Lafzullah

Tafsir Al-Razi — طه 20:40 – طه 20:73

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. طه 20:40
  2. طه 20:41
  3. طه 20:42
  4. طه 20:43
  5. طه 20:44
  6. طه 20:45
  7. طه 20:46
  8. طه 20:47
  9. طه 20:48
  10. طه 20:49
  11. طه 20:50
  12. طه 20:51
  13. طه 20:52
  14. طه 20:53
  15. طه 20:54
  16. طه 20:55
  17. طه 20:56
  18. طه 20:57
  19. طه 20:58
  20. طه 20:59
  21. طه 20:60
  22. طه 20:61
  23. طه 20:62
  24. طه 20:63
  25. طه 20:64
  26. طه 20:65
  27. طه 20:66
  28. طه 20:67
  29. طه 20:68
  30. طه 20:69
  31. طه 20:70
  32. طه 20:71
  33. طه 20:72
  34. طه 20:73

طه 20:40

المِنَّةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ قالَ القَفّالُ: لِتُرى عَلى عَيْنِي أيْ عَلى وفْقِ إرادَتِي، ومَجازُ هَذا أنَّ مَن صَنَعَ لِإنْسانٍ شَيْئًا وهو حاضِرٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ صَنَعَهُ لَهُ كَما يُحِبُّ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَفْعَلَ ما يُخالِفُ غَرَضَهُ فَكَذا هَهُنا، وفي كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ العَيْنِ العِلْمُ أنْ تُرى عَلى عِلْمٍ مِنِّي، ولَمّا كانَ العالِمُ بِالشَّيْءِ يَحْرُسُهُ عَنِ الآفاتِ كَما أنَّ النّاظِرَ إلَيْهِ يَحْرُسُهُ عَنِ الآفاتِ أُطْلِقَ لَفْظُ العَيْنِ عَلى العِلْمِ لِاشْتِباهِهِما مِن هَذا الوَجْهِ. الثّانِي: المُرادُ مِنَ العَيْنِ الحِراسَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النّاظِرَ إلى الشَّيْءِ يَحْرُسُهُ عَمّا يُؤْذِيهِ، فالعَيْنُ كَأنَّها سَبَبُ الحِراسَةِ فَأطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ مَجازًا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] ويُقالُ: عَيْنُ اللَّهِ عَلَيْكَ إذا دَعا لَكَ بِالحِفْظِ والحِياطَةِ، قالَ القاضِي ظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ الحِفْظُ والحِياطَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾ فَصارَ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِحِياطَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ، بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ: الأوَّلُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ثَمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِأوَّلِ الكَلامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ وإذْ تَمْشِي أُخْتُكَ. وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صفحة ٤٨ ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي﴾ وذَكَرْنا مِثْلَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] . وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ مُقْحَمَةً أيْ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي لِتُصْنَعَ، وهَذا ضَعِيفٌ. الثّانِي: قُرِئَ ولِتُصْنَعَ بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِها، والجَزْمُ عَلى أنَّهُ أُمِرَ، وقُرِئَ ولِتَصْنَعَ بِفَتْحِ التّاءِ والنَّصْبِ أيْ ولِيَكُونَ عَمَلُكَ وتَصَرُّفَكَ عَلى عِلْمٍ مِنِّي. * * * المِنَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ العامِلَ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ ألْقَيْتُ أوْ تُصْنَعُ، يُرْوى أنَّهُ لَمّا فَشا الخَبَرُ بِمِصْرَ أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ أخَذُوا غُلامًا في النِّيلِ وكانَ لا يَرْتَضِعُ مِن ثَدْيِ كُلِّ امْرَأةٍ يُؤْتى بِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ المَراضِعَ غَيْرَ أُمِّهِ اضْطُرُّوا إلى تَتَبُّعِ النِّساءِ فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أُخْتُ مُوسى جاءَتْ إلَيْهِمْ مُتَنَكِّرَةً فَقالَتْ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ ثُمَّ جاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها فَرَجَعَ إلى أُمِّهِ بِما لَطَفَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن هَذا التَّدْبِيرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ أيْ رَدَدْناكَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣]، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] أيْ رُدُّونِي إلى الدُّنْيا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾، فالمُرادُ أنَّ المَقْصُودَ مِن رَدِّكَ إلَيْها حُصُولُ السُّرُورِ لَها وزَوالُ الحُزْنِ عَنْها، فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: كَيْ لا تَحْزَنَ وتَقَرَّ عَيْنُها كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُزْنِ حُصُولُ السُّرُورِ لَها، وأمّا لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ كانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ فَضْلًا؛ لِأنَّهُ مَتى حَصَلَ السُّرُورُ وجَبَ زَوالُ الغَمِّ لا مَحالَةَ، قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ تَقَرُّ عَيْنُها بِسَبَبِ وُصُولِكَ إلَيْها فَيَزُولُ عَنْها الحُزْنُ بِسَبَبِ عَدَمِ وُصُولِ لَبَنِ غَيْرِها إلى باطِنِكَ. والمِنَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ فالمُرادُ بِهِ: وقَتَلْتَ بَعْدَ كِبَرِكَ نَفْسًا، وهو الرَّجُلُ الَّذِي قَتَلَهُ خَطَأً بِأنْ وكَزَهُ حَيْثُ اسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلَيْهِ وكانَ قِبْطِيًّا فَحَصَلَ لَهُ الغَمُّ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن عِقابِ الدُّنْيا وهو اقْتِصاصُ فِرْعَوْنَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨] والآخَرُ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قَتَلَهُ لا بِأمْرِ اللَّهِ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَمَّيْنِ، أمّا مِن فِرْعَوْنَ فَحِينَ وفَّقَ لَهُ المُهاجَرَةَ إلى مَدْيَنَ، وأمّا مِن عِقابِ الآخِرَةِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى غَفَرَ لَهُ ذَلِكَ. المِنَّةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿فُتُونًا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالعُكُوفِ والجُلُوسِ، والمَعْنى وفَتَنّاكَ حَقًّا، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِمْ في تَأْكِيدِ الأخْبارِ بِالمَصادِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] . والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ فَتْنٍ أوْ فُتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبَدْرَةٍ أيْ فَتَنّاكَ ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَدَّدَ أنْواعَ مِنَنِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ . الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الفِتْنَةَ تَشْدِيدُ المِحْنَةِ، يُقالُ فُتِنَ فُلانٌ عَنْ دِينِهِ إذا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ المِحْنَةُ حَتّى رَجَعَ عَنْ دِينِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ ٣] وقالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فالزَّلْزَلَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ ومَسُّ البَأْساءِ والضَّرّاءِ هي الفِتْنَةُ والفُتُونُ، ولَمّا كانَ التَّشْدِيدُ في المِحْنَةِ مِمّا يُوجِبُ كَثْرَةَ الثَّوابِ لا جَرَمَ عَدَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ. وثانِيها: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ صفحة ٤٩ أيْ خَلَّصْناكَ تَخْلِيصًا مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ مِنَ الفِضَّةِ إذا أرَدْتَ تَخْلِيصَهُ، وسَألَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الفُتُونِ فَقالَ: نَسْتَأْنِفُ لَهُ نَهارًا يا ابْنَ جُبَيْرٍ. ثُمَّ لَمّا أصْبَحَ أخْذَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الآياتِ الوارِدَةَ في شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْتِداءِ أمْرِهِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ وقَتْلَهُ أوْلادَ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ قِصَّةَ إلْقاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في اليَمِّ، والتِقاطَ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ، وامْتِناعَهُ مِنَ الِارْتِضاعِ مِنَ الأجانِبِ، ثُمَّ قِصَّةَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ، ووَضْعَهُ الجَمْرَةَ في فِيهِ، ثُمَّ قِصَّةَ قَتْلِ القِبْطِيِّ، ثُمَّ هَرَبَهُ إلى مَدْيَنَ، وصَيْرُورَتَهُ أجِيرًا لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ عَوْدَهُ إلى مِصْرَ وأنَّهُ أخْطَأ الطَّرِيقَ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ، واسْتِئْناسَهُ بِالنّارِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وكانَ عِنْدَ تَمامِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها يَقُولُ هَذا مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ إطْلاقُ اسْمُ الفَتّانِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اشْتِقاقًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ والجَوابُ: لا؛ لِأنَّهُ صِفَةُ ذَمٍّ في العُرْفِ، وأسْماءُ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ لا سِيَّما فِيما يُوهِمُ ما لا يَنْبَغِي. * * * المِنَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ واعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى أهْلِ مَدْيَنَ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيهِمْ، أمّا مُدَّةُ اللُّبْثِ فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّها مَشْرُوحَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] وهي إمّا عَشَرَةٌ وإمّا ثَمانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] وقالَ وهْبٌ: لَبِثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانِيًا وعِشْرِينَ سَنَةً مِنها عَشْرُ سِنِينَ مَهْرُ امْرَأتِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَبِثَ عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ ولَيْسَ فِيها ما يَنْفِي الزِّيادَةَ عَلى العَشْرِ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ لُبْثَهُ في مَدْيَنَ مِنَ الفُتُونِ وكَذَلِكَ كانَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَمَّلَ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغُرْبَةِ مِحَنًا كَثِيرَةً، واحْتاجَ إلى أنْ آجَرَ نَفْسَهُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ في الكَلامِ لِأنَّهُ عَلى قَدَرِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ المَحْذُوفِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ سَبَقَ في قَضائِي وقَدَرِي أنْ أجْعَلَكَ رَسُولًا لِي في وقْتٍ مُعَيَّنٍ عَيَّنْتُهُ لِذَلِكَ فَما جِئْتَ إلّا عَلى ذَلِكَ القَدَرِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . وثانِيها: عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، وهو رَأْسُ أرْبَعِينَ سَنَةً. وثالِثُها: أنَّ القَدَرَ هو المَوْعِدُ فَإنْ ثَبَتَ أنَّهُ تَقَدَّمَ هَذا المَوْعِدَ صَحَّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، ولا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِاحْتِمالِ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا قَدْ عُيِّنُوا ذَلِكَ المَوْعِدَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجِيءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن جُمْلَةِ مِنَنِهِ عَلَيْهِ، قُلْنا: لِأنَّهُ لَوْلا تَوْفِيقُهُ لَهُ لَما تَهَيَّأ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. * * * المِنَّةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ والِاصْطِناعُ اتِّخاذُ الصَّنْعَةِ، وهي افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ. يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا أيِ اتَّخَذَهُ صَنِيعَهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَفْسِي﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ بَعْضُ المُلُوكِ لِجَوامِعِ خِصالٍ فِيهِ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ النّاسِ مَنزِلَةً إلَيْهِ وأشَدَّهم قُرْبًا مِنهُ. وثانِيها: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا كَلَّفَ عِبادَهُ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَلْطُفَ بِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ الألْطافِ ما لا يُعْلَمُ إلّا سَمْعًا فَلَوْ لَمْ يَصْطَنِعْهُ بِالرِّسالَةِ لَبَقِيَ في عُهْدَةِ الواجِبِ، فَصارَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كالنّائِبِ عَنْ رَبِّهِ في أداءِ ما وجَبَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَصَحَّ أنْ يَقُولَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾، قالَ القَفّالُ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ﴾ أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا إذا أحْسَنَ إلَيْهِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالُ: هَذا صَنِيعُ فُلانٍ وجَرِيحُ فُلانٍ، وقَوْلُهُ صفحة ٥٠ ﴿لِنَفْسِي﴾: أيْ لِأُصَرِّفَكَ في أوامِرِي لِئَلّا تَشْتَغِلَ بِغَيْرِ ما أمَرْتُكَ بِهِ وهو إقامَةُ حُجَّتِي وتَبْلِيغُ رِسالَتِي وأنْ تَكُونَ في حَرَكاتِكَ وسَكَناتِكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِغَيْرِكَ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ المِنَنَ الثَّمانِيَةَ في مُقابَلَةِ تِلْكَ الِالتِماساتِ الثَّمانِيَةِ رَتَّبَ عَلى ذِكْرِ ذَلِكَ أمْرًا ونَهْيًا، أمّا الأمْرُ فَهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعادَ الأمْرَ بِالأوَّلِ فَقالَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما لَهُ اصْطَنَعَهُ وهو الإبْلاغُ والأداءُ، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الباءُ هَهُنا بِمَعْنى مَعَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُما لَوْ ذَهَبا إلَيْهِ بِدُونِ آيَةٍ مَعَهُما لَمْ يَلْزَمْهُ الإيمانُ وذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الآياتِ المَذْكُورَةِ هَهُنا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها اليَدُ والعَصا لِأنَّهُما اللَّذانِ جَرى ذِكْرُهُما في هَذا المَوْضِعِ وفي سائِرِ المَواضِعِ الَّتِي اقْتَصَّ اللَّهُ تَعالى فِيها حَدِيثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ في شَيْءٍ مِنها أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ قَبْلَ مَجِيئِهِ إلى فِرْعَوْنَ ولا بَعْدَ مَجِيئِهِ حَتّى لَقِيَ فِرْعَوْنَ فالتَمَسَ مِنهُ آيَةً غَيْرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وقالَ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، [الأعراف: ١٠٨]، وقالَ: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، [القصص: ٣٢]، فَإذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ: كَيْفَ يُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ ؟ أجابُوا بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العَصا ما كانَتْ آيَةً واحِدَةً بَلْ كانَتْ آياتٍ فَإنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَوانًا آيَةٌ، ثُمَّ إنَّها في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] ثُمَّ كانَتْ تَعْظُمُ وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ كانَتْ تَصِيرُ ثُعْبانًا وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى. ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فِيها فَما كانَتْ تَضُرُّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى ثُمَّ كانَتْ تَنْقَلِبُ خَشَبَةً فَهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، وكَذَلِكَ اليَدُ فَإنَّ بَياضَها آيَةٌ وشُعاعَها آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ زَوالَهُما بَعْدَ حُصُولِهِما آيَةٌ أُخْرى فَصَحَّ أنَّهُما كانَتا آياتٍ كَثِيرَةً لا آيَتانِ. الثّانِي: هَبْ أنَّ العَصا أمْرٌ واحِدٌ لَكِنَّ فِيها آياتٍ كَثِيرَةً لِأنَّ انْقِلابَها حَيَّةٌ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ إلَهٍ قادِرٍ عَلى الكُلِّ عالِمٍ بِالكُلِّ حَكِيمٍ، ويَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَدُلُّ عَلى جَوازِ الحَشْرِ حَيْثُ انْقَلَبَ الجَمادُ حَيَوانًا فَهَذِهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَإذا وُصِفَ الشَّيْءُ الواحِدُ بِأنَّ فِيهِ آياتٌ، فالشَّيْئانِ أوْلى بِذَلِكَ. الثّالِثُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ عَلى ما عَرَفْتَ في أُصُولِ الفِقْهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (اذْهَبا بِآياتِي) مَعْناهُ أنِّي أُمِدُّكُما بِآياتِي وأُظْهِرُ عَلى أيْدِيكُما مِنَ الآياتِ ما تُزاحُ بِهِ العِلَلُ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فاذْهَبا فَإنَّ آياتِي مَعَكُما كَما يُقالُ: اذْهَبْ فَإنَّ جُنْدِي مَعَكَ أيْ أنِّي أمِدُّكَ بِهِمْ مَتى احْتَجْتَ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُ العَصا واليَدَ وحَلَّ عُقْدَةَ لِسانِهِ وذَلِكَ أيْضًا مُعْجِزٌ فَكانَتِ الآياتُ ثَلاثَةً هَذا هو شَرْحُ الأمْرِ، أمّا النَّهْيُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ الوَنْيُ الفُتُورُ والتَّقْصِيرُ وقُرِئَ ولا تِنِيا بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ لِلِاتِّباعِ، ثُمَّ قِيلَ فِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: المَعْنى لا تَنِيا بَلِ اتَّخِذا ذِكْرِيَ آلَةً لِتَحْصِيلِ المَقاصِدِ واعْتَقِدا أنَّ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ لا يَتَمَشّى لِأحَدٍ إلّا بِذِكْرِي، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ مَن ذَكَرَ جَلالَ اللَّهِ اسْتَحْقَرَ غَيْرَهُ فَلا يَخافُ أحَدًا؛ ولِأنَّ مَن ذَكَرَ جَلالَ اللَّهِ تَقْوى رُوحُهُ بِذَلِكَ الذِّكْرِ فَلا يَضْعُفُ في المَقْصُودِ، ولِأنَّ ذاكِرَ اللَّهِ تَعالى لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذاكِرًا لِإحْسانِهِ، وذاكِرُ صفحة ٥١ إحْسانِهِ لا يَفْتُرُ في أداءِ أوامِرِهِ. وثانِيها: المُرادُ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى كُلِّ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أعْظَمِها فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، وكَيْفِيَّةُ الذِّكْرِ هو أنْ يَذْكُرا لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرْضى مِنهم بِالكُفْرِ ويَذْكُرا لَهم أمْرَ الثَّوابِ والعِقابِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. ورابِعُها: أنْ يَذْكُرا لِفِرْعَوْنَ آلاءَ اللَّهِ ونَعْماءَهُ وأنْواعَ إحْسانِهِ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ قالَ القَفّالُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَأْمُورًا بِالذَّهابِ عَلى الِانْفِرادِ فَقِيلَ مَرَّةً أُخْرى اذْهَبا لِيَعْرِفا أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ يَشْتَغِلا بِذَلِكَ جَمِيعًا لا أنْ يَنْفَرِدَ بِهِ هارُونُ دُونَ مُوسى. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى كُلِّ النّاسِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وحْدَهُ. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ خِطابٌ مَعَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهَذا مُشْكِلٌ لِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا هُناكَ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ [طه: ٤٥] أجابَ القَفّالُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الكَلامَ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلّا أنَّهُ كانَ مَتْبُوعَ هارُونَ فَجُعِلَ الخِطابُ مَعَهُ خِطابًا مَعَ هارُونَ، وكَلامُ هارُونَ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ، فالخِطابُ في تِلْكَ الحالَةِ وإنْ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلّا أنَّهُ تَعالى أضافَهُ إلَيْهِما كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]، وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وحُكِيَ أنَّ القائِلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وحْدَهُ. وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ سَكَتَ حَتّى لَقِيَ أخاهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ . وثالِثُها: أنَّهُ حُكِيَ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وحَفْصَةَ: ”قالَ رَبَّنا إنَّنا نَخافُ“ أيْ قالَ مُوسى: أنا وأخِي نَخافُ فِرْعَوْنَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللِّينِ مَعَ الكافِرِ الجاحِدِ ؟ الجَوابُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ رَبّاهُ فِرْعَوْنُ فَأمَرَهُ أنْ يُخاطِبَهُ بِالرِّفْقِ رِعايَةً لِتِلْكَ الحُقُوقِ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى نِهايَةِ تَعْظِيمِ حَقِّ الأبَوَيْنِ. الثّانِي: أنَّ مِن عادَةِ الجَبابِرَةِ إذا غُلِّظَ لَهم في الوَعْظِ أنْ يَزْدادُوا عُتُوًّا وتَكَبُّرًا، والمَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ حُصُولُ النَّفْعِ لا حُصُولُ زِيادَةِ الضَّرَرِ فَلِهَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالرِّفْقِ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ اللَّيِّنُ. الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: ما حَكى اللَّهُ تَعالى بَعْضَهُ فَقالَ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩] وذَكَرَ أيْضًا في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧] . وثانِيها: أنْ تَعِداهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وثالِثُها: كَنِّياهُ وهو مِن ذَوِي الكُنى الثَّلاثِ أبُو العَبّاسِ وأبُو الوَلِيدِ وأبُو مُرَّةٍ. ورابِعُها: حُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ أطَعْتَنِي عُمِّرْتَ مِثْلَ ما عُمِّرْتَ فَإذا مِتَّ فَلَكَ الجَنَّةُ واعْتَرَضُوا عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ. أمّا الأوَّلُ: فَقِيلَ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لَصارَ ذَلِكَ كالإلْجاءِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ لا يَصِحُّ مَعَ التَّكْلِيفِ. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ خِطابَهُ بِالكُنْيَةِ أمْرٌ سَهْلٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ صفحة ٥٢ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ المُرادِ. وأمّا الثّالِثُ: فالِاعْتِراضُ عَلَيْهِ كَما في الأوَّلِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى كانَ شاكًّا في ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى وإنَّما المُرادُ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، عَلى أنْ تَكُونا راجِيَيْنِ لِأنْ يَتَذَكَّرَ هو أوْ يَخْشى. واعْلَمْ أنَّ أحْوالَ القَلْبِ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: الإصْرارُ عَلى الحَقِّ. وثانِيها: الإصْرارُ عَلى الباطِلِ. وثالِثُها: التَّوَقُّفُ في الأمْرَيْنِ، وأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مُصِرًّا عَلى الباطِلِ، وهَذا القِسْمُ أرْدَأُ الأقْسامِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فَيَرْجِعُ مِن إنْكارِهِ إلى الإقْرارِ بِالحَقِّ وإنْ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنَ الإنْكارِ إلى الإقْرارِ لَكِنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِهِ الخَوْفُ فَيَتْرُكُ الإنْكارَ، وإنْ كانَ لا يَنْتَقِلُ إلى الإقْرارِ فَإنَّ هَذا خَيْرٌ مِنَ الإصْرارِ عَلى الإنْكارِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لا يَعْلَمُ سِرَّهُ إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ قَطُّ كانَ إيمانُهُ ضِدًّا لِذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي يَمْتَنِعُ زَوالُهُ فَيَكُونُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِامْتِناعِ ذَلِكَ الإيمانِ، وإذا كانَ عالِمًا بِذَلِكَ فَكَيْفَ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ الرِّفْقِ وكَيْفَ بالَغَ في ذَلِكَ الأمْرِ بِتَلْطِيفِ دَعْوَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ اسْتِحالَةَ حُصُولِ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ يُنازِعُونَ في هَذا الِامْتِناعِ مِن غَيْرِ أنْ يَذْكُرُوا شُبْهَةً قادِحَةً في هَذا السُّؤالِ ولَكِنَّهم سَلَّمُوا أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ الإيمانُ وسَلَّمُوا أنَّ فِرْعَوْنَ لا يَسْتَفِيدُ بِبَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا اسْتِحْقاقَ العِقابِ، والرَّحِيمُ الكَرِيمُ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَدْفَعَ سِكِّينًا إلى مَن عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ يُمَزِّقُ بِها بَطْنَ نَفْسِهِ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي ما أرَدْتُ بِدَفْعِ السِّكِّينِ إلَيْهِ إلّا الإحْسانَ إلَيْهِ ؟ يا أخِي، العُقُولُ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ ولا سَبِيلَ فِيها إلّا التَّسْلِيمُ وتَرْكُ الِاعْتِراضِ والسُّكُوتُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، ويُرْوى عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ إنَّهُ لَمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقَسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ.

