Lafzullah

Tafsir Al-Razi — إبراهيم 14:33 – إبراهيم 14:52

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. إبراهيم 14:33
  2. إبراهيم 14:34
  3. إبراهيم 14:35
  4. إبراهيم 14:36
  5. إبراهيم 14:37
  6. إبراهيم 14:38
  7. إبراهيم 14:39
  8. إبراهيم 14:40
  9. إبراهيم 14:41
  10. إبراهيم 14:42
  11. إبراهيم 14:43
  12. إبراهيم 14:44
  13. إبراهيم 14:45
  14. إبراهيم 14:46
  15. إبراهيم 14:47
  16. إبراهيم 14:48
  17. إبراهيم 14:49
  18. إبراهيم 14:50
  19. إبراهيم 14:51
  20. إبراهيم 14:52

إبراهيم 14:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أطالَ الكَلامَ في وصْفِ أحْوالِ السُّعَداءِ وأحْوالِ الأشْقِياءِ، وكانَ العُمْدَةُ العُظْمى والمَنزِلَةُ الكُبْرى في حُصُولِ السَّعاداتِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وبِصِفاتِهِ، وفي حُصُولِ الشَّقاوَةِ فِقْدانَ هَذِهِ المَعْرِفَةِ، لا جَرَمَ خَتَمَ اللَّهُ تَعالى وصْفَ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ. صفحة ١٠٠ وذَكَرَ هَهُنا عَشَرَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ: أوَّلُها: خَلْقُ السَّماواتِ. وثانِيها: خَلْقُ الأرْضِ، وإلَيْهِما الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ . وثالِثُها: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ . وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ . وسادِسُها وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ . وثامِنُها وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ . وعاشِرُها: قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ وهَذِهِ الدَّلائِلُ العَشَرَةُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ وتَقْرِيرُها وتَفْسِيرُها مِرارًا وأطْوارًا، ولا بَأْسَ بِأنْ نَذْكُرَ هَهُنا بَعْضَ الفَوائِدِ. فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ خَبَرُهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ السَّماءَ والأرْضَ مِن كَمْ وجْهٍ تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، وإنَّما بَدَأ بِذِكْرِهِما هَهُنا لِأنَّهُما هُما الأصْلانِ اللَّذانِ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِما سائِرُ الأدِلَّةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: لَوْلا السَّماءُ لَمْ يَصِحَّ إنْزالُ الماءِ مِنها ولَوْلا الأرْضُ لَمْ يُوجَدْ ما يَسْتَقِرُّ الماءُ فِيهِ، فَظَهَرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجُودِهِما حَتّى يَحْصُلَ هَذا المَقْصُودُ وهَذا المَطْلُوبُ. البحث الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الماءَ نَزَلَ مِنَ السَّحابِ وسُمِّيَ السَّحابُ سَماءً اشْتِقاقًا مِنَ السُّمُوِّ، وهو الِارْتِفاعُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ مِن نَفْسِ السَّماءِ وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ الإنْسانَ رُبَّما كانَ واقِفًا عَلى قِمَّةِ جَبَلٍ عالٍ ويَرى الغَيْمَ أسْفَلَ مِنهُ، فَإذا نَزَلَ مِن ذَلِكَ الجَبَلِ يَرى ذَلِكَ الغَيْمَ ماطِرًا عَلَيْهِمْ، وإذا كانَ هَذا أمْرًا مُشاهَدًا بِالبَصَرِ كانَ النِّزاعُ فِيهِ باطِلًا. البحث الثّالِثُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّهُ تَعالى أخْرَجَ هَذِهِ الثَّمَراتِ بِواسِطَةِ هَذا الماءِ المُنْزَلِ مِنَ السَّماءِ عَلى سَبِيلِ العادَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ في هَذا المَعْنى مَصْلَحَةً لِلْمُكَلَّفِينَ، لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ هَذِهِ المَنافِعَ القَلِيلَةَ يَجِبُ أنْ تُتَحَمَّلَ في تَحْصِيلِها المَشاقُّ والمَتاعِبُ، فالمَنافِعُ العَظِيمَةُ الدّائِمَةُ في الدّارِ الآخِرَةِ أوْلى أنْ تُتَحَمَّلَ المَشاقُّ في طَلَبِها، وإذا كانَ المَرْءُ يَتْرُكُ الرّاحَةَ واللَّذّاتِ طَلَبًا لِهَذِهِ الخَيْراتِ الحَقِيرَةِ، فَبِأنْ يَتْرُكَ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ لِيَفُوزَ بِثَوابِ اللَّهِ تَعالى ويَتَخَلَّصَ عَنْ عِقابِهِ أوْلى. ولِهَذا السَّبَبِ لَمّا زالَ التَّكْلِيفُ في الآخِرَةِ أنالَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ نَفْسٍ مُشْتَهاها مِن غَيْرِ تَعَبٍ ولا نَصَبٍ، هَذا قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ. وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى يُحْدِثُ الثِّمارَ والزُّرُوعَ بِواسِطَةِ هَذا الماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ، والمسألة كَلامِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. البحث الرّابِعُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَفْظُ ﴿الثَّمَراتِ﴾ يَقَعُ في الأغْلَبِ عَلى ما يَحْصُلُ عَلى الأشْجارِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى الزُّرُوعِ والنَّباتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . * * * البحث الخامِسُ: قالَ تَعالى: ﴿فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أخْرَجَ هَذِهِ الثَّمَراتِ لِأجْلِ أنْ تَكُونَ رِزْقًا لَنا، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى قَصَدَ بِتَخْلِيقِ هَذِهِ الثَّمَراتِ إيصالَ الخَيْرِ والمَنفَعَةِ إلى المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ الإحْسانَ لا يَكُونُ إحْسانًا إلّا إذا قَصَدَ المُحْسِنُ بِفِعْلِهِ إيصالَ النَّفْعِ إلى المُحْسَنِ إلَيْهِ. البحث السّادِسُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بَيانٌ لِلرِّزْقِ، أيْ أخْرَجَ بِهِ رِزْقًا هو ثَمَراتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الثَّمَراتِ مَفْعُولَ أخْرَجَ ورِزْقًا حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أوْ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ مِن أخْرَجَ لِأنَّهُ في مَعْنى رَزَقَ، والتَّقْدِيرُ: ورَزَقَ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم. صفحة ١٠١ فَأمّا الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: وهي قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] فَفِيها مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: أنَّ الِانْتِفاعَ بِما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ إنَّما يَكْمُلُ بِوُجُودِ الفُلْكِ الجارِي في البَحْرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ طَرَفٍ مِن أطْرافِ الأرْضِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِن أنْعُمِهِ حَتّى إنَّ نِعْمَةَ هَذا الطَّرَفِ إذا نُقِلَتْ إلى الجانِبِ الآخَرِ مِنَ الأرْضِ وبِالعَكْسِ كَثُرَ الرِّبْحُ في التِّجاراتِ، ثُمَّ إنَّ هَذا النَّقْلَ لا يُمْكِنُ إلّا بِسُفُنِ البَرِّ وهي الجِمالُ أوْ بِسُفُنِ البَحْرِ وهي الفُلْكُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ. فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ مَعَ أنَّ تَرْكِيبَ السَّفِينَةِ مِن أعْمالِ العِبادِ ؟ قُلْنا: أمّا عَلى قَوْلِنا إنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى فَلا سُؤالَ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ فَقَدْ أجابَ القاضِي عَنْهُ فَقالَ: لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأشْجارَ الصُّلْبَةَ الَّتِي مِنها يُمْكِنُ تَرْكِيبُ السُّفُنِ، ولَوْلا خَلْقُهُ لِلْحَدِيدِ وسائِرِ الآلاتِ ولَوْلا تَعْرِيفُهُ العِبادَ كَيْفَ يَتَّخِذُونَهُ ولَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الماءَ عَلى صِفَةِ السَّيَلانِ الَّتِي بِاعْتِبارِها يَصِحُّ جَرْيُ السَّفِينَةِ، ولَوْلا خَلْقُهُ تَعالى الرِّياحَ وخَلْقُ الحَرَكاتِ القَوِيَّةِ فِيها، ولَوْلا أنَّهُ وسَّعَ الأنْهارَ وجَعَلَ فِيها مِنَ العُمْقِ ما يَجُوزُ جَرْيُ السُّفُنِ فِيها لَما وقَعَ الِانْتِفاعُ بِالسُّفُنِ؛ فَصارَ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِهَذِهِ الأحْوالِ وهو المُدَبِّرُ لِهَذِهِ الأُمُورِ والمُسَخِّرُ لَها حَسُنَتْ إضافَةُ السُّفُنِ إلَيْهِ. البحث الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ التَّسْخِيرَ إلى أمْرِهِ؛ لِأنَّ المَلِكَ العَظِيمَ قَلَّما يُوصَفُ بِأنَّهُ فَعَلَ وإنَّما يُقالُ فِيهِ إنَّهُ أمَرَ بِكَذا تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وتَحْقِيقُ هَذا الوجه راجِعٌ إلى ما ذَكَرْناهُ. البحث الثّالِثُ: الفُلْكُ مِنَ الجَماداتِ فَتَسْخِيرُها مَجازٌ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا كانَ يَجْرِي عَلى وجْهِ الماءِ كَما يَشْتَهِيهِ المَلّاحُ صارَ كَأنَّهُ حَيَوانٌ مُسَخَّرٌ لَهُ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ واعْلَمْ أنَّ ماءَ البَحْرِ قَلَّما يُنْتَفَعُ بِهِ في الزِّراعاتِ لا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى إنْعامَهُ عَلى الخَلْقِ بِتَفْجِيرِ الأنْهارِ والعُيُونِ حَتّى يَنْبَعِثَ الماءُ مِنها إلى مَواضِعِ الزَّرْعِ والنَّباتِ، وأيْضًا ماءُ البَحْرِ لا يَصْلُحُ لِلشُّرْبِ، والصّالِحُ لِهَذا المُهِمِّ هو مِياهُ الأنْهارِ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ والسّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الِانْتِفاعَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ عَظِيمٌ، وقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آياتٍ مِنها قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] . وقَوْلُهُ: ﴿دائِبَيْنِ﴾ مَعْنى الدُّءُوبِ في اللُّغَةِ مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ مُطَّرِدَةٍ يُقالُ: دَأبَ يَدْأبُ دَأبًا ودُؤُوبًا وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ [يوسف: ٤٧] قالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهُ: ﴿دائِبَيْنِ﴾ مَعْناهُ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وتَأْثِيرِهِما في إزالَةِ الظُّلْمَةِ وفي إصْلاحِ النَّباتِ والحَيَوانِ، فَإنَّ الشَّمْسَ سُلْطانُ النَّهارِ والقَمَرَ سُلْطانُ اللَّيْلِ ولَوْلا الشَّمْسُ لَما حَصَلَتِ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، ولَوْلاها لاخْتَلَّتْ مَصالِحُ العالَمِ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا مَنافِعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِالِاسْتِقْصاءِ في أوَّلِ هَذا الكِتابِ. صفحة ١٠٢ الحُجَّةُ الثّامِنَةُ والتّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ مَنافِعَهُما مَذْكُورَةٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبأ: ١٠، ١١] وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ قالَ المُتَكَلِّمُونَ: تَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَجازٌ لِأنَّهُما عَرَضانِ، والأعْراضُ لا تُسَخَّرُ. والحُجَّةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْها، بَلْ أعْطى عِبادَهُ مِنَ المَنافِعِ والمُراداتِ ما لا يَأْتِي عَلى بَعْضِها التَّعْدِيدُ والإحْصاءُ فَقالَ: ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِن كُلِّ مَسْئُولٍ شَيْئًا، وقُرِئَ: ”مِن كُلٍّ“ بِالتَّنْوِينِ. و﴿ما سَألْتُمُوهُ﴾ نَفْيٌ، ومَحَلُّهُ نَصْبٌ عَلى الحالِ أيْ آتاكم مِن جَمِيعِ ذَلِكَ غَيْرَ سائِلِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَوْصُولَةً والتَّقْدِيرُ: آتاكم مِن كُلِّ ذَلِكَ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ ولَمْ تَصْلُحْ أحْوالُكم ومَعايِشُكم إلّا بِهِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ أوْ طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ النِّعَمَ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النِّعْمَةُ هَهُنا اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ يُقالُ: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، يُنْعِمُ إنْعامًا ونِعْمَةً أُقِيَمَ الِاسْمُ مَقامَ الإنْعامِ كَقَوْلِهِ: أنْفَقْتُ عَلَيْهِ إنْفاقًا ونَفَقَةً بِمَعْنًى واحِدٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا تُحْصُوها﴾ أيْ لا تَقْدِرُونَ عَلى تَعْدِيدِ جَمِيعِها لِكَثْرَتِها. واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إذا أرادَ أنْ يَعْرِفَ أنَّ الوُقُوفَ عَلى أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ مُمْتَنِعٌ، فَعَلَيْهِ أنْ يَتَأمَّلَ في شَيْءٍ واحِدٍ لِيَعْرِفَ عَجْزَ نَفْسِهِ عَنْهُ ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنهُ مِثالَيْنِ. المِثالُ الأوَّلُ: أنَّ الأطِبّاءَ ذَكَرُوا أنَّ الأعْصابَ قِسْمانِ: مِنها دِماغِيَّةٌ، ومِنها نُخاعِيَّةٌ. أمّا الدِّماغِيَّةُ فَإنَّها سَبْعَةٌ ثُمَّ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في مَعْرِفَةِ الحكم النّاشِئَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأرْواحِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأرْواحِ السَّبْعَةِ تَنْقَسِمُ إلى شُعَبٍ كَثِيرَةٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الشُّعَبِ أيْضًا إلى شُعَبٍ دَقِيقَةٍ أدَقَّ مِنَ الشَّعَرِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها مَمَرٌّ إلى الأعْضاءِ، ولَوْ أنَّ شُعْبَةً واحِدَةً اخْتَلَّتْ إمّا بِسَبَبِ الكَمِّيَّةِ أوْ بِسَبَبِ الكَيْفِيَّةِ أوْ بِسَبَبِ الوَضْعِ لاخْتَلَّتْ مَصالِحُ البِنْيَةِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الشُّعَبَ الدَّقِيقَةَ تَكُونُ كَثِيرَةَ العَدَدِ جِدًّا، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها حِكْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَإذا نَظَرَ الإنْسانُ في هَذا المَعْنى عَرَفَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى بِحَسَبِ كُلِّ شَظِيَّةٍ مِن تِلْكَ الشَّظايا العَصَبِيَّةِ عَلى العَبْدِ نِعْمَةً عَظِيمَةً لَوْ فاتَتْ لَعَظُمَ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، وعَرَفَ قَطْعًا أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الوُقُوفِ عَلَيْها والِاطِّلاعِ عَلى أحْوالِها وعِنْدَ هَذا يَقْطَعُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، وكَما اعْتَبَرْتَ هَذا في الشَّظايا العَصَبِيَّةِ فاعْتَبِرْ مِثْلَهُ في الشَّرايِينِ والأوْرِدَةِ، وفي كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ والمُرَكَّبَةِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ والوَضْعِ والفِعْلِ والِانْفِعالِ حَتّى تَرى أقْسامَ هَذا البابِ بَحْرًا لا ساحِلَ لَهُ. وإذا اعْتَبَرْتَ هَذا في بَدَنِ الإنْسانِ الواحِدِ فاعْرِفْ أقْسامَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في نَفْسِهِ ورُوحِهِ، فَإنَّ عَجائِبَ عالَمِ الأرْواحِ أكْثَرُ مِن عَجائِبِ عالَمِ الأجْسادِ، ثُمَّ لَمّا اعْتَبَرْتَ حالَةَ الحَيَوانِ الواحِدِ فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَبِرْ أحْوالَ عالَمِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ وطَبَقاتِ العَناصِرِ وعَجائِبِ البَرِّ والبَحْرِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وعِنْدَ هَذا تَعْرِفُ أنَّ عُقُولَ جَمِيعِ الخَلائِقِ لَوْ رُكِّبَتْ وجُعِلَتْ عَقْلًا واحِدًا ثُمَّ بِذَلِكَ العَقْلِ يَتَأمَّلُ الإنْسانُ في عَجائِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في أقَلِّ الأشْياءِ لَما أدْرَكَ مِنها إلّا القَلِيلَ، فَسُبْحانَهُ تَقَدَّسَ عَنْ أوْهامِ المُتَوَهِّمِينَ. المِثالُ الثّانِي: أنَّكَ إذا أخَذْتَ اللُّقْمَةَ الواحِدَةَ لِتَضَعَها في الفَمِ فانْظُرْ إلى ما قَبْلَها وإلى ما بَعْدَها أمّا صفحة ١٠٣ الأُمُورُ الَّتِي قَبْلَها: فاعْرِفْ أنَّ تِلْكَ اللُّقْمَةَ مِنَ الخُبْزِ لا تَتِمُّ ولا تَكْمُلُ إلّا إذا كانَ هَذا العالَمُ بِكُلِّيَّتِهِ قائِمًا عَلى الوجه الأصْوَبِ، لِأنَّ الحِنْطَةَ لا بُدَّ مِنها، وأنَّها لا تَنْبُتُ إلّا بِمَعُونَةِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، وتَرْكِيبِ الطَّبائِعِ وظُهُورِ الرِّياحِ والأمْطارِ، ولا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنها إلّا بَعْدَ دَوَرانِ الأفْلاكِ، واتِّصالِ بَعْضِ الكَواكِبِ بِبَعْضٍ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ في الحَرَكاتِ، وفي كَيْفِيَّتِها في الجِهَةِ والسُّرْعَةِ والبُطْءِ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ تَكُونَ الحِنْطَةُ لا بُدَّ مِن آلاتِ الطَّحْنِ والخَبْزِ، وهي لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَوَلُّدِ الحَدِيدِ في أرْحامِ الجِبالِ، ثُمَّ إنَّ الآلاتِ الحَدِيدِيَّةَ لا يُمْكِنُ إصْلاحُها إلّا بِآلاتٍ أُخْرى حَدِيدِيَّةٍ سابِقَةٍ عَلَيْها، ولا بُدَّ مِنَ انْتِهائِها إلى آلَةٍ حَدِيدِيَّةٍ هي أوَّلُ هَذِهِ الآلاتِ، فَتَأمَّلْ أنَّها كَيْفَ تَكَوَّنَتْ عَلى الأشْكالِ المَخْصُوصَةِ، ثُمَّ إذا حَصَلَتْ تِلْكَ الآلاتُ فانْظُرْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ اجْتِماعِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، وهي الأرْضُ والماءُ والهَواءُ والنّارُ حَتّى يُمْكِنَ طَبْخُ الخُبْزِ مِن ذَلِكَ الدَّقِيقِ. فَهَذا هو النَّظَرُ فِيما تَقَدَّمَ عَلى حُصُولِ هَذِهِ اللُّقْمَةِ. وأمّا النَّظَرُ فِيما بَعْدَ حُصُولِها: فَتَأمَّلْ في تَرْكِيبِ بَدَنِ الحَيَوانِ، وهو أنَّهُ تَعالى كَيْفَ خَلَقَ الأبْدانَ حَتّى يُمْكِنَها الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ اللُّقْمَةِ، وأنَّهُ كَيْفَ يَتَضَرَّرُ الحَيَوانُ بِالأكْلِ وفي أيِّ الأعْضاءِ تَحْدُثُ تِلْكَ المَضارُّ، ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْرِفَ القَلِيلَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ إلّا بِمَعْرِفَةِ عِلْمِ التَّشْرِيحِ وعِلْمِ الطِّبِّ بِالكُلِّيَّةِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الِانْتِفاعَ بِاللُّقْمَةِ الواحِدَةِ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إلّا بِمَعْرِفَةِ جُمْلَةِ الأُمُورِ، والعُقُولُ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ ذَرَّةٍ مِن هَذِهِ المَباحِثِ، فَظَهَرَ بِهَذا البُرْهانِ القاهِرِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ قِيلَ: يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها كَفّارٌ شَدِيدُ الكُفْرانِ لَها. وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ، كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ، والمُرادُ مِنَ الإنْسانِ هَهُنا: الجِنْسُ؛ يَعْنِي أنَّ عادَةَ هَذا الجِنْسِ هو هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهَهُنا بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ مَجْبُولٌ عَلى النِّسْيانِ وعَلى المَلالَةِ، فَإذا وجَدَ نِعْمَةً نَسِيَها في الحالِ وظَلَمَها بِتَرْكِ شُكْرِها، وإنْ لَمْ يَنْسَها فَإنَّهُ في الحالِ يَمَلُّها فَيَقَعُ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ، وأيْضًا أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ فَمَتى حاوَلَ التَّأمُّلَ في بَعْضِها غَفَلَ عَنِ الباقِي. البحث الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذا المَوْضِعِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ وقالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ولَمّا تَأمَّلْتُ فِيهِ لاحَتْ لِي فِيهِ دَقِيقَةٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: إذا حَصَلَتِ النِّعَمُ الكَثِيرَةُ فَأنْتَ الَّذِي أخَذْتَها وأنا الَّذِي أعْطَيْتُها، فَحَصَلَ لَكَ عِنْدَ أخْذِها وصْفانِ: وهُما كَوْنُكَ ظَلُومًا كَفّارًا، ولِي وصْفانِ عِنْدَ إعْطائِها وهُما كَوْنِي غَفُورًا رَحِيمًا، والمَقْصُودُ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كُنْتَ ظَلُومًا فَأنا غَفُورٌ، وإنْ كُنْتَ كَفّارًا فَأنا رَحِيمٌ أعْلَمُ عَجْزَكَ وقُصُورَكَ فَلا أُقابِلُ تَقْصِيرَكَ إلّا بِالتَّوْقِيرِ ولا أُجازِي جَفاءَكَ إلّا بِالوَفاءِ، ونَسْألُ اللَّهَ حُسْنَ العاقِبَةِ والرَّحْمَةَ.

إبراهيم 14:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أطالَ الكَلامَ في وصْفِ أحْوالِ السُّعَداءِ وأحْوالِ الأشْقِياءِ، وكانَ العُمْدَةُ العُظْمى والمَنزِلَةُ الكُبْرى في حُصُولِ السَّعاداتِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وبِصِفاتِهِ، وفي حُصُولِ الشَّقاوَةِ فِقْدانَ هَذِهِ المَعْرِفَةِ، لا جَرَمَ خَتَمَ اللَّهُ تَعالى وصْفَ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ. صفحة ١٠٠ وذَكَرَ هَهُنا عَشَرَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ: أوَّلُها: خَلْقُ السَّماواتِ. وثانِيها: خَلْقُ الأرْضِ، وإلَيْهِما الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ . وثالِثُها: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ . وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ . وسادِسُها وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ . وثامِنُها وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ . وعاشِرُها: قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ وهَذِهِ الدَّلائِلُ العَشَرَةُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ وتَقْرِيرُها وتَفْسِيرُها مِرارًا وأطْوارًا، ولا بَأْسَ بِأنْ نَذْكُرَ هَهُنا بَعْضَ الفَوائِدِ. فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ خَبَرُهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ السَّماءَ والأرْضَ مِن كَمْ وجْهٍ تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، وإنَّما بَدَأ بِذِكْرِهِما هَهُنا لِأنَّهُما هُما الأصْلانِ اللَّذانِ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِما سائِرُ الأدِلَّةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: لَوْلا السَّماءُ لَمْ يَصِحَّ إنْزالُ الماءِ مِنها ولَوْلا الأرْضُ لَمْ يُوجَدْ ما يَسْتَقِرُّ الماءُ فِيهِ، فَظَهَرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجُودِهِما حَتّى يَحْصُلَ هَذا المَقْصُودُ وهَذا المَطْلُوبُ. البحث الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الماءَ نَزَلَ مِنَ السَّحابِ وسُمِّيَ السَّحابُ سَماءً اشْتِقاقًا مِنَ السُّمُوِّ، وهو الِارْتِفاعُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ مِن نَفْسِ السَّماءِ وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ الإنْسانَ رُبَّما كانَ واقِفًا عَلى قِمَّةِ جَبَلٍ عالٍ ويَرى الغَيْمَ أسْفَلَ مِنهُ، فَإذا نَزَلَ مِن ذَلِكَ الجَبَلِ يَرى ذَلِكَ الغَيْمَ ماطِرًا عَلَيْهِمْ، وإذا كانَ هَذا أمْرًا مُشاهَدًا بِالبَصَرِ كانَ النِّزاعُ فِيهِ باطِلًا. البحث الثّالِثُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّهُ تَعالى أخْرَجَ هَذِهِ الثَّمَراتِ بِواسِطَةِ هَذا الماءِ المُنْزَلِ مِنَ السَّماءِ عَلى سَبِيلِ العادَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ في هَذا المَعْنى مَصْلَحَةً لِلْمُكَلَّفِينَ، لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ هَذِهِ المَنافِعَ القَلِيلَةَ يَجِبُ أنْ تُتَحَمَّلَ في تَحْصِيلِها المَشاقُّ والمَتاعِبُ، فالمَنافِعُ العَظِيمَةُ الدّائِمَةُ في الدّارِ الآخِرَةِ أوْلى أنْ تُتَحَمَّلَ المَشاقُّ في طَلَبِها، وإذا كانَ المَرْءُ يَتْرُكُ الرّاحَةَ واللَّذّاتِ طَلَبًا لِهَذِهِ الخَيْراتِ الحَقِيرَةِ، فَبِأنْ يَتْرُكَ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ لِيَفُوزَ بِثَوابِ اللَّهِ تَعالى ويَتَخَلَّصَ عَنْ عِقابِهِ أوْلى. ولِهَذا السَّبَبِ لَمّا زالَ التَّكْلِيفُ في الآخِرَةِ أنالَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ نَفْسٍ مُشْتَهاها مِن غَيْرِ تَعَبٍ ولا نَصَبٍ، هَذا قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ. وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى يُحْدِثُ الثِّمارَ والزُّرُوعَ بِواسِطَةِ هَذا الماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ، والمسألة كَلامِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. البحث الرّابِعُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَفْظُ ﴿الثَّمَراتِ﴾ يَقَعُ في الأغْلَبِ عَلى ما يَحْصُلُ عَلى الأشْجارِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى الزُّرُوعِ والنَّباتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . * * * البحث الخامِسُ: قالَ تَعالى: ﴿فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أخْرَجَ هَذِهِ الثَّمَراتِ لِأجْلِ أنْ تَكُونَ رِزْقًا لَنا، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى قَصَدَ بِتَخْلِيقِ هَذِهِ الثَّمَراتِ إيصالَ الخَيْرِ والمَنفَعَةِ إلى المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ الإحْسانَ لا يَكُونُ إحْسانًا إلّا إذا قَصَدَ المُحْسِنُ بِفِعْلِهِ إيصالَ النَّفْعِ إلى المُحْسَنِ إلَيْهِ. البحث السّادِسُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بَيانٌ لِلرِّزْقِ، أيْ أخْرَجَ بِهِ رِزْقًا هو ثَمَراتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الثَّمَراتِ مَفْعُولَ أخْرَجَ ورِزْقًا حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أوْ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ مِن أخْرَجَ لِأنَّهُ في مَعْنى رَزَقَ، والتَّقْدِيرُ: ورَزَقَ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم. صفحة ١٠١ فَأمّا الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: وهي قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] فَفِيها مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: أنَّ الِانْتِفاعَ بِما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ إنَّما يَكْمُلُ بِوُجُودِ الفُلْكِ الجارِي في البَحْرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ طَرَفٍ مِن أطْرافِ الأرْضِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِن أنْعُمِهِ حَتّى إنَّ نِعْمَةَ هَذا الطَّرَفِ إذا نُقِلَتْ إلى الجانِبِ الآخَرِ مِنَ الأرْضِ وبِالعَكْسِ كَثُرَ الرِّبْحُ في التِّجاراتِ، ثُمَّ إنَّ هَذا النَّقْلَ لا يُمْكِنُ إلّا بِسُفُنِ البَرِّ وهي الجِمالُ أوْ بِسُفُنِ البَحْرِ وهي الفُلْكُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ. فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ مَعَ أنَّ تَرْكِيبَ السَّفِينَةِ مِن أعْمالِ العِبادِ ؟ قُلْنا: أمّا عَلى قَوْلِنا إنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى فَلا سُؤالَ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ فَقَدْ أجابَ القاضِي عَنْهُ فَقالَ: لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأشْجارَ الصُّلْبَةَ الَّتِي مِنها يُمْكِنُ تَرْكِيبُ السُّفُنِ، ولَوْلا خَلْقُهُ لِلْحَدِيدِ وسائِرِ الآلاتِ ولَوْلا تَعْرِيفُهُ العِبادَ كَيْفَ يَتَّخِذُونَهُ ولَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الماءَ عَلى صِفَةِ السَّيَلانِ الَّتِي بِاعْتِبارِها يَصِحُّ جَرْيُ السَّفِينَةِ، ولَوْلا خَلْقُهُ تَعالى الرِّياحَ وخَلْقُ الحَرَكاتِ القَوِيَّةِ فِيها، ولَوْلا أنَّهُ وسَّعَ الأنْهارَ وجَعَلَ فِيها مِنَ العُمْقِ ما يَجُوزُ جَرْيُ السُّفُنِ فِيها لَما وقَعَ الِانْتِفاعُ بِالسُّفُنِ؛ فَصارَ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِهَذِهِ الأحْوالِ وهو المُدَبِّرُ لِهَذِهِ الأُمُورِ والمُسَخِّرُ لَها حَسُنَتْ إضافَةُ السُّفُنِ إلَيْهِ. البحث الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ التَّسْخِيرَ إلى أمْرِهِ؛ لِأنَّ المَلِكَ العَظِيمَ قَلَّما يُوصَفُ بِأنَّهُ فَعَلَ وإنَّما يُقالُ فِيهِ إنَّهُ أمَرَ بِكَذا تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وتَحْقِيقُ هَذا الوجه راجِعٌ إلى ما ذَكَرْناهُ. البحث الثّالِثُ: الفُلْكُ مِنَ الجَماداتِ فَتَسْخِيرُها مَجازٌ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا كانَ يَجْرِي عَلى وجْهِ الماءِ كَما يَشْتَهِيهِ المَلّاحُ صارَ كَأنَّهُ حَيَوانٌ مُسَخَّرٌ لَهُ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ واعْلَمْ أنَّ ماءَ البَحْرِ قَلَّما يُنْتَفَعُ بِهِ في الزِّراعاتِ لا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى إنْعامَهُ عَلى الخَلْقِ بِتَفْجِيرِ الأنْهارِ والعُيُونِ حَتّى يَنْبَعِثَ الماءُ مِنها إلى مَواضِعِ الزَّرْعِ والنَّباتِ، وأيْضًا ماءُ البَحْرِ لا يَصْلُحُ لِلشُّرْبِ، والصّالِحُ لِهَذا المُهِمِّ هو مِياهُ الأنْهارِ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ والسّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الِانْتِفاعَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ عَظِيمٌ، وقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آياتٍ مِنها قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] . وقَوْلُهُ: ﴿دائِبَيْنِ﴾ مَعْنى الدُّءُوبِ في اللُّغَةِ مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ مُطَّرِدَةٍ يُقالُ: دَأبَ يَدْأبُ دَأبًا ودُؤُوبًا وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ [يوسف: ٤٧] قالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهُ: ﴿دائِبَيْنِ﴾ مَعْناهُ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وتَأْثِيرِهِما في إزالَةِ الظُّلْمَةِ وفي إصْلاحِ النَّباتِ والحَيَوانِ، فَإنَّ الشَّمْسَ سُلْطانُ النَّهارِ والقَمَرَ سُلْطانُ اللَّيْلِ ولَوْلا الشَّمْسُ لَما حَصَلَتِ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، ولَوْلاها لاخْتَلَّتْ مَصالِحُ العالَمِ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا مَنافِعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِالِاسْتِقْصاءِ في أوَّلِ هَذا الكِتابِ. صفحة ١٠٢ الحُجَّةُ الثّامِنَةُ والتّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ مَنافِعَهُما مَذْكُورَةٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبأ: ١٠، ١١] وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ قالَ المُتَكَلِّمُونَ: تَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَجازٌ لِأنَّهُما عَرَضانِ، والأعْراضُ لا تُسَخَّرُ. والحُجَّةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْها، بَلْ أعْطى عِبادَهُ مِنَ المَنافِعِ والمُراداتِ ما لا يَأْتِي عَلى بَعْضِها التَّعْدِيدُ والإحْصاءُ فَقالَ: ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِن كُلِّ مَسْئُولٍ شَيْئًا، وقُرِئَ: ”مِن كُلٍّ“ بِالتَّنْوِينِ. و﴿ما سَألْتُمُوهُ﴾ نَفْيٌ، ومَحَلُّهُ نَصْبٌ عَلى الحالِ أيْ آتاكم مِن جَمِيعِ ذَلِكَ غَيْرَ سائِلِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَوْصُولَةً والتَّقْدِيرُ: آتاكم مِن كُلِّ ذَلِكَ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ ولَمْ تَصْلُحْ أحْوالُكم ومَعايِشُكم إلّا بِهِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ أوْ طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ النِّعَمَ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النِّعْمَةُ هَهُنا اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ يُقالُ: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، يُنْعِمُ إنْعامًا ونِعْمَةً أُقِيَمَ الِاسْمُ مَقامَ الإنْعامِ كَقَوْلِهِ: أنْفَقْتُ عَلَيْهِ إنْفاقًا ونَفَقَةً بِمَعْنًى واحِدٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا تُحْصُوها﴾ أيْ لا تَقْدِرُونَ عَلى تَعْدِيدِ جَمِيعِها لِكَثْرَتِها. واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إذا أرادَ أنْ يَعْرِفَ أنَّ الوُقُوفَ عَلى أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ مُمْتَنِعٌ، فَعَلَيْهِ أنْ يَتَأمَّلَ في شَيْءٍ واحِدٍ لِيَعْرِفَ عَجْزَ نَفْسِهِ عَنْهُ ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنهُ مِثالَيْنِ. المِثالُ الأوَّلُ: أنَّ الأطِبّاءَ ذَكَرُوا أنَّ الأعْصابَ قِسْمانِ: مِنها دِماغِيَّةٌ، ومِنها نُخاعِيَّةٌ. أمّا الدِّماغِيَّةُ فَإنَّها سَبْعَةٌ ثُمَّ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في مَعْرِفَةِ الحكم النّاشِئَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأرْواحِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأرْواحِ السَّبْعَةِ تَنْقَسِمُ إلى شُعَبٍ كَثِيرَةٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الشُّعَبِ أيْضًا إلى شُعَبٍ دَقِيقَةٍ أدَقَّ مِنَ الشَّعَرِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها مَمَرٌّ إلى الأعْضاءِ، ولَوْ أنَّ شُعْبَةً واحِدَةً اخْتَلَّتْ إمّا بِسَبَبِ الكَمِّيَّةِ أوْ بِسَبَبِ الكَيْفِيَّةِ أوْ بِسَبَبِ الوَضْعِ لاخْتَلَّتْ مَصالِحُ البِنْيَةِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الشُّعَبَ الدَّقِيقَةَ تَكُونُ كَثِيرَةَ العَدَدِ جِدًّا، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها حِكْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَإذا نَظَرَ الإنْسانُ في هَذا المَعْنى عَرَفَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى بِحَسَبِ كُلِّ شَظِيَّةٍ مِن تِلْكَ الشَّظايا العَصَبِيَّةِ عَلى العَبْدِ نِعْمَةً عَظِيمَةً لَوْ فاتَتْ لَعَظُمَ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، وعَرَفَ قَطْعًا أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الوُقُوفِ عَلَيْها والِاطِّلاعِ عَلى أحْوالِها وعِنْدَ هَذا يَقْطَعُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، وكَما اعْتَبَرْتَ هَذا في الشَّظايا العَصَبِيَّةِ فاعْتَبِرْ مِثْلَهُ في الشَّرايِينِ والأوْرِدَةِ، وفي كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ والمُرَكَّبَةِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ والوَضْعِ والفِعْلِ والِانْفِعالِ حَتّى تَرى أقْسامَ هَذا البابِ بَحْرًا لا ساحِلَ لَهُ. وإذا اعْتَبَرْتَ هَذا في بَدَنِ الإنْسانِ الواحِدِ فاعْرِفْ أقْسامَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في نَفْسِهِ ورُوحِهِ، فَإنَّ عَجائِبَ عالَمِ الأرْواحِ أكْثَرُ مِن عَجائِبِ عالَمِ الأجْسادِ، ثُمَّ لَمّا اعْتَبَرْتَ حالَةَ الحَيَوانِ الواحِدِ فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَبِرْ أحْوالَ عالَمِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ وطَبَقاتِ العَناصِرِ وعَجائِبِ البَرِّ والبَحْرِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وعِنْدَ هَذا تَعْرِفُ أنَّ عُقُولَ جَمِيعِ الخَلائِقِ لَوْ رُكِّبَتْ وجُعِلَتْ عَقْلًا واحِدًا ثُمَّ بِذَلِكَ العَقْلِ يَتَأمَّلُ الإنْسانُ في عَجائِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في أقَلِّ الأشْياءِ لَما أدْرَكَ مِنها إلّا القَلِيلَ، فَسُبْحانَهُ تَقَدَّسَ عَنْ أوْهامِ المُتَوَهِّمِينَ. المِثالُ الثّانِي: أنَّكَ إذا أخَذْتَ اللُّقْمَةَ الواحِدَةَ لِتَضَعَها في الفَمِ فانْظُرْ إلى ما قَبْلَها وإلى ما بَعْدَها أمّا صفحة ١٠٣ الأُمُورُ الَّتِي قَبْلَها: فاعْرِفْ أنَّ تِلْكَ اللُّقْمَةَ مِنَ الخُبْزِ لا تَتِمُّ ولا تَكْمُلُ إلّا إذا كانَ هَذا العالَمُ بِكُلِّيَّتِهِ قائِمًا عَلى الوجه الأصْوَبِ، لِأنَّ الحِنْطَةَ لا بُدَّ مِنها، وأنَّها لا تَنْبُتُ إلّا بِمَعُونَةِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، وتَرْكِيبِ الطَّبائِعِ وظُهُورِ الرِّياحِ والأمْطارِ، ولا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنها إلّا بَعْدَ دَوَرانِ الأفْلاكِ، واتِّصالِ بَعْضِ الكَواكِبِ بِبَعْضٍ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ في الحَرَكاتِ، وفي كَيْفِيَّتِها في الجِهَةِ والسُّرْعَةِ والبُطْءِ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ تَكُونَ الحِنْطَةُ لا بُدَّ مِن آلاتِ الطَّحْنِ والخَبْزِ، وهي لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَوَلُّدِ الحَدِيدِ في أرْحامِ الجِبالِ، ثُمَّ إنَّ الآلاتِ الحَدِيدِيَّةَ لا يُمْكِنُ إصْلاحُها إلّا بِآلاتٍ أُخْرى حَدِيدِيَّةٍ سابِقَةٍ عَلَيْها، ولا بُدَّ مِنَ انْتِهائِها إلى آلَةٍ حَدِيدِيَّةٍ هي أوَّلُ هَذِهِ الآلاتِ، فَتَأمَّلْ أنَّها كَيْفَ تَكَوَّنَتْ عَلى الأشْكالِ المَخْصُوصَةِ، ثُمَّ إذا حَصَلَتْ تِلْكَ الآلاتُ فانْظُرْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ اجْتِماعِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، وهي الأرْضُ والماءُ والهَواءُ والنّارُ حَتّى يُمْكِنَ طَبْخُ الخُبْزِ مِن ذَلِكَ الدَّقِيقِ. فَهَذا هو النَّظَرُ فِيما تَقَدَّمَ عَلى حُصُولِ هَذِهِ اللُّقْمَةِ. وأمّا النَّظَرُ فِيما بَعْدَ حُصُولِها: فَتَأمَّلْ في تَرْكِيبِ بَدَنِ الحَيَوانِ، وهو أنَّهُ تَعالى كَيْفَ خَلَقَ الأبْدانَ حَتّى يُمْكِنَها الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ اللُّقْمَةِ، وأنَّهُ كَيْفَ يَتَضَرَّرُ الحَيَوانُ بِالأكْلِ وفي أيِّ الأعْضاءِ تَحْدُثُ تِلْكَ المَضارُّ، ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْرِفَ القَلِيلَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ إلّا بِمَعْرِفَةِ عِلْمِ التَّشْرِيحِ وعِلْمِ الطِّبِّ بِالكُلِّيَّةِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الِانْتِفاعَ بِاللُّقْمَةِ الواحِدَةِ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إلّا بِمَعْرِفَةِ جُمْلَةِ الأُمُورِ، والعُقُولُ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ ذَرَّةٍ مِن هَذِهِ المَباحِثِ، فَظَهَرَ بِهَذا البُرْهانِ القاهِرِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ قِيلَ: يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها كَفّارٌ شَدِيدُ الكُفْرانِ لَها. وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ، كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ، والمُرادُ مِنَ الإنْسانِ هَهُنا: الجِنْسُ؛ يَعْنِي أنَّ عادَةَ هَذا الجِنْسِ هو هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهَهُنا بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ مَجْبُولٌ عَلى النِّسْيانِ وعَلى المَلالَةِ، فَإذا وجَدَ نِعْمَةً نَسِيَها في الحالِ وظَلَمَها بِتَرْكِ شُكْرِها، وإنْ لَمْ يَنْسَها فَإنَّهُ في الحالِ يَمَلُّها فَيَقَعُ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ، وأيْضًا أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ فَمَتى حاوَلَ التَّأمُّلَ في بَعْضِها غَفَلَ عَنِ الباقِي. البحث الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذا المَوْضِعِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ وقالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ولَمّا تَأمَّلْتُ فِيهِ لاحَتْ لِي فِيهِ دَقِيقَةٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: إذا حَصَلَتِ النِّعَمُ الكَثِيرَةُ فَأنْتَ الَّذِي أخَذْتَها وأنا الَّذِي أعْطَيْتُها، فَحَصَلَ لَكَ عِنْدَ أخْذِها وصْفانِ: وهُما كَوْنُكَ ظَلُومًا كَفّارًا، ولِي وصْفانِ عِنْدَ إعْطائِها وهُما كَوْنِي غَفُورًا رَحِيمًا، والمَقْصُودُ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كُنْتَ ظَلُومًا فَأنا غَفُورٌ، وإنْ كُنْتَ كَفّارًا فَأنا رَحِيمٌ أعْلَمُ عَجْزَكَ وقُصُورَكَ فَلا أُقابِلُ تَقْصِيرَكَ إلّا بِالتَّوْقِيرِ ولا أُجازِي جَفاءَكَ إلّا بِالوَفاءِ، ونَسْألُ اللَّهَ حُسْنَ العاقِبَةِ والرَّحْمَةَ.

