Lafzullah

Tafsir Al-Razi — التوبة 9:89 – التوبة 9:129

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. التوبة 9:89
  2. التوبة 9:90
  3. التوبة 9:91
  4. التوبة 9:92
  5. التوبة 9:93
  6. التوبة 9:94
  7. التوبة 9:95
  8. التوبة 9:96
  9. التوبة 9:97
  10. التوبة 9:98
  11. التوبة 9:99
  12. التوبة 9:100
  13. التوبة 9:101
  14. التوبة 9:102
  15. التوبة 9:103
  16. التوبة 9:104
  17. التوبة 9:105
  18. التوبة 9:106
  19. التوبة 9:107
  20. التوبة 9:108
  21. التوبة 9:109
  22. التوبة 9:110
  23. التوبة 9:111
  24. التوبة 9:112
  25. التوبة 9:113
  26. التوبة 9:114
  27. التوبة 9:115
  28. التوبة 9:116
  29. التوبة 9:117
  30. التوبة 9:118
  31. التوبة 9:119
  32. التوبة 9:120
  33. التوبة 9:121
  34. التوبة 9:122
  35. التوبة 9:123
  36. التوبة 9:124
  37. التوبة 9:125
  38. التوبة 9:126
  39. التوبة 9:127
  40. التوبة 9:128
  41. التوبة 9:129

التوبة 9:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ حالَ المُنافِقِينَ في الفِرارِ عَنِ الجِهادِ بَيَّنَ أنَّ حالَ الرَّسُولِ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِالضِّدِّ مِنهُ، حَيْثُ بَذَلُوا المالَ والنَّفْسَ في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ، وهي: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّهُ إنْ تَخَلَّفَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ عَنِ الغَزْوِ، فَقَدْ تَوَجَّهَ مَن هو خَيْرٌ مِنهم، وأخْلَصُ نِيَّةً واعْتِقادًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ (الأنْعامِ: ٨٩) وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (فُصِّلَتْ: ٣٨) ولَمّا وصَفَهم بِالمُسارَعَةِ إلى الجِهادِ ذَكَرَ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الفَوائِدِ والمَنافِعِ، وهو أنْواعٌ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الخَيْراتِ، يَتَناوَلُ مَنافِعَ الدّارَيْنِ، لِأجْلِ أنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ. وقِيلَ: ﴿الخَيْراتُ﴾ . الحُورُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٧٠) . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ المُرادُ مِنهُ الثَّوابُ. وقَوْلُهُ: ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ التَّخَلُّصُ مِنَ العِقابِ والعَذابِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجَنّاتُ كالتَّفْسِيرِ لِلْخَيْراتِ ولِلْفَلاحِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تُحْمَلَ تِلْكَ الخَيْراتُ والفَلاحُ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، مِثْلِ صفحة ١٢٦ الغَزْوِ، والكَرامَةِ، والثَّرْوَةِ، والقُدْرَةِ، والغَلَبَةِ، وتُحْمَلُ الجَنّاتُ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، و﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ تِلْكَ الحالَةِ مَرْتَبَةً رَفِيعَةً، ودَرَجَةً عالِيَةً.

التوبة 9:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا في المَدِينَةِ ابْتَدَأ في هَذِهِ الآيَةِ بِشَرْحِ أحْوالِ المُنافِقِينَ مِنَ الأعْرابِ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ وقالَ: لَعَنَ اللَّهُ المُعَذِّرِينَ، وذَهَبَ إلى أنَّ المُعْذِرَ هو المُجْتَهِدُ الَّذِي لَهُ عُذْرٌ، والمُعَذِّرُ بِالتَّشْدِيدِ الَّذِي يَعْتَذِرُ بِلا عُذْرٍ. والحاصِلُ: أنَّ المُعْذِرَ هو المُجْتَهِدُ البالِغُ في العُذْرِ، ومِنهُ قَوْلُهم: قَدْ أعْذَرَ مَن أنْذَرَ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى فَصَلَ بَيْنَ أصْحابِ العُذْرِ وبَيْنَ الكاذِبِينَ، فالمُعَذِّرُونَ هُمُ الَّذِينَ أتَوْا بِالعُذْرِ. قِيلَ: هم أسَدٌ وغَطَفانُ. قالُوا: إنَّ لَنا عِيالًا وإنّا بِنا جَهْدًا فائْذَنْ لَنا في التَّخَلُّفِ. وقِيلَ: هم رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، قالُوا: إنْ غَزَوْنا مَعَكَ أغارَتْ أعْرابُ طَيِّءٍ عَلَيْنا، فَأذِنَ رَسُولُ اللَّهِ لَهم. وعَنْ مُجاهِدٍ: نَفَرٌ مِن غَطَفانَ اعْتَذَرُوا. والَّذِينَ قَرَءُوا: ﴿المُعَذِّرُونَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ العامَّةِ فَلَهُ وجْهانِ مِنَ العَرَبِيَّةِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: وهو أنَّ الأصْلَ في هَذا اللَّفْظِ: المُعْتَذِرُونَ، فَحُوِّلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ إلى العَيْنِ، وأُبْدِلَتِ الذّالُ مِنَ التّاءِ، وأُدْغِمَتْ في الذّالِ الَّتِي بَعْدَها، فَصارَتِ التّاءُ ذالًا مُشَدَّدَةً. والِاعْتِذارُ قَدْ يَكُونُ بِالكَذِبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٩٤) فَبَيَّنَ كَوْنَ هَذا الِاعْتِذارِ فاسِدًا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ . وقَدْ يَكُونُ بِالصِّدْقِ كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ: ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ يُرِيدُ فَقَدْ جاءَ بِعُذْرٍ صَحِيحٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿المُعَذِّرُونَ﴾ عَلى وزْنِ قَوْلِنا: مُفَعِّلُونَ مِنَ التَّعْذِيرِ الَّذِي هو التَّقْصِيرُ. يُقالُ: عَذَّرَ تَعْذِيرًا إذا قَصَّرَ ولَمْ يُبالِغْ. يُقالُ: قامَ فُلانٌ قِيامَ تَعْذِيرٍ، إذا اسْتَكْفَيْتَهُ في أمْرٍ فَقَصَّرَ فِيهِ، فَإنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ، كانَ (المُعْذِرُونَ) كاذِبِينَ. وأمّا إنْ أخَذْنا بِقِراءَةِ التَّشْدِيدِ، وفَسَّرْناها بِالمُعْتَذِرِينَ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا صادِقِينَ وأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: المُعَذِّرُونَ كانُوا صادِقِينَ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَهم قالَ بَعْدَهم: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فَلَمّا مَيَّزَهم عَنِ الكاذِبِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِكاذِبِينَ. ورَوى الواحِدِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: أنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ هَذا الكَلامُ قالَ: إنْ أقْوامًا تَكَلَّفُوا عُذْرًا بِباطِلٍ، فَهُمُ الَّذِينَ عَناهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ وتَخَلَّفَ الآخَرُونَ لا لِعُذْرٍ ولا لِشُبْهَةِ عُذْرٍ جَراءَةً عَلى اللَّهِ تَعالى، فَهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ والَّذِي قالَهُ أبُو صفحة ١٢٧ عَمْرٍو مُحْتَمَلٌ، إلّا أنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وهم مُنافِقُو الأعْرابِ الَّذِينَ ما جاءُوا وما اعْتَذَرُوا، وظَهَرَ بِذَلِكَ أنَّهم كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في ادِّعائِهِمُ الإيمانَ. وقَرَأ أُبَيٌّ (كَذَّبُوا) بِالتَّشْدِيدِ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ، وإنَّما قالَ: ﴿مِنهُمْ﴾ لِأنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا بِأنَّ بَعْضَهم سَيُؤْمِنُ ويَتَخَلَّصُ عَنْ هَذا العِقابِ، فَذَكَرَ لَفْظَةَ (مِن) الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيضِ.

التوبة 9:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الوَعِيدَ في حَقِّ مَن يُوهِمُ العُذْرَ، مَعَ أنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ، ذَكَرَ أصْحابَ الأعْذارِ الحَقِيقِيَّةِ، وبَيَّنَ أنَّ تَكْلِيفَ اللَّهِ تَعالى بِالغَزْوِ والجِهادِ عَنْهم ساقِطٌ، وهم أقْسامٌ: القِسْمُ الأوَّلُ: الصَّحِيحُ في بَدَنِهِ الضَّعِيفُ مِثْلُ الشُّيُوخِ. ومَن خُلِقَ في أصْلِ الفِطْرَةِ ضَعِيفًا نَحِيفًا، وهَؤُلاءِ هُمُ المُرادُونَ بِالضُّعَفاءِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِمُ المَرْضى، والمَعْطُوفُ مُبايِنٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَلَمّا لَمْ يَحْمِلِ الضُّعَفاءَ عَلى الَّذِينَ ذَكَرْناهم، لَمْ يَتَمَيَّزُوا عَنِ المَرْضى. وأمّا المَرْضى: فَيَدْخُلُ فِيهِمْ أصْحابُ العَمى، والعَرَجِ، والزَّمانَةِ، وكُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِمَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنَ المُحارَبَةِ. والقِسْمُ الثّالِثُ: الَّذِينَ لا يَجِدُونَ الأُهْبَةَ والزّادَ والرّاحِلَةَ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ؛ لِأنَّ حُضُورَهُ في الغَزْوِ إنَّما يَنْفَعُ إذا قَدَرَ عَلى الإنْفاقِ عَلى نَفْسِهِ. إمّا مِن مالِ نَفْسِهِ، أوْ مِن مالِ إنْسانٍ آخَرَ يُعِينُهُ عَلَيْهِ، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ القُدْرَةُ، صارَ كَلًّا ووَبالًا عَلى المُجاهِدِينَ، ويَمْنَعُهم مِنَ الِاشْتِغالِ بِالمَقْصُودِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ قالَ: لا حَرَجَ عَلى هَؤُلاءِ، والمُرادُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ، ولَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ؛ لِأنَّ الواحِدَ مِن هَؤُلاءِ لَوْ خَرَجَ لِيُعِينَ المُجاهِدِينَ بِمِقْدارِ القُدْرَةِ. إمّا بِحِفْظِ مَتاعِهِمْ أوْ بِتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ، بِشَرْطِ أنْ لا يَجْعَلَ نَفْسَهُ كَلًّا ووَبالًا عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ طاعَةً مَقْبُولَةً. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَطَ في جَوازِ هَذا التَّأْخِيرِ شَرْطًا مُعَيَّنًا وهو قَوْلُهُ: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ومَعْناهُ: أنَّهم إذا أقامُوا في البَلَدِ احْتَرَزُوا عَنْ إلْقاءِ الأراجِيفِ، وعَنْ إثارَةِ الفِتَنِ، وسَعَوْا في إيصالِ الخَيْرِ إلى المُجاهِدِينَ الَّذِينَ سافَرُوا، إمّا بِأنْ يَقُومُوا بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ بُيُوتِهِمْ، وإمّا بِأنْ يَسْعَوْا في إيصالِ الأخْبارِ السّارَّةِ مِن بُيُوتِهِمْ إلَيْهِمْ، فَإنَّ جُمْلَةَ هَذِهِ الأُمُورِ جارِيَةٌ مَجْرى الإعانَةِ عَلى الجِهادِ. صفحة ١٢٨ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ هو أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُفِيدُ العُمُومَ في كُلِّ الوُجُوهِ ؟ فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّ اللَّفْظَ مَقْصُورٌ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، والمُحْسِنُ هو الآتِي بِالإحْسانِ، ورَأْسُ أبْوابِ الإحْسانِ ورَئِيسُها، هو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكُلُّ مَن قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ واعْتَقَدَها، كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ يَقْتَضِي نَفْيَ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، فَهَذا بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي أنَّ الأصْلَ في حالِ كُلِّ مُسْلِمٍ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وعَدَمُ تَوَجُّهِ مُطالَبَةِ الغَيْرِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ومالِهِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ في نَفْسِهِ حُرْمَةُ القَتْلِ، إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، والأصْلُ في مالِهِ حُرْمَةُ الأخْذِ، إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وأنْ لا يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ التَّكالِيفِ، إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَتَصِيرَ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذا الطَّرِيقِ أصْلًا مُعْتَبَرًا في الشَّرِيعَةِ، في تَقْرِيرِ أنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، فَإنْ ورَدَ نَصٌّ خاصٌّ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حُكْمٍ خاصٍّ، في واقِعَةٍ خاصَّةٍ، قَضَيْنا بِذَلِكَ النَّصِّ الخاصِّ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا فَهَذا النَّصُّ كافٍ في تَقْرِيرِ البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذا عَلى نَفْيِ القِياسِ. قالَ: لِأنَّ هَذا النَّصَّ دَلَّ عَلى أنَّ الأصْلَ هو بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وعَدَمُ الإلْزامِ والتَّكْلِيفِ، فالقِياسُ إمّا أنْ يَدُلَّ عَلى بَراءَةِ الذِّمَّةِ أوْ عَلى شَغْلِ الذِّمَّةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ بَراءَةَ الذِّمَّةِ لَمّا ثَبَتَتْ بِمُقْتَضى هَذا النَّصِّ، كانَ إثْباتُها بِالقِياسِ عَبَثًا. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ ذَلِكَ القِياسُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ هَذا النَّصِّ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، لِما ثَبَتَ أنَّ النَّصَّ أقْوى مِنَ القِياسِ. قالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ تَصِيرُ الشَّرِيعَةُ مَضْبُوطَةً، مَعْلُومَةً، مُلَخَّصَةً، بَعِيدَةً عَنِ الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافاتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، وذَلِكَ لِأنَّ السُّلْطانَ إذا بَعَثَ واحِدًا مِن عُمّالِهِ إلى سِياسَةِ بَلْدَةٍ، فَقالَ لَهُ: أيُّها الرَّجُلُ تَكْلِيفِي عَلَيْكَ، وعَلى أهْلِ تِلْكَ المَمْلَكَةِ، كَذا وكَذا، وعَدَّ عَلَيْهِمْ مِائَةَ نَوْعٍ مِنَ التَّكالِيفِ مَثَلًا، ثُمَّ قالَ: وبَعْدَ هَذِهِ التَّكالِيفِ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، كانَ هَذا تَنْصِيصًا مِنهُ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ فِيما وراءَ تِلْكَ الأقْسامِ المِائَةِ المَذْكُورَةِ، ولَوْ أنَّهُ كَلَّفَ ذَلِكَ السُّلْطانُ بِأنْ يَنُصَّ عَلى ما سِوى تِلْكَ المِائَةِ بِالنَّفْيِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ كانَ ذَلِكَ مُحالًا؛ لِأنَّ بابَ النَّفْيِ لا نِهايَةَ لَهُ، بَلْ كَفاهُ في النَّفْيِ أنْ يَقُولَ: لَيْسَ لِأحَدٍ عَلى أحَدٍ سَبِيلٌ إلّا فِيما ذَكَرْتُ وفَصَّلْتُ، فَكَذا هَهُنا أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَتَوَجَّهَ عَلى أحَدٍ سَبِيلٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ ألْفَ تَكْلِيفٍ، أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ، كانَ ذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلى أنَّ التَّكالِيفَ مَحْصُورَةٌ في ذَلِكَ الألْفِ المَذْكُورِ، وأمّا فِيما وراءَهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ عَلى الخَلْقِ تَكْلِيفٌ وأمْرٌ ونَهْيٌ، وبِهَذا الطَّرِيقِ تَصِيرُ الشَّرِيعَةُ مَضْبُوطَةً سَهْلَةَ المَؤُنَةِ كَثِيرَةَ المَعُونَةِ، ويَكُونُ القُرْآنُ وافِيًا بِبَيانِ التَّكالِيفِ والأحْكامِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ٣) حَقًّا، ويَصِيرُ قَوْلُهُ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ (النَّحْلِ: ٤٤) حَقًّا، ولا حاجَةَ البَتَّةَ إلى التَّمَسُّكِ بِالقِياسِ في حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ أصْلًا، فَهَذا ما يُقَرِّرُهُ أصْحابُ الظَّواهِرِ مِثْلُ داوُدَ الأصْفَهانِيِّ وأصْحابِهِ في تَقْرِيرِ هَذا البابِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الضُّعَفاءَ والمَرْضى والفُقَراءَ، بَيَّنَ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُمُ التَّخَلُّفُ عَنِ الجِهادِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا ناصِحِينَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وبَيَّنَ كَوْنَهم مُحْسِنِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، ذَكَرَ قِسْمًا رابِعًا مِنَ المَعْذُورِينَ، فَقالَ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ هَؤُلاءِ داخِلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ فَما الفائِدَةُ في إعادَتِهِ ؟ صفحة ١٢٩ قُلْنا: الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ؛ هُمُ الفُقَراءُ الَّذِينَ لَيْسَ مَعَهم دُونَ النَّفَقَةِ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الأخِيرَةِ هُمُ الَّذِينَ مَلَكُوا قَدْرَ النَّفَقَةِ، إلّا أنَّهم لَمْ يَجِدُوا المَرْكُوبَ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: هم «ثَلاثَةُ إخْوَةٍ: مَعْقِلٌ، وسُوَيْدٌ، والنُّعْمانُ بَنُو مُقْرِنٍ، سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَحْمِلَهم عَلى الخِفافِ المَدْبُوغَةِ، والنِّعالِ المَخْصُوفَةِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ“ فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ» . والثّانِي: قالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ في «أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وأصْحابِهِ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحْمِلُونَهُ، ووافَقَ ذَلِكَ مِنهُ غَضَبًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”واللَّهِ ما أحْمِلُكم ولا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ“ فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأعْطاهم ذَوْدًا مِن خَيْرِ الذَّوْدِ، فَقالَ أبُو مُوسى: ألَسْتَ حَلَفْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: ”أما إنِّي إنْ شاءَ اللَّهُ لا أحْلِفُ بِيَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها، إلّا أتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي“» . والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «سَألُوهُ أنْ يَحْمِلَهم عَلى الدَّوابِّ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ“ لِأنَّ الشُّقَّةَ بَعِيدَةٌ. والرَّجُلُ يَحْتاجُ إلى بَعِيرَيْنِ، بَعِيرٌ يَرْكَبُهُ وبَعِيرٌ يَحْمِلُ عَلَيْهِ ماءَهُ وزادَهُ» . قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ كَقَوْلِكَ: تَفِيضُ دَمْعًا، وهو أبْلَغُ مِن يَفِيضُ دَمْعُها، لِأنَّ العَيْنَ جُعِلَتْ كَأنَّ كُلَّها دَمْعٌ فائِضٌ.

التوبة 9:92

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الوَعِيدَ في حَقِّ مَن يُوهِمُ العُذْرَ، مَعَ أنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ، ذَكَرَ أصْحابَ الأعْذارِ الحَقِيقِيَّةِ، وبَيَّنَ أنَّ تَكْلِيفَ اللَّهِ تَعالى بِالغَزْوِ والجِهادِ عَنْهم ساقِطٌ، وهم أقْسامٌ: القِسْمُ الأوَّلُ: الصَّحِيحُ في بَدَنِهِ الضَّعِيفُ مِثْلُ الشُّيُوخِ. ومَن خُلِقَ في أصْلِ الفِطْرَةِ ضَعِيفًا نَحِيفًا، وهَؤُلاءِ هُمُ المُرادُونَ بِالضُّعَفاءِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِمُ المَرْضى، والمَعْطُوفُ مُبايِنٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَلَمّا لَمْ يَحْمِلِ الضُّعَفاءَ عَلى الَّذِينَ ذَكَرْناهم، لَمْ يَتَمَيَّزُوا عَنِ المَرْضى. وأمّا المَرْضى: فَيَدْخُلُ فِيهِمْ أصْحابُ العَمى، والعَرَجِ، والزَّمانَةِ، وكُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِمَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنَ المُحارَبَةِ. والقِسْمُ الثّالِثُ: الَّذِينَ لا يَجِدُونَ الأُهْبَةَ والزّادَ والرّاحِلَةَ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ؛ لِأنَّ حُضُورَهُ في الغَزْوِ إنَّما يَنْفَعُ إذا قَدَرَ عَلى الإنْفاقِ عَلى نَفْسِهِ. إمّا مِن مالِ نَفْسِهِ، أوْ مِن مالِ إنْسانٍ آخَرَ يُعِينُهُ عَلَيْهِ، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ القُدْرَةُ، صارَ كَلًّا ووَبالًا عَلى المُجاهِدِينَ، ويَمْنَعُهم مِنَ الِاشْتِغالِ بِالمَقْصُودِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ قالَ: لا حَرَجَ عَلى هَؤُلاءِ، والمُرادُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ، ولَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ؛ لِأنَّ الواحِدَ مِن هَؤُلاءِ لَوْ خَرَجَ لِيُعِينَ المُجاهِدِينَ بِمِقْدارِ القُدْرَةِ. إمّا بِحِفْظِ مَتاعِهِمْ أوْ بِتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ، بِشَرْطِ أنْ لا يَجْعَلَ نَفْسَهُ كَلًّا ووَبالًا عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ طاعَةً مَقْبُولَةً. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَطَ في جَوازِ هَذا التَّأْخِيرِ شَرْطًا مُعَيَّنًا وهو قَوْلُهُ: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ومَعْناهُ: أنَّهم إذا أقامُوا في البَلَدِ احْتَرَزُوا عَنْ إلْقاءِ الأراجِيفِ، وعَنْ إثارَةِ الفِتَنِ، وسَعَوْا في إيصالِ الخَيْرِ إلى المُجاهِدِينَ الَّذِينَ سافَرُوا، إمّا بِأنْ يَقُومُوا بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ بُيُوتِهِمْ، وإمّا بِأنْ يَسْعَوْا في إيصالِ الأخْبارِ السّارَّةِ مِن بُيُوتِهِمْ إلَيْهِمْ، فَإنَّ جُمْلَةَ هَذِهِ الأُمُورِ جارِيَةٌ مَجْرى الإعانَةِ عَلى الجِهادِ. صفحة ١٢٨ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ هو أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ القُعُودِ عَنِ الجِهادِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يُفِيدُ العُمُومَ في كُلِّ الوُجُوهِ ؟ فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّ اللَّفْظَ مَقْصُورٌ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، والمُحْسِنُ هو الآتِي بِالإحْسانِ، ورَأْسُ أبْوابِ الإحْسانِ ورَئِيسُها، هو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وكُلُّ مَن قالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ واعْتَقَدَها، كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ يَقْتَضِي نَفْيَ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، فَهَذا بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي أنَّ الأصْلَ في حالِ كُلِّ مُسْلِمٍ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وعَدَمُ تَوَجُّهِ مُطالَبَةِ الغَيْرِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ومالِهِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ في نَفْسِهِ حُرْمَةُ القَتْلِ، إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، والأصْلُ في مالِهِ حُرْمَةُ الأخْذِ، إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وأنْ لا يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ التَّكالِيفِ، إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَتَصِيرَ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذا الطَّرِيقِ أصْلًا مُعْتَبَرًا في الشَّرِيعَةِ، في تَقْرِيرِ أنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، فَإنْ ورَدَ نَصٌّ خاصٌّ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حُكْمٍ خاصٍّ، في واقِعَةٍ خاصَّةٍ، قَضَيْنا بِذَلِكَ النَّصِّ الخاصِّ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا فَهَذا النَّصُّ كافٍ في تَقْرِيرِ البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذا عَلى نَفْيِ القِياسِ. قالَ: لِأنَّ هَذا النَّصَّ دَلَّ عَلى أنَّ الأصْلَ هو بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وعَدَمُ الإلْزامِ والتَّكْلِيفِ، فالقِياسُ إمّا أنْ يَدُلَّ عَلى بَراءَةِ الذِّمَّةِ أوْ عَلى شَغْلِ الذِّمَّةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ بَراءَةَ الذِّمَّةِ لَمّا ثَبَتَتْ بِمُقْتَضى هَذا النَّصِّ، كانَ إثْباتُها بِالقِياسِ عَبَثًا. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ ذَلِكَ القِياسُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ هَذا النَّصِّ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، لِما ثَبَتَ أنَّ النَّصَّ أقْوى مِنَ القِياسِ. قالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ تَصِيرُ الشَّرِيعَةُ مَضْبُوطَةً، مَعْلُومَةً، مُلَخَّصَةً، بَعِيدَةً عَنِ الِاضْطِرابِ والِاخْتِلافاتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، وذَلِكَ لِأنَّ السُّلْطانَ إذا بَعَثَ واحِدًا مِن عُمّالِهِ إلى سِياسَةِ بَلْدَةٍ، فَقالَ لَهُ: أيُّها الرَّجُلُ تَكْلِيفِي عَلَيْكَ، وعَلى أهْلِ تِلْكَ المَمْلَكَةِ، كَذا وكَذا، وعَدَّ عَلَيْهِمْ مِائَةَ نَوْعٍ مِنَ التَّكالِيفِ مَثَلًا، ثُمَّ قالَ: وبَعْدَ هَذِهِ التَّكالِيفِ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، كانَ هَذا تَنْصِيصًا مِنهُ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ فِيما وراءَ تِلْكَ الأقْسامِ المِائَةِ المَذْكُورَةِ، ولَوْ أنَّهُ كَلَّفَ ذَلِكَ السُّلْطانُ بِأنْ يَنُصَّ عَلى ما سِوى تِلْكَ المِائَةِ بِالنَّفْيِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ كانَ ذَلِكَ مُحالًا؛ لِأنَّ بابَ النَّفْيِ لا نِهايَةَ لَهُ، بَلْ كَفاهُ في النَّفْيِ أنْ يَقُولَ: لَيْسَ لِأحَدٍ عَلى أحَدٍ سَبِيلٌ إلّا فِيما ذَكَرْتُ وفَصَّلْتُ، فَكَذا هَهُنا أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَتَوَجَّهَ عَلى أحَدٍ سَبِيلٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ ألْفَ تَكْلِيفٍ، أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ، كانَ ذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلى أنَّ التَّكالِيفَ مَحْصُورَةٌ في ذَلِكَ الألْفِ المَذْكُورِ، وأمّا فِيما وراءَهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ عَلى الخَلْقِ تَكْلِيفٌ وأمْرٌ ونَهْيٌ، وبِهَذا الطَّرِيقِ تَصِيرُ الشَّرِيعَةُ مَضْبُوطَةً سَهْلَةَ المَؤُنَةِ كَثِيرَةَ المَعُونَةِ، ويَكُونُ القُرْآنُ وافِيًا بِبَيانِ التَّكالِيفِ والأحْكامِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ٣) حَقًّا، ويَصِيرُ قَوْلُهُ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ (النَّحْلِ: ٤٤) حَقًّا، ولا حاجَةَ البَتَّةَ إلى التَّمَسُّكِ بِالقِياسِ في حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ أصْلًا، فَهَذا ما يُقَرِّرُهُ أصْحابُ الظَّواهِرِ مِثْلُ داوُدَ الأصْفَهانِيِّ وأصْحابِهِ في تَقْرِيرِ هَذا البابِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الضُّعَفاءَ والمَرْضى والفُقَراءَ، بَيَّنَ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُمُ التَّخَلُّفُ عَنِ الجِهادِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونُوا ناصِحِينَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وبَيَّنَ كَوْنَهم مُحْسِنِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، ذَكَرَ قِسْمًا رابِعًا مِنَ المَعْذُورِينَ، فَقالَ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ هَؤُلاءِ داخِلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ فَما الفائِدَةُ في إعادَتِهِ ؟ صفحة ١٢٩ قُلْنا: الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ؛ هُمُ الفُقَراءُ الَّذِينَ لَيْسَ مَعَهم دُونَ النَّفَقَةِ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الأخِيرَةِ هُمُ الَّذِينَ مَلَكُوا قَدْرَ النَّفَقَةِ، إلّا أنَّهم لَمْ يَجِدُوا المَرْكُوبَ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: هم «ثَلاثَةُ إخْوَةٍ: مَعْقِلٌ، وسُوَيْدٌ، والنُّعْمانُ بَنُو مُقْرِنٍ، سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَحْمِلَهم عَلى الخِفافِ المَدْبُوغَةِ، والنِّعالِ المَخْصُوفَةِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ“ فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ» . والثّانِي: قالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ في «أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وأصْحابِهِ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحْمِلُونَهُ، ووافَقَ ذَلِكَ مِنهُ غَضَبًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”واللَّهِ ما أحْمِلُكم ولا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ“ فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأعْطاهم ذَوْدًا مِن خَيْرِ الذَّوْدِ، فَقالَ أبُو مُوسى: ألَسْتَ حَلَفْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: ”أما إنِّي إنْ شاءَ اللَّهُ لا أحْلِفُ بِيَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها، إلّا أتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي“» . والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «سَألُوهُ أنْ يَحْمِلَهم عَلى الدَّوابِّ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ“ لِأنَّ الشُّقَّةَ بَعِيدَةٌ. والرَّجُلُ يَحْتاجُ إلى بَعِيرَيْنِ، بَعِيرٌ يَرْكَبُهُ وبَعِيرٌ يَحْمِلُ عَلَيْهِ ماءَهُ وزادَهُ» . قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ كَقَوْلِكَ: تَفِيضُ دَمْعًا، وهو أبْلَغُ مِن يَفِيضُ دَمْعُها، لِأنَّ العَيْنَ جُعِلَتْ كَأنَّ كُلَّها دَمْعٌ فائِضٌ.

التوبة 9:93

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما السَّبِيلُ عَلى مَن كانَ كَذا وكَذا، ثُمَّ الَّذِينَ قالُوا في الآيَةِ الأُولى المُرادُ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ في أمْرِ الغَزْوِ والجِهادِ، وأنَّ نَفْيَ السَّبِيلِ في تِلْكَ الآيَةِ مَخْصُوصٌ بِهَذا الحُكْمِ. قالُوا: السَّبِيلُ الَّذِي نَفاهُ عَنِ المُحْسِنِينَ، هو الَّذِي أثْبَتَهُ في هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالجِهادِ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الأغْنِياءَ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ في التَّخَلُّفِ سَبِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وتَكْلِيفُهُ عَلَيْهِمْ بِالذِّهابِ إلى الغَزْوِ مُتَوَجِّهٌ، ولا عُذْرَ لَهُمُ البَتَّةَ في التَّخَلُّفِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿رَضُوا﴾ ما مَوْقِعُهُ ؟ قُلْنا: كَأنَّهُ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُمُ اسْتَأْذَنُوا وهم أغْنِياءُ. فَقِيلَ: رَضُوا بِالدَّناءَةِ والضِّعَةِ والِانْتِظامِ صفحة ١٣٠ فِي جُمْلَةِ الخَوالِفِ﴿وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ يَعْنِي أنَّ السَّبَبَ في نَفْرَتِهِمْ عَنِ الجِهادِ، هو أنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ الطَّبْعِ لا يَعْلَمُونَ ما في الجِهادِ مِن مَنافِعِ الدِّينِ والدُّنْيا. ثُمَّ قالَ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ عِلَّةً لِلْمَنعِ مِنَ الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يَصِيرَ عُذْرُهُ مَقْبُولًا. فَإذا عَلِمَ بِأنَّ القَوْمَ يُكَذِّبُونَهُ فِيهِ، وجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِانْتِفاءِ التَّصْدِيقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أطْلَعَ رَسُولَهُ عَلى ما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ الخُبْثِ والمَكْرِ والنِّفاقِ، امْتَنَعَ أنْ يُصَدِّقَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في تِلْكَ الأعْذارِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ تَقْرِيرِ تِلْكَ المَعاذِيرِ حُبًّا لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ وشَفَقَةً عَلَيْهِمْ ورَغْبَةً في نُصْرَتِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أنَّكم هَلْ تَبْقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي تُظْهِرُونَها مِنَ الصِّدْقِ والصَّفاءِ، أوْ لا تَبْقُونَ عَلَيْها ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ . فَإنْ قِيلَ: لِما قالَ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَيْهِ، وما الفائِدَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ ؟ قُلْنا: في وصْفِهِ تَعالى بِكَوْنِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُطَّلِعًا عَلى بَواطِنِهِمُ الخَبِيثَةِ وضَمائِرِهِمُ المَمْلُوءَةِ مِنَ الكَذِبِ والكَيْدِ، وفِيهِ تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، وزَجْرٌ عَظِيمٌ لَهم.

التوبة 9:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما السَّبِيلُ عَلى مَن كانَ كَذا وكَذا، ثُمَّ الَّذِينَ قالُوا في الآيَةِ الأُولى المُرادُ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ في أمْرِ الغَزْوِ والجِهادِ، وأنَّ نَفْيَ السَّبِيلِ في تِلْكَ الآيَةِ مَخْصُوصٌ بِهَذا الحُكْمِ. قالُوا: السَّبِيلُ الَّذِي نَفاهُ عَنِ المُحْسِنِينَ، هو الَّذِي أثْبَتَهُ في هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وهو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالجِهادِ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الأغْنِياءَ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ في التَّخَلُّفِ سَبِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وتَكْلِيفُهُ عَلَيْهِمْ بِالذِّهابِ إلى الغَزْوِ مُتَوَجِّهٌ، ولا عُذْرَ لَهُمُ البَتَّةَ في التَّخَلُّفِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿رَضُوا﴾ ما مَوْقِعُهُ ؟ قُلْنا: كَأنَّهُ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُمُ اسْتَأْذَنُوا وهم أغْنِياءُ. فَقِيلَ: رَضُوا بِالدَّناءَةِ والضِّعَةِ والِانْتِظامِ صفحة ١٣٠ فِي جُمْلَةِ الخَوالِفِ﴿وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ يَعْنِي أنَّ السَّبَبَ في نَفْرَتِهِمْ عَنِ الجِهادِ، هو أنَّ اللَّهَ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ الطَّبْعِ لا يَعْلَمُونَ ما في الجِهادِ مِن مَنافِعِ الدِّينِ والدُّنْيا. ثُمَّ قالَ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ عِلَّةً لِلْمَنعِ مِنَ الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يَصِيرَ عُذْرُهُ مَقْبُولًا. فَإذا عَلِمَ بِأنَّ القَوْمَ يُكَذِّبُونَهُ فِيهِ، وجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِانْتِفاءِ التَّصْدِيقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أطْلَعَ رَسُولَهُ عَلى ما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ الخُبْثِ والمَكْرِ والنِّفاقِ، امْتَنَعَ أنْ يُصَدِّقَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في تِلْكَ الأعْذارِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ تَقْرِيرِ تِلْكَ المَعاذِيرِ حُبًّا لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ وشَفَقَةً عَلَيْهِمْ ورَغْبَةً في نُصْرَتِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أنَّكم هَلْ تَبْقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي تُظْهِرُونَها مِنَ الصِّدْقِ والصَّفاءِ، أوْ لا تَبْقُونَ عَلَيْها ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ . فَإنْ قِيلَ: لِما قالَ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فَلِمَ لَمْ يَقُلْ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَيْهِ، وما الفائِدَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ ؟ قُلْنا: في وصْفِهِ تَعالى بِكَوْنِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُطَّلِعًا عَلى بَواطِنِهِمُ الخَبِيثَةِ وضَمائِرِهِمُ المَمْلُوءَةِ مِنَ الكَذِبِ والكَيْدِ، وفِيهِ تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، وزَجْرٌ عَظِيمٌ لَهم.

التوبة 9:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى أنَّهم يَعْتَذِرُونَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كانُوا يُؤَكِّدُونَ تِلْكَ الأعْذارَ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم حَلَفُوا بِاللَّهِ، ولَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهم عَلى أيِّ شَيْءٍ حَلَفُوا ؟ فَقِيلَ: إنَّهم حَلَفُوا عَلى أنَّهم ما قَدَرُوا عَلى الخُرُوجِ، وإنَّما حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ لِتُعْرِضُوا عَنْهم، أيْ لِتَصْفَحُوا عَنْهم، ولِتُعْرِضُوا عَنْ ذَمِّهِمْ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ تَرْكَ الكَلامِ والسَّلامِ. قالَ مُقاتِلٌ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ: ”«لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم» “ قالَ أهْلُ المَعانِي: هَؤُلاءِ طَلَبُوا إعْراضَ الصَّفْحِ، فَأُعْطُوا إعْراضَ المَقْتِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ في وُجُوبِ الإعْراضِ عَنْهم، فَقالَ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ والمَعْنى: أنَّ خُبْثَ باطِنِهِمْ رِجْسٌ رُوحانِيٌّ، فَكَما يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنِ الأرْجاسِ الجُسْمانِيَّةِ، فَوُجُوبُ الِاحْتِرازِ عَنِ صفحة ١٣١ الأرْجاسِ الرُّوحانِيَّةِ أوْلى، خَوْفًا مِن سَرَيانِها إلى الإنْسانِ، وحَذَرًا مِن أنْ يَمِيلَ طَبْعُ الإنْسانِ إلى تِلْكَ الأعْمالِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ولَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ أنَّهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لِيُعْرِضَ المُسْلِمُونَ عَنْ إيذائِهِمْ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهم يَحْلِفُونَ لِيَرْضى المُسْلِمُونَ عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهى المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَرْضَوْا عَنْهم، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم إنْ رَضِيتُمْ عَنْهم مَعَ أنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنْهم، كانَتْ إرادَتُكم مُخالِفَةً لِإرادَةِ اللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. وأقُولُ: إنَّ هَذِهِ المَعانِيَ مَذْكُورَةٌ في الآياتِ السّالِفَةِ، وقَدْ أعادَها اللَّهُ هَهُنا مَرَّةً أُخْرى، وأظُنُّ أنَّ الأوَّلَ خِطابٌ مَعَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا في المَدِينَةِ، وهَذا خِطابٌ مَعَ المُنافِقِينَ مِنَ الأعْرابِ وأصْحابِ البَوادِي، ولَمّا كانَتْ طُرُقُ المُنافِقِينَ مُتَقارِبَةً سَواءٌ كانُوا مِن أهْلِ الحَضَرِ أوْ مِن أهْلِ البادِيَةِ، لا جَرَمَ كانَ الكَلامُ مَعَهم عَلى مَناهِجَ مُتَقارِبَةٍ.

التوبة 9:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ الأُولى أنَّهم يَعْتَذِرُونَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كانُوا يُؤَكِّدُونَ تِلْكَ الأعْذارَ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم حَلَفُوا بِاللَّهِ، ولَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهم عَلى أيِّ شَيْءٍ حَلَفُوا ؟ فَقِيلَ: إنَّهم حَلَفُوا عَلى أنَّهم ما قَدَرُوا عَلى الخُرُوجِ، وإنَّما حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ لِتُعْرِضُوا عَنْهم، أيْ لِتَصْفَحُوا عَنْهم، ولِتُعْرِضُوا عَنْ ذَمِّهِمْ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ تَرْكَ الكَلامِ والسَّلامِ. قالَ مُقاتِلٌ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ: ”«لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهم» “ قالَ أهْلُ المَعانِي: هَؤُلاءِ طَلَبُوا إعْراضَ الصَّفْحِ، فَأُعْطُوا إعْراضَ المَقْتِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ في وُجُوبِ الإعْراضِ عَنْهم، فَقالَ: ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ والمَعْنى: أنَّ خُبْثَ باطِنِهِمْ رِجْسٌ رُوحانِيٌّ، فَكَما يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنِ الأرْجاسِ الجُسْمانِيَّةِ، فَوُجُوبُ الِاحْتِرازِ عَنِ صفحة ١٣١ الأرْجاسِ الرُّوحانِيَّةِ أوْلى، خَوْفًا مِن سَرَيانِها إلى الإنْسانِ، وحَذَرًا مِن أنْ يَمِيلَ طَبْعُ الإنْسانِ إلى تِلْكَ الأعْمالِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ولَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ أنَّهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لِيُعْرِضَ المُسْلِمُونَ عَنْ إيذائِهِمْ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهم يَحْلِفُونَ لِيَرْضى المُسْلِمُونَ عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهى المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَرْضَوْا عَنْهم، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم إنْ رَضِيتُمْ عَنْهم مَعَ أنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنْهم، كانَتْ إرادَتُكم مُخالِفَةً لِإرادَةِ اللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. وأقُولُ: إنَّ هَذِهِ المَعانِيَ مَذْكُورَةٌ في الآياتِ السّالِفَةِ، وقَدْ أعادَها اللَّهُ هَهُنا مَرَّةً أُخْرى، وأظُنُّ أنَّ الأوَّلَ خِطابٌ مَعَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا في المَدِينَةِ، وهَذا خِطابٌ مَعَ المُنافِقِينَ مِنَ الأعْرابِ وأصْحابِ البَوادِي، ولَمّا كانَتْ طُرُقُ المُنافِقِينَ مُتَقارِبَةً سَواءٌ كانُوا مِن أهْلِ الحَضَرِ أوْ مِن أهْلِ البادِيَةِ، لا جَرَمَ كانَ الكَلامُ مَعَهم عَلى مَناهِجَ مُتَقارِبَةٍ.

التوبة 9:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ تَعالى إنَّما أعادَ هَذِهِ الأحْكامَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها مُخاطَبَةُ مُنافِقِي الأعْرابِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم ونِفاقَهم أشَدُّ، وجَهْلَهم بِحُدُودِ ما أنْزَلَ اللَّهُ أكْمَلُ. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ العُلَماءُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، يُقالُ: رَجُلٌ عَرَبِيٌّ. إذا كانَ نَسَبُهُ في العَرَبِ، وجَمْعُهُ العَرَبُ. كَما تَقُولُ مَجُوسِيٌّ ويَهُودِيٌّ، ثُمَّ يُحْذَفُ ياءُ النِّسْبَةِ في الجَمْعِ، فَيُقالُ: المَجُوسُ واليَهُودُ، ورَجُلٌ أعْرابِيٌّ بِالألِفِ إذا كانَ بَدَوِيًّا، يَطْلُبُ مَساقِطَ الغَيْثِ والكَلَإ، سَواءٌ كانَ مِنَ العَرَبِ أوْ مِن مَوالِيهِمْ، ويُجْمَعُ الأعْرابِيُّ عَلى الأعْرابِ والأعارِيبِ، فالأعْرابِيُّ إذا قِيلَ لَهُ يا عَرَبِيُّ: فَرِحَ، والعَرَبِيُّ إذا قِيلَ لَهُ: يا أعْرابِيُّ، غَضِبَ لَهُ، فَمَنِ اسْتَوْطَنَ القُرى العَرَبِيَّةَ فَهم عَرَبٌ، ومَن نَزَلَ البادِيَةَ فَهم أعْرابٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى الفَرْقِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«حُبُّ العَرَبِ مِنَ الإيمانِ» “ وأمّا الأعْرابُ فَقَدْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ أعْرابٌ، إنَّما هم عَرَبٌ، وهم مُتَقَدِّمُونَ في مَراتِبِ الدِّينِ عَلى الأعْرابِ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا تَؤُمَّنَّ امْرَأةٌ رَجُلًا ولا فاسِقٌ مُؤْمِنًا ولا أعْرابِيٌّ مُهاجِرًا» “ الثّالِثُ: قِيلَ إنَّما سُمِّيَ العَرَبُ عَرَبا؛ لِأنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ نَشَأُوا بِعَرَبَةَ، وهي مِن تِهامَةَ. فَنُسِبُوا إلى بَلَدِهِمْ، وكُلُّ مَن يَسْكُنُ جَزِيرَةَ العَرَبِ ويَنْطِقُ بِلِسانِهِمْ فَهو مِنهم؛ لِأنَّهم إنَّما تَوَلَّدُوا مِن أوْلادِ إسْماعِيلَ، وقِيلَ: سُمُّوا بِالعَرَبِ؛ لِأنَّ ألْسِنَتَهم مُعْرِبَةٌ عَمّا في ضَمائِرِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ اللِّسانَ العَرَبِيَّ مُخْتَصٌّ بِأنْواعٍ مِنَ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ لا تُوجَدُ في سائِرِ صفحة ١٣٢ الألْسِنَةِ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ عَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ أنَّهُ قالَ: حِكْمَةُ الرُّومِ في أدْمِغَتِهِمْ وذَلِكَ لِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى التَّرْكِيباتِ العَجِيبَةِ، وحِكْمَةُ الهِنْدِ في أوْهامِهِمْ، وحِكْمَةُ اليُونانِ في أفْئِدَتِهِمْ، وذَلِكَ لِكَثْرَةِ ما لَهم مِنَ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ، وحِكْمَةُ العَرَبِ في ألْسِنَتِهِمْ، وذَلِكَ لِحَلاوَةِ ألْفاظِهِمْ وعُذُوبَةِ عِباراتِهِمْ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الجَمْعُ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ الأصْلُ فِيهِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَإنْ لَمْ يُوجَدِ المَعْهُودُ السّابِقُ، حُمِلَ عَلى الِاسْتِغْراقِ لِلضَّرُورَةِ. قالُوا: لِأنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ يَكْفِي في حُصُولِ مَعْناها الثَّلاثَةُ فَما فَوْقَها، والألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، فَإنْ حَصَلَ جَمْعٌ هو مَعْهُودٌ سابِقٌ وجَبَ الِانْصِرافُ إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ عَلى الِاسْتِغْراقِ دَفْعًا لِلْإجْمالِ. قالُوا إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الأعْرابُ﴾ المُرادُ مِنهُ جَمْعٌ مُعَيَّنُونَ مِن مُنافِقِي الأعْرابِ، كانُوا يُوالُونَ مُنافِقِي المَدِينَةِ فانْصَرَفَ هَذا اللَّفْظُ إلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الأعْرابِ بِحُكْمَيْنِ: الحُكْمُ الأوَّلُ أنَّهم أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ البَدْوِ يُشْبِهُونَ الوُحُوشَ. والثّانِي: اسْتِيلاءُ الهَواءِ الحارِّ اليابِسِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ التِّيهِ والتَّكَبُّرِ والنَّخْوَةِ والفَخْرِ والطَّيْشِ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: أنَّهم ما كانُوا تَحْتَ سِياسَةِ سائِسٍ، ولا تَأْدِيبِ مُؤَدِّبٍ، ولا ضَبْطِ ضابِطٍ فَنَشَأُوا كَما شاءُوا، ومَن كانَ كَذَلِكَ خَرَجَ عَلى أشَدِّ الجِهاتِ فَسادًا. والرّابِعُ: أنَّ مَن أصْبَحَ وأمْسى مُشاهِدًا لِوَعْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبَياناتِهِ الشّافِيَةِ، وتَأْدِيباتِهِ الكامِلَةِ، كَيْفَ يَكُونُ مُساوِيًا لِمَن لَمْ يُؤاثِرْ هَذا الخَيْرَ، ولَمْ يَسْمَعْ خَبَرَهُ. والخامِسُ: قابِلْ الفَواكِهَ الجَبَلِيَّةَ بِالفَواكِهِ البُسْتانِيَّةِ لِتَعْرِفَ الفَرْقَ بَيْنَ أهْلِ الحَضَرِ والبادِيَةِ. الحُكْمُ الثّانِي قَوْلُهُ: ﴿وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وأجْدَرُ﴾ أيْ أوْلى وأحَقُّ، وفي الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وأجْدُرُ بِأنْ لا يَعْلَمُوا. وقِيلَ في تَفْسِيرِ حُدُودِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مَقادِيرُ التَّكالِيفِ والأحْكامِ. وقِيلَ: مَراتِبُ أدِلَّةِ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما في قُلُوبِ خَلْقِهِ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما فَرَضَ مِن فَرائِضِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ والمَغْرَمُ مَصْدَرٌ كالغَرامَةِ، والمَعْنى: أنَّ مِنَ الأعْرابِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ الَّذِي يُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ غَرامَةٌ وخُسْرانٌ، وإنَّما يَعْتَقِدُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُنْفِقُ إلّا تَقِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ ورِياءً، لا لِوَجْهِ اللَّهِ وابْتِغاءِ ثَوابِهِ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ يَعْنِي المَوْتَ والقَتْلَ، أيْ: يَنْتَظِرُ أنْ تَنْقَلِبَ الأُمُورُ عَلَيْكم بِمَوْتِ الرَّسُولِ، ويَظْهَرَ عَلَيْكُمُ المُشْرِكُونَ. ثُمَّ إنَّهُ أعادَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ والدّائِرَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ واحِدَةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً غالِبَةً، وهي إنَّما تُسْتَعْمَلُ في آفَةٍ تُحِيطُ بِالإنْسانِ كالدّائِرَةِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهُ مِنها مُخَلِّصٌ، وقَوْلُهُ: ﴿السَّوْءِ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: فَتْحُ السِّينِ هو الوَجْهُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: ساءَ يَسُوءُ سَوْءًا أوْ مُساءَةً، ومَن ضَمَّ السِّينَ جَعَلَهُ اسْمًا، كَقَوْلِكَ: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ البَلاءِ والعَذابِ، ولا يَجُوزُ ضَمُّ السِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ (مَرْيَمَ: ٢٨) ولا في قَوْلِهِ: صفحة ١٣٣ ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ (الفَتْحِ: ١٢) وإلّا لَصارَ التَّقْدِيرُ: ما كانَ أبُوكِ امْرَأ عَذابٍ، وظَنَنْتُمْ ظَنَّ العَذابِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ، وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدٍ: مَن فَتَحَ السِّينَ، فَهو كَقَوْلِكَ: رَجُلُ سَوْءٍ، وامْرَأةُ سَوْءٍ. ثُمَّ يُدْخِلُ الألِفَ واللّامَ، فَيَقُولُ: رَجُلُ السَّوْءِ وأنْشَدَ الأخْفَشُ: وكُنْتُ كَذِئْبِ السَّوْءَ لَمّا رَأى دَمًا بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الدَّمِ . ومَن ضَمَّ السِّينَ أرادَ بِالسُّوءِ المَضَرَّةَ والشَّرَّ والبَلاءَ والمَكْرُوهَ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ الهَزِيمَةِ والمَكْرُوهِ، وبِهِمْ يَحِيقُ ذَلِكَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَوْ لَمْ تُضَفِ الدّائِرَةُ إلى السَّوْءِ أوِ السُّوءِ لَما عُرِفَ مِنها مَعْنى السُّوءِ؛ لِأنَّ دائِرَةَ الدَّهْرِ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَعْنى يَدُورُ عَلَيْهِمُ البَلاءُ والحَزَنُ، فَلا يَرَوْنَ في مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ودِينِهِ إلّا ما يَسُوؤُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِهِمْ.