طه 20:41

المِنَّةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ قالَ القَفّالُ: لِتُرى عَلى عَيْنِي أيْ عَلى وفْقِ إرادَتِي، ومَجازُ هَذا أنَّ مَن صَنَعَ لِإنْسانٍ شَيْئًا وهو حاضِرٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ صَنَعَهُ لَهُ كَما يُحِبُّ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَفْعَلَ ما يُخالِفُ غَرَضَهُ فَكَذا هَهُنا، وفي كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ العَيْنِ العِلْمُ أنْ تُرى عَلى عِلْمٍ مِنِّي، ولَمّا كانَ العالِمُ بِالشَّيْءِ يَحْرُسُهُ عَنِ الآفاتِ كَما أنَّ النّاظِرَ إلَيْهِ يَحْرُسُهُ عَنِ الآفاتِ أُطْلِقَ لَفْظُ العَيْنِ عَلى العِلْمِ لِاشْتِباهِهِما مِن هَذا الوَجْهِ. الثّانِي: المُرادُ مِنَ العَيْنِ الحِراسَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النّاظِرَ إلى الشَّيْءِ يَحْرُسُهُ عَمّا يُؤْذِيهِ، فالعَيْنُ كَأنَّها سَبَبُ الحِراسَةِ فَأطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ مَجازًا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] ويُقالُ: عَيْنُ اللَّهِ عَلَيْكَ إذا دَعا لَكَ بِالحِفْظِ والحِياطَةِ، قالَ القاضِي ظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ الحِفْظُ والحِياطَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾ فَصارَ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِحِياطَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ، بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ: الأوَّلُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ثَمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِأوَّلِ الكَلامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ وإذْ تَمْشِي أُخْتُكَ. وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صفحة ٤٨ ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي﴾ وذَكَرْنا مِثْلَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] . وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ مُقْحَمَةً أيْ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي لِتُصْنَعَ، وهَذا ضَعِيفٌ. الثّانِي: قُرِئَ ولِتُصْنَعَ بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِها، والجَزْمُ عَلى أنَّهُ أُمِرَ، وقُرِئَ ولِتَصْنَعَ بِفَتْحِ التّاءِ والنَّصْبِ أيْ ولِيَكُونَ عَمَلُكَ وتَصَرُّفَكَ عَلى عِلْمٍ مِنِّي. * * * المِنَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ العامِلَ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ ألْقَيْتُ أوْ تُصْنَعُ، يُرْوى أنَّهُ لَمّا فَشا الخَبَرُ بِمِصْرَ أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ أخَذُوا غُلامًا في النِّيلِ وكانَ لا يَرْتَضِعُ مِن ثَدْيِ كُلِّ امْرَأةٍ يُؤْتى بِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ المَراضِعَ غَيْرَ أُمِّهِ اضْطُرُّوا إلى تَتَبُّعِ النِّساءِ فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أُخْتُ مُوسى جاءَتْ إلَيْهِمْ مُتَنَكِّرَةً فَقالَتْ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ ثُمَّ جاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها فَرَجَعَ إلى أُمِّهِ بِما لَطَفَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن هَذا التَّدْبِيرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ أيْ رَدَدْناكَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣]، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] أيْ رُدُّونِي إلى الدُّنْيا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾، فالمُرادُ أنَّ المَقْصُودَ مِن رَدِّكَ إلَيْها حُصُولُ السُّرُورِ لَها وزَوالُ الحُزْنِ عَنْها، فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: كَيْ لا تَحْزَنَ وتَقَرَّ عَيْنُها كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُزْنِ حُصُولُ السُّرُورِ لَها، وأمّا لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ كانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ فَضْلًا؛ لِأنَّهُ مَتى حَصَلَ السُّرُورُ وجَبَ زَوالُ الغَمِّ لا مَحالَةَ، قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ تَقَرُّ عَيْنُها بِسَبَبِ وُصُولِكَ إلَيْها فَيَزُولُ عَنْها الحُزْنُ بِسَبَبِ عَدَمِ وُصُولِ لَبَنِ غَيْرِها إلى باطِنِكَ. والمِنَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ فالمُرادُ بِهِ: وقَتَلْتَ بَعْدَ كِبَرِكَ نَفْسًا، وهو الرَّجُلُ الَّذِي قَتَلَهُ خَطَأً بِأنْ وكَزَهُ حَيْثُ اسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلَيْهِ وكانَ قِبْطِيًّا فَحَصَلَ لَهُ الغَمُّ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن عِقابِ الدُّنْيا وهو اقْتِصاصُ فِرْعَوْنَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨] والآخَرُ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قَتَلَهُ لا بِأمْرِ اللَّهِ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَمَّيْنِ، أمّا مِن فِرْعَوْنَ فَحِينَ وفَّقَ لَهُ المُهاجَرَةَ إلى مَدْيَنَ، وأمّا مِن عِقابِ الآخِرَةِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى غَفَرَ لَهُ ذَلِكَ. المِنَّةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿فُتُونًا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالعُكُوفِ والجُلُوسِ، والمَعْنى وفَتَنّاكَ حَقًّا، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِمْ في تَأْكِيدِ الأخْبارِ بِالمَصادِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] . والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ فَتْنٍ أوْ فُتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبَدْرَةٍ أيْ فَتَنّاكَ ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَدَّدَ أنْواعَ مِنَنِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ . الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الفِتْنَةَ تَشْدِيدُ المِحْنَةِ، يُقالُ فُتِنَ فُلانٌ عَنْ دِينِهِ إذا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ المِحْنَةُ حَتّى رَجَعَ عَنْ دِينِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ ٣] وقالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فالزَّلْزَلَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ ومَسُّ البَأْساءِ والضَّرّاءِ هي الفِتْنَةُ والفُتُونُ، ولَمّا كانَ التَّشْدِيدُ في المِحْنَةِ مِمّا يُوجِبُ كَثْرَةَ الثَّوابِ لا جَرَمَ عَدَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ. وثانِيها: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ صفحة ٤٩ أيْ خَلَّصْناكَ تَخْلِيصًا مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ مِنَ الفِضَّةِ إذا أرَدْتَ تَخْلِيصَهُ، وسَألَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الفُتُونِ فَقالَ: نَسْتَأْنِفُ لَهُ نَهارًا يا ابْنَ جُبَيْرٍ. ثُمَّ لَمّا أصْبَحَ أخْذَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الآياتِ الوارِدَةَ في شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْتِداءِ أمْرِهِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ وقَتْلَهُ أوْلادَ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ قِصَّةَ إلْقاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في اليَمِّ، والتِقاطَ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ، وامْتِناعَهُ مِنَ الِارْتِضاعِ مِنَ الأجانِبِ، ثُمَّ قِصَّةَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ، ووَضْعَهُ الجَمْرَةَ في فِيهِ، ثُمَّ قِصَّةَ قَتْلِ القِبْطِيِّ، ثُمَّ هَرَبَهُ إلى مَدْيَنَ، وصَيْرُورَتَهُ أجِيرًا لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ عَوْدَهُ إلى مِصْرَ وأنَّهُ أخْطَأ الطَّرِيقَ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ، واسْتِئْناسَهُ بِالنّارِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وكانَ عِنْدَ تَمامِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها يَقُولُ هَذا مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ إطْلاقُ اسْمُ الفَتّانِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اشْتِقاقًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ والجَوابُ: لا؛ لِأنَّهُ صِفَةُ ذَمٍّ في العُرْفِ، وأسْماءُ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ لا سِيَّما فِيما يُوهِمُ ما لا يَنْبَغِي. * * * المِنَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ واعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى أهْلِ مَدْيَنَ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيهِمْ، أمّا مُدَّةُ اللُّبْثِ فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّها مَشْرُوحَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] وهي إمّا عَشَرَةٌ وإمّا ثَمانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] وقالَ وهْبٌ: لَبِثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانِيًا وعِشْرِينَ سَنَةً مِنها عَشْرُ سِنِينَ مَهْرُ امْرَأتِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَبِثَ عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ ولَيْسَ فِيها ما يَنْفِي الزِّيادَةَ عَلى العَشْرِ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ لُبْثَهُ في مَدْيَنَ مِنَ الفُتُونِ وكَذَلِكَ كانَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَمَّلَ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغُرْبَةِ مِحَنًا كَثِيرَةً، واحْتاجَ إلى أنْ آجَرَ نَفْسَهُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ في الكَلامِ لِأنَّهُ عَلى قَدَرِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ المَحْذُوفِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ سَبَقَ في قَضائِي وقَدَرِي أنْ أجْعَلَكَ رَسُولًا لِي في وقْتٍ مُعَيَّنٍ عَيَّنْتُهُ لِذَلِكَ فَما جِئْتَ إلّا عَلى ذَلِكَ القَدَرِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . وثانِيها: عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، وهو رَأْسُ أرْبَعِينَ سَنَةً. وثالِثُها: أنَّ القَدَرَ هو المَوْعِدُ فَإنْ ثَبَتَ أنَّهُ تَقَدَّمَ هَذا المَوْعِدَ صَحَّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، ولا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِاحْتِمالِ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا قَدْ عُيِّنُوا ذَلِكَ المَوْعِدَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجِيءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن جُمْلَةِ مِنَنِهِ عَلَيْهِ، قُلْنا: لِأنَّهُ لَوْلا تَوْفِيقُهُ لَهُ لَما تَهَيَّأ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. * * * المِنَّةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ والِاصْطِناعُ اتِّخاذُ الصَّنْعَةِ، وهي افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ. يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا أيِ اتَّخَذَهُ صَنِيعَهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَفْسِي﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ بَعْضُ المُلُوكِ لِجَوامِعِ خِصالٍ فِيهِ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ النّاسِ مَنزِلَةً إلَيْهِ وأشَدَّهم قُرْبًا مِنهُ. وثانِيها: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا كَلَّفَ عِبادَهُ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَلْطُفَ بِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ الألْطافِ ما لا يُعْلَمُ إلّا سَمْعًا فَلَوْ لَمْ يَصْطَنِعْهُ بِالرِّسالَةِ لَبَقِيَ في عُهْدَةِ الواجِبِ، فَصارَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كالنّائِبِ عَنْ رَبِّهِ في أداءِ ما وجَبَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَصَحَّ أنْ يَقُولَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾، قالَ القَفّالُ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ﴾ أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا إذا أحْسَنَ إلَيْهِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالُ: هَذا صَنِيعُ فُلانٍ وجَرِيحُ فُلانٍ، وقَوْلُهُ صفحة ٥٠ ﴿لِنَفْسِي﴾: أيْ لِأُصَرِّفَكَ في أوامِرِي لِئَلّا تَشْتَغِلَ بِغَيْرِ ما أمَرْتُكَ بِهِ وهو إقامَةُ حُجَّتِي وتَبْلِيغُ رِسالَتِي وأنْ تَكُونَ في حَرَكاتِكَ وسَكَناتِكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِغَيْرِكَ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ المِنَنَ الثَّمانِيَةَ في مُقابَلَةِ تِلْكَ الِالتِماساتِ الثَّمانِيَةِ رَتَّبَ عَلى ذِكْرِ ذَلِكَ أمْرًا ونَهْيًا، أمّا الأمْرُ فَهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعادَ الأمْرَ بِالأوَّلِ فَقالَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما لَهُ اصْطَنَعَهُ وهو الإبْلاغُ والأداءُ، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الباءُ هَهُنا بِمَعْنى مَعَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُما لَوْ ذَهَبا إلَيْهِ بِدُونِ آيَةٍ مَعَهُما لَمْ يَلْزَمْهُ الإيمانُ وذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الآياتِ المَذْكُورَةِ هَهُنا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها اليَدُ والعَصا لِأنَّهُما اللَّذانِ جَرى ذِكْرُهُما في هَذا المَوْضِعِ وفي سائِرِ المَواضِعِ الَّتِي اقْتَصَّ اللَّهُ تَعالى فِيها حَدِيثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ في شَيْءٍ مِنها أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ قَبْلَ مَجِيئِهِ إلى فِرْعَوْنَ ولا بَعْدَ مَجِيئِهِ حَتّى لَقِيَ فِرْعَوْنَ فالتَمَسَ مِنهُ آيَةً غَيْرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وقالَ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، [الأعراف: ١٠٨]، وقالَ: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، [القصص: ٣٢]، فَإذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ: كَيْفَ يُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ ؟ أجابُوا بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العَصا ما كانَتْ آيَةً واحِدَةً بَلْ كانَتْ آياتٍ فَإنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَوانًا آيَةٌ، ثُمَّ إنَّها في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] ثُمَّ كانَتْ تَعْظُمُ وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ كانَتْ تَصِيرُ ثُعْبانًا وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى. ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فِيها فَما كانَتْ تَضُرُّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى ثُمَّ كانَتْ تَنْقَلِبُ خَشَبَةً فَهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، وكَذَلِكَ اليَدُ فَإنَّ بَياضَها آيَةٌ وشُعاعَها آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ زَوالَهُما بَعْدَ حُصُولِهِما آيَةٌ أُخْرى فَصَحَّ أنَّهُما كانَتا آياتٍ كَثِيرَةً لا آيَتانِ. الثّانِي: هَبْ أنَّ العَصا أمْرٌ واحِدٌ لَكِنَّ فِيها آياتٍ كَثِيرَةً لِأنَّ انْقِلابَها حَيَّةٌ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ إلَهٍ قادِرٍ عَلى الكُلِّ عالِمٍ بِالكُلِّ حَكِيمٍ، ويَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَدُلُّ عَلى جَوازِ الحَشْرِ حَيْثُ انْقَلَبَ الجَمادُ حَيَوانًا فَهَذِهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَإذا وُصِفَ الشَّيْءُ الواحِدُ بِأنَّ فِيهِ آياتٌ، فالشَّيْئانِ أوْلى بِذَلِكَ. الثّالِثُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ عَلى ما عَرَفْتَ في أُصُولِ الفِقْهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (اذْهَبا بِآياتِي) مَعْناهُ أنِّي أُمِدُّكُما بِآياتِي وأُظْهِرُ عَلى أيْدِيكُما مِنَ الآياتِ ما تُزاحُ بِهِ العِلَلُ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فاذْهَبا فَإنَّ آياتِي مَعَكُما كَما يُقالُ: اذْهَبْ فَإنَّ جُنْدِي مَعَكَ أيْ أنِّي أمِدُّكَ بِهِمْ مَتى احْتَجْتَ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُ العَصا واليَدَ وحَلَّ عُقْدَةَ لِسانِهِ وذَلِكَ أيْضًا مُعْجِزٌ فَكانَتِ الآياتُ ثَلاثَةً هَذا هو شَرْحُ الأمْرِ، أمّا النَّهْيُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ الوَنْيُ الفُتُورُ والتَّقْصِيرُ وقُرِئَ ولا تِنِيا بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ لِلِاتِّباعِ، ثُمَّ قِيلَ فِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: المَعْنى لا تَنِيا بَلِ اتَّخِذا ذِكْرِيَ آلَةً لِتَحْصِيلِ المَقاصِدِ واعْتَقِدا أنَّ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ لا يَتَمَشّى لِأحَدٍ إلّا بِذِكْرِي، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ مَن ذَكَرَ جَلالَ اللَّهِ اسْتَحْقَرَ غَيْرَهُ فَلا يَخافُ أحَدًا؛ ولِأنَّ مَن ذَكَرَ جَلالَ اللَّهِ تَقْوى رُوحُهُ بِذَلِكَ الذِّكْرِ فَلا يَضْعُفُ في المَقْصُودِ، ولِأنَّ ذاكِرَ اللَّهِ تَعالى لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذاكِرًا لِإحْسانِهِ، وذاكِرُ صفحة ٥١ إحْسانِهِ لا يَفْتُرُ في أداءِ أوامِرِهِ. وثانِيها: المُرادُ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى كُلِّ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أعْظَمِها فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، وكَيْفِيَّةُ الذِّكْرِ هو أنْ يَذْكُرا لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرْضى مِنهم بِالكُفْرِ ويَذْكُرا لَهم أمْرَ الثَّوابِ والعِقابِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. ورابِعُها: أنْ يَذْكُرا لِفِرْعَوْنَ آلاءَ اللَّهِ ونَعْماءَهُ وأنْواعَ إحْسانِهِ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ قالَ القَفّالُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَأْمُورًا بِالذَّهابِ عَلى الِانْفِرادِ فَقِيلَ مَرَّةً أُخْرى اذْهَبا لِيَعْرِفا أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ يَشْتَغِلا بِذَلِكَ جَمِيعًا لا أنْ يَنْفَرِدَ بِهِ هارُونُ دُونَ مُوسى. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى كُلِّ النّاسِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وحْدَهُ. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ خِطابٌ مَعَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهَذا مُشْكِلٌ لِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا هُناكَ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ [طه: ٤٥] أجابَ القَفّالُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الكَلامَ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلّا أنَّهُ كانَ مَتْبُوعَ هارُونَ فَجُعِلَ الخِطابُ مَعَهُ خِطابًا مَعَ هارُونَ، وكَلامُ هارُونَ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ، فالخِطابُ في تِلْكَ الحالَةِ وإنْ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلّا أنَّهُ تَعالى أضافَهُ إلَيْهِما كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]، وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وحُكِيَ أنَّ القائِلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وحْدَهُ. وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ سَكَتَ حَتّى لَقِيَ أخاهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ . وثالِثُها: أنَّهُ حُكِيَ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وحَفْصَةَ: ”قالَ رَبَّنا إنَّنا نَخافُ“ أيْ قالَ مُوسى: أنا وأخِي نَخافُ فِرْعَوْنَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللِّينِ مَعَ الكافِرِ الجاحِدِ ؟ الجَوابُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ رَبّاهُ فِرْعَوْنُ فَأمَرَهُ أنْ يُخاطِبَهُ بِالرِّفْقِ رِعايَةً لِتِلْكَ الحُقُوقِ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى نِهايَةِ تَعْظِيمِ حَقِّ الأبَوَيْنِ. الثّانِي: أنَّ مِن عادَةِ الجَبابِرَةِ إذا غُلِّظَ لَهم في الوَعْظِ أنْ يَزْدادُوا عُتُوًّا وتَكَبُّرًا، والمَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ حُصُولُ النَّفْعِ لا حُصُولُ زِيادَةِ الضَّرَرِ فَلِهَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالرِّفْقِ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ اللَّيِّنُ. الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: ما حَكى اللَّهُ تَعالى بَعْضَهُ فَقالَ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩] وذَكَرَ أيْضًا في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧] . وثانِيها: أنْ تَعِداهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وثالِثُها: كَنِّياهُ وهو مِن ذَوِي الكُنى الثَّلاثِ أبُو العَبّاسِ وأبُو الوَلِيدِ وأبُو مُرَّةٍ. ورابِعُها: حُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ أطَعْتَنِي عُمِّرْتَ مِثْلَ ما عُمِّرْتَ فَإذا مِتَّ فَلَكَ الجَنَّةُ واعْتَرَضُوا عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ. أمّا الأوَّلُ: فَقِيلَ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لَصارَ ذَلِكَ كالإلْجاءِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ لا يَصِحُّ مَعَ التَّكْلِيفِ. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ خِطابَهُ بِالكُنْيَةِ أمْرٌ سَهْلٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ صفحة ٥٢ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ المُرادِ. وأمّا الثّالِثُ: فالِاعْتِراضُ عَلَيْهِ كَما في الأوَّلِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى كانَ شاكًّا في ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى وإنَّما المُرادُ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، عَلى أنْ تَكُونا راجِيَيْنِ لِأنْ يَتَذَكَّرَ هو أوْ يَخْشى. واعْلَمْ أنَّ أحْوالَ القَلْبِ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: الإصْرارُ عَلى الحَقِّ. وثانِيها: الإصْرارُ عَلى الباطِلِ. وثالِثُها: التَّوَقُّفُ في الأمْرَيْنِ، وأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مُصِرًّا عَلى الباطِلِ، وهَذا القِسْمُ أرْدَأُ الأقْسامِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فَيَرْجِعُ مِن إنْكارِهِ إلى الإقْرارِ بِالحَقِّ وإنْ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنَ الإنْكارِ إلى الإقْرارِ لَكِنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِهِ الخَوْفُ فَيَتْرُكُ الإنْكارَ، وإنْ كانَ لا يَنْتَقِلُ إلى الإقْرارِ فَإنَّ هَذا خَيْرٌ مِنَ الإصْرارِ عَلى الإنْكارِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لا يَعْلَمُ سِرَّهُ إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ قَطُّ كانَ إيمانُهُ ضِدًّا لِذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي يَمْتَنِعُ زَوالُهُ فَيَكُونُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِامْتِناعِ ذَلِكَ الإيمانِ، وإذا كانَ عالِمًا بِذَلِكَ فَكَيْفَ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ الرِّفْقِ وكَيْفَ بالَغَ في ذَلِكَ الأمْرِ بِتَلْطِيفِ دَعْوَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ اسْتِحالَةَ حُصُولِ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ يُنازِعُونَ في هَذا الِامْتِناعِ مِن غَيْرِ أنْ يَذْكُرُوا شُبْهَةً قادِحَةً في هَذا السُّؤالِ ولَكِنَّهم سَلَّمُوا أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ الإيمانُ وسَلَّمُوا أنَّ فِرْعَوْنَ لا يَسْتَفِيدُ بِبَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا اسْتِحْقاقَ العِقابِ، والرَّحِيمُ الكَرِيمُ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَدْفَعَ سِكِّينًا إلى مَن عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ يُمَزِّقُ بِها بَطْنَ نَفْسِهِ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي ما أرَدْتُ بِدَفْعِ السِّكِّينِ إلَيْهِ إلّا الإحْسانَ إلَيْهِ ؟ يا أخِي، العُقُولُ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ ولا سَبِيلَ فِيها إلّا التَّسْلِيمُ وتَرْكُ الِاعْتِراضِ والسُّكُوتُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، ويُرْوى عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ إنَّهُ لَمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقَسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ.