إبراهيم 14:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وأنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَةُ غَيْرِهِ تَعالى صفحة ١٠٤ البَتَّةَ حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبالَغَتَهُ في إنْكارِ عِبادَةِ الأوْثانِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ والمُرادُ: مَكَّةُ، ﴿آمِنًا﴾ ذا أمْنٍ. فَإنْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وبَيْنِ قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ ؟ قُلْنا: سَألَ في الأوَّلِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي يَأْمَنُ أهْلُها فَلا يَخافُونَ، وفي الثّانِي: أنْ يُزِيلَ عَنْها الصِّفَةَ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً لَها، وهي الخَوْفُ، ويَحْصُلَ لَها ضِدُّ تِلْكَ الصِّفَةِ وهو الأمْنُ، كَأنَّهُ قالَ هو بَلَدٌ مَخُوفٌ فاجْعَلْهُ آمِنًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. * * * وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قُرِئَ ﴿واجْنُبْنِي﴾ وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: جَنَبَهُ وأجْنَبَهُ وجَنَّبَهُ. قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُ: جَنَبَنِي يَجْنُبُنِي بِالتَّخْفِيفِ. وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: جَنَّبَنِي شَرَّهُ وأجْنَبَنِي شَرَّهُ، وأصْلُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ عَلى جانِبٍ وناحِيَةٍ. المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإشْكالُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ آمِنًا، وما قَبِلَ اللَّهِ دُعاءَهُ، لِأنَّ جَماعَةً خَرَّبُوا الكَعْبَةَ وأغارُوا عَلى مَكَّةَ. وثانِيها: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَعْبُدُونَ الوَثَنَ البَتَّةَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: اجْنُبْنِي عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ ؟ وثالِثُها: أنَّهُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ لا يَجْعَلَ أبْناءَهُ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ، واللَّهُ تَعالى لَمْ يَقْبَلْ دُعاءَهُ، لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا مِن أوْلادِهِ، مَعَ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ. فَإنْ قالُوا: إنَّهم ما كانُوا أبْناءَ إبْراهِيمَ وإنَّما كانُوا أبْناءَ أبْنائِهِ، والدُّعاءُ مَخْصُوصٌ بِالأبْناءِ، فَنَقُولُ: فَإذا كانَ المُرادُ مِن أُولَئِكَ الأبْناءِ أبْناءَهُ مِن صُلْبِهِ، وهم ما كانُوا إلّا إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وهُما كانا مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأنْبِياءَ لا يَعْبُدُونَ الصَّنَمَ، فَقَدْ عادَ السُّؤالُ في أنَّهُ ما الفائِدَةُ في ذَلِكَ الدُّعاءِ ؟ والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُقِلَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن بِناءِ الكَعْبَةِ ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ، والمُرادُ مِنهُ: جَعْلُ تِلْكَ البَلْدَةِ آمِنَةً مِنَ الخَرابِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ جَعْلُ أهْلِها آمِنِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ أهْلَ القَرْيَةِ، وهَذا الوجه عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الوجه الأوَّلُ: ما اخْتَصَّتْ بِهِ مَكَّةُ مِن حُصُولِ مَزِيدٍ مِنَ الأمْنِ، وهو أنَّ الخائِفَ كانَ إذا التَجَأ إلى مَكَّةَ أمِنَ، وكانَ النّاسُ مَعَ شِدَّةِ العَداوَةِ بَيْنَهم يَتَلاقَوْنَ بِمَكَّةَ فَلا يَخافُ بَعْضُهم بَعْضًا، ومِن ذَلِكَ أمْنُ الوَحْشِ فَإنَّهم يَقْرَبُونَ مِنَ النّاسِ إذا كانُوا بِمَكَّةَ، ويَكُونُونَ مُسْتَوْحِشِينَ عَنِ النّاسِ خارِجَ مَكَّةَ، فَهَذا النوع مِنَ الأمْنِ حاصِلٌ في مَكَّةَ فَوَجَبَ حَمْلُ الدُّعاءِ عَلَيْهِ. والوجه الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ أيْ بِالأمْرِ والحكم بِجَعْلِهِ آمِنًا، وذَلِكَ الأمْرُ والحكم حاصِلٌ لا مَحالَةَ. والجَوابُ: عَنِ السُّؤالِ الثّانِي قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها كَما قالَ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] أيْ ثَبِّتْنا عَلى الإسْلامِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: السُّؤالُ باقٍ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ تَعالى يُثَبِّتُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى صفحة ١٠٥ الِاجْتِنابِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ فَما الفائِدَةُ في هَذا السُّؤالِ ؟ والصَّحِيحُ عِنْدِي في الجَوابِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى يَعْصِمُهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ هَضْمًا لِلنَّفْسِ وإظْهارًا لِلْحاجَةِ والفاقَةِ إلى فَضْلِ اللَّهِ في كُلِّ المَطالِبِ. والثّانِي: أنَّ الصُّوفِيَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ الشِّرْكَ نَوْعانِ: شِرْكٌ جَلِيٌّ وهو الَّذِي يَقُولُ بِهِ المُشْرِكُونَ، وشِرْكٌ خَفِيٌّ وهو تَعْلِيقُ القَلْبِ بِالوَسايِطِ وبِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ، والتَّوْحِيدُ المَحْضُ هو أنْ يَنْقَطِعَ نَظَرُهُ عَنِ الوَسايِطِ ولا يَرى مُتَصَرِّفًا سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْصِمَهُ عَنْ هَذا الشِّرْكِ الخَفِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّالِثِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ ﴿وبَنِيَّ﴾ أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهِ، والفائِدَةُ في هَذا الدُّعاءِ عَيْنُ الفائِدَةِ الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي﴾ . والثّانِي: قالَ بَعْضُهم: أرادَ مِن أوْلادِهِ وأوْلادِ أوْلادِهِ كُلَّ مَن كانُوا مَوْجُودِينَ حالَ الدُّعاءِ، ولا شُبْهَةَ أنَّ دَعْوَتَهُ مُجابَةٌ فِيهِمْ. الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ المُصَوَّرُ وما لَيْسَ بِمُصَوَّرٍ فَهو وثَنٌ. وكُفّارُ قُرَيْشٍ ما عَبَدُوا التِّمْثالَ، وإنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ أحْجارًا مَخْصُوصَةً وأشْجارًا مَخْصُوصَةً، وهَذا الجَوابُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهَذا الدُّعاءِ إلّا عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والحَجَرُ كالصَّنَمِ في ذَلِكَ. الرّابِعُ: أنَّ هَذا الدُّعاءَ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ مِن أوْلادِهِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ عَلى دِينِهِ فَإنَّهُ لَيْسَ مِنهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى لِنُوحٍ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] . والخامِسُ: لَعَلَّهُ وإنْ كانَ عَمَّمَ في الدُّعاءِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ دُعاءَهُ في حَقِّ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ تَحْقِيرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] . المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يَجْنُبَهُ ويَجْنُبَ أوْلادَهُ مِنَ الكُفْرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّبْعِيدَ مِنَ الكُفْرِ والتَّقْرِيبَ مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُ المُعْتَزِلَةِ إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الألْطافِ فاسِدٌ، لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، ولِأنّا قَدْ ذَكَرْنا وُجُوهًا كَثِيرَةً في إفْسادِ هَذا التَّأْوِيلِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ واتَّفَقَ كُلُّ الفِرَقِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أضْلَلْنَ﴾ مَجازٌ لِأنَّها جَماداتٌ، والجَمادُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا البَتَّةَ، إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الإضْلالُ عِنْدَ عِبادَتِها أُضِيفَ إلَيْها، كَما تَقُولُ: فَتَنَتْهُمُ الدُّنْيا وغَرَّتْهم أيِ افْتُتِنُوا بِها واغْتَرُّوا بِسَبَبِها. ثم قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ يَعْنِي مَن تَبِعَنِي في دِينِي واعْتِقادِي فَإنَّهُ مِنِّي، أيْ جارٍ مَجْرى بَعْضِي لِفَرْطِ اخْتِصاصِهِ بِي وقُرْبِهِ مِنِّي، ومَن عَصانِي في غَيْرِ الدِّينِ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ، والغَرَضُ مِنهُ الشَّفاعَةُ في حَقِّ أصْحابِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ صَرِيحٌ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِأُولَئِكَ العُصاةِ. فَنَقُولُ: أُولَئِكَ العُصاةُ إمّا أنْ يَكُونُوا مِنَ الكُفّارِ أوْ لا يَكُونُوا كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ في مُقَدِّمَةِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مُبَرَّأٌ عَنِ الكُفّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ عَلى دِينِهِ فَإنَّهُ لَيْسَ مِنهُ ولا يَهْتَمُّ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ. والثّانِي: أنَّ الأُمَّةَ صفحة ١٠٦ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ في إسْقاطِ عِقابِ الكُفْرِ غَيْرُ جائِزَةٍ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ شَفاعَةٌ في العُصاةِ الَّذِينَ لا يَكُونُونَ مِنَ الكُفّارِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ المَعْصِيَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّغائِرِ أوْ مِنَ الكَبائِرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ أوْ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والأوَّلُ والثّانِي باطِلانِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن عَصانِي﴾ اللَّفْظُ فِيهِ مُطْلَقٌ فَتَخْصِيصُهُ بِالصَّغِيرَةِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا فالصَّغائِرُ والكَبائِرُ بَعْدَ التَّوْبَةِ واجِبَةُ الغُفْرانِ عِنْدَ الخُصُومِ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَفاعَةٌ في إسْقاطِ العِقابِ عَنْ أهْلِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وإذا ثَبَتَ حُصُولُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَبَتَ حُصُولُها في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. والثّانِي: وهو أنَّ هَذا المَنصِبَ أعْلى المَناصِبِ فَلَوْ حَصَلَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ حاصِلٍ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لَكانَ ذَلِكَ نُقْصانًا في حَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّالِثُ: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مَأْمُورٌ بِالِاقْتِداءِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ فَهَذا وجْهٌ قَرِيبٌ في إثْباتِ الشَّفاعَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وفي إسْقاطِ العِقابِ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ. واللَّهُ أعْلَمُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَلْنَذْكُرْ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ: قالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ ومَن عَصانِي ثُمَّ تابَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الدُّعاءَ إنَّما كانَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، وقِيلَ: مَن عَصانِي بِإقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَعْنِي أنَّكَ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ وتَرْحَمَهُ بِأنْ تَنْقُلَهُ عَنِ الكُفْرِ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذِهِ المَغْفِرَةِ أنْ لا يُعاجِلَهم بِالعِقابِ بَلْ يُمْهِلُهم حَتّى يَتُوبُوا، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنْ لا تُعَجِّلَ اخْتِرامَهم فَتَفُوتَهُمُ التَّوْبَةُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ضَعِيفَةٌ. أمّا الأوَّلُ: وهو حَمْلُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ عَلى المَعْصِيَةِ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ فَقَدْ أبْطَلْناهُ. وأمّا الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: إنَّ هَذِهِ الشَّفاعَةَ إنَّما كانَتْ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ فَنَقُولُ: هَذا أيْضًا بَعِيدٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الدُّعاءِ هو الشَّفاعَةَ في إسْقاطِ عِقابِ الكُفْرِ. وأمّا الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ المُرادُ مِن كَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا أنْ يَنْقُلَهُ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ فَهو أيْضًا بَعِيدٌ، لِأنَّ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ مُشْعِرَةٌ بِإسْقاطِ العِقابِ ولا إشْعارَ فِيهِما بِالنَّقْلِ مِن صِفَةِ الكُفْرِ إلى صِفَةِ الإيمانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وأمّا الرّابِعُ: وهو أنْ تُحْمَلَ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ عَلى تَعْجِيلِ العِقابِ أوْ تَرْكِ تَعْجِيلِ الإماتَةِ. فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ كَفّارَ زَمانِنا هَذا أكْثَرُ مِنهم ولَمْ يُعاجِلْهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعِقابِ ولا بِالمَوْتِ مَعَ أنَّ أهْلَ الإسْلامِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَغْفُورِينَ ولا مَرْحُومِينَ، فَبَطَلَ تَفْسِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلى تَرْكِ تَعْجِيلِ العِقابِ بِهَذا الوجه، وظَهَرَ بِما ذَكَرْنا صِحَّةُ ما قَرَّرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لا مَعْبُودَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وأنَّهُ لا يَجُوزُ عِبادَةُ غَيْرِهِ تَعالى صفحة ١٠٤ البَتَّةَ حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبالَغَتَهُ في إنْكارِ عِبادَةِ الأوْثانِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أشْياءَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ والمُرادُ: مَكَّةُ، ﴿آمِنًا﴾ ذا أمْنٍ. فَإنْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وبَيْنِ قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ ؟ قُلْنا: سَألَ في الأوَّلِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي يَأْمَنُ أهْلُها فَلا يَخافُونَ، وفي الثّانِي: أنْ يُزِيلَ عَنْها الصِّفَةَ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً لَها، وهي الخَوْفُ، ويَحْصُلَ لَها ضِدُّ تِلْكَ الصِّفَةِ وهو الأمْنُ، كَأنَّهُ قالَ هو بَلَدٌ مَخُوفٌ فاجْعَلْهُ آمِنًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. * * * وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قُرِئَ ﴿واجْنُبْنِي﴾ وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: جَنَبَهُ وأجْنَبَهُ وجَنَّبَهُ. قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُ: جَنَبَنِي يَجْنُبُنِي بِالتَّخْفِيفِ. وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: جَنَّبَنِي شَرَّهُ وأجْنَبَنِي شَرَّهُ، وأصْلُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ عَلى جانِبٍ وناحِيَةٍ. المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإشْكالُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ آمِنًا، وما قَبِلَ اللَّهِ دُعاءَهُ، لِأنَّ جَماعَةً خَرَّبُوا الكَعْبَةَ وأغارُوا عَلى مَكَّةَ. وثانِيها: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَعْبُدُونَ الوَثَنَ البَتَّةَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: اجْنُبْنِي عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ ؟ وثالِثُها: أنَّهُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ لا يَجْعَلَ أبْناءَهُ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ، واللَّهُ تَعالى لَمْ يَقْبَلْ دُعاءَهُ، لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا مِن أوْلادِهِ، مَعَ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ. فَإنْ قالُوا: إنَّهم ما كانُوا أبْناءَ إبْراهِيمَ وإنَّما كانُوا أبْناءَ أبْنائِهِ، والدُّعاءُ مَخْصُوصٌ بِالأبْناءِ، فَنَقُولُ: فَإذا كانَ المُرادُ مِن أُولَئِكَ الأبْناءِ أبْناءَهُ مِن صُلْبِهِ، وهم ما كانُوا إلّا إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وهُما كانا مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأنْبِياءَ لا يَعْبُدُونَ الصَّنَمَ، فَقَدْ عادَ السُّؤالُ في أنَّهُ ما الفائِدَةُ في ذَلِكَ الدُّعاءِ ؟ والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ نُقِلَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن بِناءِ الكَعْبَةِ ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ، والمُرادُ مِنهُ: جَعْلُ تِلْكَ البَلْدَةِ آمِنَةً مِنَ الخَرابِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ جَعْلُ أهْلِها آمِنِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ أهْلَ القَرْيَةِ، وهَذا الوجه عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الوجه الأوَّلُ: ما اخْتَصَّتْ بِهِ مَكَّةُ مِن حُصُولِ مَزِيدٍ مِنَ الأمْنِ، وهو أنَّ الخائِفَ كانَ إذا التَجَأ إلى مَكَّةَ أمِنَ، وكانَ النّاسُ مَعَ شِدَّةِ العَداوَةِ بَيْنَهم يَتَلاقَوْنَ بِمَكَّةَ فَلا يَخافُ بَعْضُهم بَعْضًا، ومِن ذَلِكَ أمْنُ الوَحْشِ فَإنَّهم يَقْرَبُونَ مِنَ النّاسِ إذا كانُوا بِمَكَّةَ، ويَكُونُونَ مُسْتَوْحِشِينَ عَنِ النّاسِ خارِجَ مَكَّةَ، فَهَذا النوع مِنَ الأمْنِ حاصِلٌ في مَكَّةَ فَوَجَبَ حَمْلُ الدُّعاءِ عَلَيْهِ. والوجه الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ أيْ بِالأمْرِ والحكم بِجَعْلِهِ آمِنًا، وذَلِكَ الأمْرُ والحكم حاصِلٌ لا مَحالَةَ. والجَوابُ: عَنِ السُّؤالِ الثّانِي قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها كَما قالَ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] أيْ ثَبِّتْنا عَلى الإسْلامِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: السُّؤالُ باقٍ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ تَعالى يُثَبِّتُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى صفحة ١٠٥ الِاجْتِنابِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ فَما الفائِدَةُ في هَذا السُّؤالِ ؟ والصَّحِيحُ عِنْدِي في الجَوابِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى يَعْصِمُهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ هَضْمًا لِلنَّفْسِ وإظْهارًا لِلْحاجَةِ والفاقَةِ إلى فَضْلِ اللَّهِ في كُلِّ المَطالِبِ. والثّانِي: أنَّ الصُّوفِيَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ الشِّرْكَ نَوْعانِ: شِرْكٌ جَلِيٌّ وهو الَّذِي يَقُولُ بِهِ المُشْرِكُونَ، وشِرْكٌ خَفِيٌّ وهو تَعْلِيقُ القَلْبِ بِالوَسايِطِ وبِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ، والتَّوْحِيدُ المَحْضُ هو أنْ يَنْقَطِعَ نَظَرُهُ عَنِ الوَسايِطِ ولا يَرى مُتَصَرِّفًا سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْصِمَهُ عَنْ هَذا الشِّرْكِ الخَفِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّالِثِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ ﴿وبَنِيَّ﴾ أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهِ، والفائِدَةُ في هَذا الدُّعاءِ عَيْنُ الفائِدَةِ الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي﴾ . والثّانِي: قالَ بَعْضُهم: أرادَ مِن أوْلادِهِ وأوْلادِ أوْلادِهِ كُلَّ مَن كانُوا مَوْجُودِينَ حالَ الدُّعاءِ، ولا شُبْهَةَ أنَّ دَعْوَتَهُ مُجابَةٌ فِيهِمْ. الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ المُصَوَّرُ وما لَيْسَ بِمُصَوَّرٍ فَهو وثَنٌ. وكُفّارُ قُرَيْشٍ ما عَبَدُوا التِّمْثالَ، وإنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ أحْجارًا مَخْصُوصَةً وأشْجارًا مَخْصُوصَةً، وهَذا الجَوابُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهَذا الدُّعاءِ إلّا عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والحَجَرُ كالصَّنَمِ في ذَلِكَ. الرّابِعُ: أنَّ هَذا الدُّعاءَ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ مِن أوْلادِهِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ عَلى دِينِهِ فَإنَّهُ لَيْسَ مِنهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى لِنُوحٍ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] . والخامِسُ: لَعَلَّهُ وإنْ كانَ عَمَّمَ في الدُّعاءِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ دُعاءَهُ في حَقِّ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ تَحْقِيرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] . المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يَجْنُبَهُ ويَجْنُبَ أوْلادَهُ مِنَ الكُفْرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّبْعِيدَ مِنَ الكُفْرِ والتَّقْرِيبَ مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُ المُعْتَزِلَةِ إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الألْطافِ فاسِدٌ، لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، ولِأنّا قَدْ ذَكَرْنا وُجُوهًا كَثِيرَةً في إفْسادِ هَذا التَّأْوِيلِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ واتَّفَقَ كُلُّ الفِرَقِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أضْلَلْنَ﴾ مَجازٌ لِأنَّها جَماداتٌ، والجَمادُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا البَتَّةَ، إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الإضْلالُ عِنْدَ عِبادَتِها أُضِيفَ إلَيْها، كَما تَقُولُ: فَتَنَتْهُمُ الدُّنْيا وغَرَّتْهم أيِ افْتُتِنُوا بِها واغْتَرُّوا بِسَبَبِها. ثم قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ يَعْنِي مَن تَبِعَنِي في دِينِي واعْتِقادِي فَإنَّهُ مِنِّي، أيْ جارٍ مَجْرى بَعْضِي لِفَرْطِ اخْتِصاصِهِ بِي وقُرْبِهِ مِنِّي، ومَن عَصانِي في غَيْرِ الدِّينِ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ، والغَرَضُ مِنهُ الشَّفاعَةُ في حَقِّ أصْحابِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ صَرِيحٌ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِأُولَئِكَ العُصاةِ. فَنَقُولُ: أُولَئِكَ العُصاةُ إمّا أنْ يَكُونُوا مِنَ الكُفّارِ أوْ لا يَكُونُوا كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ في مُقَدِّمَةِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مُبَرَّأٌ عَنِ الكُفّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ عَلى دِينِهِ فَإنَّهُ لَيْسَ مِنهُ ولا يَهْتَمُّ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ. والثّانِي: أنَّ الأُمَّةَ صفحة ١٠٦ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ في إسْقاطِ عِقابِ الكُفْرِ غَيْرُ جائِزَةٍ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ شَفاعَةٌ في العُصاةِ الَّذِينَ لا يَكُونُونَ مِنَ الكُفّارِ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ المَعْصِيَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّغائِرِ أوْ مِنَ الكَبائِرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ أوْ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والأوَّلُ والثّانِي باطِلانِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن عَصانِي﴾ اللَّفْظُ فِيهِ مُطْلَقٌ فَتَخْصِيصُهُ بِالصَّغِيرَةِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا فالصَّغائِرُ والكَبائِرُ بَعْدَ التَّوْبَةِ واجِبَةُ الغُفْرانِ عِنْدَ الخُصُومِ فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَفاعَةٌ في إسْقاطِ العِقابِ عَنْ أهْلِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وإذا ثَبَتَ حُصُولُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَبَتَ حُصُولُها في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ. والثّانِي: وهو أنَّ هَذا المَنصِبَ أعْلى المَناصِبِ فَلَوْ حَصَلَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ حاصِلٍ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لَكانَ ذَلِكَ نُقْصانًا في حَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّالِثُ: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مَأْمُورٌ بِالِاقْتِداءِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ فَهَذا وجْهٌ قَرِيبٌ في إثْباتِ الشَّفاعَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وفي إسْقاطِ العِقابِ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ. واللَّهُ أعْلَمُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَلْنَذْكُرْ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ: قالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ ومَن عَصانِي ثُمَّ تابَ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الدُّعاءَ إنَّما كانَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، وقِيلَ: مَن عَصانِي بِإقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَعْنِي أنَّكَ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ وتَرْحَمَهُ بِأنْ تَنْقُلَهُ عَنِ الكُفْرِ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذِهِ المَغْفِرَةِ أنْ لا يُعاجِلَهم بِالعِقابِ بَلْ يُمْهِلُهم حَتّى يَتُوبُوا، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنْ لا تُعَجِّلَ اخْتِرامَهم فَتَفُوتَهُمُ التَّوْبَةُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ضَعِيفَةٌ. أمّا الأوَّلُ: وهو حَمْلُ هَذِهِ الشَّفاعَةِ عَلى المَعْصِيَةِ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ فَقَدْ أبْطَلْناهُ. وأمّا الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: إنَّ هَذِهِ الشَّفاعَةَ إنَّما كانَتْ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ فَنَقُولُ: هَذا أيْضًا بَعِيدٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الدُّعاءِ هو الشَّفاعَةَ في إسْقاطِ عِقابِ الكُفْرِ. وأمّا الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ المُرادُ مِن كَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا أنْ يَنْقُلَهُ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ فَهو أيْضًا بَعِيدٌ، لِأنَّ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ مُشْعِرَةٌ بِإسْقاطِ العِقابِ ولا إشْعارَ فِيهِما بِالنَّقْلِ مِن صِفَةِ الكُفْرِ إلى صِفَةِ الإيمانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وأمّا الرّابِعُ: وهو أنْ تُحْمَلَ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ عَلى تَعْجِيلِ العِقابِ أوْ تَرْكِ تَعْجِيلِ الإماتَةِ. فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ كَفّارَ زَمانِنا هَذا أكْثَرُ مِنهم ولَمْ يُعاجِلْهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعِقابِ ولا بِالمَوْتِ مَعَ أنَّ أهْلَ الإسْلامِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَغْفُورِينَ ولا مَرْحُومِينَ، فَبَطَلَ تَفْسِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلى تَرْكِ تَعْجِيلِ العِقابِ بِهَذا الوجه، وظَهَرَ بِما ذَكَرْنا صِحَّةُ ما قَرَّرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ طَلَبَ في دُعائِهِ أُمُورًا سَبْعَةً: المَطْلُوبُ الأوَّلُ: طَلَبَ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةَ الأمانِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ والِابْتِداءُ بِطَلَبِ نِعْمَةِ الأمْنِ في هَذا الدُّعاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ أنْواعِ النِّعَمِ والخَيْراتِ، وأنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِن مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا إلّا بِهِ، وسُئِلَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأمْنُ أفْضَلُ أمِ الصِّحَّةُ ؟ فَقالَ: الأمْنُ أفْضَلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ شاةً لَوِ انْكَسَرَتْ رِجْلُها فَإنَّها تَصِحُّ بَعْدَ زَمانٍ، ثُمَّ إنَّها تُقْبِلُ عَلى الرَّعْيِ والأكْلِ، ولَوْ أنَّها رُبِطَتْ في مَوْضِعٍ ورُبِطَ بِالقُرْبِ مِنها ذِئْبٌ فَإنَّها تُمْسِكُ عَنِ العَلَفِ ولا تَتَناوَلُهُ إلى أنْ تَمُوتَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّرَرَ الحاصِلَ مِنَ الخَوْفِ أشَدُّ مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِن ألَمِ الجَسَدِ. والمَطْلُوبُ الثّانِي: أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ التَّوْحِيدَ، ويَصُونَهُ عَنِ الشِّرْكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ . والمَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي وهو إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ. ﴿بِوادٍ﴾ هو وادِي مَكَّةَ ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يَحْصُلُ فِيهِ اعْوِجاجٌ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ، وذَكَرُوا في تَسْمِيَتِهِ المُحَرَّمَ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَوْلَهُ حَرَمًا لِمَكانِهِ. الثّانِي: أنَّهُ كانَ لَمْ يَزَلْ مُمْتَنِعًا عَزِيزًا يَهابُهُ كُلُّ جَبّارٍ كالشَّيْءِ المُحَرَّمِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُجْتَنَبَ. الثّالِثُ: سُمِّيَ مُحَرَّمًا لِأنَّهُ مُحْتَرَمٌ عَظِيمُ الحُرْمَةِ لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. الرّابِعُ: أنَّهُ حَرُمَ عَلى الطُّوفانِ أيِ امْتَنَعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يُسْتَعْلَ عَلَيْهِ. الخامِسُ: أمَرَ الصّائِرِينَ إلَيْهِ أنْ يُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أشْياءَ كانَتْ تَحِلُّ لَهم مِن قَبْلُ. السّادِسُ: حَرَّمَ مَوْضِعَ البَيْتِ حِينَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وحَفَّهُ بِسَبْعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وهو مِثْلُ البَيْتِ المَعْمُورِ الَّذِي بَناهُ آدَمُ، فَرُفِعَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ. السّابِعُ: حَرَّمَ عَلى عِبادِهِ أنْ يَقْرَبُوهُ بِالدِّماءِ والأقْذارِ وغَيْرِها. رُوِي أنَّ هاجَرَ كانَتْ أمَةً لِسارَّةَ فَوَهَبَتْها لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَلَدَتْ لَهُ صفحة ١٠٨ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَتْ سارَّةُ: كُنْتُ أرْجُو أنْ يَهَبَ اللَّهُ لِي ولَدًا مِن خَلِيلِهِ فَمَنَعْنِيهِ ورَزَقَهُ خادِمَتِي، وقالَتْ لِإبْراهِيمَ: أبْعِدْهُما مِنِّي فَنَقَلَهُما إلى مَكَّةَ وإسْماعِيلُ رَضِيعٌ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَتْ هاجَرُ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ. ثُمَّ دَعا اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ إنَّها عَطِشَتْ وعَطِشَ الصَّبِيُّ فانْتَهَتْ بِالصَّبِيِّ إلى مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَضَرَبَ بِقَدَمِهِ فَفارَتْ عَيْنًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ إسْماعِيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا“»، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عادَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ واشْتَغَلَ هو مَعَ إسْماعِيلَ بِرَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ. قالَ القاضِي: أكْثَرُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الحِكايَةِ بَعِيدَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَنْقُلَ ولَدَهُ إلى حَيْثُ لا طَعامَ ولا ماءَ مَعَ أنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقُلَهُما إلى بَلْدَةٍ أُخْرى مِن بِلادِ الشّامِ لِأجْلِ قَوْلِ سارَّةَ، إلّا إذا قُلْنا: إنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ يَحْصُلُ هُناكَ ماءٌ وطَعامٌ. وأقُولُ: أمّا ظُهُورُ ماءِ زَمْزَمَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إرْهاصًا لِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَنا جائِزٌ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ثم قال: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأسْكَنْتُ أيْ أسْكَنْتُ قَوْمًا مِن ذُرِّيَّتِي وهم إسْماعِيلُ وأوْلادُهُ بِهَذا الوادِي الَّذِي لا زَرْعَ فِيهِ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ. ثم قال: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: هَوِيَ يَهْوِي هَوِيًّا بِالفَتْحِ إذا سَقَطَ مِن عُلْوٍ إلى سُفْلٍ. وقِيلَ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُرِيدُهم، وقِيلَ: تُسْرِعُ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: تَنْحَطُّ إلَيْهِمْ وتَنْحَدِرُ إلَيْهِمْ وتَنْزِلُ، يُقالُ: هَوِيَ الحَجَرُ مِن رَأسِ الجَبَلِ يَهْوِي إذا انْحَدَرَ وانْصَبَّ، وهَوِيَ الرَّجُلُ إذا انْحَدَرَ مِن رَأسِ الجَبَلِ. البحث الثّانِي: أنَّ هَذا الدُّعاءَ جامِعٌ لِلدِّينِ والدُّنْيا. أمّا الدِّينُ فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى الذَّهابِ إلى تِلْكَ البَلْدَةِ بِسَبَبِ النُّسُكِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى. وأمّا الدُّنْيا فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى نَقْلِ المَعاشاتِ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ التِّجاراتِ، فَلِأجْلِ هَذا المَيْلِ يَتَّسِعُ عَيْشُهم، ويَكْثُرُ طَعامُهم ولِباسُهم. البحث الثّالِثُ: كَلِمَةُ ﴿مِن﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، والمَعْنى: فاجْعَلْ أفْئِدَةَ بَعْضِ النّاسِ مائِلَةً إلَيْهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ والتُّرْكُ والهِنْدُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَهُمُ المُسْلِمُونَ. ثم قال: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وارْزُقْهُمُ الثَّمَراتِ، بَلْ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إيصالُ بَعْضِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ. البحث الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإيصالِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ إيصالَها إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التِّجاراتِ، وإنَّما يَكُونُ المُرادُ عِمارَةَ القُرى بِالقُرْبِ مِنها لِتَحْصِيلِ الثِّمارِ مِنها. ثم قال: ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ لِلْعاقِلِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا أنْ يَتَفَرَّغَ لِأداءِ العِباداتِ وإقامَةِ الطّاعاتِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما طَلَبَ تَيْسِيرَ المَنافِعِ عَلى أوْلادِهِ لِأجْلِ أنْ صفحة ١٠٩ يَتَفَرَّغُوا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ وأداءِ الواجِباتِ. * * * المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَيْسِيرَ المَنافِعِ لِأوْلادِهِ وتَسْهِيلَها عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ عَواقِبَ الأحْوالِ ونِهاياتِ الأُمُورِ في المُسْتَقْبَلِ، وأنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِها المُحِيطُ بِأسْرارِها، فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ والمَعْنى: أنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا ومَفاسِدِنا مِنّا، قِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ بِسَبَبِ حُصُولِ الفُرْقَةِ بَيْنِي وبَيْنَ إسْماعِيلَ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ، وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الحُزْنِ المُتَمَكِّنِ في القَلْبِ، وما نُعْلِنُ: يُرِيدُ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حَيْثُ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم، قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: إذَنْ لا نَخْشى. ثم قال: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] . والثّانِي: أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْنِي: وما يَخْفى عَلى الَّذِي هو عالِمُ الغَيْبِ مِن شَيْءٍ في كُلِّ مَكانٍ، ولَفْظُ ”مِن“ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما. ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أعْطى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذَيْنِ الوَلَدَيْنِ - أعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ - عَلى الكِبَرِ والشَّيْخُوخَةِ، فَأمّا مِقْدارُ ذَلِكَ السِّنِّ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ مِنَ القُرْآنِ وإنَّما يُرْجَعُ فِيهِ إلى الرِّواياتِ، فَقِيلَ: لَمّا وُلِدَ إسْماعِيلُ كانَ سِنُّ إبْراهِيمَ تِسْعًا وتِسْعِينَ سَنَةً، ولَمّا وُلِدَ إسْحاقُ كانَ سِنُّهُ مِائَةً واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ سَنَةً ووُلِدَ إسْحاقُ لِتِسْعِينَ سَنَةً، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لِإبْراهِيمَ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وإنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ لِأنَّ المِنَّةَ بِهِبَةِ الوَلَدِ في هَذا السِّنِّ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الزَّمانَ زَمانُ وُقُوعِ اليَأْسِ مِنَ الوِلادَةِ، والظَّفَرُ بِالحاجَةِ في وقْتِ اليَأْسِ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، ولِأنَّ الوِلادَةَ في تِلْكَ السِّنِّ العالِيَةِ كانَتْ آيَةً لِإبْراهِيمَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ عِنْدَما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ أُمَّهُ في ذَلِكَ الوادِي، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ ما وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ ؟ قُلْنا: قالَ القاضِي: هَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ في زَمانٍ آخَرَ لا عَقِيبَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُّعاءِ. ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ وظُهُورِ إسْحاقَ، وإنْ كانَ ظاهِرُ الرِّواياتِ بِخِلافِهِ. البحث الثّانِي: ”عَلى“ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ وهُوَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: وهَبَ لِي في حالِ الكِبَرِ. البحث الثّالِثُ: في المُناسَبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ صفحة ١١٠ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وذَلِكَ هو كَأنَّهُ كانَ في قَلْبِهِ أنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ إعانَتَهُما وإعانَةَ ذُرِّيَّتِهِما بَعْدَ مَوْتِهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا المَطْلُوبِ، بَلْ قالَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ إنَّكَ تَعْلَمُ ما في قُلُوبِنا وضَمائِرِنا، ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّهُما يَبْقَيانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأنَّهُ مَشْغُولُ القَلْبِ بِسَبَبِهِما فَكانَ هَذا دُعاءً لَهُما بِالخَيْرِ والمَعُونَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالثَّناءِ عِنْدَ الحاجَةِ إلى الدُّعاءِ أفْضَلُ مِنَ الدُّعاءِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ أنَّهُ قالَ: «”مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ“» . ثم قال: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الدُّعاءَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ لا عَلى وجْهِ الإيضاحِ والتَّصْرِيحِ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِالمَقْصُودِ سَواءً صَرَّحْتُ بِهِ أوْ لَمْ أُصَرِّحْ. وقَوْلُهُ: ”سَمِيعُ الدُّعاءِ“ مِن قَوْلِكَ: سَمِعَ المَلِكُ كَلامَ فُلانٍ إذا اعْتَدَّ بِهِ وقَبِلَهُ، ومِنهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ. * * * المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ المَنهِيّاتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ المَأْمُوراتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُصِرًّا عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ. المسألة الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وإنَّما ذَكَرَ هَذا التَّبْعِيضَ لِأنَّهُ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّتِهِ جَمْعٌ مِنَ الكُفّارِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] . المَطْلُوبُ السّادِسُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا اللَّهَ في المَطالِبِ المَذْكُورَةِ دَعا اللَّهَ تَعالى في أنْ يَقْبَلَ دُعاءَهُ فَقالَ: ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عِبادَتِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] . * * * المَطْلُوبُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ سابِقَةِ الذَّنْبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ وإنْ كانَ قاطِعًا بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ، فَكَيْفَ طَلَبَ تَحْصِيلَ ما كانَ قاطِعًا بِحُصُولِهِ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ الِالتِجاءُ إلى اللَّهِ تَعالى وقَطْعُ الطَّمَعِ إلّا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ. المسألة الثّانِيَةُ: إنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟ فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المَنعَ مِنهُ لا يُعْلَمُ إلّا بِالتَّوْقِيفِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنهُ مَنعًا فَظَنَّ كَوْنَهُ جائِزًا. الثّانِي: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. الثّالِثُ: كانَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الإسْلامِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ باطِلًا ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَبَطَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقالَ بَعْضُهم: كانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، ولِهَذا السَّبَبِ خَصَّ أباهُ صفحة ١١١ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . واللَّهُ أعْلَمُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: يَقُومُ أيْ يَثْبُتُ وهو مُسْتَعارٌ مِن قِيامِ القائِمِ عَلى الرِّجْلِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ، أيْ أشْرَقَتْ وثَبَتَ ضَوْؤُها كَأنَّها قامَتْ عَلى رِجْلٍ. الثّانِي: أنْ يُسْنَدَ إلى الحِسابِ قِيامُ أهْلِهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ أهْلَها. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ طَلَبَ في دُعائِهِ أُمُورًا سَبْعَةً: المَطْلُوبُ الأوَّلُ: طَلَبَ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةَ الأمانِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ والِابْتِداءُ بِطَلَبِ نِعْمَةِ الأمْنِ في هَذا الدُّعاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ أنْواعِ النِّعَمِ والخَيْراتِ، وأنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِن مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا إلّا بِهِ، وسُئِلَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأمْنُ أفْضَلُ أمِ الصِّحَّةُ ؟ فَقالَ: الأمْنُ أفْضَلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ شاةً لَوِ انْكَسَرَتْ رِجْلُها فَإنَّها تَصِحُّ بَعْدَ زَمانٍ، ثُمَّ إنَّها تُقْبِلُ عَلى الرَّعْيِ والأكْلِ، ولَوْ أنَّها رُبِطَتْ في مَوْضِعٍ ورُبِطَ بِالقُرْبِ مِنها ذِئْبٌ فَإنَّها تُمْسِكُ عَنِ العَلَفِ ولا تَتَناوَلُهُ إلى أنْ تَمُوتَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّرَرَ الحاصِلَ مِنَ الخَوْفِ أشَدُّ مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِن ألَمِ الجَسَدِ. والمَطْلُوبُ الثّانِي: أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ التَّوْحِيدَ، ويَصُونَهُ عَنِ الشِّرْكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ . والمَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي وهو إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ. ﴿بِوادٍ﴾ هو وادِي مَكَّةَ ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يَحْصُلُ فِيهِ اعْوِجاجٌ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ، وذَكَرُوا في تَسْمِيَتِهِ المُحَرَّمَ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَوْلَهُ حَرَمًا لِمَكانِهِ. الثّانِي: أنَّهُ كانَ لَمْ يَزَلْ مُمْتَنِعًا عَزِيزًا يَهابُهُ كُلُّ جَبّارٍ كالشَّيْءِ المُحَرَّمِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُجْتَنَبَ. الثّالِثُ: سُمِّيَ مُحَرَّمًا لِأنَّهُ مُحْتَرَمٌ عَظِيمُ الحُرْمَةِ لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. الرّابِعُ: أنَّهُ حَرُمَ عَلى الطُّوفانِ أيِ امْتَنَعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يُسْتَعْلَ عَلَيْهِ. الخامِسُ: أمَرَ الصّائِرِينَ إلَيْهِ أنْ يُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أشْياءَ كانَتْ تَحِلُّ لَهم مِن قَبْلُ. السّادِسُ: حَرَّمَ مَوْضِعَ البَيْتِ حِينَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وحَفَّهُ بِسَبْعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وهو مِثْلُ البَيْتِ المَعْمُورِ الَّذِي بَناهُ آدَمُ، فَرُفِعَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ. السّابِعُ: حَرَّمَ عَلى عِبادِهِ أنْ يَقْرَبُوهُ بِالدِّماءِ والأقْذارِ وغَيْرِها. رُوِي أنَّ هاجَرَ كانَتْ أمَةً لِسارَّةَ فَوَهَبَتْها لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَلَدَتْ لَهُ صفحة ١٠٨ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَتْ سارَّةُ: كُنْتُ أرْجُو أنْ يَهَبَ اللَّهُ لِي ولَدًا مِن خَلِيلِهِ فَمَنَعْنِيهِ ورَزَقَهُ خادِمَتِي، وقالَتْ لِإبْراهِيمَ: أبْعِدْهُما مِنِّي فَنَقَلَهُما إلى مَكَّةَ وإسْماعِيلُ رَضِيعٌ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَتْ هاجَرُ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ. ثُمَّ دَعا اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ إنَّها عَطِشَتْ وعَطِشَ الصَّبِيُّ فانْتَهَتْ بِالصَّبِيِّ إلى مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَضَرَبَ بِقَدَمِهِ فَفارَتْ عَيْنًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ إسْماعِيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا“»، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عادَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ واشْتَغَلَ هو مَعَ إسْماعِيلَ بِرَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ. قالَ القاضِي: أكْثَرُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الحِكايَةِ بَعِيدَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَنْقُلَ ولَدَهُ إلى حَيْثُ لا طَعامَ ولا ماءَ مَعَ أنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقُلَهُما إلى بَلْدَةٍ أُخْرى مِن بِلادِ الشّامِ لِأجْلِ قَوْلِ سارَّةَ، إلّا إذا قُلْنا: إنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ يَحْصُلُ هُناكَ ماءٌ وطَعامٌ. وأقُولُ: أمّا ظُهُورُ ماءِ زَمْزَمَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إرْهاصًا لِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَنا جائِزٌ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ثم قال: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأسْكَنْتُ أيْ أسْكَنْتُ قَوْمًا مِن ذُرِّيَّتِي وهم إسْماعِيلُ وأوْلادُهُ بِهَذا الوادِي الَّذِي لا زَرْعَ فِيهِ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ. ثم قال: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: هَوِيَ يَهْوِي هَوِيًّا بِالفَتْحِ إذا سَقَطَ مِن عُلْوٍ إلى سُفْلٍ. وقِيلَ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُرِيدُهم، وقِيلَ: تُسْرِعُ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: تَنْحَطُّ إلَيْهِمْ وتَنْحَدِرُ إلَيْهِمْ وتَنْزِلُ، يُقالُ: هَوِيَ الحَجَرُ مِن رَأسِ الجَبَلِ يَهْوِي إذا انْحَدَرَ وانْصَبَّ، وهَوِيَ الرَّجُلُ إذا انْحَدَرَ مِن رَأسِ الجَبَلِ. البحث الثّانِي: أنَّ هَذا الدُّعاءَ جامِعٌ لِلدِّينِ والدُّنْيا. أمّا الدِّينُ فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى الذَّهابِ إلى تِلْكَ البَلْدَةِ بِسَبَبِ النُّسُكِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى. وأمّا الدُّنْيا فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى نَقْلِ المَعاشاتِ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ التِّجاراتِ، فَلِأجْلِ هَذا المَيْلِ يَتَّسِعُ عَيْشُهم، ويَكْثُرُ طَعامُهم ولِباسُهم. البحث الثّالِثُ: كَلِمَةُ ﴿مِن﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، والمَعْنى: فاجْعَلْ أفْئِدَةَ بَعْضِ النّاسِ مائِلَةً إلَيْهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ والتُّرْكُ والهِنْدُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَهُمُ المُسْلِمُونَ. ثم قال: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وارْزُقْهُمُ الثَّمَراتِ، بَلْ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إيصالُ بَعْضِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ. البحث الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإيصالِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ إيصالَها إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التِّجاراتِ، وإنَّما يَكُونُ المُرادُ عِمارَةَ القُرى بِالقُرْبِ مِنها لِتَحْصِيلِ الثِّمارِ مِنها. ثم قال: ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ لِلْعاقِلِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا أنْ يَتَفَرَّغَ لِأداءِ العِباداتِ وإقامَةِ الطّاعاتِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما طَلَبَ تَيْسِيرَ المَنافِعِ عَلى أوْلادِهِ لِأجْلِ أنْ صفحة ١٠٩ يَتَفَرَّغُوا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ وأداءِ الواجِباتِ. * * * المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَيْسِيرَ المَنافِعِ لِأوْلادِهِ وتَسْهِيلَها عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ عَواقِبَ الأحْوالِ ونِهاياتِ الأُمُورِ في المُسْتَقْبَلِ، وأنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِها المُحِيطُ بِأسْرارِها، فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ والمَعْنى: أنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا ومَفاسِدِنا مِنّا، قِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ بِسَبَبِ حُصُولِ الفُرْقَةِ بَيْنِي وبَيْنَ إسْماعِيلَ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ، وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الحُزْنِ المُتَمَكِّنِ في القَلْبِ، وما نُعْلِنُ: يُرِيدُ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حَيْثُ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم، قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: إذَنْ لا نَخْشى. ثم قال: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] . والثّانِي: أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْنِي: وما يَخْفى عَلى الَّذِي هو عالِمُ الغَيْبِ مِن شَيْءٍ في كُلِّ مَكانٍ، ولَفْظُ ”مِن“ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما. ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أعْطى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذَيْنِ الوَلَدَيْنِ - أعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ - عَلى الكِبَرِ والشَّيْخُوخَةِ، فَأمّا مِقْدارُ ذَلِكَ السِّنِّ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ مِنَ القُرْآنِ وإنَّما يُرْجَعُ فِيهِ إلى الرِّواياتِ، فَقِيلَ: لَمّا وُلِدَ إسْماعِيلُ كانَ سِنُّ إبْراهِيمَ تِسْعًا وتِسْعِينَ سَنَةً، ولَمّا وُلِدَ إسْحاقُ كانَ سِنُّهُ مِائَةً واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ سَنَةً ووُلِدَ إسْحاقُ لِتِسْعِينَ سَنَةً، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لِإبْراهِيمَ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وإنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ لِأنَّ المِنَّةَ بِهِبَةِ الوَلَدِ في هَذا السِّنِّ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الزَّمانَ زَمانُ وُقُوعِ اليَأْسِ مِنَ الوِلادَةِ، والظَّفَرُ بِالحاجَةِ في وقْتِ اليَأْسِ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، ولِأنَّ الوِلادَةَ في تِلْكَ السِّنِّ العالِيَةِ كانَتْ آيَةً لِإبْراهِيمَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ عِنْدَما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ أُمَّهُ في ذَلِكَ الوادِي، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ ما وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ ؟ قُلْنا: قالَ القاضِي: هَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ في زَمانٍ آخَرَ لا عَقِيبَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُّعاءِ. ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ وظُهُورِ إسْحاقَ، وإنْ كانَ ظاهِرُ الرِّواياتِ بِخِلافِهِ. البحث الثّانِي: ”عَلى“ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ وهُوَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: وهَبَ لِي في حالِ الكِبَرِ. البحث الثّالِثُ: في المُناسَبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ صفحة ١١٠ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وذَلِكَ هو كَأنَّهُ كانَ في قَلْبِهِ أنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ إعانَتَهُما وإعانَةَ ذُرِّيَّتِهِما بَعْدَ مَوْتِهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا المَطْلُوبِ، بَلْ قالَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ إنَّكَ تَعْلَمُ ما في قُلُوبِنا وضَمائِرِنا، ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّهُما يَبْقَيانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأنَّهُ مَشْغُولُ القَلْبِ بِسَبَبِهِما فَكانَ هَذا دُعاءً لَهُما بِالخَيْرِ والمَعُونَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالثَّناءِ عِنْدَ الحاجَةِ إلى الدُّعاءِ أفْضَلُ مِنَ الدُّعاءِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ أنَّهُ قالَ: «”مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ“» . ثم قال: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الدُّعاءَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ لا عَلى وجْهِ الإيضاحِ والتَّصْرِيحِ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِالمَقْصُودِ سَواءً صَرَّحْتُ بِهِ أوْ لَمْ أُصَرِّحْ. وقَوْلُهُ: ”سَمِيعُ الدُّعاءِ“ مِن قَوْلِكَ: سَمِعَ المَلِكُ كَلامَ فُلانٍ إذا اعْتَدَّ بِهِ وقَبِلَهُ، ومِنهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ. * * * المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ المَنهِيّاتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ المَأْمُوراتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُصِرًّا عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ. المسألة الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وإنَّما ذَكَرَ هَذا التَّبْعِيضَ لِأنَّهُ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّتِهِ جَمْعٌ مِنَ الكُفّارِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] . المَطْلُوبُ السّادِسُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا اللَّهَ في المَطالِبِ المَذْكُورَةِ دَعا اللَّهَ تَعالى في أنْ يَقْبَلَ دُعاءَهُ فَقالَ: ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عِبادَتِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] . * * * المَطْلُوبُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ سابِقَةِ الذَّنْبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ وإنْ كانَ قاطِعًا بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ، فَكَيْفَ طَلَبَ تَحْصِيلَ ما كانَ قاطِعًا بِحُصُولِهِ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ الِالتِجاءُ إلى اللَّهِ تَعالى وقَطْعُ الطَّمَعِ إلّا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ. المسألة الثّانِيَةُ: إنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟ فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المَنعَ مِنهُ لا يُعْلَمُ إلّا بِالتَّوْقِيفِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنهُ مَنعًا فَظَنَّ كَوْنَهُ جائِزًا. الثّانِي: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. الثّالِثُ: كانَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الإسْلامِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ باطِلًا ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَبَطَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقالَ بَعْضُهم: كانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، ولِهَذا السَّبَبِ خَصَّ أباهُ صفحة ١١١ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . واللَّهُ أعْلَمُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: يَقُومُ أيْ يَثْبُتُ وهو مُسْتَعارٌ مِن قِيامِ القائِمِ عَلى الرِّجْلِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ، أيْ أشْرَقَتْ وثَبَتَ ضَوْؤُها كَأنَّها قامَتْ عَلى رِجْلٍ. الثّانِي: أنْ يُسْنَدَ إلى الحِسابِ قِيامُ أهْلِهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ أهْلَها. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ طَلَبَ في دُعائِهِ أُمُورًا سَبْعَةً: المَطْلُوبُ الأوَّلُ: طَلَبَ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةَ الأمانِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ والِابْتِداءُ بِطَلَبِ نِعْمَةِ الأمْنِ في هَذا الدُّعاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ أنْواعِ النِّعَمِ والخَيْراتِ، وأنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِن مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا إلّا بِهِ، وسُئِلَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأمْنُ أفْضَلُ أمِ الصِّحَّةُ ؟ فَقالَ: الأمْنُ أفْضَلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ شاةً لَوِ انْكَسَرَتْ رِجْلُها فَإنَّها تَصِحُّ بَعْدَ زَمانٍ، ثُمَّ إنَّها تُقْبِلُ عَلى الرَّعْيِ والأكْلِ، ولَوْ أنَّها رُبِطَتْ في مَوْضِعٍ ورُبِطَ بِالقُرْبِ مِنها ذِئْبٌ فَإنَّها تُمْسِكُ عَنِ العَلَفِ ولا تَتَناوَلُهُ إلى أنْ تَمُوتَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّرَرَ الحاصِلَ مِنَ الخَوْفِ أشَدُّ مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِن ألَمِ الجَسَدِ. والمَطْلُوبُ الثّانِي: أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ التَّوْحِيدَ، ويَصُونَهُ عَنِ الشِّرْكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ . والمَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي وهو إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ. ﴿بِوادٍ﴾ هو وادِي مَكَّةَ ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يَحْصُلُ فِيهِ اعْوِجاجٌ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ، وذَكَرُوا في تَسْمِيَتِهِ المُحَرَّمَ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَوْلَهُ حَرَمًا لِمَكانِهِ. الثّانِي: أنَّهُ كانَ لَمْ يَزَلْ مُمْتَنِعًا عَزِيزًا يَهابُهُ كُلُّ جَبّارٍ كالشَّيْءِ المُحَرَّمِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُجْتَنَبَ. الثّالِثُ: سُمِّيَ مُحَرَّمًا لِأنَّهُ مُحْتَرَمٌ عَظِيمُ الحُرْمَةِ لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. الرّابِعُ: أنَّهُ حَرُمَ عَلى الطُّوفانِ أيِ امْتَنَعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يُسْتَعْلَ عَلَيْهِ. الخامِسُ: أمَرَ الصّائِرِينَ إلَيْهِ أنْ يُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أشْياءَ كانَتْ تَحِلُّ لَهم مِن قَبْلُ. السّادِسُ: حَرَّمَ مَوْضِعَ البَيْتِ حِينَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وحَفَّهُ بِسَبْعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وهو مِثْلُ البَيْتِ المَعْمُورِ الَّذِي بَناهُ آدَمُ، فَرُفِعَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ. السّابِعُ: حَرَّمَ عَلى عِبادِهِ أنْ يَقْرَبُوهُ بِالدِّماءِ والأقْذارِ وغَيْرِها. رُوِي أنَّ هاجَرَ كانَتْ أمَةً لِسارَّةَ فَوَهَبَتْها لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَلَدَتْ لَهُ صفحة ١٠٨ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَتْ سارَّةُ: كُنْتُ أرْجُو أنْ يَهَبَ اللَّهُ لِي ولَدًا مِن خَلِيلِهِ فَمَنَعْنِيهِ ورَزَقَهُ خادِمَتِي، وقالَتْ لِإبْراهِيمَ: أبْعِدْهُما مِنِّي فَنَقَلَهُما إلى مَكَّةَ وإسْماعِيلُ رَضِيعٌ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَتْ هاجَرُ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ. ثُمَّ دَعا اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ إنَّها عَطِشَتْ وعَطِشَ الصَّبِيُّ فانْتَهَتْ بِالصَّبِيِّ إلى مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَضَرَبَ بِقَدَمِهِ فَفارَتْ عَيْنًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ إسْماعِيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا“»، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عادَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ واشْتَغَلَ هو مَعَ إسْماعِيلَ بِرَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ. قالَ القاضِي: أكْثَرُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الحِكايَةِ بَعِيدَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَنْقُلَ ولَدَهُ إلى حَيْثُ لا طَعامَ ولا ماءَ مَعَ أنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقُلَهُما إلى بَلْدَةٍ أُخْرى مِن بِلادِ الشّامِ لِأجْلِ قَوْلِ سارَّةَ، إلّا إذا قُلْنا: إنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ يَحْصُلُ هُناكَ ماءٌ وطَعامٌ. وأقُولُ: أمّا ظُهُورُ ماءِ زَمْزَمَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إرْهاصًا لِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَنا جائِزٌ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ثم قال: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأسْكَنْتُ أيْ أسْكَنْتُ قَوْمًا مِن ذُرِّيَّتِي وهم إسْماعِيلُ وأوْلادُهُ بِهَذا الوادِي الَّذِي لا زَرْعَ فِيهِ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ. ثم قال: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: هَوِيَ يَهْوِي هَوِيًّا بِالفَتْحِ إذا سَقَطَ مِن عُلْوٍ إلى سُفْلٍ. وقِيلَ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُرِيدُهم، وقِيلَ: تُسْرِعُ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: تَنْحَطُّ إلَيْهِمْ وتَنْحَدِرُ إلَيْهِمْ وتَنْزِلُ، يُقالُ: هَوِيَ الحَجَرُ مِن رَأسِ الجَبَلِ يَهْوِي إذا انْحَدَرَ وانْصَبَّ، وهَوِيَ الرَّجُلُ إذا انْحَدَرَ مِن رَأسِ الجَبَلِ. البحث الثّانِي: أنَّ هَذا الدُّعاءَ جامِعٌ لِلدِّينِ والدُّنْيا. أمّا الدِّينُ فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى الذَّهابِ إلى تِلْكَ البَلْدَةِ بِسَبَبِ النُّسُكِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى. وأمّا الدُّنْيا فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى نَقْلِ المَعاشاتِ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ التِّجاراتِ، فَلِأجْلِ هَذا المَيْلِ يَتَّسِعُ عَيْشُهم، ويَكْثُرُ طَعامُهم ولِباسُهم. البحث الثّالِثُ: كَلِمَةُ ﴿مِن﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، والمَعْنى: فاجْعَلْ أفْئِدَةَ بَعْضِ النّاسِ مائِلَةً إلَيْهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ والتُّرْكُ والهِنْدُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَهُمُ المُسْلِمُونَ. ثم قال: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وارْزُقْهُمُ الثَّمَراتِ، بَلْ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إيصالُ بَعْضِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ. البحث الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإيصالِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ إيصالَها إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التِّجاراتِ، وإنَّما يَكُونُ المُرادُ عِمارَةَ القُرى بِالقُرْبِ مِنها لِتَحْصِيلِ الثِّمارِ مِنها. ثم قال: ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ لِلْعاقِلِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا أنْ يَتَفَرَّغَ لِأداءِ العِباداتِ وإقامَةِ الطّاعاتِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما طَلَبَ تَيْسِيرَ المَنافِعِ عَلى أوْلادِهِ لِأجْلِ أنْ صفحة ١٠٩ يَتَفَرَّغُوا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ وأداءِ الواجِباتِ. * * * المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَيْسِيرَ المَنافِعِ لِأوْلادِهِ وتَسْهِيلَها عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ عَواقِبَ الأحْوالِ ونِهاياتِ الأُمُورِ في المُسْتَقْبَلِ، وأنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِها المُحِيطُ بِأسْرارِها، فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ والمَعْنى: أنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا ومَفاسِدِنا مِنّا، قِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ بِسَبَبِ حُصُولِ الفُرْقَةِ بَيْنِي وبَيْنَ إسْماعِيلَ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ، وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الحُزْنِ المُتَمَكِّنِ في القَلْبِ، وما نُعْلِنُ: يُرِيدُ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حَيْثُ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم، قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: إذَنْ لا نَخْشى. ثم قال: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] . والثّانِي: أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْنِي: وما يَخْفى عَلى الَّذِي هو عالِمُ الغَيْبِ مِن شَيْءٍ في كُلِّ مَكانٍ، ولَفْظُ ”مِن“ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما. ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أعْطى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذَيْنِ الوَلَدَيْنِ - أعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ - عَلى الكِبَرِ والشَّيْخُوخَةِ، فَأمّا مِقْدارُ ذَلِكَ السِّنِّ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ مِنَ القُرْآنِ وإنَّما يُرْجَعُ فِيهِ إلى الرِّواياتِ، فَقِيلَ: لَمّا وُلِدَ إسْماعِيلُ كانَ سِنُّ إبْراهِيمَ تِسْعًا وتِسْعِينَ سَنَةً، ولَمّا وُلِدَ إسْحاقُ كانَ سِنُّهُ مِائَةً واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ سَنَةً ووُلِدَ إسْحاقُ لِتِسْعِينَ سَنَةً، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لِإبْراهِيمَ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وإنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ لِأنَّ المِنَّةَ بِهِبَةِ الوَلَدِ في هَذا السِّنِّ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الزَّمانَ زَمانُ وُقُوعِ اليَأْسِ مِنَ الوِلادَةِ، والظَّفَرُ بِالحاجَةِ في وقْتِ اليَأْسِ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، ولِأنَّ الوِلادَةَ في تِلْكَ السِّنِّ العالِيَةِ كانَتْ آيَةً لِإبْراهِيمَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ عِنْدَما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ أُمَّهُ في ذَلِكَ الوادِي، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ ما وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ ؟ قُلْنا: قالَ القاضِي: هَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ في زَمانٍ آخَرَ لا عَقِيبَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُّعاءِ. ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ وظُهُورِ إسْحاقَ، وإنْ كانَ ظاهِرُ الرِّواياتِ بِخِلافِهِ. البحث الثّانِي: ”عَلى“ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ وهُوَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: وهَبَ لِي في حالِ الكِبَرِ. البحث الثّالِثُ: في المُناسَبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ صفحة ١١٠ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وذَلِكَ هو كَأنَّهُ كانَ في قَلْبِهِ أنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ إعانَتَهُما وإعانَةَ ذُرِّيَّتِهِما بَعْدَ مَوْتِهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا المَطْلُوبِ، بَلْ قالَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ إنَّكَ تَعْلَمُ ما في قُلُوبِنا وضَمائِرِنا، ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّهُما يَبْقَيانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأنَّهُ مَشْغُولُ القَلْبِ بِسَبَبِهِما فَكانَ هَذا دُعاءً لَهُما بِالخَيْرِ والمَعُونَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالثَّناءِ عِنْدَ الحاجَةِ إلى الدُّعاءِ أفْضَلُ مِنَ الدُّعاءِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ أنَّهُ قالَ: «”مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ“» . ثم قال: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الدُّعاءَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ لا عَلى وجْهِ الإيضاحِ والتَّصْرِيحِ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِالمَقْصُودِ سَواءً صَرَّحْتُ بِهِ أوْ لَمْ أُصَرِّحْ. وقَوْلُهُ: ”سَمِيعُ الدُّعاءِ“ مِن قَوْلِكَ: سَمِعَ المَلِكُ كَلامَ فُلانٍ إذا اعْتَدَّ بِهِ وقَبِلَهُ، ومِنهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ. * * * المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ المَنهِيّاتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ المَأْمُوراتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُصِرًّا عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ. المسألة الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وإنَّما ذَكَرَ هَذا التَّبْعِيضَ لِأنَّهُ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّتِهِ جَمْعٌ مِنَ الكُفّارِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] . المَطْلُوبُ السّادِسُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا اللَّهَ في المَطالِبِ المَذْكُورَةِ دَعا اللَّهَ تَعالى في أنْ يَقْبَلَ دُعاءَهُ فَقالَ: ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عِبادَتِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] . * * * المَطْلُوبُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ سابِقَةِ الذَّنْبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ وإنْ كانَ قاطِعًا بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ، فَكَيْفَ طَلَبَ تَحْصِيلَ ما كانَ قاطِعًا بِحُصُولِهِ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ الِالتِجاءُ إلى اللَّهِ تَعالى وقَطْعُ الطَّمَعِ إلّا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ. المسألة الثّانِيَةُ: إنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟ فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المَنعَ مِنهُ لا يُعْلَمُ إلّا بِالتَّوْقِيفِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنهُ مَنعًا فَظَنَّ كَوْنَهُ جائِزًا. الثّانِي: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. الثّالِثُ: كانَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الإسْلامِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ باطِلًا ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَبَطَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقالَ بَعْضُهم: كانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، ولِهَذا السَّبَبِ خَصَّ أباهُ صفحة ١١١ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . واللَّهُ أعْلَمُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: يَقُومُ أيْ يَثْبُتُ وهو مُسْتَعارٌ مِن قِيامِ القائِمِ عَلى الرِّجْلِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ، أيْ أشْرَقَتْ وثَبَتَ ضَوْؤُها كَأنَّها قامَتْ عَلى رِجْلٍ. الثّانِي: أنْ يُسْنَدَ إلى الحِسابِ قِيامُ أهْلِهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ أهْلَها. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ طَلَبَ في دُعائِهِ أُمُورًا سَبْعَةً: المَطْلُوبُ الأوَّلُ: طَلَبَ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةَ الأمانِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ والِابْتِداءُ بِطَلَبِ نِعْمَةِ الأمْنِ في هَذا الدُّعاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ أنْواعِ النِّعَمِ والخَيْراتِ، وأنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِن مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا إلّا بِهِ، وسُئِلَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأمْنُ أفْضَلُ أمِ الصِّحَّةُ ؟ فَقالَ: الأمْنُ أفْضَلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ شاةً لَوِ انْكَسَرَتْ رِجْلُها فَإنَّها تَصِحُّ بَعْدَ زَمانٍ، ثُمَّ إنَّها تُقْبِلُ عَلى الرَّعْيِ والأكْلِ، ولَوْ أنَّها رُبِطَتْ في مَوْضِعٍ ورُبِطَ بِالقُرْبِ مِنها ذِئْبٌ فَإنَّها تُمْسِكُ عَنِ العَلَفِ ولا تَتَناوَلُهُ إلى أنْ تَمُوتَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّرَرَ الحاصِلَ مِنَ الخَوْفِ أشَدُّ مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِن ألَمِ الجَسَدِ. والمَطْلُوبُ الثّانِي: أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ التَّوْحِيدَ، ويَصُونَهُ عَنِ الشِّرْكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ . والمَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي وهو إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ. ﴿بِوادٍ﴾ هو وادِي مَكَّةَ ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يَحْصُلُ فِيهِ اعْوِجاجٌ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ، وذَكَرُوا في تَسْمِيَتِهِ المُحَرَّمَ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَوْلَهُ حَرَمًا لِمَكانِهِ. الثّانِي: أنَّهُ كانَ لَمْ يَزَلْ مُمْتَنِعًا عَزِيزًا يَهابُهُ كُلُّ جَبّارٍ كالشَّيْءِ المُحَرَّمِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُجْتَنَبَ. الثّالِثُ: سُمِّيَ مُحَرَّمًا لِأنَّهُ مُحْتَرَمٌ عَظِيمُ الحُرْمَةِ لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. الرّابِعُ: أنَّهُ حَرُمَ عَلى الطُّوفانِ أيِ امْتَنَعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يُسْتَعْلَ عَلَيْهِ. الخامِسُ: أمَرَ الصّائِرِينَ إلَيْهِ أنْ يُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أشْياءَ كانَتْ تَحِلُّ لَهم مِن قَبْلُ. السّادِسُ: حَرَّمَ مَوْضِعَ البَيْتِ حِينَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وحَفَّهُ بِسَبْعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وهو مِثْلُ البَيْتِ المَعْمُورِ الَّذِي بَناهُ آدَمُ، فَرُفِعَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ. السّابِعُ: حَرَّمَ عَلى عِبادِهِ أنْ يَقْرَبُوهُ بِالدِّماءِ والأقْذارِ وغَيْرِها. رُوِي أنَّ هاجَرَ كانَتْ أمَةً لِسارَّةَ فَوَهَبَتْها لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَلَدَتْ لَهُ صفحة ١٠٨ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَتْ سارَّةُ: كُنْتُ أرْجُو أنْ يَهَبَ اللَّهُ لِي ولَدًا مِن خَلِيلِهِ فَمَنَعْنِيهِ ورَزَقَهُ خادِمَتِي، وقالَتْ لِإبْراهِيمَ: أبْعِدْهُما مِنِّي فَنَقَلَهُما إلى مَكَّةَ وإسْماعِيلُ رَضِيعٌ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَتْ هاجَرُ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ. ثُمَّ دَعا اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ إنَّها عَطِشَتْ وعَطِشَ الصَّبِيُّ فانْتَهَتْ بِالصَّبِيِّ إلى مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَضَرَبَ بِقَدَمِهِ فَفارَتْ عَيْنًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ إسْماعِيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا“»، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عادَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ واشْتَغَلَ هو مَعَ إسْماعِيلَ بِرَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ. قالَ القاضِي: أكْثَرُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الحِكايَةِ بَعِيدَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَنْقُلَ ولَدَهُ إلى حَيْثُ لا طَعامَ ولا ماءَ مَعَ أنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقُلَهُما إلى بَلْدَةٍ أُخْرى مِن بِلادِ الشّامِ لِأجْلِ قَوْلِ سارَّةَ، إلّا إذا قُلْنا: إنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ يَحْصُلُ هُناكَ ماءٌ وطَعامٌ. وأقُولُ: أمّا ظُهُورُ ماءِ زَمْزَمَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إرْهاصًا لِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَنا جائِزٌ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ثم قال: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأسْكَنْتُ أيْ أسْكَنْتُ قَوْمًا مِن ذُرِّيَّتِي وهم إسْماعِيلُ وأوْلادُهُ بِهَذا الوادِي الَّذِي لا زَرْعَ فِيهِ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ. ثم قال: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: هَوِيَ يَهْوِي هَوِيًّا بِالفَتْحِ إذا سَقَطَ مِن عُلْوٍ إلى سُفْلٍ. وقِيلَ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُرِيدُهم، وقِيلَ: تُسْرِعُ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: تَنْحَطُّ إلَيْهِمْ وتَنْحَدِرُ إلَيْهِمْ وتَنْزِلُ، يُقالُ: هَوِيَ الحَجَرُ مِن رَأسِ الجَبَلِ يَهْوِي إذا انْحَدَرَ وانْصَبَّ، وهَوِيَ الرَّجُلُ إذا انْحَدَرَ مِن رَأسِ الجَبَلِ. البحث الثّانِي: أنَّ هَذا الدُّعاءَ جامِعٌ لِلدِّينِ والدُّنْيا. أمّا الدِّينُ فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى الذَّهابِ إلى تِلْكَ البَلْدَةِ بِسَبَبِ النُّسُكِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى. وأمّا الدُّنْيا فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى نَقْلِ المَعاشاتِ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ التِّجاراتِ، فَلِأجْلِ هَذا المَيْلِ يَتَّسِعُ عَيْشُهم، ويَكْثُرُ طَعامُهم ولِباسُهم. البحث الثّالِثُ: كَلِمَةُ ﴿مِن﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، والمَعْنى: فاجْعَلْ أفْئِدَةَ بَعْضِ النّاسِ مائِلَةً إلَيْهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ والتُّرْكُ والهِنْدُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَهُمُ المُسْلِمُونَ. ثم قال: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وارْزُقْهُمُ الثَّمَراتِ، بَلْ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إيصالُ بَعْضِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ. البحث الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإيصالِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ إيصالَها إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التِّجاراتِ، وإنَّما يَكُونُ المُرادُ عِمارَةَ القُرى بِالقُرْبِ مِنها لِتَحْصِيلِ الثِّمارِ مِنها. ثم قال: ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ لِلْعاقِلِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا أنْ يَتَفَرَّغَ لِأداءِ العِباداتِ وإقامَةِ الطّاعاتِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما طَلَبَ تَيْسِيرَ المَنافِعِ عَلى أوْلادِهِ لِأجْلِ أنْ صفحة ١٠٩ يَتَفَرَّغُوا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ وأداءِ الواجِباتِ. * * * المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَيْسِيرَ المَنافِعِ لِأوْلادِهِ وتَسْهِيلَها عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ عَواقِبَ الأحْوالِ ونِهاياتِ الأُمُورِ في المُسْتَقْبَلِ، وأنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِها المُحِيطُ بِأسْرارِها، فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ والمَعْنى: أنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا ومَفاسِدِنا مِنّا، قِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ بِسَبَبِ حُصُولِ الفُرْقَةِ بَيْنِي وبَيْنَ إسْماعِيلَ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ، وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الحُزْنِ المُتَمَكِّنِ في القَلْبِ، وما نُعْلِنُ: يُرِيدُ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حَيْثُ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم، قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: إذَنْ لا نَخْشى. ثم قال: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] . والثّانِي: أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْنِي: وما يَخْفى عَلى الَّذِي هو عالِمُ الغَيْبِ مِن شَيْءٍ في كُلِّ مَكانٍ، ولَفْظُ ”مِن“ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما. ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أعْطى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذَيْنِ الوَلَدَيْنِ - أعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ - عَلى الكِبَرِ والشَّيْخُوخَةِ، فَأمّا مِقْدارُ ذَلِكَ السِّنِّ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ مِنَ القُرْآنِ وإنَّما يُرْجَعُ فِيهِ إلى الرِّواياتِ، فَقِيلَ: لَمّا وُلِدَ إسْماعِيلُ كانَ سِنُّ إبْراهِيمَ تِسْعًا وتِسْعِينَ سَنَةً، ولَمّا وُلِدَ إسْحاقُ كانَ سِنُّهُ مِائَةً واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ سَنَةً ووُلِدَ إسْحاقُ لِتِسْعِينَ سَنَةً، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لِإبْراهِيمَ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وإنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ لِأنَّ المِنَّةَ بِهِبَةِ الوَلَدِ في هَذا السِّنِّ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الزَّمانَ زَمانُ وُقُوعِ اليَأْسِ مِنَ الوِلادَةِ، والظَّفَرُ بِالحاجَةِ في وقْتِ اليَأْسِ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، ولِأنَّ الوِلادَةَ في تِلْكَ السِّنِّ العالِيَةِ كانَتْ آيَةً لِإبْراهِيمَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ عِنْدَما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ أُمَّهُ في ذَلِكَ الوادِي، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ ما وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ ؟ قُلْنا: قالَ القاضِي: هَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ في زَمانٍ آخَرَ لا عَقِيبَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُّعاءِ. ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ وظُهُورِ إسْحاقَ، وإنْ كانَ ظاهِرُ الرِّواياتِ بِخِلافِهِ. البحث الثّانِي: ”عَلى“ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ وهُوَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: وهَبَ لِي في حالِ الكِبَرِ. البحث الثّالِثُ: في المُناسَبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ صفحة ١١٠ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وذَلِكَ هو كَأنَّهُ كانَ في قَلْبِهِ أنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ إعانَتَهُما وإعانَةَ ذُرِّيَّتِهِما بَعْدَ مَوْتِهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا المَطْلُوبِ، بَلْ قالَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ إنَّكَ تَعْلَمُ ما في قُلُوبِنا وضَمائِرِنا، ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّهُما يَبْقَيانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأنَّهُ مَشْغُولُ القَلْبِ بِسَبَبِهِما فَكانَ هَذا دُعاءً لَهُما بِالخَيْرِ والمَعُونَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالثَّناءِ عِنْدَ الحاجَةِ إلى الدُّعاءِ أفْضَلُ مِنَ الدُّعاءِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ أنَّهُ قالَ: «”مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ“» . ثم قال: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الدُّعاءَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ لا عَلى وجْهِ الإيضاحِ والتَّصْرِيحِ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِالمَقْصُودِ سَواءً صَرَّحْتُ بِهِ أوْ لَمْ أُصَرِّحْ. وقَوْلُهُ: ”سَمِيعُ الدُّعاءِ“ مِن قَوْلِكَ: سَمِعَ المَلِكُ كَلامَ فُلانٍ إذا اعْتَدَّ بِهِ وقَبِلَهُ، ومِنهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ. * * * المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ المَنهِيّاتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ المَأْمُوراتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُصِرًّا عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ. المسألة الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وإنَّما ذَكَرَ هَذا التَّبْعِيضَ لِأنَّهُ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّتِهِ جَمْعٌ مِنَ الكُفّارِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] . المَطْلُوبُ السّادِسُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا اللَّهَ في المَطالِبِ المَذْكُورَةِ دَعا اللَّهَ تَعالى في أنْ يَقْبَلَ دُعاءَهُ فَقالَ: ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عِبادَتِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] . * * * المَطْلُوبُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ سابِقَةِ الذَّنْبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ وإنْ كانَ قاطِعًا بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ، فَكَيْفَ طَلَبَ تَحْصِيلَ ما كانَ قاطِعًا بِحُصُولِهِ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ الِالتِجاءُ إلى اللَّهِ تَعالى وقَطْعُ الطَّمَعِ إلّا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ. المسألة الثّانِيَةُ: إنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟ فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المَنعَ مِنهُ لا يُعْلَمُ إلّا بِالتَّوْقِيفِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنهُ مَنعًا فَظَنَّ كَوْنَهُ جائِزًا. الثّانِي: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. الثّالِثُ: كانَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الإسْلامِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ باطِلًا ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَبَطَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقالَ بَعْضُهم: كانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، ولِهَذا السَّبَبِ خَصَّ أباهُ صفحة ١١١ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . واللَّهُ أعْلَمُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: يَقُومُ أيْ يَثْبُتُ وهو مُسْتَعارٌ مِن قِيامِ القائِمِ عَلى الرِّجْلِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ، أيْ أشْرَقَتْ وثَبَتَ ضَوْؤُها كَأنَّها قامَتْ عَلى رِجْلٍ. الثّانِي: أنْ يُسْنَدَ إلى الحِسابِ قِيامُ أهْلِهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ أهْلَها. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ طَلَبَ في دُعائِهِ أُمُورًا سَبْعَةً: المَطْلُوبُ الأوَّلُ: طَلَبَ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةَ الأمانِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ والِابْتِداءُ بِطَلَبِ نِعْمَةِ الأمْنِ في هَذا الدُّعاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ أنْواعِ النِّعَمِ والخَيْراتِ، وأنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِن مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا إلّا بِهِ، وسُئِلَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأمْنُ أفْضَلُ أمِ الصِّحَّةُ ؟ فَقالَ: الأمْنُ أفْضَلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ شاةً لَوِ انْكَسَرَتْ رِجْلُها فَإنَّها تَصِحُّ بَعْدَ زَمانٍ، ثُمَّ إنَّها تُقْبِلُ عَلى الرَّعْيِ والأكْلِ، ولَوْ أنَّها رُبِطَتْ في مَوْضِعٍ ورُبِطَ بِالقُرْبِ مِنها ذِئْبٌ فَإنَّها تُمْسِكُ عَنِ العَلَفِ ولا تَتَناوَلُهُ إلى أنْ تَمُوتَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّرَرَ الحاصِلَ مِنَ الخَوْفِ أشَدُّ مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِن ألَمِ الجَسَدِ. والمَطْلُوبُ الثّانِي: أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ التَّوْحِيدَ، ويَصُونَهُ عَنِ الشِّرْكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ . والمَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي وهو إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ. ﴿بِوادٍ﴾ هو وادِي مَكَّةَ ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يَحْصُلُ فِيهِ اعْوِجاجٌ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ، وذَكَرُوا في تَسْمِيَتِهِ المُحَرَّمَ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَوْلَهُ حَرَمًا لِمَكانِهِ. الثّانِي: أنَّهُ كانَ لَمْ يَزَلْ مُمْتَنِعًا عَزِيزًا يَهابُهُ كُلُّ جَبّارٍ كالشَّيْءِ المُحَرَّمِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُجْتَنَبَ. الثّالِثُ: سُمِّيَ مُحَرَّمًا لِأنَّهُ مُحْتَرَمٌ عَظِيمُ الحُرْمَةِ لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ. الرّابِعُ: أنَّهُ حَرُمَ عَلى الطُّوفانِ أيِ امْتَنَعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يُسْتَعْلَ عَلَيْهِ. الخامِسُ: أمَرَ الصّائِرِينَ إلَيْهِ أنْ يُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أشْياءَ كانَتْ تَحِلُّ لَهم مِن قَبْلُ. السّادِسُ: حَرَّمَ مَوْضِعَ البَيْتِ حِينَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وحَفَّهُ بِسَبْعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وهو مِثْلُ البَيْتِ المَعْمُورِ الَّذِي بَناهُ آدَمُ، فَرُفِعَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ. السّابِعُ: حَرَّمَ عَلى عِبادِهِ أنْ يَقْرَبُوهُ بِالدِّماءِ والأقْذارِ وغَيْرِها. رُوِي أنَّ هاجَرَ كانَتْ أمَةً لِسارَّةَ فَوَهَبَتْها لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَلَدَتْ لَهُ صفحة ١٠٨ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَتْ سارَّةُ: كُنْتُ أرْجُو أنْ يَهَبَ اللَّهُ لِي ولَدًا مِن خَلِيلِهِ فَمَنَعْنِيهِ ورَزَقَهُ خادِمَتِي، وقالَتْ لِإبْراهِيمَ: أبْعِدْهُما مِنِّي فَنَقَلَهُما إلى مَكَّةَ وإسْماعِيلُ رَضِيعٌ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَتْ هاجَرُ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ. ثُمَّ دَعا اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ إنَّها عَطِشَتْ وعَطِشَ الصَّبِيُّ فانْتَهَتْ بِالصَّبِيِّ إلى مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَضَرَبَ بِقَدَمِهِ فَفارَتْ عَيْنًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ إسْماعِيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا“»، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عادَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ واشْتَغَلَ هو مَعَ إسْماعِيلَ بِرَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ. قالَ القاضِي: أكْثَرُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الحِكايَةِ بَعِيدَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَنْقُلَ ولَدَهُ إلى حَيْثُ لا طَعامَ ولا ماءَ مَعَ أنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقُلَهُما إلى بَلْدَةٍ أُخْرى مِن بِلادِ الشّامِ لِأجْلِ قَوْلِ سارَّةَ، إلّا إذا قُلْنا: إنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ يَحْصُلُ هُناكَ ماءٌ وطَعامٌ. وأقُولُ: أمّا ظُهُورُ ماءِ زَمْزَمَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إرْهاصًا لِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَنا جائِزٌ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ثم قال: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأسْكَنْتُ أيْ أسْكَنْتُ قَوْمًا مِن ذُرِّيَّتِي وهم إسْماعِيلُ وأوْلادُهُ بِهَذا الوادِي الَّذِي لا زَرْعَ فِيهِ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ. ثم قال: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: هَوِيَ يَهْوِي هَوِيًّا بِالفَتْحِ إذا سَقَطَ مِن عُلْوٍ إلى سُفْلٍ. وقِيلَ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُرِيدُهم، وقِيلَ: تُسْرِعُ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: تَنْحَطُّ إلَيْهِمْ وتَنْحَدِرُ إلَيْهِمْ وتَنْزِلُ، يُقالُ: هَوِيَ الحَجَرُ مِن رَأسِ الجَبَلِ يَهْوِي إذا انْحَدَرَ وانْصَبَّ، وهَوِيَ الرَّجُلُ إذا انْحَدَرَ مِن رَأسِ الجَبَلِ. البحث الثّانِي: أنَّ هَذا الدُّعاءَ جامِعٌ لِلدِّينِ والدُّنْيا. أمّا الدِّينُ فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى الذَّهابِ إلى تِلْكَ البَلْدَةِ بِسَبَبِ النُّسُكِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى. وأمّا الدُّنْيا فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى نَقْلِ المَعاشاتِ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ التِّجاراتِ، فَلِأجْلِ هَذا المَيْلِ يَتَّسِعُ عَيْشُهم، ويَكْثُرُ طَعامُهم ولِباسُهم. البحث الثّالِثُ: كَلِمَةُ ﴿مِن﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، والمَعْنى: فاجْعَلْ أفْئِدَةَ بَعْضِ النّاسِ مائِلَةً إلَيْهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ والتُّرْكُ والهِنْدُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَهُمُ المُسْلِمُونَ. ثم قال: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وارْزُقْهُمُ الثَّمَراتِ، بَلْ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إيصالُ بَعْضِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ. البحث الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإيصالِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ إيصالَها إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التِّجاراتِ، وإنَّما يَكُونُ المُرادُ عِمارَةَ القُرى بِالقُرْبِ مِنها لِتَحْصِيلِ الثِّمارِ مِنها. ثم قال: ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ لِلْعاقِلِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا أنْ يَتَفَرَّغَ لِأداءِ العِباداتِ وإقامَةِ الطّاعاتِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما طَلَبَ تَيْسِيرَ المَنافِعِ عَلى أوْلادِهِ لِأجْلِ أنْ صفحة ١٠٩ يَتَفَرَّغُوا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ وأداءِ الواجِباتِ. * * * المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَيْسِيرَ المَنافِعِ لِأوْلادِهِ وتَسْهِيلَها عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ عَواقِبَ الأحْوالِ ونِهاياتِ الأُمُورِ في المُسْتَقْبَلِ، وأنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِها المُحِيطُ بِأسْرارِها، فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ والمَعْنى: أنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا ومَفاسِدِنا مِنّا، قِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ بِسَبَبِ حُصُولِ الفُرْقَةِ بَيْنِي وبَيْنَ إسْماعِيلَ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ، وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الحُزْنِ المُتَمَكِّنِ في القَلْبِ، وما نُعْلِنُ: يُرِيدُ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حَيْثُ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم، قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: إذَنْ لا نَخْشى. ثم قال: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] . والثّانِي: أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْنِي: وما يَخْفى عَلى الَّذِي هو عالِمُ الغَيْبِ مِن شَيْءٍ في كُلِّ مَكانٍ، ولَفْظُ ”مِن“ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما. ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أعْطى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذَيْنِ الوَلَدَيْنِ - أعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ - عَلى الكِبَرِ والشَّيْخُوخَةِ، فَأمّا مِقْدارُ ذَلِكَ السِّنِّ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ مِنَ القُرْآنِ وإنَّما يُرْجَعُ فِيهِ إلى الرِّواياتِ، فَقِيلَ: لَمّا وُلِدَ إسْماعِيلُ كانَ سِنُّ إبْراهِيمَ تِسْعًا وتِسْعِينَ سَنَةً، ولَمّا وُلِدَ إسْحاقُ كانَ سِنُّهُ مِائَةً واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ سَنَةً ووُلِدَ إسْحاقُ لِتِسْعِينَ سَنَةً، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لِإبْراهِيمَ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وإنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ لِأنَّ المِنَّةَ بِهِبَةِ الوَلَدِ في هَذا السِّنِّ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الزَّمانَ زَمانُ وُقُوعِ اليَأْسِ مِنَ الوِلادَةِ، والظَّفَرُ بِالحاجَةِ في وقْتِ اليَأْسِ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، ولِأنَّ الوِلادَةَ في تِلْكَ السِّنِّ العالِيَةِ كانَتْ آيَةً لِإبْراهِيمَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ عِنْدَما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ أُمَّهُ في ذَلِكَ الوادِي، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ ما وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ ؟ قُلْنا: قالَ القاضِي: هَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ في زَمانٍ آخَرَ لا عَقِيبَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُّعاءِ. ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ وظُهُورِ إسْحاقَ، وإنْ كانَ ظاهِرُ الرِّواياتِ بِخِلافِهِ. البحث الثّانِي: ”عَلى“ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ وهُوَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: وهَبَ لِي في حالِ الكِبَرِ. البحث الثّالِثُ: في المُناسَبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ صفحة ١١٠ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وذَلِكَ هو كَأنَّهُ كانَ في قَلْبِهِ أنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ إعانَتَهُما وإعانَةَ ذُرِّيَّتِهِما بَعْدَ مَوْتِهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا المَطْلُوبِ، بَلْ قالَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ إنَّكَ تَعْلَمُ ما في قُلُوبِنا وضَمائِرِنا، ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّهُما يَبْقَيانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأنَّهُ مَشْغُولُ القَلْبِ بِسَبَبِهِما فَكانَ هَذا دُعاءً لَهُما بِالخَيْرِ والمَعُونَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالثَّناءِ عِنْدَ الحاجَةِ إلى الدُّعاءِ أفْضَلُ مِنَ الدُّعاءِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ أنَّهُ قالَ: «”مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ“» . ثم قال: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الدُّعاءَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ لا عَلى وجْهِ الإيضاحِ والتَّصْرِيحِ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِالمَقْصُودِ سَواءً صَرَّحْتُ بِهِ أوْ لَمْ أُصَرِّحْ. وقَوْلُهُ: ”سَمِيعُ الدُّعاءِ“ مِن قَوْلِكَ: سَمِعَ المَلِكُ كَلامَ فُلانٍ إذا اعْتَدَّ بِهِ وقَبِلَهُ، ومِنهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ. * * * المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ المَنهِيّاتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ المَأْمُوراتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُصِرًّا عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ. المسألة الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وإنَّما ذَكَرَ هَذا التَّبْعِيضَ لِأنَّهُ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّتِهِ جَمْعٌ مِنَ الكُفّارِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] . المَطْلُوبُ السّادِسُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا اللَّهَ في المَطالِبِ المَذْكُورَةِ دَعا اللَّهَ تَعالى في أنْ يَقْبَلَ دُعاءَهُ فَقالَ: ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عِبادَتِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] . * * * المَطْلُوبُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ سابِقَةِ الذَّنْبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ وإنْ كانَ قاطِعًا بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ، فَكَيْفَ طَلَبَ تَحْصِيلَ ما كانَ قاطِعًا بِحُصُولِهِ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ الِالتِجاءُ إلى اللَّهِ تَعالى وقَطْعُ الطَّمَعِ إلّا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ. المسألة الثّانِيَةُ: إنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟ فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المَنعَ مِنهُ لا يُعْلَمُ إلّا بِالتَّوْقِيفِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنهُ مَنعًا فَظَنَّ كَوْنَهُ جائِزًا. الثّانِي: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ. الثّالِثُ: كانَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الإسْلامِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ باطِلًا ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَبَطَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقالَ بَعْضُهم: كانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، ولِهَذا السَّبَبِ خَصَّ أباهُ صفحة ١١١ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . واللَّهُ أعْلَمُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: يَقُومُ أيْ يَثْبُتُ وهو مُسْتَعارٌ مِن قِيامِ القائِمِ عَلى الرِّجْلِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ، أيْ أشْرَقَتْ وثَبَتَ ضَوْؤُها كَأنَّها قامَتْ عَلى رِجْلٍ. الثّانِي: أنْ يُسْنَدَ إلى الحِسابِ قِيامُ أهْلِهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ أهْلَها. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ثُمَّ حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يَصُونَهُ عَنِ الشِّرْكِ، وطَلَبَ مِنهُ أنْ يُوَفِّقَهُ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ وأنْ يَخُصَّهُ بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ في يَوْمِ القِيامَةِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ يَوْمِ القِيامَةِ، وما يَدُلُّ عَلى صِفَةِ يَوْمِ القِيامَةِ. أمّا الَّذِي يَدُلُّ عَلى وُجُودِ القِيامَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ إمّا غافِلًا عَنْ ذَلِكَ الظّالِمِ أوْ عاجِزًا عَنِ الِانْتِقامِ، أوْ كانَ راضِيًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ، ولَمّا كانَتِ الغَفْلَةُ والعَجْزُ والرِّضا بِالظُّلْمِ مُحالًا عَلى اللَّهِ امْتَنَعَ أنْ لا يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ ﷺ أنْ يَحْسَبَ اللَّهَ مَوْصُوفًا بِالغَفْلَةِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: المُرادُ بِهِ التَّثْبِيتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يَحْسَبُ اللَّهَ غافِلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] . ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْتَقِمْ لَكانَ عَدَمُ الِانْتِقامِ لِأجْلِ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ الظُّلْمِ، ولَمّا كانَ امْتِناعُ هَذِهِ الغَفْلَةِ مَعْلُومًا لِكُلِّ أحَدٍ لا جَرَمَ كانَ عَدَمُ الِانْتِقامِ مُحالًا. والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ ولا تَحْسَبَنَّهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ، ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ عَلَيْهِمُ المُحاسِبِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ وإنْ كانَ خِطابًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الظّاهِرِ، إلّا أنَّهُ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ خِطابًا مَعَ الأُمَّةِ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: أنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يُؤَخِّرُ عِقابَ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ لِيَوْمٍ مَوْصُوفٍ بِصِفاتٍ. الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ. يُقالُ: شَخَصَ بَصَرُ الرَّجُلِ إذا بَقِيَتْ عَيْنُهُ مَفْتُوحَةً لا يَطْرِفُها، وشُخُوصُ البَصَرِ يَدُلُّ عَلى الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ وسُقُوطِ القُوَّةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ وفي تَفْسِيرِ الإهْطاعِ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ هو الإسْراعُ. يُقالُ: أهْطَعَ البَعِيرُ في سَيْرِهِ واسْتَهْطَعَ إذا أسْرَعَ. وعَلى هَذا الوجه فالمَعْنى: أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَبْقى بَصَرُهُ شاخِصًا مِن شِدَّةِ الخَوْفِ أنْ يَبْقى واقِفًا، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى صفحة ١١٢ أنَّ حالَهم بِخِلافِ هَذا المُعْتادِ، فَإنَّهم مَعَ شُخُوصِ أبْصارِهِمْ يَكُونُونَ مُهْطِعِينَ، أيْ مُسْرِعِينَ نَحْوَ ذَلِكَ البَلاءِ. القَوْلُ الثّانِي في الإهْطاعِ: قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: المُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ. والقَوْلُ الثّالِثُ: المُهْطِعُ السّاكِتُ. والقَوْلُ الرّابِعُ: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا قَرَّ وذَلَّ: أهْطَعَ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ والإقْناعُ رَفْعُ الرَّأْسِ والنَّظَرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رافِعِي رُءُوسِهِمْ. والمَعْنى أنَّ المُعْتادَ فِيمَن يُشاهِدُ البَلاءَ أنَّهُ يُطْرِقُ رَأْسَهُ عَنْهُ لِكَيْ لا يَراهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَهم بِخِلافِ هَذا المُعْتادِ وأنَّهم يَرْفَعُونَ رُءُوسَهم. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ والمُرادُ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ دَوامُ ذَلِكَ الشُّخُوصِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] لا يُفِيدُ كَوْنَ هَذا الشُّخُوصِ دائِمًا، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ يُفِيدُ دَوامَ هَذا الشُّخُوصِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى دَوامِ تِلْكَ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ في قُلُوبِهِمْ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ الهَواءُ الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الأجْرامُ ثُمَّ جُعِلَ وصْفًا فَقِيلَ: قَلْبُ فُلانٍ هَواءٌ إذا كانَ خالِيًا لا قُوَّةَ فِيهِ، والمُرادُ بَيانُ أنَّ قُلُوبَ الكُفّارِ خالِيَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ جَمِيعِ الخَواطِرِ والأفْكارِ لِعِظَمِ ما يَنالُهم مِنَ الحَيْرَةِ، ومِن كُلِّ رَجاءٍ وأمَلٍ لِما تَحَقَّقُوهُ مِنَ العِقابِ، ومِن كُلِّ سُرُورٍ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الحُزْنِ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في وقْتِ حُصُولِها فَقِيلَ: إنَّها عِنْدَ المُحاسَبَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ عَقِيبَ وصْفِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ، وقِيلَ: إنَّها تَحْصُلُ عِنْدَما يَتَمَيَّزُ فَرِيقٌ عَنْ فَرِيقٍ، والسُّعَداءُ يَذْهَبُونَ إلى الجَنَّةِ، والأشْقِياءُ إلى النّارِ. وقِيلَ: بَلْ يَحْصُلُ عِنْدَ إجابَةِ الدّاعِي والقِيامِ مِنَ القُبُورِ، والأوَّلُ أوْلى لِلدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ثُمَّ حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يَصُونَهُ عَنِ الشِّرْكِ، وطَلَبَ مِنهُ أنْ يُوَفِّقَهُ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ وأنْ يَخُصَّهُ بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ في يَوْمِ القِيامَةِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ يَوْمِ القِيامَةِ، وما يَدُلُّ عَلى صِفَةِ يَوْمِ القِيامَةِ. أمّا الَّذِي يَدُلُّ عَلى وُجُودِ القِيامَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ إمّا غافِلًا عَنْ ذَلِكَ الظّالِمِ أوْ عاجِزًا عَنِ الِانْتِقامِ، أوْ كانَ راضِيًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ، ولَمّا كانَتِ الغَفْلَةُ والعَجْزُ والرِّضا بِالظُّلْمِ مُحالًا عَلى اللَّهِ امْتَنَعَ أنْ لا يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ ﷺ أنْ يَحْسَبَ اللَّهَ مَوْصُوفًا بِالغَفْلَةِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: المُرادُ بِهِ التَّثْبِيتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يَحْسَبُ اللَّهَ غافِلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] . ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْتَقِمْ لَكانَ عَدَمُ الِانْتِقامِ لِأجْلِ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ الظُّلْمِ، ولَمّا كانَ امْتِناعُ هَذِهِ الغَفْلَةِ مَعْلُومًا لِكُلِّ أحَدٍ لا جَرَمَ كانَ عَدَمُ الِانْتِقامِ مُحالًا. والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ ولا تَحْسَبَنَّهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ، ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ عَلَيْهِمُ المُحاسِبِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ وإنْ كانَ خِطابًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الظّاهِرِ، إلّا أنَّهُ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ خِطابًا مَعَ الأُمَّةِ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: أنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يُؤَخِّرُ عِقابَ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ لِيَوْمٍ مَوْصُوفٍ بِصِفاتٍ. الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ. يُقالُ: شَخَصَ بَصَرُ الرَّجُلِ إذا بَقِيَتْ عَيْنُهُ مَفْتُوحَةً لا يَطْرِفُها، وشُخُوصُ البَصَرِ يَدُلُّ عَلى الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ وسُقُوطِ القُوَّةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ وفي تَفْسِيرِ الإهْطاعِ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ هو الإسْراعُ. يُقالُ: أهْطَعَ البَعِيرُ في سَيْرِهِ واسْتَهْطَعَ إذا أسْرَعَ. وعَلى هَذا الوجه فالمَعْنى: أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَبْقى بَصَرُهُ شاخِصًا مِن شِدَّةِ الخَوْفِ أنْ يَبْقى واقِفًا، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى صفحة ١١٢ أنَّ حالَهم بِخِلافِ هَذا المُعْتادِ، فَإنَّهم مَعَ شُخُوصِ أبْصارِهِمْ يَكُونُونَ مُهْطِعِينَ، أيْ مُسْرِعِينَ نَحْوَ ذَلِكَ البَلاءِ. القَوْلُ الثّانِي في الإهْطاعِ: قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: المُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ. والقَوْلُ الثّالِثُ: المُهْطِعُ السّاكِتُ. والقَوْلُ الرّابِعُ: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا قَرَّ وذَلَّ: أهْطَعَ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ والإقْناعُ رَفْعُ الرَّأْسِ والنَّظَرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رافِعِي رُءُوسِهِمْ. والمَعْنى أنَّ المُعْتادَ فِيمَن يُشاهِدُ البَلاءَ أنَّهُ يُطْرِقُ رَأْسَهُ عَنْهُ لِكَيْ لا يَراهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَهم بِخِلافِ هَذا المُعْتادِ وأنَّهم يَرْفَعُونَ رُءُوسَهم. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ والمُرادُ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ دَوامُ ذَلِكَ الشُّخُوصِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] لا يُفِيدُ كَوْنَ هَذا الشُّخُوصِ دائِمًا، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ يُفِيدُ دَوامَ هَذا الشُّخُوصِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى دَوامِ تِلْكَ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ في قُلُوبِهِمْ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ الهَواءُ الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الأجْرامُ ثُمَّ جُعِلَ وصْفًا فَقِيلَ: قَلْبُ فُلانٍ هَواءٌ إذا كانَ خالِيًا لا قُوَّةَ فِيهِ، والمُرادُ بَيانُ أنَّ قُلُوبَ الكُفّارِ خالِيَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ جَمِيعِ الخَواطِرِ والأفْكارِ لِعِظَمِ ما يَنالُهم مِنَ الحَيْرَةِ، ومِن كُلِّ رَجاءٍ وأمَلٍ لِما تَحَقَّقُوهُ مِنَ العِقابِ، ومِن كُلِّ سُرُورٍ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الحُزْنِ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في وقْتِ حُصُولِها فَقِيلَ: إنَّها عِنْدَ المُحاسَبَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ عَقِيبَ وصْفِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ، وقِيلَ: إنَّها تَحْصُلُ عِنْدَما يَتَمَيَّزُ فَرِيقٌ عَنْ فَرِيقٍ، والسُّعَداءُ يَذْهَبُونَ إلى الجَنَّةِ، والأشْقِياءُ إلى النّارِ. وقِيلَ: بَلْ يَحْصُلُ عِنْدَ إجابَةِ الدّاعِي والقِيامِ مِنَ القُبُورِ، والأوَّلُ أوْلى لِلدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ فِيهِ أبْحاثٌ: البحث الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. البحث الثّانِي: الألِفُ واللّامُ في لَفْظِ ﴿العَذابُ﴾ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، يَعْنِي: وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ صفحة ١١٣ العَذابُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو شُخُوصُ أبْصارِهِمْ، وكَوْنُهم مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ. البحث الثّالِثُ: الإنْذارُ هو التَّخْوِيفُ بِذِكْرِ المَضارِّ، والمُفَسِّرُونَ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وحَمَلَهُ أبُو مُسْلِمٍ عَلى أنَّهُ حالَ المُعايَنَةِ، والظّاهِرُ يَشْهَدُ بِخِلافِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ اليَوْمَ بِأنَّ عَذابَهم يَأْتِي فِيهِ وأنَّهم يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ، ويُقالُ لَهم: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ ولا يَلِيقُ ذَلِكَ إلّا بِيَوْمِ القِيامَةِ. وحُجَّةُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠]، ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ ما يَقُولُ الكُفّارُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: طَلَبُوا الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا لِيَتَلافَوْا ما فَرَّطُوا فِيهِ، وقالَ: بَلْ طَلَبُوا الرُّجُوعَ إلى حالِ التَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ . وأمّا عَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ فَتَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ ظاهِرٌ فَقالَ تَعالى مُجِيبًا لَهم: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ ومَعْناهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كانُوا يَذْكُرُونَهُ مِن إنْكارِ المَعادِ فَقَرَّعَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا القَوْلِ لِأنَّ التَّقْرِيعَ بِهَذا الجِنْسِ أقْوى، ومَعْنى ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لا زَوالَ لَنا مِن هَذِهِ الحَياةِ إلى حَياةٍ أُخْرى، ومِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارِ المُجازاةِ، لا أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ أنْ يَزُولُوا عَنْ حَياةٍ إلى مَوْتٍ أوْ عَنْ شَبابٍ إلى هَرَمٍ أوْ عَنْ فَقْرٍ إلى غِنًى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَهم تَقْرِيعًا آخَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي سَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ كَفَرُوا قَبْلَكم، وهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مَن شاهَدَ هَذِهِ الأحْوالَ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَبِرَ، فَإذا لَمْ يَعْتَبِرْ كانَ مُسْتَوْجِبًا لِلذَّمِّ والتَّقْرِيعِ. ثم قال: ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ وظَهَرَ لَكم أنَّ عاقِبَتَهم عادَتْ إلى الوَبالِ والخِزْيِ والنَّكالِ. فَإنْ قِيلَ: ولِماذا قِيلَ: ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ ولَمْ يَكُنِ القَوْمُ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى أهْلَكَهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ ؟ قُلْنا: إنَّهم عَلِمُوا أنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ كانُوا طالِبِينَ لِلدُّنْيا ثُمَّ إنَّهم فَنُوا وانْقَرَضُوا، فَعِنْدَ هَذا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في طَلَبِ الدُّنْيا، والواجِبُ الجِدُّ والِاجْتِهادُ في طَلَبِ الدِّينِ، والواجِبُ عَلى مَن عَرَفَ هَذا أنْ يَكُونَ خائِفًا وجِلًا فَيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ، هَذا إذا قُرِئَ بِالتّاءِ. أمّا إذا قُرِئَ بِالنُّونِ فَلا شُبْهَةَ فِيهِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أوَلَمْ نُبَيِّنْ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ، ولَيْسَ كُلُّ ما بَيَّنَ لَهم تَبَيَّنُوهُ. أما قوله: ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ فالمُرادُ ما أوْرَدَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ مِمّا يُعْلَمُ بِهِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ كَما قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وقادِرٌ عَلى التَّعْذِيبِ المُؤَجَّلِ كَما يَفْعَلُ الهَلاكَ المُعَجَّلَ، وذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ كَثِيرٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ فِيهِ أبْحاثٌ: البحث الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. البحث الثّانِي: الألِفُ واللّامُ في لَفْظِ ﴿العَذابُ﴾ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، يَعْنِي: وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ صفحة ١١٣ العَذابُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو شُخُوصُ أبْصارِهِمْ، وكَوْنُهم مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ. البحث الثّالِثُ: الإنْذارُ هو التَّخْوِيفُ بِذِكْرِ المَضارِّ، والمُفَسِّرُونَ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وحَمَلَهُ أبُو مُسْلِمٍ عَلى أنَّهُ حالَ المُعايَنَةِ، والظّاهِرُ يَشْهَدُ بِخِلافِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ اليَوْمَ بِأنَّ عَذابَهم يَأْتِي فِيهِ وأنَّهم يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ، ويُقالُ لَهم: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ ولا يَلِيقُ ذَلِكَ إلّا بِيَوْمِ القِيامَةِ. وحُجَّةُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠]، ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ ما يَقُولُ الكُفّارُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: طَلَبُوا الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا لِيَتَلافَوْا ما فَرَّطُوا فِيهِ، وقالَ: بَلْ طَلَبُوا الرُّجُوعَ إلى حالِ التَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ . وأمّا عَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ فَتَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ ظاهِرٌ فَقالَ تَعالى مُجِيبًا لَهم: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ ومَعْناهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كانُوا يَذْكُرُونَهُ مِن إنْكارِ المَعادِ فَقَرَّعَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا القَوْلِ لِأنَّ التَّقْرِيعَ بِهَذا الجِنْسِ أقْوى، ومَعْنى ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لا زَوالَ لَنا مِن هَذِهِ الحَياةِ إلى حَياةٍ أُخْرى، ومِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارِ المُجازاةِ، لا أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ أنْ يَزُولُوا عَنْ حَياةٍ إلى مَوْتٍ أوْ عَنْ شَبابٍ إلى هَرَمٍ أوْ عَنْ فَقْرٍ إلى غِنًى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَهم تَقْرِيعًا آخَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي سَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ كَفَرُوا قَبْلَكم، وهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مَن شاهَدَ هَذِهِ الأحْوالَ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَبِرَ، فَإذا لَمْ يَعْتَبِرْ كانَ مُسْتَوْجِبًا لِلذَّمِّ والتَّقْرِيعِ. ثم قال: ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ وظَهَرَ لَكم أنَّ عاقِبَتَهم عادَتْ إلى الوَبالِ والخِزْيِ والنَّكالِ. فَإنْ قِيلَ: ولِماذا قِيلَ: ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ ولَمْ يَكُنِ القَوْمُ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى أهْلَكَهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ ؟ قُلْنا: إنَّهم عَلِمُوا أنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ كانُوا طالِبِينَ لِلدُّنْيا ثُمَّ إنَّهم فَنُوا وانْقَرَضُوا، فَعِنْدَ هَذا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في طَلَبِ الدُّنْيا، والواجِبُ الجِدُّ والِاجْتِهادُ في طَلَبِ الدِّينِ، والواجِبُ عَلى مَن عَرَفَ هَذا أنْ يَكُونَ خائِفًا وجِلًا فَيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ، هَذا إذا قُرِئَ بِالتّاءِ. أمّا إذا قُرِئَ بِالنُّونِ فَلا شُبْهَةَ فِيهِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أوَلَمْ نُبَيِّنْ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ، ولَيْسَ كُلُّ ما بَيَّنَ لَهم تَبَيَّنُوهُ. أما قوله: ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ فالمُرادُ ما أوْرَدَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ مِمّا يُعْلَمُ بِهِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ كَما قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وقادِرٌ عَلى التَّعْذِيبِ المُؤَجَّلِ كَما يَفْعَلُ الهَلاكَ المُعَجَّلَ، وذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ كَثِيرٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:46

صفحة ١١٤ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ عِقابِهِمْ أتْبَعَها بِذِكْرِ كَيْفِيَّةِ مَكْرِهِمْ فَقالَ: ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ مَكَرُوا﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الَّذِينَ سَكَنُوا في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم، وهَذا القَوْلُ الصَّحِيحُ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ قَوْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ﴾ يا مُحَمَّدُ وقَدْ مَكَرَ قَوْمُكَ مَكْرَهم وذَلِكَ المَكْرُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقَوْلِهِ: ﴿مَكْرَهُمْ﴾ أيْ مَكْرَهُمُ العَظِيمَ الَّذِي اسْتَفْرَغُوا فِيهِ جُهْدَهم. الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذا المَكْرِ ما نُقِلَ أنَّ نُمْرُوذَ حاوَلَ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ فاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ تابُوتًا ورَبَطَ قَوائِمَهُ الأرْبَعَ بِأرْبَعَةِ نُسُورٍ، وكانَ قَدْ جَوَّعَها ورَفَعَ فَوْقَ الجَوانِبِ الأرْبَعَةِ مِنَ التّابُوتِ عِصِيًّا أرْبَعًا وعَلَّقَ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ قِطْعَةَ لَحْمٍ، ثُمَّ إنَّهُ جَلَسَ مَعَ حاجِبِهِ في ذَلِكَ التّابُوتِ فَلَمّا أبْصَرَتِ النُّسُورُ تِلْكَ اللُّحُومَ تَصاعَدَتْ في جَوِّ الهَواءِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وغابَتِ الدُّنْيا عَنْ عَيْنِ نُمْرُوذَ، ورَأى السَّماءَ بِحالِها فَنَكَّسَ تِلْكَ العِصِيَّ الَّتِي عَلَّقَ عَلَيْها اللَّحْمَ فَسَفَلَتِ النُّسُورُ وهَبَطَتْ إلى الأرْضِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن مَكْرِهِمْ. قالَ القاضِي: وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ الخَطَرَ فِيهِ عَظِيمٌ ولا يَكادُ العاقِلُ يُقْدِمُ عَلَيْهِ وما جاءَ فِيهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ مُعْتَمَدٌ ولا حُجَّةَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ البَتَّةَ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَكْرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ كالأوَّلِ. والمَعْنى: ومَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم فَهو يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ بِمَكْرٍ هو أعْظَمُ مِنهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَكْرُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى: وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمُ الَّذِي يَمْكُرُ بِهِمْ وهو عَذابُهُمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ يَأْتِيهِمْ بِهِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ولا يَحْتَسِبُونَ. أما قوله تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ ”لَتَزُولُ“ بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى ورَفْعِ اللّامِ الأُخْرى مِنهُ، والباقُونَ بِكَسْرِ الأُولى ونَصْبِ الثّانِيَةِ. أمّا القِراءَةُ الأُولى: فَمَعْناها أنَّ مَكْرَهم كانَ مُعَدًّا لِأنْ تَزُولَ مِنهُ الجِبالُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ الإخْبارَ عَنْ وُقُوعِهِ، بَلِ التَّعْظِيمَ والتَّهْوِيلَ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ: فالمَعْنى: أنَّ لَفْظَ ”إنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ بِمَعْنى ”ما“ واللّامُ المَكْسُورَةُ بَعْدَها يَعْنِي بِها الجَحْدَ ومِن سَبِيلِها نَصْبُ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ. والنَّحْوِيُّونَ يُسَمُّونَها لامَ الجَحْدِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] . ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٩] . والجِبالُ هَهُنا مَثَلٌ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ولِأمْرِ دِينِ الإسْلامِ وإعْلامِهِ ودَلالَتِهِ عَلى مَعْنى أنَّ ثُبُوتَها كَثُبُوتِ الجِبالِ الرّاسِيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ نَبِيَّهُ إظْهارَ دِينِهِ عَلى كُلِّ الأدْيانِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] أيْ قَدْ وعَدَكَ الظُّهُورَ عَلَيْهِمْ والغَلَبَةَ لَهم. والمَعْنى: وما كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ، أيْ وكانَ مَكْرُهم أوْهَنَ وأضْعَفَ مِن أنْ تَزُولَ مِنهُ الجِبالُ الرّاسِياتُ الَّتِي هي دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ ودَلائِلُ شَرِيعَتِهِ، وقَرَأ عَلِيٌّ وعَمْرٌو: ”أنْ كانَ مَكْرُهم“ .

إبراهيم 14:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُقِمِ القِيامَةَ ولَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، لَزِمَ إمّا كَوْنُهُ غافِلًا وإمّا كَوْنُهُ مُخْلِفًا في الوَعْدِ، ولَمّا تَقَرَّرَ في العُقُولِ السَّلِيمَةِ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُحالٌ كانَ القَوْلُ بِأنَّهُ لا يُقِيمُ القِيامَةَ باطِلًا. وقَوْلُهُ: ﴿مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقَوْلَهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ ؟ ولِمَ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ عَلى الأوَّلِ ؟ قُلْنا: لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا، إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ثم قال: ﴿رُسُلَهُ﴾ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ فَكَيْفَ يُخْلِفُهُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ، وقُرِئَ: ”مُخْلِفَ وعْدَ رُسُلِهِ“ بِجَرِّ الرُّسُلِ ونَصْبِ الوَعْدِ، والتَّقْدِيرُ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ في الضَّعْفِ، كَمَن قَرَأ ”قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ“ ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ غالِبٌ لا يُماكِرُ ”ذُو انْتِقامٍ“ لِأوْلِيائِهِ. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ بَيَّنَ وقْتَ انْتِقامِهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ وعَظَّمَ مِن حالِ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِأنَّهُ لا أمْرَ أعْظَمُ في العُقُولِ والنُّفُوسِ مِن تَغْيِيرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: ذَكَرَ الزَّجّاجُ في نَصْبِ ”يَوْمَ“ وجْهَيْنِ، إمّا عَلى الظَّرْفِ لِانْتِقامٍ أوْ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ . المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّبْدِيلَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الذّاتُ باقِيَةً وتَتَبَدَّلَ صِفَتُها بِصِفَةٍ أُخْرى. والثّانِي: أنْ تَفْنى الذّاتُ الأُولى وتَحْدُثَ ذاتٌ أُخْرى، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ التَّبَدُّلِ لِإرادَةِ التَّغَيُّرِ في الصِّفَةِ جائِزٌ أنَّهُ يُقالُ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا أذَبْتَها وسَوَّيْتَها خاتَمًا فَنَقَلْتَها مِن شَكْلٍ إلى شَكْلٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ويُقالُ: بَدَّلْتُ قَمِيصِي جُبَّةً أيْ نَقَلْتُ العَيْنَ مِن صفحة ١١٦ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى، ويُقالُ: تَبَدَّلَ زَيْدٌ إذا تَغَيَّرَتْ أحْوالُهُ، وأمّا ذِكْرُ لَفْظِ التَّبْدِيلِ عِنْدَ وُقُوعِ التَّبَدُّلِ في الذَّواتِ فَكَقَوْلِكَ بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦] إذا عَرَفْتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ المَفْهُومَيْنِ فَفي الآيَةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الصِّفَةِ لا تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي تِلْكَ الأرْضُ إلّا أنَّها تَغَيَّرَتْ في صِفاتِها، فَتَسِيرُ عَنِ الأرْضِ جِبالُها وتُفَجَّرُ بِحارُها وتُسَوّى، فَلا يُرى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”يُبَدِّلُ اللَّهُ الأرْضَ غَيْرَ الأرْضِ فَيَبْسُطُها ويَمُدُّها مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ فَلا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا“» . وقَوْلُهُ: ﴿والسَّماواتُ﴾ أيْ تُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ، وهو كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ“» والمَعْنى: ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِكافِرٍ، وتَبْدِيلُ السَّماواتِ بِانْتِثارِ كَواكِبِها وانْفِطارِها، وتَكْوِيرِ شَمْسِها، وخُسُوفِ قَمَرِها، وكَوْنِها أبْوابًا، وأنَّها تارَةً تَكُونُ كالمُهْلِ وتارَةً تَكُونُ كالدِّهانِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُبَدَّلُ بِأرْضٍ كالفِضَّةِ البَيْضاءِ النَّقِيَّةِ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْها دَمٌ ولَمْ تُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ، فَهَذا شَرْحُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. ومِنَ النّاسِ مَن رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ المُرادُ هَذِهِ الأرْضُ، والتَّبَدُّلُ صِفَةٌ مُضافَةٌ إلَيْها، وعِنْدَ حُصُولِ الصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ مَوْجُودًا، فَلَمّا كانَ المَوْصُوفُ بِالتَّبَدُّلِ هو هَذِهِ الأرْضَ وجَبَ كَوْنُ هَذِهِ الأرْضِ باقِيَةً عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأرْضُ باقِيَةً مَعَ صِفاتِها عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، وإلّا لامْتَنَعَ حُصُولُ التَّبَدُّلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الباقِي هو الذّاتَ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الذّاتِ باقِيَةً، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يُعْدِمُ اللَّهُ الذَّواتِ والأجْسامَ، وإنَّما يُعْدِمُ صِفاتِها وأحْوالَها. واعْلَمْ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن تَبْدِيلِ الأرْضِ والسَّماواتِ هو أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ الأرْضَ جَهَنَّمَ ويَجْعَلُ السَّماواتِ الجَنَّةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] . واللَّهُ أعْلَمُ. أما قوله تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَنَقُولُ: أمّا البُرُوزُ لِلَّهِ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢] وإنَّما ذَكَرَ الواحِدَ القَهّارَ هَهُنا لِأنَّ المُلْكَ إذا كانَ لِمالِكٍ واحِدٍ غَلّابٍ لا يُغالَبُ قَهّارٌ لا يُقْهَرُ فَلا مُسْتَغاثَ لِأحَدٍ إلى غَيْرِهِ فَكانَ الأمْرُ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِكَوْنِهِ قَهّارًا بَيْنَ عَجْزِهِمْ وذِلَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ . * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في صِفاتِ عَجْزِهِمْ وذِلَّتِهِمْ أُمُورًا: فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ. يُقالُ: قَرَنْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَدَدْتَهُ بِهِ ووَصَلْتَهُ. والقِرانُ اسْمٌ لِلْحَبْلِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ شَيْئانِ. وجاءَ هَهُنا عَلى التَّكْثِيرِ لِكَثْرَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ. والأصْفادُ جَمْعُ صَفَدٍ وهو القَيْدُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: ”مُقَرَّنِينَ“: كُلُّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانٍ في غُلٍّ، وقالَ عَطاءٌ: هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أيْ قُرِنَتْ فَيَقْرِنُ اللَّهُ تَعالى نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ، ونُفُوسَ الكافِرِينَ بِقُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ، وأقُولُ: حَظُّ البحث العَقْلِيِّ مِنهُ أنَّ صفحة ١١٧ الإنْسانَ إذا فارَقَ الدُّنْيا، فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ راضَ نَفْسَهُ وهَذَّبَها ودَعاها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ، بَلْ تَرَكَها مُتَوَغِّلَةً في اللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ مُقْبِلَةً عَلى الأحْوالِ الوَهْمِيَّةِ والخَيالِيَّةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَتِلْكَ النَّفْسُ تُفارِقُ مَعَ تِلْكَ الجِهَةِ بِالحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ، والسَّعادَةِ بِالعِنايَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَتِلْكَ النَّفْسُ تُفارِقُ مَعَ الأسَفِ والحُزْنِ والبَلاءِ الشَّدِيدِ، بِسَبَبِ المَيْلِ إلى عالَمِ الجِسْمِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] وشَيْطانُ النَّفْسِ الكافِرَةِ هي المَلَكاتُ الباطِلَةُ، والحَوادِثُ الفاسِدَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِ عَطاءٍ: إنَّ كُلَّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانِهِ يَكُونُ مَقْرُونًا في الأصْفادِ. والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾: هو قَرْنُ بَعْضِ الكُفّارِ بِبَعْضٍ، والمُرادُ أنَّ تِلْكَ النُّفُوسَ الشَّقِيَّةَ والأرْواحَ المُكَدَّرَةَ الظُّلْمانِيَّةَ لِكَوْنِها مُتَجانِسَةً مُتَشاكِلَةً يَنْضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، وتُنادِي ظُلْمَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى، فانْحِدارُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى في تِلْكَ الظُّلُماتِ والخَساراتِ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ . والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ بِالأغْلالِ، وحَظُّ العَقْلِ مِن ذَلِكَ أنَّ المَلَكاتِ الحاصِلَةَ في جَوْهَرِ النَّفْسِ إنَّما تَحْصُلُ بِتَكْرِيرِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ مِنَ الجَوارِحِ والأعْضاءِ، فَإذا كانَتْ تِلْكَ المَلَكاتُ ظُلْمانِيَّةً كَدِرَةً، صارَتْ في المِثالِ كَأنَّ أيْدِيَها وأرْجُلَها قُرِنَتْ وغُلَّتْ في رِقابِها. وأما قوله: ﴿فِي الأصْفادِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِمُقَرَّنِينَ، والمَعْنى: يُقَرَّنُونَ بِالأصْفادِ. والثّانِي: أنْ لا يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم مُقَرَّنُونَ مُقَيَّدُونَ، وحَظُّ العَقْلِ مَعْلُومٌ مِمّا سَلَفَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ السَّرابِيلُ جَمْعُ سِرْبالٍ وهو القَمِيصُ، والقَطِرانُ فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: قَطْرانٌ وقِطْرانٌ وقَطِرانٌ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ الطّاءِ، وبِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الطّاءِ، وهو شَيْءٌ يَتَحَلَّبُ مِن شَجَرٍ يُسَمّى الأبْهَلَ فَيُطْبَخُ ويُطْلى بِهِ الإبِلُ الجَرِبُ فَيَحْرِقُ الجَرَبَ بِحَرارَتِهِ وحِدَّتِهِ، وقَدْ تَصِلُ حَرارَتُهُ إلى داخِلِ الجَوْفِ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يَتَسارَعَ فِيهِ اشْتِعالُ النّارِ، وهو أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَتُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ الطَّلْيُ كالسَّرابِيلِ، وهي القُمُصُ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِها أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ: لَذْعُ القَطِرانِ وحُرْقَتُهُ، وإسْراعُ النّارِ في جُلُودِهِمْ، واللَّوْنُ الوَحْشُ، ونَتْنُ الرِّيحِ. وأيْضًا التَّفاوُتُ بَيْنَ قَطِرانِ القِيامَةِ وقَطِرانِ الدُّنْيا كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ. وأقُولُ: حَظُّ العَقْلِ مِن هَذا أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ جَوْهَرٌ مُشْرِقٌ لامِعٌ مِن عالَمِ القُدُسِ وغَيْبَةِ الجَلالِ، وهَذا البَدَنُ جارٍ مَجْرى السِّرْبالِ والقَمِيصِ لَهُ، وكُلُّ ما يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِنَ الآلامِ والغُمُومِ فَإنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذا البَدَنِ، فَلِهَذا البَدَنِ لَذْعٌ وحُرْقَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ الشَّهْوَةَ والحِرْصَ والغَضَبَ إنَّما تَتَسارَعُ إلى جَوْهَرِ الرُّوحِ بِسَبَبِهِ وكَوْنِهِ لِلْكَثافَةِ والكُدُورَةِ والظُّلْمَةِ هو الَّذِي يُخْفِي لَمَعانَ الرُّوحِ وضَوْءَهُ، وهو سَبَبٌ لِحُصُولِ النَّتْنِ والعُفُونَةِ، فَتَشَبَّهَ هَذا الجَسَدُ بِسَرابِيلَ مِنَ القَطِرانِ والقِطْرِ، وقَرَأ بَعْضُهم: ”مِن قِطْرٍ آنٍ“ والقِطْرُ النُّحاسُ أوِ الصُّفْرُ المُذابُ والآنِي المُتَناهِي حَرُّهُ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: وتِلْكَ النّارُ لا تُبْطِلُ ذَلِكَ القَطِرانَ ولا تُفْنِيهِ كَما لا تُهْلِكُ النّارُ أجْسادَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] . واعْلَمْ أنَّ مَوْضِعَ المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ والعِلْمِ والجَهْلِ هو القَلْبُ، ومَوْضِعَ الفِكْرِ والوَهْمِ والخَيالِ هو صفحة ١١٨ الرَّأْسُ. وأثَرُ هَذِهِ الأحْوالِ إنَّما تَظْهَرُ في الوجه، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِظُهُورِ آثارِ العِقابِ فِيهِما فَقالَ في القَلْبِ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٦] وقالَ في الوجه: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ بِمَعْنى تَتَغَشّى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُرادُ مِنهُ أنْفُسُ الكُفّارِ لِأنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ لا يَلِيقُ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِأهْلِ الإيمانِ، وأقُولُ: يُمْكِنُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى عُمُومِهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَجْزِي كُلَّ شَخْصٍ بِما يَلِيقُ بِعَمَلِهِ وكَسْبِهِ ولَمّا كانَ كَسْبُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ، كانَ جَزاؤُهم هو هَذا العِقابَ المَذْكُورَ، ولَمّا كانَ كَسْبُ المُؤْمِنِينَ الإيمانَ والطّاعَةَ، كانَ اللّائِقُ بِهِمْ هو الثَّوابَ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا عاقَبَ المُجْرِمِينَ بِجُرْمِهِمْ فَلِأنْ يُثِيبَ المُطِيعِينَ عَلى طاعَتِهِمْ كانَ أوْلى. ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى لا يَظْلِمُهم ولا يَزِيدُ عَلى عِقابِهِمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ. وحَظُّ العَقْلِ مِنهُ أنَّ الأخْلاقَ الظُّلْمانِيَّةَ هي المَبادِئُ لِحُصُولِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ، وحُصُولُ تِلْكَ الأخْلاقِ في النَّفْسِ عَلى قَدْرِ صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهم في الحَياةِ الدُّنْيا، فَإنَّ المَلَكاتِ النَّفْسانِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ في جَوْهَرِ النَّفْسِ بِسَبَبِ الأفْعالِ المُتَكَرِّرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتِلْكَ الآلامُ تَتَفاوَتُ بِحَسَبِ تِلْكَ الأفْعالِ في كَثْرَتِها وقِلَّتِها وشِدَّتِها وضَعْفِها وذَلِكَ يُشْبِهُ الحِسابَ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ أيْ هَذا التَّذْكِيرُ والمَوْعِظَةُ بَلاغٌ لِلنّاسِ، أيْ كِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى كُلِّ القُرْآنِ، وقِيلَ: بَلْ إشارَةٌ إلى كُلِّ هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: بَلْ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وأما قوله: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ لِيَنْتَصِحُوا: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أيْ بِهَذا البَلاغِ. ثم قال: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ مِرارًا أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَها شُعْبَتانِ: القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ وكَمالُ حالِها في مَعْرِفَةِ المَوْجُوداتِ بِأقْسامِها وأجْناسِها وأنْواعِها حَتّى تَصِيرَ النَّفْسُ كالمِرْآةِ الَّتِي يَتَجَلّى فِيها قُدْسُ المَلَكُوتِ ويَظْهَرَ فِيها جَلالُ اللّاهُوتِ، ورَئِيسُ هَذِهِ المَعارِفِ والجَلاءِ مَعْرِفَةُ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. والشُّعْبَةُ الثّانِيَةُ: القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ وسَعادَتُها في أنْ تَصِيرَ مَوْصُوفَةً بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي تَصِيرُ مَبادِئَ لِصُدُورِ الأفْعالِ الكامِلَةِ عَنْها، ورَئِيسُ سَعاداتِ هَذِهِ القُوَّةِ طاعَةُ اللَّهِ وخِدْمَتُهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الرَّئِيسِ لِكَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الرَّئِيسِ لِكَمالِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَإنَّ الفائِدَةَ في هَذا التَّذَكُّرِ إنَّما هو الإعْراضُ عَنِ الأعْمالِ الباطِلَةِ والإقْبالُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهَذِهِ الخاتِمَةُ كالدَّلِيلِ القاطِعِ في أنَّهُ لا سَعادَةَ لِلْإنْسانِ إلّا مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ. المسألة الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآياتُ مُشْعِرَةٌ بِأنَّ التَّذْكِيرَ بِهَذِهِ المَواعِظِ والنَّصائِحِ يُوجِبُ الوُقُوفَ عَلى التَّوْحِيدِ والإقْبالَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، والوجه فِيهِ أنَّ المَرْءَ إذا سَمِعَ هَذِهِ التَّخْوِيفاتِ والتَّحْذِيراتِ عَظُمَ خَوْفُهُ واشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ، فَوَصَلَ إلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ واشْتَغَلَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. صفحة ١١٩ المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِفِعْلِهِ إنْ شاءَ أطاعَ وإنْ شاءَ عَصى. أمّا أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] فَإنّا قَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ الكِتابِ إرْشادُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى الدِّينِ والتَّقْوى ومَنعُهم عَنِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، وأمّا آخِرُ السُّورَةِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ، وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ النَّصائِحَ والمَواعِظَ لِأجْلِ أنْ يَنْتَفِعَ الخَلْقُ بِها فَيَصِيرُوا مُؤْمِنِينَ مُطِيعِينَ ويَتْرُكُوا الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ، فَظَهَرَ أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها مُتَطابِقانِ في إفادَةِ هَذا المَعْنى. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ المُسْتَقْصى عَنْهُ مَذْكُورٌ في أوَّلِ السُّورَةِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. المسألة الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا فَضِيلَةَ لِلْإنْسانِ ولا مَنقَبَةَ لَهُ إلّا بِسَبَبِ عَقْلِهِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ هَذِهِ الكُتُبَ، وإنَّما بَعَثَ الرُّسُلَ لِتَذْكِيرِ أُولِي الألْبابِ، فَلَوْلا الشَّرَفُ العَظِيمُ والمَرْتَبَةُ العالِيَةُ لِأُولِي الألْبابِ لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ. قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَضِيَ عَنْهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ في أواخِرِ شَعْبانَ سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، خُتِمَ بِالخَيْرِ والغُفْرانِ في صَحْراءِ بَغْدادَ، ونَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنَ الغُمُومِ والأحْزانِ، والفَوْزَ بِدَرَجاتِ الجِنانِ، والخَلاصَ مِن دَرَكاتِ النِّيرانِ، إنَّهُ المَلِكُ المَنّانُ، الرَّحِيمُ الدَّيّانُ، بِحَمْدِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى خاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ.

