Lafzullah

Tafsir Al-Razi — يونس 10:105 – هود 11:60

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. يونس 10:105
  2. يونس 10:106
  3. يونس 10:107
  4. يونس 10:108
  5. يونس 10:109
  6. هود 11:1
  7. هود 11:2
  8. هود 11:3
  9. هود 11:4
  10. هود 11:5
  11. هود 11:6
  12. هود 11:7
  13. هود 11:8
  14. هود 11:9
  15. هود 11:10
  16. هود 11:11
  17. هود 11:12
  18. هود 11:13
  19. هود 11:14
  20. هود 11:15
  21. هود 11:16
  22. هود 11:17
  23. هود 11:18
  24. هود 11:19
  25. هود 11:20
  26. هود 11:21
  27. هود 11:22
  28. هود 11:23
  29. هود 11:24
  30. هود 11:25
  31. هود 11:26
  32. هود 11:27
  33. هود 11:28
  34. هود 11:29
  35. هود 11:30
  36. هود 11:31
  37. هود 11:32
  38. هود 11:33
  39. هود 11:34
  40. هود 11:35
  41. هود 11:36
  42. هود 11:37
  43. هود 11:38
  44. هود 11:39
  45. هود 11:40
  46. هود 11:41
  47. هود 11:42
  48. هود 11:43
  49. هود 11:44
  50. هود 11:45
  51. هود 11:46
  52. هود 11:47
  53. هود 11:48
  54. هود 11:49
  55. هود 11:50
  56. هود 11:51
  57. هود 11:52
  58. هود 11:53
  59. هود 11:54
  60. هود 11:55
  61. هود 11:56
  62. هود 11:57
  63. هود 11:58
  64. هود 11:59
  65. هود 11:60

يونس 10:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى أقْصى الغاياتِ وأبْلَغِ النِّهاياتِ، أمَرَ رَسُولَهُ بِإظْهارِ دِينِهِ وبِإظْهارِ المُبايَنَةِ عَنِ المُشْرِكِينَ؛ لِكَيْ تَزُولَ الشُّكُوكُ والشُّبُهاتُ في أمْرِهِ وتَخْرُجَ عِبادَةُ اللَّهِ مِن طَرِيقَةِ السِّرِّ إلى الإظْهارِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ما كانُوا يَعْرِفُونَ دِينَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفي الخَبَرِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ: قَدْ صَبَأ، وهو صابِئٌ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ لَهم أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠]، ولِقَوْلِهِ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنْعامِ: ٧٩] ولِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافِرُونَ: ٢]، والمَعْنى أنَّكم إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ دِينِي فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أُمُورًا: فالقَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وإنَّما وجَبَ تَقْدِيمُ هَذا النَّفْيِ لِما ذَكَرْنا أنَّ إزالَةَ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ عَنِ اللَّوْحِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى إثْباتِ النُّقُوشِ الصَّحِيحَةِ في ذَلِكَ اللَّوْحِ، وإنَّما وجَبَ هَذا النَّفْيُ لِأنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، وهي لا تَلِيقُ إلّا بِمَن حَصَلَتْ لَهُ غايَةُ الجَلالِ والإكْرامِ، وأمّا الأوْثانُ فَإنَّها أحْجارٌ، والإنْسانُ أشْرَفُ حالًا مِنها، وكَيْفَ يَلِيقُ بِالأشْرَفِ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ الأخَسِّ. صفحة ١٣٨ القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ. فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ المَعْبُودِ الحَقِّ في هَذا المَقامِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنِّي أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم أوَّلًا، ثُمَّ يَتَوَفّاكم ثانِيًا، ثُمَّ يُعِيدُكم ثالِثًا، وهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ قَدْ قَرَّرْناها في القُرْآنِ مِرارًا وأطْوارًا، فَهَهُنا اكْتَفى بِذِكْرِ التَّوَفِّي مِنها؛ لِكَوْنِهِ مُنَبِّهًا عَلى البَواقِي. الثّانِي: أنَّ المَوْتَ أشَدُّ الأشْياءِ مَهابَةً، فَنَخُصُّ هَذا الوَصْفَ بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ لِيَكُونَ أقْوى في الزَّجْرِ والرَّدْعِ. الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا اسْتَعْجَلُوا نُزُولَ العَذابِ قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ أُولَئِكَ الكُفّارَ ويُبْقِي المُؤْمِنِينَ ويُقَوِّي دَوْلَتَهم، فَلَمّا كانَ قَرِيبَ العَهْدِ بِذِكْرِ هَذا الكَلامِ لا جَرَمَ قالَ هَهُنا: ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى ما قَرَّرَهُ وبَيَّنَهُ في تِلْكَ الآيَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أعْبُدُ ذَلِكَ الَّذِي وعَدَنِي بِإهْلاكِهِمْ وبِإبْقائِي. والقَيْدُ الثّالِثُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العِبادَةَ، وهي مِن جِنْسِ أعْمالِ الجَوارِحِ، انْتَقَلَ مِنها إلى الإيمانِ والمَعْرِفَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما لَمْ يَصِرِ الظّاهِرُ مُزَيَّنًا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ في القَلْبِ نُورُ الإيمانِ والمَعْرِفَةِ. والقَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ حَرْفُ عَطْفٍ، وفي المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: وقِيلَ لِي: كُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ . الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: وأُمِرْتُ بِإقامَةِ الوَجْهِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: وأُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وبِإقامَةِ الوَجْهِ لِلدِّينِ حَنِيفًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إقامَةُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ تَوْجِيهِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ؛ لِأنَّ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَيْءٍ نَظَرًا بِالِاسْتِقْصاءِ، فَإنَّهُ يُقِيمُ وجْهَهُ في مُقابَلَتِهِ بِحَيْثُ لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ لا بِالقَلِيلِ ولا بِالكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ عَنْهُ ولَوْ بِالقَلِيلِ فَقَدْ بَطَلَتْ تِلْكَ المُقابَلَةُ، وإذا بَطَلَتْ تِلْكَ المُقابَلَةُ، فَقَدِ اخْتَلَّ الإبْصارُ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ جَعْلُ إقامَةِ الوَجْهِ لِلدِّينِ كِنايَةً عَنْ صَرْفِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا إلَيْهِ مَيْلًا كُلِّيًّا مُعْرِضًا عَمّا سِواهُ إعْراضًا كُلِّيًّا، وحاصِلُ هَذا الكَلامِ هو الإخْلاصُ التّامُّ، وتَرْكُ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ أوَّلًا: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تَحْصِيلِ أصْلِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِغْراقِ في نُورِ الإيمانِ والإعْراضِ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِواهُ. والقَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا نَهْيًا عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ صارَ مَذْكُورًا بِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى فائِدَةٍ زائِدَةٍ، وهو أنَّ مَن عَرَفَ مَوْلاهُ، فَلَوِ التَفَتَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ كانَ ذَلِكَ شِرْكًا، وهَذا هو الَّذِي تُسَمِّيهِ أصْحابُ القُلُوبِ بِالشِّرْكِ الخَفِيِّ. صفحة ١٣٩ والقَيْدُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مَعْدُومٌ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ، ومَوْجُودٌ بِإيجادِ الحَقِّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَما سِوى الحَقِّ فَلا وُجُودَ لَهُ إلّا بِإيجادِ الحَقِّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نافِعَ إلّا الحَقُّ، ولا ضارَّ إلّا الحَقُّ، فَكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ ولا رُجُوعَ في الدّارَيْنِ إلّا إلى اللَّهِ. ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي لَوِ اشْتَغَلْتَ بِطَلَبِ المَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ مِن غَيْرِ اللَّهِ فَأنْتَ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإذا كانَ ما سِوى الحَقِّ مَعْزُولًا عَنِ التَّصَرُّفِ كانَتْ إضافَةُ التَّصَرُّفِ إلى ما سِوى الحَقِّ وضْعًا لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَيَكُونُ ظُلْمًا. فَإنْ قِيلَ: فَطَلَبُ الشِّبَعِ مِنَ الأكْلِ والرِّيِّ مِنَ الشُّرْبِ هَلْ يَقْدَحُ في ذَلِكَ الإخْلاصِ ؟ قُلْنا: لا؛ لِأنَّ وُجُودَ الخُبْزِ وصِفاتَهُ كُلَّها بِإيجادِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ، وطَلَبُ الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لِلِانْتِفاعِ بِهِ لا يَكُونُ مُنافِيًا لِلرُّجُوعِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ، إلّا أنَّ شَرْطَ هَذا الإخْلاصِ أنْ لا يَقَعَ بَصَرُ عَقْلِهِ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ المَوْجُوداتِ إلّا ويُشاهِدُ بِعَيْنِ عَقْلِهِ أنَّها مَعْدُومَةٌ بِذَواتِها ومَوْجُودَةٌ بِإيجادِ الحَقِّ وحالَّةٌ بِأنْفُسِها وباقِيَةٌ بِإبْقاءِ الحَقِّ، فَحِينَئِذٍ يَرى ما سِوى الحَقِّ عَدَمًا مَحْضًا بِحَسَبِ أنْفُسِها ويَرى نُورَ وُجُودِهِ وفَيْضَ إحْسانِهِ عالِيًا عَلى الكُلِّ.

يونس 10:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى أقْصى الغاياتِ وأبْلَغِ النِّهاياتِ، أمَرَ رَسُولَهُ بِإظْهارِ دِينِهِ وبِإظْهارِ المُبايَنَةِ عَنِ المُشْرِكِينَ؛ لِكَيْ تَزُولَ الشُّكُوكُ والشُّبُهاتُ في أمْرِهِ وتَخْرُجَ عِبادَةُ اللَّهِ مِن طَرِيقَةِ السِّرِّ إلى الإظْهارِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ما كانُوا يَعْرِفُونَ دِينَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفي الخَبَرِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ: قَدْ صَبَأ، وهو صابِئٌ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ لَهم أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠]، ولِقَوْلِهِ: ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنْعامِ: ٧٩] ولِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافِرُونَ: ٢]، والمَعْنى أنَّكم إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ دِينِي فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أُمُورًا: فالقَيْدُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وإنَّما وجَبَ تَقْدِيمُ هَذا النَّفْيِ لِما ذَكَرْنا أنَّ إزالَةَ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ عَنِ اللَّوْحِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى إثْباتِ النُّقُوشِ الصَّحِيحَةِ في ذَلِكَ اللَّوْحِ، وإنَّما وجَبَ هَذا النَّفْيُ لِأنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، وهي لا تَلِيقُ إلّا بِمَن حَصَلَتْ لَهُ غايَةُ الجَلالِ والإكْرامِ، وأمّا الأوْثانُ فَإنَّها أحْجارٌ، والإنْسانُ أشْرَفُ حالًا مِنها، وكَيْفَ يَلِيقُ بِالأشْرَفِ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ الأخَسِّ. صفحة ١٣٨ القَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ. فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ المَعْبُودِ الحَقِّ في هَذا المَقامِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنِّي أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم أوَّلًا، ثُمَّ يَتَوَفّاكم ثانِيًا، ثُمَّ يُعِيدُكم ثالِثًا، وهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ قَدْ قَرَّرْناها في القُرْآنِ مِرارًا وأطْوارًا، فَهَهُنا اكْتَفى بِذِكْرِ التَّوَفِّي مِنها؛ لِكَوْنِهِ مُنَبِّهًا عَلى البَواقِي. الثّانِي: أنَّ المَوْتَ أشَدُّ الأشْياءِ مَهابَةً، فَنَخُصُّ هَذا الوَصْفَ بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ لِيَكُونَ أقْوى في الزَّجْرِ والرَّدْعِ. الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا اسْتَعْجَلُوا نُزُولَ العَذابِ قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ أُولَئِكَ الكُفّارَ ويُبْقِي المُؤْمِنِينَ ويُقَوِّي دَوْلَتَهم، فَلَمّا كانَ قَرِيبَ العَهْدِ بِذِكْرِ هَذا الكَلامِ لا جَرَمَ قالَ هَهُنا: ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى ما قَرَّرَهُ وبَيَّنَهُ في تِلْكَ الآيَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أعْبُدُ ذَلِكَ الَّذِي وعَدَنِي بِإهْلاكِهِمْ وبِإبْقائِي. والقَيْدُ الثّالِثُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العِبادَةَ، وهي مِن جِنْسِ أعْمالِ الجَوارِحِ، انْتَقَلَ مِنها إلى الإيمانِ والمَعْرِفَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما لَمْ يَصِرِ الظّاهِرُ مُزَيَّنًا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ في القَلْبِ نُورُ الإيمانِ والمَعْرِفَةِ. والقَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ حَرْفُ عَطْفٍ، وفي المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: وقِيلَ لِي: كُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ . الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: وأُمِرْتُ بِإقامَةِ الوَجْهِ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: وأُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وبِإقامَةِ الوَجْهِ لِلدِّينِ حَنِيفًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إقامَةُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ تَوْجِيهِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ؛ لِأنَّ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَيْءٍ نَظَرًا بِالِاسْتِقْصاءِ، فَإنَّهُ يُقِيمُ وجْهَهُ في مُقابَلَتِهِ بِحَيْثُ لا يَصْرِفُهُ عَنْهُ لا بِالقَلِيلِ ولا بِالكَثِيرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ عَنْهُ ولَوْ بِالقَلِيلِ فَقَدْ بَطَلَتْ تِلْكَ المُقابَلَةُ، وإذا بَطَلَتْ تِلْكَ المُقابَلَةُ، فَقَدِ اخْتَلَّ الإبْصارُ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ جَعْلُ إقامَةِ الوَجْهِ لِلدِّينِ كِنايَةً عَنْ صَرْفِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا إلَيْهِ مَيْلًا كُلِّيًّا مُعْرِضًا عَمّا سِواهُ إعْراضًا كُلِّيًّا، وحاصِلُ هَذا الكَلامِ هو الإخْلاصُ التّامُّ، وتَرْكُ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ أوَّلًا: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تَحْصِيلِ أصْلِ الإيمانِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِغْراقِ في نُورِ الإيمانِ والإعْراضِ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِواهُ. والقَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا نَهْيًا عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ صارَ مَذْكُورًا بِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى فائِدَةٍ زائِدَةٍ، وهو أنَّ مَن عَرَفَ مَوْلاهُ، فَلَوِ التَفَتَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ كانَ ذَلِكَ شِرْكًا، وهَذا هو الَّذِي تُسَمِّيهِ أصْحابُ القُلُوبِ بِالشِّرْكِ الخَفِيِّ. صفحة ١٣٩ والقَيْدُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مَعْدُومٌ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ، ومَوْجُودٌ بِإيجادِ الحَقِّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَما سِوى الحَقِّ فَلا وُجُودَ لَهُ إلّا بِإيجادِ الحَقِّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نافِعَ إلّا الحَقُّ، ولا ضارَّ إلّا الحَقُّ، فَكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ ولا رُجُوعَ في الدّارَيْنِ إلّا إلى اللَّهِ. ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي لَوِ اشْتَغَلْتَ بِطَلَبِ المَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ مِن غَيْرِ اللَّهِ فَأنْتَ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإذا كانَ ما سِوى الحَقِّ مَعْزُولًا عَنِ التَّصَرُّفِ كانَتْ إضافَةُ التَّصَرُّفِ إلى ما سِوى الحَقِّ وضْعًا لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَيَكُونُ ظُلْمًا. فَإنْ قِيلَ: فَطَلَبُ الشِّبَعِ مِنَ الأكْلِ والرِّيِّ مِنَ الشُّرْبِ هَلْ يَقْدَحُ في ذَلِكَ الإخْلاصِ ؟ قُلْنا: لا؛ لِأنَّ وُجُودَ الخُبْزِ وصِفاتَهُ كُلَّها بِإيجادِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ، وطَلَبُ الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لِلِانْتِفاعِ بِهِ لا يَكُونُ مُنافِيًا لِلرُّجُوعِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ، إلّا أنَّ شَرْطَ هَذا الإخْلاصِ أنْ لا يَقَعَ بَصَرُ عَقْلِهِ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ المَوْجُوداتِ إلّا ويُشاهِدُ بِعَيْنِ عَقْلِهِ أنَّها مَعْدُومَةٌ بِذَواتِها ومَوْجُودَةٌ بِإيجادِ الحَقِّ وحالَّةٌ بِأنْفُسِها وباقِيَةٌ بِإبْقاءِ الحَقِّ، فَحِينَئِذٍ يَرى ما سِوى الحَقِّ عَدَمًا مَحْضًا بِحَسَبِ أنْفُسِها ويَرى نُورَ وُجُودِهِ وفَيْضَ إحْسانِهِ عالِيًا عَلى الكُلِّ.

يونس 10:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَرَّرَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ مُسْتَنِدَةٌ إلَيْهِ، وجَمِيعَ الكائِناتِ مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ، والعُقُولَ والِهَةٌ فِيهِ، والرَّحْمَةَ والجُودَ والوُجُودَ فائِضٌ مِنهُ. واعْلَمْ أنَّ الشَّيْءَ إمّا أنْ يَكُونَ ضارًّا وإمّا أنْ يَكُونَ نافِعًا، وإمّا أنْ يَكُونَ لا ضارًّا ولا نافِعًا، وهَذانَ القِسْمانِ مُشْتَرِكانِ في اسْمِ الخَيْرِ، ولَمّا كانَ الضُّرُّ أمْرًا وُجُودِيًّا لا جَرَمَ قالَ فِيهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ولَمّا كانَ الخَيْرُ قَدْ يَكُونُ وُجُودِيًّا وقَدْ يَكُونُ عَدَمِيًّا لا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الإمْساسِ فِيهِ، بَلْ قالَ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الضُّرَّ والخَيْرَ واقِعانِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبِقَضائِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الكُفْرُ والإيمانُ والطّاعَةُ والعِصْيانُ والسُّرُورُ والآفاتُ والخَيْراتُ والآلامُ واللَّذّاتُ والرّاحاتُ والجِراحاتُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ إنْ قَضى لِأحَدٍ شَرًّا فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو، وإنْ قَضى لِأحَدٍ خَيْرًا فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ البَتَّةَ. ثُمَّ في الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّهُ تَعالى رَجَّحَ جانِبَ الخَيْرِ عَلى جانِبِ الشَّرِّ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إمْساسَ الضُّرِّ بَيَّنَ أنَّهُ لا كاشِفَ لَهُ إلّا هو، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُزِيلُ المَضارَّ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، ولَمّا ذَكَرَ الخَيْرَ لَمْ يَقُلْ بِأنَّهُ يَدْفَعُهُ، بَلْ قالَ: إنَّهُ لا رادَّ لِفَضْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، وأنَّ الشَّرَّ مَطْلُوبٌ بِالعَرَضِ صفحة ١٤٠ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ رِوايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ أنَّهُ قالَ: ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ . الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الخَيْرِ: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ أقْوى وأغْلَبُ. والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ جانِبِ الرَّحْمَةِ، وحاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ والإبْداعِ، وأنَّهُ لا مُوجِدَ سِواهُ، ولا مَعْبُودَ إلّا إيّاهُ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ الخَيْرَ مُرادٌ بِالذّاتِ، والشَّرَّ مُرادٌ بِالعَرَضِ. وتَحْتَ هَذا البابِ أسْرارٌ عَمِيقَةٌ، فَهَذا ما نَقُولُهُ في هَذِهِ الآيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى في صِفَةِ الأصْنامِ أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها لا تَقْدِرُ أيْضًا عَلى دَفْعِ الضَّرَرِ الواصِلِ مِنَ الغَيْرِ، وعَلى الخَيْرِ الواصِلِ مِنَ الغَيْرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ يَعْنِي بِمَرَضٍ وفَقْرٍ، فَلا دافِعَ لَهُ إلّا هو. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ: هو مِنَ المَقْلُوبِ، مَعْناهُ: وإنْ يُرِدْ بِكَ الخَيْرَ، ولَكِنَّهُ لَمّا تَعَلَّقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ جازَ إبْدالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ. وأقُولُ: التَّقْدِيمُ في اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى زِيادَةِ العِنايَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ هو الإنْسانُ، وسائِرُ الخَيْراتِ مَخْلُوقَةٌ لِأجْلِهِ، فَهَذِهِ الدَّقِيقَةُ لا تُسْتَفادُ إلّا مِن هَذا التَّرْكِيبِ.

يونس 10:108

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ الدَّلائِلَ المَذْكُورَةَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وزَيَّنَ آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ بِهَذِهِ البَياناتِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَبِدًّا بِالخَلْقِ والإبْداعِ والتَّكْوِينِ والِاخْتِراعِ، خَتَمَها بِهَذِهِ الخاتِمَةِ الشَّرِيفَةِ العالِيَةِ، وفي تَفْسِيرِها وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَن حَكَمَ لَهُ في الأزَلِ بِالِاهْتِداءِ، فَسَيَقَعُ لَهُ ذَلِكَ، ومَن حَكَمَ لَهُ بِالضَّلالِ فَكَذَلِكَ، ولا حِيلَةَ في دَفْعِهِ. الثّانِي: وهو الكَلامُ اللّائِقُ بِالمُعْتَزِلَةِ: قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أكْمَلَ الشَّرِيعَةَ وأزاحَ العِلَّةَ وقَطَعَ المَعْذِرَةَ ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ فَلا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ السَّعْيِ في إيصالِكم إلى الثَّوابِ العَظِيمِ، وفي تَخْلِيصِكم مِنَ العَذابِ الألِيمِ أزْيَدُ مِمّا فَعَلْتُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ.

يونس 10:109

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ الخاتِمَةَ بِخاتِمَةٍ أُخْرى لَطِيفَةٍ فَقالَ: ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ . والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِاتِّباعِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، فَإنْ وصَلَ إلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاتِّباعِ مَكْرُوهٌ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ صفحة ١٤١ إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ فِيهِ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ. وأنْشَدَ بَعْضُهم في الصَّبْرِ شِعْرًا فَقالَ: سَأصْبِرُ حَتّى يَعْجِزَ الصَّبْرُ عَنْ صَبْرِي وأصْبِرُ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ في أمْرِي سَأصْبِرُ حَتّى يَعْلَمَ الصَّبْرُ أنَّنِي ∗∗∗ صَبَرْتُ عَلى شَيْءٍ أمَرَّ مِنَ الصَّبْرِ تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ وبِأسْرارِ كِتابِهِ - بِعَوْنِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ. يَقُولُ جامِعُ هَذا الكِتابِ: خَتَمْتُ تَفْسِيرَ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ السَّبْتِ مِن شَهْرِ اللَّهِ الأصَمِّ رَجَبٍ سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، وكُنْتُ ضَيِّقَ الصَّدْرِ كَثِيرَ الحُزْنِ بِسَبَبِ وفاةِ الوَلَدِ الصّالِحِ مُحَمَّدٍ أفاضَ اللَّهُ عَلى رُوحِهِ وجَسَدِهِ أنْوارَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وأنا ألْتَمِسُ مِن كُلِّ مَن يَقْرَأُ هَذا الكِتابَ ويَنْتَفِعُ بِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَخُصَّ ذَلِكَ المِسْكِينَ وهَذا المِسْكِينَ بِالدُّعاءِ والرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

هود 11:1

صفحة ١٤٢ [ سُورَةُ هُودٍ ] مَكِّيَّةٌ، إلّا الآياتِ: ١٢ و١٧ و١١٤ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها ١٢٣، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ يُونُسَ ﷽ ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ﷽ ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الر﴾ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ. وقَوْلُهُ ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ صِفَةٌ لِلْكِتابِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ﴿الر﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ خَبَرٌ؛ لِأنَّ ﴿الر﴾ لَيْسَ هو المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وحْدَهُ. وهَذا الِاعْتِراضُ فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِ الشَّيْءِ مُبْتَدَأً أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ مَحْصُورًا فِيهِ، ولا أدْرِي كَيْفَ وقَعَ لِلزَّجّاجِ هَذا السُّؤالُ، ثُمَّ إنَّ الزَّجّاجَ اخْتارَ قَوْلًا آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الر هَذا كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَقَعُ قَوْلُهُ: ﴿الر﴾ كَلامًا باطِلًا لا فائِدَةَ فِيهِ. والثّانِي: أنَّكَ إذا قُلْتَ: هَذا كِتابٌ، فَقَوْلُهُ: ”هَذا“ يَكُونُ إشارَةً إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿الر﴾ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ ﴿الر﴾ مُخْبَرًا عَنْهُ بِأنَّهُ كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ، فَيَلْزَمُهُ عَلى هَذا القَوْلِ ما لَمْ يَرْضَ بِهِ في القَوْلِ الأوَّلِ، فَثَبَتَ أنَّ الصَّوابَ ما ذَكَرْناهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ نُظِمَتْ نَظْمًا رَصِيفًا مُحْكَمًا لا يَقَعُ فِيهِ نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، كالبِناءِ المُحْكَمِ المُرَصَّفِ. الثّانِي: أنَّ الإحْكامَ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الفَسادِ مِنَ الشَّيْءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ أيْ لَمْ تُنْسَخْ بِكِتابٍ كَما نُسِخَتِ الكُتُبُ والشَّرائِعُ بِها. واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ كُلُّ الكِتابِ مُحْكَمًا؛ لِأنَّهُ حَصَلَ فِيهِ آياتٌ مَنسُوخَةٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ الغالِبُ كَذَلِكَ صَحَّ إطْلاقُ هَذا الوَصْفِ عَلَيْهِ إجْراءً لِلْحُكْمِ الثّابِتِ في الغالِبِ مُجْرى الحُكْمِ الثّابِتِ في صفحة ١٤٣ الكُلِّ. الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَقْلًا بِالهَمْزَةِ مِن حَكُمَ بِضَمِّ الكافِ إذا صارَ حَكِيمًا، أيْ جُعِلَتْ حَكِيمَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يُونُسَ: ١] . الرّابِعُ: جُعِلَتْ آياتُهُ مُحْكَمَةً في أُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ مَعانِيَ هَذا الكِتابِ هي التَّوْحِيدُ، والعَدْلُ، والنُّبُوَّةُ، والمَعادُ، وهَذِهِ المَعانِي لا تَقْبَلُ النَّسْخَ، فَهي في غايَةِ الإحْكامِ. وثانِيها: أنَّ الآياتِ الوارِدَةَ فِيهِ غَيْرُ مُتَناقِضَةٍ، والتَّناقُضُ ضِدُّ الإحْكامِ، فَإذا خَلَتْ آياتُهُ عَنِ التَّناقُضِ فَقَدْ حَصَلَ الإحْكامُ. وثالِثُها: أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الآياتِ بَلَغَتْ في الفَصاحَةِ والجَزالَةِ إلى حَيْثُ لا تَقْبَلُ المُعارَضَةَ، وهَذا أيْضًا مُشْعِرٌ بِالقُوَّةِ والإحْكامِ. ورابِعُها: أنَّ العُلُومَ الدِّينِيَّةَ إمّا نَظَرِيَّةٌ وإمّا عَمَلِيَّةٌ، أمّا النَّظَرِيَّةُ فَهي مَعْرِفَةُ الإلَهِ تَعالى، ومَعْرِفَةُ المَلائِكَةِ والكُتُبِ والرُّسُلِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا الكِتابُ مُشْتَمِلٌ عَلى شَرائِفِ هَذِهِ العُلُومِ ولَطائِفِها، وأمّا العَمَلِيَّةُ فَهي إمّا أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنْ تَهْذِيبِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ، وهو الفِقْهُ، أوْ عَنْ تَهْذِيبِ الأحْوالِ الباطِنَةِ، وهي عِلْمُ التَّصْفِيَةِ ورِياضَةُ النَّفْسِ، ولا نَجِدُ كِتابًا في العالَمِ يُساوِي هَذا الكِتابَ في هَذِهِ المَطالِبِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكِتابَ مُشْتَمِلٌ عَلى أشْرَفِ المَطالِبِ الرُّوحانِيَّةِ وأعْلى المَباحِثِ الإلَهِيَّةِ، فَكانَ كِتابًا مُحْكَمًا غَيْرَ قابِلٍ لِلنَّقْضِ والهَدْمِ. وتَمامُ الكَلامِ في تَفْسِيرِ المُحْكَمِ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿فُصِّلَتْ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ هَذا الكِتابَ فُصِّلَ كَما تُفَصَّلُ الدَّلائِلُ بِالفَوائِدِ الرُّوحانِيَّةِ، وهي دَلائِلُ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والقَصَصِ. والثّانِي: أنَّها جُعِلَتْ فُصُولًا سُورَةً سُورَةً، وآيَةً آيَةً. الثّالِثُ: ﴿فُصِّلَتْ﴾ بِمَعْنى أنَّها فُرِّقَتْ في التَّنْزِيلِ وما نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٣٣] والمَعْنى مَجِيءُ هَذِهِ الآياتِ مُتَفَرِّقَةً مُتَعاقِبَةً. الرّابِعُ: فَصْلُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ، أيْ: جُعِلَتْ مُبَيِّنَةً مُلَخِّصَةً. الخامِسُ: جُعِلَتْ فُصُولًا حَلالًا وحَرامًا، وأمْثالًا وتَرْغِيبًا، وتَرْهِيبًا ومَواعِظَ، وأمْرًا ونَهْيًا، لِكُلِّ مَعْنًى فِيها فَصْلٌ قَدْ أُفْرِدَ بِهِ غَيْرَ مُخْتَلِطٍ بِغَيْرِهِ حَتّى تُسْتَكْمَلَ فَوائِدُ كُلِّ واحِدٍ مِنها، ويَحْصُلَ الوُقُوفُ عَلى كُلِّ بابٍ واحِدٍ مِنها عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَعْنى (ثُمَّ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ لَيْسَ لِلتَّراخِي في الوَقْتِ، لَكِنْ في الحالِ، كَما تَقُولُ: هي مُحْكَمَةٌ أحْسَنَ الإحْكامِ، ثُمَّ مُفَصَّلَةٌ أحْسَنَ التَّفْصِيلِ، وكَما تَقُولُ: فُلانٌ كَرِيمُ الأصْلِ ثُمَّ كَرِيمُ الفِعْلِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”أحْكَمْتُ آياتِهِ ثُمَّ فَصَّلْتُ“ أيْ أحْكَمْتُها أنا ثُمَّ فَصَّلْتُها، وعَنْ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ: ”ثُمَّ فَصَلْتُ“ أيْ: فَرَقْتُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: قالَ: المُحْكَمُ هو الَّذِي أتْقَنَهُ فاعِلُهُ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْدِثُ هَذا القُرْآنَ وإلّا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الإحْكامَ لا يَكُونُ إلّا في الأفْعالِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كانَ مَوْجُودًا غَيْرَ مُحْكَمٍ ثُمَّ جَعَلَهُ اللَّهُ مُحْكَمًا؛ لِأنَّ هَذا يَقْتَضِي في بَعْضِهِ الَّذِي جَعَلَهُ مُحْكَمًا أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّ القُرْآنَ بَعْضُهُ قَدِيمٌ وبَعْضُهُ مُحْدَثٌ. الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ فِيهِ انْفِصالٌ وافْتِراقٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْفِصالَ والِافْتِراقَ إنَّما حَصَلَ بِجَعْلِ جاعِلٍ، وتَكْوِينِ مُكَوِّنٍ، وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ صفحة ١٤٤ والمُرادُ مِن عِنْدِهِ، والقَدِيمُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَصَلَ مِن عِنْدِ قَدِيمٍ آخَرَ؛ لِأنَّهُما لَوْ كانا قَدِيمَيْنِ لَمْ يَكُنِ القَوْلُ بِأنَّ أحَدَهُما حَصَلَ مِن عِنْدِ الآخَرِ أوْلى مِنَ العَكْسِ. أجابَ أصْحابُنا بِأنَّ هَذِهِ النُّعُوتَ عائِدَةٌ إلى هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ونَحْنُ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّها مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، وإنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ أمْرٌ آخَرُ سِوى هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَوْلُهُ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنّا ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرٌ و﴿أُحْكِمَتْ﴾ صِفَةٌ لِهَذا الخَبَرِ، وقَوْلَهُ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، والتَّقْدِيرُ: الر كِتابٌ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والتَّقْدِيرُ: الر مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ و﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ أُحْكِمَتْ وفُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ آخِرِها نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ وفُصِّلَتْ مِن لَدُنْ خَبِيرٍ عالِمٍ بِكَيْفِيّاتِ الأُمُورِ.

هود 11:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِأجْلِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وأقُولُ: هَذا التَّأْوِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَقْصُودَ مِن هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ إلّا هَذا الحَرْفُ الواحِدُ، فَكُلُّ مَن صَرَفَ عُمُرَهُ إلى سائِرِ المَطالِبِ، فَقَدْ خابَ وخَسِرَ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، والحَمْلُ عَلى هَذا أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أيْ لا تَعْبُدُوا؛ لِيَكُونَ الأمْرُ مَعْطُوفًا عَلى النَّهْيِ، فَإنَّ كَوْنَهُ بِمَعْنى لِئَلّا تَعْبُدُوا يَمْنَعُ عَطْفَ الأمْرِ عَلَيْهِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ لِيَأْمُرَ النّاسَ أنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ويَقُولَ لَهم: إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّكْلِيفِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإذا قُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، كانَ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّهْيَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والأمْرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو الحَقُّ؛ لِأنّا بَيِّنّا أنَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، وإنَّما حَصَلَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيجادِهِ، والعِبادَةُ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ الخُضُوعِ والخُشُوعِ ونِهايَةِ التَّواضُعِ والتَّذَلُّلِ، وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالخالِقِ المُدَبِّرِ الرَّحِيمِ المُحْسِنِ، فَثَبَتَ أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ مُنْكَرَةٌ، والإعْراضَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُنْكَرٌ. صفحة ١٤٥ واعْلَمْ أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ مَشْرُوطَةٌ بِتَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن لا يَعْرِفُ مَعْبُودَهُ لا يَنْتَفِعُ بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ أمْرًا بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ أوَّلًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالعِبادَةِ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (مِنهُ) عائِدٌ إلى الحَكِيمِ الخَبِيرِ، والمَعْنى: إنَّنِي لَكم نَذِيرٌ وبَشِيرٌ مِن جِهَتِهِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى المَنعِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وعَلى التَّرْغِيبِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَذِيرٌ عَلى الأوَّلِ بِإلْحاقِ العَذابِ الشَّدِيدِ لِمَن لَمْ يَأْتِ بِها، وبَشِيرٌ عَلى الثّانِي بِإلْحاقِ الثَّوابِ العَظِيمِ لِمَن أتى بِها. واعْلَمْ أنَّهُ ﷺ ما بُعِثَ إلّا لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وهو الإنْذارُ عَلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، والبِشارَةُ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي. المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ . والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ واخْتَلَفُوا في بَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ هاتَيْنِ المَرْتَبَتَيْنِ عَلى وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ اطْلُبُوا مِن رَبِّكُمُ المَغْفِرَةَ لِذُنُوبِكم، ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ ذَلِكَ وهو التَّوْبَةُ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى التَّوْبَةِ والمُحَرِّضَ عَلَيْها هو الِاسْتِغْفارُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ المَغْفِرَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلّا بِإظْهارِ التَّوْبَةِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المُذْنِبَ مُعْرِضٌ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، والمُعْرِضُ المُتَمادِي في التَّباعُدِ ما لَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ الإعْراضِ لا يُمْكِنُهُ التَّوَجُّهُ إلى المَقْصُودِ بِالذّاتِ، فالمَقْصُودُ بِالذّاتِ هو التَّوَجُّهُ إلى المَطْلُوبِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِالإعْراضِ عَمّا يُضادُّهُ، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِغْفارَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، وأنَّ التَّوْبَةَ مَطْلُوبَةٌ لِكَوْنِها مِن مُتَمِّماتِ الِاسْتِغْفارِ، وما كانَ آخِرًا في الحُصُولِ كانَ أوَّلًا في الطَّلَبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ الِاسْتِغْفارِ عَلى التَّوْبَةِ. الوَجْهُ الثّانِي في فائِدَةِ هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ المُرادَ: اسْتَغْفِرُوا مِن سالِفِ الذُّنُوبِ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ في المُسْتَأْنَفِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: وأنِ اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، ثُمَّ تُوبُوا مِنَ الأعْمالِ الباطِلَةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: الِاسْتِغْفارُ طَلَبٌ مِنَ اللَّهِ لِإزالَةِ ما لا يَنْبَغِي، والتَّوْبَةُ سَعْيٌ مِنَ الإنْسانِ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي، فَقَدَّمَ الِاسْتِغْفارَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المَرْءَ يَجِبُ أنْ لا يَطْلُبَ الشَّيْءَ إلّا مِن مَوْلاهُ فَإنَّهُ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ، ثُمَّ بَعْدَ الِاسْتِغْفارِ ذَكَرَ التَّوْبَةَ لِأنَّها عَمَلٌ يَأْتِي بِهِ الإنْسانُ ويَتَوَسَّلُ بِهِ إلى دَفْعِ المَكْرُوهِ، والِاسْتِعانَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى مُقَدَّمَةٌ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِسَعْيِ النَّفْسِ. صفحة ١٤٦ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ ذَكَرَ بَعْدَها ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الآثارِ النّافِعَةِ والنَّتائِجِ المَطْلُوبَةِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَطالِبَ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ حُصُولُها في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، أمّا المَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ: فَهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُقْبِلَ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ والمُشْتَغِلَ بِها يَبْقى في الدُّنْيا مُنْتَظِمَ الحالِ مُرَفَّهَ البالِ. * * * وفِي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ وقالَ أيْضًا: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] فَهَذِهِ النُّصُوصُ دالَّةٌ عَلى أنَّ نَصِيبَ المُشْتَغِلِ بِالطّاعاتِ في الدُّنْيا هو الشِّدَّةُ والبَلِيَّةُ. ومُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ نَصِيبَ المُشْتَغِلِ بِالطّاعاتِ الرّاحَةُ في الدُّنْيا، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ كَما اسْتَأْصَلَ أهْلَ القُرى الَّذِينَ كَفَرُوا. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يُوَصِّلُ إلَيْهِمُ الرِّزْقَ كَيْفَ كانَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] . الثّالِثُ: وهو الأقْوى عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ المُشْتَغِلَ بِعِبادَةِ اللَّهِ وبِمَحَبَّةِ اللَّهِ مُشْتَغِلٌ بِحُبِّ شَيْءٍ يَمْتَنِعُ تَغَيُّرُهُ وزَوالُهُ وفَناؤُهُ، فَكُلُّ مَن كانَ إمْعانُهُ في ذَلِكَ الطَّرِيقِ أكْثَرَ وتَوَغُّلُهُ فِيهِ أتَمَّ، كانَ انْقِطاعُهُ عَنِ الخَلْقِ أتَمَّ وأكْمَلَ، وكُلَّما كانَ الكَمالُ في هَذا البابِ أكْثَرَ، كانَ الِابْتِهاجُ والسُّرُورُ أتَمَّ؛ لِأنَّهُ أمِنَ مِن تَغَيُّرِ مَطْلُوبِهِ، وأمِنَ مِن زَوالِ مَحْبُوبِهِ، فَأمّا مَن كانَ مُشْتَغِلًا بِحُبِّ غَيْرِ اللَّهِ، كانَ أبَدًا في ألَمِ الخَوْفِ مِن فَواتِ المَحْبُوبِ وزَوالِهِ، فَكانَ عَيْشُهُ مُنَغَّصًا وقَلْبُهُ مُضْطَرِبًا، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُشْتَغِلِينَ بِخِدْمَتِهِ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] . السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ عَلى أنَّ لِلْعَبْدِ أجَلَيْنِ، وأنَّهُ يَقَعُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ ؟ والجَوابُ: لا. ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ هَذا العَبْدَ لَوِ اشْتَغَلَ بِالعِبادَةِ لَكانَ أجَلُهُ في الوَقْتِ الفُلانِيِّ، ولَوْ أعْرَضَ عَنْها لَكانَ أجَلُهُ في وقْتٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالعِبادَةِ أمْ لا فَإنَّ أجَلَهُ لَيْسَ إلّا في ذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ، فَثَبَتَ أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلًا واحِدًا فَقَطْ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ سَمّى مَنافِعَ الدُّنْيا بِالمَتاعِ ؟ الجَوابُ: لِأجْلِ التَّنْبِيهِ عَلى حَقارَتِها وقِلَّتِها، ونَبَّهَ عَلى كَوْنِها مُنْقَضِيَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى كَوْنِها حَقِيرَةً خَسِيسَةً مُنْقَضِيَةً، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ قالَ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ والمُرادُ مِنهُ السَّعاداتُ الأُخْرَوِيَّةُ، وفِيها لَطائِفُ وفَوائِدُ. الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ مَعْناهُ ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلِ مُوجِبَ فَضْلِهِ ومَعْلُولَهُ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا كانَ في نِهايَةِ البُعْدِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكانَ في غايَةِ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِ أسْبابِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ قَلْبُهُ فَصًّا لِنَقْشِ المَلَكُوتِ، ومِرْآةً يَتَجَلّى بِها قُدْسُ اللّاهُوتِ، إلّا أنَّ العَلائِقَ الجَسَدانِيَّةَ الظُّلْمانِيَّةَ تُكَدِّرُ تِلْكَ الأنْوارَ الرُّوحانِيَّةَ، فَإذا زالَتْ هَذِهِ العَلائِقُ أشْرَقَتْ تِلْكَ الأنْوارُ وتَلَأْلَأتْ تِلْكَ الأضْواءُ، وتَوالَتْ مُوجِباتُ السَّعاداتِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ . صفحة ١٤٧ الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ في الآخِرَةِ مُخْتَلِفَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّها مُقَدَّرَةٌ بِمِقْدارِ الدَّرَجاتِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْ غَيْرِ الحَقِّ والإقْبالُ عَلى عُبُودِيَّةِ الحَقِّ دَرَجاتٍ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، فَكَذَلِكَ مَراتِبُ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في مَنافِعِ الدُّنْيا: ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾، وقالَ في سَعاداتِ الآخِرَةِ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَيْسَ إلّا مِنهُ، ولَيْسَ إلّا بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وإعْطائِهِ وجُودِهِ. وكانَ الشَّيْخُ الإمامُ الوالِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَوْلا الأسْبابُ لَما ارْتابَ مُرْتابٌ، فَأكْثَرُ النّاسِ عُقُولُهم ضَعِيفَةٌ، واشْتِغالُ عُقُولِهِمْ بِهَذِهِ الوَسائِطِ الفانِيَةِ يُعْمِيها عَنْ مُشاهَدَةِ أنَّ الكُلَّ مِنهُ، فَأمّا الَّذِينَ تَوَغَّلُوا في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ وخاضُوا في بِحارِ أنْوارِ الحَقِيقَةِ، عَلِمُوا أنَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، مَوْجُودٌ بِإيجادِهِ، فانْقَطَعَ نَظَرُهم عَمّا سِواهُ، وعَلِمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الضّارُّ والنّافِعُ، والمُعْطِي والمانِعُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأحْوالَ قالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صارَ في الدُّنْيا أعْمى، ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا، والَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ مَن أقْبَلَ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها وطَيِّباتِها قَوِيَ حُبُّهُ لَها ومالَ طَبْعُهُ إلَيْها وعَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيها، فَإذا ماتَ بَقِيَ مَعَهُ ذَلِكَ الحُبُّ الشَّدِيدُ والمَيْلُ التّامُّ، وصارَ عاجِزًا عَنِ الوُصُولِ إلى مَحْبُوبِهِ، فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ البَلاءُ ويَتَكامَلُ الشَّقاءُ، فَهَذا القَدْرُ المَعْلُومُ عِنْدَنا مِن عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأمّا تَفاصِيلُ تِلْكَ الأحْوالِ فَهي غائِبَةٌ عَنّا ما دُمْنا في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فِيهِ دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ هَذا اللَّفْظَ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي أنَّ مَرْجِعَنا إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهُ لا مُدَبِّرَ ولا مُتَصَرِّفَ هُناكَ إلّا هو، والأمْرُ كَذَلِكَ أيْضًا في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، إلّا أنَّ أقْوامًا اشْتَغَلُوا بِالنَّظَرِ إلى الوَسائِطِ فَعَجَزُوا عَنِ الوُصُولِ إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، فَظَنُّوا أنَّهم في دارِ الدُّنْيا قادِرُونَ عَلى شَيْءٍ، وأمّا في دارِ الآخِرَةِ فَهَذا الحالُ الفاسِدُ زائِلٌ أيْضًا، فَلِهَذا المَعْنى بَيَّنَ هَذا الحَصْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأقُولُ: إنَّ هَذا تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وبِشارَةٌ عَظِيمَةٌ مِن سائِرِ الوُجُوهِ. أمّا إنَّهُ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ فَلِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مَرْجِعُنا إلّا إلَيْهِ، وقَوْلَهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، لا دافِعَ لِقَضائِهِ، ولا مانِعَ لِمَشِيئَتِهِ. والرُّجُوعُ إلى الحاكِمِ المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَعَ العُيُوبِ الكَثِيرَةِ والذُّنُوبِ العَظِيمَةِ مُشْكِلٌ، وأمّا إنَّهُ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ فَلِأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَةٍ غالِبَةٍ وجَلالَةٍ عَظِيمَةٍ لِهَذا الحاكِمِ، وعَلى ضَعْفٍ تامٍّ وعَجْزٍ عَظِيمٍ لِهَذا العَبْدِ، والمَلِكُ القاهِرُ العالِي الغالِبُ إذا رَأى عاجِزًا مُشْرِفًا عَلى الهَلاكِ فَإنَّهُ يُخَلِّصُهُ مِنَ الهَلاكِ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ: مَلَكْتَ فاسْجَحْ. يَقُولُ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ: قَدْ أفْنَيْتُ عُمُرِي في خِدْمَةِ العِلْمِ والمُطالَعَةِ لِلْكُتُبِ، ولا رَجاءَ لِي في شَيْءٍ إلّا أنِّي في غايَةِ الذِّلَّةِ والقُصُورِ، والكَرِيمُ إذا قَدَرَ غَفَرَ، وأسْألُكَ يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ويا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ وساتِرَ عُيُوبِ المَعْيُوبِينَ ومُجِيبَ دَعْوَةِ المُضْطَرِّينَ أنْ تُفِيضَ سِجالَ رَحْمَتِكَ عَلى ولَدِي وفِلْذَةِ كَبِدِي، وأنْ تُخَلِّصَنا بِالفَضْلِ والتَّجاوُزِ والجُودِ والكَرَمِ.

هود 11:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِأجْلِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وأقُولُ: هَذا التَّأْوِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَقْصُودَ مِن هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ إلّا هَذا الحَرْفُ الواحِدُ، فَكُلُّ مَن صَرَفَ عُمُرَهُ إلى سائِرِ المَطالِبِ، فَقَدْ خابَ وخَسِرَ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، والحَمْلُ عَلى هَذا أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أيْ لا تَعْبُدُوا؛ لِيَكُونَ الأمْرُ مَعْطُوفًا عَلى النَّهْيِ، فَإنَّ كَوْنَهُ بِمَعْنى لِئَلّا تَعْبُدُوا يَمْنَعُ عَطْفَ الأمْرِ عَلَيْهِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ لِيَأْمُرَ النّاسَ أنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ويَقُولَ لَهم: إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّكْلِيفِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإذا قُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، كانَ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّهْيَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والأمْرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو الحَقُّ؛ لِأنّا بَيِّنّا أنَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، وإنَّما حَصَلَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيجادِهِ، والعِبادَةُ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ الخُضُوعِ والخُشُوعِ ونِهايَةِ التَّواضُعِ والتَّذَلُّلِ، وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالخالِقِ المُدَبِّرِ الرَّحِيمِ المُحْسِنِ، فَثَبَتَ أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ مُنْكَرَةٌ، والإعْراضَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُنْكَرٌ. صفحة ١٤٥ واعْلَمْ أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ مَشْرُوطَةٌ بِتَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن لا يَعْرِفُ مَعْبُودَهُ لا يَنْتَفِعُ بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ أمْرًا بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ أوَّلًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالعِبادَةِ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (مِنهُ) عائِدٌ إلى الحَكِيمِ الخَبِيرِ، والمَعْنى: إنَّنِي لَكم نَذِيرٌ وبَشِيرٌ مِن جِهَتِهِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى المَنعِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وعَلى التَّرْغِيبِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَذِيرٌ عَلى الأوَّلِ بِإلْحاقِ العَذابِ الشَّدِيدِ لِمَن لَمْ يَأْتِ بِها، وبَشِيرٌ عَلى الثّانِي بِإلْحاقِ الثَّوابِ العَظِيمِ لِمَن أتى بِها. واعْلَمْ أنَّهُ ﷺ ما بُعِثَ إلّا لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وهو الإنْذارُ عَلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، والبِشارَةُ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي. المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ . والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ واخْتَلَفُوا في بَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ هاتَيْنِ المَرْتَبَتَيْنِ عَلى وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ اطْلُبُوا مِن رَبِّكُمُ المَغْفِرَةَ لِذُنُوبِكم، ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ ذَلِكَ وهو التَّوْبَةُ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى التَّوْبَةِ والمُحَرِّضَ عَلَيْها هو الِاسْتِغْفارُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ المَغْفِرَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلّا بِإظْهارِ التَّوْبَةِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المُذْنِبَ مُعْرِضٌ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، والمُعْرِضُ المُتَمادِي في التَّباعُدِ ما لَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ الإعْراضِ لا يُمْكِنُهُ التَّوَجُّهُ إلى المَقْصُودِ بِالذّاتِ، فالمَقْصُودُ بِالذّاتِ هو التَّوَجُّهُ إلى المَطْلُوبِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِالإعْراضِ عَمّا يُضادُّهُ، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِغْفارَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، وأنَّ التَّوْبَةَ مَطْلُوبَةٌ لِكَوْنِها مِن مُتَمِّماتِ الِاسْتِغْفارِ، وما كانَ آخِرًا في الحُصُولِ كانَ أوَّلًا في الطَّلَبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ الِاسْتِغْفارِ عَلى التَّوْبَةِ. الوَجْهُ الثّانِي في فائِدَةِ هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ المُرادَ: اسْتَغْفِرُوا مِن سالِفِ الذُّنُوبِ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ في المُسْتَأْنَفِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: وأنِ اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، ثُمَّ تُوبُوا مِنَ الأعْمالِ الباطِلَةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: الِاسْتِغْفارُ طَلَبٌ مِنَ اللَّهِ لِإزالَةِ ما لا يَنْبَغِي، والتَّوْبَةُ سَعْيٌ مِنَ الإنْسانِ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي، فَقَدَّمَ الِاسْتِغْفارَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المَرْءَ يَجِبُ أنْ لا يَطْلُبَ الشَّيْءَ إلّا مِن مَوْلاهُ فَإنَّهُ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ، ثُمَّ بَعْدَ الِاسْتِغْفارِ ذَكَرَ التَّوْبَةَ لِأنَّها عَمَلٌ يَأْتِي بِهِ الإنْسانُ ويَتَوَسَّلُ بِهِ إلى دَفْعِ المَكْرُوهِ، والِاسْتِعانَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى مُقَدَّمَةٌ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِسَعْيِ النَّفْسِ. صفحة ١٤٦ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ ذَكَرَ بَعْدَها ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الآثارِ النّافِعَةِ والنَّتائِجِ المَطْلُوبَةِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَطالِبَ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ حُصُولُها في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، أمّا المَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ: فَهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُقْبِلَ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ والمُشْتَغِلَ بِها يَبْقى في الدُّنْيا مُنْتَظِمَ الحالِ مُرَفَّهَ البالِ. * * * وفِي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ وقالَ أيْضًا: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] فَهَذِهِ النُّصُوصُ دالَّةٌ عَلى أنَّ نَصِيبَ المُشْتَغِلِ بِالطّاعاتِ في الدُّنْيا هو الشِّدَّةُ والبَلِيَّةُ. ومُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ نَصِيبَ المُشْتَغِلِ بِالطّاعاتِ الرّاحَةُ في الدُّنْيا، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ كَما اسْتَأْصَلَ أهْلَ القُرى الَّذِينَ كَفَرُوا. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يُوَصِّلُ إلَيْهِمُ الرِّزْقَ كَيْفَ كانَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] . الثّالِثُ: وهو الأقْوى عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ المُشْتَغِلَ بِعِبادَةِ اللَّهِ وبِمَحَبَّةِ اللَّهِ مُشْتَغِلٌ بِحُبِّ شَيْءٍ يَمْتَنِعُ تَغَيُّرُهُ وزَوالُهُ وفَناؤُهُ، فَكُلُّ مَن كانَ إمْعانُهُ في ذَلِكَ الطَّرِيقِ أكْثَرَ وتَوَغُّلُهُ فِيهِ أتَمَّ، كانَ انْقِطاعُهُ عَنِ الخَلْقِ أتَمَّ وأكْمَلَ، وكُلَّما كانَ الكَمالُ في هَذا البابِ أكْثَرَ، كانَ الِابْتِهاجُ والسُّرُورُ أتَمَّ؛ لِأنَّهُ أمِنَ مِن تَغَيُّرِ مَطْلُوبِهِ، وأمِنَ مِن زَوالِ مَحْبُوبِهِ، فَأمّا مَن كانَ مُشْتَغِلًا بِحُبِّ غَيْرِ اللَّهِ، كانَ أبَدًا في ألَمِ الخَوْفِ مِن فَواتِ المَحْبُوبِ وزَوالِهِ، فَكانَ عَيْشُهُ مُنَغَّصًا وقَلْبُهُ مُضْطَرِبًا، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُشْتَغِلِينَ بِخِدْمَتِهِ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] . السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ عَلى أنَّ لِلْعَبْدِ أجَلَيْنِ، وأنَّهُ يَقَعُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ ؟ والجَوابُ: لا. ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ هَذا العَبْدَ لَوِ اشْتَغَلَ بِالعِبادَةِ لَكانَ أجَلُهُ في الوَقْتِ الفُلانِيِّ، ولَوْ أعْرَضَ عَنْها لَكانَ أجَلُهُ في وقْتٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالعِبادَةِ أمْ لا فَإنَّ أجَلَهُ لَيْسَ إلّا في ذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ، فَثَبَتَ أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلًا واحِدًا فَقَطْ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ سَمّى مَنافِعَ الدُّنْيا بِالمَتاعِ ؟ الجَوابُ: لِأجْلِ التَّنْبِيهِ عَلى حَقارَتِها وقِلَّتِها، ونَبَّهَ عَلى كَوْنِها مُنْقَضِيَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى كَوْنِها حَقِيرَةً خَسِيسَةً مُنْقَضِيَةً، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ قالَ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ والمُرادُ مِنهُ السَّعاداتُ الأُخْرَوِيَّةُ، وفِيها لَطائِفُ وفَوائِدُ. الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ مَعْناهُ ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلِ مُوجِبَ فَضْلِهِ ومَعْلُولَهُ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا كانَ في نِهايَةِ البُعْدِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكانَ في غايَةِ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِ أسْبابِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ قَلْبُهُ فَصًّا لِنَقْشِ المَلَكُوتِ، ومِرْآةً يَتَجَلّى بِها قُدْسُ اللّاهُوتِ، إلّا أنَّ العَلائِقَ الجَسَدانِيَّةَ الظُّلْمانِيَّةَ تُكَدِّرُ تِلْكَ الأنْوارَ الرُّوحانِيَّةَ، فَإذا زالَتْ هَذِهِ العَلائِقُ أشْرَقَتْ تِلْكَ الأنْوارُ وتَلَأْلَأتْ تِلْكَ الأضْواءُ، وتَوالَتْ مُوجِباتُ السَّعاداتِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ . صفحة ١٤٧ الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ في الآخِرَةِ مُخْتَلِفَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّها مُقَدَّرَةٌ بِمِقْدارِ الدَّرَجاتِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْ غَيْرِ الحَقِّ والإقْبالُ عَلى عُبُودِيَّةِ الحَقِّ دَرَجاتٍ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، فَكَذَلِكَ مَراتِبُ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في مَنافِعِ الدُّنْيا: ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾، وقالَ في سَعاداتِ الآخِرَةِ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَيْسَ إلّا مِنهُ، ولَيْسَ إلّا بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وإعْطائِهِ وجُودِهِ. وكانَ الشَّيْخُ الإمامُ الوالِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَوْلا الأسْبابُ لَما ارْتابَ مُرْتابٌ، فَأكْثَرُ النّاسِ عُقُولُهم ضَعِيفَةٌ، واشْتِغالُ عُقُولِهِمْ بِهَذِهِ الوَسائِطِ الفانِيَةِ يُعْمِيها عَنْ مُشاهَدَةِ أنَّ الكُلَّ مِنهُ، فَأمّا الَّذِينَ تَوَغَّلُوا في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ وخاضُوا في بِحارِ أنْوارِ الحَقِيقَةِ، عَلِمُوا أنَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، مَوْجُودٌ بِإيجادِهِ، فانْقَطَعَ نَظَرُهم عَمّا سِواهُ، وعَلِمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الضّارُّ والنّافِعُ، والمُعْطِي والمانِعُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأحْوالَ قالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صارَ في الدُّنْيا أعْمى، ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا، والَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ مَن أقْبَلَ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها وطَيِّباتِها قَوِيَ حُبُّهُ لَها ومالَ طَبْعُهُ إلَيْها وعَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيها، فَإذا ماتَ بَقِيَ مَعَهُ ذَلِكَ الحُبُّ الشَّدِيدُ والمَيْلُ التّامُّ، وصارَ عاجِزًا عَنِ الوُصُولِ إلى مَحْبُوبِهِ، فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ البَلاءُ ويَتَكامَلُ الشَّقاءُ، فَهَذا القَدْرُ المَعْلُومُ عِنْدَنا مِن عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأمّا تَفاصِيلُ تِلْكَ الأحْوالِ فَهي غائِبَةٌ عَنّا ما دُمْنا في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فِيهِ دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ هَذا اللَّفْظَ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي أنَّ مَرْجِعَنا إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهُ لا مُدَبِّرَ ولا مُتَصَرِّفَ هُناكَ إلّا هو، والأمْرُ كَذَلِكَ أيْضًا في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، إلّا أنَّ أقْوامًا اشْتَغَلُوا بِالنَّظَرِ إلى الوَسائِطِ فَعَجَزُوا عَنِ الوُصُولِ إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، فَظَنُّوا أنَّهم في دارِ الدُّنْيا قادِرُونَ عَلى شَيْءٍ، وأمّا في دارِ الآخِرَةِ فَهَذا الحالُ الفاسِدُ زائِلٌ أيْضًا، فَلِهَذا المَعْنى بَيَّنَ هَذا الحَصْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأقُولُ: إنَّ هَذا تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وبِشارَةٌ عَظِيمَةٌ مِن سائِرِ الوُجُوهِ. أمّا إنَّهُ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ فَلِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مَرْجِعُنا إلّا إلَيْهِ، وقَوْلَهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، لا دافِعَ لِقَضائِهِ، ولا مانِعَ لِمَشِيئَتِهِ. والرُّجُوعُ إلى الحاكِمِ المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَعَ العُيُوبِ الكَثِيرَةِ والذُّنُوبِ العَظِيمَةِ مُشْكِلٌ، وأمّا إنَّهُ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ فَلِأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَةٍ غالِبَةٍ وجَلالَةٍ عَظِيمَةٍ لِهَذا الحاكِمِ، وعَلى ضَعْفٍ تامٍّ وعَجْزٍ عَظِيمٍ لِهَذا العَبْدِ، والمَلِكُ القاهِرُ العالِي الغالِبُ إذا رَأى عاجِزًا مُشْرِفًا عَلى الهَلاكِ فَإنَّهُ يُخَلِّصُهُ مِنَ الهَلاكِ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ: مَلَكْتَ فاسْجَحْ. يَقُولُ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ: قَدْ أفْنَيْتُ عُمُرِي في خِدْمَةِ العِلْمِ والمُطالَعَةِ لِلْكُتُبِ، ولا رَجاءَ لِي في شَيْءٍ إلّا أنِّي في غايَةِ الذِّلَّةِ والقُصُورِ، والكَرِيمُ إذا قَدَرَ غَفَرَ، وأسْألُكَ يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ويا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ وساتِرَ عُيُوبِ المَعْيُوبِينَ ومُجِيبَ دَعْوَةِ المُضْطَرِّينَ أنْ تُفِيضَ سِجالَ رَحْمَتِكَ عَلى ولَدِي وفِلْذَةِ كَبِدِي، وأنْ تُخَلِّصَنا بِالفَضْلِ والتَّجاوُزِ والجُودِ والكَرَمِ.