طه 20:42

المِنَّةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ قالَ القَفّالُ: لِتُرى عَلى عَيْنِي أيْ عَلى وفْقِ إرادَتِي، ومَجازُ هَذا أنَّ مَن صَنَعَ لِإنْسانٍ شَيْئًا وهو حاضِرٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ صَنَعَهُ لَهُ كَما يُحِبُّ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَفْعَلَ ما يُخالِفُ غَرَضَهُ فَكَذا هَهُنا، وفي كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ العَيْنِ العِلْمُ أنْ تُرى عَلى عِلْمٍ مِنِّي، ولَمّا كانَ العالِمُ بِالشَّيْءِ يَحْرُسُهُ عَنِ الآفاتِ كَما أنَّ النّاظِرَ إلَيْهِ يَحْرُسُهُ عَنِ الآفاتِ أُطْلِقَ لَفْظُ العَيْنِ عَلى العِلْمِ لِاشْتِباهِهِما مِن هَذا الوَجْهِ. الثّانِي: المُرادُ مِنَ العَيْنِ الحِراسَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النّاظِرَ إلى الشَّيْءِ يَحْرُسُهُ عَمّا يُؤْذِيهِ، فالعَيْنُ كَأنَّها سَبَبُ الحِراسَةِ فَأطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ مَجازًا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] ويُقالُ: عَيْنُ اللَّهِ عَلَيْكَ إذا دَعا لَكَ بِالحِفْظِ والحِياطَةِ، قالَ القاضِي ظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ الحِفْظُ والحِياطَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾ فَصارَ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِحِياطَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ، بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ: الأوَّلُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ثَمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِأوَّلِ الكَلامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ وإذْ تَمْشِي أُخْتُكَ. وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صفحة ٤٨ ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي﴾ وذَكَرْنا مِثْلَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] . وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ مُقْحَمَةً أيْ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي لِتُصْنَعَ، وهَذا ضَعِيفٌ. الثّانِي: قُرِئَ ولِتُصْنَعَ بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِها، والجَزْمُ عَلى أنَّهُ أُمِرَ، وقُرِئَ ولِتَصْنَعَ بِفَتْحِ التّاءِ والنَّصْبِ أيْ ولِيَكُونَ عَمَلُكَ وتَصَرُّفَكَ عَلى عِلْمٍ مِنِّي. * * * المِنَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ العامِلَ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ ألْقَيْتُ أوْ تُصْنَعُ، يُرْوى أنَّهُ لَمّا فَشا الخَبَرُ بِمِصْرَ أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ أخَذُوا غُلامًا في النِّيلِ وكانَ لا يَرْتَضِعُ مِن ثَدْيِ كُلِّ امْرَأةٍ يُؤْتى بِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ المَراضِعَ غَيْرَ أُمِّهِ اضْطُرُّوا إلى تَتَبُّعِ النِّساءِ فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أُخْتُ مُوسى جاءَتْ إلَيْهِمْ مُتَنَكِّرَةً فَقالَتْ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ ثُمَّ جاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها فَرَجَعَ إلى أُمِّهِ بِما لَطَفَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن هَذا التَّدْبِيرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ أيْ رَدَدْناكَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣]، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] أيْ رُدُّونِي إلى الدُّنْيا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾، فالمُرادُ أنَّ المَقْصُودَ مِن رَدِّكَ إلَيْها حُصُولُ السُّرُورِ لَها وزَوالُ الحُزْنِ عَنْها، فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: كَيْ لا تَحْزَنَ وتَقَرَّ عَيْنُها كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُزْنِ حُصُولُ السُّرُورِ لَها، وأمّا لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ كانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ فَضْلًا؛ لِأنَّهُ مَتى حَصَلَ السُّرُورُ وجَبَ زَوالُ الغَمِّ لا مَحالَةَ، قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ تَقَرُّ عَيْنُها بِسَبَبِ وُصُولِكَ إلَيْها فَيَزُولُ عَنْها الحُزْنُ بِسَبَبِ عَدَمِ وُصُولِ لَبَنِ غَيْرِها إلى باطِنِكَ. والمِنَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ فالمُرادُ بِهِ: وقَتَلْتَ بَعْدَ كِبَرِكَ نَفْسًا، وهو الرَّجُلُ الَّذِي قَتَلَهُ خَطَأً بِأنْ وكَزَهُ حَيْثُ اسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلَيْهِ وكانَ قِبْطِيًّا فَحَصَلَ لَهُ الغَمُّ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن عِقابِ الدُّنْيا وهو اقْتِصاصُ فِرْعَوْنَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨] والآخَرُ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قَتَلَهُ لا بِأمْرِ اللَّهِ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَمَّيْنِ، أمّا مِن فِرْعَوْنَ فَحِينَ وفَّقَ لَهُ المُهاجَرَةَ إلى مَدْيَنَ، وأمّا مِن عِقابِ الآخِرَةِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى غَفَرَ لَهُ ذَلِكَ. المِنَّةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿فُتُونًا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالعُكُوفِ والجُلُوسِ، والمَعْنى وفَتَنّاكَ حَقًّا، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِمْ في تَأْكِيدِ الأخْبارِ بِالمَصادِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] . والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ فَتْنٍ أوْ فُتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبَدْرَةٍ أيْ فَتَنّاكَ ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَدَّدَ أنْواعَ مِنَنِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ . الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الفِتْنَةَ تَشْدِيدُ المِحْنَةِ، يُقالُ فُتِنَ فُلانٌ عَنْ دِينِهِ إذا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ المِحْنَةُ حَتّى رَجَعَ عَنْ دِينِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ ٣] وقالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فالزَّلْزَلَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ ومَسُّ البَأْساءِ والضَّرّاءِ هي الفِتْنَةُ والفُتُونُ، ولَمّا كانَ التَّشْدِيدُ في المِحْنَةِ مِمّا يُوجِبُ كَثْرَةَ الثَّوابِ لا جَرَمَ عَدَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ. وثانِيها: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ صفحة ٤٩ أيْ خَلَّصْناكَ تَخْلِيصًا مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ مِنَ الفِضَّةِ إذا أرَدْتَ تَخْلِيصَهُ، وسَألَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الفُتُونِ فَقالَ: نَسْتَأْنِفُ لَهُ نَهارًا يا ابْنَ جُبَيْرٍ. ثُمَّ لَمّا أصْبَحَ أخْذَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الآياتِ الوارِدَةَ في شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْتِداءِ أمْرِهِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ وقَتْلَهُ أوْلادَ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ قِصَّةَ إلْقاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في اليَمِّ، والتِقاطَ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ، وامْتِناعَهُ مِنَ الِارْتِضاعِ مِنَ الأجانِبِ، ثُمَّ قِصَّةَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ، ووَضْعَهُ الجَمْرَةَ في فِيهِ، ثُمَّ قِصَّةَ قَتْلِ القِبْطِيِّ، ثُمَّ هَرَبَهُ إلى مَدْيَنَ، وصَيْرُورَتَهُ أجِيرًا لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ عَوْدَهُ إلى مِصْرَ وأنَّهُ أخْطَأ الطَّرِيقَ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ، واسْتِئْناسَهُ بِالنّارِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وكانَ عِنْدَ تَمامِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها يَقُولُ هَذا مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ إطْلاقُ اسْمُ الفَتّانِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اشْتِقاقًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ والجَوابُ: لا؛ لِأنَّهُ صِفَةُ ذَمٍّ في العُرْفِ، وأسْماءُ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ لا سِيَّما فِيما يُوهِمُ ما لا يَنْبَغِي. * * * المِنَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ واعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى أهْلِ مَدْيَنَ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيهِمْ، أمّا مُدَّةُ اللُّبْثِ فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّها مَشْرُوحَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] وهي إمّا عَشَرَةٌ وإمّا ثَمانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] وقالَ وهْبٌ: لَبِثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانِيًا وعِشْرِينَ سَنَةً مِنها عَشْرُ سِنِينَ مَهْرُ امْرَأتِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَبِثَ عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ ولَيْسَ فِيها ما يَنْفِي الزِّيادَةَ عَلى العَشْرِ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ لُبْثَهُ في مَدْيَنَ مِنَ الفُتُونِ وكَذَلِكَ كانَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَمَّلَ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغُرْبَةِ مِحَنًا كَثِيرَةً، واحْتاجَ إلى أنْ آجَرَ نَفْسَهُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ في الكَلامِ لِأنَّهُ عَلى قَدَرِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ المَحْذُوفِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ سَبَقَ في قَضائِي وقَدَرِي أنْ أجْعَلَكَ رَسُولًا لِي في وقْتٍ مُعَيَّنٍ عَيَّنْتُهُ لِذَلِكَ فَما جِئْتَ إلّا عَلى ذَلِكَ القَدَرِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . وثانِيها: عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، وهو رَأْسُ أرْبَعِينَ سَنَةً. وثالِثُها: أنَّ القَدَرَ هو المَوْعِدُ فَإنْ ثَبَتَ أنَّهُ تَقَدَّمَ هَذا المَوْعِدَ صَحَّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، ولا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِاحْتِمالِ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا قَدْ عُيِّنُوا ذَلِكَ المَوْعِدَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجِيءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن جُمْلَةِ مِنَنِهِ عَلَيْهِ، قُلْنا: لِأنَّهُ لَوْلا تَوْفِيقُهُ لَهُ لَما تَهَيَّأ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. * * * المِنَّةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ والِاصْطِناعُ اتِّخاذُ الصَّنْعَةِ، وهي افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ. يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا أيِ اتَّخَذَهُ صَنِيعَهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَفْسِي﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ بَعْضُ المُلُوكِ لِجَوامِعِ خِصالٍ فِيهِ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ النّاسِ مَنزِلَةً إلَيْهِ وأشَدَّهم قُرْبًا مِنهُ. وثانِيها: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا كَلَّفَ عِبادَهُ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَلْطُفَ بِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ الألْطافِ ما لا يُعْلَمُ إلّا سَمْعًا فَلَوْ لَمْ يَصْطَنِعْهُ بِالرِّسالَةِ لَبَقِيَ في عُهْدَةِ الواجِبِ، فَصارَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كالنّائِبِ عَنْ رَبِّهِ في أداءِ ما وجَبَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَصَحَّ أنْ يَقُولَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾، قالَ القَفّالُ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ﴾ أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا إذا أحْسَنَ إلَيْهِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالُ: هَذا صَنِيعُ فُلانٍ وجَرِيحُ فُلانٍ، وقَوْلُهُ صفحة ٥٠ ﴿لِنَفْسِي﴾: أيْ لِأُصَرِّفَكَ في أوامِرِي لِئَلّا تَشْتَغِلَ بِغَيْرِ ما أمَرْتُكَ بِهِ وهو إقامَةُ حُجَّتِي وتَبْلِيغُ رِسالَتِي وأنْ تَكُونَ في حَرَكاتِكَ وسَكَناتِكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِغَيْرِكَ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ المِنَنَ الثَّمانِيَةَ في مُقابَلَةِ تِلْكَ الِالتِماساتِ الثَّمانِيَةِ رَتَّبَ عَلى ذِكْرِ ذَلِكَ أمْرًا ونَهْيًا، أمّا الأمْرُ فَهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعادَ الأمْرَ بِالأوَّلِ فَقالَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما لَهُ اصْطَنَعَهُ وهو الإبْلاغُ والأداءُ، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الباءُ هَهُنا بِمَعْنى مَعَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُما لَوْ ذَهَبا إلَيْهِ بِدُونِ آيَةٍ مَعَهُما لَمْ يَلْزَمْهُ الإيمانُ وذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الآياتِ المَذْكُورَةِ هَهُنا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها اليَدُ والعَصا لِأنَّهُما اللَّذانِ جَرى ذِكْرُهُما في هَذا المَوْضِعِ وفي سائِرِ المَواضِعِ الَّتِي اقْتَصَّ اللَّهُ تَعالى فِيها حَدِيثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ في شَيْءٍ مِنها أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ قَبْلَ مَجِيئِهِ إلى فِرْعَوْنَ ولا بَعْدَ مَجِيئِهِ حَتّى لَقِيَ فِرْعَوْنَ فالتَمَسَ مِنهُ آيَةً غَيْرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وقالَ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، [الأعراف: ١٠٨]، وقالَ: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، [القصص: ٣٢]، فَإذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ: كَيْفَ يُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ ؟ أجابُوا بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العَصا ما كانَتْ آيَةً واحِدَةً بَلْ كانَتْ آياتٍ فَإنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَوانًا آيَةٌ، ثُمَّ إنَّها في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] ثُمَّ كانَتْ تَعْظُمُ وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ كانَتْ تَصِيرُ ثُعْبانًا وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى. ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فِيها فَما كانَتْ تَضُرُّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى ثُمَّ كانَتْ تَنْقَلِبُ خَشَبَةً فَهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، وكَذَلِكَ اليَدُ فَإنَّ بَياضَها آيَةٌ وشُعاعَها آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ زَوالَهُما بَعْدَ حُصُولِهِما آيَةٌ أُخْرى فَصَحَّ أنَّهُما كانَتا آياتٍ كَثِيرَةً لا آيَتانِ. الثّانِي: هَبْ أنَّ العَصا أمْرٌ واحِدٌ لَكِنَّ فِيها آياتٍ كَثِيرَةً لِأنَّ انْقِلابَها حَيَّةٌ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ إلَهٍ قادِرٍ عَلى الكُلِّ عالِمٍ بِالكُلِّ حَكِيمٍ، ويَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَدُلُّ عَلى جَوازِ الحَشْرِ حَيْثُ انْقَلَبَ الجَمادُ حَيَوانًا فَهَذِهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَإذا وُصِفَ الشَّيْءُ الواحِدُ بِأنَّ فِيهِ آياتٌ، فالشَّيْئانِ أوْلى بِذَلِكَ. الثّالِثُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ عَلى ما عَرَفْتَ في أُصُولِ الفِقْهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (اذْهَبا بِآياتِي) مَعْناهُ أنِّي أُمِدُّكُما بِآياتِي وأُظْهِرُ عَلى أيْدِيكُما مِنَ الآياتِ ما تُزاحُ بِهِ العِلَلُ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فاذْهَبا فَإنَّ آياتِي مَعَكُما كَما يُقالُ: اذْهَبْ فَإنَّ جُنْدِي مَعَكَ أيْ أنِّي أمِدُّكَ بِهِمْ مَتى احْتَجْتَ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُ العَصا واليَدَ وحَلَّ عُقْدَةَ لِسانِهِ وذَلِكَ أيْضًا مُعْجِزٌ فَكانَتِ الآياتُ ثَلاثَةً هَذا هو شَرْحُ الأمْرِ، أمّا النَّهْيُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ الوَنْيُ الفُتُورُ والتَّقْصِيرُ وقُرِئَ ولا تِنِيا بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ لِلِاتِّباعِ، ثُمَّ قِيلَ فِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: المَعْنى لا تَنِيا بَلِ اتَّخِذا ذِكْرِيَ آلَةً لِتَحْصِيلِ المَقاصِدِ واعْتَقِدا أنَّ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ لا يَتَمَشّى لِأحَدٍ إلّا بِذِكْرِي، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ مَن ذَكَرَ جَلالَ اللَّهِ اسْتَحْقَرَ غَيْرَهُ فَلا يَخافُ أحَدًا؛ ولِأنَّ مَن ذَكَرَ جَلالَ اللَّهِ تَقْوى رُوحُهُ بِذَلِكَ الذِّكْرِ فَلا يَضْعُفُ في المَقْصُودِ، ولِأنَّ ذاكِرَ اللَّهِ تَعالى لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذاكِرًا لِإحْسانِهِ، وذاكِرُ صفحة ٥١ إحْسانِهِ لا يَفْتُرُ في أداءِ أوامِرِهِ. وثانِيها: المُرادُ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى كُلِّ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أعْظَمِها فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، وكَيْفِيَّةُ الذِّكْرِ هو أنْ يَذْكُرا لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرْضى مِنهم بِالكُفْرِ ويَذْكُرا لَهم أمْرَ الثَّوابِ والعِقابِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. ورابِعُها: أنْ يَذْكُرا لِفِرْعَوْنَ آلاءَ اللَّهِ ونَعْماءَهُ وأنْواعَ إحْسانِهِ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ قالَ القَفّالُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَأْمُورًا بِالذَّهابِ عَلى الِانْفِرادِ فَقِيلَ مَرَّةً أُخْرى اذْهَبا لِيَعْرِفا أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ يَشْتَغِلا بِذَلِكَ جَمِيعًا لا أنْ يَنْفَرِدَ بِهِ هارُونُ دُونَ مُوسى. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى كُلِّ النّاسِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وحْدَهُ. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ خِطابٌ مَعَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهَذا مُشْكِلٌ لِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا هُناكَ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ [طه: ٤٥] أجابَ القَفّالُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الكَلامَ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلّا أنَّهُ كانَ مَتْبُوعَ هارُونَ فَجُعِلَ الخِطابُ مَعَهُ خِطابًا مَعَ هارُونَ، وكَلامُ هارُونَ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ، فالخِطابُ في تِلْكَ الحالَةِ وإنْ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلّا أنَّهُ تَعالى أضافَهُ إلَيْهِما كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]، وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وحُكِيَ أنَّ القائِلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وحْدَهُ. وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ سَكَتَ حَتّى لَقِيَ أخاهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ . وثالِثُها: أنَّهُ حُكِيَ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وحَفْصَةَ: ”قالَ رَبَّنا إنَّنا نَخافُ“ أيْ قالَ مُوسى: أنا وأخِي نَخافُ فِرْعَوْنَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللِّينِ مَعَ الكافِرِ الجاحِدِ ؟ الجَوابُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ رَبّاهُ فِرْعَوْنُ فَأمَرَهُ أنْ يُخاطِبَهُ بِالرِّفْقِ رِعايَةً لِتِلْكَ الحُقُوقِ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى نِهايَةِ تَعْظِيمِ حَقِّ الأبَوَيْنِ. الثّانِي: أنَّ مِن عادَةِ الجَبابِرَةِ إذا غُلِّظَ لَهم في الوَعْظِ أنْ يَزْدادُوا عُتُوًّا وتَكَبُّرًا، والمَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ حُصُولُ النَّفْعِ لا حُصُولُ زِيادَةِ الضَّرَرِ فَلِهَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالرِّفْقِ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ اللَّيِّنُ. الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: ما حَكى اللَّهُ تَعالى بَعْضَهُ فَقالَ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩] وذَكَرَ أيْضًا في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧] . وثانِيها: أنْ تَعِداهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وثالِثُها: كَنِّياهُ وهو مِن ذَوِي الكُنى الثَّلاثِ أبُو العَبّاسِ وأبُو الوَلِيدِ وأبُو مُرَّةٍ. ورابِعُها: حُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ أطَعْتَنِي عُمِّرْتَ مِثْلَ ما عُمِّرْتَ فَإذا مِتَّ فَلَكَ الجَنَّةُ واعْتَرَضُوا عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ. أمّا الأوَّلُ: فَقِيلَ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لَصارَ ذَلِكَ كالإلْجاءِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ لا يَصِحُّ مَعَ التَّكْلِيفِ. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ خِطابَهُ بِالكُنْيَةِ أمْرٌ سَهْلٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ صفحة ٥٢ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ المُرادِ. وأمّا الثّالِثُ: فالِاعْتِراضُ عَلَيْهِ كَما في الأوَّلِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى كانَ شاكًّا في ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى وإنَّما المُرادُ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، عَلى أنْ تَكُونا راجِيَيْنِ لِأنْ يَتَذَكَّرَ هو أوْ يَخْشى. واعْلَمْ أنَّ أحْوالَ القَلْبِ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: الإصْرارُ عَلى الحَقِّ. وثانِيها: الإصْرارُ عَلى الباطِلِ. وثالِثُها: التَّوَقُّفُ في الأمْرَيْنِ، وأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مُصِرًّا عَلى الباطِلِ، وهَذا القِسْمُ أرْدَأُ الأقْسامِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فَيَرْجِعُ مِن إنْكارِهِ إلى الإقْرارِ بِالحَقِّ وإنْ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنَ الإنْكارِ إلى الإقْرارِ لَكِنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِهِ الخَوْفُ فَيَتْرُكُ الإنْكارَ، وإنْ كانَ لا يَنْتَقِلُ إلى الإقْرارِ فَإنَّ هَذا خَيْرٌ مِنَ الإصْرارِ عَلى الإنْكارِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لا يَعْلَمُ سِرَّهُ إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ قَطُّ كانَ إيمانُهُ ضِدًّا لِذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي يَمْتَنِعُ زَوالُهُ فَيَكُونُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِامْتِناعِ ذَلِكَ الإيمانِ، وإذا كانَ عالِمًا بِذَلِكَ فَكَيْفَ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ الرِّفْقِ وكَيْفَ بالَغَ في ذَلِكَ الأمْرِ بِتَلْطِيفِ دَعْوَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ اسْتِحالَةَ حُصُولِ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ يُنازِعُونَ في هَذا الِامْتِناعِ مِن غَيْرِ أنْ يَذْكُرُوا شُبْهَةً قادِحَةً في هَذا السُّؤالِ ولَكِنَّهم سَلَّمُوا أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ الإيمانُ وسَلَّمُوا أنَّ فِرْعَوْنَ لا يَسْتَفِيدُ بِبَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا اسْتِحْقاقَ العِقابِ، والرَّحِيمُ الكَرِيمُ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَدْفَعَ سِكِّينًا إلى مَن عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ يُمَزِّقُ بِها بَطْنَ نَفْسِهِ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي ما أرَدْتُ بِدَفْعِ السِّكِّينِ إلَيْهِ إلّا الإحْسانَ إلَيْهِ ؟ يا أخِي، العُقُولُ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ ولا سَبِيلَ فِيها إلّا التَّسْلِيمُ وتَرْكُ الِاعْتِراضِ والسُّكُوتُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، ويُرْوى عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ إنَّهُ لَمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقَسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ.

