُ وقَعَ مَخْبَرُهُ مُطابِقًا لَهُ، فَإنَّهُ رُوِيَ «أنَّ ثَعْلَبَةَ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ صَدَقَتَكَ» . وبَقِيَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وما قَبِلَ صَدَقَتَهُ أحَدٌ حَتّى ماتَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَخْبَرَ هَذا الخَبَرِ وقَعَ مُوافِقًا، فَكانَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَكانَ مُعْجِزًا.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ المُشَبِّهَةَ تَمَسَّكُوا في إثْباتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] قالَ: واللِّقاءُ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ المُنافِقِينَ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَرَوْنَهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللِّقاءَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ. قالَ: والَّذِي يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ لِيَقْطَعَ بِها حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» “ . وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ اللِّقاءِ هَهُنا: لِقاءُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العِقابِ، فَكَذا هَهُنا. والقاضِي اسْتَحْسَنَ هَذا الكَلامَ. وأقُولُ: أنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِن أمْثالِ هَؤُلاءِ الأفاضِلِ كَيْفَ قَنِعَتْ نُفُوسُهم بِأمْثالِ هَذِهِ الوُجُوهِ الضَّعِيفَةِ ؟ وذَلِكَ لِأنّا تَرَكْنا حَمْلَ لَفْظِ اللِّقاءِ عَلى الرُّؤْيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي هَذا الخَبَرِ لَدَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ، فَلَمْ يَلْزَمْنا ذَلِكَ في سائِرِ الصُّوَرِ، ألا تَرى أنّا لَمّا أدْخَلْنا التَّخْصِيصَ في بَعْضِ العُمُوماتِ لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، لَمْ يَلْزَمْنا مِثْلُهُ في جَمِيعِ العُمُوماتِ أنْ نُخَصِّصَها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، فَكَما لا يَلْزَمُ هَذا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ، فَإنْ قالَ: هَذا الكَلامُ إنَّما يَقْوى لَوْ ثَبَتَ أنَّ اللِّقاءَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وذَلِكَ مَمْنُوعٌ، فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ اللِّقاءَ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ، ومَن رَأى شَيْئًا فَقَدْ وصَلَ إلَيْهِ، فَكانَتِ الرُّؤْيَةُ لِقاءً، كَما أنَّ الإدْراكَ هو البُلُوغُ، قالَ تَعالى: ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] . أيْ: لَمُلْحَقُونَ، ثُمَّ حَمَلْناهُ عَلى الرُّؤْيَةِ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ نَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ اللِّقاءَ هَهُنا لَيْسَ هو الرُّؤْيَةَ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى أعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ، أيْ: حُكْمَهُ وقَضاءَهُ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: سَتَلْقى عَمَلَكَ غَدًا، أيْ: تُجازى عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى عاقَبَهم بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ النِّفاقِ في قُلُوبِهِمْ لِأجْلِ أنَّهم أقْدَمُوا قَبْلَ ذَلِكَ عَلى خُلْفِ الوَعْدِ وعَلى الكَذِبِ.
صفحة ١١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ والسِّرُّ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم، والنَّجْوى ما يُفاوِضُ فِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا فِيما بَيْنَهم، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْوَةِ وهو الكَلامُ الخَفِيُّ، كَأنَّ المُتَناجِيَيْنِ مَنَعا إدْخالَ غَيْرِهِما مَعَهُما وتَباعَدا مِن غَيْرِهِما، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ [المجادلة: ٩] . وقَوْلُهُ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] .
إذا عَرَفْتَ الفَرْقَ بَيْنَ السِّرِّ والنَّجْوى، فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم فَكَيْفَ يَتَجَرَّءُونَ عَلى النِّفاقِ الَّذِي الأصْلُ فِيهِ الِاسْتِسْرارُ والتَّناجِي فِيما بَيْنَهم، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ذَلِكَ مِن حالِهِمْ كَما يَعْلَمُ الظّاهِرَ، وأنَّهُ يُعاقِبُ عَلَيْهِ كَما يُعاقِبُ عَلى الظّاهِرِ ؟
ثُمَّ قالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ والعَلّامُ مُبالَغَةٌ في العالِمِ، والغَيْبُ ما كانَ غائِبًا عَنِ الخَلْقِ. والمُرادُ أنَّهُ تَعالى ذاتُهُ تَقْتَضِي العِلْمَ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ العِلْمُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَيَجِبُ كَوْنُهُ عالِمًا بِما في الضَّمائِرِ والسَّرائِرِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الإخْفاءُ مِنهُ ؟ ونَظِيرُ لَفْظِ عَلّامِ الغُيُوبِ هَهُنا قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] . فَأمّا وصْفُ اللَّهِ بِالعَلّامَةِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ فِيها يُعْلَمُ والتَّكَلُّفُ في حَقِّ اللَّهِ مُحالٌ.
التوبة 9:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ، وهو لَمْزُهم مَن يَأْتِي بِالصَّدَقاتِ طَوْعًا وطَبْعًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَهم ذاتَ يَوْمٍ، وحَثَّ عَلى أنْ يَجْمَعُوا الصَّدَقاتِ، فَجاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وقالَ: كانَ لِي ثَمانِيَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، فَأمْسَكْتُ لِنَفْسِي وعِيالِي أرْبَعَةً وهَذِهِ الأرْبَعَةُ أقْرَضْتُها رَبِّي. فَقالَ: بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ. قِيلَ: قَبِلَ اللَّهُ دُعاءَ الرَّسُولِ فِيهِ حَتّى صالَحَتِ امْرَأتُهُ تُماضِرُ عَنْ رُبُعِ الثُّمُنِ عَلى ثَمانِينَ ألْفًا. وجاءَ عُمَرُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وجاءَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الأنْصارِيُّ بِسَبْعِينَ وسْقًا مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ، وجاءَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ بِصَدَقَةٍ عَظِيمَةٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، وقالَ: آجَرْتُ اللَّيْلَةَ الماضِيَةَ نَفْسِي مِن رَجُلٍ لِإرْسالِ الماءِ إلى نَخِيلِهِ، فَأخَذْتُ صاعَيْنِ مِن تَمْرٍ، فَأمْسَكْتُ أحَدَهُما لِعِيالِي وأقْرَضْتُ الآخَرَ رَبِّي، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضْعِهِ في الصَّدَقاتِ، فَقالَ المُنافِقُونَ عَلى وجْهِ الطَّعْنِ: ما جاءُوا بِصَدَقاتِهِمْ إلّا رِياءً وسُمْعَةً، وأمّا أبُو عَقِيلٍ فَإنَّما جاءَ بِصاعِهِ لِيُذْكَرَ مَعَ سائِرِ الأكابِرِ، واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ صاعِهِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. والكَلامُ في تَفْسِيرِ اللَّمْزِ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ . والمُطَّوِّعُونَ: المُتَطَوِّعُونَ، والتَّطَوُّعُ: التَّنَفُّلُ، وهو الطّاعَةُ لِلَّهِ تَعالى بِما لَيْسَ بِواجِبٍ، وسَبَبُ إدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ قُرْبُ المَخْرَجِ. قالَ اللَّيْثُ: الجُهْدُ شَيْءٌ قَلِيلٌ يَعِيشُ بِهِ المُقِلُّ، قالَ الزَّجّاجُ: ”إلّا
صفحة ١١٦
جُهْدَهم“ وجُهْدُهم بِالضَّمِّ والفَتْحِ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ والفَتْحُ لِغَيْرِهِمْ، وحَكى ابْنُ السِّكِّيتِ عَنْهُ الفَرْقَ بَيْنَهُما فَقالَ: الجُهْدُ الطّاقَةُ، تَقُولُ: هَذا جُهْدِي أيْ طاقَتِي.
إذا عَرَفْتَ هَذا فالمُرادُ بِالمُطَّوِّعِينَ في الصَّدَقاتِ أُولَئِكَ الأغْنِياءُ الَّذِينَ أتَوْا بِالصَّدَقاتِ الكَثِيرَةِ، وبِقَوْلِهِ:(﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ أبُو عَقِيلٍ حَيْثُ جاءَ بِالصّاعِ مِنَ التَّمْرِ. ثُمَّ حَكى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم يَسْخَرُونَ مِنهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَخِرَ مِنهم.
واعْلَمْ أنَّ إخْراجَ المالِ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ قَدْ يَكُونُ واجِبًا كَما في الزَّكَواتِ وسائِرِ الإنْفاقاتِ الواجِبَةِ، وقَدْ يَكُونُ نافِلَةً، وهو المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ الآتِي بِالصَّدَقَةِ النّافِلَةِ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا فَيَأْتِي بِالكَثِيرِ، كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وقَدْ يَكُونُ فَقِيرًا فَيَأْتِي بِالقَلِيلِ وهو جُهْدُ المُقِلِّ، ولا تَفاوُتَ بَيْنَ البابَيْنِ في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ كَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ واعْتِبارُ حالِ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، فَقَدْ يَكُونُ القَلِيلُ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الفَقِيرُ أكْثَرَ مَوْقِعًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الكَثِيرِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الغَنِيُّ.
ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ الجُهّالَ مِنَ المُنافِقِينَ ما كانَ يَتَجاوَزُ نَظَرُهم عَنْ ظَواهِرِ الأُمُورِ، فَعَيَّرُوا ذَلِكَ الفَقِيرَ الَّذِي جاءَ بِالصَّدَقَةِ القَلِيلَةِ، وذَلِكَ التَّعْيِيرُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ لِفَقْرِهِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، فَكَيْفَ يَتَصَدَّقُ بِهِ ؟ إلّا أنَّ هَذا مِن مُوجِباتِ الفَضِيلَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] .
وثانِيها: أنْ يَقُولُوا: أيُّ أثَرٍ لِهَذا القَلِيلِ ؟ وهَذا أيْضًا جَهْلٌ؛ لِأنَّ هَذا الرَّجُلَ لَمّا لَمْ يَقْدِرْ إلّا عَلَيْهِ فَإذا جاءَ بِهِ فَقَدْ بَذَلَ كُلَّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَهو أعْظَمُ مَوْقِعًا عِنْدَ اللَّهِ مِن عَمَلِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ قَطَعَ تَعَلُّقَ قَلْبِهِ عَمّا كانَ في يَدِهِ مِنَ الدُّنْيا، واكْتَفى بِالتَّوَكُّلِ عَلى المَوْلى. وثالِثُها: أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَذا الفَقِيرَ إنَّما جاءَ بِهَذا القَلِيلِ لِيَضُمَّ نَفْسَهُ إلى الأكابِرِ مِنَ النّاسِ في هَذا المَنصِبِ، وهَذا أيْضًا جَهْلٌ؛ لِأنَّ سَعْيَ الإنْسانِ في أنْ يَضُمَّ نَفْسَهُ إلى أهْلِ الخَيْرِ والدِّينِ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَسْعى في أنْ يَضُمَّ نَفْسَهُ إلى أهْلِ الكَسَلِ والبَطالَةِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ فَقَدْ عَرَفْتَ القانُونَ في هَذا البابِ. وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى قَبِلَ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ ما أظْهَرُوهُ مِن أعْمالِ البِرِّ مَعَ أنَّهُ لا يُثِيبُهم عَلَيْها، فَكانَ ذَلِكَ كالسُّخْرِيَةِ.
التوبة 9:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «إنَّ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ الأُولى في المُنافِقِينَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لَنا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَأسْتَغْفِرُ لَكم. واشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِغْفارَ» . وقالَ الحَسَنُ: كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ، فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَقُولُونَ: إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى وما أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورَوى الأصَمُّ أنَّهُ «كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ إذا خَطَبَ
صفحة ١١٧
الرَّسُولُ قامَ وقالَ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ أكْرَمَهُ اللَّهُ وأعَزَّهُ ونَصَرَهُ، فَلَمّا قامَ ذَلِكَ المَقامَ بَعْدَ أُحُدٍ قالَ لَهُ عُمَرُ: اجْلِسْ يا عَدُوَّ اللَّهِ، فَقَدْ ظَهَرَ كُفْرُكَ. وجَبَهَهُ النّاسُ مِن كُلِّ جِهَةٍ، فَخَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ ولَمْ يُصَلِّ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ: ما صَرَفَكَ ؟ فَحَكى القِصَّةَ. فَقالَ: ارْجِعْ إلى رَسُولِ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ. فَقالَ: ما أُبالِي أسْتَغْفَرَ لِي أوْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لِي. فَنَزَلَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] . وجاءَ المُنافِقُونَ بَعْدَ أُحُدٍ يَعْتَذِرُونَ ويَتَعَلَّلُونَ بِالباطِلِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم» .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . رَوى الشَّعْبِيُّ قالَ: «دَعا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى جِنازَةِ أبِيهِ، فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن أنْتَ ؟ فَقالَ: أنا الحُبابُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قالَ: بَلْ أنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، إنَّ الحُبابَ هو الشَّيْطانُ»، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. قالَ القاضِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى طَلَبِ القَوْمِ مِنهُ الِاسْتِغْفارَ، وقَدْ حَكَيْتُ ما رُوِيَ فِيهِ مِنَ الأخْبارِ، والأقْرَبُ في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ الَّذِينَ كانُوا يَلْمِزُونَ هُمُ الَّذِينَ طَلَبُوا الِاسْتِغْفارَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ التَّخْصِيصَ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحالَ فِيما وراءَ ذَلِكَ العَدَدِ بِخِلافِهِ، وهو مَذْهَبُ القائِلِينَ بِدَلِيلِ الخِطابِ. قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”واللَّهِ لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ“ ولَمْ يَنْصَرِفْ عَنْهُ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] . الآيَةَ، فَكَفَّ عَنْهم» .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الِاسْتِدْلالُ بِالعَكْسِ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُمُ البَتَّةَ، ثَبَتَ أنَّ الحالَ فِيما وراءَ العَدَدِ المَذْكُورِ مُساوٍ لِلْحالِ في العَدَدِ المَذْكُورِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْيِيدَ بِالعَدَدِ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ فِيما وراءَهُ بِخِلافِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ اشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ لِلْقَوْمِ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ مِنهُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ المُنافِقِينَ طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، فاللَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْهُ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَنهِيِّ مُقَدَّمًا عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما اشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُنافِقَ كافِرٌ، وقَدْ ظَهَرَ في شَرْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْكافِرِ لا يَجُوزُ؛ ولِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِالِاقْتِداءِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا في قَوْلِهِ لِأبِيهِ: ﴿لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] . وإذا كانَ هَذا مَشْهُورًا في الشَّرْعِ فَكَيْفَ يَجُوزُ الإقْدامُ عَلَيْهِ ؟ .
الثّانِي: أنَّ اسْتِغْفارَ الغَيْرِ لِلْغَيْرِ لا يَنْفَعُهُ إذا كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ مُصِرًّا عَلى القُبْحِ والمَعْصِيَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ إقْدامَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِلْمُنافِقِينَ يَجْرِي مَجْرى إغْرائِهِمْ بِالإقْدامِ عَلى الذَّنْبِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى إذا كانَ لا يُجِيبُهُ إلَيْهِ بَقِيَ دُعاءُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرْدُودًا عِنْدَ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ نُقْصانَ مَنصِبِهِ.
الخامِسُ: أنَّ هَذا الدُّعاءَ لَوْ كانَ مَقْبُولًا مِنَ الرَّسُولِ لَكانَ قَلِيلُهُ مِثْلَ كَثِيرِهِ في حُصُولِ الإجابَةِ. فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم مَنَعَهُ اللَّهُ مِنهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا العَدَدِ تَحْدِيدَ المَنعِ، بَلْ هو كَما يَقُولُ القائِلُ لِمَن سَألَهُ الحاجَةَ: لَوْ سَألْتَنِي سَبْعِينَ مَرَّةً لَمْ أقْضِها لَكَ، ولا يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ إذا زادَ قَضاها فَكَذا هَهُنا، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ . فَبَيَّنَ أنَّ العِلَّةَ الَّتِي لِأجْلِها لا يَنْفَعُهُمُ اسْتِغْفارُ الرَّسُولِ وإنْ بَلَغَ سَبْعِينَ مَرَّةً،
صفحة ١١٨
كُفْرُهم وفِسْقُهم، وهَذا المَعْنى قائِمٌ في الزِّيادَةِ عَلى السَّبْعِينَ، فَصارَ هَذا التَّعْلِيلُ شاهِدًا بِأنَّ المُرادَ إزالَةُ الطَّمَعِ في أنْ يَنْفَعَهُمُ اسْتِغْفارُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، ويُؤَكِّدُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّ فِسْقَهم مانِعٌ مِنَ الهِدايَةِ. فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ ما ذَكَرْناهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ المُتَأخِّرُونَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: السَّبْعُونَ عِنْدَ العَرَبِ غايَةٌ مُسْتَقْصاةٌ؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ جَمْعِ السَبْعَةِ عَشْرَ مَرّاتٍ، والسَّبْعَةُ عَدَدٌ شَرِيفٌ؛ لِأنَّ عَدَدَ السَّماواتِ والأرْضِ والبِحارِ والأقالِيمِ والنُّجُومِ والأعْضاءِ، هو هَذا العَدَدُ. وقالَ بَعْضُهم: هَذا العَدَدُ إنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كَبَّرَ عَلى حَمْزَةَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً»، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ بِإزاءِ صَلاتِكَ عَلى حَمْزَةَ، وقِيلَ: الأصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] . وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةٍ» “ . فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا العَدَدَ في مَعْرِضِ التَّضْعِيفِ لِرَسُولِهِ صارَ أصْلًا فِيهِ.