التوبة 9:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ تَعالى إنَّما أعادَ هَذِهِ الأحْكامَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها مُخاطَبَةُ مُنافِقِي الأعْرابِ، ولِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّ كُفْرَهم ونِفاقَهم أشَدُّ، وجَهْلَهم بِحُدُودِ ما أنْزَلَ اللَّهُ أكْمَلُ. وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ العُلَماءُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، يُقالُ: رَجُلٌ عَرَبِيٌّ. إذا كانَ نَسَبُهُ في العَرَبِ، وجَمْعُهُ العَرَبُ. كَما تَقُولُ مَجُوسِيٌّ ويَهُودِيٌّ، ثُمَّ يُحْذَفُ ياءُ النِّسْبَةِ في الجَمْعِ، فَيُقالُ: المَجُوسُ واليَهُودُ، ورَجُلٌ أعْرابِيٌّ بِالألِفِ إذا كانَ بَدَوِيًّا، يَطْلُبُ مَساقِطَ الغَيْثِ والكَلَإ، سَواءٌ كانَ مِنَ العَرَبِ أوْ مِن مَوالِيهِمْ، ويُجْمَعُ الأعْرابِيُّ عَلى الأعْرابِ والأعارِيبِ، فالأعْرابِيُّ إذا قِيلَ لَهُ يا عَرَبِيُّ: فَرِحَ، والعَرَبِيُّ إذا قِيلَ لَهُ: يا أعْرابِيُّ، غَضِبَ لَهُ، فَمَنِ اسْتَوْطَنَ القُرى العَرَبِيَّةَ فَهم عَرَبٌ، ومَن نَزَلَ البادِيَةَ فَهم أعْرابٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى الفَرْقِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«حُبُّ العَرَبِ مِنَ الإيمانِ» “ وأمّا الأعْرابُ فَقَدْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ أعْرابٌ، إنَّما هم عَرَبٌ، وهم مُتَقَدِّمُونَ في مَراتِبِ الدِّينِ عَلى الأعْرابِ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا تَؤُمَّنَّ امْرَأةٌ رَجُلًا ولا فاسِقٌ مُؤْمِنًا ولا أعْرابِيٌّ مُهاجِرًا» “ الثّالِثُ: قِيلَ إنَّما سُمِّيَ العَرَبُ عَرَبا؛ لِأنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ نَشَأُوا بِعَرَبَةَ، وهي مِن تِهامَةَ. فَنُسِبُوا إلى بَلَدِهِمْ، وكُلُّ مَن يَسْكُنُ جَزِيرَةَ العَرَبِ ويَنْطِقُ بِلِسانِهِمْ فَهو مِنهم؛ لِأنَّهم إنَّما تَوَلَّدُوا مِن أوْلادِ إسْماعِيلَ، وقِيلَ: سُمُّوا بِالعَرَبِ؛ لِأنَّ ألْسِنَتَهم مُعْرِبَةٌ عَمّا في ضَمائِرِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ اللِّسانَ العَرَبِيَّ مُخْتَصٌّ بِأنْواعٍ مِنَ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ لا تُوجَدُ في سائِرِ صفحة ١٣٢ الألْسِنَةِ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ عَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ أنَّهُ قالَ: حِكْمَةُ الرُّومِ في أدْمِغَتِهِمْ وذَلِكَ لِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى التَّرْكِيباتِ العَجِيبَةِ، وحِكْمَةُ الهِنْدِ في أوْهامِهِمْ، وحِكْمَةُ اليُونانِ في أفْئِدَتِهِمْ، وذَلِكَ لِكَثْرَةِ ما لَهم مِنَ المَباحِثِ العَقْلِيَّةِ، وحِكْمَةُ العَرَبِ في ألْسِنَتِهِمْ، وذَلِكَ لِحَلاوَةِ ألْفاظِهِمْ وعُذُوبَةِ عِباراتِهِمْ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الجَمْعُ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ الأصْلُ فِيهِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَإنْ لَمْ يُوجَدِ المَعْهُودُ السّابِقُ، حُمِلَ عَلى الِاسْتِغْراقِ لِلضَّرُورَةِ. قالُوا: لِأنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ يَكْفِي في حُصُولِ مَعْناها الثَّلاثَةُ فَما فَوْقَها، والألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، فَإنْ حَصَلَ جَمْعٌ هو مَعْهُودٌ سابِقٌ وجَبَ الِانْصِرافُ إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ عَلى الِاسْتِغْراقِ دَفْعًا لِلْإجْمالِ. قالُوا إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الأعْرابُ﴾ المُرادُ مِنهُ جَمْعٌ مُعَيَّنُونَ مِن مُنافِقِي الأعْرابِ، كانُوا يُوالُونَ مُنافِقِي المَدِينَةِ فانْصَرَفَ هَذا اللَّفْظُ إلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الأعْرابِ بِحُكْمَيْنِ: الحُكْمُ الأوَّلُ أنَّهم أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ البَدْوِ يُشْبِهُونَ الوُحُوشَ. والثّانِي: اسْتِيلاءُ الهَواءِ الحارِّ اليابِسِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ التِّيهِ والتَّكَبُّرِ والنَّخْوَةِ والفَخْرِ والطَّيْشِ عَلَيْهِمْ. والثّالِثُ: أنَّهم ما كانُوا تَحْتَ سِياسَةِ سائِسٍ، ولا تَأْدِيبِ مُؤَدِّبٍ، ولا ضَبْطِ ضابِطٍ فَنَشَأُوا كَما شاءُوا، ومَن كانَ كَذَلِكَ خَرَجَ عَلى أشَدِّ الجِهاتِ فَسادًا. والرّابِعُ: أنَّ مَن أصْبَحَ وأمْسى مُشاهِدًا لِوَعْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبَياناتِهِ الشّافِيَةِ، وتَأْدِيباتِهِ الكامِلَةِ، كَيْفَ يَكُونُ مُساوِيًا لِمَن لَمْ يُؤاثِرْ هَذا الخَيْرَ، ولَمْ يَسْمَعْ خَبَرَهُ. والخامِسُ: قابِلْ الفَواكِهَ الجَبَلِيَّةَ بِالفَواكِهِ البُسْتانِيَّةِ لِتَعْرِفَ الفَرْقَ بَيْنَ أهْلِ الحَضَرِ والبادِيَةِ. الحُكْمُ الثّانِي قَوْلُهُ: ﴿وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وأجْدَرُ﴾ أيْ أوْلى وأحَقُّ، وفي الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وأجْدُرُ بِأنْ لا يَعْلَمُوا. وقِيلَ في تَفْسِيرِ حُدُودِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مَقادِيرُ التَّكالِيفِ والأحْكامِ. وقِيلَ: مَراتِبُ أدِلَّةِ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِما في قُلُوبِ خَلْقِهِ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما فَرَضَ مِن فَرائِضِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ والمَغْرَمُ مَصْدَرٌ كالغَرامَةِ، والمَعْنى: أنَّ مِنَ الأعْرابِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ الَّذِي يُنْفِقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ غَرامَةٌ وخُسْرانٌ، وإنَّما يَعْتَقِدُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُنْفِقُ إلّا تَقِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ ورِياءً، لا لِوَجْهِ اللَّهِ وابْتِغاءِ ثَوابِهِ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ يَعْنِي المَوْتَ والقَتْلَ، أيْ: يَنْتَظِرُ أنْ تَنْقَلِبَ الأُمُورُ عَلَيْكم بِمَوْتِ الرَّسُولِ، ويَظْهَرَ عَلَيْكُمُ المُشْرِكُونَ. ثُمَّ إنَّهُ أعادَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ والدّائِرَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ واحِدَةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً غالِبَةً، وهي إنَّما تُسْتَعْمَلُ في آفَةٍ تُحِيطُ بِالإنْسانِ كالدّائِرَةِ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهُ مِنها مُخَلِّصٌ، وقَوْلُهُ: ﴿السَّوْءِ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: فَتْحُ السِّينِ هو الوَجْهُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: ساءَ يَسُوءُ سَوْءًا أوْ مُساءَةً، ومَن ضَمَّ السِّينَ جَعَلَهُ اسْمًا، كَقَوْلِكَ: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ البَلاءِ والعَذابِ، ولا يَجُوزُ ضَمُّ السِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ (مَرْيَمَ: ٢٨) ولا في قَوْلِهِ: صفحة ١٣٣ ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ (الفَتْحِ: ١٢) وإلّا لَصارَ التَّقْدِيرُ: ما كانَ أبُوكِ امْرَأ عَذابٍ، وظَنَنْتُمْ ظَنَّ العَذابِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ، وقالَ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدٍ: مَن فَتَحَ السِّينَ، فَهو كَقَوْلِكَ: رَجُلُ سَوْءٍ، وامْرَأةُ سَوْءٍ. ثُمَّ يُدْخِلُ الألِفَ واللّامَ، فَيَقُولُ: رَجُلُ السَّوْءِ وأنْشَدَ الأخْفَشُ: وكُنْتُ كَذِئْبِ السَّوْءَ لَمّا رَأى دَمًا بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الدَّمِ . ومَن ضَمَّ السِّينَ أرادَ بِالسُّوءِ المَضَرَّةَ والشَّرَّ والبَلاءَ والمَكْرُوهَ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ الهَزِيمَةِ والمَكْرُوهِ، وبِهِمْ يَحِيقُ ذَلِكَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَوْ لَمْ تُضَفِ الدّائِرَةُ إلى السَّوْءِ أوِ السُّوءِ لَما عُرِفَ مِنها مَعْنى السُّوءِ؛ لِأنَّ دائِرَةَ الدَّهْرِ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَعْنى يَدُورُ عَلَيْهِمُ البَلاءُ والحَزَنُ، فَلا يَرَوْنَ في مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ودِينِهِ إلّا ما يَسُوؤُهم. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِهِمْ.

التوبة 9:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ حَصَلَ في الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ إنْفاقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَغْرَمًا، بَيَّنَ أيْضًا أنَّ فِيهِمْ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ صالِحِينَ مُجاهِدِينَ يَتَّخِذُ إنْفاقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَغْنَمًا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الفَرِيقَ بِوَصْفَيْنِ: فالأوَّلُ: كَوْنُهُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في جَمِيعِ الطّاعاتِ مِن تَقْدِيمِ الإيمانِ، وفي الجِهادِ أيْضًا كَذَلِكَ. والثّانِي: كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُهُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ، وفِيهِ بَحْثانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ في القُرُباتِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، ضَمُّ الرّاءِ، وإسْكانُها وفَتْحُها. الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرُباتٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَتَّخِذَ، والمَعْنى: أنَّ ما يُنْفِقُهُ لِسَبَبِ حُصُولِ القُرُباتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وصَلَواتِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ، ويَسْتَغْفِرُ لَهم. كَقَوْلِهِ: ”«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» “ وقالَ تَعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فَلَمّا كانَ ما يُنْفَقُ سَبَبًا لِحُصُولِ القُرُباتِ والصَّلَواتِ، قِيلَ: إنَّهُ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ وصَلَواتٍ. وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٩] وهَذا شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُتَصَدِّقِ بِصِحَّةِ ما اعْتَقَدَ مِن كَوْنِ نَفَقَتِهِ قُرُباتٍ وصَلَواتٍ، وقَدْ أكَّدَ تَعالى هَذِهِ الشَّهادَةَ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّها﴾ ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ إدْخالَ هَذا السِّينِ يُوجِبُ مَزِيدَ التَّأْكِيدِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِسَيِّئاتِهِمْ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ حَيْثُ وفَّقَهم لِهَذِهِ الطّاعاتِ. وقَرَأ نافِعٌ (ألا إنَّها قُرُبَةٌ) بِضَمِّ الرّاءِ وهو الأصْلُ، ثُمَّ خُفِّفَتْ نَحْوَ: كُتْبٍ، ورُسْلٍ، وطُنْبٍ، والأصْلُ هو الضَّمُّ، والإسْكانُ تَخْفِيفٌ.

التوبة 9:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ فَضائِلَ الأعْرابِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ما يُنْفِقُونَ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الثَّوابِ، بَيَّنَ أنَّ فَوْقَ مَنزِلَتِهِمْ مَنازِلَ أعْلى وأعْظَمَ مِنها، وهي مَنازِلُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مَن هم ؟ وذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ وشَهِدُوا بَدْرًا، وعَنِ الشَّعْبِيِّ هُمُ الَّذِينَ بايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. والصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّهُمُ السّابِقُونَ في الهِجْرَةِ، وفي النُّصْرَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ ذَكَرَ كَوْنَهم سابِقِينَ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهم سابِقُونَ في ماذا، فَبَقِيَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا إلّا أنَّهُ وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ مُهاجِرِينَ وأنْصارًا، فَوَجَبَ صَرْفُ ذَلِكَ اللَّفْظِ إلى ما بِهِ صارُوا مُهاجِرِينَ وأنْصارًا، وهو الهِجْرَةُ والنُّصْرَةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ في الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ؛ إزالَةً لِلْإجْمالِ عَنِ اللَّفْظِ، وأيْضًا فالسَّبْقُ إلى الهِجْرَةِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ مِن حَيْثُ إنَّ الهِجْرَةَ فِعْلٌ شاقٌّ عَلى النَّفْسِ، ومُخالِفٌ لِلطَّبْعِ، فَمَن أقْدَمَ عَلَيْهِ أوَّلًا صارَ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ في هَذِهِ الطّاعَةِ، وكانَ ذَلِكَ مُقَوِّيًا لِقَلْبِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسَبَبًا لِزَوالِ الوَحْشَةِ عَنْ خاطِرِهِ، وكَذَلِكَ السَّبْقُ في النُّصْرَةِ، فَإنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، فَلا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى النُّصْرَةِ والخِدْمَةِ، فازُوا بِمَنصِبٍ عَظِيمٍ؛ فَلِهَذِهِ الوُجُوهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ في الهِجْرَةِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ أسْبَقَ النّاسِ إلى الهِجْرَةِ هو أبُو بَكْرٍ؛ لِأنَّهُ كانَ في خِدْمَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وكانَ مُصاحِبًا لَهُ في كُلِّ مَسْكَنٍ ومَوْضِعٍ، فَكانَ نَصِيبُهُ مِن هَذا المَنصِبِ أعْلى مِن نَصِيبِ غَيْرِهِ، وعَلِيٌّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وإنْ كانَ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ إلّا أنَّهُ إنَّما هاجَرَ بَعْدَ هِجْرَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، ولا شَكَّ أنَّهُ إنَّما بَقِيَ بِمَكَّةَ لِمُهِمّاتِ الرَّسُولِ إلّا أنَّ السَّبْقَ إلى الهِجْرَةِ إنَّما حَصَلَ لِأبِي بَكْرٍ، فَكانَ نَصِيبُ أبِي بَكْرٍ مِن هَذِهِ الفَضِيلَةِ أوْفَرَ، فَإذا ثَبَتَ هَذا صارَ أبُو بَكْرٍ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ورَضِيَ هو عَنِ اللَّهِ، وذَلِكَ في أعْلى الدَّرَجاتِ مِنَ الفَضْلِ. وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ إمامًا حَقًّا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، إذْ لَوْ كانَتْ إمامَتُهُ باطِلَةً لاسْتَحَقَّ اللَّعْنَ والمَقْتَ، وذَلِكَ يُنافِي حُصُولَ مِثْلِ هَذا التَّعْظِيمِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -، وعَلى صِحَّةِ إمامَتِهِما. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن سَبَقَ إلى الإسْلامِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ صفحة ١٣٥ آمَنُوا، وفي عَدَدِ المُسْلِمِينَ في مَكَّةَ والمَدِينَةِ قِلَّةٌ وضَعْفٌ. فَقَوِيَ الإسْلامُ بِسَبَبِهِمْ، وكَثُرَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ إسْلامِهِمْ، وقَوِيَ قَلْبُ الرَّسُولِ بِسَبَبِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ واقْتَدى بِهِمْ غَيْرُهم، فَكانَ حالُهم فِيهِ كَحالِ مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَيَكُونُ لَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ ؟ ثُمَّ نَقُولُ: هَبْ أنَّ أبا بَكْرٍ دَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ بِحُكْمِ كَوْنِهِ أوَّلَ المُهاجِرِينَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ أنَّهُ بَقِيَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ ؟ ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَغَيَّرَ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، وزالَتْ عَنْهُ تِلْكَ الفَضِيلَةُ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى تِلْكَ الإمامَةِ ؟ والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ حَمْلَ السّابِقِينِ عَلى السّابِقِينِ في المُدَّةِ تَحَكُّمٌ لا دَلالَةَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ السّابِقِ مُطْلَقٌ، فَلَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ عَلى السَّبْقِ في المُدَّةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى السَّبْقِ في سائِرِ الأُمُورِ، ونَحْنُ بَيَّنّا أنَّ حَمْلَهُ عَلى السَّبْقِ في الهِجْرَةِ أوْلى. قَوْلُهُ: المُرادُ مِنهُ السَّبْقُ في الإسْلامِ. قُلْنا: السَّبْقُ في الهِجْرَةِ يَتَضَمَّنُ السَّبْقَ في الإسْلامِ، والسَّبْقُ في الإسْلامِ لا يَتَضَمَّنُ السَّبْقَ في الهِجْرَةِ، فَكانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى السَّبْقِ في الهِجْرَةِ أوْلى. وأيْضًا فَهَبْ أنّا نَحْمِلُ اللَّفْظَ عَلى السَّبْقِ في الإيمانِ، إلّا أنّا نَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى جَماعَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وغَيْرُهُ، وهَبْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّ إيمانَ أبِي بَكْرٍ أسْبَقُ أمْ إيمانَ عَلِيٍّ ؟ لَكِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ مِنَ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ، واتَّفَقَ أهْلُ الحَدِيثِ عَلى أنَّ أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِنَ الرِّجالِ أبُو بَكْرٍ، ومِنَ النِّساءِ خَدِيجَةُ، ومِنَ الصِّبْيانِ عَلَيٌّ، ومِنَ المَوالِي زِيدٌ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَكُونُ أبُو بَكْرٍ مِنَ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ، وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا أنَّ السَّبْقَ في الإيمانِ إنَّما أوْجَبَ الفَضْلَ العَظِيمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَقَوّى بِهِ قَلْبُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويَصِيرُ هو قُدْوَةً لِغَيْرِهِ، وهَذا المَعْنى في حَقِّ أبِي بَكْرٍ أكْمَلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ حِينَ أسْلَمَ كانَ رَجُلًا كَبِيرَ السِّنِّ مَشْهُورًا فِيما بَيْنَ النّاسِ، واقْتَدى بِهِ جَماعَةٌ مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، فَإنَّهُ نُقِلَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ذَهَبَ إلى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وعَرَضَ الإسْلامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ جاءَ بِهِمْ بَعْدَ أيّامٍ إلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأسْلَمُوا عَلى يَدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَظَهَرَ أنَّهُ دَخَلَ بِسَبَبِ دُخُولِهِ في الإسْلامِ قُوَّةٌ في الإسْلامِ، وصارَ هَذا قُدْوَةً لِغَيْرِهِ، وهَذِهِ المَعانِي ما حَصَلَتْ في عَلَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ صَغِيرَ السِّنِّ، وكانَ جارِيًا مَجْرى صَبِيٍّ في داخِلِ البَيْتِ، فَما كانَ يَحْصُلُ بِإسْلامِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَزِيدُ قُوَّةٍ لِلْإسْلامِ، وما صارَ قُدْوَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ لِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الرَّأْسَ والرَّئِيسَ في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ لَيْسَ إلّا أبا بَكْرٍ، أمّا قَوْلُهُ لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ بَقِيَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ إقْدامِهِ عَلى طَلَبِ الإمامَةِ ؟ قُلْنا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأحْوالِ والأوْقاتِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لا وقْتَ ولا حالَ إلّا ويَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهُ. فَيُقالُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم إلّا في وقْتِ طَلَبِ الإمامَةِ، ومُقْتَضى الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ تَحْتَ اللَّفْظِ. أوْ نَقُولُ: إنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ سابِقِينَ مُهاجِرِينَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ المُرادَ كَوْنُهم سابِقِينَ في الهِجْرَةِ، ثُمَّ لَمّا وصَفَهم بِهَذا الوَصْفِ أثْبَتَ لَهم ما يُوجِبُ التَّعْظِيمَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ والسَّبْقُ في الهِجْرَةِ وصْفٌ مُناسِبٌ لِلتَّعْظِيمِ، وذِكْرُ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ، يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ التَّعْظِيمَ الحاصِلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِمْ سابِقِينَ في الهِجْرَةِ، والعِلَّةُ ما دامَتْ مَوْجُودَةً فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرِّضْوانُ حاصِلًا في جَمِيعِ مُدَّةِ وُجُودِهِمْ، أوْ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى قَدْ أعَدَّ تِلْكَ الجَنّاتِ وعَيَّنَها لَهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي بَقاءَهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ صفحة ١٣٦ الَّتِي لِأجْلِها صارُوا مُسْتَحِقِّينَ لِتِلْكَ الجَنّاتِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى أعَدَّها لَهم لَوْ بَقُوا عَلى صِفَةِ الإيمانِ، لِأنّا نَقُولُ: هَذا زِيادَةُ إضْمارٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وأيْضًا فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لا يَبْقى بَيْنَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في هَذا المَدْحِ، وبَيْنَ سائِرِ الفِرَقِ فَرْقٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى: ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ ولِفِرْعَوْنَ وهامانَ وأبِي جَهْلٍ وأبِي لَهَبٍ، لَوْ صارُوا مُؤْمِنِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ في مَعْرِضِ المَدْحِ العَظِيمِ والثَّناءِ الكامِلِ، وحَمْلُهُ عَلى ما ذَكَرُوهُ يُوجِبُ بُطْلانَ هَذا المَدْحِ والثَّناءِ، فَسَقَطَ هَذا السُّؤالُ. فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ، وعَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِإمامَتِهِ قَطْعًا. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَدْحَ الحاصِلَ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الصَّحابَةِ أمْ يَتَناوَلُ بَعْضَهم ؟ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ يَتَناوَلُ الَّذِينَ سَبَقُوا في الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، وعَلى هَذا فَهو لا يَتَناوَلُ إلّا قُدَماءَ الصَّحابَةِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ (مِن) تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الصَّحابَةِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ الصَّحابَةِ مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ سابِقِينَ أوَّلِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ المُسْلِمِينَ، وكَلِمَةُ (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ، بَلْ لِلتَّبْيِينِ، أيْ: والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ المَوْصُوفُونَ بِوَصْفِ كَوْنِهِمْ مُهاجِرِينَ وأنْصارًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحَجِّ: ٣٠] وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ذَهَبُوا إلى هَذا القَوْلِ، رُوِيَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ يَوْمًا لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: ألا تُخْبِرُنِي عَنْ أصْحابِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما كانَ بَيْنَهم ؟ وأرَدْتُ الفِتَنَ، فَقالَ لِي: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ غَفَرَ لِجَمِيعِهِمْ، وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ، مُحْسِنُهم ومُسِيئُهم، قُلْتُ لَهُ: وفي أيِّ مَوْضِعٍ أوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ ؟ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! ألا تَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ ؟ فَأوْجَبَ اللَّهُ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الجَنَّةَ والرِّضْوانَ، وشَرَطَ عَلى التّابِعِينَ شَرْطًا شَرَطَهُ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: وما ذاكَ الشَّرْطُ ؟ قالَ: اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوهم بِإحْسانٍ في العَمَلِ، وهو أنْ يَقْتَدُوا بِهِمْ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، ولا يَقْتَدُوا بِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ يُقالُ: المُرادُ أنْ يَتَّبِعُوهم بِإحْسانٍ في القَوْلِ، وهو أنْ لا يَقُولُوا فِيهِمْ سُوءًا، وأنْ لا يُوَجِّهُوا الطَّعْنَ فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ زِيادٍ: فَكَأنِّي ما قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ قَطُّ ! . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ يَقْرَأُ ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ فَكانَ يَعْطِفُ قَوْلَهُ: ﴿والأنْصارِ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ﴾ وكانَ يَحْذِفُ الواوَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ ويَجْعَلُهُ وصْفًا لِلْأنْصارِ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَقالَ أُبَيٌّ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى هَذا الوَجْهِ، وإنَّكَ لَتَبِيعُ القَرَظَ يَوْمَئِذٍ بِبَقِيعِ المَدِينَةِ، فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: صَدَقْتَ، شَهِدْتُمْ وغِبْنا، وفَرَغْتُمْ وشُغِلْنا، ولَئِنْ شِئْتَ لَتَقُولَنَّ نَحْنُ أوَيْنا ونَصَرْنا. ورُوِيَ أنَّهُ جَرَتْ هَذِهِ المُناظَرَةُ بَيْنَ عُمَرَ وبَيْنَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ واسْتَشْهَدَ زَيْدٌ بِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، والتَّفاوُتُ أنَّ عَلى قِراءَةِ عُمَرَ يَكُونُ التَّعْظِيمُ الحاصِلُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ مُخْتَصًّا بِالمُهاجِرِينَ ولا يُشارِكُهُمُ الأنْصارُ فِيها فَوَجَبَ مَزِيدُ التَّعْظِيمِ لِلْمُهاجِرِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ. ورُوِيَ أنَّ أُبَيًّا احْتَجَّ عَلى صِحَّةِ القِراءَةِ المَشْهُورَةِ بِآخِرِ الأنْفالِ وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا﴾ بَعْدَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ في الآيَةِ الأُولى، وبِأواسِطِ سُورَةِ الحَشْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ وبِأوَّلِ سُورَةِ الجُمُعَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجُمُعَةِ: ٣] . صفحة ١٣٧ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والسّابِقُونَ﴾ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ومَعْناهُ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِأعْمالِهِمْ وكَثْرَةِ طاعاتِهِمْ، ورَضُوا عَنْهُ لِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن نِعَمِهِ الجَلِيلَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وفي مَصاحِفِ أهْلِ مَكَّةَ (تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ) وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وفي سائِرِ المَصاحِفِ﴿تَحْتَها﴾ مِن غَيْرِ كَلِمَةِ (مِن) . * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ، يَذْكُرُونَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِالجَنَّةِ والرَّحْمَةِ والدُّعاءِ لَهم، ويَذْكُرُونَ مَحاسِنَهم، وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ عَلى دِينِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَنِ اتَّبَعَهم إنَّما يَسْتَحِقُّونَ الرِّضْوانَ والثَّوابَ، بِشَرْطِ كَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ، وفَسَّرْنا هَذا الإحْسانَ بِإحْسانِ القَوْلِ فِيهِمْ، والحُكْمُ المَشْرُوطُ بِشَرْطٍ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفاءِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، فَوَجَبَ أنَّ مَن لَمْ يُحْسِنِ القَوْلَ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلرِّضْوانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنْ لا يَكُونَ مِن أهْلِ الثَّوابِ لِهَذا السَّبَبِ، فَإنَّ أهْلَ الدِّينِ يُبالِغُونَ في تَعْظِيمِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يُطْلِقُونَ ألْسِنَتَهم في اغْتِيابِهِمْ وذِكْرِهِمْ بِما لا يَنْبَغِي.

التوبة 9:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَرَحَ أحْوالَ مُنافِقِي المَدِينَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أحْوالَ مُنافِقِي الأعْرابِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ في الأعْرابِ مَن هو مُؤْمِنٌ صالِحٌ مُخْلِصٌ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ رُؤَساءَ المُؤْمِنِينَ مَن هم ؟ وهُمُ السّابِقُونَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ. فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ جَماعَةً مِن حَوْلِ المَدِينَةِ مَوْصُوفُونَ بِالنِّفاقِ، وإنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ كَوْنَهم كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ وهم جُهَيْنَةُ وأسْلَمُ وأشْجَعُ وغِفارٌ، وكانُوا نازِلِينَ حَوْلَها. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ فَأضْمَرَ (مَن) لِدَلالَةِ (مِن) عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ (الصّافّاتِ: ١٦٤) يُرِيدُ إلّا مَن لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. البَحْثُ الثّانِي: يُقالُ: مَرُدَ يَمْرَدُ مَرَدًا فَهو مارِدٌ ومَرِيدٌ إذا عَتا، والمَرِيدُ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، وقَدْ تَمَرَّدَ عَلَيْنا أيْ عَتا، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: المُرادُ التَّطاوُلُ بِالكِبَرِ والمَعاصِي، ومِنهُ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ وأصْلُ المَرُودِ المَلاسَةُ، ومِنهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ، وغُلامٌ أمْرَدُ، والمَرْداءُ الرَّمْلَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، كَأنَّ مَن لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَ غَيْرِهِ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، بَقِيَ كَما كانَ عَلى صِفَتِهِ الأصْلِيَّةِ مِن غَيْرِ حُدُوثِ تَغَيُّرٍ فِيهِ البَتَّةَ، وذَلِكَ هو المَلاسَةُ. صفحة ١٣٨ إذا عَرَفْتَ أصْلَ اللَّفْظِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ أيْ ثَبَتُوا واسْتَمَرُّوا فِيهِ ولَمْ يَتُوبُوا عَنْهُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] والمَعْنى أنَّهم تَمَرَّدُوا في حِرْفَةِ النِّفاقِ فَصارُوا فِيها أُسْتاذِينِ، وبَلَغُوا إلى حَيْثُ لا تَعْلَمُ أنْتَ نِفاقَهم مَعَ قُوَّةِ خاطِرِكَ وصَفاءِ حَدْسِكَ ونَفْسِكَ. ثُمَّ قالَ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ المَرَّتَيْنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ الأمْراضَ في الدُّنْيا، وعَذابَ الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنَّ مَرَضَ المُؤْمِنِ يُفِيدُهُ تَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ، ومَرَضُ الكافِرِ يُفِيدُهُ زِيادَةُ الكُفْرِ وكُفْرانُ النِّعَمِ. الوَجْهُ الثّانِي: رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ «النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قامَ خَطِيبًا يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقالَ: ”اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ» “ فَأخْرَجَ مِنَ المَسْجِدِ ناسًا وفَضَحَهم فَهَذا هو العَذابُ الأوَّلُ، والثّانِي عَذابُ القَبْرِ. والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ وبَعْدَ ذَلِكَ بِعَذابِ القَبْرِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ بِالدُّبَيْلَةِ وعَذابِ القَبْرِ، وذَلِكَ أنَّ «النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أسَرَّ إلى حُذَيْفَةَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ»، وقالَ: سِتَّةٌ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ بِالدُّبَيْلَةِ سِراجٌ مِن نارٍ يَأْخُذُ أحَدَهم حَتّى يَخْرُجَ مِن صَدْرِهِ، وسِتَّةٌ يَمُوتُونَ مَوْتًا. والوَجْهُ الخامِسُ: قالَ الحَسَنُ: بِأخْذِ الزَّكاةِ مِن أمْوالِهِمْ، وعَذابِ القَبْرِ. والوَجْهُ السّادِسُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: هو ما يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْظِ الإسْلامِ، ودُخُولُهم فِيهِ مِن غَيْرِ حَسَنَةٍ، ثُمَّ عَذابُهم في القُبُورِ. والوَجْهُ السّابِعُ: أحَدُ العَذابَيْنِ ضَرْبُ المَلائِكَةِ الوُجُوهَ والأدْبارَ. والآخَرُ عِنْدَ البَعْثِ، يُوَكَّلُ بِهِمْ عُنُقُ النّارِ. والأوْلى أنْ يُقالَ مَراتِبُ الحَياةِ ثَلاثَةٌ: حَياةُ الدُّنْيا، وحَياةُ القَبْرِ، وحَياةُ القِيامَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ المُرادُ مِنهُ عَذابُ الدُّنْيا بِجَمِيعِ أقْسامِهِ، وعَذابُ القَبْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ المُرادُ مِنهُ العَذابُ في الحَياةِ الثّالِثَةِ، وهي الحَياةُ في القِيامَةِ. ثُمَّ قالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ يَعْنِي النّارَ المُخَلَّدَةَ المُؤَبَّدَةَ.

التوبة 9:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صفحة ١٣٩ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ تابُوا عَنِ النِّفاقِ. والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، لا لِلْكُفْرِ والنِّفاقِ، لَكِنْ لِلْكَسَلِ، ثُمَّ نَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا ثُمَّ تابُوا، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وآخَرُونَ﴾ عِطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ والعَطْفُ يُوهِمُ التَّشْرِيكَ إلّا أنَّهُ تَعالى وفَّقَهم حَتّى تابُوا، فَلَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَ الأوَّلَ بِالمُرُودِ عَلى النِّفاقِ والمُبالَغَةِ فِيهِ. وصَفَ هَذِهِ الفِرْقَةَ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ النِّفاقِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ مَرْوانُ بْنُ عَبَدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ حِزامٍ، وقِيلَ: كانُوا عَشَرَةً. فَسَبْعَةٌ مِنهم أوْثَقُوا أنْفُسَهم لَمّا بَلَغَهم ما نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ فَأيْقَنُوا بِالهَلاكِ، وأوْثَقُوا أنْفُسَهم عَلى سَوارِي المَسْجِدِ فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ وكانَتْ هَذِهِ عادَتَهُ، فَلَمّا قَدِمَ مِن سَفَرِهِ ورَآهم مُوثَقِينَ، سَألَ عَنْهم فَذُكِرَ لَهُ أنَّهم أقْسَمُوا أنْ لا يَحُلُّوا أنْفُسَهم حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ هو الَّذِي يَحُلُّهم، فَقالَ: وأنا أُقْسِمُ أنِّي لا أحُلُّهم حَتّى أُؤْمَرَ فِيهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم، فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا وإنَّما تَخَلَّفْنا عَنْكَ بِسَبَبِها، فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا، فَقالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً»﴾ ) الآيَةَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الِاعْتِرافُ عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِالشَّيْءِ عَنْ مَعْرِفَةٍ، ومَعْناهُ أنَّهم أقَرُّوا بِذَنْبِهِمْ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَعْتَذِرُوا عَنْ تَخَلُّفِهِمْ بِالأعْذارِ الباطِلَةِ كَغَيْرِهِمْ، ولَكِنِ اعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم بِئْسَما فَعَلُوا وأظْهَرُوا النَّدامَةَ وذَمُّوا أنْفُسَهم عَلى ذَلِكَ التَّخَلُّفِ. فَإنْ قِيلَ: الِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ هَلْ يَكُونُ تَوْبَةً أمْ لا ؟ قُلْنا: مُجَرَّدُ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ لا يَكُونُ تَوْبَةً، فَأمّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ النَّدَمُ عَلى الماضِي، والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وكانَ هَذا النَّدَمُ والتَّوْبَةُ لِأجْلِ كَوْنِهِ مَنهِيًّا عَنْهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، كانَ هَذا المَجْمُوعُ تَوْبَةً، إلّا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ تابُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ والمُفَسِّرُونَ قالُوا: إنَّ عَسى مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: في هَذا العَمَلِ الصّالِحِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: العَمَلُ الصّالِحُ هو الِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ والنَّدامَةُ عَلَيْهِ والتَّوْبَةُ مِنهُ، والسَّيِّءُ هو التَّخَلُّفُ عَنِ الغَزْوِ. والثّانِي: العَمَلُ الصّالِحُ خُرُوجُهم مَعَ الرَّسُولِ إلى سائِرِ الغَزَواتِ، والسَّيِّءُ هو تَخَلُّفُهم عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَقِّ المُسْلِمِينَ كانَ العَمَلُ الصّالِحُ إقْدامَهم عَلى أعْمالِ البِرِّ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهم. البَحْثُ الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَدْ جُعِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ والسَّيِّءِ مَخْلُوطًا. فَما المَخْلُوطُ بِهِ ؟ وجَوابُهُ أنَّ الخَلْطَ عِبارَةٌ عَنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ، وأمّا قَوْلُكَ خَلَطْتُهُ، فَإنَّما يَحْسُنُ في المَوْضِعِ الَّذِي يَمْتَزِجُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، ويَتَغَيَّرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِسَبَبِ تِلْكَ المُخالَطَةِ عَنْ صِفَتِهِ الأصْلِيَّةِ كَقَوْلِكَ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ. واللّائِقُ بِهَذا المَوْضِعِ هو الجَمْعُ المُطْلَقُ؛ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ والعَمَلَ السَّيِّءَ إذا حَصَلا بَقِيَ كُلُّ صفحة ١٤٠ واحِدٍ مِنهُما كَما كانَ عَلى مَذْهَبِنا، فَإنَّ عِنْدَنا القَوْلَ بِالإحْباطِ باطِلٌ، والطّاعَةَ تَبْقى مُوجِبَةً لِلْمَدْحِ والثَّوابِ، والمَعْصِيَةَ تَبْقى مُوجِبَةً لِلذَّمِّ والعِقابِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ القَوْلِ بِالمُحابَطَةِ، وأنَّهُ بَقِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما كَما كانَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَأثَّرَ أحَدُهُما بِالآخَرِ، ومِمّا يُعِيِنُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى نَفْيِ القَوْلِ بِالمُحابَطَةِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ العَمَلَ الصّالِحَ والعَمَلَ السَّيِّءَ بِالمُخالَطَةِ. والمُخْتَلِطانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا باقِيَيْنِ حالَ اخْتِلاطِهِما؛ لِأنَّ الِاخْتِلاطَ صِفَةٌ لِلْمُخْتَلِطِينَ، وحُصُولُ الصِّفَةِ حالَ عَدَمِ المَوْصُوفِ مُحالٌ، فَدَلَّ عَلى بَقاءِ العَمَلَيْنِ حالَ الِاخْتِلاطِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: هَهُنا سُؤالٌ، وهو أنَّ كَلِمَةَ ﴿عَسى﴾ شَكٌّ وهو في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهِ الأوَّلِ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كَلِمَةُ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ (المائِدَةِ: ٥٢) وفَعَلَ ذَلِكَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلى عُرْفِ النّاسِ في الكَلامِ، والسُّلْطانُ العَظِيمُ إذا التَمَسَ المُحْتاجُ مِنهُ شَيْئًا فَإنَّهُ لا يُجِيبُ إلَيْهِ إلّا عَلى سَبِيلِ التَّرَجِّي مَعَ كَلِمَةِ عَسى، أوْ لَعَلَّ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُلْزِمَنِي شَيْئًا وأنْ يُكَلِّفَنِي بِشَيْءٍ بَلْ كُلُّ ما أفْعَلُهُ فَإنَّما أفْعَلُهُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ والتَّطَوُّلِ، فَذِكْرُ كَلِمَةِ ﴿عَسى﴾ الفائِدَةُ فِيهِ هَذا المَعْنى، مَعَ أنَّهُ يُفِيدُ القَطْعَ بِالإجابَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ، المَقْصُودِ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُكَلَّفُ عَلى الطَّمَعِ والإشْفاقِ لِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ الإنْكارِ والإهْمالِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ أصْحابُنا قَوْلُهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ التَّوْبَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، والعَقْلُ أيْضًا دَلِيلٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأصْلَ في التَّوْبَةِ النَّدَمُ، والنَّدَمُ لا يَحْصُلُ بِاخْتِيارِ العَبْدِ؛ لِأنَّ إرادَةَ الفِعْلِ والتَّرْكِ إنْ كانَتْ فِعْلًا لِلْعَبْدِ افْتَقَرَ في فِعْلِها إلى إرادَةٍ أُخْرى، وأيْضًا فَإنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في فِعْلٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ يَصِيرُ عَظِيمَ النَّدامَةِ عَلَيْهِ، وحالَ كَوْنِهِ راغِبًا فِيهِ لا يُمْكِنُهُ دَفْعُ تِلْكَ الرَّغْبَةِ عَنِ القَلْبِ، وحالَ صَيْرُورَتِهِ نادِمًا عَلَيْهِ لا يُمْكِنُهُ دَفْعُ تِلْكَ النَّدامَةِ عَنِ القَلْبِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلى تَحَصُّلِ النَّدامَةِ، وعَلى تَحْصِيلِ الرَّغْبَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: يَتُوبُ اللَّهُ أنَّهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ. والجَوابُ: أنَّ الصَّرْفَ عَنِ الظّاهِرِ إنَّما يَحْسُنُ إذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، أمّا هَهُنا، فالدَّلِيلُ العَقْلِيُّ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراءُ اللَّفْظِ إلّا عَلى ظاهِرِهِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ التَّأْوِيلُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ إنَّما تَحْصُلُ في المُسْتَقْبَلِ. وقَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِرافَ حَصَلَ في الماضِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِرافَ ما كانَ نَفْسَ التَّوْبَةِ، بَلْ كانَ مُقَدِّمَةً لِلتَّوْبَةِ، وأنَّ التَّوْبَةَ إنَّما تَحْصُلُ بَعْدَها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ. فَقالَ بَعْضُهم: هَذا راجِعٌ إلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا، وذَلِكَ لِأنَّهم بَذَلُوا أمْوالَهم لِلصَّدَقَةِ، فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى أخْذَها، وصارَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا في كَمالِ تَوْبَتِهِمْ لِتَكُونَ جارِيَةً في صفحة ١٤١ حَقِّهِمْ مَجْرى الكَفّارَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وكانَ يَقُولُ: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الصَّدَقَةَ الواجِبَةَ، وإنَّما هي صَدَقَةُ كَفّارَةِ الذَّنْبِ الَّذِي صَدَرَ مِنهم. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الزَّكَواتِ كانَتْ واجِبَةً عَلَيْهِمْ، فَلَمّا تابُوا مِن تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الغَزْوِ وحَسُنَ إسْلامُهم، وبَذَلُوا الزَّكاةَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَأْخُذَها مِنهم. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، والمَقْصُودُ مِنها إيجابُ أخْذِ الزَّكاةِ مِنَ الأغْنِياءِ وعَلَيْهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ إذِ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إيجابِ الزَّكَواتِ. وقالُوا في الزَّكاةِ إنَّها طُهْرَةٌ، أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ: فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ الآياتِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُنْتَظِمَةً مُتَناسِقَةً، أمّا لَوْ حَمَلْناها عَلى الزَّكَواتِ الواجِبَةِ ابْتِداءً، لَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها، ولا بِما بَعْدَها، وصارَتْ كَلِمَةً أجْنَبِيَّةً، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنهُ أخْذُ الزَّكَواتِ الواجِبَةِ، قالُوا: المُناسَبَةُ حاصِلَةٌ أيْضًا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أظْهَرُوا التَّوْبَةَ والنَّدامَةَ، عَنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهم أقَرُّوا بِأنَّ السَّبَبَ المُوجِبَ لِذَلِكَ التَّخَلُّفِ حُبُّهم لِلْأمْوالِ وشِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى صَوْنِها عَنِ الإنْفاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم إنَّما يَظْهَرُ صِحَّةُ قَوْلِكم في ادِّعاءِ هَذِهِ التَّوْبَةِ والنَّدامَةِ لَوْ أخْرَجْتُمُ الزَّكاةَ الواجِبَةَ، ولَمْ تُضايِقُوا فِيها؛ لِأنَّ الدَّعْوى لا تَتَقَرَّرُ إلّا بِالمَعْنى، وعِنْدَ الِامْتِحانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ أوْ يُهانُ، فَإنْ أدَّوْا تِلْكَ الزَّكَواتِ عَنْ طِيبَةِ النَّفْسِ ظَهَرَ كَوْنُهم صادِقِينَ في تِلْكَ التَّوْبَةِ والإنابَةِ، وإلّا فَهم كاذِبُونَ مُزَوِّرُونَ بِهَذا الطَّرِيقِ. لَكِنَّ حَمْلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّكْلِيفِ بِإخْراجِ الزَّكَواتِ الواجِبَةِ مَعَ أنَّهُ يَبْقى نَظْمُ هَذِهِ الآياتِ سَلِيمًا أوْلى، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ. قَوْلُهُ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ والمَعْنى تُطَهِّرُهم عَنِ الذَّنْبِ بِسَبَبِ أخْذِ تِلْكَ الصَّدَقاتِ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ قُلْنا إنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ تِلْكَ الصَّدَقَةَ لَحَصَلَ الذَّنْبُ، وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ حُصُولُهُ في الصَّدَقاتِ الواجِبَةِ. وأمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ: فَقالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا عَذَرَ أُولَئِكَ التّائِبِينَ وأطْلَقَهم، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي بِسَبَبِها تَخَلَّفْنا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا وطَهِّرْنا واسْتَغْفِرْ لَنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُلُثَ أمْوالِهِمْ، وتَرَكَ الثُّلُثَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ولَمْ يَقُلْ خُذْ أمْوالَهم، وكَلِمَةُ(مِن) تُفِيدُ التَّبْعِيضَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَمْنَعُ القَوْلَ الَّذِي اخْتَرْناهُ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنَّكم لَمّا رَضِيتُمْ بِإخْراجِ الصَّدَقَةِ الَّتِي هي غَيْرُ واجِبَةٍ؛ فَلِأنْ تَصِيرُوا راضِينَ بِإخْراجِ الواجِباتِ أوْلى. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَثِيرٍ مِن أحْكامِ الزَّكاةِ. الحُكْمُ الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَدْرَ المَأْخُوذَ بَعْضُ تِلْكَ الأمْوالِ لا كُلُّها إذْ مِقْدارُ ذَلِكَ البَعْضِ غَيْرُ مَذْكُورٍ هَهُنا بِصَرِيحِ اللَّفْظِ، بَلِ المَذْكُورُ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿صَدَقَةً﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّنْكِيرَ حَتّى يَكْفِيَ أخْذَ أيِّ جُزْءٍ كانَ، وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ، مِثْلُ الحَبَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الحِنْطَةِ أوِ الجُزْءِ الحَقِيرِ مِنَ الذَّهَبِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ صَدَقَةً مَعْلُومَةَ الصِّفَةِ والكَيْفِيَّةِ والكِمِّيَّةِ عِنْدَهم، حَتّى يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ أمْرًا بِأخْذِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ المَعْلُومَةِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ الإجْمالُ. ومَعْلُومٌ أنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ لَيْسَتْ إلّا الصَّدَقاتُ الَّتِي وصَفَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وبَيَّنَ كَيْفِيَّتَها، والصَّدَقَةُ الَّتِي بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي أنَّهُ أمَرَ صفحة ١٤٢ بِأنْ يُؤْخَذَ في خَمْسٍ وعِشْرِينَ بِنْتُ مَخاضٍ، وفي سِتَّةٍ وثَلاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَراتِبِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ أمْرًا بِأنْ يَأْخُذَ تِلْكَ الأشْياءَ المَخْصُوصَةَ والأعْيانَ المَخْصُوصَةَ، وظاهِرُ الآيَةِ لِلْوُجُوبِ، فَدَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ أخْذَها واجِبٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القِيمَةَ لا تَكُونُ مُجْزِأةً عَلى ما هو قَوْلُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . الحُكْمُ الثّانِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المالُ مالًا لَهم، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الفَقِيرُ شَرِيكًا لِلْمالِكِ في النِّصابِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الزَّكاةُ مُتَعَلِّقَةً بِالذِّمَّةِ وأنْ لا يَكُونَ لَها تَعَلُّقٌ البَتَّةَ بِالنِّصابِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ إذا فَرَّطَ في الزَّكاةِ حَتّى هَلَكَ النِّصابُ، فالَّذِي هَلَكَ ما كانَ مَحَلًّا لِلْحَقِّ، بَلْ مَحَلُّ الحَقِّ باقٍ كَما كانَ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ الوُجُوبُ بَعْدَ هَلاكِ النِّصابِ كَما كانَ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . الحُكْمُ الثّالِثُ ظاهِرُ هَذا العُمُومِ يُوجِبُ الزَّكاةَ في مالِ المَدْيُونِ، وفي مالِ الضَّمانِ، وهو ظاهِرٌ. الحُكْمُ الرّابِعُ ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ إنَّما وجَبَتْ طُهْرَةً عَنِ الآثامِ، فَلا تَجِبُ إلّا حَيْثُ تَصِيرُ طُهْرَةً عَنِ الآثامِ، وكَوْنُها طُهْرَةً عَنِ الآثامِ لا يَتَقَرَّرُ إلّا حَيْثُ يُمْكِنُ حُصُولُ الآثامِ، وذَلِكَ لا يُعْقَلُ إلّا في حَقِّ البالِغِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَثْبُتَ وُجُوبُ الزَّكاةِ إلّا في حَقِّ البالِغِ كَما هو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجِيبُ ويَقُولُ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أخْذِ الصَّدَقَةِ مِن أمْوالِهِمْ، وأخْذُ الصَّدَقَةِ مِن أمْوالِهِمْ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَها طُهْرَةً، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ أخْذَ الزَّكاةِ مِن أمْوالِ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ طُهْرَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ سَبَبٍ مُعَيَّنٍ انْتِفاءُ الحُكْمِ مُطْلَقًا ؟ * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: خُذْ يا مُحَمَّدُ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً فَإنَّكَ تُطَهِّرُهم. القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ تُطَهِّرُهم مُعَلَّقًا بِالصَّدَقَةِ، والتَّقْدِيرُ: خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً مُطَهِّرَةً، وإنَّما حَسُنَ جَعْلُ الصَّدَقَةِ مُطَهِّرَةً لِما جاءَ أنَّ الصَّدَقَةَ أوْساخُ النّاسِ، فَإذا أُخِذَتِ الصَّدَقَةُ فَقَدِ انْدَفَعَتْ تِلْكَ الأوْساخُ فَكانَ انْدِفاعُها جارِيًا مَجْرى التَّطْهِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ. إنَّ عَلى هَذا القَوْلِ وجَبَ أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وتُزَكِّيهِمْ﴾ يَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنِ الأوَّلِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ﴿خُذْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ تِلْكَ الصَّدَقَةُ، وتُزَكِّيهِمْ أنْتَ بِها. القَوْلُ الثّالِثُ: أنْ يُجْعَلَ التّاءُ فِي﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ﴾ ضَمِيرَ المُخاطَبِ، ويَكُونُ المَعْنى: تُطَهِّرُهم أنْتَ أيُّها الآخِذُ بِأخْذِها مِنهم وتُزَكِّيهِمْ بِواسِطَةِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: (تُطْهِرُهم) مِن أطْهَرِهِ بِمَعْنى طَهَّرَهُ. (وتُطْهِرْهم) بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ، ولَمْ يُقْرَأْ﴿وتُزَكِّيهِمْ﴾ إلّا بِإثْباتِ الياءِ. صفحة ١٤٣ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتُزَكِّيهِمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ التَّزْكِيَةَ لَمّا كانَتْ مَعْطُوفَةً عَلى التَّطْهِيرِ وجَبَ حُصُولُ المُغايَرَةِ، فَقِيلَ: التَّزْكِيَةُ مُبالَغَةٌ في التَّطْهِيرِ، وقِيلَ: التَّزْكِيَةُ بِمَعْنى الإنْماءِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ النُّقْصانَ الحاصِلَ بِسَبَبِ إخْراجِ قَدْرِ الزَّكاةِ سَبَبًا لِلْإنْماءِ، وقِيلَ: الصَّدَقَةُ تُطَهِّرُهم عَنْ نَجاسَةِ الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُزَكِّيهِمْ ويُعَظِّمُ شَأْنَهم ويُثْنِي عَلَيْهِمْ عِنْدَ إخْراجِها إلى الفُقَراءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿إنَّ صَلاتَكَ﴾ بِغَيْرِ واوٍ وفَتْحِ التّاءِ عَلى التَّوْحِيدِ، والمُرادُ مِنهُ الجِنْسُ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] بِغَيْرِ واوٍ وعَلى التَّوْحِيدِ، والباقُونَ (صَلَواتِكَ)، وكَذَلِكَ في هُودٍ عَلى الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والقِراءَةُ الأُولى أوْلى لِأنَّ الصَّلاةَ أكْثَرُ؛ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ والصَّلَواتُ جَمْعُ قِلَّةٍ، تَقُولُ ثَلاثُ صَلَواتٍ وخَمْسُ صَلَواتٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هَذا غَلَطٌ لِأنَّ بِناءَ الصَّلَواتِ لَيْسَ لِلْقِلَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] ولَمْ يُرِدِ القَلِيلَ وقالَ: ﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ (سَبَأٍ: ٢٧) وقالَ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ (الأحْزابِ: ٣٥) . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مانِعُو الزَّكاةِ في زَمانِ أبِي بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا إنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ بِأخْذِ الصَّدَقاتِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ وذَكَرَ أنَّ صَلاتَهُ سَكَنٌ لَهم، فَكانَ وُجُوبُ الزَّكاةِ مَشْرُوطًا بِحُصُولِ ذَلِكَ السَّكَنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ غَيْرَ الرَّسُولِ لا يَقُومُ مَقامَهُ في حُصُولِ ذَلِكَ السَّكَنِ. فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ دَفْعُ الزَّكاةِ إلى أحَدٍ غَيْرَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، واعْلَمْ أنَّهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ سائِرَ الآياتِ دَلَّتْ عَلى أنَّ الزَّكاةَ إنَّما وجَبَتْ دَفْعًا لِحاجَةِ الفَقِيرِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ (التَّوْبَةِ: ٦٠) وكَما في قَوْلِهِ: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ (الذّارِياتِ: ١٩) . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ، فَإذا قُلْنا صَلّى فُلانٌ عَلى فُلانٍ، أفادَ الدُّعاءَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الأصْلِيَّةِ. إلّا أنَّهُ صارَ بِحَسَبِ العُرْفِ يُفِيدُ أنَّهُ قالَ لَهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ ادْعُ لَهم، قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والسُّنَّةُ لِلْإمامِ إذا أخَذَ الصَّدَقَةَ أنْ يَدْعُوَ لِلْمُتَصَدِّقِ ويَقُولَ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيما أعْطَيْتَ وبارَكَ لَكَ فِيما أبْقَيْتَ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى فُلانٍ، ونَقَلُوا عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، «أنَّ آلَ أبِي أوْفى لَمّا أتَوْهُ بِالصَّدَقَةِ قالَ: ”اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» “ ونَقَلَ القاضِي في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنِ الكَعْبِيِّ في ”تَفْسِيرِهِ“ أنَّهُ قالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ وهو مُسَجًّى: عَلَيْكَ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ لا تَنْبَغِي الصَّلاةُ مِن أحَدٍ عَلى أحَدٍ إلّا في حَقِّ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ أصْحابَنا يَمْنَعُونَ مِن ذِكْرِ صَلَواتِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا في حَقِّ الرَّسُولِ، والشِّيعَةُ يَذْكُرُونَهُ في عَلِيٍّ وأوْلادِهِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ نَصَّ القُرْآنِ دَلَّ عَلى أنَّ هَذا الذِّكْرَ جائِزٌ في حَقِّ مَن يُؤَدِّي الزَّكاةَ، فَكَيْفَ يُمْنَعُ ذِكْرُهُ في حَقِّ عَلِيٍّ والحَسَنِ والحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ؟ ورَأيْتُ بَعْضَهم قالَ: ألَيْسَ أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ: سَلامُ عَلَيْكم، يُقالُ لَهُ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ؟ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذِكْرَ هَذا اللَّفْظِ جائِزٌ في حَقِّ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ ذِكْرُهُ في حَقِّ آلِ بَيْتِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ؟ قالَ القاضِي: إنَّهُ جائِزٌ في حَقِّ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنا السَّلامَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ صفحة ١٤٤ الصَّلاةُ عَلَيْكَ ؟ فَقالَ عَلى وجْهِ التَّعْلِيمِ: ”قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ“» ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ في آلِ مُحَمَّدٍ نَبِيٌّ، فَيَتَناوَلُ عَلِيًّا ذَلِكَ، كَما يَجُوزُ مِثْلُهُ في آلِ إبْراهِيمَ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: كُنْتُ قَدْ ذَكَرْتُ لِطائِفَ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: سَلامٌ عَلَيْكم، وهي غَيْرُ لائِقَةٍ بِهَذا المَوْضِعِ إلّا أنِّي رَأيْتُ أنْ أكْتُبَها هَهُنا لِئَلّا تَضِيعَ، فَقُلْتُ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ سَلامٌ عَلَيْكم. فَقَوْلُهُ: سَلامٌ عَلَيْكم مُبْتَدَأٌ وهو نَكِرَةٌ، وزَعَمُوا أنَّ جَعْلَ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأٌ لا يَجُوزُ، قالُوا: لِأنَّ الإخْبارَ إنَّما يُفِيدُ إذا أخْبَرَ عَلى المَعْلُومِ بِأمْرٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، إلّا أنَّهم قالُوا: النَّكِرَةُ إذا كانَتْ مَوْصُوفَةً حَسُنَ جَعْلُها مُبْتَدَأً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢١) . إذا عَرَفْتَ هَذا فَهَهُنا وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ التَّنْكِيرَ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ (البَقَرَةِ: ٩٦) والمَعْنى: ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ دائِمَةٍ كامِلَةٍ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ. إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: (سَلامٌ) لَفْظَةٌ مُنَكَّرَةٌ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ سَلامٌ كامِلٌ تامٌّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَقَدْ صارَتْ هَذِهِ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةً، فَصَحَّ جَعْلُها مُبْتَدَأً، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الخَبَرُ وهو قَوْلُهُ: (عَلَيْكم) والتَّقْدِيرُ: سَلامٌ كامِلٌ تامٌّ عَلَيْكم. والثّانِي: أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: (عَلَيْكم) صِفَةً لِقَوْلِهِ: (سَلامٌ) فَيَكُونُ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: ”سَلامٌ عَلَيْكُمْ“ مُبْتَدَأً ويُضْمَرُ لَهُ خَبَرٌ، والتَّقْدِيرُ: سَلامٌ عَلَيْكم واقِعٌ كائِنٌ حاصِلٌ، ورُبَّما كانَ حَذْفُ الخَبَرِ أدَلَّ عَلى التَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ عِنْدَ الجَوابِ يُقْلَبُ هَذا التَّرْتِيبُ فَيُقالُ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، والسَّبَبُ فِيهِ ما قالَهُ سِيبَوَيْهِ: أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعَنى، فَلَمّا قالَ وعَلَيْكُمُ السَّلامُ دَلَّ عَلى أنَّ اهْتِمامَ هَذا المُجِيبِ بِشَأْنِ ذَلِكَ القائِلِ شَدِيدٌ كامِلٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: (وعَلَيْكُمُ السَّلامُ) يُفِيدُ الحَصْرَ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ إنْ كُنْتَ قَدْ أوْصَلْتَ السَّلامَ إلَيَّ فَأنا أزِيدُ عَلَيْهِ وأجْعَلُ السَّلامَ مُخْتَصًّا بِكَ ومَحْصُورًا فِيكَ امْتِثالًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ (النِّساءِ: ٨٦) ومِن لَطائِفِ قَوْلِهِ: (سَلامٌ عَلَيْكم) أنَّها أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: (السَّلامُ عَلَيْكَ”وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ:“سَلامٌ عَلَيْكَ) مَعْناهُ: سَلامٌ كامِلٌ تامٌّ شَرِيفٌ رَفِيعٌ عَلَيْكَ. وأمّا قَوْلُهُ: السَّلامُ عَلَيْكَ، فالسَّلامُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ، وأنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا أصْلَ الماهِيَّةِ، واللَّفْظُ الدّالُّ عَلى أصْلِ الماهِيَّةِ لا إشْعارَ فِيهِ بِالأحْوالِ العارِضَةِ لِلْماهِيَّةِ وبِكِمالاتِ الماهِيَّةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: (سَلامٌ عَلَيْكَ ) أكْمَلَ مِن قَوْلِهِ: (السَّلامُ عَلَيْكَ) ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى أنَّهُ أيْنَما جاءَ لَفْظُ (السَّلامِ) مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَدَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٥٤) وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ (النَّمْلِ: ٥٩) وفي القُرْآنِ مِن هَذا الجِنْسِ كَثِيرٌ. أمّا لَفْظُ (السَّلامِ) بِالألِفِ واللّامِ، فَإنَّما جاءَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، كَقَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ (طه: ٤٧) وأمّا في سُورَةِ مَرْيَمَ فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ (مَرْيَمَ: ١٥) وهَذا السَّلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي قِصَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ﴾ (مَرْيَمَ: ٣٣) وهَذا كَلامُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ قَوْلَهُ: (سَلامٌ عَلَيْكَ ) أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: (السَّلامُ صفحة ١٤٥ عَلَيْكَ ) فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتارَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في قِراءَةِ التَّشَهُّدِ قَوْلَهُ: سَلامٌ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، ومِن لَطائِفِ السَّلامِ أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ هَذا العالَمَ مَعْدِنُ الشُّرُورِ والآفاتِ والمِحَنِ والمُخالَفاتِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ الباحِثُونَ عَنْ أسْرارِ الأخْلاقِ، أنَّ الأصْلَ في جِبِلَّةِ الحَيَوانِ الخَيْرُ أوِ الشَّرُّ ؟ فَمِنهم مَن قالَ: الأصْلُ فِيها الشَّرُّ، وهَذا كالإجْماعِ المُنْعَقِدِ بَيْنَ جَمِيعِ أفْرادِ الإنْسانِ، بَلْ نَزِيدُ ونَقُولُ: إنَّهُ كالإجْماعِ المُنْعَقِدِ بَيْنَ جَمِيعِ الحَيَوانِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَرى إنْسانًا يَعْدُو إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ، فَإنَّ طَبْعَهُ يَحْمِلُهُ عَلى الِاحْتِرازِ مِنهُ والتَّأهُّبِ لِدَفْعِهِ، ولَوْلا أنَّ طَبْعَهُ يَشْهَدُ بِأنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ الشَّرُّ، وإلّا لَما أوْجَبَتْ فِطْرَةُ العَقْلِ التَّأهُّبَ لِدَفْعِ شَرِّ ذَلِكَ السّاعِي إلَيْهِ، بَلْ قالُوا: هَذا المَعْنى حاصِلٌ في كُلِّ الحَيَواناتِ، فَإنَّ كُلَّ حَيَوانٍ عَدا إلَيْهِ حَيَوانٌ آخَرُ فَرَّ ذَلِكَ الحَيَوانُ الأوَّلُ واحْتَرَزَ مِنهُ، فَلَوْ تَقَرَّرَ في طَبْعِهِ أنَّ الأصْلَ في هَذا الواصِلِ هو الخَيْرَ لَوَجَبَ أنْ يَقِفَ؛ لِأنَّ أصْلَ الطَّبِيعَةِ يَحْمِلُ عَلى الرَّغْبَةِ في وِجْدانِ الخَيْرِ، ولَوْ كانَ الأصْلُ في طَبْعِ الحَيَوانِ أنْ يَكُونَ خَيْرُهُ وشَرُّهُ عَلى التَّعادُلِ والتَّساوِي، وجَبَ أنْ يَكُونَ الفِرارُ والوُقُوفُ مُتَعادِلِينَ، فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ حَيَوانٍ تَوَجَّهَ إلَيْهِ حَيَوانٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الأوَّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ يَحْتَرِزُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ فِطْرَتِهِ الأصْلِيَّةِ، عَلِمْنا أنَّ الأصْلَ في الحَيَوانِ هو الشَّرُّ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: دَفْعُ الشَّرِّ أهَمُّ مِن جَلْبِ الخَيْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ دَفْعَ الشَّرِّ يَقْتَضِي إبْقاءَ الأصْلِ [ لِأنَّ إبْقاءَ الأصْلِ ] أهَمُّ مِن تَحْصِيلِ الزّائِدِ. والثّانِي: أنَّ إيصالَ الخَيْرِ إلى كُلِّ أحَدٍ لَيْسَ في الوُسْعِ، أمّا كَفُّ الشَّرِّ عَنْ كُلِّ أحَدٍ داخِلٌ في الوُسْعِ، لِأنَّ الأوَّلَ فِعْلٌ والثّانِيَ تَرْكٌ، وفِعْلُ ما لا نِهايَةَ لَهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، أمّا تَرْكُ ما لا نِهايَةَ لَهُ مُمْكِنٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلْ دَفْعُ الشَّرِّ فَقَدْ حَصَلَ الشَّرُّ، وذَلِكَ يُوجِبُ حُصُولَ الألَمِ والحُزْنِ، وهو في غايَةِ المَشَقَّةِ، وأمّا إذا لَمْ يَحْصُلْ أيْضًا إيصالُ الخَيْرِ بَقِيَ الإنْسانُ لا في الخَيْرِ ولا في الشَّرِّ، بَلْ عَلى السَّلامَةِ الأصْلِيَّةِ، وتَحَمُّلُ هَذِهِ الحالَةِ سَهْلٌ. فَثَبَتَ أنَّ دَفْعَ الشَّرِّ أهَمُّ مِن إيصالِ الخَيْرِ، وثَبَتَ أنَّ الدُّنْيا دارُ الشُّرُورِ والآفاتِ والمِحَنِ والبَلِيّاتِ، وثَبَتَ أنَّ الحَيَوانَ في أصْلِ الخِلْقَةِ ومُوجَبِ الفِطْرَةِ مَنشَأٌ لِلشُّرُورِ، وإذا وصَلَ إنْسانٌ إلى إنْسانٍ كانَ أهَمُّ المُهِمّاتِ أنْ يُعَرِّفَهُ أنَّهُ مِنهُ في السَّلامَةِ والأمْنِ والأمانِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِاصْطِلاحُ عَلى أنْ يَقَعَ ابْتِداءُ الكَلامِ بِذِكْرِ السَّلامِ، وهو أنْ يَقُولَ (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) ومِن لَطائِفِ قَوْلِنا (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي إيقاعَ السَّلامِ عَلى جَماعَةٍ، والأمْرُ كَذَلِكَ بِحَسَبِ العَقْلِ، وبِحَسَبِ الشَّرْعِ. أمّا بِحَسَبِ الشَّرْعِ فَلِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَخْلُو عَنْ جَمْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَهُ ويُراقِبُونَ أمْرَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ (الِانْفِطارِ: ١١) والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَبَعْضُها أرْواحٌ خَيِّرَةٌ عاقِلَةٌ، وبَعْضُها كَدِرَةٌ خَبِيثَةٌ، وبَعْضُها شَهْوانِيَّةٌ، وبَعْضُها غَضَبِيَّةٌ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ السُّفْلِيَّةِ رُوحٌ عُلْوِيٌّ قَوِيٌّ يَكُونُ كالأبِ لِتِلْكَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الأرْواحُ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ الرُّوحِ العُلْوِيِّ كالأبْناءِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأبِ، وذَلِكَ الرُّوحُ العُلْوِيُّ هو الَّذِي يَخُصُّها بِالإلْهاماتِ، تارَةً في اليَقَظَةِ، وتارَةً في النَّوْمِ. وأيْضًا الأرْواحُ المُفارِقَةُ عَنْ أبْدانِها المُشاكِلَةُ لِهَذِهِ الأرْواحِ في الصِّفاتِ والطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ. يَحْصُلُ لَها نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِهَذا البَدَنِ بِسَبَبِ المُشاكَلَةِ والمُجانَسَةِ، وتَصِيرُ كالمُعاوِنَةِ لِهَذِهِ الرُّوحِ عَلى أعْمالِها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وإذا عَرَفْتَ هَذا السِّرَّ فالإنْسانُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَصْحُوبًا بِتِلْكَ الأرْواحِ المُجانِسَةِ لَهُ، فَقَوْلُهُ: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) إشارَةٌ إلى تَسْلِيمِ هَذا الشَّخْصِ المَخْصُوصِ عَلى جَمِيعِ الأرْواحِ المُلازِمَةِ المُصاحِبَةِ إيّاهُ بِسَبَبِ المُصاحَبَةِ الرُّوحانِيَّةِ. ومِن لَطائِفِ هَذا البابِ ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ صفحة ١٤٦ أنَّ الأرْواحَ الإنْسانِيَّةَ إذا اتَّصَفَتْ بِالمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، وقَوِيَتْ وتَجَرَّدَتْ، ثُمَّ قَوِيَ تَعَلُّقُ بَعْضِها بِبَعْضٍ انْعَكَسَ أنْوارُها بَعْضُها عَلى بَعْضٍ عَلى مِثالِ المِرْآةِ المُشْرِقَةِ المُتَقابِلَةِ. فَلِهَذا السَّبَبِ فَإنْ أرادَ أنْ يَقْرَأ وظِيفَةً عَلى أُسْتاذِهِ فالأدَبُ أنْ يَبْدَأ بِحَمْدِ اللَّهِ والثَّناءِ عَلى المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، ثُمَّ يَدْعُو لِأُسْتاذِهِ ثُمَّ يَشْرَعُ في القِراءَةِ، والمَقْصُودُ مِنها أنْ يُقَوِّيَ التَّعَلُّقَ بَيْنَ رُوحِهِ وبَيْنَ هَذِهِ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ، حَتّى أنَّ بِسَبَبِ قُوَّةِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ رُبَّما ظَهَرَ شَيْءٌ مِن أنْوارِها وآثارِها في رُوحِ هَذا الطّالِبِ، فَيَسْتَقِرُّ في عَقْلِهِ مِنَ الأنْوارِ الفائِضَةِ مِنها، ويُقَوِّي رُوحَهُ بِمَدَدِ ذَلِكَ الفَيْضِ عَلى إدْراكِ المَعارِفِ والعُلُومِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَإذا قالَ لِغَيْرِهِ: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) حَدَثَ بَيْنَهُما تَعَلُّقٌ شَدِيدٌ، وحَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ تَطابُقِ الأرْواحَ وتَعاكُسِ الأنْوارِ، ولْنَكْتَفِ بِهَذا القَدْرِ في هَذا البابِ، فَإنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا الفَصْلَ أجْنَبِيٌّ عَنْ هَذا الكَلامِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: السَّكَنُ في اللُّغَةِ: ما سَكَنْتَ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ صَلاتَكَ عَلَيْهِمْ تُوجِبُ سُكُونَ نُفُوسِهِمْ إلَيْكَ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: دُعاؤُكَ رَحْمَةٌ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: وقارٌ لَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: طُمَأْنِينَةٌ لَهم، وقالَ الفَرّاءُ: إذا اسْتَغْفَرْتَ لَهم سَكَنَتْ نُفُوسُهم إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبِلَ تَوْبَتَهم. وأقُولُ: إنَّ رُوحَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ رُوحًا قَوِيَّةً مُشْرِقَةً صافِيَةً باهِرَةً، فَإذا دَعا مُحَمَّدٌ لَهم وذَكَرَهم بِالخَيْرِ فاضَتْ آثارٌ مِن قُوَّتِهِ الرُّوحانِيَّةِ عَلى أرْواحِهِمْ، فَأشْرَقَتْ بِهَذا السَّبَبِ أرْواحُهم وصَفَتْ أسْرارَهم، وانْتَقَلُوا مِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، ومِنَ الجُسْمانِيَّةِ إلى الرُّوحانِيَّةِ، وتَقْرِيرُهُ ما تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ الخامِسَةِ. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِهِمْ.