هود 11:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِأجْلِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وأقُولُ: هَذا التَّأْوِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَقْصُودَ مِن هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ إلّا هَذا الحَرْفُ الواحِدُ، فَكُلُّ مَن صَرَفَ عُمُرَهُ إلى سائِرِ المَطالِبِ، فَقَدْ خابَ وخَسِرَ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، والحَمْلُ عَلى هَذا أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أيْ لا تَعْبُدُوا؛ لِيَكُونَ الأمْرُ مَعْطُوفًا عَلى النَّهْيِ، فَإنَّ كَوْنَهُ بِمَعْنى لِئَلّا تَعْبُدُوا يَمْنَعُ عَطْفَ الأمْرِ عَلَيْهِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ لِيَأْمُرَ النّاسَ أنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ويَقُولَ لَهم: إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّكْلِيفِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإذا قُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، كانَ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّهْيَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والأمْرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو الحَقُّ؛ لِأنّا بَيِّنّا أنَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، وإنَّما حَصَلَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيجادِهِ، والعِبادَةُ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ الخُضُوعِ والخُشُوعِ ونِهايَةِ التَّواضُعِ والتَّذَلُّلِ، وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالخالِقِ المُدَبِّرِ الرَّحِيمِ المُحْسِنِ، فَثَبَتَ أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ مُنْكَرَةٌ، والإعْراضَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُنْكَرٌ. صفحة ١٤٥ واعْلَمْ أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ مَشْرُوطَةٌ بِتَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن لا يَعْرِفُ مَعْبُودَهُ لا يَنْتَفِعُ بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ أمْرًا بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ أوَّلًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالعِبادَةِ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (مِنهُ) عائِدٌ إلى الحَكِيمِ الخَبِيرِ، والمَعْنى: إنَّنِي لَكم نَذِيرٌ وبَشِيرٌ مِن جِهَتِهِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى المَنعِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وعَلى التَّرْغِيبِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَذِيرٌ عَلى الأوَّلِ بِإلْحاقِ العَذابِ الشَّدِيدِ لِمَن لَمْ يَأْتِ بِها، وبَشِيرٌ عَلى الثّانِي بِإلْحاقِ الثَّوابِ العَظِيمِ لِمَن أتى بِها. واعْلَمْ أنَّهُ ﷺ ما بُعِثَ إلّا لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وهو الإنْذارُ عَلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، والبِشارَةُ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي. المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ . والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ واخْتَلَفُوا في بَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ هاتَيْنِ المَرْتَبَتَيْنِ عَلى وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ اطْلُبُوا مِن رَبِّكُمُ المَغْفِرَةَ لِذُنُوبِكم، ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ ذَلِكَ وهو التَّوْبَةُ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى التَّوْبَةِ والمُحَرِّضَ عَلَيْها هو الِاسْتِغْفارُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ المَغْفِرَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلّا بِإظْهارِ التَّوْبَةِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المُذْنِبَ مُعْرِضٌ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، والمُعْرِضُ المُتَمادِي في التَّباعُدِ ما لَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ الإعْراضِ لا يُمْكِنُهُ التَّوَجُّهُ إلى المَقْصُودِ بِالذّاتِ، فالمَقْصُودُ بِالذّاتِ هو التَّوَجُّهُ إلى المَطْلُوبِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِالإعْراضِ عَمّا يُضادُّهُ، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِغْفارَ مَطْلُوبٌ بِالذّاتِ، وأنَّ التَّوْبَةَ مَطْلُوبَةٌ لِكَوْنِها مِن مُتَمِّماتِ الِاسْتِغْفارِ، وما كانَ آخِرًا في الحُصُولِ كانَ أوَّلًا في الطَّلَبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ الِاسْتِغْفارِ عَلى التَّوْبَةِ. الوَجْهُ الثّانِي في فائِدَةِ هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ المُرادَ: اسْتَغْفِرُوا مِن سالِفِ الذُّنُوبِ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ في المُسْتَأْنَفِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: وأنِ اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، ثُمَّ تُوبُوا مِنَ الأعْمالِ الباطِلَةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: الِاسْتِغْفارُ طَلَبٌ مِنَ اللَّهِ لِإزالَةِ ما لا يَنْبَغِي، والتَّوْبَةُ سَعْيٌ مِنَ الإنْسانِ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي، فَقَدَّمَ الِاسْتِغْفارَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المَرْءَ يَجِبُ أنْ لا يَطْلُبَ الشَّيْءَ إلّا مِن مَوْلاهُ فَإنَّهُ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ، ثُمَّ بَعْدَ الِاسْتِغْفارِ ذَكَرَ التَّوْبَةَ لِأنَّها عَمَلٌ يَأْتِي بِهِ الإنْسانُ ويَتَوَسَّلُ بِهِ إلى دَفْعِ المَكْرُوهِ، والِاسْتِعانَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى مُقَدَّمَةٌ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِسَعْيِ النَّفْسِ. صفحة ١٤٦ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ ذَكَرَ بَعْدَها ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الآثارِ النّافِعَةِ والنَّتائِجِ المَطْلُوبَةِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَطالِبَ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ حُصُولُها في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، أمّا المَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ: فَهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُقْبِلَ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ والمُشْتَغِلَ بِها يَبْقى في الدُّنْيا مُنْتَظِمَ الحالِ مُرَفَّهَ البالِ. * * * وفِي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ وقالَ أيْضًا: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] فَهَذِهِ النُّصُوصُ دالَّةٌ عَلى أنَّ نَصِيبَ المُشْتَغِلِ بِالطّاعاتِ في الدُّنْيا هو الشِّدَّةُ والبَلِيَّةُ. ومُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ نَصِيبَ المُشْتَغِلِ بِالطّاعاتِ الرّاحَةُ في الدُّنْيا، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ كَما اسْتَأْصَلَ أهْلَ القُرى الَّذِينَ كَفَرُوا. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يُوَصِّلُ إلَيْهِمُ الرِّزْقَ كَيْفَ كانَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] . الثّالِثُ: وهو الأقْوى عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ المُشْتَغِلَ بِعِبادَةِ اللَّهِ وبِمَحَبَّةِ اللَّهِ مُشْتَغِلٌ بِحُبِّ شَيْءٍ يَمْتَنِعُ تَغَيُّرُهُ وزَوالُهُ وفَناؤُهُ، فَكُلُّ مَن كانَ إمْعانُهُ في ذَلِكَ الطَّرِيقِ أكْثَرَ وتَوَغُّلُهُ فِيهِ أتَمَّ، كانَ انْقِطاعُهُ عَنِ الخَلْقِ أتَمَّ وأكْمَلَ، وكُلَّما كانَ الكَمالُ في هَذا البابِ أكْثَرَ، كانَ الِابْتِهاجُ والسُّرُورُ أتَمَّ؛ لِأنَّهُ أمِنَ مِن تَغَيُّرِ مَطْلُوبِهِ، وأمِنَ مِن زَوالِ مَحْبُوبِهِ، فَأمّا مَن كانَ مُشْتَغِلًا بِحُبِّ غَيْرِ اللَّهِ، كانَ أبَدًا في ألَمِ الخَوْفِ مِن فَواتِ المَحْبُوبِ وزَوالِهِ، فَكانَ عَيْشُهُ مُنَغَّصًا وقَلْبُهُ مُضْطَرِبًا، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُشْتَغِلِينَ بِخِدْمَتِهِ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] . السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ عَلى أنَّ لِلْعَبْدِ أجَلَيْنِ، وأنَّهُ يَقَعُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ ؟ والجَوابُ: لا. ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ هَذا العَبْدَ لَوِ اشْتَغَلَ بِالعِبادَةِ لَكانَ أجَلُهُ في الوَقْتِ الفُلانِيِّ، ولَوْ أعْرَضَ عَنْها لَكانَ أجَلُهُ في وقْتٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالعِبادَةِ أمْ لا فَإنَّ أجَلَهُ لَيْسَ إلّا في ذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ، فَثَبَتَ أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلًا واحِدًا فَقَطْ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ سَمّى مَنافِعَ الدُّنْيا بِالمَتاعِ ؟ الجَوابُ: لِأجْلِ التَّنْبِيهِ عَلى حَقارَتِها وقِلَّتِها، ونَبَّهَ عَلى كَوْنِها مُنْقَضِيَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى كَوْنِها حَقِيرَةً خَسِيسَةً مُنْقَضِيَةً، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ قالَ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ والمُرادُ مِنهُ السَّعاداتُ الأُخْرَوِيَّةُ، وفِيها لَطائِفُ وفَوائِدُ. الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ مَعْناهُ ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلِ مُوجِبَ فَضْلِهِ ومَعْلُولَهُ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا كانَ في نِهايَةِ البُعْدِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكانَ في غايَةِ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِ أسْبابِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ قَلْبُهُ فَصًّا لِنَقْشِ المَلَكُوتِ، ومِرْآةً يَتَجَلّى بِها قُدْسُ اللّاهُوتِ، إلّا أنَّ العَلائِقَ الجَسَدانِيَّةَ الظُّلْمانِيَّةَ تُكَدِّرُ تِلْكَ الأنْوارَ الرُّوحانِيَّةَ، فَإذا زالَتْ هَذِهِ العَلائِقُ أشْرَقَتْ تِلْكَ الأنْوارُ وتَلَأْلَأتْ تِلْكَ الأضْواءُ، وتَوالَتْ مُوجِباتُ السَّعاداتِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ . صفحة ١٤٧ الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ في الآخِرَةِ مُخْتَلِفَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّها مُقَدَّرَةٌ بِمِقْدارِ الدَّرَجاتِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْ غَيْرِ الحَقِّ والإقْبالُ عَلى عُبُودِيَّةِ الحَقِّ دَرَجاتٍ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، فَكَذَلِكَ مَراتِبُ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في مَنافِعِ الدُّنْيا: ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾، وقالَ في سَعاداتِ الآخِرَةِ: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَيْسَ إلّا مِنهُ، ولَيْسَ إلّا بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وإعْطائِهِ وجُودِهِ. وكانَ الشَّيْخُ الإمامُ الوالِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَوْلا الأسْبابُ لَما ارْتابَ مُرْتابٌ، فَأكْثَرُ النّاسِ عُقُولُهم ضَعِيفَةٌ، واشْتِغالُ عُقُولِهِمْ بِهَذِهِ الوَسائِطِ الفانِيَةِ يُعْمِيها عَنْ مُشاهَدَةِ أنَّ الكُلَّ مِنهُ، فَأمّا الَّذِينَ تَوَغَّلُوا في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ وخاضُوا في بِحارِ أنْوارِ الحَقِيقَةِ، عَلِمُوا أنَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، مَوْجُودٌ بِإيجادِهِ، فانْقَطَعَ نَظَرُهم عَمّا سِواهُ، وعَلِمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الضّارُّ والنّافِعُ، والمُعْطِي والمانِعُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأحْوالَ قالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ صارَ في الدُّنْيا أعْمى، ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا، والَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ مَن أقْبَلَ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها وطَيِّباتِها قَوِيَ حُبُّهُ لَها ومالَ طَبْعُهُ إلَيْها وعَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيها، فَإذا ماتَ بَقِيَ مَعَهُ ذَلِكَ الحُبُّ الشَّدِيدُ والمَيْلُ التّامُّ، وصارَ عاجِزًا عَنِ الوُصُولِ إلى مَحْبُوبِهِ، فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ البَلاءُ ويَتَكامَلُ الشَّقاءُ، فَهَذا القَدْرُ المَعْلُومُ عِنْدَنا مِن عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأمّا تَفاصِيلُ تِلْكَ الأحْوالِ فَهي غائِبَةٌ عَنّا ما دُمْنا في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فِيهِ دَقِيقَةٌ، وهي أنَّ هَذا اللَّفْظَ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي أنَّ مَرْجِعَنا إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ، فَيَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهُ لا مُدَبِّرَ ولا مُتَصَرِّفَ هُناكَ إلّا هو، والأمْرُ كَذَلِكَ أيْضًا في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، إلّا أنَّ أقْوامًا اشْتَغَلُوا بِالنَّظَرِ إلى الوَسائِطِ فَعَجَزُوا عَنِ الوُصُولِ إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، فَظَنُّوا أنَّهم في دارِ الدُّنْيا قادِرُونَ عَلى شَيْءٍ، وأمّا في دارِ الآخِرَةِ فَهَذا الحالُ الفاسِدُ زائِلٌ أيْضًا، فَلِهَذا المَعْنى بَيَّنَ هَذا الحَصْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وأقُولُ: إنَّ هَذا تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وبِشارَةٌ عَظِيمَةٌ مِن سائِرِ الوُجُوهِ. أمّا إنَّهُ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ فَلِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مَرْجِعُنا إلّا إلَيْهِ، وقَوْلَهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، لا دافِعَ لِقَضائِهِ، ولا مانِعَ لِمَشِيئَتِهِ. والرُّجُوعُ إلى الحاكِمِ المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَعَ العُيُوبِ الكَثِيرَةِ والذُّنُوبِ العَظِيمَةِ مُشْكِلٌ، وأمّا إنَّهُ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ فَلِأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَةٍ غالِبَةٍ وجَلالَةٍ عَظِيمَةٍ لِهَذا الحاكِمِ، وعَلى ضَعْفٍ تامٍّ وعَجْزٍ عَظِيمٍ لِهَذا العَبْدِ، والمَلِكُ القاهِرُ العالِي الغالِبُ إذا رَأى عاجِزًا مُشْرِفًا عَلى الهَلاكِ فَإنَّهُ يُخَلِّصُهُ مِنَ الهَلاكِ، ومِنهُ المَثَلُ المَشْهُورُ: مَلَكْتَ فاسْجَحْ. يَقُولُ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ: قَدْ أفْنَيْتُ عُمُرِي في خِدْمَةِ العِلْمِ والمُطالَعَةِ لِلْكُتُبِ، ولا رَجاءَ لِي في شَيْءٍ إلّا أنِّي في غايَةِ الذِّلَّةِ والقُصُورِ، والكَرِيمُ إذا قَدَرَ غَفَرَ، وأسْألُكَ يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ ويا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ وساتِرَ عُيُوبِ المَعْيُوبِينَ ومُجِيبَ دَعْوَةِ المُضْطَرِّينَ أنْ تُفِيضَ سِجالَ رَحْمَتِكَ عَلى ولَدِي وفِلْذَةِ كَبِدِي، وأنْ تُخَلِّصَنا بِالفَضْلِ والتَّجاوُزِ والجُودِ والكَرَمِ.

هود 11:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي عَنْ عِبادَتِهِ وطاعَتِهِ ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ ذَلِكَ باطِنًا كالتَّوَلِّي عَنْهُ ظاهِرًا، فَقالَ: ﴿ألا إنَّهُمْ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ مِن قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَيْئَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم، يُقالُ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ إذا عَطَفْتَهُ وطَوَيْتَهُ، وفي الآيَةِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّ طائِفَةً مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا وأرْسَلْنا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا وثَنَيْنا صُدُورَنا عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، فَكَيْفَ يَعْلَمُ بِنا ؟ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ كِنايَةً عَنِ النِّفاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُضْمِرُونَ خِلافَ ما يُظْهِرُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ عَلى أنَّهم يَسْتَخْفُونَ مِنهُ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم. الوَجْهُ الثّانِي: رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ كانَ إذا مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ثَنى صَدْرَهُ ووَلّى ظَهْرَهُ واسْتَغْشى ثِيابَهُ، والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم؛ لِئَلّا يَسْمَعُوا كَلامَ رَسُولِ اللَّهِ وما يَتْلُو مِنَ القُرْآنِ، ولِيَقُولُوا في أنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الطَّعْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا﴾ لِلتَّنْبِيهِ، فَنَبَّهَ أوَّلًا عَلى أنَّهم يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ لِيَسْتَخْفُوا، ثُمَّ كَرَّرَ كَلِمَةَ ﴿ألا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ذِكْرِ الِاسْتِخْفاءِ لِيُنَبِّهَ عَلى وقْتِ اسْتَخْفائِهِمْ، وهو حِينُ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ألا إنَّهم يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، ألا إنَّهم يَسْتَخْفُونَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ لا فائِدَةَ لَهم في اسْتِخْفائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ .

هود 11:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَثَبَتَ أنَّ رِزْقَ كُلِّ حَيَوانٍ إنَّما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لَما حَصَلَتْ هَذِهِ المُهِمّاتُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: الدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّبِيبِ، وبُنِيَتْ هَذِهِ صفحة ١٤٩ اللَّفْظَةُ عَلى هاءِ التَّأْنِيثِ، وأُطْلِقَ عَلى كُلِّ حَيَوانٍ ذِي رُوحٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ عُرْفِ العَرَبِ اخْتُصَّ بِالفَرَسِ، والمُرادُ بِهَذا اللَّفْظِ في هَذِهِ الآيَةِ المَوْضُوعُ الأصْلِيُّ اللُّغَوِيُّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الحَيَواناتِ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ، ولا شَكَّ أنَّ أقْسامَ الحَيَواناتِ وأنْواعَها كَثِيرَةٌ، وهي الأجْناسُ الَّتِي تَكُونُ في البَرِّ والبَحْرِ والجِبالِ، واللَّهُ يُحْصِيها دُونَ غَيْرِهِ، وهو تَعالى عالِمٌ بِكَيْفِيَّةِ طَبائِعِها وأعْضائِها وأحْوالِها وأغْذِيَتِها وسُمُومِها ومَساكِنِها، وما يُوافِقُها وما يُخالِفُها، فالإلَهُ المُدَبِّرُ لِأطْباقِ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وطَبائِعِ الحَيَوانِ والنَّباتِ، كَيْفَ لا يَكُونُ عالِمًا بِأحْوالِها ؟ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ إلَيْهِ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِأحْوالِ أهْلِهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ عَلى صَخْرَةٍ فانْشَقَّتْ وخَرَجَتْ صَخْرَةٌ ثانِيَةٌ، ثُمَّ ضَرَبَ بِعَصاهُ عَلَيْها فانْشَقَّتْ وخَرَجَتْ صَخْرَةٌ ثالِثَةٌ، ثُمَّ ضَرَبَها بِعَصاهُ فانْشَقَّتْ فَخَرَجَتْ مِنها دُودَةٌ كالذَّرَّةِ وفي فَمِها شَيْءٌ يَجْرِي مَجْرى الغِذاءِ لَها، ورُفِعَ الحِجابُ عَنْ سَمْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَسَمِعَ الدُّودَةَ تَقُولُ: سُبْحانَ مَن يَرانِي، ويَسْمَعُ كَلامِي، ويَعْرِفُ مَكانِي، ويَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَعَلَّقَ بَعْضُهم بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى بَعْضُ الأشْياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: إنَّ كَلِمَةَ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيصالَ الرِّزْقِ إلى الدّابَّةِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ. وجَوابُهُ: أنَّهُ واجِبٌ بِحَسَبِ الوَعْدِ والفَضْلِ والإحْسانِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَعَلَّقَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا، قالُوا: لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ إيصالَ الرِّزْقِ إلى كُلِّ حَيَوانٍ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِحَسَبِ الوَعْدِ وبِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ، واللَّهُ تَعالى لا يُحِلُّ بِالواجِبِ، ثُمَّ قَدْ نَرى إنْسانًا لا يَأْكُلُ مِنَ الحَلالِ طُولَ عُمُرِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الحَرامُ رِزْقًا لَكانَ اللَّهُ تَعالى ما أوْصَلَ رِزْقَهُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ تَعالى قَدْ أخَلَّ بِالواجِبِ، وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ الحَرامَ قَدْ يَكُونُ رِزْقًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾ فالمُسْتَقَرُّ هو مَكانُهُ مِنَ الأرْضِ، والمُسْتَوْدَعُ حَيْثُ كانَ مُودَعًا قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ في صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ، وقالَ الفَرّاءُ: مُسْتَقَرُّها: حَيْثُ تَأْوِي إلَيْهِ لَيْلًا أوْ نَهارًا، ومُسْتَوْدَعُها: مَوْضِعُها الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ، وقَدْ مَضى اسْتِقْصاءُ تَفْسِيرِ المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ في سُورَةِ الأنْعامِ. ثُمَّ قالَ: ﴿كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّ ذَلِكَ ثابِتٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهم مَن قالَ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] .

هود 11:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ بِالدَّلِيلِ المُتَقَدِّمِ كَوْنَهُ عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ، أثْبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وفي الحَقِيقَةِ فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ وعَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ. صفحة ١٥٠ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ يُونُسَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ. بَقِيَ هَهُنا أنْ نَذْكُرَ ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى ياقُوتَةً خَضْراءَ، ثُمَّ نَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً يَرْتَعِدُ، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ كَقَوْلِهِمْ: السَّماءُ عَلى الأرْضِ. ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ كَوْنِ أحَدِهِما مُلْتَصِقًا بِالآخَرِ، وكَيْفَ كانَتِ الواقِعَةُ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَرْشَ والماءَ كانا قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُودِ المَلائِكَةِ قَبْلَ خَلْقِهِما؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ ذَلِكَ ولا أحَدَ يَنْتَفِعُ بِالعَرْشِ والماءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَهُما فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ خَلَقَهُما لِمَنفَعَةٍ أوْ لا لِمَنفَعَةٍ. والثّانِي عَبَثٌ، فَبَقِيَ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ خَلَقَهُما لِمَنفَعَةٍ، وتِلْكَ المَنفَعَةُ إمّا أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى اللَّهِ، وهو مُحالٌ؛ لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ، أوْ إلى الغَيْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الغَيْرُ حَيًّا؛ لِأنَّ غَيْرَ الحَيِّ لا يَنْتَفِعُ. وكُلُّ مَن قالَ بِذَلِكَ قالَ: ذَلِكَ الحَيُّ كانَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، وأمّا أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ فَقالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ أيْ: بِناؤُهُ السَّماواتِ كانَ عَلى الماءِ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ ذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إذا بَنى السَّماواتِ عَلى الماءِ كانَتْ أبْدَعَ وأعْجَبَ؛ فَإنَّ البِناءَ الضَّعِيفَ إذا لَمْ يُؤَسَّسْ عَلى أرْضٍ صُلْبَةٍ لَمْ يَثْبُتْ، فَكَيْفَ بِهَذا الأمْرِ العَظِيمِ إذا بُسِطَ عَلى الماءِ ؟ وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ أنَّ عَرْشَهُ كانَ عَلى الماءِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ والجَوابُ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العَرْشَ مَعَ كَوْنِهِ أعْظَمَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ كانَ عَلى الماءِ، فَلَوْلا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إمْساكِ الثَّقِيلِ بِغَيْرِ عَمَدٍ لَما صَحَّ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمْسَكَ الماءَ لا عَلى قَرارٍ وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ أقْسامُ العالَمِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ. والثّالِثُ: أنَّ العَرْشَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ قَدْ أمْسَكَهُ اللَّهُ تَعالى فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ مِن غَيْرِ دِعامَةٍ تَحْتَهُ ولا عَلاقَةٍ فَوْقَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى ما ذَكَرْنا. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما يُرْوى أنَّهُ «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ كانَ رَبُّنا قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ فَقالَ: كانَ في عَماءٍ فَوْقَهُ هَواءٌ وتَحْتَهُ هَواءٌ» . والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ ضَعِيفَةٌ، والأوْلى أنْ يَكُونَ الخَبَرُ المَشْهُورُ أوْلى بِالقَبُولِ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «كانَ اللَّهُ وما كانَ مَعَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ كانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ» . السُّؤالُ الثّالِثُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِابْتِلاءِ المُكَلَّفِ، فَكَيْفَ الحالُ فِيهِ ؟ والجَوابُ: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذا العالَمَ الكَثِيرَ لِمَصْلَحَةِ المُكَلَّفِينَ، وقَدْ قالَ بِهَذا القَوْلِ طَوائِفُ مِنَ العُقَلاءِ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ سِوى الوَجْهِ الَّذِي قالَ بِهِ الآخَرُونَ، وشَرْحُ تِلْكَ المَقالاتِ لا يَلِيقُ بِهَذا الكِتابِ. والَّذِينَ قالُوا: إنَّ أفْعالَهُ وأحْكامَهُ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِالمَصالِحِ قالُوا: لامُ التَّعْلِيلِ ورَدَتْ عَلى ظاهِرِ الأمْرِ، ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ فِعْلًا لَوْ كانَ يَفْعَلُهُ مَن تَجُوزُ عَلَيْهِ رِعايَةُ المَصالِحِ لَما فَعَلَهُ إلّا لِهَذا الغَرَضِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: الِابْتِلاءُ إنَّما يَصِحُّ عَلى الجاهِلِ بِعَواقِبِ الأُمُورِ، وذَلِكَ عَلَيْهِ تَعالى مُحالٌ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ مَعْنى الِابْتِلاءِ في حَقِّهِ ؟ صفحة ١٥١ والجَوابُ: أنَّ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ هَذا العالَمَ لِأجْلِ ابْتِلاءِ المُكَلَّفِينَ وامْتِحانِهِمْ، فَهَذا يُوجِبُ القَطْعَ بِحُصُولِ الحَشْرِ والنَّشْرِ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ والِامْتِحانَ يُوجِبُ تَخْصِيصَ المُحْسِنِ بِالرَّحْمَةِ والثَّوابِ، وتَخْصِيصَ المُسِيءِ بِالعِقابِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ الِاعْتِرافِ بِالمَعادِ والقِيامَةِ، فَعِنْدَ هَذا خاطَبَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: ﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ومَعْناهُ أنَّهم يُنْكِرُونَ هَذا الكَلامَ ويَحْكُمُونَ بِفَسادِ القَوْلِ بِالبَعْثِ. فَإنْ قِيلَ: الَّذِي يُمْكِنُ وصْفُهُ بِأنَّهُ سِحْرٌ ما يَكُونُ فِعْلًا مَخْصُوصًا، وكَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُ هَذا القَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ أنَّ هَذا القَوْلَ خَدِيعَةٌ مِنكم وضَعْتُمُوها لِمَنعِ النّاسِ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا، وإحْرازًا لَهم إلى الِانْقِيادِ لَكم والدُّخُولِ تَحْتَ طاعَتِكم. الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ هو أنَّ السِّحْرَ أمْرٌ باطِلٌ، قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يُونُسَ: ٨١] فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: باطِلٌ مُبِينٌ. الثّالِثُ: أنَّ القُرْآنَ هو الحاكِمُ بِحُصُولِ البَعْثِ، وطَعَنُوا في القُرْآنِ بِكَوْنِهِ سِحْرًا لِأنَّ الطَّعْنَ في الأصْلِ يُفِيدُ الطَّعْنَ في الفَرْعِ. الرّابِعُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”إنْ هَذا إلّا ساحِرٌ“ يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ، والسّاحِرُ كاذِبٌ.

هود 11:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، فَحَكى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ، وهو أنَّهُ مَتى تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِهِ أخَذُوا في الِاسْتِهْزاءِ ويَقُولُونَ: ما السَّبَبُ الَّذِي حَبَسَهُ عَنّا ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ إذا جاءَ الوَقْتُ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لِنُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ لَمْ يَنْصَرِفْ ذَلِكَ العَذابُ عَنْهم، وأحاطَ بِهِمْ ذَلِكَ العَذابُ. بَقِيَ هَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: المُرادُ مِن هَذا العَذابِ هو عَذابُ الدُّنْيا أوْ عَذابُ الآخِرَةِ ؟ الجَوابُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: مَعْنى حُكْمِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا مِنهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وأخَّرَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَمّا أخَّرَ اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ما الَّذِي حَبَسَهُ عَنّا ؟ والثّانِي: أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِالجِهادِ وما نَزَلَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَأوَّلُوا صفحة ١٥٢ قَوْلَهُ: ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ نَزَلَ بِهِمْ هَذا العَذابُ يَوْمَ بَدْرٍ. السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ . الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في الأُمَّةِ هُمُ النّاسُ والفِرْقَةُ، فَإذا قُلْتَ: جاءَنِي أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ، فالمُرادُ طائِفَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القَصَصِ: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] أيْ بَعْدَ انْقِضاءِ أُمَّةٍ وفَنائِها، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ: إلى حِينِ تَنْقَضِي أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ انْقَرَضَتْ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ بِالقَوْلِ، لَقالُوا: ماذا يَحْبِسُهُ عَنّا وقَدِ انْقَرَضَ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ كانُوا مُتَوَعَّدِينَ بِهَذا الوَعِيدِ ؟ وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما يَحْصُلُ فِيهِ كَقَوْلِكَ: كُنْتُ عِنْدَ فُلانٍ صَلاةَ العَصْرِ، أيْ في ذَلِكَ الحِينِ. الثّانِي: أنَّ اشْتِقاقَ الأُمَّةِ مِنَ الأمِّ، وهو القَصْدُ، كَأنَّهُ يَعْنِي الوَقْتَ المَقْصُودَ بِإيقاعِ هَذا المَوْعُودِ فِيهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿وحاقَ﴾ عَلى لَفْظِ الماضِي مَعَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ ؟ والجَوابُ: قَدْ مَرَّ في هَذا الكِتابِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن هَذا الجِنْسِ، والضّابِطُ فِيها أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ أحْوالِ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي مُبالَغَةً في التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ.

هود 11:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ عَذابَ أُولَئِكَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ، وعَلى كَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ ”الإنْسانِ“ في هَذِهِ الآيَةِ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ مُطْلَقُ الإنْسانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ داخِلٌ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُوافِقَةٌ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العَصْرِ: ١- ٣] ومُوافِقَةٌ أيْضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المَعارِجِ: ١٩ -٢١] . الثّالِثُ: أنَّ مِزاجَ الإنْسانِ مَجْبُولٌ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يا ابْنَ آدَمَ، إذا نَزَلَتْ بِكَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ فَأنْتَ كَفُورٌ، فَإذا نُزِعَتْ مِنكَ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ. صفحة ١٥٣ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الكافِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في المُفْرَدِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَوْلا المانِعُ، وهَهُنا لا مانِعَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. والمَعْهُودُ السّابِقُ هو الكافِرُ المَذْكُورُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ. الثّانِي: أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ لِلْإنْسانِ في هَذِهِ الآيَةِ لا تَلِيقُ إلّا بِالكافِرِ؛ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ يَئُوسًا، وذَلِكَ مِن صِفاتِ الكافِرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٧] ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ كَفُورًا، وهو تَصْرِيحٌ بِالكُفْرِ. ووَصَفَهُ أيْضًا بِأنَّهُ عِنْدَ وِجْدانِ الرّاحَةِ يَقُولُ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، وذَلِكَ جَراءَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ فَرِحًا، واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ فَخُورًا، وذَلِكَ لَيْسَ مِن صِفاتِ أهْلِ الدِّينِ. ثُمَّ قالَ النّاظِرُونَ لِهَذا القَوْلِ: وجَبَ أنْ يُحْمَلَ الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ حَتّى لا تَلْزَمْنا هَذِهِ المَحْذُوراتُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ الإذاقَةِ والذَّوْقِ يُفِيدُ أقَلَّ ما يُوجَدُ بِهِ الطَّعْمُ، فَكانَ المُرادُ أنَّ الإنْسانَ بِوِجْدانِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ الخَيْراتِ العاجِلَةِ يَقَعُ في التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ، وبِإدْراكِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ المِحْنَةِ والبَلِيَّةِ يَقَعُ في اليَأْسِ والقُنُوطِ والكُفْرانِ، فالدُّنْيا في نَفْسِها قَلِيلَةٌ، والحاصِلُ مِنها لِلْإنْسانِ الواحِدِ قَلِيلٌ، والإذاقَةُ مِن ذَلِكَ المِقْدارِ خَيْرٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ إنَّهُ في سُرْعَةِ الزَّوالِ يُشْبِهُ أحْلامَ النّائِمِينَ وخَيالاتِ المُوَسْوَسِينَ، فَهَذِهِ الإذاقَةُ قَلِيلٌ مِن قَلِيلٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ لا طاقَةَ لَهُ بِتَحَمُّلِها ولا صَبْرَ لَهُ عَلى الإتْيانِ بِالطَّرِيقِ الحَسَنِ مَعَها. وأمّا النَّعْماءُ فَقالَ الواحِدِيُّ: إنَّها إنْعامٌ يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى صاحِبِهِ، والضَّرّاءُ مَضَرَّةٌ يَظْهَرُ أثَرُها عَلى صاحِبِها؛ لِأنَّها خَرَجَتْ مَخْرَجَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، نَحْوُ حَمْراءَ وعَوْراءَ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ النِّعْمَةِ والنَّعْماءِ، والمَضَرَّةِ والضَّرّاءِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا غَيْرُ باقِيَةٍ، بَلْ هي أبَدًا في التَّغَيُّرِ والزَّوالِ، والتَّحَوُّلِ والِانْتِقالِ، إلّا أنَّ الضّابِطَ فِيهِ أنَّهُ إمّا أنْ يَتَحَوَّلَ مِنَ النِّعْمَةِ إلى المِحْنَةِ، ومِنَ اللَّذّاتِ إلى الآفاتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، وهو أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ المَكْرُوهِ إلى المَحْبُوبِ، ومِنَ المُحَرَّماتِ إلى الطَّيِّباتِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى هَذا الإنْسانِ بِأنَّهُ يَئُوسٌ كَفُورٌ. وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حالَ زَوالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ يَصِيرُ يَئُوسًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ يَعْتَقِدُ أنَّ السَّبَبَ في حُصُولِ تِلْكَ النِّعْمَةِ سَبَبٌ اتِّفاقِيٌّ، ثُمَّ إنَّهُ يَسْتَبْعِدُ حُدُوثَ ذَلِكَ الِاتِّفاقِ مَرَّةً أُخْرى، فَلا جَرَمَ يَسْتَبْعِدُ عَوْدَ تِلْكَ النِّعْمَةِ، فَيَقَعُ في اليَأْسِ. وأمّا المُسْلِمُ الَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ وطَوْلِهِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ اليَأْسُ، بَلْ يَقُولُ: لَعَلَّهُ تَعالى يَرُدُّها إلَيَّ بَعْدَ ذَلِكَ أكْمَلَ وأحْسَنَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ. وأمّا حالَ كَوْنِ تِلْكَ النِّعْمَةِ حاصِلَةً فَإنَّهُ يَكُونُ كَفُورًا؛ لِأنَّهُ لَمّا اعْتَقَدَ أنَّ حُصُولَها إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ أوْ بِسَبَبِ أنَّ الإنْسانَ حَصَّلَها بِسَبَبِ جِدِّهِ وجُهْدِهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَشْتَغِلُ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ. فالحاصِلُ أنَّ الكافِرَ يَكُونُ عِنْدَ زَوالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ يَئُوسًا، وعِنْدَ حُصُولِها يَكُونُ كَفُورًا. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يَنْتَقِلَ الإنْسانُ مِنَ المَكْرُوهِ إلى المَحْبُوبِ، ومِنَ المِحْنَةِ إلى النِّعْمَةِ، فَهَهُنا الكافِرُ يَكُونُ فَرِحًا فَخُورًا. أمّا قُوَّةُ الفَرَحِ فَلِأنَّ مُنْتَهى طَمَعِ الكافِرِ هو الفَوْزُ بِهَذِهِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهو مُنْكِرٌ صفحة ١٥٤ لِلسَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإذا وجَدَ الدُّنْيا فَكَأنَّهُ قَدْ فازَ بِغايَةِ السَّعاداتِ، فَلا جَرَمَ يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِها، وأمّا كَوْنُهُ فَخُورًا فَلِأنَّهُ لَمّا كانَ الفَوْزُ بِسائِرِ المَطْلُوبِ نِهايَةَ السَّعادَةِ لا جَرَمَ يَفْتَخِرُ بِهِ. فَحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكافِرَ عِنْدَ البَلاءِ لا يَكُونُ مِنَ الصّابِرِينَ، وعِنْدَ الفَوْزِ بِالنَّعْماءِ لا يَكُونُ مِنَ الشّاكِرِينَ. ثُمَّ لَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾، والمُرادُ مِنهُ ضِدُّ ما تَقَدَّمَ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ البَلاءِ مِنَ الصّابِرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ الرّاحَةِ والخَيْرِ مِنَ الشّاكِرِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾، فَجَمَعَ لَهم بَيْنَ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ: أحَدُهُما: زَوالُ العِقابِ والخَلاصُ مِنهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ . والثّانِي: الفَوْزُ بِالثَّوابِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ . ومَن وقَفَ عَلى هَذا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَلِمَ أنَّ هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ كَما أنَّهُ مُعْجِزٌ بِحَسَبِ ألْفاظِهِ فَهو أيْضًا مُعْجِزٌ بِحَسَبِ مَعانِيهِ.

هود 11:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ عَذابَ أُولَئِكَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ، وعَلى كَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ ”الإنْسانِ“ في هَذِهِ الآيَةِ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ مُطْلَقُ الإنْسانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ داخِلٌ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُوافِقَةٌ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العَصْرِ: ١- ٣] ومُوافِقَةٌ أيْضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المَعارِجِ: ١٩ -٢١] . الثّالِثُ: أنَّ مِزاجَ الإنْسانِ مَجْبُولٌ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يا ابْنَ آدَمَ، إذا نَزَلَتْ بِكَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ فَأنْتَ كَفُورٌ، فَإذا نُزِعَتْ مِنكَ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ. صفحة ١٥٣ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الكافِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في المُفْرَدِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَوْلا المانِعُ، وهَهُنا لا مانِعَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. والمَعْهُودُ السّابِقُ هو الكافِرُ المَذْكُورُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ. الثّانِي: أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ لِلْإنْسانِ في هَذِهِ الآيَةِ لا تَلِيقُ إلّا بِالكافِرِ؛ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ يَئُوسًا، وذَلِكَ مِن صِفاتِ الكافِرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٧] ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ كَفُورًا، وهو تَصْرِيحٌ بِالكُفْرِ. ووَصَفَهُ أيْضًا بِأنَّهُ عِنْدَ وِجْدانِ الرّاحَةِ يَقُولُ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، وذَلِكَ جَراءَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ فَرِحًا، واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ فَخُورًا، وذَلِكَ لَيْسَ مِن صِفاتِ أهْلِ الدِّينِ. ثُمَّ قالَ النّاظِرُونَ لِهَذا القَوْلِ: وجَبَ أنْ يُحْمَلَ الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ حَتّى لا تَلْزَمْنا هَذِهِ المَحْذُوراتُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ الإذاقَةِ والذَّوْقِ يُفِيدُ أقَلَّ ما يُوجَدُ بِهِ الطَّعْمُ، فَكانَ المُرادُ أنَّ الإنْسانَ بِوِجْدانِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ الخَيْراتِ العاجِلَةِ يَقَعُ في التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ، وبِإدْراكِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ المِحْنَةِ والبَلِيَّةِ يَقَعُ في اليَأْسِ والقُنُوطِ والكُفْرانِ، فالدُّنْيا في نَفْسِها قَلِيلَةٌ، والحاصِلُ مِنها لِلْإنْسانِ الواحِدِ قَلِيلٌ، والإذاقَةُ مِن ذَلِكَ المِقْدارِ خَيْرٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ إنَّهُ في سُرْعَةِ الزَّوالِ يُشْبِهُ أحْلامَ النّائِمِينَ وخَيالاتِ المُوَسْوَسِينَ، فَهَذِهِ الإذاقَةُ قَلِيلٌ مِن قَلِيلٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ لا طاقَةَ لَهُ بِتَحَمُّلِها ولا صَبْرَ لَهُ عَلى الإتْيانِ بِالطَّرِيقِ الحَسَنِ مَعَها. وأمّا النَّعْماءُ فَقالَ الواحِدِيُّ: إنَّها إنْعامٌ يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى صاحِبِهِ، والضَّرّاءُ مَضَرَّةٌ يَظْهَرُ أثَرُها عَلى صاحِبِها؛ لِأنَّها خَرَجَتْ مَخْرَجَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، نَحْوُ حَمْراءَ وعَوْراءَ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ النِّعْمَةِ والنَّعْماءِ، والمَضَرَّةِ والضَّرّاءِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا غَيْرُ باقِيَةٍ، بَلْ هي أبَدًا في التَّغَيُّرِ والزَّوالِ، والتَّحَوُّلِ والِانْتِقالِ، إلّا أنَّ الضّابِطَ فِيهِ أنَّهُ إمّا أنْ يَتَحَوَّلَ مِنَ النِّعْمَةِ إلى المِحْنَةِ، ومِنَ اللَّذّاتِ إلى الآفاتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، وهو أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ المَكْرُوهِ إلى المَحْبُوبِ، ومِنَ المُحَرَّماتِ إلى الطَّيِّباتِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى هَذا الإنْسانِ بِأنَّهُ يَئُوسٌ كَفُورٌ. وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حالَ زَوالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ يَصِيرُ يَئُوسًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ يَعْتَقِدُ أنَّ السَّبَبَ في حُصُولِ تِلْكَ النِّعْمَةِ سَبَبٌ اتِّفاقِيٌّ، ثُمَّ إنَّهُ يَسْتَبْعِدُ حُدُوثَ ذَلِكَ الِاتِّفاقِ مَرَّةً أُخْرى، فَلا جَرَمَ يَسْتَبْعِدُ عَوْدَ تِلْكَ النِّعْمَةِ، فَيَقَعُ في اليَأْسِ. وأمّا المُسْلِمُ الَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ وطَوْلِهِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ اليَأْسُ، بَلْ يَقُولُ: لَعَلَّهُ تَعالى يَرُدُّها إلَيَّ بَعْدَ ذَلِكَ أكْمَلَ وأحْسَنَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ. وأمّا حالَ كَوْنِ تِلْكَ النِّعْمَةِ حاصِلَةً فَإنَّهُ يَكُونُ كَفُورًا؛ لِأنَّهُ لَمّا اعْتَقَدَ أنَّ حُصُولَها إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ أوْ بِسَبَبِ أنَّ الإنْسانَ حَصَّلَها بِسَبَبِ جِدِّهِ وجُهْدِهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَشْتَغِلُ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ. فالحاصِلُ أنَّ الكافِرَ يَكُونُ عِنْدَ زَوالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ يَئُوسًا، وعِنْدَ حُصُولِها يَكُونُ كَفُورًا. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يَنْتَقِلَ الإنْسانُ مِنَ المَكْرُوهِ إلى المَحْبُوبِ، ومِنَ المِحْنَةِ إلى النِّعْمَةِ، فَهَهُنا الكافِرُ يَكُونُ فَرِحًا فَخُورًا. أمّا قُوَّةُ الفَرَحِ فَلِأنَّ مُنْتَهى طَمَعِ الكافِرِ هو الفَوْزُ بِهَذِهِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهو مُنْكِرٌ صفحة ١٥٤ لِلسَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإذا وجَدَ الدُّنْيا فَكَأنَّهُ قَدْ فازَ بِغايَةِ السَّعاداتِ، فَلا جَرَمَ يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِها، وأمّا كَوْنُهُ فَخُورًا فَلِأنَّهُ لَمّا كانَ الفَوْزُ بِسائِرِ المَطْلُوبِ نِهايَةَ السَّعادَةِ لا جَرَمَ يَفْتَخِرُ بِهِ. فَحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكافِرَ عِنْدَ البَلاءِ لا يَكُونُ مِنَ الصّابِرِينَ، وعِنْدَ الفَوْزِ بِالنَّعْماءِ لا يَكُونُ مِنَ الشّاكِرِينَ. ثُمَّ لَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾، والمُرادُ مِنهُ ضِدُّ ما تَقَدَّمَ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ البَلاءِ مِنَ الصّابِرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ الرّاحَةِ والخَيْرِ مِنَ الشّاكِرِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾، فَجَمَعَ لَهم بَيْنَ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ: أحَدُهُما: زَوالُ العِقابِ والخَلاصُ مِنهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ . والثّانِي: الفَوْزُ بِالثَّوابِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ . ومَن وقَفَ عَلى هَذا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَلِمَ أنَّ هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ كَما أنَّهُ مُعْجِزٌ بِحَسَبِ ألْفاظِهِ فَهو أيْضًا مُعْجِزٌ بِحَسَبِ مَعانِيهِ.

هود 11:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ عَذابَ أُولَئِكَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ، وعَلى كَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ ”الإنْسانِ“ في هَذِهِ الآيَةِ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ مُطْلَقُ الإنْسانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ داخِلٌ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُوافِقَةٌ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العَصْرِ: ١- ٣] ومُوافِقَةٌ أيْضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المَعارِجِ: ١٩ -٢١] . الثّالِثُ: أنَّ مِزاجَ الإنْسانِ مَجْبُولٌ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يا ابْنَ آدَمَ، إذا نَزَلَتْ بِكَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ فَأنْتَ كَفُورٌ، فَإذا نُزِعَتْ مِنكَ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ. صفحة ١٥٣ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الكافِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في المُفْرَدِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَوْلا المانِعُ، وهَهُنا لا مانِعَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. والمَعْهُودُ السّابِقُ هو الكافِرُ المَذْكُورُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ. الثّانِي: أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ لِلْإنْسانِ في هَذِهِ الآيَةِ لا تَلِيقُ إلّا بِالكافِرِ؛ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ يَئُوسًا، وذَلِكَ مِن صِفاتِ الكافِرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٧] ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ كَفُورًا، وهو تَصْرِيحٌ بِالكُفْرِ. ووَصَفَهُ أيْضًا بِأنَّهُ عِنْدَ وِجْدانِ الرّاحَةِ يَقُولُ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، وذَلِكَ جَراءَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ فَرِحًا، واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ فَخُورًا، وذَلِكَ لَيْسَ مِن صِفاتِ أهْلِ الدِّينِ. ثُمَّ قالَ النّاظِرُونَ لِهَذا القَوْلِ: وجَبَ أنْ يُحْمَلَ الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ حَتّى لا تَلْزَمْنا هَذِهِ المَحْذُوراتُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ الإذاقَةِ والذَّوْقِ يُفِيدُ أقَلَّ ما يُوجَدُ بِهِ الطَّعْمُ، فَكانَ المُرادُ أنَّ الإنْسانَ بِوِجْدانِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ الخَيْراتِ العاجِلَةِ يَقَعُ في التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ، وبِإدْراكِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ المِحْنَةِ والبَلِيَّةِ يَقَعُ في اليَأْسِ والقُنُوطِ والكُفْرانِ، فالدُّنْيا في نَفْسِها قَلِيلَةٌ، والحاصِلُ مِنها لِلْإنْسانِ الواحِدِ قَلِيلٌ، والإذاقَةُ مِن ذَلِكَ المِقْدارِ خَيْرٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ إنَّهُ في سُرْعَةِ الزَّوالِ يُشْبِهُ أحْلامَ النّائِمِينَ وخَيالاتِ المُوَسْوَسِينَ، فَهَذِهِ الإذاقَةُ قَلِيلٌ مِن قَلِيلٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ لا طاقَةَ لَهُ بِتَحَمُّلِها ولا صَبْرَ لَهُ عَلى الإتْيانِ بِالطَّرِيقِ الحَسَنِ مَعَها. وأمّا النَّعْماءُ فَقالَ الواحِدِيُّ: إنَّها إنْعامٌ يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى صاحِبِهِ، والضَّرّاءُ مَضَرَّةٌ يَظْهَرُ أثَرُها عَلى صاحِبِها؛ لِأنَّها خَرَجَتْ مَخْرَجَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، نَحْوُ حَمْراءَ وعَوْراءَ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ النِّعْمَةِ والنَّعْماءِ، والمَضَرَّةِ والضَّرّاءِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا غَيْرُ باقِيَةٍ، بَلْ هي أبَدًا في التَّغَيُّرِ والزَّوالِ، والتَّحَوُّلِ والِانْتِقالِ، إلّا أنَّ الضّابِطَ فِيهِ أنَّهُ إمّا أنْ يَتَحَوَّلَ مِنَ النِّعْمَةِ إلى المِحْنَةِ، ومِنَ اللَّذّاتِ إلى الآفاتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، وهو أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ المَكْرُوهِ إلى المَحْبُوبِ، ومِنَ المُحَرَّماتِ إلى الطَّيِّباتِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى هَذا الإنْسانِ بِأنَّهُ يَئُوسٌ كَفُورٌ. وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حالَ زَوالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ يَصِيرُ يَئُوسًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ يَعْتَقِدُ أنَّ السَّبَبَ في حُصُولِ تِلْكَ النِّعْمَةِ سَبَبٌ اتِّفاقِيٌّ، ثُمَّ إنَّهُ يَسْتَبْعِدُ حُدُوثَ ذَلِكَ الِاتِّفاقِ مَرَّةً أُخْرى، فَلا جَرَمَ يَسْتَبْعِدُ عَوْدَ تِلْكَ النِّعْمَةِ، فَيَقَعُ في اليَأْسِ. وأمّا المُسْلِمُ الَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ وطَوْلِهِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ اليَأْسُ، بَلْ يَقُولُ: لَعَلَّهُ تَعالى يَرُدُّها إلَيَّ بَعْدَ ذَلِكَ أكْمَلَ وأحْسَنَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ. وأمّا حالَ كَوْنِ تِلْكَ النِّعْمَةِ حاصِلَةً فَإنَّهُ يَكُونُ كَفُورًا؛ لِأنَّهُ لَمّا اعْتَقَدَ أنَّ حُصُولَها إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ أوْ بِسَبَبِ أنَّ الإنْسانَ حَصَّلَها بِسَبَبِ جِدِّهِ وجُهْدِهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَشْتَغِلُ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ. فالحاصِلُ أنَّ الكافِرَ يَكُونُ عِنْدَ زَوالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ يَئُوسًا، وعِنْدَ حُصُولِها يَكُونُ كَفُورًا. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يَنْتَقِلَ الإنْسانُ مِنَ المَكْرُوهِ إلى المَحْبُوبِ، ومِنَ المِحْنَةِ إلى النِّعْمَةِ، فَهَهُنا الكافِرُ يَكُونُ فَرِحًا فَخُورًا. أمّا قُوَّةُ الفَرَحِ فَلِأنَّ مُنْتَهى طَمَعِ الكافِرِ هو الفَوْزُ بِهَذِهِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهو مُنْكِرٌ صفحة ١٥٤ لِلسَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإذا وجَدَ الدُّنْيا فَكَأنَّهُ قَدْ فازَ بِغايَةِ السَّعاداتِ، فَلا جَرَمَ يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِها، وأمّا كَوْنُهُ فَخُورًا فَلِأنَّهُ لَمّا كانَ الفَوْزُ بِسائِرِ المَطْلُوبِ نِهايَةَ السَّعادَةِ لا جَرَمَ يَفْتَخِرُ بِهِ. فَحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكافِرَ عِنْدَ البَلاءِ لا يَكُونُ مِنَ الصّابِرِينَ، وعِنْدَ الفَوْزِ بِالنَّعْماءِ لا يَكُونُ مِنَ الشّاكِرِينَ. ثُمَّ لَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾، والمُرادُ مِنهُ ضِدُّ ما تَقَدَّمَ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ البَلاءِ مِنَ الصّابِرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ الرّاحَةِ والخَيْرِ مِنَ الشّاكِرِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾، فَجَمَعَ لَهم بَيْنَ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ: أحَدُهُما: زَوالُ العِقابِ والخَلاصُ مِنهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ . والثّانِي: الفَوْزُ بِالثَّوابِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ . ومَن وقَفَ عَلى هَذا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَلِمَ أنَّ هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ كَما أنَّهُ مُعْجِزٌ بِحَسَبِ ألْفاظِهِ فَهو أيْضًا مُعْجِزٌ بِحَسَبِ مَعانِيهِ.