طه 20:43

المِنَّةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ قالَ القَفّالُ: لِتُرى عَلى عَيْنِي أيْ عَلى وفْقِ إرادَتِي، ومَجازُ هَذا أنَّ مَن صَنَعَ لِإنْسانٍ شَيْئًا وهو حاضِرٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ صَنَعَهُ لَهُ كَما يُحِبُّ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَفْعَلَ ما يُخالِفُ غَرَضَهُ فَكَذا هَهُنا، وفي كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ العَيْنِ العِلْمُ أنْ تُرى عَلى عِلْمٍ مِنِّي، ولَمّا كانَ العالِمُ بِالشَّيْءِ يَحْرُسُهُ عَنِ الآفاتِ كَما أنَّ النّاظِرَ إلَيْهِ يَحْرُسُهُ عَنِ الآفاتِ أُطْلِقَ لَفْظُ العَيْنِ عَلى العِلْمِ لِاشْتِباهِهِما مِن هَذا الوَجْهِ. الثّانِي: المُرادُ مِنَ العَيْنِ الحِراسَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النّاظِرَ إلى الشَّيْءِ يَحْرُسُهُ عَمّا يُؤْذِيهِ، فالعَيْنُ كَأنَّها سَبَبُ الحِراسَةِ فَأطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ مَجازًا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] ويُقالُ: عَيْنُ اللَّهِ عَلَيْكَ إذا دَعا لَكَ بِالحِفْظِ والحِياطَةِ، قالَ القاضِي ظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ الحِفْظُ والحِياطَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾ فَصارَ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِحِياطَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ، بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ: الأوَّلُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ثَمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِأوَّلِ الكَلامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ وإذْ تَمْشِي أُخْتُكَ. وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صفحة ٤٨ ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي﴾ وذَكَرْنا مِثْلَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] . وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ مُقْحَمَةً أيْ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي لِتُصْنَعَ، وهَذا ضَعِيفٌ. الثّانِي: قُرِئَ ولِتُصْنَعَ بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِها، والجَزْمُ عَلى أنَّهُ أُمِرَ، وقُرِئَ ولِتَصْنَعَ بِفَتْحِ التّاءِ والنَّصْبِ أيْ ولِيَكُونَ عَمَلُكَ وتَصَرُّفَكَ عَلى عِلْمٍ مِنِّي. * * * المِنَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ العامِلَ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ ألْقَيْتُ أوْ تُصْنَعُ، يُرْوى أنَّهُ لَمّا فَشا الخَبَرُ بِمِصْرَ أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ أخَذُوا غُلامًا في النِّيلِ وكانَ لا يَرْتَضِعُ مِن ثَدْيِ كُلِّ امْرَأةٍ يُؤْتى بِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ المَراضِعَ غَيْرَ أُمِّهِ اضْطُرُّوا إلى تَتَبُّعِ النِّساءِ فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أُخْتُ مُوسى جاءَتْ إلَيْهِمْ مُتَنَكِّرَةً فَقالَتْ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ ثُمَّ جاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها فَرَجَعَ إلى أُمِّهِ بِما لَطَفَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن هَذا التَّدْبِيرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ أيْ رَدَدْناكَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣]، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] أيْ رُدُّونِي إلى الدُّنْيا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾، فالمُرادُ أنَّ المَقْصُودَ مِن رَدِّكَ إلَيْها حُصُولُ السُّرُورِ لَها وزَوالُ الحُزْنِ عَنْها، فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: كَيْ لا تَحْزَنَ وتَقَرَّ عَيْنُها كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُزْنِ حُصُولُ السُّرُورِ لَها، وأمّا لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ كانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ فَضْلًا؛ لِأنَّهُ مَتى حَصَلَ السُّرُورُ وجَبَ زَوالُ الغَمِّ لا مَحالَةَ، قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ تَقَرُّ عَيْنُها بِسَبَبِ وُصُولِكَ إلَيْها فَيَزُولُ عَنْها الحُزْنُ بِسَبَبِ عَدَمِ وُصُولِ لَبَنِ غَيْرِها إلى باطِنِكَ. والمِنَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ فالمُرادُ بِهِ: وقَتَلْتَ بَعْدَ كِبَرِكَ نَفْسًا، وهو الرَّجُلُ الَّذِي قَتَلَهُ خَطَأً بِأنْ وكَزَهُ حَيْثُ اسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلَيْهِ وكانَ قِبْطِيًّا فَحَصَلَ لَهُ الغَمُّ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن عِقابِ الدُّنْيا وهو اقْتِصاصُ فِرْعَوْنَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨] والآخَرُ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قَتَلَهُ لا بِأمْرِ اللَّهِ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَمَّيْنِ، أمّا مِن فِرْعَوْنَ فَحِينَ وفَّقَ لَهُ المُهاجَرَةَ إلى مَدْيَنَ، وأمّا مِن عِقابِ الآخِرَةِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى غَفَرَ لَهُ ذَلِكَ. المِنَّةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿فُتُونًا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالعُكُوفِ والجُلُوسِ، والمَعْنى وفَتَنّاكَ حَقًّا، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِمْ في تَأْكِيدِ الأخْبارِ بِالمَصادِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] . والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ فَتْنٍ أوْ فُتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبَدْرَةٍ أيْ فَتَنّاكَ ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَدَّدَ أنْواعَ مِنَنِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ . الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الفِتْنَةَ تَشْدِيدُ المِحْنَةِ، يُقالُ فُتِنَ فُلانٌ عَنْ دِينِهِ إذا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ المِحْنَةُ حَتّى رَجَعَ عَنْ دِينِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ ٣] وقالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فالزَّلْزَلَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ ومَسُّ البَأْساءِ والضَّرّاءِ هي الفِتْنَةُ والفُتُونُ، ولَمّا كانَ التَّشْدِيدُ في المِحْنَةِ مِمّا يُوجِبُ كَثْرَةَ الثَّوابِ لا جَرَمَ عَدَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ. وثانِيها: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ صفحة ٤٩ أيْ خَلَّصْناكَ تَخْلِيصًا مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ مِنَ الفِضَّةِ إذا أرَدْتَ تَخْلِيصَهُ، وسَألَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الفُتُونِ فَقالَ: نَسْتَأْنِفُ لَهُ نَهارًا يا ابْنَ جُبَيْرٍ. ثُمَّ لَمّا أصْبَحَ أخْذَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الآياتِ الوارِدَةَ في شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْتِداءِ أمْرِهِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ وقَتْلَهُ أوْلادَ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ قِصَّةَ إلْقاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في اليَمِّ، والتِقاطَ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ، وامْتِناعَهُ مِنَ الِارْتِضاعِ مِنَ الأجانِبِ، ثُمَّ قِصَّةَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ، ووَضْعَهُ الجَمْرَةَ في فِيهِ، ثُمَّ قِصَّةَ قَتْلِ القِبْطِيِّ، ثُمَّ هَرَبَهُ إلى مَدْيَنَ، وصَيْرُورَتَهُ أجِيرًا لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ عَوْدَهُ إلى مِصْرَ وأنَّهُ أخْطَأ الطَّرِيقَ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ، واسْتِئْناسَهُ بِالنّارِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وكانَ عِنْدَ تَمامِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها يَقُولُ هَذا مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ إطْلاقُ اسْمُ الفَتّانِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اشْتِقاقًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ والجَوابُ: لا؛ لِأنَّهُ صِفَةُ ذَمٍّ في العُرْفِ، وأسْماءُ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ لا سِيَّما فِيما يُوهِمُ ما لا يَنْبَغِي. * * * المِنَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ واعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى أهْلِ مَدْيَنَ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيهِمْ، أمّا مُدَّةُ اللُّبْثِ فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّها مَشْرُوحَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] وهي إمّا عَشَرَةٌ وإمّا ثَمانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] وقالَ وهْبٌ: لَبِثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانِيًا وعِشْرِينَ سَنَةً مِنها عَشْرُ سِنِينَ مَهْرُ امْرَأتِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَبِثَ عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ ولَيْسَ فِيها ما يَنْفِي الزِّيادَةَ عَلى العَشْرِ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ لُبْثَهُ في مَدْيَنَ مِنَ الفُتُونِ وكَذَلِكَ كانَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَمَّلَ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغُرْبَةِ مِحَنًا كَثِيرَةً، واحْتاجَ إلى أنْ آجَرَ نَفْسَهُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ في الكَلامِ لِأنَّهُ عَلى قَدَرِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ المَحْذُوفِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ سَبَقَ في قَضائِي وقَدَرِي أنْ أجْعَلَكَ رَسُولًا لِي في وقْتٍ مُعَيَّنٍ عَيَّنْتُهُ لِذَلِكَ فَما جِئْتَ إلّا عَلى ذَلِكَ القَدَرِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . وثانِيها: عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، وهو رَأْسُ أرْبَعِينَ سَنَةً. وثالِثُها: أنَّ القَدَرَ هو المَوْعِدُ فَإنْ ثَبَتَ أنَّهُ تَقَدَّمَ هَذا المَوْعِدَ صَحَّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، ولا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِاحْتِمالِ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا قَدْ عُيِّنُوا ذَلِكَ المَوْعِدَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجِيءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن جُمْلَةِ مِنَنِهِ عَلَيْهِ، قُلْنا: لِأنَّهُ لَوْلا تَوْفِيقُهُ لَهُ لَما تَهَيَّأ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. * * * المِنَّةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ والِاصْطِناعُ اتِّخاذُ الصَّنْعَةِ، وهي افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ. يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا أيِ اتَّخَذَهُ صَنِيعَهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَفْسِي﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ بَعْضُ المُلُوكِ لِجَوامِعِ خِصالٍ فِيهِ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ النّاسِ مَنزِلَةً إلَيْهِ وأشَدَّهم قُرْبًا مِنهُ. وثانِيها: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا كَلَّفَ عِبادَهُ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَلْطُفَ بِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ الألْطافِ ما لا يُعْلَمُ إلّا سَمْعًا فَلَوْ لَمْ يَصْطَنِعْهُ بِالرِّسالَةِ لَبَقِيَ في عُهْدَةِ الواجِبِ، فَصارَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كالنّائِبِ عَنْ رَبِّهِ في أداءِ ما وجَبَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَصَحَّ أنْ يَقُولَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾، قالَ القَفّالُ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ﴾ أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا إذا أحْسَنَ إلَيْهِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالُ: هَذا صَنِيعُ فُلانٍ وجَرِيحُ فُلانٍ، وقَوْلُهُ صفحة ٥٠ ﴿لِنَفْسِي﴾: أيْ لِأُصَرِّفَكَ في أوامِرِي لِئَلّا تَشْتَغِلَ بِغَيْرِ ما أمَرْتُكَ بِهِ وهو إقامَةُ حُجَّتِي وتَبْلِيغُ رِسالَتِي وأنْ تَكُونَ في حَرَكاتِكَ وسَكَناتِكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِغَيْرِكَ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ المِنَنَ الثَّمانِيَةَ في مُقابَلَةِ تِلْكَ الِالتِماساتِ الثَّمانِيَةِ رَتَّبَ عَلى ذِكْرِ ذَلِكَ أمْرًا ونَهْيًا، أمّا الأمْرُ فَهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعادَ الأمْرَ بِالأوَّلِ فَقالَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما لَهُ اصْطَنَعَهُ وهو الإبْلاغُ والأداءُ، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الباءُ هَهُنا بِمَعْنى مَعَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُما لَوْ ذَهَبا إلَيْهِ بِدُونِ آيَةٍ مَعَهُما لَمْ يَلْزَمْهُ الإيمانُ وذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الآياتِ المَذْكُورَةِ هَهُنا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها اليَدُ والعَصا لِأنَّهُما اللَّذانِ جَرى ذِكْرُهُما في هَذا المَوْضِعِ وفي سائِرِ المَواضِعِ الَّتِي اقْتَصَّ اللَّهُ تَعالى فِيها حَدِيثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ في شَيْءٍ مِنها أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ قَبْلَ مَجِيئِهِ إلى فِرْعَوْنَ ولا بَعْدَ مَجِيئِهِ حَتّى لَقِيَ فِرْعَوْنَ فالتَمَسَ مِنهُ آيَةً غَيْرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وقالَ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، [الأعراف: ١٠٨]، وقالَ: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، [القصص: ٣٢]، فَإذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ: كَيْفَ يُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ ؟ أجابُوا بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العَصا ما كانَتْ آيَةً واحِدَةً بَلْ كانَتْ آياتٍ فَإنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَوانًا آيَةٌ، ثُمَّ إنَّها في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] ثُمَّ كانَتْ تَعْظُمُ وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ كانَتْ تَصِيرُ ثُعْبانًا وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى. ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فِيها فَما كانَتْ تَضُرُّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى ثُمَّ كانَتْ تَنْقَلِبُ خَشَبَةً فَهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، وكَذَلِكَ اليَدُ فَإنَّ بَياضَها آيَةٌ وشُعاعَها آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ زَوالَهُما بَعْدَ حُصُولِهِما آيَةٌ أُخْرى فَصَحَّ أنَّهُما كانَتا آياتٍ كَثِيرَةً لا آيَتانِ. الثّانِي: هَبْ أنَّ العَصا أمْرٌ واحِدٌ لَكِنَّ فِيها آياتٍ كَثِيرَةً لِأنَّ انْقِلابَها حَيَّةٌ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ إلَهٍ قادِرٍ عَلى الكُلِّ عالِمٍ بِالكُلِّ حَكِيمٍ، ويَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَدُلُّ عَلى جَوازِ الحَشْرِ حَيْثُ انْقَلَبَ الجَمادُ حَيَوانًا فَهَذِهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَإذا وُصِفَ الشَّيْءُ الواحِدُ بِأنَّ فِيهِ آياتٌ، فالشَّيْئانِ أوْلى بِذَلِكَ. الثّالِثُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ عَلى ما عَرَفْتَ في أُصُولِ الفِقْهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (اذْهَبا بِآياتِي) مَعْناهُ أنِّي أُمِدُّكُما بِآياتِي وأُظْهِرُ عَلى أيْدِيكُما مِنَ الآياتِ ما تُزاحُ بِهِ العِلَلُ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فاذْهَبا فَإنَّ آياتِي مَعَكُما كَما يُقالُ: اذْهَبْ فَإنَّ جُنْدِي مَعَكَ أيْ أنِّي أمِدُّكَ بِهِمْ مَتى احْتَجْتَ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُ العَصا واليَدَ وحَلَّ عُقْدَةَ لِسانِهِ وذَلِكَ أيْضًا مُعْجِزٌ فَكانَتِ الآياتُ ثَلاثَةً هَذا هو شَرْحُ الأمْرِ، أمّا النَّهْيُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ الوَنْيُ الفُتُورُ والتَّقْصِيرُ وقُرِئَ ولا تِنِيا بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ لِلِاتِّباعِ، ثُمَّ قِيلَ فِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: المَعْنى لا تَنِيا بَلِ اتَّخِذا ذِكْرِيَ آلَةً لِتَحْصِيلِ المَقاصِدِ واعْتَقِدا أنَّ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ لا يَتَمَشّى لِأحَدٍ إلّا بِذِكْرِي، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ مَن ذَكَرَ جَلالَ اللَّهِ اسْتَحْقَرَ غَيْرَهُ فَلا يَخافُ أحَدًا؛ ولِأنَّ مَن ذَكَرَ جَلالَ اللَّهِ تَقْوى رُوحُهُ بِذَلِكَ الذِّكْرِ فَلا يَضْعُفُ في المَقْصُودِ، ولِأنَّ ذاكِرَ اللَّهِ تَعالى لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذاكِرًا لِإحْسانِهِ، وذاكِرُ صفحة ٥١ إحْسانِهِ لا يَفْتُرُ في أداءِ أوامِرِهِ. وثانِيها: المُرادُ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى كُلِّ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أعْظَمِها فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، وكَيْفِيَّةُ الذِّكْرِ هو أنْ يَذْكُرا لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرْضى مِنهم بِالكُفْرِ ويَذْكُرا لَهم أمْرَ الثَّوابِ والعِقابِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. ورابِعُها: أنْ يَذْكُرا لِفِرْعَوْنَ آلاءَ اللَّهِ ونَعْماءَهُ وأنْواعَ إحْسانِهِ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ قالَ القَفّالُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَأْمُورًا بِالذَّهابِ عَلى الِانْفِرادِ فَقِيلَ مَرَّةً أُخْرى اذْهَبا لِيَعْرِفا أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ يَشْتَغِلا بِذَلِكَ جَمِيعًا لا أنْ يَنْفَرِدَ بِهِ هارُونُ دُونَ مُوسى. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى كُلِّ النّاسِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وحْدَهُ. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ خِطابٌ مَعَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهَذا مُشْكِلٌ لِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا هُناكَ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ [طه: ٤٥] أجابَ القَفّالُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الكَلامَ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلّا أنَّهُ كانَ مَتْبُوعَ هارُونَ فَجُعِلَ الخِطابُ مَعَهُ خِطابًا مَعَ هارُونَ، وكَلامُ هارُونَ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ، فالخِطابُ في تِلْكَ الحالَةِ وإنْ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلّا أنَّهُ تَعالى أضافَهُ إلَيْهِما كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]، وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وحُكِيَ أنَّ القائِلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وحْدَهُ. وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ سَكَتَ حَتّى لَقِيَ أخاهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ . وثالِثُها: أنَّهُ حُكِيَ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وحَفْصَةَ: ”قالَ رَبَّنا إنَّنا نَخافُ“ أيْ قالَ مُوسى: أنا وأخِي نَخافُ فِرْعَوْنَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللِّينِ مَعَ الكافِرِ الجاحِدِ ؟ الجَوابُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ رَبّاهُ فِرْعَوْنُ فَأمَرَهُ أنْ يُخاطِبَهُ بِالرِّفْقِ رِعايَةً لِتِلْكَ الحُقُوقِ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى نِهايَةِ تَعْظِيمِ حَقِّ الأبَوَيْنِ. الثّانِي: أنَّ مِن عادَةِ الجَبابِرَةِ إذا غُلِّظَ لَهم في الوَعْظِ أنْ يَزْدادُوا عُتُوًّا وتَكَبُّرًا، والمَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ حُصُولُ النَّفْعِ لا حُصُولُ زِيادَةِ الضَّرَرِ فَلِهَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالرِّفْقِ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ اللَّيِّنُ. الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: ما حَكى اللَّهُ تَعالى بَعْضَهُ فَقالَ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩] وذَكَرَ أيْضًا في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧] . وثانِيها: أنْ تَعِداهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وثالِثُها: كَنِّياهُ وهو مِن ذَوِي الكُنى الثَّلاثِ أبُو العَبّاسِ وأبُو الوَلِيدِ وأبُو مُرَّةٍ. ورابِعُها: حُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ أطَعْتَنِي عُمِّرْتَ مِثْلَ ما عُمِّرْتَ فَإذا مِتَّ فَلَكَ الجَنَّةُ واعْتَرَضُوا عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ. أمّا الأوَّلُ: فَقِيلَ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لَصارَ ذَلِكَ كالإلْجاءِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ لا يَصِحُّ مَعَ التَّكْلِيفِ. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ خِطابَهُ بِالكُنْيَةِ أمْرٌ سَهْلٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ صفحة ٥٢ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ المُرادِ. وأمّا الثّالِثُ: فالِاعْتِراضُ عَلَيْهِ كَما في الأوَّلِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى كانَ شاكًّا في ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى وإنَّما المُرادُ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، عَلى أنْ تَكُونا راجِيَيْنِ لِأنْ يَتَذَكَّرَ هو أوْ يَخْشى. واعْلَمْ أنَّ أحْوالَ القَلْبِ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: الإصْرارُ عَلى الحَقِّ. وثانِيها: الإصْرارُ عَلى الباطِلِ. وثالِثُها: التَّوَقُّفُ في الأمْرَيْنِ، وأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مُصِرًّا عَلى الباطِلِ، وهَذا القِسْمُ أرْدَأُ الأقْسامِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فَيَرْجِعُ مِن إنْكارِهِ إلى الإقْرارِ بِالحَقِّ وإنْ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنَ الإنْكارِ إلى الإقْرارِ لَكِنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِهِ الخَوْفُ فَيَتْرُكُ الإنْكارَ، وإنْ كانَ لا يَنْتَقِلُ إلى الإقْرارِ فَإنَّ هَذا خَيْرٌ مِنَ الإصْرارِ عَلى الإنْكارِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لا يَعْلَمُ سِرَّهُ إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ قَطُّ كانَ إيمانُهُ ضِدًّا لِذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي يَمْتَنِعُ زَوالُهُ فَيَكُونُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِامْتِناعِ ذَلِكَ الإيمانِ، وإذا كانَ عالِمًا بِذَلِكَ فَكَيْفَ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ الرِّفْقِ وكَيْفَ بالَغَ في ذَلِكَ الأمْرِ بِتَلْطِيفِ دَعْوَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ اسْتِحالَةَ حُصُولِ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ يُنازِعُونَ في هَذا الِامْتِناعِ مِن غَيْرِ أنْ يَذْكُرُوا شُبْهَةً قادِحَةً في هَذا السُّؤالِ ولَكِنَّهم سَلَّمُوا أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ الإيمانُ وسَلَّمُوا أنَّ فِرْعَوْنَ لا يَسْتَفِيدُ بِبَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا اسْتِحْقاقَ العِقابِ، والرَّحِيمُ الكَرِيمُ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَدْفَعَ سِكِّينًا إلى مَن عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ يُمَزِّقُ بِها بَطْنَ نَفْسِهِ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي ما أرَدْتُ بِدَفْعِ السِّكِّينِ إلَيْهِ إلّا الإحْسانَ إلَيْهِ ؟ يا أخِي، العُقُولُ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ ولا سَبِيلَ فِيها إلّا التَّسْلِيمُ وتَرْكُ الِاعْتِراضِ والسُّكُوتُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، ويُرْوى عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ إنَّهُ لَمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقَسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ.

