Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الكهف 18:66 – مريم 19:23

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الكهف 18:66
  2. الكهف 18:67
  3. الكهف 18:68
  4. الكهف 18:69
  5. الكهف 18:70
  6. الكهف 18:71
  7. الكهف 18:72
  8. الكهف 18:73
  9. الكهف 18:74
  10. الكهف 18:75
  11. الكهف 18:76
  12. الكهف 18:77
  13. الكهف 18:78
  14. الكهف 18:79
  15. الكهف 18:80
  16. الكهف 18:81
  17. الكهف 18:82
  18. الكهف 18:83
  19. الكهف 18:84
  20. الكهف 18:85
  21. الكهف 18:86
  22. الكهف 18:87
  23. الكهف 18:88
  24. الكهف 18:89
  25. الكهف 18:90
  26. الكهف 18:91
  27. الكهف 18:92
  28. الكهف 18:93
  29. الكهف 18:94
  30. الكهف 18:95
  31. الكهف 18:96
  32. الكهف 18:97
  33. الكهف 18:98
  34. الكهف 18:99
  35. الكهف 18:100
  36. الكهف 18:101
  37. الكهف 18:102
  38. الكهف 18:103
  39. الكهف 18:104
  40. الكهف 18:105
  41. الكهف 18:106
  42. الكهف 18:107
  43. الكهف 18:108
  44. الكهف 18:109
  45. الكهف 18:110
  46. مريم 19:1
  47. مريم 19:2
  48. مريم 19:3
  49. مريم 19:4
  50. مريم 19:5
  51. مريم 19:6
  52. مريم 19:7
  53. مريم 19:8
  54. مريم 19:9
  55. مريم 19:10
  56. مريم 19:11
  57. مريم 19:12
  58. مريم 19:13
  59. مريم 19:14
  60. مريم 19:15
  61. مريم 19:16
  62. مريم 19:17
  63. مريم 19:18
  64. مريم 19:19
  65. مريم 19:20
  66. مريم 19:21
  67. مريم 19:22
  68. مريم 19:23

الكهف 18:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ فِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ ذَلِكَ العَبْدَ كانَ نَبِيًّا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ﴾ والرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٢) وقَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ (القَصَصِ: ٨٦) والمُرادُ مِن هَذِهِ الرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نُسَلِّمُ أنَّ النُّبُوَّةَ رَحْمَةٌ، أمّا لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ رَحْمَةٍ نُبُوَّةً. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى عَلَّمَهُ لا بِواسِطَةِ تَعْلِيمِ مُعَلِّمٍ، ولا إرْشادِ مُرْشِدٍ، وكُلُّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ لا بِواسِطَةِ البَشَرِ وجَبَ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا يَعْلَمُ الأُمُورَ بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ تَحْصُلُ ابْتِداءً مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ والنَّبِيُّ لا يَتَّبِعُ غَيْرَ النَّبِيِّ في التَّعْلِيمِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ لا يَتَّبِعُ غَيْرَ النَّبِيِّ في العُلُومِ الَّتِي بِاعْتِبارِها صارَ نَبِيًّا، أمّا في غَيْرِ تِلْكَ العُلُومِ فَلا. صفحة ١٢٧ الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ ذَلِكَ العَبْدَ أظْهَرَ التَّرَفُّعَ عَلى مُوسى حَيْثُ قالَ لَهُ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ وأمّا مُوسى فَإنَّهُ أظْهَرَ التَّواضُعَ لَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العالِمَ كانَ فَوْقَ مُوسى، ومَن لا يَكُونُ نَبِيًّا لا يَكُونُ فَوْقَ النَّبِيِّ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرُ النَّبِيِّ فَوْقَ النَّبِيِّ في عُلُومٍ لا تَتَوَقَّفُ نُبُوَّتُهُ عَلَيْها، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَإنْ قالُوا: لِأنَّهُ يُوجِبُ التَّنْفِيرَ. قُلْنا: فَإرْسالُ مُوسى إلى التَّعَلُّمِ مِنهُ بَعْدَ إنْزالِ اللَّهِ عَلَيْهِ التَّوْراةَ وتَكْلِيمِهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ يُوجِبُ التَّنْفِيرَ، فَإنْ قالُوا: إنَّ هَذا لا يُوجِبُ التَّنْفِيرَ، فَكَذا القَوْلُ فِيما ذَكَرُوهُ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ الأصَمُّ عَلى نُبُوَّتِهِ بِقَوْلِهِ في أثْناءِ القِصَّةِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ ومَعْناهُ: فَعَلْتُهُ بِوَحْيِ اللَّهِ، وهو يَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ، وهَذا أيْضًا دَلِيلٌ ضَعِيفٌ، وضَعْفُهُ ظاهِرٌ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: ما رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا وصَلَ إلَيْهِ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ يا نَبِيَّ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن عَرَّفَكَ هَذا ؟ قالَ: الَّذِي بَعَثَكَ إلَيَّ، قالُوا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما عَرَفَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، والوَحْيُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ النُّبُوَّةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الكَراماتِ والإلْهاماتِ ؟ . البَحْثُ الثّانِي: قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ ذَلِكَ العَبْدَ هو الخَضِرُ، وقالُوا: إنَّما سُمِّيَ بِالخَضِرِ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَقِفُ مَوْقِفًا إلّا اخْضَرَّ ذَلِكَ المَوْضِعُ، قالَ الجُبّائِيُّ: قَدْ ظَهَرَتِ الرِّوايَةُ أنَّ الخَضِرَ إنَّما بُعِثَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّ صَحَّ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ هَذا العَبْدُ هو الخَضِرُ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هَذا العَبْدُ هو الخَضِرُ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الخَضِرُ أعْلى شَأْنًا مِن مُوسى صاحِبِ التَّوْراةِ؛ لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ الألْفاظَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ يَتَرَفَّعُ عَلى مُوسى، وكانَ مُوسى يُظْهِرُ التَّواضُعَ لَهُ إلّا أنَّ كَوْنَ الخَضِرِ أعْلى شَأْنًا مِن مُوسى غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الخَضِرَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ ما كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَقَدْ كانَ مِن أُمَّةِ مُوسى لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ (الشُّعَراءِ: ١٧) والأُمَّةُ لا تَكُونُ أعْلى حالًا مِنَ النَّبِيِّ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِن مُوسى لِقَوْلِهِ تَعالى لِبَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٤٧) وهَذِهِ الكَلِماتُ تُقَوِّي قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ مُوسى هَذا غَيْرُ مُوسى صاحِبِ التَّوْراةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ العُلُومَ حَصَلَتْ عِنْدَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، والصُّوفِيَّةُ سَمَّوُا العُلُومَ الحاصِلَةَ بِطَرِيقِ المُكاشَفاتِ العُلُومَ اللَّدُنِّيَّةَ، ولِلشَّيْخِ أبِي حامِدٍ الغَزالِيِّ رِسالَةٌ في إثْباتِ العُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ، وأقُولُ: تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: إذا أدْرَكْنا أمْرًا مِنَ الأُمُورِ وتَصَوَّرْنا حَقِيقَةً مِنَ الحَقائِقِ، فَإمّا أنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ وهو التَّصْدِيقُ أوْ لا نَحْكُمَ وهو التَّصَوُّرُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ نَظَرِيًّا حاصِلًا مِن غَيْرِ كَسْبٍ وطَلَبٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَسْبِيًّا، أمّا العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ فَهي تَحْصُلُ في النَّفْسِ والعَقْلِ مِن غَيْرِ كَسْبٍ وطَلَبٍ، مِثْلُ تَصَوُّرِنا الألَمَ واللَّذَّةَ، والوُجُودَ والعَدَمَ، ومِثْلُ تَصْدِيقِنا بِأنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ ولا يَرْتَفِعانِ، وأنَّ الواحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ. وأمّا العُلُومُ الكَسْبِيَّةُ فَهي الَّتِي لا تَكُونُ حاصِلَةً في جَوْهَرِ النَّفْسِ ابْتِداءً، بَلْ لا بُدَّ مِن طَرِيقٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اكْتِسابِ تِلْكَ العُلُومِ، وهَذا الطَّرِيقُ صفحة ١٢٨ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَتَكَلَّفَ الإنْسانُ تَرَكُّبَ تِلْكَ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ حَتّى يَتَوَصَّلَ بِتَرَكُّبِها إلى اسْتِعْلامِ المَجْهُولاتِ، وهَذا الطَّرِيقُ هو المُسَمّى بِالنَّظَرِ والتَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ والتَّرَوِّي والِاسْتِدْلالِ، وهَذا النَّوْعُ مِن تَحْصِيلِ العُلُومِ هو الطَّرِيقُ الَّذِي لا يَتِمُّ إلّا بِالجُهْدِ والطَّلَبِ. والنَّوْعُ الثّانِي: أنْ يَسْعى الإنْسانُ بِواسِطَةِ الرِّياضاتِ والمُجاهَداتِ في أنْ تَصِيرَ القُوى الحِسِّيَّةُ والخَيالِيَّةُ ضَعِيفَةً، فَإذا ضَعُفَتْ قَوِيَتِ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ، وأشْرَقَتِ الأنْوارُ الإلَهِيَّةُ في جَوْهَرِ العَقْلِ، وحَصَلَتِ المَعارِفُ وكَمُلَتِ العُلُومُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ سَعْيٍ وطَلَبٍ في التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ، وهَذا هو المُسَمّى بِالعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: جَواهِرُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ فَقَدْ تَكُونُ النَّفْسُ نَفْسًا مُشْرِقَةً نُورانِيَّةً إلَهِيَّةً عُلْوِيَّةً قَلِيلَةَ التَّعَلُّقِ بِالجَواذِبِ البَدَنِيَّةِ والنَّوازِعِ الجُسْمانِيَّةِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ أبَدًا شَدِيدَةَ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ الجَلايا القُدُسِيَّةِ والأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، فَلا جَرَمَ فاضَتْ عَلَيْها مِن عالَمِ الغَيْبِ تِلْكَ الأنْوارُ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ، وهَذا هو المُرادُ بِالعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وأمّا النَّفْسُ الَّتِي ما بَلَغَتْ في صَفاءِ الجَوْهَرِ وإشْراقِ العُنْصُرِ فَهي النَّفْسُ النّاقِصَةُ البَلِيدَةُ الَّتِي لا يُمْكِنُها تَحْصِيلُ المَعارِفِ والعُلُومِ إلّا بِمُتَوَسِّطٍ بَشَرِيٍّ يُحْتالُ في تَعْلِيمِهِ وتَعَلُّمِهِ، والقِسْمُ الأوَّلُ بِالنِّسْبَةِ إلى القِسْمِ الثّانِي كالشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأضْواءِ الجُزْئِيَّةِ، وكالبَحْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَداوِلِ الجُزْئِيَّةِ، وكالرُّوحِ الأعْظَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْواحِ الجُزْئِيَّةِ، فَهَذا تَنْبِيهٌ قَلِيلٌ عَلى هَذا المَأْخَذِ، ووَراءَهُ أسْرارٌ لا يُمْكِنُ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (رَشَدًا) بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- بِضَمِّ الرّاءِ والشِّينِ، والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ وتَسْكِينِ الشِّينِ، قالَ القَفّالُ: وهي لُغاتٌ في مَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: رُشْدٌ ورَشَدٌ مِثْلَ: نُكْرٌ ونَكْرٌ، كَما يُقالُ: سُقْمٌ وسَقَمٌ، وشُغْلٌ وشَغْلٌ، وبُخْلٌ وبَخَلٌ، وعُدْمٌ وعَدَمٌ، وقَوْلُهُ: ﴿رُشْدًا﴾ أيْ عِلْمًا ذا رُشْدٍ، قالَ القَفّالُ: قَوْلُهُ: ﴿رُشْدًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الرُّشْدُ راجِعًا إلى الخَضِرِ أيْ مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وأرْشَدَكَ بِهِ. والثّانِي: أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلى مُوسى، ويَكُونُ المَعْنى عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي وتُرْشِدَنِي مِمّا عُلِّمْتَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ راعى أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الأدَبِ واللُّطْفِ عِنْدَما أرادَ أنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ الخَضِرِ: فَأحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ تَبَعًا لَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ . وثانِيها: أنَّهُ اسْتَأْذَنَ في إثْباتِ هَذِهِ التَّبَعِيَّةِ، فَإنَّهُ قالَ: هَلْ تَأْذَنُ لِي أنْ أجْعَلَ نَفْسِي تَبَعًا لَكَ، وهَذِهُ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في التَّواضُعِ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ وهَذا إقْرارٌ لَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَلى أُسْتاذِهِ بِالعِلْمِ. ورابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ﴾ وصِيغَةُ مِن لِلتَّبْعِيضِ فَطَلَبَ مِنهُ تَعْلِيمَ بَعْضِ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، وهَذا أيْضًا مُشْعِرٌ بِالتَّواضُعِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: لا أطْلُبُ مِنكَ أنْ تَجْعَلَنِي مُساوِيًا في العِلْمِ لَكَ، بَلْ أطْلُبُ مِنكَ أنْ تُعْطِيَنِي جُزْأً مِن أجْزاءِ عِلْمِكَ، كَما يَطْلُبُ الفَقِيرُ مِنَ الغَنِيِّ أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ جُزْأً مِن أجْزاءِ مالِهِ. وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ﴾ اعْتِرافٌ بِأنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ ذَلِكَ العِلْمَ. وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رُشْدًا﴾ طَلَبٌ مِنهُ لِلْإرْشادِ والهِدايَةِ، والإرْشادُ هو الأمْرُ الَّذِي لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَحَصَلَتِ الغَوايَةُ والضَّلالُ. وسابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ أنْ يُعامِلَهُ بِمِثْلِ ما عامَلَهُ اللَّهُ بِهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ يَكُونُ إنْعامُكَ عَلَيَّ عِنْدَ هَذا التَّعْلِيمِ شَبِيهًا بِإنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ في هَذا صفحة ١٢٩ التَّعْلِيمِ ولِهَذا مِ ولِهَذا المَعْنى قِيلَ: أنا عَبْدُ مَن تَعَلَّمْتُ مِنهُ حَرْفًا. وثامِنُها: أنَّ المُتابَعَةَ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ لِأجْلِ كَوْنِهِ فِعْلًا لِذَلِكَ الغَيْرِ، فَإنّا إذا قُلْنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فاليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَنا كانُوا يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ؛ فَلا يَجِبُ كَوْنُنا مُتَّبِعِينَ لَهم في ذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ؛ لِأنّا لا نَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوها، بَلْ إنَّما نَقُولُها لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ ذِكْرُها، أمّا إذا أتَيْنا بِهَذِهِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلى مُوافَقَةِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّما أتَيْنا بِها لِأجْلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِها لا جَرَمَ كُنّا مُتابِعِينَ في فِعْلِ هَذِهِ الصَّلَواتِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَأْتِي بِمِثْلِ أفْعالِ ذَلِكَ الأُسْتاذِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِ ذَلِكَ الأُسْتاذِ آتِيًا بِها. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَعَلِّمَ يَجِبُ عَلَيْهِ في أوَّلِ الأمْرِ التَّسْلِيمُ وتَرْكُ المُنازَعَةِ والِاعْتِراضِ. وتاسِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أتَّبِعُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ مُتابَعَتِهِ مُطْلَقًا في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ. وعاشِرُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ أنَّ الخَضِرَ عَرَفَ أوَّلًا أنَّهُ نَبِيُّ بَنِي إسْرائِيلَ وأنَّهُ هو مُوسى صاحِبُ التَّوْراةِ وهو الرَّجُلُ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وخَصَّهُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الباهِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ هَذِهِ المَناصِبِ الرَّفِيعَةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ أتى بِهَذِهِ الأنْواعِ الكَثِيرَةِ مِنَ التَّواضُعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ آتِيًا في طَلَبِ العِلْمِ بِأعْظَمِ أنْواعِ المُبالَغَةِ، وهَذا هو اللّائِقُ بِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَتْ إحاطَتُهُ بِالعُلُومِ أكْثَرَ كانَ عِلْمُهُ بِما فِيها مِنَ البَهْجَةِ والسَّعادَةِ أكْثَرَ؛ فَكانَ طَلَبُهُ لَها أشَدَّ، وكانَ تَعْظِيمُهُ لِأرْبابِ العِلْمِ أكْمَلَ وأشَدَّ. والحادِي عَشَرَ: أنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ فَأثْبَتَ كَوْنَهُ تَبَعًا لَهُ أوَّلًا ثُمَّ طَلَبَ ثانِيًا أنْ يُعَلِّمَهُ، وهَذا مِنهُ ابْتِداءٌ بِالخِدْمَةِ ثُمَّ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ طَلَبَ مِنهُ التَّعْلِيمَ. والثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ فَلَمْ يَطْلُبْ عَلى تِلْكَ المُتابَعَةِ عَلى التَّعْلِيمِ شَيْئًا كَأنَّهُ قالَ: لا أطْلُبُ مِنكَ عَلى هَذِهِ المُتابَعَةِ المالَ والجاهَ ولا غَرَضَ لِي إلّا طَلَبُ العِلْمِ.

الكهف 18:67

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الخَضِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُتَعَلِّمَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُتَعَلِّمٌ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ، ولَمْ يُمارِسِ القِيلَ والقالَ، ولَمْ يَتَعَوَّدِ التَّقْرِيرَ والِاعْتِراضَ، ومُتَعَلِّمٌ حَصَّلَ العُلُومَ الكَثِيرَةَ ومارَسَ الِاسْتِدْلالَ والِاعْتِراضَ. ثُمَّ إنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُخالِطَ إنْسانًا أكْمَلَ مِنهُ لِيَبْلُغَ دَرَجَةَ التَّمامِ والكَمالِ؛ والتَّعَلُّمُ في هَذا القِسْمِ الثّانِي شاقٌّ شَدِيدٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا رَأى شَيْئًا أوْ سَمِعَ كَلامًا؛ فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مُنْكَرًا إلّا أنَّهُ كانَ في الحَقِيقَةِ حَقًّا صَوابًا. فَهَذا المُتَعَلِّمُ لِأجْلِ أنَّهُ ألِفَ القِيلَ والقالَ، وتَعَوَّدَ الكَلامَ والجِدالَ؛ يَغْتَرُّ ظاهِرُهُ، ولِأجْلِ عَدَمِ كَمالِهِ؛ لا يَقِفُ عَلى سِرِّهِ وحَقِيقَتِهِ، وحِينَئِذٍ يُقْدِمُ عَلى النِّزاعِ والِاعْتِراضِ والمُجادَلَةِ، وذَلِكَ مِمّا يَثْقُلُ سَماعُهُ عَلى الأُسْتاذِ الكامِلِ المُتَبَحِّرِ. فَإذا اتَّفَقَ مِثْلُ هَذِهِ الواقِعَةِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَةً؛ حَصَلَتِ النَّفْرَةُ التّامَّةُ والكَراهَةُ الشَّدِيدَةُ، وهَذا هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الخَضِرُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ ألِفَ الكَلامَ وتَعَوَّدَ الإثْباتَ والإبْطالَ والِاسْتِدْلالَ والِاعْتِراضَ، وقَوْلِهِ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِ غَيْرَ عالِمٍ بِحَقائِقِ الأشْياءِ كَما هي، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ مَتى حَصَلَ الأمْرانِ صَعُبَ السُّكُوتُ وعَسُرَ التَّعْلِيمُ وانْتَهى الأمْرُ بِالآخِرَةِ إلى النَّفْرَةِ والكَراهِيَةِ وحُصُولِ التَّقاطُعِ والتَّنافُرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ لا تَحْصُلُ قَبْلَ صفحة ١٣٠ الفِعْلِ. قالُوا: لَوْ كانَتِ الِاسْتِطاعَةُ عَلى الفِعْلِ حاصِلَةً قَبْلَ حُصُولِ الفِعْلِ؛ لَكانَتِ الِاسْتِطاعَةُ عَلى الصَّبْرِ حاصِلَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ حُصُولِ الصَّبْرِ؛ فَيَلْزَمُ أنْ يَصِيرَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كَذِبًا، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الِاسْتِطاعَةَ لا تُوجَدُ قَبْلَ الفِعْلِ؛ أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ أنَّ المُرادَ مِن هَذا القَوْلِ؛ أنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ لا أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُهُ، يُقالُ في العُرْفِ: إنَّ فُلانًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَرى فَلانًا و(لا) أنْ يُجالِسَهُ إذا كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أيْ كانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الِاسْتِماعُ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وإنَّهُ لا يَجُوزُ. وأقُولُ: مِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الِاسْتِدْلالَ الَّذِي ذَكَرَهُ الأصْحابُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ اسْتَبْعَدَ حُصُولَ الصَّبْرِ عَلى ما لَمْ يَقِفِ الإنْسانُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولَوْ كانَتِ الِاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ لَكانَتِ القُدْرَةُ عَلى العِلْمِ حاصِلَةً قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ العِلْمِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ حُصُولُ الصَّبْرِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ العِلْمِ مُسْتَبْعَدًا؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى الفِعْلِ لا يَبْعُدُ مِنهُ إقْدامُهُ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، ولَمّا حَكَمَ اللَّهُ بِاسْتِبْعادِهِ عَلِمْنا أنَّ الِاسْتِطاعَةَ لا تَحْصُلُ قَبْلَ الفِعْلِ.

الكهف 18:68

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الخَضِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُتَعَلِّمَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُتَعَلِّمٌ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ، ولَمْ يُمارِسِ القِيلَ والقالَ، ولَمْ يَتَعَوَّدِ التَّقْرِيرَ والِاعْتِراضَ، ومُتَعَلِّمٌ حَصَّلَ العُلُومَ الكَثِيرَةَ ومارَسَ الِاسْتِدْلالَ والِاعْتِراضَ. ثُمَّ إنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُخالِطَ إنْسانًا أكْمَلَ مِنهُ لِيَبْلُغَ دَرَجَةَ التَّمامِ والكَمالِ؛ والتَّعَلُّمُ في هَذا القِسْمِ الثّانِي شاقٌّ شَدِيدٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا رَأى شَيْئًا أوْ سَمِعَ كَلامًا؛ فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مُنْكَرًا إلّا أنَّهُ كانَ في الحَقِيقَةِ حَقًّا صَوابًا. فَهَذا المُتَعَلِّمُ لِأجْلِ أنَّهُ ألِفَ القِيلَ والقالَ، وتَعَوَّدَ الكَلامَ والجِدالَ؛ يَغْتَرُّ ظاهِرُهُ، ولِأجْلِ عَدَمِ كَمالِهِ؛ لا يَقِفُ عَلى سِرِّهِ وحَقِيقَتِهِ، وحِينَئِذٍ يُقْدِمُ عَلى النِّزاعِ والِاعْتِراضِ والمُجادَلَةِ، وذَلِكَ مِمّا يَثْقُلُ سَماعُهُ عَلى الأُسْتاذِ الكامِلِ المُتَبَحِّرِ. فَإذا اتَّفَقَ مِثْلُ هَذِهِ الواقِعَةِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَةً؛ حَصَلَتِ النَّفْرَةُ التّامَّةُ والكَراهَةُ الشَّدِيدَةُ، وهَذا هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الخَضِرُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ ألِفَ الكَلامَ وتَعَوَّدَ الإثْباتَ والإبْطالَ والِاسْتِدْلالَ والِاعْتِراضَ، وقَوْلِهِ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِ غَيْرَ عالِمٍ بِحَقائِقِ الأشْياءِ كَما هي، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ مَتى حَصَلَ الأمْرانِ صَعُبَ السُّكُوتُ وعَسُرَ التَّعْلِيمُ وانْتَهى الأمْرُ بِالآخِرَةِ إلى النَّفْرَةِ والكَراهِيَةِ وحُصُولِ التَّقاطُعِ والتَّنافُرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ لا تَحْصُلُ قَبْلَ صفحة ١٣٠ الفِعْلِ. قالُوا: لَوْ كانَتِ الِاسْتِطاعَةُ عَلى الفِعْلِ حاصِلَةً قَبْلَ حُصُولِ الفِعْلِ؛ لَكانَتِ الِاسْتِطاعَةُ عَلى الصَّبْرِ حاصِلَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ حُصُولِ الصَّبْرِ؛ فَيَلْزَمُ أنْ يَصِيرَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كَذِبًا، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الِاسْتِطاعَةَ لا تُوجَدُ قَبْلَ الفِعْلِ؛ أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ أنَّ المُرادَ مِن هَذا القَوْلِ؛ أنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ لا أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُهُ، يُقالُ في العُرْفِ: إنَّ فُلانًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَرى فَلانًا و(لا) أنْ يُجالِسَهُ إذا كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أيْ كانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الِاسْتِماعُ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وإنَّهُ لا يَجُوزُ. وأقُولُ: مِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الِاسْتِدْلالَ الَّذِي ذَكَرَهُ الأصْحابُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ اسْتَبْعَدَ حُصُولَ الصَّبْرِ عَلى ما لَمْ يَقِفِ الإنْسانُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولَوْ كانَتِ الِاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ لَكانَتِ القُدْرَةُ عَلى العِلْمِ حاصِلَةً قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ العِلْمِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ حُصُولُ الصَّبْرِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ العِلْمِ مُسْتَبْعَدًا؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى الفِعْلِ لا يَبْعُدُ مِنهُ إقْدامُهُ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، ولَمّا حَكَمَ اللَّهُ بِاسْتِبْعادِهِ عَلِمْنا أنَّ الِاسْتِطاعَةَ لا تَحْصُلُ قَبْلَ الفِعْلِ.

الكهف 18:69

ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى أنَّهُ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ اللَّهِ الأنْبِياءَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّ الخَضِرَ قالَ لِمُوسى: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وقالَ مُوسى: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يُكَذِّبُ الآخَرَ؛ فَيَلْزَمُ إلْحاقُ الكَذِبِ بِأحَدِهِما، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ صُدُورُ الكَذِبِ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والجَوابُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ عَلى الأكْثَرِ الأغْلَبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرُوهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظَةُ إنْ كانَ كَذا تُفِيدُ الشَّكَّ فَقَوْلُهُ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ مَعْناهُ: سَتَجِدُنِي صابِرًا إنْ شاءَ اللَّهُ كَوْنِي صابِرًا، وهَذا يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في أنَّ اللَّهَ هَلْ يُرِيدُ كَوْنَهُ صابِرًا أمْ لا. ولا شَكَّ أنَّ الصَّبْرَ في مَقامِ التَّوَقُّفِ واجِبٌ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ لا يُرِيدُ مِنَ العَبْدِ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ مَعَ أنَّهُ لا يُرِيدُهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الكَلِمَةُ إنَّما تُذْكَرُ رِعايَةً لِلْأدَبِ فِيما يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يَفْعَلَهُ في المُسْتَقْبَلِ؛ فَيُقالُ لَهم هَذا الأدَبُ إنْ صَحَّ مَعْناهُ؛ فَقَدْ ثَبَتَ المَطْلُوبُ، وإنْ فَسَدَ فَأيُّ أدَبٍ في ذِكْرِ هَذا الكَلامِ الباطِلِ ؟ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ يُفِيدُ الوُجُوبَ لِأنَّ تارِكَ المَأْمُورِ بِهِ عاصٍ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، والعاصِي يَسْتَحِقُّ العِقابَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجِنِّ: ٢٣] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ يُفِيدُ الوُجُوبَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُ الخَضِرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ نِسْبَةٌ إلى قِلَّةِ العِلْمِ والخَبَرِ، وقَوْلُ مُوسى لَهُ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ تَواضُعٌ شَدِيدٌ وإظْهارٌ لِلتَّحَمُّلِ التّامِّ والتَّواضُعِ الشَّدِيدِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى المُتَعَلِّمِ إظْهارُ التَّواضُعِ بِأقْصى الغاياتِ، وأمّا المُعَلِّمُ فَإنْ رَأى أنَّ في التَّغْلِيظِ عَلى المُتَعَلِّمِ ما يُفِيدُهُ نَفْعًا وإرْشادًا إلى الخَيْرِ؛ فالواجِبُ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ؛ فَإنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ يُوقِعُ المُتَعَلِّمَ في الغُرُورِ والنَّخْوَةِ، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّعَلُّمِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: لا تَسْتَخْبِرْنِي عَمّا تَراهُ مِنِّي مِمّا لا تَعْلَمُ وجْهَهُ حَتّى أكُونَ أنا صفحة ١٣١ المُبْتَدِئَ لِتَعْلِيمِكَ إيّاهُ وإخْبارِكِ بِهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ (فَلا تَسْألَنِّ) مُحَرَّكَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ بِغَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْهُ (لا تَسْألَنِّي) مُثَقَّلَةً مَعَ الياءِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لا تَسْألْنِ) خَفِيفَةً والمَعْنى واحِدٌ.

الكهف 18:70

ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى أنَّهُ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ اللَّهِ الأنْبِياءَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّ الخَضِرَ قالَ لِمُوسى: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وقالَ مُوسى: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يُكَذِّبُ الآخَرَ؛ فَيَلْزَمُ إلْحاقُ الكَذِبِ بِأحَدِهِما، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ صُدُورُ الكَذِبِ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والجَوابُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ عَلى الأكْثَرِ الأغْلَبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرُوهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظَةُ إنْ كانَ كَذا تُفِيدُ الشَّكَّ فَقَوْلُهُ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ مَعْناهُ: سَتَجِدُنِي صابِرًا إنْ شاءَ اللَّهُ كَوْنِي صابِرًا، وهَذا يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في أنَّ اللَّهَ هَلْ يُرِيدُ كَوْنَهُ صابِرًا أمْ لا. ولا شَكَّ أنَّ الصَّبْرَ في مَقامِ التَّوَقُّفِ واجِبٌ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ لا يُرِيدُ مِنَ العَبْدِ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ مَعَ أنَّهُ لا يُرِيدُهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الكَلِمَةُ إنَّما تُذْكَرُ رِعايَةً لِلْأدَبِ فِيما يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يَفْعَلَهُ في المُسْتَقْبَلِ؛ فَيُقالُ لَهم هَذا الأدَبُ إنْ صَحَّ مَعْناهُ؛ فَقَدْ ثَبَتَ المَطْلُوبُ، وإنْ فَسَدَ فَأيُّ أدَبٍ في ذِكْرِ هَذا الكَلامِ الباطِلِ ؟ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ يُفِيدُ الوُجُوبَ لِأنَّ تارِكَ المَأْمُورِ بِهِ عاصٍ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، والعاصِي يَسْتَحِقُّ العِقابَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجِنِّ: ٢٣] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ يُفِيدُ الوُجُوبَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُ الخَضِرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ نِسْبَةٌ إلى قِلَّةِ العِلْمِ والخَبَرِ، وقَوْلُ مُوسى لَهُ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ تَواضُعٌ شَدِيدٌ وإظْهارٌ لِلتَّحَمُّلِ التّامِّ والتَّواضُعِ الشَّدِيدِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى المُتَعَلِّمِ إظْهارُ التَّواضُعِ بِأقْصى الغاياتِ، وأمّا المُعَلِّمُ فَإنْ رَأى أنَّ في التَّغْلِيظِ عَلى المُتَعَلِّمِ ما يُفِيدُهُ نَفْعًا وإرْشادًا إلى الخَيْرِ؛ فالواجِبُ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ؛ فَإنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ يُوقِعُ المُتَعَلِّمَ في الغُرُورِ والنَّخْوَةِ، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّعَلُّمِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: لا تَسْتَخْبِرْنِي عَمّا تَراهُ مِنِّي مِمّا لا تَعْلَمُ وجْهَهُ حَتّى أكُونَ أنا صفحة ١٣١ المُبْتَدِئَ لِتَعْلِيمِكَ إيّاهُ وإخْبارِكِ بِهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ (فَلا تَسْألَنِّ) مُحَرَّكَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ بِغَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْهُ (لا تَسْألَنِّي) مُثَقَّلَةً مَعَ الياءِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لا تَسْألْنِ) خَفِيفَةً والمَعْنى واحِدٌ.

الكهف 18:71

﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ مُوسى وذَلِكَ العالِمَ لَمّا تَشارَطا عَلى الشَّرْطِ المَذْكُورِ، وسارا فانْتَهَيا إلى مَوْضِعٍ احْتاجا فِيهِ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ؛ فَرَكِباها، وأقْدَمَ ذَلِكَ العالِمُ عَلى خَرْقِ السَّفِينَةِ، وأقُولُ: لَعَلَّهُ أقْدَمَ عَلى خَرْقِ جِدارِ السَّفِينَةِ؛ لِتَصِيرَ السَّفِينَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَرْقِ مَعِيبَةً ظاهِرَةَ العَيْبِ؛ فَلا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ مُوسى لَهُ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (لِيَغْرَقَ أهْلُها) بِفَتْحِ الياءِ عَلى إسْنادِ الغَرَقِ إلى الأهْلِ والباقُونَ ﴿لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ عَلى الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ لِتُغْرِقَ أنْتَ أهْلَ هَذِهِ السَّفِينَةِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا شاهَدَ ذَلِكَ الأمْرَ المُنْكَرَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَسِيَ الشَّرْطَ المُتَقَدِّمَ فَلِهَذا المَعْنى قالَ ما قالَ، واحْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ ذَلِكَ العالِمَ كانَ مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ فَإنْ صَدَقَ مُوسى في هَذا القَوْلِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وإنْ كَذَبَ؛ دَلَّ عَلى صُدُورِ الكَذِبِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. الثّانِي: أنَّهُ التَزَمَ أنْ لا يَعْتَرِضَ عَلى ذَلِكَ العالِمِ، وجَرَتِ العُهُودُ المُؤَكِّدَةُ لِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ خالَفَ تِلْكَ العُهُودَ وذَلِكَ ذَنْبٌ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا شاهَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ الأمْرَ الخارِجَ عَنِ العادَةِ قالَ هَذا الكَلامَ، لا لِأجْلِ أنَّهُ اعْتَقَدَ فِيهِ أنَّهُ فَعَلَ قَبِيحًا، بَلْ؛ لِأنَّهُ أحَبَّ أنْ يَقِفَ عَلى وجْهِهِ وسَبَبِهِ، وقَدْ يُقالُ في الشَّيْءِ العَجِيبِ الَّذِي لا يُعْرَفُ سَبَبُهُ، إنَّهُ إمْرٌ يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ؛ إذا عَظُمَ، وقالَ الشّاعِرُ: داهِيَةً دَهْياءَ وعَلى الثّانِي: أنَّهُ فَعَلَ بِناءً عَلى النِّسْيانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ العالِمِ أنَّهُ لَمّا خالَفَ الشَّرْطَ؛ لَمْ يَزِدْ عَلى أنْ قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فَعِنْدَ هَذا اعْتَذَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ أرادَ أنَّهُ نَسِيَ وصِيَّتَهُ، ولا مُؤاخَذَةَ عَلى النّاسِي بِشَيْءٍ: ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ يُقالُ: رَهَقَهُ إذا غَشِيَهُ وأرْهَقَهُ إيّاهُ أيْ: ولا تُغْشِنِي مِن أمْرِي عُسْرًا، وهو اتِّباعُهُ إيّاهُ يَعْنِي ولا تُعَسِّرْ عَلَيَّ مُتابَعَتَكَ ويَسِّرْها عَلَيَّ بِالإغْضاءِ وتَرْكِ المُناقَشَةِ، وقُرِئَ: (عُسُرًا) بِضَمَّتَيْنِ.

الكهف 18:72

﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ مُوسى وذَلِكَ العالِمَ لَمّا تَشارَطا عَلى الشَّرْطِ المَذْكُورِ، وسارا فانْتَهَيا إلى مَوْضِعٍ احْتاجا فِيهِ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ؛ فَرَكِباها، وأقْدَمَ ذَلِكَ العالِمُ عَلى خَرْقِ السَّفِينَةِ، وأقُولُ: لَعَلَّهُ أقْدَمَ عَلى خَرْقِ جِدارِ السَّفِينَةِ؛ لِتَصِيرَ السَّفِينَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَرْقِ مَعِيبَةً ظاهِرَةَ العَيْبِ؛ فَلا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ مُوسى لَهُ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (لِيَغْرَقَ أهْلُها) بِفَتْحِ الياءِ عَلى إسْنادِ الغَرَقِ إلى الأهْلِ والباقُونَ ﴿لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ عَلى الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ لِتُغْرِقَ أنْتَ أهْلَ هَذِهِ السَّفِينَةِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا شاهَدَ ذَلِكَ الأمْرَ المُنْكَرَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَسِيَ الشَّرْطَ المُتَقَدِّمَ فَلِهَذا المَعْنى قالَ ما قالَ، واحْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ ذَلِكَ العالِمَ كانَ مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ فَإنْ صَدَقَ مُوسى في هَذا القَوْلِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وإنْ كَذَبَ؛ دَلَّ عَلى صُدُورِ الكَذِبِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. الثّانِي: أنَّهُ التَزَمَ أنْ لا يَعْتَرِضَ عَلى ذَلِكَ العالِمِ، وجَرَتِ العُهُودُ المُؤَكِّدَةُ لِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ خالَفَ تِلْكَ العُهُودَ وذَلِكَ ذَنْبٌ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا شاهَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ الأمْرَ الخارِجَ عَنِ العادَةِ قالَ هَذا الكَلامَ، لا لِأجْلِ أنَّهُ اعْتَقَدَ فِيهِ أنَّهُ فَعَلَ قَبِيحًا، بَلْ؛ لِأنَّهُ أحَبَّ أنْ يَقِفَ عَلى وجْهِهِ وسَبَبِهِ، وقَدْ يُقالُ في الشَّيْءِ العَجِيبِ الَّذِي لا يُعْرَفُ سَبَبُهُ، إنَّهُ إمْرٌ يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ؛ إذا عَظُمَ، وقالَ الشّاعِرُ: داهِيَةً دَهْياءَ وعَلى الثّانِي: أنَّهُ فَعَلَ بِناءً عَلى النِّسْيانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ العالِمِ أنَّهُ لَمّا خالَفَ الشَّرْطَ؛ لَمْ يَزِدْ عَلى أنْ قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فَعِنْدَ هَذا اعْتَذَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ أرادَ أنَّهُ نَسِيَ وصِيَّتَهُ، ولا مُؤاخَذَةَ عَلى النّاسِي بِشَيْءٍ: ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ يُقالُ: رَهَقَهُ إذا غَشِيَهُ وأرْهَقَهُ إيّاهُ أيْ: ولا تُغْشِنِي مِن أمْرِي عُسْرًا، وهو اتِّباعُهُ إيّاهُ يَعْنِي ولا تُعَسِّرْ عَلَيَّ مُتابَعَتَكَ ويَسِّرْها عَلَيَّ بِالإغْضاءِ وتَرْكِ المُناقَشَةِ، وقُرِئَ: (عُسُرًا) بِضَمَّتَيْنِ.

الكهف 18:73

﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ مُوسى وذَلِكَ العالِمَ لَمّا تَشارَطا عَلى الشَّرْطِ المَذْكُورِ، وسارا فانْتَهَيا إلى مَوْضِعٍ احْتاجا فِيهِ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ؛ فَرَكِباها، وأقْدَمَ ذَلِكَ العالِمُ عَلى خَرْقِ السَّفِينَةِ، وأقُولُ: لَعَلَّهُ أقْدَمَ عَلى خَرْقِ جِدارِ السَّفِينَةِ؛ لِتَصِيرَ السَّفِينَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَرْقِ مَعِيبَةً ظاهِرَةَ العَيْبِ؛ فَلا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ مُوسى لَهُ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (لِيَغْرَقَ أهْلُها) بِفَتْحِ الياءِ عَلى إسْنادِ الغَرَقِ إلى الأهْلِ والباقُونَ ﴿لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ عَلى الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ لِتُغْرِقَ أنْتَ أهْلَ هَذِهِ السَّفِينَةِ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا شاهَدَ ذَلِكَ الأمْرَ المُنْكَرَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَسِيَ الشَّرْطَ المُتَقَدِّمَ فَلِهَذا المَعْنى قالَ ما قالَ، واحْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ ذَلِكَ العالِمَ كانَ مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ فَإنْ صَدَقَ مُوسى في هَذا القَوْلِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وإنْ كَذَبَ؛ دَلَّ عَلى صُدُورِ الكَذِبِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. الثّانِي: أنَّهُ التَزَمَ أنْ لا يَعْتَرِضَ عَلى ذَلِكَ العالِمِ، وجَرَتِ العُهُودُ المُؤَكِّدَةُ لِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ خالَفَ تِلْكَ العُهُودَ وذَلِكَ ذَنْبٌ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا شاهَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ الأمْرَ الخارِجَ عَنِ العادَةِ قالَ هَذا الكَلامَ، لا لِأجْلِ أنَّهُ اعْتَقَدَ فِيهِ أنَّهُ فَعَلَ قَبِيحًا، بَلْ؛ لِأنَّهُ أحَبَّ أنْ يَقِفَ عَلى وجْهِهِ وسَبَبِهِ، وقَدْ يُقالُ في الشَّيْءِ العَجِيبِ الَّذِي لا يُعْرَفُ سَبَبُهُ، إنَّهُ إمْرٌ يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ؛ إذا عَظُمَ، وقالَ الشّاعِرُ: داهِيَةً دَهْياءَ وعَلى الثّانِي: أنَّهُ فَعَلَ بِناءً عَلى النِّسْيانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ العالِمِ أنَّهُ لَمّا خالَفَ الشَّرْطَ؛ لَمْ يَزِدْ عَلى أنْ قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فَعِنْدَ هَذا اعْتَذَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ أرادَ أنَّهُ نَسِيَ وصِيَّتَهُ، ولا مُؤاخَذَةَ عَلى النّاسِي بِشَيْءٍ: ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ يُقالُ: رَهَقَهُ إذا غَشِيَهُ وأرْهَقَهُ إيّاهُ أيْ: ولا تُغْشِنِي مِن أمْرِي عُسْرًا، وهو اتِّباعُهُ إيّاهُ يَعْنِي ولا تُعَسِّرْ عَلَيَّ مُتابَعَتَكَ ويَسِّرْها عَلَيَّ بِالإغْضاءِ وتَرْكِ المُناقَشَةِ، وقُرِئَ: (عُسُرًا) بِضَمَّتَيْنِ.

الكهف 18:74

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الغُلامِ قَدْ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يُقالُ: رَأْيُ الشَّيْخِ خَيْرٌ مِن مَشْهَدِ الغُلامِ؛ جَعَلَ الشَّيْخَ نَقِيضًا لِلْغُلامِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغُلامَ هو الشّابُّ، وأصْلُهُ مِنَ الِاغْتِلامِ وهو شِدَّةُ الشَّبَقِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الشَّبابِ، وأمّا تَناوُلُ هَذا اللَّفْظِ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ فَظاهِرٌ، ولَيْسَ في القُرْآنِ كَيْفَ لَقِياهُ؛ هَلْ كانَ يَلْعَبُ مَعَ جَمْعٍ مِنَ الغِلْمانِ الصِّبْيانِ، أوْ كانَ مُنْفَرِدًا ؟ وهَلْ كانَ مُسْلِمًا، أوْ كانَ كافِرًا ؟ وهَلْ كانَ مُنْعَزِلًا ؟ وهَلْ كانَ بالِغًا أوْ كانَ صَغِيرًا ؟ وكانَ اسْمُ الغُلامِ بِالصَّغِيرِ ألْيَقَ، وإنِ احْتَمَلَ الكَبِيرَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ألْيَقُ بِالبالِغِ مِنهُ بِالصَّبِيِّ؛ لِأنَّ الصَّبِيَّ لا يُقْتَلُ وإنْ قَتَلَ، وأيْضًا فَهَلْ قَتَلَهُ بِأنْ حَزَّ رَأْسَهُ أوْ بِأنْ ضَرَبَ رَأْسَهُ بِالجِدارِ، أوْ بِطْرِيقٍ آخَرَ؛ فَلَيْسَ في لَفْظِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (زاكِيَةً) بِالألِفِ، والباقُونَ (زَكِيَّةً) بِغَيْرِ ألِفٍ قالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ، ومَعْناهُما الطّاهِرَةُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبُ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَبْعَدَ أنْ يَقْتُلَ النَّفْسَ إلّا لِأجْلِ القِصاصِ بِالنَّفْسِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَحِلُّ دَمُهُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وجَوابُهُ أنَّ السَّبَبَ الأقْوى هو ذَلِكَ. البَحْثُ الثّالِثُ: النُّكْرُ أعْظَمُ مِنَ الإمْرِ في القُبْحِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ قَتْلَ الغُلامِ أقْبَحُ مِن خَرْقِ السَّفِينَةِ لِأنَّ ذَلِكَ ما كانَ إتْلافًا لِلنَّفْسِ؛ لِأنَّهُ كانَ يُمْكِنُ أنْ لا يَحْصُلَ الغَرَقُ، أمّا هَهُنا حَصَلَ الإتْلافُ قَطْعًا؛ فَكانَ أنْكَرَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: عَجَبًا، والنُّكْرُ أعْظَمُ مِنَ العَجَبِ، وقِيلَ النُّكْرُ ما أنْكَرَتْهُ العُقُولُ، ونَفَرَتْ عَنْهُ النُّفُوسُ؛ فَهو أبْلَغُ في تَقْبِيحِ الشَّيْءِ مِنَ الإمْرِ، ومِنهم مَن قالَ: الإمْرُ أعْظَمُ. قالَ: لِأنَّ خَرْقَ السَّفِينَةِ يُؤَدِّي إلى إتْلافِ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ، وهَذا القَتْلُ لَيْسَ إلّا إتْلافَ شَخْصٍ واحِدٍ، وأيْضًا (الإمْرُ) هو الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ فَهو أبْلَغُ مِنَ (النُّكْرِ) وإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ العالِمِ أنَّهُ ما زادَ عَلى أنْ ذَكَّرَهُ ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وهَذا عَيْنُ ما ذَكَرَهُ في المَسْألَةِ الأُولى إلّا أنَّهُ زادَ هَهُنا لَفْظَةَ ”لَكَ“؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تُؤَكِّدُ التَّوْبِيخَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ مُوسى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ مَعَ العِلْمِ بِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى مُصاحَبَتِهِ وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَمْدَحُهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِن حَيْثُ احْتَمَلَهُ مَرَّتَيْنِ أوَّلًا وثانِيًا، مَعَ قُرْبِ المُدَّةِ وبَقِيَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقِراءَةِ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ مَواضِعَ: الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ وقالُونُ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (نُكُرًا) بِضَمِّ الكافِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ ساكِنَةَ الكافِ حَيْثُ كانَ وهُما لُغَتانِ. الثّانِي: الكُلُّ قَرَءُوا: (لا تُصاحِبْنِي) بِالألِفِ إلّا يَعْقُوبَ صفحة ١٣٣ فَإنَّهُ قَرَأ: (لا تَصْحَبْنِي) مِن صَحِبَ والمَعْنى واحِدٌ. الثّالِثُ: في ﴿لَدُنِّي﴾ قِراءاتٌ: الأُولى: قِراءَةُ نافِعٍ وأبِي بَكْرٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ: (مِن لَدُنِي) بِتَخْفِيفِ النُّونِ وضَمِّ الدّالِ. الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: (لَدُنِّي) مُشَدَّدَةَ النُّونِ وضَمَّ الدّالِ. الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالإشْمامِ وغَيْرِ إشْباعٍ. الرّابِعَةُ: (مِن لُدْنِي) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ وهَذِهِ القِراءاتُ كُلُّها لُغاتٌ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ.

الكهف 18:75

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الغُلامِ قَدْ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يُقالُ: رَأْيُ الشَّيْخِ خَيْرٌ مِن مَشْهَدِ الغُلامِ؛ جَعَلَ الشَّيْخَ نَقِيضًا لِلْغُلامِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغُلامَ هو الشّابُّ، وأصْلُهُ مِنَ الِاغْتِلامِ وهو شِدَّةُ الشَّبَقِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الشَّبابِ، وأمّا تَناوُلُ هَذا اللَّفْظِ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ فَظاهِرٌ، ولَيْسَ في القُرْآنِ كَيْفَ لَقِياهُ؛ هَلْ كانَ يَلْعَبُ مَعَ جَمْعٍ مِنَ الغِلْمانِ الصِّبْيانِ، أوْ كانَ مُنْفَرِدًا ؟ وهَلْ كانَ مُسْلِمًا، أوْ كانَ كافِرًا ؟ وهَلْ كانَ مُنْعَزِلًا ؟ وهَلْ كانَ بالِغًا أوْ كانَ صَغِيرًا ؟ وكانَ اسْمُ الغُلامِ بِالصَّغِيرِ ألْيَقَ، وإنِ احْتَمَلَ الكَبِيرَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ألْيَقُ بِالبالِغِ مِنهُ بِالصَّبِيِّ؛ لِأنَّ الصَّبِيَّ لا يُقْتَلُ وإنْ قَتَلَ، وأيْضًا فَهَلْ قَتَلَهُ بِأنْ حَزَّ رَأْسَهُ أوْ بِأنْ ضَرَبَ رَأْسَهُ بِالجِدارِ، أوْ بِطْرِيقٍ آخَرَ؛ فَلَيْسَ في لَفْظِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (زاكِيَةً) بِالألِفِ، والباقُونَ (زَكِيَّةً) بِغَيْرِ ألِفٍ قالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ، ومَعْناهُما الطّاهِرَةُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبُ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَبْعَدَ أنْ يَقْتُلَ النَّفْسَ إلّا لِأجْلِ القِصاصِ بِالنَّفْسِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَحِلُّ دَمُهُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وجَوابُهُ أنَّ السَّبَبَ الأقْوى هو ذَلِكَ. البَحْثُ الثّالِثُ: النُّكْرُ أعْظَمُ مِنَ الإمْرِ في القُبْحِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ قَتْلَ الغُلامِ أقْبَحُ مِن خَرْقِ السَّفِينَةِ لِأنَّ ذَلِكَ ما كانَ إتْلافًا لِلنَّفْسِ؛ لِأنَّهُ كانَ يُمْكِنُ أنْ لا يَحْصُلَ الغَرَقُ، أمّا هَهُنا حَصَلَ الإتْلافُ قَطْعًا؛ فَكانَ أنْكَرَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: عَجَبًا، والنُّكْرُ أعْظَمُ مِنَ العَجَبِ، وقِيلَ النُّكْرُ ما أنْكَرَتْهُ العُقُولُ، ونَفَرَتْ عَنْهُ النُّفُوسُ؛ فَهو أبْلَغُ في تَقْبِيحِ الشَّيْءِ مِنَ الإمْرِ، ومِنهم مَن قالَ: الإمْرُ أعْظَمُ. قالَ: لِأنَّ خَرْقَ السَّفِينَةِ يُؤَدِّي إلى إتْلافِ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ، وهَذا القَتْلُ لَيْسَ إلّا إتْلافَ شَخْصٍ واحِدٍ، وأيْضًا (الإمْرُ) هو الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ فَهو أبْلَغُ مِنَ (النُّكْرِ) وإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ العالِمِ أنَّهُ ما زادَ عَلى أنْ ذَكَّرَهُ ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وهَذا عَيْنُ ما ذَكَرَهُ في المَسْألَةِ الأُولى إلّا أنَّهُ زادَ هَهُنا لَفْظَةَ ”لَكَ“؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تُؤَكِّدُ التَّوْبِيخَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ مُوسى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ مَعَ العِلْمِ بِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى مُصاحَبَتِهِ وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَمْدَحُهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِن حَيْثُ احْتَمَلَهُ مَرَّتَيْنِ أوَّلًا وثانِيًا، مَعَ قُرْبِ المُدَّةِ وبَقِيَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقِراءَةِ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ مَواضِعَ: الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ وقالُونُ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (نُكُرًا) بِضَمِّ الكافِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ ساكِنَةَ الكافِ حَيْثُ كانَ وهُما لُغَتانِ. الثّانِي: الكُلُّ قَرَءُوا: (لا تُصاحِبْنِي) بِالألِفِ إلّا يَعْقُوبَ صفحة ١٣٣ فَإنَّهُ قَرَأ: (لا تَصْحَبْنِي) مِن صَحِبَ والمَعْنى واحِدٌ. الثّالِثُ: في ﴿لَدُنِّي﴾ قِراءاتٌ: الأُولى: قِراءَةُ نافِعٍ وأبِي بَكْرٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ: (مِن لَدُنِي) بِتَخْفِيفِ النُّونِ وضَمِّ الدّالِ. الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: (لَدُنِّي) مُشَدَّدَةَ النُّونِ وضَمَّ الدّالِ. الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالإشْمامِ وغَيْرِ إشْباعٍ. الرّابِعَةُ: (مِن لُدْنِي) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ وهَذِهِ القِراءاتُ كُلُّها لُغاتٌ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ.

الكهف 18:76

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الغُلامِ قَدْ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يُقالُ: رَأْيُ الشَّيْخِ خَيْرٌ مِن مَشْهَدِ الغُلامِ؛ جَعَلَ الشَّيْخَ نَقِيضًا لِلْغُلامِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغُلامَ هو الشّابُّ، وأصْلُهُ مِنَ الِاغْتِلامِ وهو شِدَّةُ الشَّبَقِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الشَّبابِ، وأمّا تَناوُلُ هَذا اللَّفْظِ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ فَظاهِرٌ، ولَيْسَ في القُرْآنِ كَيْفَ لَقِياهُ؛ هَلْ كانَ يَلْعَبُ مَعَ جَمْعٍ مِنَ الغِلْمانِ الصِّبْيانِ، أوْ كانَ مُنْفَرِدًا ؟ وهَلْ كانَ مُسْلِمًا، أوْ كانَ كافِرًا ؟ وهَلْ كانَ مُنْعَزِلًا ؟ وهَلْ كانَ بالِغًا أوْ كانَ صَغِيرًا ؟ وكانَ اسْمُ الغُلامِ بِالصَّغِيرِ ألْيَقَ، وإنِ احْتَمَلَ الكَبِيرَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ألْيَقُ بِالبالِغِ مِنهُ بِالصَّبِيِّ؛ لِأنَّ الصَّبِيَّ لا يُقْتَلُ وإنْ قَتَلَ، وأيْضًا فَهَلْ قَتَلَهُ بِأنْ حَزَّ رَأْسَهُ أوْ بِأنْ ضَرَبَ رَأْسَهُ بِالجِدارِ، أوْ بِطْرِيقٍ آخَرَ؛ فَلَيْسَ في لَفْظِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (زاكِيَةً) بِالألِفِ، والباقُونَ (زَكِيَّةً) بِغَيْرِ ألِفٍ قالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ، ومَعْناهُما الطّاهِرَةُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبُ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَبْعَدَ أنْ يَقْتُلَ النَّفْسَ إلّا لِأجْلِ القِصاصِ بِالنَّفْسِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَحِلُّ دَمُهُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وجَوابُهُ أنَّ السَّبَبَ الأقْوى هو ذَلِكَ. البَحْثُ الثّالِثُ: النُّكْرُ أعْظَمُ مِنَ الإمْرِ في القُبْحِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ قَتْلَ الغُلامِ أقْبَحُ مِن خَرْقِ السَّفِينَةِ لِأنَّ ذَلِكَ ما كانَ إتْلافًا لِلنَّفْسِ؛ لِأنَّهُ كانَ يُمْكِنُ أنْ لا يَحْصُلَ الغَرَقُ، أمّا هَهُنا حَصَلَ الإتْلافُ قَطْعًا؛ فَكانَ أنْكَرَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: عَجَبًا، والنُّكْرُ أعْظَمُ مِنَ العَجَبِ، وقِيلَ النُّكْرُ ما أنْكَرَتْهُ العُقُولُ، ونَفَرَتْ عَنْهُ النُّفُوسُ؛ فَهو أبْلَغُ في تَقْبِيحِ الشَّيْءِ مِنَ الإمْرِ، ومِنهم مَن قالَ: الإمْرُ أعْظَمُ. قالَ: لِأنَّ خَرْقَ السَّفِينَةِ يُؤَدِّي إلى إتْلافِ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ، وهَذا القَتْلُ لَيْسَ إلّا إتْلافَ شَخْصٍ واحِدٍ، وأيْضًا (الإمْرُ) هو الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ فَهو أبْلَغُ مِنَ (النُّكْرِ) وإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ العالِمِ أنَّهُ ما زادَ عَلى أنْ ذَكَّرَهُ ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وهَذا عَيْنُ ما ذَكَرَهُ في المَسْألَةِ الأُولى إلّا أنَّهُ زادَ هَهُنا لَفْظَةَ ”لَكَ“؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تُؤَكِّدُ التَّوْبِيخَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ مُوسى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ مَعَ العِلْمِ بِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى مُصاحَبَتِهِ وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَمْدَحُهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِن حَيْثُ احْتَمَلَهُ مَرَّتَيْنِ أوَّلًا وثانِيًا، مَعَ قُرْبِ المُدَّةِ وبَقِيَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقِراءَةِ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ مَواضِعَ: الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ وقالُونُ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (نُكُرًا) بِضَمِّ الكافِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ ساكِنَةَ الكافِ حَيْثُ كانَ وهُما لُغَتانِ. الثّانِي: الكُلُّ قَرَءُوا: (لا تُصاحِبْنِي) بِالألِفِ إلّا يَعْقُوبَ صفحة ١٣٣ فَإنَّهُ قَرَأ: (لا تَصْحَبْنِي) مِن صَحِبَ والمَعْنى واحِدٌ. الثّالِثُ: في ﴿لَدُنِّي﴾ قِراءاتٌ: الأُولى: قِراءَةُ نافِعٍ وأبِي بَكْرٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ: (مِن لَدُنِي) بِتَخْفِيفِ النُّونِ وضَمِّ الدّالِ. الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: (لَدُنِّي) مُشَدَّدَةَ النُّونِ وضَمَّ الدّالِ. الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالإشْمامِ وغَيْرِ إشْباعٍ. الرّابِعَةُ: (مِن لُدْنِي) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ وهَذِهِ القِراءاتُ كُلُّها لُغاتٌ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ.

الكهف 18:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ تِلْكَ القَرْيَةَ هي أنْطاكِيَّةُ، وقِيلَ هي الأيْلَةُ، وهَهُنا سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: إنَّ الِاسْتِطْعامَ لَيْسَ مِن عادَةِ الكِرامِ؛ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ مُوسى وذَلِكَ العالِمُ ؟ لِأنَّ مُوسى كانَ مِن عادَتِهِ عَرْضُ الحاجَةِ، وطَلَبُ الطَّعامِ؛ ألا تَرى أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في قِصَّةِ مُوسى عِنْدَ وُرُودِ ماءِ مَدْيَنَ: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القَصَصِ: ٢٤] . الجَوابُ: أنَّ إقْدامَ الجائِعِ عَلى الِاسْتِطْعامِ أمْرٌ مُباحٌ في كُلِّ الشَّرائِعِ بَلْ رُبَّما وجَبَ ذَلِكَ عِنْدَ خَوْفِ الضَّرَرِ الشَّدِيدِ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ وكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُقالَ: اسْتَطْعَما مِنهم ؟ والجَوابُ أنَّ التَّكْرِيرَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: لَيْتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعِبُ دائِمًا كانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأوْداجِ السُّؤالُ الثّالِثُ: إنَّ الضِّيافَةَ مِنَ المَندُوباتِ؛ فَتَرْكُها تَرْكٌ لِلْمَندُوبِ، وذَلِكَ أمْرٌ غَيْرُ مُنْكَرٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ عُلُوِّ مَنصِبِهِ أنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمُ الغَضَبَ الشَّدِيدَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكَ العَهْدَ الَّذِي التَزَمَهُ مَعَ ذَلِكَ العالِمِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وأيْضًا مِثْلُ هَذا الغَضَبِ لِأجْلِ تَرْكِ الأكْلِ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ لا يَلِيقُ بِأدْوَنِ النّاسِ فَضْلًا عَنْ كَلِيمِ اللَّهِ. الجَوابُ: أمّا قَوْلُهُ: الضِّيافَةُ مِنَ المَندُوباتِ قُلْنا: قَدْ تَكُونُ مِنَ المَندُوباتِ، وقَدْ تَكُونُ مِنَ الواجِباتِ بِأنْ كانَ الضَّيْفُ قَدْ بَلَغَ في الجُوعِ إلى حَيْثُ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ لَهَلَكَ، وإذا كانَ التَّقْدِيرُ ما ذَكَرْناهُ لَمْ يَكُنِ الغَضَبُ الشَّدِيدُ لِأجْلِ تَرْكِ الأكْلِ يَوْمًا، فَإنْ قالُوا: ما بَلَغَ في الجُوعِ إلى حَدِّ الهَلاكِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ وكانَ يَطْلُبُ عَلى إصْلاحِ ذَلِكَ الجِدارِ أُجْرَةً، ولَوْ كانَ قَدْ بَلَغَ في الجُوعِ إلى حَدِّ الهَلاكِ لَما قَدَرَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ؛ فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنهُ طَلَبُ الأُجْرَةِ ؟ قُلْنا لَعَلَّ ذَلِكَ الجُوعَ كانَ شَدِيدًا إلّا أنَّهُ ما بَلَغَ حَدَّ الهَلاكِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: يُضَيِّفُوهُما يُقالُ: ضافَهُ إذا كانَ لَهُ ضَيْفًا، وحَقِيقَتُهُ مالَ إلَيْهِ مِن ضافَ السَّهْمُ عَنِ الغَرَضِ. ونَظِيرُهُ: زارَهُ مِنَ الِازْوِرارِ، وأضافَهُ وضَيَّفَهُ أنْزَلَهُ، وجَعَلَهُ ضَيْفَهُ، وعَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا. صفحة ١٣٤ البَحْثُ الثّانِي: رَأيْتُ في كُتُبِ الحِكاياتِ أنَّ أهْلَ تِلْكَ القَرْيَةِ لَمّا سَمِعُوا نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ اسْتَحْيَوْا، وجاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِحِمْلٍ مِنَ الذَّهَبِ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ نَشْتَرِي بِهَذا الذَّهَبِ أنْ تَجْعَلَ الباءَ تاءً؛ حَتّى تَصِيرَ القِراءَةُ هَكَذا: (فَأتَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما) . أيْ (أتَوْا) لِأنْ يُضَيِّفُوهُما، أيْ كانَ إتْيانُ أهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ إلَيْهِما لِأجْلِ الضِّيافَةِ، وقالُوا: غَرَضُنا مِنهُ أنْ يَنْدَفِعَ عَنّا هَذا اللُّؤْمُ فامْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وقالَ: إنَّ تَغْيِيرَ هَذِهِ النُّقْطَةِ يُوجِبُ دُخُولَ الكَذِبِ في كَلامِ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَدْحَ في الإلَهِيَّةِ؛ فَعَلِمْنا أنَّ تَغْيِيرَ النُّقْطَةِ الواحِدَةِ مِنَ القُرْآنِ يُوجِبُ بُطْلانَ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ﴾ أيْ: فَرَأيا في القَرْيَةِ حائِطًا مائِلًا، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ وصْفُ الجِدارِ بِالإرادَةِ مَعَ أنَّ الإرادَةَ مِن صِفاتِ الأحْياءِ ؟ قُلْنا: هَذا اللَّفْظُ ورَدَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، ولَهُ نَظائِرُ في الشِّعْرِ قالَ: يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلٍ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: إنْ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بَجَمْعَلٍ ∗∗∗ لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإحْسانِ وقالَ الرّاعِي: فِي مَهْمَهٍ فَلَقْتُ بِهِ هاماتِها ∗∗∗ فَلْقَ الفُئُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولًا ونَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَنْقَضَّ﴾ يُقالُ انْقَضَّ إذا أسْرَعَ سُقُوطُهُ مِنَ انْقِضاضِ الطّائِرِ، وهو انْفَعَلَ مُطاوِعُ قَضَضْتُهُ، وقِيلَ: انْقَضَّ فِعْلٌ مِنَ النَّقْضِ كاحْمَرَّ مِنَ الحُمْرَةِ، وقُرِئَ: أنْ يُنْقَضَ، مِنَ النَّقْضِ، وأنْ يَنْقاضَّ مَنِ انْقاضَّتِ العَيْنُ إذا انْشَقَّتْ طُولًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأقامَهُ﴾ قِيلَ: نَقَضَهُ ثُمَّ بَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِيَدِهِ، وقِيلَ: مَسَحَهُ بِيَدِهِ؛ فَقامَ، واسْتَوى، وكانَ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِهِ، واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ العالِمَ لَمّا فَعَلَ ذَلِكَ، وكانَتِ الحالَةُ حالَةَ اضْطِرارٍ وافْتِقارٍ إلى الطَّعامِ؛ فَلِأجْلِ تِلْكَ الضَّرُورَةِ نَسِيَ مُوسى ما قالَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ طَلَبْتَ عَلى عَمَلِكَ أُجْرَةً تَصْرِفُها في تَحْصِيلِ المَطْعُومِ وتَحْصِيلِ سائِرِ المُهِمّاتِ، وقُرِئَ: ﴿لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ والتّاءُ في تَخِذْتَ أصْلٌ كَما في تَبِعَ، واتَّخَذَ افْتَعَلَ مِنهُ كَقَوْلِنا اتَّبَعْ مِن قَوْلِنا تَبِعَ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى -عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ العالِمُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ شَرَطَ أنَّهُ إنْ سَألَهُ بَعْدَ ذَلِكَ سُؤالًا آخَرَ يَحْصُلُ الفِراقُ حَيْثُ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ فَلَمّا ذَكَرَ هَذا السُّؤالَ فارَقَهُ ذَلِكَ العالِمُ وقالَ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ أيْ هَذا الفِراقُ المَوْعُودُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ هَذا إشارَةً إلى السُّؤالِ الثّالِثِ أيْ: هَذا الِاعْتِراضُ هو سَبَبُ الفِراقِ. السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ ؟ الجَوابُ: مَعْناهُ هَذا فِراقٌ حَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَكَ، فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى الظَّرْفِ، حَكى القَفّالُ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّ البَيْنَ هو الوَصْلُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ فَكانَ المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيِ اتِّصالُنا، كَقَوْلِ القائِلِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ، أيْ أحَدَنا هَكَذا قالَهُ الزَّجّاجُ، ثُمَّ قالَ العالِمُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ سَأُخْبِرُكَ بِحِكْمَةِ هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثَةِ، وأصْلُ التَّأْوِيلِ راجِعٌ إلى قَوْلِهِمْ آلَ الأمْرُ إلى كَذا أيْ صارَ إلَيْهِ، فَإذا قِيلَ: ما تَأْوِيلُهُ ؟ فالمَعْنى ما مَصِيرُهُ ؟ .