هود 11:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن كَلِماتِ الكُفّارِ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ قَلْبَ الرَّسُولِ ضاقَ بِسَبَبِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَوّاهُ وأيَّدَهُ بِالإكْرامِ والتَّأْيِيدِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ «رُؤَساءَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، اجْعَلْ لَنا جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا إنْ كُنْتَ رَسُولًا. وقالَ آخَرُونَ: ائْتِنا بِالمَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ بِنُبُوَّتِكَ. فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ”ائْتِنا بِكِتابٍ لَيْسَ فِيهِ شَتْمُ آلِهَتِنا حَتّى نَتَّبِعَكَ ونُؤْمِنَ بِكَ» “ . وقالَ الحَسَنُ: اطْلُبُوا مِنهُ لا يَقُولُ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥] وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ نِسْبَتُهم إلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ والإصْرارِ عَلى الباطِلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَخُونَ في الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، وأنْ يَتْرُكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْهِ؛ لِأنَّ تَجْوِيزَهُ يُؤَدِّي إلى الشَّكِّ في كُلِّ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في النُّبُوَّةِ، وأيْضًا فالمَقْصُودُ مِنَ الرِّسالَةِ تَبْلِيغُ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ، فَإذا لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الفائِدَةُ فَقَدْ خَرَجَتِ الرِّسالَةُ عَنْ أنْ تُفِيدَ فائِدَتَها المَطْلُوبَةَ مِنها، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ شَيْئًا آخَرَ سِوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَ ذَلِكَ. ولِلنّاسِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في مَعْلُومِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَتْرُكُ التَّقْصِيرَ في أداءِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ لِسَبَبٍ يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أمْثالَ هَذِهِ التَّهَيُّئاتِ البَلِيغَةِ. الثّانِي: أنَّهم كانُوا لا يَعْتَقِدُونَ بِالقُرْآنِ ويَتَهاوَنُونَ بِهِ، فَكانَ يَضِيقُ صَدْرُ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يُلْقِيَ إلَيْهِمْ ما لا يَقْبَلُونَهُ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، فَهَيَّجَهُ اللَّهُ تَعالى لِأداءِ الرِّسالَةِ وطَرْحِ المُبالاةِ بِكَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى اسْتِهْزائِهِمْ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ أدّى ذَلِكَ الوَحْيَ وقَعَ في سُخْرِيَّتِهِمْ وسَفاهَتِهِمْ صفحة ١٥٥ وإنْ لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ الوَحْيَ إلَيْهِمْ وقَعَ في تَرْكِ وحْيِ اللَّهِ تَعالى وفي إيقاعِ الخِيانَةِ فِيهِ، فَإذًا لا بُدَّ مِن تَحَمُّلِ أحَدِ الضَّرَرَيْنِ. وتَحَمُّلُ سَفاهَتِهِمْ أسْهَلُ مِن تَحَمُّلِ إيقاعِ الخِيانَةِ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى، والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ التَّنْبِيهُ عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن طَرَفَيِ الفِعْلِ والتَّرْكِ يَشْتَمِلُ عَلى ضَرَرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ عَلِمَ أنَّ الضَّرَرَ في جانِبِ التَّرْكِ أعْظَمُ وأقْوى سَهُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الفِعْلُ وخَفَّ، فالمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ ما ذَكَرْناهُ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ كَلِمَةُ شَكٍّ فَما الفائِدَةُ فِيها ؟ قُلْنا: المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا أرادُوا إبْعادَهُ عَنْ أمْرٍ: لَعَلَّكَ تَقْدِرُ أنْ تَفْعَلَ كَذا مَعَ أنَّهُ لا شَكَّ فِيهِ، ويَقُولُ لِوَلَدِهِ لَوْ أمَرَهُ: لَعَلَّكَ تُقَصِّرُ فِيما أمَرْتُكَ بِهِ، ويُرِيدُ تَوْكِيدَ الأمْرِ فَمَعْناهُ لا تَتْرُكْ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ فالضّائِقُ بِمَعْنى الضَّيِّقِ، قالَ الواحِدِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الضّائِقَ يَكُونُ بِضِيقٍ عارِضٍ غَيْرِ لازِمٍ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أفْسَحَ النّاسِ صَدْرًا، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ: زَيْدٌ سَيِّدٌ جَوادٌ تُرِيدُ السِّيادَةَ والجُودَ الثّابِتَيْنِ المُسْتَقِرَّيْنِ، فَإذا أرَدْتَ الحُدُوثَ قُلْتَ: سائِدٌ وجائِدٌ، والمَعْنى: ضائِقٌ صَدْرُكَ لِأجْلِ أنْ يَقُولُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ . فَإنْ قِيلَ: الكَنْزُ كَيْفَ يَنْزِلُ ؟ قُلْنا: المُرادُ ما يُكْنَزُ، وجَرَتِ العادَةُ عَلى أنَّهُ يُسَمّى المالُ الكَثِيرُ بِهَذا الِاسْمِ، فَكَأنَّ القَوْمَ قالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا في أنَّكَ رَسُولُ الإلَهِ الَّذِي تَصِفُهُ بِالقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّكَ عَزِيزٌ عِنْدَهُ، فَهَلّا أنْزَلَ عَلَيْكَ ما تَسْتَغْنِي بِهِ وتُغْنِي أحْبابَكَ مِنَ الكَدِّ والعَناءِ وتَسْتَعِينُ بِهِ عَلى مُهِمّاتِكَ وتُعِينُ أنْصارَكَ، وإنْ كُنْتَ صادِقًا فَهَلّا أنْزَلَ اللَّهُ مَعَكَ مَلَكًا يَشْهَدُ لَكَ عَلى صِدْقِ قَوْلِكَ ويُعِينُكَ عَلى تَحْصِيلِ مَقْصُودِكَ، فَتَزُولَ الشُّبْهَةُ في أمْرِكَ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلْ إلَهُكَ ذَلِكَ فَأنْتَ غَيْرُ صادِقٍ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ رَسُولٌ مُنْذِرٌ بِالعِقابِ ومُبَشِّرٌ بِالثَّوابِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى إيجادِ هَذِهِ الأشْياءِ. والَّذِي أرْسَلَهُ هو القادِرُ عَلى ذَلِكَ، فَإنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ وفي حُكْمِهِ. ومَعْنى ﴿وكِيلٌ﴾ حَفِيظٌ أيْ: يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم، أيْ: يُجازِيهِمْ بِها. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفُرْقانِ: ١٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٣] .

هود 11:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَ قالَ: مُعْجِزِي هَذا القُرْآنُ، ولَمّا حَصَلَ المُعْجِزُ الواحِدُ كانَ طَلَبُ صفحة ١٥٦ الزِّيادَةِ بَغْيًا وجَهْلًا، ثُمَّ قَرَّرَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا بِأنْ تَحَدّاهم بِالمُعارَضَةِ. وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ بِالِاسْتِقْصاءِ قَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ وفي سُورَةِ يُونُسَ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿افْتَراهُ﴾ عائِدٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُوحى إلَيْكَ﴾ أيْ: إنْ قالُوا: إنَّ هَذا الَّذِي يُوحى إلَيْكَ مُفْتَرًى فَقُلْ لَهم حَتّى يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِثْلِهِ﴾ بِمَعْنى أمْثالِهِ حَمْلًا عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ السُّوَرِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ هو المَجْمُوعَ؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ السُّوَرِ العَشْرَةِ شَيْءٌ واحِدٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي وقَعَ بِها هَذا التَّحَدِّي مُعَيَّنَةٌ، وهي سُورَةُ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ والنِّساءِ والمائِدَةِ والأنْعامِ والأعْرافِ والأنْفالِ والتَّوْبَةِ ويُونُسَ وهُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ إشارَةٌ إلى السُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ، وهَذا فِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وبَعْضَ السُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ مَدَنِيَّةٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ العَشْرِ سُوَرٍ الَّتِي ما نَزَلَتْ عِنْدَ هَذا الكَلامِ ؟ فالأوْلى أنْ يُقالَ: التَّحَدِّي وقَعَ بِمُطْلَقِ السُّوَرِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها قُوَّةُ تَرْكِيبِ الكَلامِ وتَأْلِيفِهِ. واعْلَمْ أنَّ التَّحَدِّيَ بِعَشْرِ سُوَرٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ سابِقًا عَلى التَّحَدِّي بِسُورَةٍ واحِدَةٍ، وهو مِثْلُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: اكْتُبْ عَشَرَةَ أسْطُرٍ مِثْلَما أكْتُبُ، فَإذا ظَهَرَ عَجْزُهُ عَنْهُ قالَ: قَدِ اقْتَصَرْتُ مِنها عَلى سَطْرٍ واحِدٍ مِثْلِهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: التَّحَدِّي بِالسُّورَةِ الواحِدَةِ ورَدَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي سُورَةِ يُونُسَ كَما تَقَدَّمَ، أمّا تَقَدُّمُ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى سُورَةِ البَقَرَةِ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وسُورَةَ البَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ، وأمّا في سُورَةِ يُونُسَ فالإشْكالُ زائِلٌ أيْضًا؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مَكِّيَّةٌ، والدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ سُورَةُ هُودٍ مُتَقَدِّمَةً في النُّزُولِ عَلى سُورَةِ يُونُسَ حَتّى يَسْتَقِيمَ الكَلامُ الَّذِي ذَكَرْناهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا، فَقالَ بَعْضُهم: هو الفَصاحَةُ، وقالَ بَعْضُهم: هو الأُسْلُوبُ، وقالَ ثالِثٌ: هو عَدَمُ التَّناقُضِ، وقالَ رابِعٌ: هو اشْتِمالُهُ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ، وقالَ خامِسٌ: هو الصَّرْفُ، وقالَ سادِسٌ: هو اشْتِمالُهُ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، والمُخْتارُ عِنْدِي وعِنْدَ الأكْثَرِينَ أنَّهُ مُعْجِزٌ بِسَبَبِ الفَصاحَةِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ وجْهُ الإعْجازِ هو كَثْرَةَ العُلُومِ أوِ الإخْبارَ عَنِ الغُيُوبِ أوْ عَدَمَ التَّناقُضِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ مَعْنًى، أمّا إذا كانَ وجْهُ الإعْجازِ هو الفَصاحَةَ صَحَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ فَصاحَةَ الفَصِيحِ تَظْهَرُ بِالكَلامِ، سَواءٌ كانَ الكَلامُ صِدْقًا أوْ كَذِبًا، وأيْضًا لَوْ كانَ الوَجْهُ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا هو الصَّرْفَ لَكانَ دَلالَةُ الكَلامِ الرَّكِيكِ النّازِلِ في الفَصاحَةِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ أوْكَدَ مِن دَلالَةِ الكَلامِ العالِي في الفَصاحَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ وجْهَ التَّحَدِّي قالَ: ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، والمُرادُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في ادِّعاءِ كَوْنِهِ مُفْتَرًى كَما قالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في إثْباتِ الدِّينِ مِن تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ والبَراهِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أوْرَدَ في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الدَّلِيلَ وهَذِهِ الحُجَّةَ، ولَوْلا أنَّ الدِّينَ لا يَتِمُّ إلّا بِالدَّلِيلِ لَمْ يَكُنْ في ذِكْرِهِ فائِدَةٌ.

هود 11:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلّا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى خِطابَيْنِ: أحَدُهُما: خِطابُ الرَّسُولِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ . والثّانِي: خِطابُ الكُفّارِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فَلَمّا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الكُفّارَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا في المُعارَضَةِ لِتَعَذُّرِها عَلَيْهِمْ، واحْتَمَلَ أنَّ مَن يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ عَلى قَوْلَيْنِ: فَبَعْضُهم قالَ: هَذا خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، والمُرادُ أنَّ الكُفّارَ إنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم في الإتْيانِ بِالمُعارَضَةِ، فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ. والمَعْنى: فاثْبُتُوا عَلى العِلْمِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ وازْدادُوا يَقِينًا وثَباتَ قَدَمٍ عَلى أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: فَهَلْ أنْتُمْ مُخْلِصُونَ. ومِنهم مَن قالَ: فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَقُولُوا أيُّها المُسْلِمُونَ لِلْكُفّارِ: اعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ إذا لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم في الإعانَةِ عَلى المُعارَضَةِ، فاعْلَمُوا أيُّها الكُفّارُ أنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ، فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ بَعْدَ لُزُومِ الحُجَّةِ عَلَيْكم، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: هَذا أوْلى مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّكم في القَوْلِ الأوَّلِ احْتَجْتُمْ إلى أنْ حَمَلْتُمْ قَوْلَهُ: ﴿فاعْلَمُوا﴾ عَلى الأمْرِ بِالثَّباتِ أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ لا حاجَةَ فِيهِ إلى إضْمارٍ، فَكانَ هَذا أوْلى، وأيْضًا فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ واجِبٌ، وأقْرَبُ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ هو هَذا الِاحْتِمالُ الثّانِي، وأيْضًا أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ كانَ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾، والخِطابَ الثّانِيَ كانَ مَعَ جَماعَةِ الكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ الجَماعَةِ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى هَذا الَّذِي قُلْناهُ أوْلى. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَسْتَجِيبُوا فِيهِ ؟ الجَوابُ: المَعْنى: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم في مُعارَضَةِ القُرْآنِ، وقالَ بَعْضُهم: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم في جُمْلَةِ الإيمانِ، وهو بَعِيدٌ. السُّؤالُ الثّانِي: مَنِ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ ؟ والجَوابُ: إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ عَلى المُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ ظاهِرٌ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الرَّسُولِ فَعَنْهُ جَوابانِ: الأوَّلُ: المُرادُ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ كانُوا يَتَحَدُّونَهم، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ لِتَعْظِيمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . السُّؤالُ الثّالِثُ: أيُّ تَعَلُّقٍ بَيْنَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما فِيها مِنَ الجَزاءِ ؟ والجَوابُ: أنَّ القَوْمَ ادَّعَوْا كَوْنَ القُرْآنِ مُفْتَرًى عَلى اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: لَوْ كانَ مُفْتَرًى عَلى اللَّهِ لَوَجَبَ أنْ صفحة ١٥٨ يَقْدِرَ الخَلْقُ عَلى مِثْلِهِ، ولَمّا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ثَبَتَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ ومِن قِبَلِهِ، كَما يَقُولُ الحاكِمُ: هَذا الحُكْمُ جَرى بِعِلْمِي. السُّؤالُ الرّابِعُ: أيُّ تَعَلُّقٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ بِعَجْزِهِمْ عَنِ المُعارَضَةِ ؟ والجَوابُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ حَتّى يَطْلُبَ مِنَ الكُفّارِ أنْ يَسْتَعِينُوا بِالأصْنامِ في تَحْقِيقِ المُعارَضَةِ ثُمَّ ظَهَرَ عَجْزُهم عَنْها فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ البَتَّةَ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ، فَقَدْ بَطَلَ القَوْلُ بِإثْباتِ كَوْنِهِمْ آلِهَةً، فَصارَ عَجْزُ القَوْمِ عَنِ المُعارَضَةِ بَعْدَ الِاسْتِعانَةِ بِالأصْنامِ مُبْطِلًا لِإلَهِيَّةِ الأصْنامِ ودَلِيلًا عَلى ثُبُوتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ إشارَةً إلى ما ظَهَرَ مِن فَسادِ القَوْلِ بِإلَهِيَّةِ الأصْنامِ. الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ القَوْلَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ مِنَ المَسائِلِ الَّتِي يُمْكِنُ إثْباتُها بِقَوْلِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذا فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا ثَبَتَ عَجْزُ الخُصُومِ عَنِ المُعارَضَةِ ثَبَتَ كَوْنُ القُرْآنِ حَقًّا، وثَبَتَ كَوْنُ مُحَمَّدٍ ﷺ صادِقًا في دَعْوى الرِّسالَةِ، ثُمَّ إنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عَنْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَلَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ مُحِقًّا في دَعْوى النُّبُوَّةِ ثَبَتَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ . الثّالِثُ: أنَّ ذِكْرَ قَوْلِهِ: ﴿وأنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ جارٍ مَجْرى التَّهْدِيدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا ثَبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِقًا في دَعْوى الرِّسالَةِ وعَلِمْتُمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَكُونُوا خائِفِينَ مِن قَهْرِهِ وعَذابِهِ واتْرُكُوا الإصْرارَ عَلى الكُفْرِ واقْبَلُوا الإسْلامَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ ذِكْرِ آيَةِ التَّحَدِّي: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤] . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ كانَ مَعْناهُ التَّرْغِيبَ في زِيادَةِ الإخْلاصِ. وإنْ قُلْنا: إنَّهُ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ كانَ مَعْناهُ التَّرْغِيبَ في أصْلِ الإسْلامِ.

هود 11:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُنازِعُونَ مُحَمَّدًا ﷺ في أكْثَرِ الأحْوالِ، فَكانُوا يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا مُبْطِلٌ ونَحْنُ مُحِقُّونَ، وإنَّما نُبالِغُ في مُنازَعَتِهِ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، وكانُوا كاذِبِينَ فِيهِ، بَلْ كانَ غَرَضُهم مَحْضَ الحَسَدِ والِاسْتِنْكافِ مِنَ المُتابَعَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَقْرِيرِ هَذا المَعْنى. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشُّورى: ٢٠] وفي الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ١٥٩ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ قَوْلَيْنِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ والصِّدِّيقُ والزِّنْدِيقُ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ التَّمَتُّعَ بِلَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها والِانْتِفاعَ بِخَيْراتِها وشَهَواتِها، إلّا أنَّ آخِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذا العامِّ الخاصُّ وهو الكافِرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَقَطْ، أيْ تَكُونُ إرادَتُهُ مَقْصُورَةً عَلى حُبِّ الدُّنْيا وزِينَتِها ولَمْ يَكُنْ طالِبًا لِسَعاداتِ الآخِرَةِ، كانَ حُكْمُهُ كَذا وكَذا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِنهم مُنْكِرُو البَعْثِ فَإنَّهم يُنْكِرُونَ الآخِرَةَ ولا يَرْغَبُونَ إلّا في سَعاداتِ الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ، وكَلامُهُ ظاهِرٌ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَطْلُبُونَ بِغَزْوِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ الغَنائِمَ مِن دُونِ أنْ يُؤْمِنُوا بِالآخِرَةِ وثَوابِها. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وهو مَنقُولٌ عَنْ أنَسٍ. والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو الَّذِي اخْتارَهُ القاضِي: أنَّ المُرادَ مَن كانَ يُرِيدُ بِعَمَلِ الخَيْرِ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها. وعَمَلُ الخَيْرِ قِسْمانِ: العِباداتُ، وإيصالُ المَنفَعَةِ إلى الحَيَوانِ، ويَدْخُلُ في هَذا القِسْمِ الثّانِي البِرُّ وصِلَةُ الرَّحِمِ والصَّدَقَةُ وبِناءُ القَناطِرِ وتَسْوِيَةُ الطُّرُقِ والسَّعْيُ في دَفْعِ الشُّرُورِ وإجْراءُ الأنْهارِ. فَهَذِهِ الأشْياءُ إذا أتى بِها الكافِرُ لِأجْلِ الثَّناءِ في الدُّنْيا، فَإنَّ بِسَبَبِها تَصِلُ الخَيْراتُ والمَنافِعُ إلى المُحْتاجِينَ، فَكُلُّها تَكُونُ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، فَلا جَرَمَ هَذِهِ الأعْمالُ تَكُونُ طاعاتٍ، سَواءٌ صَدَرَتْ مِنَ الكافِرِ أوِ المُسْلِمِ. وأمّا العِباداتُ: فَهي إنَّما تَكُونُ طاعاتٍ بِنِيّاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فَإذا لَمْ يُؤْتَ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، وإنَّما أتى فاعِلُها بِها عَلى طَلَبِ زِينَةِ الدُّنْيا، وتَحْصِيلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ فِيها صارَ وُجُودُها كَعَدَمِها، فَلا تَكُونُ مِن بابِ الطّاعاتِ. وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ المُرادُ مِنهُ الطّاعاتُ الَّتِي يَصِحُّ صُدُورُها مِنَ الكافِرِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ تَجْرِيَ الآيَةُ عَلى ظاهِرِها في العُمُومِ، ونَقُولُ: إنَّهُ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ الَّذِي يَأْتِي بِالطّاعاتِ عَلى سَبِيلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الكافِرُ الَّذِي هَذا صِفَتُهُ، وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ لا يَلِيقُ المُؤْمِنَ إلّا إذا قُلْنا: المُرادُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ بِسَبَبِ هَذِهِ الأعْمالِ الفاسِدَةِ والأفْعالِ الباطِلَةِ المَقْرُونَةِ بِالرِّياءِ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا أخْبارًا كَثِيرَةً في هَذا البابِ: رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن جُبِّ الحَزَنِ، قِيلَ: وما جُبُّ الحَزَنِ ؟ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وادٍ في جَهَنَّمَ يُلْقى فِيهِ القُرّاءُ المُراءُونَ» “ . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن يَرى النّاسُ أنَّ فِيهِ خَيْرًا ولا خَيْرَ فِيهِ» “ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُدْعى بِرَجُلٍ جَمَعَ القُرْآنَ، فَيُقالُ لَهُ: ما عَمِلْتَ فِيهِ ؟ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، قُمْتُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: كَذَبْتَ، بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ قارِئٌ، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، ويُؤْتى بِصاحِبِ المالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: ألَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ فَماذا عَمِلْتَ فِيما آتَيْتُكَ ؟ فَيَقُولُ: وصَلْتُ الرَّحِمَ وتَصَدَّقْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ صفحة ١٦٠ تَعالى: كَذَبْتَ بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ جَوادٌ، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، ويُؤْتى بِمَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ: قاتَلْتُ في الجِهادِ حَتّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: كَذَبْتَ، بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ جَرِيءٌ وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ“ . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُكْبَتِي وقالَ: يا أبا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ أوَّلُ خَلْقٍ تُسَعَّرُ بِهِمُ النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ» . ورُوِيَ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ عِنْدَ مُعاوِيَةَ قالَ الرّاوِي: فَبَكى حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ هالِكٌ ثُمَّ أفاقَ وقالَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن تَوْفِيَةِ أُجُورِ تِلْكَ الأعْمالِ هو أنَّ كُلَّ ما يَسْتَحِقُّونَ بِها مِنَ الثَّوابِ فَإنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، فَإذا خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَبْقَ مَعَهم مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ مِن آثارِ الخَيْراتِ، بَلْ لَيْسَ لَهم مِنها إلّا النّارُ. واعْلَمْ أنَّ العَقْلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَطْعًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن أتى بِالأعْمالِ لِأجْلِ طَلَبِ الثَّناءِ في الدُّنْيا ولِأجْلِ الرِّياءِ، فَذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهُ غَلَبَ عَلى قَلْبِهِ حُبُّ الدُّنْيا، ولَمْ يَحْصُلْ في قَلْبِهِ حُبُّ الآخِرَةِ؛ إذْ لَوْ عَرَفَ حَقِيقَةَ الآخِرَةِ وما فِيها مِنَ السَّعاداتِ لامْتَنَعَ أنْ يَأْتِيَ بِالخَيْراتِ لِأجْلِ الدُّنْيا ويَنْسى أمْرَ الآخِرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الآتِيَ بِأعْمالِ البِرِّ لِأجْلِ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا، عَدِيمَ الطَّلَبِ لِلْآخِرَةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإذا ماتَ فَإنَّهُ يَفُوتُهُ جَمِيعُ مَنافِعِ الدُّنْيا ويَبْقى عاجِزًا عَنْ وِجْدانِها، غَيْرَ قادِرٍ عَلى تَحْصِيلِها، ومَن أحَبَّ شَيْئًا ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَطْلُوبِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَشْتَعِلَ في قَلْبِهِ نِيرانُ الحَسَراتِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ كُلَّ مَن أتى بِعَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ لِطَلَبِ الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَإنَّهُ يَجِدُ تِلْكَ المَنفَعَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ اللّائِقَةَ بِذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ إذا ماتَ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ مِنهُ إلّا النّارُ ويَصِيرُ ذَلِكَ العَمَلُ في الدّارِ الآخِرَةِ مُحْبَطًا باطِلًا عَدِيمَ الأثَرِ.

هود 11:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُنازِعُونَ مُحَمَّدًا ﷺ في أكْثَرِ الأحْوالِ، فَكانُوا يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا مُبْطِلٌ ونَحْنُ مُحِقُّونَ، وإنَّما نُبالِغُ في مُنازَعَتِهِ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، وكانُوا كاذِبِينَ فِيهِ، بَلْ كانَ غَرَضُهم مَحْضَ الحَسَدِ والِاسْتِنْكافِ مِنَ المُتابَعَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَقْرِيرِ هَذا المَعْنى. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشُّورى: ٢٠] وفي الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ١٥٩ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ قَوْلَيْنِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ والصِّدِّيقُ والزِّنْدِيقُ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ التَّمَتُّعَ بِلَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها والِانْتِفاعَ بِخَيْراتِها وشَهَواتِها، إلّا أنَّ آخِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذا العامِّ الخاصُّ وهو الكافِرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَقَطْ، أيْ تَكُونُ إرادَتُهُ مَقْصُورَةً عَلى حُبِّ الدُّنْيا وزِينَتِها ولَمْ يَكُنْ طالِبًا لِسَعاداتِ الآخِرَةِ، كانَ حُكْمُهُ كَذا وكَذا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِنهم مُنْكِرُو البَعْثِ فَإنَّهم يُنْكِرُونَ الآخِرَةَ ولا يَرْغَبُونَ إلّا في سَعاداتِ الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ، وكَلامُهُ ظاهِرٌ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَطْلُبُونَ بِغَزْوِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ الغَنائِمَ مِن دُونِ أنْ يُؤْمِنُوا بِالآخِرَةِ وثَوابِها. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وهو مَنقُولٌ عَنْ أنَسٍ. والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو الَّذِي اخْتارَهُ القاضِي: أنَّ المُرادَ مَن كانَ يُرِيدُ بِعَمَلِ الخَيْرِ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها. وعَمَلُ الخَيْرِ قِسْمانِ: العِباداتُ، وإيصالُ المَنفَعَةِ إلى الحَيَوانِ، ويَدْخُلُ في هَذا القِسْمِ الثّانِي البِرُّ وصِلَةُ الرَّحِمِ والصَّدَقَةُ وبِناءُ القَناطِرِ وتَسْوِيَةُ الطُّرُقِ والسَّعْيُ في دَفْعِ الشُّرُورِ وإجْراءُ الأنْهارِ. فَهَذِهِ الأشْياءُ إذا أتى بِها الكافِرُ لِأجْلِ الثَّناءِ في الدُّنْيا، فَإنَّ بِسَبَبِها تَصِلُ الخَيْراتُ والمَنافِعُ إلى المُحْتاجِينَ، فَكُلُّها تَكُونُ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، فَلا جَرَمَ هَذِهِ الأعْمالُ تَكُونُ طاعاتٍ، سَواءٌ صَدَرَتْ مِنَ الكافِرِ أوِ المُسْلِمِ. وأمّا العِباداتُ: فَهي إنَّما تَكُونُ طاعاتٍ بِنِيّاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فَإذا لَمْ يُؤْتَ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، وإنَّما أتى فاعِلُها بِها عَلى طَلَبِ زِينَةِ الدُّنْيا، وتَحْصِيلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ فِيها صارَ وُجُودُها كَعَدَمِها، فَلا تَكُونُ مِن بابِ الطّاعاتِ. وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ المُرادُ مِنهُ الطّاعاتُ الَّتِي يَصِحُّ صُدُورُها مِنَ الكافِرِ. القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ تَجْرِيَ الآيَةُ عَلى ظاهِرِها في العُمُومِ، ونَقُولُ: إنَّهُ يَنْدَرِجُ فِيهِ المُؤْمِنُ الَّذِي يَأْتِي بِالطّاعاتِ عَلى سَبِيلِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الكافِرُ الَّذِي هَذا صِفَتُهُ، وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ لا يَلِيقُ المُؤْمِنَ إلّا إذا قُلْنا: المُرادُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ بِسَبَبِ هَذِهِ الأعْمالِ الفاسِدَةِ والأفْعالِ الباطِلَةِ المَقْرُونَةِ بِالرِّياءِ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا أخْبارًا كَثِيرَةً في هَذا البابِ: رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن جُبِّ الحَزَنِ، قِيلَ: وما جُبُّ الحَزَنِ ؟ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وادٍ في جَهَنَّمَ يُلْقى فِيهِ القُرّاءُ المُراءُونَ» “ . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن يَرى النّاسُ أنَّ فِيهِ خَيْرًا ولا خَيْرَ فِيهِ» “ . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُدْعى بِرَجُلٍ جَمَعَ القُرْآنَ، فَيُقالُ لَهُ: ما عَمِلْتَ فِيهِ ؟ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، قُمْتُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: كَذَبْتَ، بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ قارِئٌ، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، ويُؤْتى بِصاحِبِ المالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: ألَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ فَماذا عَمِلْتَ فِيما آتَيْتُكَ ؟ فَيَقُولُ: وصَلْتُ الرَّحِمَ وتَصَدَّقْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ صفحة ١٦٠ تَعالى: كَذَبْتَ بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ جَوادٌ، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، ويُؤْتى بِمَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ: قاتَلْتُ في الجِهادِ حَتّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: كَذَبْتَ، بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ جَرِيءٌ وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ“ . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُكْبَتِي وقالَ: يا أبا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ أوَّلُ خَلْقٍ تُسَعَّرُ بِهِمُ النّارُ يَوْمَ القِيامَةِ» . ورُوِيَ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ عِنْدَ مُعاوِيَةَ قالَ الرّاوِي: فَبَكى حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ هالِكٌ ثُمَّ أفاقَ وقالَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن تَوْفِيَةِ أُجُورِ تِلْكَ الأعْمالِ هو أنَّ كُلَّ ما يَسْتَحِقُّونَ بِها مِنَ الثَّوابِ فَإنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، فَإذا خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَبْقَ مَعَهم مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ مِن آثارِ الخَيْراتِ، بَلْ لَيْسَ لَهم مِنها إلّا النّارُ. واعْلَمْ أنَّ العَقْلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَطْعًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن أتى بِالأعْمالِ لِأجْلِ طَلَبِ الثَّناءِ في الدُّنْيا ولِأجْلِ الرِّياءِ، فَذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهُ غَلَبَ عَلى قَلْبِهِ حُبُّ الدُّنْيا، ولَمْ يَحْصُلْ في قَلْبِهِ حُبُّ الآخِرَةِ؛ إذْ لَوْ عَرَفَ حَقِيقَةَ الآخِرَةِ وما فِيها مِنَ السَّعاداتِ لامْتَنَعَ أنْ يَأْتِيَ بِالخَيْراتِ لِأجْلِ الدُّنْيا ويَنْسى أمْرَ الآخِرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الآتِيَ بِأعْمالِ البِرِّ لِأجْلِ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَظِيمَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا، عَدِيمَ الطَّلَبِ لِلْآخِرَةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإذا ماتَ فَإنَّهُ يَفُوتُهُ جَمِيعُ مَنافِعِ الدُّنْيا ويَبْقى عاجِزًا عَنْ وِجْدانِها، غَيْرَ قادِرٍ عَلى تَحْصِيلِها، ومَن أحَبَّ شَيْئًا ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَطْلُوبِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَشْتَعِلَ في قَلْبِهِ نِيرانُ الحَسَراتِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ كُلَّ مَن أتى بِعَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ لِطَلَبِ الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَإنَّهُ يَجِدُ تِلْكَ المَنفَعَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ اللّائِقَةَ بِذَلِكَ العَمَلِ، ثُمَّ إذا ماتَ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ مِنهُ إلّا النّارُ ويَصِيرُ ذَلِكَ العَمَلُ في الدّارِ الآخِرَةِ مُحْبَطًا باطِلًا عَدِيمَ الأثَرِ.

هود 11:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ظاهِرٌ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، ولَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الجَوابَ لِظُهُورِهِ، ومِثْلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ [فاطِرٍ: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزُّمَرِ: ٩] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] . واعْلَمْ أنَّ أوَّلَ هَذِهِ الآيَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى ألْفاظٍ أرْبَعَةٍ، كُلُّ واحِدٍ مُحْتَمَلٌ. فالأوَّلُ: أنَّ هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ مَن هو ؟ والثّانِي: أنَّهُ ما المُرادُ بِهَذِهِ البَيِّنَةِ ؟ والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَتْلُوهُ﴾ صفحة ١٦١ القُرْآنُ أوْ كَوْنُهُ حاصِلًا عَقِيبَ غَيْرِهِ ؟ والرّابِعُ: أنَّ هَذا الشّاهِدَ ما هو ؟ فَهَذِهِ الألْفاظُ الأرْبَعَةُ مُجْمَلَةٌ، فَلِهَذا كَثُرَ اخْتِلافُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ. أمّا الأوَّلُ: وهو أنَّ هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، وهو الأظْهَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وهَذا صِيغَةُ جَمْعٍ، فَلا يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالبَيِّنَةِ هو البَيانُ والبُرْهانُ الَّذِي عُرِفَ بِهِ صِحَّةُ الدِّينِ الحَقِّ، والضَّمِيرُ في ﴿ويَتْلُوهُ﴾ يَرْجِعُ إلى مَعْنى البَيِّنَةِ، وهو البَيانُ والبُرْهانُ، والمُرادُ بِالشّاهِدِ هو القُرْآنُ، ومِنهُ أيْ مِنَ اللَّهِ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى، أيْ ويَتْلُو ذَلِكَ البُرْهانَ مِن قَبْلِ مَجِيءِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. واعْلَمْ أنَّ كَوْنَ كِتابِ مُوسى تابِعًا لِلْقُرْآنِ لَيْسَ في الوُجُودِ، بَلْ في دَلالَتِهِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ، و﴿إمامًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، فالحاصِلُ أنَّهُ يَقُولُ: اجْتَمَعَ في تَقْرِيرِ صِحَّةِ هَذا الدِّينِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ: أوَّلُها: دَلالَةُ البَيِّناتِ العَقْلِيَّةِ عَلى صِحَّتِهِ. وثانِيها: شَهادَةُ القُرْآنِ بِصِحَّتِهِ. وثالِثُها: شَهادَةُ التَّوْراةِ بِصِحَّتِهِ، فَعِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ لا يَبْقى في صِحَّتِهِ شَكٌّ ولا ارْتِيابٌ، فَهَذا القَوْلُ أحْسَنُ الأقاوِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، وأقْرَبُها إلى مُطابَقَةِ اللَّفْظِ، وفِيها أقْوالٌ أُخَرُ: فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، والبَيِّنَةُ هو القُرْآنُ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَتْلُوهُ﴾ هو التِّلاوَةُ بِمَعْنى القِراءَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الشّاهِدِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْرَأُ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ الشّاهِدَ هو لِسانُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلُ الحَسَنِ ورِوايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: قُلْتُ لِأبِي: أنْتَ التّالِي، قالَ: وما مَعْنى التّالِي ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ قالَ ودِدْتُ أنِّي هو ولَكِنَّهُ لِسانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ولَمّا كانَ الإنْسانُ إنَّما يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَتْلُوهُ بِلِسانِهِ لا جَرَمَ جُعِلَ اللِّسانُ تالِيًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما يُقالُ: عَيْنٌ باصِرَةٌ وأُذُنٌ سامِعَةٌ ولِسانٌ ناطِقٌ. وثالِثُها: أنَّ المُرادَ هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والمَعْنى أنَّهُ يَتْلُو تِلْكَ البَيِّنَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُ﴾ أيْ هَذا الشّاهِدُ مِن مُحَمَّدٍ وبَعْضٌ مِنهُ، والمُرادُ مِنهُ تَشْرِيفُ هَذا الشّاهِدِ بِأنَّهُ بَعْضٌ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ورابِعُها: أنْ لا يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَتْلُوهُ﴾ القُرْآنَ، بَلْ حُصُولَ هَذا الشّاهِدِ عَقِيبَ تِلْكَ البَيِّنَةِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالُوا: إنَّ المُرادَ أنَّ صُورَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَجْهَهُ ومَخايِلَهُ كُلُّ ذَلِكَ يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ؛ لِأنَّ مَن نَظَرَ إلَيْهِ بِعَقْلِهِ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ ولا كاهِنٍ ولا ساحِرٍ ولا كَذّابٍ، والمُرادُ بِكَوْنِ هَذا الشّاهِدِ مِنهُ كَوْنُ هَذِهِ الأحْوالِ مُتَعَلِّقَةً بِذاتِ النَّبِيِّ ﷺ . القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ هُمُ المُؤْمِنُونَ، وهم أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ بِالبَيِّنَةِ القُرْآنُ، ﴿ويَتْلُوهُ﴾ أيْ ويَتْلُو الكِتابَ الَّذِي هو الحُجَّةُ، يَعْنِي ويَعْقُبُهُ شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الشّاهِدِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ الشّاهِدُ هو كَوْنُ القُرْآنِ واقِعًا عَلى وجْهٍ يَعْرِفُ كُلُّ مَن نَظَرَ فِيهِ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ، وذَلِكَ الوَجْهُ هو اشْتِمالُهُ عَلى الفَصاحَةِ التّامَّةِ والبَلاغَةِ الكامِلَةِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿شاهِدٌ مِنهُ﴾ أيْ مِن تِلْكَ البَيِّنَةِ؛ لِأنَّ أحْوالَ القُرْآنِ وصِفاتِهِ مِنَ القِراءاتِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ. وثالِثُها: قالَ الفَرّاءُ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ يَعْنِي: الإنْجِيلُ يَتْلُو القُرْآنَ وإنْ صفحة ١٦٢ كانَ قَدْ أُنْزِلَ قَبْلَهُ، والمَعْنى أنَّهُ يَتْلُوهُ في التَّصْدِيقِ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مُحَمَّدًا ﷺ في الإنْجِيلِ، وأمَرَ بِالإيمانِ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ وإنْ كانا مُحْتَمَلَيْنِ إلّا أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أقْوى وأتَمُّ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَوْنِهِ إمامًا ورَحْمَةً، ومَعْنى كَوْنِهِ إمامًا أنَّهُ كانَ مُقْتَدى العالِمِينَ، وإمامًا لَهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ الدِّينِ والشَّرائِعِ، وأمّا كَوْنُهُ رَحْمَةً فَلِأنَّهُ يَهْدِي إلى الحَقِّ في الدُّنْيا والدِّينِ، وذَلِكَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الرَّحْمَةِ والثَّوابِ، فَلَمّا كانَ سَبَبًا لِلرَّحْمَةِ أطْلَقَ اسْمَ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ في صِحَّةِ هَذا الدِّينِ يُؤْمِنُونَ. واعْلَمْ أنَّ المَطالِبَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يُعْلَمُ صِحَّتُها بِالبَدِيهَةِ، ومِنها ما يُحْتاجُ في تَحْصِيلِ العِلْمِ بِها إلى طَلَبٍ واجْتِهادٍ، وهَذا القِسْمُ الثّانِي عَلى قِسْمَيْنِ؛ لِأنَّ طَرِيقَ تَحْصِيلِ المَعارِفِ إمّا الحُجَّةُ والبُرْهانُ المُسْتَنْبَطُ بِالعَقْلِ، وإمّا الِاسْتِفادَةُ مِنَ الوَحْيِ والإلْهامِ، فَهَذانِ الطَّرِيقانِ هُما الطَّرِيقانِ اللَّذانِ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلَيْهِما في تَعْرِيفِ المَجْهُولاتِ، فَإذا اجْتَمَعا واعْتَضَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ بَلَغا الغايَةَ في القُوَّةِ والوُثُوقِ، ثُمَّ إنَّ في أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى كَثْرَةً، فَإذا تَوافَقَتْ كَلِماتُ الأنْبِياءِ عَلى صِحَّتِهِ، وكانَ البُرْهانُ اليَقِينِيُّ قائِمًا عَلى صِحَّتِهِ، فَهَذِهِ المَرْتَبَةُ قَدْ بَلَغَتْ في القُوَّةِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ اليَقِينِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ إشارَةٌ إلى الوَحْيِ الَّذِي حَصَلَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً﴾ إشارَةٌ إلى الوَحْيِ الَّذِي حَصَلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ قَدْ بَلَغَ هَذا اليَقِينُ في القُوَّةِ والظُّهُورِ والجَلاءِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ والمُرادُ مِنَ الأحْزابِ أصْنافُ الكُفّارِ، فَيَدْخُلُ فِيهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«لا يَسْمَعُ بِي يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ فَلا يُؤْمِنُ بِي إلّا كانَ مِن أهْلِ النّارِ» “ قالَ أبُو مُوسى: فَقُلْتُ في نَفْسِي: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَقُولُ مِثْلَ هَذا إلّا عَنِ القُرْآنِ، فَوَجَدْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: (﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ . وقالَ بَعْضُهم: لَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن يَكْفُرُ بِهِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ، دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن لا يَكْفُرُ بِهِ لَمْ تَكُنِ النّارُ مَوْعِدَهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِن صِحَّةِ هَذا الدِّينِ، ومِن كَوْنِ القُرْآنِ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ . الثّانِي: فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِن أنَّ مَوْعِدَ الكافِرِ النّارُ. وقُرِئَ: ”مُرْيَةٍ“ بِضَمِّ المِيمِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: لَمّا ظَهَرَ الحَقُّ ظُهُورًا في الغايَةِ، فَكُنْ أنْتَ مُتابِعًا لَهُ ولا تُبالِ بِالجُهّالِ، سَواءٌ آمَنُوا أوْ لَمْ يُؤْمِنُوا، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يُؤْمِنُونَ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ القُرْآنِ.

هود 11:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ كانَتْ لَهم عاداتٌ كَثِيرَةٌ وطُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنها شِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا ورَغْبَتُهم في تَحْصِيلِها، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ومِنها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ الرَّسُولِ ﷺ، ويَقْدَحُونَ في مُعْجِزاتِهِ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾، ومِنها أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ في الأصْنامِ أنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الكَلامَ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا بَيَّنَ وعِيدَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ هَذا الكَلامُ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ إنَّما يُورَدُ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ أنْواعِ الظُّلْمِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ وعِيدَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ وما وصَفَهم بِذَلِكَ لِأنَّهم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ العَرْضِ؛ لِأنَّ العَرْضَ عامٌّ في كُلِّ العِبادِ كَما قالَ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكَهْفِ: ٤٨] وإنَّما أرادَ بِهِ أنَّهم يُعْرَضُونَ فَيُفْتَضَحُونَ بِأنْ يَقُولَ الأشْهادُ عِنْدَ عَرْضِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ فَحَصَلَ لَهم مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى في مَكانٍ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى الأماكِنِ المُعَدَّةِ لِلْحِسابِ والسُّؤالِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَرْضًا عَلى مَن شاءَ اللَّهُ مِنَ الخَلْقِ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ. السُّؤالُ الثّانِي: مَنِ الأشْهادُ الَّذِينَ أُضِيفَ إلَيْهِمْ هَذا القَوْلُ ؟ الجَوابُ: قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا يَحْفَظُونَ أعْمالَهم عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: الأشْهادُ: النّاسُ، كَما يُقالُ: عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، يَعْنِي عَلى رُءُوسِ النّاسِ. وقالَ الآخَرُونَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٦] والفائِدَةُ في اعْتِبارِ قَوْلِ الأشْهادِ المُبالَغَةُ في إظْهارِ الفَضِيحَةِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: الأشْهادُ جَمْعٌ فَما واحِدُهُ ؟ والجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شاهِدٍ، مِثْلُ: صاحِبٍ وأصْحابٍ، وناصِرٍ وأنْصارٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَهِيدٍ، مِثْلُ شَرِيفٍ وأشْرافٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهَذا كَأنَّهُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ ما جاءَ مِن ذَلِكَ في التَّنْزِيلِ جاءَ صفحة ١٦٤ عَلى فَعِيلٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] . ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] ثُمَّ لَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في عَذابِ القِيامَةِ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في الحالِ فَقالَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، وبَيَّنَ أنَّهم في الحالِ لَمَلْعُونُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ أنَّهم يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا، يَعْنِي أنَّهم كَما ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالتِزامِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَقَدْ أضافُوا إلَيْهِ المَنعَ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ، وإلْقاءَ الشُّبُهاتِ، وتَعْوِيجَ الدَّلائِلِ المُسْتَقِيمَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ في العاصِي: يَبْغِي عِوَجًا، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيمَن يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِقامَةِ وكَيْفِيَّةَ العِوَجِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّبُهاتِ وتَقْرِيرِ الضَّلالاتِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَلِمَةُ ”هم“ كُرِّرَتْ عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ لِثَباتِهِمْ في الكُفْرِ. * * * ( أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ الجاحِدِينَ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ في مَعْرِضِ الذَّمِّ. الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ في مَوْقِفِ الذُّلِّ والهَوانِ والخِزْيِ والنَّكالِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ . والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: حُصُولُ الخِزْيِ والنَّكالِ والفَضِيحَةِ العَظِيمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ . والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهم مَلْعُونِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ . والصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهم صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مانِعِينَ عَنْ مُتابَعَةِ الحَقِّ، وهي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . والصِّفَةُ السّادِسَةُ: سَعْيُهم في إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، وتَعْوِيجِ الدَّلائِلِ المُسْتَقِيمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ . والصِّفَةُ السّابِعَةُ: كَوْنُهم كافِرِينَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ . والصِّفَةُ الثّامِنَةُ: كَوْنُهم عاجِزِينَ عَنِ الفِرارِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي﴾ صفحة ١٦٥ ﴿الأرْضِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الإعْجازِ المَنعُ مِن تَحْصِيلِ المُرادِ. يُقالُ: أعْجَزَنِي فُلانٌ، أيْ: مَنَعَنِي عَنْ مُرادِي، ومَعْنى مُعْجِزِينَ في الأرْضِ أيْ: لا يُمْكِنُهم أنْ يَهْرُبُوا مِن عَذابِنا،؛ فَإنَّ هَرَبَ العَبْدِ مِن عَذابِ اللَّهِ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، ولا تَتَفاوَتُ قُدْرَتُهُ بِالبُعْدِ والقُرْبِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ. والصِّفَةُ التّاسِعَةُ: أنَّهم لَيْسَ لَهم أوْلِياءُ يَدْفَعُونَ عَذابَ اللَّهِ عَنْهم، والمُرادُ مِنهُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في وصْفِهِمُ الأصْنامَ بِأنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، والمَقْصُودُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الفِرارِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ هو أنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى تَخْلِيصِهِمْ مِن ذَلِكَ العَذابِ، فَجَمَعَ تَعالى بَيْنَ ما يَرْجِعُ إلَيْهِمْ وبَيْنَ ما يَرْجِعُ إلى غَيْرِهِمْ، وبَيَّنَ بِذَلِكَ انْقِطاعَ حِيَلِهِمْ في الخَلاصِ مِن عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ أنَّ عَدَمَ نُزُولِ العَذابِ لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم قَدَرُوا عَلى مَنعِ اللَّهِ مِن إنْزالِ العَذابِ ولا لِأجْلِ أنَّ لَهم ناصِرًا يَمْنَعُ ذَلِكَ العَذابَ عَنْهم، بَلْ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ الإمْهالُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمْهَلَهم كَيْ يَتُوبُوا فَيَزُولُوا عَنْ كُفْرِهِمْ، فَإذا أبَوْا إلّا الثَّباتَ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن مُضاعَفَةِ العَذابِ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ أنْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ لِلَّهِ عَمّا يُرِيدُ إنْزالَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا، ولا يَجِدُونَ ولِيًّا يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. والصِّفَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ قِيلَ: سَبَبُ تَضْعِيفِ العَذابِ في حَقِّهِمْ أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ وبِالنُّشُورِ، فَكُفْرُهم بِالمَبْدَأِ والمَعادِ صارَ سَبَبًا لِتَضْعِيفِ العَذابِ، والأصْوَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم مَعَ ضَلالِهِمُ الشَّدِيدِ، سَعَوْا في الإضْلالِ ومَنعِ النّاسِ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ، فَلِهَذا المَعْنى حَصَلَ هَذا التَّضْعِيفُ عَلَيْهِمْ. الصِّفَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ والمُرادُ ما هم عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِن صَمَمِ القَلْبِ وعَمى النَّفْسِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَخْلُقُ في المُكَلَّفِ ما يَمْنَعُهُ الإيمانَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الكافِرَ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وأمّا في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] وحاصِلُ الكَلامِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَ الأصْواتِ والحُرُوفِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهم عاجِزِينَ عَنِ الوُقُوفِ عَلى دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْلُ الأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ البَدِيهَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ الأصْواتَ والحُرُوفَ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الثّانِي. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنَّ السَّمْعَ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ الحاسَّةِ المَخْصُوصَةِ، أوْ عَنْ مَعْنى يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في صِماخِ الأُذُنِ، وكِلاهُما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَوِ اجْتَهَدَ في أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ أوْ يَتْرُكَهُ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ فِيهِ مُحالًا، وإذا كانَ إثْباتُها مُحالًا كانَ نَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ عَنْهُ هو الحَقَّ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَقْدَحُ في قَوْلِنا. ثُمَّ قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ إهْمالُهم لَهُ ونُفُورُهم عَنْهُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: هَذا كَلامٌ لا أسْتَطِيعُ أنْ أسْمَعَهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي. وذَكَرَ غَيْرُ الجُبّائِيِّ عُذْرًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَكُونَ لَهم أوْلِياءُ، والمُرادُ الأصْنامُ، ثُمَّ بَيَّنَ نَفْيَ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَصْلُحُونَ لِلْوِلايَةِ. صفحة ١٦٦ والجَوابُ: أمّا حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى خَلْقِ الحاسَّةِ وعَلى خَلْقِ المَعْنى فِيها فَباطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَصًّا بِهِمْ، والمَعْنى الَّذِي قالُوهُ حاصِلٌ في المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَماعَ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإبْصارَ صُورَتِهِ، فالجَوابُ أنَّهُ تَعالى نَفى الِاسْتِطاعَةَ فَحَمَلَهُ عَلى مَعْنًى آخَرَ خِلافَ الظّاهِرِ، وأيْضًا أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الِاسْتِثْقالِ إمّا أنْ يَمْنَعَ مِنَ الفَهْمِ والوُصُولِ إلى الغَرَضِ أوْ لَمْ يَمْنَعْ، فَإنْ مَنَعَ فَهو المَقْصُودُ، وإنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ فَحِينَئِذٍ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا أجْنَبِيًّا عَنِ المَعانِي المُعْتَبَرَةِ في الفَهْمِ والإدْراكِ، ولا تَخْتَلِفُ أحْوالُ القَلْبِ في العِلْمِ والمَعْرِفَةِ بِسَبَبِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ ذَمًّا لَهم في هَذا المَعْرِضِ، وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا مِرارًا كَثِيرَةً في هَذا الكِتابِ أنَّ حُصُولَ الفِعْلِ مَعَ قِيامِ الصّارِفِ مُحالٌ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى كَوْنَ هَذا المَعْنى صارِفًا عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، وبَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ حَصَلَ حُصُولًا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ البَتَّةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كانَ المُكَلَّفُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَمْنُوعًا عَنِ الإيمانِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَطْلُوبُ، وأمّا قَوْلُهُ فَإنّا نَجْعَلُ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن صِفَةِ الأوْثانِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأخِّرَةِ عائِدًا إلى عَيْنِ ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُولى. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ مِنهُ البَصِيرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهم عَدَلُوا عَنْ إبْصارِ ما يَكُونُ حُجَّةً لَهم. الصِّفَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا الخُسْرانُ أعْظَمَ وُجُوهِ الخُسْرانِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا باعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيا فَقَدْ خَسِرُوا؛ لِأنَّهم أعْطَوُا الشَّرِيفَ، ورَضُوا بِأخْذِ الخَسِيسِ، وهَذا عَيْنُ الخُسْرانِ في الدُّنْيا ثُمَّ في الآخِرَةِ، فَهَذا الخَسِيسُ يَضِيعُ ويَهْلَكُ ولا يَبْقى مِنهُ أثَرٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . الصِّفَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ وتَقْرِيرُهُ ما تَقَدَّمَ، وهو أنَّهُ لَمّا أعْطى الشَّرِيفَ الرَّفِيعَ ورَضِيَ بِالخَسِيسِ الوَضِيعِ فَقَدْ خَسِرَ في التِّجارَةِ. ثُمَّ لَمّا كانَ هَذا الخَسِيسُ بِحَيْثُ لا يَبْقى بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَهْلَكَ ويَفْنى انْقَلَبَتْ تِلْكَ التِّجارَةُ إلى النِّهايَةِ في صِفَةِ الخَسارَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿لا جَرَمَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِنا: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ حَقًّا، تَقُولُ العَرَبُ: لا جَرَمَ أنَّكَ مُحْسِنٌ، عَلى مَعْنى حَقًّا إنَّكَ مُحْسِنٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَلَهم فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ”لا“ حَرْفُ نَفْيٍ وجَزْمٍ، أيْ قَطْعٍ، فَإذا قُلْنا: لا جَرَمَ مَعْناهُ أنَّهُ لا قَطْعَ قاطِعٍ عَنْهم أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ كَلِمَةَ ”لا“ نَفْيٌ لِما ظَنُّوا أنَّهُ يَنْفَعُهم، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ كَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ، والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ وكَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ لَهُمُ الخُسْرانَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَكَرْنا ”جَرَمَ“ بِمَعْنى كَسَبَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائِدَةِ: ٢] قالَ الأزْهَرِيُّ: وهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذا البابِ. الثّالِثُ: قالَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: ”لا“ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكُفْرِ كَما ذَكَرْنا، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ حَقَّ وصَحَّ، والتَّأْوِيلُ أنَّهُ حَقُّ كُفْرِهِمْ وُقُوعُ العَذابِ والخُسْرانِ بِهِمْ. واحْتَجَّ سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: صفحة ١٦٧ ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا أرادَ حَقَّتِ الطَّعْنَةُ فَزارَةَ أنْ يَغْضَبُوا.