طه 20:44

المِنَّةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ قالَ القَفّالُ: لِتُرى عَلى عَيْنِي أيْ عَلى وفْقِ إرادَتِي، ومَجازُ هَذا أنَّ مَن صَنَعَ لِإنْسانٍ شَيْئًا وهو حاضِرٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ صَنَعَهُ لَهُ كَما يُحِبُّ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَفْعَلَ ما يُخالِفُ غَرَضَهُ فَكَذا هَهُنا، وفي كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ العَيْنِ العِلْمُ أنْ تُرى عَلى عِلْمٍ مِنِّي، ولَمّا كانَ العالِمُ بِالشَّيْءِ يَحْرُسُهُ عَنِ الآفاتِ كَما أنَّ النّاظِرَ إلَيْهِ يَحْرُسُهُ عَنِ الآفاتِ أُطْلِقَ لَفْظُ العَيْنِ عَلى العِلْمِ لِاشْتِباهِهِما مِن هَذا الوَجْهِ. الثّانِي: المُرادُ مِنَ العَيْنِ الحِراسَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النّاظِرَ إلى الشَّيْءِ يَحْرُسُهُ عَمّا يُؤْذِيهِ، فالعَيْنُ كَأنَّها سَبَبُ الحِراسَةِ فَأطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ مَجازًا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] ويُقالُ: عَيْنُ اللَّهِ عَلَيْكَ إذا دَعا لَكَ بِالحِفْظِ والحِياطَةِ، قالَ القاضِي ظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ الحِفْظُ والحِياطَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾ فَصارَ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِحِياطَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ، بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ: الأوَّلُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ثَمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِأوَّلِ الكَلامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ وإذْ تَمْشِي أُخْتُكَ. وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صفحة ٤٨ ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي﴾ وذَكَرْنا مِثْلَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] . وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ مُقْحَمَةً أيْ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي لِتُصْنَعَ، وهَذا ضَعِيفٌ. الثّانِي: قُرِئَ ولِتُصْنَعَ بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِها، والجَزْمُ عَلى أنَّهُ أُمِرَ، وقُرِئَ ولِتَصْنَعَ بِفَتْحِ التّاءِ والنَّصْبِ أيْ ولِيَكُونَ عَمَلُكَ وتَصَرُّفَكَ عَلى عِلْمٍ مِنِّي. * * * المِنَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ العامِلَ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ ألْقَيْتُ أوْ تُصْنَعُ، يُرْوى أنَّهُ لَمّا فَشا الخَبَرُ بِمِصْرَ أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ أخَذُوا غُلامًا في النِّيلِ وكانَ لا يَرْتَضِعُ مِن ثَدْيِ كُلِّ امْرَأةٍ يُؤْتى بِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ المَراضِعَ غَيْرَ أُمِّهِ اضْطُرُّوا إلى تَتَبُّعِ النِّساءِ فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أُخْتُ مُوسى جاءَتْ إلَيْهِمْ مُتَنَكِّرَةً فَقالَتْ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ ثُمَّ جاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها فَرَجَعَ إلى أُمِّهِ بِما لَطَفَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن هَذا التَّدْبِيرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ أيْ رَدَدْناكَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣]، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] أيْ رُدُّونِي إلى الدُّنْيا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾، فالمُرادُ أنَّ المَقْصُودَ مِن رَدِّكَ إلَيْها حُصُولُ السُّرُورِ لَها وزَوالُ الحُزْنِ عَنْها، فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: كَيْ لا تَحْزَنَ وتَقَرَّ عَيْنُها كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُزْنِ حُصُولُ السُّرُورِ لَها، وأمّا لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ كانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ فَضْلًا؛ لِأنَّهُ مَتى حَصَلَ السُّرُورُ وجَبَ زَوالُ الغَمِّ لا مَحالَةَ، قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ تَقَرُّ عَيْنُها بِسَبَبِ وُصُولِكَ إلَيْها فَيَزُولُ عَنْها الحُزْنُ بِسَبَبِ عَدَمِ وُصُولِ لَبَنِ غَيْرِها إلى باطِنِكَ. والمِنَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ فالمُرادُ بِهِ: وقَتَلْتَ بَعْدَ كِبَرِكَ نَفْسًا، وهو الرَّجُلُ الَّذِي قَتَلَهُ خَطَأً بِأنْ وكَزَهُ حَيْثُ اسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلَيْهِ وكانَ قِبْطِيًّا فَحَصَلَ لَهُ الغَمُّ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن عِقابِ الدُّنْيا وهو اقْتِصاصُ فِرْعَوْنَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨] والآخَرُ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قَتَلَهُ لا بِأمْرِ اللَّهِ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَمَّيْنِ، أمّا مِن فِرْعَوْنَ فَحِينَ وفَّقَ لَهُ المُهاجَرَةَ إلى مَدْيَنَ، وأمّا مِن عِقابِ الآخِرَةِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى غَفَرَ لَهُ ذَلِكَ. المِنَّةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿فُتُونًا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالعُكُوفِ والجُلُوسِ، والمَعْنى وفَتَنّاكَ حَقًّا، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِمْ في تَأْكِيدِ الأخْبارِ بِالمَصادِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] . والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ فَتْنٍ أوْ فُتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبَدْرَةٍ أيْ فَتَنّاكَ ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَدَّدَ أنْواعَ مِنَنِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ . الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الفِتْنَةَ تَشْدِيدُ المِحْنَةِ، يُقالُ فُتِنَ فُلانٌ عَنْ دِينِهِ إذا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ المِحْنَةُ حَتّى رَجَعَ عَنْ دِينِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ ٣] وقالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فالزَّلْزَلَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ ومَسُّ البَأْساءِ والضَّرّاءِ هي الفِتْنَةُ والفُتُونُ، ولَمّا كانَ التَّشْدِيدُ في المِحْنَةِ مِمّا يُوجِبُ كَثْرَةَ الثَّوابِ لا جَرَمَ عَدَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ. وثانِيها: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ صفحة ٤٩ أيْ خَلَّصْناكَ تَخْلِيصًا مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ مِنَ الفِضَّةِ إذا أرَدْتَ تَخْلِيصَهُ، وسَألَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الفُتُونِ فَقالَ: نَسْتَأْنِفُ لَهُ نَهارًا يا ابْنَ جُبَيْرٍ. ثُمَّ لَمّا أصْبَحَ أخْذَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الآياتِ الوارِدَةَ في شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْتِداءِ أمْرِهِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ وقَتْلَهُ أوْلادَ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ قِصَّةَ إلْقاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في اليَمِّ، والتِقاطَ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ، وامْتِناعَهُ مِنَ الِارْتِضاعِ مِنَ الأجانِبِ، ثُمَّ قِصَّةَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ، ووَضْعَهُ الجَمْرَةَ في فِيهِ، ثُمَّ قِصَّةَ قَتْلِ القِبْطِيِّ، ثُمَّ هَرَبَهُ إلى مَدْيَنَ، وصَيْرُورَتَهُ أجِيرًا لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ عَوْدَهُ إلى مِصْرَ وأنَّهُ أخْطَأ الطَّرِيقَ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ، واسْتِئْناسَهُ بِالنّارِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وكانَ عِنْدَ تَمامِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها يَقُولُ هَذا مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ إطْلاقُ اسْمُ الفَتّانِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اشْتِقاقًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ والجَوابُ: لا؛ لِأنَّهُ صِفَةُ ذَمٍّ في العُرْفِ، وأسْماءُ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ لا سِيَّما فِيما يُوهِمُ ما لا يَنْبَغِي. * * * المِنَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ واعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى أهْلِ مَدْيَنَ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيهِمْ، أمّا مُدَّةُ اللُّبْثِ فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّها مَشْرُوحَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] وهي إمّا عَشَرَةٌ وإمّا ثَمانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] وقالَ وهْبٌ: لَبِثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانِيًا وعِشْرِينَ سَنَةً مِنها عَشْرُ سِنِينَ مَهْرُ امْرَأتِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَبِثَ عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ ولَيْسَ فِيها ما يَنْفِي الزِّيادَةَ عَلى العَشْرِ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ لُبْثَهُ في مَدْيَنَ مِنَ الفُتُونِ وكَذَلِكَ كانَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَمَّلَ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغُرْبَةِ مِحَنًا كَثِيرَةً، واحْتاجَ إلى أنْ آجَرَ نَفْسَهُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ في الكَلامِ لِأنَّهُ عَلى قَدَرِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ المَحْذُوفِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ سَبَقَ في قَضائِي وقَدَرِي أنْ أجْعَلَكَ رَسُولًا لِي في وقْتٍ مُعَيَّنٍ عَيَّنْتُهُ لِذَلِكَ فَما جِئْتَ إلّا عَلى ذَلِكَ القَدَرِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . وثانِيها: عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، وهو رَأْسُ أرْبَعِينَ سَنَةً. وثالِثُها: أنَّ القَدَرَ هو المَوْعِدُ فَإنْ ثَبَتَ أنَّهُ تَقَدَّمَ هَذا المَوْعِدَ صَحَّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، ولا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِاحْتِمالِ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا قَدْ عُيِّنُوا ذَلِكَ المَوْعِدَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجِيءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن جُمْلَةِ مِنَنِهِ عَلَيْهِ، قُلْنا: لِأنَّهُ لَوْلا تَوْفِيقُهُ لَهُ لَما تَهَيَّأ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. * * * المِنَّةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ والِاصْطِناعُ اتِّخاذُ الصَّنْعَةِ، وهي افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ. يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا أيِ اتَّخَذَهُ صَنِيعَهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَفْسِي﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ بَعْضُ المُلُوكِ لِجَوامِعِ خِصالٍ فِيهِ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ النّاسِ مَنزِلَةً إلَيْهِ وأشَدَّهم قُرْبًا مِنهُ. وثانِيها: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا كَلَّفَ عِبادَهُ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَلْطُفَ بِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ الألْطافِ ما لا يُعْلَمُ إلّا سَمْعًا فَلَوْ لَمْ يَصْطَنِعْهُ بِالرِّسالَةِ لَبَقِيَ في عُهْدَةِ الواجِبِ، فَصارَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كالنّائِبِ عَنْ رَبِّهِ في أداءِ ما وجَبَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَصَحَّ أنْ يَقُولَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾، قالَ القَفّالُ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ﴾ أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا إذا أحْسَنَ إلَيْهِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالُ: هَذا صَنِيعُ فُلانٍ وجَرِيحُ فُلانٍ، وقَوْلُهُ صفحة ٥٠ ﴿لِنَفْسِي﴾: أيْ لِأُصَرِّفَكَ في أوامِرِي لِئَلّا تَشْتَغِلَ بِغَيْرِ ما أمَرْتُكَ بِهِ وهو إقامَةُ حُجَّتِي وتَبْلِيغُ رِسالَتِي وأنْ تَكُونَ في حَرَكاتِكَ وسَكَناتِكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِغَيْرِكَ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ المِنَنَ الثَّمانِيَةَ في مُقابَلَةِ تِلْكَ الِالتِماساتِ الثَّمانِيَةِ رَتَّبَ عَلى ذِكْرِ ذَلِكَ أمْرًا ونَهْيًا، أمّا الأمْرُ فَهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعادَ الأمْرَ بِالأوَّلِ فَقالَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما لَهُ اصْطَنَعَهُ وهو الإبْلاغُ والأداءُ، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الباءُ هَهُنا بِمَعْنى مَعَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُما لَوْ ذَهَبا إلَيْهِ بِدُونِ آيَةٍ مَعَهُما لَمْ يَلْزَمْهُ الإيمانُ وذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الآياتِ المَذْكُورَةِ هَهُنا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها اليَدُ والعَصا لِأنَّهُما اللَّذانِ جَرى ذِكْرُهُما في هَذا المَوْضِعِ وفي سائِرِ المَواضِعِ الَّتِي اقْتَصَّ اللَّهُ تَعالى فِيها حَدِيثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ في شَيْءٍ مِنها أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ قَبْلَ مَجِيئِهِ إلى فِرْعَوْنَ ولا بَعْدَ مَجِيئِهِ حَتّى لَقِيَ فِرْعَوْنَ فالتَمَسَ مِنهُ آيَةً غَيْرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وقالَ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، [الأعراف: ١٠٨]، وقالَ: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، [القصص: ٣٢]، فَإذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ: كَيْفَ يُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ ؟ أجابُوا بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العَصا ما كانَتْ آيَةً واحِدَةً بَلْ كانَتْ آياتٍ فَإنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَوانًا آيَةٌ، ثُمَّ إنَّها في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] ثُمَّ كانَتْ تَعْظُمُ وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ كانَتْ تَصِيرُ ثُعْبانًا وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى. ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فِيها فَما كانَتْ تَضُرُّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى ثُمَّ كانَتْ تَنْقَلِبُ خَشَبَةً فَهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، وكَذَلِكَ اليَدُ فَإنَّ بَياضَها آيَةٌ وشُعاعَها آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ زَوالَهُما بَعْدَ حُصُولِهِما آيَةٌ أُخْرى فَصَحَّ أنَّهُما كانَتا آياتٍ كَثِيرَةً لا آيَتانِ. الثّانِي: هَبْ أنَّ العَصا أمْرٌ واحِدٌ لَكِنَّ فِيها آياتٍ كَثِيرَةً لِأنَّ انْقِلابَها حَيَّةٌ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ إلَهٍ قادِرٍ عَلى الكُلِّ عالِمٍ بِالكُلِّ حَكِيمٍ، ويَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَدُلُّ عَلى جَوازِ الحَشْرِ حَيْثُ انْقَلَبَ الجَمادُ حَيَوانًا فَهَذِهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَإذا وُصِفَ الشَّيْءُ الواحِدُ بِأنَّ فِيهِ آياتٌ، فالشَّيْئانِ أوْلى بِذَلِكَ. الثّالِثُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ عَلى ما عَرَفْتَ في أُصُولِ الفِقْهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (اذْهَبا بِآياتِي) مَعْناهُ أنِّي أُمِدُّكُما بِآياتِي وأُظْهِرُ عَلى أيْدِيكُما مِنَ الآياتِ ما تُزاحُ بِهِ العِلَلُ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فاذْهَبا فَإنَّ آياتِي مَعَكُما كَما يُقالُ: اذْهَبْ فَإنَّ جُنْدِي مَعَكَ أيْ أنِّي أمِدُّكَ بِهِمْ مَتى احْتَجْتَ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُ العَصا واليَدَ وحَلَّ عُقْدَةَ لِسانِهِ وذَلِكَ أيْضًا مُعْجِزٌ فَكانَتِ الآياتُ ثَلاثَةً هَذا هو شَرْحُ الأمْرِ، أمّا النَّهْيُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ الوَنْيُ الفُتُورُ والتَّقْصِيرُ وقُرِئَ ولا تِنِيا بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ لِلِاتِّباعِ، ثُمَّ قِيلَ فِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: المَعْنى لا تَنِيا بَلِ اتَّخِذا ذِكْرِيَ آلَةً لِتَحْصِيلِ المَقاصِدِ واعْتَقِدا أنَّ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ لا يَتَمَشّى لِأحَدٍ إلّا بِذِكْرِي، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ مَن ذَكَرَ جَلالَ اللَّهِ اسْتَحْقَرَ غَيْرَهُ فَلا يَخافُ أحَدًا؛ ولِأنَّ مَن ذَكَرَ جَلالَ اللَّهِ تَقْوى رُوحُهُ بِذَلِكَ الذِّكْرِ فَلا يَضْعُفُ في المَقْصُودِ، ولِأنَّ ذاكِرَ اللَّهِ تَعالى لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذاكِرًا لِإحْسانِهِ، وذاكِرُ صفحة ٥١ إحْسانِهِ لا يَفْتُرُ في أداءِ أوامِرِهِ. وثانِيها: المُرادُ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى كُلِّ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أعْظَمِها فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، وكَيْفِيَّةُ الذِّكْرِ هو أنْ يَذْكُرا لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرْضى مِنهم بِالكُفْرِ ويَذْكُرا لَهم أمْرَ الثَّوابِ والعِقابِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. ورابِعُها: أنْ يَذْكُرا لِفِرْعَوْنَ آلاءَ اللَّهِ ونَعْماءَهُ وأنْواعَ إحْسانِهِ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ قالَ القَفّالُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَأْمُورًا بِالذَّهابِ عَلى الِانْفِرادِ فَقِيلَ مَرَّةً أُخْرى اذْهَبا لِيَعْرِفا أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ يَشْتَغِلا بِذَلِكَ جَمِيعًا لا أنْ يَنْفَرِدَ بِهِ هارُونُ دُونَ مُوسى. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى كُلِّ النّاسِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وحْدَهُ. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ خِطابٌ مَعَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهَذا مُشْكِلٌ لِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا هُناكَ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ [طه: ٤٥] أجابَ القَفّالُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الكَلامَ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلّا أنَّهُ كانَ مَتْبُوعَ هارُونَ فَجُعِلَ الخِطابُ مَعَهُ خِطابًا مَعَ هارُونَ، وكَلامُ هارُونَ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ، فالخِطابُ في تِلْكَ الحالَةِ وإنْ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلّا أنَّهُ تَعالى أضافَهُ إلَيْهِما كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]، وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وحُكِيَ أنَّ القائِلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وحْدَهُ. وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ سَكَتَ حَتّى لَقِيَ أخاهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ . وثالِثُها: أنَّهُ حُكِيَ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وحَفْصَةَ: ”قالَ رَبَّنا إنَّنا نَخافُ“ أيْ قالَ مُوسى: أنا وأخِي نَخافُ فِرْعَوْنَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللِّينِ مَعَ الكافِرِ الجاحِدِ ؟ الجَوابُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ رَبّاهُ فِرْعَوْنُ فَأمَرَهُ أنْ يُخاطِبَهُ بِالرِّفْقِ رِعايَةً لِتِلْكَ الحُقُوقِ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى نِهايَةِ تَعْظِيمِ حَقِّ الأبَوَيْنِ. الثّانِي: أنَّ مِن عادَةِ الجَبابِرَةِ إذا غُلِّظَ لَهم في الوَعْظِ أنْ يَزْدادُوا عُتُوًّا وتَكَبُّرًا، والمَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ حُصُولُ النَّفْعِ لا حُصُولُ زِيادَةِ الضَّرَرِ فَلِهَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالرِّفْقِ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ اللَّيِّنُ. الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: ما حَكى اللَّهُ تَعالى بَعْضَهُ فَقالَ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩] وذَكَرَ أيْضًا في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧] . وثانِيها: أنْ تَعِداهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وثالِثُها: كَنِّياهُ وهو مِن ذَوِي الكُنى الثَّلاثِ أبُو العَبّاسِ وأبُو الوَلِيدِ وأبُو مُرَّةٍ. ورابِعُها: حُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ أطَعْتَنِي عُمِّرْتَ مِثْلَ ما عُمِّرْتَ فَإذا مِتَّ فَلَكَ الجَنَّةُ واعْتَرَضُوا عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ. أمّا الأوَّلُ: فَقِيلَ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لَصارَ ذَلِكَ كالإلْجاءِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ لا يَصِحُّ مَعَ التَّكْلِيفِ. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ خِطابَهُ بِالكُنْيَةِ أمْرٌ سَهْلٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ صفحة ٥٢ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ المُرادِ. وأمّا الثّالِثُ: فالِاعْتِراضُ عَلَيْهِ كَما في الأوَّلِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى كانَ شاكًّا في ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى وإنَّما المُرادُ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، عَلى أنْ تَكُونا راجِيَيْنِ لِأنْ يَتَذَكَّرَ هو أوْ يَخْشى. واعْلَمْ أنَّ أحْوالَ القَلْبِ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: الإصْرارُ عَلى الحَقِّ. وثانِيها: الإصْرارُ عَلى الباطِلِ. وثالِثُها: التَّوَقُّفُ في الأمْرَيْنِ، وأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مُصِرًّا عَلى الباطِلِ، وهَذا القِسْمُ أرْدَأُ الأقْسامِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فَيَرْجِعُ مِن إنْكارِهِ إلى الإقْرارِ بِالحَقِّ وإنْ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنَ الإنْكارِ إلى الإقْرارِ لَكِنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِهِ الخَوْفُ فَيَتْرُكُ الإنْكارَ، وإنْ كانَ لا يَنْتَقِلُ إلى الإقْرارِ فَإنَّ هَذا خَيْرٌ مِنَ الإصْرارِ عَلى الإنْكارِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لا يَعْلَمُ سِرَّهُ إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ قَطُّ كانَ إيمانُهُ ضِدًّا لِذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي يَمْتَنِعُ زَوالُهُ فَيَكُونُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِامْتِناعِ ذَلِكَ الإيمانِ، وإذا كانَ عالِمًا بِذَلِكَ فَكَيْفَ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ الرِّفْقِ وكَيْفَ بالَغَ في ذَلِكَ الأمْرِ بِتَلْطِيفِ دَعْوَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ اسْتِحالَةَ حُصُولِ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ يُنازِعُونَ في هَذا الِامْتِناعِ مِن غَيْرِ أنْ يَذْكُرُوا شُبْهَةً قادِحَةً في هَذا السُّؤالِ ولَكِنَّهم سَلَّمُوا أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ الإيمانُ وسَلَّمُوا أنَّ فِرْعَوْنَ لا يَسْتَفِيدُ بِبَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا اسْتِحْقاقَ العِقابِ، والرَّحِيمُ الكَرِيمُ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَدْفَعَ سِكِّينًا إلى مَن عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ يُمَزِّقُ بِها بَطْنَ نَفْسِهِ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي ما أرَدْتُ بِدَفْعِ السِّكِّينِ إلَيْهِ إلّا الإحْسانَ إلَيْهِ ؟ يا أخِي، العُقُولُ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ ولا سَبِيلَ فِيها إلّا التَّسْلِيمُ وتَرْكُ الِاعْتِراضِ والسُّكُوتُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، ويُرْوى عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ إنَّهُ لَمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقَسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ.

