Lafzullah

Tafsir Al-Razi — يونس 10:44 – يونس 10:104

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. يونس 10:44
  2. يونس 10:45
  3. يونس 10:46
  4. يونس 10:47
  5. يونس 10:48
  6. يونس 10:49
  7. يونس 10:50
  8. يونس 10:51
  9. يونس 10:52
  10. يونس 10:53
  11. يونس 10:54
  12. يونس 10:55
  13. يونس 10:56
  14. يونس 10:57
  15. يونس 10:58
  16. يونس 10:59
  17. يونس 10:60
  18. يونس 10:61
  19. يونس 10:62
  20. يونس 10:63
  21. يونس 10:64
  22. يونس 10:65
  23. يونس 10:66
  24. يونس 10:67
  25. يونس 10:68
  26. يونس 10:69
  27. يونس 10:70
  28. يونس 10:71
  29. يونس 10:72
  30. يونس 10:73
  31. يونس 10:74
  32. يونس 10:75
  33. يونس 10:76
  34. يونس 10:77
  35. يونس 10:78
  36. يونس 10:79
  37. يونس 10:80
  38. يونس 10:81
  39. يونس 10:82
  40. يونس 10:83
  41. يونس 10:84
  42. يونس 10:85
  43. يونس 10:86
  44. يونس 10:87
  45. يونس 10:88
  46. يونس 10:89
  47. يونس 10:90
  48. يونس 10:91
  49. يونس 10:92
  50. يونس 10:93
  51. يونس 10:94
  52. يونس 10:95
  53. يونس 10:96
  54. يونس 10:97
  55. يونس 10:98
  56. يونس 10:99
  57. يونس 10:100
  58. يونس 10:101
  59. يونس 10:102
  60. يونس 10:103
  61. يونس 10:104

يونس 10:44

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى قَسَّمَ الكُفّارَ إلى قِسْمَيْنِ: مِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ قَسَّمَ مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ قِسْمَيْنِ: مِنهم مَن يَكُونُ في غايَةِ البُغْضِ لَهُ والعَداوَةِ لَهُ ونِهايَةِ النَّفْرَةِ عَنْ قَبُولِ دِينِهِ، ومِنهم مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ. فَوَصَفَ القِسْمَ الأوَّلَ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ كَلامَكَ مَعَ أنَّهُ يَكُونُ كالأصَمِّ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَنْتَفِعُ ألْبَتَّةَ بِذَلِكَ الكَلامِ فَإنَّ الإنْسانَ إذا قَوِيَ بُغْضُهُ لِإنْسانٍ آخَرَ، وعَظُمَتْ نُفْرَتُهُ عَنْهُ، صارَتْ نَفْسُهُ مُتَوَجِّهَةً إلى طَلَبِ مَقابِحِ كَلامِهِ مُعْرِضَةً عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ مَحاسِنِ كَلامِهِ، فالصَّمَمُ في الأُذُنِ مَعْنًى يُنافِي حُصُولَ إدْراكِ الصَّوْتِ، فَكَذَلِكَ حُصُولُ هَذا البُغْضِ الشَّدِيدِ كالمُنافِي لِلْوُقُوفِ عَلى مَحاسِنِ ذَلِكَ الكَلامِ، والعَمى في العَيْنِ مَعْنًى يُنافِي حُصُولَ إدْراكِ الصُّورَةِ، فَكَذَلِكَ البُغْضُ يُنافِي وُقُوفَ الإنْسانِ عَلى مَحاسِنِ مَن يُعادِيهِ والوُقُوفُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الفَضائِلِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ في أُولَئِكَ الكُفّارِ مَن بَلَغَتْ حالَتُهُ في البُغْضِ والعَداوَةِ إلى هَذا الحَدِّ، ثُمَّ كَما أنَّهُ لا يُمْكِنُ جَعْلُ الأصَمِّ سَمِيعًا ولا جَعْلُ الأعْمى بَصِيرًا، فَكَذَلِكَ لا يُمْكِنُ جَعْلُ العَدُوِّ البالِغِ في العَداوَةِ إلى هَذا الحَدِّ صَدِيقًا تابِعًا لِلرَّسُولِ ﷺ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ قَدْ بَلَغُوا في مَرَضِ العَقْلِ إلى حَيْثُ لا يَقْبَلُونَ العِلاجَ. والطَّبِيبُ إذا رَأى مَرِيضًا لا يَقْبَلُ العِلاجَ أعْرَضَ عَنْهُ، ولَمْ يَسْتَوْحِشْ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ لِلْعِلاجِ، فَكَذَلِكَ وجَبَ عَلَيْكَ أنْ لا تَسْتَوْحِشَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ. صفحة ٨٢ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ السَّمْعَ أفْضَلُ مِنَ البَصَرِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ بِذَهابِ السَّمْعِ ذَهابَ العَقْلِ، ولَمْ يَقْرِنْ بِذَهابِ النَّظَرِ إذْهابَ البَصَرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ أفْضَلَ مِنَ البَصَرِ. وزَيَّفَ ابْنُ الأنْبارِيِّ هَذا الدَّلِيلَ فَقالَ: إنَّ الَّذِي نَفاهُ اللَّهُ مَعَ السَّمْعِ بِمَنزِلَةِ الَّذِي نَفاهُ اللَّهُ مَعَ البَصَرِ لِأنَّهُ تَعالى أرادَ إبْصارَ القُلُوبِ، ولَمْ يُرِدْ إبْصارَ العُيُونِ، والَّذِي يُبْصِرُهُ القَلْبُ هو الَّذِي يَعْقِلُهُ. واحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلى هَذا المَطْلُوبِ بِحُجَّةٍ أُخْرى مِنَ القُرْآنِ، فَقالَ: كُلَّما ذَكَرَ اللَّهُ السَّمْعَ والبَصَرَ، فَإنَّهُ في الأغْلَبِ يُقَدِّمُ السَّمْعَ عَلى البَصَرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّمْعَ أفْضَلُ مِنَ البَصَرِ. ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ في هَذا البابِ دَلائِلَ أُخْرى: فَأحَدُها: أنَّ العَمى قَدْ وقَعَ في حَقِّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أمّا الصَّمَمُ فَغَيْرُ جائِزٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يُخِلُّ بِأداءِ الرِّسالَةِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ إذا لَمْ يَسْمَعْ كَلامَ السّائِلِينَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الجَوابُ، فَيَعْجَزُ عَنْ تَبْلِيغِ شَرائِعِ اللَّهِ تَعالى. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القُوَّةَ السّامِعَةَ تُدْرِكُ المَسْمُوعَ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، والقُوَّةَ الباصِرَةَ لا تُدْرِكُ المَرْئِيَّ إلّا مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ وهي المُقابِلُ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَسْتَفِيدُ العِلْمَ بِالتَّعَلُّمِ مِنَ الأُسْتاذِ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِقُوَّةِ السَّمْعِ، فاسْتِكْمالُ النَّفْسِ بِالكَمالاتِ العِلْمِيَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا بِقُوَّةِ السَّمْعِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلى قُوَّةِ البَصَرِ، فَكانَ السَّمْعُ أفْضَلَ مِنَ البَصَرِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] والمُرادُ مِنَ القَلْبِ هَهُنا العَقْلُ، فَجَعَلَ السَّمْعَ قَرِينًا لِلْعَقْلِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] فَجَعَلُوا السَّمْعَ سَبَبًا لِلْخَلاصِ مِن عَذابِ السَّعِيرِ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ المَعْنى الَّذِي يَمْتازُ بِهِ الإنْسانُ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ هو النُّطْقُ والكَلامُ وإنَّما يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ بِالقُوَّةِ السّامِعَةِ، فَمُتَعَلِّقُ السَّمْعِ النُّطْقُ الَّذِي بِهِ حَصَلَ شَرَفُ الإنْسانِ، ومُتَعَلِّقُ البَصَرِ إدْراكُ الألْوانِ والأشْكالِ، وذَلِكَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ سائِرِ الحَيَواناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ أفْضَلَ مِنَ البَصَرِ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَراهُمُ النّاسُ ويَسْمَعُونَ كَلامَهم، فَنُبُوَّتُهم ما حَصَلَتْ بِسَبَبِ ما مَعَهم مِنَ الصِّفاتِ المَرْئِيَّةِ، وإنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ ما مَعَهم مِنَ الأصْواتِ المَسْمُوعَةِ وهو الكَلامُ وتَبْلِيغُ الشَّرائِعِ وبَيانُ الأحْكامِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَسْمُوعُ أفْضَلَ مِنَ المَرْئِيِّ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ أفْضَلَ مِنَ البَصَرِ. فَهَذا جُمْلَةُ ما تَمَسَّكَ بِهِ القائِلُونَ بِأنَّ السَّمْعَ أفْضَلُ مِنَ البَصَرِ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: البَصَرُ أفْضَلُ مِنَ السَّمْعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الحُجَّةُ الأُولى: أنَّهم قالُوا في المَثَلِ المَشْهُورِ لَيْسَ وراءَ العِيانِ بَيانٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أكْمَلَ وُجُوهِ الإدْراكاتِ هو الإبْصارُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ آلَةَ القُوَّةِ الباصِرَةِ هو النُّورُ وآلَةَ القُوَّةِ السّامِعَةِ هي الهَواءُ، والنُّورُ أشْرَفُ مِنَ الهَواءِ، فالقُوَّةُ الباصِرَةُ أشْرَفُ مِنَ القُوَّةِ السّامِعَةِ. صفحة ٨٣ الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ عَجائِبَ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ العَيْنِ الَّتِي هي مَحَلُّ الإبْصارِ أكْثَرُ مِن عَجائِبِ خِلْقَتِهِ في الأُذُنِ الَّتِي هي مَحَلُّ السَّماعِ، فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ تَمامَ رُوحٍ واحِدٍ مِنَ الأرْواحِ السَّبْعَةِ الدِّماغِيَّةِ مِنَ العَصَبِ آلَةً لِلْإبْصارِ، ورَكَّبَ العَيْنَ مِن سَبْعِ طَبَقاتٍ وثَلاثِ رُطُوباتٍ، وخَلَقَ لِتَحْرِيكاتِ العَيْنِ عَضَلاتٍ كَثِيرَةً عَلى صُورَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، والأُذُنُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وكَثْرَةُ العِنايَةِ في تَخْلِيقِ الشَّيْءِ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ مِن غَيْرِهِ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ البَصَرَ يَرى ما حَصَلَ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ، والسَّمْعَ لا يُدْرِكُ ما بَعُدَ مِنهُ عَلى فَرْسَخٍ، فَكانَ البَصَرُ أقْوى وأفْضَلَ. وبِهَذا البَيانِ يُدْفَعُ قَوْلُهم إنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ مِن كُلِّ الجَوانِبِ والبَصَرَ لا يُدْرِكُ إلّا مِنَ الجانِبِ الواحِدِ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأنْبِياءِ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ في الدُّنْيا، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ رَآهُ أحَدٌ في الدُّنْيا أمْ لا ؟ وأيْضًا فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَمِعَ كَلامَهُ مِن غَيْرِ سَبْقِ سُؤالٍ والتِماسٍ، ولَمّا سَألَ الرُّؤْيَةَ قالَ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ الرُّؤْيَةِ أعْلى مِن حالِ السَّماعِ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كَيْفَ يَكُونُ السَّمْعُ أفْضَلَ مِنَ البَصَرِ وبِالبَصَرِ يَحْصُلُ جَمالُ الوَجْهِ، وبِذَهابِهِ عَيْبُهُ، وذَهابُ السَّمْعِ لا يُورِثُ الإنْسانَ عَيْبًا ؟ والعَرَبُ تُسَمِّي العَيْنَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ ولا تَصِفُ السَّمْعَ بِمِثْلِ هَذا؛ ومِنهُ الحَدِيثُ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ”«مَن أذْهَبْتُ كَرِيمَتَهُ فَصَبَرَ واحْتَسَبَ؛ لَمْ أرْضَ لَهُ ثَوابًا دُونَ الجَنَّةِ» “ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ قُلُوبَ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ كالأصَمِّ بِالنِّسْبَةِ إلى اسْتِماعِ الكَلامِ، وكالأعْمى بِالنِّسْبَةِ إلى إبْصارِ الأشْياءِ، وكَما أنَّ هَذا مُمْتَنِعٌ فَكَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ. قالُوا: والَّذِي يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ حُصُولَ العَداوَةِ القَوِيَّةِ الشَّدِيدَةِ، وكَذَلِكَ حُصُولُ المَحَبَّةِ الشَّدِيدَةِ في القَلْبِ لَيْسَ بِاخْتِيارِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ يَجِدُ وِجْدانًا ضَرُورِيًّا أنَّ القَلْبَ يَصِيرُ كالأصَمِّ والأعْمى في اسْتِماعِ كَلامِ العَدُوِّ وفي مُطالَعَةِ أفْعالِهِ الحَسَنَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ، وأيْضًا لَمّا حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها حُكْمًا جازِمًا بِعَدَمِ الإيمانِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِن حُصُولِ الإيمانِ انْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا وخَبَرِهِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ: فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ، أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما ألْجَأ أحَدًا إلى هَذِهِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، ولَكِنَّهم بِاخْتِيارِ أنْفُسِهِمْ يُقْدِمُونَ عَلَيْها ويُباشِرُونَها. أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى إنَّما نَفى الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ، لِأنَّهُ يَتَصَرَّفُ في مُلْكِ نَفْسِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ظالِمًا، وإنَّما قالَ: ﴿ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ لِأنَّ الفِعْلَ مَنسُوبٌ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ الكَسْبِ.

يونس 10:45

صفحة ٨٤ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِقِلَّةِ الإصْغاءِ وتَرْكِ التَّدَبُّرِ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”يَحْشُرُهم“ بِالياءِ والباقُونَ بِالنُّونِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُشابِهِينَ مَن لَمْ يَلْبَثْ إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَوْمِ نَحْشُرُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بَعْدَ حالٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”كَأنْ“ هَذِهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. التَّقْدِيرُ: كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا، فَخُفِّفَتْ كَقَوْلِهِ: وكَأنْ قَدْ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ وقِيلَ في قُبُورِهِمْ، والقُرْآنُ وارِدٌ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٣] . قالَ القاضِي: والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ كَحالِ الكافِرِينَ في أنَّهم لا يَعْرِفُونَ مِقْدارَ لُبْثِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ إلى وقْتِ الحَشْرِ، فَيَجِبَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ يَخْتَصُّ بِالكُفّارِ، وهو أنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعُمُرِهِمُ اسْتَقَلُّوهُ، والمُؤْمِنُ لَمّا انْتَفَعَ بِعُمُرِهِ فَإنَّهُ لا يَسْتَقِلُّهُ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ لِأنَّ التَّعارُفَ إنَّما يُضافُ إلى حالِ الحَياةِ لا إلى حالِ المَماتِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ هَذا الِاسْتِقْلالِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَمّا ضَيَّعُوا أعْمارَهم في طَلَبِ الدُّنْيا والحِرْصِ عَلى لَذّاتِها لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعُمُرِهِمْ ألْبَتَّةَ، فَكانَ وُجُودُ ذَلِكَ العُمُرِ كالعَدَمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَقَلُّوهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦] الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: قَلَّ ذَلِكَ عِنْدَهم لِما شاهَدُوا مِن أهْوالِ الآخِرَةِ، والإنْسانُ إذا عَظُمَ خَوْفُهُ نَسِيَ الأُمُورَ الظّاهِرَةَ. الثّالِثُ: أنَّهُ قَلَّ عِنْدَهم مُقامُهم في الدُّنْيا في جَنْبِ مُقامِهِمْ في الآخِرَةِ وفي العَذابِ المُؤَبَّدِ. الرّابِعُ: أنَّهُ قَلَّ عِنْدَهم مُقامُهم في الدُّنْيا لِطُولِ وُقُوفِهِمْ في الحَشْرِ. الخامِسُ: المُرادُ أنَّهم عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ يَتَعارَفُونَ كَما كانُوا يَتَعارَفُونَ في الدُّنْيا، وكَأنَّهم لَمْ يَتَعارَفُوا بِسَبَبِ المَوْتِ إلّا مُدَّةً قَلِيلَةً لا تُؤَثِّرُ في ذَلِكَ التَّعارُفِ. وأقُولُ: تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا البابِ، أنَّ عَذابَ الكافِرِ مَضَرَّةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالإهانَةِ والإذْلالِ، والإحْساسُ بِالمَضَرَّةِ أقْوى مِنَ الإحْساسِ بِاللَّذَّةِ بِدَلِيلِ أنَّ أقْوى اللَّذّاتِ هي لَذّاتُ الوِقاعِ، والشُّعُورُ بِألَمِ القُولَنْجِ وغَيْرِهِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى أقْوى مِنَ الشُّعُورِ بِلَذَّةِ الوِقاعِ. وأيْضًا لَذّاتُ الدُّنْيا مَعَ خَساسَتِها ما كانَتْ خالِصَةً، بَلْ كانَتْ مَخْلُوطَةً بِالهُمُوماتِ الكَثِيرَةِ، وكانَتْ تِلْكَ اللَّذّاتُ مَغْلُوبَةً بِالمُؤْلِماتِ والآفاتِ، وأيْضًا إنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا ما حَصَّلَتْ إلّا بَعْضَ أوْقاتِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وآلامُ الآخِرَةِ أبَدِيَّةٌ سَرْمَدِيَّةٌ لا تَنْقَطِعُ ألْبَتَّةَ ونِسْبَةُ عُمُرِ جَمِيعِ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ الأبَدِيَّةِ أقَلُّ مِنَ الجُزْءِ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ بِالنِّسْبَةِ إلى ألْفِ ألْفِ عالَمٍ مِثْلِ العالَمِ المَوْجُودِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أنَّهُ مَتى قُوبِلَتِ الخَيْراتُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ الحَياةِ العاجِلَةِ بِالآفاتِ الحاصِلَةِ صفحة ٨٥ لِلْكافِرِ وُجِدَتْ أقَلَّ مِنَ اللَّذَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ العالَمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ مِن قِلَّتِها وحَقارَتِها في جَنْبِ ما حَصَلَ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَما كانُوا يُعْرَفُونَ في الدُّنْيا. الثّانِي: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والكُفْرِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ إذا عايَنُوا العَذابَ وتَبَرَّأ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تُوافِقُ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم يُوَبِّخُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَقُولُ: كُلُّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ أنْتَ أضْلَلْتَنِي يَوْمَ كَذا وزَيَّنْتَ لِيَ الفِعْلَ الفُلانِيَّ مِنَ القَبائِحِ، فَهَذا تَعارُفُ تَقْبِيحٍ وتَعْنِيفٍ وتَباعُدٍ وتَقاطُعٍ لا تَعارُفُ عَطْفٍ وشَفَقَةٍ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ فالمُرادُ سُؤالُ الرَّحْمَةِ والعَطْفِ. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ حَمْلُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى حالَتَيْنِ، وهو أنَّهم يَتَعارَفُونَ إذا بُعِثُوا ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ، فَلِذَلِكَ لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ يَحْشُرُهم حالَ كَوْنِهِمْ مُتَعارِفِينَ، وحالَ كَوْنِهِمْ قائِلِينَ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ . الثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ كَلامَ اللَّهِ، فَيَكُونَ هَذا شَهادَةً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ، والمَعْنى: أنَّ مَن باعَ آخِرَتَهُ بِالدُّنْيا فَقَدْ خَسِرَ، لِأنَّهُ أعْطى الكَثِيرَ الشَّرِيفَ الباقِيَ وأخَذَ القَلِيلَ الخَسِيسَ الفانِيَ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم ما اهْتَدَوْا إلى رِعايَةِ مَصالِحِ هَذِهِ التِّجارَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اغْتَرُّوا بِالظّاهِرِ وغَفَلُوا عَنِ الحَقِيقَةِ، فَصارُوا كَمَن رَأى زُجاجَةً حَسَنَةً فَظَنَّها جَوْهَرَةً شَرِيفَةً فاشْتَراها بِكُلِّ ما مَلَكَهُ، فَإذا عَرَضَها عَلى النّاقِدِينَ خابَ سَعْيُهُ وفاتَ أمَلُهُ ووَقَعَ في حُرْقَةِ الرُّوعِ، وعَذابِ القَلْبِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ جَوابُ ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ وجَوابُ ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم في الدُّنْيا فَذاكَ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ أنْ نُرِيَنَّكَ ذَلِكَ المَوْعِدَ فَإنَّكَ سَتَراهُ في الآخِرَةِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِي رَسُولَهُ أنْواعًا مِن ذُلِّ الكافِرِينَ وخِزْيِهِمْ في الدُّنْيا، وسَيَزِيدُ عَلَيْهِ بَعْدَ وفاتِهِ، ولا شَكَّ أنَّهُ حَصَلَ الكَثِيرُ مِنهُ في زَمانِ حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحَصَلَ الكَثِيرُ أيْضًا بَعْدَ وفاتِهِ، والَّذِي سَيَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ أكْثَرُ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عاقِبَةَ المُحِقِّينَ مَحْمُودَةٌ، وعاقِبَةَ المُذْنِبِينَ مَذْمُومَةٌ.

يونس 10:46

صفحة ٨٤ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِقِلَّةِ الإصْغاءِ وتَرْكِ التَّدَبُّرِ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”يَحْشُرُهم“ بِالياءِ والباقُونَ بِالنُّونِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُشابِهِينَ مَن لَمْ يَلْبَثْ إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَوْمِ نَحْشُرُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بَعْدَ حالٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”كَأنْ“ هَذِهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. التَّقْدِيرُ: كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا، فَخُفِّفَتْ كَقَوْلِهِ: وكَأنْ قَدْ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ وقِيلَ في قُبُورِهِمْ، والقُرْآنُ وارِدٌ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٣] . قالَ القاضِي: والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ كَحالِ الكافِرِينَ في أنَّهم لا يَعْرِفُونَ مِقْدارَ لُبْثِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ إلى وقْتِ الحَشْرِ، فَيَجِبَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ يَخْتَصُّ بِالكُفّارِ، وهو أنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعُمُرِهِمُ اسْتَقَلُّوهُ، والمُؤْمِنُ لَمّا انْتَفَعَ بِعُمُرِهِ فَإنَّهُ لا يَسْتَقِلُّهُ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ لِأنَّ التَّعارُفَ إنَّما يُضافُ إلى حالِ الحَياةِ لا إلى حالِ المَماتِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ هَذا الِاسْتِقْلالِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَمّا ضَيَّعُوا أعْمارَهم في طَلَبِ الدُّنْيا والحِرْصِ عَلى لَذّاتِها لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعُمُرِهِمْ ألْبَتَّةَ، فَكانَ وُجُودُ ذَلِكَ العُمُرِ كالعَدَمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَقَلُّوهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦] الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: قَلَّ ذَلِكَ عِنْدَهم لِما شاهَدُوا مِن أهْوالِ الآخِرَةِ، والإنْسانُ إذا عَظُمَ خَوْفُهُ نَسِيَ الأُمُورَ الظّاهِرَةَ. الثّالِثُ: أنَّهُ قَلَّ عِنْدَهم مُقامُهم في الدُّنْيا في جَنْبِ مُقامِهِمْ في الآخِرَةِ وفي العَذابِ المُؤَبَّدِ. الرّابِعُ: أنَّهُ قَلَّ عِنْدَهم مُقامُهم في الدُّنْيا لِطُولِ وُقُوفِهِمْ في الحَشْرِ. الخامِسُ: المُرادُ أنَّهم عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ يَتَعارَفُونَ كَما كانُوا يَتَعارَفُونَ في الدُّنْيا، وكَأنَّهم لَمْ يَتَعارَفُوا بِسَبَبِ المَوْتِ إلّا مُدَّةً قَلِيلَةً لا تُؤَثِّرُ في ذَلِكَ التَّعارُفِ. وأقُولُ: تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا البابِ، أنَّ عَذابَ الكافِرِ مَضَرَّةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالإهانَةِ والإذْلالِ، والإحْساسُ بِالمَضَرَّةِ أقْوى مِنَ الإحْساسِ بِاللَّذَّةِ بِدَلِيلِ أنَّ أقْوى اللَّذّاتِ هي لَذّاتُ الوِقاعِ، والشُّعُورُ بِألَمِ القُولَنْجِ وغَيْرِهِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى أقْوى مِنَ الشُّعُورِ بِلَذَّةِ الوِقاعِ. وأيْضًا لَذّاتُ الدُّنْيا مَعَ خَساسَتِها ما كانَتْ خالِصَةً، بَلْ كانَتْ مَخْلُوطَةً بِالهُمُوماتِ الكَثِيرَةِ، وكانَتْ تِلْكَ اللَّذّاتُ مَغْلُوبَةً بِالمُؤْلِماتِ والآفاتِ، وأيْضًا إنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا ما حَصَّلَتْ إلّا بَعْضَ أوْقاتِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وآلامُ الآخِرَةِ أبَدِيَّةٌ سَرْمَدِيَّةٌ لا تَنْقَطِعُ ألْبَتَّةَ ونِسْبَةُ عُمُرِ جَمِيعِ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ الأبَدِيَّةِ أقَلُّ مِنَ الجُزْءِ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ بِالنِّسْبَةِ إلى ألْفِ ألْفِ عالَمٍ مِثْلِ العالَمِ المَوْجُودِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أنَّهُ مَتى قُوبِلَتِ الخَيْراتُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ الحَياةِ العاجِلَةِ بِالآفاتِ الحاصِلَةِ صفحة ٨٥ لِلْكافِرِ وُجِدَتْ أقَلَّ مِنَ اللَّذَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ العالَمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ مِن قِلَّتِها وحَقارَتِها في جَنْبِ ما حَصَلَ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ. * * * أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَما كانُوا يُعْرَفُونَ في الدُّنْيا. الثّانِي: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والكُفْرِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ إذا عايَنُوا العَذابَ وتَبَرَّأ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تُوافِقُ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم يُوَبِّخُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَقُولُ: كُلُّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ أنْتَ أضْلَلْتَنِي يَوْمَ كَذا وزَيَّنْتَ لِيَ الفِعْلَ الفُلانِيَّ مِنَ القَبائِحِ، فَهَذا تَعارُفُ تَقْبِيحٍ وتَعْنِيفٍ وتَباعُدٍ وتَقاطُعٍ لا تَعارُفُ عَطْفٍ وشَفَقَةٍ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ فالمُرادُ سُؤالُ الرَّحْمَةِ والعَطْفِ. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ حَمْلُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى حالَتَيْنِ، وهو أنَّهم يَتَعارَفُونَ إذا بُعِثُوا ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ، فَلِذَلِكَ لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ يَحْشُرُهم حالَ كَوْنِهِمْ مُتَعارِفِينَ، وحالَ كَوْنِهِمْ قائِلِينَ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ . الثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ كَلامَ اللَّهِ، فَيَكُونَ هَذا شَهادَةً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ، والمَعْنى: أنَّ مَن باعَ آخِرَتَهُ بِالدُّنْيا فَقَدْ خَسِرَ، لِأنَّهُ أعْطى الكَثِيرَ الشَّرِيفَ الباقِيَ وأخَذَ القَلِيلَ الخَسِيسَ الفانِيَ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم ما اهْتَدَوْا إلى رِعايَةِ مَصالِحِ هَذِهِ التِّجارَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اغْتَرُّوا بِالظّاهِرِ وغَفَلُوا عَنِ الحَقِيقَةِ، فَصارُوا كَمَن رَأى زُجاجَةً حَسَنَةً فَظَنَّها جَوْهَرَةً شَرِيفَةً فاشْتَراها بِكُلِّ ما مَلَكَهُ، فَإذا عَرَضَها عَلى النّاقِدِينَ خابَ سَعْيُهُ وفاتَ أمَلُهُ ووَقَعَ في حُرْقَةِ الرُّوعِ، وعَذابِ القَلْبِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ جَوابُ ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ وجَوابُ ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم في الدُّنْيا فَذاكَ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ أنْ نُرِيَنَّكَ ذَلِكَ المَوْعِدَ فَإنَّكَ سَتَراهُ في الآخِرَةِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِي رَسُولَهُ أنْواعًا مِن ذُلِّ الكافِرِينَ وخِزْيِهِمْ في الدُّنْيا، وسَيَزِيدُ عَلَيْهِ بَعْدَ وفاتِهِ، ولا شَكَّ أنَّهُ حَصَلَ الكَثِيرُ مِنهُ في زَمانِ حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحَصَلَ الكَثِيرُ أيْضًا بَعْدَ وفاتِهِ، والَّذِي سَيَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ أكْثَرُ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عاقِبَةَ المُحِقِّينَ مَحْمُودَةٌ، وعاقِبَةَ المُذْنِبِينَ مَذْمُومَةٌ.

يونس 10:47

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ، بَيَّنَ أنَّ حالَ كُلِّ الأنْبِياءِ مَعَ أقْوامِهِمْ كَذَلِكَ. وفِي صفحة ٨٦ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ جَماعَةٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رَسُولًا واللَّهُ تَعالى ما أهْمَلَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ قَطُّ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا مَعَ ما يَعْلَمُهُ مِن أحْوالِ الفَتْرَةِ ومَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] . قُلْنا: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ حاضِرًا مَعَ القَوْمِ، لِأنَّ تَقَدُّمَ الرَّسُولِ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا إلَيْهِمْ، كَما لا يَمْنَعُ تَقَدُّمُ رَسُولِنا مَن كَوْنِهِ مَبْعُوثًا إلَيْنا إلى آخِرِ الأبَدِ. وتُحْمَلُ الفَتْرَةُ عَلى ضَعْفِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ ووُقُوعِ مُوجِباتِ التَّخْلِيطِ فِيها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الكَلامِ إضْمارٌ والتَّقْدِيرُ: فَإذا جاءَ رَسُولُهم وبَلَّغَ فَكَذَّبَهُ قَوْمٌ وصَدَّقَهُ آخَرُونَ قَضى بَيْنَهم أيْ حَكَمَ وفَصَلَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا بَيانُ أنَّ الرَّسُولَ إذا بُعِثَ إلى كُلِّ أُمَّةٍ فَإنَّهُ بِالتَّبْلِيغِ وإقامَةِ الحُجَّةِ يُزِيحُ كُلَّ عِلَّةٍ فَلا يَبْقى لَهم عُذْرٌ في مُخالَفَتِهِ أوْ تَكْذِيبِهِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ يَكُونُ عَدْلًا ولا يَكُونُ ظُلْمًا؛ لِأنَّهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ وقَعُوا في ذَلِكَ العِقابِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ القَوْمَ إذا اجْتَمَعُوا في الآخِرَةِ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ في وقْتِ المُحاسَبَةِ، وبانَ الفَصْلُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِما شاهَدَ مِنهم، ولِيَقَعَ مِنهُمُ الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ بَلَّغَ رِسالاتِ رَبِّهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما يُؤَكِّدُ اللَّهُ بِهِ الزَّجْرَ في الدُّنْيا كالمُساءَلَةِ، وإنْطاقِ الجَوارِحِ، والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِأعْمالِهِمْ والمَوازِينِ وغَيْرِها، وتَمامُ التَّقْرِيرِ عَلى هَذا الوَجْهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ وعَلى أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنِّي أُحْضِرُ في مَوْقِفِ القِيامَةِ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ رَسُولَهم، حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الأعْمالِ. والمُرادُ مِنهُ المُبالَغَةُ في إظْهارِ العَدْلِ. واعْلَمْ أنَّ دَلِيلَ القَوْلِ الأوَّلِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقَوْلُهُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤]؛ ودَلِيلُ القَوْلِ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فالتَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في نَفْيِ الظُّلْمِ.

يونس 10:48

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ صفحة ٨٧ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ مِن شُبُهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كُلَّما هَدَّدَهم بِنُزُولِ العَذابِ ومَرَّ زَمانٌ ولَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ العَذابُ، قالُوا مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، واحْتَجُّوا بِعَدَمِ ظُهُورِهِ عَلى القَدْحِ في نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ المُرادَ مِمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ القَضاءُ بِذَلِكَ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولُوا مَتى هَذا الوَعْدُ عِنْدَ حُضُورِهِمْ في الدّارِ الآخِرَةِ، لِأنَّ الحالَ في الآخِرَةِ حالُ يَقِينٍ ومَعْرِفَةٍ لِحُصُولِ كُلِّ وعْدٍ ووَعِيدٍ وإلّا ظَهَرَ أنَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما أخْبَرَهم مِن نُزُولِ العَذابِ لِلْأعْداءِ والنُّصْرَةِ لِلْأوْلِياءِ أوْ عَلى وجْهِ الِاسْتِبْعادِ لِكَوْنِهِ مُحِقًّا في ذَلِكَ الإخْبارِ، ويَدُلُّ هَذا القَوْلُ عَلى أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ قالَتْ لِرَسُولِها مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وذَلِكَ لَفْظُ جَمْعٍ، وهو مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِجَوابٍ يَحْسِمُ المادَّةَ وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ والمُرادُ أنَّ إنْزالَ العَذابِ عَلى الأعْداءِ وإظْهارَ النُّصْرَةِ لِلْأوْلِياءِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ تَعالى ما عَيَّنَ لِذَلِكَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وقْتًا مُعَيَّنًا حَتّى يُقالَ لَمّا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ المَوْعُودُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، دَلَّ عَلى حُصُولِ الخُلْفِ فَكانَ تَعْيِينُ الوَقْتِ مُفَوَّضًا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، إمّا بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وإلَهِيَّتِهِ عِنْدَ مَن لا يُعَلِّلُ أفْعالَهُ وأحْكامَهُ بِرِعايَةِ المَصالِحِ، وإمّا بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ المُقَدَّرَةِ عِنْدَ مَن يُعَلِّلُ أفْعالَهُ وأحْكامَهُ بِرِعايَةِ المَصالِحِ، ثُمَّ إذا حَضَرَ الوَقْتُ الَّذِي وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِحُدُوثِ ذَلِكَ الحادِثِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَحْدُثَ فِيهِ، ويَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فَقالُوا: هَذا الِاسْتِثْناءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا الطّاعَةَ والمَعْصِيَةَ، فَهَذا الِاسْتِثْناءُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُسْتَقِلًّا بِهِما. والجَوابُ: قالَ أصْحابُنا: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ”فَإذا جاءَ أجَلُهم“ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا لا يَمُوتُ إلّا بِانْقِضاءِ أجَلِهِ، وكَذَلِكَ المَقْتُولُ لا يُقْتَلُ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ، وهَذِهِ مَسْألَةٌ طَوِيلَةٌ وقَدْ ذَكَرْناها في هَذا الكِتابِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ شَرْطٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ جَزاءٌ، والفاءُ حَرْفُ الجَزاءِ، فَوَجَبَ إدْخالُهُ عَلى الجَزاءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ يَحْصُلُ مَعَ حُصُولِ الشَّرْطِ لا مُتَأخِّرًا عَنْهُ وأنَّ حَرْفَ الفاءِ لا يَدُلُّ عَلى التَّراخِي، وإنَّما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ جَزاءً. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِامْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ إنْ نَكَحْتُكِ فَأنْتِ طالِقٌ قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَصِحُّ هَذا التَّعْلِيقُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَصِحُّ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى صفحة ٨٨ أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ حالَ حُصُولِ الشَّرْطِ، فَلَوْ صَحَّ هَذا التَّعْلِيقُ لَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ الطَّلاقُ مُقارَنًا لِلنِّكاحِ، لِما ثَبَتَ أنَّ الجَزاءَ يَجِبُ حُصُولُهُ مَعَ حُصُولِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، ولَمّا كانَ هَذا اللّازِمُ باطِلًا وجَبَ أنْ لا يَصِحَّ هَذا التَّعْلِيقُ.

يونس 10:49

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ صفحة ٨٧ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ مِن شُبُهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كُلَّما هَدَّدَهم بِنُزُولِ العَذابِ ومَرَّ زَمانٌ ولَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ العَذابُ، قالُوا مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، واحْتَجُّوا بِعَدَمِ ظُهُورِهِ عَلى القَدْحِ في نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ المُرادَ مِمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ القَضاءُ بِذَلِكَ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولُوا مَتى هَذا الوَعْدُ عِنْدَ حُضُورِهِمْ في الدّارِ الآخِرَةِ، لِأنَّ الحالَ في الآخِرَةِ حالُ يَقِينٍ ومَعْرِفَةٍ لِحُصُولِ كُلِّ وعْدٍ ووَعِيدٍ وإلّا ظَهَرَ أنَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما أخْبَرَهم مِن نُزُولِ العَذابِ لِلْأعْداءِ والنُّصْرَةِ لِلْأوْلِياءِ أوْ عَلى وجْهِ الِاسْتِبْعادِ لِكَوْنِهِ مُحِقًّا في ذَلِكَ الإخْبارِ، ويَدُلُّ هَذا القَوْلُ عَلى أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ قالَتْ لِرَسُولِها مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وذَلِكَ لَفْظُ جَمْعٍ، وهو مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِجَوابٍ يَحْسِمُ المادَّةَ وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ والمُرادُ أنَّ إنْزالَ العَذابِ عَلى الأعْداءِ وإظْهارَ النُّصْرَةِ لِلْأوْلِياءِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ تَعالى ما عَيَّنَ لِذَلِكَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وقْتًا مُعَيَّنًا حَتّى يُقالَ لَمّا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ المَوْعُودُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، دَلَّ عَلى حُصُولِ الخُلْفِ فَكانَ تَعْيِينُ الوَقْتِ مُفَوَّضًا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، إمّا بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وإلَهِيَّتِهِ عِنْدَ مَن لا يُعَلِّلُ أفْعالَهُ وأحْكامَهُ بِرِعايَةِ المَصالِحِ، وإمّا بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ المُقَدَّرَةِ عِنْدَ مَن يُعَلِّلُ أفْعالَهُ وأحْكامَهُ بِرِعايَةِ المَصالِحِ، ثُمَّ إذا حَضَرَ الوَقْتُ الَّذِي وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِحُدُوثِ ذَلِكَ الحادِثِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَحْدُثَ فِيهِ، ويَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فَقالُوا: هَذا الِاسْتِثْناءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا الطّاعَةَ والمَعْصِيَةَ، فَهَذا الِاسْتِثْناءُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُسْتَقِلًّا بِهِما. والجَوابُ: قالَ أصْحابُنا: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ”فَإذا جاءَ أجَلُهم“ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا لا يَمُوتُ إلّا بِانْقِضاءِ أجَلِهِ، وكَذَلِكَ المَقْتُولُ لا يُقْتَلُ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ، وهَذِهِ مَسْألَةٌ طَوِيلَةٌ وقَدْ ذَكَرْناها في هَذا الكِتابِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ شَرْطٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ جَزاءٌ، والفاءُ حَرْفُ الجَزاءِ، فَوَجَبَ إدْخالُهُ عَلى الجَزاءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ يَحْصُلُ مَعَ حُصُولِ الشَّرْطِ لا مُتَأخِّرًا عَنْهُ وأنَّ حَرْفَ الفاءِ لا يَدُلُّ عَلى التَّراخِي، وإنَّما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ جَزاءً. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِامْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ إنْ نَكَحْتُكِ فَأنْتِ طالِقٌ قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَصِحُّ هَذا التَّعْلِيقُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَصِحُّ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى صفحة ٨٨ أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ حالَ حُصُولِ الشَّرْطِ، فَلَوْ صَحَّ هَذا التَّعْلِيقُ لَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ الطَّلاقُ مُقارَنًا لِلنِّكاحِ، لِما ثَبَتَ أنَّ الجَزاءَ يَجِبُ حُصُولُهُ مَعَ حُصُولِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، ولَمّا كانَ هَذا اللّازِمُ باطِلًا وجَبَ أنْ لا يَصِحَّ هَذا التَّعْلِيقُ.

يونس 10:50

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: حاصِلُ الجَوابِ أنْ يُقالَ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ نُزُولَ العَذابِ بِتَقْدِيرِ أنْ يَحْصُلَ هَذا المَطْلُوبُ ويَنْزِلَ هَذا العَذابُ، ما الفائِدَةُ لَكم فِيهِ ؟ فَإنْ قُلْتُمْ: نُؤْمِنُ عِنْدَهُ، فَذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ الإيمانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ إيمانٌ حاصِلٌ في وقْتِ الإلْجاءِ والقَسْرِ، وذَلِكَ لا يُفِيدُ نَفْعًا ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الَّذِي تَطْلُبُونَهُ لَوْ حَصَلَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ إلّا العَذابُ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَحْصُلُ عَقِيبَهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابٌ آخَرُ أشَدُّ مِنهُ، وهو أنَّهُ يُقالُ: لِلَّذِينِ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ، ثُمَّ يُقْرَنُ بِذَلِكَ العَذابِ كَلامٌ يَدُلُّ عَلى الإهانَةِ والتَّحْقِيرِ وهو أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فَحاصِلُ هَذا الجَوابِ: أنَّ هَذا الَّذِي تَطْلُبُونَهُ هو مَحْضُ الضَّرَرِ العارِي عَنْ جِهاتِ النَّفْعِ. والعاقِلُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَياتًا﴾ أيْ لَيْلًا، يُقالُ بِتُّ لَيْلَتِي أفْعَلُ كَذا، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ في اللَّيْلِ يَكُونُ ظاهِرًا في البَيْتِ، فَجُعِلَ هَذا اللَّفْظُ كِنايَةً عَنِ اللَّيْلِ، والبَياتُ مَصْدَرٌ مِثْلُ التَّبْيِيتِ كالوَداعِ والسَّراحِ، ويُقالُ في النَّهارِ ظَلِلْتُ أفْعَلُ كَذا، لِأنَّ الإنْسانَ في النَّهارِ يَكُونُ ظاهِرًا في الظِّلِّ. وانْتَصَبَ بَياتًا عَلى الظَّرْفِ أيْ وقْتَ بَياتٍ. وكَلِمَةُ ”ماذا“ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا، ويَكُونَ مَنصُوبَ المَحَلِّ كَما لَوْ قالَ: ماذا أرادَ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ذا“ بِمَعْنى الَّذِي، فَيَكُونَ ماذا كَلِمَتَيْنِ، ومَحَلُّ ”ما“ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”ذا“ وهو بِمَعْنى الَّذِي، فَيَكُونَ مَعْناهُ ما الَّذِي يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ، ومَعْناهُ، أيُّ شَيْءٍ الَّذِي يَسْتَعْجِلُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ شَرْطٌ. وجَوابُهُ: قَوْلُهُ ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ، وهو كَقَوْلِكَ إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي، يَعْنِي: إنْ حَصَلَ هَذا المَطْلُوبُ، فَأيُّ مَقْصُودٍ تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنهُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ دُخُولَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَلى ثُمَّ كَدُخُولِهِ عَلى الواوِ والفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٨]، ﴿أفَأمِنَ﴾ [ الأعْرافِ: ٩٧ ) وهو يُفِيدُ التَّقْرِيعَ والتَّوْبِيخَ، ثُمَّ أخْبَرَ صفحة ٨٩ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ غَيْرُ واقِعٍ لَهم بَلْ يُعَيَّرُونَ ويُوَبَّخُونَ، فَيُقالُ: آلْآنَ تُؤْمِنُونَ وتَرْجُونَ الِانْتِفاعَ بِالإيمانِ مَعَ أنَّكم كُنْتُمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ. وقُرِئَ ”آلانَ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ فَهو عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ قَبْلَ ”آلْآنَ“ والتَّقْدِيرُ: قِيلَ: آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثُ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أيْنَما ذَكَرَ العِقابَ والعَذابَ ذَكَرَ هَذِهِ العِلَّةَ، كَأنَّ سائِلًا يَسْألُ وهو يَقُولُ: يا رَبَّ العِزَّةِ أنْتَ الغَنِيُّ عَنِ الكُلِّ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِرَحْمَتِكَ هَذا التَّشْدِيدُ والوَعِيدُ، فَهو تَعالى يَقُولُ: ”أنا ما عامَلْتُهُ بِهَذِهِ المُعامَلَةِ ابْتِداءً بَلْ هَذا وصَلَ إلَيْهِ جَزاءً عَلى عَمَلِهِ الباطِلِ“ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ راجِحٌ غالِبٌ، وجانِبَ العَذابِ مَرْجُوحٌ مَغْلُوبٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ يُوجِبُ العَمَلَ، أمّا عِنْدَ الفَلاسِفَةِ فَهو أثَرُ العَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُوجِبُ تَنْوِيرَ القَلْبِ وإشْراقَهُ إيجابَ العِلَّةِ مَعْلُولَها. وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُوجِبُ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ عَلى اللَّهِ تَعالى. وأمّا عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ؛ فَلِأنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ واجِبٌ بِحُكْمِ الوَعْدِ المَحْضِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُكْتَسِبًا خِلافًا لِلْجَبْرِيَّةِ، وعِنْدَنا أنَّ كَوْنَهُ مُكْتَسِبًا مَعْناهُ أنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِيَةِ الخالِصَةِ يُوجِبُ الفِعْلَ؛ والمَسْألَةُ طَوِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِدَلائِلِها.

يونس 10:51

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: حاصِلُ الجَوابِ أنْ يُقالَ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ نُزُولَ العَذابِ بِتَقْدِيرِ أنْ يَحْصُلَ هَذا المَطْلُوبُ ويَنْزِلَ هَذا العَذابُ، ما الفائِدَةُ لَكم فِيهِ ؟ فَإنْ قُلْتُمْ: نُؤْمِنُ عِنْدَهُ، فَذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ الإيمانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ إيمانٌ حاصِلٌ في وقْتِ الإلْجاءِ والقَسْرِ، وذَلِكَ لا يُفِيدُ نَفْعًا ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الَّذِي تَطْلُبُونَهُ لَوْ حَصَلَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ إلّا العَذابُ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَحْصُلُ عَقِيبَهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابٌ آخَرُ أشَدُّ مِنهُ، وهو أنَّهُ يُقالُ: لِلَّذِينِ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ، ثُمَّ يُقْرَنُ بِذَلِكَ العَذابِ كَلامٌ يَدُلُّ عَلى الإهانَةِ والتَّحْقِيرِ وهو أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فَحاصِلُ هَذا الجَوابِ: أنَّ هَذا الَّذِي تَطْلُبُونَهُ هو مَحْضُ الضَّرَرِ العارِي عَنْ جِهاتِ النَّفْعِ. والعاقِلُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَياتًا﴾ أيْ لَيْلًا، يُقالُ بِتُّ لَيْلَتِي أفْعَلُ كَذا، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ في اللَّيْلِ يَكُونُ ظاهِرًا في البَيْتِ، فَجُعِلَ هَذا اللَّفْظُ كِنايَةً عَنِ اللَّيْلِ، والبَياتُ مَصْدَرٌ مِثْلُ التَّبْيِيتِ كالوَداعِ والسَّراحِ، ويُقالُ في النَّهارِ ظَلِلْتُ أفْعَلُ كَذا، لِأنَّ الإنْسانَ في النَّهارِ يَكُونُ ظاهِرًا في الظِّلِّ. وانْتَصَبَ بَياتًا عَلى الظَّرْفِ أيْ وقْتَ بَياتٍ. وكَلِمَةُ ”ماذا“ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا، ويَكُونَ مَنصُوبَ المَحَلِّ كَما لَوْ قالَ: ماذا أرادَ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ذا“ بِمَعْنى الَّذِي، فَيَكُونَ ماذا كَلِمَتَيْنِ، ومَحَلُّ ”ما“ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”ذا“ وهو بِمَعْنى الَّذِي، فَيَكُونَ مَعْناهُ ما الَّذِي يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ، ومَعْناهُ، أيُّ شَيْءٍ الَّذِي يَسْتَعْجِلُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ شَرْطٌ. وجَوابُهُ: قَوْلُهُ ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ، وهو كَقَوْلِكَ إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي، يَعْنِي: إنْ حَصَلَ هَذا المَطْلُوبُ، فَأيُّ مَقْصُودٍ تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنهُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ دُخُولَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَلى ثُمَّ كَدُخُولِهِ عَلى الواوِ والفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٨]، ﴿أفَأمِنَ﴾ [ الأعْرافِ: ٩٧ ) وهو يُفِيدُ التَّقْرِيعَ والتَّوْبِيخَ، ثُمَّ أخْبَرَ صفحة ٨٩ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ غَيْرُ واقِعٍ لَهم بَلْ يُعَيَّرُونَ ويُوَبَّخُونَ، فَيُقالُ: آلْآنَ تُؤْمِنُونَ وتَرْجُونَ الِانْتِفاعَ بِالإيمانِ مَعَ أنَّكم كُنْتُمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ. وقُرِئَ ”آلانَ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ فَهو عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ قَبْلَ ”آلْآنَ“ والتَّقْدِيرُ: قِيلَ: آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثُ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أيْنَما ذَكَرَ العِقابَ والعَذابَ ذَكَرَ هَذِهِ العِلَّةَ، كَأنَّ سائِلًا يَسْألُ وهو يَقُولُ: يا رَبَّ العِزَّةِ أنْتَ الغَنِيُّ عَنِ الكُلِّ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِرَحْمَتِكَ هَذا التَّشْدِيدُ والوَعِيدُ، فَهو تَعالى يَقُولُ: ”أنا ما عامَلْتُهُ بِهَذِهِ المُعامَلَةِ ابْتِداءً بَلْ هَذا وصَلَ إلَيْهِ جَزاءً عَلى عَمَلِهِ الباطِلِ“ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ راجِحٌ غالِبٌ، وجانِبَ العَذابِ مَرْجُوحٌ مَغْلُوبٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ يُوجِبُ العَمَلَ، أمّا عِنْدَ الفَلاسِفَةِ فَهو أثَرُ العَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُوجِبُ تَنْوِيرَ القَلْبِ وإشْراقَهُ إيجابَ العِلَّةِ مَعْلُولَها. وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُوجِبُ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ عَلى اللَّهِ تَعالى. وأمّا عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ؛ فَلِأنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ واجِبٌ بِحُكْمِ الوَعْدِ المَحْضِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُكْتَسِبًا خِلافًا لِلْجَبْرِيَّةِ، وعِنْدَنا أنَّ كَوْنَهُ مُكْتَسِبًا مَعْناهُ أنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِيَةِ الخالِصَةِ يُوجِبُ الفِعْلَ؛ والمَسْألَةُ طَوِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِدَلائِلِها.

يونس 10:52

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: حاصِلُ الجَوابِ أنْ يُقالَ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ نُزُولَ العَذابِ بِتَقْدِيرِ أنْ يَحْصُلَ هَذا المَطْلُوبُ ويَنْزِلَ هَذا العَذابُ، ما الفائِدَةُ لَكم فِيهِ ؟ فَإنْ قُلْتُمْ: نُؤْمِنُ عِنْدَهُ، فَذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ الإيمانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ إيمانٌ حاصِلٌ في وقْتِ الإلْجاءِ والقَسْرِ، وذَلِكَ لا يُفِيدُ نَفْعًا ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الَّذِي تَطْلُبُونَهُ لَوْ حَصَلَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ إلّا العَذابُ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَحْصُلُ عَقِيبَهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابٌ آخَرُ أشَدُّ مِنهُ، وهو أنَّهُ يُقالُ: لِلَّذِينِ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ، ثُمَّ يُقْرَنُ بِذَلِكَ العَذابِ كَلامٌ يَدُلُّ عَلى الإهانَةِ والتَّحْقِيرِ وهو أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فَحاصِلُ هَذا الجَوابِ: أنَّ هَذا الَّذِي تَطْلُبُونَهُ هو مَحْضُ الضَّرَرِ العارِي عَنْ جِهاتِ النَّفْعِ. والعاقِلُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بَياتًا﴾ أيْ لَيْلًا، يُقالُ بِتُّ لَيْلَتِي أفْعَلُ كَذا، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ في اللَّيْلِ يَكُونُ ظاهِرًا في البَيْتِ، فَجُعِلَ هَذا اللَّفْظُ كِنايَةً عَنِ اللَّيْلِ، والبَياتُ مَصْدَرٌ مِثْلُ التَّبْيِيتِ كالوَداعِ والسَّراحِ، ويُقالُ في النَّهارِ ظَلِلْتُ أفْعَلُ كَذا، لِأنَّ الإنْسانَ في النَّهارِ يَكُونُ ظاهِرًا في الظِّلِّ. وانْتَصَبَ بَياتًا عَلى الظَّرْفِ أيْ وقْتَ بَياتٍ. وكَلِمَةُ ”ماذا“ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا، ويَكُونَ مَنصُوبَ المَحَلِّ كَما لَوْ قالَ: ماذا أرادَ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ذا“ بِمَعْنى الَّذِي، فَيَكُونَ ماذا كَلِمَتَيْنِ، ومَحَلُّ ”ما“ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”ذا“ وهو بِمَعْنى الَّذِي، فَيَكُونَ مَعْناهُ ما الَّذِي يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ، ومَعْناهُ، أيُّ شَيْءٍ الَّذِي يَسْتَعْجِلُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ شَرْطٌ. وجَوابُهُ: قَوْلُهُ ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ، وهو كَقَوْلِكَ إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي، يَعْنِي: إنْ حَصَلَ هَذا المَطْلُوبُ، فَأيُّ مَقْصُودٍ تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنهُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ دُخُولَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَلى ثُمَّ كَدُخُولِهِ عَلى الواوِ والفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٨]، ﴿أفَأمِنَ﴾ [ الأعْرافِ: ٩٧ ) وهو يُفِيدُ التَّقْرِيعَ والتَّوْبِيخَ، ثُمَّ أخْبَرَ صفحة ٨٩ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الإيمانَ غَيْرُ واقِعٍ لَهم بَلْ يُعَيَّرُونَ ويُوَبَّخُونَ، فَيُقالُ: آلْآنَ تُؤْمِنُونَ وتَرْجُونَ الِانْتِفاعَ بِالإيمانِ مَعَ أنَّكم كُنْتُمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ. وقُرِئَ ”آلانَ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ فَهو عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ قَبْلَ ”آلْآنَ“ والتَّقْدِيرُ: قِيلَ: آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثُ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أيْنَما ذَكَرَ العِقابَ والعَذابَ ذَكَرَ هَذِهِ العِلَّةَ، كَأنَّ سائِلًا يَسْألُ وهو يَقُولُ: يا رَبَّ العِزَّةِ أنْتَ الغَنِيُّ عَنِ الكُلِّ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِرَحْمَتِكَ هَذا التَّشْدِيدُ والوَعِيدُ، فَهو تَعالى يَقُولُ: ”أنا ما عامَلْتُهُ بِهَذِهِ المُعامَلَةِ ابْتِداءً بَلْ هَذا وصَلَ إلَيْهِ جَزاءً عَلى عَمَلِهِ الباطِلِ“ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ راجِحٌ غالِبٌ، وجانِبَ العَذابِ مَرْجُوحٌ مَغْلُوبٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ يُوجِبُ العَمَلَ، أمّا عِنْدَ الفَلاسِفَةِ فَهو أثَرُ العَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُوجِبُ تَنْوِيرَ القَلْبِ وإشْراقَهُ إيجابَ العِلَّةِ مَعْلُولَها. وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُوجِبُ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ عَلى اللَّهِ تَعالى. وأمّا عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ؛ فَلِأنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ واجِبٌ بِحُكْمِ الوَعْدِ المَحْضِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُكْتَسِبًا خِلافًا لِلْجَبْرِيَّةِ، وعِنْدَنا أنَّ كَوْنَهُ مُكْتَسِبًا مَعْناهُ أنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِيَةِ الخالِصَةِ يُوجِبُ الفِعْلَ؛ والمَسْألَةُ طَوِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِدَلائِلِها.