هود 11:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ كانَتْ لَهم عاداتٌ كَثِيرَةٌ وطُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنها شِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا ورَغْبَتُهم في تَحْصِيلِها، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ومِنها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ الرَّسُولِ ﷺ، ويَقْدَحُونَ في مُعْجِزاتِهِ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾، ومِنها أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ في الأصْنامِ أنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الكَلامَ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا بَيَّنَ وعِيدَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ هَذا الكَلامُ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ إنَّما يُورَدُ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ أنْواعِ الظُّلْمِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ وعِيدَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ وما وصَفَهم بِذَلِكَ لِأنَّهم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ العَرْضِ؛ لِأنَّ العَرْضَ عامٌّ في كُلِّ العِبادِ كَما قالَ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكَهْفِ: ٤٨] وإنَّما أرادَ بِهِ أنَّهم يُعْرَضُونَ فَيُفْتَضَحُونَ بِأنْ يَقُولَ الأشْهادُ عِنْدَ عَرْضِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ فَحَصَلَ لَهم مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى في مَكانٍ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى الأماكِنِ المُعَدَّةِ لِلْحِسابِ والسُّؤالِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَرْضًا عَلى مَن شاءَ اللَّهُ مِنَ الخَلْقِ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ. السُّؤالُ الثّانِي: مَنِ الأشْهادُ الَّذِينَ أُضِيفَ إلَيْهِمْ هَذا القَوْلُ ؟ الجَوابُ: قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا يَحْفَظُونَ أعْمالَهم عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: الأشْهادُ: النّاسُ، كَما يُقالُ: عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، يَعْنِي عَلى رُءُوسِ النّاسِ. وقالَ الآخَرُونَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٦] والفائِدَةُ في اعْتِبارِ قَوْلِ الأشْهادِ المُبالَغَةُ في إظْهارِ الفَضِيحَةِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: الأشْهادُ جَمْعٌ فَما واحِدُهُ ؟ والجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شاهِدٍ، مِثْلُ: صاحِبٍ وأصْحابٍ، وناصِرٍ وأنْصارٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَهِيدٍ، مِثْلُ شَرِيفٍ وأشْرافٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهَذا كَأنَّهُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ ما جاءَ مِن ذَلِكَ في التَّنْزِيلِ جاءَ صفحة ١٦٤ عَلى فَعِيلٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] . ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] ثُمَّ لَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في عَذابِ القِيامَةِ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في الحالِ فَقالَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، وبَيَّنَ أنَّهم في الحالِ لَمَلْعُونُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ أنَّهم يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا، يَعْنِي أنَّهم كَما ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالتِزامِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَقَدْ أضافُوا إلَيْهِ المَنعَ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ، وإلْقاءَ الشُّبُهاتِ، وتَعْوِيجَ الدَّلائِلِ المُسْتَقِيمَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ في العاصِي: يَبْغِي عِوَجًا، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيمَن يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِقامَةِ وكَيْفِيَّةَ العِوَجِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّبُهاتِ وتَقْرِيرِ الضَّلالاتِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَلِمَةُ ”هم“ كُرِّرَتْ عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ لِثَباتِهِمْ في الكُفْرِ. * * * ( أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ الجاحِدِينَ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ في مَعْرِضِ الذَّمِّ. الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ في مَوْقِفِ الذُّلِّ والهَوانِ والخِزْيِ والنَّكالِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ . والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: حُصُولُ الخِزْيِ والنَّكالِ والفَضِيحَةِ العَظِيمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ . والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهم مَلْعُونِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ . والصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهم صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مانِعِينَ عَنْ مُتابَعَةِ الحَقِّ، وهي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . والصِّفَةُ السّادِسَةُ: سَعْيُهم في إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، وتَعْوِيجِ الدَّلائِلِ المُسْتَقِيمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ . والصِّفَةُ السّابِعَةُ: كَوْنُهم كافِرِينَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ . والصِّفَةُ الثّامِنَةُ: كَوْنُهم عاجِزِينَ عَنِ الفِرارِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي﴾ صفحة ١٦٥ ﴿الأرْضِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الإعْجازِ المَنعُ مِن تَحْصِيلِ المُرادِ. يُقالُ: أعْجَزَنِي فُلانٌ، أيْ: مَنَعَنِي عَنْ مُرادِي، ومَعْنى مُعْجِزِينَ في الأرْضِ أيْ: لا يُمْكِنُهم أنْ يَهْرُبُوا مِن عَذابِنا،؛ فَإنَّ هَرَبَ العَبْدِ مِن عَذابِ اللَّهِ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، ولا تَتَفاوَتُ قُدْرَتُهُ بِالبُعْدِ والقُرْبِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ. والصِّفَةُ التّاسِعَةُ: أنَّهم لَيْسَ لَهم أوْلِياءُ يَدْفَعُونَ عَذابَ اللَّهِ عَنْهم، والمُرادُ مِنهُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في وصْفِهِمُ الأصْنامَ بِأنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، والمَقْصُودُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الفِرارِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ هو أنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى تَخْلِيصِهِمْ مِن ذَلِكَ العَذابِ، فَجَمَعَ تَعالى بَيْنَ ما يَرْجِعُ إلَيْهِمْ وبَيْنَ ما يَرْجِعُ إلى غَيْرِهِمْ، وبَيَّنَ بِذَلِكَ انْقِطاعَ حِيَلِهِمْ في الخَلاصِ مِن عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ أنَّ عَدَمَ نُزُولِ العَذابِ لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم قَدَرُوا عَلى مَنعِ اللَّهِ مِن إنْزالِ العَذابِ ولا لِأجْلِ أنَّ لَهم ناصِرًا يَمْنَعُ ذَلِكَ العَذابَ عَنْهم، بَلْ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ الإمْهالُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمْهَلَهم كَيْ يَتُوبُوا فَيَزُولُوا عَنْ كُفْرِهِمْ، فَإذا أبَوْا إلّا الثَّباتَ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن مُضاعَفَةِ العَذابِ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ أنْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ لِلَّهِ عَمّا يُرِيدُ إنْزالَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا، ولا يَجِدُونَ ولِيًّا يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. والصِّفَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ قِيلَ: سَبَبُ تَضْعِيفِ العَذابِ في حَقِّهِمْ أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ وبِالنُّشُورِ، فَكُفْرُهم بِالمَبْدَأِ والمَعادِ صارَ سَبَبًا لِتَضْعِيفِ العَذابِ، والأصْوَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم مَعَ ضَلالِهِمُ الشَّدِيدِ، سَعَوْا في الإضْلالِ ومَنعِ النّاسِ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ، فَلِهَذا المَعْنى حَصَلَ هَذا التَّضْعِيفُ عَلَيْهِمْ. الصِّفَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ والمُرادُ ما هم عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِن صَمَمِ القَلْبِ وعَمى النَّفْسِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَخْلُقُ في المُكَلَّفِ ما يَمْنَعُهُ الإيمانَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الكافِرَ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وأمّا في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] وحاصِلُ الكَلامِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَ الأصْواتِ والحُرُوفِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهم عاجِزِينَ عَنِ الوُقُوفِ عَلى دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْلُ الأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ البَدِيهَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ الأصْواتَ والحُرُوفَ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الثّانِي. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنَّ السَّمْعَ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ الحاسَّةِ المَخْصُوصَةِ، أوْ عَنْ مَعْنى يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في صِماخِ الأُذُنِ، وكِلاهُما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَوِ اجْتَهَدَ في أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ أوْ يَتْرُكَهُ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ فِيهِ مُحالًا، وإذا كانَ إثْباتُها مُحالًا كانَ نَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ عَنْهُ هو الحَقَّ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَقْدَحُ في قَوْلِنا. ثُمَّ قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ إهْمالُهم لَهُ ونُفُورُهم عَنْهُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: هَذا كَلامٌ لا أسْتَطِيعُ أنْ أسْمَعَهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي. وذَكَرَ غَيْرُ الجُبّائِيِّ عُذْرًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَكُونَ لَهم أوْلِياءُ، والمُرادُ الأصْنامُ، ثُمَّ بَيَّنَ نَفْيَ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَصْلُحُونَ لِلْوِلايَةِ. صفحة ١٦٦ والجَوابُ: أمّا حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى خَلْقِ الحاسَّةِ وعَلى خَلْقِ المَعْنى فِيها فَباطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَصًّا بِهِمْ، والمَعْنى الَّذِي قالُوهُ حاصِلٌ في المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَماعَ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإبْصارَ صُورَتِهِ، فالجَوابُ أنَّهُ تَعالى نَفى الِاسْتِطاعَةَ فَحَمَلَهُ عَلى مَعْنًى آخَرَ خِلافَ الظّاهِرِ، وأيْضًا أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الِاسْتِثْقالِ إمّا أنْ يَمْنَعَ مِنَ الفَهْمِ والوُصُولِ إلى الغَرَضِ أوْ لَمْ يَمْنَعْ، فَإنْ مَنَعَ فَهو المَقْصُودُ، وإنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ فَحِينَئِذٍ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا أجْنَبِيًّا عَنِ المَعانِي المُعْتَبَرَةِ في الفَهْمِ والإدْراكِ، ولا تَخْتَلِفُ أحْوالُ القَلْبِ في العِلْمِ والمَعْرِفَةِ بِسَبَبِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ ذَمًّا لَهم في هَذا المَعْرِضِ، وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا مِرارًا كَثِيرَةً في هَذا الكِتابِ أنَّ حُصُولَ الفِعْلِ مَعَ قِيامِ الصّارِفِ مُحالٌ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى كَوْنَ هَذا المَعْنى صارِفًا عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، وبَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ حَصَلَ حُصُولًا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ البَتَّةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كانَ المُكَلَّفُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَمْنُوعًا عَنِ الإيمانِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَطْلُوبُ، وأمّا قَوْلُهُ فَإنّا نَجْعَلُ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن صِفَةِ الأوْثانِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأخِّرَةِ عائِدًا إلى عَيْنِ ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُولى. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ مِنهُ البَصِيرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهم عَدَلُوا عَنْ إبْصارِ ما يَكُونُ حُجَّةً لَهم. الصِّفَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا الخُسْرانُ أعْظَمَ وُجُوهِ الخُسْرانِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا باعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيا فَقَدْ خَسِرُوا؛ لِأنَّهم أعْطَوُا الشَّرِيفَ، ورَضُوا بِأخْذِ الخَسِيسِ، وهَذا عَيْنُ الخُسْرانِ في الدُّنْيا ثُمَّ في الآخِرَةِ، فَهَذا الخَسِيسُ يَضِيعُ ويَهْلَكُ ولا يَبْقى مِنهُ أثَرٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . الصِّفَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ وتَقْرِيرُهُ ما تَقَدَّمَ، وهو أنَّهُ لَمّا أعْطى الشَّرِيفَ الرَّفِيعَ ورَضِيَ بِالخَسِيسِ الوَضِيعِ فَقَدْ خَسِرَ في التِّجارَةِ. ثُمَّ لَمّا كانَ هَذا الخَسِيسُ بِحَيْثُ لا يَبْقى بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَهْلَكَ ويَفْنى انْقَلَبَتْ تِلْكَ التِّجارَةُ إلى النِّهايَةِ في صِفَةِ الخَسارَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿لا جَرَمَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِنا: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ حَقًّا، تَقُولُ العَرَبُ: لا جَرَمَ أنَّكَ مُحْسِنٌ، عَلى مَعْنى حَقًّا إنَّكَ مُحْسِنٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَلَهم فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ”لا“ حَرْفُ نَفْيٍ وجَزْمٍ، أيْ قَطْعٍ، فَإذا قُلْنا: لا جَرَمَ مَعْناهُ أنَّهُ لا قَطْعَ قاطِعٍ عَنْهم أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ كَلِمَةَ ”لا“ نَفْيٌ لِما ظَنُّوا أنَّهُ يَنْفَعُهم، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ كَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ، والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ وكَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ لَهُمُ الخُسْرانَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَكَرْنا ”جَرَمَ“ بِمَعْنى كَسَبَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائِدَةِ: ٢] قالَ الأزْهَرِيُّ: وهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذا البابِ. الثّالِثُ: قالَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: ”لا“ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكُفْرِ كَما ذَكَرْنا، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ حَقَّ وصَحَّ، والتَّأْوِيلُ أنَّهُ حَقُّ كُفْرِهِمْ وُقُوعُ العَذابِ والخُسْرانِ بِهِمْ. واحْتَجَّ سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: صفحة ١٦٧ ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا أرادَ حَقَّتِ الطَّعْنَةُ فَزارَةَ أنْ يَغْضَبُوا.

هود 11:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ كانَتْ لَهم عاداتٌ كَثِيرَةٌ وطُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنها شِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا ورَغْبَتُهم في تَحْصِيلِها، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ومِنها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ الرَّسُولِ ﷺ، ويَقْدَحُونَ في مُعْجِزاتِهِ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾، ومِنها أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ في الأصْنامِ أنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الكَلامَ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا بَيَّنَ وعِيدَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ هَذا الكَلامُ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ إنَّما يُورَدُ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ أنْواعِ الظُّلْمِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ وعِيدَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ وما وصَفَهم بِذَلِكَ لِأنَّهم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ العَرْضِ؛ لِأنَّ العَرْضَ عامٌّ في كُلِّ العِبادِ كَما قالَ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكَهْفِ: ٤٨] وإنَّما أرادَ بِهِ أنَّهم يُعْرَضُونَ فَيُفْتَضَحُونَ بِأنْ يَقُولَ الأشْهادُ عِنْدَ عَرْضِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ فَحَصَلَ لَهم مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى في مَكانٍ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى الأماكِنِ المُعَدَّةِ لِلْحِسابِ والسُّؤالِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَرْضًا عَلى مَن شاءَ اللَّهُ مِنَ الخَلْقِ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ. السُّؤالُ الثّانِي: مَنِ الأشْهادُ الَّذِينَ أُضِيفَ إلَيْهِمْ هَذا القَوْلُ ؟ الجَوابُ: قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا يَحْفَظُونَ أعْمالَهم عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: الأشْهادُ: النّاسُ، كَما يُقالُ: عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، يَعْنِي عَلى رُءُوسِ النّاسِ. وقالَ الآخَرُونَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٦] والفائِدَةُ في اعْتِبارِ قَوْلِ الأشْهادِ المُبالَغَةُ في إظْهارِ الفَضِيحَةِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: الأشْهادُ جَمْعٌ فَما واحِدُهُ ؟ والجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شاهِدٍ، مِثْلُ: صاحِبٍ وأصْحابٍ، وناصِرٍ وأنْصارٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَهِيدٍ، مِثْلُ شَرِيفٍ وأشْرافٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهَذا كَأنَّهُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ ما جاءَ مِن ذَلِكَ في التَّنْزِيلِ جاءَ صفحة ١٦٤ عَلى فَعِيلٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] . ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] ثُمَّ لَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في عَذابِ القِيامَةِ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في الحالِ فَقالَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، وبَيَّنَ أنَّهم في الحالِ لَمَلْعُونُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ أنَّهم يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا، يَعْنِي أنَّهم كَما ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالتِزامِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَقَدْ أضافُوا إلَيْهِ المَنعَ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ، وإلْقاءَ الشُّبُهاتِ، وتَعْوِيجَ الدَّلائِلِ المُسْتَقِيمَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ في العاصِي: يَبْغِي عِوَجًا، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيمَن يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِقامَةِ وكَيْفِيَّةَ العِوَجِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّبُهاتِ وتَقْرِيرِ الضَّلالاتِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَلِمَةُ ”هم“ كُرِّرَتْ عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ لِثَباتِهِمْ في الكُفْرِ. * * * ( أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ الجاحِدِينَ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ في مَعْرِضِ الذَّمِّ. الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ في مَوْقِفِ الذُّلِّ والهَوانِ والخِزْيِ والنَّكالِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ . والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: حُصُولُ الخِزْيِ والنَّكالِ والفَضِيحَةِ العَظِيمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ . والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهم مَلْعُونِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ . والصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهم صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مانِعِينَ عَنْ مُتابَعَةِ الحَقِّ، وهي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . والصِّفَةُ السّادِسَةُ: سَعْيُهم في إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، وتَعْوِيجِ الدَّلائِلِ المُسْتَقِيمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ . والصِّفَةُ السّابِعَةُ: كَوْنُهم كافِرِينَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ . والصِّفَةُ الثّامِنَةُ: كَوْنُهم عاجِزِينَ عَنِ الفِرارِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي﴾ صفحة ١٦٥ ﴿الأرْضِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الإعْجازِ المَنعُ مِن تَحْصِيلِ المُرادِ. يُقالُ: أعْجَزَنِي فُلانٌ، أيْ: مَنَعَنِي عَنْ مُرادِي، ومَعْنى مُعْجِزِينَ في الأرْضِ أيْ: لا يُمْكِنُهم أنْ يَهْرُبُوا مِن عَذابِنا،؛ فَإنَّ هَرَبَ العَبْدِ مِن عَذابِ اللَّهِ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، ولا تَتَفاوَتُ قُدْرَتُهُ بِالبُعْدِ والقُرْبِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ. والصِّفَةُ التّاسِعَةُ: أنَّهم لَيْسَ لَهم أوْلِياءُ يَدْفَعُونَ عَذابَ اللَّهِ عَنْهم، والمُرادُ مِنهُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في وصْفِهِمُ الأصْنامَ بِأنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، والمَقْصُودُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الفِرارِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ هو أنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى تَخْلِيصِهِمْ مِن ذَلِكَ العَذابِ، فَجَمَعَ تَعالى بَيْنَ ما يَرْجِعُ إلَيْهِمْ وبَيْنَ ما يَرْجِعُ إلى غَيْرِهِمْ، وبَيَّنَ بِذَلِكَ انْقِطاعَ حِيَلِهِمْ في الخَلاصِ مِن عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ أنَّ عَدَمَ نُزُولِ العَذابِ لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم قَدَرُوا عَلى مَنعِ اللَّهِ مِن إنْزالِ العَذابِ ولا لِأجْلِ أنَّ لَهم ناصِرًا يَمْنَعُ ذَلِكَ العَذابَ عَنْهم، بَلْ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ الإمْهالُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمْهَلَهم كَيْ يَتُوبُوا فَيَزُولُوا عَنْ كُفْرِهِمْ، فَإذا أبَوْا إلّا الثَّباتَ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن مُضاعَفَةِ العَذابِ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ أنْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ لِلَّهِ عَمّا يُرِيدُ إنْزالَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا، ولا يَجِدُونَ ولِيًّا يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. والصِّفَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ قِيلَ: سَبَبُ تَضْعِيفِ العَذابِ في حَقِّهِمْ أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ وبِالنُّشُورِ، فَكُفْرُهم بِالمَبْدَأِ والمَعادِ صارَ سَبَبًا لِتَضْعِيفِ العَذابِ، والأصْوَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم مَعَ ضَلالِهِمُ الشَّدِيدِ، سَعَوْا في الإضْلالِ ومَنعِ النّاسِ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ، فَلِهَذا المَعْنى حَصَلَ هَذا التَّضْعِيفُ عَلَيْهِمْ. الصِّفَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ والمُرادُ ما هم عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِن صَمَمِ القَلْبِ وعَمى النَّفْسِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَخْلُقُ في المُكَلَّفِ ما يَمْنَعُهُ الإيمانَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الكافِرَ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وأمّا في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] وحاصِلُ الكَلامِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَ الأصْواتِ والحُرُوفِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهم عاجِزِينَ عَنِ الوُقُوفِ عَلى دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْلُ الأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ البَدِيهَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ الأصْواتَ والحُرُوفَ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الثّانِي. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنَّ السَّمْعَ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ الحاسَّةِ المَخْصُوصَةِ، أوْ عَنْ مَعْنى يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في صِماخِ الأُذُنِ، وكِلاهُما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَوِ اجْتَهَدَ في أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ أوْ يَتْرُكَهُ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ فِيهِ مُحالًا، وإذا كانَ إثْباتُها مُحالًا كانَ نَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ عَنْهُ هو الحَقَّ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَقْدَحُ في قَوْلِنا. ثُمَّ قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ إهْمالُهم لَهُ ونُفُورُهم عَنْهُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: هَذا كَلامٌ لا أسْتَطِيعُ أنْ أسْمَعَهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي. وذَكَرَ غَيْرُ الجُبّائِيِّ عُذْرًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَكُونَ لَهم أوْلِياءُ، والمُرادُ الأصْنامُ، ثُمَّ بَيَّنَ نَفْيَ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَصْلُحُونَ لِلْوِلايَةِ. صفحة ١٦٦ والجَوابُ: أمّا حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى خَلْقِ الحاسَّةِ وعَلى خَلْقِ المَعْنى فِيها فَباطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَصًّا بِهِمْ، والمَعْنى الَّذِي قالُوهُ حاصِلٌ في المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَماعَ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإبْصارَ صُورَتِهِ، فالجَوابُ أنَّهُ تَعالى نَفى الِاسْتِطاعَةَ فَحَمَلَهُ عَلى مَعْنًى آخَرَ خِلافَ الظّاهِرِ، وأيْضًا أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الِاسْتِثْقالِ إمّا أنْ يَمْنَعَ مِنَ الفَهْمِ والوُصُولِ إلى الغَرَضِ أوْ لَمْ يَمْنَعْ، فَإنْ مَنَعَ فَهو المَقْصُودُ، وإنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ فَحِينَئِذٍ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا أجْنَبِيًّا عَنِ المَعانِي المُعْتَبَرَةِ في الفَهْمِ والإدْراكِ، ولا تَخْتَلِفُ أحْوالُ القَلْبِ في العِلْمِ والمَعْرِفَةِ بِسَبَبِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ ذَمًّا لَهم في هَذا المَعْرِضِ، وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا مِرارًا كَثِيرَةً في هَذا الكِتابِ أنَّ حُصُولَ الفِعْلِ مَعَ قِيامِ الصّارِفِ مُحالٌ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى كَوْنَ هَذا المَعْنى صارِفًا عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، وبَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ حَصَلَ حُصُولًا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ البَتَّةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كانَ المُكَلَّفُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَمْنُوعًا عَنِ الإيمانِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَطْلُوبُ، وأمّا قَوْلُهُ فَإنّا نَجْعَلُ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن صِفَةِ الأوْثانِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأخِّرَةِ عائِدًا إلى عَيْنِ ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُولى. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ مِنهُ البَصِيرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهم عَدَلُوا عَنْ إبْصارِ ما يَكُونُ حُجَّةً لَهم. الصِّفَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا الخُسْرانُ أعْظَمَ وُجُوهِ الخُسْرانِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا باعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيا فَقَدْ خَسِرُوا؛ لِأنَّهم أعْطَوُا الشَّرِيفَ، ورَضُوا بِأخْذِ الخَسِيسِ، وهَذا عَيْنُ الخُسْرانِ في الدُّنْيا ثُمَّ في الآخِرَةِ، فَهَذا الخَسِيسُ يَضِيعُ ويَهْلَكُ ولا يَبْقى مِنهُ أثَرٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . الصِّفَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ وتَقْرِيرُهُ ما تَقَدَّمَ، وهو أنَّهُ لَمّا أعْطى الشَّرِيفَ الرَّفِيعَ ورَضِيَ بِالخَسِيسِ الوَضِيعِ فَقَدْ خَسِرَ في التِّجارَةِ. ثُمَّ لَمّا كانَ هَذا الخَسِيسُ بِحَيْثُ لا يَبْقى بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَهْلَكَ ويَفْنى انْقَلَبَتْ تِلْكَ التِّجارَةُ إلى النِّهايَةِ في صِفَةِ الخَسارَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿لا جَرَمَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِنا: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ حَقًّا، تَقُولُ العَرَبُ: لا جَرَمَ أنَّكَ مُحْسِنٌ، عَلى مَعْنى حَقًّا إنَّكَ مُحْسِنٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَلَهم فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ”لا“ حَرْفُ نَفْيٍ وجَزْمٍ، أيْ قَطْعٍ، فَإذا قُلْنا: لا جَرَمَ مَعْناهُ أنَّهُ لا قَطْعَ قاطِعٍ عَنْهم أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ كَلِمَةَ ”لا“ نَفْيٌ لِما ظَنُّوا أنَّهُ يَنْفَعُهم، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ كَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ، والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ وكَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ لَهُمُ الخُسْرانَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَكَرْنا ”جَرَمَ“ بِمَعْنى كَسَبَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائِدَةِ: ٢] قالَ الأزْهَرِيُّ: وهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذا البابِ. الثّالِثُ: قالَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: ”لا“ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكُفْرِ كَما ذَكَرْنا، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ حَقَّ وصَحَّ، والتَّأْوِيلُ أنَّهُ حَقُّ كُفْرِهِمْ وُقُوعُ العَذابِ والخُسْرانِ بِهِمْ. واحْتَجَّ سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: صفحة ١٦٧ ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا أرادَ حَقَّتِ الطَّعْنَةُ فَزارَةَ أنْ يَغْضَبُوا.

هود 11:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ كانَتْ لَهم عاداتٌ كَثِيرَةٌ وطُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنها شِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا ورَغْبَتُهم في تَحْصِيلِها، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ومِنها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ الرَّسُولِ ﷺ، ويَقْدَحُونَ في مُعْجِزاتِهِ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾، ومِنها أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ في الأصْنامِ أنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الكَلامَ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا بَيَّنَ وعِيدَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ هَذا الكَلامُ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ إنَّما يُورَدُ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ أنْواعِ الظُّلْمِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ وعِيدَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ وما وصَفَهم بِذَلِكَ لِأنَّهم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ العَرْضِ؛ لِأنَّ العَرْضَ عامٌّ في كُلِّ العِبادِ كَما قالَ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكَهْفِ: ٤٨] وإنَّما أرادَ بِهِ أنَّهم يُعْرَضُونَ فَيُفْتَضَحُونَ بِأنْ يَقُولَ الأشْهادُ عِنْدَ عَرْضِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ فَحَصَلَ لَهم مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى في مَكانٍ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى الأماكِنِ المُعَدَّةِ لِلْحِسابِ والسُّؤالِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَرْضًا عَلى مَن شاءَ اللَّهُ مِنَ الخَلْقِ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ. السُّؤالُ الثّانِي: مَنِ الأشْهادُ الَّذِينَ أُضِيفَ إلَيْهِمْ هَذا القَوْلُ ؟ الجَوابُ: قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا يَحْفَظُونَ أعْمالَهم عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: الأشْهادُ: النّاسُ، كَما يُقالُ: عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، يَعْنِي عَلى رُءُوسِ النّاسِ. وقالَ الآخَرُونَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٦] والفائِدَةُ في اعْتِبارِ قَوْلِ الأشْهادِ المُبالَغَةُ في إظْهارِ الفَضِيحَةِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: الأشْهادُ جَمْعٌ فَما واحِدُهُ ؟ والجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شاهِدٍ، مِثْلُ: صاحِبٍ وأصْحابٍ، وناصِرٍ وأنْصارٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَهِيدٍ، مِثْلُ شَرِيفٍ وأشْرافٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهَذا كَأنَّهُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ ما جاءَ مِن ذَلِكَ في التَّنْزِيلِ جاءَ صفحة ١٦٤ عَلى فَعِيلٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] . ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] ثُمَّ لَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في عَذابِ القِيامَةِ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في الحالِ فَقالَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، وبَيَّنَ أنَّهم في الحالِ لَمَلْعُونُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ أنَّهم يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا، يَعْنِي أنَّهم كَما ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالتِزامِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَقَدْ أضافُوا إلَيْهِ المَنعَ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ، وإلْقاءَ الشُّبُهاتِ، وتَعْوِيجَ الدَّلائِلِ المُسْتَقِيمَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ في العاصِي: يَبْغِي عِوَجًا، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيمَن يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِقامَةِ وكَيْفِيَّةَ العِوَجِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّبُهاتِ وتَقْرِيرِ الضَّلالاتِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَلِمَةُ ”هم“ كُرِّرَتْ عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ لِثَباتِهِمْ في الكُفْرِ. * * * ( أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ الجاحِدِينَ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ في مَعْرِضِ الذَّمِّ. الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ في مَوْقِفِ الذُّلِّ والهَوانِ والخِزْيِ والنَّكالِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ . والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: حُصُولُ الخِزْيِ والنَّكالِ والفَضِيحَةِ العَظِيمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ . والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهم مَلْعُونِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ . والصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهم صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مانِعِينَ عَنْ مُتابَعَةِ الحَقِّ، وهي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . والصِّفَةُ السّادِسَةُ: سَعْيُهم في إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، وتَعْوِيجِ الدَّلائِلِ المُسْتَقِيمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ . والصِّفَةُ السّابِعَةُ: كَوْنُهم كافِرِينَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ . والصِّفَةُ الثّامِنَةُ: كَوْنُهم عاجِزِينَ عَنِ الفِرارِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي﴾ صفحة ١٦٥ ﴿الأرْضِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الإعْجازِ المَنعُ مِن تَحْصِيلِ المُرادِ. يُقالُ: أعْجَزَنِي فُلانٌ، أيْ: مَنَعَنِي عَنْ مُرادِي، ومَعْنى مُعْجِزِينَ في الأرْضِ أيْ: لا يُمْكِنُهم أنْ يَهْرُبُوا مِن عَذابِنا،؛ فَإنَّ هَرَبَ العَبْدِ مِن عَذابِ اللَّهِ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، ولا تَتَفاوَتُ قُدْرَتُهُ بِالبُعْدِ والقُرْبِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ. والصِّفَةُ التّاسِعَةُ: أنَّهم لَيْسَ لَهم أوْلِياءُ يَدْفَعُونَ عَذابَ اللَّهِ عَنْهم، والمُرادُ مِنهُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في وصْفِهِمُ الأصْنامَ بِأنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، والمَقْصُودُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الفِرارِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ هو أنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى تَخْلِيصِهِمْ مِن ذَلِكَ العَذابِ، فَجَمَعَ تَعالى بَيْنَ ما يَرْجِعُ إلَيْهِمْ وبَيْنَ ما يَرْجِعُ إلى غَيْرِهِمْ، وبَيَّنَ بِذَلِكَ انْقِطاعَ حِيَلِهِمْ في الخَلاصِ مِن عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ أنَّ عَدَمَ نُزُولِ العَذابِ لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم قَدَرُوا عَلى مَنعِ اللَّهِ مِن إنْزالِ العَذابِ ولا لِأجْلِ أنَّ لَهم ناصِرًا يَمْنَعُ ذَلِكَ العَذابَ عَنْهم، بَلْ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ الإمْهالُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمْهَلَهم كَيْ يَتُوبُوا فَيَزُولُوا عَنْ كُفْرِهِمْ، فَإذا أبَوْا إلّا الثَّباتَ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن مُضاعَفَةِ العَذابِ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ أنْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ لِلَّهِ عَمّا يُرِيدُ إنْزالَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا، ولا يَجِدُونَ ولِيًّا يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. والصِّفَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ قِيلَ: سَبَبُ تَضْعِيفِ العَذابِ في حَقِّهِمْ أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ وبِالنُّشُورِ، فَكُفْرُهم بِالمَبْدَأِ والمَعادِ صارَ سَبَبًا لِتَضْعِيفِ العَذابِ، والأصْوَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم مَعَ ضَلالِهِمُ الشَّدِيدِ، سَعَوْا في الإضْلالِ ومَنعِ النّاسِ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ، فَلِهَذا المَعْنى حَصَلَ هَذا التَّضْعِيفُ عَلَيْهِمْ. الصِّفَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ والمُرادُ ما هم عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِن صَمَمِ القَلْبِ وعَمى النَّفْسِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَخْلُقُ في المُكَلَّفِ ما يَمْنَعُهُ الإيمانَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الكافِرَ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وأمّا في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] وحاصِلُ الكَلامِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَ الأصْواتِ والحُرُوفِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهم عاجِزِينَ عَنِ الوُقُوفِ عَلى دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْلُ الأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ البَدِيهَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ الأصْواتَ والحُرُوفَ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الثّانِي. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنَّ السَّمْعَ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ الحاسَّةِ المَخْصُوصَةِ، أوْ عَنْ مَعْنى يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في صِماخِ الأُذُنِ، وكِلاهُما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَوِ اجْتَهَدَ في أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ أوْ يَتْرُكَهُ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ فِيهِ مُحالًا، وإذا كانَ إثْباتُها مُحالًا كانَ نَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ عَنْهُ هو الحَقَّ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَقْدَحُ في قَوْلِنا. ثُمَّ قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ إهْمالُهم لَهُ ونُفُورُهم عَنْهُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: هَذا كَلامٌ لا أسْتَطِيعُ أنْ أسْمَعَهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي. وذَكَرَ غَيْرُ الجُبّائِيِّ عُذْرًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَكُونَ لَهم أوْلِياءُ، والمُرادُ الأصْنامُ، ثُمَّ بَيَّنَ نَفْيَ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَصْلُحُونَ لِلْوِلايَةِ. صفحة ١٦٦ والجَوابُ: أمّا حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى خَلْقِ الحاسَّةِ وعَلى خَلْقِ المَعْنى فِيها فَباطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَصًّا بِهِمْ، والمَعْنى الَّذِي قالُوهُ حاصِلٌ في المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَماعَ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإبْصارَ صُورَتِهِ، فالجَوابُ أنَّهُ تَعالى نَفى الِاسْتِطاعَةَ فَحَمَلَهُ عَلى مَعْنًى آخَرَ خِلافَ الظّاهِرِ، وأيْضًا أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الِاسْتِثْقالِ إمّا أنْ يَمْنَعَ مِنَ الفَهْمِ والوُصُولِ إلى الغَرَضِ أوْ لَمْ يَمْنَعْ، فَإنْ مَنَعَ فَهو المَقْصُودُ، وإنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ فَحِينَئِذٍ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا أجْنَبِيًّا عَنِ المَعانِي المُعْتَبَرَةِ في الفَهْمِ والإدْراكِ، ولا تَخْتَلِفُ أحْوالُ القَلْبِ في العِلْمِ والمَعْرِفَةِ بِسَبَبِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ ذَمًّا لَهم في هَذا المَعْرِضِ، وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا مِرارًا كَثِيرَةً في هَذا الكِتابِ أنَّ حُصُولَ الفِعْلِ مَعَ قِيامِ الصّارِفِ مُحالٌ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى كَوْنَ هَذا المَعْنى صارِفًا عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، وبَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ حَصَلَ حُصُولًا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ البَتَّةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كانَ المُكَلَّفُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَمْنُوعًا عَنِ الإيمانِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَطْلُوبُ، وأمّا قَوْلُهُ فَإنّا نَجْعَلُ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن صِفَةِ الأوْثانِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأخِّرَةِ عائِدًا إلى عَيْنِ ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُولى. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ مِنهُ البَصِيرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهم عَدَلُوا عَنْ إبْصارِ ما يَكُونُ حُجَّةً لَهم. الصِّفَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا الخُسْرانُ أعْظَمَ وُجُوهِ الخُسْرانِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا باعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيا فَقَدْ خَسِرُوا؛ لِأنَّهم أعْطَوُا الشَّرِيفَ، ورَضُوا بِأخْذِ الخَسِيسِ، وهَذا عَيْنُ الخُسْرانِ في الدُّنْيا ثُمَّ في الآخِرَةِ، فَهَذا الخَسِيسُ يَضِيعُ ويَهْلَكُ ولا يَبْقى مِنهُ أثَرٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . الصِّفَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ وتَقْرِيرُهُ ما تَقَدَّمَ، وهو أنَّهُ لَمّا أعْطى الشَّرِيفَ الرَّفِيعَ ورَضِيَ بِالخَسِيسِ الوَضِيعِ فَقَدْ خَسِرَ في التِّجارَةِ. ثُمَّ لَمّا كانَ هَذا الخَسِيسُ بِحَيْثُ لا يَبْقى بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَهْلَكَ ويَفْنى انْقَلَبَتْ تِلْكَ التِّجارَةُ إلى النِّهايَةِ في صِفَةِ الخَسارَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿لا جَرَمَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِنا: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ حَقًّا، تَقُولُ العَرَبُ: لا جَرَمَ أنَّكَ مُحْسِنٌ، عَلى مَعْنى حَقًّا إنَّكَ مُحْسِنٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَلَهم فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ”لا“ حَرْفُ نَفْيٍ وجَزْمٍ، أيْ قَطْعٍ، فَإذا قُلْنا: لا جَرَمَ مَعْناهُ أنَّهُ لا قَطْعَ قاطِعٍ عَنْهم أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ كَلِمَةَ ”لا“ نَفْيٌ لِما ظَنُّوا أنَّهُ يَنْفَعُهم، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ كَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ، والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ وكَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ لَهُمُ الخُسْرانَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَكَرْنا ”جَرَمَ“ بِمَعْنى كَسَبَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائِدَةِ: ٢] قالَ الأزْهَرِيُّ: وهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذا البابِ. الثّالِثُ: قالَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: ”لا“ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكُفْرِ كَما ذَكَرْنا، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ حَقَّ وصَحَّ، والتَّأْوِيلُ أنَّهُ حَقُّ كُفْرِهِمْ وُقُوعُ العَذابِ والخُسْرانِ بِهِمْ. واحْتَجَّ سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: صفحة ١٦٧ ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا أرادَ حَقَّتِ الطَّعْنَةُ فَزارَةَ أنْ يَغْضَبُوا.

هود 11:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ كانَتْ لَهم عاداتٌ كَثِيرَةٌ وطُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنها شِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا ورَغْبَتُهم في تَحْصِيلِها، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ومِنها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ الرَّسُولِ ﷺ، ويَقْدَحُونَ في مُعْجِزاتِهِ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾، ومِنها أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ في الأصْنامِ أنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الكَلامَ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا بَيَّنَ وعِيدَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ هَذا الكَلامُ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ إنَّما يُورَدُ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ أنْواعِ الظُّلْمِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ وعِيدَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ وما وصَفَهم بِذَلِكَ لِأنَّهم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ العَرْضِ؛ لِأنَّ العَرْضَ عامٌّ في كُلِّ العِبادِ كَما قالَ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكَهْفِ: ٤٨] وإنَّما أرادَ بِهِ أنَّهم يُعْرَضُونَ فَيُفْتَضَحُونَ بِأنْ يَقُولَ الأشْهادُ عِنْدَ عَرْضِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ فَحَصَلَ لَهم مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى في مَكانٍ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى الأماكِنِ المُعَدَّةِ لِلْحِسابِ والسُّؤالِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَرْضًا عَلى مَن شاءَ اللَّهُ مِنَ الخَلْقِ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ. السُّؤالُ الثّانِي: مَنِ الأشْهادُ الَّذِينَ أُضِيفَ إلَيْهِمْ هَذا القَوْلُ ؟ الجَوابُ: قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا يَحْفَظُونَ أعْمالَهم عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: الأشْهادُ: النّاسُ، كَما يُقالُ: عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، يَعْنِي عَلى رُءُوسِ النّاسِ. وقالَ الآخَرُونَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٦] والفائِدَةُ في اعْتِبارِ قَوْلِ الأشْهادِ المُبالَغَةُ في إظْهارِ الفَضِيحَةِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: الأشْهادُ جَمْعٌ فَما واحِدُهُ ؟ والجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شاهِدٍ، مِثْلُ: صاحِبٍ وأصْحابٍ، وناصِرٍ وأنْصارٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَهِيدٍ، مِثْلُ شَرِيفٍ وأشْرافٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهَذا كَأنَّهُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ ما جاءَ مِن ذَلِكَ في التَّنْزِيلِ جاءَ صفحة ١٦٤ عَلى فَعِيلٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] . ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] ثُمَّ لَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في عَذابِ القِيامَةِ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في الحالِ فَقالَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، وبَيَّنَ أنَّهم في الحالِ لَمَلْعُونُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ أنَّهم يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا، يَعْنِي أنَّهم كَما ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالتِزامِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَقَدْ أضافُوا إلَيْهِ المَنعَ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ، وإلْقاءَ الشُّبُهاتِ، وتَعْوِيجَ الدَّلائِلِ المُسْتَقِيمَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ في العاصِي: يَبْغِي عِوَجًا، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيمَن يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِقامَةِ وكَيْفِيَّةَ العِوَجِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّبُهاتِ وتَقْرِيرِ الضَّلالاتِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَلِمَةُ ”هم“ كُرِّرَتْ عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ لِثَباتِهِمْ في الكُفْرِ. * * * ( أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ الجاحِدِينَ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ في مَعْرِضِ الذَّمِّ. الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ في مَوْقِفِ الذُّلِّ والهَوانِ والخِزْيِ والنَّكالِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ . والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: حُصُولُ الخِزْيِ والنَّكالِ والفَضِيحَةِ العَظِيمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ . والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهم مَلْعُونِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ . والصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهم صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مانِعِينَ عَنْ مُتابَعَةِ الحَقِّ، وهي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . والصِّفَةُ السّادِسَةُ: سَعْيُهم في إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، وتَعْوِيجِ الدَّلائِلِ المُسْتَقِيمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ . والصِّفَةُ السّابِعَةُ: كَوْنُهم كافِرِينَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ . والصِّفَةُ الثّامِنَةُ: كَوْنُهم عاجِزِينَ عَنِ الفِرارِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي﴾ صفحة ١٦٥ ﴿الأرْضِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الإعْجازِ المَنعُ مِن تَحْصِيلِ المُرادِ. يُقالُ: أعْجَزَنِي فُلانٌ، أيْ: مَنَعَنِي عَنْ مُرادِي، ومَعْنى مُعْجِزِينَ في الأرْضِ أيْ: لا يُمْكِنُهم أنْ يَهْرُبُوا مِن عَذابِنا،؛ فَإنَّ هَرَبَ العَبْدِ مِن عَذابِ اللَّهِ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، ولا تَتَفاوَتُ قُدْرَتُهُ بِالبُعْدِ والقُرْبِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ. والصِّفَةُ التّاسِعَةُ: أنَّهم لَيْسَ لَهم أوْلِياءُ يَدْفَعُونَ عَذابَ اللَّهِ عَنْهم، والمُرادُ مِنهُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في وصْفِهِمُ الأصْنامَ بِأنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، والمَقْصُودُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الفِرارِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ هو أنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى تَخْلِيصِهِمْ مِن ذَلِكَ العَذابِ، فَجَمَعَ تَعالى بَيْنَ ما يَرْجِعُ إلَيْهِمْ وبَيْنَ ما يَرْجِعُ إلى غَيْرِهِمْ، وبَيَّنَ بِذَلِكَ انْقِطاعَ حِيَلِهِمْ في الخَلاصِ مِن عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ أنَّ عَدَمَ نُزُولِ العَذابِ لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم قَدَرُوا عَلى مَنعِ اللَّهِ مِن إنْزالِ العَذابِ ولا لِأجْلِ أنَّ لَهم ناصِرًا يَمْنَعُ ذَلِكَ العَذابَ عَنْهم، بَلْ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ الإمْهالُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمْهَلَهم كَيْ يَتُوبُوا فَيَزُولُوا عَنْ كُفْرِهِمْ، فَإذا أبَوْا إلّا الثَّباتَ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن مُضاعَفَةِ العَذابِ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ أنْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ لِلَّهِ عَمّا يُرِيدُ إنْزالَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا، ولا يَجِدُونَ ولِيًّا يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم. والصِّفَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ قِيلَ: سَبَبُ تَضْعِيفِ العَذابِ في حَقِّهِمْ أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ وبِالنُّشُورِ، فَكُفْرُهم بِالمَبْدَأِ والمَعادِ صارَ سَبَبًا لِتَضْعِيفِ العَذابِ، والأصْوَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم مَعَ ضَلالِهِمُ الشَّدِيدِ، سَعَوْا في الإضْلالِ ومَنعِ النّاسِ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ، فَلِهَذا المَعْنى حَصَلَ هَذا التَّضْعِيفُ عَلَيْهِمْ. الصِّفَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ والمُرادُ ما هم عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِن صَمَمِ القَلْبِ وعَمى النَّفْسِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَخْلُقُ في المُكَلَّفِ ما يَمْنَعُهُ الإيمانَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الكافِرَ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وأمّا في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] وحاصِلُ الكَلامِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَ الأصْواتِ والحُرُوفِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهم عاجِزِينَ عَنِ الوُقُوفِ عَلى دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْلُ الأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ البَدِيهَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ الأصْواتَ والحُرُوفَ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الثّانِي. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنَّ السَّمْعَ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ الحاسَّةِ المَخْصُوصَةِ، أوْ عَنْ مَعْنى يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في صِماخِ الأُذُنِ، وكِلاهُما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَوِ اجْتَهَدَ في أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ أوْ يَتْرُكَهُ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ فِيهِ مُحالًا، وإذا كانَ إثْباتُها مُحالًا كانَ نَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ عَنْهُ هو الحَقَّ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَقْدَحُ في قَوْلِنا. ثُمَّ قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ إهْمالُهم لَهُ ونُفُورُهم عَنْهُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: هَذا كَلامٌ لا أسْتَطِيعُ أنْ أسْمَعَهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي. وذَكَرَ غَيْرُ الجُبّائِيِّ عُذْرًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَكُونَ لَهم أوْلِياءُ، والمُرادُ الأصْنامُ، ثُمَّ بَيَّنَ نَفْيَ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَصْلُحُونَ لِلْوِلايَةِ. صفحة ١٦٦ والجَوابُ: أمّا حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى خَلْقِ الحاسَّةِ وعَلى خَلْقِ المَعْنى فِيها فَباطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَصًّا بِهِمْ، والمَعْنى الَّذِي قالُوهُ حاصِلٌ في المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَماعَ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإبْصارَ صُورَتِهِ، فالجَوابُ أنَّهُ تَعالى نَفى الِاسْتِطاعَةَ فَحَمَلَهُ عَلى مَعْنًى آخَرَ خِلافَ الظّاهِرِ، وأيْضًا أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الِاسْتِثْقالِ إمّا أنْ يَمْنَعَ مِنَ الفَهْمِ والوُصُولِ إلى الغَرَضِ أوْ لَمْ يَمْنَعْ، فَإنْ مَنَعَ فَهو المَقْصُودُ، وإنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ فَحِينَئِذٍ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا أجْنَبِيًّا عَنِ المَعانِي المُعْتَبَرَةِ في الفَهْمِ والإدْراكِ، ولا تَخْتَلِفُ أحْوالُ القَلْبِ في العِلْمِ والمَعْرِفَةِ بِسَبَبِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ ذَمًّا لَهم في هَذا المَعْرِضِ، وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا مِرارًا كَثِيرَةً في هَذا الكِتابِ أنَّ حُصُولَ الفِعْلِ مَعَ قِيامِ الصّارِفِ مُحالٌ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى كَوْنَ هَذا المَعْنى صارِفًا عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، وبَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ حَصَلَ حُصُولًا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ البَتَّةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كانَ المُكَلَّفُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَمْنُوعًا عَنِ الإيمانِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَطْلُوبُ، وأمّا قَوْلُهُ فَإنّا نَجْعَلُ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن صِفَةِ الأوْثانِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأخِّرَةِ عائِدًا إلى عَيْنِ ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُولى. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ مِنهُ البَصِيرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهم عَدَلُوا عَنْ إبْصارِ ما يَكُونُ حُجَّةً لَهم. الصِّفَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا الخُسْرانُ أعْظَمَ وُجُوهِ الخُسْرانِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا باعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيا فَقَدْ خَسِرُوا؛ لِأنَّهم أعْطَوُا الشَّرِيفَ، ورَضُوا بِأخْذِ الخَسِيسِ، وهَذا عَيْنُ الخُسْرانِ في الدُّنْيا ثُمَّ في الآخِرَةِ، فَهَذا الخَسِيسُ يَضِيعُ ويَهْلَكُ ولا يَبْقى مِنهُ أثَرٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . الصِّفَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ وتَقْرِيرُهُ ما تَقَدَّمَ، وهو أنَّهُ لَمّا أعْطى الشَّرِيفَ الرَّفِيعَ ورَضِيَ بِالخَسِيسِ الوَضِيعِ فَقَدْ خَسِرَ في التِّجارَةِ. ثُمَّ لَمّا كانَ هَذا الخَسِيسُ بِحَيْثُ لا يَبْقى بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَهْلَكَ ويَفْنى انْقَلَبَتْ تِلْكَ التِّجارَةُ إلى النِّهايَةِ في صِفَةِ الخَسارَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿لا جَرَمَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِنا: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ حَقًّا، تَقُولُ العَرَبُ: لا جَرَمَ أنَّكَ مُحْسِنٌ، عَلى مَعْنى حَقًّا إنَّكَ مُحْسِنٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَلَهم فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: ”لا“ حَرْفُ نَفْيٍ وجَزْمٍ، أيْ قَطْعٍ، فَإذا قُلْنا: لا جَرَمَ مَعْناهُ أنَّهُ لا قَطْعَ قاطِعٍ عَنْهم أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ كَلِمَةَ ”لا“ نَفْيٌ لِما ظَنُّوا أنَّهُ يَنْفَعُهم، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ كَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ، والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ وكَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ لَهُمُ الخُسْرانَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَكَرْنا ”جَرَمَ“ بِمَعْنى كَسَبَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائِدَةِ: ٢] قالَ الأزْهَرِيُّ: وهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذا البابِ. الثّالِثُ: قالَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: ”لا“ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكُفْرِ كَما ذَكَرْنا، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ حَقَّ وصَحَّ، والتَّأْوِيلُ أنَّهُ حَقُّ كُفْرِهِمْ وُقُوعُ العَذابِ والخُسْرانِ بِهِمْ. واحْتَجَّ سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: صفحة ١٦٧ ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا أرادَ حَقَّتِ الطَّعْنَةُ فَزارَةَ أنْ يَغْضَبُوا.

هود 11:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عُقُوبَةَ الكافِرِينَ وخُسْرانَهم، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ. والإخْباتُ هو الخُشُوعُ والخُضُوعُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبْتِ وهو الأرْضُ المُطْمَئِنَّةُ، وخَبَتَ ذِكْرُهُ أيْ خَفِيَ، فَقَوْلُهُ: أخْبَتَ أيْ دَخَلَ في الخَبْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن صارَ إلى نَجْدٍ: أنْجَدَ، وإلى تِهامَةَ: أتْهَمَ، ومِنهُ المُخْبِتُ مِنَ النّاسِ الَّذِي أخْبَتَ إلى رَبِّهِ، أيِ: اطْمَأنَّ إلَيْهِ. ولَفْظُ الإخْباتِ يَتَعَدّى بِإلى وبِاللّامِ، فَإذا قُلْنا: أخْبَتَ فُلانٌ إلى كَذا فَمَعْناهُ اطْمَأنَّ إلَيْهِ، وإذا قُلْنا: أخْبَتَ لَهُ فَمَعْناهُ خَشَعَ لَهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَوْلُهُ ﴿وأخْبَتُوا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ لا تَنْفَعُ في الآخِرَةِ إلّا مَعَ الأحْوالِ القَلْبِيَّةِ، ثُمَّ إنْ فَسَرَّنا الإخْباتَ بِالطُّمَأْنِينَةِ كانَ المُرادُ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ وكانَتْ قُلُوبُهم عِنْدَ أداءِ العِباداتِ مُطْمَئِنَّةً بِذِكْرِ اللَّهِ، فارِغَةً عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى. أوْ يُقالُ: إنَّما قُلُوبُهم صارَتْ مُطْمَئِنَّةً إلى صِدْقِ اللَّهِ بِكُلِّ ما وعَدَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وأمّا إنْ فَسَّرْنا الإخْباتَ بِالخُشُوعِ كانَ مَعْناهُ أنَّهم يَأْتُونَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ خائِفِينَ وجِلِينَ مِن أنْ يَكُونُوا أتَوْا بِها مَعَ وُجُودِ الإخْلالِ والتَّقْصِيرِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن حَصَلَ لَهُ هَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ فَهم أصْحابُ الجَنَّةِ، ويَحْصُلُ لَهُمُ الخُلُودُ في الجَنَّةِ.