طه 20:45

المِنَّةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ قالَ القَفّالُ: لِتُرى عَلى عَيْنِي أيْ عَلى وفْقِ إرادَتِي، ومَجازُ هَذا أنَّ مَن صَنَعَ لِإنْسانٍ شَيْئًا وهو حاضِرٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ صَنَعَهُ لَهُ كَما يُحِبُّ ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَفْعَلَ ما يُخالِفُ غَرَضَهُ فَكَذا هَهُنا، وفي كَيْفِيَّةِ المَجازِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ العَيْنِ العِلْمُ أنْ تُرى عَلى عِلْمٍ مِنِّي، ولَمّا كانَ العالِمُ بِالشَّيْءِ يَحْرُسُهُ عَنِ الآفاتِ كَما أنَّ النّاظِرَ إلَيْهِ يَحْرُسُهُ عَنِ الآفاتِ أُطْلِقَ لَفْظُ العَيْنِ عَلى العِلْمِ لِاشْتِباهِهِما مِن هَذا الوَجْهِ. الثّانِي: المُرادُ مِنَ العَيْنِ الحِراسَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ النّاظِرَ إلى الشَّيْءِ يَحْرُسُهُ عَمّا يُؤْذِيهِ، فالعَيْنُ كَأنَّها سَبَبُ الحِراسَةِ فَأطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ مَجازًا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] ويُقالُ: عَيْنُ اللَّهِ عَلَيْكَ إذا دَعا لَكَ بِالحِفْظِ والحِياطَةِ، قالَ القاضِي ظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ الحِفْظُ والحِياطَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾ فَصارَ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِحِياطَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ، بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ: الأوَّلُ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ثَمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ مُتَعَلِّقًا بِأوَّلِ الكَلامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ وإذْ تَمْشِي أُخْتُكَ. وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صفحة ٤٨ ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي﴾ وذَكَرْنا مِثْلَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] . وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ مُقْحَمَةً أيْ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي لِتُصْنَعَ، وهَذا ضَعِيفٌ. الثّانِي: قُرِئَ ولِتُصْنَعَ بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِها، والجَزْمُ عَلى أنَّهُ أُمِرَ، وقُرِئَ ولِتَصْنَعَ بِفَتْحِ التّاءِ والنَّصْبِ أيْ ولِيَكُونَ عَمَلُكَ وتَصَرُّفَكَ عَلى عِلْمٍ مِنِّي. * * * المِنَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ واعْلَمْ أنَّ العامِلَ في ﴿إذْ تَمْشِي﴾ ألْقَيْتُ أوْ تُصْنَعُ، يُرْوى أنَّهُ لَمّا فَشا الخَبَرُ بِمِصْرَ أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ أخَذُوا غُلامًا في النِّيلِ وكانَ لا يَرْتَضِعُ مِن ثَدْيِ كُلِّ امْرَأةٍ يُؤْتى بِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ المَراضِعَ غَيْرَ أُمِّهِ اضْطُرُّوا إلى تَتَبُّعِ النِّساءِ فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أُخْتُ مُوسى جاءَتْ إلَيْهِمْ مُتَنَكِّرَةً فَقالَتْ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ ثُمَّ جاءَتْ بِالأُمِّ فَقَبِلَ ثَدْيَها فَرَجَعَ إلى أُمِّهِ بِما لَطَفَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن هَذا التَّدْبِيرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ أيْ رَدَدْناكَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣]، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] أيْ رُدُّونِي إلى الدُّنْيا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾، فالمُرادُ أنَّ المَقْصُودَ مِن رَدِّكَ إلَيْها حُصُولُ السُّرُورِ لَها وزَوالُ الحُزْنِ عَنْها، فَإنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: كَيْ لا تَحْزَنَ وتَقَرَّ عَيْنُها كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُزْنِ حُصُولُ السُّرُورِ لَها، وأمّا لَمّا قالَ أوَّلًا: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ كانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ فَضْلًا؛ لِأنَّهُ مَتى حَصَلَ السُّرُورُ وجَبَ زَوالُ الغَمِّ لا مَحالَةَ، قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ تَقَرُّ عَيْنُها بِسَبَبِ وُصُولِكَ إلَيْها فَيَزُولُ عَنْها الحُزْنُ بِسَبَبِ عَدَمِ وُصُولِ لَبَنِ غَيْرِها إلى باطِنِكَ. والمِنَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ فالمُرادُ بِهِ: وقَتَلْتَ بَعْدَ كِبَرِكَ نَفْسًا، وهو الرَّجُلُ الَّذِي قَتَلَهُ خَطَأً بِأنْ وكَزَهُ حَيْثُ اسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلَيْهِ وكانَ قِبْطِيًّا فَحَصَلَ لَهُ الغَمُّ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن عِقابِ الدُّنْيا وهو اقْتِصاصُ فِرْعَوْنَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨] والآخَرُ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ قَتَلَهُ لا بِأمْرِ اللَّهِ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَمَّيْنِ، أمّا مِن فِرْعَوْنَ فَحِينَ وفَّقَ لَهُ المُهاجَرَةَ إلى مَدْيَنَ، وأمّا مِن عِقابِ الآخِرَةِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى غَفَرَ لَهُ ذَلِكَ. المِنَّةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿فُتُونًا﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ كالعُكُوفِ والجُلُوسِ، والمَعْنى وفَتَنّاكَ حَقًّا، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِمْ في تَأْكِيدِ الأخْبارِ بِالمَصادِرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] . والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ فَتْنٍ أوْ فُتْنَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبَدْرَةٍ أيْ فَتَنّاكَ ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَدَّدَ أنْواعَ مِنَنِهِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ . الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الفِتْنَةَ تَشْدِيدُ المِحْنَةِ، يُقالُ فُتِنَ فُلانٌ عَنْ دِينِهِ إذا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ المِحْنَةُ حَتّى رَجَعَ عَنْ دِينِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ ٣] وقالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فالزَّلْزَلَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ ومَسُّ البَأْساءِ والضَّرّاءِ هي الفِتْنَةُ والفُتُونُ، ولَمّا كانَ التَّشْدِيدُ في المِحْنَةِ مِمّا يُوجِبُ كَثْرَةَ الثَّوابِ لا جَرَمَ عَدَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ. وثانِيها: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ صفحة ٤٩ أيْ خَلَّصْناكَ تَخْلِيصًا مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ مِنَ الفِضَّةِ إذا أرَدْتَ تَخْلِيصَهُ، وسَألَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الفُتُونِ فَقالَ: نَسْتَأْنِفُ لَهُ نَهارًا يا ابْنَ جُبَيْرٍ. ثُمَّ لَمّا أصْبَحَ أخْذَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الآياتِ الوارِدَةَ في شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْتِداءِ أمْرِهِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ فِرْعَوْنَ وقَتْلَهُ أوْلادَ بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ قِصَّةَ إلْقاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في اليَمِّ، والتِقاطَ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ، وامْتِناعَهُ مِنَ الِارْتِضاعِ مِنَ الأجانِبِ، ثُمَّ قِصَّةَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ، ووَضْعَهُ الجَمْرَةَ في فِيهِ، ثُمَّ قِصَّةَ قَتْلِ القِبْطِيِّ، ثُمَّ هَرَبَهُ إلى مَدْيَنَ، وصَيْرُورَتَهُ أجِيرًا لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ عَوْدَهُ إلى مِصْرَ وأنَّهُ أخْطَأ الطَّرِيقَ في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ، واسْتِئْناسَهُ بِالنّارِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وكانَ عِنْدَ تَمامِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها يَقُولُ هَذا مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ إطْلاقُ اسْمُ الفَتّانِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اشْتِقاقًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ والجَوابُ: لا؛ لِأنَّهُ صِفَةُ ذَمٍّ في العُرْفِ، وأسْماءُ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ لا سِيَّما فِيما يُوهِمُ ما لا يَنْبَغِي. * * * المِنَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ واعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ فَخَرَجْتَ خائِفًا إلى أهْلِ مَدْيَنَ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيهِمْ، أمّا مُدَّةُ اللُّبْثِ فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّها مَشْرُوحَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] وهي إمّا عَشَرَةٌ وإمّا ثَمانٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] وقالَ وهْبٌ: لَبِثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانِيًا وعِشْرِينَ سَنَةً مِنها عَشْرُ سِنِينَ مَهْرُ امْرَأتِهِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَبِثَ عِنْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ ولَيْسَ فِيها ما يَنْفِي الزِّيادَةَ عَلى العَشْرِ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ لُبْثَهُ في مَدْيَنَ مِنَ الفُتُونِ وكَذَلِكَ كانَ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحَمَّلَ بِسَبَبِ الفَقْرِ والغُرْبَةِ مِحَنًا كَثِيرَةً، واحْتاجَ إلى أنْ آجَرَ نَفْسَهُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ في الكَلامِ لِأنَّهُ عَلى قَدَرِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ المَحْذُوفِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ سَبَقَ في قَضائِي وقَدَرِي أنْ أجْعَلَكَ رَسُولًا لِي في وقْتٍ مُعَيَّنٍ عَيَّنْتُهُ لِذَلِكَ فَما جِئْتَ إلّا عَلى ذَلِكَ القَدَرِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . وثانِيها: عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، وهو رَأْسُ أرْبَعِينَ سَنَةً. وثالِثُها: أنَّ القَدَرَ هو المَوْعِدُ فَإنْ ثَبَتَ أنَّهُ تَقَدَّمَ هَذا المَوْعِدَ صَحَّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، ولا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِاحْتِمالِ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا قَدْ عُيِّنُوا ذَلِكَ المَوْعِدَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجِيءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن جُمْلَةِ مِنَنِهِ عَلَيْهِ، قُلْنا: لِأنَّهُ لَوْلا تَوْفِيقُهُ لَهُ لَما تَهَيَّأ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. * * * المِنَّةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ والِاصْطِناعُ اتِّخاذُ الصَّنْعَةِ، وهي افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ. يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا أيِ اتَّخَذَهُ صَنِيعَهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَفْسِي﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ بَعْضُ المُلُوكِ لِجَوامِعِ خِصالٍ فِيهِ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ النّاسِ مَنزِلَةً إلَيْهِ وأشَدَّهم قُرْبًا مِنهُ. وثانِيها: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا كَلَّفَ عِبادَهُ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَلْطُفَ بِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ الألْطافِ ما لا يُعْلَمُ إلّا سَمْعًا فَلَوْ لَمْ يَصْطَنِعْهُ بِالرِّسالَةِ لَبَقِيَ في عُهْدَةِ الواجِبِ، فَصارَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كالنّائِبِ عَنْ رَبِّهِ في أداءِ ما وجَبَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَصَحَّ أنْ يَقُولَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾، قالَ القَفّالُ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ﴾ أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا إذا أحْسَنَ إلَيْهِ حَتّى يُضافَ إلَيْهِ فَيُقالُ: هَذا صَنِيعُ فُلانٍ وجَرِيحُ فُلانٍ، وقَوْلُهُ صفحة ٥٠ ﴿لِنَفْسِي﴾: أيْ لِأُصَرِّفَكَ في أوامِرِي لِئَلّا تَشْتَغِلَ بِغَيْرِ ما أمَرْتُكَ بِهِ وهو إقامَةُ حُجَّتِي وتَبْلِيغُ رِسالَتِي وأنْ تَكُونَ في حَرَكاتِكَ وسَكَناتِكَ لِي لا لِنَفْسِكَ ولا لِغَيْرِكَ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ المِنَنَ الثَّمانِيَةَ في مُقابَلَةِ تِلْكَ الِالتِماساتِ الثَّمانِيَةِ رَتَّبَ عَلى ذِكْرِ ذَلِكَ أمْرًا ونَهْيًا، أمّا الأمْرُ فَهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعادَ الأمْرَ بِالأوَّلِ فَقالَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قالَ: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما لَهُ اصْطَنَعَهُ وهو الإبْلاغُ والأداءُ، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الباءُ هَهُنا بِمَعْنى مَعَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُما لَوْ ذَهَبا إلَيْهِ بِدُونِ آيَةٍ مَعَهُما لَمْ يَلْزَمْهُ الإيمانُ وذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في الآياتِ المَذْكُورَةِ هَهُنا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها اليَدُ والعَصا لِأنَّهُما اللَّذانِ جَرى ذِكْرُهُما في هَذا المَوْضِعِ وفي سائِرِ المَواضِعِ الَّتِي اقْتَصَّ اللَّهُ تَعالى فِيها حَدِيثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ في شَيْءٍ مِنها أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ قَبْلَ مَجِيئِهِ إلى فِرْعَوْنَ ولا بَعْدَ مَجِيئِهِ حَتّى لَقِيَ فِرْعَوْنَ فالتَمَسَ مِنهُ آيَةً غَيْرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وقالَ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، [الأعراف: ١٠٨]، وقالَ: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، [القصص: ٣٢]، فَإذا قِيلَ لِهَؤُلاءِ: كَيْفَ يُطْلَقُ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ ؟ أجابُوا بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العَصا ما كانَتْ آيَةً واحِدَةً بَلْ كانَتْ آياتٍ فَإنَّ انْقِلابَ العَصا حَيَوانًا آيَةٌ، ثُمَّ إنَّها في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ صَغِيرَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠] ثُمَّ كانَتْ تَعْظُمُ وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ كانَتْ تَصِيرُ ثُعْبانًا وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى. ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فِيها فَما كانَتْ تَضُرُّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى ثُمَّ كانَتْ تَنْقَلِبُ خَشَبَةً فَهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، وكَذَلِكَ اليَدُ فَإنَّ بَياضَها آيَةٌ وشُعاعَها آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ زَوالَهُما بَعْدَ حُصُولِهِما آيَةٌ أُخْرى فَصَحَّ أنَّهُما كانَتا آياتٍ كَثِيرَةً لا آيَتانِ. الثّانِي: هَبْ أنَّ العَصا أمْرٌ واحِدٌ لَكِنَّ فِيها آياتٍ كَثِيرَةً لِأنَّ انْقِلابَها حَيَّةٌ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ إلَهٍ قادِرٍ عَلى الكُلِّ عالِمٍ بِالكُلِّ حَكِيمٍ، ويَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَدُلُّ عَلى جَوازِ الحَشْرِ حَيْثُ انْقَلَبَ الجَمادُ حَيَوانًا فَهَذِهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَإذا وُصِفَ الشَّيْءُ الواحِدُ بِأنَّ فِيهِ آياتٌ، فالشَّيْئانِ أوْلى بِذَلِكَ. الثّالِثُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ عَلى ما عَرَفْتَ في أُصُولِ الفِقْهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (اذْهَبا بِآياتِي) مَعْناهُ أنِّي أُمِدُّكُما بِآياتِي وأُظْهِرُ عَلى أيْدِيكُما مِنَ الآياتِ ما تُزاحُ بِهِ العِلَلُ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فاذْهَبا فَإنَّ آياتِي مَعَكُما كَما يُقالُ: اذْهَبْ فَإنَّ جُنْدِي مَعَكَ أيْ أنِّي أمِدُّكَ بِهِمْ مَتى احْتَجْتَ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى آتاهُ العَصا واليَدَ وحَلَّ عُقْدَةَ لِسانِهِ وذَلِكَ أيْضًا مُعْجِزٌ فَكانَتِ الآياتُ ثَلاثَةً هَذا هو شَرْحُ الأمْرِ، أمّا النَّهْيُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ الوَنْيُ الفُتُورُ والتَّقْصِيرُ وقُرِئَ ولا تِنِيا بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ لِلِاتِّباعِ، ثُمَّ قِيلَ فِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: المَعْنى لا تَنِيا بَلِ اتَّخِذا ذِكْرِيَ آلَةً لِتَحْصِيلِ المَقاصِدِ واعْتَقِدا أنَّ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ لا يَتَمَشّى لِأحَدٍ إلّا بِذِكْرِي، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ مَن ذَكَرَ جَلالَ اللَّهِ اسْتَحْقَرَ غَيْرَهُ فَلا يَخافُ أحَدًا؛ ولِأنَّ مَن ذَكَرَ جَلالَ اللَّهِ تَقْوى رُوحُهُ بِذَلِكَ الذِّكْرِ فَلا يَضْعُفُ في المَقْصُودِ، ولِأنَّ ذاكِرَ اللَّهِ تَعالى لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذاكِرًا لِإحْسانِهِ، وذاكِرُ صفحة ٥١ إحْسانِهِ لا يَفْتُرُ في أداءِ أوامِرِهِ. وثانِيها: المُرادُ بِالذِّكْرِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقَعُ عَلى كُلِّ العِباداتِ، وتَبْلِيغُ الرِّسالَةِ مِن أعْظَمِها فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، وكَيْفِيَّةُ الذِّكْرِ هو أنْ يَذْكُرا لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرْضى مِنهم بِالكُفْرِ ويَذْكُرا لَهم أمْرَ الثَّوابِ والعِقابِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. ورابِعُها: أنْ يَذْكُرا لِفِرْعَوْنَ آلاءَ اللَّهِ ونَعْماءَهُ وأنْواعَ إحْسانِهِ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ قالَ القَفّالُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَأْمُورًا بِالذَّهابِ عَلى الِانْفِرادِ فَقِيلَ مَرَّةً أُخْرى اذْهَبا لِيَعْرِفا أنَّ المُرادَ مِنهُ أنْ يَشْتَغِلا بِذَلِكَ جَمِيعًا لا أنْ يَنْفَرِدَ بِهِ هارُونُ دُونَ مُوسى. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى كُلِّ النّاسِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ أمْرٌ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وحْدَهُ. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ خِطابٌ مَعَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهَذا مُشْكِلٌ لِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا هُناكَ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ [طه: ٤٥] أجابَ القَفّالُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الكَلامَ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلّا أنَّهُ كانَ مَتْبُوعَ هارُونَ فَجُعِلَ الخِطابُ مَعَهُ خِطابًا مَعَ هارُونَ، وكَلامُ هارُونَ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ، فالخِطابُ في تِلْكَ الحالَةِ وإنْ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلّا أنَّهُ تَعالى أضافَهُ إلَيْهِما كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]، وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وحُكِيَ أنَّ القائِلَ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وحْدَهُ. وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ سَكَتَ حَتّى لَقِيَ أخاهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ . وثالِثُها: أنَّهُ حُكِيَ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وحَفْصَةَ: ”قالَ رَبَّنا إنَّنا نَخافُ“ أيْ قالَ مُوسى: أنا وأخِي نَخافُ فِرْعَوْنَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللِّينِ مَعَ الكافِرِ الجاحِدِ ؟ الجَوابُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ رَبّاهُ فِرْعَوْنُ فَأمَرَهُ أنْ يُخاطِبَهُ بِالرِّفْقِ رِعايَةً لِتِلْكَ الحُقُوقِ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى نِهايَةِ تَعْظِيمِ حَقِّ الأبَوَيْنِ. الثّانِي: أنَّ مِن عادَةِ الجَبابِرَةِ إذا غُلِّظَ لَهم في الوَعْظِ أنْ يَزْدادُوا عُتُوًّا وتَكَبُّرًا، والمَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ حُصُولُ النَّفْعِ لا حُصُولُ زِيادَةِ الضَّرَرِ فَلِهَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالرِّفْقِ. السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ اللَّيِّنُ. الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: ما حَكى اللَّهُ تَعالى بَعْضَهُ فَقالَ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩] وذَكَرَ أيْضًا في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧] . وثانِيها: أنْ تَعِداهُ شَبابًا لا يَهْرَمُ بَعْدَهُ ومُلْكًا لا يُنْزَعُ مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ وأنْ يَبْقى لَهُ لَذَّةُ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وثالِثُها: كَنِّياهُ وهو مِن ذَوِي الكُنى الثَّلاثِ أبُو العَبّاسِ وأبُو الوَلِيدِ وأبُو مُرَّةٍ. ورابِعُها: حُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ، فَقالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنْ أطَعْتَنِي عُمِّرْتَ مِثْلَ ما عُمِّرْتَ فَإذا مِتَّ فَلَكَ الجَنَّةُ واعْتَرَضُوا عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ. أمّا الأوَّلُ: فَقِيلَ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ لَصارَ ذَلِكَ كالإلْجاءِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ لا يَصِحُّ مَعَ التَّكْلِيفِ. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ خِطابَهُ بِالكُنْيَةِ أمْرٌ سَهْلٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ صفحة ٥٢ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ المُرادِ. وأمّا الثّالِثُ: فالِاعْتِراضُ عَلَيْهِ كَما في الأوَّلِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى كانَ شاكًّا في ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى وإنَّما المُرادُ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، عَلى أنْ تَكُونا راجِيَيْنِ لِأنْ يَتَذَكَّرَ هو أوْ يَخْشى. واعْلَمْ أنَّ أحْوالَ القَلْبِ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: الإصْرارُ عَلى الحَقِّ. وثانِيها: الإصْرارُ عَلى الباطِلِ. وثالِثُها: التَّوَقُّفُ في الأمْرَيْنِ، وأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مُصِرًّا عَلى الباطِلِ، وهَذا القِسْمُ أرْدَأُ الأقْسامِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ فَيَرْجِعُ مِن إنْكارِهِ إلى الإقْرارِ بِالحَقِّ وإنْ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنَ الإنْكارِ إلى الإقْرارِ لَكِنَّهُ يَحْصُلُ في قَلْبِهِ الخَوْفُ فَيَتْرُكُ الإنْكارَ، وإنْ كانَ لا يَنْتَقِلُ إلى الإقْرارِ فَإنَّ هَذا خَيْرٌ مِنَ الإصْرارِ عَلى الإنْكارِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لا يَعْلَمُ سِرَّهُ إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ قَطُّ كانَ إيمانُهُ ضِدًّا لِذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي يَمْتَنِعُ زَوالُهُ فَيَكُونُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِامْتِناعِ ذَلِكَ الإيمانِ، وإذا كانَ عالِمًا بِذَلِكَ فَكَيْفَ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ الرِّفْقِ وكَيْفَ بالَغَ في ذَلِكَ الأمْرِ بِتَلْطِيفِ دَعْوَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ اسْتِحالَةَ حُصُولِ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ يُنازِعُونَ في هَذا الِامْتِناعِ مِن غَيْرِ أنْ يَذْكُرُوا شُبْهَةً قادِحَةً في هَذا السُّؤالِ ولَكِنَّهم سَلَّمُوا أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ الإيمانُ وسَلَّمُوا أنَّ فِرْعَوْنَ لا يَسْتَفِيدُ بِبَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا اسْتِحْقاقَ العِقابِ، والرَّحِيمُ الكَرِيمُ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَدْفَعَ سِكِّينًا إلى مَن عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ يُمَزِّقُ بِها بَطْنَ نَفْسِهِ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي ما أرَدْتُ بِدَفْعِ السِّكِّينِ إلَيْهِ إلّا الإحْسانَ إلَيْهِ ؟ يا أخِي، العُقُولُ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ ولا سَبِيلَ فِيها إلّا التَّسْلِيمُ وتَرْكُ الِاعْتِراضِ والسُّكُوتُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، ويُرْوى عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَعْبٌ إنَّهُ لَمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وسَأُقَسِّي قَلْبَهُ فَلا يُؤْمِنُ.

