Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الرعد 13:31 – إبراهيم 14:32

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الرعد 13:31
  2. الرعد 13:32
  3. الرعد 13:33
  4. الرعد 13:34
  5. الرعد 13:35
  6. الرعد 13:36
  7. الرعد 13:37
  8. الرعد 13:38
  9. الرعد 13:39
  10. الرعد 13:40
  11. الرعد 13:41
  12. الرعد 13:42
  13. الرعد 13:43
  14. إبراهيم 14:1
  15. إبراهيم 14:2
  16. إبراهيم 14:3
  17. إبراهيم 14:4
  18. إبراهيم 14:5
  19. إبراهيم 14:6
  20. إبراهيم 14:7
  21. إبراهيم 14:8
  22. إبراهيم 14:9
  23. إبراهيم 14:10
  24. إبراهيم 14:11
  25. إبراهيم 14:12
  26. إبراهيم 14:13
  27. إبراهيم 14:14
  28. إبراهيم 14:15
  29. إبراهيم 14:16
  30. إبراهيم 14:17
  31. إبراهيم 14:18
  32. إبراهيم 14:19
  33. إبراهيم 14:20
  34. إبراهيم 14:21
  35. إبراهيم 14:22
  36. إبراهيم 14:23
  37. إبراهيم 14:24
  38. إبراهيم 14:25
  39. إبراهيم 14:26
  40. إبراهيم 14:27
  41. إبراهيم 14:28
  42. إبراهيم 14:29
  43. إبراهيم 14:30
  44. إبراهيم 14:31
  45. إبراهيم 14:32

الرعد 13:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قَعَدُوا في فِناءِ مَكَّةَ، فَأتاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وعَرَضَ الإسْلامَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ: سَيِّرْ لَنا جِبالَ مَكَّةَ حَتّى يَنْفَسِحَ المَكانُ عَلَيْنا واجْعَلْ لَنا فِيها أنْهارًا نَزْرَعُ فِيها، أوْ أحْيِ لَنا بَعْضَ أمْواتِنا لِنَسْألَهم أحَقٌّ ما تَقُولُ أوْ باطِلٌ، فَقَدْ كانَ عِيسى يُحْيِي المَوْتى، أوْ سَخِّرْ لَنا الرِّيحَ حَتّى نَرْكَبَها ونَسِيرَ في البِلادِ فَقَدْ كانَتِ الرِّيحُ مُسَخَّرَةً لِسُلَيْمانَ، فَلَسْتَ بِأهْوَنَ عَلى رَبِّكَ مِن سُلَيْمانَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ»﴾ أيْ مِن أماكِنِها ﴿أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ شُقِّقَتْ فَجُعِلَتْ أنْهارًا وعُيُونًا ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ لَكانَ هو هَذا القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ. وحُذِفَ جَوابُ ”لَوْ“ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، وقالَ الزَّجّاجُ: المَحْذُوفُ هو أنَّهُ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ وكَذا وكَذا لَما آمَنُوا بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ [الأنْعامِ: ١١١]. ثم قال تَعالى: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ ] يَعْنِي إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ. ثم قال تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ﴾ قَوْلانِ: صفحة ٤٣ القَوْلُ الأوَّلُ: أفَلَمْ يَعْلَمُوا وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَفِيهِ وجْهانِ: الوجه الأوَّلُ: [يَيْأسُ] يَعْلَمُ في لُغَةِ النَّخَعِ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مِثْلِ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ وإنْ كُنْتَ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةِ نائِيًا وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا. وقالَ الكِسائِيُّ: ما وجَدَتِ العَرَبَ تَقُولُ: يَئِسْتُ بِمَعْنى عَلِمْتُ البَتَّةَ. والوجه الثّانِي: ما رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا وابْنَ عَبّاسٍ كانا يَقْرَآنِ: [ أفَلَمْ يَأْسَ الَّذِينَ آمَنُوا ] فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: أفَلَمْ يَيْأسْ، فَقالَ: أظُنُّ أنَّ الكاتِبَ كَتَبَها وهو ناعِسٌ، إنَّهُ كانَ في الخَطِّ يَأْسَ فَزادَ الكاتِبُ سِنَّةً واحِدَةً، فَصارَ يَيْأسُ، فَقُرِئَ يَيْأسُ، وهَذا القَوْلُ بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ القُرْآنِ مَحَلًّا لِلتَّحْرِيفِ والتَّصْحِيفِ، وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ما هَذا القَوْلُ - واللَّهِ - إلّا فِرْيَةٌ بِلا مِرْيَةٍ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أوْ يَئِسَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ هَؤُلاءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، وتَقْرِيرُهُ أنَّ العِلْمَ بِأنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ يُوجِبُ اليَأْسَ مِن كَوْنِهِ، والمُلازَمَةُ تُوجِبُ حُسْنَ المَجازِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ اليَأْسِ لِإرادَةِ العِلْمِ. المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ وكَلِمَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى ما شاءَ هِدايَةَ جَمِيعِ النّاسِ، والمُعْتَزِلَةُ تارَةً يَحْمِلُونَ هَذِهِ المَشِيئَةَ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ، وتارَةً يَحْمِلُونَ الهِدايَةَ عَلى الهِدايَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، وفِيهِمْ مَن يُجْرِي الكَلامَ عَلى الظّاهِرِ، ويَقُولُ: إنَّهُ تَعالى ما شاءَ هِدايَةَ جَمِيعِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ ما شاءَ هِدايَةَ الأطْفالِ والمَجانِينِ، فَلا يَكُونُ شائِيًا لِهِدايَةِ جَمِيعِ النّاسِ. والكَلامُ في هَذِهِ المسألة قَدْ سَبَقَ مِرارًا. أما قوله تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: قِيلَ: أرادَ بِهِ جَمِيعَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ الوَقائِعَ الشَّدِيدَةَ الَّتِي وقَعَتْ لِبَعْضِ الكُفّارِ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ أوْجَبَ حُصُولَ الغَمِّ في قَلْبِ الكُلِّ، وقِيلَ: أرادَ بَعْضَ الكُفّارِ وهم جَماعَةٌ مُعَيَّنُونَ، والألِفُ واللّامُ في لَفْظِ الكُفّارِ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، وهو ذَلِكَ الجَمْعُ المُعَيَّنُ. المسألة الثّانِيَةُ: في الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا مِن كُفْرِهم وسُوءِ أعْمالِهِمْ قارِعَةٌ داهِيَةٌ تَقْرَعُهم بِما يُحِلُّ اللَّهُ بِهِمْ في كُلِّ وقْتٍ مِن صُنُوفِ البَلايا والمَصائِبِ في نُفُوسِهِمْ وأوْلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ، أوْ تَحُلُّ القارِعَةُ قَرِيبًا مِنهم، فَيَفْزَعُونَ ويَضْطَرِبُونَ ويَتَطايَرُ إلَيْهِمْ شَرارُها ويَتَعَدّى إلَيْهِمْ شُرُورُها حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ وهو مَوْتُهم أوِ القِيامَةُ. صفحة ٤٤ والقَوْلُ الثّانِي: ولا يَزالُ كُفّارُ مَكَّةَ تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَداوَةِ والتَّكْذِيبِ قارِعَةٌ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ لا يَزالُ يَبْعَثُ السَّرايا فَتُغِيرُ حَوْلَ مَكَّةَ وتَخْتَطِفُ مِنهم وتُصِيبُ مَواشِيَهم، أوْ تَحِلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دَراهِمْ بِجَيْشِكَ كَما حَلَّ بِالحُدَيْبِيَةِ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ وهو فَتْحُ مَكَّةَ، وكانَ اللَّهُ قَدْ وعَدَهُ ذَلِكَ. ثم قال ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ] والغَرَضُ مِنهُ تَقْوِيَةُ قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ وإزالَةُ الحُزْنِ عَنْهُ، قالَ القاضِي: وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يُجَوِّزُ الخُلْفَ عَلى اللَّهِ تَعالى في مِيعادِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ وارِدَةً في حَقِّ الكُفّارِ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، إذْ بِعُمُومِهِ يَتَناوَلُ كُلَّ وعِيدٍ ورَدَ في حَقِّ الفُسّاقِ. وجَوابُنا: أنَّ الخُلْفَ غَيْرٌ، وتَخْصِيصَ العُمُومِ غَيْرٌ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِالخُلْفِ، ولَكِنّا نُخَصِّصُ عُمُوماتِ الوَعِيدِ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى العَفْوِ.

الرعد 13:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ يَتَأذّى مِن تِلْكَ الكَلِماتِ، فاللَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَصْبِيرًا لَهُ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ: إنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ كَما أنَّ قَوْمَكَ يَسْتَهْزِئُونَ بِكَ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أطَلْتُ لَهُمُ المُدَّةَ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لَهم. واعْلَمْ أنِّي سَأنْتَقِمُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ كَما انْتَقَمْتُ مِن أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، والإمْلاءُ الإمْهالُ وأنْ يُتْرَكُوا مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ في خَفْضٍ وأمْنٍ كالبَهِيمَةِ يُمْلى لَها في المَرْعى. وهَذا وعِيدٌ لَهم وجَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْرَدَ عَلى المُشْرِكِينَ ما يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ، وما يَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم وتَعْجِيبًا مِن عُقُولِهِمْ، فَقالَ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ النُّفُوسِ، وقادِرًا عَلى تَحْصِيلِ مَطالِبِها مِن تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ومِن إيصالِ الثَّوابِ إلَيْها عَلى كُلِّ الطّاعاتِ، وإيصالِ العِقابِ إلَيْها عَلى كُلِّ المَعاصِي، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وما ذاكَ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨]. صفحة ٤٥ واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذا الكَلامِ مِن جَوابٍ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ وهي الأصْنامُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا الجَوابُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] وما جاءَ جَوابُهُ؛ لِأنَّهُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] فَكَذا هاهُنا، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَقَعُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُوَحِّدُوهُ ولَمْ يُمَجِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ. الوجه الثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ السَّيِّدُ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ، فَقالَ: نَجْعَلُ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا﴾ واوَ الحالِ ونُضْمِرُ لِلْمُبْتَدَأِ خَبَرًا يَكُونُ المُبْتَدَأُ مَعَهُ جُمْلَةً مُقَرِّرَةً لِإمْكانِ ما يُقارِنُها مِنَ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ مَوْجُودٌ، والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، ثُمَّ أُقِيمَ الظّاهِرُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ﴾ مَقامَ المُضْمَرِ تَقْرِيرًا لِلْإلَهِيَّةِ وتَصْرِيحًا بِها، وهَذا كَما تَقُولُ: جَوادٌ يُعْطِي النّاسَ ويُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ ويَحْرِمُ مِثْلِي. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الحُجَّةَ زادَ في الحِجاجِ، فَقالَ: [ قُلْ سَمُّوهم ] وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي بَلَغَ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ، يَعْنِي أنَّهُ أخَسُّ مِن أنْ يُسَمّى ويُذْكَرَ، ولَكِنَّكَ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ؛ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والمَعْنى: سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِهَذا الِاسْمِ أوْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ، فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا تَسْتَحِقُّ أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلَيْها، ثُمَّ زادَ في الحِجاجِ، فَقالَ: ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ والمُرادُ: أتَقْدِرُونَ عَلى أنْ تُخْبِرُوهُ وتُعْلِمُوهُ بِأمْرٍ تَعْلَمُونَهُ وهو لا يَعْلَمُهُ، وإنَّما خَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكٌ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في الأرْضِ لا في غَيْرِها ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ يَعْنِي تُمَوِّهُونَ بِإظْهارِ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بَعْدَ هَذا الحِجاجِ سُوءَ طَرِيقَتِهِمْ، فَقالَ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِما هم عَلَيْهِ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى ”بَلْ“ هاهُنا، كَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْ ذِكْرَ ما كُنّا فِيهِ زُيِّنَ لَهم مَكْرُهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى إفْسادِ قَوْلِهِمْ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْ ذِكْرَ الدَّلِيلِ فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهم كُفْرُهم ومَكْرُهم فَلا يَنْتَفِعُونَ بِذِكْرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ، قالَ القاضِي: لا شُبْهَةَ في أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَذُمَّهم بِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو اللَّهَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا شَياطِينُ الإنْسِ وإمّا شَياطِينُ الجِنِّ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُزَيِّنُ أحَدَ شَياطِينِ الجِنِّ أوِ الإنْسِ فالمُزَيِّنُ في قَلْبِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ هو اللَّهَ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ. والثّانِي أنْ يُقالَ: القُلُوبُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ. والثّالِثُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ تَرْجِيحَ الدّاعِي لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ حُصُولِهِ يَجِبُ الفِعْلُ. أما قوله: ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وصُدُّوا“ بِضَمِّ الصّادِ، وفي حم: ﴿وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافِرٍ: ٣٧] عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ بِمَعْنى أنَّ الكُفّارَ صَدَّهم غَيْرُهم، وعِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ صَدَّهم. ولِلْمُعْتَزِلَةِ فِيهِ وجْهانِ: قِيلَ الشَّيْطانُ، وقِيلَ أنْفُسُهم وبَعْضُهم لِبَعْضٍ كَما يُقالُ: فُلانٌ مُعْجِبٌ وإنْ صفحة ٤٦ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ غَيْرُهُ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ والباقُونَ، وصَدُّوا بِفَتْحِ الصّادِ في السُّورَتَيْنِ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ أعْرَضُوا، وقِيلَ: صَرَفُوا غَيْرَهم، وهو لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، وحُجَّةُ القِراءَةِ الأُولى مُشاكَلَتُها لِما قَبْلَها مِن بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وحُجَّةُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . ثم قال: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ ذَلِكَ المُزَيِّنَ هو اللَّهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ الصّادَّ هو اللَّهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ وهو صَرِيحٌ في المَقْصُودِ وتَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ المُزَيِّنَ وذَلِكَ الصّادَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم سَيَقَعُونَ في عِقابِ الآخِرَةِ وإخْبارُ اللَّهِ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، وإذا امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّغَيُّرِ في هَذا الخَبَرِ امْتَنَعَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ لَقَدْ لَخَّصْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا، قالَ القاضِي: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ عَنْ ثَوابِ الجَنَّةِ لِكُفْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ مُنْبِئٌ بِذَلِكَ أنَّ الثَّوابَ لا يُنالُ إلّا بِالطّاعَةِ خاصَّةً فَمَن زاغَ عَنْها لَمْ يَجِدْ إلَيْها سَبِيلًا، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ مَن حَكَمَ بِأنَّهُ ضالٌّ وسَمّاهُ ضالًّا، وقِيلَ: المُرادُ مَن يُضْلِلِهُ اللَّهُ عَنِ الإيمانِ بِأنْ يَجِدَهُ كَذَلِكَ، ثم قال: والوجه الأوَّلُ أقْوى. واعْلَمْ أنَّ الوجه الأوَّلَ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ في شَرْحِ إيمانِهِمْ وكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا ولَمْ يَجْرِ ذِكْرُ ذَهابِهِمْ إلى الجَنَّةِ البَتَّةَ، فَصَرْفُ الكَلامِ عَنِ المَذْكُورِ إلى غَيْرِ المَذْكُورِ بَعِيدٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُساعِدُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرُوهُ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ لِأنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ ومُخْبَرِهِ مُحالٌ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِتِلْكَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّهُ جَمَعَ لَهم بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا، وبَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ، وأنَّهُ لا دافِعَ لَهم عَنْهُ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أمّا عَذابُ الدُّنْيا فَبِالقَتْلِ، والقِتالِ، واللَّعْنِ، والذَّمِّ، والإهانَةِ، وهَلْ يَدْخُلُ المَصائِبُ والأمْراضُ في ذَلِكَ أمْ لا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ بَعْضُهم: إنَّها تَدْخُلُ فِيهِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها لا تَكُونُ عِقابًا، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ نَزَلَتْ بِهِ مُصِيبَةٌ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ عَلَيْها، ولَوْ كانَ عِقابًا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ، فالمُرادُ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ الآيَةِ: القَتْلُ، والسَّبْيُ، واغْتِنامُ الأمْوالِ، واللَّعْنُ، وإنَّما قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ لِأنَّهُ أزْيَدُ إنْ شِئْتَ بِسَبَبِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الأنْواعِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَخْتَلِطُ بِها شَيْءٌ مِن مُوجِباتِ الرّاحَةِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ الدَّوامِ وعَدَمِ الِانْقِطاعِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ أنَّ أحَدًا لا يَقِيهِمْ ما نَزَلَ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ الواحِدِيُّ: أكْثَرُ القُرّاءِ وقَفُوا عَلى القافِ مِن غَيْرِ إثْباتِ ياءٍ في قَوْلِهِ: [واقٍ] وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿والٍ﴾ [الرَّعْدِ: ١] وهو الوجه لِأنَّكَ تَقُولُ في الوَصْلِ: هَذا هادٍ، ووالٍ، وواقٍ، فَتَحْذِفُ الياءَ لِسُكُونِها والتِقائِها مَعَ التَّنْوِينِ، فَإذا وقَفْتَ انْحَذَفَ التَّنْوِينُ في الوَقْفِ في الرَّفْعِ والجَرِّ، والياءُ كانَتِ انْحَذَفَتْ فَيُصادِفُ الوَقْفُ الحَرَكَةَ الَّتِي هي كَسْرَةٌ في غَيْرِ فاعِلٍ، فَتَحْذِفُها كَما تَحْذِفُ سائِرَ الحَرَكاتِ الَّتِي تَقِفُ عَلَيْها، فَيَصِيرُ هادٍ، ووالٍ، وواقٍ. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَقِفُ بِالياءِ في هادِي، ووالِي، وواقِي. ووَجْهُهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ بَعْضَ مَن يُوثَقُ بِهِ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ: هَذا داعِي فَيَقِفُونَ بِالياءِ.

الرعد 13:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ يَتَأذّى مِن تِلْكَ الكَلِماتِ، فاللَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَصْبِيرًا لَهُ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ: إنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ كَما أنَّ قَوْمَكَ يَسْتَهْزِئُونَ بِكَ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أطَلْتُ لَهُمُ المُدَّةَ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لَهم. واعْلَمْ أنِّي سَأنْتَقِمُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ كَما انْتَقَمْتُ مِن أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، والإمْلاءُ الإمْهالُ وأنْ يُتْرَكُوا مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ في خَفْضٍ وأمْنٍ كالبَهِيمَةِ يُمْلى لَها في المَرْعى. وهَذا وعِيدٌ لَهم وجَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْرَدَ عَلى المُشْرِكِينَ ما يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ، وما يَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم وتَعْجِيبًا مِن عُقُولِهِمْ، فَقالَ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ النُّفُوسِ، وقادِرًا عَلى تَحْصِيلِ مَطالِبِها مِن تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ومِن إيصالِ الثَّوابِ إلَيْها عَلى كُلِّ الطّاعاتِ، وإيصالِ العِقابِ إلَيْها عَلى كُلِّ المَعاصِي، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وما ذاكَ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨]. صفحة ٤٥ واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذا الكَلامِ مِن جَوابٍ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ وهي الأصْنامُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا الجَوابُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] وما جاءَ جَوابُهُ؛ لِأنَّهُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] فَكَذا هاهُنا، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَقَعُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُوَحِّدُوهُ ولَمْ يُمَجِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ. الوجه الثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ السَّيِّدُ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ، فَقالَ: نَجْعَلُ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا﴾ واوَ الحالِ ونُضْمِرُ لِلْمُبْتَدَأِ خَبَرًا يَكُونُ المُبْتَدَأُ مَعَهُ جُمْلَةً مُقَرِّرَةً لِإمْكانِ ما يُقارِنُها مِنَ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ مَوْجُودٌ، والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، ثُمَّ أُقِيمَ الظّاهِرُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ﴾ مَقامَ المُضْمَرِ تَقْرِيرًا لِلْإلَهِيَّةِ وتَصْرِيحًا بِها، وهَذا كَما تَقُولُ: جَوادٌ يُعْطِي النّاسَ ويُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ ويَحْرِمُ مِثْلِي. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الحُجَّةَ زادَ في الحِجاجِ، فَقالَ: [ قُلْ سَمُّوهم ] وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي بَلَغَ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ، يَعْنِي أنَّهُ أخَسُّ مِن أنْ يُسَمّى ويُذْكَرَ، ولَكِنَّكَ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ؛ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والمَعْنى: سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِهَذا الِاسْمِ أوْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ، فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا تَسْتَحِقُّ أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلَيْها، ثُمَّ زادَ في الحِجاجِ، فَقالَ: ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ والمُرادُ: أتَقْدِرُونَ عَلى أنْ تُخْبِرُوهُ وتُعْلِمُوهُ بِأمْرٍ تَعْلَمُونَهُ وهو لا يَعْلَمُهُ، وإنَّما خَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكٌ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في الأرْضِ لا في غَيْرِها ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ يَعْنِي تُمَوِّهُونَ بِإظْهارِ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بَعْدَ هَذا الحِجاجِ سُوءَ طَرِيقَتِهِمْ، فَقالَ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِما هم عَلَيْهِ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى ”بَلْ“ هاهُنا، كَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْ ذِكْرَ ما كُنّا فِيهِ زُيِّنَ لَهم مَكْرُهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى إفْسادِ قَوْلِهِمْ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْ ذِكْرَ الدَّلِيلِ فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهم كُفْرُهم ومَكْرُهم فَلا يَنْتَفِعُونَ بِذِكْرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ، قالَ القاضِي: لا شُبْهَةَ في أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَذُمَّهم بِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو اللَّهَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا شَياطِينُ الإنْسِ وإمّا شَياطِينُ الجِنِّ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُزَيِّنُ أحَدَ شَياطِينِ الجِنِّ أوِ الإنْسِ فالمُزَيِّنُ في قَلْبِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ هو اللَّهَ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ. والثّانِي أنْ يُقالَ: القُلُوبُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ. والثّالِثُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ تَرْجِيحَ الدّاعِي لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ حُصُولِهِ يَجِبُ الفِعْلُ. أما قوله: ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وصُدُّوا“ بِضَمِّ الصّادِ، وفي حم: ﴿وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافِرٍ: ٣٧] عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ بِمَعْنى أنَّ الكُفّارَ صَدَّهم غَيْرُهم، وعِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ صَدَّهم. ولِلْمُعْتَزِلَةِ فِيهِ وجْهانِ: قِيلَ الشَّيْطانُ، وقِيلَ أنْفُسُهم وبَعْضُهم لِبَعْضٍ كَما يُقالُ: فُلانٌ مُعْجِبٌ وإنْ صفحة ٤٦ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ غَيْرُهُ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ والباقُونَ، وصَدُّوا بِفَتْحِ الصّادِ في السُّورَتَيْنِ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ أعْرَضُوا، وقِيلَ: صَرَفُوا غَيْرَهم، وهو لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، وحُجَّةُ القِراءَةِ الأُولى مُشاكَلَتُها لِما قَبْلَها مِن بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وحُجَّةُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . ثم قال: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ ذَلِكَ المُزَيِّنَ هو اللَّهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ الصّادَّ هو اللَّهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ وهو صَرِيحٌ في المَقْصُودِ وتَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ المُزَيِّنَ وذَلِكَ الصّادَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم سَيَقَعُونَ في عِقابِ الآخِرَةِ وإخْبارُ اللَّهِ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، وإذا امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّغَيُّرِ في هَذا الخَبَرِ امْتَنَعَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ لَقَدْ لَخَّصْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا، قالَ القاضِي: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ عَنْ ثَوابِ الجَنَّةِ لِكُفْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ مُنْبِئٌ بِذَلِكَ أنَّ الثَّوابَ لا يُنالُ إلّا بِالطّاعَةِ خاصَّةً فَمَن زاغَ عَنْها لَمْ يَجِدْ إلَيْها سَبِيلًا، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ مَن حَكَمَ بِأنَّهُ ضالٌّ وسَمّاهُ ضالًّا، وقِيلَ: المُرادُ مَن يُضْلِلِهُ اللَّهُ عَنِ الإيمانِ بِأنْ يَجِدَهُ كَذَلِكَ، ثم قال: والوجه الأوَّلُ أقْوى. واعْلَمْ أنَّ الوجه الأوَّلَ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ في شَرْحِ إيمانِهِمْ وكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا ولَمْ يَجْرِ ذِكْرُ ذَهابِهِمْ إلى الجَنَّةِ البَتَّةَ، فَصَرْفُ الكَلامِ عَنِ المَذْكُورِ إلى غَيْرِ المَذْكُورِ بَعِيدٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُساعِدُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرُوهُ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ لِأنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ ومُخْبَرِهِ مُحالٌ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِتِلْكَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّهُ جَمَعَ لَهم بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا، وبَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ، وأنَّهُ لا دافِعَ لَهم عَنْهُ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أمّا عَذابُ الدُّنْيا فَبِالقَتْلِ، والقِتالِ، واللَّعْنِ، والذَّمِّ، والإهانَةِ، وهَلْ يَدْخُلُ المَصائِبُ والأمْراضُ في ذَلِكَ أمْ لا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ بَعْضُهم: إنَّها تَدْخُلُ فِيهِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها لا تَكُونُ عِقابًا، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ نَزَلَتْ بِهِ مُصِيبَةٌ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ عَلَيْها، ولَوْ كانَ عِقابًا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ، فالمُرادُ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ الآيَةِ: القَتْلُ، والسَّبْيُ، واغْتِنامُ الأمْوالِ، واللَّعْنُ، وإنَّما قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ لِأنَّهُ أزْيَدُ إنْ شِئْتَ بِسَبَبِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الأنْواعِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَخْتَلِطُ بِها شَيْءٌ مِن مُوجِباتِ الرّاحَةِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ الدَّوامِ وعَدَمِ الِانْقِطاعِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ أنَّ أحَدًا لا يَقِيهِمْ ما نَزَلَ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ الواحِدِيُّ: أكْثَرُ القُرّاءِ وقَفُوا عَلى القافِ مِن غَيْرِ إثْباتِ ياءٍ في قَوْلِهِ: [واقٍ] وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿والٍ﴾ [الرَّعْدِ: ١] وهو الوجه لِأنَّكَ تَقُولُ في الوَصْلِ: هَذا هادٍ، ووالٍ، وواقٍ، فَتَحْذِفُ الياءَ لِسُكُونِها والتِقائِها مَعَ التَّنْوِينِ، فَإذا وقَفْتَ انْحَذَفَ التَّنْوِينُ في الوَقْفِ في الرَّفْعِ والجَرِّ، والياءُ كانَتِ انْحَذَفَتْ فَيُصادِفُ الوَقْفُ الحَرَكَةَ الَّتِي هي كَسْرَةٌ في غَيْرِ فاعِلٍ، فَتَحْذِفُها كَما تَحْذِفُ سائِرَ الحَرَكاتِ الَّتِي تَقِفُ عَلَيْها، فَيَصِيرُ هادٍ، ووالٍ، وواقٍ. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَقِفُ بِالياءِ في هادِي، ووالِي، وواقِي. ووَجْهُهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ بَعْضَ مَن يُوثَقُ بِهِ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ: هَذا داعِي فَيَقِفُونَ بِالياءِ.

الرعد 13:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ يَتَأذّى مِن تِلْكَ الكَلِماتِ، فاللَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَصْبِيرًا لَهُ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ: إنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ كَما أنَّ قَوْمَكَ يَسْتَهْزِئُونَ بِكَ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أطَلْتُ لَهُمُ المُدَّةَ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لَهم. واعْلَمْ أنِّي سَأنْتَقِمُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ كَما انْتَقَمْتُ مِن أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، والإمْلاءُ الإمْهالُ وأنْ يُتْرَكُوا مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ في خَفْضٍ وأمْنٍ كالبَهِيمَةِ يُمْلى لَها في المَرْعى. وهَذا وعِيدٌ لَهم وجَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْرَدَ عَلى المُشْرِكِينَ ما يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ، وما يَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم وتَعْجِيبًا مِن عُقُولِهِمْ، فَقالَ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ النُّفُوسِ، وقادِرًا عَلى تَحْصِيلِ مَطالِبِها مِن تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ومِن إيصالِ الثَّوابِ إلَيْها عَلى كُلِّ الطّاعاتِ، وإيصالِ العِقابِ إلَيْها عَلى كُلِّ المَعاصِي، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وما ذاكَ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨]. صفحة ٤٥ واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذا الكَلامِ مِن جَوابٍ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ وهي الأصْنامُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا الجَوابُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] وما جاءَ جَوابُهُ؛ لِأنَّهُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] فَكَذا هاهُنا، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَقَعُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُوَحِّدُوهُ ولَمْ يُمَجِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ. الوجه الثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ السَّيِّدُ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ، فَقالَ: نَجْعَلُ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا﴾ واوَ الحالِ ونُضْمِرُ لِلْمُبْتَدَأِ خَبَرًا يَكُونُ المُبْتَدَأُ مَعَهُ جُمْلَةً مُقَرِّرَةً لِإمْكانِ ما يُقارِنُها مِنَ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ مَوْجُودٌ، والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، ثُمَّ أُقِيمَ الظّاهِرُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ﴾ مَقامَ المُضْمَرِ تَقْرِيرًا لِلْإلَهِيَّةِ وتَصْرِيحًا بِها، وهَذا كَما تَقُولُ: جَوادٌ يُعْطِي النّاسَ ويُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ ويَحْرِمُ مِثْلِي. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الحُجَّةَ زادَ في الحِجاجِ، فَقالَ: [ قُلْ سَمُّوهم ] وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي بَلَغَ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ، يَعْنِي أنَّهُ أخَسُّ مِن أنْ يُسَمّى ويُذْكَرَ، ولَكِنَّكَ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ؛ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والمَعْنى: سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِهَذا الِاسْمِ أوْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ، فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا تَسْتَحِقُّ أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلَيْها، ثُمَّ زادَ في الحِجاجِ، فَقالَ: ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ والمُرادُ: أتَقْدِرُونَ عَلى أنْ تُخْبِرُوهُ وتُعْلِمُوهُ بِأمْرٍ تَعْلَمُونَهُ وهو لا يَعْلَمُهُ، وإنَّما خَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكٌ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في الأرْضِ لا في غَيْرِها ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ يَعْنِي تُمَوِّهُونَ بِإظْهارِ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بَعْدَ هَذا الحِجاجِ سُوءَ طَرِيقَتِهِمْ، فَقالَ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِما هم عَلَيْهِ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى ”بَلْ“ هاهُنا، كَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْ ذِكْرَ ما كُنّا فِيهِ زُيِّنَ لَهم مَكْرُهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى إفْسادِ قَوْلِهِمْ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْ ذِكْرَ الدَّلِيلِ فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهم كُفْرُهم ومَكْرُهم فَلا يَنْتَفِعُونَ بِذِكْرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ، قالَ القاضِي: لا شُبْهَةَ في أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَذُمَّهم بِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو اللَّهَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا شَياطِينُ الإنْسِ وإمّا شَياطِينُ الجِنِّ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُزَيِّنُ أحَدَ شَياطِينِ الجِنِّ أوِ الإنْسِ فالمُزَيِّنُ في قَلْبِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ هو اللَّهَ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ. والثّانِي أنْ يُقالَ: القُلُوبُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ. والثّالِثُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ تَرْجِيحَ الدّاعِي لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ حُصُولِهِ يَجِبُ الفِعْلُ. أما قوله: ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وصُدُّوا“ بِضَمِّ الصّادِ، وفي حم: ﴿وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافِرٍ: ٣٧] عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ بِمَعْنى أنَّ الكُفّارَ صَدَّهم غَيْرُهم، وعِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ صَدَّهم. ولِلْمُعْتَزِلَةِ فِيهِ وجْهانِ: قِيلَ الشَّيْطانُ، وقِيلَ أنْفُسُهم وبَعْضُهم لِبَعْضٍ كَما يُقالُ: فُلانٌ مُعْجِبٌ وإنْ صفحة ٤٦ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ غَيْرُهُ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ والباقُونَ، وصَدُّوا بِفَتْحِ الصّادِ في السُّورَتَيْنِ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ أعْرَضُوا، وقِيلَ: صَرَفُوا غَيْرَهم، وهو لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، وحُجَّةُ القِراءَةِ الأُولى مُشاكَلَتُها لِما قَبْلَها مِن بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وحُجَّةُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . ثم قال: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ ذَلِكَ المُزَيِّنَ هو اللَّهُ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ الصّادَّ هو اللَّهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ وهو صَرِيحٌ في المَقْصُودِ وتَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ المُزَيِّنَ وذَلِكَ الصّادَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم سَيَقَعُونَ في عِقابِ الآخِرَةِ وإخْبارُ اللَّهِ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، وإذا امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّغَيُّرِ في هَذا الخَبَرِ امْتَنَعَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ لَقَدْ لَخَّصْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا، قالَ القاضِي: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ عَنْ ثَوابِ الجَنَّةِ لِكُفْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ مُنْبِئٌ بِذَلِكَ أنَّ الثَّوابَ لا يُنالُ إلّا بِالطّاعَةِ خاصَّةً فَمَن زاغَ عَنْها لَمْ يَجِدْ إلَيْها سَبِيلًا، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ مَن حَكَمَ بِأنَّهُ ضالٌّ وسَمّاهُ ضالًّا، وقِيلَ: المُرادُ مَن يُضْلِلِهُ اللَّهُ عَنِ الإيمانِ بِأنْ يَجِدَهُ كَذَلِكَ، ثم قال: والوجه الأوَّلُ أقْوى. واعْلَمْ أنَّ الوجه الأوَّلَ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ في شَرْحِ إيمانِهِمْ وكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا ولَمْ يَجْرِ ذِكْرُ ذَهابِهِمْ إلى الجَنَّةِ البَتَّةَ، فَصَرْفُ الكَلامِ عَنِ المَذْكُورِ إلى غَيْرِ المَذْكُورِ بَعِيدٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُساعِدُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرُوهُ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ لِأنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ ومُخْبَرِهِ مُحالٌ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِتِلْكَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّهُ جَمَعَ لَهم بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا، وبَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ، وأنَّهُ لا دافِعَ لَهم عَنْهُ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أمّا عَذابُ الدُّنْيا فَبِالقَتْلِ، والقِتالِ، واللَّعْنِ، والذَّمِّ، والإهانَةِ، وهَلْ يَدْخُلُ المَصائِبُ والأمْراضُ في ذَلِكَ أمْ لا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ بَعْضُهم: إنَّها تَدْخُلُ فِيهِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها لا تَكُونُ عِقابًا، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ نَزَلَتْ بِهِ مُصِيبَةٌ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ عَلَيْها، ولَوْ كانَ عِقابًا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ، فالمُرادُ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ الآيَةِ: القَتْلُ، والسَّبْيُ، واغْتِنامُ الأمْوالِ، واللَّعْنُ، وإنَّما قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ لِأنَّهُ أزْيَدُ إنْ شِئْتَ بِسَبَبِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الأنْواعِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَخْتَلِطُ بِها شَيْءٌ مِن مُوجِباتِ الرّاحَةِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ الدَّوامِ وعَدَمِ الِانْقِطاعِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ أنَّ أحَدًا لا يَقِيهِمْ ما نَزَلَ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ الواحِدِيُّ: أكْثَرُ القُرّاءِ وقَفُوا عَلى القافِ مِن غَيْرِ إثْباتِ ياءٍ في قَوْلِهِ: [واقٍ] وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿والٍ﴾ [الرَّعْدِ: ١] وهو الوجه لِأنَّكَ تَقُولُ في الوَصْلِ: هَذا هادٍ، ووالٍ، وواقٍ، فَتَحْذِفُ الياءَ لِسُكُونِها والتِقائِها مَعَ التَّنْوِينِ، فَإذا وقَفْتَ انْحَذَفَ التَّنْوِينُ في الوَقْفِ في الرَّفْعِ والجَرِّ، والياءُ كانَتِ انْحَذَفَتْ فَيُصادِفُ الوَقْفُ الحَرَكَةَ الَّتِي هي كَسْرَةٌ في غَيْرِ فاعِلٍ، فَتَحْذِفُها كَما تَحْذِفُ سائِرَ الحَرَكاتِ الَّتِي تَقِفُ عَلَيْها، فَيَصِيرُ هادٍ، ووالٍ، وواقٍ. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَقِفُ بِالياءِ في هادِي، ووالِي، وواقِي. ووَجْهُهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ بَعْضَ مَن يُوثَقُ بِهِ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ: هَذا داعِي فَيَقِفُونَ بِالياءِ.

الرعد 13:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ . وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَذابَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ثَوابِ المُتَّقِينَ وفي قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: ”مَثَلُ الجَنَّةِ“ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: فِيما قَصَصْنا عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ مِن صِفَتِها كَذا وكَذا. والثّالِثُ: مَثَلُ الجَنَّةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ اسْمٌ. والرّابِعُ: الخَبَرُ هو قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ لِأنَّهُ الخارِجُ عَنِ العادَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ كَما تَعْلَمُونَ مِن حالِ جَنّاتِكم إلّا أنَّ هَذِهِ أُكُلُها دائِمٌ. المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ: أوَّلُها: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ. وثانِيها: أنَّ أُكُلَها دائِمٌ، والمَعْنى: أنَّ جَنّاتِ الدُّنْيا لا يَدُومُ ورَقُها وثَمَرُها ومَنافِعُها. أمّا جَنّاتُ الآخِرَةِ فَثِمارُها دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ. وثالِثُها: أنَّ ظِلَّها دائِمٌ أيْضًا، والمُرادُ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ حَرٌّ ولا بَرْدٌ ولا شَمْسٌ ولا قَمَرٌ ولا ظُلْمَةٌ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنْسانِ: ١٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الجَنَّةَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا يَعْنِي: عاقِبَةُ أهْلِ التَّقْوى هي الجَنَّةُ، وعاقِبَةُ الكافِرِينَ النّارُ. وحاصِلُ الكَلامِ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ثَوابَ المُتَّقِينَ مَنافِعُ خالِصَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةِ الدَّوامِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ ثَلاثٌ: المسألة الأُولى: أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُكُلَ الجَنَّةِ لا تَفْنى كَما يُحْكى عَنْ جَهْمٍ وأتْباعِهِ. المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَرَكاتِ أهْلِ الجَنَّةِ لا تَنْتَهِي إلى سُكُونٍ دائِمٍ، كَما يَقُولُهُ أبُو الهُذَيْلِ وأتْباعُهُ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لَوَجَبَ أنْ تَفْنى وأنْ يَنْقَطِعَ أُكُلُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٦]. و﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القَصَصِ: ٨٨] لَكِنْ لا يَنْقَطِعُ أُكُلُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ الجَنَّةُ مَخْلُوقَةً، ثم قال: فَلا نُنْكِرُ أنْ يَحْصُلَ الآنَ في السَّماواتِ جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ يَتَمَتَّعُ بِها المَلائِكَةُ ومَن يُعَدُّ حَيًّا مِنَ الأنْبِياءِ والشُّهَداءِ وغَيْرِهِمْ عَلى ما رُوِيَ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ الَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ جَنَّةَ الخُلْدِ خاصَّةً إنَّما تُخْلَقُ بَعْدَ الإعادَةِ. والجَوابُ: أنَّ دَلِيلَهم مُرَكَّبٌ مِن آيَتَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ والأُخْرى قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ فَإذا أدْخَلْنا التَّخْصِيصَ في أحَدِ هَذَيْنِ العُمُومَيْنِ سَقَطَ دَلِيلُهم، فَنَحْنُ نُخَصِّصُ أحَدَ هَذَيْنِ العُمُومَيْنِ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ٤٨ ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] .

الرعد 13:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ في المُرادِ بِالكِتابِ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ القُرْآنُ والمُرادُ أنَّ أهْلَ القُرْآنِ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مِن أنْواعِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والأحْكامِ والقَصَصِ، ومِنَ الأحْزابِ الجَماعاتُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وسائِرِ الكُفّارِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ. فَإنْ قِيلَ: الأحْزابُ يُنْكِرُونَ كُلَّ القُرْآنِ. قُلْنا: الأحْزابُ لا يُنْكِرُونَ كُلَّ ما في القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ ورَدَ فِيهِ إثْباتُ اللَّهِ تَعالى وإثْباتُ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وأقاصِيصِ الأنْبِياءِ، والأحْزابُ ما كانُوا يُنْكِرُونَ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وأصْحابِهِما ومَن أسْلَمَ مِنَ النَّصارى، وهم ثَمانُونَ رَجُلًا أرْبَعُونَ بِنَجْرانَ وثَمانِيَةٌ بِاليَمَنِ، واثْنانِ وثَلاثُونَ بِأرْضِ الحَبَشَةِ وفَرِحُوا بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ والأحْزابُ بَقِيَّةُ أهْلِ الكِتابِ وسائِرُ المُشْرِكِينَ، قالَ القاضِي: وهَذا الوجه أوْلى مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَإنَّهم يَفْرَحُونَ بِالقُرْآنِ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى هَذا الوجه ظَهَرَتِ الفائِدَةُ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا القُرْآنَ يَزْدادُ فَرَحُهم بِهِ لِما رَأوْا فِيهِ مِنَ العُلُومِ الكَثِيرَةِ والفَوائِدِ العَظِيمَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَكى اللَّهُ تَعالى فَرَحَهم بِهِ. والثّانِي: والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ اليَهُودُ أُعْطُوا التَّوْراةَ، والنَّصارى أُعْطُوا الإنْجِيلَ، يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم، ومِنَ الأحْزابِ مِن سائِرِ الكُفّارِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، قالَ القاضِي: وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهم لا يَفْرَحُونَ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ فَيُقالُ إنَّ قَوْلُهُ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ لا يُفِيدُ العُمُومَ بِدَلِيلِ جَوازِ إدْخالِ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، ولَوْ كانَتْ كَلِمَةُ ”ما“ لِلْعُمُومِ لَكانَ إدْخالُ لَفْظِ الكُلِّ عَلَيْهِ تَكْرِيرًا وإدْخالُ لَفْظِ البَعْضِ عَلَيْهِ نَقْصًا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذا جَمَعَ كَلَّ ما يَحْتاجُ المَرْءُ إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ في ألْفاظٍ قَلِيلَةٍ مِنهُ، فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ وهَذا الكَلامُ جامِعٌ لِكُلِّ ما ورَدَ التَّكْلِيفُ بِهِ، وفِيهِ فَوائِدُ: أوَّلُها: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ ومَعْناهُ إنِّي ما أُمِرْتُ إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ ولا أمْرَ ولا نَهْيَ إلّا بِذَلِكَ. وثانِيها: أنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَرْءَ مُكَلَّفٌ بِذَلِكَ. وثالِثُها: أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى لا تُمْكِنُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِالدَّلِيلِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَرْءَ مُكَلَّفٌ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ ذاتِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ، وما يَجِبُ ويَجُوزُ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ. ورابِعُها: أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ، صفحة ٤٩ وهُوَ يُبْطِلُ قَوْلَ نُفاةِ التَّكْلِيفِ، ويُبْطِلُ القَوْلَ بِالجَبْرِ المَحْضِ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ والأضْدادِ بِالكُلِّيَّةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ إبْطالُ قَوْلِ كُلِّ مَن أثْبَتَ مَعْبُودًا سِوى اللَّهِ تَعالى سَواءٌ قالَ: إنَّ ذَلِكَ المَعْبُودَ هو الشَّمْسُ أوِ القَمَرُ أوِ الكَواكِبُ أوِ الأصْنامُ والأوْثانُ والأرْواحُ العُلْوِيَّةُ، أوْ يَزْدانُ وأهْرِمَنُ عَلى ما يَقُولُهُ المَجُوسُ، أوِ النُّورُ والظُّلْمَةُ عَلى ما يَقُولُهُ الثَّنَوِيَّةُ. وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ أدْعُو﴾ والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ كَما وجَبَ عَلَيْهِ الإتْيانُ بِهَذِهِ العِباداتِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّعْوَةُ إلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وهو إشارَةٌ إلى نُبُوَّتِهِ. وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ مَآبِ﴾ وهو إشارَةٌ إلى الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، فَإذا تَأمَّلَ الإنْسانُ في هَذِهِ الألْفاظِ القَلِيلَةِ ووَقَفَ عَلَيْها عَرَفَ أنَّها مُحْتَوِيَةٌ عَلى جَمِيعِ المَطالِبِ المُعْتَبَرَةِ في الدِّينِ.

الرعد 13:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ إنْزالَهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا بِما أنْزَلَ إلى مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ، أيْ كَما أنْزَلْنا الكُتُبَ عَلى الأنْبِياءِ بِلِسانِهِمْ، كَذَلِكَ أنْزَلْتُ عَلَيْكَ القُرْآنَ، والكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلْناهُ﴾ تَعُودُ إلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: حِكْمَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُتَرْجَمَةٌ بِلِسانِ العَرَبِ. الثّانِي: القُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ أقْسامِ التَّكالِيفِ، فالحكم لا يُمْكِنُ إلّا بِالقُرْآنِ، فَلَمّا كانَ القُرْآنُ سَبَبًا لِلْحُكْمِ جُعِلَ نَفْسَ الحكم عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ بِقَبُولِ القُرْآنِ والعَمَلِ بِهِ، فَلَمّا حَكَمَ عَلى الخَلْقِ بِوُجُوبِ قَبُولِهِ جَعَلَهُ حُكْمًا. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنْزَلْناهُ حالَ كَوْنِهِ حُكْمًا عَرَبِيًّا. المسألة الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُحْدَثِ. الثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، والعَرَبِيُّ هو الَّذِي حَصَلَ بِوَضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحِهِمْ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مُحْدَثًا. الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ إنَّما كانَ حُكْمًا عَرَبِيًّا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ كَذَلِكَ ووَصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ. والجَوابُ: أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ مُحْدَثٌ، ولا نِزاعَ فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الرّابِعَةُ: رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَدْعُونَهُ إلى مِلَّةِ آبائِهِ فَتَوَعَّدَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مُتابَعَتِهِمْ في تِلْكَ المَذاهِبِ مِثْلَ أنْ يُصَلِّيَ إلى قِبْلَتِهِمْ بَعْدَ أنْ حَوَّلَهُ اللَّهُ عَنْها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخِطابُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ، وقِيلَ: بَلِ الغَرَضُ مِنهُ حَثُّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى القِيامِ بِحَقِّ الرِّسالَةِ وتَحْذِيرُهُ مِن خِلافِها، ويَتَضَمَّنُ صفحة ٥٠ ذَلِكَ أيْضًا تَحْذِيرَ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ مَن هو أرْفَعُ مَنزِلَةً إذا حُذِّرَ هَذا التَّحْذِيرَ فَهم أحَقُّ بِذَلِكَ وأوْلى.