إبراهيم 14:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُقِمِ القِيامَةَ ولَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، لَزِمَ إمّا كَوْنُهُ غافِلًا وإمّا كَوْنُهُ مُخْلِفًا في الوَعْدِ، ولَمّا تَقَرَّرَ في العُقُولِ السَّلِيمَةِ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُحالٌ كانَ القَوْلُ بِأنَّهُ لا يُقِيمُ القِيامَةَ باطِلًا. وقَوْلُهُ: ﴿مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقَوْلَهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ ؟ ولِمَ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ عَلى الأوَّلِ ؟ قُلْنا: لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا، إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ثم قال: ﴿رُسُلَهُ﴾ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ فَكَيْفَ يُخْلِفُهُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ، وقُرِئَ: ”مُخْلِفَ وعْدَ رُسُلِهِ“ بِجَرِّ الرُّسُلِ ونَصْبِ الوَعْدِ، والتَّقْدِيرُ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ في الضَّعْفِ، كَمَن قَرَأ ”قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ“ ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ غالِبٌ لا يُماكِرُ ”ذُو انْتِقامٍ“ لِأوْلِيائِهِ. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ بَيَّنَ وقْتَ انْتِقامِهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ وعَظَّمَ مِن حالِ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِأنَّهُ لا أمْرَ أعْظَمُ في العُقُولِ والنُّفُوسِ مِن تَغْيِيرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: ذَكَرَ الزَّجّاجُ في نَصْبِ ”يَوْمَ“ وجْهَيْنِ، إمّا عَلى الظَّرْفِ لِانْتِقامٍ أوْ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ . المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّبْدِيلَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الذّاتُ باقِيَةً وتَتَبَدَّلَ صِفَتُها بِصِفَةٍ أُخْرى. والثّانِي: أنْ تَفْنى الذّاتُ الأُولى وتَحْدُثَ ذاتٌ أُخْرى، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ التَّبَدُّلِ لِإرادَةِ التَّغَيُّرِ في الصِّفَةِ جائِزٌ أنَّهُ يُقالُ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا أذَبْتَها وسَوَّيْتَها خاتَمًا فَنَقَلْتَها مِن شَكْلٍ إلى شَكْلٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ويُقالُ: بَدَّلْتُ قَمِيصِي جُبَّةً أيْ نَقَلْتُ العَيْنَ مِن صفحة ١١٦ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى، ويُقالُ: تَبَدَّلَ زَيْدٌ إذا تَغَيَّرَتْ أحْوالُهُ، وأمّا ذِكْرُ لَفْظِ التَّبْدِيلِ عِنْدَ وُقُوعِ التَّبَدُّلِ في الذَّواتِ فَكَقَوْلِكَ بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦] إذا عَرَفْتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ المَفْهُومَيْنِ فَفي الآيَةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الصِّفَةِ لا تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي تِلْكَ الأرْضُ إلّا أنَّها تَغَيَّرَتْ في صِفاتِها، فَتَسِيرُ عَنِ الأرْضِ جِبالُها وتُفَجَّرُ بِحارُها وتُسَوّى، فَلا يُرى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”يُبَدِّلُ اللَّهُ الأرْضَ غَيْرَ الأرْضِ فَيَبْسُطُها ويَمُدُّها مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ فَلا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا“» . وقَوْلُهُ: ﴿والسَّماواتُ﴾ أيْ تُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ، وهو كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ“» والمَعْنى: ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِكافِرٍ، وتَبْدِيلُ السَّماواتِ بِانْتِثارِ كَواكِبِها وانْفِطارِها، وتَكْوِيرِ شَمْسِها، وخُسُوفِ قَمَرِها، وكَوْنِها أبْوابًا، وأنَّها تارَةً تَكُونُ كالمُهْلِ وتارَةً تَكُونُ كالدِّهانِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُبَدَّلُ بِأرْضٍ كالفِضَّةِ البَيْضاءِ النَّقِيَّةِ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْها دَمٌ ولَمْ تُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ، فَهَذا شَرْحُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. ومِنَ النّاسِ مَن رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ المُرادُ هَذِهِ الأرْضُ، والتَّبَدُّلُ صِفَةٌ مُضافَةٌ إلَيْها، وعِنْدَ حُصُولِ الصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ مَوْجُودًا، فَلَمّا كانَ المَوْصُوفُ بِالتَّبَدُّلِ هو هَذِهِ الأرْضَ وجَبَ كَوْنُ هَذِهِ الأرْضِ باقِيَةً عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأرْضُ باقِيَةً مَعَ صِفاتِها عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، وإلّا لامْتَنَعَ حُصُولُ التَّبَدُّلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الباقِي هو الذّاتَ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الذّاتِ باقِيَةً، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يُعْدِمُ اللَّهُ الذَّواتِ والأجْسامَ، وإنَّما يُعْدِمُ صِفاتِها وأحْوالَها. واعْلَمْ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن تَبْدِيلِ الأرْضِ والسَّماواتِ هو أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ الأرْضَ جَهَنَّمَ ويَجْعَلُ السَّماواتِ الجَنَّةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] . واللَّهُ أعْلَمُ. أما قوله تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَنَقُولُ: أمّا البُرُوزُ لِلَّهِ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢] وإنَّما ذَكَرَ الواحِدَ القَهّارَ هَهُنا لِأنَّ المُلْكَ إذا كانَ لِمالِكٍ واحِدٍ غَلّابٍ لا يُغالَبُ قَهّارٌ لا يُقْهَرُ فَلا مُسْتَغاثَ لِأحَدٍ إلى غَيْرِهِ فَكانَ الأمْرُ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِكَوْنِهِ قَهّارًا بَيْنَ عَجْزِهِمْ وذِلَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ . * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في صِفاتِ عَجْزِهِمْ وذِلَّتِهِمْ أُمُورًا: فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ. يُقالُ: قَرَنْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَدَدْتَهُ بِهِ ووَصَلْتَهُ. والقِرانُ اسْمٌ لِلْحَبْلِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ شَيْئانِ. وجاءَ هَهُنا عَلى التَّكْثِيرِ لِكَثْرَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ. والأصْفادُ جَمْعُ صَفَدٍ وهو القَيْدُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: ”مُقَرَّنِينَ“: كُلُّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانٍ في غُلٍّ، وقالَ عَطاءٌ: هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أيْ قُرِنَتْ فَيَقْرِنُ اللَّهُ تَعالى نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ، ونُفُوسَ الكافِرِينَ بِقُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ، وأقُولُ: حَظُّ البحث العَقْلِيِّ مِنهُ أنَّ صفحة ١١٧ الإنْسانَ إذا فارَقَ الدُّنْيا، فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ راضَ نَفْسَهُ وهَذَّبَها ودَعاها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ، بَلْ تَرَكَها مُتَوَغِّلَةً في اللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ مُقْبِلَةً عَلى الأحْوالِ الوَهْمِيَّةِ والخَيالِيَّةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَتِلْكَ النَّفْسُ تُفارِقُ مَعَ تِلْكَ الجِهَةِ بِالحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ، والسَّعادَةِ بِالعِنايَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَتِلْكَ النَّفْسُ تُفارِقُ مَعَ الأسَفِ والحُزْنِ والبَلاءِ الشَّدِيدِ، بِسَبَبِ المَيْلِ إلى عالَمِ الجِسْمِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] وشَيْطانُ النَّفْسِ الكافِرَةِ هي المَلَكاتُ الباطِلَةُ، والحَوادِثُ الفاسِدَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِ عَطاءٍ: إنَّ كُلَّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانِهِ يَكُونُ مَقْرُونًا في الأصْفادِ. والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾: هو قَرْنُ بَعْضِ الكُفّارِ بِبَعْضٍ، والمُرادُ أنَّ تِلْكَ النُّفُوسَ الشَّقِيَّةَ والأرْواحَ المُكَدَّرَةَ الظُّلْمانِيَّةَ لِكَوْنِها مُتَجانِسَةً مُتَشاكِلَةً يَنْضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، وتُنادِي ظُلْمَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى، فانْحِدارُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى في تِلْكَ الظُّلُماتِ والخَساراتِ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ . والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ بِالأغْلالِ، وحَظُّ العَقْلِ مِن ذَلِكَ أنَّ المَلَكاتِ الحاصِلَةَ في جَوْهَرِ النَّفْسِ إنَّما تَحْصُلُ بِتَكْرِيرِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ مِنَ الجَوارِحِ والأعْضاءِ، فَإذا كانَتْ تِلْكَ المَلَكاتُ ظُلْمانِيَّةً كَدِرَةً، صارَتْ في المِثالِ كَأنَّ أيْدِيَها وأرْجُلَها قُرِنَتْ وغُلَّتْ في رِقابِها. وأما قوله: ﴿فِي الأصْفادِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِمُقَرَّنِينَ، والمَعْنى: يُقَرَّنُونَ بِالأصْفادِ. والثّانِي: أنْ لا يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم مُقَرَّنُونَ مُقَيَّدُونَ، وحَظُّ العَقْلِ مَعْلُومٌ مِمّا سَلَفَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ السَّرابِيلُ جَمْعُ سِرْبالٍ وهو القَمِيصُ، والقَطِرانُ فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: قَطْرانٌ وقِطْرانٌ وقَطِرانٌ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ الطّاءِ، وبِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الطّاءِ، وهو شَيْءٌ يَتَحَلَّبُ مِن شَجَرٍ يُسَمّى الأبْهَلَ فَيُطْبَخُ ويُطْلى بِهِ الإبِلُ الجَرِبُ فَيَحْرِقُ الجَرَبَ بِحَرارَتِهِ وحِدَّتِهِ، وقَدْ تَصِلُ حَرارَتُهُ إلى داخِلِ الجَوْفِ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يَتَسارَعَ فِيهِ اشْتِعالُ النّارِ، وهو أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَتُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ الطَّلْيُ كالسَّرابِيلِ، وهي القُمُصُ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِها أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ: لَذْعُ القَطِرانِ وحُرْقَتُهُ، وإسْراعُ النّارِ في جُلُودِهِمْ، واللَّوْنُ الوَحْشُ، ونَتْنُ الرِّيحِ. وأيْضًا التَّفاوُتُ بَيْنَ قَطِرانِ القِيامَةِ وقَطِرانِ الدُّنْيا كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ. وأقُولُ: حَظُّ العَقْلِ مِن هَذا أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ جَوْهَرٌ مُشْرِقٌ لامِعٌ مِن عالَمِ القُدُسِ وغَيْبَةِ الجَلالِ، وهَذا البَدَنُ جارٍ مَجْرى السِّرْبالِ والقَمِيصِ لَهُ، وكُلُّ ما يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِنَ الآلامِ والغُمُومِ فَإنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذا البَدَنِ، فَلِهَذا البَدَنِ لَذْعٌ وحُرْقَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ الشَّهْوَةَ والحِرْصَ والغَضَبَ إنَّما تَتَسارَعُ إلى جَوْهَرِ الرُّوحِ بِسَبَبِهِ وكَوْنِهِ لِلْكَثافَةِ والكُدُورَةِ والظُّلْمَةِ هو الَّذِي يُخْفِي لَمَعانَ الرُّوحِ وضَوْءَهُ، وهو سَبَبٌ لِحُصُولِ النَّتْنِ والعُفُونَةِ، فَتَشَبَّهَ هَذا الجَسَدُ بِسَرابِيلَ مِنَ القَطِرانِ والقِطْرِ، وقَرَأ بَعْضُهم: ”مِن قِطْرٍ آنٍ“ والقِطْرُ النُّحاسُ أوِ الصُّفْرُ المُذابُ والآنِي المُتَناهِي حَرُّهُ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: وتِلْكَ النّارُ لا تُبْطِلُ ذَلِكَ القَطِرانَ ولا تُفْنِيهِ كَما لا تُهْلِكُ النّارُ أجْسادَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] . واعْلَمْ أنَّ مَوْضِعَ المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ والعِلْمِ والجَهْلِ هو القَلْبُ، ومَوْضِعَ الفِكْرِ والوَهْمِ والخَيالِ هو صفحة ١١٨ الرَّأْسُ. وأثَرُ هَذِهِ الأحْوالِ إنَّما تَظْهَرُ في الوجه، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِظُهُورِ آثارِ العِقابِ فِيهِما فَقالَ في القَلْبِ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٦] وقالَ في الوجه: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ بِمَعْنى تَتَغَشّى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُرادُ مِنهُ أنْفُسُ الكُفّارِ لِأنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ لا يَلِيقُ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِأهْلِ الإيمانِ، وأقُولُ: يُمْكِنُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى عُمُومِهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَجْزِي كُلَّ شَخْصٍ بِما يَلِيقُ بِعَمَلِهِ وكَسْبِهِ ولَمّا كانَ كَسْبُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ، كانَ جَزاؤُهم هو هَذا العِقابَ المَذْكُورَ، ولَمّا كانَ كَسْبُ المُؤْمِنِينَ الإيمانَ والطّاعَةَ، كانَ اللّائِقُ بِهِمْ هو الثَّوابَ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا عاقَبَ المُجْرِمِينَ بِجُرْمِهِمْ فَلِأنْ يُثِيبَ المُطِيعِينَ عَلى طاعَتِهِمْ كانَ أوْلى. ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى لا يَظْلِمُهم ولا يَزِيدُ عَلى عِقابِهِمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ. وحَظُّ العَقْلِ مِنهُ أنَّ الأخْلاقَ الظُّلْمانِيَّةَ هي المَبادِئُ لِحُصُولِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ، وحُصُولُ تِلْكَ الأخْلاقِ في النَّفْسِ عَلى قَدْرِ صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهم في الحَياةِ الدُّنْيا، فَإنَّ المَلَكاتِ النَّفْسانِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ في جَوْهَرِ النَّفْسِ بِسَبَبِ الأفْعالِ المُتَكَرِّرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتِلْكَ الآلامُ تَتَفاوَتُ بِحَسَبِ تِلْكَ الأفْعالِ في كَثْرَتِها وقِلَّتِها وشِدَّتِها وضَعْفِها وذَلِكَ يُشْبِهُ الحِسابَ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ أيْ هَذا التَّذْكِيرُ والمَوْعِظَةُ بَلاغٌ لِلنّاسِ، أيْ كِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى كُلِّ القُرْآنِ، وقِيلَ: بَلْ إشارَةٌ إلى كُلِّ هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: بَلْ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وأما قوله: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ لِيَنْتَصِحُوا: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أيْ بِهَذا البَلاغِ. ثم قال: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ مِرارًا أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَها شُعْبَتانِ: القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ وكَمالُ حالِها في مَعْرِفَةِ المَوْجُوداتِ بِأقْسامِها وأجْناسِها وأنْواعِها حَتّى تَصِيرَ النَّفْسُ كالمِرْآةِ الَّتِي يَتَجَلّى فِيها قُدْسُ المَلَكُوتِ ويَظْهَرَ فِيها جَلالُ اللّاهُوتِ، ورَئِيسُ هَذِهِ المَعارِفِ والجَلاءِ مَعْرِفَةُ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. والشُّعْبَةُ الثّانِيَةُ: القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ وسَعادَتُها في أنْ تَصِيرَ مَوْصُوفَةً بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي تَصِيرُ مَبادِئَ لِصُدُورِ الأفْعالِ الكامِلَةِ عَنْها، ورَئِيسُ سَعاداتِ هَذِهِ القُوَّةِ طاعَةُ اللَّهِ وخِدْمَتُهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الرَّئِيسِ لِكَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الرَّئِيسِ لِكَمالِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَإنَّ الفائِدَةَ في هَذا التَّذَكُّرِ إنَّما هو الإعْراضُ عَنِ الأعْمالِ الباطِلَةِ والإقْبالُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهَذِهِ الخاتِمَةُ كالدَّلِيلِ القاطِعِ في أنَّهُ لا سَعادَةَ لِلْإنْسانِ إلّا مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ. المسألة الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآياتُ مُشْعِرَةٌ بِأنَّ التَّذْكِيرَ بِهَذِهِ المَواعِظِ والنَّصائِحِ يُوجِبُ الوُقُوفَ عَلى التَّوْحِيدِ والإقْبالَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، والوجه فِيهِ أنَّ المَرْءَ إذا سَمِعَ هَذِهِ التَّخْوِيفاتِ والتَّحْذِيراتِ عَظُمَ خَوْفُهُ واشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ، فَوَصَلَ إلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ واشْتَغَلَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. صفحة ١١٩ المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِفِعْلِهِ إنْ شاءَ أطاعَ وإنْ شاءَ عَصى. أمّا أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] فَإنّا قَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ الكِتابِ إرْشادُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى الدِّينِ والتَّقْوى ومَنعُهم عَنِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، وأمّا آخِرُ السُّورَةِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ، وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ النَّصائِحَ والمَواعِظَ لِأجْلِ أنْ يَنْتَفِعَ الخَلْقُ بِها فَيَصِيرُوا مُؤْمِنِينَ مُطِيعِينَ ويَتْرُكُوا الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ، فَظَهَرَ أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها مُتَطابِقانِ في إفادَةِ هَذا المَعْنى. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ المُسْتَقْصى عَنْهُ مَذْكُورٌ في أوَّلِ السُّورَةِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. المسألة الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا فَضِيلَةَ لِلْإنْسانِ ولا مَنقَبَةَ لَهُ إلّا بِسَبَبِ عَقْلِهِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ هَذِهِ الكُتُبَ، وإنَّما بَعَثَ الرُّسُلَ لِتَذْكِيرِ أُولِي الألْبابِ، فَلَوْلا الشَّرَفُ العَظِيمُ والمَرْتَبَةُ العالِيَةُ لِأُولِي الألْبابِ لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ. قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَضِيَ عَنْهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ في أواخِرِ شَعْبانَ سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، خُتِمَ بِالخَيْرِ والغُفْرانِ في صَحْراءِ بَغْدادَ، ونَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنَ الغُمُومِ والأحْزانِ، والفَوْزَ بِدَرَجاتِ الجِنانِ، والخَلاصَ مِن دَرَكاتِ النِّيرانِ، إنَّهُ المَلِكُ المَنّانُ، الرَّحِيمُ الدَّيّانُ، بِحَمْدِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى خاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ.