الكهف 18:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ تِلْكَ القَرْيَةَ هي أنْطاكِيَّةُ، وقِيلَ هي الأيْلَةُ، وهَهُنا سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: إنَّ الِاسْتِطْعامَ لَيْسَ مِن عادَةِ الكِرامِ؛ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ مُوسى وذَلِكَ العالِمُ ؟ لِأنَّ مُوسى كانَ مِن عادَتِهِ عَرْضُ الحاجَةِ، وطَلَبُ الطَّعامِ؛ ألا تَرى أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في قِصَّةِ مُوسى عِنْدَ وُرُودِ ماءِ مَدْيَنَ: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القَصَصِ: ٢٤] . الجَوابُ: أنَّ إقْدامَ الجائِعِ عَلى الِاسْتِطْعامِ أمْرٌ مُباحٌ في كُلِّ الشَّرائِعِ بَلْ رُبَّما وجَبَ ذَلِكَ عِنْدَ خَوْفِ الضَّرَرِ الشَّدِيدِ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ وكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُقالَ: اسْتَطْعَما مِنهم ؟ والجَوابُ أنَّ التَّكْرِيرَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: لَيْتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعِبُ دائِمًا كانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأوْداجِ السُّؤالُ الثّالِثُ: إنَّ الضِّيافَةَ مِنَ المَندُوباتِ؛ فَتَرْكُها تَرْكٌ لِلْمَندُوبِ، وذَلِكَ أمْرٌ غَيْرُ مُنْكَرٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ عُلُوِّ مَنصِبِهِ أنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمُ الغَضَبَ الشَّدِيدَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكَ العَهْدَ الَّذِي التَزَمَهُ مَعَ ذَلِكَ العالِمِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وأيْضًا مِثْلُ هَذا الغَضَبِ لِأجْلِ تَرْكِ الأكْلِ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ لا يَلِيقُ بِأدْوَنِ النّاسِ فَضْلًا عَنْ كَلِيمِ اللَّهِ. الجَوابُ: أمّا قَوْلُهُ: الضِّيافَةُ مِنَ المَندُوباتِ قُلْنا: قَدْ تَكُونُ مِنَ المَندُوباتِ، وقَدْ تَكُونُ مِنَ الواجِباتِ بِأنْ كانَ الضَّيْفُ قَدْ بَلَغَ في الجُوعِ إلى حَيْثُ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ لَهَلَكَ، وإذا كانَ التَّقْدِيرُ ما ذَكَرْناهُ لَمْ يَكُنِ الغَضَبُ الشَّدِيدُ لِأجْلِ تَرْكِ الأكْلِ يَوْمًا، فَإنْ قالُوا: ما بَلَغَ في الجُوعِ إلى حَدِّ الهَلاكِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ وكانَ يَطْلُبُ عَلى إصْلاحِ ذَلِكَ الجِدارِ أُجْرَةً، ولَوْ كانَ قَدْ بَلَغَ في الجُوعِ إلى حَدِّ الهَلاكِ لَما قَدَرَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ؛ فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنهُ طَلَبُ الأُجْرَةِ ؟ قُلْنا لَعَلَّ ذَلِكَ الجُوعَ كانَ شَدِيدًا إلّا أنَّهُ ما بَلَغَ حَدَّ الهَلاكِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: يُضَيِّفُوهُما يُقالُ: ضافَهُ إذا كانَ لَهُ ضَيْفًا، وحَقِيقَتُهُ مالَ إلَيْهِ مِن ضافَ السَّهْمُ عَنِ الغَرَضِ. ونَظِيرُهُ: زارَهُ مِنَ الِازْوِرارِ، وأضافَهُ وضَيَّفَهُ أنْزَلَهُ، وجَعَلَهُ ضَيْفَهُ، وعَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا. صفحة ١٣٤ البَحْثُ الثّانِي: رَأيْتُ في كُتُبِ الحِكاياتِ أنَّ أهْلَ تِلْكَ القَرْيَةِ لَمّا سَمِعُوا نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ اسْتَحْيَوْا، وجاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِحِمْلٍ مِنَ الذَّهَبِ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ نَشْتَرِي بِهَذا الذَّهَبِ أنْ تَجْعَلَ الباءَ تاءً؛ حَتّى تَصِيرَ القِراءَةُ هَكَذا: (فَأتَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما) . أيْ (أتَوْا) لِأنْ يُضَيِّفُوهُما، أيْ كانَ إتْيانُ أهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ إلَيْهِما لِأجْلِ الضِّيافَةِ، وقالُوا: غَرَضُنا مِنهُ أنْ يَنْدَفِعَ عَنّا هَذا اللُّؤْمُ فامْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وقالَ: إنَّ تَغْيِيرَ هَذِهِ النُّقْطَةِ يُوجِبُ دُخُولَ الكَذِبِ في كَلامِ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَدْحَ في الإلَهِيَّةِ؛ فَعَلِمْنا أنَّ تَغْيِيرَ النُّقْطَةِ الواحِدَةِ مِنَ القُرْآنِ يُوجِبُ بُطْلانَ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ﴾ أيْ: فَرَأيا في القَرْيَةِ حائِطًا مائِلًا، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ وصْفُ الجِدارِ بِالإرادَةِ مَعَ أنَّ الإرادَةَ مِن صِفاتِ الأحْياءِ ؟ قُلْنا: هَذا اللَّفْظُ ورَدَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، ولَهُ نَظائِرُ في الشِّعْرِ قالَ: يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلٍ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: إنْ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بَجَمْعَلٍ ∗∗∗ لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإحْسانِ وقالَ الرّاعِي: فِي مَهْمَهٍ فَلَقْتُ بِهِ هاماتِها ∗∗∗ فَلْقَ الفُئُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولًا ونَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَنْقَضَّ﴾ يُقالُ انْقَضَّ إذا أسْرَعَ سُقُوطُهُ مِنَ انْقِضاضِ الطّائِرِ، وهو انْفَعَلَ مُطاوِعُ قَضَضْتُهُ، وقِيلَ: انْقَضَّ فِعْلٌ مِنَ النَّقْضِ كاحْمَرَّ مِنَ الحُمْرَةِ، وقُرِئَ: أنْ يُنْقَضَ، مِنَ النَّقْضِ، وأنْ يَنْقاضَّ مَنِ انْقاضَّتِ العَيْنُ إذا انْشَقَّتْ طُولًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأقامَهُ﴾ قِيلَ: نَقَضَهُ ثُمَّ بَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِيَدِهِ، وقِيلَ: مَسَحَهُ بِيَدِهِ؛ فَقامَ، واسْتَوى، وكانَ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِهِ، واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ العالِمَ لَمّا فَعَلَ ذَلِكَ، وكانَتِ الحالَةُ حالَةَ اضْطِرارٍ وافْتِقارٍ إلى الطَّعامِ؛ فَلِأجْلِ تِلْكَ الضَّرُورَةِ نَسِيَ مُوسى ما قالَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ طَلَبْتَ عَلى عَمَلِكَ أُجْرَةً تَصْرِفُها في تَحْصِيلِ المَطْعُومِ وتَحْصِيلِ سائِرِ المُهِمّاتِ، وقُرِئَ: ﴿لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ والتّاءُ في تَخِذْتَ أصْلٌ كَما في تَبِعَ، واتَّخَذَ افْتَعَلَ مِنهُ كَقَوْلِنا اتَّبَعْ مِن قَوْلِنا تَبِعَ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى -عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ العالِمُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ شَرَطَ أنَّهُ إنْ سَألَهُ بَعْدَ ذَلِكَ سُؤالًا آخَرَ يَحْصُلُ الفِراقُ حَيْثُ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ فَلَمّا ذَكَرَ هَذا السُّؤالَ فارَقَهُ ذَلِكَ العالِمُ وقالَ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ أيْ هَذا الفِراقُ المَوْعُودُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ هَذا إشارَةً إلى السُّؤالِ الثّالِثِ أيْ: هَذا الِاعْتِراضُ هو سَبَبُ الفِراقِ. السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ ؟ الجَوابُ: مَعْناهُ هَذا فِراقٌ حَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَكَ، فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى الظَّرْفِ، حَكى القَفّالُ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّ البَيْنَ هو الوَصْلُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ فَكانَ المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيِ اتِّصالُنا، كَقَوْلِ القائِلِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ، أيْ أحَدَنا هَكَذا قالَهُ الزَّجّاجُ، ثُمَّ قالَ العالِمُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ سَأُخْبِرُكَ بِحِكْمَةِ هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثَةِ، وأصْلُ التَّأْوِيلِ راجِعٌ إلى قَوْلِهِمْ آلَ الأمْرُ إلى كَذا أيْ صارَ إلَيْهِ، فَإذا قِيلَ: ما تَأْوِيلُهُ ؟ فالمَعْنى ما مَصِيرُهُ ؟ .

الكهف 18:79

قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسائِلَ الثَّلاثَةَ مُشْتَرِكَةٌ في شَيْءٍ واحِدٍ وهو أنَّ أحْكامَ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَبْنِيَّةٌ عَلى الظَّواهِرِ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ» . وهَذا العالِمُ ما كانَتْ أحْكامُهُ مَبْنِيَّةً عَلى ظَواهِرِ الأُمُورِ بَلْ كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى الأسْبابِ الحَقِيقِيَّةِ الواقِعَةِ في نَفْسِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ يَحْرُمُ التَّصَرُّفُ في أمْوالِ النّاسِ وفي أرْواحِهِمْ في المَسْألَةِ الأُولى وفي الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ظاهِرٍ يُبِيحُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ؛ لِأنَّ تَخْرِيقَ السَّفِينَةِ تَنْقِيصٌ لِمِلْكِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ظاهِرٍ، وقَتْلَ الغُلامِ تَفْوِيتٌ لِنَفْسٍ مَعْصُومَةٍ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ظاهِرٍ، والإقْدامَ عَلى إقامَةِ ذَلِكَ الجِدارِ المائِلِ في المَسْألَةِ الثّالِثَةِ تَحَمُّلُ التَّعَبِ والمَشَقَّةِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ظاهِرٍ، وفي هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثَةِ لَيْسَ حُكْمُ ذَلِكَ العالِمِ فِيها مَبْنِيًّا عَلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ المَعْلُومَةِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَبْنِيًّا عَلى أسْبابٍ مُعْتَبَرَةٍ في نَفْسِ الأمْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العالِمَ كانَ قَدْ آتاهُ اللَّهُ قُوَّةً عَقْلِيَّةً؛ قَدَرَ بِها أنْ يُشْرِفَ عَلى بَواطِنِ الأُمُورِ، ويَطَّلِعَ بِها عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ؛ فَكانَتْ مَرْتَبَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَعْرِفَةِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ بِناءَ الأمْرِ عَلى الظَّواهِرِ، وهَذا العالِمُ كانَتْ مَرْتَبَتُهُ الوُقُوفَ عَلى بَواطِنِ الأشْياءِ وحَقائِقِ الأُمُورِ والِاطِّلاعِ عَلى أسْرارِها الكامِنَةِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ ظَهَرَ أنَّ مَرْتَبَتَهُ في العِلْمِ كانَتْ فَوْقَ مَرْتَبَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَسائِلُ الثَّلاثَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ عِنْدَ تَعارُضِ الضَّرَرَيْنِ يَجِبُ تَحَمُّلُ الأدْنى لِدَفْعِ الأعْلى؛ فَهَذا هو الأصْلُ المُعْتَبَرُ في المَسائِلِ الثَّلاثَةِ. أمّا المَسْألَةُ الأُولى: فَلِأنَّ ذَلِكَ العالِمَ عَلِمَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَعِبْ تِلْكَ السَّفِينَةَ بِالتَّخْرِيقِ لَغَصَبَها ذَلِكَ المَلِكُ، وفاتَتْ مَنافِعُها عَنْ مُلّاكِها بِالكُلِّيَّةِ فَوَقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ أنْ يَخْرِقَها ويَعِيبَها فَتَبْقى مَعَ ذَلِكَ عَلى مُلّاكِها، وبَيْنَ أنْ لا يَخْرِقَها فَيَغْصِبَها المَلِكُ فَتَفُوتَ مَنافِعُها بِالكُلِّيَّةِ عَلى مُلّاكِها، ولا شَكَّ أنَّ الضَّرَرَ الأوَّلَ أقَلُّ فَوَجَبَ تَحَمُّلُهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الثّانِي الَّذِي هو أعْظَمُهُما. صفحة ١٣٦ وأمّا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فَكَذَلِكَ لِأنَّ بَقاءَ ذَلِكَ الغُلامِ حَيًّا كانَ مَفْسَدَةً لِلْوالِدَيْنِ في دِينِهِمْ وفي دُنْياهم، ولَعَلَّهُ عَلِمَ بِالوَحْيِ أنَّ المَضارَّ النّاشِئَةَ مِن قَتْلِ ذَلِكَ الغُلامِ أقَلُّ مِنَ المَضارِّ النّاشِئَةِ بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ المَفاسِدِ لِلْأبَوَيْنِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أقْدَمَ عَلى قَتْلِهِ. والمَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّ المَشَقَّةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الإقْدامِ عَلى إقامَةِ ذَلِكَ الجِدارِ ضَرَرُها أقَلُّ مِن سُقُوطِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ سَقَطَ لَضاعَ مالُ تِلْكَ الأيْتامِ، وفِيهِ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، فالحاصِلُ أنَّ ذَلِكَ العالِمَ كانَ مَخْصُوصًا بِالوُقُوفِ عَلى بَواطِنِ الأشْياءِ وبِالِاطِّلاعِ عَلى حَقائِقِها كَما هي عَلَيْها في أنْفُسِها، وكانَ مَخْصُوصًا بِبِناءِ الأحْكامِ الحَقِيقِيَّةِ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ الباطِنَةِ، وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَما كانَ كَذَلِكَ بَلْ كانَتْ أحْكامُهُ مَبْنِيَّةً عَلى ظَواهِرِ الأُمُورِ فَلا جَرَمَ ظَهَرَ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في العِلْمِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى أطْلَعَهُ عَلى بَواطِنِ الأشْياءِ وحَقائِقِها في نَفْسِها، وهَذا النَّوْعُ مِنَ العِلْمِ لا يُمْكِنُ تَعَلُّمُهُ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَهَبَ إلَيْهِ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ العِلْمَ فَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلى ذَلِكَ العالِمِ أنْ يُظْهِرَ لَهُ عِلْمًا يُمْكِنُ لَهُ تَعَلُّمُهُ، وهَذِهِ المَسائِلُ الثَّلاثَةُ عُلُومٌ لا يُمْكِنُ تَعَلُّمُها؛ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِها وإظْهارِها ؟ والجَوابُ: أنَّ العِلْمَ بِظَواهِرِ الأشْياءِ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِناءً عَلى مَعْرِفَةِ الشَّرائِعِ الظّاهِرَةِ، وأمّا العِلْمُ بِبَواطِنِ الأشْياءِ فَإنَّما يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِناءً عَلى تَصْفِيَةِ الباطِنِ وتَجْرِيدِ النَّفْسِ وتَطْهِيرِ القَلْبِ عَنِ العَلائِقِ الجَسَدانِيَّةِ، ولِهَذا قالَ تَعالى في صِفَةِ عِلْمِ ذَلِكَ العالِمِ: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ (الكَهْفِ: ٦٥)، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَمُلَتْ مَرْتَبَتُهُ في عِلْمِ الشَّرِيعَةِ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى هَذا العالِمِ لِيَعْلَمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ كَمالَ الدَّرَجَةِ في أنْ يَنْتَقِلَ الإنْسانُ مِن عُلُومِ الشَّرِيعَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الظَّواهِرِ إلى عُلُومِ الباطِنِ المَبْنِيَّةِ عَلى الإشْرافِ عَلى البَواطِنِ والتَّطَلُّعِ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ العالِمَ أجابَ عَنِ المَسْألَةِ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وفِيهِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ تِلْكَ السَّفِينَةَ كانَتْ لِأقْوامٍ مُحْتاجِينَ مُتَعَيِّشِينَ بِها في البَحْرِ واللَّهُ تَعالى سَمّاهم مَساكِينَ، واعْلَمْ أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ حالَ الفَقِيرِ في الضُّرِّ والحاجَةِ أشَدُّ مِن حالِ المِسْكِينِ؛ لِأنَّهُ تَعالى سَمّاهم مَساكِينَ مَعَ أنَّهم كانُوا يَمْلِكُونَ تِلْكَ السَّفِينَةَ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مُرادَ ذَلِكَ العالِمِ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهُ ما كانَ مَقْصُودِي مِن تَخْرِيقِ تِلْكَ السَّفِينَةِ تَغْرِيقَ أهْلِها؛ بَلْ مَقْصُودِي أنَّ ذَلِكَ المَلِكَ الظّالِمَ كانَ يَغْصِبُ السُّفُنَ الخالِيَةَ عَنِ العُيُوبِ؛ فَجَعَلْتُ هَذِهِ السَّفِينَةَ مَعِيبَةً؛ لِئَلّا يَغْصِبَها ذَلِكَ الظّالِمُ، فَإنَّ ضَرَرَ هَذا التَّخْرِيقِ أسْهَلُ مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِن ذَلِكَ الغَصْبِ، فَإنْ قِيلَ وهَلْ يَجُوزُ لِلْأجْنَبِيِّ أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِ الغَيْرِ لِمِثْلِ هَذا الغَرَضِ ؟ قُلْنا: هَذا مِمّا يَخْتَلِفُ أحْوالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الشَّرائِعِ فَلَعَلَّ هَذا المَعْنى كانَ جائِزًا في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وأمّا في شَرِيعَتِنا فَمِثْلُ هَذا الحُكْمِ غَيْرُ بَعِيدٍ، فَإنّا إذا عَلِمْنا أنَّ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ ويَأْخُذُونَ جَمِيعَ مِلْكِ الإنْسانِ، فَإنْ دَفَعْنا إلى قاطِعِ الطَّرِيقِ بَعْضَ ذَلِكَ المالِ سَلِمَ الباقِي فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ مِنّا أنْ نَدْفَعَ بَعْضَ مالِ ذَلِكَ الإنْسانِ إلى قاطِعِ الطَّرِيقِ؛ لِيَسْلَمَ الباقِي، وكانَ هَذا مِنّا يُعَدُّ إحْسانًا إلى ذَلِكَ المالِكِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ ذَلِكَ التَّخْرِيقَ وجَبَ أنْ يَكُونَ واقِعًا عَلى وجْهٍ لا تَبْطُلُ بِهِ تِلْكَ السَّفِينَةُ بِالكُلِّيَّةِ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الضَّرَرُ الحاصِلُ مِن غَصْبِها أبْلَغَ مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِن تَخْرِيقِها، وحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ تَخْرِيقُها جائِزًا. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: لَفْظُ الوَراءِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ وراءَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ، هَكَذا قالَهُ الفَرّاءُ صفحة ١٣٧ وتَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ (الجاثِيَةِ: ١٠) أيْ أمامِهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ (الإنْسانِ: ٢٧) وتَحْقِيقُهُ أنَّ كُلَّ ما غابَ عَنْكَ فَقَدْ تَوارى عَنْكَ وأنْتَ مُتَوارٍ عَنْهُ، فَكُلُّ ما غابَ عَنْكَ فَهو وراءَكَ، وأمامُ الشَّيْءِ وقُدّامُهُ إذا كانَ غائِبًا عَنْهُ مُتَوارِيًا عَنْهُ فَلَمْ يَبْعُدْ إطْلاقُ لَفْظِ وراءَ عَلَيْهِ. والقَوْلُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَلِكُ كانَ مِن وراءِ المَوْضِعِ الَّذِي يَرْكَبُ مِنهُ صاحِبُهُ وكانَ مَرْجِعُ السَّفِينَةِ عَلَيْهِ.

الكهف 18:80

وأمّا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي قَتْلُ الغُلامِ فَقَدْ أجابَ العالِمُ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الغُلامَ كانَ بالِغًا وكانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ويُقْدِمُ عَلى الأفْعالِ المُنْكَرَةِ، وكانَ أبَواهُ يَحْتاجانِ إلى دَفْعِ شَرِّ النّاسِ عَنْهُ والتَّعَصُّبِ لَهُ وتَكْذِيبِ مَن يَرْمِيهِ بِشَيْءٍ مِنَ المُنْكَراتِ وكانَ يَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِهِما في الفِسْقِ. ورُبَّما أدّى ذَلِكَ الفِسْقُ إلى الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ صَبِيًّا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا؛ لَحَصَلَتْ مِنهُ هَذِهِ المَفاسِدُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ الخَشْيَةُ بِمَعْنى الخَوْفِ وغَلَبَةِ الظَّنِّ، واللَّهُ تَعالى قَدْ أباحَ لَهُ قَتْلَ مَن غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ تَوَلُّدُ مِثْلِ هَذا الفَسادِ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الغُلامَ يَحْمِلُ أبَوَيْهِ عَلى الطُّغْيانِ والكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ (الكَهْفِ: ٧٣) أيْ لا تَحْمِلْنِي عَلى عُسْرٍ وضِيقٍ وذَلِكَ لِأنَّ أبَوَيْهِ لِأجْلِ حُبِّ ذَلِكَ الوَلَدِ يَحْتاجانِ إلى الذَّبِّ عَنْهُ، ورُبَّما احْتاجا إلى مُوافَقَتِهِ في تِلْكَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ كانَ يُعاشِرُهُما مُعاشَرَةَ الطُّغاةِ الكُفّارِ، فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى قَتْلِ الإنْسانِ لِمِثْلِ هَذا الظَّنِّ ؟ قُلْنا: إذا تَأكَّدَ ذَلِكَ الظَّنُّ بِوَحْيِ اللَّهِ جازَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ أيْ أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ تَعالى ولَدًا خَيْرًا مِن هَذا الغُلامِ زَكاةً؛ أيْ: دِينًا وصَلاحًا، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَهُ الزَّكاةَ هَهُنا عَلى مُقابَلَةِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ فَقالَ العالِمُ: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَ اللَّهُ هَذَيْنِ الأبَوَيْنِ خَيْرًا بَدَلًا عَنِ ابْنِهِما هَذا ولَدًا؛ يَكُونُ خَيْرًا مِنهُ كَما ذَكَرْتَهُ مِنَ الزَّكاةِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الزَّكاةِ الطَّهارَةَ؛ فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: أقَتَلْتَ نَفْسًا طاهِرَةً لِأنَّها ما وصَلَتْ إلى حَدِّ البُلُوغِ فَكانَتْ زاكِيَةً طاهِرَةً مِنَ المَعاصِي فَقالَ العالِمُ: إنَّ تِلْكَ النَّفْسَ وإنْ كانَتْ زاكِيَةً طاهِرَةً في الحالِ إلّا أنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنها أنَّها إذا بَلَغَتْ أقْدَمَتْ عَلى الطُّغْيانِ والكُفْرِ؛ فَأرَدْنا أنْ يَجْعَلَ لَهُما ولَدًا أعْظَمَ زَكاةً وطَهارَةً مِنهُ وهو الَّذِي يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ عِنْدَ البُلُوغِ لا يُقْدِمُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ المَحْظُوراتِ ومَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ الغُلامَ كانَ بالِغًا قالَ: المُرادُ مِن صِفَةِ نَفْسِهِ بِكَوْنِها زاكِيَةً أنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ ما يُوجِبُ قَتْلَهُ ثُمَّ قالَ: ﴿وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ أيْ يَكُونُ هَذا البَدَلُ أقْرَبَ عَطْفًا ورَحْمَةً بِأبَوَيْهِ بِأنْ يَكُونَ أبَرَّ بِهِما وأشْفَقَ عَلَيْهِما، والرُّحْمُ الرَّحْمَةُ والعَطْفُ. رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَتْ لَهُما جارِيَةٌ تَزَوَّجَها نَبِيٌّ فَوَلَدَتْ نَبِيًّا هَدى اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ أُمَّةً عَظِيمَةً. بَقِيَ مِن مَباحِثِ هَذِهِ الآيَةِ مَوْضِعانِ في القِراءَةِ: الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو (يُبَدِّلَهُما) بِفَتْحِ الباءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وكَذَلِكَ في التَّحْرِيمِ: (أنْ يُبَدِّلَهُ أزْواجًا) وفي القَلَمِ: (عَسى رَبُّنا أنْ يُبَدِّلَنا) والباقُونَ ساكِنَةَ الباءِ خَفِيفَةَ الدّالِ وهُما لُغَتانِ أبْدَلَ يُبْدِلُ وبَدَّلَ يُبَدِّلُ. الثّانِي: قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أبِي عَمْرٍو (رُحُمًا) بِضَمِّ الحاءِ، والباقُونَ بِسُكُونِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ نُكْرٍ ونُكُرٍ وشُغْلٍ وشُغُلٍ. وأمّا المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وهي إقامَةُ الجِدارِ فَقَدْ أجابَ العالِمُ عَنْها بِأنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلَيْها أنَّهُ كانَ تَحْتَ ذَلِكَ الجِدارِ كَنْزٌ وكانَ ذَلِكَ لِيَتِيمَيْنِ في تِلْكَ المَدِينَةِ وكانَ أبُوهُما صالِحًا ولَمّا كانَ ذَلِكَ الجِدارُ مُشْرِفًا عَلى السُّقُوطِ صفحة ١٣٨ ولَوْ سَقَطَ لَضاعَ ذَلِكَ الكَنْزُ فَأرادَ اللَّهُ إبْقاءَ ذَلِكَ الكَنْزِ عَلى ذَيْنِكَ اليَتِيمَيْنِ رِعايَةً لِحَقِّهِما ورِعايَةً لَحِقِّ صَلاحِ أبِيهِما؛ فَأمَرَنِي بِإقامَةِ ذَلِكَ الجِدارِ رِعايَةً لِهَذِهِ المَصالِحِ.

الكهف 18:81

وأمّا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي قَتْلُ الغُلامِ فَقَدْ أجابَ العالِمُ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الغُلامَ كانَ بالِغًا وكانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ويُقْدِمُ عَلى الأفْعالِ المُنْكَرَةِ، وكانَ أبَواهُ يَحْتاجانِ إلى دَفْعِ شَرِّ النّاسِ عَنْهُ والتَّعَصُّبِ لَهُ وتَكْذِيبِ مَن يَرْمِيهِ بِشَيْءٍ مِنَ المُنْكَراتِ وكانَ يَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِهِما في الفِسْقِ. ورُبَّما أدّى ذَلِكَ الفِسْقُ إلى الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ صَبِيًّا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا؛ لَحَصَلَتْ مِنهُ هَذِهِ المَفاسِدُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ الخَشْيَةُ بِمَعْنى الخَوْفِ وغَلَبَةِ الظَّنِّ، واللَّهُ تَعالى قَدْ أباحَ لَهُ قَتْلَ مَن غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ تَوَلُّدُ مِثْلِ هَذا الفَسادِ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الغُلامَ يَحْمِلُ أبَوَيْهِ عَلى الطُّغْيانِ والكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ (الكَهْفِ: ٧٣) أيْ لا تَحْمِلْنِي عَلى عُسْرٍ وضِيقٍ وذَلِكَ لِأنَّ أبَوَيْهِ لِأجْلِ حُبِّ ذَلِكَ الوَلَدِ يَحْتاجانِ إلى الذَّبِّ عَنْهُ، ورُبَّما احْتاجا إلى مُوافَقَتِهِ في تِلْكَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ كانَ يُعاشِرُهُما مُعاشَرَةَ الطُّغاةِ الكُفّارِ، فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى قَتْلِ الإنْسانِ لِمِثْلِ هَذا الظَّنِّ ؟ قُلْنا: إذا تَأكَّدَ ذَلِكَ الظَّنُّ بِوَحْيِ اللَّهِ جازَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ أيْ أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ تَعالى ولَدًا خَيْرًا مِن هَذا الغُلامِ زَكاةً؛ أيْ: دِينًا وصَلاحًا، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَهُ الزَّكاةَ هَهُنا عَلى مُقابَلَةِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ فَقالَ العالِمُ: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَ اللَّهُ هَذَيْنِ الأبَوَيْنِ خَيْرًا بَدَلًا عَنِ ابْنِهِما هَذا ولَدًا؛ يَكُونُ خَيْرًا مِنهُ كَما ذَكَرْتَهُ مِنَ الزَّكاةِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الزَّكاةِ الطَّهارَةَ؛ فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: أقَتَلْتَ نَفْسًا طاهِرَةً لِأنَّها ما وصَلَتْ إلى حَدِّ البُلُوغِ فَكانَتْ زاكِيَةً طاهِرَةً مِنَ المَعاصِي فَقالَ العالِمُ: إنَّ تِلْكَ النَّفْسَ وإنْ كانَتْ زاكِيَةً طاهِرَةً في الحالِ إلّا أنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنها أنَّها إذا بَلَغَتْ أقْدَمَتْ عَلى الطُّغْيانِ والكُفْرِ؛ فَأرَدْنا أنْ يَجْعَلَ لَهُما ولَدًا أعْظَمَ زَكاةً وطَهارَةً مِنهُ وهو الَّذِي يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ عِنْدَ البُلُوغِ لا يُقْدِمُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ المَحْظُوراتِ ومَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ الغُلامَ كانَ بالِغًا قالَ: المُرادُ مِن صِفَةِ نَفْسِهِ بِكَوْنِها زاكِيَةً أنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ ما يُوجِبُ قَتْلَهُ ثُمَّ قالَ: ﴿وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ أيْ يَكُونُ هَذا البَدَلُ أقْرَبَ عَطْفًا ورَحْمَةً بِأبَوَيْهِ بِأنْ يَكُونَ أبَرَّ بِهِما وأشْفَقَ عَلَيْهِما، والرُّحْمُ الرَّحْمَةُ والعَطْفُ. رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَتْ لَهُما جارِيَةٌ تَزَوَّجَها نَبِيٌّ فَوَلَدَتْ نَبِيًّا هَدى اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ أُمَّةً عَظِيمَةً. بَقِيَ مِن مَباحِثِ هَذِهِ الآيَةِ مَوْضِعانِ في القِراءَةِ: الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو (يُبَدِّلَهُما) بِفَتْحِ الباءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وكَذَلِكَ في التَّحْرِيمِ: (أنْ يُبَدِّلَهُ أزْواجًا) وفي القَلَمِ: (عَسى رَبُّنا أنْ يُبَدِّلَنا) والباقُونَ ساكِنَةَ الباءِ خَفِيفَةَ الدّالِ وهُما لُغَتانِ أبْدَلَ يُبْدِلُ وبَدَّلَ يُبَدِّلُ. الثّانِي: قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أبِي عَمْرٍو (رُحُمًا) بِضَمِّ الحاءِ، والباقُونَ بِسُكُونِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ نُكْرٍ ونُكُرٍ وشُغْلٍ وشُغُلٍ. وأمّا المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وهي إقامَةُ الجِدارِ فَقَدْ أجابَ العالِمُ عَنْها بِأنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلَيْها أنَّهُ كانَ تَحْتَ ذَلِكَ الجِدارِ كَنْزٌ وكانَ ذَلِكَ لِيَتِيمَيْنِ في تِلْكَ المَدِينَةِ وكانَ أبُوهُما صالِحًا ولَمّا كانَ ذَلِكَ الجِدارُ مُشْرِفًا عَلى السُّقُوطِ صفحة ١٣٨ ولَوْ سَقَطَ لَضاعَ ذَلِكَ الكَنْزُ فَأرادَ اللَّهُ إبْقاءَ ذَلِكَ الكَنْزِ عَلى ذَيْنِكَ اليَتِيمَيْنِ رِعايَةً لِحَقِّهِما ورِعايَةً لَحِقِّ صَلاحِ أبِيهِما؛ فَأمَرَنِي بِإقامَةِ ذَلِكَ الجِدارِ رِعايَةً لِهَذِهِ المَصالِحِ.

الكهف 18:82

وفي الآيَةِ فَوائِدُ: الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى سَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ قَرْيَةً حَيْثُ قالَ: ﴿إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وسَمّاهُ أيْضًا مَدِينَةً حَيْثُ قالَ: ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ . الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذا الكَنْزِ فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ مالًا وهَذا هو الصَّحِيحُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المَفْهُومَ مِن لَفْظِ الكَنْزِ هو المالُ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَنْزَ هو المالُ وقِيلَ إنَّهُ كانَ عِلْمًا بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ والرَّجُلُ الصّالِحُ يَكُونُ كَنْزُهُ العِلْمَ لا المالَ إذْ كَنْزُ المالِ لا يَلِيقُ بِالصَّلاحِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٤] وقِيلَ: كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ مَكْتُوبًا فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ، وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ، وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، وعَجِبْتُ لِمَن يُؤْمِنُ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفُلُ، وعَجِبْتُ لِمَن يَعْرِفُ الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْها، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ صَلاحَ الآباءِ يُفِيدُ العِنايَةَ بِأحْوالِ الأبْناءِ وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ كانَ بَيْنَ الغُلامَيْنِ وبَيْنَ الأبِ الصّالِحِ سَبْعَةُ آباءٍ وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ الخَوارِجِ في كَلامٍ جَرى بَيْنَهُما: بِمَ حَفِظَ اللَّهُ مالَ الغُلامَيْنِ ؟ قالَ: بِصَلاحِ أبِيهِما، قالَ: فَأبِي وجَدِّي خَيْرٌ مِنهُ ؟ قالَ: قَدْ أنْبَأنا اللَّهُ أنَّكم قَوْمٌ خَصِمُونَ. وذَكَرُوا أيْضًا أنَّ ذَلِكَ الأبَ الصّالِحَ كانَ النّاسُ يَضَعُونَ الوَدائِعَ إلَيْهِ؛ فَيَرُدُّها إلَيْهِمْ بِالسَّلامَةِ، فَإنْ قِيلَ: اليَتِيمانِ هَلْ عَرَفَ أحَدٌ مِنهُما حُصُولَ الكَنْزِ تَحْتَ ذَلِكَ الجِدارِ أوْ ما عَرَفَ أحَدٌ مِنهُما ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلُ امْتَنَعَ أنْ يَتْرُكُوا سُقُوطَ ذَلِكَ الجِدارِ، وإنْ كانَ الثّانِي، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم بَعْدَ البُلُوغِ اسْتِخْراجُ ذَلِكَ الكَنْزِ والِانْتِفاعُ بِهِ ؟ الجَوابُ: لَعَلَّ اليَتِيمَيْنِ كانا جاهِلَيْنِ بِهِ إلّا أنَّ وصِيَّهُما كانَ عالِمًا بِهِ، ثُمَّ (إنَّ) ذَلِكَ الوَصِيَّ غابَ وأشْرَفَ ذَلِكَ الجِدارُ في غَيْبَتِهِ عَلى السُّقُوطِ، ولَمّا قَرَّرَ العالِمُ هَذِهِ الجَواباتِ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي إنَّما فَعَلْتُ هَذِهِ الفِعالَ لِغَرَضِ أنْ تَظْهَرَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى لِأنَّها بِأسْرِها تَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو تَحَمُّلُ الضَّرَرِ الأدْنى لِدَفْعِ الضَّرَرِ الأعْلى كَما قَرَّرْناهُ ثُمَّ قالَ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ يَعْنِي ما فَعَلْتُ ما رَأيْتَ مِن هَذِهِ الأحْوالِ عَنْ أمْرِي واجْتِهادِي ورَأْيِي وإنَّما فَعَلْتُهُ بِأمْرِ اللَّهِ ووَحْيِهِ؛ لِأنَّ الإقْدامَ عَلى تَنْقِيصِ أمْوالِ النّاسِ وإراقَةِ دِمائِهِمْ لا يَجُوزُ إلّا بِالوَحْيِ والنَّصِّ القاطِعِ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ قالَ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ وقالَ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ وقالَ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ كَيْفَ اخْتَلَفَتِ الإضافَةُ في هَذِهِ الإراداتِ الثَّلاثِ وهي كُلُّها في قِصَّةٍ واحِدَةٍ وفِعْلٍ واحِدٍ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العَيْبَ أضافَهُ إلى إرادَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: أرَدْتُ أنْ أعِيبَها ولَمّا ذَكَرَ القَتْلَ؛ عَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِنَ العُظَماءِ في عُلُومِ الحِكْمَةِ فَلَمْ يُقْدِمُ عَلى هَذا القَتْلِ إلّا لِحِكْمَةٍ عالِيَةٍ، ولَمّا ذَكَرَ رِعايَةَ مَصالِحِ اليَتِيمَيْنِ لِأجْلِ صَلاحِ أبِيهِما أضافَهُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ المُتَكَفِّلَ بِمَصالِحِ الأبْناءِ لِرِعايَةِ حَقِّ الآباءِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى.

الكهف 18:83

صفحة ١٣٩ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الرّابِعَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ اليَهُودَ أمَرُوا المُشْرِكِينَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ هو ذَلِكَ السُّؤالُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ ذا القَرْنَيْنِ مَن هو ؟ وذَكَرُوا فِيهِ أقْوالًا: الأوَّلُ: أنَّهُ هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِبُوسَ اليُونانِيُّ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ المُسَمّى بِذِي القَرْنَيْنِ بَلَغَ مُلْكُهُ إلى أقْصى المَغْرِبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكَهْفِ: ٨٦] وأيْضًا بَلَغَ مُلْكُهُ أقْصى المَشْرِقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكَهْفِ: ٩٠] وأيْضًا بَلَغَ مُلْكُهُ أقْصى الشَّمالِ بِدَلِيلِ أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قَوْمٌ مِنَ التُّرْكِ يَسْكُنُونَ في أقْصى الشَّمالِ، وبِدَلِيلِ أنَّ السَّدَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ يُقالُ في كُتُبِ التَّوارِيخِ إنَّهُ مَبْنِيٌّ في أقْصى الشَّمالِ فَهَذا الإنْسانُ المُسَمّى بِذِي القَرْنَيْنِ في القُرْآنِ قَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ مُلْكَهُ بَلَغَ أقْصى المَغْرِبِ والمَشْرِقِ والشَّمالِ وهَذا هو تَمامُ القَدْرِ المَعْمُورِ مِنَ الأرْضِ، ومِثْلُ هَذا المَلِكِ البَسِيطِ لا شَكَّ أنَّهُ عَلى خِلافِ العاداتِ وما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَبْقى ذِكْرُهُ مُخَلَّدًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وأنْ لا يَبْقى مَخْفِيًّا مُسْتَتِرًا، والمَلِكُ الَّذِي اشْتُهِرَ في كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّهُ بَلَغَ مُلْكُهُ إلى هَذا الحَدِّ لَيْسَ إلّا الإسْكَنْدَرَ، وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا ماتَ أبُوهُ جَمَعَ مُلُوكَ الرُّومِ بَعْدَ أنْ كانُوا طَوائِفَ ثُمَّ جَمَعَ مُلُوكَ المَغْرِبِ وقَهَرَهم، وأمْعَنَ حَتّى انْتَهى إلى البَحْرِ الأخْضَرِ ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ؛ فَبَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ وسَمّاها بِاسْمِ نَفْسِهِ ثُمَّ دَخَلَ الشّامَ، وقَصَدَ بَنِي إسْرائِيلَ، ووَرَدَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وذَبَحَ في مَذْبَحِهِ ثُمَّ انْعَطَفَ إلى أرْمِينِيَّةَ وبابِ الأبْوابِ، ودانَتْ لَهُ العِراقِيُّونَ والقِبْطُ والبَرْبَرُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ دارا بْنِ دارا، وهَزَمَهُ مَرّاتٍ إلى أنْ قَتَلَهُ صاحِبُ حَرَسِهِ؛ فاسْتَوْلى الإسْكَنْدَرُ عَلى مَمالِكِ الفُرْسِ ثُمَّ قَصَدَ الهِنْدَ والصِّينَ، وغَزا الأُمَمَ البَعِيدَةَ، ورَجَعَ إلى خُراسانَ وبَنى المُدُنَ الكَثِيرَةَ ورَجَعَ إلى العِراقِ ومَرِضَ بِشَهْرَزُورَ، وماتَ بِها. فَلَمّا ثَبَتَ بِالقُرْآنِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ رَجُلًا مَلَكَ الأرْضَ بِالكُلِّيَّةِ، أوْ ما يَقْرُبُ مِنها، وثَبَتَ بِعِلْمِ التَّوارِيخِ أنَّ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ ما كانَ إلّا الإسْكَنْدَرَ؛ وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المُرادَ بِذِي القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِبُوسَ اليُونانِيُّ ثُمَّ ذَكَرُوا في سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِهَذا الِاسْمِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّهُ لُقِّبَ بِهَذا اللَّقَبِ لِأجْلِ بُلُوغِهِ قَرْنَيِ الشَّمْسِ أيْ مَطْلَعِها ومَغْرِبِها كَما لُقِّبَ أرْدَشِيرُ بْنُ بَهْمَنَ بِطَوِيلِ اليَدَيْنِ، لِنُفُوذِ أمْرِهِ حَيْثُ أرادَ. والثّانِي: أنَّ الفُرْسَ قالُوا: إنْ دارا الأكْبَرَ كانَ قَدْ تَزَوَّجَ بِابْنَةِ فِيلِبُوسَ؛ فَلَمّا قَرُبَ مِنها وجَدَ مِنها رائِحَةً مُنْكَرَةً؛ فَرَدَّها عَلى أبِيها فِيلِبُوسَ، وكانَتْ قَدْ حَمَلَتْ مِنهُ بِالإسْكَنْدَرِ؛ فَوَلَدَتِ الإسْكَنْدَرَ بَعْدَ عَوْدِها إلى أبِيها؛ فَبَقِيَ الإسْكَنْدَرُ عِنْدَ فِيلِبُوسَ، وأظْهَرَ فِيلِبُوسُ أنَّهُ ابْنُهُ، وهو في الحَقِيقَةِ ابْنُ دارا الأكْبَرِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الإسْكَنْدَرَ لَمّا أدْرَكَ دارا بْنَ دارا وبِهِ رَمَقٌ وضَعَ رَأْسَهُ في حِجْرِهِ، وقالَ لِدارا: يا أبِي أخْبِرْنِي عَمَّنْ فَعَلَ هَذا لِأنْتَقِمَ لَكَ مِنهُ ! فَهَذا ما قالَهُ الفُرْسُ، قالُوا: وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإسْكَنْدَرُ أبُوهُ دارا الأكْبَرُ، وأُمُّهُ بِنْتُ فِيلِبُوسَ، فَهو إنَّما تَوَلَّدَ مِن أصْلَيْنِ صفحة ١٤٠ مُخْتَلِفَيْنِ الفُرْسِ والرُّومِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ الفُرْسُ إنَّما ذَكَرُوهُ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَجْعَلُوهُ مِن نَسْلِ مُلُوكِ العَجَمِ حَتّى لا يَكُونَ مَلِكٌ مِثْلُهُ مِن نَسَبٍ غَيْرِ نَسَبِ مُلُوكِ العَجَمِ، وهو في الحَقِيقَةِ كَذِبٌ، وإنَّما قالَ الإسْكَنْدَرُ لِدارا: يا أبِي عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ، وأكْرَمَ دارا بِذَلِكَ الخِطابِ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو الرَّيْحانِ الهَرَوِيُّ المُنَجِّمُ في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالآثارِ الباقِيَةِ عَنِ القُرُونِ الخالِيَةِ، قِيلَ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو أبُو كَرْبٍ شِمْرُ بْنُ عُبَيْرِ بْنِ أفْرِيقِشَ الحِمْيَرِيُّ فَإنَّهُ بَلَغَ مُلْكُهُ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، وهو الَّذِي افْتَخَرَ بِهِ أحَدُ الشُّعَراءِ مِن حِمْيَرَ حَيْثُ قالَ: قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ قَبْلِي مُسْلِمًا مَلِكًا عَلا في الأرْضِ غَيْرَ مُفْنِدِي بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن كَرِيمٍ سَيِّدِ ثُمَّ قالَ أبُو الرَّيْحانِ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ أقْرَبَ لِأنَّ الأذْواءَ كانُوا مِنَ اليَمَنِ وهُمُ الَّذِينَ لا تَخْلُو أسامِيهِمْ مِن ذِي كَذِي النّادِي، وذِي نُواسٍ، وذِي النُّونِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مَلَّكَهُ اللَّهُ الأرْضَ وأعْطاهُ العِلْمَ والحِكْمَةَ وألْبَسَهُ الهَيْبَةَ، وإنْ كُنّا لا نَعْرِفُ أنَّهُ مَن هو، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: سَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وقالَ أمَلِكٌ هو أمْ نَبِيٌّ ؟ فَقالَ: لا مَلِكٌ، ولا نَبِيٌّ، كانَ عَبْدًا صالِحًا ضُرِبَ عَلى قَرْنِهِ الأيْمَنِ في طاعَةِ اللَّهِ فَماتَ ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ فَضُرِبَ عَلى قَرْنِهِ الأيْسَرِ؛ فَماتَ فَبَعَثَهُ اللَّهُ؛ فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ، ومَلِكِ مُلْكِهِ. الثّانِي: سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ. الثّالِثُ: قِيلَ كانَ صَفْحَتا رَأْسِهِ مِن نُحاسٍ. الرّابِعُ: كانَ عَلى رَأْسِهِ ما يُشْبِهُ القَرْنَيْنِ. الخامِسُ: (كانَ) لِتاجِهِ قَرْنانِ. السّادِسُ: «عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ طافَ قَرْنَيِ الدُّنْيا يَعْنِي شَرْقَها وغَرْبَها» . السّابِعُ: كانَ لَهُ قَرْنانِ أيْ ضَفِيرَتانِ. الثّامِنُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَخَّرَ لَهُ النُّورَ والظُّلْمَةَ، فَإذا سَرى يَهْدِيهِ النُّورُ مِن أمامِهِ، وتَمُدُّهُ الظَّلَمَةُ مِن ورائِهِ. التّاسِعُ: يَجُوزُ أنْ يُلَقَّبَ بِذَلِكَ لِشَجاعَتِهِ كَما يُسَمّى الشُّجاعُ كَبْشًا كَأنَّهُ يَنْطَحُ أقْرانَهُ. العاشِرُ: رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ صَعِدَ الفَلَكَ فَتَعَلَّقَ بِطَرَفَيِ الشَّمْسِ وقَرْنَيْها وجانِبَيْها فَسُمِّيَ لِهَذا السَّبَبِ بِذِي القَرْنَيْنِ. الحادِي عَشَرَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ ذا القَرْنَيْنِ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، عَنْ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يا ذا القَرْنَيْنِ فَقالَ: اللَّهُمَّ غُفْرًا؛ أما رَضِيتُمْ أنْ تُسَمُّوا بِأسْماءِ الأنْبِياءِ حَتّى تُسَمُّوا بِأسْماءِ المَلائِكَةِ ! فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا البابِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ لِأجْلِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وهو أنَّ مِثْلَ هَذا المَلِكِ العَظِيمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الحالِ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا، والَّذِي هو مَعْلُومُ الحالِ بِهَذا المُلْكِ العَظِيمِ هو الإسْكَنْدَرُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذِي القَرْنَيْنِ هو هو إلّا أنَّ فِيهِ إشْكالًا قَوِيًّا وهو أنَّهُ كانَ تِلْمِيذَ أرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ هَلْ كانَ مِنَ الأنْبِياءِ أمْ لا ؟ مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى التَّمْكِينِ في الدِّينِ والتَّمْكِينُ الكامِلُ في الدِّينِ هو النُّبُوَّةُ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ النُّبُوَّةُ فَمُقْتَضى العُمُومِ في صفحة ١٤١ قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ هو أنَّهُ تَعالى آتاهُ في النُّبُوَّةِ سَبَبًا. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (الكَهْفِ: ٨٦) والَّذِي يَتَكَلَّمُ اللَّهُ مَعَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ نَبِيًّا، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا وما كانَ نَبِيًّا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في دُخُولِ السِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿سَأتْلُو﴾ مَعْناهُ إنِّي سَأفْعَلُ هَذا إنْ وفَّقَنِي اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأنْزَلَ فِيهِ وحَيًّا وأخْبَرَنِي عَنْ كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الحالِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ فَهَذا التَّمْكِينُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّمْكِينَ بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّمْكِينَ بِسَبَبِ المُلْكِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَلَكَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ التَّمْكِينَ بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ أعْلى مِنَ التَّمْكِينِ بِسَبَبِ المُلْكِ، وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ الأفْضَلِ أوْلى، ثُمَّ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالُوا: السَّبَبُ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الحَبْلِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ وهو يَتَناوَلُ العِلْمَ والقُدْرَةَ والآلَةَ فَقَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ مَعْناهُ: أعْطَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِها إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا قالُوا: مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ النُّبُوَّةُ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْطاهُ الطَّرِيقَ الَّذِي بِهِ يَتَوَصَّلُ إلى تَحْصِيلِ النُّبُوَّةِ، والَّذِينَ أنْكَرُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا قالُوا: المُرادُ بِهِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ في إصْلاحِ مُلْكِهِ سَبَبًا، إلّا أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنْ تَخْصِيصَ العُمُومِ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبَهُ فَإذا أرادَ شَيْئًا أتْبَعَ سَبَبًا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، ويُقَرِّبُهُ مِنهُ، قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (فاتَّبَعَ) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وكَذَلِكَ ثُمَّ اتَّبَعَ أيْ سَلَكَ وسارَ، والباقُونَ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ التّاءِ مُخَفَّفَةً.

الكهف 18:84

صفحة ١٣٩ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الرّابِعَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ اليَهُودَ أمَرُوا المُشْرِكِينَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ هو ذَلِكَ السُّؤالُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ ذا القَرْنَيْنِ مَن هو ؟ وذَكَرُوا فِيهِ أقْوالًا: الأوَّلُ: أنَّهُ هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِبُوسَ اليُونانِيُّ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ المُسَمّى بِذِي القَرْنَيْنِ بَلَغَ مُلْكُهُ إلى أقْصى المَغْرِبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكَهْفِ: ٨٦] وأيْضًا بَلَغَ مُلْكُهُ أقْصى المَشْرِقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكَهْفِ: ٩٠] وأيْضًا بَلَغَ مُلْكُهُ أقْصى الشَّمالِ بِدَلِيلِ أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قَوْمٌ مِنَ التُّرْكِ يَسْكُنُونَ في أقْصى الشَّمالِ، وبِدَلِيلِ أنَّ السَّدَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ يُقالُ في كُتُبِ التَّوارِيخِ إنَّهُ مَبْنِيٌّ في أقْصى الشَّمالِ فَهَذا الإنْسانُ المُسَمّى بِذِي القَرْنَيْنِ في القُرْآنِ قَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ مُلْكَهُ بَلَغَ أقْصى المَغْرِبِ والمَشْرِقِ والشَّمالِ وهَذا هو تَمامُ القَدْرِ المَعْمُورِ مِنَ الأرْضِ، ومِثْلُ هَذا المَلِكِ البَسِيطِ لا شَكَّ أنَّهُ عَلى خِلافِ العاداتِ وما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَبْقى ذِكْرُهُ مُخَلَّدًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وأنْ لا يَبْقى مَخْفِيًّا مُسْتَتِرًا، والمَلِكُ الَّذِي اشْتُهِرَ في كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّهُ بَلَغَ مُلْكُهُ إلى هَذا الحَدِّ لَيْسَ إلّا الإسْكَنْدَرَ، وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا ماتَ أبُوهُ جَمَعَ مُلُوكَ الرُّومِ بَعْدَ أنْ كانُوا طَوائِفَ ثُمَّ جَمَعَ مُلُوكَ المَغْرِبِ وقَهَرَهم، وأمْعَنَ حَتّى انْتَهى إلى البَحْرِ الأخْضَرِ ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ؛ فَبَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ وسَمّاها بِاسْمِ نَفْسِهِ ثُمَّ دَخَلَ الشّامَ، وقَصَدَ بَنِي إسْرائِيلَ، ووَرَدَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وذَبَحَ في مَذْبَحِهِ ثُمَّ انْعَطَفَ إلى أرْمِينِيَّةَ وبابِ الأبْوابِ، ودانَتْ لَهُ العِراقِيُّونَ والقِبْطُ والبَرْبَرُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ دارا بْنِ دارا، وهَزَمَهُ مَرّاتٍ إلى أنْ قَتَلَهُ صاحِبُ حَرَسِهِ؛ فاسْتَوْلى الإسْكَنْدَرُ عَلى مَمالِكِ الفُرْسِ ثُمَّ قَصَدَ الهِنْدَ والصِّينَ، وغَزا الأُمَمَ البَعِيدَةَ، ورَجَعَ إلى خُراسانَ وبَنى المُدُنَ الكَثِيرَةَ ورَجَعَ إلى العِراقِ ومَرِضَ بِشَهْرَزُورَ، وماتَ بِها. فَلَمّا ثَبَتَ بِالقُرْآنِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ رَجُلًا مَلَكَ الأرْضَ بِالكُلِّيَّةِ، أوْ ما يَقْرُبُ مِنها، وثَبَتَ بِعِلْمِ التَّوارِيخِ أنَّ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ ما كانَ إلّا الإسْكَنْدَرَ؛ وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المُرادَ بِذِي القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِبُوسَ اليُونانِيُّ ثُمَّ ذَكَرُوا في سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِهَذا الِاسْمِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّهُ لُقِّبَ بِهَذا اللَّقَبِ لِأجْلِ بُلُوغِهِ قَرْنَيِ الشَّمْسِ أيْ مَطْلَعِها ومَغْرِبِها كَما لُقِّبَ أرْدَشِيرُ بْنُ بَهْمَنَ بِطَوِيلِ اليَدَيْنِ، لِنُفُوذِ أمْرِهِ حَيْثُ أرادَ. والثّانِي: أنَّ الفُرْسَ قالُوا: إنْ دارا الأكْبَرَ كانَ قَدْ تَزَوَّجَ بِابْنَةِ فِيلِبُوسَ؛ فَلَمّا قَرُبَ مِنها وجَدَ مِنها رائِحَةً مُنْكَرَةً؛ فَرَدَّها عَلى أبِيها فِيلِبُوسَ، وكانَتْ قَدْ حَمَلَتْ مِنهُ بِالإسْكَنْدَرِ؛ فَوَلَدَتِ الإسْكَنْدَرَ بَعْدَ عَوْدِها إلى أبِيها؛ فَبَقِيَ الإسْكَنْدَرُ عِنْدَ فِيلِبُوسَ، وأظْهَرَ فِيلِبُوسُ أنَّهُ ابْنُهُ، وهو في الحَقِيقَةِ ابْنُ دارا الأكْبَرِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الإسْكَنْدَرَ لَمّا أدْرَكَ دارا بْنَ دارا وبِهِ رَمَقٌ وضَعَ رَأْسَهُ في حِجْرِهِ، وقالَ لِدارا: يا أبِي أخْبِرْنِي عَمَّنْ فَعَلَ هَذا لِأنْتَقِمَ لَكَ مِنهُ ! فَهَذا ما قالَهُ الفُرْسُ، قالُوا: وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإسْكَنْدَرُ أبُوهُ دارا الأكْبَرُ، وأُمُّهُ بِنْتُ فِيلِبُوسَ، فَهو إنَّما تَوَلَّدَ مِن أصْلَيْنِ صفحة ١٤٠ مُخْتَلِفَيْنِ الفُرْسِ والرُّومِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ الفُرْسُ إنَّما ذَكَرُوهُ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَجْعَلُوهُ مِن نَسْلِ مُلُوكِ العَجَمِ حَتّى لا يَكُونَ مَلِكٌ مِثْلُهُ مِن نَسَبٍ غَيْرِ نَسَبِ مُلُوكِ العَجَمِ، وهو في الحَقِيقَةِ كَذِبٌ، وإنَّما قالَ الإسْكَنْدَرُ لِدارا: يا أبِي عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ، وأكْرَمَ دارا بِذَلِكَ الخِطابِ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو الرَّيْحانِ الهَرَوِيُّ المُنَجِّمُ في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالآثارِ الباقِيَةِ عَنِ القُرُونِ الخالِيَةِ، قِيلَ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو أبُو كَرْبٍ شِمْرُ بْنُ عُبَيْرِ بْنِ أفْرِيقِشَ الحِمْيَرِيُّ فَإنَّهُ بَلَغَ مُلْكُهُ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، وهو الَّذِي افْتَخَرَ بِهِ أحَدُ الشُّعَراءِ مِن حِمْيَرَ حَيْثُ قالَ: قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ قَبْلِي مُسْلِمًا مَلِكًا عَلا في الأرْضِ غَيْرَ مُفْنِدِي بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن كَرِيمٍ سَيِّدِ ثُمَّ قالَ أبُو الرَّيْحانِ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ أقْرَبَ لِأنَّ الأذْواءَ كانُوا مِنَ اليَمَنِ وهُمُ الَّذِينَ لا تَخْلُو أسامِيهِمْ مِن ذِي كَذِي النّادِي، وذِي نُواسٍ، وذِي النُّونِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مَلَّكَهُ اللَّهُ الأرْضَ وأعْطاهُ العِلْمَ والحِكْمَةَ وألْبَسَهُ الهَيْبَةَ، وإنْ كُنّا لا نَعْرِفُ أنَّهُ مَن هو، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: سَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وقالَ أمَلِكٌ هو أمْ نَبِيٌّ ؟ فَقالَ: لا مَلِكٌ، ولا نَبِيٌّ، كانَ عَبْدًا صالِحًا ضُرِبَ عَلى قَرْنِهِ الأيْمَنِ في طاعَةِ اللَّهِ فَماتَ ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ فَضُرِبَ عَلى قَرْنِهِ الأيْسَرِ؛ فَماتَ فَبَعَثَهُ اللَّهُ؛ فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ، ومَلِكِ مُلْكِهِ. الثّانِي: سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ. الثّالِثُ: قِيلَ كانَ صَفْحَتا رَأْسِهِ مِن نُحاسٍ. الرّابِعُ: كانَ عَلى رَأْسِهِ ما يُشْبِهُ القَرْنَيْنِ. الخامِسُ: (كانَ) لِتاجِهِ قَرْنانِ. السّادِسُ: «عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ طافَ قَرْنَيِ الدُّنْيا يَعْنِي شَرْقَها وغَرْبَها» . السّابِعُ: كانَ لَهُ قَرْنانِ أيْ ضَفِيرَتانِ. الثّامِنُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَخَّرَ لَهُ النُّورَ والظُّلْمَةَ، فَإذا سَرى يَهْدِيهِ النُّورُ مِن أمامِهِ، وتَمُدُّهُ الظَّلَمَةُ مِن ورائِهِ. التّاسِعُ: يَجُوزُ أنْ يُلَقَّبَ بِذَلِكَ لِشَجاعَتِهِ كَما يُسَمّى الشُّجاعُ كَبْشًا كَأنَّهُ يَنْطَحُ أقْرانَهُ. العاشِرُ: رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ صَعِدَ الفَلَكَ فَتَعَلَّقَ بِطَرَفَيِ الشَّمْسِ وقَرْنَيْها وجانِبَيْها فَسُمِّيَ لِهَذا السَّبَبِ بِذِي القَرْنَيْنِ. الحادِي عَشَرَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ ذا القَرْنَيْنِ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، عَنْ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يا ذا القَرْنَيْنِ فَقالَ: اللَّهُمَّ غُفْرًا؛ أما رَضِيتُمْ أنْ تُسَمُّوا بِأسْماءِ الأنْبِياءِ حَتّى تُسَمُّوا بِأسْماءِ المَلائِكَةِ ! فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا البابِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ لِأجْلِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وهو أنَّ مِثْلَ هَذا المَلِكِ العَظِيمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الحالِ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا، والَّذِي هو مَعْلُومُ الحالِ بِهَذا المُلْكِ العَظِيمِ هو الإسْكَنْدَرُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذِي القَرْنَيْنِ هو هو إلّا أنَّ فِيهِ إشْكالًا قَوِيًّا وهو أنَّهُ كانَ تِلْمِيذَ أرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ هَلْ كانَ مِنَ الأنْبِياءِ أمْ لا ؟ مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى التَّمْكِينِ في الدِّينِ والتَّمْكِينُ الكامِلُ في الدِّينِ هو النُّبُوَّةُ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ النُّبُوَّةُ فَمُقْتَضى العُمُومِ في صفحة ١٤١ قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ هو أنَّهُ تَعالى آتاهُ في النُّبُوَّةِ سَبَبًا. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (الكَهْفِ: ٨٦) والَّذِي يَتَكَلَّمُ اللَّهُ مَعَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ نَبِيًّا، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا وما كانَ نَبِيًّا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في دُخُولِ السِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿سَأتْلُو﴾ مَعْناهُ إنِّي سَأفْعَلُ هَذا إنْ وفَّقَنِي اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأنْزَلَ فِيهِ وحَيًّا وأخْبَرَنِي عَنْ كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الحالِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ فَهَذا التَّمْكِينُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّمْكِينَ بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّمْكِينَ بِسَبَبِ المُلْكِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَلَكَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ التَّمْكِينَ بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ أعْلى مِنَ التَّمْكِينِ بِسَبَبِ المُلْكِ، وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ الأفْضَلِ أوْلى، ثُمَّ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالُوا: السَّبَبُ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الحَبْلِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ وهو يَتَناوَلُ العِلْمَ والقُدْرَةَ والآلَةَ فَقَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ مَعْناهُ: أعْطَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِها إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا قالُوا: مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ النُّبُوَّةُ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْطاهُ الطَّرِيقَ الَّذِي بِهِ يَتَوَصَّلُ إلى تَحْصِيلِ النُّبُوَّةِ، والَّذِينَ أنْكَرُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا قالُوا: المُرادُ بِهِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ في إصْلاحِ مُلْكِهِ سَبَبًا، إلّا أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنْ تَخْصِيصَ العُمُومِ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبَهُ فَإذا أرادَ شَيْئًا أتْبَعَ سَبَبًا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، ويُقَرِّبُهُ مِنهُ، قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (فاتَّبَعَ) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وكَذَلِكَ ثُمَّ اتَّبَعَ أيْ سَلَكَ وسارَ، والباقُونَ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ التّاءِ مُخَفَّفَةً.