هود 11:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ ذَكَرَ فِيهِما مِثالًا مُطابِقًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى مَن ذُكِرَ آخِرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِن قَبْلُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ رَجَعَ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [هُودٍ: ١٧] ثُمَّ ذَكَرَ مِن بَعْدِهِ الكافِرِينَ ووَصَفَهم بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ولا يُبْصِرُونَ، والسَّمِيعُ والبَصِيرُ هُمُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ. واعْلَمْ أنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الإنْسانَ مُرَكَّبًا مِنَ الجَسَدِ ومِنَ النَّفْسِ، وكَما أنَّ لِلْجَسَدِ بَصَرًا وسَمْعًا فَكَذَلِكَ حَصَلَ لِجَوْهَرِ الرُّوحِ سَمْعٌ وبَصَرٌ، وكَما أنَّ الجَسَدَ إذا كانَ أعْمى أصَمَّ بَقِيَ مُتَحَيِّرًا لا صفحة ١٦٨ يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ مِنَ المَصالِحِ، بَلْ يَكُونُ كالتّائِهِ في حَضِيضِ الظُّلُماتِ لا يُبْصِرُ نُورًا يَهْتَدِي بِهِ، ولا يَسْمَعُ صَوْتًا، فَكَذَلِكَ الجاهِلُ الضّالُّ المُضِلُّ، يَكُونُ أعْمى وأصَمَّ القَلْبِ، فَيَبْقى في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ حائِرًا تائِهًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ يُمْكِنُهُ عِلاجُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمِ، وإذا كانَ العِلاجُ مُمْكِنًا مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ بِسَبَبِ حُصُولِ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمِ وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَسْعى في ذَلِكَ العِلاجِ بِقَدْرِ الإمْكانِ. واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ تَعالى إذا أوْرَدَ عَلى الكافِرِ أنْواعَ الدَّلائِلِ أتْبَعَها بِالقَصَصِ؛ لِيَصِيرَ ذِكْرُها مُؤَكِّدًا لِتِلْكَ الدَّلائِلِ عَلى ما قَرَّرْنا هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ أنْواعًا مِنَ القَصَصِ:

هود 11:25

القِصَّةُ الأُولى قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَدْ بَدَأ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ يُونُسَ، وقَدْ أعادَها في هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا؛ لِما فِيها مِن زَوائِدِ الفَوائِدِ وبَدائِعِ الحِكَمِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: ”أنِّي“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى: أرْسَلْنا نُوحًا بِأنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ، ومَعْناهُ أرْسَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِهَذا الكَلامِ، وهو قَوْلُهُ: ”أنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ“، فَلَمّا اتَّصَلَ بِهِ حَرْفُ الجَرِّ وهو الباءُ فُتِحَ كَما فُتِحَ في كانَ، وأمّا سائِرُ القُرّاءِ فَقَرَءُوا: ﴿إنِّي﴾ بِالكَسْرِ عَلى مَعْنى: قالَ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنَ النَّذِيرِ كَوْنُهُ مُهَدِّدًا لِلْعُصاةِ بِالعِقابِ، ومِنَ المُبِينِ كَوْنُهُ مُبَيِّنًا ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الثَّوابِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ نَذِيرٌ لِلْعُصاةِ مِنَ العِقابِ، وأنَّهُ مُبِينٌ بِمَعْنى أنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ الإنْذارَ عَلى الطَّرِيقِ الأكْمَلِ والبَيانِ الأقْوى الأظْهَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ إنَّما حَصَلَ في النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وفي الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ النَّفْيِ، وهو يُوجِبُ نَفْيَ غَيْرِ المُسْتَثْنى. واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ بِهَذا الكَلامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الألَمُ العَظِيمُ في ذَلِكَ اليَوْمِ أُسْنِدَ صفحة ١٦٩ ذَلِكَ الألَمُ إلى اليَوْمِ، كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ، ولَيْلُكَ قائِمٌ.

هود 11:26

القِصَّةُ الأُولى قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَدْ بَدَأ بِذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ يُونُسَ، وقَدْ أعادَها في هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا؛ لِما فِيها مِن زَوائِدِ الفَوائِدِ وبَدائِعِ الحِكَمِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: ”أنِّي“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى: أرْسَلْنا نُوحًا بِأنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ، ومَعْناهُ أرْسَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِهَذا الكَلامِ، وهو قَوْلُهُ: ”أنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ“، فَلَمّا اتَّصَلَ بِهِ حَرْفُ الجَرِّ وهو الباءُ فُتِحَ كَما فُتِحَ في كانَ، وأمّا سائِرُ القُرّاءِ فَقَرَءُوا: ﴿إنِّي﴾ بِالكَسْرِ عَلى مَعْنى: قالَ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنَ النَّذِيرِ كَوْنُهُ مُهَدِّدًا لِلْعُصاةِ بِالعِقابِ، ومِنَ المُبِينِ كَوْنُهُ مُبَيِّنًا ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الثَّوابِ، والأوْلى أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ نَذِيرٌ لِلْعُصاةِ مِنَ العِقابِ، وأنَّهُ مُبِينٌ بِمَعْنى أنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ الإنْذارَ عَلى الطَّرِيقِ الأكْمَلِ والبَيانِ الأقْوى الأظْهَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الإنْذارَ إنَّما حَصَلَ في النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وفي الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ النَّفْيِ، وهو يُوجِبُ نَفْيَ غَيْرِ المُسْتَثْنى. واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ بِهَذا الكَلامِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الألَمُ العَظِيمُ في ذَلِكَ اليَوْمِ أُسْنِدَ صفحة ١٦٩ ذَلِكَ الألَمُ إلى اليَوْمِ، كَقَوْلِهِمْ: نَهارُكَ صائِمٌ، ولَيْلُكَ قائِمٌ.

هود 11:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الشُّبُهاتِ. فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم، والتَّفاوُتُ الحاصِلُ بَيْنَ آحادِ البَشَرِ يَمْتَنِعُ انْتِهاؤُهُ إلى حَيْثُ يَصِيرُ الواحِدُ مِنهم واجِبُهُ الطّاعَةُ لِجَمِيعِ العالَمِينَ. والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ ما اتَّبَعَهُ إلّا أراذِلُ مِنَ القَوْمِ كالحِياكَةِ وأهْلِ الصَّنائِعِ الخَسِيسَةِ، قالُوا: ولَوْ كُنْتَ صادِقًا لاتَّبَعَكَ الأكْياسُ مِنَ النّاسِ والأشْرافُ مِنهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١١١] . والشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ والمَعْنى: لا نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ لا في العَقْلِ ولا في رِعايَةِ المَصالِحِ العاجِلَةِ ولا في قُوَّةِ الجَدَلِ، فَإذا لَمْ نُشاهِدْ فَضْلَكَ عَلَيْنا في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ فَكَيْفَ نَعْتَرِفُ بِفَضْلِكَ عَلَيْنا في أشْرَفِ الدَّرَجاتِ وأعْلى المَقاماتِ ؟ فَهَذا خُلاصَةُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الشُّبُهاتِ. واعْلَمْ أنَّ الشُّبْهَةَ الأُولى لا تَلِيقُ إلّا بِالبَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، أمّا الشُّبْهَتانِ الباقِيَتانِ فَيُمْكِنُ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهِما مَن أقَرَّ بِنُبُوَّةِ سائِرِ الأنْبِياءِ. وفي لَفْظِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَلَأُ الأشْرافُ، وفي اشْتِقاقِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: مَلِيءٌ بِكَذا إذا كانَ مُطْبِقًا لَهُ، وقَدْ مُلْئِوا بِالأمْرِ، والسَّبَبُ في إطْلاقِ هَذا اللَّفْظِ عَلَيْهِمْ أنَّهم مُلِئُوا بِتَرْتِيبِ المُهِمّاتِ وأحْسَنُوا في تَدْبِيرِها. الثّانِي: أنَّهم وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّهم يَتَمالَئُونَ أيْ يَتَظاهَرُونَ عَلَيْهِ. الثّالِثُ: وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّهم يَمْلَئُونَ القُلُوبَ هَيْبَةً والمَجالِسَ أُبَّهَةً. الرّابِعُ: وُصِفُوا بِهِ لِأنَّهم مَلَئُوا العُقُولَ الرّاجِحَةَ والآراءَ الصّائِبَةَ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ الشُّبْهَةَ الأُولى، وهي قَوْلُهم: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ وهو مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنْعامِ: ٨] وهَذا جَهْلٌ؛ لِأنَّ مِن حَقِّ الرَّسُولِ أنْ يُباشِرَ الأُمَّةَ بِالدَّلِيلِ والبُرْهانِ والتَّثَبُّتِ والحُجَّةِ، لا بِالصُّورَةِ والخِلْقَةِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ بَعَثَ إلى البَشَرِ مَلَكًا لَكانَتِ الشُّبْهَةُ أقْوى في الطَّعْنِ عَلَيْهِ في رِسالَتِهِ لِأنَّهُ يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّ هَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ لَعَلَّ هَذا المَلَكَ هو الَّذِي أتى بِها مِن عِنْدِ نَفْسِهِ بِسَبَبِ أنَّ قُوَّتَهُ أكْمَلُ وقُدْرَتَهُ أقْوى، فَلِهَذِهِ الحِكْمَةِ ما بَعَثَ اللَّهُ إلى البَشَرِ رَسُولًا إلّا مِنَ البَشَرِ. صفحة ١٧٠ ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ الثّانِيَةَ وهي قَوْلُهُ: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ والمُرادُ مِنهُ قِلَّةُ مالِهِمْ وقِلَّةُ جاهِهِمْ ودَناءَةُ حِرَفِهِمْ وصِناعَتِهِمْ. وهَذا أيْضًا جَهْلٌ؛ لِأنَّ الرِّفْعَةَ في الدِّينِ لا تَكُونُ بِالحَسَبِ والمالِ والمَناصِبِ العالِيَةِ، بَلِ الفَقْرُ أهْوَنُ عَلى الدِّينِ مِنَ الغِنى، بَلْ نَقُولُ: الأنْبِياءُ ما بُعِثُوا إلّا لِتَرْكِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، فَكَيْفَ تُجْعَلُ قِلَّةُ المالِ في الدُّنْيا طَعْنًا في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى الشُّبْهَةَ الثّالِثَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ وهَذا أيْضًا جَهْلٌ؛ لِأنَّ الفَضِيلَةَ المُعْتَبَرَةَ عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَتْ إلّا بِالعِلْمِ والعَمَلِ، فَكَيْفَ اطَّلَعُوا عَلى بَواطِنِ الخَلْقِ حَتّى عَرَفُوا نَفْيَ هَذِهِ الفَضِيلَةِ، ثُمَّ قالُوا بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الشُّبُهاتِ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَنِ اتَّبَعَهُ: ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا مَعَ نُوحٍ ومَعَ قَوْمِهِ، والمُرادُ مِنهُ تَكْذِيبُ نُوحٍ في دَعْوى الرِّسالَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا مَعَ الأراذِلِ فَنَسَبُوهم إلى أنَّهم كَذَبُوا في أنْ آمَنُوا بِهِ واتَّبَعُوهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: الأرْذَلُ جَمْعُ رَذْلٍ، وهو الدُّونُ مِن كُلِّ شَيْءٍ في مَنظَرِهِ وحالاتِهِ، ورَجُلٌ رَذْلُ الثِّيابِ والفِعْلِ. والأراذِلُ جَمْعُ الأرْذَلِ، كَقَوْلِهِمْ: أكابِرُ مُجْرِمِيها، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أحاسِنُكم أخْلاقًا» “، فَعَلى هَذا الأراذِلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وقالَ بَعْضُهم: الأصْلُ فِيهِ أنْ يُقالَ: هو أرْذَلُ مِن كَذا ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قالُوا: هو الأرْذَلُ، فَصارَتِ الألِفُ واللّامُ عِوَضًا عَنِ الإضافَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ البادِي هو الظّاهِرُ مِن قَوْلِكَ: بَدا الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ، ومِنهُ يُقالُ: بادِيَةٌ لِظُهُورِها وبُرُوزِها لِلنّاظِرِ، واخْتَلَفُوا في بادِيَ الرَّأْيِ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: اتَّبَعُوكَ في الظّاهِرِ وباطِنُهم بِخِلافِهِ. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ اتَّبَعُوكَ في ابْتِداءِ حُدُوثِ الرَّأْيِ وما احْتاطُوا في ذَلِكَ الرَّأْيِ وما أعْطَوْهُ حَقَّهُ مِنَ الفِكْرِ الصّائِبِ والتَّدَبُّرِ الوافِي. الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا وصَفُوا القَوْمَ بِالرَّذالَةِ قالُوا: كَوْنُهم كَذَلِكَ بادِيَ الرَّأْيِ أمْرٌ ظاهِرٌ لِكُلِّ مَن يَراهم، والرَّأْيُ عَلى هَذا المَعْنى مِن رَأْيِ العَيْنِ لا مِن رَأْيِ القَلْبِ، ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ العَيْنِ“ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ونُصَيْرٌ عَنِ الكِسائِيِّ ”بادِئَ“ بِالهَمْزَةِ والباقُونَ بِالياءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، فَمَن قَرَأ: ”بادِئَ“ بِالهَمْزَةِ فالمَعْنى أوَّلُ الرَّأْيِ وابْتِداؤُهُ، ومَن قَرَأ بِالياءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ كانَ مِن بَدا يَبْدُو أيْ ظَهَرَ. و﴿بادِيَ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ أوَّلَ الضَّرْبِ.

هود 11:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى شُبُهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكى بَعْدَهُ ما يَكُونُ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبُهاتِ. صفحة ١٧١ فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَقالَ نُوحٌ: حُصُولُ المُساواةِ في البَشَرِيَّةِ لا يَمْنَعُ مِن حُصُولِ المُفارَقَةِ في صِفَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَ الدّالَّ عَلى إمْكانِهِ، فَقالَ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ مِن مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وما يَجِبُ وما يَمْتَنِعُ وما يَجُوزُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى آتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ، والمُرادُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ: إمّا النُّبُوَّةُ وإمّا المُعْجِزَةُ الدّالَّةُ عَلى النُّبُوَّةِ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: صارَتْ مَظِنَّةً مُشْتَبِهَةً مُلْتَبِسَةً في عُقُولِكم، فَهَلْ أقْدِرُ عَلى أنْ أجْعَلَكم بِحَيْثُ تَصِلُونَ إلى مَعْرِفَتِها شِئْتُمْ أمْ أبَيْتُمْ ؟ والمُرادُ أنِّي لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ. وعَنْ قَتادَةَ: واللَّهِ لَوِ اسْتَطاعَ نَبِيُّ اللَّهِ لَأُلْزِمَها ولَكِنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ ذَكَرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ الحُجَّةَ عُمِّيَتْ عَلَيْكم واشْتَبَهَتْ، فَأمّا لَوْ تَرَكْتُمُ العِنادَ واللَّجاجَ ونَظَرْتُمْ في الدَّلِيلِ لَظَهَرَ المَقْصُودُ، وتَبَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانا عَلَيْكم فَضْلًا عَظِيمًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، بِمَعْنى أُلْبِسَتْ وشُبِّهَتْ، والباقُونَ بِفَتْحِ العَيْنِ مُخَفَّفَةَ المِيمِ، أيِ: التَبَسَتْ واشْتَبَهَتْ. واعْلَمْ أنَّ الشَّيْءَ إذا بَقِيَ مَجْهُولًا مَحْضًا أشْبَهَ المُعَمّى؛ لِأنَّ العِلْمَ نُورُ البَصِيرَةِ الباطِنَةِ، والأبْصارَ نُورُ البَصَرِ الظّاهِرِ، فَحَسُنَ جَعْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنها مَجازًا عَنِ الآخَرِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ البَيِّنَةَ تُوصَفُ بِالأبْصارِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ [النَّمْلِ: ١٣] وكَذَلِكَ تُوصَفُ بِالعَمى، قالَ تَعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القَصَصِ: ٦٦] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ فِيهِ ثَلاثُ مُضْمَراتٍ: ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ، وضَمِيرُ الغائِبِ، وضَمِيرُ المُخاطَبِ، وأجازَ الفَرّاءُ إسْكانَ المِيمِ الأُولى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، قالَ: وذَلِكَ أنَّ الحَرَكاتِ تَوالَتْ، فَسُكِّنَتِ المِيمُ، وهي أيْضًا مَرْفُوعَةٌ وقَبْلَها كَسْرَةٌ، والحَرَكَةُ الَّتِي بَعْدَها ضَمَّةٌ ثَقِيلَةٌ، قالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ لا يُجِيزُونَ إسْكانَ حَرْفِ الإعْرابِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وما يُرْوى عَنْ أبِي عَمْرٍو فَلَمْ يَضْبِطْهُ عَنْهُ الفَرّاءُ، ورُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ كانَ يُخَفِّفُ الحَرَكَةَ ويَخْتَلِسُها، وهَذا هو الحَقُّ، وإنَّما يَجُوزُ الإسْكانُ في الشِّعْرِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فاليَوْمَ أُشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ

هود 11:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى شُبُهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكى بَعْدَهُ ما يَكُونُ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبُهاتِ. صفحة ١٧١ فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَقالَ نُوحٌ: حُصُولُ المُساواةِ في البَشَرِيَّةِ لا يَمْنَعُ مِن حُصُولِ المُفارَقَةِ في صِفَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَ الدّالَّ عَلى إمْكانِهِ، فَقالَ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ مِن مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وما يَجِبُ وما يَمْتَنِعُ وما يَجُوزُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى آتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ، والمُرادُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ: إمّا النُّبُوَّةُ وإمّا المُعْجِزَةُ الدّالَّةُ عَلى النُّبُوَّةِ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: صارَتْ مَظِنَّةً مُشْتَبِهَةً مُلْتَبِسَةً في عُقُولِكم، فَهَلْ أقْدِرُ عَلى أنْ أجْعَلَكم بِحَيْثُ تَصِلُونَ إلى مَعْرِفَتِها شِئْتُمْ أمْ أبَيْتُمْ ؟ والمُرادُ أنِّي لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ. وعَنْ قَتادَةَ: واللَّهِ لَوِ اسْتَطاعَ نَبِيُّ اللَّهِ لَأُلْزِمَها ولَكِنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ ذَكَرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ الحُجَّةَ عُمِّيَتْ عَلَيْكم واشْتَبَهَتْ، فَأمّا لَوْ تَرَكْتُمُ العِنادَ واللَّجاجَ ونَظَرْتُمْ في الدَّلِيلِ لَظَهَرَ المَقْصُودُ، وتَبَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانا عَلَيْكم فَضْلًا عَظِيمًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، بِمَعْنى أُلْبِسَتْ وشُبِّهَتْ، والباقُونَ بِفَتْحِ العَيْنِ مُخَفَّفَةَ المِيمِ، أيِ: التَبَسَتْ واشْتَبَهَتْ. واعْلَمْ أنَّ الشَّيْءَ إذا بَقِيَ مَجْهُولًا مَحْضًا أشْبَهَ المُعَمّى؛ لِأنَّ العِلْمَ نُورُ البَصِيرَةِ الباطِنَةِ، والأبْصارَ نُورُ البَصَرِ الظّاهِرِ، فَحَسُنَ جَعْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنها مَجازًا عَنِ الآخَرِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ البَيِّنَةَ تُوصَفُ بِالأبْصارِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ [النَّمْلِ: ١٣] وكَذَلِكَ تُوصَفُ بِالعَمى، قالَ تَعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القَصَصِ: ٦٦] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ فِيهِ ثَلاثُ مُضْمَراتٍ: ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ، وضَمِيرُ الغائِبِ، وضَمِيرُ المُخاطَبِ، وأجازَ الفَرّاءُ إسْكانَ المِيمِ الأُولى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، قالَ: وذَلِكَ أنَّ الحَرَكاتِ تَوالَتْ، فَسُكِّنَتِ المِيمُ، وهي أيْضًا مَرْفُوعَةٌ وقَبْلَها كَسْرَةٌ، والحَرَكَةُ الَّتِي بَعْدَها ضَمَّةٌ ثَقِيلَةٌ، قالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ لا يُجِيزُونَ إسْكانَ حَرْفِ الإعْرابِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وما يُرْوى عَنْ أبِي عَمْرٍو فَلَمْ يَضْبِطْهُ عَنْهُ الفَرّاءُ، ورُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ كانَ يُخَفِّفُ الحَرَكَةَ ويَخْتَلِسُها، وهَذا هو الحَقُّ، وإنَّما يَجُوزُ الإسْكانُ في الشِّعْرِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فاليَوْمَ أُشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ

هود 11:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى شُبُهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكى بَعْدَهُ ما يَكُونُ جَوابًا عَنْ تِلْكَ الشُّبُهاتِ. صفحة ١٧١ فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَقالَ نُوحٌ: حُصُولُ المُساواةِ في البَشَرِيَّةِ لا يَمْنَعُ مِن حُصُولِ المُفارَقَةِ في صِفَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَ الدّالَّ عَلى إمْكانِهِ، فَقالَ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ مِن مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وما يَجِبُ وما يَمْتَنِعُ وما يَجُوزُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى آتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ، والمُرادُ بِتِلْكَ الرَّحْمَةِ: إمّا النُّبُوَّةُ وإمّا المُعْجِزَةُ الدّالَّةُ عَلى النُّبُوَّةِ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: صارَتْ مَظِنَّةً مُشْتَبِهَةً مُلْتَبِسَةً في عُقُولِكم، فَهَلْ أقْدِرُ عَلى أنْ أجْعَلَكم بِحَيْثُ تَصِلُونَ إلى مَعْرِفَتِها شِئْتُمْ أمْ أبَيْتُمْ ؟ والمُرادُ أنِّي لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ. وعَنْ قَتادَةَ: واللَّهِ لَوِ اسْتَطاعَ نَبِيُّ اللَّهِ لَأُلْزِمَها ولَكِنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ ذَكَرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ الحُجَّةَ عُمِّيَتْ عَلَيْكم واشْتَبَهَتْ، فَأمّا لَوْ تَرَكْتُمُ العِنادَ واللَّجاجَ ونَظَرْتُمْ في الدَّلِيلِ لَظَهَرَ المَقْصُودُ، وتَبَيَّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانا عَلَيْكم فَضْلًا عَظِيمًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، بِمَعْنى أُلْبِسَتْ وشُبِّهَتْ، والباقُونَ بِفَتْحِ العَيْنِ مُخَفَّفَةَ المِيمِ، أيِ: التَبَسَتْ واشْتَبَهَتْ. واعْلَمْ أنَّ الشَّيْءَ إذا بَقِيَ مَجْهُولًا مَحْضًا أشْبَهَ المُعَمّى؛ لِأنَّ العِلْمَ نُورُ البَصِيرَةِ الباطِنَةِ، والأبْصارَ نُورُ البَصَرِ الظّاهِرِ، فَحَسُنَ جَعْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنها مَجازًا عَنِ الآخَرِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ البَيِّنَةَ تُوصَفُ بِالأبْصارِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ [النَّمْلِ: ١٣] وكَذَلِكَ تُوصَفُ بِالعَمى، قالَ تَعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القَصَصِ: ٦٦] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ فِيهِ ثَلاثُ مُضْمَراتٍ: ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ، وضَمِيرُ الغائِبِ، وضَمِيرُ المُخاطَبِ، وأجازَ الفَرّاءُ إسْكانَ المِيمِ الأُولى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، قالَ: وذَلِكَ أنَّ الحَرَكاتِ تَوالَتْ، فَسُكِّنَتِ المِيمُ، وهي أيْضًا مَرْفُوعَةٌ وقَبْلَها كَسْرَةٌ، والحَرَكَةُ الَّتِي بَعْدَها ضَمَّةٌ ثَقِيلَةٌ، قالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ لا يُجِيزُونَ إسْكانَ حَرْفِ الإعْرابِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وما يُرْوى عَنْ أبِي عَمْرٍو فَلَمْ يَضْبِطْهُ عَنْهُ الفَرّاءُ، ورُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ كانَ يُخَفِّفُ الحَرَكَةَ ويَخْتَلِسُها، وهَذا هو الحَقُّ، وإنَّما يَجُوزُ الإسْكانُ في الشِّعْرِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فاليَوْمَ أُشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ

هود 11:31

صفحة ١٧٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ، وهي قَوْلُهم: لا يَتَّبِعُكَ إلّا الأراذِلُ مِنَ النّاسِ، وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: أنا لا أطْلُبُ عَلى تَبْلِيغِ دَعْوَةِ الرِّسالَةِ مالًا حَتّى يَتَفاوَتَ الحالُ بِسَبَبِ كَوْنِ المُسْتَجِيبِ فَقِيرًا أوْ غَنِيًّا، وإنَّما أجْرِي عَلى هَذِهِ الطّاعَةِ الشّاقَّةِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَسَواءٌ كانُوا فُقَراءَ أوْ أغْنِياءَ لَمْ يَتَفاوَتِ الحالُ في ذَلِكَ. الوَجْهُ الثّانِي: كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهم: إنَّكم لَمّا نَظَرْتُمْ إلى ظَواهِرِ الأُمُورِ وجَدْتُمُونِي فَقِيرًا، وظَنَنْتُمْ أنِّي إنَّما اشْتَغَلْتُ بِهَذِهِ الحِرْفَةِ لِأتَوَسَّلَ بِها إلى أخْذِ أمْوالِكم، وهَذا الظَّنُّ مِنكم خَطَأٌ؛ فَإنِّي لا أسْألُكم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أجْرًا، إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكم مِن سَعادَةِ الدِّينِ بِسَبَبِ هَذا الظَّنِّ الفاسِدِ. والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ أنَّهم قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أعْطاهُ أنْواعًا كَثِيرَةً تُوجِبُ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْعَ في طَلَبِ الدُّنْيا، وإنَّما يَسْعى في طَلَبِ الدِّينِ، والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا مِن أُمَّهاتِ الفَضائِلِ بِاتِّفاقِ الكُلِّ، فَلَعَلَّ المُرادَ تَقْرِيرُ حُصُولِ الفَضِيلَةِ مِن هَذا الوَجْهِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَهَذا كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ القَوْمَ سَألُوهُ طَرْدَهم رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ عَنْ مُشارَكَةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ. رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّهم قالُوا: إنْ أحْبَبْتَ يا نُوحُ أنْ نَتَّبِعَكَ فاطْرُدْهم؛ فَإنّا لا نَرْضى بِمُشارَكَتِهِمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ طَرْدَهم؛ لِأنَّهُ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَوِ اتَّبَعَكَ أشْرافُ القَوْمِ لَوافَقْناهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ ما طَرَدَهم، وذَكَرَ في بَيانِ ما يُوجِبُ الِامْتِناعَ مِن هَذا الطَّرْدِ أُمُورًا: الأوَّلُ: أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ، وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: مِنها: أنَّهم قالُوا: هم مُنافِقُونَ فِيما أظْهَرُوا فَلا تَغْتَرَّ بِهِمْ. فَأجابَ بِأنَّ هَذا الأمْرَ يَنْكَشِفُ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِمْ في الآخِرَةِ. ومِنها: أنَّهُ جَعَلَهُ عِلَّةً في الِامْتِناعِ مِنَ الطَّرْدِ، وأرادَ أنَّهم مُلاقُو ما وعَدَهم رَبُّهم، فَإنْ طَرَدْتُهُمُ اسْتَخْصَمُونِي في الآخِرَةِ. ومِنها أنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ الأمْرِ عَلى أنّا نَجْتَمِعُ في الآخِرَةِ، فَأُعاقَبُ عَلى طَرْدِهِمْ فَلا أجِدُ مَن يَنْصُرُنِي. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم يَبْنُونَ أمْرَهم عَلى الجَهْلِ بِالعَواقِبِ والِاغْتِرارِ بِالظَّواهِرِ فَقالَ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ . ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ تَطابَقا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَعْظِيمِ المُؤْمِنِ البَرِّ التَّقِيِّ، ومِن إهانَةِ الفاجِرِ الكافِرِ، فَلَوْ قَلَبْتَ القِصَّةَ وعَكَسْتَ القَضِيَّةَ وقَرَّبْتَ الكافِرَ الفاجِرَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ وطَرَدْتَ المُؤْمِنَ التَّقِيَّ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ كُنْتَ عَلى ضِدِّ صفحة ١٧٣ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى عَكْسِ حُكْمِهِ، وكُنْتَ في هَذا الحُكْمِ عَلى ضِدِّ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى مِن إيصالِ الثَّوابِ إلى المُحِقِّينَ، والعِقابِ إلى المُبْطِلِينَ، وحِينَئِذٍ أصِيرُ مُسْتَوْجِبًا لِلْعِقابِ العَظِيمِ، فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَنِ الَّذِي يُخَلِّصُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ، أفَلا تَذَكَّرُونَ فَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ ؟ ثُمَّ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِوَجْهٍ ثالِثٍ فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ كَما لا أسْألُكم فَكَذَلِكَ لا أدَّعِي أنِّي أمْلِكُ مالًا ولا لِي غَرَضٌ في المالِ؛ لا أخْذًا ولا دَفْعًا، ولا أعْلَمُ الغَيْبَ حَتّى أصِلَ بِهِ إلى ما أُرِيدُ لِنَفْسِي ولا أتْباعِي، ولا أقُولُ: إنِّي مَلَكٌ حَتّى أتَعَظَّمَ بِذَلِكَ عَلَيْكم، بَلْ طَرِيقِي الخُضُوعُ والتَّواضُعُ، ومَن كانَ هَذا شَأْنَهُ وطَرِيقَهُ فَإنَّهُ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ مُخالَطَةِ الفُقَراءِ والمَساكِينِ، ولا يَطْلُبُ مُجالَسَةَ الأُمَراءِ والسَّلاطِينِ، وإنَّما شَأْنُهُ طَلَبُ الدِّينَ وسِيرَتُهُ مُخالَطَةُ الخاضِعِينَ والخاشِعِينَ، فَلَمّا كانَتْ طَرِيقَتِي تُوجِبُ مُخالَطَةَ الفُقَراءِ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ ذَلِكَ عَيْبًا عَلَيَّ ؟ ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِطَرِيقٍ رابِعٍ فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا يَنْسُبُونَ أتْباعَهُ مَعَ الفَقْرِ والذِّلَّةِ إلى النِّفاقِ، فَقالَ: إنِّي لا أقُولُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الغَيْبِ، والغَيْبُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَرُبَّما كانَ باطِنُهم كَظاهِرِهِمْ فَيُؤْتِيهِمُ اللَّهُ مُلْكَ الآخِرَةِ، فَأكُونُ كاذِبًا فِيما أخْبَرْتُ بِهِ، فَإنِّي إنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ لِنَفْسِي ومِنَ الظّالِمِينَ لَهم في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا خَيْرَ لَهم، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُمُ الخَيْرَ في الآخِرَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ وقالُوا: إنَّ الإنْسانَ إذا قالَ: أنا لا أدَّعِي كَذا وكَذا، فَهَذا إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أشْرَفَ مِن أحْوالِ ذَلِكَ القائِلِ، فَلَمّا كانَ قائِلُ هَذا القَوْلِ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ أنْ تَكُونَ دَرَجَةُ المَلائِكَةِ أعْلى وأشْرَفَ مِن دَرَجاتِ الأنْبِياءِ، ثُمَّ قالُوا: وكَيْفَ لا يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ والمَلائِكَةُ داوَمُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى طُولَ الدُّنْيا مُذْ خُلِقُوا إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ ؟ وتَمامُ التَّقْرِيرِ أنَّ الفَضائِلَ الحَقِيقِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا ثَلاثَةَ أشْياءَ: أوَّلُها: الِاسْتِغْناءُ المُطْلَقُ، وجَرَتِ العادَةُ في الدُّنْيا أنَّ مَن مَلَكَ المالَ الكَثِيرَ فَإنَّهُ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنِّي لا أدَّعِي الِاسْتِغْناءَ المُطْلَقَ. وثانِيها: العِلْمُ التّامُّ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ . وثالِثُها: القُدْرَةُ التّامَّةُ الكامِلَةُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الخَواطِرِ أنَّ أكْمَلَ المَخْلُوقاتِ في القُدْرَةِ والقُوَّةِ هُمُ المَلائِكَةُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ بَيانُ أنَّ ما حَصَلَ عِنْدِي مِن هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ إلّا ما يَلِيقُ بِالقُوَّةِ البَشَرِيَّةِ والطّاقَةِ الإنْسانِيَّةِ، فَأمّا الكَمالُ المُطْلَقُ فَأنا لا أدَّعِيهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أكْمَلُ مِنَ البَشَرِ، وأيْضًا يُمْكِنُ جَعْلُ هَذا الكَلامِ جَوابًا عَمّا ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّبْهَةِ، فَإنَّهم طَعَنُوا في أتْباعِهِ بِالفَقْرِ، فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ حَتّى أجْعَلَهم أغْنِياءَ، وطَعَنُوا فِيهِمْ أيْضًا بِأنَّهم مُنافِقُونَ فَقالَ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ حَتّى أعْرِفَ كَيْفِيَّةَ باطِنِهِمْ، وإنَّما أُجْرِي الأحْوالَ عَلى الظَّواهِرِ، وطَعَنُوا فِيهِمْ بِأنَّهم قَدْ يَأْتُونَ بِأفْعالٍ لا كَما يَنْبَغِي فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ حَتّى أكُونَ مُبَرَّأً عَنْ جَمِيعِ الدَّواعِي الشَّهْوانِيَّةِ والبَواعِثِ النَّفْسانِيَّةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ طَرْدَ المُؤْمِنِينَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ الكُفّارِ مِن أُصُولِ المَعاصِي، ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ طَرَدَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ الكُفّارِ حَتّى عاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنْعامِ: ٥٢] صفحة ١٧٤ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إقْدامِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الذَّنْبِ. والجَوابُ: يُحْمَلُ الطَّرْدُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الطَّرْدِ المُطْلَقِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، والطَّرْدُ المَذْكُورُ في واقِعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى التَّقْلِيلِ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ لِرِعايَةِ المَصالِحِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ الشَّفاعَةُ عِنْدَ اللَّهِ في دَفْعِ العِقابِ بِقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ مَعْناهُ إنْ كانَ هَذا الطَّرْدُ مُحَرَّمًا فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ، أيْ مَنِ الَّذِي يُخَلِّصُنِي مِن عِقابِهِ، ولَوْ كانَتِ الشَّفاعَةُ جائِزَةً لَكانَتْ في حَقِّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا جائِزَةً، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ يُشْبِهُ اسْتِدْلالَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البَقَرَةِ: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٨] والجَوابُ المَذْكُورُ هُناكَ هو الجَوابُ عَنْ هَذا الكَلامِ.

هود 11:32

صفحة ١٧٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ، وهي قَوْلُهم: لا يَتَّبِعُكَ إلّا الأراذِلُ مِنَ النّاسِ، وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: أنا لا أطْلُبُ عَلى تَبْلِيغِ دَعْوَةِ الرِّسالَةِ مالًا حَتّى يَتَفاوَتَ الحالُ بِسَبَبِ كَوْنِ المُسْتَجِيبِ فَقِيرًا أوْ غَنِيًّا، وإنَّما أجْرِي عَلى هَذِهِ الطّاعَةِ الشّاقَّةِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَسَواءٌ كانُوا فُقَراءَ أوْ أغْنِياءَ لَمْ يَتَفاوَتِ الحالُ في ذَلِكَ. الوَجْهُ الثّانِي: كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهم: إنَّكم لَمّا نَظَرْتُمْ إلى ظَواهِرِ الأُمُورِ وجَدْتُمُونِي فَقِيرًا، وظَنَنْتُمْ أنِّي إنَّما اشْتَغَلْتُ بِهَذِهِ الحِرْفَةِ لِأتَوَسَّلَ بِها إلى أخْذِ أمْوالِكم، وهَذا الظَّنُّ مِنكم خَطَأٌ؛ فَإنِّي لا أسْألُكم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أجْرًا، إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكم مِن سَعادَةِ الدِّينِ بِسَبَبِ هَذا الظَّنِّ الفاسِدِ. والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ أنَّهم قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أعْطاهُ أنْواعًا كَثِيرَةً تُوجِبُ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْعَ في طَلَبِ الدُّنْيا، وإنَّما يَسْعى في طَلَبِ الدِّينِ، والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا مِن أُمَّهاتِ الفَضائِلِ بِاتِّفاقِ الكُلِّ، فَلَعَلَّ المُرادَ تَقْرِيرُ حُصُولِ الفَضِيلَةِ مِن هَذا الوَجْهِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَهَذا كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ القَوْمَ سَألُوهُ طَرْدَهم رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ عَنْ مُشارَكَةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ. رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّهم قالُوا: إنْ أحْبَبْتَ يا نُوحُ أنْ نَتَّبِعَكَ فاطْرُدْهم؛ فَإنّا لا نَرْضى بِمُشارَكَتِهِمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ طَرْدَهم؛ لِأنَّهُ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَوِ اتَّبَعَكَ أشْرافُ القَوْمِ لَوافَقْناهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ ما طَرَدَهم، وذَكَرَ في بَيانِ ما يُوجِبُ الِامْتِناعَ مِن هَذا الطَّرْدِ أُمُورًا: الأوَّلُ: أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ، وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: مِنها: أنَّهم قالُوا: هم مُنافِقُونَ فِيما أظْهَرُوا فَلا تَغْتَرَّ بِهِمْ. فَأجابَ بِأنَّ هَذا الأمْرَ يَنْكَشِفُ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِمْ في الآخِرَةِ. ومِنها: أنَّهُ جَعَلَهُ عِلَّةً في الِامْتِناعِ مِنَ الطَّرْدِ، وأرادَ أنَّهم مُلاقُو ما وعَدَهم رَبُّهم، فَإنْ طَرَدْتُهُمُ اسْتَخْصَمُونِي في الآخِرَةِ. ومِنها أنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ الأمْرِ عَلى أنّا نَجْتَمِعُ في الآخِرَةِ، فَأُعاقَبُ عَلى طَرْدِهِمْ فَلا أجِدُ مَن يَنْصُرُنِي. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم يَبْنُونَ أمْرَهم عَلى الجَهْلِ بِالعَواقِبِ والِاغْتِرارِ بِالظَّواهِرِ فَقالَ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ . ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ تَطابَقا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَعْظِيمِ المُؤْمِنِ البَرِّ التَّقِيِّ، ومِن إهانَةِ الفاجِرِ الكافِرِ، فَلَوْ قَلَبْتَ القِصَّةَ وعَكَسْتَ القَضِيَّةَ وقَرَّبْتَ الكافِرَ الفاجِرَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ وطَرَدْتَ المُؤْمِنَ التَّقِيَّ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ كُنْتَ عَلى ضِدِّ صفحة ١٧٣ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى عَكْسِ حُكْمِهِ، وكُنْتَ في هَذا الحُكْمِ عَلى ضِدِّ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى مِن إيصالِ الثَّوابِ إلى المُحِقِّينَ، والعِقابِ إلى المُبْطِلِينَ، وحِينَئِذٍ أصِيرُ مُسْتَوْجِبًا لِلْعِقابِ العَظِيمِ، فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَنِ الَّذِي يُخَلِّصُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ، أفَلا تَذَكَّرُونَ فَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ ؟ ثُمَّ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِوَجْهٍ ثالِثٍ فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ كَما لا أسْألُكم فَكَذَلِكَ لا أدَّعِي أنِّي أمْلِكُ مالًا ولا لِي غَرَضٌ في المالِ؛ لا أخْذًا ولا دَفْعًا، ولا أعْلَمُ الغَيْبَ حَتّى أصِلَ بِهِ إلى ما أُرِيدُ لِنَفْسِي ولا أتْباعِي، ولا أقُولُ: إنِّي مَلَكٌ حَتّى أتَعَظَّمَ بِذَلِكَ عَلَيْكم، بَلْ طَرِيقِي الخُضُوعُ والتَّواضُعُ، ومَن كانَ هَذا شَأْنَهُ وطَرِيقَهُ فَإنَّهُ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ مُخالَطَةِ الفُقَراءِ والمَساكِينِ، ولا يَطْلُبُ مُجالَسَةَ الأُمَراءِ والسَّلاطِينِ، وإنَّما شَأْنُهُ طَلَبُ الدِّينَ وسِيرَتُهُ مُخالَطَةُ الخاضِعِينَ والخاشِعِينَ، فَلَمّا كانَتْ طَرِيقَتِي تُوجِبُ مُخالَطَةَ الفُقَراءِ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ ذَلِكَ عَيْبًا عَلَيَّ ؟ ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِطَرِيقٍ رابِعٍ فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا يَنْسُبُونَ أتْباعَهُ مَعَ الفَقْرِ والذِّلَّةِ إلى النِّفاقِ، فَقالَ: إنِّي لا أقُولُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الغَيْبِ، والغَيْبُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَرُبَّما كانَ باطِنُهم كَظاهِرِهِمْ فَيُؤْتِيهِمُ اللَّهُ مُلْكَ الآخِرَةِ، فَأكُونُ كاذِبًا فِيما أخْبَرْتُ بِهِ، فَإنِّي إنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ لِنَفْسِي ومِنَ الظّالِمِينَ لَهم في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا خَيْرَ لَهم، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُمُ الخَيْرَ في الآخِرَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ وقالُوا: إنَّ الإنْسانَ إذا قالَ: أنا لا أدَّعِي كَذا وكَذا، فَهَذا إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أشْرَفَ مِن أحْوالِ ذَلِكَ القائِلِ، فَلَمّا كانَ قائِلُ هَذا القَوْلِ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ أنْ تَكُونَ دَرَجَةُ المَلائِكَةِ أعْلى وأشْرَفَ مِن دَرَجاتِ الأنْبِياءِ، ثُمَّ قالُوا: وكَيْفَ لا يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ والمَلائِكَةُ داوَمُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى طُولَ الدُّنْيا مُذْ خُلِقُوا إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ ؟ وتَمامُ التَّقْرِيرِ أنَّ الفَضائِلَ الحَقِيقِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا ثَلاثَةَ أشْياءَ: أوَّلُها: الِاسْتِغْناءُ المُطْلَقُ، وجَرَتِ العادَةُ في الدُّنْيا أنَّ مَن مَلَكَ المالَ الكَثِيرَ فَإنَّهُ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنِّي لا أدَّعِي الِاسْتِغْناءَ المُطْلَقَ. وثانِيها: العِلْمُ التّامُّ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ . وثالِثُها: القُدْرَةُ التّامَّةُ الكامِلَةُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الخَواطِرِ أنَّ أكْمَلَ المَخْلُوقاتِ في القُدْرَةِ والقُوَّةِ هُمُ المَلائِكَةُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ بَيانُ أنَّ ما حَصَلَ عِنْدِي مِن هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ إلّا ما يَلِيقُ بِالقُوَّةِ البَشَرِيَّةِ والطّاقَةِ الإنْسانِيَّةِ، فَأمّا الكَمالُ المُطْلَقُ فَأنا لا أدَّعِيهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أكْمَلُ مِنَ البَشَرِ، وأيْضًا يُمْكِنُ جَعْلُ هَذا الكَلامِ جَوابًا عَمّا ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّبْهَةِ، فَإنَّهم طَعَنُوا في أتْباعِهِ بِالفَقْرِ، فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ حَتّى أجْعَلَهم أغْنِياءَ، وطَعَنُوا فِيهِمْ أيْضًا بِأنَّهم مُنافِقُونَ فَقالَ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ حَتّى أعْرِفَ كَيْفِيَّةَ باطِنِهِمْ، وإنَّما أُجْرِي الأحْوالَ عَلى الظَّواهِرِ، وطَعَنُوا فِيهِمْ بِأنَّهم قَدْ يَأْتُونَ بِأفْعالٍ لا كَما يَنْبَغِي فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ حَتّى أكُونَ مُبَرَّأً عَنْ جَمِيعِ الدَّواعِي الشَّهْوانِيَّةِ والبَواعِثِ النَّفْسانِيَّةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ طَرْدَ المُؤْمِنِينَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ الكُفّارِ مِن أُصُولِ المَعاصِي، ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ طَرَدَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ الكُفّارِ حَتّى عاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنْعامِ: ٥٢] صفحة ١٧٤ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إقْدامِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الذَّنْبِ. والجَوابُ: يُحْمَلُ الطَّرْدُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الطَّرْدِ المُطْلَقِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، والطَّرْدُ المَذْكُورُ في واقِعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى التَّقْلِيلِ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ لِرِعايَةِ المَصالِحِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ الشَّفاعَةُ عِنْدَ اللَّهِ في دَفْعِ العِقابِ بِقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ مَعْناهُ إنْ كانَ هَذا الطَّرْدُ مُحَرَّمًا فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ، أيْ مَنِ الَّذِي يُخَلِّصُنِي مِن عِقابِهِ، ولَوْ كانَتِ الشَّفاعَةُ جائِزَةً لَكانَتْ في حَقِّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا جائِزَةً، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ يُشْبِهُ اسْتِدْلالَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البَقَرَةِ: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٨] والجَوابُ المَذْكُورُ هُناكَ هو الجَوابُ عَنْ هَذا الكَلامِ.

هود 11:33

صفحة ١٧٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ، وهي قَوْلُهم: لا يَتَّبِعُكَ إلّا الأراذِلُ مِنَ النّاسِ، وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: أنا لا أطْلُبُ عَلى تَبْلِيغِ دَعْوَةِ الرِّسالَةِ مالًا حَتّى يَتَفاوَتَ الحالُ بِسَبَبِ كَوْنِ المُسْتَجِيبِ فَقِيرًا أوْ غَنِيًّا، وإنَّما أجْرِي عَلى هَذِهِ الطّاعَةِ الشّاقَّةِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَسَواءٌ كانُوا فُقَراءَ أوْ أغْنِياءَ لَمْ يَتَفاوَتِ الحالُ في ذَلِكَ. الوَجْهُ الثّانِي: كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَهم: إنَّكم لَمّا نَظَرْتُمْ إلى ظَواهِرِ الأُمُورِ وجَدْتُمُونِي فَقِيرًا، وظَنَنْتُمْ أنِّي إنَّما اشْتَغَلْتُ بِهَذِهِ الحِرْفَةِ لِأتَوَسَّلَ بِها إلى أخْذِ أمْوالِكم، وهَذا الظَّنُّ مِنكم خَطَأٌ؛ فَإنِّي لا أسْألُكم عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ أجْرًا، إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكم مِن سَعادَةِ الدِّينِ بِسَبَبِ هَذا الظَّنِّ الفاسِدِ. والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ أنَّهم قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أعْطاهُ أنْواعًا كَثِيرَةً تُوجِبُ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْعَ في طَلَبِ الدُّنْيا، وإنَّما يَسْعى في طَلَبِ الدِّينِ، والإعْراضُ عَنِ الدُّنْيا مِن أُمَّهاتِ الفَضائِلِ بِاتِّفاقِ الكُلِّ، فَلَعَلَّ المُرادَ تَقْرِيرُ حُصُولِ الفَضِيلَةِ مِن هَذا الوَجْهِ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَهَذا كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ القَوْمَ سَألُوهُ طَرْدَهم رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ عَنْ مُشارَكَةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ. رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّهم قالُوا: إنْ أحْبَبْتَ يا نُوحُ أنْ نَتَّبِعَكَ فاطْرُدْهم؛ فَإنّا لا نَرْضى بِمُشارَكَتِهِمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ طَرْدَهم؛ لِأنَّهُ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَوِ اتَّبَعَكَ أشْرافُ القَوْمِ لَوافَقْناهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ ما طَرَدَهم، وذَكَرَ في بَيانِ ما يُوجِبُ الِامْتِناعَ مِن هَذا الطَّرْدِ أُمُورًا: الأوَّلُ: أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ، وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: مِنها: أنَّهم قالُوا: هم مُنافِقُونَ فِيما أظْهَرُوا فَلا تَغْتَرَّ بِهِمْ. فَأجابَ بِأنَّ هَذا الأمْرَ يَنْكَشِفُ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِمْ في الآخِرَةِ. ومِنها: أنَّهُ جَعَلَهُ عِلَّةً في الِامْتِناعِ مِنَ الطَّرْدِ، وأرادَ أنَّهم مُلاقُو ما وعَدَهم رَبُّهم، فَإنْ طَرَدْتُهُمُ اسْتَخْصَمُونِي في الآخِرَةِ. ومِنها أنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ الأمْرِ عَلى أنّا نَجْتَمِعُ في الآخِرَةِ، فَأُعاقَبُ عَلى طَرْدِهِمْ فَلا أجِدُ مَن يَنْصُرُنِي. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم يَبْنُونَ أمْرَهم عَلى الجَهْلِ بِالعَواقِبِ والِاغْتِرارِ بِالظَّواهِرِ فَقالَ: ﴿ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ . ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ تَطابَقا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَعْظِيمِ المُؤْمِنِ البَرِّ التَّقِيِّ، ومِن إهانَةِ الفاجِرِ الكافِرِ، فَلَوْ قَلَبْتَ القِصَّةَ وعَكَسْتَ القَضِيَّةَ وقَرَّبْتَ الكافِرَ الفاجِرَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ وطَرَدْتَ المُؤْمِنَ التَّقِيَّ عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ كُنْتَ عَلى ضِدِّ صفحة ١٧٣ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى عَكْسِ حُكْمِهِ، وكُنْتَ في هَذا الحُكْمِ عَلى ضِدِّ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى مِن إيصالِ الثَّوابِ إلى المُحِقِّينَ، والعِقابِ إلى المُبْطِلِينَ، وحِينَئِذٍ أصِيرُ مُسْتَوْجِبًا لِلْعِقابِ العَظِيمِ، فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَنِ الَّذِي يُخَلِّصُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ، أفَلا تَذَكَّرُونَ فَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ ؟ ثُمَّ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِوَجْهٍ ثالِثٍ فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ كَما لا أسْألُكم فَكَذَلِكَ لا أدَّعِي أنِّي أمْلِكُ مالًا ولا لِي غَرَضٌ في المالِ؛ لا أخْذًا ولا دَفْعًا، ولا أعْلَمُ الغَيْبَ حَتّى أصِلَ بِهِ إلى ما أُرِيدُ لِنَفْسِي ولا أتْباعِي، ولا أقُولُ: إنِّي مَلَكٌ حَتّى أتَعَظَّمَ بِذَلِكَ عَلَيْكم، بَلْ طَرِيقِي الخُضُوعُ والتَّواضُعُ، ومَن كانَ هَذا شَأْنَهُ وطَرِيقَهُ فَإنَّهُ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ مُخالَطَةِ الفُقَراءِ والمَساكِينِ، ولا يَطْلُبُ مُجالَسَةَ الأُمَراءِ والسَّلاطِينِ، وإنَّما شَأْنُهُ طَلَبُ الدِّينَ وسِيرَتُهُ مُخالَطَةُ الخاضِعِينَ والخاشِعِينَ، فَلَمّا كانَتْ طَرِيقَتِي تُوجِبُ مُخالَطَةَ الفُقَراءِ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ ذَلِكَ عَيْبًا عَلَيَّ ؟ ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِطَرِيقٍ رابِعٍ فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا يَنْسُبُونَ أتْباعَهُ مَعَ الفَقْرِ والذِّلَّةِ إلى النِّفاقِ، فَقالَ: إنِّي لا أقُولُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الغَيْبِ، والغَيْبُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَرُبَّما كانَ باطِنُهم كَظاهِرِهِمْ فَيُؤْتِيهِمُ اللَّهُ مُلْكَ الآخِرَةِ، فَأكُونُ كاذِبًا فِيما أخْبَرْتُ بِهِ، فَإنِّي إنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ لِنَفْسِي ومِنَ الظّالِمِينَ لَهم في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا خَيْرَ لَهم، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُمُ الخَيْرَ في الآخِرَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ وقالُوا: إنَّ الإنْسانَ إذا قالَ: أنا لا أدَّعِي كَذا وكَذا، فَهَذا إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أشْرَفَ مِن أحْوالِ ذَلِكَ القائِلِ، فَلَمّا كانَ قائِلُ هَذا القَوْلِ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ أنْ تَكُونَ دَرَجَةُ المَلائِكَةِ أعْلى وأشْرَفَ مِن دَرَجاتِ الأنْبِياءِ، ثُمَّ قالُوا: وكَيْفَ لا يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ والمَلائِكَةُ داوَمُوا عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى طُولَ الدُّنْيا مُذْ خُلِقُوا إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ ؟ وتَمامُ التَّقْرِيرِ أنَّ الفَضائِلَ الحَقِيقِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا ثَلاثَةَ أشْياءَ: أوَّلُها: الِاسْتِغْناءُ المُطْلَقُ، وجَرَتِ العادَةُ في الدُّنْيا أنَّ مَن مَلَكَ المالَ الكَثِيرَ فَإنَّهُ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنِّي لا أدَّعِي الِاسْتِغْناءَ المُطْلَقَ. وثانِيها: العِلْمُ التّامُّ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ . وثالِثُها: القُدْرَةُ التّامَّةُ الكامِلَةُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الخَواطِرِ أنَّ أكْمَلَ المَخْلُوقاتِ في القُدْرَةِ والقُوَّةِ هُمُ المَلائِكَةُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ بَيانُ أنَّ ما حَصَلَ عِنْدِي مِن هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ إلّا ما يَلِيقُ بِالقُوَّةِ البَشَرِيَّةِ والطّاقَةِ الإنْسانِيَّةِ، فَأمّا الكَمالُ المُطْلَقُ فَأنا لا أدَّعِيهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أكْمَلُ مِنَ البَشَرِ، وأيْضًا يُمْكِنُ جَعْلُ هَذا الكَلامِ جَوابًا عَمّا ذَكَرُوهُ مِنَ الشُّبْهَةِ، فَإنَّهم طَعَنُوا في أتْباعِهِ بِالفَقْرِ، فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ حَتّى أجْعَلَهم أغْنِياءَ، وطَعَنُوا فِيهِمْ أيْضًا بِأنَّهم مُنافِقُونَ فَقالَ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ حَتّى أعْرِفَ كَيْفِيَّةَ باطِنِهِمْ، وإنَّما أُجْرِي الأحْوالَ عَلى الظَّواهِرِ، وطَعَنُوا فِيهِمْ بِأنَّهم قَدْ يَأْتُونَ بِأفْعالٍ لا كَما يَنْبَغِي فَقالَ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ حَتّى أكُونَ مُبَرَّأً عَنْ جَمِيعِ الدَّواعِي الشَّهْوانِيَّةِ والبَواعِثِ النَّفْسانِيَّةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ طَرْدَ المُؤْمِنِينَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ الكُفّارِ مِن أُصُولِ المَعاصِي، ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ طَرَدَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ الكُفّارِ حَتّى عاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنْعامِ: ٥٢] صفحة ١٧٤ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إقْدامِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الذَّنْبِ. والجَوابُ: يُحْمَلُ الطَّرْدُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الطَّرْدِ المُطْلَقِ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، والطَّرْدُ المَذْكُورُ في واقِعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى التَّقْلِيلِ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ لِرِعايَةِ المَصالِحِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ الشَّفاعَةُ عِنْدَ اللَّهِ في دَفْعِ العِقابِ بِقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ مَعْناهُ إنْ كانَ هَذا الطَّرْدُ مُحَرَّمًا فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ، أيْ مَنِ الَّذِي يُخَلِّصُنِي مِن عِقابِهِ، ولَوْ كانَتِ الشَّفاعَةُ جائِزَةً لَكانَتْ في حَقِّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا جائِزَةً، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ يُشْبِهُ اسْتِدْلالَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البَقَرَةِ: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٨] والجَوابُ المَذْكُورُ هُناكَ هو الجَوابُ عَنْ هَذا الكَلامِ.