يونس 10:53

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ أخَبَرَ عَنِ الكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . [الأنبياء: ٣٨] وأجابَ عَنْهُ بِما تَقَدَّمَ؛ فَحَكى عَنْهم أنَّهم رَجَعُوا إلى الرَّسُولِ مَرَّةً أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ الواقِعَةِ وسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ مَرَّةً أُخْرى وقالُوا: أحَقٌّ هو ؟ واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ جَهْلٌ مَحْضٌ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ هَذا السُّؤالُ مَعَ الجَوابِ، فَلا يَكُونُ في الإعادَةِ فائِدَةٌ. وثانِيها: أنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى كَوْنِ مُحَمَّدٍ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو بَيانُ كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وإذا صَحَّتْ نُبُوَّتُهُ لَزِمَ القَطْعُ بِصِحَّةِ كُلِّ ما يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِهِ، فَهَذِهِ المَعانِي تُوجِبُ الإعْراضَ عَنْهم، وتَرْكَ الِالتِفاتِ إلى سُؤالِهِمْ. واخْتَلَفُوا في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ قِيلَ: أحَقٌّ ما جِئْتَنا بِهِ مِنَ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ والشَّرائِعِ. وقِيلَ: ما تَعِدُنا مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ. وقِيلَ: ما تَعِدُنا مِن نُزُولِ العَذابِ عَلَيْنا في الدُّنْيا. صفحة ٩٠ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ والفائِدَةُ فِيهِ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ يَسْتَمِيلَهم ويَتَكَلَّمَ مَعَهم بِالكَلامِ المُعْتادِ. ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ مَن أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، فَقَدْ أخْرَجَهُ عَنِ الهَزْلِ، وأدْخَلَهُ في بابِ الجِدِّ. وثانِيها: أنَّ النّاسَ طَبَقاتٌ فَمِنهم مَن لا يُقِرُّ بِالشَّيْءِ إلّا بِالبُرْهانِ الحَقِيقِيِّ، ومِنهم مَن لا يَنْتَفِعُ بِالبُرْهانِ الحَقِيقِيِّ، بَلْ يَنْتَفِعُ بِالأشْياءِ الإقْناعِيَّةِ نَحْوَ القَسَمِ، فَإنَّ الأعْرابِيَّ الَّذِي جاءَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسَألَ عَنْ نَبُّوتِهِ ورِسالَتِهِ اكْتَفى في تَحْقِيقِ تِلْكَ الدَّعْوى بِالقَسَمِ، فَكَذا هَهُنا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ولا بُدَّ فِيهِ مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ المُرادُ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ لِمَن وعَدَكم بِالعَذابِ أنْ يُنْزِلَهُ عَلَيْكم والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أحَدًا لا يَجُوزُ أنْ يُمانِعَ رَبَّهُ ويُدافِعَهُ عَمّا أرادَ وقَضى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الكَلِماتِ، إنَّما يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ما دامُوا في الدُّنْيا، فَأمّا إذا حَضَرُوا مَحْفِلَ القِيامَةِ وعايَنُوا قَهْرَ اللَّهِ تَعالى، وآثارَ عَظَمَتِهِ، تَرَكُوا ذَلِكَ واشْتَغَلُوا بِأشْياءَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم ثَلاثَةَ أشْياءَ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ إلّا أنَّ ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ؛ لِأنَّهُ في مَحْفِلِ القِيامَةِ لا يَمْلِكُ شَيْئًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] وبِتَقْدِيرِ: أنْ يَمْلِكَ خَزائِنَ الأرْضِ لا يَنْفَعُهُ الفِداءُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] وقالَ في صِفَةِ هَذا اليَوْمِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ﴾ جاءَ عَلى لَفْظِ الماضِي، والقِيامَةُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ إلّا أنَّها لَمّا كانَتْ واجِبَةَ الوُقُوعِ، جَعَلَ اللَّهُ مُسْتَقْبَلَها كالماضِي، واعْلَمْ أنَّ الإسْرارَ هو الإخْفاءُ والإظْهارُ وهو مِنَ الأضْدادِ، أمّا وُرُودُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِمَعْنى الإخْفاءِ فَظاهِرٌ، وأمّا وُرُودُها بِمَعْنى الإظْهارِ فَهو مِن قَوْلِهِمْ سَرَّ الشَّيْءَ وأسَرَّهُ إذا أظْهَرَهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِنهُ إخْفاءُ تِلْكَ النَّدامَةِ، والسَّبَبُ في هَذا الإخْفاءِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ الشَّدِيدَ صارُوا مَبْهُوتِينَ مُتَحَيِّرِينَ، فَلَمْ يُطِيقُوا عِنْدَهُ بُكاءً ولا صُراخًا سِوى إسْرارِ النَّدَمِ كالحالِ فِيمَن يُذْهَبُ بِهِ لِيُصْلَبَ، فَإنَّهُ يَبْقى مَبْهُوتًا مُتَحَيِّرًا لا يَنْطِقُ بِكَلِمَةٍ. الثّانِي: أنَّهم أسَرُّوا النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمْ وأتْباعِهِمْ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ مَهابَةَ ذَلِكَ المَوْقِفِ تَمْنَعُ الإنْسانَ عَنْ هَذا التَّدْبِيرِ فَكَيْفَ قَدِمُوا عَلَيْهِ ؟ قُلْنا: إنَّ هَذا الكِتْمانَ إنَّما يَحْصُلُ قَبْلَ الِاحْتِراقِ بِالنّارِ، فَإذا احْتَرَقُوا تَرَكُوا هَذا الإخْفاءَ وأظْهَرُوهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الثّالِثُ: أنَّهم أسَرُّوا تِلْكَ النَّدامَةَ لِأنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ في تِلْكَ النَّدامَةِ، ومَن أخْلَصَ في الدُّعاءِ أسَرَّهُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وبِإخْلاصِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم لَمّا أتَوْا بِهَذا الإخْلاصِ في غَيْرِ وقْتِهِ لَمْ يَنْفَعْهم، بَلْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوا بِهِ في دارِ الدُّنْيا وقْتَ التَّكْلِيفِ، وأمّا مَن فَسَّرَ الإسْرارَ بِالإظْهارِ فَقَوْلُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهم إنَّما أخْفَوُا النَّدامَةَ عَلى الكُفْرِ والفِسْقِ في الدُّنْيا لِأجْلِ حِفْظِ الرِّياسَةِ، وفي القِيامَةِ بَطُلَ هَذا الغَرَضُ فَوَجَبَ الإظْهارُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَقِيلَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقِيلَ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ، وقِيلَ بَيْنَ الكُفّارِ بِإنْزالِ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ. صفحة ٩١ واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ وإنِ اشْتَرَكُوا في العَذابِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَقْضِيَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا في الدُّنْيا وخانَهُ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ القَضاءِ تَخْفِيفٌ مِن عَذابِ بَعْضِهِمْ، وتَثْقِيلٌ لِعَذابِ الباقِينَ؛ لِأنَّ العَدْلَ يَقْتَضِي أنْ يَنْتَصِفَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِأنْ يُخَفِّفَ مِن عَذابِ المَظْلُومِينَ ويُثَقِّلَ في عَذابِ الظّالِمِينَ. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

يونس 10:54

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ أخَبَرَ عَنِ الكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . [الأنبياء: ٣٨] وأجابَ عَنْهُ بِما تَقَدَّمَ؛ فَحَكى عَنْهم أنَّهم رَجَعُوا إلى الرَّسُولِ مَرَّةً أُخْرى في عَيْنِ هَذِهِ الواقِعَةِ وسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ مَرَّةً أُخْرى وقالُوا: أحَقٌّ هو ؟ واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ جَهْلٌ مَحْضٌ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ هَذا السُّؤالُ مَعَ الجَوابِ، فَلا يَكُونُ في الإعادَةِ فائِدَةٌ. وثانِيها: أنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى كَوْنِ مُحَمَّدٍ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو بَيانُ كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، وإذا صَحَّتْ نُبُوَّتُهُ لَزِمَ القَطْعُ بِصِحَّةِ كُلِّ ما يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِهِ، فَهَذِهِ المَعانِي تُوجِبُ الإعْراضَ عَنْهم، وتَرْكَ الِالتِفاتِ إلى سُؤالِهِمْ. واخْتَلَفُوا في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ قِيلَ: أحَقٌّ ما جِئْتَنا بِهِ مِنَ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ والشَّرائِعِ. وقِيلَ: ما تَعِدُنا مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ. وقِيلَ: ما تَعِدُنا مِن نُزُولِ العَذابِ عَلَيْنا في الدُّنْيا. صفحة ٩٠ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ والفائِدَةُ فِيهِ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ يَسْتَمِيلَهم ويَتَكَلَّمَ مَعَهم بِالكَلامِ المُعْتادِ. ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ مَن أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، فَقَدْ أخْرَجَهُ عَنِ الهَزْلِ، وأدْخَلَهُ في بابِ الجِدِّ. وثانِيها: أنَّ النّاسَ طَبَقاتٌ فَمِنهم مَن لا يُقِرُّ بِالشَّيْءِ إلّا بِالبُرْهانِ الحَقِيقِيِّ، ومِنهم مَن لا يَنْتَفِعُ بِالبُرْهانِ الحَقِيقِيِّ، بَلْ يَنْتَفِعُ بِالأشْياءِ الإقْناعِيَّةِ نَحْوَ القَسَمِ، فَإنَّ الأعْرابِيَّ الَّذِي جاءَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسَألَ عَنْ نَبُّوتِهِ ورِسالَتِهِ اكْتَفى في تَحْقِيقِ تِلْكَ الدَّعْوى بِالقَسَمِ، فَكَذا هَهُنا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ولا بُدَّ فِيهِ مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ المُرادُ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ لِمَن وعَدَكم بِالعَذابِ أنْ يُنْزِلَهُ عَلَيْكم والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أحَدًا لا يَجُوزُ أنْ يُمانِعَ رَبَّهُ ويُدافِعَهُ عَمّا أرادَ وقَضى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الكَلِماتِ، إنَّما يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ما دامُوا في الدُّنْيا، فَأمّا إذا حَضَرُوا مَحْفِلَ القِيامَةِ وعايَنُوا قَهْرَ اللَّهِ تَعالى، وآثارَ عَظَمَتِهِ، تَرَكُوا ذَلِكَ واشْتَغَلُوا بِأشْياءَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم ثَلاثَةَ أشْياءَ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ إلّا أنَّ ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ؛ لِأنَّهُ في مَحْفِلِ القِيامَةِ لا يَمْلِكُ شَيْئًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] وبِتَقْدِيرِ: أنْ يَمْلِكَ خَزائِنَ الأرْضِ لا يَنْفَعُهُ الفِداءُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] وقالَ في صِفَةِ هَذا اليَوْمِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ﴾ جاءَ عَلى لَفْظِ الماضِي، والقِيامَةُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ إلّا أنَّها لَمّا كانَتْ واجِبَةَ الوُقُوعِ، جَعَلَ اللَّهُ مُسْتَقْبَلَها كالماضِي، واعْلَمْ أنَّ الإسْرارَ هو الإخْفاءُ والإظْهارُ وهو مِنَ الأضْدادِ، أمّا وُرُودُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِمَعْنى الإخْفاءِ فَظاهِرٌ، وأمّا وُرُودُها بِمَعْنى الإظْهارِ فَهو مِن قَوْلِهِمْ سَرَّ الشَّيْءَ وأسَرَّهُ إذا أظْهَرَهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِنهُ إخْفاءُ تِلْكَ النَّدامَةِ، والسَّبَبُ في هَذا الإخْفاءِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا رَأوُا العَذابَ الشَّدِيدَ صارُوا مَبْهُوتِينَ مُتَحَيِّرِينَ، فَلَمْ يُطِيقُوا عِنْدَهُ بُكاءً ولا صُراخًا سِوى إسْرارِ النَّدَمِ كالحالِ فِيمَن يُذْهَبُ بِهِ لِيُصْلَبَ، فَإنَّهُ يَبْقى مَبْهُوتًا مُتَحَيِّرًا لا يَنْطِقُ بِكَلِمَةٍ. الثّانِي: أنَّهم أسَرُّوا النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمْ وأتْباعِهِمْ حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ مَهابَةَ ذَلِكَ المَوْقِفِ تَمْنَعُ الإنْسانَ عَنْ هَذا التَّدْبِيرِ فَكَيْفَ قَدِمُوا عَلَيْهِ ؟ قُلْنا: إنَّ هَذا الكِتْمانَ إنَّما يَحْصُلُ قَبْلَ الِاحْتِراقِ بِالنّارِ، فَإذا احْتَرَقُوا تَرَكُوا هَذا الإخْفاءَ وأظْهَرُوهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الثّالِثُ: أنَّهم أسَرُّوا تِلْكَ النَّدامَةَ لِأنَّهم أخْلَصُوا لِلَّهِ في تِلْكَ النَّدامَةِ، ومَن أخْلَصَ في الدُّعاءِ أسَرَّهُ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وبِإخْلاصِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم لَمّا أتَوْا بِهَذا الإخْلاصِ في غَيْرِ وقْتِهِ لَمْ يَنْفَعْهم، بَلْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوا بِهِ في دارِ الدُّنْيا وقْتَ التَّكْلِيفِ، وأمّا مَن فَسَّرَ الإسْرارَ بِالإظْهارِ فَقَوْلُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهم إنَّما أخْفَوُا النَّدامَةَ عَلى الكُفْرِ والفِسْقِ في الدُّنْيا لِأجْلِ حِفْظِ الرِّياسَةِ، وفي القِيامَةِ بَطُلَ هَذا الغَرَضُ فَوَجَبَ الإظْهارُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فَقِيلَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وقِيلَ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ، وقِيلَ بَيْنَ الكُفّارِ بِإنْزالِ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ. صفحة ٩١ واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ وإنِ اشْتَرَكُوا في العَذابِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَقْضِيَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا في الدُّنْيا وخانَهُ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ القَضاءِ تَخْفِيفٌ مِن عَذابِ بَعْضِهِمْ، وتَثْقِيلٌ لِعَذابِ الباقِينَ؛ لِأنَّ العَدْلَ يَقْتَضِي أنْ يَنْتَصِفَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِأنْ يُخَفِّفَ مِن عَذابِ المَظْلُومِينَ ويُثَقِّلَ في عَذابِ الظّالِمِينَ. ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

يونس 10:55

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ فَلا جَرَمَ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ لِلظّالِمِ شَيْءٌ يَفْتَدِي بِهِ، فَإنَّ كُلَّ الأشْياءِ مُلْكُ اللَّهِ تَعالى ومِلْكُهُ واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّوْجِيهَ حَسَنٌ، أمّا الأحْسَنُ أنْ يُقالَ إنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ النّاسَ عَلى طَبَقاتٍ، فَمِنهم مَن يَكُونُ انْتِفاعُهُ بِالإقْناعِيّاتِ أكْثَرَ مِنَ انْتِفاعِهِ بِالبُرْهانِيّاتِ، أمّا المُحَقِّقُونَ فَإنَّهم لا يَلْتَفِتُونَ إلى الإقْناعِيّاتِ، وإنَّما تَعْوِيلُهم عَلى الدَّلائِلِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ، فَلَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: أحَقٌّ هو ؟ أمَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يَقُولَ: ﴿إي ورَبِّي﴾ وهَذا جارٍ مَجْرى الإقْناعِيّاتِ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما هو البُرْهانُ القاطِعُ عَلى صِحَّتِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ والقَوْلَ بِصِحَّةِ المَعادِ يَتَفَرَّعانِ عَلى إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الدَّلِيلَ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ القَضِيَّةِ، لِأنَّهُ تَعالى قَدِ اسْتَقْصى في تَقْرِيرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ فِيما سَبَقَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ [يونس: ٥] فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ اكْتَفى بِذِكْرِها، وذَكَرَ أنَّ كُلَّ ما في العالَمِ مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ وجَسَدٍ ورُوحٍ وظُلْمَةٍ ونُورٍ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، فَهو تَعالى لِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ يَكُونُ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ عَلى الأعْداءِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، ويَكُونُ قادِرًا عَلى إيصالِ الرَّحْمَةِ إلى الأوْلِياءِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، ويَكُونُ قادِرًا عَلى تَأْيِيدِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ ويَكُونُ قادِرًا عَلى إعْلاءِ شَأْنِ رَسُولِهِ، وإظْهارِ دِينِهِ، وتَقْوِيَةِ شَرْعِهِ، ولَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ ذَلِكَ فَقَدْ بَطُلَ الِاسْتِهْزاءُ والتَّعَجُّبُ، ولَمّا كانَ مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ، وكُلُّ ما وعَدَ بِهِ فَلا بُدَّ وأنْ يَقَعَ. هَذا إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لا يُراعِي مَصالِحَ العِبادِ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى يُراعِيها، فَنَقُولُ: الكَذِبُ إنَّما يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ، إمّا لِلْعَجْزِ أوْ لِلْجَهْلِ أوْ لِلْحاجَةِ، ولَمّا كانَ الحَقُّ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الكُلِّ كانَ الكَذِبُ عَلَيْهِ مُحالًا، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ نُزُولِ العَذابِ بِهَؤُلاءِ الكُفّارِ، وبِحُصُولِ الحَشْرِ والنَّشْرِ وجَبَ القَطْعُ بِوُقُوعِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا صفحة ٩٢ البَيانِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُقَدِّمَةٌ تُوجِبُ الجَزْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم غافِلُونَ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ، مَغْرُورُونَ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، فَلا جَرَمَ بَقُوا مَحْرُومِينَ عَنْ هَذِهِ المَعارِفِ، ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ هَذِهِ الدَّلائِلَ فَقالَ: ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لَمّا قَدَرَ عَلى الإحْياءِ في المَرَّةِ الأُولى، فَإذا أماتَهُ وجَبَ أنْ يَبْقى قادِرًا عَلى إحْيائِهِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ: ﴿إي ورَبِّي﴾ [يونس: ٥٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أتْبَعَ ذَلِكَ الكَلامَ بِذِكْرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ. واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ دَقِيقَةً أُخْرى وهي كَلِمَةُ ”ألا“ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إنَّما تُذْكَرُ عِنْدَ تَنْبِيهِ الغافِلِينَ وإيقاظِ النّائِمِينَ وأهْلُ هَذا العالَمِ مَشْغُولُونَ بِالنَّظَرِ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ فَيَقُولُونَ البُسْتانُ لِلْأمِيرِ، والدّارُ لِلْوَزِيرِ والغُلامُ لِزَيْدٍ، والجارِيَةُ لِعَمْرٍو فَيُضِيفُونَ كُلَّ شَيْءٍ إلى مالِكٍ آخَرَ، والخَلْقُ لِكَوْنِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ في نَوْمِ الجَهْلِ ورَقْدَةِ الغَفْلَةِ يَظُنُّونَ صِحَّةَ تِلْكَ الإضافاتِ فالحَقُّ نادى هَؤُلاءِ النّائِمِينَ الغافِلِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقُّ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وثَبَتَ أنَّ المُمْكِنَ مُسْتَنِدٌ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، إمّا ابْتِداءً أوْ بِواسِطَةٍ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِواهُ مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ في الحَقِيقَةِ مُلْكٌ، فَلَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ غافِلِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ هَذا المَعْنى غَيْرَ عالِمِينَ بِهِ، لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَذْكُرَ هَذا النِّداءَ، لَعَلَّ واحِدًا مِنهم يَسْتَيْقِظُ مِن نَوْمِ الجَهالَةِ ورَقْدَةِ الضَّلالَةِ.

يونس 10:56

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ فَلا جَرَمَ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ لِلظّالِمِ شَيْءٌ يَفْتَدِي بِهِ، فَإنَّ كُلَّ الأشْياءِ مُلْكُ اللَّهِ تَعالى ومِلْكُهُ واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّوْجِيهَ حَسَنٌ، أمّا الأحْسَنُ أنْ يُقالَ إنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ النّاسَ عَلى طَبَقاتٍ، فَمِنهم مَن يَكُونُ انْتِفاعُهُ بِالإقْناعِيّاتِ أكْثَرَ مِنَ انْتِفاعِهِ بِالبُرْهانِيّاتِ، أمّا المُحَقِّقُونَ فَإنَّهم لا يَلْتَفِتُونَ إلى الإقْناعِيّاتِ، وإنَّما تَعْوِيلُهم عَلى الدَّلائِلِ البَيِّنَةِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ، فَلَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: أحَقٌّ هو ؟ أمَرَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يَقُولَ: ﴿إي ورَبِّي﴾ وهَذا جارٍ مَجْرى الإقْناعِيّاتِ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما هو البُرْهانُ القاطِعُ عَلى صِحَّتِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ القَوْلَ بِالنُّبُوَّةِ والقَوْلَ بِصِحَّةِ المَعادِ يَتَفَرَّعانِ عَلى إثْباتِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الدَّلِيلَ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ القَضِيَّةِ، لِأنَّهُ تَعالى قَدِ اسْتَقْصى في تَقْرِيرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ فِيما سَبَقَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ [يونس: ٥] فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ اكْتَفى بِذِكْرِها، وذَكَرَ أنَّ كُلَّ ما في العالَمِ مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ وجَسَدٍ ورُوحٍ وظُلْمَةٍ ونُورٍ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، فَهو تَعالى لِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ يَكُونُ قادِرًا عَلى إنْزالِ العَذابِ عَلى الأعْداءِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، ويَكُونُ قادِرًا عَلى إيصالِ الرَّحْمَةِ إلى الأوْلِياءِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، ويَكُونُ قادِرًا عَلى تَأْيِيدِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ ويَكُونُ قادِرًا عَلى إعْلاءِ شَأْنِ رَسُولِهِ، وإظْهارِ دِينِهِ، وتَقْوِيَةِ شَرْعِهِ، ولَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ ذَلِكَ فَقَدْ بَطُلَ الِاسْتِهْزاءُ والتَّعَجُّبُ، ولَمّا كانَ مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ، وكُلُّ ما وعَدَ بِهِ فَلا بُدَّ وأنْ يَقَعَ. هَذا إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لا يُراعِي مَصالِحَ العِبادِ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى يُراعِيها، فَنَقُولُ: الكَذِبُ إنَّما يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ، إمّا لِلْعَجْزِ أوْ لِلْجَهْلِ أوْ لِلْحاجَةِ، ولَمّا كانَ الحَقُّ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الكُلِّ كانَ الكَذِبُ عَلَيْهِ مُحالًا، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ نُزُولِ العَذابِ بِهَؤُلاءِ الكُفّارِ، وبِحُصُولِ الحَشْرِ والنَّشْرِ وجَبَ القَطْعُ بِوُقُوعِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا صفحة ٩٢ البَيانِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُقَدِّمَةٌ تُوجِبُ الجَزْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم غافِلُونَ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ، مَغْرُورُونَ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، فَلا جَرَمَ بَقُوا مَحْرُومِينَ عَنْ هَذِهِ المَعارِفِ، ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ هَذِهِ الدَّلائِلَ فَقالَ: ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لَمّا قَدَرَ عَلى الإحْياءِ في المَرَّةِ الأُولى، فَإذا أماتَهُ وجَبَ أنْ يَبْقى قادِرًا عَلى إحْيائِهِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ: ﴿إي ورَبِّي﴾ [يونس: ٥٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أتْبَعَ ذَلِكَ الكَلامَ بِذِكْرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ. واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ دَقِيقَةً أُخْرى وهي كَلِمَةُ ”ألا“ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إنَّما تُذْكَرُ عِنْدَ تَنْبِيهِ الغافِلِينَ وإيقاظِ النّائِمِينَ وأهْلُ هَذا العالَمِ مَشْغُولُونَ بِالنَّظَرِ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ فَيَقُولُونَ البُسْتانُ لِلْأمِيرِ، والدّارُ لِلْوَزِيرِ والغُلامُ لِزَيْدٍ، والجارِيَةُ لِعَمْرٍو فَيُضِيفُونَ كُلَّ شَيْءٍ إلى مالِكٍ آخَرَ، والخَلْقُ لِكَوْنِهِمْ مُسْتَغْرِقِينَ في نَوْمِ الجَهْلِ ورَقْدَةِ الغَفْلَةِ يَظُنُّونَ صِحَّةَ تِلْكَ الإضافاتِ فالحَقُّ نادى هَؤُلاءِ النّائِمِينَ الغافِلِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالعَقْلِ أنَّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقُّ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وثَبَتَ أنَّ المُمْكِنَ مُسْتَنِدٌ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، إمّا ابْتِداءً أوْ بِواسِطَةٍ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِواهُ مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ في الحَقِيقَةِ مُلْكٌ، فَلَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ غافِلِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ هَذا المَعْنى غَيْرَ عالِمِينَ بِهِ، لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَذْكُرَ هَذا النِّداءَ، لَعَلَّ واحِدًا مِنهم يَسْتَيْقِظُ مِن نَوْمِ الجَهالَةِ ورَقْدَةِ الضَّلالَةِ.

يونس 10:57

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الطَّرِيقَ إلى إثْباتِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ إنَّ هَذا الشَّخْصَ قَدِ ادَّعى النُّبُوَّةَ وظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدِهِ وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَهو رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقًّا وصِدْقًا، وهَذا الطَّرِيقُ مِمّا قَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ وقَرَّرَهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧، ٣٨] وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما يُقَوِّي الدِّينَ، ويُورِثُ اليَقِينَ، ويُزِيلُ الشُّكُوكَ والشُّبُهاتِ، ويُبْطِلُ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ. وأمّا الطَّرِيقُ الثّانِي فَهو أنْ نَعْلَمَ بِعُقُولِنا أنَّ الِاعْتِقادَ الحَقَّ والعَمَلَ الصّالِحَ ما هو ؟ فَكُلُّ مَن جاءَ ودَعا الخَلْقَ إلَيْهِمْ وحَمَلَهم عَلَيْهِ وكانَتْ لِنَفْسِهِ قُوَّةٌ قَوِيَّةٌ في نَقْلِ النّاسِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ومِنَ الِاعْتِقادِ الباطِلِ إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ، ومِنَ الأعْمالِ الدّاعِيَةِ إلى الدُّنْيا إلى الأعْمالِ الدّاعِيَةِ إلى الآخِرَةِ فَهو النَّبِيُّ الحَقُّ الصّادِقُ صفحة ٩٣ المُصَدَّقُ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ نُفُوسَ الخَلْقِ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْها أنْواعُ النَّقْصِ والجَهْلِ وحُبِّ الدُّنْيا، ونَحْنُ نَعْلَمُ بِعُقُولِنا أنَّ سَعادَةَ الإنْسانِ لا تَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِقادِ الحَقِّ والعَمَلِ الصّالِحِ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ كُلَّ ما قَوّى نُفْرَتَكَ عَنِ الدُّنْيا ورَغْبَتَكَ في الآخِرَةِ فَهو العَمَلُ الصّالِحُ، وكُلُّ ما كانَ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ فَهو العَمَلُ الباطِلُ والمَعْصِيَةُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى إنْسانٍ كامِلٍ، قَوِيِّ النَّفْسِ، مُشْرِقِ الرُّوحِ، عُلْوِيِّ الطَّبِيعَةِ، ويَكُونُ بِحَيْثُ يَقْوى عَلى نَقْلِ هَؤُلاءِ النّاقِصِينَ مِن مُقامِ النُّقْصانِ إلى مُقامِ الكَمالِ، وذَلِكَ هو النَّبِيُّ. فالحاصِلُ أنَّ النّاسَ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ: النّاقِصُونَ والكامِلُونَ الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، والقِسْمُ الثّالِثُ هو الكامِلُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، فالقِسْمُ الأوَّلُ هو عامَّةُ الخَلْقِ، والقِسْمُ الثّانِي هُمُ الأوْلِياءُ، والقِسْمُ الثّالِثُ هُمُ الأنْبِياءُ، ولَمّا كانَتِ القُدْرَةُ عَلى نَقْلِ النّاقِصِينَ مِن دَرَجَةِ النُّقْصانِ إلى دَرَجَةِ الكَمالِ مَراتِبُها مُخْتَلِفَةً ودَرَجاتُها مُتَفاوِتَةً، لا جَرَمَ كانَتْ دَرَجاتُ الأنْبِياءِ في قُوَّةِ النُّبُوَّةِ مُخْتَلِفَةً. ولِهَذا السِّرِّ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ» “ . إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِطَرِيقِ المُعْجِزَةِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ بِالطَّرِيقِ الثّانِي، وهَذا الطَّرِيقُ طَرِيقٌ كاشِفٌ عَنْ حَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ، مُعَرِّفٌ لِماهِيَّتِها، فالِاسْتِدْلالُ بِالمُعْجِزِ هو الَّذِي تُسَمِّيهِ المَنطِقِيُّونَ بُرْهانَ الإنْ، وهَذا الطَّرِيقُ هو الطَّرِيقُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ بُرْهانَ اللَّمْ، وهو أشْرَفُ وأعْلى وأكْمَلُ وأفْضَلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ: أوَّلُها: كَوْنُهُ مَوْعِظَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ. وثانِيها: كَوْنُهُ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ. وثالِثُها: كَوْنُهُ هُدًى. ورابِعُها: كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. ولا بُدَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ مِن فائِدَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَنَقُولُ: إنَّ الأرْواحَ لَمّا تَعَلَّقَتْ بِالأجْسادِ كانَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِسَبَبِ عِشْقٍ طَبِيعِيٍّ وجَبَ لِلرُّوحِ عَلى الجَسَدِ، ثُمَّ إنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ التَذَّ بِمُشْتَهَياتِ هَذا العالَمِ الجَسَدانِيِّ وطَيِّباتِهِ بِواسِطَةِ الحَواسِّ الخَمْسِ، وتَمَرَّنَ عَلى ذَلِكَ، وألِفَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ واعْتادَها. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ نُورَ العَقْلِ إنَّما يَحْصُلُ في آخِرِ الدَّرَجَةِ، حَيْثُ قَوِيَتِ العَلائِقُ الحِسِّيَّةُ والحَوادِثُ الجَسَدانِيَّةُ، فَصارَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقُ سَبَبًا لِحُصُولِ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ في جَوْهَرِ الرُّوحِ، وهَذِهِ الأحْوالُ تَجْرِي مَجْرى الأمْراضِ الشَّدِيدَةِ لِجَوْهَرِ الرُّوحِ، فَلا بُدَّ لَها مِن طَبِيبٍ حاذِقٍ، فَإنَّ مَن وقَعَ في المَرَضِ الشَّدِيدِ، فَإنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ طَبِيبٌ حاذِقٌ يُعالِجُهُ بِالعِلاجاتِ الصّائِبَةِ ماتَ لا مَحالَةَ، وإنِ اتَّفَقَ أنْ صادَفَهُ مِثْلُ هَذا الطَّبِيبِ، وكانَ هَذا البَدَنُ قابِلًا لِلْعِلاجاتِ الصّائِبَةِ فَرُبَّما حَصَلَتِ الصِّحَّةُ وزالَ السُّقْمُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ كالطَّبِيبِ الحاذِقِ، وهَذا القُرْآنُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أدْوِيَتِهِ الَّتِي بِتَرْكِيبِها تُعالَجُ القُلُوبُ المَرِيضَةُ. ثُمَّ إنَّ الطَّبِيبَ إذا وصَلَ إلى المَرِيضِ فَلَهُ مَعَهُ مَراتِبُ أرْبَعَةٌ: المَرْتَبَةُ الأُولى: أنْ يَنْهاهُ عَنْ تَناوُلِ ما لا يَنْبَغِي ويَأْمُرَهُ بِالِاحْتِرازِ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي بِسَبَبِها وقَعَ في ذَلِكَ المَرَضِ، وهَذا هو المَوْعِظَةُ فَإنَّهُ لا مَعْنى لِلْوَعْظِ إلّا الزَّجْرُ عَنْ كُلِّ ما يَبْعُدُ عَنْ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، والمَنعُ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ القَلْبَ بِغَيْرِ اللَّهِ. المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: الشِّفاءُ وهو أنْ يَسْقِيَهُ أدْوِيَةً تُزِيلُ عَنْ باطِنِهِ تِلْكَ الأخْلاطَ الفاسِدَةَ المُوجِبَةَ لِلْمَرَضِ، فَكَذَلِكَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إذا مَنَعُوا الخَلْقَ عَنْ فِعْلِ المَحْظُوراتِ صارَتْ ظَواهِرُهم مُطَهَّرَةً عَنْ فِعْلِ ما لا صفحة ٩٤ يَنْبَغِي، فَحِينَئِذٍ يَأْمُرُونَهم بِطَهارَةِ الباطِنِ، وذَلِكَ بِالمُجاهَدَةِ في إزالَةِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وتَحْصِيلِ الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، وأوائِلُها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] وذَلِكَ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ العَقائِدَ الفاسِدَةَ والأخْلاقَ الذَّمِيمَةَ جارِيَةٌ مَجْرى الأمْراضِ، فَإذا زالَتْ فَقَدْ حَصَلَ الشِّفاءُ لِلْقَلْبِ، وصارَ جَوْهَرُ الرُّوحِ مُطَهَّرًا عَنْ جَمِيعِ النُّقُوشِ المانِعَةِ عَنْ مُطالَعَةِ عالَمِ المَلَكُوتِ. والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: حُصُولُ الهُدى، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا بَعْدَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ النّاطِقَةِ قابِلٌ لِلْجَلايا القُدْسِيَّةِ والأضْواءِ الإلَهِيَّةِ، وفَيْضُ الرَّحْمَةِ عامٌّ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ لِرَبِّكم في أيّامِ دَهْرِكم نَفَحاتٍ ألا فَتَعَرَّضُوا لَها» “ وأيْضًا فالمَنعُ إنَّما يَكُونُ إمّا لِلْعَجْزِ أوْ لِلْجَهْلِ أوْ لِلْبُخْلِ، والكُلُّ في حَقِّ الحَقِّ مُمْتَنِعٌ، فالمَنعُ في حَقِّهِ مُمْتَنِعٌ، فَعَلى هَذا عَدَمُ حُصُولِ هَذِهِ الأضْواءِ الرُّوحانِيَّةِ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّ العَقائِدَ الفاسِدَةَ والأخْلاقَ الذَّمِيمَةَ طَبْعُها طَبْعُ الظُّلْمَةِ، وعِنْدَ قِيامِ الظُّلْمَةِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ النُّورِ، فَإذا زالَتْ تِلْكَ الأحْوالُ، فَقَدْ زالَ العائِقُ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقَعَ ضَوْءُ عالَمِ القُدْسِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ، ولا مَعْنى لِذَلِكَ الضَّوْءِ إلّا الهُدى، فَعِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ تَصِيرُ هَذِهِ النَّفْسُ بِحَيْثُ قَدِ انْطَبَعَ فِيها نَقْشُ المَلَكُوتِ وتَجَلّى لَها قُدْسُ اللّاهُوتِ، وأوَّلُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٧] وأوْسَطُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وآخِرُها قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] ومَجْمُوعُها قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] وسَيَجِيءُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآياتِ في مَواضِعِها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وهُدًى﴾ . وأمّا المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: فَهي أنْ تَصِيرَ النَّفْسُ البالِغَةُ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ الرُّوحانِيَّةِ والمَعارِجِ الرَّبّانِيَّةِ بِحَيْثُ تَفِيضُ أنْوارُها عَلى أرْواحِ النّاقِصِينَ فَيْضَ النُّورِ مِن جَوْهَرِ الشَّمْسِ عَلى أجْرامِ هَذا العالَمِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وإنَّما خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِهَذا المَعْنى لِأنَّ أرْواحَ المُعانِدِينَ لا تَسْتَضِيءُ بِأنْوارِ أرْواحِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّ الجِسْمَ القابِلَ لِلنُّورِ عَنْ قُرْصِ الشَّمْسِ هو الَّذِي يَكُونُ وجْهُهُ مُقابِلًا لِوَجْهِ الشَّمْسِ، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ المُقابَلَةُ لَمْ يَقَعْ ضَوْءُ الشَّمْسِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ كَلُّ رُوحٍ لَمّا لَمْ تَتَوَجَّهْ إلى خِدْمَةِ أرْواحِ الأنْبِياءِ المُطَهَّرِينَ، لَمْ تَنْتَفِعْ بِأنْوارِهِمْ، ولَمْ يَصِلْ إلَيْها آثارُ تِلْكَ الأرْواحِ المُطَهَّرَةِ المُقَدَّسَةِ، وكَما أنَّ الأجْسامَ الَّتِي لا تَكُونُ مُقابِلَةً لِقُرْصِ الشَّمْسِ مُخْتَلِفَةُ الدَّرَجاتِ والمَراتِبِ في البُعْدِ عَنْ هَذِهِ المُقابَلَةِ، ولا تَزالُ تَتَزايَدُ دَرَجاتُ هَذا البُعْدِ حَتّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ الجِسْمُ إلى غايَةِ بُعْدِهِ عَنْ مُقابَلَةِ قُرْصِ الشَّمْسِ، فَلا جَرَمَ يَبْقى خالِصَ الظُّلْمَةِ، فَكَذَلِكَ تَتَفاوَتُ مَراتِبُ النُّفُوسِ في قَبُولِ هَذِهِ الأنْوارِ عَنْ أرْواحِ الأنْبِياءِ ولا تَزالُ تَتَزايَدُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى النَّفْسِ الَّتِي كَمُلَتْ ظُلْمَتُها، وعَظُمَتْ شَقاوَتُها، وانْتَهَتْ في العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ إلى أقْصى الغاياتِ، وأبْعَدِ النِّهاياتِ، فالحاصِلُ أنَّ المَوْعِظَةَ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وهو الطَّرِيقَةُ، والهُدى وهو إشارَةٌ إلى ظُهُورِ نُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ، والرَّحْمَةُ وهي إشارَةٌ إلى كَوْنِها بالِغَةً في الكَمالِ والإشْراقِ إلى حَيْثُ تَصِيرُ مُكَمِّلَةً لِلنّاقِصِينَ وهي النُّبُوَّةُ، فَهَذِهِ دَرَجاتٌ عَقْلِيَّةٌ ومَراتِبُ بُرْهانِيَّةٌ، مَدْلُولٌ عَلَيْها بِهَذِهِ صفحة ٩٥ الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ لا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولا تَقْدِيمُ ما تَأخَّرَ ذِكْرُهُ، ولَمّا نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأسْرارِ العالِيَةِ الإلَهِيَّةِ قالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الإشارَةُ إلى ما قَرَّرَهُ حُكَماءُ الإسْلامِ مِن أنَّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ أفْضَلُ مِنَ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ وقَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ؛ انْتَهى.

يونس 10:58

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ وتَقْدِيرُهُ: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ يَقُولُ مَرَّةً أُخْرى: ”بِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا“ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي يَجِبُ أنْ لا يَفْرَحَ الإنْسانُ إلّا بِذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَجِبُ أنْ لا يَفْرَحَ الإنْسانُ بِشَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ المُحَقِّقِينَ قالُوا: لا مَعْنى لِهَذِهِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ إلّا دَفْعُ الآلامِ، والمَعْنى العَدَمِيُّ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُفْرَحَ بِهِ. والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّذّاتُ صِفاتٍ ثُبُوتِيَّةً، لَكِنَّها مَعْنَوِيَّةٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ التَّضَرُّرَ بِآلامِها أقْوى مِنَ الِانْتِفاعِ بِلَذّاتِها ألا تَرى أنَّ أقْوى اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ لَذَّةَ الوِقاعِ، ولا شَكَّ أنَّ الِالتِذاذَ بِها أقَلُّ مَرْتَبَةً مِنَ الِاسْتِضْرارِ بِألَمِ القُولَنْجِ وسائِرِ الآلامِ القَوِيَّةِ. والثّانِي: أنَّ مَداخِلَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ قَلِيلَةٌ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَحْصِيلِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ إلّا بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ أعْنِي لَذَّةَ البَطْنِ والفَرْجِ. وأمّا الآلامُ: فَإنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ بَدَنِ الإنْسانِ مَعَهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الآلامِ، ولِكُلِّ نَوْعٍ مِنها خاصِّيَّةٌ لَيْسَتْ لِلنَّوْعِ الآخَرِ. والثّالِثُ: أنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ لا تَكُونُ خالِصَةً ألْبَتَّةَ بَلْ تَكُونُ مَمْزُوجَةً بِأنْواعٍ مِنَ المَكارِهِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ في لَذَّةِ الأكْلِ والوِقاعِ إلّا إتْعابُ النَّفْسِ في مُقَدِّماتِها وفي لَواحِقِها لَكَفى. الرّابِعُ: أنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ لا تَكُونُ باقِيَةً، فَكُلَّما كانَ الِالتِذاذُ بِها أكْثَرَ كانَتِ الحَسَراتُ الحاصِلَةُ مِن خَوْفِ فَواتِها أكْثَرَ وأشَدَّ، ولِذَلِكَ قالَ المَعَرِّيُّ: إنَّ حُزْنًا في ساعَةِ المَوْتِ أضْعا فُ سُرُورٍ في ساعَةِ المِيلادِ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ الفَرَحَ الحاصِلَ عِنْدَ حُدُوثِ الوَلَدِ لا يُعادِلُ الحُزْنَ الحاصِلَ عِنْدَ مَوْتِهِ. الخامِسُ: أنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ حالَ حُصُولِها تَكُونُ مُمْتَنِعَةَ البَقاءِ؛ لِأنَّ لَذَّةَ الأكْلِ لا تَبْقى بِحالِها، بَلْ كُلَّما زالَ ألَمُ الجُوعِ زالَ الِالتِذاذُ بِالأكْلِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِبْقاءُ تِلْكَ اللَّذَّةِ. السّادِسُ: أنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ التِذاذٌ بِأشْياءٍ خَسِيسَةٍ، فَإنَّها التِذاذٌ بِكَيْفِيّاتٍ حاصِلَةٍ في أجْسامٍ رَخْوَةٍ، سَرِيعَةِ الفَسادِ، مُسْتَعِدَّةٍ لِلتَّغَيُّرِ، فَأمّا اللَّذّاتُ الرُّوحانِيَّةُ فَإنَّها بِالضِّدِّ في جَمِيعِ هَذِهِ الجِهاتِ، فَثَبَتَ أنَّ الفَرَحَ بِاللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ فَرَحٌ باطِلٌ، وأمّا الفَرَحُ الكامِلُ فَهو الفَرَحُ بِالرُّوحانِيّاتِ والجَواهِرِ المُقَدَّسَةِ وعالَمِ الجَلالِ ونُورِ الكِبْرِياءِ. والبَحْثُ الثّانِي مِن مَباحِثِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ إذا حَصَلَتِ اللَّذّاتُ الرُّوحانِيَّةُ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَفْرَحَ بِها مِن حَيْثُ هي هي، بَلْ يَجِبُ أنْ يَفْرَحَ بِها مِن حَيْثُ إنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ الصِّدِّيقُونَ: مَن فَرِحَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّها تِلْكَ النِّعْمَةُ فَهو مُشْرِكٌ، أمّا مَن فَرِحَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّها مِنَ اللَّهِ كانَ فَرَحُهُ بِاللَّهِ، وذَلِكَ هو غايَةُ الكَمالِ ونِهايَةُ السَّعادَةِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ يَعْنِي فَلْيَفْرَحُوا بِتِلْكَ النِّعَمِ لا مِن حَيْثُ هي هي، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَةِ اللَّهِ، فَهَذِهِ أسْرارٌ عالِيَةٌ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ الألْفاظُ الَّتِي ظَهَرَتْ مِن عالَمِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، هَذا ما تَلَخَّصَ عِنْدَنا في هَذا البابِ، أمّا المُفَسِّرُونَ فَقالُوا: فَضْلُ اللَّهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ صفحة ٩٦ الخُدْرِيُّ: فَضْلُ اللَّهِ القُرْآنُ، ورَحْمَتُهُ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ”فَلْتَفْرَحُوا“ بِالتّاءِ، قالَ الفَرّاءُ: وقَدْ ذُكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قَرَأ بِالتّاءِ وقالَ: مَعْناهُ فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرِحُوا يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُ الكُفّارُ، قالَ: وقَرِيبٌ مِن هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ ”فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا“ والأصْلُ في الأمْرِ لِلْمُخاطَبِ والغائِبِ اللّامُ، نَحْوَ لِتَقُمْ يا زَيْدُ، ولْيَقُمْ زَيْدٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ حُكْمَ الأمْرِ في الصُّورَتَيْنِ واحِدٌ، إلّا أنَّ العَرَبَ حَذَفُوا اللّامَ مِن فِعْلِ المَأْمُورِ المُخاطَبِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ، وحَذَفُوا التّاءَ أيْضًا وأدْخَلُوا ألِفَ الوَصْلِ، نَحْوَ اضْرِبْ واقْتُلْ، لِيَقَعَ الِابْتِداءُ بِهِ، وكانَ الكِسائِيُّ يَعِيبُ قَوْلَهم فَلْيَفْرَحُوا لِأنَّهُ وجَدَهُ قَلِيلًا فَجَعَلَهُ عَيْبًا إلّا أنَّ ذَلِكَ هو الأصْلُ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قالَ في بَعْضِ المَشاهِدِ: ”لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم» “ يُرِيدُ بِهِ خُذُوا، هَذا كُلُّهُ كَلامُ الفَرّاءِ. وقُرِئَ ”تَجْمَعُونَ“ بِالتّاءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ تَعالى عَنى المُخاطَبِينَ والغائِبِينَ إلّا أنَّهُ غَلَّبَ المُخاطَبَ عَلى الغائِبِ كَما يُغَلَّبُ التَّذْكِيرُ عَلى التَّأْنِيثِ، فَكَأنَّهُ أرادَ المُؤْمِنِينَ، هَكَذا قالَهُ أهْلُ اللُّغَةِ وفِيهِ دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ وهو أنَّ الإنْسانَ حَصَلَ فِيهِ مَعْنًى يَدْعُوهُ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى وإلى الِاتِّصالِ بِعالَمِ الغَيْبِ ومَعارِجِ الرُّوحانِيّاتِ، وفِيهِ مَعْنًى آخَرُ يَدْعُوهُ إلى عالَمِ الحِسِّ والجِسْمِ واللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ، وما دامَ الرُّوحُ مُتَعَلِّقًا بِهَذا الجَسَدِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْ حُبِّ الجَسَدِ، وعَنْ طَلَبِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى خاطَبَ الصِّدِّيقِينَ العارِفِينَ، وقالَ: حَصَلَتِ الخُصُومَةُ بَيْنَ الحَوادِثِ العَقْلِيَّةِ الإلَهِيَّةِ وبَيْنَ النَّوازِعِ النَّفْسانِيَّةِ الجَسَدانِيَّةِ، والتَّرْجِيحُ لِجانِبِ العَقْلِ لِأنَّهُ يَدْعُو إلى فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ والنَّفْسُ تَدْعُو إلى جَمْعِ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وفَضْلُ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ خَيْرٌ لَكم مِمّا تَجْمَعُونَ مِنَ الدُّنْيا؛ لِأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو أوْلى بِالطَّلَبِ والتَّحْصِيلِ.

يونس 10:59

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ذَكَرُوا في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا، ولا أسْتَحْسِنُ واحِدًا مِنها. والَّذِي يَخْطُرُ بِالبالِ والعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ ذِكْرُ طَرِيقٍ ثالِثٍ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ. وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِلْقَوْمِ: ”إنَّكم تَحْكُمُونَ بِحِلِّ بَعْضِ الأشْياءِ وحُرْمَةِ بَعْضِها، فَهَذا الحُكْمُ تَقُولُونَهُ عَلى سَبِيلِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ حُكْمٌ حَكَمَ اللَّهُ بِهِ“ والأوَّلُ طَرِيقٌ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الثّانِي، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ تَعالى ما خاطَبَكم بِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، ولَمّا بَطُلَ هَذا، ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ إنَّما وصَلَتْ إلَيْكم بِقَوْلِ رَسُولٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْكم، ونَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْكم، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ صفحة ٩٧ حُكْمَهم بِحِلِّ بَعْضِ الأشْياءِ وحُرْمَةِ بَعْضِها مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ في الصِّفاتِ المَحْسُوسَةِ والمَنافِعِ المَحْسُوسَةِ، يَدُلُّ عَلى اعْتِرافِكم بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكم أنْ تُبالِغُوا هَذِهِ المُبالَغاتِ العَظِيمَةَ في إنْكارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وحَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ طَرِيقٌ حَسَنٌ مَعْقُولٌ. الطَّرِيقُ الثّانِي: في حُسْنِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَفْسِهِ وبَيَّنَ فَسادَ سُؤالاتِهِمْ وشُبُهاتِهِمْ في إنْكارِها، أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ فَسادِ طَرِيقَتِهِمْ في شَرائِعِهِمْ وأحْكامِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ بِذَلِكَ لا عَقْلٌ ولا نَقْلٌ -طَرِيقٌ باطِلٌ ومَنهَجٌ فاسِدٌ، والمَقْصُودُ إبْطالُ مَذاهِبِ القَوْمِ في أدْيانِهِمْ، وفي أحْكامِهِمْ، وأنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ في بابٍ مِنَ الأبْوابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالشَّيْءِ الَّذِي جَعَلُوهُ حَرامًا ما ذَكَرُوهُ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا﴾ إشارَةٌ إلى أمْرٍ تَقَدَّمَ مِنهم، ولَمْ يَحْكِ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إلّا هَذا، فَوَجَبَ تَوَجُّهُ هَذا الكَلامِ إلَيْهِ، ثُمَّ لَمّا حَكى تَعالى عَنْهم ذَلِكَ قالَ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ وهَذِهِ القِسْمَةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأحْكامَ إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ لَمْ تَكُنْ مِنَ اللَّهِ، فَإنْ كانَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ وإنْ كانَتْ لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في صُورَةِ الِاسْتِعْلامِ فالمُرادُ مِنهُ تَعْظِيمُ وعِيدِ مَن يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ”وما ظَنَّ“عَلى لَفْظِ الفِعْلِ ومَعْناهُ أيْ ظَنٌّ ظَنُّوهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي لِما ذَكَرْنا أنَّ أحْوالَ القِيامَةِ وإنْ كانَتْ آتِيَةً إلّا أنَّها لَمّا كانَتْ واجِبَةَ الوُقُوعِ في الحِكْمَةِ ولا جَرَمَ عَبَّرَ اللَّهُ عَنْها بِصِيغَةِ الماضِي. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ أيْ بِإعْطاءِ العَقْلِ وإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَلا يَسْتَعْمِلُونَ العَقْلَ في التَّأمُّلِ في دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى ولا يَقْبَلُونَ دَعْوَةَ أنْبِياءِ اللَّهِ ولا يَنْتَفِعُونَ بِاسْتِماعِ كُتُبِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ما“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى الَّذِي فَيَنْتَصِبُ بِ ”رَأيْتُمْ“ والآخَرُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ”أيٍّ“ في الِاسْتِفْهامِ، فَيَنْتَصِبُ بِ ”أنْزَلَ“ وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، ومَعْنى أنْزَلَ هَهُنا خَلَقَ وأنْشَأ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] وجازَ أنْ يُعَبِّرَ عَنِ الخَلْقِ بِالإنْزالِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما في الأرْضِ مِن رِزْقٍ فَمِمّا أُنْزِلَ مِنَ السَّماءِ مِن ضَرْعٍ وزَرْعٍ وغَيْرِهِما، فَلَمّا كانَ إيجادُهُ بِالإنْزالِ سُمِّيَ إنْزالًا.

يونس 10:60

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ذَكَرُوا في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا، ولا أسْتَحْسِنُ واحِدًا مِنها. والَّذِي يَخْطُرُ بِالبالِ والعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ ذِكْرُ طَرِيقٍ ثالِثٍ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ. وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِلْقَوْمِ: ”إنَّكم تَحْكُمُونَ بِحِلِّ بَعْضِ الأشْياءِ وحُرْمَةِ بَعْضِها، فَهَذا الحُكْمُ تَقُولُونَهُ عَلى سَبِيلِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ حُكْمٌ حَكَمَ اللَّهُ بِهِ“ والأوَّلُ طَرِيقٌ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الثّانِي، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ تَعالى ما خاطَبَكم بِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، ولَمّا بَطُلَ هَذا، ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ إنَّما وصَلَتْ إلَيْكم بِقَوْلِ رَسُولٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْكم، ونَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْكم، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ صفحة ٩٧ حُكْمَهم بِحِلِّ بَعْضِ الأشْياءِ وحُرْمَةِ بَعْضِها مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ في الصِّفاتِ المَحْسُوسَةِ والمَنافِعِ المَحْسُوسَةِ، يَدُلُّ عَلى اعْتِرافِكم بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكم أنْ تُبالِغُوا هَذِهِ المُبالَغاتِ العَظِيمَةَ في إنْكارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وحَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ طَرِيقٌ حَسَنٌ مَعْقُولٌ. الطَّرِيقُ الثّانِي: في حُسْنِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَفْسِهِ وبَيَّنَ فَسادَ سُؤالاتِهِمْ وشُبُهاتِهِمْ في إنْكارِها، أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ فَسادِ طَرِيقَتِهِمْ في شَرائِعِهِمْ وأحْكامِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ بِذَلِكَ لا عَقْلٌ ولا نَقْلٌ -طَرِيقٌ باطِلٌ ومَنهَجٌ فاسِدٌ، والمَقْصُودُ إبْطالُ مَذاهِبِ القَوْمِ في أدْيانِهِمْ، وفي أحْكامِهِمْ، وأنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ في بابٍ مِنَ الأبْوابِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالشَّيْءِ الَّذِي جَعَلُوهُ حَرامًا ما ذَكَرُوهُ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا﴾ إشارَةٌ إلى أمْرٍ تَقَدَّمَ مِنهم، ولَمْ يَحْكِ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إلّا هَذا، فَوَجَبَ تَوَجُّهُ هَذا الكَلامِ إلَيْهِ، ثُمَّ لَمّا حَكى تَعالى عَنْهم ذَلِكَ قالَ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ وهَذِهِ القِسْمَةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأحْكامَ إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ لَمْ تَكُنْ مِنَ اللَّهِ، فَإنْ كانَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ وإنْ كانَتْ لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في صُورَةِ الِاسْتِعْلامِ فالمُرادُ مِنهُ تَعْظِيمُ وعِيدِ مَن يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ”وما ظَنَّ“عَلى لَفْظِ الفِعْلِ ومَعْناهُ أيْ ظَنٌّ ظَنُّوهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي لِما ذَكَرْنا أنَّ أحْوالَ القِيامَةِ وإنْ كانَتْ آتِيَةً إلّا أنَّها لَمّا كانَتْ واجِبَةَ الوُقُوعِ في الحِكْمَةِ ولا جَرَمَ عَبَّرَ اللَّهُ عَنْها بِصِيغَةِ الماضِي. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ أيْ بِإعْطاءِ العَقْلِ وإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَلا يَسْتَعْمِلُونَ العَقْلَ في التَّأمُّلِ في دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى ولا يَقْبَلُونَ دَعْوَةَ أنْبِياءِ اللَّهِ ولا يَنْتَفِعُونَ بِاسْتِماعِ كُتُبِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ما“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى الَّذِي فَيَنْتَصِبُ بِ ”رَأيْتُمْ“ والآخَرُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ”أيٍّ“ في الِاسْتِفْهامِ، فَيَنْتَصِبُ بِ ”أنْزَلَ“ وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، ومَعْنى أنْزَلَ هَهُنا خَلَقَ وأنْشَأ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] وجازَ أنْ يُعَبِّرَ عَنِ الخَلْقِ بِالإنْزالِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما في الأرْضِ مِن رِزْقٍ فَمِمّا أُنْزِلَ مِنَ السَّماءِ مِن ضَرْعٍ وزَرْعٍ وغَيْرِهِما، فَلَمّا كانَ إيجادُهُ بِالإنْزالِ سُمِّيَ إنْزالًا.