الرعد 13:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَذْكُرُونَ أنْواعًا مِنَ الشُّبُهاتِ في إبْطالِ نُبُوَّتِهِ. فالشُّبْهَةُ الأُولى قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفُرْقانِ: ٧] وهَذِهِ الشُّبْهَةُ إنَّما ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في سُورَةٍ أُخْرى. والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهم: الرَّسُولُ الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلى الخَلْقِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحِجْرِ: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنْعامِ: ٨]. فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هاهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ يَعْنِي أنَّ الأنْبِياءَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ كانُوا مِن جِنْسِ البَشَرِ لا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، فَإذا جازَ ذَلِكَ في حَقِّهِمْ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا مِثْلُهُ في حَقِّهِ. الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: عابُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَثْرَةِ الزَّوْجاتِ، وقالُوا: لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما كانَ مُشْتَغِلًا بِأمْرِ النِّساءِ بَلْ كانَ مُعْرِضًا عَنْهُنَّ مُشْتَغِلًا بِالنُّسُكِ والزُّهْدِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ وبِالجُمْلَةِ فَهَذا الكَلامُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنِ الشُّبْهَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، فَقَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ مَهِيرَةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. والشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: قالُوا لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَكانَ أيُّ شَيْءٍ طَلَبْنا مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ أتى بِهِ ولَمْ يَتَوَقَّفْ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ المُعْجِزَةَ الواحِدَةَ كافِيَةٌ في إزالَةِ العُذْرِ والعِلَّةِ، وفي إظْهارِ الحُجَّةِ والبَيِّنَةِ، فَأمّا الزّائِدُ عَلَيْها فَهو مُفَوَّضٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أظْهَرَها، وإنْ شاءَ لَمْ يُظْهِرْها ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في ذَلِكَ. الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ وظُهُورِ النُّصْرَةِ لَهُ ولِقَوْمِهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَوْعُودَ كانَ يَتَأخَّرُ، فَلَمّا لَمْ يُشاهِدُوا تِلْكَ الأُمُورَ احْتَجُّوا بِها عَلى الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ، وقالُوا: لَوْ كانَ نَبِيًّا صادِقًا لَما ظَهَرَ كَذِبُهُ. فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ يَعْنِي نُزُولَ العَذابِ عَلى الكُفّارِ وظُهُورَ الفَتْحِ والنَّصْرِ لِلْأوْلِياءِ قَضى اللَّهُ بِحُصُولِها في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ مَخْصُوصَةٍ، ولِكُلِّ حادِثٍ وقْتٌ مُعَيَّنٌ و﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ فَقَبْلَ حُضُورِ صفحة ٥١ ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَحْدُثُ ذَلِكَ الحادِثُ، فَتَأخُّرُ تِلْكَ المَواعِيدِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كاذِبًا. الشُّبْهَةُ السّادِسَةُ: قالُوا: لَوْ كانَ في دَعْوى الرِّسالَةِ مُحِقًّا لَما نَسَخَ الأحْكامَ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى ثُبُوتِها في الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ نَحْوَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، لَكِنَّهُ نَسَخَها وحَرَّفَها نَحْوَ تَحْرِيفِ القِبْلَةِ، ونَسْخِ أكْثَرِ أحْكامِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ نَبِيًّا حَقًّا. فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ كالمُقَدِّمَةِ لِتَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وذَلِكَ لِأنّا نُشاهِدُ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ حَيَوانًا عَجِيبَ الخِلْقَةِ بَدِيعَ الفِطْرَةِ مِن قَطْرَةٍ مِنَ النُّطْفَةِ، ثُمَّ يُبْقِيهِ مُدَّةً مَخْصُوصَةً، ثُمَّ يُمِيتُهُ ويُفَرِّقُ أجْزاءَهُ وأبْعاضَهُ، فَلَمّا لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُحْيِيَ أوَّلًا، ثُمَّ يُمِيتَ ثانِيًا فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ أنْ يُشَرِّعَ الحكم في بَعْضِ الأوْقاتِ، ثُمَّ يَنْسَخُهُ في سائِرِ الأوْقاتِ؟ فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ تِلْكَ المُقَدِّمَةَ قالَ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يُوجِدُ تارَةً ويُعْدِمُ أُخْرى، ويُحْيِي تارَةً ويُمِيتُ أُخْرى، ويُغْنِي تارَةً ويُفْقِرُ أُخْرى، فَكَذَلِكَ لا يَبْعُدُ أنْ يَشْرَعَ الحكم تارَةً ثُمَّ يَنْسَخَهُ أُخْرى بِحَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، أوْ بِحَسِبِ ما اقْتَضَتْهُ رِعايَةُ المَصالِحِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، فَهَذا إتْمامُ التَّحْقِيقِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ: * * * المسألة الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ فِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ وقْتًا مُقَدَّرًا، فالآياتُ الَّتِي سَألُوها لَها وقْتٌ مُعَيَّنٌ حَكَمَ اللَّهُ بِهِ وكَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلا يَتَغَيَّرُ عَنْ ذَلِكَ الحكم بِسَبَبِ تَحَكُّماتِهِمُ الفاسِدَةِ، ولَوْ أنَّ اللَّهَ أعْطاهم ما التَمَسُوا لَكانَ فِيهِ أعْظَمُ الفَسادِ. الثّانِي: أنَّ لِكُلِّ حادِثٍ وقْتًا مُعَيَّنًا قَضى اللَّهُ حُصُولَهُ فِيهِ كالحَياةِ والمَوْتِ والغِنى والفَقْرِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ولا يَتَغَيَّرُ البَتَّةَ عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ. والثّالِثُ: أنَّ هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ كِتابٍ مُنَزَّلٍ مِنَ السَّماءِ أجَلًا يُنْزِلُهُ فِيهِ، أيْ لِكُلِّ كِتابٍ وقْتٌ يُعْمَلُ بِهِ، فَوَقْتُ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ قَدِ انْقَضى ووَقْتُ العَمَلِ بِالقُرْآنِ قَدْ أتى وحَضَرَ. والرّابِعُ: لِكُلِّ أجَلٍ مُعَيَّنٍ كِتابٌ عِنْدَ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ فَلِلْإنْسانِ أحْوالٌ أوَّلُها نُطْفَةٌ ثُمَّ عَلَقَةٌ ثُمَّ مُضْغَةٌ ثُمَّ يَصِيرُ شابًّا ثُمَّ شَيْخًا، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ الأحْوالِ مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والحُسْنِ والقُبْحِ. الخامِسُ: كُلُّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ مُشْتَمِلٌ عَلى مَصْلَحَةٍ خَفِيَّةٍ ومَنفَعَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ حَدَثَ ذَلِكَ الحادِثُ ولا يَجُوزُ حُدُوثُهُ في غَيْرِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وبِقَدَرِهِ، وأنَّ الأُمُورَ مَرْهُونَةٌ بِأوْقاتِها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ مَعْناهُ: أنَّ تَحْتَ كُلِّ أجَلٍ حادِثًا مُعَيَّنًا، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ لِأجْلِ خاصِّيَّةِ الوَقْتِ فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ الأجْزاءَ المَعْرُوضَةَ في الأوْقاتِ المُتَعاقِبَةِ مُتَساوِيَةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اخْتِصاصُ كُلِّ وقْتٍ بِالحادِثِ الَّذِي يَحْدُثُ فِيهِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى واخْتِيارِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . المسألة الثّانِيَةُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ [ويُثْبِتُ] ساكِنَةَ الثّاءِ خَفِيفَةَ الباءِ مِن أثْبَتَ يُثْبِتُ، والباقُونَ بِفَتْحِ الثّاءِ وتَشْدِيدِ الباءِ مِنَ التَّثْبِيتِ، وحُجَّةُ مَن خَفَّفَ أنَّ ضِدَّ المَحْوِ الإثْباتُ لا التَّثْبِيتُ؛ ولِأنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّكْثِيرِ، ولَيْسَ القَصْدُ بِالمَحْوِ التَّكْثِيرَ، فَكَذَلِكَ ما يَكُونُ في مُقابَلَتِهِ، ومَن شَدَّدَ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النِّساءِ: ٦٦] وقَوْلِهِ: ﴿فَثَبِّتُوا﴾ [الأنْفالِ: ١٢]. صفحة ٥٢ المسألة الثّالِثَةُ: المَحْوُ ذَهابُ أثَرِ الكِتابَةِ، يُقالُ: مَحاهُ يَمْحُوهُ مَحْوًا إذا أذْهَبَ أثَرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُثْبِتُ﴾ قالَ النَّحْوِيُّونَ: أرادَ ويُثْبِتُهُ إلّا أنَّهُ اسْتَغْنى بِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ الأوَّلِ عَنْ تَعْدِيَةِ الثّانِي، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٥]. * * * المسألة الرّابِعَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ شَيْءٍ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ. قالُوا: إنَّ اللَّهَ يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ فِيهِ، وكَذا القَوْلُ في الأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والإيمانِ والكُفْرِ، وهو مَذْهَبُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ كانُوا يَدْعُونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَجْعَلَهم سُعَداءَ لا أشْقِياءَ، وهَذا التَّأْوِيلُ رَواهُ جابِرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ في بَعْضِ الأشْقِياءِ دُونَ البَعْضِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ، فَفي الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ المَحْوِ والإثْباتِ: نَسْخُ الحكم المُتَقَدِّمِ وإثْباتُ حُكْمٍ آخَرَ بَدَلًا عَنِ الأوَّلِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما لَيْسَ بِحَسَنَةٍ ولا سَيِّئَةٍ؛ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِكِتابَةِ كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ ويُثْبِتُ غَيْرَهُ، وطَعَنَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ فِيهِ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ الكِتابَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكَهْفِ: ٤٩] وقالَ أيْضًا: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧]. أجابَ القاضِي عَنْهُ: بِأنَّهُ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً مِنَ الذُّنُوبِ، والمُباحِ لا صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً، ولِلْأصَمِّ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذا الجَوابِ فَيَقُولَ: إنَّكم بِاصْطِلاحِكم خَصَّصْتُمُ الصَّغِيرَةَ بِالذَّنَبِ الصَّغِيرِ، والكَبِيرَةَ بِالذَّنَبِ الكَبِيرِ، وهَذا مُجَرَّدُ اصْطِلاحِ المُتَكَلِّمِينَ، أمّا في أصْلِ اللُّغَةِ فالصَّغِيرُ والكَبِيرُ يَتَناوَلانِ كُلَّ فِعْلٍ وعَرَضٍ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ حَقِيرًا فَهو صَغِيرٌ، وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهو كَبِيرٌ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكَهْفِ: ٤٩] يَتَناوَلُ المُباحاتِ أيْضًا. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالمَحْوِ أنَّ مَن أذْنَبَ أُثْبِتَ ذَلِكَ الذَّنْبُ في دِيوانِهِ، فَإذا تابَ عَنْهُ مُحِيَ مِن دِيوانِهِ. الرّابِعُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ وهو مَن جاءَ أجَلُهُ، ويَدَعُ مَن لَمْ يَجِئْ أجَلُهُ ويُثْبِتُهُ. الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى يُثْبِتُ في أوَّلِ السَّنَةِ حُكْمَ تِلْكَ السَّنَةِ، فَإذا مَضَتِ السَّنَةُ مُحِيَتْ، وأُثْبِتَ كِتابٌ آخَرُ لِلْمُسْتَقْبَلِ. السّادِسُ: يَمْحُو نُورَ القَمَرِ، ويُثْبِتُ نُورَ الشَّمْسِ. السّابِعُ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ. الثّامِنُ: أنَّهُ في الأرْزاقِ والمِحَنِ والمَصائِبِ يُثْبِتُها في الكِتابِ، ثُمَّ يُزِيلُها بِالدُّعاءِ والصَّدَقَةِ، وفِيهِ حَثٌّ عَلى الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى. التّاسِعُ: تَغَيُّرُ أحْوالِ العَبْدِ فَما مَضى مِنها فَهو المَحْوُ، وما حَصَلَ وحَضَرَ فَهو الإثْباتُ. العاشِرُ: يُزِيلُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِن حُكْمِهِ لا يُطْلِعُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا فَهو المُنْفَرِدُ بِالحكم كَما يَشاءُ، وهو المُسْتَقِلُّ بِالإيجادِ والإعْدامِ والإحْياءِ والإماتَةِ والإغْناءِ والإفْقارِ بِحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلى تِلْكَ الغُيُوبِ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا البابَ فِيهِ مَجالٌ عَظِيمٌ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: ألَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ المَقادِيرَ سابِقَةٌ قَدْ جَفَّ بِها القَلَمُ ولَيْسَ الأمْرُ بِأُنُفٍ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ مَعَ هَذا المَعْنى المَحْوُ والإثْباتُ؟ قُلْنا: ذَلِكَ المَحْوُ والإثْباتُ أيْضًا مِمّا جَفَّ بِهِ القَلَمُ، فَلا يَمْحُو إلّا ما سَبَقَ في عِلْمِهِ وقَضائِهِ مَحْوُهُ. صفحة ٥٣ المسألة الخامِسَةُ: قالَتِ الرّافِضَةُ: البَداءُ جائِزٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو أنْ يَعْتَقِدَ شَيْئًا، ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ما اعْتَقَدَهُ، وتَمَسَّكُوا فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ دُخُولُ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ فِيهِ مُحالًا. المسألة السّادِسَةُ: أمّا ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ فالمُرادُ أصْلُ الكِتابِ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ ما يَجْرِي مَجْرى الأصْلِ لِلشَّيْءِ أُمًّا لَهُ، ومِنهُ أُمُّ الرَّأْسِ لِلدِّماغِ، وأُمُّ القُرى لِمَكَّةَ، وكُلُّ مَدِينَةٍ فَهي أُمٌّ لِما حَوْلَها مِنَ القُرى، فَكَذَلِكَ أُمُّ الكِتابِ هو الَّذِي يَكُونُ أصْلًا لِجَمِيعِ الكُتُبِ، وفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ أُمَّ الكِتابِ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجَمِيعُ حَوادِثِ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ مُثْبَتٌ فِيهِ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كانَ اللَّهُ ولا شَيْءَ مَعَهُ ثُمَّ خَلَقَ اللَّوْحَ وأثْبَتَ فِيهِ أحْوالَ جَمِيعِ الخَلْقِ إلى قِيامِ السّاعَةِ» قالَ المُتَكَلِّمُونَ: الحِكْمَةُ فِيهِ أنْ يُظْهِرَ لِلْمَلائِكَةِ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَعِنْدَ اللَّهِ كِتابانِ: أحَدُهُما: الكِتابُ الَّذِي يَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ عَلى الخَلْقِ، وذَلِكَ الكِتابُ مَحَلُّ المَحْوِ والإثْباتِ. والكِتابُ الثّانِي هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وهو الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى تَعَيُّنِ جَمِيعِ الأحْوالِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، وهو الباقِي، رَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى في ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنَ اللَّيْلِ يَنْظُرُ في الكِتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ» . ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ كَلِماتٌ عَجِيبَةٌ وأسْرارٌ غامِضَةٌ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ أُمَّ الكِتابِ هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ وإنْ تَغَيَّرَتْ، إلّا أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِها باقٍ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّغَيُّرِ، فالمُرادُ بِأُمِّ الكِتابِ هو ذاكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الرعد 13:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَذْكُرُونَ أنْواعًا مِنَ الشُّبُهاتِ في إبْطالِ نُبُوَّتِهِ. فالشُّبْهَةُ الأُولى قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفُرْقانِ: ٧] وهَذِهِ الشُّبْهَةُ إنَّما ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في سُورَةٍ أُخْرى. والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهم: الرَّسُولُ الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلى الخَلْقِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحِجْرِ: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنْعامِ: ٨]. فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هاهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ يَعْنِي أنَّ الأنْبِياءَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ كانُوا مِن جِنْسِ البَشَرِ لا مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، فَإذا جازَ ذَلِكَ في حَقِّهِمْ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا مِثْلُهُ في حَقِّهِ. الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: عابُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَثْرَةِ الزَّوْجاتِ، وقالُوا: لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما كانَ مُشْتَغِلًا بِأمْرِ النِّساءِ بَلْ كانَ مُعْرِضًا عَنْهُنَّ مُشْتَغِلًا بِالنُّسُكِ والزُّهْدِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ وبِالجُمْلَةِ فَهَذا الكَلامُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنِ الشُّبْهَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، فَقَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ مَهِيرَةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. والشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: قالُوا لَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَكانَ أيُّ شَيْءٍ طَلَبْنا مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ أتى بِهِ ولَمْ يَتَوَقَّفْ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ المُعْجِزَةَ الواحِدَةَ كافِيَةٌ في إزالَةِ العُذْرِ والعِلَّةِ، وفي إظْهارِ الحُجَّةِ والبَيِّنَةِ، فَأمّا الزّائِدُ عَلَيْها فَهو مُفَوَّضٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أظْهَرَها، وإنْ شاءَ لَمْ يُظْهِرْها ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في ذَلِكَ. الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ وظُهُورِ النُّصْرَةِ لَهُ ولِقَوْمِهِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَوْعُودَ كانَ يَتَأخَّرُ، فَلَمّا لَمْ يُشاهِدُوا تِلْكَ الأُمُورَ احْتَجُّوا بِها عَلى الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ، وقالُوا: لَوْ كانَ نَبِيًّا صادِقًا لَما ظَهَرَ كَذِبُهُ. فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ يَعْنِي نُزُولَ العَذابِ عَلى الكُفّارِ وظُهُورَ الفَتْحِ والنَّصْرِ لِلْأوْلِياءِ قَضى اللَّهُ بِحُصُولِها في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ مَخْصُوصَةٍ، ولِكُلِّ حادِثٍ وقْتٌ مُعَيَّنٌ و﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ فَقَبْلَ حُضُورِ صفحة ٥١ ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَحْدُثُ ذَلِكَ الحادِثُ، فَتَأخُّرُ تِلْكَ المَواعِيدِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كاذِبًا. الشُّبْهَةُ السّادِسَةُ: قالُوا: لَوْ كانَ في دَعْوى الرِّسالَةِ مُحِقًّا لَما نَسَخَ الأحْكامَ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى ثُبُوتِها في الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ نَحْوَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، لَكِنَّهُ نَسَخَها وحَرَّفَها نَحْوَ تَحْرِيفِ القِبْلَةِ، ونَسْخِ أكْثَرِ أحْكامِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ نَبِيًّا حَقًّا. فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ كالمُقَدِّمَةِ لِتَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ، وذَلِكَ لِأنّا نُشاهِدُ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ حَيَوانًا عَجِيبَ الخِلْقَةِ بَدِيعَ الفِطْرَةِ مِن قَطْرَةٍ مِنَ النُّطْفَةِ، ثُمَّ يُبْقِيهِ مُدَّةً مَخْصُوصَةً، ثُمَّ يُمِيتُهُ ويُفَرِّقُ أجْزاءَهُ وأبْعاضَهُ، فَلَمّا لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُحْيِيَ أوَّلًا، ثُمَّ يُمِيتَ ثانِيًا فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ أنْ يُشَرِّعَ الحكم في بَعْضِ الأوْقاتِ، ثُمَّ يَنْسَخُهُ في سائِرِ الأوْقاتِ؟ فَكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ تِلْكَ المُقَدِّمَةَ قالَ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يُوجِدُ تارَةً ويُعْدِمُ أُخْرى، ويُحْيِي تارَةً ويُمِيتُ أُخْرى، ويُغْنِي تارَةً ويُفْقِرُ أُخْرى، فَكَذَلِكَ لا يَبْعُدُ أنْ يَشْرَعَ الحكم تارَةً ثُمَّ يَنْسَخَهُ أُخْرى بِحَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، أوْ بِحَسِبِ ما اقْتَضَتْهُ رِعايَةُ المَصالِحِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، فَهَذا إتْمامُ التَّحْقِيقِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ: * * * المسألة الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ فِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ وقْتًا مُقَدَّرًا، فالآياتُ الَّتِي سَألُوها لَها وقْتٌ مُعَيَّنٌ حَكَمَ اللَّهُ بِهِ وكَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلا يَتَغَيَّرُ عَنْ ذَلِكَ الحكم بِسَبَبِ تَحَكُّماتِهِمُ الفاسِدَةِ، ولَوْ أنَّ اللَّهَ أعْطاهم ما التَمَسُوا لَكانَ فِيهِ أعْظَمُ الفَسادِ. الثّانِي: أنَّ لِكُلِّ حادِثٍ وقْتًا مُعَيَّنًا قَضى اللَّهُ حُصُولَهُ فِيهِ كالحَياةِ والمَوْتِ والغِنى والفَقْرِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ولا يَتَغَيَّرُ البَتَّةَ عَنْ ذَلِكَ الوَقْتِ. والثّالِثُ: أنَّ هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ كِتابٍ مُنَزَّلٍ مِنَ السَّماءِ أجَلًا يُنْزِلُهُ فِيهِ، أيْ لِكُلِّ كِتابٍ وقْتٌ يُعْمَلُ بِهِ، فَوَقْتُ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ قَدِ انْقَضى ووَقْتُ العَمَلِ بِالقُرْآنِ قَدْ أتى وحَضَرَ. والرّابِعُ: لِكُلِّ أجَلٍ مُعَيَّنٍ كِتابٌ عِنْدَ المَلائِكَةِ الحَفَظَةِ فَلِلْإنْسانِ أحْوالٌ أوَّلُها نُطْفَةٌ ثُمَّ عَلَقَةٌ ثُمَّ مُضْغَةٌ ثُمَّ يَصِيرُ شابًّا ثُمَّ شَيْخًا، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ الأحْوالِ مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والحُسْنِ والقُبْحِ. الخامِسُ: كُلُّ وقْتٍ مُعَيَّنٍ مُشْتَمِلٌ عَلى مَصْلَحَةٍ خَفِيَّةٍ ومَنفَعَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ حَدَثَ ذَلِكَ الحادِثُ ولا يَجُوزُ حُدُوثُهُ في غَيْرِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وبِقَدَرِهِ، وأنَّ الأُمُورَ مَرْهُونَةٌ بِأوْقاتِها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ مَعْناهُ: أنَّ تَحْتَ كُلِّ أجَلٍ حادِثًا مُعَيَّنًا، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ لِأجْلِ خاصِّيَّةِ الوَقْتِ فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ الأجْزاءَ المَعْرُوضَةَ في الأوْقاتِ المُتَعاقِبَةِ مُتَساوِيَةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اخْتِصاصُ كُلِّ وقْتٍ بِالحادِثِ الَّذِي يَحْدُثُ فِيهِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى واخْتِيارِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . المسألة الثّانِيَةُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ [ويُثْبِتُ] ساكِنَةَ الثّاءِ خَفِيفَةَ الباءِ مِن أثْبَتَ يُثْبِتُ، والباقُونَ بِفَتْحِ الثّاءِ وتَشْدِيدِ الباءِ مِنَ التَّثْبِيتِ، وحُجَّةُ مَن خَفَّفَ أنَّ ضِدَّ المَحْوِ الإثْباتُ لا التَّثْبِيتُ؛ ولِأنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّكْثِيرِ، ولَيْسَ القَصْدُ بِالمَحْوِ التَّكْثِيرَ، فَكَذَلِكَ ما يَكُونُ في مُقابَلَتِهِ، ومَن شَدَّدَ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النِّساءِ: ٦٦] وقَوْلِهِ: ﴿فَثَبِّتُوا﴾ [الأنْفالِ: ١٢]. صفحة ٥٢ المسألة الثّالِثَةُ: المَحْوُ ذَهابُ أثَرِ الكِتابَةِ، يُقالُ: مَحاهُ يَمْحُوهُ مَحْوًا إذا أذْهَبَ أثَرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُثْبِتُ﴾ قالَ النَّحْوِيُّونَ: أرادَ ويُثْبِتُهُ إلّا أنَّهُ اسْتَغْنى بِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ الأوَّلِ عَنْ تَعْدِيَةِ الثّانِي، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٥]. * * * المسألة الرّابِعَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ شَيْءٍ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ. قالُوا: إنَّ اللَّهَ يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ فِيهِ، وكَذا القَوْلُ في الأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والإيمانِ والكُفْرِ، وهو مَذْهَبُ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ كانُوا يَدْعُونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَجْعَلَهم سُعَداءَ لا أشْقِياءَ، وهَذا التَّأْوِيلُ رَواهُ جابِرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ في بَعْضِ الأشْقِياءِ دُونَ البَعْضِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ، فَفي الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ المَحْوِ والإثْباتِ: نَسْخُ الحكم المُتَقَدِّمِ وإثْباتُ حُكْمٍ آخَرَ بَدَلًا عَنِ الأوَّلِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما لَيْسَ بِحَسَنَةٍ ولا سَيِّئَةٍ؛ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِكِتابَةِ كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ ويُثْبِتُ غَيْرَهُ، وطَعَنَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ فِيهِ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ الكِتابَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكَهْفِ: ٤٩] وقالَ أيْضًا: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧]. أجابَ القاضِي عَنْهُ: بِأنَّهُ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً مِنَ الذُّنُوبِ، والمُباحِ لا صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً، ولِلْأصَمِّ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذا الجَوابِ فَيَقُولَ: إنَّكم بِاصْطِلاحِكم خَصَّصْتُمُ الصَّغِيرَةَ بِالذَّنَبِ الصَّغِيرِ، والكَبِيرَةَ بِالذَّنَبِ الكَبِيرِ، وهَذا مُجَرَّدُ اصْطِلاحِ المُتَكَلِّمِينَ، أمّا في أصْلِ اللُّغَةِ فالصَّغِيرُ والكَبِيرُ يَتَناوَلانِ كُلَّ فِعْلٍ وعَرَضٍ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ حَقِيرًا فَهو صَغِيرٌ، وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهو كَبِيرٌ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكَهْفِ: ٤٩] يَتَناوَلُ المُباحاتِ أيْضًا. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالمَحْوِ أنَّ مَن أذْنَبَ أُثْبِتَ ذَلِكَ الذَّنْبُ في دِيوانِهِ، فَإذا تابَ عَنْهُ مُحِيَ مِن دِيوانِهِ. الرّابِعُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ وهو مَن جاءَ أجَلُهُ، ويَدَعُ مَن لَمْ يَجِئْ أجَلُهُ ويُثْبِتُهُ. الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى يُثْبِتُ في أوَّلِ السَّنَةِ حُكْمَ تِلْكَ السَّنَةِ، فَإذا مَضَتِ السَّنَةُ مُحِيَتْ، وأُثْبِتَ كِتابٌ آخَرُ لِلْمُسْتَقْبَلِ. السّادِسُ: يَمْحُو نُورَ القَمَرِ، ويُثْبِتُ نُورَ الشَّمْسِ. السّابِعُ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ. الثّامِنُ: أنَّهُ في الأرْزاقِ والمِحَنِ والمَصائِبِ يُثْبِتُها في الكِتابِ، ثُمَّ يُزِيلُها بِالدُّعاءِ والصَّدَقَةِ، وفِيهِ حَثٌّ عَلى الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى. التّاسِعُ: تَغَيُّرُ أحْوالِ العَبْدِ فَما مَضى مِنها فَهو المَحْوُ، وما حَصَلَ وحَضَرَ فَهو الإثْباتُ. العاشِرُ: يُزِيلُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِن حُكْمِهِ لا يُطْلِعُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا فَهو المُنْفَرِدُ بِالحكم كَما يَشاءُ، وهو المُسْتَقِلُّ بِالإيجادِ والإعْدامِ والإحْياءِ والإماتَةِ والإغْناءِ والإفْقارِ بِحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلى تِلْكَ الغُيُوبِ أحَدٌ مِن خَلْقِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا البابَ فِيهِ مَجالٌ عَظِيمٌ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: ألَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ المَقادِيرَ سابِقَةٌ قَدْ جَفَّ بِها القَلَمُ ولَيْسَ الأمْرُ بِأُنُفٍ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ مَعَ هَذا المَعْنى المَحْوُ والإثْباتُ؟ قُلْنا: ذَلِكَ المَحْوُ والإثْباتُ أيْضًا مِمّا جَفَّ بِهِ القَلَمُ، فَلا يَمْحُو إلّا ما سَبَقَ في عِلْمِهِ وقَضائِهِ مَحْوُهُ. صفحة ٥٣ المسألة الخامِسَةُ: قالَتِ الرّافِضَةُ: البَداءُ جائِزٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو أنْ يَعْتَقِدَ شَيْئًا، ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ما اعْتَقَدَهُ، وتَمَسَّكُوا فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ دُخُولُ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ فِيهِ مُحالًا. المسألة السّادِسَةُ: أمّا ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ فالمُرادُ أصْلُ الكِتابِ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ ما يَجْرِي مَجْرى الأصْلِ لِلشَّيْءِ أُمًّا لَهُ، ومِنهُ أُمُّ الرَّأْسِ لِلدِّماغِ، وأُمُّ القُرى لِمَكَّةَ، وكُلُّ مَدِينَةٍ فَهي أُمٌّ لِما حَوْلَها مِنَ القُرى، فَكَذَلِكَ أُمُّ الكِتابِ هو الَّذِي يَكُونُ أصْلًا لِجَمِيعِ الكُتُبِ، وفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ أُمَّ الكِتابِ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجَمِيعُ حَوادِثِ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ مُثْبَتٌ فِيهِ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كانَ اللَّهُ ولا شَيْءَ مَعَهُ ثُمَّ خَلَقَ اللَّوْحَ وأثْبَتَ فِيهِ أحْوالَ جَمِيعِ الخَلْقِ إلى قِيامِ السّاعَةِ» قالَ المُتَكَلِّمُونَ: الحِكْمَةُ فِيهِ أنْ يُظْهِرَ لِلْمَلائِكَةِ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَعِنْدَ اللَّهِ كِتابانِ: أحَدُهُما: الكِتابُ الَّذِي يَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ عَلى الخَلْقِ، وذَلِكَ الكِتابُ مَحَلُّ المَحْوِ والإثْباتِ. والكِتابُ الثّانِي هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وهو الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى تَعَيُّنِ جَمِيعِ الأحْوالِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، وهو الباقِي، رَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى في ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِينَ مِنَ اللَّيْلِ يَنْظُرُ في الكِتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ» . ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ كَلِماتٌ عَجِيبَةٌ وأسْرارٌ غامِضَةٌ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ أُمَّ الكِتابِ هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ وإنْ تَغَيَّرَتْ، إلّا أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِها باقٍ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّغَيُّرِ، فالمُرادُ بِأُمِّ الكِتابِ هو ذاكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الرعد 13:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإن مّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ . اعْلَمْ أنَّ المَعْنى: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ: ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ، والمَعْنى: سَواءٌ أرَيْناكَ ذَلِكَ أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَ ظُهُورِهِ، فالواجِبُ عَلَيْكَ تَبْلِيغُ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأداءُ أمانَتِهِ ورِسالَتِهِ وعَلَيْنا الحِسابُ، والبَلاغُ اسْمٌ أُقِيمَ مُقامَ التَّبْلِيغِ كالسِّراجِ والأداءِ.

الرعد 13:41

قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ٥٤ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ ] اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ رَسُولَهُ بِأنْ يُرِيَهُ بَعْضَ ما وُعِدُوهُ أوْ يَتَوَفّاهُ قَبْلَ ذَلِكَ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ آثارَ حُصُولِ تِلْكَ المَواعِيدِ وعَلاماتِها قَدْ ظَهَرَتْ وقَوِيَتْ. وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ أنّا نَأْتِي أرْضَ الكَفَرَةِ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَسْتَوْلُونَ عَلى أطْرافِ مَكَّةَ ويَأْخُذُونَها مِنَ الكَفَرَةِ قَهْرًا وجَبْرًا فانْتِقاصُ أحْوالِ الكَفَرَةِ وازْدِيادُ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ مِن أقْوى العَلاماتِ والأماراتِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْجِزُ وعْدَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥٣]. والقَوْلُ الثّانِي: وهو أيْضًا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ المُرادُ: مَوْتُ أشْرافِها وكُبَرائِها وعُلَمائِها وذَهابُ الصُّلَحاءِ والأخْيارِ، وقالَ الواحِدِيُّ: وهَذا القَوْلُ وإنِ احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ إلّا أنَّ اللّائِقَ بِهَذا المَوْضِعِ هو الوجه الأوَّلُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذا الوجه أيْضًا لا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: أوَلَمْ يَرَوْا ما يَحْدُثُ في الدُّنْيا مِنَ الِاخْتِلافاتِ خَرابٌ بَعْدَ عِمارَةٍ، ومَوْتٌ بَعْدَ حَياةٍ، وذُلٌّ بَعْدَ عِزٍّ، ونَقْصٌ بَعْدَ كَمالٍ، وإذا كانَتْ هَذِهِ التَّغَيُّراتُ مُشاهَدَةً مَحْسُوسَةً، فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِن أنْ يَقْلِبَ اللَّهُ الأمْرَ عَلى هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ فَيَجْعَلَهم ذَلِيلِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا عَزِيزِينَ، ويَجْعَلَهم مَقْهُورِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا قاهِرِينَ؟ وعَلى هَذا الوجه فَيَحْسُنُ اتِّصالُ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ بِمَوْتِ أهْلِها وتَخْرِيبِ دِيارِهِمْ وبِلادِهِمْ، فَهَؤُلاءِ الكَفَرَةُ كَيْفَ أمِنُوا مِن أنْ يَحْدُثَ فِيهِمْ أمْثالُ هَذِهِ الوَقائِعِ؟ ثم قال تَعالى مُؤَكِّدًا لِهَذا المَعْنى: ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ مَعْناهُ: لا رادَّ لِحُكْمِهِ، والمُعَقِّبُ هو الَّذِي يُعَقِّبُهُ بِالرَّدِّ والإبْطالِ، ومِنهُ قِيلَ لِصاحِبِ الحَقِّ مُعَقِّبٌ؛ لِأنَّهُ يُعَقِّبُ غَرِيمَهُ بِالِاقْتِضاءِ والطَّلَبِ. فَإنْ قِيلَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾؟ قُلْنا: هو جُمْلَةٌ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ خالِيًا عَنِ المُدافِعِ والمُعارِضِ والمُنازِعِ. ثم قال: ﴿وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ سَرِيعَ الِانْتِقامِ؛ يَعْنِي أنَّ حِسابَهُ لِلْمُجازاةِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ يَكُونُ سَرِيعًا قَرِيبًا لا يَدْفَعُهُ دافِعٌ. أما قوله: ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي أنَّ كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ قَدْ مَكَرُوا بِرُسُلِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ مِثْلَ نُمْرُوذَ مَكَرَ بِإبْراهِيمَ، وفِرْعَوْنَ مَكَرَ بِمُوسى، واليَهُودِ مَكَرُوا بِعِيسى. ثم قال: ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْناهُ أنَّ مَكْرَ جَمِيعِ الماكِرِينَ لَهُ ومِنهُ، أيْ هو حاصِلٌ بِتَخْلِيقِهِ وإرادَتِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الخالِقُ لِجَمِيعِ أعْمالِ العِبادِ، وأيْضًا فَذَلِكَ المَكْرُ لا يَضُرُّ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ولا يُؤَثِّرُ إلّا بِتَقْدِيرِهِ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأمانٌ لَهُ مِن مَكْرِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذا كانَ حُدُوثُ المَكْرِ مِنَ اللَّهِ، وتَأْثِيرُهُ مِنَ المَمْكُورِ بِهِ أيْضًا مِنَ اللَّهِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ الخَوْفُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنْ لا يَكُونَ الرَّجاءُ إلّا صفحة ٥٥ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ المَعْنى: فَلِلَّهِ جَزاءُ المَكْرِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا مَكَرُوا بِالمُؤْمِنِينَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرُ القَوْلَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ يُرِيدُ أنَّ أكْسابَ العِبادِ بِأسْرِها مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وخِلافُ المَعْلُومِ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ، وكُلُّ ما عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَهُ كانَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلى الفِعْلِ والتَّرْكِ، فَكانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ الأُولى إنْ دَلَّتْ عَلى قَوْلِكم فالآيَةُ الثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ دَلَّتْ عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّ الكَسْبَ هو الفِعْلُ المُشْتَمِلُ عَلى دَفْعِ مَضَرَّةٍ أوْ جَلْبِ مَنفَعَةٍ، ولَوْ كانَ حُدُوثُ الفِعْلِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، لَمْ يَكُنْ لِقُدْرَةِ العَبْدِ فِيهِ أثَرٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ. وجَوابُهُ: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي مُسْتَلْزِمٌ لِلْفِعْلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالكَسْبُ حاصِلٌ لِلْعَبْدِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ، فَقالَ: ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: [وسَيَعْلَمُ الكافِرُ] عَلى لَفْظِ المُفْرَدِ، والباقُونَ عَلى الجَمْعِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ: [الكُفّارُ، والكافِرُونَ، والَّذِينَ كَفَرُوا، والكُفْرُ] أيْ أهْلُهُ، قَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: [وسَيُعْلَمُ الكافِرُ] مِن أعْلَمَهُ أيْ سَيُخْبَرُ. المسألة الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالكافِرِ الجِنْسُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العَصْرِ: ٢] والمَعْنى: أنَّهم وإنْ كانُوا جُهّالًا بِالعَواقِبِ فَسَيَعْلَمُونَ لِمَنِ العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ، وذَلِكَ كالزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ. والقَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ عَطاءٍ: يُرِيدُ المُسْتَهْزِئِينَ وهم خَمْسَةٌ، والمُقْتَسِمِينَ وهم ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ. والقَوْلُ الثّالِثُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا الجَهْلِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّوابُ.

الرعد 13:42

قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ٥٤ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ ] اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ رَسُولَهُ بِأنْ يُرِيَهُ بَعْضَ ما وُعِدُوهُ أوْ يَتَوَفّاهُ قَبْلَ ذَلِكَ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ آثارَ حُصُولِ تِلْكَ المَواعِيدِ وعَلاماتِها قَدْ ظَهَرَتْ وقَوِيَتْ. وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فِيهِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ أنّا نَأْتِي أرْضَ الكَفَرَةِ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَسْتَوْلُونَ عَلى أطْرافِ مَكَّةَ ويَأْخُذُونَها مِنَ الكَفَرَةِ قَهْرًا وجَبْرًا فانْتِقاصُ أحْوالِ الكَفَرَةِ وازْدِيادُ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ مِن أقْوى العَلاماتِ والأماراتِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْجِزُ وعْدَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥٣]. والقَوْلُ الثّانِي: وهو أيْضًا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ المُرادُ: مَوْتُ أشْرافِها وكُبَرائِها وعُلَمائِها وذَهابُ الصُّلَحاءِ والأخْيارِ، وقالَ الواحِدِيُّ: وهَذا القَوْلُ وإنِ احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ إلّا أنَّ اللّائِقَ بِهَذا المَوْضِعِ هو الوجه الأوَّلُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذا الوجه أيْضًا لا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: أوَلَمْ يَرَوْا ما يَحْدُثُ في الدُّنْيا مِنَ الِاخْتِلافاتِ خَرابٌ بَعْدَ عِمارَةٍ، ومَوْتٌ بَعْدَ حَياةٍ، وذُلٌّ بَعْدَ عِزٍّ، ونَقْصٌ بَعْدَ كَمالٍ، وإذا كانَتْ هَذِهِ التَّغَيُّراتُ مُشاهَدَةً مَحْسُوسَةً، فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم مِن أنْ يَقْلِبَ اللَّهُ الأمْرَ عَلى هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ فَيَجْعَلَهم ذَلِيلِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا عَزِيزِينَ، ويَجْعَلَهم مَقْهُورِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا قاهِرِينَ؟ وعَلى هَذا الوجه فَيَحْسُنُ اتِّصالُ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ بِمَوْتِ أهْلِها وتَخْرِيبِ دِيارِهِمْ وبِلادِهِمْ، فَهَؤُلاءِ الكَفَرَةُ كَيْفَ أمِنُوا مِن أنْ يَحْدُثَ فِيهِمْ أمْثالُ هَذِهِ الوَقائِعِ؟ ثم قال تَعالى مُؤَكِّدًا لِهَذا المَعْنى: ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ مَعْناهُ: لا رادَّ لِحُكْمِهِ، والمُعَقِّبُ هو الَّذِي يُعَقِّبُهُ بِالرَّدِّ والإبْطالِ، ومِنهُ قِيلَ لِصاحِبِ الحَقِّ مُعَقِّبٌ؛ لِأنَّهُ يُعَقِّبُ غَرِيمَهُ بِالِاقْتِضاءِ والطَّلَبِ. فَإنْ قِيلَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾؟ قُلْنا: هو جُمْلَةٌ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ خالِيًا عَنِ المُدافِعِ والمُعارِضِ والمُنازِعِ. ثم قال: ﴿وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ سَرِيعَ الِانْتِقامِ؛ يَعْنِي أنَّ حِسابَهُ لِلْمُجازاةِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ يَكُونُ سَرِيعًا قَرِيبًا لا يَدْفَعُهُ دافِعٌ. أما قوله: ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي أنَّ كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ قَدْ مَكَرُوا بِرُسُلِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ مِثْلَ نُمْرُوذَ مَكَرَ بِإبْراهِيمَ، وفِرْعَوْنَ مَكَرَ بِمُوسى، واليَهُودِ مَكَرُوا بِعِيسى. ثم قال: ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْناهُ أنَّ مَكْرَ جَمِيعِ الماكِرِينَ لَهُ ومِنهُ، أيْ هو حاصِلٌ بِتَخْلِيقِهِ وإرادَتِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الخالِقُ لِجَمِيعِ أعْمالِ العِبادِ، وأيْضًا فَذَلِكَ المَكْرُ لا يَضُرُّ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ولا يُؤَثِّرُ إلّا بِتَقْدِيرِهِ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأمانٌ لَهُ مِن مَكْرِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذا كانَ حُدُوثُ المَكْرِ مِنَ اللَّهِ، وتَأْثِيرُهُ مِنَ المَمْكُورِ بِهِ أيْضًا مِنَ اللَّهِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ الخَوْفُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنْ لا يَكُونَ الرَّجاءُ إلّا صفحة ٥٥ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ المَعْنى: فَلِلَّهِ جَزاءُ المَكْرِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا مَكَرُوا بِالمُؤْمِنِينَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ. قالَ الواحِدِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرُ القَوْلَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ يُرِيدُ أنَّ أكْسابَ العِبادِ بِأسْرِها مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وخِلافُ المَعْلُومِ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ، وكُلُّ ما عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَهُ كانَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلى الفِعْلِ والتَّرْكِ، فَكانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ الأُولى إنْ دَلَّتْ عَلى قَوْلِكم فالآيَةُ الثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ دَلَّتْ عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّ الكَسْبَ هو الفِعْلُ المُشْتَمِلُ عَلى دَفْعِ مَضَرَّةٍ أوْ جَلْبِ مَنفَعَةٍ، ولَوْ كانَ حُدُوثُ الفِعْلِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، لَمْ يَكُنْ لِقُدْرَةِ العَبْدِ فِيهِ أثَرٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ. وجَوابُهُ: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي مُسْتَلْزِمٌ لِلْفِعْلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالكَسْبُ حاصِلٌ لِلْعَبْدِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ، فَقالَ: ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: [وسَيَعْلَمُ الكافِرُ] عَلى لَفْظِ المُفْرَدِ، والباقُونَ عَلى الجَمْعِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ: [الكُفّارُ، والكافِرُونَ، والَّذِينَ كَفَرُوا، والكُفْرُ] أيْ أهْلُهُ، قَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: [وسَيُعْلَمُ الكافِرُ] مِن أعْلَمَهُ أيْ سَيُخْبَرُ. المسألة الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالكافِرِ الجِنْسُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العَصْرِ: ٢] والمَعْنى: أنَّهم وإنْ كانُوا جُهّالًا بِالعَواقِبِ فَسَيَعْلَمُونَ لِمَنِ العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ، وذَلِكَ كالزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ. والقَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ عَطاءٍ: يُرِيدُ المُسْتَهْزِئِينَ وهم خَمْسَةٌ، والمُقْتَسِمِينَ وهم ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ. والقَوْلُ الثّالِثُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا الجَهْلِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّوابُ.

الرعد 13:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ القَوْمِ أنَّهم أنْكَرُوا كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: شَهادَةُ اللَّهِ عَلى نُبُوَّتِهِ، والمُرادُ مِن تِلْكَ الشَّهادَةِ أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ المُعْجِزاتِ الدّالَّةَ عَلى كَوْنِهِ صادِقًا في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ، وهَذا أعْلى مَراتِبِ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِأنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، أمّا المُعْجِزُ فَإنَّهُ فِعْلٌ مَخْصُوصٌ يُوجِبُ القَطْعَ بِكَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ إظْهارُ المُعْجِزَةِ أعْظَمَ مَراتِبِ الشَّهادَةِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ وفِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ: ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ يَعْنِي والَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ. والثّانِيَةُ: [ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ] وكَلِمَةُ ”مِن“ هاهُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ ومِن عِنْدِ اللَّهِ حَصَلَ عِلْمُ الكِتابِ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى، فَفي تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ شَهادَةُ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وسَلْمانُ صفحة ٥٦ الفارِسِيُّ، وتَمِيمٌ الدّارِيُّ، ويُرْوى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّهُ كانَ يُبْطِلُ هَذا الوجه، ويَقُولُ: السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ؛ لِأنَّهم آمَنُوا في المَدِينَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِأنْ قِيلَ: هَذِهِ السُّورَةُ وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وأيْضًا فَإثْباتُ النُّبُوَّةِ بِقَوْلِ الواحِدِ والِاثْنَيْنِ مَعَ كَوْنِهِما غَيْرَ مَعْصُومَيْنِ عَنِ الكَذِبِ لا يَجُوزُ، وهَذا السُّؤالُ واقِعٌ. القَوْلُ الثّانِي: أرادَ بِالكِتابِ القُرْآنَ، أيْ أنَّ الكِتابَ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ مُعْجِزٌ قاهِرٌ وبُرْهانٌ باهِرٌ، إلّا أنَّهُ لا يَحْصُلُ العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُعْجِزًا إلّا لِمَن عَلِمَ ما في هَذا الكِتابِ مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، واشْتِمالَهُ عَلى الغُيُوبِ وعَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ، فَمَن عَرَفَ هَذا الكِتابَ عَلى هَذا الوجه عَلِمَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا، فَقَوْلُهُ: ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ أيْ ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ القُرْآنِ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ. القَوْلُ الثّالِثُ: ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ المُرادُ بِهِ: الَّذِي حَصَلَ عِنْدَهُ عِلْمُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، يَعْنِي: أنَّ كُلَّ مَن كانَ عالِمًا بِهَذَيْنِ الكِتابَيْنِ عَلِمَ اشْتِمالَهُما عَلى البِشارَةِ بِمَقْدِمِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإذا أنْصَفَ ذَلِكَ العالِمُ ولَمْ يَكْذِبْ كانَ شاهِدًا عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولُ حَقٍّ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. القَوْلُ الرّابِعُ: ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ هو اللَّهُ تَعالى، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والزَّجّاجِ، قالَ الحَسَنُ: لا واللَّهِ ما يَعْنِي إلّا اللَّهَ، والمَعْنى: كَفى بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وبِالَّذِي لا يَعْلَمُ عِلْمَ ما في اللَّوْحِ إلّا هو شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم، وقالَ الزَّجّاجُ: الأشْبَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَسْتَشْهِدُ عَلى صِحَّةِ حُكْمِهِ بِغَيْرِهِ، وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ عَطْفَ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، وإنْ كانَ جائِزًا في الجُمْلَةِ إلّا أنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، لا يُقالُ: شَهِدَ بِهَذا زَيْدٌ والفَقِيهُ، بَلْ يُقالُ: شَهِدَ بِهِ زَيْدٌ الفَقِيهُ، وأما قوله: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَسْتَشْهِدُ بِغَيْرِهِ عَلى صِدْقِ حُكْمِهِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا جازَ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ تَعالى عَلى صِدْقِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ [التِّينِ: ١] فَأيُّ امْتِناعٍ فِيما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُهُ: [ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ] عَلى مِنَ الجارَّةِ، فالمَعْنى: ومِن لَدُنْهُ عِلْمُ الكِتابِ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَعْلَمُ الكِتابَ إلّا مِن فَضْلِهِ وإحْسانِهِ وتَعْلِيمِهِ، ثُمَّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَفِيهِ أيْضًا قِراءَتانِ: ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ، والمُرادُ العِلْمُ الَّذِي هو ضِدُّ الجَهْلِ، أيْ هَذا العِلْمُ إنَّما حَصَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والقِراءَةُ الثّالِثَةُ: ومِن عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتابُ بِضَمِّ العَيْنِ وبِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ المِيمِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما ذَكَرْناهُ، وكانَ لا مَعْنى لِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى نُبُوَّتِهِ إلّا إظْهارُ القُرْآنِ عَلى وفْقِ دَعْواهُ، ولا يُعْلَمُ كَوْنُ القُرْآنِ مُعْجِزًا إلّا بَعْدَ الإحاطَةِ بِما في القُرْآنِ وأسْرارِهِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا العِلْمَ لا يَحْصُلُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، والمَعْنى: أنَّ الوُقُوفَ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا لا يَحْصُلُ إلّا إذا شَرَّفَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ العَبْدَ بِأنْ يُعَلِّمَهُ عِلْمَ القُرْآنِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ. تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الأحَدِ الثّامِنَ عَشَرَ مِن شَعْبانَ سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، وأنا ألْتَمِسُ مِن كُلِّ مَن نَظَرَ كِتابِي هَذا وانْتَفَعَ بِهِ أنْ يَخُصَّ ولَدِي مُحَمَّدًا بِالرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، وأنْ يَذْكُرَنِي بِالدُّعاءِ. وأقُولُ في مَرْثِيَّةِ ذَلِكَ الوَلَدِ شِعْرًا: أرى مَعالِمَ هَذا العالَمِ الفانِي مَمْزُوجَةً بِمَخافاتٍ وأحْزانِ خَيْراتُهُ مِثْلُ أحْلامٍ مُفَزِّعَةٍ ∗∗∗ وشَرُّهُ في البَرايا دائِمٌ دانِي

إبراهيم 14:1

صفحة ٥٧ [ سُورَةُ إبْراهِيمَ ] مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْ ٢٨ و٢٩ فَمَدَنِيَّتانِ وآياتُها ٥٢ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ نُوحٍ ﷽ ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ . ﷽ ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ طَرِيقُهُ الآحادُ. ومَتى لَمْ يَكُنْ في السُّورَةِ ما يَتَّصِلُ بِالأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَنُزُولُها بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ سَواءٌ، وإنَّما يَخْتَلِفُ الغَرَضُ في ذَلِكَ إذا حَصَلَ فِيهِ ناسِخٌ ومَنسُوخٌ فَيَكُونُ فِيهِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿الر كِتابٌ﴾ مَعْناهُ أنَّ السُّورَةَ المُسَمّاةَ بِـ الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِغَرَضِ كَذا وكَذا، فَقَوْلُهُ: ﴿الر﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرُهُ وقَوْلُهُ: ﴿أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ صِفَةٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: النّازِلُ والمُنْزَلُ لا يَكُونُ قَدِيمًا. وجَوابُنا: أنَّ المَوْصُوفَ بِالنّازِلِ والمُنْزَلِ هو هَذِهِ الحُرُوفُ وهي مُحْدَثَةٌ بِلا نِزاعٍ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ لامُ الغَرَضِ والحِكْمَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا الكِتابَ لِهَذا الغَرَضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِرِعايَةِ المَصالِحِ. أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِأجْلِ شَيْءٍ آخَرَ، فَهَذا إنَّما يَفْعَلُهُ لَوْ كانَ عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ هَذا المَقْصُودِ إلّا بِهَذِهِ الواسِطَةِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وإذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعْلِيلُ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ بِالعِلَلِ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ظاهِرٍ أشْعَرَ بِهِ، فَإنَّهُ مُؤَوَّلٌ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنًى آخَرَ. صفحة ٥٨ المسألة الثّالِثَةُ: إنَّما شَبَّهَ الكُفْرَ بِالظُّلُماتِ لِأنَّهُ نِهايَةُ ما يَتَحَيَّرُ الرَّجُلُ فِيهِ عَنْ طَرِيقِ الهِدايَةِ، وشَبَّهَ الإيمانَ بِالنُّورِ؛ لِأنَّهُ ما يَنْجَلِي بِهِ طَرِيقُ هِدايَتِهِ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ فِيها دَلالَةٌ عَلى إبْطالِ القَوْلِ بِالجَبْرِ مِن جِهاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ فَكَيْفَ يَصِحُّ إخْراجُهُ مِنهُ بِالكِتابِ؟ وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أضافَ الإخْراجَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَإنْ كانَ خالِقُ ذَلِكَ الكُفْرِ هو اللَّهَ تَعالى فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إخْراجُهم مِنهُ، وكانَ لِلْكافِرِ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الكُفْرَ فِينا، فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنكَ أنْ تُخْرِجَنا مِنهُ؟ فَإنْ قالَ لَهم: أنا أُخْرِجُكم مِنَ الظُّلُماتِ الَّتِي هي كُفْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا واقِعٌ، فَلَهم أنْ يَقُولُوا: إنْ كانَ تَعالى سَيَخْلُقُهُ فِينا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ الإخْراجُ، وإنْ لَمْ يَخْلُقْهُ فَنَحْنُ خارِجُونَ مِنهُ بِلا إخْراجٍ. وثالِثُها: أنَّهُ ﷺ إنَّما يُخْرِجُهم مِنَ الكُفْرِ بِالكِتابِ بِأنْ يَتْلُوَهُ عَلَيْهِمْ لِيَتَدَبَّرُوهُ ويَنْظُرُوا فِيهِ فَيَعْلَمُوا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا قادِرًا حَكِيمًا ويَعْلَمُوا بِكَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزَةَ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، وحِينَئِذٍ يَقْبَلُوا مِنهُ كُلَّ ما أدّاهُ إلَيْهِمْ مِنَ الشَّرائِعِ، وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا إذا كانَ الفِعْلُ لَهم ويَقَعُ بِاخْتِيارِهِمْ، ويَصِحُّ مِنهم أنْ يُقْدِمُوا عَلَيْهِ ويَتَصَرَّفُوا فِيهِ. والجَوابُ عَنِ الكُلِّ أنْ نَقُولَ: الفِعْلُ الصّادِرُ مِنَ العَبْدِ إمّا أنْ يَصْدُرَ عَنْهُ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي إلى الفِعْلِ والتَّرْكِ، أوْ حالَ رُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ، والأوَّلُ باطِلُ؛ لِأنَّ صُدُورَ الفِعْلِ رُجْحانٌ لِجانِبِ الوُجُودِ عَلى جانِبِ العَدَمِ، وحُصُولُ الرُّجْحانِ حالَ حُصُولِ الِاسْتِواءِ مُحالٌ. والثّانِي: عُيِّنَ قَوْلُنا لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ صُدُورُ الفِعْلِ عَنْهُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الرُّجْحانِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الرُّجْحانُ مِنهُ عادَ السُّؤالُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المُؤَثِّرُ الأوَّلُ هو اللَّهُ تَعالى وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ فَإنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يُمْكِنُهُ إخْراجُ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلّا بِإذْنِ رَبِّهِمْ، والمُرادُ بِهَذا الإذْنِ إمّا الأمْرُ، وإمّا العِلْمُ، وإمّا المَشِيئَةُ والخَلْقُ، وحَمْلُ الإذْنِ عَلى الأمْرِ مُحالٌ، لِأنَّ الإخْراجَ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى الأمْرِ، فَإنَّهُ سَواءٌ حَصَلَ الأمْرُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَإنَّ الجَهْلَ مُتَمَيِّزٌ عَنِ العِلْمِ والباطِلَ مُتَمَيِّزٌ عَنِ الحَقِّ، وأيْضًا حَمْلُ الإذْنِ عَلى العِلْمِ مُحالٌ؛ لِأنَّ العِلْمَ يَتْبَعُ المَعْلُومَ عَلى ما هو عَلَيْهِ فالعِلْمُ بِالخُرُوجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ تابِعٌ لِذَلِكَ الخُرُوجِ ويَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ إنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الخُرُوجِ تابِعٌ لِلْعِلْمِ بِحُصُولِ ذَلِكَ الخُرُوجِ ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإذْنِ المَشِيئَةَ والتَّخْلِيقَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يُمْكِنُهُ إخْراجُ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَخْلِيقِهِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإذْنِ الإلْطافَ؟ قُلْنا: لَفْظُ اللُّطْفِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ ونَحْنُ نُفَصِّلُ القَوْلَ فِيهِ، فَنَقُولُ: المُرادُ بِالإذْنِ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ جانِبِ الوُجُودِ عَلى جانِبِ العَدَمِ، أوْ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الثّانِيَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أمْرٌ البَتَّةَ، فامْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِمّا حَصَلَ بِسَبَبِهِ ولِأجْلِهِ فَبَقِيَ الأوَّلُ، وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الإذْنِ مَعْنًى يَقْتَضِي تَرْجِيحَ جانِبِ الوُجُودِ عَلى جانِبِ العَدَمِ، وقَدْ دَلَّلْنا في ”الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ“ عَلى أنَّهُ مَتى حَصَلَ الرُّجْحانُ، فَقَدْ حَصَلَ الوُجُوبُ ولا مَعْنى لِذَلِكَ إلّا الدّاعِيَةُ المُوجِبَةُ، وهو عَيْنُ قَوْلِنا، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * صفحة ٥٩ المسألة السّادِسَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُها إلّا مِن تَعْلِيمِ الرَّسُولِ ﷺ والإمامِ، احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ الرَّسُولَ هو الَّذِي يُخْرِجُهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَحْصُلُ إلّا مِن طَرِيقِ التَّعْلِيمِ. وجَوابُنا: أنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَكُونُ كالمُنَبِّهِ، وأمّا المَعْرِفَةُ فَهي إنَّما تَحْصُلُ بِالدَّلِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة السّابِعَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ طُرُقَ الكُفْرِ والبِدْعَةِ كَثِيرَةٌ، وأنَّ طَرِيقَ الخَيْرِ لَيْسَ إلّا الواحِدَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ فَعَبَّرَ عَنِ الجَهْلِ والكُفْرِ بِالظُّلُماتِ وهي صِيغَةُ جَمْعٍ، وعَبَّرَ عَنِ الإيمانِ والهِدايَةِ بِالنُّورِ وهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طُرُقَ الجَهْلِ كَثِيرَةٌ، وأمّا طَرِيقُ العِلْمِ والإيمانِ فَلَيْسَ إلّا الواحِدَ. المسألة الثّامِنَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ إلى النُّورِ بِتَكْرِيرِ العامِلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ . [الأعْرافِ: ٧٥] . الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلى أيِّ نُورٍ؟ فَقِيلَ: ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ . * * * المسألة التّاسِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الفاعِلُ إنَّما يَكُونُ آتِيًا بِالصَّوابِ والصَّلاحِ، تارِكًا لِلْقَبِيحِ والعَبَثِ إذا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الكُلِّ فَرُبَّما فَعَلَ القَبِيحَ بِسَبَبِ العَجْزِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَرُبَّما فَعَلَ القَبِيحَ بِسَبَبِ الجَهْلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ فَرُبَّما فَعَلَ القَبِيحَ بِسَبَبِ الحاجَةِ، أمّا إذا كانَ قادِرًا عَلى الكُلِّ عالِمًا بِالكُلِّ غَنِيًّا عَنِ الكُلِّ امْتَنَعَ مِنهُ الإقْدامُ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ، فَقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿الحَمِيدِ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ في كُلِّ أفْعالِهِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَ عالِمًا بِالكُلِّ غَنِيًّا عَنِ الكُلِّ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ صِراطَ اللَّهِ إنَّما كانَ مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ شَرِيفًا رَفِيعًا عالِيًا لِكَوْنِهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا لِلْإلَهِ المَوْصُوفِ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا حَمِيدًا، فَلِهَذا المَعْنى: وصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ في هَذا المَقامِ. المسألة العاشِرَةُ: إنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ العَزِيزِ عَلى ذِكْرِ الحَمِيدِ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ العِلْمُ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ الحاجاتِ، والعَزِيزُ هو القادِرُ، والحَمِيدُ هو العالِمُ الغَنِيُّ، فَلَمّا كانَ العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا مُتَقَدِّمًا عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِالكُلِّ غَنِيًّا عَنِ الكُلِّ لا جَرَمَ قَدَّمَ اللَّهُ ذِكْرَ العَزِيزِ عَلى ذِكْرِ الحَمِيدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ . صفحة ٦٠ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ [اللَّهُ] مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: هو اللَّهُ، والباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ وهاهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ جَماعَةً مِنَ المُحَقِّقِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ قَوْلَنا ”اللَّهُ“ جارٍ مَجْرى الِاسْمِ العَلَمِ لِذاتِ اللَّهِ تَعالى، وذَهَبَ قَوْمٌ آخَرُونَ إلى أنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَقٌّ، والحَقُّ عِنْدَنا هو الأوَّلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الِاسْمَ المُشْتَقَّ عِبارَةٌ عَنْ شَيْءٍ ما حَصَلَ لَهُ المُشْتَقُّ مِنهُ، فالأسْوَدُ مَفْهُومُهُ شَيْءٌ ما حَصَلَ لَهُ السَّوادُ، والنّاطِقُ مَفْهُومُهُ شَيْءٌ ما حَصَلَ لَهُ النُّطْقُ، فَلَوْ كانَ قَوْلُنا اللَّهُ اسْمًا مُشْتَقًّا مِن مَعْنًى، لَكانَ المَفْهُومُ مِنهُ أنَّهُ شَيْءٌ ما حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ المُشْتَقُّ مِنهُ، وهَذا المَفْهُومُ كُلِّيٌّ لا يَمْتَنِعُ مِن حَيْثُ هو هو عَنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، فَلَوْ كانَ قَوْلُنا اللَّهُ لَفْظًا مُشْتَقًّا لَكانَ مَفْهُومُهُ صالِحًا لِوُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ قَوْلُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُوجِبًا لِلتَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى هو قَوْلُنا: اللَّهُ وهو غَيْرُ مانِعٍ مِن وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، ولَمّا اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ قَوْلَنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يُوجِبُ التَّوْحِيدَ المَحْضَ، عَلِمْنا أنَّ قَوْلَنا اللَّهُ جارٍ مَجْرى الِاسْمِ العَلَمِ. الثّانِي: أنَّهُ كُلَّما أرَدْنا أنْ نَذْكُرَ سائِرَ الصِّفاتِ والأسْماءِ ذَكَرْنا أوَّلًا قَوْلَنا: اللَّهُ، ثُمَّ وصَفْناهُ بِسائِرِ الصِّفاتِ، كَقَوْلِنا هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ، ولا يُمْكِنُنا أنْ نَعْكِسَ الأمْرَ، فَنَقُولُ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اللَّهُ، فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ هو اسْمُ عَلَمٍ لِلَّذّاتِ المَخْصُوصَةِ، وسائِرُ الألْفاظِ دالَّةٌ عَلى الصِّفاتِ والنُّعُوتِ. الثّالِثُ: أنَّ ما سِوى قَوْلِنا اللَّهُ كُلُّها دالَّةٌ، إمّا عَلى الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، كَقَوْلِنا: القُدُّوسُ السَّلامُ، أوْ عَلى الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ، كَقَوْلِنا الخالِقُ الرّازِقُ أوْ عَلى الصِّفاتِ الحَقِيقِيَّةِ، كَقَوْلِنا: العالِمُ القادِرُ، أوْ عَلى ما يَتَرَكَّبُ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُنا: اللَّهُ اسْمًا لِلَّذّاتِ المَخْصُوصَةِ لَكانَ جَمِيعُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ألْفاظًا دالَّةً عَلى صِفاتِهِ، ولَمْ يَحْصُلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ وذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو اسْمٌ مَخْصُوصٌ. والرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٥] والمُرادُ هَلْ تَعْلَمُ مَنِ اسْمُهُ اللَّهُ غَيْرَ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَنا ”اللَّهُ“ اسْمٌ لِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وإذا ظَهَرَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ، فالتَّرْتِيبُ الحَسَنُ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ الصِّفاتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٤] فَأمّا أنْ يُعْكَسَ فَيُقالَ: هو الخالِقُ المُصَوِّرُ البارِئُ اللَّهُ، فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الَّذِينَ قَرَءُوا: (اللَّهُ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ ) بِالرَّفْعِ أرادُوا أنْ يَجْعَلُوا قَوْلَهُ: (اللَّهُ) مُبْتَدَأً ويَجْعَلُوا ما بَعْدَهُ خَبَرًا عَنْهُ، وهَذا هو الحَقُّ الصَّحِيحُ، فَأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا: ﴿اللَّهِ﴾ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ فَهو مُشْكِلٌ لِما بَيَّنّا أنَّ التَّرْتِيبَ الحَسَنَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ الخالِقُ، وأمّا أنْ يُقالَ: الخالِقُ اللَّهُ فَهَذا لا يَحْسُنُ، وعِنْدَ هَذا اخْتَلَفُوا في الجَوابِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: القِراءَةُ بِالخَفْضِ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: صِراطِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ. والثّانِي: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَذْكُرَ الصِّفَةَ أوَّلًا، ثُمَّ يَذْكُرَ الِاسْمَ ثُمَّ يَذْكُرَ الصِّفَةَ مَرَّةً أُخْرى، كَما يُقالُ: مَرَرْتُ بِالإمامِ الأجَلِّ مُحَمَّدٍ الفَقِيهِ، وهو بِعَيْنِهِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنّا بَيَّنّا أنَّ الصِّراطَ إنَّما يَكُونُ مَمْدُوحًا مَحْمُودًا إذا كانَ صِراطًا لِلْعالِمِ القادِرِ الغَنِيِّ، واللَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هَذا المَعْنى وقَعَتِ الشُّبْهَةُ في أنَّ ذَلِكَ العَزِيزَ مَن هُوَ؟ فَعَطَفَ عَلَيْها قَوْلَهُ: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إزالَةً لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ. الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اللَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِلْعَزِيزِ الحَمِيدِ، وتَحْقِيقُ هَذا القَوْلِ ما قَرَّرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ. الرّابِعُ: قَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ هَذا الكِتابِ أنَّ قَوْلَنا: اللَّهُ صفحة ٦١ فِي أصْلِ الوَضْعِ مُشْتَقٌّ، إلّا أنَّهُ بِالعُرْفِ صارَ جارِيًا مَجْرى الِاسْمِ العَلَمِ، فَحَيْثُ يُبْدَأُ بِذِكْرِهِ ويُعْطَفُ عَلَيْهِ سائِرُ الصِّفاتِ، فَذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهُ جُعِلَ اسْمَ عَلَمٍ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ جُعِلَ وصْفًا لِلْعَزِيزِ الحَمِيدِ، فَذاكَ لِأجْلِ أنَّهُ حُمِلَ عَلى كَوْنِهِ لَفْظًا مُشْتَقًّا فَلا جَرَمَ بَقِيَ صِفَةً. الخامِسُ: أنَّ الكُفّارَ رُبَّما وصَفُوا الوَثَنَ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا حَمِيدًا، فَلَمّا قالَ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ بَقِيَ في خاطِرِ عَبَدَةِ الأوْثانِ أنَّهُ رُبَّما كانَ ذَلِكَ العَزِيزُ الحَمِيدُ هو الوَثَنَ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشُّبْهَةَ، وقالَ: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيِ المُرادُ مِن ذَلِكَ العَزِيزِ الحَمِيدِ هو اللَّهُ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِجِهَةِ العُلُوِّ البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ وعَلاكَ فَهو سَماءٌ، فَلَوْ حَصَلَ ذاتُ اللَّهِ تَعالى في جِهَةِ فَوْقُ، لَكانَ حاصِلًا في السَّماءِ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ فَهو مِلْكُهُ، فَلَزِمَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحُصُولِ في جِهَةِ فَوْقُ. المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى خالِقٌ لِأعْمالِ العِبادِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وأعْمالُ العِبادِ حاصِلَةٌ في السَّماواتِ والأرْضِ فَوَجَبَ القَوْلُ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ لَهُ بِمَعْنى كَوْنِها مَمْلُوكَةً لَهُ، والمِلْكُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ فَوَجَبَ كَوْنُها مَقْدُورَةً لِلَّهِ تَعالى، وإذا ثَبَتَ أنَّها مَقْدُورَةٌ لِلَّهِ تَعالى وجَبَ وُقُوعُها بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وإلّا لَكانَ العَبْدُ قَدْ مَنَعَ اللَّهَ تَعالى مِن إيقاعِ مَقْدُورِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والمَعْنى أنَّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مالِكَ إلّا اللَّهُ ولا حاكِمَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ عَطَفَ عَلى الكُفّارِ بِالوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ والمَعْنى: أنَّهم لَمّا تَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو المالِكُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ ولِكُلِّ ما فِيهِما إلى عِبادَةِ ما لا يَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا ويُخْلَقُ ولا يَخْلُقُ، ولا إدْراكَ لَها ولا فِعْلَ، فالوَيْلُ ثُمَّ الوَيْلُ لِمَن كانَ كَذَلِكَ، وإنَّما خُصَّ هَؤُلاءِ بِالوَيْلِ؛ لِأنَّ المَعْنى: يُوَلْوِلُونَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ ويَصِيحُونَ مِنهُ ويَقُولُونَ يا ويْلاهُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفُرْقانِ: ١٣] . * * * ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى صِفَةَ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ الَّذِينَ تَوَعَّدَهم بِالوَيْلِ الَّذِي يُفِيدُ أعْظَمَ العَذابِ وذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ ثَلاثَةَ أنْواعٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”الَّذِينَ“ صِفَةَ الكافِرِينَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً وجَعَلْتَ الخَبَرَ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى الذَّمِّ. المسألة الثّانِيَةُ: الِاسْتِحْبابُ طَلَبُ مُحِبَّةِ الشَّيْءِ، وأقُولُ: إنَّ الإنْسانَ قَدْ يُحِبُّ الشَّيْءَ ولَكِنَّهُ لا يُحِبُّ كَوْنَهُ مُحِبًّا لِذَلِكَ الشَّيْءِ، مِثْلَ مَن يَمِيلُ طَبْعُهُ إلى الفِسْقِ والفُجُورِ، ولَكِنَّهُ يَكْرَهُ كَوْنَهُ مُحِبًّا لَهُما، أمّا إذا أحَبَّ الشَّيْءَ وطَلَبَ كَوْنَهُ مُحِبًّا لَهُ، وأحَبَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ، فَهَذا هو نِهايَةُ المَحَبَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ في نِهايَةِ المَحَبَّةِ لِلْحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ولا يَكُونُ الإنْسانُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ غافِلًا عَنِ الحَياةِ الأُخْرَوِيَّةِ، وعَنْ مَعايِبِ هَذِهِ الحَياةِ العاجِلَةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ في نِهايَةِ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ مَوْصُوفَةٌ بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُيُوبِ: فَأحَدُها: أنَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الحَياةِ انْفَتَحَتْ أبْوابُ الآلامِ والأسْقامِ صفحة ٦٢ والغُمُومِ والهُمُومِ والمَخاوِفِ والأحْزانِ. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ في الحَقِيقَةِ لا حاصِلَ لَها إلّا دَفْعُ الآلامِ، بِخِلافِ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإنَّها في أنْفُسِها لَذّاتٌ وسَعاداتٌ. وثالِثُها: أنَّ سَعاداتِ هَذِهِ الحَياةِ مُنَغَّصَةٌ بِسَبَبِ الِانْقِطاعِ والِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ. ورابِعُها: أنَّها حَقِيرَةٌ قَلِيلَةٌ، وبِالجُمْلَةِ فَلا يُحِبُّ هَذِهِ الحَياةَ إلّا مَن كانَ غافِلًا عَنْ مَعايِبِها وكانَ غافِلًا عَنْ فَضائِلِ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ الأُخْرَوِيَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعْلى: ١٧] فَهَذِهِ الكَلِمَةُ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما ذَكَرْناهُ. * * * المسألة الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ لِأنَّ فِيهِ إضْمارًا، والتَّقْدِيرُ: يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا ويُؤْثِرُونَها عَلى الآخِرَةِ، فَجَمَعَ تَعالى بَيْنَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ الِاسْتِحْبابَ لِلدُّنْيا وحْدَهُ لا يَكُونُ مَذْمُومًا إلّا بَعْدَ أنْ يُضافَ إلَيْهِ إيثارُها عَلى الآخِرَةِ، فَأمّا مَن أحَبَّها لِيَصِلَ بِها إلى مَنافِعِ النَّفْسِ وإلى خَيْراتِ الآخِرَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ مَذْمُومًا حَتّى إذا آثَرَها عَلى آخِرَتِهِ بِأنِ اخْتارَ مِنها ما يَضُرُّهُ في آخِرَتِهِ، فَهَذِهِ المَحَبَّةُ هي المَحَبَّةُ المَذْمُومَةُ. النوع الثّانِي: مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ الكُفّارَ بِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِاسْتِحْبابِ الدُّنْيا فَهو ضالٌّ، ومَن مَنَعَ الغَيْرَ مِنَ الوُصُولِ إلى سَبِيلِ اللَّهِ ودِينِهِ فَهو مُضِلٌّ، فالمَرْتَبَةُ الأُولى إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ ضالِّينَ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ وهي كَوْنُهم صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ مُضِلِّينَ. والنوع الثّالِثُ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ قَوْلُهُ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الإضْلالَ عَلى مَرْتَبَتَيْنِ: المَرْتَبَةُ الأُولى: أنَّهُ يَسْعى في صَدِّ الغَيْرِ ومَنعِهِ مِنَ الوُصُولِ إلى المَنهَجِ القَوِيمِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَسْعى في إلْقاءِ الشُّكُوكِ والشُّبَهاتِ في المَذْهَبِ الحَقِّ، ويُحاوِلَ تَقْبِيحَ صِفَتِهِ بِكُلِّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الحِيَلِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في الضَّلالِ والإضْلالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأصْلُ في الكَلامِ أنْ يُقالَ: ويَبْغُونَ لَها عِوَجًا، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ لِأحْوالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ قالَ في صِفَتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ] وإنَّما وُصِفَ هَذا الضَّلالُ بِالبُعْدِ لِوُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ أقْصى مَراتِبِ الضَّلالِ هو الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ المَرْتَبَةِ، فَهَذِهِ المَرْتَبَةُ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، فَإنَّ شَرْطَ الضِّدَّيْنِ أنْ يَكُونا في غايَةِ التَّباعُدِ، مِثْلَ السَّوادِ والبَياضِ، فَكَذا هاهُنا الضَّلالُ الَّذِي يَكُونُ واقِعًا عَلى هَذا الوجه يَكُونُ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الحَقِّ، فَإنَّهُ لا يُعْقَلُ ضَلالٌ أقْوى وأكْمَلُ مِن هَذا الضَّلالِ. والوجه الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ يَبْعُدَ رَدُّهم عَنْ طَرِيقَةِ الضَّلالِ إلى الهُدى؛ لِأنَّهُ قَدْ تَمَكَّنَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ. والوجه الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الضَّلالِ الهَلاكَ، والتَّقْدِيرُ: أُولَئِكَ في هَلاكٍ يَطُولُ عَلَيْهِمْ فَلا يَنْقَطِعُ، وأرادَ بِالبُعْدِ امْتِدادَهُ وزَوالَ انْقِطاعِهِ.

