Lafzullah

Tafsir Al-Razi — النحل 16:61 – النحل 16:106

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. النحل 16:61
  2. النحل 16:62
  3. النحل 16:63
  4. النحل 16:64
  5. النحل 16:65
  6. النحل 16:66
  7. النحل 16:67
  8. النحل 16:68
  9. النحل 16:69
  10. النحل 16:70
  11. النحل 16:71
  12. النحل 16:72
  13. النحل 16:73
  14. النحل 16:74
  15. النحل 16:75
  16. النحل 16:76
  17. النحل 16:77
  18. النحل 16:78
  19. النحل 16:79
  20. النحل 16:80
  21. النحل 16:81
  22. النحل 16:82
  23. النحل 16:83
  24. النحل 16:84
  25. النحل 16:85
  26. النحل 16:86
  27. النحل 16:87
  28. النحل 16:88
  29. النحل 16:89
  30. النحل 16:90
  31. النحل 16:91
  32. النحل 16:92
  33. النحل 16:93
  34. النحل 16:94
  35. النحل 16:95
  36. النحل 16:96
  37. النحل 16:97
  38. النحل 16:98
  39. النحل 16:99
  40. النحل 16:100
  41. النحل 16:101
  42. النحل 16:102
  43. النحل 16:103
  44. النحل 16:104
  45. النحل 16:105
  46. النحل 16:106