التوبة 9:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِ أعْمالِ المُنافِقِينَ، وهو فَرَحُهم بِالقُعُودِ وكَراهَتُهُمُ الجِهادَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، والمُخَلَّفُ المَتْرُوكُ مِمَّنْ مَضى.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُمُ احْتالُوا حَتّى تَخَلَّفُوا، فَكانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: فَرِحَ المُتَخَلِّفُونَ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنَعَ أقْوامًا مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّهم يُفْسِدُونَ ويُشَوِّشُونَ، فَهَؤُلاءِ كانُوا مُخَلَّفِينَ لا مُتَخَلِّفِينَ.
والثّانِي: أنَّ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفِينَ صارُوا مُخَلَّفِينَ في الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] . فَلَمّا مَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ صارُوا بِهَذا السَّبَبِ مُخَلَّفِينَ.
الثّالِثُ: أنَّ مَن يَتَخَلَّفُ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى الجِهادِ مَعَ المُؤْمِنِينَ يُوصَفُ بِأنَّهُ مُخَلَّفٌ؛ مِن حَيْثُ لَمْ يَنْهَضْ فَبَقِيَ وأقامَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المَدِينَةَ، فَعَلى هَذا المَقْعَدُ اسْمٌ لِلْمَكانِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ”بِمَقْعَدِهِمْ“ بِقُعُودِهِمْ، وعَلى هَذا هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ والمُؤَرِّجِ والزَّجّاجِ: يَعْنِي مُخالَفَةً لِرَسُولِ اللَّهِ حِينَ سارَ وأقامُوا.
صفحة ١١٩
قالُوا: وهو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى بِأنْ قَعَدُوا لِمُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: إنَّ﴿خِلافَ﴾ بِمَعْنى خَلْفَ، وإنَّ يُونُسَ رَواهُ عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ، ومَعْناهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ“ . وعَلى هَذا القَوْلِ الخِلافُ اسْمٌ لِلْجِهَةِ المُعَيَّنَةِ كالخَلْفِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ مُتَوَجِّهٌ إلى قُدّامِهِ، فَجِهَةُ خَلْفِهِ مُخالِفَةٌ لِجِهَةِ قُدّامِهِ في كَوْنِها جِهَةً مُتَوَجِّهًا إلَيْها، وخِلافَ بِمَعْنى خَلْفَ مُسْتَعْمَلٌ، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِلْأحْوَصِ:
عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا
وقَوْلُهُ: ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّهم فَرِحُوا بِسَبَبِ التَّخَلُّفِ وكَرِهُوا الذَّهابَ إلى الغَزْوِ.
واعْلَمْ أنَّ الفَرَحَ بِالإقامَةِ عَلى كَراهَةِ الذَّهابِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أعادَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وأيْضًا لَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ مالَ طَبْعُهُ إلى الإقامَةِ؛ لِأجْلِ إلْفِهِ تِلْكَ البَلْدَةِ واسْتِئْناسِهِ بِأهْلِهِ ووَلَدِهِ، وكَرِهَ الخُرُوجَ إلى الغَزْوِ؛ لِأنَّهُ تَعْرِيضٌ لِلْمالِ والنَّفْسِ لِلْقَتْلِ والإهْدارِ، وأيْضًا مِمّا مَنَعَهم مِن ذَلِكَ الخُرُوجِ شِدَّةُ الحَرِّ في وقْتِ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ .
فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا السَّبَبِ الأخِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: إنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارًا أُخْرى، وإنَّ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أُخْرى، وأيْضًا هَذِهِ مَشَقَّةٌ مُنْقَضِيَةٌ، وتِلْكَ مَشَقَّةٌ باقِيَةٌ. ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ لِبَعْضِهِمْ:
مَسَرَّةُ أحْقابٍ تَلَقَّيْتُ بَعْدَها ∗∗∗ مَساءَةَ يَوْمٍ إنَّها شِبْهُ أنْصابِ
فَكَيْفَ بِأنْ تَلْقى مَسَرَّةَ ساعَةٍ ∗∗∗ وراءَ تَقَضِّيها مَساءَةَ أحْقابِ
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ وهَذا وإنْ ورَدَ بِصِيغَةِ الأمْرِ إلّا أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ بِأنَّهُ سَتَحْصُلُ هَذِهِ الحالَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم وإنْ فَرِحُوا وضَحِكُوا في كُلِّ عُمُرِهِمْ، فَهَذا قَلِيلٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلَةٌ، وأمّا حُزْنُهم وبُكاؤُهم في الآخِرَةِ فَكَثِيرٌ؛ لِأنَّهُ عِقابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُنْقَطِعُ بِالنِّسْبَةِ إلى الدّائِمِ قَلِيلٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: ولْيَبْكُوا لِهَذا الغَرَضِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِنَ النِّفاقِ. واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُوجِدًا لِأفْعالِهِ، وعَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ أوْصَلَ الضَّرَرَ إلَيْهِمِ ابْتِداءً لا بِواسِطَةِ كَسْبِهِمْ لَكانَ ظالِمًا؛ مَشْهُورٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ مِرارًا يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ.
التوبة 9:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِ أعْمالِ المُنافِقِينَ، وهو فَرَحُهم بِالقُعُودِ وكَراهَتُهُمُ الجِهادَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، والمُخَلَّفُ المَتْرُوكُ مِمَّنْ مَضى.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُمُ احْتالُوا حَتّى تَخَلَّفُوا، فَكانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: فَرِحَ المُتَخَلِّفُونَ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنَعَ أقْوامًا مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّهم يُفْسِدُونَ ويُشَوِّشُونَ، فَهَؤُلاءِ كانُوا مُخَلَّفِينَ لا مُتَخَلِّفِينَ.
والثّانِي: أنَّ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفِينَ صارُوا مُخَلَّفِينَ في الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] . فَلَمّا مَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ صارُوا بِهَذا السَّبَبِ مُخَلَّفِينَ.
الثّالِثُ: أنَّ مَن يَتَخَلَّفُ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى الجِهادِ مَعَ المُؤْمِنِينَ يُوصَفُ بِأنَّهُ مُخَلَّفٌ؛ مِن حَيْثُ لَمْ يَنْهَضْ فَبَقِيَ وأقامَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ المَدِينَةَ، فَعَلى هَذا المَقْعَدُ اسْمٌ لِلْمَكانِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ”بِمَقْعَدِهِمْ“ بِقُعُودِهِمْ، وعَلى هَذا هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ والمُؤَرِّجِ والزَّجّاجِ: يَعْنِي مُخالَفَةً لِرَسُولِ اللَّهِ حِينَ سارَ وأقامُوا.
صفحة ١١٩
قالُوا: وهو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى بِأنْ قَعَدُوا لِمُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: إنَّ﴿خِلافَ﴾ بِمَعْنى خَلْفَ، وإنَّ يُونُسَ رَواهُ عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ، ومَعْناهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ“ . وعَلى هَذا القَوْلِ الخِلافُ اسْمٌ لِلْجِهَةِ المُعَيَّنَةِ كالخَلْفِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ مُتَوَجِّهٌ إلى قُدّامِهِ، فَجِهَةُ خَلْفِهِ مُخالِفَةٌ لِجِهَةِ قُدّامِهِ في كَوْنِها جِهَةً مُتَوَجِّهًا إلَيْها، وخِلافَ بِمَعْنى خَلْفَ مُسْتَعْمَلٌ، أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِلْأحْوَصِ:
عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلافَهم فَكَأنَّما بَسَطَ الشَّواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرا
وقَوْلُهُ: ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّهم فَرِحُوا بِسَبَبِ التَّخَلُّفِ وكَرِهُوا الذَّهابَ إلى الغَزْوِ.
واعْلَمْ أنَّ الفَرَحَ بِالإقامَةِ عَلى كَراهَةِ الذَّهابِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أعادَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وأيْضًا لَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ مالَ طَبْعُهُ إلى الإقامَةِ؛ لِأجْلِ إلْفِهِ تِلْكَ البَلْدَةِ واسْتِئْناسِهِ بِأهْلِهِ ووَلَدِهِ، وكَرِهَ الخُرُوجَ إلى الغَزْوِ؛ لِأنَّهُ تَعْرِيضٌ لِلْمالِ والنَّفْسِ لِلْقَتْلِ والإهْدارِ، وأيْضًا مِمّا مَنَعَهم مِن ذَلِكَ الخُرُوجِ شِدَّةُ الحَرِّ في وقْتِ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ .
فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا السَّبَبِ الأخِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: إنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارًا أُخْرى، وإنَّ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أُخْرى، وأيْضًا هَذِهِ مَشَقَّةٌ مُنْقَضِيَةٌ، وتِلْكَ مَشَقَّةٌ باقِيَةٌ. ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ لِبَعْضِهِمْ:
مَسَرَّةُ أحْقابٍ تَلَقَّيْتُ بَعْدَها ∗∗∗ مَساءَةَ يَوْمٍ إنَّها شِبْهُ أنْصابِ
فَكَيْفَ بِأنْ تَلْقى مَسَرَّةَ ساعَةٍ ∗∗∗ وراءَ تَقَضِّيها مَساءَةَ أحْقابِ
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ وهَذا وإنْ ورَدَ بِصِيغَةِ الأمْرِ إلّا أنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ بِأنَّهُ سَتَحْصُلُ هَذِهِ الحالَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهم وإنْ فَرِحُوا وضَحِكُوا في كُلِّ عُمُرِهِمْ، فَهَذا قَلِيلٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلَةٌ، وأمّا حُزْنُهم وبُكاؤُهم في الآخِرَةِ فَكَثِيرٌ؛ لِأنَّهُ عِقابٌ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، والمُنْقَطِعُ بِالنِّسْبَةِ إلى الدّائِمِ قَلِيلٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: ولْيَبْكُوا لِهَذا الغَرَضِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِنَ النِّفاقِ. واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُوجِدًا لِأفْعالِهِ، وعَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ أوْصَلَ الضَّرَرَ إلَيْهِمِ ابْتِداءً لا بِواسِطَةِ كَسْبِهِمْ لَكانَ ظالِمًا؛ مَشْهُورٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ مِرارًا يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ.
التوبة 9:83
صفحة ١٢٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مَخازِيَ المُنافِقِينَ وسُوءَ طَرِيقَتِهِمْ بَيَّنَ بَعْدَما عَرَّفَ بِهِ الرَّسُولَ أنَّ الصَّلاحَ في أنْ لا يَسْتَصْحِبَهم في غَزَواتِهِ؛ لِأنَّ خُرُوجَهم مَعَهُ يُوجِبُ أنْواعًا مِنَ الفَسادِ. فَقالَ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ يُرِيدُ إنْ رَدَّكَ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ، ومَعْنى الرَّجْعِ: مَصِيرُ الشَّيْءِ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، يُقالُ: رَجَعْتُهُ رَجْعًا كَقَوْلِكَ رَدَدْتُهُ رَدًّا. وقَوْلُهُ: ﴿إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ إنَّما خَصَّصَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ مَن أقامَ بِالمَدِينَةِ ما كانُوا مُنافِقِينَ، بَلْ كانَ بَعْضُهم مُخْلِصِينَ مَعْذُورِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أيْ: لِلْغَزْوِ مَعَكَ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ إلى غَزْوَةٍ، وهَذا يَجْرِي مَجْرى الذَّمِّ واللَّعْنِ لَهم، ومَجْرى إظْهارِ نِفاقِهِمْ وفَضائِحِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ تَرْغِيبَ المُسْلِمِينَ في الجِهادِ أمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ إذا مُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ بَعْدَ إقْدامِهِمْ عَلى الِاسْتِئْذانِ، كانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِكَوْنِهِمْ خارِجِينَ عَنِ الإسْلامِ مَوْصُوفِينَ بِالمَكْرِ والخِداعِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما مَنَعَهم مِنَ الخُرُوجِ حَذَرًا مِن مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ وخِداعِهِمْ، فَصارَ هَذا المَعْنى مِن هَذا الوَجْهِ جارِيًا مَجْرى اللَّعْنِ والطَّرْدِ.
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ [الفتح: ١٥] . إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ [الفتح: ١٥] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ ذَلِكَ المَنعَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والمُرادُ مِنهُ: القُعُودُ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، يَعْنِي أنَّ الحاجَةَ في المَرَّةِ الأُولى إلى مُوافَقَتِكم كانَتْ أشَدَّ، وبَعْدَ ذَلِكَ زالَتْ تِلْكَ الحاجَةُ، فَلَمّا تَخَلَّفْتُمْ عِنْدَ مَسِيسِ الحاجَةِ إلى حُضُورِكم، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا نَقْبَلُكم، ولا نَلْتَفِتُ إلَيْكم، وفي اللَّفْظِ بَحْثٌ ذَكَرَهُ صاحِبَ الكَشّافِ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرَّةٍ﴾ فِي﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وُضِعَتْ مَوْضِعَ المَرّاتِ، ثُمَّ أُضِيفَ لَفْظُ الأوَّلِ إلَيْها، وهو دالٌّ عَلى واحِدَةٍ مِنَ المَرّاتِ، فَكانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: أُولى مَرَّةٍ.
وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ أكْثَرَ اللُّغَتَيْنِ أنْ يُقالَ: هِنْدٌ أكْبَرُ النِّساءِ، ولا يُقالُ: هِنْدٌ كُبْرى النِّساءِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الخالِفِ أقْوالًا: الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ: الخالِفُونَ جَمْعٌ، واحِدُهم خالِفٌ، وهو مَن يَخْلُفُ الرَّجُلَ في قَوْمِهِ، ومَعْناهُ مَعَ الخالِفِينَ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ يَخْلُفُونَ في البَيْتِ، فَلا يَبْرَحُونَ، والثّانِي: أنَّ الخالِفِينَ مُفَسَّرٌ بِالمُخالِفِينَ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عَبْدٌ خالِفٌ وصاحِبٌ خالِفٌ إذا كانَ مُخالِفًا. وقالَ الأخْفَشُ: فُلانٌ خالَفَهُ أهْلُ بَيْتِهِ إذا كانَ مُخالِفًا لَهم. وقالَ اللَّيْثُ: هَذا الرَّجُلُ خالِفَةٌ، أيْ: مُخالِفٌ كَثِيرُ الخِلافِ، وقَوْمٌ خالِفُونَ، فَإذا جَمَعْتَ قُلْتَ: الخالِفُونَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: الخالِفُ هو الفاسِدُ. قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: خَلَفَ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ يَخْلُفُ خُلُوفًا إذا فَسَدَ، وخَلَفَ اللَّبَنُ وخَلُفَ إذا فَسَدَ.
وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ، فَلا شَكَّ أنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ لِأنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الصِّفاتِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ إذا ظَهَرَ لَهُ مِن بَعْضِ مُتَعَلِّقِيهِ مَكْرٌ وخِداعٌ وكَيْدٌ، ورَآهُ مُشَدَّدًا فِيهِ مُبالَغًا في تَقْرِيرِ مُوجِباتِهِ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَقْطَعَ العَلَقَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، وأنْ يَحْتَرِزَ مِن مُصاحَبَتِهِ.
التوبة 9:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَسْعى في تَخْذِيلِهِمْ وإهانَتِهِمْ وإذْلالِهِمْ، فالَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ في الآيَةِ الأُولى وهو مَنعُهم مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ إلى الغَزَواتِ سَبَبٌ قَوِيٌّ مِن أسْبابِ إذْلالِهِمْ وإهانَتِهِمْ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو مَنعُ الرَّسُولِ مِن أنْ يُصَلِّيَ عَلى مَن ماتَ مِنهم سَبَبٌ آخَرُ قَوِيٌّ في إذْلالِهِمْ وتَخْذِيلِهِمْ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ «لَمّا اشْتَكى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ عادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَطَلَبَ مِنهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ إذا ماتَ ويَقُومَ عَلى قَبْرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرْسَلَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَطْلُبُ مِنهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ القَمِيصَ الفَوْقانِيَّ، فَرَدَّهُ وطَلَبَ الَّذِي يَلِي جِلْدَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِمَ تُعْطِي قَمِيصَكَ الرِّجْسَ النَّجِسَ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّ قَمِيصِي لا يُغْنِي عَنْهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، فَلَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُدْخِلَ بِهِ ألْفًا في الإسْلامِ“ . وكانَ المُنافِقُونَ لا يُفارِقُونَ عَبْدَ اللَّهِ، فَلَمّا رَأوْهُ يَطْلُبُ هَذا القَمِيصَ ويَرْجُو أنْ يَنْفَعَهُ، أسْلَمَ مِنهم يَوْمَئِذٍ ألْفٌ، فَلَمّا ماتَ جاءَ ابْنُهُ يَعْرِفُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِابْنِهِ: ”صَلِّ عَلَيْهِ وادْفِنْهُ“ . فَقالَ: إنْ لَمْ تُصَلِّ عَلَيْهِ يا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ. فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ عُمَرُ فَحالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وبَيْنَ القِبْلَةِ؛ لِئَلّا يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأخَذَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِثَوْبِهِ وقالَ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا»﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى مَنقَبَةٍ عَظِيمَةٍ مِن مَناقِبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الوَحْيَ نَزَلَ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ:
مِنها آيَةُ أخْذِ الفِداءِ عَنْ أُسارى بَدْرٍ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ.
وثانِيها: آيَةُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ.
وثالِثُها: آيَةُ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ.
ورابِعُها: آيَةُ أمْرِ النِّسْوانِ بِالحِجابِ.