الكهف 18:85

صفحة ١٣٩ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الرّابِعَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ اليَهُودَ أمَرُوا المُشْرِكِينَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ هو ذَلِكَ السُّؤالُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ ذا القَرْنَيْنِ مَن هو ؟ وذَكَرُوا فِيهِ أقْوالًا: الأوَّلُ: أنَّهُ هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِبُوسَ اليُونانِيُّ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ المُسَمّى بِذِي القَرْنَيْنِ بَلَغَ مُلْكُهُ إلى أقْصى المَغْرِبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكَهْفِ: ٨٦] وأيْضًا بَلَغَ مُلْكُهُ أقْصى المَشْرِقِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكَهْفِ: ٩٠] وأيْضًا بَلَغَ مُلْكُهُ أقْصى الشَّمالِ بِدَلِيلِ أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قَوْمٌ مِنَ التُّرْكِ يَسْكُنُونَ في أقْصى الشَّمالِ، وبِدَلِيلِ أنَّ السَّدَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ يُقالُ في كُتُبِ التَّوارِيخِ إنَّهُ مَبْنِيٌّ في أقْصى الشَّمالِ فَهَذا الإنْسانُ المُسَمّى بِذِي القَرْنَيْنِ في القُرْآنِ قَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ مُلْكَهُ بَلَغَ أقْصى المَغْرِبِ والمَشْرِقِ والشَّمالِ وهَذا هو تَمامُ القَدْرِ المَعْمُورِ مِنَ الأرْضِ، ومِثْلُ هَذا المَلِكِ البَسِيطِ لا شَكَّ أنَّهُ عَلى خِلافِ العاداتِ وما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَبْقى ذِكْرُهُ مُخَلَّدًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وأنْ لا يَبْقى مَخْفِيًّا مُسْتَتِرًا، والمَلِكُ الَّذِي اشْتُهِرَ في كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّهُ بَلَغَ مُلْكُهُ إلى هَذا الحَدِّ لَيْسَ إلّا الإسْكَنْدَرَ، وذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمّا ماتَ أبُوهُ جَمَعَ مُلُوكَ الرُّومِ بَعْدَ أنْ كانُوا طَوائِفَ ثُمَّ جَمَعَ مُلُوكَ المَغْرِبِ وقَهَرَهم، وأمْعَنَ حَتّى انْتَهى إلى البَحْرِ الأخْضَرِ ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ؛ فَبَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ وسَمّاها بِاسْمِ نَفْسِهِ ثُمَّ دَخَلَ الشّامَ، وقَصَدَ بَنِي إسْرائِيلَ، ووَرَدَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وذَبَحَ في مَذْبَحِهِ ثُمَّ انْعَطَفَ إلى أرْمِينِيَّةَ وبابِ الأبْوابِ، ودانَتْ لَهُ العِراقِيُّونَ والقِبْطُ والبَرْبَرُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ دارا بْنِ دارا، وهَزَمَهُ مَرّاتٍ إلى أنْ قَتَلَهُ صاحِبُ حَرَسِهِ؛ فاسْتَوْلى الإسْكَنْدَرُ عَلى مَمالِكِ الفُرْسِ ثُمَّ قَصَدَ الهِنْدَ والصِّينَ، وغَزا الأُمَمَ البَعِيدَةَ، ورَجَعَ إلى خُراسانَ وبَنى المُدُنَ الكَثِيرَةَ ورَجَعَ إلى العِراقِ ومَرِضَ بِشَهْرَزُورَ، وماتَ بِها. فَلَمّا ثَبَتَ بِالقُرْآنِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ رَجُلًا مَلَكَ الأرْضَ بِالكُلِّيَّةِ، أوْ ما يَقْرُبُ مِنها، وثَبَتَ بِعِلْمِ التَّوارِيخِ أنَّ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ ما كانَ إلّا الإسْكَنْدَرَ؛ وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المُرادَ بِذِي القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِبُوسَ اليُونانِيُّ ثُمَّ ذَكَرُوا في سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِهَذا الِاسْمِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّهُ لُقِّبَ بِهَذا اللَّقَبِ لِأجْلِ بُلُوغِهِ قَرْنَيِ الشَّمْسِ أيْ مَطْلَعِها ومَغْرِبِها كَما لُقِّبَ أرْدَشِيرُ بْنُ بَهْمَنَ بِطَوِيلِ اليَدَيْنِ، لِنُفُوذِ أمْرِهِ حَيْثُ أرادَ. والثّانِي: أنَّ الفُرْسَ قالُوا: إنْ دارا الأكْبَرَ كانَ قَدْ تَزَوَّجَ بِابْنَةِ فِيلِبُوسَ؛ فَلَمّا قَرُبَ مِنها وجَدَ مِنها رائِحَةً مُنْكَرَةً؛ فَرَدَّها عَلى أبِيها فِيلِبُوسَ، وكانَتْ قَدْ حَمَلَتْ مِنهُ بِالإسْكَنْدَرِ؛ فَوَلَدَتِ الإسْكَنْدَرَ بَعْدَ عَوْدِها إلى أبِيها؛ فَبَقِيَ الإسْكَنْدَرُ عِنْدَ فِيلِبُوسَ، وأظْهَرَ فِيلِبُوسُ أنَّهُ ابْنُهُ، وهو في الحَقِيقَةِ ابْنُ دارا الأكْبَرِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الإسْكَنْدَرَ لَمّا أدْرَكَ دارا بْنَ دارا وبِهِ رَمَقٌ وضَعَ رَأْسَهُ في حِجْرِهِ، وقالَ لِدارا: يا أبِي أخْبِرْنِي عَمَّنْ فَعَلَ هَذا لِأنْتَقِمَ لَكَ مِنهُ ! فَهَذا ما قالَهُ الفُرْسُ، قالُوا: وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإسْكَنْدَرُ أبُوهُ دارا الأكْبَرُ، وأُمُّهُ بِنْتُ فِيلِبُوسَ، فَهو إنَّما تَوَلَّدَ مِن أصْلَيْنِ صفحة ١٤٠ مُخْتَلِفَيْنِ الفُرْسِ والرُّومِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ الفُرْسُ إنَّما ذَكَرُوهُ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَجْعَلُوهُ مِن نَسْلِ مُلُوكِ العَجَمِ حَتّى لا يَكُونَ مَلِكٌ مِثْلُهُ مِن نَسَبٍ غَيْرِ نَسَبِ مُلُوكِ العَجَمِ، وهو في الحَقِيقَةِ كَذِبٌ، وإنَّما قالَ الإسْكَنْدَرُ لِدارا: يا أبِي عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ، وأكْرَمَ دارا بِذَلِكَ الخِطابِ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو الرَّيْحانِ الهَرَوِيُّ المُنَجِّمُ في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ بِالآثارِ الباقِيَةِ عَنِ القُرُونِ الخالِيَةِ، قِيلَ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو أبُو كَرْبٍ شِمْرُ بْنُ عُبَيْرِ بْنِ أفْرِيقِشَ الحِمْيَرِيُّ فَإنَّهُ بَلَغَ مُلْكُهُ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، وهو الَّذِي افْتَخَرَ بِهِ أحَدُ الشُّعَراءِ مِن حِمْيَرَ حَيْثُ قالَ: قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ قَبْلِي مُسْلِمًا مَلِكًا عَلا في الأرْضِ غَيْرَ مُفْنِدِي بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن كَرِيمٍ سَيِّدِ ثُمَّ قالَ أبُو الرَّيْحانِ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ أقْرَبَ لِأنَّ الأذْواءَ كانُوا مِنَ اليَمَنِ وهُمُ الَّذِينَ لا تَخْلُو أسامِيهِمْ مِن ذِي كَذِي النّادِي، وذِي نُواسٍ، وذِي النُّونِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا مَلَّكَهُ اللَّهُ الأرْضَ وأعْطاهُ العِلْمَ والحِكْمَةَ وألْبَسَهُ الهَيْبَةَ، وإنْ كُنّا لا نَعْرِفُ أنَّهُ مَن هو، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: سَألَ ابْنُ الكَوّا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وقالَ أمَلِكٌ هو أمْ نَبِيٌّ ؟ فَقالَ: لا مَلِكٌ، ولا نَبِيٌّ، كانَ عَبْدًا صالِحًا ضُرِبَ عَلى قَرْنِهِ الأيْمَنِ في طاعَةِ اللَّهِ فَماتَ ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ فَضُرِبَ عَلى قَرْنِهِ الأيْسَرِ؛ فَماتَ فَبَعَثَهُ اللَّهُ؛ فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ، ومَلِكِ مُلْكِهِ. الثّانِي: سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ. الثّالِثُ: قِيلَ كانَ صَفْحَتا رَأْسِهِ مِن نُحاسٍ. الرّابِعُ: كانَ عَلى رَأْسِهِ ما يُشْبِهُ القَرْنَيْنِ. الخامِسُ: (كانَ) لِتاجِهِ قَرْنانِ. السّادِسُ: «عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ طافَ قَرْنَيِ الدُّنْيا يَعْنِي شَرْقَها وغَرْبَها» . السّابِعُ: كانَ لَهُ قَرْنانِ أيْ ضَفِيرَتانِ. الثّامِنُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَخَّرَ لَهُ النُّورَ والظُّلْمَةَ، فَإذا سَرى يَهْدِيهِ النُّورُ مِن أمامِهِ، وتَمُدُّهُ الظَّلَمَةُ مِن ورائِهِ. التّاسِعُ: يَجُوزُ أنْ يُلَقَّبَ بِذَلِكَ لِشَجاعَتِهِ كَما يُسَمّى الشُّجاعُ كَبْشًا كَأنَّهُ يَنْطَحُ أقْرانَهُ. العاشِرُ: رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ صَعِدَ الفَلَكَ فَتَعَلَّقَ بِطَرَفَيِ الشَّمْسِ وقَرْنَيْها وجانِبَيْها فَسُمِّيَ لِهَذا السَّبَبِ بِذِي القَرْنَيْنِ. الحادِي عَشَرَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ ذا القَرْنَيْنِ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، عَنْ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يا ذا القَرْنَيْنِ فَقالَ: اللَّهُمَّ غُفْرًا؛ أما رَضِيتُمْ أنْ تُسَمُّوا بِأسْماءِ الأنْبِياءِ حَتّى تُسَمُّوا بِأسْماءِ المَلائِكَةِ ! فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذا البابِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ لِأجْلِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وهو أنَّ مِثْلَ هَذا المَلِكِ العَظِيمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الحالِ عِنْدَ أهْلِ الدُّنْيا، والَّذِي هو مَعْلُومُ الحالِ بِهَذا المُلْكِ العَظِيمِ هو الإسْكَنْدَرُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذِي القَرْنَيْنِ هو هو إلّا أنَّ فِيهِ إشْكالًا قَوِيًّا وهو أنَّهُ كانَ تِلْمِيذَ أرِسْطاطالِيسَ الحَكِيمِ، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطاطالِيسَ حَقٌّ وصِدْقٌ وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في ذِي القَرْنَيْنِ هَلْ كانَ مِنَ الأنْبِياءِ أمْ لا ؟ مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى التَّمْكِينِ في الدِّينِ والتَّمْكِينُ الكامِلُ في الدِّينِ هو النُّبُوَّةُ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ النُّبُوَّةُ فَمُقْتَضى العُمُومِ في صفحة ١٤١ قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ هو أنَّهُ تَعالى آتاهُ في النُّبُوَّةِ سَبَبًا. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (الكَهْفِ: ٨٦) والَّذِي يَتَكَلَّمُ اللَّهُ مَعَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ نَبِيًّا، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا وما كانَ نَبِيًّا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في دُخُولِ السِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿سَأتْلُو﴾ مَعْناهُ إنِّي سَأفْعَلُ هَذا إنْ وفَّقَنِي اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأنْزَلَ فِيهِ وحَيًّا وأخْبَرَنِي عَنْ كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الحالِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ فَهَذا التَّمْكِينُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّمْكِينَ بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّمْكِينَ بِسَبَبِ المُلْكِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَلَكَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ التَّمْكِينَ بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ أعْلى مِنَ التَّمْكِينِ بِسَبَبِ المُلْكِ، وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ الأفْضَلِ أوْلى، ثُمَّ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قالُوا: السَّبَبُ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الحَبْلِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ وهو يَتَناوَلُ العِلْمَ والقُدْرَةَ والآلَةَ فَقَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ مَعْناهُ: أعْطَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِها إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا قالُوا: مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ النُّبُوَّةُ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْطاهُ الطَّرِيقَ الَّذِي بِهِ يَتَوَصَّلُ إلى تَحْصِيلِ النُّبُوَّةِ، والَّذِينَ أنْكَرُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا قالُوا: المُرادُ بِهِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ في إصْلاحِ مُلْكِهِ سَبَبًا، إلّا أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنْ تَخْصِيصَ العُمُومِ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبَهُ فَإذا أرادَ شَيْئًا أتْبَعَ سَبَبًا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، ويُقَرِّبُهُ مِنهُ، قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (فاتَّبَعَ) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، وكَذَلِكَ ثُمَّ اتَّبَعَ أيْ سَلَكَ وسارَ، والباقُونَ فَأتْبَعَ بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ التّاءِ مُخَفَّفَةً.

الكهف 18:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَعْنى أنَّهُ أرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ فَأتْبَعَ سَبَبًا يُوصِّلُهُ إلَيْهِ حَتّى بَلَغَهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في عَيْنٍ حامِيَةٍ بِالألِفِ مِن غَيْرِ هُمَزَةٍ أيْ حارَّةٍ، وعَنْ أبِي ذَرٍّ، قالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلى جَمَلٍ فَرَأى الشَّمْسَ حِينَ غابَتْ فَقالَ: أتَدْرِي يا أبا ذَرٍّ أيْنَ تَغْرُبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ»؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وطَلْحَةَ صفحة ١٤٢ وابْنِ عامِرٍ، والباقُونَ ”حَمِئَةٍ“، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ واتَّفَقَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ عِنْدَ مُعاوِيَةَ فَقَرَأ مُعاوِيَةُ ”حامِيَةٍ“ بِألِفٍ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”حَمِئَةٍ“، فَقالَ مُعاوِيَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَقْرَأُ ؟ قالَ: كَما يَقْرَأُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ وجَّهَ إلى كَعْبِ الأحْبارِ كَيْفَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ ؟ قالَ: في ماءٍ وطِينٍ كَذَلِكَ نَجِدُهُ في التَّوْراةِ، والحَمِئَةُ ما فِيهِ ماءٌ، وحَمْأةٌ سَوْداءُ، واعْلَمْ أنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَ الحَمِئَةِ والحامِيَةِ، فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ العَيْنُ جامِعَةً لِلْوَصْفَيْنِ جَمِيعًا. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ وأنَّ السَّماءَ مُحِيطَةٌ بِها، ولا شَكَّ أنَّ الشَّمْسَ في الفَلَكِ، وأيْضًا قالَ: ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ جُلُوسَ قَوْمٍ في قُرْبِ الشَّمْسِ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وأيْضًا الشَّمْسُ أكْبَرُ مِنَ الأرْضِ بِمَرّاتٍ كَثِيرَةٍ فَكَيْفَ يُعْقَلُ دُخُولُها في عَيْنٍ مِن عُيُونِ الأرْضِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ مَوْضِعَها في المَغْرِبِ ولَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِماراتِ وجَدَ الشَّمْسَ كَأنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ وهْدَةٍ مُظْلِمَةٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ كَما أنَّ راكِبَ البَحْرِ يَرى الشَّمْسَ كَأنَّها تَغِيبُ في البَحْرِ، إذا لَمْ يَرَ الشَّطَّ، وهي في الحَقِيقَةِ تَغِيبُ وراءَ البَحْرِ، هَذا هو التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ. الثّانِي: أنَّ لِلْجانِبِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ مَساكِنَ يُحِيطُ البَحْرُ بِها؛ فالنّاظِرُ إلى الشَّمْسِ يَتَخَيَّلُ كَأنَّها تَغِيبُ في تِلْكَ البِحارِ، ولا شَكَّ أنَّ البِحارَ الغَرْبِيَّةَ قَوِيَّةُ السُّخُونَةِ فَهي حامِيَةٌ وهي أيْضًا حَمِئَةٌ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الحَمْأةِ السَّوْداءِ والماءِ فَقَوْلُهُ: ﴿تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الجانِبَ الغَرْبِيَّ مِنَ الأرْضِ قَدْ أحاطَ بِهِ البَحْرُ وهو مَوْضِعٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. الثّالِثُ: قالَ أهْلُ الأخْبارِ: إنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في عَيْنٍ كَثِيرَةِ الماءِ والحَمْأةِ وهَذا في غايَةِ البُعْدِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا رَصَدْنا كُسُوفًا قَمَرِيًّا فَإذا اعْتَبَرْناهُ ورَأيْنا أنَّ المَغْرِبِيِّينَ قالُوا: حَصَلَ هَذا الكُسُوفُ في أوَّلِ اللَّيْلِ ورَأيْنا المَشْرِقِيِّينَ قالُوا: حَصَلَ في أوَّلِ النَّهارِ فَعَلِمْنا أنَّ أوَّلَ اللَّيْلِ عِنْدَ أهْلِ المَغْرِبِ هو أوَّلُ النَّهارِ الثّانِي عِنْدَ أهْلِ المَشْرِقِ بَلْ ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي هو أوَّلُ اللَّيْلِ عِنْدَنا فَهو وقْتُ العَصْرِ في بَلَدٍ ووَقْتُ الظُّهْرِ في بَلَدٍ آخَرَ، ووَقْتُ الضَّحْوَةِ في بَلَدٍ ثالِثٍ. ووَقْتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ في بَلَدٍ رابِعٍ، ونِصْفُ اللَّيْلِ في بَلَدٍ خامِسٍ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ مَعْلُومَةً بَعْدَ الِاسْتِقْراءِ والِاعْتِبارِ. وعَلِمْنا أنَّ الشَّمْسَ طالِعَةٌ ظاهِرَةٌ في كُلِّ هَذِهِ الأوْقاتِ كانَ الَّذِي يُقالُ: إنَّها تَغِيبُ في الطِّينِ والحَمْأةِ كَلامًا عَلى خِلافِ اليَقِينِ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى مُبَرَّأٌ عَنْ هَذِهِ التُّهْمَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُصارَ إلى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، قالَ تَعالى: ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ عِنْدَها إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّمْسِ ويَكُونُ التَّأْنِيثُ لِلشَّمْسِ لِأنَّ الإنْسانَ لَمّا تَخَيَّلَ أنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ هُناكَ كانَ سُكّانُ هَذا المَوْضِعِ كَأنَّهم سَكَنُوا بِالقُرْبِ مِنَ الشَّمْسِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى العَيْنِ الحامِيَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالتَّأْوِيلُ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ نَبِيًّا وحُمِلَ هَذا اللَّفْظُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ خاطَبَهُ عَلى ألْسِنَةِ بَعْضِ الأنْبِياءِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ أهْلُ الأخْبارِ في صِفَةِ ذَلِكَ المَوْضِعِ أشْياءَ عَجِيبَةً، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُناكَ مَدِينَةٌ لَها اثْنا عَشَرَ ألْفَ بابٍ لَوْلا أصْواتُ أهْلِها سَمِعَ النّاسُ وجْبَةَ الشَّمْسِ حِينَ تَغِيبُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ صفحة ١٤٣ سُكّانَ آخِرِ المَغْرِبِ كانُوا كُفّارًا؛ فَخَيَّرَ اللَّهُ ذا القَرْنَيْنِ فِيهِمْ بَيْنَ التَّعْذِيبِ لَهم إنْ أقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ وبَيْنَ المَنِّ عَلَيْهِمْ والعَفْوِ عَنْهم، وهَذا التَّخْيِيرُ عَلى مَعْنى الِاجْتِهادِ في أصْلَحِ الأمْرَيْنِ، كَما خَيَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ المَنِّ عَلى المُشْرِكِينَ وبَيْنَ قَتْلِهِمْ، وقالَ الأكْثَرُونَ: هَذا التَّعْذِيبُ هو القَتْلُ، وأمّا اتِّخاذُ الحُسْنى فِيهِمْ فَهو تَرْكُهم أحْياءً، ثُمَّ قالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ أيْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالإقامَةِ عَلى الكُفْرِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ أنَّهُ ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِ: ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أيْ بِالقَتْلِ في الدُّنْيا: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ مُنْكَرًا فَظِيعًا: ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ التَّقْدِيرُ فَلَهُ الحُسْنى جَزاءً كَما تَقُولُ: لَكَ هَذا الثَّوْبُ هِبَةً، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَفي التَّفْسِيرِ وجْهانِ: الأوَّلُ: فَلَهُ جَزاءُ الفَعْلَةِ الحُسْنى، والفَعْلَةُ الحُسْنى هي الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فَلَهُ جَزاءً المَثُوبَةُ الحُسْنى، ويَكُونُ المَعْنى فَلَهُ ذا الجَزاءُ الَّذِي هو المَثُوبَةُ الحُسْنى والجَزاءُ مَوْصُوفٌ بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى، وإضافَةُ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مَشْهُورَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ (الأنْعامِ: ٣٢) و﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ (الواقِعَةِ: ٩٥) ثُمَّ قالَ: ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ لا نَأْمُرُهُ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ ولَكِنْ بِالسَّهْلِ المُيَسَّرِ مِنَ الزَّكاةِ والخَراجِ وغَيْرِهِما، وتَقْدِيرُ هَذا يُسْرٌ كَقَوْلِهِ: (﴿قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ (الإسْراءِ: ٢٨) وقُرِئَ يُسُرًا بِضَمَّتَيْنِ.

الكهف 18:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَعْنى أنَّهُ أرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ فَأتْبَعَ سَبَبًا يُوصِّلُهُ إلَيْهِ حَتّى بَلَغَهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في عَيْنٍ حامِيَةٍ بِالألِفِ مِن غَيْرِ هُمَزَةٍ أيْ حارَّةٍ، وعَنْ أبِي ذَرٍّ، قالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلى جَمَلٍ فَرَأى الشَّمْسَ حِينَ غابَتْ فَقالَ: أتَدْرِي يا أبا ذَرٍّ أيْنَ تَغْرُبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ»؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وطَلْحَةَ صفحة ١٤٢ وابْنِ عامِرٍ، والباقُونَ ”حَمِئَةٍ“، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ واتَّفَقَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ عِنْدَ مُعاوِيَةَ فَقَرَأ مُعاوِيَةُ ”حامِيَةٍ“ بِألِفٍ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”حَمِئَةٍ“، فَقالَ مُعاوِيَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَقْرَأُ ؟ قالَ: كَما يَقْرَأُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ وجَّهَ إلى كَعْبِ الأحْبارِ كَيْفَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ ؟ قالَ: في ماءٍ وطِينٍ كَذَلِكَ نَجِدُهُ في التَّوْراةِ، والحَمِئَةُ ما فِيهِ ماءٌ، وحَمْأةٌ سَوْداءُ، واعْلَمْ أنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَ الحَمِئَةِ والحامِيَةِ، فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ العَيْنُ جامِعَةً لِلْوَصْفَيْنِ جَمِيعًا. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ وأنَّ السَّماءَ مُحِيطَةٌ بِها، ولا شَكَّ أنَّ الشَّمْسَ في الفَلَكِ، وأيْضًا قالَ: ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ جُلُوسَ قَوْمٍ في قُرْبِ الشَّمْسِ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وأيْضًا الشَّمْسُ أكْبَرُ مِنَ الأرْضِ بِمَرّاتٍ كَثِيرَةٍ فَكَيْفَ يُعْقَلُ دُخُولُها في عَيْنٍ مِن عُيُونِ الأرْضِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ مَوْضِعَها في المَغْرِبِ ولَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِماراتِ وجَدَ الشَّمْسَ كَأنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ وهْدَةٍ مُظْلِمَةٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ كَما أنَّ راكِبَ البَحْرِ يَرى الشَّمْسَ كَأنَّها تَغِيبُ في البَحْرِ، إذا لَمْ يَرَ الشَّطَّ، وهي في الحَقِيقَةِ تَغِيبُ وراءَ البَحْرِ، هَذا هو التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ. الثّانِي: أنَّ لِلْجانِبِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ مَساكِنَ يُحِيطُ البَحْرُ بِها؛ فالنّاظِرُ إلى الشَّمْسِ يَتَخَيَّلُ كَأنَّها تَغِيبُ في تِلْكَ البِحارِ، ولا شَكَّ أنَّ البِحارَ الغَرْبِيَّةَ قَوِيَّةُ السُّخُونَةِ فَهي حامِيَةٌ وهي أيْضًا حَمِئَةٌ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الحَمْأةِ السَّوْداءِ والماءِ فَقَوْلُهُ: ﴿تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الجانِبَ الغَرْبِيَّ مِنَ الأرْضِ قَدْ أحاطَ بِهِ البَحْرُ وهو مَوْضِعٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. الثّالِثُ: قالَ أهْلُ الأخْبارِ: إنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في عَيْنٍ كَثِيرَةِ الماءِ والحَمْأةِ وهَذا في غايَةِ البُعْدِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا رَصَدْنا كُسُوفًا قَمَرِيًّا فَإذا اعْتَبَرْناهُ ورَأيْنا أنَّ المَغْرِبِيِّينَ قالُوا: حَصَلَ هَذا الكُسُوفُ في أوَّلِ اللَّيْلِ ورَأيْنا المَشْرِقِيِّينَ قالُوا: حَصَلَ في أوَّلِ النَّهارِ فَعَلِمْنا أنَّ أوَّلَ اللَّيْلِ عِنْدَ أهْلِ المَغْرِبِ هو أوَّلُ النَّهارِ الثّانِي عِنْدَ أهْلِ المَشْرِقِ بَلْ ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي هو أوَّلُ اللَّيْلِ عِنْدَنا فَهو وقْتُ العَصْرِ في بَلَدٍ ووَقْتُ الظُّهْرِ في بَلَدٍ آخَرَ، ووَقْتُ الضَّحْوَةِ في بَلَدٍ ثالِثٍ. ووَقْتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ في بَلَدٍ رابِعٍ، ونِصْفُ اللَّيْلِ في بَلَدٍ خامِسٍ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ مَعْلُومَةً بَعْدَ الِاسْتِقْراءِ والِاعْتِبارِ. وعَلِمْنا أنَّ الشَّمْسَ طالِعَةٌ ظاهِرَةٌ في كُلِّ هَذِهِ الأوْقاتِ كانَ الَّذِي يُقالُ: إنَّها تَغِيبُ في الطِّينِ والحَمْأةِ كَلامًا عَلى خِلافِ اليَقِينِ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى مُبَرَّأٌ عَنْ هَذِهِ التُّهْمَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُصارَ إلى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، قالَ تَعالى: ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ عِنْدَها إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّمْسِ ويَكُونُ التَّأْنِيثُ لِلشَّمْسِ لِأنَّ الإنْسانَ لَمّا تَخَيَّلَ أنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ هُناكَ كانَ سُكّانُ هَذا المَوْضِعِ كَأنَّهم سَكَنُوا بِالقُرْبِ مِنَ الشَّمْسِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى العَيْنِ الحامِيَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالتَّأْوِيلُ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ نَبِيًّا وحُمِلَ هَذا اللَّفْظُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ خاطَبَهُ عَلى ألْسِنَةِ بَعْضِ الأنْبِياءِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ أهْلُ الأخْبارِ في صِفَةِ ذَلِكَ المَوْضِعِ أشْياءَ عَجِيبَةً، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُناكَ مَدِينَةٌ لَها اثْنا عَشَرَ ألْفَ بابٍ لَوْلا أصْواتُ أهْلِها سَمِعَ النّاسُ وجْبَةَ الشَّمْسِ حِينَ تَغِيبُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ صفحة ١٤٣ سُكّانَ آخِرِ المَغْرِبِ كانُوا كُفّارًا؛ فَخَيَّرَ اللَّهُ ذا القَرْنَيْنِ فِيهِمْ بَيْنَ التَّعْذِيبِ لَهم إنْ أقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ وبَيْنَ المَنِّ عَلَيْهِمْ والعَفْوِ عَنْهم، وهَذا التَّخْيِيرُ عَلى مَعْنى الِاجْتِهادِ في أصْلَحِ الأمْرَيْنِ، كَما خَيَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ المَنِّ عَلى المُشْرِكِينَ وبَيْنَ قَتْلِهِمْ، وقالَ الأكْثَرُونَ: هَذا التَّعْذِيبُ هو القَتْلُ، وأمّا اتِّخاذُ الحُسْنى فِيهِمْ فَهو تَرْكُهم أحْياءً، ثُمَّ قالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ أيْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالإقامَةِ عَلى الكُفْرِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ أنَّهُ ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِ: ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أيْ بِالقَتْلِ في الدُّنْيا: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ مُنْكَرًا فَظِيعًا: ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ التَّقْدِيرُ فَلَهُ الحُسْنى جَزاءً كَما تَقُولُ: لَكَ هَذا الثَّوْبُ هِبَةً، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَفي التَّفْسِيرِ وجْهانِ: الأوَّلُ: فَلَهُ جَزاءُ الفَعْلَةِ الحُسْنى، والفَعْلَةُ الحُسْنى هي الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فَلَهُ جَزاءً المَثُوبَةُ الحُسْنى، ويَكُونُ المَعْنى فَلَهُ ذا الجَزاءُ الَّذِي هو المَثُوبَةُ الحُسْنى والجَزاءُ مَوْصُوفٌ بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى، وإضافَةُ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مَشْهُورَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ (الأنْعامِ: ٣٢) و﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ (الواقِعَةِ: ٩٥) ثُمَّ قالَ: ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ لا نَأْمُرُهُ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ ولَكِنْ بِالسَّهْلِ المُيَسَّرِ مِنَ الزَّكاةِ والخَراجِ وغَيْرِهِما، وتَقْدِيرُ هَذا يُسْرٌ كَقَوْلِهِ: (﴿قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ (الإسْراءِ: ٢٨) وقُرِئَ يُسُرًا بِضَمَّتَيْنِ.

الكهف 18:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَعْنى أنَّهُ أرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ فَأتْبَعَ سَبَبًا يُوصِّلُهُ إلَيْهِ حَتّى بَلَغَهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في عَيْنٍ حامِيَةٍ بِالألِفِ مِن غَيْرِ هُمَزَةٍ أيْ حارَّةٍ، وعَنْ أبِي ذَرٍّ، قالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلى جَمَلٍ فَرَأى الشَّمْسَ حِينَ غابَتْ فَقالَ: أتَدْرِي يا أبا ذَرٍّ أيْنَ تَغْرُبُ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فَإنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ»؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وطَلْحَةَ صفحة ١٤٢ وابْنِ عامِرٍ، والباقُونَ ”حَمِئَةٍ“، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ واتَّفَقَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ عِنْدَ مُعاوِيَةَ فَقَرَأ مُعاوِيَةُ ”حامِيَةٍ“ بِألِفٍ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”حَمِئَةٍ“، فَقالَ مُعاوِيَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَقْرَأُ ؟ قالَ: كَما يَقْرَأُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ وجَّهَ إلى كَعْبِ الأحْبارِ كَيْفَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ ؟ قالَ: في ماءٍ وطِينٍ كَذَلِكَ نَجِدُهُ في التَّوْراةِ، والحَمِئَةُ ما فِيهِ ماءٌ، وحَمْأةٌ سَوْداءُ، واعْلَمْ أنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَ الحَمِئَةِ والحامِيَةِ، فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ العَيْنُ جامِعَةً لِلْوَصْفَيْنِ جَمِيعًا. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ وأنَّ السَّماءَ مُحِيطَةٌ بِها، ولا شَكَّ أنَّ الشَّمْسَ في الفَلَكِ، وأيْضًا قالَ: ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ جُلُوسَ قَوْمٍ في قُرْبِ الشَّمْسِ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وأيْضًا الشَّمْسُ أكْبَرُ مِنَ الأرْضِ بِمَرّاتٍ كَثِيرَةٍ فَكَيْفَ يُعْقَلُ دُخُولُها في عَيْنٍ مِن عُيُونِ الأرْضِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ مَوْضِعَها في المَغْرِبِ ولَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِماراتِ وجَدَ الشَّمْسَ كَأنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ وهْدَةٍ مُظْلِمَةٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ كَما أنَّ راكِبَ البَحْرِ يَرى الشَّمْسَ كَأنَّها تَغِيبُ في البَحْرِ، إذا لَمْ يَرَ الشَّطَّ، وهي في الحَقِيقَةِ تَغِيبُ وراءَ البَحْرِ، هَذا هو التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ. الثّانِي: أنَّ لِلْجانِبِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ مَساكِنَ يُحِيطُ البَحْرُ بِها؛ فالنّاظِرُ إلى الشَّمْسِ يَتَخَيَّلُ كَأنَّها تَغِيبُ في تِلْكَ البِحارِ، ولا شَكَّ أنَّ البِحارَ الغَرْبِيَّةَ قَوِيَّةُ السُّخُونَةِ فَهي حامِيَةٌ وهي أيْضًا حَمِئَةٌ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الحَمْأةِ السَّوْداءِ والماءِ فَقَوْلُهُ: ﴿تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الجانِبَ الغَرْبِيَّ مِنَ الأرْضِ قَدْ أحاطَ بِهِ البَحْرُ وهو مَوْضِعٌ شَدِيدُ السُّخُونَةِ. الثّالِثُ: قالَ أهْلُ الأخْبارِ: إنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في عَيْنٍ كَثِيرَةِ الماءِ والحَمْأةِ وهَذا في غايَةِ البُعْدِ، وذَلِكَ لِأنّا إذا رَصَدْنا كُسُوفًا قَمَرِيًّا فَإذا اعْتَبَرْناهُ ورَأيْنا أنَّ المَغْرِبِيِّينَ قالُوا: حَصَلَ هَذا الكُسُوفُ في أوَّلِ اللَّيْلِ ورَأيْنا المَشْرِقِيِّينَ قالُوا: حَصَلَ في أوَّلِ النَّهارِ فَعَلِمْنا أنَّ أوَّلَ اللَّيْلِ عِنْدَ أهْلِ المَغْرِبِ هو أوَّلُ النَّهارِ الثّانِي عِنْدَ أهْلِ المَشْرِقِ بَلْ ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي هو أوَّلُ اللَّيْلِ عِنْدَنا فَهو وقْتُ العَصْرِ في بَلَدٍ ووَقْتُ الظُّهْرِ في بَلَدٍ آخَرَ، ووَقْتُ الضَّحْوَةِ في بَلَدٍ ثالِثٍ. ووَقْتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ في بَلَدٍ رابِعٍ، ونِصْفُ اللَّيْلِ في بَلَدٍ خامِسٍ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ مَعْلُومَةً بَعْدَ الِاسْتِقْراءِ والِاعْتِبارِ. وعَلِمْنا أنَّ الشَّمْسَ طالِعَةٌ ظاهِرَةٌ في كُلِّ هَذِهِ الأوْقاتِ كانَ الَّذِي يُقالُ: إنَّها تَغِيبُ في الطِّينِ والحَمْأةِ كَلامًا عَلى خِلافِ اليَقِينِ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى مُبَرَّأٌ عَنْ هَذِهِ التُّهْمَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُصارَ إلى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، قالَ تَعالى: ﴿ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ عِنْدَها إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّمْسِ ويَكُونُ التَّأْنِيثُ لِلشَّمْسِ لِأنَّ الإنْسانَ لَمّا تَخَيَّلَ أنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ هُناكَ كانَ سُكّانُ هَذا المَوْضِعِ كَأنَّهم سَكَنُوا بِالقُرْبِ مِنَ الشَّمْسِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى العَيْنِ الحامِيَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالتَّأْوِيلُ ما ذَكَرْناهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ نَبِيًّا وحُمِلَ هَذا اللَّفْظُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ خاطَبَهُ عَلى ألْسِنَةِ بَعْضِ الأنْبِياءِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ أهْلُ الأخْبارِ في صِفَةِ ذَلِكَ المَوْضِعِ أشْياءَ عَجِيبَةً، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُناكَ مَدِينَةٌ لَها اثْنا عَشَرَ ألْفَ بابٍ لَوْلا أصْواتُ أهْلِها سَمِعَ النّاسُ وجْبَةَ الشَّمْسِ حِينَ تَغِيبُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ صفحة ١٤٣ سُكّانَ آخِرِ المَغْرِبِ كانُوا كُفّارًا؛ فَخَيَّرَ اللَّهُ ذا القَرْنَيْنِ فِيهِمْ بَيْنَ التَّعْذِيبِ لَهم إنْ أقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ وبَيْنَ المَنِّ عَلَيْهِمْ والعَفْوِ عَنْهم، وهَذا التَّخْيِيرُ عَلى مَعْنى الِاجْتِهادِ في أصْلَحِ الأمْرَيْنِ، كَما خَيَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ المَنِّ عَلى المُشْرِكِينَ وبَيْنَ قَتْلِهِمْ، وقالَ الأكْثَرُونَ: هَذا التَّعْذِيبُ هو القَتْلُ، وأمّا اتِّخاذُ الحُسْنى فِيهِمْ فَهو تَرْكُهم أحْياءً، ثُمَّ قالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿أمّا مَن ظَلَمَ﴾ أيْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالإقامَةِ عَلى الكُفْرِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ أنَّهُ ذَكَرَ في مُقابَلَتِهِ: ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أيْ بِالقَتْلِ في الدُّنْيا: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ مُنْكَرًا فَظِيعًا: ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ التَّقْدِيرُ فَلَهُ الحُسْنى جَزاءً كَما تَقُولُ: لَكَ هَذا الثَّوْبُ هِبَةً، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَفي التَّفْسِيرِ وجْهانِ: الأوَّلُ: فَلَهُ جَزاءُ الفَعْلَةِ الحُسْنى، والفَعْلَةُ الحُسْنى هي الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فَلَهُ جَزاءً المَثُوبَةُ الحُسْنى، ويَكُونُ المَعْنى فَلَهُ ذا الجَزاءُ الَّذِي هو المَثُوبَةُ الحُسْنى والجَزاءُ مَوْصُوفٌ بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى، وإضافَةُ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مَشْهُورَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ (الأنْعامِ: ٣٢) و﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ (الواقِعَةِ: ٩٥) ثُمَّ قالَ: ﴿وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ أيْ لا نَأْمُرُهُ بِالصَّعْبِ الشّاقِّ ولَكِنْ بِالسَّهْلِ المُيَسَّرِ مِنَ الزَّكاةِ والخَراجِ وغَيْرِهِما، وتَقْدِيرُ هَذا يُسْرٌ كَقَوْلِهِ: (﴿قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ (الإسْراءِ: ٢٨) وقُرِئَ يُسُرًا بِضَمَّتَيْنِ.

الكهف 18:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أوَّلًا أنَّهُ قَصَدَ أقْرَبَ الأماكِنِ المَسْكُونَةِ مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّهُ قَصَدَ أقْرَبَ الأماكِنِ المَسْكُونَةِ مِن مَطْلِعِ الشَّمْسِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ وجَدَ الشَّمْسَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ شَجَرٌ ولا جَبَلٌ ولا أبْنِيَةٌ تَمْنَعُ مِن وُقُوعِ شُعاعِ الشَّمْسِ عَلَيْهِمْ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ دَخَلُوا في أسْرابٍ واغِلَةٍ في الأرْضِ أوْ غاصُوا في الماءِ فَيَكُونُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمُ التَّصَرُّفُ في المَعاشِ، وعِنْدَ غُرُوبِها يَشْتَغِلُونَ بِتَحْصِيلِ مُهِمّاتِ المَعاشِ، حالُهم بِالضِّدِّ مِن أحْوالِ سائِرِ الخَلْقِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْناهُ أنَّهُ لا ثِيابَ لَهم ويَكُونُونَ كَسائِرِ الحَيَواناتِ عُراةً أبَدًا ويُقالُ في كُتُبِ الهَيْئَةِ: إنَّ حالَ أكْثَرِ الزِّنْجِ كَذَلِكَ، وحالَ كُلِّ مَن يَسْكُنُ البِلادَ القَرِيبَةَ مِن خَطِّ الِاسْتِواءِ كَذَلِكَ، وذُكِرَ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ بَعْضَهم قالَ: سافَرْتُ حَتّى جاوَزْتُ الصِّينَ فَسَألْتُ عَنْ هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَقِيلَ: بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَسِيرَةُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ فَبَلَغْتُهم فَإذا أحَدُهم يَفْرِشُ أُذُنَهُ الواحِدَةَ ويَلْبَسُ الأُخْرى ولَمّا قَرُبَ طُلُوعُ الشَّمْسِ سَمِعْتُ كَهَيْئَةِ الصَّلْصَلَةِ فَغُشِيَ عَلَيَّ ثُمَّ أفَقْتُ وهم يَمْسَحُونَنِي بِالدُّهْنِ؛ فَلَمّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إذا هي فَوْقَ الماءِ كَهَيْئَةِ الزَّيْتِ فَأدْخَلُونا سِرْبًا لَهم فَلَمّا ارْتَفَعَ النَّهارُ جَعَلُوا يَصْطادُونَ السَّمَكَ ويَطْرَحُونَهُ في الشَّمْسِ فَيَنْضَجُ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أيْ كَذَلِكَ فَعَلَ ذُو القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ ما بَلَغَ وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ. والثّانِي: كَذَلِكَ جَعَلَ صفحة ١٤٤ اللَّهُ أمْرَ هَؤُلاءِ القَوْمِ عَلى ما قَدْ أعْلَمَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا الذِّكْرِ. والثّالِثُ: كَذَلِكَ كانَتْ حالَتُهُ مَعَ أهْلِ المَطْلِعِ كَما كانَتْ مَعَ أهْلِ المَغْرِبِ، قَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ، مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ. والرّابِعُ: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ كَذَلِكَ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: أمَرَ هَؤُلاءِ القَوْمِ كَما وجَدَهم عَلَيْهِ ذُو القَرْنَيْنِ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ كُنّا عالِمِينَ بِأنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ.

الكهف 18:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أوَّلًا أنَّهُ قَصَدَ أقْرَبَ الأماكِنِ المَسْكُونَةِ مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّهُ قَصَدَ أقْرَبَ الأماكِنِ المَسْكُونَةِ مِن مَطْلِعِ الشَّمْسِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ وجَدَ الشَّمْسَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ شَجَرٌ ولا جَبَلٌ ولا أبْنِيَةٌ تَمْنَعُ مِن وُقُوعِ شُعاعِ الشَّمْسِ عَلَيْهِمْ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ دَخَلُوا في أسْرابٍ واغِلَةٍ في الأرْضِ أوْ غاصُوا في الماءِ فَيَكُونُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمُ التَّصَرُّفُ في المَعاشِ، وعِنْدَ غُرُوبِها يَشْتَغِلُونَ بِتَحْصِيلِ مُهِمّاتِ المَعاشِ، حالُهم بِالضِّدِّ مِن أحْوالِ سائِرِ الخَلْقِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْناهُ أنَّهُ لا ثِيابَ لَهم ويَكُونُونَ كَسائِرِ الحَيَواناتِ عُراةً أبَدًا ويُقالُ في كُتُبِ الهَيْئَةِ: إنَّ حالَ أكْثَرِ الزِّنْجِ كَذَلِكَ، وحالَ كُلِّ مَن يَسْكُنُ البِلادَ القَرِيبَةَ مِن خَطِّ الِاسْتِواءِ كَذَلِكَ، وذُكِرَ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ بَعْضَهم قالَ: سافَرْتُ حَتّى جاوَزْتُ الصِّينَ فَسَألْتُ عَنْ هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَقِيلَ: بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَسِيرَةُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ فَبَلَغْتُهم فَإذا أحَدُهم يَفْرِشُ أُذُنَهُ الواحِدَةَ ويَلْبَسُ الأُخْرى ولَمّا قَرُبَ طُلُوعُ الشَّمْسِ سَمِعْتُ كَهَيْئَةِ الصَّلْصَلَةِ فَغُشِيَ عَلَيَّ ثُمَّ أفَقْتُ وهم يَمْسَحُونَنِي بِالدُّهْنِ؛ فَلَمّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إذا هي فَوْقَ الماءِ كَهَيْئَةِ الزَّيْتِ فَأدْخَلُونا سِرْبًا لَهم فَلَمّا ارْتَفَعَ النَّهارُ جَعَلُوا يَصْطادُونَ السَّمَكَ ويَطْرَحُونَهُ في الشَّمْسِ فَيَنْضَجُ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أيْ كَذَلِكَ فَعَلَ ذُو القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ ما بَلَغَ وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ. والثّانِي: كَذَلِكَ جَعَلَ صفحة ١٤٤ اللَّهُ أمْرَ هَؤُلاءِ القَوْمِ عَلى ما قَدْ أعْلَمَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا الذِّكْرِ. والثّالِثُ: كَذَلِكَ كانَتْ حالَتُهُ مَعَ أهْلِ المَطْلِعِ كَما كانَتْ مَعَ أهْلِ المَغْرِبِ، قَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ، مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ. والرّابِعُ: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ كَذَلِكَ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: أمَرَ هَؤُلاءِ القَوْمِ كَما وجَدَهم عَلَيْهِ ذُو القَرْنَيْنِ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ كُنّا عالِمِينَ بِأنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ.

الكهف 18:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أوَّلًا أنَّهُ قَصَدَ أقْرَبَ الأماكِنِ المَسْكُونَةِ مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّهُ قَصَدَ أقْرَبَ الأماكِنِ المَسْكُونَةِ مِن مَطْلِعِ الشَّمْسِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ وجَدَ الشَّمْسَ تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ شَجَرٌ ولا جَبَلٌ ولا أبْنِيَةٌ تَمْنَعُ مِن وُقُوعِ شُعاعِ الشَّمْسِ عَلَيْهِمْ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ دَخَلُوا في أسْرابٍ واغِلَةٍ في الأرْضِ أوْ غاصُوا في الماءِ فَيَكُونُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمُ التَّصَرُّفُ في المَعاشِ، وعِنْدَ غُرُوبِها يَشْتَغِلُونَ بِتَحْصِيلِ مُهِمّاتِ المَعاشِ، حالُهم بِالضِّدِّ مِن أحْوالِ سائِرِ الخَلْقِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْناهُ أنَّهُ لا ثِيابَ لَهم ويَكُونُونَ كَسائِرِ الحَيَواناتِ عُراةً أبَدًا ويُقالُ في كُتُبِ الهَيْئَةِ: إنَّ حالَ أكْثَرِ الزِّنْجِ كَذَلِكَ، وحالَ كُلِّ مَن يَسْكُنُ البِلادَ القَرِيبَةَ مِن خَطِّ الِاسْتِواءِ كَذَلِكَ، وذُكِرَ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ بَعْضَهم قالَ: سافَرْتُ حَتّى جاوَزْتُ الصِّينَ فَسَألْتُ عَنْ هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَقِيلَ: بَيْنَكَ وبَيْنَهم مَسِيرَةُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ فَبَلَغْتُهم فَإذا أحَدُهم يَفْرِشُ أُذُنَهُ الواحِدَةَ ويَلْبَسُ الأُخْرى ولَمّا قَرُبَ طُلُوعُ الشَّمْسِ سَمِعْتُ كَهَيْئَةِ الصَّلْصَلَةِ فَغُشِيَ عَلَيَّ ثُمَّ أفَقْتُ وهم يَمْسَحُونَنِي بِالدُّهْنِ؛ فَلَمّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إذا هي فَوْقَ الماءِ كَهَيْئَةِ الزَّيْتِ فَأدْخَلُونا سِرْبًا لَهم فَلَمّا ارْتَفَعَ النَّهارُ جَعَلُوا يَصْطادُونَ السَّمَكَ ويَطْرَحُونَهُ في الشَّمْسِ فَيَنْضَجُ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أيْ كَذَلِكَ فَعَلَ ذُو القَرْنَيْنِ أتْبَعَ هَذِهِ الأسْبابَ حَتّى بَلَغَ ما بَلَغَ وقَدْ عَلِمْنا حِينَ مَلَّكْناهُ ما عِنْدَهُ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِذَلِكَ المُلْكِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ. والثّانِي: كَذَلِكَ جَعَلَ صفحة ١٤٤ اللَّهُ أمْرَ هَؤُلاءِ القَوْمِ عَلى ما قَدْ أعْلَمَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا الذِّكْرِ. والثّالِثُ: كَذَلِكَ كانَتْ حالَتُهُ مَعَ أهْلِ المَطْلِعِ كَما كانَتْ مَعَ أهْلِ المَغْرِبِ، قَضى في هَؤُلاءِ كَما قَضى في أُولَئِكَ، مِن تَعْذِيبِ الظّالِمِينَ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ. والرّابِعُ: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ كَذَلِكَ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ: أمَرَ هَؤُلاءِ القَوْمِ كَما وجَدَهم عَلَيْهِ ذُو القَرْنَيْنِ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أيْ كُنّا عالِمِينَ بِأنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ.

الكهف 18:92

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قالُوا ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ اعْلَمْ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ اتَّبَعَ سَبَبًا آخَرَ، وسَلَكَ الطَّرِيقَ حَتّى بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ، وقَدْ آتاهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ ما يَقُومُ بِهَذِهِ الأُمُورِ. وهَهُنا مَباحِثُ: الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ السُّدَّيْنِ بِضَمِّ السِّينِ وسَدًّا بِفَتْحِها حَيْثُ كانَ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالفَتْحِ فِيهِما في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ فِيهِما في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو السَّدَّيْنِ وسَدًّا هَهُنا بِفَتْحِ السِّينِ فِيهِما وضَمِّها في يس في المَوْضِعَيْنِ قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: ما كانَ مِن صَنْعَةِ بَنِي آدَمَ فَهو السَّدُّ بِفَتْحِ السِّينِ، وما كانَ مِن صُنْعِ اللَّهِ فَهو السُّدُّ بِضَمِّ السِّينِ والجَمْعُ سُدَدٌ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ الأنْبارِيِّ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: السُّدُّ بِالضَّمِّ فُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ هو مِمّا فَعَلَهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ، والسَّدُّ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ حَدَثٌ يُحْدِثُهُ النّاسُ. البَحْثُ الثّانِي: الأظْهَرُ أنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ في ناحِيَةِ الشَّمالِ، وقِيلَ: جَبَلانِ بَيْنَ أرْمِينِيَّةَ وبَيْنَ أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: هَذا المَكانُ في مَقْطَعِ أرْضِ التُّرْكِ، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تارِيخِهِ أنَّ صاحِبَ أذْرَبِيجانَ أيّامَ فَتْحِها وجَّهَ إنْسانًا إلَيْهِ مِن ناحِيَةِ الخَزَرِ فَشاهَدَهُ ووَصَفَ أنَّهُ بُنْيانٌ رَفِيعٌ وراءَ خَنْدَقٍ عَمِيقٍ وثِيقٍ مَنِيعٍ، وذَكَرَ ابْنُ خُرْداذَبَّةَ في كِتابِ المَسالِكِ والمَمالِكِ أنَّ الواثِقَ بِاللَّهِ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ فَتَحَ هَذا الرَّدْمَ فَبَعَثَ بَعْضَ الخَدَمِ إلَيْهِ لِيُعايِنُوهُ فَخَرَجُوا مِن بابِ الأبْوابِ حَتّى وصَلُوا إلَيْهِ وشاهَدُوهُ فَوَصَفُوا أنَّهُ بِناءٌ مِن لَبِنٍ مِن حَدِيدٍ مَشْدُودٍ بِالنُّحاسِ المُذابِ وعَلَيْهِ بابٌ مُقْفَلٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ لَمّا حاوَلَ الرُّجُوعَ؛ أخْرَجَهُمُ الدَّلِيلُ عَلى البِقاعِ المُحاذِيَةِ لِسَمَرْقَنْدَ، قالَ أبُو الرَّيْحانِ: مُقْتَضى هَذا أنَّ مَوْضِعَهُ في الرُّبْعِ الشَّمالِيِّ الغَرْبِيِّ مِنَ المَعْمُورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ما بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما أيْ مِن ورائِهِما مُجاوِزًا عَنْهُما ﴿قَوْمًا﴾ أيْ أُمَّةً مِنَ النّاسِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُفَقِهُونَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ صفحة ١٤٥ عَلى مَعْنى لا يُمْكِنُهم تَفْهِيمُ غَيْرِهِمْ والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والقافِ، والمَعْنى أنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَةِ أنْفُسِهِمْ وما كانُوا يَفْهَمُونَ اللِّسانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ ذُو القَرْنَيْنِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ فَهِمَ ذُو القَرْنَيْنِ مِنهم هَذا الكَلامَ بَعْدَ أنْ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ والجَوابُ: أنْ نَقُولَ كادَ فِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّ إثْباتَهُ نَفْيٌ، ونَفْيَهُ إثْباتٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَفْهَمُونَ شَيْئًا، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ يَفْهَمُونَ عَلى مَشَقَّةٍ وصُعُوبَةٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ ولَيْسَ لَهم قُرْبٌ مِن أنْ يَفْقَهُوا. وعَلى هَذا القَوْلِ فَلا بُدَّ مِن إضْمارٍ، وهو أنْ يُقالَ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ إلّا بَعْدَ تَقْرِيبٍ ومَشَقَّةٍ مِن إشارَةٍ ونَحْوِها، وهَذِهِ الآيَةُ تَصْلُحُ أنْ يُحْتَجَّ بِها عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ كادَ. البَحْثُ الرّابِعُ: في يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ مَوْضُوعانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرْفِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُما مُشْتَقّانِ، وقَرَأ عاصِمٌ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بِالهَمْزِ. وقَرَأ الباقُونَ: ياجُوجَ وماجُوجَ. وقُرِئَ في رِوايَةٍ: آجُوجَ ومَأْجُوجَ، والقائِلُونَ بِكَوْنِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مُشْتَقَّيْنِ ذَكَرُوا وجُوهًا. الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: ”يَأْجُوجَ“ مَأْخُوذٌ مِن تَأجُّجِ النّارِ وتَلَهُّبِها فَلِسُرْعَتِهِمْ في الحَرَكَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ، و”مَأْجُوجَ“ مِن مَوْجِ البَحْرِ. الثّانِي: أنَّ ”يَأْجُوجَ“ مَأْخُوذٌ مِن تَأجُّجِ المِلْحِ وهو شِدَّةُ مُلُوحَتِهِ فَلِشِدَّتِهِمْ في الحَرَكَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ. الثّالِثُ: قالَ القُتَيْبِيُّ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ أجَّ الظَّلِيمُ في مَشْيِهِ يَئِجُّ أجًّا إذا هَرْوَلَ وسَمِعْتَ حَفِيفَهُ في عَدْوِهِ. الرّابِعُ: قالَ الخَلِيلُ: الأجُّ حَبٌّ كالعَدَسِ والمَجُّ مَجُّ الرِّيقِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَأْخُوذَيْنِ مِنهُما، واخْتَلَفُوا في أنَّهُما مِن أيِّ الأقْوامِ فَقِيلَ: إنَّهُما مِنَ التُّرْكِ، وقِيلَ: (يَأْجُوجُ) مِنَ التُّرْكِ، و(مَأْجُوجُ) مِنَ الجِيلِ والدَّيْلَمِ، ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن وصَفَهم بِقِصَرِ القامَةِ وصِغَرِ الجُثَّةِ بِكَوْنِ طُولِ أحَدِهِمْ شِبْرًا، ومِنهم مَن وصَفَهم بِطُولِ القامَةِ وكِبَرِ الجُثَّةِ وأثْبَتُوا لَهم مَخالِيبَ في الأظْفارِ وأضْراسًا كَأضْراسِ السِّباعِ واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إفْسادِهِمْ في الأرْضِ فَقِيلَ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ وقِيلَ كانُوا يَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، وقِيلَ كانُوا يَخْرُجُونَ أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَتْرُكُونَ لَهم شَيْئًا أخْضَرَ وبِالجُمْلَةِ فَلَفْظُ الفَسادِ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أهْلِ ما بَيْنَ السَّدَّيْنِ أنَّهم قالُوا لِذِي القَرْنَيْنِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ خَراجًا، والباقُونَ خَرْجًا. قِيلَ: الخَراجُ والخَرْجُ واحِدٌ، وقِيلَ هُما أمْرانِ مُتَغايِرانِ، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا: قِيلَ: الخَرْجُ بِغَيْرِ ألِفٍ هو الجُعْلُ لِأنَّ النّاسَ يُخْرِجُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم شَيْئًا مِنهُ فَيُخْرِجُ هَذا أشْياءَ وهَذا أشْياءَ، والخَراجُ هو الَّذِي يَجْبِيهِ السُّلْطانُ كُلَّ سَنَةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَراجُ هو الِاسْمُ الأصْلِيُّ، والخَرْجُ كالمَصْدَرِ، وقالَ قُطْرُبٌ: الخَرْجُ الجِزْيَةُ، والخَراجُ في الأرْضِ؛ فَقالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي﴾ أيْ ما جَعَلَنِي مَكِينًا مِنَ المالِ الكَثِيرِ واليَسارِ الواسِعِ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ مِنَ الخَراجِ؛ فَلا حاجَةَ بِي إلَيْهِ، وهو كَما قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ٣٦] قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (ما مَكَّنَنِي) بِنُونَيْنِ عَلى الإظْهارِ، والباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلى الإدْغامِ، ثُمَّ قالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ أيْ لا حاجَةَ لِي في مالِكم ولَكِنْ ﴿فَأعِينُونِي﴾ بِرِجالٍ وآلَةٍ أبْنِي بِها السَّدَّ، وقِيلَ المَعْنى: (أعِينُونِي) بِمالٍ أصْرِفُهُ إلى هَذا المُهِمِّ ولا أطْلُبُ المالَ لِآخُذَهُ لِنَفْسِي، والرَّدْمُ هو السَّدُّ. يُقالُ: رَدَمْتُ البابَ أيْ سَدَدْتُهُ ورَدَمْتُ الثَّوْبَ رَقَّعْتُهُ؛ لِأنَّهُ يَسُدُّ الخَرْقَ بِالرُّقْعَةِ، والرَّدْمُ أكْثَرُ مِنَ السَّدِّ مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَرْدُومٌ أيْ وُضِعَتْ عَلَيْهِ رِقاعٌ.

الكهف 18:93

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قالُوا ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ اعْلَمْ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ اتَّبَعَ سَبَبًا آخَرَ، وسَلَكَ الطَّرِيقَ حَتّى بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ، وقَدْ آتاهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ ما يَقُومُ بِهَذِهِ الأُمُورِ. وهَهُنا مَباحِثُ: الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ السُّدَّيْنِ بِضَمِّ السِّينِ وسَدًّا بِفَتْحِها حَيْثُ كانَ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالفَتْحِ فِيهِما في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ فِيهِما في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو السَّدَّيْنِ وسَدًّا هَهُنا بِفَتْحِ السِّينِ فِيهِما وضَمِّها في يس في المَوْضِعَيْنِ قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: ما كانَ مِن صَنْعَةِ بَنِي آدَمَ فَهو السَّدُّ بِفَتْحِ السِّينِ، وما كانَ مِن صُنْعِ اللَّهِ فَهو السُّدُّ بِضَمِّ السِّينِ والجَمْعُ سُدَدٌ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ الأنْبارِيِّ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: السُّدُّ بِالضَّمِّ فُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ هو مِمّا فَعَلَهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ، والسَّدُّ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ حَدَثٌ يُحْدِثُهُ النّاسُ. البَحْثُ الثّانِي: الأظْهَرُ أنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ في ناحِيَةِ الشَّمالِ، وقِيلَ: جَبَلانِ بَيْنَ أرْمِينِيَّةَ وبَيْنَ أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: هَذا المَكانُ في مَقْطَعِ أرْضِ التُّرْكِ، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تارِيخِهِ أنَّ صاحِبَ أذْرَبِيجانَ أيّامَ فَتْحِها وجَّهَ إنْسانًا إلَيْهِ مِن ناحِيَةِ الخَزَرِ فَشاهَدَهُ ووَصَفَ أنَّهُ بُنْيانٌ رَفِيعٌ وراءَ خَنْدَقٍ عَمِيقٍ وثِيقٍ مَنِيعٍ، وذَكَرَ ابْنُ خُرْداذَبَّةَ في كِتابِ المَسالِكِ والمَمالِكِ أنَّ الواثِقَ بِاللَّهِ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ فَتَحَ هَذا الرَّدْمَ فَبَعَثَ بَعْضَ الخَدَمِ إلَيْهِ لِيُعايِنُوهُ فَخَرَجُوا مِن بابِ الأبْوابِ حَتّى وصَلُوا إلَيْهِ وشاهَدُوهُ فَوَصَفُوا أنَّهُ بِناءٌ مِن لَبِنٍ مِن حَدِيدٍ مَشْدُودٍ بِالنُّحاسِ المُذابِ وعَلَيْهِ بابٌ مُقْفَلٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ لَمّا حاوَلَ الرُّجُوعَ؛ أخْرَجَهُمُ الدَّلِيلُ عَلى البِقاعِ المُحاذِيَةِ لِسَمَرْقَنْدَ، قالَ أبُو الرَّيْحانِ: مُقْتَضى هَذا أنَّ مَوْضِعَهُ في الرُّبْعِ الشَّمالِيِّ الغَرْبِيِّ مِنَ المَعْمُورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ما بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما أيْ مِن ورائِهِما مُجاوِزًا عَنْهُما ﴿قَوْمًا﴾ أيْ أُمَّةً مِنَ النّاسِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُفَقِهُونَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ صفحة ١٤٥ عَلى مَعْنى لا يُمْكِنُهم تَفْهِيمُ غَيْرِهِمْ والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والقافِ، والمَعْنى أنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَةِ أنْفُسِهِمْ وما كانُوا يَفْهَمُونَ اللِّسانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ ذُو القَرْنَيْنِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ فَهِمَ ذُو القَرْنَيْنِ مِنهم هَذا الكَلامَ بَعْدَ أنْ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ والجَوابُ: أنْ نَقُولَ كادَ فِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّ إثْباتَهُ نَفْيٌ، ونَفْيَهُ إثْباتٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَفْهَمُونَ شَيْئًا، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ يَفْهَمُونَ عَلى مَشَقَّةٍ وصُعُوبَةٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ ولَيْسَ لَهم قُرْبٌ مِن أنْ يَفْقَهُوا. وعَلى هَذا القَوْلِ فَلا بُدَّ مِن إضْمارٍ، وهو أنْ يُقالَ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ إلّا بَعْدَ تَقْرِيبٍ ومَشَقَّةٍ مِن إشارَةٍ ونَحْوِها، وهَذِهِ الآيَةُ تَصْلُحُ أنْ يُحْتَجَّ بِها عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ كادَ. البَحْثُ الرّابِعُ: في يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ مَوْضُوعانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرْفِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُما مُشْتَقّانِ، وقَرَأ عاصِمٌ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بِالهَمْزِ. وقَرَأ الباقُونَ: ياجُوجَ وماجُوجَ. وقُرِئَ في رِوايَةٍ: آجُوجَ ومَأْجُوجَ، والقائِلُونَ بِكَوْنِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مُشْتَقَّيْنِ ذَكَرُوا وجُوهًا. الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: ”يَأْجُوجَ“ مَأْخُوذٌ مِن تَأجُّجِ النّارِ وتَلَهُّبِها فَلِسُرْعَتِهِمْ في الحَرَكَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ، و”مَأْجُوجَ“ مِن مَوْجِ البَحْرِ. الثّانِي: أنَّ ”يَأْجُوجَ“ مَأْخُوذٌ مِن تَأجُّجِ المِلْحِ وهو شِدَّةُ مُلُوحَتِهِ فَلِشِدَّتِهِمْ في الحَرَكَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ. الثّالِثُ: قالَ القُتَيْبِيُّ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ أجَّ الظَّلِيمُ في مَشْيِهِ يَئِجُّ أجًّا إذا هَرْوَلَ وسَمِعْتَ حَفِيفَهُ في عَدْوِهِ. الرّابِعُ: قالَ الخَلِيلُ: الأجُّ حَبٌّ كالعَدَسِ والمَجُّ مَجُّ الرِّيقِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَأْخُوذَيْنِ مِنهُما، واخْتَلَفُوا في أنَّهُما مِن أيِّ الأقْوامِ فَقِيلَ: إنَّهُما مِنَ التُّرْكِ، وقِيلَ: (يَأْجُوجُ) مِنَ التُّرْكِ، و(مَأْجُوجُ) مِنَ الجِيلِ والدَّيْلَمِ، ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن وصَفَهم بِقِصَرِ القامَةِ وصِغَرِ الجُثَّةِ بِكَوْنِ طُولِ أحَدِهِمْ شِبْرًا، ومِنهم مَن وصَفَهم بِطُولِ القامَةِ وكِبَرِ الجُثَّةِ وأثْبَتُوا لَهم مَخالِيبَ في الأظْفارِ وأضْراسًا كَأضْراسِ السِّباعِ واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إفْسادِهِمْ في الأرْضِ فَقِيلَ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ وقِيلَ كانُوا يَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، وقِيلَ كانُوا يَخْرُجُونَ أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَتْرُكُونَ لَهم شَيْئًا أخْضَرَ وبِالجُمْلَةِ فَلَفْظُ الفَسادِ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أهْلِ ما بَيْنَ السَّدَّيْنِ أنَّهم قالُوا لِذِي القَرْنَيْنِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ خَراجًا، والباقُونَ خَرْجًا. قِيلَ: الخَراجُ والخَرْجُ واحِدٌ، وقِيلَ هُما أمْرانِ مُتَغايِرانِ، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا: قِيلَ: الخَرْجُ بِغَيْرِ ألِفٍ هو الجُعْلُ لِأنَّ النّاسَ يُخْرِجُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم شَيْئًا مِنهُ فَيُخْرِجُ هَذا أشْياءَ وهَذا أشْياءَ، والخَراجُ هو الَّذِي يَجْبِيهِ السُّلْطانُ كُلَّ سَنَةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَراجُ هو الِاسْمُ الأصْلِيُّ، والخَرْجُ كالمَصْدَرِ، وقالَ قُطْرُبٌ: الخَرْجُ الجِزْيَةُ، والخَراجُ في الأرْضِ؛ فَقالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي﴾ أيْ ما جَعَلَنِي مَكِينًا مِنَ المالِ الكَثِيرِ واليَسارِ الواسِعِ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ مِنَ الخَراجِ؛ فَلا حاجَةَ بِي إلَيْهِ، وهو كَما قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ٣٦] قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (ما مَكَّنَنِي) بِنُونَيْنِ عَلى الإظْهارِ، والباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلى الإدْغامِ، ثُمَّ قالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ أيْ لا حاجَةَ لِي في مالِكم ولَكِنْ ﴿فَأعِينُونِي﴾ بِرِجالٍ وآلَةٍ أبْنِي بِها السَّدَّ، وقِيلَ المَعْنى: (أعِينُونِي) بِمالٍ أصْرِفُهُ إلى هَذا المُهِمِّ ولا أطْلُبُ المالَ لِآخُذَهُ لِنَفْسِي، والرَّدْمُ هو السَّدُّ. يُقالُ: رَدَمْتُ البابَ أيْ سَدَدْتُهُ ورَدَمْتُ الثَّوْبَ رَقَّعْتُهُ؛ لِأنَّهُ يَسُدُّ الخَرْقَ بِالرُّقْعَةِ، والرَّدْمُ أكْثَرُ مِنَ السَّدِّ مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَرْدُومٌ أيْ وُضِعَتْ عَلَيْهِ رِقاعٌ.