يونس 10:61

صفحة ٩٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أطالَ الكَلامَ في أمْرِ الرَّسُولِ بِإيرادِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ مَذاهِبِ الكُفّارِ، وفي أمْرِهِ بِإيرادِ الجَوابِ عَنْ شُبُهاتِهِمْ، وفي أمْرِهِ بِتَحَمُّلِ أذاهم، وبِالرِّفْقِ مَعَهم، ذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِيَحْصُلَ بِهِ تَمامُ السَّلْوَةِ والسُّرُورِ لِلْمُطِيعِينَ، وتَمامُ الخَوْفِ والفَزَعِ لِلْمُذْنِبِينَ، وهو كَوْنُهُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِعَمَلِ كُلِّ واحِدٍ، وبِما في قَلْبِهِ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، فَإنَّ الإنْسانَ رُبَّما أظْهَرَ مِن نَفْسِهِ نُسُكًا وطاعَةً وزُهْدًا وتَقْوى، ويَكُونُ باطِنُهُ مَمَلُوءًا مِنَ الخَبَثِ، ورُبَّما كانَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ. فَإذا كانَ الحَقُّ سُبْحانَهُ عالِمًا بِما في البَواطِنِ كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ السُّرُورِ لِلْمُطِيعِينَ ومِن أعْظَمِ أنْواعِ التَّهْدِيدِ لِلْمُذْنِبِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ الرَّسُولَ في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ بِالخِطابِ في أمْرَيْنِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِتَعْمِيمِ الخِطابِ مَعَ كُلِّ المُكَلَّفِينَ في شَيْءٍ واحِدٍ. أمّا الأمْرانِ المَخْصُوصانِ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فالأوَّلُ مِنهُما قَوْلُهُ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ ”ما“ هَهُنا جَحْدٌ، والشَّأْنُ الخَطْبُ والجَمْعُ الشُّئُونُ، تَقُولُ العَرَبُ: ما شَأْنُ فُلانٍ؛ أيْ ما حالُهُ. قالَ الأخْفَشُ: وتَقُولُ ما شَأنْتُ شَأْنَهُ أيْ ما عَمِلْتُ عَمَلَهُ، وفِيهِ وجْهانِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما تَكُونُ يا مُحَمَّدُ في شَأْنِ مَن يُرِيدُ أعْمالَ البِرِّ. وقالَ الحَسَنُ: في شَأْنٍ مِن شَأْنِ الدُّنْيا وحَوائِجِكَ فِيها. والثّانِي مِنهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ”مِنهُ“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ وذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى الشَّأْنِ، لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ شَأْنٌ مِن شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ هو مُعْظَمُ شَأْنِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَكانَ هَذا داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ إلّا أنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وكَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ﴾ [الأحزاب: ٧] الثّانِي: أنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: وما تَتْلُو مِنَ القُرْآنِ مِن قُرْآنٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ القُرْآنَ اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ، فَكَذَلِكَ هو اسْمٌ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ القُرْآنِ، والإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وما تَتْلُو مِن قُرْآنٍ مِنَ اللَّهِ أيْ نازِلٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وأقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ أمْرانِ مَخْصُوصانِ بِالرَّسُولِ ﷺ . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ فَهَذا خِطابٌ مَعَ النَّبِيِّ ومَعَ جَمِيعِ الأُمَّةِ. والسَّبَبُ في أنْ خَصَّ الرَّسُولَ بِالخِطابِ أوَّلًا، ثُمَّ عَمَّمَ الخِطابَ مَعَ الكُلِّ، هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ خِطابًا مُخْتَصًّا بِالرَّسُولِ، إلّا أنَّ الأُمَّةَ داخِلُونَ فِيهِ ومُرادُونَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ إذا خُوطِبَ رَئِيسُ القَوْمِ كانَ القَوْمُ داخِلِينَ في ذَلِكَ الخِطابِ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [ الطَّلاقِ: ١ ) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ خَصَّ الرَّسُولَ بِذَيْنِكَ الخِطابَيْنِ عَمَّمَ الكُلَّ بِالخِطابِ الثّالِثِ فَقالَ: ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في الخِطابَيْنِ الأوَّلَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شاهِدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وعالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، صفحة ٩٩ أمّا عَلى أُصُولِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، لِأنَّهُ لا مُحْدِثَ ولا خالِقَ ولا مُوجِدَ إلّا اللَّهُ تَعالى. فَكُلُّ ما يَدْخُلُ في الوُجُودِ مِن أفْعالِ العِبادِ وأعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَكُلُّها حَصَلَتْ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى وإحْداثِهِ. والمُوجِدُ لِلشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ. وأمّا عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى حَيٌّ، وكُلُّ مَن كانَ حَيًّا، فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَعْلُوماتِ، والمُوجِبُ لِتِلْكَ العالِمِيَّةِ، هو ذاتُهُ سُبْحانَهُ. فَنِسْبَةُ ذاتِهِ إلى اقْتِضاءِ حُصُولِ العالِمِيَّةِ بِبَعْضِ المَعْلُوماتِ كَنِسْبَةِ ذاتِهِ إلى اقْتِضاءِ حُصُولِ العالِمِيَّةِ بِسائِرِ المَعْلُوماتِ، فَلَمّا اقْتَضَتْ ذاتُهُ حُصُولَ العالِمِيَّةِ بِبَعْضِ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ تَقْتَضِيَ حُصُولَ العالِمِيَّةِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإفاضَةَ هَهُنا الدُّخُولُ في العَمَلِ عَلى جِهَةِ الِانْصِبابِ إلَيْهِ، وهو الِانْبِساطُ في العَمَلِ، يُقالُ: أفاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ إذا انْدَفَعُوا فِيهِ، وقَدْ أفاضُوا مِن عَرَفَةَ إذا دَفَعُوا مِنهُ بِكَثْرَتِهِمْ، فَتَفَرَّقُوا. فَإنْ قِيلَ: ”إذْ“ هَهُنا بِمَعْنى حِينَ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الكَلامِ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا حِينَ تُفِيضُونَ فِيهِ، وشَهادَةُ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى ما عَلِمَ الأشْياءَ إلّا عِنْدَ وُجُودِها، وذَلِكَ باطِلٌ. قُلْنا: هَذا السُّؤالُ بِناءً عَلى أنَّ شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى عِبادَةٌ عَنْ عِلْمِهِ، وهَذا مَمْنُوعٌ، فَإنَّ الشَّهادَةَ لا تَكُونُ إلّا عِنْدَ وُجُودِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ، وأمّا العِلْمُ فَلا يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُهُ عَلى الشَّيْءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَوْ أخْبَرَنا عَنْ زَيْدٍ أنَّهُ يَأْكُلُ غَدًا كُنّا مِن قَبْلِ حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ عالِمِينَ بِها ولا نُوصَفُ بِكَوْنِنا شاهِدِينَ لَها. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذِهِ الكَلِماتِ أنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ شَيْءٌ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا الكَلامَ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ، فَقالَ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ العُزُوبِ مِنَ البُعْدِ، يُقالُ: كَلَأٌ عازِبٌ إذا كانَ بَعِيدَ المَطْلَبِ، وعَزَبَ الرَّجُلُ بِإبِلِهِ إذا أرْسَلَها إلى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ مِنَ المَنزِلِ، والرَّجُلُ سُمِّيَ عَزَبًا لِبُعْدِهِ عَنِ الأهْلِ، وعَزَبَ الشَّيْءُ عَنْ عِلْمِي إذا بَعُدَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ ”وما يَعْزِبُ“ بِكَسْرِ الزّايِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ، وفِيهِ لُغَتانِ: عَزَبَ يَعْزُبُ، وعَزَبَ يَعْزِبُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ أيْ وزْنِ ذَرَّةٍ، ومِثْقالُ الشَّيْءِ ما يُساوِيهِ في الثِّقَلِ، والمَعْنى: ما يُساوِي ذَرَّةً، والذَّرُّ صِغارُ النَّمْلِ واحِدُها ذَرَّةٌ، وهي تَكُونُ خَفِيفَةَ الوَزْنِ جِدًّا، وقَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ اللَّهُ ذِكْرَ الأرْضِ هَهُنا عَلى ذِكْرِ السَّماءِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [سبأ: ٣] . قُلْنا: حَقُّ السَّماءِ أنْ تُقَدَّمَ عَلى الأرْضِ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ شَهادَتَهُ عَلى أحْوالِ أهْلِ الأرْضِ وأعْمالِهِمْ، ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ لا يَعْزُبُ عَنْهُ، ناسَبَ أنْ تُقَدَّمَ الأرْضُ عَلى السَّماءِ في هَذا المَوْضِعِ. * * * صفحة ١٠٠ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ وفِيهِ قِراءَتانِ؛ قَرَأ حَمْزَةُ ”ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ“ بِالرَّفْعِ فِيهِما، والباقُونَ بِالنَّصْبِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، فَلَفْظُ ”مِثْقالٍ“ عِنْدَ دُخُولِ كَلِمَةِ ”مِن“ عَلَيْهِ مَجْرُورٌ، بِحَسَبِ الظّاهِرِ، ولَكِنَّهُ مَرْفُوعٌ في المَعْنى، فالمَعْطُوفُ عَلَيْهِ إنْ عُطِفَ عَلى الظّاهِرِ كانَ مَجْرُورًا، إلّا أنَّ لَفْظَ أصْغَرَ وأكْبَرَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، فَكانَ مَفْتُوحًا، وإنْ عُطِفَ عَلى المَحَلِّ، وجَبَ كَوْنُهُ مَرْفُوعًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ما أتانِي مِن أحَدٍ عاقِلٍ وعاقِلٍ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وغَيْرُهُ. وقالَ الشّاعِرُ: فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا هَذا ما ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَوْ صَحَّ هَذا العَطْفُ لَصارَ تَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وما يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا في كِتابٍ. وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الَّذِي في الكِتابِ خارِجًا عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّهُ باطِلٌ. وأجابَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ العُزُوبَ عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ البُعْدِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الأشْياءُ المَخْلُوقَةُ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ تَعالى ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كالمَلائِكَةِ والسَّماواتِ والأرْضِ، وقِسْمٌ آخَرُ أوْجَدَهُ اللَّهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ، مِثْلُ الحَوادِثِ الحادِثَةِ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ قَدْ يَتَباعَدُ في سِلْسِلَةِ العِلِّيَّةِ والمَعْلُولِيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ، وهو كِتابٌ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى وأثْبَتَ صُوَرَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ فِيهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ كانَ عالِمًا بِها مُحِيطًا بِأحْوالِها، والغَرَضُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّهُ تَعالى غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] . والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنْ نَجْعَلَ كَلِمَةَ ”إلّا“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، لَكِنْ بِمَعْنى هو في كِتابٍ مُبِينٍ. وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الجُرْجانِيُّ صاحِبُ ”النَّظْمِ“ عَنْهُ جَوابًا آخَرَ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ هَهُنا تَمَّ الكَلامُ وانْقَطَعَ. ثُمَّ وقَعَ الِابْتِداءُ بِكَلامٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ وهو أيْضًا في كِتابٍ مُبِينٍ. قالَ: والعَرَبُ تَضَعُ ”إلّا“ مَوْضِعَ ”واوِ النَّسَقِ“ كَثِيرًا عَلى مَعْنى الِابْتِداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ [ النَّمْلِ: ١٠ - ١١] يَعْنِي، ومَن ظَلَمَ. وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] يَعْنِي والَّذِينَ ظَلَمُوا. وهَذا الوَجْهُ في غايَةِ التَّعَسُّفِ. وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ بِوَجْهٍ رابِعٍ فَقالَ: الإشْكالُ إنَّما جاءَ إذا عَطَفْنا قَوْلَهُ: ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ إمّا بِحَسَبِ الظّاهِرِ أوْ بِحَسَبِ المَحَلِّ، لَكِنّا صفحة ١٠١ لا نَقُولُ ذَلِكَ، بَلْ نَقُولُ: الوَجْهُ في القِراءَةِ بِالنَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ﴾ الحَمْلُ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ، وفي القِراءَةِ بِالرَّفْعِ الحَمْلُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهَذا الوَجْهُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

يونس 10:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ [يونس: ٦١] مِمّا يُقَوِّي قُلُوبَ المُطِيعِينَ، ومِمّا يَكْسِرُ قُلُوبَ الفاسِقِينَ، فَأتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَرْحِ أحْوالِ المُخْلِصِينَ الصّادِقِينَ الصِّدِّيقِينَ، وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ. وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنّا نَحْتاجُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى أنْ نُبَيِّنَ أنَّ الوَلِيَّ مَن هو ؟ ثُمَّ نُبَيِّنَ تَفْسِيرَ نَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهُ. فَنَقُولُ: أمّا إنَّ الوَحْيَ مَن هو ؟ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ والأثَرُ والمَعْقُولُ. أمّا القُرْآنُ، فَهو قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ”آمَنُوا“ إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ. وفِيهِ مَقامٌ آخَرُ، وهو أنْ يُحْمَلَ الإيمانُ عَلى مَجْمُوعِ الِاعْتِقادِ والعَمَلِ، ثُمَّ نَصِفَ الوَلِيَّ بِأنَّهُ كانَ مُتَّقِيًا في الكُلِّ. أمّا التَّقْوى في مَوْقِفِ العِلْمِ فَلِأنَّ جَلالَ اللَّهِ أعْلى مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ عَقْلُ البَشَرِ، فالصِّدِّيقُ إذا وصَفَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِ الجَلالِ، فَهو يُقَدِّسُ اللَّهَ عَنْ أنْ يَكُونَ كَمالُهُ وجَلالُهُ مُقْتَصِرًا عَلى ذَلِكَ المِقْدارِ الَّذِي عَرَفَهُ ووَصَفَهُ بِهِ، وإذا عَبَدَ اللَّهَ تَعالى فَهو يُقَدِّسُ اللَّهَ تَعالى عَنْ أنْ تَكُونَ الخِدْمَةُ اللّائِقَةُ بِكِبْرِيائِهِ مُتَقَدِّرَةً بِذَلِكَ المِقْدارِ. فَثَبَتَ أنَّهُ أبَدًا يَكُونُ في مَقامِ الخَوْفِ والتَّقْوى. وأمّا الأخْبارُ فَكَثِيرَةٌ: رَوى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«هم قَوْمٌ تَحابُّوا في اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها، فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ، وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ، ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ» “ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللَّهُ تَعالى بِرُؤْيَتِهِمْ» “ . قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ مُشاهَدَتَهم تُذَكِّرُ أمْرَ الآخِرَةِ لِما يُشاهَدُ فِيهِمْ مِن آياتِ الخُشُوعِ والخُضُوعِ، ولِما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] . وأمّا الأثَرُ: فَقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: أوْلِياءُ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ تَوَلّى اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهم بِالبُرْهانِ، وتَوَلَّوُا القِيامَ بِحَقِّ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى والدَّعْوَةِ إلَيْهِ. وأمّا المَعْقُولُ فَنَقُولُ: ظَهَرَ في عِلْمِ الِاشْتِقاقِ أنَّ تَرْكِيبَ الواوِ واللّامِ والياءِ يَدُلُّ عَلى مَعْنى القُرْبِ، فَوَلِيُّ كُلِّ شَيْءٍ هو الَّذِي يَكُونُ قَرِيبًا مِنهُ، والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمَكانِ والجِهَةِ مُحالٌ، فالقُرْبُ مِنهُ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ القَلْبُ مُسْتَغْرِقًا في نُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى سُبْحانَهُ، فَإنْ رَأى رَأى دَلائِلَ قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنْ سَمِعَ سَمِعَ آياتِ اللَّهِ، وإنْ نَطَقَ نَطَقَ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ، وإنْ تَحَرَّكَ تَحَرَّكَ في خِدْمَةِ اللَّهِ، وإنِ اجْتَهَدَ اجْتَهَدَ في طاعَةِ اللَّهِ، فَهُنالِكَ يَكُونُ في غايَةِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ، فَهَذا الشَّخْصُ يَكُونُ ولِيًّا لِلَّهِ تَعالى، وإذا كانَ صفحة ١٠٢ كَذَلِكَ كانَ اللَّهُ تَعالى ولِيًّا لَهُ أيْضًا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ويَجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ القُرْبَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ الجانِبَيْنِ. وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: ولِيُّ اللَّهِ مَن يَكُونُ آتِيًا بِالِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ المَبْنِيِّ عَلى الدَّلِيلِ ويَكُونُ آتِيًا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى وفْقِ ما ورَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، فَهَذا كَلامٌ مُخْتَصَرٌ في تَفْسِيرِ الوَلِيِّ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الخَوْفَ إنَّما يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ بِمَعْنى أنَّهُ يَخافُ حُدُوثَ شَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المَخُوفِ، والحُزْنُ إنَّما يَكُونُ عَلى الماضِي إمّا لِأجْلِ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ في الماضِي ما كَرِهَهُ أوْ لِأنَّهُ فاتَ شَيْءٌ أحَبَّهُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ نَفْيَ الحُزْنِ والخَوْفِ إمّا أنْ يَحْصُلَ لِلْأوْلِياءِ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا أوْ حالَ انْتِقالِهِمْ إلى الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا لا يَحْصُلُ في دارِ الدُّنْيا لِأنَّها دارُ خَوْفٍ وحُزْنٍ والمُؤْمِنُ خُصُوصًا لا يَخْلُو مِن ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ وعَلى ما قالَ: ”«حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» “ وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ، وإنْ صَفا عَيْشُهُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ لا يَخْلُو مِن هَمٍّ بِأمْرِ الآخِرَةِ شَدِيدٍ، وحُزْنٍ عَلى ما يَفُوتُهُ مِنَ القِيامِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا بَطُلَ هَذا القِسْمُ وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ، فَهَذا كَلامٌ مُحَقَّقٌ. وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ الوِلايَةَ عِبارَةٌ عَنِ القُرْبِ، فَوَلِيُّ اللَّهِ تَعالى هو الَّذِي يَكُونُ في غايَةِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا التَّقْرِيرُ قَدْ فَسَّرْناهُ بِاسْتِغْراقِهِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ شَيْءٌ مِمّا سِوى اللَّهِ، فَفي هَذِهِ السّاعَةِ تَحْصُلُ الوِلايَةُ التّامَّةُ، ومَتى كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ حاصِلَةً، فَإنَّ صاحِبَها لا يَخافُ شَيْئًا، ولا يَحْزَنُ بِسَبَبِ شَيْءٍ، وكَيْفَ يُعْقَلُ ذَلِكَ والخَوْفُ مِنَ الشَّيْءِ والحُزْنُ عَلى الشَّيْءِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ الشُّعُورِ بِهِ، والمُسْتَغْرِقُ في نُورِ جَلالِ اللَّهِ غافِلٌ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ خَوْفٌ أوْ حُزْنٌ ؟ وهَذِهِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، ومَن لَمْ يَذُقْها لَمْ يَعْرِفْها. ثُمَّ إنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحالَةِ قَدْ تَزُولُ عَنْهُ الحالَةُ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لَهُ الخَوْفُ والحُزْنُ والرَّجاءُ والرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ بِسَبَبِ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ، كَما يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ. وسَمِعْتُ أنَّ إبْراهِيمَ الخَوّاصَ كانَ بِالبادِيَةِ ومَعَهُ واحِدٌ يَصْحَبُهُ، فاتَّفَقَ في بَعْضِ اللَّيالِي ظُهُورُ حالَةٍ قَوِيَّةٍ وكَشْفٍ تامٍّ لَهُ، فَجَلَسَ في مَوْضِعِهِ وجاءَتِ السُّباعُ ووَقَفُوا بِالقُرْبِ مِنهُ، والمُرِيدُ تَسَلَّقَ عَلى رَأْسِ شَجَرَةِ خَوْفًا مِنها والشَّيْخُ ما كانَ فازِعًا مِن تِلْكَ السِّباعِ، فَلَمّا أصْبَحَ وزالَتْ تِلْكَ الحالَةُ، فَفي اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ وقَعَتْ بَعُوضَةٌ عَلى يَدِهِ فَأظْهَرَ الجَزَعَ مِن تِلْكَ البَعُوضَةِ، فَقالَ المُرِيدُ: كَيْفَ تَلِيقُ هَذِهِ الحالَةُ بِما قَبْلَها ؟ فَقالَ الشَّيْخُ: إنّا إنَّما تَحَمَّلْنا البارِحَةَ ما تَحَمَّلْناهُ بِسَبَبِ قُوَّةِ الوارِدِ الغَيْبِيِّ، فَلَمّا غابَ ذَلِكَ الوارِدُ فَأنا أضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ أهْلَ الثَّوابِ لا يَحْصُلُ لَهم خَوْفٌ في مَحْفِلِ القِيامَةِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وأيْضًا فالقِيامَةُ دارُ الجَزاءِ فَلا يَلِيقُ بِهِ إيصالُ الخَوْفِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ يَحْصُلُ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الخَوْفِ، وذَكَرُوا فِيهِ أخْبارًا تَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ أوْلى مِن خَبَرِ الواحِدِ. * * * صفحة ١٠٣ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: النَّصْبُ بِكَوْنِهِ صِفَةً لِلْأوْلِياءِ. والثّانِي: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ. والثّالِثُ: الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ لَهُمُ البُشْرى. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ قالَ: ”«البُشْرى هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ أوْ تُرى لَهُ» “ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وبَقِيَتِ المُبَشِّراتُ» “ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإذا حَلَمَ أحَدُكم حُلْمًا يَخافُهُ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنهُ ولْيَبْصُقْ عَنْ شِمالِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَإنَّهُ لا يَضُرُّهُ» “ وعَنْهُ ﷺ: ”«الرُّؤْيا الصّالِحَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءً مِنَ النُّبُوَّةِ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: الهَمُّ يُهَمُّ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ النَّهارِ فَيَراهُ في اللَّيْلِ، وحُضُورُ الشَّيْطانِ، والرُّؤْيا الَّتِي هي الرُّؤْيا الصّادِقَةُ. وعَنْ إبْراهِيمَ الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: فالمُبَشِّرَةُ مِنَ اللَّهِ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، والشَّيْءُ يُهَمُّ بِهِ أحَدُكم بِالنَّهارِ فَلَعَلَّهُ يَراهُ بِاللَّيْلِ، والتَّخْوِيفُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإذا رَأى أحَدُكم ما يُحْزِنُهُ فَلْيَقُلْ: أعُوذُ بِما عاذَتْ بِهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ مِن شَرِّ رُؤْيايَ الَّتِي رَأيْتُها أنْ تَضُرَّنِي في دُنْيايَ أوْ في آخِرَتِي. واعْلَمْ أنّا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ عَلى الرُّؤْيا الصّادِقَةِ فَظاهِرُ هَذا النَّصِّ يَقْتَضِي أنْ لا تَحْصُلَ هَذِهِ الحالَةُ إلّا لَهم، والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ولِيَّ اللَّهِ هو الَّذِي يَكُونُ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ والرُّوحِ بِذِكْرِ اللَّهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو عِنْدَ النَّوْمِ لا يَبْقى في رُوحِهِ إلّا مَعْرِفَةُ اللَّهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ ونُورَ جَلالِ اللَّهِ لا يُفِيدُهُ إلّا الحَقُّ والصِّدْقُ، وأمّا مَن يَكُونُ مُتَوَزِّعَ الفِكْرِ عَلى أحْوالِ هَذا العالَمِ الكَدِرِ المُظْلِمِ، فَإنَّهُ إذا نامَ يَبْقى كَذَلِكَ، فَلا جَرَمَ لا اعْتِمادَ عَلى رُؤْياهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ والتَّخْصِيصِ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ البُشْرى، أنَّها عِبارَةٌ عَنْ مَحَبَّةِ النّاسِ لَهُ وعَنْ ذِكْرِهِمْ إيّاهُ بِالثَّناءِ الحَسَنِ؛ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ ويُحِبُّهُ النّاسُ ! فَقالَ: ”تِلْكَ عاجِلُ بُشْرى المُؤْمِنِ“» . واعْلَمْ أنَّ المَباحِثَ العَقْلِيَّةَ تُقَوِّي هَذا المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ لا لِغَيْرِهِ، وكُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ، صارَ مَحْبُوبًا لِكُلِّ أحَدٍ، ولا كَمالَ لِلْعَبْدِ أعْلى وأشْرَفَ مِن كَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ، مُسْتَغْرِقَ اللِّسانِ بِذِكْرِ اللَّهِ، مُسْتَغْرِقَ الجَوارِحِ والأعْضاءِ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، فَإذا ظَهَرَ عَلَيْهِ أمْرٌ مِن هَذا البابِ، صارَتِ الألْسِنَةُ جارِيَةً بِمَدْحِهِ، والقُلُوبُ مَجْبُولَةً عَلى حُبِّهِ، وكُلَّما كانَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ الشَّرِيفَةُ أكْثَرَ، كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ أقْوى، وأيْضًا فَنُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ مَخْدُومٌ بِالذّاتِ، فَفي أيِّ قَلْبٍ حَضَرَ صارَ ذَلِكَ الإنْسانُ مَخْدُومًا بِالطَّبْعِ، ألا تَرى أنَّ البَهائِمَ والسِّباعَ قَدْ تَكُونُ أقْوى مِنَ الإنْسانِ، ثُمَّ إنَّها إذا شاهَدَتِ الإنْسانَ هابَتْهُ وفَرَّتْ مِنهُ وما ذاكَ إلّا لِمَهابَةِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ البُشْرى أنَّها عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ البُشْرى لَهم عِنْدَ المَوْتِ قالَ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠] وأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ فَسَلامُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] وسَلامُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ويَنْدَرِجُ في هَذا البابِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في هَذا الكِتابِ صفحة ١٠٤ الكَرِيمِ مِن بَياضِ وُجُوهِهِمْ وإعْطاءِ الصَّحائِفِ بِأيْمانِهِمْ، وما يَلْقُونَ فِيها مِنَ الأحْوالِ السّارَّةِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ المُبَشِّراتِ. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَمّا بَشَّرَ اللَّهُ عِبادَهُ المُتَّقِينَ في كِتابِهِ وعَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ مِن جَنَّتِهِ وكِرِيمِ ثَوابِهِ. ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ [التوبة: ٢١] . واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ البِشارَةِ مُشْتَقٌّ مِن خَبَرٍ سارٍّ يَظْهَرُ أثَرُهُ في بَشَرَةِ الوَجْهِ، فَكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ دَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَجْمُوعُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مُشْتَرِكَةٌ في هَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَكُونُ الكُلُّ داخِلًا فِيهِ فَكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ بِالدُّنْيا فَهو داخِلٌ تَحْتِ قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ أوْلِياءِ اللَّهِ وشَرَحَ أحْوالَهم قالَ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا خُلْفَ فِيها، والكَلِمَةُ والقَوْلُ سَواءٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] وهَذا أحَدُ ما يُقَوِّي أنَّ المُرادَ بِالبُشْرى وعْدُ اللَّهِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ لِمَن أطاعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] ثُمَّ قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّها قابِلَةٌ لِلتَّبْدِيلِ، وكُلُّ ما قَبِلَ العَدَمَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا. ونَظِيرُ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِحُصُولِ النَّسْخِ عَلى أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ قَدِيمًا وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى أمْثالِ هَذِهِ الوُجُوهِ.

يونس 10:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ [يونس: ٦١] مِمّا يُقَوِّي قُلُوبَ المُطِيعِينَ، ومِمّا يَكْسِرُ قُلُوبَ الفاسِقِينَ، فَأتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَرْحِ أحْوالِ المُخْلِصِينَ الصّادِقِينَ الصِّدِّيقِينَ، وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ. وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنّا نَحْتاجُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى أنْ نُبَيِّنَ أنَّ الوَلِيَّ مَن هو ؟ ثُمَّ نُبَيِّنَ تَفْسِيرَ نَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهُ. فَنَقُولُ: أمّا إنَّ الوَحْيَ مَن هو ؟ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ والأثَرُ والمَعْقُولُ. أمّا القُرْآنُ، فَهو قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ”آمَنُوا“ إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ. وفِيهِ مَقامٌ آخَرُ، وهو أنْ يُحْمَلَ الإيمانُ عَلى مَجْمُوعِ الِاعْتِقادِ والعَمَلِ، ثُمَّ نَصِفَ الوَلِيَّ بِأنَّهُ كانَ مُتَّقِيًا في الكُلِّ. أمّا التَّقْوى في مَوْقِفِ العِلْمِ فَلِأنَّ جَلالَ اللَّهِ أعْلى مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ عَقْلُ البَشَرِ، فالصِّدِّيقُ إذا وصَفَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِ الجَلالِ، فَهو يُقَدِّسُ اللَّهَ عَنْ أنْ يَكُونَ كَمالُهُ وجَلالُهُ مُقْتَصِرًا عَلى ذَلِكَ المِقْدارِ الَّذِي عَرَفَهُ ووَصَفَهُ بِهِ، وإذا عَبَدَ اللَّهَ تَعالى فَهو يُقَدِّسُ اللَّهَ تَعالى عَنْ أنْ تَكُونَ الخِدْمَةُ اللّائِقَةُ بِكِبْرِيائِهِ مُتَقَدِّرَةً بِذَلِكَ المِقْدارِ. فَثَبَتَ أنَّهُ أبَدًا يَكُونُ في مَقامِ الخَوْفِ والتَّقْوى. وأمّا الأخْبارُ فَكَثِيرَةٌ: رَوى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«هم قَوْمٌ تَحابُّوا في اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها، فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ، وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ، ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ» “ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللَّهُ تَعالى بِرُؤْيَتِهِمْ» “ . قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ مُشاهَدَتَهم تُذَكِّرُ أمْرَ الآخِرَةِ لِما يُشاهَدُ فِيهِمْ مِن آياتِ الخُشُوعِ والخُضُوعِ، ولِما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] . وأمّا الأثَرُ: فَقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: أوْلِياءُ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ تَوَلّى اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهم بِالبُرْهانِ، وتَوَلَّوُا القِيامَ بِحَقِّ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى والدَّعْوَةِ إلَيْهِ. وأمّا المَعْقُولُ فَنَقُولُ: ظَهَرَ في عِلْمِ الِاشْتِقاقِ أنَّ تَرْكِيبَ الواوِ واللّامِ والياءِ يَدُلُّ عَلى مَعْنى القُرْبِ، فَوَلِيُّ كُلِّ شَيْءٍ هو الَّذِي يَكُونُ قَرِيبًا مِنهُ، والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمَكانِ والجِهَةِ مُحالٌ، فالقُرْبُ مِنهُ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ القَلْبُ مُسْتَغْرِقًا في نُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى سُبْحانَهُ، فَإنْ رَأى رَأى دَلائِلَ قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنْ سَمِعَ سَمِعَ آياتِ اللَّهِ، وإنْ نَطَقَ نَطَقَ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ، وإنْ تَحَرَّكَ تَحَرَّكَ في خِدْمَةِ اللَّهِ، وإنِ اجْتَهَدَ اجْتَهَدَ في طاعَةِ اللَّهِ، فَهُنالِكَ يَكُونُ في غايَةِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ، فَهَذا الشَّخْصُ يَكُونُ ولِيًّا لِلَّهِ تَعالى، وإذا كانَ صفحة ١٠٢ كَذَلِكَ كانَ اللَّهُ تَعالى ولِيًّا لَهُ أيْضًا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ويَجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ القُرْبَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ الجانِبَيْنِ. وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: ولِيُّ اللَّهِ مَن يَكُونُ آتِيًا بِالِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ المَبْنِيِّ عَلى الدَّلِيلِ ويَكُونُ آتِيًا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى وفْقِ ما ورَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، فَهَذا كَلامٌ مُخْتَصَرٌ في تَفْسِيرِ الوَلِيِّ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الخَوْفَ إنَّما يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ بِمَعْنى أنَّهُ يَخافُ حُدُوثَ شَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المَخُوفِ، والحُزْنُ إنَّما يَكُونُ عَلى الماضِي إمّا لِأجْلِ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ في الماضِي ما كَرِهَهُ أوْ لِأنَّهُ فاتَ شَيْءٌ أحَبَّهُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ نَفْيَ الحُزْنِ والخَوْفِ إمّا أنْ يَحْصُلَ لِلْأوْلِياءِ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا أوْ حالَ انْتِقالِهِمْ إلى الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا لا يَحْصُلُ في دارِ الدُّنْيا لِأنَّها دارُ خَوْفٍ وحُزْنٍ والمُؤْمِنُ خُصُوصًا لا يَخْلُو مِن ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ وعَلى ما قالَ: ”«حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» “ وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ، وإنْ صَفا عَيْشُهُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ لا يَخْلُو مِن هَمٍّ بِأمْرِ الآخِرَةِ شَدِيدٍ، وحُزْنٍ عَلى ما يَفُوتُهُ مِنَ القِيامِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا بَطُلَ هَذا القِسْمُ وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ، فَهَذا كَلامٌ مُحَقَّقٌ. وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ الوِلايَةَ عِبارَةٌ عَنِ القُرْبِ، فَوَلِيُّ اللَّهِ تَعالى هو الَّذِي يَكُونُ في غايَةِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا التَّقْرِيرُ قَدْ فَسَّرْناهُ بِاسْتِغْراقِهِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ شَيْءٌ مِمّا سِوى اللَّهِ، فَفي هَذِهِ السّاعَةِ تَحْصُلُ الوِلايَةُ التّامَّةُ، ومَتى كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ حاصِلَةً، فَإنَّ صاحِبَها لا يَخافُ شَيْئًا، ولا يَحْزَنُ بِسَبَبِ شَيْءٍ، وكَيْفَ يُعْقَلُ ذَلِكَ والخَوْفُ مِنَ الشَّيْءِ والحُزْنُ عَلى الشَّيْءِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ الشُّعُورِ بِهِ، والمُسْتَغْرِقُ في نُورِ جَلالِ اللَّهِ غافِلٌ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ خَوْفٌ أوْ حُزْنٌ ؟ وهَذِهِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، ومَن لَمْ يَذُقْها لَمْ يَعْرِفْها. ثُمَّ إنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحالَةِ قَدْ تَزُولُ عَنْهُ الحالَةُ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لَهُ الخَوْفُ والحُزْنُ والرَّجاءُ والرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ بِسَبَبِ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ، كَما يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ. وسَمِعْتُ أنَّ إبْراهِيمَ الخَوّاصَ كانَ بِالبادِيَةِ ومَعَهُ واحِدٌ يَصْحَبُهُ، فاتَّفَقَ في بَعْضِ اللَّيالِي ظُهُورُ حالَةٍ قَوِيَّةٍ وكَشْفٍ تامٍّ لَهُ، فَجَلَسَ في مَوْضِعِهِ وجاءَتِ السُّباعُ ووَقَفُوا بِالقُرْبِ مِنهُ، والمُرِيدُ تَسَلَّقَ عَلى رَأْسِ شَجَرَةِ خَوْفًا مِنها والشَّيْخُ ما كانَ فازِعًا مِن تِلْكَ السِّباعِ، فَلَمّا أصْبَحَ وزالَتْ تِلْكَ الحالَةُ، فَفي اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ وقَعَتْ بَعُوضَةٌ عَلى يَدِهِ فَأظْهَرَ الجَزَعَ مِن تِلْكَ البَعُوضَةِ، فَقالَ المُرِيدُ: كَيْفَ تَلِيقُ هَذِهِ الحالَةُ بِما قَبْلَها ؟ فَقالَ الشَّيْخُ: إنّا إنَّما تَحَمَّلْنا البارِحَةَ ما تَحَمَّلْناهُ بِسَبَبِ قُوَّةِ الوارِدِ الغَيْبِيِّ، فَلَمّا غابَ ذَلِكَ الوارِدُ فَأنا أضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ أهْلَ الثَّوابِ لا يَحْصُلُ لَهم خَوْفٌ في مَحْفِلِ القِيامَةِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وأيْضًا فالقِيامَةُ دارُ الجَزاءِ فَلا يَلِيقُ بِهِ إيصالُ الخَوْفِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ يَحْصُلُ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الخَوْفِ، وذَكَرُوا فِيهِ أخْبارًا تَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ أوْلى مِن خَبَرِ الواحِدِ. * * * صفحة ١٠٣ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: النَّصْبُ بِكَوْنِهِ صِفَةً لِلْأوْلِياءِ. والثّانِي: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ. والثّالِثُ: الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ لَهُمُ البُشْرى. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ قالَ: ”«البُشْرى هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ أوْ تُرى لَهُ» “ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وبَقِيَتِ المُبَشِّراتُ» “ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإذا حَلَمَ أحَدُكم حُلْمًا يَخافُهُ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنهُ ولْيَبْصُقْ عَنْ شِمالِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَإنَّهُ لا يَضُرُّهُ» “ وعَنْهُ ﷺ: ”«الرُّؤْيا الصّالِحَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءً مِنَ النُّبُوَّةِ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: الهَمُّ يُهَمُّ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ النَّهارِ فَيَراهُ في اللَّيْلِ، وحُضُورُ الشَّيْطانِ، والرُّؤْيا الَّتِي هي الرُّؤْيا الصّادِقَةُ. وعَنْ إبْراهِيمَ الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: فالمُبَشِّرَةُ مِنَ اللَّهِ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، والشَّيْءُ يُهَمُّ بِهِ أحَدُكم بِالنَّهارِ فَلَعَلَّهُ يَراهُ بِاللَّيْلِ، والتَّخْوِيفُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإذا رَأى أحَدُكم ما يُحْزِنُهُ فَلْيَقُلْ: أعُوذُ بِما عاذَتْ بِهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ مِن شَرِّ رُؤْيايَ الَّتِي رَأيْتُها أنْ تَضُرَّنِي في دُنْيايَ أوْ في آخِرَتِي. واعْلَمْ أنّا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ عَلى الرُّؤْيا الصّادِقَةِ فَظاهِرُ هَذا النَّصِّ يَقْتَضِي أنْ لا تَحْصُلَ هَذِهِ الحالَةُ إلّا لَهم، والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ولِيَّ اللَّهِ هو الَّذِي يَكُونُ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ والرُّوحِ بِذِكْرِ اللَّهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو عِنْدَ النَّوْمِ لا يَبْقى في رُوحِهِ إلّا مَعْرِفَةُ اللَّهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ ونُورَ جَلالِ اللَّهِ لا يُفِيدُهُ إلّا الحَقُّ والصِّدْقُ، وأمّا مَن يَكُونُ مُتَوَزِّعَ الفِكْرِ عَلى أحْوالِ هَذا العالَمِ الكَدِرِ المُظْلِمِ، فَإنَّهُ إذا نامَ يَبْقى كَذَلِكَ، فَلا جَرَمَ لا اعْتِمادَ عَلى رُؤْياهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ والتَّخْصِيصِ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ البُشْرى، أنَّها عِبارَةٌ عَنْ مَحَبَّةِ النّاسِ لَهُ وعَنْ ذِكْرِهِمْ إيّاهُ بِالثَّناءِ الحَسَنِ؛ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ ويُحِبُّهُ النّاسُ ! فَقالَ: ”تِلْكَ عاجِلُ بُشْرى المُؤْمِنِ“» . واعْلَمْ أنَّ المَباحِثَ العَقْلِيَّةَ تُقَوِّي هَذا المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ لا لِغَيْرِهِ، وكُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ، صارَ مَحْبُوبًا لِكُلِّ أحَدٍ، ولا كَمالَ لِلْعَبْدِ أعْلى وأشْرَفَ مِن كَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ، مُسْتَغْرِقَ اللِّسانِ بِذِكْرِ اللَّهِ، مُسْتَغْرِقَ الجَوارِحِ والأعْضاءِ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، فَإذا ظَهَرَ عَلَيْهِ أمْرٌ مِن هَذا البابِ، صارَتِ الألْسِنَةُ جارِيَةً بِمَدْحِهِ، والقُلُوبُ مَجْبُولَةً عَلى حُبِّهِ، وكُلَّما كانَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ الشَّرِيفَةُ أكْثَرَ، كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ أقْوى، وأيْضًا فَنُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ مَخْدُومٌ بِالذّاتِ، فَفي أيِّ قَلْبٍ حَضَرَ صارَ ذَلِكَ الإنْسانُ مَخْدُومًا بِالطَّبْعِ، ألا تَرى أنَّ البَهائِمَ والسِّباعَ قَدْ تَكُونُ أقْوى مِنَ الإنْسانِ، ثُمَّ إنَّها إذا شاهَدَتِ الإنْسانَ هابَتْهُ وفَرَّتْ مِنهُ وما ذاكَ إلّا لِمَهابَةِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ البُشْرى أنَّها عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ البُشْرى لَهم عِنْدَ المَوْتِ قالَ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠] وأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ فَسَلامُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] وسَلامُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ويَنْدَرِجُ في هَذا البابِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في هَذا الكِتابِ صفحة ١٠٤ الكَرِيمِ مِن بَياضِ وُجُوهِهِمْ وإعْطاءِ الصَّحائِفِ بِأيْمانِهِمْ، وما يَلْقُونَ فِيها مِنَ الأحْوالِ السّارَّةِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ المُبَشِّراتِ. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَمّا بَشَّرَ اللَّهُ عِبادَهُ المُتَّقِينَ في كِتابِهِ وعَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ مِن جَنَّتِهِ وكِرِيمِ ثَوابِهِ. ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ [التوبة: ٢١] . واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ البِشارَةِ مُشْتَقٌّ مِن خَبَرٍ سارٍّ يَظْهَرُ أثَرُهُ في بَشَرَةِ الوَجْهِ، فَكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ دَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَجْمُوعُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مُشْتَرِكَةٌ في هَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَكُونُ الكُلُّ داخِلًا فِيهِ فَكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ بِالدُّنْيا فَهو داخِلٌ تَحْتِ قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ أوْلِياءِ اللَّهِ وشَرَحَ أحْوالَهم قالَ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا خُلْفَ فِيها، والكَلِمَةُ والقَوْلُ سَواءٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] وهَذا أحَدُ ما يُقَوِّي أنَّ المُرادَ بِالبُشْرى وعْدُ اللَّهِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ لِمَن أطاعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] ثُمَّ قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّها قابِلَةٌ لِلتَّبْدِيلِ، وكُلُّ ما قَبِلَ العَدَمَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا. ونَظِيرُ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِحُصُولِ النَّسْخِ عَلى أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ قَدِيمًا وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى أمْثالِ هَذِهِ الوُجُوهِ.

يونس 10:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ [يونس: ٦١] مِمّا يُقَوِّي قُلُوبَ المُطِيعِينَ، ومِمّا يَكْسِرُ قُلُوبَ الفاسِقِينَ، فَأتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَرْحِ أحْوالِ المُخْلِصِينَ الصّادِقِينَ الصِّدِّيقِينَ، وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ. وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنّا نَحْتاجُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى أنْ نُبَيِّنَ أنَّ الوَلِيَّ مَن هو ؟ ثُمَّ نُبَيِّنَ تَفْسِيرَ نَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهُ. فَنَقُولُ: أمّا إنَّ الوَحْيَ مَن هو ؟ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ والأثَرُ والمَعْقُولُ. أمّا القُرْآنُ، فَهو قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ”آمَنُوا“ إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ. وفِيهِ مَقامٌ آخَرُ، وهو أنْ يُحْمَلَ الإيمانُ عَلى مَجْمُوعِ الِاعْتِقادِ والعَمَلِ، ثُمَّ نَصِفَ الوَلِيَّ بِأنَّهُ كانَ مُتَّقِيًا في الكُلِّ. أمّا التَّقْوى في مَوْقِفِ العِلْمِ فَلِأنَّ جَلالَ اللَّهِ أعْلى مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ عَقْلُ البَشَرِ، فالصِّدِّيقُ إذا وصَفَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِ الجَلالِ، فَهو يُقَدِّسُ اللَّهَ عَنْ أنْ يَكُونَ كَمالُهُ وجَلالُهُ مُقْتَصِرًا عَلى ذَلِكَ المِقْدارِ الَّذِي عَرَفَهُ ووَصَفَهُ بِهِ، وإذا عَبَدَ اللَّهَ تَعالى فَهو يُقَدِّسُ اللَّهَ تَعالى عَنْ أنْ تَكُونَ الخِدْمَةُ اللّائِقَةُ بِكِبْرِيائِهِ مُتَقَدِّرَةً بِذَلِكَ المِقْدارِ. فَثَبَتَ أنَّهُ أبَدًا يَكُونُ في مَقامِ الخَوْفِ والتَّقْوى. وأمّا الأخْبارُ فَكَثِيرَةٌ: رَوى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«هم قَوْمٌ تَحابُّوا في اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها، فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ، وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ، ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ» “ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللَّهُ تَعالى بِرُؤْيَتِهِمْ» “ . قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ مُشاهَدَتَهم تُذَكِّرُ أمْرَ الآخِرَةِ لِما يُشاهَدُ فِيهِمْ مِن آياتِ الخُشُوعِ والخُضُوعِ، ولِما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] . وأمّا الأثَرُ: فَقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: أوْلِياءُ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ تَوَلّى اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهم بِالبُرْهانِ، وتَوَلَّوُا القِيامَ بِحَقِّ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى والدَّعْوَةِ إلَيْهِ. وأمّا المَعْقُولُ فَنَقُولُ: ظَهَرَ في عِلْمِ الِاشْتِقاقِ أنَّ تَرْكِيبَ الواوِ واللّامِ والياءِ يَدُلُّ عَلى مَعْنى القُرْبِ، فَوَلِيُّ كُلِّ شَيْءٍ هو الَّذِي يَكُونُ قَرِيبًا مِنهُ، والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمَكانِ والجِهَةِ مُحالٌ، فالقُرْبُ مِنهُ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ القَلْبُ مُسْتَغْرِقًا في نُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى سُبْحانَهُ، فَإنْ رَأى رَأى دَلائِلَ قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنْ سَمِعَ سَمِعَ آياتِ اللَّهِ، وإنْ نَطَقَ نَطَقَ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ، وإنْ تَحَرَّكَ تَحَرَّكَ في خِدْمَةِ اللَّهِ، وإنِ اجْتَهَدَ اجْتَهَدَ في طاعَةِ اللَّهِ، فَهُنالِكَ يَكُونُ في غايَةِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ، فَهَذا الشَّخْصُ يَكُونُ ولِيًّا لِلَّهِ تَعالى، وإذا كانَ صفحة ١٠٢ كَذَلِكَ كانَ اللَّهُ تَعالى ولِيًّا لَهُ أيْضًا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ويَجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ القُرْبَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ الجانِبَيْنِ. وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: ولِيُّ اللَّهِ مَن يَكُونُ آتِيًا بِالِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ المَبْنِيِّ عَلى الدَّلِيلِ ويَكُونُ آتِيًا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى وفْقِ ما ورَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، فَهَذا كَلامٌ مُخْتَصَرٌ في تَفْسِيرِ الوَلِيِّ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الخَوْفَ إنَّما يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ بِمَعْنى أنَّهُ يَخافُ حُدُوثَ شَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المَخُوفِ، والحُزْنُ إنَّما يَكُونُ عَلى الماضِي إمّا لِأجْلِ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ في الماضِي ما كَرِهَهُ أوْ لِأنَّهُ فاتَ شَيْءٌ أحَبَّهُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ نَفْيَ الحُزْنِ والخَوْفِ إمّا أنْ يَحْصُلَ لِلْأوْلِياءِ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا أوْ حالَ انْتِقالِهِمْ إلى الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ هَذا لا يَحْصُلُ في دارِ الدُّنْيا لِأنَّها دارُ خَوْفٍ وحُزْنٍ والمُؤْمِنُ خُصُوصًا لا يَخْلُو مِن ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ وعَلى ما قالَ: ”«حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» “ وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ، وإنْ صَفا عَيْشُهُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ لا يَخْلُو مِن هَمٍّ بِأمْرِ الآخِرَةِ شَدِيدٍ، وحُزْنٍ عَلى ما يَفُوتُهُ مِنَ القِيامِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا بَطُلَ هَذا القِسْمُ وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ، فَهَذا كَلامٌ مُحَقَّقٌ. وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ الوِلايَةَ عِبارَةٌ عَنِ القُرْبِ، فَوَلِيُّ اللَّهِ تَعالى هو الَّذِي يَكُونُ في غايَةِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا التَّقْرِيرُ قَدْ فَسَّرْناهُ بِاسْتِغْراقِهِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ شَيْءٌ مِمّا سِوى اللَّهِ، فَفي هَذِهِ السّاعَةِ تَحْصُلُ الوِلايَةُ التّامَّةُ، ومَتى كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ حاصِلَةً، فَإنَّ صاحِبَها لا يَخافُ شَيْئًا، ولا يَحْزَنُ بِسَبَبِ شَيْءٍ، وكَيْفَ يُعْقَلُ ذَلِكَ والخَوْفُ مِنَ الشَّيْءِ والحُزْنُ عَلى الشَّيْءِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ الشُّعُورِ بِهِ، والمُسْتَغْرِقُ في نُورِ جَلالِ اللَّهِ غافِلٌ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ خَوْفٌ أوْ حُزْنٌ ؟ وهَذِهِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، ومَن لَمْ يَذُقْها لَمْ يَعْرِفْها. ثُمَّ إنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحالَةِ قَدْ تَزُولُ عَنْهُ الحالَةُ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لَهُ الخَوْفُ والحُزْنُ والرَّجاءُ والرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ بِسَبَبِ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ، كَما يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ. وسَمِعْتُ أنَّ إبْراهِيمَ الخَوّاصَ كانَ بِالبادِيَةِ ومَعَهُ واحِدٌ يَصْحَبُهُ، فاتَّفَقَ في بَعْضِ اللَّيالِي ظُهُورُ حالَةٍ قَوِيَّةٍ وكَشْفٍ تامٍّ لَهُ، فَجَلَسَ في مَوْضِعِهِ وجاءَتِ السُّباعُ ووَقَفُوا بِالقُرْبِ مِنهُ، والمُرِيدُ تَسَلَّقَ عَلى رَأْسِ شَجَرَةِ خَوْفًا مِنها والشَّيْخُ ما كانَ فازِعًا مِن تِلْكَ السِّباعِ، فَلَمّا أصْبَحَ وزالَتْ تِلْكَ الحالَةُ، فَفي اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ وقَعَتْ بَعُوضَةٌ عَلى يَدِهِ فَأظْهَرَ الجَزَعَ مِن تِلْكَ البَعُوضَةِ، فَقالَ المُرِيدُ: كَيْفَ تَلِيقُ هَذِهِ الحالَةُ بِما قَبْلَها ؟ فَقالَ الشَّيْخُ: إنّا إنَّما تَحَمَّلْنا البارِحَةَ ما تَحَمَّلْناهُ بِسَبَبِ قُوَّةِ الوارِدِ الغَيْبِيِّ، فَلَمّا غابَ ذَلِكَ الوارِدُ فَأنا أضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ أهْلَ الثَّوابِ لا يَحْصُلُ لَهم خَوْفٌ في مَحْفِلِ القِيامَةِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وأيْضًا فالقِيامَةُ دارُ الجَزاءِ فَلا يَلِيقُ بِهِ إيصالُ الخَوْفِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ يَحْصُلُ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الخَوْفِ، وذَكَرُوا فِيهِ أخْبارًا تَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ أوْلى مِن خَبَرِ الواحِدِ. * * * صفحة ١٠٣ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: النَّصْبُ بِكَوْنِهِ صِفَةً لِلْأوْلِياءِ. والثّانِي: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ. والثّالِثُ: الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ لَهُمُ البُشْرى. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ قالَ: ”«البُشْرى هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ أوْ تُرى لَهُ» “ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وبَقِيَتِ المُبَشِّراتُ» “ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإذا حَلَمَ أحَدُكم حُلْمًا يَخافُهُ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنهُ ولْيَبْصُقْ عَنْ شِمالِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَإنَّهُ لا يَضُرُّهُ» “ وعَنْهُ ﷺ: ”«الرُّؤْيا الصّالِحَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءً مِنَ النُّبُوَّةِ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: الهَمُّ يُهَمُّ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ النَّهارِ فَيَراهُ في اللَّيْلِ، وحُضُورُ الشَّيْطانِ، والرُّؤْيا الَّتِي هي الرُّؤْيا الصّادِقَةُ. وعَنْ إبْراهِيمَ الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: فالمُبَشِّرَةُ مِنَ اللَّهِ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، والشَّيْءُ يُهَمُّ بِهِ أحَدُكم بِالنَّهارِ فَلَعَلَّهُ يَراهُ بِاللَّيْلِ، والتَّخْوِيفُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإذا رَأى أحَدُكم ما يُحْزِنُهُ فَلْيَقُلْ: أعُوذُ بِما عاذَتْ بِهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ مِن شَرِّ رُؤْيايَ الَّتِي رَأيْتُها أنْ تَضُرَّنِي في دُنْيايَ أوْ في آخِرَتِي. واعْلَمْ أنّا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ عَلى الرُّؤْيا الصّادِقَةِ فَظاهِرُ هَذا النَّصِّ يَقْتَضِي أنْ لا تَحْصُلَ هَذِهِ الحالَةُ إلّا لَهم، والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ولِيَّ اللَّهِ هو الَّذِي يَكُونُ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ والرُّوحِ بِذِكْرِ اللَّهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو عِنْدَ النَّوْمِ لا يَبْقى في رُوحِهِ إلّا مَعْرِفَةُ اللَّهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ ونُورَ جَلالِ اللَّهِ لا يُفِيدُهُ إلّا الحَقُّ والصِّدْقُ، وأمّا مَن يَكُونُ مُتَوَزِّعَ الفِكْرِ عَلى أحْوالِ هَذا العالَمِ الكَدِرِ المُظْلِمِ، فَإنَّهُ إذا نامَ يَبْقى كَذَلِكَ، فَلا جَرَمَ لا اعْتِمادَ عَلى رُؤْياهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ والتَّخْصِيصِ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ البُشْرى، أنَّها عِبارَةٌ عَنْ مَحَبَّةِ النّاسِ لَهُ وعَنْ ذِكْرِهِمْ إيّاهُ بِالثَّناءِ الحَسَنِ؛ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ ويُحِبُّهُ النّاسُ ! فَقالَ: ”تِلْكَ عاجِلُ بُشْرى المُؤْمِنِ“» . واعْلَمْ أنَّ المَباحِثَ العَقْلِيَّةَ تُقَوِّي هَذا المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ لا لِغَيْرِهِ، وكُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ، صارَ مَحْبُوبًا لِكُلِّ أحَدٍ، ولا كَمالَ لِلْعَبْدِ أعْلى وأشْرَفَ مِن كَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ، مُسْتَغْرِقَ اللِّسانِ بِذِكْرِ اللَّهِ، مُسْتَغْرِقَ الجَوارِحِ والأعْضاءِ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، فَإذا ظَهَرَ عَلَيْهِ أمْرٌ مِن هَذا البابِ، صارَتِ الألْسِنَةُ جارِيَةً بِمَدْحِهِ، والقُلُوبُ مَجْبُولَةً عَلى حُبِّهِ، وكُلَّما كانَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ الشَّرِيفَةُ أكْثَرَ، كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ أقْوى، وأيْضًا فَنُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ مَخْدُومٌ بِالذّاتِ، فَفي أيِّ قَلْبٍ حَضَرَ صارَ ذَلِكَ الإنْسانُ مَخْدُومًا بِالطَّبْعِ، ألا تَرى أنَّ البَهائِمَ والسِّباعَ قَدْ تَكُونُ أقْوى مِنَ الإنْسانِ، ثُمَّ إنَّها إذا شاهَدَتِ الإنْسانَ هابَتْهُ وفَرَّتْ مِنهُ وما ذاكَ إلّا لِمَهابَةِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ البُشْرى أنَّها عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ البُشْرى لَهم عِنْدَ المَوْتِ قالَ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠] وأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ فَسَلامُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] وسَلامُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ويَنْدَرِجُ في هَذا البابِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في هَذا الكِتابِ صفحة ١٠٤ الكَرِيمِ مِن بَياضِ وُجُوهِهِمْ وإعْطاءِ الصَّحائِفِ بِأيْمانِهِمْ، وما يَلْقُونَ فِيها مِنَ الأحْوالِ السّارَّةِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ المُبَشِّراتِ. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَمّا بَشَّرَ اللَّهُ عِبادَهُ المُتَّقِينَ في كِتابِهِ وعَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ مِن جَنَّتِهِ وكِرِيمِ ثَوابِهِ. ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ [التوبة: ٢١] . واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ البِشارَةِ مُشْتَقٌّ مِن خَبَرٍ سارٍّ يَظْهَرُ أثَرُهُ في بَشَرَةِ الوَجْهِ، فَكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ دَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَجْمُوعُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مُشْتَرِكَةٌ في هَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَكُونُ الكُلُّ داخِلًا فِيهِ فَكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ بِالدُّنْيا فَهو داخِلٌ تَحْتِ قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ أوْلِياءِ اللَّهِ وشَرَحَ أحْوالَهم قالَ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا خُلْفَ فِيها، والكَلِمَةُ والقَوْلُ سَواءٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] وهَذا أحَدُ ما يُقَوِّي أنَّ المُرادَ بِالبُشْرى وعْدُ اللَّهِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ لِمَن أطاعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] ثُمَّ قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّها قابِلَةٌ لِلتَّبْدِيلِ، وكُلُّ ما قَبِلَ العَدَمَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا. ونَظِيرُ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِحُصُولِ النَّسْخِ عَلى أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ قَدِيمًا وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى أمْثالِ هَذِهِ الوُجُوهِ.