إبراهيم 14:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُقِمِ القِيامَةَ ولَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، لَزِمَ إمّا كَوْنُهُ غافِلًا وإمّا كَوْنُهُ مُخْلِفًا في الوَعْدِ، ولَمّا تَقَرَّرَ في العُقُولِ السَّلِيمَةِ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُحالٌ كانَ القَوْلُ بِأنَّهُ لا يُقِيمُ القِيامَةَ باطِلًا. وقَوْلُهُ: ﴿مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقَوْلَهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ ؟ ولِمَ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ عَلى الأوَّلِ ؟ قُلْنا: لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا، إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ثم قال: ﴿رُسُلَهُ﴾ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ فَكَيْفَ يُخْلِفُهُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ، وقُرِئَ: ”مُخْلِفَ وعْدَ رُسُلِهِ“ بِجَرِّ الرُّسُلِ ونَصْبِ الوَعْدِ، والتَّقْدِيرُ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ في الضَّعْفِ، كَمَن قَرَأ ”قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ“ ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ غالِبٌ لا يُماكِرُ ”ذُو انْتِقامٍ“ لِأوْلِيائِهِ. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ بَيَّنَ وقْتَ انْتِقامِهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ وعَظَّمَ مِن حالِ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِأنَّهُ لا أمْرَ أعْظَمُ في العُقُولِ والنُّفُوسِ مِن تَغْيِيرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: ذَكَرَ الزَّجّاجُ في نَصْبِ ”يَوْمَ“ وجْهَيْنِ، إمّا عَلى الظَّرْفِ لِانْتِقامٍ أوْ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ . المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّبْدِيلَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الذّاتُ باقِيَةً وتَتَبَدَّلَ صِفَتُها بِصِفَةٍ أُخْرى. والثّانِي: أنْ تَفْنى الذّاتُ الأُولى وتَحْدُثَ ذاتٌ أُخْرى، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ التَّبَدُّلِ لِإرادَةِ التَّغَيُّرِ في الصِّفَةِ جائِزٌ أنَّهُ يُقالُ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا أذَبْتَها وسَوَّيْتَها خاتَمًا فَنَقَلْتَها مِن شَكْلٍ إلى شَكْلٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ويُقالُ: بَدَّلْتُ قَمِيصِي جُبَّةً أيْ نَقَلْتُ العَيْنَ مِن صفحة ١١٦ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى، ويُقالُ: تَبَدَّلَ زَيْدٌ إذا تَغَيَّرَتْ أحْوالُهُ، وأمّا ذِكْرُ لَفْظِ التَّبْدِيلِ عِنْدَ وُقُوعِ التَّبَدُّلِ في الذَّواتِ فَكَقَوْلِكَ بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦] إذا عَرَفْتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ المَفْهُومَيْنِ فَفي الآيَةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الصِّفَةِ لا تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي تِلْكَ الأرْضُ إلّا أنَّها تَغَيَّرَتْ في صِفاتِها، فَتَسِيرُ عَنِ الأرْضِ جِبالُها وتُفَجَّرُ بِحارُها وتُسَوّى، فَلا يُرى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”يُبَدِّلُ اللَّهُ الأرْضَ غَيْرَ الأرْضِ فَيَبْسُطُها ويَمُدُّها مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ فَلا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا“» . وقَوْلُهُ: ﴿والسَّماواتُ﴾ أيْ تُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ، وهو كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ“» والمَعْنى: ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِكافِرٍ، وتَبْدِيلُ السَّماواتِ بِانْتِثارِ كَواكِبِها وانْفِطارِها، وتَكْوِيرِ شَمْسِها، وخُسُوفِ قَمَرِها، وكَوْنِها أبْوابًا، وأنَّها تارَةً تَكُونُ كالمُهْلِ وتارَةً تَكُونُ كالدِّهانِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُبَدَّلُ بِأرْضٍ كالفِضَّةِ البَيْضاءِ النَّقِيَّةِ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْها دَمٌ ولَمْ تُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ، فَهَذا شَرْحُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. ومِنَ النّاسِ مَن رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ المُرادُ هَذِهِ الأرْضُ، والتَّبَدُّلُ صِفَةٌ مُضافَةٌ إلَيْها، وعِنْدَ حُصُولِ الصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ مَوْجُودًا، فَلَمّا كانَ المَوْصُوفُ بِالتَّبَدُّلِ هو هَذِهِ الأرْضَ وجَبَ كَوْنُ هَذِهِ الأرْضِ باقِيَةً عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأرْضُ باقِيَةً مَعَ صِفاتِها عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، وإلّا لامْتَنَعَ حُصُولُ التَّبَدُّلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الباقِي هو الذّاتَ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الذّاتِ باقِيَةً، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يُعْدِمُ اللَّهُ الذَّواتِ والأجْسامَ، وإنَّما يُعْدِمُ صِفاتِها وأحْوالَها. واعْلَمْ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن تَبْدِيلِ الأرْضِ والسَّماواتِ هو أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ الأرْضَ جَهَنَّمَ ويَجْعَلُ السَّماواتِ الجَنَّةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] . واللَّهُ أعْلَمُ. أما قوله تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَنَقُولُ: أمّا البُرُوزُ لِلَّهِ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢] وإنَّما ذَكَرَ الواحِدَ القَهّارَ هَهُنا لِأنَّ المُلْكَ إذا كانَ لِمالِكٍ واحِدٍ غَلّابٍ لا يُغالَبُ قَهّارٌ لا يُقْهَرُ فَلا مُسْتَغاثَ لِأحَدٍ إلى غَيْرِهِ فَكانَ الأمْرُ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِكَوْنِهِ قَهّارًا بَيْنَ عَجْزِهِمْ وذِلَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ . * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في صِفاتِ عَجْزِهِمْ وذِلَّتِهِمْ أُمُورًا: فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ. يُقالُ: قَرَنْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَدَدْتَهُ بِهِ ووَصَلْتَهُ. والقِرانُ اسْمٌ لِلْحَبْلِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ شَيْئانِ. وجاءَ هَهُنا عَلى التَّكْثِيرِ لِكَثْرَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ. والأصْفادُ جَمْعُ صَفَدٍ وهو القَيْدُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: ”مُقَرَّنِينَ“: كُلُّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانٍ في غُلٍّ، وقالَ عَطاءٌ: هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أيْ قُرِنَتْ فَيَقْرِنُ اللَّهُ تَعالى نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ، ونُفُوسَ الكافِرِينَ بِقُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ، وأقُولُ: حَظُّ البحث العَقْلِيِّ مِنهُ أنَّ صفحة ١١٧ الإنْسانَ إذا فارَقَ الدُّنْيا، فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ راضَ نَفْسَهُ وهَذَّبَها ودَعاها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ، بَلْ تَرَكَها مُتَوَغِّلَةً في اللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ مُقْبِلَةً عَلى الأحْوالِ الوَهْمِيَّةِ والخَيالِيَّةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَتِلْكَ النَّفْسُ تُفارِقُ مَعَ تِلْكَ الجِهَةِ بِالحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ، والسَّعادَةِ بِالعِنايَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَتِلْكَ النَّفْسُ تُفارِقُ مَعَ الأسَفِ والحُزْنِ والبَلاءِ الشَّدِيدِ، بِسَبَبِ المَيْلِ إلى عالَمِ الجِسْمِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] وشَيْطانُ النَّفْسِ الكافِرَةِ هي المَلَكاتُ الباطِلَةُ، والحَوادِثُ الفاسِدَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِ عَطاءٍ: إنَّ كُلَّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانِهِ يَكُونُ مَقْرُونًا في الأصْفادِ. والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾: هو قَرْنُ بَعْضِ الكُفّارِ بِبَعْضٍ، والمُرادُ أنَّ تِلْكَ النُّفُوسَ الشَّقِيَّةَ والأرْواحَ المُكَدَّرَةَ الظُّلْمانِيَّةَ لِكَوْنِها مُتَجانِسَةً مُتَشاكِلَةً يَنْضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، وتُنادِي ظُلْمَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى، فانْحِدارُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى في تِلْكَ الظُّلُماتِ والخَساراتِ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ . والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ بِالأغْلالِ، وحَظُّ العَقْلِ مِن ذَلِكَ أنَّ المَلَكاتِ الحاصِلَةَ في جَوْهَرِ النَّفْسِ إنَّما تَحْصُلُ بِتَكْرِيرِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ مِنَ الجَوارِحِ والأعْضاءِ، فَإذا كانَتْ تِلْكَ المَلَكاتُ ظُلْمانِيَّةً كَدِرَةً، صارَتْ في المِثالِ كَأنَّ أيْدِيَها وأرْجُلَها قُرِنَتْ وغُلَّتْ في رِقابِها. وأما قوله: ﴿فِي الأصْفادِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِمُقَرَّنِينَ، والمَعْنى: يُقَرَّنُونَ بِالأصْفادِ. والثّانِي: أنْ لا يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم مُقَرَّنُونَ مُقَيَّدُونَ، وحَظُّ العَقْلِ مَعْلُومٌ مِمّا سَلَفَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ السَّرابِيلُ جَمْعُ سِرْبالٍ وهو القَمِيصُ، والقَطِرانُ فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: قَطْرانٌ وقِطْرانٌ وقَطِرانٌ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ الطّاءِ، وبِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الطّاءِ، وهو شَيْءٌ يَتَحَلَّبُ مِن شَجَرٍ يُسَمّى الأبْهَلَ فَيُطْبَخُ ويُطْلى بِهِ الإبِلُ الجَرِبُ فَيَحْرِقُ الجَرَبَ بِحَرارَتِهِ وحِدَّتِهِ، وقَدْ تَصِلُ حَرارَتُهُ إلى داخِلِ الجَوْفِ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يَتَسارَعَ فِيهِ اشْتِعالُ النّارِ، وهو أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَتُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ الطَّلْيُ كالسَّرابِيلِ، وهي القُمُصُ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِها أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ: لَذْعُ القَطِرانِ وحُرْقَتُهُ، وإسْراعُ النّارِ في جُلُودِهِمْ، واللَّوْنُ الوَحْشُ، ونَتْنُ الرِّيحِ. وأيْضًا التَّفاوُتُ بَيْنَ قَطِرانِ القِيامَةِ وقَطِرانِ الدُّنْيا كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ. وأقُولُ: حَظُّ العَقْلِ مِن هَذا أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ جَوْهَرٌ مُشْرِقٌ لامِعٌ مِن عالَمِ القُدُسِ وغَيْبَةِ الجَلالِ، وهَذا البَدَنُ جارٍ مَجْرى السِّرْبالِ والقَمِيصِ لَهُ، وكُلُّ ما يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِنَ الآلامِ والغُمُومِ فَإنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذا البَدَنِ، فَلِهَذا البَدَنِ لَذْعٌ وحُرْقَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ الشَّهْوَةَ والحِرْصَ والغَضَبَ إنَّما تَتَسارَعُ إلى جَوْهَرِ الرُّوحِ بِسَبَبِهِ وكَوْنِهِ لِلْكَثافَةِ والكُدُورَةِ والظُّلْمَةِ هو الَّذِي يُخْفِي لَمَعانَ الرُّوحِ وضَوْءَهُ، وهو سَبَبٌ لِحُصُولِ النَّتْنِ والعُفُونَةِ، فَتَشَبَّهَ هَذا الجَسَدُ بِسَرابِيلَ مِنَ القَطِرانِ والقِطْرِ، وقَرَأ بَعْضُهم: ”مِن قِطْرٍ آنٍ“ والقِطْرُ النُّحاسُ أوِ الصُّفْرُ المُذابُ والآنِي المُتَناهِي حَرُّهُ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: وتِلْكَ النّارُ لا تُبْطِلُ ذَلِكَ القَطِرانَ ولا تُفْنِيهِ كَما لا تُهْلِكُ النّارُ أجْسادَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] . واعْلَمْ أنَّ مَوْضِعَ المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ والعِلْمِ والجَهْلِ هو القَلْبُ، ومَوْضِعَ الفِكْرِ والوَهْمِ والخَيالِ هو صفحة ١١٨ الرَّأْسُ. وأثَرُ هَذِهِ الأحْوالِ إنَّما تَظْهَرُ في الوجه، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِظُهُورِ آثارِ العِقابِ فِيهِما فَقالَ في القَلْبِ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٦] وقالَ في الوجه: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ بِمَعْنى تَتَغَشّى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُرادُ مِنهُ أنْفُسُ الكُفّارِ لِأنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ لا يَلِيقُ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِأهْلِ الإيمانِ، وأقُولُ: يُمْكِنُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى عُمُومِهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَجْزِي كُلَّ شَخْصٍ بِما يَلِيقُ بِعَمَلِهِ وكَسْبِهِ ولَمّا كانَ كَسْبُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ، كانَ جَزاؤُهم هو هَذا العِقابَ المَذْكُورَ، ولَمّا كانَ كَسْبُ المُؤْمِنِينَ الإيمانَ والطّاعَةَ، كانَ اللّائِقُ بِهِمْ هو الثَّوابَ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا عاقَبَ المُجْرِمِينَ بِجُرْمِهِمْ فَلِأنْ يُثِيبَ المُطِيعِينَ عَلى طاعَتِهِمْ كانَ أوْلى. ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى لا يَظْلِمُهم ولا يَزِيدُ عَلى عِقابِهِمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ. وحَظُّ العَقْلِ مِنهُ أنَّ الأخْلاقَ الظُّلْمانِيَّةَ هي المَبادِئُ لِحُصُولِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ، وحُصُولُ تِلْكَ الأخْلاقِ في النَّفْسِ عَلى قَدْرِ صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهم في الحَياةِ الدُّنْيا، فَإنَّ المَلَكاتِ النَّفْسانِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ في جَوْهَرِ النَّفْسِ بِسَبَبِ الأفْعالِ المُتَكَرِّرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتِلْكَ الآلامُ تَتَفاوَتُ بِحَسَبِ تِلْكَ الأفْعالِ في كَثْرَتِها وقِلَّتِها وشِدَّتِها وضَعْفِها وذَلِكَ يُشْبِهُ الحِسابَ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ أيْ هَذا التَّذْكِيرُ والمَوْعِظَةُ بَلاغٌ لِلنّاسِ، أيْ كِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى كُلِّ القُرْآنِ، وقِيلَ: بَلْ إشارَةٌ إلى كُلِّ هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: بَلْ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وأما قوله: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ لِيَنْتَصِحُوا: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أيْ بِهَذا البَلاغِ. ثم قال: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ مِرارًا أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَها شُعْبَتانِ: القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ وكَمالُ حالِها في مَعْرِفَةِ المَوْجُوداتِ بِأقْسامِها وأجْناسِها وأنْواعِها حَتّى تَصِيرَ النَّفْسُ كالمِرْآةِ الَّتِي يَتَجَلّى فِيها قُدْسُ المَلَكُوتِ ويَظْهَرَ فِيها جَلالُ اللّاهُوتِ، ورَئِيسُ هَذِهِ المَعارِفِ والجَلاءِ مَعْرِفَةُ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. والشُّعْبَةُ الثّانِيَةُ: القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ وسَعادَتُها في أنْ تَصِيرَ مَوْصُوفَةً بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي تَصِيرُ مَبادِئَ لِصُدُورِ الأفْعالِ الكامِلَةِ عَنْها، ورَئِيسُ سَعاداتِ هَذِهِ القُوَّةِ طاعَةُ اللَّهِ وخِدْمَتُهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الرَّئِيسِ لِكَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الرَّئِيسِ لِكَمالِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَإنَّ الفائِدَةَ في هَذا التَّذَكُّرِ إنَّما هو الإعْراضُ عَنِ الأعْمالِ الباطِلَةِ والإقْبالُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهَذِهِ الخاتِمَةُ كالدَّلِيلِ القاطِعِ في أنَّهُ لا سَعادَةَ لِلْإنْسانِ إلّا مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ. المسألة الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآياتُ مُشْعِرَةٌ بِأنَّ التَّذْكِيرَ بِهَذِهِ المَواعِظِ والنَّصائِحِ يُوجِبُ الوُقُوفَ عَلى التَّوْحِيدِ والإقْبالَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، والوجه فِيهِ أنَّ المَرْءَ إذا سَمِعَ هَذِهِ التَّخْوِيفاتِ والتَّحْذِيراتِ عَظُمَ خَوْفُهُ واشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ، فَوَصَلَ إلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ واشْتَغَلَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. صفحة ١١٩ المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِفِعْلِهِ إنْ شاءَ أطاعَ وإنْ شاءَ عَصى. أمّا أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] فَإنّا قَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ الكِتابِ إرْشادُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى الدِّينِ والتَّقْوى ومَنعُهم عَنِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، وأمّا آخِرُ السُّورَةِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ، وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ النَّصائِحَ والمَواعِظَ لِأجْلِ أنْ يَنْتَفِعَ الخَلْقُ بِها فَيَصِيرُوا مُؤْمِنِينَ مُطِيعِينَ ويَتْرُكُوا الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ، فَظَهَرَ أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها مُتَطابِقانِ في إفادَةِ هَذا المَعْنى. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ المُسْتَقْصى عَنْهُ مَذْكُورٌ في أوَّلِ السُّورَةِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. المسألة الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا فَضِيلَةَ لِلْإنْسانِ ولا مَنقَبَةَ لَهُ إلّا بِسَبَبِ عَقْلِهِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ هَذِهِ الكُتُبَ، وإنَّما بَعَثَ الرُّسُلَ لِتَذْكِيرِ أُولِي الألْبابِ، فَلَوْلا الشَّرَفُ العَظِيمُ والمَرْتَبَةُ العالِيَةُ لِأُولِي الألْبابِ لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ. قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَضِيَ عَنْهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ في أواخِرِ شَعْبانَ سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، خُتِمَ بِالخَيْرِ والغُفْرانِ في صَحْراءِ بَغْدادَ، ونَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنَ الغُمُومِ والأحْزانِ، والفَوْزَ بِدَرَجاتِ الجِنانِ، والخَلاصَ مِن دَرَكاتِ النِّيرانِ، إنَّهُ المَلِكُ المَنّانُ، الرَّحِيمُ الدَّيّانُ، بِحَمْدِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى خاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ.

إبراهيم 14:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُقِمِ القِيامَةَ ولَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، لَزِمَ إمّا كَوْنُهُ غافِلًا وإمّا كَوْنُهُ مُخْلِفًا في الوَعْدِ، ولَمّا تَقَرَّرَ في العُقُولِ السَّلِيمَةِ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُحالٌ كانَ القَوْلُ بِأنَّهُ لا يُقِيمُ القِيامَةَ باطِلًا. وقَوْلُهُ: ﴿مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقَوْلَهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ ؟ ولِمَ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ عَلى الأوَّلِ ؟ قُلْنا: لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا، إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ثم قال: ﴿رُسُلَهُ﴾ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ فَكَيْفَ يُخْلِفُهُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ، وقُرِئَ: ”مُخْلِفَ وعْدَ رُسُلِهِ“ بِجَرِّ الرُّسُلِ ونَصْبِ الوَعْدِ، والتَّقْدِيرُ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ في الضَّعْفِ، كَمَن قَرَأ ”قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ“ ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ غالِبٌ لا يُماكِرُ ”ذُو انْتِقامٍ“ لِأوْلِيائِهِ. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ بَيَّنَ وقْتَ انْتِقامِهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ وعَظَّمَ مِن حالِ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِأنَّهُ لا أمْرَ أعْظَمُ في العُقُولِ والنُّفُوسِ مِن تَغْيِيرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: ذَكَرَ الزَّجّاجُ في نَصْبِ ”يَوْمَ“ وجْهَيْنِ، إمّا عَلى الظَّرْفِ لِانْتِقامٍ أوْ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ . المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّبْدِيلَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الذّاتُ باقِيَةً وتَتَبَدَّلَ صِفَتُها بِصِفَةٍ أُخْرى. والثّانِي: أنْ تَفْنى الذّاتُ الأُولى وتَحْدُثَ ذاتٌ أُخْرى، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ التَّبَدُّلِ لِإرادَةِ التَّغَيُّرِ في الصِّفَةِ جائِزٌ أنَّهُ يُقالُ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا أذَبْتَها وسَوَّيْتَها خاتَمًا فَنَقَلْتَها مِن شَكْلٍ إلى شَكْلٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ويُقالُ: بَدَّلْتُ قَمِيصِي جُبَّةً أيْ نَقَلْتُ العَيْنَ مِن صفحة ١١٦ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى، ويُقالُ: تَبَدَّلَ زَيْدٌ إذا تَغَيَّرَتْ أحْوالُهُ، وأمّا ذِكْرُ لَفْظِ التَّبْدِيلِ عِنْدَ وُقُوعِ التَّبَدُّلِ في الذَّواتِ فَكَقَوْلِكَ بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦] إذا عَرَفْتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ المَفْهُومَيْنِ فَفي الآيَةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الصِّفَةِ لا تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي تِلْكَ الأرْضُ إلّا أنَّها تَغَيَّرَتْ في صِفاتِها، فَتَسِيرُ عَنِ الأرْضِ جِبالُها وتُفَجَّرُ بِحارُها وتُسَوّى، فَلا يُرى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”يُبَدِّلُ اللَّهُ الأرْضَ غَيْرَ الأرْضِ فَيَبْسُطُها ويَمُدُّها مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ فَلا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا“» . وقَوْلُهُ: ﴿والسَّماواتُ﴾ أيْ تُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ، وهو كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ“» والمَعْنى: ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِكافِرٍ، وتَبْدِيلُ السَّماواتِ بِانْتِثارِ كَواكِبِها وانْفِطارِها، وتَكْوِيرِ شَمْسِها، وخُسُوفِ قَمَرِها، وكَوْنِها أبْوابًا، وأنَّها تارَةً تَكُونُ كالمُهْلِ وتارَةً تَكُونُ كالدِّهانِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُبَدَّلُ بِأرْضٍ كالفِضَّةِ البَيْضاءِ النَّقِيَّةِ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْها دَمٌ ولَمْ تُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ، فَهَذا شَرْحُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. ومِنَ النّاسِ مَن رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ المُرادُ هَذِهِ الأرْضُ، والتَّبَدُّلُ صِفَةٌ مُضافَةٌ إلَيْها، وعِنْدَ حُصُولِ الصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ مَوْجُودًا، فَلَمّا كانَ المَوْصُوفُ بِالتَّبَدُّلِ هو هَذِهِ الأرْضَ وجَبَ كَوْنُ هَذِهِ الأرْضِ باقِيَةً عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأرْضُ باقِيَةً مَعَ صِفاتِها عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، وإلّا لامْتَنَعَ حُصُولُ التَّبَدُّلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الباقِي هو الذّاتَ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الذّاتِ باقِيَةً، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يُعْدِمُ اللَّهُ الذَّواتِ والأجْسامَ، وإنَّما يُعْدِمُ صِفاتِها وأحْوالَها. واعْلَمْ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن تَبْدِيلِ الأرْضِ والسَّماواتِ هو أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ الأرْضَ جَهَنَّمَ ويَجْعَلُ السَّماواتِ الجَنَّةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] . واللَّهُ أعْلَمُ. أما قوله تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَنَقُولُ: أمّا البُرُوزُ لِلَّهِ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢] وإنَّما ذَكَرَ الواحِدَ القَهّارَ هَهُنا لِأنَّ المُلْكَ إذا كانَ لِمالِكٍ واحِدٍ غَلّابٍ لا يُغالَبُ قَهّارٌ لا يُقْهَرُ فَلا مُسْتَغاثَ لِأحَدٍ إلى غَيْرِهِ فَكانَ الأمْرُ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِكَوْنِهِ قَهّارًا بَيْنَ عَجْزِهِمْ وذِلَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ . * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في صِفاتِ عَجْزِهِمْ وذِلَّتِهِمْ أُمُورًا: فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ. يُقالُ: قَرَنْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَدَدْتَهُ بِهِ ووَصَلْتَهُ. والقِرانُ اسْمٌ لِلْحَبْلِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ شَيْئانِ. وجاءَ هَهُنا عَلى التَّكْثِيرِ لِكَثْرَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ. والأصْفادُ جَمْعُ صَفَدٍ وهو القَيْدُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: ”مُقَرَّنِينَ“: كُلُّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانٍ في غُلٍّ، وقالَ عَطاءٌ: هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أيْ قُرِنَتْ فَيَقْرِنُ اللَّهُ تَعالى نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ، ونُفُوسَ الكافِرِينَ بِقُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ، وأقُولُ: حَظُّ البحث العَقْلِيِّ مِنهُ أنَّ صفحة ١١٧ الإنْسانَ إذا فارَقَ الدُّنْيا، فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ راضَ نَفْسَهُ وهَذَّبَها ودَعاها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ، بَلْ تَرَكَها مُتَوَغِّلَةً في اللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ مُقْبِلَةً عَلى الأحْوالِ الوَهْمِيَّةِ والخَيالِيَّةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَتِلْكَ النَّفْسُ تُفارِقُ مَعَ تِلْكَ الجِهَةِ بِالحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ، والسَّعادَةِ بِالعِنايَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَتِلْكَ النَّفْسُ تُفارِقُ مَعَ الأسَفِ والحُزْنِ والبَلاءِ الشَّدِيدِ، بِسَبَبِ المَيْلِ إلى عالَمِ الجِسْمِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] وشَيْطانُ النَّفْسِ الكافِرَةِ هي المَلَكاتُ الباطِلَةُ، والحَوادِثُ الفاسِدَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِ عَطاءٍ: إنَّ كُلَّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانِهِ يَكُونُ مَقْرُونًا في الأصْفادِ. والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾: هو قَرْنُ بَعْضِ الكُفّارِ بِبَعْضٍ، والمُرادُ أنَّ تِلْكَ النُّفُوسَ الشَّقِيَّةَ والأرْواحَ المُكَدَّرَةَ الظُّلْمانِيَّةَ لِكَوْنِها مُتَجانِسَةً مُتَشاكِلَةً يَنْضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، وتُنادِي ظُلْمَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى، فانْحِدارُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى في تِلْكَ الظُّلُماتِ والخَساراتِ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ . والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ بِالأغْلالِ، وحَظُّ العَقْلِ مِن ذَلِكَ أنَّ المَلَكاتِ الحاصِلَةَ في جَوْهَرِ النَّفْسِ إنَّما تَحْصُلُ بِتَكْرِيرِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ مِنَ الجَوارِحِ والأعْضاءِ، فَإذا كانَتْ تِلْكَ المَلَكاتُ ظُلْمانِيَّةً كَدِرَةً، صارَتْ في المِثالِ كَأنَّ أيْدِيَها وأرْجُلَها قُرِنَتْ وغُلَّتْ في رِقابِها. وأما قوله: ﴿فِي الأصْفادِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِمُقَرَّنِينَ، والمَعْنى: يُقَرَّنُونَ بِالأصْفادِ. والثّانِي: أنْ لا يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم مُقَرَّنُونَ مُقَيَّدُونَ، وحَظُّ العَقْلِ مَعْلُومٌ مِمّا سَلَفَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ السَّرابِيلُ جَمْعُ سِرْبالٍ وهو القَمِيصُ، والقَطِرانُ فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: قَطْرانٌ وقِطْرانٌ وقَطِرانٌ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ الطّاءِ، وبِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الطّاءِ، وهو شَيْءٌ يَتَحَلَّبُ مِن شَجَرٍ يُسَمّى الأبْهَلَ فَيُطْبَخُ ويُطْلى بِهِ الإبِلُ الجَرِبُ فَيَحْرِقُ الجَرَبَ بِحَرارَتِهِ وحِدَّتِهِ، وقَدْ تَصِلُ حَرارَتُهُ إلى داخِلِ الجَوْفِ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يَتَسارَعَ فِيهِ اشْتِعالُ النّارِ، وهو أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَتُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ الطَّلْيُ كالسَّرابِيلِ، وهي القُمُصُ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِها أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ: لَذْعُ القَطِرانِ وحُرْقَتُهُ، وإسْراعُ النّارِ في جُلُودِهِمْ، واللَّوْنُ الوَحْشُ، ونَتْنُ الرِّيحِ. وأيْضًا التَّفاوُتُ بَيْنَ قَطِرانِ القِيامَةِ وقَطِرانِ الدُّنْيا كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ. وأقُولُ: حَظُّ العَقْلِ مِن هَذا أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ جَوْهَرٌ مُشْرِقٌ لامِعٌ مِن عالَمِ القُدُسِ وغَيْبَةِ الجَلالِ، وهَذا البَدَنُ جارٍ مَجْرى السِّرْبالِ والقَمِيصِ لَهُ، وكُلُّ ما يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِنَ الآلامِ والغُمُومِ فَإنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذا البَدَنِ، فَلِهَذا البَدَنِ لَذْعٌ وحُرْقَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ الشَّهْوَةَ والحِرْصَ والغَضَبَ إنَّما تَتَسارَعُ إلى جَوْهَرِ الرُّوحِ بِسَبَبِهِ وكَوْنِهِ لِلْكَثافَةِ والكُدُورَةِ والظُّلْمَةِ هو الَّذِي يُخْفِي لَمَعانَ الرُّوحِ وضَوْءَهُ، وهو سَبَبٌ لِحُصُولِ النَّتْنِ والعُفُونَةِ، فَتَشَبَّهَ هَذا الجَسَدُ بِسَرابِيلَ مِنَ القَطِرانِ والقِطْرِ، وقَرَأ بَعْضُهم: ”مِن قِطْرٍ آنٍ“ والقِطْرُ النُّحاسُ أوِ الصُّفْرُ المُذابُ والآنِي المُتَناهِي حَرُّهُ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: وتِلْكَ النّارُ لا تُبْطِلُ ذَلِكَ القَطِرانَ ولا تُفْنِيهِ كَما لا تُهْلِكُ النّارُ أجْسادَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] . واعْلَمْ أنَّ مَوْضِعَ المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ والعِلْمِ والجَهْلِ هو القَلْبُ، ومَوْضِعَ الفِكْرِ والوَهْمِ والخَيالِ هو صفحة ١١٨ الرَّأْسُ. وأثَرُ هَذِهِ الأحْوالِ إنَّما تَظْهَرُ في الوجه، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِظُهُورِ آثارِ العِقابِ فِيهِما فَقالَ في القَلْبِ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٦] وقالَ في الوجه: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ بِمَعْنى تَتَغَشّى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُرادُ مِنهُ أنْفُسُ الكُفّارِ لِأنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ لا يَلِيقُ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِأهْلِ الإيمانِ، وأقُولُ: يُمْكِنُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى عُمُومِهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَجْزِي كُلَّ شَخْصٍ بِما يَلِيقُ بِعَمَلِهِ وكَسْبِهِ ولَمّا كانَ كَسْبُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ، كانَ جَزاؤُهم هو هَذا العِقابَ المَذْكُورَ، ولَمّا كانَ كَسْبُ المُؤْمِنِينَ الإيمانَ والطّاعَةَ، كانَ اللّائِقُ بِهِمْ هو الثَّوابَ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا عاقَبَ المُجْرِمِينَ بِجُرْمِهِمْ فَلِأنْ يُثِيبَ المُطِيعِينَ عَلى طاعَتِهِمْ كانَ أوْلى. ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى لا يَظْلِمُهم ولا يَزِيدُ عَلى عِقابِهِمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ. وحَظُّ العَقْلِ مِنهُ أنَّ الأخْلاقَ الظُّلْمانِيَّةَ هي المَبادِئُ لِحُصُولِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ، وحُصُولُ تِلْكَ الأخْلاقِ في النَّفْسِ عَلى قَدْرِ صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهم في الحَياةِ الدُّنْيا، فَإنَّ المَلَكاتِ النَّفْسانِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ في جَوْهَرِ النَّفْسِ بِسَبَبِ الأفْعالِ المُتَكَرِّرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتِلْكَ الآلامُ تَتَفاوَتُ بِحَسَبِ تِلْكَ الأفْعالِ في كَثْرَتِها وقِلَّتِها وشِدَّتِها وضَعْفِها وذَلِكَ يُشْبِهُ الحِسابَ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ أيْ هَذا التَّذْكِيرُ والمَوْعِظَةُ بَلاغٌ لِلنّاسِ، أيْ كِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى كُلِّ القُرْآنِ، وقِيلَ: بَلْ إشارَةٌ إلى كُلِّ هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: بَلْ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وأما قوله: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ لِيَنْتَصِحُوا: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أيْ بِهَذا البَلاغِ. ثم قال: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ مِرارًا أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَها شُعْبَتانِ: القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ وكَمالُ حالِها في مَعْرِفَةِ المَوْجُوداتِ بِأقْسامِها وأجْناسِها وأنْواعِها حَتّى تَصِيرَ النَّفْسُ كالمِرْآةِ الَّتِي يَتَجَلّى فِيها قُدْسُ المَلَكُوتِ ويَظْهَرَ فِيها جَلالُ اللّاهُوتِ، ورَئِيسُ هَذِهِ المَعارِفِ والجَلاءِ مَعْرِفَةُ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. والشُّعْبَةُ الثّانِيَةُ: القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ وسَعادَتُها في أنْ تَصِيرَ مَوْصُوفَةً بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي تَصِيرُ مَبادِئَ لِصُدُورِ الأفْعالِ الكامِلَةِ عَنْها، ورَئِيسُ سَعاداتِ هَذِهِ القُوَّةِ طاعَةُ اللَّهِ وخِدْمَتُهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الرَّئِيسِ لِكَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الرَّئِيسِ لِكَمالِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَإنَّ الفائِدَةَ في هَذا التَّذَكُّرِ إنَّما هو الإعْراضُ عَنِ الأعْمالِ الباطِلَةِ والإقْبالُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهَذِهِ الخاتِمَةُ كالدَّلِيلِ القاطِعِ في أنَّهُ لا سَعادَةَ لِلْإنْسانِ إلّا مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ. المسألة الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآياتُ مُشْعِرَةٌ بِأنَّ التَّذْكِيرَ بِهَذِهِ المَواعِظِ والنَّصائِحِ يُوجِبُ الوُقُوفَ عَلى التَّوْحِيدِ والإقْبالَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، والوجه فِيهِ أنَّ المَرْءَ إذا سَمِعَ هَذِهِ التَّخْوِيفاتِ والتَّحْذِيراتِ عَظُمَ خَوْفُهُ واشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ، فَوَصَلَ إلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ واشْتَغَلَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. صفحة ١١٩ المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِفِعْلِهِ إنْ شاءَ أطاعَ وإنْ شاءَ عَصى. أمّا أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] فَإنّا قَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ الكِتابِ إرْشادُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى الدِّينِ والتَّقْوى ومَنعُهم عَنِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، وأمّا آخِرُ السُّورَةِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ، وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ النَّصائِحَ والمَواعِظَ لِأجْلِ أنْ يَنْتَفِعَ الخَلْقُ بِها فَيَصِيرُوا مُؤْمِنِينَ مُطِيعِينَ ويَتْرُكُوا الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ، فَظَهَرَ أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها مُتَطابِقانِ في إفادَةِ هَذا المَعْنى. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ المُسْتَقْصى عَنْهُ مَذْكُورٌ في أوَّلِ السُّورَةِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. المسألة الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا فَضِيلَةَ لِلْإنْسانِ ولا مَنقَبَةَ لَهُ إلّا بِسَبَبِ عَقْلِهِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ هَذِهِ الكُتُبَ، وإنَّما بَعَثَ الرُّسُلَ لِتَذْكِيرِ أُولِي الألْبابِ، فَلَوْلا الشَّرَفُ العَظِيمُ والمَرْتَبَةُ العالِيَةُ لِأُولِي الألْبابِ لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ. قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَضِيَ عَنْهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ في أواخِرِ شَعْبانَ سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، خُتِمَ بِالخَيْرِ والغُفْرانِ في صَحْراءِ بَغْدادَ، ونَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنَ الغُمُومِ والأحْزانِ، والفَوْزَ بِدَرَجاتِ الجِنانِ، والخَلاصَ مِن دَرَكاتِ النِّيرانِ، إنَّهُ المَلِكُ المَنّانُ، الرَّحِيمُ الدَّيّانُ، بِحَمْدِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى خاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ.