الكهف 18:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قالُوا ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ اعْلَمْ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ اتَّبَعَ سَبَبًا آخَرَ، وسَلَكَ الطَّرِيقَ حَتّى بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ، وقَدْ آتاهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ ما يَقُومُ بِهَذِهِ الأُمُورِ. وهَهُنا مَباحِثُ: الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ السُّدَّيْنِ بِضَمِّ السِّينِ وسَدًّا بِفَتْحِها حَيْثُ كانَ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالفَتْحِ فِيهِما في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ فِيهِما في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو السَّدَّيْنِ وسَدًّا هَهُنا بِفَتْحِ السِّينِ فِيهِما وضَمِّها في يس في المَوْضِعَيْنِ قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: ما كانَ مِن صَنْعَةِ بَنِي آدَمَ فَهو السَّدُّ بِفَتْحِ السِّينِ، وما كانَ مِن صُنْعِ اللَّهِ فَهو السُّدُّ بِضَمِّ السِّينِ والجَمْعُ سُدَدٌ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ الأنْبارِيِّ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: السُّدُّ بِالضَّمِّ فُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ هو مِمّا فَعَلَهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ، والسَّدُّ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ حَدَثٌ يُحْدِثُهُ النّاسُ. البَحْثُ الثّانِي: الأظْهَرُ أنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ في ناحِيَةِ الشَّمالِ، وقِيلَ: جَبَلانِ بَيْنَ أرْمِينِيَّةَ وبَيْنَ أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: هَذا المَكانُ في مَقْطَعِ أرْضِ التُّرْكِ، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تارِيخِهِ أنَّ صاحِبَ أذْرَبِيجانَ أيّامَ فَتْحِها وجَّهَ إنْسانًا إلَيْهِ مِن ناحِيَةِ الخَزَرِ فَشاهَدَهُ ووَصَفَ أنَّهُ بُنْيانٌ رَفِيعٌ وراءَ خَنْدَقٍ عَمِيقٍ وثِيقٍ مَنِيعٍ، وذَكَرَ ابْنُ خُرْداذَبَّةَ في كِتابِ المَسالِكِ والمَمالِكِ أنَّ الواثِقَ بِاللَّهِ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ فَتَحَ هَذا الرَّدْمَ فَبَعَثَ بَعْضَ الخَدَمِ إلَيْهِ لِيُعايِنُوهُ فَخَرَجُوا مِن بابِ الأبْوابِ حَتّى وصَلُوا إلَيْهِ وشاهَدُوهُ فَوَصَفُوا أنَّهُ بِناءٌ مِن لَبِنٍ مِن حَدِيدٍ مَشْدُودٍ بِالنُّحاسِ المُذابِ وعَلَيْهِ بابٌ مُقْفَلٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ لَمّا حاوَلَ الرُّجُوعَ؛ أخْرَجَهُمُ الدَّلِيلُ عَلى البِقاعِ المُحاذِيَةِ لِسَمَرْقَنْدَ، قالَ أبُو الرَّيْحانِ: مُقْتَضى هَذا أنَّ مَوْضِعَهُ في الرُّبْعِ الشَّمالِيِّ الغَرْبِيِّ مِنَ المَعْمُورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ما بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما أيْ مِن ورائِهِما مُجاوِزًا عَنْهُما ﴿قَوْمًا﴾ أيْ أُمَّةً مِنَ النّاسِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُفَقِهُونَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ صفحة ١٤٥ عَلى مَعْنى لا يُمْكِنُهم تَفْهِيمُ غَيْرِهِمْ والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والقافِ، والمَعْنى أنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَةِ أنْفُسِهِمْ وما كانُوا يَفْهَمُونَ اللِّسانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ ذُو القَرْنَيْنِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ فَهِمَ ذُو القَرْنَيْنِ مِنهم هَذا الكَلامَ بَعْدَ أنْ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ والجَوابُ: أنْ نَقُولَ كادَ فِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّ إثْباتَهُ نَفْيٌ، ونَفْيَهُ إثْباتٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَفْهَمُونَ شَيْئًا، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ يَفْهَمُونَ عَلى مَشَقَّةٍ وصُعُوبَةٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ ولَيْسَ لَهم قُرْبٌ مِن أنْ يَفْقَهُوا. وعَلى هَذا القَوْلِ فَلا بُدَّ مِن إضْمارٍ، وهو أنْ يُقالَ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ إلّا بَعْدَ تَقْرِيبٍ ومَشَقَّةٍ مِن إشارَةٍ ونَحْوِها، وهَذِهِ الآيَةُ تَصْلُحُ أنْ يُحْتَجَّ بِها عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ كادَ. البَحْثُ الرّابِعُ: في يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ مَوْضُوعانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرْفِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُما مُشْتَقّانِ، وقَرَأ عاصِمٌ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بِالهَمْزِ. وقَرَأ الباقُونَ: ياجُوجَ وماجُوجَ. وقُرِئَ في رِوايَةٍ: آجُوجَ ومَأْجُوجَ، والقائِلُونَ بِكَوْنِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مُشْتَقَّيْنِ ذَكَرُوا وجُوهًا. الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: ”يَأْجُوجَ“ مَأْخُوذٌ مِن تَأجُّجِ النّارِ وتَلَهُّبِها فَلِسُرْعَتِهِمْ في الحَرَكَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ، و”مَأْجُوجَ“ مِن مَوْجِ البَحْرِ. الثّانِي: أنَّ ”يَأْجُوجَ“ مَأْخُوذٌ مِن تَأجُّجِ المِلْحِ وهو شِدَّةُ مُلُوحَتِهِ فَلِشِدَّتِهِمْ في الحَرَكَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ. الثّالِثُ: قالَ القُتَيْبِيُّ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ أجَّ الظَّلِيمُ في مَشْيِهِ يَئِجُّ أجًّا إذا هَرْوَلَ وسَمِعْتَ حَفِيفَهُ في عَدْوِهِ. الرّابِعُ: قالَ الخَلِيلُ: الأجُّ حَبٌّ كالعَدَسِ والمَجُّ مَجُّ الرِّيقِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَأْخُوذَيْنِ مِنهُما، واخْتَلَفُوا في أنَّهُما مِن أيِّ الأقْوامِ فَقِيلَ: إنَّهُما مِنَ التُّرْكِ، وقِيلَ: (يَأْجُوجُ) مِنَ التُّرْكِ، و(مَأْجُوجُ) مِنَ الجِيلِ والدَّيْلَمِ، ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن وصَفَهم بِقِصَرِ القامَةِ وصِغَرِ الجُثَّةِ بِكَوْنِ طُولِ أحَدِهِمْ شِبْرًا، ومِنهم مَن وصَفَهم بِطُولِ القامَةِ وكِبَرِ الجُثَّةِ وأثْبَتُوا لَهم مَخالِيبَ في الأظْفارِ وأضْراسًا كَأضْراسِ السِّباعِ واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إفْسادِهِمْ في الأرْضِ فَقِيلَ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ وقِيلَ كانُوا يَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، وقِيلَ كانُوا يَخْرُجُونَ أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَتْرُكُونَ لَهم شَيْئًا أخْضَرَ وبِالجُمْلَةِ فَلَفْظُ الفَسادِ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أهْلِ ما بَيْنَ السَّدَّيْنِ أنَّهم قالُوا لِذِي القَرْنَيْنِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ خَراجًا، والباقُونَ خَرْجًا. قِيلَ: الخَراجُ والخَرْجُ واحِدٌ، وقِيلَ هُما أمْرانِ مُتَغايِرانِ، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا: قِيلَ: الخَرْجُ بِغَيْرِ ألِفٍ هو الجُعْلُ لِأنَّ النّاسَ يُخْرِجُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم شَيْئًا مِنهُ فَيُخْرِجُ هَذا أشْياءَ وهَذا أشْياءَ، والخَراجُ هو الَّذِي يَجْبِيهِ السُّلْطانُ كُلَّ سَنَةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَراجُ هو الِاسْمُ الأصْلِيُّ، والخَرْجُ كالمَصْدَرِ، وقالَ قُطْرُبٌ: الخَرْجُ الجِزْيَةُ، والخَراجُ في الأرْضِ؛ فَقالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي﴾ أيْ ما جَعَلَنِي مَكِينًا مِنَ المالِ الكَثِيرِ واليَسارِ الواسِعِ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ مِنَ الخَراجِ؛ فَلا حاجَةَ بِي إلَيْهِ، وهو كَما قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ٣٦] قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (ما مَكَّنَنِي) بِنُونَيْنِ عَلى الإظْهارِ، والباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلى الإدْغامِ، ثُمَّ قالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ أيْ لا حاجَةَ لِي في مالِكم ولَكِنْ ﴿فَأعِينُونِي﴾ بِرِجالٍ وآلَةٍ أبْنِي بِها السَّدَّ، وقِيلَ المَعْنى: (أعِينُونِي) بِمالٍ أصْرِفُهُ إلى هَذا المُهِمِّ ولا أطْلُبُ المالَ لِآخُذَهُ لِنَفْسِي، والرَّدْمُ هو السَّدُّ. يُقالُ: رَدَمْتُ البابَ أيْ سَدَدْتُهُ ورَدَمْتُ الثَّوْبَ رَقَّعْتُهُ؛ لِأنَّهُ يَسُدُّ الخَرْقَ بِالرُّقْعَةِ، والرَّدْمُ أكْثَرُ مِنَ السَّدِّ مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَرْدُومٌ أيْ وُضِعَتْ عَلَيْهِ رِقاعٌ.

الكهف 18:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قالُوا ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ اعْلَمْ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ اتَّبَعَ سَبَبًا آخَرَ، وسَلَكَ الطَّرِيقَ حَتّى بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ، وقَدْ آتاهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ ما يَقُومُ بِهَذِهِ الأُمُورِ. وهَهُنا مَباحِثُ: الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ السُّدَّيْنِ بِضَمِّ السِّينِ وسَدًّا بِفَتْحِها حَيْثُ كانَ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالفَتْحِ فِيهِما في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ فِيهِما في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو السَّدَّيْنِ وسَدًّا هَهُنا بِفَتْحِ السِّينِ فِيهِما وضَمِّها في يس في المَوْضِعَيْنِ قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: ما كانَ مِن صَنْعَةِ بَنِي آدَمَ فَهو السَّدُّ بِفَتْحِ السِّينِ، وما كانَ مِن صُنْعِ اللَّهِ فَهو السُّدُّ بِضَمِّ السِّينِ والجَمْعُ سُدَدٌ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ الأنْبارِيِّ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: السُّدُّ بِالضَّمِّ فُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ هو مِمّا فَعَلَهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ، والسَّدُّ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ حَدَثٌ يُحْدِثُهُ النّاسُ. البَحْثُ الثّانِي: الأظْهَرُ أنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ في ناحِيَةِ الشَّمالِ، وقِيلَ: جَبَلانِ بَيْنَ أرْمِينِيَّةَ وبَيْنَ أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: هَذا المَكانُ في مَقْطَعِ أرْضِ التُّرْكِ، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تارِيخِهِ أنَّ صاحِبَ أذْرَبِيجانَ أيّامَ فَتْحِها وجَّهَ إنْسانًا إلَيْهِ مِن ناحِيَةِ الخَزَرِ فَشاهَدَهُ ووَصَفَ أنَّهُ بُنْيانٌ رَفِيعٌ وراءَ خَنْدَقٍ عَمِيقٍ وثِيقٍ مَنِيعٍ، وذَكَرَ ابْنُ خُرْداذَبَّةَ في كِتابِ المَسالِكِ والمَمالِكِ أنَّ الواثِقَ بِاللَّهِ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ فَتَحَ هَذا الرَّدْمَ فَبَعَثَ بَعْضَ الخَدَمِ إلَيْهِ لِيُعايِنُوهُ فَخَرَجُوا مِن بابِ الأبْوابِ حَتّى وصَلُوا إلَيْهِ وشاهَدُوهُ فَوَصَفُوا أنَّهُ بِناءٌ مِن لَبِنٍ مِن حَدِيدٍ مَشْدُودٍ بِالنُّحاسِ المُذابِ وعَلَيْهِ بابٌ مُقْفَلٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ لَمّا حاوَلَ الرُّجُوعَ؛ أخْرَجَهُمُ الدَّلِيلُ عَلى البِقاعِ المُحاذِيَةِ لِسَمَرْقَنْدَ، قالَ أبُو الرَّيْحانِ: مُقْتَضى هَذا أنَّ مَوْضِعَهُ في الرُّبْعِ الشَّمالِيِّ الغَرْبِيِّ مِنَ المَعْمُورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ما بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما أيْ مِن ورائِهِما مُجاوِزًا عَنْهُما ﴿قَوْمًا﴾ أيْ أُمَّةً مِنَ النّاسِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُفَقِهُونَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ صفحة ١٤٥ عَلى مَعْنى لا يُمْكِنُهم تَفْهِيمُ غَيْرِهِمْ والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والقافِ، والمَعْنى أنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَةِ أنْفُسِهِمْ وما كانُوا يَفْهَمُونَ اللِّسانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ ذُو القَرْنَيْنِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ فَهِمَ ذُو القَرْنَيْنِ مِنهم هَذا الكَلامَ بَعْدَ أنْ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ والجَوابُ: أنْ نَقُولَ كادَ فِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّ إثْباتَهُ نَفْيٌ، ونَفْيَهُ إثْباتٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَفْهَمُونَ شَيْئًا، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ يَفْهَمُونَ عَلى مَشَقَّةٍ وصُعُوبَةٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ ولَيْسَ لَهم قُرْبٌ مِن أنْ يَفْقَهُوا. وعَلى هَذا القَوْلِ فَلا بُدَّ مِن إضْمارٍ، وهو أنْ يُقالَ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ إلّا بَعْدَ تَقْرِيبٍ ومَشَقَّةٍ مِن إشارَةٍ ونَحْوِها، وهَذِهِ الآيَةُ تَصْلُحُ أنْ يُحْتَجَّ بِها عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ كادَ. البَحْثُ الرّابِعُ: في يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ مَوْضُوعانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرْفِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُما مُشْتَقّانِ، وقَرَأ عاصِمٌ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بِالهَمْزِ. وقَرَأ الباقُونَ: ياجُوجَ وماجُوجَ. وقُرِئَ في رِوايَةٍ: آجُوجَ ومَأْجُوجَ، والقائِلُونَ بِكَوْنِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مُشْتَقَّيْنِ ذَكَرُوا وجُوهًا. الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: ”يَأْجُوجَ“ مَأْخُوذٌ مِن تَأجُّجِ النّارِ وتَلَهُّبِها فَلِسُرْعَتِهِمْ في الحَرَكَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ، و”مَأْجُوجَ“ مِن مَوْجِ البَحْرِ. الثّانِي: أنَّ ”يَأْجُوجَ“ مَأْخُوذٌ مِن تَأجُّجِ المِلْحِ وهو شِدَّةُ مُلُوحَتِهِ فَلِشِدَّتِهِمْ في الحَرَكَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ. الثّالِثُ: قالَ القُتَيْبِيُّ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ أجَّ الظَّلِيمُ في مَشْيِهِ يَئِجُّ أجًّا إذا هَرْوَلَ وسَمِعْتَ حَفِيفَهُ في عَدْوِهِ. الرّابِعُ: قالَ الخَلِيلُ: الأجُّ حَبٌّ كالعَدَسِ والمَجُّ مَجُّ الرِّيقِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَأْخُوذَيْنِ مِنهُما، واخْتَلَفُوا في أنَّهُما مِن أيِّ الأقْوامِ فَقِيلَ: إنَّهُما مِنَ التُّرْكِ، وقِيلَ: (يَأْجُوجُ) مِنَ التُّرْكِ، و(مَأْجُوجُ) مِنَ الجِيلِ والدَّيْلَمِ، ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن وصَفَهم بِقِصَرِ القامَةِ وصِغَرِ الجُثَّةِ بِكَوْنِ طُولِ أحَدِهِمْ شِبْرًا، ومِنهم مَن وصَفَهم بِطُولِ القامَةِ وكِبَرِ الجُثَّةِ وأثْبَتُوا لَهم مَخالِيبَ في الأظْفارِ وأضْراسًا كَأضْراسِ السِّباعِ واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إفْسادِهِمْ في الأرْضِ فَقِيلَ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ وقِيلَ كانُوا يَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، وقِيلَ كانُوا يَخْرُجُونَ أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَتْرُكُونَ لَهم شَيْئًا أخْضَرَ وبِالجُمْلَةِ فَلَفْظُ الفَسادِ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أهْلِ ما بَيْنَ السَّدَّيْنِ أنَّهم قالُوا لِذِي القَرْنَيْنِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ خَراجًا، والباقُونَ خَرْجًا. قِيلَ: الخَراجُ والخَرْجُ واحِدٌ، وقِيلَ هُما أمْرانِ مُتَغايِرانِ، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا: قِيلَ: الخَرْجُ بِغَيْرِ ألِفٍ هو الجُعْلُ لِأنَّ النّاسَ يُخْرِجُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم شَيْئًا مِنهُ فَيُخْرِجُ هَذا أشْياءَ وهَذا أشْياءَ، والخَراجُ هو الَّذِي يَجْبِيهِ السُّلْطانُ كُلَّ سَنَةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: الخَراجُ هو الِاسْمُ الأصْلِيُّ، والخَرْجُ كالمَصْدَرِ، وقالَ قُطْرُبٌ: الخَرْجُ الجِزْيَةُ، والخَراجُ في الأرْضِ؛ فَقالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي﴾ أيْ ما جَعَلَنِي مَكِينًا مِنَ المالِ الكَثِيرِ واليَسارِ الواسِعِ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ مِنَ الخَراجِ؛ فَلا حاجَةَ بِي إلَيْهِ، وهو كَما قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ٣٦] قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (ما مَكَّنَنِي) بِنُونَيْنِ عَلى الإظْهارِ، والباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلى الإدْغامِ، ثُمَّ قالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ أيْ لا حاجَةَ لِي في مالِكم ولَكِنْ ﴿فَأعِينُونِي﴾ بِرِجالٍ وآلَةٍ أبْنِي بِها السَّدَّ، وقِيلَ المَعْنى: (أعِينُونِي) بِمالٍ أصْرِفُهُ إلى هَذا المُهِمِّ ولا أطْلُبُ المالَ لِآخُذَهُ لِنَفْسِي، والرَّدْمُ هو السَّدُّ. يُقالُ: رَدَمْتُ البابَ أيْ سَدَدْتُهُ ورَدَمْتُ الثَّوْبَ رَقَّعْتُهُ؛ لِأنَّهُ يَسُدُّ الخَرْقَ بِالرُّقْعَةِ، والرَّدْمُ أكْثَرُ مِنَ السَّدِّ مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَرْدُومٌ أيْ وُضِعَتْ عَلَيْهِ رِقاعٌ.

الكهف 18:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ اعْلَمْ أنَّ ﴿زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قِطَعُهُ، قالَ الخَلِيلُ: الزُّبْرَةُ مِنَ الحَدِيدِ القِطْعَةُ الضَّخْمَةُ، قِراءَةُ الجَمِيعِ آتَوْنِي بِمَدِّ الألِفِ إلّا حَمْزَةَ؛ فَإنَّهُ قَرَأ ائْتُونِي مِنَ الإتْيانِ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ، والتَّقْدِيرُ ائْتُونِي بِزُبَرِ الحَدِيدِ ثُمَّ حُذِفَ الباءُ كَقَوْلِهِ: شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ وكَفَرْتُهُ، وكَفَرْتُ لَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ فِيهِ إضْمارٌ أيْ فَأتَوْهُ بِها فَوَضَعَ تِلْكَ الزُّبَرَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ تَسُدُّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ إلى أعْلاهُما ثُمَّ وضَعَ المَنافِخَ عَلَيْها حَتّى إذا صارَتْ كالنّارِ صَبَّ النُّحاسَ المُذابَ عَلى الحَدِيدِ المُحْمى فالتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وصارَ جَبَلًا صَلْدًا، واعْلَمْ أنَّ هَذا مُعْجِزٌ قاهِرٌ لِأنَّ هَذِهِ الزُّبَرَ الكَثِيرَةَ إذا نُفِخَ عَلَيْها حَتّى صارَتْ كالنّارِ لَمْ يَقْدِرِ الحَيَوانُ عَلى القُرْبِ مِنها، والنَّفْخُ عَلَيْها لا يُمَكِنُ إلّا مَعَ القُرْبِ مِنها فَكَأنَّهُ تَعالى صَرَفَ تَأْثِيرَ تِلْكَ الحَرارَةِ العَظِيمَةِ عَنْ أبْدانِ أُولَئِكَ النّافِخِينَ عَلَيْها. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قِيلَ: بُعْدُ ما بَيْنَ (السَّدَّيْنِ) مِائَةُ فَرْسَخٍ. و(الصَّدَفانِ) بِفَتْحَتَيْنِ جانِبا الجَبَلَيْنِ، لِأنَّهُما يَتَصادَفانِ أيْ: يَتَقابَلانِ، وقُرِئَ: (بَيْنَ الصُّدُفَيْنِ) بِضَمَّتَيْنِ. (والصُّدْفَيْنِ) بِضَمَّةٍ وسُكُونٍ، والقِطْرُ النُّحاسُ المُذابُ؛ لِأنَّهُ يَقْطُرُ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُفْرِغْ﴾ وتَقْدِيرُهُ آتَوْنِي قِطْرًا: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَما اسْطاعُوا﴾ فَحَذَفَ التّاءَ لِلْخِفَّةِ لِأنَّ التّاءَ قَرِيبَةُ المَخْرَجِ مِنَ الطّاءِ وقُرِئَ: (فَما اصْطاعُوا) بِقَلْبِ السِّينِ صادًا ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أنْ يَعْلُوهُ أيْ ما قَدَرُوا عَلى الصُّعُودِ عَلَيْهِ لِأجْلِ ارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ، ولا عَلى نَقْبِهِ لِأجْلِ صَلابَتِهِ وثَخانَتِهِ، ثُمَّ قالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ فَقَوْلُهُ هَذا إشارَةٌ إلى السَّدِّ، أيْ هَذا السَّدُّ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ عَلى عِبادِهِ، أوْ هَذا الِاقْتِدارُ والتَّمْكِينُ مِن تَسْوِيَتِهِ. ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ يَعْنِي: فَإذا دَنا مَجِيءُ القِيامَةِ؛ جَعَلَ السَّدَّ دَكًّا؛ أيْ: مَدْكُوكًا مُسَوًّى بِالأرْضِ، وكُلُّ ما انْبَسَطَ بَعْدَ الِارْتِفاعِ فَقَدِ انْدَكَّ، وقُرِئَ دَكّاءَ بِالمَدِّ أيْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً، ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ وهَهُنا آخِرُ حِكايَةِ ذِي القَرْنَيْنِ.

الكهف 18:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ اعْلَمْ أنَّ ﴿زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قِطَعُهُ، قالَ الخَلِيلُ: الزُّبْرَةُ مِنَ الحَدِيدِ القِطْعَةُ الضَّخْمَةُ، قِراءَةُ الجَمِيعِ آتَوْنِي بِمَدِّ الألِفِ إلّا حَمْزَةَ؛ فَإنَّهُ قَرَأ ائْتُونِي مِنَ الإتْيانِ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ، والتَّقْدِيرُ ائْتُونِي بِزُبَرِ الحَدِيدِ ثُمَّ حُذِفَ الباءُ كَقَوْلِهِ: شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ وكَفَرْتُهُ، وكَفَرْتُ لَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ فِيهِ إضْمارٌ أيْ فَأتَوْهُ بِها فَوَضَعَ تِلْكَ الزُّبَرَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ تَسُدُّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ إلى أعْلاهُما ثُمَّ وضَعَ المَنافِخَ عَلَيْها حَتّى إذا صارَتْ كالنّارِ صَبَّ النُّحاسَ المُذابَ عَلى الحَدِيدِ المُحْمى فالتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وصارَ جَبَلًا صَلْدًا، واعْلَمْ أنَّ هَذا مُعْجِزٌ قاهِرٌ لِأنَّ هَذِهِ الزُّبَرَ الكَثِيرَةَ إذا نُفِخَ عَلَيْها حَتّى صارَتْ كالنّارِ لَمْ يَقْدِرِ الحَيَوانُ عَلى القُرْبِ مِنها، والنَّفْخُ عَلَيْها لا يُمَكِنُ إلّا مَعَ القُرْبِ مِنها فَكَأنَّهُ تَعالى صَرَفَ تَأْثِيرَ تِلْكَ الحَرارَةِ العَظِيمَةِ عَنْ أبْدانِ أُولَئِكَ النّافِخِينَ عَلَيْها. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قِيلَ: بُعْدُ ما بَيْنَ (السَّدَّيْنِ) مِائَةُ فَرْسَخٍ. و(الصَّدَفانِ) بِفَتْحَتَيْنِ جانِبا الجَبَلَيْنِ، لِأنَّهُما يَتَصادَفانِ أيْ: يَتَقابَلانِ، وقُرِئَ: (بَيْنَ الصُّدُفَيْنِ) بِضَمَّتَيْنِ. (والصُّدْفَيْنِ) بِضَمَّةٍ وسُكُونٍ، والقِطْرُ النُّحاسُ المُذابُ؛ لِأنَّهُ يَقْطُرُ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُفْرِغْ﴾ وتَقْدِيرُهُ آتَوْنِي قِطْرًا: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَما اسْطاعُوا﴾ فَحَذَفَ التّاءَ لِلْخِفَّةِ لِأنَّ التّاءَ قَرِيبَةُ المَخْرَجِ مِنَ الطّاءِ وقُرِئَ: (فَما اصْطاعُوا) بِقَلْبِ السِّينِ صادًا ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أنْ يَعْلُوهُ أيْ ما قَدَرُوا عَلى الصُّعُودِ عَلَيْهِ لِأجْلِ ارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ، ولا عَلى نَقْبِهِ لِأجْلِ صَلابَتِهِ وثَخانَتِهِ، ثُمَّ قالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ فَقَوْلُهُ هَذا إشارَةٌ إلى السَّدِّ، أيْ هَذا السَّدُّ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ عَلى عِبادِهِ، أوْ هَذا الِاقْتِدارُ والتَّمْكِينُ مِن تَسْوِيَتِهِ. ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ يَعْنِي: فَإذا دَنا مَجِيءُ القِيامَةِ؛ جَعَلَ السَّدَّ دَكًّا؛ أيْ: مَدْكُوكًا مُسَوًّى بِالأرْضِ، وكُلُّ ما انْبَسَطَ بَعْدَ الِارْتِفاعِ فَقَدِ انْدَكَّ، وقُرِئَ دَكّاءَ بِالمَدِّ أيْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً، ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ وهَهُنا آخِرُ حِكايَةِ ذِي القَرْنَيْنِ.

الكهف 18:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ اعْلَمْ أنَّ ﴿زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قِطَعُهُ، قالَ الخَلِيلُ: الزُّبْرَةُ مِنَ الحَدِيدِ القِطْعَةُ الضَّخْمَةُ، قِراءَةُ الجَمِيعِ آتَوْنِي بِمَدِّ الألِفِ إلّا حَمْزَةَ؛ فَإنَّهُ قَرَأ ائْتُونِي مِنَ الإتْيانِ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ، والتَّقْدِيرُ ائْتُونِي بِزُبَرِ الحَدِيدِ ثُمَّ حُذِفَ الباءُ كَقَوْلِهِ: شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ وكَفَرْتُهُ، وكَفَرْتُ لَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ فِيهِ إضْمارٌ أيْ فَأتَوْهُ بِها فَوَضَعَ تِلْكَ الزُّبَرَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ تَسُدُّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ إلى أعْلاهُما ثُمَّ وضَعَ المَنافِخَ عَلَيْها حَتّى إذا صارَتْ كالنّارِ صَبَّ النُّحاسَ المُذابَ عَلى الحَدِيدِ المُحْمى فالتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وصارَ جَبَلًا صَلْدًا، واعْلَمْ أنَّ هَذا مُعْجِزٌ قاهِرٌ لِأنَّ هَذِهِ الزُّبَرَ الكَثِيرَةَ إذا نُفِخَ عَلَيْها حَتّى صارَتْ كالنّارِ لَمْ يَقْدِرِ الحَيَوانُ عَلى القُرْبِ مِنها، والنَّفْخُ عَلَيْها لا يُمَكِنُ إلّا مَعَ القُرْبِ مِنها فَكَأنَّهُ تَعالى صَرَفَ تَأْثِيرَ تِلْكَ الحَرارَةِ العَظِيمَةِ عَنْ أبْدانِ أُولَئِكَ النّافِخِينَ عَلَيْها. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قِيلَ: بُعْدُ ما بَيْنَ (السَّدَّيْنِ) مِائَةُ فَرْسَخٍ. و(الصَّدَفانِ) بِفَتْحَتَيْنِ جانِبا الجَبَلَيْنِ، لِأنَّهُما يَتَصادَفانِ أيْ: يَتَقابَلانِ، وقُرِئَ: (بَيْنَ الصُّدُفَيْنِ) بِضَمَّتَيْنِ. (والصُّدْفَيْنِ) بِضَمَّةٍ وسُكُونٍ، والقِطْرُ النُّحاسُ المُذابُ؛ لِأنَّهُ يَقْطُرُ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُفْرِغْ﴾ وتَقْدِيرُهُ آتَوْنِي قِطْرًا: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَما اسْطاعُوا﴾ فَحَذَفَ التّاءَ لِلْخِفَّةِ لِأنَّ التّاءَ قَرِيبَةُ المَخْرَجِ مِنَ الطّاءِ وقُرِئَ: (فَما اصْطاعُوا) بِقَلْبِ السِّينِ صادًا ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أنْ يَعْلُوهُ أيْ ما قَدَرُوا عَلى الصُّعُودِ عَلَيْهِ لِأجْلِ ارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ، ولا عَلى نَقْبِهِ لِأجْلِ صَلابَتِهِ وثَخانَتِهِ، ثُمَّ قالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ فَقَوْلُهُ هَذا إشارَةٌ إلى السَّدِّ، أيْ هَذا السَّدُّ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ عَلى عِبادِهِ، أوْ هَذا الِاقْتِدارُ والتَّمْكِينُ مِن تَسْوِيَتِهِ. ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ يَعْنِي: فَإذا دَنا مَجِيءُ القِيامَةِ؛ جَعَلَ السَّدَّ دَكًّا؛ أيْ: مَدْكُوكًا مُسَوًّى بِالأرْضِ، وكُلُّ ما انْبَسَطَ بَعْدَ الِارْتِفاعِ فَقَدِ انْدَكَّ، وقُرِئَ دَكّاءَ بِالمَدِّ أيْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً، ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ وهَهُنا آخِرُ حِكايَةِ ذِي القَرْنَيْنِ.

الكهف 18:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ”بَعْضَهم“ عائِدٌ إلى: ﴿يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ السَّدِّ صفحة ١٤٧ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ خَلْفَهُ لَمّا مُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ. الثّانِي: أنْ عِنْدَ الخُرُوجِ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، قِيلَ إنَّهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِن وراءِ السَّدِّ يَمُوجُونَ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ؛ يَأْتُونَ البَحْرَ فَيَشْرَبُونَ ماءَهُ ويَأْكُلُونَ دَوابَّهُ ثُمَّ يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ، ويَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَأْتُوا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَيَواناتٍ فَتَدْخُلُ آذانَهم فَيَمُوتُونَ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّ الأقْرَبَ أنَّ المُرادَ الوَقْتُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ السَّدَّ دَكًّا فَعِنْدَهُ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ، وبَعْدَهُ نُفِخَ في الصُّورِ، وصارَ ذَلِكَ مِن آياتِ القِيامَةِ، والكَلامُ في الصُّورِ قَدْ تَقَدَّمَ، وسَيَجِيءُ مِن بَعْدُ، وأمّا عَرْضُ جَهَنَّمَ وإبْرازُهُ حَتّى يَصِيرَ مَكْشُوفًا بِأهْوالِهِ فَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى عِقابِ الكُفّارِ لِما يَتَداخَلُهم مِنَ الغَمِّ العَظِيمِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَكْشِفُهُ لِلْكافِرِينَ الَّذِينَ عَمُوا وصَمُّوا، أمّا العَمى فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ والمُرادُ مِنهُ شِدَّةُ انْصِرافِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وأمّا الصَّمَمُ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ يَعْنِي أنَّ حالَتَهم أعْظَمُ مِنَ الصَّمَمِ؛ لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ وهَؤُلاءِ زالَتْ عَنْهم تِلْكَ الِاسْتِطاعَةُ واحْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ مَعَ الفِعْلِ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَسْمَعُوا لَمْ يَسْتَطِيعُوا، قالَ القاضِي: المُرادُ مِنهُ نَفْرَتُهم عَنْ سَماعِ ذَلِكَ الكَلامِ واسْتِثْقالُهم إيّاهُ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: لا أسْتَطِيعُ النَّظَرَ إلى فُلانٍ.

الكهف 18:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ”بَعْضَهم“ عائِدٌ إلى: ﴿يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ السَّدِّ صفحة ١٤٧ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ خَلْفَهُ لَمّا مُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ. الثّانِي: أنْ عِنْدَ الخُرُوجِ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، قِيلَ إنَّهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِن وراءِ السَّدِّ يَمُوجُونَ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ؛ يَأْتُونَ البَحْرَ فَيَشْرَبُونَ ماءَهُ ويَأْكُلُونَ دَوابَّهُ ثُمَّ يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ، ويَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَأْتُوا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَيَواناتٍ فَتَدْخُلُ آذانَهم فَيَمُوتُونَ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّ الأقْرَبَ أنَّ المُرادَ الوَقْتُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ السَّدَّ دَكًّا فَعِنْدَهُ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ، وبَعْدَهُ نُفِخَ في الصُّورِ، وصارَ ذَلِكَ مِن آياتِ القِيامَةِ، والكَلامُ في الصُّورِ قَدْ تَقَدَّمَ، وسَيَجِيءُ مِن بَعْدُ، وأمّا عَرْضُ جَهَنَّمَ وإبْرازُهُ حَتّى يَصِيرَ مَكْشُوفًا بِأهْوالِهِ فَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى عِقابِ الكُفّارِ لِما يَتَداخَلُهم مِنَ الغَمِّ العَظِيمِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَكْشِفُهُ لِلْكافِرِينَ الَّذِينَ عَمُوا وصَمُّوا، أمّا العَمى فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ والمُرادُ مِنهُ شِدَّةُ انْصِرافِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وأمّا الصَّمَمُ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ يَعْنِي أنَّ حالَتَهم أعْظَمُ مِنَ الصَّمَمِ؛ لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ وهَؤُلاءِ زالَتْ عَنْهم تِلْكَ الِاسْتِطاعَةُ واحْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ مَعَ الفِعْلِ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَسْمَعُوا لَمْ يَسْتَطِيعُوا، قالَ القاضِي: المُرادُ مِنهُ نَفْرَتُهم عَنْ سَماعِ ذَلِكَ الكَلامِ واسْتِثْقالُهم إيّاهُ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: لا أسْتَطِيعُ النَّظَرَ إلى فُلانٍ.

الكهف 18:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ”بَعْضَهم“ عائِدٌ إلى: ﴿يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ السَّدِّ صفحة ١٤٧ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ خَلْفَهُ لَمّا مُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ. الثّانِي: أنْ عِنْدَ الخُرُوجِ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، قِيلَ إنَّهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِن وراءِ السَّدِّ يَمُوجُونَ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ؛ يَأْتُونَ البَحْرَ فَيَشْرَبُونَ ماءَهُ ويَأْكُلُونَ دَوابَّهُ ثُمَّ يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ، ويَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَأْتُوا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَيَواناتٍ فَتَدْخُلُ آذانَهم فَيَمُوتُونَ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّ الأقْرَبَ أنَّ المُرادَ الوَقْتُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ السَّدَّ دَكًّا فَعِنْدَهُ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ، وبَعْدَهُ نُفِخَ في الصُّورِ، وصارَ ذَلِكَ مِن آياتِ القِيامَةِ، والكَلامُ في الصُّورِ قَدْ تَقَدَّمَ، وسَيَجِيءُ مِن بَعْدُ، وأمّا عَرْضُ جَهَنَّمَ وإبْرازُهُ حَتّى يَصِيرَ مَكْشُوفًا بِأهْوالِهِ فَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى عِقابِ الكُفّارِ لِما يَتَداخَلُهم مِنَ الغَمِّ العَظِيمِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَكْشِفُهُ لِلْكافِرِينَ الَّذِينَ عَمُوا وصَمُّوا، أمّا العَمى فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ والمُرادُ مِنهُ شِدَّةُ انْصِرافِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وأمّا الصَّمَمُ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ يَعْنِي أنَّ حالَتَهم أعْظَمُ مِنَ الصَّمَمِ؛ لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ وهَؤُلاءِ زالَتْ عَنْهم تِلْكَ الِاسْتِطاعَةُ واحْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ مَعَ الفِعْلِ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَسْمَعُوا لَمْ يَسْتَطِيعُوا، قالَ القاضِي: المُرادُ مِنهُ نَفْرَتُهم عَنْ سَماعِ ذَلِكَ الكَلامِ واسْتِثْقالُهم إيّاهُ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: لا أسْتَطِيعُ النَّظَرَ إلى فُلانٍ.

الكهف 18:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ”بَعْضَهم“ عائِدٌ إلى: ﴿يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ السَّدِّ صفحة ١٤٧ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ خَلْفَهُ لَمّا مُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ. الثّانِي: أنْ عِنْدَ الخُرُوجِ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، قِيلَ إنَّهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِن وراءِ السَّدِّ يَمُوجُونَ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ؛ يَأْتُونَ البَحْرَ فَيَشْرَبُونَ ماءَهُ ويَأْكُلُونَ دَوابَّهُ ثُمَّ يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ، ويَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَأْتُوا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَيَواناتٍ فَتَدْخُلُ آذانَهم فَيَمُوتُونَ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّ الأقْرَبَ أنَّ المُرادَ الوَقْتُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ السَّدَّ دَكًّا فَعِنْدَهُ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ، وبَعْدَهُ نُفِخَ في الصُّورِ، وصارَ ذَلِكَ مِن آياتِ القِيامَةِ، والكَلامُ في الصُّورِ قَدْ تَقَدَّمَ، وسَيَجِيءُ مِن بَعْدُ، وأمّا عَرْضُ جَهَنَّمَ وإبْرازُهُ حَتّى يَصِيرَ مَكْشُوفًا بِأهْوالِهِ فَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى عِقابِ الكُفّارِ لِما يَتَداخَلُهم مِنَ الغَمِّ العَظِيمِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَكْشِفُهُ لِلْكافِرِينَ الَّذِينَ عَمُوا وصَمُّوا، أمّا العَمى فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ والمُرادُ مِنهُ شِدَّةُ انْصِرافِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وأمّا الصَّمَمُ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ يَعْنِي أنَّ حالَتَهم أعْظَمُ مِنَ الصَّمَمِ؛ لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ وهَؤُلاءِ زالَتْ عَنْهم تِلْكَ الِاسْتِطاعَةُ واحْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ مَعَ الفِعْلِ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَسْمَعُوا لَمْ يَسْتَطِيعُوا، قالَ القاضِي: المُرادُ مِنهُ نَفْرَتُهم عَنْ سَماعِ ذَلِكَ الكَلامِ واسْتِثْقالُهم إيّاهُ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: لا أسْتَطِيعُ النَّظَرَ إلى فُلانٍ.

الكهف 18:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ”بَعْضَهم“ عائِدٌ إلى: ﴿يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ السَّدِّ صفحة ١٤٧ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ خَلْفَهُ لَمّا مُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ. الثّانِي: أنْ عِنْدَ الخُرُوجِ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، قِيلَ إنَّهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِن وراءِ السَّدِّ يَمُوجُونَ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ؛ يَأْتُونَ البَحْرَ فَيَشْرَبُونَ ماءَهُ ويَأْكُلُونَ دَوابَّهُ ثُمَّ يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ، ويَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَأْتُوا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَيَواناتٍ فَتَدْخُلُ آذانَهم فَيَمُوتُونَ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّ الأقْرَبَ أنَّ المُرادَ الوَقْتُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ السَّدَّ دَكًّا فَعِنْدَهُ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ، وبَعْدَهُ نُفِخَ في الصُّورِ، وصارَ ذَلِكَ مِن آياتِ القِيامَةِ، والكَلامُ في الصُّورِ قَدْ تَقَدَّمَ، وسَيَجِيءُ مِن بَعْدُ، وأمّا عَرْضُ جَهَنَّمَ وإبْرازُهُ حَتّى يَصِيرَ مَكْشُوفًا بِأهْوالِهِ فَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى عِقابِ الكُفّارِ لِما يَتَداخَلُهم مِنَ الغَمِّ العَظِيمِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَكْشِفُهُ لِلْكافِرِينَ الَّذِينَ عَمُوا وصَمُّوا، أمّا العَمى فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ والمُرادُ مِنهُ شِدَّةُ انْصِرافِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وأمّا الصَّمَمُ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ يَعْنِي أنَّ حالَتَهم أعْظَمُ مِنَ الصَّمَمِ؛ لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ وهَؤُلاءِ زالَتْ عَنْهم تِلْكَ الِاسْتِطاعَةُ واحْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ مَعَ الفِعْلِ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَسْمَعُوا لَمْ يَسْتَطِيعُوا، قالَ القاضِي: المُرادُ مِنهُ نَفْرَتُهم عَنْ سَماعِ ذَلِكَ الكَلامِ واسْتِثْقالُهم إيّاهُ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: لا أسْتَطِيعُ النَّظَرَ إلى فُلانٍ.

الكهف 18:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ”بَعْضَهم“ عائِدٌ إلى: ﴿يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ السَّدِّ صفحة ١٤٧ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ خَلْفَهُ لَمّا مُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ. الثّانِي: أنْ عِنْدَ الخُرُوجِ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، قِيلَ إنَّهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِن وراءِ السَّدِّ يَمُوجُونَ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ؛ يَأْتُونَ البَحْرَ فَيَشْرَبُونَ ماءَهُ ويَأْكُلُونَ دَوابَّهُ ثُمَّ يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ، ويَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَأْتُوا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَيَواناتٍ فَتَدْخُلُ آذانَهم فَيَمُوتُونَ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّ الأقْرَبَ أنَّ المُرادَ الوَقْتُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ السَّدَّ دَكًّا فَعِنْدَهُ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ، وبَعْدَهُ نُفِخَ في الصُّورِ، وصارَ ذَلِكَ مِن آياتِ القِيامَةِ، والكَلامُ في الصُّورِ قَدْ تَقَدَّمَ، وسَيَجِيءُ مِن بَعْدُ، وأمّا عَرْضُ جَهَنَّمَ وإبْرازُهُ حَتّى يَصِيرَ مَكْشُوفًا بِأهْوالِهِ فَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى عِقابِ الكُفّارِ لِما يَتَداخَلُهم مِنَ الغَمِّ العَظِيمِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَكْشِفُهُ لِلْكافِرِينَ الَّذِينَ عَمُوا وصَمُّوا، أمّا العَمى فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ والمُرادُ مِنهُ شِدَّةُ انْصِرافِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وأمّا الصَّمَمُ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ يَعْنِي أنَّ حالَتَهم أعْظَمُ مِنَ الصَّمَمِ؛ لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ وهَؤُلاءِ زالَتْ عَنْهم تِلْكَ الِاسْتِطاعَةُ واحْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ مَعَ الفِعْلِ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَسْمَعُوا لَمْ يَسْتَطِيعُوا، قالَ القاضِي: المُرادُ مِنهُ نَفْرَتُهم عَنْ سَماعِ ذَلِكَ الكَلامِ واسْتِثْقالُهم إيّاهُ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: لا أسْتَطِيعُ النَّظَرَ إلى فُلانٍ.

الكهف 18:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن حالِ الكافِرِينَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الذِّكْرِ وعَنِ اسْتِماعِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ﴾ والمُرادُ: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ الآياتِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ أمْرِهِ وأمْرِ رَسُولِهِ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَرْفَعْهُ إلى عاصِمٍ: (أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بِسُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ الباءِ. وهي مِنَ الأحْرُفِ الَّتِي خالَفَ فِيها عاصِمًا، وذَكَرَ أنَّهُ قِراءَةُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: حَسْبُ مُبْتَدَأٌ، أنْ يَتَّخِذُوا خَبَرٌ، والمَعْنى أفَكافِيهِمْ وحَسْبُهم أنْ يَتَّخِذُوا كَذا وكَذا، وأمّا الباقُونَ صفحة ١٤٨ فَقَرَءُوا أفَحَسِبَ عَلى لَفْظِ الماضِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ حَذْفٌ والمَعْنى: أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا اتِّخاذَ عِبادِي أوْلِياءَ نافِعًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في العِبادِ أقْوالٌ قِيلَ: أرادَ عِيسى والمَلائِكَةَ، وقِيلَ: هُمُ الشَّياطِينُ يُوالُونَهم ويُطِيعُونَهم، وقِيلَ: هي الأصْنامُ سَمّاهم عِبادًا كَقَوْلِهِ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ وفي النُّزُلِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ المَأْوى والمَنزِلُ. والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُقامُ لِلنَّزِيلِ وهو الضَّيْفُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما نَبَّهَ بِهِ عَلى جَهْلِ القَوْمِ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قِيلَ إنَّهم هُمُ الرُّهْبانُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ وعَنْ مُجاهِدٍ: أهْلُ الكِتابِ، وعَنْ عَلِيٍّ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَهُ عَنْهم فَقالَ: هم أهْلُ حَرُوراءَ، والأصْلُ أنْ يُقالَ: هو الَّذِي يَأْتِي بِالأعْمالِ يَظُنُّها طاعاتٍ وهي في أنْفُسِها مَعاصِي، وإنْ كانَتْ طاعاتٍ لَكِنَّها لا تُقْبَلُ مِنهم لِأجْلِ كُفْرِهِمْ فَأُولَئِكَ إنَّما أتَوْا بِتِلْكَ الأعْمالِ لِرَجاءِ الثَّوابِ، وإنَّما أتْعَبُوا أنْفُسَهم فِيها لِطَلَبِ الأجْرِ والفَوْزِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَإذا لَمْ يَفُوزُوا بِمَطالِبِهِمْ بَيَّنَ أنَّهم كانُوا ضالِّينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ صُنْعَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: لِقاءُ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ رُؤْيَتِهِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يُقالُ: لَقِيتُ فُلانًا أيْ رَأيْتُهُ، فَإنْ قِيلَ: اللِّقاءُ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ، قالَ تَعالى: ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القَمَرِ: ١٢] وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى لِقاءِ ثَوابِ اللَّهِ، والجَوابُ أنَّ لَفْظَ اللِّقاءِ، وإنْ كانَ في الأصْلِ عِبارَةً عَنِ الوُصُولِ والمُلاقاةِ إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ في الرُّؤْيَةِ مَجازٌ ظاهِرٌ مَشْهُورٌ، والَّذِي يَقُولُونَهُ مِن أنَّ المُرادَ مِنهُ لِقاءُ ثَوابِ اللَّهِ فَهو لا يَتِمُّ إلّا بِالإضْمارِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى المَجازِ المُتَعارَفِ المَشْهُورِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى ما يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الإضْمارِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ حَقٌّ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ ذَكَرْناها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنّا نَزْدَرِي بِهِمْ ولَيْسَ لَهم عِنْدَنا وزْنٌ ومِقْدارٌ. الثّانِي: لا نُقِيمُ لَهم مِيزانًا لِأنَّ المِيزانَ إنَّما يُوضَعُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ لِتَمْيِيزِ مِقْدارِ الطّاعاتِ ومِقْدارِ السَّيِّئاتِ. الثّالِثُ: قالَ القاضِي: إنَّ مَن غَلَبَتْ مَعاصِيهِ صارَ ما في فِعْلِهِ مِنَ الطّاعَةِ كَأنْ لَمْ يَكُنْ فَلا يَدْخُلُ في الوَزْنِ شَيْءٌ مِن طاعَتِهِ. وهَذا التَّفْسِيرُ بِناءً عَلى قَوْلِهِ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ وفَصَّلْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ هو جَزاؤُهم عَلى أعْمالِهِمُ الباطِلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿جَهَنَّمُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ جَزاءٌ عَلى مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كُفْرُهم. الثّانِي: أنَّهم أضافُوا إلى الكُفْرِ أنِ اتَّخَذُوا آياتِ اللَّهِ واتَّخَذُوا رُسُلَهُ هُزُوًا، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، حَتّى اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ.

الكهف 18:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن حالِ الكافِرِينَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الذِّكْرِ وعَنِ اسْتِماعِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ﴾ والمُرادُ: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ الآياتِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ أمْرِهِ وأمْرِ رَسُولِهِ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَرْفَعْهُ إلى عاصِمٍ: (أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بِسُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ الباءِ. وهي مِنَ الأحْرُفِ الَّتِي خالَفَ فِيها عاصِمًا، وذَكَرَ أنَّهُ قِراءَةُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: حَسْبُ مُبْتَدَأٌ، أنْ يَتَّخِذُوا خَبَرٌ، والمَعْنى أفَكافِيهِمْ وحَسْبُهم أنْ يَتَّخِذُوا كَذا وكَذا، وأمّا الباقُونَ صفحة ١٤٨ فَقَرَءُوا أفَحَسِبَ عَلى لَفْظِ الماضِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ حَذْفٌ والمَعْنى: أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا اتِّخاذَ عِبادِي أوْلِياءَ نافِعًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في العِبادِ أقْوالٌ قِيلَ: أرادَ عِيسى والمَلائِكَةَ، وقِيلَ: هُمُ الشَّياطِينُ يُوالُونَهم ويُطِيعُونَهم، وقِيلَ: هي الأصْنامُ سَمّاهم عِبادًا كَقَوْلِهِ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ وفي النُّزُلِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ المَأْوى والمَنزِلُ. والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُقامُ لِلنَّزِيلِ وهو الضَّيْفُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما نَبَّهَ بِهِ عَلى جَهْلِ القَوْمِ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قِيلَ إنَّهم هُمُ الرُّهْبانُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ وعَنْ مُجاهِدٍ: أهْلُ الكِتابِ، وعَنْ عَلِيٍّ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَهُ عَنْهم فَقالَ: هم أهْلُ حَرُوراءَ، والأصْلُ أنْ يُقالَ: هو الَّذِي يَأْتِي بِالأعْمالِ يَظُنُّها طاعاتٍ وهي في أنْفُسِها مَعاصِي، وإنْ كانَتْ طاعاتٍ لَكِنَّها لا تُقْبَلُ مِنهم لِأجْلِ كُفْرِهِمْ فَأُولَئِكَ إنَّما أتَوْا بِتِلْكَ الأعْمالِ لِرَجاءِ الثَّوابِ، وإنَّما أتْعَبُوا أنْفُسَهم فِيها لِطَلَبِ الأجْرِ والفَوْزِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَإذا لَمْ يَفُوزُوا بِمَطالِبِهِمْ بَيَّنَ أنَّهم كانُوا ضالِّينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ صُنْعَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: لِقاءُ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ رُؤْيَتِهِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يُقالُ: لَقِيتُ فُلانًا أيْ رَأيْتُهُ، فَإنْ قِيلَ: اللِّقاءُ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ، قالَ تَعالى: ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القَمَرِ: ١٢] وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى لِقاءِ ثَوابِ اللَّهِ، والجَوابُ أنَّ لَفْظَ اللِّقاءِ، وإنْ كانَ في الأصْلِ عِبارَةً عَنِ الوُصُولِ والمُلاقاةِ إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ في الرُّؤْيَةِ مَجازٌ ظاهِرٌ مَشْهُورٌ، والَّذِي يَقُولُونَهُ مِن أنَّ المُرادَ مِنهُ لِقاءُ ثَوابِ اللَّهِ فَهو لا يَتِمُّ إلّا بِالإضْمارِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى المَجازِ المُتَعارَفِ المَشْهُورِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى ما يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الإضْمارِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ حَقٌّ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ ذَكَرْناها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنّا نَزْدَرِي بِهِمْ ولَيْسَ لَهم عِنْدَنا وزْنٌ ومِقْدارٌ. الثّانِي: لا نُقِيمُ لَهم مِيزانًا لِأنَّ المِيزانَ إنَّما يُوضَعُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ لِتَمْيِيزِ مِقْدارِ الطّاعاتِ ومِقْدارِ السَّيِّئاتِ. الثّالِثُ: قالَ القاضِي: إنَّ مَن غَلَبَتْ مَعاصِيهِ صارَ ما في فِعْلِهِ مِنَ الطّاعَةِ كَأنْ لَمْ يَكُنْ فَلا يَدْخُلُ في الوَزْنِ شَيْءٌ مِن طاعَتِهِ. وهَذا التَّفْسِيرُ بِناءً عَلى قَوْلِهِ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ وفَصَّلْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ هو جَزاؤُهم عَلى أعْمالِهِمُ الباطِلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿جَهَنَّمُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ جَزاءٌ عَلى مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كُفْرُهم. الثّانِي: أنَّهم أضافُوا إلى الكُفْرِ أنِ اتَّخَذُوا آياتِ اللَّهِ واتَّخَذُوا رُسُلَهُ هُزُوًا، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، حَتّى اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ.

الكهف 18:107

صفحة ١٤٩ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ، ولَمّا ذَكَرَ في الكُفّارِ أنَّ جَهَنَّمَ نُزُلُهم، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يُرَغِّبُ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَطْفُ عَمَلِ الصّالِحاتِ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ مُغايِرَةٌ لِلْإيمانِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَنْ قَتادَةَ: الفِرْدَوْسُ وسَطُ الجَنَّةِ وأفْضَلُها، وعَنْ كَعْبٍ: لَيْسَ في الجِنانِ أعْلى مِن جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ، وفِيها الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ، وعَنْ مُجاهِدٍ الفِرْدَوْسُ هو البُسْتانُ بِالرُّومِيَّةِ، وعَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: («الجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عامٍ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِنها الأنْهارُ الأرْبَعَةُ، والفِرْدَوْسُ مِن فَوْقِها، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ الجَنَّةَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّ فَوْقَها عَرْشَ الرَّحْمَنِ، ومِنها تَتَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» ) . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم إنَّهُ تَعالى جَعَلَ الجَنَّةَ بِكُلِّيَّتِها نُزُلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، والكَرِيمُ إذا أعْطى النُّزُلَ أوَّلًا فَلا بُدَّ أنْ يُتْبِعَهُ بِالخُلْعَةِ، ولَيْسَ بَعْدَ الجَنَّةِ بِكُلِّيَّتِها إلّا رُؤْيَةَ اللَّهِ، فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ في الآيَةِ الأُولى جُمْلَةَ جَهَنَّمَ نُزُلًا لِلْكافِرِينَ، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ جُمْلَةِ جَهَنَّمَ عَذابٌ آخَرُ، فَكَذَلِكَ هَهُنا جَعَلَ جُمْلَةَ الجَنَّةِ نُزُلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ بَعْدَ الجَنَّةِ، والجَوابُ: قُلْنا لِلْكافِرِ بَعْدَ حُصُولِ جَهَنَّمَ مَرْتَبَةٌ أعْلى مِنها وهو كَوْنُهُ مَحْجُوبًا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ١٥، ١٦] فَجَعَلَ الصِّلاءَ بِالنّارِ مُتَأخِّرًا في المَرْتَبَةِ عَنْ كَوْنِهِ مَحْجُوبًا عَنِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ الحِوَلُ التَّحَوُّلُ، يُقالُ: حالَ مِن مَكانِهِ حِوَلًا كَقَوْلِهِ عادَ في حُبِّها عَوْدًا يَعْنِي لا مَزِيدَ عَلى سِعاداتِ الجَنَّةِ وخَيْراتِها، حَتّى يُرِيدَ أشْياءَ غَيْرَها، وهَذا الوَصْفُ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الكَمالِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في الدُّنْيا إذا وصَلَ إلى أيِّ دَرَجَةٍ كانَتْ في السَّعاداتِ، فَهو طامِحُ الطَّرْفِ إلى ما هو أعْلى مِنها.

الكهف 18:108

صفحة ١٤٩ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ، ولَمّا ذَكَرَ في الكُفّارِ أنَّ جَهَنَّمَ نُزُلُهم، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يُرَغِّبُ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَطْفُ عَمَلِ الصّالِحاتِ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ مُغايِرَةٌ لِلْإيمانِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَنْ قَتادَةَ: الفِرْدَوْسُ وسَطُ الجَنَّةِ وأفْضَلُها، وعَنْ كَعْبٍ: لَيْسَ في الجِنانِ أعْلى مِن جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ، وفِيها الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ، وعَنْ مُجاهِدٍ الفِرْدَوْسُ هو البُسْتانُ بِالرُّومِيَّةِ، وعَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: («الجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عامٍ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِنها الأنْهارُ الأرْبَعَةُ، والفِرْدَوْسُ مِن فَوْقِها، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ الجَنَّةَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّ فَوْقَها عَرْشَ الرَّحْمَنِ، ومِنها تَتَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» ) . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم إنَّهُ تَعالى جَعَلَ الجَنَّةَ بِكُلِّيَّتِها نُزُلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، والكَرِيمُ إذا أعْطى النُّزُلَ أوَّلًا فَلا بُدَّ أنْ يُتْبِعَهُ بِالخُلْعَةِ، ولَيْسَ بَعْدَ الجَنَّةِ بِكُلِّيَّتِها إلّا رُؤْيَةَ اللَّهِ، فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ في الآيَةِ الأُولى جُمْلَةَ جَهَنَّمَ نُزُلًا لِلْكافِرِينَ، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ جُمْلَةِ جَهَنَّمَ عَذابٌ آخَرُ، فَكَذَلِكَ هَهُنا جَعَلَ جُمْلَةَ الجَنَّةِ نُزُلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ بَعْدَ الجَنَّةِ، والجَوابُ: قُلْنا لِلْكافِرِ بَعْدَ حُصُولِ جَهَنَّمَ مَرْتَبَةٌ أعْلى مِنها وهو كَوْنُهُ مَحْجُوبًا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ١٥، ١٦] فَجَعَلَ الصِّلاءَ بِالنّارِ مُتَأخِّرًا في المَرْتَبَةِ عَنْ كَوْنِهِ مَحْجُوبًا عَنِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ الحِوَلُ التَّحَوُّلُ، يُقالُ: حالَ مِن مَكانِهِ حِوَلًا كَقَوْلِهِ عادَ في حُبِّها عَوْدًا يَعْنِي لا مَزِيدَ عَلى سِعاداتِ الجَنَّةِ وخَيْراتِها، حَتّى يُرِيدَ أشْياءَ غَيْرَها، وهَذا الوَصْفُ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الكَمالِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في الدُّنْيا إذا وصَلَ إلى أيِّ دَرَجَةٍ كانَتْ في السَّعاداتِ، فَهو طامِحُ الطَّرْفِ إلى ما هو أعْلى مِنها.

الكهف 18:109

صفحة ١٤٩ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ، ولَمّا ذَكَرَ في الكُفّارِ أنَّ جَهَنَّمَ نُزُلُهم، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يُرَغِّبُ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَطْفُ عَمَلِ الصّالِحاتِ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ مُغايِرَةٌ لِلْإيمانِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَنْ قَتادَةَ: الفِرْدَوْسُ وسَطُ الجَنَّةِ وأفْضَلُها، وعَنْ كَعْبٍ: لَيْسَ في الجِنانِ أعْلى مِن جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ، وفِيها الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ، وعَنْ مُجاهِدٍ الفِرْدَوْسُ هو البُسْتانُ بِالرُّومِيَّةِ، وعَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: («الجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عامٍ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِنها الأنْهارُ الأرْبَعَةُ، والفِرْدَوْسُ مِن فَوْقِها، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ الجَنَّةَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّ فَوْقَها عَرْشَ الرَّحْمَنِ، ومِنها تَتَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» ) . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم إنَّهُ تَعالى جَعَلَ الجَنَّةَ بِكُلِّيَّتِها نُزُلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، والكَرِيمُ إذا أعْطى النُّزُلَ أوَّلًا فَلا بُدَّ أنْ يُتْبِعَهُ بِالخُلْعَةِ، ولَيْسَ بَعْدَ الجَنَّةِ بِكُلِّيَّتِها إلّا رُؤْيَةَ اللَّهِ، فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ في الآيَةِ الأُولى جُمْلَةَ جَهَنَّمَ نُزُلًا لِلْكافِرِينَ، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ جُمْلَةِ جَهَنَّمَ عَذابٌ آخَرُ، فَكَذَلِكَ هَهُنا جَعَلَ جُمْلَةَ الجَنَّةِ نُزُلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ بَعْدَ الجَنَّةِ، والجَوابُ: قُلْنا لِلْكافِرِ بَعْدَ حُصُولِ جَهَنَّمَ مَرْتَبَةٌ أعْلى مِنها وهو كَوْنُهُ مَحْجُوبًا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ١٥، ١٦] فَجَعَلَ الصِّلاءَ بِالنّارِ مُتَأخِّرًا في المَرْتَبَةِ عَنْ كَوْنِهِ مَحْجُوبًا عَنِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ الحِوَلُ التَّحَوُّلُ، يُقالُ: حالَ مِن مَكانِهِ حِوَلًا كَقَوْلِهِ عادَ في حُبِّها عَوْدًا يَعْنِي لا مَزِيدَ عَلى سِعاداتِ الجَنَّةِ وخَيْراتِها، حَتّى يُرِيدَ أشْياءَ غَيْرَها، وهَذا الوَصْفُ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الكَمالِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في الدُّنْيا إذا وصَلَ إلى أيِّ دَرَجَةٍ كانَتْ في السَّعاداتِ، فَهو طامِحُ الطَّرْفِ إلى ما هو أعْلى مِنها.

الكهف 18:110

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنْواعَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ وشَرَحَ أقاصِيصَ صفحة ١٥٠ الأوَّلِينَ نَبَّهَ عَلى كَمالِ حالِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ والمِدادُ اسْمٌ لِما تُمَدُّ بِهِ الدَّواةُ مِنَ الحِبْرِ ولِما يُمَدُّ بِهِ السِّراجُ مِنَ السَّلِيطِ، والمَعْنى لَوْ كُتِبَتْ كَلِماتُ عِلْمِ اللَّهِ وحِكَمُهُ وكانَ البَحْرُ مِدادًا لَها - والمُرادُ بِالبَحْرِ الجِنْسُ -؛ لَنَفِدَ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ الكَلِماتُ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ البِحارَ كَيْفَما فَرَضَتْ في الِاتِّساعِ والعَظَمَةِ فَهي مُتَناهِيَةٌ ومَعْلُوماتُ اللَّهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ والمُتَناهِي لا يَفِي البَتَّةَ بِغَيْرِ المُتَناهِي، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يَنْفَدَ“ بِالياءِ لِتُقَدِّمِ الفِعْلِ عَلى الجَمْعِ والباقُونَ بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ كَلِماتٍ، ورُوِيَ أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ قالَ: في كِتابِكم: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البَقَرَةِ: ٢٦٩) ثُمَّ تَقْرَءُونَ: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ (الإسْراءِ: ٨٥) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ ولَكِنَّهُ قَطْرَةٌ مِن بَحْرِ كَلِماتِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ المُخالِفُونَ عَلى الطَّعْنِ في قَوْلِ أصْحابِنا أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى واحِدٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّها صَرِيحَةٌ في إثْباتِ كَلِماتِ اللَّهِ تَعالى، وأصْحابُنا حَمَلُوا الكَلِماتِ عَلى مُتَعَلِّقاتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، قالَ الجُبّائِيُّ: وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِماتِ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَنْفَدُ في الجُمْلَةِ وما ثَبَتَ عَدَمُهُ؛ امْتَنَعَ قِدَمُهُ، وأيْضًا قالَ: ﴿ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجِيءَ بِمِثْلِ كَلامِهِ والَّذِي يُجاءُ بِهِ يَكُونُ مُحْدَثًا، والَّذِي يَكُونُ المُحْدَثُ مِثْلًا لَهُ فَهو أيْضًا مُحْدَثٌ، وجَوابُ أصْحابِنا أنَّ المُرادَ مِنهُ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى تَعَلُّقاتِ تِلْكَ الصِّفَةِ الأزَلِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَمالَ كَلامِ اللَّهِ أمَرَ مُحَمَّدًا -ﷺ- بِأنْ يَسْلُكَ طَرِيقَةَ التَّواضُعِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ لا امْتِيازَ بَيْنِي وبَيْنَكم في شَيْءٍ مِنَ الصِّفاتِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيَّ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الواحِدُ الأحَدُ الصَّمَدُ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى مَطْلُوبَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ (إنَّما) تُفِيدُ الحَصْرَ وهي قَوْلُهُ: ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ . والثّانِي: أنَّ كَوْنَ الإلَهِ تَعالى إلَهًا واحِدًا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، وقَدْ قَرَّرْنا هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ في سائِرِ السُّوَرِ بِالوُجُوهِ القَوِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ والرَّجاءُ هو ظَنُّ المَنافِعِ الواصِلَةِ إلَيْهِ، والخَوْفُ ظَنُّ المَضارِّ الواصِلَةِ إلَيْهِ، وأصْحابُنا حَمَلُوا لِقاءَ الرَّبِّ عَلى رُؤْيَتِهِ، والمُعْتَزِلَةُ حَمَلُوهُ عَلى لِقاءِ ثَوابِ اللَّهِ، وهَذِهِ المُناظَرَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ، والعَجَبُ أنَّهُ تَعالى أوْرَدَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ رُؤْيَةِ اللَّهِ في ثَلاثِ آياتٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ﴾ [الكَهْفِ: ١٠٥] . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٧] . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ ولا بَيانَ أقْوى مِن ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ أيْ مَن حَصَلَ لَهُ رَجاءُ لِقاءِ اللَّهِ فَلْيَشْتَغِلْ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ولَمّا كانَ العَمَلُ الصّالِحُ قَدْ يُؤْتى بِهِ لِلَّهِ، وقَدْ يُؤْتى بِهِ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ، لا جَرَمَ اعْتُبِرَ فِيهِ قَيْدانِ: أنْ يُؤْتى بِهِ لِلَّهِ، وأنْ يَكُونَ مُبَرَّأً عَنْ جِهاتِ الشِّرْكِ، فَقالَ: ﴿ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ . قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في جُنْدُبِ بْنِ زُهَيْرٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: («إنِّي أعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى فَإذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ أحَدٌ سَرَّنِي”فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ ما شُورِكَ فِيهِ» )، ورُوِيَ أيْضًا أنَّهُ قالَ لَهُ: («لَكَ أجْرانِ أجْرُ السِّرِّ وأجْرُ العَلانِيَةِ» ) فالرِّوايَةُ الأُولى مَحْمُولَةٌ عَلى ما إذا قَصَدَ بِعَمَلِهِ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ، والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى ما إذا قَصَدَ أنْ يُقْتَدى بِهِ، والمَقامُ الأوَّلُ مَقامُ المُبْتَدِئِينَ، والمَقامُ الثّانِي مَقامُ الكامِلِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ. قالَ المُصَنِّفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الثُّلاثاءِ السّابِعَ عَشَرَ مِن شَهْرِ صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وسِتِّمِائَةٍ في بَلْدَةِ غَزْنِينَ؛ ونَسْألُ اللَّهَ أكْرَمَ الأكْرَمِينَ وأرْحَمَ الرّاحِمِينَ؛ أنْ يَخُصَّنا بِالمَغْفِرَةِ والفَضْلِ في يَوْمِ الدِّينِ، إنَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.