وخامِسُها: هَذِهِ الآيَةُ. فَصارَ نُزُولُ الوَحْيِ عَلى مُطابَقَةِ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنصِبًا عالِيًا ودَرَجَةً رَفِيعَةً لَهُ في الدِّينِ؛ فَلِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّهِ: ”«لَوْ لَمْ أُبْعَثْ لَبُعِثْتَ يا عُمَرُ نَبِيًّا» “ .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرَّسُولَ رَغِبَ في أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ كَوْنَهُ كافِرًا وقَدْ ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وأنَّ صَلاةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ تَجْرِي مَجْرى الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ لَهُ، وأيْضًا إذا صَلّى عَلَيْهِ فَقَدْ دَعا لَهُ، وذَلِكَ مَحْظُورٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ لِلْكُفّارِ البَتَّةَ، وأيْضًا دَفْعُ القَمِيصِ إلَيْهِ يُوجِبُ إعْزازَهُ ؟
والجَوابُ: لَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّهُ لَمّا طَلَبَ مِنَ الرَّسُولِ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ قَمِيصَهُ الَّذِي مَسَّ جِلْدَهُ لِيُدْفَنَ فِيهِ، غَلَبَ عَلى ظَنِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ انْتَقَلَ إلى الإيمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ وقْتٌ يَتُوبُ فِيهِ الفاجِرُ ويُؤْمِنُ فِيهِ الكافِرُ، فَلَمّا رَأى مِنهُ إظْهارَ الإسْلامِ وشاهَدَ مِنهُ هَذِهِ الأمارَةَ الَّتِي دَلَّتْ عَلى دُخُولِهِ في الإسْلامِ، غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ صارَ مُسْلِمًا، فَبَنى عَلى هَذا الظَّنِّ ورَغِبَ في أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْبَرَهُ بِأنَّهُ ماتَ عَلى كُفْرِهِ ونِفاقِهِ، امْتَنَعَ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ. وأمّا دَفْعُ القَمِيصِ إلَيْهِ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ العَبّاسَ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا أُخِذَ أسِيرًا بِبَدْرٍ، لَمْ يَجِدُوا لَهُ قَمِيصًا، وكانَ رَجُلًا طَوِيلًا، فَكَساهُ عَبْدُ اللَّهِ
صفحة ١٢٢
قَمِيصَهُ.
الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لَهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ: إنّا لا نَنْقادُ لِمُحَمَّدٍ، ولَكِنّا نَنْقادُ لَكَ، فَقالَ: لا، إنَّ لِي في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةً حَسَنَةً. فَشَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ لَهُ ذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ لا يَرُدَّ سائِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] . فَلَمّا طَلَبَ القَمِيصَ مِنهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ لِهَذا المَعْنى.
الرّابِعُ: أنَّ مَنعَ القَمِيصِ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الكَرَمِ.
الخامِسُ: أنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كانَ مِنَ الصّالِحِينَ، وأنَّ الرَّسُولَ أكْرَمَهُ لِمَكانِ ابْنِهِ.
السّادِسُ: لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ أنَّكَ إذا دَفَعْتَ قَمِيصَكَ إلَيْهِ صارَ ذَلِكَ حامِلًا لِألْفِ نَفَرٍ مِنَ المُنافِقِينَ في الدُّخُولِ في الإسْلامِ فَفَعَلَ ذَلِكَ لِهَذا الغَرَضِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمّا شاهَدُوا ذَلِكَ أسْلَمَ ألْفٌ مِنَ المُنافِقِينَ.
السّابِعُ: أنَّ الرَّحْمَةَ والرَّأْفَةَ كانَتْ غالِبَةً عَلَيْهِ كَما قالَ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . وقالَ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . فامْتَنَعَ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ رِعايَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، ودَفَعَ إلَيْهِ القَمِيصَ لِإظْهارِ الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: ”ماتَ“ في مَوْضِعِ جَرٍّ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى أحَدٍ مِنهم مَيِّتٍ. وقَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أحَدٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: ولا تُصَلِّ أبَدًا عَلى أحَدٍ مِنهم. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ولا تُصَلِّ أبَدًا يَحْتَمِلُ تَأْيِيدَ النَّفْيِ ويَحْتَمِلُ تَأْيِيدَ المَنفِيِّ، والمَقْصُودُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ قَرائِنَ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مَنعُهُ مِن أنْ يُصَلِّيَ عَلى أحَدٍ مِنهم مَنعًا كُلِّيًّا دائِمًا.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا دَفَنَ المَيِّتَ وقَفَ عَلى قَبْرِهِ ودَعا لَهُ، فَمَنَعَ هَهُنا مِنهُ.
الثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: لا تَقُمْ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ قَبْرِهِ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: قامَ فُلانٌ بِأمْرِ فُلانٍ إذا كَفاهُ أمْرَهُ وتَوَلّاهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلَّلَ المَنعَ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ والقِيامِ عَلى قَبْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: الفِسْقُ أدْنى حالًا مِنَ الكُفْرِ، ولَمّا ذَكَرَ في تَعْلِيلِ هَذا النَّهْيِ كَوْنَهُ كافِرًا فَما الفائِدَةُ في وصْفِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ فاسِقًا ؟
والجَوابُ: أنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا في دِينِهِ، وقَدْ يَكُونُ فاسِقًا في دِينِهِ خَبِيثًا مَمْقُوتًا عِنْدَ قَوْمِهِ، والكَذِبُ والنِّفاقُ والخِداعُ والمَكْرُ والكَيْدُ أمْرٌ مُسْتَقْبَحٌ في جَمِيعِ الأدْيانِ، فالمُنافِقُونَ لَمّا كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالفِسْقِ بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِالكُفْرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طَرِيقَةَ النِّفاقِ طَرِيقَةٌ مَذْمُومَةٌ عِنْدَ كُلِّ أهْلِ العالَمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّ المُنافِقَ يُصَلّى عَلَيْهِ إذا أظْهَرَ الإيمانَ مَعَ قِيامِ الكُفْرِ فِيهِ ؟ .
والجَوابُ: أنَّ التَّكالِيفَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الظّاهِرِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى السَّرائِرَ» “ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ تَصْرِيحٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ النَّهْيِ مُعَلَّلًا بِهَذِهِ العِلَّةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَعْلِيلَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ قَدِيمٌ، وهَذِهِ العِلَّةُ مُحْدَثَةٌ، وتَعْلِيلُ القَدِيمِ بِالمُحْدَثِ مُحالٌ.
والجَوابُ: الكَلامُ في أنَّ تَعْلِيلَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِالمَصالِحِ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا، بَحْثٌ طَوِيلٌ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الظّاهِرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
التوبة 9:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها بِعَيْنِها في هَذِهِ السُّورَةِ وذُكِرَتْ هَهُنا، وقَدْ حَصَلَ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في ألْفاظٍ: فَأوَّلُها في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قالَ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ بِالفاءِ، وهَهُنا قالَ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ﴾ بِالواوِ.
وثانِيها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿أمْوالُهم وأوْلادُهُمْ﴾، وهَهُنا كَلِمَةُ ”لا“ مَحْذُوفَةٌ.
وثالِثُها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وهَهُنا حَذَفَ اللّامَ وأبْدَلَها بِكَلِمَةِ ”أنْ“ .
ورابِعُها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾، وهَهُنا حَذَفَ لَفْظَ الحَياةِ، وقالَ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾، فَقَدْ حَصَلَ التَّفاوُتُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ فَوائِدَ هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ في التَّفاوُتِ، ثُمَّ نَذْكُرَ فائِدَةَ هَذا التَّكْرِيرِ.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَنَقُولُ:
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ التَّفاوُتِ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ بِالفاءِ في الآيَةِ الأُولى، وبِالواوِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ؛ فالسَّبَبُ أنَّ في الآيَةِ الأُولى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ كارِهِينَ لِلْإنْفاقِ، وإنَّما كَرِهُوا ذَلِكَ الإنْفاقَ لِكَوْنِهِمْ مُعْجَبِينَ بِكَثْرَةِ تِلْكَ الأمْوالِ؛ فَلِهَذا المَعْنى نَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الإعْجابِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَقالَ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾، وأمّا هَهُنا فَلا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ؛ فَجاءَ بِحَرْفِ الواوِ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ فالسَّبَبُ فِيهِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْتِيبِ يُبْتَدَأُ بِالأدْوَنِ ثُمَّ يُتَرَقّى إلى الأشْرَفِ، فَيُقالُ: لا يُعْجِبُنِي أمْرُ الأمِيرِ ولا أمْرُ الوَزِيرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ إعْجابُ أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأوْلادِهِمْ فَوْقَ إعْجابِهِمْ بِأمْوالِهِمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عِنْدَهم.
أمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وهَهُنا قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فالفائِدَةُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وأنَّهُ أيْنَما ورَدَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ فَمَعْناهُ ”أنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] . أيْ: وما أُمِرُوا إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ.
