Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الكهف 18:37 – الكهف 18:65

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الكهف 18:37
  2. الكهف 18:38
  3. الكهف 18:39
  4. الكهف 18:40
  5. الكهف 18:41
  6. الكهف 18:42
  7. الكهف 18:43
  8. الكهف 18:44
  9. الكهف 18:45
  10. الكهف 18:46
  11. الكهف 18:47
  12. الكهف 18:48
  13. الكهف 18:49
  14. الكهف 18:50
  15. الكهف 18:51
  16. الكهف 18:52
  17. الكهف 18:53
  18. الكهف 18:54
  19. الكهف 18:55
  20. الكهف 18:56
  21. الكهف 18:57
  22. الكهف 18:58
  23. الكهف 18:59
  24. الكهف 18:60
  25. الكهف 18:61
  26. الكهف 18:62
  27. الكهف 18:63
  28. الكهف 18:64
  29. الكهف 18:65

الكهف 18:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا أنَّ الكُفّارَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ الِافْتِخارَ، لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ الفَقِيرُ غَنِيًّا والغَنِيُّ فَقِيرًا، أمّا الَّذِي يَجِبُ حُصُولُ المُفاخِرَةِ بِهِ، فَطاعَةُ اللَّهِ وعِبادَتُهُ، وهي حاصِلَةٌ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: مَثَلَ حالِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ بِحالِ رَجُلَيْنِ كانا أخَوَيْنِ في بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ بَراطُوسَ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصّافّاتِ: ٥١) ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فَأخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما النِّصْفَ فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرِي مِنكَ دارا في الجَنَّةِ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ العِينِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا وضِياعًا بِألْفٍ، فَقالَ المُؤْمِنُ: صفحة ١٠٦ اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ: لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أُمُورٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ جامِعَةً لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. وثانِيها: أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأرْضُ مُتَّسِعَةَ الأطْرافِ مُتَباعِدَةَ الأكْنافِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّها لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ. وثالِثُها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأرْضِ تَأْتِي في كُلِّ وقْتٍ بِمَنفَعَةٍ أُخْرى، وهي ثَمَرَةٌ أُخْرى، فَكانَتْ مَنافِعُها دارَّةً مُتَواصِلَةً. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ كِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْرِفَةٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُذَكَّرانِ مَعْرِفَتانِ، وكِلْتا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُؤَكَّدُ بِهِ مُؤَنَّثانِ مَعْرِفَتانِ، وإذا أُضِيفا إلى المُظْهَرِ كانا بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِكَ: جاءَنِي كِلا أخَوَيْكَ، ورَأيْتُ كِلا أخَوَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلا أخَوَيْكَ، وجاءَنِي كِلْتا أُخْتَيْكَ، ورَأيْتُ كِلْتا أُخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكِلْتا أُخْتَيْكَ، وإذا أُضِيفا إلى المُضْمَرِ كانا في الرَّفْعِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ والنَّصْبِ بِالياءِ وبَعْضُهم يَقُولُ: مَعَ المُضْمَرِ بِالألِفِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ أيْضًا، وقَوْلُهُ: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِأنَّ كِلْتا لَفْظُهُ لَفْظُ مُفْرَدٍ، ولَوْ قِيلَ: آتَتا عَلى المَعْنى لَجازَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ تَنْقُصْ والظُّلْمُ النُّقْصانُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ظَلَمَنِي حَقِّي أيْ نَقَصَنِي. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ كانَ النَّهْرُ يَجْرِي في داخِلِ تِلْكَ الجَنَّتَيْنِ، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ وفَجَرْنا مُخَفَّفَةً وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (وفَجَّرْنا) مُشَدَّدَةً، والتَّخْفِيفُ هو الأصْلُ؛ لِأنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ والتَّشْدِيدُ عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ فَيَكُونُ كَأنْهارٍ و﴿خِلالَهُما﴾ أيْ وسَطَهُما وبَيْنَهُما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٧) . ومِنهُ يُقالُ: خَلَّلْتُ القَوْمَ أيْ دَخَلْتُ بَيْنَ القَوْمِ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو جَمْعُ ثِمارٍ أوْ ثَمَرَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ في الحَرْفَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ في الحَرْفَيْنِ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ: أنَّهُ بِالضَّمِّ أنْواعُ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، وبِالفَتْحِ حَمْلُ الشَّجَرِ، قالَ قُطْرُبٌ: كانَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَقُولُ: الثُّمْرُ المالُ والوَلَدُ، وأنْشَدَ لِلْحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا ∗∗∗ قَدْ أثْمَرُوا مالًا ووَلَدًا وقالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ ما أثْمَرُوهُ أمِن مالٍ ومِن ولَدِ صفحة ١٠٧ وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أيْ أنْواعٌ مِنَ المالِ مِن ثَمَرَ مالُهُ إذا كَثُرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ: أيْ كانَ مَعَ الجَنَّتَيْنِ أشْياءُ مِنَ النُّقُودِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والمَعْنى: أنَّ المُسْلِمَ كانَ يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ، والمُحاوَرَةُ مُراجَعَةُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِمْ: حارَ إذا رَجَعَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى﴾ (الِانْشِقاقِ: ١٤ - ١٥)، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ عِنْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ قالَ الكافِرُ: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ والنَّفَرُ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُ ويَنْفِرُونَ مَعَهُ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الكافِرَ تَرَفَّعَ عَلى المُؤْمِنِ بِجاهِهِ ومالِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ لِذَلِكَ المُسْلِمِ كَثْرَةَ مالِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، فَقالَ: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وأراهُ إيّاها عَلى الحالَةِ المُوجِبَةِ لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ وأخْبَرَهُ بِصُنُوفِ ما يَمْلِكُهُ مِنَ المالِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ أفْرَدَ الجَنَّةَ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَنَّةٌ ولا نَصِيبٌ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الَّذِي مَلَكَهُ في الدُّنْيا هو جَنَّتُهُ لا غَيْرَ، ولَمْ يَقْصِدِ الجَنَّتَيْنِ ولا واحِدًا مِنهُما، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو اعْتِراضٌ وقَعَ في أثْناءِ الكَلامِ، والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وتَوَسَّلَ بِها إلى الكُفْرانِ والجُحُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ كانَ واضِعًا تِلْكَ النِّعَمَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ، فالأوَّلُ قَطَعَهُ بِأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ لا تَهْلِكُ ولا تَبِيدُ أبَدًا مَعَ أنَّها مُتَغَيِّرَةٌ مُتَبَدِّلَةٌ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ شَكَّ في القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ مَعَ أنَّ الحَدْسَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا بِأسْرِها ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ غَيْرُ باقِيَةٍ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّها لا تَبِيدُ مُدَّةَ حَياتِهِ ووُجُودِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٠) وقَوْلُهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٧٧) والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ المالَ في الدُّنْيا ظَنَّ أنَّهُ إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لَهُ، والِاسْتِحْقاقُ باقٍ بَعْدِ المَوْتِ فَوَجَبَ حُصُولُ العَطاءِ، والمُقْدِمَةُ الأُولى كاذِبَةٌ فَإنَّ فَتْحَ بابِ الدُّنْيا عَلى الإنْسانِ يَكُونُ في أكْثَرِ الأمْرِ لِلِاسْتِدْراكِ والتَّمْلِيَةِ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ خَيْرًا مِنهُما، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّتَيْنِ، والباقُونَ مِنها، والمَقْصُودُ عَوْدُ الكِنايَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي دَخَلَها * * * ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى جَوابَ المُؤْمِنِ، فَقالَ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ الأوَّلَ قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ وهَذا الثّانِي كَفَّرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاكَّ في حُصُولِ البَعْثِ كافِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: هَذا الِاسْتِدْلالُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: يَرْجِعُ إلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى الإعادَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَكَ هَكَذا فَلَمْ يَخْلُقْكَ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَكَ لِلْعُبُودِيَّةِ وإذا خَلَقَكَ لِهَذا المَعْنى وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُطِيعِ ثَوابٌ ولِلْمُذْنِبِ عِقابٌ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يس، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ هَيَّأكَ هَيْئَةً تَعْقِلُ وتَصْلُحُ لِلتَّكْلِيفِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ إهْمالُهُ أمْرَكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ (لَكُنّا) أصْلُهُ لَكِنْ أنا فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى نُونِ لَكِنْ فاجْتَمَعَتِ النُّونانِ فَأُدْغِمَتْ نُونُ لَكِنْ في النُّونِ الَّتِي بَعْدَها ومِثْلُهُ: صفحة ١٠٨ وتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إيّاكَ لا أقْلِي أيْ لَكِنْ أنا لا أقْلِيكِ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ واقِعَةٌ في مَعْرِضِ الخَبَرِ لِقَوْلِهِ: (هُوَ) فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لَكِنّا﴾ اسْتِدْراكٌ لِماذا ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ لِأخِيهِ: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ غائِبٌ لَكِنْ عَمْرٌو حاضِرٌ. والبَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: (لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي) في الوَصْلِ بِالألِفِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي) بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ذَكَرَ القَفّالُ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: إنِّي لا أرى الفَقْرَ والغِنى إلّا مِنهُ، فَأحْمَدُهُ إذا أعْطى، وأصْبِرُ إذا ابْتَلى، ولا أتَكَبَّرُ عِنْدَما يُنْعِمُ عَلَيَّ ولا أرى كَثْرَةَ المالِ والأعْوانِ مِن نَفْسِي؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ لَمّا اعْتَزَّ بِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ، فَكَأنَّهُ قَدْ أثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا في إعْطاءِ العِزِّ والغِنى. وثانِيها: لَعَلَّ ذَلِكَ الكافِرَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ كانَ عابِدَ صَنَمٍ، فَبَيَّنَ هَذا المُؤْمِنُ فَسادَ قَوْلِهِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ. وثالِثُها: أنَّ هَذا الكافِرَ لَمّا عَجَّزَ اللَّهَ عَنِ البَعْثِ والحَشْرِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مُساوِيًا لِلْخَلْقِ في هَذا العَجْزِ، وإذا أثْبَتَ المُساواةَ، فَقَدْ أثْبَتَ الشَّرِيكَ، ثُمَّ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ (ما) شَرْطِيَّةً ويَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ كُلَّ ما أرادَهُ اللَّهُ وقَعَ، وكُلَّ ما لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما أرادَ اللَّهُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، وهو صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِمْ: ما شاءَ مِمّا تَوَلّى فِعْلَهُ لا مِمّا هو فِعْلُ العِبادِ كَما قالُوا: لا مَرَدَّ لِأمْرِ اللَّهِ لَمْ يُرِدْ ما أمَرَ بِهِ العِبادَ، ثُمَّ قالَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَحْصُلَ في سُلْطانِهِ ما لا يُرِيدُهُ كَما يَحْصُلُ فِيهِ ما نَهى عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ذَكَرَ الكَعْبِيُّ لَيْسَ جَوابًا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو التِزامُ المُخالَفَةِ لِظاهِرِ النَّصِّ وقِياسُ الإرادَةِ عَلى الأمْرِ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا النَّصَّ دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، ولَيْسَ في النُّصُوصِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أمَرَ بِهِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَلّا إذا دَخَلْتَ بُسْتانَكَ، قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ كَقَوْلِ الإنْسانِ لِهَذِهِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في هَذا البُسْتانِ ما شاءَ اللَّهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وهم ثَلاثَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (الأعْرافِ: ١٦١) أيْ قُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ مِن هَذا الشَّيْءِ المَوْجُودِ في البُسْتانِ شَيْئًا شاءَ اللَّهُ تَكْوِينَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يُقالَ: كُلُّ ما شاءَ اللَّهُ وقَعَ؛ لِأنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ عامٍّ في الكُلِّ بَلْ مُخْتَصٌّ بِالأشْياءِ المُشاهَدَةِ في البُسْتانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ أحْسَنُ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ، وأقُولُ: إنَّهُ عَلى جَوابِهِ لا يَدْفَعُ الإشْكالَ عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِمارَةَ ذَلِكَ البُسْتانِ رُبَّما حَصَلَتْ بِالغُصُوبِ والظُّلْمِ الشَّدِيدِ، فَلا يَصِحُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يُقالَ: هَذا واقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ هَذِهِ الثِّمارَ حَصَلَتْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّ هَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ النَّصِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، والكَلامُ الثّانِي الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنُ الكافِرَ بِأنْ يَقُولَهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ لا قُوَّةَ لِأحَدٍ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وإقْدارِهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ قالَ المُؤْمِنُ لِلْكافِرِ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِكَ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، والكائِنُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ صفحة ١٠٩ اعْتِرافًا بِأنَّها وكُلُّ خَيْرٍ فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ، فَإنَّ أمْرَها بِيَدِهِ إنْ شاءَ تَرَكَها وإنْ شاءَ خَرَّبَها، وهَلّا قُلْتَ: لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إقْرارًا بِأنَّ ما قُوِّيتَ بِهِ عَلى عِمارَتِها وتَدْبِيرِ أمْرِها، فَهو بِمَعُونَةِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ لا يَقْوى أحَدٌ في بَدَنِهِ ولا في مِلْكِ يَدِهِ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنَ لَمّا عَلَّمَ الكافِرَ الإيمانَ أجابَهُ عَنِ افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ، فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ مَن قَرَأ أقَلَّ بِالنَّصْبِ فَقَدْ جَعَلَ أنا فَصْلًا وأقَلَّ مَفْعُولًا ثانِيًا، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿أنا﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلَهُ: (أقَلُّ) خَبَرًا، والجُمْلَةَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَرَنِي، واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ الوَلَدِ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفَرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ الأعْوانُ والأوْلادُ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَرانِي أقَلَّ مالًا ووَلَدًا وأنْصارًا في الدُّنْيا الفانِيَةِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ إمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ، ويُرْسِلَ عَلى جَنَّتِكَ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ عَذابًا وتَخْرِيبًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ والبُطْلانِ بِمَعْنى الحِسابِ؛ أيْ مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: عَذابٌ حُسْبانٌ، وذَلِكَ الحُسْبانُ حُسْبانُ ما كَسَبَتْ يَداكَ، وقِيلَ: حُسْبانًا أيْ مَرامِيَ، الواحِدُ مِنها حُسْبانَةٌ، وهي الصَّواعِقُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ فَتُصْبِحَ جَنَّتُكَ أرْضًا مَلْساءَ لا نَباتَ فِيها، والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، زَلَقًا أيْ تَصِيرُ بِحَيْثُ تَزْلَقُ الرِّجْلُ عَلَيْها زَلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ يَغُوصُ ويَسْفُلُ في الأرْضِ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا تَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ إلى مَوْضِعِهِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهو نَعْتٌ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ زَوْرٌ وصَوْمٌ، لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ويُقالُ: نِساءٌ نَوْحٌ أيْ نَوائِحُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ حَقَّقَ ما قَدَّرَهُ هَذا المُؤْمِنُ، فَقالَ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ إهْلاكٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ (يُوسُفَ: ٦٦) ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ، مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ لِأجْلِ أنَّهُ أنْفَقَ عُمْرَهُ في تَحْصِيلِ الدُّنْيا وكانَ مُعْرِضًا في كُلِّ عُمْرِهِ عَنْ طَلَبِ الدِّينِ، فَلَمّا ضاعَتِ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ بَقِيَ الحِرْمانُ عَنِ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُوَحِّدًا غَيْرَ مُشْرِكٍ لَبَقِيَتْ عَلَيْهِ جَنَّتُهُ، فَهو إنَّما رَغِبَ في التَّوْحِيدِ والرَّدِّ عَنِ الشِّرْكِ لِأجْلِ طَلَبِ صفحة ١١٠ الدُّنْيا فَلِهَذا السَّبَبِ ما صارَ تَوْحِيدُهُ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) بِالياءِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِئَةٌ﴾ جَمْعٌ فَإذا تَقَدَّمَ عَلى الكِنايَةِ جازَ التَّذْكِيرُ؛ ولِأنَّهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى، والباقُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى اللَّفْظَةِ وهي الفِئَةُ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هو أنَّهُ ما حَصَلَتْ لَهُ فِئَةٌ يَقْدِرُونَ عَلى نُصْرَتِهِ مِن دُونِ اللَّهِ؛ أيْ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ القادِرُ عَلى نُصْرَتِهِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَنْصُرَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ . المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أوَّلُها: في لَفْظِ الوَلايَةِ، فَفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِكَسْرِ الواوِ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: كَسْرُ الواوِ لَحْنٌ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَلايَةُ بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والتَّوَلِّي، وبِالكَسْرِ السُّلْطانُ والمُلْكُ. وثانِيها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ قَوْلَهُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ، والتَّقْدِيرُ: هُنالِكَ الوِلايَةُ الحَقُّ لِلَّهِ وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلَّهِ. وثالِثُها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ عُقُبًا بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (عُقْبى) بِتَسْكِينِ القافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ ما ذَكَرَ عَلِمْنا أنَّ النُّصْرَةَ والعاقِبَةَ المَحْمُودَةَ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ عَلى الكافِرِ، وعَرَفْنا أنَّ الأمْرَ هَكَذا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَقالَ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيْ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ تَكُونُ الوَلايَةُ لِلَّهِ يُوالِي أوْلِياءَهُ فَيُغَلِّبَهم عَلى أعْدائِهِ ويُفَوِّضُ أمْرَ الكُفّارِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُهُ: هُنالِكَ إشارَةٌ إلى المَوْضِعِ والوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ إظْهارَ كَرامَةِ أوْلِيائِهِ وإذْلالَ أعْدائِهِ فِيهِما. والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المَعْنى في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلّى اللَّهَ ويَلْتَجِئُ إلَيْهِ كُلُّ مُحْتاجٍ مُضْطَرٍّ، يَعْنِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَلِمَةٌ أُلْجِئُ إلَيْها ذَلِكَ الكافِرُ، فَقالَها جَزَعًا مِمّا ساقَهُ إلَيْهِ شُؤْمُ كُفْرِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْها. والوَجْهُ الثّالِثُ: المَعْنى: هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ يَنْصُرُ بِها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، ويَنْتَقِمُ لَهم ويَشْفِي صُدُورَهم مِن أعْدائِهِمْ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ وصَدَّقَ قَوْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ لِأوْلِيائِهِ. والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى الدّارِ الآخِرَةِ أيْ في تِلْكَ الدّارِ الآخِرَةِ الوَلايَةُ لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ أيْ في الآخِرَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ والتَجَأ إلَيْهِ: ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وعَمِلَ لِوَجْهِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ قُرِئَ (عُقْبًى) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِها وعُقْبى عَلى فُعْلى، وكُلُّها بِمَعْنى العاقِبَةِ.

الكهف 18:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ: اضْرِبْ مَثَلًا آخَرَ يَدُلُّ عَلى حَقارَةِ الدُّنْيا، وقِلَّةِ بَقائِها والكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ المُشْرِكِينَ المُتَكَبِّرِينَ عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ: ﴿مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ المَثَلَ فَقالَ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ وحِينَئِذٍ يَرْبُو ذَلِكَ النَّباتُ ويَهْتَزُّ ويَحْسُنُ مَنظَرُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ (الحَجِّ: ٥) ثُمَّ إذا انْقَطَعَ ذَلِكَ مُدَّةً جَفَّ ذَلِكَ النَّباتُ وصارَ هَشِيمًا، وهو النَّبْتُ المُتَكَسِّرُ المُتَفَتِّتُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: هَشَّمْتُ أنْفَهُ وهَشَّمْتُ الثَّرِيدَ، وأنْشَدَ: عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِأهْلِهِ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ وإذا صارَ النَّباتُ كَذَلِكَ طَيَّرَتْهُ الرِّياحُ وذَهَبَتْ بِتِلْكَ الأجْزاءِ إلى سائِرِ الجَوانِبِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ بِتَكْوِينِهِ أوَّلًا، وتَنْمِيَتِهِ وسَطًا، وإبْطالِهِ آخِرًا، وأحْوالُ الدُّنْيا أيْضًا كَذَلِكَ تَظْهَرُ أوَّلًا في غايَةِ الحُسْنِ والنَّضارَةِ، ثُمَّ تَتَزايَدُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ثُمَّ تَأْخُذُ في الِانْحِطاطِ إلى أنْ تَنْتَهِيَ إلى الهَلاكِ والفَناءِ؛ ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ لَيْسَ لِلْعاقِلِ أنْ يَبْتَهِجَ بِهِ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ فاخْتَلَطَ بَعْضُ أنْواعِ النَّباتِ بِسائِرِ الأنْواعِ بِسَبَبِ هَذا الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ يَقْوى النَّباتُ ويَخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِالبَعْضِ ويَشْتَبِكُ بَعْضُهُ بِالبَعْضِ، ويَصِيرُ في المَنظَرِ في غايَةِ الحُسْنِ والزِّينَةِ. والثّانِي: فاخْتَلَطَ ذَلِكَ الماءُ بِالنَّباتِ واخْتَلَطَ ذَلِكَ النَّباتُ بِالماءِ حَتّى رَوِيَ ورَفَّ رَفِيفًا، وكانَ حَقُّ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ: فاخْتَلَطَ بِنَباتِ الأرْضِ؛ ووَجْهُ صِحَّتِهِ أنَّ كُلَّ مُخْتَلِطَيْنِ مَوْصُوفٌ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِصِفَةِ صاحِبِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ الدُّنْيا سَرِيعَةُ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ مُشْرِفَةٌ عَلى الزَّوالِ والبَوارِ والفَناءِ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المالَ والبَنِينَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا، والمَقْصُودُ إدْخالُ هَذا الجُزْءِ تَحْتَ ذَلِكَ الكُلِّ، وسَنَعْقِدُ مِنهُ قِياسَ الإنْتاجِ، وهو أنَّ المالَ والبَنِينَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا وكُلُّ ما كانَ مِن زِينَةِ الدُّنْيا، فَهو سَرِيعُ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ يُنْتِجُ إنْتاجًا بَدِيهِيًّا أنَّ المالَ والبَنِينَ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ، ومِنَ المُقْتَضى البَدِيهِيِّ أنَّ ما كانَ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ يَقْبُحُ بِالعاقِلِ أنْ يَفْتَخِرَ بِهِ أوْ يَفْرَحَ بِسَبَبِهِ أوْ يُقِيمَ لَهُ في نَظَرِهِ وزْنًا، فَهَذا بُرْهانٌ باهِرٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى رُجْحانِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ مِنَ الأغْنِياءِ، فَقالَ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا مُنْقَرِضَةٌ مُنْقَضِيَةٌ وخَيْراتِ الآخِرَةِ دائِمَةٌ باقِيَةٌ، والدّائِمُ الباقِي خَيْرٌ مِنَ المُنْقَرِضِ المُنْقَضِي، وهَذا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، لا سِيَّما إذا ثَبَتَ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ حَقِيرَةٌ، وأنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ عالِيَةٌ رَفِيعَةٌ، لِأنَّ خَيْراتِ صفحة ١١٢ الدُّنْيا حِسِّيَّةٌ وخَيْراتِ الآخِرَةِ عَقْلِيَّةٌ، والعَقْلِيَّةُ أشْرَفُ مِنَ الحِسِّيَّةِ بِكَثِيرٍ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (النُّورِ: ٣٥) في بَيانِ أنَّ الإدْراكاتِ العَقْلِيَّةَ أفْضَلُ مِنَ الحِسِّيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ مَجْمُوعُ السَّعاداتِ العَقْلِيَّةِ والحِسِّيَّةِ هي السَّعاداتُ الأُخْرَوِيَّةُ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أفْضَلَ مِنَ السَّعاداتِ الحِسِّيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في الباقِياتِ الصّالِحاتِ أقْوالًا: قِيلَ: إنَّها قَوْلُنا: ”سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ“ ولِلشَّيْخِ الغَزالِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ وجْهٌ لَطِيفٌ، فَقالَ: رُوِيَ أنَّ مَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ حَصَلَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ عَشْرُ مَرّاتٍ، فَإذا قالَ: والحَمْدُ لِلَّهِ صارَتْ عِشْرِينَ، فَإذا قالَ: ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ صارَتْ ثَلاثِينَ، فَإذا قالَ: واللَّهُ أكْبَرُ صارَتْ أرْبَعِينَ. قالَ: وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ أعْظَمَ مَراتِبِ الثَّوابِ هو الِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مَحَبَّتِهِ، فَإذا قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ فَقَدْ عَرَفَ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، فَحُصُولُ هَذا العِرْفانِ سَعادَةٌ عَظِيمَةٌ وبَهْجَةٌ كامِلَةٌ، فَإذا قالَ مَعَ ذَلِكَ: والحَمْدُ لِلَّهِ فَقَدْ أقَرَّ بِأنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، فَهو المَبْدَأُ لِإفادَةِ كُلِّ ما يَنْبَغِي ولِإفاضَةِ كُلِّ خَيْرٍ وكَمالٍ، فَقَدْ تَضاعَفَتْ دَرَجاتُ المَعْرِفَةِ، فَلا جَرَمَ قُلْنا: تَضاعَفَ الثَّوابُ، فَإذا قالَ مَعَ ذَلِكَ: ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقَدْ أقَرَّ بِأنَّ الَّذِي تَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، فَهو المَبْدَأُ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي ولَيْسَ في الوُجُودِ مَوْجُودٌ، هَكَذا إلّا الواحِدَ، فَقَدْ صارَتْ مَراتِبُ المَعْرِفَةِ ثَلاثَةً، فَلا جَرَمَ صارَتْ دَرَجاتُ الثَّوابِ ثَلاثَةً، فَإذا قالَ: واللَّهُ أكْبَرُ مَعْناهُ أنَّهُ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن أنْ يَصِلَ العَقْلُ إلى كُنْهِ كِبْرِيائِهِ وجَلالِهِ، فَقَدْ صارَتْ مَراتِبُ المَعْرِفَةِ أرْبَعَةً، لا جَرَمَ صارَتْ دَرَجاتُ الثَّوابِ أرْبَعَةً. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الباقِياتِ الصّالِحاتِ هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها الطَّيِّبُ مِنَ القَوْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ (الحَجِّ: ٢٤) . والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ عَمَلٍ وقَوْلٍ دَعاكَ إلى الِاشْتِغالِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وبِمَحَبَّتِهِ وخِدْمَتِهِ، فَهو الباقِياتُ الصّالِحاتُ، وكُلُّ عَمَلٍ وقَوْلٍ دَعاكَ إلى الِاشْتِغالِ بِأحْوالِ الخَلْقِ فَهو خارِجٌ عَنْ ذَلِكَ، وذَلِكَ: أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ، فَهو فانٍ لِذاتِهِ هالِكٌ لِذاتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِهِ والِالتِفاتُ إلَيْهِ عَمَلًا باطِلًا وسَعْيًا ضائِعًا، أمّا الحَقُّ لِذاتِهِ فَهو الباقِي لا يَقْبَلُ الزَّوالَ لا جَرَمَ كانَ الِاشْتِغالُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ هو الَّذِي يَبْقى بَقاءً لا يَزُولُ ولا يَفْنى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ أيْ كُلُّ عَمَلٍ أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ، فَلا شَكَّ أنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الثَّوابِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأمَلِ يَكُونُ خَيْرًا وأفْضَلَ؛ لِأنَّ صاحِبَ تِلْكَ الأعْمالِ يُؤَمِّلُ في الدُّنْيا ثَوابَ اللَّهِ ونَصِيبَهُ في الآخِرَةِ.

الكهف 18:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ: اضْرِبْ مَثَلًا آخَرَ يَدُلُّ عَلى حَقارَةِ الدُّنْيا، وقِلَّةِ بَقائِها والكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ المُشْرِكِينَ المُتَكَبِّرِينَ عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ: ﴿مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ المَثَلَ فَقالَ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ وحِينَئِذٍ يَرْبُو ذَلِكَ النَّباتُ ويَهْتَزُّ ويَحْسُنُ مَنظَرُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ (الحَجِّ: ٥) ثُمَّ إذا انْقَطَعَ ذَلِكَ مُدَّةً جَفَّ ذَلِكَ النَّباتُ وصارَ هَشِيمًا، وهو النَّبْتُ المُتَكَسِّرُ المُتَفَتِّتُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: هَشَّمْتُ أنْفَهُ وهَشَّمْتُ الثَّرِيدَ، وأنْشَدَ: عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِأهْلِهِ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ وإذا صارَ النَّباتُ كَذَلِكَ طَيَّرَتْهُ الرِّياحُ وذَهَبَتْ بِتِلْكَ الأجْزاءِ إلى سائِرِ الجَوانِبِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ بِتَكْوِينِهِ أوَّلًا، وتَنْمِيَتِهِ وسَطًا، وإبْطالِهِ آخِرًا، وأحْوالُ الدُّنْيا أيْضًا كَذَلِكَ تَظْهَرُ أوَّلًا في غايَةِ الحُسْنِ والنَّضارَةِ، ثُمَّ تَتَزايَدُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ثُمَّ تَأْخُذُ في الِانْحِطاطِ إلى أنْ تَنْتَهِيَ إلى الهَلاكِ والفَناءِ؛ ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ لَيْسَ لِلْعاقِلِ أنْ يَبْتَهِجَ بِهِ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ فاخْتَلَطَ بَعْضُ أنْواعِ النَّباتِ بِسائِرِ الأنْواعِ بِسَبَبِ هَذا الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ يَقْوى النَّباتُ ويَخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِالبَعْضِ ويَشْتَبِكُ بَعْضُهُ بِالبَعْضِ، ويَصِيرُ في المَنظَرِ في غايَةِ الحُسْنِ والزِّينَةِ. والثّانِي: فاخْتَلَطَ ذَلِكَ الماءُ بِالنَّباتِ واخْتَلَطَ ذَلِكَ النَّباتُ بِالماءِ حَتّى رَوِيَ ورَفَّ رَفِيفًا، وكانَ حَقُّ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ: فاخْتَلَطَ بِنَباتِ الأرْضِ؛ ووَجْهُ صِحَّتِهِ أنَّ كُلَّ مُخْتَلِطَيْنِ مَوْصُوفٌ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِصِفَةِ صاحِبِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ الدُّنْيا سَرِيعَةُ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ مُشْرِفَةٌ عَلى الزَّوالِ والبَوارِ والفَناءِ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المالَ والبَنِينَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا، والمَقْصُودُ إدْخالُ هَذا الجُزْءِ تَحْتَ ذَلِكَ الكُلِّ، وسَنَعْقِدُ مِنهُ قِياسَ الإنْتاجِ، وهو أنَّ المالَ والبَنِينَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا وكُلُّ ما كانَ مِن زِينَةِ الدُّنْيا، فَهو سَرِيعُ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ يُنْتِجُ إنْتاجًا بَدِيهِيًّا أنَّ المالَ والبَنِينَ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ، ومِنَ المُقْتَضى البَدِيهِيِّ أنَّ ما كانَ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ يَقْبُحُ بِالعاقِلِ أنْ يَفْتَخِرَ بِهِ أوْ يَفْرَحَ بِسَبَبِهِ أوْ يُقِيمَ لَهُ في نَظَرِهِ وزْنًا، فَهَذا بُرْهانٌ باهِرٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى رُجْحانِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ مِنَ الأغْنِياءِ، فَقالَ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا مُنْقَرِضَةٌ مُنْقَضِيَةٌ وخَيْراتِ الآخِرَةِ دائِمَةٌ باقِيَةٌ، والدّائِمُ الباقِي خَيْرٌ مِنَ المُنْقَرِضِ المُنْقَضِي، وهَذا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، لا سِيَّما إذا ثَبَتَ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ حَقِيرَةٌ، وأنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ عالِيَةٌ رَفِيعَةٌ، لِأنَّ خَيْراتِ صفحة ١١٢ الدُّنْيا حِسِّيَّةٌ وخَيْراتِ الآخِرَةِ عَقْلِيَّةٌ، والعَقْلِيَّةُ أشْرَفُ مِنَ الحِسِّيَّةِ بِكَثِيرٍ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (النُّورِ: ٣٥) في بَيانِ أنَّ الإدْراكاتِ العَقْلِيَّةَ أفْضَلُ مِنَ الحِسِّيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ مَجْمُوعُ السَّعاداتِ العَقْلِيَّةِ والحِسِّيَّةِ هي السَّعاداتُ الأُخْرَوِيَّةُ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أفْضَلَ مِنَ السَّعاداتِ الحِسِّيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في الباقِياتِ الصّالِحاتِ أقْوالًا: قِيلَ: إنَّها قَوْلُنا: ”سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ“ ولِلشَّيْخِ الغَزالِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ وجْهٌ لَطِيفٌ، فَقالَ: رُوِيَ أنَّ مَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ حَصَلَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ عَشْرُ مَرّاتٍ، فَإذا قالَ: والحَمْدُ لِلَّهِ صارَتْ عِشْرِينَ، فَإذا قالَ: ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ صارَتْ ثَلاثِينَ، فَإذا قالَ: واللَّهُ أكْبَرُ صارَتْ أرْبَعِينَ. قالَ: وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ أعْظَمَ مَراتِبِ الثَّوابِ هو الِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مَحَبَّتِهِ، فَإذا قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ فَقَدْ عَرَفَ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، فَحُصُولُ هَذا العِرْفانِ سَعادَةٌ عَظِيمَةٌ وبَهْجَةٌ كامِلَةٌ، فَإذا قالَ مَعَ ذَلِكَ: والحَمْدُ لِلَّهِ فَقَدْ أقَرَّ بِأنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، فَهو المَبْدَأُ لِإفادَةِ كُلِّ ما يَنْبَغِي ولِإفاضَةِ كُلِّ خَيْرٍ وكَمالٍ، فَقَدْ تَضاعَفَتْ دَرَجاتُ المَعْرِفَةِ، فَلا جَرَمَ قُلْنا: تَضاعَفَ الثَّوابُ، فَإذا قالَ مَعَ ذَلِكَ: ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقَدْ أقَرَّ بِأنَّ الَّذِي تَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، فَهو المَبْدَأُ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي ولَيْسَ في الوُجُودِ مَوْجُودٌ، هَكَذا إلّا الواحِدَ، فَقَدْ صارَتْ مَراتِبُ المَعْرِفَةِ ثَلاثَةً، فَلا جَرَمَ صارَتْ دَرَجاتُ الثَّوابِ ثَلاثَةً، فَإذا قالَ: واللَّهُ أكْبَرُ مَعْناهُ أنَّهُ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن أنْ يَصِلَ العَقْلُ إلى كُنْهِ كِبْرِيائِهِ وجَلالِهِ، فَقَدْ صارَتْ مَراتِبُ المَعْرِفَةِ أرْبَعَةً، لا جَرَمَ صارَتْ دَرَجاتُ الثَّوابِ أرْبَعَةً. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الباقِياتِ الصّالِحاتِ هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها الطَّيِّبُ مِنَ القَوْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ (الحَجِّ: ٢٤) . والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ عَمَلٍ وقَوْلٍ دَعاكَ إلى الِاشْتِغالِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وبِمَحَبَّتِهِ وخِدْمَتِهِ، فَهو الباقِياتُ الصّالِحاتُ، وكُلُّ عَمَلٍ وقَوْلٍ دَعاكَ إلى الِاشْتِغالِ بِأحْوالِ الخَلْقِ فَهو خارِجٌ عَنْ ذَلِكَ، وذَلِكَ: أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ، فَهو فانٍ لِذاتِهِ هالِكٌ لِذاتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِهِ والِالتِفاتُ إلَيْهِ عَمَلًا باطِلًا وسَعْيًا ضائِعًا، أمّا الحَقُّ لِذاتِهِ فَهو الباقِي لا يَقْبَلُ الزَّوالَ لا جَرَمَ كانَ الِاشْتِغالُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ هو الَّذِي يَبْقى بَقاءً لا يَزُولُ ولا يَفْنى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ أيْ كُلُّ عَمَلٍ أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ، فَلا شَكَّ أنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الثَّوابِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأمَلِ يَكُونُ خَيْرًا وأفْضَلَ؛ لِأنَّ صاحِبَ تِلْكَ الأعْمالِ يُؤَمِّلُ في الدُّنْيا ثَوابَ اللَّهِ ونَصِيبَهُ في الآخِرَةِ.