إبراهيم 14:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ . صفحة ٦٠ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ [اللَّهُ] مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: هو اللَّهُ، والباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ وهاهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ جَماعَةً مِنَ المُحَقِّقِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ قَوْلَنا ”اللَّهُ“ جارٍ مَجْرى الِاسْمِ العَلَمِ لِذاتِ اللَّهِ تَعالى، وذَهَبَ قَوْمٌ آخَرُونَ إلى أنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَقٌّ، والحَقُّ عِنْدَنا هو الأوَّلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الِاسْمَ المُشْتَقَّ عِبارَةٌ عَنْ شَيْءٍ ما حَصَلَ لَهُ المُشْتَقُّ مِنهُ، فالأسْوَدُ مَفْهُومُهُ شَيْءٌ ما حَصَلَ لَهُ السَّوادُ، والنّاطِقُ مَفْهُومُهُ شَيْءٌ ما حَصَلَ لَهُ النُّطْقُ، فَلَوْ كانَ قَوْلُنا اللَّهُ اسْمًا مُشْتَقًّا مِن مَعْنًى، لَكانَ المَفْهُومُ مِنهُ أنَّهُ شَيْءٌ ما حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ المُشْتَقُّ مِنهُ، وهَذا المَفْهُومُ كُلِّيٌّ لا يَمْتَنِعُ مِن حَيْثُ هو هو عَنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، فَلَوْ كانَ قَوْلُنا اللَّهُ لَفْظًا مُشْتَقًّا لَكانَ مَفْهُومُهُ صالِحًا لِوُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ قَوْلُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُوجِبًا لِلتَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى هو قَوْلُنا: اللَّهُ وهو غَيْرُ مانِعٍ مِن وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، ولَمّا اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ قَوْلَنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يُوجِبُ التَّوْحِيدَ المَحْضَ، عَلِمْنا أنَّ قَوْلَنا اللَّهُ جارٍ مَجْرى الِاسْمِ العَلَمِ. الثّانِي: أنَّهُ كُلَّما أرَدْنا أنْ نَذْكُرَ سائِرَ الصِّفاتِ والأسْماءِ ذَكَرْنا أوَّلًا قَوْلَنا: اللَّهُ، ثُمَّ وصَفْناهُ بِسائِرِ الصِّفاتِ، كَقَوْلِنا هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ، ولا يُمْكِنُنا أنْ نَعْكِسَ الأمْرَ، فَنَقُولُ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اللَّهُ، فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ هو اسْمُ عَلَمٍ لِلَّذّاتِ المَخْصُوصَةِ، وسائِرُ الألْفاظِ دالَّةٌ عَلى الصِّفاتِ والنُّعُوتِ. الثّالِثُ: أنَّ ما سِوى قَوْلِنا اللَّهُ كُلُّها دالَّةٌ، إمّا عَلى الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، كَقَوْلِنا: القُدُّوسُ السَّلامُ، أوْ عَلى الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ، كَقَوْلِنا الخالِقُ الرّازِقُ أوْ عَلى الصِّفاتِ الحَقِيقِيَّةِ، كَقَوْلِنا: العالِمُ القادِرُ، أوْ عَلى ما يَتَرَكَّبُ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُنا: اللَّهُ اسْمًا لِلَّذّاتِ المَخْصُوصَةِ لَكانَ جَمِيعُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ألْفاظًا دالَّةً عَلى صِفاتِهِ، ولَمْ يَحْصُلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ وذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو اسْمٌ مَخْصُوصٌ. والرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٥] والمُرادُ هَلْ تَعْلَمُ مَنِ اسْمُهُ اللَّهُ غَيْرَ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَنا ”اللَّهُ“ اسْمٌ لِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وإذا ظَهَرَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ، فالتَّرْتِيبُ الحَسَنُ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ الصِّفاتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٤] فَأمّا أنْ يُعْكَسَ فَيُقالَ: هو الخالِقُ المُصَوِّرُ البارِئُ اللَّهُ، فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الَّذِينَ قَرَءُوا: (اللَّهُ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ ) بِالرَّفْعِ أرادُوا أنْ يَجْعَلُوا قَوْلَهُ: (اللَّهُ) مُبْتَدَأً ويَجْعَلُوا ما بَعْدَهُ خَبَرًا عَنْهُ، وهَذا هو الحَقُّ الصَّحِيحُ، فَأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا: ﴿اللَّهِ﴾ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ فَهو مُشْكِلٌ لِما بَيَّنّا أنَّ التَّرْتِيبَ الحَسَنَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ الخالِقُ، وأمّا أنْ يُقالَ: الخالِقُ اللَّهُ فَهَذا لا يَحْسُنُ، وعِنْدَ هَذا اخْتَلَفُوا في الجَوابِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: القِراءَةُ بِالخَفْضِ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: صِراطِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ. والثّانِي: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَذْكُرَ الصِّفَةَ أوَّلًا، ثُمَّ يَذْكُرَ الِاسْمَ ثُمَّ يَذْكُرَ الصِّفَةَ مَرَّةً أُخْرى، كَما يُقالُ: مَرَرْتُ بِالإمامِ الأجَلِّ مُحَمَّدٍ الفَقِيهِ، وهو بِعَيْنِهِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنّا بَيَّنّا أنَّ الصِّراطَ إنَّما يَكُونُ مَمْدُوحًا مَحْمُودًا إذا كانَ صِراطًا لِلْعالِمِ القادِرِ الغَنِيِّ، واللَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ هَذا المَعْنى وقَعَتِ الشُّبْهَةُ في أنَّ ذَلِكَ العَزِيزَ مَن هُوَ؟ فَعَطَفَ عَلَيْها قَوْلَهُ: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إزالَةً لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ. الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اللَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِلْعَزِيزِ الحَمِيدِ، وتَحْقِيقُ هَذا القَوْلِ ما قَرَّرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ. الرّابِعُ: قَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ هَذا الكِتابِ أنَّ قَوْلَنا: اللَّهُ صفحة ٦١ فِي أصْلِ الوَضْعِ مُشْتَقٌّ، إلّا أنَّهُ بِالعُرْفِ صارَ جارِيًا مَجْرى الِاسْمِ العَلَمِ، فَحَيْثُ يُبْدَأُ بِذِكْرِهِ ويُعْطَفُ عَلَيْهِ سائِرُ الصِّفاتِ، فَذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهُ جُعِلَ اسْمَ عَلَمٍ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ جُعِلَ وصْفًا لِلْعَزِيزِ الحَمِيدِ، فَذاكَ لِأجْلِ أنَّهُ حُمِلَ عَلى كَوْنِهِ لَفْظًا مُشْتَقًّا فَلا جَرَمَ بَقِيَ صِفَةً. الخامِسُ: أنَّ الكُفّارَ رُبَّما وصَفُوا الوَثَنَ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا حَمِيدًا، فَلَمّا قالَ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ بَقِيَ في خاطِرِ عَبَدَةِ الأوْثانِ أنَّهُ رُبَّما كانَ ذَلِكَ العَزِيزُ الحَمِيدُ هو الوَثَنَ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشُّبْهَةَ، وقالَ: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيِ المُرادُ مِن ذَلِكَ العَزِيزِ الحَمِيدِ هو اللَّهُ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِجِهَةِ العُلُوِّ البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ وعَلاكَ فَهو سَماءٌ، فَلَوْ حَصَلَ ذاتُ اللَّهِ تَعالى في جِهَةِ فَوْقُ، لَكانَ حاصِلًا في السَّماءِ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ فَهو مِلْكُهُ، فَلَزِمَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ وهو مُحالٌ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحُصُولِ في جِهَةِ فَوْقُ. المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى خالِقٌ لِأعْمالِ العِبادِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وأعْمالُ العِبادِ حاصِلَةٌ في السَّماواتِ والأرْضِ فَوَجَبَ القَوْلُ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ لَهُ بِمَعْنى كَوْنِها مَمْلُوكَةً لَهُ، والمِلْكُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ فَوَجَبَ كَوْنُها مَقْدُورَةً لِلَّهِ تَعالى، وإذا ثَبَتَ أنَّها مَقْدُورَةٌ لِلَّهِ تَعالى وجَبَ وُقُوعُها بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وإلّا لَكانَ العَبْدُ قَدْ مَنَعَ اللَّهَ تَعالى مِن إيقاعِ مَقْدُورِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والمَعْنى أنَّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مالِكَ إلّا اللَّهُ ولا حاكِمَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ عَطَفَ عَلى الكُفّارِ بِالوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ والمَعْنى: أنَّهم لَمّا تَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو المالِكُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ ولِكُلِّ ما فِيهِما إلى عِبادَةِ ما لا يَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا ويُخْلَقُ ولا يَخْلُقُ، ولا إدْراكَ لَها ولا فِعْلَ، فالوَيْلُ ثُمَّ الوَيْلُ لِمَن كانَ كَذَلِكَ، وإنَّما خُصَّ هَؤُلاءِ بِالوَيْلِ؛ لِأنَّ المَعْنى: يُوَلْوِلُونَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ ويَصِيحُونَ مِنهُ ويَقُولُونَ يا ويْلاهُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفُرْقانِ: ١٣] . * * * ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى صِفَةَ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ الَّذِينَ تَوَعَّدَهم بِالوَيْلِ الَّذِي يُفِيدُ أعْظَمَ العَذابِ وذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ ثَلاثَةَ أنْواعٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”الَّذِينَ“ صِفَةَ الكافِرِينَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً وجَعَلْتَ الخَبَرَ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى الذَّمِّ. المسألة الثّانِيَةُ: الِاسْتِحْبابُ طَلَبُ مُحِبَّةِ الشَّيْءِ، وأقُولُ: إنَّ الإنْسانَ قَدْ يُحِبُّ الشَّيْءَ ولَكِنَّهُ لا يُحِبُّ كَوْنَهُ مُحِبًّا لِذَلِكَ الشَّيْءِ، مِثْلَ مَن يَمِيلُ طَبْعُهُ إلى الفِسْقِ والفُجُورِ، ولَكِنَّهُ يَكْرَهُ كَوْنَهُ مُحِبًّا لَهُما، أمّا إذا أحَبَّ الشَّيْءَ وطَلَبَ كَوْنَهُ مُحِبًّا لَهُ، وأحَبَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ، فَهَذا هو نِهايَةُ المَحَبَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ في نِهايَةِ المَحَبَّةِ لِلْحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ولا يَكُونُ الإنْسانُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ غافِلًا عَنِ الحَياةِ الأُخْرَوِيَّةِ، وعَنْ مَعايِبِ هَذِهِ الحَياةِ العاجِلَةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ في نِهايَةِ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ مَوْصُوفَةٌ بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُيُوبِ: فَأحَدُها: أنَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الحَياةِ انْفَتَحَتْ أبْوابُ الآلامِ والأسْقامِ صفحة ٦٢ والغُمُومِ والهُمُومِ والمَخاوِفِ والأحْزانِ. وثانِيها: أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ في الحَقِيقَةِ لا حاصِلَ لَها إلّا دَفْعُ الآلامِ، بِخِلافِ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإنَّها في أنْفُسِها لَذّاتٌ وسَعاداتٌ. وثالِثُها: أنَّ سَعاداتِ هَذِهِ الحَياةِ مُنَغَّصَةٌ بِسَبَبِ الِانْقِطاعِ والِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ. ورابِعُها: أنَّها حَقِيرَةٌ قَلِيلَةٌ، وبِالجُمْلَةِ فَلا يُحِبُّ هَذِهِ الحَياةَ إلّا مَن كانَ غافِلًا عَنْ مَعايِبِها وكانَ غافِلًا عَنْ فَضائِلِ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ الأُخْرَوِيَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعْلى: ١٧] فَهَذِهِ الكَلِمَةُ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما ذَكَرْناهُ. * * * المسألة الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ لِأنَّ فِيهِ إضْمارًا، والتَّقْدِيرُ: يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا ويُؤْثِرُونَها عَلى الآخِرَةِ، فَجَمَعَ تَعالى بَيْنَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ الِاسْتِحْبابَ لِلدُّنْيا وحْدَهُ لا يَكُونُ مَذْمُومًا إلّا بَعْدَ أنْ يُضافَ إلَيْهِ إيثارُها عَلى الآخِرَةِ، فَأمّا مَن أحَبَّها لِيَصِلَ بِها إلى مَنافِعِ النَّفْسِ وإلى خَيْراتِ الآخِرَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ مَذْمُومًا حَتّى إذا آثَرَها عَلى آخِرَتِهِ بِأنِ اخْتارَ مِنها ما يَضُرُّهُ في آخِرَتِهِ، فَهَذِهِ المَحَبَّةُ هي المَحَبَّةُ المَذْمُومَةُ. النوع الثّانِي: مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ الكُفّارَ بِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِاسْتِحْبابِ الدُّنْيا فَهو ضالٌّ، ومَن مَنَعَ الغَيْرَ مِنَ الوُصُولِ إلى سَبِيلِ اللَّهِ ودِينِهِ فَهو مُضِلٌّ، فالمَرْتَبَةُ الأُولى إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ ضالِّينَ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ وهي كَوْنُهم صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ مُضِلِّينَ. والنوع الثّالِثُ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ قَوْلُهُ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الإضْلالَ عَلى مَرْتَبَتَيْنِ: المَرْتَبَةُ الأُولى: أنَّهُ يَسْعى في صَدِّ الغَيْرِ ومَنعِهِ مِنَ الوُصُولِ إلى المَنهَجِ القَوِيمِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَسْعى في إلْقاءِ الشُّكُوكِ والشُّبَهاتِ في المَذْهَبِ الحَقِّ، ويُحاوِلَ تَقْبِيحَ صِفَتِهِ بِكُلِّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الحِيَلِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في الضَّلالِ والإضْلالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأصْلُ في الكَلامِ أنْ يُقالَ: ويَبْغُونَ لَها عِوَجًا، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ لِأحْوالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ قالَ في صِفَتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ] وإنَّما وُصِفَ هَذا الضَّلالُ بِالبُعْدِ لِوُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ أقْصى مَراتِبِ الضَّلالِ هو الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ المَرْتَبَةِ، فَهَذِهِ المَرْتَبَةُ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، فَإنَّ شَرْطَ الضِّدَّيْنِ أنْ يَكُونا في غايَةِ التَّباعُدِ، مِثْلَ السَّوادِ والبَياضِ، فَكَذا هاهُنا الضَّلالُ الَّذِي يَكُونُ واقِعًا عَلى هَذا الوجه يَكُونُ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الحَقِّ، فَإنَّهُ لا يُعْقَلُ ضَلالٌ أقْوى وأكْمَلُ مِن هَذا الضَّلالِ. والوجه الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ يَبْعُدَ رَدُّهم عَنْ طَرِيقَةِ الضَّلالِ إلى الهُدى؛ لِأنَّهُ قَدْ تَمَكَّنَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ. والوجه الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الضَّلالِ الهَلاكَ، والتَّقْدِيرُ: أُولَئِكَ في هَلاكٍ يَطُولُ عَلَيْهِمْ فَلا يَنْقَطِعُ، وأرادَ بِالبُعْدِ امْتِدادَهُ وزَوالَ انْقِطاعِهِ.

إبراهيم 14:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ كانَ هَذا إنْعامًا عَلى الرَّسُولِ مِن حَيْثُ إنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ هَذا المَنصِبَ العَظِيمَ، وإنْعامًا أيْضًا عَلى الخَلْقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَن خَلَّصَهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ وأرْشَدَهم إلى نُورِ الإيمانِ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَجْرِي مَجْرى تَكْمِيلِ النِّعْمَةِ والإحْسانِ في الوجه يْنِ. أمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ كانُوا مَبْعُوثِينَ إلى قَوْمِهِمْ خاصَّةً، وأمّا أنْتَ يا مُحَمَّدُ فَمَبْعُوثٌ إلى عامَّةِ الخَلْقِ، فَكانَ هَذا الإنْعامُ في حَقِّكَ أفْضَلَ وأكْمَلَ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى عامَّةِ الخَلْقِ، فَهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ ما بَعَثَ رَسُولًا إلى قَوْمٍ إلّا بِلِسانِ أُولَئِكَ القَوْمِ، فَإنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ فَهْمُهم لِأسْرارِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ ووُقُوفُهم عَلى حَقائِقِها أسْهَلَ، وعَنِ الغَلَطِ والخَطَأِ أبْعَدَ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللُّغاتِ اصْطِلاحِيَّةٌ لا تَوْقِيفِيَّةٌ، قالَ: لِأنَّ التَّوْقِيفَ لا يَحْصُلُ إلّا بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ إرْسالَ جَمِيعِ الرُّسُلِ لا يَكُونُ إلّا بِلُغَةِ قَوْمِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ حُصُولِ اللُّغاتِ عَلى إرْسالِ الرُّسُلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حُصُولُ تِلْكَ اللُّغاتِ بِالتَّوْقِيفِ، فَوَجَبَ حُصُولُها بِالِاصْطِلاحِ. * * * المسألة الثّالِثَةُ: زَعَمَ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُمُ العِيسَوِيَّةُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَكِنْ إلى العَرَبِ لا إلى سائِرِ الطَّوائِفِ، وتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ نازِلًا بِلُغَةِ العَرَبِ لَمْ يَعْرِفْ كَوْنَهُ مُعْجِزَةً بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الفَصاحَةِ إلّا العَرَبُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ القُرْآنُ حُجَّةً إلّا عَلى العَرَبِ، ومَن لا يَكُونُ عَرَبِيًّا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ حُجَّةً عَلَيْهِ. الثّانِي: قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ المُرادُ بِذَلِكَ اللِّسانِ لِسانُ العَرَبِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَوْمٌ سِوى العَرَبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى العَرَبِ فَقَطْ. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿قَوْمِهِ﴾ أهْلَ بَلَدِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِن ﴿قَوْمِهِ﴾ أهْلَ دَعْوَتِهِ، والدَّلِيلُ عَلى عُمُومِ الدَّعْوَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعْرافِ: ١٥٨] بَلْ إلى الثِّقْلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّحَدِّيَ كَما وقَعَ مَعَ الإنْسِ فَقَدْ وقَعَ مَعَ الجِنِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسْراءِ: ٨٨]. * * * المسألة الرّابِعَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ عَلى أنَّ الضَّلالَ والهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والآيَةُ صَرِيحَةٌ في هَذا المَعْنى، قالَ الأصْحابُ: ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى ما رُوِيَ «أنَّ صفحة ٦٤ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ أقْبَلا في جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ وقَدِ ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”ما هَذا؟“ فَقالَ بَعْضُهم: يا رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ أبُو بَكْرٍ: الحَسَناتُ مِنَ اللَّهِ والسَّيِّئاتُ مِن أنْفُسِنا، ويَقُولُ عُمَرُ كِلاهُما مِنَ اللَّهِ، وتَبِعَ بَعْضُهم أبا بَكْرٍ وبَعْضُهم عُمَرَ، فَتَعَرَّفَ الرَّسُولُ ﷺ ما قالَهُ أبُو بَكْرٍ، وأعْرَضَ عَنْهُ حَتّى عُرِفَ ذَلِكَ في وجْهِهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى عُمَرَ فَتَعَرَّفَ ما قالَهُ وعُرِفَ البِشْرُ في وجْهِهِ، ثم قال: ”أقْضِي بَيْنَكُما كَما قَضى بِهِ إسْرافِيلُ بَيْنَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، قالَ جِبْرِيلُ مِثْلَ مَقالَتِكَ يا عُمَرُ، وقالَ مِيكائِيلُ مِثْلَ مَقالَتِكَ يا أبا بَكْرٍ، فَقَضاءُ إسْرافِيلَ أنَّ القَدَرَ كُلَّهُ خَيْرَهُ وشَرَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا قَضائِي بَيْنَكُما» “. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ والمَعْنى: أنّا إنَّما أرْسَلْنا كُلَّ رَسُولٍ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم تِلْكَ التَّكالِيفَ بِلِسانِهِمْ، فَيَكُونَ إدْراكُهم لِذَلِكَ البَيانِ أسْهَلَ ووُقُوفُهم عَلى المَقْصُودِ والغَرَضِ أكْمَلَ، وهَذا الكَلامُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ مَقْصُودُ اللَّهِ تَعالى مِن إرْسالِ الرُّسُلِ حُصُولَ الإيمانِ لِلْمُكَلَّفِينَ، فَأمّا لَوْ كانَ مَقْصُودُهُ الإضْلالَ وخَلْقَ الكُفْرِ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الكَلامُ مُلائِمًا لِهَذا المَقْصُودِ. والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا قالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الكُفْرَ والضَّلالَ فِيكم، فَلَهم أنْ يَقُولُوا لَهُ: فَما الفائِدَةُ في بَيانِكَ، وما المَقْصُودُ مِن إرْسالِكَ، وهَلْ يُمْكِنُنا أنْ نُزِيلَ كُفْرًا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى فِينا عَنْ أنْفُسِنا؟ وحِينَئِذٍ تَبْطُلُ دَعْوَةُ النُّبُوَّةِ وتَفْسُدُ بِعْثَةُ الرُّسُلِ. الثّالِثُ: أنَّهُ إذا كانَ الكُفْرُ حاصِلًا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الرِّضا بِهِ واجِبًا؛ لِأنَّ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. والرّابِعُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِ العَدْلِ، وأيْضًا مُؤَخِّرَةُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُ حَكِيمًا مَن كانَ خالِقًا لِلْكُفْرِ والقَبائِحِ ومُرِيدًا لَها؟ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الكُفْرَ في العَبْدِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ. وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ما في هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦] ولا بَأْسَ بِإعادَةِ بَعْضِها: فالأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالإضْلالِ: هو الحكم بِكَوْنِهِ كافِرًا ضالًّا، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُكَفِّرُ فُلانًا ويُضَلِّلُهُ، أيْ يَحْكُمُ بِكَوْنِهِ كافِرًا ضالًّا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ الإضْلالُ عِبارَةً عَنِ الذَّهابِ بِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ إلى النّارِ، والهِدايَةُ عِبارَةً عَنْ إرْشادِهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ. والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا تَرَكَ الضّالَّ عَلى إضْلالِهِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ صارَ كَأنَّهُ أضَلَّهُ، والمُهْتَدِي لَمّا أعانَهُ بِالألْطافِ صارَ كَأنَّهُ هو الَّذِي هَداهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المُرادُ بِالإضْلالِ: التَّخْلِيَةُ ومَنعُ الألْطافِ، وبِالهِدايَةِ التَّوْفِيقُ واللُّطْفُ. والجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: أوَّلًا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُضِلَّهم. قُلْنا: قالَ الفَرّاءُ: إذا ذُكِرَ فِعْلٌ وبَعْدَهُ فِعْلٌ آخَرُ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ الثّانِي مُشاكِلًا لِلْأوَّلِ نَسَقْتَهُ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُشاكِلًا لَهُ اسْتَأْنَفْتَهُ ورَفَعْتَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٢] فَقَوْلُهُ: ﴿ويَأْبى اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٢] في مَوْضِعِ رَفْعٍ لا يَجُوزُ إلّا ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: يُرِيدُونَ أنْ يَأْبى اللَّهُ، فَلَمّا لَمْ يُمْكِنْ وضْعُ الثّانِي مَوْضِعَ الأوَّلِ بَطَلَ العَطْفُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ﴾ [الحَجِّ: ٥] ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: أرَدْتُ أنْ أزُورَكَ فَيَمْنَعُنِي المَطَرُ بِالرَّفْعِ غَيْرَ مَنسُوقٍ عَلى ما قَبْلَهُ لِما ذَكَرْناهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: صفحة ٦٥ يُرِيدُ أنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهْ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا قالَ تَعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ ذَكَرَ فَيُضِلُّ بِالرَّفْعِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ، وأقُولُ: تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ مِن حَيْثُ المَعْنى، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ؛ لِيَكُونَ بَيانُهُ لَهم تِلْكَ الشَّرائِعَ بِلِسانِهِمُ الَّذِي ألِفُوهُ واعْتادُوهُ، ثم قال: ومَعَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ تَقْوِيَةَ البَيانِ لا تُوجِبُ حُصُولَ الهِدايَةِ فَرُبَّما قَوِيَ البَيانُ ولا تَحْصُلُ الهِدايَةُ، ورُبَّما ضَعُفَ البَيانُ وحَصَلَتِ الهِدايَةُ، وإنَّما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِأجْلِ أنَّ الهِدايَةَ والضَّلالَ لا يَحْصُلانِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. أما قوله ثانِيًا: لَوْ كانَ الضَّلالُ حاصِلًا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ لِلْكافِرِ أنْ يَقُولَ لَهُ: ما الفائِدَةُ في بَيانِكَ ودَعْوَتِكَ ؟ فَنَقُولُ: يُعارِضُهُ أنَّ الخَصْمَ يُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ إخْبارٌ عَنْ كَوْنِهِ ضالًّا، فَيَقُولُ لَهُ الكافِرُ: لَمّا أخْبَرَ إلَهُكَ عَنْ كَوْنِي كافِرًا فَإنْ آمَنتُ صارَ إلَهُكَ كاذِبًا، فَهَلْ أقْدِرُ عَلى جَعْلِ إلَهِكَ كاذِبًا ؟ وهَلْ أقْدِرُ عَلى جَعْلِ عِلْمِهِ جَهْلًا ؟ وإذا لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَأْمُرُنِي بِهَذا الإيمانِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ الَّذِي أوْرَدَهُ الخَصْمُ عَلَيْنا هو أيْضًا وارِدٌ عَلَيْهِ. وأما قوله ثالِثًا: يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الرِّضا بِالكُفْرِ واجِبًا؛ لِأنَّ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ. قُلْنا: ويَلْزَمُكَ أيْضًا عَلى مَذْهَبِكَ أنَّهُ يَجِبُ عَلى العَبْدِ السَّعْيُ في تَكْذِيبِ اللَّهِ وفي تَجْهِيلِهِ، وهَذا أشَدُّ اسْتِحالَةً مِمّا ألْزَمْتَهُ عَلَيْنا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ كُفْرِهِ وعَلِمَ كُفْرَهُ فَإزالَةُ الكُفْرِ عَنْهُ يَسْتَلْزِمُ قَلْبَ عِلْمِهِ جَهْلًا وخَبَرِهِ الصِّدْقِ كَذِبًا. وأما قوله رابِعًا: إنَّ مُقَدِّمَةَ الآيَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الِاعْتِزالِ؛ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ. وأما قوله خامِسًا: أنَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ في آخِرِ الآيَةِ بِكَوْنِهِ حَكِيمًا وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لِلْكُفْرِ مُرِيدًا لَهُ. فَنَقُولُ: وقَدْ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا والعَزِيزُ هو الغالِبُ القاهِرُ، فَلَوْ أرادَ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ مَعَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ أوْ أرادَ عَمَلَ الكُفْرِ مِنهم وقَدْ حَصَلَ، لَما بَقِيَ عَزِيزًا غالِبًا. فَثَبَتَ أنَّ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرُوها ضَعِيفَةٌ، وأمّا التَّأْوِيلاتُ الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرُوها فَقَدْ مَرَّ إبْطالُها في هَذا الكِتابِ مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

إبراهيم 14:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ . صفحة ٦٦ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى النّاسِ لِيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وذَكَرَ كَمالَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ في ذَلِكَ الإرْسالِ وفي تِلْكَ البَعْثَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِشَرْحِ بِعْثَةِ سائِرِ الأنْبِياءِ إلى أقْوامِهِمْ وكَيْفِيَّةِ مُعامَلَةِ أقْوامِهِمْ مَعَهم؛ تَصْبِيرًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أذى قَوْمِهِ وإرْشادًا لَهُ إلى كَيْفِيَّةِ مُكالَمَتِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ، فَذَكَرَ تَعالى عَلى العادَةِ المَأْلُوفَةِ قَصَصَ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَبَدَأ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ قالَ الأصَمُّ: آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هي: العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وفَلْقُ البَحْرِ وانْفِجارُ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ وإظْلالُ الجَبَلِ وإنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى. وقالَ الجُبّائِيُّ: أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَوْمِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِآياتِهِ وهي دَلالاتُهُ وكُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الدِّينَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ وقالَ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ البِعْثَةِ واحِدٌ في حَقِّ جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهو أنْ يَسْعَوْا في إخْراجِ الخَلْقِ مِن ظُلُماتِ الضَّلالاتِ إلى أنْوارِ الهِداياتِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أيْ بِأنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ. ثم قال: ﴿أنْ﴾ هَهُنا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى أيْ، ويَكُونَ المَعْنى: ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أيْ أخْرِجْ قَوْمَكَ، كَأنَّ المَعْنى قُلْنا لَهُ: أخْرِجْ قَوْمَكَ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] أيِ امْشُوا، والتَّأْوِيلُ: قِيلَ لَهُمُ امْشُوا، وتَصْلُحُ أيْضًا أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ الَّتِي هي لِلْخَبَرِ، والمَعْنى: أرْسَلْناهُ بِأنْ يُخْرِجَ قَوْمَهُ إلّا أنَّ الجارَّ حُذِفَ ووُصِلَتْ [ أنْ ] بِلَفْظِ الأمْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: كَتَبْتُ إلَيْهِ أنْ قُمْ وأمَرْتُهُ أنْ قُمْ، ثُمَّ إنَّ الزَّجّاجَ حَكى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنْ سِيبَوَيْهِ. أما قوله: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُخْرِجَهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ. والثّانِي: أنْ يُذَكِّرَهم بِأيّامِ اللَّهِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: أيّامٌ جَمْعُ يَوْمٍ، واليَوْمُ هو مِقْدارُ المُدَّةِ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، وكانَتِ الأيّامُ في الأصْلِ ”أيْوامٌ“ فاجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى وغَلَبَتِ الياءُ. المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ يُعَبَّرُ بِالأيّامِ عَنِ الوَقائِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها. يُقالُ: فُلانٌ عالِمٌ بِأيّامِ العَرَبِ ويُرِيدُ وقائِعَها، وفي المَثَلِ: مَن يُرَ يَوْمًا يُرَ لَهُ؛ مَعْناهُ مَن رُئِيَ في يَوْمٍ مَسْرُورًا بِمَصْرَعِ غَيْرِهِ يُرَ في يَوْمٍ آخَرَ حَزِينًا بِمَصْرَعِ نَفْسِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . إذا عَرَفْتَ هَذا فالمَعْنى: عِظْهم بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، فالتَّرْغِيبُ والوَعْدُ أنْ يُذَكِّرَهم ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وعَلى مَن قَبْلَهم مِمَّنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ في سائِرِ ما سَلَفَ مِنَ الأيّامِ، والتَّرْهِيبُ والوَعِيدُ: أنْ يُذَكِّرَهم بَأْسَ اللَّهِ وعَذابَهُ وانْتِقامَهُ مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ مِمَّنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ فِيما سَلَفَ مِنَ الأيّامِ، مِثْلُ ما نَزَلَ بِعادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَذابِ، لِيَرْغَبُوا في الوَعْدِ فَيُصَدِّقُوا ويَحْذَرُوا مِنَ الوَعِيدِ فَيَتْرُكُوا التَّكْذِيبَ. واعْلَمْ أنَّ أيّامَ اللَّهِ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها ما كانَ أيّامَ المِحْنَةِ والبَلاءِ وهي الأيّامُ الَّتِي كانَتْ بَنُو صفحة ٦٧ إسْرائِيلَ فِيها تَحْتَ قَهْرِ فِرْعَوْنَ، ومِنها ما كانَ أيّامَ الرّاحَةِ والنَّعْماءِ مِثْلَ إنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى وانْفِلاقِ البَحْرِ وتَظْلِيلِ الغَمامِ. ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ والمَعْنى أنَّ في ذَلِكَ التَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ دَلائِلَ لِمَن كانَ صَبّارًا شَكُورًا؛ لِأنَّ الحالَ إمّا أنْ يَكُونَ حالَ مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ أوْ حالَ مِنحَةٍ وعَطِيَّةٍ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ المُؤْمِنُ صَبّارًا، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ شَكُورًا. وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَخْلُوَ زَمانُهُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَإنْ جَرى الوَقْتُ عَلى ما يُلائِمُ طَبْعَهُ ويُوافِقُ إرادَتَهُ كانَ مَشْغُولًا بِالشُّكْرِ، وإنْ جَرى بِما لا يُلائِمُ طَبْعَهُ كانَ مَشْغُولًا بِالصَّبْرِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ التَّذْكِيراتِ آياتٌ لِلْكُلِّ، فَلِماذا خَصَّ الصَّبّارَ الشَّكُورَ بِها ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا كانُوا هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الآياتِ صارَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ آياتٍ إلّا لَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] . والثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: الِانْتِفاعُ بِهَذا النوع مِنَ التَّذْكِيرِ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ إلّا لِمَن كانَ صابِرًا أوْ شاكِرًا. أمّا الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذِهِ الآياتِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُذَكِّرَهم بِأيّامِ اللَّهِ تَعالى، حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ذَكَّرَهم بِها فَقالَ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْجاكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ بِمَعْنى الإنْعامِ، أيِ اذْكُرُوا إنْعامَ اللَّهِ عَلَيْكم في ذَلِكَ الوَقْتِ. * * * بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ذُكِرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ [البقرة: ٤٩] وفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤١] وهَهُنا ﴿ويُذَبِّحُونَ﴾ مَعَ الواوِ فَما الفَرْقُ ؟ والجَوابُ: قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بِغَيْرِ واوٍ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ وفي التَّفْسِيرِ لا يَحْسُنُ ذِكْرُ الواوِ، تَقُولُ: أتانِي القَوْمُ زَيْدٌ وعَمْرٌو. لِأنَّكَ أرَدْتَ أنْ تُفَسِّرَ القَوْمَ بِهِما، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ﴾ [الفرقان: ٦٨-٦٩] فالأثامُ لَمّا صارَ مُفَسَّرًا بِمُضاعَفَةِ العَذابِ لا جَرَمَ حُذِفَ عَنْهُ الواوُ. أمّا في هَذِهِ السُّورَةِ فَقَدْ أدْخَلَ الواوَ فِيهِ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم يُعَذِّبُونَهم بِغَيْرِ التَّذْبِيحِ وبِالتَّذْبِيحِ أيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ويُذَبِّحُونَ﴾ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ العَذابِ لا أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ كانَ فِعْلُ آلِ فِرْعَوْنَ بَلاءً مِن رَبِّهِمْ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ تَمْكِينَ اللَّهِ إيّاهم حَتّى فَعَلُوا ما فَعَلُوا كانَ بَلاءً مِنَ اللَّهِ. والثّانِي: وهو أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإنْجاءِ، وهو بَلاءٌ عَظِيمٌ، والبَلاءُ هو الِابْتِلاءُ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالنِّعْمَةِ تارَةً، وبِالمِحْنَةِ أُخْرى، قالَ تَعالى: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وهَذا الوجه أوْلى لِأنَّهُ يُوافِقُ صَدْرَ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ . السُّؤالُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّ تَذْبِيحَ الأبْناءِ كانَ بَلاءً، أمّا اسْتِحْياءُ النِّساءِ كَيْفَ يَكُونُ بَلاءً ؟ الجَوابُ: كانُوا يَسْتَخْدِمُونَهُنَّ بِالِاسْتِحْياءِ في الخَلاصِ مِنهُ نِعْمَةً، وأيْضًا إبْقاؤُهُنَّ مُنْفَرِداتٍ عَنِ الرِّجالِ فِيهِ أعْظَمُ المَضارِّ.

إبراهيم 14:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ . صفحة ٦٦ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى النّاسِ لِيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وذَكَرَ كَمالَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ في ذَلِكَ الإرْسالِ وفي تِلْكَ البَعْثَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِشَرْحِ بِعْثَةِ سائِرِ الأنْبِياءِ إلى أقْوامِهِمْ وكَيْفِيَّةِ مُعامَلَةِ أقْوامِهِمْ مَعَهم؛ تَصْبِيرًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أذى قَوْمِهِ وإرْشادًا لَهُ إلى كَيْفِيَّةِ مُكالَمَتِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ، فَذَكَرَ تَعالى عَلى العادَةِ المَأْلُوفَةِ قَصَصَ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَبَدَأ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ قالَ الأصَمُّ: آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هي: العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وفَلْقُ البَحْرِ وانْفِجارُ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ وإظْلالُ الجَبَلِ وإنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى. وقالَ الجُبّائِيُّ: أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَوْمِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِآياتِهِ وهي دَلالاتُهُ وكُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الدِّينَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ وقالَ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ البِعْثَةِ واحِدٌ في حَقِّ جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهو أنْ يَسْعَوْا في إخْراجِ الخَلْقِ مِن ظُلُماتِ الضَّلالاتِ إلى أنْوارِ الهِداياتِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أيْ بِأنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ. ثم قال: ﴿أنْ﴾ هَهُنا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى أيْ، ويَكُونَ المَعْنى: ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أيْ أخْرِجْ قَوْمَكَ، كَأنَّ المَعْنى قُلْنا لَهُ: أخْرِجْ قَوْمَكَ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] أيِ امْشُوا، والتَّأْوِيلُ: قِيلَ لَهُمُ امْشُوا، وتَصْلُحُ أيْضًا أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ الَّتِي هي لِلْخَبَرِ، والمَعْنى: أرْسَلْناهُ بِأنْ يُخْرِجَ قَوْمَهُ إلّا أنَّ الجارَّ حُذِفَ ووُصِلَتْ [ أنْ ] بِلَفْظِ الأمْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: كَتَبْتُ إلَيْهِ أنْ قُمْ وأمَرْتُهُ أنْ قُمْ، ثُمَّ إنَّ الزَّجّاجَ حَكى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنْ سِيبَوَيْهِ. أما قوله: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُخْرِجَهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ. والثّانِي: أنْ يُذَكِّرَهم بِأيّامِ اللَّهِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: أيّامٌ جَمْعُ يَوْمٍ، واليَوْمُ هو مِقْدارُ المُدَّةِ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، وكانَتِ الأيّامُ في الأصْلِ ”أيْوامٌ“ فاجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى وغَلَبَتِ الياءُ. المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ يُعَبَّرُ بِالأيّامِ عَنِ الوَقائِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها. يُقالُ: فُلانٌ عالِمٌ بِأيّامِ العَرَبِ ويُرِيدُ وقائِعَها، وفي المَثَلِ: مَن يُرَ يَوْمًا يُرَ لَهُ؛ مَعْناهُ مَن رُئِيَ في يَوْمٍ مَسْرُورًا بِمَصْرَعِ غَيْرِهِ يُرَ في يَوْمٍ آخَرَ حَزِينًا بِمَصْرَعِ نَفْسِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . إذا عَرَفْتَ هَذا فالمَعْنى: عِظْهم بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، فالتَّرْغِيبُ والوَعْدُ أنْ يُذَكِّرَهم ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وعَلى مَن قَبْلَهم مِمَّنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ في سائِرِ ما سَلَفَ مِنَ الأيّامِ، والتَّرْهِيبُ والوَعِيدُ: أنْ يُذَكِّرَهم بَأْسَ اللَّهِ وعَذابَهُ وانْتِقامَهُ مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ مِمَّنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ فِيما سَلَفَ مِنَ الأيّامِ، مِثْلُ ما نَزَلَ بِعادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَذابِ، لِيَرْغَبُوا في الوَعْدِ فَيُصَدِّقُوا ويَحْذَرُوا مِنَ الوَعِيدِ فَيَتْرُكُوا التَّكْذِيبَ. واعْلَمْ أنَّ أيّامَ اللَّهِ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها ما كانَ أيّامَ المِحْنَةِ والبَلاءِ وهي الأيّامُ الَّتِي كانَتْ بَنُو صفحة ٦٧ إسْرائِيلَ فِيها تَحْتَ قَهْرِ فِرْعَوْنَ، ومِنها ما كانَ أيّامَ الرّاحَةِ والنَّعْماءِ مِثْلَ إنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى وانْفِلاقِ البَحْرِ وتَظْلِيلِ الغَمامِ. ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ والمَعْنى أنَّ في ذَلِكَ التَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ دَلائِلَ لِمَن كانَ صَبّارًا شَكُورًا؛ لِأنَّ الحالَ إمّا أنْ يَكُونَ حالَ مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ أوْ حالَ مِنحَةٍ وعَطِيَّةٍ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ المُؤْمِنُ صَبّارًا، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ شَكُورًا. وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَخْلُوَ زَمانُهُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَإنْ جَرى الوَقْتُ عَلى ما يُلائِمُ طَبْعَهُ ويُوافِقُ إرادَتَهُ كانَ مَشْغُولًا بِالشُّكْرِ، وإنْ جَرى بِما لا يُلائِمُ طَبْعَهُ كانَ مَشْغُولًا بِالصَّبْرِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ التَّذْكِيراتِ آياتٌ لِلْكُلِّ، فَلِماذا خَصَّ الصَّبّارَ الشَّكُورَ بِها ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا كانُوا هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الآياتِ صارَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ آياتٍ إلّا لَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] . والثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: الِانْتِفاعُ بِهَذا النوع مِنَ التَّذْكِيرِ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ إلّا لِمَن كانَ صابِرًا أوْ شاكِرًا. أمّا الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذِهِ الآياتِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُذَكِّرَهم بِأيّامِ اللَّهِ تَعالى، حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ذَكَّرَهم بِها فَقالَ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْجاكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ بِمَعْنى الإنْعامِ، أيِ اذْكُرُوا إنْعامَ اللَّهِ عَلَيْكم في ذَلِكَ الوَقْتِ. * * * بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ذُكِرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ [البقرة: ٤٩] وفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤١] وهَهُنا ﴿ويُذَبِّحُونَ﴾ مَعَ الواوِ فَما الفَرْقُ ؟ والجَوابُ: قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بِغَيْرِ واوٍ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ وفي التَّفْسِيرِ لا يَحْسُنُ ذِكْرُ الواوِ، تَقُولُ: أتانِي القَوْمُ زَيْدٌ وعَمْرٌو. لِأنَّكَ أرَدْتَ أنْ تُفَسِّرَ القَوْمَ بِهِما، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ﴾ [الفرقان: ٦٨-٦٩] فالأثامُ لَمّا صارَ مُفَسَّرًا بِمُضاعَفَةِ العَذابِ لا جَرَمَ حُذِفَ عَنْهُ الواوُ. أمّا في هَذِهِ السُّورَةِ فَقَدْ أدْخَلَ الواوَ فِيهِ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم يُعَذِّبُونَهم بِغَيْرِ التَّذْبِيحِ وبِالتَّذْبِيحِ أيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ويُذَبِّحُونَ﴾ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ العَذابِ لا أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ كانَ فِعْلُ آلِ فِرْعَوْنَ بَلاءً مِن رَبِّهِمْ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ تَمْكِينَ اللَّهِ إيّاهم حَتّى فَعَلُوا ما فَعَلُوا كانَ بَلاءً مِنَ اللَّهِ. والثّانِي: وهو أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإنْجاءِ، وهو بَلاءٌ عَظِيمٌ، والبَلاءُ هو الِابْتِلاءُ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالنِّعْمَةِ تارَةً، وبِالمِحْنَةِ أُخْرى، قالَ تَعالى: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وهَذا الوجه أوْلى لِأنَّهُ يُوافِقُ صَدْرَ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ . السُّؤالُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّ تَذْبِيحَ الأبْناءِ كانَ بَلاءً، أمّا اسْتِحْياءُ النِّساءِ كَيْفَ يَكُونُ بَلاءً ؟ الجَوابُ: كانُوا يَسْتَخْدِمُونَهُنَّ بِالِاسْتِحْياءِ في الخَلاصِ مِنهُ نِعْمَةً، وأيْضًا إبْقاؤُهُنَّ مُنْفَرِداتٍ عَنِ الرِّجالِ فِيهِ أعْظَمُ المَضارِّ.

إبراهيم 14:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مِن جُمْلَةِ ما قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم واذْكُرُوا حِينَ تَأذَّنَ رَبُّكم، ومَعْنى ﴿تَأذَّنَ﴾ أذِنَ رَبُّكم. ونَظِيرُ تَأذَّنَ وآذَنَ تَوَعَّدَ وأوْعَدَ وتَفَضَّلَ وأفْضَلَ، ولا بُدَّ في تَفَعَّلَ مِن زِيادَةِ مَعْنًى لَيْسَ في أفْعَلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ آذَنَ رَبُّكم إيذانًا بَلِيغًا يَنْتَفِي عِنْدَهُ الشُّكُوكُ، وتَنْزاحُ الشُّبْهَةُ، والمَعْنى: وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم. فَقالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ فَأجْرى ﴿تَأذَّنَ﴾ مَجْرى قالَ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”وإذْ قالَ رَبُّكَ لَئِنْ شَكَرْتُمْ“ . واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ زادَهُ اللَّهُ مِن نِعَمِهِ، ولا بُدَّ هَهُنا مِن مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الشُّكْرِ ومِنَ البحث عَنْ تِلْكَ النِّعَمِ الزّائِدَةِ الحاصِلَةِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ، أمّا الشُّكْرُ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الِاعْتِرافِ بِنِعْمَةِ المُنْعِمِ مَعَ تَعْظِيمِهِ وتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وأمّا الزِّيادَةُ في النِّعَمِ فَهي أقْسامٌ: مِنها النِّعَمُ الرُّوحانِيَّةُ، ومِنها النِّعَمُ الجُسْمانِيَّةُ، أمّا النِّعَمُ الرُّوحانِيَّةُ فَهي أنَّ الشّاكِرَ يَكُونُ أبَدًا في مُطالَعَةِ أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وأنْواعِ فَضْلِهِ وكَرَمِهِ، ومَن كَثُرَ إحْسانُهُ إلى الرَّجُلِ أحَبَّهُ الرَّجُلُ لا مَحالَةَ، فَشُغْلُ النَّفْسِ بِمُطالَعَةِ أنْواعِ فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ يُوجِبُ تَأكُّدَ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى، ومَقامُ المَحَبَّةِ أعْلى مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، ثُمَّ قَدْ يَتَرَقّى العَبْدُ مِن تِلْكَ الحالَةِ إلى أنْ يَصِيرَ حُبُّهُ لِلْمُنْعِمِ شاغِلًا لَهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى النِّعْمَةِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنبَعَ السَّعاداتِ وعُنْوانَ كُلِّ الخَيْراتِ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَتُهُ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ يُوجِبُ مَزِيدَ النِّعَمِ الرُّوحانِيَّةِ، وأمّا مَزِيدُ النِّعَمِ الجُسْمانِيَّةِ، فَلِأنَّ الِاسْتِقْراءَ دَلَّ عَلى أنَّ مَن كانَ اشْتِغالُهُ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ أكْثَرَ، كانَ وُصُولُ نِعَمِ اللَّهِ إلَيْهِ أكْثَرَ، وبِالجُمْلَةِ فالشُّكْرُ إنَّما حَسُنَ مَوْقِعُهُ لِأنَّهُ اشْتِغالٌ بِمَعْرِفَةِ المَعْبُودِ وكُلُّ مَقامٍ حَرَّكَ العَبْدَ مِن عالَمِ الغُرُورِ إلى عالَمِ القُدُسِ، فَهو المَقامُ الشَّرِيفُ العالِي الَّذِي يُوجِبُ السَّعادَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا. وأما قوله: ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ فالمُرادُ مِنهُ الكُفْرانُ، لا الكُفْرُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ المَذْكُورَ في مُقابَلَةِ الشُّكْرِ لَيْسَ إلّا الكُفْرانَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الجَهْلِ بِكَوْنِ تِلْكَ النِّعْمَةِ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ، والجاهِلُ بِها جاهِلٌ بِاللَّهِ، والجَهْلُ بِاللَّهِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ العِقابِ والعَذابِ، وأيْضًا فَهَهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَوُجُودُهُ إنَّما يَحْصُلُ بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وعَدَمُهُ إنَّما يَحْصُلُ بِإعْدامِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ ما سِوى الحَقِّ فَهو مُنْقادٌ لِلْحَقِّ مِطْواعٌ لَهُ، وإذا كانَتِ المُمْكِناتُ بِأسْرِها مُنْقادَةً لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ فَكُلُّ قَلْبٍ حَضَرَ فِيهِ نُورُ مَعْرِفَةِ الحَقِّ وشَرَفُ جَلالِهِ، انْقادَ لِصاحِبِ ذَلِكَ القَلْبِ ما سِواهُ، لِأنَّ حُضُورَ ذَلِكَ النُّورِ في قَلْبِهِ يَسْتَخْدِمُ كُلَّ ما سِواهُ بِالطَّبْعِ، وإذا خَلا القَلْبُ عَنْ ذَلِكَ النُّورِ ضَعُفَ وصارَ خَسِيسًا فَيَسْتَخْدِمُهُ كُلُّ ما سِواهُ ويَسْتَحْقِرُهُ كُلُّ ما يُغايِرُهُ فَبِهَذا الطَّرِيقِ الذَّوْقِيِّ يَحْصُلُ العِلْمُ بِأنَّ الِاشْتِغالَ بِمَعْرِفَةِ الحَقِّ يُوجِبُ انْفِتاحَ أبْوابِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأمّا الإعْراضُ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ بِالِاشْتِغالِ بِمُجَرَّدِ الجُسْمانِيّاتِ يُوجِبُ انْفِتاحَ أبْوابِ الآفاتِ والمَخافاتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

إبراهيم 14:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ يُوجِبُ تَزايُدَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، والِاشْتِغالَ بِكُفْرانِ النِّعَمِ يُوجِبُ العَذابَ الشَّدِيدَ، وحُصُولَ الآفاتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ مَنافِعَ الشُّكْرِ ومَضارَّ الكُفْرانِ لا تَعُودُ إلّا إلى صاحِبِ الشُّكْرِ وصاحِبِ الكُفْرانِ، أمّا المَعْبُودُ والمَشْكُورُ فَإنَّهُ مُتَعالٍ عَنْ أنْ يَنْتَفِعَ بِالشُّكْرِ أوْ يَسْتَضِرَّ بِالكُفْرانِ، فَلا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِهَذِهِ الطّاعاتِ لِمَنافِعَ عائِدَةٍ إلى العابِدِ لا لِمَنافِعَ عائِدَةٍ إلى المَعْبُودِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ وتَفْسِيرُهُ أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وواجِبُ الوُجُودِ بِحَسَبِ جَمِيعِ صِفاتِهِ واعْتِباراتِهِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، لافْتَقَرَ رُجْحانُ وُجُودِهِ عَلى عَدَمِهِ إلى مُرَجِّحٍ فَلَمْ يَكُنْ غَنِيًّا، وقَدْ فَرَضْناهُ غَنِيًّا، هَذا خُلْفٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ غَنِيًّا يُوجِبُ كَوْنَهُ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، كانَ أيْضًا واجِبَ الوُجُودِ بِحَسَبِ جَمِيعِ كَمالاتِهِ، إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ ذاتُهُ كافِيَةً في حُصُولِ ذَلِكَ الكَمالِ، لافْتَقَرَ في حُصُولِ ذَلِكَ الكَمالِ إلى سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ غَنِيًّا، وقَدْ فَرَضْناهُ غَنِيًّا، هَذا خُلْفٌ، فَثَبَتَ أنَّ ذاتَهُ كافِيَةٌ في حُصُولِ جَمِيعِ كَمالاتِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ حَمِيدًا لِذاتِهِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحَمِيدِ إلّا الَّذِي اسْتَحَقَّ الحَمْدَ، فَثَبَتَ بِهَذا التَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ كَوْنَهُ غَنِيًّا حَمِيدًا يَقْتَضِي أنْ لا يَزْدادَ بِشُكْرِ الشّاكِرِينَ، ولا يَنْتَقِصَ بِكُفْرانِ الكافِرِينَ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وهَذِهِ المَعانِي مِن لَطائِفِ الأسْرارِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَنا: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ سَواءٌ حُمِلَ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يُقابِلُ الإيمانَ أوْ عَلى الكُفْرانِ الَّذِي يُقابِلُ الشُّكْرَ، فالمَعْنى لا يَتَفاوَتُ البَتَّةَ، فَإنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ في كَمالاتِهِ وفي جَمِيعِ نُعُوتِ كِبْرِيائِهِ وجَلالِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ وذَكَرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُخَوِّفُهم بِمِثْلِ هَلاكِ مَن تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى لِسانِ مُوسى لِقَوْمِهِ يُذَكِّرُهم أمْرَ القُرُونِ الأُولى، والمَقْصُودُ إنَّما هو حُصُولُ العِبْرَةِ بِأحْوالِ المُتَقَدِّمِينَ، وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ إلّا أنَّ الأكْثَرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّهُ ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِ الرَّسُولِ ﷺ . صفحة ٧٠ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أقْوامًا ثَلاثَةً، وهم: قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ. ثم قال تَعالى: ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ احْتِمالَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ جُمْلَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ وقَعَتِ اعْتِراضًا. والثّانِي: أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْلُهُ: ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَعْلَمُ كُنْهَ مَقادِيرِهِمْ إلّا اللَّهُ، لِأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ جُمْلَةٌ فَأمّا ذِكْرُ العَدَدِ والعُمُرِ والكَيْفِيَّةِ والكَمِّيَّةِ فَغَيْرُ حاصِلٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ ذِكْرُ أقْوامٍ ما بَلَغَنا أخْبارُهم أصْلًا كَذَّبُوا رُسُلًا لَمْ نَعْرِفْهم أصْلًا، ولا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ الثّانِي طَعَنُوا في قَوْلِ مَن يَصِلُ الأنْسابَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسّابُونَ يَعْنِي أنَّهم يَدَّعُونَ عِلْمَ الأنْسابِ وقَدْ نَفى اللَّهُ عِلْمَها عَنِ العِبادِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَيْنَ عَدْنانَ وبَيْنَ إسْماعِيلَ ثَلاثُونَ أبًا لا يُعْرَفُونَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] وقَوْلُهُ: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ كانَ في انْتِسابِهِ لا يُجاوِزُ مَعَدَّ بْنَ عَدْنانَ بْنِ أُدَدٍ. وقالَ: ”«تَعَلَّمُوا مِن أنْسابِكم ما تَصِلُونَ بِهِ أرْحامَكم وتَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى الطَّرِيقِ» “ قالَ القاضِي: وعَلى هَذا الوجه لا يُمْكِنُ القَطْعُ عَلى مِقْدارِ السِّنِينَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذا الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ إنْ أمْكَنَ ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا تَحْصِيلُ العِلْمِ بِالأنْسابِ المَوْصُولَةِ. فَإنْ قِيلَ: أيُّ القَوْلَيْنِ أوْلى ؟ قُلْنا: القَوْلُ الثّانِي عِنْدِي أقْرَبُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ نَفى العِلْمَ بِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ العِلْمِ بِذَواتِهِمْ إذْ لَوْ كانَتْ ذَواتُهم مَعْلُومَةً، وكانَ المَجْهُولُ هو مُدَدَ أعْمارِهِمْ وكَيْفِيَّةَ صِفاتِهِمْ لَما صَحَّ نَفْيُ العِلْمِ بِذَواتِهِمْ، ولَمّا كانَ ظاهِرُ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِذَواتِهِمْ لا جَرَمَ كانَ الأقْرَبُ هو القَوْلَ الثّانِيَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ الأقْوامِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أنَّهُ لَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ أتَوْا بِأُمُورٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ وفي مَعْناهُ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِاليَدِ والفَمِ الخارِجَتانِ المَعْلُومَتانِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِما شَيْءٌ غَيْرُ هاتَيْنِ الجارِحَتَيْنِ وإنَّما ذَكَرَهُما مَجازًا وتَوَسُّعًا. أمّا مَن قالَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿أيْدِيَهُمْ﴾ و﴿أفْواهِهِمْ﴾ عائِدًا إلى الكُفّارِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ فَعَضُّوها مِنَ الغَيْظِ والضَّجَرِ مِن شِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ الرُّسُلِ واسْتِماعِ كَلامِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى، وهو اخْتِيارُ القاضِي. والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ الأنْبِياءِ عَجِبُوا مِنهُ وضَحِكُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ كَما يَفْعَلُ ذَلِكَ مَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ. والثّالِثُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِهِمْ مُشِيرِينَ بِذَلِكَ إلى الأنْبِياءِ أنْ كُفُّوا عَنْ هَذا الكَلامِ واسْكُتُوا عَنْ ذِكْرِ هَذا الحَدِيثِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الكَلْبِيِّ. والرّابِعُ: أنَّهم أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى ألْسِنَتِهِمْ وإلى ما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ؛ أيْ هَذا هو الجَوابُ عِنْدَنا عَمّا ذَكَرْتُمُوهُ، ولَيْسَ صفحة ٧١ عِنْدَنا غَيْرُهُ إقْناطًا لَهم مِنَ التَّصْدِيقِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ . الوجه الثّانِي: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ راجِعَيْنِ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ أخَذُوا أيْدِيَ الرُّسُلِ ووَضَعُوها عَلى أفْواهِهِمْ لِيُسْكِتُوهم ويَقْطَعُوا كَلامَهم. الثّانِي: أنَّ الرُّسُلَ لَمّا أيِسُوا مِنهم سَكَتُوا ووَضَعُوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ عَلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ فَإنَّ مَن ذَكَرَ كَلامًا عِنْدَ قَوْمٍ وأنْكَرُوهُ وخافَهم فَذَلِكَ المُتَكَلِّمُ رُبَّما وضَعَ يَدَ نَفْسِهِ عَلى فَمِ نَفْسِهِ وغَرَضُهُ أنْ يُعَرِّفَهم أنَّهُ لا يَعُودُ إلى ذَلِكَ الكَلامِ البَتَّةَ. الوجه الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في أيْدِيهِمْ يَرْجِعُ إلى الكُفّارِ وفي الأفْواهِ إلى الرُّسُلِ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا وعْظَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونَصائِحَهم وكَلامَهم أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِ الرُّسُلِ تَكْذِيبًا لَهم ورَدًّا عَلَيْهِمْ. والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَنعًا لَهم مِنَ الكَلامِ، ومَن بالَغَ في مَنعِ غَيْرِهِ مِنَ الكَلامِ فَقَدْ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ. أمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: وهو أنَّ ذِكْرَ اليَدِ والفَمِ تَوَسُّعٌ ومَجازٌ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الوجه الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: المُرادُ بِاليَدِ ما نَطَقَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الحُجَجِ وذَلِكَ لِأنَّ إسْماعَ الحُجَّةِ إنْعامٌ عَظِيمٌ والإنْعامُ يُسَمّى يَدًا. يُقالُ: لِفُلانٍ عِنْدِي يَدٌ إذا أوْلاهُ مَعْرُوفًا، وقَدْ يُذْكَرُ اليَدُ والمُرادُ مِنها صَفْقَةُ البَيْعِ والعَقْدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فالبَيِّناتُ الَّتِي كانَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَذْكُرُونَها ويُقَرِّرُونَها نِعَمٌ وأيادٍ، وأيْضًا العُهُودُ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها مَعَ القَوْمِ أيادٍ، وجَمْعُ اليَدِ في العَدَدِ القَلِيلِ هو الأيْدِي وفي العَدَدِ الكَثِيرِ هو الأيادِي، فَثَبَتَ أنَّ بَيِّناتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعُهُودَهم صَحَّ تَسْمِيَتُها بِالأيْدِي، وإذا كانَتِ النَّصائِحُ والعُهُودُ إنَّما تَظْهَرُ مِنَ الفَمِ فَإذا لَمْ تُقْبَلْ صارَتْ مَرْدُودَةً إلى حَيْثُ جاءَتْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ [النور: ١٥] فَلَمّا كانَ القَبُولُ تَلَقِّيًا بِالأفْواهِ عَنِ الأفْواهِ كانَ الدَّفْعُ رَدًّا في الأفْواهِ، فَهَذا تَمامُ كَلامِ أبِي مُسْلِمٍ في تَقْرِيرِ هَذا الوجه. الوجه الثّانِي: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ أنَّهم سَكَتُوا عَنِ الجَوابِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أمْسَكَ عَنِ الجَوابِ: رَدَّ يَدَهُ في فِيهِ. وتَقُولُ العَرَبُ: كَلَّمْتُ فُلانًا في حاجَةٍ فَرَدَّ يَدَهُ في فِيهِ إذا سَكَتَ عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْ، ثُمَّ إنَّهُ زَيَّفَ هَذا الوجه وقالَ: إنَّهم أجابُوا بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهم قالُوا: ﴿إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ . الوجه الثّالِثُ: المُرادُ مِنَ الأيْدِي نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى ظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ ولَمّا كَذَّبُوا الأنْبِياءَ فَقَدْ عَرَّضُوا تِلْكَ النِّعَمَ لِلْإزالَةِ والإبْطالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ أيْ رَدُّوا نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالكَلِماتِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْ أفْواهِهِمْ ولا يَبْعُدُ حَمْلُ ”في“ عَلى مَعْنى الباءِ؛ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ لا يَمْتَنِعُ إقامَةُ بَعْضِها مَقامَ بَعْضٍ. النوع الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ قَوْلُهم: ﴿إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ والمَعْنى: إنّا كَفَرْنا بِما زَعَمْتُمْ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم فِيهِ؛ لِأنَّهم ما أقَرُّوا بِأنَّهم أُرْسِلُوا. واعْلَمْ أنَّ المَرْتَبَةَ الأُولى هو أنَّهم سَكَتُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وحاوَلُوا إسْكاتَ الأنْبِياءِ صفحة ٧٢ عَنْ تِلْكَ الدَّعْوى، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ أنَّهم صَرَّحُوا بِكَوْنِهِمْ كافِرِينَ بِتِلْكَ البَعْثَةِ. والنوع الثّالِثُ: قَوْلُهم: ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”تَدْعُونّا“ بِإدْغامِ النُّونِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ أوْ ذِي رِيبَةٍ مِن أرابَهُ، والرِّيبَةُ قَلَقُ النَّفْسِ وأنْ لا تَطْمَئِنَّ إلى الأمْرِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا ذَكَرُوا في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ أنَّهم كافِرُونَ بِرِسالَتِهِمْ كَيْفَ ذَكَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ كَوْنَهم شاكِّينَ مُرْتابِينَ في صِحَّةِ قَوْلِهِمْ ؟ قُلْنا: كَأنَّهم قالُوا: إمّا أنْ نَكُونَ كافِرِينَ بِرِسالَتِكم أوْ إنْ لَمْ نَدَعْ هَذا الجَزْمَ واليَقِينَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ نَكُونَ شاكِّينَ مُرْتابِينَ في صِحَّةِ نُبُوَّتِكم، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلا سَبِيلَ إلى الِاعْتِرافِ بِنُبُوَّتِكم. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ يُوجِبُ تَزايُدَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، والِاشْتِغالَ بِكُفْرانِ النِّعَمِ يُوجِبُ العَذابَ الشَّدِيدَ، وحُصُولَ الآفاتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ مَنافِعَ الشُّكْرِ ومَضارَّ الكُفْرانِ لا تَعُودُ إلّا إلى صاحِبِ الشُّكْرِ وصاحِبِ الكُفْرانِ، أمّا المَعْبُودُ والمَشْكُورُ فَإنَّهُ مُتَعالٍ عَنْ أنْ يَنْتَفِعَ بِالشُّكْرِ أوْ يَسْتَضِرَّ بِالكُفْرانِ، فَلا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِهَذِهِ الطّاعاتِ لِمَنافِعَ عائِدَةٍ إلى العابِدِ لا لِمَنافِعَ عائِدَةٍ إلى المَعْبُودِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ وتَفْسِيرُهُ أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ وواجِبُ الوُجُودِ بِحَسَبِ جَمِيعِ صِفاتِهِ واعْتِباراتِهِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، لافْتَقَرَ رُجْحانُ وُجُودِهِ عَلى عَدَمِهِ إلى مُرَجِّحٍ فَلَمْ يَكُنْ غَنِيًّا، وقَدْ فَرَضْناهُ غَنِيًّا، هَذا خُلْفٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ غَنِيًّا يُوجِبُ كَوْنَهُ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، كانَ أيْضًا واجِبَ الوُجُودِ بِحَسَبِ جَمِيعِ كَمالاتِهِ، إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ ذاتُهُ كافِيَةً في حُصُولِ ذَلِكَ الكَمالِ، لافْتَقَرَ في حُصُولِ ذَلِكَ الكَمالِ إلى سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ غَنِيًّا، وقَدْ فَرَضْناهُ غَنِيًّا، هَذا خُلْفٌ، فَثَبَتَ أنَّ ذاتَهُ كافِيَةٌ في حُصُولِ جَمِيعِ كَمالاتِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ حَمِيدًا لِذاتِهِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحَمِيدِ إلّا الَّذِي اسْتَحَقَّ الحَمْدَ، فَثَبَتَ بِهَذا التَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ كَوْنَهُ غَنِيًّا حَمِيدًا يَقْتَضِي أنْ لا يَزْدادَ بِشُكْرِ الشّاكِرِينَ، ولا يَنْتَقِصَ بِكُفْرانِ الكافِرِينَ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وهَذِهِ المَعانِي مِن لَطائِفِ الأسْرارِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَنا: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ سَواءٌ حُمِلَ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يُقابِلُ الإيمانَ أوْ عَلى الكُفْرانِ الَّذِي يُقابِلُ الشُّكْرَ، فالمَعْنى لا يَتَفاوَتُ البَتَّةَ، فَإنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ في كَمالاتِهِ وفي جَمِيعِ نُعُوتِ كِبْرِيائِهِ وجَلالِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ وذَكَرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُخَوِّفُهم بِمِثْلِ هَلاكِ مَن تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى لِسانِ مُوسى لِقَوْمِهِ يُذَكِّرُهم أمْرَ القُرُونِ الأُولى، والمَقْصُودُ إنَّما هو حُصُولُ العِبْرَةِ بِأحْوالِ المُتَقَدِّمِينَ، وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ إلّا أنَّ الأكْثَرِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّهُ ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِ الرَّسُولِ ﷺ . صفحة ٧٠ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أقْوامًا ثَلاثَةً، وهم: قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ. ثم قال تَعالى: ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ احْتِمالَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ جُمْلَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ وقَعَتِ اعْتِراضًا. والثّانِي: أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْلُهُ: ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَعْلَمُ كُنْهَ مَقادِيرِهِمْ إلّا اللَّهُ، لِأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ جُمْلَةٌ فَأمّا ذِكْرُ العَدَدِ والعُمُرِ والكَيْفِيَّةِ والكَمِّيَّةِ فَغَيْرُ حاصِلٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ ذِكْرُ أقْوامٍ ما بَلَغَنا أخْبارُهم أصْلًا كَذَّبُوا رُسُلًا لَمْ نَعْرِفْهم أصْلًا، ولا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ الثّانِي طَعَنُوا في قَوْلِ مَن يَصِلُ الأنْسابَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسّابُونَ يَعْنِي أنَّهم يَدَّعُونَ عِلْمَ الأنْسابِ وقَدْ نَفى اللَّهُ عِلْمَها عَنِ العِبادِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَيْنَ عَدْنانَ وبَيْنَ إسْماعِيلَ ثَلاثُونَ أبًا لا يُعْرَفُونَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] وقَوْلُهُ: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ كانَ في انْتِسابِهِ لا يُجاوِزُ مَعَدَّ بْنَ عَدْنانَ بْنِ أُدَدٍ. وقالَ: ”«تَعَلَّمُوا مِن أنْسابِكم ما تَصِلُونَ بِهِ أرْحامَكم وتَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى الطَّرِيقِ» “ قالَ القاضِي: وعَلى هَذا الوجه لا يُمْكِنُ القَطْعُ عَلى مِقْدارِ السِّنِينَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذا الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ إنْ أمْكَنَ ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا تَحْصِيلُ العِلْمِ بِالأنْسابِ المَوْصُولَةِ. فَإنْ قِيلَ: أيُّ القَوْلَيْنِ أوْلى ؟ قُلْنا: القَوْلُ الثّانِي عِنْدِي أقْرَبُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ نَفى العِلْمَ بِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ العِلْمِ بِذَواتِهِمْ إذْ لَوْ كانَتْ ذَواتُهم مَعْلُومَةً، وكانَ المَجْهُولُ هو مُدَدَ أعْمارِهِمْ وكَيْفِيَّةَ صِفاتِهِمْ لَما صَحَّ نَفْيُ العِلْمِ بِذَواتِهِمْ، ولَمّا كانَ ظاهِرُ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِذَواتِهِمْ لا جَرَمَ كانَ الأقْرَبُ هو القَوْلَ الثّانِيَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ الأقْوامِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أنَّهُ لَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ أتَوْا بِأُمُورٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ وفي مَعْناهُ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِاليَدِ والفَمِ الخارِجَتانِ المَعْلُومَتانِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِما شَيْءٌ غَيْرُ هاتَيْنِ الجارِحَتَيْنِ وإنَّما ذَكَرَهُما مَجازًا وتَوَسُّعًا. أمّا مَن قالَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿أيْدِيَهُمْ﴾ و﴿أفْواهِهِمْ﴾ عائِدًا إلى الكُفّارِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ فَعَضُّوها مِنَ الغَيْظِ والضَّجَرِ مِن شِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ الرُّسُلِ واسْتِماعِ كَلامِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى، وهو اخْتِيارُ القاضِي. والثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ الأنْبِياءِ عَجِبُوا مِنهُ وضَحِكُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ كَما يَفْعَلُ ذَلِكَ مَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ. والثّالِثُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِهِمْ مُشِيرِينَ بِذَلِكَ إلى الأنْبِياءِ أنْ كُفُّوا عَنْ هَذا الكَلامِ واسْكُتُوا عَنْ ذِكْرِ هَذا الحَدِيثِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الكَلْبِيِّ. والرّابِعُ: أنَّهم أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى ألْسِنَتِهِمْ وإلى ما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ؛ أيْ هَذا هو الجَوابُ عِنْدَنا عَمّا ذَكَرْتُمُوهُ، ولَيْسَ صفحة ٧١ عِنْدَنا غَيْرُهُ إقْناطًا لَهم مِنَ التَّصْدِيقِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ . الوجه الثّانِي: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ راجِعَيْنِ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ أخَذُوا أيْدِيَ الرُّسُلِ ووَضَعُوها عَلى أفْواهِهِمْ لِيُسْكِتُوهم ويَقْطَعُوا كَلامَهم. الثّانِي: أنَّ الرُّسُلَ لَمّا أيِسُوا مِنهم سَكَتُوا ووَضَعُوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ عَلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ فَإنَّ مَن ذَكَرَ كَلامًا عِنْدَ قَوْمٍ وأنْكَرُوهُ وخافَهم فَذَلِكَ المُتَكَلِّمُ رُبَّما وضَعَ يَدَ نَفْسِهِ عَلى فَمِ نَفْسِهِ وغَرَضُهُ أنْ يُعَرِّفَهم أنَّهُ لا يَعُودُ إلى ذَلِكَ الكَلامِ البَتَّةَ. الوجه الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في أيْدِيهِمْ يَرْجِعُ إلى الكُفّارِ وفي الأفْواهِ إلى الرُّسُلِ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا وعْظَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونَصائِحَهم وكَلامَهم أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِ الرُّسُلِ تَكْذِيبًا لَهم ورَدًّا عَلَيْهِمْ. والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَنعًا لَهم مِنَ الكَلامِ، ومَن بالَغَ في مَنعِ غَيْرِهِ مِنَ الكَلامِ فَقَدْ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ. أمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: وهو أنَّ ذِكْرَ اليَدِ والفَمِ تَوَسُّعٌ ومَجازٌ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الوجه الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: المُرادُ بِاليَدِ ما نَطَقَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الحُجَجِ وذَلِكَ لِأنَّ إسْماعَ الحُجَّةِ إنْعامٌ عَظِيمٌ والإنْعامُ يُسَمّى يَدًا. يُقالُ: لِفُلانٍ عِنْدِي يَدٌ إذا أوْلاهُ مَعْرُوفًا، وقَدْ يُذْكَرُ اليَدُ والمُرادُ مِنها صَفْقَةُ البَيْعِ والعَقْدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فالبَيِّناتُ الَّتِي كانَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَذْكُرُونَها ويُقَرِّرُونَها نِعَمٌ وأيادٍ، وأيْضًا العُهُودُ الَّتِي كانُوا يَأْتُونَ بِها مَعَ القَوْمِ أيادٍ، وجَمْعُ اليَدِ في العَدَدِ القَلِيلِ هو الأيْدِي وفي العَدَدِ الكَثِيرِ هو الأيادِي، فَثَبَتَ أنَّ بَيِّناتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعُهُودَهم صَحَّ تَسْمِيَتُها بِالأيْدِي، وإذا كانَتِ النَّصائِحُ والعُهُودُ إنَّما تَظْهَرُ مِنَ الفَمِ فَإذا لَمْ تُقْبَلْ صارَتْ مَرْدُودَةً إلى حَيْثُ جاءَتْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ [النور: ١٥] فَلَمّا كانَ القَبُولُ تَلَقِّيًا بِالأفْواهِ عَنِ الأفْواهِ كانَ الدَّفْعُ رَدًّا في الأفْواهِ، فَهَذا تَمامُ كَلامِ أبِي مُسْلِمٍ في تَقْرِيرِ هَذا الوجه. الوجه الثّانِي: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ أنَّهم سَكَتُوا عَنِ الجَوابِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أمْسَكَ عَنِ الجَوابِ: رَدَّ يَدَهُ في فِيهِ. وتَقُولُ العَرَبُ: كَلَّمْتُ فُلانًا في حاجَةٍ فَرَدَّ يَدَهُ في فِيهِ إذا سَكَتَ عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْ، ثُمَّ إنَّهُ زَيَّفَ هَذا الوجه وقالَ: إنَّهم أجابُوا بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهم قالُوا: ﴿إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ . الوجه الثّالِثُ: المُرادُ مِنَ الأيْدِي نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى ظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ ولَمّا كَذَّبُوا الأنْبِياءَ فَقَدْ عَرَّضُوا تِلْكَ النِّعَمَ لِلْإزالَةِ والإبْطالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ أيْ رَدُّوا نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالكَلِماتِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْ أفْواهِهِمْ ولا يَبْعُدُ حَمْلُ ”في“ عَلى مَعْنى الباءِ؛ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ لا يَمْتَنِعُ إقامَةُ بَعْضِها مَقامَ بَعْضٍ. النوع الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ قَوْلُهم: ﴿إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ والمَعْنى: إنّا كَفَرْنا بِما زَعَمْتُمْ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَكم فِيهِ؛ لِأنَّهم ما أقَرُّوا بِأنَّهم أُرْسِلُوا. واعْلَمْ أنَّ المَرْتَبَةَ الأُولى هو أنَّهم سَكَتُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وحاوَلُوا إسْكاتَ الأنْبِياءِ صفحة ٧٢ عَنْ تِلْكَ الدَّعْوى، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ أنَّهم صَرَّحُوا بِكَوْنِهِمْ كافِرِينَ بِتِلْكَ البَعْثَةِ. والنوع الثّالِثُ: قَوْلُهم: ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”تَدْعُونّا“ بِإدْغامِ النُّونِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ أوْ ذِي رِيبَةٍ مِن أرابَهُ، والرِّيبَةُ قَلَقُ النَّفْسِ وأنْ لا تَطْمَئِنَّ إلى الأمْرِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا ذَكَرُوا في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ أنَّهم كافِرُونَ بِرِسالَتِهِمْ كَيْفَ ذَكَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ كَوْنَهم شاكِّينَ مُرْتابِينَ في صِحَّةِ قَوْلِهِمْ ؟ قُلْنا: كَأنَّهم قالُوا: إمّا أنْ نَكُونَ كافِرِينَ بِرِسالَتِكم أوْ إنْ لَمْ نَدَعْ هَذا الجَزْمَ واليَقِينَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ نَكُونَ شاكِّينَ مُرْتابِينَ في صِحَّةِ نُبُوَّتِكم، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلا سَبِيلَ إلى الِاعْتِرافِ بِنُبُوَّتِكم. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لَمّا قالُوا لِلرُّسُلِ: ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ . قالَتْ رُسُلُهم: وهَلْ تَشُكُّونَ في اللَّهِ، وفي كَوْنِهِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ وفاطِرًا لِأنْفُسِنا وأرْواحِنا وأرْزاقِنا وجَمِيعِ مَصالِحِنا ؟ وإنّا لا نَدْعُوكم إلّا إلى عِبادَةِ هَذا الإلَهِ المُنْعِمِ، ولا نَمْنَعُكم إلّا عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وهَذِهِ المَعانِي يَشْهَدُ صَرِيحُ العَقْلِ بِصِحَّتِها، فَكَيْفَ قُلْتُمْ: ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ؟ وهَذا النَّظْمُ في غايَةِ الحُسْنِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، فَلَمّا ذَكَرَ هَذا المَعْنى أرْدَفَهُ بِالدَّلالَةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ وُجُودَ السَّماواتِ والأرْضِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى احْتِياجِهِ إلى الصّانِعِ المُخْتارِ الحَكِيمِ مِرارًا وأطْوارًا فَلا نُعِيدُها هَهُنا. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في الشَّكِّ إنَّما هو في أنَّ وُجُودَ اللَّهِ تَعالى لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ، وأقُولُ: مِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ قَبْلَ الوُقُوفِ عَلى الدَّلائِلِ الدَّقِيقَةِ فالفِطْرَةُ شاهِدَةٌ بِوُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الفِطْرَةَ الأوَّلِيَّةَ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ وُجُوهٌ: الوجه الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ العُقَلاءِ: إنَّ مَن لَطَمَ عَلى وجْهِ صَبِيٍّ لَطْمَةً فَتِلْكَ اللَّطْمَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الصّانِعِ وعَلى حُصُولِ التَّكْلِيفِ وعَلى وُجُوبِ دارِ الجَزاءِ وعَلى وُجُوبِ النَّبِيِّ، أمّا دَلالَتُها عَلى وُجُودِ صفحة ٧٣ الصّانِعِ المُخْتارِ، فَلِأنَّ الصَّبِيَّ العاقِلَ إذا وقَعَتِ اللَّطْمَةُ عَلى وجْهِهِ يَصِيحُ ويَقُولُ: مَنِ الَّذِي ضَرَبَنِي ؟ وما ذاكَ إلّا أنَّ شَهادَةَ فِطْرَتِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّطْمَةَ لَمّا حَدَثَتْ بَعْدَ عَدَمِها وجَبَ أنْ يَكُونَ حُدُوثُها لِأجْلِ فاعِلٍ فَعَلَها، ولِأجْلِ مُخْتارٍ أدْخَلَها في الوُجُودِ فَلَمّا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ بِافْتِقارِ ذَلِكَ الحادِثِ مَعَ قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ إلى الفاعِلِ فَبِأنْ تَشْهَدَ بِافْتِقارِ جَمِيعِ حَوادِثِ العالَمِ إلى الفاعِلِ كانَ أوْلى، وأمّا دَلالَتُها عَلى وُجُوبِ التَّكْلِيفِ، فَلِأنَّ ذَلِكَ الصَّبِيَّ يُنادِي ويَصِيحُ ويَقُولُ: لِمَ ضَرَبَنِي ذَلِكَ الضّارِبُ ؟ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِطْرَتَهُ شَهِدَتْ بِأنَّ الأفْعالَ الإنْسانِيَّةَ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ والنَّهْيِ ومُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، وأنَّ الإنْسانَ ما خُلِقَ حَتّى يَفْعَلَ أيَّ فِعْلٍ شاءَ واشْتَهى، وأمّا دَلالَتُها عَلى وُجُوبِ حُصُولِ دارِ الجَزاءِ فَهو أنَّ ذَلِكَ الصَّبِيَّ يَطْلُبُ الجَزاءَ عَلى تِلْكَ اللَّطْمَةِ وما دامَ يُمْكِنُهُ طَلَبُ ذَلِكَ الجَزاءِ فَإنَّهُ لا يَتْرُكُهُ، فَلَمّا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ بِوُجُوبِ الجَزاءِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ القَلِيلِ فَبِأنْ تَشْهَدَ عَلى وُجُوبِ الجَزاءِ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ كانَ أوْلى، وأمّا دَلالَتُها عَلى وُجُوبِ النُّبُوَّةِ فَلِأنَّهم يَحْتاجُونَ إلى إنْسانٍ يُبَيِّنُ لَهم أنَّ العُقُوبَةَ الواجِبَةَ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الجِنايَةِ كَمْ هي ؟ ولا مَعْنى لِلنَّبِيِّ إلّا الإنْسانُ الَّذِي يُقَدِّرُ هَذِهِ الأُمُورَ ويُبَيِّنُ لَهم هَذِهِ الأحْكامَ، فَثَبَتَ أنَّ فِطْرَةَ العَقْلِ حاكِمَةٌ بِأنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ لَهُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ. الوجه الثّانِي: في التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ الصّانِعِ بَدِيهِيٌّ هو أنَّ الفِطْرَةَ شاهِدٌ بِأنَّ حُدُوثَ دارٍ مَنقُوشَةٍ بِالنُّقُوشِ العَجِيبَةِ، مَبْنِيَّةٍ عَلى التَّرْكِيباتِ اللَّطِيفَةِ المُوافِقَةِ لِلْحُكْمِ والمَصْلَحَةِ يَسْتَحِيلُ إلّا عِنْدَ وُجُودِ نَقّاشٍ عالِمٍ، وبانٍ حَكِيمٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ آثارَ الحِكْمَةِ في العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ أكْثَرُ مِن آثارِ الحِكْمَةِ في تِلْكَ الدّارِ المُخْتَصَرَةِ، فَلَمّا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ بِافْتِقارِ النَّقْشِ إلى النَّقّاشِ، والبِناءِ إلى البانِي، فَبِأنْ تَشْهَدَ بِافْتِقارِ كُلِّ هَذا العالَمِ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ الحَكِيمِ كانَ أوْلى. الوجه الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ إذا وقَعَ في مِحْنَةٍ شَدِيدَةٍ وبَلِيَّةٍ قَوِيَّةٍ لا يَبْقى في ظَنِّهِ رَجاءُ المُعاوَنَةِ مَن أحَدٍ، فَكَأنَّهُ بِأصْلِ خِلْقَتِهِ ومُقْتَضى جِبِلَّتِهِ يَتَضَرَّعُ إلى مَن يُخَلِّصُهُ مِنها ويُخْرِجُهُ عَنْ عَلائِقِها وحَبائِلِها، وما ذاكَ إلّا شَهادَةُ الفِطْرَةِ بِالِافْتِقارِ إلى الصّانِعِ المُدَبِّرِ. الوجه الرّابِعُ: أنَّ المَوْجُودَ إمّا أنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَنِ المُؤَثِّرِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ غَنِيًّا عَنِ المُؤَثِّرِ فَهو المَوْجُودُ الواجِبُ لِذاتِهِ، فَإنَّهُ لا مَعْنى لِلْواجِبِ لِذاتِهِ إلّا المَوْجُودُ الَّذِي لا حاجَةَ بِهِ إلى غَيْرِهِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا عَنِ المُؤَثِّرِ فَهو مُحْتاجٌ، والمُحْتاجُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ المُحْتاجِ إلَيْهِ وذَلِكَ هو الصّانِعُ المُخْتارُ. الوجه الخامِسُ: أنَّ الِاعْتِرافَ بِوُجُودِ الإلَهِ المُخْتارِ المُكَلِّفِ، وبِوُجُودِ المَعادِ أحْوَطُ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ فَهَذِهِ مَراتِبُ أرْبَعَةٌ: أوَّلُها: أنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ الإلَهِ أحْوَطُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فَلا ضَرَرَ في الإقْرارِ بِوُجُودِهِ وإنْ كانَ مَوْجُودًا فَفي إنْكارِهِ أعْظَمُ المَضارِّ. وثانِيها: الإقْرارُ بِكَوْنِهِ فاعِلًا مُخْتارًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُوجَبًا فَلا ضَرَرَ في الإقْرارِ بِكَوْنِهِ مُخْتارًا. أمّا لَوْ كانَ مُخْتارًا فَفي إنْكارِ كَوْنِهِ مُخْتارًا أعْظَمُ المَضارِّ. وثالِثُها: الإقْرارُ بِأنَّهُ كَلَّفَ عِبادَهُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا مِن عَبِيدِهِ شَيْئًا فَلا ضَرَرَ في اعْتِقادِ أنَّهُ كَلَّفَ العِبادَ، أما إنَّهُ لَوْ كَلَّفَ فَفي إنْكارِ تِلْكَ التَّكالِيفِ أعْظَمُ المَضارِّ. ورابِعُها: الإقْرارُ بِوُجُودِ المَعادِ فَإنَّهُ إنْ كانَ الحَقُّ أنَّهُ لا مَعادَ فَلا ضَرَرَ في الإقْرارِ بِوُجُودِهِ، لِأنَّهُ لا يَفُوتُ إلّا هَذِهِ اللَّذّاتُ الجُسْمانِيَّةُ وهي حَقِيرَةٌ ومَنقُوصَةٌ وإنْ كانَ الحَقُّ هو وُجُوبَ المَعادِ فَفي إنْكارِهِ أعْظَمُ المَضارِّ. فَظَهَرَ أنَّ الإقْرارَ بِهَذِهِ المَقاماتِ أحْوَطُ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ بَدِيهَةَ العَقْلِ حاكِمَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ بِقَدْرِ الإمْكانِ. صفحة ٧٤ * * * المسألة الثّالِثَةُ: لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى وُجُودِ الإلَهِ بِدَلِيلِ كَوْنِهِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ وصَفَهُ بِكَمالِ الرَّحْمَةِ والكَرَمِ والجُودِ وبَيَّنَ ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَوْ قالَ قائِلٌ: ما مَعْنى التَّبْعِيضِ في قَوْلِهِ ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ؟ ثُمَّ أجابَ فَقالَ: ما جاءَ هَكَذا إلّا في خِطابِ الكافِرِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٣] . ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] وقالَ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] إلى أنْ قالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثم قال: وكَأنَّ ذَلِكَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ، ولِئَلّا يُسَوّى بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في المَعادِ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ أنَّهُ يَغْفِرُ لَهم ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ مِنَ المَظالِمِ. هَذا كَلامُ هَذا الرَّجُلِ. وقالَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ [ مِن ] زائِدَةٌ، وأنْكَرَ سِيبَوَيْهِ زِيادَتَها في الواجِبِ، وإذا قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زائِدَةً فَهَهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذُكِرَ البَعْضُ هَهُنا وأُرِيدَ بِهِ الجَمِيعُ تَوَسُّعًا. والثّانِي: أنَّ ”مِن“ هَهُنا لِلْبَدَلِ والمَعْنى لِتَكُونَ المَغْفِرَةُ بَدَلًا مِنَ الذُّنُوبِ فَدَخَلَتْ ”مِن“ لِتَضَمُّنِ المَغْفِرَةِ مَعْنى البَدَلِ مِنَ السَّيِّئَةِ، وقالَ القاضِي: ذَكَرَ الأصَمُّ أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ هَهُنا تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، والمَعْنى أنَّكم إذا تُبْتُمْ فَإنَّهُ يَغْفِرُ لَكُمُ الذُّنُوبَ الَّتِي هي مِنَ الكَبائِرِ، فَأمّا الَّتِي تَكُونُ مِن بابِ الصَّغائِرِ فَلا حاجَةَ إلى غُفْرانِها لِأنَّها في أنْفُسِها مَغْفُورَةٌ، قالَ القاضِي: وقَدْ أبْعَدَ في هَذا التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ صَغائِرُهم كَكَبائِرِهِمْ في أنَّها لا تُغْفَرُ إلّا بِالتَّوْبَةِ وإنَّما تَكُونُ الصَّغِيرَةُ مَغْفُورَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِينَ مِن حَيْثُ يَزِيدُ ثَوابُهم عَلى عِقابِها، فَأمّا مَن لا ثَوابَ لَهُ أصْلًا فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِن ذُنُوبِهِ صَغِيرًا ولا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها مَغْفُورًا. ثم قال: وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الكافِرَ قَدْ يَنْسى بَعْضَ ذُنُوبِهِ في حالِ تَوْبَتِهِ وإنابَتِهِ فَلا يَكُونُ المَغْفُورُ مِنها إلّا ما ذَكَرَهُ وتابَ مِنهُ، فَهَذا جُمْلَةُ أقْوالِ النّاسِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: أقُولُ هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ في حَقِّ أهْلِ الإيمانِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ: ﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ وعَدَ بِغُفْرانِ بَعْضِ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ اشْتِراطِ التَّوْبَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَغْفِرَ بَعْضَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ التَّوْبَةِ وذَلِكَ البَعْضُ لَيْسَ هو الكُفْرَ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ الكُفْرَ إلّا بِالتَّوْبَةِ عَنْهُ والدُّخُولِ في الإيمانِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ البَعْضُ الَّذِي يَغْفِرُ لَهُ مِن غَيْرِ التَّوْبَةِ هو ما عَدا الكُفْرَ مِنَ الذُّنُوبِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ كَلِمَةُ ”مِن“ صِلَةٌ عَلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ أوْ نَقُولَ: المُرادُ مِنَ البَعْضِ هَهُنا هو الكُلُّ عَلى ما قالَهُ الواحِدِيُّ، أوْ نَقُولَ: المُرادُ مِنها إبْدالُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ عَلى ما قالَهُ الواحِدِيُّ أيْضًا أوْ نَقُولَ: المُرادُ مِنهُ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِ عَنِ الكافِرِ في الخِطابِ عَلى ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ . أوْ نَقُولَ: المُرادُ مِنهُ تَخْصِيصُ هَذا الغُفْرانِ بِالكَبائِرِ عَلى ما قالَهُ الأصَمُّ. أوْ نَقُولَ: المُرادُ مِنهُ الذُّنُوبُ الَّتِي يَذْكُرُها الكافِرُ عِنْدَ الدُّخُولِ في الإيمانِ عَلى ما قالَهُ القاضِي ؟ فَنَقُولُ: هَذِهِ الوُجُوهُ بِأسْرِها ضَعِيفَةٌ: أما قوله: إنَّها صِلَةٌ فَمَعْناهُ الحكم عَلى كَلِمَةٍ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّها حَشْوٌ ضائِعٌ فاسِدٌ، والعاقِلُ لا يُجَوِّزُ المَصِيرَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَأمّا قَوْلُ الواحِدِيِّ: المُرادُ مِن كَلِمَةِ ”مِن“ هَهُنا هو الكُلُّ فَهو عَيْنُ ما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ لِأنَّ حاصِلَهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ هو أنَّهُ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم وهَذا عَيْنُ ما نَقَلَهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، وحُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ إنْكارُهُ، وأمّا صفحة ٧٥ قَوْلُهُ: المُرادُ مِنهُ إبْدالُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ فَلَيْسَ في اللُّغَةِ أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ تُفِيدُ الإبْدالَ، وأمّا قَوْلُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“: المُرادُ تَمْيِيزُ خِطابِ المُؤْمِنِ عَنْ خِطابِ الكافِرِ بِمَزِيدِ التَّشْرِيفِ فَهو مِن بابِ الطّامّاتِ؛ لِأنَّ هَذا التَّبْعِيضَ إنْ حَصَلَ فَلا حاجَةَ إلى ذِكْرِ هَذا الجَوابِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ كانَ هَذا الجَوابُ فاسِدًا، وأمّا قَوْلُ الأصَمِّ فَقَدْ سَبَقَ إبْطالُهُ، وأمّا قَوْلُ القاضِي فَجَوابُهُ: أنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ صارَتْ ذُنُوبُهُ بِأسْرِها مَغْفُورَةً لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«التّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ» “ فَثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ تَعَسُّفٌ ساقِطٌ بَلِ المُرادُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ بَعْضَ ذُنُوبِهِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ وهو ما عَدا الكُفْرَ، وأمّا الكُفْرُ فَهو أيْضًا مِنَ الذُّنُوبِ وأنَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُهُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ كَبائِرَ كافِرٍ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ بِشَرْطِ أنْ يَأْتِيَ بِالإيمانِ فَبِأنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الحالَةُ لِلْمُؤْمِنِ كانَ أوْلى، هَذا ما خَطَرَ بِالبالِ عَلى سَبِيلِ الِارْتِجالِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. النوع الثّانِي: مِمّا وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أنَّكم إنْ آمَنتُمْ أخَّرَ اللَّهُ مَوْتَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى وإلّا عاجَلَكم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ. الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى يُمَتِّعَكم في الدُّنْيا بِالطَّيِّباتِ واللَّذّاتِ إلى المَوْتِ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ ؟ قُلْنا: قَدْ تَكَلَّمْنا في هَذِهِ المسألة في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ الرُّسُلَ لَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ قالُوا: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مُشْتَمِلٌ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الشُّبَهِ: فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّ الأشْخاصَ الإنْسانِيَّةَ مُتَساوِيَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَبْلُغَ التَّفاوُتُ بَيْنَ تِلْكَ الأشْخاصِ إلى هَذا الحَدِّ، وهو أنْ يَكُونَ الواحِدُ مِنهم رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مُطَّلِعًا عَلى الغَيْبِ مُخالِطًا لِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ والباقُونَ يَكُونُونَ غافِلِينَ عَنْ كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ، أيْضًا كانُوا يَقُولُونَ: إنْ كُنْتَ قَدْ فارَقْتَنا في هَذِهِ الأحْوالِ العالِيَةِ الإلَهِيَّةِ الشَّرِيفَةِ وجَبَ أنْ تُفارِقَنا في الأحْوالِ الخَسِيسَةِ، وفي الحاجَةِ إلى الأكْلِ والشُّرْبِ والحَدَثِ والوِقاعِ، وهَذِهِ الشُّبْهَةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ . والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: التَّمَسُّكُ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ، وهي أنَّهم وجَدُوا آباءَهم وعُلَماءَهم وكُبَراءَهم مُطْبِقِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. قالُوا: ويَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ أُولَئِكَ القُدَماءَ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ خَواطِرِهِمْ لَمْ يَعْرِفُوا بُطْلانَ هَذا الدِّينِ، وأنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ عَرَفَ فَسادَهُ ووَقَفَ عَلى بُطْلانِهِ، والعَوامُّ رُبَّما زادُوا في هَذا البابِ كَلامًا آخَرَ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ العالِمَ إذا بَيَّنَ ضَعْفَ كَلامِ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ قالُوا لَهُ: إنَّ كَلامَكَ إنَّما يَظْهَرُ صِحَّتُهُ لَوْ كانَ المُتَقَدِّمُونَ حاضِرِينَ، أمّا المُناظَرَةُ مَعَ المَيِّتِ فَسَهْلَةٌ، فَهَذا كَلامٌ يَذْكُرُهُ الحَمْقى والرَّعاعُ وأُولَئِكَ الكُفّارُ أيْضًا ذَكَرُوهُ، وهَذِهِ الشُّبْهَةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ . والشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: أنْ قالُوا المُعْجِزُ لا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ أصْلًا، وإنْ كانُوا سَلَّمُوا عَلى أنَّ المُعْجِزَ يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، إلّا أنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ أُولَئِكَ الرُّسُلُ طَعَنُوا فِيهِ وزَعَمُوا أنَّها أُمُورٌ مُعْتادَةٌ، وأنَّها لَيْسَتْ مِن بابِ صفحة ٧٦ المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ، وإلى هَذا النوع مِنَ الشُّبْهَةِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَهَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِحَسَبِ الوُسْعِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:11

قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ شُبُهاتِهِمْ في الطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ، حَكى عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَوابَهم عَنْها. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: وهي قَوْلُهم: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَجَوابُهُ: أنَّ الأنْبِياءَ سَلَّمُوا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهم بَيَّنُوا أنَّ التَّماثُلَ في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ لا يَمْنَعُ مِنَ اخْتِصاصِ بَعْضِ البَشَرِ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ لِأنَّ هَذا المَنصِبَ مَنصِبٌ يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقامَ فِيهِ بَحْثٌ شَرِيفٌ دَقِيقٌ، وهو أنَّ جَماعَةً مِن حُكَماءِ الإسْلامِ قالُوا: إنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ وبَدَنِهِ مَخْصُوصًا بِخَواصَّ شَرِيفَةٍ عُلْوِيَّةٍ قُدُسِيَّةٍ، فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ عَقْلًا حُصُولُ صِفَةِ النُّبُوَّةِ لَهُ. وأمّا الظّاهِرِيُّونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ حُصُولَ النُّبُوَّةِ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَهَبُها لِكُلِّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ولا يَتَوَقَّفُ حُصُولُها عَلى امْتِيازِ ذَلِكَ الإنْسانِ عَنْ سائِرِ النّاسِ بِمَزِيدِ إشْراقٍ نَفْسانِيٍّ وقُوَّةٍ قُدُسِيَّةٍ، وهَؤُلاءِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ حُصُولَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ إلّا بِمَحْضِ المِنَّةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والعَطِيَّةِ مِنهُ، والكَلامُ مِن هَذا البابِ غامِضٌ غائِصٌ دَقِيقٌ، والأوَّلُونَ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّهم لَمْ يَذْكُرُوا فَضائِلَهُمُ النَّفْسانِيَّةَ والجَسَدانِيَّةَ تَواضُعًا مِنهم، واقْتَصَرُوا عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] بِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى لا يَخُصُّهم بِتِلْكَ الكَراماتِ إلّا وهم مَوْصُوفُونَ بِالفَضائِلِ الَّتِي لِأجْلِها اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ التَّخْصِيصَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] . وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُهم: إطْباقُ السَّلَفِ عَلى ذَلِكَ الدِّينِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ حَقًّا؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَظْهَرَ لِلرَّجُلِ الواحِدِ ما لَمْ يَظْهَرْ لِلْخَلْقِ العَظِيمِ، فَجَوابُهُ: عَيْنُ الجَوابِ المَذْكُورِ عَنِ الشُّبْهَةِ الأُولى؛ لِأنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والصِّدْقِ والكَذِبِ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفَضْلٌ مِنهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ بَعْضَ عَبِيدِهِ بِهَذِهِ العَطِيَّةِ وأنْ يَحْرِمَ الجَمْعَ العَظِيمَ مِنها. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: وهي قَوْلُهم: إنّا لا نَرْضى بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أتَيْتُمْ بِها، وإنَّما نُرِيدُ مُعْجِزاتٍ قاهِرَةً قَوِيَّةً. صفحة ٧٧ فالجَوابُ عَنْها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وشَرْحُ هَذا الجَوابِ: أنَّ المُعْجِزَةَ الَّتِي جِئْنا بِها وتَمَسَّكْنا بِها حُجَّةٌ قاطِعَةٌ وبَيِّنَةٌ قاهِرَةٌ ودَلِيلٌ تامٌّ، فَأمّا الأشْياءُ الَّتِي طَلَبْتُمُوها فَهي أُمُورٌ زائِدَةٌ والحكم فِيها لِلَّهِ تَعالى فَإنْ خَلَقَها وأظْهَرَها فَلَهُ الفَضْلُ، وإنْ لَمْ يَخْلُقْها فَلَهُ العَدْلُ ولا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ قَدْرِ الكِفايَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهم قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ الأنْبِياءَ لَمّا أجابُوا عَنْ شُبُهاتِهِمْ بِذَلِكَ الجَوابِ فالقَوْمُ أخَذُوا في السَّفاهَةِ والتَّخْوِيفِ والوَعِيدِ، وعِنْدَ هَذا قالَتِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: لا نَخافُ مِن تَخْوِيفِكم ولا نَلْتَفِتُ إلى تَهْدِيدِكم فَإنَّ تَوَكُّلَنا عَلى اللَّهِ واعْتِمادَنا عَلى فَضْلِ اللَّهِ، ولَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كانَ قَدْ أوْحى إلَيْهِمْ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إيصالِ الشَّرِّ والآفَةِ إلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ حَصَلَ هَذا الوَحْيُ فَلا يَبْعُدُ مِنهم أنْ لا يَلْتَفِتُوا إلى سَفاهَتِهِمْ لَمّا أنْ أرْواحُهم كانَتْ مُشْرِقَةً بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ مُشْرِقَةً بِأضْواءِ عالَمِ الغَيْبِ، والرُّوحُ مَتّى كانَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَقَلَّما يُبالِي بِالأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ وقَلَّما يُقِيمُ لَها وزْنًا في حالَتَيِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ وطَوْرَيِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ وعَوَّلُوا عَلى فَضْلِ اللَّهِ وقَطَعُوا أطْماعَهم عَمّا سِوى اللَّهِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى لَمّا خَصَّنا بِهَذِهِ الدَّرَجاتِ الرُّوحانِيَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ الرَّبّانِيَّةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ ؟ بَلِ اللّائِقُ بِنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ إلّا عَلَيْهِ ولا نُعَوِّلَ في تَحْصِيلِ المُهِمّاتِ إلّا عَلَيْهِ، فَإنَّ مَن فازَ بِشَرَفِ العُبُودِيَّةِ ووَصَلَ إلى مَكانِ الإخْلاصِ والمُكاشَفَةِ يَقْبُحُ بِهِ أنْ يَرْجِعَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلى غَيْرِ الحَقِّ سَواءً كانَ مَلِكًا لَهُ أوْ مَلَكًا أوْ رُوحًا أوْ جِسْمًا، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْصِمُ أوْلِياءَهُ المُخْلِصِينَ في عُبُودِيَّتِهِ مِن كَيْدِ أعْدائِهِمْ ومَكْرِهِمْ. ثم قال وا: ﴿ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ فَإنَّ الصَّبْرَ مِفْتاحُ الفَرَجِ، ومَطْلَعُ الخَيْراتِ، والحَقُّ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ غالِبًا قاهِرًا، والباطِلُ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا، ثُمَّ أعادُوا قَوْلَهم: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ لَمّا فَرَغُوا مِن أنْفُسِهِمْ أمَرُوا أتْباعَهم بِذَلِكَ وقالُوا: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآمِرَ بِالخَيْرِ لا يُؤَثِّرُ قَوْلُهُ إلّا إذا أتى بِذَلِكَ الخَيْرِ أوَّلًا، ورَأيْتُ في كَلامِ الشَّيْخِ أبِي حامِدٍ الغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَصْلًا حَسَنًا وحاصِلُهُ: أنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ ناقِصًا أوْ كامِلًا أوْ خالِيًا عَنِ الوَصْفَيْنِ. أمّا النّاقِصُ فَإمّا أنْ يَكُونَ ناقِصًا في ذاتِهِ ولَكِنَّهُ لا يَسْعى في تَنْقِيصِ حالِ غَيْرِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ ناقِصًا ويَكُونَ مَعَ ذَلِكَ ساعِيًا في تَنْقِيصِ حالِ الغَيْرِ، فالأوَّلُ هو الضّالُّ، والثّانِي هو الضّالُّ المُضِلُّ، وأمّا الكامِلُ فَإمّا أنْ يَكُونَ كامِلًا ولا يَقْدِرُ عَلى تَكْمِيلِ الغَيْرِ وهُمُ الأوْلِياءُ، وإمّا أنْ يَكُونَ كامِلًا ويَقْدِرُ عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ وهُمُ الأنْبِياءُ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ» “ . ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ النُّقْصانِ والكَمالِ ومَراتِبُ الإكْمالِ والإضْلالِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ الوِلايَةِ والحَياةِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ بِحَسَبِ الكَمالِ والنُّقْصانِ، فالوَلِيُّ هو الإنْسانُ الكامِلُ الَّذِي لا يَقْوى عَلى التَّكْمِيلِ، والنَّبِيُّ هو الإنْسانُ الكامِلُ المُكَمِّلُ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ قُوَّتُهُ الرُّوحانِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ وافِيَةً بِتَكْمِيلِ إنْسانَيْنِ ناقِصَيْنِ وقَدْ تَكُونُ أقْوى مِن ذَلِكَ فَيَفِي بِتَكْمِيلِ عَشَرَةٍ ومِائَةٍ، وقَدْ تَكُونُ تِلْكَ القُوَّةُ قاهِرَةً قَوِيَّةً تُؤَثِّرُ تَأْثِيرَ الشَّمْسِ في العالَمِ فَيَقْلِبُ أرْواحَ أكْثَرِ أهْلِ العالَمِ مِن مَقامِ الجَهْلِ إلى مَقامِ المَعْرِفَةِ ومِن طَلَبِ الدُّنْيا إلى طَلَبِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ مِثْلُ رُوحِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ وقْتَ ظُهُورِهِ كانَ العالَمُ مَمْلُوءًا مِنَ اليَهُودِ وأكْثَرُهم كانُوا مُشَبِّهَةً، ومِنَ النَّصارى وهم حُلُولِيَّةٌ، ومِنَ المَجُوسِ وقُبْحُ مَذاهِبِهِمْ صفحة ٧٨ ظاهِرٌ، ومِن عَبْدَةِ الأوْثانِ وسُخْفُ دِينِهِمْ أظْهَرُ مِن أنْ يَحْتاجَ إلى بَيانٍ، فَلَمّا ظَهَرَتْ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ سَرَتْ قُوَّةُ رُوحِهِ في الأرْواحِ فَقَلَبَ أكْثَرَ أهْلِ العالَمِ مِنَ الشِّرْكِ إلى التَّوْحِيدِ، ومِنَ التَّجْسِيمِ إلى التَّنْزِيهِ، ومِنَ الِاسْتِغْراقِ في طَلَبِ الدُّنْيا إلى التَّوَجُّهِ إلى عالَمِ الآخِرَةِ، فَمِن هَذا المَقامِ يَنْكَشِفُ لِلْإنْسانِ مَقامُ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما كانَتْ حاصِلَةً لَهم مِن كَمالاتِ نُفُوسِهِمْ، وقَوْلُهم في آخِرِ الأمْرِ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ أرْواحِهِمُ الكامِلَةِ في تَكْمِيلِ الأرْواحِ النّاقِصَةِ، فَهَذِهِ أسْرارٌ عالِيَةٌ مَخْزُونَةٌ في ألْفاظِ القُرْآنِ، فَمَن نَظَرَ في عِلْمِ القُرْآنِ وكانَ غافِلًا عَنْها كانَ مَحْرُومًا مِن أسْرارِ عُلُومِ القُرْآنِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ أنَّ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ سائِرَ المُعْجِزاتِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا في حُصُولِها عَلى اللَّهِ تَعالى لا عَلَيْها، فَإنْ شاءَ أظْهَرَها وإنْ شاءَ لَمْ يُظْهِرْها. وأما قوله في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ الأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ في دَفْعِ شَرِّ النّاسِ الكُفّارِ وسَفاهَتِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرارُ غَيْرُ حاصِلٍ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ وارِدٌ في مَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِحَسَبِ مَقْصُودَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ، وقِيلَ أيْضًا: الأوَّلُ: ذُكِرَ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ. والثّانِي: لِلسَّعْيِ في إبْقائِهِ وإدامَتِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:12

قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ شُبُهاتِهِمْ في الطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ، حَكى عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَوابَهم عَنْها. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: وهي قَوْلُهم: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَجَوابُهُ: أنَّ الأنْبِياءَ سَلَّمُوا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهم بَيَّنُوا أنَّ التَّماثُلَ في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ لا يَمْنَعُ مِنَ اخْتِصاصِ بَعْضِ البَشَرِ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ لِأنَّ هَذا المَنصِبَ مَنصِبٌ يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقامَ فِيهِ بَحْثٌ شَرِيفٌ دَقِيقٌ، وهو أنَّ جَماعَةً مِن حُكَماءِ الإسْلامِ قالُوا: إنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ وبَدَنِهِ مَخْصُوصًا بِخَواصَّ شَرِيفَةٍ عُلْوِيَّةٍ قُدُسِيَّةٍ، فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ عَقْلًا حُصُولُ صِفَةِ النُّبُوَّةِ لَهُ. وأمّا الظّاهِرِيُّونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ حُصُولَ النُّبُوَّةِ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَهَبُها لِكُلِّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ولا يَتَوَقَّفُ حُصُولُها عَلى امْتِيازِ ذَلِكَ الإنْسانِ عَنْ سائِرِ النّاسِ بِمَزِيدِ إشْراقٍ نَفْسانِيٍّ وقُوَّةٍ قُدُسِيَّةٍ، وهَؤُلاءِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ حُصُولَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ إلّا بِمَحْضِ المِنَّةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والعَطِيَّةِ مِنهُ، والكَلامُ مِن هَذا البابِ غامِضٌ غائِصٌ دَقِيقٌ، والأوَّلُونَ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّهم لَمْ يَذْكُرُوا فَضائِلَهُمُ النَّفْسانِيَّةَ والجَسَدانِيَّةَ تَواضُعًا مِنهم، واقْتَصَرُوا عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] بِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى لا يَخُصُّهم بِتِلْكَ الكَراماتِ إلّا وهم مَوْصُوفُونَ بِالفَضائِلِ الَّتِي لِأجْلِها اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ التَّخْصِيصَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] . وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُهم: إطْباقُ السَّلَفِ عَلى ذَلِكَ الدِّينِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ حَقًّا؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَظْهَرَ لِلرَّجُلِ الواحِدِ ما لَمْ يَظْهَرْ لِلْخَلْقِ العَظِيمِ، فَجَوابُهُ: عَيْنُ الجَوابِ المَذْكُورِ عَنِ الشُّبْهَةِ الأُولى؛ لِأنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والصِّدْقِ والكَذِبِ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفَضْلٌ مِنهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ بَعْضَ عَبِيدِهِ بِهَذِهِ العَطِيَّةِ وأنْ يَحْرِمَ الجَمْعَ العَظِيمَ مِنها. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: وهي قَوْلُهم: إنّا لا نَرْضى بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أتَيْتُمْ بِها، وإنَّما نُرِيدُ مُعْجِزاتٍ قاهِرَةً قَوِيَّةً. صفحة ٧٧ فالجَوابُ عَنْها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وشَرْحُ هَذا الجَوابِ: أنَّ المُعْجِزَةَ الَّتِي جِئْنا بِها وتَمَسَّكْنا بِها حُجَّةٌ قاطِعَةٌ وبَيِّنَةٌ قاهِرَةٌ ودَلِيلٌ تامٌّ، فَأمّا الأشْياءُ الَّتِي طَلَبْتُمُوها فَهي أُمُورٌ زائِدَةٌ والحكم فِيها لِلَّهِ تَعالى فَإنْ خَلَقَها وأظْهَرَها فَلَهُ الفَضْلُ، وإنْ لَمْ يَخْلُقْها فَلَهُ العَدْلُ ولا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ قَدْرِ الكِفايَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهم قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ الأنْبِياءَ لَمّا أجابُوا عَنْ شُبُهاتِهِمْ بِذَلِكَ الجَوابِ فالقَوْمُ أخَذُوا في السَّفاهَةِ والتَّخْوِيفِ والوَعِيدِ، وعِنْدَ هَذا قالَتِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: لا نَخافُ مِن تَخْوِيفِكم ولا نَلْتَفِتُ إلى تَهْدِيدِكم فَإنَّ تَوَكُّلَنا عَلى اللَّهِ واعْتِمادَنا عَلى فَضْلِ اللَّهِ، ولَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كانَ قَدْ أوْحى إلَيْهِمْ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إيصالِ الشَّرِّ والآفَةِ إلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ حَصَلَ هَذا الوَحْيُ فَلا يَبْعُدُ مِنهم أنْ لا يَلْتَفِتُوا إلى سَفاهَتِهِمْ لَمّا أنْ أرْواحُهم كانَتْ مُشْرِقَةً بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ مُشْرِقَةً بِأضْواءِ عالَمِ الغَيْبِ، والرُّوحُ مَتّى كانَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَقَلَّما يُبالِي بِالأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ وقَلَّما يُقِيمُ لَها وزْنًا في حالَتَيِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ وطَوْرَيِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ وعَوَّلُوا عَلى فَضْلِ اللَّهِ وقَطَعُوا أطْماعَهم عَمّا سِوى اللَّهِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى لَمّا خَصَّنا بِهَذِهِ الدَّرَجاتِ الرُّوحانِيَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ الرَّبّانِيَّةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ ؟ بَلِ اللّائِقُ بِنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ إلّا عَلَيْهِ ولا نُعَوِّلَ في تَحْصِيلِ المُهِمّاتِ إلّا عَلَيْهِ، فَإنَّ مَن فازَ بِشَرَفِ العُبُودِيَّةِ ووَصَلَ إلى مَكانِ الإخْلاصِ والمُكاشَفَةِ يَقْبُحُ بِهِ أنْ يَرْجِعَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلى غَيْرِ الحَقِّ سَواءً كانَ مَلِكًا لَهُ أوْ مَلَكًا أوْ رُوحًا أوْ جِسْمًا، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْصِمُ أوْلِياءَهُ المُخْلِصِينَ في عُبُودِيَّتِهِ مِن كَيْدِ أعْدائِهِمْ ومَكْرِهِمْ. ثم قال وا: ﴿ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ فَإنَّ الصَّبْرَ مِفْتاحُ الفَرَجِ، ومَطْلَعُ الخَيْراتِ، والحَقُّ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ غالِبًا قاهِرًا، والباطِلُ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا، ثُمَّ أعادُوا قَوْلَهم: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ لَمّا فَرَغُوا مِن أنْفُسِهِمْ أمَرُوا أتْباعَهم بِذَلِكَ وقالُوا: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآمِرَ بِالخَيْرِ لا يُؤَثِّرُ قَوْلُهُ إلّا إذا أتى بِذَلِكَ الخَيْرِ أوَّلًا، ورَأيْتُ في كَلامِ الشَّيْخِ أبِي حامِدٍ الغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَصْلًا حَسَنًا وحاصِلُهُ: أنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ ناقِصًا أوْ كامِلًا أوْ خالِيًا عَنِ الوَصْفَيْنِ. أمّا النّاقِصُ فَإمّا أنْ يَكُونَ ناقِصًا في ذاتِهِ ولَكِنَّهُ لا يَسْعى في تَنْقِيصِ حالِ غَيْرِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ ناقِصًا ويَكُونَ مَعَ ذَلِكَ ساعِيًا في تَنْقِيصِ حالِ الغَيْرِ، فالأوَّلُ هو الضّالُّ، والثّانِي هو الضّالُّ المُضِلُّ، وأمّا الكامِلُ فَإمّا أنْ يَكُونَ كامِلًا ولا يَقْدِرُ عَلى تَكْمِيلِ الغَيْرِ وهُمُ الأوْلِياءُ، وإمّا أنْ يَكُونَ كامِلًا ويَقْدِرُ عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ وهُمُ الأنْبِياءُ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ» “ . ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ النُّقْصانِ والكَمالِ ومَراتِبُ الإكْمالِ والإضْلالِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ الوِلايَةِ والحَياةِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ بِحَسَبِ الكَمالِ والنُّقْصانِ، فالوَلِيُّ هو الإنْسانُ الكامِلُ الَّذِي لا يَقْوى عَلى التَّكْمِيلِ، والنَّبِيُّ هو الإنْسانُ الكامِلُ المُكَمِّلُ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ قُوَّتُهُ الرُّوحانِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ وافِيَةً بِتَكْمِيلِ إنْسانَيْنِ ناقِصَيْنِ وقَدْ تَكُونُ أقْوى مِن ذَلِكَ فَيَفِي بِتَكْمِيلِ عَشَرَةٍ ومِائَةٍ، وقَدْ تَكُونُ تِلْكَ القُوَّةُ قاهِرَةً قَوِيَّةً تُؤَثِّرُ تَأْثِيرَ الشَّمْسِ في العالَمِ فَيَقْلِبُ أرْواحَ أكْثَرِ أهْلِ العالَمِ مِن مَقامِ الجَهْلِ إلى مَقامِ المَعْرِفَةِ ومِن طَلَبِ الدُّنْيا إلى طَلَبِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ مِثْلُ رُوحِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ وقْتَ ظُهُورِهِ كانَ العالَمُ مَمْلُوءًا مِنَ اليَهُودِ وأكْثَرُهم كانُوا مُشَبِّهَةً، ومِنَ النَّصارى وهم حُلُولِيَّةٌ، ومِنَ المَجُوسِ وقُبْحُ مَذاهِبِهِمْ صفحة ٧٨ ظاهِرٌ، ومِن عَبْدَةِ الأوْثانِ وسُخْفُ دِينِهِمْ أظْهَرُ مِن أنْ يَحْتاجَ إلى بَيانٍ، فَلَمّا ظَهَرَتْ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ سَرَتْ قُوَّةُ رُوحِهِ في الأرْواحِ فَقَلَبَ أكْثَرَ أهْلِ العالَمِ مِنَ الشِّرْكِ إلى التَّوْحِيدِ، ومِنَ التَّجْسِيمِ إلى التَّنْزِيهِ، ومِنَ الِاسْتِغْراقِ في طَلَبِ الدُّنْيا إلى التَّوَجُّهِ إلى عالَمِ الآخِرَةِ، فَمِن هَذا المَقامِ يَنْكَشِفُ لِلْإنْسانِ مَقامُ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما كانَتْ حاصِلَةً لَهم مِن كَمالاتِ نُفُوسِهِمْ، وقَوْلُهم في آخِرِ الأمْرِ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ أرْواحِهِمُ الكامِلَةِ في تَكْمِيلِ الأرْواحِ النّاقِصَةِ، فَهَذِهِ أسْرارٌ عالِيَةٌ مَخْزُونَةٌ في ألْفاظِ القُرْآنِ، فَمَن نَظَرَ في عِلْمِ القُرْآنِ وكانَ غافِلًا عَنْها كانَ مَحْرُومًا مِن أسْرارِ عُلُومِ القُرْآنِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ أنَّ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ سائِرَ المُعْجِزاتِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا في حُصُولِها عَلى اللَّهِ تَعالى لا عَلَيْها، فَإنْ شاءَ أظْهَرَها وإنْ شاءَ لَمْ يُظْهِرْها. وأما قوله في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ الأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ في دَفْعِ شَرِّ النّاسِ الكُفّارِ وسَفاهَتِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرارُ غَيْرُ حاصِلٍ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ وارِدٌ في مَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِحَسَبِ مَقْصُودَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ، وقِيلَ أيْضًا: الأوَّلُ: ذُكِرَ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ. والثّانِي: لِلسَّعْيِ في إبْقائِهِ وإدامَتِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أنَّهُمُ اكْتَفَوْا في دَفْعِ شُرُورِ أعْدائِهِمْ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والِاعْتِمادِ عَلى حِفْظِهِ وحِياطَتِهِ، حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم بالَغُوا في السَّفاهَةِ وقالُوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ والمَعْنى: لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ لا مَحالَةَ: إمّا إخْراجُكم وإمّا عَوْدُكم إلى مِلَّتِنا. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أهْلَ الحَقِّ في كُلِّ زَمانٍ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ، وأهْلُ الباطِلِ يَكُونُونَ كَثِيرِينَ، والظَّلَمَةُ والفَسَقَةُ يَكُونُونَ مُتَعاوِنِينَ مُتَعاضِدِينَ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ قَدَرُوا عَلى هَذِهِ السَّفاهَةِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا يُوهِمُ أنَّهم كانُوا عَلى مِلَّتِهِمْ في أوَّلِ الأمْرِ حَتّى يَعُودُوا فِيها. صفحة ٧٩ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إنَّما نَشَئُوا في تِلْكَ البِلادِ وكانُوا مِن تِلْكَ القَبائِلِ، وفي أوَّلِ الأمْرِ ما أظْهَرُوا المُخالَفَةَ مَعَ أُولَئِكَ الكُفّارِ، بَلْ كانُوا في ظاهِرِ الأمْرِ مَعَهم مِن غَيْرِ إظْهارِ مُخالَفَةٍ فالقَوْمُ ظَنُّوا لِهَذا السَّبَبِ أنَّهم كانُوا في أوَّلِ الأمْرِ عَلى دِينِهِمْ فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ . الوجه الثّانِي: أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ الكُفّارِ ولا يَجِبُ في كُلِّ ما قالُوهُ أنْ يَكُونُوا صادِقِينَ فِيهِ فَلَعَلَّهم تَوَهَّمُوا ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ ما كانَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمُوهُ. الوجه الثّالِثُ: لَعَلَّ الخِطابَ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مَعَ الرُّسُلِ إلّا أنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الخِطابِ أتْباعُهم وأصْحابُهم ولا بَأْسَ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى دِينِ أُولَئِكَ الكُفّارِ. الوجه الرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: العَوْدُ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ. الوجه الخامِسُ: لَعَلَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ كانُوا قَبْلَ إرْسالِهِمْ عَلى مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ بِنَسْخِ تِلْكَ المِلَّةِ وأمَرَهم بِشَرِيعَةٍ أُخْرى وبَقِيَ الأقْوامُ عَلى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي صارَتْ مَنسُوخَةً مُصِرِّينَ عَلى سَبِيلِ الكُفْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَطْلُبُوا مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَعُودُوا إلى تِلْكَ المِلَّةِ. الوجه السّادِسُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ أيْ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ ادِّعاءِ الرِّسالَةِ مِنَ السُّكُوتِ عَنْ ذِكْرِ مُعايَبَةِ دِينِنا وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالطَّعْنِ والقَدْحِ. وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ قالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ حِكايَةٌ تَقْتَضِي إضْمارَ القَوْلِ أوْ إجْراءَ الإيحاءِ مَجْرى القَوْلِ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ولَيُسْكِنَنَّكم“ بِالياءِ اعْتِبارًا لِأوْحى فَإنَّ هَذا اللَّفْظَ لَفْظُ الغَيْبَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ ولَأخْرُجَنَّ. والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ الظّالِمِينَ ودِيارُهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] . ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن آذى جارَهُ أوْرَثَهُ اللَّهُ دارَهُ» “، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ في دَفْعِ عَدُوِّهِ كَفاهُ اللَّهُ أمْرَ عَدُوِّهِ. ثم قال تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ فَقَوْلُهُ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قَضى اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إهْلاكِ الظّالِمِينَ وإسْكانِ المُؤْمِنِينَ دِيارَهم إثْرَ ذَلِكَ الأمْرِ حَقٌّ ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مَوْقِفِي وهو مَوْقِفُ الحِسابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ مَوْقِفُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . الثّانِي: أنَّ المَقامَ مَصْدَرٌ كالقِيامَةِ، يُقالُ: قامَ قِيامًا ومَقامًا، قالَ الفَرّاءُ: ذَلِكَ لِمَن خافَ قِيامِي عَلَيْهِ ومُراقَبَتِي إيّاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ . الثّالِثُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ إقامَتِي عَلى العَدْلِ والصَّوابِ، فَإنَّهُ تَعالى لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ ولا يَحْكُمُ إلّا بِالعَدْلِ وهو تَعالى مُقِيمٌ عَلى العَدْلِ لا يَمِيلُ عَنْهُ ولا يَنْحَرِفُ البَتَّةَ. الرّابِعُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ مَقامَ العائِذِ عِنْدِي وهو مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى صفحة ٨٠ المَفْعُولِ. الخامِسُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ لِمَن خافَنِي، وذِكْرُ المَقامِ هَهُنا مِثْلُ ما يُقالُ: سَلامُ اللَّهِ عَلى المَجْلِسِ الفُلانِيِّ العالِي. والمُرادُ: سَلامُ اللَّهِ عَلى فُلانٍ فَكَذا هَهُنا. ثم قال تَعالى: ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الوَعِيدُ اسْمٌ مِن أوْعَدَ إيعادًا وهو التَّهْدِيدُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ ما أوْعَدْتُ مِنَ العَذابِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُغايِرًا لِلْخَوْفِ مِن وعِيدِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ: أنَّ حُبَّ اللَّهِ تَعالى مُغايِرٌ لِحُبِّ ثَوابِ اللَّهِ، وهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ عالٍ في أسْرارِ الحِكْمَةِ والتَّصْدِيقِ. * * * ثم قال: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: لِلِاسْتِفْتاحِ هَهُنا مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: طَلَبُ الفَتْحِ بِالنُّصْرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيْ واسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] . والثّانِي: الفَتْحُ الحكم والقَضاءُ، فَقَوْلُ رَبِّنا: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيْ واسْتَحْكَمُوا اللَّهَ وسَألُوهُ القَضاءَ بَيْنَهم، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفُتاحَةِ وهي الحُكُومَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كِلا القَوْلَيْنِ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فالمُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ ودَعَوْا عَلى قَوْمِهِمْ بِالعَذابِ لَمّا أيِسُوا مِن إيمانِهِمْ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] . وقالَ مُوسى: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقالَ لُوطٌ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠] . وأمّا عَلى القَوْلِ الثّالِثِ: وهو طَلَبُ الحِكْمَةِ والقَضاءِ فالأوْلى أنْ يَكُونَ المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الأُمَمَ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَؤُلاءِ الرُّسُلُ صادِقِينَ فَعَذِّبْنا، ومِنهُ قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ . وكَقَوْلِ آخَرِينَ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ . المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ وقُرِئَ (واسْتَفْتِحُوا) بِلَفْظِ الأمْرِ وعَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ أيْ أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ وقالَ لَهُمُ (اسْتَفْتِحُوا) . ثم قال تَعالى: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: إنْ قُلْنا: المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الرُّسُلُ، كانَ المَعْنى أنَّ الرُّسُلَ اسْتَفْتَحُوا فَنُصِرُوا وظَفِرُوا بِمَقْصُودِهِمْ وفازُوا ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وهم قَوْمُهم، وإنْ قُلْنا: المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الكَفَرَةُ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ الكُفّارَ اسْتَفْتَحُوا عَلى الرُّسُلِ ظَنًّا مِنهم أنَّهم عَلى الحَقِّ والرُّسُلَ عَلى الباطِلِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ مِنهم وما أفْلَحَ بِسَبَبِ اسْتِفْتاحِهِ عَلى الرُّسُلِ. المسألة الثّانِيَةُ: الجَبّارُ هَهُنا المُتَكَبِّرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الأحْمَرِ: يُقالُ: فِيهِ جَبْرِيَّةٌ وجَبَرُوَّةٌ وجَبَرُوتٌ وجَبُّورَةٌ، وحَكى الزَّجّاجُ: الجِبِرِيَّةُ والجِبِرُ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ والتَّجْبارُ والجِبْرِياءُ. قالَ الواحِدِيُّ: فَهي ثَمانِ لُغاتٍ في مَصْدَرِ الجَبّارِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ «امْرَأةً حَضَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَها أمْرًا فَأبَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ”دَعُوها فَإنَّها جَبّارَةٌ» “ أيْ مُسْتَكْبِرَةٌ، وأمّا صفحة ٨١ العَنِيدُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في اشْتِقاقِهِ، قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: العُنُودُ الخِلافُ والتَّباعُدُ والتَّرْكُ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْلُهُ مِنَ العِنْدِ وهو النّاحِيَةُ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي عِنْدًا، أيْ ناحِيَةً، فَمَعْنى عانَدَ وعَنَدَ أخَذَ في ناحِيَةٍ مُعْرِضًا، وعانَدَ فُلانٌ فُلانًا إذا جانَبَهُ وكانَ مِنهُ عَلى ناحِيَةٍ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كَوْنُهُ جَبّارًا مُتَكَبِّرًا إشارَةٌ إلى الخُلُقِ النَّفْسانِيِّ وكَوْنُهُ عَنِيدًا إشارَةٌ إلى الأثَرِ الصّادِرِ عَنْ ذَلِكَ الخُلُقِ، وهو كَوْنُهُ مُجانِبًا عَنِ الحَقِّ مُنْحَرِفًا عَنْهُ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ خُلُقُهُ هو التَّجَبُّرَ والتَّكَبُّرَ وفِعْلُهُ هو العُنُودَ وهو الِانْحِرافُ عَنِ الحَقِّ والصِّدْقِ، كانَ خائِبًا عَنْ كُلِّ الخَيْراتِ خاسِرًا عَنْ جَمِيعِ أقْسامِ السَّعاداتِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالخَيْبَةِ ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ جَبّارًا عَنِيدًا، وصَفَ كَيْفِيَّةَ عَذابِهِ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ وفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ المُرادَ: أمامَهُ جَهَنَّمُ، فَكَيْفَ أطْلَقَ لَفْظَ الوَراءِ عَلى القُدّامِ والأمامِ ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ ”وراءَ“ اسْمٌ لِما يُوارى عَنْكَ، وقُدّامَ وخَلْفَ مُتَوارٍ عَنْكَ، فَصَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ ”وراءَ“ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما. قالَ الشّاعِرُ: عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ ويُقالُ أيْضًا: المَوْتُ وراءَ كُلِّ أحَدٍ. الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ السِّكِّيتِ: الوَراءُ مِنَ الأضْدادِ يَقَعُ عَلى الخَلْفِ والقُدّامِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما كانَ خَلْفًا فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْقَلِبَ قُدّامًا وبِالعَكْسِ، فَلا جَرَمَ جازَ وُقُوعُ لَفْظِ الوَراءِ عَلى القُدّامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ﴾ [الكهف: ٧٩] أيْ أمامَهم، ويُقالُ: المَوْتُ مِن وراءِ الإنْسانِ. الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ ”وراءَ“ بِمَعْنى بَعْدَ. قالَ الشّاعِرُ: ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ أيْ ولَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِ بِالخَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ . ثم قال: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ ومِن بَعْدِ الخَيْبَةِ يَدْخُلُ جَهَنَّمَ. * * * النوع الثّانِي: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ هَذا الكافِرِ قَوْلُهُ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: عَلامَ عَطَفَ ﴿ويُسْقى﴾ . الجَوابُ: عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ يُلْقى فِيها ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ . السُّؤالُ الثّانِي: عَذابُ أهْلِ النّارِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَلِمَ خَصَّ هَذِهِ الحالَةَ بِالذِّكْرِ ؟ الجَوابُ: يُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الحالَةُ أشَدَّ أنْواعِ العَذابِ فَخَصَّصَ بِالذِّكْرِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ . السُّؤالُ الثّالِثُ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ . صفحة ٨٢ الجَوابُ: أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما ذَلِكَ الماءُ ؟ فَقالَ: ﴿صَدِيدٍ﴾ والصَّدِيدُ ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ”ويُسْقى مِن ماءٍ كالصَّدِيدِ“، وذَلِكَ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في جَهَنَّمَ ما يُشْبِهُ الصَّدِيدَ في النَّتْنِ والغِلَظِ والقَذارَةِ، وهو أيْضًا يَكُونُ في نَفْسِهِ صَدِيدًا؛ لِأنَّ كَراهَتَهُ تَصُدُّ عَنْ تَناوُلِهِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] . ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾ [الكهف: ٢٩] . السُّؤالُ الرّابِعُ: ما مَعْنى ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ ؟ الجَوابُ: التَّجَرُّعُ تَناوُلُ المَشْرُوبِ جُرْعَةً جُرْعَةً عَلى الِاسْتِمْرارِ، ويُقالُ: ساغَ الشَّرابُ في الحَلْقِ يَسُوغُ سَوْغًا وأساغَهُ إساغَةً. واعْلَمْ أنَّ [ يَكادُ ] فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ نَفْيَهُ إثْباتٌ، وإثْباتَهُ نَفْيٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أيْ ويُسِيغُهُ بَعْدَ إبْطاءٍ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ما كِدْتُ أقُومُ، أيْ قُمْتُ بَعْدَ إبْطاءٍ قالَ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] يَعْنِي فَعَلُوا بَعْدَ إبْطاءٍ، والدَّلِيلُ عَلى حُصُولِ الإساغَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠] ولا يَحْصُلُ الصَّهْرُ إلّا بَعْدَ الإساغَةِ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أساغُوا الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ بَعْدَهُ: إنَّهُ يُسِيغُهُ البَتَّةَ ؟ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كادَ لِلْمُقارَبَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ﴾ لِنَفْيِ المُقارَبَةِ يَعْنِي: ولَمْ يُقارِبْ أنْ يُسِيغَهُ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الإساغَةُ ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠] أيْ لَمْ يَقْرُبْ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ذَكَرْتُمُ الدَّلِيلَ عَلى حُصُولِ الإساغَةِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الوجه ؟ قُلْنا عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا يُسِيغُ جَمِيعَهُ كَأنَّهُ يَجْرَعُ البَعْضَ وما ساغَ الجَمِيعَ. الثّانِي: أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرْتُمْ إنَّما دَلَّ عَلى وُصُولِ بَعْضِ ذَلِكَ الشَّرابِ إلى جَوْفِ الكافِرِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإساغَةٍ؛ لِأنَّ الإساغَةَ في اللُّغَةِ إجْراءُ الشَّرابِ في الحَلْقِ بِقَبُولِ النَّفْسِ واسْتِطابَةِ المَشْرُوبِ، والكافِرُ يَتَجَرَّعُ ذَلِكَ الشَّرابَ عَلى كَراهِيَةٍ ولا يُسِيغُهُ، أيْ لا يَسْتَطِيبُهُ ولا يَشْرَبُهُ شُرْبًا بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، وعَلى هَذَيْنِ الوجه يْنِ يَصِحُّ حَمْلُ لا يَكادُ عَلى نَفْيِ المُقارَبَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. النوع الثّالِثُ: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في وعِيدِ هَذا الكافِرِ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] والمَعْنى: أنَّ مُوجِباتِ المَوْتِ أحاطَتْ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَمُوتُ، وقِيلَ مِن كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ جَسَدِهِ. النوع الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ العَذابِ الغَلِيظِ كَوْنُهُ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ. الثّانِي: أنَّهُ في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذابًا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ. قالَ المُفَضَّلُ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أنَّهُمُ اكْتَفَوْا في دَفْعِ شُرُورِ أعْدائِهِمْ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والِاعْتِمادِ عَلى حِفْظِهِ وحِياطَتِهِ، حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم بالَغُوا في السَّفاهَةِ وقالُوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ والمَعْنى: لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ لا مَحالَةَ: إمّا إخْراجُكم وإمّا عَوْدُكم إلى مِلَّتِنا. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أهْلَ الحَقِّ في كُلِّ زَمانٍ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ، وأهْلُ الباطِلِ يَكُونُونَ كَثِيرِينَ، والظَّلَمَةُ والفَسَقَةُ يَكُونُونَ مُتَعاوِنِينَ مُتَعاضِدِينَ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ قَدَرُوا عَلى هَذِهِ السَّفاهَةِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا يُوهِمُ أنَّهم كانُوا عَلى مِلَّتِهِمْ في أوَّلِ الأمْرِ حَتّى يَعُودُوا فِيها. صفحة ٧٩ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إنَّما نَشَئُوا في تِلْكَ البِلادِ وكانُوا مِن تِلْكَ القَبائِلِ، وفي أوَّلِ الأمْرِ ما أظْهَرُوا المُخالَفَةَ مَعَ أُولَئِكَ الكُفّارِ، بَلْ كانُوا في ظاهِرِ الأمْرِ مَعَهم مِن غَيْرِ إظْهارِ مُخالَفَةٍ فالقَوْمُ ظَنُّوا لِهَذا السَّبَبِ أنَّهم كانُوا في أوَّلِ الأمْرِ عَلى دِينِهِمْ فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ . الوجه الثّانِي: أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ الكُفّارِ ولا يَجِبُ في كُلِّ ما قالُوهُ أنْ يَكُونُوا صادِقِينَ فِيهِ فَلَعَلَّهم تَوَهَّمُوا ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ ما كانَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمُوهُ. الوجه الثّالِثُ: لَعَلَّ الخِطابَ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مَعَ الرُّسُلِ إلّا أنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الخِطابِ أتْباعُهم وأصْحابُهم ولا بَأْسَ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى دِينِ أُولَئِكَ الكُفّارِ. الوجه الرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: العَوْدُ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ. الوجه الخامِسُ: لَعَلَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ كانُوا قَبْلَ إرْسالِهِمْ عَلى مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ بِنَسْخِ تِلْكَ المِلَّةِ وأمَرَهم بِشَرِيعَةٍ أُخْرى وبَقِيَ الأقْوامُ عَلى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي صارَتْ مَنسُوخَةً مُصِرِّينَ عَلى سَبِيلِ الكُفْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَطْلُبُوا مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَعُودُوا إلى تِلْكَ المِلَّةِ. الوجه السّادِسُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ أيْ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ ادِّعاءِ الرِّسالَةِ مِنَ السُّكُوتِ عَنْ ذِكْرِ مُعايَبَةِ دِينِنا وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالطَّعْنِ والقَدْحِ. وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ قالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ حِكايَةٌ تَقْتَضِي إضْمارَ القَوْلِ أوْ إجْراءَ الإيحاءِ مَجْرى القَوْلِ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ولَيُسْكِنَنَّكم“ بِالياءِ اعْتِبارًا لِأوْحى فَإنَّ هَذا اللَّفْظَ لَفْظُ الغَيْبَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ ولَأخْرُجَنَّ. والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ الظّالِمِينَ ودِيارُهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] . ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن آذى جارَهُ أوْرَثَهُ اللَّهُ دارَهُ» “، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ في دَفْعِ عَدُوِّهِ كَفاهُ اللَّهُ أمْرَ عَدُوِّهِ. ثم قال تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ فَقَوْلُهُ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قَضى اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إهْلاكِ الظّالِمِينَ وإسْكانِ المُؤْمِنِينَ دِيارَهم إثْرَ ذَلِكَ الأمْرِ حَقٌّ ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مَوْقِفِي وهو مَوْقِفُ الحِسابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ مَوْقِفُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . الثّانِي: أنَّ المَقامَ مَصْدَرٌ كالقِيامَةِ، يُقالُ: قامَ قِيامًا ومَقامًا، قالَ الفَرّاءُ: ذَلِكَ لِمَن خافَ قِيامِي عَلَيْهِ ومُراقَبَتِي إيّاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ . الثّالِثُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ إقامَتِي عَلى العَدْلِ والصَّوابِ، فَإنَّهُ تَعالى لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ ولا يَحْكُمُ إلّا بِالعَدْلِ وهو تَعالى مُقِيمٌ عَلى العَدْلِ لا يَمِيلُ عَنْهُ ولا يَنْحَرِفُ البَتَّةَ. الرّابِعُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ مَقامَ العائِذِ عِنْدِي وهو مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى صفحة ٨٠ المَفْعُولِ. الخامِسُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ لِمَن خافَنِي، وذِكْرُ المَقامِ هَهُنا مِثْلُ ما يُقالُ: سَلامُ اللَّهِ عَلى المَجْلِسِ الفُلانِيِّ العالِي. والمُرادُ: سَلامُ اللَّهِ عَلى فُلانٍ فَكَذا هَهُنا. ثم قال تَعالى: ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الوَعِيدُ اسْمٌ مِن أوْعَدَ إيعادًا وهو التَّهْدِيدُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ ما أوْعَدْتُ مِنَ العَذابِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُغايِرًا لِلْخَوْفِ مِن وعِيدِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ: أنَّ حُبَّ اللَّهِ تَعالى مُغايِرٌ لِحُبِّ ثَوابِ اللَّهِ، وهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ عالٍ في أسْرارِ الحِكْمَةِ والتَّصْدِيقِ. * * * ثم قال: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: لِلِاسْتِفْتاحِ هَهُنا مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: طَلَبُ الفَتْحِ بِالنُّصْرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيْ واسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] . والثّانِي: الفَتْحُ الحكم والقَضاءُ، فَقَوْلُ رَبِّنا: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيْ واسْتَحْكَمُوا اللَّهَ وسَألُوهُ القَضاءَ بَيْنَهم، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفُتاحَةِ وهي الحُكُومَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كِلا القَوْلَيْنِ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فالمُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ ودَعَوْا عَلى قَوْمِهِمْ بِالعَذابِ لَمّا أيِسُوا مِن إيمانِهِمْ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] . وقالَ مُوسى: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقالَ لُوطٌ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠] . وأمّا عَلى القَوْلِ الثّالِثِ: وهو طَلَبُ الحِكْمَةِ والقَضاءِ فالأوْلى أنْ يَكُونَ المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الأُمَمَ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَؤُلاءِ الرُّسُلُ صادِقِينَ فَعَذِّبْنا، ومِنهُ قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ . وكَقَوْلِ آخَرِينَ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ . المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ وقُرِئَ (واسْتَفْتِحُوا) بِلَفْظِ الأمْرِ وعَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ أيْ أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ وقالَ لَهُمُ (اسْتَفْتِحُوا) . ثم قال تَعالى: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: إنْ قُلْنا: المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الرُّسُلُ، كانَ المَعْنى أنَّ الرُّسُلَ اسْتَفْتَحُوا فَنُصِرُوا وظَفِرُوا بِمَقْصُودِهِمْ وفازُوا ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وهم قَوْمُهم، وإنْ قُلْنا: المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الكَفَرَةُ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ الكُفّارَ اسْتَفْتَحُوا عَلى الرُّسُلِ ظَنًّا مِنهم أنَّهم عَلى الحَقِّ والرُّسُلَ عَلى الباطِلِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ مِنهم وما أفْلَحَ بِسَبَبِ اسْتِفْتاحِهِ عَلى الرُّسُلِ. المسألة الثّانِيَةُ: الجَبّارُ هَهُنا المُتَكَبِّرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الأحْمَرِ: يُقالُ: فِيهِ جَبْرِيَّةٌ وجَبَرُوَّةٌ وجَبَرُوتٌ وجَبُّورَةٌ، وحَكى الزَّجّاجُ: الجِبِرِيَّةُ والجِبِرُ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ والتَّجْبارُ والجِبْرِياءُ. قالَ الواحِدِيُّ: فَهي ثَمانِ لُغاتٍ في مَصْدَرِ الجَبّارِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ «امْرَأةً حَضَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَها أمْرًا فَأبَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ”دَعُوها فَإنَّها جَبّارَةٌ» “ أيْ مُسْتَكْبِرَةٌ، وأمّا صفحة ٨١ العَنِيدُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في اشْتِقاقِهِ، قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: العُنُودُ الخِلافُ والتَّباعُدُ والتَّرْكُ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْلُهُ مِنَ العِنْدِ وهو النّاحِيَةُ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي عِنْدًا، أيْ ناحِيَةً، فَمَعْنى عانَدَ وعَنَدَ أخَذَ في ناحِيَةٍ مُعْرِضًا، وعانَدَ فُلانٌ فُلانًا إذا جانَبَهُ وكانَ مِنهُ عَلى ناحِيَةٍ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كَوْنُهُ جَبّارًا مُتَكَبِّرًا إشارَةٌ إلى الخُلُقِ النَّفْسانِيِّ وكَوْنُهُ عَنِيدًا إشارَةٌ إلى الأثَرِ الصّادِرِ عَنْ ذَلِكَ الخُلُقِ، وهو كَوْنُهُ مُجانِبًا عَنِ الحَقِّ مُنْحَرِفًا عَنْهُ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ خُلُقُهُ هو التَّجَبُّرَ والتَّكَبُّرَ وفِعْلُهُ هو العُنُودَ وهو الِانْحِرافُ عَنِ الحَقِّ والصِّدْقِ، كانَ خائِبًا عَنْ كُلِّ الخَيْراتِ خاسِرًا عَنْ جَمِيعِ أقْسامِ السَّعاداتِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالخَيْبَةِ ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ جَبّارًا عَنِيدًا، وصَفَ كَيْفِيَّةَ عَذابِهِ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ وفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ المُرادَ: أمامَهُ جَهَنَّمُ، فَكَيْفَ أطْلَقَ لَفْظَ الوَراءِ عَلى القُدّامِ والأمامِ ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ ”وراءَ“ اسْمٌ لِما يُوارى عَنْكَ، وقُدّامَ وخَلْفَ مُتَوارٍ عَنْكَ، فَصَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ ”وراءَ“ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما. قالَ الشّاعِرُ: عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ ويُقالُ أيْضًا: المَوْتُ وراءَ كُلِّ أحَدٍ. الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ السِّكِّيتِ: الوَراءُ مِنَ الأضْدادِ يَقَعُ عَلى الخَلْفِ والقُدّامِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما كانَ خَلْفًا فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْقَلِبَ قُدّامًا وبِالعَكْسِ، فَلا جَرَمَ جازَ وُقُوعُ لَفْظِ الوَراءِ عَلى القُدّامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ﴾ [الكهف: ٧٩] أيْ أمامَهم، ويُقالُ: المَوْتُ مِن وراءِ الإنْسانِ. الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ ”وراءَ“ بِمَعْنى بَعْدَ. قالَ الشّاعِرُ: ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ أيْ ولَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِ بِالخَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ . ثم قال: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ ومِن بَعْدِ الخَيْبَةِ يَدْخُلُ جَهَنَّمَ. * * * النوع الثّانِي: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ هَذا الكافِرِ قَوْلُهُ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: عَلامَ عَطَفَ ﴿ويُسْقى﴾ . الجَوابُ: عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ يُلْقى فِيها ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ . السُّؤالُ الثّانِي: عَذابُ أهْلِ النّارِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَلِمَ خَصَّ هَذِهِ الحالَةَ بِالذِّكْرِ ؟ الجَوابُ: يُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الحالَةُ أشَدَّ أنْواعِ العَذابِ فَخَصَّصَ بِالذِّكْرِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ . السُّؤالُ الثّالِثُ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ . صفحة ٨٢ الجَوابُ: أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما ذَلِكَ الماءُ ؟ فَقالَ: ﴿صَدِيدٍ﴾ والصَّدِيدُ ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ”ويُسْقى مِن ماءٍ كالصَّدِيدِ“، وذَلِكَ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في جَهَنَّمَ ما يُشْبِهُ الصَّدِيدَ في النَّتْنِ والغِلَظِ والقَذارَةِ، وهو أيْضًا يَكُونُ في نَفْسِهِ صَدِيدًا؛ لِأنَّ كَراهَتَهُ تَصُدُّ عَنْ تَناوُلِهِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] . ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾ [الكهف: ٢٩] . السُّؤالُ الرّابِعُ: ما مَعْنى ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ ؟ الجَوابُ: التَّجَرُّعُ تَناوُلُ المَشْرُوبِ جُرْعَةً جُرْعَةً عَلى الِاسْتِمْرارِ، ويُقالُ: ساغَ الشَّرابُ في الحَلْقِ يَسُوغُ سَوْغًا وأساغَهُ إساغَةً. واعْلَمْ أنَّ [ يَكادُ ] فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ نَفْيَهُ إثْباتٌ، وإثْباتَهُ نَفْيٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أيْ ويُسِيغُهُ بَعْدَ إبْطاءٍ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ما كِدْتُ أقُومُ، أيْ قُمْتُ بَعْدَ إبْطاءٍ قالَ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] يَعْنِي فَعَلُوا بَعْدَ إبْطاءٍ، والدَّلِيلُ عَلى حُصُولِ الإساغَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠] ولا يَحْصُلُ الصَّهْرُ إلّا بَعْدَ الإساغَةِ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أساغُوا الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ بَعْدَهُ: إنَّهُ يُسِيغُهُ البَتَّةَ ؟ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كادَ لِلْمُقارَبَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ﴾ لِنَفْيِ المُقارَبَةِ يَعْنِي: ولَمْ يُقارِبْ أنْ يُسِيغَهُ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الإساغَةُ ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠] أيْ لَمْ يَقْرُبْ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ذَكَرْتُمُ الدَّلِيلَ عَلى حُصُولِ الإساغَةِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الوجه ؟ قُلْنا عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا يُسِيغُ جَمِيعَهُ كَأنَّهُ يَجْرَعُ البَعْضَ وما ساغَ الجَمِيعَ. الثّانِي: أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرْتُمْ إنَّما دَلَّ عَلى وُصُولِ بَعْضِ ذَلِكَ الشَّرابِ إلى جَوْفِ الكافِرِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإساغَةٍ؛ لِأنَّ الإساغَةَ في اللُّغَةِ إجْراءُ الشَّرابِ في الحَلْقِ بِقَبُولِ النَّفْسِ واسْتِطابَةِ المَشْرُوبِ، والكافِرُ يَتَجَرَّعُ ذَلِكَ الشَّرابَ عَلى كَراهِيَةٍ ولا يُسِيغُهُ، أيْ لا يَسْتَطِيبُهُ ولا يَشْرَبُهُ شُرْبًا بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، وعَلى هَذَيْنِ الوجه يْنِ يَصِحُّ حَمْلُ لا يَكادُ عَلى نَفْيِ المُقارَبَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. النوع الثّالِثُ: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في وعِيدِ هَذا الكافِرِ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] والمَعْنى: أنَّ مُوجِباتِ المَوْتِ أحاطَتْ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَمُوتُ، وقِيلَ مِن كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ جَسَدِهِ. النوع الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ العَذابِ الغَلِيظِ كَوْنُهُ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ. الثّانِي: أنَّهُ في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذابًا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ. قالَ المُفَضَّلُ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أنَّهُمُ اكْتَفَوْا في دَفْعِ شُرُورِ أعْدائِهِمْ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والِاعْتِمادِ عَلى حِفْظِهِ وحِياطَتِهِ، حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم بالَغُوا في السَّفاهَةِ وقالُوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ والمَعْنى: لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ لا مَحالَةَ: إمّا إخْراجُكم وإمّا عَوْدُكم إلى مِلَّتِنا. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أهْلَ الحَقِّ في كُلِّ زَمانٍ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ، وأهْلُ الباطِلِ يَكُونُونَ كَثِيرِينَ، والظَّلَمَةُ والفَسَقَةُ يَكُونُونَ مُتَعاوِنِينَ مُتَعاضِدِينَ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ قَدَرُوا عَلى هَذِهِ السَّفاهَةِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا يُوهِمُ أنَّهم كانُوا عَلى مِلَّتِهِمْ في أوَّلِ الأمْرِ حَتّى يَعُودُوا فِيها. صفحة ٧٩ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إنَّما نَشَئُوا في تِلْكَ البِلادِ وكانُوا مِن تِلْكَ القَبائِلِ، وفي أوَّلِ الأمْرِ ما أظْهَرُوا المُخالَفَةَ مَعَ أُولَئِكَ الكُفّارِ، بَلْ كانُوا في ظاهِرِ الأمْرِ مَعَهم مِن غَيْرِ إظْهارِ مُخالَفَةٍ فالقَوْمُ ظَنُّوا لِهَذا السَّبَبِ أنَّهم كانُوا في أوَّلِ الأمْرِ عَلى دِينِهِمْ فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ . الوجه الثّانِي: أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ الكُفّارِ ولا يَجِبُ في كُلِّ ما قالُوهُ أنْ يَكُونُوا صادِقِينَ فِيهِ فَلَعَلَّهم تَوَهَّمُوا ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ ما كانَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمُوهُ. الوجه الثّالِثُ: لَعَلَّ الخِطابَ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مَعَ الرُّسُلِ إلّا أنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الخِطابِ أتْباعُهم وأصْحابُهم ولا بَأْسَ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى دِينِ أُولَئِكَ الكُفّارِ. الوجه الرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: العَوْدُ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ. الوجه الخامِسُ: لَعَلَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ كانُوا قَبْلَ إرْسالِهِمْ عَلى مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ بِنَسْخِ تِلْكَ المِلَّةِ وأمَرَهم بِشَرِيعَةٍ أُخْرى وبَقِيَ الأقْوامُ عَلى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي صارَتْ مَنسُوخَةً مُصِرِّينَ عَلى سَبِيلِ الكُفْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَطْلُبُوا مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَعُودُوا إلى تِلْكَ المِلَّةِ. الوجه السّادِسُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ أيْ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ ادِّعاءِ الرِّسالَةِ مِنَ السُّكُوتِ عَنْ ذِكْرِ مُعايَبَةِ دِينِنا وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالطَّعْنِ والقَدْحِ. وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ قالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ حِكايَةٌ تَقْتَضِي إضْمارَ القَوْلِ أوْ إجْراءَ الإيحاءِ مَجْرى القَوْلِ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ولَيُسْكِنَنَّكم“ بِالياءِ اعْتِبارًا لِأوْحى فَإنَّ هَذا اللَّفْظَ لَفْظُ الغَيْبَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ ولَأخْرُجَنَّ. والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ الظّالِمِينَ ودِيارُهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] . ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن آذى جارَهُ أوْرَثَهُ اللَّهُ دارَهُ» “، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ في دَفْعِ عَدُوِّهِ كَفاهُ اللَّهُ أمْرَ عَدُوِّهِ. ثم قال تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ فَقَوْلُهُ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قَضى اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إهْلاكِ الظّالِمِينَ وإسْكانِ المُؤْمِنِينَ دِيارَهم إثْرَ ذَلِكَ الأمْرِ حَقٌّ ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مَوْقِفِي وهو مَوْقِفُ الحِسابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ مَوْقِفُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . الثّانِي: أنَّ المَقامَ مَصْدَرٌ كالقِيامَةِ، يُقالُ: قامَ قِيامًا ومَقامًا، قالَ الفَرّاءُ: ذَلِكَ لِمَن خافَ قِيامِي عَلَيْهِ ومُراقَبَتِي إيّاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ . الثّالِثُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ إقامَتِي عَلى العَدْلِ والصَّوابِ، فَإنَّهُ تَعالى لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ ولا يَحْكُمُ إلّا بِالعَدْلِ وهو تَعالى مُقِيمٌ عَلى العَدْلِ لا يَمِيلُ عَنْهُ ولا يَنْحَرِفُ البَتَّةَ. الرّابِعُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ مَقامَ العائِذِ عِنْدِي وهو مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى صفحة ٨٠ المَفْعُولِ. الخامِسُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ لِمَن خافَنِي، وذِكْرُ المَقامِ هَهُنا مِثْلُ ما يُقالُ: سَلامُ اللَّهِ عَلى المَجْلِسِ الفُلانِيِّ العالِي. والمُرادُ: سَلامُ اللَّهِ عَلى فُلانٍ فَكَذا هَهُنا. ثم قال تَعالى: ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الوَعِيدُ اسْمٌ مِن أوْعَدَ إيعادًا وهو التَّهْدِيدُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ ما أوْعَدْتُ مِنَ العَذابِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُغايِرًا لِلْخَوْفِ مِن وعِيدِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ: أنَّ حُبَّ اللَّهِ تَعالى مُغايِرٌ لِحُبِّ ثَوابِ اللَّهِ، وهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ عالٍ في أسْرارِ الحِكْمَةِ والتَّصْدِيقِ. * * * ثم قال: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: لِلِاسْتِفْتاحِ هَهُنا مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: طَلَبُ الفَتْحِ بِالنُّصْرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيْ واسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] . والثّانِي: الفَتْحُ الحكم والقَضاءُ، فَقَوْلُ رَبِّنا: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيْ واسْتَحْكَمُوا اللَّهَ وسَألُوهُ القَضاءَ بَيْنَهم، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفُتاحَةِ وهي الحُكُومَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كِلا القَوْلَيْنِ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فالمُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ ودَعَوْا عَلى قَوْمِهِمْ بِالعَذابِ لَمّا أيِسُوا مِن إيمانِهِمْ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] . وقالَ مُوسى: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقالَ لُوطٌ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠] . وأمّا عَلى القَوْلِ الثّالِثِ: وهو طَلَبُ الحِكْمَةِ والقَضاءِ فالأوْلى أنْ يَكُونَ المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الأُمَمَ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَؤُلاءِ الرُّسُلُ صادِقِينَ فَعَذِّبْنا، ومِنهُ قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ . وكَقَوْلِ آخَرِينَ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ . المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ وقُرِئَ (واسْتَفْتِحُوا) بِلَفْظِ الأمْرِ وعَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ أيْ أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ وقالَ لَهُمُ (اسْتَفْتِحُوا) . ثم قال تَعالى: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: إنْ قُلْنا: المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الرُّسُلُ، كانَ المَعْنى أنَّ الرُّسُلَ اسْتَفْتَحُوا فَنُصِرُوا وظَفِرُوا بِمَقْصُودِهِمْ وفازُوا ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وهم قَوْمُهم، وإنْ قُلْنا: المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الكَفَرَةُ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ الكُفّارَ اسْتَفْتَحُوا عَلى الرُّسُلِ ظَنًّا مِنهم أنَّهم عَلى الحَقِّ والرُّسُلَ عَلى الباطِلِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ مِنهم وما أفْلَحَ بِسَبَبِ اسْتِفْتاحِهِ عَلى الرُّسُلِ. المسألة الثّانِيَةُ: الجَبّارُ هَهُنا المُتَكَبِّرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الأحْمَرِ: يُقالُ: فِيهِ جَبْرِيَّةٌ وجَبَرُوَّةٌ وجَبَرُوتٌ وجَبُّورَةٌ، وحَكى الزَّجّاجُ: الجِبِرِيَّةُ والجِبِرُ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ والتَّجْبارُ والجِبْرِياءُ. قالَ الواحِدِيُّ: فَهي ثَمانِ لُغاتٍ في مَصْدَرِ الجَبّارِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ «امْرَأةً حَضَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَها أمْرًا فَأبَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ”دَعُوها فَإنَّها جَبّارَةٌ» “ أيْ مُسْتَكْبِرَةٌ، وأمّا صفحة ٨١ العَنِيدُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في اشْتِقاقِهِ، قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: العُنُودُ الخِلافُ والتَّباعُدُ والتَّرْكُ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْلُهُ مِنَ العِنْدِ وهو النّاحِيَةُ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي عِنْدًا، أيْ ناحِيَةً، فَمَعْنى عانَدَ وعَنَدَ أخَذَ في ناحِيَةٍ مُعْرِضًا، وعانَدَ فُلانٌ فُلانًا إذا جانَبَهُ وكانَ مِنهُ عَلى ناحِيَةٍ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كَوْنُهُ جَبّارًا مُتَكَبِّرًا إشارَةٌ إلى الخُلُقِ النَّفْسانِيِّ وكَوْنُهُ عَنِيدًا إشارَةٌ إلى الأثَرِ الصّادِرِ عَنْ ذَلِكَ الخُلُقِ، وهو كَوْنُهُ مُجانِبًا عَنِ الحَقِّ مُنْحَرِفًا عَنْهُ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ خُلُقُهُ هو التَّجَبُّرَ والتَّكَبُّرَ وفِعْلُهُ هو العُنُودَ وهو الِانْحِرافُ عَنِ الحَقِّ والصِّدْقِ، كانَ خائِبًا عَنْ كُلِّ الخَيْراتِ خاسِرًا عَنْ جَمِيعِ أقْسامِ السَّعاداتِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالخَيْبَةِ ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ جَبّارًا عَنِيدًا، وصَفَ كَيْفِيَّةَ عَذابِهِ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ وفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ المُرادَ: أمامَهُ جَهَنَّمُ، فَكَيْفَ أطْلَقَ لَفْظَ الوَراءِ عَلى القُدّامِ والأمامِ ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ ”وراءَ“ اسْمٌ لِما يُوارى عَنْكَ، وقُدّامَ وخَلْفَ مُتَوارٍ عَنْكَ، فَصَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ ”وراءَ“ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما. قالَ الشّاعِرُ: عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ ويُقالُ أيْضًا: المَوْتُ وراءَ كُلِّ أحَدٍ. الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ السِّكِّيتِ: الوَراءُ مِنَ الأضْدادِ يَقَعُ عَلى الخَلْفِ والقُدّامِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما كانَ خَلْفًا فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْقَلِبَ قُدّامًا وبِالعَكْسِ، فَلا جَرَمَ جازَ وُقُوعُ لَفْظِ الوَراءِ عَلى القُدّامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ﴾ [الكهف: ٧٩] أيْ أمامَهم، ويُقالُ: المَوْتُ مِن وراءِ الإنْسانِ. الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ ”وراءَ“ بِمَعْنى بَعْدَ. قالَ الشّاعِرُ: ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ أيْ ولَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِ بِالخَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ . ثم قال: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ ومِن بَعْدِ الخَيْبَةِ يَدْخُلُ جَهَنَّمَ. * * * النوع الثّانِي: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ هَذا الكافِرِ قَوْلُهُ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: عَلامَ عَطَفَ ﴿ويُسْقى﴾ . الجَوابُ: عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ يُلْقى فِيها ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ . السُّؤالُ الثّانِي: عَذابُ أهْلِ النّارِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَلِمَ خَصَّ هَذِهِ الحالَةَ بِالذِّكْرِ ؟ الجَوابُ: يُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الحالَةُ أشَدَّ أنْواعِ العَذابِ فَخَصَّصَ بِالذِّكْرِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ . السُّؤالُ الثّالِثُ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ . صفحة ٨٢ الجَوابُ: أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما ذَلِكَ الماءُ ؟ فَقالَ: ﴿صَدِيدٍ﴾ والصَّدِيدُ ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ”ويُسْقى مِن ماءٍ كالصَّدِيدِ“، وذَلِكَ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في جَهَنَّمَ ما يُشْبِهُ الصَّدِيدَ في النَّتْنِ والغِلَظِ والقَذارَةِ، وهو أيْضًا يَكُونُ في نَفْسِهِ صَدِيدًا؛ لِأنَّ كَراهَتَهُ تَصُدُّ عَنْ تَناوُلِهِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] . ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾ [الكهف: ٢٩] . السُّؤالُ الرّابِعُ: ما مَعْنى ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ ؟ الجَوابُ: التَّجَرُّعُ تَناوُلُ المَشْرُوبِ جُرْعَةً جُرْعَةً عَلى الِاسْتِمْرارِ، ويُقالُ: ساغَ الشَّرابُ في الحَلْقِ يَسُوغُ سَوْغًا وأساغَهُ إساغَةً. واعْلَمْ أنَّ [ يَكادُ ] فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ نَفْيَهُ إثْباتٌ، وإثْباتَهُ نَفْيٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أيْ ويُسِيغُهُ بَعْدَ إبْطاءٍ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ما كِدْتُ أقُومُ، أيْ قُمْتُ بَعْدَ إبْطاءٍ قالَ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] يَعْنِي فَعَلُوا بَعْدَ إبْطاءٍ، والدَّلِيلُ عَلى حُصُولِ الإساغَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠] ولا يَحْصُلُ الصَّهْرُ إلّا بَعْدَ الإساغَةِ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أساغُوا الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ بَعْدَهُ: إنَّهُ يُسِيغُهُ البَتَّةَ ؟ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كادَ لِلْمُقارَبَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ﴾ لِنَفْيِ المُقارَبَةِ يَعْنِي: ولَمْ يُقارِبْ أنْ يُسِيغَهُ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الإساغَةُ ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠] أيْ لَمْ يَقْرُبْ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ذَكَرْتُمُ الدَّلِيلَ عَلى حُصُولِ الإساغَةِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الوجه ؟ قُلْنا عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا يُسِيغُ جَمِيعَهُ كَأنَّهُ يَجْرَعُ البَعْضَ وما ساغَ الجَمِيعَ. الثّانِي: أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرْتُمْ إنَّما دَلَّ عَلى وُصُولِ بَعْضِ ذَلِكَ الشَّرابِ إلى جَوْفِ الكافِرِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإساغَةٍ؛ لِأنَّ الإساغَةَ في اللُّغَةِ إجْراءُ الشَّرابِ في الحَلْقِ بِقَبُولِ النَّفْسِ واسْتِطابَةِ المَشْرُوبِ، والكافِرُ يَتَجَرَّعُ ذَلِكَ الشَّرابَ عَلى كَراهِيَةٍ ولا يُسِيغُهُ، أيْ لا يَسْتَطِيبُهُ ولا يَشْرَبُهُ شُرْبًا بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، وعَلى هَذَيْنِ الوجه يْنِ يَصِحُّ حَمْلُ لا يَكادُ عَلى نَفْيِ المُقارَبَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. النوع الثّالِثُ: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في وعِيدِ هَذا الكافِرِ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] والمَعْنى: أنَّ مُوجِباتِ المَوْتِ أحاطَتْ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَمُوتُ، وقِيلَ مِن كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ جَسَدِهِ. النوع الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ العَذابِ الغَلِيظِ كَوْنُهُ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ. الثّانِي: أنَّهُ في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذابًا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ. قالَ المُفَضَّلُ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أنَّهُمُ اكْتَفَوْا في دَفْعِ شُرُورِ أعْدائِهِمْ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والِاعْتِمادِ عَلى حِفْظِهِ وحِياطَتِهِ، حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم بالَغُوا في السَّفاهَةِ وقالُوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ والمَعْنى: لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ لا مَحالَةَ: إمّا إخْراجُكم وإمّا عَوْدُكم إلى مِلَّتِنا. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أهْلَ الحَقِّ في كُلِّ زَمانٍ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ، وأهْلُ الباطِلِ يَكُونُونَ كَثِيرِينَ، والظَّلَمَةُ والفَسَقَةُ يَكُونُونَ مُتَعاوِنِينَ مُتَعاضِدِينَ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ قَدَرُوا عَلى هَذِهِ السَّفاهَةِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا يُوهِمُ أنَّهم كانُوا عَلى مِلَّتِهِمْ في أوَّلِ الأمْرِ حَتّى يَعُودُوا فِيها. صفحة ٧٩ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إنَّما نَشَئُوا في تِلْكَ البِلادِ وكانُوا مِن تِلْكَ القَبائِلِ، وفي أوَّلِ الأمْرِ ما أظْهَرُوا المُخالَفَةَ مَعَ أُولَئِكَ الكُفّارِ، بَلْ كانُوا في ظاهِرِ الأمْرِ مَعَهم مِن غَيْرِ إظْهارِ مُخالَفَةٍ فالقَوْمُ ظَنُّوا لِهَذا السَّبَبِ أنَّهم كانُوا في أوَّلِ الأمْرِ عَلى دِينِهِمْ فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ . الوجه الثّانِي: أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ الكُفّارِ ولا يَجِبُ في كُلِّ ما قالُوهُ أنْ يَكُونُوا صادِقِينَ فِيهِ فَلَعَلَّهم تَوَهَّمُوا ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ ما كانَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمُوهُ. الوجه الثّالِثُ: لَعَلَّ الخِطابَ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مَعَ الرُّسُلِ إلّا أنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الخِطابِ أتْباعُهم وأصْحابُهم ولا بَأْسَ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى دِينِ أُولَئِكَ الكُفّارِ. الوجه الرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: العَوْدُ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ. الوجه الخامِسُ: لَعَلَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ كانُوا قَبْلَ إرْسالِهِمْ عَلى مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ بِنَسْخِ تِلْكَ المِلَّةِ وأمَرَهم بِشَرِيعَةٍ أُخْرى وبَقِيَ الأقْوامُ عَلى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي صارَتْ مَنسُوخَةً مُصِرِّينَ عَلى سَبِيلِ الكُفْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَطْلُبُوا مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَعُودُوا إلى تِلْكَ المِلَّةِ. الوجه السّادِسُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ أيْ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ ادِّعاءِ الرِّسالَةِ مِنَ السُّكُوتِ عَنْ ذِكْرِ مُعايَبَةِ دِينِنا وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالطَّعْنِ والقَدْحِ. وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ قالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ حِكايَةٌ تَقْتَضِي إضْمارَ القَوْلِ أوْ إجْراءَ الإيحاءِ مَجْرى القَوْلِ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ولَيُسْكِنَنَّكم“ بِالياءِ اعْتِبارًا لِأوْحى فَإنَّ هَذا اللَّفْظَ لَفْظُ الغَيْبَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ ولَأخْرُجَنَّ. والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ الظّالِمِينَ ودِيارُهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] . ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن آذى جارَهُ أوْرَثَهُ اللَّهُ دارَهُ» “، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ في دَفْعِ عَدُوِّهِ كَفاهُ اللَّهُ أمْرَ عَدُوِّهِ. ثم قال تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ فَقَوْلُهُ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قَضى اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إهْلاكِ الظّالِمِينَ وإسْكانِ المُؤْمِنِينَ دِيارَهم إثْرَ ذَلِكَ الأمْرِ حَقٌّ ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مَوْقِفِي وهو مَوْقِفُ الحِسابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ مَوْقِفُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . الثّانِي: أنَّ المَقامَ مَصْدَرٌ كالقِيامَةِ، يُقالُ: قامَ قِيامًا ومَقامًا، قالَ الفَرّاءُ: ذَلِكَ لِمَن خافَ قِيامِي عَلَيْهِ ومُراقَبَتِي إيّاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ . الثّالِثُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ إقامَتِي عَلى العَدْلِ والصَّوابِ، فَإنَّهُ تَعالى لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ ولا يَحْكُمُ إلّا بِالعَدْلِ وهو تَعالى مُقِيمٌ عَلى العَدْلِ لا يَمِيلُ عَنْهُ ولا يَنْحَرِفُ البَتَّةَ. الرّابِعُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ مَقامَ العائِذِ عِنْدِي وهو مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى صفحة ٨٠ المَفْعُولِ. الخامِسُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ لِمَن خافَنِي، وذِكْرُ المَقامِ هَهُنا مِثْلُ ما يُقالُ: سَلامُ اللَّهِ عَلى المَجْلِسِ الفُلانِيِّ العالِي. والمُرادُ: سَلامُ اللَّهِ عَلى فُلانٍ فَكَذا هَهُنا. ثم قال تَعالى: ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الوَعِيدُ اسْمٌ مِن أوْعَدَ إيعادًا وهو التَّهْدِيدُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ ما أوْعَدْتُ مِنَ العَذابِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُغايِرًا لِلْخَوْفِ مِن وعِيدِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ: أنَّ حُبَّ اللَّهِ تَعالى مُغايِرٌ لِحُبِّ ثَوابِ اللَّهِ، وهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ عالٍ في أسْرارِ الحِكْمَةِ والتَّصْدِيقِ. * * * ثم قال: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: لِلِاسْتِفْتاحِ هَهُنا مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: طَلَبُ الفَتْحِ بِالنُّصْرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيْ واسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] . والثّانِي: الفَتْحُ الحكم والقَضاءُ، فَقَوْلُ رَبِّنا: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيْ واسْتَحْكَمُوا اللَّهَ وسَألُوهُ القَضاءَ بَيْنَهم، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفُتاحَةِ وهي الحُكُومَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كِلا القَوْلَيْنِ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فالمُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ ودَعَوْا عَلى قَوْمِهِمْ بِالعَذابِ لَمّا أيِسُوا مِن إيمانِهِمْ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] . وقالَ مُوسى: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقالَ لُوطٌ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠] . وأمّا عَلى القَوْلِ الثّالِثِ: وهو طَلَبُ الحِكْمَةِ والقَضاءِ فالأوْلى أنْ يَكُونَ المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الأُمَمَ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَؤُلاءِ الرُّسُلُ صادِقِينَ فَعَذِّبْنا، ومِنهُ قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ . وكَقَوْلِ آخَرِينَ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ . المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ وقُرِئَ (واسْتَفْتِحُوا) بِلَفْظِ الأمْرِ وعَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ أيْ أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ وقالَ لَهُمُ (اسْتَفْتِحُوا) . ثم قال تَعالى: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: إنْ قُلْنا: المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الرُّسُلُ، كانَ المَعْنى أنَّ الرُّسُلَ اسْتَفْتَحُوا فَنُصِرُوا وظَفِرُوا بِمَقْصُودِهِمْ وفازُوا ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وهم قَوْمُهم، وإنْ قُلْنا: المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الكَفَرَةُ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ الكُفّارَ اسْتَفْتَحُوا عَلى الرُّسُلِ ظَنًّا مِنهم أنَّهم عَلى الحَقِّ والرُّسُلَ عَلى الباطِلِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ مِنهم وما أفْلَحَ بِسَبَبِ اسْتِفْتاحِهِ عَلى الرُّسُلِ. المسألة الثّانِيَةُ: الجَبّارُ هَهُنا المُتَكَبِّرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الأحْمَرِ: يُقالُ: فِيهِ جَبْرِيَّةٌ وجَبَرُوَّةٌ وجَبَرُوتٌ وجَبُّورَةٌ، وحَكى الزَّجّاجُ: الجِبِرِيَّةُ والجِبِرُ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ والتَّجْبارُ والجِبْرِياءُ. قالَ الواحِدِيُّ: فَهي ثَمانِ لُغاتٍ في مَصْدَرِ الجَبّارِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ «امْرَأةً حَضَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَها أمْرًا فَأبَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ”دَعُوها فَإنَّها جَبّارَةٌ» “ أيْ مُسْتَكْبِرَةٌ، وأمّا صفحة ٨١ العَنِيدُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في اشْتِقاقِهِ، قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: العُنُودُ الخِلافُ والتَّباعُدُ والتَّرْكُ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْلُهُ مِنَ العِنْدِ وهو النّاحِيَةُ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي عِنْدًا، أيْ ناحِيَةً، فَمَعْنى عانَدَ وعَنَدَ أخَذَ في ناحِيَةٍ مُعْرِضًا، وعانَدَ فُلانٌ فُلانًا إذا جانَبَهُ وكانَ مِنهُ عَلى ناحِيَةٍ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كَوْنُهُ جَبّارًا مُتَكَبِّرًا إشارَةٌ إلى الخُلُقِ النَّفْسانِيِّ وكَوْنُهُ عَنِيدًا إشارَةٌ إلى الأثَرِ الصّادِرِ عَنْ ذَلِكَ الخُلُقِ، وهو كَوْنُهُ مُجانِبًا عَنِ الحَقِّ مُنْحَرِفًا عَنْهُ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ خُلُقُهُ هو التَّجَبُّرَ والتَّكَبُّرَ وفِعْلُهُ هو العُنُودَ وهو الِانْحِرافُ عَنِ الحَقِّ والصِّدْقِ، كانَ خائِبًا عَنْ كُلِّ الخَيْراتِ خاسِرًا عَنْ جَمِيعِ أقْسامِ السَّعاداتِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالخَيْبَةِ ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ جَبّارًا عَنِيدًا، وصَفَ كَيْفِيَّةَ عَذابِهِ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ وفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ المُرادَ: أمامَهُ جَهَنَّمُ، فَكَيْفَ أطْلَقَ لَفْظَ الوَراءِ عَلى القُدّامِ والأمامِ ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ ”وراءَ“ اسْمٌ لِما يُوارى عَنْكَ، وقُدّامَ وخَلْفَ مُتَوارٍ عَنْكَ، فَصَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ ”وراءَ“ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما. قالَ الشّاعِرُ: عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ ويُقالُ أيْضًا: المَوْتُ وراءَ كُلِّ أحَدٍ. الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ السِّكِّيتِ: الوَراءُ مِنَ الأضْدادِ يَقَعُ عَلى الخَلْفِ والقُدّامِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما كانَ خَلْفًا فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْقَلِبَ قُدّامًا وبِالعَكْسِ، فَلا جَرَمَ جازَ وُقُوعُ لَفْظِ الوَراءِ عَلى القُدّامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ﴾ [الكهف: ٧٩] أيْ أمامَهم، ويُقالُ: المَوْتُ مِن وراءِ الإنْسانِ. الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ ”وراءَ“ بِمَعْنى بَعْدَ. قالَ الشّاعِرُ: ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ أيْ ولَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِ بِالخَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ . ثم قال: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ ومِن بَعْدِ الخَيْبَةِ يَدْخُلُ جَهَنَّمَ. * * * النوع الثّانِي: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ هَذا الكافِرِ قَوْلُهُ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: عَلامَ عَطَفَ ﴿ويُسْقى﴾ . الجَوابُ: عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ يُلْقى فِيها ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ . السُّؤالُ الثّانِي: عَذابُ أهْلِ النّارِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَلِمَ خَصَّ هَذِهِ الحالَةَ بِالذِّكْرِ ؟ الجَوابُ: يُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الحالَةُ أشَدَّ أنْواعِ العَذابِ فَخَصَّصَ بِالذِّكْرِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ . السُّؤالُ الثّالِثُ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ . صفحة ٨٢ الجَوابُ: أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما ذَلِكَ الماءُ ؟ فَقالَ: ﴿صَدِيدٍ﴾ والصَّدِيدُ ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ”ويُسْقى مِن ماءٍ كالصَّدِيدِ“، وذَلِكَ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في جَهَنَّمَ ما يُشْبِهُ الصَّدِيدَ في النَّتْنِ والغِلَظِ والقَذارَةِ، وهو أيْضًا يَكُونُ في نَفْسِهِ صَدِيدًا؛ لِأنَّ كَراهَتَهُ تَصُدُّ عَنْ تَناوُلِهِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] . ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾ [الكهف: ٢٩] . السُّؤالُ الرّابِعُ: ما مَعْنى ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ ؟ الجَوابُ: التَّجَرُّعُ تَناوُلُ المَشْرُوبِ جُرْعَةً جُرْعَةً عَلى الِاسْتِمْرارِ، ويُقالُ: ساغَ الشَّرابُ في الحَلْقِ يَسُوغُ سَوْغًا وأساغَهُ إساغَةً. واعْلَمْ أنَّ [ يَكادُ ] فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ نَفْيَهُ إثْباتٌ، وإثْباتَهُ نَفْيٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أيْ ويُسِيغُهُ بَعْدَ إبْطاءٍ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ما كِدْتُ أقُومُ، أيْ قُمْتُ بَعْدَ إبْطاءٍ قالَ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] يَعْنِي فَعَلُوا بَعْدَ إبْطاءٍ، والدَّلِيلُ عَلى حُصُولِ الإساغَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠] ولا يَحْصُلُ الصَّهْرُ إلّا بَعْدَ الإساغَةِ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أساغُوا الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ بَعْدَهُ: إنَّهُ يُسِيغُهُ البَتَّةَ ؟ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كادَ لِلْمُقارَبَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ﴾ لِنَفْيِ المُقارَبَةِ يَعْنِي: ولَمْ يُقارِبْ أنْ يُسِيغَهُ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الإساغَةُ ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠] أيْ لَمْ يَقْرُبْ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ذَكَرْتُمُ الدَّلِيلَ عَلى حُصُولِ الإساغَةِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الوجه ؟ قُلْنا عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا يُسِيغُ جَمِيعَهُ كَأنَّهُ يَجْرَعُ البَعْضَ وما ساغَ الجَمِيعَ. الثّانِي: أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرْتُمْ إنَّما دَلَّ عَلى وُصُولِ بَعْضِ ذَلِكَ الشَّرابِ إلى جَوْفِ الكافِرِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإساغَةٍ؛ لِأنَّ الإساغَةَ في اللُّغَةِ إجْراءُ الشَّرابِ في الحَلْقِ بِقَبُولِ النَّفْسِ واسْتِطابَةِ المَشْرُوبِ، والكافِرُ يَتَجَرَّعُ ذَلِكَ الشَّرابَ عَلى كَراهِيَةٍ ولا يُسِيغُهُ، أيْ لا يَسْتَطِيبُهُ ولا يَشْرَبُهُ شُرْبًا بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، وعَلى هَذَيْنِ الوجه يْنِ يَصِحُّ حَمْلُ لا يَكادُ عَلى نَفْيِ المُقارَبَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. النوع الثّالِثُ: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في وعِيدِ هَذا الكافِرِ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] والمَعْنى: أنَّ مُوجِباتِ المَوْتِ أحاطَتْ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَمُوتُ، وقِيلَ مِن كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ جَسَدِهِ. النوع الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ العَذابِ الغَلِيظِ كَوْنُهُ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ. الثّانِي: أنَّهُ في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذابًا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ. قالَ المُفَضَّلُ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أنَّهُمُ اكْتَفَوْا في دَفْعِ شُرُورِ أعْدائِهِمْ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والِاعْتِمادِ عَلى حِفْظِهِ وحِياطَتِهِ، حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم بالَغُوا في السَّفاهَةِ وقالُوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ والمَعْنى: لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ لا مَحالَةَ: إمّا إخْراجُكم وإمّا عَوْدُكم إلى مِلَّتِنا. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أهْلَ الحَقِّ في كُلِّ زَمانٍ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ، وأهْلُ الباطِلِ يَكُونُونَ كَثِيرِينَ، والظَّلَمَةُ والفَسَقَةُ يَكُونُونَ مُتَعاوِنِينَ مُتَعاضِدِينَ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ قَدَرُوا عَلى هَذِهِ السَّفاهَةِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا يُوهِمُ أنَّهم كانُوا عَلى مِلَّتِهِمْ في أوَّلِ الأمْرِ حَتّى يَعُودُوا فِيها. صفحة ٧٩ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إنَّما نَشَئُوا في تِلْكَ البِلادِ وكانُوا مِن تِلْكَ القَبائِلِ، وفي أوَّلِ الأمْرِ ما أظْهَرُوا المُخالَفَةَ مَعَ أُولَئِكَ الكُفّارِ، بَلْ كانُوا في ظاهِرِ الأمْرِ مَعَهم مِن غَيْرِ إظْهارِ مُخالَفَةٍ فالقَوْمُ ظَنُّوا لِهَذا السَّبَبِ أنَّهم كانُوا في أوَّلِ الأمْرِ عَلى دِينِهِمْ فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ . الوجه الثّانِي: أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ الكُفّارِ ولا يَجِبُ في كُلِّ ما قالُوهُ أنْ يَكُونُوا صادِقِينَ فِيهِ فَلَعَلَّهم تَوَهَّمُوا ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ ما كانَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمُوهُ. الوجه الثّالِثُ: لَعَلَّ الخِطابَ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ مَعَ الرُّسُلِ إلّا أنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الخِطابِ أتْباعُهم وأصْحابُهم ولا بَأْسَ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى دِينِ أُولَئِكَ الكُفّارِ. الوجه الرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: العَوْدُ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ. الوجه الخامِسُ: لَعَلَّ أُولَئِكَ الأنْبِياءَ كانُوا قَبْلَ إرْسالِهِمْ عَلى مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِمْ بِنَسْخِ تِلْكَ المِلَّةِ وأمَرَهم بِشَرِيعَةٍ أُخْرى وبَقِيَ الأقْوامُ عَلى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي صارَتْ مَنسُوخَةً مُصِرِّينَ عَلى سَبِيلِ الكُفْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَطْلُبُوا مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَعُودُوا إلى تِلْكَ المِلَّةِ. الوجه السّادِسُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ أيْ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ ادِّعاءِ الرِّسالَةِ مِنَ السُّكُوتِ عَنْ ذِكْرِ مُعايَبَةِ دِينِنا وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالطَّعْنِ والقَدْحِ. وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ قالَ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ حِكايَةٌ تَقْتَضِي إضْمارَ القَوْلِ أوْ إجْراءَ الإيحاءِ مَجْرى القَوْلِ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ”لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ولَيُسْكِنَنَّكم“ بِالياءِ اعْتِبارًا لِأوْحى فَإنَّ هَذا اللَّفْظَ لَفْظُ الغَيْبَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ ولَأخْرُجَنَّ. والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ الظّالِمِينَ ودِيارُهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] . ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن آذى جارَهُ أوْرَثَهُ اللَّهُ دارَهُ» “، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ في دَفْعِ عَدُوِّهِ كَفاهُ اللَّهُ أمْرَ عَدُوِّهِ. ثم قال تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ فَقَوْلُهُ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قَضى اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن إهْلاكِ الظّالِمِينَ وإسْكانِ المُؤْمِنِينَ دِيارَهم إثْرَ ذَلِكَ الأمْرِ حَقٌّ ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مَوْقِفِي وهو مَوْقِفُ الحِسابِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ مَوْقِفُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَقِفُ فِيهِ عِبادُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . الثّانِي: أنَّ المَقامَ مَصْدَرٌ كالقِيامَةِ، يُقالُ: قامَ قِيامًا ومَقامًا، قالَ الفَرّاءُ: ذَلِكَ لِمَن خافَ قِيامِي عَلَيْهِ ومُراقَبَتِي إيّاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ . الثّالِثُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ إقامَتِي عَلى العَدْلِ والصَّوابِ، فَإنَّهُ تَعالى لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ ولا يَحْكُمُ إلّا بِالعَدْلِ وهو تَعالى مُقِيمٌ عَلى العَدْلِ لا يَمِيلُ عَنْهُ ولا يَنْحَرِفُ البَتَّةَ. الرّابِعُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ مَقامَ العائِذِ عِنْدِي وهو مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى صفحة ٨٠ المَفْعُولِ. الخامِسُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ لِمَن خافَنِي، وذِكْرُ المَقامِ هَهُنا مِثْلُ ما يُقالُ: سَلامُ اللَّهِ عَلى المَجْلِسِ الفُلانِيِّ العالِي. والمُرادُ: سَلامُ اللَّهِ عَلى فُلانٍ فَكَذا هَهُنا. ثم قال تَعالى: ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الوَعِيدُ اسْمٌ مِن أوْعَدَ إيعادًا وهو التَّهْدِيدُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ ما أوْعَدْتُ مِنَ العَذابِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُغايِرًا لِلْخَوْفِ مِن وعِيدِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ: أنَّ حُبَّ اللَّهِ تَعالى مُغايِرٌ لِحُبِّ ثَوابِ اللَّهِ، وهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ عالٍ في أسْرارِ الحِكْمَةِ والتَّصْدِيقِ. * * * ثم قال: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: لِلِاسْتِفْتاحِ هَهُنا مَعْنَيانِ: أحَدُهُما: طَلَبُ الفَتْحِ بِالنُّصْرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيْ واسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] . والثّانِي: الفَتْحُ الحكم والقَضاءُ، فَقَوْلُ رَبِّنا: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيْ واسْتَحْكَمُوا اللَّهَ وسَألُوهُ القَضاءَ بَيْنَهم، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفُتاحَةِ وهي الحُكُومَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كِلا القَوْلَيْنِ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فالمُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ ودَعَوْا عَلى قَوْمِهِمْ بِالعَذابِ لَمّا أيِسُوا مِن إيمانِهِمْ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] . وقالَ مُوسى: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وقالَ لُوطٌ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠] . وأمّا عَلى القَوْلِ الثّالِثِ: وهو طَلَبُ الحِكْمَةِ والقَضاءِ فالأوْلى أنْ يَكُونَ المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الأُمَمَ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَؤُلاءِ الرُّسُلُ صادِقِينَ فَعَذِّبْنا، ومِنهُ قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ . وكَقَوْلِ آخَرِينَ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ . المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ وقُرِئَ (واسْتَفْتِحُوا) بِلَفْظِ الأمْرِ وعَطَفَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ أيْ أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم، وقالَ لَهم: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ وقالَ لَهُمُ (اسْتَفْتِحُوا) . ثم قال تَعالى: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: إنْ قُلْنا: المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الرُّسُلُ، كانَ المَعْنى أنَّ الرُّسُلَ اسْتَفْتَحُوا فَنُصِرُوا وظَفِرُوا بِمَقْصُودِهِمْ وفازُوا ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وهم قَوْمُهم، وإنْ قُلْنا: المُسْتَفْتِحُونَ هُمُ الكَفَرَةُ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ الكُفّارَ اسْتَفْتَحُوا عَلى الرُّسُلِ ظَنًّا مِنهم أنَّهم عَلى الحَقِّ والرُّسُلَ عَلى الباطِلِ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ مِنهم وما أفْلَحَ بِسَبَبِ اسْتِفْتاحِهِ عَلى الرُّسُلِ. المسألة الثّانِيَةُ: الجَبّارُ هَهُنا المُتَكَبِّرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الأحْمَرِ: يُقالُ: فِيهِ جَبْرِيَّةٌ وجَبَرُوَّةٌ وجَبَرُوتٌ وجَبُّورَةٌ، وحَكى الزَّجّاجُ: الجِبِرِيَّةُ والجِبِرُ بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ والتَّجْبارُ والجِبْرِياءُ. قالَ الواحِدِيُّ: فَهي ثَمانِ لُغاتٍ في مَصْدَرِ الجَبّارِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ «امْرَأةً حَضَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَها أمْرًا فَأبَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ”دَعُوها فَإنَّها جَبّارَةٌ» “ أيْ مُسْتَكْبِرَةٌ، وأمّا صفحة ٨١ العَنِيدُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في اشْتِقاقِهِ، قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: العُنُودُ الخِلافُ والتَّباعُدُ والتَّرْكُ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْلُهُ مِنَ العِنْدِ وهو النّاحِيَةُ يُقالُ: فُلانٌ يَمْشِي عِنْدًا، أيْ ناحِيَةً، فَمَعْنى عانَدَ وعَنَدَ أخَذَ في ناحِيَةٍ مُعْرِضًا، وعانَدَ فُلانٌ فُلانًا إذا جانَبَهُ وكانَ مِنهُ عَلى ناحِيَةٍ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كَوْنُهُ جَبّارًا مُتَكَبِّرًا إشارَةٌ إلى الخُلُقِ النَّفْسانِيِّ وكَوْنُهُ عَنِيدًا إشارَةٌ إلى الأثَرِ الصّادِرِ عَنْ ذَلِكَ الخُلُقِ، وهو كَوْنُهُ مُجانِبًا عَنِ الحَقِّ مُنْحَرِفًا عَنْهُ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ خُلُقُهُ هو التَّجَبُّرَ والتَّكَبُّرَ وفِعْلُهُ هو العُنُودَ وهو الِانْحِرافُ عَنِ الحَقِّ والصِّدْقِ، كانَ خائِبًا عَنْ كُلِّ الخَيْراتِ خاسِرًا عَنْ جَمِيعِ أقْسامِ السَّعاداتِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالخَيْبَةِ ووَصَفَهُ بِكَوْنِهِ جَبّارًا عَنِيدًا، وصَفَ كَيْفِيَّةَ عَذابِهِ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ وفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ المُرادَ: أمامَهُ جَهَنَّمُ، فَكَيْفَ أطْلَقَ لَفْظَ الوَراءِ عَلى القُدّامِ والأمامِ ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ ”وراءَ“ اسْمٌ لِما يُوارى عَنْكَ، وقُدّامَ وخَلْفَ مُتَوارٍ عَنْكَ، فَصَحَّ إطْلاقُ لَفْظِ ”وراءَ“ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما. قالَ الشّاعِرُ: عَسى الكَرْبُ الَّذِي أمْسَيْتُ فِيهِ يَكُونُ وراءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ ويُقالُ أيْضًا: المَوْتُ وراءَ كُلِّ أحَدٍ. الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ السِّكِّيتِ: الوَراءُ مِنَ الأضْدادِ يَقَعُ عَلى الخَلْفِ والقُدّامِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما كانَ خَلْفًا فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْقَلِبَ قُدّامًا وبِالعَكْسِ، فَلا جَرَمَ جازَ وُقُوعُ لَفْظِ الوَراءِ عَلى القُدّامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ﴾ [الكهف: ٧٩] أيْ أمامَهم، ويُقالُ: المَوْتُ مِن وراءِ الإنْسانِ. الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ ”وراءَ“ بِمَعْنى بَعْدَ. قالَ الشّاعِرُ: ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ أيْ ولَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِ بِالخَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ . ثم قال: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ ومِن بَعْدِ الخَيْبَةِ يَدْخُلُ جَهَنَّمَ. * * * النوع الثّانِي: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ هَذا الكافِرِ قَوْلُهُ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: عَلامَ عَطَفَ ﴿ويُسْقى﴾ . الجَوابُ: عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ يُلْقى فِيها ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ . السُّؤالُ الثّانِي: عَذابُ أهْلِ النّارِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَلِمَ خَصَّ هَذِهِ الحالَةَ بِالذِّكْرِ ؟ الجَوابُ: يُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الحالَةُ أشَدَّ أنْواعِ العَذابِ فَخَصَّصَ بِالذِّكْرِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ . السُّؤالُ الثّالِثُ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ . صفحة ٨٢ الجَوابُ: أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما ذَلِكَ الماءُ ؟ فَقالَ: ﴿صَدِيدٍ﴾ والصَّدِيدُ ما يَسِيلُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ”ويُسْقى مِن ماءٍ كالصَّدِيدِ“، وذَلِكَ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في جَهَنَّمَ ما يُشْبِهُ الصَّدِيدَ في النَّتْنِ والغِلَظِ والقَذارَةِ، وهو أيْضًا يَكُونُ في نَفْسِهِ صَدِيدًا؛ لِأنَّ كَراهَتَهُ تَصُدُّ عَنْ تَناوُلِهِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] . ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾ [الكهف: ٢٩] . السُّؤالُ الرّابِعُ: ما مَعْنى ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ ؟ الجَوابُ: التَّجَرُّعُ تَناوُلُ المَشْرُوبِ جُرْعَةً جُرْعَةً عَلى الِاسْتِمْرارِ، ويُقالُ: ساغَ الشَّرابُ في الحَلْقِ يَسُوغُ سَوْغًا وأساغَهُ إساغَةً. واعْلَمْ أنَّ [ يَكادُ ] فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ نَفْيَهُ إثْباتٌ، وإثْباتَهُ نَفْيٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أيْ ويُسِيغُهُ بَعْدَ إبْطاءٍ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ما كِدْتُ أقُومُ، أيْ قُمْتُ بَعْدَ إبْطاءٍ قالَ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] يَعْنِي فَعَلُوا بَعْدَ إبْطاءٍ، والدَّلِيلُ عَلى حُصُولِ الإساغَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠] ولا يَحْصُلُ الصَّهْرُ إلّا بَعْدَ الإساغَةِ، وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أساغُوا الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ بَعْدَهُ: إنَّهُ يُسِيغُهُ البَتَّةَ ؟ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كادَ لِلْمُقارَبَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ﴾ لِنَفْيِ المُقارَبَةِ يَعْنِي: ولَمْ يُقارِبْ أنْ يُسِيغَهُ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الإساغَةُ ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠] أيْ لَمْ يَقْرُبْ مِن رُؤْيَتِها فَكَيْفَ يَراها ؟ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ذَكَرْتُمُ الدَّلِيلَ عَلى حُصُولِ الإساغَةِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الوجه ؟ قُلْنا عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لا يُسِيغُ جَمِيعَهُ كَأنَّهُ يَجْرَعُ البَعْضَ وما ساغَ الجَمِيعَ. الثّانِي: أنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرْتُمْ إنَّما دَلَّ عَلى وُصُولِ بَعْضِ ذَلِكَ الشَّرابِ إلى جَوْفِ الكافِرِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإساغَةٍ؛ لِأنَّ الإساغَةَ في اللُّغَةِ إجْراءُ الشَّرابِ في الحَلْقِ بِقَبُولِ النَّفْسِ واسْتِطابَةِ المَشْرُوبِ، والكافِرُ يَتَجَرَّعُ ذَلِكَ الشَّرابَ عَلى كَراهِيَةٍ ولا يُسِيغُهُ، أيْ لا يَسْتَطِيبُهُ ولا يَشْرَبُهُ شُرْبًا بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، وعَلى هَذَيْنِ الوجه يْنِ يَصِحُّ حَمْلُ لا يَكادُ عَلى نَفْيِ المُقارَبَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. النوع الثّالِثُ: مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في وعِيدِ هَذا الكافِرِ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] والمَعْنى: أنَّ مُوجِباتِ المَوْتِ أحاطَتْ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَمُوتُ، وقِيلَ مِن كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ جَسَدِهِ. النوع الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ العَذابِ الغَلِيظِ كَوْنُهُ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ. الثّانِي: أنَّهُ في كُلِّ وقْتٍ يَسْتَقْبِلُهُ يَتَلَقّى عَذابًا أشَدَّ مِمّا قَبْلَهُ. قالَ المُفَضَّلُ: هو قَطْعُ الأنْفاسِ وحَبْسُها في الأجْسادِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنْواعَ عَذابِهِمْ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أعْمالَهم بِأسْرِها تَصِيرُ ضائِعَةً باطِلَةً لا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِنها، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ كَمالُ خُسْرانِهِمْ؛ لِأنَّهم لا يَجِدُونَ في القِيامَةِ إلّا العِقابَ الشَّدِيدَ، وكُلُّ ما عَمِلُوهُ في الدُّنْيا وجَدُوهُ ضائِعًا باطِلًا، وذَلِكَ هو الخُسْرانُ الشَّدِيدُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في ارْتِفاعِ قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ: وفِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، أوْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيما يُتْلى عَلَيْكم، وقَوْلُهُ: ﴿كَرَمادٍ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: كَيْفَ مَثَلُهم ؟ فَقِيلَ: أعْمالُهم كَرَمادٍ. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ مَثَلُ أعْمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَرَمادٍ فَحَذَفَ المُضافَ اعْتِمادًا عَلى ذِكْرِهِ بَعْدَ المُضافِ إلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أعْمالُهُمْ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] أيْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] المَعْنى تَرى وُجُوهَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ مُسْوَدَّةً. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: صِفَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَرَمادٍ كَقَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ عِرْضُهُ مَصُونٌ، ومالُهُ مَبْذُولٌ. الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ أعْمالُهم بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: مَثَلُ أعْمالِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿كَرَمادٍ﴾ هو الخَبَرُ. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ المَثَلُ صِلَةً وتَقْدِيرُهُ: الَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم. المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ وجْهَ المُشابَهَةِ بَيْنَ هَذا المَثَلِ وبَيْنَ هَذِهِ الأعْمالِ، هو أنَّ الرِّيحَ العاصِفَ تُطِيرُ الرَّمادَ وتُفَرِّقُ أجْزاءَهُ بِحَيْثُ لا يَبْقى لِذَلِكَ الرَّمادِ أثَرٌ ولا خَبَرٌ، فَكَذا هَهُنا أنَّ كُفْرَهم أبْطَلَ أعْمالَهم وأحْبَطَها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِن تِلْكَ الأعْمالِ مَعَهم خَبَرٌ ولا أثَرٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ الأعْمالِ عَلى وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنها ما عَمِلُوهُ مِن أعْمالِ البِرِّ كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وبِرِّ الوالِدَيْنِ وإطْعامِ الجائِعِ، وذَلِكَ لِأنَّها تَصِيرُ مُحْبَطَةً باطِلَةً بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، ولَوْلا كُفْرُهم لانْتَفَعُوا بِها. والوجه الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن تِلْكَ الأعْمالِ عِبادَتُهم لِلْأصْنامِ وما تَكَلَّفُوهُ مِن كُفْرِهِمُ الَّذِي ظَنُّوهُ إيمانًا وطَرِيقًا إلى الخَلاصِ، والوجه في خُسْرانِهِمْ أنَّهم أتْعَبُوا أبْدانَهم فِيها الدَّهْرَ الطَّوِيلَ لِكَيْ يَنْتَفِعُوا بِها فَصارَتْ وبالًا عَلَيْهِمْ. والوجه الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الأعْمالِ كِلا القِسْمَيْنِ؛ لِأنَّهم إذا رَأوُا الأعْمالَ الَّتِي كانَتْ في أنْفُسِها خَيْراتٍ قَدْ بَطَلَتْ، والأعْمالَ الَّتِي ظَنُّوها خَيْراتٍ وأفْنَوْا فِيها أعْمارَهم قَدْ بَطَلَتْ أيْضًا وصارَتْ مِن أعْظَمِ المُوجِباتِ لِعَذابِهِمْ فَلا شَكَّ أنَّهُ تَعْظُمُ حَسْرَتُهم ونَدامَتُهم فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ . المسألة الثّالِثَةُ: قُرِئَ ”الرِّياحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ“ جَعَلَ العَصْفَ لِلْيَوْمِ، وهو لِما فِيهِ وهو الرِّيحُ أوِ الرِّياحُ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ ماطِرٌ ولَيْلَةٌ ساكِرَةٌ، وإنَّما السُّكُورُ لِرِيحِها، قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: في يَوْمٍ ذِي عُصُوفٍ، وإنْ صفحة ٨٤ شِئْتَ قُلْتَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ فَحَذَفَ ذِكْرَ الرِّيحِ لِكَوْنِهِ مَذْكُورًا قَبْلَ ذَلِكَ، وقُرِئَ ”في يَوْمِ عاصِفٍ“ بِالإضافَةِ. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ضاعَ بِالكُلِّيَّةِ وفَسَدَ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُكْتَسِبًا لِأفْعالِهِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ هَذا المِثالَ قالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ أعْمالَهم تَصِيرُ باطِلَةً ضائِعَةً، بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ البُطْلانَ والإحْباطَ إنَّما جاءَ بِسَبَبٍ صَدَرَ مِنهم وهو كُفْرُهم بِاللَّهِ وإعْراضُهم عَنِ العُبُودِيَّةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُبْطِلُ أعْمالَ المُخْلِصِينَ ابْتِداءً، وكَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وأنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ كُلَّ هَذا العالَمِ إلّا لِداعِيَةِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ“ عَلى اسْمِ الفاعِلِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ أنَّ، والسَّماواتُ والأرْضُ عَلى الإضافَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠١] . ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] . ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] والباقُونَ خَلَقَ عَلى فِعْلِ الماضِي، و”السَّماواتِ والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، ولِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، ولِقَوْلِهِ في ص: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧] . أمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إلّا بِالحَقِّ وهو دَلالَتُهُما عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَيَقُولُونَ: إلّا بِالحَقِّ، أيْ لَمْ يَخْلُقْ ذَلِكَ عَبَثًا بَلْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ. ثم قال تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ، فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى إفْناءِ قَوْمٍ وإماتَتِهِمْ وعَلى إيجادِ آخَرِينَ وإحْيائِهِمْ كانَ أوْلى؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى الأصْعَبِ الأعْظَمِ بِأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأضْعَفِ أوْلى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الخِطابُ مَعَ كُفّارِ مَكَّةَ، يُرِيدُ أُمِيتُكم يا مَعْشَرَ الكُفّارِ، وأخْلُقُ قَوْمًا خَيْرًا مِنكم وأطْوَعَ مِنكم. ثم قال: ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ مُمْتَنِعٍ لِما ذَكَرْنا أنَّ القادِرَ عَلى إفْناءِ كُلِّ العالَمِ وإيجادِهِ بِأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إفْناءِ أشْخاصٍ مَخْصُوصِينَ وإيجادِ أمْثالِهِمْ أوْلى وأحْرى. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنْواعَ عَذابِهِمْ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أعْمالَهم بِأسْرِها تَصِيرُ ضائِعَةً باطِلَةً لا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِنها، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ كَمالُ خُسْرانِهِمْ؛ لِأنَّهم لا يَجِدُونَ في القِيامَةِ إلّا العِقابَ الشَّدِيدَ، وكُلُّ ما عَمِلُوهُ في الدُّنْيا وجَدُوهُ ضائِعًا باطِلًا، وذَلِكَ هو الخُسْرانُ الشَّدِيدُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في ارْتِفاعِ قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ: وفِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، أوْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيما يُتْلى عَلَيْكم، وقَوْلُهُ: ﴿كَرَمادٍ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: كَيْفَ مَثَلُهم ؟ فَقِيلَ: أعْمالُهم كَرَمادٍ. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ مَثَلُ أعْمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَرَمادٍ فَحَذَفَ المُضافَ اعْتِمادًا عَلى ذِكْرِهِ بَعْدَ المُضافِ إلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أعْمالُهُمْ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] أيْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] المَعْنى تَرى وُجُوهَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ مُسْوَدَّةً. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: صِفَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَرَمادٍ كَقَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ عِرْضُهُ مَصُونٌ، ومالُهُ مَبْذُولٌ. الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ أعْمالُهم بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: مَثَلُ أعْمالِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿كَرَمادٍ﴾ هو الخَبَرُ. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ المَثَلُ صِلَةً وتَقْدِيرُهُ: الَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم. المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ وجْهَ المُشابَهَةِ بَيْنَ هَذا المَثَلِ وبَيْنَ هَذِهِ الأعْمالِ، هو أنَّ الرِّيحَ العاصِفَ تُطِيرُ الرَّمادَ وتُفَرِّقُ أجْزاءَهُ بِحَيْثُ لا يَبْقى لِذَلِكَ الرَّمادِ أثَرٌ ولا خَبَرٌ، فَكَذا هَهُنا أنَّ كُفْرَهم أبْطَلَ أعْمالَهم وأحْبَطَها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِن تِلْكَ الأعْمالِ مَعَهم خَبَرٌ ولا أثَرٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ الأعْمالِ عَلى وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنها ما عَمِلُوهُ مِن أعْمالِ البِرِّ كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وبِرِّ الوالِدَيْنِ وإطْعامِ الجائِعِ، وذَلِكَ لِأنَّها تَصِيرُ مُحْبَطَةً باطِلَةً بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، ولَوْلا كُفْرُهم لانْتَفَعُوا بِها. والوجه الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن تِلْكَ الأعْمالِ عِبادَتُهم لِلْأصْنامِ وما تَكَلَّفُوهُ مِن كُفْرِهِمُ الَّذِي ظَنُّوهُ إيمانًا وطَرِيقًا إلى الخَلاصِ، والوجه في خُسْرانِهِمْ أنَّهم أتْعَبُوا أبْدانَهم فِيها الدَّهْرَ الطَّوِيلَ لِكَيْ يَنْتَفِعُوا بِها فَصارَتْ وبالًا عَلَيْهِمْ. والوجه الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الأعْمالِ كِلا القِسْمَيْنِ؛ لِأنَّهم إذا رَأوُا الأعْمالَ الَّتِي كانَتْ في أنْفُسِها خَيْراتٍ قَدْ بَطَلَتْ، والأعْمالَ الَّتِي ظَنُّوها خَيْراتٍ وأفْنَوْا فِيها أعْمارَهم قَدْ بَطَلَتْ أيْضًا وصارَتْ مِن أعْظَمِ المُوجِباتِ لِعَذابِهِمْ فَلا شَكَّ أنَّهُ تَعْظُمُ حَسْرَتُهم ونَدامَتُهم فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ . المسألة الثّالِثَةُ: قُرِئَ ”الرِّياحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ“ جَعَلَ العَصْفَ لِلْيَوْمِ، وهو لِما فِيهِ وهو الرِّيحُ أوِ الرِّياحُ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ ماطِرٌ ولَيْلَةٌ ساكِرَةٌ، وإنَّما السُّكُورُ لِرِيحِها، قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: في يَوْمٍ ذِي عُصُوفٍ، وإنْ صفحة ٨٤ شِئْتَ قُلْتَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ فَحَذَفَ ذِكْرَ الرِّيحِ لِكَوْنِهِ مَذْكُورًا قَبْلَ ذَلِكَ، وقُرِئَ ”في يَوْمِ عاصِفٍ“ بِالإضافَةِ. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ضاعَ بِالكُلِّيَّةِ وفَسَدَ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُكْتَسِبًا لِأفْعالِهِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ هَذا المِثالَ قالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ أعْمالَهم تَصِيرُ باطِلَةً ضائِعَةً، بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ البُطْلانَ والإحْباطَ إنَّما جاءَ بِسَبَبٍ صَدَرَ مِنهم وهو كُفْرُهم بِاللَّهِ وإعْراضُهم عَنِ العُبُودِيَّةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُبْطِلُ أعْمالَ المُخْلِصِينَ ابْتِداءً، وكَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وأنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ كُلَّ هَذا العالَمِ إلّا لِداعِيَةِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ“ عَلى اسْمِ الفاعِلِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ أنَّ، والسَّماواتُ والأرْضُ عَلى الإضافَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠١] . ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] . ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] والباقُونَ خَلَقَ عَلى فِعْلِ الماضِي، و”السَّماواتِ والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، ولِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، ولِقَوْلِهِ في ص: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧] . أمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إلّا بِالحَقِّ وهو دَلالَتُهُما عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَيَقُولُونَ: إلّا بِالحَقِّ، أيْ لَمْ يَخْلُقْ ذَلِكَ عَبَثًا بَلْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ. ثم قال تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ، فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى إفْناءِ قَوْمٍ وإماتَتِهِمْ وعَلى إيجادِ آخَرِينَ وإحْيائِهِمْ كانَ أوْلى؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى الأصْعَبِ الأعْظَمِ بِأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأضْعَفِ أوْلى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الخِطابُ مَعَ كُفّارِ مَكَّةَ، يُرِيدُ أُمِيتُكم يا مَعْشَرَ الكُفّارِ، وأخْلُقُ قَوْمًا خَيْرًا مِنكم وأطْوَعَ مِنكم. ثم قال: ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ مُمْتَنِعٍ لِما ذَكَرْنا أنَّ القادِرَ عَلى إفْناءِ كُلِّ العالَمِ وإيجادِهِ بِأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إفْناءِ أشْخاصٍ مَخْصُوصِينَ وإيجادِ أمْثالِهِمْ أوْلى وأحْرى. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنْواعَ عَذابِهِمْ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أعْمالَهم بِأسْرِها تَصِيرُ ضائِعَةً باطِلَةً لا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِنها، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ كَمالُ خُسْرانِهِمْ؛ لِأنَّهم لا يَجِدُونَ في القِيامَةِ إلّا العِقابَ الشَّدِيدَ، وكُلُّ ما عَمِلُوهُ في الدُّنْيا وجَدُوهُ ضائِعًا باطِلًا، وذَلِكَ هو الخُسْرانُ الشَّدِيدُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في ارْتِفاعِ قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ: وفِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، أوْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيما يُتْلى عَلَيْكم، وقَوْلُهُ: ﴿كَرَمادٍ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: كَيْفَ مَثَلُهم ؟ فَقِيلَ: أعْمالُهم كَرَمادٍ. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ مَثَلُ أعْمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَرَمادٍ فَحَذَفَ المُضافَ اعْتِمادًا عَلى ذِكْرِهِ بَعْدَ المُضافِ إلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أعْمالُهُمْ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] أيْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] المَعْنى تَرى وُجُوهَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ مُسْوَدَّةً. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: صِفَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَرَمادٍ كَقَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ عِرْضُهُ مَصُونٌ، ومالُهُ مَبْذُولٌ. الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ أعْمالُهم بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: مَثَلُ أعْمالِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿كَرَمادٍ﴾ هو الخَبَرُ. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ المَثَلُ صِلَةً وتَقْدِيرُهُ: الَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم. المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ وجْهَ المُشابَهَةِ بَيْنَ هَذا المَثَلِ وبَيْنَ هَذِهِ الأعْمالِ، هو أنَّ الرِّيحَ العاصِفَ تُطِيرُ الرَّمادَ وتُفَرِّقُ أجْزاءَهُ بِحَيْثُ لا يَبْقى لِذَلِكَ الرَّمادِ أثَرٌ ولا خَبَرٌ، فَكَذا هَهُنا أنَّ كُفْرَهم أبْطَلَ أعْمالَهم وأحْبَطَها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِن تِلْكَ الأعْمالِ مَعَهم خَبَرٌ ولا أثَرٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ الأعْمالِ عَلى وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنها ما عَمِلُوهُ مِن أعْمالِ البِرِّ كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وبِرِّ الوالِدَيْنِ وإطْعامِ الجائِعِ، وذَلِكَ لِأنَّها تَصِيرُ مُحْبَطَةً باطِلَةً بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، ولَوْلا كُفْرُهم لانْتَفَعُوا بِها. والوجه الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن تِلْكَ الأعْمالِ عِبادَتُهم لِلْأصْنامِ وما تَكَلَّفُوهُ مِن كُفْرِهِمُ الَّذِي ظَنُّوهُ إيمانًا وطَرِيقًا إلى الخَلاصِ، والوجه في خُسْرانِهِمْ أنَّهم أتْعَبُوا أبْدانَهم فِيها الدَّهْرَ الطَّوِيلَ لِكَيْ يَنْتَفِعُوا بِها فَصارَتْ وبالًا عَلَيْهِمْ. والوجه الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الأعْمالِ كِلا القِسْمَيْنِ؛ لِأنَّهم إذا رَأوُا الأعْمالَ الَّتِي كانَتْ في أنْفُسِها خَيْراتٍ قَدْ بَطَلَتْ، والأعْمالَ الَّتِي ظَنُّوها خَيْراتٍ وأفْنَوْا فِيها أعْمارَهم قَدْ بَطَلَتْ أيْضًا وصارَتْ مِن أعْظَمِ المُوجِباتِ لِعَذابِهِمْ فَلا شَكَّ أنَّهُ تَعْظُمُ حَسْرَتُهم ونَدامَتُهم فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ . المسألة الثّالِثَةُ: قُرِئَ ”الرِّياحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ“ جَعَلَ العَصْفَ لِلْيَوْمِ، وهو لِما فِيهِ وهو الرِّيحُ أوِ الرِّياحُ كَقَوْلِكَ: يَوْمٌ ماطِرٌ ولَيْلَةٌ ساكِرَةٌ، وإنَّما السُّكُورُ لِرِيحِها، قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: في يَوْمٍ ذِي عُصُوفٍ، وإنْ صفحة ٨٤ شِئْتَ قُلْتَ: في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ فَحَذَفَ ذِكْرَ الرِّيحِ لِكَوْنِهِ مَذْكُورًا قَبْلَ ذَلِكَ، وقُرِئَ ”في يَوْمِ عاصِفٍ“ بِالإضافَةِ. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ ضاعَ بِالكُلِّيَّةِ وفَسَدَ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُكْتَسِبًا لِأفْعالِهِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ هَذا المِثالَ قالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ أعْمالَهم تَصِيرُ باطِلَةً ضائِعَةً، بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ البُطْلانَ والإحْباطَ إنَّما جاءَ بِسَبَبٍ صَدَرَ مِنهم وهو كُفْرُهم بِاللَّهِ وإعْراضُهم عَنِ العُبُودِيَّةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُبْطِلُ أعْمالَ المُخْلِصِينَ ابْتِداءً، وكَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وأنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ كُلَّ هَذا العالَمِ إلّا لِداعِيَةِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ“ عَلى اسْمِ الفاعِلِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ أنَّ، والسَّماواتُ والأرْضُ عَلى الإضافَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠١] . ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] . ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] والباقُونَ خَلَقَ عَلى فِعْلِ الماضِي، و”السَّماواتِ والأرْضَ“ بِالنَّصْبِ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، ولِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، ولِقَوْلِهِ في ص: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧] . أمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إلّا بِالحَقِّ وهو دَلالَتُهُما عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَيَقُولُونَ: إلّا بِالحَقِّ، أيْ لَمْ يَخْلُقْ ذَلِكَ عَبَثًا بَلْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ. ثم قال تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ، فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى إفْناءِ قَوْمٍ وإماتَتِهِمْ وعَلى إيجادِ آخَرِينَ وإحْيائِهِمْ كانَ أوْلى؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى الأصْعَبِ الأعْظَمِ بِأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الأسْهَلِ الأضْعَفِ أوْلى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الخِطابُ مَعَ كُفّارِ مَكَّةَ، يُرِيدُ أُمِيتُكم يا مَعْشَرَ الكُفّارِ، وأخْلُقُ قَوْمًا خَيْرًا مِنكم وأطْوَعَ مِنكم. ثم قال: ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أيْ مُمْتَنِعٍ لِما ذَكَرْنا أنَّ القادِرَ عَلى إفْناءِ كُلِّ العالَمِ وإيجادِهِ بِأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إفْناءِ أشْخاصٍ مَخْصُوصِينَ وإيجادِ أمْثالِهِمْ أوْلى وأحْرى. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ . صفحة ٨٥ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أصْنافَ عَذابِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّ أعْمالَهم تَصِيرُ مُحْبَطَةً باطِلَةً، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ كَيْفِيَّةَ خَجالَتِهِمْ عِنْدَ تَمَسُّكِ أتْباعِهِمْ وكَيْفِيَّةَ افْتِضاحِهِمْ عِنْدَهم. وهَذا إشارَةٌ إلى العَذابِ الرُّوحانِيِّ الحاصِلِ بِسَبَبِ الفَضِيحَةِ والخَجالَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: بَرَزَ: مَعْناهُ في اللُّغَةِ ظَهَرَ بَعْدَ الخَفاءِ. ومِنهُ يُقالُ لِلْمَكانِ الواسِعِ: البَرازُ لِظُهُورِهِ، وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] أيْ ظاهِرَةً لا يَسْتُرُها شَيْءٌ، وامْرَأةٌ بَرْزَةٌ إذا كانَتْ تَظْهَرُ لِلنّاسِ. ويُقالُ: بَرَزَ فُلانٌ عَلى أقْرانِهِ إذا فاقَهم وسَبَقَهم، وأصْلُهُ في الخَيْلِ إذا سَبَقَ أحَدُها قِيلَ: بَرَزَ عَلَيْها كَأنَّهُ خَرَجَ مِن غِمارِها فَظَهَرَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا أبْحاثٌ: البحث الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وبَرَزُوا﴾ ورَدَ بِلَفْظِ الماضِي وإنْ كانَ مَعْناهُ الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَهو صِدْقٌ وحَقٌّ، فَصارَ كَأنَّهُ قَدْ حَصَلَ ودَخَلَ في الوُجُودِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠] . البحث الثّانِي: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ البُرُوزَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الظُّهُورِ بَعْدَ الِاسْتِتارِ وهَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَسْتَتِرُونَ مِنَ العُيُونِ عِنْدَ ارْتِكابِ الفَواحِشِ ويَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ خافٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ. الثّانِي: أنَّهم خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ فَبَرَزُوا لِحِسابِ اللَّهِ وحُكْمِهِ. الثّالِثُ - وهو تَأْوِيلُ الحُكَماءِ -: أنَّ النَّفْسَ إذا فارَقَتِ الجَسَدَ فَكَأنَّهُ زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ وبَقِيَتْ مُتَجَرِّدَةً بِذاتِها عارِيَةً عَنْ كُلِّ ما سِواها وذَلِكَ هو البُرُوزُ لِلَّهِ. البحث الثّالِثُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: قَوْلُهُ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ٩، ١٠] وذَلِكَ لِأنَّ البَواطِنَ تَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ والأحْوالَ الكامِنَةَ تَنْكَشِفُ فَإنْ كانُوا مِنَ السُّعَداءِ بَرَزُوا لِلْحاكِمِ الحَكِيمِ بِصِفاتِهِمُ القُدُسِيَّةِ، وأحْوالِهِمُ العُلْوِيَّةِ، ووُجُوهِهِمُ المُشْرِقَةِ، وأرْواحِهِمُ الصّافِيَةِ المُسْتَنِيرَةِ فَيَتَجَلّى لَها نُورُ الجَلالِ؛ ويَعْظُمُ فِيها إشْراقُ عالَمِ القُدُسِ، فَما أجَلَّ تِلْكَ الأحْوالَ. وإنْ كانُوا مِنَ الأشْقِياءِ بَرَزُوا لِمَوْقِفِ العَظَمَةِ، ومَنازِلِ الكِبْرِياءِ ذَلِيلِينَ مَهِينِينَ خاضِعِينَ خاشِعِينَ واقِعِينَ في خِزْيِ الخَجالَةِ، ومَذَلَّةِ الفَضِيحَةِ، ومَوْقِفِ المَهانَةِ والفَزَعِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى أنَّ الضُّعَفاءَ يَقُولُونَ لِلرُّؤَساءِ: هَلْ تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عَذابِ اللَّهِ عَنّا ؟ والمَعْنى: أنَّهُ إنَّما اتَّبَعْناكم لِهَذا اليَوْمِ، ثُمَّ إنَّ الرُّؤَساءَ يَعْتَرِفُونَ بِالخِزْيِ والعَجْزِ والذُّلِّ، قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ اعْتِرافَ الرُّؤَساءِ والسّادَةِ والمَتْبُوعِينَ بِمِثْلِ هَذا العَجْزِ والخِزْيِ والنَّكالِ يُوجِبُ الخَجالَةَ العَظِيمَةَ والخِزْيَ الكامِلَ التّامَّ، فَكانَ المَقْصُودُ مَن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ: اسْتِيلاءَ عَذابِ الفَضِيحَةِ والخَجالَةِ والخِزْيِ عَلَيْهِمْ مَعَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن سائِرِ وُجُوهِ أنْواعِ العَذابِ والعِقابِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها. واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٨٦ المسألة الثّانِيَةُ: كَتَبُوا ”الضُّعَفاؤُ“ بِواوٍ قَبْلَ الهَمْزَةِ في بَعْضِ المَصاحِفِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ كُتِبَ عَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ فَيُمِيلُها إلى الواوِ، ونَظِيرُهُ ”عُلَماؤُ بَنِي إسْرائِيلَ“ . المسألة الثّالِثَةُ: الضُّعَفاءُ الأتْباعُ والعَوامُّ، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُمُ السّادَةُ والكُبَراءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ أكابِرُهُمُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ أيْ في الدُّنْيا. قالَ الفَرّاءُ وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ: التَّبَعُ تابِعٌ مِثْلُ خادِمٍ وخَدَمٍ وباقِرٍ وبَقَرٍ وحارِسٍ وحَرَسٍ وراصِدٍ ورَصَدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا سُمِّيَ بِهِ، أيْ كُنّا ذَوِي تَبَعٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ التَّبَعِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنها التَّبَعِيَّةُ في الكُفْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها التَّبَعِيَّةَ في أحْوالِ الدُّنْيا: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ هَلْ يُمْكِنُكم دَفْعُ عَذابِ اللَّهِ عَنّا. فَإنْ قِيلَ: فَما الفَرْقُ بَيْنَ مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ وبَيْنَهُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ . قُلْنا: كِلاهُما لِلتَّبْعِيضِ بِمَعْنى: هَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ شَيْءٍ هو عَذابُ اللَّهِ ؟ أيْ بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ، وعِنْدَ هَذا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ لَوْ أرْشَدَنا اللَّهُ لَأرْشَدْناكم، قالَ الواحِدِيُّ: مَعْناهُ أنَّهم إنَّما دَعَوْهم إلى الضَّلالِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أضَلَّهم ولَمْ يَهْدِهِمْ فَدَعَوْا أتْباعَهم إلى الضَّلالِ ولَوْ هَداهم لَدَعَوْهم إلى الهُدى. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَعَلَّهم قالُوا ذَلِكَ مَعَ أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] . واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ لا يُجَوِّزُونَ صُدُورَ الكَذِبِ عَنْ أهْلِ القِيامَةِ فَكانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ مُخالِفًا لِأُصُولِ مَشايِخِهِ فَلا يُقْبَلُ مِنهُ. الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَوْ كُنّا مِن أهْلِ اللُّطْفُ فَلَطَفَ بِنا رَبُّنا واهْتَدَيْنا لَهَدَيْناكم إلى الإيمانِ. وذَكَرَ القاضِي هَذا الوجه وزَيْفَهُ بِأنْ قالَ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذا عَلى اللُّطْفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَوْ خَلَّصَنا اللَّهُ مِنَ العِقابِ وهَدانا إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ لَهَدَيْناكم، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الهُدى هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذا هو الَّذِي التَمَسُوهُ وطَلَبُوهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ هَذا المَعْنى. ثم قال: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ أيْ مُسْتَوٍ عَلَيْنا الجَزَعُ والصَّبْرُ، والهَمْزَةُ وأمْ لِلتَّسْوِيَةِ، ونَظِيرُهُ: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] ثم قال وا: ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ مَنجًى ومَهْرَبٍ، والمَحِيصُ قَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا كالمَغِيبِ والمَشِيبِ، ومَكانًا كالمَبِيتِ والمَضِيقِ، ويُقالُ: حاصَ عَنْهُ وحاضَ بِمَعْنًى واحِدٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُناظَرَةَ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ مِن كَفَرَةِ الإنْسِ، أرْدَفَها بِالمُناظَرَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ الشَّيْطانِ وبَيْنَ أتْباعِهِ مِنَ الإنْسِ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ وفي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ وُجُوهٌ: القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا اسْتَقَرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ، أخَذَ أهْلُ النّارِ في لَوْمِ إبْلِيسَ وتَقْرِيعِهِ فَيَقُومُ في النّارِ فِيما بَيْنَهم خَطِيبًا ويَقُولُ: ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ . القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ لَمّا انْقَضَتِ المُحاسَبَةُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ آخِرَ أمْرِ أهْلِ القِيامَةِ اسْتِقْرارُ المُطِيعِينَ في الجَنَّةِ واسْتِقْرارُ الكافِرِينَ في النّارِ، ثُمَّ يَدُومُ الأمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ. والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ ذَلِكَ الوَقْتَ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَنْقَطِعُ الأحْوالُ المُعْتَبَرَةُ، ولا يَحْصُلُ بَعْدَهُ إلّا دَوامُ ما حَصَلَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وأمّا الشَّيْطانُ فالمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الشَّيْطانِ لَفْظٌ مُفْرَدٌ فَيَتَناوَلُ الواحِدَ وإبْلِيسُ رَأْسُ الشَّياطِينِ ورَئِيسُهم، فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ أوْلى، لا سِيَّما وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلْقَ وقَضى بَيْنَهم يَقُولُ الكافِرُ: قَدْ وجَدَ المُسْلِمُونَ مَن يَشْفَعُ لَهم فَمَن يَشْفَعُ لَنا ما هو إلّا إبْلِيسُ هو الَّذِي أضَلَّنا فَيَأْتُونَهُ ويَسْألُونَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ هَذا القَوْلَ» “ . * * * أما قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ وهو البَعْثُ والجَزاءُ عَلى الأعْمالِ فَوَفى لَكم بِما وعَدَكم، ووَعَدْتُكم خِلافَ ذَلِكَ فَأخْلَفْتُكم. وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ النَّفْسَ تَدْعُو إلى هَذِهِ الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا تَتَصَوَّرُ كَيْفِيَّةَ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ، واللَّهُ يَدْعُو إلَيْها ويُرَغِّبُ فِيها كَما قالَ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] . البحث الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وعْدَ الحَقِّ﴾ مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾، ومَسْجِدِ الجامِعِ عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ، والمَعْنى: وعَدَكُمُ الوَعْدَ الحَقَّ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وعْدَ اليَوْمِ الحَقِّ أوِ الأمْرِ الحَقِّ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وعَدَكُمُ الحَقَّ. ثُمَّ ذَكَرَ المَصْدَرَ تَأْكِيدًا. البحث الثّالِثُ: في الآيَةِ إضْمارٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ فَصَدَقَكم ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وحَذَفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ تِلْكَ الحالَةِ عَلى صِدْقِ ذَلِكَ الوَعْدِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُشاهِدُونَها ولَيْسَ وراءَ العِيانِ بَيانٌ ولِأنَّهُ ذَكَرَ في وعْدِ الشَّيْطانِ الإخْلافَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى الصِّدْقِ في وعْدِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ الوَعْدُ يَقْتَضِي مَفْعُولًا ثانِيًا وحُذِفَ هَهُنا لِلْعِلْمِ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: ووَعَدْتُكم أنْ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا حَشْرَ ولا حِسابَ. صفحة ٨٨ أما قوله: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ قُدْرَةٍ ومَكِنَةٍ وتَسَلُّطٍ وقَهْرٍ فَأقْهَرَكم عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي وأُلْجِئَكم إلَيْها ﴿إلّا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ أيْ إلّا دُعائِي إيّاكم إلى الضَّلالَةِ بِوَسْوَسَتِي وتَزْيِينِي، قالَ النَّحْوِيُّونَ: لَيْسَ الدُّعاءُ مِن جِنْسِ السُّلْطانِ فَقَوْلُهُ: (﴿إلّا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ مِن جِنْسِ قَوْلِهِمْ: ما تَحِيَّتُهم إلّا الضَّرْبُ، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنْ دَعَوْتُكم. وعِنْدِي أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: كَلِمَةُ ”إلّا“ هَهُنا اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأنَّ قُدْرَةَ الإنْسانِ عَلى حَمْلِ الغَيْرِ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ تارَةً يَكُونُ بِالقَهْرِ والقَسْرِ، وتارَةً يَكُونُ بِتَقْوِيَةِ الدّاعِيَةِ في قَلْبِهِ بِإلْقاءِ الوَساوِسِ إلَيْهِ، فَهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّسَلُّطِ، ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى تَصْرِيعِ الإنْسانِ وعَلى تَعْوِيجِ أعْضائِهِ وجَوارِحِهِ، وعَلى إزالَةِ العَقْلِ عَنْهُ كَما يَقُولُهُ العَوامُّ والحَشْوِيَّةُ، ثم قال: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ يَعْنِي ما كانَ مِنِّي إلّا الدُّعاءُ والوَسْوَسَةُ، وكُنْتُمْ سَمِعْتُمْ دَلائِلَ اللَّهِ وشاهَدْتُمْ مَجِيءَ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْكم أنْ لا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِي ولا تَلْتَفِتُوا إلَيَّ، فَلَمّا رَجَّحْتُمْ قَوْلِي عَلى الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ، كانَ اللَّوْمُ عَلَيْكم لا عَلَيَّ في هَذا البابِ. وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أشْياءَ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ الكُفْرُ والمَعْصِيَةُ مِنَ اللَّهِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فَلا تَلُومُونِي ولا أنْفُسَكم فَإنَّ اللَّهَ قَضى عَلَيْكُمُ الكُفْرَ وأجْبَرَكم عَلَيْهِ. الثّانِي: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى تَصْرِيعِ الإنْسانِ وعَلى تَعْوِيجِ أعْضائِهِ وعَلى إزالَةِ العَقْلِ عَنْهُ كَما تَقُولُ الحَشْوِيَّةُ والعَوامُّ. الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ ذَمُّهُ ولَوْمُهُ وعِقابُهُ بِسَبَبِ فِعْلِ الغَيْرِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ عِقابُ أوْلادِ الكُفّارِ بِسَبَبِ كُفْرِ آبائِهِمْ. أجابَ بَعْضُ الأصْحابِ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ: بِأنَّ هَذا قَوْلُ الشَّيْطانِ فَلا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ. وأجابَ الخَصْمُ عَنْهُ: بِأنَّهُ لَوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ باطِلًا لَبَيَّنَ اللَّهُ بُطْلانَهُ وأظْهَرَ إنْكارَهُ، وأيْضًا فَلا فائِدَةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ في ذِكْرِ هَذا الكَلامِ الباطِلِ والقَوْلِ الفاسِدِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ كَلامٌ حَقٌّ، وقَوْلَهُ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ قَوْلٌ حَقٌّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . * * * المسألة الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ الأصْلِيَّ هو النَّفْسُ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ بَيَّنَ أنَّهُ ما أتى إلّا بِالوَسْوَسَةِ، فَلَوْلا المَيْلُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والوَهْمِ والخَيالِ لَمْ يَكُنْ لِوَسْوَسَتِهِ تَأْثِيرٌ البَتَّةَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الشَّيْطانَ الأصْلِيَّ هو النَّفْسُ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: بَيِّنُوا لَنا حَقِيقَةَ الوَسْوَسَةِ. قُلْنا: الفِعْلُ إنَّما يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ عِنْدَ حُصُولِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ يَتَرَتَّبُ بَعْضُها عَلى البَعْضِ تَرْتِيبًا لازِمًا طَبِيعِيًّا، وبَيانُهُ أنَّ أعْضاءَ الإنْسانِ بِحُكْمِ السَّلامَةِ الأصْلِيَّةِ والصَّلاحِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، والإقْدامِ والإحْجامِ، فَما لَمْ يَحْصُلْ في القَلْبِ مَيْلٌ إلى تَرْجِيحِ الفِعْلِ عَلى التَّرْكِ أوْ بِالعَكْسِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ صُدُورُ الفِعْلِ، وذَلِكَ المَيْلُ هو الإرادَةُ الجازِمَةُ، والقَصْدُ الجازِمُ. ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الإرادَةَ الجازِمَةَ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ عِلْمٍ أوِ اعْتِقادٍ أوْ ظَنٍّ بِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ سَبَبٌ لِلنَّفْعِ أوْ سَبَبٌ لِلضَّرَرِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ هَذا الِاعْتِقادُ لَمْ يَحْصُلِ المَيْلُ لا إلى الفِعْلِ ولا إلى التَّرْكِ، فالحاصِلُ أنَّ الإنْسانَ إذا أحَسَّ بِشَيْءٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ شُعُورُهُ بِكَوْنِهِ مُلائِمًا لَهُ أوْ بِكَوْنِهِ مُنافِرًا لَهُ أوْ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُلائِمٍ ولا مُنافِرٍ، فَإنْ حَصَلَ الشُّعُورُ بِكَوْنِهِ مُلائِمًا لَهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ المَيْلُ الجازِمُ إلى الفِعْلِ صفحة ٨٩ وإنْ حَصَلَ الشُّعُورُ بِكَوْنِهِ مُنافِرًا لَهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ المَيْلُ الجازِمُ إلى التَّرْكِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ لا هَذا ولا ذاكَ لَمْ يَحْصُلِ المَيْلُ لا إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ ولا إلى ضِدِّهِ، بَلْ بَقِيَ الإنْسانُ كَما كانَ، وعِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ المَيْلِ الجازِمِ تَصِيرُ القُدْرَةُ مَعَ ذَلِكَ المَيْلِ مُوجِبَةً لِلْفِعْلِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: صُدُورُ الفِعْلِ عَنْ مَجْمُوعِ القُدْرَةِ والدّاعِي الحاصِلِ أمْرٌ واجِبٌ فَلا يَكُونُ لِلشَّيْطانِ مَدْخَلٌ فِيهِ، وصُدُورُ المَيْلِ عَنْ تَصَوُّرِ كَوْنِهِ خَيْرًا أوْ تَصَوُّرِ كَوْنِهِ شَرًّا أمْرٌ واجِبٌ فَلا يَكُونُ لِلشَّيْطانِ فِيهِ مَدْخَلٌ، وحُصُولُ كَوْنِهِ خَيْرًا أوْ تَصَوُّرُ كَوْنِهِ شَرًّا عَنْ مُطْلَقِ الشُّعُورِ بِذاتِهِ أمْرٌ لازِمٌ فَلا مَدْخَلَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلشَّيْطانِ مَدْخَلٌ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ المَقاماتِ إلّا في أنْ يُذَكِّرَهُ شَيْئًا بِأنْ يُلْقِيَ إلَيْهِ حَدِيثَهُ، مِثْلُ أنَّ الإنْسانَ كانَ غافِلًا عَنْ صُورَةِ امْرَأةٍ فَيُلْقِي الشَّيْطانُ حَدِيثَها في خاطِرِهِ، فالشَّيْطانُ لا قُدْرَةَ لَهُ إلّا في هَذا المَقامِ، وهو عَيْنُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي﴾ يَعْنِي ما كانَ مِنِّي إلّا مُجَرَّدُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، فَأمّا بَقِيَّةُ المَراتِبِ فَما صَدَرَتْ مِنِّي وما كانَ لِي فِيها أثَرٌ البَتَّةَ. * * * بَقِيَ في هَذا المَقامِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يُعْقَلُ تَمَكُّنُ الشَّيْطانِ مِنَ النُّفُوذِ في داخِلِ أعْضاءِ الإنْسانِ وإلْقاءِ الوَسْوَسَةِ إلَيْهِ ؟ والجَوابُ: لِلنّاسِ في المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ ما سِوى اللَّهِ بِحَسَبِ القِسْمَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أقْسامٍ ثَلاثَةٍ: المُتَحَيِّزِ، والحالِّ في المُتَحَيِّزِ، والَّذِي لا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا ولا حالًّا فِيهِ، وهَذا القِسْمُ الثّالِثُ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ البَتَّةَ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِهِ، بَلِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ قامَتْ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِهِ، وهَذا هو المُسَمّى بِالأرْواحِ فَهَذِهِ الأرْواحُ إنْ كانَتْ طاهِرَةً مُقَدَّسَةً مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ القُدُسِيَّةِ فَهُمُ المَلائِكَةُ وإنْ كانَتْ خَبِيثَةً داعِيَةً إلى الشُّرُورِ وعالَمِ الأجْسادِ ومَنازِلِ الظُّلُماتِ فَهُمُ الشَّياطِينُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الشَّيْطانُ لا يَكُونُ جِسْمًا يَحْتاجُ إلى الوُلُوجِ في داخِلِ البَدَنِ بَلْ هو جَوْهَرٌ رُوحانِيٌّ خَبِيثُ الفِعْلِ مَجْبُولٌ عَلى الشَّرِّ، والنَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ أيْضًا كَذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ في أنْ يُلْقِيَ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأرْواحِ أنْواعًا مِنَ الوَساوِسِ والأباطِيلِ إلى جَوْهَرِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ في هَذا البابِ احْتِمالًا ثانِيًا، وهو أنَّ النُّفُوسَ النّاطِقَةَ البَشَرِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِالنوع، فَهي طَوائِفُ، وكُلُّ طائِفَةٍ مِنها في تَدْبِيرِ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ بِعَيْنِها، فَنَوْعٌ مِنَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ تَكُونُ حَسَنَةَ الأخْلاقِ كَرِيمَةَ الأفْعالِ مَوْصُوفَةً بِالفَرَحِ والبِشْرِ وسُهُولَةِ الأمْرِ، وهي تَكُونُ مُنْتَسِبَةً إلى رُوحِ مُعَيَّنٍ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، وطائِفَةٌ أُخْرى مِنها تَكُونُ مَوْصُوفَةً بِالحِدَّةِ والقُوَّةِ والغِلْظَةِ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وهي تَكُونُ مُنْتَسِبَةً إلى رُوحٍ آخَرَ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، وهَذِهِ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ كالأوْلادِ لِذَلِكَ الرُّوحِ السَّماوِيِّ وكالنَّتائِجِ الحاصِلَةِ، وكالفُرُوعِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْها، وذَلِكَ الرُّوحُ السَّماوِيُّ هو الَّذِي يَتَوَلّى إرْشادَها إلى مَصالِحِها، وهو الَّذِي يَخُصُّها بِالإلْهاماتِ حالَتَيِ النَّوْمِ واليَقَظَةِ. والقُدَماءُ كانُوا يُسَمُّونَ ذَلِكَ الرُّوحَ السَّماوِيَّ بِالطِّباعِ التّامِّ، ولا شَكَّ أنَّ لِذَلِكَ الرُّوحِ السَّماوِيِّ الَّذِي هو الأصْلُ واليَنْبُوعُ شُعَبًا كَثِيرَةً ونَتائِجَ كَثِيرَةً وهي بِأسْرِها تَكُونُ مِن جِنْسِ رُوحِ هَذا الإنْسانِ وهي لِأجْلِ مُشاكَلَتِها ومُجانَسَتِها يُعِينُ بَعْضُها بَعْضًا عَلى الأعْمالِ اللّائِقَةِ بِها والأفْعالِ المُناسِبَةِ لِطَبائِعِها، ثُمَّ إنَّها إنْ كانَتْ خَيِّرَةً طاهِرَةً طَيِّبَةً كانَتْ مَلائِكَةً وكانَتْ تِلْكَ الإعانَةُ مُسَمّاةً بِالإلْهامِ. وإنْ كانَتْ صفحة ٩٠ شِرِّيرَةً خَبِيثَةً قَبِيحَةَ الأعْمالِ كانَتْ شَياطِينَ وكانَتْ تِلْكَ الإعانَةُ مُسَمّاةً بِالوَسْوَسَةِ، وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أيْضًا فِيهِ احْتِمالًا ثالِثًا، وهو أنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ والأرْواحَ الإنْسانِيَّةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها قَوِيَتْ في تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي اكْتَسَبَتْها في تِلْكَ الأبْدانِ وكَمَلَتْ فِيها، فَإذا حَدَثَتْ نَفْسٌ أُخْرى مُشاكِلَةٌ لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ في بَدَنٍ مُشاكِلٍ لِبَدَنِ تِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ، حَدَثَ بَيْنَ تِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ وبَيْنَ هَذا البَدَنِ نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِسَبَبِ المُشاكَلَةِ الحاصِلَةِ بَيْنَ هَذا البَدَنِ وبَيْنَ ما كانَ بَدَنًا لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ، فَيَصِيرُ لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ شَدِيدٌ بِهَذا البَدَنِ، وتَصِيرُ تِلْكَ النَّفْسُ المُفارِقَةُ مُعاوِنَةً لِهَذِهِ النَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذا البَدَنِ ومُعاضِدَةً لَها عَلى أفْعالِها وأحْوالِها بِسَبَبِ هَذِهِ المُشاكَلَةِ، ثُمَّ إنْ كانَ هَذا المَعْنى في أبْوابِ الخَيْرِ والبَرَكاتِ كانَ ذَلِكَ إلْهامًا، وإنْ كانَ في بابِ الشَّرِّ كانَ وسْوَسَةً، فَهَذِهِ وُجُوهٌ مُحْتَمَلَةٌ تَفْرِيعًا عَلى القَوْلِ بِإثْباتِ جَواهِرَ قُدُسِيَّةٍ مُبَرَّأةٍ عَنِ الجِسْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ، والقَوْلُ بِالأرْواحِ الطّاهِرَةِ والخَبِيثَةِ كَلامٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ فَلَيْسَ لَهم أنْ يُنْكِرُوا إثْباتَها عَلى صاحِبِ شَرِيعَتِنا مُحَمَّدٍ ﷺ . وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ المَلائِكَةَ والشَّياطِينَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أجْسامًا فَنَقُولُ: إنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ إنَّها أجْسامٌ كَثِيفَةٌ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِأنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ، واللَّهُ سُبْحانَهُ رَكَّبَها تَرْكِيبًا عَجِيبًا وهي أنْ تَكُونَ مَعَ لَطافَتِها لا تَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّمَزُّقَ والفَسادَ والبُطْلانَ، ونُفُوذُ الأجْرامِ اللَّطِيفَةِ في عُمْقِ الأجْرامِ الكَثِيفَةِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، ألا تَرى أنَّ الرُّوحَ الإنْسانِيَّةَ جِسْمٌ لَطِيفٌ، ثُمَّ إنَّهُ نَفَذَ في داخِلِ عُمْقِ البَدَنِ، فَإذا عُقِلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ نُفُوذُ أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ في داخِلِ هَذا البَدَنِ ؟ ألَيْسَ أنَّ جِرْمَ النّارِ يَسْرِي في جِرْمِ الفَحَمِ، وماءَ الوَرْدِ يَسْرِي في ورَقِ الوَرْدِ، ودُهْنَ السِّمْسِمِ يَجْرِي في جِسْمِ السِّمْسِمِ ؟ فَكَذا هَهُنا، فَظَهَرَ بِما قَرَّرْنا: أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الجِنِّ والشَّياطِينِ أمْرٌ لا تُحِيلُهُ العُقُولُ ولا تُبْطِلُهُ الدَّلائِلُ، وأنَّ الإصْرارَ عَلى الإنْكارِ لَيْسَ إلّا مِن نَتِيجَةِ الجَهْلِ وقِلَّةِ الفِطْنَةِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالشَّياطِينِ مُمْكِنٌ في الجُمْلَةِ فَنَقُولُ: الأحَقُّ والأوْلى أنْ يُقالَ: المَلائِكَةُ - عَلى هَذا القَوْلِ - مَخْلُوقُونَ مِنَ النُّورِ، والشَّياطِينُ مَخْلُوقُونَ مِنَ الدُّخانِ واللَّهَبِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] وهَذا الكَلامُ مِنَ المَشْهُوراتِ عِنْدَ قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَسْتَبْعِدَهُ مِن صاحِبِ شَرِيعَتِنا مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ الشَّيْطانُ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وهو أيْضًا مَلُومٌ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى تِلْكَ الوَسْوَسَةِ الباطِلَةِ ؟ والجَوابُ: أرادَ بِذَلِكَ فَلا تَلُومُونِي عَلى ما فَعَلْتُمْ ولُومُوا أنْفُسَكم عَلَيْهِ، لِأنَّكم عَدَلْتُمْ عَمّا تُوجِبُهُ هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى لَكم. ثم قال اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الشَّيْطانِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِمُغِيثِكم ولا مُنْقِذِكم، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الصّارِخُ المُسْتَغِيثُ والمُصْرِخُ المُغِيثُ. يُقالُ: صَرَخَ فُلانٌ إذا اسْتَغاثَ وقالَ: واغَوْثاهُ وأصْرَخْتُهُ أغَثْتُهُ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ: ”بِمُصْرِخِيِّ“ بِكَسْرِ الياءِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ. قالَ الفَرّاءُ: ولَعَلَّها مِن وهْمِ القُرّاءِ فَإنَّهُ قَلَّ مَن سَلِمَ مِنهم عَنِ الوَهْمِ ولَعَلَّهُ ظَنَّ أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ خافِضَةٌ لِجُمْلَةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ الياءَ مِنَ المُتَكَلِّمِ خارِجَةٌ مِن ذَلِكَ، قالَ: ومِمّا نَرى صفحة ٩١ أنَّهم وهِمُوا فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] بِجَزْمِ الهاءِ. ظَنُّوا واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ الجَزْمَ في الهاءِ وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّ الهاءَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ وقَدِ انْجَزَمَ الفِعْلُ قَبْلَها بِسُقُوطِ الياءِ مِنهُ، ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن تَكَلَّفَ في ذِكْرِ وجْهٍ لِصِحَّتِهِ إلّا أنَّ الأكْثَرِينَ قالُوا إنَّهُ لَحْنٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ والمَعْنى: كَفَرْتُ بِإشْراكِكم إيّايَ مَعَ اللَّهِ تَعالى في الطّاعَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ جَحَدَ ما كانَ يَعْتَقِدُهُ أُولَئِكَ الأتْباعُ مِن كَوْنِ إبْلِيسَ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعالى في تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ وكَفَرَ بِهِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهم كانُوا يُطِيعُونَ الشَّيْطانَ في أعْمالِ الشَّرِّ كَما كانُوا قَدْ يُطِيعُونَ اللَّهَ في أعْمالِ الخَيْرِ وهَذا هو المُرادُ بِالإشْراكِ. والثّانِي - وهو قَوْلُ الفَرّاءِ -: أنَّ المَعْنى أنَّ إبْلِيسَ قالَ: إنِّي كَفَرْتُ بِاللَّهِ الَّذِي أشْرَكْتُمُونِي بِهِ مِن قَبْلِ كُفْرِكم، والمَعْنى: أنَّهُ كانَ كُفْرُهُ قَبْلَ كُفْرِ أُولَئِكَ الأتْباعِ ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ”ما“ في هَذا المَوْضِعِ ”مَن“ والقَوْلُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَنْتَظِمُ بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا: الكَلامُ مُنْتَظِمٌ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ يَقُولُ: لا تَأْثِيرَ لِوَسْوَسَتِي في كُفْرِكم بِدَلِيلِ أنِّي كَفَرْتُ قَبْلَ أنْ وقَعْتُمْ في الكُفْرِ، وما كانَ كُفْرِي بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ أُخْرى وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ سَبَبَ الوُقُوعِ في الكُفْرِ شَيْءٌ آخَرُ سِوى الوَسْوَسَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَنْتَظِمُ الكَلامُ. أما قوله: ﴿إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فالأظْهَرُ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ كَلامَ إبْلِيسِ تَمَّ قَبْلَ هَذا الكَلامِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ إبْلِيسَ قَطْعًا لِأطْماعِ أُولَئِكَ الكُفّارِ عَنِ الإعانَةِ والإغاثَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ . وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في شَرْحِ أحْوالِ الأشْقِياءِ مِنَ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، شَرَحَ أحْوالَ السُّعَداءِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الثَّوابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنفَعَةً خالِصَةً دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ، فالمَنفَعَةُ الخالِصَةُ إلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وكَوْنُها دائِمَةً أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ والتَّعْظِيمُ حَصَلَ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ تِلْكَ المَنافِعَ إنَّما حَصَلَتْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ لِأنَّ بَعْضَهم يُحَيِّي بَعْضًا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، والمَلائِكَةُ يُحَيُّونَهم بِها كَما قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] والرَّبُّ الرَّحِيمُ يُحَيِّيهِمْ أيْضًا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ كَما قالَ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . واعْلَمْ أنَّ السَّلامَ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّلامَةِ وإلّا ظَهَرَ أنَّ المُرادَ أنَّهم سَلِمُوا مِن آفاتِ الدُّنْيا وحَسَراتِها أوْ فُنُونِ صفحة ٩٢ آلامِها وأسْقامِها، وأنْواعِ غُمُومِها وهُمُومِها، وما أصْدَقَ ما قالُوا، فَإنَّ السَّلامَةَ مِن مِحَنِ عالَمِ الأجْسامِ الكائِنَةِ الفاسِدَةِ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، لا سِيَّما إذا حَصَلَ بَعْدَ الخَلاصِ مِنها الفَوْزُ بِالبَهْجَةِ الرُّوحانِيَّةِ والسَّعادَةِ المَلَكِيَّةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ: ”وأُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا“ عَلى مَعْنى وأُدْخِلُهم أنا، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، أيْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ بِإذْنِ رَبِّهِمْ. يَعْنِي: أنَّ المَلائِكَةَ يُحَيُّونَهم بِإذْنِ رَبِّهِمْ.

إبراهيم 14:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ الأشْقِياءِ وأحْوالَ السُّعَداءِ، ذَكَرَ مِثالًا يُبَيِّنُ الحالَ في حُكْمِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وهو هَذا المَثَلُ. وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ شَجَرَةً مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ ثُمَّ شَبَّهَ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِها. فالصِّفَةُ الأُولى لِتِلْكَ الشَّجَرَةِ: كَوْنُها طَيِّبَةً، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ أُمُورًا: أحَدُها: كَوْنُها طَيِّبَةَ المَنظَرِ والصُّورَةِ والشَّكْلِ. وثانِيها: كَوْنُها طَيِّبَةَ الرّائِحَةِ. وثالِثُها: كَوْنُها طَيِّبَةَ الثَّمَرَةِ يَعْنِي أنَّ الفَواكِهَ المُتَوَلِّدَةَ مِنها تَكُونُ لَذِيذَةً مُسْتَطابَةً. ورابِعُها: كَوْنُها طَيِّبَةً بِحَسَبِ المَنفَعَةِ يَعْنِي أنَّها كَما يُسْتَلَذُّ بِأكْلِها فَكَذَلِكَ يَعْظُمُ الِانْتِفاعُ بِها، ويَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: شَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، عَلى مَجْمُوعِ هَذِهِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ اجْتِماعَها يُحَصِّلُ كَمالَ الطِّيبِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ راسِخٌ باقٍ آمِنُ الِانْقِلاعِ والِانْقِطاعِ والزَّوالِ والفَناءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ الطَّيِّبَ إذا كانَ في مَعْرِضِ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ، فَهو وإنْ كانَ يَحْصُلُ الفَرَحُ بِسَبَبِ وِجْدانِهِ إلّا أنَّهُ يَعْظُمُ الحُزْنُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِن زَوالِهِ وانْقِضائِهِ. أمّا إذا عُلِمَ مِن حالِهِ أنَّهُ باقٍ دائِمٌ لا يَزُولُ ولا يَنْقَضِي فَإنَّهُ يَعْظُمُ الفَرَحُ بِوِجْدانِهِ ويَكْمُلُ السُّرُورُ بِسَبَبِ الفَوْزِ بِهِ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ وهَذا الوَصْفُ يَدُلُّ عَلى كَمالِ حالِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ارْتِفاعَ الأغْصانِ وقُوَّتَها في التَّصاعُدِ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الأصْلِ ورُسُوخِ العُرُوقِ. والثّانِي: أنَّها مَتّى كانَتْ مُتَصاعِدَةً مُرْتَفِعَةً كانَتْ بَعِيدَةً عَنْ عُفُوناتِ الأرْضِ وقاذُوراتِ الأبْنِيَةِ فَكانَتْ ثَمَراتُها نَقِيَّةً طاهِرَةً طَيِّبَةً عَنْ جَمِيعِ الشَّوائِبِ. والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ والمُرادُ: أنَّ الشَّجَرَةَ المَذْكُورَةَ كانَتْ مَوْصُوفَةً صفحة ٩٣ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي أنَّ ثَمَرَتَها لا بُدَّ أنْ تَكُونَ حاضِرَةً دائِمَةً في كُلِّ الأوْقاتِ، ولا تَكُونُ مِثْلَ الأشْجارِ الَّتِي يَكُونُ ثِمارُها حاضِرًا في بَعْضِ الأوْقاتِ دُونَ بَعْضٍ، فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الرَّغْبَةَ في تَحْصِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ عَظِيمَةً، وأنَّ العاقِلَ مَتى أمْكَنَهُ تَحْصِيلُها وتَمَلُّكُها فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَغافَلَ عَنْها وأنْ يَتَساهَلَ في الفَوْزِ بِها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقُ في مَحَبَّتِهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، تُشْبِهُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ في هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ. أمّا الصِّفَةُ الأُولى: وهي كَوْنُها طَيِّبَةً فَهي حاصِلَةٌ، بَلْ نَقُولُ: لا طَيِّبَ ولا لَذِيذَ في الحَقِيقَةِ إلّا هَذِهِ المَعْرِفَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّذَّةَ الحاصِلَةَ بِتَناوُلِ الفاكِهَةِ المُعَيَّنَةِ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّ إدْراكَ تِلْكَ الفاكِهَةِ أمْرٌ مُلائِمٌ لِمِزاجِ البَدَنِ، فَلِأجْلِ حُصُولِ تِلْكَ المُلاءَمَةِ والمُناسَبَةِ حَصَلَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ العَظِيمَةُ، وهَهُنا المُلائِمُ لِجَوْهَرِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ والرُّوحِ القُدُسِيَّةِ لَيْسَ إلّا مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتَهُ والِاسْتِغْراقَ في الِابْتِهاجِ بِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ لَذِيذَةً جِدًّا، بَلْ نَقُولُ: اللَّذَّةُ الحاصِلَةُ مِن إدْراكِ الفاكِهَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أقَلَّ حالًا مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ إشْراقِ جَوْهَرِ النَّفْسِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ، وبَيانُ هَذا التَّفاوُتِ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ المُدْرَكاتِ المَحْسُوسَةَ إنَّما تَصِيرُ مُدْرَكَةً بِسَبَبِ أنَّ سَطْحَ الحاسِّ يُلاقِي سَطْحَ المَحْسُوسِ فَقَطْ، فَأمّا أنْ يُقالَ إنَّ جَوْهَرَ المَحْسُوسِ نَفَذَ في جَوْهَرِ الحاسِّ فَلَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأجْسامَ يَمْتَنِعُ تَداخُلُها. أمّا هَهُنا فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ النُّورُ وذَلِكَ الإشْراقُ صارَ سارِيًا في جَوْهَرِ النَّفْسِ مُتَّحِدًا بِهِ، وكَأنَّ النَّفْسَ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الإشْراقِ تَصِيرُ غَيْرَ النَّفْسِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ الإشْراقِ، فَهَذا فَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ البابَيْنِ. والوجه الثّانِي: في الفَرْقِ أنَّ في الِالتِذاذِ بِالفاكِهَةِ المُدْرِكَ هو القُوَّةُ الذّائِقَةُ، والمَحْسُوسَ هو الطَّعْمُ المَخْصُوصُ، وهَهُنا المُدْرِكُ هو جَوْهَرُ النَّفْسِ القُدُسِيَّةِ، والمَعْلُومُ والمَشْعُورُ بِهِ هو ذاتُ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ، وصِفاتُ جَلالِهِ وإكْرامِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نِسْبَةُ إحْدى اللَّذَّتَيْنِ إلى الأُخْرى كَنِسْبَةِ أحَدِ المُدْرَكَيْنِ إلى الآخَرِ. الوجه الثّالِثُ: في الفَرْقِ أنَّ اللَّذّاتِ الحاصِلَةَ بِتَناوُلِ الفاكِهَةِ الطَّيِّبَةِ كُلَّما حَصَلَتْ زالَتْ في الحالِ لِأنَّها كَيْفِيَّةٌ سَرِيعَةُ الِاسْتِحالَةِ شَدِيدَةُ التَّغَيُّرِ. أمّا كَمالُ الحَقِّ وجَلالُهُ فَإنَّهُ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، واسْتِعْدادُ جَوْهَرِ النَّفْسِ لِقَبُولِ تِلْكَ السَّعادَةِ أيْضًا مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ العَظِيمُ مِن هَذا الوجه. واعْلَمْ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ مِن وُجُوهٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ فَلْيُكْتَفَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ تَنْبِيهًا لِلْعَقْلِ السَّلِيمِ عَلى سائِرِها. وأمّا الصِّفَةُ الثّانِيَةُ وهي كَوْنُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ثابِتَةَ الأصْلِ، فَهَذِهِ الصِّفَةُ في شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أقْوى وأكْمَلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عُرُوقَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ راسِخَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدُسِيَّةِ، وهَذا الجَوْهَرُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الكَوْنِ والفَسادِ بَعِيدٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والفَناءِ، وأيْضًا مَدَدُ هَذا الرُّسُوخِ إنَّما هو مِن تَجَلِّي جَلالِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا التَّجَلِّي مِن لَوازِمِ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ نُورَ النُّورِ ومَبْدَأ الظُّهُورِ، وذَلِكَ مِمّا يَمْتَنِعُ عَقْلًا زَوالُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ في جَمِيعِ صِفاتِهِ، والتَّغَيُّرُ والفَناءُ والتَّبَدُّلُ والزَّوالُ والبُخْلُ والمَنعُ مُحالٌ في حَقِّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الشَّجَرَةَ المَوْصُوفَةَ بِكَوْنِها ثابِتَةَ الأصْلِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الشَّجَرَةَ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ: كَوْنُها بِحَيْثُ يَكُونُ فَرْعُها في السَّماءِ. صفحة ٩٤ واعْلَمْ أنَّ شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ لَها أغْصانٌ صاعِدَةٌ في هَواءِ العالَمِ الإلَهِيِّ، وأغْصانٌ صاعِدَةٌ في هَواءِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ. وأمّا النوع الأوَّلُ: فَهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ ويَجْمَعُها قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ» “ ويَدْخُلُ فِيهِ التَّأمُّلُ في دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في عالَمِ الأرْواحِ، وفي عالَمِ الأجْسامِ، وفي أحْوالِ عالَمِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وفي أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ، ويَدْخُلُ فِيهِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى والشَّوْقُ إلى اللَّهِ تَعالى والمُواظَبَةُ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والِانْقِطاعُ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِقْصاءُ في ذِكْرِ هَذِهِ الأقْسامِ غَيْرُ مَطْمُوعٍ فِيهِ لِأنَّها أحْوالٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وأمّا النوع الثّانِي: فَهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ ويَجْمَعُها قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» “ ويَدْخُلُ فِيهِ: الرَّحْمَةُ والرَّأْفَةُ والصَّفْحُ والتَّجاوُزُ عَنِ الذُّنُوبِ، والسَّعْيُ في إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، ودَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم، ومُقابَلَةُ الإساءَةِ بِالإحْسانِ. وهَذِهِ الأقْسامُ أيْضًا غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وهي فُرُوعٌ ثابِتَةٌ مِن شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الإنْسانَ كُلَّما كانَ أكْثَرَ تَوَغُّلًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ عِنْدَهُ أكْمَلَ وأقْوى وأفْضَلَ. وأمّا الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ أوْلى بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الأشْجارِ الجُسْمانِيَّةِ؛ لِأنَّ شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ مُوجِبَةٌ لِهَذِهِ الأحْوالِ ومُؤَثِّرَةٌ في حُصُولِها، والسَّبَبُ لا يَنْفَكُّ عَنِ المُسَبَّبِ فَأثَرُ رُسُوخِ شَجَرَةِ المَعْرِفَةِ في أرْضِ القَلْبِ أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ بِالعِبْرَةِ كَما قالَ: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]، وأنْ يَكُونَ سَماعُهُ بِالحِكْمَةِ كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] ونُطْقُهُ بِالصِّدْقِ والصَّوابِ كَما قالَ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«قُولُوا الحَقَّ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم» “ وهَذا الإنْسانُ كُلَّما كانَ رُسُوخُ شَجَرَةِ المَعْرِفَةِ في أرْضِ قَلْبِهِ أقْوى وأكْمَلَ، كانَ ظُهُورُ هَذِهِ الآثارِ عِنْدَهُ أكْثَرَ، ورُبَّما تَوَغَّلَ في هَذا البابِ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ كَلَّما لاحَظَ شَيْئًا لاحَظَ الحَقَّ فِيهِ، ورُبَّما عَظُمَ تَرَقِّيهِ فِيهِ فَيَصِيرُ لا يَرى شَيْئًا إلّا وقَدْ كانَ قَدْ رَأى اللَّهَ تَعالى قَبْلَهُ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ وأيْضًا فَما ذَكَرْناهُ إشارَةٌ إلى الإلْهاماتِ النَّفْسانِيَّةِ والمَلَكاتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ في جَواهِرِ الأرْواحِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَصْعَدُ مِنها في كُلِّ حِينٍ ولَحْظَةٍ ولَمْحَةٍ كَلامٌ طَيِّبٌ وعَمَلٌ صالِحٌ وخُضُوعٌ وخُشُوعٌ وبُكاءٌ وتَذَلُّلٌ، كَثَمَرَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وأما قوله: ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ فَفِيهِ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الأحْوالِ السَّنِيَّةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ قَدْ يَفْرَحُ الإنْسانُ بِها مِن حَيْثُ هي هي، وقَدْ يَتَرَقّى فَلا يَفْرَحُ بِها مِن حَيْثُ هي هي، وإنَّما يَفْرَحُ بِها مِن حَيْثُ إنَّها مِنَ المَوْلى، وعِنْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ فَرَحُهُ في الحَقِيقَةِ بِالمَوْلى لا بِهَذِهِ الأحْوالِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ”مَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَقَدْ قالَ بِالفانِي، ومَن آثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ، بَلْ لِلْمَعْرُوفِ فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذا التَّقْرِيرِ الَّذِي شَرَحْناهُ والبَيانِ الَّذِي فَصَّلْناهُ أنَّ هَذا المِثالَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذا الكِتابِ مِثالٌ هادٍ إلى عالَمِ القُدُسِ، وحَضْرَةِ الجَلالِ، وسُرادِقاتِ الكِبْرِياءِ، فَنَسْألُ اللَّهَ تَعالى مَزِيدَ الِاهْتِداءِ والرَّحْمَةِ إنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، وذَكَرَ بَعْضُهم في تَقْرِيرِ هَذا المِثالِ كَلامًا لا بَأْسَ بِهِ، فَقالَ: إنَّما مَثَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الإيمانَ بِالشَّجَرَةِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى شَجَرَةً، إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: عِرْقٌ راسِخٌ، صفحة ٩٥ وأصْلٌ قائِمٌ، وأغْصانٌ عالِيَةٌ. كَذَلِكَ الإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: مَعْرِفَةٌ في القَلْبِ، وقَوْلٌ بِاللِّسانِ، وعَمَلٌ بِالأبْدانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ والتَّقْدِيرُ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ . الثّانِي: قالَ ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ“ مَثَلًا ”، و“ كَلِمَةً ”بِضَرَبَ، أيْ ضَرَبَ كَلِمَةً طَيِّبَةً مَثَلًا بِمَعْنى جَعَلَها مَثَلًا. وقَوْلُهُ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هي كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ. الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ“ حَلِّ العَقْدِ ”أظُنُّ أنَّ الأوْجَهَ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿كَلِمَةً﴾ عَطْفَ بَيانٍ، والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِمَعْنى مِثْلَ شَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ هي النَّخْلَةُ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ": إنَّها كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ وشَجَرَةِ التِّينِ والعِنَبِ والرُّمّانِ، وأرادَ بِشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ الثَّمَرَةَ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْها لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها. ﴿أصْلُها﴾ أيْ أصْلُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ ثابِتٌ. ﴿وفَرْعُها﴾ أيْ أعْلاها في السَّماءِ، والمُرادُ الهَواءُ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ وعَلاكَ فَهو سَماءٌ. ﴿تُؤْتِي﴾ أيْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ ﴿أُكُلَها﴾ أيْ ثَمَرَها وما يُؤْكَلُ مِنها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذا الحِينِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ بَيْنَ حَمْلِها إلى صِرامِها سِتَّةَ أشْهُرٍ. جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: نَذَرْتُ أنْ لا أُكَلِّمَ أخِي حَتّى حِينٍ، فَقالَ: الحِينُ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: سَنَةٌ لِأنَّ الشَّجَرَةَ مِنَ العامِ إلى العامِ تَحْمِلُ الثَّمَرَةَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: شَهْرانِ؛ لِأنَّ مُدَّةَ إطْعامِ النَّخْلَةِ شَهْرانِ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ مَن شاهَدْنا مِن أهْلِ اللُّغَةِ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ الحِينَ اسْمٌ كالوَقْتِ يَصْلُحُ لِجَمِيعِ الأزْمانِ كُلِّها طالَتْ أمْ قَصُرَتْ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ أنَّهُ يُنْتَفَعُ بِها في كُلِّ وقْتٍ وفي كُلِّ ساعَةٍ لَيْلًا أوْ نَهارًا أوْ شِتاءً أوْ صَيْفًا. قالُوا: والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النَّخْلَةَ إذا تَرَكُوا عَلَيْها الثَّمَرَ مِنَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ انْتَفَعُوا بِها في جَمِيعِ أوْقاتِ السَّنَةِ. وأقُولُ: هَؤُلاءِ وإنْ أصابُوا في البحث عَنْ مُفْرَداتِ ألْفاظِ الآيَةِ، إلّا أنَّهم بَعُدُوا عَنْ إدْراكِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، ولا حاجَةَ بِنا إلى أنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ هي النَّخْلَةُ أمْ غَيْرُها، فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الشَّجَرَةَ المَوْصُوفَةَ بِالصِّفاتِ الأرْبَعِ المَذْكُورَةِ شَجَرَةٌ شَرِيفَةٌ يَنْبَغِي لِكُلِّ عاقِلٍ أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِها وتَمَلُّكِها لِنَفْسِهِ سَواءً كانَ لَها وُجُودٌ في الدُّنْيا أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ أمْرٌ مَطْلُوبُ التَّحْصِيلِ، واخْتِلافُهم في تَفْسِيرِ الحِينِ أيْضًا مِن هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالأُمُورِ. ثم قال: ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ في ضَرْبِ الأمْثالِ زِيادَةَ إفْهامٍ وتَذْكِيرٍ وتَصْوِيرٍ لِلْمَعانِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَعانِيَ العَقْلِيَّةَ المَحْضَةَ لا يَقْبَلُها الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ، فَإذا ذُكِرَ ما يُساوِيها مِنَ المَحْسُوساتِ تَرَكَ الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ تِلْكَ المُنازَعَةَ وانْطَبَقَ المَعْقُولُ عَلى المَحْسُوسِ وحَصَلَ بِهِ الفَهْمُ التّامُّ والوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ. * * * وأما قوله تَعالى: ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ . فاعْلَمْ أنَّ الشَّجَرَةَ الخَبِيثَةَ هي الجَهْلُ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ أوَّلُ الآفاتِ وعُنْوانُ المُخالَفاتِ ورَأْسُ الشَّقّاواتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَبَّهَها بِشَجَرَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّها تَكُونُ خَبِيثَةً. فَمِنهم مَن قالَ: إنَّها الثُّومُ؛ لِأنَّهُ ﷺ وصَفَ الثُّومَ بِأنَّها شَجَرَةٌ خَبِيثَةٌ. صفحة ٩٦ وقِيلَ: إنَّها الكُرّاثُ. وقِيلَ: إنَّها شَجَرَةُ الحَنْظَلِ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَضارِّ. وقِيلَ: إنَّها شَجَرَةُ الشَّوْكِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّفْصِيلَ لا حاجَةَ إلَيْهِ، فَإنَّ الشَّجَرَةَ قَدْ تَكُونُ خَبِيثَةً بِحَسَبِ الرّائِحَةِ وقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ الطَّعْمِ، وقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ الصُّورَةِ والمَنظَرِ، وقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ اشْتِمالِها عَلى المَضارِّ الكَثِيرَةِ. والشَّجَرَةُ الجامِعَةُ لِكُلِّ هَذِهِ الصِّفاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً، إلّا أنَّها لَمّا كانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّفَةِ كانَ التَّشْبِيهُ بِها نافِعًا في المَطْلُوبِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ ومَعْنى اجْتُثَّتِ اسْتُؤْصِلَتْ، وحَقِيقَةُ الِاجْتِثاثِ أخْذُ الجُثَّةِ كُلِّها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَ لَها أصْلٌ ولا عِرْقٌ، فَكَذَلِكَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى لَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ ولا ثَباتٌ ولا قُوَّةٌ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ كالمُتَمِّمَةِ لِلصِّفَةِ الثّانِيَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَها اسْتِقْرارٌ. يُقالُ: قَرَّ الشَّيْءُ قَرارًا كَقَوْلِكَ: ثَبَتَ ثَباتًا، شَبَّهَ بِها القَوْلَ الَّذِي لَمْ يُعَضَّدْ بِحُجَّةٍ فَهو داحِضٌ غَيْرُ ثابِتٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المِثالَ في صِفَةِ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ في غايَةِ الكَمالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَها مَوْصُوفَةً بِالمَضارِّ الكَثِيرَةِ، وخالِيَةً عَنْ كُلِّ المَنافِعِ. أمّا كَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالمَضارِّ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَبِيثَةٍ﴾، وأمّا كَوْنُها خالِيَةً عَنْ كُلِّ المَنافِعِ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ . واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ الأشْقِياءِ وأحْوالَ السُّعَداءِ، ذَكَرَ مِثالًا يُبَيِّنُ الحالَ في حُكْمِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وهو هَذا المَثَلُ. وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ شَجَرَةً مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ ثُمَّ شَبَّهَ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِها. فالصِّفَةُ الأُولى لِتِلْكَ الشَّجَرَةِ: كَوْنُها طَيِّبَةً، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ أُمُورًا: أحَدُها: كَوْنُها طَيِّبَةَ المَنظَرِ والصُّورَةِ والشَّكْلِ. وثانِيها: كَوْنُها طَيِّبَةَ الرّائِحَةِ. وثالِثُها: كَوْنُها طَيِّبَةَ الثَّمَرَةِ يَعْنِي أنَّ الفَواكِهَ المُتَوَلِّدَةَ مِنها تَكُونُ لَذِيذَةً مُسْتَطابَةً. ورابِعُها: كَوْنُها طَيِّبَةً بِحَسَبِ المَنفَعَةِ يَعْنِي أنَّها كَما يُسْتَلَذُّ بِأكْلِها فَكَذَلِكَ يَعْظُمُ الِانْتِفاعُ بِها، ويَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: شَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، عَلى مَجْمُوعِ هَذِهِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ اجْتِماعَها يُحَصِّلُ كَمالَ الطِّيبِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ راسِخٌ باقٍ آمِنُ الِانْقِلاعِ والِانْقِطاعِ والزَّوالِ والفَناءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ الطَّيِّبَ إذا كانَ في مَعْرِضِ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ، فَهو وإنْ كانَ يَحْصُلُ الفَرَحُ بِسَبَبِ وِجْدانِهِ إلّا أنَّهُ يَعْظُمُ الحُزْنُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِن زَوالِهِ وانْقِضائِهِ. أمّا إذا عُلِمَ مِن حالِهِ أنَّهُ باقٍ دائِمٌ لا يَزُولُ ولا يَنْقَضِي فَإنَّهُ يَعْظُمُ الفَرَحُ بِوِجْدانِهِ ويَكْمُلُ السُّرُورُ بِسَبَبِ الفَوْزِ بِهِ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ وهَذا الوَصْفُ يَدُلُّ عَلى كَمالِ حالِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ارْتِفاعَ الأغْصانِ وقُوَّتَها في التَّصاعُدِ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الأصْلِ ورُسُوخِ العُرُوقِ. والثّانِي: أنَّها مَتّى كانَتْ مُتَصاعِدَةً مُرْتَفِعَةً كانَتْ بَعِيدَةً عَنْ عُفُوناتِ الأرْضِ وقاذُوراتِ الأبْنِيَةِ فَكانَتْ ثَمَراتُها نَقِيَّةً طاهِرَةً طَيِّبَةً عَنْ جَمِيعِ الشَّوائِبِ. والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ والمُرادُ: أنَّ الشَّجَرَةَ المَذْكُورَةَ كانَتْ مَوْصُوفَةً صفحة ٩٣ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي أنَّ ثَمَرَتَها لا بُدَّ أنْ تَكُونَ حاضِرَةً دائِمَةً في كُلِّ الأوْقاتِ، ولا تَكُونُ مِثْلَ الأشْجارِ الَّتِي يَكُونُ ثِمارُها حاضِرًا في بَعْضِ الأوْقاتِ دُونَ بَعْضٍ، فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الرَّغْبَةَ في تَحْصِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ عَظِيمَةً، وأنَّ العاقِلَ مَتى أمْكَنَهُ تَحْصِيلُها وتَمَلُّكُها فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَغافَلَ عَنْها وأنْ يَتَساهَلَ في الفَوْزِ بِها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقُ في مَحَبَّتِهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، تُشْبِهُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ في هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ. أمّا الصِّفَةُ الأُولى: وهي كَوْنُها طَيِّبَةً فَهي حاصِلَةٌ، بَلْ نَقُولُ: لا طَيِّبَ ولا لَذِيذَ في الحَقِيقَةِ إلّا هَذِهِ المَعْرِفَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّذَّةَ الحاصِلَةَ بِتَناوُلِ الفاكِهَةِ المُعَيَّنَةِ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّ إدْراكَ تِلْكَ الفاكِهَةِ أمْرٌ مُلائِمٌ لِمِزاجِ البَدَنِ، فَلِأجْلِ حُصُولِ تِلْكَ المُلاءَمَةِ والمُناسَبَةِ حَصَلَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ العَظِيمَةُ، وهَهُنا المُلائِمُ لِجَوْهَرِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ والرُّوحِ القُدُسِيَّةِ لَيْسَ إلّا مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتَهُ والِاسْتِغْراقَ في الِابْتِهاجِ بِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ لَذِيذَةً جِدًّا، بَلْ نَقُولُ: اللَّذَّةُ الحاصِلَةُ مِن إدْراكِ الفاكِهَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أقَلَّ حالًا مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ إشْراقِ جَوْهَرِ النَّفْسِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ، وبَيانُ هَذا التَّفاوُتِ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ المُدْرَكاتِ المَحْسُوسَةَ إنَّما تَصِيرُ مُدْرَكَةً بِسَبَبِ أنَّ سَطْحَ الحاسِّ يُلاقِي سَطْحَ المَحْسُوسِ فَقَطْ، فَأمّا أنْ يُقالَ إنَّ جَوْهَرَ المَحْسُوسِ نَفَذَ في جَوْهَرِ الحاسِّ فَلَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأجْسامَ يَمْتَنِعُ تَداخُلُها. أمّا هَهُنا فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ النُّورُ وذَلِكَ الإشْراقُ صارَ سارِيًا في جَوْهَرِ النَّفْسِ مُتَّحِدًا بِهِ، وكَأنَّ النَّفْسَ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الإشْراقِ تَصِيرُ غَيْرَ النَّفْسِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ الإشْراقِ، فَهَذا فَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ البابَيْنِ. والوجه الثّانِي: في الفَرْقِ أنَّ في الِالتِذاذِ بِالفاكِهَةِ المُدْرِكَ هو القُوَّةُ الذّائِقَةُ، والمَحْسُوسَ هو الطَّعْمُ المَخْصُوصُ، وهَهُنا المُدْرِكُ هو جَوْهَرُ النَّفْسِ القُدُسِيَّةِ، والمَعْلُومُ والمَشْعُورُ بِهِ هو ذاتُ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ، وصِفاتُ جَلالِهِ وإكْرامِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نِسْبَةُ إحْدى اللَّذَّتَيْنِ إلى الأُخْرى كَنِسْبَةِ أحَدِ المُدْرَكَيْنِ إلى الآخَرِ. الوجه الثّالِثُ: في الفَرْقِ أنَّ اللَّذّاتِ الحاصِلَةَ بِتَناوُلِ الفاكِهَةِ الطَّيِّبَةِ كُلَّما حَصَلَتْ زالَتْ في الحالِ لِأنَّها كَيْفِيَّةٌ سَرِيعَةُ الِاسْتِحالَةِ شَدِيدَةُ التَّغَيُّرِ. أمّا كَمالُ الحَقِّ وجَلالُهُ فَإنَّهُ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، واسْتِعْدادُ جَوْهَرِ النَّفْسِ لِقَبُولِ تِلْكَ السَّعادَةِ أيْضًا مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ العَظِيمُ مِن هَذا الوجه. واعْلَمْ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ مِن وُجُوهٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ فَلْيُكْتَفَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ تَنْبِيهًا لِلْعَقْلِ السَّلِيمِ عَلى سائِرِها. وأمّا الصِّفَةُ الثّانِيَةُ وهي كَوْنُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ثابِتَةَ الأصْلِ، فَهَذِهِ الصِّفَةُ في شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أقْوى وأكْمَلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عُرُوقَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ راسِخَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدُسِيَّةِ، وهَذا الجَوْهَرُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الكَوْنِ والفَسادِ بَعِيدٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والفَناءِ، وأيْضًا مَدَدُ هَذا الرُّسُوخِ إنَّما هو مِن تَجَلِّي جَلالِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا التَّجَلِّي مِن لَوازِمِ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ نُورَ النُّورِ ومَبْدَأ الظُّهُورِ، وذَلِكَ مِمّا يَمْتَنِعُ عَقْلًا زَوالُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ في جَمِيعِ صِفاتِهِ، والتَّغَيُّرُ والفَناءُ والتَّبَدُّلُ والزَّوالُ والبُخْلُ والمَنعُ مُحالٌ في حَقِّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الشَّجَرَةَ المَوْصُوفَةَ بِكَوْنِها ثابِتَةَ الأصْلِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الشَّجَرَةَ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ: كَوْنُها بِحَيْثُ يَكُونُ فَرْعُها في السَّماءِ. صفحة ٩٤ واعْلَمْ أنَّ شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ لَها أغْصانٌ صاعِدَةٌ في هَواءِ العالَمِ الإلَهِيِّ، وأغْصانٌ صاعِدَةٌ في هَواءِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ. وأمّا النوع الأوَّلُ: فَهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ ويَجْمَعُها قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ» “ ويَدْخُلُ فِيهِ التَّأمُّلُ في دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في عالَمِ الأرْواحِ، وفي عالَمِ الأجْسامِ، وفي أحْوالِ عالَمِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وفي أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ، ويَدْخُلُ فِيهِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى والشَّوْقُ إلى اللَّهِ تَعالى والمُواظَبَةُ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والِانْقِطاعُ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِقْصاءُ في ذِكْرِ هَذِهِ الأقْسامِ غَيْرُ مَطْمُوعٍ فِيهِ لِأنَّها أحْوالٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وأمّا النوع الثّانِي: فَهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ ويَجْمَعُها قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» “ ويَدْخُلُ فِيهِ: الرَّحْمَةُ والرَّأْفَةُ والصَّفْحُ والتَّجاوُزُ عَنِ الذُّنُوبِ، والسَّعْيُ في إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، ودَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم، ومُقابَلَةُ الإساءَةِ بِالإحْسانِ. وهَذِهِ الأقْسامُ أيْضًا غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وهي فُرُوعٌ ثابِتَةٌ مِن شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الإنْسانَ كُلَّما كانَ أكْثَرَ تَوَغُّلًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ عِنْدَهُ أكْمَلَ وأقْوى وأفْضَلَ. وأمّا الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ أوْلى بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الأشْجارِ الجُسْمانِيَّةِ؛ لِأنَّ شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ مُوجِبَةٌ لِهَذِهِ الأحْوالِ ومُؤَثِّرَةٌ في حُصُولِها، والسَّبَبُ لا يَنْفَكُّ عَنِ المُسَبَّبِ فَأثَرُ رُسُوخِ شَجَرَةِ المَعْرِفَةِ في أرْضِ القَلْبِ أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ بِالعِبْرَةِ كَما قالَ: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]، وأنْ يَكُونَ سَماعُهُ بِالحِكْمَةِ كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] ونُطْقُهُ بِالصِّدْقِ والصَّوابِ كَما قالَ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«قُولُوا الحَقَّ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم» “ وهَذا الإنْسانُ كُلَّما كانَ رُسُوخُ شَجَرَةِ المَعْرِفَةِ في أرْضِ قَلْبِهِ أقْوى وأكْمَلَ، كانَ ظُهُورُ هَذِهِ الآثارِ عِنْدَهُ أكْثَرَ، ورُبَّما تَوَغَّلَ في هَذا البابِ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ كَلَّما لاحَظَ شَيْئًا لاحَظَ الحَقَّ فِيهِ، ورُبَّما عَظُمَ تَرَقِّيهِ فِيهِ فَيَصِيرُ لا يَرى شَيْئًا إلّا وقَدْ كانَ قَدْ رَأى اللَّهَ تَعالى قَبْلَهُ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ وأيْضًا فَما ذَكَرْناهُ إشارَةٌ إلى الإلْهاماتِ النَّفْسانِيَّةِ والمَلَكاتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ في جَواهِرِ الأرْواحِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَصْعَدُ مِنها في كُلِّ حِينٍ ولَحْظَةٍ ولَمْحَةٍ كَلامٌ طَيِّبٌ وعَمَلٌ صالِحٌ وخُضُوعٌ وخُشُوعٌ وبُكاءٌ وتَذَلُّلٌ، كَثَمَرَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وأما قوله: ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ فَفِيهِ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الأحْوالِ السَّنِيَّةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ قَدْ يَفْرَحُ الإنْسانُ بِها مِن حَيْثُ هي هي، وقَدْ يَتَرَقّى فَلا يَفْرَحُ بِها مِن حَيْثُ هي هي، وإنَّما يَفْرَحُ بِها مِن حَيْثُ إنَّها مِنَ المَوْلى، وعِنْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ فَرَحُهُ في الحَقِيقَةِ بِالمَوْلى لا بِهَذِهِ الأحْوالِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ”مَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَقَدْ قالَ بِالفانِي، ومَن آثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ، بَلْ لِلْمَعْرُوفِ فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذا التَّقْرِيرِ الَّذِي شَرَحْناهُ والبَيانِ الَّذِي فَصَّلْناهُ أنَّ هَذا المِثالَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذا الكِتابِ مِثالٌ هادٍ إلى عالَمِ القُدُسِ، وحَضْرَةِ الجَلالِ، وسُرادِقاتِ الكِبْرِياءِ، فَنَسْألُ اللَّهَ تَعالى مَزِيدَ الِاهْتِداءِ والرَّحْمَةِ إنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، وذَكَرَ بَعْضُهم في تَقْرِيرِ هَذا المِثالِ كَلامًا لا بَأْسَ بِهِ، فَقالَ: إنَّما مَثَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الإيمانَ بِالشَّجَرَةِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى شَجَرَةً، إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: عِرْقٌ راسِخٌ، صفحة ٩٥ وأصْلٌ قائِمٌ، وأغْصانٌ عالِيَةٌ. كَذَلِكَ الإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: مَعْرِفَةٌ في القَلْبِ، وقَوْلٌ بِاللِّسانِ، وعَمَلٌ بِالأبْدانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ والتَّقْدِيرُ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ . الثّانِي: قالَ ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ“ مَثَلًا ”، و“ كَلِمَةً ”بِضَرَبَ، أيْ ضَرَبَ كَلِمَةً طَيِّبَةً مَثَلًا بِمَعْنى جَعَلَها مَثَلًا. وقَوْلُهُ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هي كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ. الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ“ حَلِّ العَقْدِ ”أظُنُّ أنَّ الأوْجَهَ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿كَلِمَةً﴾ عَطْفَ بَيانٍ، والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِمَعْنى مِثْلَ شَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ هي النَّخْلَةُ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ": إنَّها كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ وشَجَرَةِ التِّينِ والعِنَبِ والرُّمّانِ، وأرادَ بِشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ الثَّمَرَةَ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْها لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها. ﴿أصْلُها﴾ أيْ أصْلُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ ثابِتٌ. ﴿وفَرْعُها﴾ أيْ أعْلاها في السَّماءِ، والمُرادُ الهَواءُ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ وعَلاكَ فَهو سَماءٌ. ﴿تُؤْتِي﴾ أيْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ ﴿أُكُلَها﴾ أيْ ثَمَرَها وما يُؤْكَلُ مِنها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذا الحِينِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ بَيْنَ حَمْلِها إلى صِرامِها سِتَّةَ أشْهُرٍ. جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: نَذَرْتُ أنْ لا أُكَلِّمَ أخِي حَتّى حِينٍ، فَقالَ: الحِينُ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: سَنَةٌ لِأنَّ الشَّجَرَةَ مِنَ العامِ إلى العامِ تَحْمِلُ الثَّمَرَةَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: شَهْرانِ؛ لِأنَّ مُدَّةَ إطْعامِ النَّخْلَةِ شَهْرانِ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ مَن شاهَدْنا مِن أهْلِ اللُّغَةِ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ الحِينَ اسْمٌ كالوَقْتِ يَصْلُحُ لِجَمِيعِ الأزْمانِ كُلِّها طالَتْ أمْ قَصُرَتْ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ أنَّهُ يُنْتَفَعُ بِها في كُلِّ وقْتٍ وفي كُلِّ ساعَةٍ لَيْلًا أوْ نَهارًا أوْ شِتاءً أوْ صَيْفًا. قالُوا: والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النَّخْلَةَ إذا تَرَكُوا عَلَيْها الثَّمَرَ مِنَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ انْتَفَعُوا بِها في جَمِيعِ أوْقاتِ السَّنَةِ. وأقُولُ: هَؤُلاءِ وإنْ أصابُوا في البحث عَنْ مُفْرَداتِ ألْفاظِ الآيَةِ، إلّا أنَّهم بَعُدُوا عَنْ إدْراكِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، ولا حاجَةَ بِنا إلى أنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ هي النَّخْلَةُ أمْ غَيْرُها، فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الشَّجَرَةَ المَوْصُوفَةَ بِالصِّفاتِ الأرْبَعِ المَذْكُورَةِ شَجَرَةٌ شَرِيفَةٌ يَنْبَغِي لِكُلِّ عاقِلٍ أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِها وتَمَلُّكِها لِنَفْسِهِ سَواءً كانَ لَها وُجُودٌ في الدُّنْيا أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ أمْرٌ مَطْلُوبُ التَّحْصِيلِ، واخْتِلافُهم في تَفْسِيرِ الحِينِ أيْضًا مِن هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالأُمُورِ. ثم قال: ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ في ضَرْبِ الأمْثالِ زِيادَةَ إفْهامٍ وتَذْكِيرٍ وتَصْوِيرٍ لِلْمَعانِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَعانِيَ العَقْلِيَّةَ المَحْضَةَ لا يَقْبَلُها الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ، فَإذا ذُكِرَ ما يُساوِيها مِنَ المَحْسُوساتِ تَرَكَ الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ تِلْكَ المُنازَعَةَ وانْطَبَقَ المَعْقُولُ عَلى المَحْسُوسِ وحَصَلَ بِهِ الفَهْمُ التّامُّ والوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ. * * * وأما قوله تَعالى: ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ . فاعْلَمْ أنَّ الشَّجَرَةَ الخَبِيثَةَ هي الجَهْلُ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ أوَّلُ الآفاتِ وعُنْوانُ المُخالَفاتِ ورَأْسُ الشَّقّاواتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَبَّهَها بِشَجَرَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّها تَكُونُ خَبِيثَةً. فَمِنهم مَن قالَ: إنَّها الثُّومُ؛ لِأنَّهُ ﷺ وصَفَ الثُّومَ بِأنَّها شَجَرَةٌ خَبِيثَةٌ. صفحة ٩٦ وقِيلَ: إنَّها الكُرّاثُ. وقِيلَ: إنَّها شَجَرَةُ الحَنْظَلِ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَضارِّ. وقِيلَ: إنَّها شَجَرَةُ الشَّوْكِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّفْصِيلَ لا حاجَةَ إلَيْهِ، فَإنَّ الشَّجَرَةَ قَدْ تَكُونُ خَبِيثَةً بِحَسَبِ الرّائِحَةِ وقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ الطَّعْمِ، وقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ الصُّورَةِ والمَنظَرِ، وقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ اشْتِمالِها عَلى المَضارِّ الكَثِيرَةِ. والشَّجَرَةُ الجامِعَةُ لِكُلِّ هَذِهِ الصِّفاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً، إلّا أنَّها لَمّا كانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّفَةِ كانَ التَّشْبِيهُ بِها نافِعًا في المَطْلُوبِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ ومَعْنى اجْتُثَّتِ اسْتُؤْصِلَتْ، وحَقِيقَةُ الِاجْتِثاثِ أخْذُ الجُثَّةِ كُلِّها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَ لَها أصْلٌ ولا عِرْقٌ، فَكَذَلِكَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى لَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ ولا ثَباتٌ ولا قُوَّةٌ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ كالمُتَمِّمَةِ لِلصِّفَةِ الثّانِيَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَها اسْتِقْرارٌ. يُقالُ: قَرَّ الشَّيْءُ قَرارًا كَقَوْلِكَ: ثَبَتَ ثَباتًا، شَبَّهَ بِها القَوْلَ الَّذِي لَمْ يُعَضَّدْ بِحُجَّةٍ فَهو داحِضٌ غَيْرُ ثابِتٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المِثالَ في صِفَةِ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ في غايَةِ الكَمالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَها مَوْصُوفَةً بِالمَضارِّ الكَثِيرَةِ، وخالِيَةً عَنْ كُلِّ المَنافِعِ. أمّا كَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالمَضارِّ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَبِيثَةٍ﴾، وأمّا كَوْنُها خالِيَةً عَنْ كُلِّ المَنافِعِ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ . واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ الأشْقِياءِ وأحْوالَ السُّعَداءِ، ذَكَرَ مِثالًا يُبَيِّنُ الحالَ في حُكْمِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، وهو هَذا المَثَلُ. وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ شَجَرَةً مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ ثُمَّ شَبَّهَ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِها. فالصِّفَةُ الأُولى لِتِلْكَ الشَّجَرَةِ: كَوْنُها طَيِّبَةً، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ أُمُورًا: أحَدُها: كَوْنُها طَيِّبَةَ المَنظَرِ والصُّورَةِ والشَّكْلِ. وثانِيها: كَوْنُها طَيِّبَةَ الرّائِحَةِ. وثالِثُها: كَوْنُها طَيِّبَةَ الثَّمَرَةِ يَعْنِي أنَّ الفَواكِهَ المُتَوَلِّدَةَ مِنها تَكُونُ لَذِيذَةً مُسْتَطابَةً. ورابِعُها: كَوْنُها طَيِّبَةً بِحَسَبِ المَنفَعَةِ يَعْنِي أنَّها كَما يُسْتَلَذُّ بِأكْلِها فَكَذَلِكَ يَعْظُمُ الِانْتِفاعُ بِها، ويَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: شَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، عَلى مَجْمُوعِ هَذِهِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ اجْتِماعَها يُحَصِّلُ كَمالَ الطِّيبِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ راسِخٌ باقٍ آمِنُ الِانْقِلاعِ والِانْقِطاعِ والزَّوالِ والفَناءِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ الطَّيِّبَ إذا كانَ في مَعْرِضِ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ، فَهو وإنْ كانَ يَحْصُلُ الفَرَحُ بِسَبَبِ وِجْدانِهِ إلّا أنَّهُ يَعْظُمُ الحُزْنُ بِسَبَبِ الخَوْفِ مِن زَوالِهِ وانْقِضائِهِ. أمّا إذا عُلِمَ مِن حالِهِ أنَّهُ باقٍ دائِمٌ لا يَزُولُ ولا يَنْقَضِي فَإنَّهُ يَعْظُمُ الفَرَحُ بِوِجْدانِهِ ويَكْمُلُ السُّرُورُ بِسَبَبِ الفَوْزِ بِهِ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ وهَذا الوَصْفُ يَدُلُّ عَلى كَمالِ حالِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ارْتِفاعَ الأغْصانِ وقُوَّتَها في التَّصاعُدِ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الأصْلِ ورُسُوخِ العُرُوقِ. والثّانِي: أنَّها مَتّى كانَتْ مُتَصاعِدَةً مُرْتَفِعَةً كانَتْ بَعِيدَةً عَنْ عُفُوناتِ الأرْضِ وقاذُوراتِ الأبْنِيَةِ فَكانَتْ ثَمَراتُها نَقِيَّةً طاهِرَةً طَيِّبَةً عَنْ جَمِيعِ الشَّوائِبِ. والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ والمُرادُ: أنَّ الشَّجَرَةَ المَذْكُورَةَ كانَتْ مَوْصُوفَةً صفحة ٩٣ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي أنَّ ثَمَرَتَها لا بُدَّ أنْ تَكُونَ حاضِرَةً دائِمَةً في كُلِّ الأوْقاتِ، ولا تَكُونُ مِثْلَ الأشْجارِ الَّتِي يَكُونُ ثِمارُها حاضِرًا في بَعْضِ الأوْقاتِ دُونَ بَعْضٍ، فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الرَّغْبَةَ في تَحْصِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ عَظِيمَةً، وأنَّ العاقِلَ مَتى أمْكَنَهُ تَحْصِيلُها وتَمَلُّكُها فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَغافَلَ عَنْها وأنْ يَتَساهَلَ في الفَوْزِ بِها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقُ في مَحَبَّتِهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، تُشْبِهُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ في هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ. أمّا الصِّفَةُ الأُولى: وهي كَوْنُها طَيِّبَةً فَهي حاصِلَةٌ، بَلْ نَقُولُ: لا طَيِّبَ ولا لَذِيذَ في الحَقِيقَةِ إلّا هَذِهِ المَعْرِفَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّذَّةَ الحاصِلَةَ بِتَناوُلِ الفاكِهَةِ المُعَيَّنَةِ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّ إدْراكَ تِلْكَ الفاكِهَةِ أمْرٌ مُلائِمٌ لِمِزاجِ البَدَنِ، فَلِأجْلِ حُصُولِ تِلْكَ المُلاءَمَةِ والمُناسَبَةِ حَصَلَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ العَظِيمَةُ، وهَهُنا المُلائِمُ لِجَوْهَرِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ والرُّوحِ القُدُسِيَّةِ لَيْسَ إلّا مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتَهُ والِاسْتِغْراقَ في الِابْتِهاجِ بِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ لَذِيذَةً جِدًّا، بَلْ نَقُولُ: اللَّذَّةُ الحاصِلَةُ مِن إدْراكِ الفاكِهَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أقَلَّ حالًا مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ إشْراقِ جَوْهَرِ النَّفْسِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ، وبَيانُ هَذا التَّفاوُتِ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ المُدْرَكاتِ المَحْسُوسَةَ إنَّما تَصِيرُ مُدْرَكَةً بِسَبَبِ أنَّ سَطْحَ الحاسِّ يُلاقِي سَطْحَ المَحْسُوسِ فَقَطْ، فَأمّا أنْ يُقالَ إنَّ جَوْهَرَ المَحْسُوسِ نَفَذَ في جَوْهَرِ الحاسِّ فَلَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأجْسامَ يَمْتَنِعُ تَداخُلُها. أمّا هَهُنا فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ النُّورُ وذَلِكَ الإشْراقُ صارَ سارِيًا في جَوْهَرِ النَّفْسِ مُتَّحِدًا بِهِ، وكَأنَّ النَّفْسَ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الإشْراقِ تَصِيرُ غَيْرَ النَّفْسِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ الإشْراقِ، فَهَذا فَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ البابَيْنِ. والوجه الثّانِي: في الفَرْقِ أنَّ في الِالتِذاذِ بِالفاكِهَةِ المُدْرِكَ هو القُوَّةُ الذّائِقَةُ، والمَحْسُوسَ هو الطَّعْمُ المَخْصُوصُ، وهَهُنا المُدْرِكُ هو جَوْهَرُ النَّفْسِ القُدُسِيَّةِ، والمَعْلُومُ والمَشْعُورُ بِهِ هو ذاتُ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ، وصِفاتُ جَلالِهِ وإكْرامِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نِسْبَةُ إحْدى اللَّذَّتَيْنِ إلى الأُخْرى كَنِسْبَةِ أحَدِ المُدْرَكَيْنِ إلى الآخَرِ. الوجه الثّالِثُ: في الفَرْقِ أنَّ اللَّذّاتِ الحاصِلَةَ بِتَناوُلِ الفاكِهَةِ الطَّيِّبَةِ كُلَّما حَصَلَتْ زالَتْ في الحالِ لِأنَّها كَيْفِيَّةٌ سَرِيعَةُ الِاسْتِحالَةِ شَدِيدَةُ التَّغَيُّرِ. أمّا كَمالُ الحَقِّ وجَلالُهُ فَإنَّهُ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، واسْتِعْدادُ جَوْهَرِ النَّفْسِ لِقَبُولِ تِلْكَ السَّعادَةِ أيْضًا مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ العَظِيمُ مِن هَذا الوجه. واعْلَمْ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ مِن وُجُوهٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ فَلْيُكْتَفَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ تَنْبِيهًا لِلْعَقْلِ السَّلِيمِ عَلى سائِرِها. وأمّا الصِّفَةُ الثّانِيَةُ وهي كَوْنُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ثابِتَةَ الأصْلِ، فَهَذِهِ الصِّفَةُ في شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أقْوى وأكْمَلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عُرُوقَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ راسِخَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدُسِيَّةِ، وهَذا الجَوْهَرُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الكَوْنِ والفَسادِ بَعِيدٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والفَناءِ، وأيْضًا مَدَدُ هَذا الرُّسُوخِ إنَّما هو مِن تَجَلِّي جَلالِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا التَّجَلِّي مِن لَوازِمِ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ نُورَ النُّورِ ومَبْدَأ الظُّهُورِ، وذَلِكَ مِمّا يَمْتَنِعُ عَقْلًا زَوالُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ في جَمِيعِ صِفاتِهِ، والتَّغَيُّرُ والفَناءُ والتَّبَدُّلُ والزَّوالُ والبُخْلُ والمَنعُ مُحالٌ في حَقِّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الشَّجَرَةَ المَوْصُوفَةَ بِكَوْنِها ثابِتَةَ الأصْلِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الشَّجَرَةَ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ: كَوْنُها بِحَيْثُ يَكُونُ فَرْعُها في السَّماءِ. صفحة ٩٤ واعْلَمْ أنَّ شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ لَها أغْصانٌ صاعِدَةٌ في هَواءِ العالَمِ الإلَهِيِّ، وأغْصانٌ صاعِدَةٌ في هَواءِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ. وأمّا النوع الأوَّلُ: فَهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ ويَجْمَعُها قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ» “ ويَدْخُلُ فِيهِ التَّأمُّلُ في دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في عالَمِ الأرْواحِ، وفي عالَمِ الأجْسامِ، وفي أحْوالِ عالَمِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وفي أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ، ويَدْخُلُ فِيهِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى والشَّوْقُ إلى اللَّهِ تَعالى والمُواظَبَةُ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والِانْقِطاعُ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِقْصاءُ في ذِكْرِ هَذِهِ الأقْسامِ غَيْرُ مَطْمُوعٍ فِيهِ لِأنَّها أحْوالٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وأمّا النوع الثّانِي: فَهي أقْسامٌ كَثِيرَةٌ ويَجْمَعُها قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» “ ويَدْخُلُ فِيهِ: الرَّحْمَةُ والرَّأْفَةُ والصَّفْحُ والتَّجاوُزُ عَنِ الذُّنُوبِ، والسَّعْيُ في إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، ودَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم، ومُقابَلَةُ الإساءَةِ بِالإحْسانِ. وهَذِهِ الأقْسامُ أيْضًا غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وهي فُرُوعٌ ثابِتَةٌ مِن شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الإنْسانَ كُلَّما كانَ أكْثَرَ تَوَغُّلًا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ عِنْدَهُ أكْمَلَ وأقْوى وأفْضَلَ. وأمّا الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ أوْلى بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الأشْجارِ الجُسْمانِيَّةِ؛ لِأنَّ شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ مُوجِبَةٌ لِهَذِهِ الأحْوالِ ومُؤَثِّرَةٌ في حُصُولِها، والسَّبَبُ لا يَنْفَكُّ عَنِ المُسَبَّبِ فَأثَرُ رُسُوخِ شَجَرَةِ المَعْرِفَةِ في أرْضِ القَلْبِ أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ بِالعِبْرَةِ كَما قالَ: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]، وأنْ يَكُونَ سَماعُهُ بِالحِكْمَةِ كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] ونُطْقُهُ بِالصِّدْقِ والصَّوابِ كَما قالَ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«قُولُوا الحَقَّ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم» “ وهَذا الإنْسانُ كُلَّما كانَ رُسُوخُ شَجَرَةِ المَعْرِفَةِ في أرْضِ قَلْبِهِ أقْوى وأكْمَلَ، كانَ ظُهُورُ هَذِهِ الآثارِ عِنْدَهُ أكْثَرَ، ورُبَّما تَوَغَّلَ في هَذا البابِ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ كَلَّما لاحَظَ شَيْئًا لاحَظَ الحَقَّ فِيهِ، ورُبَّما عَظُمَ تَرَقِّيهِ فِيهِ فَيَصِيرُ لا يَرى شَيْئًا إلّا وقَدْ كانَ قَدْ رَأى اللَّهَ تَعالى قَبْلَهُ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ وأيْضًا فَما ذَكَرْناهُ إشارَةٌ إلى الإلْهاماتِ النَّفْسانِيَّةِ والمَلَكاتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ في جَواهِرِ الأرْواحِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَصْعَدُ مِنها في كُلِّ حِينٍ ولَحْظَةٍ ولَمْحَةٍ كَلامٌ طَيِّبٌ وعَمَلٌ صالِحٌ وخُضُوعٌ وخُشُوعٌ وبُكاءٌ وتَذَلُّلٌ، كَثَمَرَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وأما قوله: ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ فَفِيهِ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الأحْوالِ السَّنِيَّةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ قَدْ يَفْرَحُ الإنْسانُ بِها مِن حَيْثُ هي هي، وقَدْ يَتَرَقّى فَلا يَفْرَحُ بِها مِن حَيْثُ هي هي، وإنَّما يَفْرَحُ بِها مِن حَيْثُ إنَّها مِنَ المَوْلى، وعِنْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ فَرَحُهُ في الحَقِيقَةِ بِالمَوْلى لا بِهَذِهِ الأحْوالِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ”مَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَقَدْ قالَ بِالفانِي، ومَن آثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ، بَلْ لِلْمَعْرُوفِ فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذا التَّقْرِيرِ الَّذِي شَرَحْناهُ والبَيانِ الَّذِي فَصَّلْناهُ أنَّ هَذا المِثالَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذا الكِتابِ مِثالٌ هادٍ إلى عالَمِ القُدُسِ، وحَضْرَةِ الجَلالِ، وسُرادِقاتِ الكِبْرِياءِ، فَنَسْألُ اللَّهَ تَعالى مَزِيدَ الِاهْتِداءِ والرَّحْمَةِ إنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، وذَكَرَ بَعْضُهم في تَقْرِيرِ هَذا المِثالِ كَلامًا لا بَأْسَ بِهِ، فَقالَ: إنَّما مَثَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الإيمانَ بِالشَّجَرَةِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُسَمّى شَجَرَةً، إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: عِرْقٌ راسِخٌ، صفحة ٩٥ وأصْلٌ قائِمٌ، وأغْصانٌ عالِيَةٌ. كَذَلِكَ الإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: مَعْرِفَةٌ في القَلْبِ، وقَوْلٌ بِاللِّسانِ، وعَمَلٌ بِالأبْدانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: في نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ والتَّقْدِيرُ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ . الثّانِي: قالَ ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ“ مَثَلًا ”، و“ كَلِمَةً ”بِضَرَبَ، أيْ ضَرَبَ كَلِمَةً طَيِّبَةً مَثَلًا بِمَعْنى جَعَلَها مَثَلًا. وقَوْلُهُ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هي كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ. الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ“ حَلِّ العَقْدِ ”أظُنُّ أنَّ الأوْجَهَ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿كَلِمَةً﴾ عَطْفَ بَيانٍ، والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِمَعْنى مِثْلَ شَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ هي النَّخْلَةُ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. وقالَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ": إنَّها كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ وشَجَرَةِ التِّينِ والعِنَبِ والرُّمّانِ، وأرادَ بِشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ الثَّمَرَةَ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْها لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها. ﴿أصْلُها﴾ أيْ أصْلُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ ثابِتٌ. ﴿وفَرْعُها﴾ أيْ أعْلاها في السَّماءِ، والمُرادُ الهَواءُ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ وعَلاكَ فَهو سَماءٌ. ﴿تُؤْتِي﴾ أيْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ ﴿أُكُلَها﴾ أيْ ثَمَرَها وما يُؤْكَلُ مِنها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذا الحِينِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سِتَّةُ أشْهُرٍ؛ لِأنَّ بَيْنَ حَمْلِها إلى صِرامِها سِتَّةَ أشْهُرٍ. جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: نَذَرْتُ أنْ لا أُكَلِّمَ أخِي حَتّى حِينٍ، فَقالَ: الحِينُ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: سَنَةٌ لِأنَّ الشَّجَرَةَ مِنَ العامِ إلى العامِ تَحْمِلُ الثَّمَرَةَ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: شَهْرانِ؛ لِأنَّ مُدَّةَ إطْعامِ النَّخْلَةِ شَهْرانِ. وقالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ مَن شاهَدْنا مِن أهْلِ اللُّغَةِ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ الحِينَ اسْمٌ كالوَقْتِ يَصْلُحُ لِجَمِيعِ الأزْمانِ كُلِّها طالَتْ أمْ قَصُرَتْ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ أنَّهُ يُنْتَفَعُ بِها في كُلِّ وقْتٍ وفي كُلِّ ساعَةٍ لَيْلًا أوْ نَهارًا أوْ شِتاءً أوْ صَيْفًا. قالُوا: والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النَّخْلَةَ إذا تَرَكُوا عَلَيْها الثَّمَرَ مِنَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ انْتَفَعُوا بِها في جَمِيعِ أوْقاتِ السَّنَةِ. وأقُولُ: هَؤُلاءِ وإنْ أصابُوا في البحث عَنْ مُفْرَداتِ ألْفاظِ الآيَةِ، إلّا أنَّهم بَعُدُوا عَنْ إدْراكِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، ولا حاجَةَ بِنا إلى أنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ هي النَّخْلَةُ أمْ غَيْرُها، فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الشَّجَرَةَ المَوْصُوفَةَ بِالصِّفاتِ الأرْبَعِ المَذْكُورَةِ شَجَرَةٌ شَرِيفَةٌ يَنْبَغِي لِكُلِّ عاقِلٍ أنْ يَسْعى في تَحْصِيلِها وتَمَلُّكِها لِنَفْسِهِ سَواءً كانَ لَها وُجُودٌ في الدُّنْيا أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ أمْرٌ مَطْلُوبُ التَّحْصِيلِ، واخْتِلافُهم في تَفْسِيرِ الحِينِ أيْضًا مِن هَذا البابِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالأُمُورِ. ثم قال: ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ في ضَرْبِ الأمْثالِ زِيادَةَ إفْهامٍ وتَذْكِيرٍ وتَصْوِيرٍ لِلْمَعانِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَعانِيَ العَقْلِيَّةَ المَحْضَةَ لا يَقْبَلُها الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ، فَإذا ذُكِرَ ما يُساوِيها مِنَ المَحْسُوساتِ تَرَكَ الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ تِلْكَ المُنازَعَةَ وانْطَبَقَ المَعْقُولُ عَلى المَحْسُوسِ وحَصَلَ بِهِ الفَهْمُ التّامُّ والوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ. * * * وأما قوله تَعالى: ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ . فاعْلَمْ أنَّ الشَّجَرَةَ الخَبِيثَةَ هي الجَهْلُ بِاللَّهِ، فَإنَّهُ أوَّلُ الآفاتِ وعُنْوانُ المُخالَفاتِ ورَأْسُ الشَّقّاواتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَبَّهَها بِشَجَرَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّها تَكُونُ خَبِيثَةً. فَمِنهم مَن قالَ: إنَّها الثُّومُ؛ لِأنَّهُ ﷺ وصَفَ الثُّومَ بِأنَّها شَجَرَةٌ خَبِيثَةٌ. صفحة ٩٦ وقِيلَ: إنَّها الكُرّاثُ. وقِيلَ: إنَّها شَجَرَةُ الحَنْظَلِ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَضارِّ. وقِيلَ: إنَّها شَجَرَةُ الشَّوْكِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّفْصِيلَ لا حاجَةَ إلَيْهِ، فَإنَّ الشَّجَرَةَ قَدْ تَكُونُ خَبِيثَةً بِحَسَبِ الرّائِحَةِ وقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ الطَّعْمِ، وقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ الصُّورَةِ والمَنظَرِ، وقَدْ تَكُونُ بِحَسَبِ اشْتِمالِها عَلى المَضارِّ الكَثِيرَةِ. والشَّجَرَةُ الجامِعَةُ لِكُلِّ هَذِهِ الصِّفاتِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً، إلّا أنَّها لَمّا كانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّفَةِ كانَ التَّشْبِيهُ بِها نافِعًا في المَطْلُوبِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ ومَعْنى اجْتُثَّتِ اسْتُؤْصِلَتْ، وحَقِيقَةُ الِاجْتِثاثِ أخْذُ الجُثَّةِ كُلِّها، وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَ لَها أصْلٌ ولا عِرْقٌ، فَكَذَلِكَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى لَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ ولا ثَباتٌ ولا قُوَّةٌ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ كالمُتَمِّمَةِ لِلصِّفَةِ الثّانِيَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَها اسْتِقْرارٌ. يُقالُ: قَرَّ الشَّيْءُ قَرارًا كَقَوْلِكَ: ثَبَتَ ثَباتًا، شَبَّهَ بِها القَوْلَ الَّذِي لَمْ يُعَضَّدْ بِحُجَّةٍ فَهو داحِضٌ غَيْرُ ثابِتٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المِثالَ في صِفَةِ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ في غايَةِ الكَمالِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَها مَوْصُوفَةً بِالمَضارِّ الكَثِيرَةِ، وخالِيَةً عَنْ كُلِّ المَنافِعِ. أمّا كَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالمَضارِّ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَبِيثَةٍ﴾، وأمّا كَوْنُها خالِيَةً عَنْ كُلِّ المَنافِعِ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ . واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ صِفَةَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ أنْ يَكُونَ أصْلُها ثابِتًا، وصِفَةَ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ أنْ لا يَكُونَ لَها أصْلٌ ثابِتٌ بَلْ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً ولا يَكُونُ لَها قَرارٌ، ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ الثّابِتَ الصّادِرَ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا يُوجِبُ ثَباتَ كَرامَةِ اللَّهِ لَهم، وثَباتَ ثَوابِهِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ الثَّباتَ في المَعْرِفَةِ والطّاعَةِ يُوجِبُ الثَّباتَ في الثَّوابِ والكَرامَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ أيْ عَلى الثَّوابِ والكَرامَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ أيْ بِالقَوْلِ الثّابِتِ الَّذِي كانَ يَصْدُرُ عَنْهم حالَ ما كانُوا في الحَياةِ الدُّنْيا. ثم قال: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي كَما أنَّ الكَلِمَةَ الخَبِيثَةَ ما كانَ لَها أصْلٌ ثابِتٌ ولا فَرْعٌ باسِقٌ، فَكَذَلِكَ أصْحابُ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ وهُمُ الظّالِمُونَ يُضِلُّهُمُ اللَّهُ عَنْ كَراماتِهِ ويَمْنَعُهم عَنِ الفَوْزِ بِثَوابِهِ. وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ وهو القَوْلُ المَشْهُورُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في سُؤالِ المَلَكَيْنِ في القَبْرِ، وتَلْقِينِ اللَّهِ المُؤْمِنَ كَلِمَةَ الحَقِّ في القَبْرِ عِنْدَ السُّؤالِ وتَثْبِيتِهِ إيّاهُ عَلى الحَقِّ. «وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ قالَ: ”حِينَ يُقالُ لَهُ في القَبْرِ: مَن رَبُّكَ ؟ وما دِينُكَ ؟ ومِن نَبِيُّكَ ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ ودِينَيَ الإسْلامُ ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ“» . والمُرادُ في الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما صفحة ٩٧ يُثَبِّتُهم في القَبْرِ بِسَبَبِ مُواظَبَتِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا عَلى هَذا القَوْلِ، ولِهَذا الكَلامِ تَقْرِيرٌ عَقْلِيٌّ وهو أنَّهُ كُلَّما كانَتِ المُواظَبَةُ عَلى الفِعْلِ أكْثَرَ كانَ رُسُوخُ تِلْكَ الحالَةِ في العَقْلِ والقَلْبِ أقْوى، فَكُلَّما كانَتْ مُواظَبَةُ العَبْدِ عَلى ذِكْرِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وعَلى التَّأمُّلِ في حَقائِقِها ودَقائِقِها أكْمَلَ وأتَمَّ كانَ رُسُوخُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ في عَقْلِهِ وقَلْبِهِ بَعْدَ المَوْتِ أقْوى وأكْمَلَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن داوَمَ عَلى الشَّهادَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا يُثَبِّتُهُ اللَّهُ عَلَيْها في قَبْرِهِ ويُلَقِّنُهُ إيّاها. وإنَّما فَسَّرَ ”﴿الآخِرَةِ﴾“ هَهُنا بِالقَبْرِ؛ لِأنَّ المَيِّتَ انْقَطَعَ بِالمَوْتِ عَنْ أحْكامِ الدُّنْيا ودَخَلَ في أحْكامِ الآخِرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا سُئِلُوا في قُبُورِهِمْ قالُوا: لا نَدْرِي. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أضَلَّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي إنْ شاءَ هَدى وإنْ شاءَ أضَلَّ، ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ البَتَّةَ.

إبراهيم 14:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى وصْفِ أحْوالِ الكُفّارِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ نَزَلَ في أهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى حَرَمَهُ الآمِنَ وجَعَلَ عَيْشَهم في السَّعَةِ، وبَعَثَ فِيهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ فَلَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنْواعًا مِنَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ. النوع الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا؛ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ عَلَيْهِمُ الشُّكْرُ بِسَبَبِ تِلْكَ النِّعْمَةِ أتَوْا بِالكُفْرِ، فَكَأنَّهم غَيَّرُوا الشُّكْرَ إلى الكُفْرِ وبَدَّلُوهُ تَبْدِيلًا. والثّانِي: أنَّهم بَدَّلُوا نَفْسَ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا لِأنَّهم لَمّا كَفَرُوا سَلَبَ اللَّهُ تِلْكَ النِّعْمَةَ عَنْهم فَبَقِيَ الكُفْرُ مَعَهم بَدَلًا مِنَ النِّعْمَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالرَّسُولِ والقُرْآنِ فاخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ. والنوع الثّانِي: مِمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَوْلُهُ: ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ وهو الهَلاكُ، يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] وأرادَ بِدارِ البَوارِ جَهَنَّمَ بِدَلِيلِ أنَّهُ فَسَّرَها بِجَهَنَّمَ فَقالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ أيِ المَقَرُّ وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ. النوع الثّالِثُ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ذَكَرَ أنَّهم بَعْدَ أنْ كَفَرُوا بِاللَّهِ جَعَلُوا لَهُ أنْدادًا، والمُرادُ مِن هَذا الجَعْلِ الحكم والِاعْتِقادُ والقَوْلُ، والمُرادُ مِنَ الأنْدادِ الأشْباهُ والشُّرَكاءُ، وهَذا الشَّرِيكُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهم جَعَلُوا لِلْأصْنامِ حَظًّا فِيما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: هَذا لِلَّهِ وهَذا لِشُرَكائِنا. وثانِيها؛ أنَّهم شَرِكُوا بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ خالِقِ العالَمِ في العُبُودِيَّةِ. وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يُصَرِّحُونَ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، وهو قَوْلُهم في الحَجِّ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. صفحة ٩٨ المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”لِيَضِلُّوا“ بِفَتْحِ الياءِ مِن ضَلَّ يَضِلُّ والباقُونَ بِضَمِّ الياءِ مِن أضَلَّ غَيْرَهُ يُضِلُّ. المسألة الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لامُ العاقِبَةِ لِأنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ سَبَبٌ يُؤَدِّي إلى الضَّلالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ؛ أيِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَثَنَ كَيْ يُضِلُّوا غَيْرَهم، هَذا إذا قُرِئَ بِالضَّمِّ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الوجه يْنِ، وإذا قُرِئَ بِالنَّصْبِ فَلا يَحْتَمِلُ إلّا لامَ العاقِبَةِ لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا ضَلالَ أنْفُسِهِمْ. وتَحْقِيقُ القَوْلِ في لامِ العاقِبَةِ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الشَّيْءِ لا يَحْصُلُ إلّا في آخِرِ المَراتِبِ كَما قِيلَ: أوَّلُ الفِكْرِ آخِرُ العَمَلِ. وكُلُّ ما حَصَلَ في العاقِبَةِ كانَ شَبِيهًا بِالأمْرِ المَقْصُودِ في هَذا المَعْنى، والمُشابَهَةُ أحَدُ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِحُسْنِ المَجازِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ ذِكْرُ اللّامِ في العاقِبَةِ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ قالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ والمُرادُ أنَّ حالَ الكافِرِ في الدُّنْيا كَيْفَ كانَتْ، فَإنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَيَصِلُ إلَيْهِ مِنَ العِقابِ في الآخِرَةِ تَمَتُّعٌ ونَعِيمٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ . وأيْضًا إنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا فَأُولَئِكَ كانُوا في الدُّنْيا في نِعَمٍ كَثِيرَةٍ فَلا جَرَمَ حَسُنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ وهَذا الأمْرُ يُسَمّى أمْرَ التَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] .

إبراهيم 14:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى وصْفِ أحْوالِ الكُفّارِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ نَزَلَ في أهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى حَرَمَهُ الآمِنَ وجَعَلَ عَيْشَهم في السَّعَةِ، وبَعَثَ فِيهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ فَلَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنْواعًا مِنَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ. النوع الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا؛ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ عَلَيْهِمُ الشُّكْرُ بِسَبَبِ تِلْكَ النِّعْمَةِ أتَوْا بِالكُفْرِ، فَكَأنَّهم غَيَّرُوا الشُّكْرَ إلى الكُفْرِ وبَدَّلُوهُ تَبْدِيلًا. والثّانِي: أنَّهم بَدَّلُوا نَفْسَ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا لِأنَّهم لَمّا كَفَرُوا سَلَبَ اللَّهُ تِلْكَ النِّعْمَةَ عَنْهم فَبَقِيَ الكُفْرُ مَعَهم بَدَلًا مِنَ النِّعْمَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالرَّسُولِ والقُرْآنِ فاخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ. والنوع الثّانِي: مِمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَوْلُهُ: ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ وهو الهَلاكُ، يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] وأرادَ بِدارِ البَوارِ جَهَنَّمَ بِدَلِيلِ أنَّهُ فَسَّرَها بِجَهَنَّمَ فَقالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ أيِ المَقَرُّ وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ. النوع الثّالِثُ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ذَكَرَ أنَّهم بَعْدَ أنْ كَفَرُوا بِاللَّهِ جَعَلُوا لَهُ أنْدادًا، والمُرادُ مِن هَذا الجَعْلِ الحكم والِاعْتِقادُ والقَوْلُ، والمُرادُ مِنَ الأنْدادِ الأشْباهُ والشُّرَكاءُ، وهَذا الشَّرِيكُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهم جَعَلُوا لِلْأصْنامِ حَظًّا فِيما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: هَذا لِلَّهِ وهَذا لِشُرَكائِنا. وثانِيها؛ أنَّهم شَرِكُوا بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ خالِقِ العالَمِ في العُبُودِيَّةِ. وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يُصَرِّحُونَ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، وهو قَوْلُهم في الحَجِّ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. صفحة ٩٨ المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”لِيَضِلُّوا“ بِفَتْحِ الياءِ مِن ضَلَّ يَضِلُّ والباقُونَ بِضَمِّ الياءِ مِن أضَلَّ غَيْرَهُ يُضِلُّ. المسألة الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لامُ العاقِبَةِ لِأنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ سَبَبٌ يُؤَدِّي إلى الضَّلالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ؛ أيِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَثَنَ كَيْ يُضِلُّوا غَيْرَهم، هَذا إذا قُرِئَ بِالضَّمِّ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الوجه يْنِ، وإذا قُرِئَ بِالنَّصْبِ فَلا يَحْتَمِلُ إلّا لامَ العاقِبَةِ لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا ضَلالَ أنْفُسِهِمْ. وتَحْقِيقُ القَوْلِ في لامِ العاقِبَةِ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الشَّيْءِ لا يَحْصُلُ إلّا في آخِرِ المَراتِبِ كَما قِيلَ: أوَّلُ الفِكْرِ آخِرُ العَمَلِ. وكُلُّ ما حَصَلَ في العاقِبَةِ كانَ شَبِيهًا بِالأمْرِ المَقْصُودِ في هَذا المَعْنى، والمُشابَهَةُ أحَدُ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِحُسْنِ المَجازِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ ذِكْرُ اللّامِ في العاقِبَةِ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ قالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ والمُرادُ أنَّ حالَ الكافِرِ في الدُّنْيا كَيْفَ كانَتْ، فَإنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَيَصِلُ إلَيْهِ مِنَ العِقابِ في الآخِرَةِ تَمَتُّعٌ ونَعِيمٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ . وأيْضًا إنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا فَأُولَئِكَ كانُوا في الدُّنْيا في نِعَمٍ كَثِيرَةٍ فَلا جَرَمَ حَسُنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ وهَذا الأمْرُ يُسَمّى أمْرَ التَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] .

إبراهيم 14:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى وصْفِ أحْوالِ الكُفّارِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ نَزَلَ في أهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى حَرَمَهُ الآمِنَ وجَعَلَ عَيْشَهم في السَّعَةِ، وبَعَثَ فِيهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ فَلَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنْواعًا مِنَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ. النوع الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا؛ لِأنَّهُ لَمّا وجَبَ عَلَيْهِمُ الشُّكْرُ بِسَبَبِ تِلْكَ النِّعْمَةِ أتَوْا بِالكُفْرِ، فَكَأنَّهم غَيَّرُوا الشُّكْرَ إلى الكُفْرِ وبَدَّلُوهُ تَبْدِيلًا. والثّانِي: أنَّهم بَدَّلُوا نَفْسَ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا لِأنَّهم لَمّا كَفَرُوا سَلَبَ اللَّهُ تِلْكَ النِّعْمَةَ عَنْهم فَبَقِيَ الكُفْرُ مَعَهم بَدَلًا مِنَ النِّعْمَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالرَّسُولِ والقُرْآنِ فاخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ. والنوع الثّانِي: مِمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَوْلُهُ: ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ وهو الهَلاكُ، يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] وأرادَ بِدارِ البَوارِ جَهَنَّمَ بِدَلِيلِ أنَّهُ فَسَّرَها بِجَهَنَّمَ فَقالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ أيِ المَقَرُّ وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ. النوع الثّالِثُ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ذَكَرَ أنَّهم بَعْدَ أنْ كَفَرُوا بِاللَّهِ جَعَلُوا لَهُ أنْدادًا، والمُرادُ مِن هَذا الجَعْلِ الحكم والِاعْتِقادُ والقَوْلُ، والمُرادُ مِنَ الأنْدادِ الأشْباهُ والشُّرَكاءُ، وهَذا الشَّرِيكُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهم جَعَلُوا لِلْأصْنامِ حَظًّا فِيما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: هَذا لِلَّهِ وهَذا لِشُرَكائِنا. وثانِيها؛ أنَّهم شَرِكُوا بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ خالِقِ العالَمِ في العُبُودِيَّةِ. وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يُصَرِّحُونَ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، وهو قَوْلُهم في الحَجِّ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. صفحة ٩٨ المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”لِيَضِلُّوا“ بِفَتْحِ الياءِ مِن ضَلَّ يَضِلُّ والباقُونَ بِضَمِّ الياءِ مِن أضَلَّ غَيْرَهُ يُضِلُّ. المسألة الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لامُ العاقِبَةِ لِأنَّ عِبادَةَ الأوْثانِ سَبَبٌ يُؤَدِّي إلى الضَّلالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ؛ أيِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الوَثَنَ كَيْ يُضِلُّوا غَيْرَهم، هَذا إذا قُرِئَ بِالضَّمِّ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الوجه يْنِ، وإذا قُرِئَ بِالنَّصْبِ فَلا يَحْتَمِلُ إلّا لامَ العاقِبَةِ لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا ضَلالَ أنْفُسِهِمْ. وتَحْقِيقُ القَوْلِ في لامِ العاقِبَةِ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الشَّيْءِ لا يَحْصُلُ إلّا في آخِرِ المَراتِبِ كَما قِيلَ: أوَّلُ الفِكْرِ آخِرُ العَمَلِ. وكُلُّ ما حَصَلَ في العاقِبَةِ كانَ شَبِيهًا بِالأمْرِ المَقْصُودِ في هَذا المَعْنى، والمُشابَهَةُ أحَدُ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِحُسْنِ المَجازِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ ذِكْرُ اللّامِ في العاقِبَةِ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ قالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ والمُرادُ أنَّ حالَ الكافِرِ في الدُّنْيا كَيْفَ كانَتْ، فَإنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَيَصِلُ إلَيْهِ مِنَ العِقابِ في الآخِرَةِ تَمَتُّعٌ ونَعِيمٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ . وأيْضًا إنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا فَأُولَئِكَ كانُوا في الدُّنْيا في نِعَمٍ كَثِيرَةٍ فَلا جَرَمَ حَسُنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ وهَذا الأمْرُ يُسَمّى أمْرَ التَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨] .

إبراهيم 14:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الكافِرِينَ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالتَّمَتُّعِ بِنَعِيمِ الدُّنْيا، أمَرَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَرْكِ التَّمَتُّعِ بِالدُّنْيا والمُبالَغَةِ في المُجاهَدَةِ بِالنَّفْسِ والمالِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”لِعِبادِي“ بِسُكُونِ الياءِ، والباقُونَ: بِفَتْحِ الياءِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَحُرِّكَ إلى النَّصْبِ. المسألة الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿يُقِيمُوا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِأمْرٍ مَحْذُوفٍ هو المَقُولُ تَقْدِيرُهُ: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا. الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو أمْرًا مَقُولًا مَحْذُوفًا مِنهُ لامُ الأمْرِ، أيْ لِيُقِيمُوا كَقَوْلِكَ: قُلْ لِزَيْدٍ لِيَضْرِبْ عَمْرًا وإنَّما جازَ حَذْفُ اللّامِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ﴾ عِوَضٌ مِنهُ ولَوْ قِيلَ ابْتِداءً: يُقِيمُوا الصَّلاةَ لَمْ يَجُزْ. المسألة الثّالِثَةُ: أنَّ الإنْسانَ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الإيمانِ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّصَرُّفِ في شَيْءٍ إلّا في نَفْسِهِ أوْ في مالِهِ. أمّا النَّفْسُ فَيَجِبُ شَغْلُها بِخِدْمَةِ المَعْبُودِ في الصَّلاةِ، وأمّا المالُ فَيَجِبُ صَرْفُهُ إلى البَذْلِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ هي الطّاعاتُ المُعْتَبَرَةُ وهي الإيمانُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ، وتَمامُ ما يَجِبُ أنْ يُقالَ في هَذِهِ صفحة ٩٩ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] . المسألة الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ حَرامًا؛ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الإنْفاقَ مِنَ الرِّزْقِ مَمْدُوحٌ، ولا شَيْءَ مِنَ الإنْفاقِ مِنَ الحَرامِ بِمَمْدُوحٍ، فَيَنْتُجُ أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِحَرامٍ. وقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ مِرارًا. المسألة الخامِسَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَلى الحالِ أيْ ذَوِي سِرٍّ وعَلانِيَةٍ بِمَعْنى مُسِرِّينَ ومُعْلِنِينَ. وثانِيها: عَلى الظَّرْفِ أيْ وقْتَ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ. وثالِثُها: عَلى المَصْدَرِ أيْ إنْفاقَ سِرٍّ وإنْفاقَ عَلانِيَةٍ، والمُرادُ إخْفاءُ التَّطَوُّعِ وإعْلانُ الواجِبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَيْعُ هَهُنا الفِداءُ والخِلالُ المُخالَّةُ، وهو مَصْدَرٌ مِن خالَلْتُ خِلالًا ومُخالَّةً، وهي المُصادَقَةُ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّما هو يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا شِراءٌ ولا مُخالَّةٌ ولا قَرابَةٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنْفِقُوا أمْوالَكم في الدُّنْيا حَتّى تَجِدُوا ثَوابَ ذَلِكَ الإنْفاقِ في مِثْلِ هَذا اليَوْمِ الَّذِي لا تَحْصُلُ فِيهِ مُبايَعَةٌ ولا مُخالَّةٌ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] . فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نَفى المُخالَّةَ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَعَ أنَّهُ تَعالى أثْبَتَها في قَوْلِهِ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ؟ قُلْنا: الآيَةُ الدّالَّةُ عَلى نَفْيِ المُخالَّةِ مَحْمُولَةٌ عَلى نَفْيِ المُخالَّةِ بِسَبَبِ مَيْلِ الطَّبِيعَةِ ورَغْبَةِ النَّفْسِ، والآيَةُ الدّالَّةُ عَلى ثُبُوتِ المُخالَّةِ مَحْمُولَةٌ عَلى حُصُولِ المُخالَّةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى. واللَّهُ أعْلَمُ.

إبراهيم 14:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أطالَ الكَلامَ في وصْفِ أحْوالِ السُّعَداءِ وأحْوالِ الأشْقِياءِ، وكانَ العُمْدَةُ العُظْمى والمَنزِلَةُ الكُبْرى في حُصُولِ السَّعاداتِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وبِصِفاتِهِ، وفي حُصُولِ الشَّقاوَةِ فِقْدانَ هَذِهِ المَعْرِفَةِ، لا جَرَمَ خَتَمَ اللَّهُ تَعالى وصْفَ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ. صفحة ١٠٠ وذَكَرَ هَهُنا عَشَرَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ: أوَّلُها: خَلْقُ السَّماواتِ. وثانِيها: خَلْقُ الأرْضِ، وإلَيْهِما الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ . وثالِثُها: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ . وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ . وسادِسُها وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ . وثامِنُها وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ . وعاشِرُها: قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ وهَذِهِ الدَّلائِلُ العَشَرَةُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ وتَقْرِيرُها وتَفْسِيرُها مِرارًا وأطْوارًا، ولا بَأْسَ بِأنْ نَذْكُرَ هَهُنا بَعْضَ الفَوائِدِ. فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ خَبَرُهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَدَأ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ السَّماءَ والأرْضَ مِن كَمْ وجْهٍ تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، وإنَّما بَدَأ بِذِكْرِهِما هَهُنا لِأنَّهُما هُما الأصْلانِ اللَّذانِ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِما سائِرُ الأدِلَّةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: لَوْلا السَّماءُ لَمْ يَصِحَّ إنْزالُ الماءِ مِنها ولَوْلا الأرْضُ لَمْ يُوجَدْ ما يَسْتَقِرُّ الماءُ فِيهِ، فَظَهَرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجُودِهِما حَتّى يَحْصُلَ هَذا المَقْصُودُ وهَذا المَطْلُوبُ. البحث الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الماءَ نَزَلَ مِنَ السَّحابِ وسُمِّيَ السَّحابُ سَماءً اشْتِقاقًا مِنَ السُّمُوِّ، وهو الِارْتِفاعُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَهُ مِن نَفْسِ السَّماءِ وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ الإنْسانَ رُبَّما كانَ واقِفًا عَلى قِمَّةِ جَبَلٍ عالٍ ويَرى الغَيْمَ أسْفَلَ مِنهُ، فَإذا نَزَلَ مِن ذَلِكَ الجَبَلِ يَرى ذَلِكَ الغَيْمَ ماطِرًا عَلَيْهِمْ، وإذا كانَ هَذا أمْرًا مُشاهَدًا بِالبَصَرِ كانَ النِّزاعُ فِيهِ باطِلًا. البحث الثّالِثُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّهُ تَعالى أخْرَجَ هَذِهِ الثَّمَراتِ بِواسِطَةِ هَذا الماءِ المُنْزَلِ مِنَ السَّماءِ عَلى سَبِيلِ العادَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ في هَذا المَعْنى مَصْلَحَةً لِلْمُكَلَّفِينَ، لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ هَذِهِ المَنافِعَ القَلِيلَةَ يَجِبُ أنْ تُتَحَمَّلَ في تَحْصِيلِها المَشاقُّ والمَتاعِبُ، فالمَنافِعُ العَظِيمَةُ الدّائِمَةُ في الدّارِ الآخِرَةِ أوْلى أنْ تُتَحَمَّلَ المَشاقُّ في طَلَبِها، وإذا كانَ المَرْءُ يَتْرُكُ الرّاحَةَ واللَّذّاتِ طَلَبًا لِهَذِهِ الخَيْراتِ الحَقِيرَةِ، فَبِأنْ يَتْرُكَ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ لِيَفُوزَ بِثَوابِ اللَّهِ تَعالى ويَتَخَلَّصَ عَنْ عِقابِهِ أوْلى. ولِهَذا السَّبَبِ لَمّا زالَ التَّكْلِيفُ في الآخِرَةِ أنالَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ نَفْسٍ مُشْتَهاها مِن غَيْرِ تَعَبٍ ولا نَصَبٍ، هَذا قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ. وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى يُحْدِثُ الثِّمارَ والزُّرُوعَ بِواسِطَةِ هَذا الماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ، والمسألة كَلامِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. البحث الرّابِعُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَفْظُ ﴿الثَّمَراتِ﴾ يَقَعُ في الأغْلَبِ عَلى ما يَحْصُلُ عَلى الأشْجارِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى الزُّرُوعِ والنَّباتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . * * * البحث الخامِسُ: قالَ تَعالى: ﴿فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أخْرَجَ هَذِهِ الثَّمَراتِ لِأجْلِ أنْ تَكُونَ رِزْقًا لَنا، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى قَصَدَ بِتَخْلِيقِ هَذِهِ الثَّمَراتِ إيصالَ الخَيْرِ والمَنفَعَةِ إلى المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ الإحْسانَ لا يَكُونُ إحْسانًا إلّا إذا قَصَدَ المُحْسِنُ بِفِعْلِهِ إيصالَ النَّفْعِ إلى المُحْسَنِ إلَيْهِ. البحث السّادِسُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بَيانٌ لِلرِّزْقِ، أيْ أخْرَجَ بِهِ رِزْقًا هو ثَمَراتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الثَّمَراتِ مَفْعُولَ أخْرَجَ ورِزْقًا حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أوْ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ مِن أخْرَجَ لِأنَّهُ في مَعْنى رَزَقَ، والتَّقْدِيرُ: ورَزَقَ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم. صفحة ١٠١ فَأمّا الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: وهي قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] فَفِيها مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: أنَّ الِانْتِفاعَ بِما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ إنَّما يَكْمُلُ بِوُجُودِ الفُلْكِ الجارِي في البَحْرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ طَرَفٍ مِن أطْرافِ الأرْضِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِن أنْعُمِهِ حَتّى إنَّ نِعْمَةَ هَذا الطَّرَفِ إذا نُقِلَتْ إلى الجانِبِ الآخَرِ مِنَ الأرْضِ وبِالعَكْسِ كَثُرَ الرِّبْحُ في التِّجاراتِ، ثُمَّ إنَّ هَذا النَّقْلَ لا يُمْكِنُ إلّا بِسُفُنِ البَرِّ وهي الجِمالُ أوْ بِسُفُنِ البَحْرِ وهي الفُلْكُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ. فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ مَعَ أنَّ تَرْكِيبَ السَّفِينَةِ مِن أعْمالِ العِبادِ ؟ قُلْنا: أمّا عَلى قَوْلِنا إنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى فَلا سُؤالَ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ فَقَدْ أجابَ القاضِي عَنْهُ فَقالَ: لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأشْجارَ الصُّلْبَةَ الَّتِي مِنها يُمْكِنُ تَرْكِيبُ السُّفُنِ، ولَوْلا خَلْقُهُ لِلْحَدِيدِ وسائِرِ الآلاتِ ولَوْلا تَعْرِيفُهُ العِبادَ كَيْفَ يَتَّخِذُونَهُ ولَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الماءَ عَلى صِفَةِ السَّيَلانِ الَّتِي بِاعْتِبارِها يَصِحُّ جَرْيُ السَّفِينَةِ، ولَوْلا خَلْقُهُ تَعالى الرِّياحَ وخَلْقُ الحَرَكاتِ القَوِيَّةِ فِيها، ولَوْلا أنَّهُ وسَّعَ الأنْهارَ وجَعَلَ فِيها مِنَ العُمْقِ ما يَجُوزُ جَرْيُ السُّفُنِ فِيها لَما وقَعَ الِانْتِفاعُ بِالسُّفُنِ؛ فَصارَ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِهَذِهِ الأحْوالِ وهو المُدَبِّرُ لِهَذِهِ الأُمُورِ والمُسَخِّرُ لَها حَسُنَتْ إضافَةُ السُّفُنِ إلَيْهِ. البحث الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ التَّسْخِيرَ إلى أمْرِهِ؛ لِأنَّ المَلِكَ العَظِيمَ قَلَّما يُوصَفُ بِأنَّهُ فَعَلَ وإنَّما يُقالُ فِيهِ إنَّهُ أمَرَ بِكَذا تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وتَحْقِيقُ هَذا الوجه راجِعٌ إلى ما ذَكَرْناهُ. البحث الثّالِثُ: الفُلْكُ مِنَ الجَماداتِ فَتَسْخِيرُها مَجازٌ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا كانَ يَجْرِي عَلى وجْهِ الماءِ كَما يَشْتَهِيهِ المَلّاحُ صارَ كَأنَّهُ حَيَوانٌ مُسَخَّرٌ لَهُ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ واعْلَمْ أنَّ ماءَ البَحْرِ قَلَّما يُنْتَفَعُ بِهِ في الزِّراعاتِ لا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى إنْعامَهُ عَلى الخَلْقِ بِتَفْجِيرِ الأنْهارِ والعُيُونِ حَتّى يَنْبَعِثَ الماءُ مِنها إلى مَواضِعِ الزَّرْعِ والنَّباتِ، وأيْضًا ماءُ البَحْرِ لا يَصْلُحُ لِلشُّرْبِ، والصّالِحُ لِهَذا المُهِمِّ هو مِياهُ الأنْهارِ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ والسّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الِانْتِفاعَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ عَظِيمٌ، وقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آياتٍ مِنها قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] ومِنها قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] . وقَوْلُهُ: ﴿دائِبَيْنِ﴾ مَعْنى الدُّءُوبِ في اللُّغَةِ مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ مُطَّرِدَةٍ يُقالُ: دَأبَ يَدْأبُ دَأبًا ودُؤُوبًا وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ [يوسف: ٤٧] قالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهُ: ﴿دائِبَيْنِ﴾ مَعْناهُ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وتَأْثِيرِهِما في إزالَةِ الظُّلْمَةِ وفي إصْلاحِ النَّباتِ والحَيَوانِ، فَإنَّ الشَّمْسَ سُلْطانُ النَّهارِ والقَمَرَ سُلْطانُ اللَّيْلِ ولَوْلا الشَّمْسُ لَما حَصَلَتِ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، ولَوْلاها لاخْتَلَّتْ مَصالِحُ العالَمِ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا مَنافِعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِالِاسْتِقْصاءِ في أوَّلِ هَذا الكِتابِ. صفحة ١٠٢ الحُجَّةُ الثّامِنَةُ والتّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ مَنافِعَهُما مَذْكُورَةٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبأ: ١٠، ١١] وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ قالَ المُتَكَلِّمُونَ: تَسْخِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَجازٌ لِأنَّهُما عَرَضانِ، والأعْراضُ لا تُسَخَّرُ. والحُجَّةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْها، بَلْ أعْطى عِبادَهُ مِنَ المَنافِعِ والمُراداتِ ما لا يَأْتِي عَلى بَعْضِها التَّعْدِيدُ والإحْصاءُ فَقالَ: ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِن كُلِّ مَسْئُولٍ شَيْئًا، وقُرِئَ: ”مِن كُلٍّ“ بِالتَّنْوِينِ. و﴿ما سَألْتُمُوهُ﴾ نَفْيٌ، ومَحَلُّهُ نَصْبٌ عَلى الحالِ أيْ آتاكم مِن جَمِيعِ ذَلِكَ غَيْرَ سائِلِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَوْصُولَةً والتَّقْدِيرُ: آتاكم مِن كُلِّ ذَلِكَ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ ولَمْ تَصْلُحْ أحْوالُكم ومَعايِشُكم إلّا بِهِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ أوْ طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ النِّعَمَ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ قالَ الواحِدِيُّ: النِّعْمَةُ هَهُنا اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ يُقالُ: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، يُنْعِمُ إنْعامًا ونِعْمَةً أُقِيَمَ الِاسْمُ مَقامَ الإنْعامِ كَقَوْلِهِ: أنْفَقْتُ عَلَيْهِ إنْفاقًا ونَفَقَةً بِمَعْنًى واحِدٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا تُحْصُوها﴾ أيْ لا تَقْدِرُونَ عَلى تَعْدِيدِ جَمِيعِها لِكَثْرَتِها. واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إذا أرادَ أنْ يَعْرِفَ أنَّ الوُقُوفَ عَلى أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ مُمْتَنِعٌ، فَعَلَيْهِ أنْ يَتَأمَّلَ في شَيْءٍ واحِدٍ لِيَعْرِفَ عَجْزَ نَفْسِهِ عَنْهُ ونَحْنُ نَذْكُرُ مِنهُ مِثالَيْنِ. المِثالُ الأوَّلُ: أنَّ الأطِبّاءَ ذَكَرُوا أنَّ الأعْصابَ قِسْمانِ: مِنها دِماغِيَّةٌ، ومِنها نُخاعِيَّةٌ. أمّا الدِّماغِيَّةُ فَإنَّها سَبْعَةٌ ثُمَّ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في مَعْرِفَةِ الحكم النّاشِئَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأرْواحِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأرْواحِ السَّبْعَةِ تَنْقَسِمُ إلى شُعَبٍ كَثِيرَةٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الشُّعَبِ أيْضًا إلى شُعَبٍ دَقِيقَةٍ أدَقَّ مِنَ الشَّعَرِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنها مَمَرٌّ إلى الأعْضاءِ، ولَوْ أنَّ شُعْبَةً واحِدَةً اخْتَلَّتْ إمّا بِسَبَبِ الكَمِّيَّةِ أوْ بِسَبَبِ الكَيْفِيَّةِ أوْ بِسَبَبِ الوَضْعِ لاخْتَلَّتْ مَصالِحُ البِنْيَةِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الشُّعَبَ الدَّقِيقَةَ تَكُونُ كَثِيرَةَ العَدَدِ جِدًّا، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها حِكْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ، فَإذا نَظَرَ الإنْسانُ في هَذا المَعْنى عَرَفَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى بِحَسَبِ كُلِّ شَظِيَّةٍ مِن تِلْكَ الشَّظايا العَصَبِيَّةِ عَلى العَبْدِ نِعْمَةً عَظِيمَةً لَوْ فاتَتْ لَعَظُمَ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، وعَرَفَ قَطْعًا أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الوُقُوفِ عَلَيْها والِاطِّلاعِ عَلى أحْوالِها وعِنْدَ هَذا يَقْطَعُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، وكَما اعْتَبَرْتَ هَذا في الشَّظايا العَصَبِيَّةِ فاعْتَبِرْ مِثْلَهُ في الشَّرايِينِ والأوْرِدَةِ، وفي كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ والمُرَكَّبَةِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ والوَضْعِ والفِعْلِ والِانْفِعالِ حَتّى تَرى أقْسامَ هَذا البابِ بَحْرًا لا ساحِلَ لَهُ. وإذا اعْتَبَرْتَ هَذا في بَدَنِ الإنْسانِ الواحِدِ فاعْرِفْ أقْسامَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في نَفْسِهِ ورُوحِهِ، فَإنَّ عَجائِبَ عالَمِ الأرْواحِ أكْثَرُ مِن عَجائِبِ عالَمِ الأجْسادِ، ثُمَّ لَمّا اعْتَبَرْتَ حالَةَ الحَيَوانِ الواحِدِ فَعِنْدَ ذَلِكَ اعْتَبِرْ أحْوالَ عالَمِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ وطَبَقاتِ العَناصِرِ وعَجائِبِ البَرِّ والبَحْرِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وعِنْدَ هَذا تَعْرِفُ أنَّ عُقُولَ جَمِيعِ الخَلائِقِ لَوْ رُكِّبَتْ وجُعِلَتْ عَقْلًا واحِدًا ثُمَّ بِذَلِكَ العَقْلِ يَتَأمَّلُ الإنْسانُ في عَجائِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في أقَلِّ الأشْياءِ لَما أدْرَكَ مِنها إلّا القَلِيلَ، فَسُبْحانَهُ تَقَدَّسَ عَنْ أوْهامِ المُتَوَهِّمِينَ. المِثالُ الثّانِي: أنَّكَ إذا أخَذْتَ اللُّقْمَةَ الواحِدَةَ لِتَضَعَها في الفَمِ فانْظُرْ إلى ما قَبْلَها وإلى ما بَعْدَها أمّا صفحة ١٠٣ الأُمُورُ الَّتِي قَبْلَها: فاعْرِفْ أنَّ تِلْكَ اللُّقْمَةَ مِنَ الخُبْزِ لا تَتِمُّ ولا تَكْمُلُ إلّا إذا كانَ هَذا العالَمُ بِكُلِّيَّتِهِ قائِمًا عَلى الوجه الأصْوَبِ، لِأنَّ الحِنْطَةَ لا بُدَّ مِنها، وأنَّها لا تَنْبُتُ إلّا بِمَعُونَةِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، وتَرْكِيبِ الطَّبائِعِ وظُهُورِ الرِّياحِ والأمْطارِ، ولا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنها إلّا بَعْدَ دَوَرانِ الأفْلاكِ، واتِّصالِ بَعْضِ الكَواكِبِ بِبَعْضٍ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ في الحَرَكاتِ، وفي كَيْفِيَّتِها في الجِهَةِ والسُّرْعَةِ والبُطْءِ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ تَكُونَ الحِنْطَةُ لا بُدَّ مِن آلاتِ الطَّحْنِ والخَبْزِ، وهي لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ تَوَلُّدِ الحَدِيدِ في أرْحامِ الجِبالِ، ثُمَّ إنَّ الآلاتِ الحَدِيدِيَّةَ لا يُمْكِنُ إصْلاحُها إلّا بِآلاتٍ أُخْرى حَدِيدِيَّةٍ سابِقَةٍ عَلَيْها، ولا بُدَّ مِنَ انْتِهائِها إلى آلَةٍ حَدِيدِيَّةٍ هي أوَّلُ هَذِهِ الآلاتِ، فَتَأمَّلْ أنَّها كَيْفَ تَكَوَّنَتْ عَلى الأشْكالِ المَخْصُوصَةِ، ثُمَّ إذا حَصَلَتْ تِلْكَ الآلاتُ فانْظُرْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ اجْتِماعِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، وهي الأرْضُ والماءُ والهَواءُ والنّارُ حَتّى يُمْكِنَ طَبْخُ الخُبْزِ مِن ذَلِكَ الدَّقِيقِ. فَهَذا هو النَّظَرُ فِيما تَقَدَّمَ عَلى حُصُولِ هَذِهِ اللُّقْمَةِ. وأمّا النَّظَرُ فِيما بَعْدَ حُصُولِها: فَتَأمَّلْ في تَرْكِيبِ بَدَنِ الحَيَوانِ، وهو أنَّهُ تَعالى كَيْفَ خَلَقَ الأبْدانَ حَتّى يُمْكِنَها الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ اللُّقْمَةِ، وأنَّهُ كَيْفَ يَتَضَرَّرُ الحَيَوانُ بِالأكْلِ وفي أيِّ الأعْضاءِ تَحْدُثُ تِلْكَ المَضارُّ، ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْرِفَ القَلِيلَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ إلّا بِمَعْرِفَةِ عِلْمِ التَّشْرِيحِ وعِلْمِ الطِّبِّ بِالكُلِّيَّةِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الِانْتِفاعَ بِاللُّقْمَةِ الواحِدَةِ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إلّا بِمَعْرِفَةِ جُمْلَةِ الأُمُورِ، والعُقُولُ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ ذَرَّةٍ مِن هَذِهِ المَباحِثِ، فَظَهَرَ بِهَذا البُرْهانِ القاهِرِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ قِيلَ: يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها كَفّارٌ شَدِيدُ الكُفْرانِ لَها. وقِيلَ: ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ، كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ، والمُرادُ مِنَ الإنْسانِ هَهُنا: الجِنْسُ؛ يَعْنِي أنَّ عادَةَ هَذا الجِنْسِ هو هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهَهُنا بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ مَجْبُولٌ عَلى النِّسْيانِ وعَلى المَلالَةِ، فَإذا وجَدَ نِعْمَةً نَسِيَها في الحالِ وظَلَمَها بِتَرْكِ شُكْرِها، وإنْ لَمْ يَنْسَها فَإنَّهُ في الحالِ يَمَلُّها فَيَقَعُ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ، وأيْضًا أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ فَمَتى حاوَلَ التَّأمُّلَ في بَعْضِها غَفَلَ عَنِ الباقِي. البحث الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذا المَوْضِعِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ وقالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] ولَمّا تَأمَّلْتُ فِيهِ لاحَتْ لِي فِيهِ دَقِيقَةٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: إذا حَصَلَتِ النِّعَمُ الكَثِيرَةُ فَأنْتَ الَّذِي أخَذْتَها وأنا الَّذِي أعْطَيْتُها، فَحَصَلَ لَكَ عِنْدَ أخْذِها وصْفانِ: وهُما كَوْنُكَ ظَلُومًا كَفّارًا، ولِي وصْفانِ عِنْدَ إعْطائِها وهُما كَوْنِي غَفُورًا رَحِيمًا، والمَقْصُودُ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كُنْتَ ظَلُومًا فَأنا غَفُورٌ، وإنْ كُنْتَ كَفّارًا فَأنا رَحِيمٌ أعْلَمُ عَجْزَكَ وقُصُورَكَ فَلا أُقابِلُ تَقْصِيرَكَ إلّا بِالتَّوْقِيرِ ولا أُجازِي جَفاءَكَ إلّا بِالوَفاءِ، ونَسْألُ اللَّهَ حُسْنَ العاقِبَةِ والرَّحْمَةَ.