التوبة 9:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ صفحة ١٣٩ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ تابُوا عَنِ النِّفاقِ. والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، لا لِلْكُفْرِ والنِّفاقِ، لَكِنْ لِلْكَسَلِ، ثُمَّ نَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا ثُمَّ تابُوا، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وآخَرُونَ﴾ عِطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ والعَطْفُ يُوهِمُ التَّشْرِيكَ إلّا أنَّهُ تَعالى وفَّقَهم حَتّى تابُوا، فَلَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَ الأوَّلَ بِالمُرُودِ عَلى النِّفاقِ والمُبالَغَةِ فِيهِ. وصَفَ هَذِهِ الفِرْقَةَ بِالتَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ النِّفاقِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً: أبُو لُبابَةَ مَرْوانُ بْنُ عَبَدِ المُنْذِرِ، وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ حِزامٍ، وقِيلَ: كانُوا عَشَرَةً. فَسَبْعَةٌ مِنهم أوْثَقُوا أنْفُسَهم لَمّا بَلَغَهم ما نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ فَأيْقَنُوا بِالهَلاكِ، وأوْثَقُوا أنْفُسَهم عَلى سَوارِي المَسْجِدِ فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ وكانَتْ هَذِهِ عادَتَهُ، فَلَمّا قَدِمَ مِن سَفَرِهِ ورَآهم مُوثَقِينَ، سَألَ عَنْهم فَذُكِرَ لَهُ أنَّهم أقْسَمُوا أنْ لا يَحُلُّوا أنْفُسَهم حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ هو الَّذِي يَحُلُّهم، فَقالَ: وأنا أُقْسِمُ أنِّي لا أحُلُّهم حَتّى أُؤْمَرَ فِيهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم، فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا وإنَّما تَخَلَّفْنا عَنْكَ بِسَبَبِها، فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا، فَقالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً»﴾ ) الآيَةَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الِاعْتِرافُ عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِالشَّيْءِ عَنْ مَعْرِفَةٍ، ومَعْناهُ أنَّهم أقَرُّوا بِذَنْبِهِمْ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَعْتَذِرُوا عَنْ تَخَلُّفِهِمْ بِالأعْذارِ الباطِلَةِ كَغَيْرِهِمْ، ولَكِنِ اعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم بِئْسَما فَعَلُوا وأظْهَرُوا النَّدامَةَ وذَمُّوا أنْفُسَهم عَلى ذَلِكَ التَّخَلُّفِ. فَإنْ قِيلَ: الِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ هَلْ يَكُونُ تَوْبَةً أمْ لا ؟ قُلْنا: مُجَرَّدُ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ لا يَكُونُ تَوْبَةً، فَأمّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ النَّدَمُ عَلى الماضِي، والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وكانَ هَذا النَّدَمُ والتَّوْبَةُ لِأجْلِ كَوْنِهِ مَنهِيًّا عَنْهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، كانَ هَذا المَجْمُوعُ تَوْبَةً، إلّا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ تابُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ والمُفَسِّرُونَ قالُوا: إنَّ عَسى مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: في هَذا العَمَلِ الصّالِحِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: العَمَلُ الصّالِحُ هو الِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ والنَّدامَةُ عَلَيْهِ والتَّوْبَةُ مِنهُ، والسَّيِّءُ هو التَّخَلُّفُ عَنِ الغَزْوِ. والثّانِي: العَمَلُ الصّالِحُ خُرُوجُهم مَعَ الرَّسُولِ إلى سائِرِ الغَزَواتِ، والسَّيِّءُ هو تَخَلُّفُهم عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَقِّ المُسْلِمِينَ كانَ العَمَلُ الصّالِحُ إقْدامَهم عَلى أعْمالِ البِرِّ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهم. البَحْثُ الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَدْ جُعِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ والسَّيِّءِ مَخْلُوطًا. فَما المَخْلُوطُ بِهِ ؟ وجَوابُهُ أنَّ الخَلْطَ عِبارَةٌ عَنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ، وأمّا قَوْلُكَ خَلَطْتُهُ، فَإنَّما يَحْسُنُ في المَوْضِعِ الَّذِي يَمْتَزِجُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، ويَتَغَيَّرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِسَبَبِ تِلْكَ المُخالَطَةِ عَنْ صِفَتِهِ الأصْلِيَّةِ كَقَوْلِكَ خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ. واللّائِقُ بِهَذا المَوْضِعِ هو الجَمْعُ المُطْلَقُ؛ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ والعَمَلَ السَّيِّءَ إذا حَصَلا بَقِيَ كُلُّ صفحة ١٤٠ واحِدٍ مِنهُما كَما كانَ عَلى مَذْهَبِنا، فَإنَّ عِنْدَنا القَوْلَ بِالإحْباطِ باطِلٌ، والطّاعَةَ تَبْقى مُوجِبَةً لِلْمَدْحِ والثَّوابِ، والمَعْصِيَةَ تَبْقى مُوجِبَةً لِلذَّمِّ والعِقابِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ القَوْلِ بِالمُحابَطَةِ، وأنَّهُ بَقِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما كَما كانَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَأثَّرَ أحَدُهُما بِالآخَرِ، ومِمّا يُعِيِنُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى نَفْيِ القَوْلِ بِالمُحابَطَةِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ العَمَلَ الصّالِحَ والعَمَلَ السَّيِّءَ بِالمُخالَطَةِ. والمُخْتَلِطانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا باقِيَيْنِ حالَ اخْتِلاطِهِما؛ لِأنَّ الِاخْتِلاطَ صِفَةٌ لِلْمُخْتَلِطِينَ، وحُصُولُ الصِّفَةِ حالَ عَدَمِ المَوْصُوفِ مُحالٌ، فَدَلَّ عَلى بَقاءِ العَمَلَيْنِ حالَ الِاخْتِلاطِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: هَهُنا سُؤالٌ، وهو أنَّ كَلِمَةَ ﴿عَسى﴾ شَكٌّ وهو في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهِ الأوَّلِ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كَلِمَةُ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ (المائِدَةِ: ٥٢) وفَعَلَ ذَلِكَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلى عُرْفِ النّاسِ في الكَلامِ، والسُّلْطانُ العَظِيمُ إذا التَمَسَ المُحْتاجُ مِنهُ شَيْئًا فَإنَّهُ لا يُجِيبُ إلَيْهِ إلّا عَلى سَبِيلِ التَّرَجِّي مَعَ كَلِمَةِ عَسى، أوْ لَعَلَّ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُلْزِمَنِي شَيْئًا وأنْ يُكَلِّفَنِي بِشَيْءٍ بَلْ كُلُّ ما أفْعَلُهُ فَإنَّما أفْعَلُهُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ والتَّطَوُّلِ، فَذِكْرُ كَلِمَةِ ﴿عَسى﴾ الفائِدَةُ فِيهِ هَذا المَعْنى، مَعَ أنَّهُ يُفِيدُ القَطْعَ بِالإجابَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ، المَقْصُودِ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُكَلَّفُ عَلى الطَّمَعِ والإشْفاقِ لِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ الإنْكارِ والإهْمالِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ أصْحابُنا قَوْلُهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ التَّوْبَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، والعَقْلُ أيْضًا دَلِيلٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأصْلَ في التَّوْبَةِ النَّدَمُ، والنَّدَمُ لا يَحْصُلُ بِاخْتِيارِ العَبْدِ؛ لِأنَّ إرادَةَ الفِعْلِ والتَّرْكِ إنْ كانَتْ فِعْلًا لِلْعَبْدِ افْتَقَرَ في فِعْلِها إلى إرادَةٍ أُخْرى، وأيْضًا فَإنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في فِعْلٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ يَصِيرُ عَظِيمَ النَّدامَةِ عَلَيْهِ، وحالَ كَوْنِهِ راغِبًا فِيهِ لا يُمْكِنُهُ دَفْعُ تِلْكَ الرَّغْبَةِ عَنِ القَلْبِ، وحالَ صَيْرُورَتِهِ نادِمًا عَلَيْهِ لا يُمْكِنُهُ دَفْعُ تِلْكَ النَّدامَةِ عَنِ القَلْبِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلى تَحَصُّلِ النَّدامَةِ، وعَلى تَحْصِيلِ الرَّغْبَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: يَتُوبُ اللَّهُ أنَّهُ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ. والجَوابُ: أنَّ الصَّرْفَ عَنِ الظّاهِرِ إنَّما يَحْسُنُ إذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، أمّا هَهُنا، فالدَّلِيلُ العَقْلِيُّ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراءُ اللَّفْظِ إلّا عَلى ظاهِرِهِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ التَّأْوِيلُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ إنَّما تَحْصُلُ في المُسْتَقْبَلِ. وقَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِرافَ حَصَلَ في الماضِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِرافَ ما كانَ نَفْسَ التَّوْبَةِ، بَلْ كانَ مُقَدِّمَةً لِلتَّوْبَةِ، وأنَّ التَّوْبَةَ إنَّما تَحْصُلُ بَعْدَها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ. فَقالَ بَعْضُهم: هَذا راجِعٌ إلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا، وذَلِكَ لِأنَّهم بَذَلُوا أمْوالَهم لِلصَّدَقَةِ، فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى أخْذَها، وصارَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا في كَمالِ تَوْبَتِهِمْ لِتَكُونَ جارِيَةً في صفحة ١٤١ حَقِّهِمْ مَجْرى الكَفّارَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وكانَ يَقُولُ: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الصَّدَقَةَ الواجِبَةَ، وإنَّما هي صَدَقَةُ كَفّارَةِ الذَّنْبِ الَّذِي صَدَرَ مِنهم. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الزَّكَواتِ كانَتْ واجِبَةً عَلَيْهِمْ، فَلَمّا تابُوا مِن تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الغَزْوِ وحَسُنَ إسْلامُهم، وبَذَلُوا الزَّكاةَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَأْخُذَها مِنهم. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، والمَقْصُودُ مِنها إيجابُ أخْذِ الزَّكاةِ مِنَ الأغْنِياءِ وعَلَيْهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ إذِ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إيجابِ الزَّكَواتِ. وقالُوا في الزَّكاةِ إنَّها طُهْرَةٌ، أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ: فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ الآياتِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُنْتَظِمَةً مُتَناسِقَةً، أمّا لَوْ حَمَلْناها عَلى الزَّكَواتِ الواجِبَةِ ابْتِداءً، لَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها، ولا بِما بَعْدَها، وصارَتْ كَلِمَةً أجْنَبِيَّةً، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنهُ أخْذُ الزَّكَواتِ الواجِبَةِ، قالُوا: المُناسَبَةُ حاصِلَةٌ أيْضًا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أظْهَرُوا التَّوْبَةَ والنَّدامَةَ، عَنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهم أقَرُّوا بِأنَّ السَّبَبَ المُوجِبَ لِذَلِكَ التَّخَلُّفِ حُبُّهم لِلْأمْوالِ وشِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى صَوْنِها عَنِ الإنْفاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم إنَّما يَظْهَرُ صِحَّةُ قَوْلِكم في ادِّعاءِ هَذِهِ التَّوْبَةِ والنَّدامَةِ لَوْ أخْرَجْتُمُ الزَّكاةَ الواجِبَةَ، ولَمْ تُضايِقُوا فِيها؛ لِأنَّ الدَّعْوى لا تَتَقَرَّرُ إلّا بِالمَعْنى، وعِنْدَ الِامْتِحانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ أوْ يُهانُ، فَإنْ أدَّوْا تِلْكَ الزَّكَواتِ عَنْ طِيبَةِ النَّفْسِ ظَهَرَ كَوْنُهم صادِقِينَ في تِلْكَ التَّوْبَةِ والإنابَةِ، وإلّا فَهم كاذِبُونَ مُزَوِّرُونَ بِهَذا الطَّرِيقِ. لَكِنَّ حَمْلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّكْلِيفِ بِإخْراجِ الزَّكَواتِ الواجِبَةِ مَعَ أنَّهُ يَبْقى نَظْمُ هَذِهِ الآياتِ سَلِيمًا أوْلى، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ. قَوْلُهُ: ﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ والمَعْنى تُطَهِّرُهم عَنِ الذَّنْبِ بِسَبَبِ أخْذِ تِلْكَ الصَّدَقاتِ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ قُلْنا إنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ تِلْكَ الصَّدَقَةَ لَحَصَلَ الذَّنْبُ، وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ حُصُولُهُ في الصَّدَقاتِ الواجِبَةِ. وأمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ: فَقالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا عَذَرَ أُولَئِكَ التّائِبِينَ وأطْلَقَهم، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي بِسَبَبِها تَخَلَّفْنا عَنْكَ فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا وطَهِّرْنا واسْتَغْفِرْ لَنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُلُثَ أمْوالِهِمْ، وتَرَكَ الثُّلُثَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ولَمْ يَقُلْ خُذْ أمْوالَهم، وكَلِمَةُ(مِن) تُفِيدُ التَّبْعِيضَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لا تَمْنَعُ القَوْلَ الَّذِي اخْتَرْناهُ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: إنَّكم لَمّا رَضِيتُمْ بِإخْراجِ الصَّدَقَةِ الَّتِي هي غَيْرُ واجِبَةٍ؛ فَلِأنْ تَصِيرُوا راضِينَ بِإخْراجِ الواجِباتِ أوْلى. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَثِيرٍ مِن أحْكامِ الزَّكاةِ. الحُكْمُ الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَدْرَ المَأْخُوذَ بَعْضُ تِلْكَ الأمْوالِ لا كُلُّها إذْ مِقْدارُ ذَلِكَ البَعْضِ غَيْرُ مَذْكُورٍ هَهُنا بِصَرِيحِ اللَّفْظِ، بَلِ المَذْكُورُ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿صَدَقَةً﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّنْكِيرَ حَتّى يَكْفِيَ أخْذَ أيِّ جُزْءٍ كانَ، وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ، مِثْلُ الحَبَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الحِنْطَةِ أوِ الجُزْءِ الحَقِيرِ مِنَ الذَّهَبِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ صَدَقَةً مَعْلُومَةَ الصِّفَةِ والكَيْفِيَّةِ والكِمِّيَّةِ عِنْدَهم، حَتّى يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ أمْرًا بِأخْذِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ المَعْلُومَةِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ الإجْمالُ. ومَعْلُومٌ أنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ لَيْسَتْ إلّا الصَّدَقاتُ الَّتِي وصَفَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وبَيَّنَ كَيْفِيَّتَها، والصَّدَقَةُ الَّتِي بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هي أنَّهُ أمَرَ صفحة ١٤٢ بِأنْ يُؤْخَذَ في خَمْسٍ وعِشْرِينَ بِنْتُ مَخاضٍ، وفي سِتَّةٍ وثَلاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَراتِبِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ أمْرًا بِأنْ يَأْخُذَ تِلْكَ الأشْياءَ المَخْصُوصَةَ والأعْيانَ المَخْصُوصَةَ، وظاهِرُ الآيَةِ لِلْوُجُوبِ، فَدَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ أخْذَها واجِبٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القِيمَةَ لا تَكُونُ مُجْزِأةً عَلى ما هو قَوْلُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . الحُكْمُ الثّانِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المالُ مالًا لَهم، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الفَقِيرُ شَرِيكًا لِلْمالِكِ في النِّصابِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الزَّكاةُ مُتَعَلِّقَةً بِالذِّمَّةِ وأنْ لا يَكُونَ لَها تَعَلُّقٌ البَتَّةَ بِالنِّصابِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ إذا فَرَّطَ في الزَّكاةِ حَتّى هَلَكَ النِّصابُ، فالَّذِي هَلَكَ ما كانَ مَحَلًّا لِلْحَقِّ، بَلْ مَحَلُّ الحَقِّ باقٍ كَما كانَ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ الوُجُوبُ بَعْدَ هَلاكِ النِّصابِ كَما كانَ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . الحُكْمُ الثّالِثُ ظاهِرُ هَذا العُمُومِ يُوجِبُ الزَّكاةَ في مالِ المَدْيُونِ، وفي مالِ الضَّمانِ، وهو ظاهِرٌ. الحُكْمُ الرّابِعُ ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّكاةَ إنَّما وجَبَتْ طُهْرَةً عَنِ الآثامِ، فَلا تَجِبُ إلّا حَيْثُ تَصِيرُ طُهْرَةً عَنِ الآثامِ، وكَوْنُها طُهْرَةً عَنِ الآثامِ لا يَتَقَرَّرُ إلّا حَيْثُ يُمْكِنُ حُصُولُ الآثامِ، وذَلِكَ لا يُعْقَلُ إلّا في حَقِّ البالِغِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَثْبُتَ وُجُوبُ الزَّكاةِ إلّا في حَقِّ البالِغِ كَما هو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجِيبُ ويَقُولُ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أخْذِ الصَّدَقَةِ مِن أمْوالِهِمْ، وأخْذُ الصَّدَقَةِ مِن أمْوالِهِمْ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَها طُهْرَةً، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ أخْذَ الزَّكاةِ مِن أمْوالِ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ طُهْرَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ سَبَبٍ مُعَيَّنٍ انْتِفاءُ الحُكْمِ مُطْلَقًا ؟ * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: خُذْ يا مُحَمَّدُ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً فَإنَّكَ تُطَهِّرُهم. القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ تُطَهِّرُهم مُعَلَّقًا بِالصَّدَقَةِ، والتَّقْدِيرُ: خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً مُطَهِّرَةً، وإنَّما حَسُنَ جَعْلُ الصَّدَقَةِ مُطَهِّرَةً لِما جاءَ أنَّ الصَّدَقَةَ أوْساخُ النّاسِ، فَإذا أُخِذَتِ الصَّدَقَةُ فَقَدِ انْدَفَعَتْ تِلْكَ الأوْساخُ فَكانَ انْدِفاعُها جارِيًا مَجْرى التَّطْهِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ. إنَّ عَلى هَذا القَوْلِ وجَبَ أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وتُزَكِّيهِمْ﴾ يَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنِ الأوَّلِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ﴿خُذْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ تِلْكَ الصَّدَقَةُ، وتُزَكِّيهِمْ أنْتَ بِها. القَوْلُ الثّالِثُ: أنْ يُجْعَلَ التّاءُ فِي﴿تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ﴾ ضَمِيرَ المُخاطَبِ، ويَكُونُ المَعْنى: تُطَهِّرُهم أنْتَ أيُّها الآخِذُ بِأخْذِها مِنهم وتُزَكِّيهِمْ بِواسِطَةِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: (تُطْهِرُهم) مِن أطْهَرِهِ بِمَعْنى طَهَّرَهُ. (وتُطْهِرْهم) بِالجَزْمِ جَوابًا لِلْأمْرِ، ولَمْ يُقْرَأْ﴿وتُزَكِّيهِمْ﴾ إلّا بِإثْباتِ الياءِ. صفحة ١٤٣ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتُزَكِّيهِمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ التَّزْكِيَةَ لَمّا كانَتْ مَعْطُوفَةً عَلى التَّطْهِيرِ وجَبَ حُصُولُ المُغايَرَةِ، فَقِيلَ: التَّزْكِيَةُ مُبالَغَةٌ في التَّطْهِيرِ، وقِيلَ: التَّزْكِيَةُ بِمَعْنى الإنْماءِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ النُّقْصانَ الحاصِلَ بِسَبَبِ إخْراجِ قَدْرِ الزَّكاةِ سَبَبًا لِلْإنْماءِ، وقِيلَ: الصَّدَقَةُ تُطَهِّرُهم عَنْ نَجاسَةِ الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، والرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُزَكِّيهِمْ ويُعَظِّمُ شَأْنَهم ويُثْنِي عَلَيْهِمْ عِنْدَ إخْراجِها إلى الفُقَراءِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿إنَّ صَلاتَكَ﴾ بِغَيْرِ واوٍ وفَتْحِ التّاءِ عَلى التَّوْحِيدِ، والمُرادُ مِنهُ الجِنْسُ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] بِغَيْرِ واوٍ وعَلى التَّوْحِيدِ، والباقُونَ (صَلَواتِكَ)، وكَذَلِكَ في هُودٍ عَلى الجَمْعِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والقِراءَةُ الأُولى أوْلى لِأنَّ الصَّلاةَ أكْثَرُ؛ ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ والصَّلَواتُ جَمْعُ قِلَّةٍ، تَقُولُ ثَلاثُ صَلَواتٍ وخَمْسُ صَلَواتٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هَذا غَلَطٌ لِأنَّ بِناءَ الصَّلَواتِ لَيْسَ لِلْقِلَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] ولَمْ يُرِدِ القَلِيلَ وقالَ: ﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ (سَبَأٍ: ٢٧) وقالَ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ (الأحْزابِ: ٣٥) . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مانِعُو الزَّكاةِ في زَمانِ أبِي بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا إنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ بِأخْذِ الصَّدَقاتِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ وذَكَرَ أنَّ صَلاتَهُ سَكَنٌ لَهم، فَكانَ وُجُوبُ الزَّكاةِ مَشْرُوطًا بِحُصُولِ ذَلِكَ السَّكَنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ غَيْرَ الرَّسُولِ لا يَقُومُ مَقامَهُ في حُصُولِ ذَلِكَ السَّكَنِ. فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ دَفْعُ الزَّكاةِ إلى أحَدٍ غَيْرَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، واعْلَمْ أنَّهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ سائِرَ الآياتِ دَلَّتْ عَلى أنَّ الزَّكاةَ إنَّما وجَبَتْ دَفْعًا لِحاجَةِ الفَقِيرِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ (التَّوْبَةِ: ٦٠) وكَما في قَوْلِهِ: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ (الذّارِياتِ: ١٩) . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ، فَإذا قُلْنا صَلّى فُلانٌ عَلى فُلانٍ، أفادَ الدُّعاءَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الأصْلِيَّةِ. إلّا أنَّهُ صارَ بِحَسَبِ العُرْفِ يُفِيدُ أنَّهُ قالَ لَهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ ادْعُ لَهم، قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والسُّنَّةُ لِلْإمامِ إذا أخَذَ الصَّدَقَةَ أنْ يَدْعُوَ لِلْمُتَصَدِّقِ ويَقُولَ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيما أعْطَيْتَ وبارَكَ لَكَ فِيما أبْقَيْتَ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى فُلانٍ، ونَقَلُوا عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، «أنَّ آلَ أبِي أوْفى لَمّا أتَوْهُ بِالصَّدَقَةِ قالَ: ”اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» “ ونَقَلَ القاضِي في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنِ الكَعْبِيِّ في ”تَفْسِيرِهِ“ أنَّهُ قالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ وهو مُسَجًّى: عَلَيْكَ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ لا تَنْبَغِي الصَّلاةُ مِن أحَدٍ عَلى أحَدٍ إلّا في حَقِّ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ أصْحابَنا يَمْنَعُونَ مِن ذِكْرِ صَلَواتِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا في حَقِّ الرَّسُولِ، والشِّيعَةُ يَذْكُرُونَهُ في عَلِيٍّ وأوْلادِهِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ نَصَّ القُرْآنِ دَلَّ عَلى أنَّ هَذا الذِّكْرَ جائِزٌ في حَقِّ مَن يُؤَدِّي الزَّكاةَ، فَكَيْفَ يُمْنَعُ ذِكْرُهُ في حَقِّ عَلِيٍّ والحَسَنِ والحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ؟ ورَأيْتُ بَعْضَهم قالَ: ألَيْسَ أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ: سَلامُ عَلَيْكم، يُقالُ لَهُ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ؟ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذِكْرَ هَذا اللَّفْظِ جائِزٌ في حَقِّ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ ذِكْرُهُ في حَقِّ آلِ بَيْتِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ؟ قالَ القاضِي: إنَّهُ جائِزٌ في حَقِّ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنا السَّلامَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ صفحة ١٤٤ الصَّلاةُ عَلَيْكَ ؟ فَقالَ عَلى وجْهِ التَّعْلِيمِ: ”قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ“» ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ في آلِ مُحَمَّدٍ نَبِيٌّ، فَيَتَناوَلُ عَلِيًّا ذَلِكَ، كَما يَجُوزُ مِثْلُهُ في آلِ إبْراهِيمَ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: كُنْتُ قَدْ ذَكَرْتُ لِطائِفَ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: سَلامٌ عَلَيْكم، وهي غَيْرُ لائِقَةٍ بِهَذا المَوْضِعِ إلّا أنِّي رَأيْتُ أنْ أكْتُبَها هَهُنا لِئَلّا تَضِيعَ، فَقُلْتُ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ سَلامٌ عَلَيْكم. فَقَوْلُهُ: سَلامٌ عَلَيْكم مُبْتَدَأٌ وهو نَكِرَةٌ، وزَعَمُوا أنَّ جَعْلَ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأٌ لا يَجُوزُ، قالُوا: لِأنَّ الإخْبارَ إنَّما يُفِيدُ إذا أخْبَرَ عَلى المَعْلُومِ بِأمْرٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، إلّا أنَّهم قالُوا: النَّكِرَةُ إذا كانَتْ مَوْصُوفَةً حَسُنَ جَعْلُها مُبْتَدَأً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢١) . إذا عَرَفْتَ هَذا فَهَهُنا وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ التَّنْكِيرَ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ (البَقَرَةِ: ٩٦) والمَعْنى: ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ دائِمَةٍ كامِلَةٍ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ. إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: (سَلامٌ) لَفْظَةٌ مُنَكَّرَةٌ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ سَلامٌ كامِلٌ تامٌّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَقَدْ صارَتْ هَذِهِ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةً، فَصَحَّ جَعْلُها مُبْتَدَأً، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الخَبَرُ وهو قَوْلُهُ: (عَلَيْكم) والتَّقْدِيرُ: سَلامٌ كامِلٌ تامٌّ عَلَيْكم. والثّانِي: أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: (عَلَيْكم) صِفَةً لِقَوْلِهِ: (سَلامٌ) فَيَكُونُ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: ”سَلامٌ عَلَيْكُمْ“ مُبْتَدَأً ويُضْمَرُ لَهُ خَبَرٌ، والتَّقْدِيرُ: سَلامٌ عَلَيْكم واقِعٌ كائِنٌ حاصِلٌ، ورُبَّما كانَ حَذْفُ الخَبَرِ أدَلَّ عَلى التَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ عِنْدَ الجَوابِ يُقْلَبُ هَذا التَّرْتِيبُ فَيُقالُ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، والسَّبَبُ فِيهِ ما قالَهُ سِيبَوَيْهِ: أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعَنى، فَلَمّا قالَ وعَلَيْكُمُ السَّلامُ دَلَّ عَلى أنَّ اهْتِمامَ هَذا المُجِيبِ بِشَأْنِ ذَلِكَ القائِلِ شَدِيدٌ كامِلٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: (وعَلَيْكُمُ السَّلامُ) يُفِيدُ الحَصْرَ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ إنْ كُنْتَ قَدْ أوْصَلْتَ السَّلامَ إلَيَّ فَأنا أزِيدُ عَلَيْهِ وأجْعَلُ السَّلامَ مُخْتَصًّا بِكَ ومَحْصُورًا فِيكَ امْتِثالًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ (النِّساءِ: ٨٦) ومِن لَطائِفِ قَوْلِهِ: (سَلامٌ عَلَيْكم) أنَّها أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: (السَّلامُ عَلَيْكَ”وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ:“سَلامٌ عَلَيْكَ) مَعْناهُ: سَلامٌ كامِلٌ تامٌّ شَرِيفٌ رَفِيعٌ عَلَيْكَ. وأمّا قَوْلُهُ: السَّلامُ عَلَيْكَ، فالسَّلامُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ، وأنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا أصْلَ الماهِيَّةِ، واللَّفْظُ الدّالُّ عَلى أصْلِ الماهِيَّةِ لا إشْعارَ فِيهِ بِالأحْوالِ العارِضَةِ لِلْماهِيَّةِ وبِكِمالاتِ الماهِيَّةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: (سَلامٌ عَلَيْكَ ) أكْمَلَ مِن قَوْلِهِ: (السَّلامُ عَلَيْكَ) ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى أنَّهُ أيْنَما جاءَ لَفْظُ (السَّلامِ) مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَدَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٥٤) وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ (النَّمْلِ: ٥٩) وفي القُرْآنِ مِن هَذا الجِنْسِ كَثِيرٌ. أمّا لَفْظُ (السَّلامِ) بِالألِفِ واللّامِ، فَإنَّما جاءَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، كَقَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ (طه: ٤٧) وأمّا في سُورَةِ مَرْيَمَ فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ (مَرْيَمَ: ١٥) وهَذا السَّلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي قِصَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ﴾ (مَرْيَمَ: ٣٣) وهَذا كَلامُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ قَوْلَهُ: (سَلامٌ عَلَيْكَ ) أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: (السَّلامُ صفحة ١٤٥ عَلَيْكَ ) فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتارَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في قِراءَةِ التَّشَهُّدِ قَوْلَهُ: سَلامٌ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، ومِن لَطائِفِ السَّلامِ أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ هَذا العالَمَ مَعْدِنُ الشُّرُورِ والآفاتِ والمِحَنِ والمُخالَفاتِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ الباحِثُونَ عَنْ أسْرارِ الأخْلاقِ، أنَّ الأصْلَ في جِبِلَّةِ الحَيَوانِ الخَيْرُ أوِ الشَّرُّ ؟ فَمِنهم مَن قالَ: الأصْلُ فِيها الشَّرُّ، وهَذا كالإجْماعِ المُنْعَقِدِ بَيْنَ جَمِيعِ أفْرادِ الإنْسانِ، بَلْ نَزِيدُ ونَقُولُ: إنَّهُ كالإجْماعِ المُنْعَقِدِ بَيْنَ جَمِيعِ الحَيَوانِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَرى إنْسانًا يَعْدُو إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ، فَإنَّ طَبْعَهُ يَحْمِلُهُ عَلى الِاحْتِرازِ مِنهُ والتَّأهُّبِ لِدَفْعِهِ، ولَوْلا أنَّ طَبْعَهُ يَشْهَدُ بِأنَّ الأصْلَ في الإنْسانِ الشَّرُّ، وإلّا لَما أوْجَبَتْ فِطْرَةُ العَقْلِ التَّأهُّبَ لِدَفْعِ شَرِّ ذَلِكَ السّاعِي إلَيْهِ، بَلْ قالُوا: هَذا المَعْنى حاصِلٌ في كُلِّ الحَيَواناتِ، فَإنَّ كُلَّ حَيَوانٍ عَدا إلَيْهِ حَيَوانٌ آخَرُ فَرَّ ذَلِكَ الحَيَوانُ الأوَّلُ واحْتَرَزَ مِنهُ، فَلَوْ تَقَرَّرَ في طَبْعِهِ أنَّ الأصْلَ في هَذا الواصِلِ هو الخَيْرَ لَوَجَبَ أنْ يَقِفَ؛ لِأنَّ أصْلَ الطَّبِيعَةِ يَحْمِلُ عَلى الرَّغْبَةِ في وِجْدانِ الخَيْرِ، ولَوْ كانَ الأصْلُ في طَبْعِ الحَيَوانِ أنْ يَكُونَ خَيْرُهُ وشَرُّهُ عَلى التَّعادُلِ والتَّساوِي، وجَبَ أنْ يَكُونَ الفِرارُ والوُقُوفُ مُتَعادِلِينَ، فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ حَيَوانٍ تَوَجَّهَ إلَيْهِ حَيَوانٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الأوَّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ يَحْتَرِزُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ فِطْرَتِهِ الأصْلِيَّةِ، عَلِمْنا أنَّ الأصْلَ في الحَيَوانِ هو الشَّرُّ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: دَفْعُ الشَّرِّ أهَمُّ مِن جَلْبِ الخَيْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ دَفْعَ الشَّرِّ يَقْتَضِي إبْقاءَ الأصْلِ [ لِأنَّ إبْقاءَ الأصْلِ ] أهَمُّ مِن تَحْصِيلِ الزّائِدِ. والثّانِي: أنَّ إيصالَ الخَيْرِ إلى كُلِّ أحَدٍ لَيْسَ في الوُسْعِ، أمّا كَفُّ الشَّرِّ عَنْ كُلِّ أحَدٍ داخِلٌ في الوُسْعِ، لِأنَّ الأوَّلَ فِعْلٌ والثّانِيَ تَرْكٌ، وفِعْلُ ما لا نِهايَةَ لَهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، أمّا تَرْكُ ما لا نِهايَةَ لَهُ مُمْكِنٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ إذا لَمْ يَحْصُلْ دَفْعُ الشَّرِّ فَقَدْ حَصَلَ الشَّرُّ، وذَلِكَ يُوجِبُ حُصُولَ الألَمِ والحُزْنِ، وهو في غايَةِ المَشَقَّةِ، وأمّا إذا لَمْ يَحْصُلْ أيْضًا إيصالُ الخَيْرِ بَقِيَ الإنْسانُ لا في الخَيْرِ ولا في الشَّرِّ، بَلْ عَلى السَّلامَةِ الأصْلِيَّةِ، وتَحَمُّلُ هَذِهِ الحالَةِ سَهْلٌ. فَثَبَتَ أنَّ دَفْعَ الشَّرِّ أهَمُّ مِن إيصالِ الخَيْرِ، وثَبَتَ أنَّ الدُّنْيا دارُ الشُّرُورِ والآفاتِ والمِحَنِ والبَلِيّاتِ، وثَبَتَ أنَّ الحَيَوانَ في أصْلِ الخِلْقَةِ ومُوجَبِ الفِطْرَةِ مَنشَأٌ لِلشُّرُورِ، وإذا وصَلَ إنْسانٌ إلى إنْسانٍ كانَ أهَمُّ المُهِمّاتِ أنْ يُعَرِّفَهُ أنَّهُ مِنهُ في السَّلامَةِ والأمْنِ والأمانِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِاصْطِلاحُ عَلى أنْ يَقَعَ ابْتِداءُ الكَلامِ بِذِكْرِ السَّلامِ، وهو أنْ يَقُولَ (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) ومِن لَطائِفِ قَوْلِنا (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي إيقاعَ السَّلامِ عَلى جَماعَةٍ، والأمْرُ كَذَلِكَ بِحَسَبِ العَقْلِ، وبِحَسَبِ الشَّرْعِ. أمّا بِحَسَبِ الشَّرْعِ فَلِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَخْلُو عَنْ جَمْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَهُ ويُراقِبُونَ أمْرَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ (الِانْفِطارِ: ١١) والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَبَعْضُها أرْواحٌ خَيِّرَةٌ عاقِلَةٌ، وبَعْضُها كَدِرَةٌ خَبِيثَةٌ، وبَعْضُها شَهْوانِيَّةٌ، وبَعْضُها غَضَبِيَّةٌ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ السُّفْلِيَّةِ رُوحٌ عُلْوِيٌّ قَوِيٌّ يَكُونُ كالأبِ لِتِلْكَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الأرْواحُ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ الرُّوحِ العُلْوِيِّ كالأبْناءِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأبِ، وذَلِكَ الرُّوحُ العُلْوِيُّ هو الَّذِي يَخُصُّها بِالإلْهاماتِ، تارَةً في اليَقَظَةِ، وتارَةً في النَّوْمِ. وأيْضًا الأرْواحُ المُفارِقَةُ عَنْ أبْدانِها المُشاكِلَةُ لِهَذِهِ الأرْواحِ في الصِّفاتِ والطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ. يَحْصُلُ لَها نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِهَذا البَدَنِ بِسَبَبِ المُشاكَلَةِ والمُجانَسَةِ، وتَصِيرُ كالمُعاوِنَةِ لِهَذِهِ الرُّوحِ عَلى أعْمالِها إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وإذا عَرَفْتَ هَذا السِّرَّ فالإنْسانُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَصْحُوبًا بِتِلْكَ الأرْواحِ المُجانِسَةِ لَهُ، فَقَوْلُهُ: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) إشارَةٌ إلى تَسْلِيمِ هَذا الشَّخْصِ المَخْصُوصِ عَلى جَمِيعِ الأرْواحِ المُلازِمَةِ المُصاحِبَةِ إيّاهُ بِسَبَبِ المُصاحَبَةِ الرُّوحانِيَّةِ. ومِن لَطائِفِ هَذا البابِ ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ صفحة ١٤٦ أنَّ الأرْواحَ الإنْسانِيَّةَ إذا اتَّصَفَتْ بِالمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، وقَوِيَتْ وتَجَرَّدَتْ، ثُمَّ قَوِيَ تَعَلُّقُ بَعْضِها بِبَعْضٍ انْعَكَسَ أنْوارُها بَعْضُها عَلى بَعْضٍ عَلى مِثالِ المِرْآةِ المُشْرِقَةِ المُتَقابِلَةِ. فَلِهَذا السَّبَبِ فَإنْ أرادَ أنْ يَقْرَأ وظِيفَةً عَلى أُسْتاذِهِ فالأدَبُ أنْ يَبْدَأ بِحَمْدِ اللَّهِ والثَّناءِ عَلى المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، ثُمَّ يَدْعُو لِأُسْتاذِهِ ثُمَّ يَشْرَعُ في القِراءَةِ، والمَقْصُودُ مِنها أنْ يُقَوِّيَ التَّعَلُّقَ بَيْنَ رُوحِهِ وبَيْنَ هَذِهِ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ، حَتّى أنَّ بِسَبَبِ قُوَّةِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ رُبَّما ظَهَرَ شَيْءٌ مِن أنْوارِها وآثارِها في رُوحِ هَذا الطّالِبِ، فَيَسْتَقِرُّ في عَقْلِهِ مِنَ الأنْوارِ الفائِضَةِ مِنها، ويُقَوِّي رُوحَهُ بِمَدَدِ ذَلِكَ الفَيْضِ عَلى إدْراكِ المَعارِفِ والعُلُومِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَإذا قالَ لِغَيْرِهِ: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) حَدَثَ بَيْنَهُما تَعَلُّقٌ شَدِيدٌ، وحَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ تَطابُقِ الأرْواحَ وتَعاكُسِ الأنْوارِ، ولْنَكْتَفِ بِهَذا القَدْرِ في هَذا البابِ، فَإنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا الفَصْلَ أجْنَبِيٌّ عَنْ هَذا الكَلامِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: السَّكَنُ في اللُّغَةِ: ما سَكَنْتَ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ صَلاتَكَ عَلَيْهِمْ تُوجِبُ سُكُونَ نُفُوسِهِمْ إلَيْكَ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: دُعاؤُكَ رَحْمَةٌ لَهم. وقالَ قَتادَةُ: وقارٌ لَهم. وقالَ الكَلْبِيُّ: طُمَأْنِينَةٌ لَهم، وقالَ الفَرّاءُ: إذا اسْتَغْفَرْتَ لَهم سَكَنَتْ نُفُوسُهم إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبِلَ تَوْبَتَهم. وأقُولُ: إنَّ رُوحَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ رُوحًا قَوِيَّةً مُشْرِقَةً صافِيَةً باهِرَةً، فَإذا دَعا مُحَمَّدٌ لَهم وذَكَرَهم بِالخَيْرِ فاضَتْ آثارٌ مِن قُوَّتِهِ الرُّوحانِيَّةِ عَلى أرْواحِهِمْ، فَأشْرَقَتْ بِهَذا السَّبَبِ أرْواحُهم وصَفَتْ أسْرارَهم، وانْتَقَلُوا مِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، ومِنَ الجُسْمانِيَّةِ إلى الرُّوحانِيَّةِ، وتَقْرِيرُهُ ما تَقَدَّمَ في المَسْألَةِ الخامِسَةِ. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِهِمْ.