مريم 19:1

صفحة ١٥١ (سُورَةُ مَرْيَمَ) ( وهي ثَمانٍ وتِسْعُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿كهيعص﴾ قَبْلَ الخَوْضِ في القِراءاتِ لا بُدَّ مِن مُقَدِّماتٍ ثَلاثَةٍ: المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّ حُرُوفَ المُعْجَمِ عَلى نَوْعَيْنِ ثُنائِيٍّ وثُلاثِيٍّ، وقَدْ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ يَنْطِقُوا بِالثُّنائِيّاتِ مَقْطُوعَةً مُمالَةً فَيَقُولُوا: با تا ثا وكَذَلِكَ أمْثالُها، وأنْ يَنْطِقُوا بِالثُّلاثِيّاتِ الَّتِي في وسَطِها الألِفُ مَفْتُوحَةً مُشْبَعَةً فَيَقُولُوا: دال ذال صادْ ضادْ، وكَذَلِكَ أشْكالُها، أمّا الزّايُ وحْدَهُ مِن بَيْنِ حُرُوفِ المُعْجَمِ فَمُعْتادٌ فِيهِ الأمْرانِ، فَإنَّ مَن أظْهَرَ ياءَهُ في النُّطْقِ حَتّى يَصِيرَ ثُلاثِيًّا لَمْ يُمِلْهُ، ومَن لَمْ يُظْهِرْ ياءَهُ في النُّطْقِ حَتّى يُشْبِهَ الثُّنائِيَّ يُمِلْهُ. أمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ إشْباعَ الفَتْحَةِ في جَمِيعِ المَواضِعِ أصْلٌ والإمالَةُ فَرْعٌ عَلَيْهِ؛ ولِهَذا يَجُوزُ إشْباعُ كُلِّ مُمالٍ ولا يَجُوزُ إمالَةُ كُلِّ مُشْبَعٍ مِنَ الفَتَحاتِ. المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: لِلْقُرّاءِ في القِراءاتِ المَخْصُوصَةِ بِهَذا المَوْضِعِ ثَلاثَةُ طُرُقٍ: أحَدُها: أنْ يَتَمَسَّكُوا بِالأصْلِ وهو إشْباعُ فَتْحَةِ الهاءِ والياءِ. وثانِيها: أنْ يُمِيلُوا الهاءَ والياءَ. وثالِثُها: أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ فَيَقَعُ الِاخْتِلافُ بَيْنَ الهاءِ والياءِ فَيَفْتَحُوا أحَدَهُما أيُّهُما كانَ ويَكْسِرُوا الآخَرَ ولَهم في السَّبَبِ المُوجِبِ لِهَذا الِاخْتِلافِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الفَتْحَةَ المُشْبَعَةَ أصْلٌ، والإمالَةَ فَرْعٌ مَشْهُورٌ كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ فَأُشْبِعُ أحَدُهُما، وأُمِيلَ الآخَرُ لِيَكُونَ جامِعًا لِمُراعاةِ الأصْلِ والفَرْعِ وهو أحْسَنُ مِن مُراعاةِ أحَدِهِما، وتَضْيِيعِ الآخَرِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الثُّنائِيَّةَ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ إذا كانَتْ مَقْطُوعَةً كانَتْ بِالإمالَةِ، وإذا كانَتْ مَوْصُولَةً كانَتْ بِالإشْباعِ، وها ويا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كهيعص﴾ مَقْطُوعانِ في اللَّفْظِ مَوْصُولانِ في الخَطِّ فَأُمِيلَ أحَدَهُما، وأُشْبِعُ الآخَرُ؛ لِيَكُونَ كِلا الجانِبَيْنِ مُراعِيًا جانِبَ القَطْعِ اللَّفْظِيِّ وجانِبَ الوَصْلِ الخَطِّيِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: فِيهِ قِراءاتٌ. إحْداها: وهي القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ فِيهِ فَتْحَةُ الهاءِ والياءِ جَمِيعًا. وثانِيها: كَسْرُ الهاءِ وفَتْحُ الياءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وابْنِ مُبادِرٍ والقُطَعِيِّ عَنْ أيُّوبَ، وإنَّما كَسَرُوا الهاءَ دُونَ الياءِ لِيَكُونَ فَرْقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الهاءِ الَّذِي لِلتَّنْبِيهِ؛ فَإنَّهُ لا يُكْسَرُ قَطُّ. وثالِثُها: فَتْحُ الهاءِ وكَسْرُ الياءِ وهو قِراءَةُ حَمْزَةَ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ والضَّحّاكِ عَنْ صفحة ١٥٢ عاصِمٍ، وإنَّما كَسَرُوا الياءَ دُونَ الهاءِ؛ لِأنَّ الياءَ أُخْتُ الكَسْرَةِ، وإعْطاءُ الكَسْرَةِ أُخْتَها أوْلى مِن إعْطائِها إلى أجْنَبِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ لِلْمُناسَبَةِ. ورابِعُها: إمالَتُهُما جَمِيعًا وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ والمُفَضَّلِ ويَحْيى عَنْ عاصِمٍ والوَلِيدِ بْنِ أسْلَمَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ والزُّهْرِيِّ وابْنِ جَرِيرٍ وإنَّما أمالُوهُما لِلْوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في إمالَةِ الهاءِ وإمالَةِ الياءِ. وخامِسُها: قِراءَةُ الحَسَنِ وهي ضَمُّ الهاءِ وفَتْحُ الياءِ، وعَنْهُ أيْضًا فَتْحُ الهاءِ وضَمُّ الياءِ، ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ الحَسَنِ بِضَمِّهِما، فَقِيلَ لَهُ لَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ عَنِ الحَسَنِ؛ لِأنَّهُ أوْرَدَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ ”المُحْتَسَبِ“ أنَّ قِراءَةَ الحَسَنِ ضَمُّ أحَدِهِما وفَتْحُ الآخَرِ لا عَلى التَّعْيِينِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّما أقْدَمَ الحَسَنُ عَلى ضَمِّ أحَدِهِما لا عَلى التَّعْيِينِ؛ لِأنَّهُ تَصَوَّرَ أنَّ عَيْنَ الفِعْلِ في الهاءِ والياءِ ألِفٌ مُنْقَلِبٌ عَنِ الواوِ كالدّارِ والمالِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الألِفاتِ - وإنْ كانَتْ مَجْهُولَةً لِأنَّها لا اشْتِقاقَ لَها - فَإنَّها تُحْمَلُ عَلى ما هو مُشابِهٌ لَها في اللَّفْظِ. والألِفُ إذا وقَعَ عَيْنا فالواجِبُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّهُ مُنْقَلِبٌ عَنِ الواوِ لِأنَّ الغالِبَ في اللُّغَةِ ذَلِكَ؛ فَلَمّا تَصَوَّرَ الحَسَنُ أنَّ ألِفَ الهاءِ والياءِ مُنْقَلِبٌ عَنِ الواوِ جَعَلَهُ في حُكْمِ الواوِ، وضَمَّ ما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الواوَ أُخْتُ الضَّمَّةِ. وسادِسُها: ها يا بِإشْمامِهِما شَيْئًا مِنَ الضَّمَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (كهيعص) بِفَصْلِ الحُرُوفِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ بِأدْنى سَكْتَةٍ مَعَ إظْهارِ نُونِ العَيْنِ، وباقِي القُرّاءِ يَصِلُونَ الحُرُوفَ بَعْضَها بِبَعْضٍ، ويُخْفُونَ النُّونَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ ”صادْ“، ذُكِرَ بِالإدْغامِ، وعَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ بِالإظْهارِ. البَحْثُ الثّانِي: المَذاهِبُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ قَدْ تَقَدَّمَتْ لَكِنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهَذا المَوْضِعِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: كهيعص ثَناءٌ مِنَ اللَّهِ عَلى نَفْسِهِ، فَمِنَ الكافِ وصْفُهُ بِأنَّهُ كافٍ ومِنَ الهاءِ هادٍ ومِنَ العَيْنِ عالِمٌ، ومِنَ الصّادِ صادِقٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أيْضًا أنَّهُ حَمَلَ الكافَ عَلى الكَبِيرِ والكَرِيمِ، ويُحْكى أيْضًا عَنْهُ أنَّهُ حَمَلَ الياءَ عَلى الكَرِيمِ مَرَّةً وعَلى الحَكِيمِ أُخْرى، وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في الياءِ أنَّهُ مِن مُجِيرٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في العَيْنِ أنَّهُ مِن عَزِيزٍ ومِن عَدْلٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَتْ قَوِيَّةً لِما بَيَّنّا أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُودِعَ كِتابَهُ ما لا تَدُلُّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ لا بِالحَقِيقَةِ ولا بِالمَجازِ؛ لِأنّا إنْ جَوَّزْنا ذَلِكَ فَتَحَ عَلَيْنا قَوْلَ مَن يَزْعُمُ أنَّ لِكُلِّ ظاهِرٍ باطِنًا، واللُّغَةُ لا تَدُلُّ عَلى ما ذَكَرُوهُ فَإنَّهُ لَيْسَتْ دَلالَةُ الكافِ أوْلى مِن دَلالَتِهِ عَلى الكَرِيمِ أوِ الكَبِيرِ أوْ عَلى اسْمٍ آخَرَ مِن أسْماءِ الرَّسُولِ -ﷺ- أوِ المَلائِكَةِ أوِ الجَنَّةِ أوِ النّارِ؛ فَيَكُونُ حَمْلُهُ عَلى بَعْضِها دُونَ البَعْضِ تَحَكُّمًا لا تَدُلُّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ أصْلًا.

مريم 19:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في لَفْظَةِ ”ذِكْرُ“ أرْبَعُ قِراءاتٍ صِيغَةُ المَصْدَرِ أوِ الماضِي مُخَفَّفَةً أوْ مُشَدَّدَةً أوِ الأمْرُ، أمّا صِيغَةُ المَصْدَرِ فَلا بُدَّ فِيها مِن كَسْرِ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَلى الإضافَةِ ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نَصْبُ الدّالِ مِن ”عَبْدَهُ“ والهَمْزَةِ مِن ”زَكَرِيّاءَ“ وهو المَشْهُورُ. وثانِيها: بِرَفْعِهِما والمَعْنى وتِلْكَ الرَّحْمَةُ هي عَبْدُهُ زَكَرِيّاءُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ. صفحة ١٥٣ وثالِثُها: بِنَصْبِ الأوَّلِ وبِرَفْعِ الثّانِي والمَعْنى رَحْمَةُ رَبِّكِ عَبَدَهُ وهو زَكَرِيّاءُ. وأمّا صِيغَةُ الماضِي بِالتَّشْدِيدِ فَلا بُدَّ فِيها مِن نَصْبِ: رَحْمَةٍ. وأمّا صِيغَةُ الماضِي بِالتَّخْفِيفِ فَفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: رَفْعُ الباءِ مِن ”رَبِّكَ“، والمَعْنى ذَكَرَ رَبُّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ. وثانِيها: نَصْبُ الباءِ مِن ”رَبِّكَ“ والرَّفْعُ في عَبْدِهِ زَكَرِيّاءَ، وذَلِكَ بِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ، وهاتانِ القِراءَتانِ لِلْكَلْبِيِّ، وأمّا صِيغَةُ الأمْرِ فَلا بُدَّ مِن نَصْبِ رَحْمَةٍ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واعْلَمْ أنَّ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ صِيغَةَ المَصْدَرِ والماضِي؛ يَكُونُ التَّقْدِيرُ هَذا المَتْلُوُّ مِنَ القُرْآنِ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ”رَحْمَةِ رَبِّكِ“ أعْنِي عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ ثُمَّ في كَوْنِهِ رَحْمَةً وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ رَحْمَةً عَلى أُمَّتِهِ؛ لِأنَّهُ هَداهم إلى الإيمانِ والطّاعاتِ. والآخَرُ: أنْ يَكُونَ رَحْمَةً عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ -ﷺ- وعَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا شَرَحَ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ- طَرِيقَهُ في الإخْلاصِ والِابْتِهالِ في جَمِيعِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى صارَ ذَلِكَ لَفْظًا داعِيًا لَهُ ولِأُمَّتِهِ إلى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ فَكانَ زَكَرِيّاءُ رَحْمَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فِيها ذِكْرُ الرَّحْمَةِ الَّتِي رَحِمَ بِها عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ.

مريم 19:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في لَفْظَةِ ”ذِكْرُ“ أرْبَعُ قِراءاتٍ صِيغَةُ المَصْدَرِ أوِ الماضِي مُخَفَّفَةً أوْ مُشَدَّدَةً أوِ الأمْرُ، أمّا صِيغَةُ المَصْدَرِ فَلا بُدَّ فِيها مِن كَسْرِ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَلى الإضافَةِ ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نَصْبُ الدّالِ مِن ”عَبْدَهُ“ والهَمْزَةِ مِن ”زَكَرِيّاءَ“ وهو المَشْهُورُ. وثانِيها: بِرَفْعِهِما والمَعْنى وتِلْكَ الرَّحْمَةُ هي عَبْدُهُ زَكَرِيّاءُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ. صفحة ١٥٣ وثالِثُها: بِنَصْبِ الأوَّلِ وبِرَفْعِ الثّانِي والمَعْنى رَحْمَةُ رَبِّكِ عَبَدَهُ وهو زَكَرِيّاءُ. وأمّا صِيغَةُ الماضِي بِالتَّشْدِيدِ فَلا بُدَّ فِيها مِن نَصْبِ: رَحْمَةٍ. وأمّا صِيغَةُ الماضِي بِالتَّخْفِيفِ فَفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: رَفْعُ الباءِ مِن ”رَبِّكَ“، والمَعْنى ذَكَرَ رَبُّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ. وثانِيها: نَصْبُ الباءِ مِن ”رَبِّكَ“ والرَّفْعُ في عَبْدِهِ زَكَرِيّاءَ، وذَلِكَ بِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ، وهاتانِ القِراءَتانِ لِلْكَلْبِيِّ، وأمّا صِيغَةُ الأمْرِ فَلا بُدَّ مِن نَصْبِ رَحْمَةٍ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واعْلَمْ أنَّ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ صِيغَةَ المَصْدَرِ والماضِي؛ يَكُونُ التَّقْدِيرُ هَذا المَتْلُوُّ مِنَ القُرْآنِ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ”رَحْمَةِ رَبِّكِ“ أعْنِي عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ ثُمَّ في كَوْنِهِ رَحْمَةً وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ رَحْمَةً عَلى أُمَّتِهِ؛ لِأنَّهُ هَداهم إلى الإيمانِ والطّاعاتِ. والآخَرُ: أنْ يَكُونَ رَحْمَةً عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ -ﷺ- وعَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا شَرَحَ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ- طَرِيقَهُ في الإخْلاصِ والِابْتِهالِ في جَمِيعِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى صارَ ذَلِكَ لَفْظًا داعِيًا لَهُ ولِأُمَّتِهِ إلى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ فَكانَ زَكَرِيّاءُ رَحْمَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فِيها ذِكْرُ الرَّحْمَةِ الَّتِي رَحِمَ بِها عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ.

مريم 19:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ راعى سُنَّةَ اللَّهِ في إخْفاءِ دَعْوَتِهِ لِأنَّ الجَهْرَ والإخْفاءَ عِنْدَ اللَّهِ سِيّانِ؛ فَكانَ الإخْفاءُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وأدْخَلُ في الإخْلاصِ. وثانِيها: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ في زَمانِ الشَّيْخُوخَةِ. وثالِثُها: أسَرَّهُ مِن مَوالِيهِ الَّذِينَ خافَهم. ورابِعُها: خَفِيَ صَوْتُهُ لِضَعْفِهِ وهَرَمِهِ كَما جاءَ في صِفَةِ الشَّيْخِ: صَوْتُهُ خُفاتٌ وسَمْعُهُ تاراتٌ، فَإنْ قِيلَ مِن شَرْطِ النِّداءِ الجَهْرُ؛ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِ نِداءً وخَفِيًّا، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ أتى بِأقْصى ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ إلّا أنَّ الصَّوْتَ كانَ ضَعِيفًا لِنِهايَةِ الضَّعْفِ بِسَبَبِ الكِبَرِ؛ فَكانَ نِداءً نَظَرًا إلى قَصْدِهِ، وخَفِيًّا نَظَرًا إلى الواقِعِ. الثّانِي: أنَّهُ دَعا في الصَّلاةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهُ في الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٩) فَكَوْنُ الإجابَةِ في الصَّلاةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ النِّداءُ فِيها خَفِيًّا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ القِراءَةُ فِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ﴿وهَنَ﴾ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إدْغامُ السِّينِ في الشِّينِ (مِنَ الرَّأْسِ شَيْبًا) عَنْ أبِي عَمْرٍو. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وعَنِ الزُّهْرِيِّ بِإسْكانِ الياءِ مِنَ المَوالِي وقَرَأ عُثْمانُ صفحة ١٥٤ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ عَبّاسٍ: خَفَّتِ بِفَتْحِ الخاءِ والفاءِ مُشَدَّدَةً وكَسْرِ التّاءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ورائِي بِمَعْنى بَعْدِي، والمَعْنى أنَّهم قَلُّوا وعَجَزُوا عَنْ إقامَةِ الدِّينِ بَعْدَهُ؛ فَسَألَ رَبَّهُ تَقْوِيَتَهم بِوَلِيٍّ يُرْزَقُهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى قُدّامِي والمَعْنى أنَّهم خَفُّوا قُدّامَهُ ودَرَجُوا ولَمْ يَبْقَ مَن بِهِ تَقَوٍّ واعْتِضادٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ: ﴿مِن ورائِي﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ لَكِنْ بِفَتْحِ الياءِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (ورايَ) كَعَصايَ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في يَرِثُنِي ويَرِثُ وُجُوهٌ: أحَدُها: القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ بِالرَّفْعِ فِيهِما صِفَةً. وثانِيها: وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ والزُّهْرِيِّ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ بِالجَزْمِ فِيهِما جَوابًا لِلدُّعاءِ. وثالِثُها: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ: (ولِيًّا يَرِثْنِي) جُزِمَ، وارِثٌ بِوَزْنِ فاعِلٍ. ورابِعُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (يَرِثُنِي) وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ. وخامِسُها: عَنِ الجَحْدَرِيِّ (ويَرِثُ) تَصْغِيرُ وارِثٍ عَلى وزْنِ أُفَيْعَلٍ (اللُّغَةُ) الوَهْنُ ضَعْفُ القُوَّةِ، قالَ في ”الكَشّافِ“ شَبَّهَ الشَّيْبَ بِشُواظِ النّارِ في بَياضِهِ وإنارَتِهِ وانْتِشارِهِ في الشَّعْرِ وفُشُوِّهِ فِيهِ، وأخْذِهِ كُلَّ مَأْخَذٍ كاشْتِعالِ النّارِ ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، ثُمَّ أسْنَدَ الِاشْتِعالَ إلى مَكانِ الشَّعْرِ ومَنبَتِهِ وهو الرَّأْسُ، وأخْرَجَ الشَّيْبَ مُمَيَّزًا ولَمْ يُضِفِ الرَّأْسَ اكْتِفاءً بِعِلْمِ المُخاطَبِ أنَّهُ رَأْسُ زَكَرِيّا، فَمِن ثَمَّ فَصُحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ، وأمّا الدُّعاءُ فَطَلَبُ الفِعْلِ ومُقابِلُهُ الإجابَةِ، كَما أنَّ مُقابِلَ الأمْرِ الطّاعَةُ، وأمّا أصْلُ التَّرْكِيبِ في (ولِيٍّ) فَيَدُلُّ عَلى مَعْنى القُرْبِ والدُّنُوِّ؛ يُقالُ: ولَيْتُهُ ألِيهِ ولْيًا أيْ دَنَوْتُ، وأوْلَيْتُهُ أدْنَيْتُهُ مِنهُ وتَباعَدَ ما بَعْدَهُ ووَلِيَ ومِنهُ قَوْلُ ساعِدَةَ [ابْنِ جُؤَيَّةَ]: وعَدَتْ عَوادٍ دُونَ ولْيِكَ تَشْغَبُ وكُلْ مِمّا يَلِيكَ، وجَلَسْتُ مِمّا يَلِيهِ، ومِنهُ الوَلْيُ وهو المَطَرُ الَّذِي يَلِي الوَسْمِيَّ، والوَلِيَّةُ البَرْذَعَةُ؛ لِأنَّها تَلِي ظَهْرَ الدّابَّةِ، ووَلِيَ اليَتِيمَ والقَتِيلَ، ووَلِيَ البَلَدَ لِأنَّ مَن تَوَلّى أمْرًا؛ فَقَدْ قَرُبَ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ مِن قَوْلِهِمْ ولاهُ بِرُكْنِهِ أيْ جَعَلَهُ مِمّا يَلِيهِ، أمّا ولّى عَنِّي إذا أدْبَرَ؛ فَهو مِن بابِ تَثْقِيلِ الحَشْوِ لِلسَّلْبِ، وقَوْلُهم: فُلانٌ أوْلى مِن فُلانٍ أيْ أحَقُّ، أفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِنَ الوالِي أوِ الوَلِيِّ كالأدْنى والأقْرَبِ مِنَ الدّانِي والقَرِيبِ، وفِيهِ مَعْنى القُرْبِ أيْضًا؛ لِأنَّ مَن كانَ أحَقَّ بِالشَّيْءِ؛ كانَ أقْرَبَ إلَيْهِ، والمَوْلى اسْمٌ لِمَوْضِعِ الوَلِيِّ كالمَرْمى والمَبْنى اسْمٌ لِمَوْضِعِ الرَّمْيِ والبِناءِ، وأمّا العاقِرُ فَهي الَّتِي لا تَلِدُ، والعَقْرُ في اللُّغَةِ الجَرْحُ، ومِنهُ أُخِذَ العاقِرُ؛ لِأنَّهُ نَقْصُ أصْلِ الخِلْقَةِ، وعَقَرْتُ الفَرَسَ بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبْتَ قَوائِمَهُ، وأمّا الآلُ فَهم خاصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ ثُمَّ قَدْ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ تارَةً ولِلصُّحْبَةِ أُخْرى كَآلِ فِرْعَوْنَ، ولِلْمُوافَقَةِ في الدِّينِ كَآلِ النَّبِيِّ -ﷺ- واعْلَمْ أنْ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدَّمَ عَلى السُّؤالِ أُمُورًا ثَلاثَةً: أحَدُها: كَوْنُهُ ضَعِيفًا. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ما رَدَّ دُعاءَهُ البَتَّةَ. والثّالِثُ: كَوْنُ المَطْلُوبِ بِالدُّعاءِ سَبَبًا لِلْمَنفَعَةِ في الدِّينِ ثُمَّ بَعْدَ تَقْرِيرِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ صَرَّحَ بِالسُّؤالِ. صفحة ١٥٥ أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو كَوْنُهُ ضَعِيفًا فَأثَرُ الضَّعْفِ، إمّا أنْ يَظْهَرَ في الباطِنِ أوْ في الظّاهِرِ، والضَّعْفُ الَّذِي يَظْهَرُ في الباطِنِ يَكُونُ أقْوى مِمّا يَظْهَرُ في الظّاهِرِ فَلِهَذا السَّبَبِ ابْتَدَأ بِبَيانِ الضَّعْفِ الَّذِي في الباطِنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ العِظامَ أصْلَبُ الأعْضاءِ الَّتِي في البَدَنِ وجُعِلَتْ كَذَلِكَ لِمَنفَعَتَيْنِ: إحْداهُما: لِأنْ تَكُونَ أساسًا وعُمُدًا يَعْتَمِدُ عَلَيْها سائِرُ الأعْضاءِ الأُخَرِ إذْ كانَتِ الأعْضاءُ كُلُّها مَوْضُوعَةً عَلى العِظامِ، والحامِلُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أقْوى مِنَ المَحْمُولِ. والثّانِيَةُ: أنَّهُ احْتِيجَ إلَيْها في بَعْضِ المَواضِعِ؛ لِأنْ تَكُونَ جُنَّةً يَقْوى بِها ما سِواها مِنَ الأعْضاءِ بِمَنزِلَةِ قِحْفِ الرَّأْسِ وعِظامِ الصَّدْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ صُلْبًا لِيَكُونَ صَبُورًا عَلى مُلاقاةِ الآفاتِ بَعِيدًا مِنَ القَبُولِ لَها إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ العَظْمُ أصْلَبَ الأعْضاءِ فَمَتى وصَلَ الأمْرُ إلى ضَعْفِها كانَ ضَعْفُ ما عَداها مَعَ رَخاوَتِها أوْلى، ولِأنَّ العَظْمَ إذا كانَ حامِلًا لِسائِرِ الأعْضاءِ؛ كانَ تَطْرُّقُ الضَّعْفِ إلى الحامِلِ مُوجِبًا لِتَطَرُّقِهِ إلى المَحْمُولِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ العَظْمَ بِالوَهْنِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْضاءِ؛ وأمّا أثَرُ الضَّعْفِ في الظّاهِرِ؛ فَذَلِكَ اسْتِيلاءُ الشَّيْبِ عَلى الرَّأْسِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى اسْتِيلاءِ الضَّعْفِ عَلى الباطِنِ والظّاهِرِ وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ الدُّعاءَ تَوْكِيدًا لِما فِيهِ مِنَ الِارْتِكانِ عَلى حَوْلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ والتَّبَرِّي عَنِ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ. المَقامُ الثّانِي: أنَّهُ ما كانَ مَرْدُودَ الدُّعاءِ البَتَّةَ، ووَجْهُ التَّوَسُّلِ بِهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما رُوِيَ أنَّ مُحْتاجًا سَألَ واحِدًا مِنَ الأكابِرِ وقالَ: أنا الَّذِي أحْسَنْتَ إلَيَّ وقْتَ كَذا، فَقالَ: مَرْحَبًا بِمَن تَوَسَّلَ بِنا إلَيْنا ثُمَّ قَضى حاجَتَهُ. وذَلِكَ أنَّهُ إذا قَبِلَهُ أوَّلًا فَلَوْ أنَّهُ رَدَّهُ ثانِيًا لَكانَ الرَّدُّ مُحْبِطًا لِلْإنْعامِ الأوَّلِ، والمُنْعِمُ لا يَسْعى في إحْباطِ إنْعامِهِ. والثّانِي: وهو أنَّ مُخالَفَةَ العادَةِ شاقَّةٌ عَلى النَّفْسِ فَإذا تَعَوَّدَ الإنْسانُ إجابَةَ الدُّعاءِ فَلَوْ صارَ مَرْدُودًا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لَكانَ في غايَةِ المَشَقَّةِ ولِأنَّ الجَفاءَ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ الإنْعامُ؛ يَكُونُ أشَقَّ فَقالَ زَكَرِيّاءُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّكَ ما رَدَدْتَنِي في أوَّلِ الأمْرِ مَعَ أنِّي ما تَعَوَّدْتُ لُطْفَكَ، وكُنْتُ قَوِيَّ البَدَنِ قَوِيَّ القَلْبِ فَلَوْ رَدَدْتَنِي الآنَ بَعْدَ ما عَوَّدْتَنِي القَبُولَ مَعَ نِهايَةِ ضَعْفِي؛ لَكانَ ذَلِكَ بالِغًا إلى الغايَةِ القُصْوى في ألَمِ القَلْبِ، واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سَعِدَ فُلانٌ بِحاجَتِهِ إذا ظَفِرَ بِها وشَقِيَ بِها إذا خابَ ولَمْ يَنَلْها، ومَعْنى بِدُعائِكَ أيْ بِدُعائِي إيّاكَ، فَإنَّ الفِعْلَ قَدْ يُضافُ إلى الفاعِلِ تارَةً وإلى المَفْعُولِ أُخْرى. المَقامُ الثّالِثُ: بَيانُ كَوْنِ المَطْلُوبِ مُنْتَفَعًا بِهِ في الدِّينِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: إنِّي خِفْتُ المَوالِيَ أيِ: الوَرَثَةَ مِن بَعْدِي وعَنْ مُجاهِدٍ: العَصَبَةُ، وعَنْ أبِي صالِحٍ: الكَلالَةُ، وعَنِ الأصَمِّ بَنُو العَمِّ وهُمُ الَّذِينَ يَلُونَهُ في النَّسَبِ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ المَوْلى يُرادُ بِهِ النّاصِرُ وابْنُ العَمِّ والمالِكُ والصّاحِبُ وهو هَهُنا مَن يَقُومُ بِمِيراثِهِ مَقامَ الوَلَدِ، والمُخْتارُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوالِي الَّذِينَ يَخْلُفُونَ بَعْدَهُ إمّا في السِّياسَةِ أوْ في المالِ الَّذِي كانَ لَهُ أوْ في القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ فَقَدْ كانَتِ العادَةُ جارِيَةً أنَّ كُلَّ مَن كانَ إلى صاحِبِ الشَّرْعِ أقْرَبَ؛ فَإنَّهُ كانَ مُتَعَيِّنًا في الحَياةِ. الثّانِي: اخْتَلَفُوا في خَوْفِهِ مِنَ المَوالِي فَقالَ بَعْضُهم: خافَهم عَلى إفْسادِ الدِّينِ، وقالَ بَعْضُهم بَلْ خافَ أنْ يَنْتَهِيَ أمْرُهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ في مالٍ وغَيْرِهِ، مَعَ أنَّهُ عَرَفَ مِن حالِهِمْ قُصُورَهم في العِلْمِ والقُدْرَةِ عَنِ القِيامِ بِذَلِكَ المَنصِبِ. وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيٌّ لَهُ أبٌ إلّا واحِدٌ؛ فَخافَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بَنِي عَمِّهِ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَهَبَ لَهُ ولَدًا يَكُونُ هو ذَلِكَ النَّبِيَّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ صفحة ١٥٦ يَكُونَ خائِفًا مِن أمْرٍ يَهْتَمُّ بِمِثْلِهِ الأنْبِياءُ وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ. ولا يَمْتَنِعُ أنَّ زَكَرِيّاءَ كانَ إلَيْهِ مَعَ النُّبُوَّةِ السِّياسَةُ مِن جِهَةِ المُلْكِ وما يَتَّصِلُ بِالإمامَةِ فَخافَ مِنهم بَعْدَهُ عَلى أحَدِهِما أوْ عَلَيْهِما. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي خِفْتُ﴾ فَهو وإنْ خَرَجَ عَلى لَفْظِ الماضِي لَكِنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ أيْضًا، كَذَلِكَ يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ خِفْتُ أنْ يَكُونَ كَذا وخَشِيتُ أنْ يَكُونَ كَذا أيْ أنا خائِفٌ لا يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ زالَ الخَوْفُ عَنْهُ، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ أيْ أنَّها عاقِرٌ في الحالِ وذَلِكَ لِأنَّ العاقِرَ لا تُحَوَّلُ ولُودًا في العادَةِ فَفي الإخْبارِ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي إعْلامٌ بِتَقادُمِ العَهْدِ في ذَلِكَ، وغَرَضُ زَكَرِيّاءَ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ اسْتِبْعادِ حُصُولِ الوَلَدِ؛ فَكانَ إيرادُهُ بِلَفْظِ الماضِي أقْوى وإلى هَذا يَرْجِعُ الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾؛ لِأنَّهُ إنَّما قَصَدَ بِهِ الإخْبارَ، وعَنْ تَقادُمِ الخَوْفِ ثُمَّ اسْتَغْنى بِدَلالَةِ الحالِ وما يُوجِبُ مَسْألَةَ الوارِثِ وإظْهارَ الحاجَةِ عَنِ الإخْبارِ بِوُجُودِ الخَوْفِ في الحالِ، وأيْضًا فَقَدْ يُوضَعُ الماضِي مَكانَ المُسْتَقْبَلِ وبِالعَكْسِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ (المائِدَةِ: ١١٦) واللَّهُ أعْلَمُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن ورائِي﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْ: قُدّامِي وبَيْنَ يَدَيَّ وقالَ آخَرُونَ أيْ: بَعْدَ مَوْتِي، وكِلاهُما مُحْتَمَلٌ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ خافَهم مِن بَعْدِهِ ؟ وكَيْفَ عَلِمَ أنَّهم يَبْقَوْنَ بَعْدَهُ فَضْلًا مِن أنْ يَخافَ شَرَّهم ؟ قُلْنا: إنْ ذَلِكَ قَدْ يُعْرَفُ بِالأماراتِ والظَّنِّ وذَلِكَ كافٍ في حُصُولِ الخَوْفِ فَرُبَّما عَرَفَ بِبَعْضِ الإماراتِ اسْتِمْرارَهم عَلى عادَتِهِمْ في الفَسادِ والشَّرِّ. * * * واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الوَلَدَ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ طَلَبَ مَن يَقُومُ مَقامَهُ ولَدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ حِكايَةً عَنْهُ: ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٨) . والثّانِي: قَوْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ . والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٩) وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَألَ الوَلَدَ؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ أنَّ لَهُ مَوالِيَ وأنَّهُ غَيْرُ مُنْفَرِدٍ عَنِ الوَرَثَةِ وهَذا وإنْ أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى وارِثٍ يَصْلُحُ أنْ يَقُومَ مَقامَهُ لَكِنَّ حَمْلَهُ عَلى الوَلَدِ أظْهَرُ واحْتَجَّ أصْحابُ القَوْلِ الثّالِثِ بِأنَّهُ لَمّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ؛ اسْتَعْظَمَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ فَقالَ: أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ؟ ولَوْ كانَ دُعاؤُهُ لِأجْلِ الوَلَدِ لَما اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ ”الجَوابُ“: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ عَمّا يُوهَبُ لَهُ أيُوهَبُ لَهُ وهو وامْرَأتُهُ عَلى هَيْئَتِهِما ؟ أوْ يُوهَبُ بِأنْ يُحَوَّلا شابَّيْنِ يَكُونُ لِمِثْلِهِما ولَدٌ ؟ وهَذا يُحْكى عَنِ الحَسَنِ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ قَوْلَ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّعاءِ: ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ إنَّما هو عَلى مَعْنى مَسْألَتِهِ ولَدًا مِن غَيْرِها أوْ مِنها بِأنْ يُصْلِحَها اللَّهُ لِلْوَلَدِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنِّي أيِسْتُ أنْ يَكُونَ لِي مِنها ولَدٌ، فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا كَيْفَ شِئْتَ؛ إمّا بِأنْ تُصْلِحَها فَيَكُونَ الوَلَدُ مِنها أوْ بِأنْ تَهَبَ لِي مِن غَيْرِها، فَلَمّا بُشِّرَ بِالغُلامِ؛ سَألَ: أيُرْزَقُ مِنها أوْ مِن غَيْرِها ؟ فَأُخْبِرَ بِأنَّهُ يُرْزَقُ مِنها، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالمِيراثِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالمِيراثِ في المَوْضِعَيْنِ هو وِراثَةُ المالِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِهِ في المَوْضِعَيْنِ وِراثَةُ النُّبُوَّةِ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ. وثالِثُها: يَرِثُنِي المالَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ. ورابِعُها: يَرِثُنِي العِلْمَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّواياتِ تَرْجِعُ إلى أحَدِ أُمُورٍ خَمْسَةٍ وهي: المالُ، ومَنصِبُ الحُبُورَةِ، والعِلْمُ، والنُّبُوَّةُ، والسِّيرَةُ الحَسَنَةُ، ولَفْظُ الإرْثِ مُسْتَعْمَلٌ في كُلِّها، أمّا في المالِ صفحة ١٥٧ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ١٢٧] وأمّا في العِلْمِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ [غافِرٍ: ٥٣] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: («العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهَمًا، وإنَّما ورَّثُوا العِلْمَ» ) وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النَّمْلِ: ١٥، ١٦ ] وهَذا يَحْتَمِلُ وِراثَةَ المُلْكِ ووِراثَةَ النُّبُوَّةِ وقَدْ يُقالُ أوْرَثَنِي هَذا غَمًّا وحُزْنًا، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِتِلْكَ الوُجُوهِ. واحْتَجَّ مَن حَمَلَ اللَّفْظَ عَلى وِراثَةِ المالِ بِالخَبَرِ والمَعْقُولِ، أمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «رَحِمَ اللَّهُ زَكَرِيّا ما كانَ لَهُ مَن يَرِثُهُ» وظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ إرْثُ المالِ وأمّا المَعْقُولُ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ العِلْمَ والسِّيرَةَ والنُّبُوَّةَ لا تُورَثُ بَلْ لا تَحْصُلُ إلّا بِالِاكْتِسابِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى المالِ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الإرْثِ إرْثَ النُّبُوَّةِ؛ لَكانَ قَدْ سَألَ جَعْلَ النَّبِيِّ -ﷺ- رَضِيًّا وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ النَّبِيَّ لا يَكُونُ إلّا رَضِيًّا مَعْصُومًا، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ» فَهَذا لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ خاصًّا بِهِ واحْتَجَّ مَن حَمَلَهُ عَلى العِلْمِ أوِ المَنصِبِ والنُّبُوَّةِ بِما عَلِمَ مَن حالَ الأنْبِياءِ أنَّ اهْتِمامَهم لا يَشْتَدُّ بِأمْرِ المالِ كَما يَشْتَدُّ بِأمْرِ الدِّينِ، وقِيلَ لَعَلَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيا ما كانَ عَظِيمَ النَّفْعِ في الدِّينِ فَلِهَذا كانَ مُهْتَمًّا بِهِ، أمّا قَوْلُهُ: النُّبُوَّةُ كَيْفَ تُورَثُ قُلْنا: المالُ إنَّما يُقالُ ورِثَهُ الِابْنُ بِمَعْنى قامَ فِيهِ مَقامَ أبِيهِ وحَصَلَ لَهُ مِن فائِدَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ ما حَصَلَ لِأبِيهِ وإلّا فَمِلْكُ المالِ مِن قِبَلِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ المُوَرِّثِ فَكَذَلِكَ إذا كانَ المَعْلُومُ في الِابْنِ أنْ يَصِيرَ نَبِيًّا بَعْدَهُ فَيَقُومَ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدَهُ جازَ أنْ يُقالَ ورِثَهُ أمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ» فَهَذا وإنْ جازَ حَمْلُهُ عَلى الواحِدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحِجْرِ: ٩] لَكِنَّهُ مَجازٌ وحَقِيقَتُهُ الجَمْعُ والعُدُولُ عَنِ الحَقِيقَةِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ لا يَجُوزُ لا سِيَّما وقَدْ رُوِيَ قَوْلُهُ: «إنّا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى كُلِّ ما فِيهِ نَفْعٌ وصَلاحٌ في الدِّينِ، وذَلِكَ يَتَناوَلُ النُّبُوَّةَ والعِلْمَ والسِّيرَةَ الحَسَنَةَ والمَنصِبَ النّافِعَ في الدِّينِ والمالَ الصّالِحَ، فَإنَّ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورِ مِمّا يَجُوزُ تَوَفُّرُ الدَّواعِي عَلى بَقائِها لِيَكُونَ ذَلِكَ النَّفْعُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا. السّابِعُ: اتَّفَقَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ هَهُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّ زَوْجَةَ زَكَرِيّاءَ هي أُخْتُ مَرْيَمَ وكانَتْ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ مِن ولَدِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، وأمّا زَكَرِيّاءُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهارُونُ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَن ولَدِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ وكانَتِ النُّبُوَّةُ في سِبْطِ يَعْقُوبَ؛ لِأنَّهُ هو إسْرائِيلُ ﷺ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لَيْسَ المُرادُ مِن يَعْقُوبَ هَهُنا ولَدَ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ وكانَ آلُ يَعْقُوبَ أخْوالَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ كانَ بَنُو ماثانَ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهم وكانَ زَكَرِيّا رَأْسَ الأحْبارِ يَوْمَئِذٍ فَأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ حُبُورَتَهُ، ويَرِثَ مِن بَنِي ماثانَ مُلْكَهم، واعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الرِّضِيِّ وُجُوهًا. أحَدُها: أنَّ المُرادَ واجْعَلْهُ رَضِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّهم مَرْضِيُّونَ فالرَّضِيُّ مِنهم مُفَضَّلٌ عَلى جُمْلَتِهِمْ فائِقٌ لَهم في كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِمْ فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ؛ فَوَهَبَ لَهُ سَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ لَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ، وهَذا غايَةُ ما يَكُونُ بِهِ المَرْءُ رَضِيًّا. وثانِيها: المُرادُ بِالرَّضِيِّ أنْ يَكُونَ رَضِيًّا في أُمَّتِهِ لا يُتَلَقّى بِالتَّكْذِيبِ ولا يُواجَهُ بِالرَّدِّ. وثالِثُها: المُرادُ بِالرَّضِيِّ أنْ لا يَكُونَ مُتَّهَمًا في شَيْءٍ ولا صفحة ١٥٨ يُوجَدُ فِيهِ مَطْعَنٌ ولا يُنْسَبُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي. ورابِعُها: أنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ قالا في الدُّعاءِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٨٢) وكانا في ذَلِكَ الوَقْتِ مُسْلِمَيْنِ، وكَأنَّ المُرادَ هُناكَ ثَبِّتْنا عَلى هَذا أوِ المُرادُ اجْعَلْنا فاضِلَيْنِ مِن أنْبِيائِكَ المُسْلِمِينَ فَكَذا هَهُنا، واحْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ رَضِيًّا بِفِعْلِهِ، فَلَمّا سَألَ اللَّهَ تَعالى جَعْلَهُ رَضِيًّا دَلَّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنْ يَلْطُفَ لَهُ بِضُرُوبِ الألْطافِ فَيَخْتارَ ما يَصِيرُ مَرْضِيًّا فَيُنْسَبَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ جَعْلَهُ رَضِيًّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى جَعْلِ الألْطافِ وعِنْدَها يَصِيرُ المَرْءُ بِاخْتِيارِهِ رَضِيًّا لَكانَ ذَلِكَ مَجازًا وهو خِلافُ الأصْلِ. والثّانِي: أنَّ جَعْلَ تِلْكَ الألْطافِ واجِبَةً عَلى اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِهِ وما كانَ واجِبًا لا يَجُوزُ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ.

مريم 19:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ راعى سُنَّةَ اللَّهِ في إخْفاءِ دَعْوَتِهِ لِأنَّ الجَهْرَ والإخْفاءَ عِنْدَ اللَّهِ سِيّانِ؛ فَكانَ الإخْفاءُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وأدْخَلُ في الإخْلاصِ. وثانِيها: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ في زَمانِ الشَّيْخُوخَةِ. وثالِثُها: أسَرَّهُ مِن مَوالِيهِ الَّذِينَ خافَهم. ورابِعُها: خَفِيَ صَوْتُهُ لِضَعْفِهِ وهَرَمِهِ كَما جاءَ في صِفَةِ الشَّيْخِ: صَوْتُهُ خُفاتٌ وسَمْعُهُ تاراتٌ، فَإنْ قِيلَ مِن شَرْطِ النِّداءِ الجَهْرُ؛ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِ نِداءً وخَفِيًّا، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ أتى بِأقْصى ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ إلّا أنَّ الصَّوْتَ كانَ ضَعِيفًا لِنِهايَةِ الضَّعْفِ بِسَبَبِ الكِبَرِ؛ فَكانَ نِداءً نَظَرًا إلى قَصْدِهِ، وخَفِيًّا نَظَرًا إلى الواقِعِ. الثّانِي: أنَّهُ دَعا في الصَّلاةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهُ في الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٩) فَكَوْنُ الإجابَةِ في الصَّلاةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ النِّداءُ فِيها خَفِيًّا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ القِراءَةُ فِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ﴿وهَنَ﴾ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إدْغامُ السِّينِ في الشِّينِ (مِنَ الرَّأْسِ شَيْبًا) عَنْ أبِي عَمْرٍو. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وعَنِ الزُّهْرِيِّ بِإسْكانِ الياءِ مِنَ المَوالِي وقَرَأ عُثْمانُ صفحة ١٥٤ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ عَبّاسٍ: خَفَّتِ بِفَتْحِ الخاءِ والفاءِ مُشَدَّدَةً وكَسْرِ التّاءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ورائِي بِمَعْنى بَعْدِي، والمَعْنى أنَّهم قَلُّوا وعَجَزُوا عَنْ إقامَةِ الدِّينِ بَعْدَهُ؛ فَسَألَ رَبَّهُ تَقْوِيَتَهم بِوَلِيٍّ يُرْزَقُهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى قُدّامِي والمَعْنى أنَّهم خَفُّوا قُدّامَهُ ودَرَجُوا ولَمْ يَبْقَ مَن بِهِ تَقَوٍّ واعْتِضادٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ: ﴿مِن ورائِي﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ لَكِنْ بِفَتْحِ الياءِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (ورايَ) كَعَصايَ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في يَرِثُنِي ويَرِثُ وُجُوهٌ: أحَدُها: القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ بِالرَّفْعِ فِيهِما صِفَةً. وثانِيها: وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ والزُّهْرِيِّ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ بِالجَزْمِ فِيهِما جَوابًا لِلدُّعاءِ. وثالِثُها: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ: (ولِيًّا يَرِثْنِي) جُزِمَ، وارِثٌ بِوَزْنِ فاعِلٍ. ورابِعُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (يَرِثُنِي) وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ. وخامِسُها: عَنِ الجَحْدَرِيِّ (ويَرِثُ) تَصْغِيرُ وارِثٍ عَلى وزْنِ أُفَيْعَلٍ (اللُّغَةُ) الوَهْنُ ضَعْفُ القُوَّةِ، قالَ في ”الكَشّافِ“ شَبَّهَ الشَّيْبَ بِشُواظِ النّارِ في بَياضِهِ وإنارَتِهِ وانْتِشارِهِ في الشَّعْرِ وفُشُوِّهِ فِيهِ، وأخْذِهِ كُلَّ مَأْخَذٍ كاشْتِعالِ النّارِ ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، ثُمَّ أسْنَدَ الِاشْتِعالَ إلى مَكانِ الشَّعْرِ ومَنبَتِهِ وهو الرَّأْسُ، وأخْرَجَ الشَّيْبَ مُمَيَّزًا ولَمْ يُضِفِ الرَّأْسَ اكْتِفاءً بِعِلْمِ المُخاطَبِ أنَّهُ رَأْسُ زَكَرِيّا، فَمِن ثَمَّ فَصُحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ، وأمّا الدُّعاءُ فَطَلَبُ الفِعْلِ ومُقابِلُهُ الإجابَةِ، كَما أنَّ مُقابِلَ الأمْرِ الطّاعَةُ، وأمّا أصْلُ التَّرْكِيبِ في (ولِيٍّ) فَيَدُلُّ عَلى مَعْنى القُرْبِ والدُّنُوِّ؛ يُقالُ: ولَيْتُهُ ألِيهِ ولْيًا أيْ دَنَوْتُ، وأوْلَيْتُهُ أدْنَيْتُهُ مِنهُ وتَباعَدَ ما بَعْدَهُ ووَلِيَ ومِنهُ قَوْلُ ساعِدَةَ [ابْنِ جُؤَيَّةَ]: وعَدَتْ عَوادٍ دُونَ ولْيِكَ تَشْغَبُ وكُلْ مِمّا يَلِيكَ، وجَلَسْتُ مِمّا يَلِيهِ، ومِنهُ الوَلْيُ وهو المَطَرُ الَّذِي يَلِي الوَسْمِيَّ، والوَلِيَّةُ البَرْذَعَةُ؛ لِأنَّها تَلِي ظَهْرَ الدّابَّةِ، ووَلِيَ اليَتِيمَ والقَتِيلَ، ووَلِيَ البَلَدَ لِأنَّ مَن تَوَلّى أمْرًا؛ فَقَدْ قَرُبَ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ مِن قَوْلِهِمْ ولاهُ بِرُكْنِهِ أيْ جَعَلَهُ مِمّا يَلِيهِ، أمّا ولّى عَنِّي إذا أدْبَرَ؛ فَهو مِن بابِ تَثْقِيلِ الحَشْوِ لِلسَّلْبِ، وقَوْلُهم: فُلانٌ أوْلى مِن فُلانٍ أيْ أحَقُّ، أفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِنَ الوالِي أوِ الوَلِيِّ كالأدْنى والأقْرَبِ مِنَ الدّانِي والقَرِيبِ، وفِيهِ مَعْنى القُرْبِ أيْضًا؛ لِأنَّ مَن كانَ أحَقَّ بِالشَّيْءِ؛ كانَ أقْرَبَ إلَيْهِ، والمَوْلى اسْمٌ لِمَوْضِعِ الوَلِيِّ كالمَرْمى والمَبْنى اسْمٌ لِمَوْضِعِ الرَّمْيِ والبِناءِ، وأمّا العاقِرُ فَهي الَّتِي لا تَلِدُ، والعَقْرُ في اللُّغَةِ الجَرْحُ، ومِنهُ أُخِذَ العاقِرُ؛ لِأنَّهُ نَقْصُ أصْلِ الخِلْقَةِ، وعَقَرْتُ الفَرَسَ بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبْتَ قَوائِمَهُ، وأمّا الآلُ فَهم خاصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ ثُمَّ قَدْ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ تارَةً ولِلصُّحْبَةِ أُخْرى كَآلِ فِرْعَوْنَ، ولِلْمُوافَقَةِ في الدِّينِ كَآلِ النَّبِيِّ -ﷺ- واعْلَمْ أنْ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدَّمَ عَلى السُّؤالِ أُمُورًا ثَلاثَةً: أحَدُها: كَوْنُهُ ضَعِيفًا. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ما رَدَّ دُعاءَهُ البَتَّةَ. والثّالِثُ: كَوْنُ المَطْلُوبِ بِالدُّعاءِ سَبَبًا لِلْمَنفَعَةِ في الدِّينِ ثُمَّ بَعْدَ تَقْرِيرِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ صَرَّحَ بِالسُّؤالِ. صفحة ١٥٥ أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو كَوْنُهُ ضَعِيفًا فَأثَرُ الضَّعْفِ، إمّا أنْ يَظْهَرَ في الباطِنِ أوْ في الظّاهِرِ، والضَّعْفُ الَّذِي يَظْهَرُ في الباطِنِ يَكُونُ أقْوى مِمّا يَظْهَرُ في الظّاهِرِ فَلِهَذا السَّبَبِ ابْتَدَأ بِبَيانِ الضَّعْفِ الَّذِي في الباطِنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ العِظامَ أصْلَبُ الأعْضاءِ الَّتِي في البَدَنِ وجُعِلَتْ كَذَلِكَ لِمَنفَعَتَيْنِ: إحْداهُما: لِأنْ تَكُونَ أساسًا وعُمُدًا يَعْتَمِدُ عَلَيْها سائِرُ الأعْضاءِ الأُخَرِ إذْ كانَتِ الأعْضاءُ كُلُّها مَوْضُوعَةً عَلى العِظامِ، والحامِلُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أقْوى مِنَ المَحْمُولِ. والثّانِيَةُ: أنَّهُ احْتِيجَ إلَيْها في بَعْضِ المَواضِعِ؛ لِأنْ تَكُونَ جُنَّةً يَقْوى بِها ما سِواها مِنَ الأعْضاءِ بِمَنزِلَةِ قِحْفِ الرَّأْسِ وعِظامِ الصَّدْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ صُلْبًا لِيَكُونَ صَبُورًا عَلى مُلاقاةِ الآفاتِ بَعِيدًا مِنَ القَبُولِ لَها إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ العَظْمُ أصْلَبَ الأعْضاءِ فَمَتى وصَلَ الأمْرُ إلى ضَعْفِها كانَ ضَعْفُ ما عَداها مَعَ رَخاوَتِها أوْلى، ولِأنَّ العَظْمَ إذا كانَ حامِلًا لِسائِرِ الأعْضاءِ؛ كانَ تَطْرُّقُ الضَّعْفِ إلى الحامِلِ مُوجِبًا لِتَطَرُّقِهِ إلى المَحْمُولِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ العَظْمَ بِالوَهْنِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْضاءِ؛ وأمّا أثَرُ الضَّعْفِ في الظّاهِرِ؛ فَذَلِكَ اسْتِيلاءُ الشَّيْبِ عَلى الرَّأْسِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى اسْتِيلاءِ الضَّعْفِ عَلى الباطِنِ والظّاهِرِ وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ الدُّعاءَ تَوْكِيدًا لِما فِيهِ مِنَ الِارْتِكانِ عَلى حَوْلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ والتَّبَرِّي عَنِ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ. المَقامُ الثّانِي: أنَّهُ ما كانَ مَرْدُودَ الدُّعاءِ البَتَّةَ، ووَجْهُ التَّوَسُّلِ بِهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما رُوِيَ أنَّ مُحْتاجًا سَألَ واحِدًا مِنَ الأكابِرِ وقالَ: أنا الَّذِي أحْسَنْتَ إلَيَّ وقْتَ كَذا، فَقالَ: مَرْحَبًا بِمَن تَوَسَّلَ بِنا إلَيْنا ثُمَّ قَضى حاجَتَهُ. وذَلِكَ أنَّهُ إذا قَبِلَهُ أوَّلًا فَلَوْ أنَّهُ رَدَّهُ ثانِيًا لَكانَ الرَّدُّ مُحْبِطًا لِلْإنْعامِ الأوَّلِ، والمُنْعِمُ لا يَسْعى في إحْباطِ إنْعامِهِ. والثّانِي: وهو أنَّ مُخالَفَةَ العادَةِ شاقَّةٌ عَلى النَّفْسِ فَإذا تَعَوَّدَ الإنْسانُ إجابَةَ الدُّعاءِ فَلَوْ صارَ مَرْدُودًا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لَكانَ في غايَةِ المَشَقَّةِ ولِأنَّ الجَفاءَ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ الإنْعامُ؛ يَكُونُ أشَقَّ فَقالَ زَكَرِيّاءُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّكَ ما رَدَدْتَنِي في أوَّلِ الأمْرِ مَعَ أنِّي ما تَعَوَّدْتُ لُطْفَكَ، وكُنْتُ قَوِيَّ البَدَنِ قَوِيَّ القَلْبِ فَلَوْ رَدَدْتَنِي الآنَ بَعْدَ ما عَوَّدْتَنِي القَبُولَ مَعَ نِهايَةِ ضَعْفِي؛ لَكانَ ذَلِكَ بالِغًا إلى الغايَةِ القُصْوى في ألَمِ القَلْبِ، واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سَعِدَ فُلانٌ بِحاجَتِهِ إذا ظَفِرَ بِها وشَقِيَ بِها إذا خابَ ولَمْ يَنَلْها، ومَعْنى بِدُعائِكَ أيْ بِدُعائِي إيّاكَ، فَإنَّ الفِعْلَ قَدْ يُضافُ إلى الفاعِلِ تارَةً وإلى المَفْعُولِ أُخْرى. المَقامُ الثّالِثُ: بَيانُ كَوْنِ المَطْلُوبِ مُنْتَفَعًا بِهِ في الدِّينِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: إنِّي خِفْتُ المَوالِيَ أيِ: الوَرَثَةَ مِن بَعْدِي وعَنْ مُجاهِدٍ: العَصَبَةُ، وعَنْ أبِي صالِحٍ: الكَلالَةُ، وعَنِ الأصَمِّ بَنُو العَمِّ وهُمُ الَّذِينَ يَلُونَهُ في النَّسَبِ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ المَوْلى يُرادُ بِهِ النّاصِرُ وابْنُ العَمِّ والمالِكُ والصّاحِبُ وهو هَهُنا مَن يَقُومُ بِمِيراثِهِ مَقامَ الوَلَدِ، والمُخْتارُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوالِي الَّذِينَ يَخْلُفُونَ بَعْدَهُ إمّا في السِّياسَةِ أوْ في المالِ الَّذِي كانَ لَهُ أوْ في القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ فَقَدْ كانَتِ العادَةُ جارِيَةً أنَّ كُلَّ مَن كانَ إلى صاحِبِ الشَّرْعِ أقْرَبَ؛ فَإنَّهُ كانَ مُتَعَيِّنًا في الحَياةِ. الثّانِي: اخْتَلَفُوا في خَوْفِهِ مِنَ المَوالِي فَقالَ بَعْضُهم: خافَهم عَلى إفْسادِ الدِّينِ، وقالَ بَعْضُهم بَلْ خافَ أنْ يَنْتَهِيَ أمْرُهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ في مالٍ وغَيْرِهِ، مَعَ أنَّهُ عَرَفَ مِن حالِهِمْ قُصُورَهم في العِلْمِ والقُدْرَةِ عَنِ القِيامِ بِذَلِكَ المَنصِبِ. وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيٌّ لَهُ أبٌ إلّا واحِدٌ؛ فَخافَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بَنِي عَمِّهِ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَهَبَ لَهُ ولَدًا يَكُونُ هو ذَلِكَ النَّبِيَّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ صفحة ١٥٦ يَكُونَ خائِفًا مِن أمْرٍ يَهْتَمُّ بِمِثْلِهِ الأنْبِياءُ وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ. ولا يَمْتَنِعُ أنَّ زَكَرِيّاءَ كانَ إلَيْهِ مَعَ النُّبُوَّةِ السِّياسَةُ مِن جِهَةِ المُلْكِ وما يَتَّصِلُ بِالإمامَةِ فَخافَ مِنهم بَعْدَهُ عَلى أحَدِهِما أوْ عَلَيْهِما. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي خِفْتُ﴾ فَهو وإنْ خَرَجَ عَلى لَفْظِ الماضِي لَكِنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ أيْضًا، كَذَلِكَ يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ خِفْتُ أنْ يَكُونَ كَذا وخَشِيتُ أنْ يَكُونَ كَذا أيْ أنا خائِفٌ لا يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ زالَ الخَوْفُ عَنْهُ، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ أيْ أنَّها عاقِرٌ في الحالِ وذَلِكَ لِأنَّ العاقِرَ لا تُحَوَّلُ ولُودًا في العادَةِ فَفي الإخْبارِ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي إعْلامٌ بِتَقادُمِ العَهْدِ في ذَلِكَ، وغَرَضُ زَكَرِيّاءَ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ اسْتِبْعادِ حُصُولِ الوَلَدِ؛ فَكانَ إيرادُهُ بِلَفْظِ الماضِي أقْوى وإلى هَذا يَرْجِعُ الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾؛ لِأنَّهُ إنَّما قَصَدَ بِهِ الإخْبارَ، وعَنْ تَقادُمِ الخَوْفِ ثُمَّ اسْتَغْنى بِدَلالَةِ الحالِ وما يُوجِبُ مَسْألَةَ الوارِثِ وإظْهارَ الحاجَةِ عَنِ الإخْبارِ بِوُجُودِ الخَوْفِ في الحالِ، وأيْضًا فَقَدْ يُوضَعُ الماضِي مَكانَ المُسْتَقْبَلِ وبِالعَكْسِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ (المائِدَةِ: ١١٦) واللَّهُ أعْلَمُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن ورائِي﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْ: قُدّامِي وبَيْنَ يَدَيَّ وقالَ آخَرُونَ أيْ: بَعْدَ مَوْتِي، وكِلاهُما مُحْتَمَلٌ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ خافَهم مِن بَعْدِهِ ؟ وكَيْفَ عَلِمَ أنَّهم يَبْقَوْنَ بَعْدَهُ فَضْلًا مِن أنْ يَخافَ شَرَّهم ؟ قُلْنا: إنْ ذَلِكَ قَدْ يُعْرَفُ بِالأماراتِ والظَّنِّ وذَلِكَ كافٍ في حُصُولِ الخَوْفِ فَرُبَّما عَرَفَ بِبَعْضِ الإماراتِ اسْتِمْرارَهم عَلى عادَتِهِمْ في الفَسادِ والشَّرِّ. * * * واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الوَلَدَ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ طَلَبَ مَن يَقُومُ مَقامَهُ ولَدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ حِكايَةً عَنْهُ: ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٨) . والثّانِي: قَوْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ . والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٩) وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَألَ الوَلَدَ؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ أنَّ لَهُ مَوالِيَ وأنَّهُ غَيْرُ مُنْفَرِدٍ عَنِ الوَرَثَةِ وهَذا وإنْ أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى وارِثٍ يَصْلُحُ أنْ يَقُومَ مَقامَهُ لَكِنَّ حَمْلَهُ عَلى الوَلَدِ أظْهَرُ واحْتَجَّ أصْحابُ القَوْلِ الثّالِثِ بِأنَّهُ لَمّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ؛ اسْتَعْظَمَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ فَقالَ: أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ؟ ولَوْ كانَ دُعاؤُهُ لِأجْلِ الوَلَدِ لَما اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ ”الجَوابُ“: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ عَمّا يُوهَبُ لَهُ أيُوهَبُ لَهُ وهو وامْرَأتُهُ عَلى هَيْئَتِهِما ؟ أوْ يُوهَبُ بِأنْ يُحَوَّلا شابَّيْنِ يَكُونُ لِمِثْلِهِما ولَدٌ ؟ وهَذا يُحْكى عَنِ الحَسَنِ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ قَوْلَ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّعاءِ: ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ إنَّما هو عَلى مَعْنى مَسْألَتِهِ ولَدًا مِن غَيْرِها أوْ مِنها بِأنْ يُصْلِحَها اللَّهُ لِلْوَلَدِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنِّي أيِسْتُ أنْ يَكُونَ لِي مِنها ولَدٌ، فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا كَيْفَ شِئْتَ؛ إمّا بِأنْ تُصْلِحَها فَيَكُونَ الوَلَدُ مِنها أوْ بِأنْ تَهَبَ لِي مِن غَيْرِها، فَلَمّا بُشِّرَ بِالغُلامِ؛ سَألَ: أيُرْزَقُ مِنها أوْ مِن غَيْرِها ؟ فَأُخْبِرَ بِأنَّهُ يُرْزَقُ مِنها، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالمِيراثِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالمِيراثِ في المَوْضِعَيْنِ هو وِراثَةُ المالِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِهِ في المَوْضِعَيْنِ وِراثَةُ النُّبُوَّةِ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ. وثالِثُها: يَرِثُنِي المالَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ. ورابِعُها: يَرِثُنِي العِلْمَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّواياتِ تَرْجِعُ إلى أحَدِ أُمُورٍ خَمْسَةٍ وهي: المالُ، ومَنصِبُ الحُبُورَةِ، والعِلْمُ، والنُّبُوَّةُ، والسِّيرَةُ الحَسَنَةُ، ولَفْظُ الإرْثِ مُسْتَعْمَلٌ في كُلِّها، أمّا في المالِ صفحة ١٥٧ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ١٢٧] وأمّا في العِلْمِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ [غافِرٍ: ٥٣] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: («العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهَمًا، وإنَّما ورَّثُوا العِلْمَ» ) وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النَّمْلِ: ١٥، ١٦ ] وهَذا يَحْتَمِلُ وِراثَةَ المُلْكِ ووِراثَةَ النُّبُوَّةِ وقَدْ يُقالُ أوْرَثَنِي هَذا غَمًّا وحُزْنًا، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِتِلْكَ الوُجُوهِ. واحْتَجَّ مَن حَمَلَ اللَّفْظَ عَلى وِراثَةِ المالِ بِالخَبَرِ والمَعْقُولِ، أمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «رَحِمَ اللَّهُ زَكَرِيّا ما كانَ لَهُ مَن يَرِثُهُ» وظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ إرْثُ المالِ وأمّا المَعْقُولُ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ العِلْمَ والسِّيرَةَ والنُّبُوَّةَ لا تُورَثُ بَلْ لا تَحْصُلُ إلّا بِالِاكْتِسابِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى المالِ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الإرْثِ إرْثَ النُّبُوَّةِ؛ لَكانَ قَدْ سَألَ جَعْلَ النَّبِيِّ -ﷺ- رَضِيًّا وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ النَّبِيَّ لا يَكُونُ إلّا رَضِيًّا مَعْصُومًا، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ» فَهَذا لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ خاصًّا بِهِ واحْتَجَّ مَن حَمَلَهُ عَلى العِلْمِ أوِ المَنصِبِ والنُّبُوَّةِ بِما عَلِمَ مَن حالَ الأنْبِياءِ أنَّ اهْتِمامَهم لا يَشْتَدُّ بِأمْرِ المالِ كَما يَشْتَدُّ بِأمْرِ الدِّينِ، وقِيلَ لَعَلَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيا ما كانَ عَظِيمَ النَّفْعِ في الدِّينِ فَلِهَذا كانَ مُهْتَمًّا بِهِ، أمّا قَوْلُهُ: النُّبُوَّةُ كَيْفَ تُورَثُ قُلْنا: المالُ إنَّما يُقالُ ورِثَهُ الِابْنُ بِمَعْنى قامَ فِيهِ مَقامَ أبِيهِ وحَصَلَ لَهُ مِن فائِدَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ ما حَصَلَ لِأبِيهِ وإلّا فَمِلْكُ المالِ مِن قِبَلِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ المُوَرِّثِ فَكَذَلِكَ إذا كانَ المَعْلُومُ في الِابْنِ أنْ يَصِيرَ نَبِيًّا بَعْدَهُ فَيَقُومَ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدَهُ جازَ أنْ يُقالَ ورِثَهُ أمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ» فَهَذا وإنْ جازَ حَمْلُهُ عَلى الواحِدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحِجْرِ: ٩] لَكِنَّهُ مَجازٌ وحَقِيقَتُهُ الجَمْعُ والعُدُولُ عَنِ الحَقِيقَةِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ لا يَجُوزُ لا سِيَّما وقَدْ رُوِيَ قَوْلُهُ: «إنّا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى كُلِّ ما فِيهِ نَفْعٌ وصَلاحٌ في الدِّينِ، وذَلِكَ يَتَناوَلُ النُّبُوَّةَ والعِلْمَ والسِّيرَةَ الحَسَنَةَ والمَنصِبَ النّافِعَ في الدِّينِ والمالَ الصّالِحَ، فَإنَّ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورِ مِمّا يَجُوزُ تَوَفُّرُ الدَّواعِي عَلى بَقائِها لِيَكُونَ ذَلِكَ النَّفْعُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا. السّابِعُ: اتَّفَقَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ هَهُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّ زَوْجَةَ زَكَرِيّاءَ هي أُخْتُ مَرْيَمَ وكانَتْ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ مِن ولَدِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، وأمّا زَكَرِيّاءُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهارُونُ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَن ولَدِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ وكانَتِ النُّبُوَّةُ في سِبْطِ يَعْقُوبَ؛ لِأنَّهُ هو إسْرائِيلُ ﷺ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لَيْسَ المُرادُ مِن يَعْقُوبَ هَهُنا ولَدَ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ وكانَ آلُ يَعْقُوبَ أخْوالَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ كانَ بَنُو ماثانَ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهم وكانَ زَكَرِيّا رَأْسَ الأحْبارِ يَوْمَئِذٍ فَأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ حُبُورَتَهُ، ويَرِثَ مِن بَنِي ماثانَ مُلْكَهم، واعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الرِّضِيِّ وُجُوهًا. أحَدُها: أنَّ المُرادَ واجْعَلْهُ رَضِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّهم مَرْضِيُّونَ فالرَّضِيُّ مِنهم مُفَضَّلٌ عَلى جُمْلَتِهِمْ فائِقٌ لَهم في كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِمْ فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ؛ فَوَهَبَ لَهُ سَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ لَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ، وهَذا غايَةُ ما يَكُونُ بِهِ المَرْءُ رَضِيًّا. وثانِيها: المُرادُ بِالرَّضِيِّ أنْ يَكُونَ رَضِيًّا في أُمَّتِهِ لا يُتَلَقّى بِالتَّكْذِيبِ ولا يُواجَهُ بِالرَّدِّ. وثالِثُها: المُرادُ بِالرَّضِيِّ أنْ لا يَكُونَ مُتَّهَمًا في شَيْءٍ ولا صفحة ١٥٨ يُوجَدُ فِيهِ مَطْعَنٌ ولا يُنْسَبُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي. ورابِعُها: أنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ قالا في الدُّعاءِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٨٢) وكانا في ذَلِكَ الوَقْتِ مُسْلِمَيْنِ، وكَأنَّ المُرادَ هُناكَ ثَبِّتْنا عَلى هَذا أوِ المُرادُ اجْعَلْنا فاضِلَيْنِ مِن أنْبِيائِكَ المُسْلِمِينَ فَكَذا هَهُنا، واحْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ رَضِيًّا بِفِعْلِهِ، فَلَمّا سَألَ اللَّهَ تَعالى جَعْلَهُ رَضِيًّا دَلَّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنْ يَلْطُفَ لَهُ بِضُرُوبِ الألْطافِ فَيَخْتارَ ما يَصِيرُ مَرْضِيًّا فَيُنْسَبَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ جَعْلَهُ رَضِيًّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى جَعْلِ الألْطافِ وعِنْدَها يَصِيرُ المَرْءُ بِاخْتِيارِهِ رَضِيًّا لَكانَ ذَلِكَ مَجازًا وهو خِلافُ الأصْلِ. والثّانِي: أنَّ جَعْلَ تِلْكَ الألْطافِ واجِبَةً عَلى اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِهِ وما كانَ واجِبًا لا يَجُوزُ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ.