هود 11:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا أوْرَدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ وأجابَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْها بِالجَواباتِ المُوافِقَةِ الصَّحِيحَةِ، أوْرَدَ الكُفّارُ عَلى نُوحٍ كَلامَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم وصَفُوهُ بِكَثْرَةِ المُجادَلَةِ فَقالُوا: يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ أكْثَرَ في الجِدالِ مَعَهم، وذَلِكَ الجِدالُ ما كانَ إلّا في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِدالَ في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ وفي إزالَةِ الشُّبُهاتِ حِرْفَةُ الأنْبِياءِ، وعَلى أنَّ التَّقْلِيدَ والجَهْلَ والإصْرارَ عَلى الباطِلِ حِرْفَةُ الكُفّارِ. والثّانِي: أنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ الَّذِي كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ، فَقالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجابَ عَنْهُ بِجَوابٍ صَحِيحٍ فَقالَ: ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ إنْزالَ العَذابِ لَيْسَ إلَيَّ، وإنَّما هو خَلْقُ اللَّهِ تَعالى، فَيَفْعَلُهُ إنْ شاءَ كَما شاءَ، وإذا أرادَ إنْزالَ العَذابِ فَإنَّ أحَدًا لا يُعْجِزُهُ، أيْ: لا يَمْنَعُهُ مِنهُ، والمُعْجِزُ هو الَّذِي يَفْعَلُ ما عِنْدَهُ لِتَعَذُّرِ مُرادِ الغَيْرِ، فَيُوَصَفُ بِأنَّهُ أعْجَزَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ لا سَبِيلَ لَكم إلى فِعْلِ ما عِنْدَهُ، فَلا يَمْتَنِعُ عَلى اللَّهِ تَعالى ما يَشاءُ مِنَ العَذابِ إنْ أرادَ إنْزالَهُ بِكم، وقَدْ قِيلَ: مَعْناهُ: وما أنْتُمْ بِمانِعِينَ، وقِيلَ: وما أنْتُمْ بِمَصُونِينَ، وقِيلَ: وما أنْتُمْ بِسابِقِينَ إلى الخَلاصِ، وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. صفحة ١٧٥ واعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أجابَ عَنْ شُبُهاتِهِمْ خَتَمَ الكَلامَ بِخاتِمَةٍ قاطِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَإنَّهُ لا يَنْفَعُكم نُصْحِي البَتَّةَ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ العَبْدِ، وأنَّهُ إذا أرادَ مِنهُ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ، قالُوا: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: لا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم ويُضِلَّكم، وهَذا صَرِيحٌ في مَذْهَبِنا، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم قالُوا: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى إنْ أرادَ إغْواءَ القَوْمِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِنُصْحِ الرَّسُولِ، وهَذا مُسَلَّمٌ، فَإنّا نَعْرِفُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أرادَ إغْواءَ عَبْدٍ فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ نُصْحُ النّاصِحِينَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ تَعالى أرادَ هَذا الإغْواءَ؛ فَإنَّ النِّزاعَ ما وقَعَ إلّا فِيهِ ؟ بَلْ نَقُولُ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أغْواهم، بَلْ فَوَّضَ الِاخْتِيارَ إلَيْهِمْ. وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ إغْواءَهم لَما بَقِيَ في النُّصْحِ فائِدَةٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ لَما أمَرَهُ بِأنْ يَنْصَحَ الكُفّارَ، وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورٌ بِدَعْوَةِ الكُفّارِ ونَصِيحَتِهِمْ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا النُّصْحَ غَيْرُ خالٍ عَنِ الفائِدَةِ، وإذا لَمْ يَكُنْ خالِيًا عَنِ الفائِدَةِ وجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى ما أغْواهم، فَهَذا صارَ حُجَّةً لَنا مِن هَذا الوَجْهِ. الثّانِي: أنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أغْواهم، لَصارَ هَذا عُذْرًا لَهم في عَدَمِ إتْيانِهِمْ بِالإيمانِ، ولَصارَ نُوحٌ مُنْقَطِعًا في مُناظَرَتِهِمْ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ لَهُ: إنَّكَ سَلَّمْتَ أنَّ اللَّهَ أغْوانا، فَإنَّهُ لا يَبْقى في نُصْحِكَ ولا في جِدِّنا واجْتِهادِنا فائِدَةٌ، فَإذا ادَّعَيْتَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أغْوانا فَقَدْ جَعَلْتَنا مَعْذُورِينَ، فَلَمْ يَلْزَمْنا قَبُولُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما قالَهُ الخَصْمُ، لَصارَ هَذا حُجَّةً لِلْكُفّارِ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَجُوزُ أنْ يَذْكُرَ كَلامًا يَصِيرُ بِسَبَبِهِ مُفْحَمًا مُلْزَمًا عاجِزًا عَنْ تَقْرِيرِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى قَوْلِ المُجَبِّرَةِ، ثُمَّ إنَّهم ذَكَرُوا وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلاتِ: الأوَّلُ: أُولَئِكَ الكُفّارُ كانُوا مُجَبِّرَةً، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ كُفْرَهم بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَعِنْدَ هَذا قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ نُصْحَهُ لا يَنْفَعُهم، إنْ كانَ الأمْرُ كَما قالُوا، ومِثالُهُ أنْ يُعاقِبَ الرَّجُلُ ولَدَهُ عَلى ذَنْبِهِ فَيَقُولُ الوَلَدُ: لا أقْدِرُ عَلى غَيْرِ ما أنا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ الوالِدُ: فَلَنْ يَنْفَعَكَ إذًا نُصْحِي ولا زَجْرِي، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُصَدِّقُهُ عَلى ما ذَكَرَهُ، بَلْ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِذَلِكَ. الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: مَعْنى ﴿يُغْوِيَكُمْ﴾ أيْ: يُعَذِّبَكم، والمَعْنى: لا يَنْفَعُكم نُصْحِي اليَوْمَ إذا نَزَلَ بِكُمُ العَذابُ فَآمَنتُمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّ الإيمانَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ لا يُقْبَلُ، وإنَّما يَنْفَعُكم نُصْحِي إذا آمَنتُمْ قَبْلَ مُشاهَدَةِ العَذابِ. الثّالِثُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الغَوايَةُ هي الخَيْبَةُ مِنَ الطَّلَبِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مَرْيمَ: ٥٩] أيْ: خَيْبَةً مِن خَيْرِ الآخِرَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما الرّابِعُ: أنَّهُ إذا أصَرَّ عَلى الكُفْرِ وتَمادى فِيهِ، مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى الألْطافَ وفَوَّضَهُ إلى نَفْسِهِ، فَهَذا شَبِيهُ ما إذا أرادَ إغْواءَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أغْواهُ. هَذا جُمْلَةُ كَلِماتِ المُعْتَزِلَةِ في هَذا البابِ. والجَوابُ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا وأطْوارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ جَزاءٌ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ بَعْدَهُ شَرْطٌ آخَرُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الشَّرْطُ المُؤَخَّرُ في اللَّفْظِ مُقَدَّمًا في الوُجُودِ؛ وذَلِكَ صفحة ١٧٦ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدّارَ، كانَ المَفْهُومُ كَوْنَ ذَلِكَ الطَّلاقِ مِن لَوازِمِ ذَلِكَ الدُّخُولِ، فَإذا ذَكَرَ بَعْدَهُ شَرْطًا آخَرَ مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إنْ أكَلْتِ الخُبْزَ، كانَ المَعْنى أنَّ تَعَلُّقَ ذَلِكَ الجَزاءِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ الأوَّلِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ هَذا الشَّرْطِ الثّانِي، والشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلى المَشْرُوطِ في الوُجُودِ، فَعَلى هَذا إنْ حَصَلَ الشَّرْطُ الثّانِي تَعَلَّقَ ذَلِكَ الجَزاءُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ الأوَّلِ، أمّا إنْ لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ المَذْكُورُ ثانِيًا لَمْ يَتَعَلَّقْ ذَلِكَ الجَزاءُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ الأوَّلِ، هَذا هو التَّحْقِيقُ في هَذا التَّرْكِيبِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ الفُقَهاءُ: إنَّ الشَّرْطَ المُؤَخَّرَ في اللَّفْظِ مُقَدَّمٌ في المَعْنى، والمُقَدَّمَ في اللَّفْظِ مُؤَخَّرٌ في المَعْنى. واعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ المَعانِيَ قالَ: ﴿هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وهَذا نِهايَةُ الوَعِيدِ؛ أيْ: هو إلَهُكُمُ الَّذِي خَلَقَكم ورَبّاكم ويَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في ذَواتِكم وفي صِفاتِكم قَبْلَ المَوْتِ وعِنْدَ المَوْتِ، وبَعْدَ المَوْتِ مَرْجِعُكم إلَيْهِ، وهَذا يُفِيدُ نِهايَةَ التَّحْذِيرِ.

هود 11:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مَعْنى افْتَراهُ اخْتَلَقَهُ وافْتَعَلَهُ، وجاءَ بِهِ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، والهاءُ تَرْجِعُ إلى الوَحْيِ الَّذِي بَلَّغَهُ إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ الإجْرامُ اقْتِراحُ المَحْظُوراتِ واكْتِسابُها، وهَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ؛ لِأنَّ المَعْنى: فَعَلَيَّ عِقابُ إجْرامِي، وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ آخَرُ، وهو أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتُ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ عِقابُ جُرْمِي، وإنْ كُنْتُ صادِقًا وكَذَّبْتُمُونِي فَعَلَيْكم عِقابُ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ هَذِهِ البَقِيَّةَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أمَّ منْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] ولَمْ يَذْكُرِ البَقِيَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أيْ أنا بَرِيءٌ مِن عِقابِ جُرْمِكم، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذِهِ الآيَةُ وقَعَتْ في قِصَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أثْناءِ حِكايَةِ نُوحٍ. وقَوْلُهم بَعِيدٌ جِدًّا، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ شاكًّا، إلّا أنَّهُ قَوْلٌ يُقالُ عَلى وجْهِ الإنْكارِ عِنْدَ اليَأْسِ مِنَ القَبُولِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا جاءَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى دَعا عَلى قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦]، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ لا تَحْزَنْ، قالَ أبُو زَيْدٍ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ما يَقْسِمُ اللَّهُ أقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ بِهِ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ أيْ غَيْرَ حَزِينٍ ولا كارِهٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في القَضاءِ والقَدَرِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ صفحة ١٧٧ عَنْ قَوْمِهِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَوْ حَصَلَ إيمانُهم لَكانَ إمّا مَعَ بَقاءِ هَذا الخَبَرِ صِدْقًا، ومَعَ بَقاءِ هَذا العِلْمِ عِلْمًا، أوْ مَعَ انْقِلابِ هَذا الخَبَرِ كَذِبًا، ومَعَ انْقِلابِ هَذا العَلَمِ جَهْلًا، والأوَّلُ ظاهِرُ البُطْلانِ؛ لِأنَّ وُجُودَ الإيمانِ مَعَ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ صِدْقًا، ومَعَ كَوْنِ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ حاصِلًا حالَ وُجُودِ الإيمانِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ كَذِبًا وعِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا مُحالٌ، ولَمّا كانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ وثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُحالٌ كانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم مُحالًا، مَعَ أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ بِهِ، وأيْضًا القَوْمُ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالإيمانِ، ومِنَ الإيمانِ تَصْدِيقُ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ. وذَلِكَ تَكْلِيفُ الجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ قَدْ مَرَّ في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ المُعْتَزِلَةُ في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ تَعالى عَذابَ الِاسْتِئْصالِ عَلى قَوْمٍ كانَ في المَعْلُومِ أنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ أوْ كانَ في أوْلادِهِمْ مَن يُؤْمِنُ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ لا يَجُوزُ. واحْتَجُّوا بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦، ٢٧]، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما حَسُنَ مِنهُ تَعالى إنْزالُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلَيْهِمْ؛ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مَن يُؤْمِنُ، ولا في أوْلادِهِمْ أحَدٌ يُؤْمِنُ. قالَ القاضِي وقالَ كَثِيرٌ مِن عُلَمائِنا: إنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى جائِزٌ، وإنْ كانَ مِنهم مَن يُؤْمِنُ. وأمّا قَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما سَألَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يُضِلُّونَ عِبادَهُ ولا يَلِدُونَ إلّا فاجِرًا كَفّارًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ كانَ قَوْلًا بِمَجْمُوعِ هاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ، وأيْضًا فَلا دَلِيلَ فِيهِ عَلى أنَّهُما لَوْ لَمْ يَحْصُلا لَما جازَ إنْزالُ الإهْلاكِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِ لِإيمانِهِمْ كانَ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُبْقِيَهم، فَأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِنهم أحَدٌ لِيَزُولَ عَنْ قَلْبِهِ ما كانَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ مِن تِلْكَ المَحَبَّةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى مِن بَعْدُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ مِن ذَلِكَ ولا تَغْتَمَّ، ولا تَظُنَّ أنَّ في ذَلِكَ مَذَلَّةً؛ فَإنَّ الدِّينَ عَزِيزٌ، وإنْ قَلَّ عَدَدُ مَن يَتَمَسَّكُ بِهِ، والباطِلَ ذَلِيلٌ وإنْ كَثُرَ عَدَدُ مَن يَقُولُ بِهِ.

هود 11:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مَعْنى افْتَراهُ اخْتَلَقَهُ وافْتَعَلَهُ، وجاءَ بِهِ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، والهاءُ تَرْجِعُ إلى الوَحْيِ الَّذِي بَلَّغَهُ إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ الإجْرامُ اقْتِراحُ المَحْظُوراتِ واكْتِسابُها، وهَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ؛ لِأنَّ المَعْنى: فَعَلَيَّ عِقابُ إجْرامِي، وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ آخَرُ، وهو أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتُ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ عِقابُ جُرْمِي، وإنْ كُنْتُ صادِقًا وكَذَّبْتُمُونِي فَعَلَيْكم عِقابُ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ هَذِهِ البَقِيَّةَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أمَّ منْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] ولَمْ يَذْكُرِ البَقِيَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أيْ أنا بَرِيءٌ مِن عِقابِ جُرْمِكم، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذِهِ الآيَةُ وقَعَتْ في قِصَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أثْناءِ حِكايَةِ نُوحٍ. وقَوْلُهم بَعِيدٌ جِدًّا، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ شاكًّا، إلّا أنَّهُ قَوْلٌ يُقالُ عَلى وجْهِ الإنْكارِ عِنْدَ اليَأْسِ مِنَ القَبُولِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا جاءَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى دَعا عَلى قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦]، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ لا تَحْزَنْ، قالَ أبُو زَيْدٍ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ما يَقْسِمُ اللَّهُ أقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ بِهِ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ أيْ غَيْرَ حَزِينٍ ولا كارِهٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في القَضاءِ والقَدَرِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ صفحة ١٧٧ عَنْ قَوْمِهِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَوْ حَصَلَ إيمانُهم لَكانَ إمّا مَعَ بَقاءِ هَذا الخَبَرِ صِدْقًا، ومَعَ بَقاءِ هَذا العِلْمِ عِلْمًا، أوْ مَعَ انْقِلابِ هَذا الخَبَرِ كَذِبًا، ومَعَ انْقِلابِ هَذا العَلَمِ جَهْلًا، والأوَّلُ ظاهِرُ البُطْلانِ؛ لِأنَّ وُجُودَ الإيمانِ مَعَ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ صِدْقًا، ومَعَ كَوْنِ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ حاصِلًا حالَ وُجُودِ الإيمانِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ كَذِبًا وعِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا مُحالٌ، ولَمّا كانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ وثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُحالٌ كانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم مُحالًا، مَعَ أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ بِهِ، وأيْضًا القَوْمُ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالإيمانِ، ومِنَ الإيمانِ تَصْدِيقُ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ. وذَلِكَ تَكْلِيفُ الجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ قَدْ مَرَّ في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ المُعْتَزِلَةُ في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ تَعالى عَذابَ الِاسْتِئْصالِ عَلى قَوْمٍ كانَ في المَعْلُومِ أنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ أوْ كانَ في أوْلادِهِمْ مَن يُؤْمِنُ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ لا يَجُوزُ. واحْتَجُّوا بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦، ٢٧]، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما حَسُنَ مِنهُ تَعالى إنْزالُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلَيْهِمْ؛ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مَن يُؤْمِنُ، ولا في أوْلادِهِمْ أحَدٌ يُؤْمِنُ. قالَ القاضِي وقالَ كَثِيرٌ مِن عُلَمائِنا: إنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى جائِزٌ، وإنْ كانَ مِنهم مَن يُؤْمِنُ. وأمّا قَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما سَألَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يُضِلُّونَ عِبادَهُ ولا يَلِدُونَ إلّا فاجِرًا كَفّارًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ كانَ قَوْلًا بِمَجْمُوعِ هاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ، وأيْضًا فَلا دَلِيلَ فِيهِ عَلى أنَّهُما لَوْ لَمْ يَحْصُلا لَما جازَ إنْزالُ الإهْلاكِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِ لِإيمانِهِمْ كانَ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُبْقِيَهم، فَأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِنهم أحَدٌ لِيَزُولَ عَنْ قَلْبِهِ ما كانَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ مِن تِلْكَ المَحَبَّةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى مِن بَعْدُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ مِن ذَلِكَ ولا تَغْتَمَّ، ولا تَظُنَّ أنَّ في ذَلِكَ مَذَلَّةً؛ فَإنَّ الدِّينَ عَزِيزٌ، وإنْ قَلَّ عَدَدُ مَن يَتَمَسَّكُ بِهِ، والباطِلَ ذَلِيلٌ وإنْ كَثُرَ عَدَدُ مَن يَقُولُ بِهِ.

هود 11:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ يَقْتَضِي تَعْرِيفَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مُعَذِّبُهم ومُهْلِكُهم، فَكانَ يَحْتَمِلُ أنْ يُعَذِّبَهم بِوُجُوهِ التَّعْذِيبِ، فَعَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَذِّبُهم بِهَذا الجِنْسِ الَّذِي هو الغَرَقُ، ولَمّا كانَ السَّبِيلُ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ النَّجاةُ مِنَ الغَرَقِ تَكْوِينَ السَّفِينَةِ، لا جَرَمَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإصْلاحِ السَّفِينَةِ وإعْدادِها، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَها عَلى مِثالِ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ أمْرُ إيجابٍ أوْ أمْرُ إباحَةٍ ؟ صفحة ١٧٨ قُلْنا: الأظْهَرُ أنَّهُ أمْرُ إيجابٍ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى صَوْنِ رُوحِ نَفْسِهِ وأرْواحِ غَيْرِهِ عَنِ الهَلاكِ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ، وصَوْنُ النَّفْسِ عَنِ الهَلاكِ واجِبٌ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ الأمْرُ أمْرَ إيجابٍ، بَلْ كانَ أمْرَ إباحَةٍ، وهو بِمَنزِلَةِ أنْ يَتَّخِذَ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ دارًا لِيَسْكُنَها ويُقِيمَ بِها. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِأعْيُنِنا﴾ فَهَذا لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى أعْيُنٌ كَثِيرَةٌ. وهَذا يُناقِضُ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ . وثانِيها: أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَصْنَعَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ الفُلْكَ بِتِلْكَ الأعْيُنِ، كَما يُقالُ: قَطَعْتُ بِالسِّكِّينِ، وكَتَبْتُ بِالقَلَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ. وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ العَقْلِيَّةِ كَوْنُهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الأعْضاءِ والجَوارِحِ والأجْزاءِ والأبْعاضِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ فِيهِ إلى التَّأْوِيلِ، وهو مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى ﴿بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِعَيْنِ المَلَكِ الَّذِي كانَ يُعَرِّفُهُ كَيْفَ يَتَّخِذُ السَّفِينَةَ، يُقالُ: فُلانٌ عَيْنٌ عَلى فُلانٍ؛ نُصِّبَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مُتَفَحِّصًا عَنْ أحْوالِهِ ولا تُحَوَّلُ عَنْهُ عَيْنُهُ. الثّانِي: أنَّ مَن كانَ عَظِيمَ العِنايَةِ بِالشَّيْءِ، فَإنَّهُ يَضَعُ عَيْنَهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَ وضْعُ العَيْنِ عَلى الشَّيْءِ سَبَبًا لِمُبالَغَةِ الِاحْتِياطِ والعِنايَةِ جَعَلَ العَيْنَ كِنايَةً عَنِ الِاحْتِياطِ، فَلِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ بِحِفْظِنا إيّاكَ حِفْظَ مَن يَراكَ ويَمْلِكُ دَفْعَ السُّوءِ عَنْكَ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ إقْدامَهُ عَلى عَمَلِ السَّفِينَةِ مَشْرُوطٌ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ لا يَمْنَعَهُ أعْداؤُهُ عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ عالِمًا بِأنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي تَأْلِيفُ السَّفِينَةِ وتَرْكِيبُها ودَفْعُ الشَّرِّ عَنْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ووَحْيِنا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى يُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي عَمَلُ السَّفِينَةِ حَتّى يَحْصُلَ مِنهُ المَطْلُوبُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: يَعْنِي لا تَطْلُبْ مِنِّي تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم؛ فَإنِّي قَدْ حَكَمْتُ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ، فَلَمّا عَلِمَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] . الثّانِي: ﴿ولا تُخاطِبْنِي﴾ في تَعْجِيلِ ذَلِكَ العِقابِ عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، فَإنِّي لَمّا قَضَيْتُ إنْزالَ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ كانَ تَعْجِيلُهُ مُمْتَنِعًا. الثّالِثُ: المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا امْرَأتُهُ وابْنُهُ كَنْعانُ.

هود 11:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَصْنَعُ الفُلْكَ. الثّانِي: التَّقْدِيرُ: وأقْبَلَ يَصْنَعُ الفُلْكَ فاقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ . صفحة ١٧٩ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في صِفَةِ السَّفِينَةِ أقْوالًا كَثِيرَةً: فَأحَدُها: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّخَذَ السَّفِينَةَ في سَنَتَيْنِ، وقِيلَ: في أرْبَعِ سِنِينَ، وكانَ طُولُها ثَلْثَمِائَةِ ذِراعٍ، وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا، وطُولُها في السَّماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا، وكانَتْ مِن خَشَبِ السّاجِ، وجَعَلَ لَها ثَلاثَ بُطُونٍ، فَحَمَلَ في البَطْنِ الأسْفَلِ الوُحُوشَ والسِّباعَ والهَوامَّ، وفي البَطْنِ الأوْسَطِ الدَّوابَّ والأنْعامَ، وفي البَطْنِ الأعْلى جَلَسَ هو ومَن كانَ مَعَهُ مَعَ ما احْتاجُوا إلَيْهِ مِنَ الزّادِ، وحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: كانَ طُولُها ألْفًا ومِائَتَيْ ذِراعٍ وعَرْضُها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ. واعْلَمْ أنَّ أمْثالَ هَذِهِ المَباحِثِ لا تُعْجِبُنِي؛ لِأنَّها أُمُورٌ لا حاجَةَ إلى مَعْرِفَتِها البَتَّةَ، ولا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَتِها فائِدَةٌ أصْلًا، وكانَ الخَوْضُ فِيها مِن بابِ الفُضُولِ، لا سِيَّما مَعَ القَطْعِ بِأنَّهُ لَيْسَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى الجانِبِ الصَّحِيحِ، والَّذِي نَعْلَمُهُ أنَّهُ كانَ في السَّعَةِ بِحَيْثُ يَتَّسِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِهِ ولِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ولِحُصُولِ زَوْجَيْنِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ؛ لِأنَّ هَذا القَدْرَ مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، فَأمّا غَيْرُ ذَلِكَ القَدْرِ فَغَيْرُ مَذْكُورٍ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ فَفي تَفْسِيرِ المَلَأِ وجْهانِ: قِيلَ: جَماعَةٌ، وقِيلَ: طَبَقَةٌ مِن أشْرافِهِمْ وكُبَرائِهِمْ. واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ كانُوا يَسْخَرُونَ، وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: يا نُوحُ، كُنْتَ تَدَّعِي رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، فَصِرْتَ بَعْدَ ذَلِكَ نَجّارًا. وثانِيها: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُ: لَوْ كُنْتَ صادِقًا في دَعْواكَ لَكانَ إلَهُكَ يُغْنِيكَ عَنْ هَذا العَمَلِ الشّاقِّ. وثالِثُها: أنَّهم ما رَأوُا السَّفِينَةَ قَبْلَ ذَلِكَ وما عَرَفُوا كَيْفِيَّةَ الِانْتِفاعِ بِها، وكانُوا يَتَعَجَّبُونَ مِنهُ ويَسْخَرُونَ. ورابِعُها: أنَّ تِلْكَ السَّفِينَةَ كانَتْ كَبِيرَةً، وهو كانَ يَصْنَعُها في مَوْضِعٍ بَعِيدٍ عَنِ الماءِ جِدًّا، وكانُوا يَقُولُونَ: لَيْسَ هَهُنا ماءٌ ولا يُمْكِنُكَ نَقْلُها إلى الأنْهارِ العَظِيمَةِ وإلى البِحارِ، فَكانُوا يَعُدُّونَ ذَلِكَ مِن بابِ السَّفَهِ والجُنُونِ. وخامِسُها: أنَّهُ لَمّا طالَتْ مُدَّتُهُ مَعَ القَوْمِ وكانَ يُنْذِرُهم بِالغَرَقِ وما شاهَدُوا مِن ذَلِكَ المَعْنى خَبَرًا ولا أثَرًا غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ كَوْنُهُ كاذِبًا في ذَلِكَ المَقالِ، فَلَمّا اشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ لا جَرَمَ سَخِرُوا مِنهُ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمَلَةٌ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في هَذِهِ السّاعَةِ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم سُخْرِيَةً مِثْلَ سُخْرِيَتِكم إذا وقَعَ عَلَيْكُمُ الغَرَقُ في الدُّنْيا والخِزْيُ في الآخِرَةِ. الثّانِي: إنْ حَكَمْتُمْ عَلَيْنا بِالجَهْلِ فِيما نَصْنَعُ فَإنّا نَحْكُمُ عَلَيْكم بِالجَهْلِ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّعَرُّضِ لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ، فَأنْتُمْ أوْلى بِالسُّخْرِيَةِ مِنّا. الثّالِثُ: إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم، واسْتِجْهالُكم أقْبَحُ وأشَدُّ؛ لِأنَّكم لا تَسْتَجْهِلُونَ إلّا لِأجْلِ الجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ والِاغْتِرارِ بِظاهِرِ الحالِ كَما هو عادَةُ الأطْفالِ والجُهّالِ. فَإنْ قِيلَ: السُّخْرِيَةُ مِن آثارِ المَعاصِي، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى سَمّى المُقابَلَةَ سُخْرِيَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن هو أحَقُّ بِالسُّخْرِيَةِ ومَن هو أحْمَدُ عاقِبَةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى أيْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَمَحَلُّ ”مَن“ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي ويَكُونُ في مَحَلِّ النَّصْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ يَجِبُ عَلَيْهِ ويَنْزِلُ بِهِ.

هود 11:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَصْنَعُ الفُلْكَ. الثّانِي: التَّقْدِيرُ: وأقْبَلَ يَصْنَعُ الفُلْكَ فاقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ . صفحة ١٧٩ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في صِفَةِ السَّفِينَةِ أقْوالًا كَثِيرَةً: فَأحَدُها: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّخَذَ السَّفِينَةَ في سَنَتَيْنِ، وقِيلَ: في أرْبَعِ سِنِينَ، وكانَ طُولُها ثَلْثَمِائَةِ ذِراعٍ، وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا، وطُولُها في السَّماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا، وكانَتْ مِن خَشَبِ السّاجِ، وجَعَلَ لَها ثَلاثَ بُطُونٍ، فَحَمَلَ في البَطْنِ الأسْفَلِ الوُحُوشَ والسِّباعَ والهَوامَّ، وفي البَطْنِ الأوْسَطِ الدَّوابَّ والأنْعامَ، وفي البَطْنِ الأعْلى جَلَسَ هو ومَن كانَ مَعَهُ مَعَ ما احْتاجُوا إلَيْهِ مِنَ الزّادِ، وحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: كانَ طُولُها ألْفًا ومِائَتَيْ ذِراعٍ وعَرْضُها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ. واعْلَمْ أنَّ أمْثالَ هَذِهِ المَباحِثِ لا تُعْجِبُنِي؛ لِأنَّها أُمُورٌ لا حاجَةَ إلى مَعْرِفَتِها البَتَّةَ، ولا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَتِها فائِدَةٌ أصْلًا، وكانَ الخَوْضُ فِيها مِن بابِ الفُضُولِ، لا سِيَّما مَعَ القَطْعِ بِأنَّهُ لَيْسَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى الجانِبِ الصَّحِيحِ، والَّذِي نَعْلَمُهُ أنَّهُ كانَ في السَّعَةِ بِحَيْثُ يَتَّسِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِهِ ولِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ولِحُصُولِ زَوْجَيْنِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ؛ لِأنَّ هَذا القَدْرَ مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، فَأمّا غَيْرُ ذَلِكَ القَدْرِ فَغَيْرُ مَذْكُورٍ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ فَفي تَفْسِيرِ المَلَأِ وجْهانِ: قِيلَ: جَماعَةٌ، وقِيلَ: طَبَقَةٌ مِن أشْرافِهِمْ وكُبَرائِهِمْ. واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ كانُوا يَسْخَرُونَ، وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: يا نُوحُ، كُنْتَ تَدَّعِي رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، فَصِرْتَ بَعْدَ ذَلِكَ نَجّارًا. وثانِيها: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُ: لَوْ كُنْتَ صادِقًا في دَعْواكَ لَكانَ إلَهُكَ يُغْنِيكَ عَنْ هَذا العَمَلِ الشّاقِّ. وثالِثُها: أنَّهم ما رَأوُا السَّفِينَةَ قَبْلَ ذَلِكَ وما عَرَفُوا كَيْفِيَّةَ الِانْتِفاعِ بِها، وكانُوا يَتَعَجَّبُونَ مِنهُ ويَسْخَرُونَ. ورابِعُها: أنَّ تِلْكَ السَّفِينَةَ كانَتْ كَبِيرَةً، وهو كانَ يَصْنَعُها في مَوْضِعٍ بَعِيدٍ عَنِ الماءِ جِدًّا، وكانُوا يَقُولُونَ: لَيْسَ هَهُنا ماءٌ ولا يُمْكِنُكَ نَقْلُها إلى الأنْهارِ العَظِيمَةِ وإلى البِحارِ، فَكانُوا يَعُدُّونَ ذَلِكَ مِن بابِ السَّفَهِ والجُنُونِ. وخامِسُها: أنَّهُ لَمّا طالَتْ مُدَّتُهُ مَعَ القَوْمِ وكانَ يُنْذِرُهم بِالغَرَقِ وما شاهَدُوا مِن ذَلِكَ المَعْنى خَبَرًا ولا أثَرًا غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ كَوْنُهُ كاذِبًا في ذَلِكَ المَقالِ، فَلَمّا اشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ لا جَرَمَ سَخِرُوا مِنهُ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمَلَةٌ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في هَذِهِ السّاعَةِ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم سُخْرِيَةً مِثْلَ سُخْرِيَتِكم إذا وقَعَ عَلَيْكُمُ الغَرَقُ في الدُّنْيا والخِزْيُ في الآخِرَةِ. الثّانِي: إنْ حَكَمْتُمْ عَلَيْنا بِالجَهْلِ فِيما نَصْنَعُ فَإنّا نَحْكُمُ عَلَيْكم بِالجَهْلِ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّعَرُّضِ لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ، فَأنْتُمْ أوْلى بِالسُّخْرِيَةِ مِنّا. الثّالِثُ: إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم، واسْتِجْهالُكم أقْبَحُ وأشَدُّ؛ لِأنَّكم لا تَسْتَجْهِلُونَ إلّا لِأجْلِ الجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ والِاغْتِرارِ بِظاهِرِ الحالِ كَما هو عادَةُ الأطْفالِ والجُهّالِ. فَإنْ قِيلَ: السُّخْرِيَةُ مِن آثارِ المَعاصِي، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى سَمّى المُقابَلَةَ سُخْرِيَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن هو أحَقُّ بِالسُّخْرِيَةِ ومَن هو أحْمَدُ عاقِبَةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى أيْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَمَحَلُّ ”مَن“ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي ويَكُونُ في مَحَلِّ النَّصْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ يَجِبُ عَلَيْهِ ويَنْزِلُ بِهِ.

هود 11:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ (حَتّى) هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ أُدْخِلَتْ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ ووَقَعَتْ غايَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ أيْ: فَكانَ يَصْنَعُها إلى أنْ جاءَ وقْتُ المَوْعِدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا يَحْدُثُ شَيْءٌ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] فَكانَ المُرادُ هَذا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ هَهُنا هو العَذابَ المُوعَدَ بِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في التَّنُّورِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّنُّورُ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ. والثّانِي: أنَّهُ غَيْرُهُ، أمّا الأوَّلُ وهو أنَّهُ التَّنُّورُ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ كابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ. وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَنُّورٌ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: كانَ لِآدَمَ، قالَ الحَسَنُ: كانَ تَنُّورًا مِن حِجارَةٍ، وكانَ لِحَوّاءَ حَتّى صارَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتَلَفُوا في مَوْضِعِهِ فَقالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّهُ كانَ بِناحِيَةِ الكُوفَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ في مَسْجِدِ الكُوفَةِ. قالَ: وقَدْ صَلّى فِيهِ سَبْعُونَ نَبِيًّا، وقِيلَ: بِالشّامِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: عَيْنُ ورْدانَ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: فارَ التَّنُّورُ بِالهِنْدِ، وقِيلَ: إنَّ امْرَأتَهُ كانَتْ تَخْبِزُ في ذَلِكَ التَّنُّورِ فَأخْبَرَتْهُ بِخُرُوجِ الماءِ مِن ذَلِكَ التَّنُّورِ فاشْتَغَلَ في الحالِ بِوَضْعِ تِلْكَ الأشْياءِ في السَّفِينَةِ. القَوْلُ الثّانِي: لَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّنُّورِ تَنُّورَ الخُبْزِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ انْفَجَرَ الماءُ مِن وجْهِ الأرْضِ كَما قالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القَمَرِ: ١١] والعَرَبُ تُسَمِّي وجْهَ الأرْضِ تَنُّورًا. الثّانِي: أنَّ التَّنُّورَ أشْرَفُ مَوْضِعٍ في الأرْضِ وأعْلى مَكانٍ فِيها، وقَدْ أخْرَجَ إلَيْهِ الماءَ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، وأيْضًا المَعْنى أنَّهُ لَمّا نَبَعَ الماءُ مِن أعالِي الأرْضِ، ومِنَ الأمْكِنَةِ المُرْتَفِعَةِ فَشُبِّهَتْ لِارْتِفاعِها بِالتَّنانِيرِ. الثّالِثُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ أيْ طَلَعَ الصُّبْحُ، وهو مَنقُولٌ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. الرّابِعُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أشَدَّ الأمْرِ كَما يُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ، ومَعْنى الآيَةِ إذا رَأيْتَ الأمْرَ يَشْتَدُّ والماءَ يَكْثُرُ فانْجُ بِنَفْسِكَ ومَن مَعَكَ إلى السَّفِينَةِ. فَإنْ قِيلَ: فَما الأصَحُّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ ؟ قُلْنا: الأصْلُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولَفْظُ التَّنُّورِ حَقِيقَةٌ في المَوْضِعِ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، ولا امْتِناعَ في العَقْلِ في أنْ يُقالَ: إنَّ الماءَ نَبَعَ أوَّلًا مِن مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وكانَ ذَلِكَ المَوْضِعُ تَنُّورًا. فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ التَّنُّورَ بِالألِفِ واللّامِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ مَعْهُودٌ سابِقٌ مُعَيَّنٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ السّامِعِ، ولَيْسَ في الأرْضِ تَنُّورٌ هَذا شَأْنُهُ، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ إذا رَأيْتَ الماءَ يَشْتَدُّ نُبُوعُهُ والأمْرَ يَقْوى فانْجُ صفحة ١٨١ بِنَفْسِكَ وبِمَن مَعَكَ. قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ التَّنُّورَ كانَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ كانَ تَنُّورَ آدَمَ أوْ حَوّاءَ أوْ كانَ تَنُّورًا عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَرَّفَهُ أنَّكَ إذا رَأيْتَ الماءَ يَفُورُ فاعْلَمْ أنَّ الأمْرَ قَدْ وقَعَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى صَرْفِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَعْنى (فارَ) نَبَعَ عَلى قُوَّةٍ وشِدَّةٍ تَشْبِيهًا بِغَلَيانِ القِدْرِ عِنْدَ قُوَّةِ النّارِ ولا شُبْهَةَ في أنَّ نَفْسَ التَّنُّورِ لا يَفُورُ، فالمُرادُ فارَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ، والَّذِي رُوِيَ أنَّ فَوْرَ التَّنُّورِ كانَ عَلامَةً لِهَلاكِ القَوْمِ لا يَمْتَنِعُ؛ لِأنَّ هَذِهِ واقِعَةٌ عَظِيمَةٌ، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ النَّجاةَ، فَلا بُدَّ وأنْ يَجْعَلَ لَهم عَلامَةً بِها يَعْرِفُونَ الوَقْتَ المُعَيَّنَ، فَلا يَبْعُدُ جَعَلَ هَذِهِ الحالَةَ عَلامَةً لِحُدُوثِ هَذِهِ الواقِعَةِ. * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ اللَّيْثُ: التَّنُّورُ لَفْظَةٌ عَمَّتْ بِكُلِّ لِسانٍ وصاحِبُهُ تَنّارٌ، قالَ الأزْهَرِيُّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْمَ قَدْ يَكُونُ أعْجَمِيًّا فَتُعَرِّبُهُ العَرَبُ فَيَصِيرُ عَرَبِيًّا، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ الأصْلَ تَنّارٌ ولا يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ تَنُّورٌ قَبْلَ هَذا، ونَظِيرُهُ ما دَخَلَ في كَلامِ العَرَبِ مِن كَلامِ العَجَمِ الدِّيباجُ والدِّينارُ والسُّنْدُسُ والإسْتَبْرَقُ، فَإنَّ العَرَبَ لَمّا تَكَلَّمُوا بِهَذِهِ الألْفاظِ صارَتْ عَرَبِيَّةً. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فارَ التَّنُّورُ فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَحْمِلَ في السَّفِينَةِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الأشْياءِ. فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ قالَ الأخْفَشُ: تَقُولُ: الِاثْنانِ هُما زَوْجانِ، قالَ تَعالى: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٩] فالسَّماءُ زَوْجٌ والأرْضُ زَوْجٌ والشِّتاءُ زَوْجٌ والصَّيْفُ زَوْجٌ والنَّهارُ زَوْجٌ واللَّيْلُ زَوْجٌ، وتَقُولُ لِلْمَرْأةِ: هي زَوْجٌ وهو زَوْجُها، قالَ تَعالى: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النِّساءِ: ١] يَعْنِي المَرْأةَ، وقالَ: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٤٥] فَثَبَتَ أنَّ الواحِدَ قَدْ يُقالُ لَهُ: زَوْجٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الزَّوْجانِ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ شَيْئَيْنِ يَكُونُ أحَدُهُما ذَكَرًا والآخَرُ أُنْثى، والتَّقْدِيرُ كُلُّ شَيْئَيْنِ هُما كَذَلِكَ، فاحْمِلْ مِنهُما في السَّفِينَةِ اثْنَيْنِ، واحِدٌ ذَكَرٌ والآخَرُ أُنْثى، ولِذَلِكَ قَرَأ حَفْصٌ: ﴿مِن كُلٍّ﴾ بِالتَّنْوِينِ، وأرادُوا حَمَلَ مِن كُلِّ شَيْءِ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، الذَّكَرُ زَوْجٌ والأُنْثى زَوْجٌ، لا يُقالُ عَلَيْهِ: إنَّ الزَّوْجَيْنِ لا يَكُونانِ إلّا اثْنَيْنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ لِأنّا نَقُولُ: هَذا عَلى مِثالِ قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النَّحْلِ: ٥١]، وقَوْلِهِ: ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٣]، وأمّا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، فَهَذا السُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ غَيْرُ الحَيَوانِ أمْ لا ؟ فَنَقُولُ: أمّا الحَيَوانُ فَداخِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ الحَيَواناتِ، وأمّا النَّباتُ فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ قَرِينَةِ الحالِ لا يَبْعُدُ بِسَبَبِ أنَّ النّاسَ مُحْتاجُونَ إلى النَّباتِ بِجَمِيعِ أقْسامِهِ، وجاءَ في الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَحْمِلَ الأسَدَ حَتّى أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الحُمّى؛ وذَلِكَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ، فَمِن أيْنَ أُطْعِمُ الأسَدَ إذا حَمَلْتُهُ ؟ قالَ تَعالى: فَسَوْفَ أشْغَلُهُ عَنِ الطَّعامِ. فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الحُمّى. وأمْثالُ هَذِهِ الكَلِماتِ الأوْلى تَرْكُها؛ فَإنَّ حاجَةَ الفِيلِ إلى الطَّعامِ أكْثَرُ ولَيْسَ بِهِ حُمّى. الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَمْلِها في السَّفِينَةِ: صفحة ١٨٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ قالُوا: كانُوا سَبْعَةً: نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وثَلاثَةُ أبْناءٍ لَهُ، وهم: سامٌ، وحامٌ، ويافِثُ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم زَوْجَةٌ، وقِيلَ أيْضًا: كانُوا ثَمانِيَةً؛ هَؤُلاءِ وزَوْجَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾، فالمُرادُ ابْنُهُ وامْرَأتُهُ، وكانا كافِرَيْنِ، حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ. فَإنْ قِيلَ: الإنْسانُ أشْرَفُ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَما السَّبَبُ أنَّهُ وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ الحَيَواناتِ ؟ قُلْنا: الإنْسانُ عاقِلٌ، وهو لِعَقْلِهِ كالمُضْطَرِّ إلى دَفْعِ أسْبابِ الهَلاكِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلا حاجَةَ فِيهِ إلى المُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ، بِخِلافِ السَّعْيِ في تَخْلِيصِ سائِرِ الحَيَواناتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِابْتِداءُ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ في إثْباتِ القَضاءِ اللّازِمِ والقَدَرِ الواجِبِ، قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ كُلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ فَإنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ عَنْ حالِهِ، وهو كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«السَّعِيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ» “ . النَّوْعُ الثّالِثُ مِن تِلْكَ الأشْياءِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ قالُوا: كانُوا ثَمانِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: في ناحِيَةِ المَوْصِلِ قَرْيَةٌ يُقالُ لَها: قَرْيَةُ الثَّمانِينَ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ هَؤُلاءِ لَمّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ بَنَوْها، فَسُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ، وذَكَرُوا ما هو أزْيَدُ مِنهُ وما هو أنْقَصُ مِنهُ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم بِالقِلَّةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ . فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ودَخَلُوا في السَّفِينَةِ كانُوا جَماعَةً فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: قَلِيلُونَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥٤] . قُلْنا: كِلا اللَّفْظَيْنِ جائِزٌ، والتَّقْدِيرُ هَهُنا: وما آمَنَ مَعَهُ إلّا نَفَرٌ قَلِيلٌ، فَأمّا الَّذِي يُرْوى أنَّ إبْلِيسَ دَخَلَ السَّفِينَةَ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ مِنَ الجِنِّ، وهو جِسْمٌ نارِيٌّ أوْ هَوائِيٌّ، وكَيْفَ يُؤَثِّرُ الغَرَقُ فِيهِ، وأيْضًا كِتابُ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، وخَبَرٌ صَحِيحٌ ما ورَدَ فِيهِ، فالأوْلى تَرْكُ الخَوْضِ فِيهِ.

هود 11:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ﴾ يَعْنِي: نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ: ﴿ارْكَبُوا﴾ والرُّكُوبُ العُلُوُّ عَلى ظَهْرِ الشَّيْءِ، ومِنهُ رُكُوبُ الدّابَّةِ ورُكُوبُ السَّفِينَةِ ورُكُوبُ البَحْرِ، وكُلُّ شَيْءٍ عَلا شَيْئًا فَقَدْ رَكِبَهُ، يُقالُ: رَكِبَهُ الدَّيْنُ. قالَ اللَّيْثُ: وتُسَمِّي العَرَبُ مَن يَرْكَبُ السَّفِينَةَ راكِبَ السَّفِينَةِ. وأمّا الرُّكْبانُ والرَّكْبُ مَن رَكِبُوا الدَّوابَّ والإبِلَ. قالَ الواحِدِيُّ: ولَفْظَةُ ”فِي“ في قَوْلِهِ: ﴿ارْكَبُوا فِيها﴾ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن صِلَةِ الرُّكُوبِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: رَكِبْتُ السَّفِينَةَ ولا يُقالُ: رَكِبْتُ في السَّفِينَةِ، بَلِ الوَجْهُ أنْ يُقالَ: مَفْعُولُ ارْكَبُوا مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ ارْكَبُوا الماءَ في السَّفِينَةِ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فائِدَةُ هَذِهِ الزِّيادَةِ أنَّهُ أمَرَهم أنْ يَكُونُوا في جَوْفِ الفُلْكِ لا عَلى ظَهْرِها، فَلَوْ قالَ: ارْكَبُوها لَتَوَهَّمُوا أنَّهُ أمَرَهم أنْ يَكُونُوا عَلى ظَهْرِ السَّفِينَةِ. صفحة ١٨٣ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”مَجْراها“ بِفَتْحِ المِيمِ والباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ، واتَّفَقُوا في ”مُرْساها“ أنَّهُ بِضَمِّ المِيمِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ مُجاهِدٌ: ”مُجْرِيها ومُرْسِيها“ بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ مَجْرُورَيِ المَحَلِّ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ تَعالى. قالَ الواحِدِيُّ: المَجْرى مَصْدَرٌ كالإجْراءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] ﴿أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسْراءِ: ٨٠] وأمّا مَن قَرَأ: ”مَجْراها“ بِفَتْحِ المِيمِ، فَهو أيْضًا مَصْدَرٌ مِثْلُ الجَرْيِ. واحْتَجَّ صاحِبُ هَذِهِ القِراءَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ [هُودٍ: ٤٢] ولَوْ كانَ مُجْراها لَكانَ وهي تُجَرِّيهِمْ، وحُجَّةُ مَن ضَمَّ المِيمَ أنَّ جَرَتْ بِهِمْ وأجْرَتْهم يَتَقارَبانِ في المَعْنى، فَإذا قالَ: ﴿تَجْرِي بِهِمْ﴾ [هُودٍ: ٤٢] فَكَأنَّهُ قالَ: تُجَرِّيهِمْ، وأمّا المُرْسى فَهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالإرْساءِ. يُقالُ: رَسا الشَّيْءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ وأرْساهُ غَيْرُهُ، قالَ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ [النّازِعاتِ: ٣٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ تَجْرِي بِسْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وتَرْسُو بِسْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وقِيلَ: كانَ إذا أرادَ أنْ تَجْرِيَ بِهِمْ قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾ فَتَجْرِي، وإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ مُرْساها فَتَرْسُو. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في عامِلِ الإعْرابِ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وُجُوهًا: الأوَّلُ: ارْكَبُوا بِسْمِ اللَّهِ. والثّانِي: ابْدَءُوا بِسْمِ اللَّهِ. والثّالِثُ: بِسْمِ اللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها. وقِيلَ: إنَّها سارَتْ لِأوَّلِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وقِيلَ: لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِن رَجَبٍ، فَصارَتْ سِتَّةَ أشْهُرٍ، واسْتَوَتْ يَوْمَ العاشِرِ مِنَ المُحَرَّمِ عَلى الجُودِيِّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ احْتِمالانِ: الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ كَلامًا واحِدًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ مَجْراها ومُرْساها، يَعْنِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الرُّكُوبُ مَقْرُونًا بِهَذا الذِّكْرِ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونا كَلامَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِالرُّكُوبِ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ مَجْراها ومُرْساها لَيْسَ إلّا بِسْمِ اللَّهِ وأمْرِهِ وقُدْرَتِهِ. فالمَعْنى الأوَّلُ: يُشِيرُ إلى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْبَغِي أنْ يَشْرَعَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا ويَكُونُ في وقْتِ الشُّرُوعِ فِيهِ ذاكِرًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعالى بِالأذْكارِ المُقَدَّسَةِ حَتّى يَكُونَ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ الذِّكْرِ سَبَبًا لِتَمامِ ذَلِكَ المَقْصُودِ. والمَعْنى الثّانِي: يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ أخْبَرَ القَوْمَ بِأنَّ السَّفِينَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ النَّجاةِ، بَلِ الواجِبُ رَبْطُ الهِمَّةِ وتَعْلِيقُ القَلْبِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، وأخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى هو المُجِرِي والمُرْسِي لِلسَّفِينَةِ، فَإيّاكم أنْ تُعَوِّلُوا عَلى السَّفِينَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ تَعْوِيلُكم عَلى فَضْلِ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ هو المُجِرِي والمُرْسِي لَها، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ كانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وقْتَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ في مَقامِ الذِّكْرِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي كانَ في مَقامِ الفِكْرِ والبَراءَةِ عَنِ الحَوْلِ والقُوَّةِ وقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأسْبابِ واسْتِغْراقِ القَلْبِ في نُورِ جَلالِ مُسَبِّبِ الأسْبابِ. واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إذا تَفَكَّرَ في طَلَبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ فَكَأنَّهُ جَلَسَ في سَفِينَةِ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ، وأمْواجُ الظُّلُماتِ والضَّلالاتِ قَدْ عَلَتْ تِلْكَ الجِبالَ وارْتَفَعَتْ إلى مَصاعِدِ القِلالِ. فَإذا ابْتَدَأتْ سَفِينَةُ الفِكْرَةِ والرَّوِيَّةِ بِالحَرَكَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اعْتِمادُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَضَرُّعُهُ إلى اللَّهِ صفحة ١٨٤ تَعالى، وأنْ يَكُونَ بِلِسانِ القَلْبِ ونَظَرِ العَقْلِ. يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها حَتّى تَصِلَ سَفِينَةُ فِكْرِهِ إلى ساحِلِ النَّجاةِ وتَتَخَلَّصَ عَنْ أمْواجِ الضَّلالاتِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ وقْتُ الإهْلاكِ وإظْهارِ القَهْرِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الذِّكْرُ ؟ وجَوابُهُ: لَعَلَّ القَوْمَ الَّذِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ اعْتَقَدُوا في أنْفُسِهِمْ أنّا إنَّما نَجَوْنا بِبَرَكَةِ عِلْمِنا، فاللَّهُ تَعالى نَبَّهَهم بِهَذا الكَلامِ لِإزالَةِ ذَلِكَ العَجَبِ مِنهم، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ عَنْ أنْواعِ الزَّلّاتِ وظُلُماتِ الشَّهَواتِ، وفي جَمِيعِ الأحْوالِ فَهو مُحْتاجٌ إلى إعانَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وأنْ يَكُونَ رَحِيمًا لِعُقُوبَتِهِ غَفُورًا لِذُنُوبِهِ.