وأمّا النَّوْعُ الرّابِعُ: وهو أنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وهَهُنا ذَكَرَ﴿فِي الدُّنْيا﴾ وأسْقَطَ لَفْظَ الحَياةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا بَلَغَتْ في الخِسَّةِ إلى أنَّها لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى حَياةً، بَلْ يَجِبُ الِاقْتِصارُ عِنْدَ ذِكْرِها عَلى لَفْظِ الدُّنْيا؛ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ دَناءَتِها. فَهَذِهِ وُجُوهٌ في الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والعالِمُ
صفحة ١٢٤
بِحَقائِقِ القُرْآنِ هو اللَّهُ تَعالى.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو بَيانُ حِكْمَةِ التَّكْرِيرِ؛ فَهو أنَّ أشَدَّ الأشْياءِ جَذْبًا لِلْقُلُوبِ وجَلْبًا لِلْخَواطِرِ إلى الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا، هو الِاشْتِغالُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، وما كانَ كَذَلِكَ يَجِبُ التَّحْذِيرُ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرى، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ أشَدُّ الأشْياءِ في المَطْلُوبِيَّةِ والمَرْغُوبِيَّةِ لِلرَّجُلِ المُؤْمِنِ هو مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعالى، لا جَرَمَ أعادَ اللَّهُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] في سُورَةِ النِّساءِ مَرَّتَيْنِ، وبِالجُمْلَةِ فالتَّكْرِيرُ يَكُونُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، فَهَهُنا لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ، وفي آيَةِ المَغْفِرَةِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّفْرِيجِ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّما كَرَّرَ هَذا المَعْنى لِأنَّهُ أرادَ بِالآيَةِ الأُولى قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ لَهم أمْوالٌ وأوْلادٌ في وقْتِ نُزُولِها، وأرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ أقْوامًا آخَرِينَ، والكَلامُ الواحِدُ إذا احْتِيجَ إلى ذِكْرِهِ مَعَ أقْوامٍ كَثِيرِينَ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُ مَعَ بَعْضِهِمْ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِهِ مَعَ الآخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ المُنافِقِينَ احْتالُوا في رُخْصَةِ التَّخَلُّفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقُعُودِ عَنِ الغَزْوِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ زادَ دَقِيقَةً أُخْرى، وهي أنَّهُ مَتى نَزَلَتْ آيَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالإيمانِ وعَلى الأمْرِ بِالجِهادِ مَعَ الرَّسُولِ، اسْتَأْذَنَ أُولُو الثَّرْوَةِ والقُدْرَةِ مِنهم في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ: ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ، أيْ: مَعَ الضُّعَفاءِ مِنَ النّاسِ والسّاكِنِينَ في البَلَدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسُّورَةِ تَمامُها، وأنْ يُرادَ بَعْضُها، كَما يَقَعُ القُرْآنُ والكِتابُ عَلى كُلِّهِ وبَعْضِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّورَةِ هي سُورَةُ بَراءَةٌ؛ لِأنَّ فِيها الأمْرَ بِالإيمانِ والجِهادِ.
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ بِأنْ آمِنُوا؛ أيْ: بِالإيمانِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَأْمُرُ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وهو مُحالٌ ؟
أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ مَعْنى أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ الدَّوامُ عَلَيْهِ والتَّمَسُّكُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ. وأقُولُ: لا حاجَةَ إلى هَذا الجَوابِ؛ فَإنَّ الأمْرَ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِمْ، وإنَّما قَدَّمَ الأمْرَ بِالإيمانِ عَلى الأمْرِ بِالجِهادِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّهُ قِيلَ لِلْمُنافِقِينَ: الإقْدامُ عَلى الجِهادِ قَبْلَ الإيمانِ لا يُفِيدُ فائِدَةً أصْلًا، فالواجِبُ عَلَيْكم أنْ تُؤْمِنُوا أوَّلًا، ثُمَّ تَشْتَغِلُوا بِالجِهادِ ثانِيًا؛ حَتّى يُفِيدَكُمُ اشْتِغالُكم بِالجِهادِ فائِدَةً في الدِّينِ، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ ماذا يَقُولُونَ، فَقالَ: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾، وفِي﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: المُرادُ أهْلُ السَّعَةِ في المالِ. الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: يَعْنِي الرُّؤَساءَ والكُبَراءَ المَنظُورَ إلَيْهِمْ، وفي تَخْصِيصِ: ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ بِالذِّكْرِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الذَّمَّ لَهم أُلْزِمَ لِأجْلِ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى السَّفَرِ والجِهادِ، والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أُولُو الطَّوْلِ؛ لِأنَّ مَن لا مالَ لَهُ ولا قُدْرَةَ عَلى السَّفَرِ لا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِئْذانِ.
صفحة ١٢٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ وذَكَرْنا الكَلامَ المُسْتَقْصى في الخالِفِ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ وهَهُنا فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: (الخَوالِفُ) عِبارَةٌ عَنِ النِّساءِ اللّاتِي تَخَلَّفْنَ في البَيْتِ فَلا يَبْرَحْنَ، والمَعْنى: رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا في تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الجِهادِ كالنِّساءِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الخَوالِفُ جَمْعَ خالِفَةٍ في حالٍ. والخالِفَةُ الَّذِي هو غَيْرُ نَجِيبٍ. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَأْتِ فاعِلٌ صِيغَةُ جَمْعِهِ فَواعِلُ، إلّا حَرْفانِ: فارِسٌ وفَوارِسُ، وهالِكٌ وهَوالِكُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القِلَّةِ والذِّلَّةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يَصْعُبُ عَلى المُنافِقِينَ تَشْبِيهَهم بِالخَوالِفِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الطَّبْعَ والخَتْمَ عِبارَةٌ عِنْدَنا عَنْ حُصُولِ الدّاعِيَةِ القَوِيَّةِ لِلْكُفْرِ المانِعَةِ مِن حُصُولِ الإيمانِ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ بِدُونِ الدّاعِي لَمّا كانَ مُحالًا فَعِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ الرّاسِخَةِ القَوِيَّةِ لِلْكُفْرِ، صارَ القَلْبُ كالمَطْبُوعِ عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ حُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ إنْ كانَ مِنَ العَبْدِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ.
وقالَ الحَسَنُ: الطَّبْعُ عِبارَةٌ عَنْ بُلُوغِ القَلْبِ في المَيْلِ في الكُفْرِ إلى الحَدِّ الَّذِي كَأنَّهُ ماتَ عَنِ الإيمانِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ عِبارَةٌ عَنْ عَلامَةٍ تَحْصُلُ في القَلْبِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَفْهَمُونَ أسْرارَ حِكْمَةِ اللَّهِ في الأمْرِ بِالجِهادِ.
التوبة 9:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها بِعَيْنِها في هَذِهِ السُّورَةِ وذُكِرَتْ هَهُنا، وقَدْ حَصَلَ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في ألْفاظٍ: فَأوَّلُها في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قالَ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ بِالفاءِ، وهَهُنا قالَ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ﴾ بِالواوِ.
وثانِيها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿أمْوالُهم وأوْلادُهُمْ﴾، وهَهُنا كَلِمَةُ ”لا“ مَحْذُوفَةٌ.
وثالِثُها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وهَهُنا حَذَفَ اللّامَ وأبْدَلَها بِكَلِمَةِ ”أنْ“ .
ورابِعُها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾، وهَهُنا حَذَفَ لَفْظَ الحَياةِ، وقالَ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾، فَقَدْ حَصَلَ التَّفاوُتُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ فَوائِدَ هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ في التَّفاوُتِ، ثُمَّ نَذْكُرَ فائِدَةَ هَذا التَّكْرِيرِ.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَنَقُولُ:
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ التَّفاوُتِ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ بِالفاءِ في الآيَةِ الأُولى، وبِالواوِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ؛ فالسَّبَبُ أنَّ في الآيَةِ الأُولى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ كارِهِينَ لِلْإنْفاقِ، وإنَّما كَرِهُوا ذَلِكَ الإنْفاقَ لِكَوْنِهِمْ مُعْجَبِينَ بِكَثْرَةِ تِلْكَ الأمْوالِ؛ فَلِهَذا المَعْنى نَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الإعْجابِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَقالَ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾، وأمّا هَهُنا فَلا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ؛ فَجاءَ بِحَرْفِ الواوِ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ فالسَّبَبُ فِيهِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْتِيبِ يُبْتَدَأُ بِالأدْوَنِ ثُمَّ يُتَرَقّى إلى الأشْرَفِ، فَيُقالُ: لا يُعْجِبُنِي أمْرُ الأمِيرِ ولا أمْرُ الوَزِيرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ إعْجابُ أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأوْلادِهِمْ فَوْقَ إعْجابِهِمْ بِأمْوالِهِمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عِنْدَهم.
أمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وهَهُنا قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فالفائِدَةُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وأنَّهُ أيْنَما ورَدَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ فَمَعْناهُ ”أنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] . أيْ: وما أُمِرُوا إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ.