مريم 19:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ راعى سُنَّةَ اللَّهِ في إخْفاءِ دَعْوَتِهِ لِأنَّ الجَهْرَ والإخْفاءَ عِنْدَ اللَّهِ سِيّانِ؛ فَكانَ الإخْفاءُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وأدْخَلُ في الإخْلاصِ. وثانِيها: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ في زَمانِ الشَّيْخُوخَةِ. وثالِثُها: أسَرَّهُ مِن مَوالِيهِ الَّذِينَ خافَهم. ورابِعُها: خَفِيَ صَوْتُهُ لِضَعْفِهِ وهَرَمِهِ كَما جاءَ في صِفَةِ الشَّيْخِ: صَوْتُهُ خُفاتٌ وسَمْعُهُ تاراتٌ، فَإنْ قِيلَ مِن شَرْطِ النِّداءِ الجَهْرُ؛ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِ نِداءً وخَفِيًّا، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ أتى بِأقْصى ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ إلّا أنَّ الصَّوْتَ كانَ ضَعِيفًا لِنِهايَةِ الضَّعْفِ بِسَبَبِ الكِبَرِ؛ فَكانَ نِداءً نَظَرًا إلى قَصْدِهِ، وخَفِيًّا نَظَرًا إلى الواقِعِ. الثّانِي: أنَّهُ دَعا في الصَّلاةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهُ في الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٩) فَكَوْنُ الإجابَةِ في الصَّلاةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ النِّداءُ فِيها خَفِيًّا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ القِراءَةُ فِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ﴿وهَنَ﴾ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إدْغامُ السِّينِ في الشِّينِ (مِنَ الرَّأْسِ شَيْبًا) عَنْ أبِي عَمْرٍو. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وعَنِ الزُّهْرِيِّ بِإسْكانِ الياءِ مِنَ المَوالِي وقَرَأ عُثْمانُ صفحة ١٥٤ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ عَبّاسٍ: خَفَّتِ بِفَتْحِ الخاءِ والفاءِ مُشَدَّدَةً وكَسْرِ التّاءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ورائِي بِمَعْنى بَعْدِي، والمَعْنى أنَّهم قَلُّوا وعَجَزُوا عَنْ إقامَةِ الدِّينِ بَعْدَهُ؛ فَسَألَ رَبَّهُ تَقْوِيَتَهم بِوَلِيٍّ يُرْزَقُهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى قُدّامِي والمَعْنى أنَّهم خَفُّوا قُدّامَهُ ودَرَجُوا ولَمْ يَبْقَ مَن بِهِ تَقَوٍّ واعْتِضادٌ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ: ﴿مِن ورائِي﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ مِقْسَمٍ كَذَلِكَ لَكِنْ بِفَتْحِ الياءِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (ورايَ) كَعَصايَ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في يَرِثُنِي ويَرِثُ وُجُوهٌ: أحَدُها: القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ بِالرَّفْعِ فِيهِما صِفَةً. وثانِيها: وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ والزُّهْرِيِّ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ بِالجَزْمِ فِيهِما جَوابًا لِلدُّعاءِ. وثالِثُها: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ: (ولِيًّا يَرِثْنِي) جُزِمَ، وارِثٌ بِوَزْنِ فاعِلٍ. ورابِعُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (يَرِثُنِي) وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ. وخامِسُها: عَنِ الجَحْدَرِيِّ (ويَرِثُ) تَصْغِيرُ وارِثٍ عَلى وزْنِ أُفَيْعَلٍ (اللُّغَةُ) الوَهْنُ ضَعْفُ القُوَّةِ، قالَ في ”الكَشّافِ“ شَبَّهَ الشَّيْبَ بِشُواظِ النّارِ في بَياضِهِ وإنارَتِهِ وانْتِشارِهِ في الشَّعْرِ وفُشُوِّهِ فِيهِ، وأخْذِهِ كُلَّ مَأْخَذٍ كاشْتِعالِ النّارِ ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، ثُمَّ أسْنَدَ الِاشْتِعالَ إلى مَكانِ الشَّعْرِ ومَنبَتِهِ وهو الرَّأْسُ، وأخْرَجَ الشَّيْبَ مُمَيَّزًا ولَمْ يُضِفِ الرَّأْسَ اكْتِفاءً بِعِلْمِ المُخاطَبِ أنَّهُ رَأْسُ زَكَرِيّا، فَمِن ثَمَّ فَصُحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ، وأمّا الدُّعاءُ فَطَلَبُ الفِعْلِ ومُقابِلُهُ الإجابَةِ، كَما أنَّ مُقابِلَ الأمْرِ الطّاعَةُ، وأمّا أصْلُ التَّرْكِيبِ في (ولِيٍّ) فَيَدُلُّ عَلى مَعْنى القُرْبِ والدُّنُوِّ؛ يُقالُ: ولَيْتُهُ ألِيهِ ولْيًا أيْ دَنَوْتُ، وأوْلَيْتُهُ أدْنَيْتُهُ مِنهُ وتَباعَدَ ما بَعْدَهُ ووَلِيَ ومِنهُ قَوْلُ ساعِدَةَ [ابْنِ جُؤَيَّةَ]: وعَدَتْ عَوادٍ دُونَ ولْيِكَ تَشْغَبُ وكُلْ مِمّا يَلِيكَ، وجَلَسْتُ مِمّا يَلِيهِ، ومِنهُ الوَلْيُ وهو المَطَرُ الَّذِي يَلِي الوَسْمِيَّ، والوَلِيَّةُ البَرْذَعَةُ؛ لِأنَّها تَلِي ظَهْرَ الدّابَّةِ، ووَلِيَ اليَتِيمَ والقَتِيلَ، ووَلِيَ البَلَدَ لِأنَّ مَن تَوَلّى أمْرًا؛ فَقَدْ قَرُبَ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ مِن قَوْلِهِمْ ولاهُ بِرُكْنِهِ أيْ جَعَلَهُ مِمّا يَلِيهِ، أمّا ولّى عَنِّي إذا أدْبَرَ؛ فَهو مِن بابِ تَثْقِيلِ الحَشْوِ لِلسَّلْبِ، وقَوْلُهم: فُلانٌ أوْلى مِن فُلانٍ أيْ أحَقُّ، أفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِنَ الوالِي أوِ الوَلِيِّ كالأدْنى والأقْرَبِ مِنَ الدّانِي والقَرِيبِ، وفِيهِ مَعْنى القُرْبِ أيْضًا؛ لِأنَّ مَن كانَ أحَقَّ بِالشَّيْءِ؛ كانَ أقْرَبَ إلَيْهِ، والمَوْلى اسْمٌ لِمَوْضِعِ الوَلِيِّ كالمَرْمى والمَبْنى اسْمٌ لِمَوْضِعِ الرَّمْيِ والبِناءِ، وأمّا العاقِرُ فَهي الَّتِي لا تَلِدُ، والعَقْرُ في اللُّغَةِ الجَرْحُ، ومِنهُ أُخِذَ العاقِرُ؛ لِأنَّهُ نَقْصُ أصْلِ الخِلْقَةِ، وعَقَرْتُ الفَرَسَ بِالسَّيْفِ إذا ضَرَبْتَ قَوائِمَهُ، وأمّا الآلُ فَهم خاصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ ثُمَّ قَدْ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ تارَةً ولِلصُّحْبَةِ أُخْرى كَآلِ فِرْعَوْنَ، ولِلْمُوافَقَةِ في الدِّينِ كَآلِ النَّبِيِّ -ﷺ- واعْلَمْ أنْ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدَّمَ عَلى السُّؤالِ أُمُورًا ثَلاثَةً: أحَدُها: كَوْنُهُ ضَعِيفًا. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ما رَدَّ دُعاءَهُ البَتَّةَ. والثّالِثُ: كَوْنُ المَطْلُوبِ بِالدُّعاءِ سَبَبًا لِلْمَنفَعَةِ في الدِّينِ ثُمَّ بَعْدَ تَقْرِيرِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ صَرَّحَ بِالسُّؤالِ. صفحة ١٥٥ أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو كَوْنُهُ ضَعِيفًا فَأثَرُ الضَّعْفِ، إمّا أنْ يَظْهَرَ في الباطِنِ أوْ في الظّاهِرِ، والضَّعْفُ الَّذِي يَظْهَرُ في الباطِنِ يَكُونُ أقْوى مِمّا يَظْهَرُ في الظّاهِرِ فَلِهَذا السَّبَبِ ابْتَدَأ بِبَيانِ الضَّعْفِ الَّذِي في الباطِنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ العِظامَ أصْلَبُ الأعْضاءِ الَّتِي في البَدَنِ وجُعِلَتْ كَذَلِكَ لِمَنفَعَتَيْنِ: إحْداهُما: لِأنْ تَكُونَ أساسًا وعُمُدًا يَعْتَمِدُ عَلَيْها سائِرُ الأعْضاءِ الأُخَرِ إذْ كانَتِ الأعْضاءُ كُلُّها مَوْضُوعَةً عَلى العِظامِ، والحامِلُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أقْوى مِنَ المَحْمُولِ. والثّانِيَةُ: أنَّهُ احْتِيجَ إلَيْها في بَعْضِ المَواضِعِ؛ لِأنْ تَكُونَ جُنَّةً يَقْوى بِها ما سِواها مِنَ الأعْضاءِ بِمَنزِلَةِ قِحْفِ الرَّأْسِ وعِظامِ الصَّدْرِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ صُلْبًا لِيَكُونَ صَبُورًا عَلى مُلاقاةِ الآفاتِ بَعِيدًا مِنَ القَبُولِ لَها إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا كانَ العَظْمُ أصْلَبَ الأعْضاءِ فَمَتى وصَلَ الأمْرُ إلى ضَعْفِها كانَ ضَعْفُ ما عَداها مَعَ رَخاوَتِها أوْلى، ولِأنَّ العَظْمَ إذا كانَ حامِلًا لِسائِرِ الأعْضاءِ؛ كانَ تَطْرُّقُ الضَّعْفِ إلى الحامِلِ مُوجِبًا لِتَطَرُّقِهِ إلى المَحْمُولِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ العَظْمَ بِالوَهْنِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْضاءِ؛ وأمّا أثَرُ الضَّعْفِ في الظّاهِرِ؛ فَذَلِكَ اسْتِيلاءُ الشَّيْبِ عَلى الرَّأْسِ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى اسْتِيلاءِ الضَّعْفِ عَلى الباطِنِ والظّاهِرِ وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ الدُّعاءَ تَوْكِيدًا لِما فِيهِ مِنَ الِارْتِكانِ عَلى حَوْلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ والتَّبَرِّي عَنِ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ. المَقامُ الثّانِي: أنَّهُ ما كانَ مَرْدُودَ الدُّعاءِ البَتَّةَ، ووَجْهُ التَّوَسُّلِ بِهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما رُوِيَ أنَّ مُحْتاجًا سَألَ واحِدًا مِنَ الأكابِرِ وقالَ: أنا الَّذِي أحْسَنْتَ إلَيَّ وقْتَ كَذا، فَقالَ: مَرْحَبًا بِمَن تَوَسَّلَ بِنا إلَيْنا ثُمَّ قَضى حاجَتَهُ. وذَلِكَ أنَّهُ إذا قَبِلَهُ أوَّلًا فَلَوْ أنَّهُ رَدَّهُ ثانِيًا لَكانَ الرَّدُّ مُحْبِطًا لِلْإنْعامِ الأوَّلِ، والمُنْعِمُ لا يَسْعى في إحْباطِ إنْعامِهِ. والثّانِي: وهو أنَّ مُخالَفَةَ العادَةِ شاقَّةٌ عَلى النَّفْسِ فَإذا تَعَوَّدَ الإنْسانُ إجابَةَ الدُّعاءِ فَلَوْ صارَ مَرْدُودًا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لَكانَ في غايَةِ المَشَقَّةِ ولِأنَّ الجَفاءَ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ الإنْعامُ؛ يَكُونُ أشَقَّ فَقالَ زَكَرِيّاءُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّكَ ما رَدَدْتَنِي في أوَّلِ الأمْرِ مَعَ أنِّي ما تَعَوَّدْتُ لُطْفَكَ، وكُنْتُ قَوِيَّ البَدَنِ قَوِيَّ القَلْبِ فَلَوْ رَدَدْتَنِي الآنَ بَعْدَ ما عَوَّدْتَنِي القَبُولَ مَعَ نِهايَةِ ضَعْفِي؛ لَكانَ ذَلِكَ بالِغًا إلى الغايَةِ القُصْوى في ألَمِ القَلْبِ، واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سَعِدَ فُلانٌ بِحاجَتِهِ إذا ظَفِرَ بِها وشَقِيَ بِها إذا خابَ ولَمْ يَنَلْها، ومَعْنى بِدُعائِكَ أيْ بِدُعائِي إيّاكَ، فَإنَّ الفِعْلَ قَدْ يُضافُ إلى الفاعِلِ تارَةً وإلى المَفْعُولِ أُخْرى. المَقامُ الثّالِثُ: بَيانُ كَوْنِ المَطْلُوبِ مُنْتَفَعًا بِهِ في الدِّينِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: إنِّي خِفْتُ المَوالِيَ أيِ: الوَرَثَةَ مِن بَعْدِي وعَنْ مُجاهِدٍ: العَصَبَةُ، وعَنْ أبِي صالِحٍ: الكَلالَةُ، وعَنِ الأصَمِّ بَنُو العَمِّ وهُمُ الَّذِينَ يَلُونَهُ في النَّسَبِ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ المَوْلى يُرادُ بِهِ النّاصِرُ وابْنُ العَمِّ والمالِكُ والصّاحِبُ وهو هَهُنا مَن يَقُومُ بِمِيراثِهِ مَقامَ الوَلَدِ، والمُخْتارُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوالِي الَّذِينَ يَخْلُفُونَ بَعْدَهُ إمّا في السِّياسَةِ أوْ في المالِ الَّذِي كانَ لَهُ أوْ في القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ فَقَدْ كانَتِ العادَةُ جارِيَةً أنَّ كُلَّ مَن كانَ إلى صاحِبِ الشَّرْعِ أقْرَبَ؛ فَإنَّهُ كانَ مُتَعَيِّنًا في الحَياةِ. الثّانِي: اخْتَلَفُوا في خَوْفِهِ مِنَ المَوالِي فَقالَ بَعْضُهم: خافَهم عَلى إفْسادِ الدِّينِ، وقالَ بَعْضُهم بَلْ خافَ أنْ يَنْتَهِيَ أمْرُهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ في مالٍ وغَيْرِهِ، مَعَ أنَّهُ عَرَفَ مِن حالِهِمْ قُصُورَهم في العِلْمِ والقُدْرَةِ عَنِ القِيامِ بِذَلِكَ المَنصِبِ. وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيٌّ لَهُ أبٌ إلّا واحِدٌ؛ فَخافَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بَنِي عَمِّهِ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَهَبَ لَهُ ولَدًا يَكُونُ هو ذَلِكَ النَّبِيَّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ صفحة ١٥٦ يَكُونَ خائِفًا مِن أمْرٍ يَهْتَمُّ بِمِثْلِهِ الأنْبِياءُ وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ. ولا يَمْتَنِعُ أنَّ زَكَرِيّاءَ كانَ إلَيْهِ مَعَ النُّبُوَّةِ السِّياسَةُ مِن جِهَةِ المُلْكِ وما يَتَّصِلُ بِالإمامَةِ فَخافَ مِنهم بَعْدَهُ عَلى أحَدِهِما أوْ عَلَيْهِما. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي خِفْتُ﴾ فَهو وإنْ خَرَجَ عَلى لَفْظِ الماضِي لَكِنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ أيْضًا، كَذَلِكَ يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ خِفْتُ أنْ يَكُونَ كَذا وخَشِيتُ أنْ يَكُونَ كَذا أيْ أنا خائِفٌ لا يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ زالَ الخَوْفُ عَنْهُ، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ أيْ أنَّها عاقِرٌ في الحالِ وذَلِكَ لِأنَّ العاقِرَ لا تُحَوَّلُ ولُودًا في العادَةِ فَفي الإخْبارِ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي إعْلامٌ بِتَقادُمِ العَهْدِ في ذَلِكَ، وغَرَضُ زَكَرِيّاءَ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ اسْتِبْعادِ حُصُولِ الوَلَدِ؛ فَكانَ إيرادُهُ بِلَفْظِ الماضِي أقْوى وإلى هَذا يَرْجِعُ الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾؛ لِأنَّهُ إنَّما قَصَدَ بِهِ الإخْبارَ، وعَنْ تَقادُمِ الخَوْفِ ثُمَّ اسْتَغْنى بِدَلالَةِ الحالِ وما يُوجِبُ مَسْألَةَ الوارِثِ وإظْهارَ الحاجَةِ عَنِ الإخْبارِ بِوُجُودِ الخَوْفِ في الحالِ، وأيْضًا فَقَدْ يُوضَعُ الماضِي مَكانَ المُسْتَقْبَلِ وبِالعَكْسِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ (المائِدَةِ: ١١٦) واللَّهُ أعْلَمُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن ورائِي﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْ: قُدّامِي وبَيْنَ يَدَيَّ وقالَ آخَرُونَ أيْ: بَعْدَ مَوْتِي، وكِلاهُما مُحْتَمَلٌ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ خافَهم مِن بَعْدِهِ ؟ وكَيْفَ عَلِمَ أنَّهم يَبْقَوْنَ بَعْدَهُ فَضْلًا مِن أنْ يَخافَ شَرَّهم ؟ قُلْنا: إنْ ذَلِكَ قَدْ يُعْرَفُ بِالأماراتِ والظَّنِّ وذَلِكَ كافٍ في حُصُولِ الخَوْفِ فَرُبَّما عَرَفَ بِبَعْضِ الإماراتِ اسْتِمْرارَهم عَلى عادَتِهِمْ في الفَسادِ والشَّرِّ. * * * واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ طَلَبَ الوَلَدَ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ طَلَبَ مَن يَقُومُ مَقامَهُ ولَدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ حِكايَةً عَنْهُ: ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٨) . والثّانِي: قَوْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ . والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٩) وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَألَ الوَلَدَ؛ لِأنَّهُ قَدْ أخْبَرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ أنَّ لَهُ مَوالِيَ وأنَّهُ غَيْرُ مُنْفَرِدٍ عَنِ الوَرَثَةِ وهَذا وإنْ أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى وارِثٍ يَصْلُحُ أنْ يَقُومَ مَقامَهُ لَكِنَّ حَمْلَهُ عَلى الوَلَدِ أظْهَرُ واحْتَجَّ أصْحابُ القَوْلِ الثّالِثِ بِأنَّهُ لَمّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ؛ اسْتَعْظَمَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ فَقالَ: أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ؟ ولَوْ كانَ دُعاؤُهُ لِأجْلِ الوَلَدِ لَما اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ ”الجَوابُ“: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ عَمّا يُوهَبُ لَهُ أيُوهَبُ لَهُ وهو وامْرَأتُهُ عَلى هَيْئَتِهِما ؟ أوْ يُوهَبُ بِأنْ يُحَوَّلا شابَّيْنِ يَكُونُ لِمِثْلِهِما ولَدٌ ؟ وهَذا يُحْكى عَنِ الحَسَنِ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ قَوْلَ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّعاءِ: ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ إنَّما هو عَلى مَعْنى مَسْألَتِهِ ولَدًا مِن غَيْرِها أوْ مِنها بِأنْ يُصْلِحَها اللَّهُ لِلْوَلَدِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنِّي أيِسْتُ أنْ يَكُونَ لِي مِنها ولَدٌ، فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا كَيْفَ شِئْتَ؛ إمّا بِأنْ تُصْلِحَها فَيَكُونَ الوَلَدُ مِنها أوْ بِأنْ تَهَبَ لِي مِن غَيْرِها، فَلَمّا بُشِّرَ بِالغُلامِ؛ سَألَ: أيُرْزَقُ مِنها أوْ مِن غَيْرِها ؟ فَأُخْبِرَ بِأنَّهُ يُرْزَقُ مِنها، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالمِيراثِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالمِيراثِ في المَوْضِعَيْنِ هو وِراثَةُ المالِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِهِ في المَوْضِعَيْنِ وِراثَةُ النُّبُوَّةِ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ. وثالِثُها: يَرِثُنِي المالَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ. ورابِعُها: يَرِثُنِي العِلْمَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّواياتِ تَرْجِعُ إلى أحَدِ أُمُورٍ خَمْسَةٍ وهي: المالُ، ومَنصِبُ الحُبُورَةِ، والعِلْمُ، والنُّبُوَّةُ، والسِّيرَةُ الحَسَنَةُ، ولَفْظُ الإرْثِ مُسْتَعْمَلٌ في كُلِّها، أمّا في المالِ صفحة ١٥٧ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ١٢٧] وأمّا في العِلْمِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ [غافِرٍ: ٥٣] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: («العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهَمًا، وإنَّما ورَّثُوا العِلْمَ» ) وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النَّمْلِ: ١٥، ١٦ ] وهَذا يَحْتَمِلُ وِراثَةَ المُلْكِ ووِراثَةَ النُّبُوَّةِ وقَدْ يُقالُ أوْرَثَنِي هَذا غَمًّا وحُزْنًا، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِتِلْكَ الوُجُوهِ. واحْتَجَّ مَن حَمَلَ اللَّفْظَ عَلى وِراثَةِ المالِ بِالخَبَرِ والمَعْقُولِ، أمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «رَحِمَ اللَّهُ زَكَرِيّا ما كانَ لَهُ مَن يَرِثُهُ» وظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ إرْثُ المالِ وأمّا المَعْقُولُ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ العِلْمَ والسِّيرَةَ والنُّبُوَّةَ لا تُورَثُ بَلْ لا تَحْصُلُ إلّا بِالِاكْتِسابِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى المالِ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الإرْثِ إرْثَ النُّبُوَّةِ؛ لَكانَ قَدْ سَألَ جَعْلَ النَّبِيِّ -ﷺ- رَضِيًّا وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ النَّبِيَّ لا يَكُونُ إلّا رَضِيًّا مَعْصُومًا، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ» فَهَذا لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ خاصًّا بِهِ واحْتَجَّ مَن حَمَلَهُ عَلى العِلْمِ أوِ المَنصِبِ والنُّبُوَّةِ بِما عَلِمَ مَن حالَ الأنْبِياءِ أنَّ اهْتِمامَهم لا يَشْتَدُّ بِأمْرِ المالِ كَما يَشْتَدُّ بِأمْرِ الدِّينِ، وقِيلَ لَعَلَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيا ما كانَ عَظِيمَ النَّفْعِ في الدِّينِ فَلِهَذا كانَ مُهْتَمًّا بِهِ، أمّا قَوْلُهُ: النُّبُوَّةُ كَيْفَ تُورَثُ قُلْنا: المالُ إنَّما يُقالُ ورِثَهُ الِابْنُ بِمَعْنى قامَ فِيهِ مَقامَ أبِيهِ وحَصَلَ لَهُ مِن فائِدَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ ما حَصَلَ لِأبِيهِ وإلّا فَمِلْكُ المالِ مِن قِبَلِ اللَّهِ لا مِن قِبَلِ المُوَرِّثِ فَكَذَلِكَ إذا كانَ المَعْلُومُ في الِابْنِ أنْ يَصِيرَ نَبِيًّا بَعْدَهُ فَيَقُومَ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدَهُ جازَ أنْ يُقالَ ورِثَهُ أمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ» فَهَذا وإنْ جازَ حَمْلُهُ عَلى الواحِدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحِجْرِ: ٩] لَكِنَّهُ مَجازٌ وحَقِيقَتُهُ الجَمْعُ والعُدُولُ عَنِ الحَقِيقَةِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ لا يَجُوزُ لا سِيَّما وقَدْ رُوِيَ قَوْلُهُ: «إنّا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ» والأوْلى أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى كُلِّ ما فِيهِ نَفْعٌ وصَلاحٌ في الدِّينِ، وذَلِكَ يَتَناوَلُ النُّبُوَّةَ والعِلْمَ والسِّيرَةَ الحَسَنَةَ والمَنصِبَ النّافِعَ في الدِّينِ والمالَ الصّالِحَ، فَإنَّ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورِ مِمّا يَجُوزُ تَوَفُّرُ الدَّواعِي عَلى بَقائِها لِيَكُونَ ذَلِكَ النَّفْعُ دائِمًا مُسْتَمِرًّا. السّابِعُ: اتَّفَقَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ هَهُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّ زَوْجَةَ زَكَرِيّاءَ هي أُخْتُ مَرْيَمَ وكانَتْ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ مِن ولَدِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، وأمّا زَكَرِيّاءُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهارُونُ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَن ولَدِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ وكانَتِ النُّبُوَّةُ في سِبْطِ يَعْقُوبَ؛ لِأنَّهُ هو إسْرائِيلُ ﷺ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ لَيْسَ المُرادُ مِن يَعْقُوبَ هَهُنا ولَدَ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ وكانَ آلُ يَعْقُوبَ أخْوالَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ كانَ بَنُو ماثانَ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهم وكانَ زَكَرِيّا رَأْسَ الأحْبارِ يَوْمَئِذٍ فَأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ حُبُورَتَهُ، ويَرِثَ مِن بَنِي ماثانَ مُلْكَهم، واعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الرِّضِيِّ وُجُوهًا. أحَدُها: أنَّ المُرادَ واجْعَلْهُ رَضِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّهم مَرْضِيُّونَ فالرَّضِيُّ مِنهم مُفَضَّلٌ عَلى جُمْلَتِهِمْ فائِقٌ لَهم في كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِمْ فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ؛ فَوَهَبَ لَهُ سَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ لَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ، وهَذا غايَةُ ما يَكُونُ بِهِ المَرْءُ رَضِيًّا. وثانِيها: المُرادُ بِالرَّضِيِّ أنْ يَكُونَ رَضِيًّا في أُمَّتِهِ لا يُتَلَقّى بِالتَّكْذِيبِ ولا يُواجَهُ بِالرَّدِّ. وثالِثُها: المُرادُ بِالرَّضِيِّ أنْ لا يَكُونَ مُتَّهَمًا في شَيْءٍ ولا صفحة ١٥٨ يُوجَدُ فِيهِ مَطْعَنٌ ولا يُنْسَبُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي. ورابِعُها: أنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ قالا في الدُّعاءِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٨٢) وكانا في ذَلِكَ الوَقْتِ مُسْلِمَيْنِ، وكَأنَّ المُرادَ هُناكَ ثَبِّتْنا عَلى هَذا أوِ المُرادُ اجْعَلْنا فاضِلَيْنِ مِن أنْبِيائِكَ المُسْلِمِينَ فَكَذا هَهُنا، واحْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ رَضِيًّا بِفِعْلِهِ، فَلَمّا سَألَ اللَّهَ تَعالى جَعْلَهُ رَضِيًّا دَلَّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنْ يَلْطُفَ لَهُ بِضُرُوبِ الألْطافِ فَيَخْتارَ ما يَصِيرُ مَرْضِيًّا فَيُنْسَبَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ جَعْلَهُ رَضِيًّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى جَعْلِ الألْطافِ وعِنْدَها يَصِيرُ المَرْءُ بِاخْتِيارِهِ رَضِيًّا لَكانَ ذَلِكَ مَجازًا وهو خِلافُ الأصْلِ. والثّانِي: أنَّ جَعْلَ تِلْكَ الألْطافِ واجِبَةً عَلى اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِهِ وما كانَ واجِبًا لا يَجُوزُ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ.

مريم 19:7

فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في مَنِ المُنادِي بِقَوْلِهِ: ﴿يازَكَرِيّا﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ هو اللَّهُ تَعالى وذَلِكَ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ يُخاطِبُ اللَّهَ تَعالى ويَسْألُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [ مَرْيَمَ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَهَبْ لِي﴾ [ مَرْيَمَ: ٥] وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُخاطِبُ اللَّهَ تَعالى وهو يَقُولُ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ إذا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها خِطابًا مَعَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ النِّداءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وإلّا لَفَسَدَ النَّظْمُ، ومِنهم مَن قالَ هَذا نِداءُ المَلَكِ واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٩] . الثّانِي: أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [ مَرْيَمَ:٨ - ٩] وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامَ اللَّهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَلامَ المَلَكِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ حَصَلَ النِّداءانِ: نِداءُ اللَّهِ ونِداءُ المَلائِكَةِ. وعَنِ الثّانِي: أنّا نُبَيِّنُ إنْ شاءَ تَعالى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كَلامَ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ الدُّعاءُ بِإذْنٍ، فَما مَعْنى البِشارَةِ ؟ وإنْ كانَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَلِماذا أقْدَمَ عَلَيْهِ ؟ والجَوابُ: هَذا أمْرٌ يَخُصُّهُ فَيَجُوزُ أنْ يَسْألَ بِغَيْرِ إذْنٍ، ويُحْتَمَلَ أنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِيهِ ولَمْ يَعْلَمْ وقْتَهُ فَبُشِّرَ بِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ أنَّهُ لَمْ يُسَمَّ أحَدٌ قَبْلَهُ بِهَذا الِاسْمِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالسَّمِيِّ النَّظِيرُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ٦٥] واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَيِّدٌ وحَصُورٌ لَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ كَأنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ٦] فَقِيلَ لَهُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ شَبِيهًا في الدِّينِ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو في غايَةِ الرِّضا. وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ كَآدَمَ ونُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ النّاسِ إنَّما يُسَمِّيهِمْ آباؤُهم وأُمَّهاتُهم بَعْدَ دُخُولِهِمْ في الوُجُودِ، وأمّا يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي سَمّاهُ صفحة ١٥٩ قَبْلَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ فَكانَ ذَلِكَ مِن خَواصِّهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ وشَبِيهٌ في هَذِهِ الخاصِّيَّةِ. وثالِثُها: أنَّهُ وُلِدَ بَيْنَ شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ، واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ أوْلى وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَ السَّمِيِّ عَلى النَّظِيرِ وإنْ كانَ يُفِيدُ المَدْحَ والتَّعْظِيمَ ولَكِنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ وإنَّهُ لا يَجُوزُ، وأمّا قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ فَهُناكَ إنَّما عَدَلْنا عَنِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (مَرْيَمَ: ٦٥) ومَعْلُومٌ أنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ تَعالى مُسَمًّى بِذَلِكَ الِاسْمِ لا يَقْتَضِي وُجُوبَ عِبادَتِهِ، فَلِهَذِهِ العِلَّةِ عَدَلْنا عَنِ الظّاهِرِ، أمّا هَهُنا لا ضَرُورَةَ في العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلَيْهِ ولِأنَّ في تَفَرُّدِهِ بِذَلِكَ الِاسْمِ ضَرْبًا مِنَ التَّعْظِيمِ لِأنّا نُشاهِدُ أنَّ المَلِكَ إذا كانَ لَهُ لَقَبٌ مَشْهُورٌ فَإنَّ حاشِيَتَهُ لا يَتَلَقَّبُونَ بِهِ بَلْ يَتْرُكُونَهُ تَعْظِيمًا لَهُ فَكَذَلِكَ هَهُنا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَ بِيَحْيى رَوى الثَّعْلَبِيُّ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ. وثانِيها: عَنْ قَتادَةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا قَلْبَهُ بِالإيمانِ والطّاعَةِ واللَّهُ تَعالى سَمّى المُطِيعَ حَيًّا والعاصِيَ مَيِّتًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٢] وقالَ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٢٤] . وثالِثُها: إحْياؤُهُ بِالطّاعَةِ حَتّى لَمْ يَعْصَ ولَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ لِما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ عَصى أوْ هَمَّ إلّا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا فَإنَّهُ لَمْ يَهُمَّ ولَمْ يَعْمَلْها» . ورابِعُها: عَنْ أبِي القاسِمِ بْنِ حَبِيبٍ أنَّهُ اسْتُشْهِدَ وإنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٩] . وخامِسُها: ما قالَهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المَقْدِسِيُّ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ قُلْ لِيَسارَّةَ، وكانَ اسْمُها كَذَلِكَ، بِأنِّي مُخْرِجٌ مِنها عَبْدًا لا يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ اسْمُهُ حَيِيَ. فَقالَ: هَبِي لَهُ مِنَ اسْمِكَ حَرْفًا؛ فَوَهَبَتْهُ حَرْفًا مِنَ اسْمِها فَصارَ يَحْيى، وكانَ اسْمُها يَسارَّةَ فَصارَ اسْمُها سارَّةَ. وسادِسُها: أنَّ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن آمَنَ بِعِيسى فَصارَ قَلْبُهُ حَيًّا بِذَلِكَ الإيمانِ وذَلِكَ أنَّ أُمَّ يَحْيى كانْتَ حامِلًا بِهِ فاسْتَقْبَلَتْها مَرْيَمُ وقَدْ حَمَلَتْ بِعِيسى فَقالَتْ لَها أمُّ يَحْيى: يا مَرْيَمُ أحامِلٌ أنْتِ ؟ فَقالَتْ: لِماذا تَقُولِينَ ؟ فَقالَتْ: إنِّي أرى ما في بَطْنِي يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ. وسابِعُها: أنَّ الدِّينَ يَحْيا بِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما سَألَهُ زَكَرِيّا لِأجْلِ الدِّينِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ضَعِيفَةٌ لِأنَّ أسْماءَ الألْقابِ لا يُطْلَبُ فِيها وجْهُ الِاشْتِقاقِ، ولِهَذا قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ أسْماءُ الألْقابِ قائِمَةٌ مَقامَ الإشاراتِ وهي لا تُفِيدُ في المُسَمّى صِفَةً البَتَّةَ.

مريم 19:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عِتِيًّا وصِلِيّا وجِثِيًّا وبِكِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ والصّادِ والجِيمِ والباءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وبُكِيًّا﴾ بِالضَّمِّ والباقِي بِالكَسْرِ والباقُونَ جَمِيعًا بِالضَّمِّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِفَتْحِ العَيْنِ والصّادِ مَن عَتِيًّا وصَلِيًّا. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ عِسِيًّا بِالسِّينِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الألْفاظِ وهي ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ: الغُلامُ الإنْسانُ الذَّكَرُ في ابْتِداءِ شَهْوَتِهِ لِلْجِماعِ ومِنهُ اغْتَلَمَ إذا اشْتَدَّتْ شَهْوَتُهُ لِلْجِماعِ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في التِّلْمِيذِ يُقالُ: غُلامٌ ثَعْلَبٌ. الثّانِي: العِتِيُّ والعِسِيُّ واحِدٌ صفحة ١٦٠ تَقُولُ عَتا يَعْتُو عُتُوًّا وعِتِيًّا فَهو عاتٍ وعَسا يَعْسُو عُسَوًّا وعِسِيًّا فَهو عاسٍ والعاسِي هو الَّذِي غَيَّرَهُ طُولُ الزَّمانِ إلى حالِ البُؤْسِ، ولَيْلٌ عاتٍ طَوِيلٌ، وقِيلَ شَدِيدُ الظُّلْمَةِ. الثّالِثُ: لَمْ يُقِلْ عاقِرَةً لِأنَّ ما كانَ عَلى فاعِلٍ مِن صِفَةِ المُؤَنَّثِ مِمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُذَكَّرِ فَإنَّهُ لا تَدْخُلُ فِيهِ الهاءُ نَحْوَ: امْرَأةٌ عاقِرٌ وحائِضٌ قالَ الخَلِيلُ: هَذِهِ صِفاتٌ مُذَكَّرَةٌ وُصِفَ بِها المُؤَنَّثُ كَما وصَفُوا المُذَكَّرَ بِالمُؤَنَّثِ حِينَ قالُوا: رَجُلٌ مَلْحَةٌ ورَبْعَةٌ وغُلامٌ نَفْعَةٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَ تَعَجَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ مَعَ أنَّهُ هو الَّذِي طَلَبَ الغُلامَ ؟ . السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ لَمْ يَكُنْ هَذا مَذْكُورًا بَيْنَ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يُخْفِي هَذِهِ الأُمُورَ عَنْ أُمَّتِهِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ ذَكَرَهُ في نَفْسِهِ، وهَذا التَّعَجُّبُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ شاكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ كُفْرٌ وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ خُصُوصَ الوَلَدِ فالسُّؤالُ زائِلٌ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ طَلَبَ الوَلَدَ فالجَوابُ عَنْهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ هو التَّعَجُّبُ مِن أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُهُما شابَّيْنِ ثُمَّ يَرْزُقُهُما الوَلَدَ أوْ يَتْرُكُهُما شَيْخَيْنِ ويَرْزُقُهُما الوَلَدَ مَعَ الشَّيْخُوخَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْلامِ لا بِطْرِيقِ التَّعْجِيبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٩، ٩٠) وما هَذا الإصْلاحُ إلّا أنَّهُ أعادَ قُوَّةَ الوِلادَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ، وذَكَرَ السُّدِّيُّ في الجَوابِ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: إنَّهُ لَمّا سَمِعَ النِّداءَ بِالبِشارَةِ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: إنَّ هَذا الصَّوْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَلْ هو مِنَ الشَّيْطانِ يَسْخَرُ مِنكَ، فَلَمّا شَكَّ زَكَرِيّا قالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ غَرَضَ السُّدِّيِّ مِن هَذا أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ عَلِمَ أنَّ المُبَشِّرَ بِذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى لَما جازَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ؛ فارْتَكَبَ هَذا، وقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ هَذا باطِلٌ قَطْعًا؛ إذْ لَوْ جَوَّزَ الأنْبِياءُ في بَعْضِ ما يَرِدُ عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ لَجَوَّزُوا في سائِرِهِ ولَزالَتِ الثِّقَةُ عَنْهم في الوَحْيِ وعَنّا فِيما يُورِدُونَهُ إلَيْنا، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ هَذا الِاحْتِمالَ قائِمٌ في أوَّلِ الأمْرِ وإنَّما يَزُولُ بِالمُعْجِزَةِ فَلَعَلَّ المُعْجِزَةَ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً في هَذِهِ الصُّورَةِ فَحَصَلَ الشَّكُّ فِيها دُونَ ما عَداها، واللَّهُ أعْلَمُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ لَيْسَ نَصًّا في كَوْنِ ذَلِكَ الغُلامِ ولَدًا لَهُ بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ راعى الأدَبَ ولَمْ يَقُلْ هَذا الكَلامَ هَلْ يَكُونُ لِي ولَدٌ أمْ لا ؟ بَلْ ذَكَرَ أسْبابَ تَعَذُّرِ حُصُولِ الوَلَدِ في العادَةِ حَتّى إنَّ تِلْكَ البِشارَةَ إنْ كانَتْ بِالوَلَدِ فاللَّهُ تَعالى يُزِيلُ الإبْهامَ ويَجْعَلُ الكَلامَ صَرِيحًا، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِ ذَلِكَ الوَلَدِ مِنهُ فَكانَ الغَرَضُ مِن كَلامِ زَكَرِيّا هَذا لا أنَّهُ كانَ شاكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ. الثّانِي: أنَّهُ ما ذَكَرَ ذَلِكَ لِلشَّكِّ لَكِنْ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ لِقُدْرَتِهِ وهَذا كالرَّجُلِ الَّذِي يَرى صاحِبَهُ قَدْ وهَبَ الكَثِيرَ الخَطِيرَ فَيَقُولُ: أنّى سَمَحَتْ نَفْسُكَ بِإخْراجِ مِثْلِ هَذا مِن مِلْكِكَ ! تَعْظِيمًا وتَعَجُّبًا. الثّالِثُ: أنَّ مِن شَأْنِ مَن بُشِّرَ بِما يَتَمَنّاهُ أنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ فَرْطُ السُّرُورِ بِهِ عِنْدَ أوَّلِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ اسْتِثْباتُ ذَلِكَ الكَلامِ إمّا لِأنَّ شِدَّةَ فَرَحِهِ بِهِ تُوجِبُ ذُهُولَهُ عَنْ مُقْتَضَياتِ العَقْلِ والفِكْرِ وهَذا كَما أنَّ امْرَأةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ بُشِّرَتْ بِإسْحاقَ قالَتْ: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَأُزِيلَ تَعَجُّبُها بِقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ (هُودٍ: ٧٣) وإمّا طَلَبًا لِلِالتِذاذِ بِسَماعِ ذَلِكَ الكَلامِ مَرَّةً أُخْرى، وإمّا مُبالَغَةً في تَأْكِيدِ التَّفْسِيرِ.

مريم 19:9

صفحة ١٦١ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ الكافَ رَفْعٌ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ ثُمَّ ابْتَدَأ قالَ رَبُّكَ. وثانِيها: نَصْبٌ، يُقالُ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مُبْهَمٍ تَفْسِيرُهُ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ (الحِجْرِ: ٦٦) . وثالِثُها: أنَّ المُرادَ: لا تَعْجَبْ فَإنَّهُ كَذَلِكَ قالَ رَبَّكُ لا خُلْفَ في قَوْلِهِ ولا غَلَطَ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ بِدَلِيلِ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا. ورابِعُها: أنّا ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ مَعْناهُ تُعْطِينِي الغُلامَ بِأنْ تَجْعَلَنِي وزَوْجَتِي شابَّيْنِ أوْ بِأنْ تَتْرُكَنا عَلى الشَّيْخُوخَةِ ومَعَ ذَلِكَ تُعْطِينا الوَلَدَ، وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ أيْ: نَهَبُ الوَلَدَ مَعَ بَقائِكَ وبَقاءِ زَوْجَتِكَ عَلى الحاصِلَةِ في الحالِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ (وهو عَلَيَّ هَيِّنٌ) وهَذا لا يُخَرَّجُ إلّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيِ: الأمْرُ كَما قَلْتَ ولَكِنْ قالَ رَبُّكَ هو مَعَ ذَلِكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إطْلاقُ لَفْظِ الهَيِّنِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَجازٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَجُوزُ في حَقِّ مَن يَجُوزُ أنْ يَصْعُبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولَكِنَّ المُرادَ أنَّهُ إذا أرادَ شَيْئًا كانَ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ فَنَقُولُ: إنَّهُ لَمّا خَلَقَهُ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ والنَّفْيِ المَحْضِ كانَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الذَّواتِ والصِّفاتِ والآثارِ وأمّا الآنَ فَخَلْقُ الوَلَدِ مِنَ الشَّيْخِ والشَّيْخَةِ لا يُحْتاجُ فِيهِ إلّا إلى تَبْدِيلِ الصِّفاتِ، والقادِرُ عَلى خَلْقِ الذَّواتِ والصِّفاتِ والآثارِ مَعًا أوْلى أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى تَبْدِيلِ الصِّفاتِ وإذا أوْجَدَهُ عَنْ عَدَمٍ فَكَذا يَرْزَقُهُ الوَلَدَ بِأنْ يُعِيدَ إلَيْهِ وإلى صاحِبَتِهِ القُوَّةَ الَّتِي عَنْها يَتَوَلَّدُ الماءانِ اللَّذانِ مِنَ اجْتِماعِهِما يُخْلَقُ الوَلَدُ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ (الأنْبِياءِ: ٩٠) فَهَذا وجْهُ الِاسْتِدْلالِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ يَقْتَضِي أنَّ القائِلَ لِذَلِكَ مَلَكٌ مَعَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ ما قَبْلَ هَذا الكَلامِ وما بَعْدَهُ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يَصِحُّ إدْراجُ هَذِهِ الألْفاظِ فِيما بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ ؟، والأوْلى أنْ يُقالَ: قائِلُ هَذا القَوْلِ أيْضًا هو اللَّهُ تَعالى كَما أنَّ المَلِكَ العَظِيمَ إذا وعَدَ عَبْدَهُ شَيْئًا عَظِيمًا فَيَقُولُ العَبْدُ: مِن أيْنَ يَحْصُلُ لِي هَذا ؟ فَيَقُولُ إنَّ سُلْطانَكَ ضَمِنَ لَكَ ذَلِكَ، كَأنَّهُ يُنَبِّهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ كَوْنَهُ سُلْطانًا مِمّا يُوجِبُ عَلَيْهِ الوَفاءَ بِالوَعْدِ فَكَذا هَهُنا.

مريم 19:10

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم طَلَبُ الآيَةِ لِتَحْقِيقِ البِشارَةِ وهَذا بِعِيدٌ لِأنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَحَقَّقَتِ البِشارَةُ فَلا يَكُونُ إظْهارُ الآيَةِ أقْوى في ذَلِكَ مِن صَرِيحِ القَوْلِ، وقالَ آخَرُونَ: البِشارَةُ بِالوَلَدِ وقَعَتْ مُطْلَقَةً فَلا يُعْرَفُ وقْتُها بِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، فَطَلَبَ الآيَةَ لِيَعْرِفَ بِها وقْتَ الوُقُوعِ وهَذا هو الحَقُّ. صفحة ١٦٢ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ تِلْكَ الآيَةَ هي تَعَذُّرُ الكَلامِ عَلَيْهِ فَإنَّ مُجَرَّدَ السُّكُوتِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الكَلامِ لا يَكُونُ مُعْجِزَةً ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اعْتُقِلَ لِسانُهُ أصْلًا. والثّانِي: أنَّهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الكَلامُ مَعَ القَوْمِ عَلى وجْهِ المُخاطَبَةِ مَعَ أنَّهُ كانَ مُتَمَكِّنًا مِن ذِكْرِ اللَّهِ ومِن قِراءَةِ التَّوْراةِ وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أصَحُّ لِأنَّ اعْتِقالَ اللِّسانِ مُطْلَقًا قَدْ يَكُونُ لِمَرَضٍ وقَدْ يَكُونُ مِن فِعْلِ اللَّهِ فَلا يَعْرِفُ زَكَرِيّا -عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقالَ مُعْجِزٌ إلّا إذا عَرَفَ أنَّهُ لَيْسَ لِمَرَضٍ بَلْ لِمَحْضِ فِعْلِ اللَّهِ تَعالى مَعَ سَلامَةِ الآلاتِ وهَذا مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِدَلِيلٍ آخَرَ؛ فَتَفْتَقِرُ تِلْكَ الدَّلالَةُ إلى دَلالَةٍ أُخْرى، أمّا لَوِ اعْتُقِلَ لِسانُهُ عَنِ الكَلامِ مَعَ القَوْمِ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى التَّكَلُّمِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وقِراءَةِ التَّوْراةِ عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقالَ لَيْسَ لِعِلَّةٍ ومَرَضٍ بَلْ هو لِمَحْضِ فِعْلِ اللَّهِ فَيَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ آيَةً ومُعْجِزَةً ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ خَصَّ ذَلِكَ بِالتَّكَلُّمِ مَعَ النّاسِ، وهَذا يَدُلُّ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ أنَّهُ كانَ قادِرًا عَلى التَّكَلُّمِ مَعَ غَيْرِ النّاسِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في مَعْنى ﴿سَوِيًّا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: هو صِفَةٌ لِلَّيالِي الثَّلاثِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو صِفَةٌ لِزَكَرِيّا، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تُكَلِّمَ النّاسَ في هَذِهِ المُدَّةِ مَعَ كَوْنِكَ سَوِيًّا لَمْ يَحْدُثْ بِكَ مَرَضٌ.

مريم 19:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ قِيلَ كانَ لَهُ مَوْضِعٌ يَنْفَرِدُ فِيهِ بِالصَّلاةِ والعِبادَةِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى قَوْمِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ أوْحى إلَيْهِمْ، وقِيلَ: كانَ مَوْضِعًا يُصَلِّي فِيهِ هو وغَيْرُهُ إلّا أنَّهم كانُوا لا يَدْخُلُونَهُ لِلصَّلاةِ إلّا بِإذْنِهِ وأنَّهُمُ اجْتَمَعُوا يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ لِلْإذْنِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وهو لا يَتَكَلَّمُ فَأوْحى إلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ أوْحى إلَيْهِمُ الكَلامَ؛ لِأنَّ الكَلامَ كانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ فَكانَ المُرادُ غَيْرَ الكَلامِ وهو أنْ يُعَرِّفَهم ذَلِكَ إمّا بِالإشارَةِ أوْ بِرَمْزٍ مَخْصُوصٍ أوْ بِكِتابَةٍ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنهُ المُرادُ فَعَلِمُوا أنَّهُ قَدْ كانَ ما بُشِّرَ بِهِ فَكَما حَصَلَ السُّرُورُ لَهُ حَصَلَ لَهم فَظَهَرَ لَهم إكْرامُ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِالإجابَةِ، واعْلَمْ أنَّ الأشْبَهَ بِالآيَةِ هو الإشارَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤١] والرَّمْزُ لا يَكُونُ كِنايَةً لِلْكَلامِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةَ وهو جائِزٌ في اللُّغَةِ يُقالُ: سُبْحَةُ الضُّحى أيْ: صَلاةُ الضُّحى، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في صَلاةِ الضُّحى: ”إنِّي لَأُسَبِّحُها“ أيْ: لَأُصَلِّيُها إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ البُكْرَةَ صَلاةُ الفَجْرِ، والعَشِيَّ صَلاةُ العَصْرِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إنَّما كانُوا يُصَلُّونَ مَعَهُ في مِحْرابِهِ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ فَكانَ يَخْرُجُ إلَيْهِمْ فَيَأْذَنُ لَهم بِلِسانِهِ، فَلَمّا اعْتُقِلَ لِسانُهُ خَرَجَ إلَيْهِمْ كَعادَتِهِ فَأذِنَ لَهم بِغَيْرِ كَلامٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

مريم 19:12

صفحة ١٦٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ ”يَحْيى“ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ تِسْعٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ مُخاطَبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَلَغَ بِيَحْيى المَبْلَغَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُخاطِبَهُ بِذَلِكَ فَحَذَفَ ذِكْرَهُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِتابُ المَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو التَّوْراةَ الَّتِي هي نِعْمَةُ اللَّهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ (الجاثِيَةِ: ١٦) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِتابًا خَصَّ اللَّهُ بِهِ يَحْيى كَما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الكَثِيرَ مِنَ الأنْبِياءِ بِذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ حَمْلَ الكَلامِ هَهُنا عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ أوْلى ولا مَعْهُودَ هَهُنا إلّا التَّوْراةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القُدْرَةَ عَلى الأخْذِ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى مَعْنًى يُفِيدُ المَدْحَ وهو الجِدُّ والصَّبْرُ عَلى القِيامِ بِأمْرِ النُّبُوَّةِ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى حُصُولِ مَلَكَةٍ تَقْتَضِي سُهُولَةَ الإقْدامِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ والإحْجامَ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ اعْلَمْ أنَّ في الحُكْمِ أقْوالًا. الأوَّلُ: أنَّهُ الحِكْمَةُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: واحْكم كَحُكْمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ إلى حَمامٍ سِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ وهُوَ الفَهْمُ في التَّوْراةِ والفِقْهُ في الدِّينِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ مَعْمَرٍ أنَّهُ العَقْلُ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا. والثّالِثُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أحْكَمَ عَقْلَهُ في صِباهُ وأوْحى إلَيْهِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ يَحْيى وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - وهُما صَبِيّانِ لا كَما بَعَثَ مُوسى ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما السَّلامُ، وقَدْ بَلَغا الأشُدَّ، والأقْرَبُ حَمْلُهُ عَلى النُّبُوَّةِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ صِفاتِ شَرَفِهِ ومَنقَبَتِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّبُوَّةَ أشْرَفُ صِفاتِ الإنْسانِ فَذِكْرُها في مَعْرِضِ المَدْحِ أوْلى مِن ذِكْرِ غَيْرِها فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نَبُّوتُهُ مَذْكُورَةً في هَذِهِ الآيَةِ ولا لَفْظَ يَصْلُحُ لِلدَّلالَةِ عَلى النُّبُوَّةِ إلّا هَذِهِ اللَّفْظَةَ فَوَجَبَ حَمْلُها عَلَيْها. الثّانِي: أنَّ الحُكْمَ هو ما يَصْلُحُ لِأنْ يُحْكَمَ بِهِ عَلى غَيْرِهِ ولِغَيْرِهِ عَلى الإطْلاقِ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالنُّبُوَّةِ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ العَقْلِ والفِطْنَةِ والنُّبُوَّةِ حالَ الصِّبا ؟ قُلْنا: هَذا السّائِلُ، إمّا أنْ يَمْنَعَ مِن خَرْقِ العادَةِ أوْ لا يَمْنَعَ مِنهُ، فَإنْ مَنَعَ مِنهُ فَقَدْ سَدَّ بابَ النُّبُوّاتِ لِأنَّ بِناءَ الأمْرِ فِيها عَلى المُعْجِزاتِ ولا مَعْنى لَها إلّا خَرْقُ العاداتِ، وإنْ لَمْ يَمْنَعْ فَقَدْ زالَ هَذا الِاسْتِبْعادُ فَإنَّهُ لَيْسَ اسْتِبْعادُ صَيْرُورَةِ الصَّبِيِّ عاقِلًا أشَدَّ مِنَ اسْتِبْعادِ انْشِقاقِ القَمَرِ وانْفِلاقِ البَحْرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ اعْلَمْ أنَّ الحَنانَ أصْلُهُ مِنَ الحَنِينِ وهو الِارْتِياحُ والجَزَعُ لِلْفِراقِ كَما يُقالُ: حَنِينُ النّاقَةِ وهو صَوْتُها إذا اشْتاقَتْ إلى ولَدِها، ذَكَرَ الخَلِيلُ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي إلى جِذْعٍ في المَسْجِدِ فَلَمّا اتُّخِذَ لَهُ المِنبَرُ وتَحَوَّلَ إلَيْهِ حَنَّتْ تِلْكَ الخَشَبَةُ حَتّى سُمِعَ حَنِينُها“»، فَهَذا هو الأصْلُ ثُمَّ قِيلَ: تَحَنَّنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا تَعَطَّفَ عَلَيْهِ ورَحِمَهُ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في وصْفِ اللَّهِ بِالحَنّانِ فَأجازَهُ بَعْضُهم، وجَعَلَهُ بِمَعْنى الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، ومِنهم مَن أباهُ لِما يَرْجِعُ إلَيْهِ أصْلُ الكَلِمَةِ قالُوا: لَمْ يَصِحَّ الخَبَرُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الحَنانُ هُنا فِيهِ وجْهانِ: صفحة ١٦٤ أحَدُهُما: أنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِلَّهِ. وثانِيهِما: أنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِيَحْيى أمّا إذا جَعَلْناهُ صِفَةً لِلَّهِ تَعالى فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ وآتَيْناهُ الحُكْمَ حَنانًا أيْ: رَحْمَةً مِنّا، ثُمَّ هَهُنا احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الحَنانُ مِنَ اللَّهِ لِيَحْيى، المَعْنى: آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا، ثُمَّ قالَ: ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ أيْ إنَّما آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا حَنانًا مِن لَدُنّا عَلَيْهِ أيْ: رَحْمَةً عَلَيْهِ وزَكاةً أيْ: وتَزْكِيَةً لَهُ وتَشْرِيفًا لَهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ الحَنانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّما اسْتَجَبْنا لِزَكَرِيّا دَعَوْتَهُ بِأنْ أعْطَيْناهُ ولَدًا ثُمَّ آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا وحَنانًا مِن لَدُنّا عَلَيْهِ أيْ عَلى زَكَرِيّا فَعَلْنا ذَلِكَ. ﴿وزَكاةً﴾ أيْ وتَزْكِيَةً لَهُ عَنْ أنْ يَصِيرَ مَرْدُودَ الدُّعاءِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الحَنانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأُمَّةِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وحَنانًا﴾ مِنّا عَلى أُمَّتِهِ لِعَظِيمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِدايَتِهِ وإرْشادِهِ، أمّا إذا جَعَلْناهُ صِفَةً لِيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: آتَيْناهُ الحُكْمَ والحَنانَ عَلى عِبادِنا أيِ التَّعَطُّفَ عَلَيْهِمْ وحُسْنَ النَّظَرِ عَلى كافَّتِهِمْ فِيما أُوَلِّيهِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ كَما وصَفَ نَبِيَّهُ، فَقالَ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٥٩) وقالَ: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٨) ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ آتاهُ زَكاةً، ومَعْناهُ أنْ لا تَكُونَ شَفَقَتُهُ داعِيَةً لَهُ إلى الإخْلالِ بِالواجِبِ لِأنَّ الرَّأْفَةَ واللِّينَ رُبَّما أوْرَثا تَرْكَ الواجِبِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ (النُّورِ: ٢) وقالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٣) وقالَ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ (المائِدَةِ: ٥٤) . فالمَعْنى: إنَّما جَعَلْنا لَهُ التَّعَطُّفَ عَلى عِبادِ اللَّهِ مَعَ الطَّهارَةِ عَنِ الإخْلالِ بِالواجِباتِ، ويُحْتَمَلُ آتَيْناهُ التَّعَطُّفَ عَلى الخَلْقِ والطَّهارَةَ عَنِ المَعاصِي فَلَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو المَنقُولُ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: (وحَنانًا مِن لَدُنّا) والمَعْنى آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا تَعْظِيمًا إذْ جَعَلْناهُ نَبِيًّا وهو صَبِيٌّ ولا تَعْظِيمَ أكْثَرُ مِن هَذا والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّهُ مَرَّ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ عَلى بِلالٍ وهو يُعَذَّبُ قَدْ أُلْصِقَ ظَهْرُهُ بِرَمْضاءِ البَطْحاءِ، ويَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَأتَّخِذَنَّهُ حَنانًا أيْ مُعَظَّمًا. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وزَكاةً﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ وآتَيْناهُ زَكاةً أيْ: عَمَلًا صالِحًا زَكِيًّا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ جُرَيْجٍ. وثانِيها: زَكاةً لِمَن قَبِلَ مِنهُ حَتّى يَكُونُوا أزْكِياءَ، عَنِ الحَسَنِ. وثالِثُها: زَكَّيْناهُ بِحُسْنِ الثَّناءِ كَما تُزَكِّي الشُّهُودُ الإنْسانَ. ورابِعُها: صَدَقَةً تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلى أبَوَيْهِ عَنِ الكَلْبِيِّ. وخامِسُها: بَرَكَةً ونَماءً وهو الَّذِي قالَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ (مَرْيَمَ: ٣١) واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ جَعَلَ طِهارَتَهُ وزَكاتَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُهُ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ وقَدْ عَرَفْتَ مَعْناهُ وبِالجُمْلَةِ فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ غايَةَ المَدائِحِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَتَّقِي نَهْيَ اللَّهِ فَيَجْتَنِبُهُ ويَتَّقِي أمْرَهُ فَلا يُهْمِلُهُ، وأوْلى النّاسِ بِهَذا الوَصْفِ مَن لَمْ يَعْصِ اللَّهَ ولا يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ وكانَ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ ؟ وهَذا حِينَ ابْتِداءِ تَكْلِيفِهِ قُلْنا: إنَّما خاطَبَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ الرَّسُولَ وأخْبَرَ عَنْ حالِهِ حَيْثُ كانَ كَما أخْبَرَ عَنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا عِبادَةَ بَعْدَ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى مِثْلُ تَعْظِيمِ الوالِدَيْنِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ (الإسْراءِ: ٢٣) . الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا﴾ والمُرادُ وصْفُهُ بِالتَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحِجْرِ: ٨٨) وقالَ صفحة ١٦٥ تَعالى: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٥٩) ولِأنَّ رَأْسَ العِباداتِ مَعْرِفَةُ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِالذُّلِّ ومَعْرِفَةُ رَبِّهِ بِالعَظَمَةِ والكَمالِ ومَن عَرَفَ نَفْسَهُ بِالذُّلِّ وعَرَفَ رَبَّهُ بِالكَمالِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ التَّرَفُّعُ والتَّجَبُّرُ، ولِذَلِكَ فَإنَّ إبْلِيسَ لَمّا تَجَبَّرَ وتَمَرَّدَ صارَ مُبْعَدًا عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الدِّينِ وقِيلَ: الجَبّارُ هو الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلى نَفْسِهِ حَقًّا وهو مِنَ العِظَمِ والذَّهابِ بِنَفْسِهِ عَنْ أنْ يَلْزَمَهُ قَضاءُ حَقِّ أحَدٍ، وقالَ سُفْيانُ في قَوْلِهِ: ﴿جَبّارًا عَصِيًّا﴾ إنَّهُ الَّذِي يُقْبِلُ عَلى الغَضَبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ (القِصَصِ: ١٩) وقِيلَ: كُلُّ مَن عاقَبَ عَلى غَضَبِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ حَقٍّ؛ فَهو جَبّارٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (الشُّعَراءِ: ١٣٠) . الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَصِيًّا﴾ وهو أبْلَغُ مِنَ العاصِي كَما أنَّ العَلِيمَ أبْلَغُ مِنَ العالِمِ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ أيْ أمانٌ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ وُلِدَ مِن أنْ يَنالَهُ الشَّيْطانُ كَما يَنالُ سائِرَ بَنِي آدَمَ: ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ أيْ: وأمانٌ عَلَيْهِ مِن عَذابِ القَبْرِ: ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أيْ ومِن عَذابِ القِيامَةِ. وثانِيها: قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أوْحَشُ ما يَكُونُ الخَلْقُ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ يَوْمَ يُولَدُ؛ فَيَرى نَفْسَهُ خارِجًا مِمّا كانَ فِيهِ، ويَوْمَ يَمُوتُ؛ فَيَرى قَوْمًا ما شاهَدَهم قَطُّ، ويَوْمَ يُبْعَثُ؛ فَيَرى نَفْسَهُ في مَحْشَرٍ عَظِيمٍ؛ فَأكْرَمَ اللَّهُ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَخَصَّهُ بِالسَّلامِ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ. وثالِثُها: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَفْطَوَيْهِ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ أيْ: أوَّلَ ما يَرى الدُّنْيا ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ أيْ: أوَّلَ يَوْمٍ يَرى فِيهِ أوَّلَ أمْرِ الآخِرَةِ ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أيْ: أوَّلَ يَوْمٍ يَرى فِيهِ الجَنَّةَ والنّارَ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. وإنَّما قالَ: ﴿حَيًّا﴾ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِ مِنَ الشُّهَداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٦٩) فُرُوعٌ: الأوَّلُ: هَذا السَّلامُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَدَلالَةُ شَرَفِهِ وفَضْلِهِ لا تَخْتَلِفُ لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يُسَلِّمُونَ إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: لِيَحْيى مَزِيَّةٌ في هَذا السَّلامِ عَلى ما لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٧٩) . ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ (الصّافّاتِ: ١٠٩)؛ لِأنَّهُ قالَ ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْتَ أفْضَلُ مِنِّي لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّمَ عَلَيْكَ وأنا سَلَّمْتُ عَلى نَفْسِي، وهَذا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأنَّ سَلامَ عِيسى عَلى نَفْسِهِ يَجْرِي مَجْرى سَلامِ اللَّهِ عَلى يَحْيى لِأنَّ عِيسى مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ إلّا ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. الرّابِعُ: السَّلامُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ ما يَكُونُ ذَلِكَ جَزاءً لَهُ، وأمّا السَّلامُ عَلَيْهِ يَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ في المَحْشَرِ، فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثَوابًا كالمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * * القَوْلُ في فَوائِدِ هَذِهِ القِصَّةِ: الفائِدَةُ الأُولى: تَعْلِيمُ آدابِ الدُّعاءِ وهي مِن جِهاتٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿نِداءً خَفِيًّا﴾ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْضَلَ الدُّعاءِ ما هَذا حالُهُ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ (الأعْرافِ: ٥٥) ولِأنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ مُشْعِرٌ بِالقُوَّةِ والجَلادَةِ، وإخْفاءَ الصَّوْتِ مُشْعِرٌ بِالضَّعْفِ والِانْكِسارِ، وعُمْدَةُ الدُّعاءِ الِانْكِسارُ والتَّبَرِّي عَنْ حَوْلِ النَّفْسِ وقُوَّتِها والِاعْتِمادُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وإحْسانِهِ. وثانِيها: أنَّ المُسْتَحَبَّ أنْ يَذْكُرَ في مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ عَجْزَ النَّفْسِ وضَعْفَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ثُمَّ يَذْكُرُ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ صفحة ١٦٦ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ لِأجْلِ شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ بِالدِّينِ لا لِمَحْضِ الدُّنْيا كَما قالَ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ . ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ بِلَفْظِ يا رَبِّ عَلى ما في هَذا المَوْضِعِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: ظُهُورُ دَرَجاتِ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ أمّا زَكَرِيّا فَأُمُورٌ: أحَدُها: نِهايَةُ تَضَرُّعِهِ في نَفْسِهِ وانْقِطاعُهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ. وثانِيها: إجابَةُ اللَّهِ تَعالى دُعاءَهُ. وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ناداهُ وبَشَّرَهُ أوِ المَلائِكَةُ أوْ حَصَلَ الأمْرانِ مَعًا. ورابِعُها: اعْتِقالُ لِسانِهِ عَنِ الكَلامِ دُونَ التَّسْبِيحِ. وخامِسُها: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ طَلَبُ الآياتِ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى خَلْقِ الوَلَدِ وإنْ كانَ الأبَوانِ في نِهايَةِ الشَّيْخُوخَةِ رَدًّا عَلى أهْلِ الطَّبائِعِ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: صِحَّةُ الِاسْتِدْلالِ في الدِّينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والآيَةُ نَصٌّ في ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا مَذْكُورًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (الإنْسانِ: ١) قُلْنا: الإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، ولِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنْ جَواهِرَ مُتَألِّفَةٍ قامَتْ بِها أعْراضٌ مَخْصُوصَةٌ والجَواهِرُ المُتَألِّفَةُ المَوْصُوفَةُ بِالأعْراضِ المَخْصُوصَةِ غَيْرُ ثابِتَةٍ في العَدَمِ إنَّما الثّابِتُ هو أعْيانُ تِلْكَ الجَواهِرِ مُفْرَدَةً غَيْرَ مُرَكَّبَةٍ وهي لَيْسَتْ بِإنْسانٍ فَظَهَرَ أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى المَطْلُوبِ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وذَكَرَها في هَذا المَوْضِعِ فَلْنَعْتَبِرْ حالَها في المَوْضِعَيْنِ فَنَقُولُ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ دَعا رَبَّهُ ولَمْ يُبَيِّنِ الوَقْتَ وبَيَّنَهُ في آلِ عِمْرانَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٧، ٣٨) والمَعْنى أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى خَرْقَ العادَةِ في حَقِّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ طَمِعَ فِيهِ في حَقِّ نَفْسِهِ فَدَعا. الثّانِي: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ في آلِ عِمْرانَ بِأنَّ المُنادِيَ هو المَلائِكَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٩) وفي هَذِهِ السُّورَةِ الأظْهَرُ أنَّ المُنادِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ هو اللَّهُ تَعالى وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤٠) فَذَكَرَ أوَّلًا كِبَرَ نَفْسِهِ ثُمَّ عُقْرَ المَرْأةِ وهو في هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ وجَوابُهُ أنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. الرّابِعُ: قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤٠) وقالَ هَهُنا ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ﴾ وجَوابُهُ أنَّ ما بَلَغَكَ فَقَدْ بَلَغْتَهُ. الخامِسُ: قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤١) وقالَ هَهُنا: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ وجَوابُهُ: دَلَّتِ الآيَتانِ عَلى أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ بِلَيالِيهنَّ، واللَّهُ أعْلَمُ. القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ مَرْيَمَ وكَيْفِيَّةِ وِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما قَدَّمَ قِصَّةَ يَحْيى عَلى قِصَّةِ عِيسى صفحة ١٦٧ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ خَلْقَ الوَلَدِ مِن شَيْخَيْنِ فانِيَيْنِ أقْرَبُ إلى مَناهِجِ العاداتِ مِن تَخْلِيقِ الوَلَدِ لا مِنَ الأبِ البَتَّةَ وأحْسَنُ الطُّرُقِ في التَّعْلِيمِ والتَّفْهِيمِ الأخْذُ مِنَ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مُتَرَقِّيًا إلى الأصْعَبِ فالأصْعَبِ.

مريم 19:13

صفحة ١٦٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ ”يَحْيى“ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ تِسْعٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ مُخاطَبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَلَغَ بِيَحْيى المَبْلَغَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُخاطِبَهُ بِذَلِكَ فَحَذَفَ ذِكْرَهُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِتابُ المَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو التَّوْراةَ الَّتِي هي نِعْمَةُ اللَّهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ (الجاثِيَةِ: ١٦) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِتابًا خَصَّ اللَّهُ بِهِ يَحْيى كَما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الكَثِيرَ مِنَ الأنْبِياءِ بِذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ حَمْلَ الكَلامِ هَهُنا عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ أوْلى ولا مَعْهُودَ هَهُنا إلّا التَّوْراةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القُدْرَةَ عَلى الأخْذِ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى مَعْنًى يُفِيدُ المَدْحَ وهو الجِدُّ والصَّبْرُ عَلى القِيامِ بِأمْرِ النُّبُوَّةِ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى حُصُولِ مَلَكَةٍ تَقْتَضِي سُهُولَةَ الإقْدامِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ والإحْجامَ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ اعْلَمْ أنَّ في الحُكْمِ أقْوالًا. الأوَّلُ: أنَّهُ الحِكْمَةُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: واحْكم كَحُكْمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ إلى حَمامٍ سِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ وهُوَ الفَهْمُ في التَّوْراةِ والفِقْهُ في الدِّينِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ مَعْمَرٍ أنَّهُ العَقْلُ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا. والثّالِثُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أحْكَمَ عَقْلَهُ في صِباهُ وأوْحى إلَيْهِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ يَحْيى وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - وهُما صَبِيّانِ لا كَما بَعَثَ مُوسى ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما السَّلامُ، وقَدْ بَلَغا الأشُدَّ، والأقْرَبُ حَمْلُهُ عَلى النُّبُوَّةِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ صِفاتِ شَرَفِهِ ومَنقَبَتِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّبُوَّةَ أشْرَفُ صِفاتِ الإنْسانِ فَذِكْرُها في مَعْرِضِ المَدْحِ أوْلى مِن ذِكْرِ غَيْرِها فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نَبُّوتُهُ مَذْكُورَةً في هَذِهِ الآيَةِ ولا لَفْظَ يَصْلُحُ لِلدَّلالَةِ عَلى النُّبُوَّةِ إلّا هَذِهِ اللَّفْظَةَ فَوَجَبَ حَمْلُها عَلَيْها. الثّانِي: أنَّ الحُكْمَ هو ما يَصْلُحُ لِأنْ يُحْكَمَ بِهِ عَلى غَيْرِهِ ولِغَيْرِهِ عَلى الإطْلاقِ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالنُّبُوَّةِ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ العَقْلِ والفِطْنَةِ والنُّبُوَّةِ حالَ الصِّبا ؟ قُلْنا: هَذا السّائِلُ، إمّا أنْ يَمْنَعَ مِن خَرْقِ العادَةِ أوْ لا يَمْنَعَ مِنهُ، فَإنْ مَنَعَ مِنهُ فَقَدْ سَدَّ بابَ النُّبُوّاتِ لِأنَّ بِناءَ الأمْرِ فِيها عَلى المُعْجِزاتِ ولا مَعْنى لَها إلّا خَرْقُ العاداتِ، وإنْ لَمْ يَمْنَعْ فَقَدْ زالَ هَذا الِاسْتِبْعادُ فَإنَّهُ لَيْسَ اسْتِبْعادُ صَيْرُورَةِ الصَّبِيِّ عاقِلًا أشَدَّ مِنَ اسْتِبْعادِ انْشِقاقِ القَمَرِ وانْفِلاقِ البَحْرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ اعْلَمْ أنَّ الحَنانَ أصْلُهُ مِنَ الحَنِينِ وهو الِارْتِياحُ والجَزَعُ لِلْفِراقِ كَما يُقالُ: حَنِينُ النّاقَةِ وهو صَوْتُها إذا اشْتاقَتْ إلى ولَدِها، ذَكَرَ الخَلِيلُ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي إلى جِذْعٍ في المَسْجِدِ فَلَمّا اتُّخِذَ لَهُ المِنبَرُ وتَحَوَّلَ إلَيْهِ حَنَّتْ تِلْكَ الخَشَبَةُ حَتّى سُمِعَ حَنِينُها“»، فَهَذا هو الأصْلُ ثُمَّ قِيلَ: تَحَنَّنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا تَعَطَّفَ عَلَيْهِ ورَحِمَهُ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في وصْفِ اللَّهِ بِالحَنّانِ فَأجازَهُ بَعْضُهم، وجَعَلَهُ بِمَعْنى الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، ومِنهم مَن أباهُ لِما يَرْجِعُ إلَيْهِ أصْلُ الكَلِمَةِ قالُوا: لَمْ يَصِحَّ الخَبَرُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الحَنانُ هُنا فِيهِ وجْهانِ: صفحة ١٦٤ أحَدُهُما: أنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِلَّهِ. وثانِيهِما: أنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِيَحْيى أمّا إذا جَعَلْناهُ صِفَةً لِلَّهِ تَعالى فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ وآتَيْناهُ الحُكْمَ حَنانًا أيْ: رَحْمَةً مِنّا، ثُمَّ هَهُنا احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الحَنانُ مِنَ اللَّهِ لِيَحْيى، المَعْنى: آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا، ثُمَّ قالَ: ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ أيْ إنَّما آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا حَنانًا مِن لَدُنّا عَلَيْهِ أيْ: رَحْمَةً عَلَيْهِ وزَكاةً أيْ: وتَزْكِيَةً لَهُ وتَشْرِيفًا لَهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ الحَنانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّما اسْتَجَبْنا لِزَكَرِيّا دَعَوْتَهُ بِأنْ أعْطَيْناهُ ولَدًا ثُمَّ آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا وحَنانًا مِن لَدُنّا عَلَيْهِ أيْ عَلى زَكَرِيّا فَعَلْنا ذَلِكَ. ﴿وزَكاةً﴾ أيْ وتَزْكِيَةً لَهُ عَنْ أنْ يَصِيرَ مَرْدُودَ الدُّعاءِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الحَنانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأُمَّةِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وحَنانًا﴾ مِنّا عَلى أُمَّتِهِ لِعَظِيمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِدايَتِهِ وإرْشادِهِ، أمّا إذا جَعَلْناهُ صِفَةً لِيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: آتَيْناهُ الحُكْمَ والحَنانَ عَلى عِبادِنا أيِ التَّعَطُّفَ عَلَيْهِمْ وحُسْنَ النَّظَرِ عَلى كافَّتِهِمْ فِيما أُوَلِّيهِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ كَما وصَفَ نَبِيَّهُ، فَقالَ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٥٩) وقالَ: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٨) ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ آتاهُ زَكاةً، ومَعْناهُ أنْ لا تَكُونَ شَفَقَتُهُ داعِيَةً لَهُ إلى الإخْلالِ بِالواجِبِ لِأنَّ الرَّأْفَةَ واللِّينَ رُبَّما أوْرَثا تَرْكَ الواجِبِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ (النُّورِ: ٢) وقالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٣) وقالَ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ (المائِدَةِ: ٥٤) . فالمَعْنى: إنَّما جَعَلْنا لَهُ التَّعَطُّفَ عَلى عِبادِ اللَّهِ مَعَ الطَّهارَةِ عَنِ الإخْلالِ بِالواجِباتِ، ويُحْتَمَلُ آتَيْناهُ التَّعَطُّفَ عَلى الخَلْقِ والطَّهارَةَ عَنِ المَعاصِي فَلَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو المَنقُولُ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: (وحَنانًا مِن لَدُنّا) والمَعْنى آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا تَعْظِيمًا إذْ جَعَلْناهُ نَبِيًّا وهو صَبِيٌّ ولا تَعْظِيمَ أكْثَرُ مِن هَذا والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّهُ مَرَّ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ عَلى بِلالٍ وهو يُعَذَّبُ قَدْ أُلْصِقَ ظَهْرُهُ بِرَمْضاءِ البَطْحاءِ، ويَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَأتَّخِذَنَّهُ حَنانًا أيْ مُعَظَّمًا. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وزَكاةً﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ وآتَيْناهُ زَكاةً أيْ: عَمَلًا صالِحًا زَكِيًّا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ جُرَيْجٍ. وثانِيها: زَكاةً لِمَن قَبِلَ مِنهُ حَتّى يَكُونُوا أزْكِياءَ، عَنِ الحَسَنِ. وثالِثُها: زَكَّيْناهُ بِحُسْنِ الثَّناءِ كَما تُزَكِّي الشُّهُودُ الإنْسانَ. ورابِعُها: صَدَقَةً تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلى أبَوَيْهِ عَنِ الكَلْبِيِّ. وخامِسُها: بَرَكَةً ونَماءً وهو الَّذِي قالَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ (مَرْيَمَ: ٣١) واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ جَعَلَ طِهارَتَهُ وزَكاتَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُهُ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ وقَدْ عَرَفْتَ مَعْناهُ وبِالجُمْلَةِ فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ غايَةَ المَدائِحِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَتَّقِي نَهْيَ اللَّهِ فَيَجْتَنِبُهُ ويَتَّقِي أمْرَهُ فَلا يُهْمِلُهُ، وأوْلى النّاسِ بِهَذا الوَصْفِ مَن لَمْ يَعْصِ اللَّهَ ولا يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ وكانَ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ ؟ وهَذا حِينَ ابْتِداءِ تَكْلِيفِهِ قُلْنا: إنَّما خاطَبَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ الرَّسُولَ وأخْبَرَ عَنْ حالِهِ حَيْثُ كانَ كَما أخْبَرَ عَنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا عِبادَةَ بَعْدَ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى مِثْلُ تَعْظِيمِ الوالِدَيْنِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ (الإسْراءِ: ٢٣) . الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا﴾ والمُرادُ وصْفُهُ بِالتَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحِجْرِ: ٨٨) وقالَ صفحة ١٦٥ تَعالى: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٥٩) ولِأنَّ رَأْسَ العِباداتِ مَعْرِفَةُ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِالذُّلِّ ومَعْرِفَةُ رَبِّهِ بِالعَظَمَةِ والكَمالِ ومَن عَرَفَ نَفْسَهُ بِالذُّلِّ وعَرَفَ رَبَّهُ بِالكَمالِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ التَّرَفُّعُ والتَّجَبُّرُ، ولِذَلِكَ فَإنَّ إبْلِيسَ لَمّا تَجَبَّرَ وتَمَرَّدَ صارَ مُبْعَدًا عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الدِّينِ وقِيلَ: الجَبّارُ هو الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلى نَفْسِهِ حَقًّا وهو مِنَ العِظَمِ والذَّهابِ بِنَفْسِهِ عَنْ أنْ يَلْزَمَهُ قَضاءُ حَقِّ أحَدٍ، وقالَ سُفْيانُ في قَوْلِهِ: ﴿جَبّارًا عَصِيًّا﴾ إنَّهُ الَّذِي يُقْبِلُ عَلى الغَضَبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ (القِصَصِ: ١٩) وقِيلَ: كُلُّ مَن عاقَبَ عَلى غَضَبِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ حَقٍّ؛ فَهو جَبّارٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (الشُّعَراءِ: ١٣٠) . الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَصِيًّا﴾ وهو أبْلَغُ مِنَ العاصِي كَما أنَّ العَلِيمَ أبْلَغُ مِنَ العالِمِ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ أيْ أمانٌ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ وُلِدَ مِن أنْ يَنالَهُ الشَّيْطانُ كَما يَنالُ سائِرَ بَنِي آدَمَ: ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ أيْ: وأمانٌ عَلَيْهِ مِن عَذابِ القَبْرِ: ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أيْ ومِن عَذابِ القِيامَةِ. وثانِيها: قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أوْحَشُ ما يَكُونُ الخَلْقُ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ يَوْمَ يُولَدُ؛ فَيَرى نَفْسَهُ خارِجًا مِمّا كانَ فِيهِ، ويَوْمَ يَمُوتُ؛ فَيَرى قَوْمًا ما شاهَدَهم قَطُّ، ويَوْمَ يُبْعَثُ؛ فَيَرى نَفْسَهُ في مَحْشَرٍ عَظِيمٍ؛ فَأكْرَمَ اللَّهُ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَخَصَّهُ بِالسَّلامِ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ. وثالِثُها: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَفْطَوَيْهِ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ أيْ: أوَّلَ ما يَرى الدُّنْيا ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ أيْ: أوَّلَ يَوْمٍ يَرى فِيهِ أوَّلَ أمْرِ الآخِرَةِ ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أيْ: أوَّلَ يَوْمٍ يَرى فِيهِ الجَنَّةَ والنّارَ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. وإنَّما قالَ: ﴿حَيًّا﴾ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِ مِنَ الشُّهَداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٦٩) فُرُوعٌ: الأوَّلُ: هَذا السَّلامُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَدَلالَةُ شَرَفِهِ وفَضْلِهِ لا تَخْتَلِفُ لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يُسَلِّمُونَ إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: لِيَحْيى مَزِيَّةٌ في هَذا السَّلامِ عَلى ما لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٧٩) . ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ (الصّافّاتِ: ١٠٩)؛ لِأنَّهُ قالَ ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْتَ أفْضَلُ مِنِّي لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّمَ عَلَيْكَ وأنا سَلَّمْتُ عَلى نَفْسِي، وهَذا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأنَّ سَلامَ عِيسى عَلى نَفْسِهِ يَجْرِي مَجْرى سَلامِ اللَّهِ عَلى يَحْيى لِأنَّ عِيسى مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ إلّا ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. الرّابِعُ: السَّلامُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ ما يَكُونُ ذَلِكَ جَزاءً لَهُ، وأمّا السَّلامُ عَلَيْهِ يَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ في المَحْشَرِ، فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثَوابًا كالمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * * القَوْلُ في فَوائِدِ هَذِهِ القِصَّةِ: الفائِدَةُ الأُولى: تَعْلِيمُ آدابِ الدُّعاءِ وهي مِن جِهاتٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿نِداءً خَفِيًّا﴾ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْضَلَ الدُّعاءِ ما هَذا حالُهُ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ (الأعْرافِ: ٥٥) ولِأنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ مُشْعِرٌ بِالقُوَّةِ والجَلادَةِ، وإخْفاءَ الصَّوْتِ مُشْعِرٌ بِالضَّعْفِ والِانْكِسارِ، وعُمْدَةُ الدُّعاءِ الِانْكِسارُ والتَّبَرِّي عَنْ حَوْلِ النَّفْسِ وقُوَّتِها والِاعْتِمادُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وإحْسانِهِ. وثانِيها: أنَّ المُسْتَحَبَّ أنْ يَذْكُرَ في مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ عَجْزَ النَّفْسِ وضَعْفَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ثُمَّ يَذْكُرُ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ صفحة ١٦٦ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ لِأجْلِ شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ بِالدِّينِ لا لِمَحْضِ الدُّنْيا كَما قالَ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ . ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ بِلَفْظِ يا رَبِّ عَلى ما في هَذا المَوْضِعِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: ظُهُورُ دَرَجاتِ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ أمّا زَكَرِيّا فَأُمُورٌ: أحَدُها: نِهايَةُ تَضَرُّعِهِ في نَفْسِهِ وانْقِطاعُهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ. وثانِيها: إجابَةُ اللَّهِ تَعالى دُعاءَهُ. وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ناداهُ وبَشَّرَهُ أوِ المَلائِكَةُ أوْ حَصَلَ الأمْرانِ مَعًا. ورابِعُها: اعْتِقالُ لِسانِهِ عَنِ الكَلامِ دُونَ التَّسْبِيحِ. وخامِسُها: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ طَلَبُ الآياتِ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى خَلْقِ الوَلَدِ وإنْ كانَ الأبَوانِ في نِهايَةِ الشَّيْخُوخَةِ رَدًّا عَلى أهْلِ الطَّبائِعِ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: صِحَّةُ الِاسْتِدْلالِ في الدِّينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والآيَةُ نَصٌّ في ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا مَذْكُورًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (الإنْسانِ: ١) قُلْنا: الإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، ولِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنْ جَواهِرَ مُتَألِّفَةٍ قامَتْ بِها أعْراضٌ مَخْصُوصَةٌ والجَواهِرُ المُتَألِّفَةُ المَوْصُوفَةُ بِالأعْراضِ المَخْصُوصَةِ غَيْرُ ثابِتَةٍ في العَدَمِ إنَّما الثّابِتُ هو أعْيانُ تِلْكَ الجَواهِرِ مُفْرَدَةً غَيْرَ مُرَكَّبَةٍ وهي لَيْسَتْ بِإنْسانٍ فَظَهَرَ أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى المَطْلُوبِ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وذَكَرَها في هَذا المَوْضِعِ فَلْنَعْتَبِرْ حالَها في المَوْضِعَيْنِ فَنَقُولُ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ دَعا رَبَّهُ ولَمْ يُبَيِّنِ الوَقْتَ وبَيَّنَهُ في آلِ عِمْرانَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٧، ٣٨) والمَعْنى أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى خَرْقَ العادَةِ في حَقِّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ طَمِعَ فِيهِ في حَقِّ نَفْسِهِ فَدَعا. الثّانِي: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ في آلِ عِمْرانَ بِأنَّ المُنادِيَ هو المَلائِكَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٩) وفي هَذِهِ السُّورَةِ الأظْهَرُ أنَّ المُنادِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ هو اللَّهُ تَعالى وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤٠) فَذَكَرَ أوَّلًا كِبَرَ نَفْسِهِ ثُمَّ عُقْرَ المَرْأةِ وهو في هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ وجَوابُهُ أنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. الرّابِعُ: قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤٠) وقالَ هَهُنا ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ﴾ وجَوابُهُ أنَّ ما بَلَغَكَ فَقَدْ بَلَغْتَهُ. الخامِسُ: قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤١) وقالَ هَهُنا: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ وجَوابُهُ: دَلَّتِ الآيَتانِ عَلى أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ بِلَيالِيهنَّ، واللَّهُ أعْلَمُ. القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ مَرْيَمَ وكَيْفِيَّةِ وِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما قَدَّمَ قِصَّةَ يَحْيى عَلى قِصَّةِ عِيسى صفحة ١٦٧ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ خَلْقَ الوَلَدِ مِن شَيْخَيْنِ فانِيَيْنِ أقْرَبُ إلى مَناهِجِ العاداتِ مِن تَخْلِيقِ الوَلَدِ لا مِنَ الأبِ البَتَّةَ وأحْسَنُ الطُّرُقِ في التَّعْلِيمِ والتَّفْهِيمِ الأخْذُ مِنَ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مُتَرَقِّيًا إلى الأصْعَبِ فالأصْعَبِ.

مريم 19:14

صفحة ١٦٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ ”يَحْيى“ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ تِسْعٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ مُخاطَبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَلَغَ بِيَحْيى المَبْلَغَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُخاطِبَهُ بِذَلِكَ فَحَذَفَ ذِكْرَهُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِتابُ المَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو التَّوْراةَ الَّتِي هي نِعْمَةُ اللَّهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ (الجاثِيَةِ: ١٦) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِتابًا خَصَّ اللَّهُ بِهِ يَحْيى كَما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الكَثِيرَ مِنَ الأنْبِياءِ بِذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ حَمْلَ الكَلامِ هَهُنا عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ أوْلى ولا مَعْهُودَ هَهُنا إلّا التَّوْراةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القُدْرَةَ عَلى الأخْذِ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى مَعْنًى يُفِيدُ المَدْحَ وهو الجِدُّ والصَّبْرُ عَلى القِيامِ بِأمْرِ النُّبُوَّةِ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى حُصُولِ مَلَكَةٍ تَقْتَضِي سُهُولَةَ الإقْدامِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ والإحْجامَ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ اعْلَمْ أنَّ في الحُكْمِ أقْوالًا. الأوَّلُ: أنَّهُ الحِكْمَةُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: واحْكم كَحُكْمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ إلى حَمامٍ سِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ وهُوَ الفَهْمُ في التَّوْراةِ والفِقْهُ في الدِّينِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ مَعْمَرٍ أنَّهُ العَقْلُ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا. والثّالِثُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أحْكَمَ عَقْلَهُ في صِباهُ وأوْحى إلَيْهِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ يَحْيى وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - وهُما صَبِيّانِ لا كَما بَعَثَ مُوسى ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما السَّلامُ، وقَدْ بَلَغا الأشُدَّ، والأقْرَبُ حَمْلُهُ عَلى النُّبُوَّةِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ صِفاتِ شَرَفِهِ ومَنقَبَتِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّبُوَّةَ أشْرَفُ صِفاتِ الإنْسانِ فَذِكْرُها في مَعْرِضِ المَدْحِ أوْلى مِن ذِكْرِ غَيْرِها فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نَبُّوتُهُ مَذْكُورَةً في هَذِهِ الآيَةِ ولا لَفْظَ يَصْلُحُ لِلدَّلالَةِ عَلى النُّبُوَّةِ إلّا هَذِهِ اللَّفْظَةَ فَوَجَبَ حَمْلُها عَلَيْها. الثّانِي: أنَّ الحُكْمَ هو ما يَصْلُحُ لِأنْ يُحْكَمَ بِهِ عَلى غَيْرِهِ ولِغَيْرِهِ عَلى الإطْلاقِ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالنُّبُوَّةِ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ العَقْلِ والفِطْنَةِ والنُّبُوَّةِ حالَ الصِّبا ؟ قُلْنا: هَذا السّائِلُ، إمّا أنْ يَمْنَعَ مِن خَرْقِ العادَةِ أوْ لا يَمْنَعَ مِنهُ، فَإنْ مَنَعَ مِنهُ فَقَدْ سَدَّ بابَ النُّبُوّاتِ لِأنَّ بِناءَ الأمْرِ فِيها عَلى المُعْجِزاتِ ولا مَعْنى لَها إلّا خَرْقُ العاداتِ، وإنْ لَمْ يَمْنَعْ فَقَدْ زالَ هَذا الِاسْتِبْعادُ فَإنَّهُ لَيْسَ اسْتِبْعادُ صَيْرُورَةِ الصَّبِيِّ عاقِلًا أشَدَّ مِنَ اسْتِبْعادِ انْشِقاقِ القَمَرِ وانْفِلاقِ البَحْرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ اعْلَمْ أنَّ الحَنانَ أصْلُهُ مِنَ الحَنِينِ وهو الِارْتِياحُ والجَزَعُ لِلْفِراقِ كَما يُقالُ: حَنِينُ النّاقَةِ وهو صَوْتُها إذا اشْتاقَتْ إلى ولَدِها، ذَكَرَ الخَلِيلُ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي إلى جِذْعٍ في المَسْجِدِ فَلَمّا اتُّخِذَ لَهُ المِنبَرُ وتَحَوَّلَ إلَيْهِ حَنَّتْ تِلْكَ الخَشَبَةُ حَتّى سُمِعَ حَنِينُها“»، فَهَذا هو الأصْلُ ثُمَّ قِيلَ: تَحَنَّنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا تَعَطَّفَ عَلَيْهِ ورَحِمَهُ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في وصْفِ اللَّهِ بِالحَنّانِ فَأجازَهُ بَعْضُهم، وجَعَلَهُ بِمَعْنى الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، ومِنهم مَن أباهُ لِما يَرْجِعُ إلَيْهِ أصْلُ الكَلِمَةِ قالُوا: لَمْ يَصِحَّ الخَبَرُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الحَنانُ هُنا فِيهِ وجْهانِ: صفحة ١٦٤ أحَدُهُما: أنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِلَّهِ. وثانِيهِما: أنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِيَحْيى أمّا إذا جَعَلْناهُ صِفَةً لِلَّهِ تَعالى فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ وآتَيْناهُ الحُكْمَ حَنانًا أيْ: رَحْمَةً مِنّا، ثُمَّ هَهُنا احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الحَنانُ مِنَ اللَّهِ لِيَحْيى، المَعْنى: آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا، ثُمَّ قالَ: ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ أيْ إنَّما آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا حَنانًا مِن لَدُنّا عَلَيْهِ أيْ: رَحْمَةً عَلَيْهِ وزَكاةً أيْ: وتَزْكِيَةً لَهُ وتَشْرِيفًا لَهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ الحَنانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّما اسْتَجَبْنا لِزَكَرِيّا دَعَوْتَهُ بِأنْ أعْطَيْناهُ ولَدًا ثُمَّ آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا وحَنانًا مِن لَدُنّا عَلَيْهِ أيْ عَلى زَكَرِيّا فَعَلْنا ذَلِكَ. ﴿وزَكاةً﴾ أيْ وتَزْكِيَةً لَهُ عَنْ أنْ يَصِيرَ مَرْدُودَ الدُّعاءِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الحَنانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأُمَّةِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وحَنانًا﴾ مِنّا عَلى أُمَّتِهِ لِعَظِيمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِدايَتِهِ وإرْشادِهِ، أمّا إذا جَعَلْناهُ صِفَةً لِيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: آتَيْناهُ الحُكْمَ والحَنانَ عَلى عِبادِنا أيِ التَّعَطُّفَ عَلَيْهِمْ وحُسْنَ النَّظَرِ عَلى كافَّتِهِمْ فِيما أُوَلِّيهِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ كَما وصَفَ نَبِيَّهُ، فَقالَ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٥٩) وقالَ: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٨) ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ آتاهُ زَكاةً، ومَعْناهُ أنْ لا تَكُونَ شَفَقَتُهُ داعِيَةً لَهُ إلى الإخْلالِ بِالواجِبِ لِأنَّ الرَّأْفَةَ واللِّينَ رُبَّما أوْرَثا تَرْكَ الواجِبِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ (النُّورِ: ٢) وقالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٣) وقالَ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ (المائِدَةِ: ٥٤) . فالمَعْنى: إنَّما جَعَلْنا لَهُ التَّعَطُّفَ عَلى عِبادِ اللَّهِ مَعَ الطَّهارَةِ عَنِ الإخْلالِ بِالواجِباتِ، ويُحْتَمَلُ آتَيْناهُ التَّعَطُّفَ عَلى الخَلْقِ والطَّهارَةَ عَنِ المَعاصِي فَلَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو المَنقُولُ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: (وحَنانًا مِن لَدُنّا) والمَعْنى آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا تَعْظِيمًا إذْ جَعَلْناهُ نَبِيًّا وهو صَبِيٌّ ولا تَعْظِيمَ أكْثَرُ مِن هَذا والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّهُ مَرَّ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ عَلى بِلالٍ وهو يُعَذَّبُ قَدْ أُلْصِقَ ظَهْرُهُ بِرَمْضاءِ البَطْحاءِ، ويَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَأتَّخِذَنَّهُ حَنانًا أيْ مُعَظَّمًا. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وزَكاةً﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ وآتَيْناهُ زَكاةً أيْ: عَمَلًا صالِحًا زَكِيًّا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ جُرَيْجٍ. وثانِيها: زَكاةً لِمَن قَبِلَ مِنهُ حَتّى يَكُونُوا أزْكِياءَ، عَنِ الحَسَنِ. وثالِثُها: زَكَّيْناهُ بِحُسْنِ الثَّناءِ كَما تُزَكِّي الشُّهُودُ الإنْسانَ. ورابِعُها: صَدَقَةً تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلى أبَوَيْهِ عَنِ الكَلْبِيِّ. وخامِسُها: بَرَكَةً ونَماءً وهو الَّذِي قالَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ (مَرْيَمَ: ٣١) واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ جَعَلَ طِهارَتَهُ وزَكاتَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُهُ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ وقَدْ عَرَفْتَ مَعْناهُ وبِالجُمْلَةِ فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ غايَةَ المَدائِحِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَتَّقِي نَهْيَ اللَّهِ فَيَجْتَنِبُهُ ويَتَّقِي أمْرَهُ فَلا يُهْمِلُهُ، وأوْلى النّاسِ بِهَذا الوَصْفِ مَن لَمْ يَعْصِ اللَّهَ ولا يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ وكانَ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ ؟ وهَذا حِينَ ابْتِداءِ تَكْلِيفِهِ قُلْنا: إنَّما خاطَبَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ الرَّسُولَ وأخْبَرَ عَنْ حالِهِ حَيْثُ كانَ كَما أخْبَرَ عَنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا عِبادَةَ بَعْدَ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى مِثْلُ تَعْظِيمِ الوالِدَيْنِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ (الإسْراءِ: ٢٣) . الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا﴾ والمُرادُ وصْفُهُ بِالتَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحِجْرِ: ٨٨) وقالَ صفحة ١٦٥ تَعالى: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٥٩) ولِأنَّ رَأْسَ العِباداتِ مَعْرِفَةُ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِالذُّلِّ ومَعْرِفَةُ رَبِّهِ بِالعَظَمَةِ والكَمالِ ومَن عَرَفَ نَفْسَهُ بِالذُّلِّ وعَرَفَ رَبَّهُ بِالكَمالِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ التَّرَفُّعُ والتَّجَبُّرُ، ولِذَلِكَ فَإنَّ إبْلِيسَ لَمّا تَجَبَّرَ وتَمَرَّدَ صارَ مُبْعَدًا عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الدِّينِ وقِيلَ: الجَبّارُ هو الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلى نَفْسِهِ حَقًّا وهو مِنَ العِظَمِ والذَّهابِ بِنَفْسِهِ عَنْ أنْ يَلْزَمَهُ قَضاءُ حَقِّ أحَدٍ، وقالَ سُفْيانُ في قَوْلِهِ: ﴿جَبّارًا عَصِيًّا﴾ إنَّهُ الَّذِي يُقْبِلُ عَلى الغَضَبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ (القِصَصِ: ١٩) وقِيلَ: كُلُّ مَن عاقَبَ عَلى غَضَبِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ حَقٍّ؛ فَهو جَبّارٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (الشُّعَراءِ: ١٣٠) . الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَصِيًّا﴾ وهو أبْلَغُ مِنَ العاصِي كَما أنَّ العَلِيمَ أبْلَغُ مِنَ العالِمِ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ أيْ أمانٌ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ وُلِدَ مِن أنْ يَنالَهُ الشَّيْطانُ كَما يَنالُ سائِرَ بَنِي آدَمَ: ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ أيْ: وأمانٌ عَلَيْهِ مِن عَذابِ القَبْرِ: ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أيْ ومِن عَذابِ القِيامَةِ. وثانِيها: قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أوْحَشُ ما يَكُونُ الخَلْقُ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ يَوْمَ يُولَدُ؛ فَيَرى نَفْسَهُ خارِجًا مِمّا كانَ فِيهِ، ويَوْمَ يَمُوتُ؛ فَيَرى قَوْمًا ما شاهَدَهم قَطُّ، ويَوْمَ يُبْعَثُ؛ فَيَرى نَفْسَهُ في مَحْشَرٍ عَظِيمٍ؛ فَأكْرَمَ اللَّهُ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَخَصَّهُ بِالسَّلامِ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ. وثالِثُها: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَفْطَوَيْهِ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ أيْ: أوَّلَ ما يَرى الدُّنْيا ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ أيْ: أوَّلَ يَوْمٍ يَرى فِيهِ أوَّلَ أمْرِ الآخِرَةِ ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أيْ: أوَّلَ يَوْمٍ يَرى فِيهِ الجَنَّةَ والنّارَ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. وإنَّما قالَ: ﴿حَيًّا﴾ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِ مِنَ الشُّهَداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٦٩) فُرُوعٌ: الأوَّلُ: هَذا السَّلامُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَدَلالَةُ شَرَفِهِ وفَضْلِهِ لا تَخْتَلِفُ لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يُسَلِّمُونَ إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: لِيَحْيى مَزِيَّةٌ في هَذا السَّلامِ عَلى ما لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٧٩) . ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ (الصّافّاتِ: ١٠٩)؛ لِأنَّهُ قالَ ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْتَ أفْضَلُ مِنِّي لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّمَ عَلَيْكَ وأنا سَلَّمْتُ عَلى نَفْسِي، وهَذا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأنَّ سَلامَ عِيسى عَلى نَفْسِهِ يَجْرِي مَجْرى سَلامِ اللَّهِ عَلى يَحْيى لِأنَّ عِيسى مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ إلّا ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. الرّابِعُ: السَّلامُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ ما يَكُونُ ذَلِكَ جَزاءً لَهُ، وأمّا السَّلامُ عَلَيْهِ يَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ في المَحْشَرِ، فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثَوابًا كالمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * * القَوْلُ في فَوائِدِ هَذِهِ القِصَّةِ: الفائِدَةُ الأُولى: تَعْلِيمُ آدابِ الدُّعاءِ وهي مِن جِهاتٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿نِداءً خَفِيًّا﴾ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْضَلَ الدُّعاءِ ما هَذا حالُهُ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ (الأعْرافِ: ٥٥) ولِأنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ مُشْعِرٌ بِالقُوَّةِ والجَلادَةِ، وإخْفاءَ الصَّوْتِ مُشْعِرٌ بِالضَّعْفِ والِانْكِسارِ، وعُمْدَةُ الدُّعاءِ الِانْكِسارُ والتَّبَرِّي عَنْ حَوْلِ النَّفْسِ وقُوَّتِها والِاعْتِمادُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وإحْسانِهِ. وثانِيها: أنَّ المُسْتَحَبَّ أنْ يَذْكُرَ في مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ عَجْزَ النَّفْسِ وضَعْفَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ثُمَّ يَذْكُرُ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ صفحة ١٦٦ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ لِأجْلِ شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ بِالدِّينِ لا لِمَحْضِ الدُّنْيا كَما قالَ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ . ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ بِلَفْظِ يا رَبِّ عَلى ما في هَذا المَوْضِعِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: ظُهُورُ دَرَجاتِ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ أمّا زَكَرِيّا فَأُمُورٌ: أحَدُها: نِهايَةُ تَضَرُّعِهِ في نَفْسِهِ وانْقِطاعُهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ. وثانِيها: إجابَةُ اللَّهِ تَعالى دُعاءَهُ. وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ناداهُ وبَشَّرَهُ أوِ المَلائِكَةُ أوْ حَصَلَ الأمْرانِ مَعًا. ورابِعُها: اعْتِقالُ لِسانِهِ عَنِ الكَلامِ دُونَ التَّسْبِيحِ. وخامِسُها: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ طَلَبُ الآياتِ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى خَلْقِ الوَلَدِ وإنْ كانَ الأبَوانِ في نِهايَةِ الشَّيْخُوخَةِ رَدًّا عَلى أهْلِ الطَّبائِعِ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: صِحَّةُ الِاسْتِدْلالِ في الدِّينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والآيَةُ نَصٌّ في ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا مَذْكُورًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (الإنْسانِ: ١) قُلْنا: الإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، ولِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنْ جَواهِرَ مُتَألِّفَةٍ قامَتْ بِها أعْراضٌ مَخْصُوصَةٌ والجَواهِرُ المُتَألِّفَةُ المَوْصُوفَةُ بِالأعْراضِ المَخْصُوصَةِ غَيْرُ ثابِتَةٍ في العَدَمِ إنَّما الثّابِتُ هو أعْيانُ تِلْكَ الجَواهِرِ مُفْرَدَةً غَيْرَ مُرَكَّبَةٍ وهي لَيْسَتْ بِإنْسانٍ فَظَهَرَ أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى المَطْلُوبِ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وذَكَرَها في هَذا المَوْضِعِ فَلْنَعْتَبِرْ حالَها في المَوْضِعَيْنِ فَنَقُولُ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ دَعا رَبَّهُ ولَمْ يُبَيِّنِ الوَقْتَ وبَيَّنَهُ في آلِ عِمْرانَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٧، ٣٨) والمَعْنى أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى خَرْقَ العادَةِ في حَقِّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ طَمِعَ فِيهِ في حَقِّ نَفْسِهِ فَدَعا. الثّانِي: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ في آلِ عِمْرانَ بِأنَّ المُنادِيَ هو المَلائِكَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٩) وفي هَذِهِ السُّورَةِ الأظْهَرُ أنَّ المُنادِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ هو اللَّهُ تَعالى وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤٠) فَذَكَرَ أوَّلًا كِبَرَ نَفْسِهِ ثُمَّ عُقْرَ المَرْأةِ وهو في هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ وجَوابُهُ أنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. الرّابِعُ: قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤٠) وقالَ هَهُنا ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ﴾ وجَوابُهُ أنَّ ما بَلَغَكَ فَقَدْ بَلَغْتَهُ. الخامِسُ: قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤١) وقالَ هَهُنا: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ وجَوابُهُ: دَلَّتِ الآيَتانِ عَلى أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ بِلَيالِيهنَّ، واللَّهُ أعْلَمُ. القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ مَرْيَمَ وكَيْفِيَّةِ وِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما قَدَّمَ قِصَّةَ يَحْيى عَلى قِصَّةِ عِيسى صفحة ١٦٧ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ خَلْقَ الوَلَدِ مِن شَيْخَيْنِ فانِيَيْنِ أقْرَبُ إلى مَناهِجِ العاداتِ مِن تَخْلِيقِ الوَلَدِ لا مِنَ الأبِ البَتَّةَ وأحْسَنُ الطُّرُقِ في التَّعْلِيمِ والتَّفْهِيمِ الأخْذُ مِنَ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مُتَرَقِّيًا إلى الأصْعَبِ فالأصْعَبِ.

مريم 19:15

صفحة ١٦٣ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ ”يَحْيى“ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ تِسْعٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ مُخاطَبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَلَغَ بِيَحْيى المَبْلَغَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُخاطِبَهُ بِذَلِكَ فَحَذَفَ ذِكْرَهُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِتابُ المَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو التَّوْراةَ الَّتِي هي نِعْمَةُ اللَّهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ (الجاثِيَةِ: ١٦) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِتابًا خَصَّ اللَّهُ بِهِ يَحْيى كَما خَصَّ اللَّهُ تَعالى الكَثِيرَ مِنَ الأنْبِياءِ بِذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ حَمْلَ الكَلامِ هَهُنا عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ أوْلى ولا مَعْهُودَ هَهُنا إلّا التَّوْراةُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القُدْرَةَ عَلى الأخْذِ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى مَعْنًى يُفِيدُ المَدْحَ وهو الجِدُّ والصَّبْرُ عَلى القِيامِ بِأمْرِ النُّبُوَّةِ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى حُصُولِ مَلَكَةٍ تَقْتَضِي سُهُولَةَ الإقْدامِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ والإحْجامَ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ اعْلَمْ أنَّ في الحُكْمِ أقْوالًا. الأوَّلُ: أنَّهُ الحِكْمَةُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: واحْكم كَحُكْمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ إلى حَمامٍ سِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ وهُوَ الفَهْمُ في التَّوْراةِ والفِقْهُ في الدِّينِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ مَعْمَرٍ أنَّهُ العَقْلُ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا. والثّالِثُ: أنَّهُ النُّبُوَّةُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أحْكَمَ عَقْلَهُ في صِباهُ وأوْحى إلَيْهِ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ يَحْيى وعِيسى -عَلَيْهِما السَّلامُ - وهُما صَبِيّانِ لا كَما بَعَثَ مُوسى ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما السَّلامُ، وقَدْ بَلَغا الأشُدَّ، والأقْرَبُ حَمْلُهُ عَلى النُّبُوَّةِ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ صِفاتِ شَرَفِهِ ومَنقَبَتِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّبُوَّةَ أشْرَفُ صِفاتِ الإنْسانِ فَذِكْرُها في مَعْرِضِ المَدْحِ أوْلى مِن ذِكْرِ غَيْرِها فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ نَبُّوتُهُ مَذْكُورَةً في هَذِهِ الآيَةِ ولا لَفْظَ يَصْلُحُ لِلدَّلالَةِ عَلى النُّبُوَّةِ إلّا هَذِهِ اللَّفْظَةَ فَوَجَبَ حَمْلُها عَلَيْها. الثّانِي: أنَّ الحُكْمَ هو ما يَصْلُحُ لِأنْ يُحْكَمَ بِهِ عَلى غَيْرِهِ ولِغَيْرِهِ عَلى الإطْلاقِ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالنُّبُوَّةِ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ العَقْلِ والفِطْنَةِ والنُّبُوَّةِ حالَ الصِّبا ؟ قُلْنا: هَذا السّائِلُ، إمّا أنْ يَمْنَعَ مِن خَرْقِ العادَةِ أوْ لا يَمْنَعَ مِنهُ، فَإنْ مَنَعَ مِنهُ فَقَدْ سَدَّ بابَ النُّبُوّاتِ لِأنَّ بِناءَ الأمْرِ فِيها عَلى المُعْجِزاتِ ولا مَعْنى لَها إلّا خَرْقُ العاداتِ، وإنْ لَمْ يَمْنَعْ فَقَدْ زالَ هَذا الِاسْتِبْعادُ فَإنَّهُ لَيْسَ اسْتِبْعادُ صَيْرُورَةِ الصَّبِيِّ عاقِلًا أشَدَّ مِنَ اسْتِبْعادِ انْشِقاقِ القَمَرِ وانْفِلاقِ البَحْرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ اعْلَمْ أنَّ الحَنانَ أصْلُهُ مِنَ الحَنِينِ وهو الِارْتِياحُ والجَزَعُ لِلْفِراقِ كَما يُقالُ: حَنِينُ النّاقَةِ وهو صَوْتُها إذا اشْتاقَتْ إلى ولَدِها، ذَكَرَ الخَلِيلُ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ: «”أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي إلى جِذْعٍ في المَسْجِدِ فَلَمّا اتُّخِذَ لَهُ المِنبَرُ وتَحَوَّلَ إلَيْهِ حَنَّتْ تِلْكَ الخَشَبَةُ حَتّى سُمِعَ حَنِينُها“»، فَهَذا هو الأصْلُ ثُمَّ قِيلَ: تَحَنَّنَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا تَعَطَّفَ عَلَيْهِ ورَحِمَهُ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في وصْفِ اللَّهِ بِالحَنّانِ فَأجازَهُ بَعْضُهم، وجَعَلَهُ بِمَعْنى الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، ومِنهم مَن أباهُ لِما يَرْجِعُ إلَيْهِ أصْلُ الكَلِمَةِ قالُوا: لَمْ يَصِحَّ الخَبَرُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الحَنانُ هُنا فِيهِ وجْهانِ: صفحة ١٦٤ أحَدُهُما: أنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِلَّهِ. وثانِيهِما: أنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِيَحْيى أمّا إذا جَعَلْناهُ صِفَةً لِلَّهِ تَعالى فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ وآتَيْناهُ الحُكْمَ حَنانًا أيْ: رَحْمَةً مِنّا، ثُمَّ هَهُنا احْتِمالاتٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الحَنانُ مِنَ اللَّهِ لِيَحْيى، المَعْنى: آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا، ثُمَّ قالَ: ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ أيْ إنَّما آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا حَنانًا مِن لَدُنّا عَلَيْهِ أيْ: رَحْمَةً عَلَيْهِ وزَكاةً أيْ: وتَزْكِيَةً لَهُ وتَشْرِيفًا لَهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ الحَنانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّما اسْتَجَبْنا لِزَكَرِيّا دَعَوْتَهُ بِأنْ أعْطَيْناهُ ولَدًا ثُمَّ آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا وحَنانًا مِن لَدُنّا عَلَيْهِ أيْ عَلى زَكَرِيّا فَعَلْنا ذَلِكَ. ﴿وزَكاةً﴾ أيْ وتَزْكِيَةً لَهُ عَنْ أنْ يَصِيرَ مَرْدُودَ الدُّعاءِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الحَنانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأُمَّةِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وحَنانًا﴾ مِنّا عَلى أُمَّتِهِ لِعَظِيمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِدايَتِهِ وإرْشادِهِ، أمّا إذا جَعَلْناهُ صِفَةً لِيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: آتَيْناهُ الحُكْمَ والحَنانَ عَلى عِبادِنا أيِ التَّعَطُّفَ عَلَيْهِمْ وحُسْنَ النَّظَرِ عَلى كافَّتِهِمْ فِيما أُوَلِّيهِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ كَما وصَفَ نَبِيَّهُ، فَقالَ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٥٩) وقالَ: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٨) ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ آتاهُ زَكاةً، ومَعْناهُ أنْ لا تَكُونَ شَفَقَتُهُ داعِيَةً لَهُ إلى الإخْلالِ بِالواجِبِ لِأنَّ الرَّأْفَةَ واللِّينَ رُبَّما أوْرَثا تَرْكَ الواجِبِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ (النُّورِ: ٢) وقالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ (التَّوْبَةِ: ١٢٣) وقالَ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ (المائِدَةِ: ٥٤) . فالمَعْنى: إنَّما جَعَلْنا لَهُ التَّعَطُّفَ عَلى عِبادِ اللَّهِ مَعَ الطَّهارَةِ عَنِ الإخْلالِ بِالواجِباتِ، ويُحْتَمَلُ آتَيْناهُ التَّعَطُّفَ عَلى الخَلْقِ والطَّهارَةَ عَنِ المَعاصِي فَلَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو المَنقُولُ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: (وحَنانًا مِن لَدُنّا) والمَعْنى آتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا تَعْظِيمًا إذْ جَعَلْناهُ نَبِيًّا وهو صَبِيٌّ ولا تَعْظِيمَ أكْثَرُ مِن هَذا والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّهُ مَرَّ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ عَلى بِلالٍ وهو يُعَذَّبُ قَدْ أُلْصِقَ ظَهْرُهُ بِرَمْضاءِ البَطْحاءِ، ويَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَأتَّخِذَنَّهُ حَنانًا أيْ مُعَظَّمًا. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وزَكاةً﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ وآتَيْناهُ زَكاةً أيْ: عَمَلًا صالِحًا زَكِيًّا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ جُرَيْجٍ. وثانِيها: زَكاةً لِمَن قَبِلَ مِنهُ حَتّى يَكُونُوا أزْكِياءَ، عَنِ الحَسَنِ. وثالِثُها: زَكَّيْناهُ بِحُسْنِ الثَّناءِ كَما تُزَكِّي الشُّهُودُ الإنْسانَ. ورابِعُها: صَدَقَةً تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلى أبَوَيْهِ عَنِ الكَلْبِيِّ. وخامِسُها: بَرَكَةً ونَماءً وهو الَّذِي قالَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ (مَرْيَمَ: ٣١) واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ جَعَلَ طِهارَتَهُ وزَكاتَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُهُ عَلى الألْطافِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ وقَدْ عَرَفْتَ مَعْناهُ وبِالجُمْلَةِ فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ غايَةَ المَدائِحِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَتَّقِي نَهْيَ اللَّهِ فَيَجْتَنِبُهُ ويَتَّقِي أمْرَهُ فَلا يُهْمِلُهُ، وأوْلى النّاسِ بِهَذا الوَصْفِ مَن لَمْ يَعْصِ اللَّهَ ولا يَهُمُّ بِمَعْصِيَةٍ وكانَ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ ؟ وهَذا حِينَ ابْتِداءِ تَكْلِيفِهِ قُلْنا: إنَّما خاطَبَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ الرَّسُولَ وأخْبَرَ عَنْ حالِهِ حَيْثُ كانَ كَما أخْبَرَ عَنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا عِبادَةَ بَعْدَ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى مِثْلُ تَعْظِيمِ الوالِدَيْنِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ (الإسْراءِ: ٢٣) . الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا﴾ والمُرادُ وصْفُهُ بِالتَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحِجْرِ: ٨٨) وقالَ صفحة ١٦٥ تَعالى: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٥٩) ولِأنَّ رَأْسَ العِباداتِ مَعْرِفَةُ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِالذُّلِّ ومَعْرِفَةُ رَبِّهِ بِالعَظَمَةِ والكَمالِ ومَن عَرَفَ نَفْسَهُ بِالذُّلِّ وعَرَفَ رَبَّهُ بِالكَمالِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ التَّرَفُّعُ والتَّجَبُّرُ، ولِذَلِكَ فَإنَّ إبْلِيسَ لَمّا تَجَبَّرَ وتَمَرَّدَ صارَ مُبْعَدًا عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الدِّينِ وقِيلَ: الجَبّارُ هو الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلى نَفْسِهِ حَقًّا وهو مِنَ العِظَمِ والذَّهابِ بِنَفْسِهِ عَنْ أنْ يَلْزَمَهُ قَضاءُ حَقِّ أحَدٍ، وقالَ سُفْيانُ في قَوْلِهِ: ﴿جَبّارًا عَصِيًّا﴾ إنَّهُ الَّذِي يُقْبِلُ عَلى الغَضَبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ (القِصَصِ: ١٩) وقِيلَ: كُلُّ مَن عاقَبَ عَلى غَضَبِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ حَقٍّ؛ فَهو جَبّارٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (الشُّعَراءِ: ١٣٠) . الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَصِيًّا﴾ وهو أبْلَغُ مِنَ العاصِي كَما أنَّ العَلِيمَ أبْلَغُ مِنَ العالِمِ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ أيْ أمانٌ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ وُلِدَ مِن أنْ يَنالَهُ الشَّيْطانُ كَما يَنالُ سائِرَ بَنِي آدَمَ: ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ أيْ: وأمانٌ عَلَيْهِ مِن عَذابِ القَبْرِ: ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أيْ ومِن عَذابِ القِيامَةِ. وثانِيها: قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أوْحَشُ ما يَكُونُ الخَلْقُ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ يَوْمَ يُولَدُ؛ فَيَرى نَفْسَهُ خارِجًا مِمّا كانَ فِيهِ، ويَوْمَ يَمُوتُ؛ فَيَرى قَوْمًا ما شاهَدَهم قَطُّ، ويَوْمَ يُبْعَثُ؛ فَيَرى نَفْسَهُ في مَحْشَرٍ عَظِيمٍ؛ فَأكْرَمَ اللَّهُ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَخَصَّهُ بِالسَّلامِ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ. وثالِثُها: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَفْطَوَيْهِ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ أيْ: أوَّلَ ما يَرى الدُّنْيا ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ أيْ: أوَّلَ يَوْمٍ يَرى فِيهِ أوَّلَ أمْرِ الآخِرَةِ ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أيْ: أوَّلَ يَوْمٍ يَرى فِيهِ الجَنَّةَ والنّارَ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. وإنَّما قالَ: ﴿حَيًّا﴾ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِ مِنَ الشُّهَداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٦٩) فُرُوعٌ: الأوَّلُ: هَذا السَّلامُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَدَلالَةُ شَرَفِهِ وفَضْلِهِ لا تَخْتَلِفُ لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يُسَلِّمُونَ إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: لِيَحْيى مَزِيَّةٌ في هَذا السَّلامِ عَلى ما لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٧٩) . ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ (الصّافّاتِ: ١٠٩)؛ لِأنَّهُ قالَ ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْتَ أفْضَلُ مِنِّي لِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّمَ عَلَيْكَ وأنا سَلَّمْتُ عَلى نَفْسِي، وهَذا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأنَّ سَلامَ عِيسى عَلى نَفْسِهِ يَجْرِي مَجْرى سَلامِ اللَّهِ عَلى يَحْيى لِأنَّ عِيسى مَعْصُومٌ لا يَفْعَلُ إلّا ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. الرّابِعُ: السَّلامُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ ما يَكُونُ ذَلِكَ جَزاءً لَهُ، وأمّا السَّلامُ عَلَيْهِ يَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ في المَحْشَرِ، فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثَوابًا كالمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * * القَوْلُ في فَوائِدِ هَذِهِ القِصَّةِ: الفائِدَةُ الأُولى: تَعْلِيمُ آدابِ الدُّعاءِ وهي مِن جِهاتٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿نِداءً خَفِيًّا﴾ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْضَلَ الدُّعاءِ ما هَذا حالُهُ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ (الأعْرافِ: ٥٥) ولِأنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ مُشْعِرٌ بِالقُوَّةِ والجَلادَةِ، وإخْفاءَ الصَّوْتِ مُشْعِرٌ بِالضَّعْفِ والِانْكِسارِ، وعُمْدَةُ الدُّعاءِ الِانْكِسارُ والتَّبَرِّي عَنْ حَوْلِ النَّفْسِ وقُوَّتِها والِاعْتِمادُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وإحْسانِهِ. وثانِيها: أنَّ المُسْتَحَبَّ أنْ يَذْكُرَ في مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ عَجْزَ النَّفْسِ وضَعْفَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ثُمَّ يَذْكُرُ كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ صفحة ١٦٦ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ . وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ لِأجْلِ شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ بِالدِّينِ لا لِمَحْضِ الدُّنْيا كَما قالَ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ . ورابِعُها: أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ بِلَفْظِ يا رَبِّ عَلى ما في هَذا المَوْضِعِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: ظُهُورُ دَرَجاتِ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ أمّا زَكَرِيّا فَأُمُورٌ: أحَدُها: نِهايَةُ تَضَرُّعِهِ في نَفْسِهِ وانْقِطاعُهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ. وثانِيها: إجابَةُ اللَّهِ تَعالى دُعاءَهُ. وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى ناداهُ وبَشَّرَهُ أوِ المَلائِكَةُ أوْ حَصَلَ الأمْرانِ مَعًا. ورابِعُها: اعْتِقالُ لِسانِهِ عَنِ الكَلامِ دُونَ التَّسْبِيحِ. وخامِسُها: أنَّهُ يَجُوزُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ طَلَبُ الآياتِ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ . الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى خَلْقِ الوَلَدِ وإنْ كانَ الأبَوانِ في نِهايَةِ الشَّيْخُوخَةِ رَدًّا عَلى أهْلِ الطَّبائِعِ. الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: صِحَّةُ الِاسْتِدْلالِ في الدِّينِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . الفائِدَةُ الخامِسَةُ: أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والآيَةُ نَصٌّ في ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا مَذْكُورًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (الإنْسانِ: ١) قُلْنا: الإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، ولِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنْ جَواهِرَ مُتَألِّفَةٍ قامَتْ بِها أعْراضٌ مَخْصُوصَةٌ والجَواهِرُ المُتَألِّفَةُ المَوْصُوفَةُ بِالأعْراضِ المَخْصُوصَةِ غَيْرُ ثابِتَةٍ في العَدَمِ إنَّما الثّابِتُ هو أعْيانُ تِلْكَ الجَواهِرِ مُفْرَدَةً غَيْرَ مُرَكَّبَةٍ وهي لَيْسَتْ بِإنْسانٍ فَظَهَرَ أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى المَطْلُوبِ. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وذَكَرَها في هَذا المَوْضِعِ فَلْنَعْتَبِرْ حالَها في المَوْضِعَيْنِ فَنَقُولُ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ دَعا رَبَّهُ ولَمْ يُبَيِّنِ الوَقْتَ وبَيَّنَهُ في آلِ عِمْرانَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٧، ٣٨) والمَعْنى أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى خَرْقَ العادَةِ في حَقِّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ طَمِعَ فِيهِ في حَقِّ نَفْسِهِ فَدَعا. الثّانِي: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ في آلِ عِمْرانَ بِأنَّ المُنادِيَ هو المَلائِكَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٩) وفي هَذِهِ السُّورَةِ الأظْهَرُ أنَّ المُنادِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ هو اللَّهُ تَعالى وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ. الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤٠) فَذَكَرَ أوَّلًا كِبَرَ نَفْسِهِ ثُمَّ عُقْرَ المَرْأةِ وهو في هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ وجَوابُهُ أنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. الرّابِعُ: قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤٠) وقالَ هَهُنا ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ﴾ وجَوابُهُ أنَّ ما بَلَغَكَ فَقَدْ بَلَغْتَهُ. الخامِسُ: قالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤١) وقالَ هَهُنا: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ وجَوابُهُ: دَلَّتِ الآيَتانِ عَلى أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ بِلَيالِيهنَّ، واللَّهُ أعْلَمُ. القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ مَرْيَمَ وكَيْفِيَّةِ وِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما قَدَّمَ قِصَّةَ يَحْيى عَلى قِصَّةِ عِيسى صفحة ١٦٧ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ خَلْقَ الوَلَدِ مِن شَيْخَيْنِ فانِيَيْنِ أقْرَبُ إلى مَناهِجِ العاداتِ مِن تَخْلِيقِ الوَلَدِ لا مِنَ الأبِ البَتَّةَ وأحْسَنُ الطُّرُقِ في التَّعْلِيمِ والتَّفْهِيمِ الأخْذُ مِنَ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ مُتَرَقِّيًا إلى الأصْعَبِ فالأصْعَبِ.