يونس 10:65

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أوْرَدُوا أنْواعَ الشُّبُهاتِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم فِيما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وأجابَ اللَّهُ عَنْها بِالأجْوِبَةِ الَّتِي فَسَّرْناها وقَرَّرْناها، عَدَلُوا إلى طَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنَّهم هَدَّدُوهُ وخَوَّفُوهُ وزَعَمُوا أنّا أصْحابُ التَّبَعِ والمالِ، فَنَسْعى في قَهْرِكَ وفي إبْطالِ أمْرِكَ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَحْزَنُ مِن وعِيدِ الغَيْرِ وتَهْدِيدِهِ ومَكْرِهِ وكَيْدِهِ، لَوْ جَوَّزَ كَوْنُهُ مُؤَثِّرًا في حالِهِ، فَإذا عَلِمَ مِن جِهَةِ عَلّامِ الغُيُوبِ أنَّ ذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ، خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُزْنِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَما أزالَ عَنِ الرَّسُولِ حُزْنَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] فَكَذَلِكَ أزالَ حُزْنَ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أرْسَلَهُ إلى الخَلْقِ وهو الَّذِي أمَرَهُ بِدَعْوَتِهِمْ إلى هَذا الدِّينِ كانَ لا مَحالَةَ ناصِرًا لَهُ ومُعِينًا، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ العِزَّةَ والقَهْرَ والغَلَبَةَ لَيْسَتْ إلّا لَهُ، فَقَدْ حَصَلَ الأمْنُ وزالَ الخَوْفُ. صفحة ١٠٥ فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ آمَنُهُ مِن ذَلِكَ ولَمْ يَزَلْ خائِفًا حَتّى احْتاجَ إلى الهِجْرَةِ والهَرَبِ، ثُمَّ مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَخافُ حالًا بَعْدَ حالٍ ؟ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ الظَّفَرَ والنُّصْرَةَ مُطْلَقًا، والوَقْتُ ما كانَ مُعَيَّنًا، فَهو في كُلِّ وقْتٍ كانَ يَخافُ مِن أنْ لا يَكُونَ هَذا الوَقْتُ المُعَيَّنُ ذَلِكَ الوَقْتَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الِانْكِسارُ والِانْهِزامُ في هَذا الوَقْتِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ القاضِي: إنَّ العِزَّةَ بِالألِفِ المَكْسُورَةِ، وفي فَتْحِها فَسادٌ يُقارِبُ الكُفْرَ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُحْزِنُهُ ذَلِكَ. أمّا إذا كَسَرْتَ الألِفَ كانَ ذَلِكَ اسْتِئْنافًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ عِلْمِ الإعْرابِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ”أنَّ العِزَّةَ“ بِالفَتْحِ عَلى حَذْفِ لامِ العِلَّةِ يَعْنِي: لِأنَّ العِزَّةَ عَلى صَرِيحِ التَّعْلِيلِ. البَحْثُ الثّانِي: فائِدَةُ ”﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾“ في هَذا المَقامِ أُمُورٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّ جَمِيعَ العِزَّةِ والقُدْرَةِ هي لِلَّهِ تَعالى يُعْطِي ما يَشاءُ لِعِبادِهِ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ لا يُعْطِي الكُفّارَ قُدْرَةً عَلَيْهِ، بَلْ يُعْطِيهِ القُدْرَةَ عَلَيْهِمْ حَتّى يَكُونَ هو بِذَلِكَ أعَزَّ مِنهم، فَآمَنَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا القَوْلِ مِن إضْرارِ الكُفّارِ بِهِ بِالقَتْلِ والإيذاءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ أنَّ المُشْرِكِينَ يَتَعَزَّزُونَ بِكَثْرَةِ خَدَمِهِمْ وأمْوالِهِمْ ويُخَوِّفُونَكَ بِها، وتِلْكَ الأشْياءُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى فَهو القادِرُ عَلى أنْ يَسْلُبَ مِنهم كُلَّ تِلْكَ الأشْياءِ وأنْ يَنْصُرَكَ ويَنْقُلَ أمْوالَهم ودِيارَهم إلَيْكَ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ كالمُضادَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] . قُلْنا: لا مُضادَّةَ؛ لِأنَّ عِزَّةَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ كُلَّها بِاللَّهِ فَهي لِلَّهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُ ما يَعْزِمُونَ عَلَيْهِ وهو يُكافِئُهم بِذَلِكَ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما لا يَعْقِلُ فَهو مُلْكٌ لِلَّهِ تَعالى ومِلْكٌ لَهُ، وأمّا هَهُنا فَكَلِمَةُ ”مَن“ مُخْتَصَّةٌ بِمَن يَعْقِلُ، فَتَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ العُقَلاءِ داخِلُونَ تَحْتَ مُلْكِ اللَّهِ ومِلْكِهِ فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ دالًّا عَلى أنَّ الكُلَّ مُلْكُهُ ومِلْكُهُ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿مَن في السَّماواتِ﴾ العُقَلاءُ المُمَيِّزُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ والثَّقَلانِ. وإنَّما خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ إذا كانُوا لَهُ وفي مُلْكِهِ فالجَماداتُ أوْلى بِهَذِهِ العُبُودِيَّةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا في جَعْلِ الأصْنامِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ وفي كَلِمَةِ ”ما“ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نَفْيٌ وجَحْدٌ، والمَعْنى أنَّهم ما اتَّبَعُوا شَرِيكَ اللَّهِ تَعالى إنَّما اتَّبَعُوا شَيْئًا ظَنُّوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعالى. ومِثالُهُ أنَّ أحَدَنا لَوْ ظَنَّ أنَّ زَيْدًا في الدّارِ وما كانَ فِيها، فَخاطَبَ إنْسانًا في الدّارِ ظَنَّهُ زَيْدًا، فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّهُ خاطَبَ زَيْدًا، بَلْ يُقالُ خاطَبَ مَن ظَنَّهُ زَيْدًا. الثّانِي: أنَّ ”ما“ اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَتْبَعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ، والمَقْصُودُ تَقْبِيحُ فِعْلِهِمْ يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ. صفحة ١٠٦ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ والمَعْنى أنَّهم إنَّما اتَّبَعُوا ظُنُونَهُمُ الباطِلَةَ وأوْهامَهُمُ الفاسِدَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا الظَّنَّ لا حُكْمَ لَهُ ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وذَكَرْنا مَعْنى الخَرْصِ في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] .

يونس 10:66

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أوْرَدُوا أنْواعَ الشُّبُهاتِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم فِيما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وأجابَ اللَّهُ عَنْها بِالأجْوِبَةِ الَّتِي فَسَّرْناها وقَرَّرْناها، عَدَلُوا إلى طَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنَّهم هَدَّدُوهُ وخَوَّفُوهُ وزَعَمُوا أنّا أصْحابُ التَّبَعِ والمالِ، فَنَسْعى في قَهْرِكَ وفي إبْطالِ أمْرِكَ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَحْزَنُ مِن وعِيدِ الغَيْرِ وتَهْدِيدِهِ ومَكْرِهِ وكَيْدِهِ، لَوْ جَوَّزَ كَوْنُهُ مُؤَثِّرًا في حالِهِ، فَإذا عَلِمَ مِن جِهَةِ عَلّامِ الغُيُوبِ أنَّ ذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ، خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُزْنِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَما أزالَ عَنِ الرَّسُولِ حُزْنَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] فَكَذَلِكَ أزالَ حُزْنَ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أرْسَلَهُ إلى الخَلْقِ وهو الَّذِي أمَرَهُ بِدَعْوَتِهِمْ إلى هَذا الدِّينِ كانَ لا مَحالَةَ ناصِرًا لَهُ ومُعِينًا، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ العِزَّةَ والقَهْرَ والغَلَبَةَ لَيْسَتْ إلّا لَهُ، فَقَدْ حَصَلَ الأمْنُ وزالَ الخَوْفُ. صفحة ١٠٥ فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ آمَنُهُ مِن ذَلِكَ ولَمْ يَزَلْ خائِفًا حَتّى احْتاجَ إلى الهِجْرَةِ والهَرَبِ، ثُمَّ مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَخافُ حالًا بَعْدَ حالٍ ؟ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ الظَّفَرَ والنُّصْرَةَ مُطْلَقًا، والوَقْتُ ما كانَ مُعَيَّنًا، فَهو في كُلِّ وقْتٍ كانَ يَخافُ مِن أنْ لا يَكُونَ هَذا الوَقْتُ المُعَيَّنُ ذَلِكَ الوَقْتَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الِانْكِسارُ والِانْهِزامُ في هَذا الوَقْتِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ القاضِي: إنَّ العِزَّةَ بِالألِفِ المَكْسُورَةِ، وفي فَتْحِها فَسادٌ يُقارِبُ الكُفْرَ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُحْزِنُهُ ذَلِكَ. أمّا إذا كَسَرْتَ الألِفَ كانَ ذَلِكَ اسْتِئْنافًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ عِلْمِ الإعْرابِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ”أنَّ العِزَّةَ“ بِالفَتْحِ عَلى حَذْفِ لامِ العِلَّةِ يَعْنِي: لِأنَّ العِزَّةَ عَلى صَرِيحِ التَّعْلِيلِ. البَحْثُ الثّانِي: فائِدَةُ ”﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾“ في هَذا المَقامِ أُمُورٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّ جَمِيعَ العِزَّةِ والقُدْرَةِ هي لِلَّهِ تَعالى يُعْطِي ما يَشاءُ لِعِبادِهِ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ لا يُعْطِي الكُفّارَ قُدْرَةً عَلَيْهِ، بَلْ يُعْطِيهِ القُدْرَةَ عَلَيْهِمْ حَتّى يَكُونَ هو بِذَلِكَ أعَزَّ مِنهم، فَآمَنَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا القَوْلِ مِن إضْرارِ الكُفّارِ بِهِ بِالقَتْلِ والإيذاءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ أنَّ المُشْرِكِينَ يَتَعَزَّزُونَ بِكَثْرَةِ خَدَمِهِمْ وأمْوالِهِمْ ويُخَوِّفُونَكَ بِها، وتِلْكَ الأشْياءُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى فَهو القادِرُ عَلى أنْ يَسْلُبَ مِنهم كُلَّ تِلْكَ الأشْياءِ وأنْ يَنْصُرَكَ ويَنْقُلَ أمْوالَهم ودِيارَهم إلَيْكَ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ كالمُضادَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] . قُلْنا: لا مُضادَّةَ؛ لِأنَّ عِزَّةَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ كُلَّها بِاللَّهِ فَهي لِلَّهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُ ما يَعْزِمُونَ عَلَيْهِ وهو يُكافِئُهم بِذَلِكَ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما لا يَعْقِلُ فَهو مُلْكٌ لِلَّهِ تَعالى ومِلْكٌ لَهُ، وأمّا هَهُنا فَكَلِمَةُ ”مَن“ مُخْتَصَّةٌ بِمَن يَعْقِلُ، فَتَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ العُقَلاءِ داخِلُونَ تَحْتَ مُلْكِ اللَّهِ ومِلْكِهِ فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ دالًّا عَلى أنَّ الكُلَّ مُلْكُهُ ومِلْكُهُ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿مَن في السَّماواتِ﴾ العُقَلاءُ المُمَيِّزُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ والثَّقَلانِ. وإنَّما خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ إذا كانُوا لَهُ وفي مُلْكِهِ فالجَماداتُ أوْلى بِهَذِهِ العُبُودِيَّةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا في جَعْلِ الأصْنامِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ وفي كَلِمَةِ ”ما“ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نَفْيٌ وجَحْدٌ، والمَعْنى أنَّهم ما اتَّبَعُوا شَرِيكَ اللَّهِ تَعالى إنَّما اتَّبَعُوا شَيْئًا ظَنُّوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعالى. ومِثالُهُ أنَّ أحَدَنا لَوْ ظَنَّ أنَّ زَيْدًا في الدّارِ وما كانَ فِيها، فَخاطَبَ إنْسانًا في الدّارِ ظَنَّهُ زَيْدًا، فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّهُ خاطَبَ زَيْدًا، بَلْ يُقالُ خاطَبَ مَن ظَنَّهُ زَيْدًا. الثّانِي: أنَّ ”ما“ اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَتْبَعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ، والمَقْصُودُ تَقْبِيحُ فِعْلِهِمْ يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ. صفحة ١٠٦ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ والمَعْنى أنَّهم إنَّما اتَّبَعُوا ظُنُونَهُمُ الباطِلَةَ وأوْهامَهُمُ الفاسِدَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا الظَّنَّ لا حُكْمَ لَهُ ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وذَكَرْنا مَعْنى الخَرْصِ في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] .

يونس 10:67

قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ اللَّيْلَ لِيَزُولَ التَّعَبُ والكَلالُ بِالسُّكُونِ فِيهِ، وجَعَلَ النَّهارَ مُبْصِرًا أيْ مُضِيئًا لِتَهْتَدُوا بِهِ في حَوائِجِكم بِالإبْصارِ، والمُبْصِرُ الَّذِي يُبْصِرُ، والنَّهارُ يُبْصَرُ فِيهِ، وإنَّما جَعَلَهُ مُبْصِرًا عَلى طَرِيقِ نَقْلِ الِاسْمِ مِنَ السَّبَبِ إلى المُسَبِّبِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَهُ إلّا لِهَذا الوَجْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ بِتَخْلِيقِ اللَّيْلِ والنَّهارِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الدَّلائِلِ. قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (لِتَسْكُنُوا) لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حِكْمَةَ فِيهِ إلّا ذَلِكَ، بَلْ ذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ تِلْكَ الحِكْمَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ فالمُرادُ يَتَدَبَّرُونَ ما يَسْمَعُونَ ويَعْتَبِرُونَ بِهِ.

يونس 10:68

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ، وهي قَوْلُهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حِكايَةَ قَوْلِ مَن يَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: الأوْثانُ أوْلادُ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ فِيهِمْ قَوْمٌ مِنَ النَّصارى قالُوا ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَنْكَرَ هَذا القَوْلَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿هُوَ الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى غَنِيًّا مالِكًا لِكُلِّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وبَيانُ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ مُطْلَقًا عَلى ما في هَذِهِ الآيَةِ، والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُحْتاجًا لافْتَقَرَ إلى صانِعٍ آخَرَ، وهو مُحالٌ، وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا فَإنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فَرْدًا مُنَزَّهًا عَنِ الأجْزاءِ صفحة ١٠٧ والأبْعاضِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ الإنْسانِ، ثُمَّ يَتَوَلَّدُ عَنْ ذَلِكَ الجُزْءِ مِثْلُهُ، وإذا كانَ هَذا مُحالًا ثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى غَنِيًّا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الوَلَدِ لَهُ. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا كانَ قَدِيمًا أزَلِيًّا باقِيًا سَرْمَدِيًّا، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ، امْتَنَعَ عَلَيْهِ الِانْقِراضُ والِانْقِضاءُ، والوَلَدُ إنَّما يَحْصُلُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَنْقَضِي، ويَنْقَرِضُ، فَيَكُونُ ولَدُهُ قائِمًا مَقامَهُ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى غَنِيًّا، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ ووَلَدٌ. الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ، وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، لِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ في حَقِّ مَن يَكُونُ مُحْتاجًا حَتّى يُعِينَهُ ولَدُهُ عَلى المَصالِحِ الحاصِلَةِ والمُتَوَقَّعَةِ، فَمَن كانَ غَنِيًّا مُطْلَقًا امْتَنَعَ عَلَيْهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: ولَدُ الحَيَوانِ إنَّما يَكُونُ ولَدًا لَهُ بِشَرْطَيْنِ: إذا كانَ مُساوِيًا لَهُ في الطَّبِيعَةِ والحَقِيقَةِ، ويَكُونُ ابْتِداءُ وُجُودِهِ وتَكَوُّنِهِ مِنهُ، وهَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ مُطْلَقًا، وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا مُطْلَقًا كانَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَلَوْ كانَ لِواجِبِ الوُجُودِ ولَدٌ، لَكانَ ولَدُهُ مُساوِيًا لَهُ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ولَدُ واجِبِ الوُجُودِ أيْضًا واجِبَ الوُجُودِ، لَكِنَّ كَوْنَهُ واجِبَ الوُجُودِ يَمْنَعُ مِن تَوَلُّدِهِ مِن غَيْرِهِ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِن غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ ولَدًا، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى غَنِيًّا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا ولَدَ لَهُ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مَعَ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ في غايَةِ القُوَّةِ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ، وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ لَهُ أبٌ وأُمٌّ، وكُلُّ مَن تَقَدَّسَ عَنِ الوالِدَيْنِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُقَدَّسًا عَنِ الأوْلادِ. فَإنْ قِيلَ: يُشْكِلُ هَذا بِالوالِدِ الأوَّلِ ؟ قُلْنا: الوالِدُ الأوَّلُ لا يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ ولَدًا لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ الوالِدَ الأوَّلَ مِن أبَوَيْنِ يَقْدُمانِهِ. أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ افْتِقارُهُ إلى أبَوَيْنِ، وإلّا لَما كانَ غَنِيًّا مُطْلَقًا. الحُجَّةُ السّابِعَةُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ مُطْلَقًا، وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا مُطْلَقًا امْتَنَعَ أنْ يَفْتَقِرَ في إحْداثِ الأشْياءِ إلى غَيْرِهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الوَلَدُ، إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حادِثًا، فَإنْ كانَ قَدِيمًا فَهو واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، إذْ لَوْ كانَ مُمْكِنَ الوُجُودِ لافْتَقَرَ إلى المُؤَثِّرِ، وافْتِقارُ القَدِيمِ إلى المُؤَثِّرِ يَقْتَضِي إيجادَ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ لَمْ يَكُنْ ولَدًا لِغَيْرِهِ، بَلْ كانَ مَوْجُودًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وأمّا إنْ كانَ هَذا الوَلَدُ حادِثًا والحَقُّ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ مُطْلَقًا فَكانَ قادِرًا عَلى إحْداثِهِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَشْرِيكِ شَيْءٍ آخَرَ، فَكانَ هَذا عَبْدًا مُطْلَقًا، ولَمْ يَكُنْ ولَدًا، فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ. صفحة ١٠٨ أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [ مَرْيَمَ: ٩٣ ) وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى أنَّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ، وكُلُّ مُحْتاجٍ مُحْدَثٌ، فَكُلُّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ مُحْدَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُحْدِثُهُ وخالِقُهُ ومُوجِدُهُ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِإثْباتِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى بِالدَّلِيلِ الواضِحِ امْتِناعَ ما أضافُوا إلَيْهِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِالإنْكارِ والتَّوْبِيخِ فَقالَ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ مُنَبِّهًا بِهَذا عَلى أنَّهُ لا حُجَّةَ عِنْدَهم في ذَلِكَ ألْبَتَّةَ. ثُمَّ بالَغَ في ذَلِكَ الإنْكارِ فَقالَ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ يُحْتَجُّ بِها في إبْطالِ التَّقْلِيدِ في أُصُولِ الدِّياناتِ. ونُفاةُ القِياسِ وأخْبارِ الآحادِ قَدْ يَحْتَجُّونَ بِها في إبْطالِ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ.

يونس 10:69

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ القاهِرِ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى قَوْلٌ باطِلٌ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لِهَذا القائِلِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ المَذْهَبَ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ، ونَسَبُهُ لِما لا يَلِيقُ بِهِ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ أنَّ مَن هَذا حالُهُ فَإنَّهُ لا يُفْلِحُ ألْبَتَّةَ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٧ ] . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ هَذِهِ الصُّورَةُ ولَكِنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ كُلُّ مَن قالَ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وفي صِفاتِهِ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وبِغَيْرِ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ كانَ داخِلًا في هَذا الوَعِيدِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يُفْلِحُ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وبِالجُمْلَةِ فالفَلاحُ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلى المَقْصُودِ والمَطْلُوبِ، فَمَعْنى أنَّهُ لا يُفْلِحُ هو أنَّهُ لا يَنْجَحُ في سَعْيِهِ ولا يَفُوزُ بِمَطْلُوبِهِ بَلْ خابَ وخَسِرَ، ومِنَ النّاسِ مَن إذا فازَ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ العاجِلَةِ والمَقاصِدِ الخَسِيسَةِ، ظَنَّ أنَّهُ قَدْ فازَ بِالمَقْصِدِ الأقْصى، واللَّهُ سُبْحانَهُ أزالَ هَذا الخَيالَ بِأنْ قالَ: إنَّ ذَلِكَ المَقْصُودَ الخَسِيسَ مَتاعٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا، ثُمَّ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، وعِنْدَ المَوْتِ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ وعِنْدَ هَذا الرُّجُوعِ لا بُدَّ مِن أنْ يُذِيقَهُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الكُفْرِ المُتَقَدِّمِ، وهَذا كَلامٌ في غايَةِ الِانْتِظامِ ونِهايَةِ الحُسْنِ والجَزالَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

يونس 10:70

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ القاهِرِ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى قَوْلٌ باطِلٌ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لِهَذا القائِلِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ المَذْهَبَ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ، ونَسَبُهُ لِما لا يَلِيقُ بِهِ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ أنَّ مَن هَذا حالُهُ فَإنَّهُ لا يُفْلِحُ ألْبَتَّةَ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٧ ] . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ هَذِهِ الصُّورَةُ ولَكِنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ كُلُّ مَن قالَ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وفي صِفاتِهِ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وبِغَيْرِ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ كانَ داخِلًا في هَذا الوَعِيدِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يُفْلِحُ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وبِالجُمْلَةِ فالفَلاحُ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلى المَقْصُودِ والمَطْلُوبِ، فَمَعْنى أنَّهُ لا يُفْلِحُ هو أنَّهُ لا يَنْجَحُ في سَعْيِهِ ولا يَفُوزُ بِمَطْلُوبِهِ بَلْ خابَ وخَسِرَ، ومِنَ النّاسِ مَن إذا فازَ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ العاجِلَةِ والمَقاصِدِ الخَسِيسَةِ، ظَنَّ أنَّهُ قَدْ فازَ بِالمَقْصِدِ الأقْصى، واللَّهُ سُبْحانَهُ أزالَ هَذا الخَيالَ بِأنْ قالَ: إنَّ ذَلِكَ المَقْصُودَ الخَسِيسَ مَتاعٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا، ثُمَّ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، وعِنْدَ المَوْتِ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ وعِنْدَ هَذا الرُّجُوعِ لا بُدَّ مِن أنْ يُذِيقَهُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الكُفْرِ المُتَقَدِّمِ، وهَذا كَلامٌ في غايَةِ الِانْتِظامِ ونِهايَةِ الحُسْنِ والجَزالَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

يونس 10:71

صفحة ١٠٩ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وفي الجَوابِ عَنِ الشُّبَهِ والسُّؤالاتِ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في بَيانِ قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الكَلامَ إذا أطالَ في تَقْرِيرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العُلُومِ، فَرُبَّما حَصَلَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ المَلالَةِ فَإذا انْتَقَلَ الإنْسانُ مِن ذَلِكَ الفَنِّ مِنَ العِلْمِ إلى فَنٍّ آخَرَ، انْشَرَحَ صَدْرُهُ وطابَ قَلْبُهُ ووَجَدَ في نَفْسِهِ رَغْبَةً جَدِيدَةً وقُوَّةً حادِثَةً ومَيْلًا قَوِيًّا. وثانِيها: لِيَكُونَ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولِأصْحابِهِ أُسْوَةٌ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأنْبِياءِ؛ فَإنَّ الرَّسُولَ إذا سَمِعَ أنَّ مُعامَلَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَعَ كُلِّ الرُّسُلِ ما كانَتْ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ خَفَّ ذَلِكَ عَلى قَلْبِهِ، كَما يُقالُ: المُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ. وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ إذا سَمِعُوا هَذِهِ القَصَصَ، وعَلِمُوا أنَّ الجُهّالَ، وإنْ بالَغُوا في إيذاءِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أعانَهم بِالآخِرَةِ ونَصَرَهم وأيَّدَهم وقَهَرَ أعْداءَهم، كانَ سَماعُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لِأمْثالِ هَذِهِ القَصَصِ سَبَبًا لِانْكِسارِ قُلُوبِهِمْ، ووُقُوعِ الخَوْفِ والوَجَلِ في صُدُورِهِمْ، وحِينَئِذٍ يُقَلِّلُونَ مِن أنْواعِ الإيذاءِ والسَّفاهَةِ. ورابِعُها: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا، ولَمْ يُطالِعْ كِتابًا ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الأقاصِيصَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، ومِن غَيْرِ زِيادَةٍ ومِن غَيْرِ نُقْصانٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ ﷺ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ والتَّنْزِيلِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ثَلاثَةً. فالقِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، وفِيها وجْهانِ مِنَ الفائِدَةِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْمَ نُوحٍ- عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والجَحْدِ عَجَّلَ اللَّهُ هَلاكَهم بِالغَرَقِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّتَهم لِتَصِيرَ تِلْكَ القِصَّةُ عِبْرَةً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ، وداعِيَةً إلى مُفارَقَةِ الجَحْدِ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ. والثّانِي: أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم وكانُوا يَقُولُونَ لَهُ: كَذَبْتَ، فَإنَّهُ ما جاءَنا هَذا العَذابُ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ لَهم قِصَّةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُخَوِّفُهم بِهَذا العَذابِ وكانُوا يُكَذِّبُونَهُ فِيهِ، ثُمَّ بِالآخِرَةِ وقَعَ كَما أخْبَرَ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وهَذا جُمْلَةٌ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أمّا الشَّرْطُ فَهو مُرَكَّبٌ مِن قَيْدَيْنِ: القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ قالَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“: يُقالُ كَبِرَ يَكْبَرُ كِبَرًا في السِّنِّ، وكَبُرَ الأمْرُ والشَّيْءُ إذا عَظُمَ يَكْبُرُ كِبَرًا وكَبارَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَقُلَ عَلَيْكم وشَقَّ عَلَيْكم وعَظُمَ أمْرُهُ عِنْدَكم، والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرٌ كالإقامَةِ. يُقالُ: أقامَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مَقامًا وإقامَةً، والمُقامُ بِضَمِّ المِيمِ المَوْضِعُ الَّذِي يُقامُ فِيهِ، وأرادَ بِالمَقامِ هَهُنا مُكْثَهُ ولُبْثَهُ فِيهِمْ وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ جارٍ مَجْرى قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ثَقِيلُ الظِّلِّ. واعْلَمْ أنَّ سَبَبَ هَذا الثِّقَلِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَكَثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا. والثّانِي: أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ كانُوا قَدْ ألِفُوا تِلْكَ المَذاهِبَ الفاسِدَةَ والطَّرائِقَ الباطِلَةَ، والغالِبُ أنَّ مَن ألِفَ طَرِيقَةً صفحة ١١٠ فِي الدِّينِ فَإنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ أنْ يُدْعى إلى خِلافِها، ويُذْكَرَ لَهُ رَكاكَتُها، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ طُولُ مُدَّةِ الدُّعاءِ كانَ أثْقَلَ وأشَدَّ كَراهِيَةً، فَإنِ اقْتَرَنَ بِهِ إيرادُ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ عَلى فَسادِ ذَلِكَ المَذْهَبِ كانَتِ النَّفْرَةُ أشَدَّ، فَهَذا هو السَّبَبُ في حُصُولِ ذَلِكَ الثِّقَلِ. والقَيْدُ الثّانِي: هو قَوْلُهُ: ﴿وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الطِّباعَ المَشْغُوفَةَ بِالدُّنْيا الحَرِيصَةَ عَلى طَلَبِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ تَكُونُ شَدِيدَةَ النَّفْرَةِ عَنِ الأمْرِ بِالطّاعاتِ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والمُنْكَراتِ، قَوِيَّةَ الكَراهَةِ لِسَماعِ ذِكْرِ المَوْتِ وتَقْبِيحِ صُورَةِ الدُّنْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَسْتَثْقِلُ الإنْسانَ الَّذِي يَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهُ عَنِ المُنْكَرِ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ أنَّهم كانُوا إذا وعَظُوا الجَماعَةَ قامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ يَعِظُونَهم لِيَكُونَ مَكانُهم ظاهِرًا وكَلامُهم مَسْمُوعًا، كَما يُحْكى عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ كانَ يَعِظُ الحَوارِيِّينَ قائِمًا وهم قُعُودٌ، واعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشَّرْطُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا الجَزاءُ فَفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ الجَزاءَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ يَعْنِي أنَّ شِدَّةَ بُغْضِكم لِي تَحْمِلُكم عَلى الإقْدامِ عَلى إيذائِي، وأنا لا أُقابِلُ ذَلِكَ الشَّرَّ إلّا بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أبَدًا مُتَوَكِّلًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا اللَّفْظُ يُوهِمُ أنَّهُ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في هَذِهِ السّاعَةِ، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ إنَّما تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في دَفْعِ هَذا الشَّرِّ في هَذِهِ السّاعَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ كَلامٌ اعْتُرِضَ بِهِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ كَما تَقُولُ في الكَلامِ إنْ كُنْتَ أنْكَرْتَ عَلَيَّ شَيْئًا فاللَّهُ حَسْبِي فاعْمَلْ ما تُرِيدُ واعْلَمْ أنَّ جَوابَ هَذا الشَّرْطِ مُشْتَمِلٌ عَلى قُيُودٍ خَمْسَةٍ عَلى التَّرْتِيبِ. القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: الإجْماعُ الإعْدادُ والعَزِيمَةُ عَلى الأمْرِ وأنْشَدَ: يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا يَنْفَعُ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ فَإذا أرَدْتَ جَمْعَ التَّفَرُّقِ قُلْتَ: جَمَعْتُ القَوْمَ فَهم مَجْمُوعُونَ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ، أيْ جَعَلَهَ جَمِيعًا بَعْدَ ما كانَ مُتَفَرِّقًا، قالَ: وتَفَرَّقَهُ، أيْ جَعَلَ يَتَدَبَّرُهُ فَيَقُولُ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَلَمّا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ فَقَدْ جَمَعَهُ، أيْ جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذا هو الأصْلُ في الإجْماعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ حَتّى وُصِلَ بِعَلى، فَقِيلَ: أجْمَعْتُ عَلى الأمْرِ، أيْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ، والأصْلُ أجْمَعْتُ الأمْرَ. البَحْثُ الثّانِي: رَوى الأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ ”فاجْمَعُوا أمْرَكم“ بِوَصْلِ الألِفِ مِنَ الجَمْعِ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: فاجْمَعُوا ذَوِي الأمْرِ مِنكم، فَحُذِفَ المُضافُ، وجَرى عَلى المُضافِ إلَيْهِ ما كانَ يَجْرِي عَلى المُضافِ لَوْ ثَبَتَ. الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُرادُ مِنَ الأمْرِ هَهُنا وُجُوهُ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، صفحة ١١١ فالتَّقْدِيرُ: ولا تَدَعُوا مِن أمْرِكم شَيْئًا إلّا أحْضَرْتُمُوهُ. والقَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وشُرَكاءَكُمْ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: الواوُ هَهُنا بِمَعْنى مَعَ، والمَعْنى: فَأجْمِعُوا أمْرَكم مَعَ شُرَكائِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: لَوْ تُرِكَتِ النّاقَةُ وفَصِيلَها لَرَضَعَها، ولَوْ خَلَّيْتَ نَفْسَكَ والأسَدَ لَأكَلَكَ. البَحْثُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّرَكاءِ الأوْثانَ الَّتِي سَمَّوْها بِالآلِهَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها مَن كانَ عَلى مِثْلِ قَوْلِهِمْ ودِينِهِمْ، فَإنْ كانَ المُرادُ هو الأوَّلُ فَإنَّما حَثَّ الكُفّارَ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِالأوْثانِ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِمْ مِن أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وإنْ كانَ المُرادُ هو الثّانِيَ فَوَجْهُ الِاسْتِعانَةِ بِها ظاهِرٌ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَرَأ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ ”وشُرَكاؤُكم“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، والتَّقْدِيرُ: فَأجْمِعُوا أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم. قالَ الواحِدِيُّ: وجازَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ كَقَوْلِهِ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمْرَكُمْ﴾ فَصْلٌ بَيْنَ الضَّمِيرِ وبَيْنَ المَنسُوقِ، فَكانَ كالعِوَضِ مِنَ التَّوْكِيدِ. وكانَ الفَرّاءُ يَسْتَقْبِحُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها تُوجِبُ أنْ يُكْتَبَ وشُرَكاؤُكم بِالواوِ، وهَذا الحَرْفُ غَيْرُ مَوْجُودٍ في المَصاحِفِ. القَيْدُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: أيْ مُبْهَمًا مِن قَوْلِهِمْ: غُمَّ عَلَيْنا الهِلالُ فَهو مَغْمُومٌ، إذا التَبَسَ؛ قالَ طَرَفَةُ: لَعَمْرِيَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ وقالَ اللَّيْثُ: إنَّهُ لَفي غُمَّةٍ مِن أمْرِهِ، إذا لَمْ يَهْتَدِ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لِيَكُنْ أمْرُكم ظاهِرًا مُنْكَشِفًا. القَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ مَعْناهُ ثُمَّ امْضُوا إلَيَّ بِمَكْرُوهِكم، وما تُوعِدُونَنِي بِهِ، تَقُولُ العَرَبُ: قَضى فُلانٌ، يُرِيدُونَ ماتَ ومَضى، وقالَ بَعْضُهم: قَضاءُ الشَّيْءِ إحْكامُهُ وإمْضاؤُهُ والفَراغُ مِنهُ، وبِهِ يُسَمّى القاضِي، لِأنَّهُ إذا حَكَمَ فَقَدْ فَرَغَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ أيِ افْرُغُوا مِن أمْرِكم وامْضُوا ما في أنْفُسِكم واقْطَعُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤] أيْ أعْلَمْناهم إعْلامًا قاطِعًا، قالَ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ ] [الحجر: ٦٦] قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ومَجازُ دُخُولِ كَلِمَةِ ”إلى“ في هَذا المَوْضِعِ مِن قَوْلِهِمْ بَرِئْتُ إلَيْكَ وخَرَجْتُ إلَيْكَ مِنَ العَهْدِ، وفِيهِ مَعْنى الإخْبارِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ثُمَّ اقْضُوا ما يَسْتَقِرُّ رَأْيُكم عَلَيْهِ، مُحْكَمًا مَفْرُوغًا مِنهُ. البَحْثُ الثّانِي: قُرِئَ ”ثُمَّ أفْضُوا إلَيَّ“ بِالفاءِ بِمَعْنى ثُمَّ انْتَهُوا إلى بِشَرِّكم، وقِيلَ: هو مِن أفْضى الرَّجُلُ إذا خَرَجَ إلى الفَضاءِ، أيْ أصْحِرُوا بِهِ إلَيَّ وأبْرِزُوهُ إلَيَّ. القَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ مَعْناهُ لا تُمْهِلُونِ بَعْدَ إعْلامِكم إيّايَ ما اتَّفَقْتُمْ عَلَيْهِ، فَهَذا هو تَفْسِيرُ هَذِهِ الألْفاظِ، وقَدْ نَظَمَ القاضِي هَذا الكَلامَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ فَقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ في أوَّلِ الأمْرِ: فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَإنِّي واثِقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ، جازِمٌ بِأنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا تَظُنُّوا أنَّ تَهْدِيدَكم إيّايَ بِالقَتْلِ والإيذاءِ يَمْنَعُنِي مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْرَدَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْوَتِهِ فَقالَ: ”﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾“ فَكَأنَّهُ يَقُولُ صفحة ١١٢ لَهم أجْمِعُوا كُلَّ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي تُوجِبُ حُصُولَ مَطْلُوبِكم ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ بَلْ أمَرَهم أنْ يَضُمُّوا إلى أنْفُسِهِمْ شُرَكائَهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ حالَهم يَقْوى بِمَكانِهِمْ وبِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى هَذَيْنِ بَلْ ضَمَّ إلَيْهِما ثالِثًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ وأرادَ أنْ يَبْلُغُوا فِيهِ كُلَّ غايَةٍ في المُكاشَفَةِ والمُجاهَرَةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ حَتّى ضَمَّ إلَيْها رابِعًا فَقالَ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ والمُرادُ أنْ وجِّهُوا كُلَّ تِلْكَ الشُّرُورِ إلَيَّ، ثُمَّ ضَمَّ إلى ذَلِكَ خامِسًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ عَجِّلُوا ذَلِكَ بِأشَدِّ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ إنْظارٍ، فَهَذا آخِرُ هَذا الكَلامِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مِثْلَ هَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ كانَ قاطِعًا بِأنَّ كَيْدَهم لا يَصِلُ إلَيْهِ، ومَكْرَهم لا يَنْفُذُ فِيهِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ ما أخَذَ مِنهم مالًا عَلى دَعْوَتِهِمْ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، ومَتى كانَ الإنْسانُ فارِغًا مِنَ الطَّمَعِ كانَ قَوْلُهُ أقْوى تَأْثِيرًا في القَلْبِ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيَّنَ أنَّهُ لا يَخافُ مِنهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الخَوْفَ إنَّما يَحْصُلُ بِأحَدِ شَيْئَيْنِ؛ إمّا بِإيصالِ الشَّرِّ أوْ بِقَطْعِ المَنافِعِ، فَبَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّهُ لا يَخافُ شَرَّهم، وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَخافُ مِنهم بِسَبَبِ أنْ يَقْطَعُوا عَنْهُ خَيْرًا؛ لِأنَّهُ ما أخَذَ مِنهم شَيْئًا فَكانَ يَخافُ أنْ يَقْطَعُوا مِنهُ خَيْرًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّكم سَواءٌ قَبِلْتُمْ دِينَ الإسْلامِ أوْ لَمْ تَقْبَلُوا، فَأنا مَأْمُورٌ بِأنْ أكُونَ عَلى دِينِ الإسْلامِ. الثّانِي: أنِّي مَأْمُورٌ بِالِاسْتِسْلامِ لِكُلِّ ما يَصِلُ إلَيَّ لِأجْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ. وهَذا الوَجْهُ ألْيَقُ بِهَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاسْتِسْلامِ لِكُلِّ ما يَصِلُ إلَيْهِ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

يونس 10:72

صفحة ١٠٩ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وفي الجَوابِ عَنِ الشُّبَهِ والسُّؤالاتِ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في بَيانِ قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الكَلامَ إذا أطالَ في تَقْرِيرِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العُلُومِ، فَرُبَّما حَصَلَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ المَلالَةِ فَإذا انْتَقَلَ الإنْسانُ مِن ذَلِكَ الفَنِّ مِنَ العِلْمِ إلى فَنٍّ آخَرَ، انْشَرَحَ صَدْرُهُ وطابَ قَلْبُهُ ووَجَدَ في نَفْسِهِ رَغْبَةً جَدِيدَةً وقُوَّةً حادِثَةً ومَيْلًا قَوِيًّا. وثانِيها: لِيَكُونَ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولِأصْحابِهِ أُسْوَةٌ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأنْبِياءِ؛ فَإنَّ الرَّسُولَ إذا سَمِعَ أنَّ مُعامَلَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَعَ كُلِّ الرُّسُلِ ما كانَتْ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ خَفَّ ذَلِكَ عَلى قَلْبِهِ، كَما يُقالُ: المُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ. وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ إذا سَمِعُوا هَذِهِ القَصَصَ، وعَلِمُوا أنَّ الجُهّالَ، وإنْ بالَغُوا في إيذاءِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أعانَهم بِالآخِرَةِ ونَصَرَهم وأيَّدَهم وقَهَرَ أعْداءَهم، كانَ سَماعُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لِأمْثالِ هَذِهِ القَصَصِ سَبَبًا لِانْكِسارِ قُلُوبِهِمْ، ووُقُوعِ الخَوْفِ والوَجَلِ في صُدُورِهِمْ، وحِينَئِذٍ يُقَلِّلُونَ مِن أنْواعِ الإيذاءِ والسَّفاهَةِ. ورابِعُها: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا، ولَمْ يُطالِعْ كِتابًا ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الأقاصِيصَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، ومِن غَيْرِ زِيادَةٍ ومِن غَيْرِ نُقْصانٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ ﷺ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ والتَّنْزِيلِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ثَلاثَةً. فالقِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، وفِيها وجْهانِ مِنَ الفائِدَةِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْمَ نُوحٍ- عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والجَحْدِ عَجَّلَ اللَّهُ هَلاكَهم بِالغَرَقِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّتَهم لِتَصِيرَ تِلْكَ القِصَّةُ عِبْرَةً لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ، وداعِيَةً إلى مُفارَقَةِ الجَحْدِ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ. والثّانِي: أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم وكانُوا يَقُولُونَ لَهُ: كَذَبْتَ، فَإنَّهُ ما جاءَنا هَذا العَذابُ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ لَهم قِصَّةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُخَوِّفُهم بِهَذا العَذابِ وكانُوا يُكَذِّبُونَهُ فِيهِ، ثُمَّ بِالآخِرَةِ وقَعَ كَما أخْبَرَ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وهَذا جُمْلَةٌ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أمّا الشَّرْطُ فَهو مُرَكَّبٌ مِن قَيْدَيْنِ: القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ قالَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“: يُقالُ كَبِرَ يَكْبَرُ كِبَرًا في السِّنِّ، وكَبُرَ الأمْرُ والشَّيْءُ إذا عَظُمَ يَكْبُرُ كِبَرًا وكَبارَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَقُلَ عَلَيْكم وشَقَّ عَلَيْكم وعَظُمَ أمْرُهُ عِنْدَكم، والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرٌ كالإقامَةِ. يُقالُ: أقامَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مَقامًا وإقامَةً، والمُقامُ بِضَمِّ المِيمِ المَوْضِعُ الَّذِي يُقامُ فِيهِ، وأرادَ بِالمَقامِ هَهُنا مُكْثَهُ ولُبْثَهُ فِيهِمْ وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ جارٍ مَجْرى قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ثَقِيلُ الظِّلِّ. واعْلَمْ أنَّ سَبَبَ هَذا الثِّقَلِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَكَثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا. والثّانِي: أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ كانُوا قَدْ ألِفُوا تِلْكَ المَذاهِبَ الفاسِدَةَ والطَّرائِقَ الباطِلَةَ، والغالِبُ أنَّ مَن ألِفَ طَرِيقَةً صفحة ١١٠ فِي الدِّينِ فَإنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ أنْ يُدْعى إلى خِلافِها، ويُذْكَرَ لَهُ رَكاكَتُها، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ طُولُ مُدَّةِ الدُّعاءِ كانَ أثْقَلَ وأشَدَّ كَراهِيَةً، فَإنِ اقْتَرَنَ بِهِ إيرادُ الدَّلائِلِ القاهِرَةِ عَلى فَسادِ ذَلِكَ المَذْهَبِ كانَتِ النَّفْرَةُ أشَدَّ، فَهَذا هو السَّبَبُ في حُصُولِ ذَلِكَ الثِّقَلِ. والقَيْدُ الثّانِي: هو قَوْلُهُ: ﴿وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الطِّباعَ المَشْغُوفَةَ بِالدُّنْيا الحَرِيصَةَ عَلى طَلَبِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ تَكُونُ شَدِيدَةَ النَّفْرَةِ عَنِ الأمْرِ بِالطّاعاتِ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والمُنْكَراتِ، قَوِيَّةَ الكَراهَةِ لِسَماعِ ذِكْرِ المَوْتِ وتَقْبِيحِ صُورَةِ الدُّنْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَسْتَثْقِلُ الإنْسانَ الَّذِي يَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهُ عَنِ المُنْكَرِ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ أنَّهم كانُوا إذا وعَظُوا الجَماعَةَ قامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ يَعِظُونَهم لِيَكُونَ مَكانُهم ظاهِرًا وكَلامُهم مَسْمُوعًا، كَما يُحْكى عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ كانَ يَعِظُ الحَوارِيِّينَ قائِمًا وهم قُعُودٌ، واعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشَّرْطُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا الجَزاءُ فَفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ الجَزاءَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ يَعْنِي أنَّ شِدَّةَ بُغْضِكم لِي تَحْمِلُكم عَلى الإقْدامِ عَلى إيذائِي، وأنا لا أُقابِلُ ذَلِكَ الشَّرَّ إلّا بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أبَدًا مُتَوَكِّلًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا اللَّفْظُ يُوهِمُ أنَّهُ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في هَذِهِ السّاعَةِ، لَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ إنَّما تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في دَفْعِ هَذا الشَّرِّ في هَذِهِ السّاعَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ كَلامٌ اعْتُرِضَ بِهِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ كَما تَقُولُ في الكَلامِ إنْ كُنْتَ أنْكَرْتَ عَلَيَّ شَيْئًا فاللَّهُ حَسْبِي فاعْمَلْ ما تُرِيدُ واعْلَمْ أنَّ جَوابَ هَذا الشَّرْطِ مُشْتَمِلٌ عَلى قُيُودٍ خَمْسَةٍ عَلى التَّرْتِيبِ. القَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: الإجْماعُ الإعْدادُ والعَزِيمَةُ عَلى الأمْرِ وأنْشَدَ: يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا يَنْفَعُ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ فَإذا أرَدْتَ جَمْعَ التَّفَرُّقِ قُلْتَ: جَمَعْتُ القَوْمَ فَهم مَجْمُوعُونَ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ، أيْ جَعَلَهَ جَمِيعًا بَعْدَ ما كانَ مُتَفَرِّقًا، قالَ: وتَفَرَّقَهُ، أيْ جَعَلَ يَتَدَبَّرُهُ فَيَقُولُ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَلَمّا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ فَقَدْ جَمَعَهُ، أيْ جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذا هو الأصْلُ في الإجْماعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ حَتّى وُصِلَ بِعَلى، فَقِيلَ: أجْمَعْتُ عَلى الأمْرِ، أيْ عَزَمْتُ عَلَيْهِ، والأصْلُ أجْمَعْتُ الأمْرَ. البَحْثُ الثّانِي: رَوى الأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ ”فاجْمَعُوا أمْرَكم“ بِوَصْلِ الألِفِ مِنَ الجَمْعِ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: فاجْمَعُوا ذَوِي الأمْرِ مِنكم، فَحُذِفَ المُضافُ، وجَرى عَلى المُضافِ إلَيْهِ ما كانَ يَجْرِي عَلى المُضافِ لَوْ ثَبَتَ. الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُرادُ مِنَ الأمْرِ هَهُنا وُجُوهُ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، صفحة ١١١ فالتَّقْدِيرُ: ولا تَدَعُوا مِن أمْرِكم شَيْئًا إلّا أحْضَرْتُمُوهُ. والقَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وشُرَكاءَكُمْ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: الواوُ هَهُنا بِمَعْنى مَعَ، والمَعْنى: فَأجْمِعُوا أمْرَكم مَعَ شُرَكائِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: لَوْ تُرِكَتِ النّاقَةُ وفَصِيلَها لَرَضَعَها، ولَوْ خَلَّيْتَ نَفْسَكَ والأسَدَ لَأكَلَكَ. البَحْثُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّرَكاءِ الأوْثانَ الَّتِي سَمَّوْها بِالآلِهَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها مَن كانَ عَلى مِثْلِ قَوْلِهِمْ ودِينِهِمْ، فَإنْ كانَ المُرادُ هو الأوَّلُ فَإنَّما حَثَّ الكُفّارَ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِالأوْثانِ بِناءً عَلى مَذْهَبِهِمْ مِن أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وإنْ كانَ المُرادُ هو الثّانِيَ فَوَجْهُ الِاسْتِعانَةِ بِها ظاهِرٌ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَرَأ الحَسَنُ وجَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ ”وشُرَكاؤُكم“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، والتَّقْدِيرُ: فَأجْمِعُوا أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم. قالَ الواحِدِيُّ: وجازَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ كَقَوْلِهِ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمْرَكُمْ﴾ فَصْلٌ بَيْنَ الضَّمِيرِ وبَيْنَ المَنسُوقِ، فَكانَ كالعِوَضِ مِنَ التَّوْكِيدِ. وكانَ الفَرّاءُ يَسْتَقْبِحُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها تُوجِبُ أنْ يُكْتَبَ وشُرَكاؤُكم بِالواوِ، وهَذا الحَرْفُ غَيْرُ مَوْجُودٍ في المَصاحِفِ. القَيْدُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: أيْ مُبْهَمًا مِن قَوْلِهِمْ: غُمَّ عَلَيْنا الهِلالُ فَهو مَغْمُومٌ، إذا التَبَسَ؛ قالَ طَرَفَةُ: لَعَمْرِيَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ وقالَ اللَّيْثُ: إنَّهُ لَفي غُمَّةٍ مِن أمْرِهِ، إذا لَمْ يَهْتَدِ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لِيَكُنْ أمْرُكم ظاهِرًا مُنْكَشِفًا. القَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ مَعْناهُ ثُمَّ امْضُوا إلَيَّ بِمَكْرُوهِكم، وما تُوعِدُونَنِي بِهِ، تَقُولُ العَرَبُ: قَضى فُلانٌ، يُرِيدُونَ ماتَ ومَضى، وقالَ بَعْضُهم: قَضاءُ الشَّيْءِ إحْكامُهُ وإمْضاؤُهُ والفَراغُ مِنهُ، وبِهِ يُسَمّى القاضِي، لِأنَّهُ إذا حَكَمَ فَقَدْ فَرَغَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ أيِ افْرُغُوا مِن أمْرِكم وامْضُوا ما في أنْفُسِكم واقْطَعُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤] أيْ أعْلَمْناهم إعْلامًا قاطِعًا، قالَ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ ] [الحجر: ٦٦] قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ومَجازُ دُخُولِ كَلِمَةِ ”إلى“ في هَذا المَوْضِعِ مِن قَوْلِهِمْ بَرِئْتُ إلَيْكَ وخَرَجْتُ إلَيْكَ مِنَ العَهْدِ، وفِيهِ مَعْنى الإخْبارِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ثُمَّ اقْضُوا ما يَسْتَقِرُّ رَأْيُكم عَلَيْهِ، مُحْكَمًا مَفْرُوغًا مِنهُ. البَحْثُ الثّانِي: قُرِئَ ”ثُمَّ أفْضُوا إلَيَّ“ بِالفاءِ بِمَعْنى ثُمَّ انْتَهُوا إلى بِشَرِّكم، وقِيلَ: هو مِن أفْضى الرَّجُلُ إذا خَرَجَ إلى الفَضاءِ، أيْ أصْحِرُوا بِهِ إلَيَّ وأبْرِزُوهُ إلَيَّ. القَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ مَعْناهُ لا تُمْهِلُونِ بَعْدَ إعْلامِكم إيّايَ ما اتَّفَقْتُمْ عَلَيْهِ، فَهَذا هو تَفْسِيرُ هَذِهِ الألْفاظِ، وقَدْ نَظَمَ القاضِي هَذا الكَلامَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ فَقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ في أوَّلِ الأمْرِ: فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَإنِّي واثِقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ، جازِمٌ بِأنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا تَظُنُّوا أنَّ تَهْدِيدَكم إيّايَ بِالقَتْلِ والإيذاءِ يَمْنَعُنِي مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْرَدَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْوَتِهِ فَقالَ: ”﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾“ فَكَأنَّهُ يَقُولُ صفحة ١١٢ لَهم أجْمِعُوا كُلَّ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي تُوجِبُ حُصُولَ مَطْلُوبِكم ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ بَلْ أمَرَهم أنْ يَضُمُّوا إلى أنْفُسِهِمْ شُرَكائَهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ حالَهم يَقْوى بِمَكانِهِمْ وبِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى هَذَيْنِ بَلْ ضَمَّ إلَيْهِما ثالِثًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ وأرادَ أنْ يَبْلُغُوا فِيهِ كُلَّ غايَةٍ في المُكاشَفَةِ والمُجاهَرَةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ حَتّى ضَمَّ إلَيْها رابِعًا فَقالَ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ والمُرادُ أنْ وجِّهُوا كُلَّ تِلْكَ الشُّرُورِ إلَيَّ، ثُمَّ ضَمَّ إلى ذَلِكَ خامِسًا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ عَجِّلُوا ذَلِكَ بِأشَدِّ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ إنْظارٍ، فَهَذا آخِرُ هَذا الكَلامِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مِثْلَ هَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ كانَ قاطِعًا بِأنَّ كَيْدَهم لا يَصِلُ إلَيْهِ، ومَكْرَهم لا يَنْفُذُ فِيهِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ ما أخَذَ مِنهم مالًا عَلى دَعْوَتِهِمْ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، ومَتى كانَ الإنْسانُ فارِغًا مِنَ الطَّمَعِ كانَ قَوْلُهُ أقْوى تَأْثِيرًا في القَلْبِ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيَّنَ أنَّهُ لا يَخافُ مِنهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الخَوْفَ إنَّما يَحْصُلُ بِأحَدِ شَيْئَيْنِ؛ إمّا بِإيصالِ الشَّرِّ أوْ بِقَطْعِ المَنافِعِ، فَبَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّهُ لا يَخافُ شَرَّهم، وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَخافُ مِنهم بِسَبَبِ أنْ يَقْطَعُوا عَنْهُ خَيْرًا؛ لِأنَّهُ ما أخَذَ مِنهم شَيْئًا فَكانَ يَخافُ أنْ يَقْطَعُوا مِنهُ خَيْرًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّكم سَواءٌ قَبِلْتُمْ دِينَ الإسْلامِ أوْ لَمْ تَقْبَلُوا، فَأنا مَأْمُورٌ بِأنْ أكُونَ عَلى دِينِ الإسْلامِ. الثّانِي: أنِّي مَأْمُورٌ بِالِاسْتِسْلامِ لِكُلِّ ما يَصِلُ إلَيَّ لِأجْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ. وهَذا الوَجْهُ ألْيَقُ بِهَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاسْتِسْلامِ لِكُلِّ ما يَصِلُ إلَيْهِ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

يونس 10:73

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى الكَلِماتِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ نُوحٍ وبَيْنَ أُولَئِكَ الكُفّارِ، ذَكَرَ ما إلَيْهِ رَجَعَتْ عاقِبَةُ تِلْكَ الواقِعَةِ، أمّا في حَقِّ نُوحٍ وأصْحابِهِ فَأمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى نَجّاهم مِنَ الكُفّارِ. الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَهم خَلائِفَ بِمَعْنى أنَّهم يَخْلُفُونَ مَن هَلَكَ بِالغَرَقِ. وأمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَهو أنَّهُ تَعالى أغْرَقَهم وأهْلَكَهم. وهَذِهِ القِصَّةُ إذا سَمِعَها مَن صَدَّقَ الرَّسُولَ ومَن كَذَّبَ بِهِ كانَتْ زَجْرًا لِلْمُكَلَّفِينَ مِن حَيْثُ يَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِقَوْمِ نُوحٍ وتَكُونُ داعِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ عَلى الإيمانِ، لِيَصِلُوا إلى مِثْلِ ما وصَلَ إلَيْهِ قَوْمُ نُوحٍ، وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ في التَّرْغِيبِ والتَّحْذِيرِ إذا جَرَتْ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَمَّنْ تَقَدَّمَ كانَتْ أبْلَغَ مِنَ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ ذَكَرَ تَعالى أقاصِيصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وأمّا تَفاصِيلُ هَذِهِ القِصَّةِ فَهي مَذْكُورَةٌ في سائِرِ السُّوَرِ.

يونس 10:74

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المُرادَ: ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا ولَمْ يُسَمِّهِمْ، وكانَ مِنهم هُودٌ وصالِحٌ وإبْراهِيمُ ولُوطٌ وشُعَيْبٌ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ (بِالبَيِّناتِ) وهي المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم جَرَوْا عَلى مِنهاجِقَوْمِ نُوحٍ في التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَزْجُرْهم ما بَلَّغَهم مِن إهْلاكِ اللَّهِ تَعالى المُكَذِّبِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ عَنْ ذَلِكَ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ ولَيْسَ المُرادُ عَيْنَ ما كَذَّبُوا بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ في زَمانِهِ بَلِ المُرادُ بِمِثْلِ ما كَذَّبُوا بِهِ مِنَ البَيِّناتِ؛ لِأنَّ البَيِّناتِ الظّاهِرَةَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْمَعَ كَأنَّها واحِدَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ المُكَلَّفَ عَنِ الإيمانِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَقْرِيرُهُ ظاهِرٌ. قالَ القاضِي: الطَّبْعُ غَيْرُ مانِعٍ مِنَ الإيمانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] ولَوْ كانَ هَذا الطَّبْعُ مانِعًا لَما صَحَّ هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ والجَوابُ: أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدْ سَبَقَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

يونس 10:75

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ غَنِيٌّ عَنِ التَّفْسِيرِ وفِيهِ سُؤالٌ واحِدٌ، وهو أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا: ”﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾“ فَكَيْفَ حَكى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم قالُوا: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ ؟ وجَوابُهُ: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ قالَ: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا﴾ صفحة ١١٤ ﴿جاءَكُمْ﴾ ما تَقُولُونَ، ثُمَّ حَذَفَ عَنْهُ مَفْعُولَ ”أتَقُولُونَ“ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ مَرَّةً أُخْرى ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ حاصِلَ صُنْعِهِمْ تَخْيِيلٌ وتَمْوِيهٌ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ. وأمّا قَلْبُ العَصا حَيَّةً، وفَلَقُ البَحْرِ، فَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ مِن بابِ التَّخْيِيلِ والتَّمْوِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ.