النحل 16:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ القَوْمِ عَظِيمَ كُفْرِهِمْ وقَبِيحَ قَوْلِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهُ يُمْهِلُ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ولا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ، إظْهارًا لِلْفَضْلِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ فَأضافَ الظُّلْمَ إلى كُلِّ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ الظُّلْمَ مِنَ المَعاصِي، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ إنْسانٍ آتِيًا بِالذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ النّاسِ، فَوَجَبَ كَوْنُهم آتِينَ بِالذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ . وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ فَهو آتٍ بِالظُّلْمِ والذَّنْبِ، حَتّى يَلْزَمَ مِن إفْناءِ كُلِّ مَن كانَ ظالِمًا إفْناءُ كُلِّ النّاسِ. أمّا إذا قُلْنا: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ظُلْمٌ فَلا يَجِبُ إفْناؤُهم، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ مِن إفْناءِ كُلِّ الظّالِمِينَ إفْناءُ كُلِّ النّاسِ، وأنْ لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ الأرْضِ دابَّةٌ، ولَمّا لَزِمَ عَلِمْنا أنَّ كُلَّ البَشَرِ ظالِمُونَ سَواءٌ كانُوا مِنَ الأنْبِياءِ أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. والجَوابُ: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ النّاسِ لَيْسُوا ظالِمِينَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: فَمِنَ العِبادِ مَن هو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ، ولَوْ كانَ المُقْتَصِدُ والسّابِقُ ظالِمًا لَفَسَدَ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُقْتَصِدِينَ والسّابِقِينَ لَيْسُوا ظالِمِينَ، فَثَبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كُلُّ الخَلْقِ ظالِمُونَ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: النّاسُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ﴾ إمّا كُلُّ العُصاةِ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقابِ أوِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ ومِنَ الَّذِينَ أثْبَتُوا لِلَّهِ البَناتِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَنِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ الحُرْمَةُ، فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّرَرُ مَشْرُوعًا لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا عَلى وجْهٍ يَكُونُ جَزاءً عَلى جُرْمٍ صادِرٍ مِنهم أوْ لا عَلى هَذا الوجه، والقِسْمانِ باطِلانِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَشْرُوعًا أصْلًا. أمّا بَيانُ فَسادِ القِسْمِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ صفحة ٤٨ والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ وُضِعَتْ لِانْتِفاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ. فَقَوْلُهُ: ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ. يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما أخَذَهم بِظُلْمِهِمْ، وأنَّهُ تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لازِمَةَ أخْذِ اللَّهِ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ هو أنْ لا يَتْرُكَ عَلى ظَهْرِها دابَّةً، ثُمَّ إنّا نُشاهِدُ أنَّهُ تَعالى تَرَكَ عَلى ظَهْرِها دَوابَّ كَثِيرِينَ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَضارُّ مَشْرُوعَةً عَلى وجْهٍ تَقَعُ أجِزْيَةً عَنِ الجَرائِمِ وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا ابْتِداءً لا عَلى وجْهٍ يَقَعُ أجِزْيَةً عَنْ جُرْمٍ سابِقٍ، فَهَذا باطِلٌ بِالإجْماعِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ المَضارِّ مُطْلَقًا، ويَتَأكَّدُ هَذا أيْضًا بِآياتٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ [الأعراف: ٥٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وكَقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسْلامِ» “ وكَقَوْلِهِ: ”«مَلْعُونٌ مَن ضَرَّ مُسْلِمًا» “ فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ والأخْبارِ أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ الحُرْمَةُ، فَنَقُولُ: إذا وقَعَتْ حادِثَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الضَّرَرِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَإنْ وجَدْنا نَصًّا خاصًّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَشْرُوعًا قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا قَضَيْنا عَلَيْهِ بِالحُرْمَةِ بِناءً عَلى هَذا الأصْلِ الَّذِي قَرَّرْناهُ. ومِنهم مَن قالَ: هَذِهِ القاعِدَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا في حَقِّهِ؛ لِأنَّ المَنعَ مِنهُ ضَرَرٌ، والضَّرَرُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِمُقْتَضى هَذا الأصْلِ، وكُلُّ ما يَكْرَهُهُ الإنْسانُ وجَبَ أنْ يَحْرُمَ؛ لِأنَّ وُجُودَهُ ضَرَرٌ، والضَّرَرُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الأصْلَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الوَقائِعِ المُمْكِنَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ثُمَّ نَقُولُ: القِياسُ الَّذِي يُتَمَسَّكُ بِهِ في إثْباتِ الأحْكامِ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ هَذِهِ القاعِدَةِ أوْ عَلى خِلافِها، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا الأصْلَ يُغْنِي عَنْهُ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ راجِحٌ عَلى القِياسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الظُّلْمَ والمَعاصِيَ لَيْسَتْ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، بَلْ تَكُونُ أفْعالًا لِلْعِبادِ، لِأنَّهُ تَعالى أضافَ ظُلْمَ العِبادِ إلَيْهِمْ وما أضافَهُ إلى نَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ وأيْضًا فَلَوْ كانَ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَتْ مُؤاخَذَتُهم بِها ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا مَنَعَ اللَّهُ تَعالى العِبادَ مِنَ الظُّلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَبِأنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الظُّلْمِ كانَ أوْلى، قالُوا: ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ أعْمالَهم مُؤَثِّرَةٌ في وُجُوبِ الثَّوابِ والعِقابِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ الباءُ فِيهِ تَدُلُّ عَلى العِلِّيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١٣] . واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ المَسائِلِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا فَلا نُعِيدُهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ إقْدامَ النّاسِ عَلى الظُّلْمِ يُوجِبُ إهْلاكَ جَمِيعِ الدَّوابِّ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْها ذَنْبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إهْلاكُها بِسَبَبِ ظُلْمِ النّاسِ ؟ ! والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الوجه الأوَّلُ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ. يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّوابِّ. وأجابَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ عَنْهُ: أنَّ المُرادَ لَوْ يُؤاخِذُهُمُ اللَّهُ بِما كَسَبُوا مِن كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ لَعَجَّلَ هَلاكَهم، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لَهم نَسْلٌ، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا أحَدَ إلّا وفي أحَدِ آبائِهِ مَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ، وإذا هَلَكُوا فَقَدْ بَطَلَ نَسْلُهم، فَكانَ يَلْزَمُهُ أنْ لا يَبْقى في العالَمِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وإذا بَطَلُوا وجَبَ أنْ لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ الدَّوابِّ أيْضًا؛ لِأنَّ الدَّوابَّ صفحة ٤٩ مَخْلُوقَةٌ لِمَنافِعِ العِبادِ ومَصالِحِهِمْ، فَهَذا وجْهٌ لَطِيفٌ حَسَنٌ. والوجه الثّانِي: أنَّ الهَلاكَ إذا ورَدَ عَلى الظَّلَمَةِ ورَدَ أيْضًا عَلى سائِرِ النّاسِ والدَّوابِّ، فَكانَ ذَلِكَ الهَلاكُ في حَقِّ الظَّلَمَةِ عَذابًا، وفي حَقِّ غَيْرِهِمُ امْتِحانًا، وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ في زَمانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والوجه الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ آخَذَهم لانْقَطَعَ القَطْرُ، وفي انْقِطاعِهِ انْقِطاعُ النَّبْتِ، فَكانَ لا تَبْقى عَلى ظَهْرِها دابَّةٌ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ الظّالِمَ لا يَضِيرُ إلّا نَفْسَهُ، فَقالَ: لا واللَّهِ بَلْ إنَّ الحُبارى في وكْرِها لَتَمُوتَ بِظُلْمِ الظّالِمِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كادَ الجَعْلُ يَهْلِكُ في جُحْرِهِ بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِنَ الجَوابِ مُفَرَّعَةٌ عَلى تَسْلِيمِ أنَّ لَفْظَةَ الدّابَّةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّوابِّ. والجَوابُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ، أيْ: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن كافِرٍ، فالمُرادُ بِالدّابَّةِ الكافِرُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الخامِسَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها﴾ عائِدَةٌ عَلى الأرْضِ، ولَمْ يَسْبِقْ لَها ذِكْرٌ، إلّا أنَّ ذِكْرَ الدّابَّةِ يَدُلُّ عَلى الأرْضِ، فَإنَّ الدّابَّةَ إنَّما تَدِبُّ عَلَيْها، وكَثِيرًا ما يُكَنّى عَنِ الأرْضِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها، لِأنَّهم يَقُولُونَ: ما عَلَيْها مِثْلُ فُلانٍ، وما عَلَيْها أكْرَمُ مِن فُلانٍ، يَعْنُونَ: عَلى الأرْضِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لِيَتَوالَدُوا، وفي تَفْسِيرِ هَذا الأجَلِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يُرِيدُ أجَلَ القِيامَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مُنْتَهى العُمُرِ. وجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ مُعْظَمَ العَذابِ يُوافِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ يُؤاخِذُهم بِالعُقُوبَةِ إذا انْقَضَتْ أعْمارُهم وخَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا. النوع الثّالِثُ مِنَ الأقاوِيلِ الفاسِدَةِ الَّتِي كانَ يَذْكُرُها الكُفّارُ وحَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم، قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ أيِ: البَناتِ الَّتِي يَكْرَهُونَها لِأنْفُسِهِمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ يَصِفُونَ اللَّهَ بِذَلِكَ، ويَحْكُمُونَ بِهِ لَهُ كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُ زَيْدًا عَلى النّاسِ أيْ: حَكَمْتُ بِهَذا الحكم، وذَكَرْنا مَعْنى الجَعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] . ثم قال تَعالى: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَذِبِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وتَصِفُ ألْسِنَتُهم أنَّ لَهُمُ الحُسْنى. وفِي تَفْسِيرِ ”الحُسْنى“ هَهُنا قَوْلانِ. الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ البَنُونَ، يَعْنِي: أنَّهم قالُوا: لِلَّهِ البَناتُ ولَنا البَنُونَ. والثّانِي: أنَّهم مَعَ قَوْلِهِمْ بِإثْباتِ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى، يَصِفُونَ أنْفُسَهم بِأنَّهم فازُوا بِرِضْوانِ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ، وأنَّهم عَلى الدِّينِ الحَقِّ والمَذْهَبِ الحَسَنِ. الثّالِثُ: أنَّهم حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالجَنَّةِ والثَّوابِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ وهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْقِيامَةِ ؟ قُلْنا: كُلُّهم ما كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْقِيامَةِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ في العَرَبِ جَمْعٌ يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهم كانُوا يَرْبُطُونَ البَعِيرَ النَّفِيسَ عَلى قَبْرِ المَيِّتِ ويَتْرُكُونَهُ إلى أنْ يَمُوتَ ويَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ المَيِّتَ إذا صفحة ٥٠ حُشِرَ فَإنَّهُ يُحْشَرُ مَعَهُ مَرْكُوبُهُ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْقِيامَةِ فَلَعَلَّهم قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا في قَوْلِهِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَنا الجَنَّةُ والثَّوابُ بِسَبَبِ هَذا الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الأوْلى أنْ يُحْمَلَ ﴿الحُسْنى﴾ عَلى هَذا الوجه بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم وأثْبَتَ لَهُمُ النّارَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهم حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالجَنَّةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ”لا“ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ، والمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما وصَفُوا، ”جَرَمَ“ فِعْلُهم أيْ: كَسْبُ ذَلِكَ القَوْلِ لَهُمُ النّارُ، فَعَلى هَذا اللَّفْظِ ”أنَّ“ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِوُقُوعِ الكَسْبِ عَلَيْهِ. وقالَ قُطْرُبٌ ”أنَّ“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والمَعْنى: وجَبَ أنَّ لَهُمُ النّارَ. وكَيْفَ كانَ الإعْرابُ فالمَعْنى هو أنَّهُ يَحِقُّ لَهُمُ النّارُ ويَجِبُ ويَثْبُتُ. وقَوْلُهُ ﴿وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وقُتَيْبَةُ عَنِ الكِسائِيِّ ”مُفْرِطُونَ“ بِكَسْرِ الرّاءِ، والباقُونَ ”مُفْرَطُونَ“ بِفَتْحِ الرّاءِ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ فَقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أنَّهم كانُوا مُفْرِطِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ في الذُّنُوبِ، وقِيلَ: أفْرَطُوا في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: كَأنَّهُ مِن أفْرَطَ، أيْ: صارَ ذا فَرَطٍ، مِثْلَ أجْرَبَ أيْ: صارَ ذا جَرَبٍ، والمَعْنى: أنَّهم ذَوُو فَرَطٍ إلى النّارِ، كَأنَّهم قَدْ أرْسَلُوا مَن يُهَيِّئُ لَهم مَواضِعَ فِيها. وأمّا قِراءَةُ قَوْلِهِ: ”مُفْرَطُونَ“ بِفَتْحِ الرّاءِ فَفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: المَعْنى: أنَّهم مُتْرَكُونَ في النّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ ما أفْرَطْتُ مِنَ القَوْمِ أحَدًا، أيْ: ما تَرَكْتُ. وقالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: أفْرَطْتُ مِنهم ناسًا، أيْ: خَلَّفْتُهم وأُنْسِيتُهم. والقَوْلُ الثّانِي: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ أيْ: مُعَجَّلُونَ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وهو الِاخْتِيارُ، ووَجْهُهُ ما قالَ أبُو زَيْدٍ وغَيْرُهُ: فَرَطَ الرَّجُلُ أصْحابَهُ يَفْرُطُهم فَرَطًا وفُرُوطًا، إذا تَقَدَّمَهم إلى الماءِ لِيُصْلِحَ الدِّلاءَ والأرْسانَ، وأفْرَطَ القَوْمُ الفارِطَ وفَرَّطُوهُ إذا قَدَّمُوهُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كَأنَّهم قُدِّمُوا إلى النّارِ، فَهم فِيها فَرَطٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ بَعْدَهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِثْلَ هَذا الصُّنْعِ الَّذِي يَصْدُرُ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَدْ صَدَرَ مِن سائِرِ الأُمَمِ السّابِقِينَ في حَقِّ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ، فِيما كانَ يَنالُهُ مِنَ الغَمِّ بِسَبَبِ جَهالاتِ القَوْمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ إذا كانَ خالِقُ أعْمالِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، فَلا فائِدَةَ في التَّزْيِينِ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ التَّزْيِينَ لَمّا كانَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَجُزْ ذَمُّ الشَّيْطانِ بِسَبَبِهِ. والثّالِثُ: أنَّ التَّزْيِينَ هو الَّذِي يَدْعُو الإنْسانَ إلى الفِعْلِ، وإذا كانَ حُصُولُ الفِعْلِ فِيهِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى كانَ ضَرُورِيًّا، فَلَمْ يَكُنِ التَّزْيِينُ داعِيًا. والرّابِعُ: أنَّ عَلى قَوْلِهِمْ: الخالِقُ لِذَلِكَ العَمَلِ أجْدَرُ أنْ يَكُونَ ولِيًّا لَهم مِنَ الدّاعِي إلَيْهِ. والخامِسُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ التَّزْيِينَ إلى الشَّيْطانِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَتْ إضافَتُهُ إلى الشَّيْطانِ كَذِبًا. وجَوابُهُ: إنْ كانَ مُزَيِّنُ القَبائِحِ في أعْيُنِ الكُفّارِ هو الشَّيْطانُ، فَمُزَيِّنُ تِلْكَ الوَساوِسِ في عَيْنِ الشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ. وإنْ كانَ هو اللَّهُ تَعالى فَهو المَطْلُوبُ. ثم قال تَعالى: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ وفِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ كُفّارُ مَكَّةَ وبِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ ويَتَوَلّى إغْواءَهم وصَرْفَهم عَنْكَ، كَما فَعَلَ بِكُفّارِ الأُمَمِ قَبْلَكَ فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ رَجَعَ عَنْ أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ إلى الأخْبارِ عَنْ كُفّارِ مَكَّةَ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِاليَوْمِ يَوْمَ القِيامَةِ، يَقُولُ فَهو ولِيُّ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا يُزَيِّنُ لَهم أعْمالَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وأطْلَقَ اسْمَ اليَوْمِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ لِشُهْرَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، صفحة ٥١ والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ هو أنَّهُ لا ولِيَّ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ ولا ناصِرَ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا عايَنُوا العَذابَ وقَدْ نَزَلَ بِالشَّيْطانِ كَنُزُولِهِ بِهِمْ، ورَأوْا أنَّهُ لا مُخَلِّصَ لَهُ مِنهُ، كَما لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ، جازَ أنْ يُوَبَّخُوا بِأنْ يُقالَ لَهم: هَذا ولِيُّكُمُ اليَوْمَ عَلى وجْهِ السُّخْرِيَةِ. * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَعَ هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ أقامَ الحُجَّةَ وأزاحَ العِلَّةَ فَقالَ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: المَعْنى: أنّا ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهم بِواسِطَةِ بَياناتِ هَذا القُرْآنِ الأشْياءَ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيها، والمُخْتَلِفُونَ هم أهْلُ المِلَلِ والأهْواءِ، وما اخْتَلَفُوا فِيهِ، هو الدِّينُ، مِثْلَ التَّوْحِيدِ والشِّرْكِ والجَبْرِ والقَدَرِ، وإثْباتِ المَعادِ ونَفْيِهِ، ومِثْلَ الأحْكامِ، مِثْلَ أنَّهم حَرَّمُوا أشْياءَ تَحِلُّ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، وحَلَّلُوا أشْياءَ تَحْرُمُ كالمَيْتَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ، ونَظِيرُهُ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ١] وقَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وجَوابُهُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالعَقْلِ امْتِناعُ التَّعْلِيلِ وجَبَ صَرْفُهُ إلى التَّأْوِيلِ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿وهُدًى ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ إلّا أنَّهُما انْتَصَبا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُما، لِأنَّهُما فِعْلا الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، ودَخَلَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ لِأنَّهُ فِعْلُ المُخاطَبِ لا فِعْلُ المُنْزِلِ، وإنَّما يَنْتَصِبُ مَفْعُولًا لَهُ ما كانَ فِعْلًا لِذَلِكَ الفاعِلِ. المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: وصْفُ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، لا يَنْفِي كَوْنَهُ كَذَلِكَ في حَقِّ الكُلِّ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] لا يَنْفِي كَوْنَهُ هُدًى لِكُلِّ النّاسِ، كَما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وإنَّما خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مِن حَيْثُ أنَّهم قَبِلُوهُ فانْتَفَعُوا بِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] لِأنَّهُ إنَّما انْتَفَعَ بِإنْذارِهِ هَذا القَوْمُ فَقَطْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ القَوْمِ عَظِيمَ كُفْرِهِمْ وقَبِيحَ قَوْلِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهُ يُمْهِلُ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ولا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ، إظْهارًا لِلْفَضْلِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ فَأضافَ الظُّلْمَ إلى كُلِّ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ الظُّلْمَ مِنَ المَعاصِي، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ إنْسانٍ آتِيًا بِالذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ النّاسِ، فَوَجَبَ كَوْنُهم آتِينَ بِالذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ . وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ فَهو آتٍ بِالظُّلْمِ والذَّنْبِ، حَتّى يَلْزَمَ مِن إفْناءِ كُلِّ مَن كانَ ظالِمًا إفْناءُ كُلِّ النّاسِ. أمّا إذا قُلْنا: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ظُلْمٌ فَلا يَجِبُ إفْناؤُهم، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ مِن إفْناءِ كُلِّ الظّالِمِينَ إفْناءُ كُلِّ النّاسِ، وأنْ لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ الأرْضِ دابَّةٌ، ولَمّا لَزِمَ عَلِمْنا أنَّ كُلَّ البَشَرِ ظالِمُونَ سَواءٌ كانُوا مِنَ الأنْبِياءِ أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. والجَوابُ: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ النّاسِ لَيْسُوا ظالِمِينَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: فَمِنَ العِبادِ مَن هو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ، ولَوْ كانَ المُقْتَصِدُ والسّابِقُ ظالِمًا لَفَسَدَ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُقْتَصِدِينَ والسّابِقِينَ لَيْسُوا ظالِمِينَ، فَثَبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كُلُّ الخَلْقِ ظالِمُونَ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: النّاسُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ﴾ إمّا كُلُّ العُصاةِ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقابِ أوِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ ومِنَ الَّذِينَ أثْبَتُوا لِلَّهِ البَناتِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَنِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ الحُرْمَةُ، فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّرَرُ مَشْرُوعًا لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا عَلى وجْهٍ يَكُونُ جَزاءً عَلى جُرْمٍ صادِرٍ مِنهم أوْ لا عَلى هَذا الوجه، والقِسْمانِ باطِلانِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَشْرُوعًا أصْلًا. أمّا بَيانُ فَسادِ القِسْمِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ صفحة ٤٨ والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ وُضِعَتْ لِانْتِفاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ. فَقَوْلُهُ: ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ. يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما أخَذَهم بِظُلْمِهِمْ، وأنَّهُ تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لازِمَةَ أخْذِ اللَّهِ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ هو أنْ لا يَتْرُكَ عَلى ظَهْرِها دابَّةً، ثُمَّ إنّا نُشاهِدُ أنَّهُ تَعالى تَرَكَ عَلى ظَهْرِها دَوابَّ كَثِيرِينَ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَضارُّ مَشْرُوعَةً عَلى وجْهٍ تَقَعُ أجِزْيَةً عَنِ الجَرائِمِ وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا ابْتِداءً لا عَلى وجْهٍ يَقَعُ أجِزْيَةً عَنْ جُرْمٍ سابِقٍ، فَهَذا باطِلٌ بِالإجْماعِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ المَضارِّ مُطْلَقًا، ويَتَأكَّدُ هَذا أيْضًا بِآياتٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ [الأعراف: ٥٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وكَقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسْلامِ» “ وكَقَوْلِهِ: ”«مَلْعُونٌ مَن ضَرَّ مُسْلِمًا» “ فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ والأخْبارِ أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ الحُرْمَةُ، فَنَقُولُ: إذا وقَعَتْ حادِثَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الضَّرَرِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَإنْ وجَدْنا نَصًّا خاصًّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَشْرُوعًا قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا قَضَيْنا عَلَيْهِ بِالحُرْمَةِ بِناءً عَلى هَذا الأصْلِ الَّذِي قَرَّرْناهُ. ومِنهم مَن قالَ: هَذِهِ القاعِدَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا في حَقِّهِ؛ لِأنَّ المَنعَ مِنهُ ضَرَرٌ، والضَّرَرُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِمُقْتَضى هَذا الأصْلِ، وكُلُّ ما يَكْرَهُهُ الإنْسانُ وجَبَ أنْ يَحْرُمَ؛ لِأنَّ وُجُودَهُ ضَرَرٌ، والضَّرَرُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الأصْلَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الوَقائِعِ المُمْكِنَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ثُمَّ نَقُولُ: القِياسُ الَّذِي يُتَمَسَّكُ بِهِ في إثْباتِ الأحْكامِ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ هَذِهِ القاعِدَةِ أوْ عَلى خِلافِها، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا الأصْلَ يُغْنِي عَنْهُ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ راجِحٌ عَلى القِياسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الظُّلْمَ والمَعاصِيَ لَيْسَتْ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، بَلْ تَكُونُ أفْعالًا لِلْعِبادِ، لِأنَّهُ تَعالى أضافَ ظُلْمَ العِبادِ إلَيْهِمْ وما أضافَهُ إلى نَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ وأيْضًا فَلَوْ كانَ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَتْ مُؤاخَذَتُهم بِها ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا مَنَعَ اللَّهُ تَعالى العِبادَ مِنَ الظُّلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَبِأنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الظُّلْمِ كانَ أوْلى، قالُوا: ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ أعْمالَهم مُؤَثِّرَةٌ في وُجُوبِ الثَّوابِ والعِقابِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ الباءُ فِيهِ تَدُلُّ عَلى العِلِّيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١٣] . واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ المَسائِلِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا فَلا نُعِيدُهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ إقْدامَ النّاسِ عَلى الظُّلْمِ يُوجِبُ إهْلاكَ جَمِيعِ الدَّوابِّ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْها ذَنْبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إهْلاكُها بِسَبَبِ ظُلْمِ النّاسِ ؟ ! والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الوجه الأوَّلُ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ. يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّوابِّ. وأجابَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ عَنْهُ: أنَّ المُرادَ لَوْ يُؤاخِذُهُمُ اللَّهُ بِما كَسَبُوا مِن كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ لَعَجَّلَ هَلاكَهم، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لَهم نَسْلٌ، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا أحَدَ إلّا وفي أحَدِ آبائِهِ مَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ، وإذا هَلَكُوا فَقَدْ بَطَلَ نَسْلُهم، فَكانَ يَلْزَمُهُ أنْ لا يَبْقى في العالَمِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وإذا بَطَلُوا وجَبَ أنْ لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ الدَّوابِّ أيْضًا؛ لِأنَّ الدَّوابَّ صفحة ٤٩ مَخْلُوقَةٌ لِمَنافِعِ العِبادِ ومَصالِحِهِمْ، فَهَذا وجْهٌ لَطِيفٌ حَسَنٌ. والوجه الثّانِي: أنَّ الهَلاكَ إذا ورَدَ عَلى الظَّلَمَةِ ورَدَ أيْضًا عَلى سائِرِ النّاسِ والدَّوابِّ، فَكانَ ذَلِكَ الهَلاكُ في حَقِّ الظَّلَمَةِ عَذابًا، وفي حَقِّ غَيْرِهِمُ امْتِحانًا، وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ في زَمانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والوجه الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ آخَذَهم لانْقَطَعَ القَطْرُ، وفي انْقِطاعِهِ انْقِطاعُ النَّبْتِ، فَكانَ لا تَبْقى عَلى ظَهْرِها دابَّةٌ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ الظّالِمَ لا يَضِيرُ إلّا نَفْسَهُ، فَقالَ: لا واللَّهِ بَلْ إنَّ الحُبارى في وكْرِها لَتَمُوتَ بِظُلْمِ الظّالِمِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كادَ الجَعْلُ يَهْلِكُ في جُحْرِهِ بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِنَ الجَوابِ مُفَرَّعَةٌ عَلى تَسْلِيمِ أنَّ لَفْظَةَ الدّابَّةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّوابِّ. والجَوابُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ، أيْ: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن كافِرٍ، فالمُرادُ بِالدّابَّةِ الكافِرُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الخامِسَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها﴾ عائِدَةٌ عَلى الأرْضِ، ولَمْ يَسْبِقْ لَها ذِكْرٌ، إلّا أنَّ ذِكْرَ الدّابَّةِ يَدُلُّ عَلى الأرْضِ، فَإنَّ الدّابَّةَ إنَّما تَدِبُّ عَلَيْها، وكَثِيرًا ما يُكَنّى عَنِ الأرْضِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها، لِأنَّهم يَقُولُونَ: ما عَلَيْها مِثْلُ فُلانٍ، وما عَلَيْها أكْرَمُ مِن فُلانٍ، يَعْنُونَ: عَلى الأرْضِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لِيَتَوالَدُوا، وفي تَفْسِيرِ هَذا الأجَلِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يُرِيدُ أجَلَ القِيامَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مُنْتَهى العُمُرِ. وجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ مُعْظَمَ العَذابِ يُوافِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ يُؤاخِذُهم بِالعُقُوبَةِ إذا انْقَضَتْ أعْمارُهم وخَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا. النوع الثّالِثُ مِنَ الأقاوِيلِ الفاسِدَةِ الَّتِي كانَ يَذْكُرُها الكُفّارُ وحَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم، قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ أيِ: البَناتِ الَّتِي يَكْرَهُونَها لِأنْفُسِهِمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ يَصِفُونَ اللَّهَ بِذَلِكَ، ويَحْكُمُونَ بِهِ لَهُ كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُ زَيْدًا عَلى النّاسِ أيْ: حَكَمْتُ بِهَذا الحكم، وذَكَرْنا مَعْنى الجَعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] . ثم قال تَعالى: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَذِبِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وتَصِفُ ألْسِنَتُهم أنَّ لَهُمُ الحُسْنى. وفِي تَفْسِيرِ ”الحُسْنى“ هَهُنا قَوْلانِ. الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ البَنُونَ، يَعْنِي: أنَّهم قالُوا: لِلَّهِ البَناتُ ولَنا البَنُونَ. والثّانِي: أنَّهم مَعَ قَوْلِهِمْ بِإثْباتِ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى، يَصِفُونَ أنْفُسَهم بِأنَّهم فازُوا بِرِضْوانِ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ، وأنَّهم عَلى الدِّينِ الحَقِّ والمَذْهَبِ الحَسَنِ. الثّالِثُ: أنَّهم حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالجَنَّةِ والثَّوابِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ وهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْقِيامَةِ ؟ قُلْنا: كُلُّهم ما كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْقِيامَةِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ في العَرَبِ جَمْعٌ يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهم كانُوا يَرْبُطُونَ البَعِيرَ النَّفِيسَ عَلى قَبْرِ المَيِّتِ ويَتْرُكُونَهُ إلى أنْ يَمُوتَ ويَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ المَيِّتَ إذا صفحة ٥٠ حُشِرَ فَإنَّهُ يُحْشَرُ مَعَهُ مَرْكُوبُهُ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْقِيامَةِ فَلَعَلَّهم قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا في قَوْلِهِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَنا الجَنَّةُ والثَّوابُ بِسَبَبِ هَذا الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الأوْلى أنْ يُحْمَلَ ﴿الحُسْنى﴾ عَلى هَذا الوجه بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم وأثْبَتَ لَهُمُ النّارَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهم حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالجَنَّةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ”لا“ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ، والمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما وصَفُوا، ”جَرَمَ“ فِعْلُهم أيْ: كَسْبُ ذَلِكَ القَوْلِ لَهُمُ النّارُ، فَعَلى هَذا اللَّفْظِ ”أنَّ“ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِوُقُوعِ الكَسْبِ عَلَيْهِ. وقالَ قُطْرُبٌ ”أنَّ“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والمَعْنى: وجَبَ أنَّ لَهُمُ النّارَ. وكَيْفَ كانَ الإعْرابُ فالمَعْنى هو أنَّهُ يَحِقُّ لَهُمُ النّارُ ويَجِبُ ويَثْبُتُ. وقَوْلُهُ ﴿وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وقُتَيْبَةُ عَنِ الكِسائِيِّ ”مُفْرِطُونَ“ بِكَسْرِ الرّاءِ، والباقُونَ ”مُفْرَطُونَ“ بِفَتْحِ الرّاءِ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ فَقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أنَّهم كانُوا مُفْرِطِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ في الذُّنُوبِ، وقِيلَ: أفْرَطُوا في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: كَأنَّهُ مِن أفْرَطَ، أيْ: صارَ ذا فَرَطٍ، مِثْلَ أجْرَبَ أيْ: صارَ ذا جَرَبٍ، والمَعْنى: أنَّهم ذَوُو فَرَطٍ إلى النّارِ، كَأنَّهم قَدْ أرْسَلُوا مَن يُهَيِّئُ لَهم مَواضِعَ فِيها. وأمّا قِراءَةُ قَوْلِهِ: ”مُفْرَطُونَ“ بِفَتْحِ الرّاءِ فَفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: المَعْنى: أنَّهم مُتْرَكُونَ في النّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ ما أفْرَطْتُ مِنَ القَوْمِ أحَدًا، أيْ: ما تَرَكْتُ. وقالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: أفْرَطْتُ مِنهم ناسًا، أيْ: خَلَّفْتُهم وأُنْسِيتُهم. والقَوْلُ الثّانِي: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ أيْ: مُعَجَّلُونَ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وهو الِاخْتِيارُ، ووَجْهُهُ ما قالَ أبُو زَيْدٍ وغَيْرُهُ: فَرَطَ الرَّجُلُ أصْحابَهُ يَفْرُطُهم فَرَطًا وفُرُوطًا، إذا تَقَدَّمَهم إلى الماءِ لِيُصْلِحَ الدِّلاءَ والأرْسانَ، وأفْرَطَ القَوْمُ الفارِطَ وفَرَّطُوهُ إذا قَدَّمُوهُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كَأنَّهم قُدِّمُوا إلى النّارِ، فَهم فِيها فَرَطٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ بَعْدَهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِثْلَ هَذا الصُّنْعِ الَّذِي يَصْدُرُ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَدْ صَدَرَ مِن سائِرِ الأُمَمِ السّابِقِينَ في حَقِّ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ، فِيما كانَ يَنالُهُ مِنَ الغَمِّ بِسَبَبِ جَهالاتِ القَوْمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ إذا كانَ خالِقُ أعْمالِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، فَلا فائِدَةَ في التَّزْيِينِ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ التَّزْيِينَ لَمّا كانَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَجُزْ ذَمُّ الشَّيْطانِ بِسَبَبِهِ. والثّالِثُ: أنَّ التَّزْيِينَ هو الَّذِي يَدْعُو الإنْسانَ إلى الفِعْلِ، وإذا كانَ حُصُولُ الفِعْلِ فِيهِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى كانَ ضَرُورِيًّا، فَلَمْ يَكُنِ التَّزْيِينُ داعِيًا. والرّابِعُ: أنَّ عَلى قَوْلِهِمْ: الخالِقُ لِذَلِكَ العَمَلِ أجْدَرُ أنْ يَكُونَ ولِيًّا لَهم مِنَ الدّاعِي إلَيْهِ. والخامِسُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ التَّزْيِينَ إلى الشَّيْطانِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَتْ إضافَتُهُ إلى الشَّيْطانِ كَذِبًا. وجَوابُهُ: إنْ كانَ مُزَيِّنُ القَبائِحِ في أعْيُنِ الكُفّارِ هو الشَّيْطانُ، فَمُزَيِّنُ تِلْكَ الوَساوِسِ في عَيْنِ الشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ. وإنْ كانَ هو اللَّهُ تَعالى فَهو المَطْلُوبُ. ثم قال تَعالى: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ وفِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ كُفّارُ مَكَّةَ وبِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ ويَتَوَلّى إغْواءَهم وصَرْفَهم عَنْكَ، كَما فَعَلَ بِكُفّارِ الأُمَمِ قَبْلَكَ فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ رَجَعَ عَنْ أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ إلى الأخْبارِ عَنْ كُفّارِ مَكَّةَ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِاليَوْمِ يَوْمَ القِيامَةِ، يَقُولُ فَهو ولِيُّ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا يُزَيِّنُ لَهم أعْمالَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وأطْلَقَ اسْمَ اليَوْمِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ لِشُهْرَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، صفحة ٥١ والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ هو أنَّهُ لا ولِيَّ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ ولا ناصِرَ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا عايَنُوا العَذابَ وقَدْ نَزَلَ بِالشَّيْطانِ كَنُزُولِهِ بِهِمْ، ورَأوْا أنَّهُ لا مُخَلِّصَ لَهُ مِنهُ، كَما لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ، جازَ أنْ يُوَبَّخُوا بِأنْ يُقالَ لَهم: هَذا ولِيُّكُمُ اليَوْمَ عَلى وجْهِ السُّخْرِيَةِ. * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَعَ هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ أقامَ الحُجَّةَ وأزاحَ العِلَّةَ فَقالَ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: المَعْنى: أنّا ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهم بِواسِطَةِ بَياناتِ هَذا القُرْآنِ الأشْياءَ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيها، والمُخْتَلِفُونَ هم أهْلُ المِلَلِ والأهْواءِ، وما اخْتَلَفُوا فِيهِ، هو الدِّينُ، مِثْلَ التَّوْحِيدِ والشِّرْكِ والجَبْرِ والقَدَرِ، وإثْباتِ المَعادِ ونَفْيِهِ، ومِثْلَ الأحْكامِ، مِثْلَ أنَّهم حَرَّمُوا أشْياءَ تَحِلُّ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، وحَلَّلُوا أشْياءَ تَحْرُمُ كالمَيْتَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ، ونَظِيرُهُ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ١] وقَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وجَوابُهُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالعَقْلِ امْتِناعُ التَّعْلِيلِ وجَبَ صَرْفُهُ إلى التَّأْوِيلِ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿وهُدًى ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ إلّا أنَّهُما انْتَصَبا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُما، لِأنَّهُما فِعْلا الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، ودَخَلَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ لِأنَّهُ فِعْلُ المُخاطَبِ لا فِعْلُ المُنْزِلِ، وإنَّما يَنْتَصِبُ مَفْعُولًا لَهُ ما كانَ فِعْلًا لِذَلِكَ الفاعِلِ. المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: وصْفُ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، لا يَنْفِي كَوْنَهُ كَذَلِكَ في حَقِّ الكُلِّ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] لا يَنْفِي كَوْنَهُ هُدًى لِكُلِّ النّاسِ، كَما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وإنَّما خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مِن حَيْثُ أنَّهم قَبِلُوهُ فانْتَفَعُوا بِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] لِأنَّهُ إنَّما انْتَفَعَ بِإنْذارِهِ هَذا القَوْمُ فَقَطْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ القَوْمِ عَظِيمَ كُفْرِهِمْ وقَبِيحَ قَوْلِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهُ يُمْهِلُ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ولا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ، إظْهارًا لِلْفَضْلِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ فَأضافَ الظُّلْمَ إلى كُلِّ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ الظُّلْمَ مِنَ المَعاصِي، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ إنْسانٍ آتِيًا بِالذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ النّاسِ، فَوَجَبَ كَوْنُهم آتِينَ بِالذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ . وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ فَهو آتٍ بِالظُّلْمِ والذَّنْبِ، حَتّى يَلْزَمَ مِن إفْناءِ كُلِّ مَن كانَ ظالِمًا إفْناءُ كُلِّ النّاسِ. أمّا إذا قُلْنا: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ظُلْمٌ فَلا يَجِبُ إفْناؤُهم، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ مِن إفْناءِ كُلِّ الظّالِمِينَ إفْناءُ كُلِّ النّاسِ، وأنْ لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ الأرْضِ دابَّةٌ، ولَمّا لَزِمَ عَلِمْنا أنَّ كُلَّ البَشَرِ ظالِمُونَ سَواءٌ كانُوا مِنَ الأنْبِياءِ أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. والجَوابُ: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ النّاسِ لَيْسُوا ظالِمِينَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: فَمِنَ العِبادِ مَن هو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ، ولَوْ كانَ المُقْتَصِدُ والسّابِقُ ظالِمًا لَفَسَدَ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُقْتَصِدِينَ والسّابِقِينَ لَيْسُوا ظالِمِينَ، فَثَبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كُلُّ الخَلْقِ ظالِمُونَ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: النّاسُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ﴾ إمّا كُلُّ العُصاةِ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقابِ أوِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ ومِنَ الَّذِينَ أثْبَتُوا لِلَّهِ البَناتِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَنِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ الحُرْمَةُ، فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّرَرُ مَشْرُوعًا لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا عَلى وجْهٍ يَكُونُ جَزاءً عَلى جُرْمٍ صادِرٍ مِنهم أوْ لا عَلى هَذا الوجه، والقِسْمانِ باطِلانِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَشْرُوعًا أصْلًا. أمّا بَيانُ فَسادِ القِسْمِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ صفحة ٤٨ والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ وُضِعَتْ لِانْتِفاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ. فَقَوْلُهُ: ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ. يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما أخَذَهم بِظُلْمِهِمْ، وأنَّهُ تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لازِمَةَ أخْذِ اللَّهِ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ هو أنْ لا يَتْرُكَ عَلى ظَهْرِها دابَّةً، ثُمَّ إنّا نُشاهِدُ أنَّهُ تَعالى تَرَكَ عَلى ظَهْرِها دَوابَّ كَثِيرِينَ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَضارُّ مَشْرُوعَةً عَلى وجْهٍ تَقَعُ أجِزْيَةً عَنِ الجَرائِمِ وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا ابْتِداءً لا عَلى وجْهٍ يَقَعُ أجِزْيَةً عَنْ جُرْمٍ سابِقٍ، فَهَذا باطِلٌ بِالإجْماعِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ المَضارِّ مُطْلَقًا، ويَتَأكَّدُ هَذا أيْضًا بِآياتٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ [الأعراف: ٥٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وكَقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسْلامِ» “ وكَقَوْلِهِ: ”«مَلْعُونٌ مَن ضَرَّ مُسْلِمًا» “ فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ والأخْبارِ أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ الحُرْمَةُ، فَنَقُولُ: إذا وقَعَتْ حادِثَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الضَّرَرِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَإنْ وجَدْنا نَصًّا خاصًّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَشْرُوعًا قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا قَضَيْنا عَلَيْهِ بِالحُرْمَةِ بِناءً عَلى هَذا الأصْلِ الَّذِي قَرَّرْناهُ. ومِنهم مَن قالَ: هَذِهِ القاعِدَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا في حَقِّهِ؛ لِأنَّ المَنعَ مِنهُ ضَرَرٌ، والضَّرَرُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِمُقْتَضى هَذا الأصْلِ، وكُلُّ ما يَكْرَهُهُ الإنْسانُ وجَبَ أنْ يَحْرُمَ؛ لِأنَّ وُجُودَهُ ضَرَرٌ، والضَّرَرُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الأصْلَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الوَقائِعِ المُمْكِنَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ثُمَّ نَقُولُ: القِياسُ الَّذِي يُتَمَسَّكُ بِهِ في إثْباتِ الأحْكامِ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ هَذِهِ القاعِدَةِ أوْ عَلى خِلافِها، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا الأصْلَ يُغْنِي عَنْهُ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ راجِحٌ عَلى القِياسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الظُّلْمَ والمَعاصِيَ لَيْسَتْ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، بَلْ تَكُونُ أفْعالًا لِلْعِبادِ، لِأنَّهُ تَعالى أضافَ ظُلْمَ العِبادِ إلَيْهِمْ وما أضافَهُ إلى نَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ وأيْضًا فَلَوْ كانَ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَتْ مُؤاخَذَتُهم بِها ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا مَنَعَ اللَّهُ تَعالى العِبادَ مِنَ الظُّلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَبِأنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الظُّلْمِ كانَ أوْلى، قالُوا: ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ أعْمالَهم مُؤَثِّرَةٌ في وُجُوبِ الثَّوابِ والعِقابِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ الباءُ فِيهِ تَدُلُّ عَلى العِلِّيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١٣] . واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ المَسائِلِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا فَلا نُعِيدُهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ إقْدامَ النّاسِ عَلى الظُّلْمِ يُوجِبُ إهْلاكَ جَمِيعِ الدَّوابِّ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْها ذَنْبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إهْلاكُها بِسَبَبِ ظُلْمِ النّاسِ ؟ ! والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الوجه الأوَّلُ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ. يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّوابِّ. وأجابَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ عَنْهُ: أنَّ المُرادَ لَوْ يُؤاخِذُهُمُ اللَّهُ بِما كَسَبُوا مِن كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ لَعَجَّلَ هَلاكَهم، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لَهم نَسْلٌ، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا أحَدَ إلّا وفي أحَدِ آبائِهِ مَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ، وإذا هَلَكُوا فَقَدْ بَطَلَ نَسْلُهم، فَكانَ يَلْزَمُهُ أنْ لا يَبْقى في العالَمِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وإذا بَطَلُوا وجَبَ أنْ لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ الدَّوابِّ أيْضًا؛ لِأنَّ الدَّوابَّ صفحة ٤٩ مَخْلُوقَةٌ لِمَنافِعِ العِبادِ ومَصالِحِهِمْ، فَهَذا وجْهٌ لَطِيفٌ حَسَنٌ. والوجه الثّانِي: أنَّ الهَلاكَ إذا ورَدَ عَلى الظَّلَمَةِ ورَدَ أيْضًا عَلى سائِرِ النّاسِ والدَّوابِّ، فَكانَ ذَلِكَ الهَلاكُ في حَقِّ الظَّلَمَةِ عَذابًا، وفي حَقِّ غَيْرِهِمُ امْتِحانًا، وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ في زَمانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والوجه الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ آخَذَهم لانْقَطَعَ القَطْرُ، وفي انْقِطاعِهِ انْقِطاعُ النَّبْتِ، فَكانَ لا تَبْقى عَلى ظَهْرِها دابَّةٌ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ الظّالِمَ لا يَضِيرُ إلّا نَفْسَهُ، فَقالَ: لا واللَّهِ بَلْ إنَّ الحُبارى في وكْرِها لَتَمُوتَ بِظُلْمِ الظّالِمِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كادَ الجَعْلُ يَهْلِكُ في جُحْرِهِ بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِنَ الجَوابِ مُفَرَّعَةٌ عَلى تَسْلِيمِ أنَّ لَفْظَةَ الدّابَّةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّوابِّ. والجَوابُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ، أيْ: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن كافِرٍ، فالمُرادُ بِالدّابَّةِ الكافِرُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الخامِسَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها﴾ عائِدَةٌ عَلى الأرْضِ، ولَمْ يَسْبِقْ لَها ذِكْرٌ، إلّا أنَّ ذِكْرَ الدّابَّةِ يَدُلُّ عَلى الأرْضِ، فَإنَّ الدّابَّةَ إنَّما تَدِبُّ عَلَيْها، وكَثِيرًا ما يُكَنّى عَنِ الأرْضِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها، لِأنَّهم يَقُولُونَ: ما عَلَيْها مِثْلُ فُلانٍ، وما عَلَيْها أكْرَمُ مِن فُلانٍ، يَعْنُونَ: عَلى الأرْضِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لِيَتَوالَدُوا، وفي تَفْسِيرِ هَذا الأجَلِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يُرِيدُ أجَلَ القِيامَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مُنْتَهى العُمُرِ. وجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ مُعْظَمَ العَذابِ يُوافِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ يُؤاخِذُهم بِالعُقُوبَةِ إذا انْقَضَتْ أعْمارُهم وخَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا. النوع الثّالِثُ مِنَ الأقاوِيلِ الفاسِدَةِ الَّتِي كانَ يَذْكُرُها الكُفّارُ وحَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم، قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ أيِ: البَناتِ الَّتِي يَكْرَهُونَها لِأنْفُسِهِمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ يَصِفُونَ اللَّهَ بِذَلِكَ، ويَحْكُمُونَ بِهِ لَهُ كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُ زَيْدًا عَلى النّاسِ أيْ: حَكَمْتُ بِهَذا الحكم، وذَكَرْنا مَعْنى الجَعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] . ثم قال تَعالى: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَذِبِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وتَصِفُ ألْسِنَتُهم أنَّ لَهُمُ الحُسْنى. وفِي تَفْسِيرِ ”الحُسْنى“ هَهُنا قَوْلانِ. الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ البَنُونَ، يَعْنِي: أنَّهم قالُوا: لِلَّهِ البَناتُ ولَنا البَنُونَ. والثّانِي: أنَّهم مَعَ قَوْلِهِمْ بِإثْباتِ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى، يَصِفُونَ أنْفُسَهم بِأنَّهم فازُوا بِرِضْوانِ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ، وأنَّهم عَلى الدِّينِ الحَقِّ والمَذْهَبِ الحَسَنِ. الثّالِثُ: أنَّهم حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالجَنَّةِ والثَّوابِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ وهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْقِيامَةِ ؟ قُلْنا: كُلُّهم ما كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْقِيامَةِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ في العَرَبِ جَمْعٌ يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهم كانُوا يَرْبُطُونَ البَعِيرَ النَّفِيسَ عَلى قَبْرِ المَيِّتِ ويَتْرُكُونَهُ إلى أنْ يَمُوتَ ويَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ المَيِّتَ إذا صفحة ٥٠ حُشِرَ فَإنَّهُ يُحْشَرُ مَعَهُ مَرْكُوبُهُ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْقِيامَةِ فَلَعَلَّهم قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا في قَوْلِهِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَنا الجَنَّةُ والثَّوابُ بِسَبَبِ هَذا الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الأوْلى أنْ يُحْمَلَ ﴿الحُسْنى﴾ عَلى هَذا الوجه بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم وأثْبَتَ لَهُمُ النّارَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهم حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالجَنَّةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ”لا“ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ، والمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما وصَفُوا، ”جَرَمَ“ فِعْلُهم أيْ: كَسْبُ ذَلِكَ القَوْلِ لَهُمُ النّارُ، فَعَلى هَذا اللَّفْظِ ”أنَّ“ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِوُقُوعِ الكَسْبِ عَلَيْهِ. وقالَ قُطْرُبٌ ”أنَّ“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والمَعْنى: وجَبَ أنَّ لَهُمُ النّارَ. وكَيْفَ كانَ الإعْرابُ فالمَعْنى هو أنَّهُ يَحِقُّ لَهُمُ النّارُ ويَجِبُ ويَثْبُتُ. وقَوْلُهُ ﴿وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وقُتَيْبَةُ عَنِ الكِسائِيِّ ”مُفْرِطُونَ“ بِكَسْرِ الرّاءِ، والباقُونَ ”مُفْرَطُونَ“ بِفَتْحِ الرّاءِ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ فَقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أنَّهم كانُوا مُفْرِطِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ في الذُّنُوبِ، وقِيلَ: أفْرَطُوا في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: كَأنَّهُ مِن أفْرَطَ، أيْ: صارَ ذا فَرَطٍ، مِثْلَ أجْرَبَ أيْ: صارَ ذا جَرَبٍ، والمَعْنى: أنَّهم ذَوُو فَرَطٍ إلى النّارِ، كَأنَّهم قَدْ أرْسَلُوا مَن يُهَيِّئُ لَهم مَواضِعَ فِيها. وأمّا قِراءَةُ قَوْلِهِ: ”مُفْرَطُونَ“ بِفَتْحِ الرّاءِ فَفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: المَعْنى: أنَّهم مُتْرَكُونَ في النّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ ما أفْرَطْتُ مِنَ القَوْمِ أحَدًا، أيْ: ما تَرَكْتُ. وقالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: أفْرَطْتُ مِنهم ناسًا، أيْ: خَلَّفْتُهم وأُنْسِيتُهم. والقَوْلُ الثّانِي: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ أيْ: مُعَجَّلُونَ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وهو الِاخْتِيارُ، ووَجْهُهُ ما قالَ أبُو زَيْدٍ وغَيْرُهُ: فَرَطَ الرَّجُلُ أصْحابَهُ يَفْرُطُهم فَرَطًا وفُرُوطًا، إذا تَقَدَّمَهم إلى الماءِ لِيُصْلِحَ الدِّلاءَ والأرْسانَ، وأفْرَطَ القَوْمُ الفارِطَ وفَرَّطُوهُ إذا قَدَّمُوهُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كَأنَّهم قُدِّمُوا إلى النّارِ، فَهم فِيها فَرَطٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ بَعْدَهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِثْلَ هَذا الصُّنْعِ الَّذِي يَصْدُرُ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَدْ صَدَرَ مِن سائِرِ الأُمَمِ السّابِقِينَ في حَقِّ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ، فِيما كانَ يَنالُهُ مِنَ الغَمِّ بِسَبَبِ جَهالاتِ القَوْمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ إذا كانَ خالِقُ أعْمالِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، فَلا فائِدَةَ في التَّزْيِينِ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ التَّزْيِينَ لَمّا كانَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَجُزْ ذَمُّ الشَّيْطانِ بِسَبَبِهِ. والثّالِثُ: أنَّ التَّزْيِينَ هو الَّذِي يَدْعُو الإنْسانَ إلى الفِعْلِ، وإذا كانَ حُصُولُ الفِعْلِ فِيهِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى كانَ ضَرُورِيًّا، فَلَمْ يَكُنِ التَّزْيِينُ داعِيًا. والرّابِعُ: أنَّ عَلى قَوْلِهِمْ: الخالِقُ لِذَلِكَ العَمَلِ أجْدَرُ أنْ يَكُونَ ولِيًّا لَهم مِنَ الدّاعِي إلَيْهِ. والخامِسُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ التَّزْيِينَ إلى الشَّيْطانِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَتْ إضافَتُهُ إلى الشَّيْطانِ كَذِبًا. وجَوابُهُ: إنْ كانَ مُزَيِّنُ القَبائِحِ في أعْيُنِ الكُفّارِ هو الشَّيْطانُ، فَمُزَيِّنُ تِلْكَ الوَساوِسِ في عَيْنِ الشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ. وإنْ كانَ هو اللَّهُ تَعالى فَهو المَطْلُوبُ. ثم قال تَعالى: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ وفِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ كُفّارُ مَكَّةَ وبِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ ويَتَوَلّى إغْواءَهم وصَرْفَهم عَنْكَ، كَما فَعَلَ بِكُفّارِ الأُمَمِ قَبْلَكَ فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ رَجَعَ عَنْ أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ إلى الأخْبارِ عَنْ كُفّارِ مَكَّةَ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِاليَوْمِ يَوْمَ القِيامَةِ، يَقُولُ فَهو ولِيُّ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا يُزَيِّنُ لَهم أعْمالَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وأطْلَقَ اسْمَ اليَوْمِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ لِشُهْرَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، صفحة ٥١ والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ هو أنَّهُ لا ولِيَّ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ ولا ناصِرَ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا عايَنُوا العَذابَ وقَدْ نَزَلَ بِالشَّيْطانِ كَنُزُولِهِ بِهِمْ، ورَأوْا أنَّهُ لا مُخَلِّصَ لَهُ مِنهُ، كَما لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ، جازَ أنْ يُوَبَّخُوا بِأنْ يُقالَ لَهم: هَذا ولِيُّكُمُ اليَوْمَ عَلى وجْهِ السُّخْرِيَةِ. * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَعَ هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ أقامَ الحُجَّةَ وأزاحَ العِلَّةَ فَقالَ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: المَعْنى: أنّا ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهم بِواسِطَةِ بَياناتِ هَذا القُرْآنِ الأشْياءَ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيها، والمُخْتَلِفُونَ هم أهْلُ المِلَلِ والأهْواءِ، وما اخْتَلَفُوا فِيهِ، هو الدِّينُ، مِثْلَ التَّوْحِيدِ والشِّرْكِ والجَبْرِ والقَدَرِ، وإثْباتِ المَعادِ ونَفْيِهِ، ومِثْلَ الأحْكامِ، مِثْلَ أنَّهم حَرَّمُوا أشْياءَ تَحِلُّ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، وحَلَّلُوا أشْياءَ تَحْرُمُ كالمَيْتَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ، ونَظِيرُهُ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ١] وقَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وجَوابُهُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالعَقْلِ امْتِناعُ التَّعْلِيلِ وجَبَ صَرْفُهُ إلى التَّأْوِيلِ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿وهُدًى ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ إلّا أنَّهُما انْتَصَبا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُما، لِأنَّهُما فِعْلا الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، ودَخَلَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ لِأنَّهُ فِعْلُ المُخاطَبِ لا فِعْلُ المُنْزِلِ، وإنَّما يَنْتَصِبُ مَفْعُولًا لَهُ ما كانَ فِعْلًا لِذَلِكَ الفاعِلِ. المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: وصْفُ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، لا يَنْفِي كَوْنَهُ كَذَلِكَ في حَقِّ الكُلِّ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] لا يَنْفِي كَوْنَهُ هُدًى لِكُلِّ النّاسِ، كَما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وإنَّما خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مِن حَيْثُ أنَّهم قَبِلُوهُ فانْتَفَعُوا بِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] لِأنَّهُ إنَّما انْتَفَعَ بِإنْذارِهِ هَذا القَوْمُ فَقَطْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ القَوْمِ عَظِيمَ كُفْرِهِمْ وقَبِيحَ قَوْلِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهُ يُمْهِلُ هَؤُلاءِ الكُفّارَ ولا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ، إظْهارًا لِلْفَضْلِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ فَأضافَ الظُّلْمَ إلى كُلِّ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ الظُّلْمَ مِنَ المَعاصِي، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ إنْسانٍ آتِيًا بِالذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ النّاسِ، فَوَجَبَ كَوْنُهم آتِينَ بِالذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ . وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ فَهو آتٍ بِالظُّلْمِ والذَّنْبِ، حَتّى يَلْزَمَ مِن إفْناءِ كُلِّ مَن كانَ ظالِمًا إفْناءُ كُلِّ النّاسِ. أمّا إذا قُلْنا: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ظُلْمٌ فَلا يَجِبُ إفْناؤُهم، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ مِن إفْناءِ كُلِّ الظّالِمِينَ إفْناءُ كُلِّ النّاسِ، وأنْ لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ الأرْضِ دابَّةٌ، ولَمّا لَزِمَ عَلِمْنا أنَّ كُلَّ البَشَرِ ظالِمُونَ سَواءٌ كانُوا مِنَ الأنْبِياءِ أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. والجَوابُ: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ كُلَّ النّاسِ لَيْسُوا ظالِمِينَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] أيْ: فَمِنَ العِبادِ مَن هو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم سابِقٌ، ولَوْ كانَ المُقْتَصِدُ والسّابِقُ ظالِمًا لَفَسَدَ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُقْتَصِدِينَ والسّابِقِينَ لَيْسُوا ظالِمِينَ، فَثَبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كُلُّ الخَلْقِ ظالِمُونَ. وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: النّاسُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ﴾ إمّا كُلُّ العُصاةِ المُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقابِ أوِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ ومِنَ الَّذِينَ أثْبَتُوا لِلَّهِ البَناتِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَنِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ الحُرْمَةُ، فَقالَ: لَوْ كانَ الضَّرَرُ مَشْرُوعًا لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا عَلى وجْهٍ يَكُونُ جَزاءً عَلى جُرْمٍ صادِرٍ مِنهم أوْ لا عَلى هَذا الوجه، والقِسْمانِ باطِلانِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَشْرُوعًا أصْلًا. أمّا بَيانُ فَسادِ القِسْمِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ صفحة ٤٨ والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”لَوْ“ وُضِعَتْ لِانْتِفاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ. فَقَوْلُهُ: ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ. يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما أخَذَهم بِظُلْمِهِمْ، وأنَّهُ تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لازِمَةَ أخْذِ اللَّهِ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ هو أنْ لا يَتْرُكَ عَلى ظَهْرِها دابَّةً، ثُمَّ إنّا نُشاهِدُ أنَّهُ تَعالى تَرَكَ عَلى ظَهْرِها دَوابَّ كَثِيرِينَ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُؤاخِذُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَضارُّ مَشْرُوعَةً عَلى وجْهٍ تَقَعُ أجِزْيَةً عَنِ الجَرائِمِ وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا ابْتِداءً لا عَلى وجْهٍ يَقَعُ أجِزْيَةً عَنْ جُرْمٍ سابِقٍ، فَهَذا باطِلٌ بِالإجْماعِ، فَثَبَتَ أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ المَضارِّ مُطْلَقًا، ويَتَأكَّدُ هَذا أيْضًا بِآياتٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ [الأعراف: ٥٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وكَقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسْلامِ» “ وكَقَوْلِهِ: ”«مَلْعُونٌ مَن ضَرَّ مُسْلِمًا» “ فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ والأخْبارِ أنَّ الأصْلَ في المَضارِّ الحُرْمَةُ، فَنَقُولُ: إذا وقَعَتْ حادِثَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الضَّرَرِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَإنْ وجَدْنا نَصًّا خاصًّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَشْرُوعًا قَضَيْنا بِهِ تَقْدِيمًا لِلْخاصِّ عَلى العامِّ، وإلّا قَضَيْنا عَلَيْهِ بِالحُرْمَةِ بِناءً عَلى هَذا الأصْلِ الَّذِي قَرَّرْناهُ. ومِنهم مَن قالَ: هَذِهِ القاعِدَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما يُرِيدُهُ الإنْسانُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا في حَقِّهِ؛ لِأنَّ المَنعَ مِنهُ ضَرَرٌ، والضَّرَرُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِمُقْتَضى هَذا الأصْلِ، وكُلُّ ما يَكْرَهُهُ الإنْسانُ وجَبَ أنْ يَحْرُمَ؛ لِأنَّ وُجُودَهُ ضَرَرٌ، والضَّرَرُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الأصْلَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الوَقائِعِ المُمْكِنَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ثُمَّ نَقُولُ: القِياسُ الَّذِي يُتَمَسَّكُ بِهِ في إثْباتِ الأحْكامِ إمّا أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ هَذِهِ القاعِدَةِ أوْ عَلى خِلافِها، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا الأصْلَ يُغْنِي عَنْهُ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ النَّصَّ راجِحٌ عَلى القِياسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الظُّلْمَ والمَعاصِيَ لَيْسَتْ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، بَلْ تَكُونُ أفْعالًا لِلْعِبادِ، لِأنَّهُ تَعالى أضافَ ظُلْمَ العِبادِ إلَيْهِمْ وما أضافَهُ إلى نَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ وأيْضًا فَلَوْ كانَ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَتْ مُؤاخَذَتُهم بِها ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا مَنَعَ اللَّهُ تَعالى العِبادَ مِنَ الظُّلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَبِأنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الظُّلْمِ كانَ أوْلى، قالُوا: ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ أعْمالَهم مُؤَثِّرَةٌ في وُجُوبِ الثَّوابِ والعِقابِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ الباءُ فِيهِ تَدُلُّ عَلى العِلِّيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١٣] . واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ المَسائِلِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا فَلا نُعِيدُهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ إقْدامَ النّاسِ عَلى الظُّلْمِ يُوجِبُ إهْلاكَ جَمِيعِ الدَّوابِّ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْها ذَنْبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إهْلاكُها بِسَبَبِ ظُلْمِ النّاسِ ؟ ! والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الوجه الأوَّلُ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ. يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّوابِّ. وأجابَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ عَنْهُ: أنَّ المُرادَ لَوْ يُؤاخِذُهُمُ اللَّهُ بِما كَسَبُوا مِن كُفْرٍ ومَعْصِيَةٍ لَعَجَّلَ هَلاكَهم، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لَهم نَسْلٌ، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا أحَدَ إلّا وفي أحَدِ آبائِهِ مَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ، وإذا هَلَكُوا فَقَدْ بَطَلَ نَسْلُهم، فَكانَ يَلْزَمُهُ أنْ لا يَبْقى في العالَمِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وإذا بَطَلُوا وجَبَ أنْ لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ الدَّوابِّ أيْضًا؛ لِأنَّ الدَّوابَّ صفحة ٤٩ مَخْلُوقَةٌ لِمَنافِعِ العِبادِ ومَصالِحِهِمْ، فَهَذا وجْهٌ لَطِيفٌ حَسَنٌ. والوجه الثّانِي: أنَّ الهَلاكَ إذا ورَدَ عَلى الظَّلَمَةِ ورَدَ أيْضًا عَلى سائِرِ النّاسِ والدَّوابِّ، فَكانَ ذَلِكَ الهَلاكُ في حَقِّ الظَّلَمَةِ عَذابًا، وفي حَقِّ غَيْرِهِمُ امْتِحانًا، وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ في زَمانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. والوجه الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ آخَذَهم لانْقَطَعَ القَطْرُ، وفي انْقِطاعِهِ انْقِطاعُ النَّبْتِ، فَكانَ لا تَبْقى عَلى ظَهْرِها دابَّةٌ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إنَّ الظّالِمَ لا يَضِيرُ إلّا نَفْسَهُ، فَقالَ: لا واللَّهِ بَلْ إنَّ الحُبارى في وكْرِها لَتَمُوتَ بِظُلْمِ الظّالِمِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كادَ الجَعْلُ يَهْلِكُ في جُحْرِهِ بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِنَ الجَوابِ مُفَرَّعَةٌ عَلى تَسْلِيمِ أنَّ لَفْظَةَ الدّابَّةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّوابِّ. والجَوابُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ، أيْ: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن كافِرٍ، فالمُرادُ بِالدّابَّةِ الكافِرُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الخامِسَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها﴾ عائِدَةٌ عَلى الأرْضِ، ولَمْ يَسْبِقْ لَها ذِكْرٌ، إلّا أنَّ ذِكْرَ الدّابَّةِ يَدُلُّ عَلى الأرْضِ، فَإنَّ الدّابَّةَ إنَّما تَدِبُّ عَلَيْها، وكَثِيرًا ما يُكَنّى عَنِ الأرْضِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها، لِأنَّهم يَقُولُونَ: ما عَلَيْها مِثْلُ فُلانٍ، وما عَلَيْها أكْرَمُ مِن فُلانٍ، يَعْنُونَ: عَلى الأرْضِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لِيَتَوالَدُوا، وفي تَفْسِيرِ هَذا الأجَلِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يُرِيدُ أجَلَ القِيامَةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مُنْتَهى العُمُرِ. وجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ مُعْظَمَ العَذابِ يُوافِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. ووَجْهُ القَوْلِ الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ يُؤاخِذُهم بِالعُقُوبَةِ إذا انْقَضَتْ أعْمارُهم وخَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا. النوع الثّالِثُ مِنَ الأقاوِيلِ الفاسِدَةِ الَّتِي كانَ يَذْكُرُها الكُفّارُ وحَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم، قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ أيِ: البَناتِ الَّتِي يَكْرَهُونَها لِأنْفُسِهِمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُونَ﴾ يَصِفُونَ اللَّهَ بِذَلِكَ، ويَحْكُمُونَ بِهِ لَهُ كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُ زَيْدًا عَلى النّاسِ أيْ: حَكَمْتُ بِهَذا الحكم، وذَكَرْنا مَعْنى الجَعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] . ثم قال تَعالى: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَذِبِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وتَصِفُ ألْسِنَتُهم أنَّ لَهُمُ الحُسْنى. وفِي تَفْسِيرِ ”الحُسْنى“ هَهُنا قَوْلانِ. الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ البَنُونَ، يَعْنِي: أنَّهم قالُوا: لِلَّهِ البَناتُ ولَنا البَنُونَ. والثّانِي: أنَّهم مَعَ قَوْلِهِمْ بِإثْباتِ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى، يَصِفُونَ أنْفُسَهم بِأنَّهم فازُوا بِرِضْوانِ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ، وأنَّهم عَلى الدِّينِ الحَقِّ والمَذْهَبِ الحَسَنِ. الثّالِثُ: أنَّهم حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالجَنَّةِ والثَّوابِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ وهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْقِيامَةِ ؟ قُلْنا: كُلُّهم ما كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْقِيامَةِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ في العَرَبِ جَمْعٌ يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهم كانُوا يَرْبُطُونَ البَعِيرَ النَّفِيسَ عَلى قَبْرِ المَيِّتِ ويَتْرُكُونَهُ إلى أنْ يَمُوتَ ويَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ المَيِّتَ إذا صفحة ٥٠ حُشِرَ فَإنَّهُ يُحْشَرُ مَعَهُ مَرْكُوبُهُ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْقِيامَةِ فَلَعَلَّهم قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا في قَوْلِهِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَنا الجَنَّةُ والثَّوابُ بِسَبَبِ هَذا الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الأوْلى أنْ يُحْمَلَ ﴿الحُسْنى﴾ عَلى هَذا الوجه بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم وأثْبَتَ لَهُمُ النّارَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهم حَكَمُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالجَنَّةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ”لا“ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ، والمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما وصَفُوا، ”جَرَمَ“ فِعْلُهم أيْ: كَسْبُ ذَلِكَ القَوْلِ لَهُمُ النّارُ، فَعَلى هَذا اللَّفْظِ ”أنَّ“ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِوُقُوعِ الكَسْبِ عَلَيْهِ. وقالَ قُطْرُبٌ ”أنَّ“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والمَعْنى: وجَبَ أنَّ لَهُمُ النّارَ. وكَيْفَ كانَ الإعْرابُ فالمَعْنى هو أنَّهُ يَحِقُّ لَهُمُ النّارُ ويَجِبُ ويَثْبُتُ. وقَوْلُهُ ﴿وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وقُتَيْبَةُ عَنِ الكِسائِيِّ ”مُفْرِطُونَ“ بِكَسْرِ الرّاءِ، والباقُونَ ”مُفْرَطُونَ“ بِفَتْحِ الرّاءِ. أمّا قِراءَةُ نافِعٍ فَقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أنَّهم كانُوا مُفْرِطِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ في الذُّنُوبِ، وقِيلَ: أفْرَطُوا في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: كَأنَّهُ مِن أفْرَطَ، أيْ: صارَ ذا فَرَطٍ، مِثْلَ أجْرَبَ أيْ: صارَ ذا جَرَبٍ، والمَعْنى: أنَّهم ذَوُو فَرَطٍ إلى النّارِ، كَأنَّهم قَدْ أرْسَلُوا مَن يُهَيِّئُ لَهم مَواضِعَ فِيها. وأمّا قِراءَةُ قَوْلِهِ: ”مُفْرَطُونَ“ بِفَتْحِ الرّاءِ فَفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: المَعْنى: أنَّهم مُتْرَكُونَ في النّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ ما أفْرَطْتُ مِنَ القَوْمِ أحَدًا، أيْ: ما تَرَكْتُ. وقالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: أفْرَطْتُ مِنهم ناسًا، أيْ: خَلَّفْتُهم وأُنْسِيتُهم. والقَوْلُ الثّانِي: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ أيْ: مُعَجَّلُونَ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وهو الِاخْتِيارُ، ووَجْهُهُ ما قالَ أبُو زَيْدٍ وغَيْرُهُ: فَرَطَ الرَّجُلُ أصْحابَهُ يَفْرُطُهم فَرَطًا وفُرُوطًا، إذا تَقَدَّمَهم إلى الماءِ لِيُصْلِحَ الدِّلاءَ والأرْسانَ، وأفْرَطَ القَوْمُ الفارِطَ وفَرَّطُوهُ إذا قَدَّمُوهُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كَأنَّهم قُدِّمُوا إلى النّارِ، فَهم فِيها فَرَطٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ بَعْدَهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِثْلَ هَذا الصُّنْعِ الَّذِي يَصْدُرُ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَدْ صَدَرَ مِن سائِرِ الأُمَمِ السّابِقِينَ في حَقِّ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ، فِيما كانَ يَنالُهُ مِنَ الغَمِّ بِسَبَبِ جَهالاتِ القَوْمِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ إذا كانَ خالِقُ أعْمالِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، فَلا فائِدَةَ في التَّزْيِينِ. والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ التَّزْيِينَ لَمّا كانَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَجُزْ ذَمُّ الشَّيْطانِ بِسَبَبِهِ. والثّالِثُ: أنَّ التَّزْيِينَ هو الَّذِي يَدْعُو الإنْسانَ إلى الفِعْلِ، وإذا كانَ حُصُولُ الفِعْلِ فِيهِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى كانَ ضَرُورِيًّا، فَلَمْ يَكُنِ التَّزْيِينُ داعِيًا. والرّابِعُ: أنَّ عَلى قَوْلِهِمْ: الخالِقُ لِذَلِكَ العَمَلِ أجْدَرُ أنْ يَكُونَ ولِيًّا لَهم مِنَ الدّاعِي إلَيْهِ. والخامِسُ: أنَّهُ تَعالى أضافَ التَّزْيِينَ إلى الشَّيْطانِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَتْ إضافَتُهُ إلى الشَّيْطانِ كَذِبًا. وجَوابُهُ: إنْ كانَ مُزَيِّنُ القَبائِحِ في أعْيُنِ الكُفّارِ هو الشَّيْطانُ، فَمُزَيِّنُ تِلْكَ الوَساوِسِ في عَيْنِ الشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ. وإنْ كانَ هو اللَّهُ تَعالى فَهو المَطْلُوبُ. ثم قال تَعالى: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ وفِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ كُفّارُ مَكَّةَ وبِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ ويَتَوَلّى إغْواءَهم وصَرْفَهم عَنْكَ، كَما فَعَلَ بِكُفّارِ الأُمَمِ قَبْلَكَ فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ رَجَعَ عَنْ أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ إلى الأخْبارِ عَنْ كُفّارِ مَكَّةَ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِاليَوْمِ يَوْمَ القِيامَةِ، يَقُولُ فَهو ولِيُّ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا يُزَيِّنُ لَهم أعْمالَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وأطْلَقَ اسْمَ اليَوْمِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ لِشُهْرَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، صفحة ٥١ والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ هو أنَّهُ لا ولِيَّ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ ولا ناصِرَ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا عايَنُوا العَذابَ وقَدْ نَزَلَ بِالشَّيْطانِ كَنُزُولِهِ بِهِمْ، ورَأوْا أنَّهُ لا مُخَلِّصَ لَهُ مِنهُ، كَما لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ، جازَ أنْ يُوَبَّخُوا بِأنْ يُقالَ لَهم: هَذا ولِيُّكُمُ اليَوْمَ عَلى وجْهِ السُّخْرِيَةِ. * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَعَ هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ أقامَ الحُجَّةَ وأزاحَ العِلَّةَ فَقالَ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: المَعْنى: أنّا ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهم بِواسِطَةِ بَياناتِ هَذا القُرْآنِ الأشْياءَ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيها، والمُخْتَلِفُونَ هم أهْلُ المِلَلِ والأهْواءِ، وما اخْتَلَفُوا فِيهِ، هو الدِّينُ، مِثْلَ التَّوْحِيدِ والشِّرْكِ والجَبْرِ والقَدَرِ، وإثْباتِ المَعادِ ونَفْيِهِ، ومِثْلَ الأحْكامِ، مِثْلَ أنَّهم حَرَّمُوا أشْياءَ تَحِلُّ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، وحَلَّلُوا أشْياءَ تَحْرُمُ كالمَيْتَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ، ونَظِيرُهُ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ [إبراهيم: ١] وقَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وجَوابُهُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالعَقْلِ امْتِناعُ التَّعْلِيلِ وجَبَ صَرْفُهُ إلى التَّأْوِيلِ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿وهُدًى ورَحْمَةً﴾ مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ إلّا أنَّهُما انْتَصَبا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُما، لِأنَّهُما فِعْلا الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، ودَخَلَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ لِأنَّهُ فِعْلُ المُخاطَبِ لا فِعْلُ المُنْزِلِ، وإنَّما يَنْتَصِبُ مَفْعُولًا لَهُ ما كانَ فِعْلًا لِذَلِكَ الفاعِلِ. المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: وصْفُ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، لا يَنْفِي كَوْنَهُ كَذَلِكَ في حَقِّ الكُلِّ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] لا يَنْفِي كَوْنَهُ هُدًى لِكُلِّ النّاسِ، كَما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وإنَّما خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مِن حَيْثُ أنَّهم قَبِلُوهُ فانْتَفَعُوا بِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] لِأنَّهُ إنَّما انْتَفَعَ بِإنْذارِهِ هَذا القَوْمُ فَقَطْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ تَقْرِيرُ أُصُولٍ أرْبَعَةٍ: الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ وإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ، والمَقْصُودُ الأعْظَمُ مِن هَذِهِ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ تَقْرِيرُ الإلَهِيّاتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ صفحة ٥٢ كُلَّما امْتَدَّ الكَلامُ في فَصْلٍ مِنَ الفُصُولِ في وعِيدِ الكُفّارِ عادَ إلى تَقْرِيرِ الإلَهِيّاتِ، وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ ذِكْرَ دَلائِلِ الإلَهِيّاتِ ابْتَدَأ بِالأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ، وثَنّى بِالإنْسانِ، وثَلَّثَ بِالحَيَوانِ، ورَبَّعَ بِالنَّباتِ، وخَمَّسَ بِذِكْرِ أحْوالِ البَحْرِ والأرْضِ، فَهَهُنا في هَذِهِ الآيَةِ لَمّا عادَ إلى تَقْرِيرِ دَلائِلِ الإلَهِيّاتِ بَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِ الفَلَكِيّاتِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ عَلى وجْهٍ يَنْزِلُ مِنهُ الماءُ ويَصِيرُ ذَلِكَ الماءُ سَبَبًا لِحَياةِ الأرْضِ، والمُرادُ بِحَياةِ الأرْضِ نَباتُ الزَّرْعِ والشَّجَرِ والنَّوْرِ والثَّمَرِ بَعْدَ أنْ كانَ لا يُثْمِرُ، ويَنْفَعُ بَعْدَ أنْ كانَ لا يَنْفَعُ، وتَقْرِيرُ هَذِهِ الدَّلائِلِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا كَثِيرَةً. ثم قال: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ إنْصافٍ وتَدَبُّرٍ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَسْمَعْ بِقَلْبِهِ فَكَأنَّهُ أصَمُّ لَمْ يَسْمَعْ. والنوع الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ: الِاسْتِدْلالُ بِعَجائِبِ أحْوالِ الحَيَواناتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى العِبْرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ [آل عمران: ١٣] وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، أمّا مَن فَتَحَ النُّونَ فَحُجَّتُهُ ظاهِرَةٌ تَقُولُ: سَقَيْتُهُ حَتّى رُوِيَ أسْقِيهِ قالَ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] وقالَ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] وقالَ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ [محمد: ١٥] ومَن ضَمَّ النُّونَ فَهو مِن قَوْلِكَ: أسْقاهُ إذا جَعَلَ لَهُ شَرابًا كَقَوْلِهِ: ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] والمَعْنى هَهُنا: أنّا جَعَلْناهُ في كَثْرَتِهِ وإدامَتِهِ كالسُّقْيا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ الضَّمَّ قالَ: لِأنَّهُ شُرْبٌ دائِمٌ، وأكْثَرُ ما يُقالُ في هَذا المَقامِ أسْقَيْتُ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأنْعامِ فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: مِمّا في بُطُونِها، وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ وُجُوهًا. الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الأنْعامِ مُفْرِدٌ وُضِعَ لِإفادَةِ جَمْعٍ، كالرَّهْطِ والقَوْمِ والبَقَرِ والنَّعَمِ، فَهو بِحَسَبِ اللَّفْظِ لَفْظٌ مُفْرَدٌ فَيَكُونُ ضَمِيرُهُ ضَمِيرَ الواحِدِ، وهو التَّذْكِيرُ، وبِحَسَبِ المَعْنى جَمْعٌ فَيَكُونُ ضَمِيرُهُ ضَمِيرَ الجَمْعِ، وهو التَّأْنِيثُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ هَهُنا: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾، وقالَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿فِي بُطُونِها﴾ . الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾ أيْ: في بُطُونِ ما ذَكَرْنا، وهَذا جَوابُ الكِسائِيِّ. قالَ المُبَرِّدُ: هَذا شائِعٌ في القُرْآنِ. قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] يَعْنِي: هَذا الشَّيْءُ الطّالِعُ رَبِّي، وقالَ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١] أيْ: ذَكَرَ هَذا الشَّيْءَ. واعْلَمْ أنَّ هَذا إنَّما يَجُوزُ فِيما يَكُونُ تَأْنِيثُهُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، أمّا الَّذِي يَكُونُ تَأْنِيثُهُ حَقِيقِيًّا، فَلا يَجُوزُ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ في مُسْتَقِيمِ الكَلامِ أنْ يُقالَ: جارِيَتُكَ ذَهَبَ، ولا غُلامُكَ ذَهَبَتْ، عَلى تَقْدِيرٍ أنْ نَحْمِلَهُ عَلى النَّسَمَةِ. الثّالِثُ: أنَّ فِيهِ إضْمارًا، والتَّقْدِيرُ: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ اللَّبَنَ إذْ لَيْسَ كُلُّها ذاتَ لَبَنٍ. المسألة الثّالِثَةُ: الفَرْثُ: سِرْجِينُ الكَرِشِ. رَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إذا اسْتَقَرَّ العَلَفُ في الكَرِشِ صارَ أسْفَلُهُ فَرْثًا وأعْلاهُ دَمًا وأوْسَطُهُ لَبَنًا، فَيَجْرِي الدَّمُ في العُرُوقِ واللَّبَنُ في صفحة ٥٣ الضَّرْعِ، ويَبْقى الفَرْثُ كَما هو، فَذاكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا﴾ لا يَشُوبُهُ الدَّمُ ولا الفَرْثُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الدَّمُ واللَّبَنُ لا يَتَوَلَّدانِ البَتَّةَ في الكَرِشِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الحِسُّ، فَإنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ تُذْبَحُ ذَبْحًا مُتَوالِيًا، وما رَأى أحَدٌ في كَرِشِها لا دَمًا ولا لَبَنًا، ولَوْ كانَ تَوَلُّدُ الدَّمِ واللَّبَنِ في الكِرْشِ لَوَجَبَ أنْ يُشاهَدَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأحْوالِ، والشَّيْءُ الَّذِي دَلَّتِ المُشاهَدَةُ عَلى فَسادِهِ لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْهِ، بَلِ الحَقُّ أنَّ الحَيَوانَ إذا تَناوَلَ الغِذاءَ وصَلَ ذَلِكَ العَلَفُ إلى مَعِدَتِهِ إنْ كانَ إنْسانًا، وإلى كَرِشِهِ إنْ كانَ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها، فَإذا طُبِخَ وحَصَلَ الهَضْمُ الأوَّلُ فِيهِ فَما كانَ مِنهُ صافِيًا انْجَذَبَ إلى الكَبِدِ، وما كانَ كَثِيفًا نَزَلَ إلى الأمْعاءِ، ثُمَّ ذَلِكَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنهُ في الكَبِدِ يَنْطَبِخُ فِيها ويَصِيرُ دَمًا، وذَلِكَ هو الهَضْمُ الثّانِي، ويَكُونُ ذَلِكَ الدَّمُ مَخْلُوطًا بِالصَّفْراءِ والسَّوْداءِ وزِيادَةِ المائِيَّةِ، أمّا الصَّفْراءُ فَتَذْهَبُ إلى المَرارَةِ، والسَّوْداءُ إلى الطِّحالِ، والماءُ إلى الكُلْيَةِ، ومِنها إلى المَثانَةِ، وأمّا ذَلِكَ الدَّمُ فَإنَّهُ يَدْخُلُ في الأوْرِدَةِ، وهي العُرُوقُ النّابِتَةُ مِنَ الكَبِدِ، وهُناكَ يَحْصُلُ الهَضْمُ الثّالِثُ، وبَيْنَ الكَبِدِ وبَيْنَ الضَّرْعِ عُرُوقٌ كَثِيرَةٌ فَيَنْصَبُّ الدَّمُ في تِلْكَ العُرُوقِ إلى الضَّرْعِ، والضَّرْعُ لَحْمٌ غُدَدِيٌّ رَخْوٌ أبْيَضُ فَيُقَلِّبُ اللَّهُ تَعالى الدَّمَ عِنْدَ انْصِبابِهِ إلى ذَلِكَ اللَّحْمِ الغُدَدِيِّ الرَّخْوِ الأبْيَضِ مِن صُورَةِ الدَّمِ إلى صُورَةِ اللَّبَنِ، فَهَذا هو القَوْلُ الصَّحِيحُ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ اللَّبَنِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ المَعانِي حاصِلَةٌ في الحَيَوانِ الذَّكَرِ فَلِمَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ اللَّبَنُ ؟ . قُلْنا: الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ اقْتَضَتْ تَدْبِيرَ كُلِّ شَيْءٍ عَلى الوجه اللّائِقِ بِهِ المُوافِقِ لِمَصْلَحَتِهِ، فَمِزاجُ الذَّكَرِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حارًّا يابِسًا، ومِزاجُ الأُنْثى يَجِبُ أنْ يَكُونَ بارِدًا رَطْبًا، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ الوَلَدَ إنَّما يَتَكَوَّنُ في داخِلِ بَدَنِ الأُنْثى، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الأُنْثى مُخْتَصَّةً بِمَزِيدِ الرُّطُوباتِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الوَلَدَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الرُّطُوباتِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ في بَدَنِ الأُنْثى رُطُوباتٌ كَثِيرَةٌ لِتَصِيرَ مادَّةً لِتَوَلُّدِ الوَلَدِ. والثّانِي: أنَّ الوَلَدَ إذا كَبِرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ بَدَنُ الأُمِّ قابِلًا لِلتَّمَدُّدِ حَتّى يَتَّسِعَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإذا كانَتِ الرُّطُوباتُ غالِبَةً عَلى بَدَنِ الأُمِّ كانَ بَدَنُها قابِلًا لِلتَّمَدُّدِ، فَيَتَّسِعُ لِلْوَلَدِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى خَصَّ بَدَنَ الأُنْثى مِن كُلِّ حَيَوانٍ بِمَزِيدِ الرُّطُوباتِ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، ثُمَّ إنَّ الرُّطُوباتِ الَّتِي كانَتْ تَصِيرُ مادَّةً لِازْدِيادِ بَدَنِ الجَنِينِ حِينَ كانَ في رَحِمِ الأُمِّ، فَعِنْدَ انْفِصالِ الجَنِينِ تَنْصَبُّ إلى الثَّدْيِ والضَّرْعِ لِيَصِيرَ مادَّةً لِغِذاءِ ذَلِكَ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ يَتَوَلَّدُ اللَّبَنُ مِنَ الدَّمِ في حَقِّ الأُنْثى غَيْرُ حاصِلٍ في حَقِّ الذَّكَرِ فَظَهَرَ الفَرْقُ. إذا عَرَفْتَ هَذا التَّصْوِيرَ فَنَقُولُ: المُفَسِّرُونَ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ﴾ هو أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ تَتَوَلَّدُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، فالفَرْثُ يَكُونُ في أسْفَلِ الكَرِشِ، والدَّمُ يَكُونُ في أعْلاهُ، واللَّبَنُ يَكُونُ في الوَسَطِ، وقَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ عَلى خِلافِ الحِسِّ والتَّجْرِبَةِ، ولِأنَّ الدَّمَ لَوْ كانَ يَتَوَلَّدُ في أعْلى المَعِدَةِ والكَرِشِ كانَ يَجِبُ إذا قاءَ أنْ يَقِيءَ الدَّمَ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا. وأمّا نَحْنُ فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ هو أنَّ اللَّبَنَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن بَعْضِ أجْزاءِ الدَّمِ، والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي في الفَرْثِ، وهو الأشْياءُ المَأْكُولَةُ الحاصِلَةُ في الكَرِشِ، وهَذا اللَّبَنُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الأجْزاءِ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً فِيما بَيْنَ الفَرْثِ أوَّلًا، ثُمَّ كانَتْ حاصِلَةً فِيما بَيْنَ الدَّمِ ثانِيًا، فَصَفّاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الأجْزاءِ الكَثِيفَةِ الغَلِيظَةِ، وخَلَقَ فِيها الصِّفاتِ الَّتِي صفحة ٥٤ بِاعْتِبارِها صارَتْ لَبَنًا مُوافِقًا لِبَدَنِ الطِّفْلِ، فَهَذا ما حَصَّلْناهُ في هَذا المَقامِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ حُدُوثَ اللَّبَنِ في الثَّدْيِ واتِّصافَهُ بِالصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها يَكُونُ مُوافِقًا لِتَغْذِيَةِ الصَّبِيِّ مُشْتَمِلٌ عَلى حِكَمٍ عَجِيبَةٍ وأسْرارٍ بَدِيعَةٍ، يَشْهَدُ صَرِيحُ العَقْلِ بِأنَّها لا تَحْصُلُ إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ الحَكِيمِ والمُدَبِّرِ الرَّحِيمِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ في أسْفَلِ المَعِدَةِ مَنفَذًا يَخْرُجُ مِنهُ ثِقَلُ الغِذاءِ، فَإذا تَناوَلَ الإنْسانُ غِذاءً أوْ شَرْبَةً رَقِيقَةً انْطَبَقَ ذَلِكَ المَنفَذُ انْطِباقًا كُلِّيًّا لا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ إلى أنْ يَكْمُلَ انْهِضامُهُ في المَعِدَةِ، ويَنْجَذِبُ ما صَفا مِنهُ إلى الكَبِدِ، ويَبْقى الثِّقَلُ هُناكَ، فَحِينَئِذٍ يَنْفَتِحُ ذَلِكَ المَنفَذُ ويُتْرَكُ مِنهُ ذَلِكَ الثِّقَلُ، وهَذا مِنَ العَجائِبِ الَّتِي لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ الحَكِيمِ، لِأنَّهُ مَتّى كانَتِ الحاجَةُ إلى بَقاءِ الغِذاءِ في المَعِدَةِ حاصِلَةً انْطَبَقَ ذَلِكَ المَنفَذُ، وإذا حَصَلَتِ الحاجَةُ إلى خُرُوجِ ذَلِكَ الجِسْمِ عَنِ المَعِدَةِ انْفَتَحَ، فَحُصُولُ الِانْطِباقِ تارَةً والِانْفِتاحُ أُخْرى بِحَسَبِ الحاجَةِ وتَقْدِيرِ المَنفَعَةِ، مِمّا لا يَتَأتّى إلّا بِتَقْدِيرِ الفاعِلِ الحَكِيمِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في الكَبِدِ قُوَّةً تَجْذِبُ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ الحاصِلَةَ في ذَلِكَ المَأْكُولِ أوِ المَشْرُوبِ، ولا تَجْذِبُ الأجْزاءَ الكَثِيفَةَ، وخَلَقَ في الأمْعاءِ قُوَّةً تَجْذِبُ تِلْكَ الأجْزاءَ الكَثِيفَةَ الَّتِي هي الثِّقَلُ، ولا تَجْذِبُ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ البَتَّةَ. ولَوْ كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ لاخْتَلَفَتْ مَصْلَحَةُ البَدَنِ، ولَفَسَدَ نِظامُ هَذا التَّرْكِيبِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في الكَبِدِ قُوَّةً هاضِمَةً طابِخَةً، حَتّى أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ تَنْطَبِخُ في الكَبِدِ وتَنْقَلِبُ دَمًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في المَرارَةِ قُوَّةً جاذِبَةً لِلصَّفْراءِ، وفي الطِّحالِ قُوَّةً جاذِبَةً لِلسَّوْداءِ، وفي الكُلْيَةِ قُوَّةً جاذِبَةٍ لِزِيادَةِ المائِيَّةِ، حَتّى يَبْقى الدَّمُ الصّافِي المُوافِقُ لِتَغْذِيَةِ البَدَنِ. وتَخْصِيصُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ بِتِلْكَ القُوَّةِ والخاصِّيَّةِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَقْدِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ. الرّابِعُ: أنَّ في الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ الجَنِينُ في رَحِمِ الأُمِّ يَنْصَبُّ مِن ذَلِكَ الدَّمِ نَصِيبٌ وافِرٌ إلَيْهِ حَتّى يَصِيرَ مادَّةً لِنُمُوِّ أعْضاءِ ذَلِكَ الوَلَدِ وازْدِيادِهِ، فَإذا انْفَصَلَ ذَلِكَ الجَنِينُ عَنِ الرَّحِمِ يَنْصَبُّ ذَلِكَ النَّصِيبُ إلى جانِبِ الثَّدْيِ لِيَتَوَلَّدَ مِنهُ اللَّبَنُ الَّذِي يَكُونُ غِذاءً لَهُ، فَإذا كَبِرَ الوَلَدُ لَمْ يَنْصَبَّ ذَلِكَ النَّصِيبُ لا إلى الرَّحِمِ ولا إلى الثَّدْيِ، بَلْ يَنْصَبُّ عَلى مَجْمُوعِ بَدَنِ المُتَغَذِّي، فانْصِبابُ ذَلِكَ الدَّمِ في كُلِّ وقْتٍ إلى عُضْوٍ آخَرَ انْصِبابًا مُوافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ لا يَتَأتّى إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ الحَكِيمِ. والخامِسُ: أنَّ عِنْدَ تَوَلُّدِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ أحْدَثَ تَعالى في حَلَمَةِ الثَّدْيِ ثُقُوبًا صَغِيرَةً ومَسامَّ ضَيِّقَةً، وجَعَلَها بِحَيْثُ إذا اتَّصَلَ المَصُّ أوِ الحَلْبُ بِتِلْكَ الحَلَمَةِ انْفَصَلَ اللَّبَنُ عَنْها في تِلْكَ المَسامِّ الضَّيِّقَةِ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ المَسامُّ ضَيِّقَةً جِدًّا، فَحِينَئِذٍ لا يَخْرُجُ مِنها إلّا ما كانَ في غايَةِ الصَّفاءِ واللَّطافَةِ، وأمّا الأجْزاءُ الكَثِيفَةُ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُها الخُرُوجُ مِن تِلْكَ المَنافِذِ الضَّيِّقَةِ فَتَبْقى في الدّاخِلِ، والحِكْمَةُ في إحْداثِ تِلْكَ الثُّقُوبِ الصَّغِيرَةِ، والمَنافِذِ الضَّيِّقَةِ في رَأْسِ حَلَمَةِ الثَّدْيِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كالمِصْفاةِ، فَكُلُّ ما كانَ لَطِيفًا خَرَجَ، وكُلُّ ما كانَ كَثِيفًا احْتَبَسَ في الدّاخِلِ ولَمْ يَخْرُجْ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَصِيرُ ذَلِكَ اللَّبَنُ خالِصًا مُوافِقًا لِبَدَنِ الصَّبِيِّ سائِغًا لِلشّارِبِينَ. السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى ألْهَمَ ذَلِكَ الصَّبِيَّ إلى المَصِّ، فَإنَّ الأُمَّ كُلَّما ألْقَمَتْ حَلَمَةَ الثَّدْيِ في فَمِ الصَّبِيِّ فَذَلِكَ الصَّبِيُّ في الحالِ يَأْخُذُ في المَصِّ، فَلَوْلا أنَّ الفاعِلَ المُخْتارَ الرَّحِيمَ ألْهَمَ ذَلِكَ الطِّفْلَ الصَّغِيرَ ذَلِكَ العَمَلَ المَخْصُوصَ، وإلّا لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ بِتَخْلِيقِ ذَلِكَ اللَّبَنِ في الثَّدْيِ. السّابِعُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ اللَّبَنَ مِن فَضْلَةِ الدَّمِ، وإنَّما خَلَقَ الدَّمَ مِن لَطِيفِ تِلْكَ الأجْزاءِ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّبَنَ مِن بَعْضِ أجْزاءِ ذَلِكَ الدَّمِ، ثُمَّ إنَّ اللَّبَنَ حَصَلَتْ فِيهِ أجْزاءٌ ثَلاثَةٌ عَلى طَبائِعَ مُتَضادَّةٍ، فَما فِيهِ مِنَ الدُّهْنِ صفحة ٥٥ يَكُونُ حارًّا رَطْبًا، وما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ يَكُونُ بارِدًا رَطْبًا، وما فِيهِ مِنَ الجُبْنِيَّةِ يَكُونُ بارِدًا يابِسًا، وهَذِهِ الطَّبائِعُ ما كانَتْ حاصِلَةً في ذَلِكَ العُشْبِ الَّذِي تَناوَلَتْهُ الشّاةُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ لا تَزالُ تَنْقَلِبُ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، مَعَ أنَّهُ لا يُناسِبُ بَعْضُها بَعْضًا ولا يُشاكِلُ بَعْضُها بَعْضًا، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ إنَّما تَحْدُثُ بِتَدْبِيرِ فاعِلٍ حَكِيمٍ رَحِيمٍ يُدَبِّرُ أحْوالَ هَذا العالَمِ عَلى وفْقِ مَصالِحِ العِبادِ، فَسُبْحانَ مَن تَشْهَدُ جَمِيعُ ذَرّاتِ العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ ونِهايَةِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ. أما قوله: ﴿سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ فَمَعْناهُ: جارِيًا في حُلُوقِهِمْ لَذِيذًا هَنِيئًا. يُقالُ: ساغَ الشَّرابُ في الحَلْقِ وأساغَهُ صاحِبُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] . * * * المسألة الخامِسَةُ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: اعْتِبارُ حُدُوثِ اللَّبَنِ كَما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ سُبْحانَهُ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا العُشْبَ الَّذِي يَأْكُلُهُ الحَيَوانُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الماءِ والأرْضِ، فَخالِقُ العالَمِ دَبَّرَ تَدْبِيرًا، فَقَلَبَ ذَلِكَ الطِّينَ نَباتًا وعُشْبًا، ثُمَّ إذا أكَلَهُ الحَيَوانُ دَبَّرَ تَدْبِيرًا آخَرَ فَقَلَبَ ذَلِكَ العُشْبَ دَمًا، ثُمَّ دَبَّرَ تَدْبِيرًا آخَرَ فَقَلَبَ ذَلِكَ الدَّمَ لَبَنًا، ثُمَّ دَبَّرَ تَدْبِيرًا آخَرَ فَحَدَثَ مِن ذَلِكَ اللَّبَنِ الدُّهْنُ والجُبْنُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنَّ يُقَلِّبَ هَذِهِ الأجْسامَ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أيْضًا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يَقْلِبَ أجْزاءَ أبْدانِ الأمْواتِ إلى صِفَةِ الحَياةِ والعَقْلِ كَما كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهَذا الِاعْتِبارُ يَدُلُّ مِن هَذا الوجه عَلى أنَّ البَعْثَ والقِيامَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ بَعْضَ مَنافِعِ الحَيَواناتِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضَ مَنافِعِ النَّباتِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: فَإنْ قِيلَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ ؟ . قُلْنا: بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ونُسْقِيكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ أيْ: مِن عَصِيرِها، وحُذِفَ لِدَلالَةِ نُسْقِيكم قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ بَيانٌ وكَشْفٌ عَنْ كُنْهِ الإسْقاءِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ”الأعْنابُ“ عَطْفٌ عَلى الثَّمَراتِ لا عَلى النَّخِيلِ، لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ الأعْنابِ، والعِنَبُ نَفْسُهُ ثَمَرَةٌ ولَيْسَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ أُخْرى. المسألة الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ السَّكَرِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: السَّكَرُ الخَمْرُ، سُمِّيَتْ بِالمَصْدَرِ مِن سَكِرَ سَكَرًا وسَكْرًا نَحْوُ: رَشِدَ رَشَدًا ورَشْدًا، وأمّا الرِّزْقُ الحَسَنُ فَسائِرُ ما يُتَّخَذُ مِنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ كالرُّبِّ والخَلِّ والدِّبْسِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ. فَإنْ قِيلَ: الخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ، فَكَيْفَ ذَكَرَها اللَّهُ في مَعْرِضِ الإنْعامِ ؟ . أجابُوا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وتَحْرِيمُ الخَمْرِ نَزَلَ في سُورَةِ المائِدَةِ، فَكانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ في الوَقْتِ الَّذِي كانَتِ الخَمْرُ فِيهِ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ. الثّانِي: أنَّهُ لا حاجَةَ إلى التِزامِ هَذا النَّسْخِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما في هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ النّافِعِ، وخاطَبَ المُشْرِكِينَ بِها، والخَمْرُ مِن أشْرِبَتِهِمْ فَهي مَنفَعَةٌ في حَقِّهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى تَحْرِيمِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَيَّزَ بَيْنَها وبَيْنَ الرِّزْقِ الحَسَنِ في صفحة ٥٦ الذِّكْرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ السَّكَرُ رِزْقًا حَسَنًا، ولا شَكَّ أنَّهُ حَسَنٌ بِحَسَبِ الشَّهْوَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: الرُّجُوعُ عَنْ كَوْنِهِ حَسَنًا بِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانَتْ مُحَرَّمَةً. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّكَرَ هو النَّبِيذُ، وهو عَصِيرُ العِنَبِ والزَّبِيبِ والتَّمْرِ إذا طُبِخَ حَتّى يَذْهَبَ ثُلُثاهُ، ثُمَّ يُتْرَكُ حَتّى يَشْتَدَّ، وهو حَلالٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى حَدِّ السُّكْرِ، ويَحْتَجُّ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّكَرَ حَلالٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرُهُ في مَعْرِضِ الإنْعامِ والمِنَّةِ، ودَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ الخَمْرَ حَرامٌ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الخَمْرُ حَرامٌ لِعَيْنِها» “ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ السَّكَرُ شَيْئًا غَيْرَ الخَمْرِ، وكُلُّ مَن أثْبَتَ هَذِهِ المُغايَرَةَ قالَ: إنَّهُ النَّبِيذُ المَطْبُوخُ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّكَرَ هو الطَّعامُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: جَعَلْتَ أعْراضِ الكِرامِ سَكَرا أيْ: جَعَلْتَ ذَمَّهم طَعامًا لَكَ، قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بِالخَمْرِ أشْبَهُ مِنهُ بِالطَّعامِ، والمَعْنى أنَّكَ جَعَلْتَ تَتَخَمَّرُ بِأغْراضِ الكِرامِ، والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ شَغَفَهُ بِغَيْبَةِ النّاسِ وتَمْزِيقِ أعْراضِهِمْ جارِيًا مَجْرى شُرْبِ الخَمْرِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي هي دَلائِلُ مِن وجْهٍ، وتَعْدِيدٌ لِلنِّعَمِ العَظِيمَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ، قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ عاقِلًا، عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَيَحْتَجُّ بِحُصُولِها عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ تَقْرِيرُ أُصُولٍ أرْبَعَةٍ: الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ وإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ، والمَقْصُودُ الأعْظَمُ مِن هَذِهِ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ تَقْرِيرُ الإلَهِيّاتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ صفحة ٥٢ كُلَّما امْتَدَّ الكَلامُ في فَصْلٍ مِنَ الفُصُولِ في وعِيدِ الكُفّارِ عادَ إلى تَقْرِيرِ الإلَهِيّاتِ، وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ ذِكْرَ دَلائِلِ الإلَهِيّاتِ ابْتَدَأ بِالأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ، وثَنّى بِالإنْسانِ، وثَلَّثَ بِالحَيَوانِ، ورَبَّعَ بِالنَّباتِ، وخَمَّسَ بِذِكْرِ أحْوالِ البَحْرِ والأرْضِ، فَهَهُنا في هَذِهِ الآيَةِ لَمّا عادَ إلى تَقْرِيرِ دَلائِلِ الإلَهِيّاتِ بَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِ الفَلَكِيّاتِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ عَلى وجْهٍ يَنْزِلُ مِنهُ الماءُ ويَصِيرُ ذَلِكَ الماءُ سَبَبًا لِحَياةِ الأرْضِ، والمُرادُ بِحَياةِ الأرْضِ نَباتُ الزَّرْعِ والشَّجَرِ والنَّوْرِ والثَّمَرِ بَعْدَ أنْ كانَ لا يُثْمِرُ، ويَنْفَعُ بَعْدَ أنْ كانَ لا يَنْفَعُ، وتَقْرِيرُ هَذِهِ الدَّلائِلِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا كَثِيرَةً. ثم قال: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ إنْصافٍ وتَدَبُّرٍ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَسْمَعْ بِقَلْبِهِ فَكَأنَّهُ أصَمُّ لَمْ يَسْمَعْ. والنوع الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ: الِاسْتِدْلالُ بِعَجائِبِ أحْوالِ الحَيَواناتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى العِبْرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ [آل عمران: ١٣] وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، أمّا مَن فَتَحَ النُّونَ فَحُجَّتُهُ ظاهِرَةٌ تَقُولُ: سَقَيْتُهُ حَتّى رُوِيَ أسْقِيهِ قالَ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] وقالَ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] وقالَ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ [محمد: ١٥] ومَن ضَمَّ النُّونَ فَهو مِن قَوْلِكَ: أسْقاهُ إذا جَعَلَ لَهُ شَرابًا كَقَوْلِهِ: ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] والمَعْنى هَهُنا: أنّا جَعَلْناهُ في كَثْرَتِهِ وإدامَتِهِ كالسُّقْيا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ الضَّمَّ قالَ: لِأنَّهُ شُرْبٌ دائِمٌ، وأكْثَرُ ما يُقالُ في هَذا المَقامِ أسْقَيْتُ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأنْعامِ فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: مِمّا في بُطُونِها، وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ وُجُوهًا. الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الأنْعامِ مُفْرِدٌ وُضِعَ لِإفادَةِ جَمْعٍ، كالرَّهْطِ والقَوْمِ والبَقَرِ والنَّعَمِ، فَهو بِحَسَبِ اللَّفْظِ لَفْظٌ مُفْرَدٌ فَيَكُونُ ضَمِيرُهُ ضَمِيرَ الواحِدِ، وهو التَّذْكِيرُ، وبِحَسَبِ المَعْنى جَمْعٌ فَيَكُونُ ضَمِيرُهُ ضَمِيرَ الجَمْعِ، وهو التَّأْنِيثُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ هَهُنا: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾، وقالَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿فِي بُطُونِها﴾ . الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾ أيْ: في بُطُونِ ما ذَكَرْنا، وهَذا جَوابُ الكِسائِيِّ. قالَ المُبَرِّدُ: هَذا شائِعٌ في القُرْآنِ. قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] يَعْنِي: هَذا الشَّيْءُ الطّالِعُ رَبِّي، وقالَ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١] أيْ: ذَكَرَ هَذا الشَّيْءَ. واعْلَمْ أنَّ هَذا إنَّما يَجُوزُ فِيما يَكُونُ تَأْنِيثُهُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، أمّا الَّذِي يَكُونُ تَأْنِيثُهُ حَقِيقِيًّا، فَلا يَجُوزُ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ في مُسْتَقِيمِ الكَلامِ أنْ يُقالَ: جارِيَتُكَ ذَهَبَ، ولا غُلامُكَ ذَهَبَتْ، عَلى تَقْدِيرٍ أنْ نَحْمِلَهُ عَلى النَّسَمَةِ. الثّالِثُ: أنَّ فِيهِ إضْمارًا، والتَّقْدِيرُ: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ اللَّبَنَ إذْ لَيْسَ كُلُّها ذاتَ لَبَنٍ. المسألة الثّالِثَةُ: الفَرْثُ: سِرْجِينُ الكَرِشِ. رَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إذا اسْتَقَرَّ العَلَفُ في الكَرِشِ صارَ أسْفَلُهُ فَرْثًا وأعْلاهُ دَمًا وأوْسَطُهُ لَبَنًا، فَيَجْرِي الدَّمُ في العُرُوقِ واللَّبَنُ في صفحة ٥٣ الضَّرْعِ، ويَبْقى الفَرْثُ كَما هو، فَذاكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا﴾ لا يَشُوبُهُ الدَّمُ ولا الفَرْثُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الدَّمُ واللَّبَنُ لا يَتَوَلَّدانِ البَتَّةَ في الكَرِشِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الحِسُّ، فَإنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ تُذْبَحُ ذَبْحًا مُتَوالِيًا، وما رَأى أحَدٌ في كَرِشِها لا دَمًا ولا لَبَنًا، ولَوْ كانَ تَوَلُّدُ الدَّمِ واللَّبَنِ في الكِرْشِ لَوَجَبَ أنْ يُشاهَدَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأحْوالِ، والشَّيْءُ الَّذِي دَلَّتِ المُشاهَدَةُ عَلى فَسادِهِ لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْهِ، بَلِ الحَقُّ أنَّ الحَيَوانَ إذا تَناوَلَ الغِذاءَ وصَلَ ذَلِكَ العَلَفُ إلى مَعِدَتِهِ إنْ كانَ إنْسانًا، وإلى كَرِشِهِ إنْ كانَ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها، فَإذا طُبِخَ وحَصَلَ الهَضْمُ الأوَّلُ فِيهِ فَما كانَ مِنهُ صافِيًا انْجَذَبَ إلى الكَبِدِ، وما كانَ كَثِيفًا نَزَلَ إلى الأمْعاءِ، ثُمَّ ذَلِكَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنهُ في الكَبِدِ يَنْطَبِخُ فِيها ويَصِيرُ دَمًا، وذَلِكَ هو الهَضْمُ الثّانِي، ويَكُونُ ذَلِكَ الدَّمُ مَخْلُوطًا بِالصَّفْراءِ والسَّوْداءِ وزِيادَةِ المائِيَّةِ، أمّا الصَّفْراءُ فَتَذْهَبُ إلى المَرارَةِ، والسَّوْداءُ إلى الطِّحالِ، والماءُ إلى الكُلْيَةِ، ومِنها إلى المَثانَةِ، وأمّا ذَلِكَ الدَّمُ فَإنَّهُ يَدْخُلُ في الأوْرِدَةِ، وهي العُرُوقُ النّابِتَةُ مِنَ الكَبِدِ، وهُناكَ يَحْصُلُ الهَضْمُ الثّالِثُ، وبَيْنَ الكَبِدِ وبَيْنَ الضَّرْعِ عُرُوقٌ كَثِيرَةٌ فَيَنْصَبُّ الدَّمُ في تِلْكَ العُرُوقِ إلى الضَّرْعِ، والضَّرْعُ لَحْمٌ غُدَدِيٌّ رَخْوٌ أبْيَضُ فَيُقَلِّبُ اللَّهُ تَعالى الدَّمَ عِنْدَ انْصِبابِهِ إلى ذَلِكَ اللَّحْمِ الغُدَدِيِّ الرَّخْوِ الأبْيَضِ مِن صُورَةِ الدَّمِ إلى صُورَةِ اللَّبَنِ، فَهَذا هو القَوْلُ الصَّحِيحُ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ اللَّبَنِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ المَعانِي حاصِلَةٌ في الحَيَوانِ الذَّكَرِ فَلِمَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ اللَّبَنُ ؟ . قُلْنا: الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ اقْتَضَتْ تَدْبِيرَ كُلِّ شَيْءٍ عَلى الوجه اللّائِقِ بِهِ المُوافِقِ لِمَصْلَحَتِهِ، فَمِزاجُ الذَّكَرِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حارًّا يابِسًا، ومِزاجُ الأُنْثى يَجِبُ أنْ يَكُونَ بارِدًا رَطْبًا، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ الوَلَدَ إنَّما يَتَكَوَّنُ في داخِلِ بَدَنِ الأُنْثى، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الأُنْثى مُخْتَصَّةً بِمَزِيدِ الرُّطُوباتِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الوَلَدَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الرُّطُوباتِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ في بَدَنِ الأُنْثى رُطُوباتٌ كَثِيرَةٌ لِتَصِيرَ مادَّةً لِتَوَلُّدِ الوَلَدِ. والثّانِي: أنَّ الوَلَدَ إذا كَبِرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ بَدَنُ الأُمِّ قابِلًا لِلتَّمَدُّدِ حَتّى يَتَّسِعَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإذا كانَتِ الرُّطُوباتُ غالِبَةً عَلى بَدَنِ الأُمِّ كانَ بَدَنُها قابِلًا لِلتَّمَدُّدِ، فَيَتَّسِعُ لِلْوَلَدِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى خَصَّ بَدَنَ الأُنْثى مِن كُلِّ حَيَوانٍ بِمَزِيدِ الرُّطُوباتِ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، ثُمَّ إنَّ الرُّطُوباتِ الَّتِي كانَتْ تَصِيرُ مادَّةً لِازْدِيادِ بَدَنِ الجَنِينِ حِينَ كانَ في رَحِمِ الأُمِّ، فَعِنْدَ انْفِصالِ الجَنِينِ تَنْصَبُّ إلى الثَّدْيِ والضَّرْعِ لِيَصِيرَ مادَّةً لِغِذاءِ ذَلِكَ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ يَتَوَلَّدُ اللَّبَنُ مِنَ الدَّمِ في حَقِّ الأُنْثى غَيْرُ حاصِلٍ في حَقِّ الذَّكَرِ فَظَهَرَ الفَرْقُ. إذا عَرَفْتَ هَذا التَّصْوِيرَ فَنَقُولُ: المُفَسِّرُونَ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ﴾ هو أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ تَتَوَلَّدُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، فالفَرْثُ يَكُونُ في أسْفَلِ الكَرِشِ، والدَّمُ يَكُونُ في أعْلاهُ، واللَّبَنُ يَكُونُ في الوَسَطِ، وقَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ عَلى خِلافِ الحِسِّ والتَّجْرِبَةِ، ولِأنَّ الدَّمَ لَوْ كانَ يَتَوَلَّدُ في أعْلى المَعِدَةِ والكَرِشِ كانَ يَجِبُ إذا قاءَ أنْ يَقِيءَ الدَّمَ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا. وأمّا نَحْنُ فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ هو أنَّ اللَّبَنَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن بَعْضِ أجْزاءِ الدَّمِ، والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي في الفَرْثِ، وهو الأشْياءُ المَأْكُولَةُ الحاصِلَةُ في الكَرِشِ، وهَذا اللَّبَنُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الأجْزاءِ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً فِيما بَيْنَ الفَرْثِ أوَّلًا، ثُمَّ كانَتْ حاصِلَةً فِيما بَيْنَ الدَّمِ ثانِيًا، فَصَفّاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الأجْزاءِ الكَثِيفَةِ الغَلِيظَةِ، وخَلَقَ فِيها الصِّفاتِ الَّتِي صفحة ٥٤ بِاعْتِبارِها صارَتْ لَبَنًا مُوافِقًا لِبَدَنِ الطِّفْلِ، فَهَذا ما حَصَّلْناهُ في هَذا المَقامِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ حُدُوثَ اللَّبَنِ في الثَّدْيِ واتِّصافَهُ بِالصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها يَكُونُ مُوافِقًا لِتَغْذِيَةِ الصَّبِيِّ مُشْتَمِلٌ عَلى حِكَمٍ عَجِيبَةٍ وأسْرارٍ بَدِيعَةٍ، يَشْهَدُ صَرِيحُ العَقْلِ بِأنَّها لا تَحْصُلُ إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ الحَكِيمِ والمُدَبِّرِ الرَّحِيمِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ في أسْفَلِ المَعِدَةِ مَنفَذًا يَخْرُجُ مِنهُ ثِقَلُ الغِذاءِ، فَإذا تَناوَلَ الإنْسانُ غِذاءً أوْ شَرْبَةً رَقِيقَةً انْطَبَقَ ذَلِكَ المَنفَذُ انْطِباقًا كُلِّيًّا لا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ إلى أنْ يَكْمُلَ انْهِضامُهُ في المَعِدَةِ، ويَنْجَذِبُ ما صَفا مِنهُ إلى الكَبِدِ، ويَبْقى الثِّقَلُ هُناكَ، فَحِينَئِذٍ يَنْفَتِحُ ذَلِكَ المَنفَذُ ويُتْرَكُ مِنهُ ذَلِكَ الثِّقَلُ، وهَذا مِنَ العَجائِبِ الَّتِي لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ الحَكِيمِ، لِأنَّهُ مَتّى كانَتِ الحاجَةُ إلى بَقاءِ الغِذاءِ في المَعِدَةِ حاصِلَةً انْطَبَقَ ذَلِكَ المَنفَذُ، وإذا حَصَلَتِ الحاجَةُ إلى خُرُوجِ ذَلِكَ الجِسْمِ عَنِ المَعِدَةِ انْفَتَحَ، فَحُصُولُ الِانْطِباقِ تارَةً والِانْفِتاحُ أُخْرى بِحَسَبِ الحاجَةِ وتَقْدِيرِ المَنفَعَةِ، مِمّا لا يَتَأتّى إلّا بِتَقْدِيرِ الفاعِلِ الحَكِيمِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في الكَبِدِ قُوَّةً تَجْذِبُ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ الحاصِلَةَ في ذَلِكَ المَأْكُولِ أوِ المَشْرُوبِ، ولا تَجْذِبُ الأجْزاءَ الكَثِيفَةَ، وخَلَقَ في الأمْعاءِ قُوَّةً تَجْذِبُ تِلْكَ الأجْزاءَ الكَثِيفَةَ الَّتِي هي الثِّقَلُ، ولا تَجْذِبُ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ البَتَّةَ. ولَوْ كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ لاخْتَلَفَتْ مَصْلَحَةُ البَدَنِ، ولَفَسَدَ نِظامُ هَذا التَّرْكِيبِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في الكَبِدِ قُوَّةً هاضِمَةً طابِخَةً، حَتّى أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ تَنْطَبِخُ في الكَبِدِ وتَنْقَلِبُ دَمًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في المَرارَةِ قُوَّةً جاذِبَةً لِلصَّفْراءِ، وفي الطِّحالِ قُوَّةً جاذِبَةً لِلسَّوْداءِ، وفي الكُلْيَةِ قُوَّةً جاذِبَةٍ لِزِيادَةِ المائِيَّةِ، حَتّى يَبْقى الدَّمُ الصّافِي المُوافِقُ لِتَغْذِيَةِ البَدَنِ. وتَخْصِيصُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ بِتِلْكَ القُوَّةِ والخاصِّيَّةِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَقْدِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ. الرّابِعُ: أنَّ في الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ الجَنِينُ في رَحِمِ الأُمِّ يَنْصَبُّ مِن ذَلِكَ الدَّمِ نَصِيبٌ وافِرٌ إلَيْهِ حَتّى يَصِيرَ مادَّةً لِنُمُوِّ أعْضاءِ ذَلِكَ الوَلَدِ وازْدِيادِهِ، فَإذا انْفَصَلَ ذَلِكَ الجَنِينُ عَنِ الرَّحِمِ يَنْصَبُّ ذَلِكَ النَّصِيبُ إلى جانِبِ الثَّدْيِ لِيَتَوَلَّدَ مِنهُ اللَّبَنُ الَّذِي يَكُونُ غِذاءً لَهُ، فَإذا كَبِرَ الوَلَدُ لَمْ يَنْصَبَّ ذَلِكَ النَّصِيبُ لا إلى الرَّحِمِ ولا إلى الثَّدْيِ، بَلْ يَنْصَبُّ عَلى مَجْمُوعِ بَدَنِ المُتَغَذِّي، فانْصِبابُ ذَلِكَ الدَّمِ في كُلِّ وقْتٍ إلى عُضْوٍ آخَرَ انْصِبابًا مُوافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ لا يَتَأتّى إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ الحَكِيمِ. والخامِسُ: أنَّ عِنْدَ تَوَلُّدِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ أحْدَثَ تَعالى في حَلَمَةِ الثَّدْيِ ثُقُوبًا صَغِيرَةً ومَسامَّ ضَيِّقَةً، وجَعَلَها بِحَيْثُ إذا اتَّصَلَ المَصُّ أوِ الحَلْبُ بِتِلْكَ الحَلَمَةِ انْفَصَلَ اللَّبَنُ عَنْها في تِلْكَ المَسامِّ الضَّيِّقَةِ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ المَسامُّ ضَيِّقَةً جِدًّا، فَحِينَئِذٍ لا يَخْرُجُ مِنها إلّا ما كانَ في غايَةِ الصَّفاءِ واللَّطافَةِ، وأمّا الأجْزاءُ الكَثِيفَةُ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُها الخُرُوجُ مِن تِلْكَ المَنافِذِ الضَّيِّقَةِ فَتَبْقى في الدّاخِلِ، والحِكْمَةُ في إحْداثِ تِلْكَ الثُّقُوبِ الصَّغِيرَةِ، والمَنافِذِ الضَّيِّقَةِ في رَأْسِ حَلَمَةِ الثَّدْيِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كالمِصْفاةِ، فَكُلُّ ما كانَ لَطِيفًا خَرَجَ، وكُلُّ ما كانَ كَثِيفًا احْتَبَسَ في الدّاخِلِ ولَمْ يَخْرُجْ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَصِيرُ ذَلِكَ اللَّبَنُ خالِصًا مُوافِقًا لِبَدَنِ الصَّبِيِّ سائِغًا لِلشّارِبِينَ. السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى ألْهَمَ ذَلِكَ الصَّبِيَّ إلى المَصِّ، فَإنَّ الأُمَّ كُلَّما ألْقَمَتْ حَلَمَةَ الثَّدْيِ في فَمِ الصَّبِيِّ فَذَلِكَ الصَّبِيُّ في الحالِ يَأْخُذُ في المَصِّ، فَلَوْلا أنَّ الفاعِلَ المُخْتارَ الرَّحِيمَ ألْهَمَ ذَلِكَ الطِّفْلَ الصَّغِيرَ ذَلِكَ العَمَلَ المَخْصُوصَ، وإلّا لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ بِتَخْلِيقِ ذَلِكَ اللَّبَنِ في الثَّدْيِ. السّابِعُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ اللَّبَنَ مِن فَضْلَةِ الدَّمِ، وإنَّما خَلَقَ الدَّمَ مِن لَطِيفِ تِلْكَ الأجْزاءِ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّبَنَ مِن بَعْضِ أجْزاءِ ذَلِكَ الدَّمِ، ثُمَّ إنَّ اللَّبَنَ حَصَلَتْ فِيهِ أجْزاءٌ ثَلاثَةٌ عَلى طَبائِعَ مُتَضادَّةٍ، فَما فِيهِ مِنَ الدُّهْنِ صفحة ٥٥ يَكُونُ حارًّا رَطْبًا، وما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ يَكُونُ بارِدًا رَطْبًا، وما فِيهِ مِنَ الجُبْنِيَّةِ يَكُونُ بارِدًا يابِسًا، وهَذِهِ الطَّبائِعُ ما كانَتْ حاصِلَةً في ذَلِكَ العُشْبِ الَّذِي تَناوَلَتْهُ الشّاةُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ لا تَزالُ تَنْقَلِبُ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، مَعَ أنَّهُ لا يُناسِبُ بَعْضُها بَعْضًا ولا يُشاكِلُ بَعْضُها بَعْضًا، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ إنَّما تَحْدُثُ بِتَدْبِيرِ فاعِلٍ حَكِيمٍ رَحِيمٍ يُدَبِّرُ أحْوالَ هَذا العالَمِ عَلى وفْقِ مَصالِحِ العِبادِ، فَسُبْحانَ مَن تَشْهَدُ جَمِيعُ ذَرّاتِ العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ ونِهايَةِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ. أما قوله: ﴿سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ فَمَعْناهُ: جارِيًا في حُلُوقِهِمْ لَذِيذًا هَنِيئًا. يُقالُ: ساغَ الشَّرابُ في الحَلْقِ وأساغَهُ صاحِبُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] . * * * المسألة الخامِسَةُ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: اعْتِبارُ حُدُوثِ اللَّبَنِ كَما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ سُبْحانَهُ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا العُشْبَ الَّذِي يَأْكُلُهُ الحَيَوانُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الماءِ والأرْضِ، فَخالِقُ العالَمِ دَبَّرَ تَدْبِيرًا، فَقَلَبَ ذَلِكَ الطِّينَ نَباتًا وعُشْبًا، ثُمَّ إذا أكَلَهُ الحَيَوانُ دَبَّرَ تَدْبِيرًا آخَرَ فَقَلَبَ ذَلِكَ العُشْبَ دَمًا، ثُمَّ دَبَّرَ تَدْبِيرًا آخَرَ فَقَلَبَ ذَلِكَ الدَّمَ لَبَنًا، ثُمَّ دَبَّرَ تَدْبِيرًا آخَرَ فَحَدَثَ مِن ذَلِكَ اللَّبَنِ الدُّهْنُ والجُبْنُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنَّ يُقَلِّبَ هَذِهِ الأجْسامَ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أيْضًا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يَقْلِبَ أجْزاءَ أبْدانِ الأمْواتِ إلى صِفَةِ الحَياةِ والعَقْلِ كَما كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهَذا الِاعْتِبارُ يَدُلُّ مِن هَذا الوجه عَلى أنَّ البَعْثَ والقِيامَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ بَعْضَ مَنافِعِ الحَيَواناتِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضَ مَنافِعِ النَّباتِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: فَإنْ قِيلَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ ؟ . قُلْنا: بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ونُسْقِيكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ أيْ: مِن عَصِيرِها، وحُذِفَ لِدَلالَةِ نُسْقِيكم قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ بَيانٌ وكَشْفٌ عَنْ كُنْهِ الإسْقاءِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ”الأعْنابُ“ عَطْفٌ عَلى الثَّمَراتِ لا عَلى النَّخِيلِ، لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ الأعْنابِ، والعِنَبُ نَفْسُهُ ثَمَرَةٌ ولَيْسَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ أُخْرى. المسألة الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ السَّكَرِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: السَّكَرُ الخَمْرُ، سُمِّيَتْ بِالمَصْدَرِ مِن سَكِرَ سَكَرًا وسَكْرًا نَحْوُ: رَشِدَ رَشَدًا ورَشْدًا، وأمّا الرِّزْقُ الحَسَنُ فَسائِرُ ما يُتَّخَذُ مِنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ كالرُّبِّ والخَلِّ والدِّبْسِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ. فَإنْ قِيلَ: الخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ، فَكَيْفَ ذَكَرَها اللَّهُ في مَعْرِضِ الإنْعامِ ؟ . أجابُوا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وتَحْرِيمُ الخَمْرِ نَزَلَ في سُورَةِ المائِدَةِ، فَكانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ في الوَقْتِ الَّذِي كانَتِ الخَمْرُ فِيهِ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ. الثّانِي: أنَّهُ لا حاجَةَ إلى التِزامِ هَذا النَّسْخِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما في هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ النّافِعِ، وخاطَبَ المُشْرِكِينَ بِها، والخَمْرُ مِن أشْرِبَتِهِمْ فَهي مَنفَعَةٌ في حَقِّهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى تَحْرِيمِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَيَّزَ بَيْنَها وبَيْنَ الرِّزْقِ الحَسَنِ في صفحة ٥٦ الذِّكْرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ السَّكَرُ رِزْقًا حَسَنًا، ولا شَكَّ أنَّهُ حَسَنٌ بِحَسَبِ الشَّهْوَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: الرُّجُوعُ عَنْ كَوْنِهِ حَسَنًا بِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانَتْ مُحَرَّمَةً. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّكَرَ هو النَّبِيذُ، وهو عَصِيرُ العِنَبِ والزَّبِيبِ والتَّمْرِ إذا طُبِخَ حَتّى يَذْهَبَ ثُلُثاهُ، ثُمَّ يُتْرَكُ حَتّى يَشْتَدَّ، وهو حَلالٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى حَدِّ السُّكْرِ، ويَحْتَجُّ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّكَرَ حَلالٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرُهُ في مَعْرِضِ الإنْعامِ والمِنَّةِ، ودَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ الخَمْرَ حَرامٌ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الخَمْرُ حَرامٌ لِعَيْنِها» “ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ السَّكَرُ شَيْئًا غَيْرَ الخَمْرِ، وكُلُّ مَن أثْبَتَ هَذِهِ المُغايَرَةَ قالَ: إنَّهُ النَّبِيذُ المَطْبُوخُ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّكَرَ هو الطَّعامُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: جَعَلْتَ أعْراضِ الكِرامِ سَكَرا أيْ: جَعَلْتَ ذَمَّهم طَعامًا لَكَ، قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بِالخَمْرِ أشْبَهُ مِنهُ بِالطَّعامِ، والمَعْنى أنَّكَ جَعَلْتَ تَتَخَمَّرُ بِأغْراضِ الكِرامِ، والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ شَغَفَهُ بِغَيْبَةِ النّاسِ وتَمْزِيقِ أعْراضِهِمْ جارِيًا مَجْرى شُرْبِ الخَمْرِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي هي دَلائِلُ مِن وجْهٍ، وتَعْدِيدٌ لِلنِّعَمِ العَظِيمَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ، قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ عاقِلًا، عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَيَحْتَجُّ بِحُصُولِها عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ تَقْرِيرُ أُصُولٍ أرْبَعَةٍ: الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ وإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ، والمَقْصُودُ الأعْظَمُ مِن هَذِهِ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ تَقْرِيرُ الإلَهِيّاتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ صفحة ٥٢ كُلَّما امْتَدَّ الكَلامُ في فَصْلٍ مِنَ الفُصُولِ في وعِيدِ الكُفّارِ عادَ إلى تَقْرِيرِ الإلَهِيّاتِ، وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ ذِكْرَ دَلائِلِ الإلَهِيّاتِ ابْتَدَأ بِالأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ، وثَنّى بِالإنْسانِ، وثَلَّثَ بِالحَيَوانِ، ورَبَّعَ بِالنَّباتِ، وخَمَّسَ بِذِكْرِ أحْوالِ البَحْرِ والأرْضِ، فَهَهُنا في هَذِهِ الآيَةِ لَمّا عادَ إلى تَقْرِيرِ دَلائِلِ الإلَهِيّاتِ بَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِ الفَلَكِيّاتِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ عَلى وجْهٍ يَنْزِلُ مِنهُ الماءُ ويَصِيرُ ذَلِكَ الماءُ سَبَبًا لِحَياةِ الأرْضِ، والمُرادُ بِحَياةِ الأرْضِ نَباتُ الزَّرْعِ والشَّجَرِ والنَّوْرِ والثَّمَرِ بَعْدَ أنْ كانَ لا يُثْمِرُ، ويَنْفَعُ بَعْدَ أنْ كانَ لا يَنْفَعُ، وتَقْرِيرُ هَذِهِ الدَّلائِلِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا كَثِيرَةً. ثم قال: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سَماعَ إنْصافٍ وتَدَبُّرٍ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَسْمَعْ بِقَلْبِهِ فَكَأنَّهُ أصَمُّ لَمْ يَسْمَعْ. والنوع الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ: الِاسْتِدْلالُ بِعَجائِبِ أحْوالِ الحَيَواناتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى العِبْرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ [آل عمران: ١٣] وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بِضَمِّ النُّونِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، أمّا مَن فَتَحَ النُّونَ فَحُجَّتُهُ ظاهِرَةٌ تَقُولُ: سَقَيْتُهُ حَتّى رُوِيَ أسْقِيهِ قالَ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] وقالَ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] وقالَ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ [محمد: ١٥] ومَن ضَمَّ النُّونَ فَهو مِن قَوْلِكَ: أسْقاهُ إذا جَعَلَ لَهُ شَرابًا كَقَوْلِهِ: ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] والمَعْنى هَهُنا: أنّا جَعَلْناهُ في كَثْرَتِهِ وإدامَتِهِ كالسُّقْيا، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ الضَّمَّ قالَ: لِأنَّهُ شُرْبٌ دائِمٌ، وأكْثَرُ ما يُقالُ في هَذا المَقامِ أسْقَيْتُ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأنْعامِ فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: مِمّا في بُطُونِها، وذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ وُجُوهًا. الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الأنْعامِ مُفْرِدٌ وُضِعَ لِإفادَةِ جَمْعٍ، كالرَّهْطِ والقَوْمِ والبَقَرِ والنَّعَمِ، فَهو بِحَسَبِ اللَّفْظِ لَفْظٌ مُفْرَدٌ فَيَكُونُ ضَمِيرُهُ ضَمِيرَ الواحِدِ، وهو التَّذْكِيرُ، وبِحَسَبِ المَعْنى جَمْعٌ فَيَكُونُ ضَمِيرُهُ ضَمِيرَ الجَمْعِ، وهو التَّأْنِيثُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ هَهُنا: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾، وقالَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿فِي بُطُونِها﴾ . الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾ أيْ: في بُطُونِ ما ذَكَرْنا، وهَذا جَوابُ الكِسائِيِّ. قالَ المُبَرِّدُ: هَذا شائِعٌ في القُرْآنِ. قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] يَعْنِي: هَذا الشَّيْءُ الطّالِعُ رَبِّي، وقالَ: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١] أيْ: ذَكَرَ هَذا الشَّيْءَ. واعْلَمْ أنَّ هَذا إنَّما يَجُوزُ فِيما يَكُونُ تَأْنِيثُهُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، أمّا الَّذِي يَكُونُ تَأْنِيثُهُ حَقِيقِيًّا، فَلا يَجُوزُ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ في مُسْتَقِيمِ الكَلامِ أنْ يُقالَ: جارِيَتُكَ ذَهَبَ، ولا غُلامُكَ ذَهَبَتْ، عَلى تَقْدِيرٍ أنْ نَحْمِلَهُ عَلى النَّسَمَةِ. الثّالِثُ: أنَّ فِيهِ إضْمارًا، والتَّقْدِيرُ: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ اللَّبَنَ إذْ لَيْسَ كُلُّها ذاتَ لَبَنٍ. المسألة الثّالِثَةُ: الفَرْثُ: سِرْجِينُ الكَرِشِ. رَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إذا اسْتَقَرَّ العَلَفُ في الكَرِشِ صارَ أسْفَلُهُ فَرْثًا وأعْلاهُ دَمًا وأوْسَطُهُ لَبَنًا، فَيَجْرِي الدَّمُ في العُرُوقِ واللَّبَنُ في صفحة ٥٣ الضَّرْعِ، ويَبْقى الفَرْثُ كَما هو، فَذاكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا﴾ لا يَشُوبُهُ الدَّمُ ولا الفَرْثُ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الدَّمُ واللَّبَنُ لا يَتَوَلَّدانِ البَتَّةَ في الكَرِشِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الحِسُّ، فَإنَّ هَذِهِ الحَيَواناتِ تُذْبَحُ ذَبْحًا مُتَوالِيًا، وما رَأى أحَدٌ في كَرِشِها لا دَمًا ولا لَبَنًا، ولَوْ كانَ تَوَلُّدُ الدَّمِ واللَّبَنِ في الكِرْشِ لَوَجَبَ أنْ يُشاهَدَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأحْوالِ، والشَّيْءُ الَّذِي دَلَّتِ المُشاهَدَةُ عَلى فَسادِهِ لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْهِ، بَلِ الحَقُّ أنَّ الحَيَوانَ إذا تَناوَلَ الغِذاءَ وصَلَ ذَلِكَ العَلَفُ إلى مَعِدَتِهِ إنْ كانَ إنْسانًا، وإلى كَرِشِهِ إنْ كانَ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها، فَإذا طُبِخَ وحَصَلَ الهَضْمُ الأوَّلُ فِيهِ فَما كانَ مِنهُ صافِيًا انْجَذَبَ إلى الكَبِدِ، وما كانَ كَثِيفًا نَزَلَ إلى الأمْعاءِ، ثُمَّ ذَلِكَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنهُ في الكَبِدِ يَنْطَبِخُ فِيها ويَصِيرُ دَمًا، وذَلِكَ هو الهَضْمُ الثّانِي، ويَكُونُ ذَلِكَ الدَّمُ مَخْلُوطًا بِالصَّفْراءِ والسَّوْداءِ وزِيادَةِ المائِيَّةِ، أمّا الصَّفْراءُ فَتَذْهَبُ إلى المَرارَةِ، والسَّوْداءُ إلى الطِّحالِ، والماءُ إلى الكُلْيَةِ، ومِنها إلى المَثانَةِ، وأمّا ذَلِكَ الدَّمُ فَإنَّهُ يَدْخُلُ في الأوْرِدَةِ، وهي العُرُوقُ النّابِتَةُ مِنَ الكَبِدِ، وهُناكَ يَحْصُلُ الهَضْمُ الثّالِثُ، وبَيْنَ الكَبِدِ وبَيْنَ الضَّرْعِ عُرُوقٌ كَثِيرَةٌ فَيَنْصَبُّ الدَّمُ في تِلْكَ العُرُوقِ إلى الضَّرْعِ، والضَّرْعُ لَحْمٌ غُدَدِيٌّ رَخْوٌ أبْيَضُ فَيُقَلِّبُ اللَّهُ تَعالى الدَّمَ عِنْدَ انْصِبابِهِ إلى ذَلِكَ اللَّحْمِ الغُدَدِيِّ الرَّخْوِ الأبْيَضِ مِن صُورَةِ الدَّمِ إلى صُورَةِ اللَّبَنِ، فَهَذا هو القَوْلُ الصَّحِيحُ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ اللَّبَنِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ المَعانِي حاصِلَةٌ في الحَيَوانِ الذَّكَرِ فَلِمَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ اللَّبَنُ ؟ . قُلْنا: الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ اقْتَضَتْ تَدْبِيرَ كُلِّ شَيْءٍ عَلى الوجه اللّائِقِ بِهِ المُوافِقِ لِمَصْلَحَتِهِ، فَمِزاجُ الذَّكَرِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حارًّا يابِسًا، ومِزاجُ الأُنْثى يَجِبُ أنْ يَكُونَ بارِدًا رَطْبًا، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ الوَلَدَ إنَّما يَتَكَوَّنُ في داخِلِ بَدَنِ الأُنْثى، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الأُنْثى مُخْتَصَّةً بِمَزِيدِ الرُّطُوباتِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الوَلَدَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الرُّطُوباتِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ في بَدَنِ الأُنْثى رُطُوباتٌ كَثِيرَةٌ لِتَصِيرَ مادَّةً لِتَوَلُّدِ الوَلَدِ. والثّانِي: أنَّ الوَلَدَ إذا كَبِرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ بَدَنُ الأُمِّ قابِلًا لِلتَّمَدُّدِ حَتّى يَتَّسِعَ لِذَلِكَ الوَلَدِ، فَإذا كانَتِ الرُّطُوباتُ غالِبَةً عَلى بَدَنِ الأُمِّ كانَ بَدَنُها قابِلًا لِلتَّمَدُّدِ، فَيَتَّسِعُ لِلْوَلَدِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى خَصَّ بَدَنَ الأُنْثى مِن كُلِّ حَيَوانٍ بِمَزِيدِ الرُّطُوباتِ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، ثُمَّ إنَّ الرُّطُوباتِ الَّتِي كانَتْ تَصِيرُ مادَّةً لِازْدِيادِ بَدَنِ الجَنِينِ حِينَ كانَ في رَحِمِ الأُمِّ، فَعِنْدَ انْفِصالِ الجَنِينِ تَنْصَبُّ إلى الثَّدْيِ والضَّرْعِ لِيَصِيرَ مادَّةً لِغِذاءِ ذَلِكَ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ يَتَوَلَّدُ اللَّبَنُ مِنَ الدَّمِ في حَقِّ الأُنْثى غَيْرُ حاصِلٍ في حَقِّ الذَّكَرِ فَظَهَرَ الفَرْقُ. إذا عَرَفْتَ هَذا التَّصْوِيرَ فَنَقُولُ: المُفَسِّرُونَ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ﴾ هو أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ تَتَوَلَّدُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، فالفَرْثُ يَكُونُ في أسْفَلِ الكَرِشِ، والدَّمُ يَكُونُ في أعْلاهُ، واللَّبَنُ يَكُونُ في الوَسَطِ، وقَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ عَلى خِلافِ الحِسِّ والتَّجْرِبَةِ، ولِأنَّ الدَّمَ لَوْ كانَ يَتَوَلَّدُ في أعْلى المَعِدَةِ والكَرِشِ كانَ يَجِبُ إذا قاءَ أنْ يَقِيءَ الدَّمَ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا. وأمّا نَحْنُ فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ هو أنَّ اللَّبَنَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن بَعْضِ أجْزاءِ الدَّمِ، والدَّمُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي في الفَرْثِ، وهو الأشْياءُ المَأْكُولَةُ الحاصِلَةُ في الكَرِشِ، وهَذا اللَّبَنُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الأجْزاءِ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً فِيما بَيْنَ الفَرْثِ أوَّلًا، ثُمَّ كانَتْ حاصِلَةً فِيما بَيْنَ الدَّمِ ثانِيًا، فَصَفّاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الأجْزاءِ الكَثِيفَةِ الغَلِيظَةِ، وخَلَقَ فِيها الصِّفاتِ الَّتِي صفحة ٥٤ بِاعْتِبارِها صارَتْ لَبَنًا مُوافِقًا لِبَدَنِ الطِّفْلِ، فَهَذا ما حَصَّلْناهُ في هَذا المَقامِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ حُدُوثَ اللَّبَنِ في الثَّدْيِ واتِّصافَهُ بِالصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها يَكُونُ مُوافِقًا لِتَغْذِيَةِ الصَّبِيِّ مُشْتَمِلٌ عَلى حِكَمٍ عَجِيبَةٍ وأسْرارٍ بَدِيعَةٍ، يَشْهَدُ صَرِيحُ العَقْلِ بِأنَّها لا تَحْصُلُ إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ الحَكِيمِ والمُدَبِّرِ الرَّحِيمِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ في أسْفَلِ المَعِدَةِ مَنفَذًا يَخْرُجُ مِنهُ ثِقَلُ الغِذاءِ، فَإذا تَناوَلَ الإنْسانُ غِذاءً أوْ شَرْبَةً رَقِيقَةً انْطَبَقَ ذَلِكَ المَنفَذُ انْطِباقًا كُلِّيًّا لا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ إلى أنْ يَكْمُلَ انْهِضامُهُ في المَعِدَةِ، ويَنْجَذِبُ ما صَفا مِنهُ إلى الكَبِدِ، ويَبْقى الثِّقَلُ هُناكَ، فَحِينَئِذٍ يَنْفَتِحُ ذَلِكَ المَنفَذُ ويُتْرَكُ مِنهُ ذَلِكَ الثِّقَلُ، وهَذا مِنَ العَجائِبِ الَّتِي لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ الحَكِيمِ، لِأنَّهُ مَتّى كانَتِ الحاجَةُ إلى بَقاءِ الغِذاءِ في المَعِدَةِ حاصِلَةً انْطَبَقَ ذَلِكَ المَنفَذُ، وإذا حَصَلَتِ الحاجَةُ إلى خُرُوجِ ذَلِكَ الجِسْمِ عَنِ المَعِدَةِ انْفَتَحَ، فَحُصُولُ الِانْطِباقِ تارَةً والِانْفِتاحُ أُخْرى بِحَسَبِ الحاجَةِ وتَقْدِيرِ المَنفَعَةِ، مِمّا لا يَتَأتّى إلّا بِتَقْدِيرِ الفاعِلِ الحَكِيمِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في الكَبِدِ قُوَّةً تَجْذِبُ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ الحاصِلَةَ في ذَلِكَ المَأْكُولِ أوِ المَشْرُوبِ، ولا تَجْذِبُ الأجْزاءَ الكَثِيفَةَ، وخَلَقَ في الأمْعاءِ قُوَّةً تَجْذِبُ تِلْكَ الأجْزاءَ الكَثِيفَةَ الَّتِي هي الثِّقَلُ، ولا تَجْذِبُ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ البَتَّةَ. ولَوْ كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ لاخْتَلَفَتْ مَصْلَحَةُ البَدَنِ، ولَفَسَدَ نِظامُ هَذا التَّرْكِيبِ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في الكَبِدِ قُوَّةً هاضِمَةً طابِخَةً، حَتّى أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ اللَّطِيفَةَ تَنْطَبِخُ في الكَبِدِ وتَنْقَلِبُ دَمًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في المَرارَةِ قُوَّةً جاذِبَةً لِلصَّفْراءِ، وفي الطِّحالِ قُوَّةً جاذِبَةً لِلسَّوْداءِ، وفي الكُلْيَةِ قُوَّةً جاذِبَةٍ لِزِيادَةِ المائِيَّةِ، حَتّى يَبْقى الدَّمُ الصّافِي المُوافِقُ لِتَغْذِيَةِ البَدَنِ. وتَخْصِيصُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأعْضاءِ بِتِلْكَ القُوَّةِ والخاصِّيَّةِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَقْدِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ. الرّابِعُ: أنَّ في الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ الجَنِينُ في رَحِمِ الأُمِّ يَنْصَبُّ مِن ذَلِكَ الدَّمِ نَصِيبٌ وافِرٌ إلَيْهِ حَتّى يَصِيرَ مادَّةً لِنُمُوِّ أعْضاءِ ذَلِكَ الوَلَدِ وازْدِيادِهِ، فَإذا انْفَصَلَ ذَلِكَ الجَنِينُ عَنِ الرَّحِمِ يَنْصَبُّ ذَلِكَ النَّصِيبُ إلى جانِبِ الثَّدْيِ لِيَتَوَلَّدَ مِنهُ اللَّبَنُ الَّذِي يَكُونُ غِذاءً لَهُ، فَإذا كَبِرَ الوَلَدُ لَمْ يَنْصَبَّ ذَلِكَ النَّصِيبُ لا إلى الرَّحِمِ ولا إلى الثَّدْيِ، بَلْ يَنْصَبُّ عَلى مَجْمُوعِ بَدَنِ المُتَغَذِّي، فانْصِبابُ ذَلِكَ الدَّمِ في كُلِّ وقْتٍ إلى عُضْوٍ آخَرَ انْصِبابًا مُوافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ لا يَتَأتّى إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ الحَكِيمِ. والخامِسُ: أنَّ عِنْدَ تَوَلُّدِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ أحْدَثَ تَعالى في حَلَمَةِ الثَّدْيِ ثُقُوبًا صَغِيرَةً ومَسامَّ ضَيِّقَةً، وجَعَلَها بِحَيْثُ إذا اتَّصَلَ المَصُّ أوِ الحَلْبُ بِتِلْكَ الحَلَمَةِ انْفَصَلَ اللَّبَنُ عَنْها في تِلْكَ المَسامِّ الضَّيِّقَةِ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ المَسامُّ ضَيِّقَةً جِدًّا، فَحِينَئِذٍ لا يَخْرُجُ مِنها إلّا ما كانَ في غايَةِ الصَّفاءِ واللَّطافَةِ، وأمّا الأجْزاءُ الكَثِيفَةُ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُها الخُرُوجُ مِن تِلْكَ المَنافِذِ الضَّيِّقَةِ فَتَبْقى في الدّاخِلِ، والحِكْمَةُ في إحْداثِ تِلْكَ الثُّقُوبِ الصَّغِيرَةِ، والمَنافِذِ الضَّيِّقَةِ في رَأْسِ حَلَمَةِ الثَّدْيِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كالمِصْفاةِ، فَكُلُّ ما كانَ لَطِيفًا خَرَجَ، وكُلُّ ما كانَ كَثِيفًا احْتَبَسَ في الدّاخِلِ ولَمْ يَخْرُجْ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَصِيرُ ذَلِكَ اللَّبَنُ خالِصًا مُوافِقًا لِبَدَنِ الصَّبِيِّ سائِغًا لِلشّارِبِينَ. السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى ألْهَمَ ذَلِكَ الصَّبِيَّ إلى المَصِّ، فَإنَّ الأُمَّ كُلَّما ألْقَمَتْ حَلَمَةَ الثَّدْيِ في فَمِ الصَّبِيِّ فَذَلِكَ الصَّبِيُّ في الحالِ يَأْخُذُ في المَصِّ، فَلَوْلا أنَّ الفاعِلَ المُخْتارَ الرَّحِيمَ ألْهَمَ ذَلِكَ الطِّفْلَ الصَّغِيرَ ذَلِكَ العَمَلَ المَخْصُوصَ، وإلّا لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفاعُ بِتَخْلِيقِ ذَلِكَ اللَّبَنِ في الثَّدْيِ. السّابِعُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ اللَّبَنَ مِن فَضْلَةِ الدَّمِ، وإنَّما خَلَقَ الدَّمَ مِن لَطِيفِ تِلْكَ الأجْزاءِ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّبَنَ مِن بَعْضِ أجْزاءِ ذَلِكَ الدَّمِ، ثُمَّ إنَّ اللَّبَنَ حَصَلَتْ فِيهِ أجْزاءٌ ثَلاثَةٌ عَلى طَبائِعَ مُتَضادَّةٍ، فَما فِيهِ مِنَ الدُّهْنِ صفحة ٥٥ يَكُونُ حارًّا رَطْبًا، وما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ يَكُونُ بارِدًا رَطْبًا، وما فِيهِ مِنَ الجُبْنِيَّةِ يَكُونُ بارِدًا يابِسًا، وهَذِهِ الطَّبائِعُ ما كانَتْ حاصِلَةً في ذَلِكَ العُشْبِ الَّذِي تَناوَلَتْهُ الشّاةُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ لا تَزالُ تَنْقَلِبُ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، مَعَ أنَّهُ لا يُناسِبُ بَعْضُها بَعْضًا ولا يُشاكِلُ بَعْضُها بَعْضًا، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ إنَّما تَحْدُثُ بِتَدْبِيرِ فاعِلٍ حَكِيمٍ رَحِيمٍ يُدَبِّرُ أحْوالَ هَذا العالَمِ عَلى وفْقِ مَصالِحِ العِبادِ، فَسُبْحانَ مَن تَشْهَدُ جَمِيعُ ذَرّاتِ العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ ونِهايَةِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ. أما قوله: ﴿سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ فَمَعْناهُ: جارِيًا في حُلُوقِهِمْ لَذِيذًا هَنِيئًا. يُقالُ: ساغَ الشَّرابُ في الحَلْقِ وأساغَهُ صاحِبُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] . * * * المسألة الخامِسَةُ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: اعْتِبارُ حُدُوثِ اللَّبَنِ كَما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ سُبْحانَهُ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا العُشْبَ الَّذِي يَأْكُلُهُ الحَيَوانُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الماءِ والأرْضِ، فَخالِقُ العالَمِ دَبَّرَ تَدْبِيرًا، فَقَلَبَ ذَلِكَ الطِّينَ نَباتًا وعُشْبًا، ثُمَّ إذا أكَلَهُ الحَيَوانُ دَبَّرَ تَدْبِيرًا آخَرَ فَقَلَبَ ذَلِكَ العُشْبَ دَمًا، ثُمَّ دَبَّرَ تَدْبِيرًا آخَرَ فَقَلَبَ ذَلِكَ الدَّمَ لَبَنًا، ثُمَّ دَبَّرَ تَدْبِيرًا آخَرَ فَحَدَثَ مِن ذَلِكَ اللَّبَنِ الدُّهْنُ والجُبْنُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنَّ يُقَلِّبَ هَذِهِ الأجْسامَ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أيْضًا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يَقْلِبَ أجْزاءَ أبْدانِ الأمْواتِ إلى صِفَةِ الحَياةِ والعَقْلِ كَما كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهَذا الِاعْتِبارُ يَدُلُّ مِن هَذا الوجه عَلى أنَّ البَعْثَ والقِيامَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ بَعْضَ مَنافِعِ الحَيَواناتِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضَ مَنافِعِ النَّباتِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: فَإنْ قِيلَ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ ؟ . قُلْنا: بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ونُسْقِيكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ أيْ: مِن عَصِيرِها، وحُذِفَ لِدَلالَةِ نُسْقِيكم قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ بَيانٌ وكَشْفٌ عَنْ كُنْهِ الإسْقاءِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ”الأعْنابُ“ عَطْفٌ عَلى الثَّمَراتِ لا عَلى النَّخِيلِ، لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ الأعْنابِ، والعِنَبُ نَفْسُهُ ثَمَرَةٌ ولَيْسَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ أُخْرى. المسألة الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ السَّكَرِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: السَّكَرُ الخَمْرُ، سُمِّيَتْ بِالمَصْدَرِ مِن سَكِرَ سَكَرًا وسَكْرًا نَحْوُ: رَشِدَ رَشَدًا ورَشْدًا، وأمّا الرِّزْقُ الحَسَنُ فَسائِرُ ما يُتَّخَذُ مِنَ النَّخِيلِ والأعْنابِ كالرُّبِّ والخَلِّ والدِّبْسِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ. فَإنْ قِيلَ: الخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ، فَكَيْفَ ذَكَرَها اللَّهُ في مَعْرِضِ الإنْعامِ ؟ . أجابُوا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وتَحْرِيمُ الخَمْرِ نَزَلَ في سُورَةِ المائِدَةِ، فَكانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ في الوَقْتِ الَّذِي كانَتِ الخَمْرُ فِيهِ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ. الثّانِي: أنَّهُ لا حاجَةَ إلى التِزامِ هَذا النَّسْخِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما في هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ النّافِعِ، وخاطَبَ المُشْرِكِينَ بِها، والخَمْرُ مِن أشْرِبَتِهِمْ فَهي مَنفَعَةٌ في حَقِّهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى تَحْرِيمِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ مَيَّزَ بَيْنَها وبَيْنَ الرِّزْقِ الحَسَنِ في صفحة ٥٦ الذِّكْرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ السَّكَرُ رِزْقًا حَسَنًا، ولا شَكَّ أنَّهُ حَسَنٌ بِحَسَبِ الشَّهْوَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: الرُّجُوعُ عَنْ كَوْنِهِ حَسَنًا بِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانَتْ مُحَرَّمَةً. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّكَرَ هو النَّبِيذُ، وهو عَصِيرُ العِنَبِ والزَّبِيبِ والتَّمْرِ إذا طُبِخَ حَتّى يَذْهَبَ ثُلُثاهُ، ثُمَّ يُتْرَكُ حَتّى يَشْتَدَّ، وهو حَلالٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى حَدِّ السُّكْرِ، ويَحْتَجُّ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّكَرَ حَلالٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرُهُ في مَعْرِضِ الإنْعامِ والمِنَّةِ، ودَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ الخَمْرَ حَرامٌ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الخَمْرُ حَرامٌ لِعَيْنِها» “ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ السَّكَرُ شَيْئًا غَيْرَ الخَمْرِ، وكُلُّ مَن أثْبَتَ هَذِهِ المُغايَرَةَ قالَ: إنَّهُ النَّبِيذُ المَطْبُوخُ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السَّكَرَ هو الطَّعامُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: جَعَلْتَ أعْراضِ الكِرامِ سَكَرا أيْ: جَعَلْتَ ذَمَّهم طَعامًا لَكَ، قالَ الزَّجّاجُ: هَذا بِالخَمْرِ أشْبَهُ مِنهُ بِالطَّعامِ، والمَعْنى أنَّكَ جَعَلْتَ تَتَخَمَّرُ بِأغْراضِ الكِرامِ، والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ شَغَفَهُ بِغَيْبَةِ النّاسِ وتَمْزِيقِ أعْراضِهِمْ جارِيًا مَجْرى شُرْبِ الخَمْرِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي هي دَلائِلُ مِن وجْهٍ، وتَعْدِيدٌ لِلنِّعَمِ العَظِيمَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ، قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ عاقِلًا، عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَيَحْتَجُّ بِحُصُولِها عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ إخْراجَ الألْبانِ مِنَ النِّعَمِ، وإخْراجَ السَّكَرِ والرِّزْقِ الحَسَنِ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ دَلائِلُ قاهِرَةٌ، وبَيِّناتٌ باهِرَةٌ عَلى أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا قادِرًا مُخْتارًا حَكِيمًا، فَكَذَلِكَ إخْراجُ العَسَلِ مِنَ النَّحْلِ دَلِيلٌ قاطِعٌ وبُرْهانٌ ساطِعٌ عَلى إثْباتِ هَذا المَقْصُودِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ يُقالُ: وحى وأوْحى، وهو الإلْهامُ، والمُرادُ مِنَ الإلْهامِ أنَّهُ تَعالى قَرَّرَ في أنْفُسِها هَذِهِ الأعْمالَ العَجِيبَةَ الَّتِي تَعْجِزُ عَنْها العُقَلاءُ مِنَ البَشَرِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّها تَبْنِي البُيُوتَ المُسَدَّسَةَ مِن أضْلاعٍ مُتَساوِيَةٍ، لا يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِمُجَرَّدِ طِباعِها، والعُقَلاءُ مِنَ البَشَرِ لا يُمْكِنُهم بِناءُ مِثْلِ تِلْكَ البُيُوتِ إلّا بِآلاتٍ وأدَواتٍ مِثْلَ المِسْطَرِ والفِرْجارِ. والثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ تِلْكَ البُيُوتَ لَوْ كانَتْ مُشَكَّلَةً بِأشْكالٍ سِوى المُسَدَّساتِ فَإنَّهُ يَبْقى بِالضَّرُورَةِ فِيما بَيْنَ تِلْكَ البُيُوتِ فُرَجٌ خالِيَةٌ ضائِعَةٌ، صفحة ٥٧ أمّا إذا كانَتْ تِلْكَ البُيُوتُ مُسَدَّسَةً فَإنَّهُ لا يَبْقى فِيما بَيْنَها فُرَجٌ ضائِعَةٌ، فَإهْداءُ ذَلِكَ الحَيَوانِ الضَّعِيفِ إلى هَذِهِ الحِكْمَةِ الخَفِيَّةِ والدَّقِيقَةِ اللَّطِيفَةِ مِنَ الأعاجِيبِ. والثّالِثُ: أنَّ النَّحْلَ يَحْصُلُ فِيما بَيْنَها واحِدٌ يَكُونُ كالرَّئِيسِ لِلْبَقِيَّةِ، وذَلِكَ الواحِدُ يَكُونُ أعْظَمَ جُثَّةً مِنَ الباقِي، ويَكُونُ نافِذَ الحكم عَلى تِلْكَ البَقِيَّةِ، وهم يَخْدِمُونَهُ ويَحْمِلُونَهُ عِنْدَ الطَّيَرانِ، وذَلِكَ أيْضًا مِنَ الأعاجِيبِ. والرّابِعُ: أنَّها إذا نَفَرَتْ مِن وكْرِها ذَهَبَتْ مَعَ الجَمْعِيَّةِ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإذا أرادُوا عَوْدَها إلى وكْرِها ضَرَبُوا الطُّنْبُورَ والمَلاهِي وآلاتِ المُوسِيقى، وبِواسِطَةِ تِلْكَ الألْحانِ يَقْدِرُونَ عَلى رَدِّها إلى وكْرِها، وهَذا أيْضًا حالَةٌ عَجِيبَةٌ، فَلَمّا امْتازَ هَذا الحَيَوانُ بِهَذِهِ الخَواصِّ العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى مَزِيدِ الذَّكاءِ والكِياسَةِ، وكانَ حُصُولُ هَذِهِ الأنْواعِ مِنَ الكِياسَةِ لَيْسَ إلّا عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ وهي حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالوَحْيِ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى في حَقِّها: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الوَحْيَ قَدْ ورَدَ في حَقِّ الأنْبِياءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] وفي حَقِّ الأوْلِياءِ أيْضًا قالَ تَعالى: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] وبِمَعْنى الإلْهامِ في حَقِّ البَشَرِ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] وفي حَقِّ سائِرِ الحَيَواناتِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ ولِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ مَعْنًى خاصٌّ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: سُمِّيَ هَذا الحَيَوانُ نَحْلًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَحَلَ النّاسَ العَسَلَ الَّذِي يَخْرُجُ مِن بُطُونِها، وقالَ غَيْرُهُ: النَّحْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهي مُؤَنَّثَةٌ في لُغَةِ الحِجازِ، ولِذَلِكَ أنَّثَها اللَّهُ تَعالى، وكَذَلِكَ كَلُّ جَمْعٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ إلّا الهاءُ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أنِ اتَّخِذِي﴾ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ، لِأنَّ الإيحاءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، وقُرِئَ: (بِيُوتًا) بِكَسْرِ الباءِ ﴿ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ أيْ: يَبْنُونَ ويَسْقُفُونَ، وفِيهِ لُغَتانِ قُرِئَ بِهِما، ضَمُّ الرّاءِ وكَسْرُها مِثْلُ يَعْكُفُونَ ويَعْكِفُونَ. واعْلَمْ أنَّ النَّحْلَ نَوْعانِ: النوع الأوَّلُ: ما يَسْكُنُ في الجِبالِ والغِياضِ ولا يَتَعَهَّدُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ. والنوع الثّانِي: الَّتِي تَسْكُنُ بُيُوتَ النّاسِ وتَكُونُ في تَعَهُّداتِ النّاسِ، فالأوَّلُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ﴾ . والثّانِي: هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ وهو خَلايا النَّحْلِ. فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ وهَلّا قِيلَ في الجِبالِ وفي الشَّجَرِ ؟ . قُلْنا: أُرِيدَ بِهِ مَعْنى البَعْضِيَّةِ، وأنْ لا تَبْنِيَ بُيُوتَها في كُلِّ جَبَلٍ وشَجَرٍ، بَلْ في مَساكِنَ تُوافِقُ مَصالِحَها وتَلِيقُ بِها. المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ أمْرٌ، وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِهَذِهِ الحَيَواناتِ عُقُولٌ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَتَوَّجَهَ عَلَيْها مِنَ اللَّهِ تَعالى أمْرٌ ونَهْيٌ. وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ فِيها غَرائِزَ وطَبائِعَ تُوجِبُ هَذِهِ الأحْوالَ، والكَلامُ صفحة ٥٨ المُسْتَقْصى في هَذِهِ المسألة مَذْكُورٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] . ثم قال تَعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ لَفْظَةُ ”مِن“ هَهُنا لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، ورَأيْتُ في ”كُتُبِ الطِّبِّ“ أنَّهُ تَعالى دَبَّرَ هَذا العالَمَ عَلى وجْهٍ، وهو أنَّهُ يَحْدُثُ في الهَواءِ طَلٌّ لَطِيفٌ في اللَّيالِي، ويَقَعُ ذَلِكَ الطَّلُّ عَلى أوْراقِ الأشْجارِ، فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الأجْزاءُ الطَّلِّيَّةُ لَطِيفَةً صَغِيرَةً مُتَفَرِّقَةً عَلى الأوْراقِ والأزْهارِ، وقَدْ تَكُونُ كَثِيرَةً بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ مِنها أجْزاءٌ مَحْسُوسَةٌ. أمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو مِثْلُ التَّرَنْجَبِينِ فَإنَّهُ طَلٌّ يَنْزِلُ مِنَ الهَواءِ ويَجْتَمِعُ عَلى أطْرافِ الطَّرْفاءِ في بَعْضِ البُلْدانِ وذَلِكَ مَحْسُوسٌ. وأمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو الَّذِي ألْهَمَ اللَّهُ تَعالى هَذا النَّحْلَ حَتّى أنَّها تَلْتَقِطُ تِلْكَ الذَّرّاتِ مِنَ الأزْهارِ وأوْراقِ الأشْجارِ بِأفْواهِها وتَأْكُلُها وتَغْتَذِي بِها، فَإذا شَبِعَتِ التَقَطَتْ بِأفْواهِها مَرَّةً أُخْرى شَيْئًا مِن تِلْكَ الأجْزاءِ وذَهَبَتْ بِها إلى بُيُوتِها ووَضَعَتْها هُناكَ، لِأنَّها تُحاوِلُ أنْ تَدَّخِرَ لِنَفْسِها غِذاءَها، فَإذا اجْتَمَعَ في بُيُوتِها مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الطَّلِّيَّةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فَذاكَ هو العَسَلُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ النَّحْلَ تَأْكُلُ مِنَ الأزْهارِ الطَّيِّبَةِ والأوْراقِ المُعَطَّرَةِ أشْياءَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقْلِبُ تِلْكَ الأجْسامَ في داخِلِ بَدَنِها عَسَلًا، ثُمَّ إنَّها تَقِيءُ مَرَّةً أُخْرى فَذاكَ هو العَسَلُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى العَقْلِ وأشَدُّ مُناسَبَةً إلى الِاسْتِقْراءِ، فَإنَّ طَبِيعَةَ التَّرَنْجَبِينِ قَرِيبَةٌ مِنَ العَسَلِ في الطَّعْمِ والشَّكْلِ، ولا شَكَّ أنَّهُ طَلٌّ يَحْدُثُ في الهَواءِ ويَقَعُ عَلى أطْرافِ الأشْجارِ والأزْهارِ فَكَذا هَهُنا. وأيْضًا فَنَحْنُ نُشاهِدُ أنَّ هَذا النَّحْلَ إنَّما يَتَغَذّى بِالعَسَلِ، ولِذَلِكَ فَإنّا إذا اسْتَخْرَجْنا العَسَلَ مِن بُيُوتِ النَّحْلِ نَتْرُكُ لَها بَقِيَّةً مِن ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ تَغْتَذِيَ بِها، فَعَلِمْنا أنَّها إنَّما تَغْتَذِي بِالعَسَلِ وأنَّها إنَّما تَقَعُ عَلى الأشْجارِ والأزْهارِ لِأنَّها تَغْتَذِي بِتِلْكَ الأجْزاءِ الطَّلِّيَّةِ العَسَلِيَّةِ الواقِعَةِ مِنَ الهَواءِ عَلَيْها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا تَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، ولا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ عَلى هَذا القَوْلِ. ثم قال تَعالى: ﴿فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ والمَعْنى: ثُمَّ كُلِي كُلَّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِينَها، فَإذا أكَلْتِها فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ في الطُّرُقِ الَّتِي ألْهَمَكِ وأفْهَمَكِ في عَمَلِ العَسَلِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ: فاسْلُكِي في طَلَبِ تِلْكَ الثَّمَراتِ سُبُلَ رَبِّكِ. أما قوله: ﴿ذُلُلًا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّهُ حالٌ مِنَ السُّبُلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَلَّلَها لَها ووَطَّأها وسَهَّلَها، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] . الثّانِي: أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فاسْلُكِي﴾ أيْ: وأنْتِ أيُّها النَّحْلُ ذُلُلٌ مُنْقادَةٌ لِما أُمِرْتِ بِهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّ هَذا رُجُوعٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأحْوالِ أنْ يَحْتَجَّ الإنْسانُ المُكَلَّفُ بِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ لِأحْوالِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ النَّحْلَ بِما سَبَقَ ذِكْرُهُ خاطَبَ الإنْسانَ وقالَ: إنّا ألْهَمْنا هَذا النَّحْلَ لِهَذِهِ العَجائِبِ، لِأجْلِ أنْ يَخْرُجَ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ. البحث الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: العَسَلُ عِبارَةٌ عَنْ أجْزاءٍ طَلِّيَّةٍ تَحْدُثُ في الهَواءِ وتَقَعُ صفحة ٥٩ عَلى أطْرافِ الأشْجارِ وعَلى الأوْراقِ والأزْهارِ، فَيَلْقُطُها الزُّنْبُورُ بِفَمِهِ، فَإذا ذَهَبْنا إلى هَذا الوجه كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها﴾ أيْ: مِن أفْواهِها، وكُلُّ تَجْوِيفٍ في داخِلِ البَدَنِ فَإنَّهُ يُسَمّى بَطْنًا، ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ: بُطُونُ الدِّماغِ، وعَنَوْا أنَّها تَجاوِيفُ الدِّماغِ، وكَذا هَهُنا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها أيْ: مِن أفْواهِها، وأمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ الظّاهِرِ، وهو أنَّ النَّحْلَةَ تَأْكُلُ الأوْراقَ والثَّمَراتِ ثُمَّ تَقِيءُ فَذَلِكَ هو العَسَلُ فالكَلامُ ظاهِرٌ. ثم قال تَعالى: ﴿شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ العَسَلَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ: فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ شَرابًا والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ تارَةً يُشْرَبُ وحْدَهُ وتارَةً يُتَّخَذُ مِنَ الأشْرِبَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ والمَعْنى: أنَّ مِنهُ أحْمَرَ وأبْيَضَ وأصْفَرَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] والمَقْصُودُ مِنهُ: إبْطالُ القَوْلِ بِالطَّبْعِ، لِأنَّ هَذا الجِسْمَ مَعَ كَوْنِهِ مُتَساوِيَ الطَّبِيعَةِ لَمّا حَدَثَ عَلى ألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُدُوثَ تِلْكَ الألْوانِ بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ، لا لِأجْلِ إيجادِ الطَّبِيعَةِ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: وهو الصَّحِيحُ أنَّهُ صِفَةٌ لِلْعَسَلِ. فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يَكُونُ شِفاءً لِلنّاسِ وهو يَضُرُّ بِالصَّفْراءِ ويُهَيِّجُ المَرارَةَ ؟ . قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ شِفاءُ لِكُلِّ النّاسِ ولِكُلِّ داءٍ وفي كُلِّ حالٍ، بَلْ لَمّا كانَ شِفاءً لِلْبَعْضِ مِن بَعْضِ الأدْواءِ صَلُحَ بِأنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ فِيهِ شِفاءٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ شِفاءٌ في الجُمْلَةِ أنَّهُ قَلَّ مَعْجُونٌ مِنَ المَعاجِينِ إلّا وتَمامُهُ وكَمالُهُ إنَّما يَحْصُلُ بِالعَجْنِ بِالعَسَلِ، وأيْضًا فالأشْرِبَةُ المُتَّخَذَةُ مِنهُ في الأمْراضِ البَلْغَمِيَّةِ عَظِيمَةُ النَّفْعِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ: أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ لِلنّاسِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقِصَّةُ تُوَلُّدِ العَسَلِ مِنَ النَّحْلِ تَمَّتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ أيْ: في هَذا القُرْآنِ حَصَلَ ما هو شِفاءٌ لِلنّاسِ مِنَ الكُفْرِ والبِدْعَةِ، مِثْلَ هَذا الَّذِي في قِصَّةِ النَّحْلِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ العَسَلَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ، والقُرْآنَ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وما ذاكَ إلّا قَوْلُهُ: ﴿شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ وأمّا الحكم بِعَوْدِ هَذا الضَّمِيرِ إلى القُرْآنِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيما سَبَقَ، فَهو غَيْرُ مُناسِبٍ. والثّانِي: ما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ فَقالَ: ”اسْقِهِ عَسَلًا“ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اذْهَبْ واسْقِهِ عَسَلًا“ فَذَهَبَ فَسَقاهُ، فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقالٍ، فَقالَ: ”صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» “ وحَمَلُوا قَوْلَهُ: ”«صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» “ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ هَذا صِفَةً لِلْعَسَلِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» “ ؟ . صفحة ٦٠ قُلْنا: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ بِنُورِ الوَحْيِ أنَّ ذَلِكَ العَسَلَ سَيَظْهَرُ نَفْعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ نَفْعُهُ في الحالِ، مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ سَيَظْهَرُ نَفْعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كانَ هَذا جارِيًا مَجْرى الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أطْلَقَ عَلَيْهِ هَذا اللَّفْظَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ تَقْرِيرَ هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: اخْتِصاصُ النَّحْلِ بِتِلْكَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ والمَعارِفِ الغامِضَةِ؛ مِثْلُ بِناءِ البُيُوتِ المُسَدَّسَةِ وسائِرِ الأحْوالِ الَّتِي ذَكَرْناها. والثّانِي: اهْتِداؤُها إلى جَمِيعِ تِلْكَ الأجْزاءِ العَسَلِيَّةِ مِن أطْرافِ الأشْجارِ والأوْراقِ. والثّالِثُ: خَلْقُ اللَّهِ تَعالى الأجْزاءَ النّافِعَةَ في جَوِّ الهَواءِ، ثُمَّ إلْقاؤُها عَلى أطْرافِ الأشْجارِ والأوْراقِ، ثُمَّ إلْهامُ النَّحْلِ إلى جَمْعِها بَعْدَ تَفْرِيقِها، وكُلُّ ذَلِكَ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ إلَهَ العالَمِ بَنى تَرْتِيبَهُ عَلى رِعايَةِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ إخْراجَ الألْبانِ مِنَ النِّعَمِ، وإخْراجَ السَّكَرِ والرِّزْقِ الحَسَنِ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ دَلائِلُ قاهِرَةٌ، وبَيِّناتٌ باهِرَةٌ عَلى أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا قادِرًا مُخْتارًا حَكِيمًا، فَكَذَلِكَ إخْراجُ العَسَلِ مِنَ النَّحْلِ دَلِيلٌ قاطِعٌ وبُرْهانٌ ساطِعٌ عَلى إثْباتِ هَذا المَقْصُودِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ يُقالُ: وحى وأوْحى، وهو الإلْهامُ، والمُرادُ مِنَ الإلْهامِ أنَّهُ تَعالى قَرَّرَ في أنْفُسِها هَذِهِ الأعْمالَ العَجِيبَةَ الَّتِي تَعْجِزُ عَنْها العُقَلاءُ مِنَ البَشَرِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّها تَبْنِي البُيُوتَ المُسَدَّسَةَ مِن أضْلاعٍ مُتَساوِيَةٍ، لا يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِمُجَرَّدِ طِباعِها، والعُقَلاءُ مِنَ البَشَرِ لا يُمْكِنُهم بِناءُ مِثْلِ تِلْكَ البُيُوتِ إلّا بِآلاتٍ وأدَواتٍ مِثْلَ المِسْطَرِ والفِرْجارِ. والثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ تِلْكَ البُيُوتَ لَوْ كانَتْ مُشَكَّلَةً بِأشْكالٍ سِوى المُسَدَّساتِ فَإنَّهُ يَبْقى بِالضَّرُورَةِ فِيما بَيْنَ تِلْكَ البُيُوتِ فُرَجٌ خالِيَةٌ ضائِعَةٌ، صفحة ٥٧ أمّا إذا كانَتْ تِلْكَ البُيُوتُ مُسَدَّسَةً فَإنَّهُ لا يَبْقى فِيما بَيْنَها فُرَجٌ ضائِعَةٌ، فَإهْداءُ ذَلِكَ الحَيَوانِ الضَّعِيفِ إلى هَذِهِ الحِكْمَةِ الخَفِيَّةِ والدَّقِيقَةِ اللَّطِيفَةِ مِنَ الأعاجِيبِ. والثّالِثُ: أنَّ النَّحْلَ يَحْصُلُ فِيما بَيْنَها واحِدٌ يَكُونُ كالرَّئِيسِ لِلْبَقِيَّةِ، وذَلِكَ الواحِدُ يَكُونُ أعْظَمَ جُثَّةً مِنَ الباقِي، ويَكُونُ نافِذَ الحكم عَلى تِلْكَ البَقِيَّةِ، وهم يَخْدِمُونَهُ ويَحْمِلُونَهُ عِنْدَ الطَّيَرانِ، وذَلِكَ أيْضًا مِنَ الأعاجِيبِ. والرّابِعُ: أنَّها إذا نَفَرَتْ مِن وكْرِها ذَهَبَتْ مَعَ الجَمْعِيَّةِ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإذا أرادُوا عَوْدَها إلى وكْرِها ضَرَبُوا الطُّنْبُورَ والمَلاهِي وآلاتِ المُوسِيقى، وبِواسِطَةِ تِلْكَ الألْحانِ يَقْدِرُونَ عَلى رَدِّها إلى وكْرِها، وهَذا أيْضًا حالَةٌ عَجِيبَةٌ، فَلَمّا امْتازَ هَذا الحَيَوانُ بِهَذِهِ الخَواصِّ العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى مَزِيدِ الذَّكاءِ والكِياسَةِ، وكانَ حُصُولُ هَذِهِ الأنْواعِ مِنَ الكِياسَةِ لَيْسَ إلّا عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ وهي حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالوَحْيِ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى في حَقِّها: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الوَحْيَ قَدْ ورَدَ في حَقِّ الأنْبِياءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] وفي حَقِّ الأوْلِياءِ أيْضًا قالَ تَعالى: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] وبِمَعْنى الإلْهامِ في حَقِّ البَشَرِ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] وفي حَقِّ سائِرِ الحَيَواناتِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ ولِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ مَعْنًى خاصٌّ. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: سُمِّيَ هَذا الحَيَوانُ نَحْلًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَحَلَ النّاسَ العَسَلَ الَّذِي يَخْرُجُ مِن بُطُونِها، وقالَ غَيْرُهُ: النَّحْلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهي مُؤَنَّثَةٌ في لُغَةِ الحِجازِ، ولِذَلِكَ أنَّثَها اللَّهُ تَعالى، وكَذَلِكَ كَلُّ جَمْعٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ إلّا الهاءُ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أنِ اتَّخِذِي﴾ هي ”أنِ“ المُفَسِّرَةُ، لِأنَّ الإيحاءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، وقُرِئَ: (بِيُوتًا) بِكَسْرِ الباءِ ﴿ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ أيْ: يَبْنُونَ ويَسْقُفُونَ، وفِيهِ لُغَتانِ قُرِئَ بِهِما، ضَمُّ الرّاءِ وكَسْرُها مِثْلُ يَعْكُفُونَ ويَعْكِفُونَ. واعْلَمْ أنَّ النَّحْلَ نَوْعانِ: النوع الأوَّلُ: ما يَسْكُنُ في الجِبالِ والغِياضِ ولا يَتَعَهَّدُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ. والنوع الثّانِي: الَّتِي تَسْكُنُ بُيُوتَ النّاسِ وتَكُونُ في تَعَهُّداتِ النّاسِ، فالأوَّلُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ﴾ . والثّانِي: هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ وهو خَلايا النَّحْلِ. فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ وهَلّا قِيلَ في الجِبالِ وفي الشَّجَرِ ؟ . قُلْنا: أُرِيدَ بِهِ مَعْنى البَعْضِيَّةِ، وأنْ لا تَبْنِيَ بُيُوتَها في كُلِّ جَبَلٍ وشَجَرٍ، بَلْ في مَساكِنَ تُوافِقُ مَصالِحَها وتَلِيقُ بِها. المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ أمْرٌ، وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِهَذِهِ الحَيَواناتِ عُقُولٌ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَتَوَّجَهَ عَلَيْها مِنَ اللَّهِ تَعالى أمْرٌ ونَهْيٌ. وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ فِيها غَرائِزَ وطَبائِعَ تُوجِبُ هَذِهِ الأحْوالَ، والكَلامُ صفحة ٥٨ المُسْتَقْصى في هَذِهِ المسألة مَذْكُورٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] . ثم قال تَعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ لَفْظَةُ ”مِن“ هَهُنا لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِابْتِداءِ الغايَةِ، ورَأيْتُ في ”كُتُبِ الطِّبِّ“ أنَّهُ تَعالى دَبَّرَ هَذا العالَمَ عَلى وجْهٍ، وهو أنَّهُ يَحْدُثُ في الهَواءِ طَلٌّ لَطِيفٌ في اللَّيالِي، ويَقَعُ ذَلِكَ الطَّلُّ عَلى أوْراقِ الأشْجارِ، فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الأجْزاءُ الطَّلِّيَّةُ لَطِيفَةً صَغِيرَةً مُتَفَرِّقَةً عَلى الأوْراقِ والأزْهارِ، وقَدْ تَكُونُ كَثِيرَةً بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ مِنها أجْزاءٌ مَحْسُوسَةٌ. أمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو مِثْلُ التَّرَنْجَبِينِ فَإنَّهُ طَلٌّ يَنْزِلُ مِنَ الهَواءِ ويَجْتَمِعُ عَلى أطْرافِ الطَّرْفاءِ في بَعْضِ البُلْدانِ وذَلِكَ مَحْسُوسٌ. وأمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو الَّذِي ألْهَمَ اللَّهُ تَعالى هَذا النَّحْلَ حَتّى أنَّها تَلْتَقِطُ تِلْكَ الذَّرّاتِ مِنَ الأزْهارِ وأوْراقِ الأشْجارِ بِأفْواهِها وتَأْكُلُها وتَغْتَذِي بِها، فَإذا شَبِعَتِ التَقَطَتْ بِأفْواهِها مَرَّةً أُخْرى شَيْئًا مِن تِلْكَ الأجْزاءِ وذَهَبَتْ بِها إلى بُيُوتِها ووَضَعَتْها هُناكَ، لِأنَّها تُحاوِلُ أنْ تَدَّخِرَ لِنَفْسِها غِذاءَها، فَإذا اجْتَمَعَ في بُيُوتِها مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الطَّلِّيَّةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فَذاكَ هو العَسَلُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ النَّحْلَ تَأْكُلُ مِنَ الأزْهارِ الطَّيِّبَةِ والأوْراقِ المُعَطَّرَةِ أشْياءَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَقْلِبُ تِلْكَ الأجْسامَ في داخِلِ بَدَنِها عَسَلًا، ثُمَّ إنَّها تَقِيءُ مَرَّةً أُخْرى فَذاكَ هو العَسَلُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى العَقْلِ وأشَدُّ مُناسَبَةً إلى الِاسْتِقْراءِ، فَإنَّ طَبِيعَةَ التَّرَنْجَبِينِ قَرِيبَةٌ مِنَ العَسَلِ في الطَّعْمِ والشَّكْلِ، ولا شَكَّ أنَّهُ طَلٌّ يَحْدُثُ في الهَواءِ ويَقَعُ عَلى أطْرافِ الأشْجارِ والأزْهارِ فَكَذا هَهُنا. وأيْضًا فَنَحْنُ نُشاهِدُ أنَّ هَذا النَّحْلَ إنَّما يَتَغَذّى بِالعَسَلِ، ولِذَلِكَ فَإنّا إذا اسْتَخْرَجْنا العَسَلَ مِن بُيُوتِ النَّحْلِ نَتْرُكُ لَها بَقِيَّةً مِن ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ تَغْتَذِيَ بِها، فَعَلِمْنا أنَّها إنَّما تَغْتَذِي بِالعَسَلِ وأنَّها إنَّما تَقَعُ عَلى الأشْجارِ والأزْهارِ لِأنَّها تَغْتَذِي بِتِلْكَ الأجْزاءِ الطَّلِّيَّةِ العَسَلِيَّةِ الواقِعَةِ مِنَ الهَواءِ عَلَيْها. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا تَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، ولا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ عَلى هَذا القَوْلِ. ثم قال تَعالى: ﴿فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ والمَعْنى: ثُمَّ كُلِي كُلَّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِينَها، فَإذا أكَلْتِها فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ في الطُّرُقِ الَّتِي ألْهَمَكِ وأفْهَمَكِ في عَمَلِ العَسَلِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ: فاسْلُكِي في طَلَبِ تِلْكَ الثَّمَراتِ سُبُلَ رَبِّكِ. أما قوله: ﴿ذُلُلًا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّهُ حالٌ مِنَ السُّبُلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَلَّلَها لَها ووَطَّأها وسَهَّلَها، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] . الثّانِي: أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فاسْلُكِي﴾ أيْ: وأنْتِ أيُّها النَّحْلُ ذُلُلٌ مُنْقادَةٌ لِما أُمِرْتِ بِهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّ هَذا رُجُوعٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأحْوالِ أنْ يَحْتَجَّ الإنْسانُ المُكَلَّفُ بِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ لِأحْوالِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ النَّحْلَ بِما سَبَقَ ذِكْرُهُ خاطَبَ الإنْسانَ وقالَ: إنّا ألْهَمْنا هَذا النَّحْلَ لِهَذِهِ العَجائِبِ، لِأجْلِ أنْ يَخْرُجَ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ. البحث الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: العَسَلُ عِبارَةٌ عَنْ أجْزاءٍ طَلِّيَّةٍ تَحْدُثُ في الهَواءِ وتَقَعُ صفحة ٥٩ عَلى أطْرافِ الأشْجارِ وعَلى الأوْراقِ والأزْهارِ، فَيَلْقُطُها الزُّنْبُورُ بِفَمِهِ، فَإذا ذَهَبْنا إلى هَذا الوجه كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها﴾ أيْ: مِن أفْواهِها، وكُلُّ تَجْوِيفٍ في داخِلِ البَدَنِ فَإنَّهُ يُسَمّى بَطْنًا، ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ: بُطُونُ الدِّماغِ، وعَنَوْا أنَّها تَجاوِيفُ الدِّماغِ، وكَذا هَهُنا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها أيْ: مِن أفْواهِها، وأمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ الظّاهِرِ، وهو أنَّ النَّحْلَةَ تَأْكُلُ الأوْراقَ والثَّمَراتِ ثُمَّ تَقِيءُ فَذَلِكَ هو العَسَلُ فالكَلامُ ظاهِرٌ. ثم قال تَعالى: ﴿شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ العَسَلَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ: فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ شَرابًا والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ تارَةً يُشْرَبُ وحْدَهُ وتارَةً يُتَّخَذُ مِنَ الأشْرِبَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ والمَعْنى: أنَّ مِنهُ أحْمَرَ وأبْيَضَ وأصْفَرَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] والمَقْصُودُ مِنهُ: إبْطالُ القَوْلِ بِالطَّبْعِ، لِأنَّ هَذا الجِسْمَ مَعَ كَوْنِهِ مُتَساوِيَ الطَّبِيعَةِ لَمّا حَدَثَ عَلى ألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُدُوثَ تِلْكَ الألْوانِ بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ، لا لِأجْلِ إيجادِ الطَّبِيعَةِ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: وهو الصَّحِيحُ أنَّهُ صِفَةٌ لِلْعَسَلِ. فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يَكُونُ شِفاءً لِلنّاسِ وهو يَضُرُّ بِالصَّفْراءِ ويُهَيِّجُ المَرارَةَ ؟ . قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ شِفاءُ لِكُلِّ النّاسِ ولِكُلِّ داءٍ وفي كُلِّ حالٍ، بَلْ لَمّا كانَ شِفاءً لِلْبَعْضِ مِن بَعْضِ الأدْواءِ صَلُحَ بِأنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ فِيهِ شِفاءٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ شِفاءٌ في الجُمْلَةِ أنَّهُ قَلَّ مَعْجُونٌ مِنَ المَعاجِينِ إلّا وتَمامُهُ وكَمالُهُ إنَّما يَحْصُلُ بِالعَجْنِ بِالعَسَلِ، وأيْضًا فالأشْرِبَةُ المُتَّخَذَةُ مِنهُ في الأمْراضِ البَلْغَمِيَّةِ عَظِيمَةُ النَّفْعِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ: أنَّ القُرْآنَ شِفاءٌ لِلنّاسِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقِصَّةُ تُوَلُّدِ العَسَلِ مِنَ النَّحْلِ تَمَّتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ أيْ: في هَذا القُرْآنِ حَصَلَ ما هو شِفاءٌ لِلنّاسِ مِنَ الكُفْرِ والبِدْعَةِ، مِثْلَ هَذا الَّذِي في قِصَّةِ النَّحْلِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ العَسَلَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ، والقُرْآنَ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وما ذاكَ إلّا قَوْلُهُ: ﴿شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ وأمّا الحكم بِعَوْدِ هَذا الضَّمِيرِ إلى القُرْآنِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيما سَبَقَ، فَهو غَيْرُ مُناسِبٍ. والثّانِي: ما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «أنَّهُ جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ فَقالَ: ”اسْقِهِ عَسَلًا“ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اذْهَبْ واسْقِهِ عَسَلًا“ فَذَهَبَ فَسَقاهُ، فَكَأنَّما نُشِطَ مِن عِقالٍ، فَقالَ: ”صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» “ وحَمَلُوا قَوْلَهُ: ”«صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» “ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ هَذا صِفَةً لِلْعَسَلِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» “ ؟ . صفحة ٦٠ قُلْنا: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ بِنُورِ الوَحْيِ أنَّ ذَلِكَ العَسَلَ سَيَظْهَرُ نَفْعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ نَفْعُهُ في الحالِ، مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ سَيَظْهَرُ نَفْعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كانَ هَذا جارِيًا مَجْرى الكَذِبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أطْلَقَ عَلَيْهِ هَذا اللَّفْظَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ تَقْرِيرَ هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: اخْتِصاصُ النَّحْلِ بِتِلْكَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ والمَعارِفِ الغامِضَةِ؛ مِثْلُ بِناءِ البُيُوتِ المُسَدَّسَةِ وسائِرِ الأحْوالِ الَّتِي ذَكَرْناها. والثّانِي: اهْتِداؤُها إلى جَمِيعِ تِلْكَ الأجْزاءِ العَسَلِيَّةِ مِن أطْرافِ الأشْجارِ والأوْراقِ. والثّالِثُ: خَلْقُ اللَّهِ تَعالى الأجْزاءَ النّافِعَةَ في جَوِّ الهَواءِ، ثُمَّ إلْقاؤُها عَلى أطْرافِ الأشْجارِ والأوْراقِ، ثُمَّ إلْهامُ النَّحْلِ إلى جَمْعِها بَعْدَ تَفْرِيقِها، وكُلُّ ذَلِكَ أُمُورٌ عَجِيبَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ إلَهَ العالَمِ بَنى تَرْتِيبَهُ عَلى رِعايَةِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: لَمّا ذَكَرَ تَعالى بَعْضَ عَجائِبِ أحْوالِ الحَيَواناتِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ بَعْضَ عَجائِبِ أحْوالِ النّاسِ، فَمِنها ما هو مَذْكُورٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو إشارَةٌ إلى مَراتِبِ عُمُرِ الإنْسانِ، والعُقَلاءُ ضَبَطُوها في أرْبَعِ مَراتِبَ: أوَّلُها: سِنُّ النَّشْوِ والنَّماءِ. وثانِيها: سِنُّ الوُقُوفِ وهو سِنُّ الشَّبابِ. وثالِثُها: سِنُّ الِانْحِطاطِ القَلِيلِ وهو سِنُّ الكُهُولَةِ. ورابِعُها: سِنُّ الِانْحِطاطِ الكَبِيرِ وهو سِنُّ الشَّيْخُوخَةِ. فاحْتَجَّ تَعالى بِانْتِقالِ الحَيَوانِ مِن بَعْضِ هَذِهِ المَراتِبِ إلى بَعْضٍ، عَلى أنَّ ذَلِكَ النّاقِلَ هو اللَّهُ تَعالى، والأطِبّاءُ الطَّبائِعِيُّونَ قالُوا: المُقْتَضِي لِهَذا الِانْتِقالِ هو طَبِيعَةُ الإنْسانِ، وأنا أحْكِي كَلامَهم عَلى الوجه المُلَخَّصِ، وأُبَيِّنُ ضَعْفَهُ وفَسادَهُ، وحِينَئِذٍ يَبْقى أنَّ ذَلِكَ النّاقِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَصِحُّ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ. قالَ الطَّبائِعِيُّونَ: إنَّ بَدَنَ الإنْسانِ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، والمَنِيُّ والدَّمُ جَوْهَرانِ حارّانِ رَطْبانِ، والحَرارَةُ إذا عَمِلَتْ في الجِسْمِ الرَّطْبِ قَلَّلَتْ رُطُوبَتَهُ وأفادَتْهُ نَوْعَ يُبْسٍ، وهَذا مُشاهَدٌ مَعْلُومٌ، قالُوا: فَلا يَزالُ ما في هَذَيْنِ الجَوْهَرَيْنِ مِن قُوَّةِ الحَرارَةِ يُقَلِّلُ ما فِيهِ مِنَ الرُّطُوبَةِ حَتّى تَتَصَلَّبَ الأعْضاءُ ويَظْهَرَ فِيهِ الِانْعِقادُ، ويَحْدُثَ العَظْمُ والغُضْرُوفُ والعَصَبُ والوَتَرُ والرِّباطُ وسائِرُ الأعْضاءِ، فَإذا تَمَّ تَكَوَّنَ البَدَنُ وكَمُلَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْفَصِلُ الجَنِينُ مِن رَحِمِ الأُمِّ، ومَعَ ذَلِكَ فالرُّطُوباتُ زائِدَةٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّكَ تَرى أعْضاءَ الطِّفْلِ بَعْدَ انْفِصالِهِ مِنَ الأُمِّ لَيِّنَةً لَطِيفَةً وعِظامَهُ لَيِّنَةً قَرِيبَةَ الطَّبْعِ مِنَ الغَضارِيفِ، ثُمَّ إنَّ ما في البَدَنِ مِنَ الحَرارَةِ يَعْمَلُ في تِلْكَ الرُّطُوباتِ ويُقَلِّلُها، قالُوا: ويَحْصُلُ لِلْبَدَنِ ثَلاثَةُ أحْوالٍ. الحالَةُ الأُولى: أنْ تَكُونَ رُطُوبَةُ البَدَنِ زائِدَةً عَلى حَرارَتِهِ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ الأعْضاءُ قابِلَةً لِلتَّمَدُّدِ والِازْدِيادِ والنَّماءِ، وذَلِكَ هو سِنُّ النَّشْوِ والنَّماءِ ونِهايَتُهُ إلى ثَلاثِينَ سَنَةً أوْ خَمْسٍ وثَلاثِينَ سَنَةً. الحالَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَصِيرَ رُطُوباتُ البَدَنِ أقَلَّ ما كانَتْ، فَتَكُونُ وافِيَةً بِحِفْظِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ الأصْلِيَّةِ إلّا صفحة ٦١ أنَّها لا تَكُونُ زائِدَةً عَلى هَذا القَدْرِ، وهَذا هو سِنُّ الوُقُوفِ وسِنُّ الشَّبابِ وغايَتُهُ خَمْسُ سِنِينَ، وعِنْدَ تَمامِهِ يُتَمُّ الأرْبَعُونَ. والحالَةُ الثّالِثَةُ: أنْ تَقِلَّ الرُّطُوباتُ وتَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَكُونُ وافِيَةً بِحِفْظِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ النُّقْصانُ، ثُمَّ هَذا النُّقْصانُ قَدْ يَكُونُ خَفِيًّا وهو سِنُّ الكُهُولَةِ، وتَمامُهُ إلى سِتِّينَ سَنَةً وقَدْ يَكُونُ ظاهِرًا وهو سِنُّ الشَّيْخُوخَةِ وتَمامُهُ إلى مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، فَهَذا هو الَّذِي حَصَّلَهُ الأطِبّاءُ في هَذا البابِ، وعِنْدِي أنَّ هَذا التَّعْلِيلَ ضَعِيفٌ ويَدُلُّ عَلى ضِعْفِهِ وُجُوهٌ: الوجه الأوَّلُ: أنّا نَقُولُ: إنَّ في أوَّلِ ما كانَ المَنِيُّ مَنِيًّا، وكانَ الدَّمُ دَمًا كانَتِ الرُّطُوباتُ غالِبَةً وكانَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ مَغْمُورَةً، وكانَتْ ضَعِيفَةً بِهَذا السَّبَبِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ ضَعْفِها قَوِيَتْ عَلى تَحْلِيلِ أكْثَرِ تِلْكَ الرُّطُوباتِ وأبانَتْها مِن حَدِّ الدَّمَوِيَّةِ والمَنَوِيَّةِ إلى أنْ صارَتْ عَظْمًا وغُضْرُوفًا وعَصَبًا ورِباطًا، وعِنْدَما تَوَلَّدَتِ الأعْضاءُ وكَمُلَ البَدَنُ قَلَّتِ الرُّطُوباتُ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ لِلْحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ قُوَّةٌ أزَيْدُ مِمّا كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَحْلِيلُ الرُّطُوباتِ بَعْدَ تَوَلُّدِ البَدَنِ وكَمالِهِ أزْيَدَ مِن تَحَلُّلِها قَبْلَ تَوَلُّدِ البَدَنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ قَبْلَ تَوَلُّدِ البَدَنِ انْتَقَلَ جِسْمُ المَنِيِّ والدَّمِ إلى أنْ صارَ عَظْمًا وعَصَبًا، وأمّا بَعْدَ تَوَلُّدِ البَدَنِ فَلَمْ يَحْصُلْ مِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ ولا عُشْرُ عُشْرِهِ، فَلَوْ كانَ تَوَلُّدُ هَذِهِ الأعْضاءِ بِسَبَبِ تَأْثِيرِ الحَرارَةِ في الرُّطُوبَةِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَحَلُّلُ الرُّطُوباتِ بَعْدَ كَمالِ البَدَنِ أكْثَرَ مِن تَحَلُّلِها قَبْلَ تَكَوُّنِ البَدَنِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ تَوَلُّدَ البَدَنِ إنَّما كانَ بِتَدْبِيرِ قادِرٍ حَكِيمٍ يُدَبِّرُ أبْدانَ الحَيَواناتِ عَلى وفْقِ مَصالِحِها، وأنَّهُ ما كانَ تَوَلُّدُ البَدَنِ لِأجْلِ ما قالُوهُ مِن تَأْثِيرِ الحَرارَةِ في الرُّطُوبَةِ. والوجه الثّانِي في إبْطالِ هَذا الكَلامِ أنْ نَقُولَ: إنَّ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ الحاصِلَةَ في بَدَنِ الإنْسانِ الكامِلِ إمّا أنْ تَكُونَ هي عَيْنَ ما كانَ حاصِلًا في جَوْهَرِ النُّطْفَةِ، أوْ صارَتْ أزْيَدَ مِمّا كانَتْ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الحارَّ الغَرِيزِيَّ الحاصِلَ في جَوْهَرِ النُّطْفَةِ كانَ بِمِقْدارِ جِرْمِ النُّطْفَةِ، ولا شَكَّ أنَّ جِرْمَ النُّطْفَةِ كانَ قَلِيلًا صَغِيرًا، فَهَذا البَدَنُ بَعْدَ كِبَرِهِ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مِنَ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ إلّا ذَلِكَ القَدْرُ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ، ولَمْ يَظْهَرْ مِنهُ في هَذا البَدَنِ أثَرٌ أصْلًا. وأمّا الثّانِي فَفِيهِ تَسْلِيمٌ أنَّ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ تَتَزايَدُ بِحَسَبِ تَزايُدِ الجُثَّةِ والبَدَنِ، وإذا تَزايَدْتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ساعَةً فَساعَةً، وثَبَتَ أنَّ تَزايُدَها يُوجِبُ تَزايُدَ القُوَّةِ والصِّحَّةِ ساعَةً فَساعَةً، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى البَدَنُ الحَيَوانِيُّ أبَدًا في التَّزايُدِ والتَّكامُلِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ ازْدِيادَ حالِ البَدَنِ الحَيَوانِيِّ وانْتِقاصَهُ لَيْسَ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، بَلْ بِسَبَبِ تَدْبِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ. والوجه الثّالِثُ: وهو الَّذِي أوْرَدْناهُ عَلى الأطِبّاءِ في كِتابِنا ”الكَبِيرِ في الطِّبِّ“ فَقُلْنا: هي أنَّ الرُّطُوبَةَ الغَرِيزِيَّةَ صارَتْ مُعادِلَةً لِلْحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ يَجِبُ أنْ تَصِيرَ أقَلَّ مِمّا كانَتْ ؟ وأنْ يَنْتَقِلَ الإنْسانُ مِن سِنِّ الشَّبابِ إلى سِنِّ النُّقْصانِ. قالُوا: السَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ إذا حَصَلَ هَذا الِاسْتِواءُ، فالحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ تُؤَثِّرُ في تَخْفِيفِ الرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ، فَتَقِلُّ الرُّطُوباتُ الغَرِيزِيَّةُ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ لا تَفِي بِحِفْظِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، وإذا حَصَلَتْ هَذِهِ الحالَةُ ضَعُفَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ أيْضًا، لِأنَّ الرُّطُوبَةَ الغَرِيزِيَّةَ كالغِذاءِ لِلْحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، فَإذا قَلَّ الغِذاءُ ضَعُفَ المُغْتَذِي. فالحاصِلُ: أنَّ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ تُوجِبُ قِلَّةَ الرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ، وقِلَّتَها تُوجِبُ ضَعْفَ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، ويَلْزَمُ مِن ضَعْفِ إحْداهُما ضَعْفُ الأُخْرى إلى أنْ تَنْتَهِيَ صفحة ٦٢ إلى حَيْثُ لا يَبْقى مِنَ الرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ شَيْءٌ، وحِينَئِذٍ تَنْطَفِئُ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ويَحْصُلُ المَوْتُ، هَذا مُنْتَهى ما قالُوهُ في هَذا البابِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ إذا أثَّرَتْ في تَجْفِيفِ الرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ وقِلَّتِها، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ القُوَّةَ الغاذِيَةَ تُورِدُ بَدَلَها ؟ فَعِنْدَ هَذا قالُوا: القُوَّةُ الغاذِيَةُ إنَّما تَقْوى عَلى إيرادِ بَدَلِها لَوْ كانَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ قَوِيَّةً، فَأمّا عِنْدَ ضَعْفِها فَلا، فَنَقُولُ: فَهَهُنا لَزِمَ الدَّوْرُ، لِأنَّ الرُّطُوبَةَ الغَرِيزِيَّةَ إنَّما تَقِلُّ وتَنْقُصُ لَوْ لَمْ تَكُنِ القُوَّةُ الغاذِيَةُ وافِيَةً بِإيرادِ بَدَلِها، وإنَّما تَعْجِزُ القُوَّةُ الغاذِيَةُ عَنْ هَذا الإيرادِ إذا كانَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ضَعِيفَةً، وإنَّما تَكُونُ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ضَعِيفَةً أنْ لَوْ قَلَّتِ الرُّطُوبَةُ الغَرِيزِيَّةُ، وإنَّما تَحْصُلُ هَذِهِ القِلَّةُ إذا عَجَزَتِ الغاذِيَةُ عَنْ إيرادِ البَدَلِ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى القَوْلِ الَّذِي قالُوهُ بِلُزُومِ الدَّوْرِ وأنَّهُ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ تَعْلِيلَ انْتِقالِ الإنْسانِ مِن سِنٍّ إلى سِنٍّ بِما ذَكَرُوهُ مِنَ اعْتِبارِ الطَّبائِعِ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ المُحاوَلاتِ المَذْكُورَةَ، فَكانَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا، ولَمّا بَطَلَ هَذا القَوْلُ وجَبَ القَطْعُ بِإسْنادِ هَذِهِ الأحْوالِ إلى الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ الَّذِي يُدَبِّرُ أبْدانَ الحَيَواناتِ عَلى الوجه المُوافِقِ لِمَصالِحِها، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. وقَدْ كُنْتُ أقْرَأُ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ سُورَةَ المُرْسَلاتِ، فَلَمّا وصَلْتُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٠] فَقُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِهَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ هُمُ الَّذِينَ نَسَبُوا تَكَوُّنَ الأبْدانِ الحَيَوانِيَّةِ إلى الطَّبائِعِ وتَأْثِيرِ الحَرارَةِ في الرُّطُوبَةِ، وأنا أُؤْمِنُ مِن صَمِيمِ قَلْبِي يا رَبَّ العِزَّةِ بِأنَّ هَذِهِ التَّدْبِيراتِ لَيْسَتْ مِنَ الطَّبائِعِ، بَلْ مِن خالِقِ العالَمِ الَّذِي هو أحْكَمُ الحاكِمِينَ وأكْرَمُ الأكْرَمِينَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَدْ صَحَّ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ صِدْقُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ خالِقَ أبْدانِ النّاسِ وسائِرِ الحَيَواناتِ لَيْسَ هو الطَّبائِعَ بَلْ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّ السَّبَبَ الَّذِي ذَكَرُوهُ في صَيْرُورَةِ المَوْتِ فاسِدٌ باطِلٌ، وأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ القَوْلُ بِالدَّوْرِ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ الحَياةَ والمَوْتَ إنَّما حَصَلا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ وبِتَقْدِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ قَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ الطَّبائِعَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِلَّةً لِانْتِقالِ الإنْسانِ مِنَ الكَمالِ إلى النُّقْصانِ ومِنَ القُوَّةِ إلى الضَّعْفِ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ انْتِقالَ الإنْسانِ مِنَ الشَّبابِ إلى الشَّيْخُوخَةِ، ومِنَ الصِّحَّةِ إلى الهَرَمِ، ومِنَ العَقْلِ الكامِلِ إلى أنْ صارَ خَرِفًا غافِلًا لَيْسَ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ، بَلْ بِفِعْلِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وإذا ثَبَتَ ما ذَكَرْنا ظَهَرَ أنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ قَدْ ثَبَتَ صِحَّتُهُ بِقاطِعِ القُرْآنِ. ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ وهَذا كالأصْلِ الَّذِي عَلَيْهِ تَفْرِيعُ كُلِّ ما ذَكَرْناهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الطَّبِيعَةَ جاهِلَةٌ لا تُمَيِّزُ بَيْنَ وقْتِ المَصْلَحَةِ ووَقْتِ المَفْسَدَةِ، فَهَذِهِ الِانْفِعالاتُ في هَذا الإنْسانِ لا يُمْكِنُ إسْنادُها إلَيْها. أمّا إلَهُ العالَمِ ومُدَبِّرُهُ وخالِقُهُ، فَهو الكامِلُ في العِلْمِ، الكامِلُ في القُدْرَةِ، فَلِأجْلِ كَمالِ عِلْمِهِ يَعْلَمُ مَقادِيرَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، ولِأجْلِ كَمالِ قُدْرَتِهِ يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِ المَصالِحِ ودَفْعِ المَفاسِدِ، فَلا جَرَمَ أمْكَنَ إسْنادُ تَخْلِيقِ الحَيَواناتِ إلى إلَهِ العالَمِ، فَلا يُمْكِنُ إسْنادُهُ إلى الطَّبائِعِ واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ قالَ المُفَسِّرُونَ: واللَّهُ خَلَقَكم ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، ثُمَّ يَتَوَفّاكم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم، ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وهو أرْدَؤُهُ وأضْعَفُهُ. يُقالُ: رَذُلَ الشَّيْءُ يَرْذُلُ رَذالَةً وأرْذَلَهُ غَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] وقَوْلُهُ: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ﴾ صفحة ٦٣ ﴿إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ هَلْ يَتَناوَلُ المُسْلِمَ أوْ هو مُخْتَصٌّ بِالكافِرِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ يَتَناوَلُهُ، قِيلَ: إنَّهُ العُمُرُ الطَّوِيلُ، وعَلى هَذا الوجه نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: أرْذَلُ العُمُرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً. وقالَ قَتادَةُ: تِسْعُونَ سَنَةً. وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ الخَرَفُ. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الخَرَفَ مَعْناهُ زَوالُ العَقْلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما رَدَّهُ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِأجْلِ أنْ يُزِيلَ عَقْلَهُ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِن أرْذَلِ العُمُرِ هو زَوالَ العَقْلِ لَصارَ الشَّيْءُ عَيْنَ الغايَةِ المَطْلُوبَةِ مِنهُ، وإنَّهُ باطِلٌ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا لَيْسَ في المُسْلِمِينَ والمُسْلِمُ لا يَزْدادُ بِسَبَبِ طُولِ العُمُرِ إلّا كَرامَةً عَلى اللَّهِ تَعالى، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ في حَقِّهِ: إنَّهُ يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التِّينِ: ٥ ] . فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ما رُدُّوا إلى أسْفَلِ سافِلِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِما صَنَعَ أوْلِياؤُهُ وأعْداؤُهُ ”قَدِيرٌ“ عَلى ما يُرِيدُ. * * * المسألة الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ كَما تَدُلُّ عَلى وُجُودِ إلَهِ العالَمِ الفاعِلِ المُخْتارِ، فَهي أيْضًا تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ كانَ عَدَمًا مَحْضًا فَأوْجَدَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أعْدَمَهُ مَرَّةً ثانِيَةً، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْدُومًا في المَرَّةِ الأُولى، وكانَ عَوْدُهُ إلى العَدَمِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ جائِزًا، فَكَذَلِكَ لَمّا صارَ مَوْجُودًا، ثُمَّ عُدِمَ - وجَبَ أنْ يَكُونَ عَوْدُهُ إلى الوُجُودِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ جائِزًا، وأيْضًا كانَ مَيْتًا حِينَ كانَ نُطْفَةً، ثُمَّ صارَ حَيًّا، ثُمَّ ماتَ. فَلَمّا كانَ المَوْتُ الأوَّلُ جائِزًا كانَ عَوْدُ المَوْتِ جائِزًا، فَكَذَلِكَ لَمّا كانَتِ الحَياةُ الأُولى جائِزَةً، وجَبَ أنْ يَكُونَ عَوْدُ الحَياةِ جائِزًا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، وأيْضًا الإنْسانُ في أوَّلِ طُفُولِيَّتِهِ جاهِلٌ لا يَعْرِفُ شَيْئًا، ثُمَّ صارَ عالِمًا عاقِلًا فاهِمًا، فَلَمّا بَلَغَ أرْذَلَ العُمُرِ عادَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ في زَمانِ الطُّفُولِيَّةِ، وهو عَدَمُ العَقْلِ والفَهْمِ، فَعَدَمُ العَقْلِ والفَهْمِ في المَرَّةِ الأُولى عادَ بِعَيْنِهِ في آخِرِ العُمُرِ. فَكَذَلِكَ العَقْلُ الَّذِي حَصَلَ ثُمَّ زالَ - وجَبَ أنْ يَكُونَ جائِزَ العَوْدِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، وإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ ثَبَتَ أنَّ الَّذِي ماتَ وعُدِمَ فَإنَّهُ يَجُوزُ عَوْدُ وُجُودِهِ، وعَوْدُ حَياتِهِ، وعَوْدُ عَقْلِهِ مَرَّةً أُخْرى. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ حَقٌّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا اعْتِبارُ حالٍ أُخْرى مِن أحْوالِ الإنْسانِ، وذَلِكَ أنّا نَرى أكْيَسَ النّاسِ وأكْثَرَهم عَقْلًا وفَهْمًا يُفْنِي عُمُرَهُ في طَلَبِ القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ الدُّنْيا ولا يَتَيَسَّرُ لَهُ ذَلِكَ، ونَرى أجْهَلَ الخَلْقِ وأقَلَّهم عَقْلًا وفَهْمًا تَنْفَتِحُ عَلَيْهِ أبْوابُ الدُّنْيا، وكُلُّ شَيْءٍ خَطَرَ بِبالِهِ ودارَ في خَيالِهِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ في الحالِ، ولَوْ كانَ السَّبَبُ جَهْدَ صفحة ٦٤ الإنْسانِ وعَقْلَهُ، لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأعْقَلُ أفْضَلَ في هَذِهِ الأحْوالِ، فَلَمّا رَأيْنا أنَّ الأعْقَلَ أقَلُّ نَصِيبًا، وأنَّ الأجْهَلَ الأخَسَّ أوْفَرُ نَصِيبًا، عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِسْمَةِ القَسّامِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٢] . وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى القَضاءِ وكَوْنِهِ بُؤْسُ اللَّبِيبِ وطِيبُ عَيْشِ الأحْمَقِ واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّفاوُتَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالمالِ، بَلْ هو حاصِلٌ في الذَّكاءِ والبَلادَةِ والحُسْنِ والقُبْحِ والعَقْلِ والحُمْقِ والصِّحَّةِ والسُّقْمِ، والِاسْمِ الحَسَنِ، والِاسْمِ القَبِيحِ، وهَذا بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ. وقَدْ كُنْتُ مُصاحِبًا لِبَعْضِ المُلُوكِ في بَعْضِ الأسْفارِ، وكانَ ذَلِكَ المَلِكُ كَثِيرَ المالِ والجاهِ، وكانَتِ الجَنائِبُ الكَثِيرَةُ تُقادُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وما كانَ يُمْكِنُهُ رُكُوبُ واحِدٍ مِنها، ورُبَّما حَضَرَتِ الأطْعِمَةُ الشَّهِيَّةُ والفَواكِهُ العَطِرَةُ عِنْدَهُ، وما كانَ يُمْكِنُهُ تَناوُلُ شَيْءٍ مِنها، وكانَ الواحِدُ مِنّا صَحِيحَ المِزاجِ قَوِيَّ البِنْيَةِ كامِلَ القُوَّةِ، وما كانَ يَجِدُ مِلْءَ بَطْنِهِ طَعامًا، فَذَلِكَ المَلِكُ وإنْ كانَ يَفْضُلُ عَلى هَذا الفَقِيرِ في المالِ، إلّا أنَّ هَذا الفَقِيرَ كانَ يَفْضُلُ عَلى ذَلِكَ المَلِكِ في الصِّحَّةِ والقُوَّةِ، وهَذا بابٌ واسِعٌ إذا اعْتَبَرَهُ الإنْسانُ عَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِنهُ. أما قوله: ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الكَلامِ تَقْرِيرُ ما سَبَقَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن أنَّ السَّعادَةَ والنُّحُوسَةَ لا يَحْصُلانِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنَّ المَوالِيَ والمَمالِيكَ أنا رازِقُهم جَمِيعًا، فَهم في رِزْقِي سَواءٌ، فَلا يَحْسَبَنَّ المَوالِي أنَّهم يَرُدُّونَ عَلى مَمالِيكِهِمْ مِن عِنْدِهِمْ شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ، وإنَّما رِزْقِي أجْرَيْتُهُ إلَيْهِمْ عَلى أيْدِيهِمْ. وحاصِلُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ أنَّ الرّازِقَ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّ المالِكَ لا يَرْزُقُ العَبْدَ، بَلِ الرّازِقُ لِلْعَبْدِ والمَوْلى هو اللَّهُ تَعالى، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّهُ رُبَّما كانَ العَبْدُ أكْمَلَ عَقْلًا وأقْوى جِسْمًا وأكْثَرَ وُقُوفًا عَلى المَصالِحِ والمَفاسِدِ مِنَ المَوْلى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذِلَّةَ ذَلِكَ العَبْدِ وعِزَّةَ ذَلِكَ المَوْلى مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٦] . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن أثْبَتَ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعالى، ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ هَذا رَدًّا عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى فَضَّلَ المُلُوكَ عَلى مَمالِيكِهِمْ، فَجَعَلَ المَمْلُوكَ لا يَقْدِرُ عَلى مُلْكٍ مَعَ مَوْلاهُ، فَلَمّا لَمْ تَجْعَلُوا عَبِيدَكم مَعَكم سَواءً في المُلْكِ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ هَذِهِ الجَماداتِ مَعِي سَواءً في المَعْبُودِيَّةِ. والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نَصارى نَجْرانَ حِينَ قالُوا: إنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ابْنُ اللَّهِ، فالمَعْنى أنَّكم لا تُشْرِكُونَ عَبِيدَكم فِيما مَلَكْتُمْ فَتَكُونُوا سَواءً، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ عَبْدِي ولَدًا لِي وشَرِيكًا في الإلَهِيَّةِ ؟ ثم قال تَعالى: ﴿فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾ مَعْنى الفاءِ في قَوْلِهِ ”فَهم“ حَتّى، والمَعْنى: فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِجاعِلِي رِزْقِهِمْ لِعَبِيدِهِمْ، حَتّى تَكُونَ عَبِيدُهم فِيهِ مَعَهم سَواءً في المُلْكِ. ثم قال: ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ”تَجْحَدُونَ“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ و﴿فَضَّلَ بَعْضَكُمْ﴾ والباقُونَ بِالياءِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾ واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ لِقُرْبِ الخَبَرِ عَنْهُ، وأيْضًا فَظاهِرُ صفحة ٦٥ الخِطابِ أنْ يَكُونَ مَعَ المُسْلِمِينَ، والمُسْلِمُونَ لا يُخاطَبُونَ بِجَحْدِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى. المسألة الثّانِيَةُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ الإنْكارُ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أوْرَدَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِيرُونَ جاحِدِينَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ عِبادَةِ الأصْنامِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الوجه الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا كانَ المُعْطِي لِكُلِّ الخَيْراتِ هو اللَّهَ تَعالى، فَمَن أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا فَقَدْ أضافَ إلَيْهِ بَعْضَ تِلْكَ الخَيْراتِ، فَكانَ جاحِدًا لِكَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وأيْضًا فَإنَّ أهْلَ الطَّبائِعِ وأهْلَ النُّجُومِ يُضِيفُونَ أكْثَرَ هَذِهِ النِّعَمِ إلى الطَّبائِعِ وإلى النُّجُومِ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهم جاحِدِينَ لِكَوْنِها مِنَ اللَّهِ تَعالى. والوجه الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الدَّلائِلَ وبَيَّنَها وأظْهَرَها بِحَيْثُ يَفْهَمُها كُلُّ عاقِلٍ، كانَ ذَلِكَ إنْعامًا عَظِيمًا مِنهُ عَلى الخَلْقِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ في تَقْرِيرِهِ هَذِهِ البَياناتِ وإيضاحِ هَذِهِ البَيِّناتِ ”يَجْحَدُونَ“ . المسألة الثّالِثَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً؛ لِأنَّ الجُحُودَ لا يُعَدّى بِالباءِ؛ كَما تَقُولُ: خُذِ الخِطامَ وبِالخِطامِ، وتَعَلَّقْتُ زَيْدًا وبِزَيْدٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالجُحُودِ الكُفْرُ، فَعُدِّيَ بِالباءِ؛ لِكَوْنِهِ بِمَعْنى الكُفْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أحْوالِ النّاسِ، ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ المُخْتارِ الحَكِيمِ؛ ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلى عَبِيدِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ النِّعَمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ قالَ بَعْضُهم: المُرادُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ خِطابٌ مَعَ الكُلِّ، فَتَخْصِيصُهُ بِآدَمَ وحَوّاءَ خِلافُ الدَّلِيلِ، بِلْ هَذا الحكم عامٌّ في جَمِيعِ الذُّكُورِ والإناثِ. والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ النِّساءَ لِيَتَزَوَّجَ بِهِنَّ الذُّكُورُ، ومَعْنى: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٤] . وقَوْلُهُ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النُّورِ: ٦١] أيْ: بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [الروم: ٢١] . قالَ الأطِبّاءُ وأهْلُ الطَّبِيعَةِ: التَّفاوُتُ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّ كُلَّ مَن كانَ أسْخَنَ مِزاجًا فَهو الذَّكَرُ، وكُلَّ مَن كانَ أكْثَرَ بَرْدًا ورُطُوبَةً فَهو المَرْأةُ. ثم قال وا: المَنِيُّ إذا انْصَبَّ إلى الخِصْيَةِ اليُمْنى مِنَ الذَّكَرِ، ثُمَّ انْصَبَّ مِنهُ إلى الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الرَّحِمِ كانَ الوَلَدُ ذَكَرًا تامًّا في الذُّكُورَةِ، وإنِ انْصَبَّ إلى الخِصْيَةِ اليُسْرى مِنَ الرَّجُلِ، ثُمَّ انْصَبَّ مِنها إلى الجانِبِ الأيْسَرِ مِنَ الرَّحِمِ، كانَ الوَلَدُ أُنْثى تامًّا في الأُنُوثَةِ، وإنِ انْصَبَّ إلى الخِصْيَةِ اليُمْنى، ثُمَّ انْصَبَّ مِنها إلى الجانِبِ صفحة ٦٦ الأيْسَرِ مِنَ الرَّحِمِ، كانَ الوَلَدُ ذَكَرًا في طَبِيعَةِ الإناثِ. وإنِ انْصَبَّ إلى الخِصْيَةِ اليُسَرى مِنَ الرَّجُلِ ثُمَّ انْصَبَّ مِنها إلى الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الرَّحِمِ، كانَ هَذا الوَلَدُ أُنْثى في طَبِيعَةِ الذُّكُورِ. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ: أنَّ الذُّكُورَةَ عِلَّتُها الحَرارَةُ واليُبُوسَةُ، والأُنُوثَةَ عِلَّتُها البُرُودَةُ والرُّطُوبَةُ، وهَذِهِ العِلَّةُ في غايَةِ الضَّعْفِ، فَقَدْ رَأيْنا في النِّساءِ مَن كانَ مِزاجُهُ في غايَةِ السُّخُونَةِ وفي الرِّجالِ مَن كانَ مِزاجُهُ في غايَةِ البُرُودَةِ، ولَوْ كانَ المُوجِبُ لِلذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ ذَلِكَ لامْتَنَعَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ الذَّكَرِ والأُنْثى هو الإلَهُ القَدِيمُ الحَكِيمُ. وظَهَرَ بِالدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ . ثم قال تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الحَفَدَةِ مِنَ الحَفَدِ وهو الخِفَّةُ في الخِدْمَةِ والعَمَلِ. يُقالُ: حَفَدَ يَحْفِدُ حَفَدًا وحُفُودًا وحَفَدانًا إذا أسْرَعَ، ومِنهُ في دُعاءِ القُنُوتِ: وإلَيْكَ نَسْعى ونَحْفِدُ، والحَفَدَةُ جَمْعُ الحافِدِ، والحافِدُ: كُلُّ مَن يَخِفُّ في خِدْمَتِكَ ويُسْرِعُ في العَمَلِ بِطاعَتِكَ، يُقالُ في جَمْعِهِ: الحَفَدُ بِغَيْرِ هاءٍ كَما يُقالُ الرَّصَدُ، فَمَعْنى الحَفَدَةِ في اللُّغَةِ الأعْوانُ والخُدّامُ، ثُمَّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَفَدَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الأعْوانَ الَّذِينَ حَصَلُوا لِلرَّجُلِ مِن قِبَلِ المَرْأةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ فالأعْوانُ الَّذِينَ لا يَكُونُونَ مِن قِبَلِ المَرْأةِ لا يَدْخُلُونَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قِيلَ هُمُ الأخْتانُ، وقِيلَ: هُمُ الأصْهارُ، وقِيلَ: ولَدُ الوَلَدِ، والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ، لِما بَيَّنّا أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِلْكُلِّ بِحَسَبِ المَعْنى المُشْتَرَكِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. ثم قال تَعالى: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى إنْعامَهُ عَلى عَبِيدِهِ بِالمَنكُوحِ وما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ والمَصالِحِ ذَكَرَ إنْعامَهُ عَلَيْهِمْ بِالمَطْعُوماتِ الطَّيِّبَةِ، سَواءٌ كانَتْ مِنَ النَّباتِ وهي الثِّمارُ والحُبُوبُ والأشْرِبَةُ أوْ كانَتْ مِنَ الحَيَوانِ، ثم قال: ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يَعْنِي بِالأصْنامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالشَّيْطانِ، وقالَ عَطاءٌ: يُصَدِّقُونَ أنَّ لِي شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا: ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: بِأنْ يُضِيفُوها إلى غَيْرِ اللَّهِ ويَتْرُكُوا إضافَتَها إلى اللَّهِ تَعالى. وِفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ: أنَّهم يُحَرِّمُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ طَيِّباتٍ أحَلَّها اللَّهُ لَهم مِثْلَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ، ويُبِيحُونَ لِأنْفُسِهِمْ مُحَرَّماتٍ حَرَّمَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ وهي: المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ، يَعْنِي: لِمَ يَحْكُمُونَ بِتِلْكَ الأحْكامِ الباطِلَةِ، وبِإنْعامِ اللَّهِ في تَحْلِيلِ الطَّيِّباتِ، وتَحْرِيمِ الخَبِيثاتِ يَجْحَدُونَ ويَكْفُرُونَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أنْواعًا كَثِيرَةً في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وتِلْكَ الأنْواعُ كَما أنَّها دَلائِلُ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ، فَكَذَلِكَ بَدَأ بِذِكْرِ أقْسامِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ أتْبَعَها في هَذِهِ الآيَةِ بِالرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ صفحة ٦٧ فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أمّا الرِّزْقُ الَّذِي يَأْتِي مِن جانِبِ السَّماءِ فَيَعْنِي بِهِ الغَيْثَ الَّذِي يَأْتِي مِن جِهَةِ السَّماءِ، وأمّا الَّذِي يَأْتِي مِن جانِبِ الأرْضِ فَهو النَّباتُ والثِّمارُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنها، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن: صِفَةُ النَّكِرَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿رِزْقًا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ الغَيْثِ والنَّباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿شَيْئًا﴾ قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿شَيْئًا﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿رِزْقًا﴾، والمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ رِزْقًا لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، ثم قال: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ والفائِدَةُ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ أنَّ مَن لا يَمْلِكُ شَيْئًا قَدْ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِاسْتِطاعَتِهِ أنْ يَتَمَلَّكَهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا تَمْلِكُ ولَيْسَ لَها أيْضًا اسْتِطاعَةُ تَحْصِيلِ المُلْكِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ﴾ فَعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِصِيغَةِ ”ما“ وهي لِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ، ثم قال: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ . والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مُخْتَصٌّ بِأُولِي العِلْمِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ ”ما“ اعْتِبارًا لِما هو الحَقِيقَةُ في نَفْسِ الأمْرِ، وذَكَرَ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ اعْتِبارًا لِما يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها آلِهَةٌ. ثم قال تَعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لا تَجْعَلُوا لِلَّهِ مَثَلًا؛ لِأنَّهُ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ. والثّالِثُ: أقُولُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ إلَهَ العالَمِ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يَعْبُدَهُ الواحِدُ مِنّا، بَلْ نَحْنُ نَعْبُدُ الكَواكِبَ، أوْ نَعْبُدُ هَذِهِ الأصْنامَ، ثُمَّ إنَّ الكَواكِبَ والأصْنامَ عَبِيدُ الإلَهِ الأكْبَرِ الأعْظَمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ العُرْفُ، فَإنَّ أصاغِرَ النّاسِ يَخْدِمُونَ أكابِرَ حَضْرَةِ المَلِكِ، وأُولَئِكَ الأكابِرُ يَخْدِمُونَ المَلِكَ فَكَذا هَهُنا، فَعِنْدَ هَذا قالَ اللَّهُ تَعالى لَهم: اتْرُكُوا عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ والكَواكِبِ، ولا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها وكُونُوا مُخْلِصِينَ في عِبادَةِ الإلَهِ الحَكِيمِ القَدِيرِ. ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ما عَلَيْكم مِنَ العِقابِ العَظِيمِ، بِسَبَبِ عِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، ولَوْ عَلِمْتُمُوهُ لَتَرَكْتُمْ عِبادَتَها. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَهاكم عَنْ عِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ فاتْرُكُوا عِبادَتَها، واتْرُكُوا دَلِيلَكُمُ الَّذِي عَوَّلْتُمْ عَلَيْهِ وهو قَوْلُكم: الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ عَبِيدِ المَلِكِ أدْخَلُ في التَّعْظِيمِ مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ نَفْسِ المَلِكِ؛ لِأنَّ هَذا قِياسٌ، والقِياسُ يَجِبُ تَرْكُهُ عِنْدَ وُرُودِ النَّصِّ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .

النحل 16:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أنْواعًا كَثِيرَةً في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وتِلْكَ الأنْواعُ كَما أنَّها دَلائِلُ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ، فَكَذَلِكَ بَدَأ بِذِكْرِ أقْسامِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ أتْبَعَها في هَذِهِ الآيَةِ بِالرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ صفحة ٦٧ فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أمّا الرِّزْقُ الَّذِي يَأْتِي مِن جانِبِ السَّماءِ فَيَعْنِي بِهِ الغَيْثَ الَّذِي يَأْتِي مِن جِهَةِ السَّماءِ، وأمّا الَّذِي يَأْتِي مِن جانِبِ الأرْضِ فَهو النَّباتُ والثِّمارُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنها، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن: صِفَةُ النَّكِرَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿رِزْقًا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ الغَيْثِ والنَّباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿شَيْئًا﴾ قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿شَيْئًا﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿رِزْقًا﴾، والمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ رِزْقًا لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، ثم قال: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ والفائِدَةُ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ أنَّ مَن لا يَمْلِكُ شَيْئًا قَدْ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِاسْتِطاعَتِهِ أنْ يَتَمَلَّكَهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا تَمْلِكُ ولَيْسَ لَها أيْضًا اسْتِطاعَةُ تَحْصِيلِ المُلْكِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ﴾ فَعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِصِيغَةِ ”ما“ وهي لِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ، ثم قال: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ . والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مُخْتَصٌّ بِأُولِي العِلْمِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ ”ما“ اعْتِبارًا لِما هو الحَقِيقَةُ في نَفْسِ الأمْرِ، وذَكَرَ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ اعْتِبارًا لِما يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها آلِهَةٌ. ثم قال تَعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ. الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لا تَجْعَلُوا لِلَّهِ مَثَلًا؛ لِأنَّهُ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ. والثّالِثُ: أقُولُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ إلَهَ العالَمِ أجَلُّ وأعْظَمُ مِن أنْ يَعْبُدَهُ الواحِدُ مِنّا، بَلْ نَحْنُ نَعْبُدُ الكَواكِبَ، أوْ نَعْبُدُ هَذِهِ الأصْنامَ، ثُمَّ إنَّ الكَواكِبَ والأصْنامَ عَبِيدُ الإلَهِ الأكْبَرِ الأعْظَمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ العُرْفُ، فَإنَّ أصاغِرَ النّاسِ يَخْدِمُونَ أكابِرَ حَضْرَةِ المَلِكِ، وأُولَئِكَ الأكابِرُ يَخْدِمُونَ المَلِكَ فَكَذا هَهُنا، فَعِنْدَ هَذا قالَ اللَّهُ تَعالى لَهم: اتْرُكُوا عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ والكَواكِبِ، ولا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها وكُونُوا مُخْلِصِينَ في عِبادَةِ الإلَهِ الحَكِيمِ القَدِيرِ. ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ما عَلَيْكم مِنَ العِقابِ العَظِيمِ، بِسَبَبِ عِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، ولَوْ عَلِمْتُمُوهُ لَتَرَكْتُمْ عِبادَتَها. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَهاكم عَنْ عِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ فاتْرُكُوا عِبادَتَها، واتْرُكُوا دَلِيلَكُمُ الَّذِي عَوَّلْتُمْ عَلَيْهِ وهو قَوْلُكم: الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ عَبِيدِ المَلِكِ أدْخَلُ في التَّعْظِيمِ مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ نَفْسِ المَلِكِ؛ لِأنَّ هَذا قِياسٌ، والقِياسُ يَجِبُ تَرْكُهُ عِنْدَ وُرُودِ النَّصِّ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .

النحل 16:75

ثم قال تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أكَّدَ إبْطالَ مَذْهَبِ عَبَدَةِ الأصْنامِ بِهَذا المِثالِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذا المَثَلِ قَوْلانِ: صفحة ٦٨ القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنّا لَوْ فَرَضْنا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وفَرَضْنا حُرًّا كَرِيمًا غَنِيًّا كَثِيرَ الإنْفاقِ سِرًّا وجَهْرًا، فَصَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّهُ لا تَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في التَّعْظِيمِ والإجْلالِ لَمّا لَمْ تَجُزِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما مَعَ اسْتِوائِهِما في الخِلْقَةِ والصُّورَةِ والبَشَرِيَّةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يُسَوِّي بَيْنَ اللَّهِ القادِرِ عَلى الرِّزْقِ والإفْضالِ، وبَيْنَ الأصْنامِ الَّتِي لا تَمْلِكُ ولا تَقْدِرُ البَتَّةَ ! والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالعَبْدِ المَمْلُوكِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ هو الكافِرُ، فَإنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ بَقِيَ مَحْرُومًا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وعَنْ طاعَتِهِ صارَ كالعَبْدِ الذَّلِيلِ الفَقِيرِ العاجِزِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو المُؤْمِنُ؛ فَإنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِالتَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في المَرْتَبَةِ والشَّرَفِ والقُرْبِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أقْرَبُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها إنَّما ورَدَ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ، وفي الرَّدِّ عَلى القائِلِينَ بِالشِّرْكِ، فَحَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى أوْلى. المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّنَمُ؛ لِأنَّهُ عَبْدٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٣] . وأمّا أنَّهُ مَمْلُوكٌ ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ فَظاهِرٌ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا﴾ عابِدُ الصَّنَمِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى رَزَقَهُ المالَ، وهو يُنْفِقُ مِن ذَلِكَ المالِ عَلى نَفْسِهِ وعَلى أتْباعِهِ سِرًّا وجَهْرًا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هُما لا يَسْتَوِيانِ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، بَلْ صَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ ذَلِكَ القادِرَ أكْمَلُ حالًا وأفْضَلُ مَرْتَبَةً مِن ذَلِكَ العاجِزِ، فَهُنا صَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ عابِدَ الصَّنَمِ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ الصَّنَمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الحكم بِكَوْنِهِ مُساوِيًا لِرَبِّ العالَمِينَ في العُبُودِيَّةِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ عَبْدٌ مُعَيَّنٌ، وقِيلَ: هو عَبْدٌ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ عَلى عُثْمانَ خاصَّةً. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ عَبْدٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وفي كُلِّ حُرٍّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهَذا القَوْلُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّهُ هو المُوافِقُ لِما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الفُقَهاءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ شَيْئًا. فَإنْ قالُوا: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَبْدًا مِنَ العَبِيدِ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ كُلَّ عَبْدٍ كَذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الحكم المَذْكُورَ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحكم، وكَوْنُهُ عَبْدًا وصْفٌ مُشْعِرٌ بِالذُّلِّ والمَقْهُورِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ حُكْمٌ مَذْكُورٌ عَقِيبَهُ. فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ العِلَّةَ لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى شَيْءٍ هو كَوْنُهُ عَبْدًا، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَثْبُتُ العُمُومُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ فَمَيَّزَ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ عَنِ القِسْمِ الأوَّلِ، وهو العَبْدُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وهو أنَّهُ يَرْزُقُهُ رِزْقًا، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الوَصْفُ لِلْعَبْدِ حَتّى يَحْصُلَ الِامْتِيازُ بَيْنَ القِسْمِ الثّانِي وبَيْنَ القِسْمِ الأوَّلِ، ولَوْ مَلَكَ العَبْدُ لَكانَ اللَّهُ قَدْ آتاهُ رِزْقًا حَسَنًا؛ لِأنَّ المِلْكَ الحَلالَ رِزْقٌ حَسَنٌ، سَواءٌ كانَ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا. فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوجه يْنِ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ العَبْدَ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ولا صفحة ٦٩ يَمْلِكُ شَيْئًا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ التَّشَدُّدُ في ذَلِكَ حَتّى قالَ: لا يَمْلِكُ الطَّلاقَ أيْضًا. وأكْثَرُ الفُقَهاءِ قالُوا: يَمْلِكُ الطَّلاقَ إنَّما لا يَمْلِكُ المالَ ولا ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِالمالِ. واخْتَلَفُوا في أنَّ المالِكَ إذا مَلَّكَهُ شَيْئًا فَهَلْ يَمْلِكُهُ أمْ لا ؟ وظاهِرُ الآيَةِ يَنْفِيهِ. * * * بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾، وكُلُّ عَبْدٍ فَهو مَمْلُوكٌ وغَيْرُ قادِرٍ عَلى التَّصَرُّفِ ؟ قُلْنا: أمّا ذِكْرُ المَمْلُوكِ فَلِيَحْصُلَ الِامْتِيازُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحُرِّ؛ لِأنَّ الحُرَّ قَدْ يُقالُ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وأما قوله: ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ قَدْ يَحْصُلُ الِامْتِيازُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُكاتَبِ، وبَيْنَ العَبْدِ المَأْذُونِ؛ لِأنَّهُما لا يَقْدِرانِ عَلى التَّصَرُّفِ. السُّؤالُ الثّانِي: ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن رَزَقْناهُ﴾ ما هي ؟ قُلْنا: الظّاهِرُ أنَّها مَوْصُوفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: وحُرًّا رَزَقْناهُ لِيُطابِقَ عَبْدًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ”يَسْتَوُونَ“ عَلى الجَمْعِ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ هَلْ يَسْتَوِي الأحْرارُ والعَبِيدُ. ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما فَعَلَ بِأوْلِيائِهِ وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ. والثّانِي: المَعْنى أنَّ كُلَّ الحَمْدِ لِلَّهِ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الحَمْدِ لِلْأصْنامِ؛ لِأنَّها لا نِعْمَةَ لَها عَلى أحَدٍ. وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ الحَمْدِ لِلَّهِ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ لِلْأصْنامِ. الثّالِثُ: قالَ القاضِي في التَّفْسِيرِ: قالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُلِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى أنْ مَيَّزَهُ في هَذِهِ القُدْرَةِ عَنْ ذَلِكَ العَبْدِ الضَّعِيفِ. الرّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا المَثَلَ، وكانَ هَذا مَثَلًا مُطابِقًا لِلْغَرَضِ كاشِفًا عَنِ المَقْصُودِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَعْنِي: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى قُوَّةِ هَذِهِ الحُجَّةِ وظُهُورِ هَذِهِ البَيِّنَةِ. ثم قال: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّها مَعَ غايَةِ ظُهُورِها ونِهايَةِ وُضُوحِها لا يَعْلَمُها ولا يَفْهَمُها هَؤُلاءِ الضُّلّالُ.