وأمّا النَّوْعُ الرّابِعُ: وهو أنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وهَهُنا ذَكَرَ﴿فِي الدُّنْيا﴾ وأسْقَطَ لَفْظَ الحَياةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا بَلَغَتْ في الخِسَّةِ إلى أنَّها لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى حَياةً، بَلْ يَجِبُ الِاقْتِصارُ عِنْدَ ذِكْرِها عَلى لَفْظِ الدُّنْيا؛ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ دَناءَتِها. فَهَذِهِ وُجُوهٌ في الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والعالِمُ
صفحة ١٢٤
بِحَقائِقِ القُرْآنِ هو اللَّهُ تَعالى.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو بَيانُ حِكْمَةِ التَّكْرِيرِ؛ فَهو أنَّ أشَدَّ الأشْياءِ جَذْبًا لِلْقُلُوبِ وجَلْبًا لِلْخَواطِرِ إلى الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا، هو الِاشْتِغالُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، وما كانَ كَذَلِكَ يَجِبُ التَّحْذِيرُ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرى، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ أشَدُّ الأشْياءِ في المَطْلُوبِيَّةِ والمَرْغُوبِيَّةِ لِلرَّجُلِ المُؤْمِنِ هو مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعالى، لا جَرَمَ أعادَ اللَّهُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] في سُورَةِ النِّساءِ مَرَّتَيْنِ، وبِالجُمْلَةِ فالتَّكْرِيرُ يَكُونُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، فَهَهُنا لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ، وفي آيَةِ المَغْفِرَةِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّفْرِيجِ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّما كَرَّرَ هَذا المَعْنى لِأنَّهُ أرادَ بِالآيَةِ الأُولى قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ لَهم أمْوالٌ وأوْلادٌ في وقْتِ نُزُولِها، وأرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ أقْوامًا آخَرِينَ، والكَلامُ الواحِدُ إذا احْتِيجَ إلى ذِكْرِهِ مَعَ أقْوامٍ كَثِيرِينَ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُ مَعَ بَعْضِهِمْ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِهِ مَعَ الآخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ المُنافِقِينَ احْتالُوا في رُخْصَةِ التَّخَلُّفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقُعُودِ عَنِ الغَزْوِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ زادَ دَقِيقَةً أُخْرى، وهي أنَّهُ مَتى نَزَلَتْ آيَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالإيمانِ وعَلى الأمْرِ بِالجِهادِ مَعَ الرَّسُولِ، اسْتَأْذَنَ أُولُو الثَّرْوَةِ والقُدْرَةِ مِنهم في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ: ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ، أيْ: مَعَ الضُّعَفاءِ مِنَ النّاسِ والسّاكِنِينَ في البَلَدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسُّورَةِ تَمامُها، وأنْ يُرادَ بَعْضُها، كَما يَقَعُ القُرْآنُ والكِتابُ عَلى كُلِّهِ وبَعْضِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّورَةِ هي سُورَةُ بَراءَةٌ؛ لِأنَّ فِيها الأمْرَ بِالإيمانِ والجِهادِ.
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ بِأنْ آمِنُوا؛ أيْ: بِالإيمانِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَأْمُرُ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وهو مُحالٌ ؟
أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ مَعْنى أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ الدَّوامُ عَلَيْهِ والتَّمَسُّكُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ. وأقُولُ: لا حاجَةَ إلى هَذا الجَوابِ؛ فَإنَّ الأمْرَ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِمْ، وإنَّما قَدَّمَ الأمْرَ بِالإيمانِ عَلى الأمْرِ بِالجِهادِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّهُ قِيلَ لِلْمُنافِقِينَ: الإقْدامُ عَلى الجِهادِ قَبْلَ الإيمانِ لا يُفِيدُ فائِدَةً أصْلًا، فالواجِبُ عَلَيْكم أنْ تُؤْمِنُوا أوَّلًا، ثُمَّ تَشْتَغِلُوا بِالجِهادِ ثانِيًا؛ حَتّى يُفِيدَكُمُ اشْتِغالُكم بِالجِهادِ فائِدَةً في الدِّينِ، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ ماذا يَقُولُونَ، فَقالَ: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾، وفِي﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: المُرادُ أهْلُ السَّعَةِ في المالِ. الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: يَعْنِي الرُّؤَساءَ والكُبَراءَ المَنظُورَ إلَيْهِمْ، وفي تَخْصِيصِ: ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ بِالذِّكْرِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الذَّمَّ لَهم أُلْزِمَ لِأجْلِ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى السَّفَرِ والجِهادِ، والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أُولُو الطَّوْلِ؛ لِأنَّ مَن لا مالَ لَهُ ولا قُدْرَةَ عَلى السَّفَرِ لا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِئْذانِ.
صفحة ١٢٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ وذَكَرْنا الكَلامَ المُسْتَقْصى في الخالِفِ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ وهَهُنا فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: (الخَوالِفُ) عِبارَةٌ عَنِ النِّساءِ اللّاتِي تَخَلَّفْنَ في البَيْتِ فَلا يَبْرَحْنَ، والمَعْنى: رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا في تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الجِهادِ كالنِّساءِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الخَوالِفُ جَمْعَ خالِفَةٍ في حالٍ. والخالِفَةُ الَّذِي هو غَيْرُ نَجِيبٍ. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَأْتِ فاعِلٌ صِيغَةُ جَمْعِهِ فَواعِلُ، إلّا حَرْفانِ: فارِسٌ وفَوارِسُ، وهالِكٌ وهَوالِكُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القِلَّةِ والذِّلَّةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يَصْعُبُ عَلى المُنافِقِينَ تَشْبِيهَهم بِالخَوالِفِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الطَّبْعَ والخَتْمَ عِبارَةٌ عِنْدَنا عَنْ حُصُولِ الدّاعِيَةِ القَوِيَّةِ لِلْكُفْرِ المانِعَةِ مِن حُصُولِ الإيمانِ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ بِدُونِ الدّاعِي لَمّا كانَ مُحالًا فَعِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ الرّاسِخَةِ القَوِيَّةِ لِلْكُفْرِ، صارَ القَلْبُ كالمَطْبُوعِ عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ حُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ إنْ كانَ مِنَ العَبْدِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ.
وقالَ الحَسَنُ: الطَّبْعُ عِبارَةٌ عَنْ بُلُوغِ القَلْبِ في المَيْلِ في الكُفْرِ إلى الحَدِّ الَّذِي كَأنَّهُ ماتَ عَنِ الإيمانِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ عِبارَةٌ عَنْ عَلامَةٍ تَحْصُلُ في القَلْبِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَفْهَمُونَ أسْرارَ حِكْمَةِ اللَّهِ في الأمْرِ بِالجِهادِ.
التوبة 9:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها بِعَيْنِها في هَذِهِ السُّورَةِ وذُكِرَتْ هَهُنا، وقَدْ حَصَلَ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في ألْفاظٍ: فَأوَّلُها في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ قالَ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ بِالفاءِ، وهَهُنا قالَ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ﴾ بِالواوِ.
وثانِيها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿أمْوالُهم وأوْلادُهُمْ﴾، وهَهُنا كَلِمَةُ ”لا“ مَحْذُوفَةٌ.
وثالِثُها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وهَهُنا حَذَفَ اللّامَ وأبْدَلَها بِكَلِمَةِ ”أنْ“ .
ورابِعُها: أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾، وهَهُنا حَذَفَ لَفْظَ الحَياةِ، وقالَ: ﴿فِي الدُّنْيا﴾، فَقَدْ حَصَلَ التَّفاوُتُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ، فَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَذْكُرَ فَوائِدَ هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ في التَّفاوُتِ، ثُمَّ نَذْكُرَ فائِدَةَ هَذا التَّكْرِيرِ.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ فَنَقُولُ:
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ التَّفاوُتِ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ بِالفاءِ في الآيَةِ الأُولى، وبِالواوِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ؛ فالسَّبَبُ أنَّ في الآيَةِ الأُولى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ كارِهِينَ لِلْإنْفاقِ، وإنَّما كَرِهُوا ذَلِكَ الإنْفاقَ لِكَوْنِهِمْ مُعْجَبِينَ بِكَثْرَةِ تِلْكَ الأمْوالِ؛ فَلِهَذا المَعْنى نَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الإعْجابِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، فَقالَ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾، وأمّا هَهُنا فَلا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ؛ فَجاءَ بِحَرْفِ الواوِ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ فالسَّبَبُ فِيهِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْتِيبِ يُبْتَدَأُ بِالأدْوَنِ ثُمَّ يُتَرَقّى إلى الأشْرَفِ، فَيُقالُ: لا يُعْجِبُنِي أمْرُ الأمِيرِ ولا أمْرُ الوَزِيرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ إعْجابُ أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأوْلادِهِمْ فَوْقَ إعْجابِهِمْ بِأمْوالِهِمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عِنْدَهم.
أمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ قالَ هُناكَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وهَهُنا قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فالفائِدَةُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وأنَّهُ أيْنَما ورَدَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ فَمَعْناهُ ”أنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] . أيْ: وما أُمِرُوا إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ.
وأمّا النَّوْعُ الرّابِعُ: وهو أنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وهَهُنا ذَكَرَ﴿فِي الدُّنْيا﴾ وأسْقَطَ لَفْظَ الحَياةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا بَلَغَتْ في الخِسَّةِ إلى أنَّها لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى حَياةً، بَلْ يَجِبُ الِاقْتِصارُ عِنْدَ ذِكْرِها عَلى لَفْظِ الدُّنْيا؛ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ دَناءَتِها. فَهَذِهِ وُجُوهٌ في الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والعالِمُ
صفحة ١٢٤
بِحَقائِقِ القُرْآنِ هو اللَّهُ تَعالى.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو بَيانُ حِكْمَةِ التَّكْرِيرِ؛ فَهو أنَّ أشَدَّ الأشْياءِ جَذْبًا لِلْقُلُوبِ وجَلْبًا لِلْخَواطِرِ إلى الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا، هو الِاشْتِغالُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، وما كانَ كَذَلِكَ يَجِبُ التَّحْذِيرُ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرى، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ أشَدُّ الأشْياءِ في المَطْلُوبِيَّةِ والمَرْغُوبِيَّةِ لِلرَّجُلِ المُؤْمِنِ هو مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعالى، لا جَرَمَ أعادَ اللَّهُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] في سُورَةِ النِّساءِ مَرَّتَيْنِ، وبِالجُمْلَةِ فالتَّكْرِيرُ يَكُونُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، فَهَهُنا لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ، وفي آيَةِ المَغْفِرَةِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّفْرِيجِ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّما كَرَّرَ هَذا المَعْنى لِأنَّهُ أرادَ بِالآيَةِ الأُولى قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ لَهم أمْوالٌ وأوْلادٌ في وقْتِ نُزُولِها، وأرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ أقْوامًا آخَرِينَ، والكَلامُ الواحِدُ إذا احْتِيجَ إلى ذِكْرِهِ مَعَ أقْوامٍ كَثِيرِينَ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُ مَعَ بَعْضِهِمْ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِهِ مَعَ الآخَرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ المُنافِقِينَ احْتالُوا في رُخْصَةِ التَّخَلُّفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقُعُودِ عَنِ الغَزْوِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ زادَ دَقِيقَةً أُخْرى، وهي أنَّهُ مَتى نَزَلَتْ آيَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالإيمانِ وعَلى الأمْرِ بِالجِهادِ مَعَ الرَّسُولِ، اسْتَأْذَنَ أُولُو الثَّرْوَةِ والقُدْرَةِ مِنهم في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ: ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ، أيْ: مَعَ الضُّعَفاءِ مِنَ النّاسِ والسّاكِنِينَ في البَلَدِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسُّورَةِ تَمامُها، وأنْ يُرادَ بَعْضُها، كَما يَقَعُ القُرْآنُ والكِتابُ عَلى كُلِّهِ وبَعْضِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّورَةِ هي سُورَةُ بَراءَةٌ؛ لِأنَّ فِيها الأمْرَ بِالإيمانِ والجِهادِ.
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ بِأنْ آمِنُوا؛ أيْ: بِالإيمانِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَأْمُرُ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الأمْرَ بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وهو مُحالٌ ؟
أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ مَعْنى أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ الدَّوامُ عَلَيْهِ والتَّمَسُّكُ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ. وأقُولُ: لا حاجَةَ إلى هَذا الجَوابِ؛ فَإنَّ الأمْرَ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِمْ، وإنَّما قَدَّمَ الأمْرَ بِالإيمانِ عَلى الأمْرِ بِالجِهادِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّهُ قِيلَ لِلْمُنافِقِينَ: الإقْدامُ عَلى الجِهادِ قَبْلَ الإيمانِ لا يُفِيدُ فائِدَةً أصْلًا، فالواجِبُ عَلَيْكم أنْ تُؤْمِنُوا أوَّلًا، ثُمَّ تَشْتَغِلُوا بِالجِهادِ ثانِيًا؛ حَتّى يُفِيدَكُمُ اشْتِغالُكم بِالجِهادِ فائِدَةً في الدِّينِ، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ ماذا يَقُولُونَ، فَقالَ: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾، وفِي﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: المُرادُ أهْلُ السَّعَةِ في المالِ. الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: يَعْنِي الرُّؤَساءَ والكُبَراءَ المَنظُورَ إلَيْهِمْ، وفي تَخْصِيصِ: ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ بِالذِّكْرِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الذَّمَّ لَهم أُلْزِمَ لِأجْلِ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى السَّفَرِ والجِهادِ، والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أُولُو الطَّوْلِ؛ لِأنَّ مَن لا مالَ لَهُ ولا قُدْرَةَ عَلى السَّفَرِ لا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِئْذانِ.
صفحة ١٢٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ وذَكَرْنا الكَلامَ المُسْتَقْصى في الخالِفِ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ وهَهُنا فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: (الخَوالِفُ) عِبارَةٌ عَنِ النِّساءِ اللّاتِي تَخَلَّفْنَ في البَيْتِ فَلا يَبْرَحْنَ، والمَعْنى: رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا في تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الجِهادِ كالنِّساءِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الخَوالِفُ جَمْعَ خالِفَةٍ في حالٍ. والخالِفَةُ الَّذِي هو غَيْرُ نَجِيبٍ. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَأْتِ فاعِلٌ صِيغَةُ جَمْعِهِ فَواعِلُ، إلّا حَرْفانِ: فارِسٌ وفَوارِسُ، وهالِكٌ وهَوالِكُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القِلَّةِ والذِّلَّةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ يَصْعُبُ عَلى المُنافِقِينَ تَشْبِيهَهم بِالخَوالِفِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الطَّبْعَ والخَتْمَ عِبارَةٌ عِنْدَنا عَنْ حُصُولِ الدّاعِيَةِ القَوِيَّةِ لِلْكُفْرِ المانِعَةِ مِن حُصُولِ الإيمانِ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ بِدُونِ الدّاعِي لَمّا كانَ مُحالًا فَعِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ الرّاسِخَةِ القَوِيَّةِ لِلْكُفْرِ، صارَ القَلْبُ كالمَطْبُوعِ عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ حُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ إنْ كانَ مِنَ العَبْدِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ.
وقالَ الحَسَنُ: الطَّبْعُ عِبارَةٌ عَنْ بُلُوغِ القَلْبِ في المَيْلِ في الكُفْرِ إلى الحَدِّ الَّذِي كَأنَّهُ ماتَ عَنِ الإيمانِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ عِبارَةٌ عَنْ عَلامَةٍ تَحْصُلُ في القَلْبِ، والِاسْتِقْصاءُ فِيهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَفْهَمُونَ أسْرارَ حِكْمَةِ اللَّهِ في الأمْرِ بِالجِهادِ.
التوبة 9:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ حالَ المُنافِقِينَ في الفِرارِ عَنِ الجِهادِ بَيَّنَ أنَّ حالَ الرَّسُولِ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِالضِّدِّ مِنهُ، حَيْثُ بَذَلُوا المالَ والنَّفْسَ في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ، وهي: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّهُ إنْ تَخَلَّفَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ عَنِ الغَزْوِ، فَقَدْ تَوَجَّهَ مَن هو خَيْرٌ مِنهم، وأخْلَصُ نِيَّةً واعْتِقادًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ (الأنْعامِ: ٨٩) وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (فُصِّلَتْ: ٣٨) ولَمّا وصَفَهم بِالمُسارَعَةِ إلى الجِهادِ ذَكَرَ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الفَوائِدِ والمَنافِعِ، وهو أنْواعٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الخَيْراتِ، يَتَناوَلُ مَنافِعَ الدّارَيْنِ، لِأجْلِ أنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ. وقِيلَ: ﴿الخَيْراتُ﴾ . الحُورُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٧٠) .
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ المُرادُ مِنهُ الثَّوابُ. وقَوْلُهُ: ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ التَّخَلُّصُ مِنَ العِقابِ والعَذابِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجَنّاتُ كالتَّفْسِيرِ لِلْخَيْراتِ ولِلْفَلاحِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تُحْمَلَ تِلْكَ الخَيْراتُ والفَلاحُ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، مِثْلِ
صفحة ١٢٦
الغَزْوِ، والكَرامَةِ، والثَّرْوَةِ، والقُدْرَةِ، والغَلَبَةِ، وتُحْمَلُ الجَنّاتُ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، و﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ تِلْكَ الحالَةِ مَرْتَبَةً رَفِيعَةً، ودَرَجَةً عالِيَةً.