يونس 10:76

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ غَنِيٌّ عَنِ التَّفْسِيرِ وفِيهِ سُؤالٌ واحِدٌ، وهو أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا: ”﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾“ فَكَيْفَ حَكى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم قالُوا: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ ؟ وجَوابُهُ: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ قالَ: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا﴾ صفحة ١١٤ ﴿جاءَكُمْ﴾ ما تَقُولُونَ، ثُمَّ حَذَفَ عَنْهُ مَفْعُولَ ”أتَقُولُونَ“ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ مَرَّةً أُخْرى ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ حاصِلَ صُنْعِهِمْ تَخْيِيلٌ وتَمْوِيهٌ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ. وأمّا قَلْبُ العَصا حَيَّةً، وفَلَقُ البَحْرِ، فَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ مِن بابِ التَّخْيِيلِ والتَّمْوِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ.

يونس 10:77

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ غَنِيٌّ عَنِ التَّفْسِيرِ وفِيهِ سُؤالٌ واحِدٌ، وهو أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا: ”﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾“ فَكَيْفَ حَكى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم قالُوا: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ ؟ وجَوابُهُ: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ قالَ: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا﴾ صفحة ١١٤ ﴿جاءَكُمْ﴾ ما تَقُولُونَ، ثُمَّ حَذَفَ عَنْهُ مَفْعُولَ ”أتَقُولُونَ“ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ مَرَّةً أُخْرى ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ حاصِلَ صُنْعِهِمْ تَخْيِيلٌ وتَمْوِيهٌ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ. وأمّا قَلْبُ العَصا حَيَّةً، وفَلَقُ البَحْرِ، فَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ مِن بابِ التَّخْيِيلِ والتَّمْوِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ.

يونس 10:78

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أنَّهم لَمْ يَقْبَلُوا دَعْوَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلَّلُوا عَدَمَ القَبُولِ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: اللَّفْتُ في أصْلِ اللُّغَةِ الصَّرْفُ عَنْ أمْرٍ، وأصْلُهُ اللَّيُّ يُقالُ: لَفَتَ عُنُقَهُ إذا لَواها، ومِن هَذا يُقالُ: التَفَتَ إلَيْهِ، أيْ أمالَ وجْهَهُ إلَيْهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: لَفَتَ الشَّيْءَ وفَتَلَهُ إذا لَواهُ، وهَذا مِنَ المَقْلُوبِ. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ أنَّهم قالُوا: لا نَتْرُكُ الدِّينَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، لِأنّا وجَدْنا آبائَنا عَلَيْهِ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ودَفَعُوا الحُجَّةَ الظّاهِرَةَ بِمُجَرَّدِ الإصْرارِ. والسَّبَبُ الثّانِي: في عَدَمِ القَبُولِ قَوْلُهُ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى ويَكُونُ لَكُما المُلْكُ والعِزُّ في أرْضِ مِصْرَ، والخِطابُ لِمُوسى وهارُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: سَمّى المُلْكَ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وأيْضًا فالنَّبِيُّ إذا اعْتَرَفَ القَوْمُ بِصِدْقِهِ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ، فَصارَ أكْبَرَ القَوْمِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ، والسَّبَبَ الثّانِيَ إشارَةٌ إلى الحِرْصِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، والجِدِّ في بَقاءِ الرِّياسَةِ، ولَمّا ذَكَرَ القَوْمُ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ صَرَّحُوا بِالحُكْمِ وقالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ المَعانِيَ حاوَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وأرادُوا أنْ يُعارِضُوا مُعْجِزَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْواعٍ مِنَ السِّحْرِ؛ لِيُظْهِرُوا عِنْدَ النّاسِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى مِن بابِ السِّحْرِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ وأحْضَرَهم، فَـ ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ . صفحة ١١٥ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَهم بِالكُفْرِ والسِّحْرِ، والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ ؟ قُلْنا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ، لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما أتَوْا بِهِ عَمَلٌ فاسِدٌ وسَعْيٌ باطِلٌ، لا عَلى طَرِيقِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِالسِّحْرِ، فَلَمّا ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم قالَ لَهم مُوسى: ما جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ الباطِلُ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّ القَوْمَ قالُوا لِمُوسى: إنَّ ما جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ، فَذَكَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ باطِلٌ، بَلِ الحَقُّ أنَّ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ والتَّمْوِيهُ الَّذِي يَظْهَرُ بُطْلانُهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِقُّ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في سائِرِ السُّوَرِ أنَّهُ كَيْفَ أبْطَلَ ذَلِكَ السِّحْرَ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ قَدْ تَلَقَّفَ كُلَّ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ ”ما“ هَهُنا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وهي مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها السِّحْرُ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: (السِّحْرُ) بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّهُ جَوابُ كَلامٍ سَبَقَ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: لَمّا جاءَهم مُوسى هَذا سِحْرٌ، فَقالَ لَهم مُوسى: بَلْ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فَوَجَبَ دُخُولُ الألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا عادَتْ عادَتْ مَعْرِفَةً، يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: لَقِيِتُ رَجُلًا فَيَقُولُ لَهُ: مَنِ الرَّجُلُ ؟ فَيُعِيدُهُ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في فَهْمِهِ أنَّهُ سَألَهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”آلسِّحْرُ“ بِالِاسْتِفْهامِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وجِئْتُمْ بِهِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ ؟ ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: (السِّحْرُ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، ولَزِمَ أنْ يَلْحَقَهُ الِاسْتِفْهامُ لِيُساوِيَ المُبْدَلَ مِنهُ في أنَّهُ اسْتِفْهامٌ، كَما تَقُولُ كَمْ مالُكَ، أعِشْرُونَ أمْ ثَلاثُونَ ؟ فَجَعَلْتَ أعِشْرُونَ بَدَلًا مِن كَمْ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُضْمَرَ لِلسِّحْرِ خَبَرٌ؛ لِأنَّكَ إذا أبْدَلْتَهُ مِنَ المُبْتَدَأِ صارَ في مَوْضِعِهِ، وصارَ ما كانَ خَبَرًا عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ خَبَرًا عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيُهْلِكُهُ ويُظْهِرُ فَضِيحَةَ صاحِبِهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا يُقَوِّيهِ ولا يُكْمِلُهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ ومَعْنى إحْقاقِ الحَقِّ إظْهارُهُ وتَقْوِيَتُهُ. وقَوْلُهُ: (بِكَلِماتِهِ) أيْ بِوَعْدِهِ مُوسى، وقِيلَ بِما سَبَقَ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وفي كَلِماتِ اللَّهِ أبْحاثٌ غامِضَةٌ عَمِيقَةٌ عالِيَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناها في بَعْضِ مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ.

يونس 10:79

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أنَّهم لَمْ يَقْبَلُوا دَعْوَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلَّلُوا عَدَمَ القَبُولِ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: اللَّفْتُ في أصْلِ اللُّغَةِ الصَّرْفُ عَنْ أمْرٍ، وأصْلُهُ اللَّيُّ يُقالُ: لَفَتَ عُنُقَهُ إذا لَواها، ومِن هَذا يُقالُ: التَفَتَ إلَيْهِ، أيْ أمالَ وجْهَهُ إلَيْهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: لَفَتَ الشَّيْءَ وفَتَلَهُ إذا لَواهُ، وهَذا مِنَ المَقْلُوبِ. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ أنَّهم قالُوا: لا نَتْرُكُ الدِّينَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، لِأنّا وجَدْنا آبائَنا عَلَيْهِ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ودَفَعُوا الحُجَّةَ الظّاهِرَةَ بِمُجَرَّدِ الإصْرارِ. والسَّبَبُ الثّانِي: في عَدَمِ القَبُولِ قَوْلُهُ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى ويَكُونُ لَكُما المُلْكُ والعِزُّ في أرْضِ مِصْرَ، والخِطابُ لِمُوسى وهارُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: سَمّى المُلْكَ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وأيْضًا فالنَّبِيُّ إذا اعْتَرَفَ القَوْمُ بِصِدْقِهِ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ، فَصارَ أكْبَرَ القَوْمِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ، والسَّبَبَ الثّانِيَ إشارَةٌ إلى الحِرْصِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، والجِدِّ في بَقاءِ الرِّياسَةِ، ولَمّا ذَكَرَ القَوْمُ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ صَرَّحُوا بِالحُكْمِ وقالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ المَعانِيَ حاوَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وأرادُوا أنْ يُعارِضُوا مُعْجِزَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْواعٍ مِنَ السِّحْرِ؛ لِيُظْهِرُوا عِنْدَ النّاسِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى مِن بابِ السِّحْرِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ وأحْضَرَهم، فَـ ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ . صفحة ١١٥ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَهم بِالكُفْرِ والسِّحْرِ، والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ ؟ قُلْنا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ، لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما أتَوْا بِهِ عَمَلٌ فاسِدٌ وسَعْيٌ باطِلٌ، لا عَلى طَرِيقِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِالسِّحْرِ، فَلَمّا ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم قالَ لَهم مُوسى: ما جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ الباطِلُ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّ القَوْمَ قالُوا لِمُوسى: إنَّ ما جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ، فَذَكَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ باطِلٌ، بَلِ الحَقُّ أنَّ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ والتَّمْوِيهُ الَّذِي يَظْهَرُ بُطْلانُهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِقُّ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في سائِرِ السُّوَرِ أنَّهُ كَيْفَ أبْطَلَ ذَلِكَ السِّحْرَ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ قَدْ تَلَقَّفَ كُلَّ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ ”ما“ هَهُنا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وهي مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها السِّحْرُ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: (السِّحْرُ) بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّهُ جَوابُ كَلامٍ سَبَقَ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: لَمّا جاءَهم مُوسى هَذا سِحْرٌ، فَقالَ لَهم مُوسى: بَلْ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فَوَجَبَ دُخُولُ الألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا عادَتْ عادَتْ مَعْرِفَةً، يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: لَقِيِتُ رَجُلًا فَيَقُولُ لَهُ: مَنِ الرَّجُلُ ؟ فَيُعِيدُهُ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في فَهْمِهِ أنَّهُ سَألَهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”آلسِّحْرُ“ بِالِاسْتِفْهامِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وجِئْتُمْ بِهِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ ؟ ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: (السِّحْرُ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، ولَزِمَ أنْ يَلْحَقَهُ الِاسْتِفْهامُ لِيُساوِيَ المُبْدَلَ مِنهُ في أنَّهُ اسْتِفْهامٌ، كَما تَقُولُ كَمْ مالُكَ، أعِشْرُونَ أمْ ثَلاثُونَ ؟ فَجَعَلْتَ أعِشْرُونَ بَدَلًا مِن كَمْ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُضْمَرَ لِلسِّحْرِ خَبَرٌ؛ لِأنَّكَ إذا أبْدَلْتَهُ مِنَ المُبْتَدَأِ صارَ في مَوْضِعِهِ، وصارَ ما كانَ خَبَرًا عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ خَبَرًا عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيُهْلِكُهُ ويُظْهِرُ فَضِيحَةَ صاحِبِهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا يُقَوِّيهِ ولا يُكْمِلُهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ ومَعْنى إحْقاقِ الحَقِّ إظْهارُهُ وتَقْوِيَتُهُ. وقَوْلُهُ: (بِكَلِماتِهِ) أيْ بِوَعْدِهِ مُوسى، وقِيلَ بِما سَبَقَ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وفي كَلِماتِ اللَّهِ أبْحاثٌ غامِضَةٌ عَمِيقَةٌ عالِيَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناها في بَعْضِ مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ.

يونس 10:80

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أنَّهم لَمْ يَقْبَلُوا دَعْوَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلَّلُوا عَدَمَ القَبُولِ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: اللَّفْتُ في أصْلِ اللُّغَةِ الصَّرْفُ عَنْ أمْرٍ، وأصْلُهُ اللَّيُّ يُقالُ: لَفَتَ عُنُقَهُ إذا لَواها، ومِن هَذا يُقالُ: التَفَتَ إلَيْهِ، أيْ أمالَ وجْهَهُ إلَيْهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: لَفَتَ الشَّيْءَ وفَتَلَهُ إذا لَواهُ، وهَذا مِنَ المَقْلُوبِ. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ أنَّهم قالُوا: لا نَتْرُكُ الدِّينَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، لِأنّا وجَدْنا آبائَنا عَلَيْهِ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ودَفَعُوا الحُجَّةَ الظّاهِرَةَ بِمُجَرَّدِ الإصْرارِ. والسَّبَبُ الثّانِي: في عَدَمِ القَبُولِ قَوْلُهُ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى ويَكُونُ لَكُما المُلْكُ والعِزُّ في أرْضِ مِصْرَ، والخِطابُ لِمُوسى وهارُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: سَمّى المُلْكَ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وأيْضًا فالنَّبِيُّ إذا اعْتَرَفَ القَوْمُ بِصِدْقِهِ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ، فَصارَ أكْبَرَ القَوْمِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ، والسَّبَبَ الثّانِيَ إشارَةٌ إلى الحِرْصِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، والجِدِّ في بَقاءِ الرِّياسَةِ، ولَمّا ذَكَرَ القَوْمُ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ صَرَّحُوا بِالحُكْمِ وقالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ المَعانِيَ حاوَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وأرادُوا أنْ يُعارِضُوا مُعْجِزَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْواعٍ مِنَ السِّحْرِ؛ لِيُظْهِرُوا عِنْدَ النّاسِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى مِن بابِ السِّحْرِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ وأحْضَرَهم، فَـ ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ . صفحة ١١٥ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَهم بِالكُفْرِ والسِّحْرِ، والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ ؟ قُلْنا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ، لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما أتَوْا بِهِ عَمَلٌ فاسِدٌ وسَعْيٌ باطِلٌ، لا عَلى طَرِيقِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِالسِّحْرِ، فَلَمّا ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم قالَ لَهم مُوسى: ما جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ الباطِلُ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّ القَوْمَ قالُوا لِمُوسى: إنَّ ما جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ، فَذَكَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ باطِلٌ، بَلِ الحَقُّ أنَّ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ والتَّمْوِيهُ الَّذِي يَظْهَرُ بُطْلانُهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِقُّ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في سائِرِ السُّوَرِ أنَّهُ كَيْفَ أبْطَلَ ذَلِكَ السِّحْرَ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ قَدْ تَلَقَّفَ كُلَّ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ ”ما“ هَهُنا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وهي مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها السِّحْرُ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: (السِّحْرُ) بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّهُ جَوابُ كَلامٍ سَبَقَ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: لَمّا جاءَهم مُوسى هَذا سِحْرٌ، فَقالَ لَهم مُوسى: بَلْ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فَوَجَبَ دُخُولُ الألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا عادَتْ عادَتْ مَعْرِفَةً، يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: لَقِيِتُ رَجُلًا فَيَقُولُ لَهُ: مَنِ الرَّجُلُ ؟ فَيُعِيدُهُ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في فَهْمِهِ أنَّهُ سَألَهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”آلسِّحْرُ“ بِالِاسْتِفْهامِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وجِئْتُمْ بِهِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ ؟ ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: (السِّحْرُ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، ولَزِمَ أنْ يَلْحَقَهُ الِاسْتِفْهامُ لِيُساوِيَ المُبْدَلَ مِنهُ في أنَّهُ اسْتِفْهامٌ، كَما تَقُولُ كَمْ مالُكَ، أعِشْرُونَ أمْ ثَلاثُونَ ؟ فَجَعَلْتَ أعِشْرُونَ بَدَلًا مِن كَمْ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُضْمَرَ لِلسِّحْرِ خَبَرٌ؛ لِأنَّكَ إذا أبْدَلْتَهُ مِنَ المُبْتَدَأِ صارَ في مَوْضِعِهِ، وصارَ ما كانَ خَبَرًا عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ خَبَرًا عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيُهْلِكُهُ ويُظْهِرُ فَضِيحَةَ صاحِبِهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا يُقَوِّيهِ ولا يُكْمِلُهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ ومَعْنى إحْقاقِ الحَقِّ إظْهارُهُ وتَقْوِيَتُهُ. وقَوْلُهُ: (بِكَلِماتِهِ) أيْ بِوَعْدِهِ مُوسى، وقِيلَ بِما سَبَقَ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وفي كَلِماتِ اللَّهِ أبْحاثٌ غامِضَةٌ عَمِيقَةٌ عالِيَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناها في بَعْضِ مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ.

يونس 10:81

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أنَّهم لَمْ يَقْبَلُوا دَعْوَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلَّلُوا عَدَمَ القَبُولِ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: اللَّفْتُ في أصْلِ اللُّغَةِ الصَّرْفُ عَنْ أمْرٍ، وأصْلُهُ اللَّيُّ يُقالُ: لَفَتَ عُنُقَهُ إذا لَواها، ومِن هَذا يُقالُ: التَفَتَ إلَيْهِ، أيْ أمالَ وجْهَهُ إلَيْهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: لَفَتَ الشَّيْءَ وفَتَلَهُ إذا لَواهُ، وهَذا مِنَ المَقْلُوبِ. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ أنَّهم قالُوا: لا نَتْرُكُ الدِّينَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، لِأنّا وجَدْنا آبائَنا عَلَيْهِ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ودَفَعُوا الحُجَّةَ الظّاهِرَةَ بِمُجَرَّدِ الإصْرارِ. والسَّبَبُ الثّانِي: في عَدَمِ القَبُولِ قَوْلُهُ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى ويَكُونُ لَكُما المُلْكُ والعِزُّ في أرْضِ مِصْرَ، والخِطابُ لِمُوسى وهارُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: سَمّى المُلْكَ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وأيْضًا فالنَّبِيُّ إذا اعْتَرَفَ القَوْمُ بِصِدْقِهِ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ، فَصارَ أكْبَرَ القَوْمِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ، والسَّبَبَ الثّانِيَ إشارَةٌ إلى الحِرْصِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، والجِدِّ في بَقاءِ الرِّياسَةِ، ولَمّا ذَكَرَ القَوْمُ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ صَرَّحُوا بِالحُكْمِ وقالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ المَعانِيَ حاوَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وأرادُوا أنْ يُعارِضُوا مُعْجِزَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْواعٍ مِنَ السِّحْرِ؛ لِيُظْهِرُوا عِنْدَ النّاسِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى مِن بابِ السِّحْرِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ وأحْضَرَهم، فَـ ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ . صفحة ١١٥ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَهم بِالكُفْرِ والسِّحْرِ، والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ ؟ قُلْنا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ، لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما أتَوْا بِهِ عَمَلٌ فاسِدٌ وسَعْيٌ باطِلٌ، لا عَلى طَرِيقِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِالسِّحْرِ، فَلَمّا ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم قالَ لَهم مُوسى: ما جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ الباطِلُ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّ القَوْمَ قالُوا لِمُوسى: إنَّ ما جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ، فَذَكَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ باطِلٌ، بَلِ الحَقُّ أنَّ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ والتَّمْوِيهُ الَّذِي يَظْهَرُ بُطْلانُهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِقُّ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في سائِرِ السُّوَرِ أنَّهُ كَيْفَ أبْطَلَ ذَلِكَ السِّحْرَ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ قَدْ تَلَقَّفَ كُلَّ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ ”ما“ هَهُنا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وهي مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها السِّحْرُ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: (السِّحْرُ) بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّهُ جَوابُ كَلامٍ سَبَقَ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: لَمّا جاءَهم مُوسى هَذا سِحْرٌ، فَقالَ لَهم مُوسى: بَلْ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فَوَجَبَ دُخُولُ الألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا عادَتْ عادَتْ مَعْرِفَةً، يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: لَقِيِتُ رَجُلًا فَيَقُولُ لَهُ: مَنِ الرَّجُلُ ؟ فَيُعِيدُهُ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في فَهْمِهِ أنَّهُ سَألَهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”آلسِّحْرُ“ بِالِاسْتِفْهامِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وجِئْتُمْ بِهِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ ؟ ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: (السِّحْرُ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، ولَزِمَ أنْ يَلْحَقَهُ الِاسْتِفْهامُ لِيُساوِيَ المُبْدَلَ مِنهُ في أنَّهُ اسْتِفْهامٌ، كَما تَقُولُ كَمْ مالُكَ، أعِشْرُونَ أمْ ثَلاثُونَ ؟ فَجَعَلْتَ أعِشْرُونَ بَدَلًا مِن كَمْ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُضْمَرَ لِلسِّحْرِ خَبَرٌ؛ لِأنَّكَ إذا أبْدَلْتَهُ مِنَ المُبْتَدَأِ صارَ في مَوْضِعِهِ، وصارَ ما كانَ خَبَرًا عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ خَبَرًا عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيُهْلِكُهُ ويُظْهِرُ فَضِيحَةَ صاحِبِهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا يُقَوِّيهِ ولا يُكْمِلُهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ ومَعْنى إحْقاقِ الحَقِّ إظْهارُهُ وتَقْوِيَتُهُ. وقَوْلُهُ: (بِكَلِماتِهِ) أيْ بِوَعْدِهِ مُوسى، وقِيلَ بِما سَبَقَ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وفي كَلِماتِ اللَّهِ أبْحاثٌ غامِضَةٌ عَمِيقَةٌ عالِيَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناها في بَعْضِ مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ.

يونس 10:82

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أنَّهم لَمْ يَقْبَلُوا دَعْوَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلَّلُوا عَدَمَ القَبُولِ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: اللَّفْتُ في أصْلِ اللُّغَةِ الصَّرْفُ عَنْ أمْرٍ، وأصْلُهُ اللَّيُّ يُقالُ: لَفَتَ عُنُقَهُ إذا لَواها، ومِن هَذا يُقالُ: التَفَتَ إلَيْهِ، أيْ أمالَ وجْهَهُ إلَيْهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: لَفَتَ الشَّيْءَ وفَتَلَهُ إذا لَواهُ، وهَذا مِنَ المَقْلُوبِ. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ أنَّهم قالُوا: لا نَتْرُكُ الدِّينَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، لِأنّا وجَدْنا آبائَنا عَلَيْهِ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ودَفَعُوا الحُجَّةَ الظّاهِرَةَ بِمُجَرَّدِ الإصْرارِ. والسَّبَبُ الثّانِي: في عَدَمِ القَبُولِ قَوْلُهُ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى ويَكُونُ لَكُما المُلْكُ والعِزُّ في أرْضِ مِصْرَ، والخِطابُ لِمُوسى وهارُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: سَمّى المُلْكَ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وأيْضًا فالنَّبِيُّ إذا اعْتَرَفَ القَوْمُ بِصِدْقِهِ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ، فَصارَ أكْبَرَ القَوْمِ. واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ، والسَّبَبَ الثّانِيَ إشارَةٌ إلى الحِرْصِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، والجِدِّ في بَقاءِ الرِّياسَةِ، ولَمّا ذَكَرَ القَوْمُ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ صَرَّحُوا بِالحُكْمِ وقالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ المَعانِيَ حاوَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وأرادُوا أنْ يُعارِضُوا مُعْجِزَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْواعٍ مِنَ السِّحْرِ؛ لِيُظْهِرُوا عِنْدَ النّاسِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى مِن بابِ السِّحْرِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ وأحْضَرَهم، فَـ ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ . صفحة ١١٥ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَهم بِالكُفْرِ والسِّحْرِ، والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ ؟ قُلْنا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِإلْقاءِ الحِبالِ والعِصِيِّ، لِيُظْهِرَ لِلْخَلْقِ أنَّ ما أتَوْا بِهِ عَمَلٌ فاسِدٌ وسَعْيٌ باطِلٌ، لا عَلى طَرِيقِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِالسِّحْرِ، فَلَمّا ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم قالَ لَهم مُوسى: ما جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ الباطِلُ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّ القَوْمَ قالُوا لِمُوسى: إنَّ ما جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ، فَذَكَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ باطِلٌ، بَلِ الحَقُّ أنَّ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ والتَّمْوِيهُ الَّذِي يَظْهَرُ بُطْلانُهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِقُّ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في سائِرِ السُّوَرِ أنَّهُ كَيْفَ أبْطَلَ ذَلِكَ السِّحْرَ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ قَدْ تَلَقَّفَ كُلَّ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ ”ما“ هَهُنا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وهي مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها السِّحْرُ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: (السِّحْرُ) بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّهُ جَوابُ كَلامٍ سَبَقَ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: لَمّا جاءَهم مُوسى هَذا سِحْرٌ، فَقالَ لَهم مُوسى: بَلْ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فَوَجَبَ دُخُولُ الألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا عادَتْ عادَتْ مَعْرِفَةً، يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: لَقِيِتُ رَجُلًا فَيَقُولُ لَهُ: مَنِ الرَّجُلُ ؟ فَيُعِيدُهُ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في فَهْمِهِ أنَّهُ سَألَهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”آلسِّحْرُ“ بِالِاسْتِفْهامِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وجِئْتُمْ بِهِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ ؟ ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: (السِّحْرُ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، ولَزِمَ أنْ يَلْحَقَهُ الِاسْتِفْهامُ لِيُساوِيَ المُبْدَلَ مِنهُ في أنَّهُ اسْتِفْهامٌ، كَما تَقُولُ كَمْ مالُكَ، أعِشْرُونَ أمْ ثَلاثُونَ ؟ فَجَعَلْتَ أعِشْرُونَ بَدَلًا مِن كَمْ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُضْمَرَ لِلسِّحْرِ خَبَرٌ؛ لِأنَّكَ إذا أبْدَلْتَهُ مِنَ المُبْتَدَأِ صارَ في مَوْضِعِهِ، وصارَ ما كانَ خَبَرًا عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ خَبَرًا عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيُهْلِكُهُ ويُظْهِرُ فَضِيحَةَ صاحِبِهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا يُقَوِّيهِ ولا يُكْمِلُهُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ ومَعْنى إحْقاقِ الحَقِّ إظْهارُهُ وتَقْوِيَتُهُ. وقَوْلُهُ: (بِكَلِماتِهِ) أيْ بِوَعْدِهِ مُوسى، وقِيلَ بِما سَبَقَ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وفي كَلِماتِ اللَّهِ أبْحاثٌ غامِضَةٌ عَمِيقَةٌ عالِيَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناها في بَعْضِ مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ.

يونس 10:83

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ ما كانَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ وما ظَهَرَ مِن تَلَقُّفِ العَصا لِكُلِّ ما أحْضَرُوهُ مِن آلاتِ السِّحْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم مَعَ مُشاهَدَةِ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ ما آمَنَ بِهِ مِنهم إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ كانَ يَغْتَمُّ بِسَبَبِ إعْراضِ القَوْمِ عَنْهُ صفحة ١١٦ واسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَبَيَّنَ أنَّ لَهُ في هَذا البابِ بِسائِرِ الأنْبِياءِ أُسْوَةً؛ لِأنَّ الَّذِي ظَهَرَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في الإعْجازِ في مَرْأى العَيْنِ أعْظَمَ، ومَعَ ذَلِكَ فَما آمَنَ بِهِ مِنهم إلّا ذُرِّيَّةٌ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالذُّرِّيَّةِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الذُّرِّيَّةَ هَهُنا مَعْناها تَقْلِيلُ العَدَدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَفْظُ الذُّرِّيَّةِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ القَوْمِ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ، ولا سَبِيلَ إلى حَمْلِهِ عَلى التَّقْدِيرِ عَلى وجْهِ الإهانَةِ في هَذا المَوْضِعِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى التَّصْغِيرِ بِمَعْنى قِلَّةِ العَدَدِ. الثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ أوْلادُ مَن دَعاهم؛ لِأنَّ الآباءَ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ؛ إمّا لِأنَّ قُلُوبَ الأوْلادِ ألْيَنُ أوْ دَواعِيهِمْ عَلى الثَّباتِ عَلى الكُفْرِ أخَفُّ. الثّالِثُ: أنَّ الذُّرِّيَّةَ قَوْمٌ كانَ آباؤُهم مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ. الرّابِعُ: الذُّرِّيَّةُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ وخازِنُهُ وامْرَأةُ خازِنِهِ وماشِطَتُها. وأمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا أنَّ المُرادَ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ ذِكْرَهُما جَمِيعًا قَدْ تَقَدَّمَ والأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى مُوسى؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُورِينَ، ولِأنَّهُ نُقِلَ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى كانُوا خائِفِينَ مِن فِرْعَوْنَ جِدًّا؛ لِأنَّهُ كانَ شَدِيدَ البَطْشِ، وكانَ قَدْ أظْهَرَ العَداوَةَ مَعَ مُوسى، فَإذا عَلِمَ مَيْلَ القَوْمِ إلى مُوسى كانَ يُبالِغُ في إيذائِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانُوا خائِفِينَ مِنهُ. البَحْثُ الثّانِي: إنَّما قالَ: ﴿ومَلَئِهِمْ﴾ مَعَ أنَّ فِرْعَوْنَ واحِدٌ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، والمُرادُ التَّعْظِيمُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ آلُ فِرْعَوْنَ. الثّالِثُ: أنَّ هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ كَأنَّهُ أُرِيدَ بِفِرْعَوْنَ آلُ فِرْعَوْنَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِتَسْلِيطِ أنْواعِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لَغالِبٌ فِيها قاهِرٌ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ كَثِيرُ القَتْلِ كَثِيرُ التَّعْذِيبِ لِمَن يُخالِفُهُ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ السَّبَبِ في كَوْنِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ خائِفِينَ، وقِيلَ: إنَّما كانَ مُسْرِفًا لِأنَّهُ كانَ مِن أخَسِّ العَبِيدِ، فادَّعى الإلَهِيَّةَ.

يونس 10:84

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ جَزاءٌ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطَيْنِ: أحَدُهُما مُتَقَدِّمٌ والآخَرُ مُتَأخِّرٌ، والفُقَهاءُ قالُوا: المُتَأخِّرُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا، والمُتَقَدِّمُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا. ومِثالُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، وإنَّما كانَ الأمْرُ صفحة ١١٧ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، صارَ مَشْرُوطًا بِقَوْلِهِ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، والمَشْرُوطُ مُتَأخِّرٌ عَنِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُ في اللَّفْظِ مُتَقَدِّمًا في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ في اللَّفْظِ مُتَأخِّرًا في المَعْنى والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ حالَ ما كَلَّمْتِ زَيْدًا إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا التَّعْلِيقُ قَبْلَ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهم مُسْلِمِينَ شَرْطًا لِأنْ يَصِيرُوا مُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُسْلِمِ حالَ إسْلامِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْ، والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الإسْلامَ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِسْلامِ، وهو إشارَةٌ إلى الِانْقِيادِ لِلتَّكالِيفِ الصّادِرَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وإظْهارِ الخُضُوعِ، وتَرْكِ التَّمَرُّدِ، وأمّا الإيمانُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ صَيْرُورَةِ القَلْبِ عارِفًا بِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وأنَّ ما سِواهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وتَصَرُّفِهِ، وإذا حَصَلَتْ هاتانِ الحالَتانِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُفَوِّضُ العَبْدُ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَحْصُلُ في القَلْبِ نُورُ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مِن لَطائِفِ الأسْرارِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الأُمُورِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى، والِاعْتِمادِ في كُلِّ الأحْوالِ عَلى اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في كُلِّ المُهِمّاتِ كَفاهُ اللَّهُ تَعالى كُلَّ المُلِمّاتِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ مُوسى قَوْمَهُ بِهِ وهو التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١] وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ؛ لِأنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَكانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تامًّا، وكانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَوْقَ التَّمامِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ الحَصْرَ كَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ونَهاهم عَنِ التَّوَكُّلِ عَلى الغَيْرِ، والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وتَسْخِيرِهِ وتَحْتَ حُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ، امْتَنَعَ في العَقْلِ أنْ يَتَوَكَّلَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ جاءَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِهَذِهِ العِبارَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ قَبِلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ، ولا نَلْتَفِتُ إلى أحَدٍ سِواهُ، ثُمَّ لَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ اشْتَغَلُوا بِالدُّعاءِ، فَطَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ قالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ لا تَفْتِنْ بِنا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ؛ لِأنَّكَ لَوْ سَلَّطْتَهم عَلَيْنا لَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنّا لَوْ كُنّا عَلى الحَقِّ لَما سَلَّطْتَهم عَلَيْنا، فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً قَوِيَّةً في إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَيَصِيرُ تَسْلِيطُهم عَلَيْنا فِتْنَةً لَهم. الثّانِي: أنَّكَ لَوْ سَلَّطْتَهم عَلَيْنا لاسْتَوْجَبُوا العِقابَ الشَّدِيدَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يَكُونُ فِتْنَةً لَهم. الثّالِثُ: ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لَهم، أيْ مَوْضِعَ عَذابٍ لَهم. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ المَفْتُونَ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ جائِزٌ، كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، والتَّكْوِينِ بِمَعْنى المُكَوَّنِ، والمَعْنى: لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ، أيْ لا تُمَكِّنَهم مِن أنْ يَحْمِلُونا بِالظُّلْمِ والقَهْرِ عَلى أنْ نَنْصَرِفَ عَنْ هَذا الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي قَبِلْناهُ، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكِّدٌ بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ﴾ صفحة ١١٨ ﴿مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ . وأمّا المَطْلُوبُ الثّانِي في هَذا الدُّعاءِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ اهْتِمامُ هَؤُلاءِ بِأمْرِ دِينِهِمْ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِأمْرِ دُنْياهم، وذَلِكَ لِأنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهم: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ عَلى أنَّهم إنْ سُلِّطُوا عَلى المُسْلِمِينَ صارَ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهم في أنَّ هَذا الدِّينَ باطِلٌ فَتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَصُونَ أُولَئِكَ الكُفّارَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وقَدَّمُوا هَذا الدُّعاءَ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ لِأنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنايَتَهم بِمَصالِحِ دِينِ أعْدائِهِمْ فَوْقَ عِنايَتِهِمْ بِمَصالِحِ أنْفُسِهِمْ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى أنْ لا يُمَكِّنَ اللَّهُ تَعالى أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن أنْ يَحْمِلُوهم عَلى تَرْكِ هَذا الدِّينِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا دَلِيلًا عَلى أنَّ اهْتِمامَهم بِمَصالِحِ أدْيانِهِمْ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِمَصالِحِ أبْدانِهِمْ، وعَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ فَهَذِهِ لَطِيفَةٌ شَرِيفَةٌ.

يونس 10:85

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ جَزاءٌ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطَيْنِ: أحَدُهُما مُتَقَدِّمٌ والآخَرُ مُتَأخِّرٌ، والفُقَهاءُ قالُوا: المُتَأخِّرُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا، والمُتَقَدِّمُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا. ومِثالُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، وإنَّما كانَ الأمْرُ صفحة ١١٧ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، صارَ مَشْرُوطًا بِقَوْلِهِ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، والمَشْرُوطُ مُتَأخِّرٌ عَنِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُ في اللَّفْظِ مُتَقَدِّمًا في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ في اللَّفْظِ مُتَأخِّرًا في المَعْنى والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ حالَ ما كَلَّمْتِ زَيْدًا إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا التَّعْلِيقُ قَبْلَ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهم مُسْلِمِينَ شَرْطًا لِأنْ يَصِيرُوا مُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُسْلِمِ حالَ إسْلامِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْ، والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الإسْلامَ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِسْلامِ، وهو إشارَةٌ إلى الِانْقِيادِ لِلتَّكالِيفِ الصّادِرَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وإظْهارِ الخُضُوعِ، وتَرْكِ التَّمَرُّدِ، وأمّا الإيمانُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ صَيْرُورَةِ القَلْبِ عارِفًا بِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وأنَّ ما سِواهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وتَصَرُّفِهِ، وإذا حَصَلَتْ هاتانِ الحالَتانِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُفَوِّضُ العَبْدُ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَحْصُلُ في القَلْبِ نُورُ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مِن لَطائِفِ الأسْرارِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الأُمُورِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى، والِاعْتِمادِ في كُلِّ الأحْوالِ عَلى اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في كُلِّ المُهِمّاتِ كَفاهُ اللَّهُ تَعالى كُلَّ المُلِمّاتِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ مُوسى قَوْمَهُ بِهِ وهو التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١] وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ؛ لِأنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَكانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تامًّا، وكانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَوْقَ التَّمامِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ الحَصْرَ كَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ونَهاهم عَنِ التَّوَكُّلِ عَلى الغَيْرِ، والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وتَسْخِيرِهِ وتَحْتَ حُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ، امْتَنَعَ في العَقْلِ أنْ يَتَوَكَّلَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ جاءَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِهَذِهِ العِبارَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ قَبِلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ، ولا نَلْتَفِتُ إلى أحَدٍ سِواهُ، ثُمَّ لَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ اشْتَغَلُوا بِالدُّعاءِ، فَطَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ قالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ لا تَفْتِنْ بِنا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ؛ لِأنَّكَ لَوْ سَلَّطْتَهم عَلَيْنا لَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنّا لَوْ كُنّا عَلى الحَقِّ لَما سَلَّطْتَهم عَلَيْنا، فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً قَوِيَّةً في إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَيَصِيرُ تَسْلِيطُهم عَلَيْنا فِتْنَةً لَهم. الثّانِي: أنَّكَ لَوْ سَلَّطْتَهم عَلَيْنا لاسْتَوْجَبُوا العِقابَ الشَّدِيدَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يَكُونُ فِتْنَةً لَهم. الثّالِثُ: ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لَهم، أيْ مَوْضِعَ عَذابٍ لَهم. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ المَفْتُونَ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ جائِزٌ، كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، والتَّكْوِينِ بِمَعْنى المُكَوَّنِ، والمَعْنى: لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ، أيْ لا تُمَكِّنَهم مِن أنْ يَحْمِلُونا بِالظُّلْمِ والقَهْرِ عَلى أنْ نَنْصَرِفَ عَنْ هَذا الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي قَبِلْناهُ، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكِّدٌ بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ﴾ صفحة ١١٨ ﴿مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ . وأمّا المَطْلُوبُ الثّانِي في هَذا الدُّعاءِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ اهْتِمامُ هَؤُلاءِ بِأمْرِ دِينِهِمْ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِأمْرِ دُنْياهم، وذَلِكَ لِأنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهم: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ عَلى أنَّهم إنْ سُلِّطُوا عَلى المُسْلِمِينَ صارَ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهم في أنَّ هَذا الدِّينَ باطِلٌ فَتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَصُونَ أُولَئِكَ الكُفّارَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وقَدَّمُوا هَذا الدُّعاءَ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ لِأنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنايَتَهم بِمَصالِحِ دِينِ أعْدائِهِمْ فَوْقَ عِنايَتِهِمْ بِمَصالِحِ أنْفُسِهِمْ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى أنْ لا يُمَكِّنَ اللَّهُ تَعالى أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن أنْ يَحْمِلُوهم عَلى تَرْكِ هَذا الدِّينِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا دَلِيلًا عَلى أنَّ اهْتِمامَهم بِمَصالِحِ أدْيانِهِمْ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِمَصالِحِ أبْدانِهِمْ، وعَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ فَهَذِهِ لَطِيفَةٌ شَرِيفَةٌ.

يونس 10:86

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ جَزاءٌ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطَيْنِ: أحَدُهُما مُتَقَدِّمٌ والآخَرُ مُتَأخِّرٌ، والفُقَهاءُ قالُوا: المُتَأخِّرُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا، والمُتَقَدِّمُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا. ومِثالُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، وإنَّما كانَ الأمْرُ صفحة ١١٧ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، صارَ مَشْرُوطًا بِقَوْلِهِ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، والمَشْرُوطُ مُتَأخِّرٌ عَنِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُ في اللَّفْظِ مُتَقَدِّمًا في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ في اللَّفْظِ مُتَأخِّرًا في المَعْنى والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ حالَ ما كَلَّمْتِ زَيْدًا إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا التَّعْلِيقُ قَبْلَ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهم مُسْلِمِينَ شَرْطًا لِأنْ يَصِيرُوا مُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُسْلِمِ حالَ إسْلامِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْ، والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الإسْلامَ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِسْلامِ، وهو إشارَةٌ إلى الِانْقِيادِ لِلتَّكالِيفِ الصّادِرَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وإظْهارِ الخُضُوعِ، وتَرْكِ التَّمَرُّدِ، وأمّا الإيمانُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ صَيْرُورَةِ القَلْبِ عارِفًا بِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وأنَّ ما سِواهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وتَصَرُّفِهِ، وإذا حَصَلَتْ هاتانِ الحالَتانِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُفَوِّضُ العَبْدُ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَحْصُلُ في القَلْبِ نُورُ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مِن لَطائِفِ الأسْرارِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الأُمُورِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى، والِاعْتِمادِ في كُلِّ الأحْوالِ عَلى اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في كُلِّ المُهِمّاتِ كَفاهُ اللَّهُ تَعالى كُلَّ المُلِمّاتِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ مُوسى قَوْمَهُ بِهِ وهو التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١] وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ؛ لِأنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَكانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تامًّا، وكانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَوْقَ التَّمامِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ الحَصْرَ كَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ونَهاهم عَنِ التَّوَكُّلِ عَلى الغَيْرِ، والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وتَسْخِيرِهِ وتَحْتَ حُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ، امْتَنَعَ في العَقْلِ أنْ يَتَوَكَّلَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ جاءَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِهَذِهِ العِبارَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ قَبِلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ، ولا نَلْتَفِتُ إلى أحَدٍ سِواهُ، ثُمَّ لَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ اشْتَغَلُوا بِالدُّعاءِ، فَطَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ قالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ لا تَفْتِنْ بِنا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ؛ لِأنَّكَ لَوْ سَلَّطْتَهم عَلَيْنا لَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنّا لَوْ كُنّا عَلى الحَقِّ لَما سَلَّطْتَهم عَلَيْنا، فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً قَوِيَّةً في إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَيَصِيرُ تَسْلِيطُهم عَلَيْنا فِتْنَةً لَهم. الثّانِي: أنَّكَ لَوْ سَلَّطْتَهم عَلَيْنا لاسْتَوْجَبُوا العِقابَ الشَّدِيدَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يَكُونُ فِتْنَةً لَهم. الثّالِثُ: ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لَهم، أيْ مَوْضِعَ عَذابٍ لَهم. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ المَفْتُونَ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ جائِزٌ، كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، والتَّكْوِينِ بِمَعْنى المُكَوَّنِ، والمَعْنى: لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ، أيْ لا تُمَكِّنَهم مِن أنْ يَحْمِلُونا بِالظُّلْمِ والقَهْرِ عَلى أنْ نَنْصَرِفَ عَنْ هَذا الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي قَبِلْناهُ، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكِّدٌ بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ﴾ صفحة ١١٨ ﴿مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ . وأمّا المَطْلُوبُ الثّانِي في هَذا الدُّعاءِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ اهْتِمامُ هَؤُلاءِ بِأمْرِ دِينِهِمْ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِأمْرِ دُنْياهم، وذَلِكَ لِأنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهم: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ عَلى أنَّهم إنْ سُلِّطُوا عَلى المُسْلِمِينَ صارَ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهم في أنَّ هَذا الدِّينَ باطِلٌ فَتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَصُونَ أُولَئِكَ الكُفّارَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وقَدَّمُوا هَذا الدُّعاءَ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ لِأنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنايَتَهم بِمَصالِحِ دِينِ أعْدائِهِمْ فَوْقَ عِنايَتِهِمْ بِمَصالِحِ أنْفُسِهِمْ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى أنْ لا يُمَكِّنَ اللَّهُ تَعالى أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن أنْ يَحْمِلُوهم عَلى تَرْكِ هَذا الدِّينِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا دَلِيلًا عَلى أنَّ اهْتِمامَهم بِمَصالِحِ أدْيانِهِمْ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِمَصالِحِ أبْدانِهِمْ، وعَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ فَهَذِهِ لَطِيفَةٌ شَرِيفَةٌ.

يونس 10:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا شَرَحَ خَوْفَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الكافِرِينَ وما ظَهَرَ مِنهم مَنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَ مُوسى وهارُونَ بِاتِّخاذِ المَساجِدِ والإقْبالِ عَلى الصَّلَواتِ، يُقالُ: تَبَوَّأ المَكانَ، أيِ اتَّخَذَهُ مُبَوَّأً، كَقَوْلِهِ تَوَطَّنَهُ إذا اتَّخَذَهُ مَوْطِنًا، والمَعْنى: اجْعَلا بِمِصْرَ بُيُوتًا لِقَوْمِكُما ومَرْجِعًا تَرْجِعُونَ إلَيْهِ لِلْعِبادَةِ والصَّلاةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِنَ البُيُوتِ المَساجِدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ مُطْلَقُ البُيُوتِ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدْ فَسَّرُوا القِبْلَةَ بِالجانِبِ الَّذِي يُسْتَقْبَلُ في الصَّلاةِ، ثُمَّ قالُوا: والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيِ اجْعَلُوا بُيُوتَكم مَساجِدَ تَسْتَقْبِلُونَها لِأجْلِ الصَّلاةِ، وقالَ الفَرّاءُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً، أيْ إلى القِبْلَةِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً أيْ قِبَلًا يَعْنِي مَساجِدَ، فَأطْلَقَ لَفْظَ الوُحْدانِ، والمُرادُ الجَمْعُ، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ أيْنَ كانَتْ ؟ فَظاهِرٌ أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِهِ، إلّا أنَّهُ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ الكَعْبَةُ قِبْلَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: الكَعْبَةُ قِبْلَةُ كُلِّ الأنْبِياءِ، وإنَّما وقَعَ العُدُولُ عَنْها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى في أيّامِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقالَ آخَرُونَ: كانَتْ تِلْكَ القِبْلَةُ جِهَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ. وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ البُيُوتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ مُطْلَقُ البَيْتِ، فَهَؤُلاءِ لَهم في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (قِبْلَةً) وجْهانِ: الأوَّلُ: المُرادُ بِجَعْلِ تِلْكَ البُيُوتِ قِبْلَةً أيْ مُتَقابِلَةً، والمَقْصُودُ مِنهُ حُصُولُ الجَمْعِيَّةِ واعْتِضادُ البَعْضِ بِالبَعْضِ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ واجْعَلُوا دُورَكم قِبْلَةً، أيْ صَلُّوا في بُيُوتِكم. صفحة ١١٩ البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَصَّ مُوسى وهارُونَ في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ بِالخِطابِ فَقالَ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ثُمَّ عَمَّمَ هَذا الخِطابَ فَقالَ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى وهارُونَ أنْ يَتَبَوَّءا لِقَوْمِهِما بُيُوتًا لِلْعِبادَةِ، وذَلِكَ مِمّا يُفَوَّضُ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جاءَ الخِطابُ بَعْدَ ذَلِكَ عامًّا لَهُما ولِقَوْمِهِما بِاتِّخاذِ المَساجِدِ والصَّلاةِ فِيها؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الكُلِّ، ثُمَّ خَصَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ الكَلامِ بِالخِطابِ فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ مِن جَمِيعِ العِباداتِ حُصُولُ هَذِهِ البِشارَةِ، فَخَصَّ اللَّهُ تَعالى مُوسى بِها، لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الأصْلَ في الرِّسالَةِ هو مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ هارُونَ تَبَعٌ لَهُ. البَحْثُ الثّالِثُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الواقِعَةِ وُجُوهًا ثَلاثَةً: الأوَّلُ: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ كانُوا في أوَّلِ أمْرِهِمْ مَأْمُورِينَ بِأنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ خُفْيَةً مِنَ الكَفَرَةِ؛ لِئَلّا يَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ فَيُؤْذُوهم ويَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، كَما كانَ المُؤْمِنُونَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ في أوَّلِ الإسْلامِ في مَكَّةَ. الثّانِي: قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ مُوسى إلَيْهِمْ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِتَخْرِيبِ مَساجِدِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَنعِهِمْ مِنَ الصَّلاةِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَّخِذُوا مَساجِدَ في بُيُوتِهِمْ ويُصَلُّوا فِيها خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ مُوسى إلَيْهِمْ وأظْهَرَ فِرْعَوْنُ تِلْكَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما بِاتِّخاذِ المَساجِدِ عَلى رَغْمِ الأعْداءِ، وتَكَفَّلَ تَعالى أنَّهُ يَصُونُهم عَنْ شَرِّ الأعْداءِ.

يونس 10:88

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مُوسى لَمّا بالَغَ في إظْهارِ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ القاهِرَةِ ورَأى القَوْمَ مُصِرِّينَ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ والإنْكارِ، أخَذَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، ومِن حَقِّ مَن يَدْعُو عَلى الغَيْرِ أنْ يَذْكُرَ أوَّلًا سَبَبَ إقْدامِهِ عَلى تِلْكَ الجَرائِمِ، وكانَ جُرْمُهم هو أنَّهم لِأجْلِ حُبِّهِمُ الدُّنْيا تَرَكُوا الدِّينَ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا﴾ والزِّينَةُ عِبارَةٌ عَنِ الصِّحَّةِ والجَمالِ واللِّباسِ والدَّوابِّ، وأثاثِ البَيْتِ والمالِ، وما يَزِيدُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ الصّامِتِ والنّاطِقِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ ”لِيُضِلُّوا“ بِضَمِّ الياءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ. صفحة ١٢٠ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّ النّاسَ ويُرِيدُ إضْلالَهم، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، والمَعْنى: أنَّ مُوسى قالَ يا رَبَّ العِزَّةِ إنَّكَ أعْطَيْتَهم هَذِهِ الزِّينَةَ والأمْوالَ لِأجْلِ أنْ يُضِلُّوا، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ إضْلالَ المُكَلَّفِينَ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ. قالَ القاضِي: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ، وإرادَةُ الكُفْرِ قَبِيحَةٌ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَكانَ الكُفّارُ مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعالى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلطّاعَةِ إلّا الإتْيانُ بِما يُوافِقُ الإرادَةَ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ لَما اسْتَحَقُّوا الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِطَمْسِ الأمْوالِ وشَدِّ القُلُوبِ. والثّالِثُ: أنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يُرِيدَ إضْلالَ العِبادِ، لَجَوَّزْنا أنْ يَبْعَثَ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِلدُّعاءِ إلى الضَّلالِ، ولَجازَ أنْ يُقَوِّيَ الكَذّابِينَ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ هَدْمُ الدِّينِ وإبْطالُ الثِّقَةِ بِالقُرْآنِ. والرّابِعُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وأنْ يَقُولَ: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرادَ الضَّلالَةَ مِنهم وأعْطاهُمُ النِّعَمَ لِكَيْ يَضِلُّوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ كالمُناقَضَةِ، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ أحَدِهِما عَلى مُوافَقَةِ الآخَرِ. الخامِسُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا رَبَّهُ بِأنْ يَطْمِسَ عَلى أمْوالِهِمْ لِأجْلِ أنْ لا يُؤْمِنُوا مَعَ تَشَدُّدِهِ في إرادَةِ الإيمانِ. واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في تَكْثِيرِ هَذِهِ الوُجُوهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ ﴿لِيُضِلُّوا﴾ لامُ العاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ولَمّا كانَتْ عاقِبَةُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ هو الضَّلالُ، وقَدْ أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى، لا جَرَمَ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِهَذا اللَّفْظِ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أيْ لِئَلّا يُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، فَحَذْفُ لا لِدَلالَةِ المَعْقُولِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] والمُرادُ أنْ لا تَضِلُّوا، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الأعراف: ١٧٢] والمُرادُ لِئَلّا تَقُولُوا، ومِثْلُ هَذا الحَذْفِ كَثِيرٌ في الكَلامِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ المَقْرُونِ بِالإنْكارِ والتَّقْدِيرُ كَأنَّكَ آتَيْتَهم ذَلِكَ الغَرَضَ، فَإنَّهم لا يُنْفِقُونَ هَذِهِ الأمْوالَ إلّا فِيهِ، وكَأنَّهُ قالَ: آتَيْتَهم زِينَةً وأمْوالًا لِأجْلِ أنْ يُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَذَفَ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطٍ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالًا أرادَ أكَذَبَتْكَ، فَكَذا هَهُنا. الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ اللّامُ لامُ الدُّعاءِ، وهي لامٌ مَكْسُورَةٌ تَجْزِمُ المُسْتَقْبَلَ، ويُفْتَتَحُ بِها الكَلامُ، فَيُقالُ لِيَغْفِرَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِيُعَذِّبَ اللَّهُ الكافِرِينَ، والمَعْنى رَبَّنا ابْتَلِهِمْ بِالضَّلالِ عَنْ سَبِيلِكَ. الخامِسُ: أنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ التَّعْلِيلِ، لَكِنْ بِحَسَبِ ظاهِرِ الأمْرِ لا في نَفْسِ الحَقِيقَةِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهم هَذِهِ الأمْوالَ وصارَتْ تِلْكَ الأمْوالُ سَبَبًا لِمَزِيدِ البَغْيِ والكُفْرِ، أشْبَهَتْ هَذِهِ الحالَةُ حالَةَ مَن أعْطى المالَ لِأجْلِ الإضْلالِ، فَوَرَدَ هَذا الكَلامُ بِلَفْظِ التَّعْلِيلِ لِأجْلِ هَذا المَعْنى. السّادِسُ: بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ الضَّلالَ قَدْ جاءَ في القُرْآنِ بِمَعْنى الهَلاكِ، يُقالُ: الماءُ صفحة ١٢١ فِي اللَّبَنِ، أيْ هَلَكَ فِيهِ. * * * إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ مَعْناهُ: لِيَهْلِكُوا ويَمُوتُوا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة: ٥٥] فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا البابِ. واعْلَمْ أنّا قَدْ أجَبْنا عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ مِرارًا كَثِيرَةً في هَذا الكِتابِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَ بَعْضَها في هَذا المَقامِ فَنَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الإضْلالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ العَبْدَ لا يَقْصِدُ إلّا حُصُولَ الهِدايَةِ، فَلَمّا لَمْ تَحْصُلِ الهِدايَةُ بَلْ حَصَلَ الضَّلالُ الَّذِي لا يُرِيدُهُ، عَلِمْنا أنَّ حُصُولَهُ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قالُوا: إنَّهُ ظَنَّ بِهَذا الضَّلالِ أنَّهُ هُدًى، فَلا جَرَمَ قَدْ أوْقَعَهُ وأدْخَلَهُ في الوُجُودِ. فَنَقُولُ: فَعَلى هَذا يَكُونُ إقْدامُهُ عَلى تَحْصِيلِ هَذا الجَهْلِ بِسَبَبِ الجَهْلِ السّابِقِ، فَلَوْ كانَ حُصُولُ ذَلِكَ الجَهْلِ السّابِقِ بِسَبَبِ جَهْلٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ لا بُدَّ مِنَ انْتِهائِها إلى جَهْلٍ أوَّلَ، وضَلالٍ أوَّلَ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِإحْداثِ العَبْدِ وتَكْوِينِهِ، لِأنَّهُ كَرِهَهُ وإنَّما أرادَ ضِدَّهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ الخَلْقَ بِحَيْثُ يُحِبُّونَ المالَ والجاهَ حُبًّا شَدِيدًا لا يُمْكِنُهُ إزالَةُ هَذا الحُبِّ عَنْ نَفْسِهِ ألْبَتَّةَ، وكانَ حُصُولُ هَذا الحُبِّ يُوجِبُ الإعْراضَ عَمَّنْ يَسْتَخْدِمُهُ ويُوجِبُ التَّكَبُّرَ عَلَيْهِ وتَرْكَ الِالتِفاتِ إلى قَوْلِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ، فَهَذِهِ الأشْياءُ بَعْضُها يَتَأدّى إلى البَعْضِ تَأدِّيًا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ هَذا الكُفْرِ هو الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مَجْبُولًا عَلى حُبِّ المالِ والجاهِ. الثّالِثُ: وهو الحُجَّةُ الكُبْرى أنَّ القُدْرَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الضِّدَّيْنِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَلا يَتَرَجَّحُ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ عَلى الثّانِي إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ وإلّا لَعادَ الكَلامُ فِيهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الهِدايَةُ والإضْلالُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أعْطى فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ زِينَةً وأمْوالًا، وقَوّى حُبَّ ذَلِكَ المالِ والجاهِ في قُلُوبِهِمْ، وأوْدَعَ في طِباعِهِمْ نَفْرَةً شَدِيدَةً عَنْ خِدْمَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والِانْقِيادِ لَهُ، لا سِيَّما وكانَ فِرْعَوْنُ كالمُنْعِمِ في حَقِّهِ والمُرَبِّي لَهُ، والنَّفْرَةُ عَنْ خِدْمَةِ مَن هَذا شَأْنُهُ راسِخَةٌ في القُلُوبِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ إعْراضَهم عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإصْرارَهم عَلى إنْكارِ صِدْقِهِ، فَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أنَّ إعْطاءَ اللَّهِ تَعالى فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ زِينَةَ الدُّنْيا وأمْوالَ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِضَلالِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ فَقَدْ ثَبَتَ صِحَّتُهُ بِالعَقْلِ الصَّرِيحِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَرْكُ ظاهِرِ اللَّفْظِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، وكَيْفَ يَحْسُنُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى الوُجُوهِ المُتَكَلَّفَةِ الضَّعِيفَةِ جِدًّا. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو حَمْلُ اللّامِ عَلى لامِ العاقِبَةِ فَضَعِيفٌ، لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ عالِمًا بِالعَواقِبِ. فَإنْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَهُ بِذَلِكَ. قُلْنا: فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ كانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم مُحالًا، لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ كَذِبًا، وهو مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ صفحة ١٢٢ وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُهم يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ لِئَلّا يُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، فَنَقُولُ: إنَّ هَذا التَّأْوِيلَ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ. وأقُولُ: إنَّهُ لَمّا شَرَعَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ أصْحابِنا أنَّهُ قَرَأ ”﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾“ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتَبْعَدَ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: إنَّها تَقْتَضِي تَحْرِيفَ القُرْآنِ وتَغْيِيرَهُ، وتَفْتَحُ بابَ تَأْوِيلاتِ الباطِنِيَّةِ، وبالَغَ في إنْكارِ تِلْكَ القِراءَةِ، وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ هَهُنا شَرٌّ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَلَبَ النَّفْيَ إثْباتًا، والإثْباتَ نَفْيًا، وتَجْوِيزُهُ يَفْتَحُ بابَ أنْ لا يَبْقى الِاعْتِمادُ عَلى القُرْآنِ لا في نَفْيِهِ ولا في إثْباتِهِ، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ القُرْآنُ بِالكُلِّيَّةِ، هَذا بِعَيْنِهِ هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِ: المُرادُ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَإنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ تَجْوِيزَ مِثْلِهِ في سائِرِ المَواطِنِ، فَلَعَلَّهُ تَعالى إنَّما قالَ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ١١٠ ] عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، وأمّا بَقِيَّةُ الجَواباتِ فَلا يَخْفى ضَعْفُها. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ وذَكَرْنا مَعْنى الطَّمْسِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧] والطَّمْسُ هو المَسْخُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما: بَلَغَنا أنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، صارَتْ حِجارَةً مَنقُوشَةً كَهَيْئَتِها صِحاحًا وأنْصافًا وأثْلاثًا، وجَعَلَ سُكَّرَهم حِجارَةً. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ ومَعْنى الشَّدِّ عَلى القُلُوبِ الِاسْتِيثاقُ مِنها حَتّى لا يَدْخُلَها الإيمانُ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَن يَشاءُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَسُنَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا السُّؤالُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ والتَّقْدِيرُ: رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ يَكُونُ اعْتِراضًا. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿واشْدُدْ﴾ والتَّقْدِيرُ: اطْبَعْ عَلى قُلُوبِهِمْ وقَسِّها حَتّى لا يُؤْمِنُوا، فَإنَّها تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنَّ مُوسى كانَ يَدْعُو وهارُونَ كانَ يُؤَمِّنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَقُولُ عِنْدَ دُعاءِ الدّاعِي آمِينَ فَهو أيْضًا داعٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ آمِينَ تَأْوِيلُهُ اسْتَجِبْ، فَهو سائِلٌ كَما أنَّ الدّاعِيَ سائِلٌ أيْضًا. الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ، غايَةَ ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى حَكى هَذا الدُّعاءَ عَنْ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا﴾ إلّا أنَّ هَذا لا يُنافِي أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الدُّعاءَ أيْضًا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَقِيما﴾ يَعْنِي فاسْتَقِيما عَلى الدَّعْوَةِ والرِّسالَةِ، والزِّيادَةِ في إلْزامِ الحُجَّةِ، فَقَدْ لَبِثَ نُوحٌ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا قَلِيلًا فَلا تَسْتَعْجِلا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ فِرْعَوْنَ لَبِثَ بَعْدَ هَذا الدُّعاءِ أرْبَعِينَ سَنَةً. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: المَعْنى: لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الجاهِلِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهُ مَتى كانَ الدُّعاءُ مُجابًا كانَ المَقْصُودُ صفحة ١٢٣ حاصِلًا في الحالِ، فَرُبَّما أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَ إنْسانٍ في مَطْلُوبِهِ، إلّا أنَّهُ إنَّما يُوصِلُهُ إلَيْهِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ، والِاسْتِعْجالُ لا يَصْدُرُ إلّا مِنَ الجُهّالِ، وهَذا كَما قالَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] . واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّهْيَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ قَدْ صَدَرَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] لا يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الشِّرْكِ مِنهُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ﴾ مَوْضِعُهُ جَزْمٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَتْبَعا، إلّا أنَّ النُّونَ الشَّدِيدَةَ دَخَلَتْ عَلى النَّهْيِ مُؤَكِّدَةً، وكُسِرَتْ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ الَّتِي قَبْلَها، فاخْتِيرَ لَها الكَسْرَةُ، لِأنَّها بَعْدَ الألِفِ تُشْبِهُ نُونَ التَّثْنِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”ولا تَتَّبِعانِ“ بِتَخْفِيفِ النُّونِ.

يونس 10:89

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مُوسى لَمّا بالَغَ في إظْهارِ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ القاهِرَةِ ورَأى القَوْمَ مُصِرِّينَ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ والإنْكارِ، أخَذَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، ومِن حَقِّ مَن يَدْعُو عَلى الغَيْرِ أنْ يَذْكُرَ أوَّلًا سَبَبَ إقْدامِهِ عَلى تِلْكَ الجَرائِمِ، وكانَ جُرْمُهم هو أنَّهم لِأجْلِ حُبِّهِمُ الدُّنْيا تَرَكُوا الدِّينَ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا﴾ والزِّينَةُ عِبارَةٌ عَنِ الصِّحَّةِ والجَمالِ واللِّباسِ والدَّوابِّ، وأثاثِ البَيْتِ والمالِ، وما يَزِيدُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ الصّامِتِ والنّاطِقِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ ”لِيُضِلُّوا“ بِضَمِّ الياءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ. صفحة ١٢٠ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّ النّاسَ ويُرِيدُ إضْلالَهم، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، والمَعْنى: أنَّ مُوسى قالَ يا رَبَّ العِزَّةِ إنَّكَ أعْطَيْتَهم هَذِهِ الزِّينَةَ والأمْوالَ لِأجْلِ أنْ يُضِلُّوا، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ إضْلالَ المُكَلَّفِينَ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ. قالَ القاضِي: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ، وإرادَةُ الكُفْرِ قَبِيحَةٌ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَكانَ الكُفّارُ مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعالى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلطّاعَةِ إلّا الإتْيانُ بِما يُوافِقُ الإرادَةَ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ لَما اسْتَحَقُّوا الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِطَمْسِ الأمْوالِ وشَدِّ القُلُوبِ. والثّالِثُ: أنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يُرِيدَ إضْلالَ العِبادِ، لَجَوَّزْنا أنْ يَبْعَثَ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِلدُّعاءِ إلى الضَّلالِ، ولَجازَ أنْ يُقَوِّيَ الكَذّابِينَ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ هَدْمُ الدِّينِ وإبْطالُ الثِّقَةِ بِالقُرْآنِ. والرّابِعُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وأنْ يَقُولَ: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرادَ الضَّلالَةَ مِنهم وأعْطاهُمُ النِّعَمَ لِكَيْ يَضِلُّوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ كالمُناقَضَةِ، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ أحَدِهِما عَلى مُوافَقَةِ الآخَرِ. الخامِسُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا رَبَّهُ بِأنْ يَطْمِسَ عَلى أمْوالِهِمْ لِأجْلِ أنْ لا يُؤْمِنُوا مَعَ تَشَدُّدِهِ في إرادَةِ الإيمانِ. واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في تَكْثِيرِ هَذِهِ الوُجُوهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ ﴿لِيُضِلُّوا﴾ لامُ العاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ولَمّا كانَتْ عاقِبَةُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ هو الضَّلالُ، وقَدْ أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى، لا جَرَمَ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِهَذا اللَّفْظِ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أيْ لِئَلّا يُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، فَحَذْفُ لا لِدَلالَةِ المَعْقُولِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] والمُرادُ أنْ لا تَضِلُّوا، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الأعراف: ١٧٢] والمُرادُ لِئَلّا تَقُولُوا، ومِثْلُ هَذا الحَذْفِ كَثِيرٌ في الكَلامِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ المَقْرُونِ بِالإنْكارِ والتَّقْدِيرُ كَأنَّكَ آتَيْتَهم ذَلِكَ الغَرَضَ، فَإنَّهم لا يُنْفِقُونَ هَذِهِ الأمْوالَ إلّا فِيهِ، وكَأنَّهُ قالَ: آتَيْتَهم زِينَةً وأمْوالًا لِأجْلِ أنْ يُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَذَفَ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطٍ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالًا أرادَ أكَذَبَتْكَ، فَكَذا هَهُنا. الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ اللّامُ لامُ الدُّعاءِ، وهي لامٌ مَكْسُورَةٌ تَجْزِمُ المُسْتَقْبَلَ، ويُفْتَتَحُ بِها الكَلامُ، فَيُقالُ لِيَغْفِرَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِيُعَذِّبَ اللَّهُ الكافِرِينَ، والمَعْنى رَبَّنا ابْتَلِهِمْ بِالضَّلالِ عَنْ سَبِيلِكَ. الخامِسُ: أنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ التَّعْلِيلِ، لَكِنْ بِحَسَبِ ظاهِرِ الأمْرِ لا في نَفْسِ الحَقِيقَةِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهم هَذِهِ الأمْوالَ وصارَتْ تِلْكَ الأمْوالُ سَبَبًا لِمَزِيدِ البَغْيِ والكُفْرِ، أشْبَهَتْ هَذِهِ الحالَةُ حالَةَ مَن أعْطى المالَ لِأجْلِ الإضْلالِ، فَوَرَدَ هَذا الكَلامُ بِلَفْظِ التَّعْلِيلِ لِأجْلِ هَذا المَعْنى. السّادِسُ: بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ الضَّلالَ قَدْ جاءَ في القُرْآنِ بِمَعْنى الهَلاكِ، يُقالُ: الماءُ صفحة ١٢١ فِي اللَّبَنِ، أيْ هَلَكَ فِيهِ. * * * إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ مَعْناهُ: لِيَهْلِكُوا ويَمُوتُوا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة: ٥٥] فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا البابِ. واعْلَمْ أنّا قَدْ أجَبْنا عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ مِرارًا كَثِيرَةً في هَذا الكِتابِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نُعِيدَ بَعْضَها في هَذا المَقامِ فَنَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الإضْلالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ العَبْدَ لا يَقْصِدُ إلّا حُصُولَ الهِدايَةِ، فَلَمّا لَمْ تَحْصُلِ الهِدايَةُ بَلْ حَصَلَ الضَّلالُ الَّذِي لا يُرِيدُهُ، عَلِمْنا أنَّ حُصُولَهُ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قالُوا: إنَّهُ ظَنَّ بِهَذا الضَّلالِ أنَّهُ هُدًى، فَلا جَرَمَ قَدْ أوْقَعَهُ وأدْخَلَهُ في الوُجُودِ. فَنَقُولُ: فَعَلى هَذا يَكُونُ إقْدامُهُ عَلى تَحْصِيلِ هَذا الجَهْلِ بِسَبَبِ الجَهْلِ السّابِقِ، فَلَوْ كانَ حُصُولُ ذَلِكَ الجَهْلِ السّابِقِ بِسَبَبِ جَهْلٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ لا بُدَّ مِنَ انْتِهائِها إلى جَهْلٍ أوَّلَ، وضَلالٍ أوَّلَ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِإحْداثِ العَبْدِ وتَكْوِينِهِ، لِأنَّهُ كَرِهَهُ وإنَّما أرادَ ضِدَّهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ الخَلْقَ بِحَيْثُ يُحِبُّونَ المالَ والجاهَ حُبًّا شَدِيدًا لا يُمْكِنُهُ إزالَةُ هَذا الحُبِّ عَنْ نَفْسِهِ ألْبَتَّةَ، وكانَ حُصُولُ هَذا الحُبِّ يُوجِبُ الإعْراضَ عَمَّنْ يَسْتَخْدِمُهُ ويُوجِبُ التَّكَبُّرَ عَلَيْهِ وتَرْكَ الِالتِفاتِ إلى قَوْلِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ، فَهَذِهِ الأشْياءُ بَعْضُها يَتَأدّى إلى البَعْضِ تَأدِّيًا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ هَذا الكُفْرِ هو الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مَجْبُولًا عَلى حُبِّ المالِ والجاهِ. الثّالِثُ: وهو الحُجَّةُ الكُبْرى أنَّ القُدْرَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الضِّدَّيْنِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَلا يَتَرَجَّحُ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ عَلى الثّانِي إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ وإلّا لَعادَ الكَلامُ فِيهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الهِدايَةُ والإضْلالُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أعْطى فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ زِينَةً وأمْوالًا، وقَوّى حُبَّ ذَلِكَ المالِ والجاهِ في قُلُوبِهِمْ، وأوْدَعَ في طِباعِهِمْ نَفْرَةً شَدِيدَةً عَنْ خِدْمَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والِانْقِيادِ لَهُ، لا سِيَّما وكانَ فِرْعَوْنُ كالمُنْعِمِ في حَقِّهِ والمُرَبِّي لَهُ، والنَّفْرَةُ عَنْ خِدْمَةِ مَن هَذا شَأْنُهُ راسِخَةٌ في القُلُوبِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ إعْراضَهم عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإصْرارَهم عَلى إنْكارِ صِدْقِهِ، فَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أنَّ إعْطاءَ اللَّهِ تَعالى فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ زِينَةَ الدُّنْيا وأمْوالَ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِضَلالِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ فَقَدْ ثَبَتَ صِحَّتُهُ بِالعَقْلِ الصَّرِيحِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَرْكُ ظاهِرِ اللَّفْظِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، وكَيْفَ يَحْسُنُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى الوُجُوهِ المُتَكَلَّفَةِ الضَّعِيفَةِ جِدًّا. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو حَمْلُ اللّامِ عَلى لامِ العاقِبَةِ فَضَعِيفٌ، لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ عالِمًا بِالعَواقِبِ. فَإنْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَهُ بِذَلِكَ. قُلْنا: فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ كانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم مُحالًا، لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ كَذِبًا، وهو مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ صفحة ١٢٢ وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُهم يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ لِئَلّا يُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، فَنَقُولُ: إنَّ هَذا التَّأْوِيلَ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ. وأقُولُ: إنَّهُ لَمّا شَرَعَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ أصْحابِنا أنَّهُ قَرَأ ”﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾“ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتَبْعَدَ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: إنَّها تَقْتَضِي تَحْرِيفَ القُرْآنِ وتَغْيِيرَهُ، وتَفْتَحُ بابَ تَأْوِيلاتِ الباطِنِيَّةِ، وبالَغَ في إنْكارِ تِلْكَ القِراءَةِ، وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ هَهُنا شَرٌّ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَلَبَ النَّفْيَ إثْباتًا، والإثْباتَ نَفْيًا، وتَجْوِيزُهُ يَفْتَحُ بابَ أنْ لا يَبْقى الِاعْتِمادُ عَلى القُرْآنِ لا في نَفْيِهِ ولا في إثْباتِهِ، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ القُرْآنُ بِالكُلِّيَّةِ، هَذا بِعَيْنِهِ هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِ: المُرادُ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَإنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ تَجْوِيزَ مِثْلِهِ في سائِرِ المَواطِنِ، فَلَعَلَّهُ تَعالى إنَّما قالَ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ١١٠ ] عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، وأمّا بَقِيَّةُ الجَواباتِ فَلا يَخْفى ضَعْفُها. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ وذَكَرْنا مَعْنى الطَّمْسِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧] والطَّمْسُ هو المَسْخُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما: بَلَغَنا أنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، صارَتْ حِجارَةً مَنقُوشَةً كَهَيْئَتِها صِحاحًا وأنْصافًا وأثْلاثًا، وجَعَلَ سُكَّرَهم حِجارَةً. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ ومَعْنى الشَّدِّ عَلى القُلُوبِ الِاسْتِيثاقُ مِنها حَتّى لا يَدْخُلَها الإيمانُ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَن يَشاءُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَسُنَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا السُّؤالُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ والتَّقْدِيرُ: رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ، وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ يَكُونُ اعْتِراضًا. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿واشْدُدْ﴾ والتَّقْدِيرُ: اطْبَعْ عَلى قُلُوبِهِمْ وقَسِّها حَتّى لا يُؤْمِنُوا، فَإنَّها تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنَّ مُوسى كانَ يَدْعُو وهارُونَ كانَ يُؤَمِّنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَقُولُ عِنْدَ دُعاءِ الدّاعِي آمِينَ فَهو أيْضًا داعٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ آمِينَ تَأْوِيلُهُ اسْتَجِبْ، فَهو سائِلٌ كَما أنَّ الدّاعِيَ سائِلٌ أيْضًا. الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ، غايَةَ ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى حَكى هَذا الدُّعاءَ عَنْ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا﴾ إلّا أنَّ هَذا لا يُنافِي أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الدُّعاءَ أيْضًا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَقِيما﴾ يَعْنِي فاسْتَقِيما عَلى الدَّعْوَةِ والرِّسالَةِ، والزِّيادَةِ في إلْزامِ الحُجَّةِ، فَقَدْ لَبِثَ نُوحٌ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا قَلِيلًا فَلا تَسْتَعْجِلا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ فِرْعَوْنَ لَبِثَ بَعْدَ هَذا الدُّعاءِ أرْبَعِينَ سَنَةً. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: المَعْنى: لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الجاهِلِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهُ مَتى كانَ الدُّعاءُ مُجابًا كانَ المَقْصُودُ صفحة ١٢٣ حاصِلًا في الحالِ، فَرُبَّما أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَ إنْسانٍ في مَطْلُوبِهِ، إلّا أنَّهُ إنَّما يُوصِلُهُ إلَيْهِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ، والِاسْتِعْجالُ لا يَصْدُرُ إلّا مِنَ الجُهّالِ، وهَذا كَما قالَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] . واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّهْيَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ قَدْ صَدَرَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] لا يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الشِّرْكِ مِنهُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ﴾ مَوْضِعُهُ جَزْمٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَتْبَعا، إلّا أنَّ النُّونَ الشَّدِيدَةَ دَخَلَتْ عَلى النَّهْيِ مُؤَكِّدَةً، وكُسِرَتْ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ الَّتِي قَبْلَها، فاخْتِيرَ لَها الكَسْرَةُ، لِأنَّها بَعْدَ الألِفِ تُشْبِهُ نُونَ التَّثْنِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”ولا تَتَّبِعانِ“ بِتَخْفِيفِ النُّونِ.

يونس 10:90

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ دُعاءَهُما أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ في الوَقْتِ المَعْلُومِ، ويَسَّرَ لَهم أسْبابَهُ، وفِرْعَوْنُ كانَ غافِلًا عَنْ ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ أنَّهم خَرَجُوا وعَزَمُوا عَلى مُفارَقَةِ مَمْلَكَتِهِ خَرَجَ عَلى عَقِبِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ أيْ لَحِقَهم، يُقالُ: أتْبَعَهُ حَتّى لَحِقَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغْيًا وعَدْوًا﴾ البَغْيُ طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والعَدْوُ الظُّلْمُ، رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مَعَ قَوْمِهِ وصَلُوا إلى طَرَفِ البَحْرِ، وقَرُبَ فِرْعَوْنُ مَعَ عَسْكَرِهِ مِنهم، فَوَقَعُوا في خَوْفٍ شَدِيدٍ، لِأنَّهم صارُوا بَيْنَ بَحْرٍ مُغْرِقٍ وجُنْدٍ مُهْلِكٍ، فَأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ أظْهَرَ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ بِتَمامِها في سائِرِ السُّوَرِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ أصْحابِهِ دَخَلُوا وخَرَجُوا وأبْقى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الطَّرِيقَ يَبْسًا، لِيَطْمَعَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ في التَّمَكُّنِ مِنَ العُبُورِ، فَلَمّا دَخَلَ مَعَ جَمْعِهِ أغْرَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ أوْصَلَ أجْزاءَ الماءِ بِبَعْضِها وأزالَ الفَلْقَ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ وبَيَّنَ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ البَغْيِ وهي مَحَبَّةُ الإفْراطِ في قَتْلِهِمْ وظُلْمِهِمْ، والعَدْوِ وهو تَجاوُزُ الحَدِّ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ أظْهَرَ كَلِمَةَ الإخْلاصِ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يُنْجِيهِ مِن تِلْكَ الآفاتِ، وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ إذا وقَعَ في الغَرَقِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَلَفَّظَ بِهَذا اللَّفْظِ، فَكَيْفَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ ؟ صفحة ١٢٤ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الكَلامَ الحَقِيقِيَّ هو كَلامُ النَّفْسِ لا كَلامُ اللِّسانِ، فَهو إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ بِالنَّفْسِ، لا بِكَلامِ اللِّسانِ، ويُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ كَلامِ النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ هَذا الكَلامَ، وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ ما قالَهُ بِاللِّسانِ، فَوَجَبَ الِاعْتِرافُ بِثُبُوتِ كَلامٍ غَيْرِ كَلامِ اللِّسانِ وهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الغَرَقِ مُقَدِّماتِهِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ آمَنَ ثَلاثَ مَرّاتٍ: أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُ﴾ . وثانِيها قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ . وثالِثُها قَوْلُهُ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ . فَما السَّبَبُ في عَدَمِ القَبُولِ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنْ أنْ يَلْحَقَهُ غَيْظٌ وحِقْدٌ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ لِأجْلِ ذَلِكَ الحِقْدِ لَمْ يَقْبَلْ مِنهُ هَذا الإقْرارَ ؟ والجَوابُ: العُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ إنَّما آمَنَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، والإيمانُ في هَذا الوَقْتِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ يَصِيرُ الحالُ وقْتَ الإلْجاءِ، وفي هَذا الحالِ لا تَكُونُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ . [غافر: ٨٥] الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِيَتَوَسَّلَ بِها إلى دَفْعِ تِلْكَ البَلِيَّةِ الحاضِرَةِ والمِحْنَةِ النّاجِزَةِ، فَما كانَ مَقْصُودُهُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ الإقْرارَ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، والِاعْتِرافَ بِعِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَما كانَ ذِكْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ما كانَ مَقْبُولًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: هو أنَّ ذَلِكَ الإقْرارَ كانَ مَبْنِيًّا عَلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ فَكَأنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ اللَّهَ، إلّا أنَّهُ سَمِعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا، فَهو أقَرَّ بِذَلِكَ الإلَهِ الَّذِي سَمِعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم أقَرُّوا بِوُجُودِهِ، فَكانَ هَذا مَحْضَ التَّقْلِيدِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ تَصِرِ الكَلِمَةُ مَقْبُولَةً مِنهُ، ومَزِيدُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى ما بَيَّناهُ في سُورَةِ ”طه“ كانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ، وكانَ مِنَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ الصّانِعِ تَعالى، ومِثْلُ هَذا الِاعْتِقادِ الفاحِشِ لا تَزُولُ ظُلْمَتُهُ، إلّا بِنُورِ الحُجَجِ القَطْعِيَّةِ، والدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ، وأمّا بِالتَّقْلِيدِ المَحْضِ فَهو لا يُفِيدُ، لِأنَّهُ يَكُونُ ضَمًّا لِظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ إلى ظُلْمَةِ الجَهْلِ السّابِقِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ بَعْضَ أقْوامٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا جاوَزُوا البَحْرَ اشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ، فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ انْصَرَفَ ذَلِكَ إلى العِجْلِ الَّذِي آمَنُوا بِعِبادَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَكانَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في حَقِّهِ سَبَبًا لِزِيادَةِ الكُفْرِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ اليَهُودَ كانَتْ قُلُوبُهم مائِلَةً إلى التَّشْبِيهِ والتَّجْسِيمِ، ولِهَذا السَّبَبِ اشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ لِظَنِّهِمْ أنَّهُ تَعالى حَلَّ في جَسَدِ ذَلِكَ العِجْلِ ونَزَلَ فِيهِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وقالَ فِرْعَوْنُ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ فَكَأنَّهُ آمَنَ بِالإلَهِ المَوْصُوفِ بِالجِسْمِيَّةِ والحُلُولِ والنُّزُولِ، وكُلُّ مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ كانَ كافِرًا؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ما صَحَّ إيمانُ فِرْعَوْنَ. الوَجْهُ السّادِسُ: لَعَلَّ الإيمانَ إنَّما كانَ يَتِمُّ بِالإقْرارِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَهَهُنا لَمّا أقَرَّ فِرْعَوْنُ بِالوَحْدانِيَّةِ ولَمْ يُقِرَّ بِالنُّبُوَّةِ لا جَرَمَ لَمْ يَصِحَّ إيمانُهُ. ونَظِيرُهُ أنَّ الواحِدَ مِنَ الكُفّارِ صفحة ١٢٥ لَوْ قالَ ألْفَ مَرَّةٍ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ إيمانُهُ إلّا إذا قالَ مَعَهُ: وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ السّابِعُ: رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى فِرْعَوْنَ بِفُتْيا فِيها ما قَوْلُ الأمِيرِ في عَبْدٍ نَشَأ في مالِ مَوْلاهُ ونِعْمَتِهِ، فَكَفَرَ نِعْمَتَهُ وجَحَدَ حَقَّهُ، وادَّعى السِّيادَةَ دُونَهُ، فَكَتَبَ فِرْعَوْنُ فِيها - يَقُولُ أبُو العَبّاسِ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ -: جَزاءُ العَبْدِ الخارِجِ عَلى سَيِّدِهِ الكافِرِ بِنِعْمَتِهِ أنْ يَغْرَقَ في البَحْرِ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا غَرِقَ رَفَعَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فُتْياهُ إلَيْهِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: مَنِ القائِلُ لَهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ . الجَوابُ: الأخْبارُ دالَّةٌ عَلى أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو جِبْرِيلُ، وإنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَهُ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ وهَذا الكَلامُ لَيْسَ إلّا كَلامَ اللَّهِ تَعالى. السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ لِلْمَعْصِيَةِ المُتَقَدِّمَةِ والفَسادِ السّابِقِ، وصِحَّةُ هَذا التَّعْلِيلِ لا تَمْنَعُ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ. والجَوابُ: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا، وأحَدُ دَلائِلِهِمْ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ. وأيْضًا فالتَّعْلِيلُ ما وقَعَ بِمُجَرَّدِ المَعْصِيَةِ السّابِقَةِ، بَلْ بِتِلْكَ المَعْصِيَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ المُفْسِدِينَ. السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ يَصِحُّ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخَذَ يَمْلَأُ فَمَهُ مِنَ الطِّينِ لِئَلّا يَتُوبَ غَضَبًا عَلَيْهِ ؟ والجَوابُ: الأقْرَبُ أنَّهُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ في تِلْكَ الحالَةِ إمّا أنْ يُقالَ التَّكْلِيفُ كانَ ثابِتًا أوْ ما كانَ ثابِتًا، فَإنْ كانَ ثابِتًا لَمْ يَجُزْ عَلى جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَمْنَعَهُ مِنَ التَّوْبَةِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُعِينَهُ عَلى التَّوْبَةِ وعَلى كُلِّ طاعَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [المائدة: ٢] وأيْضًا فَلَوْ مَنَعَهُ بِما ذَكَرُوهُ لَكانَتِ التَّوْبَةُ مُمْكِنَةً؛ لِأنَّ الأخْرَسَ قَدْ يَتُوبُ بِأنْ يَنْدَمَ بِقَلْبِهِ ويَعْزِمَ عَلى تَرْكِ مُعاوَدَةِ القَبِيحِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِما فَعَلَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فائِدَةٌ، وأيْضًا لَوْ مَنَعَهُ مِنَ التَّوْبَةِ لَكانَ قَدْ رَضِيَ بِبَقائِهِ عَلى الكُفْرِ، والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ، وأيْضًا فَكَيْفَ يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَقُولَ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] ثُمَّ يَأْمُرُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الإيمانِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا يُبْطِلُهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] وقَوْلُهُ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وأمّا إنْ قِيلَ: إنِ التَّكْلِيفَ كانَ زائِلًا عَنْ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِهَذا الفِعْلِ الَّذِي نُسِبَ جِبْرِيلُ إلَيْهِ فائِدَةٌ أصْلًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ نُلْقِيكَ بِنَجْوَةٍ مِنَ صفحة ١٢٦ الأرْضِ، وهي المَكانُ المُرْتَفِعُ. الثّانِي: نُخْرِجُكَ مِنَ البَحْرِ ونُخَلِّصُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِن قَعْرِ البَحْرِ، ولَكِنْ بَعْدَ أنْ تَغْرَقَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ في الحالِ الَّتِي أنْتَ فِيهِ حِينَئِذٍ لا رُوحَ فِيكَ. الثّالِثُ: أنَّ هَذا وعْدٌ لَهُ بِالنَّجاةِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ نُنَجِّيكَ لَكِنَّ هَذِهِ النَّجاةَ إنَّما تَحْصُلُ لِبَدَنِكَ لا لِرُوحِكَ، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ قَدْ يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما يُقالُ: نُعْتِقُكَ ولَكِنْ بَعْدَ المَوْتِ، ونُخَلِّصُكَ مِنَ السِّجْنِ ولَكِنْ بَعْدَ أنْ تَمُوتَ. الرّابِعُ: قَرَأ بَعْضُهم ”نُنَحِّيكَ“ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، أيْ نُلْقِيكَ بِناحِيَةٍ مِمّا يَلِي البَحْرَ، وذَلِكَ أنَّهُ طُرِحَ بَعْدَ الغَرَقِ بِجانِبٍ مِن جَوانِبِ البَحْرِ. قالَ كَعْبٌ: رَماهُ الماءُ إلى السّاحِلِ كَأنَّهُ ثَوْرٌ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ في الحالِ الَّتِي كُنْتَ بَدَنًا مَحْضًا مِن غَيْرِ رُوحٍ. الثّانِي: المُرادُ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ كامِلًا سَوِيًّا لَمْ تَتَغَيَّرْ. الثّالِثُ: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ نُخْرِجُكَ مِنَ البَحْرِ عُرْيانًا مِن غَيْرِ لِباسٍ. الرّابِعُ: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ بِدِرْعِكَ. قالَ اللَّيْثُ: البَدَنُ هو الدِّرْعُ الَّذِي يَكُونُ قَصِيرَ الكُمَّيْنِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أيْ بِدِرْعِكَ، وهَذا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ عَلَيْهِ دِرْعٌ مِن ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِها، فَأخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الماءِ مَعَ ذَلِكَ الدِّرْعِ لِيُعْرَفَ. أقُولُ: إنْ صَحَّ هَذا فَقَدْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْمًا مِمَّنِ اعْتَقَدُوا فِيهِ الإلَهِيَّةَ لَمّا لَمْ يُشاهِدُوا غَرَقَهُ كَذَّبُوا بِذَلِكَ وزَعَمُوا أنَّ مِثْلَهُ لا يَمُوتُ، فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ بِأنْ أخْرَجَهُ مِنَ الماءِ بِصُورَتِهِ حَتّى شاهَدُوهُ وزالَتِ الشُّبْهَةُ عَنْ قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ كانَ مَطْرَحُهُ عَلى مَمَرِّ بَنِي إسْرائِيلَ. الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُشاهِدَهُ الخَلْقُ عَلى ذَلِكَ الذُّلِّ والمَهانَةِ بَعْدَما سَمِعُوا مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لِلْخَلْقِ عَنْ مِثْلِ طَرِيقَتِهِ، ويَعْرِفُوا أنَّهُ كانَ بِالأمْسِ في نِهايَةِ الجَلالَةِ والعَظَمَةِ ثُمَّ آلَ أمْرُهُ إلى ما يَرَوْنَ. الثّالِثُ: قَرَأ بَعْضُهم ”لِمَن خَلَقَكَ“ بِالقافِ، أيْ لِتَكُونَ لِخالِقِكَ آيَةً كَسائِرِ آياتِهِ. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أغْرَقَهُ مَعَ جَمِيعِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ما أخْرَجَ أحَدًا مِنهم مِن قَعْرِ البَحْرِ، بَلْ خَصَّهُ بِالإخْراجِ كانَ تَخْصِيصُهُ بِهَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ دالًّا عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى صِدْقِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دَعْوى النُّبُوَّةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ فالأظْهَرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ وذَكَرَ حالَ عاقِبَةِ فِرْعَوْنَ وخَتَمَ ذَلِكَ بِهَذا الكَلامِ، وخاطَبَ بِهِ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَيَكُونُ ذَلِكَ زاجِرًا لِأُمَّتِهِ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الدَّلائِلِ، وباعِثًا لَهم عَلى التَّأمُّلِ فِيها والِاعْتِبارِ بِها، فَإنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القَصَصِ حُصُولُ الِاعْتِبارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١] .

يونس 10:91

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ دُعاءَهُما أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ في الوَقْتِ المَعْلُومِ، ويَسَّرَ لَهم أسْبابَهُ، وفِرْعَوْنُ كانَ غافِلًا عَنْ ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ أنَّهم خَرَجُوا وعَزَمُوا عَلى مُفارَقَةِ مَمْلَكَتِهِ خَرَجَ عَلى عَقِبِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ أيْ لَحِقَهم، يُقالُ: أتْبَعَهُ حَتّى لَحِقَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغْيًا وعَدْوًا﴾ البَغْيُ طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والعَدْوُ الظُّلْمُ، رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مَعَ قَوْمِهِ وصَلُوا إلى طَرَفِ البَحْرِ، وقَرُبَ فِرْعَوْنُ مَعَ عَسْكَرِهِ مِنهم، فَوَقَعُوا في خَوْفٍ شَدِيدٍ، لِأنَّهم صارُوا بَيْنَ بَحْرٍ مُغْرِقٍ وجُنْدٍ مُهْلِكٍ، فَأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ أظْهَرَ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ بِتَمامِها في سائِرِ السُّوَرِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ أصْحابِهِ دَخَلُوا وخَرَجُوا وأبْقى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الطَّرِيقَ يَبْسًا، لِيَطْمَعَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ في التَّمَكُّنِ مِنَ العُبُورِ، فَلَمّا دَخَلَ مَعَ جَمْعِهِ أغْرَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ أوْصَلَ أجْزاءَ الماءِ بِبَعْضِها وأزالَ الفَلْقَ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ وبَيَّنَ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ البَغْيِ وهي مَحَبَّةُ الإفْراطِ في قَتْلِهِمْ وظُلْمِهِمْ، والعَدْوِ وهو تَجاوُزُ الحَدِّ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ أظْهَرَ كَلِمَةَ الإخْلاصِ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يُنْجِيهِ مِن تِلْكَ الآفاتِ، وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ إذا وقَعَ في الغَرَقِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَلَفَّظَ بِهَذا اللَّفْظِ، فَكَيْفَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ ؟ صفحة ١٢٤ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الكَلامَ الحَقِيقِيَّ هو كَلامُ النَّفْسِ لا كَلامُ اللِّسانِ، فَهو إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ بِالنَّفْسِ، لا بِكَلامِ اللِّسانِ، ويُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ كَلامِ النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ هَذا الكَلامَ، وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ ما قالَهُ بِاللِّسانِ، فَوَجَبَ الِاعْتِرافُ بِثُبُوتِ كَلامٍ غَيْرِ كَلامِ اللِّسانِ وهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الغَرَقِ مُقَدِّماتِهِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ آمَنَ ثَلاثَ مَرّاتٍ: أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُ﴾ . وثانِيها قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ . وثالِثُها قَوْلُهُ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ . فَما السَّبَبُ في عَدَمِ القَبُولِ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنْ أنْ يَلْحَقَهُ غَيْظٌ وحِقْدٌ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ لِأجْلِ ذَلِكَ الحِقْدِ لَمْ يَقْبَلْ مِنهُ هَذا الإقْرارَ ؟ والجَوابُ: العُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ إنَّما آمَنَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، والإيمانُ في هَذا الوَقْتِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ يَصِيرُ الحالُ وقْتَ الإلْجاءِ، وفي هَذا الحالِ لا تَكُونُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ . [غافر: ٨٥] الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِيَتَوَسَّلَ بِها إلى دَفْعِ تِلْكَ البَلِيَّةِ الحاضِرَةِ والمِحْنَةِ النّاجِزَةِ، فَما كانَ مَقْصُودُهُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ الإقْرارَ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، والِاعْتِرافَ بِعِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَما كانَ ذِكْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ما كانَ مَقْبُولًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: هو أنَّ ذَلِكَ الإقْرارَ كانَ مَبْنِيًّا عَلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ فَكَأنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ اللَّهَ، إلّا أنَّهُ سَمِعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا، فَهو أقَرَّ بِذَلِكَ الإلَهِ الَّذِي سَمِعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم أقَرُّوا بِوُجُودِهِ، فَكانَ هَذا مَحْضَ التَّقْلِيدِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ تَصِرِ الكَلِمَةُ مَقْبُولَةً مِنهُ، ومَزِيدُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى ما بَيَّناهُ في سُورَةِ ”طه“ كانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ، وكانَ مِنَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ الصّانِعِ تَعالى، ومِثْلُ هَذا الِاعْتِقادِ الفاحِشِ لا تَزُولُ ظُلْمَتُهُ، إلّا بِنُورِ الحُجَجِ القَطْعِيَّةِ، والدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ، وأمّا بِالتَّقْلِيدِ المَحْضِ فَهو لا يُفِيدُ، لِأنَّهُ يَكُونُ ضَمًّا لِظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ إلى ظُلْمَةِ الجَهْلِ السّابِقِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ بَعْضَ أقْوامٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا جاوَزُوا البَحْرَ اشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ، فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ انْصَرَفَ ذَلِكَ إلى العِجْلِ الَّذِي آمَنُوا بِعِبادَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَكانَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في حَقِّهِ سَبَبًا لِزِيادَةِ الكُفْرِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ اليَهُودَ كانَتْ قُلُوبُهم مائِلَةً إلى التَّشْبِيهِ والتَّجْسِيمِ، ولِهَذا السَّبَبِ اشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ لِظَنِّهِمْ أنَّهُ تَعالى حَلَّ في جَسَدِ ذَلِكَ العِجْلِ ونَزَلَ فِيهِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وقالَ فِرْعَوْنُ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ فَكَأنَّهُ آمَنَ بِالإلَهِ المَوْصُوفِ بِالجِسْمِيَّةِ والحُلُولِ والنُّزُولِ، وكُلُّ مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ كانَ كافِرًا؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ما صَحَّ إيمانُ فِرْعَوْنَ. الوَجْهُ السّادِسُ: لَعَلَّ الإيمانَ إنَّما كانَ يَتِمُّ بِالإقْرارِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَهَهُنا لَمّا أقَرَّ فِرْعَوْنُ بِالوَحْدانِيَّةِ ولَمْ يُقِرَّ بِالنُّبُوَّةِ لا جَرَمَ لَمْ يَصِحَّ إيمانُهُ. ونَظِيرُهُ أنَّ الواحِدَ مِنَ الكُفّارِ صفحة ١٢٥ لَوْ قالَ ألْفَ مَرَّةٍ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ إيمانُهُ إلّا إذا قالَ مَعَهُ: وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ السّابِعُ: رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى فِرْعَوْنَ بِفُتْيا فِيها ما قَوْلُ الأمِيرِ في عَبْدٍ نَشَأ في مالِ مَوْلاهُ ونِعْمَتِهِ، فَكَفَرَ نِعْمَتَهُ وجَحَدَ حَقَّهُ، وادَّعى السِّيادَةَ دُونَهُ، فَكَتَبَ فِرْعَوْنُ فِيها - يَقُولُ أبُو العَبّاسِ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ -: جَزاءُ العَبْدِ الخارِجِ عَلى سَيِّدِهِ الكافِرِ بِنِعْمَتِهِ أنْ يَغْرَقَ في البَحْرِ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا غَرِقَ رَفَعَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فُتْياهُ إلَيْهِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: مَنِ القائِلُ لَهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ . الجَوابُ: الأخْبارُ دالَّةٌ عَلى أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو جِبْرِيلُ، وإنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَهُ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ وهَذا الكَلامُ لَيْسَ إلّا كَلامَ اللَّهِ تَعالى. السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ لِلْمَعْصِيَةِ المُتَقَدِّمَةِ والفَسادِ السّابِقِ، وصِحَّةُ هَذا التَّعْلِيلِ لا تَمْنَعُ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ. والجَوابُ: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا، وأحَدُ دَلائِلِهِمْ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ. وأيْضًا فالتَّعْلِيلُ ما وقَعَ بِمُجَرَّدِ المَعْصِيَةِ السّابِقَةِ، بَلْ بِتِلْكَ المَعْصِيَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ المُفْسِدِينَ. السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ يَصِحُّ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخَذَ يَمْلَأُ فَمَهُ مِنَ الطِّينِ لِئَلّا يَتُوبَ غَضَبًا عَلَيْهِ ؟ والجَوابُ: الأقْرَبُ أنَّهُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ في تِلْكَ الحالَةِ إمّا أنْ يُقالَ التَّكْلِيفُ كانَ ثابِتًا أوْ ما كانَ ثابِتًا، فَإنْ كانَ ثابِتًا لَمْ يَجُزْ عَلى جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَمْنَعَهُ مِنَ التَّوْبَةِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُعِينَهُ عَلى التَّوْبَةِ وعَلى كُلِّ طاعَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [المائدة: ٢] وأيْضًا فَلَوْ مَنَعَهُ بِما ذَكَرُوهُ لَكانَتِ التَّوْبَةُ مُمْكِنَةً؛ لِأنَّ الأخْرَسَ قَدْ يَتُوبُ بِأنْ يَنْدَمَ بِقَلْبِهِ ويَعْزِمَ عَلى تَرْكِ مُعاوَدَةِ القَبِيحِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِما فَعَلَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فائِدَةٌ، وأيْضًا لَوْ مَنَعَهُ مِنَ التَّوْبَةِ لَكانَ قَدْ رَضِيَ بِبَقائِهِ عَلى الكُفْرِ، والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ، وأيْضًا فَكَيْفَ يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَقُولَ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] ثُمَّ يَأْمُرُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الإيمانِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا يُبْطِلُهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] وقَوْلُهُ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وأمّا إنْ قِيلَ: إنِ التَّكْلِيفَ كانَ زائِلًا عَنْ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِهَذا الفِعْلِ الَّذِي نُسِبَ جِبْرِيلُ إلَيْهِ فائِدَةٌ أصْلًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ نُلْقِيكَ بِنَجْوَةٍ مِنَ صفحة ١٢٦ الأرْضِ، وهي المَكانُ المُرْتَفِعُ. الثّانِي: نُخْرِجُكَ مِنَ البَحْرِ ونُخَلِّصُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِن قَعْرِ البَحْرِ، ولَكِنْ بَعْدَ أنْ تَغْرَقَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ في الحالِ الَّتِي أنْتَ فِيهِ حِينَئِذٍ لا رُوحَ فِيكَ. الثّالِثُ: أنَّ هَذا وعْدٌ لَهُ بِالنَّجاةِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ نُنَجِّيكَ لَكِنَّ هَذِهِ النَّجاةَ إنَّما تَحْصُلُ لِبَدَنِكَ لا لِرُوحِكَ، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ قَدْ يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما يُقالُ: نُعْتِقُكَ ولَكِنْ بَعْدَ المَوْتِ، ونُخَلِّصُكَ مِنَ السِّجْنِ ولَكِنْ بَعْدَ أنْ تَمُوتَ. الرّابِعُ: قَرَأ بَعْضُهم ”نُنَحِّيكَ“ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، أيْ نُلْقِيكَ بِناحِيَةٍ مِمّا يَلِي البَحْرَ، وذَلِكَ أنَّهُ طُرِحَ بَعْدَ الغَرَقِ بِجانِبٍ مِن جَوانِبِ البَحْرِ. قالَ كَعْبٌ: رَماهُ الماءُ إلى السّاحِلِ كَأنَّهُ ثَوْرٌ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ في الحالِ الَّتِي كُنْتَ بَدَنًا مَحْضًا مِن غَيْرِ رُوحٍ. الثّانِي: المُرادُ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ كامِلًا سَوِيًّا لَمْ تَتَغَيَّرْ. الثّالِثُ: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ نُخْرِجُكَ مِنَ البَحْرِ عُرْيانًا مِن غَيْرِ لِباسٍ. الرّابِعُ: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ بِدِرْعِكَ. قالَ اللَّيْثُ: البَدَنُ هو الدِّرْعُ الَّذِي يَكُونُ قَصِيرَ الكُمَّيْنِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أيْ بِدِرْعِكَ، وهَذا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ عَلَيْهِ دِرْعٌ مِن ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِها، فَأخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الماءِ مَعَ ذَلِكَ الدِّرْعِ لِيُعْرَفَ. أقُولُ: إنْ صَحَّ هَذا فَقَدْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْمًا مِمَّنِ اعْتَقَدُوا فِيهِ الإلَهِيَّةَ لَمّا لَمْ يُشاهِدُوا غَرَقَهُ كَذَّبُوا بِذَلِكَ وزَعَمُوا أنَّ مِثْلَهُ لا يَمُوتُ، فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ بِأنْ أخْرَجَهُ مِنَ الماءِ بِصُورَتِهِ حَتّى شاهَدُوهُ وزالَتِ الشُّبْهَةُ عَنْ قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ كانَ مَطْرَحُهُ عَلى مَمَرِّ بَنِي إسْرائِيلَ. الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُشاهِدَهُ الخَلْقُ عَلى ذَلِكَ الذُّلِّ والمَهانَةِ بَعْدَما سَمِعُوا مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لِلْخَلْقِ عَنْ مِثْلِ طَرِيقَتِهِ، ويَعْرِفُوا أنَّهُ كانَ بِالأمْسِ في نِهايَةِ الجَلالَةِ والعَظَمَةِ ثُمَّ آلَ أمْرُهُ إلى ما يَرَوْنَ. الثّالِثُ: قَرَأ بَعْضُهم ”لِمَن خَلَقَكَ“ بِالقافِ، أيْ لِتَكُونَ لِخالِقِكَ آيَةً كَسائِرِ آياتِهِ. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أغْرَقَهُ مَعَ جَمِيعِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ما أخْرَجَ أحَدًا مِنهم مِن قَعْرِ البَحْرِ، بَلْ خَصَّهُ بِالإخْراجِ كانَ تَخْصِيصُهُ بِهَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ دالًّا عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى صِدْقِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دَعْوى النُّبُوَّةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ فالأظْهَرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ وذَكَرَ حالَ عاقِبَةِ فِرْعَوْنَ وخَتَمَ ذَلِكَ بِهَذا الكَلامِ، وخاطَبَ بِهِ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَيَكُونُ ذَلِكَ زاجِرًا لِأُمَّتِهِ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الدَّلائِلِ، وباعِثًا لَهم عَلى التَّأمُّلِ فِيها والِاعْتِبارِ بِها، فَإنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القَصَصِ حُصُولُ الِاعْتِبارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١] .

يونس 10:92

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ دُعاءَهُما أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ في الوَقْتِ المَعْلُومِ، ويَسَّرَ لَهم أسْبابَهُ، وفِرْعَوْنُ كانَ غافِلًا عَنْ ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ أنَّهم خَرَجُوا وعَزَمُوا عَلى مُفارَقَةِ مَمْلَكَتِهِ خَرَجَ عَلى عَقِبِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ أيْ لَحِقَهم، يُقالُ: أتْبَعَهُ حَتّى لَحِقَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿بَغْيًا وعَدْوًا﴾ البَغْيُ طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والعَدْوُ الظُّلْمُ، رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مَعَ قَوْمِهِ وصَلُوا إلى طَرَفِ البَحْرِ، وقَرُبَ فِرْعَوْنُ مَعَ عَسْكَرِهِ مِنهم، فَوَقَعُوا في خَوْفٍ شَدِيدٍ، لِأنَّهم صارُوا بَيْنَ بَحْرٍ مُغْرِقٍ وجُنْدٍ مُهْلِكٍ، فَأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ أظْهَرَ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ بِتَمامِها في سائِرِ السُّوَرِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ أصْحابِهِ دَخَلُوا وخَرَجُوا وأبْقى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الطَّرِيقَ يَبْسًا، لِيَطْمَعَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ في التَّمَكُّنِ مِنَ العُبُورِ، فَلَمّا دَخَلَ مَعَ جَمْعِهِ أغْرَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ أوْصَلَ أجْزاءَ الماءِ بِبَعْضِها وأزالَ الفَلْقَ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ وبَيَّنَ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ البَغْيِ وهي مَحَبَّةُ الإفْراطِ في قَتْلِهِمْ وظُلْمِهِمْ، والعَدْوِ وهو تَجاوُزُ الحَدِّ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ أظْهَرَ كَلِمَةَ الإخْلاصِ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يُنْجِيهِ مِن تِلْكَ الآفاتِ، وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ إذا وقَعَ في الغَرَقِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَلَفَّظَ بِهَذا اللَّفْظِ، فَكَيْفَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ ؟ صفحة ١٢٤ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الكَلامَ الحَقِيقِيَّ هو كَلامُ النَّفْسِ لا كَلامُ اللِّسانِ، فَهو إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ بِالنَّفْسِ، لا بِكَلامِ اللِّسانِ، ويُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ كَلامِ النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ هَذا الكَلامَ، وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ ما قالَهُ بِاللِّسانِ، فَوَجَبَ الِاعْتِرافُ بِثُبُوتِ كَلامٍ غَيْرِ كَلامِ اللِّسانِ وهو المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الغَرَقِ مُقَدِّماتِهِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ آمَنَ ثَلاثَ مَرّاتٍ: أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُ﴾ . وثانِيها قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ . وثالِثُها قَوْلُهُ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ . فَما السَّبَبُ في عَدَمِ القَبُولِ، واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنْ أنْ يَلْحَقَهُ غَيْظٌ وحِقْدٌ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ لِأجْلِ ذَلِكَ الحِقْدِ لَمْ يَقْبَلْ مِنهُ هَذا الإقْرارَ ؟ والجَوابُ: العُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ إنَّما آمَنَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، والإيمانُ في هَذا الوَقْتِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ يَصِيرُ الحالُ وقْتَ الإلْجاءِ، وفي هَذا الحالِ لا تَكُونُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ . [غافر: ٨٥] الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِيَتَوَسَّلَ بِها إلى دَفْعِ تِلْكَ البَلِيَّةِ الحاضِرَةِ والمِحْنَةِ النّاجِزَةِ، فَما كانَ مَقْصُودُهُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ الإقْرارَ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، والِاعْتِرافَ بِعِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَما كانَ ذِكْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ما كانَ مَقْبُولًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: هو أنَّ ذَلِكَ الإقْرارَ كانَ مَبْنِيًّا عَلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ فَكَأنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ اللَّهَ، إلّا أنَّهُ سَمِعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا، فَهو أقَرَّ بِذَلِكَ الإلَهِ الَّذِي سَمِعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم أقَرُّوا بِوُجُودِهِ، فَكانَ هَذا مَحْضَ التَّقْلِيدِ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ تَصِرِ الكَلِمَةُ مَقْبُولَةً مِنهُ، ومَزِيدُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ فِرْعَوْنَ عَلى ما بَيَّناهُ في سُورَةِ ”طه“ كانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ، وكانَ مِنَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ الصّانِعِ تَعالى، ومِثْلُ هَذا الِاعْتِقادِ الفاحِشِ لا تَزُولُ ظُلْمَتُهُ، إلّا بِنُورِ الحُجَجِ القَطْعِيَّةِ، والدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ، وأمّا بِالتَّقْلِيدِ المَحْضِ فَهو لا يُفِيدُ، لِأنَّهُ يَكُونُ ضَمًّا لِظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ إلى ظُلْمَةِ الجَهْلِ السّابِقِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ بَعْضَ أقْوامٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا جاوَزُوا البَحْرَ اشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ، فَلَمّا قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ انْصَرَفَ ذَلِكَ إلى العِجْلِ الَّذِي آمَنُوا بِعِبادَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَكانَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في حَقِّهِ سَبَبًا لِزِيادَةِ الكُفْرِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ اليَهُودَ كانَتْ قُلُوبُهم مائِلَةً إلى التَّشْبِيهِ والتَّجْسِيمِ، ولِهَذا السَّبَبِ اشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ العِجْلِ لِظَنِّهِمْ أنَّهُ تَعالى حَلَّ في جَسَدِ ذَلِكَ العِجْلِ ونَزَلَ فِيهِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وقالَ فِرْعَوْنُ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ فَكَأنَّهُ آمَنَ بِالإلَهِ المَوْصُوفِ بِالجِسْمِيَّةِ والحُلُولِ والنُّزُولِ، وكُلُّ مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ كانَ كافِرًا؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ما صَحَّ إيمانُ فِرْعَوْنَ. الوَجْهُ السّادِسُ: لَعَلَّ الإيمانَ إنَّما كانَ يَتِمُّ بِالإقْرارِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، والإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَهَهُنا لَمّا أقَرَّ فِرْعَوْنُ بِالوَحْدانِيَّةِ ولَمْ يُقِرَّ بِالنُّبُوَّةِ لا جَرَمَ لَمْ يَصِحَّ إيمانُهُ. ونَظِيرُهُ أنَّ الواحِدَ مِنَ الكُفّارِ صفحة ١٢٥ لَوْ قالَ ألْفَ مَرَّةٍ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ إيمانُهُ إلّا إذا قالَ مَعَهُ: وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ السّابِعُ: رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى فِرْعَوْنَ بِفُتْيا فِيها ما قَوْلُ الأمِيرِ في عَبْدٍ نَشَأ في مالِ مَوْلاهُ ونِعْمَتِهِ، فَكَفَرَ نِعْمَتَهُ وجَحَدَ حَقَّهُ، وادَّعى السِّيادَةَ دُونَهُ، فَكَتَبَ فِرْعَوْنُ فِيها - يَقُولُ أبُو العَبّاسِ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ -: جَزاءُ العَبْدِ الخارِجِ عَلى سَيِّدِهِ الكافِرِ بِنِعْمَتِهِ أنْ يَغْرَقَ في البَحْرِ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا غَرِقَ رَفَعَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فُتْياهُ إلَيْهِ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: مَنِ القائِلُ لَهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ . الجَوابُ: الأخْبارُ دالَّةٌ عَلى أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو جِبْرِيلُ، وإنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَهُ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ وهَذا الكَلامُ لَيْسَ إلّا كَلامَ اللَّهِ تَعالى. السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ لِلْمَعْصِيَةِ المُتَقَدِّمَةِ والفَسادِ السّابِقِ، وصِحَّةُ هَذا التَّعْلِيلِ لا تَمْنَعُ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ. والجَوابُ: مَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا، وأحَدُ دَلائِلِهِمْ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ. وأيْضًا فالتَّعْلِيلُ ما وقَعَ بِمُجَرَّدِ المَعْصِيَةِ السّابِقَةِ، بَلْ بِتِلْكَ المَعْصِيَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ المُفْسِدِينَ. السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ يَصِحُّ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخَذَ يَمْلَأُ فَمَهُ مِنَ الطِّينِ لِئَلّا يَتُوبَ غَضَبًا عَلَيْهِ ؟ والجَوابُ: الأقْرَبُ أنَّهُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ في تِلْكَ الحالَةِ إمّا أنْ يُقالَ التَّكْلِيفُ كانَ ثابِتًا أوْ ما كانَ ثابِتًا، فَإنْ كانَ ثابِتًا لَمْ يَجُزْ عَلى جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَمْنَعَهُ مِنَ التَّوْبَةِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُعِينَهُ عَلى التَّوْبَةِ وعَلى كُلِّ طاعَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [المائدة: ٢] وأيْضًا فَلَوْ مَنَعَهُ بِما ذَكَرُوهُ لَكانَتِ التَّوْبَةُ مُمْكِنَةً؛ لِأنَّ الأخْرَسَ قَدْ يَتُوبُ بِأنْ يَنْدَمَ بِقَلْبِهِ ويَعْزِمَ عَلى تَرْكِ مُعاوَدَةِ القَبِيحِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِما فَعَلَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فائِدَةٌ، وأيْضًا لَوْ مَنَعَهُ مِنَ التَّوْبَةِ لَكانَ قَدْ رَضِيَ بِبَقائِهِ عَلى الكُفْرِ، والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ، وأيْضًا فَكَيْفَ يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَقُولَ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] ثُمَّ يَأْمُرُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الإيمانِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا يُبْطِلُهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] وقَوْلُهُ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وأمّا إنْ قِيلَ: إنِ التَّكْلِيفَ كانَ زائِلًا عَنْ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِهَذا الفِعْلِ الَّذِي نُسِبَ جِبْرِيلُ إلَيْهِ فائِدَةٌ أصْلًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ نُلْقِيكَ بِنَجْوَةٍ مِنَ صفحة ١٢٦ الأرْضِ، وهي المَكانُ المُرْتَفِعُ. الثّانِي: نُخْرِجُكَ مِنَ البَحْرِ ونُخَلِّصُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِن قَعْرِ البَحْرِ، ولَكِنْ بَعْدَ أنْ تَغْرَقَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ في الحالِ الَّتِي أنْتَ فِيهِ حِينَئِذٍ لا رُوحَ فِيكَ. الثّالِثُ: أنَّ هَذا وعْدٌ لَهُ بِالنَّجاةِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ نُنَجِّيكَ لَكِنَّ هَذِهِ النَّجاةَ إنَّما تَحْصُلُ لِبَدَنِكَ لا لِرُوحِكَ، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ قَدْ يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما يُقالُ: نُعْتِقُكَ ولَكِنْ بَعْدَ المَوْتِ، ونُخَلِّصُكَ مِنَ السِّجْنِ ولَكِنْ بَعْدَ أنْ تَمُوتَ. الرّابِعُ: قَرَأ بَعْضُهم ”نُنَحِّيكَ“ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، أيْ نُلْقِيكَ بِناحِيَةٍ مِمّا يَلِي البَحْرَ، وذَلِكَ أنَّهُ طُرِحَ بَعْدَ الغَرَقِ بِجانِبٍ مِن جَوانِبِ البَحْرِ. قالَ كَعْبٌ: رَماهُ الماءُ إلى السّاحِلِ كَأنَّهُ ثَوْرٌ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ في الحالِ الَّتِي كُنْتَ بَدَنًا مَحْضًا مِن غَيْرِ رُوحٍ. الثّانِي: المُرادُ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ كامِلًا سَوِيًّا لَمْ تَتَغَيَّرْ. الثّالِثُ: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ نُخْرِجُكَ مِنَ البَحْرِ عُرْيانًا مِن غَيْرِ لِباسٍ. الرّابِعُ: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أيْ بِدِرْعِكَ. قالَ اللَّيْثُ: البَدَنُ هو الدِّرْعُ الَّذِي يَكُونُ قَصِيرَ الكُمَّيْنِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ أيْ بِدِرْعِكَ، وهَذا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ عَلَيْهِ دِرْعٌ مِن ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِها، فَأخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الماءِ مَعَ ذَلِكَ الدِّرْعِ لِيُعْرَفَ. أقُولُ: إنْ صَحَّ هَذا فَقَدْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْمًا مِمَّنِ اعْتَقَدُوا فِيهِ الإلَهِيَّةَ لَمّا لَمْ يُشاهِدُوا غَرَقَهُ كَذَّبُوا بِذَلِكَ وزَعَمُوا أنَّ مِثْلَهُ لا يَمُوتُ، فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ بِأنْ أخْرَجَهُ مِنَ الماءِ بِصُورَتِهِ حَتّى شاهَدُوهُ وزالَتِ الشُّبْهَةُ عَنْ قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ كانَ مَطْرَحُهُ عَلى مَمَرِّ بَنِي إسْرائِيلَ. الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُشاهِدَهُ الخَلْقُ عَلى ذَلِكَ الذُّلِّ والمَهانَةِ بَعْدَما سَمِعُوا مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لِلْخَلْقِ عَنْ مِثْلِ طَرِيقَتِهِ، ويَعْرِفُوا أنَّهُ كانَ بِالأمْسِ في نِهايَةِ الجَلالَةِ والعَظَمَةِ ثُمَّ آلَ أمْرُهُ إلى ما يَرَوْنَ. الثّالِثُ: قَرَأ بَعْضُهم ”لِمَن خَلَقَكَ“ بِالقافِ، أيْ لِتَكُونَ لِخالِقِكَ آيَةً كَسائِرِ آياتِهِ. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أغْرَقَهُ مَعَ جَمِيعِ قَوْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ما أخْرَجَ أحَدًا مِنهم مِن قَعْرِ البَحْرِ، بَلْ خَصَّهُ بِالإخْراجِ كانَ تَخْصِيصُهُ بِهَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ دالًّا عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى صِدْقِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دَعْوى النُّبُوَّةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ فالأظْهَرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ وذَكَرَ حالَ عاقِبَةِ فِرْعَوْنَ وخَتَمَ ذَلِكَ بِهَذا الكَلامِ، وخاطَبَ بِهِ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَيَكُونُ ذَلِكَ زاجِرًا لِأُمَّتِهِ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الدَّلائِلِ، وباعِثًا لَهم عَلى التَّأمُّلِ فِيها والِاعْتِبارِ بِها، فَإنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القَصَصِ حُصُولُ الِاعْتِبارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١] .