الكهف 18:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ ﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ صفحة ١١٣ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ خَساسَةَ الدُّنْيا وشَرَفَ القِيامَةِ أرْدَفَهُ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِي افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأعْوانِ، واخْتَلَفُوا في النّاصِبِ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ، واذْكُرْ لَهم: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . الثّانِي: أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ حَصَلَ كَذا وكَذا يُقالُ لَهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِأنَّ القَوْلَ مُضْمَرٌ في هَذا المَوْضِعِ فَكانَ المَعْنى أنَّهُ يُقالُ لَهم: هَذا في هَذا المَوْضِعِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ﴿وخَيْرٌ أمَلًا﴾ في ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ مِن أحْوالِ القِيامَةِ أنْواعًا: النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (تُسَيَّرُ) عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، (الجِبالُ) بِالرَّفْعِ بِإسْنادِ (تُسَيَّرُ) إلَيْهِ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ (التَّكْوِيرِ: ٣) والباقُونَ (نَسَيِّرُ) بِإسْنادِ فِعْلِ التَّسْيِيرِ إلى نَفْسِهِ تَعالى، (والجِبالَ) بِالنَّصْبِ لِكَوْنِهِ مَفْعُولَ نُسَيِّرُ، والمَعْنى نَحْنُ نَفْعَلُ بِها ذَلِكَ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّها إذا سُيِّرَتْ فَمُسَيِّرُها لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ. ونَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ قِراءَةً أُخْرى وهي: (تَسِيرُ الجِبالُ) بِإسْنادِ تَسِيرُ إلى الجِبالِ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ لَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها إلى أيْنَ تَسِيرُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُها إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ ولَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ المَوْضِعَ لِخَلْقِهِ، والحَقُّ أنَّ المُرادَ: أنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُها إلى العَدَمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ (طَهَ: ١٠٧) ولِقَوْلِهِ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ (الواقِعَةِ: ٥) . والنَّوْعُ الثّانِي مِن أحْوالِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِها شَيْءٌ مِنَ العِماراتِ، ولا شَيْءٌ مِنَ الجِبالِ، ولا شَيْءٌ مِنَ الأشْجارِ، فَبَقِيَتْ بارِزَةً ظاهِرَةً لَيْسَ عَلَيْها ما يَسْتُرُها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ . وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِها بارِزَةً أنَّها أبْرَزَتْ ما في بَطْنِها، وقَذَفَتِ المَوْتى المَقْبُورِينَ فِيها، فَهي بارِزَةُ الجَوْفِ والبَطْنِ، فَحُذِفَ ذِكْرُ الجَوْفِ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ٤) وقَوْلُهُ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ (الزَّلْزَلَةِ: ٢) وقَوْلُهُ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (إبْراهِيمَ: ٢١) . وثالِثُها: أنَّ وُجُوهَ الأرْضِ كانَتْ مَسْتُورَةً بِالجِبالِ والبِحارِ، فَلَمّا أفْنى اللَّهُ تَعالى الجِبالَ والبِحارَ فَقَدْ بَرَزَتْ وُجُوهُ تِلْكَ البِقاعِ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَسْتُورَةً. والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ: ﴿وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ والمَعْنى: جَمَعْناهم لِلْحِسابِ، فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا، أيْ لَمْ نَتْرُكْ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ أحَدًا إلّا وجَمَعْناهم لِذَلِكَ اليَوْمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ( الواقِعَةِ:٤٩ - ٥٠) ومَعْنى لَمْ نُغادِرْ لَمْ نَتْرُكْ، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ إذا تَرَكَهُ، ومِنهُ الغَدْرُ تَرْكُ الوَفاءِ، ومِنهُ الغَدِيرُ؛ لِأنَّهُ ما تَرَكَتْهُ السُّيُولُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ ضَفِيرَةُ المَرْأةِ بِالغَدِيرَةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حَشْرَ الخَلْقِ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ عَرْضِهِمْ، فَقالَ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الصَّفِّ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تُعْرَضُ الخَلْقُ كُلُّهم عَلى اللَّهِ صَفًّا واحِدًا ظاهِرِينَ بِحَيْثُ لا يَحْجُبُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ القَفّالُ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الصَّفُّ راجِعًا إلى الظُّهُورِ والبُرُوزِ، ومِنهُ اشْتُقَّ الصَّفْصَفُ لِلصَّحْراءِ. وثانِيها: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ صُفُوفًا يَقِفُ بَعْضُهم وراءَ بَعْضٍ مِثْلَ الصُّفُوفِ صفحة ١١٤ المُحِيطَةِ بِالكَعْبَةِ الَّتِي يَكُونُ بَعْضُها خَلْفَ بَعْضٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: صَفًّا صُفُوفًا كَقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ (غافِرٍ: ٦٧) أيْ أطْفالًا. وثالِثُها: صَفًّا أيْ قِيامًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ (الحَجِّ: ٣٦) قالُوا قِيامًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُشَبِّهَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفَجْرِ: ٢٢) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في ذَلِكَ المَكانِ وتُعْرَضُ عَلَيْهِ أهْلُ القِيامَةِ صَفًّا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في ذَلِكَ المَكانِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ وُقُوفَهم في المَوْضِعِ الَّذِي يَسْألُهم فِيهِ عَنْ أعْمالِهِمْ ويُحاسِبُهم عَلَيْها عَرْضًا عَلَيْهِ، لا عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في مَكانٍ وعُرِضُوا عَلَيْهِ لِيَراهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يَراهم، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ولَيْسَ المُرادُ حُصُولَ المُساواةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ؛ لِأنَّهم خُلِقُوا صِغارًا ولا عَقْلَ لَهم ولا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ بَلِ المُرادُ أنَّهُ قالَ لِلْمُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ المُفْتَخِرِينَ في الدُّنْيا عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِالأمْوالِ والأنْصارِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عُراةً حُفاةً بِغَيْرِ أمْوالٍ ولا أعْوانٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٩٤) وقالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٨٠) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ أيْ كُنْتُمْ مَعَ التَّعَزُّزِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالأمْوالِ والأنْصارِ تُنْكِرُونَ البَعْثَ والقِيامَةَ، فالآنَ قَدْ تَرَكْتُمُ الأمْوالَ والأنْصارَ في الدُّنْيا وشاهَدْتُمْ أنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ حَقٌّ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ والمُرادُ: أنَّهُ يُوضَعُ في هَذا اليَوْمِ كِتابُ كُلِّ إنْسانٍ في يَدِهِ، إمّا في اليَمِينِ أوْ في الشَّمالِ، والمُرادُ الجِنْسُ وهو صُحُفُ الأعْمالِ: ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أيْ خائِفِينَ مِمّا في الكِتابِ مِن أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ وخائِفِينَ مِن ظُهُورِ ذَلِكَ لِأهْلِ المَوْقِفِ فَيَفْتَضِحُونَ، وبِالجُمْلَةِ يَحْصُلُ لَهم خَوْفُ العِقابِ مِنَ الحَقِّ وخَوْفُ الفَضِيحَةِ عِنْدَ الخَلْقِ، ويَقُولُونَ: يا ويْلَتَنا يُنادُونَ هِلْكَتَهُمُ الَّتِي هَلَكُوها خاصَّةً مِن بَيْنِ الهِلْكاتِ: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ وهي عِبارَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِمَعْنى لا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنَ المَعاصِي سَواءٌ كانَتْ صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً إلّا وهي مَذْكُورَةٌ في هَذا الكِتابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (الِانْفِطارِ: ١٠) وقَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثِيَةِ: ٢٩) وإدْخالُ تاءِ التَّأْنِيثِ في الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ المُرادَ الفِعْلَةُ الصَّغِيرَةُ والكَبِيرَةُ: ﴿إلّا أحْصاها﴾ إلّا ضَبَطَها وحَصَرَها، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ضَجُّوا مِنَ الصَّغائِرِ قَبْلَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصَّغائِرَ هي الَّتِي جَرَّتْهم إلى الكَبائِرِ، فاحْتَرَزُوا مِنَ الصَّغائِرِ جِدًّا: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ في الصُّحُفِ عَتِيدًا أوْ جَزاءَ ما عَمِلُوا: ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَكْتُبُ عَلَيْهِ ما لَمْ يَفْعَلْ، ولا يَزِيدُ في عِقابِهِ المُسْتَحَقِّ، ولا يُعَذِّبُ أحَدًا بِجُرْمِ غَيْرِهِ، بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ في مَسائِلَ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ عَذَّبَ عِبادَهُ مِن غَيْرِ فِعْلٍ صَدَرَ مِنهم لَكانَ ظالِمًا. وثانِيها: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ الأطْفالَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وثالِثُها: بُطْلانُ قَوْلِهِمْ: لِلَّهِ صفحة ١١٥ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويُعَذِّبَ مِن غَيْرِ جُرْمٍ؛ لِأنَّ الخَلْقَ خَلْقُهُ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ لِنَفْيِ الظُّلْمِ عَنْهُ مَعْنًى لَأنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ إذا فَعَلَ أيَّ شَيْءٍ أرادَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا مِنهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: إنَّهُ لا يَظْلِمُ فائِدَةٌ، فَيُقالُ لَهُ: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلَيْنِ: فَهو المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي. وأمّا الجَوابُ عَنْ هَذا الثّالِثِ: فَهو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ (مَرْيَمَ: ٣٥) ولَمْ يَدُلَّ هَذا عَلى أنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ صَحِيحٌ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: ”«يُحاسَبُ النّاسُ في القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةٍ يُوسُفَ، وأيُّوبَ، وسُلَيْمانَ، فَيَدْعُو بِالمَمْلُوكِ ويَقُولُ لَهُ: ما شَغَلَكَ عَنِّي، فَيَقُولُ: جَعَلْتَنِي عَبْدًا لِلْآدَمِيِّ فَلَمْ تُفَرِّغْنِي، فَيَدْعُو يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَقُولُ: كانَ هَذا عَبْدًا مِثْلَكَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ثُمَّ يَدْعُو بِالمُبْتَلِي فَإذا قالَ: شَغَلْتَنِي بِالبَلاءِ دَعا بِأيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَقُولُ: قَدِ ابْتَلَيْتُ هَذا بِأشَدَّ مِن بَلائِكَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ثُمَّ يُؤْتى بِالمَلِكِ في الدُّنْيا مَعَ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ، فَيَقُولُ: ماذا عَمِلْتَ فِيما آتَيْتُكَ ؟ فَيَقُولُ: شَغَلَنِي المُلْكُ عَنْ ذَلِكَ، فَيُدْعى بِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَقُولُ: هَذا عَبْدِي سُلَيْمانُ آتَيْتُهُ أكْثَرَ ما آتَيْتُكَ، فَلَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي، اذْهَبْ فَلا عُذْرَ لَكَ، ويُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ» “، وعَنْ مُعاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «لَنْ يَزُولَ قَدَمُ العَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُسْألَ عَنْ أرْبَعٍ: عَنْ جَسَدِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ كَيْفَ عَمِلَ بِهِ» . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى إثْباتِ صَغائِرَ وكَبائِرَ في الذُّنُوبِ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الكَبِيرَةُ ما يَزِيدُ عِقابُهُ عَلى ثَوابِ فاعِلِهِ، والصَّغِيرَةُ ما يَنْقُصُ عِقابُهُ عَنْ ثَوابِ فاعِلِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدَّ إنَّما يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ أنَّ الفِعْلَ يُوجِبُ ثَوابًا وعِقابًا، وذَلِكَ عِنْدَنا باطِلٌ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ، في إبْطالِ القَوْلِ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ بَلِ الحَقُّ عِنْدَنا أنَّ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ فَكُلُّ ما كانَ أقْوى في كَوْنِهِ جَهْلًا بِاللَّهِ كانَ أعْظَمَ في كَوْنِهِ كَبِيرَةً، وكُلُّ ما كانَ أقْوى في كَوْنِهِ إضْرارًا بِالغَيْرِ كانَ أكْثَرَ في كَوْنِهِ ذَنْبًا أوْ مَعْصِيَةً فَهَذا هو الضَّبْطُ.

الكهف 18:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ ﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ صفحة ١١٣ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ خَساسَةَ الدُّنْيا وشَرَفَ القِيامَةِ أرْدَفَهُ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِي افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأعْوانِ، واخْتَلَفُوا في النّاصِبِ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ، واذْكُرْ لَهم: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . الثّانِي: أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ حَصَلَ كَذا وكَذا يُقالُ لَهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِأنَّ القَوْلَ مُضْمَرٌ في هَذا المَوْضِعِ فَكانَ المَعْنى أنَّهُ يُقالُ لَهم: هَذا في هَذا المَوْضِعِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ﴿وخَيْرٌ أمَلًا﴾ في ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ مِن أحْوالِ القِيامَةِ أنْواعًا: النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (تُسَيَّرُ) عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، (الجِبالُ) بِالرَّفْعِ بِإسْنادِ (تُسَيَّرُ) إلَيْهِ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ (التَّكْوِيرِ: ٣) والباقُونَ (نَسَيِّرُ) بِإسْنادِ فِعْلِ التَّسْيِيرِ إلى نَفْسِهِ تَعالى، (والجِبالَ) بِالنَّصْبِ لِكَوْنِهِ مَفْعُولَ نُسَيِّرُ، والمَعْنى نَحْنُ نَفْعَلُ بِها ذَلِكَ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّها إذا سُيِّرَتْ فَمُسَيِّرُها لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ. ونَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ قِراءَةً أُخْرى وهي: (تَسِيرُ الجِبالُ) بِإسْنادِ تَسِيرُ إلى الجِبالِ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ لَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها إلى أيْنَ تَسِيرُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُها إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ ولَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ المَوْضِعَ لِخَلْقِهِ، والحَقُّ أنَّ المُرادَ: أنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُها إلى العَدَمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ (طَهَ: ١٠٧) ولِقَوْلِهِ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ (الواقِعَةِ: ٥) . والنَّوْعُ الثّانِي مِن أحْوالِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِها شَيْءٌ مِنَ العِماراتِ، ولا شَيْءٌ مِنَ الجِبالِ، ولا شَيْءٌ مِنَ الأشْجارِ، فَبَقِيَتْ بارِزَةً ظاهِرَةً لَيْسَ عَلَيْها ما يَسْتُرُها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ . وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِها بارِزَةً أنَّها أبْرَزَتْ ما في بَطْنِها، وقَذَفَتِ المَوْتى المَقْبُورِينَ فِيها، فَهي بارِزَةُ الجَوْفِ والبَطْنِ، فَحُذِفَ ذِكْرُ الجَوْفِ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ٤) وقَوْلُهُ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ (الزَّلْزَلَةِ: ٢) وقَوْلُهُ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (إبْراهِيمَ: ٢١) . وثالِثُها: أنَّ وُجُوهَ الأرْضِ كانَتْ مَسْتُورَةً بِالجِبالِ والبِحارِ، فَلَمّا أفْنى اللَّهُ تَعالى الجِبالَ والبِحارَ فَقَدْ بَرَزَتْ وُجُوهُ تِلْكَ البِقاعِ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَسْتُورَةً. والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ: ﴿وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ والمَعْنى: جَمَعْناهم لِلْحِسابِ، فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا، أيْ لَمْ نَتْرُكْ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ أحَدًا إلّا وجَمَعْناهم لِذَلِكَ اليَوْمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ( الواقِعَةِ:٤٩ - ٥٠) ومَعْنى لَمْ نُغادِرْ لَمْ نَتْرُكْ، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ إذا تَرَكَهُ، ومِنهُ الغَدْرُ تَرْكُ الوَفاءِ، ومِنهُ الغَدِيرُ؛ لِأنَّهُ ما تَرَكَتْهُ السُّيُولُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ ضَفِيرَةُ المَرْأةِ بِالغَدِيرَةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حَشْرَ الخَلْقِ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ عَرْضِهِمْ، فَقالَ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الصَّفِّ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تُعْرَضُ الخَلْقُ كُلُّهم عَلى اللَّهِ صَفًّا واحِدًا ظاهِرِينَ بِحَيْثُ لا يَحْجُبُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ القَفّالُ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الصَّفُّ راجِعًا إلى الظُّهُورِ والبُرُوزِ، ومِنهُ اشْتُقَّ الصَّفْصَفُ لِلصَّحْراءِ. وثانِيها: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ صُفُوفًا يَقِفُ بَعْضُهم وراءَ بَعْضٍ مِثْلَ الصُّفُوفِ صفحة ١١٤ المُحِيطَةِ بِالكَعْبَةِ الَّتِي يَكُونُ بَعْضُها خَلْفَ بَعْضٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: صَفًّا صُفُوفًا كَقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ (غافِرٍ: ٦٧) أيْ أطْفالًا. وثالِثُها: صَفًّا أيْ قِيامًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ (الحَجِّ: ٣٦) قالُوا قِيامًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُشَبِّهَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفَجْرِ: ٢٢) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في ذَلِكَ المَكانِ وتُعْرَضُ عَلَيْهِ أهْلُ القِيامَةِ صَفًّا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في ذَلِكَ المَكانِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ وُقُوفَهم في المَوْضِعِ الَّذِي يَسْألُهم فِيهِ عَنْ أعْمالِهِمْ ويُحاسِبُهم عَلَيْها عَرْضًا عَلَيْهِ، لا عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في مَكانٍ وعُرِضُوا عَلَيْهِ لِيَراهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يَراهم، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ولَيْسَ المُرادُ حُصُولَ المُساواةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ؛ لِأنَّهم خُلِقُوا صِغارًا ولا عَقْلَ لَهم ولا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ بَلِ المُرادُ أنَّهُ قالَ لِلْمُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ المُفْتَخِرِينَ في الدُّنْيا عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِالأمْوالِ والأنْصارِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عُراةً حُفاةً بِغَيْرِ أمْوالٍ ولا أعْوانٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٩٤) وقالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٨٠) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ أيْ كُنْتُمْ مَعَ التَّعَزُّزِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالأمْوالِ والأنْصارِ تُنْكِرُونَ البَعْثَ والقِيامَةَ، فالآنَ قَدْ تَرَكْتُمُ الأمْوالَ والأنْصارَ في الدُّنْيا وشاهَدْتُمْ أنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ حَقٌّ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ والمُرادُ: أنَّهُ يُوضَعُ في هَذا اليَوْمِ كِتابُ كُلِّ إنْسانٍ في يَدِهِ، إمّا في اليَمِينِ أوْ في الشَّمالِ، والمُرادُ الجِنْسُ وهو صُحُفُ الأعْمالِ: ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أيْ خائِفِينَ مِمّا في الكِتابِ مِن أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ وخائِفِينَ مِن ظُهُورِ ذَلِكَ لِأهْلِ المَوْقِفِ فَيَفْتَضِحُونَ، وبِالجُمْلَةِ يَحْصُلُ لَهم خَوْفُ العِقابِ مِنَ الحَقِّ وخَوْفُ الفَضِيحَةِ عِنْدَ الخَلْقِ، ويَقُولُونَ: يا ويْلَتَنا يُنادُونَ هِلْكَتَهُمُ الَّتِي هَلَكُوها خاصَّةً مِن بَيْنِ الهِلْكاتِ: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ وهي عِبارَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِمَعْنى لا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنَ المَعاصِي سَواءٌ كانَتْ صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً إلّا وهي مَذْكُورَةٌ في هَذا الكِتابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (الِانْفِطارِ: ١٠) وقَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثِيَةِ: ٢٩) وإدْخالُ تاءِ التَّأْنِيثِ في الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ المُرادَ الفِعْلَةُ الصَّغِيرَةُ والكَبِيرَةُ: ﴿إلّا أحْصاها﴾ إلّا ضَبَطَها وحَصَرَها، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ضَجُّوا مِنَ الصَّغائِرِ قَبْلَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصَّغائِرَ هي الَّتِي جَرَّتْهم إلى الكَبائِرِ، فاحْتَرَزُوا مِنَ الصَّغائِرِ جِدًّا: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ في الصُّحُفِ عَتِيدًا أوْ جَزاءَ ما عَمِلُوا: ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَكْتُبُ عَلَيْهِ ما لَمْ يَفْعَلْ، ولا يَزِيدُ في عِقابِهِ المُسْتَحَقِّ، ولا يُعَذِّبُ أحَدًا بِجُرْمِ غَيْرِهِ، بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ في مَسائِلَ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ عَذَّبَ عِبادَهُ مِن غَيْرِ فِعْلٍ صَدَرَ مِنهم لَكانَ ظالِمًا. وثانِيها: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ الأطْفالَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وثالِثُها: بُطْلانُ قَوْلِهِمْ: لِلَّهِ صفحة ١١٥ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويُعَذِّبَ مِن غَيْرِ جُرْمٍ؛ لِأنَّ الخَلْقَ خَلْقُهُ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ لِنَفْيِ الظُّلْمِ عَنْهُ مَعْنًى لَأنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ إذا فَعَلَ أيَّ شَيْءٍ أرادَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا مِنهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: إنَّهُ لا يَظْلِمُ فائِدَةٌ، فَيُقالُ لَهُ: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلَيْنِ: فَهو المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي. وأمّا الجَوابُ عَنْ هَذا الثّالِثِ: فَهو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ (مَرْيَمَ: ٣٥) ولَمْ يَدُلَّ هَذا عَلى أنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ صَحِيحٌ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: ”«يُحاسَبُ النّاسُ في القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةٍ يُوسُفَ، وأيُّوبَ، وسُلَيْمانَ، فَيَدْعُو بِالمَمْلُوكِ ويَقُولُ لَهُ: ما شَغَلَكَ عَنِّي، فَيَقُولُ: جَعَلْتَنِي عَبْدًا لِلْآدَمِيِّ فَلَمْ تُفَرِّغْنِي، فَيَدْعُو يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَقُولُ: كانَ هَذا عَبْدًا مِثْلَكَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ثُمَّ يَدْعُو بِالمُبْتَلِي فَإذا قالَ: شَغَلْتَنِي بِالبَلاءِ دَعا بِأيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَقُولُ: قَدِ ابْتَلَيْتُ هَذا بِأشَدَّ مِن بَلائِكَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ثُمَّ يُؤْتى بِالمَلِكِ في الدُّنْيا مَعَ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ، فَيَقُولُ: ماذا عَمِلْتَ فِيما آتَيْتُكَ ؟ فَيَقُولُ: شَغَلَنِي المُلْكُ عَنْ ذَلِكَ، فَيُدْعى بِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَقُولُ: هَذا عَبْدِي سُلَيْمانُ آتَيْتُهُ أكْثَرَ ما آتَيْتُكَ، فَلَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي، اذْهَبْ فَلا عُذْرَ لَكَ، ويُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ» “، وعَنْ مُعاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «لَنْ يَزُولَ قَدَمُ العَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُسْألَ عَنْ أرْبَعٍ: عَنْ جَسَدِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ كَيْفَ عَمِلَ بِهِ» . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى إثْباتِ صَغائِرَ وكَبائِرَ في الذُّنُوبِ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الكَبِيرَةُ ما يَزِيدُ عِقابُهُ عَلى ثَوابِ فاعِلِهِ، والصَّغِيرَةُ ما يَنْقُصُ عِقابُهُ عَنْ ثَوابِ فاعِلِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدَّ إنَّما يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ أنَّ الفِعْلَ يُوجِبُ ثَوابًا وعِقابًا، وذَلِكَ عِنْدَنا باطِلٌ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ، في إبْطالِ القَوْلِ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ بَلِ الحَقُّ عِنْدَنا أنَّ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ فَكُلُّ ما كانَ أقْوى في كَوْنِهِ جَهْلًا بِاللَّهِ كانَ أعْظَمَ في كَوْنِهِ كَبِيرَةً، وكُلُّ ما كانَ أقْوى في كَوْنِهِ إضْرارًا بِالغَيْرِ كانَ أكْثَرَ في كَوْنِهِ ذَنْبًا أوْ مَعْصِيَةً فَهَذا هو الضَّبْطُ.

الكهف 18:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ ﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ صفحة ١١٣ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ خَساسَةَ الدُّنْيا وشَرَفَ القِيامَةِ أرْدَفَهُ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِي افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأعْوانِ، واخْتَلَفُوا في النّاصِبِ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ، واذْكُرْ لَهم: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . الثّانِي: أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ حَصَلَ كَذا وكَذا يُقالُ لَهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِأنَّ القَوْلَ مُضْمَرٌ في هَذا المَوْضِعِ فَكانَ المَعْنى أنَّهُ يُقالُ لَهم: هَذا في هَذا المَوْضِعِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ﴿وخَيْرٌ أمَلًا﴾ في ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ مِن أحْوالِ القِيامَةِ أنْواعًا: النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (تُسَيَّرُ) عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، (الجِبالُ) بِالرَّفْعِ بِإسْنادِ (تُسَيَّرُ) إلَيْهِ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ (التَّكْوِيرِ: ٣) والباقُونَ (نَسَيِّرُ) بِإسْنادِ فِعْلِ التَّسْيِيرِ إلى نَفْسِهِ تَعالى، (والجِبالَ) بِالنَّصْبِ لِكَوْنِهِ مَفْعُولَ نُسَيِّرُ، والمَعْنى نَحْنُ نَفْعَلُ بِها ذَلِكَ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّها إذا سُيِّرَتْ فَمُسَيِّرُها لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ. ونَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ قِراءَةً أُخْرى وهي: (تَسِيرُ الجِبالُ) بِإسْنادِ تَسِيرُ إلى الجِبالِ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ لَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها إلى أيْنَ تَسِيرُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُها إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ ولَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ المَوْضِعَ لِخَلْقِهِ، والحَقُّ أنَّ المُرادَ: أنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُها إلى العَدَمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ (طَهَ: ١٠٧) ولِقَوْلِهِ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ (الواقِعَةِ: ٥) . والنَّوْعُ الثّانِي مِن أحْوالِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِها شَيْءٌ مِنَ العِماراتِ، ولا شَيْءٌ مِنَ الجِبالِ، ولا شَيْءٌ مِنَ الأشْجارِ، فَبَقِيَتْ بارِزَةً ظاهِرَةً لَيْسَ عَلَيْها ما يَسْتُرُها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ . وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِها بارِزَةً أنَّها أبْرَزَتْ ما في بَطْنِها، وقَذَفَتِ المَوْتى المَقْبُورِينَ فِيها، فَهي بارِزَةُ الجَوْفِ والبَطْنِ، فَحُذِفَ ذِكْرُ الجَوْفِ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ٤) وقَوْلُهُ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ (الزَّلْزَلَةِ: ٢) وقَوْلُهُ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (إبْراهِيمَ: ٢١) . وثالِثُها: أنَّ وُجُوهَ الأرْضِ كانَتْ مَسْتُورَةً بِالجِبالِ والبِحارِ، فَلَمّا أفْنى اللَّهُ تَعالى الجِبالَ والبِحارَ فَقَدْ بَرَزَتْ وُجُوهُ تِلْكَ البِقاعِ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَسْتُورَةً. والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ: ﴿وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ والمَعْنى: جَمَعْناهم لِلْحِسابِ، فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا، أيْ لَمْ نَتْرُكْ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ أحَدًا إلّا وجَمَعْناهم لِذَلِكَ اليَوْمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ( الواقِعَةِ:٤٩ - ٥٠) ومَعْنى لَمْ نُغادِرْ لَمْ نَتْرُكْ، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ إذا تَرَكَهُ، ومِنهُ الغَدْرُ تَرْكُ الوَفاءِ، ومِنهُ الغَدِيرُ؛ لِأنَّهُ ما تَرَكَتْهُ السُّيُولُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ ضَفِيرَةُ المَرْأةِ بِالغَدِيرَةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حَشْرَ الخَلْقِ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ عَرْضِهِمْ، فَقالَ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الصَّفِّ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تُعْرَضُ الخَلْقُ كُلُّهم عَلى اللَّهِ صَفًّا واحِدًا ظاهِرِينَ بِحَيْثُ لا يَحْجُبُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ القَفّالُ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الصَّفُّ راجِعًا إلى الظُّهُورِ والبُرُوزِ، ومِنهُ اشْتُقَّ الصَّفْصَفُ لِلصَّحْراءِ. وثانِيها: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ صُفُوفًا يَقِفُ بَعْضُهم وراءَ بَعْضٍ مِثْلَ الصُّفُوفِ صفحة ١١٤ المُحِيطَةِ بِالكَعْبَةِ الَّتِي يَكُونُ بَعْضُها خَلْفَ بَعْضٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: صَفًّا صُفُوفًا كَقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ (غافِرٍ: ٦٧) أيْ أطْفالًا. وثالِثُها: صَفًّا أيْ قِيامًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ (الحَجِّ: ٣٦) قالُوا قِيامًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُشَبِّهَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفَجْرِ: ٢٢) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في ذَلِكَ المَكانِ وتُعْرَضُ عَلَيْهِ أهْلُ القِيامَةِ صَفًّا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في ذَلِكَ المَكانِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ وُقُوفَهم في المَوْضِعِ الَّذِي يَسْألُهم فِيهِ عَنْ أعْمالِهِمْ ويُحاسِبُهم عَلَيْها عَرْضًا عَلَيْهِ، لا عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في مَكانٍ وعُرِضُوا عَلَيْهِ لِيَراهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يَراهم، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ولَيْسَ المُرادُ حُصُولَ المُساواةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ؛ لِأنَّهم خُلِقُوا صِغارًا ولا عَقْلَ لَهم ولا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ بَلِ المُرادُ أنَّهُ قالَ لِلْمُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ المُفْتَخِرِينَ في الدُّنْيا عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِالأمْوالِ والأنْصارِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عُراةً حُفاةً بِغَيْرِ أمْوالٍ ولا أعْوانٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٩٤) وقالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٨٠) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ أيْ كُنْتُمْ مَعَ التَّعَزُّزِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالأمْوالِ والأنْصارِ تُنْكِرُونَ البَعْثَ والقِيامَةَ، فالآنَ قَدْ تَرَكْتُمُ الأمْوالَ والأنْصارَ في الدُّنْيا وشاهَدْتُمْ أنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ حَقٌّ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ والمُرادُ: أنَّهُ يُوضَعُ في هَذا اليَوْمِ كِتابُ كُلِّ إنْسانٍ في يَدِهِ، إمّا في اليَمِينِ أوْ في الشَّمالِ، والمُرادُ الجِنْسُ وهو صُحُفُ الأعْمالِ: ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أيْ خائِفِينَ مِمّا في الكِتابِ مِن أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ وخائِفِينَ مِن ظُهُورِ ذَلِكَ لِأهْلِ المَوْقِفِ فَيَفْتَضِحُونَ، وبِالجُمْلَةِ يَحْصُلُ لَهم خَوْفُ العِقابِ مِنَ الحَقِّ وخَوْفُ الفَضِيحَةِ عِنْدَ الخَلْقِ، ويَقُولُونَ: يا ويْلَتَنا يُنادُونَ هِلْكَتَهُمُ الَّتِي هَلَكُوها خاصَّةً مِن بَيْنِ الهِلْكاتِ: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ وهي عِبارَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِمَعْنى لا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنَ المَعاصِي سَواءٌ كانَتْ صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً إلّا وهي مَذْكُورَةٌ في هَذا الكِتابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (الِانْفِطارِ: ١٠) وقَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثِيَةِ: ٢٩) وإدْخالُ تاءِ التَّأْنِيثِ في الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ المُرادَ الفِعْلَةُ الصَّغِيرَةُ والكَبِيرَةُ: ﴿إلّا أحْصاها﴾ إلّا ضَبَطَها وحَصَرَها، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ضَجُّوا مِنَ الصَّغائِرِ قَبْلَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصَّغائِرَ هي الَّتِي جَرَّتْهم إلى الكَبائِرِ، فاحْتَرَزُوا مِنَ الصَّغائِرِ جِدًّا: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ في الصُّحُفِ عَتِيدًا أوْ جَزاءَ ما عَمِلُوا: ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَكْتُبُ عَلَيْهِ ما لَمْ يَفْعَلْ، ولا يَزِيدُ في عِقابِهِ المُسْتَحَقِّ، ولا يُعَذِّبُ أحَدًا بِجُرْمِ غَيْرِهِ، بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ في مَسائِلَ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ عَذَّبَ عِبادَهُ مِن غَيْرِ فِعْلٍ صَدَرَ مِنهم لَكانَ ظالِمًا. وثانِيها: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ الأطْفالَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وثالِثُها: بُطْلانُ قَوْلِهِمْ: لِلَّهِ صفحة ١١٥ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويُعَذِّبَ مِن غَيْرِ جُرْمٍ؛ لِأنَّ الخَلْقَ خَلْقُهُ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ لِنَفْيِ الظُّلْمِ عَنْهُ مَعْنًى لَأنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ إذا فَعَلَ أيَّ شَيْءٍ أرادَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا مِنهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: إنَّهُ لا يَظْلِمُ فائِدَةٌ، فَيُقالُ لَهُ: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلَيْنِ: فَهو المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي. وأمّا الجَوابُ عَنْ هَذا الثّالِثِ: فَهو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ (مَرْيَمَ: ٣٥) ولَمْ يَدُلَّ هَذا عَلى أنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ صَحِيحٌ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: ”«يُحاسَبُ النّاسُ في القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةٍ يُوسُفَ، وأيُّوبَ، وسُلَيْمانَ، فَيَدْعُو بِالمَمْلُوكِ ويَقُولُ لَهُ: ما شَغَلَكَ عَنِّي، فَيَقُولُ: جَعَلْتَنِي عَبْدًا لِلْآدَمِيِّ فَلَمْ تُفَرِّغْنِي، فَيَدْعُو يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَقُولُ: كانَ هَذا عَبْدًا مِثْلَكَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ثُمَّ يَدْعُو بِالمُبْتَلِي فَإذا قالَ: شَغَلْتَنِي بِالبَلاءِ دَعا بِأيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَقُولُ: قَدِ ابْتَلَيْتُ هَذا بِأشَدَّ مِن بَلائِكَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ثُمَّ يُؤْتى بِالمَلِكِ في الدُّنْيا مَعَ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ، فَيَقُولُ: ماذا عَمِلْتَ فِيما آتَيْتُكَ ؟ فَيَقُولُ: شَغَلَنِي المُلْكُ عَنْ ذَلِكَ، فَيُدْعى بِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَقُولُ: هَذا عَبْدِي سُلَيْمانُ آتَيْتُهُ أكْثَرَ ما آتَيْتُكَ، فَلَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي، اذْهَبْ فَلا عُذْرَ لَكَ، ويُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ» “، وعَنْ مُعاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «لَنْ يَزُولَ قَدَمُ العَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُسْألَ عَنْ أرْبَعٍ: عَنْ جَسَدِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ كَيْفَ عَمِلَ بِهِ» . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى إثْباتِ صَغائِرَ وكَبائِرَ في الذُّنُوبِ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الكَبِيرَةُ ما يَزِيدُ عِقابُهُ عَلى ثَوابِ فاعِلِهِ، والصَّغِيرَةُ ما يَنْقُصُ عِقابُهُ عَنْ ثَوابِ فاعِلِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدَّ إنَّما يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ أنَّ الفِعْلَ يُوجِبُ ثَوابًا وعِقابًا، وذَلِكَ عِنْدَنا باطِلٌ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ، في إبْطالِ القَوْلِ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ بَلِ الحَقُّ عِنْدَنا أنَّ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ فَكُلُّ ما كانَ أقْوى في كَوْنِهِ جَهْلًا بِاللَّهِ كانَ أعْظَمَ في كَوْنِهِ كَبِيرَةً، وكُلُّ ما كانَ أقْوى في كَوْنِهِ إضْرارًا بِالغَيْرِ كانَ أكْثَرَ في كَوْنِهِ ذَنْبًا أوْ مَعْصِيَةً فَهَذا هو الضَّبْطُ.

الكهف 18:50

قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ١١٦ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ الرَّدُّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأعْوانِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ الآيَةُ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِها عَيْنُ هَذا المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ إنَّما تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ؛ لِأنَّهُ افْتَخَرَ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، وقالَ: خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ فَأنا أشْرَفُ مِنهُ في الأصْلِ والنَّسَبِ، فَكَيْفَ أسْجُدُ وكَيْفَ أتَواضَعُ لَهُ ؟ وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ عامَلُوا فُقَراءَ المُسْلِمِينَ بِعَيْنِ هَذِهِ المُعامَلَةِ، فَقالُوا: كَيْفَ نَجْلِسُ مَعَ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ مَعَ أنّا مِن أنْسابٍ شَرِيفَةٍ وهم مِن أنْسابٍ نازِلَةٍ، ونَحْنُ أغْنِياءُ وهم فُقَراءُ ؟ فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هَهُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هي بِعَيْنِها طَرِيقَةُ إبْلِيسَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَذَّرَ عَنْها وعَنِ الِاقْتِداءِ بِها في قَوْلِهِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ وهو حَسَنٌ مُعْتَبَرٌ، وذَكَرَ القاضِي وجْهًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ أمْرَ القِيامَةِ وما يَجْرِي عِنْدَ الحَشْرِ ووَضْعَ الكِتابِ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ أنْ يَذْكُرَ هَهُنا أنَّهُ يُنادِي المُشْرِكِينَ، ويَقُولُ لَهم: أيْنَ شُرَكائِي الَّذِي زَعَمْتُمْ وكانَ قَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ إبْلِيسَ هو الَّذِي يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى إثْباتِ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ قِصَّتَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إتْمامًا لِذَلِكَ الغَرَضِ، ثُمَّ قالَ القاضِي: وهَذِهِ القِصَّةُ وإنْ كانَ تَعالى قَدْ كَرَّرَها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ إلّا أنَّ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنها فائِدَةً مُجَدَّدَةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ ولِلنّاسِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وكَوْنُهُ مِنَ المَلائِكَةِ لا يُنافِي كَوْنَهُ مِنَ الجِنِّ، ولَهم فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَبِيلَةً مِنَ المَلائِكَةِ يُسَمَّوْنَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٨) ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ (الأنْعامِ: ١٠٠) . والثّانِي: أنَّ الجِنَّ سُمُّوا جِنًّا لِلِاسْتِتارِ والمَلائِكَةُ كَذَلِكَ فَهم داخِلُونَ في الجِنِّ. الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ خازِنَ الجَنَّةِ ونُسِبَ إلى الجَنَّةِ، كَقَوْلِهِمْ: كُوفِيٌّ وبَصْرِيٌّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ مَنِ الجَنّانِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ في الجَنّاتِ حَيٌّ مِنَ المَلائِكَةِ يَصُوغُونَ حِلْيَةَ أهْلِ الجَنَّةِ مُذْ خُلِقُوا، رَواهُ القاضِي في تَفْسِيرِهِ عَنْ هِشامٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الجِنِّ الَّذِينَ هُمُ الشَّياطِينُ والَّذِينَ خُلِقُوا مِن نارٍ وهو أبُوهم. والقَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ مَن قالَ: كانَ مِنَ المَلائِكَةِ فَمُسِخَ وغُيِّرَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ أحْكَمْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ وأصْلُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لَهُ ذُرِّيَّةً ونَسْلًا في هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ والمَلائِكَةُ لَيْسَ لَهم ذُرِّيَّةٌ ولا نَسْلٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ تَناوَلَهُ ذَلِكَ الأمْرُ ؟ وأيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهم ؟ وقَدْ أجَبْنا عَنْ كُلِّ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْصاءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ وفي ظاهِرِهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ الفاسِقَ لا يَفْسُقُ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أيْ خَرَجَ عَنْ طاعَتِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ مِن قِشْرِها أيْ خَرَجَتْ، وسُمِّيَتِ الفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةً لِخُرُوجِها مِن جُحْرِها مِنَ البابَيْنِ، وقالَ رُؤْبَةُ: يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرًا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا صفحة ١١٧ الثّانِي: حَكى الزَّجّاجُ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: لَمّا أُمِرَ فَعَصى كانَ سَبَبُ فِسْقِهِ هو ذَلِكَ الأمْرُ، والمَعْنى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ الأمْرُ السّابِقُ لَما حَصَلَ الفِسْقُ، فَلِأجْلِ هَذا المَعْنى حَسُنَ أنْ يُقالَ: فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ. الثّالِثُ: قالَ قُطْرُبٌ: فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ رَدَّهُ، كَقَوْلِهِ: واسْألِ القَرْيَةَ، واسْألِ العِيرَ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ إبْلِيسَ تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ وتَرَفَّعَ عَلَيْهِ لَمّا ادَّعى أنَّ أصْلَهُ أشْرَفُ مِن أصْلِ آدَمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو أشْرَفَ مِن آدَمَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لِأُولَئِكَ الكافِرِينَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِشَرَفِ نَسَبِهِمْ وعُلُوِّ مَنصِبِهِمْ: إنَّكم في هَذا القَوْلِ اقْتَدَيْتُمْ بِإبْلِيسَ في تَكَبُّرِهِ عَلى آدَمَ فَلَمّا عَلِمْتُمْ أنَّ إبْلِيسَ عَدُوٌّ لَكم، فَكَيْفَ تَقْتَدُونَ بِهِ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ المَذْمُومَةِ ؟ هَذا هو تَقْرِيرُ الكَلامِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لا يَتِمُّ إلّا بِإثْباتِ مُقَدِّماتٍ: فَأوَّلُها: إثْباتُ إبْلِيسَ. وثانِيها: إثْباتُ ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ. وثالِثُها: إثْباتُ عَداوَةٍ بَيْنَ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ وبَيْنَ أوْلادِ آدَمَ. ورابِعُها: أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي قالَهُ أُولَئِكَ الكُفّارُ اقْتَدَوْا فِيهِ بِإبْلِيسَ. وكُلُّ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الأرْبَعَةِ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ -ﷺ-: فالجاهِلُ بِصِدْقِ النَّبِيِّ جاهِلٌ بِها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُخاطَبُونَ بِهَذِهِ الآياتِ هَلْ عَرَفُوا كَوْنَ مُحَمَّدٍ نَبِيًّا صادِقًا أوْ ما عَرَفُوا ذَلِكَ ؟ فَإنْ عَرَفُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا صادِقًا قَبِلُوا قَوْلَهُ في كُلِّ ما يَقُولُهُ فَكُلَّما نَهاهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ قَوْلٍ انْتَهَوْا عَنْهُ، وحِينَئِذٍ فَلا حاجَةَ إلى قِصَّةِ إبْلِيسَ وإنْ لَمْ يَعْرِفُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا جَهِلُوا كُلَّ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الأرْبَعَةِ، ولَمْ يَعْرِفُوا صِحَّتَها فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في إيرادِها عَلَيْهِمْ فائِدَةٌ، والجَوابُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ سَمِعُوا قِصَّةَ إبْلِيسَ وآدَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ واعْتَقَدُوا صِحَّتَها وعَلِمُوا أنَّ إبْلِيسَ إنَّما تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ بِسَبَبِ نَسَبِهِ، فَإذا أوْرَدْنا عَلَيْهِمْ هَذِهِ القِصَّةَ كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَمّا أظْهَرُوهُ مَعَ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّرَفُّعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ ولا يَخْلُقُهُ في العَبْدِ، إذْ لَوْ أرادَهُ وخَلَقَهُ فِيهِ، ثُمَّ عاقَبَهُ عَلَيْهِ، لَكانَ ضَرَرُ إبْلِيسَ أقَلَّ مِن ضَرَرِ اللَّهِ عَلَيْهِما، فَكَيْفَ يُوَبِّخُهم بِقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ؟ ! تَعالى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، بَلْ عَلى هَذا المَذْهَبِ: لا ضَرَرَ البَتَّةَ مِن إبْلِيسَ بَلِ الضَّرَرُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ. والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالدّاعِي والعِلْمِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ لِلْكُفّارِ المُفْتَخِرِينَ بِأنْسابِهِمْ وأمْوالِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ: أفَتَتَّخِذُونَ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ لَهم إلى تَرْكِ دِينِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- هو النَّخْوَةُ وإظْهارُ العَجَبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أقْدَمَ عَلى عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ بِناءً عَلى هَذا الدّاعِي، فَهو مُتَّبِعٌ لِإبْلِيسَ حَتّى أنَّ مَن كانَ غَرَضُهُ في إظْهارِ العِلْمِ والمُناظَرَةِ التَّفاخُرَ والتَّكَبُّرَ والتَّرَفُّعَ، فَهو مُقْتَدٍ بِإبْلِيسَ، وهو مَقامٌ صَعْبٌ غَرِقَ فِيهِ أكْثَرُ الخَلْقِ، فَنَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ بِئْسَ البَدَلُ مِنَ اللَّهِ إبْلِيسُ لِمَنِ اسْتَبْدَلَهُ بِهِ، فَأطاعَهُ بَدَلَ طاعَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ إلى مَن يَعُودُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: -وهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ- أنَّ المَعْنى ما أشْهَدْتُ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهم أوْلِياءَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النِّساءِ: ٦٦) يَعْنِي ما أشْهَدْتُهم لِأعْتَضِدَ بِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أيْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بَيانًا لِإضْلالِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿عَضُدًا﴾ أيْ أعْوانًا. وثانِيها: -وهُوَ أقْرَبُ عِنْدِي- أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا صفحة ١١٨ لِلرَّسُولِ -ﷺ- إنْ لَمْ تَطْرُدْ مِن مَجْلِسِكَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ لَمْ نُؤْمِن بِكَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ والتَّعَنُّتِ الباطِلِ ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ ولا اعْتَضَدْتُ بِهِمْ في تَدْبِيرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَلْ هم قَوْمٌ كَسائِرِ الخَلْقِ، فَلِمَ أقْدَمُوا عَلى هَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ ؟ ونَظِيرُهُ أنَّ مَنِ اقْتَرَحَ عَلَيْكَ اقْتِراحاتٍ عَظِيمَةً، فَإنَّكَ تَقُولُ لَهُ: لَسْتَ بِسُلْطانِ البَلَدِ ولا ذُرِّيَّةِ المَمْلَكَةِ حَتّى نَقْبَلَ مِنكَ هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ الهائِلَةَ، فَلِمَ تُقْدِمُ عَلَيْها ؟ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ الأقْرَبُ هو ذِكْرُ أُولَئِكَ الكُفّارِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ والمُرادُ بِالظّالِمِينَ أُولَئِكَ الكُفّارُ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ كَوْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ جاهِلِينَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ مِن أحْوالِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: السَّعِيدُ مَن حَكَمَ اللَّهُ بِسَعادَتِهِ في الأزَلِ، والشَّقِيُّ مَن حَكَمَ اللَّهُ بِشَقاوَتِهِ في الأزَلِ، وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْ أحْوالِ الأزَلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وإذا جَهِلْتُمْ هَذِهِ الحالَةَ فَكَيْفَ يُمْكِنُكم أنْ تَحْكُمُوا لِأنْفُسِكم بِالرِّفْعَةِ والعُلُوِّ والكَمالِ ولِغَيْرِكم بِالدَّناءَةِ والذُّلِّ ؟ بَلْ رُبَّما صارَ الأمْرُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى العَكْسِ فِيما حَكَمْتُمْ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ وما كُنْتَ بِالفَتْحِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، والمَعْنى: وما صَحَّ لَكَ الِاعْتِضادُ بِهِمْ، وما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْتَزَّ بِهِمْ، وقَرَأ عَلِيٌّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: (مُتَّخِذًا المُضِلِّينَ) بِالتَّنْوِينِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (عُضْدًا) بِسُكُونِ الضّادِ ونَقْلِ ضَمَّتِها إلى العَيْنِ، وقُرِئَ: (عَضْدًا) بِالفَتْحِ وسُكُونِ الضّادِ (وعُضُدًا) بِضَمَّتَيْنِ (وعَضَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ عاضِدٍ، كَخادِمٍ وخَدَمٍ، وراصِدٍ ورَصَدٍ، مِن عَضَدَهُ إذا قَوّاهُ وأعانَهُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي قالُوهُ في الِافْتِخارِ عَلى الفُقَراءِ اقْتِداءً بِإبْلِيسَ عادَ بَعْدَهُ إلى التَّهْوِيلِ بِأحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ: (نَقُولُ) بِالنُّونِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ و﴿أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ و﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والباقُونَ قَرَءُوا بِالياءِ. البَحْثُ الثّانِي: واذْكُرْ يَوْمَ نَقُولُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ . البَحْثُ الثّالِثُ: المَعْنى: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ أحْوالَهم وأحْوالَ آلِهَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ أيِ ادْعُوا مَن زَعَمْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِي حَيْثُ أهَّلْتُمُوهم لِلْعِبادَةِ، ادْعُوهم يَشْفَعُوا لَكم ويَنْصُرُوكم والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ الجِنُّ، فَدَعَوْهم، ولَمْ يَذْكُرْ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كَيْفَ دَعَوُا الشُّرَكاءَ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى، وهو أنَّهم قالُوا: ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ (غافِرٍ: ٤٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يُجِيبُوهم إلى ما دَعَوْهم إلَيْهِ، ولَمْ يَدْفَعُوا عَنْهم ضَرَرًا وما أوْصَلُوا إلَيْهِمْ نَفْعًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَوْبِقُ المَهْلِكُ مِن وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا ووَبَقًا، إذا هَلَكَ وأوْبَقَهُ غَيْرُهُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالمَوْرِدِ والمَوْعِدِ، وتَقْرِيرُ هَذا الوَجْهِ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً كالمَلائِكَةِ وعِيسى دَعَوْا هَؤُلاءِ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم صفحة ١١٩ ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَأدْخَلَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ جَهَنَّمَ، وأدْخَلَ عِيسى الجَنَّةَ، وصارَ المَلائِكَةُ إلى حَيْثُ أرادَ اللَّهُ مِن دارِ الكَرامَةِ، وحَصَلَ بَيْنَ أُولَئِكَ الكُفّارِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا المَوْبِقُ، وهو ذَلِكَ الوادِي في جَهَنَّمَ. الوَجْهُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: (مَوْبِقًا) أيْ عَداوَةً، والمَعْنى: عَداوَةٌ هي في شِدَّتِها هَلاكٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: لا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، ولا بُغْضُكَ تَلَفًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: البَيْنُ المُواصَلَةُ أيْ جَعَلْنا مُواصَلَتَهم في الدُّنْيا هَلاكًا في يَوْمِ القِيامَةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: المَوْبِقُ البَرْزَخُ البَعِيدُ أيْ جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وعِيسى بَرْزَخًا بَعِيدًا يَهْلِكُ فِيهِ السّارِي لِفَرْطِ بُعْدِهِ؛ لِأنَّهم في قَعْرِ جَهَنَّمَ، وهم في أعْلى الجِنانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ وفي هَذا الظَّنِّ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الظَّنَّ هَهُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ. والثّانِي: وهو الأقْرَبُ أنَّ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فَيَظُنُّونَ أنَّهم مُواقِعُوها في تِلْكَ السّاعَةِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ ومُهْلَةٍ، لِشِدَّةِ ما يَسْمَعُونَ مِن تَغَيُّظِها وزَفِيرِها، كَما قالَ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٢) وقَوْلُهُ: ﴿مُواقِعُوها﴾ أيْ مُخالِطُوها، فَإنَّ مُخالَطَةَ الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ إذا كانَتْ قَوِيَّةً تامَّةً، يُقالُ لَها: مُواقَعَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا عَنِ النّارِ مَعْدِلًا إلى غَيْرِها؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَسُوقُهم إلَيْها.

الكهف 18:51

قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ١١٦ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ الرَّدُّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأعْوانِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ الآيَةُ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِها عَيْنُ هَذا المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ إنَّما تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ؛ لِأنَّهُ افْتَخَرَ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، وقالَ: خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ فَأنا أشْرَفُ مِنهُ في الأصْلِ والنَّسَبِ، فَكَيْفَ أسْجُدُ وكَيْفَ أتَواضَعُ لَهُ ؟ وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ عامَلُوا فُقَراءَ المُسْلِمِينَ بِعَيْنِ هَذِهِ المُعامَلَةِ، فَقالُوا: كَيْفَ نَجْلِسُ مَعَ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ مَعَ أنّا مِن أنْسابٍ شَرِيفَةٍ وهم مِن أنْسابٍ نازِلَةٍ، ونَحْنُ أغْنِياءُ وهم فُقَراءُ ؟ فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هَهُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هي بِعَيْنِها طَرِيقَةُ إبْلِيسَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَذَّرَ عَنْها وعَنِ الِاقْتِداءِ بِها في قَوْلِهِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ وهو حَسَنٌ مُعْتَبَرٌ، وذَكَرَ القاضِي وجْهًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ أمْرَ القِيامَةِ وما يَجْرِي عِنْدَ الحَشْرِ ووَضْعَ الكِتابِ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ أنْ يَذْكُرَ هَهُنا أنَّهُ يُنادِي المُشْرِكِينَ، ويَقُولُ لَهم: أيْنَ شُرَكائِي الَّذِي زَعَمْتُمْ وكانَ قَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ إبْلِيسَ هو الَّذِي يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى إثْباتِ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ قِصَّتَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إتْمامًا لِذَلِكَ الغَرَضِ، ثُمَّ قالَ القاضِي: وهَذِهِ القِصَّةُ وإنْ كانَ تَعالى قَدْ كَرَّرَها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ إلّا أنَّ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنها فائِدَةً مُجَدَّدَةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ ولِلنّاسِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وكَوْنُهُ مِنَ المَلائِكَةِ لا يُنافِي كَوْنَهُ مِنَ الجِنِّ، ولَهم فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَبِيلَةً مِنَ المَلائِكَةِ يُسَمَّوْنَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٨) ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ (الأنْعامِ: ١٠٠) . والثّانِي: أنَّ الجِنَّ سُمُّوا جِنًّا لِلِاسْتِتارِ والمَلائِكَةُ كَذَلِكَ فَهم داخِلُونَ في الجِنِّ. الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ خازِنَ الجَنَّةِ ونُسِبَ إلى الجَنَّةِ، كَقَوْلِهِمْ: كُوفِيٌّ وبَصْرِيٌّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ مَنِ الجَنّانِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ في الجَنّاتِ حَيٌّ مِنَ المَلائِكَةِ يَصُوغُونَ حِلْيَةَ أهْلِ الجَنَّةِ مُذْ خُلِقُوا، رَواهُ القاضِي في تَفْسِيرِهِ عَنْ هِشامٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الجِنِّ الَّذِينَ هُمُ الشَّياطِينُ والَّذِينَ خُلِقُوا مِن نارٍ وهو أبُوهم. والقَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ مَن قالَ: كانَ مِنَ المَلائِكَةِ فَمُسِخَ وغُيِّرَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ أحْكَمْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ وأصْلُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لَهُ ذُرِّيَّةً ونَسْلًا في هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ والمَلائِكَةُ لَيْسَ لَهم ذُرِّيَّةٌ ولا نَسْلٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ تَناوَلَهُ ذَلِكَ الأمْرُ ؟ وأيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهم ؟ وقَدْ أجَبْنا عَنْ كُلِّ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْصاءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ وفي ظاهِرِهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ الفاسِقَ لا يَفْسُقُ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أيْ خَرَجَ عَنْ طاعَتِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ مِن قِشْرِها أيْ خَرَجَتْ، وسُمِّيَتِ الفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةً لِخُرُوجِها مِن جُحْرِها مِنَ البابَيْنِ، وقالَ رُؤْبَةُ: يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرًا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا صفحة ١١٧ الثّانِي: حَكى الزَّجّاجُ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: لَمّا أُمِرَ فَعَصى كانَ سَبَبُ فِسْقِهِ هو ذَلِكَ الأمْرُ، والمَعْنى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ الأمْرُ السّابِقُ لَما حَصَلَ الفِسْقُ، فَلِأجْلِ هَذا المَعْنى حَسُنَ أنْ يُقالَ: فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ. الثّالِثُ: قالَ قُطْرُبٌ: فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ رَدَّهُ، كَقَوْلِهِ: واسْألِ القَرْيَةَ، واسْألِ العِيرَ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ إبْلِيسَ تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ وتَرَفَّعَ عَلَيْهِ لَمّا ادَّعى أنَّ أصْلَهُ أشْرَفُ مِن أصْلِ آدَمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو أشْرَفَ مِن آدَمَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لِأُولَئِكَ الكافِرِينَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِشَرَفِ نَسَبِهِمْ وعُلُوِّ مَنصِبِهِمْ: إنَّكم في هَذا القَوْلِ اقْتَدَيْتُمْ بِإبْلِيسَ في تَكَبُّرِهِ عَلى آدَمَ فَلَمّا عَلِمْتُمْ أنَّ إبْلِيسَ عَدُوٌّ لَكم، فَكَيْفَ تَقْتَدُونَ بِهِ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ المَذْمُومَةِ ؟ هَذا هو تَقْرِيرُ الكَلامِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لا يَتِمُّ إلّا بِإثْباتِ مُقَدِّماتٍ: فَأوَّلُها: إثْباتُ إبْلِيسَ. وثانِيها: إثْباتُ ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ. وثالِثُها: إثْباتُ عَداوَةٍ بَيْنَ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ وبَيْنَ أوْلادِ آدَمَ. ورابِعُها: أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي قالَهُ أُولَئِكَ الكُفّارُ اقْتَدَوْا فِيهِ بِإبْلِيسَ. وكُلُّ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الأرْبَعَةِ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ -ﷺ-: فالجاهِلُ بِصِدْقِ النَّبِيِّ جاهِلٌ بِها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُخاطَبُونَ بِهَذِهِ الآياتِ هَلْ عَرَفُوا كَوْنَ مُحَمَّدٍ نَبِيًّا صادِقًا أوْ ما عَرَفُوا ذَلِكَ ؟ فَإنْ عَرَفُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا صادِقًا قَبِلُوا قَوْلَهُ في كُلِّ ما يَقُولُهُ فَكُلَّما نَهاهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ قَوْلٍ انْتَهَوْا عَنْهُ، وحِينَئِذٍ فَلا حاجَةَ إلى قِصَّةِ إبْلِيسَ وإنْ لَمْ يَعْرِفُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا جَهِلُوا كُلَّ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الأرْبَعَةِ، ولَمْ يَعْرِفُوا صِحَّتَها فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في إيرادِها عَلَيْهِمْ فائِدَةٌ، والجَوابُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ سَمِعُوا قِصَّةَ إبْلِيسَ وآدَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ واعْتَقَدُوا صِحَّتَها وعَلِمُوا أنَّ إبْلِيسَ إنَّما تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ بِسَبَبِ نَسَبِهِ، فَإذا أوْرَدْنا عَلَيْهِمْ هَذِهِ القِصَّةَ كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَمّا أظْهَرُوهُ مَعَ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّرَفُّعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ ولا يَخْلُقُهُ في العَبْدِ، إذْ لَوْ أرادَهُ وخَلَقَهُ فِيهِ، ثُمَّ عاقَبَهُ عَلَيْهِ، لَكانَ ضَرَرُ إبْلِيسَ أقَلَّ مِن ضَرَرِ اللَّهِ عَلَيْهِما، فَكَيْفَ يُوَبِّخُهم بِقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ؟ ! تَعالى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، بَلْ عَلى هَذا المَذْهَبِ: لا ضَرَرَ البَتَّةَ مِن إبْلِيسَ بَلِ الضَّرَرُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ. والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالدّاعِي والعِلْمِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ لِلْكُفّارِ المُفْتَخِرِينَ بِأنْسابِهِمْ وأمْوالِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ: أفَتَتَّخِذُونَ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ لَهم إلى تَرْكِ دِينِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- هو النَّخْوَةُ وإظْهارُ العَجَبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أقْدَمَ عَلى عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ بِناءً عَلى هَذا الدّاعِي، فَهو مُتَّبِعٌ لِإبْلِيسَ حَتّى أنَّ مَن كانَ غَرَضُهُ في إظْهارِ العِلْمِ والمُناظَرَةِ التَّفاخُرَ والتَّكَبُّرَ والتَّرَفُّعَ، فَهو مُقْتَدٍ بِإبْلِيسَ، وهو مَقامٌ صَعْبٌ غَرِقَ فِيهِ أكْثَرُ الخَلْقِ، فَنَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ بِئْسَ البَدَلُ مِنَ اللَّهِ إبْلِيسُ لِمَنِ اسْتَبْدَلَهُ بِهِ، فَأطاعَهُ بَدَلَ طاعَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ إلى مَن يَعُودُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: -وهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ- أنَّ المَعْنى ما أشْهَدْتُ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهم أوْلِياءَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النِّساءِ: ٦٦) يَعْنِي ما أشْهَدْتُهم لِأعْتَضِدَ بِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أيْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بَيانًا لِإضْلالِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿عَضُدًا﴾ أيْ أعْوانًا. وثانِيها: -وهُوَ أقْرَبُ عِنْدِي- أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا صفحة ١١٨ لِلرَّسُولِ -ﷺ- إنْ لَمْ تَطْرُدْ مِن مَجْلِسِكَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ لَمْ نُؤْمِن بِكَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ والتَّعَنُّتِ الباطِلِ ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ ولا اعْتَضَدْتُ بِهِمْ في تَدْبِيرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَلْ هم قَوْمٌ كَسائِرِ الخَلْقِ، فَلِمَ أقْدَمُوا عَلى هَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ ؟ ونَظِيرُهُ أنَّ مَنِ اقْتَرَحَ عَلَيْكَ اقْتِراحاتٍ عَظِيمَةً، فَإنَّكَ تَقُولُ لَهُ: لَسْتَ بِسُلْطانِ البَلَدِ ولا ذُرِّيَّةِ المَمْلَكَةِ حَتّى نَقْبَلَ مِنكَ هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ الهائِلَةَ، فَلِمَ تُقْدِمُ عَلَيْها ؟ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ الأقْرَبُ هو ذِكْرُ أُولَئِكَ الكُفّارِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ والمُرادُ بِالظّالِمِينَ أُولَئِكَ الكُفّارُ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ كَوْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ جاهِلِينَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ مِن أحْوالِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: السَّعِيدُ مَن حَكَمَ اللَّهُ بِسَعادَتِهِ في الأزَلِ، والشَّقِيُّ مَن حَكَمَ اللَّهُ بِشَقاوَتِهِ في الأزَلِ، وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْ أحْوالِ الأزَلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وإذا جَهِلْتُمْ هَذِهِ الحالَةَ فَكَيْفَ يُمْكِنُكم أنْ تَحْكُمُوا لِأنْفُسِكم بِالرِّفْعَةِ والعُلُوِّ والكَمالِ ولِغَيْرِكم بِالدَّناءَةِ والذُّلِّ ؟ بَلْ رُبَّما صارَ الأمْرُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى العَكْسِ فِيما حَكَمْتُمْ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ وما كُنْتَ بِالفَتْحِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، والمَعْنى: وما صَحَّ لَكَ الِاعْتِضادُ بِهِمْ، وما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْتَزَّ بِهِمْ، وقَرَأ عَلِيٌّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: (مُتَّخِذًا المُضِلِّينَ) بِالتَّنْوِينِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (عُضْدًا) بِسُكُونِ الضّادِ ونَقْلِ ضَمَّتِها إلى العَيْنِ، وقُرِئَ: (عَضْدًا) بِالفَتْحِ وسُكُونِ الضّادِ (وعُضُدًا) بِضَمَّتَيْنِ (وعَضَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ عاضِدٍ، كَخادِمٍ وخَدَمٍ، وراصِدٍ ورَصَدٍ، مِن عَضَدَهُ إذا قَوّاهُ وأعانَهُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي قالُوهُ في الِافْتِخارِ عَلى الفُقَراءِ اقْتِداءً بِإبْلِيسَ عادَ بَعْدَهُ إلى التَّهْوِيلِ بِأحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ: (نَقُولُ) بِالنُّونِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ و﴿أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ و﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والباقُونَ قَرَءُوا بِالياءِ. البَحْثُ الثّانِي: واذْكُرْ يَوْمَ نَقُولُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ . البَحْثُ الثّالِثُ: المَعْنى: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ أحْوالَهم وأحْوالَ آلِهَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ أيِ ادْعُوا مَن زَعَمْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِي حَيْثُ أهَّلْتُمُوهم لِلْعِبادَةِ، ادْعُوهم يَشْفَعُوا لَكم ويَنْصُرُوكم والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ الجِنُّ، فَدَعَوْهم، ولَمْ يَذْكُرْ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كَيْفَ دَعَوُا الشُّرَكاءَ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى، وهو أنَّهم قالُوا: ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ (غافِرٍ: ٤٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يُجِيبُوهم إلى ما دَعَوْهم إلَيْهِ، ولَمْ يَدْفَعُوا عَنْهم ضَرَرًا وما أوْصَلُوا إلَيْهِمْ نَفْعًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَوْبِقُ المَهْلِكُ مِن وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا ووَبَقًا، إذا هَلَكَ وأوْبَقَهُ غَيْرُهُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالمَوْرِدِ والمَوْعِدِ، وتَقْرِيرُ هَذا الوَجْهِ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً كالمَلائِكَةِ وعِيسى دَعَوْا هَؤُلاءِ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم صفحة ١١٩ ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَأدْخَلَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ جَهَنَّمَ، وأدْخَلَ عِيسى الجَنَّةَ، وصارَ المَلائِكَةُ إلى حَيْثُ أرادَ اللَّهُ مِن دارِ الكَرامَةِ، وحَصَلَ بَيْنَ أُولَئِكَ الكُفّارِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا المَوْبِقُ، وهو ذَلِكَ الوادِي في جَهَنَّمَ. الوَجْهُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: (مَوْبِقًا) أيْ عَداوَةً، والمَعْنى: عَداوَةٌ هي في شِدَّتِها هَلاكٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: لا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، ولا بُغْضُكَ تَلَفًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: البَيْنُ المُواصَلَةُ أيْ جَعَلْنا مُواصَلَتَهم في الدُّنْيا هَلاكًا في يَوْمِ القِيامَةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: المَوْبِقُ البَرْزَخُ البَعِيدُ أيْ جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وعِيسى بَرْزَخًا بَعِيدًا يَهْلِكُ فِيهِ السّارِي لِفَرْطِ بُعْدِهِ؛ لِأنَّهم في قَعْرِ جَهَنَّمَ، وهم في أعْلى الجِنانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ وفي هَذا الظَّنِّ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الظَّنَّ هَهُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ. والثّانِي: وهو الأقْرَبُ أنَّ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فَيَظُنُّونَ أنَّهم مُواقِعُوها في تِلْكَ السّاعَةِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ ومُهْلَةٍ، لِشِدَّةِ ما يَسْمَعُونَ مِن تَغَيُّظِها وزَفِيرِها، كَما قالَ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٢) وقَوْلُهُ: ﴿مُواقِعُوها﴾ أيْ مُخالِطُوها، فَإنَّ مُخالَطَةَ الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ إذا كانَتْ قَوِيَّةً تامَّةً، يُقالُ لَها: مُواقَعَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا عَنِ النّارِ مَعْدِلًا إلى غَيْرِها؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَسُوقُهم إلَيْها.

الكهف 18:52

قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ١١٦ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ الرَّدُّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأعْوانِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ الآيَةُ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِها عَيْنُ هَذا المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ إنَّما تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ؛ لِأنَّهُ افْتَخَرَ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، وقالَ: خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ فَأنا أشْرَفُ مِنهُ في الأصْلِ والنَّسَبِ، فَكَيْفَ أسْجُدُ وكَيْفَ أتَواضَعُ لَهُ ؟ وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ عامَلُوا فُقَراءَ المُسْلِمِينَ بِعَيْنِ هَذِهِ المُعامَلَةِ، فَقالُوا: كَيْفَ نَجْلِسُ مَعَ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ مَعَ أنّا مِن أنْسابٍ شَرِيفَةٍ وهم مِن أنْسابٍ نازِلَةٍ، ونَحْنُ أغْنِياءُ وهم فُقَراءُ ؟ فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هَهُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هي بِعَيْنِها طَرِيقَةُ إبْلِيسَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَذَّرَ عَنْها وعَنِ الِاقْتِداءِ بِها في قَوْلِهِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ وهو حَسَنٌ مُعْتَبَرٌ، وذَكَرَ القاضِي وجْهًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ أمْرَ القِيامَةِ وما يَجْرِي عِنْدَ الحَشْرِ ووَضْعَ الكِتابِ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ أنْ يَذْكُرَ هَهُنا أنَّهُ يُنادِي المُشْرِكِينَ، ويَقُولُ لَهم: أيْنَ شُرَكائِي الَّذِي زَعَمْتُمْ وكانَ قَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ إبْلِيسَ هو الَّذِي يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى إثْباتِ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ قِصَّتَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إتْمامًا لِذَلِكَ الغَرَضِ، ثُمَّ قالَ القاضِي: وهَذِهِ القِصَّةُ وإنْ كانَ تَعالى قَدْ كَرَّرَها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ إلّا أنَّ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنها فائِدَةً مُجَدَّدَةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ ولِلنّاسِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وكَوْنُهُ مِنَ المَلائِكَةِ لا يُنافِي كَوْنَهُ مِنَ الجِنِّ، ولَهم فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَبِيلَةً مِنَ المَلائِكَةِ يُسَمَّوْنَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٨) ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ (الأنْعامِ: ١٠٠) . والثّانِي: أنَّ الجِنَّ سُمُّوا جِنًّا لِلِاسْتِتارِ والمَلائِكَةُ كَذَلِكَ فَهم داخِلُونَ في الجِنِّ. الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ خازِنَ الجَنَّةِ ونُسِبَ إلى الجَنَّةِ، كَقَوْلِهِمْ: كُوفِيٌّ وبَصْرِيٌّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ مَنِ الجَنّانِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ في الجَنّاتِ حَيٌّ مِنَ المَلائِكَةِ يَصُوغُونَ حِلْيَةَ أهْلِ الجَنَّةِ مُذْ خُلِقُوا، رَواهُ القاضِي في تَفْسِيرِهِ عَنْ هِشامٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الجِنِّ الَّذِينَ هُمُ الشَّياطِينُ والَّذِينَ خُلِقُوا مِن نارٍ وهو أبُوهم. والقَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ مَن قالَ: كانَ مِنَ المَلائِكَةِ فَمُسِخَ وغُيِّرَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ أحْكَمْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ وأصْلُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لَهُ ذُرِّيَّةً ونَسْلًا في هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ والمَلائِكَةُ لَيْسَ لَهم ذُرِّيَّةٌ ولا نَسْلٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ تَناوَلَهُ ذَلِكَ الأمْرُ ؟ وأيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهم ؟ وقَدْ أجَبْنا عَنْ كُلِّ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْصاءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ وفي ظاهِرِهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ الفاسِقَ لا يَفْسُقُ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أيْ خَرَجَ عَنْ طاعَتِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ مِن قِشْرِها أيْ خَرَجَتْ، وسُمِّيَتِ الفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةً لِخُرُوجِها مِن جُحْرِها مِنَ البابَيْنِ، وقالَ رُؤْبَةُ: يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرًا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا صفحة ١١٧ الثّانِي: حَكى الزَّجّاجُ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: لَمّا أُمِرَ فَعَصى كانَ سَبَبُ فِسْقِهِ هو ذَلِكَ الأمْرُ، والمَعْنى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ الأمْرُ السّابِقُ لَما حَصَلَ الفِسْقُ، فَلِأجْلِ هَذا المَعْنى حَسُنَ أنْ يُقالَ: فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ. الثّالِثُ: قالَ قُطْرُبٌ: فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ رَدَّهُ، كَقَوْلِهِ: واسْألِ القَرْيَةَ، واسْألِ العِيرَ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ إبْلِيسَ تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ وتَرَفَّعَ عَلَيْهِ لَمّا ادَّعى أنَّ أصْلَهُ أشْرَفُ مِن أصْلِ آدَمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو أشْرَفَ مِن آدَمَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لِأُولَئِكَ الكافِرِينَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِشَرَفِ نَسَبِهِمْ وعُلُوِّ مَنصِبِهِمْ: إنَّكم في هَذا القَوْلِ اقْتَدَيْتُمْ بِإبْلِيسَ في تَكَبُّرِهِ عَلى آدَمَ فَلَمّا عَلِمْتُمْ أنَّ إبْلِيسَ عَدُوٌّ لَكم، فَكَيْفَ تَقْتَدُونَ بِهِ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ المَذْمُومَةِ ؟ هَذا هو تَقْرِيرُ الكَلامِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لا يَتِمُّ إلّا بِإثْباتِ مُقَدِّماتٍ: فَأوَّلُها: إثْباتُ إبْلِيسَ. وثانِيها: إثْباتُ ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ. وثالِثُها: إثْباتُ عَداوَةٍ بَيْنَ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ وبَيْنَ أوْلادِ آدَمَ. ورابِعُها: أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي قالَهُ أُولَئِكَ الكُفّارُ اقْتَدَوْا فِيهِ بِإبْلِيسَ. وكُلُّ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الأرْبَعَةِ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ -ﷺ-: فالجاهِلُ بِصِدْقِ النَّبِيِّ جاهِلٌ بِها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُخاطَبُونَ بِهَذِهِ الآياتِ هَلْ عَرَفُوا كَوْنَ مُحَمَّدٍ نَبِيًّا صادِقًا أوْ ما عَرَفُوا ذَلِكَ ؟ فَإنْ عَرَفُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا صادِقًا قَبِلُوا قَوْلَهُ في كُلِّ ما يَقُولُهُ فَكُلَّما نَهاهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ قَوْلٍ انْتَهَوْا عَنْهُ، وحِينَئِذٍ فَلا حاجَةَ إلى قِصَّةِ إبْلِيسَ وإنْ لَمْ يَعْرِفُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا جَهِلُوا كُلَّ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الأرْبَعَةِ، ولَمْ يَعْرِفُوا صِحَّتَها فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في إيرادِها عَلَيْهِمْ فائِدَةٌ، والجَوابُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ سَمِعُوا قِصَّةَ إبْلِيسَ وآدَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ واعْتَقَدُوا صِحَّتَها وعَلِمُوا أنَّ إبْلِيسَ إنَّما تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ بِسَبَبِ نَسَبِهِ، فَإذا أوْرَدْنا عَلَيْهِمْ هَذِهِ القِصَّةَ كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَمّا أظْهَرُوهُ مَعَ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّرَفُّعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ ولا يَخْلُقُهُ في العَبْدِ، إذْ لَوْ أرادَهُ وخَلَقَهُ فِيهِ، ثُمَّ عاقَبَهُ عَلَيْهِ، لَكانَ ضَرَرُ إبْلِيسَ أقَلَّ مِن ضَرَرِ اللَّهِ عَلَيْهِما، فَكَيْفَ يُوَبِّخُهم بِقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ؟ ! تَعالى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، بَلْ عَلى هَذا المَذْهَبِ: لا ضَرَرَ البَتَّةَ مِن إبْلِيسَ بَلِ الضَّرَرُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ. والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالدّاعِي والعِلْمِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ لِلْكُفّارِ المُفْتَخِرِينَ بِأنْسابِهِمْ وأمْوالِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ: أفَتَتَّخِذُونَ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ لَهم إلى تَرْكِ دِينِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- هو النَّخْوَةُ وإظْهارُ العَجَبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أقْدَمَ عَلى عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ بِناءً عَلى هَذا الدّاعِي، فَهو مُتَّبِعٌ لِإبْلِيسَ حَتّى أنَّ مَن كانَ غَرَضُهُ في إظْهارِ العِلْمِ والمُناظَرَةِ التَّفاخُرَ والتَّكَبُّرَ والتَّرَفُّعَ، فَهو مُقْتَدٍ بِإبْلِيسَ، وهو مَقامٌ صَعْبٌ غَرِقَ فِيهِ أكْثَرُ الخَلْقِ، فَنَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ بِئْسَ البَدَلُ مِنَ اللَّهِ إبْلِيسُ لِمَنِ اسْتَبْدَلَهُ بِهِ، فَأطاعَهُ بَدَلَ طاعَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ إلى مَن يَعُودُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: -وهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ- أنَّ المَعْنى ما أشْهَدْتُ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهم أوْلِياءَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النِّساءِ: ٦٦) يَعْنِي ما أشْهَدْتُهم لِأعْتَضِدَ بِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أيْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بَيانًا لِإضْلالِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿عَضُدًا﴾ أيْ أعْوانًا. وثانِيها: -وهُوَ أقْرَبُ عِنْدِي- أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا صفحة ١١٨ لِلرَّسُولِ -ﷺ- إنْ لَمْ تَطْرُدْ مِن مَجْلِسِكَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ لَمْ نُؤْمِن بِكَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ والتَّعَنُّتِ الباطِلِ ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ ولا اعْتَضَدْتُ بِهِمْ في تَدْبِيرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَلْ هم قَوْمٌ كَسائِرِ الخَلْقِ، فَلِمَ أقْدَمُوا عَلى هَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ ؟ ونَظِيرُهُ أنَّ مَنِ اقْتَرَحَ عَلَيْكَ اقْتِراحاتٍ عَظِيمَةً، فَإنَّكَ تَقُولُ لَهُ: لَسْتَ بِسُلْطانِ البَلَدِ ولا ذُرِّيَّةِ المَمْلَكَةِ حَتّى نَقْبَلَ مِنكَ هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ الهائِلَةَ، فَلِمَ تُقْدِمُ عَلَيْها ؟ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ الأقْرَبُ هو ذِكْرُ أُولَئِكَ الكُفّارِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ والمُرادُ بِالظّالِمِينَ أُولَئِكَ الكُفّارُ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ كَوْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ جاهِلِينَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ مِن أحْوالِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: السَّعِيدُ مَن حَكَمَ اللَّهُ بِسَعادَتِهِ في الأزَلِ، والشَّقِيُّ مَن حَكَمَ اللَّهُ بِشَقاوَتِهِ في الأزَلِ، وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْ أحْوالِ الأزَلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وإذا جَهِلْتُمْ هَذِهِ الحالَةَ فَكَيْفَ يُمْكِنُكم أنْ تَحْكُمُوا لِأنْفُسِكم بِالرِّفْعَةِ والعُلُوِّ والكَمالِ ولِغَيْرِكم بِالدَّناءَةِ والذُّلِّ ؟ بَلْ رُبَّما صارَ الأمْرُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى العَكْسِ فِيما حَكَمْتُمْ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ وما كُنْتَ بِالفَتْحِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، والمَعْنى: وما صَحَّ لَكَ الِاعْتِضادُ بِهِمْ، وما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْتَزَّ بِهِمْ، وقَرَأ عَلِيٌّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: (مُتَّخِذًا المُضِلِّينَ) بِالتَّنْوِينِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (عُضْدًا) بِسُكُونِ الضّادِ ونَقْلِ ضَمَّتِها إلى العَيْنِ، وقُرِئَ: (عَضْدًا) بِالفَتْحِ وسُكُونِ الضّادِ (وعُضُدًا) بِضَمَّتَيْنِ (وعَضَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ عاضِدٍ، كَخادِمٍ وخَدَمٍ، وراصِدٍ ورَصَدٍ، مِن عَضَدَهُ إذا قَوّاهُ وأعانَهُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي قالُوهُ في الِافْتِخارِ عَلى الفُقَراءِ اقْتِداءً بِإبْلِيسَ عادَ بَعْدَهُ إلى التَّهْوِيلِ بِأحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ: (نَقُولُ) بِالنُّونِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ و﴿أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ و﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والباقُونَ قَرَءُوا بِالياءِ. البَحْثُ الثّانِي: واذْكُرْ يَوْمَ نَقُولُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ . البَحْثُ الثّالِثُ: المَعْنى: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ أحْوالَهم وأحْوالَ آلِهَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ أيِ ادْعُوا مَن زَعَمْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِي حَيْثُ أهَّلْتُمُوهم لِلْعِبادَةِ، ادْعُوهم يَشْفَعُوا لَكم ويَنْصُرُوكم والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ الجِنُّ، فَدَعَوْهم، ولَمْ يَذْكُرْ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كَيْفَ دَعَوُا الشُّرَكاءَ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى، وهو أنَّهم قالُوا: ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ (غافِرٍ: ٤٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يُجِيبُوهم إلى ما دَعَوْهم إلَيْهِ، ولَمْ يَدْفَعُوا عَنْهم ضَرَرًا وما أوْصَلُوا إلَيْهِمْ نَفْعًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَوْبِقُ المَهْلِكُ مِن وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا ووَبَقًا، إذا هَلَكَ وأوْبَقَهُ غَيْرُهُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالمَوْرِدِ والمَوْعِدِ، وتَقْرِيرُ هَذا الوَجْهِ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً كالمَلائِكَةِ وعِيسى دَعَوْا هَؤُلاءِ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم صفحة ١١٩ ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَأدْخَلَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ جَهَنَّمَ، وأدْخَلَ عِيسى الجَنَّةَ، وصارَ المَلائِكَةُ إلى حَيْثُ أرادَ اللَّهُ مِن دارِ الكَرامَةِ، وحَصَلَ بَيْنَ أُولَئِكَ الكُفّارِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا المَوْبِقُ، وهو ذَلِكَ الوادِي في جَهَنَّمَ. الوَجْهُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: (مَوْبِقًا) أيْ عَداوَةً، والمَعْنى: عَداوَةٌ هي في شِدَّتِها هَلاكٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: لا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، ولا بُغْضُكَ تَلَفًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: البَيْنُ المُواصَلَةُ أيْ جَعَلْنا مُواصَلَتَهم في الدُّنْيا هَلاكًا في يَوْمِ القِيامَةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: المَوْبِقُ البَرْزَخُ البَعِيدُ أيْ جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وعِيسى بَرْزَخًا بَعِيدًا يَهْلِكُ فِيهِ السّارِي لِفَرْطِ بُعْدِهِ؛ لِأنَّهم في قَعْرِ جَهَنَّمَ، وهم في أعْلى الجِنانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ وفي هَذا الظَّنِّ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الظَّنَّ هَهُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ. والثّانِي: وهو الأقْرَبُ أنَّ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فَيَظُنُّونَ أنَّهم مُواقِعُوها في تِلْكَ السّاعَةِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ ومُهْلَةٍ، لِشِدَّةِ ما يَسْمَعُونَ مِن تَغَيُّظِها وزَفِيرِها، كَما قالَ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٢) وقَوْلُهُ: ﴿مُواقِعُوها﴾ أيْ مُخالِطُوها، فَإنَّ مُخالَطَةَ الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ إذا كانَتْ قَوِيَّةً تامَّةً، يُقالُ لَها: مُواقَعَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا عَنِ النّارِ مَعْدِلًا إلى غَيْرِها؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَسُوقُهم إلَيْها.

الكهف 18:53

قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ١١٦ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ الرَّدُّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأعْوانِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ الآيَةُ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِها عَيْنُ هَذا المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ إنَّما تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ؛ لِأنَّهُ افْتَخَرَ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، وقالَ: خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ فَأنا أشْرَفُ مِنهُ في الأصْلِ والنَّسَبِ، فَكَيْفَ أسْجُدُ وكَيْفَ أتَواضَعُ لَهُ ؟ وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ عامَلُوا فُقَراءَ المُسْلِمِينَ بِعَيْنِ هَذِهِ المُعامَلَةِ، فَقالُوا: كَيْفَ نَجْلِسُ مَعَ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ مَعَ أنّا مِن أنْسابٍ شَرِيفَةٍ وهم مِن أنْسابٍ نازِلَةٍ، ونَحْنُ أغْنِياءُ وهم فُقَراءُ ؟ فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هَهُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هي بِعَيْنِها طَرِيقَةُ إبْلِيسَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَذَّرَ عَنْها وعَنِ الِاقْتِداءِ بِها في قَوْلِهِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ وهو حَسَنٌ مُعْتَبَرٌ، وذَكَرَ القاضِي وجْهًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ أمْرَ القِيامَةِ وما يَجْرِي عِنْدَ الحَشْرِ ووَضْعَ الكِتابِ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ أنْ يَذْكُرَ هَهُنا أنَّهُ يُنادِي المُشْرِكِينَ، ويَقُولُ لَهم: أيْنَ شُرَكائِي الَّذِي زَعَمْتُمْ وكانَ قَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ إبْلِيسَ هو الَّذِي يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى إثْباتِ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ قِصَّتَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إتْمامًا لِذَلِكَ الغَرَضِ، ثُمَّ قالَ القاضِي: وهَذِهِ القِصَّةُ وإنْ كانَ تَعالى قَدْ كَرَّرَها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ إلّا أنَّ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنها فائِدَةً مُجَدَّدَةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ ولِلنّاسِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وكَوْنُهُ مِنَ المَلائِكَةِ لا يُنافِي كَوْنَهُ مِنَ الجِنِّ، ولَهم فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَبِيلَةً مِنَ المَلائِكَةِ يُسَمَّوْنَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٨) ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ (الأنْعامِ: ١٠٠) . والثّانِي: أنَّ الجِنَّ سُمُّوا جِنًّا لِلِاسْتِتارِ والمَلائِكَةُ كَذَلِكَ فَهم داخِلُونَ في الجِنِّ. الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ خازِنَ الجَنَّةِ ونُسِبَ إلى الجَنَّةِ، كَقَوْلِهِمْ: كُوفِيٌّ وبَصْرِيٌّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ مَنِ الجَنّانِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ في الجَنّاتِ حَيٌّ مِنَ المَلائِكَةِ يَصُوغُونَ حِلْيَةَ أهْلِ الجَنَّةِ مُذْ خُلِقُوا، رَواهُ القاضِي في تَفْسِيرِهِ عَنْ هِشامٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الجِنِّ الَّذِينَ هُمُ الشَّياطِينُ والَّذِينَ خُلِقُوا مِن نارٍ وهو أبُوهم. والقَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ مَن قالَ: كانَ مِنَ المَلائِكَةِ فَمُسِخَ وغُيِّرَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ أحْكَمْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ وأصْلُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لَهُ ذُرِّيَّةً ونَسْلًا في هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ والمَلائِكَةُ لَيْسَ لَهم ذُرِّيَّةٌ ولا نَسْلٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ تَناوَلَهُ ذَلِكَ الأمْرُ ؟ وأيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهم ؟ وقَدْ أجَبْنا عَنْ كُلِّ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْصاءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ وفي ظاهِرِهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ الفاسِقَ لا يَفْسُقُ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أيْ خَرَجَ عَنْ طاعَتِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ مِن قِشْرِها أيْ خَرَجَتْ، وسُمِّيَتِ الفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةً لِخُرُوجِها مِن جُحْرِها مِنَ البابَيْنِ، وقالَ رُؤْبَةُ: يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرًا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا صفحة ١١٧ الثّانِي: حَكى الزَّجّاجُ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: لَمّا أُمِرَ فَعَصى كانَ سَبَبُ فِسْقِهِ هو ذَلِكَ الأمْرُ، والمَعْنى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ الأمْرُ السّابِقُ لَما حَصَلَ الفِسْقُ، فَلِأجْلِ هَذا المَعْنى حَسُنَ أنْ يُقالَ: فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ. الثّالِثُ: قالَ قُطْرُبٌ: فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ رَدَّهُ، كَقَوْلِهِ: واسْألِ القَرْيَةَ، واسْألِ العِيرَ. * * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ إبْلِيسَ تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ وتَرَفَّعَ عَلَيْهِ لَمّا ادَّعى أنَّ أصْلَهُ أشْرَفُ مِن أصْلِ آدَمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو أشْرَفَ مِن آدَمَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لِأُولَئِكَ الكافِرِينَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِشَرَفِ نَسَبِهِمْ وعُلُوِّ مَنصِبِهِمْ: إنَّكم في هَذا القَوْلِ اقْتَدَيْتُمْ بِإبْلِيسَ في تَكَبُّرِهِ عَلى آدَمَ فَلَمّا عَلِمْتُمْ أنَّ إبْلِيسَ عَدُوٌّ لَكم، فَكَيْفَ تَقْتَدُونَ بِهِ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ المَذْمُومَةِ ؟ هَذا هو تَقْرِيرُ الكَلامِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لا يَتِمُّ إلّا بِإثْباتِ مُقَدِّماتٍ: فَأوَّلُها: إثْباتُ إبْلِيسَ. وثانِيها: إثْباتُ ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ. وثالِثُها: إثْباتُ عَداوَةٍ بَيْنَ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ وبَيْنَ أوْلادِ آدَمَ. ورابِعُها: أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي قالَهُ أُولَئِكَ الكُفّارُ اقْتَدَوْا فِيهِ بِإبْلِيسَ. وكُلُّ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الأرْبَعَةِ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ -ﷺ-: فالجاهِلُ بِصِدْقِ النَّبِيِّ جاهِلٌ بِها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُخاطَبُونَ بِهَذِهِ الآياتِ هَلْ عَرَفُوا كَوْنَ مُحَمَّدٍ نَبِيًّا صادِقًا أوْ ما عَرَفُوا ذَلِكَ ؟ فَإنْ عَرَفُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا صادِقًا قَبِلُوا قَوْلَهُ في كُلِّ ما يَقُولُهُ فَكُلَّما نَهاهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ قَوْلٍ انْتَهَوْا عَنْهُ، وحِينَئِذٍ فَلا حاجَةَ إلى قِصَّةِ إبْلِيسَ وإنْ لَمْ يَعْرِفُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا جَهِلُوا كُلَّ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الأرْبَعَةِ، ولَمْ يَعْرِفُوا صِحَّتَها فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في إيرادِها عَلَيْهِمْ فائِدَةٌ، والجَوابُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ سَمِعُوا قِصَّةَ إبْلِيسَ وآدَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ واعْتَقَدُوا صِحَّتَها وعَلِمُوا أنَّ إبْلِيسَ إنَّما تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ بِسَبَبِ نَسَبِهِ، فَإذا أوْرَدْنا عَلَيْهِمْ هَذِهِ القِصَّةَ كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَمّا أظْهَرُوهُ مَعَ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّرَفُّعِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ ولا يَخْلُقُهُ في العَبْدِ، إذْ لَوْ أرادَهُ وخَلَقَهُ فِيهِ، ثُمَّ عاقَبَهُ عَلَيْهِ، لَكانَ ضَرَرُ إبْلِيسَ أقَلَّ مِن ضَرَرِ اللَّهِ عَلَيْهِما، فَكَيْفَ يُوَبِّخُهم بِقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ؟ ! تَعالى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، بَلْ عَلى هَذا المَذْهَبِ: لا ضَرَرَ البَتَّةَ مِن إبْلِيسَ بَلِ الضَّرَرُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ. والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالدّاعِي والعِلْمِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ لِلْكُفّارِ المُفْتَخِرِينَ بِأنْسابِهِمْ وأمْوالِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ: أفَتَتَّخِذُونَ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ لَهم إلى تَرْكِ دِينِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- هو النَّخْوَةُ وإظْهارُ العَجَبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أقْدَمَ عَلى عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ بِناءً عَلى هَذا الدّاعِي، فَهو مُتَّبِعٌ لِإبْلِيسَ حَتّى أنَّ مَن كانَ غَرَضُهُ في إظْهارِ العِلْمِ والمُناظَرَةِ التَّفاخُرَ والتَّكَبُّرَ والتَّرَفُّعَ، فَهو مُقْتَدٍ بِإبْلِيسَ، وهو مَقامٌ صَعْبٌ غَرِقَ فِيهِ أكْثَرُ الخَلْقِ، فَنَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ بِئْسَ البَدَلُ مِنَ اللَّهِ إبْلِيسُ لِمَنِ اسْتَبْدَلَهُ بِهِ، فَأطاعَهُ بَدَلَ طاعَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ إلى مَن يَعُودُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: -وهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ- أنَّ المَعْنى ما أشْهَدْتُ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهم أوْلِياءَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النِّساءِ: ٦٦) يَعْنِي ما أشْهَدْتُهم لِأعْتَضِدَ بِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أيْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بَيانًا لِإضْلالِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿عَضُدًا﴾ أيْ أعْوانًا. وثانِيها: -وهُوَ أقْرَبُ عِنْدِي- أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا صفحة ١١٨ لِلرَّسُولِ -ﷺ- إنْ لَمْ تَطْرُدْ مِن مَجْلِسِكَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ لَمْ نُؤْمِن بِكَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ والتَّعَنُّتِ الباطِلِ ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ ولا اعْتَضَدْتُ بِهِمْ في تَدْبِيرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَلْ هم قَوْمٌ كَسائِرِ الخَلْقِ، فَلِمَ أقْدَمُوا عَلى هَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ ؟ ونَظِيرُهُ أنَّ مَنِ اقْتَرَحَ عَلَيْكَ اقْتِراحاتٍ عَظِيمَةً، فَإنَّكَ تَقُولُ لَهُ: لَسْتَ بِسُلْطانِ البَلَدِ ولا ذُرِّيَّةِ المَمْلَكَةِ حَتّى نَقْبَلَ مِنكَ هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ الهائِلَةَ، فَلِمَ تُقْدِمُ عَلَيْها ؟ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ الأقْرَبُ هو ذِكْرُ أُولَئِكَ الكُفّارِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ والمُرادُ بِالظّالِمِينَ أُولَئِكَ الكُفّارُ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ كَوْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ جاهِلِينَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ مِن أحْوالِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: السَّعِيدُ مَن حَكَمَ اللَّهُ بِسَعادَتِهِ في الأزَلِ، والشَّقِيُّ مَن حَكَمَ اللَّهُ بِشَقاوَتِهِ في الأزَلِ، وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْ أحْوالِ الأزَلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وإذا جَهِلْتُمْ هَذِهِ الحالَةَ فَكَيْفَ يُمْكِنُكم أنْ تَحْكُمُوا لِأنْفُسِكم بِالرِّفْعَةِ والعُلُوِّ والكَمالِ ولِغَيْرِكم بِالدَّناءَةِ والذُّلِّ ؟ بَلْ رُبَّما صارَ الأمْرُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى العَكْسِ فِيما حَكَمْتُمْ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ وما كُنْتَ بِالفَتْحِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، والمَعْنى: وما صَحَّ لَكَ الِاعْتِضادُ بِهِمْ، وما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْتَزَّ بِهِمْ، وقَرَأ عَلِيٌّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: (مُتَّخِذًا المُضِلِّينَ) بِالتَّنْوِينِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (عُضْدًا) بِسُكُونِ الضّادِ ونَقْلِ ضَمَّتِها إلى العَيْنِ، وقُرِئَ: (عَضْدًا) بِالفَتْحِ وسُكُونِ الضّادِ (وعُضُدًا) بِضَمَّتَيْنِ (وعَضَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ عاضِدٍ، كَخادِمٍ وخَدَمٍ، وراصِدٍ ورَصَدٍ، مِن عَضَدَهُ إذا قَوّاهُ وأعانَهُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي قالُوهُ في الِافْتِخارِ عَلى الفُقَراءِ اقْتِداءً بِإبْلِيسَ عادَ بَعْدَهُ إلى التَّهْوِيلِ بِأحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ: (نَقُولُ) بِالنُّونِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ و﴿أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ و﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والباقُونَ قَرَءُوا بِالياءِ. البَحْثُ الثّانِي: واذْكُرْ يَوْمَ نَقُولُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ . البَحْثُ الثّالِثُ: المَعْنى: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ أحْوالَهم وأحْوالَ آلِهَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ أيِ ادْعُوا مَن زَعَمْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِي حَيْثُ أهَّلْتُمُوهم لِلْعِبادَةِ، ادْعُوهم يَشْفَعُوا لَكم ويَنْصُرُوكم والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ الجِنُّ، فَدَعَوْهم، ولَمْ يَذْكُرْ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كَيْفَ دَعَوُا الشُّرَكاءَ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى، وهو أنَّهم قالُوا: ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ (غافِرٍ: ٤٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يُجِيبُوهم إلى ما دَعَوْهم إلَيْهِ، ولَمْ يَدْفَعُوا عَنْهم ضَرَرًا وما أوْصَلُوا إلَيْهِمْ نَفْعًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَوْبِقُ المَهْلِكُ مِن وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا ووَبَقًا، إذا هَلَكَ وأوْبَقَهُ غَيْرُهُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالمَوْرِدِ والمَوْعِدِ، وتَقْرِيرُ هَذا الوَجْهِ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً كالمَلائِكَةِ وعِيسى دَعَوْا هَؤُلاءِ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم صفحة ١١٩ ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَأدْخَلَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ جَهَنَّمَ، وأدْخَلَ عِيسى الجَنَّةَ، وصارَ المَلائِكَةُ إلى حَيْثُ أرادَ اللَّهُ مِن دارِ الكَرامَةِ، وحَصَلَ بَيْنَ أُولَئِكَ الكُفّارِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا المَوْبِقُ، وهو ذَلِكَ الوادِي في جَهَنَّمَ. الوَجْهُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: (مَوْبِقًا) أيْ عَداوَةً، والمَعْنى: عَداوَةٌ هي في شِدَّتِها هَلاكٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: لا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، ولا بُغْضُكَ تَلَفًا. الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: البَيْنُ المُواصَلَةُ أيْ جَعَلْنا مُواصَلَتَهم في الدُّنْيا هَلاكًا في يَوْمِ القِيامَةِ. الوَجْهُ الرّابِعُ: المَوْبِقُ البَرْزَخُ البَعِيدُ أيْ جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وعِيسى بَرْزَخًا بَعِيدًا يَهْلِكُ فِيهِ السّارِي لِفَرْطِ بُعْدِهِ؛ لِأنَّهم في قَعْرِ جَهَنَّمَ، وهم في أعْلى الجِنانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ وفي هَذا الظَّنِّ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الظَّنَّ هَهُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ. والثّانِي: وهو الأقْرَبُ أنَّ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فَيَظُنُّونَ أنَّهم مُواقِعُوها في تِلْكَ السّاعَةِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ ومُهْلَةٍ، لِشِدَّةِ ما يَسْمَعُونَ مِن تَغَيُّظِها وزَفِيرِها، كَما قالَ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٢) وقَوْلُهُ: ﴿مُواقِعُوها﴾ أيْ مُخالِطُوها، فَإنَّ مُخالَطَةَ الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ إذا كانَتْ قَوِيَّةً تامَّةً، يُقالُ لَها: مُواقَعَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا عَنِ النّارِ مَعْدِلًا إلى غَيْرِها؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَسُوقُهم إلَيْها.

الكهف 18:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ اعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لَمّا افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِمْ وأتْباعِهِمْ وبَيَّنَ تَعالى بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ أنَّ قَوْلَهم فاسِدٌ وشُبْهَتَهم باطِلَةٌ، وذَكَرَ فِيهِ المَثَلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ وهو إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ، والتَّصْرِيفُ يَقْتَضِي التَّكْرِيرَ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي ذَكَرُوها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، ومَعَ تِلْكَ الجَواباتِ الشّافِيَةِ والأمْثِلَةِ المُطابِقَةِ؛ فَهَؤُلاءِ الكُفّارُ لا يَتْرُكُونَ المُجادَلَةَ الباطِلَةَ، فَقالَ: وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا؛ أيْ أكْثَرَ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجَدَلُ، وانْتِصابُ قَوْلِهِ: (جَدَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جادَلُوهم في الدِّينِ حَتّى صارُوا هم مُجادِلِينَ؛ لِأنَّ المُجادَلَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: صفحة ١٢٠ البَحْثُ الأوَّلُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَمْنَعُ مِنَ الإقْدامِ عَلى الإيمانِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ حَصَلَ المانِعُ. قالَ أصْحابُنا: العِلْمُ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مُضادٌّ لِوُجُودِ الإيمانِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ قائِمًا كانَ المانِعُ قائِمًا، وأيْضًا حُصُولُ الدّاعِي إلى الكُفْرِ قائِمٌ وإلّا لَما وجَبَ لِأنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ بِدُونِ الدّاعِي مُحالٌ، ووُجُودُ الدّاعِي إلى الكُفْرِ مانِعٌ مِن حُصُولِ الإيمانِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ المُرادَ مِقْدارُ المَوانِعِ المَحْسُوسَةِ. البَحْثُ الثّانِي: المَعْنى أنَّهُ لَمّا جاءَهُمُ الهُدى، وهو الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى صِحَّةِ الإسْلامِ، وثَبَتَ أنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنَ الإيمانِ ولا مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ والتَّخْلِيَةُ حاصِلَةٌ، والأعْذارُ زائِلَةٌ، فَلِمَ لَمْ يُقْدِمُوا عَلى الإيمانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ قُبُلًا بِضَمِّ القافِ والباءِ جَمِيعًا، وهو جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى ضُرُوبٍ مِنَ العَذابِ تَتَواصَلُ مَعَ كَوْنِهِمْ أحْياءً، وقِيلَ: مُقابَلَةً وعِيانًا، والباقُونَ قِبَلًا بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ عِيانًا أيْضًا، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: قَبَلًا بِفَتْحَتَيْنِ أيْ مُسْتَقْبَلًا، والمَعْنى أنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى الإيمانِ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَيَهْلِكُوا، أوْ أنْ يَتَواصَلَ أنْواعُ العَذابِ والبَلاءِ حالَ بَقائِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا، واعْلَمْ أنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى الإيمانِ إلّا عَلى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَرْضى بِحُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ إلّا أنَّ حالَهم شَبِيهٌ بِحالِ مَن وقَفَ العَمَلَ عَلى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ لِكَيْ يُؤْمِنُوا طَوْعًا وبَيَّنَ مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ أنَّهُ يُوجَدُ مِنَ الكُفّارِ المُجادَلَةُ بِالباطِلِ لِغَرَضِ دَحْضِ الحَقِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا يُجادِلُونَهم لِما بَيَّنّا أنَّ المُجادَلَةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الجانِبَيْنِ، وبَيَّنَ تَعالى أيْضًا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا آياتِ اللَّهِ وهي القُرْآنُ وإنْذاراتِ الأنْبِياءِ هُزُوًا، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اسْتِيلاءِ الجَهْلِ والقَسْوَةِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: (ما) في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ويَكُونَ العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ مَحْذُوفًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً بِمَعْنى إنْذارِهِمْ.

الكهف 18:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ اعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لَمّا افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِمْ وأتْباعِهِمْ وبَيَّنَ تَعالى بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ أنَّ قَوْلَهم فاسِدٌ وشُبْهَتَهم باطِلَةٌ، وذَكَرَ فِيهِ المَثَلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ وهو إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ، والتَّصْرِيفُ يَقْتَضِي التَّكْرِيرَ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي ذَكَرُوها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، ومَعَ تِلْكَ الجَواباتِ الشّافِيَةِ والأمْثِلَةِ المُطابِقَةِ؛ فَهَؤُلاءِ الكُفّارُ لا يَتْرُكُونَ المُجادَلَةَ الباطِلَةَ، فَقالَ: وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا؛ أيْ أكْثَرَ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجَدَلُ، وانْتِصابُ قَوْلِهِ: (جَدَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جادَلُوهم في الدِّينِ حَتّى صارُوا هم مُجادِلِينَ؛ لِأنَّ المُجادَلَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: صفحة ١٢٠ البَحْثُ الأوَّلُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَمْنَعُ مِنَ الإقْدامِ عَلى الإيمانِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ حَصَلَ المانِعُ. قالَ أصْحابُنا: العِلْمُ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مُضادٌّ لِوُجُودِ الإيمانِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ قائِمًا كانَ المانِعُ قائِمًا، وأيْضًا حُصُولُ الدّاعِي إلى الكُفْرِ قائِمٌ وإلّا لَما وجَبَ لِأنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ بِدُونِ الدّاعِي مُحالٌ، ووُجُودُ الدّاعِي إلى الكُفْرِ مانِعٌ مِن حُصُولِ الإيمانِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ المُرادَ مِقْدارُ المَوانِعِ المَحْسُوسَةِ. البَحْثُ الثّانِي: المَعْنى أنَّهُ لَمّا جاءَهُمُ الهُدى، وهو الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى صِحَّةِ الإسْلامِ، وثَبَتَ أنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنَ الإيمانِ ولا مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ والتَّخْلِيَةُ حاصِلَةٌ، والأعْذارُ زائِلَةٌ، فَلِمَ لَمْ يُقْدِمُوا عَلى الإيمانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ قُبُلًا بِضَمِّ القافِ والباءِ جَمِيعًا، وهو جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى ضُرُوبٍ مِنَ العَذابِ تَتَواصَلُ مَعَ كَوْنِهِمْ أحْياءً، وقِيلَ: مُقابَلَةً وعِيانًا، والباقُونَ قِبَلًا بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ عِيانًا أيْضًا، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: قَبَلًا بِفَتْحَتَيْنِ أيْ مُسْتَقْبَلًا، والمَعْنى أنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى الإيمانِ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَيَهْلِكُوا، أوْ أنْ يَتَواصَلَ أنْواعُ العَذابِ والبَلاءِ حالَ بَقائِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا، واعْلَمْ أنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى الإيمانِ إلّا عَلى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَرْضى بِحُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ إلّا أنَّ حالَهم شَبِيهٌ بِحالِ مَن وقَفَ العَمَلَ عَلى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ لِكَيْ يُؤْمِنُوا طَوْعًا وبَيَّنَ مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ أنَّهُ يُوجَدُ مِنَ الكُفّارِ المُجادَلَةُ بِالباطِلِ لِغَرَضِ دَحْضِ الحَقِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا يُجادِلُونَهم لِما بَيَّنّا أنَّ المُجادَلَةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الجانِبَيْنِ، وبَيَّنَ تَعالى أيْضًا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا آياتِ اللَّهِ وهي القُرْآنُ وإنْذاراتِ الأنْبِياءِ هُزُوًا، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اسْتِيلاءِ الجَهْلِ والقَسْوَةِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: (ما) في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ويَكُونَ العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ مَحْذُوفًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً بِمَعْنى إنْذارِهِمْ.

الكهف 18:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ اعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لَمّا افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِمْ وأتْباعِهِمْ وبَيَّنَ تَعالى بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ أنَّ قَوْلَهم فاسِدٌ وشُبْهَتَهم باطِلَةٌ، وذَكَرَ فِيهِ المَثَلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ وهو إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ، والتَّصْرِيفُ يَقْتَضِي التَّكْرِيرَ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي ذَكَرُوها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، ومَعَ تِلْكَ الجَواباتِ الشّافِيَةِ والأمْثِلَةِ المُطابِقَةِ؛ فَهَؤُلاءِ الكُفّارُ لا يَتْرُكُونَ المُجادَلَةَ الباطِلَةَ، فَقالَ: وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا؛ أيْ أكْثَرَ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجَدَلُ، وانْتِصابُ قَوْلِهِ: (جَدَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جادَلُوهم في الدِّينِ حَتّى صارُوا هم مُجادِلِينَ؛ لِأنَّ المُجادَلَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ: صفحة ١٢٠ البَحْثُ الأوَّلُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَمْنَعُ مِنَ الإقْدامِ عَلى الإيمانِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ حَصَلَ المانِعُ. قالَ أصْحابُنا: العِلْمُ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مُضادٌّ لِوُجُودِ الإيمانِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ قائِمًا كانَ المانِعُ قائِمًا، وأيْضًا حُصُولُ الدّاعِي إلى الكُفْرِ قائِمٌ وإلّا لَما وجَبَ لِأنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ بِدُونِ الدّاعِي مُحالٌ، ووُجُودُ الدّاعِي إلى الكُفْرِ مانِعٌ مِن حُصُولِ الإيمانِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ المُرادَ مِقْدارُ المَوانِعِ المَحْسُوسَةِ. البَحْثُ الثّانِي: المَعْنى أنَّهُ لَمّا جاءَهُمُ الهُدى، وهو الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى صِحَّةِ الإسْلامِ، وثَبَتَ أنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنَ الإيمانِ ولا مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ والتَّخْلِيَةُ حاصِلَةٌ، والأعْذارُ زائِلَةٌ، فَلِمَ لَمْ يُقْدِمُوا عَلى الإيمانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ قُبُلًا بِضَمِّ القافِ والباءِ جَمِيعًا، وهو جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى ضُرُوبٍ مِنَ العَذابِ تَتَواصَلُ مَعَ كَوْنِهِمْ أحْياءً، وقِيلَ: مُقابَلَةً وعِيانًا، والباقُونَ قِبَلًا بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ عِيانًا أيْضًا، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: قَبَلًا بِفَتْحَتَيْنِ أيْ مُسْتَقْبَلًا، والمَعْنى أنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى الإيمانِ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَيَهْلِكُوا، أوْ أنْ يَتَواصَلَ أنْواعُ العَذابِ والبَلاءِ حالَ بَقائِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا، واعْلَمْ أنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى الإيمانِ إلّا عَلى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَرْضى بِحُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ إلّا أنَّ حالَهم شَبِيهٌ بِحالِ مَن وقَفَ العَمَلَ عَلى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ لِكَيْ يُؤْمِنُوا طَوْعًا وبَيَّنَ مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ أنَّهُ يُوجَدُ مِنَ الكُفّارِ المُجادَلَةُ بِالباطِلِ لِغَرَضِ دَحْضِ الحَقِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا يُجادِلُونَهم لِما بَيَّنّا أنَّ المُجادَلَةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الجانِبَيْنِ، وبَيَّنَ تَعالى أيْضًا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا آياتِ اللَّهِ وهي القُرْآنُ وإنْذاراتِ الأنْبِياءِ هُزُوًا، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اسْتِيلاءِ الجَهْلِ والقَسْوَةِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: (ما) في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ويَكُونَ العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ مَحْذُوفًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً بِمَعْنى إنْذارِهِمْ.

الكهف 18:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ ﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ . صفحة ١٢١ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ جِدالَهم بِالباطِلِ وصَفَهم بَعْدَهُ بِالصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِلْخِزْيِ والخِذْلانِ. الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ أيْ لا ظُلْمَ أعْظَمُ مِن كُفْرِ مَن تَرِدُ عَلَيْهِ الآياتُ والبَيِّناتُ، فَيُعْرِضُ عَنْها ويَنْسى ما قَدَّمَتْ يَداهُ؛ أيْ مَعَ إعْراضِهِ عَنِ التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ يَتَناسى ما قَدَّمَتْ يَداهُ مِنَ الأعْمالِ المُنْكَرَةِ والمَذاهِبِ الباطِلَةِ، والمُرادُ مِنَ النِّسْيانِ التَّشاغُلُ والتَّغافُلُ عَنْ كُفْرِهِ المُتَقَدِّمِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: (قَوْلُهُ): ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ الأنْعامِ، والعَجَبُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مُتَمَسَّكُ القَدَرِيَّةِ، وقَوْلَهُ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ مُتَمَسَّكُ الجَبْرِيَّةِ، وقَلَّما نَجِدُ في القُرْآنِ آيَةً لِأحَدِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ إلّا ومَعَها آيَةٌ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ، والتَّجْرِبَةُ تَكْشِفُ عَنْ صِدْقِ قَوْلِنا، وما ذاكَ إلّا امْتِحانٌ شَدِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ألْقاهُ عَلى عِبادِهِ لِيَتَمَيَّزَ العُلَماءُ الرّاسِخُونَ مِنَ المُقَلِّدِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ الغَفُورُ البَلِيغُ المَغْفِرَةِ وهو إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ، ذُو الرَّحْمَةِ المَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ، وإنَّما ذُكِرَ لَفْظُ المُبالَغَةِ في المَغْفِرَةِ لا في الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّ المَغْفِرَةَ تَرْكُ الإضْرارِ، وهو تَعالى قَدْ تَرَكَ مَضارَّ لا نِهايَةَ لَها مَعَ كَوْنِهِ قادِرًا عَلَيْها، أمّا فِعْلُ الرَّحْمَةِ فَهو مُتَناهٍ؛ لِأنَّ تَرْكَ ما لا نِهايَةَ لَهُ مُمْكِنٌ، أمّا فِعْلُ ما لا نِهايَةَ لَهُ فَمُحالٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّهُ يَغْفِرُ كَثِيرًا لِأنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ ولا حاجَةَ بِهِ إلَيْها فَيَهَبُها مِنَ المُحْتاجِينَ كَثِيرًا ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِتَرْكِ مُؤاخَذَةِ أهْلِ مَكَّةَ عاجِلًا مِن غَيْرِ إمْهالٍ مَعَ إفْراطِهِمْ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ وهو إمّا يَوْمَ القِيامَةِ، وإمّا في الدُّنْيا وهو يَوْمُ بَدْرِ وسائِرُ أيّامِ الفَتْحِ (وقَوْلُهُ): ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أيْ مَنجًى ولا مَلْجَأً، يُقالُ: وألَ إذا لَجَأ، ووَألَ إلَيْهِ إذا لَجَأ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ يُرِيدُ قُرى الأوَّلِينَ مِن ثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ أشارَ إلَيْها لِيَعْتَبِرُوا، وتِلْكَ مُبْتَدَأٌ، والقُرى صِفَةٌ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأصْنافِ الأجْناسِ، وأهْلَكْناهم خَبَرٌ والمَعْنى، وتِلْكَ أصْحابُ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا مِثْلَ ظُلْمِ أهْلِ مَكَّةَ: ﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أيْ وضَرَبْنا لِإهْلاكِهِمْ وقْتًا مَعْلُومًا لا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ كَما ضَرَبْنا لِأهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ بَدْرٍ، والمَهْلِكُ الإهْلاكُ أوْ وقْتُهُ، وقُرِئَ: (لِمَهْلَكِهِمْ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامُ مَفْتُوحَةٌ أوْ مَكْسُورَةٌ، أيْ لِهَلاكِهِمْ أوْ وقْتَ هَلاكِهِمْ، والمَوْعِدُ وقْتٌ أوْ مَصْدَرٌ، والمُرادُ: إنّا عَجَّلْنا هَلاكَهم، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ نَدَعْ أنْ نَضْرِبَ لَهُ وقْتًا لِيَكُونُوا إلى التَّوْبَةِ أقْرَبَ.

الكهف 18:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ ﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ . صفحة ١٢١ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ جِدالَهم بِالباطِلِ وصَفَهم بَعْدَهُ بِالصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِلْخِزْيِ والخِذْلانِ. الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ أيْ لا ظُلْمَ أعْظَمُ مِن كُفْرِ مَن تَرِدُ عَلَيْهِ الآياتُ والبَيِّناتُ، فَيُعْرِضُ عَنْها ويَنْسى ما قَدَّمَتْ يَداهُ؛ أيْ مَعَ إعْراضِهِ عَنِ التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ يَتَناسى ما قَدَّمَتْ يَداهُ مِنَ الأعْمالِ المُنْكَرَةِ والمَذاهِبِ الباطِلَةِ، والمُرادُ مِنَ النِّسْيانِ التَّشاغُلُ والتَّغافُلُ عَنْ كُفْرِهِ المُتَقَدِّمِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: (قَوْلُهُ): ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ الأنْعامِ، والعَجَبُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مُتَمَسَّكُ القَدَرِيَّةِ، وقَوْلَهُ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ مُتَمَسَّكُ الجَبْرِيَّةِ، وقَلَّما نَجِدُ في القُرْآنِ آيَةً لِأحَدِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ إلّا ومَعَها آيَةٌ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ، والتَّجْرِبَةُ تَكْشِفُ عَنْ صِدْقِ قَوْلِنا، وما ذاكَ إلّا امْتِحانٌ شَدِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ألْقاهُ عَلى عِبادِهِ لِيَتَمَيَّزَ العُلَماءُ الرّاسِخُونَ مِنَ المُقَلِّدِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ الغَفُورُ البَلِيغُ المَغْفِرَةِ وهو إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ، ذُو الرَّحْمَةِ المَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ، وإنَّما ذُكِرَ لَفْظُ المُبالَغَةِ في المَغْفِرَةِ لا في الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّ المَغْفِرَةَ تَرْكُ الإضْرارِ، وهو تَعالى قَدْ تَرَكَ مَضارَّ لا نِهايَةَ لَها مَعَ كَوْنِهِ قادِرًا عَلَيْها، أمّا فِعْلُ الرَّحْمَةِ فَهو مُتَناهٍ؛ لِأنَّ تَرْكَ ما لا نِهايَةَ لَهُ مُمْكِنٌ، أمّا فِعْلُ ما لا نِهايَةَ لَهُ فَمُحالٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّهُ يَغْفِرُ كَثِيرًا لِأنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ ولا حاجَةَ بِهِ إلَيْها فَيَهَبُها مِنَ المُحْتاجِينَ كَثِيرًا ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِتَرْكِ مُؤاخَذَةِ أهْلِ مَكَّةَ عاجِلًا مِن غَيْرِ إمْهالٍ مَعَ إفْراطِهِمْ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ وهو إمّا يَوْمَ القِيامَةِ، وإمّا في الدُّنْيا وهو يَوْمُ بَدْرِ وسائِرُ أيّامِ الفَتْحِ (وقَوْلُهُ): ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أيْ مَنجًى ولا مَلْجَأً، يُقالُ: وألَ إذا لَجَأ، ووَألَ إلَيْهِ إذا لَجَأ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ يُرِيدُ قُرى الأوَّلِينَ مِن ثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ أشارَ إلَيْها لِيَعْتَبِرُوا، وتِلْكَ مُبْتَدَأٌ، والقُرى صِفَةٌ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأصْنافِ الأجْناسِ، وأهْلَكْناهم خَبَرٌ والمَعْنى، وتِلْكَ أصْحابُ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا مِثْلَ ظُلْمِ أهْلِ مَكَّةَ: ﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أيْ وضَرَبْنا لِإهْلاكِهِمْ وقْتًا مَعْلُومًا لا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ كَما ضَرَبْنا لِأهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ بَدْرٍ، والمَهْلِكُ الإهْلاكُ أوْ وقْتُهُ، وقُرِئَ: (لِمَهْلَكِهِمْ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامُ مَفْتُوحَةٌ أوْ مَكْسُورَةٌ، أيْ لِهَلاكِهِمْ أوْ وقْتَ هَلاكِهِمْ، والمَوْعِدُ وقْتٌ أوْ مَصْدَرٌ، والمُرادُ: إنّا عَجَّلْنا هَلاكَهم، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ نَدَعْ أنْ نَضْرِبَ لَهُ وقْتًا لِيَكُونُوا إلى التَّوْبَةِ أقْرَبَ.

الكهف 18:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ ﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ . صفحة ١٢١ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ جِدالَهم بِالباطِلِ وصَفَهم بَعْدَهُ بِالصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِلْخِزْيِ والخِذْلانِ. الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ أيْ لا ظُلْمَ أعْظَمُ مِن كُفْرِ مَن تَرِدُ عَلَيْهِ الآياتُ والبَيِّناتُ، فَيُعْرِضُ عَنْها ويَنْسى ما قَدَّمَتْ يَداهُ؛ أيْ مَعَ إعْراضِهِ عَنِ التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ يَتَناسى ما قَدَّمَتْ يَداهُ مِنَ الأعْمالِ المُنْكَرَةِ والمَذاهِبِ الباطِلَةِ، والمُرادُ مِنَ النِّسْيانِ التَّشاغُلُ والتَّغافُلُ عَنْ كُفْرِهِ المُتَقَدِّمِ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: (قَوْلُهُ): ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ الأنْعامِ، والعَجَبُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مُتَمَسَّكُ القَدَرِيَّةِ، وقَوْلَهُ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ مُتَمَسَّكُ الجَبْرِيَّةِ، وقَلَّما نَجِدُ في القُرْآنِ آيَةً لِأحَدِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ إلّا ومَعَها آيَةٌ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ، والتَّجْرِبَةُ تَكْشِفُ عَنْ صِدْقِ قَوْلِنا، وما ذاكَ إلّا امْتِحانٌ شَدِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ألْقاهُ عَلى عِبادِهِ لِيَتَمَيَّزَ العُلَماءُ الرّاسِخُونَ مِنَ المُقَلِّدِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ الغَفُورُ البَلِيغُ المَغْفِرَةِ وهو إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ، ذُو الرَّحْمَةِ المَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ، وإنَّما ذُكِرَ لَفْظُ المُبالَغَةِ في المَغْفِرَةِ لا في الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّ المَغْفِرَةَ تَرْكُ الإضْرارِ، وهو تَعالى قَدْ تَرَكَ مَضارَّ لا نِهايَةَ لَها مَعَ كَوْنِهِ قادِرًا عَلَيْها، أمّا فِعْلُ الرَّحْمَةِ فَهو مُتَناهٍ؛ لِأنَّ تَرْكَ ما لا نِهايَةَ لَهُ مُمْكِنٌ، أمّا فِعْلُ ما لا نِهايَةَ لَهُ فَمُحالٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّهُ يَغْفِرُ كَثِيرًا لِأنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ ولا حاجَةَ بِهِ إلَيْها فَيَهَبُها مِنَ المُحْتاجِينَ كَثِيرًا ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِتَرْكِ مُؤاخَذَةِ أهْلِ مَكَّةَ عاجِلًا مِن غَيْرِ إمْهالٍ مَعَ إفْراطِهِمْ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ وهو إمّا يَوْمَ القِيامَةِ، وإمّا في الدُّنْيا وهو يَوْمُ بَدْرِ وسائِرُ أيّامِ الفَتْحِ (وقَوْلُهُ): ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أيْ مَنجًى ولا مَلْجَأً، يُقالُ: وألَ إذا لَجَأ، ووَألَ إلَيْهِ إذا لَجَأ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ يُرِيدُ قُرى الأوَّلِينَ مِن ثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ أشارَ إلَيْها لِيَعْتَبِرُوا، وتِلْكَ مُبْتَدَأٌ، والقُرى صِفَةٌ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأصْنافِ الأجْناسِ، وأهْلَكْناهم خَبَرٌ والمَعْنى، وتِلْكَ أصْحابُ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا مِثْلَ ظُلْمِ أهْلِ مَكَّةَ: ﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أيْ وضَرَبْنا لِإهْلاكِهِمْ وقْتًا مَعْلُومًا لا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ كَما ضَرَبْنا لِأهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ بَدْرٍ، والمَهْلِكُ الإهْلاكُ أوْ وقْتُهُ، وقُرِئَ: (لِمَهْلَكِهِمْ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامُ مَفْتُوحَةٌ أوْ مَكْسُورَةٌ، أيْ لِهَلاكِهِمْ أوْ وقْتَ هَلاكِهِمْ، والمَوْعِدُ وقْتٌ أوْ مَصْدَرٌ، والمُرادُ: إنّا عَجَّلْنا هَلاكَهم، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ نَدَعْ أنْ نَضْرِبَ لَهُ وقْتًا لِيَكُونُوا إلى التَّوْبَةِ أقْرَبَ.

الكهف 18:60

صفحة ١٢٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا ابْتِداءُ قِصَّةٍ ثالِثَةٍ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ وهي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ العِلْمَ، وهَذا وإنْ كانَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا في نَفْسِهِ إلّا أنَّهُ يُعِينُ عَلى ما هو المَقْصُودُ في القِصَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، أمّا نَفْعُ هَذِهِ القِصَّةِ في الرَّدِّ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأنْصارِ، فَهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَثْرَةِ عِلْمِهِ وعَمَلِهِ وعُلُوِّ مَنصِبِهِ واسْتِجْماعِ مُوجِباتِ الشَّرَفِ التّامِّ في حَقِّهِ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ لِطَلَبِ العِلْمِ وتَواضَعَ لَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّواضُعَ خَيْرٌ مِنَ التَّكَبُّرِ، وأمّا نَفْعُ هَذِهِ القِصَّةِ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَهو أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِكُفّارِ مَكَّةَ: إنْ أخْبَرَكم مُحَمَّدٌ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ، فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والوَقائِعِ، كَما أنَّ كَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَمْنَعْ مِن أمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يَذْهَبَ إلى الخَضِرِ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ، فَظَهَرَ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، ومَعَ ذَلِكَ فَهي نافِعَةٌ في تَقْرِيرِ المَقْصُودِ في القِصَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ صاحِبُ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ وصاحِبُ التَّوْراةِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا ابْنَ امْرَأةِ كَعْبٍ يَزْعُمُ أنَّ الخَضِرَ لَيْسَ صاحِبَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وإنَّما هو صاحِبُ مُوسى بْنِ مِيشا بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: هو كانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدانِ أفْرائِيمُ ومِيشا، فَوَلَدَ أفْرائِيمُ نُونًا ووَلَدَ نُونٌ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، وهو صاحِبُ مُوسى ووَلِيُّ عَهْدِهِ بَعْدَ وفاتِهِ، وأمّا ولَدُ مِيشا، فَقِيلَ: إنَّهُ جاءَتْهُ النُّبُوَّةُ قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، ويَزْعُمُ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّهُ هو الَّذِي طَلَبَ هَذا العِلْمَ لِيَتَعَلَّمَ، والخَضِرُ هو الَّذِي خَرَقَ السَّفِينَةَ، وقَتَلَ الغُلامَ، وأقامَ الجِدارَ، ومُوسى بْنُ مِيشا مَعَهُ، هَذا هو قَوْلُ جُمْهُورِ اليَهُودِ، واحْتَجَّ القَفّالُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا: إنَّ مُوسى هَذا هو صاحِبُ التَّوْراةِ، قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما ذَكَرَ مُوسى في كِتابِهِ إلّا وأرادَ بِهِ صاحِبَ التَّوْراةِ، فَإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ يُوجِبُ الِانْصِرافَ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ المُرادُ شَخْصًا آخَرَ مُسَمًّى بِمُوسى غَيْرَهُ لَوَجَبَ تَعْرِيفُهُ بِصِفَةٍ تُوجِبُ الِامْتِيازَ وإزالَةَ الشُّبْهَةِ، كَما أنَّهُ لَمّا كانَ المَشْهُورُ في العُرْفِ مِن أبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هو الرَّجُلَ المُعَيَّنَ، فَلَوْ ذَكَرْنا هَذا الِاسْمَ وأرَدْنا بِهِ رَجُلًا سِواهُ لَقَيَّدْناهُ مِثْلَ أنْ نَقُولَ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ، وحُجَّةُ الَّذِينَ قالُوا: مُوسى هَذا غَيْرُ صاحِبِ التَّوْراةِ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَيْهِ وكَلَّمَهُ بِلا واسِطَةٍ، وحَجَّ خَصْمَهُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُها لِأكْثَرِ أكابِرِ الأنْبِياءِ يَبْعُدُ أنْ صفحة ١٢٣ يَبْعَثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَعَلُّمِ الِاسْتِفادَةِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ العالِمَ الكامِلَ في أكْثَرِ العُلُومِ يَجْهَلُ بَعْضَ الأشْياءِ، فَيَحْتاجُ في تَعَلُّمِها إلى مَن دُونَهُ، وهَذا أمْرٌ مُتَعارَفٌ مَعْلُومٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في فَتى مُوسى، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. ورَوى القَفّالُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَقُولُ: «فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ» . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ فَتى مُوسى أخُو يُوشَعَ وكانَ صاحِبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا السَّفَرِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: رَوى عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ﴾ قالَ: يَعْنِي عَبْدَهُ، قالَ القَفّالُ: واللُّغَةُ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: ”«لا يَقُولَنَّ أحَدُكم عَبْدِي وأمَتِي، ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتاتِي» “، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ العَبْدَ فَتًى والأمَةَ فَتاةً. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُعْطِيَ الألْواحَ وكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: مَنِ الَّذِي أفْضَلُ مِنِّي وأعْلَمُ ؟ فَقِيلَ: عَبْدٌ لِلَّهِ يَسْكُنُ جَزائِرَ البَحْرِ وهو الخَضِرُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما أُوتِيَ ظَنَّ أنَّهُ لا أحَدَ مِثْلُهُ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِساحِلِ البَحْرِ، قالَ: يا مُوسى انْظُرْ إلى هَذا الطَّيْرِ الصَّغِيرِ يَهْوِي إلى البَحْرِ يَضْرِبُ بِمِنقارِهِ فِيهِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ فَأنْتَ فِيما أُوتِيتَ مِنَ العِلْمِ دُونَ قَدْرِ ما يَحْمِلُ هَذا الطَّيْرُ بِمِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ، قالَ الأُصُولِيُّونَ: هَذِهِ الرِّوايَةُ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ يَجِبُ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ مَعْلُوماتِ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ مَعْلُوماتِ الخَلْقِ يَجِبُ كَوْنُها مُتَناهِيَةً، وكُلُّ قَدْرٍ مُتَناهٍ، فَإنَّ الزّائِدَ عَلَيْهِ مُمْكِنٌ فَلا مَرْتَبَةَ مِن مَراتِبِ العِلْمِ إلّا وفَوْقَها مَرْتَبَةٌ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وإذا كانَتْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ مَعْلُومَةً فَمِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا أنْ يَقْطَعَ العاقِلُ بِأنَّهُ لا أحَدَ أعْلَمُ مِنِّي لا سِيَّما مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ عِلْمِهِ الوافِرِ بِحَقائِقِ الأشْياءِ وشِدَّةِ بَراءَتِهِ عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ كالعُجْبِ والتِّيهِ والصَّلَفِ. والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ: أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ ؟ قالَ: الَّذِي يَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي، قالَ فَأيُّ عِبادِكَ أقَضى ؟ قالَ: الَّذِي يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَتَّبِعُ الهَوى، قالَ: فَأيُّ عِبادِكَ أعْلَمُ ؟ قالَ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلى هُدًى أوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ كانَ في عِبادِكَ مَن هو أعْلَمُ مِنِّي فادْلُلْنِي عَلَيْهِ، فَقالَ: أعْلَمُ مِنكَ الخَضِرُ، قالَ فَأيْنَ أطْلُبُهُ ؟ قالَ: عَلى السّاحِلِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، قالَ يا رَبِّ: كَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: تَأْخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُ فَقَدْتَهُ فَهو هُناكَ، فَقالَ لِفَتاهُ: إذا فَقَدْتَ الحُوتَ فَأخْبِرْنِي فَذَهَبا يَمْشِيانِ ورَقَدَ مُوسى، واضْطَرَبَ الحُوتُ، وطَفَرَ إلى البَحْرِ، فَلَمّا جاءَ وقْتُ الغَداءِ طَلَبَ مُوسى الحُوتَ، فَأخْبَرَهُ فَتاهَ بِوُقُوعِهِ في البَحْرِ، فَرَجَعَ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي طَفَرَ الحُوتُ فِيهِ إلى البَحْرِ، فَإذا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ فَعَرَّفَهُ نَفْسَهُ، فَقالَ: يا مُوسى أنا عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ أنا، فَلَمّا رَكِبا السَّفِينَةَ جاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِها فَنَقَرَ في الماءِ، فَقالَ الخَضِرُ: ما يَنْقُصُ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ مِقْدارَ ما أخَذَ هَذا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ، أقُولُ: نِسْبَةُ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي أخَذَهُ ذَلِكَ العُصْفُورُ مِن ذَلِكَ الماءِ إلى كُلِّيَّةِ ماءِ البَحْرِ نِسْبَةُ مُتَناهٍ إلى مُتَناهٍ، ونِسْبَةُ مَعْلُوماتِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى نِسْبَةُ مُتَناهٍ إلى غَيْرِ مُتَناهٍ، فَأيْنَ إحْدى النِّسْبَتَيْنِ مِن صفحة ١٢٤ الأُخْرى ؟ واللَّهُ العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، ونَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أبْرَحُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ قَوْلُهُ: ﴿لا أبْرَحُ﴾ لَيْسَ مَعْناهُ لا أزُولُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقْطَعْ أرْضًا، أقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الزَّوالَ عَنِ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِهِ والإعْراضِ عَنْهُ، يُقالُ: زالَ فُلانٌ عَنْ طَرِيقَتِهِ في الجُودِ أيْ تَرَكَها، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ بِمَعْنى لا أزُولُ عَنِ السَّيْرِ والذَّهابِ بِمَعْنى لا أتْرُكُ هَذا العَمَلَ وهَذا الفِعْلَ، وأقُولُ: المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّ قَوْلَهُ لا أبْرَحُ مَعْناهُ لا أزُولُ، والعَرَبُ تَقُولُ: لا أبْرَحُ ولا أزالُ ولا أنْفَكُّ ولا أفْتَأُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ القَفّالُ: وقالُوا: أصْلُ قَوْلِهِمْ: لا أبْرَحُ مِنَ البَراحِ، كَما أنَّ أصْلَ لا أزالُ: مِنَ الزَّوالِ، يُقالُ: زالَ يَزالُ ويَزُولُ كَما يُقالُ دامَ يَدامُ ويَدُومُ، وماتَ يَماتُ ويَمُوتُ، إلّا أنَّ المُسْتَعْمَلَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ يَزالُ، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ أيْ أُقِيمُ؛ لِأنَّ البَراحَ هو العَدَمُ، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ يَكُونُ عَدَمًا لِلْعَدَمِ فَيَكُونُ ثُبُوتًا، فَقَوْلُهُ: لا أزالُ ولا أبْرَحُ يُفِيدُ الدَّوامَ والثَّباتَ عَلى العَمَلِ؛ فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ قَوْلُهُ: لا أبْرَحُ بِمَعْنى لا أزالُ فَلا بُدَّ مِنَ الخَبَرِ، قُلْنا: حُذِفَ الخَبَرُ لِأنَّ الحالَ والكَلامَ يَدُلّانِ عَلَيْهِ، أمّا الحالُ فَلِأنَّها كانَتْ حالَ سَفَرٍ، وأمّا الكَلامُ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ تَسْتَدْعِي شَيْئًا هي غايَةٌ لَهُ فَيَكُونُ المَعْنى: لا أبْرَحُ أسِيرُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا أبْرَحُ مِمّا أنا عَلَيْهِ يَعْنِي ألْزَمُ المَسِيرَ والطَّلَبَ ولا أتْرُكُهُ ولا أُفارِقُهُ حَتّى أبْلُغَ، كَما تَقُولُ: لا أبْرَحُ المَكانَ، وأمّا مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ فَهو المَكانُ الَّذِي وُعِدَ فِيهِ مُوسى بِلِقاءِ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو مُلْتَقى بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، وقِيلَ غَيْرُهُ ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ هَذَيْنِ البَحْرَيْنِ، فَإنْ صَحَّ بِالخَبَرِ الصَّحِيحِ شَيْءٌ فَذاكَ وإلّا فالأوْلى السُّكُوتُ عَنْهُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: البَحْرانِ مُوسى والخَضِرُ لِأنَّهُما كانا بَحْرَيِ العِلْمِ، وقُرِئَ مِجْمَعَ بِكَسْرِ المِيمِ، ثُمَّ قالَ: (أوْ أمْضِيَ حُقُبًا) أيْ أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا، وقِيلَ: الحُقْبُ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقَدْ تَكَلَّمْنا في هَذا اللَّفْظِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ (النَّبَأِ: ٢٣) وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كانَ أعْلَمَ مُوسى حالَ هَذا العالِمِ، وما أعْلَمَهُ مَوْضِعَهُ بِعَيْنِهِ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لا أزالُ أمْضِي حَتّى يَجْتَمِعَ البَحْرانِ فَيَصِيرا بَحْرًا واحِدًا، أوْ أمْضِي دَهْرًا طَوِيلًا حَتّى أجِدَ هَذا العالِمَ، وهَذا إخْبارٌ مِن مُوسى بِأنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى تَحَمُّلِ التَّعَبِ الشَّدِيدِ والعَناءِ العَظِيمِ في السَّفَرِ؛ لِأجْلِ طَلَبِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُتَعَلِّمَ لَوْ سافَرَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لِطَلَبِ مَسْألَةٍ واحِدَةٍ لَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ والمَعْنى فانْطَلَقا إلى أنْ بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: بَيْنِهِما إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَجْمَعُ بَيْنِهِما أيْ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ، وهو كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى (قَوْلِ) مُوسى ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ فَحَقَّقَ اللَّهُ ما قالَهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى فَلَمّا بَلَغَ المَوْضِعَ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ مُوسى وصاحِبُهُ الَّذِي كانَ يَقْصِدُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ الَّذِي وقَعَ فِيهِ نِسْيانُ الحُوتِ هو المَوْضِعُ الَّذِي كانَ يَسْكُنُهُ الخَضِرُ أوْ يَسْكُنُ بِقُرْبِهِ؛ ولِأجْلِ هَذا المَعْنى لَمّا رَجَعَ مُوسى وفَتاهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الحُوتَ صارَ إلَيْهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ، والمُفَسِّرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّواياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ هَذا العالِمَ مَوْضِعُهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ إلّا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ انْقِلابَ الحُوتِ حَيًّا عَلامَةً عَلى مَسْكَنِهِ المُعَيَّنِ كَمَن يَطْلُبُ إنْسانًا فَيُقالُ لَهُ: إنَّ مَوْضِعَهُ مَحَلَّةُ كَذا مِنَ الرَّيِّ فَإذا انْتَهَيْتَ إلى المَحَلَّةِ، فَسَلْ فُلانًا عَنْ دارِهِ، وأيْنَما ذَهَبَ بِكَ فاتْبَعْهُ، فَإنَّكَ تَصِلْ إلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا قِيلَ لَهُ: إنَّ مَوْضِعَهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ، فَإذا وصَلْتَ إلَيْهِ رَأيْتَ الحُوتَ انْقَلَبَ حَيًّا وطَفَرَ إلى البَحْرِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَهُنالِكَ مَوْضِعُهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فاذْهَبْ عَلى مُوافَقَةِ ذَهابِ ذَلِكَ الحُوتِ فَإنَّكَ تَجِدُهُ. صفحة ١٢٥ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مُوسى وفَتاهُ لَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما طَفَرَتِ السَّمَكَةُ إلى البَحْرِ وسارَتْ وفي كَيْفِيَّةِ طَفْرِها رِواياتٌ أيْضًا، قِيلَ: إنَّ الفَتى كانَ يَغْسِلُ السَّمَكَةَ؛ لِأنَّها كانَتْ مُمَلَّحَةً فَطَفَرَتْ، وسارَتْ، وقِيلَ: إنَّ يُوشَعَ تَوَضَّأ في ذَلِكَ المَكانِ فانْتَضَحَ الماءُ عَلى الحُوتِ المالِحِ فَعاشَ ووَثَبَ في الماءِ، وقِيلَ: انْفَجَرَتْ هُناكَ عَيْنٌ مِنَ الجَنَّةِ ووَصَلَتْ قَطَراتٌ مِن تِلْكَ العَيْنِ إلى السَّمَكَةِ فَحَيِيَتْ، وطَفَرَتْ إلى البَحْرِ، فَهَذا هو الكَلامُ في صِفَةِ الحُوتِ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ أنَّهُما نَسِيا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ عَلى الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ، فَإنْ قِيلَ: انْقِلابُ السَّمَكَةِ المالِحَةِ حَيَّةً حالَةٌ عَجِيبَةٌ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ حُصُولَ هَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ دَلِيلًا عَلى الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ النِّسْيانِ في هَذا المَعْنى ؟ أجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنْ يُوشَعَ كانَ قَدْ شاهَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرًا، فَلَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ المُعْجِزَةِ عِنْدَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ، فَجازَ حُصُولُ النِّسْيانِ. وعِنْدِي فِيهِ جَوابٌ آخَرُ: وهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَعْظَمَ عِلْمَ نَفْسِهِ أزالَ اللَّهُ عَنْ قَلْبِ صاحِبِهِ هَذا العِلْمَ الضَّرُورِيَّ تَنْبِيهًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ العِلْمَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ وحِفْظِهِ عَلى القَلْبِ والخاطِرِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: سَرَبَ في البَحْرِ سَرَبًا إلّا أنَّهُ أُقِيمَ قَوْلُهُ: (فاتَّخَذَ) مُقامَ قَوْلِهِ: سَرَبَ، والسَّرَبُ هو الذَّهابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ (الرَّعْدِ: ١٠) . الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمْسَكَ إجْراءَ الماءِ عَلى البَحْرِ وجَعَلَهُ كالطّاقِ والكُوَّةِ حَتّى سَرى الحُوتُ فِيهِ، فَلَمّا جاوَزَ أيْ مُوسى وفَتاهُ المَوْعِدَ المُعَيَّنَ، وهو الوُصُولُ إلى الصَّخْرَةِ بِسَبَبِ النِّسْيانِ المَذْكُورِ، وذَهَبا كَثِيرًا وتَعِبا وجاعا: ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ﴾ الفَتى: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ الهَمْزَةُ في أرَأيْتَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، ورَأيْتَ عَلى مَعْناهُ الأصْلِيِّ، وقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ عَلى ما هو المُتَعارَفُ بَيْنَ النّاسِ، فَإنَّهُ إذا حَدَثَ لِأحَدِهِمْ أمْرٌ عَجِيبٌ، قالَ لِصاحِبِهِ: أرَأيْتَ ما حَدَثَ لِي ؟ كَذَلِكَ هَهُنا، كَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتَ ما وقَعَ لِي مِنهُ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ أرَأيْتَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا، والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذا الِاعْتِراضِ ما يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ والعِلَّةِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكَعْبِيُّ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ ذَلِكَ النِّسْيانَ وما أرادَهُ، وإلّا كانَتْ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى أوْجَبَ مِن إضافَتِهِ إلى الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَهُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِسَعْيِ الشَّيْطانِ في وُجُودِهِ ولا في عَدَمِهِ أثَرٌ. قالَ القاضِي: والمُرادُ بِالنِّسْيانِ أنْ يَشْتَغِلَ قَلْبُ الإنْسانِ بِوَساوِسِهِ الَّتِي هي مِن فِعْلِهِ دُونَ النِّسْيانِ الَّذِي يُضادُّ الذِّكْرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلٌ مِنَ الهاءِ في أنْسانِيهِ؛ أيْ: وما أنْسانِي ذِكْرَهُ إلّا الشَّيْطانُ، ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: عَجَبًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ اتِّخاذًا عَجَبًا، ووَجْهُ كَوْنِهِ عَجَبًا انْقِلابُهُ مِنَ المِكْتَلِ وصَيْرُورَتُهُ حَيًّا وإلْقاءُ نَفْسِهِ في البَحْرِ عَلى غَفْلَةِ مِنهُما. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الماءَ عَلَيْهِ كالطّاقِ وكالسِّرْبِ. الثّالِثُ: قِيلَ: إنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: عَجَبًا، والمَقْصُودُ مِنهُ تَعَجُّبُهُ مِن تِلْكَ العَجِيبَةِ صفحة ١٢٦ الَّتِي رَآها ومِن نِسْيانِهِ لَها، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ عَجَبًا حِكايَةٌ لِتَعَجُّبِ مُوسى، وهو لَيْسَ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ قالَ مُوسى: ذَلِكَ الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ؛ لِأنَّهُ أمارَةُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ، وهو لِقاءُ الخَضِرِ، وقَوْلُهُ: (نَبْغِ) أصْلُهُ نَبْغِي، فَحُذِفَتِ الياءُ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْهِ، وكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ؛ لِأنَّهم إنَّما يَحْذِفُونَ الياءَ في الأسْماءِ وهَذا فِعْلٌ إلّا أنَّهُ قَدْ يَجُوزُ عَلى ضَعْفِ القِياسِ حَذْفُها؛ لِأنَّها تُحْذَفُ مَعَ السّاكِنِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَها، كَقَوْلِكَ: ما نَبْغِي اليَوْمَ ؟ فَلَمّا حُذِفَتْ مَعَ السّاكِنِ حُذِفَتْ أيْضًا مَعَ غَيْرِ السّاكِنِ، ثُمَّ قالَ: (فارْتَدّا عَلى آثارِهِما) أيْ فَرَجَعا، وقَوْلُهُ: ﴿قَصَصًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ رَجَعا عَلى آثارِهِما مُقْتَصِّينَ آثارَهُما. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِقَوْلِهِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما؛ لِأنَّ مَعْناهُ فاقْتَصّا عَلى آثارِهِما، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّهُما لَمّا عَرَفا أنَّهُما تَجاوَزا عَنِ المَوْضِعِ الَّذِي يَسْكُنُ فِيهِ ذَلِكَ العالِمُ رَجَعا وعادا إلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الكهف 18:61

صفحة ١٢٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا ابْتِداءُ قِصَّةٍ ثالِثَةٍ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ وهي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ العِلْمَ، وهَذا وإنْ كانَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا في نَفْسِهِ إلّا أنَّهُ يُعِينُ عَلى ما هو المَقْصُودُ في القِصَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، أمّا نَفْعُ هَذِهِ القِصَّةِ في الرَّدِّ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأنْصارِ، فَهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَثْرَةِ عِلْمِهِ وعَمَلِهِ وعُلُوِّ مَنصِبِهِ واسْتِجْماعِ مُوجِباتِ الشَّرَفِ التّامِّ في حَقِّهِ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ لِطَلَبِ العِلْمِ وتَواضَعَ لَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّواضُعَ خَيْرٌ مِنَ التَّكَبُّرِ، وأمّا نَفْعُ هَذِهِ القِصَّةِ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَهو أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِكُفّارِ مَكَّةَ: إنْ أخْبَرَكم مُحَمَّدٌ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ، فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والوَقائِعِ، كَما أنَّ كَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَمْنَعْ مِن أمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يَذْهَبَ إلى الخَضِرِ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ، فَظَهَرَ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، ومَعَ ذَلِكَ فَهي نافِعَةٌ في تَقْرِيرِ المَقْصُودِ في القِصَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ صاحِبُ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ وصاحِبُ التَّوْراةِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا ابْنَ امْرَأةِ كَعْبٍ يَزْعُمُ أنَّ الخَضِرَ لَيْسَ صاحِبَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وإنَّما هو صاحِبُ مُوسى بْنِ مِيشا بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: هو كانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدانِ أفْرائِيمُ ومِيشا، فَوَلَدَ أفْرائِيمُ نُونًا ووَلَدَ نُونٌ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، وهو صاحِبُ مُوسى ووَلِيُّ عَهْدِهِ بَعْدَ وفاتِهِ، وأمّا ولَدُ مِيشا، فَقِيلَ: إنَّهُ جاءَتْهُ النُّبُوَّةُ قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، ويَزْعُمُ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّهُ هو الَّذِي طَلَبَ هَذا العِلْمَ لِيَتَعَلَّمَ، والخَضِرُ هو الَّذِي خَرَقَ السَّفِينَةَ، وقَتَلَ الغُلامَ، وأقامَ الجِدارَ، ومُوسى بْنُ مِيشا مَعَهُ، هَذا هو قَوْلُ جُمْهُورِ اليَهُودِ، واحْتَجَّ القَفّالُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا: إنَّ مُوسى هَذا هو صاحِبُ التَّوْراةِ، قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما ذَكَرَ مُوسى في كِتابِهِ إلّا وأرادَ بِهِ صاحِبَ التَّوْراةِ، فَإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ يُوجِبُ الِانْصِرافَ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ المُرادُ شَخْصًا آخَرَ مُسَمًّى بِمُوسى غَيْرَهُ لَوَجَبَ تَعْرِيفُهُ بِصِفَةٍ تُوجِبُ الِامْتِيازَ وإزالَةَ الشُّبْهَةِ، كَما أنَّهُ لَمّا كانَ المَشْهُورُ في العُرْفِ مِن أبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هو الرَّجُلَ المُعَيَّنَ، فَلَوْ ذَكَرْنا هَذا الِاسْمَ وأرَدْنا بِهِ رَجُلًا سِواهُ لَقَيَّدْناهُ مِثْلَ أنْ نَقُولَ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ، وحُجَّةُ الَّذِينَ قالُوا: مُوسى هَذا غَيْرُ صاحِبِ التَّوْراةِ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَيْهِ وكَلَّمَهُ بِلا واسِطَةٍ، وحَجَّ خَصْمَهُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُها لِأكْثَرِ أكابِرِ الأنْبِياءِ يَبْعُدُ أنْ صفحة ١٢٣ يَبْعَثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَعَلُّمِ الِاسْتِفادَةِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ العالِمَ الكامِلَ في أكْثَرِ العُلُومِ يَجْهَلُ بَعْضَ الأشْياءِ، فَيَحْتاجُ في تَعَلُّمِها إلى مَن دُونَهُ، وهَذا أمْرٌ مُتَعارَفٌ مَعْلُومٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في فَتى مُوسى، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. ورَوى القَفّالُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَقُولُ: «فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ» . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ فَتى مُوسى أخُو يُوشَعَ وكانَ صاحِبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا السَّفَرِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: رَوى عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ﴾ قالَ: يَعْنِي عَبْدَهُ، قالَ القَفّالُ: واللُّغَةُ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: ”«لا يَقُولَنَّ أحَدُكم عَبْدِي وأمَتِي، ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتاتِي» “، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ العَبْدَ فَتًى والأمَةَ فَتاةً. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُعْطِيَ الألْواحَ وكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: مَنِ الَّذِي أفْضَلُ مِنِّي وأعْلَمُ ؟ فَقِيلَ: عَبْدٌ لِلَّهِ يَسْكُنُ جَزائِرَ البَحْرِ وهو الخَضِرُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما أُوتِيَ ظَنَّ أنَّهُ لا أحَدَ مِثْلُهُ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِساحِلِ البَحْرِ، قالَ: يا مُوسى انْظُرْ إلى هَذا الطَّيْرِ الصَّغِيرِ يَهْوِي إلى البَحْرِ يَضْرِبُ بِمِنقارِهِ فِيهِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ فَأنْتَ فِيما أُوتِيتَ مِنَ العِلْمِ دُونَ قَدْرِ ما يَحْمِلُ هَذا الطَّيْرُ بِمِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ، قالَ الأُصُولِيُّونَ: هَذِهِ الرِّوايَةُ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ يَجِبُ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ مَعْلُوماتِ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ مَعْلُوماتِ الخَلْقِ يَجِبُ كَوْنُها مُتَناهِيَةً، وكُلُّ قَدْرٍ مُتَناهٍ، فَإنَّ الزّائِدَ عَلَيْهِ مُمْكِنٌ فَلا مَرْتَبَةَ مِن مَراتِبِ العِلْمِ إلّا وفَوْقَها مَرْتَبَةٌ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وإذا كانَتْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ مَعْلُومَةً فَمِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا أنْ يَقْطَعَ العاقِلُ بِأنَّهُ لا أحَدَ أعْلَمُ مِنِّي لا سِيَّما مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ عِلْمِهِ الوافِرِ بِحَقائِقِ الأشْياءِ وشِدَّةِ بَراءَتِهِ عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ كالعُجْبِ والتِّيهِ والصَّلَفِ. والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ: أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ ؟ قالَ: الَّذِي يَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي، قالَ فَأيُّ عِبادِكَ أقَضى ؟ قالَ: الَّذِي يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَتَّبِعُ الهَوى، قالَ: فَأيُّ عِبادِكَ أعْلَمُ ؟ قالَ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلى هُدًى أوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ كانَ في عِبادِكَ مَن هو أعْلَمُ مِنِّي فادْلُلْنِي عَلَيْهِ، فَقالَ: أعْلَمُ مِنكَ الخَضِرُ، قالَ فَأيْنَ أطْلُبُهُ ؟ قالَ: عَلى السّاحِلِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، قالَ يا رَبِّ: كَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: تَأْخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُ فَقَدْتَهُ فَهو هُناكَ، فَقالَ لِفَتاهُ: إذا فَقَدْتَ الحُوتَ فَأخْبِرْنِي فَذَهَبا يَمْشِيانِ ورَقَدَ مُوسى، واضْطَرَبَ الحُوتُ، وطَفَرَ إلى البَحْرِ، فَلَمّا جاءَ وقْتُ الغَداءِ طَلَبَ مُوسى الحُوتَ، فَأخْبَرَهُ فَتاهَ بِوُقُوعِهِ في البَحْرِ، فَرَجَعَ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي طَفَرَ الحُوتُ فِيهِ إلى البَحْرِ، فَإذا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ فَعَرَّفَهُ نَفْسَهُ، فَقالَ: يا مُوسى أنا عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ أنا، فَلَمّا رَكِبا السَّفِينَةَ جاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِها فَنَقَرَ في الماءِ، فَقالَ الخَضِرُ: ما يَنْقُصُ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ مِقْدارَ ما أخَذَ هَذا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ، أقُولُ: نِسْبَةُ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي أخَذَهُ ذَلِكَ العُصْفُورُ مِن ذَلِكَ الماءِ إلى كُلِّيَّةِ ماءِ البَحْرِ نِسْبَةُ مُتَناهٍ إلى مُتَناهٍ، ونِسْبَةُ مَعْلُوماتِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى نِسْبَةُ مُتَناهٍ إلى غَيْرِ مُتَناهٍ، فَأيْنَ إحْدى النِّسْبَتَيْنِ مِن صفحة ١٢٤ الأُخْرى ؟ واللَّهُ العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، ونَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أبْرَحُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ قَوْلُهُ: ﴿لا أبْرَحُ﴾ لَيْسَ مَعْناهُ لا أزُولُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقْطَعْ أرْضًا، أقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الزَّوالَ عَنِ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِهِ والإعْراضِ عَنْهُ، يُقالُ: زالَ فُلانٌ عَنْ طَرِيقَتِهِ في الجُودِ أيْ تَرَكَها، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ بِمَعْنى لا أزُولُ عَنِ السَّيْرِ والذَّهابِ بِمَعْنى لا أتْرُكُ هَذا العَمَلَ وهَذا الفِعْلَ، وأقُولُ: المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّ قَوْلَهُ لا أبْرَحُ مَعْناهُ لا أزُولُ، والعَرَبُ تَقُولُ: لا أبْرَحُ ولا أزالُ ولا أنْفَكُّ ولا أفْتَأُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ القَفّالُ: وقالُوا: أصْلُ قَوْلِهِمْ: لا أبْرَحُ مِنَ البَراحِ، كَما أنَّ أصْلَ لا أزالُ: مِنَ الزَّوالِ، يُقالُ: زالَ يَزالُ ويَزُولُ كَما يُقالُ دامَ يَدامُ ويَدُومُ، وماتَ يَماتُ ويَمُوتُ، إلّا أنَّ المُسْتَعْمَلَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ يَزالُ، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ أيْ أُقِيمُ؛ لِأنَّ البَراحَ هو العَدَمُ، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ يَكُونُ عَدَمًا لِلْعَدَمِ فَيَكُونُ ثُبُوتًا، فَقَوْلُهُ: لا أزالُ ولا أبْرَحُ يُفِيدُ الدَّوامَ والثَّباتَ عَلى العَمَلِ؛ فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ قَوْلُهُ: لا أبْرَحُ بِمَعْنى لا أزالُ فَلا بُدَّ مِنَ الخَبَرِ، قُلْنا: حُذِفَ الخَبَرُ لِأنَّ الحالَ والكَلامَ يَدُلّانِ عَلَيْهِ، أمّا الحالُ فَلِأنَّها كانَتْ حالَ سَفَرٍ، وأمّا الكَلامُ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ تَسْتَدْعِي شَيْئًا هي غايَةٌ لَهُ فَيَكُونُ المَعْنى: لا أبْرَحُ أسِيرُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا أبْرَحُ مِمّا أنا عَلَيْهِ يَعْنِي ألْزَمُ المَسِيرَ والطَّلَبَ ولا أتْرُكُهُ ولا أُفارِقُهُ حَتّى أبْلُغَ، كَما تَقُولُ: لا أبْرَحُ المَكانَ، وأمّا مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ فَهو المَكانُ الَّذِي وُعِدَ فِيهِ مُوسى بِلِقاءِ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو مُلْتَقى بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، وقِيلَ غَيْرُهُ ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ هَذَيْنِ البَحْرَيْنِ، فَإنْ صَحَّ بِالخَبَرِ الصَّحِيحِ شَيْءٌ فَذاكَ وإلّا فالأوْلى السُّكُوتُ عَنْهُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: البَحْرانِ مُوسى والخَضِرُ لِأنَّهُما كانا بَحْرَيِ العِلْمِ، وقُرِئَ مِجْمَعَ بِكَسْرِ المِيمِ، ثُمَّ قالَ: (أوْ أمْضِيَ حُقُبًا) أيْ أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا، وقِيلَ: الحُقْبُ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقَدْ تَكَلَّمْنا في هَذا اللَّفْظِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ (النَّبَأِ: ٢٣) وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كانَ أعْلَمَ مُوسى حالَ هَذا العالِمِ، وما أعْلَمَهُ مَوْضِعَهُ بِعَيْنِهِ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لا أزالُ أمْضِي حَتّى يَجْتَمِعَ البَحْرانِ فَيَصِيرا بَحْرًا واحِدًا، أوْ أمْضِي دَهْرًا طَوِيلًا حَتّى أجِدَ هَذا العالِمَ، وهَذا إخْبارٌ مِن مُوسى بِأنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى تَحَمُّلِ التَّعَبِ الشَّدِيدِ والعَناءِ العَظِيمِ في السَّفَرِ؛ لِأجْلِ طَلَبِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُتَعَلِّمَ لَوْ سافَرَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لِطَلَبِ مَسْألَةٍ واحِدَةٍ لَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ والمَعْنى فانْطَلَقا إلى أنْ بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: بَيْنِهِما إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَجْمَعُ بَيْنِهِما أيْ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ، وهو كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى (قَوْلِ) مُوسى ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ فَحَقَّقَ اللَّهُ ما قالَهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى فَلَمّا بَلَغَ المَوْضِعَ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ مُوسى وصاحِبُهُ الَّذِي كانَ يَقْصِدُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ الَّذِي وقَعَ فِيهِ نِسْيانُ الحُوتِ هو المَوْضِعُ الَّذِي كانَ يَسْكُنُهُ الخَضِرُ أوْ يَسْكُنُ بِقُرْبِهِ؛ ولِأجْلِ هَذا المَعْنى لَمّا رَجَعَ مُوسى وفَتاهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الحُوتَ صارَ إلَيْهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ، والمُفَسِّرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّواياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ هَذا العالِمَ مَوْضِعُهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ إلّا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ انْقِلابَ الحُوتِ حَيًّا عَلامَةً عَلى مَسْكَنِهِ المُعَيَّنِ كَمَن يَطْلُبُ إنْسانًا فَيُقالُ لَهُ: إنَّ مَوْضِعَهُ مَحَلَّةُ كَذا مِنَ الرَّيِّ فَإذا انْتَهَيْتَ إلى المَحَلَّةِ، فَسَلْ فُلانًا عَنْ دارِهِ، وأيْنَما ذَهَبَ بِكَ فاتْبَعْهُ، فَإنَّكَ تَصِلْ إلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا قِيلَ لَهُ: إنَّ مَوْضِعَهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ، فَإذا وصَلْتَ إلَيْهِ رَأيْتَ الحُوتَ انْقَلَبَ حَيًّا وطَفَرَ إلى البَحْرِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَهُنالِكَ مَوْضِعُهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فاذْهَبْ عَلى مُوافَقَةِ ذَهابِ ذَلِكَ الحُوتِ فَإنَّكَ تَجِدُهُ. صفحة ١٢٥ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مُوسى وفَتاهُ لَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما طَفَرَتِ السَّمَكَةُ إلى البَحْرِ وسارَتْ وفي كَيْفِيَّةِ طَفْرِها رِواياتٌ أيْضًا، قِيلَ: إنَّ الفَتى كانَ يَغْسِلُ السَّمَكَةَ؛ لِأنَّها كانَتْ مُمَلَّحَةً فَطَفَرَتْ، وسارَتْ، وقِيلَ: إنَّ يُوشَعَ تَوَضَّأ في ذَلِكَ المَكانِ فانْتَضَحَ الماءُ عَلى الحُوتِ المالِحِ فَعاشَ ووَثَبَ في الماءِ، وقِيلَ: انْفَجَرَتْ هُناكَ عَيْنٌ مِنَ الجَنَّةِ ووَصَلَتْ قَطَراتٌ مِن تِلْكَ العَيْنِ إلى السَّمَكَةِ فَحَيِيَتْ، وطَفَرَتْ إلى البَحْرِ، فَهَذا هو الكَلامُ في صِفَةِ الحُوتِ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ أنَّهُما نَسِيا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ عَلى الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ، فَإنْ قِيلَ: انْقِلابُ السَّمَكَةِ المالِحَةِ حَيَّةً حالَةٌ عَجِيبَةٌ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ حُصُولَ هَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ دَلِيلًا عَلى الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ النِّسْيانِ في هَذا المَعْنى ؟ أجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنْ يُوشَعَ كانَ قَدْ شاهَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرًا، فَلَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ المُعْجِزَةِ عِنْدَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ، فَجازَ حُصُولُ النِّسْيانِ. وعِنْدِي فِيهِ جَوابٌ آخَرُ: وهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَعْظَمَ عِلْمَ نَفْسِهِ أزالَ اللَّهُ عَنْ قَلْبِ صاحِبِهِ هَذا العِلْمَ الضَّرُورِيَّ تَنْبِيهًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ العِلْمَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ وحِفْظِهِ عَلى القَلْبِ والخاطِرِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: سَرَبَ في البَحْرِ سَرَبًا إلّا أنَّهُ أُقِيمَ قَوْلُهُ: (فاتَّخَذَ) مُقامَ قَوْلِهِ: سَرَبَ، والسَّرَبُ هو الذَّهابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ (الرَّعْدِ: ١٠) . الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمْسَكَ إجْراءَ الماءِ عَلى البَحْرِ وجَعَلَهُ كالطّاقِ والكُوَّةِ حَتّى سَرى الحُوتُ فِيهِ، فَلَمّا جاوَزَ أيْ مُوسى وفَتاهُ المَوْعِدَ المُعَيَّنَ، وهو الوُصُولُ إلى الصَّخْرَةِ بِسَبَبِ النِّسْيانِ المَذْكُورِ، وذَهَبا كَثِيرًا وتَعِبا وجاعا: ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ﴾ الفَتى: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ الهَمْزَةُ في أرَأيْتَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، ورَأيْتَ عَلى مَعْناهُ الأصْلِيِّ، وقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ عَلى ما هو المُتَعارَفُ بَيْنَ النّاسِ، فَإنَّهُ إذا حَدَثَ لِأحَدِهِمْ أمْرٌ عَجِيبٌ، قالَ لِصاحِبِهِ: أرَأيْتَ ما حَدَثَ لِي ؟ كَذَلِكَ هَهُنا، كَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتَ ما وقَعَ لِي مِنهُ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ أرَأيْتَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا، والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذا الِاعْتِراضِ ما يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ والعِلَّةِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكَعْبِيُّ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ ذَلِكَ النِّسْيانَ وما أرادَهُ، وإلّا كانَتْ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى أوْجَبَ مِن إضافَتِهِ إلى الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَهُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِسَعْيِ الشَّيْطانِ في وُجُودِهِ ولا في عَدَمِهِ أثَرٌ. قالَ القاضِي: والمُرادُ بِالنِّسْيانِ أنْ يَشْتَغِلَ قَلْبُ الإنْسانِ بِوَساوِسِهِ الَّتِي هي مِن فِعْلِهِ دُونَ النِّسْيانِ الَّذِي يُضادُّ الذِّكْرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلٌ مِنَ الهاءِ في أنْسانِيهِ؛ أيْ: وما أنْسانِي ذِكْرَهُ إلّا الشَّيْطانُ، ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: عَجَبًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ اتِّخاذًا عَجَبًا، ووَجْهُ كَوْنِهِ عَجَبًا انْقِلابُهُ مِنَ المِكْتَلِ وصَيْرُورَتُهُ حَيًّا وإلْقاءُ نَفْسِهِ في البَحْرِ عَلى غَفْلَةِ مِنهُما. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الماءَ عَلَيْهِ كالطّاقِ وكالسِّرْبِ. الثّالِثُ: قِيلَ: إنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: عَجَبًا، والمَقْصُودُ مِنهُ تَعَجُّبُهُ مِن تِلْكَ العَجِيبَةِ صفحة ١٢٦ الَّتِي رَآها ومِن نِسْيانِهِ لَها، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ عَجَبًا حِكايَةٌ لِتَعَجُّبِ مُوسى، وهو لَيْسَ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ قالَ مُوسى: ذَلِكَ الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ؛ لِأنَّهُ أمارَةُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ، وهو لِقاءُ الخَضِرِ، وقَوْلُهُ: (نَبْغِ) أصْلُهُ نَبْغِي، فَحُذِفَتِ الياءُ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْهِ، وكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ؛ لِأنَّهم إنَّما يَحْذِفُونَ الياءَ في الأسْماءِ وهَذا فِعْلٌ إلّا أنَّهُ قَدْ يَجُوزُ عَلى ضَعْفِ القِياسِ حَذْفُها؛ لِأنَّها تُحْذَفُ مَعَ السّاكِنِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَها، كَقَوْلِكَ: ما نَبْغِي اليَوْمَ ؟ فَلَمّا حُذِفَتْ مَعَ السّاكِنِ حُذِفَتْ أيْضًا مَعَ غَيْرِ السّاكِنِ، ثُمَّ قالَ: (فارْتَدّا عَلى آثارِهِما) أيْ فَرَجَعا، وقَوْلُهُ: ﴿قَصَصًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ رَجَعا عَلى آثارِهِما مُقْتَصِّينَ آثارَهُما. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِقَوْلِهِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما؛ لِأنَّ مَعْناهُ فاقْتَصّا عَلى آثارِهِما، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّهُما لَمّا عَرَفا أنَّهُما تَجاوَزا عَنِ المَوْضِعِ الَّذِي يَسْكُنُ فِيهِ ذَلِكَ العالِمُ رَجَعا وعادا إلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الكهف 18:62

صفحة ١٢٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا ابْتِداءُ قِصَّةٍ ثالِثَةٍ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ وهي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ العِلْمَ، وهَذا وإنْ كانَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا في نَفْسِهِ إلّا أنَّهُ يُعِينُ عَلى ما هو المَقْصُودُ في القِصَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، أمّا نَفْعُ هَذِهِ القِصَّةِ في الرَّدِّ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأنْصارِ، فَهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَثْرَةِ عِلْمِهِ وعَمَلِهِ وعُلُوِّ مَنصِبِهِ واسْتِجْماعِ مُوجِباتِ الشَّرَفِ التّامِّ في حَقِّهِ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ لِطَلَبِ العِلْمِ وتَواضَعَ لَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّواضُعَ خَيْرٌ مِنَ التَّكَبُّرِ، وأمّا نَفْعُ هَذِهِ القِصَّةِ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَهو أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِكُفّارِ مَكَّةَ: إنْ أخْبَرَكم مُحَمَّدٌ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ، فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والوَقائِعِ، كَما أنَّ كَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَمْنَعْ مِن أمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يَذْهَبَ إلى الخَضِرِ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ، فَظَهَرَ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، ومَعَ ذَلِكَ فَهي نافِعَةٌ في تَقْرِيرِ المَقْصُودِ في القِصَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ صاحِبُ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ وصاحِبُ التَّوْراةِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا ابْنَ امْرَأةِ كَعْبٍ يَزْعُمُ أنَّ الخَضِرَ لَيْسَ صاحِبَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وإنَّما هو صاحِبُ مُوسى بْنِ مِيشا بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: هو كانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدانِ أفْرائِيمُ ومِيشا، فَوَلَدَ أفْرائِيمُ نُونًا ووَلَدَ نُونٌ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، وهو صاحِبُ مُوسى ووَلِيُّ عَهْدِهِ بَعْدَ وفاتِهِ، وأمّا ولَدُ مِيشا، فَقِيلَ: إنَّهُ جاءَتْهُ النُّبُوَّةُ قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، ويَزْعُمُ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّهُ هو الَّذِي طَلَبَ هَذا العِلْمَ لِيَتَعَلَّمَ، والخَضِرُ هو الَّذِي خَرَقَ السَّفِينَةَ، وقَتَلَ الغُلامَ، وأقامَ الجِدارَ، ومُوسى بْنُ مِيشا مَعَهُ، هَذا هو قَوْلُ جُمْهُورِ اليَهُودِ، واحْتَجَّ القَفّالُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا: إنَّ مُوسى هَذا هو صاحِبُ التَّوْراةِ، قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما ذَكَرَ مُوسى في كِتابِهِ إلّا وأرادَ بِهِ صاحِبَ التَّوْراةِ، فَإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ يُوجِبُ الِانْصِرافَ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ المُرادُ شَخْصًا آخَرَ مُسَمًّى بِمُوسى غَيْرَهُ لَوَجَبَ تَعْرِيفُهُ بِصِفَةٍ تُوجِبُ الِامْتِيازَ وإزالَةَ الشُّبْهَةِ، كَما أنَّهُ لَمّا كانَ المَشْهُورُ في العُرْفِ مِن أبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هو الرَّجُلَ المُعَيَّنَ، فَلَوْ ذَكَرْنا هَذا الِاسْمَ وأرَدْنا بِهِ رَجُلًا سِواهُ لَقَيَّدْناهُ مِثْلَ أنْ نَقُولَ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ، وحُجَّةُ الَّذِينَ قالُوا: مُوسى هَذا غَيْرُ صاحِبِ التَّوْراةِ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَيْهِ وكَلَّمَهُ بِلا واسِطَةٍ، وحَجَّ خَصْمَهُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُها لِأكْثَرِ أكابِرِ الأنْبِياءِ يَبْعُدُ أنْ صفحة ١٢٣ يَبْعَثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَعَلُّمِ الِاسْتِفادَةِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ العالِمَ الكامِلَ في أكْثَرِ العُلُومِ يَجْهَلُ بَعْضَ الأشْياءِ، فَيَحْتاجُ في تَعَلُّمِها إلى مَن دُونَهُ، وهَذا أمْرٌ مُتَعارَفٌ مَعْلُومٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في فَتى مُوسى، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. ورَوى القَفّالُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَقُولُ: «فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ» . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ فَتى مُوسى أخُو يُوشَعَ وكانَ صاحِبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا السَّفَرِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: رَوى عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ﴾ قالَ: يَعْنِي عَبْدَهُ، قالَ القَفّالُ: واللُّغَةُ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: ”«لا يَقُولَنَّ أحَدُكم عَبْدِي وأمَتِي، ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتاتِي» “، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ العَبْدَ فَتًى والأمَةَ فَتاةً. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُعْطِيَ الألْواحَ وكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: مَنِ الَّذِي أفْضَلُ مِنِّي وأعْلَمُ ؟ فَقِيلَ: عَبْدٌ لِلَّهِ يَسْكُنُ جَزائِرَ البَحْرِ وهو الخَضِرُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما أُوتِيَ ظَنَّ أنَّهُ لا أحَدَ مِثْلُهُ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِساحِلِ البَحْرِ، قالَ: يا مُوسى انْظُرْ إلى هَذا الطَّيْرِ الصَّغِيرِ يَهْوِي إلى البَحْرِ يَضْرِبُ بِمِنقارِهِ فِيهِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ فَأنْتَ فِيما أُوتِيتَ مِنَ العِلْمِ دُونَ قَدْرِ ما يَحْمِلُ هَذا الطَّيْرُ بِمِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ، قالَ الأُصُولِيُّونَ: هَذِهِ الرِّوايَةُ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ يَجِبُ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ مَعْلُوماتِ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ مَعْلُوماتِ الخَلْقِ يَجِبُ كَوْنُها مُتَناهِيَةً، وكُلُّ قَدْرٍ مُتَناهٍ، فَإنَّ الزّائِدَ عَلَيْهِ مُمْكِنٌ فَلا مَرْتَبَةَ مِن مَراتِبِ العِلْمِ إلّا وفَوْقَها مَرْتَبَةٌ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وإذا كانَتْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ مَعْلُومَةً فَمِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا أنْ يَقْطَعَ العاقِلُ بِأنَّهُ لا أحَدَ أعْلَمُ مِنِّي لا سِيَّما مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ عِلْمِهِ الوافِرِ بِحَقائِقِ الأشْياءِ وشِدَّةِ بَراءَتِهِ عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ كالعُجْبِ والتِّيهِ والصَّلَفِ. والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ: أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ ؟ قالَ: الَّذِي يَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي، قالَ فَأيُّ عِبادِكَ أقَضى ؟ قالَ: الَّذِي يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَتَّبِعُ الهَوى، قالَ: فَأيُّ عِبادِكَ أعْلَمُ ؟ قالَ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلى هُدًى أوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ كانَ في عِبادِكَ مَن هو أعْلَمُ مِنِّي فادْلُلْنِي عَلَيْهِ، فَقالَ: أعْلَمُ مِنكَ الخَضِرُ، قالَ فَأيْنَ أطْلُبُهُ ؟ قالَ: عَلى السّاحِلِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، قالَ يا رَبِّ: كَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: تَأْخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُ فَقَدْتَهُ فَهو هُناكَ، فَقالَ لِفَتاهُ: إذا فَقَدْتَ الحُوتَ فَأخْبِرْنِي فَذَهَبا يَمْشِيانِ ورَقَدَ مُوسى، واضْطَرَبَ الحُوتُ، وطَفَرَ إلى البَحْرِ، فَلَمّا جاءَ وقْتُ الغَداءِ طَلَبَ مُوسى الحُوتَ، فَأخْبَرَهُ فَتاهَ بِوُقُوعِهِ في البَحْرِ، فَرَجَعَ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي طَفَرَ الحُوتُ فِيهِ إلى البَحْرِ، فَإذا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ فَعَرَّفَهُ نَفْسَهُ، فَقالَ: يا مُوسى أنا عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ أنا، فَلَمّا رَكِبا السَّفِينَةَ جاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِها فَنَقَرَ في الماءِ، فَقالَ الخَضِرُ: ما يَنْقُصُ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ مِقْدارَ ما أخَذَ هَذا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ، أقُولُ: نِسْبَةُ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي أخَذَهُ ذَلِكَ العُصْفُورُ مِن ذَلِكَ الماءِ إلى كُلِّيَّةِ ماءِ البَحْرِ نِسْبَةُ مُتَناهٍ إلى مُتَناهٍ، ونِسْبَةُ مَعْلُوماتِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى نِسْبَةُ مُتَناهٍ إلى غَيْرِ مُتَناهٍ، فَأيْنَ إحْدى النِّسْبَتَيْنِ مِن صفحة ١٢٤ الأُخْرى ؟ واللَّهُ العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، ونَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أبْرَحُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ قَوْلُهُ: ﴿لا أبْرَحُ﴾ لَيْسَ مَعْناهُ لا أزُولُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقْطَعْ أرْضًا، أقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الزَّوالَ عَنِ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِهِ والإعْراضِ عَنْهُ، يُقالُ: زالَ فُلانٌ عَنْ طَرِيقَتِهِ في الجُودِ أيْ تَرَكَها، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ بِمَعْنى لا أزُولُ عَنِ السَّيْرِ والذَّهابِ بِمَعْنى لا أتْرُكُ هَذا العَمَلَ وهَذا الفِعْلَ، وأقُولُ: المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّ قَوْلَهُ لا أبْرَحُ مَعْناهُ لا أزُولُ، والعَرَبُ تَقُولُ: لا أبْرَحُ ولا أزالُ ولا أنْفَكُّ ولا أفْتَأُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ القَفّالُ: وقالُوا: أصْلُ قَوْلِهِمْ: لا أبْرَحُ مِنَ البَراحِ، كَما أنَّ أصْلَ لا أزالُ: مِنَ الزَّوالِ، يُقالُ: زالَ يَزالُ ويَزُولُ كَما يُقالُ دامَ يَدامُ ويَدُومُ، وماتَ يَماتُ ويَمُوتُ، إلّا أنَّ المُسْتَعْمَلَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ يَزالُ، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ أيْ أُقِيمُ؛ لِأنَّ البَراحَ هو العَدَمُ، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ يَكُونُ عَدَمًا لِلْعَدَمِ فَيَكُونُ ثُبُوتًا، فَقَوْلُهُ: لا أزالُ ولا أبْرَحُ يُفِيدُ الدَّوامَ والثَّباتَ عَلى العَمَلِ؛ فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ قَوْلُهُ: لا أبْرَحُ بِمَعْنى لا أزالُ فَلا بُدَّ مِنَ الخَبَرِ، قُلْنا: حُذِفَ الخَبَرُ لِأنَّ الحالَ والكَلامَ يَدُلّانِ عَلَيْهِ، أمّا الحالُ فَلِأنَّها كانَتْ حالَ سَفَرٍ، وأمّا الكَلامُ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ تَسْتَدْعِي شَيْئًا هي غايَةٌ لَهُ فَيَكُونُ المَعْنى: لا أبْرَحُ أسِيرُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا أبْرَحُ مِمّا أنا عَلَيْهِ يَعْنِي ألْزَمُ المَسِيرَ والطَّلَبَ ولا أتْرُكُهُ ولا أُفارِقُهُ حَتّى أبْلُغَ، كَما تَقُولُ: لا أبْرَحُ المَكانَ، وأمّا مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ فَهو المَكانُ الَّذِي وُعِدَ فِيهِ مُوسى بِلِقاءِ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو مُلْتَقى بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، وقِيلَ غَيْرُهُ ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ هَذَيْنِ البَحْرَيْنِ، فَإنْ صَحَّ بِالخَبَرِ الصَّحِيحِ شَيْءٌ فَذاكَ وإلّا فالأوْلى السُّكُوتُ عَنْهُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: البَحْرانِ مُوسى والخَضِرُ لِأنَّهُما كانا بَحْرَيِ العِلْمِ، وقُرِئَ مِجْمَعَ بِكَسْرِ المِيمِ، ثُمَّ قالَ: (أوْ أمْضِيَ حُقُبًا) أيْ أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا، وقِيلَ: الحُقْبُ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقَدْ تَكَلَّمْنا في هَذا اللَّفْظِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ (النَّبَأِ: ٢٣) وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كانَ أعْلَمَ مُوسى حالَ هَذا العالِمِ، وما أعْلَمَهُ مَوْضِعَهُ بِعَيْنِهِ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لا أزالُ أمْضِي حَتّى يَجْتَمِعَ البَحْرانِ فَيَصِيرا بَحْرًا واحِدًا، أوْ أمْضِي دَهْرًا طَوِيلًا حَتّى أجِدَ هَذا العالِمَ، وهَذا إخْبارٌ مِن مُوسى بِأنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى تَحَمُّلِ التَّعَبِ الشَّدِيدِ والعَناءِ العَظِيمِ في السَّفَرِ؛ لِأجْلِ طَلَبِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُتَعَلِّمَ لَوْ سافَرَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لِطَلَبِ مَسْألَةٍ واحِدَةٍ لَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ والمَعْنى فانْطَلَقا إلى أنْ بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: بَيْنِهِما إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَجْمَعُ بَيْنِهِما أيْ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ، وهو كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى (قَوْلِ) مُوسى ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ فَحَقَّقَ اللَّهُ ما قالَهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى فَلَمّا بَلَغَ المَوْضِعَ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ مُوسى وصاحِبُهُ الَّذِي كانَ يَقْصِدُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ الَّذِي وقَعَ فِيهِ نِسْيانُ الحُوتِ هو المَوْضِعُ الَّذِي كانَ يَسْكُنُهُ الخَضِرُ أوْ يَسْكُنُ بِقُرْبِهِ؛ ولِأجْلِ هَذا المَعْنى لَمّا رَجَعَ مُوسى وفَتاهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الحُوتَ صارَ إلَيْهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ، والمُفَسِّرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّواياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ هَذا العالِمَ مَوْضِعُهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ إلّا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ انْقِلابَ الحُوتِ حَيًّا عَلامَةً عَلى مَسْكَنِهِ المُعَيَّنِ كَمَن يَطْلُبُ إنْسانًا فَيُقالُ لَهُ: إنَّ مَوْضِعَهُ مَحَلَّةُ كَذا مِنَ الرَّيِّ فَإذا انْتَهَيْتَ إلى المَحَلَّةِ، فَسَلْ فُلانًا عَنْ دارِهِ، وأيْنَما ذَهَبَ بِكَ فاتْبَعْهُ، فَإنَّكَ تَصِلْ إلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا قِيلَ لَهُ: إنَّ مَوْضِعَهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ، فَإذا وصَلْتَ إلَيْهِ رَأيْتَ الحُوتَ انْقَلَبَ حَيًّا وطَفَرَ إلى البَحْرِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَهُنالِكَ مَوْضِعُهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فاذْهَبْ عَلى مُوافَقَةِ ذَهابِ ذَلِكَ الحُوتِ فَإنَّكَ تَجِدُهُ. صفحة ١٢٥ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مُوسى وفَتاهُ لَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما طَفَرَتِ السَّمَكَةُ إلى البَحْرِ وسارَتْ وفي كَيْفِيَّةِ طَفْرِها رِواياتٌ أيْضًا، قِيلَ: إنَّ الفَتى كانَ يَغْسِلُ السَّمَكَةَ؛ لِأنَّها كانَتْ مُمَلَّحَةً فَطَفَرَتْ، وسارَتْ، وقِيلَ: إنَّ يُوشَعَ تَوَضَّأ في ذَلِكَ المَكانِ فانْتَضَحَ الماءُ عَلى الحُوتِ المالِحِ فَعاشَ ووَثَبَ في الماءِ، وقِيلَ: انْفَجَرَتْ هُناكَ عَيْنٌ مِنَ الجَنَّةِ ووَصَلَتْ قَطَراتٌ مِن تِلْكَ العَيْنِ إلى السَّمَكَةِ فَحَيِيَتْ، وطَفَرَتْ إلى البَحْرِ، فَهَذا هو الكَلامُ في صِفَةِ الحُوتِ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ أنَّهُما نَسِيا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ عَلى الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ، فَإنْ قِيلَ: انْقِلابُ السَّمَكَةِ المالِحَةِ حَيَّةً حالَةٌ عَجِيبَةٌ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ حُصُولَ هَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ دَلِيلًا عَلى الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ النِّسْيانِ في هَذا المَعْنى ؟ أجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنْ يُوشَعَ كانَ قَدْ شاهَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرًا، فَلَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ المُعْجِزَةِ عِنْدَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ، فَجازَ حُصُولُ النِّسْيانِ. وعِنْدِي فِيهِ جَوابٌ آخَرُ: وهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَعْظَمَ عِلْمَ نَفْسِهِ أزالَ اللَّهُ عَنْ قَلْبِ صاحِبِهِ هَذا العِلْمَ الضَّرُورِيَّ تَنْبِيهًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ العِلْمَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ وحِفْظِهِ عَلى القَلْبِ والخاطِرِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: سَرَبَ في البَحْرِ سَرَبًا إلّا أنَّهُ أُقِيمَ قَوْلُهُ: (فاتَّخَذَ) مُقامَ قَوْلِهِ: سَرَبَ، والسَّرَبُ هو الذَّهابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ (الرَّعْدِ: ١٠) . الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمْسَكَ إجْراءَ الماءِ عَلى البَحْرِ وجَعَلَهُ كالطّاقِ والكُوَّةِ حَتّى سَرى الحُوتُ فِيهِ، فَلَمّا جاوَزَ أيْ مُوسى وفَتاهُ المَوْعِدَ المُعَيَّنَ، وهو الوُصُولُ إلى الصَّخْرَةِ بِسَبَبِ النِّسْيانِ المَذْكُورِ، وذَهَبا كَثِيرًا وتَعِبا وجاعا: ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ﴾ الفَتى: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ الهَمْزَةُ في أرَأيْتَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، ورَأيْتَ عَلى مَعْناهُ الأصْلِيِّ، وقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ عَلى ما هو المُتَعارَفُ بَيْنَ النّاسِ، فَإنَّهُ إذا حَدَثَ لِأحَدِهِمْ أمْرٌ عَجِيبٌ، قالَ لِصاحِبِهِ: أرَأيْتَ ما حَدَثَ لِي ؟ كَذَلِكَ هَهُنا، كَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتَ ما وقَعَ لِي مِنهُ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ أرَأيْتَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا، والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذا الِاعْتِراضِ ما يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ والعِلَّةِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكَعْبِيُّ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ ذَلِكَ النِّسْيانَ وما أرادَهُ، وإلّا كانَتْ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى أوْجَبَ مِن إضافَتِهِ إلى الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَهُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِسَعْيِ الشَّيْطانِ في وُجُودِهِ ولا في عَدَمِهِ أثَرٌ. قالَ القاضِي: والمُرادُ بِالنِّسْيانِ أنْ يَشْتَغِلَ قَلْبُ الإنْسانِ بِوَساوِسِهِ الَّتِي هي مِن فِعْلِهِ دُونَ النِّسْيانِ الَّذِي يُضادُّ الذِّكْرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلٌ مِنَ الهاءِ في أنْسانِيهِ؛ أيْ: وما أنْسانِي ذِكْرَهُ إلّا الشَّيْطانُ، ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: عَجَبًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ اتِّخاذًا عَجَبًا، ووَجْهُ كَوْنِهِ عَجَبًا انْقِلابُهُ مِنَ المِكْتَلِ وصَيْرُورَتُهُ حَيًّا وإلْقاءُ نَفْسِهِ في البَحْرِ عَلى غَفْلَةِ مِنهُما. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الماءَ عَلَيْهِ كالطّاقِ وكالسِّرْبِ. الثّالِثُ: قِيلَ: إنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: عَجَبًا، والمَقْصُودُ مِنهُ تَعَجُّبُهُ مِن تِلْكَ العَجِيبَةِ صفحة ١٢٦ الَّتِي رَآها ومِن نِسْيانِهِ لَها، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ عَجَبًا حِكايَةٌ لِتَعَجُّبِ مُوسى، وهو لَيْسَ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ قالَ مُوسى: ذَلِكَ الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ؛ لِأنَّهُ أمارَةُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ، وهو لِقاءُ الخَضِرِ، وقَوْلُهُ: (نَبْغِ) أصْلُهُ نَبْغِي، فَحُذِفَتِ الياءُ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْهِ، وكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ؛ لِأنَّهم إنَّما يَحْذِفُونَ الياءَ في الأسْماءِ وهَذا فِعْلٌ إلّا أنَّهُ قَدْ يَجُوزُ عَلى ضَعْفِ القِياسِ حَذْفُها؛ لِأنَّها تُحْذَفُ مَعَ السّاكِنِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَها، كَقَوْلِكَ: ما نَبْغِي اليَوْمَ ؟ فَلَمّا حُذِفَتْ مَعَ السّاكِنِ حُذِفَتْ أيْضًا مَعَ غَيْرِ السّاكِنِ، ثُمَّ قالَ: (فارْتَدّا عَلى آثارِهِما) أيْ فَرَجَعا، وقَوْلُهُ: ﴿قَصَصًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ رَجَعا عَلى آثارِهِما مُقْتَصِّينَ آثارَهُما. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِقَوْلِهِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما؛ لِأنَّ مَعْناهُ فاقْتَصّا عَلى آثارِهِما، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّهُما لَمّا عَرَفا أنَّهُما تَجاوَزا عَنِ المَوْضِعِ الَّذِي يَسْكُنُ فِيهِ ذَلِكَ العالِمُ رَجَعا وعادا إلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الكهف 18:63

صفحة ١٢٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا ابْتِداءُ قِصَّةٍ ثالِثَةٍ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ وهي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ العِلْمَ، وهَذا وإنْ كانَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا في نَفْسِهِ إلّا أنَّهُ يُعِينُ عَلى ما هو المَقْصُودُ في القِصَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، أمّا نَفْعُ هَذِهِ القِصَّةِ في الرَّدِّ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأنْصارِ، فَهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَثْرَةِ عِلْمِهِ وعَمَلِهِ وعُلُوِّ مَنصِبِهِ واسْتِجْماعِ مُوجِباتِ الشَّرَفِ التّامِّ في حَقِّهِ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ لِطَلَبِ العِلْمِ وتَواضَعَ لَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّواضُعَ خَيْرٌ مِنَ التَّكَبُّرِ، وأمّا نَفْعُ هَذِهِ القِصَّةِ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَهو أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِكُفّارِ مَكَّةَ: إنْ أخْبَرَكم مُحَمَّدٌ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ، فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والوَقائِعِ، كَما أنَّ كَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَمْنَعْ مِن أمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يَذْهَبَ إلى الخَضِرِ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ، فَظَهَرَ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، ومَعَ ذَلِكَ فَهي نافِعَةٌ في تَقْرِيرِ المَقْصُودِ في القِصَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ صاحِبُ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ وصاحِبُ التَّوْراةِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا ابْنَ امْرَأةِ كَعْبٍ يَزْعُمُ أنَّ الخَضِرَ لَيْسَ صاحِبَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وإنَّما هو صاحِبُ مُوسى بْنِ مِيشا بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: هو كانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدانِ أفْرائِيمُ ومِيشا، فَوَلَدَ أفْرائِيمُ نُونًا ووَلَدَ نُونٌ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، وهو صاحِبُ مُوسى ووَلِيُّ عَهْدِهِ بَعْدَ وفاتِهِ، وأمّا ولَدُ مِيشا، فَقِيلَ: إنَّهُ جاءَتْهُ النُّبُوَّةُ قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، ويَزْعُمُ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّهُ هو الَّذِي طَلَبَ هَذا العِلْمَ لِيَتَعَلَّمَ، والخَضِرُ هو الَّذِي خَرَقَ السَّفِينَةَ، وقَتَلَ الغُلامَ، وأقامَ الجِدارَ، ومُوسى بْنُ مِيشا مَعَهُ، هَذا هو قَوْلُ جُمْهُورِ اليَهُودِ، واحْتَجَّ القَفّالُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا: إنَّ مُوسى هَذا هو صاحِبُ التَّوْراةِ، قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما ذَكَرَ مُوسى في كِتابِهِ إلّا وأرادَ بِهِ صاحِبَ التَّوْراةِ، فَإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ يُوجِبُ الِانْصِرافَ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ المُرادُ شَخْصًا آخَرَ مُسَمًّى بِمُوسى غَيْرَهُ لَوَجَبَ تَعْرِيفُهُ بِصِفَةٍ تُوجِبُ الِامْتِيازَ وإزالَةَ الشُّبْهَةِ، كَما أنَّهُ لَمّا كانَ المَشْهُورُ في العُرْفِ مِن أبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هو الرَّجُلَ المُعَيَّنَ، فَلَوْ ذَكَرْنا هَذا الِاسْمَ وأرَدْنا بِهِ رَجُلًا سِواهُ لَقَيَّدْناهُ مِثْلَ أنْ نَقُولَ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ، وحُجَّةُ الَّذِينَ قالُوا: مُوسى هَذا غَيْرُ صاحِبِ التَّوْراةِ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَيْهِ وكَلَّمَهُ بِلا واسِطَةٍ، وحَجَّ خَصْمَهُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُها لِأكْثَرِ أكابِرِ الأنْبِياءِ يَبْعُدُ أنْ صفحة ١٢٣ يَبْعَثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَعَلُّمِ الِاسْتِفادَةِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ العالِمَ الكامِلَ في أكْثَرِ العُلُومِ يَجْهَلُ بَعْضَ الأشْياءِ، فَيَحْتاجُ في تَعَلُّمِها إلى مَن دُونَهُ، وهَذا أمْرٌ مُتَعارَفٌ مَعْلُومٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في فَتى مُوسى، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. ورَوى القَفّالُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَقُولُ: «فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ» . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ فَتى مُوسى أخُو يُوشَعَ وكانَ صاحِبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا السَّفَرِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: رَوى عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ﴾ قالَ: يَعْنِي عَبْدَهُ، قالَ القَفّالُ: واللُّغَةُ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: ”«لا يَقُولَنَّ أحَدُكم عَبْدِي وأمَتِي، ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتاتِي» “، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ العَبْدَ فَتًى والأمَةَ فَتاةً. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُعْطِيَ الألْواحَ وكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: مَنِ الَّذِي أفْضَلُ مِنِّي وأعْلَمُ ؟ فَقِيلَ: عَبْدٌ لِلَّهِ يَسْكُنُ جَزائِرَ البَحْرِ وهو الخَضِرُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما أُوتِيَ ظَنَّ أنَّهُ لا أحَدَ مِثْلُهُ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِساحِلِ البَحْرِ، قالَ: يا مُوسى انْظُرْ إلى هَذا الطَّيْرِ الصَّغِيرِ يَهْوِي إلى البَحْرِ يَضْرِبُ بِمِنقارِهِ فِيهِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ فَأنْتَ فِيما أُوتِيتَ مِنَ العِلْمِ دُونَ قَدْرِ ما يَحْمِلُ هَذا الطَّيْرُ بِمِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ، قالَ الأُصُولِيُّونَ: هَذِهِ الرِّوايَةُ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ يَجِبُ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ مَعْلُوماتِ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ مَعْلُوماتِ الخَلْقِ يَجِبُ كَوْنُها مُتَناهِيَةً، وكُلُّ قَدْرٍ مُتَناهٍ، فَإنَّ الزّائِدَ عَلَيْهِ مُمْكِنٌ فَلا مَرْتَبَةَ مِن مَراتِبِ العِلْمِ إلّا وفَوْقَها مَرْتَبَةٌ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وإذا كانَتْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ مَعْلُومَةً فَمِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا أنْ يَقْطَعَ العاقِلُ بِأنَّهُ لا أحَدَ أعْلَمُ مِنِّي لا سِيَّما مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ عِلْمِهِ الوافِرِ بِحَقائِقِ الأشْياءِ وشِدَّةِ بَراءَتِهِ عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ كالعُجْبِ والتِّيهِ والصَّلَفِ. والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ: أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ ؟ قالَ: الَّذِي يَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي، قالَ فَأيُّ عِبادِكَ أقَضى ؟ قالَ: الَّذِي يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَتَّبِعُ الهَوى، قالَ: فَأيُّ عِبادِكَ أعْلَمُ ؟ قالَ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلى هُدًى أوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ كانَ في عِبادِكَ مَن هو أعْلَمُ مِنِّي فادْلُلْنِي عَلَيْهِ، فَقالَ: أعْلَمُ مِنكَ الخَضِرُ، قالَ فَأيْنَ أطْلُبُهُ ؟ قالَ: عَلى السّاحِلِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، قالَ يا رَبِّ: كَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: تَأْخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُ فَقَدْتَهُ فَهو هُناكَ، فَقالَ لِفَتاهُ: إذا فَقَدْتَ الحُوتَ فَأخْبِرْنِي فَذَهَبا يَمْشِيانِ ورَقَدَ مُوسى، واضْطَرَبَ الحُوتُ، وطَفَرَ إلى البَحْرِ، فَلَمّا جاءَ وقْتُ الغَداءِ طَلَبَ مُوسى الحُوتَ، فَأخْبَرَهُ فَتاهَ بِوُقُوعِهِ في البَحْرِ، فَرَجَعَ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي طَفَرَ الحُوتُ فِيهِ إلى البَحْرِ، فَإذا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ فَعَرَّفَهُ نَفْسَهُ، فَقالَ: يا مُوسى أنا عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ أنا، فَلَمّا رَكِبا السَّفِينَةَ جاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِها فَنَقَرَ في الماءِ، فَقالَ الخَضِرُ: ما يَنْقُصُ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ مِقْدارَ ما أخَذَ هَذا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ، أقُولُ: نِسْبَةُ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي أخَذَهُ ذَلِكَ العُصْفُورُ مِن ذَلِكَ الماءِ إلى كُلِّيَّةِ ماءِ البَحْرِ نِسْبَةُ مُتَناهٍ إلى مُتَناهٍ، ونِسْبَةُ مَعْلُوماتِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى نِسْبَةُ مُتَناهٍ إلى غَيْرِ مُتَناهٍ، فَأيْنَ إحْدى النِّسْبَتَيْنِ مِن صفحة ١٢٤ الأُخْرى ؟ واللَّهُ العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، ونَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أبْرَحُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ قَوْلُهُ: ﴿لا أبْرَحُ﴾ لَيْسَ مَعْناهُ لا أزُولُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقْطَعْ أرْضًا، أقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الزَّوالَ عَنِ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِهِ والإعْراضِ عَنْهُ، يُقالُ: زالَ فُلانٌ عَنْ طَرِيقَتِهِ في الجُودِ أيْ تَرَكَها، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ بِمَعْنى لا أزُولُ عَنِ السَّيْرِ والذَّهابِ بِمَعْنى لا أتْرُكُ هَذا العَمَلَ وهَذا الفِعْلَ، وأقُولُ: المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّ قَوْلَهُ لا أبْرَحُ مَعْناهُ لا أزُولُ، والعَرَبُ تَقُولُ: لا أبْرَحُ ولا أزالُ ولا أنْفَكُّ ولا أفْتَأُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ القَفّالُ: وقالُوا: أصْلُ قَوْلِهِمْ: لا أبْرَحُ مِنَ البَراحِ، كَما أنَّ أصْلَ لا أزالُ: مِنَ الزَّوالِ، يُقالُ: زالَ يَزالُ ويَزُولُ كَما يُقالُ دامَ يَدامُ ويَدُومُ، وماتَ يَماتُ ويَمُوتُ، إلّا أنَّ المُسْتَعْمَلَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ يَزالُ، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ أيْ أُقِيمُ؛ لِأنَّ البَراحَ هو العَدَمُ، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ يَكُونُ عَدَمًا لِلْعَدَمِ فَيَكُونُ ثُبُوتًا، فَقَوْلُهُ: لا أزالُ ولا أبْرَحُ يُفِيدُ الدَّوامَ والثَّباتَ عَلى العَمَلِ؛ فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ قَوْلُهُ: لا أبْرَحُ بِمَعْنى لا أزالُ فَلا بُدَّ مِنَ الخَبَرِ، قُلْنا: حُذِفَ الخَبَرُ لِأنَّ الحالَ والكَلامَ يَدُلّانِ عَلَيْهِ، أمّا الحالُ فَلِأنَّها كانَتْ حالَ سَفَرٍ، وأمّا الكَلامُ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ تَسْتَدْعِي شَيْئًا هي غايَةٌ لَهُ فَيَكُونُ المَعْنى: لا أبْرَحُ أسِيرُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا أبْرَحُ مِمّا أنا عَلَيْهِ يَعْنِي ألْزَمُ المَسِيرَ والطَّلَبَ ولا أتْرُكُهُ ولا أُفارِقُهُ حَتّى أبْلُغَ، كَما تَقُولُ: لا أبْرَحُ المَكانَ، وأمّا مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ فَهو المَكانُ الَّذِي وُعِدَ فِيهِ مُوسى بِلِقاءِ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو مُلْتَقى بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، وقِيلَ غَيْرُهُ ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ هَذَيْنِ البَحْرَيْنِ، فَإنْ صَحَّ بِالخَبَرِ الصَّحِيحِ شَيْءٌ فَذاكَ وإلّا فالأوْلى السُّكُوتُ عَنْهُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: البَحْرانِ مُوسى والخَضِرُ لِأنَّهُما كانا بَحْرَيِ العِلْمِ، وقُرِئَ مِجْمَعَ بِكَسْرِ المِيمِ، ثُمَّ قالَ: (أوْ أمْضِيَ حُقُبًا) أيْ أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا، وقِيلَ: الحُقْبُ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقَدْ تَكَلَّمْنا في هَذا اللَّفْظِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ (النَّبَأِ: ٢٣) وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كانَ أعْلَمَ مُوسى حالَ هَذا العالِمِ، وما أعْلَمَهُ مَوْضِعَهُ بِعَيْنِهِ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لا أزالُ أمْضِي حَتّى يَجْتَمِعَ البَحْرانِ فَيَصِيرا بَحْرًا واحِدًا، أوْ أمْضِي دَهْرًا طَوِيلًا حَتّى أجِدَ هَذا العالِمَ، وهَذا إخْبارٌ مِن مُوسى بِأنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى تَحَمُّلِ التَّعَبِ الشَّدِيدِ والعَناءِ العَظِيمِ في السَّفَرِ؛ لِأجْلِ طَلَبِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُتَعَلِّمَ لَوْ سافَرَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لِطَلَبِ مَسْألَةٍ واحِدَةٍ لَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ والمَعْنى فانْطَلَقا إلى أنْ بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: بَيْنِهِما إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَجْمَعُ بَيْنِهِما أيْ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ، وهو كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى (قَوْلِ) مُوسى ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ فَحَقَّقَ اللَّهُ ما قالَهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى فَلَمّا بَلَغَ المَوْضِعَ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ مُوسى وصاحِبُهُ الَّذِي كانَ يَقْصِدُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ الَّذِي وقَعَ فِيهِ نِسْيانُ الحُوتِ هو المَوْضِعُ الَّذِي كانَ يَسْكُنُهُ الخَضِرُ أوْ يَسْكُنُ بِقُرْبِهِ؛ ولِأجْلِ هَذا المَعْنى لَمّا رَجَعَ مُوسى وفَتاهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الحُوتَ صارَ إلَيْهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ، والمُفَسِّرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّواياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ هَذا العالِمَ مَوْضِعُهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ إلّا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ انْقِلابَ الحُوتِ حَيًّا عَلامَةً عَلى مَسْكَنِهِ المُعَيَّنِ كَمَن يَطْلُبُ إنْسانًا فَيُقالُ لَهُ: إنَّ مَوْضِعَهُ مَحَلَّةُ كَذا مِنَ الرَّيِّ فَإذا انْتَهَيْتَ إلى المَحَلَّةِ، فَسَلْ فُلانًا عَنْ دارِهِ، وأيْنَما ذَهَبَ بِكَ فاتْبَعْهُ، فَإنَّكَ تَصِلْ إلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا قِيلَ لَهُ: إنَّ مَوْضِعَهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ، فَإذا وصَلْتَ إلَيْهِ رَأيْتَ الحُوتَ انْقَلَبَ حَيًّا وطَفَرَ إلى البَحْرِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَهُنالِكَ مَوْضِعُهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فاذْهَبْ عَلى مُوافَقَةِ ذَهابِ ذَلِكَ الحُوتِ فَإنَّكَ تَجِدُهُ. صفحة ١٢٥ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مُوسى وفَتاهُ لَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما طَفَرَتِ السَّمَكَةُ إلى البَحْرِ وسارَتْ وفي كَيْفِيَّةِ طَفْرِها رِواياتٌ أيْضًا، قِيلَ: إنَّ الفَتى كانَ يَغْسِلُ السَّمَكَةَ؛ لِأنَّها كانَتْ مُمَلَّحَةً فَطَفَرَتْ، وسارَتْ، وقِيلَ: إنَّ يُوشَعَ تَوَضَّأ في ذَلِكَ المَكانِ فانْتَضَحَ الماءُ عَلى الحُوتِ المالِحِ فَعاشَ ووَثَبَ في الماءِ، وقِيلَ: انْفَجَرَتْ هُناكَ عَيْنٌ مِنَ الجَنَّةِ ووَصَلَتْ قَطَراتٌ مِن تِلْكَ العَيْنِ إلى السَّمَكَةِ فَحَيِيَتْ، وطَفَرَتْ إلى البَحْرِ، فَهَذا هو الكَلامُ في صِفَةِ الحُوتِ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ أنَّهُما نَسِيا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ عَلى الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ، فَإنْ قِيلَ: انْقِلابُ السَّمَكَةِ المالِحَةِ حَيَّةً حالَةٌ عَجِيبَةٌ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ حُصُولَ هَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ دَلِيلًا عَلى الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ النِّسْيانِ في هَذا المَعْنى ؟ أجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنْ يُوشَعَ كانَ قَدْ شاهَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرًا، فَلَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ المُعْجِزَةِ عِنْدَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ، فَجازَ حُصُولُ النِّسْيانِ. وعِنْدِي فِيهِ جَوابٌ آخَرُ: وهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَعْظَمَ عِلْمَ نَفْسِهِ أزالَ اللَّهُ عَنْ قَلْبِ صاحِبِهِ هَذا العِلْمَ الضَّرُورِيَّ تَنْبِيهًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ العِلْمَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ وحِفْظِهِ عَلى القَلْبِ والخاطِرِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: سَرَبَ في البَحْرِ سَرَبًا إلّا أنَّهُ أُقِيمَ قَوْلُهُ: (فاتَّخَذَ) مُقامَ قَوْلِهِ: سَرَبَ، والسَّرَبُ هو الذَّهابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ (الرَّعْدِ: ١٠) . الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمْسَكَ إجْراءَ الماءِ عَلى البَحْرِ وجَعَلَهُ كالطّاقِ والكُوَّةِ حَتّى سَرى الحُوتُ فِيهِ، فَلَمّا جاوَزَ أيْ مُوسى وفَتاهُ المَوْعِدَ المُعَيَّنَ، وهو الوُصُولُ إلى الصَّخْرَةِ بِسَبَبِ النِّسْيانِ المَذْكُورِ، وذَهَبا كَثِيرًا وتَعِبا وجاعا: ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ﴾ الفَتى: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ الهَمْزَةُ في أرَأيْتَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، ورَأيْتَ عَلى مَعْناهُ الأصْلِيِّ، وقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ عَلى ما هو المُتَعارَفُ بَيْنَ النّاسِ، فَإنَّهُ إذا حَدَثَ لِأحَدِهِمْ أمْرٌ عَجِيبٌ، قالَ لِصاحِبِهِ: أرَأيْتَ ما حَدَثَ لِي ؟ كَذَلِكَ هَهُنا، كَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتَ ما وقَعَ لِي مِنهُ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ أرَأيْتَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا، والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذا الِاعْتِراضِ ما يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ والعِلَّةِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكَعْبِيُّ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ ذَلِكَ النِّسْيانَ وما أرادَهُ، وإلّا كانَتْ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى أوْجَبَ مِن إضافَتِهِ إلى الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَهُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِسَعْيِ الشَّيْطانِ في وُجُودِهِ ولا في عَدَمِهِ أثَرٌ. قالَ القاضِي: والمُرادُ بِالنِّسْيانِ أنْ يَشْتَغِلَ قَلْبُ الإنْسانِ بِوَساوِسِهِ الَّتِي هي مِن فِعْلِهِ دُونَ النِّسْيانِ الَّذِي يُضادُّ الذِّكْرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلٌ مِنَ الهاءِ في أنْسانِيهِ؛ أيْ: وما أنْسانِي ذِكْرَهُ إلّا الشَّيْطانُ، ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: عَجَبًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ اتِّخاذًا عَجَبًا، ووَجْهُ كَوْنِهِ عَجَبًا انْقِلابُهُ مِنَ المِكْتَلِ وصَيْرُورَتُهُ حَيًّا وإلْقاءُ نَفْسِهِ في البَحْرِ عَلى غَفْلَةِ مِنهُما. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الماءَ عَلَيْهِ كالطّاقِ وكالسِّرْبِ. الثّالِثُ: قِيلَ: إنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: عَجَبًا، والمَقْصُودُ مِنهُ تَعَجُّبُهُ مِن تِلْكَ العَجِيبَةِ صفحة ١٢٦ الَّتِي رَآها ومِن نِسْيانِهِ لَها، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ عَجَبًا حِكايَةٌ لِتَعَجُّبِ مُوسى، وهو لَيْسَ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ قالَ مُوسى: ذَلِكَ الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ؛ لِأنَّهُ أمارَةُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ، وهو لِقاءُ الخَضِرِ، وقَوْلُهُ: (نَبْغِ) أصْلُهُ نَبْغِي، فَحُذِفَتِ الياءُ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْهِ، وكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ؛ لِأنَّهم إنَّما يَحْذِفُونَ الياءَ في الأسْماءِ وهَذا فِعْلٌ إلّا أنَّهُ قَدْ يَجُوزُ عَلى ضَعْفِ القِياسِ حَذْفُها؛ لِأنَّها تُحْذَفُ مَعَ السّاكِنِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَها، كَقَوْلِكَ: ما نَبْغِي اليَوْمَ ؟ فَلَمّا حُذِفَتْ مَعَ السّاكِنِ حُذِفَتْ أيْضًا مَعَ غَيْرِ السّاكِنِ، ثُمَّ قالَ: (فارْتَدّا عَلى آثارِهِما) أيْ فَرَجَعا، وقَوْلُهُ: ﴿قَصَصًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ رَجَعا عَلى آثارِهِما مُقْتَصِّينَ آثارَهُما. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِقَوْلِهِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما؛ لِأنَّ مَعْناهُ فاقْتَصّا عَلى آثارِهِما، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّهُما لَمّا عَرَفا أنَّهُما تَجاوَزا عَنِ المَوْضِعِ الَّذِي يَسْكُنُ فِيهِ ذَلِكَ العالِمُ رَجَعا وعادا إلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الكهف 18:64

صفحة ١٢٢ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا ابْتِداءُ قِصَّةٍ ثالِثَةٍ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ وهي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ العِلْمَ، وهَذا وإنْ كانَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا في نَفْسِهِ إلّا أنَّهُ يُعِينُ عَلى ما هو المَقْصُودُ في القِصَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، أمّا نَفْعُ هَذِهِ القِصَّةِ في الرَّدِّ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأنْصارِ، فَهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَثْرَةِ عِلْمِهِ وعَمَلِهِ وعُلُوِّ مَنصِبِهِ واسْتِجْماعِ مُوجِباتِ الشَّرَفِ التّامِّ في حَقِّهِ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ لِطَلَبِ العِلْمِ وتَواضَعَ لَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّواضُعَ خَيْرٌ مِنَ التَّكَبُّرِ، وأمّا نَفْعُ هَذِهِ القِصَّةِ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَهو أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِكُفّارِ مَكَّةَ: إنْ أخْبَرَكم مُحَمَّدٌ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ، فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والوَقائِعِ، كَما أنَّ كَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَمْنَعْ مِن أمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يَذْهَبَ إلى الخَضِرِ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ، فَظَهَرَ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، ومَعَ ذَلِكَ فَهي نافِعَةٌ في تَقْرِيرِ المَقْصُودِ في القِصَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ صاحِبُ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ وصاحِبُ التَّوْراةِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا ابْنَ امْرَأةِ كَعْبٍ يَزْعُمُ أنَّ الخَضِرَ لَيْسَ صاحِبَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وإنَّما هو صاحِبُ مُوسى بْنِ مِيشا بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: هو كانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدانِ أفْرائِيمُ ومِيشا، فَوَلَدَ أفْرائِيمُ نُونًا ووَلَدَ نُونٌ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، وهو صاحِبُ مُوسى ووَلِيُّ عَهْدِهِ بَعْدَ وفاتِهِ، وأمّا ولَدُ مِيشا، فَقِيلَ: إنَّهُ جاءَتْهُ النُّبُوَّةُ قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، ويَزْعُمُ أهْلُ التَّوْراةِ أنَّهُ هو الَّذِي طَلَبَ هَذا العِلْمَ لِيَتَعَلَّمَ، والخَضِرُ هو الَّذِي خَرَقَ السَّفِينَةَ، وقَتَلَ الغُلامَ، وأقامَ الجِدارَ، ومُوسى بْنُ مِيشا مَعَهُ، هَذا هو قَوْلُ جُمْهُورِ اليَهُودِ، واحْتَجَّ القَفّالُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا: إنَّ مُوسى هَذا هو صاحِبُ التَّوْراةِ، قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما ذَكَرَ مُوسى في كِتابِهِ إلّا وأرادَ بِهِ صاحِبَ التَّوْراةِ، فَإطْلاقُ هَذا الِاسْمِ يُوجِبُ الِانْصِرافَ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ المُرادُ شَخْصًا آخَرَ مُسَمًّى بِمُوسى غَيْرَهُ لَوَجَبَ تَعْرِيفُهُ بِصِفَةٍ تُوجِبُ الِامْتِيازَ وإزالَةَ الشُّبْهَةِ، كَما أنَّهُ لَمّا كانَ المَشْهُورُ في العُرْفِ مِن أبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هو الرَّجُلَ المُعَيَّنَ، فَلَوْ ذَكَرْنا هَذا الِاسْمَ وأرَدْنا بِهِ رَجُلًا سِواهُ لَقَيَّدْناهُ مِثْلَ أنْ نَقُولَ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ، وحُجَّةُ الَّذِينَ قالُوا: مُوسى هَذا غَيْرُ صاحِبِ التَّوْراةِ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَيْهِ وكَلَّمَهُ بِلا واسِطَةٍ، وحَجَّ خَصْمَهُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُها لِأكْثَرِ أكابِرِ الأنْبِياءِ يَبْعُدُ أنْ صفحة ١٢٣ يَبْعَثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَعَلُّمِ الِاسْتِفادَةِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنَّ العالِمَ الكامِلَ في أكْثَرِ العُلُومِ يَجْهَلُ بَعْضَ الأشْياءِ، فَيَحْتاجُ في تَعَلُّمِها إلى مَن دُونَهُ، وهَذا أمْرٌ مُتَعارَفٌ مَعْلُومٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في فَتى مُوسى، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. ورَوى القَفّالُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَقُولُ: «فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ» . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ فَتى مُوسى أخُو يُوشَعَ وكانَ صاحِبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا السَّفَرِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: رَوى عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ﴾ قالَ: يَعْنِي عَبْدَهُ، قالَ القَفّالُ: واللُّغَةُ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: ”«لا يَقُولَنَّ أحَدُكم عَبْدِي وأمَتِي، ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتاتِي» “، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ العَبْدَ فَتًى والأمَةَ فَتاةً. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُعْطِيَ الألْواحَ وكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: مَنِ الَّذِي أفْضَلُ مِنِّي وأعْلَمُ ؟ فَقِيلَ: عَبْدٌ لِلَّهِ يَسْكُنُ جَزائِرَ البَحْرِ وهو الخَضِرُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما أُوتِيَ ظَنَّ أنَّهُ لا أحَدَ مِثْلُهُ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِساحِلِ البَحْرِ، قالَ: يا مُوسى انْظُرْ إلى هَذا الطَّيْرِ الصَّغِيرِ يَهْوِي إلى البَحْرِ يَضْرِبُ بِمِنقارِهِ فِيهِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ فَأنْتَ فِيما أُوتِيتَ مِنَ العِلْمِ دُونَ قَدْرِ ما يَحْمِلُ هَذا الطَّيْرُ بِمِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ، قالَ الأُصُولِيُّونَ: هَذِهِ الرِّوايَةُ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ يَجِبُ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ مَعْلُوماتِ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ مَعْلُوماتِ الخَلْقِ يَجِبُ كَوْنُها مُتَناهِيَةً، وكُلُّ قَدْرٍ مُتَناهٍ، فَإنَّ الزّائِدَ عَلَيْهِ مُمْكِنٌ فَلا مَرْتَبَةَ مِن مَراتِبِ العِلْمِ إلّا وفَوْقَها مَرْتَبَةٌ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وإذا كانَتْ هَذِهِ المُقَدِّماتُ مَعْلُومَةً فَمِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا أنْ يَقْطَعَ العاقِلُ بِأنَّهُ لا أحَدَ أعْلَمُ مِنِّي لا سِيَّما مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ عِلْمِهِ الوافِرِ بِحَقائِقِ الأشْياءِ وشِدَّةِ بَراءَتِهِ عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ كالعُجْبِ والتِّيهِ والصَّلَفِ. والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ: أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ ؟ قالَ: الَّذِي يَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي، قالَ فَأيُّ عِبادِكَ أقَضى ؟ قالَ: الَّذِي يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَتَّبِعُ الهَوى، قالَ: فَأيُّ عِبادِكَ أعْلَمُ ؟ قالَ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ النّاسِ إلى عِلْمِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلى هُدًى أوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ كانَ في عِبادِكَ مَن هو أعْلَمُ مِنِّي فادْلُلْنِي عَلَيْهِ، فَقالَ: أعْلَمُ مِنكَ الخَضِرُ، قالَ فَأيْنَ أطْلُبُهُ ؟ قالَ: عَلى السّاحِلِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، قالَ يا رَبِّ: كَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: تَأْخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُ فَقَدْتَهُ فَهو هُناكَ، فَقالَ لِفَتاهُ: إذا فَقَدْتَ الحُوتَ فَأخْبِرْنِي فَذَهَبا يَمْشِيانِ ورَقَدَ مُوسى، واضْطَرَبَ الحُوتُ، وطَفَرَ إلى البَحْرِ، فَلَمّا جاءَ وقْتُ الغَداءِ طَلَبَ مُوسى الحُوتَ، فَأخْبَرَهُ فَتاهَ بِوُقُوعِهِ في البَحْرِ، فَرَجَعَ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي طَفَرَ الحُوتُ فِيهِ إلى البَحْرِ، فَإذا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ فَعَرَّفَهُ نَفْسَهُ، فَقالَ: يا مُوسى أنا عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِي اللَّهُ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ أنا، فَلَمّا رَكِبا السَّفِينَةَ جاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِها فَنَقَرَ في الماءِ، فَقالَ الخَضِرُ: ما يَنْقُصُ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ مِقْدارَ ما أخَذَ هَذا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ، أقُولُ: نِسْبَةُ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي أخَذَهُ ذَلِكَ العُصْفُورُ مِن ذَلِكَ الماءِ إلى كُلِّيَّةِ ماءِ البَحْرِ نِسْبَةُ مُتَناهٍ إلى مُتَناهٍ، ونِسْبَةُ مَعْلُوماتِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى نِسْبَةُ مُتَناهٍ إلى غَيْرِ مُتَناهٍ، فَأيْنَ إحْدى النِّسْبَتَيْنِ مِن صفحة ١٢٤ الأُخْرى ؟ واللَّهُ العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، ونَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أبْرَحُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ قَوْلُهُ: ﴿لا أبْرَحُ﴾ لَيْسَ مَعْناهُ لا أزُولُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقْطَعْ أرْضًا، أقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الزَّوالَ عَنِ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِهِ والإعْراضِ عَنْهُ، يُقالُ: زالَ فُلانٌ عَنْ طَرِيقَتِهِ في الجُودِ أيْ تَرَكَها، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ بِمَعْنى لا أزُولُ عَنِ السَّيْرِ والذَّهابِ بِمَعْنى لا أتْرُكُ هَذا العَمَلَ وهَذا الفِعْلَ، وأقُولُ: المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّ قَوْلَهُ لا أبْرَحُ مَعْناهُ لا أزُولُ، والعَرَبُ تَقُولُ: لا أبْرَحُ ولا أزالُ ولا أنْفَكُّ ولا أفْتَأُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ القَفّالُ: وقالُوا: أصْلُ قَوْلِهِمْ: لا أبْرَحُ مِنَ البَراحِ، كَما أنَّ أصْلَ لا أزالُ: مِنَ الزَّوالِ، يُقالُ: زالَ يَزالُ ويَزُولُ كَما يُقالُ دامَ يَدامُ ويَدُومُ، وماتَ يَماتُ ويَمُوتُ، إلّا أنَّ المُسْتَعْمَلَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ يَزالُ، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ أيْ أُقِيمُ؛ لِأنَّ البَراحَ هو العَدَمُ، فَقَوْلُهُ: لا أبْرَحُ يَكُونُ عَدَمًا لِلْعَدَمِ فَيَكُونُ ثُبُوتًا، فَقَوْلُهُ: لا أزالُ ولا أبْرَحُ يُفِيدُ الدَّوامَ والثَّباتَ عَلى العَمَلِ؛ فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ قَوْلُهُ: لا أبْرَحُ بِمَعْنى لا أزالُ فَلا بُدَّ مِنَ الخَبَرِ، قُلْنا: حُذِفَ الخَبَرُ لِأنَّ الحالَ والكَلامَ يَدُلّانِ عَلَيْهِ، أمّا الحالُ فَلِأنَّها كانَتْ حالَ سَفَرٍ، وأمّا الكَلامُ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ تَسْتَدْعِي شَيْئًا هي غايَةٌ لَهُ فَيَكُونُ المَعْنى: لا أبْرَحُ أسِيرُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا أبْرَحُ مِمّا أنا عَلَيْهِ يَعْنِي ألْزَمُ المَسِيرَ والطَّلَبَ ولا أتْرُكُهُ ولا أُفارِقُهُ حَتّى أبْلُغَ، كَما تَقُولُ: لا أبْرَحُ المَكانَ، وأمّا مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ فَهو المَكانُ الَّذِي وُعِدَ فِيهِ مُوسى بِلِقاءِ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو مُلْتَقى بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، وقِيلَ غَيْرُهُ ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ هَذَيْنِ البَحْرَيْنِ، فَإنْ صَحَّ بِالخَبَرِ الصَّحِيحِ شَيْءٌ فَذاكَ وإلّا فالأوْلى السُّكُوتُ عَنْهُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: البَحْرانِ مُوسى والخَضِرُ لِأنَّهُما كانا بَحْرَيِ العِلْمِ، وقُرِئَ مِجْمَعَ بِكَسْرِ المِيمِ، ثُمَّ قالَ: (أوْ أمْضِيَ حُقُبًا) أيْ أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا، وقِيلَ: الحُقْبُ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقَدْ تَكَلَّمْنا في هَذا اللَّفْظِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ (النَّبَأِ: ٢٣) وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كانَ أعْلَمَ مُوسى حالَ هَذا العالِمِ، وما أعْلَمَهُ مَوْضِعَهُ بِعَيْنِهِ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لا أزالُ أمْضِي حَتّى يَجْتَمِعَ البَحْرانِ فَيَصِيرا بَحْرًا واحِدًا، أوْ أمْضِي دَهْرًا طَوِيلًا حَتّى أجِدَ هَذا العالِمَ، وهَذا إخْبارٌ مِن مُوسى بِأنَّهُ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى تَحَمُّلِ التَّعَبِ الشَّدِيدِ والعَناءِ العَظِيمِ في السَّفَرِ؛ لِأجْلِ طَلَبِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُتَعَلِّمَ لَوْ سافَرَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لِطَلَبِ مَسْألَةٍ واحِدَةٍ لَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ والمَعْنى فانْطَلَقا إلى أنْ بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: بَيْنِهِما إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: مَجْمَعُ بَيْنِهِما أيْ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ، وهو كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى (قَوْلِ) مُوسى ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ فَحَقَّقَ اللَّهُ ما قالَهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى فَلَمّا بَلَغَ المَوْضِعَ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ مُوسى وصاحِبُهُ الَّذِي كانَ يَقْصِدُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ الَّذِي وقَعَ فِيهِ نِسْيانُ الحُوتِ هو المَوْضِعُ الَّذِي كانَ يَسْكُنُهُ الخَضِرُ أوْ يَسْكُنُ بِقُرْبِهِ؛ ولِأجْلِ هَذا المَعْنى لَمّا رَجَعَ مُوسى وفَتاهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الحُوتَ صارَ إلَيْهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ، والمُفَسِّرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّواياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ هَذا العالِمَ مَوْضِعُهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ إلّا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ انْقِلابَ الحُوتِ حَيًّا عَلامَةً عَلى مَسْكَنِهِ المُعَيَّنِ كَمَن يَطْلُبُ إنْسانًا فَيُقالُ لَهُ: إنَّ مَوْضِعَهُ مَحَلَّةُ كَذا مِنَ الرَّيِّ فَإذا انْتَهَيْتَ إلى المَحَلَّةِ، فَسَلْ فُلانًا عَنْ دارِهِ، وأيْنَما ذَهَبَ بِكَ فاتْبَعْهُ، فَإنَّكَ تَصِلْ إلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا قِيلَ لَهُ: إنَّ مَوْضِعَهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ، فَإذا وصَلْتَ إلَيْهِ رَأيْتَ الحُوتَ انْقَلَبَ حَيًّا وطَفَرَ إلى البَحْرِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَهُنالِكَ مَوْضِعُهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فاذْهَبْ عَلى مُوافَقَةِ ذَهابِ ذَلِكَ الحُوتِ فَإنَّكَ تَجِدُهُ. صفحة ١٢٥ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مُوسى وفَتاهُ لَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما طَفَرَتِ السَّمَكَةُ إلى البَحْرِ وسارَتْ وفي كَيْفِيَّةِ طَفْرِها رِواياتٌ أيْضًا، قِيلَ: إنَّ الفَتى كانَ يَغْسِلُ السَّمَكَةَ؛ لِأنَّها كانَتْ مُمَلَّحَةً فَطَفَرَتْ، وسارَتْ، وقِيلَ: إنَّ يُوشَعَ تَوَضَّأ في ذَلِكَ المَكانِ فانْتَضَحَ الماءُ عَلى الحُوتِ المالِحِ فَعاشَ ووَثَبَ في الماءِ، وقِيلَ: انْفَجَرَتْ هُناكَ عَيْنٌ مِنَ الجَنَّةِ ووَصَلَتْ قَطَراتٌ مِن تِلْكَ العَيْنِ إلى السَّمَكَةِ فَحَيِيَتْ، وطَفَرَتْ إلى البَحْرِ، فَهَذا هو الكَلامُ في صِفَةِ الحُوتِ. البَحْثُ الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ أنَّهُما نَسِيا كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ عَلى الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ، فَإنْ قِيلَ: انْقِلابُ السَّمَكَةِ المالِحَةِ حَيَّةً حالَةٌ عَجِيبَةٌ، فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ حُصُولَ هَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ دَلِيلًا عَلى الوُصُولِ إلى المَطْلُوبِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ النِّسْيانِ في هَذا المَعْنى ؟ أجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنْ يُوشَعَ كانَ قَدْ شاهَدَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرًا، فَلَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ المُعْجِزَةِ عِنْدَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ، فَجازَ حُصُولُ النِّسْيانِ. وعِنْدِي فِيهِ جَوابٌ آخَرُ: وهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَعْظَمَ عِلْمَ نَفْسِهِ أزالَ اللَّهُ عَنْ قَلْبِ صاحِبِهِ هَذا العِلْمَ الضَّرُورِيَّ تَنْبِيهًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ العِلْمَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ وحِفْظِهِ عَلى القَلْبِ والخاطِرِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: سَرَبَ في البَحْرِ سَرَبًا إلّا أنَّهُ أُقِيمَ قَوْلُهُ: (فاتَّخَذَ) مُقامَ قَوْلِهِ: سَرَبَ، والسَّرَبُ هو الذَّهابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ (الرَّعْدِ: ١٠) . الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمْسَكَ إجْراءَ الماءِ عَلى البَحْرِ وجَعَلَهُ كالطّاقِ والكُوَّةِ حَتّى سَرى الحُوتُ فِيهِ، فَلَمّا جاوَزَ أيْ مُوسى وفَتاهُ المَوْعِدَ المُعَيَّنَ، وهو الوُصُولُ إلى الصَّخْرَةِ بِسَبَبِ النِّسْيانِ المَذْكُورِ، وذَهَبا كَثِيرًا وتَعِبا وجاعا: ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ﴾ الفَتى: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ الهَمْزَةُ في أرَأيْتَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، ورَأيْتَ عَلى مَعْناهُ الأصْلِيِّ، وقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ عَلى ما هو المُتَعارَفُ بَيْنَ النّاسِ، فَإنَّهُ إذا حَدَثَ لِأحَدِهِمْ أمْرٌ عَجِيبٌ، قالَ لِصاحِبِهِ: أرَأيْتَ ما حَدَثَ لِي ؟ كَذَلِكَ هَهُنا، كَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتَ ما وقَعَ لِي مِنهُ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ أرَأيْتَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا، والسَّبَبُ في وُقُوعِ هَذا الِاعْتِراضِ ما يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ والعِلَّةِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ الكَعْبِيُّ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ ذَلِكَ النِّسْيانَ وما أرادَهُ، وإلّا كانَتْ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى أوْجَبَ مِن إضافَتِهِ إلى الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَهُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِسَعْيِ الشَّيْطانِ في وُجُودِهِ ولا في عَدَمِهِ أثَرٌ. قالَ القاضِي: والمُرادُ بِالنِّسْيانِ أنْ يَشْتَغِلَ قَلْبُ الإنْسانِ بِوَساوِسِهِ الَّتِي هي مِن فِعْلِهِ دُونَ النِّسْيانِ الَّذِي يُضادُّ الذِّكْرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلٌ مِنَ الهاءِ في أنْسانِيهِ؛ أيْ: وما أنْسانِي ذِكْرَهُ إلّا الشَّيْطانُ، ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: عَجَبًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ اتِّخاذًا عَجَبًا، ووَجْهُ كَوْنِهِ عَجَبًا انْقِلابُهُ مِنَ المِكْتَلِ وصَيْرُورَتُهُ حَيًّا وإلْقاءُ نَفْسِهِ في البَحْرِ عَلى غَفْلَةِ مِنهُما. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الماءَ عَلَيْهِ كالطّاقِ وكالسِّرْبِ. الثّالِثُ: قِيلَ: إنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: عَجَبًا، والمَقْصُودُ مِنهُ تَعَجُّبُهُ مِن تِلْكَ العَجِيبَةِ صفحة ١٢٦ الَّتِي رَآها ومِن نِسْيانِهِ لَها، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ عَجَبًا حِكايَةٌ لِتَعَجُّبِ مُوسى، وهو لَيْسَ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ قالَ مُوسى: ذَلِكَ الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ؛ لِأنَّهُ أمارَةُ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ، وهو لِقاءُ الخَضِرِ، وقَوْلُهُ: (نَبْغِ) أصْلُهُ نَبْغِي، فَحُذِفَتِ الياءُ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْهِ، وكانَ القِياسُ أنْ لا يُحْذَفَ؛ لِأنَّهم إنَّما يَحْذِفُونَ الياءَ في الأسْماءِ وهَذا فِعْلٌ إلّا أنَّهُ قَدْ يَجُوزُ عَلى ضَعْفِ القِياسِ حَذْفُها؛ لِأنَّها تُحْذَفُ مَعَ السّاكِنِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَها، كَقَوْلِكَ: ما نَبْغِي اليَوْمَ ؟ فَلَمّا حُذِفَتْ مَعَ السّاكِنِ حُذِفَتْ أيْضًا مَعَ غَيْرِ السّاكِنِ، ثُمَّ قالَ: (فارْتَدّا عَلى آثارِهِما) أيْ فَرَجَعا، وقَوْلُهُ: ﴿قَصَصًا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ رَجَعا عَلى آثارِهِما مُقْتَصِّينَ آثارَهُما. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِقَوْلِهِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما؛ لِأنَّ مَعْناهُ فاقْتَصّا عَلى آثارِهِما، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّهُما لَمّا عَرَفا أنَّهُما تَجاوَزا عَنِ المَوْضِعِ الَّذِي يَسْكُنُ فِيهِ ذَلِكَ العالِمُ رَجَعا وعادا إلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الكهف 18:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فِي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ فِيهِ بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ ذَلِكَ العَبْدَ كانَ نَبِيًّا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ﴾ والرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٢) وقَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ (القَصَصِ: ٨٦) والمُرادُ مِن هَذِهِ الرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نُسَلِّمُ أنَّ النُّبُوَّةَ رَحْمَةٌ، أمّا لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ رَحْمَةٍ نُبُوَّةً. الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى عَلَّمَهُ لا بِواسِطَةِ تَعْلِيمِ مُعَلِّمٍ، ولا إرْشادِ مُرْشِدٍ، وكُلُّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ لا بِواسِطَةِ البَشَرِ وجَبَ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا يَعْلَمُ الأُمُورَ بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ تَحْصُلُ ابْتِداءً مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ. الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ والنَّبِيُّ لا يَتَّبِعُ غَيْرَ النَّبِيِّ في التَّعْلِيمِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ لا يَتَّبِعُ غَيْرَ النَّبِيِّ في العُلُومِ الَّتِي بِاعْتِبارِها صارَ نَبِيًّا، أمّا في غَيْرِ تِلْكَ العُلُومِ فَلا. صفحة ١٢٧ الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ ذَلِكَ العَبْدَ أظْهَرَ التَّرَفُّعَ عَلى مُوسى حَيْثُ قالَ لَهُ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ وأمّا مُوسى فَإنَّهُ أظْهَرَ التَّواضُعَ لَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العالِمَ كانَ فَوْقَ مُوسى، ومَن لا يَكُونُ نَبِيًّا لا يَكُونُ فَوْقَ النَّبِيِّ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرُ النَّبِيِّ فَوْقَ النَّبِيِّ في عُلُومٍ لا تَتَوَقَّفُ نُبُوَّتُهُ عَلَيْها، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَإنْ قالُوا: لِأنَّهُ يُوجِبُ التَّنْفِيرَ. قُلْنا: فَإرْسالُ مُوسى إلى التَّعَلُّمِ مِنهُ بَعْدَ إنْزالِ اللَّهِ عَلَيْهِ التَّوْراةَ وتَكْلِيمِهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ يُوجِبُ التَّنْفِيرَ، فَإنْ قالُوا: إنَّ هَذا لا يُوجِبُ التَّنْفِيرَ، فَكَذا القَوْلُ فِيما ذَكَرُوهُ. الحُجَّةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ الأصَمُّ عَلى نُبُوَّتِهِ بِقَوْلِهِ في أثْناءِ القِصَّةِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ ومَعْناهُ: فَعَلْتُهُ بِوَحْيِ اللَّهِ، وهو يَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ، وهَذا أيْضًا دَلِيلٌ ضَعِيفٌ، وضَعْفُهُ ظاهِرٌ. الحُجَّةُ السّادِسَةُ: ما رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا وصَلَ إلَيْهِ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ يا نَبِيَّ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن عَرَّفَكَ هَذا ؟ قالَ: الَّذِي بَعَثَكَ إلَيَّ، قالُوا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما عَرَفَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، والوَحْيُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ النُّبُوَّةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الكَراماتِ والإلْهاماتِ ؟ . البَحْثُ الثّانِي: قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ ذَلِكَ العَبْدَ هو الخَضِرُ، وقالُوا: إنَّما سُمِّيَ بِالخَضِرِ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَقِفُ مَوْقِفًا إلّا اخْضَرَّ ذَلِكَ المَوْضِعُ، قالَ الجُبّائِيُّ: قَدْ ظَهَرَتِ الرِّوايَةُ أنَّ الخَضِرَ إنَّما بُعِثَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّ صَحَّ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ هَذا العَبْدُ هو الخَضِرُ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هَذا العَبْدُ هو الخَضِرُ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الخَضِرُ أعْلى شَأْنًا مِن مُوسى صاحِبِ التَّوْراةِ؛ لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ الألْفاظَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ يَتَرَفَّعُ عَلى مُوسى، وكانَ مُوسى يُظْهِرُ التَّواضُعَ لَهُ إلّا أنَّ كَوْنَ الخَضِرِ أعْلى شَأْنًا مِن مُوسى غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الخَضِرَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ ما كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَقَدْ كانَ مِن أُمَّةِ مُوسى لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ (الشُّعَراءِ: ١٧) والأُمَّةُ لا تَكُونُ أعْلى حالًا مِنَ النَّبِيِّ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِن مُوسى لِقَوْلِهِ تَعالى لِبَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٤٧) وهَذِهِ الكَلِماتُ تُقَوِّي قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ مُوسى هَذا غَيْرُ مُوسى صاحِبِ التَّوْراةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ العُلُومَ حَصَلَتْ عِنْدَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، والصُّوفِيَّةُ سَمَّوُا العُلُومَ الحاصِلَةَ بِطَرِيقِ المُكاشَفاتِ العُلُومَ اللَّدُنِّيَّةَ، ولِلشَّيْخِ أبِي حامِدٍ الغَزالِيِّ رِسالَةٌ في إثْباتِ العُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ، وأقُولُ: تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: إذا أدْرَكْنا أمْرًا مِنَ الأُمُورِ وتَصَوَّرْنا حَقِيقَةً مِنَ الحَقائِقِ، فَإمّا أنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ وهو التَّصْدِيقُ أوْ لا نَحْكُمَ وهو التَّصَوُّرُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ نَظَرِيًّا حاصِلًا مِن غَيْرِ كَسْبٍ وطَلَبٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَسْبِيًّا، أمّا العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ فَهي تَحْصُلُ في النَّفْسِ والعَقْلِ مِن غَيْرِ كَسْبٍ وطَلَبٍ، مِثْلُ تَصَوُّرِنا الألَمَ واللَّذَّةَ، والوُجُودَ والعَدَمَ، ومِثْلُ تَصْدِيقِنا بِأنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ ولا يَرْتَفِعانِ، وأنَّ الواحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ. وأمّا العُلُومُ الكَسْبِيَّةُ فَهي الَّتِي لا تَكُونُ حاصِلَةً في جَوْهَرِ النَّفْسِ ابْتِداءً، بَلْ لا بُدَّ مِن طَرِيقٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اكْتِسابِ تِلْكَ العُلُومِ، وهَذا الطَّرِيقُ صفحة ١٢٨ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَتَكَلَّفَ الإنْسانُ تَرَكُّبَ تِلْكَ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ حَتّى يَتَوَصَّلَ بِتَرَكُّبِها إلى اسْتِعْلامِ المَجْهُولاتِ، وهَذا الطَّرِيقُ هو المُسَمّى بِالنَّظَرِ والتَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ والتَّرَوِّي والِاسْتِدْلالِ، وهَذا النَّوْعُ مِن تَحْصِيلِ العُلُومِ هو الطَّرِيقُ الَّذِي لا يَتِمُّ إلّا بِالجُهْدِ والطَّلَبِ. والنَّوْعُ الثّانِي: أنْ يَسْعى الإنْسانُ بِواسِطَةِ الرِّياضاتِ والمُجاهَداتِ في أنْ تَصِيرَ القُوى الحِسِّيَّةُ والخَيالِيَّةُ ضَعِيفَةً، فَإذا ضَعُفَتْ قَوِيَتِ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ، وأشْرَقَتِ الأنْوارُ الإلَهِيَّةُ في جَوْهَرِ العَقْلِ، وحَصَلَتِ المَعارِفُ وكَمُلَتِ العُلُومُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ سَعْيٍ وطَلَبٍ في التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ، وهَذا هو المُسَمّى بِالعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: جَواهِرُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ فَقَدْ تَكُونُ النَّفْسُ نَفْسًا مُشْرِقَةً نُورانِيَّةً إلَهِيَّةً عُلْوِيَّةً قَلِيلَةَ التَّعَلُّقِ بِالجَواذِبِ البَدَنِيَّةِ والنَّوازِعِ الجُسْمانِيَّةِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ أبَدًا شَدِيدَةَ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ الجَلايا القُدُسِيَّةِ والأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، فَلا جَرَمَ فاضَتْ عَلَيْها مِن عالَمِ الغَيْبِ تِلْكَ الأنْوارُ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ، وهَذا هو المُرادُ بِالعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وأمّا النَّفْسُ الَّتِي ما بَلَغَتْ في صَفاءِ الجَوْهَرِ وإشْراقِ العُنْصُرِ فَهي النَّفْسُ النّاقِصَةُ البَلِيدَةُ الَّتِي لا يُمْكِنُها تَحْصِيلُ المَعارِفِ والعُلُومِ إلّا بِمُتَوَسِّطٍ بَشَرِيٍّ يُحْتالُ في تَعْلِيمِهِ وتَعَلُّمِهِ، والقِسْمُ الأوَّلُ بِالنِّسْبَةِ إلى القِسْمِ الثّانِي كالشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأضْواءِ الجُزْئِيَّةِ، وكالبَحْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَداوِلِ الجُزْئِيَّةِ، وكالرُّوحِ الأعْظَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْواحِ الجُزْئِيَّةِ، فَهَذا تَنْبِيهٌ قَلِيلٌ عَلى هَذا المَأْخَذِ، ووَراءَهُ أسْرارٌ لا يُمْكِنُ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (رَشَدًا) بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- بِضَمِّ الرّاءِ والشِّينِ، والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ وتَسْكِينِ الشِّينِ، قالَ القَفّالُ: وهي لُغاتٌ في مَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: رُشْدٌ ورَشَدٌ مِثْلَ: نُكْرٌ ونَكْرٌ، كَما يُقالُ: سُقْمٌ وسَقَمٌ، وشُغْلٌ وشَغْلٌ، وبُخْلٌ وبَخَلٌ، وعُدْمٌ وعَدَمٌ، وقَوْلُهُ: ﴿رُشْدًا﴾ أيْ عِلْمًا ذا رُشْدٍ، قالَ القَفّالُ: قَوْلُهُ: ﴿رُشْدًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الرُّشْدُ راجِعًا إلى الخَضِرِ أيْ مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وأرْشَدَكَ بِهِ. والثّانِي: أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلى مُوسى، ويَكُونُ المَعْنى عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي وتُرْشِدَنِي مِمّا عُلِّمْتَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ راعى أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الأدَبِ واللُّطْفِ عِنْدَما أرادَ أنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ الخَضِرِ: فَأحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ تَبَعًا لَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ . وثانِيها: أنَّهُ اسْتَأْذَنَ في إثْباتِ هَذِهِ التَّبَعِيَّةِ، فَإنَّهُ قالَ: هَلْ تَأْذَنُ لِي أنْ أجْعَلَ نَفْسِي تَبَعًا لَكَ، وهَذِهُ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في التَّواضُعِ. وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ وهَذا إقْرارٌ لَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَلى أُسْتاذِهِ بِالعِلْمِ. ورابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ﴾ وصِيغَةُ مِن لِلتَّبْعِيضِ فَطَلَبَ مِنهُ تَعْلِيمَ بَعْضِ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، وهَذا أيْضًا مُشْعِرٌ بِالتَّواضُعِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: لا أطْلُبُ مِنكَ أنْ تَجْعَلَنِي مُساوِيًا في العِلْمِ لَكَ، بَلْ أطْلُبُ مِنكَ أنْ تُعْطِيَنِي جُزْأً مِن أجْزاءِ عِلْمِكَ، كَما يَطْلُبُ الفَقِيرُ مِنَ الغَنِيِّ أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ جُزْأً مِن أجْزاءِ مالِهِ. وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ﴾ اعْتِرافٌ بِأنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ ذَلِكَ العِلْمَ. وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رُشْدًا﴾ طَلَبٌ مِنهُ لِلْإرْشادِ والهِدايَةِ، والإرْشادُ هو الأمْرُ الَّذِي لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَحَصَلَتِ الغَوايَةُ والضَّلالُ. وسابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ أنْ يُعامِلَهُ بِمِثْلِ ما عامَلَهُ اللَّهُ بِهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ يَكُونُ إنْعامُكَ عَلَيَّ عِنْدَ هَذا التَّعْلِيمِ شَبِيهًا بِإنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ في هَذا صفحة ١٢٩ التَّعْلِيمِ ولِهَذا مِ ولِهَذا المَعْنى قِيلَ: أنا عَبْدُ مَن تَعَلَّمْتُ مِنهُ حَرْفًا. وثامِنُها: أنَّ المُتابَعَةَ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ لِأجْلِ كَوْنِهِ فِعْلًا لِذَلِكَ الغَيْرِ، فَإنّا إذا قُلْنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فاليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَنا كانُوا يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ؛ فَلا يَجِبُ كَوْنُنا مُتَّبِعِينَ لَهم في ذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ؛ لِأنّا لا نَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوها، بَلْ إنَّما نَقُولُها لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ ذِكْرُها، أمّا إذا أتَيْنا بِهَذِهِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلى مُوافَقَةِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّما أتَيْنا بِها لِأجْلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِها لا جَرَمَ كُنّا مُتابِعِينَ في فِعْلِ هَذِهِ الصَّلَواتِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَأْتِي بِمِثْلِ أفْعالِ ذَلِكَ الأُسْتاذِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِ ذَلِكَ الأُسْتاذِ آتِيًا بِها. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَعَلِّمَ يَجِبُ عَلَيْهِ في أوَّلِ الأمْرِ التَّسْلِيمُ وتَرْكُ المُنازَعَةِ والِاعْتِراضِ. وتاسِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أتَّبِعُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ مُتابَعَتِهِ مُطْلَقًا في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ. وعاشِرُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ أنَّ الخَضِرَ عَرَفَ أوَّلًا أنَّهُ نَبِيُّ بَنِي إسْرائِيلَ وأنَّهُ هو مُوسى صاحِبُ التَّوْراةِ وهو الرَّجُلُ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وخَصَّهُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الباهِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ هَذِهِ المَناصِبِ الرَّفِيعَةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ أتى بِهَذِهِ الأنْواعِ الكَثِيرَةِ مِنَ التَّواضُعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ آتِيًا في طَلَبِ العِلْمِ بِأعْظَمِ أنْواعِ المُبالَغَةِ، وهَذا هو اللّائِقُ بِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَتْ إحاطَتُهُ بِالعُلُومِ أكْثَرَ كانَ عِلْمُهُ بِما فِيها مِنَ البَهْجَةِ والسَّعادَةِ أكْثَرَ؛ فَكانَ طَلَبُهُ لَها أشَدَّ، وكانَ تَعْظِيمُهُ لِأرْبابِ العِلْمِ أكْمَلَ وأشَدَّ. والحادِي عَشَرَ: أنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ فَأثْبَتَ كَوْنَهُ تَبَعًا لَهُ أوَّلًا ثُمَّ طَلَبَ ثانِيًا أنْ يُعَلِّمَهُ، وهَذا مِنهُ ابْتِداءٌ بِالخِدْمَةِ ثُمَّ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ طَلَبَ مِنهُ التَّعْلِيمَ. والثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ فَلَمْ يَطْلُبْ عَلى تِلْكَ المُتابَعَةِ عَلى التَّعْلِيمِ شَيْئًا كَأنَّهُ قالَ: لا أطْلُبُ مِنكَ عَلى هَذِهِ المُتابَعَةِ المالَ والجاهَ ولا غَرَضَ لِي إلّا طَلَبُ العِلْمِ.