هود 11:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهي تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وقالَ ارْكَبُوا فِيها، فَرَكِبُوا فِيها يَقُولُونَ: بِسْمِ اللَّهِ وهي تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأمْواجُ العَظِيمَةُ إنَّما تَحْدُثُ عِنْدَ حُصُولِ الرِّياحِ القَوِيَّةِ الشَّدِيدَةِ العاصِفَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رِياحٌ عاصِفَةٌ شَدِيدَةٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ شِدَّةِ الهَوْلِ والفَزَعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الجَرَيانُ في المَوْجِ هو أنْ تَجْرِيَ السَّفِينَةُ داخِلَ المَوْجِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الغَرَقَ، فالمُرادُ أنَّ الأمْواجَ لَمّا أحاطَتْ بِالسَّفِينَةِ مِنَ الجَوانِبِ، شُبِّهَتْ تِلْكَ السَّفِينَةُ بِما إذا جَرَتْ في داخِلِ تِلْكَ الأمْواجِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ نادى ابْنَهُ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ كانَ ابْنًا لَهُ، وفِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ ابْنُهُ في الحَقِيقَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ ونُوحٌ أيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ﴾ وصَرْفُ هَذا اللَّفْظِ إلى أنَّهُ رَبّاهُ فَأطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الِابْنِ لِهَذا السَّبَبِ صَرْفٌ لِلْكَلامِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى مَجازِهِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، والَّذِينَ خالَفُوا هَذا الظّاهِرَ إنَّما خالَفُوهُ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ ولَدُ الرَّسُولِ المَعْصُومِ كافِرًا، وهَذا بَعِيدٌ؛ فَإنَّهُ ثَبَتَ أنَّ والِدَ رَسُولِنا ﷺ كانَ كافِرًا، ووالِدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كافِرًا بِنَصِّ القُرْآنِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] فَكَيْفَ ناداهُ مَعَ كُفْرِهِ ؟ صفحة ١٨٥ فَأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ يُنافِقُ أباهُ فَظَنَّ نُوحٌ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَلِذَلِكَ ناداهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما أحَبَّ نَجاتَهُ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ كافِرٌ، لَكِنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ لَمّا شاهَدَ الغَرَقَ والأهْوالَ العَظِيمَةَ فَإنَّهُ يَقْبَلُ الإيمانَ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ أيْ تابِعْهم في الكُفْرِ وارْكَبْ مَعَنا. والثّالِثُ: أنَّ شَفَقَةَ الأُبُوَّةِ لَعَلَّها حَمَلَتْهُ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والَّذِي تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ كانَ كالمُجْمَلِ، فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَوَّزَ أنْ لا يَكُونَ هو داخِلًا فِيهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ ابْنَ امْرَأتِهِ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ وقَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، ويُرْوى أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ: ”ونادى نُوحٌ ابْنَها“، والضَّمِيرُ لِامْرَأتِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: ”ابْنَهَ“ بِفَتْحِ الهاءِ يُرِيدُ أنَّ ابْنَها، إلّا أنَّهُما اكْتَفَيا بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ، وقالَ قَتادَةُ: سَألْتُ الحَسَنَ عَنْهُ فَقالَ: واللَّهِ ما كانَ ابْنَهُ، فَقُلْتُ: إنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هُودٍ: ٤٥] وأنْتَ تَقُولُ: ما كانَ ابْنًا لَهُ، فَقالَ: لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ مِنِّي ولَكِنَّهُ قالَ: مِن أهْلِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى قَوْلِي. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ وُلِدَ عَلى فِراشِهِ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى في امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ: ﴿فَخانَتاهُما﴾، وهَذا قَوْلٌ خَبِيثٌ يَجِبُ صَوْنُ مَنصِبِ الأنْبِياءِ عَنْ هَذِهِ الفَضِيحَةِ، لا سِيَّما وهو عَلى خِلافِ نَصِّ القُرْآنِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَخانَتاهُما﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٠] فَلَيْسَ فِيهِ أنَّ تِلْكَ الخِيانَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرُوهُ. قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما كانَتْ تِلْكَ الخِيانَةُ ؟ فَقالَ: كانَتِ امْرَأةُ نُوحٍ تَقُولُ: زَوْجِي مَجْنُونٌ، وامْرَأةُ لُوطٍ تَدُلُّ النّاسَ عَلى ضَيْفِهِ إذا نَزَلُوا بِهِ. ثُمَّ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النُّورِ: ٢٦]، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النُّورِ: ٣] وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الحَقَّ هو مَقُولُ الأوَّلِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَعْزِلَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ: مَوْضِعٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ غَيْرِهِ، وأصْلُهُ مِنَ العَزْلِ، وهو التَّنْحِيَةُ والإبْعادُ. تَقُولُ: كُنْتُ بِمَعْزِلٍ عَنْ كَذا، أيْ بِمَوْضِعٍ قَدْ عُزِلَ مِنهُ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في مَعْزِلٍ مِن أيِّ شَيْءٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ في مَعْزِلٍ مِنَ السَّفِينَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَظُنُّ أنَّ الجَبَلَ يَمْنَعُهُ مِنَ الغَرَقِ. الثّانِي: أنَّهُ كانَ في مَعْزِلٍ عَنْ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وقَوْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ في مَعْزِلٍ مِنَ الكُفّارِ كَأنَّهُ انْفَرَدَ عَنْهم فَظَنَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأنَّهُ أحَبَّ مُفارَقَتَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ فَنَقُولُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”يا بُنَيَّ“ بِفَتْحِ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الوَجْهُ الكَسْرُ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ مِنِ ابْنٍ ياءٌ أوْ واوٌ، فَإذا صَغَّرْتَ ألْحَقْتَ ياءَ التَّحْقِيرِ، فَلَزِمَ أنْ تَرُدَّ اللّامَ المَحْذُوفَةَ وإلّا لَزِمَ أنْ تُحَرِّكَ ياءَ التَّحْقِيرِ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ، لَكِنَّها لا تُحَرَّكُ؛ لِأنَّها لَوْ حُرِّكَتْ لَزِمَ أنْ تَنْقَلِبَ كَما تَنْقَلِبُ سائِرُ حُرُوفِ المَدِّ واللِّينِ إذا كانَتْ حُرُوفَ إعْرابٍ، نَحْوُ عَصًا وقَفًا، ولَوِ انْقَلَبَتْ بَطَلَتْ دَلالَتُها عَلى التَّحْقِيرِ، ثُمَّ أضَفْتَ إلى نَفْسِكَ اجْتَمَعَتْ ثَلاثُ ياءاتٍ: الأُولى مِنها لِلتَّحْقِيرِ. والثّانِيَةُ: لامُ الفِعْلِ. والثّالِثَةُ: الَّتِي لِلْإضافَةِ. تَقُولُ: هَذا بُنَيَّ، فَإذا نادَيْتَهُ صارَ فِيهِ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ صفحة ١٨٦ وحَذْفُها، والِاخْتِيارُ حَذْفُ الياءِ الَّتِي لِلْإضافَةِ وإبْقاءُ الكَسْرَةِ دَلالَةً عَلَيْهِ نَحْوَ يا غُلامِ. ومَن قَرَأ: ”يا بُنَيَّ“ بِفَتْحِ الياءِ فَإنَّهُ أرادَ الإضافَةَ أيْضًا كَما أرادَها مَن قَرَأ بِالكَسْرِ، لَكِنَّهُ أبْدَلَ مِنَ الكَسْرَةِ الفَتْحَةَ ومِنَ الياءِ الألِفَ تَخْفِيفًا، فَصارَ يا بُنَيّا كَما قالَ: يا ابْنَةَ عَمّا لا تَلُومِي واهْجَعِي ثُمَّ حَذَفَ الألِفَ لِلتَّخْفِيفِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ دَعاهُ إلى أنْ يَرْكَبَ السَّفِينَةَ حَكى عَنِ ابْنِهِ أنَّهُ قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِابْنَ كانَ مُتَمادِيًا في الكُفْرِ مُصِرًّا عَلَيْهِ مُكَذِّبًا لِأبِيهِ فِيما أخْبَرَ عَنْهُ، فَعِنْدَ هَذا قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ الَّذِي رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْصُومٌ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ اسْتِثْناءُ المَعْصُومِ مِنَ العاصِمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾، وذَكَرُوا في الجَوابِ طُرُقًا كَثِيرَةً: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى رَحِيمٌ وأنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يُخَلِّصُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ مِن آفَةِ الغَرَقِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ ابْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ”﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾“ قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: أخْطَأْتَ، ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ والمَعْنى: إلّا ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يُخَلِّصُ هَؤُلاءِ مِنَ الغَرَقِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن عَذابِ اللَّهِ إلّا اللَّهُ الرَّحِيمُ، وتَقْدِيرُهُ: لا فِرارَ مِنَ اللَّهِ إلّا إلى اللَّهِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في دُعائِهِ: ”«وأعُوذُ بِكَ مِنكَ» “ وهَذا تَأْوِيلٌ في غايَةِ الحُسْنِ. الوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ ”حَلِّ العقدِ“ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ وقَعَ مِن مُضْمَرٍ هو في حُكْمِ المَلْفُوظِ لِظُهُورِ دَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: لا عاصِمَ اليَوْمَ لِأحَدٍ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ، وهو كَقَوْلِكَ: لا نَضْرِبُ اليَوْمَ إلّا زَيْدًا؛ فَإنَّ تَقْدِيرَهُ لا تَضْرِبْ أحَدًا إلّا زَيْدًا، إلّا أنَّهُ تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِهِ لِدَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ الثّالِثُ: في التَّأْوِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا عاصِمَ﴾ أيْ لا ذا عِصْمَةٍ كَما قالُوا: رامِحٌ ولابِنٌ، ومَعْناهُ ذُو رُمْحٍ، وذُو لَبَنٍ، وقالَ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطّارِقِ: ٦] و﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٢١]، ومَعْناهُ ما ذَكَرْنا، فَكَذا هَهُنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: العاصِمُ هو ذُو العِصْمَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المَعْصُومُ، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ﴾ مِنهُ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ عَنى بِقَوْلِهِ إلّا مَن رَحِمَ نَفْسَهُ؛ لِأنَّ نُوحًا وطائِفَتَهُ هُمُ الَّذِينَ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ، والمُرادُ: لا عاصِمَ لَكَ إلّا اللَّهُ، بِمَعْنى أنَّ بِسَبَبِهِ تَحْصُلُ رَحْمَةُ اللَّهِ، كَما أُضِيفَ الإحْياءُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْيِي المَوْتى﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٩] لِأجْلِ أنَّ الإحْياءَ حَصَلَ بِدُعائِهِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ مَعْصُومٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النِّساءِ: ١٥٧] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذِهِ الحَيْلُولَةِ خَرَجَ مِن أنْ يُخاطِبَهُ نُوحٌ ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ .

هود 11:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهي تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وقالَ ارْكَبُوا فِيها، فَرَكِبُوا فِيها يَقُولُونَ: بِسْمِ اللَّهِ وهي تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأمْواجُ العَظِيمَةُ إنَّما تَحْدُثُ عِنْدَ حُصُولِ الرِّياحِ القَوِيَّةِ الشَّدِيدَةِ العاصِفَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رِياحٌ عاصِفَةٌ شَدِيدَةٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ شِدَّةِ الهَوْلِ والفَزَعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الجَرَيانُ في المَوْجِ هو أنْ تَجْرِيَ السَّفِينَةُ داخِلَ المَوْجِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الغَرَقَ، فالمُرادُ أنَّ الأمْواجَ لَمّا أحاطَتْ بِالسَّفِينَةِ مِنَ الجَوانِبِ، شُبِّهَتْ تِلْكَ السَّفِينَةُ بِما إذا جَرَتْ في داخِلِ تِلْكَ الأمْواجِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ نادى ابْنَهُ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ كانَ ابْنًا لَهُ، وفِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ ابْنُهُ في الحَقِيقَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ ونُوحٌ أيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ﴾ وصَرْفُ هَذا اللَّفْظِ إلى أنَّهُ رَبّاهُ فَأطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الِابْنِ لِهَذا السَّبَبِ صَرْفٌ لِلْكَلامِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى مَجازِهِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، والَّذِينَ خالَفُوا هَذا الظّاهِرَ إنَّما خالَفُوهُ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ ولَدُ الرَّسُولِ المَعْصُومِ كافِرًا، وهَذا بَعِيدٌ؛ فَإنَّهُ ثَبَتَ أنَّ والِدَ رَسُولِنا ﷺ كانَ كافِرًا، ووالِدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كافِرًا بِنَصِّ القُرْآنِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] فَكَيْفَ ناداهُ مَعَ كُفْرِهِ ؟ صفحة ١٨٥ فَأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ يُنافِقُ أباهُ فَظَنَّ نُوحٌ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَلِذَلِكَ ناداهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما أحَبَّ نَجاتَهُ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ كافِرٌ، لَكِنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ لَمّا شاهَدَ الغَرَقَ والأهْوالَ العَظِيمَةَ فَإنَّهُ يَقْبَلُ الإيمانَ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ أيْ تابِعْهم في الكُفْرِ وارْكَبْ مَعَنا. والثّالِثُ: أنَّ شَفَقَةَ الأُبُوَّةِ لَعَلَّها حَمَلَتْهُ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والَّذِي تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ كانَ كالمُجْمَلِ، فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَوَّزَ أنْ لا يَكُونَ هو داخِلًا فِيهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ ابْنَ امْرَأتِهِ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ وقَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، ويُرْوى أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ: ”ونادى نُوحٌ ابْنَها“، والضَّمِيرُ لِامْرَأتِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: ”ابْنَهَ“ بِفَتْحِ الهاءِ يُرِيدُ أنَّ ابْنَها، إلّا أنَّهُما اكْتَفَيا بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ، وقالَ قَتادَةُ: سَألْتُ الحَسَنَ عَنْهُ فَقالَ: واللَّهِ ما كانَ ابْنَهُ، فَقُلْتُ: إنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هُودٍ: ٤٥] وأنْتَ تَقُولُ: ما كانَ ابْنًا لَهُ، فَقالَ: لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ مِنِّي ولَكِنَّهُ قالَ: مِن أهْلِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى قَوْلِي. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ وُلِدَ عَلى فِراشِهِ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى في امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ: ﴿فَخانَتاهُما﴾، وهَذا قَوْلٌ خَبِيثٌ يَجِبُ صَوْنُ مَنصِبِ الأنْبِياءِ عَنْ هَذِهِ الفَضِيحَةِ، لا سِيَّما وهو عَلى خِلافِ نَصِّ القُرْآنِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَخانَتاهُما﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٠] فَلَيْسَ فِيهِ أنَّ تِلْكَ الخِيانَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرُوهُ. قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما كانَتْ تِلْكَ الخِيانَةُ ؟ فَقالَ: كانَتِ امْرَأةُ نُوحٍ تَقُولُ: زَوْجِي مَجْنُونٌ، وامْرَأةُ لُوطٍ تَدُلُّ النّاسَ عَلى ضَيْفِهِ إذا نَزَلُوا بِهِ. ثُمَّ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النُّورِ: ٢٦]، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النُّورِ: ٣] وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الحَقَّ هو مَقُولُ الأوَّلِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَعْزِلَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ: مَوْضِعٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ غَيْرِهِ، وأصْلُهُ مِنَ العَزْلِ، وهو التَّنْحِيَةُ والإبْعادُ. تَقُولُ: كُنْتُ بِمَعْزِلٍ عَنْ كَذا، أيْ بِمَوْضِعٍ قَدْ عُزِلَ مِنهُ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في مَعْزِلٍ مِن أيِّ شَيْءٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرُوا وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ في مَعْزِلٍ مِنَ السَّفِينَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَظُنُّ أنَّ الجَبَلَ يَمْنَعُهُ مِنَ الغَرَقِ. الثّانِي: أنَّهُ كانَ في مَعْزِلٍ عَنْ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وقَوْمِهِ. الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ في مَعْزِلٍ مِنَ الكُفّارِ كَأنَّهُ انْفَرَدَ عَنْهم فَظَنَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأنَّهُ أحَبَّ مُفارَقَتَهم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ فَنَقُولُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”يا بُنَيَّ“ بِفَتْحِ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الوَجْهُ الكَسْرُ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ مِنِ ابْنٍ ياءٌ أوْ واوٌ، فَإذا صَغَّرْتَ ألْحَقْتَ ياءَ التَّحْقِيرِ، فَلَزِمَ أنْ تَرُدَّ اللّامَ المَحْذُوفَةَ وإلّا لَزِمَ أنْ تُحَرِّكَ ياءَ التَّحْقِيرِ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ، لَكِنَّها لا تُحَرَّكُ؛ لِأنَّها لَوْ حُرِّكَتْ لَزِمَ أنْ تَنْقَلِبَ كَما تَنْقَلِبُ سائِرُ حُرُوفِ المَدِّ واللِّينِ إذا كانَتْ حُرُوفَ إعْرابٍ، نَحْوُ عَصًا وقَفًا، ولَوِ انْقَلَبَتْ بَطَلَتْ دَلالَتُها عَلى التَّحْقِيرِ، ثُمَّ أضَفْتَ إلى نَفْسِكَ اجْتَمَعَتْ ثَلاثُ ياءاتٍ: الأُولى مِنها لِلتَّحْقِيرِ. والثّانِيَةُ: لامُ الفِعْلِ. والثّالِثَةُ: الَّتِي لِلْإضافَةِ. تَقُولُ: هَذا بُنَيَّ، فَإذا نادَيْتَهُ صارَ فِيهِ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ صفحة ١٨٦ وحَذْفُها، والِاخْتِيارُ حَذْفُ الياءِ الَّتِي لِلْإضافَةِ وإبْقاءُ الكَسْرَةِ دَلالَةً عَلَيْهِ نَحْوَ يا غُلامِ. ومَن قَرَأ: ”يا بُنَيَّ“ بِفَتْحِ الياءِ فَإنَّهُ أرادَ الإضافَةَ أيْضًا كَما أرادَها مَن قَرَأ بِالكَسْرِ، لَكِنَّهُ أبْدَلَ مِنَ الكَسْرَةِ الفَتْحَةَ ومِنَ الياءِ الألِفَ تَخْفِيفًا، فَصارَ يا بُنَيّا كَما قالَ: يا ابْنَةَ عَمّا لا تَلُومِي واهْجَعِي ثُمَّ حَذَفَ الألِفَ لِلتَّخْفِيفِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ دَعاهُ إلى أنْ يَرْكَبَ السَّفِينَةَ حَكى عَنِ ابْنِهِ أنَّهُ قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِابْنَ كانَ مُتَمادِيًا في الكُفْرِ مُصِرًّا عَلَيْهِ مُكَذِّبًا لِأبِيهِ فِيما أخْبَرَ عَنْهُ، فَعِنْدَ هَذا قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ الَّذِي رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْصُومٌ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ اسْتِثْناءُ المَعْصُومِ مِنَ العاصِمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾، وذَكَرُوا في الجَوابِ طُرُقًا كَثِيرَةً: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى رَحِيمٌ وأنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يُخَلِّصُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ مِن آفَةِ الغَرَقِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ ابْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ”﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾“ قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: أخْطَأْتَ، ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ والمَعْنى: إلّا ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يُخَلِّصُ هَؤُلاءِ مِنَ الغَرَقِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن عَذابِ اللَّهِ إلّا اللَّهُ الرَّحِيمُ، وتَقْدِيرُهُ: لا فِرارَ مِنَ اللَّهِ إلّا إلى اللَّهِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في دُعائِهِ: ”«وأعُوذُ بِكَ مِنكَ» “ وهَذا تَأْوِيلٌ في غايَةِ الحُسْنِ. الوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ ”حَلِّ العقدِ“ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ وقَعَ مِن مُضْمَرٍ هو في حُكْمِ المَلْفُوظِ لِظُهُورِ دَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: لا عاصِمَ اليَوْمَ لِأحَدٍ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ، وهو كَقَوْلِكَ: لا نَضْرِبُ اليَوْمَ إلّا زَيْدًا؛ فَإنَّ تَقْدِيرَهُ لا تَضْرِبْ أحَدًا إلّا زَيْدًا، إلّا أنَّهُ تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِهِ لِدَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ الثّالِثُ: في التَّأْوِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا عاصِمَ﴾ أيْ لا ذا عِصْمَةٍ كَما قالُوا: رامِحٌ ولابِنٌ، ومَعْناهُ ذُو رُمْحٍ، وذُو لَبَنٍ، وقالَ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطّارِقِ: ٦] و﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٢١]، ومَعْناهُ ما ذَكَرْنا، فَكَذا هَهُنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: العاصِمُ هو ذُو العِصْمَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المَعْصُومُ، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ﴾ مِنهُ. الوَجْهُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ عَنى بِقَوْلِهِ إلّا مَن رَحِمَ نَفْسَهُ؛ لِأنَّ نُوحًا وطائِفَتَهُ هُمُ الَّذِينَ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ، والمُرادُ: لا عاصِمَ لَكَ إلّا اللَّهُ، بِمَعْنى أنَّ بِسَبَبِهِ تَحْصُلُ رَحْمَةُ اللَّهِ، كَما أُضِيفَ الإحْياءُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْيِي المَوْتى﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٩] لِأجْلِ أنَّ الإحْياءَ حَصَلَ بِدُعائِهِ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ مَعْصُومٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النِّساءِ: ١٥٧] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذِهِ الحَيْلُولَةِ خَرَجَ مِن أنْ يُخاطِبَهُ نُوحٌ ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ .

هود 11:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ وصْفٌ آخَرُ لِواقِعَةِ الطُّوفانِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ أنَّهُ لَمّا انْتَهى أمْرُ الطُّوفانِ قِيلَ كَذا وكَذا ﴿وقِيلَ ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ يُقالُ: بَلَعَ الماءَ يَبْلَعُهُ بَلْعًا إذا شَرِبَهُ، وابْتَلَعَ الطَّعامَ ابْتِلاعًا إذا لَمْ يَمْضُغْهُ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الفَصِيحُ بَلِعَ بِكَسْرِ اللّامِ يَبْلَعُ بِفَتْحِها. ﴿ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ يُقالُ: أقْلَعَ الرَّجُلُ عَنْ عَمَلِهِ إذا كَفَّ عَنْهُ، وأقْلَعَتِ السَّماءُ بَعْدَما مَطَرَتْ إذا أمْسَكَتْ، ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ يُقالُ: غاضَ الماءُ يَغِيضُ غَيْضًا ومَغاضًا إذا نَقَصَ وغِضْتُهُ أنا. وهَذا مِن بابِ فَعَلَ الشَّيْءُ وفَعَلْتُهُ أنا، ومِثْلُهُ جَبَرَ العَظْمُ وجَبَرْتُهُ، وفَغَرَ الفَمُ وفَغَرْتُهُ، ودَلَعَ اللِّسانُ ودَلَعْتُهُ، ونَقَصَ الشَّيْءُ ونَقَصْتُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ أيْ: نَقَصَ وما بَقِيَ مِنهُ شَيْءٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ، كُلُّ واحِدٍ مِنها دالٌّ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ كِبْرِيائِهِ: فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (وقِيلَ) وذَلِكَ لِأنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ في الجَلالِ والعُلُوِّ والعَظَمَةِ، بِحَيْثُ أنَّهُ مَتى قِيلَ: (قِيلَ) لَمْ يَنْصَرِفِ العَقْلُ إلّا إلَيْهِ، ولَمْ يَتَوَجَّهِ الفِكْرُ إلّا إلى أنَّ ذَلِكَ القائِلَ هو هو، وهَذا تَنْبِيهٌ مِن هَذا الوَجْهِ عَلى أنَّهُ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّهُ لا حاكِمَ في العالَمِينَ، ولا مُتَصَرِّفَ في العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ إلّا هو. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ فَإنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ هَذِهِ الأجْسامِ وشِدَّتِها وقُوَّتِها، فَإذا شَعَرَ العَقْلُ بِوُجُودِ مَوْجُودٍ قاهِرٍ لِهَذِهِ الأجْسامِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْها مُتَصَرِّفٍ فِيها كَيْفَ شاءَ وأرادَ، صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوفِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى كَمالِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ قَهْرِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ. وثالِثُها: أنَّ السَّماءَ والأرْضَ مِنَ الجَماداتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياأرْضُ﴾ - ﴿ويا سَماءُ﴾ مُشْعِرٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، عَلى أنَّ أمْرَهُ وتَكْلِيفَهُ نافِذٌ في الجَماداتِ، فَعِنْدَ هَذا يَحْكُمُ الوَهْمُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلِأنْ يَكُونَ أمْرُهُ نافِذًا عَلى العُقَلاءِ كانَ أوْلى، ولَيْسَ مُرادِي مِنهُ أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُ الجَماداتِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، بَلِ المُرادُ أنَّ تَوْجِيهَ صِيغَةِ الأمْرِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ عَلى هَذِهِ الجَماداتِ القَوِيَّةِ الشَّدِيدَةِ يُقَرِّرُ في الوَهْمِ نَوْعَ عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ تَقْرِيرًا كامِلًا. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ فالمُرادُ أنَّ الَّذِي قَضى بِهِ وقَدَّرَهُ في الأزَلِ قَضاءٌ جَزْمًا حَتْمًا فَقَدْ وقَعَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ ما قَضى اللَّهُ تَعالى فَهو واقِعٌ في وقْتِهِ وأنَّهُ لا دافِعَ لِقَضائِهِ ولا مانِعَ مِن نَفاذِ حُكْمِهِ في أرْضِهِ وسَمائِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُغْرِقَ الأطْفالَ بِسَبَبِ جُرْمِ الكُفّارِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ قَبْلَ الغَرَقِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً فَلَمْ يَغْرَقْ إلّا مَن بَلَغَ سِنُّهُ إلى الأرْبَعِينَ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ، لَكانَ ذَلِكَ آيَةً عَجِيبَةً قاهِرَةً. ويَبْعُدُ مَعَ ظُهُورِها صفحة ١٨٨ اسْتِمْرارُهم عَلى الكُفْرِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّكم ذَكَرْتُمْ ما ذَكَرْتُمْ فَما قَوْلُكم في إهْلاكِ الطَّيْرِ والوَحْشِ مَعَ أنَّهُ لا تَكْلِيفَ عَلَيْها البَتَّةَ. والجَوابُ الثّانِي: وهو الحَقُّ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ تَعالى في أفْعالِهِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣]، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَهم يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى أغْرَقَ الأطْفالَ والحَيَواناتِ، وذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى إذْنِهِ تَعالى في ذَبْحِ هَذِهِ البَهائِمِ وفي اسْتِعْمالِها في الأعْمالِ الشّاقَّةِ الشَّدِيدَةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ فالمَعْنى: واسْتَوَتِ السَّفِينَةُ عَلى جَبَلٍ بِالجَزِيرَةِ يُقالُ لَهُ: الجُودِيُّ، وكانَ ذَلِكَ الجَبَلُ جَبَلًا مُنْخَفِضًا، فَكانَ اسْتِواءُ السَّفِينَةِ عَلَيْهِ دَلِيلًا عَلى انْقِطاعِ مادَّةِ ذَلِكَ الماءِ، وكانَ ذَلِكَ الِاسْتِواءُ يَوْمَ عاشُوراءَ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، قالَ لَهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ اللَّعْنِ والطَّرْدِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن كَلامِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابِهِ؛ لِأنَّ الغالِبَ مِمَّنْ يَسْلَمُ مِنَ الأمْرِ الهائِلِ بِسَبَبِ اجْتِماعِ قَوْمٍ مِنَ الظَّلَمَةِ، فَإذا أُهْلِكُوا ونَجا مِنهم قالَ مِثْلَ هَذا الكَلامِ، ولِأنَّهُ جارٍ مَجْرى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ فَجَعْلُهُ مِن كَلامِ البَشَرِ ألْيَقُ.

هود 11:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا الخِلافَ في أنَّهُ هَلْ كانَ ابْنًا لَهُ أمْ لا، فَلا نُعِيدُهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ قالَ: ﴿يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ كانَ ابْنًا لَهُ، وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِكَ. والثّانِي: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ أنْ أُنَجِّيَهم مَعَكَ، والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِقَرابَةِ الدِّينِ لا بِقَرابَةِ النَّسَبِ، فَإنَّ في هَذِهِ الصُّورَةِ كانَتْ قَرابَةُ النَّسَبِ حاصِلَةً مِن أقْوى الوُجُوهِ، ولَكِنْ لَمّا انْتَفَتْ قَرابَةُ الدِّينِ لا جَرَمَ نَفاهُ اللَّهُ تَعالى بِأبْلَغِ الألْفاظِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: ”عَمِلَ“ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي، و”غَيْرَ“ بِالنَّصْبِ، والمَعْنى: أنَّ ابْنَكَ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ - يَعْنِي أشْرَكَ وكَذَّبَ، وكَلِمَةُ ”غَيْرَ“ نَصْبٌ؛ لِأنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وقَرَأ الباقُونَ: عَمَلٌ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ”إنَّهُ“ عائِدٌ إلى السُّؤالِ، يَعْنِي أنَّ هَذا السُّؤالَ عَمَلٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ غَيْرُ صالِحٍ؛ لِأنَّ طَلَبَ نَجاةِ الكافِرِ بَعْدَ أنْ سَبَقَ الحُكْمُ الجَزْمُ بِأنَّهُ لا يُنَجِّي أحَدًا مِنهم - سُؤالٌ باطِلٌ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الِابْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي وصْفِهِ بِكَوْنِهِ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الرَّجُلَ إذا كَثُرَ عَمَلُهُ وإحْسانُهُ يُقالُ لَهُ: إنَّهُ عِلْمٌ وكَرَمٌ وُجُودٌ، فَكَذا هَهُنا لَمّا كَثُرَ إقْدامُ ابْنِ نُوحٍ عَلى الأعْمالِ الباطِلَةِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ صفحة ٤ فِي نَفْسِهِ عَمَلٌ باطِلٌ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ ذُو عَمَلٍ باطِلٍ، فَحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أيْ إنَّهُ ولَدُ زِنًا، وهَذا القَوْلُ باطِلٌ قَطْعًا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قَدَحَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قِراءَةَ ”عَمَلٌ“ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، فَهي مُحْكَمَةٌ، وهَذا يَقْتَضِي عَوْدَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ إمّا إلى ابْنِ نُوحٍ، وإمّا إلى ذَلِكَ السُّؤالِ، فالقَوْلُ بِأنَّهُ عائِدٌ إلى ابْنِ نُوحٍ لا يَتِمُّ إلّا بِإضْمارٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ولا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ولا ضَرُورَةَ هَهُنا؛ لِأنّا إذا حَكَمْنا بِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلى السُّؤالِ المُتَقَدِّمِ، فَقَدِ اسْتَغْنَيْنا عَنْ هَذا الضَّمِيرِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى هَذا السُّؤالِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ أنَّ هَذا السُّؤالَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، أيْ قَوْلُكَ: إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي - لِطَلَبِ نَجاتِهِ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا السُّؤالَ كانَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ السُّؤالِ، والمَذْكُورُ السّابِقُ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ، فَكانَ ذَلِكَ السُّؤالُ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ قَدْ صَدَرَ لا عَنِ العِلْمِ، والقَوْلُ بِغَيْرِ العِلْمِ ذَنْبٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٩ ] . الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ مَحْضَ الجَهْلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّقْرِيعِ ونِهايَةِ الزَّجْرِ، وأيْضًا جَعْلُ الجَهْلِ كِنايَةً عَنِ الذَّنْبِ مَشْهُورٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النِّساءِ: ١٧ ] وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ . الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - اعْتَرَفَ بِإقْدامِهِ عَلى الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ في هَذا المَقامِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ واعْتِرافُهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُذْنِبًا. الوَجْهُ السّادِسُ في التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ نُوحًا نادى رَبَّهُ لِطَلَبِ تَخْلِيصِ ولَدِهِ مِنَ الغَرَقِ، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هُودٍ: ٤٢ ] وقالَ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ [هُودٍ: ٤٢ ] تَدَلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ مِنَ ابْنِهِ المُوافَقَةَ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ طَلَبَ هَذا المَعْنى مِنَ اللَّهِ كانَ سابِقًا عَلى طَلَبِهِ مِنَ الوَلَدِ، أوْ كانَ بِالعَكْسِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ طَلَبُ هَذا المَعْنى مِنَ اللَّهِ تَعالى سابِقًا عَلى طَلَبِهِ مِنَ الِابْنِ لَكانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ تَعالى لا يُخَلِّصُ ذَلِكَ الِابْنَ مِنَ الغَرَقِ، وأنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّلَبِ، وبَعْدَ هَذا كَيْفَ قالَ لَهُ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هُودٍ: ٤٢ ] وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ هَذا الطَّلَبَ مِنَ الِابْنِ كانَ مُتَقَدِّمًا فَكانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ الِابْنِ قَوْلَهُ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هُودٍ: ٤٣ ] وظَهَرَ بِذَلِكَ كُفْرُهُ، فَكَيْفَ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَخْلِيصَهُ ؟ وأيْضًا أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ نُوحًا لَمّا طَلَبَ ذَلِكَ مِنهُ صفحة ٥ وامْتَنَعَ هو، صارَ مِنَ المُغْرَقِينَ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَخْلِيصَهُ مِنَ الغَرَقِ بَعْدَ أنْ صارَ مِنَ المُغْرَقِينَ ؟ فَهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ السِّتَّةِ تَدَلُّ عَلى صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ عَلى وُجُوبِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ المَعاصِي، وجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ والأكْمَلِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هَذا العِتابُ والأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ، ولا يَدُلُّ عَلى سابِقَةِ الذَّنْبِ كَما قالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النَّصْرِ: ١ - ٣ ] ومَعْلُومٌ أنَّ مَجِيءَ نَصْرِ اللَّهِ والفَتْحِ ودُخُولَ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا لَيْسَتْ بِذَنْبٍ يُوجِبُ الِاسْتِغْفارَ، وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩ ] ولَيْسَ جَمِيعُهم مُذْنِبِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ تَرْكِ الأفْضَلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ وإسْماعِيلَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وإثْباتِ الياءِ ”تَسْألَنِّي“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ بِرِوايَةِ قالُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وكَسْرِها مِن غَيْرِ إثْباتِ الياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ النُّونِ وكَسْرِها وحَذْفِ الياءِ ”تَسْألْنِ“، أمّا التَّشْدِيدُ فَلِلتَّأْكِيدِ، وأمّا إثْباتُ الياءِ فَعَلى الأصْلِ، وأمّا تَرْكُ التَّشْدِيدِ والحَذْفُ فَلِلتَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: قَبِلْتُ يا رَبِّ هَذا التَّكْلِيفَ، ولا أعُودُ إلَيْهِ، إلّا أنِّي لا أقْدِرُ عَلى الِاحْتِرازِ مِنهُ إلّا بِإعانَتِكَ وهِدايَتِكَ، فَلِهَذا بَدَأ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ إخْبارٌ عَمّا في المُسْتَقْبَلِ، أيْ لا أعُودُ إلى هَذا العَمَلِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالِاعْتِذارِ عَمّا مَضى فَقالَ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وحَقِيقَةُ التَّوْبَةِ تَقْتَضِي أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: في المُسْتَقْبَلِ، وهو العَزْمُ عَلى التَّرْكِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . والثّانِي: في الماضِي وهو النَّدَمُ عَلى ما مَضى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . ونَخْتِمُ هَذا الكَلامَ بِالبَحْثِ عَنِ الزَّلَّةِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذا المَقامِ، فَنَقُولُ: إنَّ أُمَّةَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: كافِرٌ يَظْهَرُ كُفْرُهُ، ومُؤْمِنٌ يُعْلَمُ إيمانُهُ، وجَمْعٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وقَدْ كانَ حُكْمُ المُؤْمِنِينَ هو النَّجاةُ، وحُكْمُ الكافِرِينَ هو الغَرَقُ، وكانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا، وأمّا أهْلُ النِّفاقِ فَبَقِيَ حُكْمُهم مَخْفِيًّا، وكانَ ابْنُ نُوحٍ مِنهم، وكانَ يَجُوزُ فِيهِ كَوْنُهُ مُؤْمِنًا، وكانَتِ الشَّفَقَةُ المُفْرِطَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الأبِ في حَقِّ الِابْنِ تَحْمِلُهُ عَلى حَمْلِ أعْمالِهِ وأفْعالِهِ، لا عَلى كَوْنِهِ كافِرًا بَلْ عَلى الوُجُوهِ الصَّحِيحَةِ، فَلَمّا رَآهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ القَوْمِ طَلَبَ مِنهُ أنْ يَدْخُلَ السَّفِينَةَ، فَقالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هُودٍ: ٤٣ ] وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَنَّ أنَّ الصُّعُودَ عَلى الجَبَلِ يَجْرِي مَجْرى الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ في أنَّهُ يَصُونُهُ عَنِ الغَرَقِ، وقَوْلُ نُوحٍ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هُودٍ: ٤٣ ] لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُقَرِّرُ عِنْدَ ابْنِهِ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ إلّا الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وهَذا أيْضًا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلِمَ مِنَ ابْنِهِ أنَّهُ كانَ كافِرًا، فَعِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ كانَ قَدْ بَقِيَ في قَلْبِهِ ظَنُّ أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ مُؤْمِنٌ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ صفحة ٦ تَعالى تَخْلِيصَهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، إمّا بِأنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الدُّخُولِ في السَّفِينَةِ، وإمّا أنْ يَحْفَظَهُ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مُنافِقٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِهِ، فالزَّلَّةُ الصّادِرَةُ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو أنَّهُ لَمْ يَسْتَقْصِ في تَعْرِيفِ ما يَدُلُّ عَلى نِفاقِهِ وكُفْرِهِ، بَلِ اجْتَهَدَ في ذَلِكَ، وكانَ يَظُنُّ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، مَعَ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهُ كانَ كافِرًا، فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا الخَطَأُ في هَذا الِاجْتِهادِ، كَما قَرَّرْنا ذَلِكَ في أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ تِلْكَ الزَّلَّةُ إلّا لِأنَّهُ أخْطَأ في هَذا الِاجْتِهادِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الصّادِرَ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ مِن بابِ الكَبائِرِ، وإنَّما هو مِن بابِ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

هود 11:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا الخِلافَ في أنَّهُ هَلْ كانَ ابْنًا لَهُ أمْ لا، فَلا نُعِيدُهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ قالَ: ﴿يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ كانَ ابْنًا لَهُ، وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِكَ. والثّانِي: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ أنْ أُنَجِّيَهم مَعَكَ، والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِقَرابَةِ الدِّينِ لا بِقَرابَةِ النَّسَبِ، فَإنَّ في هَذِهِ الصُّورَةِ كانَتْ قَرابَةُ النَّسَبِ حاصِلَةً مِن أقْوى الوُجُوهِ، ولَكِنْ لَمّا انْتَفَتْ قَرابَةُ الدِّينِ لا جَرَمَ نَفاهُ اللَّهُ تَعالى بِأبْلَغِ الألْفاظِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: ”عَمِلَ“ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي، و”غَيْرَ“ بِالنَّصْبِ، والمَعْنى: أنَّ ابْنَكَ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ - يَعْنِي أشْرَكَ وكَذَّبَ، وكَلِمَةُ ”غَيْرَ“ نَصْبٌ؛ لِأنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وقَرَأ الباقُونَ: عَمَلٌ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ”إنَّهُ“ عائِدٌ إلى السُّؤالِ، يَعْنِي أنَّ هَذا السُّؤالَ عَمَلٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ غَيْرُ صالِحٍ؛ لِأنَّ طَلَبَ نَجاةِ الكافِرِ بَعْدَ أنْ سَبَقَ الحُكْمُ الجَزْمُ بِأنَّهُ لا يُنَجِّي أحَدًا مِنهم - سُؤالٌ باطِلٌ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الِابْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي وصْفِهِ بِكَوْنِهِ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الرَّجُلَ إذا كَثُرَ عَمَلُهُ وإحْسانُهُ يُقالُ لَهُ: إنَّهُ عِلْمٌ وكَرَمٌ وُجُودٌ، فَكَذا هَهُنا لَمّا كَثُرَ إقْدامُ ابْنِ نُوحٍ عَلى الأعْمالِ الباطِلَةِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ صفحة ٤ فِي نَفْسِهِ عَمَلٌ باطِلٌ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ ذُو عَمَلٍ باطِلٍ، فَحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أيْ إنَّهُ ولَدُ زِنًا، وهَذا القَوْلُ باطِلٌ قَطْعًا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قَدَحَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قِراءَةَ ”عَمَلٌ“ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، فَهي مُحْكَمَةٌ، وهَذا يَقْتَضِي عَوْدَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ إمّا إلى ابْنِ نُوحٍ، وإمّا إلى ذَلِكَ السُّؤالِ، فالقَوْلُ بِأنَّهُ عائِدٌ إلى ابْنِ نُوحٍ لا يَتِمُّ إلّا بِإضْمارٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ولا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ولا ضَرُورَةَ هَهُنا؛ لِأنّا إذا حَكَمْنا بِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلى السُّؤالِ المُتَقَدِّمِ، فَقَدِ اسْتَغْنَيْنا عَنْ هَذا الضَّمِيرِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى هَذا السُّؤالِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ أنَّ هَذا السُّؤالَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، أيْ قَوْلُكَ: إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي - لِطَلَبِ نَجاتِهِ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا السُّؤالَ كانَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ السُّؤالِ، والمَذْكُورُ السّابِقُ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ، فَكانَ ذَلِكَ السُّؤالُ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ قَدْ صَدَرَ لا عَنِ العِلْمِ، والقَوْلُ بِغَيْرِ العِلْمِ ذَنْبٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٩ ] . الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ مَحْضَ الجَهْلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّقْرِيعِ ونِهايَةِ الزَّجْرِ، وأيْضًا جَعْلُ الجَهْلِ كِنايَةً عَنِ الذَّنْبِ مَشْهُورٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النِّساءِ: ١٧ ] وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ . الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - اعْتَرَفَ بِإقْدامِهِ عَلى الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ في هَذا المَقامِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ واعْتِرافُهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُذْنِبًا. الوَجْهُ السّادِسُ في التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ نُوحًا نادى رَبَّهُ لِطَلَبِ تَخْلِيصِ ولَدِهِ مِنَ الغَرَقِ، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هُودٍ: ٤٢ ] وقالَ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ [هُودٍ: ٤٢ ] تَدَلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ مِنَ ابْنِهِ المُوافَقَةَ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ طَلَبَ هَذا المَعْنى مِنَ اللَّهِ كانَ سابِقًا عَلى طَلَبِهِ مِنَ الوَلَدِ، أوْ كانَ بِالعَكْسِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ طَلَبُ هَذا المَعْنى مِنَ اللَّهِ تَعالى سابِقًا عَلى طَلَبِهِ مِنَ الِابْنِ لَكانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ تَعالى لا يُخَلِّصُ ذَلِكَ الِابْنَ مِنَ الغَرَقِ، وأنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّلَبِ، وبَعْدَ هَذا كَيْفَ قالَ لَهُ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هُودٍ: ٤٢ ] وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ هَذا الطَّلَبَ مِنَ الِابْنِ كانَ مُتَقَدِّمًا فَكانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ الِابْنِ قَوْلَهُ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هُودٍ: ٤٣ ] وظَهَرَ بِذَلِكَ كُفْرُهُ، فَكَيْفَ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَخْلِيصَهُ ؟ وأيْضًا أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ نُوحًا لَمّا طَلَبَ ذَلِكَ مِنهُ صفحة ٥ وامْتَنَعَ هو، صارَ مِنَ المُغْرَقِينَ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَخْلِيصَهُ مِنَ الغَرَقِ بَعْدَ أنْ صارَ مِنَ المُغْرَقِينَ ؟ فَهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ السِّتَّةِ تَدَلُّ عَلى صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ عَلى وُجُوبِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ المَعاصِي، وجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ والأكْمَلِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هَذا العِتابُ والأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ، ولا يَدُلُّ عَلى سابِقَةِ الذَّنْبِ كَما قالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النَّصْرِ: ١ - ٣ ] ومَعْلُومٌ أنَّ مَجِيءَ نَصْرِ اللَّهِ والفَتْحِ ودُخُولَ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا لَيْسَتْ بِذَنْبٍ يُوجِبُ الِاسْتِغْفارَ، وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩ ] ولَيْسَ جَمِيعُهم مُذْنِبِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ تَرْكِ الأفْضَلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ وإسْماعِيلَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وإثْباتِ الياءِ ”تَسْألَنِّي“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ بِرِوايَةِ قالُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وكَسْرِها مِن غَيْرِ إثْباتِ الياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ النُّونِ وكَسْرِها وحَذْفِ الياءِ ”تَسْألْنِ“، أمّا التَّشْدِيدُ فَلِلتَّأْكِيدِ، وأمّا إثْباتُ الياءِ فَعَلى الأصْلِ، وأمّا تَرْكُ التَّشْدِيدِ والحَذْفُ فَلِلتَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: قَبِلْتُ يا رَبِّ هَذا التَّكْلِيفَ، ولا أعُودُ إلَيْهِ، إلّا أنِّي لا أقْدِرُ عَلى الِاحْتِرازِ مِنهُ إلّا بِإعانَتِكَ وهِدايَتِكَ، فَلِهَذا بَدَأ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ إخْبارٌ عَمّا في المُسْتَقْبَلِ، أيْ لا أعُودُ إلى هَذا العَمَلِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالِاعْتِذارِ عَمّا مَضى فَقالَ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وحَقِيقَةُ التَّوْبَةِ تَقْتَضِي أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: في المُسْتَقْبَلِ، وهو العَزْمُ عَلى التَّرْكِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . والثّانِي: في الماضِي وهو النَّدَمُ عَلى ما مَضى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . ونَخْتِمُ هَذا الكَلامَ بِالبَحْثِ عَنِ الزَّلَّةِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذا المَقامِ، فَنَقُولُ: إنَّ أُمَّةَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: كافِرٌ يَظْهَرُ كُفْرُهُ، ومُؤْمِنٌ يُعْلَمُ إيمانُهُ، وجَمْعٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وقَدْ كانَ حُكْمُ المُؤْمِنِينَ هو النَّجاةُ، وحُكْمُ الكافِرِينَ هو الغَرَقُ، وكانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا، وأمّا أهْلُ النِّفاقِ فَبَقِيَ حُكْمُهم مَخْفِيًّا، وكانَ ابْنُ نُوحٍ مِنهم، وكانَ يَجُوزُ فِيهِ كَوْنُهُ مُؤْمِنًا، وكانَتِ الشَّفَقَةُ المُفْرِطَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الأبِ في حَقِّ الِابْنِ تَحْمِلُهُ عَلى حَمْلِ أعْمالِهِ وأفْعالِهِ، لا عَلى كَوْنِهِ كافِرًا بَلْ عَلى الوُجُوهِ الصَّحِيحَةِ، فَلَمّا رَآهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ القَوْمِ طَلَبَ مِنهُ أنْ يَدْخُلَ السَّفِينَةَ، فَقالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هُودٍ: ٤٣ ] وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَنَّ أنَّ الصُّعُودَ عَلى الجَبَلِ يَجْرِي مَجْرى الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ في أنَّهُ يَصُونُهُ عَنِ الغَرَقِ، وقَوْلُ نُوحٍ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هُودٍ: ٤٣ ] لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُقَرِّرُ عِنْدَ ابْنِهِ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ إلّا الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وهَذا أيْضًا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلِمَ مِنَ ابْنِهِ أنَّهُ كانَ كافِرًا، فَعِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ كانَ قَدْ بَقِيَ في قَلْبِهِ ظَنُّ أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ مُؤْمِنٌ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ صفحة ٦ تَعالى تَخْلِيصَهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، إمّا بِأنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الدُّخُولِ في السَّفِينَةِ، وإمّا أنْ يَحْفَظَهُ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مُنافِقٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِهِ، فالزَّلَّةُ الصّادِرَةُ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو أنَّهُ لَمْ يَسْتَقْصِ في تَعْرِيفِ ما يَدُلُّ عَلى نِفاقِهِ وكُفْرِهِ، بَلِ اجْتَهَدَ في ذَلِكَ، وكانَ يَظُنُّ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، مَعَ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهُ كانَ كافِرًا، فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا الخَطَأُ في هَذا الِاجْتِهادِ، كَما قَرَّرْنا ذَلِكَ في أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ تِلْكَ الزَّلَّةُ إلّا لِأنَّهُ أخْطَأ في هَذا الِاجْتِهادِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الصّادِرَ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ مِن بابِ الكَبائِرِ، وإنَّما هو مِن بابِ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

هود 11:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا الخِلافَ في أنَّهُ هَلْ كانَ ابْنًا لَهُ أمْ لا، فَلا نُعِيدُهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ قالَ: ﴿يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ كانَ ابْنًا لَهُ، وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِكَ. والثّانِي: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ أنْ أُنَجِّيَهم مَعَكَ، والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِقَرابَةِ الدِّينِ لا بِقَرابَةِ النَّسَبِ، فَإنَّ في هَذِهِ الصُّورَةِ كانَتْ قَرابَةُ النَّسَبِ حاصِلَةً مِن أقْوى الوُجُوهِ، ولَكِنْ لَمّا انْتَفَتْ قَرابَةُ الدِّينِ لا جَرَمَ نَفاهُ اللَّهُ تَعالى بِأبْلَغِ الألْفاظِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: ”عَمِلَ“ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي، و”غَيْرَ“ بِالنَّصْبِ، والمَعْنى: أنَّ ابْنَكَ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ - يَعْنِي أشْرَكَ وكَذَّبَ، وكَلِمَةُ ”غَيْرَ“ نَصْبٌ؛ لِأنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وقَرَأ الباقُونَ: عَمَلٌ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ”إنَّهُ“ عائِدٌ إلى السُّؤالِ، يَعْنِي أنَّ هَذا السُّؤالَ عَمَلٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ غَيْرُ صالِحٍ؛ لِأنَّ طَلَبَ نَجاةِ الكافِرِ بَعْدَ أنْ سَبَقَ الحُكْمُ الجَزْمُ بِأنَّهُ لا يُنَجِّي أحَدًا مِنهم - سُؤالٌ باطِلٌ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الِابْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي وصْفِهِ بِكَوْنِهِ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الرَّجُلَ إذا كَثُرَ عَمَلُهُ وإحْسانُهُ يُقالُ لَهُ: إنَّهُ عِلْمٌ وكَرَمٌ وُجُودٌ، فَكَذا هَهُنا لَمّا كَثُرَ إقْدامُ ابْنِ نُوحٍ عَلى الأعْمالِ الباطِلَةِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ صفحة ٤ فِي نَفْسِهِ عَمَلٌ باطِلٌ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ ذُو عَمَلٍ باطِلٍ، فَحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أيْ إنَّهُ ولَدُ زِنًا، وهَذا القَوْلُ باطِلٌ قَطْعًا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قَدَحَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قِراءَةَ ”عَمَلٌ“ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، فَهي مُحْكَمَةٌ، وهَذا يَقْتَضِي عَوْدَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ إمّا إلى ابْنِ نُوحٍ، وإمّا إلى ذَلِكَ السُّؤالِ، فالقَوْلُ بِأنَّهُ عائِدٌ إلى ابْنِ نُوحٍ لا يَتِمُّ إلّا بِإضْمارٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ولا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ولا ضَرُورَةَ هَهُنا؛ لِأنّا إذا حَكَمْنا بِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلى السُّؤالِ المُتَقَدِّمِ، فَقَدِ اسْتَغْنَيْنا عَنْ هَذا الضَّمِيرِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى هَذا السُّؤالِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ أنَّ هَذا السُّؤالَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، أيْ قَوْلُكَ: إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي - لِطَلَبِ نَجاتِهِ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا السُّؤالَ كانَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ السُّؤالِ، والمَذْكُورُ السّابِقُ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ، فَكانَ ذَلِكَ السُّؤالُ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ قَدْ صَدَرَ لا عَنِ العِلْمِ، والقَوْلُ بِغَيْرِ العِلْمِ ذَنْبٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٩ ] . الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ مَحْضَ الجَهْلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّقْرِيعِ ونِهايَةِ الزَّجْرِ، وأيْضًا جَعْلُ الجَهْلِ كِنايَةً عَنِ الذَّنْبِ مَشْهُورٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النِّساءِ: ١٧ ] وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ . الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - اعْتَرَفَ بِإقْدامِهِ عَلى الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ في هَذا المَقامِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ واعْتِرافُهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُذْنِبًا. الوَجْهُ السّادِسُ في التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ نُوحًا نادى رَبَّهُ لِطَلَبِ تَخْلِيصِ ولَدِهِ مِنَ الغَرَقِ، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هُودٍ: ٤٢ ] وقالَ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ [هُودٍ: ٤٢ ] تَدَلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ مِنَ ابْنِهِ المُوافَقَةَ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ طَلَبَ هَذا المَعْنى مِنَ اللَّهِ كانَ سابِقًا عَلى طَلَبِهِ مِنَ الوَلَدِ، أوْ كانَ بِالعَكْسِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ طَلَبُ هَذا المَعْنى مِنَ اللَّهِ تَعالى سابِقًا عَلى طَلَبِهِ مِنَ الِابْنِ لَكانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ تَعالى لا يُخَلِّصُ ذَلِكَ الِابْنَ مِنَ الغَرَقِ، وأنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّلَبِ، وبَعْدَ هَذا كَيْفَ قالَ لَهُ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هُودٍ: ٤٢ ] وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ هَذا الطَّلَبَ مِنَ الِابْنِ كانَ مُتَقَدِّمًا فَكانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ الِابْنِ قَوْلَهُ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هُودٍ: ٤٣ ] وظَهَرَ بِذَلِكَ كُفْرُهُ، فَكَيْفَ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَخْلِيصَهُ ؟ وأيْضًا أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ نُوحًا لَمّا طَلَبَ ذَلِكَ مِنهُ صفحة ٥ وامْتَنَعَ هو، صارَ مِنَ المُغْرَقِينَ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَخْلِيصَهُ مِنَ الغَرَقِ بَعْدَ أنْ صارَ مِنَ المُغْرَقِينَ ؟ فَهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ السِّتَّةِ تَدَلُّ عَلى صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ عَلى وُجُوبِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ المَعاصِي، وجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ والأكْمَلِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هَذا العِتابُ والأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ، ولا يَدُلُّ عَلى سابِقَةِ الذَّنْبِ كَما قالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النَّصْرِ: ١ - ٣ ] ومَعْلُومٌ أنَّ مَجِيءَ نَصْرِ اللَّهِ والفَتْحِ ودُخُولَ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا لَيْسَتْ بِذَنْبٍ يُوجِبُ الِاسْتِغْفارَ، وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩ ] ولَيْسَ جَمِيعُهم مُذْنِبِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ تَرْكِ الأفْضَلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ وإسْماعِيلَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وإثْباتِ الياءِ ”تَسْألَنِّي“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ بِرِوايَةِ قالُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وكَسْرِها مِن غَيْرِ إثْباتِ الياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ النُّونِ وكَسْرِها وحَذْفِ الياءِ ”تَسْألْنِ“، أمّا التَّشْدِيدُ فَلِلتَّأْكِيدِ، وأمّا إثْباتُ الياءِ فَعَلى الأصْلِ، وأمّا تَرْكُ التَّشْدِيدِ والحَذْفُ فَلِلتَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: قَبِلْتُ يا رَبِّ هَذا التَّكْلِيفَ، ولا أعُودُ إلَيْهِ، إلّا أنِّي لا أقْدِرُ عَلى الِاحْتِرازِ مِنهُ إلّا بِإعانَتِكَ وهِدايَتِكَ، فَلِهَذا بَدَأ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ إخْبارٌ عَمّا في المُسْتَقْبَلِ، أيْ لا أعُودُ إلى هَذا العَمَلِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالِاعْتِذارِ عَمّا مَضى فَقالَ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وحَقِيقَةُ التَّوْبَةِ تَقْتَضِي أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: في المُسْتَقْبَلِ، وهو العَزْمُ عَلى التَّرْكِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . والثّانِي: في الماضِي وهو النَّدَمُ عَلى ما مَضى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . ونَخْتِمُ هَذا الكَلامَ بِالبَحْثِ عَنِ الزَّلَّةِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذا المَقامِ، فَنَقُولُ: إنَّ أُمَّةَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: كافِرٌ يَظْهَرُ كُفْرُهُ، ومُؤْمِنٌ يُعْلَمُ إيمانُهُ، وجَمْعٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وقَدْ كانَ حُكْمُ المُؤْمِنِينَ هو النَّجاةُ، وحُكْمُ الكافِرِينَ هو الغَرَقُ، وكانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا، وأمّا أهْلُ النِّفاقِ فَبَقِيَ حُكْمُهم مَخْفِيًّا، وكانَ ابْنُ نُوحٍ مِنهم، وكانَ يَجُوزُ فِيهِ كَوْنُهُ مُؤْمِنًا، وكانَتِ الشَّفَقَةُ المُفْرِطَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الأبِ في حَقِّ الِابْنِ تَحْمِلُهُ عَلى حَمْلِ أعْمالِهِ وأفْعالِهِ، لا عَلى كَوْنِهِ كافِرًا بَلْ عَلى الوُجُوهِ الصَّحِيحَةِ، فَلَمّا رَآهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ القَوْمِ طَلَبَ مِنهُ أنْ يَدْخُلَ السَّفِينَةَ، فَقالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هُودٍ: ٤٣ ] وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَنَّ أنَّ الصُّعُودَ عَلى الجَبَلِ يَجْرِي مَجْرى الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ في أنَّهُ يَصُونُهُ عَنِ الغَرَقِ، وقَوْلُ نُوحٍ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هُودٍ: ٤٣ ] لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُقَرِّرُ عِنْدَ ابْنِهِ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ إلّا الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وهَذا أيْضًا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلِمَ مِنَ ابْنِهِ أنَّهُ كانَ كافِرًا، فَعِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ كانَ قَدْ بَقِيَ في قَلْبِهِ ظَنُّ أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ مُؤْمِنٌ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ صفحة ٦ تَعالى تَخْلِيصَهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، إمّا بِأنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الدُّخُولِ في السَّفِينَةِ، وإمّا أنْ يَحْفَظَهُ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مُنافِقٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِهِ، فالزَّلَّةُ الصّادِرَةُ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو أنَّهُ لَمْ يَسْتَقْصِ في تَعْرِيفِ ما يَدُلُّ عَلى نِفاقِهِ وكُفْرِهِ، بَلِ اجْتَهَدَ في ذَلِكَ، وكانَ يَظُنُّ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، مَعَ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهُ كانَ كافِرًا، فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا الخَطَأُ في هَذا الِاجْتِهادِ، كَما قَرَّرْنا ذَلِكَ في أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ تِلْكَ الزَّلَّةُ إلّا لِأنَّهُ أخْطَأ في هَذا الِاجْتِهادِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الصّادِرَ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ مِن بابِ الكَبائِرِ، وإنَّما هو مِن بابِ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