إبراهيم 14:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُقِمِ القِيامَةَ ولَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، لَزِمَ إمّا كَوْنُهُ غافِلًا وإمّا كَوْنُهُ مُخْلِفًا في الوَعْدِ، ولَمّا تَقَرَّرَ في العُقُولِ السَّلِيمَةِ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُحالٌ كانَ القَوْلُ بِأنَّهُ لا يُقِيمُ القِيامَةَ باطِلًا. وقَوْلُهُ: ﴿مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقَوْلَهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ ؟ ولِمَ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ عَلى الأوَّلِ ؟ قُلْنا: لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا، إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ثم قال: ﴿رُسُلَهُ﴾ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ فَكَيْفَ يُخْلِفُهُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ، وقُرِئَ: ”مُخْلِفَ وعْدَ رُسُلِهِ“ بِجَرِّ الرُّسُلِ ونَصْبِ الوَعْدِ، والتَّقْدِيرُ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ في الضَّعْفِ، كَمَن قَرَأ ”قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ“ ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ غالِبٌ لا يُماكِرُ ”ذُو انْتِقامٍ“ لِأوْلِيائِهِ. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ بَيَّنَ وقْتَ انْتِقامِهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ وعَظَّمَ مِن حالِ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِأنَّهُ لا أمْرَ أعْظَمُ في العُقُولِ والنُّفُوسِ مِن تَغْيِيرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: ذَكَرَ الزَّجّاجُ في نَصْبِ ”يَوْمَ“ وجْهَيْنِ، إمّا عَلى الظَّرْفِ لِانْتِقامٍ أوْ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ . المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّبْدِيلَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الذّاتُ باقِيَةً وتَتَبَدَّلَ صِفَتُها بِصِفَةٍ أُخْرى. والثّانِي: أنْ تَفْنى الذّاتُ الأُولى وتَحْدُثَ ذاتٌ أُخْرى، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ التَّبَدُّلِ لِإرادَةِ التَّغَيُّرِ في الصِّفَةِ جائِزٌ أنَّهُ يُقالُ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا أذَبْتَها وسَوَّيْتَها خاتَمًا فَنَقَلْتَها مِن شَكْلٍ إلى شَكْلٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ويُقالُ: بَدَّلْتُ قَمِيصِي جُبَّةً أيْ نَقَلْتُ العَيْنَ مِن صفحة ١١٦ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى، ويُقالُ: تَبَدَّلَ زَيْدٌ إذا تَغَيَّرَتْ أحْوالُهُ، وأمّا ذِكْرُ لَفْظِ التَّبْدِيلِ عِنْدَ وُقُوعِ التَّبَدُّلِ في الذَّواتِ فَكَقَوْلِكَ بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦] إذا عَرَفْتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ المَفْهُومَيْنِ فَفي الآيَةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الصِّفَةِ لا تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي تِلْكَ الأرْضُ إلّا أنَّها تَغَيَّرَتْ في صِفاتِها، فَتَسِيرُ عَنِ الأرْضِ جِبالُها وتُفَجَّرُ بِحارُها وتُسَوّى، فَلا يُرى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”يُبَدِّلُ اللَّهُ الأرْضَ غَيْرَ الأرْضِ فَيَبْسُطُها ويَمُدُّها مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ فَلا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا“» . وقَوْلُهُ: ﴿والسَّماواتُ﴾ أيْ تُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ، وهو كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ“» والمَعْنى: ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِكافِرٍ، وتَبْدِيلُ السَّماواتِ بِانْتِثارِ كَواكِبِها وانْفِطارِها، وتَكْوِيرِ شَمْسِها، وخُسُوفِ قَمَرِها، وكَوْنِها أبْوابًا، وأنَّها تارَةً تَكُونُ كالمُهْلِ وتارَةً تَكُونُ كالدِّهانِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُبَدَّلُ بِأرْضٍ كالفِضَّةِ البَيْضاءِ النَّقِيَّةِ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْها دَمٌ ولَمْ تُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ، فَهَذا شَرْحُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. ومِنَ النّاسِ مَن رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ المُرادُ هَذِهِ الأرْضُ، والتَّبَدُّلُ صِفَةٌ مُضافَةٌ إلَيْها، وعِنْدَ حُصُولِ الصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ مَوْجُودًا، فَلَمّا كانَ المَوْصُوفُ بِالتَّبَدُّلِ هو هَذِهِ الأرْضَ وجَبَ كَوْنُ هَذِهِ الأرْضِ باقِيَةً عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأرْضُ باقِيَةً مَعَ صِفاتِها عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، وإلّا لامْتَنَعَ حُصُولُ التَّبَدُّلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الباقِي هو الذّاتَ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الذّاتِ باقِيَةً، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يُعْدِمُ اللَّهُ الذَّواتِ والأجْسامَ، وإنَّما يُعْدِمُ صِفاتِها وأحْوالَها. واعْلَمْ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن تَبْدِيلِ الأرْضِ والسَّماواتِ هو أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ الأرْضَ جَهَنَّمَ ويَجْعَلُ السَّماواتِ الجَنَّةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] . واللَّهُ أعْلَمُ. أما قوله تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَنَقُولُ: أمّا البُرُوزُ لِلَّهِ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢] وإنَّما ذَكَرَ الواحِدَ القَهّارَ هَهُنا لِأنَّ المُلْكَ إذا كانَ لِمالِكٍ واحِدٍ غَلّابٍ لا يُغالَبُ قَهّارٌ لا يُقْهَرُ فَلا مُسْتَغاثَ لِأحَدٍ إلى غَيْرِهِ فَكانَ الأمْرُ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِكَوْنِهِ قَهّارًا بَيْنَ عَجْزِهِمْ وذِلَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ . * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في صِفاتِ عَجْزِهِمْ وذِلَّتِهِمْ أُمُورًا: فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ. يُقالُ: قَرَنْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَدَدْتَهُ بِهِ ووَصَلْتَهُ. والقِرانُ اسْمٌ لِلْحَبْلِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ شَيْئانِ. وجاءَ هَهُنا عَلى التَّكْثِيرِ لِكَثْرَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ. والأصْفادُ جَمْعُ صَفَدٍ وهو القَيْدُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: ”مُقَرَّنِينَ“: كُلُّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانٍ في غُلٍّ، وقالَ عَطاءٌ: هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أيْ قُرِنَتْ فَيَقْرِنُ اللَّهُ تَعالى نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ، ونُفُوسَ الكافِرِينَ بِقُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ، وأقُولُ: حَظُّ البحث العَقْلِيِّ مِنهُ أنَّ صفحة ١١٧ الإنْسانَ إذا فارَقَ الدُّنْيا، فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ راضَ نَفْسَهُ وهَذَّبَها ودَعاها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ، بَلْ تَرَكَها مُتَوَغِّلَةً في اللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ مُقْبِلَةً عَلى الأحْوالِ الوَهْمِيَّةِ والخَيالِيَّةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَتِلْكَ النَّفْسُ تُفارِقُ مَعَ تِلْكَ الجِهَةِ بِالحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ، والسَّعادَةِ بِالعِنايَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَتِلْكَ النَّفْسُ تُفارِقُ مَعَ الأسَفِ والحُزْنِ والبَلاءِ الشَّدِيدِ، بِسَبَبِ المَيْلِ إلى عالَمِ الجِسْمِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] وشَيْطانُ النَّفْسِ الكافِرَةِ هي المَلَكاتُ الباطِلَةُ، والحَوادِثُ الفاسِدَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِ عَطاءٍ: إنَّ كُلَّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانِهِ يَكُونُ مَقْرُونًا في الأصْفادِ. والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾: هو قَرْنُ بَعْضِ الكُفّارِ بِبَعْضٍ، والمُرادُ أنَّ تِلْكَ النُّفُوسَ الشَّقِيَّةَ والأرْواحَ المُكَدَّرَةَ الظُّلْمانِيَّةَ لِكَوْنِها مُتَجانِسَةً مُتَشاكِلَةً يَنْضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، وتُنادِي ظُلْمَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى، فانْحِدارُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى في تِلْكَ الظُّلُماتِ والخَساراتِ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ . والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ بِالأغْلالِ، وحَظُّ العَقْلِ مِن ذَلِكَ أنَّ المَلَكاتِ الحاصِلَةَ في جَوْهَرِ النَّفْسِ إنَّما تَحْصُلُ بِتَكْرِيرِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ مِنَ الجَوارِحِ والأعْضاءِ، فَإذا كانَتْ تِلْكَ المَلَكاتُ ظُلْمانِيَّةً كَدِرَةً، صارَتْ في المِثالِ كَأنَّ أيْدِيَها وأرْجُلَها قُرِنَتْ وغُلَّتْ في رِقابِها. وأما قوله: ﴿فِي الأصْفادِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِمُقَرَّنِينَ، والمَعْنى: يُقَرَّنُونَ بِالأصْفادِ. والثّانِي: أنْ لا يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم مُقَرَّنُونَ مُقَيَّدُونَ، وحَظُّ العَقْلِ مَعْلُومٌ مِمّا سَلَفَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ السَّرابِيلُ جَمْعُ سِرْبالٍ وهو القَمِيصُ، والقَطِرانُ فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: قَطْرانٌ وقِطْرانٌ وقَطِرانٌ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ الطّاءِ، وبِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الطّاءِ، وهو شَيْءٌ يَتَحَلَّبُ مِن شَجَرٍ يُسَمّى الأبْهَلَ فَيُطْبَخُ ويُطْلى بِهِ الإبِلُ الجَرِبُ فَيَحْرِقُ الجَرَبَ بِحَرارَتِهِ وحِدَّتِهِ، وقَدْ تَصِلُ حَرارَتُهُ إلى داخِلِ الجَوْفِ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يَتَسارَعَ فِيهِ اشْتِعالُ النّارِ، وهو أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَتُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ الطَّلْيُ كالسَّرابِيلِ، وهي القُمُصُ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِها أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ: لَذْعُ القَطِرانِ وحُرْقَتُهُ، وإسْراعُ النّارِ في جُلُودِهِمْ، واللَّوْنُ الوَحْشُ، ونَتْنُ الرِّيحِ. وأيْضًا التَّفاوُتُ بَيْنَ قَطِرانِ القِيامَةِ وقَطِرانِ الدُّنْيا كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ. وأقُولُ: حَظُّ العَقْلِ مِن هَذا أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ جَوْهَرٌ مُشْرِقٌ لامِعٌ مِن عالَمِ القُدُسِ وغَيْبَةِ الجَلالِ، وهَذا البَدَنُ جارٍ مَجْرى السِّرْبالِ والقَمِيصِ لَهُ، وكُلُّ ما يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِنَ الآلامِ والغُمُومِ فَإنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذا البَدَنِ، فَلِهَذا البَدَنِ لَذْعٌ وحُرْقَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ الشَّهْوَةَ والحِرْصَ والغَضَبَ إنَّما تَتَسارَعُ إلى جَوْهَرِ الرُّوحِ بِسَبَبِهِ وكَوْنِهِ لِلْكَثافَةِ والكُدُورَةِ والظُّلْمَةِ هو الَّذِي يُخْفِي لَمَعانَ الرُّوحِ وضَوْءَهُ، وهو سَبَبٌ لِحُصُولِ النَّتْنِ والعُفُونَةِ، فَتَشَبَّهَ هَذا الجَسَدُ بِسَرابِيلَ مِنَ القَطِرانِ والقِطْرِ، وقَرَأ بَعْضُهم: ”مِن قِطْرٍ آنٍ“ والقِطْرُ النُّحاسُ أوِ الصُّفْرُ المُذابُ والآنِي المُتَناهِي حَرُّهُ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: وتِلْكَ النّارُ لا تُبْطِلُ ذَلِكَ القَطِرانَ ولا تُفْنِيهِ كَما لا تُهْلِكُ النّارُ أجْسادَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] . واعْلَمْ أنَّ مَوْضِعَ المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ والعِلْمِ والجَهْلِ هو القَلْبُ، ومَوْضِعَ الفِكْرِ والوَهْمِ والخَيالِ هو صفحة ١١٨ الرَّأْسُ. وأثَرُ هَذِهِ الأحْوالِ إنَّما تَظْهَرُ في الوجه، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِظُهُورِ آثارِ العِقابِ فِيهِما فَقالَ في القَلْبِ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٦] وقالَ في الوجه: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ بِمَعْنى تَتَغَشّى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُرادُ مِنهُ أنْفُسُ الكُفّارِ لِأنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ لا يَلِيقُ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِأهْلِ الإيمانِ، وأقُولُ: يُمْكِنُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى عُمُومِهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَجْزِي كُلَّ شَخْصٍ بِما يَلِيقُ بِعَمَلِهِ وكَسْبِهِ ولَمّا كانَ كَسْبُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ، كانَ جَزاؤُهم هو هَذا العِقابَ المَذْكُورَ، ولَمّا كانَ كَسْبُ المُؤْمِنِينَ الإيمانَ والطّاعَةَ، كانَ اللّائِقُ بِهِمْ هو الثَّوابَ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا عاقَبَ المُجْرِمِينَ بِجُرْمِهِمْ فَلِأنْ يُثِيبَ المُطِيعِينَ عَلى طاعَتِهِمْ كانَ أوْلى. ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى لا يَظْلِمُهم ولا يَزِيدُ عَلى عِقابِهِمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ. وحَظُّ العَقْلِ مِنهُ أنَّ الأخْلاقَ الظُّلْمانِيَّةَ هي المَبادِئُ لِحُصُولِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ، وحُصُولُ تِلْكَ الأخْلاقِ في النَّفْسِ عَلى قَدْرِ صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهم في الحَياةِ الدُّنْيا، فَإنَّ المَلَكاتِ النَّفْسانِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ في جَوْهَرِ النَّفْسِ بِسَبَبِ الأفْعالِ المُتَكَرِّرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتِلْكَ الآلامُ تَتَفاوَتُ بِحَسَبِ تِلْكَ الأفْعالِ في كَثْرَتِها وقِلَّتِها وشِدَّتِها وضَعْفِها وذَلِكَ يُشْبِهُ الحِسابَ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ أيْ هَذا التَّذْكِيرُ والمَوْعِظَةُ بَلاغٌ لِلنّاسِ، أيْ كِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى كُلِّ القُرْآنِ، وقِيلَ: بَلْ إشارَةٌ إلى كُلِّ هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: بَلْ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وأما قوله: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ لِيَنْتَصِحُوا: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أيْ بِهَذا البَلاغِ. ثم قال: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ مِرارًا أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَها شُعْبَتانِ: القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ وكَمالُ حالِها في مَعْرِفَةِ المَوْجُوداتِ بِأقْسامِها وأجْناسِها وأنْواعِها حَتّى تَصِيرَ النَّفْسُ كالمِرْآةِ الَّتِي يَتَجَلّى فِيها قُدْسُ المَلَكُوتِ ويَظْهَرَ فِيها جَلالُ اللّاهُوتِ، ورَئِيسُ هَذِهِ المَعارِفِ والجَلاءِ مَعْرِفَةُ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. والشُّعْبَةُ الثّانِيَةُ: القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ وسَعادَتُها في أنْ تَصِيرَ مَوْصُوفَةً بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي تَصِيرُ مَبادِئَ لِصُدُورِ الأفْعالِ الكامِلَةِ عَنْها، ورَئِيسُ سَعاداتِ هَذِهِ القُوَّةِ طاعَةُ اللَّهِ وخِدْمَتُهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الرَّئِيسِ لِكَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الرَّئِيسِ لِكَمالِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَإنَّ الفائِدَةَ في هَذا التَّذَكُّرِ إنَّما هو الإعْراضُ عَنِ الأعْمالِ الباطِلَةِ والإقْبالُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهَذِهِ الخاتِمَةُ كالدَّلِيلِ القاطِعِ في أنَّهُ لا سَعادَةَ لِلْإنْسانِ إلّا مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ. المسألة الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآياتُ مُشْعِرَةٌ بِأنَّ التَّذْكِيرَ بِهَذِهِ المَواعِظِ والنَّصائِحِ يُوجِبُ الوُقُوفَ عَلى التَّوْحِيدِ والإقْبالَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، والوجه فِيهِ أنَّ المَرْءَ إذا سَمِعَ هَذِهِ التَّخْوِيفاتِ والتَّحْذِيراتِ عَظُمَ خَوْفُهُ واشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ، فَوَصَلَ إلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ واشْتَغَلَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. صفحة ١١٩ المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِفِعْلِهِ إنْ شاءَ أطاعَ وإنْ شاءَ عَصى. أمّا أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] فَإنّا قَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ الكِتابِ إرْشادُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى الدِّينِ والتَّقْوى ومَنعُهم عَنِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، وأمّا آخِرُ السُّورَةِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ، وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ النَّصائِحَ والمَواعِظَ لِأجْلِ أنْ يَنْتَفِعَ الخَلْقُ بِها فَيَصِيرُوا مُؤْمِنِينَ مُطِيعِينَ ويَتْرُكُوا الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ، فَظَهَرَ أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها مُتَطابِقانِ في إفادَةِ هَذا المَعْنى. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ المُسْتَقْصى عَنْهُ مَذْكُورٌ في أوَّلِ السُّورَةِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. المسألة الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا فَضِيلَةَ لِلْإنْسانِ ولا مَنقَبَةَ لَهُ إلّا بِسَبَبِ عَقْلِهِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ هَذِهِ الكُتُبَ، وإنَّما بَعَثَ الرُّسُلَ لِتَذْكِيرِ أُولِي الألْبابِ، فَلَوْلا الشَّرَفُ العَظِيمُ والمَرْتَبَةُ العالِيَةُ لِأُولِي الألْبابِ لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ. قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَضِيَ عَنْهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ في أواخِرِ شَعْبانَ سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، خُتِمَ بِالخَيْرِ والغُفْرانِ في صَحْراءِ بَغْدادَ، ونَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنَ الغُمُومِ والأحْزانِ، والفَوْزَ بِدَرَجاتِ الجِنانِ، والخَلاصَ مِن دَرَكاتِ النِّيرانِ، إنَّهُ المَلِكُ المَنّانُ، الرَّحِيمُ الدَّيّانُ، بِحَمْدِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى خاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ.

إبراهيم 14:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُقِمِ القِيامَةَ ولَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، لَزِمَ إمّا كَوْنُهُ غافِلًا وإمّا كَوْنُهُ مُخْلِفًا في الوَعْدِ، ولَمّا تَقَرَّرَ في العُقُولِ السَّلِيمَةِ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُحالٌ كانَ القَوْلُ بِأنَّهُ لا يُقِيمُ القِيامَةَ باطِلًا. وقَوْلُهُ: ﴿مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقَوْلَهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ ؟ ولِمَ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ عَلى الأوَّلِ ؟ قُلْنا: لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا، إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، ثم قال: ﴿رُسُلَهُ﴾ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ إخْلافُ المَواعِيدِ فَكَيْفَ يُخْلِفُهُ رُسُلَهُ الَّذِينَ هم خِيرَتُهُ وصَفْوَتُهُ، وقُرِئَ: ”مُخْلِفَ وعْدَ رُسُلِهِ“ بِجَرِّ الرُّسُلِ ونَصْبِ الوَعْدِ، والتَّقْدِيرُ: مُخْلِفَ رُسُلِهِ وعْدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ في الضَّعْفِ، كَمَن قَرَأ ”قَتْلُ أوْلادَهم شُرَكائِهِمْ“ ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ غالِبٌ لا يُماكِرُ ”ذُو انْتِقامٍ“ لِأوْلِيائِهِ. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ بَيَّنَ وقْتَ انْتِقامِهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ وعَظَّمَ مِن حالِ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِأنَّهُ لا أمْرَ أعْظَمُ في العُقُولِ والنُّفُوسِ مِن تَغْيِيرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: ذَكَرَ الزَّجّاجُ في نَصْبِ ”يَوْمَ“ وجْهَيْنِ، إمّا عَلى الظَّرْفِ لِانْتِقامٍ أوْ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ . المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّبْدِيلَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الذّاتُ باقِيَةً وتَتَبَدَّلَ صِفَتُها بِصِفَةٍ أُخْرى. والثّانِي: أنْ تَفْنى الذّاتُ الأُولى وتَحْدُثَ ذاتٌ أُخْرى، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذِكْرَ لَفْظِ التَّبَدُّلِ لِإرادَةِ التَّغَيُّرِ في الصِّفَةِ جائِزٌ أنَّهُ يُقالُ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا أذَبْتَها وسَوَّيْتَها خاتَمًا فَنَقَلْتَها مِن شَكْلٍ إلى شَكْلٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ويُقالُ: بَدَّلْتُ قَمِيصِي جُبَّةً أيْ نَقَلْتُ العَيْنَ مِن صفحة ١١٦ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى، ويُقالُ: تَبَدَّلَ زَيْدٌ إذا تَغَيَّرَتْ أحْوالُهُ، وأمّا ذِكْرُ لَفْظِ التَّبْدِيلِ عِنْدَ وُقُوعِ التَّبَدُّلِ في الذَّواتِ فَكَقَوْلِكَ بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦] إذا عَرَفْتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ المَفْهُومَيْنِ فَفي الآيَةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الصِّفَةِ لا تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي تِلْكَ الأرْضُ إلّا أنَّها تَغَيَّرَتْ في صِفاتِها، فَتَسِيرُ عَنِ الأرْضِ جِبالُها وتُفَجَّرُ بِحارُها وتُسَوّى، فَلا يُرى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”يُبَدِّلُ اللَّهُ الأرْضَ غَيْرَ الأرْضِ فَيَبْسُطُها ويَمُدُّها مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ فَلا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا“» . وقَوْلُهُ: ﴿والسَّماواتُ﴾ أيْ تُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ، وهو كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ“» والمَعْنى: ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِكافِرٍ، وتَبْدِيلُ السَّماواتِ بِانْتِثارِ كَواكِبِها وانْفِطارِها، وتَكْوِيرِ شَمْسِها، وخُسُوفِ قَمَرِها، وكَوْنِها أبْوابًا، وأنَّها تارَةً تَكُونُ كالمُهْلِ وتارَةً تَكُونُ كالدِّهانِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ تَبْدِيلُ الذّاتِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُبَدَّلُ بِأرْضٍ كالفِضَّةِ البَيْضاءِ النَّقِيَّةِ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْها دَمٌ ولَمْ تُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ، فَهَذا شَرْحُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. ومِنَ النّاسِ مَن رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ المُرادُ هَذِهِ الأرْضُ، والتَّبَدُّلُ صِفَةٌ مُضافَةٌ إلَيْها، وعِنْدَ حُصُولِ الصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ مَوْجُودًا، فَلَمّا كانَ المَوْصُوفُ بِالتَّبَدُّلِ هو هَذِهِ الأرْضَ وجَبَ كَوْنُ هَذِهِ الأرْضِ باقِيَةً عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأرْضُ باقِيَةً مَعَ صِفاتِها عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ التَّبَدُّلِ، وإلّا لامْتَنَعَ حُصُولُ التَّبَدُّلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الباقِي هو الذّاتَ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الذّاتِ باقِيَةً، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ لا يُعْدِمُ اللَّهُ الذَّواتِ والأجْسامَ، وإنَّما يُعْدِمُ صِفاتِها وأحْوالَها. واعْلَمْ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن تَبْدِيلِ الأرْضِ والسَّماواتِ هو أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ الأرْضَ جَهَنَّمَ ويَجْعَلُ السَّماواتِ الجَنَّةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] . واللَّهُ أعْلَمُ. أما قوله تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَنَقُولُ: أمّا البُرُوزُ لِلَّهِ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢] وإنَّما ذَكَرَ الواحِدَ القَهّارَ هَهُنا لِأنَّ المُلْكَ إذا كانَ لِمالِكٍ واحِدٍ غَلّابٍ لا يُغالَبُ قَهّارٌ لا يُقْهَرُ فَلا مُسْتَغاثَ لِأحَدٍ إلى غَيْرِهِ فَكانَ الأمْرُ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِكَوْنِهِ قَهّارًا بَيْنَ عَجْزِهِمْ وذِلَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ﴾ . * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في صِفاتِ عَجْزِهِمْ وذِلَّتِهِمْ أُمُورًا: فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ. يُقالُ: قَرَنْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَدَدْتَهُ بِهِ ووَصَلْتَهُ. والقِرانُ اسْمٌ لِلْحَبْلِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ شَيْئانِ. وجاءَ هَهُنا عَلى التَّكْثِيرِ لِكَثْرَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ. والأصْفادُ جَمْعُ صَفَدٍ وهو القَيْدُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: ”مُقَرَّنِينَ“: كُلُّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانٍ في غُلٍّ، وقالَ عَطاءٌ: هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أيْ قُرِنَتْ فَيَقْرِنُ اللَّهُ تَعالى نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ، ونُفُوسَ الكافِرِينَ بِقُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ، وأقُولُ: حَظُّ البحث العَقْلِيِّ مِنهُ أنَّ صفحة ١١٧ الإنْسانَ إذا فارَقَ الدُّنْيا، فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ راضَ نَفْسَهُ وهَذَّبَها ودَعاها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، أوْ ما فَعَلَ ذَلِكَ، بَلْ تَرَكَها مُتَوَغِّلَةً في اللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ مُقْبِلَةً عَلى الأحْوالِ الوَهْمِيَّةِ والخَيالِيَّةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَتِلْكَ النَّفْسُ تُفارِقُ مَعَ تِلْكَ الجِهَةِ بِالحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ، والسَّعادَةِ بِالعِنايَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَتِلْكَ النَّفْسُ تُفارِقُ مَعَ الأسَفِ والحُزْنِ والبَلاءِ الشَّدِيدِ، بِسَبَبِ المَيْلِ إلى عالَمِ الجِسْمِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] وشَيْطانُ النَّفْسِ الكافِرَةِ هي المَلَكاتُ الباطِلَةُ، والحَوادِثُ الفاسِدَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِ عَطاءٍ: إنَّ كُلَّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانِهِ يَكُونُ مَقْرُونًا في الأصْفادِ. والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾: هو قَرْنُ بَعْضِ الكُفّارِ بِبَعْضٍ، والمُرادُ أنَّ تِلْكَ النُّفُوسَ الشَّقِيَّةَ والأرْواحَ المُكَدَّرَةَ الظُّلْمانِيَّةَ لِكَوْنِها مُتَجانِسَةً مُتَشاكِلَةً يَنْضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، وتُنادِي ظُلْمَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى، فانْحِدارُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى الأُخْرى في تِلْكَ الظُّلُماتِ والخَساراتِ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ . والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ بِالأغْلالِ، وحَظُّ العَقْلِ مِن ذَلِكَ أنَّ المَلَكاتِ الحاصِلَةَ في جَوْهَرِ النَّفْسِ إنَّما تَحْصُلُ بِتَكْرِيرِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ مِنَ الجَوارِحِ والأعْضاءِ، فَإذا كانَتْ تِلْكَ المَلَكاتُ ظُلْمانِيَّةً كَدِرَةً، صارَتْ في المِثالِ كَأنَّ أيْدِيَها وأرْجُلَها قُرِنَتْ وغُلَّتْ في رِقابِها. وأما قوله: ﴿فِي الأصْفادِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِمُقَرَّنِينَ، والمَعْنى: يُقَرَّنُونَ بِالأصْفادِ. والثّانِي: أنْ لا يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم مُقَرَّنُونَ مُقَيَّدُونَ، وحَظُّ العَقْلِ مَعْلُومٌ مِمّا سَلَفَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ السَّرابِيلُ جَمْعُ سِرْبالٍ وهو القَمِيصُ، والقَطِرانُ فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: قَطْرانٌ وقِطْرانٌ وقَطِرانٌ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها مَعَ سُكُونِ الطّاءِ، وبِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الطّاءِ، وهو شَيْءٌ يَتَحَلَّبُ مِن شَجَرٍ يُسَمّى الأبْهَلَ فَيُطْبَخُ ويُطْلى بِهِ الإبِلُ الجَرِبُ فَيَحْرِقُ الجَرَبَ بِحَرارَتِهِ وحِدَّتِهِ، وقَدْ تَصِلُ حَرارَتُهُ إلى داخِلِ الجَوْفِ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يَتَسارَعَ فِيهِ اشْتِعالُ النّارِ، وهو أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَتُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ الطَّلْيُ كالسَّرابِيلِ، وهي القُمُصُ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِها أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ: لَذْعُ القَطِرانِ وحُرْقَتُهُ، وإسْراعُ النّارِ في جُلُودِهِمْ، واللَّوْنُ الوَحْشُ، ونَتْنُ الرِّيحِ. وأيْضًا التَّفاوُتُ بَيْنَ قَطِرانِ القِيامَةِ وقَطِرانِ الدُّنْيا كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ. وأقُولُ: حَظُّ العَقْلِ مِن هَذا أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ جَوْهَرٌ مُشْرِقٌ لامِعٌ مِن عالَمِ القُدُسِ وغَيْبَةِ الجَلالِ، وهَذا البَدَنُ جارٍ مَجْرى السِّرْبالِ والقَمِيصِ لَهُ، وكُلُّ ما يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِنَ الآلامِ والغُمُومِ فَإنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذا البَدَنِ، فَلِهَذا البَدَنِ لَذْعٌ وحُرْقَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ الشَّهْوَةَ والحِرْصَ والغَضَبَ إنَّما تَتَسارَعُ إلى جَوْهَرِ الرُّوحِ بِسَبَبِهِ وكَوْنِهِ لِلْكَثافَةِ والكُدُورَةِ والظُّلْمَةِ هو الَّذِي يُخْفِي لَمَعانَ الرُّوحِ وضَوْءَهُ، وهو سَبَبٌ لِحُصُولِ النَّتْنِ والعُفُونَةِ، فَتَشَبَّهَ هَذا الجَسَدُ بِسَرابِيلَ مِنَ القَطِرانِ والقِطْرِ، وقَرَأ بَعْضُهم: ”مِن قِطْرٍ آنٍ“ والقِطْرُ النُّحاسُ أوِ الصُّفْرُ المُذابُ والآنِي المُتَناهِي حَرُّهُ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: وتِلْكَ النّارُ لا تُبْطِلُ ذَلِكَ القَطِرانَ ولا تُفْنِيهِ كَما لا تُهْلِكُ النّارُ أجْسادَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] . واعْلَمْ أنَّ مَوْضِعَ المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ والعِلْمِ والجَهْلِ هو القَلْبُ، ومَوْضِعَ الفِكْرِ والوَهْمِ والخَيالِ هو صفحة ١١٨ الرَّأْسُ. وأثَرُ هَذِهِ الأحْوالِ إنَّما تَظْهَرُ في الوجه، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِظُهُورِ آثارِ العِقابِ فِيهِما فَقالَ في القَلْبِ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٦] وقالَ في الوجه: ﴿وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ بِمَعْنى تَتَغَشّى، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: المُرادُ مِنهُ أنْفُسُ الكُفّارِ لِأنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ لا يَلِيقُ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِأهْلِ الإيمانِ، وأقُولُ: يُمْكِنُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى عُمُومِهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَجْزِي كُلَّ شَخْصٍ بِما يَلِيقُ بِعَمَلِهِ وكَسْبِهِ ولَمّا كانَ كَسْبُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ، كانَ جَزاؤُهم هو هَذا العِقابَ المَذْكُورَ، ولَمّا كانَ كَسْبُ المُؤْمِنِينَ الإيمانَ والطّاعَةَ، كانَ اللّائِقُ بِهِمْ هو الثَّوابَ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا عاقَبَ المُجْرِمِينَ بِجُرْمِهِمْ فَلِأنْ يُثِيبَ المُطِيعِينَ عَلى طاعَتِهِمْ كانَ أوْلى. ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى لا يَظْلِمُهم ولا يَزِيدُ عَلى عِقابِهِمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ. وحَظُّ العَقْلِ مِنهُ أنَّ الأخْلاقَ الظُّلْمانِيَّةَ هي المَبادِئُ لِحُصُولِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ، وحُصُولُ تِلْكَ الأخْلاقِ في النَّفْسِ عَلى قَدْرِ صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهم في الحَياةِ الدُّنْيا، فَإنَّ المَلَكاتِ النَّفْسانِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ في جَوْهَرِ النَّفْسِ بِسَبَبِ الأفْعالِ المُتَكَرِّرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتِلْكَ الآلامُ تَتَفاوَتُ بِحَسَبِ تِلْكَ الأفْعالِ في كَثْرَتِها وقِلَّتِها وشِدَّتِها وضَعْفِها وذَلِكَ يُشْبِهُ الحِسابَ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ أيْ هَذا التَّذْكِيرُ والمَوْعِظَةُ بَلاغٌ لِلنّاسِ، أيْ كِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى كُلِّ القُرْآنِ، وقِيلَ: بَلْ إشارَةٌ إلى كُلِّ هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: بَلْ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وأما قوله: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ لِيَنْتَصِحُوا: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أيْ بِهَذا البَلاغِ. ثم قال: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ مِرارًا أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَها شُعْبَتانِ: القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ وكَمالُ حالِها في مَعْرِفَةِ المَوْجُوداتِ بِأقْسامِها وأجْناسِها وأنْواعِها حَتّى تَصِيرَ النَّفْسُ كالمِرْآةِ الَّتِي يَتَجَلّى فِيها قُدْسُ المَلَكُوتِ ويَظْهَرَ فِيها جَلالُ اللّاهُوتِ، ورَئِيسُ هَذِهِ المَعارِفِ والجَلاءِ مَعْرِفَةُ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ. والشُّعْبَةُ الثّانِيَةُ: القُوَّةُ العَمَلِيَّةُ وسَعادَتُها في أنْ تَصِيرَ مَوْصُوفَةً بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي تَصِيرُ مَبادِئَ لِصُدُورِ الأفْعالِ الكامِلَةِ عَنْها، ورَئِيسُ سَعاداتِ هَذِهِ القُوَّةِ طاعَةُ اللَّهِ وخِدْمَتُهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الرَّئِيسِ لِكَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ إشارَةٌ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الرَّئِيسِ لِكَمالِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَإنَّ الفائِدَةَ في هَذا التَّذَكُّرِ إنَّما هو الإعْراضُ عَنِ الأعْمالِ الباطِلَةِ والإقْبالُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهَذِهِ الخاتِمَةُ كالدَّلِيلِ القاطِعِ في أنَّهُ لا سَعادَةَ لِلْإنْسانِ إلّا مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ. المسألة الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآياتُ مُشْعِرَةٌ بِأنَّ التَّذْكِيرَ بِهَذِهِ المَواعِظِ والنَّصائِحِ يُوجِبُ الوُقُوفَ عَلى التَّوْحِيدِ والإقْبالَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، والوجه فِيهِ أنَّ المَرْءَ إذا سَمِعَ هَذِهِ التَّخْوِيفاتِ والتَّحْذِيراتِ عَظُمَ خَوْفُهُ واشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ، فَوَصَلَ إلى مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ واشْتَغَلَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. صفحة ١١٩ المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِفِعْلِهِ إنْ شاءَ أطاعَ وإنْ شاءَ عَصى. أمّا أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] فَإنّا قَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ الكِتابِ إرْشادُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى الدِّينِ والتَّقْوى ومَنعُهم عَنِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، وأمّا آخِرُ السُّورَةِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ، وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ النَّصائِحَ والمَواعِظَ لِأجْلِ أنْ يَنْتَفِعَ الخَلْقُ بِها فَيَصِيرُوا مُؤْمِنِينَ مُطِيعِينَ ويَتْرُكُوا الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ، فَظَهَرَ أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ وآخِرَها مُتَطابِقانِ في إفادَةِ هَذا المَعْنى. واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ المُسْتَقْصى عَنْهُ مَذْكُورٌ في أوَّلِ السُّورَةِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. المسألة الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا فَضِيلَةَ لِلْإنْسانِ ولا مَنقَبَةَ لَهُ إلّا بِسَبَبِ عَقْلِهِ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ هَذِهِ الكُتُبَ، وإنَّما بَعَثَ الرُّسُلَ لِتَذْكِيرِ أُولِي الألْبابِ، فَلَوْلا الشَّرَفُ العَظِيمُ والمَرْتَبَةُ العالِيَةُ لِأُولِي الألْبابِ لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ. قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَضِيَ عَنْهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ في أواخِرِ شَعْبانَ سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، خُتِمَ بِالخَيْرِ والغُفْرانِ في صَحْراءِ بَغْدادَ، ونَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنَ الغُمُومِ والأحْزانِ، والفَوْزَ بِدَرَجاتِ الجِنانِ، والخَلاصَ مِن دَرَكاتِ النِّيرانِ، إنَّهُ المَلِكُ المَنّانُ، الرَّحِيمُ الدَّيّانُ، بِحَمْدِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى خاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ.