Lafzullah

Tafsir Al-Razi — النحل 16:21 – النحل 16:60

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. النحل 16:21
  2. النحل 16:22
  3. النحل 16:23
  4. النحل 16:24
  5. النحل 16:25
  6. النحل 16:26
  7. النحل 16:27
  8. النحل 16:28
  9. النحل 16:29
  10. النحل 16:30
  11. النحل 16:31
  12. النحل 16:32
  13. النحل 16:33
  14. النحل 16:34
  15. النحل 16:35
  16. النحل 16:36
  17. النحل 16:37
  18. النحل 16:38
  19. النحل 16:39
  20. النحل 16:40
  21. النحل 16:41
  22. النحل 16:42
  23. النحل 16:43
  24. النحل 16:44
  25. النحل 16:45
  26. النحل 16:46
  27. النحل 16:47
  28. النحل 16:48
  29. النحل 16:49
  30. النحل 16:50
  31. النحل 16:51
  32. النحل 16:52
  33. النحل 16:53
  34. النحل 16:54
  35. النحل 16:55
  36. النحل 16:56
  37. النحل 16:57
  38. النحل 16:58
  39. النحل 16:59
  40. النحل 16:60

النحل 16:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ صفحة ١١ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ عَلى التَّرْتِيبِ الأحْسَنِ والنَّظْمِ الأكْمَلِ، وكانَتْ تِلْكَ الدَّلائِلُ - كَما أنَّها كانَتْ دَلائِلَ -، فَكَذَلِكَ أيْضًا كانَتْ شَرْحًا وتَفْصِيلًا لِأنْواعِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وأقْسامِ إحْسانِهِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ إبْطالِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الدَّلائِلُ الباهِرَةُ، والبَيِّناتُ الزّاهِرَةُ القاهِرَةُ عَلى وُجُودِ إلَهٍ قادِرٍ حَكِيمٍ، وثَبَتَ أنَّهُ هو المَوْلى لِجَمِيعِ هَذِهِ النِّعَمِ والمُعْطِي لِكُلِّ هَذِهِ الخَيْراتِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ في العُقُولِ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ مَوْجُودٍ سِواهُ، لا سِيَّما إذا كانَ المَوْجُودُ جَمادًا لا يَفْهَمُ ولا يَقْدِرُ، فَلِهَذا الوجه قالَ بَعْدَ تِلْكَ الآياتِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أفَمَن يَخْلُقُ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرْناها كَمَن لا يَخْلُقُ، بَلْ لا يَقْدِرُ البَتَّةَ عَلى شَيْءٍ ؟ أفَلا تَذَكَّرُونَ، فَإنَّ هَذا القَدْرَ لا يَحْتاجُ إلى تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ ونَظَرٍ. ويَكْفِي فِيهِ أنْ تَتَنَبَّهُوا عَلى ما في عُقُولِكم مِن أنَّ العِبادَةَ لا تَلِيقُ إلّا بِالمُنْعِمِ الأعْظَمِ، وأنْتُمْ تَرَوْنَ في الشّاهِدِ إنْسانًا عاقِلًا فاهِمًا يُنْعِمُ بِالنِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَتَعْلَمُونَ أنَّهُ يَقْبُحُ عِبادَتُهُ، فَهَذِهِ الأصْنامُ جَماداتٌ مَحْضَةٌ، ولَيْسَ لَها فَهْمٌ ولا قُدْرَةٌ ولا اخْتِيارٌ، فَكَيْفَ تُقْدِمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ ! وكَيْفَ تُجَوِّزُونَ الِاشْتِغالَ بِخِدْمَتِها وطاعَتِها ؟ ! المسألة الثّانِيَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ الأصْنامُ، وأنَّها جَماداتٌ، فَلا يَلِيقُ بِها لَفْظَةُ ”مَن“ لِأنَّها لِأُولِي العِلْمِ. وأُجِيبَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمَّوْها آلِهَةً وعَبَدُوها، لا جَرَمَ أُجْرِيَتْ مَجْرى أُولِي العِلْمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ عَلى أثَرِهِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ . والوجه الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ السَّبَبَ فِيهِ المُشاكَلَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَخْلُقُ. والوجه الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَن يَخْلُقُ لَيْسَ كَمَن لا يَخْلُقُ مِن أُولِي العِلْمِ، فَكَيْفَ مَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ يَعْنِي: أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي تَدْعُونَها حالُهم مُنْحَطَّةٌ عَنْ حالِ مَن لَهم أرْجُلٌ وأيْدٍ وآذانٌ وقُلُوبٌ، لِأنَّ هَؤُلاءِ أحْياءٌ وهم أمْواتٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنهم عِبادَتُها، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لَوْ صَحَّتْ لَهم هَذِهِ الأعْضاءُ لَصَحَّ أنْ يُعْبَدُوا. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ إلْزامُ عَبَدَةِ الأوْثانِ، حَيْثُ جَعَلُوا غَيْرَ الخالِقِ مِثْلَ الخالِقِ في التَّسْمِيَةِ بِالإلَهِ، وفي الِاشْتِغالِ بِعِبادَتِها، فَكانَ حَقُّ الإلْزامِ أنْ يُقالَ: أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ. والجَوابُ: المُرادُ مِنهُ أنَّ مَن يَخْلُقُ هَذِهِ الأشْياءَ العَظِيمَةَ ويُعْطِي هَذِهِ المَنافِعَ الجَلِيلَةَ كَيْفَ يُسَوّى بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذِهِ الجَماداتِ الخَسِيسَةِ في التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ الإلَهِ، وفي الِاشْتِغالِ بِعِبادَتِها والإقْدامِ عَلى غايَةِ تَعْظِيمِها، فَوَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ . * * * المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ غَيْرُ خالِقٍ لِأفْعالِ نَفْسِهِ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى مَيَّزَ نَفْسَهُ عَنْ سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها بِصِفَةِ الخالِقِيَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ الغَرَضُ مِنهُ: بَيانُ كَوْنِهِ مُمْتازًا عَنِ الأنْدادِ بِصِفَةِ الخالِقِيَّةِ وأنَّهُ إنَّما اسْتَحَقَّ الإلَهِيَّةَ والمَعْبُودِيَّةَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ خالِقًا، فَهَذا صفحة ١٢ يَقْتَضِي أنَّ العَبْدَ لَوْ كانَ خالِقًا لِبَعْضِ الأشْياءِ لَوَجَبَ كَوْنُهُ إلَهًا مَعْبُودًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ العَبْدَ لا يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ والإيجادِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: أفَمَن يَخْلُقُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والإنْسانِ والحَيَوانِ والنَّباتِ والبِحارِ والنُّجُومِ والجِبالِ كَمَن لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ أصْلًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن كانَ خالِقًا لِهَذِهِ الأشْياءِ فَإنَّهُ يَكُونُ إلَهًا ولَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى أفْعالِ نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ إلَهًا. والوجه الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ مَن كانَ خالِقًا كانَ أفْضَلَ مِمَّنْ لا يَكُونُ خالِقًا، فَوَجَبَ امْتِناعُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما في الإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ خالِقًا فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إلَهًا. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] ومَعْناهُ: أنَّ الَّذِي حَصَلَ لَهُ رِجْلٌ يَمْشِي بِها يَكُونُ أفْضَلَ مِنَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ رِجْلٌ لا يَقْدِرُ أنْ يَمْشِيَ بِها، وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ أفْضَلَ مِنَ الصَّنَمِ، والأفْضَلُ لا يَلِيقُ بِهِ عِبادَةُ الأخَسِّ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ إنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن حَصَلَ لَهُ رِجْلٌ يَمْشِي بِها أنْ يَكُونَ إلَهًا، فَكَذَلِكَ - هَهُنا - المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الخالِقَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ الخالِقِ، فَيَمْتَنِعُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في الإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ صِفَةِ الخالِقِيَّةِ يَكُونُ إلَهًا. والوجه الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُعْتَزِلَةِ لا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الخالِقِ عَلى العَبْدِ. قالَ الكَعْبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“: إنّا لا نَقُولُ: إنّا نَخْلُقُ أفْعالَنا: قالَ: ومَن أطْلَقَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ؛ إلّا في مَواضِعَ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . واعْلَمْ أنَّ أصْحابَ أبِي هاشِمٍ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الخالِقِ عَلى العَبْدِ، حَتّى أنَّ أبا عَبْدِ اللَّهِ البَصِيرَ بالَغَ وقالَ: إطْلاقُ لَفْظِ الخالِقِ عَلى العَبْدِ حَقِيقَةٌ وعَلى اللَّهِ مَجازٌ، لِأنَّ الخالِقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، وذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ والحُسْبانِ، وهو في حَقِّ العَبْدِ حاصِلٌ وفي حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأجْوِبَةَ قَوِيَّةٌ والِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا لَيْسَ بِقَوِيٍّ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * أما قوله تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ باطِلٌ وخَطَأٌ، بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِ نِعَمِهِ والقِيامِ بِحُقُوقِ كَرَمِهِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ، بَلِ العَبْدُ وإنْ أتْعَبَ نَفْسَهُ في القِيامِ بِالطّاعاتِ والعِباداتِ، وبالَغَ في شُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يَكُونُ مُقَصِّرًا، وذَلِكَ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِشُكْرِ النِّعَمِ مَشْرُوطٌ بِعِلْمِهِ بِتِلْكَ النِّعَمِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ والتَّحْصِيلِ، فَإنَّ مَن لا يَكُونُ مُتَصَوَّرًا ولا مَفْهُومًا ولا مَعْلُومًا امْتَنَعَ الِاشْتِغالُ بِشُكْرِهِ، إلّا أنَّ العِلْمَ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ غَيْرُ حاصِلٍ لِلْعَبْدِ؛ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةٌ، وأقْسامَها وشُعَبَها واسِعَةٌ عَظِيمَةٌ، وعُقُولُ الخَلْقِ قاصِرَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِمَبادِيها فَضْلًا عَنْ غاياتِها، وأنَّها غَيْرُ مَعْلُومَةٍ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وما كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ الِاشْتِغالُ بِشُكْرِهِ عَلى الوجه الَّذِي يَكُونُ ذَلِكَ الشُّكْرُ لائِقًا بِتِلْكَ النِّعَمِ. فَهَذا هو المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ يَعْنِي: أنَّكم لا تَعْرِفُونَها عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ، وإذا لَمْ تَعْرِفُوها امْتَنَعَ مِنكُمُ القِيامُ بِشُكْرِها صفحة ١٣ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ شُكْرَ الخالِقِ قاصِرٌ عَنْ نِعَمِ الحَقِّ، وعَلى أنَّ طاعاتِ الخَلْقِ قاصِرَةٌ عَنْ رُبُوبِيَّةِ الحَقِّ، وعَلى أنَّ مَعارِفَ الخَلْقِ قاصِرَةٌ عَنْ كُنْهِ جَلالِ الحَقِّ، ومِمّا يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّ عُقُولَ الخَلْقِ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى أنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ الإنْسانِيِّ لَوْ ظَهَرَ فِيهِ أدْنى خَلَلٍ لَتَنَغَّصَ العَيْشُ عَلى الإنْسانِ، ولَتَمَنّى أنْ يُنْفِقَ كُلَّ الدُّنْيا حَتّى يَزُولَ عَنْهُ ذَلِكَ الخَلَلُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ أحْوالَ بَدَنِ الإنْسانِ عَلى الوجه الأكْمَلِ الأصْلَحِ، مَعَ أنَّ الإنْسانَ لا عِلْمَ لَهُ بِوُجُودِ ذَلِكَ الجُزْءِ ولا بِكَيْفِيَّةِ مَصالِحِهِ ولا بِدَفْعِ مَفاسِدِهِ، فَلْيَكُنْ هَذا المِثالُ حاضِرًا في ذِهْنِكَ، ثُمَّ تَأْمَّلْ في جَمِيعِ ما خَلَقَ اللَّهُ في هَذا العالَمِ مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وجَعَلَها مُهَيَّأةً لِانْتِفاعِكَ بِها، حَتّى تَعْلَمَ أنَّ عُقُولَ الخَلْقِ تَفْنى في مَعْرِفَةِ حِكْمَةِ الرَّحْمَنِ في خَلْقِ الإنْسانِ فَضْلًا عَنْ سائِرِ وُجُوهِ الفَضْلِ والإحْسانِ. فَإنْ قِيلَ: فَلَمّا قَرَّرْتُمْ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ العِلْمِ بِأقْسامِ النِّعَمِ، ودَلَّلْتُمْ عَلى أنَّ حُصُولَ العالِمِ بِأقْسامِ النِّعَمِ مُحالٌ أوْ غَيْرُ واقِعٍ، فَكَيْفَ أمَرَ اللَّهُ الخَلْقَ بِالقِيامِ بِشُكْرِ النِّعَمِ ؟ . قُلْنا: الطَّرِيقُ إلَيْهِ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعالى عَلى جَمِيعِ نِعَمِهِ مُفَصَّلِها ومُجْمَلِها. فَهَذا هو الطَّرِيقُ الَّذِي بِهِ يُمْكِنُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الشُّكْرِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ نِعْمَةٌ وقالَ الأكْثَرُونَ: لِلَّهِ عَلى الكافِرِ والمُؤْمِنِ نِعَمٌ كَثِيرَةٌ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الإنْعامَ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والإنْعامَ بِخَلْقِ الإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ، والإنْعامَ بِخَلْقِ الأنْعامِ وبِخَلْقِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، وبِخَلْقِ أصْنافِ النِّعَمِ مِنَ الزَّرْعِ والزَّيْتُونِ والنَّخِيلِ والأعْنابِ، وبِتَسْخِيرِ البَحْرِ لِيَأْكُلَ الإنْسانُ مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا ويَسْتَخْرِجَ مِنهُ حِلْيَةً يَلْبَسُها، كُلُّ ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ نِعَمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ الكُلِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ واصِلَةٌ إلى الكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ. أما قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقالَ هَهُنا: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِأداءِ الشُّكْرِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ: قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ غَفُورٌ لِلتَّقْصِيرِ الصّادِرِ عَنْكم في القِيامِ بِشُكْرِ نِعَمِهِ، رَحِيمٌ بِكم حَيْثُ لَمْ يَقْطَعْ نِعَمَهُ عَلَيْكم بِسَبَبِ تَقْصِيرِكم. أما قوله: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا مَعَ اشْتِغالِهِمْ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى يُسِرُّونَ ضُرُوبًا مِنَ الكُفْرِ في مَكايِدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَجَعَلَ هَذا زَجْرًا لَهم عَنْها. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى زَيَّفَ في الآيَةِ الأُولى عِبادَةَ الأصْنامِ بِسَبَبِ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الخَلْقِ والإنْعامِ، وزَيَّفَ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عِبادَتَها؛ بِسَبَبِ أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالسِّرِّ والعَلانِيَةِ، وهَذِهِ الأصْنامُ جَماداتٌ لا مَعْرِفَةَ لَها بِشَيْءٍ أصْلًا، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَتُها ؟ . أما قوله: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الأصْنامَ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ. فالصِّفَةُ الأُولى: أنَّهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ، قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”يُسِرُّونَ“ ”ويُعْلِنُونَ“ ”﴿ويُدْعَوْنَ﴾“ كُلَّها بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (يَدْعُونَ) بِالياءِ خاصَّةً عَلى المُغايَبَةِ، وتُسِرُّونَ صفحة ١٤ وتُعْلِنُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ كُلَّها بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ قَوْلَهُ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا تَخْلُقُ شَيْئًا، وقَوْلَهُ هَهُنا: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ يَدُلُّ عَلى نَفْسِ هَذا المَعْنى، فَكانَ هَذا مَحْضَ التَّكْرِيرِ. وجَوابُهُ: أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ أنَّهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا، والمَذْكُورَ هَهُنا أنَّهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وأنَّهم مَخْلُوقُونَ لِغَيْرِهِمْ، فَكانَ هَذا زِيادَةً في المَعْنى، وكَأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِشَرْحِ نَقْصِهِمْ في ذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ، فَبَيَّنَ أوَّلًا أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، ثُمَّ ثانِيًا أنَّها كَما لا تَخْلُقُ غَيْرَها فَهي مَخْلُوقَةٌ لِغَيْرِها. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ والمَعْنى: أنَّها لَوْ كانَتْ آلِهَةً عَلى الحَقِيقَةِ لَكانُوا أحْياءً غَيْرَ أمْواتٍ، أيْ غَيْرَ جائِزٍ عَلَيْها المَوْتُ كالحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأمْرُ هَذِهِ الأصْنامِ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ: ﴿أمْواتٌ﴾ عُلِمَ أنَّها غَيْرُ أحْياءٍ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الإلَهَ هو الحَيُّ الَّذِي لا يَحْصُلُ عَقِيبَ حَياتِهِ مَوْتٌ، وهَذِهِ الأصْنامُ أمْواتٌ لا يَحْصُلُ عَقِيبَ مَوْتِها الحَياةُ. والثّانِي: أنَّ هَذا الكَلامَ مَعَ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأوْثانَ، وهم في نِهايَةِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، ومَن تَكَلَّمَ مَعَ الجاهِلِ الغَرِّ الغَبِيِّ فَقَدْ يَحْسُنُ أنْ يُعَبِّرَ عَنِ المَعْنى الواحِدِ بِالعِباراتِ الكَثِيرَةِ، وغَرَضُهُ مِنهُ الإعْلامُ بِكَوْنِ ذَلِكَ المُخاطَبِ في غايَةِ الغَباوَةِ، وأنَّهُ إنَّما يُعِيدُ تِلْكَ الكَلِماتِ لِكَوْنِ ذَلِكَ السّامِعِ في نِهايَةِ الجَهالَةِ، وأنَّهُ لا يَفْهَمُ المَعْنى المَقْصُودَ بِالعِبارَةِ الواحِدَةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ عائِدٌ إلى الأصْنامِ، وفي الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿يُبْعَثُونَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى العابِدِينَ لِلْأصْنامِ، يَعْنِي: أنَّ الأصْنامَ لا يَشْعُرُونَ مَتى تُبْعَثُ عَبَدَتُهم، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ وأنَّ آلِهَتَهم لا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم وقْتُ جَزاءٍ مِنهم عَلى عِبادَتِهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الأصْنامِ يَعْنِي: أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا تَعْرِفُ مَتى يَبْعَثُها اللَّهُ تَعالى، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الأصْنامَ ولَها أرْواحٌ ومَعَها شَياطِينُها، فَيُؤْمَرُ بِها إلى النّارِ. فَإنْ قِيلَ: الأصْنامُ جَماداتٌ، والجَماداتُ لا تُوصَفُ بِأنَّها أمْواتٌ، ولا تُوصَفُ بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ كَذا وكَذا. والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ الجَمادَ قَدْ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مَيِّتًا قالَ تَعالى: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ [الروم: ١٩] . والثّانِي: أنَّ القَوْمَ لَمّا وصَفُوا تِلْكَ الأصْنامَ بِالإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ قِيلَ لَهم: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هي أمْواتٌ ولا يَعْرِفُونَ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ العِباراتُ عَلى وفْقِ مُعْتَقَدِهِمْ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ المَلائِكَةَ، وكانَ ناسٌ مِنَ الكُفّارِ يَعْبُدُونَهم فَقالَ اللَّهُ: إنَّهم أمْواتٌ لا بُدَّ لَهم مِنَ المَوْتِ غَيْرُ أحْياءٍ، أيْ غَيْرُ باقِيَةٍ حَياتُهم: ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:22

صفحة ١٥ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَيَّفَ فِيما تَقَدَّمَ طَرِيقَةَ عَبَدَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ، وبَيَّنَ فَسادَ مَذْهَبِهِمْ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ قالَ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما لِأجْلِهِ أصَرَّ الكُفّارُ عَلى القَوْلِ بِالشِّرْكِ وإنْكارِ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ويَرْغَبُونَ في الفَوْزِ بِالثَّوابِ الدّائِمِ، ويَخافُونَ الوُقُوعَ في العِقابِ الدّائِمِ إذا سَمِعُوا الدَّلائِلَ والتَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ خافُوا العِقابَ فَتَأمَّلُوا وتَفَكَّرُوا فِيما يَسْمَعُونَهُ، فَلا جَرَمَ يَنْتَفِعُونَ بِسَماعِ الدَّلائِلِ، ويَرْجِعُونَ مِنَ الباطِلِ إلى الحَقِّ، أمّا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ويُنْكِرُونَها فَإنَّهم لا يَرْغَبُونَ في حُصُولِ الثَّوابِ ولا يَرْهَبُونَ مِنَ الوُقُوعِ في العِقابِ، فَيَبْقُونَ مُنْكِرِينَ لِكُلِّ كَلامٍ يُخالِفُ قَوْلَهم، ويَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الرُّجُوعِ إلى قَوْلِ غَيْرِهِمْ، فَلا جَرَمَ يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ والضَّلالِ. ثم قال تَعالى: ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ أنَّ إصْرارَهم عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ لَيْسَ لِأجْلِ شُبْهَةٍ تَصَوَّرُوها أوْ إشْكالٍ تَخَيَّلُوهُ، بَلْ ذَلِكَ لِأجْلِ التَّقْلِيدِ والنَّفْرَةِ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الحَقِّ والشَّغَفِ بِنُصْرَةِ مَذاهِبِ الأسْلافِ والتَّكَبُّرِ والنَّخْوَةِ. فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ وهَذا الوَعِيدُ يَتَناوَلُ كُلَّ المُتَكَبِّرِينَ.

النحل 16:23

صفحة ١٥ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَيَّفَ فِيما تَقَدَّمَ طَرِيقَةَ عَبَدَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ، وبَيَّنَ فَسادَ مَذْهَبِهِمْ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ قالَ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما لِأجْلِهِ أصَرَّ الكُفّارُ عَلى القَوْلِ بِالشِّرْكِ وإنْكارِ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ويَرْغَبُونَ في الفَوْزِ بِالثَّوابِ الدّائِمِ، ويَخافُونَ الوُقُوعَ في العِقابِ الدّائِمِ إذا سَمِعُوا الدَّلائِلَ والتَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ خافُوا العِقابَ فَتَأمَّلُوا وتَفَكَّرُوا فِيما يَسْمَعُونَهُ، فَلا جَرَمَ يَنْتَفِعُونَ بِسَماعِ الدَّلائِلِ، ويَرْجِعُونَ مِنَ الباطِلِ إلى الحَقِّ، أمّا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ويُنْكِرُونَها فَإنَّهم لا يَرْغَبُونَ في حُصُولِ الثَّوابِ ولا يَرْهَبُونَ مِنَ الوُقُوعِ في العِقابِ، فَيَبْقُونَ مُنْكِرِينَ لِكُلِّ كَلامٍ يُخالِفُ قَوْلَهم، ويَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الرُّجُوعِ إلى قَوْلِ غَيْرِهِمْ، فَلا جَرَمَ يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ والضَّلالِ. ثم قال تَعالى: ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ أنَّ إصْرارَهم عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ لَيْسَ لِأجْلِ شُبْهَةٍ تَصَوَّرُوها أوْ إشْكالٍ تَخَيَّلُوهُ، بَلْ ذَلِكَ لِأجْلِ التَّقْلِيدِ والنَّفْرَةِ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الحَقِّ والشَّغَفِ بِنُصْرَةِ مَذاهِبِ الأسْلافِ والتَّكَبُّرِ والنَّخْوَةِ. فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ وهَذا الوَعِيدُ يَتَناوَلُ كُلَّ المُتَكَبِّرِينَ.

النحل 16:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وأوْرَدَ الدَّلائِلَ القاهِرَةَ في إبْطالِ مَذاهِبِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ شُبُهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ مَعَ الجَوابِ عَنْها. فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا احْتَجَّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَفْسِهِ بِكَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزَةً طَعَنُوا في القُرْآنِ وقالُوا: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ هو مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ السّائِلَ مَن كانَ ؟ قِيلَ: هو كَلامُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقِيلَ: هو قَوْلُ المُسْلِمِينَ لَهم، وقِيلَ: هو قَوْلُ المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ يُنَفِّرُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا سَألَهم وُفُودُ الحاجِّ عَمّا أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَكُونُ تَنْزِيلُ رَبِّهِمْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ ؟ . وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] وقَوْلِهِ: صفحة ١٦ ﴿ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] . الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هَذا الَّذِي تَذْكُرُونَ أنَّهُ مُنْزَّلٌ مِن رَبِّكم هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ. الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذا القُرْآنَ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِمّا أنْزَلَهُ اللَّهُ لَكِنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ العُلُومِ والفَصاحَةِ والدَّقائِقِ والحَقائِقِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى شُبَهَهم قالَ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ اللّامُ في ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ لامُ العاقِبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَصِفُوا القُرْآنَ بِكَوْنِهِ أساطِيرَ الأوَّلِينَ لِأجْلِ أنْ يَحْمِلُوا الأوْزارَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ عاقِبَتُهم ذَلِكَ حَسُنَ ذِكْرُ هَذِهِ اللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿كامِلَةً﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى لا يُخَفِّفُ مِن عِقابِهِمْ شَيْئًا، بَلْ يُوصِلُ ذَلِكَ العِقابَ بِكُلِّيَّتِهِ إلَيْهِمْ، وأقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُسْقِطُ بَعْضَ العِقابِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، إذْ لَوْ كانَ هَذا المَعْنى حاصِلًا في حَقِّ الكُلِّ، لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِهَذا التَّكْمِيلِ مَعْنًى، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ مَعْناهُ: ويَحْصُلُ لِلرُّؤَساءِ مِثْلُ أوْزارِ الأتْباعِ، والسَّبَبُ فِيهِ ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أيُّما داعٍ دَعا إلى الهُدى فاتُّبِعَ كانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لا يَنْقُصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وأيُّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتُّبِعَ كانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لا يَنْقُصُ مِن آثامِهِمْ شَيْءٌ» “ . واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ العِقابَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الأتْباعُ إلى الرُّؤَساءِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِعَدْلِ اللَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الإسراء: ١٥] بَلِ المَعْنى: أنَّ الرَّئِيسَ إذا وضَعَ سُنَّةً قَبِيحَةً عَظُمَ عِقابُهُ، حَتّى أنَّ ذَلِكَ العِقابَ يَكُونُ مُساوِيًا لِكُلِّ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأتْباعِ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَفْظَةُ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ لَخَفَّ عَنِ الأتْباعِ بَعْضُ أوْزارِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْءٌ» “ . ولَكِنَّها لِلْجِنْسِ أيْ: لِيَحْمِلُوا مِن جِنْسِ أوْزارِ الأتْباعِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ الرُّؤَساءَ إنَّما يُقْدِمُونَ عَلى هَذا الإضْلالِ جَهْلًا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلى ذَلِكَ الإضْلالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ والمَقْصُودُ: المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ القَوْمِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ لَمْ يُجِبْ عَنْها، بَلِ اقْتَصَرَ عَلى مَحْضِ الوَعِيدِ؛ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ قُلْنا: السَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا بِطَرِيقَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّهُ ﷺ تَحَدّاهم بِكُلِّ القُرْآنِ، وتارَةً بِعَشْرِ سُوَرٍ، وتارَةً بِسُورَةٍ واحِدَةٍ، وتارَةً بِحَدِيثٍ واحِدٍ، وعَجَزُوا عَنِ المُعارَضَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِعَيْنِها في آيَةٍ أُخْرى وهو قَوْلُهُ: ﴿اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] وأبْطَلَها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] ومَعْناهُ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ يَكُونُ عالِمًا بِأسْرارِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلَمّا ثَبَتَ كَوْنُ القُرْآنِ مُعْجِزًا بِهَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، وتَكَرَّرَ شَرْحُ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ مِرارًا كَثِيرَةً، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مُجَرَّدِ الوَعِيدِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يَجْرِي مَجْرى الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وأوْرَدَ الدَّلائِلَ القاهِرَةَ في إبْطالِ مَذاهِبِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ شُبُهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ مَعَ الجَوابِ عَنْها. فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا احْتَجَّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَفْسِهِ بِكَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزَةً طَعَنُوا في القُرْآنِ وقالُوا: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ هو مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ السّائِلَ مَن كانَ ؟ قِيلَ: هو كَلامُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقِيلَ: هو قَوْلُ المُسْلِمِينَ لَهم، وقِيلَ: هو قَوْلُ المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ يُنَفِّرُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا سَألَهم وُفُودُ الحاجِّ عَمّا أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَكُونُ تَنْزِيلُ رَبِّهِمْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ ؟ . وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] وقَوْلِهِ: صفحة ١٦ ﴿ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] . الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هَذا الَّذِي تَذْكُرُونَ أنَّهُ مُنْزَّلٌ مِن رَبِّكم هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ. الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذا القُرْآنَ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِمّا أنْزَلَهُ اللَّهُ لَكِنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ العُلُومِ والفَصاحَةِ والدَّقائِقِ والحَقائِقِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى شُبَهَهم قالَ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ اللّامُ في ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ لامُ العاقِبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَصِفُوا القُرْآنَ بِكَوْنِهِ أساطِيرَ الأوَّلِينَ لِأجْلِ أنْ يَحْمِلُوا الأوْزارَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ عاقِبَتُهم ذَلِكَ حَسُنَ ذِكْرُ هَذِهِ اللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿كامِلَةً﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى لا يُخَفِّفُ مِن عِقابِهِمْ شَيْئًا، بَلْ يُوصِلُ ذَلِكَ العِقابَ بِكُلِّيَّتِهِ إلَيْهِمْ، وأقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُسْقِطُ بَعْضَ العِقابِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، إذْ لَوْ كانَ هَذا المَعْنى حاصِلًا في حَقِّ الكُلِّ، لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِهَذا التَّكْمِيلِ مَعْنًى، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ مَعْناهُ: ويَحْصُلُ لِلرُّؤَساءِ مِثْلُ أوْزارِ الأتْباعِ، والسَّبَبُ فِيهِ ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أيُّما داعٍ دَعا إلى الهُدى فاتُّبِعَ كانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لا يَنْقُصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وأيُّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتُّبِعَ كانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لا يَنْقُصُ مِن آثامِهِمْ شَيْءٌ» “ . واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ العِقابَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الأتْباعُ إلى الرُّؤَساءِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِعَدْلِ اللَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الإسراء: ١٥] بَلِ المَعْنى: أنَّ الرَّئِيسَ إذا وضَعَ سُنَّةً قَبِيحَةً عَظُمَ عِقابُهُ، حَتّى أنَّ ذَلِكَ العِقابَ يَكُونُ مُساوِيًا لِكُلِّ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأتْباعِ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَفْظَةُ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ لَخَفَّ عَنِ الأتْباعِ بَعْضُ أوْزارِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْءٌ» “ . ولَكِنَّها لِلْجِنْسِ أيْ: لِيَحْمِلُوا مِن جِنْسِ أوْزارِ الأتْباعِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ الرُّؤَساءَ إنَّما يُقْدِمُونَ عَلى هَذا الإضْلالِ جَهْلًا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلى ذَلِكَ الإضْلالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ والمَقْصُودُ: المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ القَوْمِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ لَمْ يُجِبْ عَنْها، بَلِ اقْتَصَرَ عَلى مَحْضِ الوَعِيدِ؛ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ قُلْنا: السَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا بِطَرِيقَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّهُ ﷺ تَحَدّاهم بِكُلِّ القُرْآنِ، وتارَةً بِعَشْرِ سُوَرٍ، وتارَةً بِسُورَةٍ واحِدَةٍ، وتارَةً بِحَدِيثٍ واحِدٍ، وعَجَزُوا عَنِ المُعارَضَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِعَيْنِها في آيَةٍ أُخْرى وهو قَوْلُهُ: ﴿اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] وأبْطَلَها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] ومَعْناهُ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ يَكُونُ عالِمًا بِأسْرارِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلَمّا ثَبَتَ كَوْنُ القُرْآنِ مُعْجِزًا بِهَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، وتَكَرَّرَ شَرْحُ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ مِرارًا كَثِيرَةً، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مُجَرَّدِ الوَعِيدِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يَجْرِي مَجْرى الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ المُبالِغَةُ في وصْفِ وعِيدِ أُولَئِكَ الكُفّارِ، وفي المُرادِ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أنَّ المُرادَ مِنهُ نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بَنى صَرْحًا عَظِيمًا بِبابِلَ طُولُهُ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ. وقِيلَ فَرْسَخانِ، ورامَ مِنهُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ لِيُقاتِلَ أهْلَها، فالمُرادُ بِالمَكْرِ هَهُنا بِناءُ الصَّرْحِ لِمُقاتَلَةِ أهْلِ السَّماءِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ، أنَّ هَذا عامٌّ في جَمِيعِ المُبْطِلِينَ الَّذِينَ يُحاوِلُونَ إلْحاقَ الضَّرَرِ والمَكْرِ بِالمُحِقِّينَ. أما قوله تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: أنَّ الإتْيانَ والحَرَكَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فالمُرادُ أنَّهم لَمّا كَفَرُوا أتاهُمُ اللَّهُ بِزَلازِلَ قَلَعَ بِها بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ والأساسِ. المسألة الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا مَحْضُ التَّمْثِيلِ، والمَعْنى أنَّهم رَتَّبُوا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى حالَهم في تِلْكَ المَنصُوباتِ مِثْلَ حالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَّدُوهُ بِالأساطِينِ، فانْهَدَمَ ذَلِكَ البِناءُ، وضَعُفَتْ تِلْكَ الأساطِينُ، فَسَقَطَ السَّقْفُ عَلَيْهِمْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: مَن حَفَرَ بِئْرًا لِأخِيهِ أوْقَعَهُ اللَّهُ فِيهِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهو أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفَ وأماتَهم تَحْتَهُ، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى المَعْنى. أما قوله تَعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ السَّقْفَ لا يَخِرُّ إلّا مِن فَوْقِهِمْ، فَما مَعْنى هَذا الكَلامِ ؟ صفحة ١٨ وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ التَّأْكِيدَ. والثّانِي: رُبَّما خَرَّ السَّقْفُ، ولا يَكُونُ تَحْتَهُ أحَدٌ، فَلَمّا قالَ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ دَلَّ هَذا الكَلامُ عَلى أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ، وحِينَئِذٍ يُفِيدُ هَذا الكَلامُ أنَّ الأبْنِيَةَ قَدْ تَهَدَّمَتْ وهم ماتُوا تَحْتَها. وقَوْلُهُ: ﴿وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ إنْ حَمَلْنا هَذا الكَلامَ عَلى مَحْضِ التَّمْثِيلِ فالأمْرُ ظاهِرٌ. والمَعْنى: أنَّهُمُ اعْتَمَدُوا عَلى مَنصُوباتِهِمْ. ثُمَّ تَوَلَّدَ البَلاءُ مِنها بِأعْيانِها، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الظّاهِرِ فالمَعْنى: أنَّهُ نَزَلَ ذَلِكَ السَّقْفُ عَلَيْهِمْ بَغْتَةً، لِأنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ كانَ أعْظَمَ في الزَّجْرِ لِمَن سَلَكَ مِثْلَ سَبِيلِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ عَذابَهم لا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلى هَذا القَدْرِ، بَلِ اللَّهُ تَعالى يُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، والخِزْيُ هو العَذابُ مَعَ الهَوانِ، وفَسَّرَ تَعالى ذَلِكَ الهَوانَ بِأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البحث الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ مَعْناهُ: أيْنَ شُرَكائِيَ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] وقالَ أيْضًا: ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] وإنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ لِأنَّهُ يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن يَحْمِلُ خَشَبَةً: خُذْ طَرَفَكَ وآخُذُ طَرَفِي، فَأُضِيفَ الطَّرَفُ إلَيْهِ. البحث الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أيْ: تُعادُونَ وتُخاصِمُونَ المُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِمْ، وقِيلَ: المُشاقَّةُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ أحَدِ الخَصْمَيْنِ في شِقٍّ، وكَوْنِ الآخَرِ في الشِّقِّ الآخَرِ. البحث الثّالِثُ: قَرَأ نافِعٌ: (تُشاقُّونِ) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى الإضافَةِ، والباقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ عَلى الجَمْعِ. ثم قال تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وقالَ آخَرُونَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ حِينَ يَرَوْنَ خِزْيَ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ: إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُنْكِرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، فَإذا ذَكَرَ المُؤْمِنُ هَذا الكَلامَ يَوْمَ القِيامَةِ في مَعْرِضِ إهانَةِ الكافِرِ كانَ وقْعُ هَذا الكَلامِ عَلى الكافِرِ وتَأْثِيرُهُ في إيذائِهِ أكْمَلَ، وحُصُولُ الشَّماتَةِ بِهِ أقْوى. البحث الثّانِي: المُرْجِئَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَذابَ مُخْتَصٌّ بِالكافِرِ قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ماهِيَّةَ الخِزْيِ والسُّوءِ في يَوْمِ القِيامَةِ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِ، وذَلِكَ يَنْفِي حُصُولَ هَذِهِ الماهِيَّةِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ عَذابَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: (يَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ) بِالياءِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ ذُكُورٌ، والباقُونَ بِالتّاءِ لِلَّفْظِ. ثم قال: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم إلْقاءَ السَّلَمِ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْلَمُوا وأقَرُّوا لِلَّهِ بِالعُبُودِيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ أيْ قالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ، والمُرادُ مِن هَذا السُّوءِ الشِّرْكُ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا: بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ والشِّرْكِ، ومَعْنى بَلى رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: صفحة ١٩ القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم إلْقاءَ السَّلَمِ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ كَلامِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى: أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ ألْقَوُا السَّلَمَ وقالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ في الدُّنْيا مِن سُوءٍ، ثُمَّ هَهُنا اخْتَلَفُوا، فالَّذِينَ جَوَّزُوا الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ قالُوا: هَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ، وإنَّما أقْدَمُوا عَلى هَذا الكَذِبِ لِغايَةِ الخَوْفِ، والَّذِينَ قالُوا: إنَّ الكَذِبَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ قالُوا: مَعْنى الآيَةِ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ عِنْدَ أنْفُسِنا أوْ في اعْتِقادِنا، وأمّا بَيانُ أنَّ الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ، قالَ: بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قائِلُ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا لَهم، ومَعْنى ”﴿بَلى﴾“ الرَّدُّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّهُ عالِمٌ بِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَلا يَنْفَعُكم هَذا الكَذِبُ، فَإنَّهُ يُجازِيكم عَلى الكُفْرِ الَّذِي عَلِمَهُ مِنكم.

النحل 16:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ المُبالِغَةُ في وصْفِ وعِيدِ أُولَئِكَ الكُفّارِ، وفي المُرادِ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أنَّ المُرادَ مِنهُ نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بَنى صَرْحًا عَظِيمًا بِبابِلَ طُولُهُ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ. وقِيلَ فَرْسَخانِ، ورامَ مِنهُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ لِيُقاتِلَ أهْلَها، فالمُرادُ بِالمَكْرِ هَهُنا بِناءُ الصَّرْحِ لِمُقاتَلَةِ أهْلِ السَّماءِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ، أنَّ هَذا عامٌّ في جَمِيعِ المُبْطِلِينَ الَّذِينَ يُحاوِلُونَ إلْحاقَ الضَّرَرِ والمَكْرِ بِالمُحِقِّينَ. أما قوله تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: أنَّ الإتْيانَ والحَرَكَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فالمُرادُ أنَّهم لَمّا كَفَرُوا أتاهُمُ اللَّهُ بِزَلازِلَ قَلَعَ بِها بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ والأساسِ. المسألة الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا مَحْضُ التَّمْثِيلِ، والمَعْنى أنَّهم رَتَّبُوا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى حالَهم في تِلْكَ المَنصُوباتِ مِثْلَ حالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَّدُوهُ بِالأساطِينِ، فانْهَدَمَ ذَلِكَ البِناءُ، وضَعُفَتْ تِلْكَ الأساطِينُ، فَسَقَطَ السَّقْفُ عَلَيْهِمْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: مَن حَفَرَ بِئْرًا لِأخِيهِ أوْقَعَهُ اللَّهُ فِيهِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهو أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفَ وأماتَهم تَحْتَهُ، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى المَعْنى. أما قوله تَعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ السَّقْفَ لا يَخِرُّ إلّا مِن فَوْقِهِمْ، فَما مَعْنى هَذا الكَلامِ ؟ صفحة ١٨ وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ التَّأْكِيدَ. والثّانِي: رُبَّما خَرَّ السَّقْفُ، ولا يَكُونُ تَحْتَهُ أحَدٌ، فَلَمّا قالَ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ دَلَّ هَذا الكَلامُ عَلى أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ، وحِينَئِذٍ يُفِيدُ هَذا الكَلامُ أنَّ الأبْنِيَةَ قَدْ تَهَدَّمَتْ وهم ماتُوا تَحْتَها. وقَوْلُهُ: ﴿وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ إنْ حَمَلْنا هَذا الكَلامَ عَلى مَحْضِ التَّمْثِيلِ فالأمْرُ ظاهِرٌ. والمَعْنى: أنَّهُمُ اعْتَمَدُوا عَلى مَنصُوباتِهِمْ. ثُمَّ تَوَلَّدَ البَلاءُ مِنها بِأعْيانِها، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الظّاهِرِ فالمَعْنى: أنَّهُ نَزَلَ ذَلِكَ السَّقْفُ عَلَيْهِمْ بَغْتَةً، لِأنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ كانَ أعْظَمَ في الزَّجْرِ لِمَن سَلَكَ مِثْلَ سَبِيلِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ عَذابَهم لا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلى هَذا القَدْرِ، بَلِ اللَّهُ تَعالى يُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، والخِزْيُ هو العَذابُ مَعَ الهَوانِ، وفَسَّرَ تَعالى ذَلِكَ الهَوانَ بِأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البحث الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ مَعْناهُ: أيْنَ شُرَكائِيَ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] وقالَ أيْضًا: ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] وإنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ لِأنَّهُ يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن يَحْمِلُ خَشَبَةً: خُذْ طَرَفَكَ وآخُذُ طَرَفِي، فَأُضِيفَ الطَّرَفُ إلَيْهِ. البحث الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أيْ: تُعادُونَ وتُخاصِمُونَ المُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِمْ، وقِيلَ: المُشاقَّةُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ أحَدِ الخَصْمَيْنِ في شِقٍّ، وكَوْنِ الآخَرِ في الشِّقِّ الآخَرِ. البحث الثّالِثُ: قَرَأ نافِعٌ: (تُشاقُّونِ) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى الإضافَةِ، والباقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ عَلى الجَمْعِ. ثم قال تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وقالَ آخَرُونَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ حِينَ يَرَوْنَ خِزْيَ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ: إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُنْكِرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، فَإذا ذَكَرَ المُؤْمِنُ هَذا الكَلامَ يَوْمَ القِيامَةِ في مَعْرِضِ إهانَةِ الكافِرِ كانَ وقْعُ هَذا الكَلامِ عَلى الكافِرِ وتَأْثِيرُهُ في إيذائِهِ أكْمَلَ، وحُصُولُ الشَّماتَةِ بِهِ أقْوى. البحث الثّانِي: المُرْجِئَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَذابَ مُخْتَصٌّ بِالكافِرِ قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ماهِيَّةَ الخِزْيِ والسُّوءِ في يَوْمِ القِيامَةِ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِ، وذَلِكَ يَنْفِي حُصُولَ هَذِهِ الماهِيَّةِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ عَذابَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: (يَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ) بِالياءِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ ذُكُورٌ، والباقُونَ بِالتّاءِ لِلَّفْظِ. ثم قال: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم إلْقاءَ السَّلَمِ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْلَمُوا وأقَرُّوا لِلَّهِ بِالعُبُودِيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ أيْ قالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ، والمُرادُ مِن هَذا السُّوءِ الشِّرْكُ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا: بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ والشِّرْكِ، ومَعْنى بَلى رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: صفحة ١٩ القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم إلْقاءَ السَّلَمِ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ كَلامِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى: أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ ألْقَوُا السَّلَمَ وقالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ في الدُّنْيا مِن سُوءٍ، ثُمَّ هَهُنا اخْتَلَفُوا، فالَّذِينَ جَوَّزُوا الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ قالُوا: هَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ، وإنَّما أقْدَمُوا عَلى هَذا الكَذِبِ لِغايَةِ الخَوْفِ، والَّذِينَ قالُوا: إنَّ الكَذِبَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ قالُوا: مَعْنى الآيَةِ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ عِنْدَ أنْفُسِنا أوْ في اعْتِقادِنا، وأمّا بَيانُ أنَّ الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ، قالَ: بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قائِلُ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا لَهم، ومَعْنى ”﴿بَلى﴾“ الرَّدُّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّهُ عالِمٌ بِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَلا يَنْفَعُكم هَذا الكَذِبُ، فَإنَّهُ يُجازِيكم عَلى الكُفْرِ الَّذِي عَلِمَهُ مِنكم.

النحل 16:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ المُبالِغَةُ في وصْفِ وعِيدِ أُولَئِكَ الكُفّارِ، وفي المُرادِ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أنَّ المُرادَ مِنهُ نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بَنى صَرْحًا عَظِيمًا بِبابِلَ طُولُهُ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ. وقِيلَ فَرْسَخانِ، ورامَ مِنهُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ لِيُقاتِلَ أهْلَها، فالمُرادُ بِالمَكْرِ هَهُنا بِناءُ الصَّرْحِ لِمُقاتَلَةِ أهْلِ السَّماءِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ، أنَّ هَذا عامٌّ في جَمِيعِ المُبْطِلِينَ الَّذِينَ يُحاوِلُونَ إلْحاقَ الضَّرَرِ والمَكْرِ بِالمُحِقِّينَ. أما قوله تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: أنَّ الإتْيانَ والحَرَكَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فالمُرادُ أنَّهم لَمّا كَفَرُوا أتاهُمُ اللَّهُ بِزَلازِلَ قَلَعَ بِها بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ والأساسِ. المسألة الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا مَحْضُ التَّمْثِيلِ، والمَعْنى أنَّهم رَتَّبُوا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى حالَهم في تِلْكَ المَنصُوباتِ مِثْلَ حالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَّدُوهُ بِالأساطِينِ، فانْهَدَمَ ذَلِكَ البِناءُ، وضَعُفَتْ تِلْكَ الأساطِينُ، فَسَقَطَ السَّقْفُ عَلَيْهِمْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: مَن حَفَرَ بِئْرًا لِأخِيهِ أوْقَعَهُ اللَّهُ فِيهِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهو أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفَ وأماتَهم تَحْتَهُ، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى المَعْنى. أما قوله تَعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ السَّقْفَ لا يَخِرُّ إلّا مِن فَوْقِهِمْ، فَما مَعْنى هَذا الكَلامِ ؟ صفحة ١٨ وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ التَّأْكِيدَ. والثّانِي: رُبَّما خَرَّ السَّقْفُ، ولا يَكُونُ تَحْتَهُ أحَدٌ، فَلَمّا قالَ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ دَلَّ هَذا الكَلامُ عَلى أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ، وحِينَئِذٍ يُفِيدُ هَذا الكَلامُ أنَّ الأبْنِيَةَ قَدْ تَهَدَّمَتْ وهم ماتُوا تَحْتَها. وقَوْلُهُ: ﴿وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ إنْ حَمَلْنا هَذا الكَلامَ عَلى مَحْضِ التَّمْثِيلِ فالأمْرُ ظاهِرٌ. والمَعْنى: أنَّهُمُ اعْتَمَدُوا عَلى مَنصُوباتِهِمْ. ثُمَّ تَوَلَّدَ البَلاءُ مِنها بِأعْيانِها، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الظّاهِرِ فالمَعْنى: أنَّهُ نَزَلَ ذَلِكَ السَّقْفُ عَلَيْهِمْ بَغْتَةً، لِأنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ كانَ أعْظَمَ في الزَّجْرِ لِمَن سَلَكَ مِثْلَ سَبِيلِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ عَذابَهم لا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلى هَذا القَدْرِ، بَلِ اللَّهُ تَعالى يُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، والخِزْيُ هو العَذابُ مَعَ الهَوانِ، وفَسَّرَ تَعالى ذَلِكَ الهَوانَ بِأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البحث الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ مَعْناهُ: أيْنَ شُرَكائِيَ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] وقالَ أيْضًا: ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] وإنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ لِأنَّهُ يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن يَحْمِلُ خَشَبَةً: خُذْ طَرَفَكَ وآخُذُ طَرَفِي، فَأُضِيفَ الطَّرَفُ إلَيْهِ. البحث الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أيْ: تُعادُونَ وتُخاصِمُونَ المُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِمْ، وقِيلَ: المُشاقَّةُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ أحَدِ الخَصْمَيْنِ في شِقٍّ، وكَوْنِ الآخَرِ في الشِّقِّ الآخَرِ. البحث الثّالِثُ: قَرَأ نافِعٌ: (تُشاقُّونِ) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى الإضافَةِ، والباقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ عَلى الجَمْعِ. ثم قال تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وقالَ آخَرُونَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ حِينَ يَرَوْنَ خِزْيَ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ: إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُنْكِرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، فَإذا ذَكَرَ المُؤْمِنُ هَذا الكَلامَ يَوْمَ القِيامَةِ في مَعْرِضِ إهانَةِ الكافِرِ كانَ وقْعُ هَذا الكَلامِ عَلى الكافِرِ وتَأْثِيرُهُ في إيذائِهِ أكْمَلَ، وحُصُولُ الشَّماتَةِ بِهِ أقْوى. البحث الثّانِي: المُرْجِئَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَذابَ مُخْتَصٌّ بِالكافِرِ قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ماهِيَّةَ الخِزْيِ والسُّوءِ في يَوْمِ القِيامَةِ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِ، وذَلِكَ يَنْفِي حُصُولَ هَذِهِ الماهِيَّةِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ عَذابَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: (يَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ) بِالياءِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ ذُكُورٌ، والباقُونَ بِالتّاءِ لِلَّفْظِ. ثم قال: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم إلْقاءَ السَّلَمِ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْلَمُوا وأقَرُّوا لِلَّهِ بِالعُبُودِيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ أيْ قالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ، والمُرادُ مِن هَذا السُّوءِ الشِّرْكُ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا: بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ والشِّرْكِ، ومَعْنى بَلى رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: صفحة ١٩ القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم إلْقاءَ السَّلَمِ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ كَلامِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى: أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ ألْقَوُا السَّلَمَ وقالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ في الدُّنْيا مِن سُوءٍ، ثُمَّ هَهُنا اخْتَلَفُوا، فالَّذِينَ جَوَّزُوا الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ قالُوا: هَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ، وإنَّما أقْدَمُوا عَلى هَذا الكَذِبِ لِغايَةِ الخَوْفِ، والَّذِينَ قالُوا: إنَّ الكَذِبَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ قالُوا: مَعْنى الآيَةِ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ عِنْدَ أنْفُسِنا أوْ في اعْتِقادِنا، وأمّا بَيانُ أنَّ الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ، قالَ: بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قائِلُ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا لَهم، ومَعْنى ”﴿بَلى﴾“ الرَّدُّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّهُ عالِمٌ بِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَلا يَنْفَعُكم هَذا الكَذِبُ، فَإنَّهُ يُجازِيكم عَلى الكُفْرِ الَّذِي عَلِمَهُ مِنكم.

النحل 16:29

ثُمَّ صَرَّحَ بِذِكْرِ العِقابِ فَقالَ: ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ . وهَذا يَدُلُّ عَلى تَفاوُتِ مَنازِلِهِمْ في العِقابِ، فَيَكُونُ عِقابُ بَعْضِهِمْ أعْظَمَ مِن عِقابِ بَعْضٍ، وإنَّما صَرَّحَ تَعالى بِذِكْرِ الخُلُودِ لِيَكُونَ الغَمُّ والحَزَنُ أعْظَمَ. ثم قال: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ عَنْ قَبُولِ التَّوْحِيدِ وسائِرِ ما أتَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، وتَفْسِيرُ التَّكَبُّرِ قَدْ مَرَّ في هَذا الكِتابِ غَيْرَ مَرَّةٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ الأقْوامِ الَّذِينَ إذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم ؟ قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وذَكَرَ أنَّهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم ومِن أوْزارِ أتْباعِهِمْ، وذَكَرَ أنَّ المَلائِكَةَ تَتَوَفّاهم ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ أنَّهم في الآخِرَةِ يُلْقُونَ السَّلَمَ، وذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُمُ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ وصْفِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ إذا قِيلَ لَهم: ماذا أنْزَلَ رَبُّكم ؟ قالُوا خَيْرًا، وذِكْرِ ما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن مَنازِلِ الخَيْراتِ ودَرَجاتِ السَّعاداتِ صفحة ٢٠ لِيَكُونَ وعْدُ هَؤُلاءِ مَذْكُورًا مَعَ وعِيدِ أُولَئِكَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ القاضِي: يَدْخُلُ تَحْتَ التَّقْوى أنْ يَكُونَ تارِكًا لِكُلِّ المُحَرَّماتِ فاعِلًا لِكُلِّ الواجِباتِ، ومَن جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَهو مُؤْمِنٌ كامِلُ الإيمانِ، وقالَ أصْحابُنا: يُرِيدُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وأيْقَنُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وأقُولُ: هَذا أوْلى مِمّا قالَهُ القاضِي؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ قَوْلِهِ: فُلانٌ قاتِلٌ أوْ ضارِبٌ كَوْنُهُ آتِيًا بِقَتْلِ واحِدٍ وضَرْبِ واحِدٍ، ولا يَتَوَقَّفُ صِدْقُ هَذا الكَلامِ عَلى كَوْنِهِ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ القَتْلِ وجَمِيعِ أنْواعِ الضَّرْبِ، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن أتى بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ التَّقْوى إلّا أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّقْوى عَنِ الكُفْرِ والشِّرْكِ فَوَجَبَ أنْ لا يَزِيدَ عَلى هَذا القَيْدِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ تَقْيِيدُ المُطْلَقِ خِلافَ الأصْلِ، كانَ تَقْيِيدُ المُقَيِّدِ أكْثَرَ مُخالَفَةً لِلْأصْلِ، وأيْضًا فَلِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَؤُلاءِ في مُقابَلَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وأشْرَكُوا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَنِ اتَّقى عَنْ ذَلِكَ الكُفْرِ والشِّرْكِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ قالَ في الآيَةِ الأُولى: قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ قالُوا: خَيْرًا، فَلِمَ رُفِعَ الأوَّلُ ونُصِبَ هَذا ؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ بِأنْ قالَ: المَقْصُودُ مِنهُ الفَصْلُ بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا لَمْ يَتَلَعْثَمُوا، وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ بَيِّنًا مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ فَقالُوا: خَيْرًا أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا كانَ في أيّامِ المَوْسِمِ، يَأْتِي الرَّجُلُ مَكَّةَ فَيَسْألُ المُشْرِكِينَ عَنْ مُحَمَّدٍ وأمْرِهِ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ وكَذّابٌ، فَيَأْتِي المُؤْمِنِينَ ويَسْألُهم عَنْ مُحَمَّدٍ وما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: خَيْرًا، والمَعْنى: أنْزَلَ خَيْرًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الَّذِي قالُوهُ مِنَ الجَوابِ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ خَيْرٌ، وقَوْلُهم خَيْرٌ جامِعٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا وصَوابًا، ولِكَوْنِهِمْ مُعْتَرِفِينَ بِصِحَّتِهِ ولُزُومِهِ، فَهو بِالضِّدِّ مِن قَوْلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا﴾ وهو حِكايَةٌ لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ إخْبارًا عَنِ اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ المُتَّقِينَ لَمّا قِيلَ لَهم: ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ قَوْلَهم وقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ وفي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ قَوْلانِ، أمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ فَإنَّهم يَحْمِلُونَهُ عَلى قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مَعَ الِاعْتِقادِ الحَقِّ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ لا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ يَحْمِلُونَ قَوْلَهُ: ﴿أحْسَنُوا﴾ عَلى مَن أتى بِالإيمانِ وجَمِيعِ الواجِباتِ، واحْتَرَزَ عَنْ كُلِّ المُحَرَّماتِ. وأما قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينِ اتَّقَوْا بِعَمَلِ الحَسَنَةِ في الدُّنْيا فَلَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، وتِلْكَ الحَسَنَةُ هي الثَّوابُ العَظِيمُ، وقِيلَ: تِلْكَ الحَسَنَةُ هو أنَّ ثَوابَها يُضاعَفُ بِعَشْرِ مَرّاتٍ وبِسَبْعِمِائَةٍ وإلى ما لا نِهايَةَ لَهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا أنْ تَحْصُلَ صفحة ٢١ لَهُمُ الحَسَنَةُ في الدُّنْيا، وهَذا القَوْلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الحَسَنَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا وُجُوهٌ. الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ والثَّناءِ والرِّفْعَةِ، وجَمِيعُ ذَلِكَ جَزاءٌ عَلى ما عَمِلُوهُ. والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الظَّفَرُ عَلى أعْداءِ الدَّيْنِ بِالحُجَّةِ وبِالغَلَبَةِ لَهم، وبِاسْتِغْنامِ أمْوالِهِمْ وفَتْحِ بِلادِهِمْ، كَما جَرى بِبَدْرٍ وعِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَدْ أجْلَوْهم عَنْها وأخْرَجُوهم إلى الهِجْرَةِ، وإخْلاءِ الوَطَنِ، ومُفارَقَةِ الأهْلِ والوَلَدِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَعْظُمُ مُوقِعُهُ. والثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لَمّا أحْسَنُوا بِمَعْنى: أنَّهم أتَوْا بِالطّاعاتِ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ والألْطافِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] . وأما قوله: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ العَقْلِيَّةِ حُصُولَ هَذا الخَيْرِ، ثم قال: ﴿ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ أيْ لَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحُذِفَتْ لِسَبْقِ ذِكْرِها، هَذا إذا لَمْ تُجْعَلُ هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةً بِما بَعْدَها، فَإنْ وصَلْتَها بِما بَعْدَها قُلْتَ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ جَنّاتُ عَدْنٍ، فَتَرْفَعُ جَنّاتٍ عَلى أنَّها اسْمٌ لِنِعْمَ، كَما تَقُولُ: نِعْمَ الدّارُ دارٌ يَنْزِلُها زَيْدٌ. * * * وأما قوله: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّها إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً بِما قَبْلَها، فَقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ ارْتِفاعِها، وأمّا إنْ كانَتْ مَقْطُوعَةً، فَقالَ الزَّجّاجُ: جَنّاتُ عَدْنٍ مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ ”هي“ كَأنَّكَ لَمّا قُلْتَ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ، قِيلَ: أيُّ دارٍ هي هَذِهِ المَمْدُوحَةُ ؟ فَقُلْتَ: هي جَنّاتُ عَدْنٍ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”جَنّاتُ عَدْنٍ“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و”يَدْخُلُونَها“ خَبَرُهُ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”نِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ“ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: جَنّاتُ عَدْنٍ نِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ﴾ يَدُلُّ عَلى القُصُورِ والبَساتِينِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَدْنٍ﴾ يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ هُناكَ أبْنِيَةٌ يَرْتَفِعُونَ عَلَيْها، وتَكُونُ الأنْهارُ جارِيَةً مِن تَحْتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ كُلِّ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وهَذا أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] لِأنَّ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ داخِلانِ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ مَعَ أقْسامٍ أُخْرى. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ يَعْنِي: هَذِهِ الحالَةُ لا تَحْصُلُ إلّا في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجِدُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ في الدُّنْيا. ثم قال تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: هَكَذا جَزاءُ التَّقْوى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ إلى وصْفِ المُتَّقِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ وهَذا مَذْكُورٌ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ صِفَةٌ لِلْمُتَّقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿طَيِّبِينَ﴾ كَلِمَةٌ مُخْتَصَرَةٌ جامِعَةٌ لِلْمَعانِي الكَثِيرَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ إتْيانُهم بِكُلِّ ما أُمِرُوا بِهِ، واجْتِنابُهم عَنْ كُلِّ ما نُهُوا عَنْهُ ويَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهم مَوْصُوفِينَ بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ مُبَرَّئِينَ عَنِ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهم مُبَرَّئِينَ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ مُتَوَجِّهِينَ إلى حَضْرَةِ القُدْسِ والطَّهارَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أنَّهُ طابَ لَهم قَبْضُ الأرْواحِ وأنَّها لَمْ تُقْبَضْ إلّا مَعَ البِشارَةِ بِالجَنَّةِ حَتّى صارُوا كَأنَّهم مُشاهِدُونَ لَها، ومَن هَذا حالُهُ لا يَتَألَّمُ بِالمَوْتِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا التَّوَفِّيَ هو قَبْضُ الأرْواحِ، وإنْ كانَ الحَسَنُ يَقُولُ: إنَّهُ وفاةُ الحَشْرِ، ثُمَّ صفحة ٢٢ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُقالُ لَهم عِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ فاحْتَجَّ الحَسَنُ بِهَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ التَّوَفِّي وفاةُ الحَشْرِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ عِنْدَ قَبْضِ الأرْواحِ في الدُّنْيا ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ومَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ وهُمُ الأكْثَرُونَ يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرُوهم بِالجَنَّةِ صارَتِ الجَنَّةُ كَأنَّها دارُهم وكَأنَّهم فِيها، فَيَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ أيْ: هي خاصَّةٌ لَكم كَأنَّكم فِيها.

النحل 16:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ الأقْوامِ الَّذِينَ إذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم ؟ قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وذَكَرَ أنَّهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم ومِن أوْزارِ أتْباعِهِمْ، وذَكَرَ أنَّ المَلائِكَةَ تَتَوَفّاهم ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ أنَّهم في الآخِرَةِ يُلْقُونَ السَّلَمَ، وذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُمُ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ وصْفِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ إذا قِيلَ لَهم: ماذا أنْزَلَ رَبُّكم ؟ قالُوا خَيْرًا، وذِكْرِ ما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن مَنازِلِ الخَيْراتِ ودَرَجاتِ السَّعاداتِ صفحة ٢٠ لِيَكُونَ وعْدُ هَؤُلاءِ مَذْكُورًا مَعَ وعِيدِ أُولَئِكَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ القاضِي: يَدْخُلُ تَحْتَ التَّقْوى أنْ يَكُونَ تارِكًا لِكُلِّ المُحَرَّماتِ فاعِلًا لِكُلِّ الواجِباتِ، ومَن جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَهو مُؤْمِنٌ كامِلُ الإيمانِ، وقالَ أصْحابُنا: يُرِيدُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وأيْقَنُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وأقُولُ: هَذا أوْلى مِمّا قالَهُ القاضِي؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ قَوْلِهِ: فُلانٌ قاتِلٌ أوْ ضارِبٌ كَوْنُهُ آتِيًا بِقَتْلِ واحِدٍ وضَرْبِ واحِدٍ، ولا يَتَوَقَّفُ صِدْقُ هَذا الكَلامِ عَلى كَوْنِهِ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ القَتْلِ وجَمِيعِ أنْواعِ الضَّرْبِ، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن أتى بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ التَّقْوى إلّا أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّقْوى عَنِ الكُفْرِ والشِّرْكِ فَوَجَبَ أنْ لا يَزِيدَ عَلى هَذا القَيْدِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ تَقْيِيدُ المُطْلَقِ خِلافَ الأصْلِ، كانَ تَقْيِيدُ المُقَيِّدِ أكْثَرَ مُخالَفَةً لِلْأصْلِ، وأيْضًا فَلِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَؤُلاءِ في مُقابَلَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وأشْرَكُوا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَنِ اتَّقى عَنْ ذَلِكَ الكُفْرِ والشِّرْكِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ قالَ في الآيَةِ الأُولى: قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ قالُوا: خَيْرًا، فَلِمَ رُفِعَ الأوَّلُ ونُصِبَ هَذا ؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ بِأنْ قالَ: المَقْصُودُ مِنهُ الفَصْلُ بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا لَمْ يَتَلَعْثَمُوا، وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ بَيِّنًا مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ فَقالُوا: خَيْرًا أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا كانَ في أيّامِ المَوْسِمِ، يَأْتِي الرَّجُلُ مَكَّةَ فَيَسْألُ المُشْرِكِينَ عَنْ مُحَمَّدٍ وأمْرِهِ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ وكَذّابٌ، فَيَأْتِي المُؤْمِنِينَ ويَسْألُهم عَنْ مُحَمَّدٍ وما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: خَيْرًا، والمَعْنى: أنْزَلَ خَيْرًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الَّذِي قالُوهُ مِنَ الجَوابِ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ خَيْرٌ، وقَوْلُهم خَيْرٌ جامِعٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا وصَوابًا، ولِكَوْنِهِمْ مُعْتَرِفِينَ بِصِحَّتِهِ ولُزُومِهِ، فَهو بِالضِّدِّ مِن قَوْلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا﴾ وهو حِكايَةٌ لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ إخْبارًا عَنِ اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ المُتَّقِينَ لَمّا قِيلَ لَهم: ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ قَوْلَهم وقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ وفي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ قَوْلانِ، أمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ فَإنَّهم يَحْمِلُونَهُ عَلى قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مَعَ الِاعْتِقادِ الحَقِّ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ لا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ يَحْمِلُونَ قَوْلَهُ: ﴿أحْسَنُوا﴾ عَلى مَن أتى بِالإيمانِ وجَمِيعِ الواجِباتِ، واحْتَرَزَ عَنْ كُلِّ المُحَرَّماتِ. وأما قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينِ اتَّقَوْا بِعَمَلِ الحَسَنَةِ في الدُّنْيا فَلَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، وتِلْكَ الحَسَنَةُ هي الثَّوابُ العَظِيمُ، وقِيلَ: تِلْكَ الحَسَنَةُ هو أنَّ ثَوابَها يُضاعَفُ بِعَشْرِ مَرّاتٍ وبِسَبْعِمِائَةٍ وإلى ما لا نِهايَةَ لَهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا أنْ تَحْصُلَ صفحة ٢١ لَهُمُ الحَسَنَةُ في الدُّنْيا، وهَذا القَوْلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الحَسَنَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا وُجُوهٌ. الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ والثَّناءِ والرِّفْعَةِ، وجَمِيعُ ذَلِكَ جَزاءٌ عَلى ما عَمِلُوهُ. والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الظَّفَرُ عَلى أعْداءِ الدَّيْنِ بِالحُجَّةِ وبِالغَلَبَةِ لَهم، وبِاسْتِغْنامِ أمْوالِهِمْ وفَتْحِ بِلادِهِمْ، كَما جَرى بِبَدْرٍ وعِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَدْ أجْلَوْهم عَنْها وأخْرَجُوهم إلى الهِجْرَةِ، وإخْلاءِ الوَطَنِ، ومُفارَقَةِ الأهْلِ والوَلَدِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَعْظُمُ مُوقِعُهُ. والثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لَمّا أحْسَنُوا بِمَعْنى: أنَّهم أتَوْا بِالطّاعاتِ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ والألْطافِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] . وأما قوله: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ العَقْلِيَّةِ حُصُولَ هَذا الخَيْرِ، ثم قال: ﴿ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ أيْ لَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحُذِفَتْ لِسَبْقِ ذِكْرِها، هَذا إذا لَمْ تُجْعَلُ هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةً بِما بَعْدَها، فَإنْ وصَلْتَها بِما بَعْدَها قُلْتَ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ جَنّاتُ عَدْنٍ، فَتَرْفَعُ جَنّاتٍ عَلى أنَّها اسْمٌ لِنِعْمَ، كَما تَقُولُ: نِعْمَ الدّارُ دارٌ يَنْزِلُها زَيْدٌ. * * * وأما قوله: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّها إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً بِما قَبْلَها، فَقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ ارْتِفاعِها، وأمّا إنْ كانَتْ مَقْطُوعَةً، فَقالَ الزَّجّاجُ: جَنّاتُ عَدْنٍ مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ ”هي“ كَأنَّكَ لَمّا قُلْتَ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ، قِيلَ: أيُّ دارٍ هي هَذِهِ المَمْدُوحَةُ ؟ فَقُلْتَ: هي جَنّاتُ عَدْنٍ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”جَنّاتُ عَدْنٍ“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و”يَدْخُلُونَها“ خَبَرُهُ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”نِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ“ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: جَنّاتُ عَدْنٍ نِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ﴾ يَدُلُّ عَلى القُصُورِ والبَساتِينِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَدْنٍ﴾ يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ هُناكَ أبْنِيَةٌ يَرْتَفِعُونَ عَلَيْها، وتَكُونُ الأنْهارُ جارِيَةً مِن تَحْتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ كُلِّ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وهَذا أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] لِأنَّ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ داخِلانِ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ مَعَ أقْسامٍ أُخْرى. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ يَعْنِي: هَذِهِ الحالَةُ لا تَحْصُلُ إلّا في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجِدُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ في الدُّنْيا. ثم قال تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: هَكَذا جَزاءُ التَّقْوى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ إلى وصْفِ المُتَّقِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ وهَذا مَذْكُورٌ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ صِفَةٌ لِلْمُتَّقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿طَيِّبِينَ﴾ كَلِمَةٌ مُخْتَصَرَةٌ جامِعَةٌ لِلْمَعانِي الكَثِيرَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ إتْيانُهم بِكُلِّ ما أُمِرُوا بِهِ، واجْتِنابُهم عَنْ كُلِّ ما نُهُوا عَنْهُ ويَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهم مَوْصُوفِينَ بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ مُبَرَّئِينَ عَنِ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهم مُبَرَّئِينَ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ مُتَوَجِّهِينَ إلى حَضْرَةِ القُدْسِ والطَّهارَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أنَّهُ طابَ لَهم قَبْضُ الأرْواحِ وأنَّها لَمْ تُقْبَضْ إلّا مَعَ البِشارَةِ بِالجَنَّةِ حَتّى صارُوا كَأنَّهم مُشاهِدُونَ لَها، ومَن هَذا حالُهُ لا يَتَألَّمُ بِالمَوْتِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا التَّوَفِّيَ هو قَبْضُ الأرْواحِ، وإنْ كانَ الحَسَنُ يَقُولُ: إنَّهُ وفاةُ الحَشْرِ، ثُمَّ صفحة ٢٢ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُقالُ لَهم عِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ فاحْتَجَّ الحَسَنُ بِهَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ التَّوَفِّي وفاةُ الحَشْرِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ عِنْدَ قَبْضِ الأرْواحِ في الدُّنْيا ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ومَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ وهُمُ الأكْثَرُونَ يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرُوهم بِالجَنَّةِ صارَتِ الجَنَّةُ كَأنَّها دارُهم وكَأنَّهم فِيها، فَيَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ أيْ: هي خاصَّةٌ لَكم كَأنَّكم فِيها.

النحل 16:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ الأقْوامِ الَّذِينَ إذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم ؟ قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وذَكَرَ أنَّهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم ومِن أوْزارِ أتْباعِهِمْ، وذَكَرَ أنَّ المَلائِكَةَ تَتَوَفّاهم ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ أنَّهم في الآخِرَةِ يُلْقُونَ السَّلَمَ، وذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُمُ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ وصْفِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ إذا قِيلَ لَهم: ماذا أنْزَلَ رَبُّكم ؟ قالُوا خَيْرًا، وذِكْرِ ما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن مَنازِلِ الخَيْراتِ ودَرَجاتِ السَّعاداتِ صفحة ٢٠ لِيَكُونَ وعْدُ هَؤُلاءِ مَذْكُورًا مَعَ وعِيدِ أُولَئِكَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ القاضِي: يَدْخُلُ تَحْتَ التَّقْوى أنْ يَكُونَ تارِكًا لِكُلِّ المُحَرَّماتِ فاعِلًا لِكُلِّ الواجِباتِ، ومَن جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَهو مُؤْمِنٌ كامِلُ الإيمانِ، وقالَ أصْحابُنا: يُرِيدُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وأيْقَنُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وأقُولُ: هَذا أوْلى مِمّا قالَهُ القاضِي؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ قَوْلِهِ: فُلانٌ قاتِلٌ أوْ ضارِبٌ كَوْنُهُ آتِيًا بِقَتْلِ واحِدٍ وضَرْبِ واحِدٍ، ولا يَتَوَقَّفُ صِدْقُ هَذا الكَلامِ عَلى كَوْنِهِ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ القَتْلِ وجَمِيعِ أنْواعِ الضَّرْبِ، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن أتى بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ التَّقْوى إلّا أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّقْوى عَنِ الكُفْرِ والشِّرْكِ فَوَجَبَ أنْ لا يَزِيدَ عَلى هَذا القَيْدِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ تَقْيِيدُ المُطْلَقِ خِلافَ الأصْلِ، كانَ تَقْيِيدُ المُقَيِّدِ أكْثَرَ مُخالَفَةً لِلْأصْلِ، وأيْضًا فَلِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَؤُلاءِ في مُقابَلَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وأشْرَكُوا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَنِ اتَّقى عَنْ ذَلِكَ الكُفْرِ والشِّرْكِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ قالَ في الآيَةِ الأُولى: قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ قالُوا: خَيْرًا، فَلِمَ رُفِعَ الأوَّلُ ونُصِبَ هَذا ؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ بِأنْ قالَ: المَقْصُودُ مِنهُ الفَصْلُ بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا لَمْ يَتَلَعْثَمُوا، وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ بَيِّنًا مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ فَقالُوا: خَيْرًا أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا كانَ في أيّامِ المَوْسِمِ، يَأْتِي الرَّجُلُ مَكَّةَ فَيَسْألُ المُشْرِكِينَ عَنْ مُحَمَّدٍ وأمْرِهِ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ وكَذّابٌ، فَيَأْتِي المُؤْمِنِينَ ويَسْألُهم عَنْ مُحَمَّدٍ وما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: خَيْرًا، والمَعْنى: أنْزَلَ خَيْرًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الَّذِي قالُوهُ مِنَ الجَوابِ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ خَيْرٌ، وقَوْلُهم خَيْرٌ جامِعٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا وصَوابًا، ولِكَوْنِهِمْ مُعْتَرِفِينَ بِصِحَّتِهِ ولُزُومِهِ، فَهو بِالضِّدِّ مِن قَوْلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ. المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا﴾ وهو حِكايَةٌ لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ إخْبارًا عَنِ اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ المُتَّقِينَ لَمّا قِيلَ لَهم: ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ قَوْلَهم وقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ وفي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ قَوْلانِ، أمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ فَإنَّهم يَحْمِلُونَهُ عَلى قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مَعَ الِاعْتِقادِ الحَقِّ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ لا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ يَحْمِلُونَ قَوْلَهُ: ﴿أحْسَنُوا﴾ عَلى مَن أتى بِالإيمانِ وجَمِيعِ الواجِباتِ، واحْتَرَزَ عَنْ كُلِّ المُحَرَّماتِ. وأما قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينِ اتَّقَوْا بِعَمَلِ الحَسَنَةِ في الدُّنْيا فَلَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، وتِلْكَ الحَسَنَةُ هي الثَّوابُ العَظِيمُ، وقِيلَ: تِلْكَ الحَسَنَةُ هو أنَّ ثَوابَها يُضاعَفُ بِعَشْرِ مَرّاتٍ وبِسَبْعِمِائَةٍ وإلى ما لا نِهايَةَ لَهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا أنْ تَحْصُلَ صفحة ٢١ لَهُمُ الحَسَنَةُ في الدُّنْيا، وهَذا القَوْلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الحَسَنَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا وُجُوهٌ. الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ والثَّناءِ والرِّفْعَةِ، وجَمِيعُ ذَلِكَ جَزاءٌ عَلى ما عَمِلُوهُ. والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الظَّفَرُ عَلى أعْداءِ الدَّيْنِ بِالحُجَّةِ وبِالغَلَبَةِ لَهم، وبِاسْتِغْنامِ أمْوالِهِمْ وفَتْحِ بِلادِهِمْ، كَما جَرى بِبَدْرٍ وعِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَدْ أجْلَوْهم عَنْها وأخْرَجُوهم إلى الهِجْرَةِ، وإخْلاءِ الوَطَنِ، ومُفارَقَةِ الأهْلِ والوَلَدِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَعْظُمُ مُوقِعُهُ. والثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لَمّا أحْسَنُوا بِمَعْنى: أنَّهم أتَوْا بِالطّاعاتِ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ والألْطافِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] . وأما قوله: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ العَقْلِيَّةِ حُصُولَ هَذا الخَيْرِ، ثم قال: ﴿ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ أيْ لَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحُذِفَتْ لِسَبْقِ ذِكْرِها، هَذا إذا لَمْ تُجْعَلُ هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةً بِما بَعْدَها، فَإنْ وصَلْتَها بِما بَعْدَها قُلْتَ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ جَنّاتُ عَدْنٍ، فَتَرْفَعُ جَنّاتٍ عَلى أنَّها اسْمٌ لِنِعْمَ، كَما تَقُولُ: نِعْمَ الدّارُ دارٌ يَنْزِلُها زَيْدٌ. * * * وأما قوله: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّها إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً بِما قَبْلَها، فَقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ ارْتِفاعِها، وأمّا إنْ كانَتْ مَقْطُوعَةً، فَقالَ الزَّجّاجُ: جَنّاتُ عَدْنٍ مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ ”هي“ كَأنَّكَ لَمّا قُلْتَ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ، قِيلَ: أيُّ دارٍ هي هَذِهِ المَمْدُوحَةُ ؟ فَقُلْتَ: هي جَنّاتُ عَدْنٍ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”جَنّاتُ عَدْنٍ“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و”يَدْخُلُونَها“ خَبَرُهُ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”نِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ“ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: جَنّاتُ عَدْنٍ نِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ﴾ يَدُلُّ عَلى القُصُورِ والبَساتِينِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَدْنٍ﴾ يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ هُناكَ أبْنِيَةٌ يَرْتَفِعُونَ عَلَيْها، وتَكُونُ الأنْهارُ جارِيَةً مِن تَحْتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ كُلِّ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وهَذا أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] لِأنَّ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ داخِلانِ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ مَعَ أقْسامٍ أُخْرى. الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ يَعْنِي: هَذِهِ الحالَةُ لا تَحْصُلُ إلّا في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجِدُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ في الدُّنْيا. ثم قال تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: هَكَذا جَزاءُ التَّقْوى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ إلى وصْفِ المُتَّقِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ وهَذا مَذْكُورٌ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ صِفَةٌ لِلْمُتَّقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿طَيِّبِينَ﴾ كَلِمَةٌ مُخْتَصَرَةٌ جامِعَةٌ لِلْمَعانِي الكَثِيرَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ إتْيانُهم بِكُلِّ ما أُمِرُوا بِهِ، واجْتِنابُهم عَنْ كُلِّ ما نُهُوا عَنْهُ ويَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهم مَوْصُوفِينَ بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ مُبَرَّئِينَ عَنِ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهم مُبَرَّئِينَ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ مُتَوَجِّهِينَ إلى حَضْرَةِ القُدْسِ والطَّهارَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أنَّهُ طابَ لَهم قَبْضُ الأرْواحِ وأنَّها لَمْ تُقْبَضْ إلّا مَعَ البِشارَةِ بِالجَنَّةِ حَتّى صارُوا كَأنَّهم مُشاهِدُونَ لَها، ومَن هَذا حالُهُ لا يَتَألَّمُ بِالمَوْتِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا التَّوَفِّيَ هو قَبْضُ الأرْواحِ، وإنْ كانَ الحَسَنُ يَقُولُ: إنَّهُ وفاةُ الحَشْرِ، ثُمَّ صفحة ٢٢ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُقالُ لَهم عِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ فاحْتَجَّ الحَسَنُ بِهَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ التَّوَفِّي وفاةُ الحَشْرِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ عِنْدَ قَبْضِ الأرْواحِ في الدُّنْيا ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ومَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ وهُمُ الأكْثَرُونَ يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرُوهم بِالجَنَّةِ صارَتِ الجَنَّةُ كَأنَّها دارُهم وكَأنَّهم فِيها، فَيَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ أيْ: هي خاصَّةٌ لَكم كَأنَّكم فِيها.

النحل 16:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، فَإنَّهم طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا مِنَ السَّماءِ يَشْهَدُ عَلى صِدْقِهِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ في التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِكَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ شاهِدِينَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا طَعَنُوا في القُرْآنِ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ لَهم، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الوَعْدِ لِمَن وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ خَيْرًا وصِدْقًا وصَوابًا، عادَ إلى بَيانِ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لا يَنْزَجِرُونَ عَنِ الكُفْرِ بِسَبَبِ البَياناتِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ كانُوا لا يَنْزَجِرُونَ عَنْ تِلْكَ الأقْوالِ الباطِلَةِ إلّا إذا جاءَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، وأتاهم أمْرُ رَبِّكَ وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ. واعْلَمْ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كَلامُ هَؤُلاءِ وأفْعالُهم يُشْبِهُ كَلامَ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ وأفْعالَهم. ثم قال: ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأصابَهُمُ الهَلاكُ المُعَجَّلُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، فَإنَّهُ أنْزَلَ بِهِمْ ما اسْتَحَقُّوهُ بِكُفْرِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ كَفَرُوا، وكَذَّبُوا الرَّسُولَ فاسْتَوْجَبُوا ما نَزَلْ بِهِمْ. ثم قال: ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ والمُرادُ أصابَهم عِقابُ سَيِّئاتِ ما عَمِلُوا ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ عَلى وجْهٍ أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ. صفحة ٢٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُها: أنَّهم تَمَسَّكُوا بِصِحَّةِ القَوْلِ بِالجَبْرِ عَلى الطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ فَقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ الإيمانَ لَحَصَلَ الإيمانُ، سَواءٌ جِئْتَ أوْ لَمْ تَجِئْ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ الكُفْرَ فَإنَّهُ يَحْصُلُ الكُفْرُ سَواءٌ جِئْتَ أوْ لَمْ تَجِئْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولا فائِدَةَ في مَجِيئِكَ وإرْسالِكَ، فَكانَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ باطِلًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ هي عَيْنُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهِ مِثْلُ اسْتِدْلالِهِمْ بِتِلْكَ الآيَةِ. والكَلامُ فِيهِ اسْتِدْلالًا واعْتِراضًا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ هُناكَ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نَذْكُرَ مِنهُ القَلِيلَ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ هي أنَّهم قالُوا: لَمّا كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى كانَ بَعْثُهُ الأنْبِياءَ عَبَثًا. فَنَقُولُ: هَذا اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهم: إذا لَمْ يَكُنْ في بَعْثَةِ الرَّسُولِ مَزِيدُ فائِدَةٍ في حُصُولِ الإيمانِ ودَفْعِ الكُفْرِ كانَتْ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ غَيْرَ جائِزَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا القَوْلُ جارٍ مَجْرى طَلَبِ العِلَّةِ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وفي أفْعالِهِ، وذَلِكَ باطِلٌ، بَلْ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَحْكُمَ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا ولِمَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ ؟ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الإنْكارَ إنَّما تَوَجَّهَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ سُنَّتَهُ في عَبِيدِهِ إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وأمْرُهم بِعِبادَةِ اللَّهِ ونَهْيُهم عَنْ عِبادَةِ الطّاغُوتِ. ثم قال: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى وإنْ أمَرَ الكُلَّ بِالإيمانِ، ونَهى الكُلَّ عَنِ الكُفْرِ، إلّا أنَّهُ تَعالى هَدى البَعْضَ وأضَلَّ البَعْضَ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ لِلَّهِ تَعالى مَعَ العِبادِ، وهي أنَّهُ يَأْمُرُ الكُلَّ بِالإيمانِ ويَنْهاهم عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ يَخْلُقُ الإيمانَ في البَعْضِ والكُفْرَ في البَعْضِ. ولَمّا كانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى في هَذا المَعْنى سُنَّةً قَدِيمَةً في حَقِّ كُلِّ الأنْبِياءِ وكُلِّ الأُمَمِ والمِلَلِ، وإنَّما يَحْسُنُ مِنهُ تَعالى ذَلِكَ بِحُكْمِ كَوْنِهِ إلَهًا مُنَزَّهًا عَنِ اعْتِراضاتِ المُعْتَرِضِينَ ومُطالَباتِ المُنازِعِينَ، كانَ إيرادُ هَذا السُّؤالِ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُوجِبًا لِلْجَهْلِ والضَّلالِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما حَكَمَ عَلى هَؤُلاءِ بِاسْتِحْقاقِ الخِزْيِ واللَّعْنِ، لا لِأنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ بَلْ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ كَوْنَ الأمْرِ كَذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَوازِ بَعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وهَذا باطِلٌ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا عَلى هَذا الِاعْتِقادِ مَزِيدَ الذَّمِّ واللَّعْنِ. فَهَذا هو الجَوابُ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ. وأمّا مَن تَقَدَّمَنا مِنَ المُتَكَلِّمِينَ والمُفَسِّرِينَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ وجْهًا آخَرَ فَقالُوا: إنَّ المُشْرِكِينَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ كَما قالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ولَوْ قالُوا ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٤ المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالَ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ أبَدًا كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ. ثم قال: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما مَنَعَ أحَدًا مِنَ الإيمانِ وما أوْقَعَهُ في الكُفْرِ، والرُّسُلُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا التَّبْلِيغُ، فَلَمّا بَلَّغُوا التَّكالِيفَ وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما مَنَعَ أحَدًا عَنِ الحَقِّ كانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ ساقِطَةً. أمّا أصْحابُنا فَقالُوا: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرُّسُلَ بِالتَّبْلِيغِ. فَهَذا التَّبْلِيغُ واجِبٌ عَلَيْهِمْ، فَأمّا أنَّ الإيمانَ هَلْ يَحْصُلُ أمْ لا يَحْصُلُ، فَذَلِكَ لا تَعَلُّقَ لِلرَّسُولِ بِهِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ بِإحْسانِهِ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بِخِذْلانِهِ. المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في بَيانِ أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ أبَدًا في جَمِيعِ المِلَلِ والأُمَمِ آمِرًا بِالإيمانِ، وناهِيًا عَنِ الكُفْرِ. * * * ثم قال: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يَعْنِي: فَمِنهم مَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإيمانِ والصِّدْقِ والحَقِّ، ومِنهم مَن أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ وأعْماهُ عَنِ الصِّدْقِ وأوْقَعَهُ في الكُفْرِ والضَّلالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ اللَّهِ تَعالى لا يُوافِقُ إرادَتَهُ، بَلْ قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ ولا يُرِيدُهُ، ويَنْهى عَنِ الشَّيْءِ ويُرِيدُهُ كَما هو مَذْهَبُنا. والحاصِلُ أنَّ المُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: الأمْرُ والإرادَةُ مُتَطابِقانِ، أمّا العِلْمُ والإرادَةُ فَقَدْ يَخْتَلِفانِ، ولَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ صَرِيحٌ في قَوْلِنا، وهو أنَّ الأمْرَ بِالإيمانِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، أمّا إرادَةُ الإيمانِ فَخاصَّةٌ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ. أجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ المُرادَ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ لِنَيْلِ ثَوابِهِ وجَنَّتِهِ: ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أيِ: العِقابُ. قالَ: وفي صِفَةِ قَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّها العَذابُ دُونَ كَلِمَةِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ لا يَجُوزُ وصْفُهُما بِأنَّهُ حَقٌّ. وأيْضًا قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وهَذِهِ العاقِبَةُ هي آثارُ الهَلاكِ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعَذابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالضَّلالِ المَذْكُورِ هو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ. وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ أيْ: مَنِ اهْتَدى فَكانَ في حُكْمِ اللَّهِ مُهْتَدِيًا، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يُرِيدُ: مَن ظَهَرَتْ ضَلالَتُهُ، كَما يُقالُ لِلظّالِمِ: حَقَّ ظُلْمُكَ وتَبَيَّنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: حَقَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ أنْ يُضِلَّهم إذا ضَلُّوا كَقَوْلِهِ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ . واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ الهُدى والإضْلالَ لا يَكُونانِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ المُتَعَسِّفَةُ والتَّأْوِيلاتُ المُسْتَكْرَهَةُ قَدْ بَيَّنّا ضَعْفَها وسُقُوطَها مِرارًا، فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الرّابِعَةُ: في الطّاغُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَسَمّى الكُلَّ طاغُوتًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: اجْتَنِبُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ في دُعائِهِ لَكم. المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ امْتَنَعَ أنْ لا يَصْدُرَ مِنهُ الضَّلالَةُ، وإلّا لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ، صفحة ٢٥ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ الضَّلالَةِ مِنهم مُحالًا، ووُجُودُ الضَّلالَةِ مِنهم واجِبًا عَقْلًا، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا في هَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ونَظائِرُ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] . ثم قال تَعالى: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمَعْنى: سِيرُوا في الأرْضِ مُعْتَبِرِينَ لِتَعْرِفُوا أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم كَما نَزَلَ بِهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ أنَّ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَإنَّهُ لا يَهْتَدِي، فَقالَ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ أيْ: إنْ تَطْلُبْ بِجُهْدِكَ ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿يَهْدِي﴾ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، والباقُونَ: (لا يُهْدى) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ. أمّا القِراءَةُ الأُولى: فَفِيها وجْهانِ: الأوَّلُ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُرْشِدُ أحَدًا أضَلَّهُ، وبِهَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. والثّانِي: أنَّ ”يَهْدِي“ بِمَعْنى يَهْتَدِي. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: قَدْ هَدى الرَّجُلُ يُرِيدُونَ قَدِ اهْتَدى، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ إذا أضَلَّ أحَدًا لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ مُهْتَدِيًا. وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ: فالوجه فِيها إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: مَن يُضِلُّهُ، فالرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ الَّذِي هو مَن مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ. ثم قال تَعالى: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهم أحَدٌ يَنْصُرُهم أيْ: يُعِينُهم عَلى مَطْلُوبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأقُولُ: أوَّلُ هَذِهِ الآياتِ مُوهِمٌ لِمَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وآخِرُها مُشْتَمِلٌ عَلى الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ الدّالَّةِ عَلى قَوْلِنا، وأكْثَرُ الآياتِ كَذَلِكَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوجه يْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، فَإنَّهم طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا مِنَ السَّماءِ يَشْهَدُ عَلى صِدْقِهِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ في التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِكَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ شاهِدِينَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا طَعَنُوا في القُرْآنِ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ لَهم، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الوَعْدِ لِمَن وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ خَيْرًا وصِدْقًا وصَوابًا، عادَ إلى بَيانِ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لا يَنْزَجِرُونَ عَنِ الكُفْرِ بِسَبَبِ البَياناتِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ كانُوا لا يَنْزَجِرُونَ عَنْ تِلْكَ الأقْوالِ الباطِلَةِ إلّا إذا جاءَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، وأتاهم أمْرُ رَبِّكَ وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ. واعْلَمْ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كَلامُ هَؤُلاءِ وأفْعالُهم يُشْبِهُ كَلامَ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ وأفْعالَهم. ثم قال: ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأصابَهُمُ الهَلاكُ المُعَجَّلُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، فَإنَّهُ أنْزَلَ بِهِمْ ما اسْتَحَقُّوهُ بِكُفْرِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ كَفَرُوا، وكَذَّبُوا الرَّسُولَ فاسْتَوْجَبُوا ما نَزَلْ بِهِمْ. ثم قال: ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ والمُرادُ أصابَهم عِقابُ سَيِّئاتِ ما عَمِلُوا ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ عَلى وجْهٍ أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ. صفحة ٢٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُها: أنَّهم تَمَسَّكُوا بِصِحَّةِ القَوْلِ بِالجَبْرِ عَلى الطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ فَقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ الإيمانَ لَحَصَلَ الإيمانُ، سَواءٌ جِئْتَ أوْ لَمْ تَجِئْ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ الكُفْرَ فَإنَّهُ يَحْصُلُ الكُفْرُ سَواءٌ جِئْتَ أوْ لَمْ تَجِئْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولا فائِدَةَ في مَجِيئِكَ وإرْسالِكَ، فَكانَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ باطِلًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ هي عَيْنُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهِ مِثْلُ اسْتِدْلالِهِمْ بِتِلْكَ الآيَةِ. والكَلامُ فِيهِ اسْتِدْلالًا واعْتِراضًا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ هُناكَ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نَذْكُرَ مِنهُ القَلِيلَ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ هي أنَّهم قالُوا: لَمّا كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى كانَ بَعْثُهُ الأنْبِياءَ عَبَثًا. فَنَقُولُ: هَذا اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهم: إذا لَمْ يَكُنْ في بَعْثَةِ الرَّسُولِ مَزِيدُ فائِدَةٍ في حُصُولِ الإيمانِ ودَفْعِ الكُفْرِ كانَتْ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ غَيْرَ جائِزَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا القَوْلُ جارٍ مَجْرى طَلَبِ العِلَّةِ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وفي أفْعالِهِ، وذَلِكَ باطِلٌ، بَلْ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَحْكُمَ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا ولِمَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ ؟ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الإنْكارَ إنَّما تَوَجَّهَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ سُنَّتَهُ في عَبِيدِهِ إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وأمْرُهم بِعِبادَةِ اللَّهِ ونَهْيُهم عَنْ عِبادَةِ الطّاغُوتِ. ثم قال: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى وإنْ أمَرَ الكُلَّ بِالإيمانِ، ونَهى الكُلَّ عَنِ الكُفْرِ، إلّا أنَّهُ تَعالى هَدى البَعْضَ وأضَلَّ البَعْضَ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ لِلَّهِ تَعالى مَعَ العِبادِ، وهي أنَّهُ يَأْمُرُ الكُلَّ بِالإيمانِ ويَنْهاهم عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ يَخْلُقُ الإيمانَ في البَعْضِ والكُفْرَ في البَعْضِ. ولَمّا كانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى في هَذا المَعْنى سُنَّةً قَدِيمَةً في حَقِّ كُلِّ الأنْبِياءِ وكُلِّ الأُمَمِ والمِلَلِ، وإنَّما يَحْسُنُ مِنهُ تَعالى ذَلِكَ بِحُكْمِ كَوْنِهِ إلَهًا مُنَزَّهًا عَنِ اعْتِراضاتِ المُعْتَرِضِينَ ومُطالَباتِ المُنازِعِينَ، كانَ إيرادُ هَذا السُّؤالِ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُوجِبًا لِلْجَهْلِ والضَّلالِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما حَكَمَ عَلى هَؤُلاءِ بِاسْتِحْقاقِ الخِزْيِ واللَّعْنِ، لا لِأنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ بَلْ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ كَوْنَ الأمْرِ كَذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَوازِ بَعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وهَذا باطِلٌ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا عَلى هَذا الِاعْتِقادِ مَزِيدَ الذَّمِّ واللَّعْنِ. فَهَذا هو الجَوابُ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ. وأمّا مَن تَقَدَّمَنا مِنَ المُتَكَلِّمِينَ والمُفَسِّرِينَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ وجْهًا آخَرَ فَقالُوا: إنَّ المُشْرِكِينَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ كَما قالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ولَوْ قالُوا ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٤ المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالَ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ أبَدًا كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ. ثم قال: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما مَنَعَ أحَدًا مِنَ الإيمانِ وما أوْقَعَهُ في الكُفْرِ، والرُّسُلُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا التَّبْلِيغُ، فَلَمّا بَلَّغُوا التَّكالِيفَ وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما مَنَعَ أحَدًا عَنِ الحَقِّ كانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ ساقِطَةً. أمّا أصْحابُنا فَقالُوا: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرُّسُلَ بِالتَّبْلِيغِ. فَهَذا التَّبْلِيغُ واجِبٌ عَلَيْهِمْ، فَأمّا أنَّ الإيمانَ هَلْ يَحْصُلُ أمْ لا يَحْصُلُ، فَذَلِكَ لا تَعَلُّقَ لِلرَّسُولِ بِهِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ بِإحْسانِهِ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بِخِذْلانِهِ. المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في بَيانِ أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ أبَدًا في جَمِيعِ المِلَلِ والأُمَمِ آمِرًا بِالإيمانِ، وناهِيًا عَنِ الكُفْرِ. * * * ثم قال: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يَعْنِي: فَمِنهم مَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإيمانِ والصِّدْقِ والحَقِّ، ومِنهم مَن أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ وأعْماهُ عَنِ الصِّدْقِ وأوْقَعَهُ في الكُفْرِ والضَّلالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ اللَّهِ تَعالى لا يُوافِقُ إرادَتَهُ، بَلْ قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ ولا يُرِيدُهُ، ويَنْهى عَنِ الشَّيْءِ ويُرِيدُهُ كَما هو مَذْهَبُنا. والحاصِلُ أنَّ المُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: الأمْرُ والإرادَةُ مُتَطابِقانِ، أمّا العِلْمُ والإرادَةُ فَقَدْ يَخْتَلِفانِ، ولَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ صَرِيحٌ في قَوْلِنا، وهو أنَّ الأمْرَ بِالإيمانِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، أمّا إرادَةُ الإيمانِ فَخاصَّةٌ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ. أجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ المُرادَ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ لِنَيْلِ ثَوابِهِ وجَنَّتِهِ: ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أيِ: العِقابُ. قالَ: وفي صِفَةِ قَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّها العَذابُ دُونَ كَلِمَةِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ لا يَجُوزُ وصْفُهُما بِأنَّهُ حَقٌّ. وأيْضًا قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وهَذِهِ العاقِبَةُ هي آثارُ الهَلاكِ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعَذابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالضَّلالِ المَذْكُورِ هو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ. وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ أيْ: مَنِ اهْتَدى فَكانَ في حُكْمِ اللَّهِ مُهْتَدِيًا، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يُرِيدُ: مَن ظَهَرَتْ ضَلالَتُهُ، كَما يُقالُ لِلظّالِمِ: حَقَّ ظُلْمُكَ وتَبَيَّنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: حَقَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ أنْ يُضِلَّهم إذا ضَلُّوا كَقَوْلِهِ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ . واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ الهُدى والإضْلالَ لا يَكُونانِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ المُتَعَسِّفَةُ والتَّأْوِيلاتُ المُسْتَكْرَهَةُ قَدْ بَيَّنّا ضَعْفَها وسُقُوطَها مِرارًا، فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الرّابِعَةُ: في الطّاغُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَسَمّى الكُلَّ طاغُوتًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: اجْتَنِبُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ في دُعائِهِ لَكم. المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ امْتَنَعَ أنْ لا يَصْدُرَ مِنهُ الضَّلالَةُ، وإلّا لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ، صفحة ٢٥ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ الضَّلالَةِ مِنهم مُحالًا، ووُجُودُ الضَّلالَةِ مِنهم واجِبًا عَقْلًا، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا في هَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ونَظائِرُ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] . ثم قال تَعالى: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمَعْنى: سِيرُوا في الأرْضِ مُعْتَبِرِينَ لِتَعْرِفُوا أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم كَما نَزَلَ بِهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ أنَّ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَإنَّهُ لا يَهْتَدِي، فَقالَ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ أيْ: إنْ تَطْلُبْ بِجُهْدِكَ ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿يَهْدِي﴾ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، والباقُونَ: (لا يُهْدى) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ. أمّا القِراءَةُ الأُولى: فَفِيها وجْهانِ: الأوَّلُ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُرْشِدُ أحَدًا أضَلَّهُ، وبِهَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. والثّانِي: أنَّ ”يَهْدِي“ بِمَعْنى يَهْتَدِي. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: قَدْ هَدى الرَّجُلُ يُرِيدُونَ قَدِ اهْتَدى، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ إذا أضَلَّ أحَدًا لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ مُهْتَدِيًا. وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ: فالوجه فِيها إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: مَن يُضِلُّهُ، فالرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ الَّذِي هو مَن مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ. ثم قال تَعالى: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهم أحَدٌ يَنْصُرُهم أيْ: يُعِينُهم عَلى مَطْلُوبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأقُولُ: أوَّلُ هَذِهِ الآياتِ مُوهِمٌ لِمَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وآخِرُها مُشْتَمِلٌ عَلى الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ الدّالَّةِ عَلى قَوْلِنا، وأكْثَرُ الآياتِ كَذَلِكَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوجه يْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، فَإنَّهم طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا مِنَ السَّماءِ يَشْهَدُ عَلى صِدْقِهِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ في التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِكَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ شاهِدِينَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا طَعَنُوا في القُرْآنِ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ لَهم، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الوَعْدِ لِمَن وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ خَيْرًا وصِدْقًا وصَوابًا، عادَ إلى بَيانِ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لا يَنْزَجِرُونَ عَنِ الكُفْرِ بِسَبَبِ البَياناتِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ كانُوا لا يَنْزَجِرُونَ عَنْ تِلْكَ الأقْوالِ الباطِلَةِ إلّا إذا جاءَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، وأتاهم أمْرُ رَبِّكَ وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ. واعْلَمْ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كَلامُ هَؤُلاءِ وأفْعالُهم يُشْبِهُ كَلامَ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ وأفْعالَهم. ثم قال: ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأصابَهُمُ الهَلاكُ المُعَجَّلُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، فَإنَّهُ أنْزَلَ بِهِمْ ما اسْتَحَقُّوهُ بِكُفْرِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ كَفَرُوا، وكَذَّبُوا الرَّسُولَ فاسْتَوْجَبُوا ما نَزَلْ بِهِمْ. ثم قال: ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ والمُرادُ أصابَهم عِقابُ سَيِّئاتِ ما عَمِلُوا ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ عَلى وجْهٍ أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ. صفحة ٢٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُها: أنَّهم تَمَسَّكُوا بِصِحَّةِ القَوْلِ بِالجَبْرِ عَلى الطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ فَقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ الإيمانَ لَحَصَلَ الإيمانُ، سَواءٌ جِئْتَ أوْ لَمْ تَجِئْ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ الكُفْرَ فَإنَّهُ يَحْصُلُ الكُفْرُ سَواءٌ جِئْتَ أوْ لَمْ تَجِئْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولا فائِدَةَ في مَجِيئِكَ وإرْسالِكَ، فَكانَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ باطِلًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ هي عَيْنُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهِ مِثْلُ اسْتِدْلالِهِمْ بِتِلْكَ الآيَةِ. والكَلامُ فِيهِ اسْتِدْلالًا واعْتِراضًا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ هُناكَ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نَذْكُرَ مِنهُ القَلِيلَ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ هي أنَّهم قالُوا: لَمّا كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى كانَ بَعْثُهُ الأنْبِياءَ عَبَثًا. فَنَقُولُ: هَذا اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهم: إذا لَمْ يَكُنْ في بَعْثَةِ الرَّسُولِ مَزِيدُ فائِدَةٍ في حُصُولِ الإيمانِ ودَفْعِ الكُفْرِ كانَتْ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ غَيْرَ جائِزَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا القَوْلُ جارٍ مَجْرى طَلَبِ العِلَّةِ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وفي أفْعالِهِ، وذَلِكَ باطِلٌ، بَلْ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَحْكُمَ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا ولِمَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ ؟ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الإنْكارَ إنَّما تَوَجَّهَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ سُنَّتَهُ في عَبِيدِهِ إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وأمْرُهم بِعِبادَةِ اللَّهِ ونَهْيُهم عَنْ عِبادَةِ الطّاغُوتِ. ثم قال: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى وإنْ أمَرَ الكُلَّ بِالإيمانِ، ونَهى الكُلَّ عَنِ الكُفْرِ، إلّا أنَّهُ تَعالى هَدى البَعْضَ وأضَلَّ البَعْضَ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ لِلَّهِ تَعالى مَعَ العِبادِ، وهي أنَّهُ يَأْمُرُ الكُلَّ بِالإيمانِ ويَنْهاهم عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ يَخْلُقُ الإيمانَ في البَعْضِ والكُفْرَ في البَعْضِ. ولَمّا كانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى في هَذا المَعْنى سُنَّةً قَدِيمَةً في حَقِّ كُلِّ الأنْبِياءِ وكُلِّ الأُمَمِ والمِلَلِ، وإنَّما يَحْسُنُ مِنهُ تَعالى ذَلِكَ بِحُكْمِ كَوْنِهِ إلَهًا مُنَزَّهًا عَنِ اعْتِراضاتِ المُعْتَرِضِينَ ومُطالَباتِ المُنازِعِينَ، كانَ إيرادُ هَذا السُّؤالِ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُوجِبًا لِلْجَهْلِ والضَّلالِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما حَكَمَ عَلى هَؤُلاءِ بِاسْتِحْقاقِ الخِزْيِ واللَّعْنِ، لا لِأنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ بَلْ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ كَوْنَ الأمْرِ كَذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَوازِ بَعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وهَذا باطِلٌ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا عَلى هَذا الِاعْتِقادِ مَزِيدَ الذَّمِّ واللَّعْنِ. فَهَذا هو الجَوابُ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ. وأمّا مَن تَقَدَّمَنا مِنَ المُتَكَلِّمِينَ والمُفَسِّرِينَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ وجْهًا آخَرَ فَقالُوا: إنَّ المُشْرِكِينَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ كَما قالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ولَوْ قالُوا ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٤ المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالَ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ أبَدًا كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ. ثم قال: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما مَنَعَ أحَدًا مِنَ الإيمانِ وما أوْقَعَهُ في الكُفْرِ، والرُّسُلُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا التَّبْلِيغُ، فَلَمّا بَلَّغُوا التَّكالِيفَ وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما مَنَعَ أحَدًا عَنِ الحَقِّ كانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ ساقِطَةً. أمّا أصْحابُنا فَقالُوا: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرُّسُلَ بِالتَّبْلِيغِ. فَهَذا التَّبْلِيغُ واجِبٌ عَلَيْهِمْ، فَأمّا أنَّ الإيمانَ هَلْ يَحْصُلُ أمْ لا يَحْصُلُ، فَذَلِكَ لا تَعَلُّقَ لِلرَّسُولِ بِهِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ بِإحْسانِهِ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بِخِذْلانِهِ. المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في بَيانِ أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ أبَدًا في جَمِيعِ المِلَلِ والأُمَمِ آمِرًا بِالإيمانِ، وناهِيًا عَنِ الكُفْرِ. * * * ثم قال: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يَعْنِي: فَمِنهم مَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإيمانِ والصِّدْقِ والحَقِّ، ومِنهم مَن أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ وأعْماهُ عَنِ الصِّدْقِ وأوْقَعَهُ في الكُفْرِ والضَّلالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ اللَّهِ تَعالى لا يُوافِقُ إرادَتَهُ، بَلْ قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ ولا يُرِيدُهُ، ويَنْهى عَنِ الشَّيْءِ ويُرِيدُهُ كَما هو مَذْهَبُنا. والحاصِلُ أنَّ المُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: الأمْرُ والإرادَةُ مُتَطابِقانِ، أمّا العِلْمُ والإرادَةُ فَقَدْ يَخْتَلِفانِ، ولَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ صَرِيحٌ في قَوْلِنا، وهو أنَّ الأمْرَ بِالإيمانِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، أمّا إرادَةُ الإيمانِ فَخاصَّةٌ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ. أجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ المُرادَ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ لِنَيْلِ ثَوابِهِ وجَنَّتِهِ: ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أيِ: العِقابُ. قالَ: وفي صِفَةِ قَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّها العَذابُ دُونَ كَلِمَةِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ لا يَجُوزُ وصْفُهُما بِأنَّهُ حَقٌّ. وأيْضًا قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وهَذِهِ العاقِبَةُ هي آثارُ الهَلاكِ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعَذابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالضَّلالِ المَذْكُورِ هو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ. وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ أيْ: مَنِ اهْتَدى فَكانَ في حُكْمِ اللَّهِ مُهْتَدِيًا، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يُرِيدُ: مَن ظَهَرَتْ ضَلالَتُهُ، كَما يُقالُ لِلظّالِمِ: حَقَّ ظُلْمُكَ وتَبَيَّنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: حَقَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ أنْ يُضِلَّهم إذا ضَلُّوا كَقَوْلِهِ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ . واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ الهُدى والإضْلالَ لا يَكُونانِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ المُتَعَسِّفَةُ والتَّأْوِيلاتُ المُسْتَكْرَهَةُ قَدْ بَيَّنّا ضَعْفَها وسُقُوطَها مِرارًا، فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الرّابِعَةُ: في الطّاغُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَسَمّى الكُلَّ طاغُوتًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: اجْتَنِبُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ في دُعائِهِ لَكم. المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ امْتَنَعَ أنْ لا يَصْدُرَ مِنهُ الضَّلالَةُ، وإلّا لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ، صفحة ٢٥ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ الضَّلالَةِ مِنهم مُحالًا، ووُجُودُ الضَّلالَةِ مِنهم واجِبًا عَقْلًا، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا في هَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ونَظائِرُ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] . ثم قال تَعالى: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمَعْنى: سِيرُوا في الأرْضِ مُعْتَبِرِينَ لِتَعْرِفُوا أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم كَما نَزَلَ بِهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ أنَّ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَإنَّهُ لا يَهْتَدِي، فَقالَ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ أيْ: إنْ تَطْلُبْ بِجُهْدِكَ ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿يَهْدِي﴾ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، والباقُونَ: (لا يُهْدى) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ. أمّا القِراءَةُ الأُولى: فَفِيها وجْهانِ: الأوَّلُ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُرْشِدُ أحَدًا أضَلَّهُ، وبِهَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. والثّانِي: أنَّ ”يَهْدِي“ بِمَعْنى يَهْتَدِي. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: قَدْ هَدى الرَّجُلُ يُرِيدُونَ قَدِ اهْتَدى، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ إذا أضَلَّ أحَدًا لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ مُهْتَدِيًا. وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ: فالوجه فِيها إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: مَن يُضِلُّهُ، فالرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ الَّذِي هو مَن مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ. ثم قال تَعالى: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهم أحَدٌ يَنْصُرُهم أيْ: يُعِينُهم عَلى مَطْلُوبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأقُولُ: أوَّلُ هَذِهِ الآياتِ مُوهِمٌ لِمَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وآخِرُها مُشْتَمِلٌ عَلى الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ الدّالَّةِ عَلى قَوْلِنا، وأكْثَرُ الآياتِ كَذَلِكَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوجه يْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، فَإنَّهم طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا مِنَ السَّماءِ يَشْهَدُ عَلى صِدْقِهِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ في التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِكَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ شاهِدِينَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا طَعَنُوا في القُرْآنِ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ لَهم، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الوَعْدِ لِمَن وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ خَيْرًا وصِدْقًا وصَوابًا، عادَ إلى بَيانِ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لا يَنْزَجِرُونَ عَنِ الكُفْرِ بِسَبَبِ البَياناتِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ كانُوا لا يَنْزَجِرُونَ عَنْ تِلْكَ الأقْوالِ الباطِلَةِ إلّا إذا جاءَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، وأتاهم أمْرُ رَبِّكَ وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ. واعْلَمْ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كَلامُ هَؤُلاءِ وأفْعالُهم يُشْبِهُ كَلامَ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ وأفْعالَهم. ثم قال: ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأصابَهُمُ الهَلاكُ المُعَجَّلُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، فَإنَّهُ أنْزَلَ بِهِمْ ما اسْتَحَقُّوهُ بِكُفْرِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ كَفَرُوا، وكَذَّبُوا الرَّسُولَ فاسْتَوْجَبُوا ما نَزَلْ بِهِمْ. ثم قال: ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ والمُرادُ أصابَهم عِقابُ سَيِّئاتِ ما عَمِلُوا ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ عَلى وجْهٍ أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ. صفحة ٢٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُها: أنَّهم تَمَسَّكُوا بِصِحَّةِ القَوْلِ بِالجَبْرِ عَلى الطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ فَقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ الإيمانَ لَحَصَلَ الإيمانُ، سَواءٌ جِئْتَ أوْ لَمْ تَجِئْ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ الكُفْرَ فَإنَّهُ يَحْصُلُ الكُفْرُ سَواءٌ جِئْتَ أوْ لَمْ تَجِئْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولا فائِدَةَ في مَجِيئِكَ وإرْسالِكَ، فَكانَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ باطِلًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ هي عَيْنُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهِ مِثْلُ اسْتِدْلالِهِمْ بِتِلْكَ الآيَةِ. والكَلامُ فِيهِ اسْتِدْلالًا واعْتِراضًا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ هُناكَ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نَذْكُرَ مِنهُ القَلِيلَ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ هي أنَّهم قالُوا: لَمّا كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى كانَ بَعْثُهُ الأنْبِياءَ عَبَثًا. فَنَقُولُ: هَذا اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهم: إذا لَمْ يَكُنْ في بَعْثَةِ الرَّسُولِ مَزِيدُ فائِدَةٍ في حُصُولِ الإيمانِ ودَفْعِ الكُفْرِ كانَتْ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ غَيْرَ جائِزَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا القَوْلُ جارٍ مَجْرى طَلَبِ العِلَّةِ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وفي أفْعالِهِ، وذَلِكَ باطِلٌ، بَلْ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَحْكُمَ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا ولِمَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ ؟ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الإنْكارَ إنَّما تَوَجَّهَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ سُنَّتَهُ في عَبِيدِهِ إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وأمْرُهم بِعِبادَةِ اللَّهِ ونَهْيُهم عَنْ عِبادَةِ الطّاغُوتِ. ثم قال: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى وإنْ أمَرَ الكُلَّ بِالإيمانِ، ونَهى الكُلَّ عَنِ الكُفْرِ، إلّا أنَّهُ تَعالى هَدى البَعْضَ وأضَلَّ البَعْضَ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ لِلَّهِ تَعالى مَعَ العِبادِ، وهي أنَّهُ يَأْمُرُ الكُلَّ بِالإيمانِ ويَنْهاهم عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ يَخْلُقُ الإيمانَ في البَعْضِ والكُفْرَ في البَعْضِ. ولَمّا كانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى في هَذا المَعْنى سُنَّةً قَدِيمَةً في حَقِّ كُلِّ الأنْبِياءِ وكُلِّ الأُمَمِ والمِلَلِ، وإنَّما يَحْسُنُ مِنهُ تَعالى ذَلِكَ بِحُكْمِ كَوْنِهِ إلَهًا مُنَزَّهًا عَنِ اعْتِراضاتِ المُعْتَرِضِينَ ومُطالَباتِ المُنازِعِينَ، كانَ إيرادُ هَذا السُّؤالِ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُوجِبًا لِلْجَهْلِ والضَّلالِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما حَكَمَ عَلى هَؤُلاءِ بِاسْتِحْقاقِ الخِزْيِ واللَّعْنِ، لا لِأنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ بَلْ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ كَوْنَ الأمْرِ كَذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَوازِ بَعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وهَذا باطِلٌ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا عَلى هَذا الِاعْتِقادِ مَزِيدَ الذَّمِّ واللَّعْنِ. فَهَذا هو الجَوابُ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ. وأمّا مَن تَقَدَّمَنا مِنَ المُتَكَلِّمِينَ والمُفَسِّرِينَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ وجْهًا آخَرَ فَقالُوا: إنَّ المُشْرِكِينَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ كَما قالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ولَوْ قالُوا ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٤ المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالَ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ أبَدًا كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ. ثم قال: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما مَنَعَ أحَدًا مِنَ الإيمانِ وما أوْقَعَهُ في الكُفْرِ، والرُّسُلُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا التَّبْلِيغُ، فَلَمّا بَلَّغُوا التَّكالِيفَ وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما مَنَعَ أحَدًا عَنِ الحَقِّ كانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ ساقِطَةً. أمّا أصْحابُنا فَقالُوا: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرُّسُلَ بِالتَّبْلِيغِ. فَهَذا التَّبْلِيغُ واجِبٌ عَلَيْهِمْ، فَأمّا أنَّ الإيمانَ هَلْ يَحْصُلُ أمْ لا يَحْصُلُ، فَذَلِكَ لا تَعَلُّقَ لِلرَّسُولِ بِهِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ بِإحْسانِهِ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بِخِذْلانِهِ. المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في بَيانِ أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ أبَدًا في جَمِيعِ المِلَلِ والأُمَمِ آمِرًا بِالإيمانِ، وناهِيًا عَنِ الكُفْرِ. * * * ثم قال: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يَعْنِي: فَمِنهم مَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإيمانِ والصِّدْقِ والحَقِّ، ومِنهم مَن أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ وأعْماهُ عَنِ الصِّدْقِ وأوْقَعَهُ في الكُفْرِ والضَّلالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ اللَّهِ تَعالى لا يُوافِقُ إرادَتَهُ، بَلْ قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ ولا يُرِيدُهُ، ويَنْهى عَنِ الشَّيْءِ ويُرِيدُهُ كَما هو مَذْهَبُنا. والحاصِلُ أنَّ المُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: الأمْرُ والإرادَةُ مُتَطابِقانِ، أمّا العِلْمُ والإرادَةُ فَقَدْ يَخْتَلِفانِ، ولَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ صَرِيحٌ في قَوْلِنا، وهو أنَّ الأمْرَ بِالإيمانِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، أمّا إرادَةُ الإيمانِ فَخاصَّةٌ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ. أجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ المُرادَ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ لِنَيْلِ ثَوابِهِ وجَنَّتِهِ: ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أيِ: العِقابُ. قالَ: وفي صِفَةِ قَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّها العَذابُ دُونَ كَلِمَةِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ لا يَجُوزُ وصْفُهُما بِأنَّهُ حَقٌّ. وأيْضًا قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وهَذِهِ العاقِبَةُ هي آثارُ الهَلاكِ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعَذابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالضَّلالِ المَذْكُورِ هو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ. وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ أيْ: مَنِ اهْتَدى فَكانَ في حُكْمِ اللَّهِ مُهْتَدِيًا، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يُرِيدُ: مَن ظَهَرَتْ ضَلالَتُهُ، كَما يُقالُ لِلظّالِمِ: حَقَّ ظُلْمُكَ وتَبَيَّنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: حَقَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ أنْ يُضِلَّهم إذا ضَلُّوا كَقَوْلِهِ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ . واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ الهُدى والإضْلالَ لا يَكُونانِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ المُتَعَسِّفَةُ والتَّأْوِيلاتُ المُسْتَكْرَهَةُ قَدْ بَيَّنّا ضَعْفَها وسُقُوطَها مِرارًا، فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الرّابِعَةُ: في الطّاغُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَسَمّى الكُلَّ طاغُوتًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: اجْتَنِبُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ في دُعائِهِ لَكم. المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ امْتَنَعَ أنْ لا يَصْدُرَ مِنهُ الضَّلالَةُ، وإلّا لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ، صفحة ٢٥ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ الضَّلالَةِ مِنهم مُحالًا، ووُجُودُ الضَّلالَةِ مِنهم واجِبًا عَقْلًا، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا في هَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ونَظائِرُ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] . ثم قال تَعالى: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمَعْنى: سِيرُوا في الأرْضِ مُعْتَبِرِينَ لِتَعْرِفُوا أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم كَما نَزَلَ بِهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ أنَّ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَإنَّهُ لا يَهْتَدِي، فَقالَ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ أيْ: إنْ تَطْلُبْ بِجُهْدِكَ ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿يَهْدِي﴾ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، والباقُونَ: (لا يُهْدى) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ. أمّا القِراءَةُ الأُولى: فَفِيها وجْهانِ: الأوَّلُ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُرْشِدُ أحَدًا أضَلَّهُ، وبِهَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. والثّانِي: أنَّ ”يَهْدِي“ بِمَعْنى يَهْتَدِي. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: قَدْ هَدى الرَّجُلُ يُرِيدُونَ قَدِ اهْتَدى، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ إذا أضَلَّ أحَدًا لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ مُهْتَدِيًا. وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ: فالوجه فِيها إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: مَن يُضِلُّهُ، فالرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ الَّذِي هو مَن مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ. ثم قال تَعالى: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهم أحَدٌ يَنْصُرُهم أيْ: يُعِينُهم عَلى مَطْلُوبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأقُولُ: أوَّلُ هَذِهِ الآياتِ مُوهِمٌ لِمَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وآخِرُها مُشْتَمِلٌ عَلى الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ الدّالَّةِ عَلى قَوْلِنا، وأكْثَرُ الآياتِ كَذَلِكَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوجه يْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، فَإنَّهم طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا مِنَ السَّماءِ يَشْهَدُ عَلى صِدْقِهِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ في التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِكَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ شاهِدِينَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا طَعَنُوا في القُرْآنِ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ لَهم، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الوَعْدِ لِمَن وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ خَيْرًا وصِدْقًا وصَوابًا، عادَ إلى بَيانِ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لا يَنْزَجِرُونَ عَنِ الكُفْرِ بِسَبَبِ البَياناتِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ كانُوا لا يَنْزَجِرُونَ عَنْ تِلْكَ الأقْوالِ الباطِلَةِ إلّا إذا جاءَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، وأتاهم أمْرُ رَبِّكَ وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ. واعْلَمْ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كَلامُ هَؤُلاءِ وأفْعالُهم يُشْبِهُ كَلامَ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ وأفْعالَهم. ثم قال: ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأصابَهُمُ الهَلاكُ المُعَجَّلُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، فَإنَّهُ أنْزَلَ بِهِمْ ما اسْتَحَقُّوهُ بِكُفْرِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ كَفَرُوا، وكَذَّبُوا الرَّسُولَ فاسْتَوْجَبُوا ما نَزَلْ بِهِمْ. ثم قال: ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ والمُرادُ أصابَهم عِقابُ سَيِّئاتِ ما عَمِلُوا ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ عَلى وجْهٍ أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ. صفحة ٢٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُها: أنَّهم تَمَسَّكُوا بِصِحَّةِ القَوْلِ بِالجَبْرِ عَلى الطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ فَقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ الإيمانَ لَحَصَلَ الإيمانُ، سَواءٌ جِئْتَ أوْ لَمْ تَجِئْ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ الكُفْرَ فَإنَّهُ يَحْصُلُ الكُفْرُ سَواءٌ جِئْتَ أوْ لَمْ تَجِئْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولا فائِدَةَ في مَجِيئِكَ وإرْسالِكَ، فَكانَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ باطِلًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ هي عَيْنُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهِ مِثْلُ اسْتِدْلالِهِمْ بِتِلْكَ الآيَةِ. والكَلامُ فِيهِ اسْتِدْلالًا واعْتِراضًا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ هُناكَ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نَذْكُرَ مِنهُ القَلِيلَ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ هي أنَّهم قالُوا: لَمّا كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى كانَ بَعْثُهُ الأنْبِياءَ عَبَثًا. فَنَقُولُ: هَذا اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهم: إذا لَمْ يَكُنْ في بَعْثَةِ الرَّسُولِ مَزِيدُ فائِدَةٍ في حُصُولِ الإيمانِ ودَفْعِ الكُفْرِ كانَتْ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ غَيْرَ جائِزَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا القَوْلُ جارٍ مَجْرى طَلَبِ العِلَّةِ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وفي أفْعالِهِ، وذَلِكَ باطِلٌ، بَلْ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَحْكُمَ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا ولِمَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ ؟ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الإنْكارَ إنَّما تَوَجَّهَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ سُنَّتَهُ في عَبِيدِهِ إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وأمْرُهم بِعِبادَةِ اللَّهِ ونَهْيُهم عَنْ عِبادَةِ الطّاغُوتِ. ثم قال: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى وإنْ أمَرَ الكُلَّ بِالإيمانِ، ونَهى الكُلَّ عَنِ الكُفْرِ، إلّا أنَّهُ تَعالى هَدى البَعْضَ وأضَلَّ البَعْضَ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ لِلَّهِ تَعالى مَعَ العِبادِ، وهي أنَّهُ يَأْمُرُ الكُلَّ بِالإيمانِ ويَنْهاهم عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ يَخْلُقُ الإيمانَ في البَعْضِ والكُفْرَ في البَعْضِ. ولَمّا كانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى في هَذا المَعْنى سُنَّةً قَدِيمَةً في حَقِّ كُلِّ الأنْبِياءِ وكُلِّ الأُمَمِ والمِلَلِ، وإنَّما يَحْسُنُ مِنهُ تَعالى ذَلِكَ بِحُكْمِ كَوْنِهِ إلَهًا مُنَزَّهًا عَنِ اعْتِراضاتِ المُعْتَرِضِينَ ومُطالَباتِ المُنازِعِينَ، كانَ إيرادُ هَذا السُّؤالِ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُوجِبًا لِلْجَهْلِ والضَّلالِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما حَكَمَ عَلى هَؤُلاءِ بِاسْتِحْقاقِ الخِزْيِ واللَّعْنِ، لا لِأنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ بَلْ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ كَوْنَ الأمْرِ كَذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَوازِ بَعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وهَذا باطِلٌ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا عَلى هَذا الِاعْتِقادِ مَزِيدَ الذَّمِّ واللَّعْنِ. فَهَذا هو الجَوابُ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ. وأمّا مَن تَقَدَّمَنا مِنَ المُتَكَلِّمِينَ والمُفَسِّرِينَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ وجْهًا آخَرَ فَقالُوا: إنَّ المُشْرِكِينَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ كَما قالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ولَوْ قالُوا ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٢٤ المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالَ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ أبَدًا كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ. ثم قال: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما مَنَعَ أحَدًا مِنَ الإيمانِ وما أوْقَعَهُ في الكُفْرِ، والرُّسُلُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا التَّبْلِيغُ، فَلَمّا بَلَّغُوا التَّكالِيفَ وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما مَنَعَ أحَدًا عَنِ الحَقِّ كانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ ساقِطَةً. أمّا أصْحابُنا فَقالُوا: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرُّسُلَ بِالتَّبْلِيغِ. فَهَذا التَّبْلِيغُ واجِبٌ عَلَيْهِمْ، فَأمّا أنَّ الإيمانَ هَلْ يَحْصُلُ أمْ لا يَحْصُلُ، فَذَلِكَ لا تَعَلُّقَ لِلرَّسُولِ بِهِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ بِإحْسانِهِ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بِخِذْلانِهِ. المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في بَيانِ أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ أبَدًا في جَمِيعِ المِلَلِ والأُمَمِ آمِرًا بِالإيمانِ، وناهِيًا عَنِ الكُفْرِ. * * * ثم قال: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يَعْنِي: فَمِنهم مَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإيمانِ والصِّدْقِ والحَقِّ، ومِنهم مَن أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ وأعْماهُ عَنِ الصِّدْقِ وأوْقَعَهُ في الكُفْرِ والضَّلالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ اللَّهِ تَعالى لا يُوافِقُ إرادَتَهُ، بَلْ قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ ولا يُرِيدُهُ، ويَنْهى عَنِ الشَّيْءِ ويُرِيدُهُ كَما هو مَذْهَبُنا. والحاصِلُ أنَّ المُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: الأمْرُ والإرادَةُ مُتَطابِقانِ، أمّا العِلْمُ والإرادَةُ فَقَدْ يَخْتَلِفانِ، ولَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ صَرِيحٌ في قَوْلِنا، وهو أنَّ الأمْرَ بِالإيمانِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، أمّا إرادَةُ الإيمانِ فَخاصَّةٌ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ. أجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ المُرادَ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ لِنَيْلِ ثَوابِهِ وجَنَّتِهِ: ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أيِ: العِقابُ. قالَ: وفي صِفَةِ قَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّها العَذابُ دُونَ كَلِمَةِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ لا يَجُوزُ وصْفُهُما بِأنَّهُ حَقٌّ. وأيْضًا قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وهَذِهِ العاقِبَةُ هي آثارُ الهَلاكِ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعَذابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالضَّلالِ المَذْكُورِ هو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ. وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ أيْ: مَنِ اهْتَدى فَكانَ في حُكْمِ اللَّهِ مُهْتَدِيًا، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يُرِيدُ: مَن ظَهَرَتْ ضَلالَتُهُ، كَما يُقالُ لِلظّالِمِ: حَقَّ ظُلْمُكَ وتَبَيَّنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: حَقَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ أنْ يُضِلَّهم إذا ضَلُّوا كَقَوْلِهِ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ . واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ الهُدى والإضْلالَ لا يَكُونانِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ المُتَعَسِّفَةُ والتَّأْوِيلاتُ المُسْتَكْرَهَةُ قَدْ بَيَّنّا ضَعْفَها وسُقُوطَها مِرارًا، فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الرّابِعَةُ: في الطّاغُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَسَمّى الكُلَّ طاغُوتًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: اجْتَنِبُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ في دُعائِهِ لَكم. المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ امْتَنَعَ أنْ لا يَصْدُرَ مِنهُ الضَّلالَةُ، وإلّا لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ، صفحة ٢٥ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ الضَّلالَةِ مِنهم مُحالًا، ووُجُودُ الضَّلالَةِ مِنهم واجِبًا عَقْلًا، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا في هَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ونَظائِرُ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] . ثم قال تَعالى: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمَعْنى: سِيرُوا في الأرْضِ مُعْتَبِرِينَ لِتَعْرِفُوا أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم كَما نَزَلَ بِهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ أنَّ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَإنَّهُ لا يَهْتَدِي، فَقالَ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ أيْ: إنْ تَطْلُبْ بِجُهْدِكَ ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿يَهْدِي﴾ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، والباقُونَ: (لا يُهْدى) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ. أمّا القِراءَةُ الأُولى: فَفِيها وجْهانِ: الأوَّلُ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُرْشِدُ أحَدًا أضَلَّهُ، وبِهَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. والثّانِي: أنَّ ”يَهْدِي“ بِمَعْنى يَهْتَدِي. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: قَدْ هَدى الرَّجُلُ يُرِيدُونَ قَدِ اهْتَدى، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ إذا أضَلَّ أحَدًا لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ مُهْتَدِيًا. وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ: فالوجه فِيها إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: مَن يُضِلُّهُ، فالرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ الَّذِي هو مَن مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ. ثم قال تَعالى: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهم أحَدٌ يَنْصُرُهم أيْ: يُعِينُهم عَلى مَطْلُوبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأقُولُ: أوَّلُ هَذِهِ الآياتِ مُوهِمٌ لِمَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وآخِرُها مُشْتَمِلٌ عَلى الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ الدّالَّةِ عَلى قَوْلِنا، وأكْثَرُ الآياتِ كَذَلِكَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوجه يْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ فَقالُوا: القَوْلُ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ باطِلٌ، فَكانَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ باطِلًا. صفحة ٢٦ أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا هَذِهِ البَيِّنَةَ المَخْصُوصَةَ، فَإذا ماتَ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ وبَطَلَ ذَلِكَ المِزاجُ والِاعْتِدالُ امْتَنَعَ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا عَدِمَ فَقَدْ فَنِيَ ولَمْ يَبْقَ لَهُ ذاتٌ ولا حَقِيقَةٌ بَعْدَ فِنائِهِ وعَدَمِهِ، فالَّذِي يَعُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا مُغايِرًا لِلْأوَّلِ فَلا يَكُونُ عَيْنُهُ. وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّهُ لَمّا بَطَلَ القَوْلُ بِالبَعْثِ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ مُحَمَّدًا كانَ داعِيًا إلى تَقْرِيرِ القَوْلِ بِالمَعادِ، فَإذا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ كانَ داعِيًا إلى القَوْلِ الباطِلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا صادِقًا. الثّانِي: أنَّهُ يُقَرِّرُ نُبُوَّةَ نَفْسِهِ ووُجُوبَ طاعَتِهِ بِناءً عَلى التَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ عَنِ العِقابِ، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ بَطَلَتْ نُبُوَّتُهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ مَعْناهُ أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأنَّ الشَّيْءَ إذا فَنِيَ وصارَ عَدَمًا مَحْضًا ونَفْيًا صِرْفًا، فَإنَّهُ بَعْدَ هَذا العَدَمِ الصِّرْفِ لا يَعُودُ بِعَيْنِهِ، بَلِ العائِدُ يَكُونُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَهُ. وهَذا القَسَمُ واليَمِينُ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأنَّ عَوْدَهُ بِعَيْنِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ مُحالٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ عَلى أنَّهم يَجْحَدُونَ في قُلُوبِهِمْ وعُقُولِهِمْ هَذا العِلْمَ الضَّرُورِيَّ، وأمّا بَيانُ أنَّهُ لَمّا بَطَلَ القَوْلُ بِالبَعْثِ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ، لِأنَّهُ كَلامٌ جَلِيٌّ مُتَبادِرٌ إلى العُقُولِ، فَتَرَكُوهُ لِهَذا العُذْرِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ مُمْكِنٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الوجه الأوَّلُ: أنَّهُ وعْدٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ تَحْقِيقُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ وعْدًا حَقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ وبَيْنَ العاصِي، وبَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، وبَيْنَ الظّالِمِ والمَظْلُومِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ قَدْ بالَغْنا في شَرْحِها وتَقْرِيرِها في سُورَةِ ”يُونُسَ“ . والوجه الثّانِي: في بَيانِ إمْكانِ الحَشْرِ والنَّشْرِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى مُوجِدًا لِلْأشْياءِ ومُكَوِّنًا لَها لا يَتَوَقَّفُ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا مُدَّةٍ ولا آلَةٍ، وهو تَعالى إنَّما يُكَوِّنُها بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، ولَيْسَ لِقُدْرَتِهِ دافِعٌ ولا لِمَشِيئَتِهِ مانِعٌ فَعَبَّرَ تَعالى عَنْ هَذا النَّفاذِ الخالِي عَنِ المُعارِضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَكَما أنَّهُ تَعالى قَدَرَ عَلى الإيجادِ في الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلَيْهِ في الإعادَةِ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ القاطِعَيْنِ أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ حَقٌّ وصِدْقٌ، والقَوْلُ: إنَّما طَعَنُوا في صِحَّةِ النُّبُوَّةِ بِناءً عَلى الطَّعْنِ في هَذا الأصْلِ، فَلَمّا بَطَلَ هَذا الطَّعْنُ بَطَلَ أيْضًا طَعْنُهم في النُّبُوَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ حِكايَةٌ عَنِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقَوْلُهُ: ﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ: بَلى يَبْعَثُهم، وقَوْلُهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: وعَدَ بِالبَعْثِ وعْدًا حَقًّا لا خُلْفَ فِيهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ يَبْعَثُهم دَلَّ عَلى قَوْلِهِ وعَدَ بِالبَعْثِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ مِن أُمُورِ البَعْثِ، أيْ: بَلى يَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما أقْسَمُوا فِيهِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ إنْ كانَ خِطابًا مَعَ المَعْدُومِ فَهو مُحالٌ، وإنْ كانَ خِطابًا مَعَ المَوْجُودِ كانَ هَذا أمْرًا بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو مُحالٌ. صفحة ٢٧ والجَوابُ: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِنَفْيِ الكَلامِ والمُعاياةِ وخِطابٌ مَعَ الخَلْقِ بِما يَعْقِلُونَ، ولَيْسَ خِطابًا لِلْمَعْدُومِ، لِأنَّ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو كائِنٌ عَلى كُلِّ حالٍ وعَلى ما أرادَهُ مِنَ الإسْراعِ، ولَوْ أرادَ خَلْقَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِما فِيهِما مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ في قَدْرِ لَمْحِ البَصَرِ لَقَدَرَ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ العِبادَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلُنا﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿أنْ نَقُولَ﴾ خَبَرُهُ و﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن كانَ التّامَّةِ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ أيْ: إذا أرَدْنا حُدُوثَ شَيْءٍ فَلَيْسَ إلّا أنْ نَقُولَ لَهُ: احْدُثْ، فَيَحْدُثُ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ. المسألة الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ (فَيَكُونَ) بِنَصْبِ النُّونِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ بِالرَّفْعِ وجْهُها أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ نَقُولَ لَهُ﴾ كَلامًا تامًّا، ثُمَّ يُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ، كَما يُقالُ: إنَّ زَيْدًا يَكْفِيهِ إنْ أُمِرَ فَيَفْعَلُ، فَتَرْفَعُ قَوْلَكَ: ”فَيَفْعَلُ“ عَلى أنْ تَجْعَلَهُ كَلامًا مُبْتَدَأً، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَوَجْهُهُ أنْ تَجْعَلَهُ عَطْفًا عَلى ”أنْ نَقُولَ“، والمَعْنى: أنْ نَقُولَ: ”كُنْ“ فَيَكُونَ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى جَوابِ ﴿كُنْ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ لَفْظَةُ ”كُنْ“ وإنْ كانَتْ عَلى لَفْظَةِ الأمْرِ فَلَيْسَ القَصْدُ بِها هَهُنا الأمْرَ، إنَّما هو - واللَّهُ أعْلَمُ - الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ وحُدُوثِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: إنَّهُ نُصِبَ عَلى جَوابِ ﴿كُنْ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ فَقالُوا: القَوْلُ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ باطِلٌ، فَكانَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ باطِلًا. صفحة ٢٦ أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا هَذِهِ البَيِّنَةَ المَخْصُوصَةَ، فَإذا ماتَ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ وبَطَلَ ذَلِكَ المِزاجُ والِاعْتِدالُ امْتَنَعَ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا عَدِمَ فَقَدْ فَنِيَ ولَمْ يَبْقَ لَهُ ذاتٌ ولا حَقِيقَةٌ بَعْدَ فِنائِهِ وعَدَمِهِ، فالَّذِي يَعُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا مُغايِرًا لِلْأوَّلِ فَلا يَكُونُ عَيْنُهُ. وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّهُ لَمّا بَطَلَ القَوْلُ بِالبَعْثِ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ مُحَمَّدًا كانَ داعِيًا إلى تَقْرِيرِ القَوْلِ بِالمَعادِ، فَإذا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ كانَ داعِيًا إلى القَوْلِ الباطِلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا صادِقًا. الثّانِي: أنَّهُ يُقَرِّرُ نُبُوَّةَ نَفْسِهِ ووُجُوبَ طاعَتِهِ بِناءً عَلى التَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ عَنِ العِقابِ، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ بَطَلَتْ نُبُوَّتُهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ مَعْناهُ أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأنَّ الشَّيْءَ إذا فَنِيَ وصارَ عَدَمًا مَحْضًا ونَفْيًا صِرْفًا، فَإنَّهُ بَعْدَ هَذا العَدَمِ الصِّرْفِ لا يَعُودُ بِعَيْنِهِ، بَلِ العائِدُ يَكُونُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَهُ. وهَذا القَسَمُ واليَمِينُ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأنَّ عَوْدَهُ بِعَيْنِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ مُحالٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ عَلى أنَّهم يَجْحَدُونَ في قُلُوبِهِمْ وعُقُولِهِمْ هَذا العِلْمَ الضَّرُورِيَّ، وأمّا بَيانُ أنَّهُ لَمّا بَطَلَ القَوْلُ بِالبَعْثِ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ، لِأنَّهُ كَلامٌ جَلِيٌّ مُتَبادِرٌ إلى العُقُولِ، فَتَرَكُوهُ لِهَذا العُذْرِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ مُمْكِنٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الوجه الأوَّلُ: أنَّهُ وعْدٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ تَحْقِيقُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ وعْدًا حَقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ وبَيْنَ العاصِي، وبَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، وبَيْنَ الظّالِمِ والمَظْلُومِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ قَدْ بالَغْنا في شَرْحِها وتَقْرِيرِها في سُورَةِ ”يُونُسَ“ . والوجه الثّانِي: في بَيانِ إمْكانِ الحَشْرِ والنَّشْرِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى مُوجِدًا لِلْأشْياءِ ومُكَوِّنًا لَها لا يَتَوَقَّفُ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا مُدَّةٍ ولا آلَةٍ، وهو تَعالى إنَّما يُكَوِّنُها بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، ولَيْسَ لِقُدْرَتِهِ دافِعٌ ولا لِمَشِيئَتِهِ مانِعٌ فَعَبَّرَ تَعالى عَنْ هَذا النَّفاذِ الخالِي عَنِ المُعارِضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَكَما أنَّهُ تَعالى قَدَرَ عَلى الإيجادِ في الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلَيْهِ في الإعادَةِ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ القاطِعَيْنِ أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ حَقٌّ وصِدْقٌ، والقَوْلُ: إنَّما طَعَنُوا في صِحَّةِ النُّبُوَّةِ بِناءً عَلى الطَّعْنِ في هَذا الأصْلِ، فَلَمّا بَطَلَ هَذا الطَّعْنُ بَطَلَ أيْضًا طَعْنُهم في النُّبُوَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ حِكايَةٌ عَنِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقَوْلُهُ: ﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ: بَلى يَبْعَثُهم، وقَوْلُهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: وعَدَ بِالبَعْثِ وعْدًا حَقًّا لا خُلْفَ فِيهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ يَبْعَثُهم دَلَّ عَلى قَوْلِهِ وعَدَ بِالبَعْثِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ مِن أُمُورِ البَعْثِ، أيْ: بَلى يَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما أقْسَمُوا فِيهِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ إنْ كانَ خِطابًا مَعَ المَعْدُومِ فَهو مُحالٌ، وإنْ كانَ خِطابًا مَعَ المَوْجُودِ كانَ هَذا أمْرًا بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو مُحالٌ. صفحة ٢٧ والجَوابُ: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِنَفْيِ الكَلامِ والمُعاياةِ وخِطابٌ مَعَ الخَلْقِ بِما يَعْقِلُونَ، ولَيْسَ خِطابًا لِلْمَعْدُومِ، لِأنَّ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو كائِنٌ عَلى كُلِّ حالٍ وعَلى ما أرادَهُ مِنَ الإسْراعِ، ولَوْ أرادَ خَلْقَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِما فِيهِما مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ في قَدْرِ لَمْحِ البَصَرِ لَقَدَرَ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ العِبادَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلُنا﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿أنْ نَقُولَ﴾ خَبَرُهُ و﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن كانَ التّامَّةِ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ أيْ: إذا أرَدْنا حُدُوثَ شَيْءٍ فَلَيْسَ إلّا أنْ نَقُولَ لَهُ: احْدُثْ، فَيَحْدُثُ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ. المسألة الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ (فَيَكُونَ) بِنَصْبِ النُّونِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ بِالرَّفْعِ وجْهُها أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ نَقُولَ لَهُ﴾ كَلامًا تامًّا، ثُمَّ يُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ، كَما يُقالُ: إنَّ زَيْدًا يَكْفِيهِ إنْ أُمِرَ فَيَفْعَلُ، فَتَرْفَعُ قَوْلَكَ: ”فَيَفْعَلُ“ عَلى أنْ تَجْعَلَهُ كَلامًا مُبْتَدَأً، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَوَجْهُهُ أنْ تَجْعَلَهُ عَطْفًا عَلى ”أنْ نَقُولَ“، والمَعْنى: أنْ نَقُولَ: ”كُنْ“ فَيَكُونَ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى جَوابِ ﴿كُنْ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ لَفْظَةُ ”كُنْ“ وإنْ كانَتْ عَلى لَفْظَةِ الأمْرِ فَلَيْسَ القَصْدُ بِها هَهُنا الأمْرَ، إنَّما هو - واللَّهُ أعْلَمُ - الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ وحُدُوثِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: إنَّهُ نُصِبَ عَلى جَوابِ ﴿كُنْ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:40

المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قِدَمِ القُرْآنِ فَقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إذا أرادَ إحْداثَ شَيْءٍ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ ﴿كُنْ﴾ حادِثًا لافْتَقَرَ إحْداثُهُ إلى أنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّسَلْسُلَ، وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَلامَ اللَّهِ قَدِيمٌ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ عِنْدِي لَيْسَ في غايَةِ القُوَّةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ﴿إذا﴾ لا تُفِيدُ التَّكْرارَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ إذا دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، فَدَخَلَتِ الدّارَ مَرَّةً طُلِّقَتْ طَلْقَةً واحِدَةً، فَلَوْ دَخَلَتْ ثانِيًا لَمْ تُطَلَّقْ طَلْقَةً ثانِيَةً، فَعَلِمْنا أنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ لا تُفِيدُ التَّكْرارَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ في كُلِّ ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ، فَلَمْ يَلْزَمِ التَّسَلْسُلُ. والوجه الثّانِي: أنَّ هَذا الدَّلِيلَ إنْ صَحَّ لَزِمَ القَوْلُ بِقِدَمِ لَفْظَةِ ”كُنْ“ وهَذا مَعْلُومُ البُطْلانِ بِالضَّرُورَةِ، لِأنَّ لَفْظَةَ: كُنْ، مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ والنُّونِ، وعِنْدَ حُضُورِ الكافِ لَمْ تَكُنِ النُّونُ حاضِرَةً، وعِنْدَ مَجِيءِ النُّونِ تَتَوَلّى الكافُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”كُنْ“ يَمْتَنِعُ كَوْنُها قَدِيمَةً، وإنَّما الَّذِي يَدَّعِي أصْحابُنا كَوْنَهُ قَدِيمًا صِفَةٌ مُغايِرَةٌ لِلَفْظَةِ كُنْ، فالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ لا يَقُولُ بِهِ أصْحابُنا، والَّذِي يَقُولُونَ بِهِ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، فَسَقَطَ التَّمَسُّكُ بِهِ. والوجه الثّالِثُ: أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ: إنَّ فُلانًا لا يُقْدِمُ عَلى قَوْلٍ ولا عَلى فِعْلٍ إلّا ويَسْتَعِينُ فِيهِ بِاللَّهِ تَعالى، فَإنَّ عاقِلًا لا يَقُولُ: إنَّ اسْتِعانَتَهُ بِاللَّهِ فِعْلٌ مِن أفْعالِهِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ اسْتِعانَةٍ مَسْبُوقَةً بِاسْتِعانَةٍ أُخْرى إلى غَيْرِ النِّهايَةِ لِأنَّ هَذا الكَلامَ بِحَسَبِ العُرْفِ باطِلٌ، فَكَذَلِكَ ما قالُوهُ. والوجه الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْعِرَةٌ بِحُدُوثِ الكَلامِ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ القَوْلِ واقِعًا بِالإرادَةِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ. صفحة ٢٨ والوجه الثّانِي: أنَّهُ عَلَّقَ القَوْلَ بِكَلِمَةِ إذا، ولا شَكَّ أنَّ لَفْظَةَ ”إذا“ تَدْخُلُ لِلِاسْتِقْبالِ. والوجه الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ نَقُولَ لَهُ﴾ لا خِلافَ أنَّ ذَلِكَ يُنْبِئُ عَنِ الِاسْتِقْبالِ. والوجه الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُدُوثَ الكَوْنِ حاصِلٌ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿كُنْ﴾ فَتَكُونُ كَلِمَةُ ﴿كُنْ﴾ مُتَقَدِّمَةً عَلى حُدُوثِ الكَوْنِ بِزَمانٍ واحِدٍ، والمُتَقَدِّمُ عَلى المُحْدَثِ بِزَمانٍ واحِدٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا. والوجه الخامِسُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]، ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] . ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] . ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً﴾ [الأحقاف: ١٢] . فَإنْ قِيلَ: فَهَبْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى قِدَمِ الكَلامِ، ولَكِنَّكم ذَكَرْتُمْ أنَّها تَدُلُّ عَلى حُدُوثِ الكَلامِ، فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ . قُلْنا: نَصْرِفُ هَذِهِ الدَّلائِلَ إلى الكَلامِ المَسْمُوعِ الَّذِي هو مُرَكَّبٌ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِكَوْنِهِ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا. واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم تَمادَوْا في الغَيِّ والجَهْلِ والضَّلالِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ لا يَبْعُدُ إقْدامُهم عَلى إيذاءِ المُسْلِمِينَ وضَرِّهِمْ، وإنْزالِ العُقُوباتِ بِهِمْ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يُهاجِرُوا عَنْ تِلْكَ الدِّيارِ والمَساكِنِ، فَذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمَ تِلْكَ الهِجْرَةِ، وبَيَّنَ ما لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ مِنَ الحَسَناتِ في الدُّنْيا، والأجْرِ في الآخِرَةِ مِن حَيْثُ هاجَرُوا وصَبَرُوا وتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ، وذَلِكَ تَرْغِيبٌ لِغَيْرِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سِتَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ صُهَيْبٍ وبِلالٍ وعَمّارٍ وخَبّابٍ وعابِسٍ وجُبَيْرٍ مَوْلَيَيْنِ لِقُرَيْشٍ، فَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهم لِيَرُدُّوهم عَنِ الإسْلامِ، أمّا صُهَيْبٌ فَقالَ لَهم: أنا رَجُلٌ كَبِيرٌ إنْ كُنْتُ لَكم لَمْ أنْفَعْكم، وإنْ كُنْتُ عَلَيْكم لَمْ أضُرَّكم، فافْتَدى مِنهم بِمالِهِ، فَلَمّا رَآهُ أبُو بَكْرٍ قالَ: رَبِحَ البَيْعُ يا صُهَيْبُ، وقالَ عُمَرُ: نِعْمَ الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، وهو ثَناءٌ عَظِيمٌ يُرِيدُ: لَوْ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ النّارَ لَأطاعَهُ، فَكَيْفَ ظَنُّكَ بِهِ وقَدْ خَلَقَها ؟ وأمّا سائِرُهم فَقَدْ قالُوا بَعْضَ ما أرادَ أهْلُ مَكَّةَ مِن كَلِمَةِ الكُفْرِ والرُّجُوعِ عَنِ الإسْلامِ، فَتَرَكُوا عَذابَهم، ثُمَّ هاجَرُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عِظَمَ مَحَلِّ الهِجْرَةِ ومَحَلِّ المُهاجِرِينَ، فالوجه فِيهِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ بِسَبَبِ هِجْرَتِهِمْ ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهم، ودَلَّ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ﴾ أنَّ الهِجْرَةَ إذا لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ لَها مَوْقِعٌ، وكانَتْ بِمَنزِلَةِ الِانْتِقالِ مِن بَلَدٍ إلى صفحة ٢٩ بَلَدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ مَعْناهُ أنَّهم كانُوا مَظْلُومِينَ في أيْدِي الكُفّارِ، لِأنَّهم كانُوا يُعَذِّبُونَهم. ثم قال: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَسَنَةً﴾ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا﴾ والتَّقْدِيرُ: لَنُبَوِّئَنَّهم تَبْوِئَةً حَسَنَةً، وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: (لَنُبَوِّئَنَّهم إبْواءَةً حَسَنَةً ) . الثّانِي: لَنُنْزِلَنَّهم في الدُّنْيا مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوهم، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما ذَخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْبَرُ. والقَوْلُ الثّالِثُ: لَنُبَوِّئَنَّهم مَباءَةً حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ حَيْثُ آواهم أهْلُها ونَصَرُوهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ، والتَّقْدِيرُ: لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا دارًا حَسَنَةً أوْ بَلْدَةً حَسَنَةً يَعْنِي: المَدِينَةَ. ثم قال تَعالى: ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ وأعْظَمُ وأشْرَفُ؛ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ والضَّمِيرُ إلى مَن يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى المُهاجِرِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ. ثم قال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وفي مَحَلِّ: ﴿الَّذِينَ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ صَبَرُوا. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أعْنِي: الَّذِينَ صَبَرُوا، وكِلا الوجه يْنِ مَدْحٌ، والمَعْنى: أنَّهم صَبَرُوا عَلى العَذابِ وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ الَّذِي هو حَرَمُ اللَّهِ، وعَلى المُجاهَدَةِ وبَذْلِ الأمْوالِ والأنْفُسِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ الصَّبْرَ والتَّوَكُّلَ. أمّا الصَّبْرُ فَلِلسَّعْيِ في قَهْرِ النَّفْسِ، وأمّا التَّوَكُّلُ فَلِلِانْقِطاعِ بِالكُلِّيَّةِ مِنَ الخَلْقِ والتَّوَجُّهِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَقِّ، فالأوَّلُ: هو مَبْدَأُ السُّلُوكِ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: آخِرُ هَذا الطَّرِيقِ ونِهايَتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم تَمادَوْا في الغَيِّ والجَهْلِ والضَّلالِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ لا يَبْعُدُ إقْدامُهم عَلى إيذاءِ المُسْلِمِينَ وضَرِّهِمْ، وإنْزالِ العُقُوباتِ بِهِمْ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يُهاجِرُوا عَنْ تِلْكَ الدِّيارِ والمَساكِنِ، فَذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمَ تِلْكَ الهِجْرَةِ، وبَيَّنَ ما لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ مِنَ الحَسَناتِ في الدُّنْيا، والأجْرِ في الآخِرَةِ مِن حَيْثُ هاجَرُوا وصَبَرُوا وتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ، وذَلِكَ تَرْغِيبٌ لِغَيْرِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سِتَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ صُهَيْبٍ وبِلالٍ وعَمّارٍ وخَبّابٍ وعابِسٍ وجُبَيْرٍ مَوْلَيَيْنِ لِقُرَيْشٍ، فَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهم لِيَرُدُّوهم عَنِ الإسْلامِ، أمّا صُهَيْبٌ فَقالَ لَهم: أنا رَجُلٌ كَبِيرٌ إنْ كُنْتُ لَكم لَمْ أنْفَعْكم، وإنْ كُنْتُ عَلَيْكم لَمْ أضُرَّكم، فافْتَدى مِنهم بِمالِهِ، فَلَمّا رَآهُ أبُو بَكْرٍ قالَ: رَبِحَ البَيْعُ يا صُهَيْبُ، وقالَ عُمَرُ: نِعْمَ الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، وهو ثَناءٌ عَظِيمٌ يُرِيدُ: لَوْ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ النّارَ لَأطاعَهُ، فَكَيْفَ ظَنُّكَ بِهِ وقَدْ خَلَقَها ؟ وأمّا سائِرُهم فَقَدْ قالُوا بَعْضَ ما أرادَ أهْلُ مَكَّةَ مِن كَلِمَةِ الكُفْرِ والرُّجُوعِ عَنِ الإسْلامِ، فَتَرَكُوا عَذابَهم، ثُمَّ هاجَرُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عِظَمَ مَحَلِّ الهِجْرَةِ ومَحَلِّ المُهاجِرِينَ، فالوجه فِيهِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ بِسَبَبِ هِجْرَتِهِمْ ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهم، ودَلَّ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ﴾ أنَّ الهِجْرَةَ إذا لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ لَها مَوْقِعٌ، وكانَتْ بِمَنزِلَةِ الِانْتِقالِ مِن بَلَدٍ إلى صفحة ٢٩ بَلَدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ مَعْناهُ أنَّهم كانُوا مَظْلُومِينَ في أيْدِي الكُفّارِ، لِأنَّهم كانُوا يُعَذِّبُونَهم. ثم قال: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَسَنَةً﴾ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا﴾ والتَّقْدِيرُ: لَنُبَوِّئَنَّهم تَبْوِئَةً حَسَنَةً، وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: (لَنُبَوِّئَنَّهم إبْواءَةً حَسَنَةً ) . الثّانِي: لَنُنْزِلَنَّهم في الدُّنْيا مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوهم، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما ذَخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْبَرُ. والقَوْلُ الثّالِثُ: لَنُبَوِّئَنَّهم مَباءَةً حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ حَيْثُ آواهم أهْلُها ونَصَرُوهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ، والتَّقْدِيرُ: لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا دارًا حَسَنَةً أوْ بَلْدَةً حَسَنَةً يَعْنِي: المَدِينَةَ. ثم قال تَعالى: ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ وأعْظَمُ وأشْرَفُ؛ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ والضَّمِيرُ إلى مَن يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى المُهاجِرِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ. ثم قال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وفي مَحَلِّ: ﴿الَّذِينَ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ صَبَرُوا. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أعْنِي: الَّذِينَ صَبَرُوا، وكِلا الوجه يْنِ مَدْحٌ، والمَعْنى: أنَّهم صَبَرُوا عَلى العَذابِ وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ الَّذِي هو حَرَمُ اللَّهِ، وعَلى المُجاهَدَةِ وبَذْلِ الأمْوالِ والأنْفُسِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ الصَّبْرَ والتَّوَكُّلَ. أمّا الصَّبْرُ فَلِلسَّعْيِ في قَهْرِ النَّفْسِ، وأمّا التَّوَكُّلُ فَلِلِانْقِطاعِ بِالكُلِّيَّةِ مِنَ الخَلْقِ والتَّوَجُّهِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَقِّ، فالأوَّلُ: هو مَبْدَأُ السُّلُوكِ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: آخِرُ هَذا الطَّرِيقِ ونِهايَتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ٣٠ المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ كانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ واحِدًا مِنَ البَشَرِ، بَلْ لَوْ أرادَ بِعْثَةَ رَسُولٍ إلَيْنا لَكانَ يَبْعَثُ مَلَكًا، وقَدْ ذَكَرْنا تَقْرِيرَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ فَلا نُعِيدُهُ هَهُنا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وقالُوا: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧] وقالُوا: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣، ٣٤] وقالَ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ [يونس: ٢] وقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى مِن أوَّلِ زَمانِ الخَلْقِ والتَّكْلِيفِ أنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ رَسُولًا إلّا مِنَ البَشَرِ، فَهَذِهِ العادَةُ مُسْتَمِرَّةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وطَعْنُ هَؤُلاءِ الجُهّالِ بِهَذا السُّؤالِ الرَّكِيكِ أيْضًا طَعْنٌ قَدِيمٌ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. المسألة الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أرْسَلَ أحَدًا مِنَ النِّساءِ، ودَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّهُ ما أرْسَلَ مَلَكًا، لَكِنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١] يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ رُسُلُ اللَّهِ إلى سائِرِ المَلائِكَةِ، فَكانَ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ ما أرْسَلَ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ إلى النّاسِ. قالَ القاضِي: وزَعَمَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا مَن هو بِصُورَةِ الرِّجالِ مِنَ المَلائِكَةِ. ثم قال القاضِي: لَعَلَّهُ أرادَ أنَّ المَلَكَ الَّذِي يُرْسَلُ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِحَضْرَةِ أُمَمِهِمْ، لِأنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ أيْضًا بِصُورَةِ الرِّجالِ، كَما رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَضَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ وفي صُورَةِ سُراقَةَ، وإنَّما قُلْنا ذَلِكَ لِأنَّ المَعْلُومَ مِن حالِ المَلائِكَةِ أنَّ عِنْدَ إبْلاغِ الرِّسالَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الرَّسُولِ قَدْ يَبْقَوْنَ عَلى صُورَتِهِمُ الأصْلِيَّةِ المَلَكِيَّةِ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها مَرَّتَيْنِ»، وعَلَيْهِ تَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في المُرادِ بِأهْلِ الذِّكْرِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ أهْلَ التَّوْراةِ، والذِّكْرُ هو التَّوْراةُ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يَعْنِي: التَّوْراةَ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: فاسْألُوا أهْلَ الكُتُبِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ مَعانِيَ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّ الأنْبِياءَ كُلَّهم بَشَرٌ. والثّالِثُ: أهْلُ الذِّكْرِ أهْلُ العِلْمِ بِأخْبارِ الماضِينَ، إذِ العالِمُ بِالشَّيْءِ يَكُونُ ذاكِرًا لَهُ. والرّابِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ سَلُوا كُلَّ مَن يُذْكَرُ بِعِلْمٍ وتَحْقِيقٍ. وأقُولُ: الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ وهي قَوْلُهم: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ واحِدًا مِنَ البَشَرِ، إنَّما تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ مَكَّةَ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى أصْحابُ العُلُومِ والكُتُبِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِأنْ يَرْجِعُوا في هَذِهِ المسألة إلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ لِيُبَيِّنُوا لَهم ضَعْفَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وسُقُوطَها، فَإنَّ اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ لا بُدَّ لَهُما مِن تَزْيِيفِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وبَيانِ سُقُوطِها. المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ تَقْلِيدُ المُجْتَهِدِ ؟ مِنهم مَن حَكَمَ بِالجَوازِ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ أحَدُ المُجْتَهِدِينَ عالِمًا وجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلى المُجْتَهِدِ الآخَرِ الَّذِي يَكُونُ عالِمًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فَإنْ لَمْ يَجِبْ فَلا أقَلَّ مِنَ الجَوازِ. المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: المُكَلَّفُ إذا نَزَلَتْ بِهِ واقِعَةٌ فَإنْ كانَ عالِمًا بِحُكْمِها صفحة ٣١ لَمْ يَجُزْ لَهُ القِياسُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِحُكْمِها وجَبَ عَلَيْهِ سُؤالُ مَن كانَ عالِمًا بِها؛ لِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَوْ كانَ القِياسُ حُجَّةً لَما وجَبَ عَلَيْهِ سُؤالُ العالِمِ؛ لِأجْلِ أنَّهُ يُمْكِنُهُ اسْتِنْباطُ ذَلِكَ الحكم بِواسِطَةِ القِياسِ، فَثَبَتَ أنَّ تَجْوِيزَ العَمَلِ بِالقِياسِ يُوجِبُ تَرْكَ العَمَلِ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ. واللَّهُ أعْلَمُ. وجَوابُهُ: أنَّهُ ثَبَتَ جَوازُ العَمَلِ بِالقِياسِ بِإجْماعِ الصَّحابَةِ، والإجْماعُ أقْوى مِن هَذا الدَّلِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: ذَكَرُوا في الجالِبِ لِهَذِهِ الباءِ وُجُوهًا. الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ، وأنْكَرَ الفَرّاءُ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ صِلَةَ ما قَبْلَ إلّا لا يَتَأخَّرُ إلى بَعْدُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ المُسْتَثْنى عَنْهُ هو مَجْمُوعُ ما قَبْلَ إلّا مَعَ صِلَتِهِ، فَما لَمْ يَصِرْ هَذا المَجْمُوعُ مَذْكُورًا بِتَمامِهِ امْتَنَعَ إدْخالُ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُسْتَثْنى. والثّالِثُ: أنَّ الجالِبَ لِهَذا الباءِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. قالَ: ونَظِيرُهُ ما مَرَّ إلّا أخُوكَ بِزَيْدٍ، ما مَرَّ إلّا أخُوكَ، ثُمَّ يَقُولُ: مَرَّ بِزَيْدٍ. الرّابِعُ: أنْ يُقالَ: الذِّكْرُ بِمَعْنى العِلْمِ، والتَّقْدِيرُ: فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ لَفْظَةٌ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما تَكامَلَ بِهِ الرِّسالَةُ، لِأنَّ مَدارَ أمْرِها عَلى المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ مَن يَدَّعِي الرِّسالَةَ، وهي البَيِّناتُ، وعَلى التَّكالِيفِ الَّتِي يُبَلِّغُها الرَّسُولُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى العِبادِ وهي الزُّبُرُ.

النحل 16:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ٣٠ المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ كانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ واحِدًا مِنَ البَشَرِ، بَلْ لَوْ أرادَ بِعْثَةَ رَسُولٍ إلَيْنا لَكانَ يَبْعَثُ مَلَكًا، وقَدْ ذَكَرْنا تَقْرِيرَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ فَلا نُعِيدُهُ هَهُنا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وقالُوا: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧] وقالُوا: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣، ٣٤] وقالَ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ [يونس: ٢] وقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى مِن أوَّلِ زَمانِ الخَلْقِ والتَّكْلِيفِ أنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ رَسُولًا إلّا مِنَ البَشَرِ، فَهَذِهِ العادَةُ مُسْتَمِرَّةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وطَعْنُ هَؤُلاءِ الجُهّالِ بِهَذا السُّؤالِ الرَّكِيكِ أيْضًا طَعْنٌ قَدِيمٌ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. المسألة الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أرْسَلَ أحَدًا مِنَ النِّساءِ، ودَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّهُ ما أرْسَلَ مَلَكًا، لَكِنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١] يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ رُسُلُ اللَّهِ إلى سائِرِ المَلائِكَةِ، فَكانَ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ ما أرْسَلَ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ إلى النّاسِ. قالَ القاضِي: وزَعَمَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا مَن هو بِصُورَةِ الرِّجالِ مِنَ المَلائِكَةِ. ثم قال القاضِي: لَعَلَّهُ أرادَ أنَّ المَلَكَ الَّذِي يُرْسَلُ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِحَضْرَةِ أُمَمِهِمْ، لِأنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ أيْضًا بِصُورَةِ الرِّجالِ، كَما رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَضَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ وفي صُورَةِ سُراقَةَ، وإنَّما قُلْنا ذَلِكَ لِأنَّ المَعْلُومَ مِن حالِ المَلائِكَةِ أنَّ عِنْدَ إبْلاغِ الرِّسالَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الرَّسُولِ قَدْ يَبْقَوْنَ عَلى صُورَتِهِمُ الأصْلِيَّةِ المَلَكِيَّةِ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها مَرَّتَيْنِ»، وعَلَيْهِ تَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في المُرادِ بِأهْلِ الذِّكْرِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ أهْلَ التَّوْراةِ، والذِّكْرُ هو التَّوْراةُ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يَعْنِي: التَّوْراةَ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: فاسْألُوا أهْلَ الكُتُبِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ مَعانِيَ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّ الأنْبِياءَ كُلَّهم بَشَرٌ. والثّالِثُ: أهْلُ الذِّكْرِ أهْلُ العِلْمِ بِأخْبارِ الماضِينَ، إذِ العالِمُ بِالشَّيْءِ يَكُونُ ذاكِرًا لَهُ. والرّابِعُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ سَلُوا كُلَّ مَن يُذْكَرُ بِعِلْمٍ وتَحْقِيقٍ. وأقُولُ: الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ وهي قَوْلُهم: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ واحِدًا مِنَ البَشَرِ، إنَّما تَمَسَّكَ بِها كُفّارُ مَكَّةَ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى أصْحابُ العُلُومِ والكُتُبِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِأنْ يَرْجِعُوا في هَذِهِ المسألة إلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ لِيُبَيِّنُوا لَهم ضَعْفَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وسُقُوطَها، فَإنَّ اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ لا بُدَّ لَهُما مِن تَزْيِيفِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وبَيانِ سُقُوطِها. المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ تَقْلِيدُ المُجْتَهِدِ ؟ مِنهم مَن حَكَمَ بِالجَوازِ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ أحَدُ المُجْتَهِدِينَ عالِمًا وجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلى المُجْتَهِدِ الآخَرِ الَّذِي يَكُونُ عالِمًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فَإنْ لَمْ يَجِبْ فَلا أقَلَّ مِنَ الجَوازِ. المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: المُكَلَّفُ إذا نَزَلَتْ بِهِ واقِعَةٌ فَإنْ كانَ عالِمًا بِحُكْمِها صفحة ٣١ لَمْ يَجُزْ لَهُ القِياسُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِحُكْمِها وجَبَ عَلَيْهِ سُؤالُ مَن كانَ عالِمًا بِها؛ لِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَوْ كانَ القِياسُ حُجَّةً لَما وجَبَ عَلَيْهِ سُؤالُ العالِمِ؛ لِأجْلِ أنَّهُ يُمْكِنُهُ اسْتِنْباطُ ذَلِكَ الحكم بِواسِطَةِ القِياسِ، فَثَبَتَ أنَّ تَجْوِيزَ العَمَلِ بِالقِياسِ يُوجِبُ تَرْكَ العَمَلِ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ. واللَّهُ أعْلَمُ. وجَوابُهُ: أنَّهُ ثَبَتَ جَوازُ العَمَلِ بِالقِياسِ بِإجْماعِ الصَّحابَةِ، والإجْماعُ أقْوى مِن هَذا الدَّلِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: ذَكَرُوا في الجالِبِ لِهَذِهِ الباءِ وُجُوهًا. الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ، وأنْكَرَ الفَرّاءُ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ صِلَةَ ما قَبْلَ إلّا لا يَتَأخَّرُ إلى بَعْدُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ المُسْتَثْنى عَنْهُ هو مَجْمُوعُ ما قَبْلَ إلّا مَعَ صِلَتِهِ، فَما لَمْ يَصِرْ هَذا المَجْمُوعُ مَذْكُورًا بِتَمامِهِ امْتَنَعَ إدْخالُ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُسْتَثْنى. والثّالِثُ: أنَّ الجالِبَ لِهَذا الباءِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. قالَ: ونَظِيرُهُ ما مَرَّ إلّا أخُوكَ بِزَيْدٍ، ما مَرَّ إلّا أخُوكَ، ثُمَّ يَقُولُ: مَرَّ بِزَيْدٍ. الرّابِعُ: أنْ يُقالَ: الذِّكْرُ بِمَعْنى العِلْمِ، والتَّقْدِيرُ: فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ لَفْظَةٌ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما تَكامَلَ بِهِ الرِّسالَةُ، لِأنَّ مَدارَ أمْرِها عَلى المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ مَن يَدَّعِي الرِّسالَةَ، وهي البَيِّناتُ، وعَلى التَّكالِيفِ الَّتِي يُبَلِّغُها الرَّسُولُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى العِبادِ وهي الزُّبُرُ.

النحل 16:45

ثم قال تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ هَذا الذِّكْرَ مُفْتَقِرٌ إلى بَيانِ رَسُولِ اللَّهِ والمُفْتَقِرُ إلى البَيانِ مُجْمَلٌ، فَظاهِرُ هَذا النَّصِّ يَقْتَضِي أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُجْمَلٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ بَعْضُهم: مَتى وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ القُرْآنِ وبَيْنَ الخَبَرِ وجَبَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُجْمَلٌ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، والخَبَرُ مُبَيِّنٌ لَهُ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُبَيِّنُ مُقَدَّمٌ عَلى المُجْمَلِ. والجَوابُ: أنَّ القُرْآنَ مِنهُ مُحْكَمٌ، ومِنهُ مُتَشابِهٌ، والمُحْكَمُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُبَيِّنًا، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ كُلُّهُ مُجْمَلًا بَلْ فِيهِ ما يَكُونُ مُجْمَلًا فَقَوْلُهُ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المُجْمَلاتِ. المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ هو المُبَيِّنُ لِكُلِّ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى المُكَلَّفِينَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ نُفاةُ القِياسِ: لَوْ كانَ القِياسُ حُجَّةً لَما وجَبَ عَلى الرَّسُولِ بَيانُ كُلِّ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى المُكَلَّفِينَ مِنَ الأحْكامِ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يُبَيِّنَ المُكَلِّفُ ذَلِكَ الحكم بِطَرِيقَةِ القِياسِ، ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُبَيِّنَ لِكُلِّ التَّكالِيفِ والأحْكامِ هو الرَّسُولُ ﷺ، عَلِمْنا أنَّ القِياسَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ ﷺ لَمّا بَيَّنَ أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ، فَمَن رَجَعَ في تَبْيِينِ الأحْكامِ والتَّكالِيفِ إلى القِياسِ، كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ رُجُوعًا إلى بَيانِ الرَّسُولِ ﷺ . ثم قال تَعالى: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ المَكْرُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ السَّعْيِ بِالفَسادِ عَلى سَبِيلِ صفحة ٣٢ الإخْفاءِ، ولا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: المَكَراتِ السَّيِّئاتِ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ ومَن حَوْلَ المَدِينَةِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِهَذا المَكْرِ اشْتِغالُهم بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ سَعْيُهم في إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ وأصْحابِهِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في تَهْدِيدِهِمْ أُمُورًا أرْبَعَةً: الأوَّلَ: أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ كَما خَسَفَ بِقارُونَ. الثّانِيَ: أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، والمُرادُ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِنَ السَّماءِ مِن حَيْثُ يَفْجَؤُهم فَيُهْلِكُهم بَغْتَةً كَما فَعَلَ بِقَوْمِ لُوطٍ. والثّالِثُ: أنْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ، وفي تَفْسِيرِ هَذا التَّقَلُّبِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَأْخُذُهم بِالعُقُوبَةِ في أسْفارِهِمْ، فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ في السَّفَرِ، كَما أنَّهُ قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ في الحَضَرِ، وهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ بِسَبَبِ ضَرْبِهِمْ في البِلادِ البَعِيدَةِ، بَلْ يُدْرِكُهُمُ اللَّهُ حَيْثُ كانُوا، وحَمْلُ لَفْظِ التَّقَلُّبِ عَلى هَذا المَعْنى مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] . وثانِيهِما: تَفْسِيرُ هَذا اللَّفْظِ بِأنَّهُ يَأْخُذُهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ في أحْوالِ إقْبالِهِمْ وإدْبارِهِمْ وذَهابِهِمْ ومَجِيئِهِمْ وحَقِيقَتُهُ في حالِ تَصَرُّفِهِمْ في الأُمُورِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيها أمْثالُهم. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَأْخُذَهم في حالِ ما يَنْقَلِبُونَ في قَضايا أفْكارِهِمْ فَيَحُولُ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ إتْمامِ تِلْكَ الحِيَلِ قَسْرًا كَما قالَ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦] وحَمْلُ لَفْظِ التَّقَلُّبِ عَلى هَذا المَعْنى مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ [التوبة: ٤٨] فَإنَّهم إذا قَلَّبُوها فَقَدْ تَقَلَّبُوا فِيها. والنوع الرّابِعُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ وفي تَفْسِيرِ التَّخَوُّفِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: التَّخَوُّفُ تَفَعُّلٌ مِنَ الخَوْفِ، يُقالُ: خِفْتُ الشَّيْءَ وتَخَوَّفْتُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَأْخُذُهم بِالعَذابِ أوَّلًا بَلْ يُخِيفُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعَذِّبُهم بَعْدَهُ، وتِلْكَ الإخافَةُ هو أنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ فِرْقَةً فَتَخافُ الَّتِي تَلِيها، فَيَكُونُ هَذا أخْذًا ورَدًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يَمُرَّ بِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ زَمانًا طَوِيلًا في الخَوْفِ والوَحْشَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّخَوُّفَ هو التَّنَقُّصُ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ تَخَوَّفْتُ الشَّيْءَ وتَخَيَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتَهُ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ عَلى المِنبَرِ: ما تَقُولُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَسَكَتُوا، فَقامَ شَيْخٌ مِن هُذَيْلٍ فَقالَ: هَذِهِ لُغَتُنا التَّخَوُّفُ التَّنَقُّصُ، فَقالَ عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ في أشْعارِها ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ شاعِرُنا وأنْشَدَ: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تامِكًا قَرِدًا كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ فَقالَ عُمَرُ: أيُّها النّاسُ عَلَيْكم بِدِيوانِكم لا تَضِلُّوا، قالُوا: وما دِيوانُنا ؟ قالَ شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ فِيهِ تَفْسِيرُ كِتابِكم. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا التَّنَقُّصُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما يَقَعُ في أطْرافِ بِلادِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الأنبياء: ٤٤] والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يُعاجِلُهم بِالعَذابِ، ولَكِنْ يَنْقُصُ مِن أطْرافِ بِلادِهِمْ إلى القُرى الَّتِي تُجاوِرُهم حَتّى يَخْلُصَ الأمْرُ إلَيْهِمْ فَحِينَئِذٍ يُهْلِكُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّهُ يَنْقُصُ أمْوالَهم وأنْفُسَهم قَلِيلًا قَلِيلًا حَتّى يَأْتِيَ الفَناءُ عَلى الكُلِّ فَهَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى خَوَّفَهم بِخَسْفٍ يَحْصُلُ في الأرْضِ أوْ بِعَذابٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ أوْ بِآفاتٍ تَحْدُثُ دَفْعَةً واحِدَةً، حالَ ما لا يَكُونُونَ عالِمِينَ بِعَلاماتِها ودَلائِلِها، أوْ بِآفاتٍ تَحْدُثُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى أنْ يَأْتِيَ الهَلاكُ عَلى آخِرِهِمْ ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ يُمْهِلُ في أكْثَرِ الأُمُورِ لِأنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَلا يُعاجِلُ بِالعَذابِ.

النحل 16:46

ثم قال تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ هَذا الذِّكْرَ مُفْتَقِرٌ إلى بَيانِ رَسُولِ اللَّهِ والمُفْتَقِرُ إلى البَيانِ مُجْمَلٌ، فَظاهِرُ هَذا النَّصِّ يَقْتَضِي أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُجْمَلٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ بَعْضُهم: مَتى وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ القُرْآنِ وبَيْنَ الخَبَرِ وجَبَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُجْمَلٌ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، والخَبَرُ مُبَيِّنٌ لَهُ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُبَيِّنُ مُقَدَّمٌ عَلى المُجْمَلِ. والجَوابُ: أنَّ القُرْآنَ مِنهُ مُحْكَمٌ، ومِنهُ مُتَشابِهٌ، والمُحْكَمُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُبَيِّنًا، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ كُلُّهُ مُجْمَلًا بَلْ فِيهِ ما يَكُونُ مُجْمَلًا فَقَوْلُهُ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المُجْمَلاتِ. المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ هو المُبَيِّنُ لِكُلِّ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى المُكَلَّفِينَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ نُفاةُ القِياسِ: لَوْ كانَ القِياسُ حُجَّةً لَما وجَبَ عَلى الرَّسُولِ بَيانُ كُلِّ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى المُكَلَّفِينَ مِنَ الأحْكامِ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يُبَيِّنَ المُكَلِّفُ ذَلِكَ الحكم بِطَرِيقَةِ القِياسِ، ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُبَيِّنَ لِكُلِّ التَّكالِيفِ والأحْكامِ هو الرَّسُولُ ﷺ، عَلِمْنا أنَّ القِياسَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ ﷺ لَمّا بَيَّنَ أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ، فَمَن رَجَعَ في تَبْيِينِ الأحْكامِ والتَّكالِيفِ إلى القِياسِ، كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ رُجُوعًا إلى بَيانِ الرَّسُولِ ﷺ . ثم قال تَعالى: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ المَكْرُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ السَّعْيِ بِالفَسادِ عَلى سَبِيلِ صفحة ٣٢ الإخْفاءِ، ولا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: المَكَراتِ السَّيِّئاتِ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ ومَن حَوْلَ المَدِينَةِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِهَذا المَكْرِ اشْتِغالُهم بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ سَعْيُهم في إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ وأصْحابِهِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في تَهْدِيدِهِمْ أُمُورًا أرْبَعَةً: الأوَّلَ: أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ كَما خَسَفَ بِقارُونَ. الثّانِيَ: أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، والمُرادُ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِنَ السَّماءِ مِن حَيْثُ يَفْجَؤُهم فَيُهْلِكُهم بَغْتَةً كَما فَعَلَ بِقَوْمِ لُوطٍ. والثّالِثُ: أنْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ، وفي تَفْسِيرِ هَذا التَّقَلُّبِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَأْخُذُهم بِالعُقُوبَةِ في أسْفارِهِمْ، فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ في السَّفَرِ، كَما أنَّهُ قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ في الحَضَرِ، وهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ بِسَبَبِ ضَرْبِهِمْ في البِلادِ البَعِيدَةِ، بَلْ يُدْرِكُهُمُ اللَّهُ حَيْثُ كانُوا، وحَمْلُ لَفْظِ التَّقَلُّبِ عَلى هَذا المَعْنى مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] . وثانِيهِما: تَفْسِيرُ هَذا اللَّفْظِ بِأنَّهُ يَأْخُذُهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ في أحْوالِ إقْبالِهِمْ وإدْبارِهِمْ وذَهابِهِمْ ومَجِيئِهِمْ وحَقِيقَتُهُ في حالِ تَصَرُّفِهِمْ في الأُمُورِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيها أمْثالُهم. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَأْخُذَهم في حالِ ما يَنْقَلِبُونَ في قَضايا أفْكارِهِمْ فَيَحُولُ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ إتْمامِ تِلْكَ الحِيَلِ قَسْرًا كَما قالَ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦] وحَمْلُ لَفْظِ التَّقَلُّبِ عَلى هَذا المَعْنى مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ [التوبة: ٤٨] فَإنَّهم إذا قَلَّبُوها فَقَدْ تَقَلَّبُوا فِيها. والنوع الرّابِعُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ وفي تَفْسِيرِ التَّخَوُّفِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: التَّخَوُّفُ تَفَعُّلٌ مِنَ الخَوْفِ، يُقالُ: خِفْتُ الشَّيْءَ وتَخَوَّفْتُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَأْخُذُهم بِالعَذابِ أوَّلًا بَلْ يُخِيفُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعَذِّبُهم بَعْدَهُ، وتِلْكَ الإخافَةُ هو أنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ فِرْقَةً فَتَخافُ الَّتِي تَلِيها، فَيَكُونُ هَذا أخْذًا ورَدًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يَمُرَّ بِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ زَمانًا طَوِيلًا في الخَوْفِ والوَحْشَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّخَوُّفَ هو التَّنَقُّصُ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ تَخَوَّفْتُ الشَّيْءَ وتَخَيَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتَهُ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ عَلى المِنبَرِ: ما تَقُولُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَسَكَتُوا، فَقامَ شَيْخٌ مِن هُذَيْلٍ فَقالَ: هَذِهِ لُغَتُنا التَّخَوُّفُ التَّنَقُّصُ، فَقالَ عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ في أشْعارِها ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ شاعِرُنا وأنْشَدَ: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تامِكًا قَرِدًا كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ فَقالَ عُمَرُ: أيُّها النّاسُ عَلَيْكم بِدِيوانِكم لا تَضِلُّوا، قالُوا: وما دِيوانُنا ؟ قالَ شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ فِيهِ تَفْسِيرُ كِتابِكم. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا التَّنَقُّصُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما يَقَعُ في أطْرافِ بِلادِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الأنبياء: ٤٤] والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يُعاجِلُهم بِالعَذابِ، ولَكِنْ يَنْقُصُ مِن أطْرافِ بِلادِهِمْ إلى القُرى الَّتِي تُجاوِرُهم حَتّى يَخْلُصَ الأمْرُ إلَيْهِمْ فَحِينَئِذٍ يُهْلِكُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّهُ يَنْقُصُ أمْوالَهم وأنْفُسَهم قَلِيلًا قَلِيلًا حَتّى يَأْتِيَ الفَناءُ عَلى الكُلِّ فَهَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى خَوَّفَهم بِخَسْفٍ يَحْصُلُ في الأرْضِ أوْ بِعَذابٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ أوْ بِآفاتٍ تَحْدُثُ دَفْعَةً واحِدَةً، حالَ ما لا يَكُونُونَ عالِمِينَ بِعَلاماتِها ودَلائِلِها، أوْ بِآفاتٍ تَحْدُثُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى أنْ يَأْتِيَ الهَلاكُ عَلى آخِرِهِمْ ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ يُمْهِلُ في أكْثَرِ الأُمُورِ لِأنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَلا يُعاجِلُ بِالعَذابِ.

النحل 16:47

ثم قال تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ هَذا الذِّكْرَ مُفْتَقِرٌ إلى بَيانِ رَسُولِ اللَّهِ والمُفْتَقِرُ إلى البَيانِ مُجْمَلٌ، فَظاهِرُ هَذا النَّصِّ يَقْتَضِي أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُجْمَلٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ بَعْضُهم: مَتى وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ القُرْآنِ وبَيْنَ الخَبَرِ وجَبَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُجْمَلٌ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، والخَبَرُ مُبَيِّنٌ لَهُ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُبَيِّنُ مُقَدَّمٌ عَلى المُجْمَلِ. والجَوابُ: أنَّ القُرْآنَ مِنهُ مُحْكَمٌ، ومِنهُ مُتَشابِهٌ، والمُحْكَمُ يَجِبُ كَوْنُهُ مُبَيِّنًا، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ كُلُّهُ مُجْمَلًا بَلْ فِيهِ ما يَكُونُ مُجْمَلًا فَقَوْلُهُ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المُجْمَلاتِ. المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ هو المُبَيِّنُ لِكُلِّ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى المُكَلَّفِينَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ نُفاةُ القِياسِ: لَوْ كانَ القِياسُ حُجَّةً لَما وجَبَ عَلى الرَّسُولِ بَيانُ كُلِّ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى المُكَلَّفِينَ مِنَ الأحْكامِ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يُبَيِّنَ المُكَلِّفُ ذَلِكَ الحكم بِطَرِيقَةِ القِياسِ، ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُبَيِّنَ لِكُلِّ التَّكالِيفِ والأحْكامِ هو الرَّسُولُ ﷺ، عَلِمْنا أنَّ القِياسَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ ﷺ لَمّا بَيَّنَ أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ، فَمَن رَجَعَ في تَبْيِينِ الأحْكامِ والتَّكالِيفِ إلى القِياسِ، كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ رُجُوعًا إلى بَيانِ الرَّسُولِ ﷺ . ثم قال تَعالى: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ المَكْرُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ السَّعْيِ بِالفَسادِ عَلى سَبِيلِ صفحة ٣٢ الإخْفاءِ، ولا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: المَكَراتِ السَّيِّئاتِ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ ومَن حَوْلَ المَدِينَةِ. قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِهَذا المَكْرِ اشْتِغالُهم بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ سَعْيُهم في إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ وأصْحابِهِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في تَهْدِيدِهِمْ أُمُورًا أرْبَعَةً: الأوَّلَ: أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ كَما خَسَفَ بِقارُونَ. الثّانِيَ: أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، والمُرادُ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِنَ السَّماءِ مِن حَيْثُ يَفْجَؤُهم فَيُهْلِكُهم بَغْتَةً كَما فَعَلَ بِقَوْمِ لُوطٍ. والثّالِثُ: أنْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ، وفي تَفْسِيرِ هَذا التَّقَلُّبِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَأْخُذُهم بِالعُقُوبَةِ في أسْفارِهِمْ، فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ في السَّفَرِ، كَما أنَّهُ قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ في الحَضَرِ، وهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ بِسَبَبِ ضَرْبِهِمْ في البِلادِ البَعِيدَةِ، بَلْ يُدْرِكُهُمُ اللَّهُ حَيْثُ كانُوا، وحَمْلُ لَفْظِ التَّقَلُّبِ عَلى هَذا المَعْنى مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] . وثانِيهِما: تَفْسِيرُ هَذا اللَّفْظِ بِأنَّهُ يَأْخُذُهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ في أحْوالِ إقْبالِهِمْ وإدْبارِهِمْ وذَهابِهِمْ ومَجِيئِهِمْ وحَقِيقَتُهُ في حالِ تَصَرُّفِهِمْ في الأُمُورِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيها أمْثالُهم. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى أوْ يَأْخُذَهم في حالِ ما يَنْقَلِبُونَ في قَضايا أفْكارِهِمْ فَيَحُولُ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ إتْمامِ تِلْكَ الحِيَلِ قَسْرًا كَما قالَ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦] وحَمْلُ لَفْظِ التَّقَلُّبِ عَلى هَذا المَعْنى مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ [التوبة: ٤٨] فَإنَّهم إذا قَلَّبُوها فَقَدْ تَقَلَّبُوا فِيها. والنوع الرّابِعُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ وفي تَفْسِيرِ التَّخَوُّفِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: التَّخَوُّفُ تَفَعُّلٌ مِنَ الخَوْفِ، يُقالُ: خِفْتُ الشَّيْءَ وتَخَوَّفْتُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَأْخُذُهم بِالعَذابِ أوَّلًا بَلْ يُخِيفُهم أوَّلًا، ثُمَّ يُعَذِّبُهم بَعْدَهُ، وتِلْكَ الإخافَةُ هو أنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ فِرْقَةً فَتَخافُ الَّتِي تَلِيها، فَيَكُونُ هَذا أخْذًا ورَدًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يَمُرَّ بِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ زَمانًا طَوِيلًا في الخَوْفِ والوَحْشَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّخَوُّفَ هو التَّنَقُّصُ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ تَخَوَّفْتُ الشَّيْءَ وتَخَيَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتَهُ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ عَلى المِنبَرِ: ما تَقُولُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَسَكَتُوا، فَقامَ شَيْخٌ مِن هُذَيْلٍ فَقالَ: هَذِهِ لُغَتُنا التَّخَوُّفُ التَّنَقُّصُ، فَقالَ عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ في أشْعارِها ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ شاعِرُنا وأنْشَدَ: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تامِكًا قَرِدًا كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ فَقالَ عُمَرُ: أيُّها النّاسُ عَلَيْكم بِدِيوانِكم لا تَضِلُّوا، قالُوا: وما دِيوانُنا ؟ قالَ شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ فِيهِ تَفْسِيرُ كِتابِكم. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا التَّنَقُّصُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما يَقَعُ في أطْرافِ بِلادِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الأنبياء: ٤٤] والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يُعاجِلُهم بِالعَذابِ، ولَكِنْ يَنْقُصُ مِن أطْرافِ بِلادِهِمْ إلى القُرى الَّتِي تُجاوِرُهم حَتّى يَخْلُصَ الأمْرُ إلَيْهِمْ فَحِينَئِذٍ يُهْلِكُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّهُ يَنْقُصُ أمْوالَهم وأنْفُسَهم قَلِيلًا قَلِيلًا حَتّى يَأْتِيَ الفَناءُ عَلى الكُلِّ فَهَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ، والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى خَوَّفَهم بِخَسْفٍ يَحْصُلُ في الأرْضِ أوْ بِعَذابٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ أوْ بِآفاتٍ تَحْدُثُ دَفْعَةً واحِدَةً، حالَ ما لا يَكُونُونَ عالِمِينَ بِعَلاماتِها ودَلائِلِها، أوْ بِآفاتٍ تَحْدُثُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى أنْ يَأْتِيَ الهَلاكُ عَلى آخِرِهِمْ ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ يُمْهِلُ في أكْثَرِ الأُمُورِ لِأنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَلا يُعاجِلُ بِالعَذابِ.

النحل 16:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ المُشْرِكِينَ بِالأنْواعِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ العَذابِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ في تَدْبِيرِ أحْوالِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ وتَدْبِيرِ أحْوالِ الأرْواحِ والأجْسامِ، لِيُظْهِرَ لَهم أنَّ مَعَ كَمالِ هَذِهِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ، والقُوَّةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ لا يَعْجِزُ عَنْ إيصالِ العَذابِ إلَيْهِمْ عَلى أحَدِ تِلْكَ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (أوَلَمْ تَرَوْا) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: (أوَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ يَبْدَأُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) [العنكبوت: ١٩] بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ بِالياءِ فِيهِما كِنايَةً عَنِ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ، وأيْضًا أنَّ ما قَبْلَهُ غَيْبَةٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ [النَّحْلِ: ٤٥ - ٤٦] فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: (تَتَفَيَّأُ) بِالتّاءِ والباقُونَ بِالياءِ، وكِلاهُما جائِزٌ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِ عَلى الجَمْعِ. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ لَمّا كانَتِ الرُّؤْيَةُ هَهُنا بِمَعْنى النَّظَرِ وُصِلَتْ بِإلى؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الِاعْتِبارُ، والِاعْتِبارُ لا يَكُونُ بِنَفْسِ الرُّؤْيَةِ حَتّى يَكُونَ مَعَها نَظَرٌ إلى الشَّيْءِ وتَأمُّلٌ لِأحْوالِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: أرادَ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن جَبَلٍ وشَجَرٍ وبِناءٍ وجِسْمٍ قائِمٍ، ولَفْظُ الآيَةِ يُشْعِرُ بِهَذا القَيْدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ كَثِيفٌ يَقَعُ لَهُ ظِلٌّ عَلى الأرْضِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ إخْبارٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿شَيْءٍ﴾ ولَيْسَ بِوَصْفٍ لَهُ، ويَتَفَيَّأُ يَتَفَعَّلُ مِنَ الفَيْءِ يُقالُ: فاءَ الظِّلُّ يَفِيءُ فَيْئًا إذا رَجَعَ وعادَ بَعْدَما نَسَخَهُ ضِياءُ الشَّمْسِ، وأصْلُ الفَيْءِ الرُّجُوعُ، ومِنهُ فَيْءُ المَوْلى وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وكَذَلِكَ فَيْءُ المُسْلِمِينَ لِما يَعُودُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن مالِ مَن خالَفَ دِينَهم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ [الحشر: ٦] وأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ الرُّجُوعِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا عُدِّيَ فاءَ فَإنَّهُ يُعَدّى إمّا بِزِيادَةِ الهَمْزَةِ أوْ بِتَضْعِيفِ العَيْنِ. أمّا التَّعْدِيَةُ بِزِيادَةِ الهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ﴾ [الحشر: ٦] وأمّا بِتَضْعِيفِ العَيْنِ فَكَقَوْلِهِ: فَيَّأ اللَّهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأ وتَفَيَّأ مُطاوِعُ فَيَّأ. قالَ الأزْهَرِيُّ: تَفَيُّؤُ الظِّلالِ رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فالتَّفَيُّؤُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَشِيِّ بَعْدَما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما يَكُونُ بِالغَداةِ وهو ما لَمْ تَنَلْهُ الشَّمْسُ كَما قالَ الشّاعِرُ: صفحة ٣٤ فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ قالَ ثَعْلَبٌ: أُخْبِرْتُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ، وما لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ، ومِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ، فَإنَّ أبا زَيْدٍ أنْشَدَ لِلنّابِغَةِ الجَعْدِيِّ: فَسَلامُ الإلَهِ يَغْدُو عَلَيْهِمْ ∗∗∗ وفُيُوءُ الغُرُوسِ ذاتُ الظِّلالِ فَهَذا الشِّعْرُ قَدْ أُوقِعَ فِيهِ لَفْظُ الفَيْءِ عَلى ما لَمْ تَنْسَخْهُ الشَّمْسُ؛ لِأنَّ ما في الجَنَّةِ مِنَ الظِّلِّ ما حَصَلَ بَعْدَ أنْ كانَ زائِلًا بِسَبَبِ نُورِ الشَّمْسِ، وتَقُولُ العَرَبُ في جَمْعِ فَيْءٍ: أفْياءٌ، وهي لِلْعَدَدِ القَلِيلِ، وفُيُوءٌ لِلْكَثِيرِ كالنُّفُوسِ والعُيُونِ، وقَوْلُهُ: ﴿ظِلالُهُ﴾ أضافَ الظِّلالَ إلى مُفْرَدٍ، ومَعْناهُ الإضافَةُ إلى ذَوِي الظِّلالِ، وإنَّما حَسُنَ هَذا؛ لِأنَّ الَّذِي عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ وإنْ كانَ واحِدًا في اللَّفْظِ وهو قَوْلُهُ: إلى ما خَلَقَ اللَّهُ، إلّا أنَّهُ كَثِيرٌ في المَعْنى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] فَأضافَ الظُّهُورَ وهو جَمْعٌ، إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ، لِأنَّهُ يَعُودُ إلى واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةُ وهو قَوْلُهُ: ﴿ما تَرْكَبُونَ﴾ هَذا كُلُّهُ كَلامُ الواحِدِيِّ وهو بَحْثٌ حَسَنٌ. * * * أما قوله: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: في المُرادِ بِاليَمِينِ والشَّمائِلِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ يَمِينَ الفَلَكِ هو المَشْرِقُ وشِمالَهُ هو المَغْرِبُ، والسَّبَبُ في تَخْصِيصِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ بِهَذَيْنِ الجانِبَيْنِ أنَّ أقْوى جانِبَيِ الإنْسانِ يَمِينُهُ، ومِنهُ تَظْهَرُ الحَرَكَةُ القَوِيَّةُ، فَلَمّا كانَتِ الحَرَكَةُ الفَلَكِيَّةُ اليَوْمِيَّةُ آخِذَةً مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَشْرِقُ يَمِينَ الفَلَكِ والمَغْرِبُ شِمالَهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِها إلى وقْتِ انْتِهائِها إلى وسَطِ الفَلَكِ تَقَعُ الأظْلالُ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ، فَإذا انْحَدَرَتِ الشَّمْسُ مِن وسَطِ الفَلَكِ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ وقَعَ الأظْلالُ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَهَذا هو المُرادُ مِن تَفَيُّؤِ الظِّلالِ مِنَ اليَمِينِ إلى الشِّمالِ وبِالعَكْسِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالأظْلالُ في أوَّلِ النَّهارِ تَبْتَدِئُ مِن يَمِينِ الفَلَكِ عَلى الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ، ومِن وقْتِ انْحِدارِ الشَّمْسِ مِن وسَطِ الفَلَكِ تَبْتَدِئُ الأظْلالُ مِن شِمالِ الفَلَكِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الأرْضِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ البَلْدَةَ الَّتِي يَكُونُ عَرْضُها أقَلَّ مِن مِقْدارِ المِيلِ، فَإنَّ في الصَّيْفِ تَحْصُلُ الشَّمْسُ عَلى يَسارِها، وحِينَئِذٍ يَقَعُ الأظْلالُ عَلى يَمِينِهِمْ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ انْتِقالِ الأظْلالِ عَنِ الأيْمانِ إلى الشَّمائِلِ وبِالعَكْسِ. هَذا ما حَصَّلْتُهُ في هَذا البابِ، وكَلامُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ غَيْرُ مُلَخَّصٍ. البحث الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما السَّبَبُ في أنْ ذَكَرَ اليَمِينَ بِلَفْظِ الواحِدِ، والشَّمائِلَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ ؟ . وأُجِيبَ عَنْهُ بِأشْياءَ: أحَدُها: أنَّهُ وحَّدَ اليَمِينَ والمُرادُ الجَمْعُ، ولَكِنَّهُ اقْتَصَرَ في اللَّفْظِ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] . وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ إذا وحَّدَ ذَهَبَ إلى واحِدَةٍ مِن ذَواتِ الأظْلالِ، وإذا جَمَعَ ذَهَبَ إلى كُلِّها، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَفْظُهُ واحِدٌ، ومَعْناهُ الجَمْعُ عَلى ما بَيَّنّاهُ فَيُحْتَمَلُ كِلا الأمْرَيْنِ. وثالِثُها: أنَّ العَرَبَ إذا ذَكَرَتْ صِيغَتَيْ جَمْعٍ عَبَّرَتْ عَنْ إحْداهُما بِلَفْظِ الواحِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] . ورابِعُها: أنّا إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِالمَشْرِقِ كانَتِ النُّقْطَةُ الَّتِي هي مَشْرِقُ الشَّمْسِ واحِدَةً بِعَيْنِها، فَكانَتِ اليَمِينُ صفحة ٣٥ واحِدَةً. وأمّا الشَّمائِلُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الِانْحِرافاتِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الأظْلالِ بَعْدَ وُقُوعِها عَلى الأرْضِ وهي كَثِيرَةٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الرّابِعَةُ: أما قوله: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ فَفِيهِ احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ السُّجُودِ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ يُقالُ: سَجَدَ البَعِيرُ إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ لِيُرْكَبَ، وسَجَدَتِ النَّخْلَةُ إذا مالَتْ لِكَثْرَةِ الحِمْلِ ويُقالُ: اسْجُدْ لِقِرْدِ السُّوءِ في زَمانِهِ، أيِ: اخْضَعْ لَهُ قالَ الشّاعِرُ: تَرى الأُكْمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ أيْ: مُتَواضِعَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى دَبَّرَ النَّيِّراتِ الفَلَكِيَّةَ، والأشْخاصَ الكَوْكَبِيَّةَ، بِحَيْثُ يَقَعُ أضْواؤُها عَلى هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ. ثُمَّ إنّا نُشاهِدُ أنَّ تِلْكَ الأضْواءَ، وتِلْكَ الأظْلالَ لا تَقَعُ في هَذا العالَمِ إلّا عَلى وفْقِ تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ، فَنُشاهِدُ أنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ وقَعَتِ لِلْأجْسامِ الكَثِيفَةِ أظْلالٌ مُمْتَدَّةٌ في الجانِبِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ كُلَّما ازْدادَتِ الشَّمْسُ طُلُوعًا وارْتِفاعًا، ازْدادَتْ تِلْكَ الأظْلالُ تَقَلُّصًا وانْتِقاصًا إلى الجانِبِ الشَّرْقِيِّ إلى أنْ تَصِلَ الشَّمْسُ إلى وسَطِ الفَلَكِ، فَإذا انْحَدَرَتْ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ ابْتَدَأتِ الأظْلالُ بِالوُقُوعِ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، وكُلَّما ازْدادَتِ الشَّمْسُ انْحِدارًا ازْدادَتِ الأظْلالُ تَمَدُّدًا وتَزايُدًا في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ. وكَما أنّا نُشاهِدُ هَذِهِ الحالَةَ في اليَوْمِ الواحِدِ، فَكَذَلِكَ نُشاهِدُ أحْوالَ الأظْلالِ مُخْتَلِفَةً في التَّيامُنِ والتَّياسُرِ في طُولِ السَّنَةِ، بِسَبَبِ اخْتِلافِ أحْوالِ الشَّمْسِ في الحَرَكَةِ مِنَ الجَنُوبِ إلى الشَّمالِ وبِالعَكْسِ، فَلَمّا شاهَدْنا أحْوالَ هَذِهِ الأظْلالِ مُخْتَلِفَةً بِسَبَبِ الِاخْتِلافاتِ اليَوْمِيَّةِ الواقِعَةِ في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها، وبِحَسَبِ الِاخْتِلافاتِ الواقِعَةِ في طُولِ السَّنَةِ في يَمِينِ الفَلَكِ ويَسارِهِ، ورَأيْنا أنَّها واقِعَةٌ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ وتَرْتِيبٍ مُعَيَّنٍ، عَلِمْنا أنَّها مُنْقادَةٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ خاضِعَةٌ لِتَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ، فَكانَتِ السَّجْدَةُ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الحالَةِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: اخْتِلافُ حالِ هَذِهِ الأظْلالِ مُعَلَّلٌ بِاخْتِلافِ سَيْرِ النَّيِّرِ الأعْظَمِ الَّذِي هو الشَّمْسُ، لا لِأجْلِ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ ؟ . قُلْنا: قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الجِسْمَ لا يَكُونُ مُتَحَرِّكًا لِذاتِهِ، إذْ لَوْ كانَتْ ذاتُهُ عِلَّةً لِهَذا الجُزْءِ المَخْصُوصِ مِنَ الحَرَكَةِ، لَبَقِيَ هَذا الجُزْءُ مِنَ الحَرَكَةِ لِبَقاءِ ذاتِهِ، ولَوْ بَقِيَ ذَلِكَ الجُزْءُ مِنَ الحَرَكَةِ لامْتَنَعَ حُصُولُ الجُزْءِ الآخَرِ مِنَ الحَرَكَةِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ هَذا سُكُونًا لا حَرَكَةً، فالقَوْلُ بِأنَّ الجِسْمَ المُتَحَرِّكَ لِذاتِهِ يُوجِبُ القَوْلَ بِكَوْنِهِ ساكِنًا لِذاتِهِ وأنَّهُ مُحالٌ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ كانَ باطِلًا، فَعَلِمْنا أنَّ الجِسْمَ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ مُتَحَرِّكًا لِذاتِهِ، وأيْضًا فَقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فاخْتِصاصُ جِرْمِ الشَّمْسِ بِالقُوَّةِ المُعَيَّنَةِ والخاصِّيَّةِ المُعَيَّنَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَدْبِيرِ الخالِقِ المُخْتارِ الحَكِيمِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ الأظْلالِ إنَّما كانَ لِأجْلِ حَرَكاتِ الشَّمْسِ، إلّا أنّا لَمّا دَلَّلْنا عَلى أنَّ مُحَرِّكَ الشَّمْسِ بِالحَرَكَةِ الخاصَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كانَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ الأظْلالِ لَمْ يَقَعْ إلّا بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهَذا السُّجُودِ الِانْقِيادُ والتَّواضُعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] قَدْ مَرَّ بَيانُهُ وشَرْحُهُ. والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا السُّجُودِ، أنَّ هَذِهِ الأظْلالَ واقِعَةٌ عَلى الأرْضِ مُلْتَصِقَةٌ بِها عَلى هَيْئَةِ صفحة ٣٦ السّاجِدِ. قالَ أبُو العَلاءِ المُعَرِّي في صِفَةِ وادٍ: بِخَرْقٍ يُطِيلُ الجُنْحُ فِيهِ سُجُودَهُ ∗∗∗ ولِلْأرْضِ زِيُّ الرّاهِبِ المُتَعَبِّدِ فَلَمّا كانَتِ الأظْلالُ تُشْبِهُ بِشَكْلِها شَكْلَ السّاجِدِينَ أطْلَقَ اللَّهُ عَلَيْها هَذا اللَّفْظَ، وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: أمّا ظِلُّكَ فَسَجَدَ لِرَبِّكَ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لَهُ بِئْسَما صَنَعْتَ، وقالَ مُجاهِدٌ: ظِلُّ الكافِرِ يُصَلِّي وهو لا يُصَلِّي، وقِيلَ: ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ ساجِدًا أمْ لا. واعْلَمْ أنَّ الوجه الأوَّلَ أقْرَبُ إلى الحَقائِقِ العَقْلِيَّةِ، والثّانِي أقْرَبُ إلى الشُّبُهاتِ الظّاهِرَةِ. المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سُجَّدًا﴾ حالٌ مِنَ الظِّلالِ وقَوْلُهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾ أيْ: صاغِرُونَ، يُقالُ: دَخَرَ يَدْخَرُ دُخُورًا، أيْ: صَغُرَ يَصْغُرُ صَغارًا، وهو الَّذِي يَفْعَلُ ما تَأْمُرُهُ شاءَ أمْ أبى، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مُنْقادَةٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾ حالٌ أيْضًا مِنَ الظِّلالِ. فَإنْ قِيلَ: الظِّلالُ لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ فَكَيْفَ جازَ جَمْعُها بِالواوِ والنُّونِ ؟ . قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالطّاعَةِ والدُّخُورِ أشْبَهُوا العُقَلاءَ. * * * أما قوله تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ السُّجُودَ عَلى نَوْعَيْنِ: سُجُودٌ هو عِبادَةٌ كَسُجُودِ المُسْلِمِينَ لِلَّهِ تَعالى، وسُجُودٌ هو عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى والخُضُوعِ، ويَرْجِعُ حاصِلُ هَذا السُّجُودِ إلى أنَّها في نَفْسِها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ والعَدَمِ قابِلَةٌ لَهُما، وأنَّهُ لا يَتَرَجَّحُ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ السُّجُودُ بِالمَعْنى الثّانِي وهو التَّواضُعُ والِانْقِيادُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللّائِقَ بِالدّابَّةِ لَيْسَ إلّا هَذا السُّجُودَ، ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ هَهُنا هو المَعْنى الأوَّلُ، لِأنَّ اللّائِقَ بِالمَلائِكَةِ هو السُّجُودُ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ السُّجُودَ بِالمَعْنى الثّانِي حاصِلٌ في كُلِّ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ والجَماداتِ، ومِنهم مَن قالَ: السُّجُودُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، وحَمْلُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ لِإفادَةِ مَجْمُوعِ مَعْنَيَيْهِ جائِزٌ، فَحَمْلُ لَفْظِ السُّجُودِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الأمْرَيْنِ مَعًا، أمّا في حَقِّ الدّابَّةِ فَبِمَعْنى التَّواضُعِ، وأمّا في حَقِّ المَلائِكَةِ فَبِمَعْنى سُجُودِ المُسْلِمِينَ لِلَّهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ لِإفادَةِ جَمِيعِ مَفْهُوماتِهِ مَعًا غَيْرُ جائِزٍ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ قالَ الأخْفَشُ: يُرِيدُ مِنَ الدَّوابِّ وأخْبَرَ بِالواحِدِ كَما تَقُولُ: ما أتانِي مِن رَجُلٍ مِثْلُهُ، وما أتانِي مِنَ الرِّجالِ مِثْلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ. المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الوجه في تَخْصِيصِ الدَّوابِّ والمَلائِكَةِ بِالذِّكْرِ ؟ فَنَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ: الوجه الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آيَةِ الظِّلالِ أنَّ الجَماداتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الحَيَواناتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أخَسَّها الدَّوابُّ وأشْرَفَها المَلائِكَةُ، فَلَمّا بَيَّنَ في أخَسِّها وفي أشْرَفِها كَوْنَها مُنْقادَةً لِلَّهِ تَعالى كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّها بِأسْرِها مُنْقادَةٌ خاضِعَةٌ لِلَّهِ تَعالى. والوجه الثّانِي: قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: الدّابَّةُ اشْتِقاقُها مِنَ الدَّبِيبِ، والدَّبِيبُ عِبارَةٌ عَنِ الحَرَكَةِ صفحة ٣٧ الجُسْمانِيَّةِ، فالدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ جُسْمانِيٍّ يَتَحَرَّكُ ويَدِبُّ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ الدّابَّةِ عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يَدِبُّ، بَلْ هي أرْواحٌ مَحْضَةٌ مُجَرَّدَةٌ، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ بِأنَّ الجَناحَ لِلطَّيَرانِ مُغايِرٌ لِلدَّبِيبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] واللَّهُ أعْلَمُ. * * * أما قوله تَعالى: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ . فَفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَرْحُ صِفاتِ المَلائِكَةِ وهي دَلالَةٌ قاهِرَةٌ قاطِعَةٌ عَلى عِصْمَةِ المَلائِكَةِ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُنْقادُونَ لِصانِعِهِمْ وخالِقِهِمْ وأنَّهم ما خالَفُوهُ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وأما قوله: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّهم فَعَلُوا كُلَّ ما كانُوا مَأْمُورِينَ بِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِصْمَتِهِمْ عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ. فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم فَعَلُوا كُلَّ ما أُمِرُوا بِهِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهم تَرَكُوا كُلَّ ما نُهُوا عَنْهُ ؟ . قُلْنا: لِأنَّ كُلَّ مَن نُهِيَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ أُمِرَ بِتَرْكِهِ، وحِينَئِذٍ يَدْخُلُ في اللَّفْظِ، وإذا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَوْنُ المَلائِكَةِ مَعْصُومِينَ مِن كُلِّ الذُّنُوبِ، وثَبَتَ أنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مَعْصُومًا مِنَ الذُّنُوبِ بَلْ كانَ كافِرًا، لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ. والوجه الثّانِي: في بَيانِ هَذا المَقْصُودِ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ثم قال لِإبْلِيسَ: ﴿أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ أيْضًا لَهُ: ﴿فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ [الأعراف: ١٣] فَثَبَتَ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَسْتَكْبِرُونَ وثَبَتَ أنَّ إبْلِيسَ تَكَبَّرَ واسْتَكْبَرَ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأيْضًا لَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ وُجُوبُ عِصْمَةِ المَلائِكَةِ ثَبَتَ أنَّ القِصَّةَ الخَبِيثَةَ الَّتِي يَذْكُرُونَها في حَقِّ هارُوتَ ومارُوتَ كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وهو أصْدَقُ القائِلِينَ لَمّا شَهِدَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عِصْمَةِ المَلائِكَةِ وبَراءَتِهِمْ عَنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ كاذِبَةٌ باطِلَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. واحْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ المَلائِكَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالخَوْفِ، ولَوْلا أنَّهم يُجَوِّزُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الإقْدامَ عَلى الكَبائِرِ والذُّنُوبِ، وإلّا لَمْ يَحْصُلِ الخَوْفُ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى مُنْذِرُهم مِنَ العِقابِ فَقالَ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] وهم لِهَذا الخَوْفِ يَتْرُكُونَ الذَّنْبَ. والثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ خَوْفُ الإجْلالِ، هَكَذا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كُلَّما كانَتْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى أتَمَّ، كانَ الخَوْفُ مِنهُ أعْظَمَ، وهَذا الخَوْفُ لا يَكُونُ إلّا خَوْفَ الإجْلالِ والكِبْرِياءِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُشَبِّهَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ تَعالى فَوْقَهم بِالذّاتِ. صفحة ٣٨ واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] والَّذِي نَزِيدُهُ هَهُنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ مَعْناهُ: يَخافُونَ رَبَّهم مِن أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمُ العَذابَ مِن فَوْقِهِمْ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِهَذا المَعْنى سَقَطَ قَوْلُهم، وأيْضًا يَجِبُ حَمْلُ هَذِهِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الفَوْقِيَّةِ بِالقُدْرَةِ والقَهْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] والَّذِي يُقَوِّي هَذا الوجه أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُقْتَضى لِهَذا الخَوْفِ هو كَوْنُ رَبِّهِمْ فَوْقَهم؛ لِما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الحكم المُرَتَّبَ عَلى الوَصْفِ يُشْعِرُ بِكَوْنِ الحكم مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا التَّعْطِيلُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ المُرادُ بِالفَوْقِيَّةِ الفَوْقِيَّةَ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ؛ لِأنَّها هي المُوجِبَةُ لِلْخَوْفِ، أمّا الفَوْقِيَّةُ بِالجِهَةِ والمَكانِ فَهي لا تُوجِبُ الخَوْفَ، بِدَلِيلِ أنَّ حارِسَ البَيْتِ فَوْقَ المَلِكِ بِالمَكانِ والجِهَةِ مَعَ أنَّهُ أخَسُّ عَبِيدِهِ فَسَقَطَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ. المسألة الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِمْ كَسائِرِ المُكَلَّفِينَ، ومَتى كانُوا كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ. المسألة الرّابِعَةُ: تَمَسَّكَ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾ وذَكَرْنا أنَّ تَخْصِيصَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ بِالذِّكْرِ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ أخَسَّ المَراتِبِ، وكانَ الطَّرَفُ الثّانِي أشْرَفَها، حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ مُنَبِّهًا عَلى الباقِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المَلائِكَةُ أشْرَفَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. الوجه الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ تَكَبُّرٌ وتَرَفُّعٌ وقَوْلُهُ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أعْمالَهم خالِيَةٌ عَنِ الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، فَمَجْمُوعُ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَواطِنَهم وظَواهِرَهم مُبَرَّأةٌ عَنِ الأخْلاقِ الفاسِدَةِ والأفْعالِ الباطِلَةِ، وأمّا البَشَرُ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] وهَذا الحكم عامٌّ في الإنْسانِ، وأقَلُّ مَراتِبِهِ أنْ تَكُونَ طَبِيعَةُ الإنْسانِ مُقْتَضِيَةً لِهَذِهِ الأحْوالِ الذَّمِيمَةِ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما مِنّا إلّا وقَدْ عَصى أوْ هَمَّ بِالمَعْصِيَةِ غَيْرَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا» “ ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ المُبَرَّأ عَنِ المَعْصِيَةِ والهَمِّ بِها أفْضَلُ مِمَّنْ عَصى أوْ هَمَّ بِها. الوجه الثّالِثُ: أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ المَلائِكَةَ قَبْلَ البَشَرِ بِأدْوارٍ مُتَطاوِلَةٍ وأزْمانٍ مُمْتَدَّةٍ، ثُمَّ إنَّهُ وصَفَهم بِالطّاعَةِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ طُولَ هَذِهِ المُدَّةِ، وطُولُ العُمُرِ مَعَ الطّاعَةِ يُوجِبُ مَزِيدَ الفَضِيلَةِ لِوَجْهَيْنِ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الشَّيْخُ في قَوْمِهِ كالنَّبِيِّ في أُمَّتِهِ» “ فَضَّلَ الشَّيْخَ عَلى الشّابِّ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّهُ لَمّا كانَ عُمُرُهُ أطْوَلَ، فالظّاهِرُ أنَّ طاعَتَهُ أكْثَرُ، فَكانَ أفْضَلَ. والثّانِي: أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَلَمّا كانَ شُرُوعُ المَلائِكَةِ في الطّاعاتِ قَبْلَ شُرُوعِ البَشَرِ فِيها لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَنُّوا هَذِهِ السُّنَّةَ الحَسَنَةَ، وهي طاعَةُ الخالِقِ القَدِيمِ الرَّحِيمِ، والبَشَرُ إنَّما جاءُوا بَعْدَهم واسْتَنُّوا سُنَّتَهم، فَوَجَبَ بِمُقْتَضى هَذا الخَبَرِ أنَّ كُلَّ ما حَصَلَ لِلْبَشَرِ مِنَ الثَّوابِ فَقَدْ حَصَلَ مِثْلُهُ لِلْمَلائِكَةِ، ولَهم ثَوابُ القَدْرِ الزّائِدِ مِنَ الطّاعَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُهم أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ. صفحة ٣٩ الوجه الرّابِعُ: في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الفَوْقِيَّةَ عِبارَةٌ عَنِ الفَوْقِيَّةِ بِالرُّتْبَةِ والشَّرَفِ والقُدْرَةِ والقُوَّةِ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ فَوْقَهم في الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ أفْضَلَ المَخْلُوقاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ المُشْرِكِينَ بِالأنْواعِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ العَذابِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ في تَدْبِيرِ أحْوالِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ وتَدْبِيرِ أحْوالِ الأرْواحِ والأجْسامِ، لِيُظْهِرَ لَهم أنَّ مَعَ كَمالِ هَذِهِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ، والقُوَّةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ لا يَعْجِزُ عَنْ إيصالِ العَذابِ إلَيْهِمْ عَلى أحَدِ تِلْكَ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (أوَلَمْ تَرَوْا) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: (أوَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ يَبْدَأُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) [العنكبوت: ١٩] بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ بِالياءِ فِيهِما كِنايَةً عَنِ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ، وأيْضًا أنَّ ما قَبْلَهُ غَيْبَةٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ [النَّحْلِ: ٤٥ - ٤٦] فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: (تَتَفَيَّأُ) بِالتّاءِ والباقُونَ بِالياءِ، وكِلاهُما جائِزٌ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِ عَلى الجَمْعِ. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ لَمّا كانَتِ الرُّؤْيَةُ هَهُنا بِمَعْنى النَّظَرِ وُصِلَتْ بِإلى؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الِاعْتِبارُ، والِاعْتِبارُ لا يَكُونُ بِنَفْسِ الرُّؤْيَةِ حَتّى يَكُونَ مَعَها نَظَرٌ إلى الشَّيْءِ وتَأمُّلٌ لِأحْوالِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: أرادَ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن جَبَلٍ وشَجَرٍ وبِناءٍ وجِسْمٍ قائِمٍ، ولَفْظُ الآيَةِ يُشْعِرُ بِهَذا القَيْدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ كَثِيفٌ يَقَعُ لَهُ ظِلٌّ عَلى الأرْضِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ إخْبارٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿شَيْءٍ﴾ ولَيْسَ بِوَصْفٍ لَهُ، ويَتَفَيَّأُ يَتَفَعَّلُ مِنَ الفَيْءِ يُقالُ: فاءَ الظِّلُّ يَفِيءُ فَيْئًا إذا رَجَعَ وعادَ بَعْدَما نَسَخَهُ ضِياءُ الشَّمْسِ، وأصْلُ الفَيْءِ الرُّجُوعُ، ومِنهُ فَيْءُ المَوْلى وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وكَذَلِكَ فَيْءُ المُسْلِمِينَ لِما يَعُودُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن مالِ مَن خالَفَ دِينَهم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ [الحشر: ٦] وأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ الرُّجُوعِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا عُدِّيَ فاءَ فَإنَّهُ يُعَدّى إمّا بِزِيادَةِ الهَمْزَةِ أوْ بِتَضْعِيفِ العَيْنِ. أمّا التَّعْدِيَةُ بِزِيادَةِ الهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ﴾ [الحشر: ٦] وأمّا بِتَضْعِيفِ العَيْنِ فَكَقَوْلِهِ: فَيَّأ اللَّهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأ وتَفَيَّأ مُطاوِعُ فَيَّأ. قالَ الأزْهَرِيُّ: تَفَيُّؤُ الظِّلالِ رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فالتَّفَيُّؤُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَشِيِّ بَعْدَما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما يَكُونُ بِالغَداةِ وهو ما لَمْ تَنَلْهُ الشَّمْسُ كَما قالَ الشّاعِرُ: صفحة ٣٤ فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ قالَ ثَعْلَبٌ: أُخْبِرْتُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ، وما لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ، ومِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ، فَإنَّ أبا زَيْدٍ أنْشَدَ لِلنّابِغَةِ الجَعْدِيِّ: فَسَلامُ الإلَهِ يَغْدُو عَلَيْهِمْ ∗∗∗ وفُيُوءُ الغُرُوسِ ذاتُ الظِّلالِ فَهَذا الشِّعْرُ قَدْ أُوقِعَ فِيهِ لَفْظُ الفَيْءِ عَلى ما لَمْ تَنْسَخْهُ الشَّمْسُ؛ لِأنَّ ما في الجَنَّةِ مِنَ الظِّلِّ ما حَصَلَ بَعْدَ أنْ كانَ زائِلًا بِسَبَبِ نُورِ الشَّمْسِ، وتَقُولُ العَرَبُ في جَمْعِ فَيْءٍ: أفْياءٌ، وهي لِلْعَدَدِ القَلِيلِ، وفُيُوءٌ لِلْكَثِيرِ كالنُّفُوسِ والعُيُونِ، وقَوْلُهُ: ﴿ظِلالُهُ﴾ أضافَ الظِّلالَ إلى مُفْرَدٍ، ومَعْناهُ الإضافَةُ إلى ذَوِي الظِّلالِ، وإنَّما حَسُنَ هَذا؛ لِأنَّ الَّذِي عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ وإنْ كانَ واحِدًا في اللَّفْظِ وهو قَوْلُهُ: إلى ما خَلَقَ اللَّهُ، إلّا أنَّهُ كَثِيرٌ في المَعْنى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] فَأضافَ الظُّهُورَ وهو جَمْعٌ، إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ، لِأنَّهُ يَعُودُ إلى واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةُ وهو قَوْلُهُ: ﴿ما تَرْكَبُونَ﴾ هَذا كُلُّهُ كَلامُ الواحِدِيِّ وهو بَحْثٌ حَسَنٌ. * * * أما قوله: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: في المُرادِ بِاليَمِينِ والشَّمائِلِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ يَمِينَ الفَلَكِ هو المَشْرِقُ وشِمالَهُ هو المَغْرِبُ، والسَّبَبُ في تَخْصِيصِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ بِهَذَيْنِ الجانِبَيْنِ أنَّ أقْوى جانِبَيِ الإنْسانِ يَمِينُهُ، ومِنهُ تَظْهَرُ الحَرَكَةُ القَوِيَّةُ، فَلَمّا كانَتِ الحَرَكَةُ الفَلَكِيَّةُ اليَوْمِيَّةُ آخِذَةً مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَشْرِقُ يَمِينَ الفَلَكِ والمَغْرِبُ شِمالَهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِها إلى وقْتِ انْتِهائِها إلى وسَطِ الفَلَكِ تَقَعُ الأظْلالُ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ، فَإذا انْحَدَرَتِ الشَّمْسُ مِن وسَطِ الفَلَكِ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ وقَعَ الأظْلالُ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَهَذا هو المُرادُ مِن تَفَيُّؤِ الظِّلالِ مِنَ اليَمِينِ إلى الشِّمالِ وبِالعَكْسِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالأظْلالُ في أوَّلِ النَّهارِ تَبْتَدِئُ مِن يَمِينِ الفَلَكِ عَلى الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ، ومِن وقْتِ انْحِدارِ الشَّمْسِ مِن وسَطِ الفَلَكِ تَبْتَدِئُ الأظْلالُ مِن شِمالِ الفَلَكِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الأرْضِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ البَلْدَةَ الَّتِي يَكُونُ عَرْضُها أقَلَّ مِن مِقْدارِ المِيلِ، فَإنَّ في الصَّيْفِ تَحْصُلُ الشَّمْسُ عَلى يَسارِها، وحِينَئِذٍ يَقَعُ الأظْلالُ عَلى يَمِينِهِمْ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ انْتِقالِ الأظْلالِ عَنِ الأيْمانِ إلى الشَّمائِلِ وبِالعَكْسِ. هَذا ما حَصَّلْتُهُ في هَذا البابِ، وكَلامُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ غَيْرُ مُلَخَّصٍ. البحث الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما السَّبَبُ في أنْ ذَكَرَ اليَمِينَ بِلَفْظِ الواحِدِ، والشَّمائِلَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ ؟ . وأُجِيبَ عَنْهُ بِأشْياءَ: أحَدُها: أنَّهُ وحَّدَ اليَمِينَ والمُرادُ الجَمْعُ، ولَكِنَّهُ اقْتَصَرَ في اللَّفْظِ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] . وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ إذا وحَّدَ ذَهَبَ إلى واحِدَةٍ مِن ذَواتِ الأظْلالِ، وإذا جَمَعَ ذَهَبَ إلى كُلِّها، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَفْظُهُ واحِدٌ، ومَعْناهُ الجَمْعُ عَلى ما بَيَّنّاهُ فَيُحْتَمَلُ كِلا الأمْرَيْنِ. وثالِثُها: أنَّ العَرَبَ إذا ذَكَرَتْ صِيغَتَيْ جَمْعٍ عَبَّرَتْ عَنْ إحْداهُما بِلَفْظِ الواحِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] . ورابِعُها: أنّا إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِالمَشْرِقِ كانَتِ النُّقْطَةُ الَّتِي هي مَشْرِقُ الشَّمْسِ واحِدَةً بِعَيْنِها، فَكانَتِ اليَمِينُ صفحة ٣٥ واحِدَةً. وأمّا الشَّمائِلُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الِانْحِرافاتِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الأظْلالِ بَعْدَ وُقُوعِها عَلى الأرْضِ وهي كَثِيرَةٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الرّابِعَةُ: أما قوله: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ فَفِيهِ احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ السُّجُودِ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ يُقالُ: سَجَدَ البَعِيرُ إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ لِيُرْكَبَ، وسَجَدَتِ النَّخْلَةُ إذا مالَتْ لِكَثْرَةِ الحِمْلِ ويُقالُ: اسْجُدْ لِقِرْدِ السُّوءِ في زَمانِهِ، أيِ: اخْضَعْ لَهُ قالَ الشّاعِرُ: تَرى الأُكْمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ أيْ: مُتَواضِعَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى دَبَّرَ النَّيِّراتِ الفَلَكِيَّةَ، والأشْخاصَ الكَوْكَبِيَّةَ، بِحَيْثُ يَقَعُ أضْواؤُها عَلى هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ. ثُمَّ إنّا نُشاهِدُ أنَّ تِلْكَ الأضْواءَ، وتِلْكَ الأظْلالَ لا تَقَعُ في هَذا العالَمِ إلّا عَلى وفْقِ تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ، فَنُشاهِدُ أنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ وقَعَتِ لِلْأجْسامِ الكَثِيفَةِ أظْلالٌ مُمْتَدَّةٌ في الجانِبِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ كُلَّما ازْدادَتِ الشَّمْسُ طُلُوعًا وارْتِفاعًا، ازْدادَتْ تِلْكَ الأظْلالُ تَقَلُّصًا وانْتِقاصًا إلى الجانِبِ الشَّرْقِيِّ إلى أنْ تَصِلَ الشَّمْسُ إلى وسَطِ الفَلَكِ، فَإذا انْحَدَرَتْ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ ابْتَدَأتِ الأظْلالُ بِالوُقُوعِ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، وكُلَّما ازْدادَتِ الشَّمْسُ انْحِدارًا ازْدادَتِ الأظْلالُ تَمَدُّدًا وتَزايُدًا في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ. وكَما أنّا نُشاهِدُ هَذِهِ الحالَةَ في اليَوْمِ الواحِدِ، فَكَذَلِكَ نُشاهِدُ أحْوالَ الأظْلالِ مُخْتَلِفَةً في التَّيامُنِ والتَّياسُرِ في طُولِ السَّنَةِ، بِسَبَبِ اخْتِلافِ أحْوالِ الشَّمْسِ في الحَرَكَةِ مِنَ الجَنُوبِ إلى الشَّمالِ وبِالعَكْسِ، فَلَمّا شاهَدْنا أحْوالَ هَذِهِ الأظْلالِ مُخْتَلِفَةً بِسَبَبِ الِاخْتِلافاتِ اليَوْمِيَّةِ الواقِعَةِ في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها، وبِحَسَبِ الِاخْتِلافاتِ الواقِعَةِ في طُولِ السَّنَةِ في يَمِينِ الفَلَكِ ويَسارِهِ، ورَأيْنا أنَّها واقِعَةٌ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ وتَرْتِيبٍ مُعَيَّنٍ، عَلِمْنا أنَّها مُنْقادَةٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ خاضِعَةٌ لِتَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ، فَكانَتِ السَّجْدَةُ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الحالَةِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: اخْتِلافُ حالِ هَذِهِ الأظْلالِ مُعَلَّلٌ بِاخْتِلافِ سَيْرِ النَّيِّرِ الأعْظَمِ الَّذِي هو الشَّمْسُ، لا لِأجْلِ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ ؟ . قُلْنا: قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الجِسْمَ لا يَكُونُ مُتَحَرِّكًا لِذاتِهِ، إذْ لَوْ كانَتْ ذاتُهُ عِلَّةً لِهَذا الجُزْءِ المَخْصُوصِ مِنَ الحَرَكَةِ، لَبَقِيَ هَذا الجُزْءُ مِنَ الحَرَكَةِ لِبَقاءِ ذاتِهِ، ولَوْ بَقِيَ ذَلِكَ الجُزْءُ مِنَ الحَرَكَةِ لامْتَنَعَ حُصُولُ الجُزْءِ الآخَرِ مِنَ الحَرَكَةِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ هَذا سُكُونًا لا حَرَكَةً، فالقَوْلُ بِأنَّ الجِسْمَ المُتَحَرِّكَ لِذاتِهِ يُوجِبُ القَوْلَ بِكَوْنِهِ ساكِنًا لِذاتِهِ وأنَّهُ مُحالٌ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ كانَ باطِلًا، فَعَلِمْنا أنَّ الجِسْمَ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ مُتَحَرِّكًا لِذاتِهِ، وأيْضًا فَقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فاخْتِصاصُ جِرْمِ الشَّمْسِ بِالقُوَّةِ المُعَيَّنَةِ والخاصِّيَّةِ المُعَيَّنَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَدْبِيرِ الخالِقِ المُخْتارِ الحَكِيمِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ الأظْلالِ إنَّما كانَ لِأجْلِ حَرَكاتِ الشَّمْسِ، إلّا أنّا لَمّا دَلَّلْنا عَلى أنَّ مُحَرِّكَ الشَّمْسِ بِالحَرَكَةِ الخاصَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كانَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ الأظْلالِ لَمْ يَقَعْ إلّا بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهَذا السُّجُودِ الِانْقِيادُ والتَّواضُعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] قَدْ مَرَّ بَيانُهُ وشَرْحُهُ. والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا السُّجُودِ، أنَّ هَذِهِ الأظْلالَ واقِعَةٌ عَلى الأرْضِ مُلْتَصِقَةٌ بِها عَلى هَيْئَةِ صفحة ٣٦ السّاجِدِ. قالَ أبُو العَلاءِ المُعَرِّي في صِفَةِ وادٍ: بِخَرْقٍ يُطِيلُ الجُنْحُ فِيهِ سُجُودَهُ ∗∗∗ ولِلْأرْضِ زِيُّ الرّاهِبِ المُتَعَبِّدِ فَلَمّا كانَتِ الأظْلالُ تُشْبِهُ بِشَكْلِها شَكْلَ السّاجِدِينَ أطْلَقَ اللَّهُ عَلَيْها هَذا اللَّفْظَ، وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: أمّا ظِلُّكَ فَسَجَدَ لِرَبِّكَ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لَهُ بِئْسَما صَنَعْتَ، وقالَ مُجاهِدٌ: ظِلُّ الكافِرِ يُصَلِّي وهو لا يُصَلِّي، وقِيلَ: ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ ساجِدًا أمْ لا. واعْلَمْ أنَّ الوجه الأوَّلَ أقْرَبُ إلى الحَقائِقِ العَقْلِيَّةِ، والثّانِي أقْرَبُ إلى الشُّبُهاتِ الظّاهِرَةِ. المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سُجَّدًا﴾ حالٌ مِنَ الظِّلالِ وقَوْلُهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾ أيْ: صاغِرُونَ، يُقالُ: دَخَرَ يَدْخَرُ دُخُورًا، أيْ: صَغُرَ يَصْغُرُ صَغارًا، وهو الَّذِي يَفْعَلُ ما تَأْمُرُهُ شاءَ أمْ أبى، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مُنْقادَةٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾ حالٌ أيْضًا مِنَ الظِّلالِ. فَإنْ قِيلَ: الظِّلالُ لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ فَكَيْفَ جازَ جَمْعُها بِالواوِ والنُّونِ ؟ . قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالطّاعَةِ والدُّخُورِ أشْبَهُوا العُقَلاءَ. * * * أما قوله تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ السُّجُودَ عَلى نَوْعَيْنِ: سُجُودٌ هو عِبادَةٌ كَسُجُودِ المُسْلِمِينَ لِلَّهِ تَعالى، وسُجُودٌ هو عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى والخُضُوعِ، ويَرْجِعُ حاصِلُ هَذا السُّجُودِ إلى أنَّها في نَفْسِها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ والعَدَمِ قابِلَةٌ لَهُما، وأنَّهُ لا يَتَرَجَّحُ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ السُّجُودُ بِالمَعْنى الثّانِي وهو التَّواضُعُ والِانْقِيادُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللّائِقَ بِالدّابَّةِ لَيْسَ إلّا هَذا السُّجُودَ، ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ هَهُنا هو المَعْنى الأوَّلُ، لِأنَّ اللّائِقَ بِالمَلائِكَةِ هو السُّجُودُ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ السُّجُودَ بِالمَعْنى الثّانِي حاصِلٌ في كُلِّ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ والجَماداتِ، ومِنهم مَن قالَ: السُّجُودُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، وحَمْلُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ لِإفادَةِ مَجْمُوعِ مَعْنَيَيْهِ جائِزٌ، فَحَمْلُ لَفْظِ السُّجُودِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الأمْرَيْنِ مَعًا، أمّا في حَقِّ الدّابَّةِ فَبِمَعْنى التَّواضُعِ، وأمّا في حَقِّ المَلائِكَةِ فَبِمَعْنى سُجُودِ المُسْلِمِينَ لِلَّهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ لِإفادَةِ جَمِيعِ مَفْهُوماتِهِ مَعًا غَيْرُ جائِزٍ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ قالَ الأخْفَشُ: يُرِيدُ مِنَ الدَّوابِّ وأخْبَرَ بِالواحِدِ كَما تَقُولُ: ما أتانِي مِن رَجُلٍ مِثْلُهُ، وما أتانِي مِنَ الرِّجالِ مِثْلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ. المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الوجه في تَخْصِيصِ الدَّوابِّ والمَلائِكَةِ بِالذِّكْرِ ؟ فَنَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ: الوجه الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آيَةِ الظِّلالِ أنَّ الجَماداتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الحَيَواناتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أخَسَّها الدَّوابُّ وأشْرَفَها المَلائِكَةُ، فَلَمّا بَيَّنَ في أخَسِّها وفي أشْرَفِها كَوْنَها مُنْقادَةً لِلَّهِ تَعالى كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّها بِأسْرِها مُنْقادَةٌ خاضِعَةٌ لِلَّهِ تَعالى. والوجه الثّانِي: قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: الدّابَّةُ اشْتِقاقُها مِنَ الدَّبِيبِ، والدَّبِيبُ عِبارَةٌ عَنِ الحَرَكَةِ صفحة ٣٧ الجُسْمانِيَّةِ، فالدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ جُسْمانِيٍّ يَتَحَرَّكُ ويَدِبُّ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ الدّابَّةِ عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يَدِبُّ، بَلْ هي أرْواحٌ مَحْضَةٌ مُجَرَّدَةٌ، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ بِأنَّ الجَناحَ لِلطَّيَرانِ مُغايِرٌ لِلدَّبِيبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] واللَّهُ أعْلَمُ. * * * أما قوله تَعالى: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ . فَفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَرْحُ صِفاتِ المَلائِكَةِ وهي دَلالَةٌ قاهِرَةٌ قاطِعَةٌ عَلى عِصْمَةِ المَلائِكَةِ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُنْقادُونَ لِصانِعِهِمْ وخالِقِهِمْ وأنَّهم ما خالَفُوهُ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وأما قوله: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّهم فَعَلُوا كُلَّ ما كانُوا مَأْمُورِينَ بِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِصْمَتِهِمْ عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ. فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم فَعَلُوا كُلَّ ما أُمِرُوا بِهِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهم تَرَكُوا كُلَّ ما نُهُوا عَنْهُ ؟ . قُلْنا: لِأنَّ كُلَّ مَن نُهِيَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ أُمِرَ بِتَرْكِهِ، وحِينَئِذٍ يَدْخُلُ في اللَّفْظِ، وإذا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَوْنُ المَلائِكَةِ مَعْصُومِينَ مِن كُلِّ الذُّنُوبِ، وثَبَتَ أنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مَعْصُومًا مِنَ الذُّنُوبِ بَلْ كانَ كافِرًا، لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ. والوجه الثّانِي: في بَيانِ هَذا المَقْصُودِ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ثم قال لِإبْلِيسَ: ﴿أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ أيْضًا لَهُ: ﴿فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ [الأعراف: ١٣] فَثَبَتَ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَسْتَكْبِرُونَ وثَبَتَ أنَّ إبْلِيسَ تَكَبَّرَ واسْتَكْبَرَ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأيْضًا لَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ وُجُوبُ عِصْمَةِ المَلائِكَةِ ثَبَتَ أنَّ القِصَّةَ الخَبِيثَةَ الَّتِي يَذْكُرُونَها في حَقِّ هارُوتَ ومارُوتَ كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وهو أصْدَقُ القائِلِينَ لَمّا شَهِدَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عِصْمَةِ المَلائِكَةِ وبَراءَتِهِمْ عَنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ كاذِبَةٌ باطِلَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. واحْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ المَلائِكَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالخَوْفِ، ولَوْلا أنَّهم يُجَوِّزُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الإقْدامَ عَلى الكَبائِرِ والذُّنُوبِ، وإلّا لَمْ يَحْصُلِ الخَوْفُ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى مُنْذِرُهم مِنَ العِقابِ فَقالَ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] وهم لِهَذا الخَوْفِ يَتْرُكُونَ الذَّنْبَ. والثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ خَوْفُ الإجْلالِ، هَكَذا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كُلَّما كانَتْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى أتَمَّ، كانَ الخَوْفُ مِنهُ أعْظَمَ، وهَذا الخَوْفُ لا يَكُونُ إلّا خَوْفَ الإجْلالِ والكِبْرِياءِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُشَبِّهَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ تَعالى فَوْقَهم بِالذّاتِ. صفحة ٣٨ واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] والَّذِي نَزِيدُهُ هَهُنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ مَعْناهُ: يَخافُونَ رَبَّهم مِن أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمُ العَذابَ مِن فَوْقِهِمْ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِهَذا المَعْنى سَقَطَ قَوْلُهم، وأيْضًا يَجِبُ حَمْلُ هَذِهِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الفَوْقِيَّةِ بِالقُدْرَةِ والقَهْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] والَّذِي يُقَوِّي هَذا الوجه أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُقْتَضى لِهَذا الخَوْفِ هو كَوْنُ رَبِّهِمْ فَوْقَهم؛ لِما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الحكم المُرَتَّبَ عَلى الوَصْفِ يُشْعِرُ بِكَوْنِ الحكم مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا التَّعْطِيلُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ المُرادُ بِالفَوْقِيَّةِ الفَوْقِيَّةَ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ؛ لِأنَّها هي المُوجِبَةُ لِلْخَوْفِ، أمّا الفَوْقِيَّةُ بِالجِهَةِ والمَكانِ فَهي لا تُوجِبُ الخَوْفَ، بِدَلِيلِ أنَّ حارِسَ البَيْتِ فَوْقَ المَلِكِ بِالمَكانِ والجِهَةِ مَعَ أنَّهُ أخَسُّ عَبِيدِهِ فَسَقَطَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ. المسألة الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِمْ كَسائِرِ المُكَلَّفِينَ، ومَتى كانُوا كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ. المسألة الرّابِعَةُ: تَمَسَّكَ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾ وذَكَرْنا أنَّ تَخْصِيصَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ بِالذِّكْرِ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ أخَسَّ المَراتِبِ، وكانَ الطَّرَفُ الثّانِي أشْرَفَها، حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ مُنَبِّهًا عَلى الباقِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المَلائِكَةُ أشْرَفَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. الوجه الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ تَكَبُّرٌ وتَرَفُّعٌ وقَوْلُهُ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أعْمالَهم خالِيَةٌ عَنِ الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، فَمَجْمُوعُ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَواطِنَهم وظَواهِرَهم مُبَرَّأةٌ عَنِ الأخْلاقِ الفاسِدَةِ والأفْعالِ الباطِلَةِ، وأمّا البَشَرُ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] وهَذا الحكم عامٌّ في الإنْسانِ، وأقَلُّ مَراتِبِهِ أنْ تَكُونَ طَبِيعَةُ الإنْسانِ مُقْتَضِيَةً لِهَذِهِ الأحْوالِ الذَّمِيمَةِ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما مِنّا إلّا وقَدْ عَصى أوْ هَمَّ بِالمَعْصِيَةِ غَيْرَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا» “ ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ المُبَرَّأ عَنِ المَعْصِيَةِ والهَمِّ بِها أفْضَلُ مِمَّنْ عَصى أوْ هَمَّ بِها. الوجه الثّالِثُ: أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ المَلائِكَةَ قَبْلَ البَشَرِ بِأدْوارٍ مُتَطاوِلَةٍ وأزْمانٍ مُمْتَدَّةٍ، ثُمَّ إنَّهُ وصَفَهم بِالطّاعَةِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ طُولَ هَذِهِ المُدَّةِ، وطُولُ العُمُرِ مَعَ الطّاعَةِ يُوجِبُ مَزِيدَ الفَضِيلَةِ لِوَجْهَيْنِ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الشَّيْخُ في قَوْمِهِ كالنَّبِيِّ في أُمَّتِهِ» “ فَضَّلَ الشَّيْخَ عَلى الشّابِّ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّهُ لَمّا كانَ عُمُرُهُ أطْوَلَ، فالظّاهِرُ أنَّ طاعَتَهُ أكْثَرُ، فَكانَ أفْضَلَ. والثّانِي: أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَلَمّا كانَ شُرُوعُ المَلائِكَةِ في الطّاعاتِ قَبْلَ شُرُوعِ البَشَرِ فِيها لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَنُّوا هَذِهِ السُّنَّةَ الحَسَنَةَ، وهي طاعَةُ الخالِقِ القَدِيمِ الرَّحِيمِ، والبَشَرُ إنَّما جاءُوا بَعْدَهم واسْتَنُّوا سُنَّتَهم، فَوَجَبَ بِمُقْتَضى هَذا الخَبَرِ أنَّ كُلَّ ما حَصَلَ لِلْبَشَرِ مِنَ الثَّوابِ فَقَدْ حَصَلَ مِثْلُهُ لِلْمَلائِكَةِ، ولَهم ثَوابُ القَدْرِ الزّائِدِ مِنَ الطّاعَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُهم أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ. صفحة ٣٩ الوجه الرّابِعُ: في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الفَوْقِيَّةَ عِبارَةٌ عَنِ الفَوْقِيَّةِ بِالرُّتْبَةِ والشَّرَفِ والقُدْرَةِ والقُوَّةِ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ فَوْقَهم في الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ أفْضَلَ المَخْلُوقاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ المُشْرِكِينَ بِالأنْواعِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ العَذابِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ في تَدْبِيرِ أحْوالِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ وتَدْبِيرِ أحْوالِ الأرْواحِ والأجْسامِ، لِيُظْهِرَ لَهم أنَّ مَعَ كَمالِ هَذِهِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ، والقُوَّةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ لا يَعْجِزُ عَنْ إيصالِ العَذابِ إلَيْهِمْ عَلى أحَدِ تِلْكَ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (أوَلَمْ تَرَوْا) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: (أوَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ يَبْدَأُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) [العنكبوت: ١٩] بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ بِالياءِ فِيهِما كِنايَةً عَنِ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ، وأيْضًا أنَّ ما قَبْلَهُ غَيْبَةٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ [النَّحْلِ: ٤٥ - ٤٦] فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: (تَتَفَيَّأُ) بِالتّاءِ والباقُونَ بِالياءِ، وكِلاهُما جائِزٌ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِ عَلى الجَمْعِ. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ لَمّا كانَتِ الرُّؤْيَةُ هَهُنا بِمَعْنى النَّظَرِ وُصِلَتْ بِإلى؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الِاعْتِبارُ، والِاعْتِبارُ لا يَكُونُ بِنَفْسِ الرُّؤْيَةِ حَتّى يَكُونَ مَعَها نَظَرٌ إلى الشَّيْءِ وتَأمُّلٌ لِأحْوالِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ قالَ أهْلُ المَعانِي: أرادَ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن جَبَلٍ وشَجَرٍ وبِناءٍ وجِسْمٍ قائِمٍ، ولَفْظُ الآيَةِ يُشْعِرُ بِهَذا القَيْدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ كَثِيفٌ يَقَعُ لَهُ ظِلٌّ عَلى الأرْضِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ إخْبارٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿شَيْءٍ﴾ ولَيْسَ بِوَصْفٍ لَهُ، ويَتَفَيَّأُ يَتَفَعَّلُ مِنَ الفَيْءِ يُقالُ: فاءَ الظِّلُّ يَفِيءُ فَيْئًا إذا رَجَعَ وعادَ بَعْدَما نَسَخَهُ ضِياءُ الشَّمْسِ، وأصْلُ الفَيْءِ الرُّجُوعُ، ومِنهُ فَيْءُ المَوْلى وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وكَذَلِكَ فَيْءُ المُسْلِمِينَ لِما يَعُودُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن مالِ مَن خالَفَ دِينَهم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ [الحشر: ٦] وأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ الرُّجُوعِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا عُدِّيَ فاءَ فَإنَّهُ يُعَدّى إمّا بِزِيادَةِ الهَمْزَةِ أوْ بِتَضْعِيفِ العَيْنِ. أمّا التَّعْدِيَةُ بِزِيادَةِ الهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ﴾ [الحشر: ٦] وأمّا بِتَضْعِيفِ العَيْنِ فَكَقَوْلِهِ: فَيَّأ اللَّهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأ وتَفَيَّأ مُطاوِعُ فَيَّأ. قالَ الأزْهَرِيُّ: تَفَيُّؤُ الظِّلالِ رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، فالتَّفَيُّؤُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَشِيِّ بَعْدَما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما يَكُونُ بِالغَداةِ وهو ما لَمْ تَنَلْهُ الشَّمْسُ كَما قالَ الشّاعِرُ: صفحة ٣٤ فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ قالَ ثَعْلَبٌ: أُخْبِرْتُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ، وما لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ، ومِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ، فَإنَّ أبا زَيْدٍ أنْشَدَ لِلنّابِغَةِ الجَعْدِيِّ: فَسَلامُ الإلَهِ يَغْدُو عَلَيْهِمْ ∗∗∗ وفُيُوءُ الغُرُوسِ ذاتُ الظِّلالِ فَهَذا الشِّعْرُ قَدْ أُوقِعَ فِيهِ لَفْظُ الفَيْءِ عَلى ما لَمْ تَنْسَخْهُ الشَّمْسُ؛ لِأنَّ ما في الجَنَّةِ مِنَ الظِّلِّ ما حَصَلَ بَعْدَ أنْ كانَ زائِلًا بِسَبَبِ نُورِ الشَّمْسِ، وتَقُولُ العَرَبُ في جَمْعِ فَيْءٍ: أفْياءٌ، وهي لِلْعَدَدِ القَلِيلِ، وفُيُوءٌ لِلْكَثِيرِ كالنُّفُوسِ والعُيُونِ، وقَوْلُهُ: ﴿ظِلالُهُ﴾ أضافَ الظِّلالَ إلى مُفْرَدٍ، ومَعْناهُ الإضافَةُ إلى ذَوِي الظِّلالِ، وإنَّما حَسُنَ هَذا؛ لِأنَّ الَّذِي عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ وإنْ كانَ واحِدًا في اللَّفْظِ وهو قَوْلُهُ: إلى ما خَلَقَ اللَّهُ، إلّا أنَّهُ كَثِيرٌ في المَعْنى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] فَأضافَ الظُّهُورَ وهو جَمْعٌ، إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ، لِأنَّهُ يَعُودُ إلى واحِدٍ أُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةُ وهو قَوْلُهُ: ﴿ما تَرْكَبُونَ﴾ هَذا كُلُّهُ كَلامُ الواحِدِيِّ وهو بَحْثٌ حَسَنٌ. * * * أما قوله: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: في المُرادِ بِاليَمِينِ والشَّمائِلِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ يَمِينَ الفَلَكِ هو المَشْرِقُ وشِمالَهُ هو المَغْرِبُ، والسَّبَبُ في تَخْصِيصِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ بِهَذَيْنِ الجانِبَيْنِ أنَّ أقْوى جانِبَيِ الإنْسانِ يَمِينُهُ، ومِنهُ تَظْهَرُ الحَرَكَةُ القَوِيَّةُ، فَلَمّا كانَتِ الحَرَكَةُ الفَلَكِيَّةُ اليَوْمِيَّةُ آخِذَةً مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَشْرِقُ يَمِينَ الفَلَكِ والمَغْرِبُ شِمالَهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِها إلى وقْتِ انْتِهائِها إلى وسَطِ الفَلَكِ تَقَعُ الأظْلالُ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ، فَإذا انْحَدَرَتِ الشَّمْسُ مِن وسَطِ الفَلَكِ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ وقَعَ الأظْلالُ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَهَذا هو المُرادُ مِن تَفَيُّؤِ الظِّلالِ مِنَ اليَمِينِ إلى الشِّمالِ وبِالعَكْسِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالأظْلالُ في أوَّلِ النَّهارِ تَبْتَدِئُ مِن يَمِينِ الفَلَكِ عَلى الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ، ومِن وقْتِ انْحِدارِ الشَّمْسِ مِن وسَطِ الفَلَكِ تَبْتَدِئُ الأظْلالُ مِن شِمالِ الفَلَكِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الأرْضِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ البَلْدَةَ الَّتِي يَكُونُ عَرْضُها أقَلَّ مِن مِقْدارِ المِيلِ، فَإنَّ في الصَّيْفِ تَحْصُلُ الشَّمْسُ عَلى يَسارِها، وحِينَئِذٍ يَقَعُ الأظْلالُ عَلى يَمِينِهِمْ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ انْتِقالِ الأظْلالِ عَنِ الأيْمانِ إلى الشَّمائِلِ وبِالعَكْسِ. هَذا ما حَصَّلْتُهُ في هَذا البابِ، وكَلامُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ غَيْرُ مُلَخَّصٍ. البحث الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما السَّبَبُ في أنْ ذَكَرَ اليَمِينَ بِلَفْظِ الواحِدِ، والشَّمائِلَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ ؟ . وأُجِيبَ عَنْهُ بِأشْياءَ: أحَدُها: أنَّهُ وحَّدَ اليَمِينَ والمُرادُ الجَمْعُ، ولَكِنَّهُ اقْتَصَرَ في اللَّفْظِ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] . وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ إذا وحَّدَ ذَهَبَ إلى واحِدَةٍ مِن ذَواتِ الأظْلالِ، وإذا جَمَعَ ذَهَبَ إلى كُلِّها، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ لَفْظُهُ واحِدٌ، ومَعْناهُ الجَمْعُ عَلى ما بَيَّنّاهُ فَيُحْتَمَلُ كِلا الأمْرَيْنِ. وثالِثُها: أنَّ العَرَبَ إذا ذَكَرَتْ صِيغَتَيْ جَمْعٍ عَبَّرَتْ عَنْ إحْداهُما بِلَفْظِ الواحِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] . ورابِعُها: أنّا إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِالمَشْرِقِ كانَتِ النُّقْطَةُ الَّتِي هي مَشْرِقُ الشَّمْسِ واحِدَةً بِعَيْنِها، فَكانَتِ اليَمِينُ صفحة ٣٥ واحِدَةً. وأمّا الشَّمائِلُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الِانْحِرافاتِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الأظْلالِ بَعْدَ وُقُوعِها عَلى الأرْضِ وهي كَثِيرَةٌ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الرّابِعَةُ: أما قوله: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ فَفِيهِ احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ السُّجُودِ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ يُقالُ: سَجَدَ البَعِيرُ إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ لِيُرْكَبَ، وسَجَدَتِ النَّخْلَةُ إذا مالَتْ لِكَثْرَةِ الحِمْلِ ويُقالُ: اسْجُدْ لِقِرْدِ السُّوءِ في زَمانِهِ، أيِ: اخْضَعْ لَهُ قالَ الشّاعِرُ: تَرى الأُكْمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ أيْ: مُتَواضِعَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى دَبَّرَ النَّيِّراتِ الفَلَكِيَّةَ، والأشْخاصَ الكَوْكَبِيَّةَ، بِحَيْثُ يَقَعُ أضْواؤُها عَلى هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ. ثُمَّ إنّا نُشاهِدُ أنَّ تِلْكَ الأضْواءَ، وتِلْكَ الأظْلالَ لا تَقَعُ في هَذا العالَمِ إلّا عَلى وفْقِ تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ، فَنُشاهِدُ أنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ وقَعَتِ لِلْأجْسامِ الكَثِيفَةِ أظْلالٌ مُمْتَدَّةٌ في الجانِبِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ كُلَّما ازْدادَتِ الشَّمْسُ طُلُوعًا وارْتِفاعًا، ازْدادَتْ تِلْكَ الأظْلالُ تَقَلُّصًا وانْتِقاصًا إلى الجانِبِ الشَّرْقِيِّ إلى أنْ تَصِلَ الشَّمْسُ إلى وسَطِ الفَلَكِ، فَإذا انْحَدَرَتْ إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ ابْتَدَأتِ الأظْلالُ بِالوُقُوعِ في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ، وكُلَّما ازْدادَتِ الشَّمْسُ انْحِدارًا ازْدادَتِ الأظْلالُ تَمَدُّدًا وتَزايُدًا في الجانِبِ الشَّرْقِيِّ. وكَما أنّا نُشاهِدُ هَذِهِ الحالَةَ في اليَوْمِ الواحِدِ، فَكَذَلِكَ نُشاهِدُ أحْوالَ الأظْلالِ مُخْتَلِفَةً في التَّيامُنِ والتَّياسُرِ في طُولِ السَّنَةِ، بِسَبَبِ اخْتِلافِ أحْوالِ الشَّمْسِ في الحَرَكَةِ مِنَ الجَنُوبِ إلى الشَّمالِ وبِالعَكْسِ، فَلَمّا شاهَدْنا أحْوالَ هَذِهِ الأظْلالِ مُخْتَلِفَةً بِسَبَبِ الِاخْتِلافاتِ اليَوْمِيَّةِ الواقِعَةِ في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها، وبِحَسَبِ الِاخْتِلافاتِ الواقِعَةِ في طُولِ السَّنَةِ في يَمِينِ الفَلَكِ ويَسارِهِ، ورَأيْنا أنَّها واقِعَةٌ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ وتَرْتِيبٍ مُعَيَّنٍ، عَلِمْنا أنَّها مُنْقادَةٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ خاضِعَةٌ لِتَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ، فَكانَتِ السَّجْدَةُ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الحالَةِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: اخْتِلافُ حالِ هَذِهِ الأظْلالِ مُعَلَّلٌ بِاخْتِلافِ سَيْرِ النَّيِّرِ الأعْظَمِ الَّذِي هو الشَّمْسُ، لا لِأجْلِ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ ؟ . قُلْنا: قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الجِسْمَ لا يَكُونُ مُتَحَرِّكًا لِذاتِهِ، إذْ لَوْ كانَتْ ذاتُهُ عِلَّةً لِهَذا الجُزْءِ المَخْصُوصِ مِنَ الحَرَكَةِ، لَبَقِيَ هَذا الجُزْءُ مِنَ الحَرَكَةِ لِبَقاءِ ذاتِهِ، ولَوْ بَقِيَ ذَلِكَ الجُزْءُ مِنَ الحَرَكَةِ لامْتَنَعَ حُصُولُ الجُزْءِ الآخَرِ مِنَ الحَرَكَةِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ هَذا سُكُونًا لا حَرَكَةً، فالقَوْلُ بِأنَّ الجِسْمَ المُتَحَرِّكَ لِذاتِهِ يُوجِبُ القَوْلَ بِكَوْنِهِ ساكِنًا لِذاتِهِ وأنَّهُ مُحالٌ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ كانَ باطِلًا، فَعَلِمْنا أنَّ الجِسْمَ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ مُتَحَرِّكًا لِذاتِهِ، وأيْضًا فَقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فاخْتِصاصُ جِرْمِ الشَّمْسِ بِالقُوَّةِ المُعَيَّنَةِ والخاصِّيَّةِ المُعَيَّنَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَدْبِيرِ الخالِقِ المُخْتارِ الحَكِيمِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَبْ أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ الأظْلالِ إنَّما كانَ لِأجْلِ حَرَكاتِ الشَّمْسِ، إلّا أنّا لَمّا دَلَّلْنا عَلى أنَّ مُحَرِّكَ الشَّمْسِ بِالحَرَكَةِ الخاصَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كانَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ الأظْلالِ لَمْ يَقَعْ إلّا بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهَذا السُّجُودِ الِانْقِيادُ والتَّواضُعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] قَدْ مَرَّ بَيانُهُ وشَرْحُهُ. والقَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا السُّجُودِ، أنَّ هَذِهِ الأظْلالَ واقِعَةٌ عَلى الأرْضِ مُلْتَصِقَةٌ بِها عَلى هَيْئَةِ صفحة ٣٦ السّاجِدِ. قالَ أبُو العَلاءِ المُعَرِّي في صِفَةِ وادٍ: بِخَرْقٍ يُطِيلُ الجُنْحُ فِيهِ سُجُودَهُ ∗∗∗ ولِلْأرْضِ زِيُّ الرّاهِبِ المُتَعَبِّدِ فَلَمّا كانَتِ الأظْلالُ تُشْبِهُ بِشَكْلِها شَكْلَ السّاجِدِينَ أطْلَقَ اللَّهُ عَلَيْها هَذا اللَّفْظَ، وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: أمّا ظِلُّكَ فَسَجَدَ لِرَبِّكَ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لَهُ بِئْسَما صَنَعْتَ، وقالَ مُجاهِدٌ: ظِلُّ الكافِرِ يُصَلِّي وهو لا يُصَلِّي، وقِيلَ: ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ ساجِدًا أمْ لا. واعْلَمْ أنَّ الوجه الأوَّلَ أقْرَبُ إلى الحَقائِقِ العَقْلِيَّةِ، والثّانِي أقْرَبُ إلى الشُّبُهاتِ الظّاهِرَةِ. المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سُجَّدًا﴾ حالٌ مِنَ الظِّلالِ وقَوْلُهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾ أيْ: صاغِرُونَ، يُقالُ: دَخَرَ يَدْخَرُ دُخُورًا، أيْ: صَغُرَ يَصْغُرُ صَغارًا، وهو الَّذِي يَفْعَلُ ما تَأْمُرُهُ شاءَ أمْ أبى، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مُنْقادَةٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم داخِرُونَ﴾ حالٌ أيْضًا مِنَ الظِّلالِ. فَإنْ قِيلَ: الظِّلالُ لَيْسَتْ مِنَ العُقَلاءِ فَكَيْفَ جازَ جَمْعُها بِالواوِ والنُّونِ ؟ . قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالطّاعَةِ والدُّخُورِ أشْبَهُوا العُقَلاءَ. * * * أما قوله تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ السُّجُودَ عَلى نَوْعَيْنِ: سُجُودٌ هو عِبادَةٌ كَسُجُودِ المُسْلِمِينَ لِلَّهِ تَعالى، وسُجُودٌ هو عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى والخُضُوعِ، ويَرْجِعُ حاصِلُ هَذا السُّجُودِ إلى أنَّها في نَفْسِها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ والعَدَمِ قابِلَةٌ لَهُما، وأنَّهُ لا يَتَرَجَّحُ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ السُّجُودُ بِالمَعْنى الثّانِي وهو التَّواضُعُ والِانْقِيادُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللّائِقَ بِالدّابَّةِ لَيْسَ إلّا هَذا السُّجُودَ، ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ هَهُنا هو المَعْنى الأوَّلُ، لِأنَّ اللّائِقَ بِالمَلائِكَةِ هو السُّجُودُ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ السُّجُودَ بِالمَعْنى الثّانِي حاصِلٌ في كُلِّ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ والجَماداتِ، ومِنهم مَن قالَ: السُّجُودُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، وحَمْلُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ لِإفادَةِ مَجْمُوعِ مَعْنَيَيْهِ جائِزٌ، فَحَمْلُ لَفْظِ السُّجُودِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الأمْرَيْنِ مَعًا، أمّا في حَقِّ الدّابَّةِ فَبِمَعْنى التَّواضُعِ، وأمّا في حَقِّ المَلائِكَةِ فَبِمَعْنى سُجُودِ المُسْلِمِينَ لِلَّهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ لِإفادَةِ جَمِيعِ مَفْهُوماتِهِ مَعًا غَيْرُ جائِزٍ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ قالَ الأخْفَشُ: يُرِيدُ مِنَ الدَّوابِّ وأخْبَرَ بِالواحِدِ كَما تَقُولُ: ما أتانِي مِن رَجُلٍ مِثْلُهُ، وما أتانِي مِنَ الرِّجالِ مِثْلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ. المسألة الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الوجه في تَخْصِيصِ الدَّوابِّ والمَلائِكَةِ بِالذِّكْرِ ؟ فَنَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ: الوجه الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آيَةِ الظِّلالِ أنَّ الجَماداتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى وبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الحَيَواناتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أخَسَّها الدَّوابُّ وأشْرَفَها المَلائِكَةُ، فَلَمّا بَيَّنَ في أخَسِّها وفي أشْرَفِها كَوْنَها مُنْقادَةً لِلَّهِ تَعالى كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّها بِأسْرِها مُنْقادَةٌ خاضِعَةٌ لِلَّهِ تَعالى. والوجه الثّانِي: قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: الدّابَّةُ اشْتِقاقُها مِنَ الدَّبِيبِ، والدَّبِيبُ عِبارَةٌ عَنِ الحَرَكَةِ صفحة ٣٧ الجُسْمانِيَّةِ، فالدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ جُسْمانِيٍّ يَتَحَرَّكُ ويَدِبُّ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَنِ الدّابَّةِ عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يَدِبُّ، بَلْ هي أرْواحٌ مَحْضَةٌ مُجَرَّدَةٌ، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ بِأنَّ الجَناحَ لِلطَّيَرانِ مُغايِرٌ لِلدَّبِيبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] واللَّهُ أعْلَمُ. * * * أما قوله تَعالى: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ . فَفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَرْحُ صِفاتِ المَلائِكَةِ وهي دَلالَةٌ قاهِرَةٌ قاطِعَةٌ عَلى عِصْمَةِ المَلائِكَةِ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُنْقادُونَ لِصانِعِهِمْ وخالِقِهِمْ وأنَّهم ما خالَفُوهُ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وأما قوله: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّهم فَعَلُوا كُلَّ ما كانُوا مَأْمُورِينَ بِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِصْمَتِهِمْ عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ. فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم فَعَلُوا كُلَّ ما أُمِرُوا بِهِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهم تَرَكُوا كُلَّ ما نُهُوا عَنْهُ ؟ . قُلْنا: لِأنَّ كُلَّ مَن نُهِيَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ أُمِرَ بِتَرْكِهِ، وحِينَئِذٍ يَدْخُلُ في اللَّفْظِ، وإذا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَوْنُ المَلائِكَةِ مَعْصُومِينَ مِن كُلِّ الذُّنُوبِ، وثَبَتَ أنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مَعْصُومًا مِنَ الذُّنُوبِ بَلْ كانَ كافِرًا، لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ. والوجه الثّانِي: في بَيانِ هَذا المَقْصُودِ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ثم قال لِإبْلِيسَ: ﴿أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ أيْضًا لَهُ: ﴿فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ [الأعراف: ١٣] فَثَبَتَ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَسْتَكْبِرُونَ وثَبَتَ أنَّ إبْلِيسَ تَكَبَّرَ واسْتَكْبَرَ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأيْضًا لَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ وُجُوبُ عِصْمَةِ المَلائِكَةِ ثَبَتَ أنَّ القِصَّةَ الخَبِيثَةَ الَّتِي يَذْكُرُونَها في حَقِّ هارُوتَ ومارُوتَ كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وهو أصْدَقُ القائِلِينَ لَمّا شَهِدَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عِصْمَةِ المَلائِكَةِ وبَراءَتِهِمْ عَنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ تِلْكَ القِصَّةَ كاذِبَةٌ باطِلَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. واحْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ المَلائِكَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالخَوْفِ، ولَوْلا أنَّهم يُجَوِّزُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الإقْدامَ عَلى الكَبائِرِ والذُّنُوبِ، وإلّا لَمْ يَحْصُلِ الخَوْفُ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى مُنْذِرُهم مِنَ العِقابِ فَقالَ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] وهم لِهَذا الخَوْفِ يَتْرُكُونَ الذَّنْبَ. والثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ خَوْفُ الإجْلالِ، هَكَذا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كُلَّما كانَتْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى أتَمَّ، كانَ الخَوْفُ مِنهُ أعْظَمَ، وهَذا الخَوْفُ لا يَكُونُ إلّا خَوْفَ الإجْلالِ والكِبْرِياءِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُشَبِّهَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ تَعالى فَوْقَهم بِالذّاتِ. صفحة ٣٨ واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] والَّذِي نَزِيدُهُ هَهُنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ مَعْناهُ: يَخافُونَ رَبَّهم مِن أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمُ العَذابَ مِن فَوْقِهِمْ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِهَذا المَعْنى سَقَطَ قَوْلُهم، وأيْضًا يَجِبُ حَمْلُ هَذِهِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الفَوْقِيَّةِ بِالقُدْرَةِ والقَهْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] والَّذِي يُقَوِّي هَذا الوجه أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُقْتَضى لِهَذا الخَوْفِ هو كَوْنُ رَبِّهِمْ فَوْقَهم؛ لِما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الحكم المُرَتَّبَ عَلى الوَصْفِ يُشْعِرُ بِكَوْنِ الحكم مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا التَّعْطِيلُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ المُرادُ بِالفَوْقِيَّةِ الفَوْقِيَّةَ بِالقَهْرِ والقُدْرَةِ؛ لِأنَّها هي المُوجِبَةُ لِلْخَوْفِ، أمّا الفَوْقِيَّةُ بِالجِهَةِ والمَكانِ فَهي لا تُوجِبُ الخَوْفَ، بِدَلِيلِ أنَّ حارِسَ البَيْتِ فَوْقَ المَلِكِ بِالمَكانِ والجِهَةِ مَعَ أنَّهُ أخَسُّ عَبِيدِهِ فَسَقَطَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ. المسألة الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِمْ كَسائِرِ المُكَلَّفِينَ، ومَتى كانُوا كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ. المسألة الرّابِعَةُ: تَمَسَّكَ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾ وذَكَرْنا أنَّ تَخْصِيصَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ بِالذِّكْرِ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ أخَسَّ المَراتِبِ، وكانَ الطَّرَفُ الثّانِي أشْرَفَها، حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ مُنَبِّهًا عَلى الباقِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المَلائِكَةُ أشْرَفَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. الوجه الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ تَكَبُّرٌ وتَرَفُّعٌ وقَوْلُهُ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أعْمالَهم خالِيَةٌ عَنِ الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، فَمَجْمُوعُ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَواطِنَهم وظَواهِرَهم مُبَرَّأةٌ عَنِ الأخْلاقِ الفاسِدَةِ والأفْعالِ الباطِلَةِ، وأمّا البَشَرُ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] وهَذا الحكم عامٌّ في الإنْسانِ، وأقَلُّ مَراتِبِهِ أنْ تَكُونَ طَبِيعَةُ الإنْسانِ مُقْتَضِيَةً لِهَذِهِ الأحْوالِ الذَّمِيمَةِ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما مِنّا إلّا وقَدْ عَصى أوْ هَمَّ بِالمَعْصِيَةِ غَيْرَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا» “ ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ المُبَرَّأ عَنِ المَعْصِيَةِ والهَمِّ بِها أفْضَلُ مِمَّنْ عَصى أوْ هَمَّ بِها. الوجه الثّالِثُ: أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ المَلائِكَةَ قَبْلَ البَشَرِ بِأدْوارٍ مُتَطاوِلَةٍ وأزْمانٍ مُمْتَدَّةٍ، ثُمَّ إنَّهُ وصَفَهم بِالطّاعَةِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ طُولَ هَذِهِ المُدَّةِ، وطُولُ العُمُرِ مَعَ الطّاعَةِ يُوجِبُ مَزِيدَ الفَضِيلَةِ لِوَجْهَيْنِ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الشَّيْخُ في قَوْمِهِ كالنَّبِيِّ في أُمَّتِهِ» “ فَضَّلَ الشَّيْخَ عَلى الشّابِّ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّهُ لَمّا كانَ عُمُرُهُ أطْوَلَ، فالظّاهِرُ أنَّ طاعَتَهُ أكْثَرُ، فَكانَ أفْضَلَ. والثّانِي: أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَلَمّا كانَ شُرُوعُ المَلائِكَةِ في الطّاعاتِ قَبْلَ شُرُوعِ البَشَرِ فِيها لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَنُّوا هَذِهِ السُّنَّةَ الحَسَنَةَ، وهي طاعَةُ الخالِقِ القَدِيمِ الرَّحِيمِ، والبَشَرُ إنَّما جاءُوا بَعْدَهم واسْتَنُّوا سُنَّتَهم، فَوَجَبَ بِمُقْتَضى هَذا الخَبَرِ أنَّ كُلَّ ما حَصَلَ لِلْبَشَرِ مِنَ الثَّوابِ فَقَدْ حَصَلَ مِثْلُهُ لِلْمَلائِكَةِ، ولَهم ثَوابُ القَدْرِ الزّائِدِ مِنَ الطّاعَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُهم أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ. صفحة ٣٩ الوجه الرّابِعُ: في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الفَوْقِيَّةَ عِبارَةٌ عَنِ الفَوْقِيَّةِ بِالرُّتْبَةِ والشَّرَفِ والقُدْرَةِ والقُوَّةِ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ فَوْقَهم في الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ أفْضَلَ المَخْلُوقاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ سَواءٌ كانَ مِن عالَمِ الأرْواحِ أوْ مِن عالَمِ الأجْسامِ، فَهو مُنْقادٌ خاضِعٌ لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى وكِبْرِيائِهِ، أتْبَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ وبِالأمْرِ بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ فَقالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنِ الإلَهَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا اثْنَيْنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ . وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ. وثانِيها: وهو الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ مُسْتَنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا، فَمَن أرادَ المُبالَغَةَ في التَّنْفِيرِ عَنْهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِعِباراتٍ كَثِيرَةٍ؛ لِيَصِيرَ تَوالِي تِلْكَ العِباراتِ سَبَبًا لِوُقُوفِ العَقْلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ القُبْحِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فالقَوْلُ بِوُجُودِ الإلَهَيْنِ قَوْلٌ مُسْتَقْبَحٌ في العُقُولِ، ولِهَذا المَعْنى فَإنَّ أحَدًا مِنَ العُقَلاءِ لَمْ يَقُلْ بِوُجُودِ إلَهَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ في الوُجُوبِ والقِدَمِ وصِفاتِ الكَمالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المَقْصُودُ مِن تَكْرِيرِهِ تَأْكِيدُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وتَكْمِيلُ وُقُوفِ العَقْلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ القُبْحِ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلَهَيْنِ﴾ لَفْظٌ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: ثُبُوتِ الإلَهِ وثُبُوتِ التَّعَدُّدِ، فَإذا قِيلَ: لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ لَمْ يُعْرَفْ مِن هَذا اللَّفْظِ أنَّ النَّهْيَ وقَعَ عَنْ إثْباتِ الإلَهِ أوْ عَنْ إثْباتِ التَّعَدُّدِ أوْ عَنْ مَجْمُوعِهِما. فَلَمّا قالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ﴾ نَهْيٌ عَنْ إثْباتِ التَّعَدُّدِ فَقَطْ. ورابِعُها: أنَّ الِاثْنَيْنِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْإلَهِيَّةِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما واجِبًا لِذاتِهِ لَكانا مُشْتَرِكَيْنِ في الوُجُوبِ الذّاتِيِّ ومُتَبايِنَيْنِ بِالتَّعَيُّنِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبٌ مِن جُزْأيْنِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ أكْثَرُ مِن واحِدٍ يَنْفِي القَوْلَ بِكَوْنِهِما واجِبِي الوُجُودِ. والثّانِي: أنّا لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ وحاوَلَ صفحة ٤٠ أحَدُهُما تَحْرِيكَ جِسْمٍ والآخَرُ تَسْكِينَهُ، امْتَنَعَ كَوْنُ أحَدِهِما أوْلى بِالفِعْلِ مِنَ الثّانِي؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ الواحِدَةَ والسُّكُونَ الواحِدَ لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ أصْلًا ولا التَّفاوُتَ أصْلًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ تَكُونَ القُدْرَةُ عَلى أحَدِهِما أكْمَلَ مِنَ القُدْرَةِ عَلى الثّانِي، وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ كَوْنُ إحْدى القُدْرَتَيْنِ أوْلى بِالتَّأْثِيرِ مِنَ الثّانِيَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَإمّا أنْ يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهو مُحالٌ، أوْ لا يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهو مُحالٌ، أوْ لا يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما البَتَّةَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عاجِزًا، والعاجِزُ لا يَكُونُ إلَهًا. فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُما اثْنَيْنِ يَنْفِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلَهًا. الثّالِثُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ لَكانَ إمّا أنْ يَقْدِرَ أحَدُهُما عَلى أنْ يَسْتُرَ مُلْكَهُ عَنِ الآخَرِ أوْ لا يَقْدِرَ، فَإنْ قَدَرَ ذاكَ إلَهٌ والآخَرُ ضَعِيفٌ، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَهو ضَعِيفٌ. والرّابِعُ: وهو أنَّ أحَدَهُما إمّا أنْ يَقْوى عَلى مُخالَفَةِ الآخَرِ، أوْ لا يَقْوى عَلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَقْوَ عَلَيْهِ فَهو ضَعِيفٌ، وإنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فَذاكَ الآخَرُ إنْ لَمْ يَقْوَ عَلى الدَّفْعِ فَهو ضَعِيفٌ، وإنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فالأوَّلُ المَغْلُوبُ ضَعِيفٌ. فَثَبَتَ أنِ الِاثْنَيْنِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مُتَضادَّتانِ. فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ: التَّنْبِيهُ عَلى حُصُولِ المُنافاةِ والمُضادَّةِ بَيْنَ الإلَهِيَّةِ وبَيْنَ الِاثْنَيْنِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ السّابِقَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلْعالَمِ مِنَ الإلَهِ، وثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُودِ الإلَهَيْنِ مُحالٌ، ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الواحِدُ الأحَدُ الحَقُّ الصَّمَدُ. ثم قال بَعْدَهُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ وهَذا رُجُوعٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ وثَبَتَ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا الكَلامِ إلَهٌ، فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ لِلْعالَمِ إلّا المُتَكَلِّمُ بِهَذا الكَلامِ، فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَعْدِلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، ويَقُولُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهو أنْ لا يَرْهَبَ الخَلْقُ إلّا مِنهُ، وأنْ لا يَرْغَبُوا إلّا في فَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا قَدِيمٌ وإمّا مُحْدَثٌ، أمّا القَدِيمُ الَّذِي هو الإلَهُ فَهو واحِدٌ، وأمّا ما سِواهُ فَمُحْدَثٌ، وإنَّما حَدُثَ بِتَخْلِيقِ ذَلِكَ القَدِيمِ وبِإيجادِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا رَغْبَةَ إلّا إلَيْهِ ولا رَهْبَةَ إلّا مِنهُ، فَبِفَضْلِهِ تَنْدَفِعُ الحاجاتُ وبِتَكْوِينِهِ وبِتَخْلِيقِهِ تَنْقَطِعُ الضَّرُوراتُ. * * * ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا حَقٌّ، لِأنَّهُ لَمّا كانَ الإلَهُ واحِدًا، والواجِبُ لِذاتِهِ واحِدًا، كانَ كُلُّ ما سِواهُ حاصِلًا بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مِن جُمْلَةِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أفْعالُ العِبادِ لِلَّهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِن كَوْنِها لِلَّهِ تَعالى أنَّها مُفَعْوِلَةٌ لِلَّهِ لِأجْلِهِ ولِغَرَضِ طاعَتِهِ، لِأنَّ فِيها المُباحاتِ والمَحْظُوراتِ الَّتِي يُؤْتى بِها لِغَرَضِ الشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، لا لِغَرَضِ الطّاعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِنا إنَّها لِلَّهِ أنَّها واقِعَةٌ بِتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ، وهو المَطْلُوبُ. ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ الدِّينُ هَهُنا الطّاعَةُ، والواصِبُ الدّائِمُ. يُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ يَصِبُ وُصُوبًا إذا دامَ، قالَ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] ويُقالُ: واظَبَ عَلى الشَّيْءِ وواصَبَ عَلَيْهِ إذا داوَمَ، ومَفازَةٌ واصِبَةٌ أيْ: بَعِيدَةٌ لا غايَةَ لَها. ويُقالُ لِلْعَلِيلِ واصِبٌ، لِيَكُونَ ذَلِكَ المَرَضُ لازِمًا لَهُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ مِن أحَدٍ يُدانُ لَهُ ويُطاعُ، إلّا انْقَطَعَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ في حالِ الحَياةِ أوْ بِالمَوْتِ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، فَإنَّ صفحة ٤١ طاعَتَهُ واجِبَةٌ أبَدًا. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿واصِبًا﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيهِ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وأقُولُ: الدِّينُ قَدْ يَعْنِي بِهِ الِانْقِيادَ، يُقالُ: يا مَن دانَتْ لَهُ الرِّقابُ أيِ: انْقادَتْ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أيِ: انْقِيادُ كُلِّ ما سِواهُ لَهُ لازِمٌ أبَدًا، لِأنَّ انْقِيادَ غَيْرِهِ لَهُ مُعَلَّلٌ بِأنَّ غَيْرَهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا إلى السَّبَبِ في طَرَفَيِ الوُجُودِ والعَدَمِ، والماهِيّاتُ يَلْزَمُها الإمْكانُ لُزُومًا ذاتِيًّا، والإمْكانُ يَلْزَمُهُ الِاحْتِياجُ إلى المُؤَثِّرِ لُزُومًا ذاتِيًّا، يَنْتِجُ أنَّ الماهِيّاتِ يَلْزَمُها الِاحْتِياجُ إلى المُؤَثِّرِ لُزُومًا ذاتِيًّا، فَهَذِهِ الماهِيّاتُ مَوْصُوفَةٌ بِالِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى اتِّصافًا دائِمًا واجِبًا لازِمًا مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ. وأقُولُ: في الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ العُقَلاءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُمْكِنَ حالَ حُدُوثِهِ مُحْتاجٌ إلى السَّبَبِ المُرَجِّحِ، واخْتَلَفُوا في المُمْكِنِ حالَ بَقائِهِ، هَلْ هو مُحْتاجٌ إلى السَّبَبِ ؟ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ مُحْتاجٌ لِأنَّ عِلَّةَ الحاجَةِ هي الإمْكانُ، والإمْكانُ مِن لَوازِمِ الماهِيَّةِ فَيَكُونُ حاصِلًا لِلْماهِيَّةِ حالَ حُدُوثِها وحالَ بَقائِها، فَتَكُونُ عِلَّةَ الحاجَةِ حالَ حُدُوثِ المُمْكِنِ وحالَ بَقائِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الحاجَةُ حاصِلَةً حالَ حُدُوثِها وحالَ بَقائِها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْناهُ: أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ فَإنَّهُ مُحْتاجٌ في انْقِلابِهِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، أوْ مِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ إلى مُرَجِّحٍ ومُخَصِّصٍ، وقَوْلُهُ، ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ مَعْناهُ أنَّ هَذا الِانْقِيادَ وهَذا الِاحْتِياجَ حاصِلٌ دائِمًا أبَدًا، وهو إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ لا يَسْتَغْنِي عَنِ المُرَجِّحِ والمُخَصِّصِ، وهَذِهِ دَقائِقُ مِن أسْرارِ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ مُودَعَةٌ في هَذِهِ الألْفاظِ الفائِضَةِ مِن عالَمِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ. ثم قال تَعالى ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم بَعْدَما عَرَفْتُمْ أنَّ إلَهَ العالَمِ واحِدٌ وعَرَفْتُمْ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ في وقْتِ حُدُوثِهِ، ومُحْتاجٌ إلَيْهِ أيْضًا في وقْتِ دَوامِهِ وبَقائِهِ، فَبَعْدَ العِلْمِ بِهَذِهِ الأُصُولِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ رَغْبَةٌ في غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ رَهْبَةٌ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ؟ ! فَلِهَذا المَعْنى قالَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ * * * ثم قال: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِالآيَةِ أنَّ الواجِبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَتَّقِيَ غَيْرَ اللَّهِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَشْكُرَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى، لِأنَّ الشُّكْرَ إنَّما يَلْزَمُ عَلى النِّعْمَةِ، وكُلُّ نِعْمَةٍ حَصَلَتْ لِلْإنْسانِ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ العاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَخافَ وأنْ لا يَتَّقِيَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وأنْ لا يَشْكُرَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى. المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَقالُوا: الإيمانُ نِعْمَةٌ، وكُلُّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ يَنْتِجُ أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ وإنَّما قُلْنا: إنَّ الإيمانَ نِعْمَةٌ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ مُطْبِقُونَ عَلى قَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، وأيْضًا فالنِّعْمَةُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما يَكُونُ مُنْتَفَعًا بِهِ، وأعْظَمُ الأشْياءِ في النَّفْعِ هو الإيمانُ، فَثَبَتَ أنَّ الإيمانَ نِعْمَةٌ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وكُلُّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وهَذِهِ صفحة ٤٢ اللَّفْظَةُ تُفِيدُ العُمُومَ، وأيْضًا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ مَوْجُودًا فَهو إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ كانَ واجِبًا لِذاتِهِ كانَ حُصُولُ ذَلِكَ المُمْكِنِ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ عادَ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ فِيهِ، ولا يَذْهَبُ إلى التَّسَلْسُلِ، بَلْ يَنْتَهِي إلى إيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البَيانِ أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى. المسألة الثّالِثَةُ: النِّعَمُ إمّا دِينِيَّةٌ، وإمّا دُنْيَوِيَّةٌ، أمّا النِّعَمُ الدِّينِيَّةُ فَهي إمّا مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِذاتِهِ، وإمّا مَعْرِفَةُ الخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأمّا النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي إمّا نَفْسانِيَّةٌ، وإمّا بَدَنِيَّةٌ، وإمّا خارِجِيَّةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ جِنْسٌ تَحْتَهُ أنْواعٌ خارِجَةٌ عَنِ الحَصْرِ والتَّحْدِيدِ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] والإشارَةُ إلى تَفْصِيلِ تِلْكَ الأنْواعِ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا فَلا نُعِيدُها. المسألة الرّابِعَةُ: إنَّما دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الباءَ في قَوْلِهِ ﴿بِكُمْ﴾ مُتَّصِلَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، والمَعْنى: ما يَكُنْ بِكم أوْ ما حَلَّ بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الأسْقامَ والأمْراضَ والحاجَةَ: ﴿فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ أيْ: تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِالِاسْتِغاثَةِ، وتَتَضَرَّعُونَ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ يُقالُ: جَأرَ يَجْأرُ جُؤارًا، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ كَصَوْتِ البَقَرَةِ، وقالَ الأعْشى يَصِفُ راهِبًا: يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيـ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إذا اتَّفَقَ لِأحَدٍ مَضَرَّةٌ تُوجِبُ زَوالَ شَيْءٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ فَإلى اللَّهِ يَجْأرُ، أيْ: لا يَسْتَغِيثُ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْخَلْقِ إلّا هو، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهم: فَأيْنَ أنْتُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في حالِ الرَّخاءِ والسَّلامَةِ، ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ عِنْدَ كَشْفِ الضُّرِّ وسَلامَةِ الأحْوالِ يَفْتَرِقُونَ، فَفَرِيقٌ مِنهم يَبْقى عَلى مَثَلِ ما كانَ عَلَيْهِ عِنْدَ الضُّرِّ في أنْ لا يَفْزَعَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وفَرِيقٌ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ يَتَغَيَّرُونَ فَيُشْرِكُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، وهَذا جَهْلٌ وضَلالٌ، لِأنَّهُ لَمّا شَهِدَتْ فِطْرَتُهُ الأصْلِيَّةُ وخِلْقَتُهُ الغَرِيزِيَّةُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ والضَّرّاءِ والآفاتِ والمَخافاتِ أنْ لا مَفْزَعَ إلّا إلى الواحِدِ ولا مُسْتَغاثَ إلّا الواحِدُ، فَعِنْدَ زَوالِ البَلاءِ والضَّرّاءِ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ، فَأمّا أنَّهُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ يُقِرُّ بِأنَّهُ لا مُسْتَغاثَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وعِنْدَ زَوالِ البَلاءِ يُثْبِتُ الأضْدادَ والشُّرَكاءَ، فَهَذا جَعْلٌ عَظِيمٌ وضَلالٌ كامِلٌ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] . ثم قال تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي هَذِهِ اللّامِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها لامُ كَيْ والمَعْنى أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ في كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهم. وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ الإشْراكِ أنْ يُنْكِرُوا كَوْنَ ذَلِكَ الإنْعامِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى أنَّ العَلِيلَ إذا اشْتَدَّ وجَعُهُ تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى في إزالَةِ ذَلِكَ الوَجَعِ، فَإذا زالَ أحالَ زَوالَهُ عَلى الدَّواءِ الفُلانِيِّ والعِلاجِ الفُلانِيِّ، وهَذا أكْثَرُ أحْوالِ الخَلْقِ. وقالَ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: في اليَوْمِ الَّذِي كُنْتُ أكْتُبُ هَذِهِ الأوْراقَ - وهو اليَوْمُ الأوَّلُ مِن مُحَرَّمٍ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وسِتِّمِائَةٍ - حَصَلَتْ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ وهَدَّةٌ عَظِيمَةٌ وقْتَ الصُّبْحِ ورَأيْتُ النّاسَ يَصِيحُونَ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، فَلَمّا سَكَتَتْ وطابَ صفحة ٤٣ الهَواءُ وحَسُنَ أنْواعُ الوَقْتِ، نَسُوا في الحالِ تِلْكَ الزَّلْزَلَةَ، وعادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تِلْكَ السَّفاهَةِ والجَهالَةِ، وكَأنَّ هَذِهِ الحالَةَ الَّتِي شَرَحَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، تَجْرِي مَجْرى الصِّفَةِ اللّازِمَةِ لِجَوْهَرِ نَفْسِ الإنْسانِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] يَعْنِي: أنَّ عاقِبَةَ تِلْكَ التَّضَرُّعاتِ ما كانَتْ إلّا هَذا الكُفْرَ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كَشْفِ الضُّرِّ وإزالَةِ المَكْرُوهِ. والثّانِي: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ وما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ النُّبُوَّةِ والشَّرائِعِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ وهَذا لَفْظُ أمْرٍ، والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ١٠٧] . ثم قال تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ أمْرِكم وما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ سَواءٌ كانَ مِن عالَمِ الأرْواحِ أوْ مِن عالَمِ الأجْسامِ، فَهو مُنْقادٌ خاضِعٌ لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى وكِبْرِيائِهِ، أتْبَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ وبِالأمْرِ بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ فَقالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنِ الإلَهَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا اثْنَيْنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ . وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ. وثانِيها: وهو الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ مُسْتَنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا، فَمَن أرادَ المُبالَغَةَ في التَّنْفِيرِ عَنْهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِعِباراتٍ كَثِيرَةٍ؛ لِيَصِيرَ تَوالِي تِلْكَ العِباراتِ سَبَبًا لِوُقُوفِ العَقْلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ القُبْحِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فالقَوْلُ بِوُجُودِ الإلَهَيْنِ قَوْلٌ مُسْتَقْبَحٌ في العُقُولِ، ولِهَذا المَعْنى فَإنَّ أحَدًا مِنَ العُقَلاءِ لَمْ يَقُلْ بِوُجُودِ إلَهَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ في الوُجُوبِ والقِدَمِ وصِفاتِ الكَمالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المَقْصُودُ مِن تَكْرِيرِهِ تَأْكِيدُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وتَكْمِيلُ وُقُوفِ العَقْلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ القُبْحِ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلَهَيْنِ﴾ لَفْظٌ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: ثُبُوتِ الإلَهِ وثُبُوتِ التَّعَدُّدِ، فَإذا قِيلَ: لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ لَمْ يُعْرَفْ مِن هَذا اللَّفْظِ أنَّ النَّهْيَ وقَعَ عَنْ إثْباتِ الإلَهِ أوْ عَنْ إثْباتِ التَّعَدُّدِ أوْ عَنْ مَجْمُوعِهِما. فَلَمّا قالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ﴾ نَهْيٌ عَنْ إثْباتِ التَّعَدُّدِ فَقَطْ. ورابِعُها: أنَّ الِاثْنَيْنِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْإلَهِيَّةِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما واجِبًا لِذاتِهِ لَكانا مُشْتَرِكَيْنِ في الوُجُوبِ الذّاتِيِّ ومُتَبايِنَيْنِ بِالتَّعَيُّنِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبٌ مِن جُزْأيْنِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ أكْثَرُ مِن واحِدٍ يَنْفِي القَوْلَ بِكَوْنِهِما واجِبِي الوُجُودِ. والثّانِي: أنّا لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ وحاوَلَ صفحة ٤٠ أحَدُهُما تَحْرِيكَ جِسْمٍ والآخَرُ تَسْكِينَهُ، امْتَنَعَ كَوْنُ أحَدِهِما أوْلى بِالفِعْلِ مِنَ الثّانِي؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ الواحِدَةَ والسُّكُونَ الواحِدَ لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ أصْلًا ولا التَّفاوُتَ أصْلًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ تَكُونَ القُدْرَةُ عَلى أحَدِهِما أكْمَلَ مِنَ القُدْرَةِ عَلى الثّانِي، وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ كَوْنُ إحْدى القُدْرَتَيْنِ أوْلى بِالتَّأْثِيرِ مِنَ الثّانِيَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَإمّا أنْ يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهو مُحالٌ، أوْ لا يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهو مُحالٌ، أوْ لا يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما البَتَّةَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عاجِزًا، والعاجِزُ لا يَكُونُ إلَهًا. فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُما اثْنَيْنِ يَنْفِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلَهًا. الثّالِثُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ لَكانَ إمّا أنْ يَقْدِرَ أحَدُهُما عَلى أنْ يَسْتُرَ مُلْكَهُ عَنِ الآخَرِ أوْ لا يَقْدِرَ، فَإنْ قَدَرَ ذاكَ إلَهٌ والآخَرُ ضَعِيفٌ، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَهو ضَعِيفٌ. والرّابِعُ: وهو أنَّ أحَدَهُما إمّا أنْ يَقْوى عَلى مُخالَفَةِ الآخَرِ، أوْ لا يَقْوى عَلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَقْوَ عَلَيْهِ فَهو ضَعِيفٌ، وإنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فَذاكَ الآخَرُ إنْ لَمْ يَقْوَ عَلى الدَّفْعِ فَهو ضَعِيفٌ، وإنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فالأوَّلُ المَغْلُوبُ ضَعِيفٌ. فَثَبَتَ أنِ الِاثْنَيْنِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مُتَضادَّتانِ. فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ: التَّنْبِيهُ عَلى حُصُولِ المُنافاةِ والمُضادَّةِ بَيْنَ الإلَهِيَّةِ وبَيْنَ الِاثْنَيْنِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ السّابِقَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلْعالَمِ مِنَ الإلَهِ، وثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُودِ الإلَهَيْنِ مُحالٌ، ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الواحِدُ الأحَدُ الحَقُّ الصَّمَدُ. ثم قال بَعْدَهُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ وهَذا رُجُوعٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ وثَبَتَ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا الكَلامِ إلَهٌ، فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ لِلْعالَمِ إلّا المُتَكَلِّمُ بِهَذا الكَلامِ، فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَعْدِلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، ويَقُولُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهو أنْ لا يَرْهَبَ الخَلْقُ إلّا مِنهُ، وأنْ لا يَرْغَبُوا إلّا في فَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا قَدِيمٌ وإمّا مُحْدَثٌ، أمّا القَدِيمُ الَّذِي هو الإلَهُ فَهو واحِدٌ، وأمّا ما سِواهُ فَمُحْدَثٌ، وإنَّما حَدُثَ بِتَخْلِيقِ ذَلِكَ القَدِيمِ وبِإيجادِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا رَغْبَةَ إلّا إلَيْهِ ولا رَهْبَةَ إلّا مِنهُ، فَبِفَضْلِهِ تَنْدَفِعُ الحاجاتُ وبِتَكْوِينِهِ وبِتَخْلِيقِهِ تَنْقَطِعُ الضَّرُوراتُ. * * * ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا حَقٌّ، لِأنَّهُ لَمّا كانَ الإلَهُ واحِدًا، والواجِبُ لِذاتِهِ واحِدًا، كانَ كُلُّ ما سِواهُ حاصِلًا بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مِن جُمْلَةِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أفْعالُ العِبادِ لِلَّهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِن كَوْنِها لِلَّهِ تَعالى أنَّها مُفَعْوِلَةٌ لِلَّهِ لِأجْلِهِ ولِغَرَضِ طاعَتِهِ، لِأنَّ فِيها المُباحاتِ والمَحْظُوراتِ الَّتِي يُؤْتى بِها لِغَرَضِ الشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، لا لِغَرَضِ الطّاعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِنا إنَّها لِلَّهِ أنَّها واقِعَةٌ بِتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ، وهو المَطْلُوبُ. ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ الدِّينُ هَهُنا الطّاعَةُ، والواصِبُ الدّائِمُ. يُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ يَصِبُ وُصُوبًا إذا دامَ، قالَ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] ويُقالُ: واظَبَ عَلى الشَّيْءِ وواصَبَ عَلَيْهِ إذا داوَمَ، ومَفازَةٌ واصِبَةٌ أيْ: بَعِيدَةٌ لا غايَةَ لَها. ويُقالُ لِلْعَلِيلِ واصِبٌ، لِيَكُونَ ذَلِكَ المَرَضُ لازِمًا لَهُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ مِن أحَدٍ يُدانُ لَهُ ويُطاعُ، إلّا انْقَطَعَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ في حالِ الحَياةِ أوْ بِالمَوْتِ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، فَإنَّ صفحة ٤١ طاعَتَهُ واجِبَةٌ أبَدًا. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿واصِبًا﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيهِ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وأقُولُ: الدِّينُ قَدْ يَعْنِي بِهِ الِانْقِيادَ، يُقالُ: يا مَن دانَتْ لَهُ الرِّقابُ أيِ: انْقادَتْ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أيِ: انْقِيادُ كُلِّ ما سِواهُ لَهُ لازِمٌ أبَدًا، لِأنَّ انْقِيادَ غَيْرِهِ لَهُ مُعَلَّلٌ بِأنَّ غَيْرَهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا إلى السَّبَبِ في طَرَفَيِ الوُجُودِ والعَدَمِ، والماهِيّاتُ يَلْزَمُها الإمْكانُ لُزُومًا ذاتِيًّا، والإمْكانُ يَلْزَمُهُ الِاحْتِياجُ إلى المُؤَثِّرِ لُزُومًا ذاتِيًّا، يَنْتِجُ أنَّ الماهِيّاتِ يَلْزَمُها الِاحْتِياجُ إلى المُؤَثِّرِ لُزُومًا ذاتِيًّا، فَهَذِهِ الماهِيّاتُ مَوْصُوفَةٌ بِالِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى اتِّصافًا دائِمًا واجِبًا لازِمًا مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ. وأقُولُ: في الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ العُقَلاءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُمْكِنَ حالَ حُدُوثِهِ مُحْتاجٌ إلى السَّبَبِ المُرَجِّحِ، واخْتَلَفُوا في المُمْكِنِ حالَ بَقائِهِ، هَلْ هو مُحْتاجٌ إلى السَّبَبِ ؟ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ مُحْتاجٌ لِأنَّ عِلَّةَ الحاجَةِ هي الإمْكانُ، والإمْكانُ مِن لَوازِمِ الماهِيَّةِ فَيَكُونُ حاصِلًا لِلْماهِيَّةِ حالَ حُدُوثِها وحالَ بَقائِها، فَتَكُونُ عِلَّةَ الحاجَةِ حالَ حُدُوثِ المُمْكِنِ وحالَ بَقائِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الحاجَةُ حاصِلَةً حالَ حُدُوثِها وحالَ بَقائِها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْناهُ: أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ فَإنَّهُ مُحْتاجٌ في انْقِلابِهِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، أوْ مِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ إلى مُرَجِّحٍ ومُخَصِّصٍ، وقَوْلُهُ، ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ مَعْناهُ أنَّ هَذا الِانْقِيادَ وهَذا الِاحْتِياجَ حاصِلٌ دائِمًا أبَدًا، وهو إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ لا يَسْتَغْنِي عَنِ المُرَجِّحِ والمُخَصِّصِ، وهَذِهِ دَقائِقُ مِن أسْرارِ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ مُودَعَةٌ في هَذِهِ الألْفاظِ الفائِضَةِ مِن عالَمِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ. ثم قال تَعالى ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم بَعْدَما عَرَفْتُمْ أنَّ إلَهَ العالَمِ واحِدٌ وعَرَفْتُمْ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ في وقْتِ حُدُوثِهِ، ومُحْتاجٌ إلَيْهِ أيْضًا في وقْتِ دَوامِهِ وبَقائِهِ، فَبَعْدَ العِلْمِ بِهَذِهِ الأُصُولِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ رَغْبَةٌ في غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ رَهْبَةٌ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ؟ ! فَلِهَذا المَعْنى قالَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ * * * ثم قال: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِالآيَةِ أنَّ الواجِبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَتَّقِيَ غَيْرَ اللَّهِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَشْكُرَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى، لِأنَّ الشُّكْرَ إنَّما يَلْزَمُ عَلى النِّعْمَةِ، وكُلُّ نِعْمَةٍ حَصَلَتْ لِلْإنْسانِ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ العاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَخافَ وأنْ لا يَتَّقِيَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وأنْ لا يَشْكُرَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى. المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَقالُوا: الإيمانُ نِعْمَةٌ، وكُلُّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ يَنْتِجُ أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ وإنَّما قُلْنا: إنَّ الإيمانَ نِعْمَةٌ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ مُطْبِقُونَ عَلى قَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، وأيْضًا فالنِّعْمَةُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما يَكُونُ مُنْتَفَعًا بِهِ، وأعْظَمُ الأشْياءِ في النَّفْعِ هو الإيمانُ، فَثَبَتَ أنَّ الإيمانَ نِعْمَةٌ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وكُلُّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وهَذِهِ صفحة ٤٢ اللَّفْظَةُ تُفِيدُ العُمُومَ، وأيْضًا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ مَوْجُودًا فَهو إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ كانَ واجِبًا لِذاتِهِ كانَ حُصُولُ ذَلِكَ المُمْكِنِ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ عادَ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ فِيهِ، ولا يَذْهَبُ إلى التَّسَلْسُلِ، بَلْ يَنْتَهِي إلى إيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البَيانِ أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى. المسألة الثّالِثَةُ: النِّعَمُ إمّا دِينِيَّةٌ، وإمّا دُنْيَوِيَّةٌ، أمّا النِّعَمُ الدِّينِيَّةُ فَهي إمّا مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِذاتِهِ، وإمّا مَعْرِفَةُ الخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأمّا النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي إمّا نَفْسانِيَّةٌ، وإمّا بَدَنِيَّةٌ، وإمّا خارِجِيَّةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ جِنْسٌ تَحْتَهُ أنْواعٌ خارِجَةٌ عَنِ الحَصْرِ والتَّحْدِيدِ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] والإشارَةُ إلى تَفْصِيلِ تِلْكَ الأنْواعِ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا فَلا نُعِيدُها. المسألة الرّابِعَةُ: إنَّما دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الباءَ في قَوْلِهِ ﴿بِكُمْ﴾ مُتَّصِلَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، والمَعْنى: ما يَكُنْ بِكم أوْ ما حَلَّ بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الأسْقامَ والأمْراضَ والحاجَةَ: ﴿فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ أيْ: تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِالِاسْتِغاثَةِ، وتَتَضَرَّعُونَ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ يُقالُ: جَأرَ يَجْأرُ جُؤارًا، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ كَصَوْتِ البَقَرَةِ، وقالَ الأعْشى يَصِفُ راهِبًا: يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيـ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إذا اتَّفَقَ لِأحَدٍ مَضَرَّةٌ تُوجِبُ زَوالَ شَيْءٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ فَإلى اللَّهِ يَجْأرُ، أيْ: لا يَسْتَغِيثُ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْخَلْقِ إلّا هو، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهم: فَأيْنَ أنْتُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في حالِ الرَّخاءِ والسَّلامَةِ، ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ عِنْدَ كَشْفِ الضُّرِّ وسَلامَةِ الأحْوالِ يَفْتَرِقُونَ، فَفَرِيقٌ مِنهم يَبْقى عَلى مَثَلِ ما كانَ عَلَيْهِ عِنْدَ الضُّرِّ في أنْ لا يَفْزَعَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وفَرِيقٌ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ يَتَغَيَّرُونَ فَيُشْرِكُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، وهَذا جَهْلٌ وضَلالٌ، لِأنَّهُ لَمّا شَهِدَتْ فِطْرَتُهُ الأصْلِيَّةُ وخِلْقَتُهُ الغَرِيزِيَّةُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ والضَّرّاءِ والآفاتِ والمَخافاتِ أنْ لا مَفْزَعَ إلّا إلى الواحِدِ ولا مُسْتَغاثَ إلّا الواحِدُ، فَعِنْدَ زَوالِ البَلاءِ والضَّرّاءِ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ، فَأمّا أنَّهُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ يُقِرُّ بِأنَّهُ لا مُسْتَغاثَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وعِنْدَ زَوالِ البَلاءِ يُثْبِتُ الأضْدادَ والشُّرَكاءَ، فَهَذا جَعْلٌ عَظِيمٌ وضَلالٌ كامِلٌ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] . ثم قال تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي هَذِهِ اللّامِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها لامُ كَيْ والمَعْنى أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ في كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهم. وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ الإشْراكِ أنْ يُنْكِرُوا كَوْنَ ذَلِكَ الإنْعامِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى أنَّ العَلِيلَ إذا اشْتَدَّ وجَعُهُ تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى في إزالَةِ ذَلِكَ الوَجَعِ، فَإذا زالَ أحالَ زَوالَهُ عَلى الدَّواءِ الفُلانِيِّ والعِلاجِ الفُلانِيِّ، وهَذا أكْثَرُ أحْوالِ الخَلْقِ. وقالَ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: في اليَوْمِ الَّذِي كُنْتُ أكْتُبُ هَذِهِ الأوْراقَ - وهو اليَوْمُ الأوَّلُ مِن مُحَرَّمٍ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وسِتِّمِائَةٍ - حَصَلَتْ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ وهَدَّةٌ عَظِيمَةٌ وقْتَ الصُّبْحِ ورَأيْتُ النّاسَ يَصِيحُونَ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، فَلَمّا سَكَتَتْ وطابَ صفحة ٤٣ الهَواءُ وحَسُنَ أنْواعُ الوَقْتِ، نَسُوا في الحالِ تِلْكَ الزَّلْزَلَةَ، وعادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تِلْكَ السَّفاهَةِ والجَهالَةِ، وكَأنَّ هَذِهِ الحالَةَ الَّتِي شَرَحَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، تَجْرِي مَجْرى الصِّفَةِ اللّازِمَةِ لِجَوْهَرِ نَفْسِ الإنْسانِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] يَعْنِي: أنَّ عاقِبَةَ تِلْكَ التَّضَرُّعاتِ ما كانَتْ إلّا هَذا الكُفْرَ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كَشْفِ الضُّرِّ وإزالَةِ المَكْرُوهِ. والثّانِي: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ وما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ النُّبُوَّةِ والشَّرائِعِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ وهَذا لَفْظُ أمْرٍ، والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ١٠٧] . ثم قال تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ أمْرِكم وما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ سَواءٌ كانَ مِن عالَمِ الأرْواحِ أوْ مِن عالَمِ الأجْسامِ، فَهو مُنْقادٌ خاضِعٌ لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى وكِبْرِيائِهِ، أتْبَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ وبِالأمْرِ بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ فَقالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنِ الإلَهَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا اثْنَيْنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ . وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ. وثانِيها: وهو الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ مُسْتَنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا، فَمَن أرادَ المُبالَغَةَ في التَّنْفِيرِ عَنْهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِعِباراتٍ كَثِيرَةٍ؛ لِيَصِيرَ تَوالِي تِلْكَ العِباراتِ سَبَبًا لِوُقُوفِ العَقْلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ القُبْحِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فالقَوْلُ بِوُجُودِ الإلَهَيْنِ قَوْلٌ مُسْتَقْبَحٌ في العُقُولِ، ولِهَذا المَعْنى فَإنَّ أحَدًا مِنَ العُقَلاءِ لَمْ يَقُلْ بِوُجُودِ إلَهَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ في الوُجُوبِ والقِدَمِ وصِفاتِ الكَمالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المَقْصُودُ مِن تَكْرِيرِهِ تَأْكِيدُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وتَكْمِيلُ وُقُوفِ العَقْلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ القُبْحِ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلَهَيْنِ﴾ لَفْظٌ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: ثُبُوتِ الإلَهِ وثُبُوتِ التَّعَدُّدِ، فَإذا قِيلَ: لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ لَمْ يُعْرَفْ مِن هَذا اللَّفْظِ أنَّ النَّهْيَ وقَعَ عَنْ إثْباتِ الإلَهِ أوْ عَنْ إثْباتِ التَّعَدُّدِ أوْ عَنْ مَجْمُوعِهِما. فَلَمّا قالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ﴾ نَهْيٌ عَنْ إثْباتِ التَّعَدُّدِ فَقَطْ. ورابِعُها: أنَّ الِاثْنَيْنِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْإلَهِيَّةِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما واجِبًا لِذاتِهِ لَكانا مُشْتَرِكَيْنِ في الوُجُوبِ الذّاتِيِّ ومُتَبايِنَيْنِ بِالتَّعَيُّنِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبٌ مِن جُزْأيْنِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ أكْثَرُ مِن واحِدٍ يَنْفِي القَوْلَ بِكَوْنِهِما واجِبِي الوُجُودِ. والثّانِي: أنّا لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ وحاوَلَ صفحة ٤٠ أحَدُهُما تَحْرِيكَ جِسْمٍ والآخَرُ تَسْكِينَهُ، امْتَنَعَ كَوْنُ أحَدِهِما أوْلى بِالفِعْلِ مِنَ الثّانِي؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ الواحِدَةَ والسُّكُونَ الواحِدَ لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ أصْلًا ولا التَّفاوُتَ أصْلًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ تَكُونَ القُدْرَةُ عَلى أحَدِهِما أكْمَلَ مِنَ القُدْرَةِ عَلى الثّانِي، وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ كَوْنُ إحْدى القُدْرَتَيْنِ أوْلى بِالتَّأْثِيرِ مِنَ الثّانِيَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَإمّا أنْ يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهو مُحالٌ، أوْ لا يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهو مُحالٌ، أوْ لا يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما البَتَّةَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عاجِزًا، والعاجِزُ لا يَكُونُ إلَهًا. فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُما اثْنَيْنِ يَنْفِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلَهًا. الثّالِثُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ لَكانَ إمّا أنْ يَقْدِرَ أحَدُهُما عَلى أنْ يَسْتُرَ مُلْكَهُ عَنِ الآخَرِ أوْ لا يَقْدِرَ، فَإنْ قَدَرَ ذاكَ إلَهٌ والآخَرُ ضَعِيفٌ، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَهو ضَعِيفٌ. والرّابِعُ: وهو أنَّ أحَدَهُما إمّا أنْ يَقْوى عَلى مُخالَفَةِ الآخَرِ، أوْ لا يَقْوى عَلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَقْوَ عَلَيْهِ فَهو ضَعِيفٌ، وإنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فَذاكَ الآخَرُ إنْ لَمْ يَقْوَ عَلى الدَّفْعِ فَهو ضَعِيفٌ، وإنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فالأوَّلُ المَغْلُوبُ ضَعِيفٌ. فَثَبَتَ أنِ الِاثْنَيْنِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مُتَضادَّتانِ. فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ: التَّنْبِيهُ عَلى حُصُولِ المُنافاةِ والمُضادَّةِ بَيْنَ الإلَهِيَّةِ وبَيْنَ الِاثْنَيْنِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ السّابِقَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلْعالَمِ مِنَ الإلَهِ، وثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُودِ الإلَهَيْنِ مُحالٌ، ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الواحِدُ الأحَدُ الحَقُّ الصَّمَدُ. ثم قال بَعْدَهُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ وهَذا رُجُوعٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ وثَبَتَ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا الكَلامِ إلَهٌ، فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ لِلْعالَمِ إلّا المُتَكَلِّمُ بِهَذا الكَلامِ، فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَعْدِلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، ويَقُولُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهو أنْ لا يَرْهَبَ الخَلْقُ إلّا مِنهُ، وأنْ لا يَرْغَبُوا إلّا في فَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا قَدِيمٌ وإمّا مُحْدَثٌ، أمّا القَدِيمُ الَّذِي هو الإلَهُ فَهو واحِدٌ، وأمّا ما سِواهُ فَمُحْدَثٌ، وإنَّما حَدُثَ بِتَخْلِيقِ ذَلِكَ القَدِيمِ وبِإيجادِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا رَغْبَةَ إلّا إلَيْهِ ولا رَهْبَةَ إلّا مِنهُ، فَبِفَضْلِهِ تَنْدَفِعُ الحاجاتُ وبِتَكْوِينِهِ وبِتَخْلِيقِهِ تَنْقَطِعُ الضَّرُوراتُ. * * * ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا حَقٌّ، لِأنَّهُ لَمّا كانَ الإلَهُ واحِدًا، والواجِبُ لِذاتِهِ واحِدًا، كانَ كُلُّ ما سِواهُ حاصِلًا بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مِن جُمْلَةِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أفْعالُ العِبادِ لِلَّهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِن كَوْنِها لِلَّهِ تَعالى أنَّها مُفَعْوِلَةٌ لِلَّهِ لِأجْلِهِ ولِغَرَضِ طاعَتِهِ، لِأنَّ فِيها المُباحاتِ والمَحْظُوراتِ الَّتِي يُؤْتى بِها لِغَرَضِ الشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، لا لِغَرَضِ الطّاعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِنا إنَّها لِلَّهِ أنَّها واقِعَةٌ بِتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ، وهو المَطْلُوبُ. ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ الدِّينُ هَهُنا الطّاعَةُ، والواصِبُ الدّائِمُ. يُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ يَصِبُ وُصُوبًا إذا دامَ، قالَ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] ويُقالُ: واظَبَ عَلى الشَّيْءِ وواصَبَ عَلَيْهِ إذا داوَمَ، ومَفازَةٌ واصِبَةٌ أيْ: بَعِيدَةٌ لا غايَةَ لَها. ويُقالُ لِلْعَلِيلِ واصِبٌ، لِيَكُونَ ذَلِكَ المَرَضُ لازِمًا لَهُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ مِن أحَدٍ يُدانُ لَهُ ويُطاعُ، إلّا انْقَطَعَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ في حالِ الحَياةِ أوْ بِالمَوْتِ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، فَإنَّ صفحة ٤١ طاعَتَهُ واجِبَةٌ أبَدًا. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿واصِبًا﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيهِ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وأقُولُ: الدِّينُ قَدْ يَعْنِي بِهِ الِانْقِيادَ، يُقالُ: يا مَن دانَتْ لَهُ الرِّقابُ أيِ: انْقادَتْ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أيِ: انْقِيادُ كُلِّ ما سِواهُ لَهُ لازِمٌ أبَدًا، لِأنَّ انْقِيادَ غَيْرِهِ لَهُ مُعَلَّلٌ بِأنَّ غَيْرَهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا إلى السَّبَبِ في طَرَفَيِ الوُجُودِ والعَدَمِ، والماهِيّاتُ يَلْزَمُها الإمْكانُ لُزُومًا ذاتِيًّا، والإمْكانُ يَلْزَمُهُ الِاحْتِياجُ إلى المُؤَثِّرِ لُزُومًا ذاتِيًّا، يَنْتِجُ أنَّ الماهِيّاتِ يَلْزَمُها الِاحْتِياجُ إلى المُؤَثِّرِ لُزُومًا ذاتِيًّا، فَهَذِهِ الماهِيّاتُ مَوْصُوفَةٌ بِالِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى اتِّصافًا دائِمًا واجِبًا لازِمًا مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ. وأقُولُ: في الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ العُقَلاءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُمْكِنَ حالَ حُدُوثِهِ مُحْتاجٌ إلى السَّبَبِ المُرَجِّحِ، واخْتَلَفُوا في المُمْكِنِ حالَ بَقائِهِ، هَلْ هو مُحْتاجٌ إلى السَّبَبِ ؟ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ مُحْتاجٌ لِأنَّ عِلَّةَ الحاجَةِ هي الإمْكانُ، والإمْكانُ مِن لَوازِمِ الماهِيَّةِ فَيَكُونُ حاصِلًا لِلْماهِيَّةِ حالَ حُدُوثِها وحالَ بَقائِها، فَتَكُونُ عِلَّةَ الحاجَةِ حالَ حُدُوثِ المُمْكِنِ وحالَ بَقائِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الحاجَةُ حاصِلَةً حالَ حُدُوثِها وحالَ بَقائِها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْناهُ: أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ فَإنَّهُ مُحْتاجٌ في انْقِلابِهِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، أوْ مِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ إلى مُرَجِّحٍ ومُخَصِّصٍ، وقَوْلُهُ، ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ مَعْناهُ أنَّ هَذا الِانْقِيادَ وهَذا الِاحْتِياجَ حاصِلٌ دائِمًا أبَدًا، وهو إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ لا يَسْتَغْنِي عَنِ المُرَجِّحِ والمُخَصِّصِ، وهَذِهِ دَقائِقُ مِن أسْرارِ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ مُودَعَةٌ في هَذِهِ الألْفاظِ الفائِضَةِ مِن عالَمِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ. ثم قال تَعالى ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم بَعْدَما عَرَفْتُمْ أنَّ إلَهَ العالَمِ واحِدٌ وعَرَفْتُمْ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ في وقْتِ حُدُوثِهِ، ومُحْتاجٌ إلَيْهِ أيْضًا في وقْتِ دَوامِهِ وبَقائِهِ، فَبَعْدَ العِلْمِ بِهَذِهِ الأُصُولِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ رَغْبَةٌ في غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ رَهْبَةٌ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ؟ ! فَلِهَذا المَعْنى قالَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ * * * ثم قال: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِالآيَةِ أنَّ الواجِبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَتَّقِيَ غَيْرَ اللَّهِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَشْكُرَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى، لِأنَّ الشُّكْرَ إنَّما يَلْزَمُ عَلى النِّعْمَةِ، وكُلُّ نِعْمَةٍ حَصَلَتْ لِلْإنْسانِ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ العاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَخافَ وأنْ لا يَتَّقِيَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وأنْ لا يَشْكُرَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى. المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَقالُوا: الإيمانُ نِعْمَةٌ، وكُلُّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ يَنْتِجُ أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ وإنَّما قُلْنا: إنَّ الإيمانَ نِعْمَةٌ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ مُطْبِقُونَ عَلى قَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، وأيْضًا فالنِّعْمَةُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما يَكُونُ مُنْتَفَعًا بِهِ، وأعْظَمُ الأشْياءِ في النَّفْعِ هو الإيمانُ، فَثَبَتَ أنَّ الإيمانَ نِعْمَةٌ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وكُلُّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وهَذِهِ صفحة ٤٢ اللَّفْظَةُ تُفِيدُ العُمُومَ، وأيْضًا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ مَوْجُودًا فَهو إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ كانَ واجِبًا لِذاتِهِ كانَ حُصُولُ ذَلِكَ المُمْكِنِ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ عادَ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ فِيهِ، ولا يَذْهَبُ إلى التَّسَلْسُلِ، بَلْ يَنْتَهِي إلى إيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البَيانِ أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى. المسألة الثّالِثَةُ: النِّعَمُ إمّا دِينِيَّةٌ، وإمّا دُنْيَوِيَّةٌ، أمّا النِّعَمُ الدِّينِيَّةُ فَهي إمّا مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِذاتِهِ، وإمّا مَعْرِفَةُ الخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأمّا النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي إمّا نَفْسانِيَّةٌ، وإمّا بَدَنِيَّةٌ، وإمّا خارِجِيَّةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ جِنْسٌ تَحْتَهُ أنْواعٌ خارِجَةٌ عَنِ الحَصْرِ والتَّحْدِيدِ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] والإشارَةُ إلى تَفْصِيلِ تِلْكَ الأنْواعِ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا فَلا نُعِيدُها. المسألة الرّابِعَةُ: إنَّما دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الباءَ في قَوْلِهِ ﴿بِكُمْ﴾ مُتَّصِلَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، والمَعْنى: ما يَكُنْ بِكم أوْ ما حَلَّ بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الأسْقامَ والأمْراضَ والحاجَةَ: ﴿فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ أيْ: تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِالِاسْتِغاثَةِ، وتَتَضَرَّعُونَ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ يُقالُ: جَأرَ يَجْأرُ جُؤارًا، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ كَصَوْتِ البَقَرَةِ، وقالَ الأعْشى يَصِفُ راهِبًا: يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيـ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إذا اتَّفَقَ لِأحَدٍ مَضَرَّةٌ تُوجِبُ زَوالَ شَيْءٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ فَإلى اللَّهِ يَجْأرُ، أيْ: لا يَسْتَغِيثُ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْخَلْقِ إلّا هو، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهم: فَأيْنَ أنْتُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في حالِ الرَّخاءِ والسَّلامَةِ، ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ عِنْدَ كَشْفِ الضُّرِّ وسَلامَةِ الأحْوالِ يَفْتَرِقُونَ، فَفَرِيقٌ مِنهم يَبْقى عَلى مَثَلِ ما كانَ عَلَيْهِ عِنْدَ الضُّرِّ في أنْ لا يَفْزَعَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وفَرِيقٌ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ يَتَغَيَّرُونَ فَيُشْرِكُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، وهَذا جَهْلٌ وضَلالٌ، لِأنَّهُ لَمّا شَهِدَتْ فِطْرَتُهُ الأصْلِيَّةُ وخِلْقَتُهُ الغَرِيزِيَّةُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ والضَّرّاءِ والآفاتِ والمَخافاتِ أنْ لا مَفْزَعَ إلّا إلى الواحِدِ ولا مُسْتَغاثَ إلّا الواحِدُ، فَعِنْدَ زَوالِ البَلاءِ والضَّرّاءِ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ، فَأمّا أنَّهُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ يُقِرُّ بِأنَّهُ لا مُسْتَغاثَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وعِنْدَ زَوالِ البَلاءِ يُثْبِتُ الأضْدادَ والشُّرَكاءَ، فَهَذا جَعْلٌ عَظِيمٌ وضَلالٌ كامِلٌ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] . ثم قال تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي هَذِهِ اللّامِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها لامُ كَيْ والمَعْنى أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ في كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهم. وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ الإشْراكِ أنْ يُنْكِرُوا كَوْنَ ذَلِكَ الإنْعامِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى أنَّ العَلِيلَ إذا اشْتَدَّ وجَعُهُ تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى في إزالَةِ ذَلِكَ الوَجَعِ، فَإذا زالَ أحالَ زَوالَهُ عَلى الدَّواءِ الفُلانِيِّ والعِلاجِ الفُلانِيِّ، وهَذا أكْثَرُ أحْوالِ الخَلْقِ. وقالَ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: في اليَوْمِ الَّذِي كُنْتُ أكْتُبُ هَذِهِ الأوْراقَ - وهو اليَوْمُ الأوَّلُ مِن مُحَرَّمٍ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وسِتِّمِائَةٍ - حَصَلَتْ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ وهَدَّةٌ عَظِيمَةٌ وقْتَ الصُّبْحِ ورَأيْتُ النّاسَ يَصِيحُونَ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، فَلَمّا سَكَتَتْ وطابَ صفحة ٤٣ الهَواءُ وحَسُنَ أنْواعُ الوَقْتِ، نَسُوا في الحالِ تِلْكَ الزَّلْزَلَةَ، وعادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تِلْكَ السَّفاهَةِ والجَهالَةِ، وكَأنَّ هَذِهِ الحالَةَ الَّتِي شَرَحَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، تَجْرِي مَجْرى الصِّفَةِ اللّازِمَةِ لِجَوْهَرِ نَفْسِ الإنْسانِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] يَعْنِي: أنَّ عاقِبَةَ تِلْكَ التَّضَرُّعاتِ ما كانَتْ إلّا هَذا الكُفْرَ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كَشْفِ الضُّرِّ وإزالَةِ المَكْرُوهِ. والثّانِي: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ وما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ النُّبُوَّةِ والشَّرائِعِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ وهَذا لَفْظُ أمْرٍ، والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ١٠٧] . ثم قال تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ أمْرِكم وما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ سَواءٌ كانَ مِن عالَمِ الأرْواحِ أوْ مِن عالَمِ الأجْسامِ، فَهو مُنْقادٌ خاضِعٌ لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى وكِبْرِيائِهِ، أتْبَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ وبِالأمْرِ بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ فَقالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنِ الإلَهَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا اثْنَيْنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ . وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ. وثانِيها: وهو الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ مُسْتَنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا، فَمَن أرادَ المُبالَغَةَ في التَّنْفِيرِ عَنْهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِعِباراتٍ كَثِيرَةٍ؛ لِيَصِيرَ تَوالِي تِلْكَ العِباراتِ سَبَبًا لِوُقُوفِ العَقْلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ القُبْحِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فالقَوْلُ بِوُجُودِ الإلَهَيْنِ قَوْلٌ مُسْتَقْبَحٌ في العُقُولِ، ولِهَذا المَعْنى فَإنَّ أحَدًا مِنَ العُقَلاءِ لَمْ يَقُلْ بِوُجُودِ إلَهَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ في الوُجُوبِ والقِدَمِ وصِفاتِ الكَمالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المَقْصُودُ مِن تَكْرِيرِهِ تَأْكِيدُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وتَكْمِيلُ وُقُوفِ العَقْلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ القُبْحِ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلَهَيْنِ﴾ لَفْظٌ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: ثُبُوتِ الإلَهِ وثُبُوتِ التَّعَدُّدِ، فَإذا قِيلَ: لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ لَمْ يُعْرَفْ مِن هَذا اللَّفْظِ أنَّ النَّهْيَ وقَعَ عَنْ إثْباتِ الإلَهِ أوْ عَنْ إثْباتِ التَّعَدُّدِ أوْ عَنْ مَجْمُوعِهِما. فَلَمّا قالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ﴾ نَهْيٌ عَنْ إثْباتِ التَّعَدُّدِ فَقَطْ. ورابِعُها: أنَّ الِاثْنَيْنِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْإلَهِيَّةِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما واجِبًا لِذاتِهِ لَكانا مُشْتَرِكَيْنِ في الوُجُوبِ الذّاتِيِّ ومُتَبايِنَيْنِ بِالتَّعَيُّنِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبٌ مِن جُزْأيْنِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ أكْثَرُ مِن واحِدٍ يَنْفِي القَوْلَ بِكَوْنِهِما واجِبِي الوُجُودِ. والثّانِي: أنّا لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ وحاوَلَ صفحة ٤٠ أحَدُهُما تَحْرِيكَ جِسْمٍ والآخَرُ تَسْكِينَهُ، امْتَنَعَ كَوْنُ أحَدِهِما أوْلى بِالفِعْلِ مِنَ الثّانِي؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ الواحِدَةَ والسُّكُونَ الواحِدَ لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ أصْلًا ولا التَّفاوُتَ أصْلًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ تَكُونَ القُدْرَةُ عَلى أحَدِهِما أكْمَلَ مِنَ القُدْرَةِ عَلى الثّانِي، وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ كَوْنُ إحْدى القُدْرَتَيْنِ أوْلى بِالتَّأْثِيرِ مِنَ الثّانِيَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَإمّا أنْ يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهو مُحالٌ، أوْ لا يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهو مُحالٌ، أوْ لا يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما البَتَّةَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عاجِزًا، والعاجِزُ لا يَكُونُ إلَهًا. فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُما اثْنَيْنِ يَنْفِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلَهًا. الثّالِثُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ لَكانَ إمّا أنْ يَقْدِرَ أحَدُهُما عَلى أنْ يَسْتُرَ مُلْكَهُ عَنِ الآخَرِ أوْ لا يَقْدِرَ، فَإنْ قَدَرَ ذاكَ إلَهٌ والآخَرُ ضَعِيفٌ، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَهو ضَعِيفٌ. والرّابِعُ: وهو أنَّ أحَدَهُما إمّا أنْ يَقْوى عَلى مُخالَفَةِ الآخَرِ، أوْ لا يَقْوى عَلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَقْوَ عَلَيْهِ فَهو ضَعِيفٌ، وإنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فَذاكَ الآخَرُ إنْ لَمْ يَقْوَ عَلى الدَّفْعِ فَهو ضَعِيفٌ، وإنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فالأوَّلُ المَغْلُوبُ ضَعِيفٌ. فَثَبَتَ أنِ الِاثْنَيْنِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مُتَضادَّتانِ. فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ: التَّنْبِيهُ عَلى حُصُولِ المُنافاةِ والمُضادَّةِ بَيْنَ الإلَهِيَّةِ وبَيْنَ الِاثْنَيْنِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ السّابِقَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلْعالَمِ مِنَ الإلَهِ، وثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُودِ الإلَهَيْنِ مُحالٌ، ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الواحِدُ الأحَدُ الحَقُّ الصَّمَدُ. ثم قال بَعْدَهُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ وهَذا رُجُوعٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ وثَبَتَ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا الكَلامِ إلَهٌ، فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ لِلْعالَمِ إلّا المُتَكَلِّمُ بِهَذا الكَلامِ، فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَعْدِلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، ويَقُولُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهو أنْ لا يَرْهَبَ الخَلْقُ إلّا مِنهُ، وأنْ لا يَرْغَبُوا إلّا في فَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا قَدِيمٌ وإمّا مُحْدَثٌ، أمّا القَدِيمُ الَّذِي هو الإلَهُ فَهو واحِدٌ، وأمّا ما سِواهُ فَمُحْدَثٌ، وإنَّما حَدُثَ بِتَخْلِيقِ ذَلِكَ القَدِيمِ وبِإيجادِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا رَغْبَةَ إلّا إلَيْهِ ولا رَهْبَةَ إلّا مِنهُ، فَبِفَضْلِهِ تَنْدَفِعُ الحاجاتُ وبِتَكْوِينِهِ وبِتَخْلِيقِهِ تَنْقَطِعُ الضَّرُوراتُ. * * * ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا حَقٌّ، لِأنَّهُ لَمّا كانَ الإلَهُ واحِدًا، والواجِبُ لِذاتِهِ واحِدًا، كانَ كُلُّ ما سِواهُ حاصِلًا بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مِن جُمْلَةِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أفْعالُ العِبادِ لِلَّهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِن كَوْنِها لِلَّهِ تَعالى أنَّها مُفَعْوِلَةٌ لِلَّهِ لِأجْلِهِ ولِغَرَضِ طاعَتِهِ، لِأنَّ فِيها المُباحاتِ والمَحْظُوراتِ الَّتِي يُؤْتى بِها لِغَرَضِ الشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، لا لِغَرَضِ الطّاعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِنا إنَّها لِلَّهِ أنَّها واقِعَةٌ بِتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ، وهو المَطْلُوبُ. ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ الدِّينُ هَهُنا الطّاعَةُ، والواصِبُ الدّائِمُ. يُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ يَصِبُ وُصُوبًا إذا دامَ، قالَ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] ويُقالُ: واظَبَ عَلى الشَّيْءِ وواصَبَ عَلَيْهِ إذا داوَمَ، ومَفازَةٌ واصِبَةٌ أيْ: بَعِيدَةٌ لا غايَةَ لَها. ويُقالُ لِلْعَلِيلِ واصِبٌ، لِيَكُونَ ذَلِكَ المَرَضُ لازِمًا لَهُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ مِن أحَدٍ يُدانُ لَهُ ويُطاعُ، إلّا انْقَطَعَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ في حالِ الحَياةِ أوْ بِالمَوْتِ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، فَإنَّ صفحة ٤١ طاعَتَهُ واجِبَةٌ أبَدًا. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿واصِبًا﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيهِ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وأقُولُ: الدِّينُ قَدْ يَعْنِي بِهِ الِانْقِيادَ، يُقالُ: يا مَن دانَتْ لَهُ الرِّقابُ أيِ: انْقادَتْ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أيِ: انْقِيادُ كُلِّ ما سِواهُ لَهُ لازِمٌ أبَدًا، لِأنَّ انْقِيادَ غَيْرِهِ لَهُ مُعَلَّلٌ بِأنَّ غَيْرَهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا إلى السَّبَبِ في طَرَفَيِ الوُجُودِ والعَدَمِ، والماهِيّاتُ يَلْزَمُها الإمْكانُ لُزُومًا ذاتِيًّا، والإمْكانُ يَلْزَمُهُ الِاحْتِياجُ إلى المُؤَثِّرِ لُزُومًا ذاتِيًّا، يَنْتِجُ أنَّ الماهِيّاتِ يَلْزَمُها الِاحْتِياجُ إلى المُؤَثِّرِ لُزُومًا ذاتِيًّا، فَهَذِهِ الماهِيّاتُ مَوْصُوفَةٌ بِالِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى اتِّصافًا دائِمًا واجِبًا لازِمًا مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ. وأقُولُ: في الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ العُقَلاءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُمْكِنَ حالَ حُدُوثِهِ مُحْتاجٌ إلى السَّبَبِ المُرَجِّحِ، واخْتَلَفُوا في المُمْكِنِ حالَ بَقائِهِ، هَلْ هو مُحْتاجٌ إلى السَّبَبِ ؟ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ مُحْتاجٌ لِأنَّ عِلَّةَ الحاجَةِ هي الإمْكانُ، والإمْكانُ مِن لَوازِمِ الماهِيَّةِ فَيَكُونُ حاصِلًا لِلْماهِيَّةِ حالَ حُدُوثِها وحالَ بَقائِها، فَتَكُونُ عِلَّةَ الحاجَةِ حالَ حُدُوثِ المُمْكِنِ وحالَ بَقائِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الحاجَةُ حاصِلَةً حالَ حُدُوثِها وحالَ بَقائِها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْناهُ: أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ فَإنَّهُ مُحْتاجٌ في انْقِلابِهِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، أوْ مِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ إلى مُرَجِّحٍ ومُخَصِّصٍ، وقَوْلُهُ، ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ مَعْناهُ أنَّ هَذا الِانْقِيادَ وهَذا الِاحْتِياجَ حاصِلٌ دائِمًا أبَدًا، وهو إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ لا يَسْتَغْنِي عَنِ المُرَجِّحِ والمُخَصِّصِ، وهَذِهِ دَقائِقُ مِن أسْرارِ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ مُودَعَةٌ في هَذِهِ الألْفاظِ الفائِضَةِ مِن عالَمِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ. ثم قال تَعالى ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم بَعْدَما عَرَفْتُمْ أنَّ إلَهَ العالَمِ واحِدٌ وعَرَفْتُمْ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ في وقْتِ حُدُوثِهِ، ومُحْتاجٌ إلَيْهِ أيْضًا في وقْتِ دَوامِهِ وبَقائِهِ، فَبَعْدَ العِلْمِ بِهَذِهِ الأُصُولِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ رَغْبَةٌ في غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ رَهْبَةٌ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ؟ ! فَلِهَذا المَعْنى قالَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ * * * ثم قال: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِالآيَةِ أنَّ الواجِبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَتَّقِيَ غَيْرَ اللَّهِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَشْكُرَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى، لِأنَّ الشُّكْرَ إنَّما يَلْزَمُ عَلى النِّعْمَةِ، وكُلُّ نِعْمَةٍ حَصَلَتْ لِلْإنْسانِ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ العاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَخافَ وأنْ لا يَتَّقِيَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وأنْ لا يَشْكُرَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى. المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَقالُوا: الإيمانُ نِعْمَةٌ، وكُلُّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ يَنْتِجُ أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ وإنَّما قُلْنا: إنَّ الإيمانَ نِعْمَةٌ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ مُطْبِقُونَ عَلى قَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، وأيْضًا فالنِّعْمَةُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما يَكُونُ مُنْتَفَعًا بِهِ، وأعْظَمُ الأشْياءِ في النَّفْعِ هو الإيمانُ، فَثَبَتَ أنَّ الإيمانَ نِعْمَةٌ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وكُلُّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وهَذِهِ صفحة ٤٢ اللَّفْظَةُ تُفِيدُ العُمُومَ، وأيْضًا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ مَوْجُودًا فَهو إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ كانَ واجِبًا لِذاتِهِ كانَ حُصُولُ ذَلِكَ المُمْكِنِ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ عادَ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ فِيهِ، ولا يَذْهَبُ إلى التَّسَلْسُلِ، بَلْ يَنْتَهِي إلى إيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البَيانِ أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى. المسألة الثّالِثَةُ: النِّعَمُ إمّا دِينِيَّةٌ، وإمّا دُنْيَوِيَّةٌ، أمّا النِّعَمُ الدِّينِيَّةُ فَهي إمّا مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِذاتِهِ، وإمّا مَعْرِفَةُ الخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأمّا النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي إمّا نَفْسانِيَّةٌ، وإمّا بَدَنِيَّةٌ، وإمّا خارِجِيَّةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ جِنْسٌ تَحْتَهُ أنْواعٌ خارِجَةٌ عَنِ الحَصْرِ والتَّحْدِيدِ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] والإشارَةُ إلى تَفْصِيلِ تِلْكَ الأنْواعِ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا فَلا نُعِيدُها. المسألة الرّابِعَةُ: إنَّما دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الباءَ في قَوْلِهِ ﴿بِكُمْ﴾ مُتَّصِلَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، والمَعْنى: ما يَكُنْ بِكم أوْ ما حَلَّ بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الأسْقامَ والأمْراضَ والحاجَةَ: ﴿فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ أيْ: تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِالِاسْتِغاثَةِ، وتَتَضَرَّعُونَ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ يُقالُ: جَأرَ يَجْأرُ جُؤارًا، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ كَصَوْتِ البَقَرَةِ، وقالَ الأعْشى يَصِفُ راهِبًا: يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيـ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إذا اتَّفَقَ لِأحَدٍ مَضَرَّةٌ تُوجِبُ زَوالَ شَيْءٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ فَإلى اللَّهِ يَجْأرُ، أيْ: لا يَسْتَغِيثُ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْخَلْقِ إلّا هو، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهم: فَأيْنَ أنْتُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في حالِ الرَّخاءِ والسَّلامَةِ، ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ عِنْدَ كَشْفِ الضُّرِّ وسَلامَةِ الأحْوالِ يَفْتَرِقُونَ، فَفَرِيقٌ مِنهم يَبْقى عَلى مَثَلِ ما كانَ عَلَيْهِ عِنْدَ الضُّرِّ في أنْ لا يَفْزَعَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وفَرِيقٌ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ يَتَغَيَّرُونَ فَيُشْرِكُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، وهَذا جَهْلٌ وضَلالٌ، لِأنَّهُ لَمّا شَهِدَتْ فِطْرَتُهُ الأصْلِيَّةُ وخِلْقَتُهُ الغَرِيزِيَّةُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ والضَّرّاءِ والآفاتِ والمَخافاتِ أنْ لا مَفْزَعَ إلّا إلى الواحِدِ ولا مُسْتَغاثَ إلّا الواحِدُ، فَعِنْدَ زَوالِ البَلاءِ والضَّرّاءِ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ، فَأمّا أنَّهُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ يُقِرُّ بِأنَّهُ لا مُسْتَغاثَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وعِنْدَ زَوالِ البَلاءِ يُثْبِتُ الأضْدادَ والشُّرَكاءَ، فَهَذا جَعْلٌ عَظِيمٌ وضَلالٌ كامِلٌ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] . ثم قال تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي هَذِهِ اللّامِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها لامُ كَيْ والمَعْنى أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ في كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهم. وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ الإشْراكِ أنْ يُنْكِرُوا كَوْنَ ذَلِكَ الإنْعامِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى أنَّ العَلِيلَ إذا اشْتَدَّ وجَعُهُ تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى في إزالَةِ ذَلِكَ الوَجَعِ، فَإذا زالَ أحالَ زَوالَهُ عَلى الدَّواءِ الفُلانِيِّ والعِلاجِ الفُلانِيِّ، وهَذا أكْثَرُ أحْوالِ الخَلْقِ. وقالَ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: في اليَوْمِ الَّذِي كُنْتُ أكْتُبُ هَذِهِ الأوْراقَ - وهو اليَوْمُ الأوَّلُ مِن مُحَرَّمٍ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وسِتِّمِائَةٍ - حَصَلَتْ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ وهَدَّةٌ عَظِيمَةٌ وقْتَ الصُّبْحِ ورَأيْتُ النّاسَ يَصِيحُونَ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، فَلَمّا سَكَتَتْ وطابَ صفحة ٤٣ الهَواءُ وحَسُنَ أنْواعُ الوَقْتِ، نَسُوا في الحالِ تِلْكَ الزَّلْزَلَةَ، وعادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تِلْكَ السَّفاهَةِ والجَهالَةِ، وكَأنَّ هَذِهِ الحالَةَ الَّتِي شَرَحَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، تَجْرِي مَجْرى الصِّفَةِ اللّازِمَةِ لِجَوْهَرِ نَفْسِ الإنْسانِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] يَعْنِي: أنَّ عاقِبَةَ تِلْكَ التَّضَرُّعاتِ ما كانَتْ إلّا هَذا الكُفْرَ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كَشْفِ الضُّرِّ وإزالَةِ المَكْرُوهِ. والثّانِي: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ وما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ النُّبُوَّةِ والشَّرائِعِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ وهَذا لَفْظُ أمْرٍ، والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ١٠٧] . ثم قال تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ أمْرِكم وما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ سَواءٌ كانَ مِن عالَمِ الأرْواحِ أوْ مِن عالَمِ الأجْسامِ، فَهو مُنْقادٌ خاضِعٌ لِجَلالِ اللَّهِ تَعالى وكِبْرِيائِهِ، أتْبَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ وبِالأمْرِ بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ فَقالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنِ الإلَهَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا اثْنَيْنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ . وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ. وثانِيها: وهو الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ مُسْتَنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا، فَمَن أرادَ المُبالَغَةَ في التَّنْفِيرِ عَنْهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِعِباراتٍ كَثِيرَةٍ؛ لِيَصِيرَ تَوالِي تِلْكَ العِباراتِ سَبَبًا لِوُقُوفِ العَقْلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ القُبْحِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فالقَوْلُ بِوُجُودِ الإلَهَيْنِ قَوْلٌ مُسْتَقْبَحٌ في العُقُولِ، ولِهَذا المَعْنى فَإنَّ أحَدًا مِنَ العُقَلاءِ لَمْ يَقُلْ بِوُجُودِ إلَهَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ في الوُجُوبِ والقِدَمِ وصِفاتِ الكَمالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المَقْصُودُ مِن تَكْرِيرِهِ تَأْكِيدُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وتَكْمِيلُ وُقُوفِ العَقْلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ القُبْحِ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلَهَيْنِ﴾ لَفْظٌ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: ثُبُوتِ الإلَهِ وثُبُوتِ التَّعَدُّدِ، فَإذا قِيلَ: لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ لَمْ يُعْرَفْ مِن هَذا اللَّفْظِ أنَّ النَّهْيَ وقَعَ عَنْ إثْباتِ الإلَهِ أوْ عَنْ إثْباتِ التَّعَدُّدِ أوْ عَنْ مَجْمُوعِهِما. فَلَمّا قالَ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ﴾ نَهْيٌ عَنْ إثْباتِ التَّعَدُّدِ فَقَطْ. ورابِعُها: أنَّ الِاثْنَيْنِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْإلَهِيَّةِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما واجِبًا لِذاتِهِ لَكانا مُشْتَرِكَيْنِ في الوُجُوبِ الذّاتِيِّ ومُتَبايِنَيْنِ بِالتَّعَيُّنِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبٌ مِن جُزْأيْنِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ أكْثَرُ مِن واحِدٍ يَنْفِي القَوْلَ بِكَوْنِهِما واجِبِي الوُجُودِ. والثّانِي: أنّا لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ وحاوَلَ صفحة ٤٠ أحَدُهُما تَحْرِيكَ جِسْمٍ والآخَرُ تَسْكِينَهُ، امْتَنَعَ كَوْنُ أحَدِهِما أوْلى بِالفِعْلِ مِنَ الثّانِي؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ الواحِدَةَ والسُّكُونَ الواحِدَ لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ أصْلًا ولا التَّفاوُتَ أصْلًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ تَكُونَ القُدْرَةُ عَلى أحَدِهِما أكْمَلَ مِنَ القُدْرَةِ عَلى الثّانِي، وإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ كَوْنُ إحْدى القُدْرَتَيْنِ أوْلى بِالتَّأْثِيرِ مِنَ الثّانِيَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَإمّا أنْ يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهو مُحالٌ، أوْ لا يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وهو مُحالٌ، أوْ لا يَحْصُلَ مُرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما البَتَّةَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عاجِزًا، والعاجِزُ لا يَكُونُ إلَهًا. فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُما اثْنَيْنِ يَنْفِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلَهًا. الثّالِثُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ لَكانَ إمّا أنْ يَقْدِرَ أحَدُهُما عَلى أنْ يَسْتُرَ مُلْكَهُ عَنِ الآخَرِ أوْ لا يَقْدِرَ، فَإنْ قَدَرَ ذاكَ إلَهٌ والآخَرُ ضَعِيفٌ، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَهو ضَعِيفٌ. والرّابِعُ: وهو أنَّ أحَدَهُما إمّا أنْ يَقْوى عَلى مُخالَفَةِ الآخَرِ، أوْ لا يَقْوى عَلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَقْوَ عَلَيْهِ فَهو ضَعِيفٌ، وإنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فَذاكَ الآخَرُ إنْ لَمْ يَقْوَ عَلى الدَّفْعِ فَهو ضَعِيفٌ، وإنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فالأوَّلُ المَغْلُوبُ ضَعِيفٌ. فَثَبَتَ أنِ الِاثْنَيْنِيَّةَ والإلَهِيَّةَ مُتَضادَّتانِ. فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ: التَّنْبِيهُ عَلى حُصُولِ المُنافاةِ والمُضادَّةِ بَيْنَ الإلَهِيَّةِ وبَيْنَ الِاثْنَيْنِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ السّابِقَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلْعالَمِ مِنَ الإلَهِ، وثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُودِ الإلَهَيْنِ مُحالٌ، ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الواحِدُ الأحَدُ الحَقُّ الصَّمَدُ. ثم قال بَعْدَهُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ وهَذا رُجُوعٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ وثَبَتَ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا الكَلامِ إلَهٌ، فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ لِلْعالَمِ إلّا المُتَكَلِّمُ بِهَذا الكَلامِ، فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَعْدِلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ، ويَقُولُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهو أنْ لا يَرْهَبَ الخَلْقُ إلّا مِنهُ، وأنْ لا يَرْغَبُوا إلّا في فَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا قَدِيمٌ وإمّا مُحْدَثٌ، أمّا القَدِيمُ الَّذِي هو الإلَهُ فَهو واحِدٌ، وأمّا ما سِواهُ فَمُحْدَثٌ، وإنَّما حَدُثَ بِتَخْلِيقِ ذَلِكَ القَدِيمِ وبِإيجادِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا رَغْبَةَ إلّا إلَيْهِ ولا رَهْبَةَ إلّا مِنهُ، فَبِفَضْلِهِ تَنْدَفِعُ الحاجاتُ وبِتَكْوِينِهِ وبِتَخْلِيقِهِ تَنْقَطِعُ الضَّرُوراتُ. * * * ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا حَقٌّ، لِأنَّهُ لَمّا كانَ الإلَهُ واحِدًا، والواجِبُ لِذاتِهِ واحِدًا، كانَ كُلُّ ما سِواهُ حاصِلًا بِتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مِن جُمْلَةِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أفْعالُ العِبادِ لِلَّهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ مِن كَوْنِها لِلَّهِ تَعالى أنَّها مُفَعْوِلَةٌ لِلَّهِ لِأجْلِهِ ولِغَرَضِ طاعَتِهِ، لِأنَّ فِيها المُباحاتِ والمَحْظُوراتِ الَّتِي يُؤْتى بِها لِغَرَضِ الشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، لا لِغَرَضِ الطّاعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِنا إنَّها لِلَّهِ أنَّها واقِعَةٌ بِتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ، وهو المَطْلُوبُ. ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ الدِّينُ هَهُنا الطّاعَةُ، والواصِبُ الدّائِمُ. يُقالُ: وصَبَ الشَّيْءُ يَصِبُ وُصُوبًا إذا دامَ، قالَ تَعالى: ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] ويُقالُ: واظَبَ عَلى الشَّيْءِ وواصَبَ عَلَيْهِ إذا داوَمَ، ومَفازَةٌ واصِبَةٌ أيْ: بَعِيدَةٌ لا غايَةَ لَها. ويُقالُ لِلْعَلِيلِ واصِبٌ، لِيَكُونَ ذَلِكَ المَرَضُ لازِمًا لَهُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ مِن أحَدٍ يُدانُ لَهُ ويُطاعُ، إلّا انْقَطَعَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ في حالِ الحَياةِ أوْ بِالمَوْتِ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، فَإنَّ صفحة ٤١ طاعَتَهُ واجِبَةٌ أبَدًا. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿واصِبًا﴾ حالٌ، والعامِلُ فِيهِ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. وأقُولُ: الدِّينُ قَدْ يَعْنِي بِهِ الِانْقِيادَ، يُقالُ: يا مَن دانَتْ لَهُ الرِّقابُ أيِ: انْقادَتْ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ أيِ: انْقِيادُ كُلِّ ما سِواهُ لَهُ لازِمٌ أبَدًا، لِأنَّ انْقِيادَ غَيْرِهِ لَهُ مُعَلَّلٌ بِأنَّ غَيْرَهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا إلى السَّبَبِ في طَرَفَيِ الوُجُودِ والعَدَمِ، والماهِيّاتُ يَلْزَمُها الإمْكانُ لُزُومًا ذاتِيًّا، والإمْكانُ يَلْزَمُهُ الِاحْتِياجُ إلى المُؤَثِّرِ لُزُومًا ذاتِيًّا، يَنْتِجُ أنَّ الماهِيّاتِ يَلْزَمُها الِاحْتِياجُ إلى المُؤَثِّرِ لُزُومًا ذاتِيًّا، فَهَذِهِ الماهِيّاتُ مَوْصُوفَةٌ بِالِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى اتِّصافًا دائِمًا واجِبًا لازِمًا مُمْتَنِعَ التَّغَيُّرِ. وأقُولُ: في الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ العُقَلاءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُمْكِنَ حالَ حُدُوثِهِ مُحْتاجٌ إلى السَّبَبِ المُرَجِّحِ، واخْتَلَفُوا في المُمْكِنِ حالَ بَقائِهِ، هَلْ هو مُحْتاجٌ إلى السَّبَبِ ؟ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ مُحْتاجٌ لِأنَّ عِلَّةَ الحاجَةِ هي الإمْكانُ، والإمْكانُ مِن لَوازِمِ الماهِيَّةِ فَيَكُونُ حاصِلًا لِلْماهِيَّةِ حالَ حُدُوثِها وحالَ بَقائِها، فَتَكُونُ عِلَّةَ الحاجَةِ حالَ حُدُوثِ المُمْكِنِ وحالَ بَقائِهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الحاجَةُ حاصِلَةً حالَ حُدُوثِها وحالَ بَقائِها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْناهُ: أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ فَإنَّهُ مُحْتاجٌ في انْقِلابِهِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، أوْ مِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ إلى مُرَجِّحٍ ومُخَصِّصٍ، وقَوْلُهُ، ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ مَعْناهُ أنَّ هَذا الِانْقِيادَ وهَذا الِاحْتِياجَ حاصِلٌ دائِمًا أبَدًا، وهو إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ لا يَسْتَغْنِي عَنِ المُرَجِّحِ والمُخَصِّصِ، وهَذِهِ دَقائِقُ مِن أسْرارِ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ مُودَعَةٌ في هَذِهِ الألْفاظِ الفائِضَةِ مِن عالَمِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ. ثم قال تَعالى ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّكم بَعْدَما عَرَفْتُمْ أنَّ إلَهَ العالَمِ واحِدٌ وعَرَفْتُمْ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ في وقْتِ حُدُوثِهِ، ومُحْتاجٌ إلَيْهِ أيْضًا في وقْتِ دَوامِهِ وبَقائِهِ، فَبَعْدَ العِلْمِ بِهَذِهِ الأُصُولِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ رَغْبَةٌ في غَيْرِ اللَّهِ تَعالى أوْ رَهْبَةٌ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ؟ ! فَلِهَذا المَعْنى قالَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ * * * ثم قال: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِالآيَةِ أنَّ الواجِبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَتَّقِيَ غَيْرَ اللَّهِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَشْكُرَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى، لِأنَّ الشُّكْرَ إنَّما يَلْزَمُ عَلى النِّعْمَةِ، وكُلُّ نِعْمَةٍ حَصَلَتْ لِلْإنْسانِ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ العاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَخافَ وأنْ لا يَتَّقِيَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وأنْ لا يَشْكُرَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى. المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَقالُوا: الإيمانُ نِعْمَةٌ، وكُلُّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ يَنْتِجُ أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ وإنَّما قُلْنا: إنَّ الإيمانَ نِعْمَةٌ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ مُطْبِقُونَ عَلى قَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، وأيْضًا فالنِّعْمَةُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما يَكُونُ مُنْتَفَعًا بِهِ، وأعْظَمُ الأشْياءِ في النَّفْعِ هو الإيمانُ، فَثَبَتَ أنَّ الإيمانَ نِعْمَةٌ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وكُلُّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وهَذِهِ صفحة ٤٢ اللَّفْظَةُ تُفِيدُ العُمُومَ، وأيْضًا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ مَوْجُودًا فَهو إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ كانَ واجِبًا لِذاتِهِ كانَ حُصُولُ ذَلِكَ المُمْكِنِ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ عادَ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ فِيهِ، ولا يَذْهَبُ إلى التَّسَلْسُلِ، بَلْ يَنْتَهِي إلى إيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ بِهَذا البَيانِ أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى. المسألة الثّالِثَةُ: النِّعَمُ إمّا دِينِيَّةٌ، وإمّا دُنْيَوِيَّةٌ، أمّا النِّعَمُ الدِّينِيَّةُ فَهي إمّا مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِذاتِهِ، وإمّا مَعْرِفَةُ الخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وأمّا النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَهي إمّا نَفْسانِيَّةٌ، وإمّا بَدَنِيَّةٌ، وإمّا خارِجِيَّةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ جِنْسٌ تَحْتَهُ أنْواعٌ خارِجَةٌ عَنِ الحَصْرِ والتَّحْدِيدِ كَما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] والإشارَةُ إلى تَفْصِيلِ تِلْكَ الأنْواعِ قَدْ ذَكَرْناها مِرارًا فَلا نُعِيدُها. المسألة الرّابِعَةُ: إنَّما دَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الباءَ في قَوْلِهِ ﴿بِكُمْ﴾ مُتَّصِلَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، والمَعْنى: ما يَكُنْ بِكم أوْ ما حَلَّ بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الأسْقامَ والأمْراضَ والحاجَةَ: ﴿فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ أيْ: تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِالِاسْتِغاثَةِ، وتَتَضَرَّعُونَ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ يُقالُ: جَأرَ يَجْأرُ جُؤارًا، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ كَصَوْتِ البَقَرَةِ، وقالَ الأعْشى يَصِفُ راهِبًا: يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيـ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إذا اتَّفَقَ لِأحَدٍ مَضَرَّةٌ تُوجِبُ زَوالَ شَيْءٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ فَإلى اللَّهِ يَجْأرُ، أيْ: لا يَسْتَغِيثُ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْخَلْقِ إلّا هو، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهم: فَأيْنَ أنْتُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في حالِ الرَّخاءِ والسَّلامَةِ، ثم قال بَعْدَهُ: ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ عِنْدَ كَشْفِ الضُّرِّ وسَلامَةِ الأحْوالِ يَفْتَرِقُونَ، فَفَرِيقٌ مِنهم يَبْقى عَلى مَثَلِ ما كانَ عَلَيْهِ عِنْدَ الضُّرِّ في أنْ لا يَفْزَعَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وفَرِيقٌ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ يَتَغَيَّرُونَ فَيُشْرِكُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، وهَذا جَهْلٌ وضَلالٌ، لِأنَّهُ لَمّا شَهِدَتْ فِطْرَتُهُ الأصْلِيَّةُ وخِلْقَتُهُ الغَرِيزِيَّةُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ والضَّرّاءِ والآفاتِ والمَخافاتِ أنْ لا مَفْزَعَ إلّا إلى الواحِدِ ولا مُسْتَغاثَ إلّا الواحِدُ، فَعِنْدَ زَوالِ البَلاءِ والضَّرّاءِ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ، فَأمّا أنَّهُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ يُقِرُّ بِأنَّهُ لا مُسْتَغاثَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وعِنْدَ زَوالِ البَلاءِ يُثْبِتُ الأضْدادَ والشُّرَكاءَ، فَهَذا جَعْلٌ عَظِيمٌ وضَلالٌ كامِلٌ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] . ثم قال تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ وفي هَذِهِ اللّامِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها لامُ كَيْ والمَعْنى أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ في كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهم. وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ الإشْراكِ أنْ يُنْكِرُوا كَوْنَ ذَلِكَ الإنْعامِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى أنَّ العَلِيلَ إذا اشْتَدَّ وجَعُهُ تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى في إزالَةِ ذَلِكَ الوَجَعِ، فَإذا زالَ أحالَ زَوالَهُ عَلى الدَّواءِ الفُلانِيِّ والعِلاجِ الفُلانِيِّ، وهَذا أكْثَرُ أحْوالِ الخَلْقِ. وقالَ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: في اليَوْمِ الَّذِي كُنْتُ أكْتُبُ هَذِهِ الأوْراقَ - وهو اليَوْمُ الأوَّلُ مِن مُحَرَّمٍ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وسِتِّمِائَةٍ - حَصَلَتْ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ وهَدَّةٌ عَظِيمَةٌ وقْتَ الصُّبْحِ ورَأيْتُ النّاسَ يَصِيحُونَ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، فَلَمّا سَكَتَتْ وطابَ صفحة ٤٣ الهَواءُ وحَسُنَ أنْواعُ الوَقْتِ، نَسُوا في الحالِ تِلْكَ الزَّلْزَلَةَ، وعادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تِلْكَ السَّفاهَةِ والجَهالَةِ، وكَأنَّ هَذِهِ الحالَةَ الَّتِي شَرَحَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، تَجْرِي مَجْرى الصِّفَةِ اللّازِمَةِ لِجَوْهَرِ نَفْسِ الإنْسانِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] يَعْنِي: أنَّ عاقِبَةَ تِلْكَ التَّضَرُّعاتِ ما كانَتْ إلّا هَذا الكُفْرَ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كَشْفِ الضُّرِّ وإزالَةِ المَكْرُوهِ. والثّانِي: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ وما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ النُّبُوَّةِ والشَّرائِعِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ وهَذا لَفْظُ أمْرٍ، والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ١٠٧] . ثم قال تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: عاقِبَةَ أمْرِكم وما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ فَسادَ أقْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ والتَّشْبِيهِ، شَرَحَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفاصِيلَ أقْوالِهِمْ وبَيَّنَ فَسادَها وسَخافَتَها. فالنوع الأوَّلُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنَّهم يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْلَمُونَ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الأصْنامِ أيْ: لا يَعْلَمُ الأصْنامُ ما يَفْعَلُ عُبّادُها. قالَ بَعْضُهم: الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ نَفْيَ العِلْمِ عَنِ الحَيِّ حَقِيقَةٌ وعَنِ الجَمادِ مَجازٌ. وثانِيها: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلَيْهِمْ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ، وهو بِالعُقَلاءِ ألْيَقُ مِنهُ بِالأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ. ومِنهم مَن قالَ: بَلِ القَوْلُ الثّانِي أوْلى لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنّا إذا قُلْنا إنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ افْتَقَرْنا إلى إضْمارٍ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ إلَهًا، أوْ لِما لا يَعْلَمُونَ كَوْنَهُ نافِعًا ضارًّا، وإذا قُلْنا: إنَّهُ عائِدٌ إلى الأصْنامِ، لَمْ نَفْتَقِرْ إلى الإضْمارِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ويَجْعَلُونَ صفحة ٤٤ لِما لا عِلْمَ لَها ولا فَهْمَ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ العِلْمُ مُضافًا إلى المُشْرِكِينَ لَفَسَدَ المَعْنى؛ لَأنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَجْعَلُوا نَصِيبًا مِن رِزْقِهِمْ لِما لا يَعْلَمُونَهُ، فَهَذا ما قِيلَ في تَرْجِيحِ أحَدِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَلى الآخَرِ. واعْلَمْ أنّا إذا قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ افْتَقَرْنا فِيهِ إلى الإضْمارِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ لَهُ حَقًّا، ولا يَعْلَمُونَ في طاعَتِهِ نَفْعًا ولا في الإعْراضِ عَنْهُ ضَرَرًا، قالَ مُجاهِدٌ: يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم ويَضُرُّهم ويَنْفَعُهم، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم نَصِيبًا. وثانِيها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ إلَهِيَّتَها. وثالِثُها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ في صَيْرُورَتِها مَعْبُودَةً. ورابِعُها: المُرادُ اسْتِحْقارُ الأصْنامِ حَتّى كَأنَّها لِقِلَّتِها لا تَعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ذَلِكَ النَّصِيبِ احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِهِ، ونَصِيبًا إلى الأصْنامِ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَيْها، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا النَّصِيبِ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامُ، وهي قَوْلُ الحَسَنِ. والثّالِثُ: رُبَّما اعْتَقَدُوا في بَعْضِ الأشْياءِ أنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِإعانَةِ بَعْضِ تِلْكَ الأصْنامِ، كَما أنَّ المُنَجِّمِينَ يُوَزِّعُونَ مَوْجُوداتِ هَذا العالَمِ عَلى الكَواكِبِ السَّبْعَةِ، فَيَقُولُونَ لِزُحَلَ كَذا مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَواناتِ، ولِلْمُشْتَرِي أشْياءُ أُخْرى فَكَذا هَهُنا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُشْرِكِينَ هَذا المَذْهَبَ قالَ: ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ﴾ وهَذا في هَؤُلاءِ الأقْوامِ خاصَّةً بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢] وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ أنَّهُ يَسْألُهم، وهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ شَدِيدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ يَسْألُهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَهْدِيدٍ. وفِي وقْتِ هَذا السُّؤالِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَقَعُ ذَلِكَ السُّؤالُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ، وقِيلَ: عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ. والثّانِي: أنَّهُ يَقَعُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وهَذا أوْلى لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِما يَجْرِي هُناكَ مِن ضُرُوبِ التَّوْبِيخِ عِنْدَ المسألة، فَهو إلى الوَعِيدِ أقْرَبُ. النوع الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنَّهم يَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] كانَتْ خُزاعَةُ وكِنانَةُ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. أقُولُ: أظُنُّ أنَّ العَرَبَ إنَّما أطْلَقُوا لَفْظَ البَناتِ لِأنَّ المَلائِكَةَ لَمّا كانُوا مُسْتَتِرِينَ عَنِ العُيُونِ أشْبَهُوا النِّساءَ في الِاسْتِتارِ، فَأطْلَقُوا عَلَيْهِمْ لَفْظَ البَناتِ. وأيْضًا قُرْصُ الشَّمْسِ يَجْرِي مَجْرى المُسْتَتِرِ عَنِ العُيُونِ بِسَبَبِ ضَوْئِهِ الباهِرِ ونُورِهِ القاهِرِ فَأطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ التَّأْنِيثِ، فَهَذا ما يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ في سَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ الفاسِدِ والمَذْهَبِ الباطِلِ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذا القَوْلَ قالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَنْزِيهَ ذاتِهِ عَنْ نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. والثّانِي: تَعْجِيبُ الخَلْقِ مِن هَذا الجَهْلِ القَبِيحِ، وهو وصْفُ المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ، ثُمَّ نِسْبَتُها بِالوَلَدِيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّالِثُ: قِيلَ في التَّفْسِيرِ: مَعْناهُ مَعاذَ اللَّهِ، وذَلِكَ مُقارِبٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ. ثم قال تَعالى: ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ أجازَ الفَرّاءُ في ”ما“ وجْهَيْنِ: الأوَّلَ: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى مَعْنى: ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ كَأنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ يَعْنِي: البَنِينَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ثُمَّ اخْتارَ الوجه الثّانِيَ وقالَ: لَوْ كانَ نَصِيبًا لَقالَ: ولِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ، لِأنَّكَ تَقُولُ: جَعَلْتَ لِنَفْسِكَ كَذا صفحة ٤٥ وكَذا، ولا تَقُولُ: جَعَلْتَ لَكَ، وأبى الزَّجّاجُ إجازَةَ الوجه الأوَّلِ، وقالَ: ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ لا غَيْرُ، والتَّقْدِيرُ: ولَهُمُ الشَّيْءُ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: جَعَلَ لِنَفْسِهِ ما تَشْتَهِي، ولا تَقُولُ: جَعَلَ لَهُ ما يَشْتَهِي وهو يَعْنِي نَفْسَهُ. * * * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ الواحِدَ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لا يَرْضى بِالوَلَدِ البِنْتِ لِنَفْسِهِ، فَما لا يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ كَيْفَ يَنْسُبُهُ لِلَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: التَّبْشِيرُ في عُرْفِ اللُّغَةِ مُخْتَصٌّ بِالخَبَرِ الَّذِي يُفِيدُ السُّرُورَ، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الخَبَرِ الَّذِي يُؤَثِّرُ في تَغَيُّرِ بَشَرَةِ الوجه، ومَعْلُومٌ أنَّ السُّرُورَ كَما يُوجِبُ تَغَيُّرَ البَشَرَةِ فَكَذَلِكَ الحُزْنُ يُوجِبُهُ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لَفْظَةُ التَّبْشِيرِ حَقِيقَةً في القِسْمَيْنِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِالتَّبْشِيرِ هَهُنا الإخْبارُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أدْخَلُ في التَّحْقِيقِ. أما قوله ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَصِيرُ مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرَ مُغْتَمٍّ، ويُقالُ لِمَن لَقِيَ مَكْرُوهًا: قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا وحَزَنًا، وأقُولُ: إنَّما جَعَلَ اسْوِدادَ الوجه كِنايَةً عَنِ الغَمِّ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا قَوِيَ فَرَحُهُ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وانْبَسَطَ رُوحُ قَلْبِهِ مِن داخِلِ القَلْبِ، ووَصَلَ إلى الأطْرافِ، ولا سِيَّما إلى الوجه لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعَلُّقِ الشَّدِيدِ، وإذا وصَلَ الرُّوحُ إلى ظاهِرِ الوجه أشْرَقَ الوجه وتَلَأْلَأ واسْتَنارَ، وأمّا إذا قَوِيَ غَمُّ الإنْسانِ احْتَقَنَ الرُّوحُ في باطِنِ القَلْبِ، ولَمْ يَبْقَ مِنهُ أثَرٌ قَوِيٌّ في ظاهِرِ الوجه، فَلا جَرَمَ يُرَبَّدُ الوجه ويَصْفَرُّ ويَسْوَدُّ، ويَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ الأرْضِيَّةِ والكَثافَةِ، فَثَبَتَ أنَّ مِن لَوازِمِ الفَرَحِ اسْتِنارَةَ الوجه وإشْراقَهُ، ومِن لَوازِمَ الغَمِّ كُمُودَةَ الوجه وغُبْرَتَهُ وسَوادَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ بَياضُ الوجه وإشْراقُهُ كِنايَةً عَنِ الفَرَحِ، وغُبْرَتُهُ وكُمُودَتُهُ وسَوادُهُ كِنايَةً عَنِ الغَمِّ والحَزَنِ والكَراهِيَةِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ أيْ: مُمْتَلِئٌ غَمًّا وحَزَنًا. ثم قال تَعالى: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ﴾ أيْ: يَخْتَفِي ويَتَغَيَّبُ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا ظَهَرَ آثارُ الطَّلْقِ بِامْرَأتِهِ تَوارى واخْتَفى عَنِ القَوْمِ إلى أنْ يَعْلَمَ ما يُولَدُ لَهُ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا ابْتَهَجَ بِهِ، وإنْ كانَ أُنْثى حَزِنَ ولَمْ يَظْهَرْ لِلنّاسِ أيّامًا يُدَبِّرُ فِيها أنَّهُ ماذا يَصْنَعُ بِها ؟ وهو قَوْلُهُ: ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ والمَعْنى: أيَحْبِسُهُ ؟ والإمْساكُ هَهُنا بِمَعْنى الحَبْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وإنَّما قالَ: ﴿أيُمْسِكُهُ﴾ ذَكَرَهُ بِضَمِيرِ الذُّكْرانِ؛ لِأنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بُشِّرَ بِهِ﴾ والهُونُ الهَوانُ قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: يُقالُ: إنَّهُ أهْوَنُ عَلَيْهِ هُونًا وهَوانًا، وأهَنْتُهُ هُونًا وهَوانًا، وذَكَرْنا هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ وفي أنَّ هَذا الهُونَ صِفَةُ مَن ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ أنَّهُ صِفَةُ المَوْلُودَةِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْسِكُها عَنْ هُونٍ مِنهُ لَها. والثّانِي قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ صِفَةٌ لِلْأبِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْسِكُها مَعَ الرِّضا بِهَوانِ نَفْسِهِ وعَلى رَغْمِ أنْفِهِ. ثم قال ﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ والدَّسُّ إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ. يُرْوى أنَّ العَرَبَ كانُوا يَحْفِرُونَ حَفِيرَةً ويَجْعَلُونَها فِيها حَتّى تَمُوتَ. «ورُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي وارَيْتُ ثَمانِيَ بَناتٍ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”أعْتِقْ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ رَقَبَةً“ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي ذُو إبِلٍ، فَقالَ: ”اهْدِ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ هَدْيًا» “ «ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أجِدُ حَلاوَةَ الإسْلامِ مُنْذُ أسْلَمْتُ، فَقَدْ كانَتْ لِي في الجاهِلِيَّةِ ابْنَةٌ، فَأمَرْتُ امْرَأتِي أنْ تُزَيِّنَها، فَأخْرَجَتْها إلَيَّ فانْتَهَيْتُ بِها إلى وادٍ بَعِيدِ القَعْرِ فَألْقَيْتُها فِيهِ، فَقالَتْ: يا صفحة ٤٦ أبَتِ قَتَلْتَنِي، فَكُلَّما ذَكَرْتُ قَوْلَها لَمْ يَنْفَعْنِي شَيْءٌ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَقَدْ هَدَمَهُ الإسْلامُ وما كانَ في الإسْلامِ يَهْدِمُهُ الِاسْتِغْفارُ» “ واعْلَمْ أنَّهم كانُوا مُخْتَلِفِينَ في قَتْلِ البَناتِ، فَمِنهم مَن يَحْفِرُ الحَفِيرَةَ ويَدْفِنُها فِيها إلى أنْ تَمُوتَ، ومِنهم مَن يَرْمِيها مِن شاهِقِ جَبَلٍ، ومِنهم مَن يُغْرِقُها، ومِنهم مَن يَذْبَحُها، وهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تارَةً لِلْغَيْرَةِ والحَمِيَّةِ، وتارَةً خَوْفًا مِنَ الفَقْرِ والفاقَةِ ولُزُومِ النَّفَقَةِ، ثُمَّ إنَّهُ قالَ: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم بَلَغُوا مِنَ الِاسْتِنْكافِ مِنَ البِنْتِ إلى أعْظَمِ الغاياتِ: فَأوَّلُها: أنْ يَسْوَدَّ وجْهُهُ. وثانِيها: أنَّهُ يَخْتَفِي عَنِ القَوْمِ مِن شِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنِ البِنْتِ. وثالِثُها: أنَّ الوَلَدَ مَحْبُوبٌ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ شِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنْها يُقْدِمُ عَلى قَتْلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْرَةَ عَنِ البِنْتِ والِاسْتِنْكافَ عَنْها قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لا يَزْدادُ عَلَيْهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فالشَّيْءُ الَّذِي بَلَغَ الِاسْتِنْكافُ مِنهُ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ كَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَنْسُبَهُ لِإلَهِ العالِمِ المُقَدِّسِ العالِي عَنْ مُشابَهَةِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ ؟ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [ النَّجْمِ:٢١ - ٢٢] . المسألة الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهم يُضِيفُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الظُّلْمِ والفَواحِشِ ما إذا أُضِيفَ إلى أحَدِهِمْ أجْهَدَ نَفْسَهُ في البَراءَةِ مِنهُ والتَّباعُدِ عَنْهُ، فَحُكْمُهم في ذَلِكَ مُشابِهٌ لِحُكْمِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، ثم قال: بَلْ أعْظَمُ؛ لِأنَّ إضافَةَ البَناتِ إلَيْهِ إضافَةُ قُبْحٍ واحِدٍ، وذَلِكَ أسْهَلُ مِن إضافَةِ كُلِّ القَبائِحِ والفَواحِشِ إلى اللَّهِ تَعالى. فَيُقالُ لِلْقاضِي: إنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ اسْتِحالَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ عَلى اللَّهِ تَعالى أرْدَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ هَذا الوجه الإقْناعِيِّ، وإلّا فَلَيْسَ كُلُّ ما قَبُحَ مِنّا في العُرْفِ قَبُحَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ألا تَرى رَجُلًا زَيَّنَ إماءَهُ وعَبِيدَهُ وبالَغَ في تَحْسِينِ صُوَرِهِنَّ، ثُمَّ بالَغَ في تَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ فِيهِمْ وفِيهِنَّ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الكُلِّ وأزالَ الحائِلَ والمانِعَ، فَإنَّ هَذا بِالِاتِّفاقِ حَسَنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَبِيحٌ مِن كُلِّ خَلْقٍ، فَعَلِمْنا أنَّ التَّعْوِيلَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى العُرْفِ، فَلا جَرَمَ حَسُنَتْ تَقْوِيَتُها بِهَذِهِ الوُجُوهِ الإقْناعِيَّةِ. أمّا أفْعالُ العِبادِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ خالِقَها هو اللَّهُ تَعالى، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إلْحاقُ أحَدِ البابَيْنِ بِالآخَرِ لَوْلا شِدَّةُ التَّعَصُّبِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ والمَثَلُ السَّوْءُ عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ السَّوْءِ، وهي احْتِياجُهم إلى الوَلَدِ، وكَراهَتُهُمُ الإناثَ خَوْفَ الفَقْرِ والعارِ: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ: الصِّفَةُ العالِيَةُ المُقَدَّسَةُ، وهي كَوْنُهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] ؟ قُلْنا: المَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُهُ اللَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ والَّذِي يَذْكُرُهُ غَيْرُهُ فَهو الباطِلُ، واللَّهُ أعْلَمُ

النحل 16:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ فَسادَ أقْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ والتَّشْبِيهِ، شَرَحَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفاصِيلَ أقْوالِهِمْ وبَيَّنَ فَسادَها وسَخافَتَها. فالنوع الأوَّلُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنَّهم يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْلَمُونَ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الأصْنامِ أيْ: لا يَعْلَمُ الأصْنامُ ما يَفْعَلُ عُبّادُها. قالَ بَعْضُهم: الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ نَفْيَ العِلْمِ عَنِ الحَيِّ حَقِيقَةٌ وعَنِ الجَمادِ مَجازٌ. وثانِيها: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلَيْهِمْ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ، وهو بِالعُقَلاءِ ألْيَقُ مِنهُ بِالأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ. ومِنهم مَن قالَ: بَلِ القَوْلُ الثّانِي أوْلى لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنّا إذا قُلْنا إنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ افْتَقَرْنا إلى إضْمارٍ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ إلَهًا، أوْ لِما لا يَعْلَمُونَ كَوْنَهُ نافِعًا ضارًّا، وإذا قُلْنا: إنَّهُ عائِدٌ إلى الأصْنامِ، لَمْ نَفْتَقِرْ إلى الإضْمارِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ويَجْعَلُونَ صفحة ٤٤ لِما لا عِلْمَ لَها ولا فَهْمَ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ العِلْمُ مُضافًا إلى المُشْرِكِينَ لَفَسَدَ المَعْنى؛ لَأنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَجْعَلُوا نَصِيبًا مِن رِزْقِهِمْ لِما لا يَعْلَمُونَهُ، فَهَذا ما قِيلَ في تَرْجِيحِ أحَدِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَلى الآخَرِ. واعْلَمْ أنّا إذا قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ افْتَقَرْنا فِيهِ إلى الإضْمارِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ لَهُ حَقًّا، ولا يَعْلَمُونَ في طاعَتِهِ نَفْعًا ولا في الإعْراضِ عَنْهُ ضَرَرًا، قالَ مُجاهِدٌ: يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم ويَضُرُّهم ويَنْفَعُهم، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم نَصِيبًا. وثانِيها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ إلَهِيَّتَها. وثالِثُها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ في صَيْرُورَتِها مَعْبُودَةً. ورابِعُها: المُرادُ اسْتِحْقارُ الأصْنامِ حَتّى كَأنَّها لِقِلَّتِها لا تَعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ذَلِكَ النَّصِيبِ احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِهِ، ونَصِيبًا إلى الأصْنامِ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَيْها، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا النَّصِيبِ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامُ، وهي قَوْلُ الحَسَنِ. والثّالِثُ: رُبَّما اعْتَقَدُوا في بَعْضِ الأشْياءِ أنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِإعانَةِ بَعْضِ تِلْكَ الأصْنامِ، كَما أنَّ المُنَجِّمِينَ يُوَزِّعُونَ مَوْجُوداتِ هَذا العالَمِ عَلى الكَواكِبِ السَّبْعَةِ، فَيَقُولُونَ لِزُحَلَ كَذا مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَواناتِ، ولِلْمُشْتَرِي أشْياءُ أُخْرى فَكَذا هَهُنا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُشْرِكِينَ هَذا المَذْهَبَ قالَ: ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ﴾ وهَذا في هَؤُلاءِ الأقْوامِ خاصَّةً بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢] وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ أنَّهُ يَسْألُهم، وهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ شَدِيدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ يَسْألُهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَهْدِيدٍ. وفِي وقْتِ هَذا السُّؤالِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَقَعُ ذَلِكَ السُّؤالُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ، وقِيلَ: عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ. والثّانِي: أنَّهُ يَقَعُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وهَذا أوْلى لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِما يَجْرِي هُناكَ مِن ضُرُوبِ التَّوْبِيخِ عِنْدَ المسألة، فَهو إلى الوَعِيدِ أقْرَبُ. النوع الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنَّهم يَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] كانَتْ خُزاعَةُ وكِنانَةُ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. أقُولُ: أظُنُّ أنَّ العَرَبَ إنَّما أطْلَقُوا لَفْظَ البَناتِ لِأنَّ المَلائِكَةَ لَمّا كانُوا مُسْتَتِرِينَ عَنِ العُيُونِ أشْبَهُوا النِّساءَ في الِاسْتِتارِ، فَأطْلَقُوا عَلَيْهِمْ لَفْظَ البَناتِ. وأيْضًا قُرْصُ الشَّمْسِ يَجْرِي مَجْرى المُسْتَتِرِ عَنِ العُيُونِ بِسَبَبِ ضَوْئِهِ الباهِرِ ونُورِهِ القاهِرِ فَأطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ التَّأْنِيثِ، فَهَذا ما يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ في سَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ الفاسِدِ والمَذْهَبِ الباطِلِ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذا القَوْلَ قالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَنْزِيهَ ذاتِهِ عَنْ نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. والثّانِي: تَعْجِيبُ الخَلْقِ مِن هَذا الجَهْلِ القَبِيحِ، وهو وصْفُ المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ، ثُمَّ نِسْبَتُها بِالوَلَدِيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّالِثُ: قِيلَ في التَّفْسِيرِ: مَعْناهُ مَعاذَ اللَّهِ، وذَلِكَ مُقارِبٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ. ثم قال تَعالى: ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ أجازَ الفَرّاءُ في ”ما“ وجْهَيْنِ: الأوَّلَ: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى مَعْنى: ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ كَأنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ يَعْنِي: البَنِينَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ثُمَّ اخْتارَ الوجه الثّانِيَ وقالَ: لَوْ كانَ نَصِيبًا لَقالَ: ولِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ، لِأنَّكَ تَقُولُ: جَعَلْتَ لِنَفْسِكَ كَذا صفحة ٤٥ وكَذا، ولا تَقُولُ: جَعَلْتَ لَكَ، وأبى الزَّجّاجُ إجازَةَ الوجه الأوَّلِ، وقالَ: ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ لا غَيْرُ، والتَّقْدِيرُ: ولَهُمُ الشَّيْءُ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: جَعَلَ لِنَفْسِهِ ما تَشْتَهِي، ولا تَقُولُ: جَعَلَ لَهُ ما يَشْتَهِي وهو يَعْنِي نَفْسَهُ. * * * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ الواحِدَ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لا يَرْضى بِالوَلَدِ البِنْتِ لِنَفْسِهِ، فَما لا يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ كَيْفَ يَنْسُبُهُ لِلَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: التَّبْشِيرُ في عُرْفِ اللُّغَةِ مُخْتَصٌّ بِالخَبَرِ الَّذِي يُفِيدُ السُّرُورَ، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الخَبَرِ الَّذِي يُؤَثِّرُ في تَغَيُّرِ بَشَرَةِ الوجه، ومَعْلُومٌ أنَّ السُّرُورَ كَما يُوجِبُ تَغَيُّرَ البَشَرَةِ فَكَذَلِكَ الحُزْنُ يُوجِبُهُ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لَفْظَةُ التَّبْشِيرِ حَقِيقَةً في القِسْمَيْنِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِالتَّبْشِيرِ هَهُنا الإخْبارُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أدْخَلُ في التَّحْقِيقِ. أما قوله ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَصِيرُ مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرَ مُغْتَمٍّ، ويُقالُ لِمَن لَقِيَ مَكْرُوهًا: قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا وحَزَنًا، وأقُولُ: إنَّما جَعَلَ اسْوِدادَ الوجه كِنايَةً عَنِ الغَمِّ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا قَوِيَ فَرَحُهُ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وانْبَسَطَ رُوحُ قَلْبِهِ مِن داخِلِ القَلْبِ، ووَصَلَ إلى الأطْرافِ، ولا سِيَّما إلى الوجه لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعَلُّقِ الشَّدِيدِ، وإذا وصَلَ الرُّوحُ إلى ظاهِرِ الوجه أشْرَقَ الوجه وتَلَأْلَأ واسْتَنارَ، وأمّا إذا قَوِيَ غَمُّ الإنْسانِ احْتَقَنَ الرُّوحُ في باطِنِ القَلْبِ، ولَمْ يَبْقَ مِنهُ أثَرٌ قَوِيٌّ في ظاهِرِ الوجه، فَلا جَرَمَ يُرَبَّدُ الوجه ويَصْفَرُّ ويَسْوَدُّ، ويَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ الأرْضِيَّةِ والكَثافَةِ، فَثَبَتَ أنَّ مِن لَوازِمِ الفَرَحِ اسْتِنارَةَ الوجه وإشْراقَهُ، ومِن لَوازِمَ الغَمِّ كُمُودَةَ الوجه وغُبْرَتَهُ وسَوادَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ بَياضُ الوجه وإشْراقُهُ كِنايَةً عَنِ الفَرَحِ، وغُبْرَتُهُ وكُمُودَتُهُ وسَوادُهُ كِنايَةً عَنِ الغَمِّ والحَزَنِ والكَراهِيَةِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ أيْ: مُمْتَلِئٌ غَمًّا وحَزَنًا. ثم قال تَعالى: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ﴾ أيْ: يَخْتَفِي ويَتَغَيَّبُ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا ظَهَرَ آثارُ الطَّلْقِ بِامْرَأتِهِ تَوارى واخْتَفى عَنِ القَوْمِ إلى أنْ يَعْلَمَ ما يُولَدُ لَهُ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا ابْتَهَجَ بِهِ، وإنْ كانَ أُنْثى حَزِنَ ولَمْ يَظْهَرْ لِلنّاسِ أيّامًا يُدَبِّرُ فِيها أنَّهُ ماذا يَصْنَعُ بِها ؟ وهو قَوْلُهُ: ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ والمَعْنى: أيَحْبِسُهُ ؟ والإمْساكُ هَهُنا بِمَعْنى الحَبْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وإنَّما قالَ: ﴿أيُمْسِكُهُ﴾ ذَكَرَهُ بِضَمِيرِ الذُّكْرانِ؛ لِأنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بُشِّرَ بِهِ﴾ والهُونُ الهَوانُ قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: يُقالُ: إنَّهُ أهْوَنُ عَلَيْهِ هُونًا وهَوانًا، وأهَنْتُهُ هُونًا وهَوانًا، وذَكَرْنا هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ وفي أنَّ هَذا الهُونَ صِفَةُ مَن ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ أنَّهُ صِفَةُ المَوْلُودَةِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْسِكُها عَنْ هُونٍ مِنهُ لَها. والثّانِي قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ صِفَةٌ لِلْأبِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْسِكُها مَعَ الرِّضا بِهَوانِ نَفْسِهِ وعَلى رَغْمِ أنْفِهِ. ثم قال ﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ والدَّسُّ إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ. يُرْوى أنَّ العَرَبَ كانُوا يَحْفِرُونَ حَفِيرَةً ويَجْعَلُونَها فِيها حَتّى تَمُوتَ. «ورُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي وارَيْتُ ثَمانِيَ بَناتٍ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”أعْتِقْ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ رَقَبَةً“ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي ذُو إبِلٍ، فَقالَ: ”اهْدِ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ هَدْيًا» “ «ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أجِدُ حَلاوَةَ الإسْلامِ مُنْذُ أسْلَمْتُ، فَقَدْ كانَتْ لِي في الجاهِلِيَّةِ ابْنَةٌ، فَأمَرْتُ امْرَأتِي أنْ تُزَيِّنَها، فَأخْرَجَتْها إلَيَّ فانْتَهَيْتُ بِها إلى وادٍ بَعِيدِ القَعْرِ فَألْقَيْتُها فِيهِ، فَقالَتْ: يا صفحة ٤٦ أبَتِ قَتَلْتَنِي، فَكُلَّما ذَكَرْتُ قَوْلَها لَمْ يَنْفَعْنِي شَيْءٌ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَقَدْ هَدَمَهُ الإسْلامُ وما كانَ في الإسْلامِ يَهْدِمُهُ الِاسْتِغْفارُ» “ واعْلَمْ أنَّهم كانُوا مُخْتَلِفِينَ في قَتْلِ البَناتِ، فَمِنهم مَن يَحْفِرُ الحَفِيرَةَ ويَدْفِنُها فِيها إلى أنْ تَمُوتَ، ومِنهم مَن يَرْمِيها مِن شاهِقِ جَبَلٍ، ومِنهم مَن يُغْرِقُها، ومِنهم مَن يَذْبَحُها، وهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تارَةً لِلْغَيْرَةِ والحَمِيَّةِ، وتارَةً خَوْفًا مِنَ الفَقْرِ والفاقَةِ ولُزُومِ النَّفَقَةِ، ثُمَّ إنَّهُ قالَ: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم بَلَغُوا مِنَ الِاسْتِنْكافِ مِنَ البِنْتِ إلى أعْظَمِ الغاياتِ: فَأوَّلُها: أنْ يَسْوَدَّ وجْهُهُ. وثانِيها: أنَّهُ يَخْتَفِي عَنِ القَوْمِ مِن شِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنِ البِنْتِ. وثالِثُها: أنَّ الوَلَدَ مَحْبُوبٌ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ شِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنْها يُقْدِمُ عَلى قَتْلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْرَةَ عَنِ البِنْتِ والِاسْتِنْكافَ عَنْها قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لا يَزْدادُ عَلَيْهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فالشَّيْءُ الَّذِي بَلَغَ الِاسْتِنْكافُ مِنهُ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ كَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَنْسُبَهُ لِإلَهِ العالِمِ المُقَدِّسِ العالِي عَنْ مُشابَهَةِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ ؟ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [ النَّجْمِ:٢١ - ٢٢] . المسألة الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهم يُضِيفُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الظُّلْمِ والفَواحِشِ ما إذا أُضِيفَ إلى أحَدِهِمْ أجْهَدَ نَفْسَهُ في البَراءَةِ مِنهُ والتَّباعُدِ عَنْهُ، فَحُكْمُهم في ذَلِكَ مُشابِهٌ لِحُكْمِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، ثم قال: بَلْ أعْظَمُ؛ لِأنَّ إضافَةَ البَناتِ إلَيْهِ إضافَةُ قُبْحٍ واحِدٍ، وذَلِكَ أسْهَلُ مِن إضافَةِ كُلِّ القَبائِحِ والفَواحِشِ إلى اللَّهِ تَعالى. فَيُقالُ لِلْقاضِي: إنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ اسْتِحالَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ عَلى اللَّهِ تَعالى أرْدَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ هَذا الوجه الإقْناعِيِّ، وإلّا فَلَيْسَ كُلُّ ما قَبُحَ مِنّا في العُرْفِ قَبُحَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ألا تَرى رَجُلًا زَيَّنَ إماءَهُ وعَبِيدَهُ وبالَغَ في تَحْسِينِ صُوَرِهِنَّ، ثُمَّ بالَغَ في تَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ فِيهِمْ وفِيهِنَّ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الكُلِّ وأزالَ الحائِلَ والمانِعَ، فَإنَّ هَذا بِالِاتِّفاقِ حَسَنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَبِيحٌ مِن كُلِّ خَلْقٍ، فَعَلِمْنا أنَّ التَّعْوِيلَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى العُرْفِ، فَلا جَرَمَ حَسُنَتْ تَقْوِيَتُها بِهَذِهِ الوُجُوهِ الإقْناعِيَّةِ. أمّا أفْعالُ العِبادِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ خالِقَها هو اللَّهُ تَعالى، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إلْحاقُ أحَدِ البابَيْنِ بِالآخَرِ لَوْلا شِدَّةُ التَّعَصُّبِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ والمَثَلُ السَّوْءُ عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ السَّوْءِ، وهي احْتِياجُهم إلى الوَلَدِ، وكَراهَتُهُمُ الإناثَ خَوْفَ الفَقْرِ والعارِ: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ: الصِّفَةُ العالِيَةُ المُقَدَّسَةُ، وهي كَوْنُهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] ؟ قُلْنا: المَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُهُ اللَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ والَّذِي يَذْكُرُهُ غَيْرُهُ فَهو الباطِلُ، واللَّهُ أعْلَمُ

النحل 16:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ فَسادَ أقْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ والتَّشْبِيهِ، شَرَحَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفاصِيلَ أقْوالِهِمْ وبَيَّنَ فَسادَها وسَخافَتَها. فالنوع الأوَّلُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنَّهم يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْلَمُونَ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الأصْنامِ أيْ: لا يَعْلَمُ الأصْنامُ ما يَفْعَلُ عُبّادُها. قالَ بَعْضُهم: الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ نَفْيَ العِلْمِ عَنِ الحَيِّ حَقِيقَةٌ وعَنِ الجَمادِ مَجازٌ. وثانِيها: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلَيْهِمْ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ، وهو بِالعُقَلاءِ ألْيَقُ مِنهُ بِالأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ. ومِنهم مَن قالَ: بَلِ القَوْلُ الثّانِي أوْلى لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنّا إذا قُلْنا إنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ افْتَقَرْنا إلى إضْمارٍ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ إلَهًا، أوْ لِما لا يَعْلَمُونَ كَوْنَهُ نافِعًا ضارًّا، وإذا قُلْنا: إنَّهُ عائِدٌ إلى الأصْنامِ، لَمْ نَفْتَقِرْ إلى الإضْمارِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ويَجْعَلُونَ صفحة ٤٤ لِما لا عِلْمَ لَها ولا فَهْمَ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ العِلْمُ مُضافًا إلى المُشْرِكِينَ لَفَسَدَ المَعْنى؛ لَأنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَجْعَلُوا نَصِيبًا مِن رِزْقِهِمْ لِما لا يَعْلَمُونَهُ، فَهَذا ما قِيلَ في تَرْجِيحِ أحَدِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَلى الآخَرِ. واعْلَمْ أنّا إذا قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ افْتَقَرْنا فِيهِ إلى الإضْمارِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ لَهُ حَقًّا، ولا يَعْلَمُونَ في طاعَتِهِ نَفْعًا ولا في الإعْراضِ عَنْهُ ضَرَرًا، قالَ مُجاهِدٌ: يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم ويَضُرُّهم ويَنْفَعُهم، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم نَصِيبًا. وثانِيها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ إلَهِيَّتَها. وثالِثُها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ في صَيْرُورَتِها مَعْبُودَةً. ورابِعُها: المُرادُ اسْتِحْقارُ الأصْنامِ حَتّى كَأنَّها لِقِلَّتِها لا تَعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ذَلِكَ النَّصِيبِ احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِهِ، ونَصِيبًا إلى الأصْنامِ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَيْها، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا النَّصِيبِ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامُ، وهي قَوْلُ الحَسَنِ. والثّالِثُ: رُبَّما اعْتَقَدُوا في بَعْضِ الأشْياءِ أنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِإعانَةِ بَعْضِ تِلْكَ الأصْنامِ، كَما أنَّ المُنَجِّمِينَ يُوَزِّعُونَ مَوْجُوداتِ هَذا العالَمِ عَلى الكَواكِبِ السَّبْعَةِ، فَيَقُولُونَ لِزُحَلَ كَذا مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَواناتِ، ولِلْمُشْتَرِي أشْياءُ أُخْرى فَكَذا هَهُنا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُشْرِكِينَ هَذا المَذْهَبَ قالَ: ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ﴾ وهَذا في هَؤُلاءِ الأقْوامِ خاصَّةً بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢] وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ أنَّهُ يَسْألُهم، وهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ شَدِيدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ يَسْألُهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَهْدِيدٍ. وفِي وقْتِ هَذا السُّؤالِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَقَعُ ذَلِكَ السُّؤالُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ، وقِيلَ: عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ. والثّانِي: أنَّهُ يَقَعُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وهَذا أوْلى لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِما يَجْرِي هُناكَ مِن ضُرُوبِ التَّوْبِيخِ عِنْدَ المسألة، فَهو إلى الوَعِيدِ أقْرَبُ. النوع الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنَّهم يَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] كانَتْ خُزاعَةُ وكِنانَةُ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. أقُولُ: أظُنُّ أنَّ العَرَبَ إنَّما أطْلَقُوا لَفْظَ البَناتِ لِأنَّ المَلائِكَةَ لَمّا كانُوا مُسْتَتِرِينَ عَنِ العُيُونِ أشْبَهُوا النِّساءَ في الِاسْتِتارِ، فَأطْلَقُوا عَلَيْهِمْ لَفْظَ البَناتِ. وأيْضًا قُرْصُ الشَّمْسِ يَجْرِي مَجْرى المُسْتَتِرِ عَنِ العُيُونِ بِسَبَبِ ضَوْئِهِ الباهِرِ ونُورِهِ القاهِرِ فَأطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ التَّأْنِيثِ، فَهَذا ما يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ في سَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ الفاسِدِ والمَذْهَبِ الباطِلِ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذا القَوْلَ قالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَنْزِيهَ ذاتِهِ عَنْ نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. والثّانِي: تَعْجِيبُ الخَلْقِ مِن هَذا الجَهْلِ القَبِيحِ، وهو وصْفُ المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ، ثُمَّ نِسْبَتُها بِالوَلَدِيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّالِثُ: قِيلَ في التَّفْسِيرِ: مَعْناهُ مَعاذَ اللَّهِ، وذَلِكَ مُقارِبٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ. ثم قال تَعالى: ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ أجازَ الفَرّاءُ في ”ما“ وجْهَيْنِ: الأوَّلَ: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى مَعْنى: ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ كَأنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ يَعْنِي: البَنِينَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ثُمَّ اخْتارَ الوجه الثّانِيَ وقالَ: لَوْ كانَ نَصِيبًا لَقالَ: ولِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ، لِأنَّكَ تَقُولُ: جَعَلْتَ لِنَفْسِكَ كَذا صفحة ٤٥ وكَذا، ولا تَقُولُ: جَعَلْتَ لَكَ، وأبى الزَّجّاجُ إجازَةَ الوجه الأوَّلِ، وقالَ: ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ لا غَيْرُ، والتَّقْدِيرُ: ولَهُمُ الشَّيْءُ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: جَعَلَ لِنَفْسِهِ ما تَشْتَهِي، ولا تَقُولُ: جَعَلَ لَهُ ما يَشْتَهِي وهو يَعْنِي نَفْسَهُ. * * * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ الواحِدَ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لا يَرْضى بِالوَلَدِ البِنْتِ لِنَفْسِهِ، فَما لا يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ كَيْفَ يَنْسُبُهُ لِلَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: التَّبْشِيرُ في عُرْفِ اللُّغَةِ مُخْتَصٌّ بِالخَبَرِ الَّذِي يُفِيدُ السُّرُورَ، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الخَبَرِ الَّذِي يُؤَثِّرُ في تَغَيُّرِ بَشَرَةِ الوجه، ومَعْلُومٌ أنَّ السُّرُورَ كَما يُوجِبُ تَغَيُّرَ البَشَرَةِ فَكَذَلِكَ الحُزْنُ يُوجِبُهُ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لَفْظَةُ التَّبْشِيرِ حَقِيقَةً في القِسْمَيْنِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِالتَّبْشِيرِ هَهُنا الإخْبارُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أدْخَلُ في التَّحْقِيقِ. أما قوله ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَصِيرُ مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرَ مُغْتَمٍّ، ويُقالُ لِمَن لَقِيَ مَكْرُوهًا: قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا وحَزَنًا، وأقُولُ: إنَّما جَعَلَ اسْوِدادَ الوجه كِنايَةً عَنِ الغَمِّ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا قَوِيَ فَرَحُهُ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وانْبَسَطَ رُوحُ قَلْبِهِ مِن داخِلِ القَلْبِ، ووَصَلَ إلى الأطْرافِ، ولا سِيَّما إلى الوجه لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعَلُّقِ الشَّدِيدِ، وإذا وصَلَ الرُّوحُ إلى ظاهِرِ الوجه أشْرَقَ الوجه وتَلَأْلَأ واسْتَنارَ، وأمّا إذا قَوِيَ غَمُّ الإنْسانِ احْتَقَنَ الرُّوحُ في باطِنِ القَلْبِ، ولَمْ يَبْقَ مِنهُ أثَرٌ قَوِيٌّ في ظاهِرِ الوجه، فَلا جَرَمَ يُرَبَّدُ الوجه ويَصْفَرُّ ويَسْوَدُّ، ويَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ الأرْضِيَّةِ والكَثافَةِ، فَثَبَتَ أنَّ مِن لَوازِمِ الفَرَحِ اسْتِنارَةَ الوجه وإشْراقَهُ، ومِن لَوازِمَ الغَمِّ كُمُودَةَ الوجه وغُبْرَتَهُ وسَوادَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ بَياضُ الوجه وإشْراقُهُ كِنايَةً عَنِ الفَرَحِ، وغُبْرَتُهُ وكُمُودَتُهُ وسَوادُهُ كِنايَةً عَنِ الغَمِّ والحَزَنِ والكَراهِيَةِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ أيْ: مُمْتَلِئٌ غَمًّا وحَزَنًا. ثم قال تَعالى: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ﴾ أيْ: يَخْتَفِي ويَتَغَيَّبُ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا ظَهَرَ آثارُ الطَّلْقِ بِامْرَأتِهِ تَوارى واخْتَفى عَنِ القَوْمِ إلى أنْ يَعْلَمَ ما يُولَدُ لَهُ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا ابْتَهَجَ بِهِ، وإنْ كانَ أُنْثى حَزِنَ ولَمْ يَظْهَرْ لِلنّاسِ أيّامًا يُدَبِّرُ فِيها أنَّهُ ماذا يَصْنَعُ بِها ؟ وهو قَوْلُهُ: ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ والمَعْنى: أيَحْبِسُهُ ؟ والإمْساكُ هَهُنا بِمَعْنى الحَبْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وإنَّما قالَ: ﴿أيُمْسِكُهُ﴾ ذَكَرَهُ بِضَمِيرِ الذُّكْرانِ؛ لِأنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بُشِّرَ بِهِ﴾ والهُونُ الهَوانُ قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: يُقالُ: إنَّهُ أهْوَنُ عَلَيْهِ هُونًا وهَوانًا، وأهَنْتُهُ هُونًا وهَوانًا، وذَكَرْنا هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ وفي أنَّ هَذا الهُونَ صِفَةُ مَن ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ أنَّهُ صِفَةُ المَوْلُودَةِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْسِكُها عَنْ هُونٍ مِنهُ لَها. والثّانِي قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ صِفَةٌ لِلْأبِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْسِكُها مَعَ الرِّضا بِهَوانِ نَفْسِهِ وعَلى رَغْمِ أنْفِهِ. ثم قال ﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ والدَّسُّ إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ. يُرْوى أنَّ العَرَبَ كانُوا يَحْفِرُونَ حَفِيرَةً ويَجْعَلُونَها فِيها حَتّى تَمُوتَ. «ورُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي وارَيْتُ ثَمانِيَ بَناتٍ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”أعْتِقْ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ رَقَبَةً“ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي ذُو إبِلٍ، فَقالَ: ”اهْدِ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ هَدْيًا» “ «ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أجِدُ حَلاوَةَ الإسْلامِ مُنْذُ أسْلَمْتُ، فَقَدْ كانَتْ لِي في الجاهِلِيَّةِ ابْنَةٌ، فَأمَرْتُ امْرَأتِي أنْ تُزَيِّنَها، فَأخْرَجَتْها إلَيَّ فانْتَهَيْتُ بِها إلى وادٍ بَعِيدِ القَعْرِ فَألْقَيْتُها فِيهِ، فَقالَتْ: يا صفحة ٤٦ أبَتِ قَتَلْتَنِي، فَكُلَّما ذَكَرْتُ قَوْلَها لَمْ يَنْفَعْنِي شَيْءٌ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَقَدْ هَدَمَهُ الإسْلامُ وما كانَ في الإسْلامِ يَهْدِمُهُ الِاسْتِغْفارُ» “ واعْلَمْ أنَّهم كانُوا مُخْتَلِفِينَ في قَتْلِ البَناتِ، فَمِنهم مَن يَحْفِرُ الحَفِيرَةَ ويَدْفِنُها فِيها إلى أنْ تَمُوتَ، ومِنهم مَن يَرْمِيها مِن شاهِقِ جَبَلٍ، ومِنهم مَن يُغْرِقُها، ومِنهم مَن يَذْبَحُها، وهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تارَةً لِلْغَيْرَةِ والحَمِيَّةِ، وتارَةً خَوْفًا مِنَ الفَقْرِ والفاقَةِ ولُزُومِ النَّفَقَةِ، ثُمَّ إنَّهُ قالَ: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم بَلَغُوا مِنَ الِاسْتِنْكافِ مِنَ البِنْتِ إلى أعْظَمِ الغاياتِ: فَأوَّلُها: أنْ يَسْوَدَّ وجْهُهُ. وثانِيها: أنَّهُ يَخْتَفِي عَنِ القَوْمِ مِن شِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنِ البِنْتِ. وثالِثُها: أنَّ الوَلَدَ مَحْبُوبٌ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ شِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنْها يُقْدِمُ عَلى قَتْلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْرَةَ عَنِ البِنْتِ والِاسْتِنْكافَ عَنْها قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لا يَزْدادُ عَلَيْهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فالشَّيْءُ الَّذِي بَلَغَ الِاسْتِنْكافُ مِنهُ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ كَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَنْسُبَهُ لِإلَهِ العالِمِ المُقَدِّسِ العالِي عَنْ مُشابَهَةِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ ؟ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [ النَّجْمِ:٢١ - ٢٢] . المسألة الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهم يُضِيفُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الظُّلْمِ والفَواحِشِ ما إذا أُضِيفَ إلى أحَدِهِمْ أجْهَدَ نَفْسَهُ في البَراءَةِ مِنهُ والتَّباعُدِ عَنْهُ، فَحُكْمُهم في ذَلِكَ مُشابِهٌ لِحُكْمِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، ثم قال: بَلْ أعْظَمُ؛ لِأنَّ إضافَةَ البَناتِ إلَيْهِ إضافَةُ قُبْحٍ واحِدٍ، وذَلِكَ أسْهَلُ مِن إضافَةِ كُلِّ القَبائِحِ والفَواحِشِ إلى اللَّهِ تَعالى. فَيُقالُ لِلْقاضِي: إنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ اسْتِحالَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ عَلى اللَّهِ تَعالى أرْدَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ هَذا الوجه الإقْناعِيِّ، وإلّا فَلَيْسَ كُلُّ ما قَبُحَ مِنّا في العُرْفِ قَبُحَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ألا تَرى رَجُلًا زَيَّنَ إماءَهُ وعَبِيدَهُ وبالَغَ في تَحْسِينِ صُوَرِهِنَّ، ثُمَّ بالَغَ في تَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ فِيهِمْ وفِيهِنَّ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الكُلِّ وأزالَ الحائِلَ والمانِعَ، فَإنَّ هَذا بِالِاتِّفاقِ حَسَنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَبِيحٌ مِن كُلِّ خَلْقٍ، فَعَلِمْنا أنَّ التَّعْوِيلَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى العُرْفِ، فَلا جَرَمَ حَسُنَتْ تَقْوِيَتُها بِهَذِهِ الوُجُوهِ الإقْناعِيَّةِ. أمّا أفْعالُ العِبادِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ خالِقَها هو اللَّهُ تَعالى، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إلْحاقُ أحَدِ البابَيْنِ بِالآخَرِ لَوْلا شِدَّةُ التَّعَصُّبِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ والمَثَلُ السَّوْءُ عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ السَّوْءِ، وهي احْتِياجُهم إلى الوَلَدِ، وكَراهَتُهُمُ الإناثَ خَوْفَ الفَقْرِ والعارِ: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ: الصِّفَةُ العالِيَةُ المُقَدَّسَةُ، وهي كَوْنُهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] ؟ قُلْنا: المَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُهُ اللَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ والَّذِي يَذْكُرُهُ غَيْرُهُ فَهو الباطِلُ، واللَّهُ أعْلَمُ

النحل 16:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ فَسادَ أقْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ والتَّشْبِيهِ، شَرَحَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفاصِيلَ أقْوالِهِمْ وبَيَّنَ فَسادَها وسَخافَتَها. فالنوع الأوَّلُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنَّهم يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْلَمُونَ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الأصْنامِ أيْ: لا يَعْلَمُ الأصْنامُ ما يَفْعَلُ عُبّادُها. قالَ بَعْضُهم: الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ نَفْيَ العِلْمِ عَنِ الحَيِّ حَقِيقَةٌ وعَنِ الجَمادِ مَجازٌ. وثانِيها: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلَيْهِمْ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ، وهو بِالعُقَلاءِ ألْيَقُ مِنهُ بِالأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ. ومِنهم مَن قالَ: بَلِ القَوْلُ الثّانِي أوْلى لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنّا إذا قُلْنا إنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ افْتَقَرْنا إلى إضْمارٍ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ إلَهًا، أوْ لِما لا يَعْلَمُونَ كَوْنَهُ نافِعًا ضارًّا، وإذا قُلْنا: إنَّهُ عائِدٌ إلى الأصْنامِ، لَمْ نَفْتَقِرْ إلى الإضْمارِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ويَجْعَلُونَ صفحة ٤٤ لِما لا عِلْمَ لَها ولا فَهْمَ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ العِلْمُ مُضافًا إلى المُشْرِكِينَ لَفَسَدَ المَعْنى؛ لَأنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَجْعَلُوا نَصِيبًا مِن رِزْقِهِمْ لِما لا يَعْلَمُونَهُ، فَهَذا ما قِيلَ في تَرْجِيحِ أحَدِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَلى الآخَرِ. واعْلَمْ أنّا إذا قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ افْتَقَرْنا فِيهِ إلى الإضْمارِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ لَهُ حَقًّا، ولا يَعْلَمُونَ في طاعَتِهِ نَفْعًا ولا في الإعْراضِ عَنْهُ ضَرَرًا، قالَ مُجاهِدٌ: يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم ويَضُرُّهم ويَنْفَعُهم، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم نَصِيبًا. وثانِيها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ إلَهِيَّتَها. وثالِثُها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ في صَيْرُورَتِها مَعْبُودَةً. ورابِعُها: المُرادُ اسْتِحْقارُ الأصْنامِ حَتّى كَأنَّها لِقِلَّتِها لا تَعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ذَلِكَ النَّصِيبِ احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِهِ، ونَصِيبًا إلى الأصْنامِ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَيْها، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا النَّصِيبِ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامُ، وهي قَوْلُ الحَسَنِ. والثّالِثُ: رُبَّما اعْتَقَدُوا في بَعْضِ الأشْياءِ أنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِإعانَةِ بَعْضِ تِلْكَ الأصْنامِ، كَما أنَّ المُنَجِّمِينَ يُوَزِّعُونَ مَوْجُوداتِ هَذا العالَمِ عَلى الكَواكِبِ السَّبْعَةِ، فَيَقُولُونَ لِزُحَلَ كَذا مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَواناتِ، ولِلْمُشْتَرِي أشْياءُ أُخْرى فَكَذا هَهُنا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُشْرِكِينَ هَذا المَذْهَبَ قالَ: ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ﴾ وهَذا في هَؤُلاءِ الأقْوامِ خاصَّةً بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢] وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ أنَّهُ يَسْألُهم، وهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ شَدِيدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ يَسْألُهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَهْدِيدٍ. وفِي وقْتِ هَذا السُّؤالِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَقَعُ ذَلِكَ السُّؤالُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ، وقِيلَ: عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ. والثّانِي: أنَّهُ يَقَعُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وهَذا أوْلى لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِما يَجْرِي هُناكَ مِن ضُرُوبِ التَّوْبِيخِ عِنْدَ المسألة، فَهو إلى الوَعِيدِ أقْرَبُ. النوع الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنَّهم يَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] كانَتْ خُزاعَةُ وكِنانَةُ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. أقُولُ: أظُنُّ أنَّ العَرَبَ إنَّما أطْلَقُوا لَفْظَ البَناتِ لِأنَّ المَلائِكَةَ لَمّا كانُوا مُسْتَتِرِينَ عَنِ العُيُونِ أشْبَهُوا النِّساءَ في الِاسْتِتارِ، فَأطْلَقُوا عَلَيْهِمْ لَفْظَ البَناتِ. وأيْضًا قُرْصُ الشَّمْسِ يَجْرِي مَجْرى المُسْتَتِرِ عَنِ العُيُونِ بِسَبَبِ ضَوْئِهِ الباهِرِ ونُورِهِ القاهِرِ فَأطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ التَّأْنِيثِ، فَهَذا ما يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ في سَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ الفاسِدِ والمَذْهَبِ الباطِلِ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذا القَوْلَ قالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَنْزِيهَ ذاتِهِ عَنْ نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. والثّانِي: تَعْجِيبُ الخَلْقِ مِن هَذا الجَهْلِ القَبِيحِ، وهو وصْفُ المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ، ثُمَّ نِسْبَتُها بِالوَلَدِيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّالِثُ: قِيلَ في التَّفْسِيرِ: مَعْناهُ مَعاذَ اللَّهِ، وذَلِكَ مُقارِبٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ. ثم قال تَعالى: ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ أجازَ الفَرّاءُ في ”ما“ وجْهَيْنِ: الأوَّلَ: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى مَعْنى: ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ كَأنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ يَعْنِي: البَنِينَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ثُمَّ اخْتارَ الوجه الثّانِيَ وقالَ: لَوْ كانَ نَصِيبًا لَقالَ: ولِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ، لِأنَّكَ تَقُولُ: جَعَلْتَ لِنَفْسِكَ كَذا صفحة ٤٥ وكَذا، ولا تَقُولُ: جَعَلْتَ لَكَ، وأبى الزَّجّاجُ إجازَةَ الوجه الأوَّلِ، وقالَ: ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ لا غَيْرُ، والتَّقْدِيرُ: ولَهُمُ الشَّيْءُ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: جَعَلَ لِنَفْسِهِ ما تَشْتَهِي، ولا تَقُولُ: جَعَلَ لَهُ ما يَشْتَهِي وهو يَعْنِي نَفْسَهُ. * * * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ الواحِدَ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لا يَرْضى بِالوَلَدِ البِنْتِ لِنَفْسِهِ، فَما لا يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ كَيْفَ يَنْسُبُهُ لِلَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: التَّبْشِيرُ في عُرْفِ اللُّغَةِ مُخْتَصٌّ بِالخَبَرِ الَّذِي يُفِيدُ السُّرُورَ، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الخَبَرِ الَّذِي يُؤَثِّرُ في تَغَيُّرِ بَشَرَةِ الوجه، ومَعْلُومٌ أنَّ السُّرُورَ كَما يُوجِبُ تَغَيُّرَ البَشَرَةِ فَكَذَلِكَ الحُزْنُ يُوجِبُهُ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لَفْظَةُ التَّبْشِيرِ حَقِيقَةً في القِسْمَيْنِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِالتَّبْشِيرِ هَهُنا الإخْبارُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أدْخَلُ في التَّحْقِيقِ. أما قوله ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَصِيرُ مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرَ مُغْتَمٍّ، ويُقالُ لِمَن لَقِيَ مَكْرُوهًا: قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا وحَزَنًا، وأقُولُ: إنَّما جَعَلَ اسْوِدادَ الوجه كِنايَةً عَنِ الغَمِّ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا قَوِيَ فَرَحُهُ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وانْبَسَطَ رُوحُ قَلْبِهِ مِن داخِلِ القَلْبِ، ووَصَلَ إلى الأطْرافِ، ولا سِيَّما إلى الوجه لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعَلُّقِ الشَّدِيدِ، وإذا وصَلَ الرُّوحُ إلى ظاهِرِ الوجه أشْرَقَ الوجه وتَلَأْلَأ واسْتَنارَ، وأمّا إذا قَوِيَ غَمُّ الإنْسانِ احْتَقَنَ الرُّوحُ في باطِنِ القَلْبِ، ولَمْ يَبْقَ مِنهُ أثَرٌ قَوِيٌّ في ظاهِرِ الوجه، فَلا جَرَمَ يُرَبَّدُ الوجه ويَصْفَرُّ ويَسْوَدُّ، ويَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ الأرْضِيَّةِ والكَثافَةِ، فَثَبَتَ أنَّ مِن لَوازِمِ الفَرَحِ اسْتِنارَةَ الوجه وإشْراقَهُ، ومِن لَوازِمَ الغَمِّ كُمُودَةَ الوجه وغُبْرَتَهُ وسَوادَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ بَياضُ الوجه وإشْراقُهُ كِنايَةً عَنِ الفَرَحِ، وغُبْرَتُهُ وكُمُودَتُهُ وسَوادُهُ كِنايَةً عَنِ الغَمِّ والحَزَنِ والكَراهِيَةِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ أيْ: مُمْتَلِئٌ غَمًّا وحَزَنًا. ثم قال تَعالى: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ﴾ أيْ: يَخْتَفِي ويَتَغَيَّبُ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا ظَهَرَ آثارُ الطَّلْقِ بِامْرَأتِهِ تَوارى واخْتَفى عَنِ القَوْمِ إلى أنْ يَعْلَمَ ما يُولَدُ لَهُ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا ابْتَهَجَ بِهِ، وإنْ كانَ أُنْثى حَزِنَ ولَمْ يَظْهَرْ لِلنّاسِ أيّامًا يُدَبِّرُ فِيها أنَّهُ ماذا يَصْنَعُ بِها ؟ وهو قَوْلُهُ: ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ والمَعْنى: أيَحْبِسُهُ ؟ والإمْساكُ هَهُنا بِمَعْنى الحَبْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وإنَّما قالَ: ﴿أيُمْسِكُهُ﴾ ذَكَرَهُ بِضَمِيرِ الذُّكْرانِ؛ لِأنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بُشِّرَ بِهِ﴾ والهُونُ الهَوانُ قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: يُقالُ: إنَّهُ أهْوَنُ عَلَيْهِ هُونًا وهَوانًا، وأهَنْتُهُ هُونًا وهَوانًا، وذَكَرْنا هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ وفي أنَّ هَذا الهُونَ صِفَةُ مَن ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ أنَّهُ صِفَةُ المَوْلُودَةِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْسِكُها عَنْ هُونٍ مِنهُ لَها. والثّانِي قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ صِفَةٌ لِلْأبِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْسِكُها مَعَ الرِّضا بِهَوانِ نَفْسِهِ وعَلى رَغْمِ أنْفِهِ. ثم قال ﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ والدَّسُّ إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ. يُرْوى أنَّ العَرَبَ كانُوا يَحْفِرُونَ حَفِيرَةً ويَجْعَلُونَها فِيها حَتّى تَمُوتَ. «ورُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي وارَيْتُ ثَمانِيَ بَناتٍ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”أعْتِقْ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ رَقَبَةً“ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي ذُو إبِلٍ، فَقالَ: ”اهْدِ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ هَدْيًا» “ «ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أجِدُ حَلاوَةَ الإسْلامِ مُنْذُ أسْلَمْتُ، فَقَدْ كانَتْ لِي في الجاهِلِيَّةِ ابْنَةٌ، فَأمَرْتُ امْرَأتِي أنْ تُزَيِّنَها، فَأخْرَجَتْها إلَيَّ فانْتَهَيْتُ بِها إلى وادٍ بَعِيدِ القَعْرِ فَألْقَيْتُها فِيهِ، فَقالَتْ: يا صفحة ٤٦ أبَتِ قَتَلْتَنِي، فَكُلَّما ذَكَرْتُ قَوْلَها لَمْ يَنْفَعْنِي شَيْءٌ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَقَدْ هَدَمَهُ الإسْلامُ وما كانَ في الإسْلامِ يَهْدِمُهُ الِاسْتِغْفارُ» “ واعْلَمْ أنَّهم كانُوا مُخْتَلِفِينَ في قَتْلِ البَناتِ، فَمِنهم مَن يَحْفِرُ الحَفِيرَةَ ويَدْفِنُها فِيها إلى أنْ تَمُوتَ، ومِنهم مَن يَرْمِيها مِن شاهِقِ جَبَلٍ، ومِنهم مَن يُغْرِقُها، ومِنهم مَن يَذْبَحُها، وهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تارَةً لِلْغَيْرَةِ والحَمِيَّةِ، وتارَةً خَوْفًا مِنَ الفَقْرِ والفاقَةِ ولُزُومِ النَّفَقَةِ، ثُمَّ إنَّهُ قالَ: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم بَلَغُوا مِنَ الِاسْتِنْكافِ مِنَ البِنْتِ إلى أعْظَمِ الغاياتِ: فَأوَّلُها: أنْ يَسْوَدَّ وجْهُهُ. وثانِيها: أنَّهُ يَخْتَفِي عَنِ القَوْمِ مِن شِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنِ البِنْتِ. وثالِثُها: أنَّ الوَلَدَ مَحْبُوبٌ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ شِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنْها يُقْدِمُ عَلى قَتْلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْرَةَ عَنِ البِنْتِ والِاسْتِنْكافَ عَنْها قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لا يَزْدادُ عَلَيْهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فالشَّيْءُ الَّذِي بَلَغَ الِاسْتِنْكافُ مِنهُ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ كَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَنْسُبَهُ لِإلَهِ العالِمِ المُقَدِّسِ العالِي عَنْ مُشابَهَةِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ ؟ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [ النَّجْمِ:٢١ - ٢٢] . المسألة الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهم يُضِيفُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الظُّلْمِ والفَواحِشِ ما إذا أُضِيفَ إلى أحَدِهِمْ أجْهَدَ نَفْسَهُ في البَراءَةِ مِنهُ والتَّباعُدِ عَنْهُ، فَحُكْمُهم في ذَلِكَ مُشابِهٌ لِحُكْمِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، ثم قال: بَلْ أعْظَمُ؛ لِأنَّ إضافَةَ البَناتِ إلَيْهِ إضافَةُ قُبْحٍ واحِدٍ، وذَلِكَ أسْهَلُ مِن إضافَةِ كُلِّ القَبائِحِ والفَواحِشِ إلى اللَّهِ تَعالى. فَيُقالُ لِلْقاضِي: إنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ اسْتِحالَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ عَلى اللَّهِ تَعالى أرْدَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ هَذا الوجه الإقْناعِيِّ، وإلّا فَلَيْسَ كُلُّ ما قَبُحَ مِنّا في العُرْفِ قَبُحَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ألا تَرى رَجُلًا زَيَّنَ إماءَهُ وعَبِيدَهُ وبالَغَ في تَحْسِينِ صُوَرِهِنَّ، ثُمَّ بالَغَ في تَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ فِيهِمْ وفِيهِنَّ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الكُلِّ وأزالَ الحائِلَ والمانِعَ، فَإنَّ هَذا بِالِاتِّفاقِ حَسَنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَبِيحٌ مِن كُلِّ خَلْقٍ، فَعَلِمْنا أنَّ التَّعْوِيلَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى العُرْفِ، فَلا جَرَمَ حَسُنَتْ تَقْوِيَتُها بِهَذِهِ الوُجُوهِ الإقْناعِيَّةِ. أمّا أفْعالُ العِبادِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ خالِقَها هو اللَّهُ تَعالى، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إلْحاقُ أحَدِ البابَيْنِ بِالآخَرِ لَوْلا شِدَّةُ التَّعَصُّبِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ والمَثَلُ السَّوْءُ عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ السَّوْءِ، وهي احْتِياجُهم إلى الوَلَدِ، وكَراهَتُهُمُ الإناثَ خَوْفَ الفَقْرِ والعارِ: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ: الصِّفَةُ العالِيَةُ المُقَدَّسَةُ، وهي كَوْنُهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] ؟ قُلْنا: المَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُهُ اللَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ والَّذِي يَذْكُرُهُ غَيْرُهُ فَهو الباطِلُ، واللَّهُ أعْلَمُ

النحل 16:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ فَسادَ أقْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ والتَّشْبِيهِ، شَرَحَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفاصِيلَ أقْوالِهِمْ وبَيَّنَ فَسادَها وسَخافَتَها. فالنوع الأوَّلُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنَّهم يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْلَمُونَ. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الأصْنامِ أيْ: لا يَعْلَمُ الأصْنامُ ما يَفْعَلُ عُبّادُها. قالَ بَعْضُهم: الأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ نَفْيَ العِلْمِ عَنِ الحَيِّ حَقِيقَةٌ وعَنِ الجَمادِ مَجازٌ. وثانِيها: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلَيْهِمْ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ، وهو بِالعُقَلاءِ ألْيَقُ مِنهُ بِالأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ. ومِنهم مَن قالَ: بَلِ القَوْلُ الثّانِي أوْلى لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنّا إذا قُلْنا إنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ افْتَقَرْنا إلى إضْمارٍ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ إلَهًا، أوْ لِما لا يَعْلَمُونَ كَوْنَهُ نافِعًا ضارًّا، وإذا قُلْنا: إنَّهُ عائِدٌ إلى الأصْنامِ، لَمْ نَفْتَقِرْ إلى الإضْمارِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ويَجْعَلُونَ صفحة ٤٤ لِما لا عِلْمَ لَها ولا فَهْمَ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ العِلْمُ مُضافًا إلى المُشْرِكِينَ لَفَسَدَ المَعْنى؛ لَأنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَجْعَلُوا نَصِيبًا مِن رِزْقِهِمْ لِما لا يَعْلَمُونَهُ، فَهَذا ما قِيلَ في تَرْجِيحِ أحَدِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَلى الآخَرِ. واعْلَمْ أنّا إذا قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ افْتَقَرْنا فِيهِ إلى الإضْمارِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ لَهُ حَقًّا، ولا يَعْلَمُونَ في طاعَتِهِ نَفْعًا ولا في الإعْراضِ عَنْهُ ضَرَرًا، قالَ مُجاهِدٌ: يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم ويَضُرُّهم ويَنْفَعُهم، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم نَصِيبًا. وثانِيها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ إلَهِيَّتَها. وثالِثُها: ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ في صَيْرُورَتِها مَعْبُودَةً. ورابِعُها: المُرادُ اسْتِحْقارُ الأصْنامِ حَتّى كَأنَّها لِقِلَّتِها لا تَعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ذَلِكَ النَّصِيبِ احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى بِهِ، ونَصِيبًا إلى الأصْنامِ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَيْها، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا النَّصِيبِ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامُ، وهي قَوْلُ الحَسَنِ. والثّالِثُ: رُبَّما اعْتَقَدُوا في بَعْضِ الأشْياءِ أنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِإعانَةِ بَعْضِ تِلْكَ الأصْنامِ، كَما أنَّ المُنَجِّمِينَ يُوَزِّعُونَ مَوْجُوداتِ هَذا العالَمِ عَلى الكَواكِبِ السَّبْعَةِ، فَيَقُولُونَ لِزُحَلَ كَذا مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَواناتِ، ولِلْمُشْتَرِي أشْياءُ أُخْرى فَكَذا هَهُنا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُشْرِكِينَ هَذا المَذْهَبَ قالَ: ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ﴾ وهَذا في هَؤُلاءِ الأقْوامِ خاصَّةً بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢] وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ أنَّهُ يَسْألُهم، وهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ شَدِيدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ يَسْألُهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَهْدِيدٍ. وفِي وقْتِ هَذا السُّؤالِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَقَعُ ذَلِكَ السُّؤالُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ، وقِيلَ: عِنْدَ عَذابِ القَبْرِ. والثّانِي: أنَّهُ يَقَعُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وهَذا أوْلى لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِما يَجْرِي هُناكَ مِن ضُرُوبِ التَّوْبِيخِ عِنْدَ المسألة، فَهو إلى الوَعِيدِ أقْرَبُ. النوع الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنَّهم يَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] كانَتْ خُزاعَةُ وكِنانَةُ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. أقُولُ: أظُنُّ أنَّ العَرَبَ إنَّما أطْلَقُوا لَفْظَ البَناتِ لِأنَّ المَلائِكَةَ لَمّا كانُوا مُسْتَتِرِينَ عَنِ العُيُونِ أشْبَهُوا النِّساءَ في الِاسْتِتارِ، فَأطْلَقُوا عَلَيْهِمْ لَفْظَ البَناتِ. وأيْضًا قُرْصُ الشَّمْسِ يَجْرِي مَجْرى المُسْتَتِرِ عَنِ العُيُونِ بِسَبَبِ ضَوْئِهِ الباهِرِ ونُورِهِ القاهِرِ فَأطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ التَّأْنِيثِ، فَهَذا ما يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ في سَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ الفاسِدِ والمَذْهَبِ الباطِلِ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذا القَوْلَ قالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَنْزِيهَ ذاتِهِ عَنْ نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ. والثّانِي: تَعْجِيبُ الخَلْقِ مِن هَذا الجَهْلِ القَبِيحِ، وهو وصْفُ المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ، ثُمَّ نِسْبَتُها بِالوَلَدِيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّالِثُ: قِيلَ في التَّفْسِيرِ: مَعْناهُ مَعاذَ اللَّهِ، وذَلِكَ مُقارِبٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ. ثم قال تَعالى: ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ أجازَ الفَرّاءُ في ”ما“ وجْهَيْنِ: الأوَّلَ: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى مَعْنى: ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ كَأنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ يَعْنِي: البَنِينَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] ثُمَّ اخْتارَ الوجه الثّانِيَ وقالَ: لَوْ كانَ نَصِيبًا لَقالَ: ولِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ، لِأنَّكَ تَقُولُ: جَعَلْتَ لِنَفْسِكَ كَذا صفحة ٤٥ وكَذا، ولا تَقُولُ: جَعَلْتَ لَكَ، وأبى الزَّجّاجُ إجازَةَ الوجه الأوَّلِ، وقالَ: ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ لا غَيْرُ، والتَّقْدِيرُ: ولَهُمُ الشَّيْءُ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: جَعَلَ لِنَفْسِهِ ما تَشْتَهِي، ولا تَقُولُ: جَعَلَ لَهُ ما يَشْتَهِي وهو يَعْنِي نَفْسَهُ. * * * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ الواحِدَ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لا يَرْضى بِالوَلَدِ البِنْتِ لِنَفْسِهِ، فَما لا يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ كَيْفَ يَنْسُبُهُ لِلَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: التَّبْشِيرُ في عُرْفِ اللُّغَةِ مُخْتَصٌّ بِالخَبَرِ الَّذِي يُفِيدُ السُّرُورَ، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الخَبَرِ الَّذِي يُؤَثِّرُ في تَغَيُّرِ بَشَرَةِ الوجه، ومَعْلُومٌ أنَّ السُّرُورَ كَما يُوجِبُ تَغَيُّرَ البَشَرَةِ فَكَذَلِكَ الحُزْنُ يُوجِبُهُ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لَفْظَةُ التَّبْشِيرِ حَقِيقَةً في القِسْمَيْنِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِالتَّبْشِيرِ هَهُنا الإخْبارُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أدْخَلُ في التَّحْقِيقِ. أما قوله ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَصِيرُ مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرَ مُغْتَمٍّ، ويُقالُ لِمَن لَقِيَ مَكْرُوهًا: قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا وحَزَنًا، وأقُولُ: إنَّما جَعَلَ اسْوِدادَ الوجه كِنايَةً عَنِ الغَمِّ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا قَوِيَ فَرَحُهُ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وانْبَسَطَ رُوحُ قَلْبِهِ مِن داخِلِ القَلْبِ، ووَصَلَ إلى الأطْرافِ، ولا سِيَّما إلى الوجه لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعَلُّقِ الشَّدِيدِ، وإذا وصَلَ الرُّوحُ إلى ظاهِرِ الوجه أشْرَقَ الوجه وتَلَأْلَأ واسْتَنارَ، وأمّا إذا قَوِيَ غَمُّ الإنْسانِ احْتَقَنَ الرُّوحُ في باطِنِ القَلْبِ، ولَمْ يَبْقَ مِنهُ أثَرٌ قَوِيٌّ في ظاهِرِ الوجه، فَلا جَرَمَ يُرَبَّدُ الوجه ويَصْفَرُّ ويَسْوَدُّ، ويَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ الأرْضِيَّةِ والكَثافَةِ، فَثَبَتَ أنَّ مِن لَوازِمِ الفَرَحِ اسْتِنارَةَ الوجه وإشْراقَهُ، ومِن لَوازِمَ الغَمِّ كُمُودَةَ الوجه وغُبْرَتَهُ وسَوادَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ بَياضُ الوجه وإشْراقُهُ كِنايَةً عَنِ الفَرَحِ، وغُبْرَتُهُ وكُمُودَتُهُ وسَوادُهُ كِنايَةً عَنِ الغَمِّ والحَزَنِ والكَراهِيَةِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ أيْ: مُمْتَلِئٌ غَمًّا وحَزَنًا. ثم قال تَعالى: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ﴾ أيْ: يَخْتَفِي ويَتَغَيَّبُ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا ظَهَرَ آثارُ الطَّلْقِ بِامْرَأتِهِ تَوارى واخْتَفى عَنِ القَوْمِ إلى أنْ يَعْلَمَ ما يُولَدُ لَهُ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا ابْتَهَجَ بِهِ، وإنْ كانَ أُنْثى حَزِنَ ولَمْ يَظْهَرْ لِلنّاسِ أيّامًا يُدَبِّرُ فِيها أنَّهُ ماذا يَصْنَعُ بِها ؟ وهو قَوْلُهُ: ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ والمَعْنى: أيَحْبِسُهُ ؟ والإمْساكُ هَهُنا بِمَعْنى الحَبْسِ كَقَوْلِهِ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وإنَّما قالَ: ﴿أيُمْسِكُهُ﴾ ذَكَرَهُ بِضَمِيرِ الذُّكْرانِ؛ لِأنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بُشِّرَ بِهِ﴾ والهُونُ الهَوانُ قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: يُقالُ: إنَّهُ أهْوَنُ عَلَيْهِ هُونًا وهَوانًا، وأهَنْتُهُ هُونًا وهَوانًا، وذَكَرْنا هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ وفي أنَّ هَذا الهُونَ صِفَةُ مَن ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ أنَّهُ صِفَةُ المَوْلُودَةِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْسِكُها عَنْ هُونٍ مِنهُ لَها. والثّانِي قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ صِفَةٌ لِلْأبِ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْسِكُها مَعَ الرِّضا بِهَوانِ نَفْسِهِ وعَلى رَغْمِ أنْفِهِ. ثم قال ﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ والدَّسُّ إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ. يُرْوى أنَّ العَرَبَ كانُوا يَحْفِرُونَ حَفِيرَةً ويَجْعَلُونَها فِيها حَتّى تَمُوتَ. «ورُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي وارَيْتُ ثَمانِيَ بَناتٍ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”أعْتِقْ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ رَقَبَةً“ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي ذُو إبِلٍ، فَقالَ: ”اهْدِ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ هَدْيًا» “ «ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أجِدُ حَلاوَةَ الإسْلامِ مُنْذُ أسْلَمْتُ، فَقَدْ كانَتْ لِي في الجاهِلِيَّةِ ابْنَةٌ، فَأمَرْتُ امْرَأتِي أنْ تُزَيِّنَها، فَأخْرَجَتْها إلَيَّ فانْتَهَيْتُ بِها إلى وادٍ بَعِيدِ القَعْرِ فَألْقَيْتُها فِيهِ، فَقالَتْ: يا صفحة ٤٦ أبَتِ قَتَلْتَنِي، فَكُلَّما ذَكَرْتُ قَوْلَها لَمْ يَنْفَعْنِي شَيْءٌ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَقَدْ هَدَمَهُ الإسْلامُ وما كانَ في الإسْلامِ يَهْدِمُهُ الِاسْتِغْفارُ» “ واعْلَمْ أنَّهم كانُوا مُخْتَلِفِينَ في قَتْلِ البَناتِ، فَمِنهم مَن يَحْفِرُ الحَفِيرَةَ ويَدْفِنُها فِيها إلى أنْ تَمُوتَ، ومِنهم مَن يَرْمِيها مِن شاهِقِ جَبَلٍ، ومِنهم مَن يُغْرِقُها، ومِنهم مَن يَذْبَحُها، وهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تارَةً لِلْغَيْرَةِ والحَمِيَّةِ، وتارَةً خَوْفًا مِنَ الفَقْرِ والفاقَةِ ولُزُومِ النَّفَقَةِ، ثُمَّ إنَّهُ قالَ: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم بَلَغُوا مِنَ الِاسْتِنْكافِ مِنَ البِنْتِ إلى أعْظَمِ الغاياتِ: فَأوَّلُها: أنْ يَسْوَدَّ وجْهُهُ. وثانِيها: أنَّهُ يَخْتَفِي عَنِ القَوْمِ مِن شِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنِ البِنْتِ. وثالِثُها: أنَّ الوَلَدَ مَحْبُوبٌ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ شِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنْها يُقْدِمُ عَلى قَتْلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْرَةَ عَنِ البِنْتِ والِاسْتِنْكافَ عَنْها قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لا يَزْدادُ عَلَيْهِ. إذا ثَبَتَ هَذا فالشَّيْءُ الَّذِي بَلَغَ الِاسْتِنْكافُ مِنهُ إلى هَذا الحَدِّ العَظِيمِ كَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَنْسُبَهُ لِإلَهِ العالِمِ المُقَدِّسِ العالِي عَنْ مُشابَهَةِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ ؟ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [ النَّجْمِ:٢١ - ٢٢] . المسألة الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهم يُضِيفُونَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الظُّلْمِ والفَواحِشِ ما إذا أُضِيفَ إلى أحَدِهِمْ أجْهَدَ نَفْسَهُ في البَراءَةِ مِنهُ والتَّباعُدِ عَنْهُ، فَحُكْمُهم في ذَلِكَ مُشابِهٌ لِحُكْمِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، ثم قال: بَلْ أعْظَمُ؛ لِأنَّ إضافَةَ البَناتِ إلَيْهِ إضافَةُ قُبْحٍ واحِدٍ، وذَلِكَ أسْهَلُ مِن إضافَةِ كُلِّ القَبائِحِ والفَواحِشِ إلى اللَّهِ تَعالى. فَيُقالُ لِلْقاضِي: إنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ اسْتِحالَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ عَلى اللَّهِ تَعالى أرْدَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ هَذا الوجه الإقْناعِيِّ، وإلّا فَلَيْسَ كُلُّ ما قَبُحَ مِنّا في العُرْفِ قَبُحَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ألا تَرى رَجُلًا زَيَّنَ إماءَهُ وعَبِيدَهُ وبالَغَ في تَحْسِينِ صُوَرِهِنَّ، ثُمَّ بالَغَ في تَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ فِيهِمْ وفِيهِنَّ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الكُلِّ وأزالَ الحائِلَ والمانِعَ، فَإنَّ هَذا بِالِاتِّفاقِ حَسَنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَبِيحٌ مِن كُلِّ خَلْقٍ، فَعَلِمْنا أنَّ التَّعْوِيلَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى العُرْفِ، فَلا جَرَمَ حَسُنَتْ تَقْوِيَتُها بِهَذِهِ الوُجُوهِ الإقْناعِيَّةِ. أمّا أفْعالُ العِبادِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ خالِقَها هو اللَّهُ تَعالى، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إلْحاقُ أحَدِ البابَيْنِ بِالآخَرِ لَوْلا شِدَّةُ التَّعَصُّبِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ والمَثَلُ السَّوْءُ عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ السَّوْءِ، وهي احْتِياجُهم إلى الوَلَدِ، وكَراهَتُهُمُ الإناثَ خَوْفَ الفَقْرِ والعارِ: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ أيِ: الصِّفَةُ العالِيَةُ المُقَدَّسَةُ، وهي كَوْنُهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الوَلَدِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] ؟ قُلْنا: المَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُهُ اللَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ والَّذِي يَذْكُرُهُ غَيْرُهُ فَهو الباطِلُ، واللَّهُ أعْلَمُ