هود 11:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ السَّفِينَةِ أنَّها اسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ، فَهُناكَ قَدْ خَرَجَ نُوحٌ وقَوْمُهُ مِنَ السَّفِينَةِ لا مَحالَةَ، ثُمَّ إنَّهم نَزَلُوا مِن ذَلِكَ الجَبَلِ إلى الأرْضِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اهْبِطْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِالخُرُوجِ مِنَ السَّفِينَةِ إلى أرْضِ الجَبَلِ، وأنْ يَكُونَ أمْرًا بِالهُبُوطِ مِنَ الجَبَلِ إلى الأرْضِ المُسْتَوِيَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ عِنْدَ الخُرُوجِ بِالسَّلامَةِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالبَرَكَةِ ثانِيًا، أمّا الوَعْدُ بِالسَّلامَةِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - تابَ عَنْ زَلَّتِهِ، وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهَذا التَّضَرُّعُ هو عَيْنُ التَّضَرُّعِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ تَوْبَتِهِ مِن زَلَّتِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣ ] فَكانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُحْتاجًا إلى أنْ بَشَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالسَّلامَةِ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ حَصَلَ لَهُ الأمْنُ مِن جَمِيعِ المَكارِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الغَرَقَ لَمّا كانَ عامًّا في جَمِيعِ الأرْضِ فَعِنْدَما خَرَجَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ السَّفِينَةِ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ شَيْءٌ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ، فَكانَ كالخائِفِ في أنَّهُ كَيْفَ يَعِيشُ ؟ وكَيْفَ يَدْفَعُ جَمِيعَ الحاجاتِ عَنْ نَفْسِهِ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ ؟ فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ زالَ عَنْهُ ذَلِكَ الخَوْفُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ السَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مَعَ الأمْنِ وسَعَةِ الرِّزْقِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِالسَّلامَةِ أرْدَفَهُ بِأنْ وعَدَهُ بِالبَرَكَةِ، وهي عِبارَةٌ عَنِ الدَّوامِ والبَقاءِ، والثَّباتِ، ونِيلِ الأمَلِ، ومِنهُ بُرُوكُ الإبِلِ، ومِنهُ البِرْكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها، ومِنهُ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: ثَبَتَ تَعْظِيمُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذا الثَّباتِ والبَقاءِ. فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى صَيَّرَ نُوحًا أبا البَشَرِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ مَن بَقِيَ كانُوا مِن نَسْلِهِ، وعِنْدَ هَذا قالَ هَذا القائِلُ: إنَّهُ لَمّا خَرَجَ نُوحٌ مِنَ السَّفِينَةِ ماتَ كُلُّ مَن كانَ مَعَهُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّتِهِ، ولَمْ يَحْصُلِ النَّسْلُ إلّا مِن صفحة ٧ ذُرِّيَّتِهِ، فالخَلْقُ كُلُّهم مِن نَسْلِهِ وذُرِّيَّتِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ في سَفِينَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا مَن كانَ مِن نَسْلِهِ وذُرِّيَّتِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالخَلْقُ كُلُّهم إنَّما تَوَلَّدُوا مِنهُ ومِن أوْلادِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ٧٧ ] فَثَبَتَ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ آدَمَ الأصْغَرَ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ البَرَكاتِ الَّتِي وعَدَهُ اللَّهُ بِها. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ، وعَدَهُ بِأنَّ مُوجِباتِ السَّلامَةِ والرّاحَةِ والفَراغَةِ يَكُونُ في التَّزايُدِ والثَّباتِ والِاسْتِقْرارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَّفَهُ بِالسَّلامَةِ والبَرَكَةِ شَرَحَ بَعْدَهُ حالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ، فَقالَ: ﴿وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنهُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ نَجَوْا مَعَهُ وجَعَلَهم أُمَمًا وجَماعاتٍ؛ لِأنَّهُ ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ في جَمِيعِ الأرْضِ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ إلّا هم، فَلِهَذا السَّبَبِ جَعَلَهم أُمَمًا، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ مِمَّنْ مَعَكَ نَسْلًا وتَوَلُّدًا، قالُوا: ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّهُ ما كانَ مَعَهُ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالقِلَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِن ذَلِكَ مَجْمُوعُ الحاضِرِينَ مَعَ الَّذِينَ سَيُولَدُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، والمُخْتارُ هو القَوْلُ الثّانِي: ”ومِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: وعَلى أُمَمٍ ناشِئَةٍ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ تِلْكَ الأُمَمَ النّاشِئَةَ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: الَّذِينَ عَطَفَهم عَلى نُوحٍ في وُصُولِ سَلامِ اللَّهِ وبَرَكاتِهِ إلَيْهِمْ، وهم أهْلُ الإيمانِ. والثّانِي: أُمَمٌ وصَفَهم بِأنَّهُ تَعالى سَيُمَتِّعُهم مُدَّةً في الدُّنْيا، ثُمَّ في الآخِرَةِ يَمَسُّهم عَذابٌ ألِيمٌ، فَحَكَمَ تَعالى بِأنَّ الأُمَمَ النّاشِئَةَ مِنَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا بُدَّ وأنْ يَنْقَسِمُوا إلى مُؤْمِنٍ وإلى كافِرٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: دَخَلَ في تِلْكَ السَّلامَةِ كُلُّ مُؤْمِنٍ وكُلُّ مُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ المَتاعِ وفي ذَلِكَ العَذابِ كُلُّ كافِرٍ وكافِرَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: إنَّهُ تَعالى إنَّما عَظَّمَ شَأْنَ نُوحٍ بِإيصالِ السَّلامَةِ والبَرَكاتِ مِنهُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿بِسَلامٍ مِنّا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الصِّدِّيقِينَ لا يَفْرَحُونَ بِالنِّعْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، ولَكِنَّهم إنَّما يَفْرَحُونَ بِالنِّعْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّها مِنَ الحَقِّ، وفي التَّحْقِيقِ يَكُونُ فَرَحُهم بِالحَقِّ، وطَلَبُهم لِلْحَقِّ، وتَوَجُّهُهم إلى الحَقِّ، وهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ لا يَعْرِفُهُ إلّا خَواصُّ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الفَرَحَ بِالسَّلامَةِ وبِالبَرَكَةِ مِن حَيْثُ هُما سَلامَةٌ وبَرَكَةٌ غَيْرٌ، والفَرَحُ بِالسَّلامَةِ والبَرَكَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُما مِنَ الحَقِّ غَيْرٌ، والأوَّلُ: نَصِيبُ عامَّةِ الخَلْقِ، والثّانِي: نَصِيبُ المُقَرَّبِينَ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ بَعْضُهم: مَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَقَدْ قالَ بِالثّانِي، ومَن آثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ بَلْ لِلْمَعْرُوفِ فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ، وأمّا أهْلُ العِقابِ فَقَدْ قالَ في شَرْحِ أحْوالِهِمْ: ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَحَكَمَ بِأنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ نَصِيبًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى خَساسَةِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَذْكُرْ ألْبَتَّةَ أنَّهُ يُعْطِيهِمُ الدُّنْيا أمْ لا، ولَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الكافِرِينَ ذَكَرَ أنَّهُ يُعْطِيهِمُ الدُّنْيا، وهَذا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى خَساسَةِ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ والتَّرْغِيبِ في المَقاماتِ الرُّوحانِيَّةِ.

هود 11:49

صفحة ٨ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى التَّفْصِيلِ قالَ: (تِلْكَ) أيْ تِلْكَ الآياتُ الَّتِي ذَكَرْناها، وتِلْكَ التَّفاصِيلُ الَّتِي شَرَحْناها، مِن أنْباءِ الغَيْبِ، أيْ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي كانَتْ غائِبَةً عَنِ الخَلْقِ، فَقَوْلُهُ: (تِلْكَ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، و﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الخَبَرُ، و﴿نُوحِيها إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، وما بَعْدَهُ أيْضًا خَبَرٌ ثالِثٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ﴾ والمَعْنى: إنَّكَ ما كُنْتَ تَعْرِفُ هَذِهِ القِصَّةَ، بَلْ قَوْمُكَ ما كانُوا يَعْرِفُونَها أيْضًا، ونَظِيرُهُ أنْ تَقُولَ لِإنْسانٍ: لا تَعْرِفُ هَذِهِ المَسْألَةَ، لا أنْتَ ولا أهْلُ بَلَدِكَ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ كانَتْ قِصَّةُ طُوفانِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَشْهُورَةً عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ ؟ قُلْنا: تِلْكَ القِصَّةُ بِحَسْبِ الإجْمالِ كانَتْ مَشْهُورَةً، أمّا التَّفاصِيلُ المَذْكُورَةُ فَما كانَتْ مَعْلُومَةً. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى: يا مُحَمَّدُ اصْبِرْ أنْتَ وقَوْمُكَ عَلى أذى هَؤُلاءِ الكُفّارِ كَما صَبَرَ نُوحٌ وقَوْمُهُ عَلى أذى أُولَئِكَ الكُفّارِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الصَّبْرَ عاقِبَتُهُ النَّصْرُ والظَّفَرُ والفَرَحُ والسُّرُورُ، كَما كانَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِقَوْمِهِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ يُونُسَ، ثُمَّ إنَّهُ أعادَها هَهُنا مَرَّةً أُخْرى، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟ قُلْنا: إنَّ القِصَّةَ الواحِدَةَ قَدْ يُنْتَفَعُ بِها مِن وُجُوهٍ: فَفي السُّورَةِ الأُولى كانَ الكُفّارُ يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ العَذابِ، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ نُوحٍ في بَيانِ أنَّ قَوْمَهُ كانُوا يُكَذِّبُونَهُ بِسَبَبِ أنَّ العَذابَ ما كانَ يَظْهَرُ، ثُمَّ في العاقِبَةِ ظَهَرَ، فَكَذا في واقِعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِأجْلِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُبالِغُونَ في الإيحاشِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ لِبَيانِ أنَّ إقْدامَ الكُفّارِ عَلى الإيذاءِ والإيحاشِ كانَ حاصِلًا في زَمانِ نُوحٍ، إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا صَبَرَ نالَ الفَتْحَ والظَّفَرَ، فَكُنْ يا مُحَمَّدُ كَذَلِكَ؛ لِتَنالَ المَقْصُودَ. ولَمّا كانَ وجْهُ الِانْتِفاعِ بِهَذِهِ القِصَّةِ في كُلِّ سُورَةٍ مِن وجْهٍ آخَرَ، لَمْ يَكُنْ تَكْرِيرُها خالِيًا عَنِ الفائِدَةِ.

هود 11:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّانِيَةُ مِنَ القَصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا صفحة ٩ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [هُودٍ: ٢٥ ] والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا، وقَوْلُهُ: (هُودًا) عَطْفُ بَيانٍ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هُودًا بِأنَّهُ أخُوهم، ومَعْلُومٌ أنَّ تِلْكَ الأُخُوَّةَ ما كانَتْ في الدِّينِ، وإنَّما كانَتْ في النَّسَبِ؛ لِأنَّ هُودًا كانَ رَجُلًا مِن قَبِيلَةِ عادٍ، وهَذِهِ القَبِيلَةُ كانَتْ قَبِيلَةً مِنَ العَرَبِ، وكانُوا بِناحِيَةِ اليَمَنِ، ونَظِيرُهُ ما يُقالُ لِلرَّجُلِ: يا أخا تَمِيمٍ، ويا أخا سُلَيْمٍ، والمُرادُ: رَجُلٌ مِنهم. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في ابْنِ نُوحٍ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ قَرابَةَ النِّسَبِ لا تُفِيدُ إذا لَمْ تَحْصُلْ قَرابَةُ الدِّينِ، وهَهُنا أثْبَتَ هَذِهِ الأُخُوَّةَ مَعَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا: المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ اسْتِمالَةُ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ في مُحَمَّدٍ - مَعَ أنَّهُ واحِدٌ مِن قَبِيلَتِهِمْ - أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلَيْهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هُودًا كانَ واحِدًا مِن عادٍ، وأنَّ صالِحًا كانَ واحِدًا مِن ثَمُودَ؛ لِإزالَةِ هَذا الِاسْتِبْعادِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى أنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ: فالنَّوْعُ الأوَّلُ: أنَّهُ دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ أقامَ الدَّلالَةَ عَلى ثُبُوتِ الإلَهِ تَعالى ؟ قُلْنا: دَلائِلُ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ظاهِرَةٌ، وهي دَلائِلُ الآفاقِ والأنْفُسِ، وقَلَّما تُوجَدُ في الدُّنْيا طائِفَةٌ يُنْكِرُونَ وُجُودَ الإلَهِ تَعالى؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانَ: ٢٥ ] . قالَ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ وخَتَمَ لَهُ بِالحُسْنى -: دَخَلْتُ بِلادَ الهِنْدِ، فَرَأيْتُ أُولَئِكَ الكُفّارَ مُطْبِقِينَ عَلى الِاعْتِرافِ بِوُجُودِ الإلَهِ، وأكْثَرُ بِلادِ التُّرْكِ أيْضًا كَذَلِكَ، وإنَّما الشَّأْنُ في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَإنَّها آفَةٌ عَمَّتْ أكْثَرَ أطْرافِ الأرْضِ، وهَكَذا الأمْرُ كانَ في الزَّمانِ القَدِيمِ - أعْنِي زَمانَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَهَؤُلاءِ الأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ كانُوا يَمْنَعُونَهم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَكانَ قَوْلُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مَعْناهُ: لا تَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ مَنعُهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَقُرِئَ (غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ صِفَةً عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً عَلى اللَّفْظِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّكم كاذِبُونَ في قَوْلِكم: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ تَحْسُنُ عِبادَتُها، أوْ في قَوْلِكم: إنَّها تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وكَيْفَ لا يَكُونُ هَذا كَذِبًا وافْتِراءً وهي جَماداتٌ لا حِسَّ لَها ولا إدْراكَ، والإنْسانُ هو الَّذِي رَكَّبَها وصَوَّرَها، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالإنْسانِ الَّذِي صَنَعَها أنْ يَعْبُدَها، وأنْ يَضَعَ الجَبْهَةَ عَلى التُّرابِ تَعْظِيمًا لَها! ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أرْشَدَهم إلى التَّوْحِيدِ ومَنَعَهم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ قالَ: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهو عَيْنُ ما ذَكَرَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى إذا كانَتْ مُطَهَّرَةً عَنْ دَنَسِ الطَّمَعِ، قَوِيَ تَأْثِيرُها في القَلْبِ. صفحة ١٠ ثُمَّ قالَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي أفَلا تَعْقِلُونَ أنِّي مُصِيبٌ في المَنعِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ بِصِحَّةِ هَذا المَنعِ، كَأنَّهُ مَرْكُوزٌ في بَدائِهِ العُقُولِ.

هود 11:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّانِيَةُ مِنَ القَصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا صفحة ٩ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [هُودٍ: ٢٥ ] والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا، وقَوْلُهُ: (هُودًا) عَطْفُ بَيانٍ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هُودًا بِأنَّهُ أخُوهم، ومَعْلُومٌ أنَّ تِلْكَ الأُخُوَّةَ ما كانَتْ في الدِّينِ، وإنَّما كانَتْ في النَّسَبِ؛ لِأنَّ هُودًا كانَ رَجُلًا مِن قَبِيلَةِ عادٍ، وهَذِهِ القَبِيلَةُ كانَتْ قَبِيلَةً مِنَ العَرَبِ، وكانُوا بِناحِيَةِ اليَمَنِ، ونَظِيرُهُ ما يُقالُ لِلرَّجُلِ: يا أخا تَمِيمٍ، ويا أخا سُلَيْمٍ، والمُرادُ: رَجُلٌ مِنهم. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في ابْنِ نُوحٍ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ قَرابَةَ النِّسَبِ لا تُفِيدُ إذا لَمْ تَحْصُلْ قَرابَةُ الدِّينِ، وهَهُنا أثْبَتَ هَذِهِ الأُخُوَّةَ مَعَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا: المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ اسْتِمالَةُ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ في مُحَمَّدٍ - مَعَ أنَّهُ واحِدٌ مِن قَبِيلَتِهِمْ - أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلَيْهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هُودًا كانَ واحِدًا مِن عادٍ، وأنَّ صالِحًا كانَ واحِدًا مِن ثَمُودَ؛ لِإزالَةِ هَذا الِاسْتِبْعادِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى أنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ: فالنَّوْعُ الأوَّلُ: أنَّهُ دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ أقامَ الدَّلالَةَ عَلى ثُبُوتِ الإلَهِ تَعالى ؟ قُلْنا: دَلائِلُ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ظاهِرَةٌ، وهي دَلائِلُ الآفاقِ والأنْفُسِ، وقَلَّما تُوجَدُ في الدُّنْيا طائِفَةٌ يُنْكِرُونَ وُجُودَ الإلَهِ تَعالى؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانَ: ٢٥ ] . قالَ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ وخَتَمَ لَهُ بِالحُسْنى -: دَخَلْتُ بِلادَ الهِنْدِ، فَرَأيْتُ أُولَئِكَ الكُفّارَ مُطْبِقِينَ عَلى الِاعْتِرافِ بِوُجُودِ الإلَهِ، وأكْثَرُ بِلادِ التُّرْكِ أيْضًا كَذَلِكَ، وإنَّما الشَّأْنُ في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَإنَّها آفَةٌ عَمَّتْ أكْثَرَ أطْرافِ الأرْضِ، وهَكَذا الأمْرُ كانَ في الزَّمانِ القَدِيمِ - أعْنِي زَمانَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَهَؤُلاءِ الأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ كانُوا يَمْنَعُونَهم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَكانَ قَوْلُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مَعْناهُ: لا تَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ مَنعُهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَقُرِئَ (غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ صِفَةً عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً عَلى اللَّفْظِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّكم كاذِبُونَ في قَوْلِكم: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ تَحْسُنُ عِبادَتُها، أوْ في قَوْلِكم: إنَّها تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وكَيْفَ لا يَكُونُ هَذا كَذِبًا وافْتِراءً وهي جَماداتٌ لا حِسَّ لَها ولا إدْراكَ، والإنْسانُ هو الَّذِي رَكَّبَها وصَوَّرَها، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالإنْسانِ الَّذِي صَنَعَها أنْ يَعْبُدَها، وأنْ يَضَعَ الجَبْهَةَ عَلى التُّرابِ تَعْظِيمًا لَها! ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أرْشَدَهم إلى التَّوْحِيدِ ومَنَعَهم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ قالَ: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهو عَيْنُ ما ذَكَرَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى إذا كانَتْ مُطَهَّرَةً عَنْ دَنَسِ الطَّمَعِ، قَوِيَ تَأْثِيرُها في القَلْبِ. صفحة ١٠ ثُمَّ قالَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي أفَلا تَعْقِلُونَ أنِّي مُصِيبٌ في المَنعِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ بِصِحَّةِ هَذا المَنعِ، كَأنَّهُ مَرْكُوزٌ في بَدائِهِ العُقُولِ.

هود 11:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِنَ التَّكالِيفِ الَّتِي ذَكَرَها هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ في المَقامِ الأوَّلِ دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ، وفي هَذا المَقامِ دَعاهم إلى الِاسْتِغْفارِ ثُمَّ إلى التَّوْبَةِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: اسْتَغْفِرُوا، أيْ سَلُوهُ أنْ يَغْفِرَ لَكم ما تَقَدَّمَ مِن شِرْكِكم، ثُمَّ تُوبُوا مِن بَعْدِهِ بِالنَّدَمِ عَلى ما مَضى، وبِالعَزْمِ عَلى أنْ لا تَعُودُوا إلى مِثْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”إنَّكم مَتى فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى يُكْثِرُ النِّعَمَ عِنْدَكم، ويُقَوِّيكم عَلى الِانْتِفاعِ بِتِلْكَ النِّعَمِ“ وهَذا غايَةُ ما يُرادُ مِنَ السَّعاداتِ، فَإنَّ النِّعَمَ إنْ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً تَعَذَّرَ الِانْتِفاعُ، وإنْ كانَتْ حاصِلَةً إلّا أنَّ الحَيَوانَ قامَ بِهِ المَنعُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها لَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ أيْضًا، أمّا إذا كَثُرَتِ النِّعْمَةُ وحَصَلَتِ القُوَّةُ الكامِلَةُ عَلى الِانْتِفاعِ بِها فَهَهُنا تَحْصُلُ غايَةُ السَّعادَةِ والبَهْجَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ إشارَةٌ إلى تَكْثِيرِ النِّعَمِ؛ لِأنَّ مادَّةَ حُصُولِ النِّعَمِ هي الأمْطارُ المُوافِقَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِ القُوى الَّتِي بِها يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ جامِعَةٌ في البِشارَةِ بِتَحْصِيلِ السِّعاداتِ، وأنَّ الزِّيادَةَ عَلَيْها مُمْتَنِعَةٌ في صَرِيحِ العَقْلِ، ويَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَأمَّلَ في هَذِهِ اللَّطائِفِ؛ لِيَعْرِفَ ما في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ مِنَ الأسْرارِ المَخْفِيَّةِ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَإنَّهم قالُوا: القَوْمُ كانُوا مَخْصُوصِينَ في الدُّنْيا بِنَوْعَيْنِ مِنَ الكَمالِ: أحَدُهُما: أنَّ بَساتِينَهم ومَزارِعَهم كانَتْ في غايَةِ الطِّيبِ والبَهْجَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفَجْرِ: ٧] . والثّانِي: أنَّهم كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ والبَطْشِ؛ ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فُصِّلَتْ: ١٥ ]، ولَمّا كانَ القَوْمُ مُفْتَخِرِينَ عَلى سائِرِ الخَلْقِ بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، وعَدَهم هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم لَوْ تَرَكُوا عِبادَةَ الأصْنامِ واشْتَغَلُوا بِالِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَوِّي حالَهم في هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ، ويَزِيدُهم فِيها دَرَجاتٍ كَثِيرَةً، ونُقِلَ أيْضًا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَعَثَ هُودًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ كَذَّبُوهُ، وحَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ سِنِينَ، وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ، فَقالَ لَهم هُودٌ: إنْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ أحْيا اللَّهُ بِلادَكم، ورَزَقَكُمُ المالَ والوَلَدَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ والمِدْرارُ: الكَثِيرُ الدَّرِّ، وهو مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ فَفَسَّرُوا هَذِهِ القُوَّةَ بِالمالِ والوَلَدِ، والشِّدَّةِ في الأعْضاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا يَتَقَوّى بِهِ الإنْسانُ. فَإنْ قِيلَ: حاصِلُ الكَلامِ هو أنَّ هُودًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: لَوِ اشْتَغَلْتُمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى لانْفَتَحَتْ عَلَيْكم أبْوابُ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ وأيْضًا فَقَدْ جَرَتْ عادَةُ القُرْآنِ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعاتِ؛ بِسَبَبِ تَرْتِيبِ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ عَلَيْها، فَأمّا التَّرْغِيبُ في الطّاعاتِ لِأجْلِ تَرْتِيبِ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْها، فَذَلِكَ صفحة ١١ لا يَلِيقُ بِالقُرْآنِ، بَلْ هو طَرِيقٌ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ. الجَوابُ: أنَّهُ لَمّا أكْثَرَ التَّرْغِيبَ في السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ، لَمْ يُبْعِدِ التَّرْغِيبَ أيْضًا في خَيْرِ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكِفايَةِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ فَمَعْناهُ: لا تُعْرِضُوا عَنِّي وعَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وأُرَغِّبُكم فِيهِ مُجْرِمِينَ، أيْ مُصِرِّينَ عَلى إجْرامِكم وآثامِكم.

هود 11:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ لِلْقَوْمِ، حَكى أيْضًا ما ذَكَرَهُ القَوْمُ لَهُ، وهو أشْياءُ: أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ، والبَيِّنَةُ سُمِّيَتْ بَيِّنَةً؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ، إلّا أنَّ القَوْمَ بِجَهْلِهِمْ أنْكَرُوها، وزَعَمُوا أنَّهُ ما جاءَ بِشَيْءٍ مِنَ المُعْجِزاتِ. وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ وهَذا أيْضًا رَكِيكٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ النّافِعَ والضّارَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ في بَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا تَجُوزُ عِبادَتُها، وتَرْكُهم آلِهَتَهم لا يَكُونُ عَنْ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ، بَلْ عَنْ حُكْمِ نَظَرِ العَقْلِ وبَدِيهَةِ النَّفْسِ. وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ والجُحُودِ. ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ يُقالُ: اعْتَراهُ كَذا، إذا غَشِيَهُ وأصابَهُ، والمَعْنى: أنَّكَ شَتَمْتَ آلِهَتَنا فَجَعَلَتْكَ مَجْنُونًا وأفْسَدَتْ عَقْلَكَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ وهو ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ وهَذا نَظِيرُ ما قالَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٧١ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ إذا أقْبَلَ عَلى القَوْمِ العَظِيمِ وقالَ لَهم: بالِغُوا في عَداوَتِي وفي مُوجِباتِ إيذائِي ولا تُؤَجِّلُونِ - فَإنَّهُ لا يَقُولُ هَذا إلّا إذا كانَ واثِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَحْفَظُهُ ويَصُونُهُ عَنْ كَيْدِ الأعْداءِ. صفحة ١٢ ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: النّاصِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ: مَنبَتُ الشَّعْرِ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ويُسَمّى الشِّعْرُ النّابِتُ هُناكَ ناصِيَةً باسِمِ مَنبَتِهِ. واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ إذا وصَفُوا إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالُوا: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ فَأرادُوا إطْلاقَهُ والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ، فَخُوطِبُوا في القُرْآنِ بِما يَعْرِفُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ ما مِن حَيَوانٍ إلّا وهو تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، ومُنْقادٌ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أشْعَرَ ذَلِكَ بِقُدْرَةٍ عالِيَةٍ وقَهْرٍ عَظِيمٍ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِمْ لَكِنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ولا يَفْعَلُ بِهِمْ إلّا ما هو الحَقُّ والعَدْلُ والصَّوابُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى العَدْلِ، فَثَبَتَ أنَّ الدِّينَ إنَّما يَتِمُّ بِالتَّوْحِيدِ والعَدْلِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ سُلْطانَهُ قَهَرَ جَمِيعَ الخَلْقِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مُسْتَتِرٌ، ولا يَفُوتُهُ هارِبٌ، فَذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ وهو يَعْنِي بِهِ الطَّرِيقَ الَّذِي لا يَكُونُ لِأحَدٍ مَسْلَكٌ إلّا عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفَجْرِ: ١٤ ] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿إنَّ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ: يَحُثُّ أوْ يَحْمِلُكم بِالدُّعاءِ إلَيْهِ.

هود 11:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ لِلْقَوْمِ، حَكى أيْضًا ما ذَكَرَهُ القَوْمُ لَهُ، وهو أشْياءُ: أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ، والبَيِّنَةُ سُمِّيَتْ بَيِّنَةً؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ، إلّا أنَّ القَوْمَ بِجَهْلِهِمْ أنْكَرُوها، وزَعَمُوا أنَّهُ ما جاءَ بِشَيْءٍ مِنَ المُعْجِزاتِ. وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ وهَذا أيْضًا رَكِيكٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ النّافِعَ والضّارَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ في بَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا تَجُوزُ عِبادَتُها، وتَرْكُهم آلِهَتَهم لا يَكُونُ عَنْ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ، بَلْ عَنْ حُكْمِ نَظَرِ العَقْلِ وبَدِيهَةِ النَّفْسِ. وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ والجُحُودِ. ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ يُقالُ: اعْتَراهُ كَذا، إذا غَشِيَهُ وأصابَهُ، والمَعْنى: أنَّكَ شَتَمْتَ آلِهَتَنا فَجَعَلَتْكَ مَجْنُونًا وأفْسَدَتْ عَقْلَكَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ وهو ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ وهَذا نَظِيرُ ما قالَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٧١ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ إذا أقْبَلَ عَلى القَوْمِ العَظِيمِ وقالَ لَهم: بالِغُوا في عَداوَتِي وفي مُوجِباتِ إيذائِي ولا تُؤَجِّلُونِ - فَإنَّهُ لا يَقُولُ هَذا إلّا إذا كانَ واثِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَحْفَظُهُ ويَصُونُهُ عَنْ كَيْدِ الأعْداءِ. صفحة ١٢ ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: النّاصِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ: مَنبَتُ الشَّعْرِ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ويُسَمّى الشِّعْرُ النّابِتُ هُناكَ ناصِيَةً باسِمِ مَنبَتِهِ. واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ إذا وصَفُوا إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالُوا: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ فَأرادُوا إطْلاقَهُ والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ، فَخُوطِبُوا في القُرْآنِ بِما يَعْرِفُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ ما مِن حَيَوانٍ إلّا وهو تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، ومُنْقادٌ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أشْعَرَ ذَلِكَ بِقُدْرَةٍ عالِيَةٍ وقَهْرٍ عَظِيمٍ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِمْ لَكِنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ولا يَفْعَلُ بِهِمْ إلّا ما هو الحَقُّ والعَدْلُ والصَّوابُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى العَدْلِ، فَثَبَتَ أنَّ الدِّينَ إنَّما يَتِمُّ بِالتَّوْحِيدِ والعَدْلِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ سُلْطانَهُ قَهَرَ جَمِيعَ الخَلْقِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مُسْتَتِرٌ، ولا يَفُوتُهُ هارِبٌ، فَذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ وهو يَعْنِي بِهِ الطَّرِيقَ الَّذِي لا يَكُونُ لِأحَدٍ مَسْلَكٌ إلّا عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفَجْرِ: ١٤ ] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿إنَّ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ: يَحُثُّ أوْ يَحْمِلُكم بِالدُّعاءِ إلَيْهِ.

هود 11:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ لِلْقَوْمِ، حَكى أيْضًا ما ذَكَرَهُ القَوْمُ لَهُ، وهو أشْياءُ: أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ، والبَيِّنَةُ سُمِّيَتْ بَيِّنَةً؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ، إلّا أنَّ القَوْمَ بِجَهْلِهِمْ أنْكَرُوها، وزَعَمُوا أنَّهُ ما جاءَ بِشَيْءٍ مِنَ المُعْجِزاتِ. وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ وهَذا أيْضًا رَكِيكٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ النّافِعَ والضّارَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ في بَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا تَجُوزُ عِبادَتُها، وتَرْكُهم آلِهَتَهم لا يَكُونُ عَنْ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ، بَلْ عَنْ حُكْمِ نَظَرِ العَقْلِ وبَدِيهَةِ النَّفْسِ. وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ والجُحُودِ. ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ يُقالُ: اعْتَراهُ كَذا، إذا غَشِيَهُ وأصابَهُ، والمَعْنى: أنَّكَ شَتَمْتَ آلِهَتَنا فَجَعَلَتْكَ مَجْنُونًا وأفْسَدَتْ عَقْلَكَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ وهو ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ وهَذا نَظِيرُ ما قالَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٧١ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ إذا أقْبَلَ عَلى القَوْمِ العَظِيمِ وقالَ لَهم: بالِغُوا في عَداوَتِي وفي مُوجِباتِ إيذائِي ولا تُؤَجِّلُونِ - فَإنَّهُ لا يَقُولُ هَذا إلّا إذا كانَ واثِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَحْفَظُهُ ويَصُونُهُ عَنْ كَيْدِ الأعْداءِ. صفحة ١٢ ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: النّاصِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ: مَنبَتُ الشَّعْرِ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ويُسَمّى الشِّعْرُ النّابِتُ هُناكَ ناصِيَةً باسِمِ مَنبَتِهِ. واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ إذا وصَفُوا إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالُوا: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ فَأرادُوا إطْلاقَهُ والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ، فَخُوطِبُوا في القُرْآنِ بِما يَعْرِفُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ ما مِن حَيَوانٍ إلّا وهو تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، ومُنْقادٌ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أشْعَرَ ذَلِكَ بِقُدْرَةٍ عالِيَةٍ وقَهْرٍ عَظِيمٍ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِمْ لَكِنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ولا يَفْعَلُ بِهِمْ إلّا ما هو الحَقُّ والعَدْلُ والصَّوابُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى العَدْلِ، فَثَبَتَ أنَّ الدِّينَ إنَّما يَتِمُّ بِالتَّوْحِيدِ والعَدْلِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ سُلْطانَهُ قَهَرَ جَمِيعَ الخَلْقِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مُسْتَتِرٌ، ولا يَفُوتُهُ هارِبٌ، فَذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ وهو يَعْنِي بِهِ الطَّرِيقَ الَّذِي لا يَكُونُ لِأحَدٍ مَسْلَكٌ إلّا عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفَجْرِ: ١٤ ] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿إنَّ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ: يَحُثُّ أوْ يَحْمِلُكم بِالدُّعاءِ إلَيْهِ.

هود 11:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ لِلْقَوْمِ، حَكى أيْضًا ما ذَكَرَهُ القَوْمُ لَهُ، وهو أشْياءُ: أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ، والبَيِّنَةُ سُمِّيَتْ بَيِّنَةً؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ، إلّا أنَّ القَوْمَ بِجَهْلِهِمْ أنْكَرُوها، وزَعَمُوا أنَّهُ ما جاءَ بِشَيْءٍ مِنَ المُعْجِزاتِ. وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ وهَذا أيْضًا رَكِيكٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ النّافِعَ والضّارَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ في بَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا تَجُوزُ عِبادَتُها، وتَرْكُهم آلِهَتَهم لا يَكُونُ عَنْ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ، بَلْ عَنْ حُكْمِ نَظَرِ العَقْلِ وبَدِيهَةِ النَّفْسِ. وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ والجُحُودِ. ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ يُقالُ: اعْتَراهُ كَذا، إذا غَشِيَهُ وأصابَهُ، والمَعْنى: أنَّكَ شَتَمْتَ آلِهَتَنا فَجَعَلَتْكَ مَجْنُونًا وأفْسَدَتْ عَقْلَكَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ وهو ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ وهَذا نَظِيرُ ما قالَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٧١ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ إذا أقْبَلَ عَلى القَوْمِ العَظِيمِ وقالَ لَهم: بالِغُوا في عَداوَتِي وفي مُوجِباتِ إيذائِي ولا تُؤَجِّلُونِ - فَإنَّهُ لا يَقُولُ هَذا إلّا إذا كانَ واثِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَحْفَظُهُ ويَصُونُهُ عَنْ كَيْدِ الأعْداءِ. صفحة ١٢ ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: النّاصِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ: مَنبَتُ الشَّعْرِ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ويُسَمّى الشِّعْرُ النّابِتُ هُناكَ ناصِيَةً باسِمِ مَنبَتِهِ. واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ إذا وصَفُوا إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالُوا: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ فَأرادُوا إطْلاقَهُ والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ، فَخُوطِبُوا في القُرْآنِ بِما يَعْرِفُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ ما مِن حَيَوانٍ إلّا وهو تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، ومُنْقادٌ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أشْعَرَ ذَلِكَ بِقُدْرَةٍ عالِيَةٍ وقَهْرٍ عَظِيمٍ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِمْ لَكِنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ولا يَفْعَلُ بِهِمْ إلّا ما هو الحَقُّ والعَدْلُ والصَّوابُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى العَدْلِ، فَثَبَتَ أنَّ الدِّينَ إنَّما يَتِمُّ بِالتَّوْحِيدِ والعَدْلِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ سُلْطانَهُ قَهَرَ جَمِيعَ الخَلْقِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مُسْتَتِرٌ، ولا يَفُوتُهُ هارِبٌ، فَذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ وهو يَعْنِي بِهِ الطَّرِيقَ الَّذِي لا يَكُونُ لِأحَدٍ مَسْلَكٌ إلّا عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفَجْرِ: ١٤ ] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿إنَّ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ: يَحُثُّ أوْ يَحْمِلُكم بِالدُّعاءِ إلَيْهِ.

هود 11:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ لِلْقَوْمِ، حَكى أيْضًا ما ذَكَرَهُ القَوْمُ لَهُ، وهو أشْياءُ: أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ، والبَيِّنَةُ سُمِّيَتْ بَيِّنَةً؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ، إلّا أنَّ القَوْمَ بِجَهْلِهِمْ أنْكَرُوها، وزَعَمُوا أنَّهُ ما جاءَ بِشَيْءٍ مِنَ المُعْجِزاتِ. وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ وهَذا أيْضًا رَكِيكٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ النّافِعَ والضّارَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ في بَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا تَجُوزُ عِبادَتُها، وتَرْكُهم آلِهَتَهم لا يَكُونُ عَنْ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ، بَلْ عَنْ حُكْمِ نَظَرِ العَقْلِ وبَدِيهَةِ النَّفْسِ. وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ والجُحُودِ. ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ يُقالُ: اعْتَراهُ كَذا، إذا غَشِيَهُ وأصابَهُ، والمَعْنى: أنَّكَ شَتَمْتَ آلِهَتَنا فَجَعَلَتْكَ مَجْنُونًا وأفْسَدَتْ عَقْلَكَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ وهو ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ وهَذا نَظِيرُ ما قالَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٧١ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ إذا أقْبَلَ عَلى القَوْمِ العَظِيمِ وقالَ لَهم: بالِغُوا في عَداوَتِي وفي مُوجِباتِ إيذائِي ولا تُؤَجِّلُونِ - فَإنَّهُ لا يَقُولُ هَذا إلّا إذا كانَ واثِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَحْفَظُهُ ويَصُونُهُ عَنْ كَيْدِ الأعْداءِ. صفحة ١٢ ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: النّاصِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ: مَنبَتُ الشَّعْرِ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ويُسَمّى الشِّعْرُ النّابِتُ هُناكَ ناصِيَةً باسِمِ مَنبَتِهِ. واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ إذا وصَفُوا إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالُوا: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ فَأرادُوا إطْلاقَهُ والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ، فَخُوطِبُوا في القُرْآنِ بِما يَعْرِفُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ ما مِن حَيَوانٍ إلّا وهو تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، ومُنْقادٌ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أشْعَرَ ذَلِكَ بِقُدْرَةٍ عالِيَةٍ وقَهْرٍ عَظِيمٍ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِمْ لَكِنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ولا يَفْعَلُ بِهِمْ إلّا ما هو الحَقُّ والعَدْلُ والصَّوابُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى العَدْلِ، فَثَبَتَ أنَّ الدِّينَ إنَّما يَتِمُّ بِالتَّوْحِيدِ والعَدْلِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ سُلْطانَهُ قَهَرَ جَمِيعَ الخَلْقِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مُسْتَتِرٌ، ولا يَفُوتُهُ هارِبٌ، فَذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ وهو يَعْنِي بِهِ الطَّرِيقَ الَّذِي لا يَكُونُ لِأحَدٍ مَسْلَكٌ إلّا عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفَجْرِ: ١٤ ] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿إنَّ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ: يَحُثُّ أوْ يَحْمِلُكم بِالدُّعاءِ إلَيْهِ.

هود 11:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ لِلْقَوْمِ، حَكى أيْضًا ما ذَكَرَهُ القَوْمُ لَهُ، وهو أشْياءُ: أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ، والبَيِّنَةُ سُمِّيَتْ بَيِّنَةً؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ، إلّا أنَّ القَوْمَ بِجَهْلِهِمْ أنْكَرُوها، وزَعَمُوا أنَّهُ ما جاءَ بِشَيْءٍ مِنَ المُعْجِزاتِ. وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ وهَذا أيْضًا رَكِيكٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ النّافِعَ والضّارَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ في بَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا تَجُوزُ عِبادَتُها، وتَرْكُهم آلِهَتَهم لا يَكُونُ عَنْ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ، بَلْ عَنْ حُكْمِ نَظَرِ العَقْلِ وبَدِيهَةِ النَّفْسِ. وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ والجُحُودِ. ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ يُقالُ: اعْتَراهُ كَذا، إذا غَشِيَهُ وأصابَهُ، والمَعْنى: أنَّكَ شَتَمْتَ آلِهَتَنا فَجَعَلَتْكَ مَجْنُونًا وأفْسَدَتْ عَقْلَكَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ وهو ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ وهَذا نَظِيرُ ما قالَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٧١ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ إذا أقْبَلَ عَلى القَوْمِ العَظِيمِ وقالَ لَهم: بالِغُوا في عَداوَتِي وفي مُوجِباتِ إيذائِي ولا تُؤَجِّلُونِ - فَإنَّهُ لا يَقُولُ هَذا إلّا إذا كانَ واثِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَحْفَظُهُ ويَصُونُهُ عَنْ كَيْدِ الأعْداءِ. صفحة ١٢ ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: النّاصِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ: مَنبَتُ الشَّعْرِ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ويُسَمّى الشِّعْرُ النّابِتُ هُناكَ ناصِيَةً باسِمِ مَنبَتِهِ. واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ إذا وصَفُوا إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالُوا: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ فَأرادُوا إطْلاقَهُ والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ، فَخُوطِبُوا في القُرْآنِ بِما يَعْرِفُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ ما مِن حَيَوانٍ إلّا وهو تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، ومُنْقادٌ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أشْعَرَ ذَلِكَ بِقُدْرَةٍ عالِيَةٍ وقَهْرٍ عَظِيمٍ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِمْ لَكِنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ولا يَفْعَلُ بِهِمْ إلّا ما هو الحَقُّ والعَدْلُ والصَّوابُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى العَدْلِ، فَثَبَتَ أنَّ الدِّينَ إنَّما يَتِمُّ بِالتَّوْحِيدِ والعَدْلِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ سُلْطانَهُ قَهَرَ جَمِيعَ الخَلْقِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مُسْتَتِرٌ، ولا يَفُوتُهُ هارِبٌ، فَذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ وهو يَعْنِي بِهِ الطَّرِيقَ الَّذِي لا يَكُونُ لِأحَدٍ مَسْلَكٌ إلّا عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفَجْرِ: ١٤ ] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿إنَّ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ: يَحُثُّ أوْ يَحْمِلُكم بِالدُّعاءِ إلَيْهِ.

هود 11:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ لِلْقَوْمِ، حَكى أيْضًا ما ذَكَرَهُ القَوْمُ لَهُ، وهو أشْياءُ: أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ، والبَيِّنَةُ سُمِّيَتْ بَيِّنَةً؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ، إلّا أنَّ القَوْمَ بِجَهْلِهِمْ أنْكَرُوها، وزَعَمُوا أنَّهُ ما جاءَ بِشَيْءٍ مِنَ المُعْجِزاتِ. وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ وهَذا أيْضًا رَكِيكٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ النّافِعَ والضّارَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ في بَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا تَجُوزُ عِبادَتُها، وتَرْكُهم آلِهَتَهم لا يَكُونُ عَنْ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ، بَلْ عَنْ حُكْمِ نَظَرِ العَقْلِ وبَدِيهَةِ النَّفْسِ. وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ والجُحُودِ. ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ يُقالُ: اعْتَراهُ كَذا، إذا غَشِيَهُ وأصابَهُ، والمَعْنى: أنَّكَ شَتَمْتَ آلِهَتَنا فَجَعَلَتْكَ مَجْنُونًا وأفْسَدَتْ عَقْلَكَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ وهو ظاهِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ وهَذا نَظِيرُ ما قالَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٧١ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ إذا أقْبَلَ عَلى القَوْمِ العَظِيمِ وقالَ لَهم: بالِغُوا في عَداوَتِي وفي مُوجِباتِ إيذائِي ولا تُؤَجِّلُونِ - فَإنَّهُ لا يَقُولُ هَذا إلّا إذا كانَ واثِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَحْفَظُهُ ويَصُونُهُ عَنْ كَيْدِ الأعْداءِ. صفحة ١٢ ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: النّاصِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ: مَنبَتُ الشَّعْرِ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ويُسَمّى الشِّعْرُ النّابِتُ هُناكَ ناصِيَةً باسِمِ مَنبَتِهِ. واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ إذا وصَفُوا إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالُوا: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ فَأرادُوا إطْلاقَهُ والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ، فَخُوطِبُوا في القُرْآنِ بِما يَعْرِفُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ ما مِن حَيَوانٍ إلّا وهو تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، ومُنْقادٌ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أشْعَرَ ذَلِكَ بِقُدْرَةٍ عالِيَةٍ وقَهْرٍ عَظِيمٍ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِمْ لَكِنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ولا يَفْعَلُ بِهِمْ إلّا ما هو الحَقُّ والعَدْلُ والصَّوابُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى العَدْلِ، فَثَبَتَ أنَّ الدِّينَ إنَّما يَتِمُّ بِالتَّوْحِيدِ والعَدْلِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ سُلْطانَهُ قَهَرَ جَمِيعَ الخَلْقِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مُسْتَتِرٌ، ولا يَفُوتُهُ هارِبٌ، فَذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ وهو يَعْنِي بِهِ الطَّرِيقَ الَّذِي لا يَكُونُ لِأحَدٍ مَسْلَكٌ إلّا عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفَجْرِ: ١٤ ] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿إنَّ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ: يَحُثُّ أوْ يَحْمِلُكم بِالدُّعاءِ إلَيْهِ.

هود 11:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي فَإنْ تَتَوَلَّوْا ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ تَقْدِيرُ الكَلامِ، فَإنْ تَتَوَلَّوْا لَمْ أُعاتَبْ عَلى تَقْصِيرٍ في الإبْلاغِ، وكُنْتُمْ مَحْجُوبِينَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أنْتُمُ الَّذِينَ أصْرَرْتُمْ عَلى التَّكْذِيبِ. الثّانِي: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يَعْنِي يَخْلُقُ بَعْدَكم مَن هو أطْوَعُ لِلَّهِ مِنكم، وهَذا إشارَةٌ إلى نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾، يَعْنِي أنَّ إهْلاكَكم لا يُنْقِصُ مِن مُلْكِهِ شَيْئًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: حَفِيظٌ لِأعْمالِ العِبادِ حَتّى يُجازِيَهم صفحة ١٣ عَلَيْها. الثّانِي: يَحْفَظُنِي مِن شَرِّكم ومَكْرِكم. الثّالِثُ: حَفِيظٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَحْفَظُهُ مِنَ الهَلاكِ إذا شاءَ ويُهْلِكُهُ إذا شاءَ. ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، وذَلِكَ هو ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الرِّيحِ العَقِيمِ، عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِها سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ، تَدْخُلُ في مَناخِرِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتَصْرَعُهم عَلى الأرْضِ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى صارُوا كَأعْجازِ نَخْلٍ خاوِيَةٍ. فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الرِّيحُ كَيْفَ تُؤَثِّرُ في إهْلاكِهِمْ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ حَرِّها، أوْ لِشِدَّةِ بَرْدِها، أوْ لِشَدِّهِ قُوَّتِها، فَتَخْطَفُ الحَيَوانَ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ تَضْرِبُهُ عَلى الأرْضِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿نَجَّيْنا هُودًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ إتْيانُ البَلِيَّةِ عَلى المُؤْمِنِ وعَلى الكافِرِ مَعًا، وحِينَئِذٍ تَكُونُ تِلْكَ البَلِيَّةُ رَحْمَةً عَلى المُؤْمِنِ وعَذابًا عَلى الكافِرِ، فَأمّا العَذابُ النّازِلُ بِمَن يُكَذِّبُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهُ يَجِبُ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُنَجِّيَ المُؤْمِنَ مِنهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما عُرِفَ كَوْنُهُ عَذابًا عَلى كُفْرِهِمْ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ اللَّهُ تَعالى هَهُنا: ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ . * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أرادَ أنَّهُ لا يَنْجُو أحَدٌ وإنِ اجْتَهَدَ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ إلّا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ. والثّانِي: المُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ: ما هَداهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ الصّالِحِ. الثّالِثُ: أنَّهُ رَحِمَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ، ومَيَّزَهم عَنِ الكافِرِينَ في العِقابِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ فالمُرادُ مِنَ النَّجاةِ الأُولى هي النَّجاةُ مِن عَذابِ الدُّنْيا، والنَّجاةُ الثّانِيَةِ مِن عَذابِ القِيامَةِ، وإنَّما وصَفَهُ بِكَوْنِهِ غَلِيظًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العَذابَ الَّذِي حَصَلَ لَهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى العَذابِ الَّذِي وقَعُوا فِيهِ كانَ عَذابًا غَلِيظًا، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُمْ﴾ أيْ حَكَمْنا بِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ العَذابَ الغَلِيظَ ولا يَقَعُونَ فِيهِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ عادٍ خاطَبَ قَوْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالَ: ﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَمَعَ أوْصافَهم، ثُمَّ ذَكَرَ عاقِبَةَ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَأمّا أوْصافُهم فَهي ثَلاثَةٌ: الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ والمُرادُ: جَحَدُوا دَلالَةَ المُعْجِزاتِ عَلى الصِّدْقِ، أوِ الجَحَدِ، ودَلالَةَ المُحْدَثاتِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، إنْ ثَبَتَ أنَّهم كانُوا زَنادِقَةً. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهم إذا عَصَوْا رَسُولًا واحِدًا فَقَدْ عَصَوْا جَمِيعَ الرُّسُلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥ ] وقِيلَ: لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ إلّا هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ والمَعْنى أنَّ السَّفَلَةَ كانُوا يُقَلِّدُونَ الرُّؤَساءَ في قَوْلِهِمْ: صفحة ١٤ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٤ ] والمُرادُ مِنَ الجَبّارِ المُرْتَفِعُ المُتَمَرِّدُ العَنِيدُ العَنُودُ والمُعانِدُ، وهو المُنازِعُ المَعارِضُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أوْصافَهم ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَهم، فَقالَ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ جُعِلَ اللَّعْنُ رَدِيفًا لَهم، ومُتابِعًا ومُصاحِبًا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، ومَعْنى اللَّعْنَةِ: الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ومِن كُلِّ خَيْرٍ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ السَّبَبَ الأصْلِيَّ في نُزُولِ هَذِهِ الأحْوالِ المَكْرُوهَةِ بِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ قِيلَ: أرادَ: كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ فَحُذِفَ الباءُ، وقِيلَ: الكُفْرُ هو الجَحْدُ، فالتَّقْدِيرُ: ألا إنَّ عادًا جَحَدُوا رَبَّهم، وقِيلَ: هو مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، أيْ كَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: اللَّعْنُ هو البُعْدُ، فَلَمّا قالَ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ ؟ والجَوابُ: التَّكْرِيرُ بِعِبارَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّأْكِيدِ. السُّؤالُ الثّانِي: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ ؟ الجَوابُ: كانَ عادٌ عادَيْنَ، فالأُولى: القَدِيمَةُ هم قَوْمُ هُودٍ، والثّانِيَةُ: هم إرَمُ ذاتُ العِمادِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِإزالَةِ الِاشْتِباهِ. والثّانِي: أنَّ المُبالَغَةَ في التَّنْصِيصِ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ التَّأْكِيدِ.