التوبة 9:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أنَّهم تابُوا عَنْ ذُنُوبِهِمْ وأنَّهم تَصَدَّقُوا وهُناكَ لَمْ يَذْكُرْ إلّا قَوْلَهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وما كانَ ذَلِكَ صَرِيحًا في قَبُولِ التَّوْبَةِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ وأنَّهُ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ، والمَقْصُودُ تَرْغِيبُ مَن لَمْ يَتُبْ في التَّوْبَةِ، وتَرْغِيبُ كُلِّ العُصاةِ في الطّاعَةِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ وإنْ كانَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّقْرِيرُ في النَّفْسِ، ومِن عادَةِ العَرَبِ في إيهامِ المُخاطَبِ وإزالَةِ الشَّكِّ عَنْهُ أنْ يَقُولُوا: أما عَلِمْتَ أنَّ مَن عَلَّمَكَ يَجِبُ عَلَيْكَ خِدْمَتُهُ. أما عَلِمْتَ أنَّ مَن أحْسَنَ إلَيْكَ يَجِبُ عَلَيْكَ شُكْرُهُ ؟ فَبَشَّرَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ التّائِبِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وصَدَقاتِهِمْ. ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ صفحة ١٤٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (ألَمْ يَعْلَمُوا) بِالياءِ والتّاءِ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا، يَعْنِي (ألَمْ يَعْلَمُوا) قَبْلَ أنْ يُتابَ عَلَيْهِمْ وتُقْبَلَ صَدَقاتُهم أنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ الصَّحِيحَةَ، ويَقْبَلُ الصَّدَقاتِ الصّادِرَةَ عَنْ خُلُوصِ النِّيَّةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ التّائِبِينَ تَرْغِيبًا لَهم في التَّوْبَةِ. رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا حَكَمَ بِصِحَّةِ تَوْبَتِهِمْ قالَ: ”«الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا كانُوا بِالأمْسِ مَعَنا لا يُكَلَّمُونَ ولا يُجالَسُونَ فَما لَهم» “ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ فِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ هَهُنا بِاسْمِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كَوْنَهُ إلَهًا يُوجِبُ قَبُولَ التَّوْبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَمْتَنِعُ تَطَرُّقُ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ إلَيْهِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَزْدادَ حالُهُ بِطاعَةِ المُطِيعِينَ وأنْ يَنْتَقِصَ حالُهُ بِمَعْصِيَةِ المُذْنِبِينَ، ويَمْتَنِعَ أيْضًا أنْ يَكُونَ لَهُ شَهْوَةٌ إلى الطّاعَةِ، ونَفْرَةٌ عَنِ المَعْصِيَةِ حَتّى يُقالَ: إنَّ نَفْرَتَهُ وغَضَبَهُ يَحْمِلُهُ عَلى الِانْتِقامِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المَعْصِيَةِ والتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ، هو أنَّ كُلَّ ما دَعا القَلْبُ إلى عالَمِ الآخِرَةِ ومَنازِلِ السُّعَداءِ، ونَهاهُ عَنْ الِاشْتِغالِ بِالجُسْمانِيّاتِ الباطِلَةِ، فَهو العِبادَةُ والعَمَلُ الحَقُّ والطَّرِيقُ الصّالِحُ، وكُلُّ ما كانَ بِالضِّدِّ مِنهُ فَهو المَعْصِيَةُ والعَمَلُ الباطِلُ، فالمُذْنِبُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ، والمُطِيعُ لا يَنْفَعُ إلّا نَفْسَهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ (الإسْراءِ: ٧) فَإنْ كانَ الإلَهُ رَحِيمًا حَكِيمًا كَرِيمًا ولَمْ يَكُنْ غَضَبُهُ عَلى المُذْنِبِ لِأجْلِ أنَّهُ تَضَرَّرَ بِمَعْصِيَتِهِ، فَإذا انْتَقَلَ العَبْدُ مِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطّاعَةِ كانَ كَرَمُهُ كالمُوجِبِ عَلَيْهِ قَبُولَ تَوْبَتِهِ. فَثَبَتَ أنَّ الإلَهِيَّةَ لَمّا كانَتْ عِبارَةً عَنْ الِاسْتِغْناءِ المُطْلَقِ، وكانَ الِاسْتِغْناءُ المُطْلَقُ مُمْتَنِعَ الحُصُولِ لِغَيْرِهِ، كانَ قَبُولُ التَّوْبَةِ مِنَ الغَيْرِ كالمُمْتَنِعِ إلّا لِسَبَبٍ آخَرَ مُنْفَصِلٍ، أوْ لِمُعارِضٍ أوْ لِمُبايِنٍ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: في هَذا التَّخْصِيصِ هو أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ لَيْسَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّما إلى اللَّهِ الَّذِي هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ تارَةً ويَرُدُّها أُخْرى. فاقْصُدُوا اللَّهَ بِها ووَجِّهُوها إلَيْهِ، وقِيلَ لِهَؤُلاءِ التّائِبِينَ اعْمَلُوا فَإنَّ عَمَلَكم لا يَخْفى عَلى اللَّهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَبُولُ التَّوْبَةِ واجِبٌ عَقْلًا عَلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ أصْحابُنا: قَبُولُ التَّوْبَةِ واجِبٌ بِحُكْمِ الوَعْدِ والتَّفَضُّلِ والإحْسانِ، أمّا عَقْلًا فَلا. وحُجَّةُ أصْحابِنا عَلى عَدَمِ وُجُوبِ قَبُولِ التَّوْبَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الوُجُوبَ لا يَتَقَرَّرُ مَعْناهُ إلّا إذا كانَ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ الفاعِلُ لاسْتَحَقَّ الذَّمَّ، فَلَوْ وجَبَ قَبُولُ التَّوْبَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى لَكانَ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَقْبَلْها لَصارَ مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ، وهَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَكُونُ مُسْتَكْمَلًا بِفِعْلِ القَبُولِ، والمُسْتَكْمَلُ بِالغَيْرِ ناقِصٌ لِذاتِهِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. الثّانِي: أنَّ الذَّمَّ إنَّما يَمْنَعُ مِنَ الفِعْلِ إذا كانَ بِحَيْثُ يَتَأذّى عَنْ سَماعِ ذَلِكَ الذَّمِّ ويَنْفِرُ عَنْ طَبْعِهِ، ويَظْهَرُ لَهُ بِسَبَبِهِ نُقْصانُ حالٍ، أمّا مَن كانَ مُتَعالِيًا عَنِ الشَّهْوَةِ والنَّفْرَةِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ لا يُعْقَلُ تَحَقُّقُ الوُجُوبِ في حَقِّهِ بِهَذا المَعْنى. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا لَما تَمَدَّحَ بِهِ؛ لِأنَّ أداءَ الواجِبِ لا يُفِيدُ المَدْحَ والثَّناءَ والتَّعْظِيمَ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ:(عَنْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: صفحة ١٤٨ ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: مِن عِبادِهِ يُقالُ: أخَذْتُ هَذا مِنكَ وأخَذْتُ هَذا عَنْكَ. والثّانِي: قالَ القاضِي: لَعَلَّ(عَنْ) أبْلَغُ لِأنَّهُ يُنْبِئُ عَنِ القَبُولِ مَعَ تَسْهِيلِ سَبِيلِهِ إلى التَّوْبَةِ الَّتِي قُبِلَتْ، وأقُولُ: إنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ دَلالَةِ لَفْظَةِ(عَنْ) عَلى هَذا المَعْنى، والَّذِي أقُولُهُ إنَّ كَلِمَةَ (عَنْ) وكَلِمَةَ (مِن) مُتَقارِبَتانِ، إلّا أنَّ كَلِمَةَ (عَنْ) تُفِيدُ البُعْدَ، فَإذا قِيلَ: جَلَسَ فُلانٌ عَنْ يَمِينِ الأمِيرِ، أفادَ أنَّهُ جَلَسَ في ذَلِكَ الجانِبِ لَكِنْ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ البُعْدِ فَقَوْلُهُ: ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ يُفِيدُ أنَّ التّائِبَ يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ صارَ مُبْعَدًا عَنْ قَبُولِ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، ويَحْصُلُ لَهُ انْكِسارُ العَبْدِ الَّذِي طَرَدَهُ مَوْلاهُ، وبَعَّدَهُ عَنْ حَضْرَةِ نَفْسِهِ، فَلَفْظَةُ(عَنْ) كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ هَذا المَعْنى لِلتّائِبِ. * * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ فِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآخِذَ هو اللَّهُ، وقَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآخِذَ هو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُعاذٍ: («خُذْها مِن أغْنِيائِهِمْ» ) يَدُلُّ عَلى أنَّ آخِذَ تِلْكَ الصَّدَقاتِ هو مُعاذٌ، وإذا دُفِعَتِ الصَّدَقَةُ إلى الفَقِيرِ فالحِسُّ يَشْهَدُ أنَّ آخِذَها هو الفَقِيرُ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ أنَّ الآخِذَ هو الرَّسُولُ، ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الآخِذَ هو اللَّهُ تَعالى، كانَ المَقْصُودُ مِنهُ أنَّ أخْذَ الرَّسُولِ قائِمٌ مُقامَ أخْذِ اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى تَعْظِيمِ شَأْنِ الرَّسُولِ مِن حَيْثُ أنَّ أخْذَهُ لِلصَّدَقَةِ جارٍ مَجْرى أنْ يَأْخُذَها اللَّهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ (الفَتْحِ: ١٠) وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ (الأحْزابِ: ٥٧) والمُرادُ مِنهُ إيذاءُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ أُضِيفَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَعْنى أنَّهُ يَأْمُرُ بِأخْذِها ويُبَلِّغُ حُكْمَ اللَّهِ في هَذِهِ الواقِعَةِ إلى النّاسِ، وأُضِيفَ إلى الفَقِيرِ بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي يُباشِرُ الأخْذَ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ تَعالى أضافَ التَّوَفِّي إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٦٠) وأضافَهُ إلى مَلَكِ المَوْتِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ (السَّجْدَةِ: ١١) وأضافَهُ إلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أتْباعُ مَلَكِ المَوْتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ (الأنْعامِ: ٦١) فَأُضِيفَ إلى اللَّهِ بِالخَلْقِ وإلى مَلَكِ المَوْتِ لِلرِّياسَةِ في ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ العَمَلِ، وإلى أتْباعِ مَلَكِ المَوْتِ، يَعْنِي أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُباشِرُونَ الأعْمالَ الَّتِي عِنْدَها يَخْلُقُ اللَّهُ المَوْتَ، فَكَذا هَهُنا. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِهَذِهِ الطّاعَةِ، والأخْبارُ فِيهِ كَثِيرَةٌ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ ولا يَقْبَلُ مِنها إلّا طَيِّبًا، وأنَّهُ يَقْبَلُها بِيَمِينِهِ ويُرَبِّيها لِصاحِبِها كَما يُرَبِّي أحَدُكم مُهْرَهُ أوْ فَصِيلَهُ حَتّى أنَّ اللُّقْمَةَ تَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمُ مِن أُحُدٍ» “ وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما مِن عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ فَتَصِلُ إلى الَّذِي يُتَصَدَّقُ بِها عَلَيْهِ حَتّى تَقَعَ في كَفِّ اللَّهِ»، ولَمّا رَوى الحَسَنُ هَذَيْنِ الخَبِرَيْنِ قالَ: ويَمِينُ اللَّهِ وكَفُّهُ وقَبْضَتُهُ لا تُوصَفُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشُّورى: ١١) واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ اليَمِينِ والكَفِّ مِنَ التَّقْدِيسِ.

التوبة 9:105

صفحة ١٤٩ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ جامِعٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْبُودَ إذا كانَ لا يَعْلَمُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يَنْتَفِعِ العَبْدُ بِفِعْلِهِ، ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (مَرْيَمَ: ٤٢) وقُلْتُ في بَعْضِ المَجالِسِ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - القَدْحَ في إلَهِيَّةِ الصَّنَمِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ حَجَرٌ وخَشَبٌ وأنَّهُ مُعَرَّضٌ لِتَصَرُّفِ المُتَصَرِّفِينَ، فَمَن شاءَ أحْرَقَهُ، ومَن شاءَ كَسَرَهُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَتَوَهَّمُ العاقِلُ كَوْنَهُ إلَهًا ؟ بَلِ المَقْصُودُ أنَّ أكْثَرَ عَبْدَةِ الأصْنامِ كانُوا في زَمانِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتْباعَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِأنَّ إلَهَ العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ، ولَيْسَ بِمُوجَدٍ بِالمَشِيئَةِ والِاخْتِيارِ، فَقالَ: المُوجَبُ بِالذّاتِ إذا لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِالخَيْراتِ ولَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الإنْفاعِ والإضْرارِ، ولا يَسْمَعُ دُعاءَ المُحْتاجِينَ ولا يَرى تَضَرُّعَ المَساكِينِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في عِبادَتِهِ ؟ فَكانَ المَقْصُودُ مِن دَلِيلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الطَّعْنَ في قَوْلِ مَن يَقُولُ: إلَهُ العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ. أمّا إذا كانَ فاعِلًا مُخْتارًا وكانَ عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْعِبادِ الفَوائِدُ العَظِيمَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا أطاعَ عَلِمَ المَعْبُودُ طاعَتَهُ وقَدَرَ عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ عَصاهُ عَلِمَ المَعْبُودُ ذَلِكَ، وقَدَرَ عَلى إيصالِ العِقابِ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ لِلْمُطِيعِينَ، وتَرْهِيبٌ عَظِيمٌ لِلْمُذْنِبِينَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: اجْتَهَدُوا في المُسْتَقْبَلِ، فَإنَّ لِعَمَلِكم في الدُّنْيا حُكْمًا وفي الآخِرَةِ حُكْمًا. أمّا حُكْمُهُ في الدُّنْيا فَهو أنَّهُ يَراهُ اللَّهُ ويَراهُ الرَّسُولُ ويَراهُ المُسْلِمُونَ، فَإنْ كانَ طاعَةً حَصَلَ مِنهُ الثَّناءُ العَظِيمُ والثَّوابُ العَظِيمُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ كانَ مَعْصِيَةً حَصَلَ مِنهُ الذَّمُّ العَظِيمُ في الدُّنْيا والعِقابُ الشَّدِيدُ في الآخِرَةِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الواحِدَةَ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ المَرْءُ إلَيْهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ ومَعاشِهِ ومَعادِهِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَسائِلَ أُصُولِيَّةٍ. الحُكْمُ الأوَّلُ أنَّها تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى رائِيًا لِلْمَرْئِيّاتِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ المُعَدّاةَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، هي الإبْصارُ، والمُعَدّاةَ إلى مَفْعُولَيْنِ هي العِلْمُ، كَما تَقُولُ رَأيْتُ زَيْدًا فَقِيهًا، وهَهُنا الرُّؤْيَةُ مُعَدّاةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَتَكُونُ بِمَعْنى الإبْصارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُبْصِرًا لِلْأشْياءِ كَما أنَّ قَوْلَ إبْراهِيمِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ (مَرْيَمَ: ٤٢) يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُبْصِرًا ورائِيًا لِلْأشْياءِ، ومِمّا يُقَوِّي أنَّ الرُّؤْيَةَ لا يُمْكِنُ حَمْلُها هَهُنا عَلى العِلْمِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِالعِلْمِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ هي العِلْمُ لَزِمَ حُصُولُ التَّكْرِيرِ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ وهو باطِلٌ. الحُكْمُ الثّانِي مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فَإنَّهُ يَصِحُّ رُؤْيَتُهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مُعَدّاةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والقَوانِينُ اللُّغَوِيَّةُ شاهِدَةٌ أنَّ الرُّؤْيَةَ المُعَدّاةَ إلى صفحة ١٥٠ المَفْعُولِ الواحِدِ مَعْناها الإبْصارُ. فَكانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ مَعْناها الإبْصارُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَدّى هَذِهِ الرُّؤْيَةَ إلى عَمَلِهِمْ والعَمَلُ يَنْقَسِمُ إلى أعْمالِ القُلُوبِ، كالإراداتِ والكَراهاتِ والأنْظارِ. وإلى أعْمالِ الجَوارِحِ، كالحَرَكاتِ والسَّكَناتِ. فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى رائِيًا لِلْكُلِّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها مَرْئِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأمّا الجُبّائِيُّ فَإنَّهُ كانَ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى رائِيًا لِلْحَرَكاتِ والسَّكَناتِ والِاجْتِماعاتِ والاِفْتِراقاتِ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: إنْ صَحَّ هَذا الِاسْتِدْلالُ، فَيَلْزَمُكَ كَوْنُهُ تَعالى رائِيًا لِأعْمالِ القُلُوبِ، فَأجابَ عَنْهُ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ وهم إنَّما يَرَوْنَ أفْعالَ الجَوارِحِ، فَلَمّا تَقَيَّدَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ بِأعْمالِ الجَوارِحِ في حَقِّ المَعْطُوفِ وجَبَ تَقْيِيدُها بِهَذا القَيْدِ في حَقِّ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهَذا بِعِيدٌ لِأنَّ العَطْفَ لا يُفِيدُ إلّا أصْلَ التَّشْرِيكِ. فَأمّا التَّسْوِيَةُ في كُلِّ الأُمُورِ فَغَيْرُ واجِبٍ، فَدُخُولُ التَّخْصِيصِ في المَعْطُوفِ، لا يُوجِبُ دُخُولَ التَّخْصِيصَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ أصْلِ الِاسْتِدْلالِ فَيُقالُ: رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى حاصِلَةٌ في الحالِ. والمَعْنى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أمْرٌ غَيْرُ حاصِلٍ في الحالِ؛ لِأنَّ السِّينَ تَخْتَصُّ بِالِاسْتِقْبالِ. فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ: فَسَيُوصِلُ لَكم جَزاءَ أعْمالِكم. ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، بِأنَّ إيصالَ الجَزاءِ إلَيْهِمْ مَذْكُورٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَلَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الرُّؤْيَةَ عَلى إيصالِ الجَزاءِ لَزِمَ التَّكْرارُ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ سُؤالٌ: وهو أنَّ عَمَلَهم لا يَراهُ كُلُّ أحَدٍ، فَما مَعْنى هَذا الكَلامِ ؟ والجَوابُ: مَعْناهُ وصُولُ خَبَرِ ذَلِكَ العَمَلِ إلى الكُلِّ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«لَوْ أنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا في صَخْرَةٍ لا بابَ لَها ولا كُوَّةَ لَخَرَجَ عَمَلُهُ إلى النّاسِ كائِنًا ما كانَ» “ . فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ في أنَّهم يَرَوْنَ أعْمالَ هَؤُلاءِ التّائِبِينَ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أجْدَرَ ما يَدْعُو المَرْءَ إلى العَمَلِ الصّالِحِ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ والعِزِّ الَّذِي يَلْحَقُهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَإذا عَلِمَ أنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ عَظَّمَهُ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ، عَظُمَ فَرَحُهُ بِذَلِكَ وقَوِيَتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ، ومِمّا يُنَبِّهُ عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ أنَّهُ ذَكَرَ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَها رُؤْيَةَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتَ مِنَ المُحِقِّينَ المُحَقِّقِينَ في عُبُودِيَّةِ الحَقِّ، فاعْمَلِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لِلَّهِ تَعالى، وإنْ كُنْتَ مِنَ الضُّعَفاءِ المَشْغُولِينَ بِثَناءِ الخَلْقِ فاعْمَلِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لِتَفُوزَ بِثَناءِ الخَلْقِ، وهو الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ: أنَّ المُؤْمِنِينَ شُهَداءُ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ (البَقَرَةِ: ١٤٣) الآيَةَ، والرَّسُولُ شَهِيدُ الأُمَّةِ، كَما قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ (النِّساءِ: ٤١) فَثَبَتَ أنَّ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ شُهَداءُ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والشَّهادَةُ لا تَصِحُّ إلّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ، فَذَكَرَ اللَّهُ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ أعْمالَهم، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ حُضُورِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، بِأنَّهم أهْلُ الصِّدْقِ والسَّدادِ والعَفافِ والرَّشادِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٥١ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الغَيْبُ ما يُسِرُّونَهُ، والشَّهادَةُ ما يُظْهِرُونَهُ. وأقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الغَيْبُ ما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، والشَّهادَةُ الأعْمالُ الَّتِي تَظْهَرُ عَلى جَوارِحِهِمْ، وأقُولُ أيْضًا مَذْهَبُ حُكَماءِ الإسْلامِ أنَّ المَوْجُوداتِ الغائِبَةَ عَنِ الحَواسِّ عِلَلٌ أوْ كالعِلَلِ لِلْمَوْجُوداتِ المَحْسُوساتِ، وعِنْدَهم أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعَلَمِ بِالمَعْلُولِ. فَوَجَبَ كَوْنُ العِلْمِ بِالغَيْبِ سابِقًا عَلى العِلْمِ بِالشَّهادَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أيْنَما جاءَ هَذا الكَلامُ في القُرْآنِ كانَ الغَيْبُ مُقَدَّمًا عَلى الشَّهادَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ عَلى الرُّؤْيَةِ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أنَّ مَعْناهُ مُغايِرٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ وإنْ حَمَلْنا تِلْكَ الرُّؤْيَةَ عَلى العِلْمِ أوْ عَلى إيصالِ الثَّوابِ جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ جارِيًا مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ مَعْناهُ: بِإظْهارِ المَدْحِ والثَّناءِ والإعْزازِ في الدُّنْيا، أوْ بِإظْهارِ أضْدادِها. وقَوْلُهُ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ مَعْناهُ: ما يَظْهَرُ في القِيامَةِ مِن حالِ الثَّوابِ والعِقابِ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى يُعَرِّفُكم أحْوالَ أعْمالِكم ثُمَّ يُجازِيكم عَلَيْها، لِأنَّ المُجازاةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في الآخِرَةِ إلّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ؛ لِيَعْرِفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الَّذِي وصَلَ إلَيْهِ عَدْلٌ لا ظُلْمٌ، فَإنْ كانَ مِن أهْلِ الثَّوابِ كانَ فَرَحُهُ وسَعادَتُهُ أكْثَرَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ العِقابِ كانَ غَمُّهُ وخُسْرانُهُ أكْثَرَ. وقالَ حُكَماءُ الإسْلامِ، المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ الإشارَةُ إلى الثَّوابِ الرُّوحانِيِّ، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا تَحَمَّلَ أنْواعًا مِنَ المَشاقِّ في الأُمُورِ الَّتِي أمَرَهُ بِها مَوْلاهُ، فَإذا عَلِمَ العَبْدُ أنَّ مَوْلاهُ يَرى كَوْنَهُ مُتَحَمِّلًا لِتِلْكَ المَشاقِّ، عَظُمَ فَرَحُهُ وقَوِيَ ابْتِهاجُهُ بِها، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ ألَذَّ مِنَ الخِلَعِ النَّفِيسَةِ والأمْوالِ العَظِيمَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فالمُرادُ مِنهُ تَعْرِيفُ عِقابِ الخِزْيِ والفَضِيحَةِ. ومِثالُهُ أنَّ العَبْدَ الَّذِي خَصَّهُ السُّلْطانُ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ مِنَ الإحْسانِ إذا أتى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَعاصِي، فَإذا حَضَرَ ذَلِكَ العَبْدُ عِنْدَ ذَلِكَ السُّلْطانِ وعَدَّدَ عَلَيْهِ أنْواعَ قَبائِحِهِ وفَضائِحِهِ، قَوِيَ حُزْنُهُ وعَظُمَ غَمُّهُ وكَمُلَتْ فَضِيحَتُهُ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ العَذابِ الرُّوحانِيِّ، ورُبَّما رَضِيَ العاقِلُ بِأشَدِّ أنْواعِ العَذابِ الجُسْمانِيِّ حَذَرًا مِنهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَعْرِيفُ هَذا النَّوْعِ مِنَ العِقابِ الرُّوحانِيِّ، نَسْألُ اللَّهَ العِصْمَةَ مِنهُ ومِن سائِرِ العَذابِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ونافِعٌ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ مُرْجَوْنَ بِغَيْرِ هَمْزٍ والباقُونَ بِالهَمْزِ وهُما لُغَتانِ. أرْجَأتُ الأمْرَ وأرْجَيْتُهُ، بِالهَمْزِ وتَرْكِهِ، إذا أخَّرْتَهُ. وسُمِّيَتِ المُرْجِئَةُ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهم لا يُجْزِمُونَ القَوْلَ بِمَغْفِرَةِ التّائِبِ ولَكِنْ يُؤَخِّرُونَها إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الأوْزاعِيُّ: لِأنَّهم يُؤَخِّرُونَ العَمَلَ عَنِ الإيمانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَسَّمَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهادِ ثَلاثَةَ أقْسامٍ: القِسْمُ الأوَّلُ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ. صفحة ١٥٢ القِسْمُ الثّانِي: التّائِبُونَ وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم. والقِسْمُ الثّالِثُ: الَّذِينَ بَقُوا مَوْقُوفِينَ وهُمُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ القِسْمِ الثّانِي وبَيْنَ هَذا الثّالِثِ، أنَّ أُولَئِكَ سارَعُوا إلى التَّوْبَةِ وهَؤُلاءِ لَمْ يُسارِعُوا إلَيْها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَعْبِ بْنِ مالِكٍ ومُرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَقالَ كَعْبٌ: أنا أفْرَهُ أهْلِ المَدِينَةِ جَمَلًا، فَمَتى شِئْتُ لَحِقْتُ الرَّسُولَ، فَتَأخَّرَ أيّامًا وأيِسَ بَعْدَها مِنَ اللُّحُوقِ بِهِ فَنَدِمَ عَلى صَنِيعِهِ وكَذَلِكَ صاحِباهُ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ قِيلَ لِكَعْبٍ اعْتَذِرْ إلَيْهِ مِن صَنِيعِكَ، فَقالَ: لا واللَّهِ حَتّى تَنْزِلَ تَوْبَتِي، وأمّا صاحِباهُ فاعْتَذَرا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ”ما خَلَّفَكُما عَنِّي“ فَقالا: لا عُذْرَ لَنا إلّا الخَطِيئَةُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ فَوَقَفَهُمُ الرَّسُولُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ونَهى النّاسَ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ، وأمَرَهم بِاعْتِزالِ نِسائِهِمْ وإرْسالِهِنَّ إلى أهالِيهِنَّ، فَجاءَتِ امْرَأةُ هِلالٍ تَسْألُ أنْ تَأْتِيَهُ بِطَعامٍ فَإنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَأذِنَ لَها في ذَلِكَ خاصَّةً، وجاءَ رَسُولٌ مِنَ الشّامِ إلى كَعْبٍ يُرَغِّبُهُ في اللَّحاقِ بِهِمْ، فَقالَ كَعْبٌ: بَلَغَ مِن خَطِيئَتِي أنْ طَمِعَ فِيَّ المُشْرِكُونَ، قالَ: فَضاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ. وبَكى هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ حَتّى خِيفَ عَلى بَصَرِهِ، فَلَمّا مَضى خَمْسُونَ يَوْمًا نَزَلَتْ تَوْبَتُهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ (التَّوْبَةِ: ١١٧) وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ﴾ (التَّوْبَةِ: ١١٨) الآيَةَ» . وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ أرْجَأهم رَسُولُ اللَّهِ عَنْ حَضْرَتِهِ. وقالَ الأصَمُّ: يَعْنِي المُنافِقِينَ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ أرْجَأهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يُخْبِرْ عَنْهم ما عَلِمَهُ مِنهم وحَذَّرَهم بِهَذِهِ الآيَةِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا أنْ يُنَزِّلَ فِيهِمْ قُرْآنًا. * * * فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ كَلِمَةَ (إمّا) و(إمّا) لِلشَّكِّ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْهُ. وجَوابُهُ المُرادُ مِنهُ لِيَكُنْ أمْرُهم عَلى الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَجَعَلَ أُناسٌ يَقُولُونَ هَلَكُوا إذا لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى لَهم عُذْرًا، وآخَرُونَ يَقُولُونَ عَسى اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ القَوْمَ كانُوا نادِمِينَ عَلى تَأخُّرِهِمْ عَنِ الغَزْوِ وتَخَلُّفِهِمْ عَنِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَحْكم بِكَوْنِهِمْ تائِبِينَ بَلْ قالَ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّدَمَ وحْدَهُ لا يَكُونُ كافِيًا في صِحَّةِ التَّوْبَةِ. فَإنْ قِيلَ: فَما تِلْكَ الشَّرائِطُ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم خافُوا مِن أمْرِ الرَّسُولِ بِإيذائِهِمْ أوْ خافُوا مِنَ الخَجْلَةِ والفَضِيحَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَوْبَتُهم غَيْرُ صَحِيحَةٍ ولا مَقْبُولَةٍ، فاسْتَمَرَّ عَدَمُ قَبُولِ التَّوْبَةِ إلى أنْ سَهُلَ أحْوالُ الخَلْقِ في قَدْحِهِمْ ومَدْحِهِمْ عِنْدَهم، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَدِمُوا عَلى المَعْصِيَةِ لِنَفْسِ كَوْنِها مَعْصِيَةً، وعِنْدَ ذَلِكَ صَحَّتْ تَوْبَتُهم. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ غَيْرِ التّائِبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في حَقِّ هَؤُلاءِ المُذْنِبِينَ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وهو إمّا التَّعْذِيبُ وإمّا التَّوْبَةُ، وأمّا العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ مِن غَيْرِ التَّوْبَةِ، فَهو قِسْمٌ ثالِثٌ. فَلَمّا أهْمَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ باطِلٌ وغَيْرُ مُعْتَبَرٍ. صفحة ١٥٣ والجَوابُ: أنّا لا نَقْطَعُ بِحُصُولِ العَفْوِ عَنْ جَمِيعِ المُذْنِبِينَ، بَلْ نَقْطَعُ بِحُصُولِ العَفْوِ في الجُمْلَةِ، وأمّا في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَذَلِكَ مَشْكُوكٌ فِيهِ. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَقَطَعَ بِغُفْرانِ ما سِوى الشِّرْكِ، لَكِنْ لا في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ، بَلْ في حَقِّ مَن يَشاءُ. فَلَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ العَفْوِ في حَقِّ هَؤُلاءِ، عَدَمُ العَفْوِ عَلى الإطْلاقِ. وأيْضًا فَعَدَمُ الذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى العَدَمِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ (عَبَسَ: ٣٩) وهُمُ المُؤْمِنُونَ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ (عَبَسَ: ٤٠) فَهَهُنا المَذْكُورُونَ، إمّا المُؤْمِنُونَ، وإمّا الكافِرُونَ، ثُمَّ إنَّ عَدَمَ ذِكْرِ القِسْمِ الثّالِثِ، لَمْ يَدُلَّ عِنْدَ الجُبّائِيِّ عَلى نَفْيِهِ، فَكَذا هَهُنا. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما في قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يَحْكُمُ فِيهِمْ ويَقْضِي عَلَيْهِمْ.

التوبة 9:106

صفحة ١٤٩ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ جامِعٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْبُودَ إذا كانَ لا يَعْلَمُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يَنْتَفِعِ العَبْدُ بِفِعْلِهِ، ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (مَرْيَمَ: ٤٢) وقُلْتُ في بَعْضِ المَجالِسِ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - القَدْحَ في إلَهِيَّةِ الصَّنَمِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ حَجَرٌ وخَشَبٌ وأنَّهُ مُعَرَّضٌ لِتَصَرُّفِ المُتَصَرِّفِينَ، فَمَن شاءَ أحْرَقَهُ، ومَن شاءَ كَسَرَهُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَتَوَهَّمُ العاقِلُ كَوْنَهُ إلَهًا ؟ بَلِ المَقْصُودُ أنَّ أكْثَرَ عَبْدَةِ الأصْنامِ كانُوا في زَمانِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتْباعَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِأنَّ إلَهَ العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ، ولَيْسَ بِمُوجَدٍ بِالمَشِيئَةِ والِاخْتِيارِ، فَقالَ: المُوجَبُ بِالذّاتِ إذا لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِالخَيْراتِ ولَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الإنْفاعِ والإضْرارِ، ولا يَسْمَعُ دُعاءَ المُحْتاجِينَ ولا يَرى تَضَرُّعَ المَساكِينِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في عِبادَتِهِ ؟ فَكانَ المَقْصُودُ مِن دَلِيلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الطَّعْنَ في قَوْلِ مَن يَقُولُ: إلَهُ العالَمِ مُوجَبٌ بِالذّاتِ. أمّا إذا كانَ فاعِلًا مُخْتارًا وكانَ عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْعِبادِ الفَوائِدُ العَظِيمَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا أطاعَ عَلِمَ المَعْبُودُ طاعَتَهُ وقَدَرَ عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ عَصاهُ عَلِمَ المَعْبُودُ ذَلِكَ، وقَدَرَ عَلى إيصالِ العِقابِ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ لِلْمُطِيعِينَ، وتَرْهِيبٌ عَظِيمٌ لِلْمُذْنِبِينَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: اجْتَهَدُوا في المُسْتَقْبَلِ، فَإنَّ لِعَمَلِكم في الدُّنْيا حُكْمًا وفي الآخِرَةِ حُكْمًا. أمّا حُكْمُهُ في الدُّنْيا فَهو أنَّهُ يَراهُ اللَّهُ ويَراهُ الرَّسُولُ ويَراهُ المُسْلِمُونَ، فَإنْ كانَ طاعَةً حَصَلَ مِنهُ الثَّناءُ العَظِيمُ والثَّوابُ العَظِيمُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ كانَ مَعْصِيَةً حَصَلَ مِنهُ الذَّمُّ العَظِيمُ في الدُّنْيا والعِقابُ الشَّدِيدُ في الآخِرَةِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ الواحِدَةَ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ المَرْءُ إلَيْهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ ومَعاشِهِ ومَعادِهِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَسائِلَ أُصُولِيَّةٍ. الحُكْمُ الأوَّلُ أنَّها تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى رائِيًا لِلْمَرْئِيّاتِ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ المُعَدّاةَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، هي الإبْصارُ، والمُعَدّاةَ إلى مَفْعُولَيْنِ هي العِلْمُ، كَما تَقُولُ رَأيْتُ زَيْدًا فَقِيهًا، وهَهُنا الرُّؤْيَةُ مُعَدّاةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَتَكُونُ بِمَعْنى الإبْصارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُبْصِرًا لِلْأشْياءِ كَما أنَّ قَوْلَ إبْراهِيمِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ (مَرْيَمَ: ٤٢) يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُبْصِرًا ورائِيًا لِلْأشْياءِ، ومِمّا يُقَوِّي أنَّ الرُّؤْيَةَ لا يُمْكِنُ حَمْلُها هَهُنا عَلى العِلْمِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِالعِلْمِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ هي العِلْمُ لَزِمَ حُصُولُ التَّكْرِيرِ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ وهو باطِلٌ. الحُكْمُ الثّانِي مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فَإنَّهُ يَصِحُّ رُؤْيَتُهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مُعَدّاةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، والقَوانِينُ اللُّغَوِيَّةُ شاهِدَةٌ أنَّ الرُّؤْيَةَ المُعَدّاةَ إلى صفحة ١٥٠ المَفْعُولِ الواحِدِ مَعْناها الإبْصارُ. فَكانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ مَعْناها الإبْصارُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَدّى هَذِهِ الرُّؤْيَةَ إلى عَمَلِهِمْ والعَمَلُ يَنْقَسِمُ إلى أعْمالِ القُلُوبِ، كالإراداتِ والكَراهاتِ والأنْظارِ. وإلى أعْمالِ الجَوارِحِ، كالحَرَكاتِ والسَّكَناتِ. فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى رائِيًا لِلْكُلِّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها مَرْئِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأمّا الجُبّائِيُّ فَإنَّهُ كانَ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى رائِيًا لِلْحَرَكاتِ والسَّكَناتِ والِاجْتِماعاتِ والاِفْتِراقاتِ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: إنْ صَحَّ هَذا الِاسْتِدْلالُ، فَيَلْزَمُكَ كَوْنُهُ تَعالى رائِيًا لِأعْمالِ القُلُوبِ، فَأجابَ عَنْهُ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ وهم إنَّما يَرَوْنَ أفْعالَ الجَوارِحِ، فَلَمّا تَقَيَّدَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ بِأعْمالِ الجَوارِحِ في حَقِّ المَعْطُوفِ وجَبَ تَقْيِيدُها بِهَذا القَيْدِ في حَقِّ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهَذا بِعِيدٌ لِأنَّ العَطْفَ لا يُفِيدُ إلّا أصْلَ التَّشْرِيكِ. فَأمّا التَّسْوِيَةُ في كُلِّ الأُمُورِ فَغَيْرُ واجِبٍ، فَدُخُولُ التَّخْصِيصِ في المَعْطُوفِ، لا يُوجِبُ دُخُولَ التَّخْصِيصَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْ أصْلِ الِاسْتِدْلالِ فَيُقالُ: رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى حاصِلَةٌ في الحالِ. والمَعْنى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أمْرٌ غَيْرُ حاصِلٍ في الحالِ؛ لِأنَّ السِّينَ تَخْتَصُّ بِالِاسْتِقْبالِ. فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ: فَسَيُوصِلُ لَكم جَزاءَ أعْمالِكم. ولِمُجِيبٍ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ، بِأنَّ إيصالَ الجَزاءِ إلَيْهِمْ مَذْكُورٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَلَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الرُّؤْيَةَ عَلى إيصالِ الجَزاءِ لَزِمَ التَّكْرارُ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ سُؤالٌ: وهو أنَّ عَمَلَهم لا يَراهُ كُلُّ أحَدٍ، فَما مَعْنى هَذا الكَلامِ ؟ والجَوابُ: مَعْناهُ وصُولُ خَبَرِ ذَلِكَ العَمَلِ إلى الكُلِّ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«لَوْ أنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا في صَخْرَةٍ لا بابَ لَها ولا كُوَّةَ لَخَرَجَ عَمَلُهُ إلى النّاسِ كائِنًا ما كانَ» “ . فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ في أنَّهم يَرَوْنَ أعْمالَ هَؤُلاءِ التّائِبِينَ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أجْدَرَ ما يَدْعُو المَرْءَ إلى العَمَلِ الصّالِحِ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ والعِزِّ الَّذِي يَلْحَقُهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَإذا عَلِمَ أنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ عَظَّمَهُ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ، عَظُمَ فَرَحُهُ بِذَلِكَ وقَوِيَتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ، ومِمّا يُنَبِّهُ عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ أنَّهُ ذَكَرَ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَها رُؤْيَةَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتَ مِنَ المُحِقِّينَ المُحَقِّقِينَ في عُبُودِيَّةِ الحَقِّ، فاعْمَلِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لِلَّهِ تَعالى، وإنْ كُنْتَ مِنَ الضُّعَفاءِ المَشْغُولِينَ بِثَناءِ الخَلْقِ فاعْمَلِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لِتَفُوزَ بِثَناءِ الخَلْقِ، وهو الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ: أنَّ المُؤْمِنِينَ شُهَداءُ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ (البَقَرَةِ: ١٤٣) الآيَةَ، والرَّسُولُ شَهِيدُ الأُمَّةِ، كَما قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ (النِّساءِ: ٤١) فَثَبَتَ أنَّ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ شُهَداءُ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والشَّهادَةُ لا تَصِحُّ إلّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ، فَذَكَرَ اللَّهُ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ أعْمالَهم، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ حُضُورِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، بِأنَّهم أهْلُ الصِّدْقِ والسَّدادِ والعَفافِ والرَّشادِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٥١ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الغَيْبُ ما يُسِرُّونَهُ، والشَّهادَةُ ما يُظْهِرُونَهُ. وأقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الغَيْبُ ما حَصَلَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، والشَّهادَةُ الأعْمالُ الَّتِي تَظْهَرُ عَلى جَوارِحِهِمْ، وأقُولُ أيْضًا مَذْهَبُ حُكَماءِ الإسْلامِ أنَّ المَوْجُوداتِ الغائِبَةَ عَنِ الحَواسِّ عِلَلٌ أوْ كالعِلَلِ لِلْمَوْجُوداتِ المَحْسُوساتِ، وعِنْدَهم أنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعَلَمِ بِالمَعْلُولِ. فَوَجَبَ كَوْنُ العِلْمِ بِالغَيْبِ سابِقًا عَلى العِلْمِ بِالشَّهادَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أيْنَما جاءَ هَذا الكَلامُ في القُرْآنِ كانَ الغَيْبُ مُقَدَّمًا عَلى الشَّهادَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ عَلى الرُّؤْيَةِ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أنَّ مَعْناهُ مُغايِرٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ وإنْ حَمَلْنا تِلْكَ الرُّؤْيَةَ عَلى العِلْمِ أوْ عَلى إيصالِ الثَّوابِ جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ جارِيًا مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ مَعْناهُ: بِإظْهارِ المَدْحِ والثَّناءِ والإعْزازِ في الدُّنْيا، أوْ بِإظْهارِ أضْدادِها. وقَوْلُهُ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ مَعْناهُ: ما يَظْهَرُ في القِيامَةِ مِن حالِ الثَّوابِ والعِقابِ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والمَعْنى يُعَرِّفُكم أحْوالَ أعْمالِكم ثُمَّ يُجازِيكم عَلَيْها، لِأنَّ المُجازاةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ في الآخِرَةِ إلّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ؛ لِيَعْرِفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الَّذِي وصَلَ إلَيْهِ عَدْلٌ لا ظُلْمٌ، فَإنْ كانَ مِن أهْلِ الثَّوابِ كانَ فَرَحُهُ وسَعادَتُهُ أكْثَرَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ العِقابِ كانَ غَمُّهُ وخُسْرانُهُ أكْثَرَ. وقالَ حُكَماءُ الإسْلامِ، المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ الإشارَةُ إلى الثَّوابِ الرُّوحانِيِّ، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إذا تَحَمَّلَ أنْواعًا مِنَ المَشاقِّ في الأُمُورِ الَّتِي أمَرَهُ بِها مَوْلاهُ، فَإذا عَلِمَ العَبْدُ أنَّ مَوْلاهُ يَرى كَوْنَهُ مُتَحَمِّلًا لِتِلْكَ المَشاقِّ، عَظُمَ فَرَحُهُ وقَوِيَ ابْتِهاجُهُ بِها، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ ألَذَّ مِنَ الخِلَعِ النَّفِيسَةِ والأمْوالِ العَظِيمَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فالمُرادُ مِنهُ تَعْرِيفُ عِقابِ الخِزْيِ والفَضِيحَةِ. ومِثالُهُ أنَّ العَبْدَ الَّذِي خَصَّهُ السُّلْطانُ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ مِنَ الإحْسانِ إذا أتى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَعاصِي، فَإذا حَضَرَ ذَلِكَ العَبْدُ عِنْدَ ذَلِكَ السُّلْطانِ وعَدَّدَ عَلَيْهِ أنْواعَ قَبائِحِهِ وفَضائِحِهِ، قَوِيَ حُزْنُهُ وعَظُمَ غَمُّهُ وكَمُلَتْ فَضِيحَتُهُ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ العَذابِ الرُّوحانِيِّ، ورُبَّما رَضِيَ العاقِلُ بِأشَدِّ أنْواعِ العَذابِ الجُسْمانِيِّ حَذَرًا مِنهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَعْرِيفُ هَذا النَّوْعِ مِنَ العِقابِ الرُّوحانِيِّ، نَسْألُ اللَّهَ العِصْمَةَ مِنهُ ومِن سائِرِ العَذابِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ونافِعٌ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ مُرْجَوْنَ بِغَيْرِ هَمْزٍ والباقُونَ بِالهَمْزِ وهُما لُغَتانِ. أرْجَأتُ الأمْرَ وأرْجَيْتُهُ، بِالهَمْزِ وتَرْكِهِ، إذا أخَّرْتَهُ. وسُمِّيَتِ المُرْجِئَةُ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهم لا يُجْزِمُونَ القَوْلَ بِمَغْفِرَةِ التّائِبِ ولَكِنْ يُؤَخِّرُونَها إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الأوْزاعِيُّ: لِأنَّهم يُؤَخِّرُونَ العَمَلَ عَنِ الإيمانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَسَّمَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهادِ ثَلاثَةَ أقْسامٍ: القِسْمُ الأوَّلُ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ. صفحة ١٥٢ القِسْمُ الثّانِي: التّائِبُونَ وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم. والقِسْمُ الثّالِثُ: الَّذِينَ بَقُوا مَوْقُوفِينَ وهُمُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ القِسْمِ الثّانِي وبَيْنَ هَذا الثّالِثِ، أنَّ أُولَئِكَ سارَعُوا إلى التَّوْبَةِ وهَؤُلاءِ لَمْ يُسارِعُوا إلَيْها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَعْبِ بْنِ مالِكٍ ومُرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَقالَ كَعْبٌ: أنا أفْرَهُ أهْلِ المَدِينَةِ جَمَلًا، فَمَتى شِئْتُ لَحِقْتُ الرَّسُولَ، فَتَأخَّرَ أيّامًا وأيِسَ بَعْدَها مِنَ اللُّحُوقِ بِهِ فَنَدِمَ عَلى صَنِيعِهِ وكَذَلِكَ صاحِباهُ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ قِيلَ لِكَعْبٍ اعْتَذِرْ إلَيْهِ مِن صَنِيعِكَ، فَقالَ: لا واللَّهِ حَتّى تَنْزِلَ تَوْبَتِي، وأمّا صاحِباهُ فاعْتَذَرا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ”ما خَلَّفَكُما عَنِّي“ فَقالا: لا عُذْرَ لَنا إلّا الخَطِيئَةُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ فَوَقَفَهُمُ الرَّسُولُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ونَهى النّاسَ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ، وأمَرَهم بِاعْتِزالِ نِسائِهِمْ وإرْسالِهِنَّ إلى أهالِيهِنَّ، فَجاءَتِ امْرَأةُ هِلالٍ تَسْألُ أنْ تَأْتِيَهُ بِطَعامٍ فَإنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَأذِنَ لَها في ذَلِكَ خاصَّةً، وجاءَ رَسُولٌ مِنَ الشّامِ إلى كَعْبٍ يُرَغِّبُهُ في اللَّحاقِ بِهِمْ، فَقالَ كَعْبٌ: بَلَغَ مِن خَطِيئَتِي أنْ طَمِعَ فِيَّ المُشْرِكُونَ، قالَ: فَضاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ. وبَكى هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ حَتّى خِيفَ عَلى بَصَرِهِ، فَلَمّا مَضى خَمْسُونَ يَوْمًا نَزَلَتْ تَوْبَتُهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ (التَّوْبَةِ: ١١٧) وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ﴾ (التَّوْبَةِ: ١١٨) الآيَةَ» . وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ أرْجَأهم رَسُولُ اللَّهِ عَنْ حَضْرَتِهِ. وقالَ الأصَمُّ: يَعْنِي المُنافِقِينَ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ أرْجَأهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يُخْبِرْ عَنْهم ما عَلِمَهُ مِنهم وحَذَّرَهم بِهَذِهِ الآيَةِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا أنْ يُنَزِّلَ فِيهِمْ قُرْآنًا. * * * فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ كَلِمَةَ (إمّا) و(إمّا) لِلشَّكِّ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْهُ. وجَوابُهُ المُرادُ مِنهُ لِيَكُنْ أمْرُهم عَلى الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَجَعَلَ أُناسٌ يَقُولُونَ هَلَكُوا إذا لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ تَعالى لَهم عُذْرًا، وآخَرُونَ يَقُولُونَ عَسى اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ القَوْمَ كانُوا نادِمِينَ عَلى تَأخُّرِهِمْ عَنِ الغَزْوِ وتَخَلُّفِهِمْ عَنِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَحْكم بِكَوْنِهِمْ تائِبِينَ بَلْ قالَ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّدَمَ وحْدَهُ لا يَكُونُ كافِيًا في صِحَّةِ التَّوْبَةِ. فَإنْ قِيلَ: فَما تِلْكَ الشَّرائِطُ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم خافُوا مِن أمْرِ الرَّسُولِ بِإيذائِهِمْ أوْ خافُوا مِنَ الخَجْلَةِ والفَضِيحَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَوْبَتُهم غَيْرُ صَحِيحَةٍ ولا مَقْبُولَةٍ، فاسْتَمَرَّ عَدَمُ قَبُولِ التَّوْبَةِ إلى أنْ سَهُلَ أحْوالُ الخَلْقِ في قَدْحِهِمْ ومَدْحِهِمْ عِنْدَهم، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَدِمُوا عَلى المَعْصِيَةِ لِنَفْسِ كَوْنِها مَعْصِيَةً، وعِنْدَ ذَلِكَ صَحَّتْ تَوْبَتُهم. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ غَيْرِ التّائِبِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في حَقِّ هَؤُلاءِ المُذْنِبِينَ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وهو إمّا التَّعْذِيبُ وإمّا التَّوْبَةُ، وأمّا العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ مِن غَيْرِ التَّوْبَةِ، فَهو قِسْمٌ ثالِثٌ. فَلَمّا أهْمَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ باطِلٌ وغَيْرُ مُعْتَبَرٍ. صفحة ١٥٣ والجَوابُ: أنّا لا نَقْطَعُ بِحُصُولِ العَفْوِ عَنْ جَمِيعِ المُذْنِبِينَ، بَلْ نَقْطَعُ بِحُصُولِ العَفْوِ في الجُمْلَةِ، وأمّا في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَذَلِكَ مَشْكُوكٌ فِيهِ. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَقَطَعَ بِغُفْرانِ ما سِوى الشِّرْكِ، لَكِنْ لا في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ، بَلْ في حَقِّ مَن يَشاءُ. فَلَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ العَفْوِ في حَقِّ هَؤُلاءِ، عَدَمُ العَفْوِ عَلى الإطْلاقِ. وأيْضًا فَعَدَمُ الذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى العَدَمِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ (عَبَسَ: ٣٩) وهُمُ المُؤْمِنُونَ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ (عَبَسَ: ٤٠) فَهَهُنا المَذْكُورُونَ، إمّا المُؤْمِنُونَ، وإمّا الكافِرُونَ، ثُمَّ إنَّ عَدَمَ ذِكْرِ القِسْمِ الثّالِثِ، لَمْ يَدُلَّ عِنْدَ الجُبّائِيِّ عَلى نَفْيِهِ، فَكَذا هَهُنا. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما في قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يَحْكُمُ فِيهِمْ ويَقْضِي عَلَيْهِمْ.