يونس 10:93

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ صفحة ١٢٧ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما وقَعَ عَلَيْهِ الخَتْمُ في واقِعَةِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، ذَكَرَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ ما وقَعَ عَلَيْهِ الخَتْمُ في أمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهَهُنا بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ أيْ أسْكَنّاهم مَكانَ صِدْقٍ أيْ مَكانًا مَحْمُودًا، وقَوْلُهُ: ﴿مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبَوَّأ صِدْقٍ مَصْدَرًا، أيْ بَوَّأْناهم تَبَوُّأ صِدْقٍ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى مَنزِلًا صالِحًا مَرْضِيًّا، وإنَّما وُصِفَ المُبَوَّأُ بِكَوْنِهِ صِدْقًا؛ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ أنَّها إذا مَدَحَتْ شَيْئًا أضافَتْهُ إلى الصِّدْقِ، تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ، وقَدَمُ صِدْقٍ، قالَ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ إذا كانَ كامِلًا في وقْتِهِ صالِحًا لِلْغَرَضِ المَطْلُوبِ مِنهُ، فَكُلُّ ما يُظَنُّ فِيهِ مِنَ الخَيْرِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَصْدُقَ ذَلِكَ الظَّنُّ. البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ بِبَنِي إسْرائِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ أهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَقَدْ قالَ بِهِ قَوْمٌ ودَلِيلُهم أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أحْوالِهِمْ أوْلى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ الشّامَ ومِصْرَ، وتِلْكَ البِلادُ فَإنَّها بِلادٌ كَثِيرَةُ الخِصْبِ، قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ تِلْكَ المَنافِعُ، وأيْضًا المُرادُ مِنها أنَّهُ تَعالى أوْرَثَ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعَ ما كانَ تَحْتَ أيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ مِنَ النّاطِقِ والصّامِتِ والحَرْثِ والنَّسْلِ، كَما قالَ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ . [الأعراف: ١٣٧] * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ والمُرادُ أنَّ قَوْمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَقُوا عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ ومَقالَةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ حَتّى قَرَءُوا التَّوْراةَ، فَحِينَئِذٍ تَنَبَّهُوا لِلْمَسائِلِ والمَطالِبِ ووَقَعَ الِاخْتِلافُ بَيْنَهم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الِاخْتِلافِ لا بُدَّ وأنْ يَبْقى في دارِ الدُّنْيا، وأنَّهُ تَعالى يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ. وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ المُرادَ بِبَنِي إسْرائِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَهَذا قالَ بِهِ قَوْمٌ عَظِيمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعٍ أنْزَلْناهم مَنزِلَ صِدْقٍ ما بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ، والمُرادُ ما في تِلْكَ البِلادِ مِنَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ الَّتِي لَيْسَ مِثْلُها طَيِّبًا في البِلادِ، ثُمَّ إنَّهم بَقُوا عَلى دِينِهِمْ، ولَمْ يَظْهَرْ فِيهِمُ الِاخْتِلافُ حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، والمُرادُ مِنَ العِلْمِ القُرْآنُ النّازِلُ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وإنَّما سَمّاهُ عِلْمًا؛ لِأنَّهُ سَبَبُ العِلْمِ، وتَسْمِيَةُ السَّبَبِ بِاسْمِ المُسَبِّبِ مَجازٌ مَشْهُورٌ. وفِي كَوْنِ القُرْآنِ سَبَبًا لِحُدُوثِ الِاخْتِلافِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُخْبِرُونَ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَفْتَخِرُونَ بِهِ عَلى سائِرِ النّاسِ، فَلَمّا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى كَذَّبُوهُ حَسَدًا وبَغْيًا وإيثارًا لِبَقاءِ الرِّياسَةِ وآمَنَ بِهِ طائِفَةٌ مِنهم، فَبِهَذا الطَّرِيقِ صارَ نُزُولُ القُرْآنِ سَبَبًا لِحُدُوثِ الِاخْتِلافِ فِيهِمْ. الثّانِي: أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ كُفّارًا مَحْضًا صفحة ١٢٨ بِالكُلِّيَّةِ وبَقُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فَآمَنَ قَوْمٌ وبَقِيَ أقْوامٌ آخَرُونَ عَلى كُفْرِهِمْ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الِاخْتِلافِ لا حِيلَةَ في إزالَتِهِ في دارِ الدُّنْيا، وأنَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ يَقْضِي بَيْنَهم، فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، والصِّدِّيقُ مِنَ الزِّنْدِيقِ.

يونس 10:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ اخْتِلافَهم عِنْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ أوْرَدَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُقَوِّي قَلْبَهُ في صِحَّةِ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: الشَّكُّ في وضْعِ اللُّغَةِ، ضَمُّ بَعْضِ الشَّيْءِ إلى بَعْضٍ، يُقالُ: شَكَّ الجَواهِرَ في العِقْدِ إذا ضَمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ. ويُقالُ: شَكَكْتُ الصَّيْدَ إذا رَمَيْتَهُ فَضَمَمْتُ يَدَهُ أوْ رِجْلَهُ إلى رِجْلِهِ، والشَّكائِكُ مِنَ الهَوادِجِ ما شُكَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ، والشِّكاكُ البُيُوتُ المُصْطَفَّةُ، والشَّكائِكُ الأدْعِياءُ؛ لِأنَّهم يَشُكُّونَ أنْفُسَهم إلى قَوْمٍ لَيْسُوا مِنهم، أيْ يَضُمُّونَ، وشَكَّ الرَّجُلُ في السِّلاحِ، إذا دَخَلَ فِيهِ وضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ وألْزَمَهُ إيّاها، فَإذا قالُوا: شَكَّ فُلانٌ في الأُمُورِ أرادُوا أنَّهُ وقَفَ نَفْسَهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَيَجُوزُ هَذا ويَجُوزُ هَذا، فَهو يَضُمُّ إلى ما يَتَوَهَّمُهُ شَيْئًا آخَرَ خِلافَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: في أنَّ المُخاطَبَ بِهَذا الخِطابِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: غَيْرُهُ. أمّا مَن قالَ بِالأوَّلِ فاخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الخِطابَ مَعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الظّاهِرِ، والمُرادُ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] وكَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] ومِنَ الأمْثِلَةِ المَشْهُورَةِ: إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] فَبَيَّنَ أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، هُمُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ صفحة ١٢٩ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ. الثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ لَوْ كانَ شاكًّا في نُبُوَّةِ نَفْسِهِ لَكانَ شَكُّ غَيْرِهِ في نُبُوَّتِهِ أوْلى، وهَذا يُوجِبُ سُقُوطَ الشَّرِيعَةِ بِالكُلِّيَّةِ. والثّالِثُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ شاكًّا في نُبُوَّةِ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَزُولُ ذَلِكَ الشَّكُّ بِأخْبارِ أهْلِ الكِتابِ عَنْ نُبُوَّتِهِ، مَعَ أنَّهم في الأكْثَرِ كُفّارٌ، وإنْ حَصَلَ فِيهِمْ مَن كانَ مُؤْمِنًا إلّا أنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لا سِيَّما وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ ما في أيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فالكُلُّ مُصَحَّفٌ مُحَرَّفٌ، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ هو أنَّ الخِطابَ، وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المُرادَ هو الأُمَّةُ، ومِثْلُ هَذا مُعْتادٌ؛ فَإنَّ السُّلْطانَ الكَبِيرَ إذا كانَ لَهُ أمِيرٌ، وكانَ تَحْتَ رايَةِ ذَلِكَ الأمِيرِ جَمْعٌ، فَإذا أرادَ أنْ يَأْمُرَ الرَّعِيَّةَ بِأمْرٍ مَخْصُوصٍ، فَإنَّهُ لا يُوَجِّهُ خِطابَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ يُوَجِّهُ ذَلِكَ الخِطابَ عَلى ذَلِكَ الأمِيرِ الَّذِي جَعَلَهُ أمِيرًا عَلَيْهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْوى تَأْثِيرًا في قُلُوبِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَشُكَّ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ مَتى سَمِعَ هَذا الكَلامَ، فَإنَّهُ يُصَرِّحُ ويَقُولُ: ”يا رَبِّ، لا أشُكُّ ولا أطْلُبُ الحُجَّةَ مِن قَوْلِ أهْلِ الكِتابِ، بَلْ يَكْفِينِي ما أنْزَلْتَهُ عَلَيَّ مِنَ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ“ . ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤٠] أنْ يُصَرِّحُوا بِالجَوابِ الحَقِّ ويَقُولُوا: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سَبَأٍ: ٤١] وكَما قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦]، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يُصَرِّحَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَراءَةِ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ الثّالِثُ: هو أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مِنَ البَشَرِ، وكانَ حُصُولُ الخَواطِرِ المُشَوَّشَةِ والأفْكارِ المُضْطَرِبَةِ في قَلْبِهِ مِنَ الجائِزاتِ، وتِلْكَ الخَواطِرُ لا تَنْدَفِعُ إلّا بِإيرادِ الدَّلائِلِ وتَقْرِيرِ البَيِّناتِ، فَهو تَعالى أنْزَلَ هَذا النَّوْعَ مِنَ التَّقْرِيراتِ حَتّى إنَّ بِسَبَبِها تَزُولُ عَنْ خاطِرِهِ تِلْكَ الوَساوِسُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢] . وأقُولُ: تَمامُ التَّقْرِيرِ في هَذا البابِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ فافْعَلْ كَذا وكَذا قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا إشْعارَ فِيها البَتَّةَ بِأنَّ الشَّرْطَ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ، ولا بِأنَّ الجَزاءَ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ، بَلْ لَيْسَ فِيها إلّا بَيانُ أنَّ ماهِيَّةَ ذَلِكَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِماهِيَّةِ ذَلِكَ الجَزاءِ فَقَطْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَهو كَلامٌ حَقٌّ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ كَوْنَ الخَمْسَةِ زَوْجًا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَها مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، ثُمَّ لا يَدُلُّ هَذا الكَلامُ عَلى أنَّ الخَمْسَةَ زَوْجٌ، ولا عَلى أنَّها مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، فَكَذا هَهُنا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ حَصَلَ هَذا الشَّكُّ لَكانَ الواجِبُ فِيهِ هو فِعْلَ كَذا وكَذا، فَأمّا أنَّ هَذا الشَّكَّ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، والفائِدَةُ في إنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الرَّسُولِ أنَّ تَكْثِيرَ الدَّلائِلِ وتَقْوِيَتَها مِمّا يَزِيدُ في قُوَّةِ اليَقِينِ وطُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ وسُكُونِ الصَّدْرِ، ولِهَذا السَّبَبِ أكْثَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ مِن تَقْرِيرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ. والوَجْهُ الرّابِعُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى أنْ تَقُولَ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ اسْتِمالَةُ قُلُوبِ الكُفّارِ وتَقْرِيبُهم مِن قَبُولِ الإيمانِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم طالَبُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وكَأنَّهُمُ اسْتَحْيَوْا مِن تِلْكَ المُعاوَداتِ والمُطالَباتِ، وذَلِكَ الِاسْتِحْياءُ صارَ مانِعًا لَهم عَنْ قَبُولِ الإيمانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ مِن نُبُوَّتِكَ فَتَمَسَّكْ بِالدَّلائِلِ القَلائِلِ، يَعْنِي أوْلى النّاسِ بِأنْ لا يَشُكَّ في نُبُوَّتِهِ هو نَفْسُهُ، ثُمَّ مَعَ هَذا إنْ طَلَبَ هو مِن نَفْسِهِ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّةِ نَفْسِهِ بَعْدَما سَبَقَ مِنَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ والبَيِّناتِ القاهِرَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ، صفحة ١٣٠ ولا يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ نُقْصانٌ، فَإذا لَمْ يُسْتَقْبَحْ مِنهُ ذَلِكَ في حَقِّ نَفْسِهِ فَلَأنْ لا يُسْتَقْبَحَ مِن غَيْرِهِ طَلَبُ الدَّلائِلِ كانَ أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الكَلامِ اسْتِمالَةُ القَوْمِ وإزالَةُ الحَياءِ عَنْهم في تَكْثِيرِ المُناظَراتِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّكَ لَسْتَ شاكًّا البَتَّةَ. ولَوْ كُنْتَ شاكًّا لَكانَ لَكَ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ في إزالَةِ ذَلِكَ الشَّكِّ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢] والمَعْنى أنَّهُ لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ المُمْتَنِعُ واقِعًا، لَزِمَ مِنهُ المُحالُ الفُلانِيُّ، فَكَذا هَهُنا. ولَوْ فَرَضْنا وُقُوعَ هَذا الشَّكِّ فارْجِعْ إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِتَعْرِفَ بِهِما أنَّ هَذا الشَّكَّ زائِلٌ وهَذِهِ الشُّبْهَةَ باطِلَةٌ. الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ اللَّهَ خاطَبَ الرَّسُولَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾، وهو شامِلٌ لِلْخَلْقِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطَّلاقِ: ١] قالَ: وهَذا أحْسَنُ الأقاوِيلِ، قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ مَتى كانَ الرَّسُولُ داخِلًا تَحْتَ هَذا الخِطابِ فَقَدْ عادَ السُّؤالُ، سَواءٌ أُرِيدَ مَعَهُ غَيْرُهُ أوْ لَمْ يُرَدْ، وإنْ جازَ أنْ يُرادَ هو مَعَ غَيْرِهِ فَما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُرادَ بِانْفِرادِهِ، كَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ. ثُمَّ قالَ: ومِثْلُ هَذا التَّأْوِيلِ يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ التَّحْصِيلِ. الوَجْهُ السّابِعُ: هو أنَّ لَفْظَ ”إنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ لِلنَّفْيِ؛ أيْ: ما كُنْتَ في شَكٍّ قَبْلُ، يَعْنِي لا نَأْمُرُكَ بِالسُّؤالِ؛ لِأنَّكَ شاكٌّ، لَكِنْ لِتَزْدادَ يَقِينًا كَما ازْدادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُعايَنَةِ إحْياءِ المَوْتى يَقِينًا. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي - وهو أنْ يُقالَ هَذا الخِطابُ لَيْسَ مَعَ الرَّسُولِ - فَتَقْرِيرُهُ أنَّ النّاسَ في زَمانِهِ كانُوا فِرَقًا ثَلاثَةً؛ المُصَدِّقُونَ بِهِ، والمُكَذِّبُونَ لَهُ، والمُتَوَقِّفُونَ في أمْرِهِ الشّاكُّونَ فِيهِ، فَخاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الخِطابِ، فَقالَ: إنْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ مِنَ الهُدى عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ، فاسْألْ أهْلَ الكِتابِ لِيَدُلُّوكَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وإنَّما وحَّدَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وهو يُرِيدُ الجَمْعَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٦، ٧] و﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الِانْشِقاقِ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٩] ولَمْ يُرِدْ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، بَلِ المُرادُ هو الجَماعَةُ، فَكَذا هَهُنا، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَهم ما يُزِيلُ ذَلِكَ الشَّكَّ عَنْهم حَذَّرَهم مِن أنْ يُلْحَقُوا بِالقِسْمِ الثّانِي، وهُمُ المُكَذِّبُونَ، فَقالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَسْئُولَ مِنهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ﴾ مَن هم ؟ فَقالَ المُحَقِّقُونَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيا، وتَمِيمٍ الدّارِيِّ، وكَعْبِ الأحْبارِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُوثَقُ بِخَبَرِهِمْ، ومِنهم مَن قالَ: الكُلُّ؛ سَواءٌ كانُوا مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم إذا بَلَغُوا عَدَدَ التَّواتُرِ ثُمَّ قَرَءُوا آيَةً مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وتِلْكَ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى البِشارَةِ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ حَصَلَ الغَرَضُ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ مَذْهَبُكم أنَّ هَذِهِ الكُتُبَ قَدْ دَخَلَها التَّحْرِيفُ والتَّغْيِيرُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّعْوِيلُ عَلَيْها ؟ قُلْنا: إنَّهم إنَّما حَرَّفُوها بِسَبَبِ إخْفاءِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنْ بَقِيَتْ فِيها آياتٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ كانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّها لَمّا بَقِيَتْ مَعَ تَوَفُّرِ دَواعِيهِمْ عَلى إزالَتِها دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها كانَتْ في غايَةِ الظُّهُورِ، وإمّا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ صفحة ١٣١ السُّؤالِ مَعْرِفَةُ أيِّ الأشْياءِ، فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ القُرْآنُ ومَعْرِفَةُ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ رَجَعَ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [يُونُسَ: ٩٣] والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ هو الأهَمُّ، والحاجَةُ إلى مَعْرِفَتِهِ أتَمُّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذا الطَّرِيقَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: فاثْبُتْ ودُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنِ انْتِفاءِ المِرْيَةِ عَنْكَ، وانْتِفاءِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهْيِيجِ وإظْهارِ التَّشَدُّدِ؛ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ نُزُولِهِ: ”«لا أشُكُّ ولا أسْألُ، بَلْ أشْهَدُ أنَّهُ الحَقُّ» “ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ فِرَقَ المُكَلَّفِينَ ثَلاثَةٌ: إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِالرَّسُولِ، أوْ مِنَ المُتَوَقِّفِينَ في صِدْقِهِ، أوْ مِنَ المُكَذِّبِينَ، ولا شَكَّ أنَّ أمْرَ المُتَوَقِّفِ أسْهَلُ مِن أمْرِ المُكَذِّبِ، لا جَرَمَ قَدْ ذَكَرَ المُتَوَقِّفَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُكَذِّبِ، وبَيَّنَ أنَّهُ مِنَ الخاسِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا فَصَّلَ هَذا التَّفْصِيلَ، بَيَّنَ أنَّ لَهُ عِبادًا قَضى عَلَيْهِمْ بِالشَّقاءِ فَلا يَتَغَيَّرُونَ، وعِبادًا قَضى لَهم بِالكَرامَةِ، فَلا يَتَغَيَّرُونَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (كَلِماتُ) عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ: (كَلِمَةُ) عَلى لَفْظِ الواحِدِ، وأقُولُ: إنَّها (كَلِماتُ) بِحَسَبِ الكَثْرَةِ النَّوْعِيَّةِ أوِ الصِّنْفِيَّةِ، وكَلِمَةٌ واحِدَةٌ بِحَسَبِ الواحِدَةِ الجِنْسِيَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ حُكْمُ اللَّهِ بِذَلِكَ وإخْبارُهُ عَنْهُ، وخَلْقُهُ في العَبْدِ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ الَّذِي هو مُوجِبٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الأثَرِ، أمّا الحُكْمُ والإخْبارُ والعِلْمُ فَظاهِرٌ، وأمّا مَجْمُوعُ القُدْرَةِ والدّاعِي فَظاهِرٌ أيْضًا؛ لِأنَّ القُدْرَةَ لَمّا كانَتْ صالِحَةً لِلطَّرَفَيْنِ لَمْ يَتَرَجَّحْ أحَدُ الجانِبَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وعِنْدَ حُصُولِ هَذا المَجْمُوعِ يَجِبُ الفِعْلُ، وقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في إثْباتِ القَضاءِ اللّازِمِ والقَدْرِ الواجِبِ، وهو حَقٌّ وصِدْقٌ ولا مَحِيصَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ والمُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ، ولَوْ جاءَتْهُمُ الدَّلائِلُ الَّتِي لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلِيلَ لا يَهْدِي إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ الإعانَةُ ضاعَتْ تِلْكَ الدَّلائِلُ.

يونس 10:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ اخْتِلافَهم عِنْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ أوْرَدَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُقَوِّي قَلْبَهُ في صِحَّةِ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: الشَّكُّ في وضْعِ اللُّغَةِ، ضَمُّ بَعْضِ الشَّيْءِ إلى بَعْضٍ، يُقالُ: شَكَّ الجَواهِرَ في العِقْدِ إذا ضَمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ. ويُقالُ: شَكَكْتُ الصَّيْدَ إذا رَمَيْتَهُ فَضَمَمْتُ يَدَهُ أوْ رِجْلَهُ إلى رِجْلِهِ، والشَّكائِكُ مِنَ الهَوادِجِ ما شُكَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ، والشِّكاكُ البُيُوتُ المُصْطَفَّةُ، والشَّكائِكُ الأدْعِياءُ؛ لِأنَّهم يَشُكُّونَ أنْفُسَهم إلى قَوْمٍ لَيْسُوا مِنهم، أيْ يَضُمُّونَ، وشَكَّ الرَّجُلُ في السِّلاحِ، إذا دَخَلَ فِيهِ وضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ وألْزَمَهُ إيّاها، فَإذا قالُوا: شَكَّ فُلانٌ في الأُمُورِ أرادُوا أنَّهُ وقَفَ نَفْسَهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَيَجُوزُ هَذا ويَجُوزُ هَذا، فَهو يَضُمُّ إلى ما يَتَوَهَّمُهُ شَيْئًا آخَرَ خِلافَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: في أنَّ المُخاطَبَ بِهَذا الخِطابِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: غَيْرُهُ. أمّا مَن قالَ بِالأوَّلِ فاخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الخِطابَ مَعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الظّاهِرِ، والمُرادُ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] وكَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] ومِنَ الأمْثِلَةِ المَشْهُورَةِ: إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] فَبَيَّنَ أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، هُمُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ صفحة ١٢٩ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ. الثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ لَوْ كانَ شاكًّا في نُبُوَّةِ نَفْسِهِ لَكانَ شَكُّ غَيْرِهِ في نُبُوَّتِهِ أوْلى، وهَذا يُوجِبُ سُقُوطَ الشَّرِيعَةِ بِالكُلِّيَّةِ. والثّالِثُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ شاكًّا في نُبُوَّةِ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَزُولُ ذَلِكَ الشَّكُّ بِأخْبارِ أهْلِ الكِتابِ عَنْ نُبُوَّتِهِ، مَعَ أنَّهم في الأكْثَرِ كُفّارٌ، وإنْ حَصَلَ فِيهِمْ مَن كانَ مُؤْمِنًا إلّا أنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لا سِيَّما وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ ما في أيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فالكُلُّ مُصَحَّفٌ مُحَرَّفٌ، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ هو أنَّ الخِطابَ، وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المُرادَ هو الأُمَّةُ، ومِثْلُ هَذا مُعْتادٌ؛ فَإنَّ السُّلْطانَ الكَبِيرَ إذا كانَ لَهُ أمِيرٌ، وكانَ تَحْتَ رايَةِ ذَلِكَ الأمِيرِ جَمْعٌ، فَإذا أرادَ أنْ يَأْمُرَ الرَّعِيَّةَ بِأمْرٍ مَخْصُوصٍ، فَإنَّهُ لا يُوَجِّهُ خِطابَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ يُوَجِّهُ ذَلِكَ الخِطابَ عَلى ذَلِكَ الأمِيرِ الَّذِي جَعَلَهُ أمِيرًا عَلَيْهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْوى تَأْثِيرًا في قُلُوبِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَشُكَّ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ مَتى سَمِعَ هَذا الكَلامَ، فَإنَّهُ يُصَرِّحُ ويَقُولُ: ”يا رَبِّ، لا أشُكُّ ولا أطْلُبُ الحُجَّةَ مِن قَوْلِ أهْلِ الكِتابِ، بَلْ يَكْفِينِي ما أنْزَلْتَهُ عَلَيَّ مِنَ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ“ . ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤٠] أنْ يُصَرِّحُوا بِالجَوابِ الحَقِّ ويَقُولُوا: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سَبَأٍ: ٤١] وكَما قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦]، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يُصَرِّحَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَراءَةِ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ الثّالِثُ: هو أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مِنَ البَشَرِ، وكانَ حُصُولُ الخَواطِرِ المُشَوَّشَةِ والأفْكارِ المُضْطَرِبَةِ في قَلْبِهِ مِنَ الجائِزاتِ، وتِلْكَ الخَواطِرُ لا تَنْدَفِعُ إلّا بِإيرادِ الدَّلائِلِ وتَقْرِيرِ البَيِّناتِ، فَهو تَعالى أنْزَلَ هَذا النَّوْعَ مِنَ التَّقْرِيراتِ حَتّى إنَّ بِسَبَبِها تَزُولُ عَنْ خاطِرِهِ تِلْكَ الوَساوِسُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢] . وأقُولُ: تَمامُ التَّقْرِيرِ في هَذا البابِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ فافْعَلْ كَذا وكَذا قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا إشْعارَ فِيها البَتَّةَ بِأنَّ الشَّرْطَ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ، ولا بِأنَّ الجَزاءَ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ، بَلْ لَيْسَ فِيها إلّا بَيانُ أنَّ ماهِيَّةَ ذَلِكَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِماهِيَّةِ ذَلِكَ الجَزاءِ فَقَطْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَهو كَلامٌ حَقٌّ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ كَوْنَ الخَمْسَةِ زَوْجًا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَها مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، ثُمَّ لا يَدُلُّ هَذا الكَلامُ عَلى أنَّ الخَمْسَةَ زَوْجٌ، ولا عَلى أنَّها مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، فَكَذا هَهُنا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ حَصَلَ هَذا الشَّكُّ لَكانَ الواجِبُ فِيهِ هو فِعْلَ كَذا وكَذا، فَأمّا أنَّ هَذا الشَّكَّ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، والفائِدَةُ في إنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الرَّسُولِ أنَّ تَكْثِيرَ الدَّلائِلِ وتَقْوِيَتَها مِمّا يَزِيدُ في قُوَّةِ اليَقِينِ وطُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ وسُكُونِ الصَّدْرِ، ولِهَذا السَّبَبِ أكْثَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ مِن تَقْرِيرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ. والوَجْهُ الرّابِعُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى أنْ تَقُولَ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ اسْتِمالَةُ قُلُوبِ الكُفّارِ وتَقْرِيبُهم مِن قَبُولِ الإيمانِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم طالَبُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وكَأنَّهُمُ اسْتَحْيَوْا مِن تِلْكَ المُعاوَداتِ والمُطالَباتِ، وذَلِكَ الِاسْتِحْياءُ صارَ مانِعًا لَهم عَنْ قَبُولِ الإيمانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ مِن نُبُوَّتِكَ فَتَمَسَّكْ بِالدَّلائِلِ القَلائِلِ، يَعْنِي أوْلى النّاسِ بِأنْ لا يَشُكَّ في نُبُوَّتِهِ هو نَفْسُهُ، ثُمَّ مَعَ هَذا إنْ طَلَبَ هو مِن نَفْسِهِ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّةِ نَفْسِهِ بَعْدَما سَبَقَ مِنَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ والبَيِّناتِ القاهِرَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ، صفحة ١٣٠ ولا يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ نُقْصانٌ، فَإذا لَمْ يُسْتَقْبَحْ مِنهُ ذَلِكَ في حَقِّ نَفْسِهِ فَلَأنْ لا يُسْتَقْبَحَ مِن غَيْرِهِ طَلَبُ الدَّلائِلِ كانَ أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الكَلامِ اسْتِمالَةُ القَوْمِ وإزالَةُ الحَياءِ عَنْهم في تَكْثِيرِ المُناظَراتِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّكَ لَسْتَ شاكًّا البَتَّةَ. ولَوْ كُنْتَ شاكًّا لَكانَ لَكَ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ في إزالَةِ ذَلِكَ الشَّكِّ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢] والمَعْنى أنَّهُ لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ المُمْتَنِعُ واقِعًا، لَزِمَ مِنهُ المُحالُ الفُلانِيُّ، فَكَذا هَهُنا. ولَوْ فَرَضْنا وُقُوعَ هَذا الشَّكِّ فارْجِعْ إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِتَعْرِفَ بِهِما أنَّ هَذا الشَّكَّ زائِلٌ وهَذِهِ الشُّبْهَةَ باطِلَةٌ. الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ اللَّهَ خاطَبَ الرَّسُولَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾، وهو شامِلٌ لِلْخَلْقِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطَّلاقِ: ١] قالَ: وهَذا أحْسَنُ الأقاوِيلِ، قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ مَتى كانَ الرَّسُولُ داخِلًا تَحْتَ هَذا الخِطابِ فَقَدْ عادَ السُّؤالُ، سَواءٌ أُرِيدَ مَعَهُ غَيْرُهُ أوْ لَمْ يُرَدْ، وإنْ جازَ أنْ يُرادَ هو مَعَ غَيْرِهِ فَما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُرادَ بِانْفِرادِهِ، كَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ. ثُمَّ قالَ: ومِثْلُ هَذا التَّأْوِيلِ يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ التَّحْصِيلِ. الوَجْهُ السّابِعُ: هو أنَّ لَفْظَ ”إنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ لِلنَّفْيِ؛ أيْ: ما كُنْتَ في شَكٍّ قَبْلُ، يَعْنِي لا نَأْمُرُكَ بِالسُّؤالِ؛ لِأنَّكَ شاكٌّ، لَكِنْ لِتَزْدادَ يَقِينًا كَما ازْدادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُعايَنَةِ إحْياءِ المَوْتى يَقِينًا. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي - وهو أنْ يُقالَ هَذا الخِطابُ لَيْسَ مَعَ الرَّسُولِ - فَتَقْرِيرُهُ أنَّ النّاسَ في زَمانِهِ كانُوا فِرَقًا ثَلاثَةً؛ المُصَدِّقُونَ بِهِ، والمُكَذِّبُونَ لَهُ، والمُتَوَقِّفُونَ في أمْرِهِ الشّاكُّونَ فِيهِ، فَخاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الخِطابِ، فَقالَ: إنْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ مِنَ الهُدى عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ، فاسْألْ أهْلَ الكِتابِ لِيَدُلُّوكَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وإنَّما وحَّدَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وهو يُرِيدُ الجَمْعَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٦، ٧] و﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الِانْشِقاقِ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٩] ولَمْ يُرِدْ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، بَلِ المُرادُ هو الجَماعَةُ، فَكَذا هَهُنا، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَهم ما يُزِيلُ ذَلِكَ الشَّكَّ عَنْهم حَذَّرَهم مِن أنْ يُلْحَقُوا بِالقِسْمِ الثّانِي، وهُمُ المُكَذِّبُونَ، فَقالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَسْئُولَ مِنهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ﴾ مَن هم ؟ فَقالَ المُحَقِّقُونَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيا، وتَمِيمٍ الدّارِيِّ، وكَعْبِ الأحْبارِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُوثَقُ بِخَبَرِهِمْ، ومِنهم مَن قالَ: الكُلُّ؛ سَواءٌ كانُوا مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم إذا بَلَغُوا عَدَدَ التَّواتُرِ ثُمَّ قَرَءُوا آيَةً مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وتِلْكَ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى البِشارَةِ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ حَصَلَ الغَرَضُ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ مَذْهَبُكم أنَّ هَذِهِ الكُتُبَ قَدْ دَخَلَها التَّحْرِيفُ والتَّغْيِيرُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّعْوِيلُ عَلَيْها ؟ قُلْنا: إنَّهم إنَّما حَرَّفُوها بِسَبَبِ إخْفاءِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنْ بَقِيَتْ فِيها آياتٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ كانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّها لَمّا بَقِيَتْ مَعَ تَوَفُّرِ دَواعِيهِمْ عَلى إزالَتِها دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها كانَتْ في غايَةِ الظُّهُورِ، وإمّا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ صفحة ١٣١ السُّؤالِ مَعْرِفَةُ أيِّ الأشْياءِ، فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ القُرْآنُ ومَعْرِفَةُ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ رَجَعَ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [يُونُسَ: ٩٣] والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ هو الأهَمُّ، والحاجَةُ إلى مَعْرِفَتِهِ أتَمُّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذا الطَّرِيقَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: فاثْبُتْ ودُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنِ انْتِفاءِ المِرْيَةِ عَنْكَ، وانْتِفاءِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهْيِيجِ وإظْهارِ التَّشَدُّدِ؛ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ نُزُولِهِ: ”«لا أشُكُّ ولا أسْألُ، بَلْ أشْهَدُ أنَّهُ الحَقُّ» “ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ فِرَقَ المُكَلَّفِينَ ثَلاثَةٌ: إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِالرَّسُولِ، أوْ مِنَ المُتَوَقِّفِينَ في صِدْقِهِ، أوْ مِنَ المُكَذِّبِينَ، ولا شَكَّ أنَّ أمْرَ المُتَوَقِّفِ أسْهَلُ مِن أمْرِ المُكَذِّبِ، لا جَرَمَ قَدْ ذَكَرَ المُتَوَقِّفَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُكَذِّبِ، وبَيَّنَ أنَّهُ مِنَ الخاسِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا فَصَّلَ هَذا التَّفْصِيلَ، بَيَّنَ أنَّ لَهُ عِبادًا قَضى عَلَيْهِمْ بِالشَّقاءِ فَلا يَتَغَيَّرُونَ، وعِبادًا قَضى لَهم بِالكَرامَةِ، فَلا يَتَغَيَّرُونَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (كَلِماتُ) عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ: (كَلِمَةُ) عَلى لَفْظِ الواحِدِ، وأقُولُ: إنَّها (كَلِماتُ) بِحَسَبِ الكَثْرَةِ النَّوْعِيَّةِ أوِ الصِّنْفِيَّةِ، وكَلِمَةٌ واحِدَةٌ بِحَسَبِ الواحِدَةِ الجِنْسِيَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ حُكْمُ اللَّهِ بِذَلِكَ وإخْبارُهُ عَنْهُ، وخَلْقُهُ في العَبْدِ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ الَّذِي هو مُوجِبٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الأثَرِ، أمّا الحُكْمُ والإخْبارُ والعِلْمُ فَظاهِرٌ، وأمّا مَجْمُوعُ القُدْرَةِ والدّاعِي فَظاهِرٌ أيْضًا؛ لِأنَّ القُدْرَةَ لَمّا كانَتْ صالِحَةً لِلطَّرَفَيْنِ لَمْ يَتَرَجَّحْ أحَدُ الجانِبَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وعِنْدَ حُصُولِ هَذا المَجْمُوعِ يَجِبُ الفِعْلُ، وقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في إثْباتِ القَضاءِ اللّازِمِ والقَدْرِ الواجِبِ، وهو حَقٌّ وصِدْقٌ ولا مَحِيصَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ والمُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ، ولَوْ جاءَتْهُمُ الدَّلائِلُ الَّتِي لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلِيلَ لا يَهْدِي إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ الإعانَةُ ضاعَتْ تِلْكَ الدَّلائِلُ.

يونس 10:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ اخْتِلافَهم عِنْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ أوْرَدَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُقَوِّي قَلْبَهُ في صِحَّةِ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: الشَّكُّ في وضْعِ اللُّغَةِ، ضَمُّ بَعْضِ الشَّيْءِ إلى بَعْضٍ، يُقالُ: شَكَّ الجَواهِرَ في العِقْدِ إذا ضَمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ. ويُقالُ: شَكَكْتُ الصَّيْدَ إذا رَمَيْتَهُ فَضَمَمْتُ يَدَهُ أوْ رِجْلَهُ إلى رِجْلِهِ، والشَّكائِكُ مِنَ الهَوادِجِ ما شُكَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ، والشِّكاكُ البُيُوتُ المُصْطَفَّةُ، والشَّكائِكُ الأدْعِياءُ؛ لِأنَّهم يَشُكُّونَ أنْفُسَهم إلى قَوْمٍ لَيْسُوا مِنهم، أيْ يَضُمُّونَ، وشَكَّ الرَّجُلُ في السِّلاحِ، إذا دَخَلَ فِيهِ وضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ وألْزَمَهُ إيّاها، فَإذا قالُوا: شَكَّ فُلانٌ في الأُمُورِ أرادُوا أنَّهُ وقَفَ نَفْسَهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَيَجُوزُ هَذا ويَجُوزُ هَذا، فَهو يَضُمُّ إلى ما يَتَوَهَّمُهُ شَيْئًا آخَرَ خِلافَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: في أنَّ المُخاطَبَ بِهَذا الخِطابِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: غَيْرُهُ. أمّا مَن قالَ بِالأوَّلِ فاخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الخِطابَ مَعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الظّاهِرِ، والمُرادُ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] وكَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] ومِنَ الأمْثِلَةِ المَشْهُورَةِ: إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] فَبَيَّنَ أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، هُمُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ صفحة ١٢٩ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ. الثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ لَوْ كانَ شاكًّا في نُبُوَّةِ نَفْسِهِ لَكانَ شَكُّ غَيْرِهِ في نُبُوَّتِهِ أوْلى، وهَذا يُوجِبُ سُقُوطَ الشَّرِيعَةِ بِالكُلِّيَّةِ. والثّالِثُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ شاكًّا في نُبُوَّةِ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَزُولُ ذَلِكَ الشَّكُّ بِأخْبارِ أهْلِ الكِتابِ عَنْ نُبُوَّتِهِ، مَعَ أنَّهم في الأكْثَرِ كُفّارٌ، وإنْ حَصَلَ فِيهِمْ مَن كانَ مُؤْمِنًا إلّا أنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لا سِيَّما وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ ما في أيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فالكُلُّ مُصَحَّفٌ مُحَرَّفٌ، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ هو أنَّ الخِطابَ، وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المُرادَ هو الأُمَّةُ، ومِثْلُ هَذا مُعْتادٌ؛ فَإنَّ السُّلْطانَ الكَبِيرَ إذا كانَ لَهُ أمِيرٌ، وكانَ تَحْتَ رايَةِ ذَلِكَ الأمِيرِ جَمْعٌ، فَإذا أرادَ أنْ يَأْمُرَ الرَّعِيَّةَ بِأمْرٍ مَخْصُوصٍ، فَإنَّهُ لا يُوَجِّهُ خِطابَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ يُوَجِّهُ ذَلِكَ الخِطابَ عَلى ذَلِكَ الأمِيرِ الَّذِي جَعَلَهُ أمِيرًا عَلَيْهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْوى تَأْثِيرًا في قُلُوبِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَشُكَّ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ مَتى سَمِعَ هَذا الكَلامَ، فَإنَّهُ يُصَرِّحُ ويَقُولُ: ”يا رَبِّ، لا أشُكُّ ولا أطْلُبُ الحُجَّةَ مِن قَوْلِ أهْلِ الكِتابِ، بَلْ يَكْفِينِي ما أنْزَلْتَهُ عَلَيَّ مِنَ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ“ . ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤٠] أنْ يُصَرِّحُوا بِالجَوابِ الحَقِّ ويَقُولُوا: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سَبَأٍ: ٤١] وكَما قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦]، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يُصَرِّحَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَراءَةِ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ الثّالِثُ: هو أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مِنَ البَشَرِ، وكانَ حُصُولُ الخَواطِرِ المُشَوَّشَةِ والأفْكارِ المُضْطَرِبَةِ في قَلْبِهِ مِنَ الجائِزاتِ، وتِلْكَ الخَواطِرُ لا تَنْدَفِعُ إلّا بِإيرادِ الدَّلائِلِ وتَقْرِيرِ البَيِّناتِ، فَهو تَعالى أنْزَلَ هَذا النَّوْعَ مِنَ التَّقْرِيراتِ حَتّى إنَّ بِسَبَبِها تَزُولُ عَنْ خاطِرِهِ تِلْكَ الوَساوِسُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢] . وأقُولُ: تَمامُ التَّقْرِيرِ في هَذا البابِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ فافْعَلْ كَذا وكَذا قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا إشْعارَ فِيها البَتَّةَ بِأنَّ الشَّرْطَ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ، ولا بِأنَّ الجَزاءَ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ، بَلْ لَيْسَ فِيها إلّا بَيانُ أنَّ ماهِيَّةَ ذَلِكَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِماهِيَّةِ ذَلِكَ الجَزاءِ فَقَطْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَهو كَلامٌ حَقٌّ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ كَوْنَ الخَمْسَةِ زَوْجًا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَها مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، ثُمَّ لا يَدُلُّ هَذا الكَلامُ عَلى أنَّ الخَمْسَةَ زَوْجٌ، ولا عَلى أنَّها مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، فَكَذا هَهُنا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ حَصَلَ هَذا الشَّكُّ لَكانَ الواجِبُ فِيهِ هو فِعْلَ كَذا وكَذا، فَأمّا أنَّ هَذا الشَّكَّ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، والفائِدَةُ في إنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الرَّسُولِ أنَّ تَكْثِيرَ الدَّلائِلِ وتَقْوِيَتَها مِمّا يَزِيدُ في قُوَّةِ اليَقِينِ وطُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ وسُكُونِ الصَّدْرِ، ولِهَذا السَّبَبِ أكْثَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ مِن تَقْرِيرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ. والوَجْهُ الرّابِعُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى أنْ تَقُولَ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ اسْتِمالَةُ قُلُوبِ الكُفّارِ وتَقْرِيبُهم مِن قَبُولِ الإيمانِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم طالَبُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وكَأنَّهُمُ اسْتَحْيَوْا مِن تِلْكَ المُعاوَداتِ والمُطالَباتِ، وذَلِكَ الِاسْتِحْياءُ صارَ مانِعًا لَهم عَنْ قَبُولِ الإيمانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ مِن نُبُوَّتِكَ فَتَمَسَّكْ بِالدَّلائِلِ القَلائِلِ، يَعْنِي أوْلى النّاسِ بِأنْ لا يَشُكَّ في نُبُوَّتِهِ هو نَفْسُهُ، ثُمَّ مَعَ هَذا إنْ طَلَبَ هو مِن نَفْسِهِ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّةِ نَفْسِهِ بَعْدَما سَبَقَ مِنَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ والبَيِّناتِ القاهِرَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ، صفحة ١٣٠ ولا يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ نُقْصانٌ، فَإذا لَمْ يُسْتَقْبَحْ مِنهُ ذَلِكَ في حَقِّ نَفْسِهِ فَلَأنْ لا يُسْتَقْبَحَ مِن غَيْرِهِ طَلَبُ الدَّلائِلِ كانَ أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الكَلامِ اسْتِمالَةُ القَوْمِ وإزالَةُ الحَياءِ عَنْهم في تَكْثِيرِ المُناظَراتِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّكَ لَسْتَ شاكًّا البَتَّةَ. ولَوْ كُنْتَ شاكًّا لَكانَ لَكَ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ في إزالَةِ ذَلِكَ الشَّكِّ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢] والمَعْنى أنَّهُ لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ المُمْتَنِعُ واقِعًا، لَزِمَ مِنهُ المُحالُ الفُلانِيُّ، فَكَذا هَهُنا. ولَوْ فَرَضْنا وُقُوعَ هَذا الشَّكِّ فارْجِعْ إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِتَعْرِفَ بِهِما أنَّ هَذا الشَّكَّ زائِلٌ وهَذِهِ الشُّبْهَةَ باطِلَةٌ. الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ اللَّهَ خاطَبَ الرَّسُولَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾، وهو شامِلٌ لِلْخَلْقِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطَّلاقِ: ١] قالَ: وهَذا أحْسَنُ الأقاوِيلِ، قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ مَتى كانَ الرَّسُولُ داخِلًا تَحْتَ هَذا الخِطابِ فَقَدْ عادَ السُّؤالُ، سَواءٌ أُرِيدَ مَعَهُ غَيْرُهُ أوْ لَمْ يُرَدْ، وإنْ جازَ أنْ يُرادَ هو مَعَ غَيْرِهِ فَما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُرادَ بِانْفِرادِهِ، كَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ. ثُمَّ قالَ: ومِثْلُ هَذا التَّأْوِيلِ يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ التَّحْصِيلِ. الوَجْهُ السّابِعُ: هو أنَّ لَفْظَ ”إنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ لِلنَّفْيِ؛ أيْ: ما كُنْتَ في شَكٍّ قَبْلُ، يَعْنِي لا نَأْمُرُكَ بِالسُّؤالِ؛ لِأنَّكَ شاكٌّ، لَكِنْ لِتَزْدادَ يَقِينًا كَما ازْدادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُعايَنَةِ إحْياءِ المَوْتى يَقِينًا. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي - وهو أنْ يُقالَ هَذا الخِطابُ لَيْسَ مَعَ الرَّسُولِ - فَتَقْرِيرُهُ أنَّ النّاسَ في زَمانِهِ كانُوا فِرَقًا ثَلاثَةً؛ المُصَدِّقُونَ بِهِ، والمُكَذِّبُونَ لَهُ، والمُتَوَقِّفُونَ في أمْرِهِ الشّاكُّونَ فِيهِ، فَخاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الخِطابِ، فَقالَ: إنْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ مِنَ الهُدى عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ، فاسْألْ أهْلَ الكِتابِ لِيَدُلُّوكَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وإنَّما وحَّدَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وهو يُرِيدُ الجَمْعَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٦، ٧] و﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الِانْشِقاقِ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٩] ولَمْ يُرِدْ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، بَلِ المُرادُ هو الجَماعَةُ، فَكَذا هَهُنا، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَهم ما يُزِيلُ ذَلِكَ الشَّكَّ عَنْهم حَذَّرَهم مِن أنْ يُلْحَقُوا بِالقِسْمِ الثّانِي، وهُمُ المُكَذِّبُونَ، فَقالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَسْئُولَ مِنهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ﴾ مَن هم ؟ فَقالَ المُحَقِّقُونَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيا، وتَمِيمٍ الدّارِيِّ، وكَعْبِ الأحْبارِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُوثَقُ بِخَبَرِهِمْ، ومِنهم مَن قالَ: الكُلُّ؛ سَواءٌ كانُوا مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم إذا بَلَغُوا عَدَدَ التَّواتُرِ ثُمَّ قَرَءُوا آيَةً مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وتِلْكَ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى البِشارَةِ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ حَصَلَ الغَرَضُ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ مَذْهَبُكم أنَّ هَذِهِ الكُتُبَ قَدْ دَخَلَها التَّحْرِيفُ والتَّغْيِيرُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّعْوِيلُ عَلَيْها ؟ قُلْنا: إنَّهم إنَّما حَرَّفُوها بِسَبَبِ إخْفاءِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنْ بَقِيَتْ فِيها آياتٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ كانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّها لَمّا بَقِيَتْ مَعَ تَوَفُّرِ دَواعِيهِمْ عَلى إزالَتِها دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها كانَتْ في غايَةِ الظُّهُورِ، وإمّا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ صفحة ١٣١ السُّؤالِ مَعْرِفَةُ أيِّ الأشْياءِ، فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ القُرْآنُ ومَعْرِفَةُ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ رَجَعَ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [يُونُسَ: ٩٣] والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ هو الأهَمُّ، والحاجَةُ إلى مَعْرِفَتِهِ أتَمُّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذا الطَّرِيقَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: فاثْبُتْ ودُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنِ انْتِفاءِ المِرْيَةِ عَنْكَ، وانْتِفاءِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهْيِيجِ وإظْهارِ التَّشَدُّدِ؛ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ نُزُولِهِ: ”«لا أشُكُّ ولا أسْألُ، بَلْ أشْهَدُ أنَّهُ الحَقُّ» “ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ فِرَقَ المُكَلَّفِينَ ثَلاثَةٌ: إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِالرَّسُولِ، أوْ مِنَ المُتَوَقِّفِينَ في صِدْقِهِ، أوْ مِنَ المُكَذِّبِينَ، ولا شَكَّ أنَّ أمْرَ المُتَوَقِّفِ أسْهَلُ مِن أمْرِ المُكَذِّبِ، لا جَرَمَ قَدْ ذَكَرَ المُتَوَقِّفَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُكَذِّبِ، وبَيَّنَ أنَّهُ مِنَ الخاسِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا فَصَّلَ هَذا التَّفْصِيلَ، بَيَّنَ أنَّ لَهُ عِبادًا قَضى عَلَيْهِمْ بِالشَّقاءِ فَلا يَتَغَيَّرُونَ، وعِبادًا قَضى لَهم بِالكَرامَةِ، فَلا يَتَغَيَّرُونَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (كَلِماتُ) عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ: (كَلِمَةُ) عَلى لَفْظِ الواحِدِ، وأقُولُ: إنَّها (كَلِماتُ) بِحَسَبِ الكَثْرَةِ النَّوْعِيَّةِ أوِ الصِّنْفِيَّةِ، وكَلِمَةٌ واحِدَةٌ بِحَسَبِ الواحِدَةِ الجِنْسِيَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ حُكْمُ اللَّهِ بِذَلِكَ وإخْبارُهُ عَنْهُ، وخَلْقُهُ في العَبْدِ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ الَّذِي هو مُوجِبٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الأثَرِ، أمّا الحُكْمُ والإخْبارُ والعِلْمُ فَظاهِرٌ، وأمّا مَجْمُوعُ القُدْرَةِ والدّاعِي فَظاهِرٌ أيْضًا؛ لِأنَّ القُدْرَةَ لَمّا كانَتْ صالِحَةً لِلطَّرَفَيْنِ لَمْ يَتَرَجَّحْ أحَدُ الجانِبَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وعِنْدَ حُصُولِ هَذا المَجْمُوعِ يَجِبُ الفِعْلُ، وقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في إثْباتِ القَضاءِ اللّازِمِ والقَدْرِ الواجِبِ، وهو حَقٌّ وصِدْقٌ ولا مَحِيصَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ والمُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ، ولَوْ جاءَتْهُمُ الدَّلائِلُ الَّتِي لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلِيلَ لا يَهْدِي إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ الإعانَةُ ضاعَتْ تِلْكَ الدَّلائِلُ.

يونس 10:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ اخْتِلافَهم عِنْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ أوْرَدَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُقَوِّي قَلْبَهُ في صِحَّةِ القُرْآنِ والنُّبُوَّةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: الشَّكُّ في وضْعِ اللُّغَةِ، ضَمُّ بَعْضِ الشَّيْءِ إلى بَعْضٍ، يُقالُ: شَكَّ الجَواهِرَ في العِقْدِ إذا ضَمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ. ويُقالُ: شَكَكْتُ الصَّيْدَ إذا رَمَيْتَهُ فَضَمَمْتُ يَدَهُ أوْ رِجْلَهُ إلى رِجْلِهِ، والشَّكائِكُ مِنَ الهَوادِجِ ما شُكَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ، والشِّكاكُ البُيُوتُ المُصْطَفَّةُ، والشَّكائِكُ الأدْعِياءُ؛ لِأنَّهم يَشُكُّونَ أنْفُسَهم إلى قَوْمٍ لَيْسُوا مِنهم، أيْ يَضُمُّونَ، وشَكَّ الرَّجُلُ في السِّلاحِ، إذا دَخَلَ فِيهِ وضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ وألْزَمَهُ إيّاها، فَإذا قالُوا: شَكَّ فُلانٌ في الأُمُورِ أرادُوا أنَّهُ وقَفَ نَفْسَهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَيَجُوزُ هَذا ويَجُوزُ هَذا، فَهو يَضُمُّ إلى ما يَتَوَهَّمُهُ شَيْئًا آخَرَ خِلافَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: في أنَّ المُخاطَبَ بِهَذا الخِطابِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: غَيْرُهُ. أمّا مَن قالَ بِالأوَّلِ فاخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الخِطابَ مَعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الظّاهِرِ، والمُرادُ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] وكَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] ومِنَ الأمْثِلَةِ المَشْهُورَةِ: إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] فَبَيَّنَ أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ، هُمُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ صفحة ١٢٩ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ. الثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ لَوْ كانَ شاكًّا في نُبُوَّةِ نَفْسِهِ لَكانَ شَكُّ غَيْرِهِ في نُبُوَّتِهِ أوْلى، وهَذا يُوجِبُ سُقُوطَ الشَّرِيعَةِ بِالكُلِّيَّةِ. والثّالِثُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ شاكًّا في نُبُوَّةِ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَزُولُ ذَلِكَ الشَّكُّ بِأخْبارِ أهْلِ الكِتابِ عَنْ نُبُوَّتِهِ، مَعَ أنَّهم في الأكْثَرِ كُفّارٌ، وإنْ حَصَلَ فِيهِمْ مَن كانَ مُؤْمِنًا إلّا أنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لا سِيَّما وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ ما في أيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فالكُلُّ مُصَحَّفٌ مُحَرَّفٌ، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ هو أنَّ الخِطابَ، وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إلّا أنَّ المُرادَ هو الأُمَّةُ، ومِثْلُ هَذا مُعْتادٌ؛ فَإنَّ السُّلْطانَ الكَبِيرَ إذا كانَ لَهُ أمِيرٌ، وكانَ تَحْتَ رايَةِ ذَلِكَ الأمِيرِ جَمْعٌ، فَإذا أرادَ أنْ يَأْمُرَ الرَّعِيَّةَ بِأمْرٍ مَخْصُوصٍ، فَإنَّهُ لا يُوَجِّهُ خِطابَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ يُوَجِّهُ ذَلِكَ الخِطابَ عَلى ذَلِكَ الأمِيرِ الَّذِي جَعَلَهُ أمِيرًا عَلَيْهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْوى تَأْثِيرًا في قُلُوبِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَشُكَّ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ مَتى سَمِعَ هَذا الكَلامَ، فَإنَّهُ يُصَرِّحُ ويَقُولُ: ”يا رَبِّ، لا أشُكُّ ولا أطْلُبُ الحُجَّةَ مِن قَوْلِ أهْلِ الكِتابِ، بَلْ يَكْفِينِي ما أنْزَلْتَهُ عَلَيَّ مِنَ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ“ . ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤٠] أنْ يُصَرِّحُوا بِالجَوابِ الحَقِّ ويَقُولُوا: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سَبَأٍ: ٤١] وكَما قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦]، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يُصَرِّحَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَراءَةِ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ الثّالِثُ: هو أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مِنَ البَشَرِ، وكانَ حُصُولُ الخَواطِرِ المُشَوَّشَةِ والأفْكارِ المُضْطَرِبَةِ في قَلْبِهِ مِنَ الجائِزاتِ، وتِلْكَ الخَواطِرُ لا تَنْدَفِعُ إلّا بِإيرادِ الدَّلائِلِ وتَقْرِيرِ البَيِّناتِ، فَهو تَعالى أنْزَلَ هَذا النَّوْعَ مِنَ التَّقْرِيراتِ حَتّى إنَّ بِسَبَبِها تَزُولُ عَنْ خاطِرِهِ تِلْكَ الوَساوِسُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢] . وأقُولُ: تَمامُ التَّقْرِيرِ في هَذا البابِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ فافْعَلْ كَذا وكَذا قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، والقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لا إشْعارَ فِيها البَتَّةَ بِأنَّ الشَّرْطَ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ، ولا بِأنَّ الجَزاءَ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ، بَلْ لَيْسَ فِيها إلّا بَيانُ أنَّ ماهِيَّةَ ذَلِكَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِماهِيَّةِ ذَلِكَ الجَزاءِ فَقَطْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا كانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، فَهو كَلامٌ حَقٌّ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ كَوْنَ الخَمْسَةِ زَوْجًا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَها مُنْقَسِمَةً بِمُتَساوِيَيْنِ، ثُمَّ لا يَدُلُّ هَذا الكَلامُ عَلى أنَّ الخَمْسَةَ زَوْجٌ، ولا عَلى أنَّها مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، فَكَذا هَهُنا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ حَصَلَ هَذا الشَّكُّ لَكانَ الواجِبُ فِيهِ هو فِعْلَ كَذا وكَذا، فَأمّا أنَّ هَذا الشَّكَّ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، والفائِدَةُ في إنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الرَّسُولِ أنَّ تَكْثِيرَ الدَّلائِلِ وتَقْوِيَتَها مِمّا يَزِيدُ في قُوَّةِ اليَقِينِ وطُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ وسُكُونِ الصَّدْرِ، ولِهَذا السَّبَبِ أكْثَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ مِن تَقْرِيرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ. والوَجْهُ الرّابِعُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى أنْ تَقُولَ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ اسْتِمالَةُ قُلُوبِ الكُفّارِ وتَقْرِيبُهم مِن قَبُولِ الإيمانِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم طالَبُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وكَأنَّهُمُ اسْتَحْيَوْا مِن تِلْكَ المُعاوَداتِ والمُطالَباتِ، وذَلِكَ الِاسْتِحْياءُ صارَ مانِعًا لَهم عَنْ قَبُولِ الإيمانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ مِن نُبُوَّتِكَ فَتَمَسَّكْ بِالدَّلائِلِ القَلائِلِ، يَعْنِي أوْلى النّاسِ بِأنْ لا يَشُكَّ في نُبُوَّتِهِ هو نَفْسُهُ، ثُمَّ مَعَ هَذا إنْ طَلَبَ هو مِن نَفْسِهِ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّةِ نَفْسِهِ بَعْدَما سَبَقَ مِنَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ والبَيِّناتِ القاهِرَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ، صفحة ١٣٠ ولا يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ نُقْصانٌ، فَإذا لَمْ يُسْتَقْبَحْ مِنهُ ذَلِكَ في حَقِّ نَفْسِهِ فَلَأنْ لا يُسْتَقْبَحَ مِن غَيْرِهِ طَلَبُ الدَّلائِلِ كانَ أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الكَلامِ اسْتِمالَةُ القَوْمِ وإزالَةُ الحَياءِ عَنْهم في تَكْثِيرِ المُناظَراتِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّكَ لَسْتَ شاكًّا البَتَّةَ. ولَوْ كُنْتَ شاكًّا لَكانَ لَكَ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ في إزالَةِ ذَلِكَ الشَّكِّ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢] والمَعْنى أنَّهُ لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ المُمْتَنِعُ واقِعًا، لَزِمَ مِنهُ المُحالُ الفُلانِيُّ، فَكَذا هَهُنا. ولَوْ فَرَضْنا وُقُوعَ هَذا الشَّكِّ فارْجِعْ إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِتَعْرِفَ بِهِما أنَّ هَذا الشَّكَّ زائِلٌ وهَذِهِ الشُّبْهَةَ باطِلَةٌ. الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ اللَّهَ خاطَبَ الرَّسُولَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾، وهو شامِلٌ لِلْخَلْقِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطَّلاقِ: ١] قالَ: وهَذا أحْسَنُ الأقاوِيلِ، قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ مَتى كانَ الرَّسُولُ داخِلًا تَحْتَ هَذا الخِطابِ فَقَدْ عادَ السُّؤالُ، سَواءٌ أُرِيدَ مَعَهُ غَيْرُهُ أوْ لَمْ يُرَدْ، وإنْ جازَ أنْ يُرادَ هو مَعَ غَيْرِهِ فَما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُرادَ بِانْفِرادِهِ، كَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ. ثُمَّ قالَ: ومِثْلُ هَذا التَّأْوِيلِ يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ التَّحْصِيلِ. الوَجْهُ السّابِعُ: هو أنَّ لَفْظَ ”إنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ لِلنَّفْيِ؛ أيْ: ما كُنْتَ في شَكٍّ قَبْلُ، يَعْنِي لا نَأْمُرُكَ بِالسُّؤالِ؛ لِأنَّكَ شاكٌّ، لَكِنْ لِتَزْدادَ يَقِينًا كَما ازْدادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُعايَنَةِ إحْياءِ المَوْتى يَقِينًا. وأمّا الوَجْهُ الثّانِي - وهو أنْ يُقالَ هَذا الخِطابُ لَيْسَ مَعَ الرَّسُولِ - فَتَقْرِيرُهُ أنَّ النّاسَ في زَمانِهِ كانُوا فِرَقًا ثَلاثَةً؛ المُصَدِّقُونَ بِهِ، والمُكَذِّبُونَ لَهُ، والمُتَوَقِّفُونَ في أمْرِهِ الشّاكُّونَ فِيهِ، فَخاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الخِطابِ، فَقالَ: إنْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ مِنَ الهُدى عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ، فاسْألْ أهْلَ الكِتابِ لِيَدُلُّوكَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وإنَّما وحَّدَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وهو يُرِيدُ الجَمْعَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ [الِانْفِطارِ: ٦، ٧] و﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الِانْشِقاقِ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٩] ولَمْ يُرِدْ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ إنْسانًا بِعَيْنِهِ، بَلِ المُرادُ هو الجَماعَةُ، فَكَذا هَهُنا، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَهم ما يُزِيلُ ذَلِكَ الشَّكَّ عَنْهم حَذَّرَهم مِن أنْ يُلْحَقُوا بِالقِسْمِ الثّانِي، وهُمُ المُكَذِّبُونَ، فَقالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَسْئُولَ مِنهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ﴾ مَن هم ؟ فَقالَ المُحَقِّقُونَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيا، وتَمِيمٍ الدّارِيِّ، وكَعْبِ الأحْبارِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُوثَقُ بِخَبَرِهِمْ، ومِنهم مَن قالَ: الكُلُّ؛ سَواءٌ كانُوا مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم إذا بَلَغُوا عَدَدَ التَّواتُرِ ثُمَّ قَرَءُوا آيَةً مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وتِلْكَ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى البِشارَةِ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ حَصَلَ الغَرَضُ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ مَذْهَبُكم أنَّ هَذِهِ الكُتُبَ قَدْ دَخَلَها التَّحْرِيفُ والتَّغْيِيرُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّعْوِيلُ عَلَيْها ؟ قُلْنا: إنَّهم إنَّما حَرَّفُوها بِسَبَبِ إخْفاءِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنْ بَقِيَتْ فِيها آياتٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ كانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّها لَمّا بَقِيَتْ مَعَ تَوَفُّرِ دَواعِيهِمْ عَلى إزالَتِها دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها كانَتْ في غايَةِ الظُّهُورِ، وإمّا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ صفحة ١٣١ السُّؤالِ مَعْرِفَةُ أيِّ الأشْياءِ، فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ القُرْآنُ ومَعْرِفَةُ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ﷺ . والثّانِي: أنَّهُ رَجَعَ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [يُونُسَ: ٩٣] والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ هو الأهَمُّ، والحاجَةُ إلى مَعْرِفَتِهِ أتَمُّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذا الطَّرِيقَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: فاثْبُتْ ودُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنِ انْتِفاءِ المِرْيَةِ عَنْكَ، وانْتِفاءِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهْيِيجِ وإظْهارِ التَّشَدُّدِ؛ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ نُزُولِهِ: ”«لا أشُكُّ ولا أسْألُ، بَلْ أشْهَدُ أنَّهُ الحَقُّ» “ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ فِرَقَ المُكَلَّفِينَ ثَلاثَةٌ: إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِالرَّسُولِ، أوْ مِنَ المُتَوَقِّفِينَ في صِدْقِهِ، أوْ مِنَ المُكَذِّبِينَ، ولا شَكَّ أنَّ أمْرَ المُتَوَقِّفِ أسْهَلُ مِن أمْرِ المُكَذِّبِ، لا جَرَمَ قَدْ ذَكَرَ المُتَوَقِّفَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُكَذِّبِ، وبَيَّنَ أنَّهُ مِنَ الخاسِرِينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا فَصَّلَ هَذا التَّفْصِيلَ، بَيَّنَ أنَّ لَهُ عِبادًا قَضى عَلَيْهِمْ بِالشَّقاءِ فَلا يَتَغَيَّرُونَ، وعِبادًا قَضى لَهم بِالكَرامَةِ، فَلا يَتَغَيَّرُونَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (كَلِماتُ) عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ: (كَلِمَةُ) عَلى لَفْظِ الواحِدِ، وأقُولُ: إنَّها (كَلِماتُ) بِحَسَبِ الكَثْرَةِ النَّوْعِيَّةِ أوِ الصِّنْفِيَّةِ، وكَلِمَةٌ واحِدَةٌ بِحَسَبِ الواحِدَةِ الجِنْسِيَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ حُكْمُ اللَّهِ بِذَلِكَ وإخْبارُهُ عَنْهُ، وخَلْقُهُ في العَبْدِ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ والدّاعِيَةِ الَّذِي هو مُوجِبٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الأثَرِ، أمّا الحُكْمُ والإخْبارُ والعِلْمُ فَظاهِرٌ، وأمّا مَجْمُوعُ القُدْرَةِ والدّاعِي فَظاهِرٌ أيْضًا؛ لِأنَّ القُدْرَةَ لَمّا كانَتْ صالِحَةً لِلطَّرَفَيْنِ لَمْ يَتَرَجَّحْ أحَدُ الجانِبَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وعِنْدَ حُصُولِ هَذا المَجْمُوعِ يَجِبُ الفِعْلُ، وقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في إثْباتِ القَضاءِ اللّازِمِ والقَدْرِ الواجِبِ، وهو حَقٌّ وصِدْقٌ ولا مَحِيصَ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ والمُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ، ولَوْ جاءَتْهُمُ الدَّلائِلُ الَّتِي لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلِيلَ لا يَهْدِي إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ الإعانَةُ ضاعَتْ تِلْكَ الدَّلائِلُ.

يونس 10:98

القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ: قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ صفحة ١٣٢ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أتْبَعَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّ قَوْمَ يُونُسَ آمَنُوا بَعْدَ كُفْرِهِمْ وانْتَفَعُوا بِذَلِكَ الإيمانِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ فَرِيقانِ: مِنهم مَن حَكَمَ عَلَيْهِ بِخاتِمَةِ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَكَمَ عَلَيْهِ بِخاتِمَةِ الإيمانِ، وكُلُّ ما قَضى اللَّهُ بِهِ فَهو واقِعٌ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في كَلِمَةِ ”لَوْلا“ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقانِ: الطَّرِيقُ الأوَّلُ: أنَّ مَعْناهُ النَّفْيُ، رَوى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ قالَ: قالَ أبُو مالِكٍ صاحِبُ ابْنِ عَبّاسٍ: كُلُّ ما في كِتابِ اللَّهِ تَعالى مِن ذِكْرِ لَوْلا، فَمَعْناهُ هَلّا، إلّا حَرْفَيْنِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها﴾ مَعْناهُ: فَما كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها، وكَذَلِكَ ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مَعْناهُ: فَما كانَ مِنَ القُرُونِ، فَعَلى هَذا تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَما كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ. وانْتَصَبَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عَنِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ جَرى عَلى القَرْيَةِ، وإنْ كانَ المُرادُ أهْلَها، ووَقَعَ اسْتِثْناءُ القَوْلِ مِنَ القَرْيَةِ، فَكانَ كَقَوْلِهِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وما بِالرَّبْعِ مِن أحَدِ إلّا الأوارِيَّ. . . . . . . ∗∗∗ . . . . . . . . . . . وقُرِئَ أيْضًا بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ. الطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّ ”لَوْلا“ مَعْناهُ هَلّا، والمَعْنى هَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ واحِدَةٌ مِنَ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها ثابَتْ عَنِ الكُفْرِ وأخْلَصَتْ في الإيمانِ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ إلّا قَوْمَ يُونُسَ. وظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي اسْتِثْناءَ قَوْمِ يُونُسَ مِنَ القُرى، إلّا أنَّ المَعْنى اسْتِثْناءُ قَوْمِ يُونُسَ مِن أهْلِ القُرى، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى ولَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا فَعَلْنا بِهِمْ كَذا وكَذا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَ إلى نِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ فَكَذَّبُوهُ، فَذَهَبَ عَنْهم مُغاضِبًا، فَلَمّا فَقَدُوهُ خافُوا نُزُولَ العِقابِ، فَلَبِسُوا المُسُوحَ وعَجُّوا أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وكانَ يُونُسُ قالَ لَهم: إنَّ أجْلَكم أرْبَعُونَ لَيْلَةً. فَقالُوا: إنْ رَأيْنا أسْبابَ الهَلاكِ آمَنّا بِكَ. فَلَمّا مَضَتْ خَمْسٌ وثَلاثُونَ لَيْلَةً ظَهَرَ في السَّماءِ غَيْمٌ أسْوَدُ شَدِيدُ السَّوادِ، فَظَهَرَ مِنهُ دُخانٌ شَدِيدٌ وهَبَطَ ذَلِكَ الدُّخانُ حَتّى وقَعَ في المَدِينَةِ وسَوَّدَ سُطَوَحَهم، فَخَرَجُوا إلى الصَّحْراءِ، وفَرَّقُوا بَيْنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ وبَيْنَ الدَّوابِّ وأوْلادِها فَحَنَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، فَعَلَتِ الأصْواتُ، وكَثُرَتِ التَّضَرُّعاتُ، وأظْهَرُوا الإيمانَ والتَّوْبَةَ، وتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى فَرَحِمَهم وكَشَفَ عَنْهم، وكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ عاشُوراءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَلَغَ مِن تَوْبَتِهِمْ أنْ يَرُدُّوا المَظالِمَ، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَقْلَعُ الحَجَرَ بَعْدَ أنْ وضَعَ عَلَيْهِ بِناءَ أساسِهِ فَيَرُدُّهُ إلى مالِكِهِ، وقِيلَ: خَرَجُوا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ فَقالُوا: قَدْ نَزَلَ بِنا العَذابُ فَما تَرى ؟ فَقالَ لَهم: قُولُوا: يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، ويا حَيُّ يا مُحْيِي المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ. فَقالُوا فَكَشَفَ اللَّهُ العَذابَ عَنْهم. وعَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قالُوا: اللَّهُمَّ إنَّ ذُنُوبَنا قَدْ عَظُمَتْ وجَلَّتْ، وأنْتَ أعْظَمُ مِنها وأجَلُّ، افْعَلْ بِنا ما أنْتَ أهْلُهُ، ولا تَفْعَلْ بِنا ما نَحْنُ أهْلُهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قالَ قائِلٌ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ تابَ في آخِرِ الأمْرِ، ولَمْ يَقْبَلْ تَوْبَتَهُ، وحَكى عَنْ قَوْمِ يُونُسَ أنَّهم تابُوا وقَبِلَ تَوْبَتَهم، فَما الفَرْقُ ؟ صفحة ١٣٣ والجَوابُ: أنَّ فِرْعَوْنَ إنَّما تابَ بَعْدَ أنْ شاهَدَ العَذابَ، وأمّا قَوْمُ يُونُسَ فَإنَّهم تابُوا قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَإنَّهم لَمّا ظَهَرَتْ لَهم أماراتٌ دَلَّتْ عَلى قُرْبِ العَذابِ تابُوا قَبْلَ أنْ شاهَدُوا فَظَهَرَ الفَرْقُ.

يونس 10:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى هَذا المَوْضِعِ في بَيانِ حِكايَةِ شُبُهاتِ الكُفّارِ في إنْكارِ النُّبُوَّةِ مَعَ الجَوابِ عَنْها، وكانَتْ إحْدى شُبُهاتِهِمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُهَدِّدُهم بِنُزُولِ العَذابِ مَعَ الكافِرِينَ، ويَعِدُ أتْباعَهُ أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم ويُعْلِي شَأْنَهم ويُقَوِّي جانِبَهم، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ ما رَأوْا ذَلِكَ فَجَعَلُوا ذَلِكَ شُبْهَةً في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ، وكانُوا يُبالِغُونَ في اسْتِعْجالِ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ تَأْخِيرَ المَوْعُودِ بِهِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الوَعْدِ، ثُمَّ ضَرَبَ لِهَذا أمْثِلَةً، وهي واقِعَةُ نُوحٍ وواقِعَةُ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ، وامْتَدَّتْ هَذِهِ البَياناتُ إلى هَذِهِ المَقاماتِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ أنَّ جِدَّ الرَّسُولِ في دُخُولِهِمْ في الإيمانِ لا يَنْفَعُ، ومُبالَغَتَهُ في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ وفي الجَوابِ عَنِ الشُّبُهاتِ لا تُفِيدُ؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ وإرْشادِهِ وهِدايَتِهِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ هَذا المَعْنى لَمْ يَحْصُلِ الإيمانُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: كَلِمَةُ (لَوْ) تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ ما حَصَلَتْ تِلْكَ المَشِيئَةُ وما حَصَلَ إيمانُ أهْلِ الأرْضِ بِالكُلِّيَّةِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى ما أرادَ إيمانَ الكُلِّ، أجابَ الجُبّائِيُّ والقاضِي وغَيْرُهُما بِأنَّ المُرادَ مَشِيئَةُ الإلْجاءِ، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يُلْجِئَهم إلى الإيمانِ لَقَدَرَ عَلَيْهِ ولَصَحَّ ذَلِكَ مِنهُ، ولَكِنَّهُ ما فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الإيمانَ الصّادِرَ مِنَ العَبْدِ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ لا يَنْفَعُهُ ولا يُفِيدُهُ فائِدَةٌ، ثُمَّ قالَ الجُبّائِيُّ: ومَعْنى إلْجاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم إلى ذَلِكَ أنْ يُعَرِّفَهُمُ اضْطِرارًا أنَّهم لَوْ حاوَلُوا تَرْكَهُ حالَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ، وعِنْدَ هَذا لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ما أُلْجِئُوا إلَيْهِ، كَما أنَّ مَن عَلِمَ مِنّا أنَّهُ إنْ حاوَلَ قَتْلَ مَلِكٍ فَإنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنهُ قَهْرًا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ لِذَلِكَ الفِعْلِ سَبَبًا لِاسْتِحْقاقِ المَدْحِ والثَّوابِ، فَكَذا هَهُنا. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ كانَ قادِرًا عَلى الكُفْرِ، فَهَلْ كانَ قادِرًا عَلى الإيمانِ أوْ ما كانَ قادِرًا عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قَدَرَ عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَقْدِرْ عَلى الإيمانِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ القُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ مُسْتَلْزِمَةً لِلْكُفْرِ، فَإذا كانَ خالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ هو اللَّهَ تَعالى لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ فِيهِ قُدْرَةً مُسْتَلْزِمَةً لِلْكُفْرِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ مِنهُ الكُفْرَ، وأمّا إنْ كانَتِ القُدْرَةُ صالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ كَما هو مَذْهَبُ القَوْمِ، فَرُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى المُرَجِّحِ فَقَدْ حَصَلَ الرُّجْحانُ لا لِمُرَجِّحٍ وهَذا باطِلٌ، وإنْ تَوَقَّفَ عَلى مُرَجِّحٍ فَذَلِكَ المُرَجِّحُ إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ العَبْدِ أوْ مِنَ اللَّهِ، فَإنْ كانَ مِنَ العَبْدِ عادَ التَّقْسِيمُ فِيهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ صفحة ١٣٤ وهُوَ مُحالٌ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَجْمُوعُ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ مُوجِبًا لِذَلِكَ الكُفْرِ، فَإذا كانَ خالِقُ القُدْرَةِ والدّاعِيَةُ هو اللَّهَ تَعالى فَحِينَئِذٍ عادَ الإلْزامُ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما كانَ يَطْلُبُ أنْ يَحْصُلَ لَهم إيمانٌ لا يُفِيدُهم في الآخِرَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِلرَّسُولِ عَلى تَحْصِيلِ هَذا الإيمانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإيمانِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ هو هَذا الإيمانُ النّافِعُ حَتّى يَكُونَ الكَلامُ مُنْتَظِمًا، فَأمّا حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى مَشِيئَةِ القَهْرِ والإلْجاءِ فَإنَّهُ لا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ. الثّالِثُ: المُرادُ بِهَذا الإلْجاءِ، إمّا أنْ يَكُونَ هو أنْ يُظْهِرَ لَهُ آياتٍ هائِلَةً يَعْظُمُ خَوْفُهُ عِنْدَ رُؤْيَتِها، ثُمَّ يَأْتِي بِالإيمانِ عِنْدَها. وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلْقَ الإيمانِ فِيهِمْ. والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إنْزالَ هَذِهِ الآياتِ لا يُفِيدُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾، وقالَ أيْضًا: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنْعامِ: ١١١]، وإنْ كانَ المُرادُ هو الثّانِيَ لَمْ يَكُنْ هَذا الإلْجاءُ إلى الإيمانِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ خَلْقِ الإيمانِ فِيهِمْ، ثُمَّ يُقالُ: لَكِنَّهُ ما خَلَقَ الإيمانَ فِيهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ حُصُولَ الإيمانِ لَهم، وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِنا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، والمَعْنى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَكَ عَلى التَّصَرُّفِ في أحَدٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ القُدْرَةَ القاهِرَةَ والمَشِيئَةَ النّافِذَةَ لَيْسَتْ إلّا لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لا حُكْمَ لِلْأشْياءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، قالُوا: وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ الإذْنَ عِبارَةٌ عَنِ الإطْلاقِ في الفِعْلِ ورَفْعِ الحَرَجِ. وصَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَبْلَ حُصُولِ هَذا المَعْنى لَيْسَ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى هَذا الإيمانِ، ثُمَّ قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ العَقْلِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى والِاشْتِغالَ بِشُكْرِهِ والثَّناءَ عَلَيْهِ لا يَدُلُّ العَقْلُ عَلى حُصُولِ نَفْعٍ فِيهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ ذَلِكَ بِحَسَبِ العَقْلِ، بَيانُ الأوَّلِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَشْكُورِ أوْ إلى الشّاكِرِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ في الشّاهِدِ المَشْكُورُ يَنْتَفِعُ بِالشُّكْرِ فَيَسُرُّهُ الشُّكْرُ ويَسُوءُهُ الكُفْرانُ، فَلا جَرَمَ كانَ الشُّكْرُ حَسَنًا والكُفْرانُ قَبِيحًا، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ لا يَسُرُّهُ الشُّكْرُ ولا يَسُوءُهُ الكُفْرانُ، فَلا يَنْتَفِعُ بِهَذا الشُّكْرِ أصْلًا. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الشّاكِرَ يَتْعَبُ في الحالِ بِذَلِكَ الشُّكْرِ ويَبْذُلُ الخِدْمَةَ، مَعَ أنَّ المَشْكُورَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ البَتَّةَ. ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الشُّكْرَ عِلَّةُ الثَّوابِ؛ لِأنَّ الِاسْتِحْقاقَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَإنَّ الِاسْتِحْقاقَ عَلى الغَيْرِ إنَّما يُعْقَلُ إذا كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُعْطِ لَأوْجَبَ امْتِناعُهُ مِن إعْطاءِ ذَلِكَ الحَقِّ حُصُولَ نُقْصانٍ في حَقِّهِ، ولَمّا كانَ الحَقُّ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنِ النُّقْصانِ والزِّيادَةِ لَمْ يُعْقَلْ ذَلِكَ في حَقِّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالإيمانِ وبِالشُّكْرِ لا يُفِيدُ نَفْعًا بِحَسَبِ العَقْلِ المَحْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ العَقْلُ مُوجِبًا لَهُ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، قالَ القاضِي: المُرادُ أنَّ الإيمانَ لا يَصْدُرُ عَنْهُ إلّا بِعِلْمِ اللَّهِ أوْ بِتَكْلِيفِهِ أوْ بِإقْدارِهِ عَلَيْهِ. وجَوابُنا: أنَّ حَمْلَ الإذْنِ عَلى ما ذَكَرْتُمْ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، لا سِيَّما وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ العَقْلِيَّ يُقَوِّي قَوْلَنا. صفحة ١٣٥ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”ونَجْعَلُ“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ كِنايَةً عَنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ خالِقَ الكُفْرِ والإيمانِ هو اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الرِّجْسَ قَدْ يُرادُ بِهِ العَمَلُ القَبِيحُ؛ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٣٣]، والمُرادُ مِنَ الرِّجْسِ هَهُنا العَمَلُ القَبِيحُ، سَواءٌ كانَ كُفْرًا أوْ مَعْصِيَةً، وبِالتَّطْهِيرِ نَقْلُ العَبْدِ مِن رِجْسِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ إلى طَهارَةِ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ الرِّجْسَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ. والرِّجْسُ الَّذِي يُقابِلُ الإيمانَ لَيْسَ إلّا الكُفْرَ، فَثَبَتَ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. أجابَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ النَّحْوِيُّ عَنْهُ فَقالَ: الرِّجْسُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العَذابَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ يُلْحِقُ العَذابَ بِهِمْ، كَما قالَ: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الفَتْحِ: ٦] . والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم رِجْسٌ كَما قالَ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] والمَعْنى أنَّ الطَّهارَةَ الثّابِتَةَ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ تَحْصُلْ لَهم. والجَوابُ: أنّا قَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أنَّ الجَهْلَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا لِلْعَبْدِ؛ لِأنَّهُ لا يُرِيدُهُ ولا يَقْصِدُ إلى تَكْوِينِهِ، وإنَّما يُرِيدُ ضِدَّهُ، وإنَّما قَصَدَ إلى تَحْصِيلِ ضِدِّهِ، فَلَوْ كانَ بِهِ لَما حَصَلَ إلّا ما قَصَدَهُ، وأوْرَدْنا السُّؤالاتِ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ وأجَبْنا عَنْها فِيما سَلَفَ مِن هَذا الكِتابِ. وأمّا حَمْلُ الرِّجْسِ عَلى العَذابِ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ الرِّجْسَ عِبارَةٌ عَنِ الفاسِدِ المُسْتَقْذَرِ المُسْتَكْرَهِ، فَحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى جَهْلِهِمْ وكُفْرِهِمْ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ اللَّهِ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا صِدْقًا صَوابًا، وأمّا حَمْلُ لَفْظِ الرِّجْسِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ بِرَجاسَتِهِمْ، فَهو في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ صِفَتُهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنْ صِفَةَ اللَّهِ رِجْسٌ، فَثَبَتَ أنَّ الحُجَّةَ الَّتِي ذَكَرْناها ظاهِرَةٌ.

يونس 10:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى هَذا المَوْضِعِ في بَيانِ حِكايَةِ شُبُهاتِ الكُفّارِ في إنْكارِ النُّبُوَّةِ مَعَ الجَوابِ عَنْها، وكانَتْ إحْدى شُبُهاتِهِمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُهَدِّدُهم بِنُزُولِ العَذابِ مَعَ الكافِرِينَ، ويَعِدُ أتْباعَهُ أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم ويُعْلِي شَأْنَهم ويُقَوِّي جانِبَهم، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ ما رَأوْا ذَلِكَ فَجَعَلُوا ذَلِكَ شُبْهَةً في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ، وكانُوا يُبالِغُونَ في اسْتِعْجالِ ذَلِكَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ تَأْخِيرَ المَوْعُودِ بِهِ لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الوَعْدِ، ثُمَّ ضَرَبَ لِهَذا أمْثِلَةً، وهي واقِعَةُ نُوحٍ وواقِعَةُ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ، وامْتَدَّتْ هَذِهِ البَياناتُ إلى هَذِهِ المَقاماتِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ أنَّ جِدَّ الرَّسُولِ في دُخُولِهِمْ في الإيمانِ لا يَنْفَعُ، ومُبالَغَتَهُ في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ وفي الجَوابِ عَنِ الشُّبُهاتِ لا تُفِيدُ؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ وإرْشادِهِ وهِدايَتِهِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ هَذا المَعْنى لَمْ يَحْصُلِ الإيمانُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: كَلِمَةُ (لَوْ) تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ ما حَصَلَتْ تِلْكَ المَشِيئَةُ وما حَصَلَ إيمانُ أهْلِ الأرْضِ بِالكُلِّيَّةِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى ما أرادَ إيمانَ الكُلِّ، أجابَ الجُبّائِيُّ والقاضِي وغَيْرُهُما بِأنَّ المُرادَ مَشِيئَةُ الإلْجاءِ، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يُلْجِئَهم إلى الإيمانِ لَقَدَرَ عَلَيْهِ ولَصَحَّ ذَلِكَ مِنهُ، ولَكِنَّهُ ما فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الإيمانَ الصّادِرَ مِنَ العَبْدِ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ لا يَنْفَعُهُ ولا يُفِيدُهُ فائِدَةٌ، ثُمَّ قالَ الجُبّائِيُّ: ومَعْنى إلْجاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم إلى ذَلِكَ أنْ يُعَرِّفَهُمُ اضْطِرارًا أنَّهم لَوْ حاوَلُوا تَرْكَهُ حالَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ، وعِنْدَ هَذا لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ما أُلْجِئُوا إلَيْهِ، كَما أنَّ مَن عَلِمَ مِنّا أنَّهُ إنْ حاوَلَ قَتْلَ مَلِكٍ فَإنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنهُ قَهْرًا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ لِذَلِكَ الفِعْلِ سَبَبًا لِاسْتِحْقاقِ المَدْحِ والثَّوابِ، فَكَذا هَهُنا. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الكافِرَ كانَ قادِرًا عَلى الكُفْرِ، فَهَلْ كانَ قادِرًا عَلى الإيمانِ أوْ ما كانَ قادِرًا عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قَدَرَ عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَقْدِرْ عَلى الإيمانِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ القُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ مُسْتَلْزِمَةً لِلْكُفْرِ، فَإذا كانَ خالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ هو اللَّهَ تَعالى لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ فِيهِ قُدْرَةً مُسْتَلْزِمَةً لِلْكُفْرِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ مِنهُ الكُفْرَ، وأمّا إنْ كانَتِ القُدْرَةُ صالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ كَما هو مَذْهَبُ القَوْمِ، فَرُجْحانُ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى المُرَجِّحِ فَقَدْ حَصَلَ الرُّجْحانُ لا لِمُرَجِّحٍ وهَذا باطِلٌ، وإنْ تَوَقَّفَ عَلى مُرَجِّحٍ فَذَلِكَ المُرَجِّحُ إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ العَبْدِ أوْ مِنَ اللَّهِ، فَإنْ كانَ مِنَ العَبْدِ عادَ التَّقْسِيمُ فِيهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ صفحة ١٣٤ وهُوَ مُحالٌ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَجْمُوعُ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ مُوجِبًا لِذَلِكَ الكُفْرِ، فَإذا كانَ خالِقُ القُدْرَةِ والدّاعِيَةُ هو اللَّهَ تَعالى فَحِينَئِذٍ عادَ الإلْزامُ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما كانَ يَطْلُبُ أنْ يَحْصُلَ لَهم إيمانٌ لا يُفِيدُهم في الآخِرَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِلرَّسُولِ عَلى تَحْصِيلِ هَذا الإيمانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإيمانِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ هو هَذا الإيمانُ النّافِعُ حَتّى يَكُونَ الكَلامُ مُنْتَظِمًا، فَأمّا حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى مَشِيئَةِ القَهْرِ والإلْجاءِ فَإنَّهُ لا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ. الثّالِثُ: المُرادُ بِهَذا الإلْجاءِ، إمّا أنْ يَكُونَ هو أنْ يُظْهِرَ لَهُ آياتٍ هائِلَةً يَعْظُمُ خَوْفُهُ عِنْدَ رُؤْيَتِها، ثُمَّ يَأْتِي بِالإيمانِ عِنْدَها. وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلْقَ الإيمانِ فِيهِمْ. والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إنْزالَ هَذِهِ الآياتِ لا يُفِيدُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾، وقالَ أيْضًا: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنْعامِ: ١١١]، وإنْ كانَ المُرادُ هو الثّانِيَ لَمْ يَكُنْ هَذا الإلْجاءُ إلى الإيمانِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ خَلْقِ الإيمانِ فِيهِمْ، ثُمَّ يُقالُ: لَكِنَّهُ ما خَلَقَ الإيمانَ فِيهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ حُصُولَ الإيمانِ لَهم، وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِنا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، والمَعْنى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَكَ عَلى التَّصَرُّفِ في أحَدٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ القُدْرَةَ القاهِرَةَ والمَشِيئَةَ النّافِذَةَ لَيْسَتْ إلّا لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لا حُكْمَ لِلْأشْياءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، قالُوا: وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ الإذْنَ عِبارَةٌ عَنِ الإطْلاقِ في الفِعْلِ ورَفْعِ الحَرَجِ. وصَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَبْلَ حُصُولِ هَذا المَعْنى لَيْسَ لَهُ أنْ يُقْدِمَ عَلى هَذا الإيمانِ، ثُمَّ قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ العَقْلِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى والِاشْتِغالَ بِشُكْرِهِ والثَّناءَ عَلَيْهِ لا يَدُلُّ العَقْلُ عَلى حُصُولِ نَفْعٍ فِيهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ ذَلِكَ بِحَسَبِ العَقْلِ، بَيانُ الأوَّلِ أنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَشْكُورِ أوْ إلى الشّاكِرِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ في الشّاهِدِ المَشْكُورُ يَنْتَفِعُ بِالشُّكْرِ فَيَسُرُّهُ الشُّكْرُ ويَسُوءُهُ الكُفْرانُ، فَلا جَرَمَ كانَ الشُّكْرُ حَسَنًا والكُفْرانُ قَبِيحًا، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ لا يَسُرُّهُ الشُّكْرُ ولا يَسُوءُهُ الكُفْرانُ، فَلا يَنْتَفِعُ بِهَذا الشُّكْرِ أصْلًا. والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الشّاكِرَ يَتْعَبُ في الحالِ بِذَلِكَ الشُّكْرِ ويَبْذُلُ الخِدْمَةَ، مَعَ أنَّ المَشْكُورَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ البَتَّةَ. ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الشُّكْرَ عِلَّةُ الثَّوابِ؛ لِأنَّ الِاسْتِحْقاقَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَإنَّ الِاسْتِحْقاقَ عَلى الغَيْرِ إنَّما يُعْقَلُ إذا كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُعْطِ لَأوْجَبَ امْتِناعُهُ مِن إعْطاءِ ذَلِكَ الحَقِّ حُصُولَ نُقْصانٍ في حَقِّهِ، ولَمّا كانَ الحَقُّ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنِ النُّقْصانِ والزِّيادَةِ لَمْ يُعْقَلْ ذَلِكَ في حَقِّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالإيمانِ وبِالشُّكْرِ لا يُفِيدُ نَفْعًا بِحَسَبِ العَقْلِ المَحْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ العَقْلُ مُوجِبًا لَهُ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، قالَ القاضِي: المُرادُ أنَّ الإيمانَ لا يَصْدُرُ عَنْهُ إلّا بِعِلْمِ اللَّهِ أوْ بِتَكْلِيفِهِ أوْ بِإقْدارِهِ عَلَيْهِ. وجَوابُنا: أنَّ حَمْلَ الإذْنِ عَلى ما ذَكَرْتُمْ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، لا سِيَّما وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ العَقْلِيَّ يُقَوِّي قَوْلَنا. صفحة ١٣٥ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”ونَجْعَلُ“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ كِنايَةً عَنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ خالِقَ الكُفْرِ والإيمانِ هو اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الرِّجْسَ قَدْ يُرادُ بِهِ العَمَلُ القَبِيحُ؛ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٣٣]، والمُرادُ مِنَ الرِّجْسِ هَهُنا العَمَلُ القَبِيحُ، سَواءٌ كانَ كُفْرًا أوْ مَعْصِيَةً، وبِالتَّطْهِيرِ نَقْلُ العَبْدِ مِن رِجْسِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ إلى طَهارَةِ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ الرِّجْسَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ. والرِّجْسُ الَّذِي يُقابِلُ الإيمانَ لَيْسَ إلّا الكُفْرَ، فَثَبَتَ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. أجابَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ النَّحْوِيُّ عَنْهُ فَقالَ: الرِّجْسُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العَذابَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ يُلْحِقُ العَذابَ بِهِمْ، كَما قالَ: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الفَتْحِ: ٦] . والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم رِجْسٌ كَما قالَ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] والمَعْنى أنَّ الطَّهارَةَ الثّابِتَةَ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ تَحْصُلْ لَهم. والجَوابُ: أنّا قَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أنَّ الجَهْلَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا لِلْعَبْدِ؛ لِأنَّهُ لا يُرِيدُهُ ولا يَقْصِدُ إلى تَكْوِينِهِ، وإنَّما يُرِيدُ ضِدَّهُ، وإنَّما قَصَدَ إلى تَحْصِيلِ ضِدِّهِ، فَلَوْ كانَ بِهِ لَما حَصَلَ إلّا ما قَصَدَهُ، وأوْرَدْنا السُّؤالاتِ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ وأجَبْنا عَنْها فِيما سَلَفَ مِن هَذا الكِتابِ. وأمّا حَمْلُ الرِّجْسِ عَلى العَذابِ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ الرِّجْسَ عِبارَةٌ عَنِ الفاسِدِ المُسْتَقْذَرِ المُسْتَكْرَهِ، فَحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى جَهْلِهِمْ وكُفْرِهِمْ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ اللَّهِ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا صِدْقًا صَوابًا، وأمّا حَمْلُ لَفْظِ الرِّجْسِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ بِرَجاسَتِهِمْ، فَهو في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ صِفَتُهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنْ صِفَةَ اللَّهِ رِجْسٌ، فَثَبَتَ أنَّ الحُجَّةَ الَّتِي ذَكَرْناها ظاهِرَةٌ.

يونس 10:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ بِكَسْرِ اللّامِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والأصْلُ فِيهِ الكَسْرُ، والباقُونَ بِضَمِّها؛ نَقَلُوا حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآياتِ السّالِفَةِ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، أمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في الدَّلائِلِ حَتّى لا يُتَوَهَّمَ أنَّ الحَقَّ هو الجَبْرُ المَحْضُ، فَقالَ: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى مَطْلُوبَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالتَّدَبُّرِ في الدَّلائِلِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَتَفَكَّرُوا في الخالِقِ» “ . والثّانِي: وهو أنَّ الدَّلائِلَ إمّا أنْ تَكُونَ صفحة ١٣٦ مِن عالَمِ السَّماواتِ أوْ مِن عالَمِ الأرْضِ، أمّا الدَّلائِلُ السَّماوِيَّةُ فَهي حَرَكاتُ الأفْلاكِ ومَقادِيرُها وأوْضاعُها وما فِيها مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وما يَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِنَ المَنافِعِ والفَوائِدِ، وأمّا الدَّلائِلُ الأرْضِيَّةُ فَهي النَّظَرُ في أحْوالِ العَناصِرِ العُلْوِيَّةِ، وفي أحْوالِ المَعادِنِ وأحْوالِ النَّباتِ وأحْوالِ الإنْسانِ خاصَّةً، ثُمَّ يَنْقَسِمُ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأجْناسِ إلى أنْواعٍ لا نِهايَةَ لَها. ولَوْ أنَّ الإنْسانَ أخَذَ يَتَفَكَّرُ في كَيْفِيَّةِ حِكْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في تَخْلِيقِ جَناحِ بَعُوضَةٍ لانْقَطَعَ عَقْلُهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى أقَلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ تِلْكَ الحِكَمِ والفَوائِدِ. ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أكْثَرُ مَن ذَكَرَ هَذِهِ الدَّلائِلَ في القُرْآنِ المَجِيدِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ التَّفْصِيلَ، فَكَأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ، حَتّى إنَّ العاقِلَ يَتَنَبَّهُ لِأقْسامِها، وحِينَئِذٍ يَشْرَعُ في تَفْصِيلِ حِكْمَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِقَدْرِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ والبَشَرِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِهَذا التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَذا التَّفَكُّرَ والتَّدَبُّرَ في هَذِهِ الآياتِ لا يَنْفَعُ في حَقِّ مَن حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ في الأزَلِ بِالشَّقاءِ والضَّلالِ، فَقالَ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ النَّحْوِيُّونَ: ”ما“ في هَذا المَوْضِعِ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ نَفْيًا بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ الآياتِ والنُّذُرَ لا تُفِيدُ الفائِدَةَ في حَقِّ مَن حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، كَقَوْلِكَ: ما يُغْنِي عَنْكَ المالُ إذا لَمْ تُنْفِقْ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، كَقَوْلِكَ: أيُّ شَيْءٍ يُغْنِي عَنْهم، وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآياتُ هي الدَّلائِلُ، والنُّذُرُ: الرُّسُلُ المُنْذِرُونَ أوِ الإنْذاراتُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ: (وما يُغْنِي) بِالياءِ مِن تَحْتُ.

يونس 10:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ المَعْنى: هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا أيّامًا مِثْلَ أيّامِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، والمُرادُ أنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا يَتَوَعَّدُونَ كُفّارَ زَمانِهِمْ بِمَجِيءِ أيّامٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى أنْواعِ العَذابِ، وهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِها ويَسْتَعْجِلُونَها عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، وكَذَلِكَ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَكَذا كانُوا يَفْعَلُونَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةِ نُصَيْرٍ: ”نُنْجِي“ خَفِيفَةً، وقَرَأ الباقُونَ مُشَدَّدَةً، وهُما لُغَتانِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (ثُمَّ) حَرْفُ عَطْفٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ كانَتْ عادَتُنا فِيما مَضى أنْ نُهْلِكَهم سَرِيعًا ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا. صفحة ١٣٧ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا أمَرَ الرَّسُولَ في الآيَةِ الأُولى أنْ يُوافِقَ الكُفّارَ في انْتِظارِ العَذابِ، ذَكَرَ التَّفْصِيلَ فَقالَ: العَذابُ لا يَنْزِلُ إلّا عَلى الكُفّارِ، وأمّا الرَّسُولُ وأتْباعُهُ فَهم أهْلُ النَّجاةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ نَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ ونُهْلِكُ المُشْرِكِينَ، و”حَقًّا عَلَيْنا“ اعْتِراضٌ، يَعْنِي حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ المُرادُ بِهِ الوُجُوبُ؛ لِأنَّ تَخْلِيصَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ إلى الثَّوابِ واجِبٌ، ولَوْلاهُ لَما حَسُنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُلْزِمَهُمُ الأفْعالَ الشّاقَّةَ، وإذا ثَبَتَ وجُوبُهُ لِهَذا السَّبَبِ جَرى مَجْرى قَضاءِ الدَّيْنِ لِلسَّبَبِ المُتَقَدِّمِ. والجَوابُ: أنّا نَقُولُ: إنَّهُ حَقٌّ بِسَبَبِ الوَعْدِ والحُكْمِ، ولا نَقُولُ: إنَّهُ حَقٌّ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى خالِقِهِ شَيْئًا.

يونس 10:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ المَعْنى: هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا أيّامًا مِثْلَ أيّامِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، والمُرادُ أنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا يَتَوَعَّدُونَ كُفّارَ زَمانِهِمْ بِمَجِيءِ أيّامٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى أنْواعِ العَذابِ، وهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِها ويَسْتَعْجِلُونَها عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، وكَذَلِكَ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَكَذا كانُوا يَفْعَلُونَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الكِسائِيُّ في رِوايَةِ نُصَيْرٍ: ”نُنْجِي“ خَفِيفَةً، وقَرَأ الباقُونَ مُشَدَّدَةً، وهُما لُغَتانِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (ثُمَّ) حَرْفُ عَطْفٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ كانَتْ عادَتُنا فِيما مَضى أنْ نُهْلِكَهم سَرِيعًا ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا. صفحة ١٣٧ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا أمَرَ الرَّسُولَ في الآيَةِ الأُولى أنْ يُوافِقَ الكُفّارَ في انْتِظارِ العَذابِ، ذَكَرَ التَّفْصِيلَ فَقالَ: العَذابُ لا يَنْزِلُ إلّا عَلى الكُفّارِ، وأمّا الرَّسُولُ وأتْباعُهُ فَهم أهْلُ النَّجاةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ نَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ ونُهْلِكُ المُشْرِكِينَ، و”حَقًّا عَلَيْنا“ اعْتِراضٌ، يَعْنِي حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ المُرادُ بِهِ الوُجُوبُ؛ لِأنَّ تَخْلِيصَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ إلى الثَّوابِ واجِبٌ، ولَوْلاهُ لَما حَسُنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُلْزِمَهُمُ الأفْعالَ الشّاقَّةَ، وإذا ثَبَتَ وجُوبُهُ لِهَذا السَّبَبِ جَرى مَجْرى قَضاءِ الدَّيْنِ لِلسَّبَبِ المُتَقَدِّمِ. والجَوابُ: أنّا نَقُولُ: إنَّهُ حَقٌّ بِسَبَبِ الوَعْدِ والحُكْمِ، ولا نَقُولُ: إنَّهُ حَقٌّ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى خالِقِهِ شَيْئًا.

يونس 10:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى أقْصى الغاياتِ وأبْلَغِ النِّهاياتِ، أمَرَ رَسُولَهُ بِإظْهارِ دِينِهِ وبِإظْهارِ المُبايَنَةِ عَنِ المُشْرِكِينَ؛ لِكَيْ تَزُولَ الشُّكُوكُ والشُّبُهاتُ في أمْرِهِ وتَخْرُجَ عِبادَةُ اللَّهِ مِن طَرِيقَةِ السِّرِّ إلى الإظْهارِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ما كانُوا يَعْرِفُونَ دِينَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفي الخَبَرِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ: قَدْ صَبَأ، وهو صابِئٌ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ لَهم أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠]، ولِقَوْلِهِ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنْعامِ: ٧٩] ولِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافِرُونَ: ٢]، والمَعْنى أنَّكم إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ دِينِي فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أُمُورًا: فالقَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وإنَّما وجَبَ تَقْدِيمُ هَذا النَّفْيِ لِما ذَكَرْنا أنَّ إزالَةَ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ عَنِ اللَّوْحِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى إثْباتِ النُّقُوشِ الصَّحِيحَةِ في ذَلِكَ اللَّوْحِ، وإنَّما وجَبَ هَذا النَّفْيُ لِأنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، وهي لا تَلِيقُ إلّا بِمَن حَصَلَتْ لَهُ غايَةُ الجَلالِ والإكْرامِ، وأمّا الأوْثانُ فَإنَّها أحْجارٌ، والإنْسانُ أشْرَفُ حالًا مِنها، وكَيْفَ يَلِيقُ بِالأشْرَفِ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ الأخَسِّ. صفحة ١٣٨ القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ. فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ المَعْبُودِ الحَقِّ في هَذا المَقامِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنِّي أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم أوَّلًا، ثُمَّ يَتَوَفّاكم ثانِيًا، ثُمَّ يُعِيدُكم ثالِثًا، وهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ قَدْ قَرَّرْناها في القُرْآنِ مِرارًا وأطْوارًا، فَهَهُنا اكْتَفى بِذِكْرِ التَّوَفِّي مِنها؛ لِكَوْنِهِ مُنَبِّهًا عَلى البَواقِي. الثّانِي: أنَّ المَوْتَ أشَدُّ الأشْياءِ مَهابَةً، فَنَخُصُّ هَذا الوَصْفَ بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ لِيَكُونَ أقْوى في الزَّجْرِ والرَّدْعِ. الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا اسْتَعْجَلُوا نُزُولَ العَذابِ قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ أُولَئِكَ الكُفّارَ ويُبْقِي المُؤْمِنِينَ ويُقَوِّي دَوْلَتَهم، فَلَمّا كانَ قَرِيبَ العَهْدِ بِذِكْرِ هَذا الكَلامِ لا جَرَمَ قالَ هَهُنا: ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى ما قَرَّرَهُ وبَيَّنَهُ في تِلْكَ الآيَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أعْبُدُ ذَلِكَ الَّذِي وعَدَنِي بِإهْلاكِهِمْ وبِإبْقائِي. والقَيْدُ الثّالِثُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العِبادَةَ، وهي مِن جِنْسِ أعْمالِ الجَوارِحِ، انْتَقَلَ مِنها إلى الإيمانِ والمَعْرِفَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما لَمْ يَصِرِ الظّاهِرُ مُزَيَّنًا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ في القَلْبِ نُورُ الإيمانِ والمَعْرِفَةِ. والقَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ حَرْفُ عَطْفٍ، وفي المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: وقِيلَ لِي: كُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ . الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: وأُمِرْتُ بِإقامَةِ الوَجْهِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: وأُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وبِإقامَةِ الوَجْهِ لِلدِّينِ حَنِيفًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إقامَةُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ تَوْجِيهِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ؛ لِأنَّ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَيْءٍ نَظَرًا بِالِاسْتِقْصاءِ، فَإنَّهُ يُقِيمُ وجْهَهُ في مُقابَلَتِهِ بِحَيْثُ لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ لا بِالقَلِيلِ ولا بِالكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ عَنْهُ ولَوْ بِالقَلِيلِ فَقَدْ بَطَلَتْ تِلْكَ المُقابَلَةُ، وإذا بَطَلَتْ تِلْكَ المُقابَلَةُ، فَقَدِ اخْتَلَّ الإبْصارُ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ جَعْلُ إقامَةِ الوَجْهِ لِلدِّينِ كِنايَةً عَنْ صَرْفِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا إلَيْهِ مَيْلًا كُلِّيًّا مُعْرِضًا عَمّا سِواهُ إعْراضًا كُلِّيًّا، وحاصِلُ هَذا الكَلامِ هو الإخْلاصُ التّامُّ، وتَرْكُ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ أوَّلًا: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تَحْصِيلِ أصْلِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِغْراقِ في نُورِ الإيمانِ والإعْراضِ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِواهُ. والقَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا نَهْيًا عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ صارَ مَذْكُورًا بِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى فائِدَةٍ زائِدَةٍ، وهو أنَّ مَن عَرَفَ مَوْلاهُ، فَلَوِ التَفَتَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ كانَ ذَلِكَ شِرْكًا، وهَذا هو الَّذِي تُسَمِّيهِ أصْحابُ القُلُوبِ بِالشِّرْكِ الخَفِيِّ. صفحة ١٣٩ والقَيْدُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مَعْدُومٌ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ، ومَوْجُودٌ بِإيجادِ الحَقِّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَما سِوى الحَقِّ فَلا وُجُودَ لَهُ إلّا بِإيجادِ الحَقِّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نافِعَ إلّا الحَقُّ، ولا ضارَّ إلّا الحَقُّ، فَكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ ولا رُجُوعَ في الدّارَيْنِ إلّا إلى اللَّهِ. ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي لَوِ اشْتَغَلْتَ بِطَلَبِ المَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ مِن غَيْرِ اللَّهِ فَأنْتَ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإذا كانَ ما سِوى الحَقِّ مَعْزُولًا عَنِ التَّصَرُّفِ كانَتْ إضافَةُ التَّصَرُّفِ إلى ما سِوى الحَقِّ وضْعًا لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَيَكُونُ ظُلْمًا. فَإنْ قِيلَ: فَطَلَبُ الشِّبَعِ مِنَ الأكْلِ والرِّيِّ مِنَ الشُّرْبِ هَلْ يَقْدَحُ في ذَلِكَ الإخْلاصِ ؟ قُلْنا: لا؛ لِأنَّ وُجُودَ الخُبْزِ وصِفاتَهُ كُلَّها بِإيجادِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ، وطَلَبُ الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لِلِانْتِفاعِ بِهِ لا يَكُونُ مُنافِيًا لِلرُّجُوعِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ، إلّا أنَّ شَرْطَ هَذا الإخْلاصِ أنْ لا يَقَعَ بَصَرُ عَقْلِهِ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ المَوْجُوداتِ إلّا ويُشاهِدُ بِعَيْنِ عَقْلِهِ أنَّها مَعْدُومَةٌ بِذَواتِها ومَوْجُودَةٌ بِإيجادِ الحَقِّ وحالَّةٌ بِأنْفُسِها وباقِيَةٌ بِإبْقاءِ الحَقِّ، فَحِينَئِذٍ يَرى ما سِوى الحَقِّ عَدَمًا مَحْضًا بِحَسَبِ أنْفُسِها ويَرى نُورَ وُجُودِهِ وفَيْضَ إحْسانِهِ عالِيًا عَلى الكُلِّ.