مريم 19:16

وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إذْ بَدَلٌ مِن مَرْيَمَ بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ الأحْيانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها وفِيهِ أنَّ المَقْصُودَ بِذِكْرِ مَرْيَمَ ذِكْرُ وقْتِ هَذا الوُقُوعِ لِهَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: النَّبْذُ أصْلُهُ الطَّرْحُ والإلْقاءُ، والِانْتِباذُ افْتِعالٌ مِنهُ، ومِنهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٧] وانْتَبَذَتْ تَنَحَّتْ يُقالُ: جَلَسَ نُبْذَةً مِنَ النّاسِ، ونَبْذَةً بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِها أيْ: ناحِيَةً، وهَذا إذا جَلَسَ قَرِيبًا مِنكَ حَتّى لَوْ نَبَذْتَ إلَيْهِ شَيْئًا وصَلَ إلَيْهِ، ونَبَذْتُ الشَّيْءَ رَمَيْتُهُ ومِنهُ النَّبِيذُ؛ لِأنَّهُ يُطْرَحُ في الإناءِ وأصْلُهُ مَنبُوذٌ؛ فَصُرِفَ إلى فَعِيلٍ ومِنهُ قِيلَ لِلَّقِيطِ مَنبُوذٌ؛ لِأنَّهُ يُرْمى بِهِ ومِنهُ النَّهْيُ عَنِ المُنابَذَةِ في البَيْعِ وهو أنْ يَقُولَ: إذا نَبَذْتُ إلَيْكَ هَذا الثَّوْبَ أوِ الحَصاةَ فَقَدْ وجَبَ البَيْعُ، إذْ عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ مَعْناهُ تَباعَدَتْ وانْفَرَدَتْ عَلى سُرْعَةٍ إلى مَكانٍ يَلِي ناحِيَةَ الشَّرْقِ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّها مَعَ ذَلِكَ اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا مَسْتُورًا، وظاهِرُ ذَلِكَ أنَّها لَمْ تَقْتَصِرْ عَلى أنِ انْفَرَدَتْ إلى مَوْضِعٍ بَلْ جَعَلَتْ بَيْنَها وبَيْنَهم حائِلًا مِن حائِطٍ أوْ غَيْرِهِ ويُحْتَمَلُ أنَّها جَعَلَتْ بَيْنَ نَفْسِها وبَيْنَهم سِتْرًا وهَذا الوَجْهُ الثّانِي أظْهَرُ مِنَ الأوَّلِ ثُمَّ لا بُدَّ مِنَ احْتِجابِها مِن أنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ولَيْسَ مَذْكُورًا واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّها لَمّا رَأتِ الحَيْضَ تَباعَدَتْ عَنْ مَكانِها المُعْتادِ لِلْعِبادَةِ لِكَيْ تَنْتَظِرَ الطُّهْرَ فَتَغْتَسِلَ وتَعُودَ فَلَمّا طَهُرَتْ جاءَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّها طَلَبَتِ الخَلْوَةَ لِئَلّا تَشْتَغِلَ عَنِ العِبادَةِ. والثّالِثُ: قَعَدَتْ في مَشْرَقَةٍ لِلِاغْتِسالِ مِنَ الحَيْضِ مُحْتَجِبَةً بِشَيْءٍ يَسْتُرُها. والرّابِعُ: أنَّها كانَ لَها في مَنزِلِ زَوْجِ أُخْتِها زَكَرِيّاءَ مِحْرابٌ عَلى حِدَةٍ تَسْكُنُهُ وكانَ زَكَرِيّا إذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها فَتَمَنَّتْ (عَلى) اللَّهِ (أنْ) تَجِدَ خَلْوَةً في الجَبَلِ لِتُفَلِّيَ رَأْسَها فانْفَرَجَ السَّقْفُ لَها فَخَرَجَتْ إلى المَفازَةِ فَجَلَسَتْ في المَشْرَقَةِ وراءَ الجَبَلِ فَأتاها المَلَكُ. وخامِسُها: عَطِشَتْ فَخَرَجَتْ إلى المَفازَةِ لِتَسْتَقِيَ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمَلٌ ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى تَرْجِيحِ واحِدٍ مِنها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَكانُ الشَّرْقِيُّ هو الَّذِي يَلِي شَرْقِيَّ بَيْتِ المَقْدِسِ أوْ شَرْقِيَّ دارِها وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنِّي لَأعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ لِأيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ فاتَّخَذُوا مِيلادَ عِيسى قِبْلَةً. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّها لَمّا جَلَسَتْ في ذَلِكَ المَكانِ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْها الرُّوحَ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الرُّوحِ فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ الرُّوحُ الَّذِي تَصَوَّرَ في بَطْنِها بَشَرًا، والأوَّلُ أقْرَبُ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُسَمّى رُوحًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣، ١٩٤] صفحة ١٦٨ وسُمِّيَ رُوحًا؛ لِأنَّهُ رُوحانِيٌّ وقِيلَ: خُلِقَ مِنَ الرُّوحِ، وقِيلَ: لِأنَّ الدِّينَ يَحْيا بِهِ أوْ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِرُوحِهِ عَلى المَجازِ مَحَبَّةً لَهُ وتَقْرِيبًا كَما تَقُولُ لِحَبِيبِكَ رُوحِي، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ رَوْحَنا بِالفَتْحِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِما فِيهِ رَوْحُ العِبادِ، وإصابَةُ الرَّوْحِ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي هو عِدَةُ المُتَّقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٩] أوْ لِأنَّهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ وهُمُ المَوْعُودُونَ بِالرَّوْحِ أيْ: مُقَرِّبَنا وذا رَوْحِنا وإذا ثَبَتَ أنَّهُ يُسَمّى رُوحًا فَهو هُنا يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ هو؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ١٩] ولا يَلِيقُ ذَلِكَ إلّا بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَيْفَ ظَهَرَ لَها. فالأوَّلُ: أنَّهُ ظَهَرَ لَها عَلى صُورَةِ شابٍّ أمَرَدَ حَسَنِ الوَجْهِ سَوِيِّ الخَلْقِ. والثّانِي: أنَّهُ ظَهَرَ لَها عَلى صُورَةِ تِرْبٍ لَها، اسْمُهُ يُوسُفُ مِن خَدَمِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ ولا دَلالَةَ في اللَّفْظِ عَلى التَّعْيِينِ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما تَمَثَّلَ لَها في صُورَةِ الإنْسانِ لِتَسْتَأْنِسَ بِكَلامِهِ ولا تَنْفِرَ عَنْهُ فَلَوْ ظَهَرَ لِها في صُورَةِ المَلائِكَةِ لَنَفَرَتْ عَنْهُ ولَمْ تَقْدِرْ عَلى اسْتِماعِ كَلامِهِ ثُمَّ هَهُنا إشْكالاتٌ: أحَدُهُما: وهو أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَظْهَرَ المَلَكُ في صُورَةِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُنا القَطْعُ بِأنَّ هَذا الشَّخْصَ الَّذِي أراهُ في الحالِ هو زَيْدٌ الَّذِي رَأيْتُهُ بِالأمْسِ لِاحْتِمالِ أنَّ المَلَكَ أوِ الجِنِّيَّ تَمَثَّلَ في صُورَتِهِ، وفَتْحُ هَذا البابِ يُؤَدِّي إلى السَّفْسَطَةِ، لا يُقالُ هَذا إنَّما يَجُوزُ في زَمانِ جَوازِ البَعْثَةِ فَأمّا في زَمانِنا هَذا فَلا يَجُوزُ؛ لِأنّا نَقُولُ: هَذا الفَرْقُ إنَّما يُعْلَمُ بِالدَّلِيلِ، فالجاهِلُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ يَجِبُ أنْ لا يَقْطَعَ بِأنَّ هَذا الشَّخْصَ الَّذِي أراهُ الآنَ هو الشَّخْصُ الَّذِي رَأيْتُهُ بِالأمْسِ. وثانِيها: أنَّهُ جاءَ في الأخْبارِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَخْصٌ عَظِيمٌ جِدًّا فَذَلِكَ الشَّخْصُ العَظِيمُ كَيْفَ صارَ بَدَنُهُ في مِقْدارِ جُثَّةِ الإنْسانِ أبِأْنَ تَساقَطَتْ أجْزاؤُهُ وتَفَرَّقَتْ بِنْيَتُهُ فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى جِبْرِيلُ أوْ بِأنْ تَداخَلَتْ أجْزاؤُهُ وذَلِكَ يُوجِبُ تَداخُلَ الأجْزاءِ وهو مُحالٌ. وثالِثُها: وهو أنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَتَمَثَّلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ الآدَمِيِّ فَلِمَ لا يَجُوزُ تَمَثُّلُهُ في صُورَةِ جِسْمٍ أصْغَرَ مِنَ الآدَمِيِّ حَتّى الذُّبابُ والبَقُّ والبَعُوضُ ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مَذْهَبٍ جَرَّ إلى ذَلِكَ فَهو باطِلٌ. ورابِعُها: أنَّ تَجْوِيزَهُ يُفْضِي إلى القَدْحِ في خَبَرِ التَّواتُرِ فَلَعَلَّ الشَّخْصَ الَّذِي حارَبَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدًا بَلْ كانَ شَخْصًا آخَرَ تَشَبَّهَ بِهِ وكَذا القَوْلُ في الكُلِّ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ ذَلِكَ التَّجْوِيزَ لازِمٌ عَلى الكُلِّ لِأنَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِافْتِقارِ العالَمِ إلى الصّانِعِ المُخْتارِ فَقَدْ قَطَعَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ شَخْصًا آخَرَ مِثْلَ زَيْدٍ في خِلْقَتِهِ وتَخْطِيطِهِ وإذا جَوَّزْنا ذَلِكَ فَقَدْ لَزِمَ الشَّكُّ في أنَّ زَيْدًا المُشاهِدَ الآنَ هو الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ أمْ لا، ومَن أنْكَرَ الصّانِعَ المُخْتارَ وأسْنَدَ الحَوادِثَ إلى اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وتَشَكِيلاتِ الفَلَكِ لَزِمَهُ تَجْوِيزُ أنْ يَحْدُثَ اتِّصالٌ غَرِيبٌ في الأفْلاكِ يَقْتَضِي حُدُوثَ شَخْصٍ مِثْلَ زَيْدٍ في كُلِّ الأُمُورِ وحِينَئِذٍ يَعُودُ التَّجْوِيزُ المَذْكُورُ. وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ أجْزاءٌ أصْلِيَّةٌ وأجْزاءٌ فاضِلَةٌ، والأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ قَلِيلَةٌ جِدًّا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِصُورَةِ الإنْسانِ، هَذا إذا جَعَلْناهُ جُسْمانِيًّا أمّا إذا جَعَلْناهُ رُوحانِيًّا فَأيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَتَدَرَّعَ تارَةً بِالهَيْكَلِ العَظِيمِ وأُخْرى بِالهَيْكَلِ الصَّغِيرِ. وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ أصْلَ التَّجْوِيزِ قائِمٌ في العَقْلِ وإنَّما عُرِفَ فَسادُهُ بِدَلائِلِ السَّمْعِ وهو الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الرّابِعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

مريم 19:17

وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: إذْ بَدَلٌ مِن مَرْيَمَ بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ الأحْيانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها وفِيهِ أنَّ المَقْصُودَ بِذِكْرِ مَرْيَمَ ذِكْرُ وقْتِ هَذا الوُقُوعِ لِهَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: النَّبْذُ أصْلُهُ الطَّرْحُ والإلْقاءُ، والِانْتِباذُ افْتِعالٌ مِنهُ، ومِنهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٧] وانْتَبَذَتْ تَنَحَّتْ يُقالُ: جَلَسَ نُبْذَةً مِنَ النّاسِ، ونَبْذَةً بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِها أيْ: ناحِيَةً، وهَذا إذا جَلَسَ قَرِيبًا مِنكَ حَتّى لَوْ نَبَذْتَ إلَيْهِ شَيْئًا وصَلَ إلَيْهِ، ونَبَذْتُ الشَّيْءَ رَمَيْتُهُ ومِنهُ النَّبِيذُ؛ لِأنَّهُ يُطْرَحُ في الإناءِ وأصْلُهُ مَنبُوذٌ؛ فَصُرِفَ إلى فَعِيلٍ ومِنهُ قِيلَ لِلَّقِيطِ مَنبُوذٌ؛ لِأنَّهُ يُرْمى بِهِ ومِنهُ النَّهْيُ عَنِ المُنابَذَةِ في البَيْعِ وهو أنْ يَقُولَ: إذا نَبَذْتُ إلَيْكَ هَذا الثَّوْبَ أوِ الحَصاةَ فَقَدْ وجَبَ البَيْعُ، إذْ عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ مَعْناهُ تَباعَدَتْ وانْفَرَدَتْ عَلى سُرْعَةٍ إلى مَكانٍ يَلِي ناحِيَةَ الشَّرْقِ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّها مَعَ ذَلِكَ اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا مَسْتُورًا، وظاهِرُ ذَلِكَ أنَّها لَمْ تَقْتَصِرْ عَلى أنِ انْفَرَدَتْ إلى مَوْضِعٍ بَلْ جَعَلَتْ بَيْنَها وبَيْنَهم حائِلًا مِن حائِطٍ أوْ غَيْرِهِ ويُحْتَمَلُ أنَّها جَعَلَتْ بَيْنَ نَفْسِها وبَيْنَهم سِتْرًا وهَذا الوَجْهُ الثّانِي أظْهَرُ مِنَ الأوَّلِ ثُمَّ لا بُدَّ مِنَ احْتِجابِها مِن أنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ولَيْسَ مَذْكُورًا واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّها لَمّا رَأتِ الحَيْضَ تَباعَدَتْ عَنْ مَكانِها المُعْتادِ لِلْعِبادَةِ لِكَيْ تَنْتَظِرَ الطُّهْرَ فَتَغْتَسِلَ وتَعُودَ فَلَمّا طَهُرَتْ جاءَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّها طَلَبَتِ الخَلْوَةَ لِئَلّا تَشْتَغِلَ عَنِ العِبادَةِ. والثّالِثُ: قَعَدَتْ في مَشْرَقَةٍ لِلِاغْتِسالِ مِنَ الحَيْضِ مُحْتَجِبَةً بِشَيْءٍ يَسْتُرُها. والرّابِعُ: أنَّها كانَ لَها في مَنزِلِ زَوْجِ أُخْتِها زَكَرِيّاءَ مِحْرابٌ عَلى حِدَةٍ تَسْكُنُهُ وكانَ زَكَرِيّا إذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها فَتَمَنَّتْ (عَلى) اللَّهِ (أنْ) تَجِدَ خَلْوَةً في الجَبَلِ لِتُفَلِّيَ رَأْسَها فانْفَرَجَ السَّقْفُ لَها فَخَرَجَتْ إلى المَفازَةِ فَجَلَسَتْ في المَشْرَقَةِ وراءَ الجَبَلِ فَأتاها المَلَكُ. وخامِسُها: عَطِشَتْ فَخَرَجَتْ إلى المَفازَةِ لِتَسْتَقِيَ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمَلٌ ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى تَرْجِيحِ واحِدٍ مِنها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَكانُ الشَّرْقِيُّ هو الَّذِي يَلِي شَرْقِيَّ بَيْتِ المَقْدِسِ أوْ شَرْقِيَّ دارِها وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنِّي لَأعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ لِأيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ فاتَّخَذُوا مِيلادَ عِيسى قِبْلَةً. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّها لَمّا جَلَسَتْ في ذَلِكَ المَكانِ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْها الرُّوحَ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الرُّوحِ فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ الرُّوحُ الَّذِي تَصَوَّرَ في بَطْنِها بَشَرًا، والأوَّلُ أقْرَبُ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُسَمّى رُوحًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣، ١٩٤] صفحة ١٦٨ وسُمِّيَ رُوحًا؛ لِأنَّهُ رُوحانِيٌّ وقِيلَ: خُلِقَ مِنَ الرُّوحِ، وقِيلَ: لِأنَّ الدِّينَ يَحْيا بِهِ أوْ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِرُوحِهِ عَلى المَجازِ مَحَبَّةً لَهُ وتَقْرِيبًا كَما تَقُولُ لِحَبِيبِكَ رُوحِي، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ رَوْحَنا بِالفَتْحِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِما فِيهِ رَوْحُ العِبادِ، وإصابَةُ الرَّوْحِ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي هو عِدَةُ المُتَّقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٩] أوْ لِأنَّهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ وهُمُ المَوْعُودُونَ بِالرَّوْحِ أيْ: مُقَرِّبَنا وذا رَوْحِنا وإذا ثَبَتَ أنَّهُ يُسَمّى رُوحًا فَهو هُنا يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ هو؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ١٩] ولا يَلِيقُ ذَلِكَ إلّا بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَيْفَ ظَهَرَ لَها. فالأوَّلُ: أنَّهُ ظَهَرَ لَها عَلى صُورَةِ شابٍّ أمَرَدَ حَسَنِ الوَجْهِ سَوِيِّ الخَلْقِ. والثّانِي: أنَّهُ ظَهَرَ لَها عَلى صُورَةِ تِرْبٍ لَها، اسْمُهُ يُوسُفُ مِن خَدَمِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ ولا دَلالَةَ في اللَّفْظِ عَلى التَّعْيِينِ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما تَمَثَّلَ لَها في صُورَةِ الإنْسانِ لِتَسْتَأْنِسَ بِكَلامِهِ ولا تَنْفِرَ عَنْهُ فَلَوْ ظَهَرَ لِها في صُورَةِ المَلائِكَةِ لَنَفَرَتْ عَنْهُ ولَمْ تَقْدِرْ عَلى اسْتِماعِ كَلامِهِ ثُمَّ هَهُنا إشْكالاتٌ: أحَدُهُما: وهو أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَظْهَرَ المَلَكُ في صُورَةِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُنا القَطْعُ بِأنَّ هَذا الشَّخْصَ الَّذِي أراهُ في الحالِ هو زَيْدٌ الَّذِي رَأيْتُهُ بِالأمْسِ لِاحْتِمالِ أنَّ المَلَكَ أوِ الجِنِّيَّ تَمَثَّلَ في صُورَتِهِ، وفَتْحُ هَذا البابِ يُؤَدِّي إلى السَّفْسَطَةِ، لا يُقالُ هَذا إنَّما يَجُوزُ في زَمانِ جَوازِ البَعْثَةِ فَأمّا في زَمانِنا هَذا فَلا يَجُوزُ؛ لِأنّا نَقُولُ: هَذا الفَرْقُ إنَّما يُعْلَمُ بِالدَّلِيلِ، فالجاهِلُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ يَجِبُ أنْ لا يَقْطَعَ بِأنَّ هَذا الشَّخْصَ الَّذِي أراهُ الآنَ هو الشَّخْصُ الَّذِي رَأيْتُهُ بِالأمْسِ. وثانِيها: أنَّهُ جاءَ في الأخْبارِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَخْصٌ عَظِيمٌ جِدًّا فَذَلِكَ الشَّخْصُ العَظِيمُ كَيْفَ صارَ بَدَنُهُ في مِقْدارِ جُثَّةِ الإنْسانِ أبِأْنَ تَساقَطَتْ أجْزاؤُهُ وتَفَرَّقَتْ بِنْيَتُهُ فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى جِبْرِيلُ أوْ بِأنْ تَداخَلَتْ أجْزاؤُهُ وذَلِكَ يُوجِبُ تَداخُلَ الأجْزاءِ وهو مُحالٌ. وثالِثُها: وهو أنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَتَمَثَّلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ الآدَمِيِّ فَلِمَ لا يَجُوزُ تَمَثُّلُهُ في صُورَةِ جِسْمٍ أصْغَرَ مِنَ الآدَمِيِّ حَتّى الذُّبابُ والبَقُّ والبَعُوضُ ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مَذْهَبٍ جَرَّ إلى ذَلِكَ فَهو باطِلٌ. ورابِعُها: أنَّ تَجْوِيزَهُ يُفْضِي إلى القَدْحِ في خَبَرِ التَّواتُرِ فَلَعَلَّ الشَّخْصَ الَّذِي حارَبَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدًا بَلْ كانَ شَخْصًا آخَرَ تَشَبَّهَ بِهِ وكَذا القَوْلُ في الكُلِّ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ ذَلِكَ التَّجْوِيزَ لازِمٌ عَلى الكُلِّ لِأنَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِافْتِقارِ العالَمِ إلى الصّانِعِ المُخْتارِ فَقَدْ قَطَعَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ شَخْصًا آخَرَ مِثْلَ زَيْدٍ في خِلْقَتِهِ وتَخْطِيطِهِ وإذا جَوَّزْنا ذَلِكَ فَقَدْ لَزِمَ الشَّكُّ في أنَّ زَيْدًا المُشاهِدَ الآنَ هو الَّذِي شاهَدْناهُ بِالأمْسِ أمْ لا، ومَن أنْكَرَ الصّانِعَ المُخْتارَ وأسْنَدَ الحَوادِثَ إلى اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وتَشَكِيلاتِ الفَلَكِ لَزِمَهُ تَجْوِيزُ أنْ يَحْدُثَ اتِّصالٌ غَرِيبٌ في الأفْلاكِ يَقْتَضِي حُدُوثَ شَخْصٍ مِثْلَ زَيْدٍ في كُلِّ الأُمُورِ وحِينَئِذٍ يَعُودُ التَّجْوِيزُ المَذْكُورُ. وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ أجْزاءٌ أصْلِيَّةٌ وأجْزاءٌ فاضِلَةٌ، والأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ قَلِيلَةٌ جِدًّا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِصُورَةِ الإنْسانِ، هَذا إذا جَعَلْناهُ جُسْمانِيًّا أمّا إذا جَعَلْناهُ رُوحانِيًّا فَأيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَتَدَرَّعَ تارَةً بِالهَيْكَلِ العَظِيمِ وأُخْرى بِالهَيْكَلِ الصَّغِيرِ. وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ أصْلَ التَّجْوِيزِ قائِمٌ في العَقْلِ وإنَّما عُرِفَ فَسادُهُ بِدَلائِلِ السَّمْعِ وهو الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الرّابِعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

مريم 19:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أرادَتْ إنْ كانَ يُرْجى مِنكَ أنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ ويَحْصُلَ ذَلِكَ بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ فَإنِّي عائِذَةٌ بِهِ مِنكَ وهَذا في نِهايَةِ الحُسْنِ لِأنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ لا تُؤَثِّرُ صفحة ١٦٩ الِاسْتِعاذَةُ إلّا في التَّقِيِّ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٨] أيْ: أنَّ شَرْطَ الإيمانِ يُوجِبُ هَذا لا أنَّ اللَّهَ تَعالى يُخْشى في حالٍ دُونَ حالٍ. وثانِيها: أنَّ مَعْناهُما كُنْتَ تَقِيًّا حَيْثُ اسْتَحْلَلْتَ النَّظَرَ إلَيَّ وخَلَوْتَ بِي. وثالِثُها: أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ إنْسانٌ فاجِرٌ اسْمُهُ تَقِيٌّ يَتَّبِعُ النِّساءَ فَظَنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ المُشاهَدَ هو ذَلِكَ التَّقِيُّ والأوَّلُ هو الوَجْهُ.

مريم 19:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا عَلِمَ جِبْرِيلُ خَوْفَها قالَ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ لِيَزُولَ عَنْها ذَلِكَ الخَوْفُ، ولَكِنَّ الخَوْفَ لا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ هَذا القَوْلِ بَلْ لا بُدَّ مِن دَلالَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وما كانَ مِنَ النّاسِ، فَهَهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ مُعْجِزٌ عَرَفَتْ بِهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُحْتَمَلُ أنَّها مِن جِهَةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَفَتْ صِفَةَ المَلائِكَةِ فَلَمّا قالَ لَها: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أظْهَرَ لَها مِن باطِنِ جَسَدِهِ ما عَرَفَتْ أنَّهُ مَلَكٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ هو العِلْمَ، وسَألَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في تَفْسِيرِهِ نَفْسَهُ فَقالَ: إذا لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً عِنْدَكم وكانَ مِن قَوْلِكم أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرْسِلْ إلى خَلْقِهِ إلّا رِجالًا فَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ ؟ وأجابَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما وقَعَ في زَمانِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ رَسُولًا، وكُلُّ ذَلِكَ كانَ عالِمًا بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ المُعْجِزَ إذا كانَ مَفْعُولًا لِلنَّبِيِّ فَأقَلُّ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِهِ وزَكَرِيّا ما كانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِهَذِهِ الوَقائِعِ فَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُهُ مُعْجِزًا لَهُ ؟ بَلِ الحَقُّ أنَّ ذَلِكَ إمّا أنْ يَكُونَ كَرامَةً لِمَرْيَمَ أوْ إرْهاصًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ لِيَهَبَ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ اللّامِ أيْ: لِيَهَبَ اللَّهُ لَكِ والباقُونَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها أمّا قَوْلُهُ لِأهَبَ لَكِ فَفي مَجازِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الهِبَةَ لَمّا جَرَتْ عَلى يَدِهِ بِأنْ كانَ هو الَّذِي نَفَخَ في جَيْبِها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى جَعَلَ نَفْسَهُ كَأنَّهُ هو الَّذِي وهَبَ لَها، وإضافَةُ الفِعْلِ إلى ما هو سَبَبٌ لَهُ مُسْتَعْمَلٌ قالَ تَعالى في الأصْنامِ: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦] . الثّانِي: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَشَّرَها بِذَلِكَ كانَتْ تِلْكَ البِشارَةُ الصّادِقَةُ جارِيَةً مَجْرى الهِبَةِ فَإنْ قالَ قائِلٌ ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَقْدِرُ عَلى تَرْكِيبِ الأجْزاءِ وخَلْقِ الحَياةِ والعَقْلِ والنُّطْقِ فِيها ؟ والَّذِي يُقالُ فِيهِ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ جِسْمٌ والجِسْمُ لا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ أمّا أنَّهُ جِسْمٌ فَلِأنَّهُ مُحَدَثٌ وكُلُّ مُحْدَثٍ إمّا مُتَحَيِّزٌ أوْ قائِمٌ بِالمُتَحَيِّزِ وأمّا أنَّ الجِسْمَ لا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ فَلِأنَّهُ لَوْ قَدَرَ جِسْمٌ عَلى ذَلِكَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ كُلُّ جِسْمٍ لَأنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ، وهو ضَعِيفٌ؛ لَأنَّ لِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ إمّا مُتَحَيِّزٌ أوْ قائِمٌ بِهِ، بَلْ هَهُنا مَوْجُوداتٌ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها لا مُتَحَيِّزَةٌ ولا قائِمَةٌ بِالمُتَحَيِّزِ ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِها كَذَلِكَ كَوْنُها أمْثالًا لِذاتِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في الصِّفاتِ الثُّبُوتِيَّةِ لا يَقْتَضِي التَّماثُلَ فَكَيْفَ في الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، سَلَّمْنا كَوْنَهُ جِسْمًا فَلِمَ قُلْتَ: الجِسْمُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الأجْسامُ مُتَماثِلَةٌ: قُلْنا نَعْنِي بِهِ أنَّها مُتَماثِلَةٌ في كَوْنِها حاصِلَةً في الأحْيازِ ذاهِبَةً في الجِهاتِ أوْ نَعْنِي بِهِ أنَّها مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ ماهِيّاتِها. والأوَّلُ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ حُصُولَها في الأحْيازِ صِفاتٌ لِتِلْكَ الذَّواتِ، والِاشْتِراكُ في الصِّفاتِ لا يُوجِبُ الِاشْتِراكَ في ماهِيّاتِ المُواصَفاتِ، سَلَّمْنا أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ بَعْضَها بِهَذِهِ القُدْرَةِ دُونَ البَعْضِ حَتّى إنَّهُ يَصِحُّ مِنها ذَلِكَ ولا يَصِحُّ مِنَ البَشَرِ ذَلِكَ ؟ والجَوابُ صفحة ١٧٠ الحَقُّ أنَّ المُعْتَمَدَ في دَفْعِ هَذا الِاحْتِمالِ إجْماعُ الأُمَّةِ فَقَطْ واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الزَّكِيُّ يُفِيدُ أُمُورًا ثَلاثَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ. والثّانِي: أنَّهُ يَنْمُو عَلى التَّزْكِيَةِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ فِيمَن لا ذَنْبَ لَهُ زَكِيٌّ، وفي الزَّرْعِ النّامِي زَكِيٌّ. والثّالِثُ: النَّزاهَةُ والطَّهارَةُ فِيما يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ لِيَصِحَّ أنْ يُبْعَثَ نَبِيًّا، وقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ الأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى الكُلِّ وهو ضَعِيفٌ لِما عَرَفْتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ اللَّفْظَ الواحِدَ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى المَعْنَيَيْنِ سَواءٌ كانَ حَقِيقَةً فِيهِما أوْ في أحَدِهِما مَجازًا وفي الآخَرِ حَقِيقَةً. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: سَمّاهُ زَكِيًّا مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا وأنْتَ إذا نَظَرْتَ في سُوقِكَ فَمَن لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا فَهو شَقِيٌّ عِنْدَكَ. وإنَّما الزَّكِيُّ مَن يَمْلِكُ المالَ واللَّهُ يَقُولُ كانَ زَكِيًّا؛ لِأنَّ سِيرَتَهُ الفَقْرُ وغِناهُ الحِكْمَةُ والكِتابُ، وأنْتَ فَإنَّما تُسَمِّي بِالزَّكِيِّ مَن كانَتْ سِيرَتُهُ الجَهْلَ وطَرِيقَتُهُ المالَ.

مريم 19:20

وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّها إنَّما تَعَجَّبَتْ بِما بَشَّرَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّها عَرَفَتْ بِالعادَةِ أنَّ الوِلادَةَ لا تَكُونُ إلّا مِن رَجُلٍ والعاداتُ عِنْدَ أهْلِ المَعْرِفَةِ مُعْتَبَرَةٌ في الأُمُورِ وإنْ جَوَّزُوا خِلافَ ذَلِكَ في القُدْرَةِ فَلَيْسَ في قَوْلِها هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّها لَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ الوَلَدِ ابْتِداءً وكَيْفَ وقَدْ عَرَفَتْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ أبا البَشَرِ عَلى هَذا الحَدِّ؛ ولِأنَّها كانَتْ مُنْفَرِدَةً بِالعِبادَةِ ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ لا بُدَّ مِن أنْ يَعْرِفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُها: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ يَدْخُلُ تَحْتَهُ قَوْلُها: ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ فَلِماذا أعادَتْها ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا السُّؤالَ أنَّ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ قالَتْ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٧] فَلَمْ تَذْكُرِ البِغاءَ، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّها جَعَلَتِ المَسَّ عِبارَةً عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ؛ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنْهُ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحْزابِ: ٤٩] والزِّنا لَيْسَ كَذَلِكَ إنَّما يُقالُ فَجَرَ بِها أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ ولا يَلِيقُ بِهِ رِعايَةُ الكِناياتِ. وثانِيها: أنْ إعادَتَها لِتَعْظِيمِ حالِها كَقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٨] وقَوْلُهُ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ فَكَذا هَهُنا أنَّ مَن لَمْ تُعْرَفْ مِنَ النِّساءِ بِزَوْجٍ فَأغْلَظُ أحْوالِها إذا أتَتْ بِوَلَدٍ أنْ تَكُونَ زانِيَةً فَأفْرَدَ ذِكْرِ البِغاءِ بَعْدَ دُخُولِهِ في الكَلامِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ ما في بابِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ البَغِيُّ الفاجِرَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ وهو فَعَوْلٌ عِنْدَ المُبَرِّدِ: بَغُويْ فَأُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ، وقالَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ ”التَّمامِ“ هو فَعِيلٌ ولَوْ كانَ فَعُولًا لَقِيلَ بَغَوْا كَما قِيلَ نَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ. صفحة ١٧١ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أجابَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وهو كَقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤٧) لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فِعْلُ ما يُرِيدُ خَلْقَهُ ولا يَحْتاجُ في إنْشائِهِ إلى الآلاتِ والمَوادِّ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الكِنايَةُ في: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى الخَلْقِ أيْ: أنَّ خَلْقَهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَ خَلْقَهُ آيَةً لِلنّاسِ إذْ وُلِدَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، ورَحْمَةً مِنّا يَرْحَمُ عِبادَنا بِإظْهارِ هَذِهِ الآياتِ حَتّى تَكُونَ دَلائِلُ صِدْقِهِ أبْهَرَ فَيَكُونَ قَبُولُ قَوْلِهِ أقْرَبَ. الثّانِي: أنَّ تَرْجِعَ الكِناياتُ إلى الغُلامِ وذَلِكَ لِأنَّها لَمّا تَعَجَّبَتْ مِن كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ هَذا الأمْرِ عَلى خِلافِ العادَةِ أُعْلِمَتْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جاعِلٌ ولَدَها آيَةً عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ الأمْرِ الغَرِيبِ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الآيَةِ أيْ: (ولِنَجْعَلَهُ آيَةً ورَحْمَةً) فَعَلْنا ذَلِكَ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ مَعْلُومٌ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ خِلافِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ لانْقَلَبَ عِلْمُ اللَّهِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المَحالِ مُحالٌ، فَخِلافُهُ مُحالٌ، فَوُقُوعُهُ واجِبٌ وأيْضًا فَلِأنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ مُنْتَهِيَةٌ في سِلْسِلَةِ القَضاءِ والقَدَرِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، والمُنْتَهِي إلى الواجِبِ انْتِهاءً واجِبًا يَكُونُ واجِبَ الوُجُودِ وإذا كانَ واجِبَ الوُجُودِ فَلا فائِدَةَ في الحُزْنِ والأسَفِ وهَذا هو سِرُّ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”مَن عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ في القَدَرِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ“» .

مريم 19:21

وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّها إنَّما تَعَجَّبَتْ بِما بَشَّرَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّها عَرَفَتْ بِالعادَةِ أنَّ الوِلادَةَ لا تَكُونُ إلّا مِن رَجُلٍ والعاداتُ عِنْدَ أهْلِ المَعْرِفَةِ مُعْتَبَرَةٌ في الأُمُورِ وإنْ جَوَّزُوا خِلافَ ذَلِكَ في القُدْرَةِ فَلَيْسَ في قَوْلِها هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّها لَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ الوَلَدِ ابْتِداءً وكَيْفَ وقَدْ عَرَفَتْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ أبا البَشَرِ عَلى هَذا الحَدِّ؛ ولِأنَّها كانَتْ مُنْفَرِدَةً بِالعِبادَةِ ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ لا بُدَّ مِن أنْ يَعْرِفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُها: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ يَدْخُلُ تَحْتَهُ قَوْلُها: ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ فَلِماذا أعادَتْها ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا السُّؤالَ أنَّ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ قالَتْ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٧] فَلَمْ تَذْكُرِ البِغاءَ، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّها جَعَلَتِ المَسَّ عِبارَةً عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ؛ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنْهُ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحْزابِ: ٤٩] والزِّنا لَيْسَ كَذَلِكَ إنَّما يُقالُ فَجَرَ بِها أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ ولا يَلِيقُ بِهِ رِعايَةُ الكِناياتِ. وثانِيها: أنْ إعادَتَها لِتَعْظِيمِ حالِها كَقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٨] وقَوْلُهُ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ فَكَذا هَهُنا أنَّ مَن لَمْ تُعْرَفْ مِنَ النِّساءِ بِزَوْجٍ فَأغْلَظُ أحْوالِها إذا أتَتْ بِوَلَدٍ أنْ تَكُونَ زانِيَةً فَأفْرَدَ ذِكْرِ البِغاءِ بَعْدَ دُخُولِهِ في الكَلامِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ ما في بابِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ البَغِيُّ الفاجِرَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ وهو فَعَوْلٌ عِنْدَ المُبَرِّدِ: بَغُويْ فَأُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ، وقالَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ ”التَّمامِ“ هو فَعِيلٌ ولَوْ كانَ فَعُولًا لَقِيلَ بَغَوْا كَما قِيلَ نَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ. صفحة ١٧١ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أجابَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وهو كَقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤٧) لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فِعْلُ ما يُرِيدُ خَلْقَهُ ولا يَحْتاجُ في إنْشائِهِ إلى الآلاتِ والمَوادِّ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الكِنايَةُ في: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ راجِعَةً إلى الخَلْقِ أيْ: أنَّ خَلْقَهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَ خَلْقَهُ آيَةً لِلنّاسِ إذْ وُلِدَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، ورَحْمَةً مِنّا يَرْحَمُ عِبادَنا بِإظْهارِ هَذِهِ الآياتِ حَتّى تَكُونَ دَلائِلُ صِدْقِهِ أبْهَرَ فَيَكُونَ قَبُولُ قَوْلِهِ أقْرَبَ. الثّانِي: أنَّ تَرْجِعَ الكِناياتُ إلى الغُلامِ وذَلِكَ لِأنَّها لَمّا تَعَجَّبَتْ مِن كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ هَذا الأمْرِ عَلى خِلافِ العادَةِ أُعْلِمَتْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جاعِلٌ ولَدَها آيَةً عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ الأمْرِ الغَرِيبِ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ فَعَلْنا ذَلِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الآيَةِ أيْ: (ولِنَجْعَلَهُ آيَةً ورَحْمَةً) فَعَلْنا ذَلِكَ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ مَعْلُومٌ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ خِلافِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ لانْقَلَبَ عِلْمُ اللَّهِ جَهْلًا وهو مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المَحالِ مُحالٌ، فَخِلافُهُ مُحالٌ، فَوُقُوعُهُ واجِبٌ وأيْضًا فَلِأنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ مُنْتَهِيَةٌ في سِلْسِلَةِ القَضاءِ والقَدَرِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، والمُنْتَهِي إلى الواجِبِ انْتِهاءً واجِبًا يَكُونُ واجِبَ الوُجُودِ وإذا كانَ واجِبَ الوُجُودِ فَلا فائِدَةَ في الحُزْنِ والأسَفِ وهَذا هو سِرُّ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”مَن عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ في القَدَرِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ“» .

مريم 19:22

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أمْرَ النَّفْخِ في آياتٍ فَقالَ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] أيْ: في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [ الحِجْرِ: ٢٩] وقالَ فَنَفَخْنا فِيها لِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في بَطْنِها واخْتَلَفُوا في النّافِخِ، فَقالَ بَعْضُهم كانَ النَّفْخُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ وظاهِرُهُ يُفِيدُ أنَّ النّافِخَ هو اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] ومُقْتَضى التَّشْبِيهِ حُصُولُ المُشابَهَةِ إلّا فِيما أخْرَجَهُ الدَّلِيلُ، وفي حَقِّ آدَمَ النّافِخُ هو اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ فَكَذا هَهُنا وقالَ آخَرُونَ: النّافِخُ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لِأهَبَ لَكِ﴾ [ مَرْيَمَ: ١٩] أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِ حَتّى يَحْصُلَ الحَمْلُ لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ فَلا بُدَّ مِن إحالَةِ النَّفْخِ إلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ النَّفْخِ عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُ وهْبٍ أنَّهُ نَفَخَ جِبْرِيلُ في جَيْبِها حَتّى وصَلَتْ إلى الرَّحِمِ. الثّانِي: في ذَيْلِها فَوَصَلَتْ إلى الفَرَجِ. الثّالِثُ: قَوْلُ السُّدِّيِّ: أخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ فَجاءَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا صفحة ١٧٢ تَزُورُها فالتَزَمَتْها فَلَمّا التَزَمَتْها عَلِمَتْ أنَّها حُبْلى وذَكَرَتْ مَرْيَمُ حالَها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا إنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٩] . الرّابِعُ: أنَّ النَّفْخَةَ كانَتْ في فِيها فَوَصَلَتْ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْ في الحالِ، إذْ عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو، وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا، فَنَفَخَ فِيها فَحَمَلَتْهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ حَمَلَتْهُ وهي بِنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: بَنْتُ عِشْرِينَ وقَدْ كانَتْ حاضَتْ حَيْضَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تَحْمِلَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أيِ: اعْتَزَلَتْ وهو في بَطْنِها كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٠] أيْ تَنْبُتُ والدُّهْنُ فِيها، واخْتَلَفُوا في عِلَّةِ الِانْتِباذِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: ما رَواهُ الثَّعْلَبِيُّ في ”العَرائِسِ“ عَنْ وهْبٍ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ لَمّا حَمَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَها ابْنُ عَمٍّ لَها يُقالُ لَهُ يُوسُفُ النَّجّارُ وكانا مُنْطَلِقَيْنِ إلى المَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ جَبَلِ صَهْيُونَ، وكانَ يُوسُفُ ومَرْيَمُ يَخْدِمانِ ذَلِكَ المَسْجِدَ ولا يُعْلَمُ في أهْلِ زَمانِهِما أحَدٌ أشَدُّ اجْتِهادًا ولا عِبادَةً مِنهُما، وأوَّلُ مَن عَرَفَ حَمْلَ مَرْيَمَ يُوسُفُ فَتَحَيَّرَ في أمْرِها فَكُلَّما أرادَ أنْ يَتَّهِمَها ذَكَرَ صَلاحَها وعِبادَتَها، وأنَّها لَمْ تَغِبْ عَنْهُ ساعَةً قَطُّ، وإذا أرادَ أنْ يُبَرِّئَها رَأى الَّذِي ظَهَرَ بِها مِنَ الحَمْلِ فَأوَّلُ ما تَكَلَّمَ أنَّهُ قالَ إنَّهُ وقَعَ في نَفْسِي مِن أمْرِكِ شَيْءٌ وقَدْ حَرِصْتُ عَلى كِتْمانِهِ فَغَلَبَنِي ذَلِكَ فَرَأيْتُ أنَّ الكَلامَ فِيهِ أشَفى لِصَدْرِي، فَقالَتْ: قُلْ قَوْلًا جَمِيلًا، قالَ: أخْبِرِينِي يا مَرْيَمُ هَلْ يَنْبُتُ زَرْعٌ بِغَيْرِ بَذْرٍ وهَلْ تَنْبُتُ شَجَرَةٌ مِن غَيْرِ غَيْثٍ، وهَلْ يَكُونُ ولَدٌ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ؟ قالَتْ نَعَمْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ أنْبَتَ الزَّرْعَ يَوْمَ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ بَذْرٍ وهَذا البَذْرُ إنَّما حَصَلَ مِنَ الزَّرْعِ الَّذِي أنْبَتَهُ مِن غَيْرِ بَذْرٍ، ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْبَتَ الشَّجَرَةَ مِن غَيْرِ غَيْثٍ وبِالقُدْرَةِ جَعَلَ الغَيْثَ حَياةَ الشَّجَرِ بَعْدَ ما خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ، أوَ تَقُولُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُنْبِتَ الشَّجَرَةَ حَتّى اسْتَعانَ بِالماءِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إنْباتِها ؟ فَقالَ يُوسُفُ: لا أقُولُ هَذا ولَكِنِّي أقُولُ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ فَيَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَقالَتْ لَهُ مَرْيَمُ: أوَلَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وامْرَأتَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ولا أُنْثى ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ زالَتِ التُّهْمَةُ عَنْ قَلْبِهِ وكانَ يَنُوبُ عَنْها في خِدْمَةِ المَسْجِدِ لِاسْتِيلاءِ الضَّعْفِ عَلَيْها بِسَبَبِ الحَمْلِ وضِيقِ القَلْبِ، فَلَمّا دَنا نِفاسُها أوْحى اللَّهُ إلَيْها أنِ اخْرُجِي مِن أرْضِ قَوْمِكِ لِئَلّا يَقْتُلُوا ولَدَكِ فاحْتَمَلَها يُوسُفُ إلى أرْضِ مِصْرَ عَلى حِمارٍ لَهُ، فَلَمّا بَلَغَتْ تِلْكَ البِلادَ أدْرَكَها النِّفاسُ فَألْجَأها إلى أصْلِ نَخْلَةٍ، وذَلِكَ في زَمانِ بَرْدٍ فاحْتَضَنَتْها فَوَضَعَتْ عِنْدَها. وثانِيها: أنَّها اسْتَحْيَتْ مِن زَكَرِيّا فَذَهَبَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ لا يَعْلَمُ بِها زَكَرِيّا. وثالِثُها: أنَّها كانَتْ مَشْهُورَةً في بَنِي إسْرائِيلَ بِالزُّهْدِ لِنَذْرِ أُمِّها وتَشاحَّ الأنْبِياءُ في تَرْبِيَتِها وتَكَفَّلَ زَكَرِيّا بِها، ولِأنَّ الرِّزْقَ كانَ يَأْتِيها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَتْ في نِهايَةِ الشُّهْرَةِ اسْتَحْيَتْ مِن هَذِهِ الواقِعَةِ فَذَهَبَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ لا يَعْلَمُ بِها زَكَرِيّا. ورابِعُها: أنَّها خافَتْ عَلى ولَدِها لَوْ ولَدَتْهُ فِيما بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مُحْتَمَلَةٌ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِنها. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ حَمْلِها عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها كانَتْ تِسْعَةَ أشْهُرٍ كَما في سائِرِ النِّساءِ بِدَلِيلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مَدائِحَها في هَذا المَوْضِعِ فَلَوْ كانَتْ عادَتُها في مُدَّةِ حَمْلِها بِخِلافِ عاداتِ النِّساءِ لَكانَ ذَلِكَ أوْلى بِالذِّكْرِ. الثّانِي: أنَّها كانَتْ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، ولَمْ يَعِشْ مَوْلُودٌ وُضِعَ لِثَمانِيَةٍ إلّا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. الثّالِثُ: وهو قَوْلُ عَطاءٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ: سَبْعَةُ أشْهُرٍ. صفحة ١٧٣ الرّابِعُ: أنَّها كانَتْ سِتَّةَ أشْهُرٍ. الخامِسُ: ثَلاثُ ساعاتٍ حَمَلَتْهُ في ساعَةٍ وصُوِّرَ في ساعَةٍ ووَضَعَتْهُ في ساعَةٍ. السّادِسُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أيْضًا كانَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ ساعَةً واحِدَةً ويُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ [ مَرْيَمَ: ٢٣] ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ [ مَرْيَمَ: ٢٣]، ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ [ مَرْيَمَ: ٢٤] والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ فَدَلَّتْ هَذِهِ الفاءاتُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ حَصَلَ عَقِيبَ الآخَرِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَ مُدَّةِ الحَمْلِ ساعَةً واحِدَةً، لا يُقالُ انْتِباذُها مَكانًا قَصِيًّا كَيْفَ يَحْصُلُ في ساعَةٍ واحِدَةٍ ؟ لِأنّا نَقُولُ: السُّدِّيُّ فَسَّرَهُ بِأنَّها ذَهَبَتْ إلى أقْصى مَوْضِعٍ في جانِبِ مِحْرابِها. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في وصْفِهِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] فَثَبَتَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهَذا مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ مُدَّةُ الحَمْلِ، وإنَّما تُعْقَلُ تِلْكَ المُدَّةُ في حَقِّ مَن يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطْفَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿قَصِيًّا﴾ أيْ: بَعِيدًا مِن أهْلِها، يُقالُ: مَكانٌ قاصٍ، وقَصِيٌّ بِمَعْنًى واحِدٍ مِثْلُ عاصٍ وعَصِيٍّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: أقْصى الدّارِ، وقِيلَ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: سافَرَتْ مَعَ ابْنِ عَمِّها يُوسُفَ وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الحِكايَةُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: [ أجاءَ ] مَنقُولٌ مَن جاءَ إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَغَيَّرَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ فَإنَّكَ لا تَقُولُ جِئْتُ المَكانَ، وأجاءْنِيهِ زَيْدٌ كَما تَقُولُ بَلَغَنِيهِ وأبْلَغْتُهُ، والمَعْنى أنْ طَلْقَها ألْجَأها إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّها إنَّما ذَهَبَتْ إلى النَّخْلَةِ طَلَبًا لِسُهُولَةِ الوِلادَةِ لِلتَّشَبُّثِ بِها. ويُحْتَمَلُ لِلتَّقْوِيَةِ والِاسْتِنادِ إلَيْها، ويُحْتَمَلُ لِلتَّسَتُّرِ بِها مِمَّنْ يُخْشى مِنهُ القالَةُ إذا رَآها، ولِذَلِكَ حَكى اللَّهُ عَنْها أنَّها تَمَنَّتِ المَوْتَ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ في ”الكَشّافِ“ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ المَخاضِ بِالكَسْرِ يُقالُ: مَخَضَتِ الحامِلُ مَخاضًا ومِخاضًا وهو تَمَخُّضُ الوَلَدِ في بَطْنِها. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَ في ”الكَشّافِ“ كانَ جِذْعَ نَخْلَةٍ يابِسَةٍ في الصَّحْراءِ لَيْسَ لَها رَأْسٌ ولا ثَمَرٌ ولا خُضْرَةٌ، وكانَ الوَقْتُ شِتاءً، والتَّعْرِيفُ إمّا أنْ يَكُونَ مِن تَعْرِيفِ الأسْماءِ الغالِبَةِ كَتَعْرِيفِ النَّجْمِ والصَّعْقِ كَأنَّ تِلْكَ الصَّحْراءَ كانَ فِيها جِذْعُ نَخْلَةٍ مَشْهُورٌ عِنْدَ النّاسِ، فَإذا قِيلَ: جِذْعُ النَّخْلَةِ فُهِمَ مِنهُ ذَلِكَ دُونَ سائِرِهِ وإمّا أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ أيْ: إلى جِذْعِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ خاصَّةً كَأنَّ اللَّهَ أرْشَدَها إلى النَّخْلَةِ لِيُطْعِمَها مِنها الرُّطَبَ الَّذِي هو أشَدُّ الأشْياءِ مُوافَقَةً لِلنُّفَساءِ، ولِأنَّ النَّخْلَةَ أقَلُّ الأشْياءِ صَبْرًا عَلى البَرْدِ ولا تُثْمِرُ إلّا عِنْدَ اللِّقاحِ، وإذا قُطِعَتْ رَأْسُها لَمْ تُثْمِرْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ كَما أنَّ الأُنْثى لا تَلِدُ إلّا مَعَ الذَّكَرِ فَكَذا النَّخْلَةُ لا تُثْمِرُ إلّا عِنْدَ اللِّقاحِ، ثُمَّ إنِّي أُظْهِرُ الرُّطَبَ مِن غَيْرِ اللِّقاحِ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى جَوازِ ظُهُورِ الوَلَدِ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: لِمَ قالَتْ: ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ مَعَ أنَّها كانَتْ تَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ جِبْرِيلَ إلَيْها وخَلَقَ ولَدَها مِن نَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَعَدَها بِأنْ يَجْعَلَها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ وهْبٌ: أنْساها كُرْبَةَ الغُرْبَةِ وما سَمِعَتْهُ مِنَ النّاسِ ”مِن“ بِشارَةِ المَلائِكَةِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. الثّانِي: أنَّ عادَةَ الصّالِحِينَ إذا وقَعُوا في بَلاءٍ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ أنَّهُ نَظَرَ إلى طائِرٍ عَلى شَجَرَةٍ فَقالَ: طُوبى لَكَ يا طائِرُ تَقَعُ عَلى الشَّجَرَةِ وتَأْكُلُ مِنَ الثَّمَرِ! ودِدْتُ أنِّي ثَمَرَةٌ يَنْقُرُها الطّائِرُ ! وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ أخَذَ تِبْنَةً مِن صفحة ١٧٤ الأرْضِ وقالَ: لَيْتَنِي هَذِهِ التِّبْنَةُ يا لَيْتَنِي لَمْ أكُ شَيْئًا ! وقالَ عَلِيٌّ يَوْمَ الجَمَلَ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا اليَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً، وعَنْ بِلالٍ: لَيْتَ بِلالًا لَمْ تَلِدْهُ أُمُّهُ. فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ يَذْكُرُهُ الصّالِحُونَ عِنْدَ اشْتِدادِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ. الثّالِثُ: لَعَلَّها قالَتْ ذَلِكَ لِكَيْ لا تَقَعَ المَعْصِيَةُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِيها، وإلّا فَهي راضِيَةٌ بِما بُشِّرَتْ بِهِ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ النِّسْيُ ما مِن حَقِّهِ أنْ يُطْرَحَ ويُنْسى كَخِرْقَةِ الطَّمْثِ ونَحْوِها كالذَّبْحِ اسْمُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُذْبَحَ كَقَوْلِهِ: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] تَمَنَّتْ لَوْ كانَتْ شَيْئًا تافِهًا لا يَؤْبَهُ بِهِ ومِن حَقِّهِ أنْ يُنْسى في العادَةِ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ ”نَسْيًا“ بِالفَتْحِ والباقُونَ ”نِسْيًا“ بِالكَسْرِ قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ كالوَتْرِ والوِتْرِ والجَسْرِ والجِسْرِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ نَسِيئًا بِالهَمْزِ، وهو الحَلِيبُ المَخْلُوطُ بِالماءِ يَنْسَؤُهُ أهْلُهُ لِقِلَّتِهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ مِنسِيًّا بِالكَسْرِ عَلى الإتْباعِ كالمِغْيِرِ والمِنخِرِ واللَّهُ أعْلَمُ.

مريم 19:23

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أمْرَ النَّفْخِ في آياتٍ فَقالَ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] أيْ: في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [ الحِجْرِ: ٢٩] وقالَ فَنَفَخْنا فِيها لِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في بَطْنِها واخْتَلَفُوا في النّافِخِ، فَقالَ بَعْضُهم كانَ النَّفْخُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ وظاهِرُهُ يُفِيدُ أنَّ النّافِخَ هو اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] ومُقْتَضى التَّشْبِيهِ حُصُولُ المُشابَهَةِ إلّا فِيما أخْرَجَهُ الدَّلِيلُ، وفي حَقِّ آدَمَ النّافِخُ هو اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ فَكَذا هَهُنا وقالَ آخَرُونَ: النّافِخُ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لِأهَبَ لَكِ﴾ [ مَرْيَمَ: ١٩] أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِ حَتّى يَحْصُلَ الحَمْلُ لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ فَلا بُدَّ مِن إحالَةِ النَّفْخِ إلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ النَّفْخِ عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُ وهْبٍ أنَّهُ نَفَخَ جِبْرِيلُ في جَيْبِها حَتّى وصَلَتْ إلى الرَّحِمِ. الثّانِي: في ذَيْلِها فَوَصَلَتْ إلى الفَرَجِ. الثّالِثُ: قَوْلُ السُّدِّيِّ: أخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ فَجاءَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا صفحة ١٧٢ تَزُورُها فالتَزَمَتْها فَلَمّا التَزَمَتْها عَلِمَتْ أنَّها حُبْلى وذَكَرَتْ مَرْيَمُ حالَها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا إنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٩] . الرّابِعُ: أنَّ النَّفْخَةَ كانَتْ في فِيها فَوَصَلَتْ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْ في الحالِ، إذْ عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وهو، وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا، فَنَفَخَ فِيها فَحَمَلَتْهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ حَمَلَتْهُ وهي بِنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: بَنْتُ عِشْرِينَ وقَدْ كانَتْ حاضَتْ حَيْضَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تَحْمِلَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أيِ: اعْتَزَلَتْ وهو في بَطْنِها كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٠] أيْ تَنْبُتُ والدُّهْنُ فِيها، واخْتَلَفُوا في عِلَّةِ الِانْتِباذِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: ما رَواهُ الثَّعْلَبِيُّ في ”العَرائِسِ“ عَنْ وهْبٍ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ لَمّا حَمَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَها ابْنُ عَمٍّ لَها يُقالُ لَهُ يُوسُفُ النَّجّارُ وكانا مُنْطَلِقَيْنِ إلى المَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ جَبَلِ صَهْيُونَ، وكانَ يُوسُفُ ومَرْيَمُ يَخْدِمانِ ذَلِكَ المَسْجِدَ ولا يُعْلَمُ في أهْلِ زَمانِهِما أحَدٌ أشَدُّ اجْتِهادًا ولا عِبادَةً مِنهُما، وأوَّلُ مَن عَرَفَ حَمْلَ مَرْيَمَ يُوسُفُ فَتَحَيَّرَ في أمْرِها فَكُلَّما أرادَ أنْ يَتَّهِمَها ذَكَرَ صَلاحَها وعِبادَتَها، وأنَّها لَمْ تَغِبْ عَنْهُ ساعَةً قَطُّ، وإذا أرادَ أنْ يُبَرِّئَها رَأى الَّذِي ظَهَرَ بِها مِنَ الحَمْلِ فَأوَّلُ ما تَكَلَّمَ أنَّهُ قالَ إنَّهُ وقَعَ في نَفْسِي مِن أمْرِكِ شَيْءٌ وقَدْ حَرِصْتُ عَلى كِتْمانِهِ فَغَلَبَنِي ذَلِكَ فَرَأيْتُ أنَّ الكَلامَ فِيهِ أشَفى لِصَدْرِي، فَقالَتْ: قُلْ قَوْلًا جَمِيلًا، قالَ: أخْبِرِينِي يا مَرْيَمُ هَلْ يَنْبُتُ زَرْعٌ بِغَيْرِ بَذْرٍ وهَلْ تَنْبُتُ شَجَرَةٌ مِن غَيْرِ غَيْثٍ، وهَلْ يَكُونُ ولَدٌ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ؟ قالَتْ نَعَمْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ أنْبَتَ الزَّرْعَ يَوْمَ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ بَذْرٍ وهَذا البَذْرُ إنَّما حَصَلَ مِنَ الزَّرْعِ الَّذِي أنْبَتَهُ مِن غَيْرِ بَذْرٍ، ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْبَتَ الشَّجَرَةَ مِن غَيْرِ غَيْثٍ وبِالقُدْرَةِ جَعَلَ الغَيْثَ حَياةَ الشَّجَرِ بَعْدَ ما خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ، أوَ تَقُولُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُنْبِتَ الشَّجَرَةَ حَتّى اسْتَعانَ بِالماءِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إنْباتِها ؟ فَقالَ يُوسُفُ: لا أقُولُ هَذا ولَكِنِّي أقُولُ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ فَيَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَقالَتْ لَهُ مَرْيَمُ: أوَلَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وامْرَأتَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ولا أُنْثى ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ زالَتِ التُّهْمَةُ عَنْ قَلْبِهِ وكانَ يَنُوبُ عَنْها في خِدْمَةِ المَسْجِدِ لِاسْتِيلاءِ الضَّعْفِ عَلَيْها بِسَبَبِ الحَمْلِ وضِيقِ القَلْبِ، فَلَمّا دَنا نِفاسُها أوْحى اللَّهُ إلَيْها أنِ اخْرُجِي مِن أرْضِ قَوْمِكِ لِئَلّا يَقْتُلُوا ولَدَكِ فاحْتَمَلَها يُوسُفُ إلى أرْضِ مِصْرَ عَلى حِمارٍ لَهُ، فَلَمّا بَلَغَتْ تِلْكَ البِلادَ أدْرَكَها النِّفاسُ فَألْجَأها إلى أصْلِ نَخْلَةٍ، وذَلِكَ في زَمانِ بَرْدٍ فاحْتَضَنَتْها فَوَضَعَتْ عِنْدَها. وثانِيها: أنَّها اسْتَحْيَتْ مِن زَكَرِيّا فَذَهَبَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ لا يَعْلَمُ بِها زَكَرِيّا. وثالِثُها: أنَّها كانَتْ مَشْهُورَةً في بَنِي إسْرائِيلَ بِالزُّهْدِ لِنَذْرِ أُمِّها وتَشاحَّ الأنْبِياءُ في تَرْبِيَتِها وتَكَفَّلَ زَكَرِيّا بِها، ولِأنَّ الرِّزْقَ كانَ يَأْتِيها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَتْ في نِهايَةِ الشُّهْرَةِ اسْتَحْيَتْ مِن هَذِهِ الواقِعَةِ فَذَهَبَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ لا يَعْلَمُ بِها زَكَرِيّا. ورابِعُها: أنَّها خافَتْ عَلى ولَدِها لَوْ ولَدَتْهُ فِيما بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مُحْتَمَلَةٌ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِنها. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ حَمْلِها عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها كانَتْ تِسْعَةَ أشْهُرٍ كَما في سائِرِ النِّساءِ بِدَلِيلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مَدائِحَها في هَذا المَوْضِعِ فَلَوْ كانَتْ عادَتُها في مُدَّةِ حَمْلِها بِخِلافِ عاداتِ النِّساءِ لَكانَ ذَلِكَ أوْلى بِالذِّكْرِ. الثّانِي: أنَّها كانَتْ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، ولَمْ يَعِشْ مَوْلُودٌ وُضِعَ لِثَمانِيَةٍ إلّا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. الثّالِثُ: وهو قَوْلُ عَطاءٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ: سَبْعَةُ أشْهُرٍ. صفحة ١٧٣ الرّابِعُ: أنَّها كانَتْ سِتَّةَ أشْهُرٍ. الخامِسُ: ثَلاثُ ساعاتٍ حَمَلَتْهُ في ساعَةٍ وصُوِّرَ في ساعَةٍ ووَضَعَتْهُ في ساعَةٍ. السّادِسُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أيْضًا كانَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ ساعَةً واحِدَةً ويُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ [ مَرْيَمَ: ٢٣] ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ [ مَرْيَمَ: ٢٣]، ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ [ مَرْيَمَ: ٢٤] والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ فَدَلَّتْ هَذِهِ الفاءاتُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ حَصَلَ عَقِيبَ الآخَرِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَ مُدَّةِ الحَمْلِ ساعَةً واحِدَةً، لا يُقالُ انْتِباذُها مَكانًا قَصِيًّا كَيْفَ يَحْصُلُ في ساعَةٍ واحِدَةٍ ؟ لِأنّا نَقُولُ: السُّدِّيُّ فَسَّرَهُ بِأنَّها ذَهَبَتْ إلى أقْصى مَوْضِعٍ في جانِبِ مِحْرابِها. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في وصْفِهِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] فَثَبَتَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهَذا مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ مُدَّةُ الحَمْلِ، وإنَّما تُعْقَلُ تِلْكَ المُدَّةُ في حَقِّ مَن يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطْفَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ﴿قَصِيًّا﴾ أيْ: بَعِيدًا مِن أهْلِها، يُقالُ: مَكانٌ قاصٍ، وقَصِيٌّ بِمَعْنًى واحِدٍ مِثْلُ عاصٍ وعَصِيٍّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: أقْصى الدّارِ، وقِيلَ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: سافَرَتْ مَعَ ابْنِ عَمِّها يُوسُفَ وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الحِكايَةُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: [ أجاءَ ] مَنقُولٌ مَن جاءَ إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَغَيَّرَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ فَإنَّكَ لا تَقُولُ جِئْتُ المَكانَ، وأجاءْنِيهِ زَيْدٌ كَما تَقُولُ بَلَغَنِيهِ وأبْلَغْتُهُ، والمَعْنى أنْ طَلْقَها ألْجَأها إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّها إنَّما ذَهَبَتْ إلى النَّخْلَةِ طَلَبًا لِسُهُولَةِ الوِلادَةِ لِلتَّشَبُّثِ بِها. ويُحْتَمَلُ لِلتَّقْوِيَةِ والِاسْتِنادِ إلَيْها، ويُحْتَمَلُ لِلتَّسَتُّرِ بِها مِمَّنْ يُخْشى مِنهُ القالَةُ إذا رَآها، ولِذَلِكَ حَكى اللَّهُ عَنْها أنَّها تَمَنَّتِ المَوْتَ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ في ”الكَشّافِ“ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ المَخاضِ بِالكَسْرِ يُقالُ: مَخَضَتِ الحامِلُ مَخاضًا ومِخاضًا وهو تَمَخُّضُ الوَلَدِ في بَطْنِها. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَ في ”الكَشّافِ“ كانَ جِذْعَ نَخْلَةٍ يابِسَةٍ في الصَّحْراءِ لَيْسَ لَها رَأْسٌ ولا ثَمَرٌ ولا خُضْرَةٌ، وكانَ الوَقْتُ شِتاءً، والتَّعْرِيفُ إمّا أنْ يَكُونَ مِن تَعْرِيفِ الأسْماءِ الغالِبَةِ كَتَعْرِيفِ النَّجْمِ والصَّعْقِ كَأنَّ تِلْكَ الصَّحْراءَ كانَ فِيها جِذْعُ نَخْلَةٍ مَشْهُورٌ عِنْدَ النّاسِ، فَإذا قِيلَ: جِذْعُ النَّخْلَةِ فُهِمَ مِنهُ ذَلِكَ دُونَ سائِرِهِ وإمّا أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ أيْ: إلى جِذْعِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ خاصَّةً كَأنَّ اللَّهَ أرْشَدَها إلى النَّخْلَةِ لِيُطْعِمَها مِنها الرُّطَبَ الَّذِي هو أشَدُّ الأشْياءِ مُوافَقَةً لِلنُّفَساءِ، ولِأنَّ النَّخْلَةَ أقَلُّ الأشْياءِ صَبْرًا عَلى البَرْدِ ولا تُثْمِرُ إلّا عِنْدَ اللِّقاحِ، وإذا قُطِعَتْ رَأْسُها لَمْ تُثْمِرْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ كَما أنَّ الأُنْثى لا تَلِدُ إلّا مَعَ الذَّكَرِ فَكَذا النَّخْلَةُ لا تُثْمِرُ إلّا عِنْدَ اللِّقاحِ، ثُمَّ إنِّي أُظْهِرُ الرُّطَبَ مِن غَيْرِ اللِّقاحِ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى جَوازِ ظُهُورِ الوَلَدِ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: لِمَ قالَتْ: ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ مَعَ أنَّها كانَتْ تَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ جِبْرِيلَ إلَيْها وخَلَقَ ولَدَها مِن نَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَعَدَها بِأنْ يَجْعَلَها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قالَ وهْبٌ: أنْساها كُرْبَةَ الغُرْبَةِ وما سَمِعَتْهُ مِنَ النّاسِ ”مِن“ بِشارَةِ المَلائِكَةِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. الثّانِي: أنَّ عادَةَ الصّالِحِينَ إذا وقَعُوا في بَلاءٍ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ أنَّهُ نَظَرَ إلى طائِرٍ عَلى شَجَرَةٍ فَقالَ: طُوبى لَكَ يا طائِرُ تَقَعُ عَلى الشَّجَرَةِ وتَأْكُلُ مِنَ الثَّمَرِ! ودِدْتُ أنِّي ثَمَرَةٌ يَنْقُرُها الطّائِرُ ! وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ أخَذَ تِبْنَةً مِن صفحة ١٧٤ الأرْضِ وقالَ: لَيْتَنِي هَذِهِ التِّبْنَةُ يا لَيْتَنِي لَمْ أكُ شَيْئًا ! وقالَ عَلِيٌّ يَوْمَ الجَمَلَ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا اليَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً، وعَنْ بِلالٍ: لَيْتَ بِلالًا لَمْ تَلِدْهُ أُمُّهُ. فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكَلامَ يَذْكُرُهُ الصّالِحُونَ عِنْدَ اشْتِدادِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ. الثّالِثُ: لَعَلَّها قالَتْ ذَلِكَ لِكَيْ لا تَقَعَ المَعْصِيَةُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِيها، وإلّا فَهي راضِيَةٌ بِما بُشِّرَتْ بِهِ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ النِّسْيُ ما مِن حَقِّهِ أنْ يُطْرَحَ ويُنْسى كَخِرْقَةِ الطَّمْثِ ونَحْوِها كالذَّبْحِ اسْمُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُذْبَحَ كَقَوْلِهِ: ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] تَمَنَّتْ لَوْ كانَتْ شَيْئًا تافِهًا لا يَؤْبَهُ بِهِ ومِن حَقِّهِ أنْ يُنْسى في العادَةِ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ ”نَسْيًا“ بِالفَتْحِ والباقُونَ ”نِسْيًا“ بِالكَسْرِ قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ كالوَتْرِ والوِتْرِ والجَسْرِ والجِسْرِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ نَسِيئًا بِالهَمْزِ، وهو الحَلِيبُ المَخْلُوطُ بِالماءِ يَنْسَؤُهُ أهْلُهُ لِقِلَّتِهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ مِنسِيًّا بِالكَسْرِ عَلى الإتْباعِ كالمِغْيِرِ والمِنخِرِ واللَّهُ أعْلَمُ.