التوبة 9:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أصْنافَ المُنافِقِينَ وطَرائِقَهُمُ المُخْتَلِفَةَ قالَ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (الَّذِينَ اتَّخَذُوا) بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ، والباقُونَ بِالواوِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ مَكَّةَ والعِراقِ. فالأوَّلُ: عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ والثّانِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعامَّةُ أهْلِ التَّفْسِيرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ بَنَوْا مَسْجِدًا يُضارُّونَ بِهِ مَسْجِدَ قُباءَ، وأقُولُ إنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: ضِرارًا، والضِّرارُ مُحاوَلَةُ الضُّرِّ، كَما أنَّ الشِّقاقَ مُحاوَلَةُ ما يَشُقُّ. قالَ الزَّجّاجُ: وانْتَصَبَ قَوْلُهُ: ﴿ضِرارًا﴾ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوهُ لِلضِّرارِ ولِسائِرِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، فَلَمّا حُذِفَتِ اللّامُ اقْتَضاهُ الفِعْلُ فَنُصِبَ. قالَ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضَرُّوا بِهِ ضِرارًا. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكُفْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ بِهِ ضِرارًا لِلْمُؤْمِنِينَ وكُفْرًا بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبِما جاءَ بِهِ. وقالَ غَيْرُهُ اتَّخَذُوهُ لِيَكْفُرُوا فِيهِ بِالطَّعْنِ عَلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والإسْلامِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ يُفَرِّقُونَ بِواسِطَتِهِ جَماعَةَ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ صفحة ١٥٤ المُنافِقِينَ قالُوا: نَبْنِي مَسْجِدًا فَنُصَلِّي فِيهِ، ولا نُصَلِّي خَلْفَ مُحَمَّدٍ، فَإنْ أتانا فِيهِ صَلَّيْنا مَعَهُ. وفَرَّقَنا بَيْنَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ في مَسْجِدِهِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى اخْتِلافِ الكَلِمَةِ، وبُطْلانِ الأُلْفَةِ. والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالُوا: المُرادُ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، والِدُ حَنْظَلَةَ الَّذِي غَسَّلَتْهُ المَلائِكَةُ، وسَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفاسِقَ، وكانَ قَدْ تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ، وتَرَهَّبَ وطَلَبَ العِلْمَ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاداهُ؛ لِأنَّهُ زالَتْ رِياسَتُهُ وقالَ: لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهم، ولَمْ يَزَلْ يُقاتِلُهُ إلى يَوْمِ حُنَيْنٍ، فَلَمّا انْهَزَمَتْ هَوازِنُ خَرَجَ إلى الشَّأْمِ، وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ أنِ اسْتَعِدُّوا بِما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ، وابْنُوا لِي مَسْجِدًا فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ، وآتٍ مِن عِنْدِهِ بِجُنْدٍ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. فَبَنَوْا هَذا المَسْجِدَ، وانْتَظَرُوا مَجِيءَ أبِي عامِرٍ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ في ذَلِكَ المَسْجِدِ. قالَ الزَّجّاجُ: الإرْصادُ: الِانْتِظارُ.وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الإرْصادُ: الِانْتِظارُ مَعَ العَداوَةِ. وقالَ الأكْثَرُونَ: الإرْصادُ، الإعْدادُ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ (الفَجْرِ: ١٤) . وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ بِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ هَذا المَسْجِدَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ قالَ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ أيْ: لَيَحْلِفُنَّ ما أرَدْنا بِبِنائِهِ إلّا الفِعْلَةَ الحُسْنى وهو الرِّفْقُ بِالمُسْلِمِينَ في التَّوْسِعَةِ عَلى أهْلِ الضَّعْفِ والعِلَّةِ والعَجْزِ عَنِ المَصِيرِ إلى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنّا قَدْ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المُمْطِرَةِ واللَّيْلَةِ الشّاتِيَةِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَعَ الرَّسُولَ عَلى أنَّهم حَلَفُوا كاذِبِينَ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ﴾ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ ومِمَّنْ ذَكَرْنا الَّذِينَ.

التوبة 9:108

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُنافِقِينَ لَمّا بَنَوْا ذَلِكَ المَسْجِدَ لِتِلْكَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ عِنْدَ ذِهابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صفحة ١٥٥ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ، «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ واللَّيْلَةِ المُمْطِرَةِ والشّاتِيَةِ، ونَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ لَنا فِيهِ وتَدْعُوَ لَنا بِالبَرَكَةِ. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وإذا قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ صَلَّيْنا فِيهِ، فَلَمّا رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ سَألُوهُ إتْيانَ المَسْجِدِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَدَعا بَعْضَ القَوْمِ وقالَ: انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ وخَرِّبُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وأمَرَ أنْ يُتَّخَذَ مَكانُهُ كُناسَةً يُلْقى فِيها الجِيَفُ والقُمامَةُ» . وقالَ الحَسَنُ: هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَذْهَبَ إلى ذَلِكَ المَسْجِدِ فَنادى جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ﴾ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ أنْ يَقُومَ فِيهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَرَغُوا مِن إتْمامِ ذَلِكَ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّوْا فِيهِ ذَلِكَ اليَوْمَ ويَوْمَ السَّبْتِ والأحَدِ، وانْهارَ في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ العِلَّةَ في هَذا النَّهْيِ، وهي أنَّ أحَدَ المَسْجِدَيْنِ لَمّا كانَ مَبْنِيًّا عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ، وكانَتِ الصَّلاةُ في مَسْجِدٍ آخَرَ تَمْنَعُ مِنَ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ التَّقْوى، كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنْ يَمْنَعَ مِنَ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ الثّانِي. فَإنْ قِيلَ: كَوْنُ أحَدِ المَسْجِدَيْنِ أفْضَلُ لا يُوجِبُ المَنعَ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ الثّانِي. قُلْنا: التَّعْلِيلُ وقَعَ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، أعْنِي كَوْنَ مَسْجِدِ الضِّرارِ سَبَبًا لِلْمَفاسِدِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، ومَسْجِدِ التَّقْوى مُشْتَمِلًا عَلى الخَيْراتِ الكَثِيرَةِ. ومِنَ الرَّوافِضِ مَن يَقُولُ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى التَّقْوى أحَقُّ بِالقِيامِ فِيهِ مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ. وثَبَتَ أنَّ عَلِّيًا ما كَفَرَ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أوْلى بِالقِيامِ بِالإمامَةِ مِمَّنْ كَفَرَ بِاللَّهِ في أوَّلِ أمْرِهِ. وجَوابُنا أنَّ التَّعْلِيلَ وقَعَ بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، فَزالَ هَذا السُّؤالُ. واخْتَلَفُوا في أنَّ مَسْجِدَ التَّقْوى ما هو ؟ قِيلَ: إنَّهُ مَسْجِدُ قُباءَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْتِيهِ في كُلِّ سَنَةٍ فَيُصَلِّي فِيهِ، والأكْثَرُونَ أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مَسْجِدُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، «وذَكَرَ أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفا فِيهِ، فَقالَ أحَدُهُما: مَسْجِدُ الرَّسُولِ، وقالَ آخَرٌ: قُباءُ. فَسَألاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ هو مَسْجِدِي هَذا» . وقالَ القاضِي: لا يَمْنَعُ دُخُولُهُما جَمِيعًا تَحْتَ هَذا الذِّكْرِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى﴾ هو كَقَوْلِ القائِلِ: لَرَجُلٌ صالِحٌ أحَقُّ أنْ تُجالِسَهُ. فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلى واحِدٍ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ، مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ قِيامُهُ في الآخَرِ ؟ قُلْنا: المَعْنى أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا لَكانَ هَذا أوْلى، لِلسَّبَبِ المَذْكُورِ.

التوبة 9:109

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى رَجَّحَ مَسْجِدَ التَّقْوى بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بُنِيَ عَلى التَّقْوى، وهو الَّذِي تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. والثّانِي: أنَّ فِيهِ رِجالًا يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الطَّهارَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ التَّطَهُّرُ عَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، وهَذا القَوْلُ مُتَعَيِّنٌ لِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّ التَّطَهُّرَ عَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي هو المُؤَثِّرُ في القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى واسْتِحْقاقِ ثَوابِهِ ومَدْحِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ أصْحابَ مَسْجِدِ الضِّرارِ بِمُضارَّةِ المُسْلِمِينَ والكُفْرِ بِاللَّهِ والتَّفْرِيقِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَؤُلاءِ بِالضِّدِّ مِن صِفاتِهِمْ. وما ذاكَ إلّا كَوْنُهم مُبَرَّئِينَ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي. والثّالِثُ: أنَّ طَهارَةَ الظّاهِرِ إنَّما يَحْصُلُ لَها أثَرٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ لَوْ حَصَلَتْ طَهارَةُ الباطِنِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أمّا لَوْ حَصَلَتْ طَهارَةُ الباطِنِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولَمْ تَحْصُلْ نَظافَةُ الظّاهِرِ، صفحة ١٥٦ كَأنَّ طَهارَةَ الباطِنِ لَها أثَرٌ، فَكانَ طَهارَةُ الباطِنِ أوْلى. الرّابِعُ: رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ المُهاجِرُونَ حَتّى وقَفَ عَلى بابِ مَسْجِدِ قُباءَ، فَإذا الأنْصارُ جُلُوسٌ، فَقالَ: ”أمُؤْمِنُونَ أنْتُمْ“ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ ثُمَّ أعادَها. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهم لَمُؤْمِنُونَ وأنا مَعَهم؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أتَرْضُونَ بِالقَضاءِ“ ؟ قالُوا نَعَمْ. قالَ: ”أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ“ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: ”أتَشْكُرُونَ في الرَّخاءِ“ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مُؤْمِنُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ“ ثُمَّ قالَ: ”يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ أثْنى عَلَيْكم فَما الَّذِي تَصْنَعُونَ في الوُضُوءِ“ قالُوا: نُتْبِعُ الماءَ الحَجَرَ. فَقَرَأ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا»﴾ الآيَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الطَّهارَةُ بِالماءِ بَعْدَ الحَجَرِ. وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مِن أهْلِ الأخْبارِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ، وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ لَفْظَ الطَّهارَةِ حَقِيقَةٌ في الطَّهارَةِ عَنِ النَّجاساتِ العَيْنِيَّةِ، ومَجازٌ في البَراءَةِ عَنِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، واسْتِعْمالُ اللَّفْظِ الواحِدِ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا لا يَجُوزُ. والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ النَّجَسِ اسْمٌ لِلْمُسْتَقْذَرِ، وهو القَدْرُ مَفْهُومٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَإنَّهُ يَزُولُ السُّؤالُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ السَّبَبَ الأوَّلَ، وهو كَوْنُ المَسْجِدِ مَبْنِيًّا عَلى التَّقْوى، فَقالَ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ. البَحْثُ الأوَّلُ: البُنْيانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، والمُرادُ هَهُنا المَبْنِيُّ، وإطْلاقُ لِفَظِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ هَذا ضَرْبُ الأمِيرِ ونَسْجُ زَيْدٍ، والمُرادُ مَضْرُوبُهُ ومَنسُوجُهُ، وقالَ الواحِدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بُنْيانٌ جَمْعَ بُنْيانَةٍ إذا جَعَلْتَهُ اسْمًا، لِأنَّهم قالُوا: بُنْيانَةٌ في الواحِدِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (أفَمَن أُسِّسَ بُنْيانُهُ) عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وذَلِكَ الفاعِلُ هو البانِي والمُؤَسِّسُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ﴾ أيْ: لِلْخَوْفِ مِن عِقابِ اللَّهِ والرَّغْبَةِ في ثَوابِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الطّاعَةَ لا تَكُونُ طاعَةً إلّا عِنْدَ هَذِهِ الرَّهْبَةِ والرَّغْبَةِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ البانِيَ لَمّا بَنى ذَلِكَ البِناءَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى ولِلرَّهْبَةِ مِن عِقابِهِ، والرَّغْبَةِ في ثَوابِهِ، كانَ ذَلِكَ البِناءُ أفْضَلَ وأكْمَلَ مِنَ البِناءِ الَّذِي بَناهُ البانِي لِداعِيَةِ الكُفْرِ بِاللَّهِ والإضْرارِ بِعِبادِ اللَّهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (جُرْفٍ ) ساكِنَةَ الرّاءِ والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ، جُرُفٌ وجُرْفٌ كَشُغُلٍ وشُغْلٍ وعُنُقٍ وعُنْقٍ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الشَّفا الشَّفِيرُ، وشَفا الشَّيْءِ حَرْفُهُ، ومِنهُ يُقالُ: أشَفى عَلى كَذا إذا دَنا مِنهُ، والجُرُفُ: هو ما إذا سالَ السَّيْلُ وانْحَرَفَ الوادِي ويَبْقى عَلى طَرَفِ السَّيْلِ طِينٌ واهٍ مُشْرِفٌ عَلى السُّقُوطِ ساعَةً فَساعَةً. فَذَلِكَ الشَّيْءُ هو الجُرُفُ، وقَوْلُهُ: ﴿هارٍ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الهَوْرُ مَصْدَرُ هارَ الجُرُفُ يَهُورُ، إذا انْصَدَعَ مِن خَلْفِهِ، وهو ثابِتٌ بَعْدُ في مَكانِهِ، وهو جُرُفٌ هارٌ هائِرٌ، فَإذا سَقَطَ فَقَدِ انْهارَ وتَهَوَّرَ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الألْفاظَ فَنَقُولُ: المَعْنى أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ قَوِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ وهي الحَقُّ الَّذِي هو تَقْوى اللَّهِ ورِضْوانُهُ خَيْرٌ، أمَّنْ أسَّسَ عَلى قاعِدَةٍ هي أضْعَفُ القَواعِدِ وأقَلُّها بَقاءً، وهو الباطِلُ ؟ والنِّفاقُ صفحة ١٥٧ الَّذِي مِثْلُهُ مِثْلُ شَفا جُرُفٍ هارٍ مِن أوْدِيَةِ جَهَنَّمَ فَلِكَوْنِهِ﴿شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾ كانَ مُشْرِفًا عَلى السُّقُوطِ، ولِكَوْنِهِ عَلى طَرَفِ جَهَنَّمَ، كانَ إذا انْهارَ فَإنَّما يَنْهارُ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، ولا نَرى في العالَمِ مِثالا أكْثَرَ مُطابَقَةً لِأمْرِ المُنافِقِينَ مِن هَذا المِثالِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ أحَدَ البِناءَيْنِ قَصَدَ بانِيهِ بِبِنائِهِ تَقْوى اللَّهِ ورِضْوانَهُ، والبِناءَ الثّانِيَ قَصَدَ بانِيهِ بِبِنائِهِ المَعْصِيَةَ والكُفْرَ، فَكانَ البِناءُ الأوَّلُ شَرِيفًا واجِبَ الإبْقاءِ، وكانَ الثّانِي خَسِيسًا واجِبَ الهَدْمِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ بِناءَ ذَلِكَ البُنْيانِ صارَ سَبَبًا لِحُصُولِ الرِّيبَةِ في قُلُوبِهِمْ، فَجَعَلَ نَفْسَ ذَلِكَ البُنْيانِ رِيبَةً لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلرِّيبَةِ. وفي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلرِّيبَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُنافِقِينَ عَظُمَ فَرَحُهم بِبِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَلَمّا أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِتَخْرِيبِهِ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وازْدادَ بُغْضُهم لَهُ وازْدادَ ارْتِيابُهم في نُبُوَّتِهِ. الثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا أمَرَ بِتَخْرِيبِ ذَلِكَ المَسْجِدِ ظَنُّوا أنَّهُ إنَّما أمَرَ بِتَخْرِيبِهِ لِأجْلِ الحَسَدِ، فارْتَفَعَ أمانُهم عَنْهُ وعَظُمَ خَوْفُهم مِنهُ في كُلِّ الأوْقاتِ، وصارُوا مُرْتابِينَ في أنَّهُ هَلْ يَتْرُكُهم عَلى ما هم فِيهِ أوْ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ ونَهْبِ أمْوالِهِمْ ؟ . الثّالِثُ: أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهم كانُوا مُحْسِنِينَ في بِناءِ ذَلِكَ المَسْجِدِ، فَلَمّا أمَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِتَخْرِيبِهِ بَقُوا شاكِّينَ مُرْتابِينَ في أنَّهُ لِأيِّ سَبَبٍ أمَرَ بِتَخْرِيبِهِ ؟ . الرّابِعُ: بَقُوا شاكِّينَ مُرْتابِينَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى هَلْ يَغْفِرُ تِلْكَ المَعْصِيَةَ ؟ أعْنِي سَعْيَهم في بِناءِ ذَلِكَ المَسْجِدِ، والصَّحِيحُ هو الوَجْهُ الأوَّلُ. ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ (أنْ تَقَطَّعَ) بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً بِمَعْنى تَتَقَطَّعُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (تَقْطَعُ) بِفَتْحِ الطّاءِ وتَسْكِينِ القافِ (قُلُوبَهم) بِالنَّصْبِ أيْ تَفْعَلُ أنْتَ بِقُلُوبِهِمْ هَذا القَطْعَ، وقَوْلُهُ: ﴿تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: تُجْعَلُ قُلُوبُهم قِطَعًا، وتُفَرَّقُ أجْزاءً إمّا بِالسَّيْفِ وإمّا بِالحُزْنِ والبُكاءِ، فَحِينَئِذٍ تَزُولُ تِلْكَ الرِّيبَةُ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الرِّيبَةَ باقِيَةٌ في قُلُوبِهِمْ أبَدًا ويَمُوتُونَ عَلى هَذا النِّفاقِ. وقِيلَ: مَعْناهُ إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَنْقَطِعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ. وقِيلَ حَتّى تَنْشَقَّ قُلُوبُهم غَمًّا وحَسْرَةً، وقَرَأ الحَسَنُ (إلى أنْ) وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهم) وعَنْ طَلْحَةَ (ولَوْ قَطَّعْتَ قُلُوبَهم) عَلى خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ كُلِّ مُخاطِبٍ. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والمَعْنى: عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، حَكِيمٌ في الأحْكامِ الَّتِي يَحْكُمُ بِها عَلَيْهِمْ.

التوبة 9:110

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى رَجَّحَ مَسْجِدَ التَّقْوى بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بُنِيَ عَلى التَّقْوى، وهو الَّذِي تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. والثّانِي: أنَّ فِيهِ رِجالًا يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الطَّهارَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ التَّطَهُّرُ عَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، وهَذا القَوْلُ مُتَعَيِّنٌ لِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّ التَّطَهُّرَ عَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي هو المُؤَثِّرُ في القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى واسْتِحْقاقِ ثَوابِهِ ومَدْحِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ أصْحابَ مَسْجِدِ الضِّرارِ بِمُضارَّةِ المُسْلِمِينَ والكُفْرِ بِاللَّهِ والتَّفْرِيقِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَؤُلاءِ بِالضِّدِّ مِن صِفاتِهِمْ. وما ذاكَ إلّا كَوْنُهم مُبَرَّئِينَ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي. والثّالِثُ: أنَّ طَهارَةَ الظّاهِرِ إنَّما يَحْصُلُ لَها أثَرٌ وقَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ لَوْ حَصَلَتْ طَهارَةُ الباطِنِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، أمّا لَوْ حَصَلَتْ طَهارَةُ الباطِنِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولَمْ تَحْصُلْ نَظافَةُ الظّاهِرِ، صفحة ١٥٦ كَأنَّ طَهارَةَ الباطِنِ لَها أثَرٌ، فَكانَ طَهارَةُ الباطِنِ أوْلى. الرّابِعُ: رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ المُهاجِرُونَ حَتّى وقَفَ عَلى بابِ مَسْجِدِ قُباءَ، فَإذا الأنْصارُ جُلُوسٌ، فَقالَ: ”أمُؤْمِنُونَ أنْتُمْ“ ؟ فَسَكَتَ القَوْمُ ثُمَّ أعادَها. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهم لَمُؤْمِنُونَ وأنا مَعَهم؛ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”أتَرْضُونَ بِالقَضاءِ“ ؟ قالُوا نَعَمْ. قالَ: ”أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ“ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: ”أتَشْكُرُونَ في الرَّخاءِ“ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”مُؤْمِنُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ“ ثُمَّ قالَ: ”يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ أثْنى عَلَيْكم فَما الَّذِي تَصْنَعُونَ في الوُضُوءِ“ قالُوا: نُتْبِعُ الماءَ الحَجَرَ. فَقَرَأ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا»﴾ الآيَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الطَّهارَةُ بِالماءِ بَعْدَ الحَجَرِ. وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مِن أهْلِ الأخْبارِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ، وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ لَفْظَ الطَّهارَةِ حَقِيقَةٌ في الطَّهارَةِ عَنِ النَّجاساتِ العَيْنِيَّةِ، ومَجازٌ في البَراءَةِ عَنِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، واسْتِعْمالُ اللَّفْظِ الواحِدِ في الحَقِيقَةِ والمَجازِ مَعًا لا يَجُوزُ. والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ النَّجَسِ اسْمٌ لِلْمُسْتَقْذَرِ، وهو القَدْرُ مَفْهُومٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَإنَّهُ يَزُولُ السُّؤالُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ السَّبَبَ الأوَّلَ، وهو كَوْنُ المَسْجِدِ مَبْنِيًّا عَلى التَّقْوى، فَقالَ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ. البَحْثُ الأوَّلُ: البُنْيانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، والمُرادُ هَهُنا المَبْنِيُّ، وإطْلاقُ لِفَظِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ هَذا ضَرْبُ الأمِيرِ ونَسْجُ زَيْدٍ، والمُرادُ مَضْرُوبُهُ ومَنسُوجُهُ، وقالَ الواحِدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بُنْيانٌ جَمْعَ بُنْيانَةٍ إذا جَعَلْتَهُ اسْمًا، لِأنَّهم قالُوا: بُنْيانَةٌ في الواحِدِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (أفَمَن أُسِّسَ بُنْيانُهُ) عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وذَلِكَ الفاعِلُ هو البانِي والمُؤَسِّسُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ﴾ أيْ: لِلْخَوْفِ مِن عِقابِ اللَّهِ والرَّغْبَةِ في ثَوابِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الطّاعَةَ لا تَكُونُ طاعَةً إلّا عِنْدَ هَذِهِ الرَّهْبَةِ والرَّغْبَةِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ البانِيَ لَمّا بَنى ذَلِكَ البِناءَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى ولِلرَّهْبَةِ مِن عِقابِهِ، والرَّغْبَةِ في ثَوابِهِ، كانَ ذَلِكَ البِناءُ أفْضَلَ وأكْمَلَ مِنَ البِناءِ الَّذِي بَناهُ البانِي لِداعِيَةِ الكُفْرِ بِاللَّهِ والإضْرارِ بِعِبادِ اللَّهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (جُرْفٍ ) ساكِنَةَ الرّاءِ والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ، جُرُفٌ وجُرْفٌ كَشُغُلٍ وشُغْلٍ وعُنُقٍ وعُنْقٍ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الشَّفا الشَّفِيرُ، وشَفا الشَّيْءِ حَرْفُهُ، ومِنهُ يُقالُ: أشَفى عَلى كَذا إذا دَنا مِنهُ، والجُرُفُ: هو ما إذا سالَ السَّيْلُ وانْحَرَفَ الوادِي ويَبْقى عَلى طَرَفِ السَّيْلِ طِينٌ واهٍ مُشْرِفٌ عَلى السُّقُوطِ ساعَةً فَساعَةً. فَذَلِكَ الشَّيْءُ هو الجُرُفُ، وقَوْلُهُ: ﴿هارٍ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الهَوْرُ مَصْدَرُ هارَ الجُرُفُ يَهُورُ، إذا انْصَدَعَ مِن خَلْفِهِ، وهو ثابِتٌ بَعْدُ في مَكانِهِ، وهو جُرُفٌ هارٌ هائِرٌ، فَإذا سَقَطَ فَقَدِ انْهارَ وتَهَوَّرَ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الألْفاظَ فَنَقُولُ: المَعْنى أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَ دِينِهِ عَلى قاعِدَةٍ قَوِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ وهي الحَقُّ الَّذِي هو تَقْوى اللَّهِ ورِضْوانُهُ خَيْرٌ، أمَّنْ أسَّسَ عَلى قاعِدَةٍ هي أضْعَفُ القَواعِدِ وأقَلُّها بَقاءً، وهو الباطِلُ ؟ والنِّفاقُ صفحة ١٥٧ الَّذِي مِثْلُهُ مِثْلُ شَفا جُرُفٍ هارٍ مِن أوْدِيَةِ جَهَنَّمَ فَلِكَوْنِهِ﴿شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾ كانَ مُشْرِفًا عَلى السُّقُوطِ، ولِكَوْنِهِ عَلى طَرَفِ جَهَنَّمَ، كانَ إذا انْهارَ فَإنَّما يَنْهارُ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، ولا نَرى في العالَمِ مِثالا أكْثَرَ مُطابَقَةً لِأمْرِ المُنافِقِينَ مِن هَذا المِثالِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ أحَدَ البِناءَيْنِ قَصَدَ بانِيهِ بِبِنائِهِ تَقْوى اللَّهِ ورِضْوانَهُ، والبِناءَ الثّانِيَ قَصَدَ بانِيهِ بِبِنائِهِ المَعْصِيَةَ والكُفْرَ، فَكانَ البِناءُ الأوَّلُ شَرِيفًا واجِبَ الإبْقاءِ، وكانَ الثّانِي خَسِيسًا واجِبَ الهَدْمِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ بِناءَ ذَلِكَ البُنْيانِ صارَ سَبَبًا لِحُصُولِ الرِّيبَةِ في قُلُوبِهِمْ، فَجَعَلَ نَفْسَ ذَلِكَ البُنْيانِ رِيبَةً لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلرِّيبَةِ. وفي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلرِّيبَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُنافِقِينَ عَظُمَ فَرَحُهم بِبِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ، فَلَمّا أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِتَخْرِيبِهِ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وازْدادَ بُغْضُهم لَهُ وازْدادَ ارْتِيابُهم في نُبُوَّتِهِ. الثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا أمَرَ بِتَخْرِيبِ ذَلِكَ المَسْجِدِ ظَنُّوا أنَّهُ إنَّما أمَرَ بِتَخْرِيبِهِ لِأجْلِ الحَسَدِ، فارْتَفَعَ أمانُهم عَنْهُ وعَظُمَ خَوْفُهم مِنهُ في كُلِّ الأوْقاتِ، وصارُوا مُرْتابِينَ في أنَّهُ هَلْ يَتْرُكُهم عَلى ما هم فِيهِ أوْ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ ونَهْبِ أمْوالِهِمْ ؟ . الثّالِثُ: أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهم كانُوا مُحْسِنِينَ في بِناءِ ذَلِكَ المَسْجِدِ، فَلَمّا أمَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِتَخْرِيبِهِ بَقُوا شاكِّينَ مُرْتابِينَ في أنَّهُ لِأيِّ سَبَبٍ أمَرَ بِتَخْرِيبِهِ ؟ . الرّابِعُ: بَقُوا شاكِّينَ مُرْتابِينَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى هَلْ يَغْفِرُ تِلْكَ المَعْصِيَةَ ؟ أعْنِي سَعْيَهم في بِناءِ ذَلِكَ المَسْجِدِ، والصَّحِيحُ هو الوَجْهُ الأوَّلُ. ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ (أنْ تَقَطَّعَ) بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً بِمَعْنى تَتَقَطَّعُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (تَقْطَعُ) بِفَتْحِ الطّاءِ وتَسْكِينِ القافِ (قُلُوبَهم) بِالنَّصْبِ أيْ تَفْعَلُ أنْتَ بِقُلُوبِهِمْ هَذا القَطْعَ، وقَوْلُهُ: ﴿تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: تُجْعَلُ قُلُوبُهم قِطَعًا، وتُفَرَّقُ أجْزاءً إمّا بِالسَّيْفِ وإمّا بِالحُزْنِ والبُكاءِ، فَحِينَئِذٍ تَزُولُ تِلْكَ الرِّيبَةُ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ الرِّيبَةَ باقِيَةٌ في قُلُوبِهِمْ أبَدًا ويَمُوتُونَ عَلى هَذا النِّفاقِ. وقِيلَ: مَعْناهُ إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَنْقَطِعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ. وقِيلَ حَتّى تَنْشَقَّ قُلُوبُهم غَمًّا وحَسْرَةً، وقَرَأ الحَسَنُ (إلى أنْ) وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهم) وعَنْ طَلْحَةَ (ولَوْ قَطَّعْتَ قُلُوبَهم) عَلى خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ كُلِّ مُخاطِبٍ. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والمَعْنى: عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، حَكِيمٌ في الأحْكامِ الَّتِي يَحْكُمُ بِها عَلَيْهِمْ.

التوبة 9:111

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ صفحة ١٥٨ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَعَ في شَرْحِ فَضائِحِ المُنافِقِينَ وقَبائِحِهِمْ لِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ الشَّرْحَ والبَيانَ وذَكَرَ أقْسامَهم، وفَرَّعَ عَلى كُلِّ قِسْمٍ ما كانَ لائِقًا بِهِ، عادَ إلى بَيانِ فَضِيلَةِ الجِهادِ وحَقِيقَتِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القُرْطُبِيُّ: «لَمّا بايَعَتِ الأنْصارُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ بِمَكَّةَ وهم سَبْعُونَ نَفْسًا، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: اِشْتَرِطْ لِرَبِّكَ ولِنَفْسِكَ ما شِئْتَ. فَقالَ: ”أشْتَرِطُ لِرَبِّي أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ولِنَفْسِي أنْ تَمْنَعُونِي ما تَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَكم وأمْوالَكُمْ“ قالُوا: فَإذا فَعَلْنا ذَلِكَ فَماذا لَنا ؟ قالَ: ”الجَنَّةُ“ قالُوا: رَبِحَ البَيْعُ لا نَقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ» . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنٌ ومُقاتِلٌ: ثامَنَهم فَأغْلى ثَمَنَهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: لا يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ اللَّهُ شَيْئًا في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ المُشْتَرِيَ إنَّما يَشْتَرِي ما لا يَمْلِكُ، ولِهَذا قالَ الحَسَنُ: اشْتَرى أنْفُسًا هو خَلَقَها، وأمْوالًا هو رَزَقَها، لَكِنْ هَذا ذَكَرَهُ تَعالى لِحُسْنِ التَّلَطُّفِ في الدُّعاءِ إلى الطّاعَةِ، وحَقِيقَةُ هَذا، أنَّ المُؤْمِنَ مَتى قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى يُقْتَلَ، فَتَذْهَبَ رُوحُهُ، ويُنْفَقَ مالُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أخَذَ مِنَ اللَّهِ في الآخِرَةِ الجَنَّةَ جَزاءً لِما فَعَلَ. فَجَعَلَ هَذا اسْتِبْدالًا وشِراءً. هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ أيْ بِالجَنَّةِ، وكَذا قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ والأعْمَشِ. قالَ الحَسَنُ: اسْمَعُوا واللَّهِ بَيْعَةٌ رابِحَةٌ وكَفَّةٌ راجِحَةٌ، بايَعَ اللَّهُ بِها كُلَّ مُؤْمِنٍ، واللَّهِ ما عَلى الأرْضِ مُؤْمِنٌ إلّا وقَدْ دَخَلَ في هَذِهِ البَيْعَةِ. وقالَ الصّادِقُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لَيْسَ لِأبْدانِكم ثَمَنٌ إلّا الجَنَّةُ فَلا تَبِيعُوها إلّا بِها» “ وقَوْلُهُ:(وأمْوالَهم) يُرِيدُ الَّتِي يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ وعَلى أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ وعِيالِهِمْ، وفي الآيَةِ لَطائِفُ: اللَّطِيفَةُ الأُولى: المُشْتَرِي لا بُدَّ لَهُ مِن بائِعٍ، وهَهُنا البائِعُ هو اللَّهُ والمُشْتَرِي هو اللَّهُ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ القَيِّمِ بِأمْرِ الطِّفْلِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ رِعايَةُ المَصالِحِ في البَيْعِ والشِّراءِ، وصِحَّةُ هَذا البَيْعِ مَشْرُوطَةٌ بِرِعايَةِ الغِبْطَةِ العَظِيمَةِ، فَهَذا المَثَلُ جارٍ مَجْرى التَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ شَبِيهًا بِالطِّفْلِ الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى رِعايَةِ مَصالِحِ نَفْسِهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُراعِي لِمَصالِحِهِ بِشَرْطِ الغِبْطَةِ التّامَّةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى السُّهُولَةِ والمُسامَحَةِ، والعَفْوِ عَنِ الذُّنُوبِ، والإيصالِ إلى دَرَجاتِ الخَيْراتِ ومَراتِبِ السَّعاداتِ. واللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ الأنْفُسَ والأمْوالَ إلَيْهِمْ، فَوَجَبَ أنَّ كَوْنَ الأنْفُسِ والأمْوالِ مُضافَةً إلَيْهِمْ يُوجِبُ أمْرَيْنِ مُغايِرَيْنِ لَهم، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ، لِأنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنِ الجَوْهَرِ الأصْلِيِّ الباقِي، وهَذا البَدَنُ يَجْرِي مَجْرى الآلَةِ والأدَواتِ والمُرَكَّبِ، وكَذَلِكَ المالُ خُلِقَ وسِيلَةً إلى رِعايَةِ مَصالِحِ هَذا المُرَكَّبِ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ اشْتَرى مِنَ الإنْسانِ هَذا المُرَكَّبَ وهَذا المالَ بِالجَنَّةِ، وهو التَّحْقِيقُ. لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَبْقى مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِمَصالِحِ عالَمِ الجِسْمِ المُتَغَيِّرِ المُتَبَدِّلِ، وهو البَدَنُ والمالُ، امْتَنَعَ وُصُولُهُ إلى السَّعاداتِ العالِيَةِ والدَّرَجاتِ الشَّرِيفَةِ، فَإذا انْقَطَعَ التِفاتُهُ إلَيْها وبَلَغَ ذَلِكَ الِانْقِطاعُ إلى أنْ عَرَّضَ البَدَنَ لِلْقَتْلِ، والمالَ لِلْإنْفاقِ في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ، فَقَدْ بَلَغَ إلى حَيْثُ رَجَّحَ الهُدى عَلى الهَوى، والمَوْلى عَلى الدُّنْيا، والآخِرَةَ عَلى الأُولى، فَعِنْدَ هَذا يَكُونُ مِنَ السُّعَداءِ الأبْرارِ والأفاضِلِ الأخْيارِ، فالبائِعُ هو جَوْهَرُ الرُّوحِ القُدْسِيَّةِ والمُشْتَرِي هو اللَّهُ، وأحَدُ العِوَضَيْنِ الجَسَدُ البالِي والمالُ الفانِي، والعِوَضُ الثّانِي الجَنَّةُ الباقِيَةُ والسَّعاداتُ الدّائِمَةُ، فالرِّبْحُ حاصِلٌ والهَمُّ والغَمُّ زائِلٌ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ . صفحة ١٥٩ ثُمَّ قالَ: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ:(يُقاتِلُونَ) فِيهِ مَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] وقِيلَ جَعَلَ(يُقاتِلُونَ) كالتَّفْسِيرِ لِتِلْكَ المُبايَعَةِ، وكالأمْرِ اللّازِمِ لَها. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ وهو كَوْنُهم مَقْتُولِينَ عَلى كَوْنِهِمْ قاتِلِينَ، والباقُونَ بِتَقْدِيمِ الفاعِلِ عَلى المَفْعُولِ. أمّا تَقْدِيمُ الفاعِلِ عَلى المَفْعُولِ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم يَقْتُلُونَ الكُفّارَ ولا يَرْجِعُونَ عَنْهم إلى أنْ يَصِيرُوا مَقْتُولِينَ. وأمّا تَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ، فالمَعْنى: أنَّ طائِفَةً كَبِيرَةً مِنَ المُسْلِمِينَ، وإنْ صارُوا مَقْتُولِينَ لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ رادِعًا لِلْباقِينَ عَنِ المُقاتَلَةِ، بَلْ يَبْقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مُقاتِلِينَ مَعَ الأعْداءِ. قاتِلِينَ لَهم بِقَدْرِ الإمْكانِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٤٦) أيْ ما وهَنَ مَن بَقِيَ مِنهم. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ دَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ مُجاهَدَةُ الأعْداءِ بِالحُجَّةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أمْ لا ؟ فَمِنهم مَن قالَ: هو مُخْتَصٌّ بِالجِهادِ بِالمُقاتَلَةِ، لِأنَّهُ تَعالى فَسَرَّ تِلْكَ المُبايَعَةَ بِالمُقاتَلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ ومِنهم مَن قالَ: كُلُّ أنْواعِ الجِهادِ داخِلٌ فِيهِ، بِدَلِيلِ الخَبَرِ الَّذِي رَوَيْناهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ. وأيْضًا فالجِهادُ بِالحُجَّةِ والدَّعْوَةِ إلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ أكْمَلُ آثارًا مِنَ القِتالِ، ولِذَلِكَ «قالَ ﷺ لَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ عَلى يَدِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» “ ولِأنَّ الجِهادَ بِالمُقاتَلَةِ لا يَحْسُنُ أثَرُها إلّا بَعْدَ تَقْدِيمِ الجِهادِ بِالحُجَّةِ. وأمّا الجِهادُ بِالحُجَّةِ فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الجِهادِ بِالمُقاتَلَةِ. والأنْفُسُ جَوْهَرُها جَوْهَرٌ شَرِيفٌ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِمَزِيدِ الإكْرامِ في هَذا العالَمِ، ولا فَسادَ في ذاتِهِ، إنَّما الفَسادُ في الصِّفَةِ القائِمَةِ بِهِ، وهي الكُفْرُ والجَهْلُ. ومَتى أمْكَنَ إزالَةُ الصِّفَةِ الفاسِدَةِ، مَعَ إبْقاءِ الذّاتِ والجَوْهَرِ كانَ أوْلى. ألا تَرى أنَّ جِلْدَ المَيْتَةِ لَمّا كانَ مُنْتَفَعًا بِهِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، لا جَرَمَ حَثَّ الشَّرْعِ عَلى إبْقائِهِ، فَقالَ: ”«هَلّا أخَذْتُمْ إهابَها فَدَبَغْتُمُوهُ فانْتَفَعْتُمْ بِهِ» “ فالجِهادُ بِالحُجَّةِ يَجْرِي مَجْرى الدِّباغَةِ، وهو إبْقاءُ الذّاتِ مَعَ إزالَةِ الصِّفَةِ الفاسِدَةِ، والجِهادُ بِالمُقاتَلَةِ يَجْرِي مَجْرى إفْناءِ الذّاتِ، فَكانَ المَقامُ الأوَّلُ أوْلى وأفْضَلَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نُصِبَ (وعْدًا) عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ أنَّهُ وعَدَهُمُ الجَنَّةَ، فَكانَ وعْدًا مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا. واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الَّذِي حَصَلَ في الكُتُبِ ما هو ؟ فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا الوَعْدَ الَّذِي وعَدَهُ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ وعْدٌ ثابِتٌ، فَقَدْ أثْبَتَهُ اللَّهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ كَما أثْبَتَهُ في القُرْآنِ. والقَوْلُ الثّانِي: المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ اشْتَرى مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، كَما بَيَّنَ في القُرْآنِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ والجِهادِ هو مَوْجُودٌ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّ نَقْضَ العَهْدِ كَذِبٌ. وأيْضًا أنَّهُ مَكْرٌ وخَدِيعَةٌ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ القَبائِحِ، وهي قَبِيحَةٌ مِنَ الإنْسانِ مَعَ احْتِياجِهِ إلَيْها، فالغَنِيُّ عَنْ كُلِّ الحاجاتِ أوْلى أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْها. وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، أيْ لا أحَدَ أوْفى بِما وعَدَ مِنَ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى صفحة ١٦٠ أنْواعٍ مِنَ التَّأْكِيداتِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ فَيَكُونُ المُشْتَرِي هو اللَّهُ المُقَدَّسُ عَنِ الكَذِبِ والخِيانَةِ، وذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى تَأْكِيدِ هَذا العَهْدِ. والثّانِي: أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ إيصالِ هَذا الثَّوابِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، وذَلِكَ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ. وثالِثُها: قَوْلُهُ:(وعْدًا) ووَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ. ورابِعُها: قَوْلُهُ:(عَلَيْهِ) وكَلِمَةُ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ. وخامِسُها: قَوْلُهُ:(حَقًّا) وهو التَّأْكِيدُ لِلتَّحْقِيقِ. وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ وذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى إشْهادِ جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وجَمِيعِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلى هَذِهِ المُبايَعَةِ. وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ وهو غايَةٌ في التَّأْكِيدِ. وثامِنُها: قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ وهو أيْضًا مُبالَغَةٌ في التَّأْكِيدِ. وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكَ هو الفَوْزُ﴾ . وعاشَرُها: قَوْلُهُ:(العَظِيمُ) فَثَبَتَ اشْتِمالُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ العَشْرَةِ في التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ والتَّحْقِيقِ. ونَخْتِمُ الآيَةَ بِخاتِمَةٍ وهي أنَّ أبا القاسِمِ البَلْخِيَّ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ الأعْواضِ عَنْ آلامِ الأطْفالِ والبَهائِمِ. قالَ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إيصالُ ألَمِ القَتْلِ وأخْذِ الأمْوالِ إلى البالِغِينَ إلّا بِثَمَنٍ هو الجَنَّةُ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ كَذَلِكَ في الأطْفالِ والبَهائِمِ، ولَوْ جازَ عَلَيْهِمُ التَّمَنِّي لَتَمَنَّوْا أنَّ آلامَهم تَتَضاعَفُ حَتّى تَحْصُلَ لَهم تِلْكَ الأعْواضُ الرَّفِيعَةُ الشَّرِيفَةُ، ونَحْنُ نَقُولُ: لا نُنْكِرُ حُصُولَ الخَيْراتِ لِلْأطْفالِ والحَيَواناتِ في مُقابَلَةِ هَذِهِ الآلامِ، وإنَّما الخِلافُ وقَعَ في أنَّ ذَلِكَ العِوَضَ عِنْدَنا غَيْرُ واجِبٍ، وعِنْدَكم واجِبٌ، والآيَةُ ساكِتَةٌ عَنْ بَيانِ الوُجُوبِ.

التوبة 9:112

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ﴿اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ هُمُ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ التِّسْعَةِ. وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في رَفْعِ قَوْلِهِ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ رُفِعَ عَلى المَدْحِ، والتَّقْدِيرُ: هُمُ التّائِبُونَ، يَعْنِي المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ هُمُ التّائِبُونَ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ:(التّائِبُونَ) مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيِ التّائِبُونَ العابِدُونَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ أيْضًا وإنْ لَمْ يُجاهِدُوا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الوَعْدُ بِالجَنَّةِ حاصِلًا لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، وإذا جَعَلْنا قَوْلَهُ:(التّائِبُونَ) تابِعًا لِأوَّلِ الكَلامِ كانَ الوَعْدُ بِالجَنَّةِ حاصِلًا لِلْمُجاهِدِينَ. الثّالِثُ:(التّائِبُونَ) مُبْتَدَأٌ أوْ رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ:(يُقاتِلُونَ) . الرّابِعُ: قَوْلُهُ:(التّائِبُونَ) مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ:(العابِدُونَ) إلى آخِرِ الآيَةِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيِ التّائِبُونَ مِنَ الكُفْرِ عَلى الحَقِيقَةِ هُمُ الجامِعُونَ لِهَذِهِ الخِصالِ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ (التّائِبِينَ) بِالياءِ إلى قَوْلِهِ:(والحافِظِينَ) وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ جَرًّا، صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. * * * صفحة ١٦١ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الصِّفاتِ التِّسْعَةِ. فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ:(التّائِبُونَ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: التّائِبُونَ مِنَ الشِّرْكِ. وقالَ الحَسَنُ: التّائِبُونَ مِنَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ. وقالَ الأُصُولِيُّونَ: التّائِبُونَ مِن كُلِّ مَعْصِيَةٍ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ قَدْ تَكُونُ تَوْبَةً مِنَ الكُفْرِ، وقَدْ تَكُونُ مِنَ المَعْصِيَةِ. وقَوْلُهُ:(التّائِبُونَ) صِيغَةُ عُمُومٍ مُحَلّاةٌ بِالألِفِ واللّامِ فَتَتَناوَلُ الكُلَّ فالتَّخْصِيصُ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ مَحْضُ التَّحَكُّمِ. واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في شَرْحِ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ (البَقَرَةِ: ٣٧) . واعْلَمْ أنَّ التَّوْبَةَ إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ حُصُولِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: احْتِراقُ القَلْبِ في الحالِ عَلى صُدُورِ تِلْكَ المَعْصِيَةِ عَنْهُ. وثانِيها: نَدَمُهُ عَلى ما مَضى. وثالُثُها: عَزْمُهُ عَلى التَّرْكِ في المُسْتَقْبَلِ. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الحامِلُ لَهُ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ طَلَبَ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى وعُبُودِيَّتِهِ، فَإنْ كانَ غَرَضُهُ مِنها دَفْعَ مَذَمَّةِ النّاسِ وتَحْصِيلَ مَدْحِهِمْ أوْ سائِرَ الأغْراضِ، فَهو لَيْسَ مِنَ التّائِبِينَ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى:(العابِدُونَ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الَّذِينَ يَرَوْنَ عِبادَةَ اللَّهِ واجِبَةً عَلَيْهِمْ. وقالَ المُتَكَلِّمُونَ هُمُ الَّذِينَ أتَوْا بِالعِبادَةِ، وهي عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِفِعْلٍ مُشْعِرٍ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى عَلى أقْصى الوُجُوهِ في التَّعْظِيمِ، ولِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أنْ يَقُولَ إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ والإقْرارَ بِوُجُوبِ طاعَتِهِ عَمَلٌ مِن أعْمالِ القَلْبِ، وحُصُولُ الِاسْمِ في جانِبِ الثُّبُوتِ يَكْفِي فِيهِ حُصُولُ فَرْدٍ مِن أفْرادِ تِلْكَ الماهِيَّةِ. قالَ الحَسَنُ:(العابِدُونَ) هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. وقالَ قَتادَةُ: قَوْمٌ أخَذُوا مِن أبْدانِهِمْ في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ:(الحامِدُونَ) وهُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِحَقٍّ شُكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى نِعَمِهِ دِينًا ودُنْيا ويَجْعَلُونَ إظْهارَ ذَلِكَ عادَةً لَهم، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّسْبِيحَ والتَّهْلِيلَ والتَّحْمِيدَ صِفَةُ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ خَلْقِ الدُّنْيا، وهُمُ المَلائِكَةُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم قالُوا قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، وهو صِفَةُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بَعْدَ خَرابِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ بِأنَّهم يَحْمَدُونَ اللَّهَ تَعالى، وهُوَ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (يُونُسَ: ١٠) وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ:(والحامِدُونَ) . الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ:(السّائِحُونَ) وفِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ هُمُ الصّائِمُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما ذُكِرَ في القُرْآنِ مِنَ السِّياحَةِ، فَهو الصِّيامُ. وقالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«سِياحَةُ أُمَّتِي الصِّيامُ» “ وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ هَذا صَوْمُ الفَرْضِ. وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ يُدِيمُونَ الصِّيامَ، وفي المَعْنى الَّذِي لِأجْلِهِ حَسُنَ تَفْسِيرُ السّائِحِ بِالصّائِمِ، وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الأزْهَرِيُّ: قِيلَ لِلصّائِمِ سائِحٌ، لِأنَّ الَّذِي يَسِيحُ في الأرْضِ مُتَعَبِّدًا لا زادَ مَعَهُ، كانَ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ، والصّائِمُ يُمْسِكُ عَنِ الأكْلِ، فَلِهَذِهِ المُشابَهَةِ سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا. الثّانِي: أنَّ أصْلَ السِّياحَةِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الذِّهابِ في الأرْضِ كالماءِ الَّذِي يَسِيحُ والصّائِمُ يَسْتَمِرُّ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ، وتَرْكِ المُشْتَهى، وهو الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ إذا امْتَنَعَ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وسَدَّ صفحة ١٦٢ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ الشَّهَواتِ، انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحِكْمَةِ، وتَجَلَّتْ لَهُ أنْوارُ عالَمِ الجَلالِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أخْلَصَ لِلَّهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، ظَهَرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ عَلى لِسانِهِ» “ فَيَصِيرُ مِنَ السّائِحِينَ في عالَمِ جَلالِ اللَّهِ المُنْتَقِلِينَ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ، ومِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ، فَيَحْصُلُ لَهُ سِياحَةٌ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ السّائِحِينَ طُلّابُ العِلْمِ يَنْتَقِلُونَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ في طَلَبِ العِلْمِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: كانَتِ السِّياحَةُ في بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ الرَّجُلُ إذا ساحَ أرْبَعِينَ سَنَةً رَأى ما كانَ يَرى السّائِحُونَ قَبْلَهُ. فَساحَ ولَدُ بَغِيٍّ مِنهم أرْبَعِينَ سَنَةً فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَقالَ: يا رَبِّ ما ذَنْبِي بِأنْ أساءَتْ أُمِّي ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ أراهُ اللَّهُ ما أرى السّائِحِينَ، وأقُولُ لِلسِّياحَةِ أثَرٌ عَظِيمٌ في تَكْمِيلِ النَّفْسِ لِأنَّهُ يَلْقاهُ أنْواعٌ مِنَ الضُّرِّ والبُؤْسِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَيْها، وقَدْ يَنْقَطِعُ زادُهُ، فَيَحْتاجُ إلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، وقَدْ يَلْقى أفاضِلَ مُخْتَلِفِينَ، فَيَسْتَفِيدُ مِن كُلِّ أحَدٍ فائِدَةً مَخْصُوصَةً، وقَدْ يَلْقى الأكابِرَ مِنَ النّاسِ، فَيَسْتَحْقِرُ نَفْسَهُ في مُقابَلَتِهِمْ، وقَدْ يَصِلُ إلى المُراداتِ الكَثِيرَةِ فَيَنْتَفِعُ بِها، وقَدْ يُشاهِدُ اخْتِلافَ أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا بِسَبَبِ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى في كُلِّ طَرَفٍ مِنَ الأحْوالِ الخاصَّةِ بِهِمْ فَتَقْوى مَعْرِفَتُهُ، وبِالجُمْلَةِ فالسِّياحَةُ لَها آثارٌ قَوِيَّةٌ في الدِّينِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ:(السّائِحُونَ) السّائِرُونَ في الأرْضِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ السَّيْحِ، سَيْحُ الماءِ الجارِي، والمُرادُ بِهِ مَن خَرَجَ مُجاهِدًا مُهاجِرًا، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى حَثَّ المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ الأُولى عَلى الجِهادِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في بَيانِ صِفاتِ المُجاهِدِينَ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا مَوْصُوفِينَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الصِّفاتِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ والسّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ إقامَةُ الصَّلَواتِ. قالَ القاضِي: وإنَّما جَعَلَ ذِكْرَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ كِنايَةً عَنِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ سائِرَ أشْكالِ المُصَلِّي مُوافِقٌ لِلْعادَةِ، وهو قِيامُهُ وقُعُودُهُ. والَّذِي يَخْرُجُ عَنِ العادَةِ في ذَلِكَ هو الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، وبِهِ يَتَبَيَّنُ الفَضْلُ بَيْنَ المُصَلِّي وغَيْرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: القِيامُ أوَّلُ مَراتِبِ التَّواضُعِ لِلَّهِ تَعالى والرُّكُوعُ وسَطُها والسُّجُودُ غايَتُها. فَخَصَّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ بِالذِّكْرِ لِدَلالَتِهِما عَلى غايَةِ التَّواضُعِ والعُبُودِيَّةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الصَّلاةِ نِهايَةُ الخُضُوعِ والتَّعْظِيمِ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ والثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ واعْلَمْ أنَّ كِتابَ أحْكامِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ كِتابٌ كَبِيرٌ مَذْكُورٌ في عِلْمِ الأُصُولِ. فَلا يُمْكِنُ إيرادُهُ هَهُنا. وفِيهِ إشارَةٌ إلى إيجابِ الجِهادِ؛ لِأنَّ رَأْسَ المَعْرُوفِ الإيمانُ بِاللَّهِ، ورَأْسَ المُنْكِرِ الكُفْرُ بِاللَّهِ. والجِهادُ يُوجِبُ التَّرْغِيبَ في الإيمانِ، والزَّجْرَ عَنِ الكُفْرِ. والجِهادُ داخِلٌ في بابِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. وأمّا دُخُولُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ التَّسْوِيَةَ قَدْ تَجِيءُ بِالواوِ تارَةً وبِغَيْرِ الواوِ أُخْرى. قالَ تَعالى: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ (غافِرٍ: ٣) فَجاءَ بَعْضٌ بِالواوِ، وبَعْضٌ بِغَيْرِ الواوِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ التَّرْغِيبُ في الجِهادِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ والتَّقْدِيرُ: أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ السِّتَّةِ، الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ رَأْسَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ورَئِيسَهُ هو الجِهادُ، فالمَقْصُودُ مِن إدْخالِ الواوِ عَلَيْهِ التَّنْبِيهُ عَلى ما ذَكَرْنا. صفحة ١٦٣ الوَجْهُ الثّالِثُ: في إدْخالِ الواوِ عَلى هَؤُلاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما سَبَقَ مِنَ الصِّفاتِ عِباداتٌ يَأْتِي بِها الإنْسانُ لِنَفْسِهِ، ولا تَعَلُّقَ لِشَيْءٍ مِنها بِالغَيْرِ. أمّا النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فَعِبادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالغَيْرِ، وهَذا النَّهْيُ يُوجِبُ ثَوَرانَ الغَضَبِ وظُهُورَ الخُصُومَةِ، ورُبَّما أقْدَمَ ذَلِكَ المَنهِيُّ عَلى ضَرْبِ النّاهِي ورُبَّما حاوَلَ قَتْلَهُ، فَكانَ النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ أصْعَبَ أقْسامِ العِباداتِ والطّاعاتِ، فَأدْخَلَ عَلَيْها الواوَ تَنْبِيهًا عَلى ما يَحْصُلُ فِيها مِن زِيادَةِ المَشَقَّةِ والمِحْنَةِ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ تَكالِيفَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وهي مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَتَعَلَّقُ بِالعِباداتِ. والثّانِي: ما يَتَعَلَّقُ بِالمُعامَلاتِ. أمّا العِباداتُ فَهي الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها لا لِمَصْلَحَةٍ مَرْعِيَّةٍ في الدُّنْيا، بَلْ لِمَصالِحَ مَرْعِيَّةٍ في الدِّينِ؛ وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ والصَّوْمُ والحَجُّ والجِهادُ والإعْتاقُ والنُّذُورُ وسائِرُ أعْمالِ البِرِّ. وأمّا المُعامَلاتُ فَهي: إمّا لِجَلْبِ المَنافِعِ وإمّا لِدَفْعِ المَضارِّ. والقِسْمُ الأوَّلُ: وهو ما يَتَعَلَّقُ بِجَلْبِ المَنافِعِ: فَتِلْكَ المَنافِعُ إمّا أنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً بِالأصالَةِ أوْ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ أمّا المَنافِعُ المَقْصُودَةُ بِالأصالَةِ، فَهي المَنافِعُ الحاصِلَةُ مِن طَرَفِ الحَواسِّ الخَمْسَةِ: فَأوَّلُها: المَذُوقاتُ: ويَدْخُلُ فِيها كِتابُ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ مِنَ الفِقْهِ. ولَمّا كانَ الطَّعامُ قَدْ يَكُونُ نَباتًا، وقَدْ يَكُونُ حَيَوانًا، والحَيَوانُ لا يُمْكِنُ أكْلُهُ إلّا بَعْدَ الذَّبْحِ، واللَّهُ تَعالى شَرَطَ في الذَّبْحِ شَرائِطَ مَخْصُوصَةٍ، فَلِأجْلِ هَذا دَخَلَ في الفِقْهِ كِتابُ الصَّيْدِ والذَّبائِحِ، وكِتابُ الضَّحايا. وثانِيها: المَلْمُوساتُ: ويَدْخُلُ فِيها بابُ أحْكامِ الوِقاعِ مِن جُمْلَتِها ما يُفِيدُ حِلَّهُ، وهو بابُ النِّكاحِ، ومِنهُ أيْضًا بابُ الرِّضاعِ، ومِنها ما هو بَحْثٌ عَنْ لَوازِمِ النِّكاحِ مِثْلُ المَهْرِ والنَّفَقَةِ والمَسْكَنِ ويَتَّصِلُ بِهِ أحْوالُ القَسْمِ والنُّشُوزِ، ومِنها ما هو بَحْثٌ عَنِ الأسْبابِ المُزِيلَةِ لِلنِّكاحِ، ويَدْخُلُ فِيهِ كِتابُ الطَّلاقِ والخُلْعِ والإيلاءِ والظِّهارِ واللِّعانِ. ومِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَلْمُوساتِ: البَحْثُ عَمّا يَحِلُّ لِبْسُهُ وعَمّا لا يَحِلُّ، وعَمّا يَحِلُّ اسْتِعْمالُهُ وعَمّا لا يَحِلُّ اسْتِعْمالُهُ؛ وما لا يَحِلُّ كاسْتِعْمالِهِ الأوانِيَ الذَّهَبِيَّةَ والفِضِّيَّةَ؛ وطالَ كَلامُ الفُقَهاءِ في هَذا البابِ. وثالِثُها: المُبْصَراتُ وهي بابُ ما يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ وما لا يَحِلُّ. ورابِعُها: المَسْمُوعاتُ: وهو بابُ هَلْ يَحِلُّ سَماعُهُ أمْ لا ؟ . وخامِسُها: المَشْمُوماتُ، ولَيْسَ لِلْفُقَهاءِ فِيها مَجالٌ. وأمّا المَنافِعُ المَقْصُودَةُ بِالتَّبَعِ فَهي الأمْوالُ، والبَحْثُ عَنْها مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: الأسْبابُ المُفِيدَةُ لِلْمِلْكِ وهي إمّا البَيْعُ أوْ غَيْرُهُ. أمّا البَيْعُ فَهو إمّا بَيْعُ الأعْيانِ، أوْ بَيْعُ المَنافِعِ، وبَيْعُ الأعْيانِ فَإمّا أنْ يَكُونَ بَيْعُ العَيْنِ بِالعَيْنِ، أوْ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالعَيْنِ وهو السَّلَمُ، أوْ بَيْعُ العَيْنِ بِالدَّيْنِ كَما إذا اشْتَرى شَيْئًا في الذِّمَّةِ، أوْ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. وقِيلَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ. لِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهى عَنْ بَيْعِ الكالِئِ بِالكالِئِ»، ولَكِنْ حَصَلَ لَهُ مِثالٌ في الشَّرْعِ وهو تَقاضِي الدَّيْنَيْنِ. وأمّا بَيْعُ المَنفَعَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كِتابُ الإجارَةِ، وكِتابُ الجَعالَةِ، وكِتابُ عَقْدِ المُضارَبَةِ. وأمّا سائِرُ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْمِلْكِ فَهي الإرْثُ، والهِبَةُ، والوَصِيَّةُ، وإحْياءُ المَواتِ، والِالتِقاطُ، وأخْذُ الفَيْءِ والغَنائِمِ، وأخْذُ الزَّكَواتِ وغَيْرِها. ولا طَرِيقَ إلى ضَبْطِ أسْبابِ المِلْكِ إلّا بِالِاسْتِقْراءِ. والنَّوْعُ الثّانِي: مِن مَباحِثِ الفُقَهاءِ الأسْبابُ الَّتِي تُوجِبُ لِغَيْرِ المالِكِ التَّصَرُّفَ في الشَّيْءِ، وهو بابُ الوِكالَةِ والوَدِيعَةِ وغَيْرِهِما. والنَّوْعُ الثّالِثُ: الأسْبابُ الَّتِي تَمْنَعُ المالِكَ مِنَ التَّصَرُّفِ في مِلْكِ نَفْسِهِ، وهو الرَّهْنُ والتَّفْلِيسُ والإجارَةُ وغَيْرُها، فَهَذا ضَبْطُ أقْسامِ تَكالِيفِ اللَّهِ في بابِ جَلْبِ المَنافِعِ. وأمّا تَكالِيفُ اللَّهِ تَعالى في بابِ دَفْعِ المَضارِّ صفحة ١٦٤ فَنَقُولُ: أقْسامُ المَضارِّ خَمْسَةٌ لِأنَّ المَضَرَّةَ إمّا أنْ تَحْصُلَ في النُّفُوسِ أوْ في الأمْوالِ أوْ في الأدْيانِ أوْ في الأنْسابِ أوْ في العُقُولِ، أمّا المَضارُّ الحاصِلَةُ في النُّفُوسِ فَهي إمّا أنْ تَحْصُلَ في كُلِّ النَّفْسِ، والحُكْمُ فِيهِ إمّا القِصاصُ أوِ الدِّيَةُ أوِ الكَفّارَةُ، وإمّا في بَعْضٍ مِن أبْعاضِ البَدَنِ كَقَطْعِ اليَدِ وغَيْرِها، والواجِبُ فِيهِ إمّا القِصاصُ أوِ الدِّيَةُ أوِ الأرْشُ، وأمّا المَضارُّ الحاصِلَةُ في الأمْوالِ، فَذَلِكَ الضَّرَرُ إمّا أنْ يَحْصُلَ عَلى سَبِيلِ الإعْلانِ والإظْهارِ، وهو كِتابُ الغَصْبِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ وهو كِتابُ السَّرِقَةِ، وأمّا المَضارُّ الحاصِلَةُ في الأدْيانِ، فَهي إمّا الكُفْرُ وإمّا البِدْعَةُ، أمّا الكُفْرُ فَيَدْخُلُ فِيهِ أحْكامُ المُرْتَدِّينَ، ولَيْسَ لِلْفُقَهاءِ كِتابٌ مُقَرَّرٌ في أحْكامِ المُبْتَدِعِينَ، وأمّا المَضارُّ الحاصِلَةُ في الأنْسابِ فَيَتَّصِلُ بِهِ تَحْرِيمُ الزِّنا واللِّواطِ وبَيانُ العُقُوبَةِ المَشْرُوعَةِ فِيهِما، ويَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا بابُ حَدِّ القَذْفِ وبابُ اللِّعانِ، وهَهُنا بَحْثٌ آخَرُ وهو أنَّ كُلَّ أحَدٍ لا يُمْكِنُهُ اسْتِيفاءَ حُقُوقِهِ مِنَ المَنافِعِ ودَفْعَ المَضارِّ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ ضَعِيفًا فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ خَصْمُهُ، فَلِهَذا السِّرِّ نَصَّبَ اللَّهُ تَعالى الإمامَ لِتَنْفِيذِ الأحْكامِ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الإمامِ نُوّابٌ وهُمُ الأُمَراءُ والقُضاةُ فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الغَيْرِ عَلى الغَيْرِ مَقْبُولًا إلّا بِالحُجَّةِ، فالشَّرْعُ أثْبَتَ لِإظْهارِ الحَقِّ حُجَّةً مَخْصُوصَةً وهي الشَّهادَةُ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِلدَّعْوى ولِإقامَةِ البَيِّنَةِ شَرائِطُ مَخْصُوصَةٌ فَلا بُدَّ مِن بابٍ مُشْتَمِلٍ عَلَيْها، فَهَذا ضَبْطُ مَعاقِدِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ وحُدُودِهِ، ولَمّا كانَتْ كَثِيرَةً واللَّهُ تَعالى إنَّما بَيَّنَها في كُلِّ القُرْآنِ تارَةً عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ، وتارَةً بِأنْ أمَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى يُبَيِّنَها لِلْمُكَلَّفِينَ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى أجْمَلَ ذِكْرَها في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ وهو يَتَناوَلُ جُمْلَةَ هَذِهِ التَّكالِيفِ. واعْلَمْ أنَّ الفُقَهاءَ ظَنُّوا أنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ في بَيانِ التَّكالِيفِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ أعْمالَ المُكَلَّفِينَ قِسْمانِ: أعْمالُ الجَوارِحِ وأعْمالُ القُلُوبِ، وكُتُبُ الفِقْهِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى شَرْحِ أقْسامِ التَّكالِيفِ المُتَعَلِّقَةِ بِأعْمالِ الجَوارِحِ، فَأمّا التَّكالِيفُ المُتَعَلِّقَةُ بِأعْمالِ القُلُوبِ فَلَمْ يَبْحَثُوا عَنْها البَتَّةَ ولَمْ يُصَنِّفُوا لَها كُتُبًا وأبْوابًا وفُصُولًا. ولَمْ يَبْحَثُوا عَنْ دَقائِقِها، ولا شَكَّ أنَّ البَحْثَ عَنْها أهَمُّ والمُبالَغَةَ في الكَشْفِ عَنْ حَقائِقِها أوْلى؛ لِأنَّ أعْمالَ الجَوارِحِ إنَّما تُرادُ لِأجْلِ تَحْصِيلِ أعْمالِ القُلُوبِ والآياتُ الكَثِيرَةُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ناطِقَةٌ بِذَلِكَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ مُتَناوِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ عَلى سَبِيلِ الشُّمُولِ والإحاطَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ قالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] فَذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَها قَوْلَهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِهَذِهِ الصِّفاتِ. فَإنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تِلْكَ الصِّفاتِ الثَّمانِيَةَ عَلى التَّفْصِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عَقِيبَها سائِرَ أقْسامِ التَّكالِيفِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ في هَذِهِ الصِّفَةِ التّاسِعَةِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ التَّوْبَةَ والعِبادَةَ والِاشْتِغالَ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ، والسِّياحَةَ لِطَلَبِ العِلْمِ، والرُّكُوعَ والسُّجُودَ والأمْرَ بِالمَعْرُوفَ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، أُمُورٌ لا يَنْفَكُّ المُكَلَّفُ عَنْها في أغْلَبِ أوْقاتِهِ، فَلِهَذا ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وأمّا البَقِيَّةُ فَقَدْ يَنْفَكُّ المُكَلَّفُ عَنْها في أكْثَرِ أوْقاتِهِ مِثْلُ أحْكامِ البَيْعِ والشِّراءِ، ومِثْلُ مَعْرِفَةِ أحْكامِ الجِناياتِ وأيْضًا فَتِلْكَ الأُمُورُ الثَّمانِيَةُ أعْمالُ القُلُوبِ وإنْ كانَتْ أعْمالَ الجَوارِحِ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنها ظُهُورُ أحْوالِ القُلُوبِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ رِعايَةَ أحْوالِ القُلُوبِ أهَمُّ مِن رِعايَةِ أحْوالِ الظّاهِرِ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ هَذا صفحة ١٦٥ القِسْمَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وذَكَرَ هَذا القِسْمَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ.

التوبة 9:113

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ وُجُوبَ إظْهارِ البَراءَةِ عَنِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَجِبُ البَراءَةُ عَنْ أمْواتِهِمْ، وإنْ كانُوا في غايَةِ القُرْبِ مِنَ الإنْسانِ كالأبِ والأُمِّ، كَما أوْجَبَتْ البَراءَةَ عَنْ أحْيائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ وُجُوبِ مُقاطَعَتِهِمْ عَلى أقْصى الغاياتِ والمَنعِ مِن مُواصَلَتِهِمْ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا. الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «لَمّا فَتَحَ اللَّهُ تَعالى مَكَّةَ سَألَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ”أيُّ أبَوَيْهِ أحْدَثُ بِهِ عَهْدًا“ قِيلَ أُمُّكَ، فَذَهَبَ إلى قَبْرِها ووَقَفَ دُونَهُ، ثُمَّ قَعَدَ عِنْدَ رَأْسِها وبَكى فَسَألَهُ عُمَرُ وقالَ: نَهَيْتَنا عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ والبُكاءِ، ثُمَّ زُرْتَ وبَكَيْتَ، فَقالَ: قَدْ أُذِنَ لِي فِيهِ، فَلَمّا عَلِمْتُ ما هي فِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وإنِّي لا أُغْنِي عَنْها مِنَ اللَّهِ شَيْئًا بَكَيْتُ رَحْمَةً لَها» . الثّانِي: رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ قالَ لَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: ”يا عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ“ فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: وقَدِ اسْتَبْعَدَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، ووَفاةُ أبِي طالِبٍ كانْتْ بِمَكَّةَ في أوَّلِ الإسْلامِ، وأقُولُ: هَذا الِاسْتِبْعادُ عِنْدِي مُسْتَبْعَدٌ، فَأيُّ بَأْسٍ أنْ يُقالَ إنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَقِيَ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ التَّشْدِيدَ مَعَ الكُفّارِ إنَّما ظَهَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ فَلَعَلَّ المُؤْمِنِينَ كانَ يَجُوزُ لَهم أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأبَوَيْهِمْ مِنَ الكافِرِينَ، وكانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْضًا يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ مَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، فَهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ في الجُمْلَةِ. الثّالِثُ: يُرْوى «عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْهِ المُشْرِكَيْنِ، قالَ: فَقُلْتُ لَهُ أتَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْكَ وهُما مُشْرِكانِ ؟ فَقالَ: ألَيْسَ قَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبَوَيْهِ وهُما مُشْرِكانِ ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . الرّابِعُ: يُرْوى «أنَّ رَجُلًا أتى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَ: كانَ أبِي في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُقْرِي الضَّيْفَ، ويَمْنَحُ مِن مالِهِ؛ وأيْنَ أبِي ؟ فَقالَ: أماتَ مُشْرِكًا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: في ضِحْضاحٍ مِنَ النّارِ، فَوَلّى الرَّجُلُ يَبْكِي فَدَعاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: ”إنَّ أبِي وأباكَ وأبا إبْراهِيمَ في النّارِ، إنَّ أباكَ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النّارِ“» . * * * صفحة ١٦٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما يَنْبَغِي لَهم ذَلِكَ فَيَكُونُ كالوَصْفِ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ لَيْسَ لَهم ذَلِكَ عَلى مَعْنى النَّهْيِ: فالأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّ النُّبُوَّةَ والإيمانَ يَمْنَعُ مِن الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ. والثّانِي: مَعْناهُ لا تَسْتَغْفِرُوا؛ والأمْرانِ مُتَقارِبانِ. وسَبَبُ هَذا المَنعِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ وأيْضًا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهم أنَّهُ يُدْخِلُهُمُ النّارَ، فَطَلَبُ الغُفْرانَ لَهم جارٍ مَجْرى طَلَبِ أنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ ووَعِيدَهُ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. وأيْضًا لَمّا سَبَقَ قَضاءُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يُعَذِّبُهم، فَلَوْ طَلَبُوا غُفْرانَهُ لَصارُوا مَرْدُودِينَ، وذَلِكَ يُوجِبُ نُقْصانَ دَرَجَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وحَطَّ مَرْتَبَتِهِ، وأيْضًا أنَّهُ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافِرٍ: ٦٠) وقالَ عَنْهم إنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ فَهَذا الِاسْتِغْفارُ يُوجِبُ الخُلْفَ في أحَدِ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، وقَدْ جَوَّزَ أبُو هاشِمٍ أنْ يَسْألَ العَبْدُ رَبَّهُ شَيْئًا بَعْدَ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أهْلِ النّارِ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠٧) مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لا يَجْهَلُونَ ولا يَكْذِبُونَ، وذَلِكَ مَمْنُوعٌ، بَلْ نَصُّ القُرْآنِ يُبْطِلُهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ (الأنْعامِ: ٢٣)﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ (الأنْعامِ: ٢٤) والثّانِي: أنَّ في حَقِّهِمْ يَحْسُنُ رَدُّهم عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ وإسْكاتُهم، أمّا في حَقِّ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ نُقْصانَ مَنصِبِهِ. والثّالِثُ: أنَّ مِثْلَ هَذا السُّؤالِ الَّذِي يُعْلَمُ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ إمّا أنْ يَكُونَ عَبَثًا أوْ مَعْصِيَةً؛ وكِلاهُما جائِزانِ عَلى أهْلِ النّارِ وغَيْرُ جائِزَيْنِ عَلى أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ العِلَّةَ المانِعَةَ مِن هَذا الِاسْتِغْفارِ هو تَبَيُّنُ كَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ النّارِ، وهَذِهِ العِلَّةُ لا تَخْتَلِفُ بِأنْ يَكُونُوا مِنَ الأقارِبِ أوْ مَنِ الأباعِدِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ وكَوْنُ سَبَبِ النُّزُولِ ما حَكَيْنا يُقَوِّي هَذا الَّذِي قُلْناهُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أنْ لا يَتَوَهَّمَ إنْسانٌ أنَّهُ تَعالى مَنَعَ مُحَمَّدًا مِن بَعْضِ ما أذِنَ لِإبْراهِيمَ فِيهِ. والثّانِي: أنْ يُقالَ إنّا ذَكَرْنا في سَبَبِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها المُبالَغَةَ في إيجابِ الِانْقِطاعِ عَنِ الكُفّارِ أحْيائِهِمْ وأمْواتِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِدِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، بَلِ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ وُجُوبِ الِانْقِطاعِ كانَتْ مَشْرُوعَةً أيْضًا في دِينِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَتَكُونُ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ وُجُوبِ المُقاطَعَةِ والمُبايَنَةِ مِنَ الكُفّارِ أقْوى. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ بِكَوْنِهِ حَلِيمًا أيْ: قَلِيلَ الغَضَبِ، وبِكَوْنِهِ أوّاهًا أيْ: كَثِيرَ التَّوَجُّعِ والتَّفَجُّعِ عِنْدَ نُزُولِ المَضارِّ بِالنّاسِ، والمَقْصُودُ أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ كانَ مَيْلُ قَلْبِهِ إلى الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ شَدِيدًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ومَعَ كَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِالأوّاهِيَّةِ والحَلِيمِيَّةِ مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ الكافِرِ، فَلِأنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَمْنُوعًا مِن هَذا المَعْنى كانَ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ صفحة ١٦٧ ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ (الشُّعَراءِ: ٨٦) وأيْضًا قالَ عَنْهُ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ (إبْراهِيمَ: ٤١) وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ قالَ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ (مَرْيَمَ: ٤٧) وقالَ أيْضًا: ﴿لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ (المُمْتَحَنَةِ: ٤) وثَبَتَ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْكافِرِ لا يَجُوزُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى صُدُورِ هَذا الذَّنْبِ مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذا الإشْكالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الواعِدُ أبا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والمَعْنى: أنَّ أباهُ وعَدَهُ أنْ يُؤْمِنَ، فَكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَسْتَغْفِرُ لِأجْلِ أنْ يَحْصُلَ هَذا المَعْنى، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ وأنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وتَرَكَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ الواعِدُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ أنَّهُ وعَدَ أباهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ رَجاءَ إسْلامِهِ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ الحَسَنِ (وعَدَها أباهُ) بِالباءِ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ في الجَوابِ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ دُعاؤُهُ لَهُ إلى الإيمانِ والإسْلامِ، وكانَ يَقُولُ لَهُ: آمِن حَتّى تَتَخَلَّصَ مِنَ العِقابِ وتَفُوزَ بِالغُفْرانِ، وكانَ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ في أنْ يَرْزُقَهُ الإيمانَ الَّذِي يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، فَهَذا هو الِاسْتِغْفارُ، فَلَمّا أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ يَمُوتُ مُصِرًّا عَلى الكُفْرِ تَرَكَ تِلْكَ الدَّعْوَةَ. والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ عَلى صَلاةِ الجِنازَةِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ فَلا امْتِناعَ في الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ لِكَوْنِ الفائِدَةِ في ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ تَخْفِيفُ العِقابِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ، أنَّهُ تَعالى مَنَعَ مِنَ الصَّلاةِ عَلى المُنافِقِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ (التَّوْبَةِ: ٨٤) وفي هَذِهِ الآيَةِ عَمَّ هَذا الحُكْمَ، ومَنَعَ مِنَ الصَّلاةِ عَلى المُشْرِكِينَ، سَواءٌ كانَ مُنافِقًا أوْ كانَ مُظْهِرًا لِذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا قَوْلٌ غَرِيبٌ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي بِهِ تَبَيَّنَ لِإبْراهِيمَ أنَّ أباهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ. فَقالَ بَعْضُهم: بِالإصْرارِ والمَوْتِ. وقالَ بَعْضُهم: بِالإصْرارِ وحْدَهُ. وقالَ آخَرُونَ: لا يَبْعُدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ. فَكانَ تَعالى يَقُولُ: لَمّا تَبَيَّنَ لِإبْراهِيمَ أنَّ أباهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَكُونُوا كَذَلِكَ، لِأنِّي أمَرْتُكم بِمُتابَعَةِ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ (النَّحْلِ: ١٢٣) . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ إبْراهِيمَ في هَذِهِ الواقِعَةِ. قالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ اشْتِقاقَ الأوّاهِ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ عِنْدَ شِدَّةِ حُزْنِهِ أوَّهْ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ عِنْدَ الحُزْنِ يَخْتَنِقُ الرُّوحُ القَلْبِيُّ في داخِلِ القَلْبِ ويَشْتَدُّ حَرْقُهُ، فالإنْسانُ يُخْرِجُ ذَلِكَ النَّفَسَ المُحْتَرِقَ مِنَ القَلْبِ لِيُخَفِّفَ بَعْضَ ما بِهِ، هَذا هو الأصْلُ في اشْتِقاقِ هَذا اللَّفْظِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ عِباراتٌ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الأوّاهُ: الخاشِعُ المُتَضَرِّعُ» “ وعَنْ عُمَرَ: «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الأوّاهِ، فَقالَ: ”الدَّعّاءُ“» ويُرْوى «أنَّ زَيْنَبَ تَكَلَّمَتْ عِنْدَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما يُغَيِّرُ لَوْنَهُ، فَأنْكَرَ عُمَرُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”دَعْها فَإنَّها أوّاهَةٌ“ قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ وما الأوّاهَةُ ؟ قالَ: ”الدّاعِيَةُ الخاشِعَةُ المُتَضَرِّعَةُ“» وقِيلَ: مَعْنى كَوْنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوّاهًا، كُلَّما ذَكَرَ صفحة ١٦٨ لِنَفْسِهِ تَقْصِيرًا أوْ ذُكِرَ لَهُ شَيْءٌ مِن شَدائِدِ الآخِرَةِ كانَ يَتَأوَّهُ إشْفاقًا مِن ذَلِكَ واسْتِعْظامًا لَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الأوّاهُ، المُؤْمِنُ بِالخَشْيَةِ. وأمّا وصْفُهُ بِأنَّهُ حَلِيمٌ فَهو مَعْلُومٌ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما وصَفَهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ في هَذا المَقامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِشِدَّةِ الرِّقَّةِ والشَّفَقَةِ والخَوْفِ والوَجَلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ تَعْظُمُ رِقَّتُهُ عَلى أبِيهِ وأوْلادِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مَعَ هَذِهِ العادَةِ تَبَرَّأ مِن أبِيهِ وغَلُظَ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، لَمّا ظَهَرَ لَهُ إصْرارُهُ عَلى الكُفْرِ، فَأنْتُمْ بِهَذا المَعْنى أوْلى، وكَذَلِكَ وصَفَهُ أيْضًا بِأنَّهُ حَلِيمٌ، لِأنَّ أحَدَ أسْبابِ الحِلْمِ رِقَّةُ القَلْبِ وشِدَّةُ العَطْفِ؛ لِأنَّ المَرْءَ إذا كانَ حالُهُ هَكَذا اشْتَدَّ حِلْمُهُ عِنْدَ الغَضَبِ.

التوبة 9:114

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ وُجُوبَ إظْهارِ البَراءَةِ عَنِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَجِبُ البَراءَةُ عَنْ أمْواتِهِمْ، وإنْ كانُوا في غايَةِ القُرْبِ مِنَ الإنْسانِ كالأبِ والأُمِّ، كَما أوْجَبَتْ البَراءَةَ عَنْ أحْيائِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ وُجُوبِ مُقاطَعَتِهِمْ عَلى أقْصى الغاياتِ والمَنعِ مِن مُواصَلَتِهِمْ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا. الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «لَمّا فَتَحَ اللَّهُ تَعالى مَكَّةَ سَألَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ”أيُّ أبَوَيْهِ أحْدَثُ بِهِ عَهْدًا“ قِيلَ أُمُّكَ، فَذَهَبَ إلى قَبْرِها ووَقَفَ دُونَهُ، ثُمَّ قَعَدَ عِنْدَ رَأْسِها وبَكى فَسَألَهُ عُمَرُ وقالَ: نَهَيْتَنا عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ والبُكاءِ، ثُمَّ زُرْتَ وبَكَيْتَ، فَقالَ: قَدْ أُذِنَ لِي فِيهِ، فَلَمّا عَلِمْتُ ما هي فِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وإنِّي لا أُغْنِي عَنْها مِنَ اللَّهِ شَيْئًا بَكَيْتُ رَحْمَةً لَها» . الثّانِي: رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ قالَ لَهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: ”يا عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ“ فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: وقَدِ اسْتَبْعَدَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، ووَفاةُ أبِي طالِبٍ كانْتْ بِمَكَّةَ في أوَّلِ الإسْلامِ، وأقُولُ: هَذا الِاسْتِبْعادُ عِنْدِي مُسْتَبْعَدٌ، فَأيُّ بَأْسٍ أنْ يُقالَ إنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَقِيَ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ التَّشْدِيدَ مَعَ الكُفّارِ إنَّما ظَهَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ فَلَعَلَّ المُؤْمِنِينَ كانَ يَجُوزُ لَهم أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأبَوَيْهِمْ مِنَ الكافِرِينَ، وكانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْضًا يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ مَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، فَهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ في الجُمْلَةِ. الثّالِثُ: يُرْوى «عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْهِ المُشْرِكَيْنِ، قالَ: فَقُلْتُ لَهُ أتَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْكَ وهُما مُشْرِكانِ ؟ فَقالَ: ألَيْسَ قَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبَوَيْهِ وهُما مُشْرِكانِ ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . الرّابِعُ: يُرْوى «أنَّ رَجُلًا أتى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَ: كانَ أبِي في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُقْرِي الضَّيْفَ، ويَمْنَحُ مِن مالِهِ؛ وأيْنَ أبِي ؟ فَقالَ: أماتَ مُشْرِكًا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: في ضِحْضاحٍ مِنَ النّارِ، فَوَلّى الرَّجُلُ يَبْكِي فَدَعاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: ”إنَّ أبِي وأباكَ وأبا إبْراهِيمَ في النّارِ، إنَّ أباكَ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النّارِ“» . * * * صفحة ١٦٦ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما يَنْبَغِي لَهم ذَلِكَ فَيَكُونُ كالوَصْفِ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ لَيْسَ لَهم ذَلِكَ عَلى مَعْنى النَّهْيِ: فالأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّ النُّبُوَّةَ والإيمانَ يَمْنَعُ مِن الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ. والثّانِي: مَعْناهُ لا تَسْتَغْفِرُوا؛ والأمْرانِ مُتَقارِبانِ. وسَبَبُ هَذا المَنعِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ وأيْضًا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهم أنَّهُ يُدْخِلُهُمُ النّارَ، فَطَلَبُ الغُفْرانَ لَهم جارٍ مَجْرى طَلَبِ أنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ ووَعِيدَهُ وأنَّهُ لا يَجُوزُ. وأيْضًا لَمّا سَبَقَ قَضاءُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يُعَذِّبُهم، فَلَوْ طَلَبُوا غُفْرانَهُ لَصارُوا مَرْدُودِينَ، وذَلِكَ يُوجِبُ نُقْصانَ دَرَجَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وحَطَّ مَرْتَبَتِهِ، وأيْضًا أنَّهُ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافِرٍ: ٦٠) وقالَ عَنْهم إنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ فَهَذا الِاسْتِغْفارُ يُوجِبُ الخُلْفَ في أحَدِ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، وقَدْ جَوَّزَ أبُو هاشِمٍ أنْ يَسْألَ العَبْدُ رَبَّهُ شَيْئًا بَعْدَ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أهْلِ النّارِ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠٧) مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِهِ أنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لا يَجْهَلُونَ ولا يَكْذِبُونَ، وذَلِكَ مَمْنُوعٌ، بَلْ نَصُّ القُرْآنِ يُبْطِلُهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ (الأنْعامِ: ٢٣)﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ (الأنْعامِ: ٢٤) والثّانِي: أنَّ في حَقِّهِمْ يَحْسُنُ رَدُّهم عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ وإسْكاتُهم، أمّا في حَقِّ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ نُقْصانَ مَنصِبِهِ. والثّالِثُ: أنَّ مِثْلَ هَذا السُّؤالِ الَّذِي يُعْلَمُ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ إمّا أنْ يَكُونَ عَبَثًا أوْ مَعْصِيَةً؛ وكِلاهُما جائِزانِ عَلى أهْلِ النّارِ وغَيْرُ جائِزَيْنِ عَلى أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ العِلَّةَ المانِعَةَ مِن هَذا الِاسْتِغْفارِ هو تَبَيُّنُ كَوْنِهِمْ مِن أصْحابِ النّارِ، وهَذِهِ العِلَّةُ لا تَخْتَلِفُ بِأنْ يَكُونُوا مِنَ الأقارِبِ أوْ مَنِ الأباعِدِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ وكَوْنُ سَبَبِ النُّزُولِ ما حَكَيْنا يُقَوِّي هَذا الَّذِي قُلْناهُ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أنْ لا يَتَوَهَّمَ إنْسانٌ أنَّهُ تَعالى مَنَعَ مُحَمَّدًا مِن بَعْضِ ما أذِنَ لِإبْراهِيمَ فِيهِ. والثّانِي: أنْ يُقالَ إنّا ذَكَرْنا في سَبَبِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها المُبالَغَةَ في إيجابِ الِانْقِطاعِ عَنِ الكُفّارِ أحْيائِهِمْ وأمْواتِهِمْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِدِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، بَلِ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ وُجُوبِ الِانْقِطاعِ كانَتْ مَشْرُوعَةً أيْضًا في دِينِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَتَكُونُ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ وُجُوبِ المُقاطَعَةِ والمُبايَنَةِ مِنَ الكُفّارِ أقْوى. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ بِكَوْنِهِ حَلِيمًا أيْ: قَلِيلَ الغَضَبِ، وبِكَوْنِهِ أوّاهًا أيْ: كَثِيرَ التَّوَجُّعِ والتَّفَجُّعِ عِنْدَ نُزُولِ المَضارِّ بِالنّاسِ، والمَقْصُودُ أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ كانَ مَيْلُ قَلْبِهِ إلى الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ شَدِيدًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ ومَعَ كَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِالأوّاهِيَّةِ والحَلِيمِيَّةِ مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ الكافِرِ، فَلِأنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مَمْنُوعًا مِن هَذا المَعْنى كانَ أوْلى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ صفحة ١٦٧ ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ (الشُّعَراءِ: ٨٦) وأيْضًا قالَ عَنْهُ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ (إبْراهِيمَ: ٤١) وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ قالَ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ (مَرْيَمَ: ٤٧) وقالَ أيْضًا: ﴿لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ (المُمْتَحَنَةِ: ٤) وثَبَتَ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْكافِرِ لا يَجُوزُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى صُدُورِ هَذا الذَّنْبِ مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذا الإشْكالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الواعِدُ أبا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والمَعْنى: أنَّ أباهُ وعَدَهُ أنْ يُؤْمِنَ، فَكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَسْتَغْفِرُ لِأجْلِ أنْ يَحْصُلَ هَذا المَعْنى، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ وأنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، وتَرَكَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ الواعِدُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ أنَّهُ وعَدَ أباهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ رَجاءَ إسْلامِهِ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ الحَسَنِ (وعَدَها أباهُ) بِالباءِ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ في الجَوابِ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ دُعاؤُهُ لَهُ إلى الإيمانِ والإسْلامِ، وكانَ يَقُولُ لَهُ: آمِن حَتّى تَتَخَلَّصَ مِنَ العِقابِ وتَفُوزَ بِالغُفْرانِ، وكانَ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ في أنْ يَرْزُقَهُ الإيمانَ الَّذِي يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، فَهَذا هو الِاسْتِغْفارُ، فَلَمّا أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ يَمُوتُ مُصِرًّا عَلى الكُفْرِ تَرَكَ تِلْكَ الدَّعْوَةَ. والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ عَلى صَلاةِ الجِنازَةِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ فَلا امْتِناعَ في الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ لِكَوْنِ الفائِدَةِ في ذَلِكَ الِاسْتِغْفارِ تَخْفِيفُ العِقابِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ، أنَّهُ تَعالى مَنَعَ مِنَ الصَّلاةِ عَلى المُنافِقِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ (التَّوْبَةِ: ٨٤) وفي هَذِهِ الآيَةِ عَمَّ هَذا الحُكْمَ، ومَنَعَ مِنَ الصَّلاةِ عَلى المُشْرِكِينَ، سَواءٌ كانَ مُنافِقًا أوْ كانَ مُظْهِرًا لِذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا قَوْلٌ غَرِيبٌ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي بِهِ تَبَيَّنَ لِإبْراهِيمَ أنَّ أباهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ. فَقالَ بَعْضُهم: بِالإصْرارِ والمَوْتِ. وقالَ بَعْضُهم: بِالإصْرارِ وحْدَهُ. وقالَ آخَرُونَ: لا يَبْعُدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ. فَكانَ تَعالى يَقُولُ: لَمّا تَبَيَّنَ لِإبْراهِيمَ أنَّ أباهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَكُونُوا كَذَلِكَ، لِأنِّي أمَرْتُكم بِمُتابَعَةِ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ (النَّحْلِ: ١٢٣) . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ إبْراهِيمَ في هَذِهِ الواقِعَةِ. قالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ اشْتِقاقَ الأوّاهِ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ عِنْدَ شِدَّةِ حُزْنِهِ أوَّهْ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ عِنْدَ الحُزْنِ يَخْتَنِقُ الرُّوحُ القَلْبِيُّ في داخِلِ القَلْبِ ويَشْتَدُّ حَرْقُهُ، فالإنْسانُ يُخْرِجُ ذَلِكَ النَّفَسَ المُحْتَرِقَ مِنَ القَلْبِ لِيُخَفِّفَ بَعْضَ ما بِهِ، هَذا هو الأصْلُ في اشْتِقاقِ هَذا اللَّفْظِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ عِباراتٌ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«الأوّاهُ: الخاشِعُ المُتَضَرِّعُ» “ وعَنْ عُمَرَ: «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الأوّاهِ، فَقالَ: ”الدَّعّاءُ“» ويُرْوى «أنَّ زَيْنَبَ تَكَلَّمَتْ عِنْدَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما يُغَيِّرُ لَوْنَهُ، فَأنْكَرَ عُمَرُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”دَعْها فَإنَّها أوّاهَةٌ“ قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ وما الأوّاهَةُ ؟ قالَ: ”الدّاعِيَةُ الخاشِعَةُ المُتَضَرِّعَةُ“» وقِيلَ: مَعْنى كَوْنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوّاهًا، كُلَّما ذَكَرَ صفحة ١٦٨ لِنَفْسِهِ تَقْصِيرًا أوْ ذُكِرَ لَهُ شَيْءٌ مِن شَدائِدِ الآخِرَةِ كانَ يَتَأوَّهُ إشْفاقًا مِن ذَلِكَ واسْتِعْظامًا لَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الأوّاهُ، المُؤْمِنُ بِالخَشْيَةِ. وأمّا وصْفُهُ بِأنَّهُ حَلِيمٌ فَهو مَعْلُومٌ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما وصَفَهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ في هَذا المَقامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِشِدَّةِ الرِّقَّةِ والشَّفَقَةِ والخَوْفِ والوَجَلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ تَعْظُمُ رِقَّتُهُ عَلى أبِيهِ وأوْلادِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مَعَ هَذِهِ العادَةِ تَبَرَّأ مِن أبِيهِ وغَلُظَ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، لَمّا ظَهَرَ لَهُ إصْرارُهُ عَلى الكُفْرِ، فَأنْتُمْ بِهَذا المَعْنى أوْلى، وكَذَلِكَ وصَفَهُ أيْضًا بِأنَّهُ حَلِيمٌ، لِأنَّ أحَدَ أسْبابِ الحِلْمِ رِقَّةُ القَلْبِ وشِدَّةُ العَطْفِ؛ لِأنَّ المَرْءَ إذا كانَ حالُهُ هَكَذا اشْتَدَّ حِلْمُهُ عِنْدَ الغَضَبِ.

التوبة 9:115

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، والمُسْلِمُونَ كانُوا قَدْ اسْتَغْفَرُوا لِلْمُشْرِكِينَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهم قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ وسائِرِ أقْرِبائِهِمْ مِمَّنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خافُوا بِسَبَبِ ما صَدَرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ مِن الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأيْضًا فَإنَّ أقْوامًا مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ اسْتَغْفَرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، كانُوا قَدْ ماتُوا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَقَعَ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهم، فَأزالُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْهم بِهَذِهِ الآيَةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُهم بِعَمَلٍ إلّا بَعْدَ أنْ يُبَيِّنَ لَهم أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّقُوهُ ويَحْتَرِزُوا عَنْهُ. فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ في النَّظْمِ. وقِيلَ المُرادُ: إنَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ في بَيانِ المَنعِ مِن مُخالَطَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ، ووُجُوبِ مُبايِنَتِهِمْ، والِاحْتِرازِ عَنْ مُوالاتِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الإلَهَ الرَّحِيمَ الكَرِيمَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا التَّشْدِيدُ الشَّدِيدُ في حَقِّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ ؟ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ أقْوامًا بِالعُقُوبَةِ بَعْدَ إذْ دَعاهم إلى الرُّشْدِ حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّقُوهُ، فَأمّا بَعْدَ أنْ فَعَلَ ذَلِكَ وأزاحَ العُذْرَ وأزالَ العِلَّةَ فَلَهُ أنْ يُؤاخِذَهم بِأشَدِّ أنْواعِ المُؤاخَذَةِ والعُقُوبَةِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى:(لِيُضِلَّ) وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّهُ أضَلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أيْ صَرَفَهَ عَنْهُ ومَنَعَهُ مِنَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ. والثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ مِن هَذا الإضْلالِ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الكُمَيْتِ: وطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّكُمْ صفحة ١٦٩ وقالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: هَذا التَّأْوِيلُ فاسِدٌ، لِأنَّ العَرَبَ إذا أرادُوا ذَلِكَ المَعْنى قالُوا: ضَلَّلَ يُضْلِلُ، واحْتِجاجُهم بِبَيْتِ الكُمَيْتِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِنا أكْفَرَ في الحُكْمِ صِحَّةُ قَوْلِنا أضَلَّ ولَيْسَ كُلُّ مَوْضِعٍ صَحَّ فِيهِ أفْعَلُ؛ ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ كَسَرَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ أكْسَرَهُ، بَلْ يَجِبُ فِيهِ الرُّجُوعُ إلى السَّماعِ. والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُوقِعَ الضَّلالَةَ في قُلُوبِهِمْ بَعْدَ الهُدى، حَتّى يَكُونَ مِنهُمُ الأمْرُ الَّذِي بِهِ يُسْتَحَقُّ العِقابُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: حاصِلُ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ أحَدًا إلّا بَعْدَ أنْ يُبَيِّنَ لَهُ كَوْنَ ذَلِكَ الفِعْلِ قَبِيحًا، ومَنهِيًّا عَنْهُ. وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وبِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ فَكانَ التَّقْدِيرُ: أنَّ مَن كانَ عالِمًا قادِرًا هَكَذا، لَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا، والعالِمُ القادِرُ الغَنِيُّ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ والعِقابَ قَبْلَ البَيانِ. وإزالَةُ العُذْرِ قَبِيحٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَفْعَلَهُ اللَّهُ تَعالى، فَنَظْمُ الآيَةِ إنَّما يَصِحُّ إذا فَسَّرْناها بِهَذا الوَجْهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى الِابْتِداءُ بِالعِقابِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ. والجَوابُ: أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعاقِبُ إلّا بَعْدَ التَّبْيِينِ وإزالَةِ العُذْرِ وإزاحَةِ العِلَّةِ، ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فَسَقَطَ ما ذَكَرْتُمُوهُ في هَذا البابِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ في ذِكْرِ هَذا المَعْنى هَهُنا فَوائِدُ: إحْداها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالبَراءَةِ مِنَ الكُفّارِ بَيَّنَ أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذا كانَ هو ناصِرًا لَكم، فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْرارِكم. وثانِيها: أنَّ القَوْمَ مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا: لَمّا أمَرْتَنا بِالِانْقِطاعِ مِنَ الكُفّارِ، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُنا أنْ نَخْتَلِطَ بِآبائِنا وأوْلادِنا وإخْوانِنا؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ الكَثِيرُ مِنهم كافِرِينَ، والمُرادُ أنَّكم إنْ صِرْتُمْ مَحْرُومِينَ عَنْ مُعاوَنَتِهِمْ ومُناصَرَتِهِمْ، فالإلَهُ الَّذِي هو المالِكُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ والمُحْيِي والمُمِيتُ ناصِرُكم، فَلا يَضُرُّكم أنْ يَنْقَطِعُوا عَنْكم. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِهَذِهِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كَأنَّهُ قالَ وجَبَ عَلَيْكم أنْ تَنْقادُوا لِحُكْمِي وتَكْلِيفِي لِكَوْنِي إلَهَكم ولِكَوْنِكم عَبِيدًا لِي.

التوبة 9:116

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، والمُسْلِمُونَ كانُوا قَدْ اسْتَغْفَرُوا لِلْمُشْرِكِينَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهم قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ وسائِرِ أقْرِبائِهِمْ مِمَّنْ ماتَ عَلى الكُفْرِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خافُوا بِسَبَبِ ما صَدَرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ مِن الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأيْضًا فَإنَّ أقْوامًا مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ اسْتَغْفَرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، كانُوا قَدْ ماتُوا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَقَعَ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهم، فَأزالُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْهم بِهَذِهِ الآيَةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُهم بِعَمَلٍ إلّا بَعْدَ أنْ يُبَيِّنَ لَهم أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّقُوهُ ويَحْتَرِزُوا عَنْهُ. فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ في النَّظْمِ. وقِيلَ المُرادُ: إنَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ في بَيانِ المَنعِ مِن مُخالَطَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ، ووُجُوبِ مُبايِنَتِهِمْ، والِاحْتِرازِ عَنْ مُوالاتِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الإلَهَ الرَّحِيمَ الكَرِيمَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا التَّشْدِيدُ الشَّدِيدُ في حَقِّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ ؟ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ أقْوامًا بِالعُقُوبَةِ بَعْدَ إذْ دَعاهم إلى الرُّشْدِ حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّقُوهُ، فَأمّا بَعْدَ أنْ فَعَلَ ذَلِكَ وأزاحَ العُذْرَ وأزالَ العِلَّةَ فَلَهُ أنْ يُؤاخِذَهم بِأشَدِّ أنْواعِ المُؤاخَذَةِ والعُقُوبَةِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى:(لِيُضِلَّ) وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّهُ أضَلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أيْ صَرَفَهَ عَنْهُ ومَنَعَهُ مِنَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ. والثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ مِن هَذا الإضْلالِ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الكُمَيْتِ: وطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّكُمْ صفحة ١٦٩ وقالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: هَذا التَّأْوِيلُ فاسِدٌ، لِأنَّ العَرَبَ إذا أرادُوا ذَلِكَ المَعْنى قالُوا: ضَلَّلَ يُضْلِلُ، واحْتِجاجُهم بِبَيْتِ الكُمَيْتِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِنا أكْفَرَ في الحُكْمِ صِحَّةُ قَوْلِنا أضَلَّ ولَيْسَ كُلُّ مَوْضِعٍ صَحَّ فِيهِ أفْعَلُ؛ ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ كَسَرَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ أكْسَرَهُ، بَلْ يَجِبُ فِيهِ الرُّجُوعُ إلى السَّماعِ. والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُوقِعَ الضَّلالَةَ في قُلُوبِهِمْ بَعْدَ الهُدى، حَتّى يَكُونَ مِنهُمُ الأمْرُ الَّذِي بِهِ يُسْتَحَقُّ العِقابُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: حاصِلُ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ أحَدًا إلّا بَعْدَ أنْ يُبَيِّنَ لَهُ كَوْنَ ذَلِكَ الفِعْلِ قَبِيحًا، ومَنهِيًّا عَنْهُ. وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وبِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ فَكانَ التَّقْدِيرُ: أنَّ مَن كانَ عالِمًا قادِرًا هَكَذا، لَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا، والعالِمُ القادِرُ الغَنِيُّ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ والعِقابَ قَبْلَ البَيانِ. وإزالَةُ العُذْرِ قَبِيحٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَفْعَلَهُ اللَّهُ تَعالى، فَنَظْمُ الآيَةِ إنَّما يَصِحُّ إذا فَسَّرْناها بِهَذا الوَجْهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى الِابْتِداءُ بِالعِقابِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ. والجَوابُ: أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعاقِبُ إلّا بَعْدَ التَّبْيِينِ وإزالَةِ العُذْرِ وإزاحَةِ العِلَّةِ، ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فَسَقَطَ ما ذَكَرْتُمُوهُ في هَذا البابِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ في ذِكْرِ هَذا المَعْنى هَهُنا فَوائِدُ: إحْداها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالبَراءَةِ مِنَ الكُفّارِ بَيَّنَ أنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذا كانَ هو ناصِرًا لَكم، فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى إضْرارِكم. وثانِيها: أنَّ القَوْمَ مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا: لَمّا أمَرْتَنا بِالِانْقِطاعِ مِنَ الكُفّارِ، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُنا أنْ نَخْتَلِطَ بِآبائِنا وأوْلادِنا وإخْوانِنا؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ الكَثِيرُ مِنهم كافِرِينَ، والمُرادُ أنَّكم إنْ صِرْتُمْ مَحْرُومِينَ عَنْ مُعاوَنَتِهِمْ ومُناصَرَتِهِمْ، فالإلَهُ الَّذِي هو المالِكُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ والمُحْيِي والمُمِيتُ ناصِرُكم، فَلا يَضُرُّكم أنْ يَنْقَطِعُوا عَنْكم. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِهَذِهِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كَأنَّهُ قالَ وجَبَ عَلَيْكم أنْ تَنْقادُوا لِحُكْمِي وتَكْلِيفِي لِكَوْنِي إلَهَكم ولِكَوْنِكم عَبِيدًا لِي.

التوبة 9:117

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ صفحة ١٧٠ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَقْصى في شَرْحِ أحْوالِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وبَيَّنَ أحْوالِ المُتَخَلِّفِينَ عَنْها، وأطالَ القَوْلَ في ذَلِكَ عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي لَخَّصْناهُ في هَذا التَّفْسِيرِ، عادَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى شَرْحِ ما بَقِيَ مِن أحْكامِها. ومِن بَقِيَّةِ تِلْكَ الأحْكامِ أنَّهُ قَدْ صَدَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَوْعُ زَلَّةٍ جارِيَةٍ مَجْرى تِلْكَ الأُولى، وصَدَرَ أيْضًا عَنِ المُؤْمِنِينَ نَوْعُ زَلَّةٍ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ وتابَ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ الزَّلّاتِ. فَقالَ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتِ الأخْبارُ عَلى أنَّ هَذا السَّفَرَ كانَ شاقًّا شَدِيدًا عَلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَلى المُؤْمِنِينَ، عَلى ما سَيَجِيءُ شَرْحُها، وهَذا يُوجِبُ الثَّناءَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِها قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ﴾ ؟ . والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شَيْءٌ مِن بابِ تَرْكِ الأفْضَلِ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٣) وأيْضًا لَمّا اشْتَدَّ الزَّمانُ في هَذِهِ الغَزْوَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ عَلى ما سَيَجِيءُ شَرْحُها، فَرُبَّما وقَعَ في قَلْبِهِمْ نَوْعُ نَفْرَةٍ عَنْ تِلْكَ السَّفْرَةِ، ورُبَّما وقَعَ في خاطِرِ بَعْضِهِمْ أنّا لَسْنا نَقْدِرُ عَلى الفِرارِ. ولَسْتُ أقُولُ عَزَمُوا عَلَيْهِ، بَلْ أقُولُ وساوِسٌ كانَتْ تَقَعُ في قُلُوبِهِمْ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ بِفَضْلِهِ عَفا عَنْها. فَقالَ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ . والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ الإنْسانَ طُولُ عُمُرِهِ لا يَنْفَكُ عَنْ زَلّاتٍ وهَفَواتٍ، إمّا مِن بابِ الصَّغائِرِ، وإمّا مِن بابِ تَرْكِ الأفْضَلِ. ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسائِرَ المُؤْمِنِينَ لَمّا تَحَمَّلُوا مَشاقَّ هَذا السَّفَرِ ومَتاعِبَهُ، وصَبَرُوا عَلى تِلْكَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ، أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ تَحَمُّلَ تِلْكَ الشَّدائِدِ صارَ مُكَفِّرًا لِجَمِيعِ الزَّلّاتِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهم في طُولِ العُمُرِ، وصارَ قائِمًا مَقامَ التَّوْبَةِ المَقْرُونَةِ بِالإخْلاصِ عَنْ كُلِّها. فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ. والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ الزَّمانَ لَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ السَّفَرِ، وكانَتِ الوَساوِسُ تَقَعُ في قُلُوبِهِمْ، فَكُلَّما وقَعَتْ وسْوَسَةٌ في قَلْبِ واحِدٍ مِنهم تابَ إلى اللَّهِ مِنها، وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ في إزالَتِها عَنْ قَلْبِهِ، فَلِكَثْرَةِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّوْبَةِ بِسَبَبِ خَطِراتِ تِلْكَ الوَساوِسِ بِبالِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ. والوَجْهُ الرّابِعُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَدْ صَدَرَ عَنْ أُولَئِكَ الأقْوامِ أنْواعٌ مِنَ المَعاصِي، إلّا أنَّهُ تَعالى تابَ عَلَيْهِمْ وعَفا عَنْهم لِأجْلِ أنَّهم تَحَمَّلُوا مَشاقَّ ذَلِكَ السَّفَرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ضَمَّ ذِكْرَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى ذِكْرِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَراتِبِهِمْ في الدِّينِ، وأنَّهم قَدْ بَلَغُوا إلى الدَّرَجَةِ الَّتِي لِأجْلِها، ضَمَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلَيْهِمْ في قَبُولِ التَّوْبَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِساعَةِ العُسْرَةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ، والمُرادُ مِنها الزَّمانُ الَّذِي صَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ جِدًّا في ذَلِكَ السَّفَرِ، والعُسْرَةُ تَعَذُّرُ الأمْرِ وصُعُوبَتُهُ. قالَ جابِرٌ: حَصَلَتْ عُسْرَةُ الظَّهْرِ وعُسْرَةُ الماءِ وعُسْرَةُ الزّادِ. أمّا عُسْرَةُ صفحة ١٧١ الظَّهْرِ: فَقالَ الحَسَنُ: كانَ العَشَرَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ يَخْرُجُونَ عَلى بَعِيرٍ يَعْتَقِبُونَهُ بَيْنَهم، وأمّا عُسْرَةُ الزّادِ، فَرُبَّما مَصَّ التَّمْرَةَ الواحِدَةَ جَماعَةٌ يَتَناوَبُونَها حَتّى لا يَبْقى مِنَ التَّمْرَةِ إلّا النَّواةَ، وكانَ مَعَهم شَيْءٌ مِن شَعِيرٍ مُسَوَّسٍ، فَكانَ أحَدُهم إذا وضَعَ اللُّقْمَةَ في فِيهِ أخَذَ أنْفَهُ مِن نَتَنِ اللُّقْمَةِ. وأمّا عُسْرَةُ الماءِ: فَقالَ عُمَرُ: خَرَجْنا في قَيْظٍ شَدِيدٍ وأصابَنا فِيهِ عَطَشٌ شَدِيدٌ، حَتّى إنِ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ ويَشْرَبُهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الغَزْوَةَ تُسَمّى غَزْوَةُ العُسْرَةِ، ومَن خَرَجَ فِيها فَهو جَيْشُ العُسْرَةِ. وجَهَّزَهم عُثْمانُ وغَيْرُهُ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - . والقَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِساعَةِ العُسْرَةِ جَمِيعَ الأحْوالِ والأوْقاتِ الشَّدِيدَةِ عَلى الرَّسُولِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، فَيُدْخِلُ فِيهِ غَزْوَةُ الخَنْدَقِ وغَيْرُها. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَها في كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ (الأحْزابِ: ١٠) وقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٥٢) الآيَةَ، والمَقْصُودُ مِنهُ وصْفُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأوْقاتِ الشَّدِيدَةِ والأحْوالِ الصَّعْبَةِ، وذَلِكَ يُفِيدُ نِهايَةَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: فاعِلُ (كادَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قُلُوبُ) والتَّقْدِيرُ: كادَ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم تَزِيغُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ الأمْرِ والشَّأْنِ، والفِعْلُ والفاعِلُ تَفْسِيرٌ لِلْأمْرِ والشَّأْنِ، والمَعْنى: كادُوا لا يَثْبِتُونَ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في تِلْكَ الغَزْوَةِ لِشِدَّةِ العُسْرَةِ. البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (يَزِيغُ) بِالياءِ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِ، والباقُونَ بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ قُلُوبٍ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم) . البَحْثُ الثّالِثُ: (كادَ) عِنْدَ بَعْضِهِمْ تُفِيدُ المُقارَبَةَ فَقَطْ، وعِنْدَ آخَرِينَ تُفِيدُ المُقارَبَةَ مَعَ عَدَمِ الوُقُوعِ، فَهَذِهِ التَّوْبَةُ المَذْكُورَةُ تَوْبَةٌ عَنْ تِلْكَ المُقارَبَةِ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ في قُلُوبِهِمْ. فَقِيلَ: هَمَّ بَعْضُهم عِنْدَ تِلْكَ الشِّدَّةِ العَظِيمَةِ أنْ يُفارِقَ الرَّسُولَ، لَكِنَّهُ صَبَرَ واحْتَسَبَ؛ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ لَمّا صَبَرُوا وثَبَتُوا ونَدِمُوا عَلى ذَلِكَ الأمْرِ اليَسِيرِ. وقالَ الآخَرُونَ بَلْ كانَ ذَلِكَ لِحَدِيثِ النَّفْسِ الَّذِي يَكُونُ مُقَدِّمَةَ العَزِيمَةِ، فَلَمّا نالَتْهُمُ الشِّدَّةُ وقَعَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ ومَعَ ذَلِكَ تَلافَوْا هَذا اليَسِيرَ خَوْفًا مِنهُ أنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً؛ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ . فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ التَّوْبَةَ في أوَّلِ الآيَةِ وفي آخِرِها فَما الفائِدَةُ في التَّكْرارِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ قَبْلَ ذِكْرِ الذَّنْبِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الذَّنْبَ ثُمَّ أرْدَفَهُ مَرَّةً أُخْرى بِذِكْرِ التَّوْبَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَعْظِيمُ شَأْنِهِمْ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إذا قِيلَ: عَفا السُّلْطانُ عَنْ فُلانٍ؛ ثُمَّ عَفا عَنْهُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَفْوَ عَفْوٌ مُتَأكِّدٌ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى في الكَمالِ والقُوَّةِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ اللَّهَ لَيَغْفِرُ ذَنْبَ الرَّجُلِ المُسْلِمِ عِشْرِينَ مَرَّةً» “ وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ ازْدادَ عَنْهم رِضًا. صفحة ١٧٢ والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى تابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الوَساوِسِ الَّتِي كانَتْ تَقَعُ في قُلُوبِهِمْ في ساعَةِ العُسْرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ﴾ فَهَذِهِ الزِّيادَةُ أفادَتْ حُصُولَ وساوِسٍ قَوِيَّةٍ، فَلا جَرَمَ أتْبَعَها تَعالى بِذِكْرِ التَّوْبَةِ مَرَّةً أُخْرى لِئَلّا يَبْقى في خاطِرِ أحَدِهِمْ شَكٌّ في كَوْنِهِمْ مُؤاخَذِينَ بِتِلْكَ الوَساوِسِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وهُما صِفَتانِ لِلَّهِ تَعالى ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ الرَّأْفَةُ عِبارَةً عَنِ السَّعْيِ في إزالَةِ الضُّرِّ، والرَّحْمَةُ عِبارَةً عَنِ السَّعْيِ في إيصالِ المَنفَعَةِ. وقِيلَ: إحْداهُما لِلرَّحْمَةِ السّالِفَةِ، والأُخْرى لِلْمُسْتَقْبَلَةِ.

التوبة 9:118

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا مَعْطُوفٌ عَلى الآيَةِ الأُولى، والتَّقْدِيرُ: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، والفائِدَةُ في هَذا العَطْفِ أنّا بَيَّنّا أنَّ مَن ضُمَّ ذِكْرُ تَوْبَتِهِ إلى تَوْبَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى تَعْظِيمِهِ وإجْلالِهِ، وهَذا العَطْفُ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ قَبُولُ تَوْبَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَوْبَةِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ في حُكْمٍ واحِدٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ إعْلاءَ شَأْنِهِمْ وكَوْنَهم مُسْتَحِقِّينَ لِذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ هُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُخَلَّفِينَ وذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ أُمِرُوا بِالتَّخَلُّفِ، أوْ حَصَلَ الرِّضا مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِذَلِكَ، بَلْ هو كَقَوْلِكَ لِصاحِبِكَ أيْنَ خَلَّفْتَ فَلانًا فَيَقُولُ: بِمَوْضِعِ كَذا لا يُرِيدُ بِهِ أنَّهُ أمَرَهُ بِالتَّخَلُّفِ بَلْ لَعَلَّهُ نَهاهُ عَنْهُ وإنَّما يُرِيدُ أنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْهُ. وثانِيها: لا يَمْتَنِعُ أنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ كانُوا عَلى عَزِيمَةِ الذِّهابِ إلى الغَزْوِ فَأذِنَ لَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْرَ ما يُحَصِّلُ الآلاتِ والأدَواتِ فَلَمّا بَقُوا مُدَّةً ظَهَرَ التَّوانِي والكَسَلُ فَصَحَّ أنْ يُقالَ: خَلَّفَهُمُ الرَّسُولُ. وثالِثُها: أنَّهُ حَكى قِصَّةَ أقْوامٍ وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ فالمُرادُ مِن كَوْنِ هَؤُلاءِ مُخَلَّفِينَ كَوْنُهم مُؤَخَّرِينَ في قَبُولِ التَّوْبَةِ عَنِ الطّائِفَةِ الأُولى. قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ وهو أحَدُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّنا: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ لَيْسَ مِن تَخَلُّفِنا إنَّما هو تَأْخِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أمْرَنا لِيُشِيرَ بِهِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ . صفحة ١٧٣ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (خَلَفُوا) أيْ خَلَفُوا الغازِينَ بِالمَدِينَةِ، أيْ: صارُوا خُلَفاءَ لِلَّذِينَ ذَهَبُوا إلى الغَزْوِ وفَسَدُوا مِنَ الخالِفَةِ وخُلُوفِ الفَمِ، وقَرَأ جَعْفَرٌ الصّادِقُ (خالَفُوا) وقَرَأ الأعْمَشُ (وعَلى الثَّلاثَةِ المُخَلَّفِينَ) . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ هم؛ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ الشّاعِرُ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ آيَةُ اللِّعانِ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، ولِلنّاسِ في هَذِهِ القِصَّةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهم ذَهَبُوا خَلْفَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، قالَ الحَسَنُ: كانَ لِأحَدِهِمْ أرْضٌ ثَمَنُها مِائَةُ ألْفِ دِرْهَمٍ فَقالَ: يا أرْضاهُ ما خَلَّفَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إلّا أمْرُكِ، اذْهَبِي فَأنْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَأُكابِدَنَّ المَفاوِزَ حَتّى أصِلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وفَعَلَ، وكانَ لِلثّانِي أهْلٌ فَقالَ: يا أهْلاهُ ما خَلَّفَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا أمْرُكِ فَلَأُكابِدَنَّ المَفاوِزَ حَتّى أصِلَ إلَيْهِ وفَعَلَ، والثّالِثُ: ما كانَ لَهُ مالَ ولا أهْلٌ فَقالَ: ما لِي سَبَبٌ إلّا الضَّنُّ بِالحَياةِ واللَّهِ لَأُكابِدَنَّ المَفاوِزَ حَتّى أصِلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَحِقُوا بِالرَّسُولِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ . والقَوْلُ الثّانِي وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّهم ما ذَهَبُوا خَلْفَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «قالَ كَعْبٌ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ حَدِيثِي فَلَمّا أبْطَأْتُ عَنْهُ في الخُرُوجِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ما الَّذِي حَبَسَ كَعْبًا“ فَلَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ اعْتَذَرَ المُنافِقُونَ فَعَذَرَهم وأتَيْتُهُ وقُلْتُ: إنَّ كُراعِي وزادِي كانَ حاضِرًا واحْتَبَسْتُ بِذَنْبِي فاسْتَغْفِرْ لِي فَأبى الرَّسُولُ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهى عَنْ مُجالَسَةِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، وأمَرَ بِمُبايَنَتِهِمْ حَتّى أمَرَ بِذَلِكَ نِساءَهم، فَضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، وجاءَتِ امْرَأةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بَكى هِلالٌ حَتّى خِفْتُ عَلى بَصَرِهِ، حَتّى إذا مَضى خَمْسُونَ يَوْمًا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ﴾ وأنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى حُجْرَتِهِ وهو عِنْدُ أُمِّ سَلَمَةَ فَقالَ: ”اللَّهُ أكْبَرُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَ أصْحابِنا“ فَلَمّا صَلّى الفَجْرَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِأصْحابِهِ وبَشَّرَهم بِأنَّ اللَّهَ تابَ عَلَيْهِمْ، فانْطَلَقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَلا عَلَيْهِمْ ما نَزَلَ فِيهِمْ. فَقالَ كَعْبٌ: تَوْبَتِي إلى اللَّهِ تَعالى أنْ أُخْرِجَ مالِي صَدَقَةً فَقالَ: ”لا“ قُلْتُ: فَنَصِفُهُ قالَ: ”لا“ قُلْتُ: فَثُلْثُهُ قالَ: ”نَعَمْ“» واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - صارَ مُعْرِضًا عَنْهم ومَنَعَ المُؤْمِنِينَ مِن مُكالَمَتِهِمْ وأمَرَ أزْواجَهم بِاعْتِزالِهِمْ وبَقُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ خَمْسِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: أكْثَرُ، ومَعْنى (وضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ والمُرادُ ضِيقُ صُدُورِهِمْ بِسَبَبِ الهَمِّ والغَمِّ ومُجانَبَةِ الأوْلِياءِ والأحِبّاءِ، ونَظَرِ النّاسِ لَهم بِعَيْنِ الإهانَةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ﴾ ويَقْرُبُ مَعْناهُ مِن قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في دُعائِهِ: ”«أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ وأعُوذُ بِعَفْوِكَ مِن غَضَبِكَ وأعُوذُ بِكَ مِنكَ» “ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ مَعْنى قَوْلِهِ:(وظَنُّوا) أيْ عَلِمُوا كَما في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٤٦) والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ صفحة ١٧٤ هَذا الوَصْفَ في حَقِّهِمْ في مَعْرِضِ المَدْحِ والثَّناءِ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وكانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ. وقالَ آخَرُونَ: وُقِفَ أمْرُهم عَلى الوَحْيِ وهم ما كانُوا قاطِعِينَ أنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ الوَحْيَ بِبَراءَتِهِمْ عَنِ النِّفاقِ ولَكِنَّهم كانُوا يُجَوِّزُونَ أنْ تَطُولَ المُدَّةُ في بَقائِهِمْ في الشِّدَّةِ فالطَّعْنُ عادَ إلى تَجْوِيزِ كَوْنِ تِلْكَ المُدَّةِ قَصِيرَةً، ولَمّا وصَفَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ. * * * قالَ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ. والتَّقْدِيرُ: حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ، تابَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟ قُلْنا: هَذا التَّكْرِيرُ حَسَنٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما أنَّ السُّلْطانَ إذا أرادَ أنْ يُبالِغَ في تَقْرِيرِ العَفْوِ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ يَقُولُ عَفَوْتُ عَنْكَ ثُمَّ عَفَوْتُ عَنْكَ. فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ أصْحابُنا: المَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ فِعْلُ اللَّهِ وقَوْلُهُ:(لِيَتُوبُوا) يَدُلُّ عَلى أنَّها فِعْلُ العَبْدِ، فَهَذا صَرِيحُ قَوْلِنا، ونَظِيرُهُ(فَلْيَضْحَكُوا) مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ [الأنفال: ٥] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٤٠] وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ [يونس: ٢٢] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾ [النمل: ٦٩] . والثّانِي: المُرادُ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الماضِي لِيَكُونَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى التَّوْبَةِ في المُسْتَقْبَلِ. والثّالِثُ: أصْلُ التَّوْبَةِ الرُّجُوعُ، فالمُرادُ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَرْجِعُوا إلى حالِهِمْ وعادَتِهِمْ في الِاخْتِلاطِ بِالمُؤْمِنِينَ وزَوالِ المُبايَنَةِ فَتَسْكُنَ نُفُوسُهم عِنْدَ ذَلِكَ. الرّابِعُ: ﴿تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ أيْ لِيَدُومُوا عَلى التَّوْبَةِ، ولا يُراجِعُوا ما يُبْطِلُها. الخامِسُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ لِيَنْتَفِعُوا بِالتَّوْبَةِ ويَتَوَفَّرَ عَلَيْهِمْ ثَوابُها وهَذانِ النَّفْعانِ لا يَحْصُلانِ إلّا بَعْدَ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ عَقْلًا، قالُوا: لِأنَّ شَرائِطَ التَّوْبَةِ في حَقِّ هَؤُلاءِ قَدْ حَصَلَتْ مِن أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما قَبِلَهم ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ وتَرَكَهم مُدَّةَ خَمْسِينَ يَوْمًا أوْ أكْثَرَ، ولَوْ كانَ قَبُولُ التَّوْبَةِ واجِبًا عَقْلًا، لَما جازَ ذَلِكَ. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: يُقالُ إنَّ تِلْكَ التَّوْبَةَ صارَتْ مَقْبُولَةً مِن أوَّلِ الأمْرِ، لَكِنَّهُ يُقالُ: أرادَ تَشْدِيدَ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِمْ لِئَلّا يَتَجَرَّأ أحَدٌ عَلى التَّخَلُّفِ عَنِ الرَّسُولِ فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن جِهادٍ وغَيْرِهِ. وأيْضًا لَمْ يَكُنْ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ كَلامِهِمْ عُقُوبَةً، بَلْ كانَ عَلى سَبِيلِ التَّشْدِيدِ في التَّكْلِيفِ. قالَ القاضِي: وإنَّما خَصَّ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ بِهَذا التَّشْدِيدِ؛ لِأنَّهم أذْعَنُوا بِالحَقِّ واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، فالَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِمْ وهَذِهِ حالُهم في الزَّجْرِ أبْلَغُ مِمّا يَجْرِي عَلى مَن يُظْهِرُ العُذْرَ مِنَ المُنافِقِينَ. والجَوابُ: أنّا مُتَمَسِّكُونَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ وكَلِمَةُ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي، فَمُقْتَضى هَذا اللَّفْظِ تَأْخِيرُ قَبُولِ التَّوْبَةِ، فَإنْ حَمَلْتُمْ ذَلِكَ عَلى تَأْخِيرِ إظْهارِ هَذا القَبُولِ كانَ ذَلِكَ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. صفحة ١٧٥ فَإنْ قالُوا: المُوجِبُ لِهَذا العُدُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] . قُلْنا: صِيغَةُ يَقْبَلُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وهو لا يُفِيدُ الفَوْرَ أصْلًا بِالإجْماعِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ . واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الرَّحِيمِ عَقِيبَ ذِكْرِ التَّوّابِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ لِأجْلِ مَحْضِ الرَّحْمَةِ والكَرَمِ، لا لِأجْلِ الوُجُوبِ، وذَلِكَ يُقَوِّي قَوْلَنا في أنَّهُ لا يَجِبُ عَقْلًا عَلى اللَّهِ قَبُولُ التَّوْبَةِ.

التوبة 9:119

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِقَبُولِ تَوْبَةِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، ذَكَرَ ما يَكُونُ كالزّاجِرِ عَنْ فِعْلِ ما مَضى، وهو التَّخَلُّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الجِهادِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِ الرَّسُولِ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ يَعْنِي مَعَ الرَّسُولِ وأصْحابِهِ في الغَزَواتِ، ولا تَكُونُوا مُتَخَلِّفِينَ عَنْها وجالِسِينَ مَعَ المُنافِقِينَ في البُيُوتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالكَوْنِ مَعَ الصّادِقِينَ، ومَتى وجَبَ الكَوْنُ مَعَ الصّادِقِينَ فَلا بُدَّ مِن وُجُودِ الصّادِقِينَ في كُلِّ وقْتٍ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن إطْباقِ الكُلِّ عَلى الباطِلِ، ومَتى امْتَنَعَ إطْباقُ الكُلِّ عَلى الباطِلِ، وجَبَ إذا أطْبَقُوا عَلى شَيْءٍ أنْ يَكُونُوا مُحِقِّينَ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ كُونُوا عَلى طَرِيقَةِ الصّادِقِينَ، كَما أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِوَلَدِهِ: كُنْ مَعَ الصّالِحِينَ، لا يُفِيدُ إلّا ذَلِكَ ؟ سَلَّمْنا ذَلِكَ، لَكِنْ نَقُولُ: إنَّ هَذا الأمْرَ كانَ مَوْجُودًا في زَمانِ الرَّسُولِ فَقَطْ، فَكانَ هَذا أمْرًا بِالكَوْنِ مَعَ الرَّسُولِ، فَلا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ صادِقٍ في سائِرِ الأزْمِنَةِ، سَلَّمْنا ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصّادِقُ هو المَعْصُومَ الَّذِي يَمْتَنِعُ خُلُوُّ زَمانِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ كَما تَقُولُهُ الشِّيعَةُ ؟ والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ أمْرٌ بِمُوافَقَةِ الصّادِقِينَ، ونَهْيٌ عَنْ مُفارَقَتِهِمْ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ الصّادِقِينَ وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُودِ الصّادِقِينَ. وقَوْلُهُ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنْ يَكُونُوا عَلى طَرِيقَةِ الصّادِقِينَ. فَنَقُولُ: إنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. قَوْلُهُ: هَذا الأمْرُ مُخْتَصٌّ بِزَمانِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . قُلْنا: هَذا باطِلٌ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ الظّاهِرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّ التَّكالِيفَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مُتَوَجِّهَةٌ عَلى المُكَلَّفِينَ إلى قِيامِ القِيامَةِ، فَكانَ الأمْرُ في هَذا التَّكْلِيفِ كَذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ الصِّيغَةَ تَتَناوَلُ الأوْقاتَ كُلَّها بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ. والثّالِثُ: لَمّا لَمْ يَكُنِ الوَقْتُ المُعَيَّنُ مَذْكُورًا في لَفْظِ الآيَةِ لَمْ يَكُنْ حَمْلُ الآيَةِ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الباقِي، فَإمّا أنْ لا يُحْمَلَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ فَيُفْضِي إلى التَّعْطِيلِ وهو باطِلٌ، أوْ عَلى الكُلِّ وهو المَطْلُوبُ. والرّابِعُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمْرٌ لَهم بِالتَّقْوى، وهَذا الأمْرُ إنَّما يَتَناوَلُ مَن يَصِحُّ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ مُتَّقِيًا، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ جائِزَ الخَطَأِ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ مَن كانَ جائِزَ الخَطَأِ وجَبَ كَوْنُهُ مُقْتَدِيًا بِمَن صفحة ١٧٦ كانَ واجِبَ العِصْمَةِ، وهُمُ الَّذِينَ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِمْ صادِقِينَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ واجِبٌ عَلى جائِزِ الخَطَأِ كَوْنُهُ مَعَ المَعْصُومِ عَنِ الخَطَأِ حَتّى يَكُونَ المَعْصُومُ عَنِ الخَطَأِ مانِعًا لِجائِزِ الخَطَأِ عَنِ الخَطَأِ، وهَذا المَعْنى قائِمٌ في جَمِيعِ الأزْمانِ، فَوَجَبَ حُصُولُهُ في كُلِّ الأزْمانِ. قَوْلُهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو كَوْنَ المُؤْمِنِ مَعَ المَعْصُومِ المَوْجُودِ في كُلِّ زَمانٍ ؟ قُلْنا: نَحْنُ نَعْتَرِفُ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مَعْصُومٍ في كُلِّ زَمانٍ، إلّا أنّا نَقُولُ: ذَلِكَ المَعْصُومُ هو مَجْمُوعُ الأُمَّةِ، وأنْتُمْ تَقُولُونَ: ذَلِكَ المَعْصُومُ واحِدٌ مِنهم، فَنَقُولُ: هَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونَ مَعَ الصّادِقِينَ، وإنَّما يُمْكِنُهُ ذَلِكَ لَوْ كانَ عالِمًا بِأنَّ ذَلِكَ الصّادِقَ مَن هو لا الجاهِلَ بِأنَّهُ مَن هو، فَلَوْ كانَ مَأْمُورًا بِالكَوْنِ مَعَهُ كانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، لَكِنّا لا نَعْلَمُ إنْسانًا مُعَيَّنًا مَوْصُوفًا بِوَصْفِ العِصْمَةِ، والعِلْمُ بِأنّا لا نَعْلَمُ هَذا الإنْسانَ حاصِلٌ بِالضَّرُورَةِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ لَيْسَ أمْرًا بِالكَوْنِ مَعَ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، ولَمّا بَطَلَ هَذا بَقِيَ أنَّ المُرادَ مِنهُ الكَوْنُ مَعَ مَجْمُوعِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَ مَجْمُوعِ الأُمَّةِ حَقٌّ وصَوابٌ ولا مَعْنى لِقَوْلِنا: الإجْماعُ حُجَّةٌ إلّا ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَضْلِ الصِّدْقِ وكَمالِ دَرَجَتِهِ، والَّذِي يُؤَيِّدُهُ مِنَ الوُجُوهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: رُوِيَ «أنَّ واحِدًا جاءَ إلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: إنِّي رَجُلٌ أُرِيدُ أنْ أُؤْمِنَ بِكَ إلّا أنِّي أُحِبُّ الخَمْرَ والزِّنا والسَّرِقَةَ والكَذِبَ، والنّاسُ يَقُولُونَ إنَّكَ تُحَرِّمُ هَذِهِ الأشْياءَ ولا طاقَةَ لِي عَلى تَرْكِها بِأسْرِها، فَإنْ قَنِعْتَ مِنِّي بِتَرْكِ واحِدٍ مِنها آمَنتُ بِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”اتْرُكِ الكَذِبَ“ فَقَبِلَ ذَلِكَ ثُمَّ أسْلَمَ، فَلَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَرَضُوا عَلَيْهِ الخَمْرَ، فَقالَ: إنْ شَرِبْتُ وسَألَنِي الرَّسُولُ عَنْ شُرْبِها وكَذَبْتُ فَقَدْ نَقَضْتُ العَهْدَ، وإنْ صَدَقْتُ أقامَ الحَدَّ عَلَيَّ فَتَرَكَها ثُمَّ عَرَضُوا عَلَيْهِ الزِّنا، فَجاءَ ذَلِكَ الخاطِرُ فَتَرَكَهُ، وكَذا في السَّرِقَةِ، فَعادَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ما أحْسَنَ ما فَعَلْتَ، لَمّا مَنَعَتْنِي عَنِ الكَذِبِ انْسَدَّتْ أبْوابُ المَعاصِي عَلَيَّ، وتابَ عَنِ الكُلِّ» . الثّانِي: رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: عَلَيْكم بِالصِّدْقِ فَإنَّهُ يُقَرِّبُ إلى البِرِّ والبِرُّ يُقَرِّبُ إلى الجَنَّةِ، وإنَّ العَبْدَ لَيَصْدُقُ فَيُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإيّاكم والكَذِبَ فَإنَّ الكَذِبَ يُقَرِّبُ إلى الفُجُورِ، والفُجُورُ يُقَرِّبُ إلى النّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ وكَذَبْتَ وفَجَرْتَ. الثّالِثُ: قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ( ص: ٨٢ - ٨٣) إنَّ إبْلِيسَ إنَّما ذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ لَصارَ كاذِبًا في ادِّعاءِ إغْواءِ الكُلِّ، فَكَأنَّهُ اسْتَنْكَفَ عَنِ الكَذِبِ فَذَكَرَ هَذا الِاسْتِثْناءَ، وإذا كانَ الكَذِبُ شَيْئًا يَسْتَنْكِفُ مِنهُ إبْلِيسُ، فالمُسْلِمُ أوْلى أنْ يَسْتَنْكِفَ مِنهُ. الرّابِعُ: مِن فَضائِلِ الصِّدْقِ أنَّ الإيمانَ مِنهُ لا مِن سائِرِ الطّاعاتِ، ومِن مَعايِبِ الكَذِبِ أنَّ الكُفْرَ مِنهُ لا مِن سائِرِ الذُّنُوبِ، واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ المُقْتَضِي لِقُبْحِهِ ما هو ؟ فَقالَ أصْحابُنا: المُقْتَضِي لِقُبْحِهِ هو كَوْنُهُ مُخِلًّا لِمَصالِحِ العالَمِ ومَصالِحِ النَّفْسِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُقْتَضِي لِقُبْحِهِ هو كَوْنُهُ كَذِبًا ودَلِيلُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (الحُجُراتِ: ٦) يَعْنِي لا تَقْبَلُوا قَوْلَ الفاسِقِ فَرُبَّما كانَ كَذِبًا، فَيَتَوَلَّدُ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ الكَذِبِ فِعْلٌ تَصِيرُونَ نادِمِينَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أوْجَبَ رَدَّ ما يَجُوزُ كَوْنُهُ كَذِبًا لِاحْتِمالِ كَوْنِهِ مُفْضِيًا إلى ما يُضادُّ المَصالِحَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُقْتَضِي لِقُبْحِ الكَذِبِ إفْضاؤُهُ إلى المَفاسِدِ، واحْتَجَّ القاضِي صفحة ١٧٧ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ مَن دُفِعَ إلى طَلَبِ مَنفَعَةٍ أوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ وأمْكَنَهُ الوُصُولُ إلى ذَلِكَ بِأنْ يَكْذِبَ وبِأنْ يَصْدُقَ فَقَدْ عُلِمَ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْدِلَ عَنِ الصِّدْقِ إلى الكَذِبِ، ولَوْ أمْكَنَهُ أنْ يَصِلَ إلى ذَلِكَ بِصِدْقَيْنِ لَجازَ أنْ يَعْدِلَ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ، فَلَوْ كانَ الكَذِبُ يَحْسُنُ لِمَنفَعَةٍ أوْ إزالَةِ مَضَرَّةٍ لَكانَ حالُهُ حالَ الصِّدْقِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عُلِمَ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا قَبِيحًا، ولِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَحْسُنَ لَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ إذا كانَ مَصْلَحَةً، وذَلِكَ يُؤَدِّي إلى أنْ لا يُوثَقَ بِأخْبارِهِ، هَذا ما ذَكَرَهُ في التَّفْسِيرِ، فَيُقالُ لَهُ في الجَوابِ عَنِ الأوَّلِ إنَّ الإنْسانَ لَمّا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ تَقْبِيحُ الكَذِبِ لِأجْلِ كَوْنِهِ مُخِلًّا لِمَصالِحِ العالَمِ، صارَ ذَلِكَ نُصْبَ عَيْنِهِ وصُورَةَ خَيالِهِ فَتِلْكَ الصُّورَةُ النّادِرَةُ إذا اتَّفَقْتَ لِلْحُكْمِ عَلَيْها حَكَمَتِ العادَةُ الرّاسِخَةُ عَلَيْها بِالقُبْحِ، فَلَوْ فَرَضْتُمْ كَوْنَ الإنْسانِ خالِيًا عَنْ هَذِهِ العادَةِ وفَرَضْتُمُ اسْتِواءَ الصِّدْقِ والكَذِبِ في الإفْضاءِ إلى المَطْلُوبِ ؟ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا نُسَلِّمُ حُصُولَ التَّرْجِيحِ، ويُقالُ لَهُ في الجَوابِ عَنِ الحُجَّةِ الثّانِيَةِ: إنَّكم تُثْبِتُونَ امْتِناعَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِكَوْنِهِ قَبِيحًا لِكَوْنِهِ كَذِبًا، فَلَوْ أثْبَتُّمْ هَذا المَعْنى بِامْتِناعِ صُدُورِهِ عَنِ اللَّهِ لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ.

التوبة 9:120

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ بِوُجُوبِ الكَوْنِ في مُوافَقَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في جَمِيعِ الغَزَواتِ والمَشاهِدِ، أكَّدَ ذَلِكَ فَنَهى في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ. فَقالَ: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ والأعْرابُ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ مُزَيْنَةُ، وجُهَيْنَةُ، وأشْجَعُ، وأسْلَمُ، وغِفارٌ، هَكَذا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: بَلْ هَذا يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأعْرابِ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ فَإنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، والتَّخْصِيصُ تَحَكُّمٌ، وعَلى القَوْلَيْنِ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ولا يَطْلُبُوا لِأنْفُسِهِمِ الحِفْظَ والدَّعَةَ حالَ ما يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ في الحَرِّ والمَشَقَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ يُقالُ: رَغِبْتُ بِنَفْسِي عَنْ هَذا الأمْرِ أيْ تَوَقَّفْتُ عَنْهُ وتَرَكْتُهُ، وأنا أرْغَبُ بِفُلانٍ عَنْ هَذا أيْ أبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ ولا أتْرُكُهُ. والمَعْنى: لَيْسَ لَهم أنْ يَكْرَهُوا لِأنْفُسِهِمْ ما يَرْضاهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِنَفْسِهِ. صفحة ١٧٨ واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الألْفاظِ وُجُوبُ الجِهادِ عَلى كُلِّ هَؤُلاءِ، إلّا أنّا نَقُولُ: المَرْضى والضُّعَفاءُ والعاجِزُونَ مَخْصُوصُونَ بِدَلِيلِ العَقْلِ وأيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨٦) وأيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ (النُّورِ: ٦١) الآيَةَ وأمّا أنَّ الجِهادَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِعَيْنِهِ، فَقَدْ دَلَّ الإجْماعُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا مِن هَذا العُمُومِ وبَقِيَ ما وراءَ هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ داخِلًا تَحْتَ هَذا العُمُومِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ مِنَ التَّخَلُّفِ بَيَّنَ أنَّهُ لا يُصِيبُهم في ذَلِكَ السَّفَرِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ المَشَقَّةِ إلّا وهو يُوجِبُ الثَّوابَ العَظِيمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ أُمُورًا خَمْسَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ وهو شِدَّةُ العَطَشِ، يُقالُ ظَمِئَ فُلانٌ إذا اشْتَدَّ عَطَشُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولا نَصَبٌ﴾ ومَعْناهُ الإعْياءُ والتَّعَبُ. وثالِثُها: ﴿ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ مَجاعَةً شَدِيدَةً يَظْهَرُ بِها ضُمُورُ البَطْنِ ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ خَمِيصُ البَطْنِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ ولا يَضَعُ الإنْسانُ قَدَمَهُ ولا يَضَعُ فَرَسُهُ حافِرَهُ ولا يَضَعُ بِعِيرُهُ خُفَّهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَيْظِ الكُفّارِ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ غاظَهُ وغَيَّظَهُ وأغاظَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ أغْضَبَهُ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أيْ أسْرًا وقَتْلًا وهَزِيمَةً قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا﴿إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ أيْ إلّا كانَ ذَلِكَ قُرْبَةً لَهم عِنْدَ اللَّهِ، ونَقُولُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن قَصَدَ طاعَةَ اللَّهِ كانَ قِيامُهُ وقُعُودُهُ ومِشْيَتُهُ وحَرَكَتُهُ وسُكُونُهُ كُلُّها حَسَناتٍ مَكْتُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ. وكَذا القَوْلُ في طَرَفِ المَعْصِيَةِ فَما أعْظَمَ بَرَكَةُ الطّاعَةِ وما أعْظَمَ شُؤْمُ المَعْصِيَةِ ! واخْتَلَفُوا فَقالَ قَتادَةُ: هَذا الحُكْمُ مِن خَواصِّ رَسُولِ اللَّهِ إذا غَزا بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ إلّا بِعُذْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا حِينَ كانَ المُسْلِمُونَ قَلِيلِينَ فَلَمّا كَثُرُوا نَسَخَها اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٢) وقالَ عَطِيَّةُ: ما كانَ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إذا دَعاهم وأمَرَهم وهَذا هو الصَّحِيحُ، لِأنَّهُ تَتَعَيَّنُ الإجابَةُ والطّاعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ إذا أمَرَ وكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الوُلاةِ والأئِمَّةِ إذا نُدِبُوا وعُيِّنُوا؛ لِأنّا لَوْ سَوَّغْنا لِلْمَندُوبِ أنْ يَتَقاعَدَ لَمْ يَخْتَصَّ بِذَلِكَ بَعْضٌ دُونِ بَعْضٍ ولَأدّى ذَلِكَ إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ يُرِيدُ تَمْرَةً فَما فَوْقَها وعَلاقَةَ سَوْطٍ فَما فَوْقَها﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾، والوادِي كُلُّ مُفْرَجٍ بَيْنَ جِبالٍ وآكامٍ يَكُونُ مَسْلَكًا لِلسَّيْلِ، والجَمْعُ الأوْدِيَةُ، إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ الإنْفاقَ وذَلِكَ المَسِيرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الأحْسَنَ مِن صِفَةِ فِعْلِهِمْ، وفِيها الواجِبُ والمَندُوبُ والمُباحُ واللَّهُ تَعالى يَجْزِيهِمْ عَلى الأحْسَنِ، وهو الواجِبُ والمَندُوبُ، دُونَ المُباحِ. والثّانِي: أنَّ الأحْسَنَ صِفَةٌ لِلْجَزاءِ، أيْ يَجْزِيهِمْ جَزاءً هو أحْسَنُ مِن أعْمالِهِمْ وأجَلُّ وأفْضَلُ، وهو الثَّوابُ.

التوبة 9:121

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ بِوُجُوبِ الكَوْنِ في مُوافَقَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في جَمِيعِ الغَزَواتِ والمَشاهِدِ، أكَّدَ ذَلِكَ فَنَهى في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ. فَقالَ: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ والأعْرابُ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ مُزَيْنَةُ، وجُهَيْنَةُ، وأشْجَعُ، وأسْلَمُ، وغِفارٌ، هَكَذا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: بَلْ هَذا يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأعْرابِ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ فَإنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، والتَّخْصِيصُ تَحَكُّمٌ، وعَلى القَوْلَيْنِ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ولا يَطْلُبُوا لِأنْفُسِهِمِ الحِفْظَ والدَّعَةَ حالَ ما يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ في الحَرِّ والمَشَقَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ يُقالُ: رَغِبْتُ بِنَفْسِي عَنْ هَذا الأمْرِ أيْ تَوَقَّفْتُ عَنْهُ وتَرَكْتُهُ، وأنا أرْغَبُ بِفُلانٍ عَنْ هَذا أيْ أبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ ولا أتْرُكُهُ. والمَعْنى: لَيْسَ لَهم أنْ يَكْرَهُوا لِأنْفُسِهِمْ ما يَرْضاهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِنَفْسِهِ. صفحة ١٧٨ واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الألْفاظِ وُجُوبُ الجِهادِ عَلى كُلِّ هَؤُلاءِ، إلّا أنّا نَقُولُ: المَرْضى والضُّعَفاءُ والعاجِزُونَ مَخْصُوصُونَ بِدَلِيلِ العَقْلِ وأيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨٦) وأيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ (النُّورِ: ٦١) الآيَةَ وأمّا أنَّ الجِهادَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِعَيْنِهِ، فَقَدْ دَلَّ الإجْماعُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا مِن هَذا العُمُومِ وبَقِيَ ما وراءَ هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ داخِلًا تَحْتَ هَذا العُمُومِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ مِنَ التَّخَلُّفِ بَيَّنَ أنَّهُ لا يُصِيبُهم في ذَلِكَ السَّفَرِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ المَشَقَّةِ إلّا وهو يُوجِبُ الثَّوابَ العَظِيمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ أُمُورًا خَمْسَةً: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ وهو شِدَّةُ العَطَشِ، يُقالُ ظَمِئَ فُلانٌ إذا اشْتَدَّ عَطَشُهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولا نَصَبٌ﴾ ومَعْناهُ الإعْياءُ والتَّعَبُ. وثالِثُها: ﴿ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يُرِيدُ مَجاعَةً شَدِيدَةً يَظْهَرُ بِها ضُمُورُ البَطْنِ ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ خَمِيصُ البَطْنِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ ولا يَضَعُ الإنْسانُ قَدَمَهُ ولا يَضَعُ فَرَسُهُ حافِرَهُ ولا يَضَعُ بِعِيرُهُ خُفَّهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَيْظِ الكُفّارِ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ غاظَهُ وغَيَّظَهُ وأغاظَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ أغْضَبَهُ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أيْ أسْرًا وقَتْلًا وهَزِيمَةً قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا﴿إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ أيْ إلّا كانَ ذَلِكَ قُرْبَةً لَهم عِنْدَ اللَّهِ، ونَقُولُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن قَصَدَ طاعَةَ اللَّهِ كانَ قِيامُهُ وقُعُودُهُ ومِشْيَتُهُ وحَرَكَتُهُ وسُكُونُهُ كُلُّها حَسَناتٍ مَكْتُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ. وكَذا القَوْلُ في طَرَفِ المَعْصِيَةِ فَما أعْظَمَ بَرَكَةُ الطّاعَةِ وما أعْظَمَ شُؤْمُ المَعْصِيَةِ ! واخْتَلَفُوا فَقالَ قَتادَةُ: هَذا الحُكْمُ مِن خَواصِّ رَسُولِ اللَّهِ إذا غَزا بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ إلّا بِعُذْرٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا حِينَ كانَ المُسْلِمُونَ قَلِيلِينَ فَلَمّا كَثُرُوا نَسَخَها اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٢) وقالَ عَطِيَّةُ: ما كانَ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إذا دَعاهم وأمَرَهم وهَذا هو الصَّحِيحُ، لِأنَّهُ تَتَعَيَّنُ الإجابَةُ والطّاعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ إذا أمَرَ وكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الوُلاةِ والأئِمَّةِ إذا نُدِبُوا وعُيِّنُوا؛ لِأنّا لَوْ سَوَّغْنا لِلْمَندُوبِ أنْ يَتَقاعَدَ لَمْ يَخْتَصَّ بِذَلِكَ بَعْضٌ دُونِ بَعْضٍ ولَأدّى ذَلِكَ إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ يُرِيدُ تَمْرَةً فَما فَوْقَها وعَلاقَةَ سَوْطٍ فَما فَوْقَها﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾، والوادِي كُلُّ مُفْرَجٍ بَيْنَ جِبالٍ وآكامٍ يَكُونُ مَسْلَكًا لِلسَّيْلِ، والجَمْعُ الأوْدِيَةُ، إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ الإنْفاقَ وذَلِكَ المَسِيرَ. ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الأحْسَنَ مِن صِفَةِ فِعْلِهِمْ، وفِيها الواجِبُ والمَندُوبُ والمُباحُ واللَّهُ تَعالى يَجْزِيهِمْ عَلى الأحْسَنِ، وهو الواجِبُ والمَندُوبُ، دُونَ المُباحِ. والثّانِي: أنَّ الأحْسَنَ صِفَةٌ لِلْجَزاءِ، أيْ يَجْزِيهِمْ جَزاءً هو أحْسَنُ مِن أعْمالِهِمْ وأجَلُّ وأفْضَلُ، وهو الثَّوابُ.

التوبة 9:122

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ صفحة ١٧٩ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ مِن بَقِيَّةِ أحْكامِ الجِهادِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّها كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِالجِهادِ. أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا خَرَجَ إلى الغَزْوِ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ إلّا مُنافِقٌ أوْ صاحِبُ عُذْرٍ. فَلَمّا بالَغَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في عُيُوبِ المُنافِقِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ المُؤْمِنُونَ: واللَّهِ لا نَتَخَلَّفُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الغَزَواتِ مَعَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا عَنْ سَرِيَّةٍ. فَلَمّا قَدِمَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَدِينَةَ، وأرْسَلَ السَّرايا إلى الكُفّارِ، نَفَرَ المُسْلِمُونَ جَمِيعًا إلى الغَزْوِ وتَرَكُوهُ وحْدَهُ بِالمَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . والمَعْنى: أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَنْفِرُوا بِكُلِّيَّتِهِمْ إلى الغَزْوِ والجِهادِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَصِيرُوا طائِفَتَيْنِ؛ تَبْقى طائِفَةٌ في خِدْمَةِ الرَّسُولِ، وتَنْفِرُ طائِفَةٌ أُخْرى إلى الغَزْوِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإسْلامَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ مُحْتاجًا إلى الغَزْوِ والجِهادِ وقَهْرِ الكُفْرِ، وأيْضًا كانَتِ التَّكالِيفُ تَحْدُثُ والشَّرائِعُ تَنْزِلُ، وكانَ بِالمُسْلِمِينَ حاجَةٌ إلى مَن يَكُونُ مُقِيمًا بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيَتَعَلَّمُ تِلْكَ الشَّرائِعَ، ويَحْفَظُ تِلْكَ التَّكالِيفَ ويُبَلِّغُها إلى الغائِبِينَ، فَثَبَتَ أنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ الواجِبُ انْقِسامَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى قِسْمَيْنِ؛ أحَدُ القِسْمَيْنِ يَنْفِرُونَ إلى الغَزْوِ والجِهادِ، والثّانِي: يَكُونُونَ مُقِيمِينَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ، فالطّائِفَةُ النّافِرَةُ إلى الغَزْوِ يَكُونُونَ نائِبِينَ عَنِ المُقِيمِينَ في الغَزْوِ، والطّائِفَةُ المُقِيمَةُ يَكُونُونَ نائِبِينَ عَنِ النّافِرِينَ في التَّفَقُّهِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَتِمُّ أمْرُ الدِّينِ بِهاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ المُقِيمَةُ هُمُ الَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ في الدِّينِ بِسَبَبِ أنَّهم لَمّا لازَمُوا خِدْمَةَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وشاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ فَكُلَّما نَزَلَ تَكْلِيفٌ وحَدَثَ شَرْعٌ عَرَفُوهُ وضَبَطُوهُ، فَإذا رَجَعَتِ الطّائِفَةُ النّافِرَةُ مِنَ الغَزْوِ إلَيْهِمْ، فالطّائِفَةُ المُقِيمَةُ يُنْذِرُونَهم ما تَعَلَّمُوهُ مِنَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ، وبِهَذا التَّقْرِيرِ فَلا بُدَّ في الآيَةِ مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ وأقامَتْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهَ المُقِيمُونَ في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم، يَعْنِي النّافِرِينَ إلى الغَزْوِ، إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ مَعاصِيَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ التَّعَلُّمِ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: هو أنْ يُقالَ: التَّفَقُّهُ صِفَةٌ لِلطّائِفَةِ النّافِرَةِ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ. ومَعْنى الآيَةِ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ حَتّى تَصِيرَ هَذِهِ الطّائِفَةُ النّافِرَةُ فُقَهاءَ في الدِّينِ، وذَلِكَ التَّفَقُّهُ المُرادُ مِنهُ أنَّهم يُشاهِدُونَ ظُهُورَ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ، وأنَّ العَدَدَ القَلِيلَ مِنهم يَغْلِبُونَ العالَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهم بِالنُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ وأنَّهُ تَعالى يُرِيدُ إعْلاءَ دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقْوِيَةَ شَرِيعَتِهِ، فَإذا رَجَعُوا مِن ذَلِكَ النَّفْرِ إلى قَوْمِهِمْ مِنَ الكُفّارِ أنْذَرُوهم بِما شاهَدُوا مِن دَلائِلِ النَّصْرِ والفَتْحِ والظَّفَرِ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ، فَيَتْرُكُوا الكُفْرَ والشَّكَّ والنِّفاقَ، فَهَذا القَوْلُ أيْضًا مُحْتَمَلٌ، وطَعَنَ القاضِي في هَذا القَوْلِ، قالَ: لِأنَّ هَذا الحِسَّ لا يُعَدُّ فِقْهًا في الدِّينِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم إذا شاهَدُوا أنَّ القَوْمَ القَلِيلَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم سِلاحٌ ولا زادٌ يَغْلِبُونَ الجَمْعَ العَظِيمَ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ كَثُرَ زادُهم وسِلاحُهم، وقَوِيَتْ شَوْكَتُهم، فَحِينَئِذٍ انْتَبَهُوا لِما هو المَقْصُودُ وهو أنَّ هَذا الأمْرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ مِنَ البَشَرِ، إذْ لَوْ كانَ مِنَ البَشَرِ لَما غَلَبَ القَلِيلُ الكَثِيرَ، ولَما بَقِيَ هَذا الدِّينُ في التَّزايُدِ والتَّصاعُدِ كُلَّ يَوْمٍ، فالتَّنَبُّهُ لِفَهْمِ هَذِهِ الدَّقائِقِ صفحة ١٨٠ واللَّطائِفِ لا شَكَّ أنَّهُ تَفَقَّهٌ. وأمّا الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: وهو أنْ يُقالَ هَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ مِن بَقايا أحْكامِ الجِهادِ، بَلْ هو حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ أمْرَ الهِجْرَةِ، ثُمَّ أمْرَ الجِهادِ، وهُما عِبادَتانِ بِالسَّفَرِ، بَيَّنَ أيْضًا عِبادَةَ التَّفَقُّهِ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَهُ تَعَلُّقٌ بِالسَّفَرِ. فَقالَ: وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً إلى حَضْرَةِ الرَّسُولِ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ بَلْ ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ وغَيْرُ جائِزٍ، ولَيْسَ حالُهُ كَحالِ الجِهادِ مَعَهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَخْرُجَ فِيهِ كُلُّ مَن لا عُذْرَ لَهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الفِرَقِ السّاكِنِينَ في البِلادِ، طائِفَةٌ إلى حَضْرَةِ الرَّسُولِ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ، ولِيَعْرِفُوا الحَلالَ والحَرامَ، ويَعُودُوا إلى أوْطانِهِمْ، فَيُنْذِرُوا ويُحَذِّرُوا قَوْمَهم لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المُرادُ وُجُوبَ الخُرُوجِ إلى حَضْرَةِ الرَّسُولِ لِلتَّفَقُّهِ والتَّعَلُّمِ. فَإنْ قِيلَ: أفَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الخُرُوجِ لِلتَّفَقُّهِ في كُلِّ زَمانٍ ؟ قُلْنا: مَتى عَجَزَ عَنِ التَّفَقُّهِ إلّا بِالسَّفَرِ وجَبَ عَلَيْهِ السَّفَرُ، وفي زَمانِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الشَّرِيعَةَ ما كانَتْ مُسْتَقِرَّةً، بَلْ كانَ يَحْدُثُ كُلُّ يَوْمٍ تَكْلِيفٌ جَدِيدٌ وشَرْعٌ حادِثٌ. أمّا في زَمانِنا فَقَدْ صارَتِ الشَّرِيعَةُ مُسْتَقِرَّةً، فَإذا أمْكَنَهُ تَحْصِيلُ العِلْمِ في الوَطَنِ لَمْ يَكُنِ السَّفَرُ واجِبًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ لَفْظُ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى السَّفَرِ لا جَرَمَ رَأيْنا أنَّ العِلْمَ المُبارَكَ المُنْتَفَعَ بِهِ لا يَحْصُلُ إلّا في السَّفَرِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ ”لَوْلا“ إذا دَخَلَ عَلى الفِعْلِ كانَ بِمَعْنى التَّحْضِيضِ مِثْلَ هَلّا، وإنَّما جازَ أنْ يَكُونَ لَوْلا بِمَعْنى هَلّا، لِأنَّ هَلّا كَلِمَتانِ هَلْ وهو اسْتِفْهامٌ وعَرْضٌ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ لِلرَّجُلِ هَلْ تَأْكُلُ ؟ هَلْ تَدْخُلُ ؟ فَكَأنَّكَ عَرَضْتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، و”لا“ وهو جَحْدٌ، فَهَلّا مُرَكَّبٌ مِن أمْرَيْنِ: العَرْضُ، والجَحْدُ. فَإذا قُلْتَ: هَلّا فَعَلْتَ كَذا ؟ فَكَأنَّكَ قُلْتَ: هَلْ فَعَلْتَ ؟ ثُمَّ قُلْتَ مَعَهُ ”لا“ أيْ ما فَعَلْتُهُ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى وُجُوبِ الفِعْلِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ حَصَلَ الإخْلالُ بِهَذا الواجِبِ، وهَكَذا الكَلامُ في ”لَوْلا“ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لَوْلا دَخَلْتَ عَلَيَّ، ولَوْلا أكَلْتَ عِنْدِي، فَمَعْناهُ أيْضًا عَرْضٌ وإخْبارٌ عَنْ سُرُورِكَ بِهِ، لَوْ فَعَلَ، وهَكَذا الكَلامُ في ”لَوْمًا“ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ (الحِجْرِ: ٧) فَثَبَتَ أنَّ لَوْلا وهَلّا ولَوْما ألْفاظٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ التَّرْغِيبُ والتَّحْضِيضُ فَقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ أيْ فَهَلّا فَعَلُوا ذَلِكَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ لِمَن يَرى أنَّ خَبَرَ الواحِدِ حَجَّةٌ، وقَدْ أطْنَبْنا في تَقْرِيرِهِ في كِتابِ ”المَحْصُولِ مِنَ الأُصُولِ“، والَّذِي نَقُولُهُ هَهُنا أنَّ كُلَّ ثَلاثَةٍ فِرْقَةٌ. وقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُخْرَجَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ طائِفَةٌ، والخارِجُ مِنَ الثَّلاثَةِ يَكُونُ اثْنَيْنِ أوْ واحِدًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الطّائِفَةُ إمّا اثْنَيْنِ وإمّا واحِدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ العَمَلَ بِأخْبارِهِمْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ عِبارَةٌ عَنْ إخْبارِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ إيجابٌ عَلى قَوْمِهِمْ أنْ يَعْلَمُوا بِإخْبارِهِمْ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ خَبَرُ الواحِدِ أوْ الِاثْنَيْنِ حُجَّةٌ في الشَّرْعِ. قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّ الطّائِفَةَ قَدْ تَكُونُ جَماعَةً يَقَعُ بِخَبَرِها الحُجَّةُ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ يَصِحُّ وإنْ لَمْ يَجِبِ القَبُولُ كَما أنَّ الشّاهِدَ الواحِدَ يَلْزَمُهُ الشَّهادَةُ، وإنْ لَمْ يَلْزَمِ القَبُولُ، ولِأنَّ الإنْذارَ يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ، وهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي وُجُوبَ العَمَلِ بِهِ. صفحة ١٨١ والجَوابُ: أمّا قَوْلُهُ: ”الطّائِفَةُ“ قَدْ تَكُونُ جَماعَةً، فَجَوابُهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ كُلَّ ثَلاثَةٍ فِرْقَةٌ، فَلَمّا أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُخْرَجَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ طائِفَةٌ لَزِمَ كَوْنُ الطّائِفَةِ، إمّا اثْنَيْنِ أوْ واحِدًا، وذَلِكَ يُبْطِلُ كَوْنَ الطّائِفَةِ جَماعَةً يَحْصُلُ العِلْمُ بِخَبَرِهِمْ. فَإنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ العَمَلَ بِقَوْلِ أُولَئِكَ الطَّوائِفِ ولَعَلَّهم بَلَغُوا في الكَثْرَةِ إلى حَيْثُ يَحْصُلُ العِلْمُ بِقَوْلِهِمْ. قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى كُلِّ طائِفَةٍ أنْ يَرْجِعُوا إلى قَوْمِهِمْ وذَلِكَ يَقْتَضِي رُجُوعَ كُلِّ طائِفَةٍ إلى قَوْمٍ خاصٍّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ العِلْمَ بِقَوْلِ تِلْكَ الطّائِفَةِ وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ يَصِحُّ وإنْ لَمْ يَجِبِ القَبُولُ. فَنَقُولُ إنّا لا نَتَمَسَّكُ في وُجُوبِ العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ بِقَوْلِهِ:(ولِيُنْذِرُوا) بَلْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ تَرْغِيبٌ مِنهُ تَعالى في الحَذَرِ، بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ يَقْتَضِي إيجابَ العَمَلِ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الإنْذارِ، وبِهَذا الجَوابِ خَرَجَ الجَوابُ عَنْ سُؤالِهِ الثّالِثِ وهو قَوْلُهُ: الإنْذارُ يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ، وهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي وُجُوبَ العَمَلِ بِهِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ التَّفَقُّهِ والتَّعَلُّمِ دَعْوَةَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وإرْشادَهم إلى الدِّينِ القَوِيمِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، لِأجْلِ أنَّهم إذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أنْذَرُوهم بِالدِّينِ الحَقِّ، وأُولَئِكَ يَحْذَرُونَ الجَهْلَ والمَعْصِيَةَ ويَرْغَبُونَ في قَبُولِ الدِّينِ. فَكُلُّ مَن تَفَقَّهَ وتَعَلَّمَ لِهَذا الغَرَضِ كانَ عَلى المَنهَجِ القَوِيمِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ومَن عَدَلَ عَنْهُ وطَلَبَ الدُّنْيا بِالدِّينِ كانَ مِنَ الأخْسَرِينَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا.

التوبة 9:123

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً، ثُمَّ إنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٦) وأمّا المُحَقِّقُونَ فَإنَّهم أنْكَرُوا هَذا النَّسْخَ وقالُوا: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً أرْشَدَهم في ذَلِكَ البابِ إلى الطَّرِيقِ الأصْوَبِ الأصْلَحِ، وهو أنْ يَبْتَدِئُوا مِنَ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مُنْتَقِلًا إلى الأبْعَدِ فالأبْعَدِ. ألا تَرى أنَّ أمْرَ الدَّعْوَةِ وقَعَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ قالَ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢١٤) وأمْرَ الغَزَواتِ وقَعَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حارَبَ قَوْمَهُ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهم إلى غَزْوِ سائِرِ العَرَبِ ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهم إلى غَزْوِ الشّامِ، والصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَمّا فَرَغُوا مِن أمْرِ الشّامِ دَخَلُوا العِراقَ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ الِابْتِداءَ بِالغَزْوِ مِنَ المَواضِعِ القَرِيبَةِ أوْلى لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ مُقابَلَةَ الكُلِّ دُفْعَةً واحِدَةً مُتَعَذِّرَةٌ، ولَمّا تَساوى الكُلُّ في وُجُوبِ القِتالِ لِما فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ والمُحارَبَةِ وامْتَنَعَ الجَمْعُ، وجَبَ التَّرْجِيحُ، صفحة ١٨٢ والقُرْبُ مُرَجِّحٌ ظاهِرٌ كَما في الدَّعْوَةِ، وكَما في سائِرِ المُهِمّاتِ، ألا تَرى أنَّ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ الِابْتِداءَ بِالحاضِرِ أوْلى مِنَ الذَّهابِ إلى البِلادِ البَعِيدَةِ لِهَذا المُهِمِّ، فَوَجَبَ الِابْتِداءُ بِالأقْرَبِ. والثّانِي: أنَّ الِابْتِداءَ بِالأقْرَبِ أوْلى لِأنَّ النَّفَقاتِ فِيهِ أقَلُّ، والحاجَةَ إلى الدَّوابِّ والآلاتِ والأدَواتِ أقَلُّ. الثّالِثُ: أنَّ الفِرْقَةَ المُجاهِدَةَ إذا تَجاوَزُوا مِنَ الأقْرَبِ إلى الأبْعَدِ فَقَدْ عَرَّضُوا الذَّرارِيَّ لِلْفِتْنَةِ. الرّابِعُ: أنَّ المُجاوِرِينَ لِدارِ الإسْلامِ إمّا أنْ يَكُونُوا أقْوِياءَ أوْ ضُعَفاءَ، فَإنْ كانُوا أقْوِياءَ كانَ تَعَرُّضُهم لِدارِ الإسْلامِ أشَدَّ وأكْثَرَ مِن تَعَرُّضِ الكُفّارِ المُتَباعِدِينَ، والشَّرُّ الأقْوى الأكْثَرُ أوْلى بِالدَّفْعِ، وإنْ كانُوا ضُعَفاءَ كانَ اسْتِيلاءُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ أسْهَلَ، وحُصُولُ عِزِّ الإسْلامِ لِسَبَبِ اِنْكِسارِهِمْ أقْرَبَ وأيْسَرَ، فَكانَ الِابْتِداءُ بِهِمْ أوْلى. الخامِسُ: أنَّ وُقُوفَ الإنْسانِ عَلى حالِ مَن يَقْرُبُ مِنهُ أسْهَلُ مِن وُقُوفِهِ عَلى حالِ مَن يَبْعُدُ مِنهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ اقْتِدارُ المُسْلِمِينَ عَلى مُقاتَلَةِ الأقْرَبِينَ أسْهَلَ لِعِلْمِهِمْ بِكَيْفِيَّةِ أحْوالِهِمْ وبِمَقادِيرِ أسْلِحَتِهِمْ وعَدَدِ عَساكِرِهِمْ. السّادِسُ: أنَّ دارَ الإسْلامِ واسِعَةٌ، فَإذا اشْتَغَلَ أهْلُ كُلِّ بَلَدٍ بِقِتالِ مَن يَقْرُبُ مِنهم مِنَ الكُفّارِ كانَتِ المُؤْنَةُ أسْهَلَ، وحُصُولُ المَقْصُودِ أيْسَرَ. السّابِعُ: أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ واجِبانِ وكانَ أحَدُهُما أيْسَرَ حُصُولًا وجَبَ تَقْدِيمُهُ، والقُرْبُ سَبَبُ السُّهُولَةِ، فَوَجَبَ الِابْتِداءُ بِالأقْرَبِ. الثّامِنُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ابْتَدَأ في الدَّعْوَةِ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وفي الغَزْوِ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وفي جَمِيعِ المُهِمّاتِ كَذَلِكَ، فَإنَّ الأعْرابِيَّ لَمّا جَلَسَ عَلى المائِدَةِ وكانَ يَمُدُّ يَدَهُ إلى الجَوانِبِ البَعِيدَةِ مِن تِلْكَ المائِدَةِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ: ”«كُلْ مِمّا يَلِيكَ» “ فَدَلَّتْ هَذِهِ الوُجُوهُ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ واجِبٌ. فَإنْ قِيلَ: رُبَّما كانَ التَّخَطِّي مِنَ الأقْرَبِ إلى الأبْعَدِ أصْلَحَ؛ لِأنَّ الأبْعَدَ يَقَعُ في قَلْبِهِ أنَّهُ إنَّما جاوَزَ الأقْرَبَ لِأنَّهُ لا يُقِيمُ لَهُ وزْنًا. قُلْنا: ذاكَ احْتِمالٌ واحِدٌ، وما ذَكَرْنا احْتِمالاتٍ كَثِيرَةً، ومَصالِحُ الدُّنْيا مَبْنِيَّةٌ عَلى تَرْجِيحِ ما هو أكْثَرُ مَصْلَحَةً عَلى ما هو الأقَلُّ، وهَذا الَّذِي قُلْناهُ إنَّما قُلْناهُ إذا تَعَذَّرَ الجَمْعُ بَيْنَ مُقاتَلَةِ الأقْرَبِ والأبْعَدِ، أمّا إذا أمْكَنَ الجَمْعُ بَيْنَ الكُلِّ، فَلا كَلامَ في أنَّ الأوْلى هو الجَمْعُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ البَتَّةَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فِيها ثَلاثُ لُغاتٍ، فَتْحُ الغَيْنِ وضَمُّها وكَسْرُها. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الغِلْظَةُ بِالكَسْرِ الشِّدَّةُ العَظِيمَةُ، والغِلْظَةُ كالضَّغْطَةِ، والغِلْظَةُ كالسُّخْطَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالتَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٧٣) وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَهِنُوا﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٣٩) وقَوْلُهُ في صِفَةِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ (المائِدَةِ: ٤٠) وقَوْلُهُ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾ (الفَتْحِ: ٢٩) ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ في تَفْسِيرِ الغِلْظَةِ، قِيلَ شَجاعَةً وقِيلَ شِدَّةً وقِيلَ غَيْظًا. واعْلَمْ أنَّ الغِلْظَةَ ضِدُّ الرِّقَّةِ، وهي الشَّدَّةُ في إحْلالِ النِّقْمَةِ، والفائِدَةُ فِيها أنَّها أقْوى تَأْثِيرًا في الزَّجْرِ والمَنعِ عَنِ القَبِيحِ، ثُمَّ إنَّ الأمْرَ في هَذا البابِ لا يَكُونُ مُطَّرِدًا، بَلْ قَدْ يَحْتاجُ تارَةً إلى الرِّفْقِ واللُّطْفِ وأُخْرى إلى العُنْفِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى الغِلْظَةِ البَتَّةَ فَإنَّهُ يُنَفِّرُ ويُوجِبُ تَفَرُّقَ القَوْمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ يَدُلُّ عَلى تَقْلِيلِ الغِلْظَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ لَوْ فَتَّشُوا عَلى أخْلاقِكم وطَبائِعِكم لَوَجَدُوا فِيكم غِلْظَةً، وهَذا الكَلامُ إنَّما يَصِحُّ فِيمَن أكْثَرُ أحْوالِهِ الرَّحْمَةُ والرَّأْفَةُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ غِلْظَةٍ. صفحة ١٨٣ واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الغِلْظَةَ إنَّما تُعْتَبَرُ فِيما يَتَّصِلُ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ. وذَلِكَ إمّا بِإقامَةِ الحُجَّةِ والبَيِّنَةِ، وإمّا بِالقِتالِ والجِهادِ، فَأمّا أنْ يَحْصُلَ هَذا التَّغْلِيظُ فِيما يَتَّصِلُ بِالبَيْعِ والشِّراءِ والمُجالَسَةِ والمُؤاكَلَةِ فَلا. ثُمَّ قالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ والمُرادُ أنْ يَكُونَ إقْدامُهُ عَلى الجِهادِ والقِتالِ بِسَبَبِ تَقْوى اللَّهِ لا بِسَبَبِ طَلَبِ المالِ والجاهِ، فَإذا رَآهُ قَبْلَ الإسْلامِ أحْجَمَ عَنْ قِتالِهِ، وإذا رَآهُ مالَ إلى قَبُولِ الجِزْيَةِ تَرَكَهُ، وإذا كَثُرَ العَدُوُّ أخَذَ الغَنائِمَ عَلى وفْقِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى.

التوبة 9:124

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَخازِي المُنافِقِينَ وذَكَرَ أعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ فَقالَ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ؟ واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: يَقُولُ بَعْضُ المُنافِقِينَ لِبَعْضٍ، ومَقْصُودُهم تَثْبِيتُهم قَوْمَهم عَلى النِّفاقِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَقُولُونَهُ لِأقْوامٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وغَرَضُهم صَرْفُهم عَنِ الإيمانِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَكَرُوهُ عَلى وجْهِ الهُزْءِ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ حِكايَةَ الحالِ لا تُفِيدُ العُمُومَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ فَقالَ إنَّهُ حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ أمْرانِ، وحَصَلَ لِلْكافِرِينَ أيْضًا أمْرانِ. أمّا الَّذِي حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ: فالأوَّلُ: هو أنَّها تَزِيدُهم إيمانًا إذْ لا بُدَّ عِنْدَ نُزُولِها مِن أنْ يُقِرُّوا بِها ويَعْتَرِفُوا بِأنَّها حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والكَلامُ في زِيادَةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْفالِ بِالِاسْتِقْصاءِ. والثّانِي: ما يَحْصُلُ لَهم مِن الِاسْتِبْشارِ. فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ما يَحْصُلُ في الدُّنْيا مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الفَرَحِ والسُّرُورِ الحاصِلِ بِسَبَبِ تِلْكَ التَّكالِيفِ الزّائِدَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى مَزِيدٍ في الثَّوابِ، ثُمَّ جَمَعَ لِلْمُنافِقِينَ أمْرَيْنِ مُقابِلَيْنِ لِلْأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ والمُرادُ مِنَ الرِّجْسِ إمّا العَقائِدُ الباطِلَةُ أوِ الأخْلاقُ المَذْمُومَةُ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ المَعْنى أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالسُّوَرِ النّازِلَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، والآنَ صارُوا مُكَذِّبِينَ بِهَذِهِ السُّورَةِ الجَدِيدَةِ، فَقَدِ انْضَمَّ كُفْرٌ إلى كُفْرٍ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ المُرادُ أنَّهم كانُوا في الحَسَدِ والعَداوَةِ واسْتِنْباطِ وُجُوهِ المَكْرِ والكَيْدِ، والآنَ ازْدادَتْ تِلْكَ الأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ بِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ الجَدِيدَةِ. والأمْرُ الثّانِي: أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَتَكُونُ هَذِهِ الحالَةُ كالأمْرِ المُضادِّ لِلِاسْتِبْشارِ الَّذِي حَصَلَ في المُؤْمِنِينَ، وهَذِهِ الحالَةُ أسْوَأُ وأقْبَحُ مِنَ الحالَةِ الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ الحالَةَ الأُولى عِبارَةٌ عَنِ ازْدِيادِ الرَّجاسَةِ، وهَذِهِ الحالَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُداوَمَةِ الكُفْرِ ومَوْتِهِمْ عَلَيْهِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَصُدُّ عَنِ الإيمانِ ويَصْرِفُ عَنْهُ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا بِأنَّ سَماعَ هَذِهِ السُّورَةِ يُورِثُ حُصُولَ صفحة ١٨٤ الحَسَدِ والحِقْدِ في قُلُوبِهِمْ، وأنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الحَسَدِ يُورِثُ مَزِيدَ الكُفْرِ في قُلُوبِهِمْ، أجابُوا وقالُوا نُزُولُ تِلْكَ السُّورَةِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ الكُفْرَ الزّائِدَ، بِدَلِيلِ أنَّ الآخَرِينَ سَمِعُوا تِلْكَ السُّورَةَ وازْدادُوا إيمانًا، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الرَّجاسَةَ هم فَعَلُوها مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ. قُلْنا: لا نَدَّعِي أنَّ اسْتِماعَ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِتَرْجِيحِ جانِبِ الكُفْرِ عَلى جانِبِ الإيمانِ، بَلْ نَقُولُ اسْتِماعُ هَذِهِ السُّورَةِ لِلنَّفْسِ المَخْصُوصَةِ والمَوْصُوفَةِ بِالخُلُقِ المُعَيَّنِ والعادَةِ المُعَيَّنَةِ. يُوجِبُ الكُفْرَ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الإنْسانَ الحَسُودَ لَوْ أرادَ إزالَةَ خُلُقِ الحَسَدِ عَنْ نَفْسِهِ، يُمْكِنُهُ أنْ يَتْرُكَ الأفْعالَ المُشْعِرَةَ بِالحَسَدِ، وأمّا الحالَةُ القَلْبِيَّةُ المُسَمّاةُ بِالحَسَدِ، فَلا يُمْكِنُهُ إزالَتُها عَنْ نَفْسِهِ، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ الأخْلاقِ فَأصْلُ القُدْرَةِ غَيْرٌ، والفِعْلُ غَيْرٌ، والخُلُقُ غَيْرٌ، فَإنَّ أصْلَ القُدْرَةِ حاصِلٌ لِلْكُلِّ أمّا الأخْلاقُ فالنّاسُ فِيها مُتَفاوِتُونَ. والحاصِلُ أنَّ النَّفْسَ الطّاهِرَةَ النَّقِيَّةَ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا المَوْصُوفَةَ بِاسْتِيلاءِ حُبِّ اللَّهِ تَعالى والآخِرَةِ إذا سَمِعَتِ السُّورَةَ صارَ سَماعُها مُوجِبًا لِازْدِيادِ رَغْبَتِهِ في الآخِرَةِ ونَفْرَتِهُ عَنِ الدُّنْيا، وأمّا النَّفْسُ الحَرِيصَةُ عَلى الدُّنْيا المُتَهالِكَةُ عَلى لَذّاتِها الرّاغِبَةُ في طَيِّباتِها الغافِلَةُ عَنْ حُبِّ اللَّهِ تَعالى والآخِرَةِ، إذا سَمِعَتْ هَذِهِ السُّورَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى الجِهادِ وتَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ والمالِ لِلنَّهْبِ ازْدادَ كُفْرًا عَلى كُفْرِهِ. فَثَبَتَ أنَّ إنْزالَ هَذِهِ السُّورَةِ في حَقِّ هَذا الكافِرِ مُوجِبٌ لِأنْ يَزِيدَ رِجْسًا عَلى رِجْسٍ، فَكانَ إنْزالُها سَبَبًا في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ عَلى قَلْبِ الكافِرِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى قَدْ يَصُدُّ الإنْسانَ ويَمْنَعُهُ عَنِ الإيمانِ والرُّشْدِ ويُلْقِيهِ في الغَيِّ والكُفْرِ. بَقِيَ في الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ صِلَةٌ مُؤَكَّدَةٌ. الثّانِي: الِاسْتِبْشارُ اسْتِدْعاءُ البِشارَةِ؛ لِأنَّهُ كُلَّما تَذَكَّرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ حَصَلَتِ البُشْرَةُ، فَهو بِواسِطَةِ تَجْدِيدِ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ يَطْلُبُ تَجْدِيدَ البِشارَةِ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّوحَ لَها مَرَضٌ، فَمَرَضُها الكُفْرُ والأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ، وصِحَّتُها العِلْمُ والأخْلاقُ الفاضِلَةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

التوبة 9:125

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَخازِي المُنافِقِينَ وذَكَرَ أعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ فَقالَ: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، فَمِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا ؟ واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: يَقُولُ بَعْضُ المُنافِقِينَ لِبَعْضٍ، ومَقْصُودُهم تَثْبِيتُهم قَوْمَهم عَلى النِّفاقِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَقُولُونَهُ لِأقْوامٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وغَرَضُهم صَرْفُهم عَنِ الإيمانِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَكَرُوهُ عَلى وجْهِ الهُزْءِ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ، لِأنَّ حِكايَةَ الحالِ لا تُفِيدُ العُمُومَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ فَقالَ إنَّهُ حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ أمْرانِ، وحَصَلَ لِلْكافِرِينَ أيْضًا أمْرانِ. أمّا الَّذِي حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ: فالأوَّلُ: هو أنَّها تَزِيدُهم إيمانًا إذْ لا بُدَّ عِنْدَ نُزُولِها مِن أنْ يُقِرُّوا بِها ويَعْتَرِفُوا بِأنَّها حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والكَلامُ في زِيادَةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ قَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْفالِ بِالِاسْتِقْصاءِ. والثّانِي: ما يَحْصُلُ لَهم مِن الِاسْتِبْشارِ. فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ما يَحْصُلُ في الدُّنْيا مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الفَرَحِ والسُّرُورِ الحاصِلِ بِسَبَبِ تِلْكَ التَّكالِيفِ الزّائِدَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى مَزِيدٍ في الثَّوابِ، ثُمَّ جَمَعَ لِلْمُنافِقِينَ أمْرَيْنِ مُقابِلَيْنِ لِلْأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ والمُرادُ مِنَ الرِّجْسِ إمّا العَقائِدُ الباطِلَةُ أوِ الأخْلاقُ المَذْمُومَةُ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ المَعْنى أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالسُّوَرِ النّازِلَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، والآنَ صارُوا مُكَذِّبِينَ بِهَذِهِ السُّورَةِ الجَدِيدَةِ، فَقَدِ انْضَمَّ كُفْرٌ إلى كُفْرٍ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ المُرادُ أنَّهم كانُوا في الحَسَدِ والعَداوَةِ واسْتِنْباطِ وُجُوهِ المَكْرِ والكَيْدِ، والآنَ ازْدادَتْ تِلْكَ الأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ بِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ الجَدِيدَةِ. والأمْرُ الثّانِي: أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَتَكُونُ هَذِهِ الحالَةُ كالأمْرِ المُضادِّ لِلِاسْتِبْشارِ الَّذِي حَصَلَ في المُؤْمِنِينَ، وهَذِهِ الحالَةُ أسْوَأُ وأقْبَحُ مِنَ الحالَةِ الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ الحالَةَ الأُولى عِبارَةٌ عَنِ ازْدِيادِ الرَّجاسَةِ، وهَذِهِ الحالَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُداوَمَةِ الكُفْرِ ومَوْتِهِمْ عَلَيْهِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَصُدُّ عَنِ الإيمانِ ويَصْرِفُ عَنْهُ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا بِأنَّ سَماعَ هَذِهِ السُّورَةِ يُورِثُ حُصُولَ صفحة ١٨٤ الحَسَدِ والحِقْدِ في قُلُوبِهِمْ، وأنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الحَسَدِ يُورِثُ مَزِيدَ الكُفْرِ في قُلُوبِهِمْ، أجابُوا وقالُوا نُزُولُ تِلْكَ السُّورَةِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ الكُفْرَ الزّائِدَ، بِدَلِيلِ أنَّ الآخَرِينَ سَمِعُوا تِلْكَ السُّورَةَ وازْدادُوا إيمانًا، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الرَّجاسَةَ هم فَعَلُوها مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ. قُلْنا: لا نَدَّعِي أنَّ اسْتِماعَ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِتَرْجِيحِ جانِبِ الكُفْرِ عَلى جانِبِ الإيمانِ، بَلْ نَقُولُ اسْتِماعُ هَذِهِ السُّورَةِ لِلنَّفْسِ المَخْصُوصَةِ والمَوْصُوفَةِ بِالخُلُقِ المُعَيَّنِ والعادَةِ المُعَيَّنَةِ. يُوجِبُ الكُفْرَ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الإنْسانَ الحَسُودَ لَوْ أرادَ إزالَةَ خُلُقِ الحَسَدِ عَنْ نَفْسِهِ، يُمْكِنُهُ أنْ يَتْرُكَ الأفْعالَ المُشْعِرَةَ بِالحَسَدِ، وأمّا الحالَةُ القَلْبِيَّةُ المُسَمّاةُ بِالحَسَدِ، فَلا يُمْكِنُهُ إزالَتُها عَنْ نَفْسِهِ، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ الأخْلاقِ فَأصْلُ القُدْرَةِ غَيْرٌ، والفِعْلُ غَيْرٌ، والخُلُقُ غَيْرٌ، فَإنَّ أصْلَ القُدْرَةِ حاصِلٌ لِلْكُلِّ أمّا الأخْلاقُ فالنّاسُ فِيها مُتَفاوِتُونَ. والحاصِلُ أنَّ النَّفْسَ الطّاهِرَةَ النَّقِيَّةَ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا المَوْصُوفَةَ بِاسْتِيلاءِ حُبِّ اللَّهِ تَعالى والآخِرَةِ إذا سَمِعَتِ السُّورَةَ صارَ سَماعُها مُوجِبًا لِازْدِيادِ رَغْبَتِهِ في الآخِرَةِ ونَفْرَتِهُ عَنِ الدُّنْيا، وأمّا النَّفْسُ الحَرِيصَةُ عَلى الدُّنْيا المُتَهالِكَةُ عَلى لَذّاتِها الرّاغِبَةُ في طَيِّباتِها الغافِلَةُ عَنْ حُبِّ اللَّهِ تَعالى والآخِرَةِ، إذا سَمِعَتْ هَذِهِ السُّورَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى الجِهادِ وتَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ والمالِ لِلنَّهْبِ ازْدادَ كُفْرًا عَلى كُفْرِهِ. فَثَبَتَ أنَّ إنْزالَ هَذِهِ السُّورَةِ في حَقِّ هَذا الكافِرِ مُوجِبٌ لِأنْ يَزِيدَ رِجْسًا عَلى رِجْسٍ، فَكانَ إنْزالُها سَبَبًا في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ عَلى قَلْبِ الكافِرِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى قَدْ يَصُدُّ الإنْسانَ ويَمْنَعُهُ عَنِ الإيمانِ والرُّشْدِ ويُلْقِيهِ في الغَيِّ والكُفْرِ. بَقِيَ في الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ صِلَةٌ مُؤَكَّدَةٌ. الثّانِي: الِاسْتِبْشارُ اسْتِدْعاءُ البِشارَةِ؛ لِأنَّهُ كُلَّما تَذَكَّرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ حَصَلَتِ البُشْرَةُ، فَهو بِواسِطَةِ تَجْدِيدِ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ يَطْلُبُ تَجْدِيدَ البِشارَةِ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّوحَ لَها مَرَضٌ، فَمَرَضُها الكُفْرُ والأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ، وصِحَّتُها العِلْمُ والأخْلاقُ الفاضِلَةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

التوبة 9:126

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَمُوتُونَ وهم كافِرُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، بَيَّنَ أنَّهم لا يَتَخَلَّصُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ عَنْ عَذابِ الدُّنْيا وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”أوْ لا تَرَوْنَ“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والباقُونَ بِالياءِ خَبَرًا عَنِ المُنافِقِينَ، فَعَلى قِراءَةِ المُخاطَبَةِ، كانَ المَعْنى أنَّ المُؤْمِنِينَ نُبِّهُوا عَلى إعْراضِ المُنافِقِينَ عَنِ النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ، ومَن قَرَأ عَلى المُغايَبَةِ، كانَ المَعْنى تَقْرِيعَ المُنافِقِينَ بِالإعْراضِ عَنْ الِاعْتِبارِ بِما يَحْدُثُ في حَقِّهِمْ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلِاعْتِبارِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ﴾ هَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ، فَهو مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ، وهو خِطابٌ عَلى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ، قالَ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ في قَوْلِهِ: صفحة ١٨٥ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [الزمر: ٢١] المَعْنى: أنَّهُ أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَكانَ كَذا وكَذا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في هَذِهِ الفِتْنَةِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يُمْتَحَنُونَ بِالمَرَضِ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ لا يَتُوبُونَ مِن ذَلِكَ النِّفاقِ ولا يَتَّعِظُونَ بِذَلِكَ المَرَضِ، كَما يَتَّعِظُ بِذَلِكَ المُؤْمِنُ إذا مَرِضَ، فَإنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَتَذَكَّرُ ذُنُوبَهُ ومَوْقِفَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إيمانًا وخَوْفًا مِنَ اللَّهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاسْتِحْقاقِهِ لِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: (يُفْتَنُونَ) بِالقَحْطِ والجُوعِ. الثّالِثُ: قالَ قَتادَةُ: يُفْتَنُونَ بِالغَزْوِ والجِهادِ فَإنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالغَزْوِ والجِهادِ فَهم إنْ تَخَلَّفُوا وقَعُوا في ألْسِنَةِ النّاسِ بِاللَّعْنِ والخِزْيِ والذِّكْرِ القَبِيحِ، وإنْ ذَهَبُوا إلى الغَزْوِ مَعَ كَوْنِهِمْ كافِرِينَ كانُوا قَدْ عَرَّضُوا أنْفُسَهَمْ لِلْقَتْلِ وأمْوالَهم لِلنَّهْبِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ. الرّابِعُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَفْضَحُهم رَسُولُ اللَّهِ بِإظْهارِ نِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى ذِكْرِ الرَّسُولِ بِالطَّعْنِ فَكانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَنْزِلُ عَلَيْهِ ويُخْبِرُهُ بِما قالُوهُ فِيهِ، فَكانَ يَذْكُرُ تِلْكَ الحادِثَةَ لَهم ويُوَبِّخُهم عَلَيْها، ويَعِظُهم فَما كانُوا يَتَّعِظُونَ، ولا يَنْزَجِرُونَ.

التوبة 9:127

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن مَخازِي المُنافِقِينَ، وهو أنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ سُورَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ المُنافِقِينَ وشَرْحِ فَضائِحِهِمْ، وسَمِعُوها تَأذَّوْا مِن سَماعِها، ونَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ نَظَرًا مَخْصُوصًا دالًّا عَلى الطَّعْنِ في تِلْكَ السُّورَةِ والِاسْتِهْزاءِ بِها وتَحْقِيرِ شَأْنِها، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالسُّورَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى فَضائِحِ المُنافِقِينَ بَلْ كانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِالقُرْآنِ، فَكُلَّما سَمِعُوا سُورَةً اِسْتَهْزَأُوا بِها وطَعَنُوا فِيها، وأخَذُوا في التَّغامُزِ والتَّضاحُكِ عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ والهُزْءِ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ؟ أيْ لَوْ رَآكم مِن أحَدٍ، وهَذا فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ النَّظَرَ دالٌّ عَلى ما في الباطِنِ مِنَ الإنْكارِ الشَّدِيدِ والنَّفْرَةِ التّامَّةِ، فَخافُوا أنْ يَرى أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ذَلِكَ النَّظَرَ وتِلْكَ الأحْوالَ الدّالَّةَ عَلى النِّفاقِ والكُفْرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ أيْ لَوْ رَآكم أحَدٌ عَلى هَذا النَّظَرِ وهَذا الشَّكْلِ لَضَرَّكم جِدًّا. والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا تِلْكَ السُّورَةَ تَأذَّوْا مِن سَماعِها، فَأرادُوا الخُرُوجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ يَعْنِي إنْ رَآكم فَلا تَخْرُجُوا، إنْ كانَ ما رَآكم أحَدٌ فاخْرُجُوا مِنَ المَسْجِدِ، لِتَتَخَلَّصُوا عَنْ هَذا الإيذاءِ. والثّالِثُ: ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ يُمْكِنُكم أنْ تَقُولُوا نُحِبُّهُ، فَوَجَبَ عَلَيْنا الخُرُوجُ مِنَ المَسْجِدِ. قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْسَ هَرَبِهِمْ مِن مَكانِ الوَحْيِ واسْتِماعِ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ إلى الطَّعْنِ فِيهِ وإنْ ثَبَتُوا في مَكانِهِمْ. فَإنْ قِيلَ: ما التَّفاوُتُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ ؟ . صفحة ١٨٦ قُلْنا: في تِلْكَ الآيَةِ حَكى عَنْهم أنَّهم ذَكَرُوا قَوْلَهم: ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ حَكى عَنْهم أنَّهُمُ اكْتَفُوا بِنَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ عَلى سَبِيلِ الهُزُؤِ، وطَلَبُوا الفِرارَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهِ عَلى أنَّهُ تَعالى صَرَفَهم عَنِ الإيمانِ وصَدَّهم عَنْهُ وهو صَحِيحٌ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: عَنْ كُلِّ رُشْدٍ وخَيْرٍ وهُدًى، وقالَ الحَسَنُ: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم وطَبَعَ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: أضَلَّهُمُ اللَّهُ تَعالى، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ تَعالى هو الَّذِي صَرَفَهم عَنِ الإيمانِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ وكَيْفَ عاقَبَهم عَلى الِانْصِرافِ عَنِ الإيمانِ ؟ قالَ القاضِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الصَّرْفَ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى انْصِرافِهِمْ، والصَّرْفُ عَنِ الإيمانِ لا يَكُونُ عُقُوبَةً؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَكانَ كَما يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ أنْبِياءَهُ بِإقامَةِ الحُدُودِ، يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهم بِصَرْفِ النّاسِ عَنِ الإيمانِ، وتَجْوِيزُ ذَلِكَ يُؤَدِّي أنْ لا يُوثَقَ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ. ثُمَّ قالَ: هَذا الصَّرْفُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى صَرَفَ قُلُوبِهِمْ بِما أوْرَثَهم مِنَ الغَمِّ والكَيْدِ. الثّانِي: صَرَفَهم عَنِ الألْطافِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها مَن آمَنَ واهْتَدى. والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرَها القاضِي ظاهِرٌ أنَّها مُتَكَلَّفَةٌ جِدًّا، وأمّا الوَجْهُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ، هو أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي، وإلّا لَزِمَ رُجْحانُ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، وهو مُحالٌ، وحُصُولُ ذَلِكَ الدّاعِي لَيْسَ مِنَ العَبْدِ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، بَلْ هو مِنَ اللَّهِ تَعالى. فالعَبْدُ إنَّما يُقْدِمُ عَلى الكُفْرِ إذا حَصَلَ في قَلْبِهِ داعِيَ الكُفْرِ، وذَلِكَ الحُصُولُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا حَصَلَ ذَلِكَ الدّاعِي انْصَرَفَ ذَلِكَ القَلْبُ مِن جانِبِ الإيمانِ إلى الكُفْرِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن صَرْفِ القَلْبِ وهو كَلامٌ مُقَرَّرٌ بِبُرْهانٍ قَطْعِيٍّ وهو مُنْطَبِقٌ عَلى هَذا النَّصِّ، فَبَلَغَ في الوُضُوحِ إلى أعْلى الغاياتِ، ومِمّا بَقِيَ مِن مَباحِثِ الآيَةِ ما نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: لا تَقُولُوا انْصَرَفْنا مِنَ الصَّلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم، لَكِنْ قُولُوا قَدْ قَضَيْنا الصَّلاةَ، وكانَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّفاؤُلُ بِتَرْكِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الوارِدَةِ فِيما لا يَنْبَغِي، والتَّرْغِيبُ في تِلْكَ اللَّفْظَةِ الوارِدَةِ في الخَيْرِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجُمُعَةِ: ١٠) .

التوبة 9:128

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُبَلِّغَ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى الخَلْقِ تَكالِيفَ شاقَّةً شَدِيدَةً صَعْبَةً يَعْسُرُ تَحَمُّلُها إلّا لِمَن خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِوُجُوهِ التَّوْفِيقِ والكَرامَةِ، خَتَمَ السُّورَةَ بِما يُوجِبُ سُهُولَةَ تَحَمُّلِ تِلْكَ التَّكالِيفِ، وهو أنَّ هَذا الرَّسُولَ مِنكم، فَكُلُّ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ العِزِّ والشَّرَفِ في الدُّنْيا فَهو صفحة ١٨٧ عائِدٌ إلَيْكم. وأيْضًا فَإنَّهُ بِحالٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ ضَرَرُكم وتَعْظُمُ رَغْبَتُهُ في إيصالِ خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلَيْكم، فَهو كالطَّبِيبِ المُشْفِقِ والأبِ الرَّحِيمِ في حَقِّكم، والطَّبِيبُ المُشْفِقُ رُبَّما أقْدَمَ عَلى عِلاجاتٍ صَعْبَةٍ يَعْسُرُ تَحَمُّلُها، والأبُ الرَّحِيمُ رُبَّما أقْدَمَ عَلى تَأْدِيباتٍ شاقَّةٍ، إلّا أنَّهُ لَمّا عُرِفَ أنَّ الطَّبِيبَ حاذِقٌ، وأنَّ الأبَ مُشْفِقٌ، صارَتْ تِلْكَ المُعالَجاتُ المُؤْلِمَةُ مُتَحَمَّلَةً، وصارَتْ تِلْكَ التَّأْدِيباتُ جارِيَةً مَجْرى الإحْسانِ. فَكَذا هَهُنا لَمّا عَرَفْتُمْ أنَّهُ رَسُولُ حَقٍّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فاقْبَلُوا مِنهُ هَذِهِ التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ لِتَفُوزُوا بِكُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ قالَ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَإنْ لَمْ يَقْبَلُوها بَلْ أعْرَضُوا عَنْها وتَوَلَّوْا فاتْرُكْهم ولا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ وعَوِّلْ عَلى اللَّهِ وارْجِعْ في جَمِيعِ أُمُورِكَ إلى اللَّهِ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ وهَذِهِ الخاتِمَةُ لِهَذِهِ السُّورَةِ جاءَتْ في غايَةِ الحُسْنِ ونِهايَةِ الكَمالِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ الرَّسُولَ في هَذِهِ الآيَةِ بِخَمْسَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: يُرِيدُ أنَّهُ بَشَرٌ مُثُلُكم كَقَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ (يُونُسَ: ٢) وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (فُصِّلَتْ: ٦) والمَقْصُودُ أنَّهُ لَوْ كانَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ لَصَعُبَ الأمْرُ بِسَبَبِهِ عَلى النّاسِ، عَلى ما مَرَّ تَقْرِيرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ. والثّانِي: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ مِنَ العَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ ولَدَتِ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَبَبِ الجَدّاتِ، مُضَرِها ورَبِيعِها ويَمانِيِّها، فالمُضَرِيُّونَ والرَّبِيعِيُّونَ هُمُ العَدْنانِيَّةُ، واليَمانِيُّونَ هُمُ القَحْطانِيَّةُ؛ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٦٤) والمَقْصُودُ مِنهُ تَرْغِيبُ العَرَبِ في نُصْرَتِهِ، والقِيامُ بِخِدْمَتِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: كُلُّ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الدَّوْلَةِ والرِّفْعَةِ في الدُّنْيا فَهو سَبَبٌ لِعِزِّكم ولِفَخْرِكم؛ لِأنَّهُ مِنكم ومِن نَسَبِكم. والثّالِثُ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ الحَرَمِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُسَمُّونَ أهْلَ الحَرَمِ أهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ، وكانُوا يَخْدِمُونَهم ويَقُومُونَ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ لِلْعَرَبِ: كُنْتُمْ قَبْلَ مَقْدِمِهِ مُجِدِّينَ مُجْتَهِدِينَ في خِدْمَةِ أسْلافِهِ وآبائِهِ، فَلِمَ تَتَكاسَلُونَ في خِدْمَتِهِ مَعَ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لَهُ في الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ إلى أسْلافِهِ ؟ والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ التَّنْبِيهُ عَلى طَهارَتِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هو مِن عَشِيرَتِكم تَعْرِفُونَهُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ والعَفافِ والصِّيانَةِ، وتَعْرِفُونَ كَوْنَهُ حَرِيصًا عَلى دَفْعِ الآفاتِ عَنْكم وإيصالِ الخَيْراتِ إلَيْكم، وإرْسالُ مَن هَذِهِ حالَتُهُ وصِفَتُهُ يَكُونُ مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكم. وقُرِئَ (مِن أنْفَسِكم) أيْ مِن أشْرَفِكم وأفْضَلِكم، وقِيلَ: هي قِراءَةُ رَسُولِ اللَّهِ وفاطِمَةَ وعائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - . الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ اعْلَمْ أنَّ العَزِيزَ هو الغالِبُ الشَّدِيدُ، والعِزَّةُ هي الغَلَبَةُ والشِّدَّةُ، فَإذا وصَلَتْ مَشَقَّةٌ إلى الإنْسانِ عَرَفَ أنَّهُ كانَ عاجِزًا عَنْ دَفْعِها إذْ لَوْ قَدَرَ عَلى دَفْعِها لَما قَصَّرَ في ذَلِكَ الدَّفْعِ، فَحَيْثُ لَمْ يَدْفَعْها، عَلِمَ أنَّهُ كانَ عاجِزًا عَنْ دَفْعِها وأنَّها كانَتْ غالِبَةً عَلى الإنْسانِ. فَلِهَذا السَّبَبِ إذا اشْتَدَّ عَلى الإنْسانِ شَيْءٌ قالَ: عَزَّ عَلِيَّ هَذا، وأمّا العَنَتُ فَيُقالُ: عَنِتَ الرَّجُلُ يَعْنَتُ عَنَتًا إذا وقَعَ في مَشَقَّةٍ وشِدَّةٍ لا يُمْكِنُهُ الخُرُوجُ مِنها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ (النِّساءِ: ٢٥) وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٠) وقالَ الفَرّاءُ: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما عَنِتُّمْ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والمَعْنى: عَزِيزٌ عَلَيْهِ عَنَتُكم، أيْ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَكْرُوهُكم، وأوْلى المَكارِهِ بِالدَّفْعِ مَكْرُوهُ عِقابِ اللَّهِ تَعالى، وهو إنَّما أُرْسِلَ لِيَدْفَعَ هَذا المَكْرُوهَ. صفحة ١٨٨ والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ والحِرْصُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِذَواتِهِمْ، بَلِ المُرادُ حَرِيصٌ عَلى إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ. واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ مَعْناهُ: شَدِيدَةٌ مَعَزَّتُهُ عَنْ وُصُولِ شَيْءٍ مِن آفاتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلَيْكم، وبِهَذا التَّقْدِيرِ لا يَحْصُلُ التَّكْرارُ. قالَ الفَرّاءُ: الحَرِيصُ الشَّحِيحُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ شَحِيحٌ عَلَيْكم أنْ تَدْخُلُوا النّارَ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ الخُلُوَّ عَنِ الفائِدَةِ. والصِّفَةُ الرّابِعَةُ والخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِاِسْمَيْنِ مِن أسْمائِهِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ، وقَدْ كَلَّفَهم في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى تَحَمُّلِها إلّا المُوَفَّقُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْنا: قَدْ ضَرَبْنا لِهَذا المَعْنى مَثَلَ الطَّبِيبِ الحاذِقِ والأبِ المُشْفِقِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنَّما فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لِيَتَخَلَّصُوا مِنَ العِقابِ المُؤَبَّدِ، ويَفُوزُوا بِالثَّوابِ المُؤَبَّدِ. السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا قالَ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ فَهَذا النَّسَقُ يُوجِبُ أنْ يُقالَ: رَؤُوفٌ رَحِيمٌ بِالمُؤْمِنِينَ، فَلِمَ تَرَكَ هَذا النَّسَقَ وقالَ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ؟ . الجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ بِمَعْنى أنَّهُ لا رَأْفَةَ ولا رَحْمَةَ لَهُ إلّا بِالمُؤْمِنِينَ. فَأمّا الكافِرُونَ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ رَأْفَةٌ ورَحْمَةٌ، وهَذا كالمُتَمِّمِ لِقَدْرِ ما ورَدَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ التَّغْلِيظِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي وإنَّ بالَغْتُ في هَذِهِ السُّورَةِ في التَّغْلِيظِ إلّا أنَّ ذَلِكَ التَّغْلِيطَ عَلى الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، وأمّا رَحْمَتِي ورَأْفَتِي فَمَخْصُوصَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ فَقَطْ، فَلِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ النَّسَقِ.

التوبة 9:129

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يُرِيدُ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ. ثُمَّ قِيلَ:(تَوَلَّوْا) أيْ: أعْرَضُوا عَنْكَ. وقِيلَ: تَوَلَّوْا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وتَصْدِيقِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وقِيلَ: تَوَلَّوْا عَنْ قَبُولِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: تَوَلَّوْا عَنْ نُصْرَتِكَ في الجِهادِ. واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الكُفّارَ لَوْ أعْرَضُوا ولَمْ يَقْبَلُوا هَذِهِ التَّكالِيفَ، لَمْ يَدْخُلْ في قَلْبِ الرَّسُولِ حَزَنٌ ولا أسَفٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ حَسْبُهُ وكافِيهِ في نَصْرِهِ عَلى الأعْداءِ، وفي إيصالِهِ إلى مَقاماتِ الآلاءِ والنَّعْماءِ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ وإذا كانَ لا إلَهَ إلّا هو وجَبَ أنْ يَكُونَ لا مُبْدِئَ لِشَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ ولا مُحْدِثَ لِشَيْءٍ مِنَ المُحْدَثاتِ إلّا هو، وإذا كانَ هو الَّذِي أرْسَلَنِي بِهَذِهِ الرِّسالَةِ وأمَرَنِي بِهَذا التَّبْلِيغِ، كانَتِ النُّصْرَةُ عَلَيْهِ والمَعُونَةُ مُرْتَقَبَةً مِنهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وهو يُفِيدُ الحَصْرَ أيْ لا أتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ﴿وهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾، والسَّبَبُ في تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ أنَّهُ كُلَّما كانَتِ الآثارُ أعْظَمَ وأكْرَمَ، كانَ ظُهُورُ جَلالَةِ المُؤَثِّرِ في العَقْلِ والخاطِرِ أعْظَمَ، ولَمّا كانَ أعْظَمُ الأجْسامِ هو العَرْشَ كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ تَعْظِيمَ جَلالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. صفحة ١٨٩ فَإنْ قالُوا: العَرْشُ غَيْرُ مَحْسُوسٍ فَلا يُعْرَفُ وُجُودُهُ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِ الشَّرِيعَةِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ شَرْحِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْنا: وُجُودُ العَرْشِ أمْرٌ مَشْهُورٌ والكُفّارُ سَمِعُوهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهم كانُوا قَدْ سَمِعُوهُ مِن أسْلافِهِمْ ومِنَ النّاسِ مَن قَرَأ قَوْلَهُ: (العَظِيمُ) بِالرَّفْعِ لِيَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ أعْجَبُ؛ لِأنَّ جَعْلَ العَظِيمِ صِفَةً لِلَّهِ تَعالى أوْلى مِن جَعْلِهِ صِفَةً لِلْعَرْشِ، وأيْضًا فَإنْ جَعَلْناهُ صِفَةً لِلْعَرْشِ، كانَ المُرادُ مِن كَوْنِهِ عَظِيمًا كِبَرَ جُرْمِهِ وعِظَمَ حَجْمِهِ واتِّساعَ جَوانِبِهِ عَلى ما هو مَذْكُورٌ في الأخْبارِ، وإنْ جَعَلْناهُ صِفَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، كانَ المُرادُ مِنَ العَظَمَةِ وُجُوبَ الوُجُودِ والتَّقْدِيسَ عَنِ الحَجْمِيَّةِ والأجْزاءِ والأبْعاضِ، وكَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ، وكَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنْ أنْ يَتَمَثَّلَ في الأوْهامِ أوْ تَصِلَ إلَيْهِ الأفْهامُ. وقالَ الحَسَنُ: هاتانِ الآيَتانِ آخِرُ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ القُرْآنِ، وما أُنْزِلَ بَعْدَهُما قُرْآنٌ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أحْدَثُ القُرْآنِ عَهْدًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ هاتانِ الآيَتانِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومِنهم مَن يَقُولُ: آخِرُ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨١) . ونُقِلَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: أنْتُمْ تُسَمُّونَ هَذِهِ السُّورَةَ بِالتَّوْبَةِ، وهي سُورَةُ العَذابِ، ما تَرَكَتْ أحَدًا إلّا نالَتْ مِنهُ، واللَّهِ ما تَقْرَأُونَ رُبْعَها. اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ يَجِبُ تَكْذِيبُها؛ لِأنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى تَطَرُّقِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ إلى القُرْآنِ، وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً، ولا خَفاءَ أنَّ القَوْلَ بِهِ باطِلٌ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ. وهَذا آخِرُ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ. فَرَغَ المُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن تَفْسِيرِها في يَوْمِ الجُمُعَةِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ والصَّلاةُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحِبَهُ أجْمَعِينَ. تَمَّ الجُزْءُ الخامِسَ عَشَرَ، ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ السّادِسَ عَشَرَ، وأوَّلُهُ قَوْلُهُ تَعالى﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ مِن أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ، أعانَ اللَّهُ عَلى إكْمالِهِ.