النحل 16:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أبْطَلَ قَوْلَ عَبَدَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ بِهَذا المَثَلِ الثّانِي، وتَقْرِيرُهُ: أنَّهُ كَما تَقَرَّرَ في أوائِلِ العُقُولِ أنَّ الأبْكَمَ العاجِزَ لا يَكُونُ مُساوِيًا في الفَضْلِ والشَّرَفِ لِلنّاطِقِ القادِرِ الكامِلِ مَعَ اسْتِوائِهِما في البَشَرِيَّةِ؛ فَلَأنْ يُحْكَمَ بِأنَّ الجَمادَ لا يَكُونُ مُساوِيًا لِرَبِّ العالَمِينَ في المَعْبُودِيَّةِ كانَ أوْلى. ثُمَّ نَقُولُ: في الآيَةِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الرَّجُلَ الأوَّلَ بِصِفاتٍ: صفحة ٧٠ الصِّفَةُ الأُولى: الأبْكَمُ، وفي تَفْسِيرِهِ أقْوالٌ، نَقَلَها الواحِدِيُّ: الأوَّلُ: قالَ أبُو زَيْدٍ: رَجُلٌ أبْكَمُ، وهو العَيِيُّ المُقْحَمُ، وقَدْ بَكِمَ بَكَمًا وبَكامَةً، وقالَ أيْضًا: الأبْكَمُ الأقْطَعُ اللِّسانِ وهو الَّذِي لا يُحْسِنُ الكَلامَ. الثّانِي: رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الأبْكَمُ الَّذِي لا يَعْقِلُ. الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: الأبْكَمُ المُطْبَقُ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ وهو إشارَةٌ إلى العَجْزِ التّامِّ والنُّقْصانِ الكامِلِ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ أيْ: هَذا الأبْكَمُ العاجِزُ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ. قالَ أهْلُ المَعانِي: أصْلُهُ مِنَ الغِلَظِ الَّذِي هو نَقِيضُ الحِدَّةِ، يُقالُ: كَلَّ السِّكِّينُ إذا غَلُظَتْ شَفْرَتُهُ فَلَمْ يَقْطَعْ، وكَلَّ لِسانُهُ إذا غَلُظَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى الكَلامِ، وكَلَّ فُلانٌ عَنِ الأمْرِ إذا ثَقُلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْبَعِثْ فِيهِ. فَقَوْلُهُ: ﴿كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ أيْ: غَلِيظٌ وثَقِيلٌ عَلى مَوْلاهُ. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ أيْ: أيْنَما يُرْسِلْهُ، ومَعْنى التَّوْجِيهِ أنْ تُرْسِلَ صاحِبَكَ في وجْهٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الطَّرِيقِ، يُقالُ: وجَّهْتُهُ إلى مَوْضِعِ كَذا فَتَوَجَّهَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ مَعْناهُ: لِأنَّهُ عاجِزٌ لا يُحْسِنُ ولا يَفْهَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ أيْ: هَذا المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ، ﴿ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الآمِرَ بِالعَدْلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالنُّطْقِ وإلّا لَمْ يَكُنْ آمِرًا. ويَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا؛ لِأنَّ الأمْرَ مُشْعِرٌ بِعِلَّةِ المَرْتَبَةِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ كَوْنِهِ قادِرًا، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا حَتّى يُمْكِنُهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ العَدْلِ وبَيْنَ الجَوْرِ. فَثَبَتَ أنَّ وصْفَهُ بِأنَّهُ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ يَتَضَمَّنُ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ قادِرًا عالِمًا، وكَوْنُهُ آمِرًا يُناقِضُ كَوْنَ الأوَّلِ أبْكَمَ، وكَوْنُهُ قادِرًا يُناقِضُ وصْفَ الأوَّلِ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وبِأنَّهُ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ، وكَوْنُهُ عالِمًا يُناقِضُ وصْفَ الأوَّلِ بِأنَّهُ لا يَأْتِي بِخَيْرٍ. ثم قال: ﴿وهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مَعْناهُ: كَوْنُهُ عادِلًا مُبَرَّأً عَنِ الجَوْرِ والعَبَثِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظاهِرٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّ الأوَّلَ والثّانِيَ لا يَسْتَوِيانِ، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِهَذا المَثَلِ أقْوالٌ كَما في المَثَلِ المُتَقَدِّمِ: فالقَوْلُ الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ هَذا مَثَلُ إلَهِ الخَلْقِ وما يُدْعى مِن دُونِهِ مِنَ الباطِلِ. وأمّا الأبْكَمُ فَمَثَلُ الصَّنَمِ؛ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ البَتَّةَ، وكَذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وأيْضًا كَلٌّ عَلى عابِدِيهِ؛ لِأنَّهُ لا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ وهم يُنْفِقُونَ عَلَيْهِ، وأيْضًا إلى أيِّ مُهِمٍّ تَوَجَّهَ الصَّنَمُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ. وأمّا الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الأبْكَمِ هو عَبْدٌ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، كانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَكْرَهُ الإسْلامَ، وما كانَ فِيهِ خَيْرٌ، ومَوْلاهُ وهو عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ كانَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وكانَ عَلى الدِّينِ القَوِيمِ والصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ كُلُّ عَبْدٍ مَوْصُوفٍ بَهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ، وكُلُّ حُرٍّ مَوْصُوفٍ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ وصْفَهُ تَعالى إيّاهُما بِكَوْنِهِما رَجُلَيْنِ يَمْنَعُ مِن حَمْلِ ذَلِكَ عَلى الوَثَنِ، وكَذَلِكَ بِالبَكَمِ وبِالكَلِّ، والتَّوَجُّهُ في جِهاتِ المَنافِعِ، وكَذَلِكَ وصْفُ الآخَرِ بِأنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأيْضًا فالمَقْصُودُ تَشْبِيهُ صُورَةٍ بِصُورَةٍ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وذَلِكَ التَّشْبِيهُ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ كَوْنِ أحَدِ الصُّورَتَيْنِ مُغايِرَةً لِلْأُخْرى. صفحة ٧١ وأمّا القَوْلُ الثّانِي فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إبانَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مَوْصُوفَيْنِ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ أيًّا ما حَصَلَ التَّفاوُتُ في الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ حَصَلَ المَقْصُودُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى مَثَلَ الكُفّارِ بِالأبْكَمِ العاجِزِ، ومَثَلَ نَفْسِهِ بِالَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ يُمْتَنَعُ أنْ يَكُوُنَ آمِرًا بِالعَدْلِ، وأنْ يَكُونَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إلّا إذا كانَ كامِلًا في العِلْمِ والقُدْرَةِ - ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ كَوْنِهِ كامِلًا في العِلْمِ والقُدْرَةِ، أمّا بَيانُ كَمالِ العِلْمِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمَعْنى: عَلِمَ اللَّهُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ: أنَّ العِلْمَ بِهَذِهِ الغُيُوبِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وأمّا بَيانُ كَمالِ القُدْرَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾، والسّاعَةُ: هي الوَقْتُ الَّذِي تَقُومُ فِيهِ القِيامَةُ، سُمِّيَتْ ساعَةً؛ لِأنَّها تَفْجَأُ الإنْسانَ في ساعَةٍ فَيَمُوتُ الخَلْقُ بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ اللَّمْحُ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: لَمَحَهُ بِبَصَرِهِ لَمْحًا ولَمَحانًا، والمَعْنى: وما أمْرُ القِيامَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَطَرْفِ العَيْنِ، والمُرادُ مِنهُ تَقْرِيرُ كَمالِ القُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ مَعْناهُ: أنَّ لَمْحَ البَصَرِ عِبارَةٌ عَنِ انْتِقالِ الجِسْمِ المُسَمّى بِالطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها، ولا شَكَّ أنَّ الحَدَقَةَ مُؤَلَّفَةٌ مِن أجْزاءٍ لا تَتَجَزَّأُ، فَلَمْحُ البَصَرِ عِبارَةٌ عَنِ المُرُورِ عَلى جُمْلَةِ تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي مِنها تَألَّفَ سَطْحُ الحَدَقَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ كَثِيرَةٌ، والزَّمانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ لَمْحُ البَصَرِ مُرَكَّبٌ مِن آناتٍ مُتَعاقِبَةٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ القِيامَةِ في آنٍ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآناتِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ . إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ أسْرَعُ الأحْوالِ والحَوادِثِ في عُقُولِنا وأفْكارِنا هو لَمْحَ البَصَرِ - لا جَرَمَ ذَكَرَهُ. ثم قال: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾؛ تَنْبِيهًا عَلى ما ذَكَرْناهُ، ولا شُبْهَةَ في أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ طَرِيقَةَ الشَّكِّ، بِلِ المُرادُ: بَلْ هو أقْرَبُ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِهِ الإبْهامُ عَنِ المُخاطَبِينَ أنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِالسّاعَةِ إمّا بِقَدْرِ لَمْحِ البَصَرِ أوْ بِما هو أسْرَعُ. قالَ القاضِي: هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ إقامَةَ السّاعَةِ لَيْسَتْ حالَ تَكْلِيفٍ حَتّى يُقالُ: إنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِها في زَمانٍ، بَلِ الواجِبُ أنْ يَخْلُقَها دُفْعَةً واحِدَةً في وقْتٍ واحِدٍ، ويُفارِقُ ما ذَكَرْناهُ في ابْتِداءِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَ حالُ تَكْلِيفٍ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَخْلُقَها كَذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَصْلَحَةِ المَلائِكَةِ. * * * واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى مَذْهَبِ القاضِي، أمّا عَلى قَوْلِنا في أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ صفحة ٧٢ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ فَلَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ إلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إمَّهاتِكُمْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِضَمِّها. المسألة الثّانِيَةُ: ”أُمَّهاتِكُمْ“ أصْلُهُ: أُمّاتِكم، إلّا أنَّهُ زِيدَ الهاءُ فِيهِ كَما زِيدَ في أراقَ فَقِيلَ: أهْراقَ، وشَذَّتْ زِيادَتُها في الواحِدَةِ في قَوْلِهِ: أُمَّهَتِي خِنْدَفُ واليَأْسُ أبِي المسألة الثّالِثَةُ: الإنْسانُ خُلِقَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ خالِيًا عَنْ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ. ثم قال: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ المَعْنى: أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَمّا كانَتْ في أوَّلِ الخِلْقَةِ خالِيَةً عَنِ المَعارِفِ والعُلُومِ بِاللَّهِ، فاللَّهُ أعْطاهُ هَذِهِ الحَواسَّ؛ لِيَسْتَفِيدَ بِها المَعارِفَ والعُلُومَ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ تَقْرِيرٍ، فَنَقُولُ: التَّصَوُّراتُ والتَّصْدِيقاتُ إمّا أنْ تَكُونَ كَسْبِيَّةً، وإمّا أنْ تَكُونَ بَدِيهِيَّةً، والكَسْبِيّاتُ إنَّما يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بِواسِطَةِ تَرْكِيباتِ البَدِيهِيّاتِ، فَلا بُدَّ مِن سَبْقِ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وحِينَئِذٍ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ: هَذِهِ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ حاصِلَةً مُنْذَ خُلِقْنا أوْ ما كانَتْ حاصِلَةً. والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنّا بِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ أنّا حِينَ كُنّا جَنِينًا في رَحِمِ الأُمِّ ما كُنّا نَعْرِفُ أنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ، وما كُنّا نَعْرِفُ أنَّ الكُلَّ أعْظَمُ مِنَ الجُزْءِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ العُلُومَ البَدِيهِيَّةَ حَصَلَتْ في نُفُوسِنا بَعْدَ أنَّها ما كانَتْ حاصِلَةً، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا بِكَسْبٍ وطَلَبٍ، وكُلُّ ما كانَ كَسْبِيًّا فَهو مَسْبُوقٌ بِعُلُومٍ أُخْرى، فَهَذِهِ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ تَصِيرُ كَسْبِيَّةً، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ مَسْبُوقَةً بِعُلُومٍ أُخْرى إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، وهَذا سُؤالٌ قَوِيٌّ مُشْكِلٌ. وجَوابُهُ أنْ نَقُولَ: الحَقُّ أنَّ هَذِهِ العُلُومَ البَدِيهِيَّةَ ما كانَتْ حاصِلَةً في نُفُوسِنا، ثُمَّ إنَّها حَدَثَتْ وحَصَلَتْ. أما قوله: فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ كَسْبِيَّةً. قُلْنا: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ مَمْنُوعَةٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّها إنَّما حَدَثَتْ في نُفُوسِنا بَعْدَ عَدَمِها بِواسِطَةِ إعانَةِ الحَواسِّ الَّتِي هي السَّمْعُ والبَصَرُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ النَّفْسَ كانَتْ في مَبْدَأِ الخِلْقَةِ خالِيَةً عَنْ جَمِيعِ العُلُومِ إلّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّمْعَ والبَصَرَ، فَإذا أبْصَرَ الطِّفْلُ شَيْئًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ارْتَسَمَ في خَيالِهِ ماهِيَّةُ ذَلِكَ المُبْصَرِ، وكَذَلِكَ إذا سَمِعَ شَيْئًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ارْتَسَمَ في سَمْعِهِ وخَيالِهِ ماهِيَّةُ ذَلِكَ المَسْمُوعِ، وكَذا الطَّوْلُ في سائِرِ الحَواسِّ فَيَصِيرُ حُصُولُ الحَواسِّ سَبَبًا لِحُضُورِ ماهِيّاتِ المَحْسُوساتِ في النَّفْسِ والعَقْلِ. ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الماهِيّاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُ القِسْمَيْنِ: ما يَكُونُ نَفْسُ حُضُورِهِ مُوجِبًا تامًّا في جَزْمِ الذِّهْنِ بِإسْنادِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوِ الإثْباتِ، مِثْلَ أنَّهُ إذا حَضَرَ في الذِّهْنِ أنَّ الواحِدَ ما هو ؟ وأنَّ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ ما هو ؟ كانَ حُضُورُ هَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ في الذِّهْنِ عِلَّةً تامَّةً في جَزْمِ الذِّهْنِ بِأنَّ الواحِدَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وهَذا القِسْمُ هو عَيْنُ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ. والقِسْمُ الثّانِي: ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ وهو العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ، مِثْلَ أنَّهُ إذا حَضَرَ في الذِّهْنِ أنَّ الجِسْمَ ما هو ؟ وأنَّ المُحْدَثَ ما هو ؟ فَإنَّ مُجَرَّدَ هَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ في الذِّهْنِ لا يَكْفِي في جَزْمِ الذِّهْنِ بِأنَّ الجِسْمَ مُحْدَثٌ، بَلْ صفحة ٧٣ لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وعُلُومٍ سابِقَةٍ. والحاصِلُ أنَّ العُلُومَ الكَسْبِيَّةَ إنَّما يُمْكِنُ اكْتِسابُها بِواسِطَةِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ. وحُدُوثُ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ إنَّما كانَ عِنْدَ حُدُوثِ تَصَوُّرِ مَوْضُوعاتِها وتَصَوُّرِ مَحْمُولاتِها. وحُدُوثُ هَذِهِ التَّصَوُّراتِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ إعانَةِ هَذِهِ الحَواسِّ عَلى جُزْئِيّاتِها، فَظَهَرَ أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ لِحُدُوثِ هَذِهِ المَعارِفِ في النُّفُوسِ والعُقُولِ هو أنَّهُ تَعالى أعْطى هَذِهِ الحَواسَّ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ لِيَصِيرَ حُصُولُ هَذِهِ الحَواسِّ سَبَبًا لِانْتِقالِ نُفُوسِكم مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهَذِهِ أبْحاثٌ شَرِيفَةٌ عَقْلِيَّةٌ مَحْضَةٌ، مُدْرَجَةٌ في هَذِهِ الآياتِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ لِتَسْمَعُوا مَواعِظَ اللَّهِ ﴿والأبْصارَ﴾ لِتُبْصِرُوا دَلائِلَ اللَّهِ، ﴿والأفْئِدَةَ﴾ لِتَعْقِلُوا عَظَمَةَ اللَّهِ، والأفْئِدَةُ: جَمْعُ فُؤادٍ نَحْوَ أغْرِبَةٍ وغُرابٍ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يُجْمَعْ فُؤادٌ عَلى أكْثَرِ العَدَدِ، وما قِيلَ فِيهِ فِئْدانٌ، كَما قِيلَ: غُرابٌ غِرْبانٌ. وأقُولُ: لَعَلَّ الفُؤادَ إنَّما جُمِعَ عَلى بِناءِ جَمْعِ القِلَّةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ كَثِيرانِ، وأنَّ الفُؤادَ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ الفُؤادَ إنَّما خُلِقَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ، وأكْثَرُ الخَلْقِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُونَ مَشْغُولِينَ بِالأفْعالِ البَهِيمِيَّةِ والصِّفاتِ السَّبُعِيَّةِ، فَكَأنَّ فُؤادَهم لَيْسَ بِفُؤادٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ في جَمْعِهِ صِيغَةَ جَمْعِ القِلَّةِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَكُمْ﴾، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جَعْلُ السَّمْعِ والبَصَرِ مُتَأخِّرًا عَنِ الإخْراجِ عَنِ البَطْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. والجَوابُ: أنَّ حَرْفَ الواوِ لا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ؛ وأيْضًا إذا حَمَلْنا السَّمْعَ عَلى الِاسْتِماعِ، والأبْصارَ عَلى الرُّؤْيَةِ - زالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * أما قوله: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ألَمْ تَرَوْا“ بِالتّاءِ، والباقُونَ: بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكُفّارِ. المسألة الثّانِيَةُ: هَذا دَلِيلٌ آخَرُ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، فَإنَّهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الطَّيْرَ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُهُ الطَّيَرانُ وخَلَقَ الجَوَّ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُ الطَّيَرانُ فِيهِ لَما أمْكَنَ ذَلِكَ. فَإنَّهُ تَعالى أعْطى الطَّيْرَ جَناحًا يَبْسُطُهُ مَرَّةً ويَكْسِرُهُ أُخْرى، مِثْلَ ما يَعْمَلُهُ السّابِحُ في الماءِ، وخَلَقَ الهَواءَ خِلْقَةً لَطِيفَةً رَقِيقَةً يَسْهُلُ بِسَبَبِها خَرْقُهُ والنَّفاذُ فِيهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ الطَّيَرانُ مُمْكِنًا. وأما قوله تَعالى: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ فالمَعْنى: أنَّ جَسَدَ الطَّيْرِ جِسْمٌ ثَقِيلٌ، والجِسْمُ الثَّقِيلُ يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ في الجَوِّ مُعَلَّقًا مِن غَيْرِ دِعامَةٍ تَحْتَهُ ولا عَلاقَةَ فَوْقَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُمْسِكُ لَهُ في ذَلِكَ الجَوْهَرِ - اللَّهَ تَعالى. ثُمَّ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ بَقاءَهُ في الجَوِّ مُعَلَّقًا فِعْلُهُ، وحاصِلٌ بِاخْتِيارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ فِعْلِ العَبْدِ هو اللَّهُ تَعالى. قالَ القاضِي: إنَّما أضافَ اللَّهُ تَعالى هَذا الإمْساكَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى الآلاتِ الَّتِي لِأجْلِها يُمَكِّنُ الطَّيْرَ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، فَلَمّا كانَ تَعالى هو المُسَبِّبُ لِذَلِكَ لا جَرَمَ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: أنَّ هَذا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، لا سِيَّما والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى. صفحة ٧٤ ثم قال تَعالى في آخَرِ الآيَةِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ هَذِهِ الآياتِ بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها وإنْ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ لِكُلِّ العُقَلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى مَثَلَ الكُفّارِ بِالأبْكَمِ العاجِزِ، ومَثَلَ نَفْسِهِ بِالَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ يُمْتَنَعُ أنْ يَكُوُنَ آمِرًا بِالعَدْلِ، وأنْ يَكُونَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إلّا إذا كانَ كامِلًا في العِلْمِ والقُدْرَةِ - ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ كَوْنِهِ كامِلًا في العِلْمِ والقُدْرَةِ، أمّا بَيانُ كَمالِ العِلْمِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمَعْنى: عَلِمَ اللَّهُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ: أنَّ العِلْمَ بِهَذِهِ الغُيُوبِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وأمّا بَيانُ كَمالِ القُدْرَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾، والسّاعَةُ: هي الوَقْتُ الَّذِي تَقُومُ فِيهِ القِيامَةُ، سُمِّيَتْ ساعَةً؛ لِأنَّها تَفْجَأُ الإنْسانَ في ساعَةٍ فَيَمُوتُ الخَلْقُ بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ اللَّمْحُ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: لَمَحَهُ بِبَصَرِهِ لَمْحًا ولَمَحانًا، والمَعْنى: وما أمْرُ القِيامَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَطَرْفِ العَيْنِ، والمُرادُ مِنهُ تَقْرِيرُ كَمالِ القُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ مَعْناهُ: أنَّ لَمْحَ البَصَرِ عِبارَةٌ عَنِ انْتِقالِ الجِسْمِ المُسَمّى بِالطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها، ولا شَكَّ أنَّ الحَدَقَةَ مُؤَلَّفَةٌ مِن أجْزاءٍ لا تَتَجَزَّأُ، فَلَمْحُ البَصَرِ عِبارَةٌ عَنِ المُرُورِ عَلى جُمْلَةِ تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي مِنها تَألَّفَ سَطْحُ الحَدَقَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ كَثِيرَةٌ، والزَّمانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ لَمْحُ البَصَرِ مُرَكَّبٌ مِن آناتٍ مُتَعاقِبَةٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ القِيامَةِ في آنٍ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآناتِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ . إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ أسْرَعُ الأحْوالِ والحَوادِثِ في عُقُولِنا وأفْكارِنا هو لَمْحَ البَصَرِ - لا جَرَمَ ذَكَرَهُ. ثم قال: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾؛ تَنْبِيهًا عَلى ما ذَكَرْناهُ، ولا شُبْهَةَ في أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ طَرِيقَةَ الشَّكِّ، بِلِ المُرادُ: بَلْ هو أقْرَبُ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِهِ الإبْهامُ عَنِ المُخاطَبِينَ أنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِالسّاعَةِ إمّا بِقَدْرِ لَمْحِ البَصَرِ أوْ بِما هو أسْرَعُ. قالَ القاضِي: هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ إقامَةَ السّاعَةِ لَيْسَتْ حالَ تَكْلِيفٍ حَتّى يُقالُ: إنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِها في زَمانٍ، بَلِ الواجِبُ أنْ يَخْلُقَها دُفْعَةً واحِدَةً في وقْتٍ واحِدٍ، ويُفارِقُ ما ذَكَرْناهُ في ابْتِداءِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَ حالُ تَكْلِيفٍ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَخْلُقَها كَذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَصْلَحَةِ المَلائِكَةِ. * * * واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى مَذْهَبِ القاضِي، أمّا عَلى قَوْلِنا في أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ صفحة ٧٢ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ فَلَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ إلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إمَّهاتِكُمْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِضَمِّها. المسألة الثّانِيَةُ: ”أُمَّهاتِكُمْ“ أصْلُهُ: أُمّاتِكم، إلّا أنَّهُ زِيدَ الهاءُ فِيهِ كَما زِيدَ في أراقَ فَقِيلَ: أهْراقَ، وشَذَّتْ زِيادَتُها في الواحِدَةِ في قَوْلِهِ: أُمَّهَتِي خِنْدَفُ واليَأْسُ أبِي المسألة الثّالِثَةُ: الإنْسانُ خُلِقَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ خالِيًا عَنْ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ. ثم قال: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ المَعْنى: أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَمّا كانَتْ في أوَّلِ الخِلْقَةِ خالِيَةً عَنِ المَعارِفِ والعُلُومِ بِاللَّهِ، فاللَّهُ أعْطاهُ هَذِهِ الحَواسَّ؛ لِيَسْتَفِيدَ بِها المَعارِفَ والعُلُومَ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ تَقْرِيرٍ، فَنَقُولُ: التَّصَوُّراتُ والتَّصْدِيقاتُ إمّا أنْ تَكُونَ كَسْبِيَّةً، وإمّا أنْ تَكُونَ بَدِيهِيَّةً، والكَسْبِيّاتُ إنَّما يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بِواسِطَةِ تَرْكِيباتِ البَدِيهِيّاتِ، فَلا بُدَّ مِن سَبْقِ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وحِينَئِذٍ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ: هَذِهِ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ حاصِلَةً مُنْذَ خُلِقْنا أوْ ما كانَتْ حاصِلَةً. والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنّا بِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ أنّا حِينَ كُنّا جَنِينًا في رَحِمِ الأُمِّ ما كُنّا نَعْرِفُ أنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ، وما كُنّا نَعْرِفُ أنَّ الكُلَّ أعْظَمُ مِنَ الجُزْءِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ العُلُومَ البَدِيهِيَّةَ حَصَلَتْ في نُفُوسِنا بَعْدَ أنَّها ما كانَتْ حاصِلَةً، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا بِكَسْبٍ وطَلَبٍ، وكُلُّ ما كانَ كَسْبِيًّا فَهو مَسْبُوقٌ بِعُلُومٍ أُخْرى، فَهَذِهِ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ تَصِيرُ كَسْبِيَّةً، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ مَسْبُوقَةً بِعُلُومٍ أُخْرى إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، وهَذا سُؤالٌ قَوِيٌّ مُشْكِلٌ. وجَوابُهُ أنْ نَقُولَ: الحَقُّ أنَّ هَذِهِ العُلُومَ البَدِيهِيَّةَ ما كانَتْ حاصِلَةً في نُفُوسِنا، ثُمَّ إنَّها حَدَثَتْ وحَصَلَتْ. أما قوله: فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ كَسْبِيَّةً. قُلْنا: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ مَمْنُوعَةٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّها إنَّما حَدَثَتْ في نُفُوسِنا بَعْدَ عَدَمِها بِواسِطَةِ إعانَةِ الحَواسِّ الَّتِي هي السَّمْعُ والبَصَرُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ النَّفْسَ كانَتْ في مَبْدَأِ الخِلْقَةِ خالِيَةً عَنْ جَمِيعِ العُلُومِ إلّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّمْعَ والبَصَرَ، فَإذا أبْصَرَ الطِّفْلُ شَيْئًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ارْتَسَمَ في خَيالِهِ ماهِيَّةُ ذَلِكَ المُبْصَرِ، وكَذَلِكَ إذا سَمِعَ شَيْئًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ارْتَسَمَ في سَمْعِهِ وخَيالِهِ ماهِيَّةُ ذَلِكَ المَسْمُوعِ، وكَذا الطَّوْلُ في سائِرِ الحَواسِّ فَيَصِيرُ حُصُولُ الحَواسِّ سَبَبًا لِحُضُورِ ماهِيّاتِ المَحْسُوساتِ في النَّفْسِ والعَقْلِ. ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الماهِيّاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُ القِسْمَيْنِ: ما يَكُونُ نَفْسُ حُضُورِهِ مُوجِبًا تامًّا في جَزْمِ الذِّهْنِ بِإسْنادِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوِ الإثْباتِ، مِثْلَ أنَّهُ إذا حَضَرَ في الذِّهْنِ أنَّ الواحِدَ ما هو ؟ وأنَّ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ ما هو ؟ كانَ حُضُورُ هَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ في الذِّهْنِ عِلَّةً تامَّةً في جَزْمِ الذِّهْنِ بِأنَّ الواحِدَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وهَذا القِسْمُ هو عَيْنُ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ. والقِسْمُ الثّانِي: ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ وهو العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ، مِثْلَ أنَّهُ إذا حَضَرَ في الذِّهْنِ أنَّ الجِسْمَ ما هو ؟ وأنَّ المُحْدَثَ ما هو ؟ فَإنَّ مُجَرَّدَ هَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ في الذِّهْنِ لا يَكْفِي في جَزْمِ الذِّهْنِ بِأنَّ الجِسْمَ مُحْدَثٌ، بَلْ صفحة ٧٣ لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وعُلُومٍ سابِقَةٍ. والحاصِلُ أنَّ العُلُومَ الكَسْبِيَّةَ إنَّما يُمْكِنُ اكْتِسابُها بِواسِطَةِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ. وحُدُوثُ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ إنَّما كانَ عِنْدَ حُدُوثِ تَصَوُّرِ مَوْضُوعاتِها وتَصَوُّرِ مَحْمُولاتِها. وحُدُوثُ هَذِهِ التَّصَوُّراتِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ إعانَةِ هَذِهِ الحَواسِّ عَلى جُزْئِيّاتِها، فَظَهَرَ أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ لِحُدُوثِ هَذِهِ المَعارِفِ في النُّفُوسِ والعُقُولِ هو أنَّهُ تَعالى أعْطى هَذِهِ الحَواسَّ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ لِيَصِيرَ حُصُولُ هَذِهِ الحَواسِّ سَبَبًا لِانْتِقالِ نُفُوسِكم مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهَذِهِ أبْحاثٌ شَرِيفَةٌ عَقْلِيَّةٌ مَحْضَةٌ، مُدْرَجَةٌ في هَذِهِ الآياتِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ لِتَسْمَعُوا مَواعِظَ اللَّهِ ﴿والأبْصارَ﴾ لِتُبْصِرُوا دَلائِلَ اللَّهِ، ﴿والأفْئِدَةَ﴾ لِتَعْقِلُوا عَظَمَةَ اللَّهِ، والأفْئِدَةُ: جَمْعُ فُؤادٍ نَحْوَ أغْرِبَةٍ وغُرابٍ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يُجْمَعْ فُؤادٌ عَلى أكْثَرِ العَدَدِ، وما قِيلَ فِيهِ فِئْدانٌ، كَما قِيلَ: غُرابٌ غِرْبانٌ. وأقُولُ: لَعَلَّ الفُؤادَ إنَّما جُمِعَ عَلى بِناءِ جَمْعِ القِلَّةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ كَثِيرانِ، وأنَّ الفُؤادَ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ الفُؤادَ إنَّما خُلِقَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ، وأكْثَرُ الخَلْقِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُونَ مَشْغُولِينَ بِالأفْعالِ البَهِيمِيَّةِ والصِّفاتِ السَّبُعِيَّةِ، فَكَأنَّ فُؤادَهم لَيْسَ بِفُؤادٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ في جَمْعِهِ صِيغَةَ جَمْعِ القِلَّةِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَكُمْ﴾، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جَعْلُ السَّمْعِ والبَصَرِ مُتَأخِّرًا عَنِ الإخْراجِ عَنِ البَطْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. والجَوابُ: أنَّ حَرْفَ الواوِ لا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ؛ وأيْضًا إذا حَمَلْنا السَّمْعَ عَلى الِاسْتِماعِ، والأبْصارَ عَلى الرُّؤْيَةِ - زالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * أما قوله: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ألَمْ تَرَوْا“ بِالتّاءِ، والباقُونَ: بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكُفّارِ. المسألة الثّانِيَةُ: هَذا دَلِيلٌ آخَرُ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، فَإنَّهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الطَّيْرَ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُهُ الطَّيَرانُ وخَلَقَ الجَوَّ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُ الطَّيَرانُ فِيهِ لَما أمْكَنَ ذَلِكَ. فَإنَّهُ تَعالى أعْطى الطَّيْرَ جَناحًا يَبْسُطُهُ مَرَّةً ويَكْسِرُهُ أُخْرى، مِثْلَ ما يَعْمَلُهُ السّابِحُ في الماءِ، وخَلَقَ الهَواءَ خِلْقَةً لَطِيفَةً رَقِيقَةً يَسْهُلُ بِسَبَبِها خَرْقُهُ والنَّفاذُ فِيهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ الطَّيَرانُ مُمْكِنًا. وأما قوله تَعالى: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ فالمَعْنى: أنَّ جَسَدَ الطَّيْرِ جِسْمٌ ثَقِيلٌ، والجِسْمُ الثَّقِيلُ يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ في الجَوِّ مُعَلَّقًا مِن غَيْرِ دِعامَةٍ تَحْتَهُ ولا عَلاقَةَ فَوْقَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُمْسِكُ لَهُ في ذَلِكَ الجَوْهَرِ - اللَّهَ تَعالى. ثُمَّ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ بَقاءَهُ في الجَوِّ مُعَلَّقًا فِعْلُهُ، وحاصِلٌ بِاخْتِيارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ فِعْلِ العَبْدِ هو اللَّهُ تَعالى. قالَ القاضِي: إنَّما أضافَ اللَّهُ تَعالى هَذا الإمْساكَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى الآلاتِ الَّتِي لِأجْلِها يُمَكِّنُ الطَّيْرَ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، فَلَمّا كانَ تَعالى هو المُسَبِّبُ لِذَلِكَ لا جَرَمَ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: أنَّ هَذا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، لا سِيَّما والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى. صفحة ٧٤ ثم قال تَعالى في آخَرِ الآيَةِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ هَذِهِ الآياتِ بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها وإنْ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ لِكُلِّ العُقَلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:79

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى مَثَلَ الكُفّارِ بِالأبْكَمِ العاجِزِ، ومَثَلَ نَفْسِهِ بِالَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ يُمْتَنَعُ أنْ يَكُوُنَ آمِرًا بِالعَدْلِ، وأنْ يَكُونَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إلّا إذا كانَ كامِلًا في العِلْمِ والقُدْرَةِ - ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ كَوْنِهِ كامِلًا في العِلْمِ والقُدْرَةِ، أمّا بَيانُ كَمالِ العِلْمِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمَعْنى: عَلِمَ اللَّهُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ: أنَّ العِلْمَ بِهَذِهِ الغُيُوبِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وأمّا بَيانُ كَمالِ القُدْرَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾، والسّاعَةُ: هي الوَقْتُ الَّذِي تَقُومُ فِيهِ القِيامَةُ، سُمِّيَتْ ساعَةً؛ لِأنَّها تَفْجَأُ الإنْسانَ في ساعَةٍ فَيَمُوتُ الخَلْقُ بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ اللَّمْحُ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: لَمَحَهُ بِبَصَرِهِ لَمْحًا ولَمَحانًا، والمَعْنى: وما أمْرُ القِيامَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَطَرْفِ العَيْنِ، والمُرادُ مِنهُ تَقْرِيرُ كَمالِ القُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ مَعْناهُ: أنَّ لَمْحَ البَصَرِ عِبارَةٌ عَنِ انْتِقالِ الجِسْمِ المُسَمّى بِالطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها، ولا شَكَّ أنَّ الحَدَقَةَ مُؤَلَّفَةٌ مِن أجْزاءٍ لا تَتَجَزَّأُ، فَلَمْحُ البَصَرِ عِبارَةٌ عَنِ المُرُورِ عَلى جُمْلَةِ تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي مِنها تَألَّفَ سَطْحُ الحَدَقَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ كَثِيرَةٌ، والزَّمانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ لَمْحُ البَصَرِ مُرَكَّبٌ مِن آناتٍ مُتَعاقِبَةٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ القِيامَةِ في آنٍ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآناتِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ . إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ أسْرَعُ الأحْوالِ والحَوادِثِ في عُقُولِنا وأفْكارِنا هو لَمْحَ البَصَرِ - لا جَرَمَ ذَكَرَهُ. ثم قال: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾؛ تَنْبِيهًا عَلى ما ذَكَرْناهُ، ولا شُبْهَةَ في أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ طَرِيقَةَ الشَّكِّ، بِلِ المُرادُ: بَلْ هو أقْرَبُ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِهِ الإبْهامُ عَنِ المُخاطَبِينَ أنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِالسّاعَةِ إمّا بِقَدْرِ لَمْحِ البَصَرِ أوْ بِما هو أسْرَعُ. قالَ القاضِي: هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ إقامَةَ السّاعَةِ لَيْسَتْ حالَ تَكْلِيفٍ حَتّى يُقالُ: إنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِها في زَمانٍ، بَلِ الواجِبُ أنْ يَخْلُقَها دُفْعَةً واحِدَةً في وقْتٍ واحِدٍ، ويُفارِقُ ما ذَكَرْناهُ في ابْتِداءِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَ حالُ تَكْلِيفٍ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَخْلُقَها كَذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَصْلَحَةِ المَلائِكَةِ. * * * واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى مَذْهَبِ القاضِي، أمّا عَلى قَوْلِنا في أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ صفحة ٧٢ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ فَلَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ إلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إمَّهاتِكُمْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِضَمِّها. المسألة الثّانِيَةُ: ”أُمَّهاتِكُمْ“ أصْلُهُ: أُمّاتِكم، إلّا أنَّهُ زِيدَ الهاءُ فِيهِ كَما زِيدَ في أراقَ فَقِيلَ: أهْراقَ، وشَذَّتْ زِيادَتُها في الواحِدَةِ في قَوْلِهِ: أُمَّهَتِي خِنْدَفُ واليَأْسُ أبِي المسألة الثّالِثَةُ: الإنْسانُ خُلِقَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ خالِيًا عَنْ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ. ثم قال: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ المَعْنى: أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَمّا كانَتْ في أوَّلِ الخِلْقَةِ خالِيَةً عَنِ المَعارِفِ والعُلُومِ بِاللَّهِ، فاللَّهُ أعْطاهُ هَذِهِ الحَواسَّ؛ لِيَسْتَفِيدَ بِها المَعارِفَ والعُلُومَ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ تَقْرِيرٍ، فَنَقُولُ: التَّصَوُّراتُ والتَّصْدِيقاتُ إمّا أنْ تَكُونَ كَسْبِيَّةً، وإمّا أنْ تَكُونَ بَدِيهِيَّةً، والكَسْبِيّاتُ إنَّما يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بِواسِطَةِ تَرْكِيباتِ البَدِيهِيّاتِ، فَلا بُدَّ مِن سَبْقِ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وحِينَئِذٍ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ: هَذِهِ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ حاصِلَةً مُنْذَ خُلِقْنا أوْ ما كانَتْ حاصِلَةً. والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنّا بِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ أنّا حِينَ كُنّا جَنِينًا في رَحِمِ الأُمِّ ما كُنّا نَعْرِفُ أنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ، وما كُنّا نَعْرِفُ أنَّ الكُلَّ أعْظَمُ مِنَ الجُزْءِ. وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ العُلُومَ البَدِيهِيَّةَ حَصَلَتْ في نُفُوسِنا بَعْدَ أنَّها ما كانَتْ حاصِلَةً، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا بِكَسْبٍ وطَلَبٍ، وكُلُّ ما كانَ كَسْبِيًّا فَهو مَسْبُوقٌ بِعُلُومٍ أُخْرى، فَهَذِهِ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ تَصِيرُ كَسْبِيَّةً، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ مَسْبُوقَةً بِعُلُومٍ أُخْرى إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، وهَذا سُؤالٌ قَوِيٌّ مُشْكِلٌ. وجَوابُهُ أنْ نَقُولَ: الحَقُّ أنَّ هَذِهِ العُلُومَ البَدِيهِيَّةَ ما كانَتْ حاصِلَةً في نُفُوسِنا، ثُمَّ إنَّها حَدَثَتْ وحَصَلَتْ. أما قوله: فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ كَسْبِيَّةً. قُلْنا: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ مَمْنُوعَةٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّها إنَّما حَدَثَتْ في نُفُوسِنا بَعْدَ عَدَمِها بِواسِطَةِ إعانَةِ الحَواسِّ الَّتِي هي السَّمْعُ والبَصَرُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ النَّفْسَ كانَتْ في مَبْدَأِ الخِلْقَةِ خالِيَةً عَنْ جَمِيعِ العُلُومِ إلّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّمْعَ والبَصَرَ، فَإذا أبْصَرَ الطِّفْلُ شَيْئًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ارْتَسَمَ في خَيالِهِ ماهِيَّةُ ذَلِكَ المُبْصَرِ، وكَذَلِكَ إذا سَمِعَ شَيْئًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ارْتَسَمَ في سَمْعِهِ وخَيالِهِ ماهِيَّةُ ذَلِكَ المَسْمُوعِ، وكَذا الطَّوْلُ في سائِرِ الحَواسِّ فَيَصِيرُ حُصُولُ الحَواسِّ سَبَبًا لِحُضُورِ ماهِيّاتِ المَحْسُوساتِ في النَّفْسِ والعَقْلِ. ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الماهِيّاتِ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُ القِسْمَيْنِ: ما يَكُونُ نَفْسُ حُضُورِهِ مُوجِبًا تامًّا في جَزْمِ الذِّهْنِ بِإسْنادِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوِ الإثْباتِ، مِثْلَ أنَّهُ إذا حَضَرَ في الذِّهْنِ أنَّ الواحِدَ ما هو ؟ وأنَّ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ ما هو ؟ كانَ حُضُورُ هَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ في الذِّهْنِ عِلَّةً تامَّةً في جَزْمِ الذِّهْنِ بِأنَّ الواحِدَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وهَذا القِسْمُ هو عَيْنُ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ. والقِسْمُ الثّانِي: ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ وهو العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ، مِثْلَ أنَّهُ إذا حَضَرَ في الذِّهْنِ أنَّ الجِسْمَ ما هو ؟ وأنَّ المُحْدَثَ ما هو ؟ فَإنَّ مُجَرَّدَ هَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ في الذِّهْنِ لا يَكْفِي في جَزْمِ الذِّهْنِ بِأنَّ الجِسْمَ مُحْدَثٌ، بَلْ صفحة ٧٣ لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وعُلُومٍ سابِقَةٍ. والحاصِلُ أنَّ العُلُومَ الكَسْبِيَّةَ إنَّما يُمْكِنُ اكْتِسابُها بِواسِطَةِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ. وحُدُوثُ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ إنَّما كانَ عِنْدَ حُدُوثِ تَصَوُّرِ مَوْضُوعاتِها وتَصَوُّرِ مَحْمُولاتِها. وحُدُوثُ هَذِهِ التَّصَوُّراتِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ إعانَةِ هَذِهِ الحَواسِّ عَلى جُزْئِيّاتِها، فَظَهَرَ أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ لِحُدُوثِ هَذِهِ المَعارِفِ في النُّفُوسِ والعُقُولِ هو أنَّهُ تَعالى أعْطى هَذِهِ الحَواسَّ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ لِيَصِيرَ حُصُولُ هَذِهِ الحَواسِّ سَبَبًا لِانْتِقالِ نُفُوسِكم مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهَذِهِ أبْحاثٌ شَرِيفَةٌ عَقْلِيَّةٌ مَحْضَةٌ، مُدْرَجَةٌ في هَذِهِ الآياتِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ لِتَسْمَعُوا مَواعِظَ اللَّهِ ﴿والأبْصارَ﴾ لِتُبْصِرُوا دَلائِلَ اللَّهِ، ﴿والأفْئِدَةَ﴾ لِتَعْقِلُوا عَظَمَةَ اللَّهِ، والأفْئِدَةُ: جَمْعُ فُؤادٍ نَحْوَ أغْرِبَةٍ وغُرابٍ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يُجْمَعْ فُؤادٌ عَلى أكْثَرِ العَدَدِ، وما قِيلَ فِيهِ فِئْدانٌ، كَما قِيلَ: غُرابٌ غِرْبانٌ. وأقُولُ: لَعَلَّ الفُؤادَ إنَّما جُمِعَ عَلى بِناءِ جَمْعِ القِلَّةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ كَثِيرانِ، وأنَّ الفُؤادَ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ الفُؤادَ إنَّما خُلِقَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ، وأكْثَرُ الخَلْقِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُونَ مَشْغُولِينَ بِالأفْعالِ البَهِيمِيَّةِ والصِّفاتِ السَّبُعِيَّةِ، فَكَأنَّ فُؤادَهم لَيْسَ بِفُؤادٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ في جَمْعِهِ صِيغَةَ جَمْعِ القِلَّةِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَكُمْ﴾، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جَعْلُ السَّمْعِ والبَصَرِ مُتَأخِّرًا عَنِ الإخْراجِ عَنِ البَطْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. والجَوابُ: أنَّ حَرْفَ الواوِ لا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ؛ وأيْضًا إذا حَمَلْنا السَّمْعَ عَلى الِاسْتِماعِ، والأبْصارَ عَلى الرُّؤْيَةِ - زالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * أما قوله: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ألَمْ تَرَوْا“ بِالتّاءِ، والباقُونَ: بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكُفّارِ. المسألة الثّانِيَةُ: هَذا دَلِيلٌ آخَرُ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، فَإنَّهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الطَّيْرَ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُهُ الطَّيَرانُ وخَلَقَ الجَوَّ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُ الطَّيَرانُ فِيهِ لَما أمْكَنَ ذَلِكَ. فَإنَّهُ تَعالى أعْطى الطَّيْرَ جَناحًا يَبْسُطُهُ مَرَّةً ويَكْسِرُهُ أُخْرى، مِثْلَ ما يَعْمَلُهُ السّابِحُ في الماءِ، وخَلَقَ الهَواءَ خِلْقَةً لَطِيفَةً رَقِيقَةً يَسْهُلُ بِسَبَبِها خَرْقُهُ والنَّفاذُ فِيهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ الطَّيَرانُ مُمْكِنًا. وأما قوله تَعالى: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ فالمَعْنى: أنَّ جَسَدَ الطَّيْرِ جِسْمٌ ثَقِيلٌ، والجِسْمُ الثَّقِيلُ يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ في الجَوِّ مُعَلَّقًا مِن غَيْرِ دِعامَةٍ تَحْتَهُ ولا عَلاقَةَ فَوْقَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُمْسِكُ لَهُ في ذَلِكَ الجَوْهَرِ - اللَّهَ تَعالى. ثُمَّ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ بَقاءَهُ في الجَوِّ مُعَلَّقًا فِعْلُهُ، وحاصِلٌ بِاخْتِيارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ فِعْلِ العَبْدِ هو اللَّهُ تَعالى. قالَ القاضِي: إنَّما أضافَ اللَّهُ تَعالى هَذا الإمْساكَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى الآلاتِ الَّتِي لِأجْلِها يُمَكِّنُ الطَّيْرَ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، فَلَمّا كانَ تَعالى هو المُسَبِّبُ لِذَلِكَ لا جَرَمَ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: أنَّ هَذا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، لا سِيَّما والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى. صفحة ٧٤ ثم قال تَعالى في آخَرِ الآيَةِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ هَذِهِ الآياتِ بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها وإنْ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ لِكُلِّ العُقَلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وأقْسامِ النِّعَمِ والفَضْلِ، والسَّكَنِ والمَسْكَنِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: جاءَ الشِّتاءُ ولَمّا أتَّخِذْ سَكَنًا يا ويْحَ كَفِّي مِن حُفَرِ القَرامِيصِ والسَّكَنُ ما سَكَنْتَ إلَيْهِ وما سَكَنْتَ فِيهِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: السَّكَنُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو ما يُسْكَنُ إلَيْهِ ويُنْقَطَعُ إلَيْهِ مِن بَيْتٍ أوْ إلْفٍ. واعْلَمْ أنَّ البُيُوتَ الَّتِي يَسْكُنُ الإنْسانُ فِيها عَلى قِسْمَيْنِ: القِسْمُ الأوَّلُ: البُيُوتُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الخَشَبِ والطِّينِ والآلاتِ الَّتِي بِها يُمْكِنُ تَسْقِيفُ البُيُوتِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾، وهَذا القِسْمُ مِنَ البُيُوتِ لا يُمْكِنُ نَقْلُهُ، بَلِ الإنْسانُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ. والقِسْمُ الثّانِي: القِبابُ والخِيامُ والفَساطِيطُ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ وهَذا القِسْمُ مِنَ البُيُوتِ يُمْكِنُ نَقْلُهُ وتَحْوِيلُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ الأنْطاعُ، وقَدْ تَعْمَلُ العَرَبُ البُيُوتَ مِنَ الأدَمِ، وهي جُلُودُ الأنْعامِ، أيْ: يَخِفُّ عَلَيْكم حَمْلُها في أسْفارِكم. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”يَوْمَ ظَعَنِكُمْ“ بِفَتْحِ العَيْنِ، والباقُونَ: ساكِنَةَ العَيْنِ. قالَ الواحَدِيُّ: وهُما لُغَتانِ كالشَّعْرِ والشَّعَرِ، والنَّهْرِ والنَّهَرِ. واعْلَمْ أنَّ الظَّعْنَ سَيْرُ البادِيَةِ لِنُجْعَةٍ، أوْ حُضُورِ ماءٍ، أوْ طَلَبِ مَرْتَعٍ، وقَدْ يُقالُ لِكُلِّ شاخِصٍ لِسَفَرٍ: ظاعِنٌ، وهو ضِدُّ الخافِضِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ بِمَعْنى: لا يَثْقُلُ عَلَيْكم في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ: الأصْوافُ لِلضَّأْنِ، والأوْبارُ لِلْإبِلِ، والأشْعارُ لِلْمَعِزِ. وقَوْلُهُ: ﴿أثاثًا﴾ الأثاثُ: أنْواعُ مَتاعِ البَيْتِ مِنَ الفُرُشِ والأكْسِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ولا واحِدَ لَهُ، كَما أنَّ المَتاعَ لا واحِدَ لَهُ. قالَ: ولَوْ جَمَعْتَ فَقُلْتَ: آثِثَةٌ في القَلِيلِ، وأُثُثٌ في الكَثِيرِ لَمْ يَبْعُدْ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: واحِدُها أثاثَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أثاثًا﴾ يُرِيدُ طَنافِسَ وبُسُطًا وثِيابًا وكُسْوَةً. قالَ الخَلِيلُ: وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: أثَّ النَّباتُ والشَّعْرُ إذا كَثُرَ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَتاعًا﴾ أيْ: ما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إلى حِينٍ﴾ يُرِيدُ إلى حِينِ البَلا، وقِيلَ: إلى حِينِ المَوْتِ، وقِيلَ: ”إلى حِينٍ“ بَعْدَ حِينٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ. صفحة ٧٥ فَإنْ قِيلَ: عَطَفَ المَتاعَ عَلى الأثاثِ، والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وما الفَرْقُ بَيْنَ الأثاثِ والمَتاعِ ؟ قُلْنا: الأقْرَبُ أنَّ الأثاثَ ما يَكْتَسِي بِهِ المَرْءُ ويَسْتَعْمِلُهُ في الغِطاءِ والوِطاءِ، والمَتاعَ ما يُفْرَشُ في المَنازِلِ وُيَزَيَّنُ بِهِ.

النحل 16:81

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُقِيمًا أوْ مُسافِرًا، والمُسافِرُ إمّا أنْ يَكُونَ غَنِيًّا يُمْكِنُهُ اسْتِصْحابُ الخِيامِ والفَساطِيطِ، أوْ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَهَذِهِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ: أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ . وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ . أمّا القِسْمُ الثّالِثُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المُسافِرَ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ خَيْمَةٌ يَسْتَظِلُّ بِها فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَسْتَظِلَّ بِشَيْءٍ آخَرَ كالجُدْرانِ والأشْجارِ، وقَدْ يَسْتَظِلُّ بِالغَمامِ كَما قالَ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٧] . ثم قال: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ واحِدُ الكِنانِ كِنٌّ عَلى قِياسِ أحْمالٍ وحِمْلٍ، ولَكِنَّ المُرادَ كُلُّ شَيْءٍ وقى شَيْئًا، ويُقالُ: اسْتَكَنَ وأكَنَّ إذا صارَ في كِنٍّ. واعْلَمْ أنَّ بِلادَ العَرَبِ شَدِيدَةُ الحَرِّ، وحاجَتُهم إلى الظِّلِّ ودَفْعِ الحَرِّ شَدِيدَةٌ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ المَعانِيَ في مَعْرِضِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، وأيْضًا البِلادُ المُعْتَدِلَةُ والأوْقاتُ المُعْتَدِلَةُ نادِرَةٌ جِدًّا، والغالِبُ إمّا غَلَبَةُ الحَرِّ أوْ غَلَبَةُ البَرْدِ. وعَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ فَلا بُدَّ لِلْإنْسانِ مِن مَسْكَنٍ يَأْوِي إلَيْهِ، فَكانَ الإنْعامُ بِتَحْصِيلِهِ عَظِيمًا. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ المَسْكَنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَ المَلْبُوسِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ . السَّرابِيلُ: القُمُصُ واحِدُها سِرْبالٌ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما لَبِسْتَهُ فَهو سِرْبالٌ؛ مِن قَمِيصٍ أوْ دِرْعٍ أوْ جَوْشَنٍ أوْ غَيْرِهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ جَعَلَ السَّرابِيلَ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَكُونُ واقِيًا مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. والثّانِي: ما يُتَّقى بِهِ عَنِ البَأْسِ والحُرُوبِ، وذَلِكَ هو الجَوْشَنُ وغَيْرُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ مِنَ السَّرابِيلِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ الحَرَّ ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ ؟ صفحة ٧٦ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: المُخاطَبُونَ بِهَذا الكَلامِ هُمُ العَرَبُ وبِلادُهم حارَّةٌ، فَكانَتْ حاجَتُهم إلى ما يَدْفَعُ الحَرَّ فَوْقَ حاجَتِهِمْ إلى ما يَدْفَعُ البَرْدَ، كَما قالَ: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ وسائِرُ أنْواعِ الثِّيابِ أشْرَفُ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ النوع الأوَّلَ؛ لِأنَّهُ كانَ إلْفَتُهم بِها أشَدَّ، واعْتِيادُهم لِلُبْسِها أكْثَرَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣]؛ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِذَلِكَ، وما أنْزَلَ مِنَ الثَّلْجِ أعْظَمُ، ولَكِنَّهم كانُوا لا يَعْرِفُونَهُ. والوجه الثّانِي في الجَوابِ: قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى الآخَرِ. قُلْتُ: ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ العِلْمَ بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِالضِّدِّ الآخَرِ، فَإنَّ الإنْسانَ مَتى خَطَرَ بِبالِهِ الحَرُّ خَطَرَ بِبالِهِ أيْضًا البَرْدُ، وكَذا القَوْلُ في النُّورِ والظُّلْمَةِ والسَّوادِ والبَياضِ، فَلَمّا كانَ الشُّعُورُ بِأحَدِهِما مُسْتَتْبِعًا لِلشُّعُورِ بِالآخَرِ، كانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ. والوجه الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: ما وقى مِنَ الحَرِّ وقى مِنَ البَرْدِ، فَكانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا بِالضِّدِّ أوْلى؛ لِأنَّ دَفْعَ الحَرِّ يَكْفِي فِيهِ السَّرابِيلُ الَّتِي هي القُمُصُ مِن دُونِ تَكَلُّفِ زِيادَةٍ، وأمّا البَرْدُ فَإنَّهُ لا يَنْدَفِعُ إلّا بِتَكَلُّفٍ زائِدٍ. قُلْنا: القَمِيصُ الواحِدُ لَمّا كانَ دافِعًا لِلْحَرِّ كانَ الِاسْتِكْثارُ مِنَ القَمِيصِ نافِعًا لِلْبَرْدِ، فَصَحَّ ما ذَكَرْناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ يَعْنِي دُرُوعَ الحَدِيدِ، ومَعْنى البَأْسِ الشِّدَّةُ، ويُرِيدُ هَهُنا شِدَّةَ الطَّعْنِ والضَّرْبِ والرَّمْيِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ أقْسامَ نِعْمَةِ الدُّنْيا قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ ما خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ لَكم، وأنْعَمَ بِها عَلَيْكم فَإنَّهُ يُتِمُّ نِعْمَةَ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْكم. ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعَلَّكم يا أهْلَ مَكَّةَ تُخْلِصُونَ لِلَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وتَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الإنْعاماتِ أحَدٌ سِواهُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ”لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْناكم هَذِهِ السَّرابِيلاتِ؛ لِتَسْلَمُوا عَنْ بَأْسِ الحَرْبِ، وقِيلَ: أعْطَيْتُكم هَذِهِ النِّعَمَ؛ لِتَتَفَكَّرُوا فِيها فَتُؤْمِنُوا، فَتَسْلَمُوا مِن عَذابِ اللَّهِ. ثم قال تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: فَإنْ تَوَلَّوْا يا مُحَمَّدُ، وأعْرَضُوا وآثَرُوا لَذّاتِ الدُّنْيا ومُتابَعَةَ الآباءِ والمُعاداةَ في الكُفْرِ فَعَلى أنْفُسِهِمْ جَنَوْا ذَلِكَ، ولَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ مِنَ التَّبْلِيغِ التّامِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، وذَلِكَ نِهايَةٌ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ. فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”ثُمَّ“ ؟ قُلْنا: الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إنْكارَهم أمْرٌ يُسْتَبْعَدُ بَعْدَ حُصُولِ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ أنْ يَعْتَرِفَ لا أنْ يُنْكِرَ، وفي المُرادِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ القاضِي المُرادُ بِها جَمِيعُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ النِّعَمِ؛ ومَعْنى أنَّهم أنْكَرُوهُ هو أنَّهم ما أفْرَدُوهُ تَعالى بِالشُّكْرِ والعِبادَةِ، بَلْ شَكَرُوا عَلى تِلْكَ النِّعَمِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى. ولِأنَّهم قالُوا: إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ النِّعِمُ بِشَفاعَةِ هَذِهِ الأصْنامِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهم عَرَفُوا أنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَقٌّ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، ونُبُوَّتُهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَما قالَ تَعالى: صفحة ٧٧ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٧] . الثّالِثُ: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، أيْ: لا يَسْتَعْمِلُونَها في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى. ثم قال تَعالى: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ كانَ كُلُّهم كافِرِينَ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: إنَّما قالَ ﴿وأكْثَرُهُمُ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ، أوْ كانَ ناقِصَ العَقْلِ مَعْتُوهًا، فَأرادَ بِالأكْثَرِ البالِغِينَ الأصِحّاءَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكافِرِ الجاحِدَ المُعانِدَ، وحِينَئِذٍ نَقُولُ إنَّما قالَ: ﴿وأكْثَرُهُمُ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ يَكُنْ مُعانِدًا، بَلْ كانَ جاهِلًا بِصِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما ظَهَرَ لَهُ كَوْنُهُ نَبِيًّا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الأكْثَرَ والمُرادُ الجَمِيعُ؛ لِأنَّ أكْثَرَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقامَ الكُلِّ، فَذِكْرُ الأكْثَرِ كَذِكْرِ الجَمِيعِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] . واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:82

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُقِيمًا أوْ مُسافِرًا، والمُسافِرُ إمّا أنْ يَكُونَ غَنِيًّا يُمْكِنُهُ اسْتِصْحابُ الخِيامِ والفَساطِيطِ، أوْ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَهَذِهِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ: أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ . وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ . أمّا القِسْمُ الثّالِثُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المُسافِرَ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ خَيْمَةٌ يَسْتَظِلُّ بِها فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَسْتَظِلَّ بِشَيْءٍ آخَرَ كالجُدْرانِ والأشْجارِ، وقَدْ يَسْتَظِلُّ بِالغَمامِ كَما قالَ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٧] . ثم قال: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ واحِدُ الكِنانِ كِنٌّ عَلى قِياسِ أحْمالٍ وحِمْلٍ، ولَكِنَّ المُرادَ كُلُّ شَيْءٍ وقى شَيْئًا، ويُقالُ: اسْتَكَنَ وأكَنَّ إذا صارَ في كِنٍّ. واعْلَمْ أنَّ بِلادَ العَرَبِ شَدِيدَةُ الحَرِّ، وحاجَتُهم إلى الظِّلِّ ودَفْعِ الحَرِّ شَدِيدَةٌ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ المَعانِيَ في مَعْرِضِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، وأيْضًا البِلادُ المُعْتَدِلَةُ والأوْقاتُ المُعْتَدِلَةُ نادِرَةٌ جِدًّا، والغالِبُ إمّا غَلَبَةُ الحَرِّ أوْ غَلَبَةُ البَرْدِ. وعَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ فَلا بُدَّ لِلْإنْسانِ مِن مَسْكَنٍ يَأْوِي إلَيْهِ، فَكانَ الإنْعامُ بِتَحْصِيلِهِ عَظِيمًا. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ المَسْكَنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَ المَلْبُوسِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ . السَّرابِيلُ: القُمُصُ واحِدُها سِرْبالٌ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما لَبِسْتَهُ فَهو سِرْبالٌ؛ مِن قَمِيصٍ أوْ دِرْعٍ أوْ جَوْشَنٍ أوْ غَيْرِهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ جَعَلَ السَّرابِيلَ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَكُونُ واقِيًا مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. والثّانِي: ما يُتَّقى بِهِ عَنِ البَأْسِ والحُرُوبِ، وذَلِكَ هو الجَوْشَنُ وغَيْرُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ مِنَ السَّرابِيلِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ الحَرَّ ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ ؟ صفحة ٧٦ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: المُخاطَبُونَ بِهَذا الكَلامِ هُمُ العَرَبُ وبِلادُهم حارَّةٌ، فَكانَتْ حاجَتُهم إلى ما يَدْفَعُ الحَرَّ فَوْقَ حاجَتِهِمْ إلى ما يَدْفَعُ البَرْدَ، كَما قالَ: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ وسائِرُ أنْواعِ الثِّيابِ أشْرَفُ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ النوع الأوَّلَ؛ لِأنَّهُ كانَ إلْفَتُهم بِها أشَدَّ، واعْتِيادُهم لِلُبْسِها أكْثَرَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣]؛ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِذَلِكَ، وما أنْزَلَ مِنَ الثَّلْجِ أعْظَمُ، ولَكِنَّهم كانُوا لا يَعْرِفُونَهُ. والوجه الثّانِي في الجَوابِ: قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى الآخَرِ. قُلْتُ: ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ العِلْمَ بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِالضِّدِّ الآخَرِ، فَإنَّ الإنْسانَ مَتى خَطَرَ بِبالِهِ الحَرُّ خَطَرَ بِبالِهِ أيْضًا البَرْدُ، وكَذا القَوْلُ في النُّورِ والظُّلْمَةِ والسَّوادِ والبَياضِ، فَلَمّا كانَ الشُّعُورُ بِأحَدِهِما مُسْتَتْبِعًا لِلشُّعُورِ بِالآخَرِ، كانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ. والوجه الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: ما وقى مِنَ الحَرِّ وقى مِنَ البَرْدِ، فَكانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا بِالضِّدِّ أوْلى؛ لِأنَّ دَفْعَ الحَرِّ يَكْفِي فِيهِ السَّرابِيلُ الَّتِي هي القُمُصُ مِن دُونِ تَكَلُّفِ زِيادَةٍ، وأمّا البَرْدُ فَإنَّهُ لا يَنْدَفِعُ إلّا بِتَكَلُّفٍ زائِدٍ. قُلْنا: القَمِيصُ الواحِدُ لَمّا كانَ دافِعًا لِلْحَرِّ كانَ الِاسْتِكْثارُ مِنَ القَمِيصِ نافِعًا لِلْبَرْدِ، فَصَحَّ ما ذَكَرْناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ يَعْنِي دُرُوعَ الحَدِيدِ، ومَعْنى البَأْسِ الشِّدَّةُ، ويُرِيدُ هَهُنا شِدَّةَ الطَّعْنِ والضَّرْبِ والرَّمْيِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ أقْسامَ نِعْمَةِ الدُّنْيا قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ ما خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ لَكم، وأنْعَمَ بِها عَلَيْكم فَإنَّهُ يُتِمُّ نِعْمَةَ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْكم. ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعَلَّكم يا أهْلَ مَكَّةَ تُخْلِصُونَ لِلَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وتَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الإنْعاماتِ أحَدٌ سِواهُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ”لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْناكم هَذِهِ السَّرابِيلاتِ؛ لِتَسْلَمُوا عَنْ بَأْسِ الحَرْبِ، وقِيلَ: أعْطَيْتُكم هَذِهِ النِّعَمَ؛ لِتَتَفَكَّرُوا فِيها فَتُؤْمِنُوا، فَتَسْلَمُوا مِن عَذابِ اللَّهِ. ثم قال تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: فَإنْ تَوَلَّوْا يا مُحَمَّدُ، وأعْرَضُوا وآثَرُوا لَذّاتِ الدُّنْيا ومُتابَعَةَ الآباءِ والمُعاداةَ في الكُفْرِ فَعَلى أنْفُسِهِمْ جَنَوْا ذَلِكَ، ولَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ مِنَ التَّبْلِيغِ التّامِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، وذَلِكَ نِهايَةٌ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ. فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”ثُمَّ“ ؟ قُلْنا: الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إنْكارَهم أمْرٌ يُسْتَبْعَدُ بَعْدَ حُصُولِ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ أنْ يَعْتَرِفَ لا أنْ يُنْكِرَ، وفي المُرادِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ القاضِي المُرادُ بِها جَمِيعُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ النِّعَمِ؛ ومَعْنى أنَّهم أنْكَرُوهُ هو أنَّهم ما أفْرَدُوهُ تَعالى بِالشُّكْرِ والعِبادَةِ، بَلْ شَكَرُوا عَلى تِلْكَ النِّعَمِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى. ولِأنَّهم قالُوا: إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ النِّعِمُ بِشَفاعَةِ هَذِهِ الأصْنامِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهم عَرَفُوا أنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَقٌّ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، ونُبُوَّتُهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَما قالَ تَعالى: صفحة ٧٧ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٧] . الثّالِثُ: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، أيْ: لا يَسْتَعْمِلُونَها في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى. ثم قال تَعالى: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ كانَ كُلُّهم كافِرِينَ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: إنَّما قالَ ﴿وأكْثَرُهُمُ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ، أوْ كانَ ناقِصَ العَقْلِ مَعْتُوهًا، فَأرادَ بِالأكْثَرِ البالِغِينَ الأصِحّاءَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكافِرِ الجاحِدَ المُعانِدَ، وحِينَئِذٍ نَقُولُ إنَّما قالَ: ﴿وأكْثَرُهُمُ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ يَكُنْ مُعانِدًا، بَلْ كانَ جاهِلًا بِصِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما ظَهَرَ لَهُ كَوْنُهُ نَبِيًّا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الأكْثَرَ والمُرادُ الجَمِيعُ؛ لِأنَّ أكْثَرَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقامَ الكُلِّ، فَذِكْرُ الأكْثَرِ كَذِكْرِ الجَمِيعِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] . واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُقِيمًا أوْ مُسافِرًا، والمُسافِرُ إمّا أنْ يَكُونَ غَنِيًّا يُمْكِنُهُ اسْتِصْحابُ الخِيامِ والفَساطِيطِ، أوْ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَهَذِهِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ: أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ . وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ . أمّا القِسْمُ الثّالِثُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المُسافِرَ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ خَيْمَةٌ يَسْتَظِلُّ بِها فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَسْتَظِلَّ بِشَيْءٍ آخَرَ كالجُدْرانِ والأشْجارِ، وقَدْ يَسْتَظِلُّ بِالغَمامِ كَما قالَ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٧] . ثم قال: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ واحِدُ الكِنانِ كِنٌّ عَلى قِياسِ أحْمالٍ وحِمْلٍ، ولَكِنَّ المُرادَ كُلُّ شَيْءٍ وقى شَيْئًا، ويُقالُ: اسْتَكَنَ وأكَنَّ إذا صارَ في كِنٍّ. واعْلَمْ أنَّ بِلادَ العَرَبِ شَدِيدَةُ الحَرِّ، وحاجَتُهم إلى الظِّلِّ ودَفْعِ الحَرِّ شَدِيدَةٌ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ المَعانِيَ في مَعْرِضِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، وأيْضًا البِلادُ المُعْتَدِلَةُ والأوْقاتُ المُعْتَدِلَةُ نادِرَةٌ جِدًّا، والغالِبُ إمّا غَلَبَةُ الحَرِّ أوْ غَلَبَةُ البَرْدِ. وعَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ فَلا بُدَّ لِلْإنْسانِ مِن مَسْكَنٍ يَأْوِي إلَيْهِ، فَكانَ الإنْعامُ بِتَحْصِيلِهِ عَظِيمًا. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ المَسْكَنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَ المَلْبُوسِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ . السَّرابِيلُ: القُمُصُ واحِدُها سِرْبالٌ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما لَبِسْتَهُ فَهو سِرْبالٌ؛ مِن قَمِيصٍ أوْ دِرْعٍ أوْ جَوْشَنٍ أوْ غَيْرِهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ جَعَلَ السَّرابِيلَ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: ما يَكُونُ واقِيًا مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. والثّانِي: ما يُتَّقى بِهِ عَنِ البَأْسِ والحُرُوبِ، وذَلِكَ هو الجَوْشَنُ وغَيْرُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ مِنَ السَّرابِيلِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ الحَرَّ ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ ؟ صفحة ٧٦ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الوجه الأوَّلُ: قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: المُخاطَبُونَ بِهَذا الكَلامِ هُمُ العَرَبُ وبِلادُهم حارَّةٌ، فَكانَتْ حاجَتُهم إلى ما يَدْفَعُ الحَرَّ فَوْقَ حاجَتِهِمْ إلى ما يَدْفَعُ البَرْدَ، كَما قالَ: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ وسائِرُ أنْواعِ الثِّيابِ أشْرَفُ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ النوع الأوَّلَ؛ لِأنَّهُ كانَ إلْفَتُهم بِها أشَدَّ، واعْتِيادُهم لِلُبْسِها أكْثَرَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣]؛ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِذَلِكَ، وما أنْزَلَ مِنَ الثَّلْجِ أعْظَمُ، ولَكِنَّهم كانُوا لا يَعْرِفُونَهُ. والوجه الثّانِي في الجَوابِ: قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى الآخَرِ. قُلْتُ: ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ العِلْمَ بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِالضِّدِّ الآخَرِ، فَإنَّ الإنْسانَ مَتى خَطَرَ بِبالِهِ الحَرُّ خَطَرَ بِبالِهِ أيْضًا البَرْدُ، وكَذا القَوْلُ في النُّورِ والظُّلْمَةِ والسَّوادِ والبَياضِ، فَلَمّا كانَ الشُّعُورُ بِأحَدِهِما مُسْتَتْبِعًا لِلشُّعُورِ بِالآخَرِ، كانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ. والوجه الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: ما وقى مِنَ الحَرِّ وقى مِنَ البَرْدِ، فَكانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا بِالضِّدِّ أوْلى؛ لِأنَّ دَفْعَ الحَرِّ يَكْفِي فِيهِ السَّرابِيلُ الَّتِي هي القُمُصُ مِن دُونِ تَكَلُّفِ زِيادَةٍ، وأمّا البَرْدُ فَإنَّهُ لا يَنْدَفِعُ إلّا بِتَكَلُّفٍ زائِدٍ. قُلْنا: القَمِيصُ الواحِدُ لَمّا كانَ دافِعًا لِلْحَرِّ كانَ الِاسْتِكْثارُ مِنَ القَمِيصِ نافِعًا لِلْبَرْدِ، فَصَحَّ ما ذَكَرْناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ يَعْنِي دُرُوعَ الحَدِيدِ، ومَعْنى البَأْسِ الشِّدَّةُ، ويُرِيدُ هَهُنا شِدَّةَ الطَّعْنِ والضَّرْبِ والرَّمْيِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ أقْسامَ نِعْمَةِ الدُّنْيا قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ ما خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ لَكم، وأنْعَمَ بِها عَلَيْكم فَإنَّهُ يُتِمُّ نِعْمَةَ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْكم. ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعَلَّكم يا أهْلَ مَكَّةَ تُخْلِصُونَ لِلَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وتَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الإنْعاماتِ أحَدٌ سِواهُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ”لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْناكم هَذِهِ السَّرابِيلاتِ؛ لِتَسْلَمُوا عَنْ بَأْسِ الحَرْبِ، وقِيلَ: أعْطَيْتُكم هَذِهِ النِّعَمَ؛ لِتَتَفَكَّرُوا فِيها فَتُؤْمِنُوا، فَتَسْلَمُوا مِن عَذابِ اللَّهِ. ثم قال تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: فَإنْ تَوَلَّوْا يا مُحَمَّدُ، وأعْرَضُوا وآثَرُوا لَذّاتِ الدُّنْيا ومُتابَعَةَ الآباءِ والمُعاداةَ في الكُفْرِ فَعَلى أنْفُسِهِمْ جَنَوْا ذَلِكَ، ولَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ مِنَ التَّبْلِيغِ التّامِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، وذَلِكَ نِهايَةٌ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ. فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”ثُمَّ“ ؟ قُلْنا: الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إنْكارَهم أمْرٌ يُسْتَبْعَدُ بَعْدَ حُصُولِ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ أنْ يَعْتَرِفَ لا أنْ يُنْكِرَ، وفي المُرادِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ القاضِي المُرادُ بِها جَمِيعُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ النِّعَمِ؛ ومَعْنى أنَّهم أنْكَرُوهُ هو أنَّهم ما أفْرَدُوهُ تَعالى بِالشُّكْرِ والعِبادَةِ، بَلْ شَكَرُوا عَلى تِلْكَ النِّعَمِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى. ولِأنَّهم قالُوا: إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ النِّعِمُ بِشَفاعَةِ هَذِهِ الأصْنامِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهم عَرَفُوا أنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَقٌّ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، ونُبُوَّتُهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَما قالَ تَعالى: صفحة ٧٧ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٧] . الثّالِثُ: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، أيْ: لا يَسْتَعْمِلُونَها في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى. ثم قال تَعالى: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ . فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ كانَ كُلُّهم كافِرِينَ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: إنَّما قالَ ﴿وأكْثَرُهُمُ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ، أوْ كانَ ناقِصَ العَقْلِ مَعْتُوهًا، فَأرادَ بِالأكْثَرِ البالِغِينَ الأصِحّاءَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكافِرِ الجاحِدَ المُعانِدَ، وحِينَئِذٍ نَقُولُ إنَّما قالَ: ﴿وأكْثَرُهُمُ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ يَكُنْ مُعانِدًا، بَلْ كانَ جاهِلًا بِصِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما ظَهَرَ لَهُ كَوْنُهُ نَبِيًّا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الأكْثَرَ والمُرادُ الجَمِيعُ؛ لِأنَّ أكْثَرَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقامَ الكُلِّ، فَذِكْرُ الأكْثَرِ كَذِكْرِ الجَمِيعِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] . واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن حالِ القَوْمِ أنَّهم عَرَفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ أنْكَرُوها، وذَكَرَ أيْضًا مِن حالِهِمْ أنَّ أكْثَرَهُمُ الكافِرُونَ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ، فَذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الشُّهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الإنْكارِ وبِذَلِكَ الكُفْرِ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الشُّهَداءِ الأنْبِياءُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١]، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: لا يُؤْذَنُ لَهم في الِاعْتِذارِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٣٦] . وثانِيها: لا يُؤْذَنُ لَهم في كَثْرَةِ الكَلامِ. وثالِثُها: لا يُؤْذَنُ لَهم في الرُجُوعِ إلى دارِ الدُّنْيا وإلى التَّكْلِيفِ. ورابِعُها: لا يُؤْذَنُ لَهم في حالِ شَهادَةِ الشُّهُودِ، بَلْ يَسْكُتْ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهم لِيَشْهَدَ الشُّهُودُ. وخامِسُها: لا يُؤْذَنُ لَهم في كَثْرَةِ الكَلامِ لِيَظْهَرَ لَهم كَوْنُهم آيِسِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ثم قال: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ . الِاسْتِعْتابُ: طَلَبُ العِتابِ، والرَّجُلُ يَطْلُبُ العِتابَ مِن خَصْمِهِ إذا كانَ عَلى جَزْمِ أنَّهُ إذا عاتَبَهُ رَجَعَ إلى الرِّضا، فَإذا لَمْ يَطْلُبِ العِتابَ مِنهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ راسِخٌ في غَضَبِهِ وسَطْوَتِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا الوَعِيدَ، فَقالَ: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ . والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكِينَ إذا رَأوُا العَذابَ ووَصَلُوا إلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ. ﴿ولا هُمْ﴾ أيْضًا ﴿يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: لا يُؤَخَّرُونَ ولا يُمْهَلُونَ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ هُناكَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وتَحْقِيقُهُ ما يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ”لا يُخَفَّفُ عَنُهْمُ العَذابُ“ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ العَذابُ دائِمًا وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ .

النحل 16:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن حالِ القَوْمِ أنَّهم عَرَفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ أنْكَرُوها، وذَكَرَ أيْضًا مِن حالِهِمْ أنَّ أكْثَرَهُمُ الكافِرُونَ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ، فَذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الشُّهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الإنْكارِ وبِذَلِكَ الكُفْرِ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الشُّهَداءِ الأنْبِياءُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١]، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: لا يُؤْذَنُ لَهم في الِاعْتِذارِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٣٦] . وثانِيها: لا يُؤْذَنُ لَهم في كَثْرَةِ الكَلامِ. وثالِثُها: لا يُؤْذَنُ لَهم في الرُجُوعِ إلى دارِ الدُّنْيا وإلى التَّكْلِيفِ. ورابِعُها: لا يُؤْذَنُ لَهم في حالِ شَهادَةِ الشُّهُودِ، بَلْ يَسْكُتْ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهم لِيَشْهَدَ الشُّهُودُ. وخامِسُها: لا يُؤْذَنُ لَهم في كَثْرَةِ الكَلامِ لِيَظْهَرَ لَهم كَوْنُهم آيِسِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ثم قال: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ . الِاسْتِعْتابُ: طَلَبُ العِتابِ، والرَّجُلُ يَطْلُبُ العِتابَ مِن خَصْمِهِ إذا كانَ عَلى جَزْمِ أنَّهُ إذا عاتَبَهُ رَجَعَ إلى الرِّضا، فَإذا لَمْ يَطْلُبِ العِتابَ مِنهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ راسِخٌ في غَضَبِهِ وسَطْوَتِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا الوَعِيدَ، فَقالَ: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ . والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكِينَ إذا رَأوُا العَذابَ ووَصَلُوا إلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ. ﴿ولا هُمْ﴾ أيْضًا ﴿يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: لا يُؤَخَّرُونَ ولا يُمْهَلُونَ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ هُناكَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وتَحْقِيقُهُ ما يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ”لا يُخَفَّفُ عَنُهْمُ العَذابُ“ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ العَذابُ دائِمًا وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ .

النحل 16:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا أيْضًا مِن بَقِيَّةِ وعِيدِ المُشْرِكِينَ، وفي الشُّرَكاءِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَبْعَثُ الأصْنامَ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها المُشْرِكُونَ، والمَقْصُودُ مِن إعادَتِها أنَّ المُشْرِكِينَ يُشاهِدُونَها في غايَةِ الذِّلَّةِ والحَقارَةِ. وأيْضًا أنَّها تُكَذِّبُ المُشْرِكِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ زِيادَةَ الغَمِّ والحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، وإنَّما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِكَوْنِهِمْ شُرَكاءَ لِوَجْهَيْنِ: الأوْلُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُسَمُّونَها بِأنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ. والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالشُّرَكاءِ الشَّياطِينُ الَّذِينَ دَعَوُا الكُفّارَ إلى الكُفْرِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وإنَّما ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أُولَئِكَ الشُّرَكاءِ أنَّهم ألْقَوْا إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا أنَّهم لَكاذِبُونَ، والأصْنامُ جَماداتٌ فَلا يَصِحُّ مِنهم هَذا القَوْلُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّرَكاءِ الشَّياطِينَ حَتّى يَصِحَّ مِنهم هَذا القَوْلُ وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ الحَياةِ في تِلْكَ الأصْنامِ وعَلى خَلْقِ العَقْلِ والنُّطْقِ فِيها، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ مِنها هَذا القَوْلُ، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم إذا رَأوْا تِلْكَ الشُّرَكاءَ قالُوا: رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَتُهم في هَذا القَوْلِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: مَقْصُودُ المُشْرِكِينَ إحالَةُ الذَّنْبِ عَلى هَذِهِ الأصْنامِ وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أوْ يُنْقِصُ مِن عَذابِهِمْ، فَعِنْدَ هَذا تُكَذِّبُهم تِلْكَ الأصْنامُ. قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ، وأنَّهُ لا نُصْرَةَ ولا فِدْيَةَ ولا شَفاعَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ هَذا الكَلامَ؛ تَعَجُّبًا مِن حُضُورِ تِلْكَ الأصْنامِ مَعَ أنَّهُ لا ذَنْبَ لَها، واعْتِرافًا بِأنَّهم كانُوا مُخْطِئِينَ في عِبادَتِها. ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ الأصْنامَ يُكَذِّبُونَهم، فَقالَ: ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ في تِلْكَ الأصْنامِ حَتّى تَقُولَ هَذا القَوْلَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ القَوْلِ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقَوْا إلَيْهِمْ إنَّكم لَكاذِبُونَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ ما قالُوا، إلّا أنَّهم لَمّا أشارُوا إلى الأصْنامِ قالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ، وقَدْ كانُوا صادِقِينَ في كُلِّ ذَلِكَ، فَكَيْفَ قالَتِ الأصْنامُ ”إنَّكم لَكاذِبُونَ“ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: والأصَحُّ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ ”هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا“ هو أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنّا نَقُولُ أنَّهم صفحة ٧٩ شُرَكاءُ اللَّهِ في المَعْبُودِيَّةِ، فالأصْنامُ كَذَّبُوهم في إثْباتِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ. وقِيلَ: المُرادُ إنَّكم لَكاذِبُونَ في قَوْلِكم: إنّا نَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ [مَرْيَمَ: ٨٢] . ثم قال تَعالى: ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَسْلَمَ العابِدُ والمَعْبُودُ، وأقَرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وبِالبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ. وقِيلَ: ذَهَبَ عَنْهم ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مِن أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا. وقِيلَ: بَطَلَ ما كانُوا يَأْمَلُونَ مِن أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا أيْضًا مِن بَقِيَّةِ وعِيدِ المُشْرِكِينَ، وفي الشُّرَكاءِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَبْعَثُ الأصْنامَ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها المُشْرِكُونَ، والمَقْصُودُ مِن إعادَتِها أنَّ المُشْرِكِينَ يُشاهِدُونَها في غايَةِ الذِّلَّةِ والحَقارَةِ. وأيْضًا أنَّها تُكَذِّبُ المُشْرِكِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ زِيادَةَ الغَمِّ والحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، وإنَّما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِكَوْنِهِمْ شُرَكاءَ لِوَجْهَيْنِ: الأوْلُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُسَمُّونَها بِأنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ. والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالشُّرَكاءِ الشَّياطِينُ الَّذِينَ دَعَوُا الكُفّارَ إلى الكُفْرِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وإنَّما ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أُولَئِكَ الشُّرَكاءِ أنَّهم ألْقَوْا إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا أنَّهم لَكاذِبُونَ، والأصْنامُ جَماداتٌ فَلا يَصِحُّ مِنهم هَذا القَوْلُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّرَكاءِ الشَّياطِينَ حَتّى يَصِحَّ مِنهم هَذا القَوْلُ وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ الحَياةِ في تِلْكَ الأصْنامِ وعَلى خَلْقِ العَقْلِ والنُّطْقِ فِيها، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ مِنها هَذا القَوْلُ، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم إذا رَأوْا تِلْكَ الشُّرَكاءَ قالُوا: رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ. فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَتُهم في هَذا القَوْلِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: مَقْصُودُ المُشْرِكِينَ إحالَةُ الذَّنْبِ عَلى هَذِهِ الأصْنامِ وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أوْ يُنْقِصُ مِن عَذابِهِمْ، فَعِنْدَ هَذا تُكَذِّبُهم تِلْكَ الأصْنامُ. قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ الكُفّارَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا في الآخِرَةِ أنَّ العَذابَ سَيَنْزِلُ بِهِمْ، وأنَّهُ لا نُصْرَةَ ولا فِدْيَةَ ولا شَفاعَةَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ هَذا الكَلامَ؛ تَعَجُّبًا مِن حُضُورِ تِلْكَ الأصْنامِ مَعَ أنَّهُ لا ذَنْبَ لَها، واعْتِرافًا بِأنَّهم كانُوا مُخْطِئِينَ في عِبادَتِها. ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ الأصْنامَ يُكَذِّبُونَهم، فَقالَ: ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ في تِلْكَ الأصْنامِ حَتّى تَقُولَ هَذا القَوْلَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ القَوْلِ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقَوْا إلَيْهِمْ إنَّكم لَكاذِبُونَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ ما قالُوا، إلّا أنَّهم لَمّا أشارُوا إلى الأصْنامِ قالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ، وقَدْ كانُوا صادِقِينَ في كُلِّ ذَلِكَ، فَكَيْفَ قالَتِ الأصْنامُ ”إنَّكم لَكاذِبُونَ“ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: والأصَحُّ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ ”هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا“ هو أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنّا نَقُولُ أنَّهم صفحة ٧٩ شُرَكاءُ اللَّهِ في المَعْبُودِيَّةِ، فالأصْنامُ كَذَّبُوهم في إثْباتِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ. وقِيلَ: المُرادُ إنَّكم لَكاذِبُونَ في قَوْلِكم: إنّا نَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ [مَرْيَمَ: ٨٢] . ثم قال تَعالى: ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: اسْتَسْلَمَ العابِدُ والمَعْبُودُ، وأقَرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وبِالبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ. وقِيلَ: ذَهَبَ عَنْهم ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مِن أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا وصاحِبَةً ووَلَدًا. وقِيلَ: بَطَلَ ما كانُوا يَأْمَلُونَ مِن أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أتْبَعَهُ بِوَعِيدِ مَن ضَمَّ إلى كُفْرِهِ صَدَّ الغَيْرِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وجْهانِ، قِيلَ: مَعْناهُ الصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، والأصَحُّ أنَّهُ يَتَناوَلُ جُمْلَةَ الإيمانِ بِاللَّهِ والرَّسُولِ وبِالشَّرائِعِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَلا مَعْنى لِلتَّخْصِيصِ، وقَوْلُهُ: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم زادُوا عَلى كُفْرِهِمْ صَدَّ غَيْرِهِمْ عَنِ الإيمانِ فَهم في الحَقِيقَةِ ازْدادُوا كُفْرًا عَلى كُفْرٍ، فَلا جَرَمَ يَزِيدُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَذابًا عَلى عَذابٍ، وأيْضًا أتْباعُهم إنَّما اقْتَدَوْا بِهِمْ في الكُفْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهم مِثْلُ عِقابِ أتْباعِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ١٣] . ولِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن ذَكَرَ تَفْصِيلَ تِلْكَ الزِّيادَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِتِلْكَ الزِّيادَةِ خَمْسَةُ أنْهارٍ مِن نارٍ تَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها؛ ثَلاثَةٌ بِاللَّيْلِ واثْنانِ بِالنَّهارِ، وقالَ بَعْضُهم: زِدْناهم عَذابًا بِحَيّاتٍ وعَقارِبَ كَأمْثالِ البُخْتِ، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالهَرَبِ مِنها إلى النّارِ، ومِنهم مَن ذَكَرَ: لِكُلِّ عَقْرَبٍ ثَلاثُمِائَةِ فَقْرَةٍ في ثَلاثِمِائَةِ قُلَّةٍ مِن سُمٍّ. وقِيلَ: عَقارِبُ لَها أنْيابُ كالنَّخْلِ الطُّوالِ. ثم قال تَعالى: ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ الزِّيادَةُ مِنَ العَذابِ إنَّما حَصَلَتْ مُعَلَّلَةً بِذَلِكَ الصَّدِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن دَعا غَيْرَهُ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ فَقَدْ عَظُمَ عَذابُهُ، فَكَذَلِكَ إذا دَعا إلى الدِّينِ واليَقِينِ، فَقَدْ عَظُمَ قَدْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّهْدِيداتِ المانِعَةِ لِلْمُكَلَّفِينَ عَنِ المَعاصِي. واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ عِبارَةٌ عَنِ القَرْنِ والجَماعَةِ. صفحة ٨٠ إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ. والثّانِي: أنَّ كُلَّ جَمْعٍ وقَرْنٍ يَحْصُلُ في الدُّنْيا فَلا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ فِيهِمْ واحِدٌ يَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ. أمّا الشَّهِيدُ عَلى الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهو الرَّسُولُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] . وثَبَتَ أيْضًا أنَّهُ لا بُدَّ في كُلِّ زَمانٍ بَعْدَ زَمانِ الرَّسُولِ مِنَ الشَّهِيدِ. فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّ عَصْرًا مِنَ الأعْصارِ لا يَخْلُو مِن شَهِيدٍ عَلى النّاسِ، وذَلِكَ الشَّهِيدُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ غَيْرَ جائِزِ الخَطَأِ، وإلّا لافْتَقَرَ إلى شَهِيدٍ آخَرَ، ويَمْتَدُّ ذَلِكَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ في كُلِّ عَصْرٍ مِن أقْوامٍ تَقُومُ الحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ إجْماعُ الأُمَّةِ حُجَّةً. قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: المُرادُ بِذَلِكَ الشَّهِيدِ هو أنَّهُ تَعالى يُنْطِقُ عَشَرَةً -مِن أعْضاءِ الإنْسانِ إنَّها تَشْهَدُ عَلَيْهِ، وهي الأُذُنانِ والعَيْنانِ والرِّجْلانِ واليَدانِ والجِلْدُ واللِّسانُ. قالَ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ الشَّهِيدِ أنَّهُ مِن أنْفُسِهِمْ، وهَذِهِ الأعْضاءُ لا شَكَّ أنَّها مِن أنْفُسِهِمْ. أجابَ القاضِي عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى الأُمَّةِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهم. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ -ذَلِكَ الشَّهِيدُ مِنَ الأُمَّةِ، وآحادُ الأعْضاءِ لا يَصِحُّ وصْفُها بِأنَّها مِنَ الأُمَّةِ، وأمّا حَمْلُ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ عَلى الأنْبِياءِ فَبَعِيدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهم أنْبِياءَ مَبْعُوثِينَ إلى الخَلْقِ أمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَلا فائِدَةَ في حَمْلِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ. * * * ثم قال تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ بَيَّنَ أنَّهُ أزاحَ عِلَّتَهم فِيما كُلِّفُوا فَلا حُجَّةَ لَهم ولا مَعْذِرَةَ. المسألة الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: القُرْآنُ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، وذَلِكَ لِأنَّ العُلُومَ إمّا دِينِيَّةٌ أوْ غَيْرُ دِينِيَّةٍ، أمّا العُلُومُ الَّتِي لَيْسَتْ دِينِيَّةً فَلا تَعَلُّقَ لَها بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما مَدَحَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى عُلُومِ الدِّينِ، فَأمّا ما لا يَكُونُ مِن عُلُومِ الدِّينِ فَلا التِفاتَ إلَيْهِ، وأمّا عُلُومُ الدِّينِ فَإمّا الأُصُولُ، وإمّا الفُرُوعُ، أمّا عِلْمُ الأُصُولِ فَهو بِتَمامِهِ مَوْجُودٌ في القُرْآنِ، وأمّا عِلْمُ الفُرُوعِ فالأصْلُ بَراءَةُ الذِّمَّةِ إلّا ما ورَدَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ في هَذا الكِتابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا ما ورَدَ في هَذا القُرْآنِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ القَوْلُ بِالقِياسِ باطِلًا، وكانَ القُرْآنُ وافِيًا بِبَيانِ كُلِّ الأحْكامِ، وأمّا الفُقَهاءُ فَإنَّهم قالُوا: القُرْآنُ إنَّما كانَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ وخَبَرَ الواحِدِ والقِياسَ حُجَّةٌ، فَإذا ثَبَتَ حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ بِأحَدِ هَذِهِ الأُصُولِ كانَ ذَلِكَ الحكم ثابِتًا بِالقُرْآنِ. وهَذِهِ المسألة قَدْ سَبَقَ ذِكْرُها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ الأعْرافِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّالِثَةُ: رَوى الواحِدِيُّ بِإسْنادِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: تِبْيانًا في مَعْنى اسْمِ البَيانِ، ومِثْلُ التِّبْيانِ التِلْقاءُ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّهم قالُوا: لَمْ يَأْتِ مِنَ المَصادِرِ عَلى تِفْعالٍ إلّا حَرْفانِ (تِبْيانًا وتِلْقاءً)، وإذا تَرَكْتَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ اسْتَوى لَكَ القِياسُ فَقُلْتَ: في كُلِّ مَصْدَرٍ تَفْعالٌ بِفَتْحِ التّاءِ مِثْلُ تَسْيارٍ وتَذْكارٍ وتَكْرارٍ، وقُلْتَ: في كُلِّ اسْمٍ تِفْعالٌ بِكَسْرِ التّاءِ -مِثْلُ تِقْصارٍ وتِمْثالٍ.

النحل 16:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَقْصى في شَرْحِ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ فَجَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَّصِلُ بِالتَّكْلِيفِ فَرْضًا ونَفْلًا، وما يَتَّصِلُ بِالأخْلاقِ والآدابِ عُمُومًا وخُصُوصًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في بَيانِ فَضائِلِ هَذِهِ الآيَةِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ الجُمَحِيَّ قالَ: ما أسْلَمْتُ أوَّلًا إلّا حَياءً مِن مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يَتَقَرَّرِ الإسْلامُ في قَلْبِي، فَحَضَرْتُهُ ذاتَ يَوْمٍ، فَبَيْنَما هو يُحَدِّثُنِي إذْ رَأيْتُ بَصَرَهُ شَخَصَ إلى السَّماءِ ثُمَّ خَفَضَهُ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ عادَ لِمِثْلِ ذَلِكَ فَسَألْتُهُ، فَقالَ: ”بَيْنَما أنا أُحَدِّثُكَ إذا بِجِبْرِيلَ نَزَلَ عَنْ يَمِينِي فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، العَدْلُ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإحْسانُ: القِيامُ بِالفَرائِضِ وإيتاءُ ذِي القُرْبى - أيْ صِلَةُ ذِي القَرابَةِ - ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ - الزِّنا - والمُنْكَرِ -ما لا يُعْرَفُ في شَرِيعَةٍ ولا سُنَّةٍ - والبَغْيِ - الِاسْتِطالَةِ“ . قالَ عُثْمانُ: فَوَقَعَ الإيمانُ في قَلْبِي فَأتَيْتُ أبا طالِبٍ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اتَّبِعُوا ابْنَ أخِي تَرْشُدُوا ولَئِنْ كانَ صادِقًا أوْ كاذِبًا فَإنَّهُ ما يَأْمُرُكم إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، فَلَمّا رَأىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن عَمِّهِ اللِّينَ قالَ: يا عَمّاهُ أتَأْمُرُ النّاسَ أنْ يَتَّبِعُونِي وتَدَعُ نَفْسَكَ، وجَهَدَ عَلَيْهِ، فَأبى أنْ يُسْلِمَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ»﴾ [القَصَصِ: ٥٦] . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ أجْمَعَ آيَةٍ في القُرْآنِ لِخَيْرٍ وشَرٍّ هَذِهِ الآيَةُ، وعَنْ قَتادَةَ: لَيْسَ مِن خُلُقٍ حَسَنٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُعْمَلُ ويُسْتَحَبُّ إلّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَيْسَ مِن خُلُقٍ سَيِّئٍ إلّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ورَوى القاضِي في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ ماجَهْ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: «أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلى قَبائِلِ العَرَبِ، فَخَرَجَ وأنا مَعَهُ وأبُو بَكْرٍ، فَوَقَفْنا عَلى مَجْلِسٍ عَلَيْهِمُ الوَقارُ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: مِمَّنِ القَوْمُ ؟ فَقالُوا: مِن شَيْبانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الشَّهادَتَيْنِ وإلى أنْ يَنْصُرُوهُ، فَإنَّ قُرَيْشًا كَذَّبُوهُ، فَقالَ مَقْرُونُ بْنُ عَمْرٍو: إلامَ تَدْعُونا أخا قُرَيْشٍ ؟ فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ مَقْرُونُ بْنُ عَمْرٍو: دَعَوْتَ واللَّهِ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ، ولَقَدْ أفِكَ قَوْمٌ كَذَّبُوكَ وظاهَرُوا عَلَيْكَ» . وعَنْ عِكْرِمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى الوَلِيدِ فاسْتَعادَهُ، ثم قال: إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً»، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَإذا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ ولْيُحِدَّ أحَدُكم شَفْرَتَهُ ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» “ . واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أكْثَرَ النّاسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في بَعْضِ الرِّواياتِ العَدْلُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإحْسانُ أداءُ الفَرائِضِ. وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: العَدْلُ خَلْعُ الأنْدادِ، والإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، وأنْ تُحِبَّ لِلنّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، فَإنْ كانَ مُؤْمِنًا أحْبَبْتَ أنْ يَزْدادَ إيمانًا، وإنْ صفحة ٨٢ كانَ كافِرًا أحْبَبْتَ أنْ يَصِيرَ أخاكَ في الإسْلامِ. وقالَ في رِوايَةٍ ثالِثَةٍ: العَدْلُ هو التَّوْحِيدُ، والإحْسانُ الإخْلاصُ فِيهِ. وقالَ آخَرُونَ: يَعْنِي بِالعَدْلِ في الأفْعالِ والإحْسانِ في الأقْوالِ، فَلا تَفْعَلْ إلّا ما هو عَدْلٌ ولا تَقُلْ إلّا ما هو إحْسانٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ يُرِيدُ صِلَةَ الرَّحِمِ بِالمالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالدُّعاءِ، رَوى أبُو مُسْلِمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«إنَّ أعْجَلَ الطّاعَةِ ثَوابًا صِلَةُ الرَّحِمِ، إنَّ أهْلَ البَيْتِ لَيَكُونُونَ فُجّارًا فَتَنْمى أمْوالُهم ويَكْثُرُ عَدَدُهم؛ إذا وصَلُوا أرْحامَهم» “، وقَوْلُهُ: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ قِيلَ: الزِّنا، وقِيلَ: البُخْلُ، وقِيلَ: كُلُّ الذُّنُوبِ، سَواءٌ كانَتْ صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً، وسَواءٌ كانَتْ في القَوْلِ أوْ في الفِعْلِ، وأمّا المُنْكَرُ فَقِيلَ: إنَّهُ الكُفْرُ بِاللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: المُنْكَرُ ما لا يُعْرَفُ في شَرِيعَةٍ ولا سُنَّةٍ، وأمّا البَغْيُ فَقِيلَ: الكِبْرُ والظُّلْمُ، وقِيلَ: أنْ تَبْغِيَ عَلى أخِيكَ. واعْلَمْ أنَّ في المَأْمُوراتِ كَثْرَةً وفي المَنهِيّاتِ أيْضًا كَثْرَةً، وإنَّما حَسُنَ تَفْسِيرُ لَفْظٍ مُعَيَّنٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، إذا حَصَلَ بَيْنَ ذَلِكَ اللَّفْظِ وبَيْنَ ذَلِكَ المَعْنى مُناسَبَةٌ. أمّا إذا لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الحالَةُ كانَ ذَلِكَ التَّفْسِيرُ فاسِدًا، فَإذا فَسَّرْنا العَدْلَ بِشَيْءٍ والإحْسانَ بِشَيْءٍ آخَرَ وجَبَ أنْ نُبَيِّنَ أنَّ لَفْظَ العَدْلِ يُناسِبُ ذَلِكَ المَعْنى، ولَفْظُ الإحْسانِ يُناسِبُ هَذا المَعْنى، فَلَمّا لَمْ نُبَيِّنْ هَذا المَعْنى كانَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ التَّحَكُّمِ، ولَمْ يَكُنْ جَعْلُ بَعْضِ تِلْكَ المَعانِي تَفْسِيرًا لِبَعْضِ تِلْكَ الألْفاظِ أوْلى مِنَ العَكْسِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها لَيْسَتْ قَوِيَّةً في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وأقُولُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: وهي العَدْلُ والإحْسانُ وإيتاءُ ذِي القُرْبى، ونَهى عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ: وهي الفَحْشاءُ والمُنْكَرُ والبَغْيُ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَدْلُ والإحْسانُ وإيتاءُ ذِي القُرْبى ثَلاثَةَ أشْياءَ مُتَغايِرَةً. ووَجَبَ أنْ تَكُونَ الفَحْشاءُ والمُنْكَرُ والبَغْيُ ثَلاثَةَ أشْياءَ مُتَغايِرَةً؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ المُغايَرَةَ، فَنَقُولُ: أمّا العَدْلُ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ أمْرٌ واجِبُ الرِّعايَةِ في جَمِيعِ الأشْياءِ، ولا بُدَّ مِن تَفْصِيلِ القَوْلِ فِيهِ. فَنَقُولُ: الأحْوالُ الَّتِي وقَعَ التَّكْلِيفُ بِها؛ إمّا الِاعْتِقاداتُ وإمّا أعْمالُ الجَوارِحِ. أمّا الِاعْتِقاداتُ: فالعَدْلُ في كُلِّها واجِبُ الرِّعايَةِ: فَأحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُرادَ بِالعَدْلِ هو قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ نَفْيَ الإلَهِ تَعْطِيلٌ مَحْضٌ، وإثْباتَ أكْثَرِ مِن إلَهٍ واحِدٍ تَشْرِيكٌ وتَشْبِيهٌ، وهُما مَذْمُومانِ، والعَدْلُ: هو إثْباتُ الإلَهِ الواحِدِ، وهو قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وثانِيها: أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الإلَهَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ ولا شَيْءَ - تَعْطِيلٌ مَحْضٌ. والقَوْلُ بِأنَّهُ جِسْمٌ وجَوْهَرٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الأعْضاءِ، ومُخْتَصٌّ بِالمَكانِ - تَشْبِيهٌ مَحْضٌ. والعَدْلُ إثْباتُ إلَهٍ مَوْجُودٍ مُتَحَقِّقٍ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الجِسْمِيَّةِ والجَوْهَرِيَّةِ والأعْضاءِ والأجْزاءِ والمَكانِ. وثالِثُها: أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الإلَهَ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالصِّفاتِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ تَعْطِيلٌ مَحْضٌ. والقَوْلُ بِأنَّ صِفاتَهُ حادِثَةٌ مُتَغَيِّرَةٌ - تَشْبِيهٌ مَحْضٌ. والعَدْلُ: هو إثْباتُ أنَّ الإلَهَ عالِمٌ قادِرٌ حَيٌّ؛ مَعَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ صِفاتَهُ لَيْسَتْ حادِثَةً ولا مُتَغَيِّرَةً. ورابِعُها: أنَّ القَوْلَ بِأنَّ العَبْدَ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ ولا اخْتِيارٌ - جَبْرٌ مَحْضٌ. والقَوْلُ بِأنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِأفْعالِهِ - قَدَرٌ مَحْضٌ، وهُما مَذْمُومانِ، والعَدْلُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَبْدَ يَفْعَلُ الفِعْلَ لَكِنْ بِواسِطَةِ قُدْرَةٍ وداعِيَةٍ، يَخْلُقُهُما اللَّهُ تَعالى فِيهِ. وخامِسُها: القَوْلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُؤاخِذُ عَبْدَهُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ مُساهَلَةٌ عَظِيمَةٌ، والقَوْلُ بِأنَّهُ تَعالى يُخَلِّدُ في النّارِ عَبْدَهُ العارِفَ بِالمَعْصِيَةِ الواحِدَةِ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ، والعَدْلُ أنَّهُ يُخْرِجُ مِنَ النّارِ كُلَّ مَن قالَ واعْتَقَدَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَهَذِهِ أمْثِلَةٌ ذَكَرْناها في رِعايَةِ مَعْنى العَدْلِ في الِاعْتِقاداتِ. وأمّا رِعايَةُ العَدْلِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأفْعالِ الجَوارِحِ، فَنَذْكُرُ سِتَّةَ أمْثِلَةٍ مِنها: أحَدُها: أنَّ قَوْمًا مِن نُفاةِ التَّكالِيفِ يَقُولُونَ: لا يَجِبُ عَلى العَبْدِ الِاشْتِغالُ بِشَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ، ولا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي، ولَيْسَ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ أصْلًا، وقالَ قَوْمٌ مِنَ الهِنْدِ، ومِنَ المانَوِيَّةِ: إنَّهُ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَجْتَنِبَ عَنْ كُلِّ الطَّيِّباتِ وأنْ يُبالِغَ في تَعْذِيبِ صفحة ٨٣ نَفْسِهِ وأنْ يَحْتَرِزَ عَنْ كُلِّ ما يَمِيلُ الطَّبْعُ إلَيْهِ حَتّى أنَّ المانَوِيَّةَ يُخْصُونَ أنْفُسَهم، ويَحْتَرِزُونَ عَنِ التَّزَوُّجِ، ويَحْتَرِزُونَ عَنْ أكْلِ الطَّعامِ الطَّيِّبِ، والهِنْدُ يَحْرِقُونَ أنْفُسَهم ويَرْمُونَ أنْفُسَهم مِن شاهِقِ الجِبَلِ، فَهَذانِ الطَّرِيقانِ مَذْمُومانِ، والوَسَطُ المُعْتَدِلُ هو هَذا الشَّرْعُ الَّذِي جاءَنا بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ . وثانِيها: أنَّ التَّشْدِيدَ في دِينِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - غالِبٌ جِدًّا، والتَّساهُلَ في دِينِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - غالِبٌ جِدًّا، والوَسَطُ العَدْلُ شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . قِيلَ: كانَ شَرْعُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في القَتْلِ العَمْدِ اسْتِيَفاءَ القَصاصِ لا مَحالَةَ، وفي شَرْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَفْوُ. أمّا في شَرْعِنا فَإنْ شاءَ اسْتَوْفى القَصاصَ عَلى سَبِيلِ المُماثَلَةِ، وإنْ شاءَ اسْتَوْفى الدِّيَةَ، وإنْ شاءَ عَفا. وأيْضًا شَرْعُ مُوسى يَقْتَضِي الِاحْتِرازَ العَظِيمَ عَنِ المَرْأةِ حالَ حَيْضِها، وشَرْعُ عِيسى يَقْتَضِي حِلَّ وطْءِ الحائِضِ، والعَدْلُ ما حَكَمَ بِهِ شَرْعُنا، وهو أنَّهُ يَحْرُمُ وطْؤُها؛ احْتِرازًا عَنِ التَّلَطُّخِ بِتِلْكَ الدِّماءِ الخَبِيثَةِ، أمّا لا يَجِبُ إخْراجُها عَنِ الدّارِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] . يَعْنِي مُتَباعِدِينَ عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في كُلِّ الأُمُورِ، وقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٧] . وقالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسْراءِ: ٢٩] . ولَمّا بالَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في العِباداتِ، قالَ تَعالى: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] . ولَمّا أخَذَ قَوْمٌ في المُساهَلَةِ قالَ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٥] . والمُرادُ مِنَ الكُلِّ رِعايَةُ العَدْلِ والوَسَطِ. ورابِعُها: أنَّ شَرِيعَتَنا أمَرَتْ بِالخِتانِ؛ والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ رَأْسَ العُضْوِ جِسْمٌ شَدِيدُ الحِسِّ ولِأجْلِهِ عَظُمَ الِالتِذاذُ عِنْدَ الوِقاعِ، فَلَوْ بَقِيَتِ الجِلْدَةُ عَلى ذَلِكَ العُضْوِ بَقِيَ ذَلِكَ العُضْوُ عَلى كَمالِ القُوَّةِ وشِدَّةِ الإحْساسِ؛ فَيَعْظُمُ الِالتِذاذُ. أمّا إذا قُطِعَتْ تِلْكَ الجِلْدَةُ وبَقِيَ ذَلِكَ العُضْوُ عارِيًا فَيَلْقى الثِّيابَ وسائِرَ الأجْسامِ فَيَتَصَلَّبُ ويَضْعُفُ حِسُّهُ ويَقِلُّ شُعُورُهُ؛ فَيَقِلُّ الِالتِذاذُ بِالوِقاعِ فَتَقِلُّ الرَّغْبَةُ فِيهِ، فَكَأنَّ الشَّرِيعَةَ إنَّما أمَرَتْ بِالخِتانِ سَعْيًا في تَقْلِيلِ تِلْكَ اللَّذَّةِ، حَتّى يَصِيرَ مَيْلُ الإنْسانِ إلى قَضاءِ شَهْوَةِ الجِماعِ إلى حَدِّ الِاعْتِدالِ، وأنْ لا تَصِيرَ الرَّغْبَةُ فِيهِ غالِبَةً عَلى الطَّبْعِ، فالإخْصاءُ وقَطْعُ الآلاتِ عَلى ما تَذْهَبُ إلَيْهِ المانَوِيَّةُ مَذْمُومٌ؛ لِأنَّهُ إفْراطٌ، وإبْقاءُ تِلْكَ الجِلْدَةِ مُبالَغَةٌ في تَقْوِيَةِ تِلْكَ اللَّذَّةِ، والعَدْلُ الوَسَطُ هو الإتْيانُ بِالخِتانِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ أنَّ العَدْلَ واجِبُ الرِّعايَةِ في جَمِيعِ الأحْوالِ، ومِنَ الكَلِماتِ المَشْهُورَةِ قَوْلُهم: وبِالعَدْلِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ومَعْناهُ: أنَّ مَقادِيرَ العَناصِرِ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَعادِلَةً مُتَكافِئَةً، بَلْ كانَ بَعْضُها أزْيَدَ بِحَسَبِ الكِمِّيَّةِ وبِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ مِنَ الآخَرِ، لاسْتَوْلى الغالِبُ عَلى المَغْلُوبِ ووَهى المَغْلُوبُ، وتَنْقَلِبُ الطَّبائِعُ كُلُّها إلى طَبِيعَةِ الجُرْمِ الغالِبِ، ولَوْ كانَ بُعْدُ الشَّمْسِ مِنَ الأرْضِ أقَلَّ مِمّا هو الآنَ، لَعَظُمَتِ السُّخُونَةُ في هَذا العالَمِ، واحْتَرَقَ كُلُّ ما في هَذا العالَمِ، ولَوْ كانَ بُعْدُها أزْيَدَ مِمّا هو الآنَ لاسْتَوْلى البَرْدُ والجُمُودُ عَلى هَذا العالَمِ، وكَذا القَوْلُ في مَقادِيرِ حَرَكاتِ الكَواكِبِ ومَراتِبِ سُرْعَتِها وبُطْئِها، فَإنَّ الواحِدَ مِنها لَوْ كانَ أزْيَدَ مِمّا هو الآنَ أوْ كانَ أنْقَصَ مِمّا هو الآنَ لاخْتَلَّتْ مَصالِحُ هَذا العالَمِ؛ فَظَهَرَ بِهَذا السَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْناهُ صِدْقُ قَوْلِهِمْ: وبِالعَدْلِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَهَذِهِ إشارَةٌ مُخْتَصَرَةٌ إلى شَرْحِ حَقِيقَةِ العَدْلِ. وأمّا الإحْسانُ فاعْلَمْ أنَّ الزِّيادَةَ عَلى العَدْلِ قَدْ تَكُونُ إحْسانًا، وقَدْ تَكُونُ إساءَةً. مِثالُهُ: أنَّ العَدْلَ في الطّاعاتِ هو أداءُ الواجِباتِ. أمّا الزِّيادَةُ عَلى الواجِباتِ فَهي أيْضًا طاعاتٌ وذَلِكَ مِن بابِ الإحْسانِ، وبِالجُمْلَةِ فالمُبالَغَةُ في أداءِ الطّاعاتِ بِحَسَبِ الكِمِّيَّةِ وبِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ هو الإحْسانُ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: «أنَّ جِبْرِيلَ لَمّا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإحْسانِ قالَ: ”الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ“» . صفحة ٨٤ فَإنْ قالُوا: لِمَ سُمِّيَ هَذا المَعْنى بِالإحْسانِ ؟ قُلْنا: كَأنَّهُ بِالمُبالَغَةِ في الطّاعَةِ يُحْسِنُ إلى نَفْسِهِ ويُوصِلُ الخَيْرَ والفِعْلَ الحَسَنَ إلى نَفْسِهِ، والحاصِلُ أنَّ العَدْلَ عِبارَةٌ عَنِ القَدْرِ الواجِبِ مِنَ الخَيْراتِ، والإحْسانَ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ في تِلْكَ الطّاعاتِ بِحَسَبِ الكِمِّيَّةِ وبِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ، وبِحَسَبِ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، وبِحَسَبِ الِاسْتِغْراقِ في شُهُودِ مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، فَهَذا هو الإحْسانُ. واعْلَمْ أنَّ الإحْسانَ بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ دَخَلَ فِيهِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، وأشْرَفُها وأجَلُّها صِلَةُ الرَّحِمِ، لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ فَهَذا تَفْصِيلُ القَوْلِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِها. وأمّا الثَّلاثَةُ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها، وهي الفَحْشاءُ والمُنْكَرُ والبَغْيُ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في النَّفْسِّ البَشَرِيَّةِ قُوًى أرْبَعَةً؛ وهي الشَّهْوانِيَّةُ البَهِيمِيَّةُ، والغَضَبِيَّةُ السَّبُعِيَّةُ، والوَهْمِيَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ، والعَقْلِيَّةُ المَلَكِيَّةُ. وهَذِهِ القُوَّةُ الرّابِعَةُ؛ أعْنِي العَقْلِيَّةَ المَلَكِيَّةَ - لا يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى تَأْدِيبِها وتَهْذِيبِها؛ لِأنَّها مِن جَواهِرِ المَلائِكَةِ، ومِن نَتائِجِ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ العُلْوِيَّةِ، إنَّما المُحْتاجُ إلى التَّأْدِيبِ والتَّهْذِيبِ تِلْكَ القُوى الثَّلاثَةُ الأُوَلُ. أمّا القُوَّةُ الشَّهْوانِيَّةُ فَهي إنَّما تُرَغِّبُ في تَحْصِيلِ اللَّذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ، وهَذا النوع مَخْصُوصٌ بِاسْمِ الفُحْشِ. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى سَمّى الزِّنا فاحِشَةً، فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٣٢ ] . فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ المُرادُ مِنهُ المَنعُ مِن تَحْصِيلِ اللَّذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ الخارِجَةِ عَنْ إذْنِ الشَّرِيعَةِ. وأمّا القُوَّةُ الغَضَبِيَّةُ السَّبُعِيَّةُ فَهي أبَدًا تَسْعى في إيصالِ الشَّرِّ والبَلاءِ والإيذاءِ إلى سائِرِ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ النّاسَ يُنْكِرُونَ تِلْكَ الحالَةَ، فالمُنْكَرُ عِبارَةٌ عَنِ الإفْراطِ الحاصِلِ في آثارِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ. وأمّا القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ فَهي أبَدًا تَسْعى في الِاسْتِعْلاءِ عَلى النّاسِ والتَّرَفُّعِ وإظْهارِ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِنَ البَغْيِ، فَإنَّهُ لا مَعْنى لِلْبَغْيِ إلّا التَّطاوُلُ عَلى النّاسِ والتَّرَفُّعُ عَلَيْهِمْ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ مُنْطَبِقَةٌ عَلى أحْوالِ هَذِهِ القُوى الثَّلاثَةِ، ومِنَ العَجائِبِ في هَذا البابِ أنَّ العُقَلاءَ قالُوا: أخَسُّ هَذِهِ القُوى الثَّلاثَةِ هي الشَّهْوانِيَّةُ، وأوْسَطُها الغَضَبِيَّةُ وأعْلاها الوَهْمِيَّةُ. واللَّهُ تَعالى راعى هَذا التَّرْتِيبَ، فَبَدَأ بِالفَحْشاءِ الَّتِي هي نَتِيجَةُ القُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، ثُمَّ بِالمُنْكَرِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، ثُمَّ بِالبَغْيِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ. فَهَذا ما وصَلَ إلَيْهِ عَقْلِي وخاطِرِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ، فَإنْ يَكُ صَوابًا فَمِنَ الرَّحْمَنِ، وإنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي ومِنَ الشَّيْطانِ، واللَّهُ ورَسُولُهُ عَنْهُ بَرِيئانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما خَصَّنا بِهَذا النوع مِنَ الفَضْلِ والإحْسانِ، إنَّهُ المَلِكُ الدَّيّانُ.

النحل 16:91

ثم قال تَعالى: ﴿يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أمْرُهُ تَعالى بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ ونَهْيُهُ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] . أرْدَفَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى الأمْرِ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، والنَّهْيِ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ بِكَوْنِ القُرْآنِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ هو هَذِهِ التَّكالِيفُ السِّتَّةُ، وهي في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، ومِن نَتائِجِ الأرْواحِ العالِيَةِ القُدْسِيَّةِ، إلّا أنَّهُ دَخَلَ في هَذا العالَمِ خالِيًا عارِيًا عَنِ التَّعَلُّقاتِ، فَتِلْكَ الثَّلاثَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها هي الَّتِي تُرَقِّيها بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وتِلْكَ المَعارِفُ والأعْمالُ هي الَّتِي صفحة ٨٥ تُرَقِّيها إلى عالَمِ الغَيْبِ وسُرادِقاتِ القُدْسِ، ومُجاوَرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ في جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، وتِلْكَ الثَّلاثَةُ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها هي الَّتِي تَصُدُّها عَنْ تِلْكَ السَّعاداتِ، وتَمْنَعُها عَنِ الفَوْزِ بِتِلْكَ الخَيْراتِ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ، ونَهى عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَقَدْ نَبَّهَ عَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُونَ مِن عالَمِ الدُّنْيا إلى مَبْدَأِ عَرْصَةِ القِيامَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: الآيَةُ تَدُّلُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ الجَوْرَ والفَحْشاءَ. وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى كَيْفَ يَنْهاهم عَمّا يَخْتَرِعُهُ فِيهِمْ، وكَيْفَ يَنْهى عَمّا يُرِيدُ تَحْصِيلَهُ فِيهِمْ ؟ ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالُوا لَكانَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَفْعَلُوا خِلافَ ما خَلَقَهُ فِيكم، ويَنْهاكم عَنْ أفْعالٍ خَلَقَها فِيكم، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى، ونَهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ، فَلَوْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ إنَّهُ ما فَعَلَها لَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٤ ] . وتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصَّفِّ: ٣ ] . الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّرَجِّي والتَّمَنِّي، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يَعِظُكم لِإرادَةِ أنْ تَتَذَكَّرُوا طاعَتَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ صَرَّحَ وقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى، ولَكِنَّهُ يَمْنَعُ مِنهُ ويَصُدُّ عَنْهُ، ولا يُمَكِّنُ العَبْدَ مِنهُ، ثم قال: ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ، ولَكِنَّهُ يُوجِدُ كُلَّ هَذِهِ الثَّلاثَةِ في العَبْدِ، شاءَ أمْ أبى، وأرادَهُ مِنهُ، ومَنَعَهُ مِن تَرْكِهِ ومِنَ الِاحْتِرازِ عَنْهُ - لَحَكَمَ كُلُّ أحَدٍ عَلَيْهِ بِالرَّكاكَةِ وفَسادِ النَّظْمِ والتَّرْكِيبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ مُتَعالِيًا عَنْ فِعْلِ القَبائِحِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا النوع مِنَ الِاسْتِدْلالِ كَثِيرٌ، وقَدْ مَرَّ الجَوابُ عَنْهُ. والمُعْتَمَدُ في دَفْعِ هَذِهِ المُشاغَباتِ التَّعْوِيلُ عَلى سُؤالِ الدّاعِي وسُؤالِ العِلْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ المُتَكَلِّمُونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ ومِنَ المُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّ تَذَكُّرَ الأشْياءِ مِن فِعْلِ اللَّهِ، لا مِن فِعْلِ العَبْدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هو أنَّ التَّذْكِرَةَ عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ المُتَذَكَّرِ، فَحالَ الطَّلَبُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ بِهِ شُعُورٌ أوْ لا يَكُونُ لَهُ بِهِ شُعُورٌ، فَإنْ كانَ لَهُ شُعُورٌ فَذَلِكَ الذِّكْرُ حاصِلٌ، والحاصِلُ لا يُطْلَبُ تَحْصِيلُهُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ شُعُورٌ فَكَيْفَ يَطْلُبُهُ بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّ تَوْجِيهَ الطَّلَبِ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ حالَ ما لا يَكُونُ هو بِعَيْنِهِ مُتَصَوَّرًا - مُحالٌ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الوَعْظِ أنْ يُقْدِمُوا عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ التَّذَكُّرُ فِعْلًا لَهُ فَكَيْفَ طَلَبَ مِنهُ تَحْصِيلَهُ، وهَذا هو الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ أصْحابُنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُ ذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ . * * * صفحة ٨٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا جَمَعَ كُلَّ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ في الآيَةِ الأُولى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ - ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضَ تِلْكَ الأقْسامِ، فَبَدَأ تَعالى بِالأمْرِ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: عَهْدُ اللَّهِ هي البَيْعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفَتْحِ: ١٠] . أيْ: ولا تَنْقُضُوا أيْمانَ البَيْعَةِ بَعْدَ تَوْكِيدِها، أيْ: بَعْدَ تَوْثِيقِها بِاسْمِ اللَّهِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ عَهْدٍ يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ بِاخْتِيارِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والوَعْدُ مِنَ العَهْدِ، وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: مَن عاهَدْتَهُ وفِّ بِعَهْدِهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، فَإنَّما العَهْدُ لِلَّهِ تَعالى. الثّالِثُ: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ مِنهُ الجِهادُ وما فَرَضَ اللَّهُ في الأمْوالِ مِن حَقٍّ. الرّابِعُ: عَهْدُ اللَّهِ هو اليَمِينُ بِاللَّهِ، وقالَ هَذا القائِلُ: إنَّما يَجِبُ الوَفاءُ بِاليَمِينِ إذا لَمْ يَكُنِ الصَّلاحُ في خِلافِهِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ ورَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ» “ . الخامِسُ: قالَ القاضِي: العَهْدُ يَتَناوَلُ كُلَّ أمْرٍ يَجِبُ الوَفاءُ بِمُقْتَضاهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ أدِلَّةَ العَقْلِ والسَّمْعِ أوْكَدُ في لُزُومِ الوَفاءِ بِما يَدُلّانِ عَلى وُجُوبِهِ مِنَ اليَمِينِ؛ ولِذَلِكَ لا يَصِحُّ في هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ التَّغَيُّرُ والِاخْتِلافُ، ويَصِحُّ ذَلِكَ في اليَمِينِ، ورُبَّما نَدَبَ فِيهِ خِلافَ الوَفاءِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾، فَهَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالعُهُودِ الَّتِي يَلْتَزِمُها الإنْسانُ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا عاهَدْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي مُعْتَبَرًا؛ ولِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ فِيمَن آمَنَ بِاللَّهِ والرَّسُولِ، وأيْضًا يَجِبُ أنْ لا يُحْمَلَ هَذا العَهْدُ عَلى اليَمِينِ، لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلَيْهِ لَكانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ تَكْرارًا؛ لِأنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمَنعَ مِنَ النَّقْضِ مُتَقارِبانِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ التَّرْكِ إلّا إذا قِيلَ: إنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ عامٌّ فَدَخَلَ تَحْتَهُ اليَمِينُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَصَّ اليَمِينَ بِالذِّكْرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أوْلى أنْواعِ العَهْدِ بِوُجُوبِ الرِّعايَةِ، وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: الأوْلى أنْ يُحْمَلَ هَذا العَهْدُ عَلى ما يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ بِاخْتِيارِهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ المُبايَعَةُ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ عَهْدُ الجِهادِ، وعَهْدُ الوَفاءِ بِالمُلْتَزَماتِ مِنَ المَنذُوراتِ والأشْياءِ الَّتِي أكَّدَها بِالحَلِفِ واليَمِينِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ وكَّدْتُ وأكَّدْتُ لُغَتانِ جَيِّدَتانِ، والأصْلُ الواوُ، والهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنها. البحث الثّانِي: قالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَمِينُ اللَّغْوِ هي يَمِينُ الغَمُوسِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ فَنَهى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ نَقْضِ الأيْمانِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ يَمِينٍ قابِلًا لِلْبِرِّ والحِنْثِ، ويَمِينُ الغَمُوسِ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلْبِرِّ والحِنْثِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مِنَ الأيْمانِ. واحْتَجَّ الواحِدِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ يَمِينَ اللَّغْوِ هي قَوْلُ العَرَبِ لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ. قالَ: إنَّما قالَ تَعالى: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الأيْمانِ المُؤَكَّدَةِ بِالعَزْمِ وبِالعَقْدِ وبَيْنَ لَغْوِ اليَمِينِ. صفحة ٨٧ البحث الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الخَبَرَ دَلَّ عَلى أنَّهُ مَتى كانَ الصَّلاحُ في نَقْضِ الأيْمانِ جازَ نَقْضُها. ثم قال: ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ هَذِهِ واوُ الحالِ، أيْ: لا تَنْقُضُوها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ كَفِيلًا عَلَيْكم بِالوَفاءِ، وذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ قَدْ جَعَلَ اللَّهَ كَفِيلًا بِالوَفاءِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحَلِفِ. ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ وفِيهِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، والمُرادُ: فَيُجازِيكم عَلى ما تَفْعَلُونَ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ وُجُوبَ الوَفاءِ وتَحْرِيمَ النَّقْضِ، وقالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في المُشَبَّهِ بِهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَها: رايِطَةُ، وقِيلَ: رَيْطَةُ، وقِيلَ: تُلَقَّبُ جَعْراءَ، وكانَتْ حَمْقاءَ تَغْزِلُ الغَزْلَ هي وجَوارِيها، فَإذا غَزَلَتْ وأبْرَمَتْ أمَرَتْهُنَّ فَنَقَضْنَ ما غَزَلْنَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالمَثَلِ الوَصْفُ دُونَ التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ القَصْدَ بِالأمْثالِ صَرْفُ المُكَلَّفِ عَنْهُ إذا كانَ قَبِيحًا، والدُّعاءُ إلَيْهِ إذا كانَ حَسَنًا، وذَلِكَ يَتِمُّ بِهِ مِن دُونِ التَّعْيِينِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ قُوَّةِ الغَزْلِ بِإبْرامِها وفَتْلِها. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْكاثًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: واحِدُها نِكْثٌ، وهو الغَزْلُ مِنَ الصُّوفِ والشَّعْرِ يُبْرَمُ ويُنْسَجُ، فَإذا أحْكَمَتِ النَّسِيجَةَ قَطَعَتْها ونَكَثَتْ خُيُوطَها المُبْرَمَةَ ونَفَشَتْ تِلْكَ الخُيُوطَ، وخَلَطَتْ بِالصُّوفِ ثُمَّ غَزَلَتْ ثانِيَةً، والنَّكْثُ المَصْدَرُ، ومِنهُ يُقالُ: نَكَثَ فُلانٌ عَهْدَهُ إذا نَقَضَهُ بَعْدَ إحْكامِهِ، كَما يُنْكَثُ خَيْطُ الصُّوفِ بَعْدَ إبْرامِهِ. المسألة الرّابِعَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أنْكاثًا﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: أنْكاثًا مَنصُوبٌ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى نَكَثَتْ نَقَضَتْ، ومَعْنى نَقَضَتْ نَكَثَتْ، وهَذا غَلَطٌ مِنهُ؛ لِأنَّ الأنْكاثَ: جَمْعُ نِكْثٍ وهو اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنْكاثًا﴾ بِمَعْنى المَصْدَرِ ؟ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: أنْكاثًا مَفْعُولٌ ثانٍ، كَما تَقُولُ: كَسَرَهُ أقْطاعًا، وفَرَّقَهُ أجْزاءً عَلى مَعْنى جَعَلَهُ أقْطاعًا وأجْزاءً، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: نَقَضَتْ غَزْلَها أنْكاثًا؛ أيْ جَعَلَتْ غَزْلَها أنْكاثًا. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْكاثًا﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. المسألة الخامِسَةُ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها، فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ مِثْلَ المَرْأةِ الَّتِي غَزَلَتْ غَزْلًا وأحْكَمَتْهُ، فَلَمّا اسْتَحْكَمَ نَقَضَتْهُ فَجَعَلَتْهُ أنْكاثًا. ثم قال تَعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الدَّخَلُ والدَّغَلُ الغِشُّ والخِيانَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما دَخَلَهُ عَيْبٌ، قِيلَ: هو مَدْخُولٌ، وفِيهِ دَخَلٌ، وقالَ غَيْرُهُ: الدَّخَلُ ما أُدْخِلَ في الشَّيْءِ عَلى فَسادٍ. ثم قال: ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ﴾، أرْبى أيْ أكْثَرُ؛ مِن رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا زادَ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ قَدْ تَكُونُ في العَدَدِ وفي القُوَّةِ وفي الشَّرَفِ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُحالِفُونَ الحُلَفاءَ، ثُمَّ يَجِدُونَ مَن كانَ أعَزَّ مِنهم وأشْرَفَ، فَيَنْقُضُونَ حِلْفَ الأوَّلِينَ، ويُحالِفُونَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم أعَزُّ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: (أنْ) صفحة ٨٨ ﴿تَكُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّكم تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ أرْبى مِن أُمَّةٍ في العَدَدِ والقُوَّةِ والشَّرَفِ. فَقَوْلُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، والمَعْنى: أتَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم بِسَبَبِ أنَّ أُمَّةً أزْيَدُ في القُوَّةِ والكَثْرَةِ مِن أُمَّةٍ أُخْرى ؟ ثم قال تَعالى: ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ أيْ: بِما يَأْمُرُكم ويَنْهاكم، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأمْرِ والنَّهْيِ: ﴿ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِما يَظْهَرُ مِن دَرَجاتِ الثَّوابِ والعِقابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:92

ثم قال تَعالى: ﴿يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أمْرُهُ تَعالى بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ ونَهْيُهُ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المسألة الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] . أرْدَفَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى الأمْرِ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، والنَّهْيِ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ بِكَوْنِ القُرْآنِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ هو هَذِهِ التَّكالِيفُ السِّتَّةُ، وهي في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، ومِن نَتائِجِ الأرْواحِ العالِيَةِ القُدْسِيَّةِ، إلّا أنَّهُ دَخَلَ في هَذا العالَمِ خالِيًا عارِيًا عَنِ التَّعَلُّقاتِ، فَتِلْكَ الثَّلاثَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها هي الَّتِي تُرَقِّيها بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وتِلْكَ المَعارِفُ والأعْمالُ هي الَّتِي صفحة ٨٥ تُرَقِّيها إلى عالَمِ الغَيْبِ وسُرادِقاتِ القُدْسِ، ومُجاوَرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ في جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، وتِلْكَ الثَّلاثَةُ الَّتِي نَهى اللَّهُ عَنْها هي الَّتِي تَصُدُّها عَنْ تِلْكَ السَّعاداتِ، وتَمْنَعُها عَنِ الفَوْزِ بِتِلْكَ الخَيْراتِ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ، ونَهى عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَقَدْ نَبَّهَ عَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُونَ مِن عالَمِ الدُّنْيا إلى مَبْدَأِ عَرْصَةِ القِيامَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: الآيَةُ تَدُّلُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ الجَوْرَ والفَحْشاءَ. وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى كَيْفَ يَنْهاهم عَمّا يَخْتَرِعُهُ فِيهِمْ، وكَيْفَ يَنْهى عَمّا يُرِيدُ تَحْصِيلَهُ فِيهِمْ ؟ ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالُوا لَكانَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَفْعَلُوا خِلافَ ما خَلَقَهُ فِيكم، ويَنْهاكم عَنْ أفْعالٍ خَلَقَها فِيكم، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى، ونَهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ، فَلَوْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِتِلْكَ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ إنَّهُ ما فَعَلَها لَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٤ ] . وتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصَّفِّ: ٣ ] . الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّرَجِّي والتَّمَنِّي، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يَعِظُكم لِإرادَةِ أنْ تَتَذَكَّرُوا طاعَتَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ صَرَّحَ وقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى، ولَكِنَّهُ يَمْنَعُ مِنهُ ويَصُدُّ عَنْهُ، ولا يُمَكِّنُ العَبْدَ مِنهُ، ثم قال: ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ، ولَكِنَّهُ يُوجِدُ كُلَّ هَذِهِ الثَّلاثَةِ في العَبْدِ، شاءَ أمْ أبى، وأرادَهُ مِنهُ، ومَنَعَهُ مِن تَرْكِهِ ومِنَ الِاحْتِرازِ عَنْهُ - لَحَكَمَ كُلُّ أحَدٍ عَلَيْهِ بِالرَّكاكَةِ وفَسادِ النَّظْمِ والتَّرْكِيبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ مُتَعالِيًا عَنْ فِعْلِ القَبائِحِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا النوع مِنَ الِاسْتِدْلالِ كَثِيرٌ، وقَدْ مَرَّ الجَوابُ عَنْهُ. والمُعْتَمَدُ في دَفْعِ هَذِهِ المُشاغَباتِ التَّعْوِيلُ عَلى سُؤالِ الدّاعِي وسُؤالِ العِلْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ المُتَكَلِّمُونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ ومِنَ المُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّ تَذَكُّرَ الأشْياءِ مِن فِعْلِ اللَّهِ، لا مِن فِعْلِ العَبْدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هو أنَّ التَّذْكِرَةَ عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ المُتَذَكَّرِ، فَحالَ الطَّلَبُ إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ بِهِ شُعُورٌ أوْ لا يَكُونُ لَهُ بِهِ شُعُورٌ، فَإنْ كانَ لَهُ شُعُورٌ فَذَلِكَ الذِّكْرُ حاصِلٌ، والحاصِلُ لا يُطْلَبُ تَحْصِيلُهُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ شُعُورٌ فَكَيْفَ يَطْلُبُهُ بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّ تَوْجِيهَ الطَّلَبِ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ حالَ ما لا يَكُونُ هو بِعَيْنِهِ مُتَصَوَّرًا - مُحالٌ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الوَعْظِ أنْ يُقْدِمُوا عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ التَّذَكُّرُ فِعْلًا لَهُ فَكَيْفَ طَلَبَ مِنهُ تَحْصِيلَهُ، وهَذا هو الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ أصْحابُنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُ ذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ. ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ . * * * صفحة ٨٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا جَمَعَ كُلَّ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ في الآيَةِ الأُولى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ - ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضَ تِلْكَ الأقْسامِ، فَبَدَأ تَعالى بِالأمْرِ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: عَهْدُ اللَّهِ هي البَيْعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفَتْحِ: ١٠] . أيْ: ولا تَنْقُضُوا أيْمانَ البَيْعَةِ بَعْدَ تَوْكِيدِها، أيْ: بَعْدَ تَوْثِيقِها بِاسْمِ اللَّهِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ عَهْدٍ يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ بِاخْتِيارِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والوَعْدُ مِنَ العَهْدِ، وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: مَن عاهَدْتَهُ وفِّ بِعَهْدِهِ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، فَإنَّما العَهْدُ لِلَّهِ تَعالى. الثّالِثُ: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ مِنهُ الجِهادُ وما فَرَضَ اللَّهُ في الأمْوالِ مِن حَقٍّ. الرّابِعُ: عَهْدُ اللَّهِ هو اليَمِينُ بِاللَّهِ، وقالَ هَذا القائِلُ: إنَّما يَجِبُ الوَفاءُ بِاليَمِينِ إذا لَمْ يَكُنِ الصَّلاحُ في خِلافِهِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ ورَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ» “ . الخامِسُ: قالَ القاضِي: العَهْدُ يَتَناوَلُ كُلَّ أمْرٍ يَجِبُ الوَفاءُ بِمُقْتَضاهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ أدِلَّةَ العَقْلِ والسَّمْعِ أوْكَدُ في لُزُومِ الوَفاءِ بِما يَدُلّانِ عَلى وُجُوبِهِ مِنَ اليَمِينِ؛ ولِذَلِكَ لا يَصِحُّ في هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ التَّغَيُّرُ والِاخْتِلافُ، ويَصِحُّ ذَلِكَ في اليَمِينِ، ورُبَّما نَدَبَ فِيهِ خِلافَ الوَفاءِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾، فَهَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالعُهُودِ الَّتِي يَلْتَزِمُها الإنْسانُ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا عاهَدْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي مُعْتَبَرًا؛ ولِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ . وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ فِيمَن آمَنَ بِاللَّهِ والرَّسُولِ، وأيْضًا يَجِبُ أنْ لا يُحْمَلَ هَذا العَهْدُ عَلى اليَمِينِ، لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلَيْهِ لَكانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ تَكْرارًا؛ لِأنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ والمَنعَ مِنَ النَّقْضِ مُتَقارِبانِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ التَّرْكِ إلّا إذا قِيلَ: إنَّ الوَفاءَ بِالعَهْدِ عامٌّ فَدَخَلَ تَحْتَهُ اليَمِينُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَصَّ اليَمِينَ بِالذِّكْرِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أوْلى أنْواعِ العَهْدِ بِوُجُوبِ الرِّعايَةِ، وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: الأوْلى أنْ يُحْمَلَ هَذا العَهْدُ عَلى ما يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ بِاخْتِيارِهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ المُبايَعَةُ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ عَهْدُ الجِهادِ، وعَهْدُ الوَفاءِ بِالمُلْتَزَماتِ مِنَ المَنذُوراتِ والأشْياءِ الَّتِي أكَّدَها بِالحَلِفِ واليَمِينِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ مَباحِثُ: البحث الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ وكَّدْتُ وأكَّدْتُ لُغَتانِ جَيِّدَتانِ، والأصْلُ الواوُ، والهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنها. البحث الثّانِي: قالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَمِينُ اللَّغْوِ هي يَمِينُ الغَمُوسِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ فَنَهى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ نَقْضِ الأيْمانِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ يَمِينٍ قابِلًا لِلْبِرِّ والحِنْثِ، ويَمِينُ الغَمُوسِ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلْبِرِّ والحِنْثِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مِنَ الأيْمانِ. واحْتَجَّ الواحِدِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ يَمِينَ اللَّغْوِ هي قَوْلُ العَرَبِ لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ. قالَ: إنَّما قالَ تَعالى: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الأيْمانِ المُؤَكَّدَةِ بِالعَزْمِ وبِالعَقْدِ وبَيْنَ لَغْوِ اليَمِينِ. صفحة ٨٧ البحث الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الخَبَرَ دَلَّ عَلى أنَّهُ مَتى كانَ الصَّلاحُ في نَقْضِ الأيْمانِ جازَ نَقْضُها. ثم قال: ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ هَذِهِ واوُ الحالِ، أيْ: لا تَنْقُضُوها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ كَفِيلًا عَلَيْكم بِالوَفاءِ، وذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ قَدْ جَعَلَ اللَّهَ كَفِيلًا بِالوَفاءِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحَلِفِ. ثم قال: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ وفِيهِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، والمُرادُ: فَيُجازِيكم عَلى ما تَفْعَلُونَ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ وُجُوبَ الوَفاءِ وتَحْرِيمَ النَّقْضِ، وقالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: في المُشَبَّهِ بِهِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَها: رايِطَةُ، وقِيلَ: رَيْطَةُ، وقِيلَ: تُلَقَّبُ جَعْراءَ، وكانَتْ حَمْقاءَ تَغْزِلُ الغَزْلَ هي وجَوارِيها، فَإذا غَزَلَتْ وأبْرَمَتْ أمَرَتْهُنَّ فَنَقَضْنَ ما غَزَلْنَ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالمَثَلِ الوَصْفُ دُونَ التَّعْيِينِ؛ لِأنَّ القَصْدَ بِالأمْثالِ صَرْفُ المُكَلَّفِ عَنْهُ إذا كانَ قَبِيحًا، والدُّعاءُ إلَيْهِ إذا كانَ حَسَنًا، وذَلِكَ يَتِمُّ بِهِ مِن دُونِ التَّعْيِينِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ قُوَّةِ الغَزْلِ بِإبْرامِها وفَتْلِها. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْكاثًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: واحِدُها نِكْثٌ، وهو الغَزْلُ مِنَ الصُّوفِ والشَّعْرِ يُبْرَمُ ويُنْسَجُ، فَإذا أحْكَمَتِ النَّسِيجَةَ قَطَعَتْها ونَكَثَتْ خُيُوطَها المُبْرَمَةَ ونَفَشَتْ تِلْكَ الخُيُوطَ، وخَلَطَتْ بِالصُّوفِ ثُمَّ غَزَلَتْ ثانِيَةً، والنَّكْثُ المَصْدَرُ، ومِنهُ يُقالُ: نَكَثَ فُلانٌ عَهْدَهُ إذا نَقَضَهُ بَعْدَ إحْكامِهِ، كَما يُنْكَثُ خَيْطُ الصُّوفِ بَعْدَ إبْرامِهِ. المسألة الرّابِعَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أنْكاثًا﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: أنْكاثًا مَنصُوبٌ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى نَكَثَتْ نَقَضَتْ، ومَعْنى نَقَضَتْ نَكَثَتْ، وهَذا غَلَطٌ مِنهُ؛ لِأنَّ الأنْكاثَ: جَمْعُ نِكْثٍ وهو اسْمٌ لا مَصْدَرٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنْكاثًا﴾ بِمَعْنى المَصْدَرِ ؟ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: أنْكاثًا مَفْعُولٌ ثانٍ، كَما تَقُولُ: كَسَرَهُ أقْطاعًا، وفَرَّقَهُ أجْزاءً عَلى مَعْنى جَعَلَهُ أقْطاعًا وأجْزاءً، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: نَقَضَتْ غَزْلَها أنْكاثًا؛ أيْ جَعَلَتْ غَزْلَها أنْكاثًا. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْكاثًا﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. المسألة الخامِسَةُ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها، فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ مِثْلَ المَرْأةِ الَّتِي غَزَلَتْ غَزْلًا وأحْكَمَتْهُ، فَلَمّا اسْتَحْكَمَ نَقَضَتْهُ فَجَعَلَتْهُ أنْكاثًا. ثم قال تَعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الدَّخَلُ والدَّغَلُ الغِشُّ والخِيانَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما دَخَلَهُ عَيْبٌ، قِيلَ: هو مَدْخُولٌ، وفِيهِ دَخَلٌ، وقالَ غَيْرُهُ: الدَّخَلُ ما أُدْخِلَ في الشَّيْءِ عَلى فَسادٍ. ثم قال: ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ﴾، أرْبى أيْ أكْثَرُ؛ مِن رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا زادَ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ قَدْ تَكُونُ في العَدَدِ وفي القُوَّةِ وفي الشَّرَفِ. قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُحالِفُونَ الحُلَفاءَ، ثُمَّ يَجِدُونَ مَن كانَ أعَزَّ مِنهم وأشْرَفَ، فَيَنْقُضُونَ حِلْفَ الأوَّلِينَ، ويُحالِفُونَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم أعَزُّ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: (أنْ) صفحة ٨٨ ﴿تَكُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّكم تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ أرْبى مِن أُمَّةٍ في العَدَدِ والقُوَّةِ والشَّرَفِ. فَقَوْلُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، والمَعْنى: أتَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم بِسَبَبِ أنَّ أُمَّةً أزْيَدُ في القُوَّةِ والكَثْرَةِ مِن أُمَّةٍ أُخْرى ؟ ثم قال تَعالى: ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ أيْ: بِما يَأْمُرُكم ويَنْهاكم، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأمْرِ والنَّهْيِ: ﴿ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَيَتَمَيَّزُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِما يَظْهَرُ مِن دَرَجاتِ الثَّوابِ والعِقابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:93

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا كَلَّفَ القَوْمَ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ وتَحْرِيمِ نَقْضِهِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْمَعَهم عَلى هَذا الوَفاءِ وعَلى سائِرِ أبْوابِ الإيمانِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ بِحُكْمِ الإلَهِيَّةِ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ. أمّا المُعْتَزِلَةُ: فَإنَّهم حَمَلُوا ذَلِكَ عَلى الإلْجاءِ؛ أيْ لَوْ أرادَ أنْ يُلْجِئَهم إلى الإيمانِ أوْ إلى الكُفْرِ لَقَدَرَ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ التَّكْلِيفَ، فَلا جَرَمَ ما ألْجَأهم إلَيْهِ وفَوَّضَ الأمْرَ إلى اخْتِيارِهِمْ في هَذِهِ التَّكالِيفِ، وأمّا قَوْلُ أصْحابِنا فِيهِ فَهو ظاهِرٌ، وهَذِهِ المُناظَرَةُ قَدْ تَكَرَّرَتْ مِرارًا كَثِيرَةً، ورَوى الواحِدِيُّ أنَّ عُزَيْرًا قالَ: يا رَبِّ، خَلَقْتَ الخَلْقَ فَتُضِلُّ مَن تَشاءُ وتْهَدِي مَن تَشاءُ، فَقالَ: يا عُزَيْزُ، أعْرِضْ عَنْ هَذا، فَأعادَهُ ثانِيًا، فَقالَ: أعْرِضْ عَنْ هَذا، فَأعادَهُ ثالِثًا، فَقالَ: أعْرِضْ عَنْ هَذا وإلّا مَحَوْتُ اسْمَكَ مِنَ النُّبُوَّةِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ المَشِيئَةِ مَشِيئَةُ الإلْجاءِ - أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَلَوْ كانَتْ أعْمالُ العِبادِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ سُؤالُهم عَنْها عَبَثًا، والجَوابُ عَنْهُ قَدْ سَبَقَ مِرارًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:94

قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ٨٩ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ في الآيَةِ الأُولى عَنْ نَقْضِ العُهُودِ والأيْمانِ عَلى الإطْلاقِ، حَذَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: (﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ . ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّحْذِيرَ عَنْ نَقْضِ مُطْلَقِ الأيْمانِ، وإلّا لَزِمَ التَّكْرِيرُ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، بَلِ المُرادُ نَهْيُ أُولَئِكَ الأقْوامِ المُخاطَبِينَ بِهَذا الخِطابِ عَنْ نَقْضِ أيْمانٍ مَخْصُوصَةٍ أقْدَمُوا عَلَيْها، فَلِهَذا المَعْنى قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ نَهْيُ الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْضِ عَهْدِهِ؛ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ لا يَلِيقُ بِنَقْضِ عَهْدٍ قَبْلَهُ، وإنَّما يَلِيقُ بِنَقْضِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإيمانِ بِهِ وشَرائِعِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ مَثَلٌ يُذْكَرُ لِكُلِّ مَن وقَعَ في بَلاءٍ بَعْدَ عافِيَةٍ، ومِحْنَةٍ بَعْدَ نِعْمَةٍ، فَإنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَ الإسْلامِ فَقَدْ سَقَطَ عَنِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ ووَقَعَ في مِثْلِ هَذِهِ الضَّلالَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ أيِ العَذابَ: ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ أيْ بِصَدِّكم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ ذَلِكَ السُّوءُ الَّذِي تَذُوقُونَهُ سُوءٌ عَظِيمٌ وعِقابٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا التَّحْذِيرَ فَقالَ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيا وإنْ كانَ كَثِيرًا، إلّا أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَعْنِي: أنَّكم وإنْ وجَدْتُمْ عَلى نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ خَيْرًا مِن خَيْراتِ الدُّنْيا، فَلا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ؛ لِأنَّ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى البَقاءِ عَلى الإسْلامِ خَيْرٌ وأفْضَلُ وأكْمَلُ مِمّا يَجِدُونَهُ في الدُّنْيا عَلى نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ التَّفاوُتَ بَيْنَ خَيْراتِ الدُّنْيا وبَيْنَ خَيْراتِ الآخِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا يَجِدُونَهُ مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: الحِسُّ شاهِدٌ بِأنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ، والعَقْلُ دَلَّ عَلى أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ باقِيَةٌ، والباقِي خَيْرٌ مِنَ المُنْقَطِعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذا المُنْقَطِعَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ خَيْرًا عالِيًا شَرِيفًا، أوْ كانَ خَيْرًا دَنِيًّا خَسِيسًا، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ خَيْرًا عالِيًا شَرِيفًا فالعِلْمُ بِأنَّهُ سَيَنْقَطِعُ يَجْعَلُهُ مُنَغَّصًا حالَ حُصُولِهِ، وأمّا حالَ حُصُولِ ذَلِكَ الِانْقِطاعِ فَإنَّها تَعْظُمُ الحَسْرَةُ والحُزْنُ، وكَوْنُ تِلْكَ النِّعْمَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ كَذَلِكَ يُنَغِّصُ فِيها ويُقَلِّلُ مَرْتَبَتَها، وتَفْتُرُ الرَّغْبَةُ فِيها، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ المُنْقَطِعَةَ كانَتْ مِنَ الخَيْراتِ الخَسِيسَةِ فَهَمُّنا مِنَ الظّاهِرِ أنَّ ذَلِكَ الخَيْرَ الدّائِمَ وجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ الخَيْرِ المُنْقَطِعِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ أفْضَلُ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا. البحث الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ باقٍ لا يَنْقَطِعُ. وقالَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ، والآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ المُؤْمِنَ إذا آمَنَ بِاللَّهِ فَقَدِ التَزَمَ شَرائِعَ الإسْلامِ والإيمانِ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنْ يَصْبِرَ عَلى ذَلِكَ الِالتِزامِ، وأنْ لا يَرْجِعَ عَنْهُ وأنْ لا يَنْقُضَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. والثّانِي: أنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ ما هو مِن شَرائِعِ الإسْلامِ ولَوازِمِهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في القِسْمِ الأوَّلِ وهو الصَّبْرُ عَلى ما التَزَمُوهُ، فَقالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ . أيْ: عَلى ما التَزَمُوهُ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . أيْ: يَجْزِيهِمْ صفحة ٩٠ عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَأْتِي بِالمُباحاتِ وبِالمَندُوباتِ وبِالواجِباتِ، ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى فِعْلِ المَندُوباتِ والواجِباتِ يُثابُ، لا عَلى فِعْلِ المُباحاتِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في القِسْمِ الثّانِي، وهو الإتْيانُ بِكُلِّ ما كانَ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لَفْظَةُ ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ تُفِيدُ العُمُومَ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الذَّكَرِ والأُنْثى ؟ والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِلْوَعْدِ بِالخَيْراتِ، والمُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ الوَعْدِ مِن أعْظَمِ دَلائِلِ الكَرَمِ والرَّحْمَةِ؛ إثْباتًا لِلتَّأْكِيدِ وإزالَةً لِوَهْمِ التَّخْصِيصِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الإيمانَ مُغايِرٌ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ. لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا في كَوْنِ العَمَلِ الصّالِحِ مُوجِبًا لِلثَّوابِ؛ وشَرْطُ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ إنَّما يُفِيدُ الأثَرَ بِشَرْطِ الإيمانِ، فَظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُفِيدُ الأثَرَ، سَواءٌ كانَ مَعَ الإيمانِ أوْ كانَ مَعَ عَدَمِهِ. والجَوابُ: أنَّ إفادَةَ العَمَلِ الصّالِحِ لِلْحَياةِ الطَّيِّبَةِ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ، أمّا إفادَتُهُ لِأثَرٍ غَيْرِ هَذِهِ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ وهو تَخْفِيفُ العِقابِ فَإنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى الإيمانِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: هَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ تَحْصُلُ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ أوْ في الآخِرَةِ ؟ والجَوابُ: فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ القاضِي: الأقْرَبُ أنَّها تَحْصُلُ في الدُّنْيا بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ مِنهُ ما يَكُونُ في الآخِرَةِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ ما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى أنَّهُ إنَّما يَجْزِيهِمْ عَلى ما هو أحْسَنُ أعْمالِهِمْ، فَهَذا لا امْتِناعَ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ إنَّما تَحْصُلُ في الدُّنْيا فَما هي ؟ والجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: قِيلَ: هو الرِّزْقُ الحَلالُ الطَّيِّبُ، وقِيلَ: عِبادَةُ اللَّهِ مَعَ أكْلِ الحَلالِ، وقِيلَ: القَناعَةُ، وقِيلَ: رِزْقُ يَوْمٍ بِيَوْمٍ، «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في دُعائِهِ: ”قَنِّعْنِي بِما رَزَقْتَنِي“» . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَدْعُو: ”«اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ كَفافًا» “ . قالَ الواحِدِيُّ: وقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ القَناعَةُ - حَسَنٌ مُخْتارٌ؛ لِأنَّهُ لا يَطِيبُ عَيْشُ أحَدٍ في الدُّنْيا إلّا عَيْشَ القانِعِ، وأمّا الحَرِيصُ فَإنَّهُ يَكُونُ أبَدًا في الكَدِّ والعَناءِ. صفحة ٩١ واعْلَمْ أنَّ عَيْشَ المُؤْمِنِ في الدَّنْيا أطْيَبُ مِن عَيْشِ الكافِرِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا عَرَفَ أنَّ رِزْقَهُ إنَّما حَصَلَ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى، وعَرَفَ أنَّهُ تَعالى مُحْسِنٌ كَرِيمٌ لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ كانَ راضِيًا بِكُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ، وعَلِمَ أنَّ مَصْلَحَتَهُ في ذَلِكَ، أمّا الجاهِلُ فَلا يَعْرِفُ هَذِهِ الأُصُولَ فَكانَ أبَدًا في الحُزْنِ والشَّقاءِ. وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ أبَدًا يَسْتَحْضِرُ في عَقْلِهِ أنْواعَ المَصائِبِ والمِحَنِ ويُقَدِّرُ وُقُوعَها وعَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها يَرْضى بِها؛ لِأنَّ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، فَعِنْدَ وُقُوعِها لا يَسْتَعْظِمُها؛ بِخِلافِ الجاهِلِ فَإنَّهُ يَكُونُ غافِلًا عَنْ تِلْكَ المَعارِفِ، فَعِنْدَ وُقُوعِ المَصائِبِ يَعْظُمُ تَأْثِيرُها في قَلْبِهِ. وثالِثُها: أنَّ قَلْبَ المُؤْمِنِ مُنْشَرِحٌ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، والقَلْبُ إذا كانَ مَمْلُوءًا مِن هَذِهِ المَعارِفِ لَمْ يَتَّسِعْ لِلْأحْزانِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ أحْوالِ الدُّنْيا، أمّا قَلْبُ الجاهِلِ فَإنَّهُ خالٍ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَلا جَرَمَ يَصِيرُ مَمْلُوءًا مِنَ الأحْزانِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ مَصائِبِ الدُّنْيا. ورابِعُها: أنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ بِأنَّ خَيْراتِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ خَسِيسَةٌ، فَلا يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها وغَمُّهُ بِفُقْدانِها، أمّا الجاهِلُ فَإنَّهُ لا يَعْرِفُ سَعادَةً أُخْرى تُغايِرُها، فَلا جَرَمَ يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها وغَمُّهُ بِفُقْدانِها. وخامِسُها: أنَّ المُؤْمِنَ يَعْلَمُ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا واجِبَةُ التَّغَيُّرِ سَرِيعَةُ التَّقَلُّبِ فَلَوْلا تَغَيُّرُها وانْقِلابُها لَمْ تَصِلْ مِن غَيْرِهِ إلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ ما كانَ واجِبَ التَّغَيُّرِ فَإنَّهُ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ لا تَنْقَلِبُ حَقِيقَتُهُ ولا تَتَبَدَّلُ ماهِيَّتُهُ، فَعِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ يَكُونُ أيْضًا واجِبَ التَّغَيُّرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَطْبَعُ العاقِلُ قَلْبَهُ عَلَيْهِ ولا يُقِيمُ لَهُ في قَلْبِهِ وزْنًا، بِخِلافِ الجاهِلِ فَإنَّهُ يَكُونُ غافِلًا عَنْ هَذِهِ المَعارِفِ، فَيَطْبَعُ قَلْبَهُ عَلَيْها ويُعانِقُها مُعانَقَةَ العاشِقِ لِمَعْشُوقِهِ، فَعِنْدَ فَوْتِهِ وزَوالِهِ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ ويَعْظُمُ البَلاءُ عِنْدَهُ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ كافِيَةٌ في بَيانِ أنَّ عَيْشَ المُؤْمِنِ العارِفِ أطْيَبُ مِن عَيْشِ الكافِرِ، هَذا كُلُّهُ إذا فَسَّرْنا الحَياةَ الطَّيِّبَةَ بِأنَّها في الدُّنْيا. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ إنَّما تَحْصُلُ في القَبْرِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لا تَحْصُلُ إلّا في الآخِرَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الِانْشِقاقِ: ٦] . فَبَيَّنَ أنَّ هَذا الكَدْحَ باقٍ إلى أنْ يَصِلَ إلى رَبِّهِ وذَلِكَ ما قُلْناهُ، وأمّا بَيانُ أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الجَنَّةِ؛ فَلِأنَّها حَياةٌ بِلا مَوْتٍ وغِنًى بِلا فَقْرٍ، وصِحَّةٌ بِلا مَرَضٍ، ومُلْكٌ بِلا زَوالٍ، وسَعادَةٌ بِلا شَقاءٍ، فَثَبَتَ أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لَيْسَتْ إلّا تِلْكَ الحَياةَ. ثَمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:95

قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ٨٩ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ في الآيَةِ الأُولى عَنْ نَقْضِ العُهُودِ والأيْمانِ عَلى الإطْلاقِ، حَذَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: (﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ . ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّحْذِيرَ عَنْ نَقْضِ مُطْلَقِ الأيْمانِ، وإلّا لَزِمَ التَّكْرِيرُ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، بَلِ المُرادُ نَهْيُ أُولَئِكَ الأقْوامِ المُخاطَبِينَ بِهَذا الخِطابِ عَنْ نَقْضِ أيْمانٍ مَخْصُوصَةٍ أقْدَمُوا عَلَيْها، فَلِهَذا المَعْنى قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ نَهْيُ الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْضِ عَهْدِهِ؛ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ لا يَلِيقُ بِنَقْضِ عَهْدٍ قَبْلَهُ، وإنَّما يَلِيقُ بِنَقْضِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإيمانِ بِهِ وشَرائِعِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ مَثَلٌ يُذْكَرُ لِكُلِّ مَن وقَعَ في بَلاءٍ بَعْدَ عافِيَةٍ، ومِحْنَةٍ بَعْدَ نِعْمَةٍ، فَإنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَ الإسْلامِ فَقَدْ سَقَطَ عَنِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ ووَقَعَ في مِثْلِ هَذِهِ الضَّلالَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ أيِ العَذابَ: ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ أيْ بِصَدِّكم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ ذَلِكَ السُّوءُ الَّذِي تَذُوقُونَهُ سُوءٌ عَظِيمٌ وعِقابٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا التَّحْذِيرَ فَقالَ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيا وإنْ كانَ كَثِيرًا، إلّا أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَعْنِي: أنَّكم وإنْ وجَدْتُمْ عَلى نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ خَيْرًا مِن خَيْراتِ الدُّنْيا، فَلا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ؛ لِأنَّ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى البَقاءِ عَلى الإسْلامِ خَيْرٌ وأفْضَلُ وأكْمَلُ مِمّا يَجِدُونَهُ في الدُّنْيا عَلى نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ التَّفاوُتَ بَيْنَ خَيْراتِ الدُّنْيا وبَيْنَ خَيْراتِ الآخِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا يَجِدُونَهُ مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: الحِسُّ شاهِدٌ بِأنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ، والعَقْلُ دَلَّ عَلى أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ باقِيَةٌ، والباقِي خَيْرٌ مِنَ المُنْقَطِعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذا المُنْقَطِعَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ خَيْرًا عالِيًا شَرِيفًا، أوْ كانَ خَيْرًا دَنِيًّا خَسِيسًا، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ خَيْرًا عالِيًا شَرِيفًا فالعِلْمُ بِأنَّهُ سَيَنْقَطِعُ يَجْعَلُهُ مُنَغَّصًا حالَ حُصُولِهِ، وأمّا حالَ حُصُولِ ذَلِكَ الِانْقِطاعِ فَإنَّها تَعْظُمُ الحَسْرَةُ والحُزْنُ، وكَوْنُ تِلْكَ النِّعْمَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ كَذَلِكَ يُنَغِّصُ فِيها ويُقَلِّلُ مَرْتَبَتَها، وتَفْتُرُ الرَّغْبَةُ فِيها، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ المُنْقَطِعَةَ كانَتْ مِنَ الخَيْراتِ الخَسِيسَةِ فَهَمُّنا مِنَ الظّاهِرِ أنَّ ذَلِكَ الخَيْرَ الدّائِمَ وجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ الخَيْرِ المُنْقَطِعِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ أفْضَلُ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا. البحث الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ باقٍ لا يَنْقَطِعُ. وقالَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ، والآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ المُؤْمِنَ إذا آمَنَ بِاللَّهِ فَقَدِ التَزَمَ شَرائِعَ الإسْلامِ والإيمانِ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنْ يَصْبِرَ عَلى ذَلِكَ الِالتِزامِ، وأنْ لا يَرْجِعَ عَنْهُ وأنْ لا يَنْقُضَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. والثّانِي: أنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ ما هو مِن شَرائِعِ الإسْلامِ ولَوازِمِهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في القِسْمِ الأوَّلِ وهو الصَّبْرُ عَلى ما التَزَمُوهُ، فَقالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ . أيْ: عَلى ما التَزَمُوهُ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . أيْ: يَجْزِيهِمْ صفحة ٩٠ عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَأْتِي بِالمُباحاتِ وبِالمَندُوباتِ وبِالواجِباتِ، ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى فِعْلِ المَندُوباتِ والواجِباتِ يُثابُ، لا عَلى فِعْلِ المُباحاتِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في القِسْمِ الثّانِي، وهو الإتْيانُ بِكُلِّ ما كانَ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لَفْظَةُ ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ تُفِيدُ العُمُومَ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الذَّكَرِ والأُنْثى ؟ والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِلْوَعْدِ بِالخَيْراتِ، والمُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ الوَعْدِ مِن أعْظَمِ دَلائِلِ الكَرَمِ والرَّحْمَةِ؛ إثْباتًا لِلتَّأْكِيدِ وإزالَةً لِوَهْمِ التَّخْصِيصِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الإيمانَ مُغايِرٌ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ. لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا في كَوْنِ العَمَلِ الصّالِحِ مُوجِبًا لِلثَّوابِ؛ وشَرْطُ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ إنَّما يُفِيدُ الأثَرَ بِشَرْطِ الإيمانِ، فَظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُفِيدُ الأثَرَ، سَواءٌ كانَ مَعَ الإيمانِ أوْ كانَ مَعَ عَدَمِهِ. والجَوابُ: أنَّ إفادَةَ العَمَلِ الصّالِحِ لِلْحَياةِ الطَّيِّبَةِ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ، أمّا إفادَتُهُ لِأثَرٍ غَيْرِ هَذِهِ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ وهو تَخْفِيفُ العِقابِ فَإنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى الإيمانِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: هَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ تَحْصُلُ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ أوْ في الآخِرَةِ ؟ والجَوابُ: فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ القاضِي: الأقْرَبُ أنَّها تَحْصُلُ في الدُّنْيا بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ مِنهُ ما يَكُونُ في الآخِرَةِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ ما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى أنَّهُ إنَّما يَجْزِيهِمْ عَلى ما هو أحْسَنُ أعْمالِهِمْ، فَهَذا لا امْتِناعَ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ إنَّما تَحْصُلُ في الدُّنْيا فَما هي ؟ والجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: قِيلَ: هو الرِّزْقُ الحَلالُ الطَّيِّبُ، وقِيلَ: عِبادَةُ اللَّهِ مَعَ أكْلِ الحَلالِ، وقِيلَ: القَناعَةُ، وقِيلَ: رِزْقُ يَوْمٍ بِيَوْمٍ، «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في دُعائِهِ: ”قَنِّعْنِي بِما رَزَقْتَنِي“» . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَدْعُو: ”«اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ كَفافًا» “ . قالَ الواحِدِيُّ: وقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ القَناعَةُ - حَسَنٌ مُخْتارٌ؛ لِأنَّهُ لا يَطِيبُ عَيْشُ أحَدٍ في الدُّنْيا إلّا عَيْشَ القانِعِ، وأمّا الحَرِيصُ فَإنَّهُ يَكُونُ أبَدًا في الكَدِّ والعَناءِ. صفحة ٩١ واعْلَمْ أنَّ عَيْشَ المُؤْمِنِ في الدَّنْيا أطْيَبُ مِن عَيْشِ الكافِرِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا عَرَفَ أنَّ رِزْقَهُ إنَّما حَصَلَ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى، وعَرَفَ أنَّهُ تَعالى مُحْسِنٌ كَرِيمٌ لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ كانَ راضِيًا بِكُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ، وعَلِمَ أنَّ مَصْلَحَتَهُ في ذَلِكَ، أمّا الجاهِلُ فَلا يَعْرِفُ هَذِهِ الأُصُولَ فَكانَ أبَدًا في الحُزْنِ والشَّقاءِ. وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ أبَدًا يَسْتَحْضِرُ في عَقْلِهِ أنْواعَ المَصائِبِ والمِحَنِ ويُقَدِّرُ وُقُوعَها وعَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها يَرْضى بِها؛ لِأنَّ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، فَعِنْدَ وُقُوعِها لا يَسْتَعْظِمُها؛ بِخِلافِ الجاهِلِ فَإنَّهُ يَكُونُ غافِلًا عَنْ تِلْكَ المَعارِفِ، فَعِنْدَ وُقُوعِ المَصائِبِ يَعْظُمُ تَأْثِيرُها في قَلْبِهِ. وثالِثُها: أنَّ قَلْبَ المُؤْمِنِ مُنْشَرِحٌ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، والقَلْبُ إذا كانَ مَمْلُوءًا مِن هَذِهِ المَعارِفِ لَمْ يَتَّسِعْ لِلْأحْزانِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ أحْوالِ الدُّنْيا، أمّا قَلْبُ الجاهِلِ فَإنَّهُ خالٍ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَلا جَرَمَ يَصِيرُ مَمْلُوءًا مِنَ الأحْزانِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ مَصائِبِ الدُّنْيا. ورابِعُها: أنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ بِأنَّ خَيْراتِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ خَسِيسَةٌ، فَلا يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها وغَمُّهُ بِفُقْدانِها، أمّا الجاهِلُ فَإنَّهُ لا يَعْرِفُ سَعادَةً أُخْرى تُغايِرُها، فَلا جَرَمَ يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها وغَمُّهُ بِفُقْدانِها. وخامِسُها: أنَّ المُؤْمِنَ يَعْلَمُ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا واجِبَةُ التَّغَيُّرِ سَرِيعَةُ التَّقَلُّبِ فَلَوْلا تَغَيُّرُها وانْقِلابُها لَمْ تَصِلْ مِن غَيْرِهِ إلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ ما كانَ واجِبَ التَّغَيُّرِ فَإنَّهُ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ لا تَنْقَلِبُ حَقِيقَتُهُ ولا تَتَبَدَّلُ ماهِيَّتُهُ، فَعِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ يَكُونُ أيْضًا واجِبَ التَّغَيُّرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَطْبَعُ العاقِلُ قَلْبَهُ عَلَيْهِ ولا يُقِيمُ لَهُ في قَلْبِهِ وزْنًا، بِخِلافِ الجاهِلِ فَإنَّهُ يَكُونُ غافِلًا عَنْ هَذِهِ المَعارِفِ، فَيَطْبَعُ قَلْبَهُ عَلَيْها ويُعانِقُها مُعانَقَةَ العاشِقِ لِمَعْشُوقِهِ، فَعِنْدَ فَوْتِهِ وزَوالِهِ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ ويَعْظُمُ البَلاءُ عِنْدَهُ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ كافِيَةٌ في بَيانِ أنَّ عَيْشَ المُؤْمِنِ العارِفِ أطْيَبُ مِن عَيْشِ الكافِرِ، هَذا كُلُّهُ إذا فَسَّرْنا الحَياةَ الطَّيِّبَةَ بِأنَّها في الدُّنْيا. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ إنَّما تَحْصُلُ في القَبْرِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لا تَحْصُلُ إلّا في الآخِرَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الِانْشِقاقِ: ٦] . فَبَيَّنَ أنَّ هَذا الكَدْحَ باقٍ إلى أنْ يَصِلَ إلى رَبِّهِ وذَلِكَ ما قُلْناهُ، وأمّا بَيانُ أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الجَنَّةِ؛ فَلِأنَّها حَياةٌ بِلا مَوْتٍ وغِنًى بِلا فَقْرٍ، وصِحَّةٌ بِلا مَرَضٍ، ومُلْكٌ بِلا زَوالٍ، وسَعادَةٌ بِلا شَقاءٍ، فَثَبَتَ أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لَيْسَتْ إلّا تِلْكَ الحَياةَ. ثَمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:96

قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ٨٩ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ في الآيَةِ الأُولى عَنْ نَقْضِ العُهُودِ والأيْمانِ عَلى الإطْلاقِ، حَذَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: (﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ . ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّحْذِيرَ عَنْ نَقْضِ مُطْلَقِ الأيْمانِ، وإلّا لَزِمَ التَّكْرِيرُ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، بَلِ المُرادُ نَهْيُ أُولَئِكَ الأقْوامِ المُخاطَبِينَ بِهَذا الخِطابِ عَنْ نَقْضِ أيْمانٍ مَخْصُوصَةٍ أقْدَمُوا عَلَيْها، فَلِهَذا المَعْنى قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ نَهْيُ الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْضِ عَهْدِهِ؛ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ لا يَلِيقُ بِنَقْضِ عَهْدٍ قَبْلَهُ، وإنَّما يَلِيقُ بِنَقْضِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإيمانِ بِهِ وشَرائِعِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ مَثَلٌ يُذْكَرُ لِكُلِّ مَن وقَعَ في بَلاءٍ بَعْدَ عافِيَةٍ، ومِحْنَةٍ بَعْدَ نِعْمَةٍ، فَإنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَ الإسْلامِ فَقَدْ سَقَطَ عَنِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ ووَقَعَ في مِثْلِ هَذِهِ الضَّلالَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ أيِ العَذابَ: ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ أيْ بِصَدِّكم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ ذَلِكَ السُّوءُ الَّذِي تَذُوقُونَهُ سُوءٌ عَظِيمٌ وعِقابٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا التَّحْذِيرَ فَقالَ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيا وإنْ كانَ كَثِيرًا، إلّا أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَعْنِي: أنَّكم وإنْ وجَدْتُمْ عَلى نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ خَيْرًا مِن خَيْراتِ الدُّنْيا، فَلا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ؛ لِأنَّ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى البَقاءِ عَلى الإسْلامِ خَيْرٌ وأفْضَلُ وأكْمَلُ مِمّا يَجِدُونَهُ في الدُّنْيا عَلى نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ التَّفاوُتَ بَيْنَ خَيْراتِ الدُّنْيا وبَيْنَ خَيْراتِ الآخِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا يَجِدُونَهُ مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: الحِسُّ شاهِدٌ بِأنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ، والعَقْلُ دَلَّ عَلى أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ باقِيَةٌ، والباقِي خَيْرٌ مِنَ المُنْقَطِعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذا المُنْقَطِعَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ خَيْرًا عالِيًا شَرِيفًا، أوْ كانَ خَيْرًا دَنِيًّا خَسِيسًا، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ خَيْرًا عالِيًا شَرِيفًا فالعِلْمُ بِأنَّهُ سَيَنْقَطِعُ يَجْعَلُهُ مُنَغَّصًا حالَ حُصُولِهِ، وأمّا حالَ حُصُولِ ذَلِكَ الِانْقِطاعِ فَإنَّها تَعْظُمُ الحَسْرَةُ والحُزْنُ، وكَوْنُ تِلْكَ النِّعْمَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ كَذَلِكَ يُنَغِّصُ فِيها ويُقَلِّلُ مَرْتَبَتَها، وتَفْتُرُ الرَّغْبَةُ فِيها، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ المُنْقَطِعَةَ كانَتْ مِنَ الخَيْراتِ الخَسِيسَةِ فَهَمُّنا مِنَ الظّاهِرِ أنَّ ذَلِكَ الخَيْرَ الدّائِمَ وجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ الخَيْرِ المُنْقَطِعِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ أفْضَلُ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا. البحث الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ باقٍ لا يَنْقَطِعُ. وقالَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ، والآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ المُؤْمِنَ إذا آمَنَ بِاللَّهِ فَقَدِ التَزَمَ شَرائِعَ الإسْلامِ والإيمانِ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنْ يَصْبِرَ عَلى ذَلِكَ الِالتِزامِ، وأنْ لا يَرْجِعَ عَنْهُ وأنْ لا يَنْقُضَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. والثّانِي: أنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ ما هو مِن شَرائِعِ الإسْلامِ ولَوازِمِهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في القِسْمِ الأوَّلِ وهو الصَّبْرُ عَلى ما التَزَمُوهُ، فَقالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ . أيْ: عَلى ما التَزَمُوهُ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . أيْ: يَجْزِيهِمْ صفحة ٩٠ عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَأْتِي بِالمُباحاتِ وبِالمَندُوباتِ وبِالواجِباتِ، ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى فِعْلِ المَندُوباتِ والواجِباتِ يُثابُ، لا عَلى فِعْلِ المُباحاتِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في القِسْمِ الثّانِي، وهو الإتْيانُ بِكُلِّ ما كانَ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لَفْظَةُ ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ تُفِيدُ العُمُومَ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الذَّكَرِ والأُنْثى ؟ والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِلْوَعْدِ بِالخَيْراتِ، والمُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ الوَعْدِ مِن أعْظَمِ دَلائِلِ الكَرَمِ والرَّحْمَةِ؛ إثْباتًا لِلتَّأْكِيدِ وإزالَةً لِوَهْمِ التَّخْصِيصِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الإيمانَ مُغايِرٌ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ. لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا في كَوْنِ العَمَلِ الصّالِحِ مُوجِبًا لِلثَّوابِ؛ وشَرْطُ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ إنَّما يُفِيدُ الأثَرَ بِشَرْطِ الإيمانِ، فَظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُفِيدُ الأثَرَ، سَواءٌ كانَ مَعَ الإيمانِ أوْ كانَ مَعَ عَدَمِهِ. والجَوابُ: أنَّ إفادَةَ العَمَلِ الصّالِحِ لِلْحَياةِ الطَّيِّبَةِ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ، أمّا إفادَتُهُ لِأثَرٍ غَيْرِ هَذِهِ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ وهو تَخْفِيفُ العِقابِ فَإنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى الإيمانِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: هَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ تَحْصُلُ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ أوْ في الآخِرَةِ ؟ والجَوابُ: فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ القاضِي: الأقْرَبُ أنَّها تَحْصُلُ في الدُّنْيا بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ مِنهُ ما يَكُونُ في الآخِرَةِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ ما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى أنَّهُ إنَّما يَجْزِيهِمْ عَلى ما هو أحْسَنُ أعْمالِهِمْ، فَهَذا لا امْتِناعَ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ إنَّما تَحْصُلُ في الدُّنْيا فَما هي ؟ والجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: قِيلَ: هو الرِّزْقُ الحَلالُ الطَّيِّبُ، وقِيلَ: عِبادَةُ اللَّهِ مَعَ أكْلِ الحَلالِ، وقِيلَ: القَناعَةُ، وقِيلَ: رِزْقُ يَوْمٍ بِيَوْمٍ، «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في دُعائِهِ: ”قَنِّعْنِي بِما رَزَقْتَنِي“» . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَدْعُو: ”«اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ كَفافًا» “ . قالَ الواحِدِيُّ: وقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ القَناعَةُ - حَسَنٌ مُخْتارٌ؛ لِأنَّهُ لا يَطِيبُ عَيْشُ أحَدٍ في الدُّنْيا إلّا عَيْشَ القانِعِ، وأمّا الحَرِيصُ فَإنَّهُ يَكُونُ أبَدًا في الكَدِّ والعَناءِ. صفحة ٩١ واعْلَمْ أنَّ عَيْشَ المُؤْمِنِ في الدَّنْيا أطْيَبُ مِن عَيْشِ الكافِرِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا عَرَفَ أنَّ رِزْقَهُ إنَّما حَصَلَ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى، وعَرَفَ أنَّهُ تَعالى مُحْسِنٌ كَرِيمٌ لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ كانَ راضِيًا بِكُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ، وعَلِمَ أنَّ مَصْلَحَتَهُ في ذَلِكَ، أمّا الجاهِلُ فَلا يَعْرِفُ هَذِهِ الأُصُولَ فَكانَ أبَدًا في الحُزْنِ والشَّقاءِ. وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ أبَدًا يَسْتَحْضِرُ في عَقْلِهِ أنْواعَ المَصائِبِ والمِحَنِ ويُقَدِّرُ وُقُوعَها وعَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها يَرْضى بِها؛ لِأنَّ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، فَعِنْدَ وُقُوعِها لا يَسْتَعْظِمُها؛ بِخِلافِ الجاهِلِ فَإنَّهُ يَكُونُ غافِلًا عَنْ تِلْكَ المَعارِفِ، فَعِنْدَ وُقُوعِ المَصائِبِ يَعْظُمُ تَأْثِيرُها في قَلْبِهِ. وثالِثُها: أنَّ قَلْبَ المُؤْمِنِ مُنْشَرِحٌ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، والقَلْبُ إذا كانَ مَمْلُوءًا مِن هَذِهِ المَعارِفِ لَمْ يَتَّسِعْ لِلْأحْزانِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ أحْوالِ الدُّنْيا، أمّا قَلْبُ الجاهِلِ فَإنَّهُ خالٍ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَلا جَرَمَ يَصِيرُ مَمْلُوءًا مِنَ الأحْزانِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ مَصائِبِ الدُّنْيا. ورابِعُها: أنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ بِأنَّ خَيْراتِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ خَسِيسَةٌ، فَلا يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها وغَمُّهُ بِفُقْدانِها، أمّا الجاهِلُ فَإنَّهُ لا يَعْرِفُ سَعادَةً أُخْرى تُغايِرُها، فَلا جَرَمَ يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها وغَمُّهُ بِفُقْدانِها. وخامِسُها: أنَّ المُؤْمِنَ يَعْلَمُ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا واجِبَةُ التَّغَيُّرِ سَرِيعَةُ التَّقَلُّبِ فَلَوْلا تَغَيُّرُها وانْقِلابُها لَمْ تَصِلْ مِن غَيْرِهِ إلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ ما كانَ واجِبَ التَّغَيُّرِ فَإنَّهُ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ لا تَنْقَلِبُ حَقِيقَتُهُ ولا تَتَبَدَّلُ ماهِيَّتُهُ، فَعِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ يَكُونُ أيْضًا واجِبَ التَّغَيُّرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَطْبَعُ العاقِلُ قَلْبَهُ عَلَيْهِ ولا يُقِيمُ لَهُ في قَلْبِهِ وزْنًا، بِخِلافِ الجاهِلِ فَإنَّهُ يَكُونُ غافِلًا عَنْ هَذِهِ المَعارِفِ، فَيَطْبَعُ قَلْبَهُ عَلَيْها ويُعانِقُها مُعانَقَةَ العاشِقِ لِمَعْشُوقِهِ، فَعِنْدَ فَوْتِهِ وزَوالِهِ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ ويَعْظُمُ البَلاءُ عِنْدَهُ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ كافِيَةٌ في بَيانِ أنَّ عَيْشَ المُؤْمِنِ العارِفِ أطْيَبُ مِن عَيْشِ الكافِرِ، هَذا كُلُّهُ إذا فَسَّرْنا الحَياةَ الطَّيِّبَةَ بِأنَّها في الدُّنْيا. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ إنَّما تَحْصُلُ في القَبْرِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لا تَحْصُلُ إلّا في الآخِرَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الِانْشِقاقِ: ٦] . فَبَيَّنَ أنَّ هَذا الكَدْحَ باقٍ إلى أنْ يَصِلَ إلى رَبِّهِ وذَلِكَ ما قُلْناهُ، وأمّا بَيانُ أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الجَنَّةِ؛ فَلِأنَّها حَياةٌ بِلا مَوْتٍ وغِنًى بِلا فَقْرٍ، وصِحَّةٌ بِلا مَرَضٍ، ومُلْكٌ بِلا زَوالٍ، وسَعادَةٌ بِلا شَقاءٍ، فَثَبَتَ أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لَيْسَتْ إلّا تِلْكَ الحَياةَ. ثَمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:97

قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ٨٩ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ في الآيَةِ الأُولى عَنْ نَقْضِ العُهُودِ والأيْمانِ عَلى الإطْلاقِ، حَذَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: (﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ . ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّحْذِيرَ عَنْ نَقْضِ مُطْلَقِ الأيْمانِ، وإلّا لَزِمَ التَّكْرِيرُ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، بَلِ المُرادُ نَهْيُ أُولَئِكَ الأقْوامِ المُخاطَبِينَ بِهَذا الخِطابِ عَنْ نَقْضِ أيْمانٍ مَخْصُوصَةٍ أقْدَمُوا عَلَيْها، فَلِهَذا المَعْنى قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ نَهْيُ الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَقْضِ عَهْدِهِ؛ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ لا يَلِيقُ بِنَقْضِ عَهْدٍ قَبْلَهُ، وإنَّما يَلِيقُ بِنَقْضِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإيمانِ بِهِ وشَرائِعِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ مَثَلٌ يُذْكَرُ لِكُلِّ مَن وقَعَ في بَلاءٍ بَعْدَ عافِيَةٍ، ومِحْنَةٍ بَعْدَ نِعْمَةٍ، فَإنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَ الإسْلامِ فَقَدْ سَقَطَ عَنِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ ووَقَعَ في مِثْلِ هَذِهِ الضَّلالَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ أيِ العَذابَ: ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ أيْ بِصَدِّكم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ ذَلِكَ السُّوءُ الَّذِي تَذُوقُونَهُ سُوءٌ عَظِيمٌ وعِقابٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا التَّحْذِيرَ فَقالَ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيا وإنْ كانَ كَثِيرًا، إلّا أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَعْنِي: أنَّكم وإنْ وجَدْتُمْ عَلى نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ خَيْرًا مِن خَيْراتِ الدُّنْيا، فَلا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ؛ لِأنَّ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى البَقاءِ عَلى الإسْلامِ خَيْرٌ وأفْضَلُ وأكْمَلُ مِمّا يَجِدُونَهُ في الدُّنْيا عَلى نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ التَّفاوُتَ بَيْنَ خَيْراتِ الدُّنْيا وبَيْنَ خَيْراتِ الآخِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلِيلَ القاطِعَ عَلى أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا يَجِدُونَهُ مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: الحِسُّ شاهِدٌ بِأنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ، والعَقْلُ دَلَّ عَلى أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ باقِيَةٌ، والباقِي خَيْرٌ مِنَ المُنْقَطِعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذا المُنْقَطِعَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ خَيْرًا عالِيًا شَرِيفًا، أوْ كانَ خَيْرًا دَنِيًّا خَسِيسًا، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ خَيْرًا عالِيًا شَرِيفًا فالعِلْمُ بِأنَّهُ سَيَنْقَطِعُ يَجْعَلُهُ مُنَغَّصًا حالَ حُصُولِهِ، وأمّا حالَ حُصُولِ ذَلِكَ الِانْقِطاعِ فَإنَّها تَعْظُمُ الحَسْرَةُ والحُزْنُ، وكَوْنُ تِلْكَ النِّعْمَةِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ كَذَلِكَ يُنَغِّصُ فِيها ويُقَلِّلُ مَرْتَبَتَها، وتَفْتُرُ الرَّغْبَةُ فِيها، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ المُنْقَطِعَةَ كانَتْ مِنَ الخَيْراتِ الخَسِيسَةِ فَهَمُّنا مِنَ الظّاهِرِ أنَّ ذَلِكَ الخَيْرَ الدّائِمَ وجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ الخَيْرِ المُنْقَطِعِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ أفْضَلُ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا. البحث الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ باقٍ لا يَنْقَطِعُ. وقالَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ، والآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ المُؤْمِنَ إذا آمَنَ بِاللَّهِ فَقَدِ التَزَمَ شَرائِعَ الإسْلامِ والإيمانِ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنْ يَصْبِرَ عَلى ذَلِكَ الِالتِزامِ، وأنْ لا يَرْجِعَ عَنْهُ وأنْ لا يَنْقُضَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. والثّانِي: أنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ ما هو مِن شَرائِعِ الإسْلامِ ولَوازِمِهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في القِسْمِ الأوَّلِ وهو الصَّبْرُ عَلى ما التَزَمُوهُ، فَقالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ . أيْ: عَلى ما التَزَمُوهُ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . أيْ: يَجْزِيهِمْ صفحة ٩٠ عَلى أحْسَنِ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَأْتِي بِالمُباحاتِ وبِالمَندُوباتِ وبِالواجِباتِ، ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى فِعْلِ المَندُوباتِ والواجِباتِ يُثابُ، لا عَلى فِعْلِ المُباحاتِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ في القِسْمِ الثّانِي، وهو الإتْيانُ بِكُلِّ ما كانَ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لَفْظَةُ ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ تُفِيدُ العُمُومَ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الذَّكَرِ والأُنْثى ؟ والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِلْوَعْدِ بِالخَيْراتِ، والمُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ الوَعْدِ مِن أعْظَمِ دَلائِلِ الكَرَمِ والرَّحْمَةِ؛ إثْباتًا لِلتَّأْكِيدِ وإزالَةً لِوَهْمِ التَّخْصِيصِ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الإيمانَ مُغايِرٌ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ. لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا في كَوْنِ العَمَلِ الصّالِحِ مُوجِبًا لِلثَّوابِ؛ وشَرْطُ الشَّيْءِ مُغايِرٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ إنَّما يُفِيدُ الأثَرَ بِشَرْطِ الإيمانِ، فَظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُفِيدُ الأثَرَ، سَواءٌ كانَ مَعَ الإيمانِ أوْ كانَ مَعَ عَدَمِهِ. والجَوابُ: أنَّ إفادَةَ العَمَلِ الصّالِحِ لِلْحَياةِ الطَّيِّبَةِ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ، أمّا إفادَتُهُ لِأثَرٍ غَيْرِ هَذِهِ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ وهو تَخْفِيفُ العِقابِ فَإنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى الإيمانِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: هَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ تَحْصُلُ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ أوْ في الآخِرَةِ ؟ والجَوابُ: فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ القاضِي: الأقْرَبُ أنَّها تَحْصُلُ في الدُّنْيا بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ مِنهُ ما يَكُونُ في الآخِرَةِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ ما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى أنَّهُ إنَّما يَجْزِيهِمْ عَلى ما هو أحْسَنُ أعْمالِهِمْ، فَهَذا لا امْتِناعَ فِيهِ. فَإنْ قِيلَ: بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ إنَّما تَحْصُلُ في الدُّنْيا فَما هي ؟ والجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: قِيلَ: هو الرِّزْقُ الحَلالُ الطَّيِّبُ، وقِيلَ: عِبادَةُ اللَّهِ مَعَ أكْلِ الحَلالِ، وقِيلَ: القَناعَةُ، وقِيلَ: رِزْقُ يَوْمٍ بِيَوْمٍ، «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في دُعائِهِ: ”قَنِّعْنِي بِما رَزَقْتَنِي“» . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَدْعُو: ”«اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ كَفافًا» “ . قالَ الواحِدِيُّ: وقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ القَناعَةُ - حَسَنٌ مُخْتارٌ؛ لِأنَّهُ لا يَطِيبُ عَيْشُ أحَدٍ في الدُّنْيا إلّا عَيْشَ القانِعِ، وأمّا الحَرِيصُ فَإنَّهُ يَكُونُ أبَدًا في الكَدِّ والعَناءِ. صفحة ٩١ واعْلَمْ أنَّ عَيْشَ المُؤْمِنِ في الدَّنْيا أطْيَبُ مِن عَيْشِ الكافِرِ لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا عَرَفَ أنَّ رِزْقَهُ إنَّما حَصَلَ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى، وعَرَفَ أنَّهُ تَعالى مُحْسِنٌ كَرِيمٌ لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ كانَ راضِيًا بِكُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ، وعَلِمَ أنَّ مَصْلَحَتَهُ في ذَلِكَ، أمّا الجاهِلُ فَلا يَعْرِفُ هَذِهِ الأُصُولَ فَكانَ أبَدًا في الحُزْنِ والشَّقاءِ. وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ أبَدًا يَسْتَحْضِرُ في عَقْلِهِ أنْواعَ المَصائِبِ والمِحَنِ ويُقَدِّرُ وُقُوعَها وعَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها يَرْضى بِها؛ لِأنَّ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، فَعِنْدَ وُقُوعِها لا يَسْتَعْظِمُها؛ بِخِلافِ الجاهِلِ فَإنَّهُ يَكُونُ غافِلًا عَنْ تِلْكَ المَعارِفِ، فَعِنْدَ وُقُوعِ المَصائِبِ يَعْظُمُ تَأْثِيرُها في قَلْبِهِ. وثالِثُها: أنَّ قَلْبَ المُؤْمِنِ مُنْشَرِحٌ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، والقَلْبُ إذا كانَ مَمْلُوءًا مِن هَذِهِ المَعارِفِ لَمْ يَتَّسِعْ لِلْأحْزانِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ أحْوالِ الدُّنْيا، أمّا قَلْبُ الجاهِلِ فَإنَّهُ خالٍ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَلا جَرَمَ يَصِيرُ مَمْلُوءًا مِنَ الأحْزانِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ مَصائِبِ الدُّنْيا. ورابِعُها: أنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ بِأنَّ خَيْراتِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ خَسِيسَةٌ، فَلا يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها وغَمُّهُ بِفُقْدانِها، أمّا الجاهِلُ فَإنَّهُ لا يَعْرِفُ سَعادَةً أُخْرى تُغايِرُها، فَلا جَرَمَ يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِوِجْدانِها وغَمُّهُ بِفُقْدانِها. وخامِسُها: أنَّ المُؤْمِنَ يَعْلَمُ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا واجِبَةُ التَّغَيُّرِ سَرِيعَةُ التَّقَلُّبِ فَلَوْلا تَغَيُّرُها وانْقِلابُها لَمْ تَصِلْ مِن غَيْرِهِ إلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ ما كانَ واجِبَ التَّغَيُّرِ فَإنَّهُ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ لا تَنْقَلِبُ حَقِيقَتُهُ ولا تَتَبَدَّلُ ماهِيَّتُهُ، فَعِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ يَكُونُ أيْضًا واجِبَ التَّغَيُّرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَطْبَعُ العاقِلُ قَلْبَهُ عَلَيْهِ ولا يُقِيمُ لَهُ في قَلْبِهِ وزْنًا، بِخِلافِ الجاهِلِ فَإنَّهُ يَكُونُ غافِلًا عَنْ هَذِهِ المَعارِفِ، فَيَطْبَعُ قَلْبَهُ عَلَيْها ويُعانِقُها مُعانَقَةَ العاشِقِ لِمَعْشُوقِهِ، فَعِنْدَ فَوْتِهِ وزَوالِهِ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ ويَعْظُمُ البَلاءُ عِنْدَهُ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ كافِيَةٌ في بَيانِ أنَّ عَيْشَ المُؤْمِنِ العارِفِ أطْيَبُ مِن عَيْشِ الكافِرِ، هَذا كُلُّهُ إذا فَسَّرْنا الحَياةَ الطَّيِّبَةَ بِأنَّها في الدُّنْيا. والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ إنَّما تَحْصُلُ في القَبْرِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ هَذِهِ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لا تَحْصُلُ إلّا في الآخِرَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الِانْشِقاقِ: ٦] . فَبَيَّنَ أنَّ هَذا الكَدْحَ باقٍ إلى أنْ يَصِلَ إلى رَبِّهِ وذَلِكَ ما قُلْناهُ، وأمّا بَيانُ أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الجَنَّةِ؛ فَلِأنَّها حَياةٌ بِلا مَوْتٍ وغِنًى بِلا فَقْرٍ، وصِحَّةٌ بِلا مَرَضٍ، ومُلْكٌ بِلا زَوالٍ، وسَعادَةٌ بِلا شَقاءٍ، فَثَبَتَ أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لَيْسَتْ إلّا تِلْكَ الحَياةَ. ثَمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - أرْشَدَ إلى العَمَلِ الَّذِي بِهِ تَخْلُصُ أعْمالُهُ عَنِ الوَساوِسِ، فَقالَ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ٩٢ المسألة الأُولى: الشَّيْطانُ ساعٍ في إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ في القَلْبِ حَتّى في حَقِّ الأنْبِياءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: ٥٢] . والِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ مانِعَةٌ لِلشَّيْطانِ مِن إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠١]؛ فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ حَتّى تَبْقى تِلْكَ القِراءَةُ مَصُونَةً عَنِ الوَسْوَسَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ الكُلُّ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لَمّا كانَ مُحْتاجًا إلى الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ فَغَيْرُ الرَّسُولِ أوْلى بِها. المسألة الثّالِثَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بَعْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وداوُدَ، قالُوا: والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا قَرَأ القُرْآنَ اسْتَحَقَّ بِهِ ثَوابًا عَظِيمًا، فَإنْ لَمْ يَأْتِ بِالِاسْتِعاذَةِ وقَعَتِ الوَسْوَسَةُ في قَلْبِهِ، وتِلْكَ الوَسْوَسَةُ تُحْبِطُ ثَوابَ القِراءَةِ. أمّا إذا اسْتَعاذَ بَعْدَ القِراءَةِ انْدَفَعَتِ الوَساوِسُ وبَقِيَ الثَّوابُ مَصُونًا عَنِ الإحْباطِ. أمّا الأكْثَرُونَ مِن عُلَماءِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى القِراءَةِ، وقالُوا: مَعْنى الآيَةِ: إذا أرَدْتَ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ، ولَيْسَ مَعْناهُ اسْتَعِذْ بَعْدَ القِراءَةِ، ومِثْلُهُ إذا أكَلْتَ فَقُلْ: ”بِسْمِ اللَّهِ“، وإذا سافَرْتَ فَتَأهَّبْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائِدَةِ: ٦] أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا. وأيْضًا لَمّا ثَبَتَ أنَّ الشَّيْطانَ ألْقى الوَسْوَسَةَ في أثْناءِ قِراءَةِ الرَّسُولِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: ٥٢] . ومِنَ الظّاهِرِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ الرَّسُولَ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ لِدَفْعِ تِلْكَ الوَساوِسِ، فَهَذا المَقْصُودُ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ تَقْدِيمِ الِاسْتِعاذَةِ. المسألة الرّابِعَةُ: مَذْهَبُ عَطاءٍ: أنَّهُ تَجِبُ الِاسْتِعاذَةُ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، سَواءٌ كانَتِ القِراءَةُ في الصَّلاةِ أوْ غَيْرِها، وسائِرُ الفُقَهاءِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَهم أنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَوَّذْ قَبْلَ القِراءَةِ في الصَّلاةِ، فَصَلاتُهُ ماضِيَةٌ، وكَذَلِكَ حالُ القِراءَةِ في غَيْرِ الصَّلاةِ لَكِنْ حالُ القِراءَةِ في الصَّلاةِ آكَدُ. المسألة الخامِسَةُ: المُرادُ بِالشَّيْطانِ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: إبْلِيسُ، والأقْرَبُ أنَّهُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ لِجَمِيعِ المَرَدَةِ مِنَ الشَّياطِينِ حَظًّا في الوَسْوَسَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ، وكانَ ذَلِكَ يُوهِمُ أنَّ لِلشَّيْطانِ قُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ في أبْدانِ النّاسِ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ البَتَّةَ إلّا عَلى الوَسْوَسَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، ويَظْهَرُ مِن هَذا أنَّ الِاسْتِعاذَةَ إنَّما تُفِيدُ إذا حَضَرَ في قَلْبِ الإنْسانِ كَوْنُهُ ضَعِيفًا، وأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ المُحَقِّقُونَ: لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، والتَّفْوِيضُ الحاصِلُ عَلى هَذا الوجه هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . ثم قال: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُطِيعُونَهُ؛ يُقالُ: تَوَلَّيْتُهُ أيْ: أطَعْتُهُ، وتَوَلَّيْتُ عَنْهُ أيْ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (بِهِ) إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ صفحة ٩٣ راجِعٌ إلى رَبِّهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى الشَّيْطانِ. والمَعْنى بِسَبَبِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ مُؤَدِّيَةٍ إلى الكُفْرِ: كَفَرْتَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ أيْ: مِن أجْلِها، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . أيْ: مِن أجْلِهِ ومِن أجْلِ حَمْلِهِ إيّاهم عَلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ صارُوا مُشْرِكِينَ.

النحل 16:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - أرْشَدَ إلى العَمَلِ الَّذِي بِهِ تَخْلُصُ أعْمالُهُ عَنِ الوَساوِسِ، فَقالَ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ٩٢ المسألة الأُولى: الشَّيْطانُ ساعٍ في إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ في القَلْبِ حَتّى في حَقِّ الأنْبِياءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: ٥٢] . والِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ مانِعَةٌ لِلشَّيْطانِ مِن إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠١]؛ فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ حَتّى تَبْقى تِلْكَ القِراءَةُ مَصُونَةً عَنِ الوَسْوَسَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ الكُلُّ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لَمّا كانَ مُحْتاجًا إلى الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ فَغَيْرُ الرَّسُولِ أوْلى بِها. المسألة الثّالِثَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بَعْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وداوُدَ، قالُوا: والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا قَرَأ القُرْآنَ اسْتَحَقَّ بِهِ ثَوابًا عَظِيمًا، فَإنْ لَمْ يَأْتِ بِالِاسْتِعاذَةِ وقَعَتِ الوَسْوَسَةُ في قَلْبِهِ، وتِلْكَ الوَسْوَسَةُ تُحْبِطُ ثَوابَ القِراءَةِ. أمّا إذا اسْتَعاذَ بَعْدَ القِراءَةِ انْدَفَعَتِ الوَساوِسُ وبَقِيَ الثَّوابُ مَصُونًا عَنِ الإحْباطِ. أمّا الأكْثَرُونَ مِن عُلَماءِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى القِراءَةِ، وقالُوا: مَعْنى الآيَةِ: إذا أرَدْتَ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ، ولَيْسَ مَعْناهُ اسْتَعِذْ بَعْدَ القِراءَةِ، ومِثْلُهُ إذا أكَلْتَ فَقُلْ: ”بِسْمِ اللَّهِ“، وإذا سافَرْتَ فَتَأهَّبْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائِدَةِ: ٦] أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا. وأيْضًا لَمّا ثَبَتَ أنَّ الشَّيْطانَ ألْقى الوَسْوَسَةَ في أثْناءِ قِراءَةِ الرَّسُولِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: ٥٢] . ومِنَ الظّاهِرِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ الرَّسُولَ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ لِدَفْعِ تِلْكَ الوَساوِسِ، فَهَذا المَقْصُودُ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ تَقْدِيمِ الِاسْتِعاذَةِ. المسألة الرّابِعَةُ: مَذْهَبُ عَطاءٍ: أنَّهُ تَجِبُ الِاسْتِعاذَةُ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، سَواءٌ كانَتِ القِراءَةُ في الصَّلاةِ أوْ غَيْرِها، وسائِرُ الفُقَهاءِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَهم أنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَوَّذْ قَبْلَ القِراءَةِ في الصَّلاةِ، فَصَلاتُهُ ماضِيَةٌ، وكَذَلِكَ حالُ القِراءَةِ في غَيْرِ الصَّلاةِ لَكِنْ حالُ القِراءَةِ في الصَّلاةِ آكَدُ. المسألة الخامِسَةُ: المُرادُ بِالشَّيْطانِ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: إبْلِيسُ، والأقْرَبُ أنَّهُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ لِجَمِيعِ المَرَدَةِ مِنَ الشَّياطِينِ حَظًّا في الوَسْوَسَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ، وكانَ ذَلِكَ يُوهِمُ أنَّ لِلشَّيْطانِ قُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ في أبْدانِ النّاسِ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ البَتَّةَ إلّا عَلى الوَسْوَسَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، ويَظْهَرُ مِن هَذا أنَّ الِاسْتِعاذَةَ إنَّما تُفِيدُ إذا حَضَرَ في قَلْبِ الإنْسانِ كَوْنُهُ ضَعِيفًا، وأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ المُحَقِّقُونَ: لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، والتَّفْوِيضُ الحاصِلُ عَلى هَذا الوجه هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . ثم قال: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُطِيعُونَهُ؛ يُقالُ: تَوَلَّيْتُهُ أيْ: أطَعْتُهُ، وتَوَلَّيْتُ عَنْهُ أيْ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (بِهِ) إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ صفحة ٩٣ راجِعٌ إلى رَبِّهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى الشَّيْطانِ. والمَعْنى بِسَبَبِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ مُؤَدِّيَةٍ إلى الكُفْرِ: كَفَرْتَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ أيْ: مِن أجْلِها، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . أيْ: مِن أجْلِهِ ومِن أجْلِ حَمْلِهِ إيّاهم عَلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ صارُوا مُشْرِكِينَ.

النحل 16:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - أرْشَدَ إلى العَمَلِ الَّذِي بِهِ تَخْلُصُ أعْمالُهُ عَنِ الوَساوِسِ، فَقالَ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ٩٢ المسألة الأُولى: الشَّيْطانُ ساعٍ في إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ في القَلْبِ حَتّى في حَقِّ الأنْبِياءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: ٥٢] . والِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ مانِعَةٌ لِلشَّيْطانِ مِن إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠١]؛ فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ حَتّى تَبْقى تِلْكَ القِراءَةُ مَصُونَةً عَنِ الوَسْوَسَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ الكُلُّ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لَمّا كانَ مُحْتاجًا إلى الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ فَغَيْرُ الرَّسُولِ أوْلى بِها. المسألة الثّالِثَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بَعْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وداوُدَ، قالُوا: والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا قَرَأ القُرْآنَ اسْتَحَقَّ بِهِ ثَوابًا عَظِيمًا، فَإنْ لَمْ يَأْتِ بِالِاسْتِعاذَةِ وقَعَتِ الوَسْوَسَةُ في قَلْبِهِ، وتِلْكَ الوَسْوَسَةُ تُحْبِطُ ثَوابَ القِراءَةِ. أمّا إذا اسْتَعاذَ بَعْدَ القِراءَةِ انْدَفَعَتِ الوَساوِسُ وبَقِيَ الثَّوابُ مَصُونًا عَنِ الإحْباطِ. أمّا الأكْثَرُونَ مِن عُلَماءِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى القِراءَةِ، وقالُوا: مَعْنى الآيَةِ: إذا أرَدْتَ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ، ولَيْسَ مَعْناهُ اسْتَعِذْ بَعْدَ القِراءَةِ، ومِثْلُهُ إذا أكَلْتَ فَقُلْ: ”بِسْمِ اللَّهِ“، وإذا سافَرْتَ فَتَأهَّبْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائِدَةِ: ٦] أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا. وأيْضًا لَمّا ثَبَتَ أنَّ الشَّيْطانَ ألْقى الوَسْوَسَةَ في أثْناءِ قِراءَةِ الرَّسُولِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: ٥٢] . ومِنَ الظّاهِرِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ الرَّسُولَ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ لِدَفْعِ تِلْكَ الوَساوِسِ، فَهَذا المَقْصُودُ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ تَقْدِيمِ الِاسْتِعاذَةِ. المسألة الرّابِعَةُ: مَذْهَبُ عَطاءٍ: أنَّهُ تَجِبُ الِاسْتِعاذَةُ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، سَواءٌ كانَتِ القِراءَةُ في الصَّلاةِ أوْ غَيْرِها، وسائِرُ الفُقَهاءِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَهم أنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَوَّذْ قَبْلَ القِراءَةِ في الصَّلاةِ، فَصَلاتُهُ ماضِيَةٌ، وكَذَلِكَ حالُ القِراءَةِ في غَيْرِ الصَّلاةِ لَكِنْ حالُ القِراءَةِ في الصَّلاةِ آكَدُ. المسألة الخامِسَةُ: المُرادُ بِالشَّيْطانِ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: إبْلِيسُ، والأقْرَبُ أنَّهُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ لِجَمِيعِ المَرَدَةِ مِنَ الشَّياطِينِ حَظًّا في الوَسْوَسَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ، وكانَ ذَلِكَ يُوهِمُ أنَّ لِلشَّيْطانِ قُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ في أبْدانِ النّاسِ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ البَتَّةَ إلّا عَلى الوَسْوَسَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، ويَظْهَرُ مِن هَذا أنَّ الِاسْتِعاذَةَ إنَّما تُفِيدُ إذا حَضَرَ في قَلْبِ الإنْسانِ كَوْنُهُ ضَعِيفًا، وأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ المُحَقِّقُونَ: لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، والتَّفْوِيضُ الحاصِلُ عَلى هَذا الوجه هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . ثم قال: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُطِيعُونَهُ؛ يُقالُ: تَوَلَّيْتُهُ أيْ: أطَعْتُهُ، وتَوَلَّيْتُ عَنْهُ أيْ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (بِهِ) إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ صفحة ٩٣ راجِعٌ إلى رَبِّهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى الشَّيْطانِ. والمَعْنى بِسَبَبِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ مُؤَدِّيَةٍ إلى الكُفْرِ: كَفَرْتَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ أيْ: مِن أجْلِها، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . أيْ: مِن أجْلِهِ ومِن أجْلِ حَمْلِهِ إيّاهم عَلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ صارُوا مُشْرِكِينَ.

النحل 16:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَرَعَ مِن هَذا المَوْضُوعِ في حِكايَةِ شُبَهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانَ إذا نَزَلَتْ آيَةٌ فِيها شِدَّةٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ ألْيَنُ مِنها تَقُولُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ إلّا يَسْخَرُ بِأصْحابِهِ، اليَوْمَ يَأْمُرُ بِأمْرٍ وغَدًا يَنْهى عَنْهُ، وإنَّهُ لا يَقُولُ هَذِهِ الأشْياءَ إلّا مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ . ومَعْنى التَّبْدِيلِ: رَفْعُ الشَّيْءِ مَعَ وضْعِ غَيْرِهِ مَكانَهُ. وتَبْدِيلُ الآيَةِ رَفْعُها بِآيَةٍ أُخْرى غَيْرِها، وهو نَسْخُها بِآيَةٍ سِواها. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ اعْتِراضٌ دَخَلَ في الكَلامِ، والمَعْنى: واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ مِنَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ والتَّغْلِيظِ والتَّخْفِيفِ، أيْ: هو أعْلَمُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ في مَصالِحِ العِبادِ، وهَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ . أيْ: إذا كانَ هو أعْلَمَ بِما يُنَزِّلُ فَما بالُهم يَنْسُبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى الِافْتِراءِ لِأجْلِ التَّبْدِيلِ والنَّسْخِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ . أيْ: لا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ القُرْآنِ وفائِدَةَ النَّسْخِ والتَّبْدِيلِ، وأنَّ ذَلِكَ لِمَصالِحِ العِبادِ كَما أنَّ الطَّبِيبَ يَأْمُرُ المَرِيضَ بِشَرْبَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يَنْهاهُ عَنْها، ويَأْمُرُهُ بِضِدِّ تِلْكَ الشَّرْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ﴾ تَفْسِيرُ رُوحِ القُدُسِ مَرَّ ذِكْرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: رُوحُ القُدُسِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُضِيفَ إلى القُدُسِ وهو الطُّهْرُ، كَما يُقالُ: حاتِمُ الجُودِ وزَيْدُ الخَيْرِ، والمُرادُ: الرُّوحُ المُقَدَّسُ، وحاتِمٌ الجَوادُ، وزَيْدٌ الخَيْرُ، والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ مِنَ الماءِ، و”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ صِلَةٌ لِلْقُرْآنِ، أيْ: أنَّ جِبْرِيلَ نَزَّلَ القُرْآنَ مِن رَبِّكَ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ أيْ لِيَبْلُوَهم بِالنَّسْخِ حَتّى إذا قالُوا فِيهِ: هو الحَقُّ مِن رَبِّنا حُكِمَ لَهم بِثَباتِ القَدَمِ في الدِّينِ وصِحَّةِ اليَقِينِ بِأنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ، فَلا يَفْعَلُ إلّا ما هو حِكْمَةٌ وصَوابٌ، ﴿وهُدًى وبُشْرى﴾ مَفْعُولٌ لَهُما مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ”لِيُثَبِّتَ“، والتَّقْدِيرُ: تَثْبِيتًا لَهم وإرْشادًا وبِشارَةً. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُصُولِ أضْدادِ هَذِهِ الصِّفاتِ لِغَيْرِهِمْ. المسألة الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَذْهَبَ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: أنَّ النَّسْخَ غَيْرُ واقِعٍ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، فَقالَ: المُرادُ هَهُنا إذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مِثْلَ أنَّهُ حَوَّلَ القِبْلَةَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ، قالَ المُشْرِكُونَ: أنْتَ مُفْتَرٍ في هَذا التَّبْدِيلِ، وأمّا سائِرُ المُفَسِّرِينَ فَقالُوا: النَّسْخُ واقِعٌ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، والكَلامُ فِيهِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سائِرِ السُّوَرِ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: القُرْآنُ لا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٩٤ ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ لا تَصِيرُ مَنسُوخَةً إلّا بِآيَةٍ أُخْرى، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُبَدِّلُ آيَةً بِآيَةٍ أُخْرى ولا دَلالَةَ فِيها عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُبَدِّلُ آيَةً إلّا بِآيَةٍ، وأيْضًا فَجِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ يَنْزِلُ بِالسُّنَّةِ كَما يَنْزِلُ بِالآيَةِ، وأيْضًا فالسُّنَّةُ قَدْ تَكُونُ مُثْبِتَةً لِلْآيَةِ، وأيْضًا فَهَذا حِكايَةُ كَلامِ الكُفّارِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَرَعَ مِن هَذا المَوْضُوعِ في حِكايَةِ شُبَهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانَ إذا نَزَلَتْ آيَةٌ فِيها شِدَّةٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ ألْيَنُ مِنها تَقُولُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ إلّا يَسْخَرُ بِأصْحابِهِ، اليَوْمَ يَأْمُرُ بِأمْرٍ وغَدًا يَنْهى عَنْهُ، وإنَّهُ لا يَقُولُ هَذِهِ الأشْياءَ إلّا مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ . ومَعْنى التَّبْدِيلِ: رَفْعُ الشَّيْءِ مَعَ وضْعِ غَيْرِهِ مَكانَهُ. وتَبْدِيلُ الآيَةِ رَفْعُها بِآيَةٍ أُخْرى غَيْرِها، وهو نَسْخُها بِآيَةٍ سِواها. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ اعْتِراضٌ دَخَلَ في الكَلامِ، والمَعْنى: واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ مِنَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ والتَّغْلِيظِ والتَّخْفِيفِ، أيْ: هو أعْلَمُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ في مَصالِحِ العِبادِ، وهَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ . أيْ: إذا كانَ هو أعْلَمَ بِما يُنَزِّلُ فَما بالُهم يَنْسُبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى الِافْتِراءِ لِأجْلِ التَّبْدِيلِ والنَّسْخِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ . أيْ: لا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ القُرْآنِ وفائِدَةَ النَّسْخِ والتَّبْدِيلِ، وأنَّ ذَلِكَ لِمَصالِحِ العِبادِ كَما أنَّ الطَّبِيبَ يَأْمُرُ المَرِيضَ بِشَرْبَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يَنْهاهُ عَنْها، ويَأْمُرُهُ بِضِدِّ تِلْكَ الشَّرْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ﴾ تَفْسِيرُ رُوحِ القُدُسِ مَرَّ ذِكْرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: رُوحُ القُدُسِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُضِيفَ إلى القُدُسِ وهو الطُّهْرُ، كَما يُقالُ: حاتِمُ الجُودِ وزَيْدُ الخَيْرِ، والمُرادُ: الرُّوحُ المُقَدَّسُ، وحاتِمٌ الجَوادُ، وزَيْدٌ الخَيْرُ، والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ مِنَ الماءِ، و”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ صِلَةٌ لِلْقُرْآنِ، أيْ: أنَّ جِبْرِيلَ نَزَّلَ القُرْآنَ مِن رَبِّكَ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ أيْ لِيَبْلُوَهم بِالنَّسْخِ حَتّى إذا قالُوا فِيهِ: هو الحَقُّ مِن رَبِّنا حُكِمَ لَهم بِثَباتِ القَدَمِ في الدِّينِ وصِحَّةِ اليَقِينِ بِأنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ، فَلا يَفْعَلُ إلّا ما هو حِكْمَةٌ وصَوابٌ، ﴿وهُدًى وبُشْرى﴾ مَفْعُولٌ لَهُما مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ”لِيُثَبِّتَ“، والتَّقْدِيرُ: تَثْبِيتًا لَهم وإرْشادًا وبِشارَةً. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُصُولِ أضْدادِ هَذِهِ الصِّفاتِ لِغَيْرِهِمْ. المسألة الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَذْهَبَ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: أنَّ النَّسْخَ غَيْرُ واقِعٍ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، فَقالَ: المُرادُ هَهُنا إذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مِثْلَ أنَّهُ حَوَّلَ القِبْلَةَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ، قالَ المُشْرِكُونَ: أنْتَ مُفْتَرٍ في هَذا التَّبْدِيلِ، وأمّا سائِرُ المُفَسِّرِينَ فَقالُوا: النَّسْخُ واقِعٌ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، والكَلامُ فِيهِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سائِرِ السُّوَرِ. المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: القُرْآنُ لا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٩٤ ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ لا تَصِيرُ مَنسُوخَةً إلّا بِآيَةٍ أُخْرى، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُبَدِّلُ آيَةً بِآيَةٍ أُخْرى ولا دَلالَةَ فِيها عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُبَدِّلُ آيَةً إلّا بِآيَةٍ، وأيْضًا فَجِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ يَنْزِلُ بِالسُّنَّةِ كَما يَنْزِلُ بِالآيَةِ، وأيْضًا فالسُّنَّةُ قَدْ تَكُونُ مُثْبِتَةً لِلْآيَةِ، وأيْضًا فَهَذا حِكايَةُ كَلامِ الكُفّارِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حِكايَةُ شُبْهَةٍ أُخْرى مِن شُبُهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا إنَّما يَذْكُرُ هَذِهِ القِصَصَ وهَذِهِ الكَلِماتِ لِأنَّهُ يَسْتَفِيدُها مِن إنْسانٍ آخَرَ ويَتَعَلَّمُها مِنهُ. واخْتَلَفُوا في هَذا البَشَرِ الَّذِي نَسَبَ المُشْرِكُونَ النَّبِيَّ ﷺ إلى التَّعَلُّمِ مِنهُ قِيلَ: هو عَبْدٌ لِبَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، يُقالُ لَهُ يَعِيشُ، وكانَ يَقْرَأُ الكُتُبَ، وقِيلَ: عَدّاسٌ غُلامُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وقِيلَ: عَبْدٌ لِبَنِي الحَضْرَمِيِّ صاحِبُ كُتُبٍ، وكانَ اسْمُهُ جَبْرًا، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ: عَبْدُ بَنِي الحَضْرَمِيِّ يُعَلِّمُ خَدِيجَةَ، وخَدِيجَةُ تُعَلِّمُ مُحَمَّدًا، وقِيلَ: كانَ بِمَكَّةَ نَصْرانِيٌّ أعْجَمِيُّ اللِّسانِ، اسْمُهُ بَلْعامٌ، ويُقالُ لَهُ: أبُو مَيْسَرَةَ يَتَكَلَّمُ بِالرُّومِيَّةِ، وقِيلَ: سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وبِالجُمْلَةِ فَلا فائِدَةَ في تَعْدِيدِ هَذِهِ الأسْماءِ، والحاصِلُ أنَّ القَوْمَ اتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ يَتَعَلَّمُ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يُظْهِرُها مِن نَفْسِهِ ويَزْعُمُ أنَّهُ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ وهو كاذِبٌ فِيهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . ومَعْنى الإلْحادِ في اللُّغَةِ: المَيْلُ، يُقالُ: لَحَدَ وألْحَدَ إذا مالَ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْعادِلِ عَنِ الحَقِّ مُلْحِدٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يَلْحَدُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، والباقُونَ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، قالَ الواحِدِيُّ: والأوْلى ضَمُّ الياءِ؛ لِأنَّهُ لُغَةُ القُرْآنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحَجِّ: ٢٥] . والإلْحادُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الإمالَةِ، ومِنهُ يُقالُ: ألْحَدْتُ لَهُ لَحْدًا إذا حَفَرْتَهُ في جانِبِ القَبْرِ مائِلًا عَنِ الِاسْتِواءِ، وقَبْرٌ مُلْحَدٌ ومَلْحُودٌ، ومِنهُ المُلْحِدُ؛ لِأنَّهُ أمالَ مَذْهَبَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، لَمْ يُمِلْهُ عَنْ دِينٍ إلى دِينٍ آخَرَ، وفُسِّرَ الإلْحادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالقَوْلَيْنِ: قالَ الفَرّاءُ: يَمِيلُونَ مِنَ المَيْلِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَمِيلُونَ مِنَ الإمالَةِ، أيْ لِسانُ الَّذِينَ يَمِيلُونَ القَوْلَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ، وأما قوله: ﴿أعْجَمِيٌّ﴾ فَقالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ: تَرْكِيبُ ع ج م وُضِعَ في كَلامِ العَرَبِ لِلْإبْهامِ والإخْفاءِ وضِدِّ البَيانِ والإيضاحِ، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجَلٌ أعْجَمُ وامْرَأةٌ عَجْماءُ إذا كانا لا يُفْصِحانِ، وعَجَمُ الذَّنَبِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِتارِهِ واخْتِفائِهِ، والعَجْماءُ البَهِيمَةُ؛ لِأنَّها لا تُوَضِّحُ ما في نَفْسِها، وسَمَّوْا صَلاتَيِ الظُّهْرِ والعَصْرِ عَجْماوَيْنِ؛ لِأنَّ صفحة ٩٥ القِراءَةَ حاصِلَةٌ فِيهِما بِالسِّرِّ لا بِالجَهْرِ، فَأما قوله مْ: أعْجَمْتُ الكِتابَ، فَمَعْناهُ أزَلْتُ عُجْمَتَهُ، وأفْعَلْتُ قَدْ يَأْتِي والمُرادُ مِنهُ السَّلْبُ؛ كَقَوْلِهِمْ: أشْكَيْتُ فُلانًا، إذا أزَلْتَ ما يَشْكُوهُ، فَهَذا هو الأصْلُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ مَن لا يَعْرِفُ لُغَتَهم ولا يَتَكَلَّمُ بِلِسانِهِمْ أعْجَمَ- وأعْجَمِيًّا. قالَ الفَرّاءُ وأحْمَدُ بْنُ يَحْيى: الأعْجَمُ الَّذِي في لِسانِهِ عُجْمَةٌ وإنْ كانَ مِنَ العَرَبِ، والأعْجَمِيُّ والعَجَمِيُّ الَّذِي أصْلُهُ مِنَ العَجَمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الأعْجَمُ الَّذِي لا يُفْصِحُ، سَواءٌ كانَ مِنَ العَرَبِ أوْ مِنَ العَجَمِ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: زِيادٌ الأعْجَمِ؛ لِأنَّهُ كانَتْ في لِسانِهِ عُجْمَةٌ مَعَ أنَّهُ كانَ عَرَبِيًّا، وأمّا مَعْنى العَرَبِيِّ واشْتِقاقِهِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٩٧] . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ في هَذِهِ الآيَةِ: يُقالُ عَرُبَ لِسانُهُ عَرابَةً وعُرُوبَةً. هَذا تَفْسِيرُ ألْفاظِ الآيَةِ. وأمّا تَقْرِيرُ وجْهِ الجَوابِ فاعْلَمْ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ إذا قُلْنا: القُرْآنُ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِما فِيهُ مِنَ الفَصاحَةِ العائِدَةِ إلى اللَّفْظِ وكَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ يَتَعَلَّمُ المَعانِيَ مِن ذَلِكَ الأعْجَمِيِّ، إلّا أنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِما في ألْفاظِهِ مِنَ الفَصاحَةِ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونُوا صادِقِينَ في أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَتَعَلَّمُ تِلْكَ المَعانِيَ مِن ذَلِكَ الرَّجُلِ إلّا أنَّهُ لا يَقْدَحُ ذَلِكَ في المَقْصُودِ؛ إذِ القُرْآنُ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِفَصاحَتِهِ، وما ذَكَرْتُمُوهُ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ المَقْصُودِ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الجَوابَ أرْدَفَهُ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ أمّا تَفْسِيرُ أصْحابِنا لِهَذِهِ الآيَةِ فَظاهِرٌ، وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في ذَلِكَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهم لَمّا تَرَكُوا الإيمانَ بِاللَّهِ - لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ، بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَهم كَذّابِينَ في ذَلِكَ القَوْلِ، فَقالَ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: المَقْصُودُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّ الَّذِي قالُوهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ لَمْ يَقْدَحْ في المَقْصُودِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي قالُوهُ لَمْ يَصِحَّ وهم كَذَبُوا فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في ذَلِكَ القَوْلِ - وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وهم كافِرُونَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانُوا أعْداءً لِلرَّسُولِ ﷺ، وكَلامُ العِدا ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ ولا شَهادَةَ لِمُتَّهَمٍ. والثّانِي: أنَّ أمْرَ التَّعَلُّمِ لا يَتَأتّى في جَلْسَةٍ واحِدَةٍ ولا يَتِمُّ في الخُفْيَةِ، بَلِ التَّعَلُّمُ إنَّما يَتِمُّ إذا اخْتَلَفَ المُعَلِّمُ إلى المُتَعَلِّمِ أزْمِنَةً مُتَطاوِلَةً ومُدَدًا مُتَباعِدَةً، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لاشْتُهِرَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أنَّمُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَتَعَلَّمُ العُلُومَ مِن فُلانٍ وفُلانٍ. الثّالِثُ: أنَّ العُلُومَ المَوْجُودَةَ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، وتَعَلُّمَها لا يَتَأتّى إلّا إذا كانَ المُعَلِّمُ في غايَةِ الفَضْلِ والتَّحْقِيقِ، فَلَوْ حَصَلَ فِيهِمْ إنْسانٌ بَلَغَ في التَّعْلِيمِ والتَّحْقِيقِ إلى هَذا الحَدِّ لَكانَ مُشارًا إلَيْهِ بِالأصابِعِ في التَّحْقِيقِ والتَّدْقِيقِ في الدُّنْيا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُ هَذِهِ العُلُومِ العالِيَةِ والمَباحِثِ النَّفِيسَةِ مِن عِنْدِ فُلانٍ وفُلانٍ ؟ واعْلَمْ أنَّ الطَّعْنَ في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ الرَّكِيكَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُجَّةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَتْ ظاهِرَةً باهِرَةً، فَإنَّ الخُصُومَ كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الطَّعْنِ فِيها، ولِأجْلِ غايَةِ عَجْزِهِمْ عَدَلُوا إلى هَذِهِ الكَلِماتِ الرَّكِيكَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ وأفْحَشِ الفَواحِشِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ، والمَعْنى: أنَّ الكَذِبَ والفِرْيَةَ لا يَقْدُمُ عَلَيْهِما إلّا مَن كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِآياتِ اللَّهِ صفحة ٩٦ تَعالى، وإلّا مَن كانَ كافِرًا، وهَذا تَهْدِيدٌ في النِّهايَةِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ فِعْلٌ، وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ اسْمٌ، وعَطْفُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ قَبِيحٌ، فَما السَّبَبُ في حُصُولِهِ هَهُنا ؟ قُلْنا: الفِعْلُ قَدْ يَكُونُ لازِمًا وقَدْ يَكُونُ مُفارِقًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يُوسُفَ: ٣٥] . ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الفِعْلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ السِّجْنَ لا يَدُومُ. وقالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٩] . ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الِاسْمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى الدَّوامِ، وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] . ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ آدَمَ عاصٍ وغاوٍ؛ لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ لا تُفِيدُ الدَّوامَ، وصِيغَةُ الِاسْمِ تُفِيدُهُ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقْدِّمَةَ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أقْدَمَ عَلى الكَذِبِ فَكَأنَّهُ دَخَلَ في الكُفْرِ، ثم قال: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ صِفَةَ الكَذِبِ فِيهِمْ ثابِتَةٌ راسِخَةٌ دائِمَةٌ؛ وهَذا كَما تَقُولُ: كَذَبْتَ وأنْتَ كاذِبٌ، فَيَكُونُ قَوْلُكَ ”وأنْتَ كاذِبٌ“ زِيادَةً في الوَصْفِ بِالكَذِبِ، ومَعْناهُ: أنَّ عادَتَكَ أنْ تَكُونَ كاذِبًا. المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكاذِبَ المُفْتَرِيَ الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْكُفْرِ إلّا إنْكارُ الإلَهِيَّةِ ونُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، وهَذا الإنْكارُ مُشْتَمِلٌ عَلى الكَذِبِ والِافْتِراءِ. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: هَلْ يَكْذِبُ المُؤْمِنُ ؟ قالَ: ”لا“» ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حِكايَةُ شُبْهَةٍ أُخْرى مِن شُبُهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا إنَّما يَذْكُرُ هَذِهِ القِصَصَ وهَذِهِ الكَلِماتِ لِأنَّهُ يَسْتَفِيدُها مِن إنْسانٍ آخَرَ ويَتَعَلَّمُها مِنهُ. واخْتَلَفُوا في هَذا البَشَرِ الَّذِي نَسَبَ المُشْرِكُونَ النَّبِيَّ ﷺ إلى التَّعَلُّمِ مِنهُ قِيلَ: هو عَبْدٌ لِبَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، يُقالُ لَهُ يَعِيشُ، وكانَ يَقْرَأُ الكُتُبَ، وقِيلَ: عَدّاسٌ غُلامُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وقِيلَ: عَبْدٌ لِبَنِي الحَضْرَمِيِّ صاحِبُ كُتُبٍ، وكانَ اسْمُهُ جَبْرًا، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ: عَبْدُ بَنِي الحَضْرَمِيِّ يُعَلِّمُ خَدِيجَةَ، وخَدِيجَةُ تُعَلِّمُ مُحَمَّدًا، وقِيلَ: كانَ بِمَكَّةَ نَصْرانِيٌّ أعْجَمِيُّ اللِّسانِ، اسْمُهُ بَلْعامٌ، ويُقالُ لَهُ: أبُو مَيْسَرَةَ يَتَكَلَّمُ بِالرُّومِيَّةِ، وقِيلَ: سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وبِالجُمْلَةِ فَلا فائِدَةَ في تَعْدِيدِ هَذِهِ الأسْماءِ، والحاصِلُ أنَّ القَوْمَ اتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ يَتَعَلَّمُ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يُظْهِرُها مِن نَفْسِهِ ويَزْعُمُ أنَّهُ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ وهو كاذِبٌ فِيهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . ومَعْنى الإلْحادِ في اللُّغَةِ: المَيْلُ، يُقالُ: لَحَدَ وألْحَدَ إذا مالَ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْعادِلِ عَنِ الحَقِّ مُلْحِدٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يَلْحَدُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، والباقُونَ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، قالَ الواحِدِيُّ: والأوْلى ضَمُّ الياءِ؛ لِأنَّهُ لُغَةُ القُرْآنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحَجِّ: ٢٥] . والإلْحادُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الإمالَةِ، ومِنهُ يُقالُ: ألْحَدْتُ لَهُ لَحْدًا إذا حَفَرْتَهُ في جانِبِ القَبْرِ مائِلًا عَنِ الِاسْتِواءِ، وقَبْرٌ مُلْحَدٌ ومَلْحُودٌ، ومِنهُ المُلْحِدُ؛ لِأنَّهُ أمالَ مَذْهَبَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، لَمْ يُمِلْهُ عَنْ دِينٍ إلى دِينٍ آخَرَ، وفُسِّرَ الإلْحادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالقَوْلَيْنِ: قالَ الفَرّاءُ: يَمِيلُونَ مِنَ المَيْلِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَمِيلُونَ مِنَ الإمالَةِ، أيْ لِسانُ الَّذِينَ يَمِيلُونَ القَوْلَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ، وأما قوله: ﴿أعْجَمِيٌّ﴾ فَقالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ: تَرْكِيبُ ع ج م وُضِعَ في كَلامِ العَرَبِ لِلْإبْهامِ والإخْفاءِ وضِدِّ البَيانِ والإيضاحِ، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجَلٌ أعْجَمُ وامْرَأةٌ عَجْماءُ إذا كانا لا يُفْصِحانِ، وعَجَمُ الذَّنَبِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِتارِهِ واخْتِفائِهِ، والعَجْماءُ البَهِيمَةُ؛ لِأنَّها لا تُوَضِّحُ ما في نَفْسِها، وسَمَّوْا صَلاتَيِ الظُّهْرِ والعَصْرِ عَجْماوَيْنِ؛ لِأنَّ صفحة ٩٥ القِراءَةَ حاصِلَةٌ فِيهِما بِالسِّرِّ لا بِالجَهْرِ، فَأما قوله مْ: أعْجَمْتُ الكِتابَ، فَمَعْناهُ أزَلْتُ عُجْمَتَهُ، وأفْعَلْتُ قَدْ يَأْتِي والمُرادُ مِنهُ السَّلْبُ؛ كَقَوْلِهِمْ: أشْكَيْتُ فُلانًا، إذا أزَلْتَ ما يَشْكُوهُ، فَهَذا هو الأصْلُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ مَن لا يَعْرِفُ لُغَتَهم ولا يَتَكَلَّمُ بِلِسانِهِمْ أعْجَمَ- وأعْجَمِيًّا. قالَ الفَرّاءُ وأحْمَدُ بْنُ يَحْيى: الأعْجَمُ الَّذِي في لِسانِهِ عُجْمَةٌ وإنْ كانَ مِنَ العَرَبِ، والأعْجَمِيُّ والعَجَمِيُّ الَّذِي أصْلُهُ مِنَ العَجَمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الأعْجَمُ الَّذِي لا يُفْصِحُ، سَواءٌ كانَ مِنَ العَرَبِ أوْ مِنَ العَجَمِ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: زِيادٌ الأعْجَمِ؛ لِأنَّهُ كانَتْ في لِسانِهِ عُجْمَةٌ مَعَ أنَّهُ كانَ عَرَبِيًّا، وأمّا مَعْنى العَرَبِيِّ واشْتِقاقِهِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٩٧] . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ في هَذِهِ الآيَةِ: يُقالُ عَرُبَ لِسانُهُ عَرابَةً وعُرُوبَةً. هَذا تَفْسِيرُ ألْفاظِ الآيَةِ. وأمّا تَقْرِيرُ وجْهِ الجَوابِ فاعْلَمْ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ إذا قُلْنا: القُرْآنُ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِما فِيهُ مِنَ الفَصاحَةِ العائِدَةِ إلى اللَّفْظِ وكَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ يَتَعَلَّمُ المَعانِيَ مِن ذَلِكَ الأعْجَمِيِّ، إلّا أنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِما في ألْفاظِهِ مِنَ الفَصاحَةِ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونُوا صادِقِينَ في أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَتَعَلَّمُ تِلْكَ المَعانِيَ مِن ذَلِكَ الرَّجُلِ إلّا أنَّهُ لا يَقْدَحُ ذَلِكَ في المَقْصُودِ؛ إذِ القُرْآنُ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِفَصاحَتِهِ، وما ذَكَرْتُمُوهُ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ المَقْصُودِ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الجَوابَ أرْدَفَهُ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ أمّا تَفْسِيرُ أصْحابِنا لِهَذِهِ الآيَةِ فَظاهِرٌ، وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في ذَلِكَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهم لَمّا تَرَكُوا الإيمانَ بِاللَّهِ - لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ، بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَهم كَذّابِينَ في ذَلِكَ القَوْلِ، فَقالَ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: المَقْصُودُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّ الَّذِي قالُوهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ لَمْ يَقْدَحْ في المَقْصُودِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي قالُوهُ لَمْ يَصِحَّ وهم كَذَبُوا فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في ذَلِكَ القَوْلِ - وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وهم كافِرُونَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانُوا أعْداءً لِلرَّسُولِ ﷺ، وكَلامُ العِدا ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ ولا شَهادَةَ لِمُتَّهَمٍ. والثّانِي: أنَّ أمْرَ التَّعَلُّمِ لا يَتَأتّى في جَلْسَةٍ واحِدَةٍ ولا يَتِمُّ في الخُفْيَةِ، بَلِ التَّعَلُّمُ إنَّما يَتِمُّ إذا اخْتَلَفَ المُعَلِّمُ إلى المُتَعَلِّمِ أزْمِنَةً مُتَطاوِلَةً ومُدَدًا مُتَباعِدَةً، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لاشْتُهِرَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أنَّمُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَتَعَلَّمُ العُلُومَ مِن فُلانٍ وفُلانٍ. الثّالِثُ: أنَّ العُلُومَ المَوْجُودَةَ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، وتَعَلُّمَها لا يَتَأتّى إلّا إذا كانَ المُعَلِّمُ في غايَةِ الفَضْلِ والتَّحْقِيقِ، فَلَوْ حَصَلَ فِيهِمْ إنْسانٌ بَلَغَ في التَّعْلِيمِ والتَّحْقِيقِ إلى هَذا الحَدِّ لَكانَ مُشارًا إلَيْهِ بِالأصابِعِ في التَّحْقِيقِ والتَّدْقِيقِ في الدُّنْيا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُ هَذِهِ العُلُومِ العالِيَةِ والمَباحِثِ النَّفِيسَةِ مِن عِنْدِ فُلانٍ وفُلانٍ ؟ واعْلَمْ أنَّ الطَّعْنَ في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ الرَّكِيكَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُجَّةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَتْ ظاهِرَةً باهِرَةً، فَإنَّ الخُصُومَ كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الطَّعْنِ فِيها، ولِأجْلِ غايَةِ عَجْزِهِمْ عَدَلُوا إلى هَذِهِ الكَلِماتِ الرَّكِيكَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ وأفْحَشِ الفَواحِشِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ، والمَعْنى: أنَّ الكَذِبَ والفِرْيَةَ لا يَقْدُمُ عَلَيْهِما إلّا مَن كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِآياتِ اللَّهِ صفحة ٩٦ تَعالى، وإلّا مَن كانَ كافِرًا، وهَذا تَهْدِيدٌ في النِّهايَةِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ فِعْلٌ، وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ اسْمٌ، وعَطْفُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ قَبِيحٌ، فَما السَّبَبُ في حُصُولِهِ هَهُنا ؟ قُلْنا: الفِعْلُ قَدْ يَكُونُ لازِمًا وقَدْ يَكُونُ مُفارِقًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يُوسُفَ: ٣٥] . ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الفِعْلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ السِّجْنَ لا يَدُومُ. وقالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٩] . ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الِاسْمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى الدَّوامِ، وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] . ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ آدَمَ عاصٍ وغاوٍ؛ لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ لا تُفِيدُ الدَّوامَ، وصِيغَةُ الِاسْمِ تُفِيدُهُ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقْدِّمَةَ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أقْدَمَ عَلى الكَذِبِ فَكَأنَّهُ دَخَلَ في الكُفْرِ، ثم قال: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ صِفَةَ الكَذِبِ فِيهِمْ ثابِتَةٌ راسِخَةٌ دائِمَةٌ؛ وهَذا كَما تَقُولُ: كَذَبْتَ وأنْتَ كاذِبٌ، فَيَكُونُ قَوْلُكَ ”وأنْتَ كاذِبٌ“ زِيادَةً في الوَصْفِ بِالكَذِبِ، ومَعْناهُ: أنَّ عادَتَكَ أنْ تَكُونَ كاذِبًا. المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكاذِبَ المُفْتَرِيَ الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْكُفْرِ إلّا إنْكارُ الإلَهِيَّةِ ونُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، وهَذا الإنْكارُ مُشْتَمِلٌ عَلى الكَذِبِ والِافْتِراءِ. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: هَلْ يَكْذِبُ المُؤْمِنُ ؟ قالَ: ”لا“» ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حِكايَةُ شُبْهَةٍ أُخْرى مِن شُبُهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا إنَّما يَذْكُرُ هَذِهِ القِصَصَ وهَذِهِ الكَلِماتِ لِأنَّهُ يَسْتَفِيدُها مِن إنْسانٍ آخَرَ ويَتَعَلَّمُها مِنهُ. واخْتَلَفُوا في هَذا البَشَرِ الَّذِي نَسَبَ المُشْرِكُونَ النَّبِيَّ ﷺ إلى التَّعَلُّمِ مِنهُ قِيلَ: هو عَبْدٌ لِبَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، يُقالُ لَهُ يَعِيشُ، وكانَ يَقْرَأُ الكُتُبَ، وقِيلَ: عَدّاسٌ غُلامُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وقِيلَ: عَبْدٌ لِبَنِي الحَضْرَمِيِّ صاحِبُ كُتُبٍ، وكانَ اسْمُهُ جَبْرًا، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ: عَبْدُ بَنِي الحَضْرَمِيِّ يُعَلِّمُ خَدِيجَةَ، وخَدِيجَةُ تُعَلِّمُ مُحَمَّدًا، وقِيلَ: كانَ بِمَكَّةَ نَصْرانِيٌّ أعْجَمِيُّ اللِّسانِ، اسْمُهُ بَلْعامٌ، ويُقالُ لَهُ: أبُو مَيْسَرَةَ يَتَكَلَّمُ بِالرُّومِيَّةِ، وقِيلَ: سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وبِالجُمْلَةِ فَلا فائِدَةَ في تَعْدِيدِ هَذِهِ الأسْماءِ، والحاصِلُ أنَّ القَوْمَ اتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ يَتَعَلَّمُ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يُظْهِرُها مِن نَفْسِهِ ويَزْعُمُ أنَّهُ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ وهو كاذِبٌ فِيهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . ومَعْنى الإلْحادِ في اللُّغَةِ: المَيْلُ، يُقالُ: لَحَدَ وألْحَدَ إذا مالَ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْعادِلِ عَنِ الحَقِّ مُلْحِدٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يَلْحَدُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، والباقُونَ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، قالَ الواحِدِيُّ: والأوْلى ضَمُّ الياءِ؛ لِأنَّهُ لُغَةُ القُرْآنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحَجِّ: ٢٥] . والإلْحادُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الإمالَةِ، ومِنهُ يُقالُ: ألْحَدْتُ لَهُ لَحْدًا إذا حَفَرْتَهُ في جانِبِ القَبْرِ مائِلًا عَنِ الِاسْتِواءِ، وقَبْرٌ مُلْحَدٌ ومَلْحُودٌ، ومِنهُ المُلْحِدُ؛ لِأنَّهُ أمالَ مَذْهَبَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، لَمْ يُمِلْهُ عَنْ دِينٍ إلى دِينٍ آخَرَ، وفُسِّرَ الإلْحادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالقَوْلَيْنِ: قالَ الفَرّاءُ: يَمِيلُونَ مِنَ المَيْلِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَمِيلُونَ مِنَ الإمالَةِ، أيْ لِسانُ الَّذِينَ يَمِيلُونَ القَوْلَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ، وأما قوله: ﴿أعْجَمِيٌّ﴾ فَقالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ: تَرْكِيبُ ع ج م وُضِعَ في كَلامِ العَرَبِ لِلْإبْهامِ والإخْفاءِ وضِدِّ البَيانِ والإيضاحِ، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجَلٌ أعْجَمُ وامْرَأةٌ عَجْماءُ إذا كانا لا يُفْصِحانِ، وعَجَمُ الذَّنَبِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِتارِهِ واخْتِفائِهِ، والعَجْماءُ البَهِيمَةُ؛ لِأنَّها لا تُوَضِّحُ ما في نَفْسِها، وسَمَّوْا صَلاتَيِ الظُّهْرِ والعَصْرِ عَجْماوَيْنِ؛ لِأنَّ صفحة ٩٥ القِراءَةَ حاصِلَةٌ فِيهِما بِالسِّرِّ لا بِالجَهْرِ، فَأما قوله مْ: أعْجَمْتُ الكِتابَ، فَمَعْناهُ أزَلْتُ عُجْمَتَهُ، وأفْعَلْتُ قَدْ يَأْتِي والمُرادُ مِنهُ السَّلْبُ؛ كَقَوْلِهِمْ: أشْكَيْتُ فُلانًا، إذا أزَلْتَ ما يَشْكُوهُ، فَهَذا هو الأصْلُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ مَن لا يَعْرِفُ لُغَتَهم ولا يَتَكَلَّمُ بِلِسانِهِمْ أعْجَمَ- وأعْجَمِيًّا. قالَ الفَرّاءُ وأحْمَدُ بْنُ يَحْيى: الأعْجَمُ الَّذِي في لِسانِهِ عُجْمَةٌ وإنْ كانَ مِنَ العَرَبِ، والأعْجَمِيُّ والعَجَمِيُّ الَّذِي أصْلُهُ مِنَ العَجَمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الأعْجَمُ الَّذِي لا يُفْصِحُ، سَواءٌ كانَ مِنَ العَرَبِ أوْ مِنَ العَجَمِ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: زِيادٌ الأعْجَمِ؛ لِأنَّهُ كانَتْ في لِسانِهِ عُجْمَةٌ مَعَ أنَّهُ كانَ عَرَبِيًّا، وأمّا مَعْنى العَرَبِيِّ واشْتِقاقِهِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٩٧] . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ في هَذِهِ الآيَةِ: يُقالُ عَرُبَ لِسانُهُ عَرابَةً وعُرُوبَةً. هَذا تَفْسِيرُ ألْفاظِ الآيَةِ. وأمّا تَقْرِيرُ وجْهِ الجَوابِ فاعْلَمْ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ إذا قُلْنا: القُرْآنُ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِما فِيهُ مِنَ الفَصاحَةِ العائِدَةِ إلى اللَّفْظِ وكَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ يَتَعَلَّمُ المَعانِيَ مِن ذَلِكَ الأعْجَمِيِّ، إلّا أنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِما في ألْفاظِهِ مِنَ الفَصاحَةِ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونُوا صادِقِينَ في أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَتَعَلَّمُ تِلْكَ المَعانِيَ مِن ذَلِكَ الرَّجُلِ إلّا أنَّهُ لا يَقْدَحُ ذَلِكَ في المَقْصُودِ؛ إذِ القُرْآنُ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِفَصاحَتِهِ، وما ذَكَرْتُمُوهُ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ المَقْصُودِ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الجَوابَ أرْدَفَهُ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ أمّا تَفْسِيرُ أصْحابِنا لِهَذِهِ الآيَةِ فَظاهِرٌ، وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في ذَلِكَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهم لَمّا تَرَكُوا الإيمانَ بِاللَّهِ - لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ، بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَهم كَذّابِينَ في ذَلِكَ القَوْلِ، فَقالَ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: المَقْصُودُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّ الَّذِي قالُوهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ لَمْ يَقْدَحْ في المَقْصُودِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي قالُوهُ لَمْ يَصِحَّ وهم كَذَبُوا فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في ذَلِكَ القَوْلِ - وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وهم كافِرُونَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانُوا أعْداءً لِلرَّسُولِ ﷺ، وكَلامُ العِدا ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ ولا شَهادَةَ لِمُتَّهَمٍ. والثّانِي: أنَّ أمْرَ التَّعَلُّمِ لا يَتَأتّى في جَلْسَةٍ واحِدَةٍ ولا يَتِمُّ في الخُفْيَةِ، بَلِ التَّعَلُّمُ إنَّما يَتِمُّ إذا اخْتَلَفَ المُعَلِّمُ إلى المُتَعَلِّمِ أزْمِنَةً مُتَطاوِلَةً ومُدَدًا مُتَباعِدَةً، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لاشْتُهِرَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أنَّمُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَتَعَلَّمُ العُلُومَ مِن فُلانٍ وفُلانٍ. الثّالِثُ: أنَّ العُلُومَ المَوْجُودَةَ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، وتَعَلُّمَها لا يَتَأتّى إلّا إذا كانَ المُعَلِّمُ في غايَةِ الفَضْلِ والتَّحْقِيقِ، فَلَوْ حَصَلَ فِيهِمْ إنْسانٌ بَلَغَ في التَّعْلِيمِ والتَّحْقِيقِ إلى هَذا الحَدِّ لَكانَ مُشارًا إلَيْهِ بِالأصابِعِ في التَّحْقِيقِ والتَّدْقِيقِ في الدُّنْيا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُ هَذِهِ العُلُومِ العالِيَةِ والمَباحِثِ النَّفِيسَةِ مِن عِنْدِ فُلانٍ وفُلانٍ ؟ واعْلَمْ أنَّ الطَّعْنَ في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ الرَّكِيكَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُجَّةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَتْ ظاهِرَةً باهِرَةً، فَإنَّ الخُصُومَ كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الطَّعْنِ فِيها، ولِأجْلِ غايَةِ عَجْزِهِمْ عَدَلُوا إلى هَذِهِ الكَلِماتِ الرَّكِيكَةِ. المسألة الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ وأفْحَشِ الفَواحِشِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ، والمَعْنى: أنَّ الكَذِبَ والفِرْيَةَ لا يَقْدُمُ عَلَيْهِما إلّا مَن كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِآياتِ اللَّهِ صفحة ٩٦ تَعالى، وإلّا مَن كانَ كافِرًا، وهَذا تَهْدِيدٌ في النِّهايَةِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ فِعْلٌ، وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ اسْمٌ، وعَطْفُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ قَبِيحٌ، فَما السَّبَبُ في حُصُولِهِ هَهُنا ؟ قُلْنا: الفِعْلُ قَدْ يَكُونُ لازِمًا وقَدْ يَكُونُ مُفارِقًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يُوسُفَ: ٣٥] . ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الفِعْلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ السِّجْنَ لا يَدُومُ. وقالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٩] . ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الِاسْمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى الدَّوامِ، وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] . ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ آدَمَ عاصٍ وغاوٍ؛ لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ لا تُفِيدُ الدَّوامَ، وصِيغَةُ الِاسْمِ تُفِيدُهُ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقْدِّمَةَ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أقْدَمَ عَلى الكَذِبِ فَكَأنَّهُ دَخَلَ في الكُفْرِ، ثم قال: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ صِفَةَ الكَذِبِ فِيهِمْ ثابِتَةٌ راسِخَةٌ دائِمَةٌ؛ وهَذا كَما تَقُولُ: كَذَبْتَ وأنْتَ كاذِبٌ، فَيَكُونُ قَوْلُكَ ”وأنْتَ كاذِبٌ“ زِيادَةً في الوَصْفِ بِالكَذِبِ، ومَعْناهُ: أنَّ عادَتَكَ أنْ تَكُونَ كاذِبًا. المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكاذِبَ المُفْتَرِيَ الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْكُفْرِ إلّا إنْكارُ الإلَهِيَّةِ ونُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، وهَذا الإنْكارُ مُشْتَمِلٌ عَلى الكَذِبِ والِافْتِراءِ. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: هَلْ يَكْذِبُ المُؤْمِنُ ؟ قالَ: ”لا“» ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النحل 16:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ تَهْدِيدَ الكافِرِينَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلًا في بَيانِ مَن يَكْفُرُ بِلِسانِهِ لا بِقَلْبِهِ، ومَن يَكْفُرُ بِلِسانِهِ وقَلْبِهِ مَعًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ صفحة ٩٧ والتَّقْدِيرُ: إنَّما يَفْتَرِي مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، واسْتَثْنى مِنهُمُ المُكْرَهَ، فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِ الِافْتِراءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. الثّانِي: يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو الكاذِبُونَ، والتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ. والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الذَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ؛ أعْنِي مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وهو أحْسَنُ الوُجُوهِ عِنْدِي وأبْعَدُها عَنِ التَّعَسُّفِ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ شَرْطًا مُبْتَدَأً، ويُحْذَفُ جَوابُهُ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلى جَوابِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، إلّا مَن أُكْرِهَ ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . * * * المسألة الثّانِيَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِالكُفْرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنّا رَوَيْنا أنَّ بِلالًا صَبَرَ عَلى ذَلِكَ العَذابِ، وكانَ يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ. رُوِيَ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ مَكَّةَ فُتِنُوا فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهِ، وكانَ فِيهِمْ مَن أُكْرِهَ فَأجْرى كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى لِسانِهِ، مَعَ أنَّهُ كانَ بِقَلْبِهِ مُصِرًّا عَلى الإيمانِ، مِنهم: عَمّارٌ، وأبَواهُ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وخَبّابٌ، وسالِمٌ، عُذِّبُوا، فَأمّا سُمَيَّةُ فَقِيلَ: رُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ ووُخِزَتْ في قُبُلِها بِحَرْبَةٍ وقالُوا: إنَّكِ أسْلَمْتِ مِن أجْلِ الرِّجالِ، وقُتِلَتْ، وقُتِلَ ياسِرٌ، وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ قُتِلا في الإسْلامِ، «وأمّا عَمّارٌ فَقَدْ أعْطاهم ما أرادُوا بِلِسانِهِ مُكْرَهًا، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عَمّارًا كَفَرَ، فَقالَ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مَلِيءٌ إيمانًا مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ، واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ، فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ ويَقُولُ: ”ما لَكَ ؟ إنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ“»، ومِنهم جَبْرٌ مَوْلى الحَضْرَمِيِّ أكْرَهَهُ سَيِّدُهُ فَكَفَرَ، ثُمَّ أسْلَمَ مَوْلاهُ وأسْلَمَ، وحَسُنَ إسْلامَهُما وهاجَرا. المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ﴾ لَيْسَ بِاسْتِثْناءٍ؛ لِأنَّ المُكْرَهَ لَيْسَ بِكافِرٍ فَلا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنَ الكافِرِ، لَكِنَّ المُكْرَهَ لَمّا ظَهَرَ مِنهُ بَعْدَ الإيمانِ ما مِثْلُهُ يَظْهَرُ مِنَ الكافِرِ طَوْعًا صَحَّ هَذا الِاسْتِثْناءُ لِهَذِهِ المُشاكَلَةِ. * * * المسألة الرّابِعَةُ: يَجِبُ هَهُنا بَيانُ الإكْراهِ الَّذِي عِنْدَهُ يَجُوزُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، وهو أنْ يُعَذِّبَهُ بِعَذابٍ لا طاقَةَ لَهُ بِهِ، مِثْلَ التَّخْوِيفِ بِالقَتْلِ، ومِثْلَ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ والإيلاماتِ القَوِيَّةِ. قالَ مُجاهِدٌ: أوَّلُ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وخَبّابٌ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وعَمّارٌ، وسُمَيَّةٌ. أمّا الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَمَنَعَهُ أبُو طالِبٍ، وأمّا أبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ قَوْمُهُ، وأُخِذَ الآخَرُونَ، وأُلْبِسُوا دُرُوعَ الحَدِيدِ، ثُمَّ أُجْلِسُوا في الشَّمْسِ فَبَلَغَ مِنهُمُ الجَهْدُ بِحَرِّ الحَدِيدِ والشَّمْسِ، وأتاهم أبُو جَهْلٍ يَشْتِمُهم ويُوَبِّخُهم ويَشْتِمُ سُمَيَّةَ، ثُمَّ طَعَنَ الحَرْبَةَ في فَرْجِها. وقالَ الآخَرُونَ: ما نالُوا مِنهم غَيْرَ بِلالٍ فَإنَّهم جَعَلُوا يُعَذِّبُونَهُ فَيَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ، حَتّى مَلُّوا فَكَتَّفُوهُ وجَعَلُوا في عُنُقِهِ حَبْلًا مِن لِيفٍ ودَفَعُوهُ إلى صِبْيانِهِمْ يَلْعَبُونِ بِهِ حَتّى مَلُّوهُ فَتَرَكُوهُ. قالَ عَمّارٌ: كُلُّنا تَكَلَّمَ بِالَّذِي أرادُوا غَيْرَ بِلالٍ، فَهانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَتَرَكُوهُ. قالَ خَبّابٌ: لَقَدْ أوْقَدُوا لِي نارًا ما أطْفَأها إلّا ودَكُ ظَهْرِي. * * * المسألة الخامِسَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ عِنْدَ ذِكْرِ كَلِمَةِ الكُفْرِ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُبَرِّئَ قَلْبَهُ مِنَ الرِّضا بِهِ وأنْ يَقْتَصِرَ عَلى التَّعْرِيضاتِ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إنَّ مُحَمَّدًا كَذّابٌ، ويَعْنِي عِنْدَ الكُفّارِ، أوْ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا آخَرَ، أوْ يَذْكُرُهُ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَهُنا بَحْثانِ: البحث الأوَّلُ: أنَّهُ إذا أعْجَلَهُ مَن أكْرَهَهُ عَنْ إحْضارِ هَذِهِ النِّيَّةِ أوْ لِأنَّهُ لَمّا عَظُمَ خَوْفُهُ زالَ عَنْ قَلْبِهِ ذِكْرُ صفحة ٩٨ هَذِهِ النِّيَّةِ كانَ مَلُومًا، وعَفْوُ اللَّهِ مُتَوَقَّعٌ. البحث الثّانِي: لَوْ ضَيَّقَ المُكْرِهُ الأمْرَ عَلَيْهِ، وشَرَحَ لَهُ كُلَّ أقْسامِ التَّعْرِيضاتِ، وطَلَبَ مِنهُ أنْ يُصَرِّحَ بِأنَّهُ ما أرادَ شَيْئًا مِنها، وما أرادَ إلّا ذَلِكَ المَعْنى، فَهَهُنا يَتَعَيَّنُ إمّا التِزامُ الكَذِبِ، وإمّا تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ. فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: يُباحُ لَهُ الكَذِبُ هُنا، ومِنهم مَن يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وهو الَّذِي اخْتارَهُ القاضِي. قالَ: لِأنَّ الكَذِبَ إنَّما يَقْبُحُ لِكَوْنِهِ كَذِبًا، فَوَجَبَ أنْ يَقْبُحَ عَلى كُلِّ حالٍ، ولَوْ جازَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ القَبِيحِ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ لَمْ يَمْنَعْ أنْ يَفْعَلَ اللَّهُ الكَذِبَ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ، وحِينَئِذٍ لا يَفِي وُثُوقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى ولا بِوَعِيدِهِ؛ لِاحْتِمالِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ الكَذِبَ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ الَّتِي لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ تَعالى. * * * المسألة السّادِسَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنّا رُوِّينا أنَّ بِلالًا صَبَرَ عَلى ذَلِكَ العَذابِ، وكانَ يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِئْسَ ما صَنَعْتَ، بَلْ عَظَّمَهُ عَلَيْهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ. وثانِيها: ما رُوِيَ «أنَّ مُسَيْلَمَةَ الكَذّابَ أخَذَ رَجُلَيْنِ، فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: أنْتَ أيْضًا، فَخَلّاهُ، وقالَ لِلَآخَرَ: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: أنا أصَمُّ، فَأعادَ عَلَيْهِ ثَلاثًا، فَأعادَ جَوابَهُ، فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ”أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ، فَهَنِيئًا لَهُ» “ . وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذا الخَبَرِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ سَمّى التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ رُخْصَةً. والثّانِي: أنَّهُ عَظَّمَ حالَ مَن أمْسَكَ عَنْهُ حَتّى قُتِلَ. وثالِثُها: أنَّ بَذْلَ النَّفْسِ في تَقْرِيرِ الحَقِّ أشَقُّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ ثَوابًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«أفْضَلُ العِباداتِ أحْمَزُها» “ أيْ: أشَقُّها. ورابِعُها: أنَّ الَّذِي أمْسَكَ عَنْ كَلِمَةِ الكُفْرِ طَهَّرَ قَلْبَهُ ولِسانَهُ عَنِ الكُفْرِ. أمّا الَّذِي تَلَفَّظَ بِها فَهَبْ أنَّ قَلْبَهُ طاهِرٌ عَنْهُ إلّا أنَّ لِسانَهُ في الظّاهِرِ قَدْ تَلَطَّخَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حالُ الأوَّلِ أفْضَلَ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المسألة السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ لِلْإكْراهِ مَراتِبَ. المَرْتَبَةُ الأُولى: أنْ يَجِبَ الفِعْلُ المُكْرَهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ما إذا أكْرَهَهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ، وأكْلِ الخِنْزِيرِ، وأكْلِ المَيْتَةِ فَإذا أكْرَهَهُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَهَهُنا يَجِبُ الأكْلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ صَوْنَ الرُّوحِ عَنِ الفَواتِ واجِبٌ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ في هَذِهِ الصُّورَةِ إلّا بِهَذا الأكْلِ، ولَيْسَ في هَذا الأكْلِ ضَرَرٌ عَلى حَيَوانٍ ولا فِيهِ إهانَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٥] . . المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ الفِعْلُ مُباحًا ولا يَصِيرَ واجِبًا، ومِثالُهُ ما إذا أكْرَهَهُ عَلى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ فَهَهُنا يُباحُ لَهُ ولَكِنَّهُ لا يَجِبُ كَما قَرَّرْناهُ. المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: أنْ لا يَجِبَ ولا يُباحَ بَلْ يَحْرُمُ، وهَذا مِثْلُ ما إذا أكْرَهَهُ إنْسانٌ عَلى قَتْلِ إنْسانٍ آخَرَ، أوْ عَلى قَطْعِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ، فَهَهُنا يَبْقى الفِعْلُ عَلى الحُرْمَةِ الأصْلِيَّةِ، وهَلْ يَسْقُطُ القَصاصُ عَنِ المُكْرَهِ أمْ لا ؟ قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أحَدِ قَوْلَيْهِ: يَجِبُ القَصاصُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا عُدْوانًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ القَصاصُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] . والثّانِي: أجْمَعْنا عَلى أنَّ المُكْرَهَ إذا قَصَدَ قَتْلَهُ فَإنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ ولَوْ بِالقَتْلِ، فَلَمّا كانَ تَوَهُّمُ إقْدامِهِ عَلى القَتْلِ يُوجِبُ إهْدارَ دَمِهِ، فَلَأنْ يَكُونَ عِنْدَ صُدُورِ القَتْلِ مِنهُ حَقِيقَةً يَصِيرُ دَمُهُ مُهْدَرًا كانَ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ. صفحة ٩٩ * * * المسألة الثّامِنَةُ: مِنَ الأفْعالِ ما يَقْبَلُ الإكْراهَ عَلَيْهِ كالقَتْلِ والتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، ومِنهُ ما لا يَقْبَلُ الإكْراهَ عَلَيْهِ، قِيلَ: وهو الزِّنا؛ لِأنَّ الإكْراهَ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ انْتِشارِ الآلَةِ، فَحَيْثُ دَخَلَ الزِّنا في الوُجُودِ عُلِمَ أنَّهُ وقَعَ بِالِاخْتِيارِ لا عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ. * * * المسألة التّاسِعَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: طَلاقُ المُكْرَهِ لا يَقَعُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَقَعُ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْيَ ذاتِهِ؛ لِأنَّ ذاتَهُ مَوْجُودَةٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى نَفْيِ آثارِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ ولا عِبْرَةَ بِهِ، وأيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» “ وأيْضًا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«لا طَلاقَ في إغْلاقٍ» “ أيْ إكْراهٍ، فَإنْ قالُوا: طَلَّقَها، فَتَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٠] . فالجَوابُ لَمّا تَعارَضَتِ الدَّلائِلُ، وجَبَ أنْ يَبْقى ما كانَ عَلى ما كانَ؛ عَلى ما هو قَوْلُنا، واللَّهُ أعْلَمُ. المسألة العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّ الإيمانِ هو القَلْبُ، والَّذِي مَحَلُّهُ القَلْبُ إمّا الِاعْتِقادُ، وإمّا كَلامُ النَّفْسِ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ عِبارَةً؛ إمّا عَنِ المَعْرِفَةِ، وإمّا عَنِ التَّصْدِيقِ بِكَلامِ النَّفْسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثم قال تَعالى: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيْ: فَتَحَهُ ووَسَّعَهُ لِقَبُولِ الكُفْرِ، وانْتُصِبَ ”صَدْرًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِـ ”شَرَحَ“، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرَهُ، وحَذَفَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّهُ لا يُشْكِلُ بِصَدْرِ غَيْرِهِ، إذِ البَشَرُ لا يَقْدِرُ عَلى شَرْحِ صَدْرِ غَيْرِهِ، فَهو نَكِرَةٌ يُرادُ بِها المَعْرِفَةُ. ثم قال: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ، ثُمَّ وصَفَ ذَلِكَ العَذابَ، فَقالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . * * * ثم قال تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ أيْ: رَجَّحُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الِارْتِدادَ وذَلِكَ الإقْدامَ عَلى الكُفْرِ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى ما هَداهم إلى الإيمانِ، وما عَصَمَهم عَنِ الكُفْرِ. قالَ القاضِي: المُرادُ أنَّ اللَّهَ لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ عِلَّةً وسَبَبًا مُوجِبًا لِإقْدامِهِمْ عَلى ذَلِكَ الِارْتِدادِ، وعَدَمُ الهِدايَةِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ لَيْسَ سَبَبًا لِذَلِكَ الِارْتِدادِ، ولا عِلَّةً لَهُ، بَلْ مُسَبَّبًا عَنْهُ ومَعْلُولًا لَهُ، فَبَطَلَ هَذا التَّأْوِيلُ، ثُمَّ أكَّدَ بَيانَ أنَّهُ تَعالى صَرَفَهم عَنِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ قالَ القاضِي: الطَّبْعُ لَيْسَ يَمْنَعُ مِنَ الإيمانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم، ولَوْ كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الإيمانِ بِهِ لَما اسَّتَحَقُّوا الذَّمَّ بِتَرْكِهِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أشْرَكَ بَيْنَ السَّمْعِ والبَصَرِ وبَيْنَ القَلْبِ في هَذا الطَّبْعِ، ومَعْلُومٌ مِن حالِ السَّمْعِ والبَصَرِ أنَّ مَعَ فَقْدِهِما قَدْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا فَضْلًا عَنْ طَبْعٍ يَلْحَقُهُما في القَلْبِ. والثّالِثُ: وصَفَهم بِالغَفْلَةِ. ومَن مُنِعَ مِنَ الشَّيْءِ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ غافِلٌ عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِهَذا الطَّبْعِ السِّمَةُ والعَلامَةُ الَّتِي يَخْلُقُها في القَلْبِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ مَعْنى الطَّبْعِ والخَتْمِ. وأقُولُ: هَذِهِ الكَلِماتُ مَعَ التَّقْرِيراتِ الكَثِيرَةِ، ومَعَ الجَواباتِ القَوِيَّةِ - مَذْكُورَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سائِرِ الآياتِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ. صفحة ١٠٠ ثم قال تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ عَمّا يُرادُ بِهِمْ في الآخِرَةِ. ثم قال: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ المُوجِبَ لِهَذا الخُسْرانِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ بِصِفاتٍ سِتَّةٍ: الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا غَضَبَ اللَّهِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ الألِيمَ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُمُ ﴿اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ . والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى حَرَمَهم مِنَ الهِدايَةِ. والصِّفَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ. والصِّفَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ جَعَلَهم مِنَ الغافِلِينَ عَمّا يُرادُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ لا يَسْعَوْنَ في دَفْعِها، فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ في حَقِّهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ السِّتَّةُ الَّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن أعْظَمِ الأحْوالِ المانِعَةِ عَنِ الفَوْزِ بِالخَيْراتِ والسَّعاداتِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى إنَّما أدْخَلَ الإنْسانَ الدُّنْيا؛ لِيَكُونَ كالتّاجِرِ الَّذِي يَشْتَرِي بِطاعاتِهِ سَعاداتِ الآخِرَةِ، فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ المَوانِعُ العَظِيمَةُ عَظُمَ خُسْرانُهُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ: هُمُ الخاسِرُونَ لا غَيْرُهم، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ خُسْرانِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.