طه 20:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ فِيهِ أسْئِلَةٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قالا رَبَّنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ وهارُونُ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا هَذا المَقالَ فَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ وجَوابُهُ قَدْ تَقَدَّمَ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وتَيَسَّرَ أمْرُهُ فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنَّنا نَخافُ﴾ فَإنَّ صفحة ٥٣ حُصُولَ الخَوْفِ يَمْنَعُ مِن حُصُولِ شَرْحِ الصَّدْرِ. والجَوابُ: أنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ عِبارَةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ عَلى ضَبْطِ تِلْكَ الأوامِرِ والنَّواهِي وحِفْظِ تِلْكَ الشَّرائِعِ عَلى وجْهٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ السَّهْوُ والتَّحْرِيفُ وذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ زَوالِ الخَوْفِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: أما عَلِمَ مُوسى وهارُونُ وقَدْ حَمَّلَهُما اللَّهُ تَعالى الرِّسالَةَ أنَّهُ تَعالى يُؤَمِّنُهُما مِنَ القَتْلِ الَّذِي هو مَقْطَعَةٌ عَنِ الأداءِ ؟ الجَوابُ: قَدْ أمِنا ذَلِكَ وإنْ جَوَّزا أنْ يَنالَهُما السُّوءُ مِن قَبْلِ تَمامِ الأداءِ أوْ بَعْدِهِ وأيْضًا فَإنَّهُما اسْتَظْهَرا بِأنْ سَألا رَبَّهُما ما يَزِيدُ في ثَباتِ قَلْبِهِما عَلى دُعائِهِ وذَلِكَ بِأنْ يَنْضافَ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ إلى العَقْلِيِّ زِيادَةً في الطُّمَأْنِينَةِ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . السُّؤالُ الرّابِعُ: لَمّا تَكَرَّرَ الأمْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالذَّهابِ فَعَدَمُ الذَّهابِ والتَّعَلُّلُ بِالخَوْفِ هَلْ يَدُلُّ عَلى المَعْصِيَةِ. الجَوابُ: لَوِ اقْتَضى الأمْرُ الفَوْرَ لَكانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى المَعْصِيَةِ لا سِيَّما وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى مِن أنْواعِ التَّشْرِيفِ وتَقْوِيَةِ القَلْبِ وإزالَةِ الغَمِّ ولَكِنْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى الفَوْرِ فَزالَ السُّؤالُ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الأمْرَ لا يَقْتَضِي الفَوْرَ إذا ضَمَمْتَ إلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْصِيَةَ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الرُّسُلِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ فاعْلَمْ أنَّ في: ﴿أنْ يَفْرُطَ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: فَرَطَ سَبَقَ وتَقَدَّمَ، ومِنهُ الفارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ، وفَرَسٌ فَرْطٌ يَسْبِقُ الخَيْلَ، والمَعْنى نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ. وثانِيها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن أفْرَطَ غَيْرَهُ إذا حَمَلَهُ عَلى العَجَلَةِ فَكَأنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ خافا مِن أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ وذَلِكَ الحامِلُ هو إمّا الشَّيْطانُ أوِ ادِّعاؤُهُ لِلرُّبُوبِيَّةِ أوْ حُبُّهُ لِلرِّياسَةِ أوْ قَوْمُهُ وهُمُ القِبْطُ المُتَمَرِّدُونَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٦٠] . وثالِثُها: يَفْرُطُ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فالمَعْنى يَطْغى بِالتَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي لِجَراءَتِهِ عَلَيْكَ، واعْلَمْ أنَّ مَن أُمِرَ بِشَيْءٍ فَحاوَلَ دَفْعَهُ بِأعْذارٍ يَذْكُرُها فَلا بُدَّ وأنْ يَخْتِمَ كَلامَهُ بِما هو الأقْوى وهَذا كَما أنَّ الهُدْهُدَ خَتَمَ عُذْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤] فَكَذا هَهُنا بَدَأ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ لِما أنَّ طُغْيانَهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِن إفْراطِهِ في حَقِّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ فالمُرادُ لا تَخافا مِمّا عَرَضَ في قَلْبِكُما مِنَ الإفْراطِ والطُّغْيانِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُؤَمِّنْهُما مِنَ الرَّدِّ ولا مِنَ التَّكْذِيبِ بِالآياتِ ومُعارَضَةِ السَّحَرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الحِراسَةِ والحِفْظِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ: اللَّهُ مَعَكَ عَلى وجْهِ الدُّعاءِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ فَإنَّ مَن يَكُونُ مَعَ الغَيْرِ وناصِرًا لَهُ وحافِظًا يَجُوزُ أنْ لا يَعْلَمَ كُلَّ ما يَنالُهُ وإنَّما يَحْرُسُهُ فِيما يَعْلَمُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ مَعَهُما بِالحِفْظِ والعِلْمِ في جَمِيعِ ما يَنالُهُما وذَلِكَ هو النِّهايَةُ في إزالَةِ الخَوْفِ قالَ القَفّالُ: قَوْلُهُ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ والمَعْنى: ﴿يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ بِأنْ لا يَسْمَعَ مِنّا: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ بِأنْ يَقْتُلَنا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ أسْمَعُ كَلامَهُ مَعَكُما فَأُسَخِّرُهُ لِلِاسْتِماعِ مِنكُما، وأرى أفْعالَهُ فَلا أتْرُكُهُ حَتّى يَفْعَلَ بِكُما ما تَكْرَهانِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ تَعالى سَمِيعًا وبَصِيرًا صِفَتانِ زائِدَتانِ عَلى العِلْمِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ دَلَّ عَلى العِلْمِ فَقَوْلُهُ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ لَوْ دَلَّ عَلى العِلْمِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وهو خِلافُ الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أعادَ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ فَقالَ: ﴿فَأْتِياهُ﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ في المَرَّةِ الأُولى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ وفي صفحة ٥٤ الثّانِيَةِ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾، وفي الثّالِثَةِ قالَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾، وفي الرّابِعَةِ قالَ هَهُنا: ﴿فَأْتِياهُ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُما في المَرَّةِ الثّانِيَةِ بِأنْ يَقُولا لَهُ ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وفي هَذِهِ المَرَّةِ الرّابِعَةِ أمَرَهُما أنْ يَقُولا ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وفِيهِ تَغْلِيظٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ فِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: انْقِيادُهُ إلَيْهِما والتِزامُهُ لِطاعَتِهِما وذَلِكَ يَعْظُمُ عَلى المَلِكِ المَتْبُوعِ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فِيهِ إدْخالُ النَّقْصِ عَلى مُلْكِهِ لِأنَّهُ كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِمْ فِيما يُرِيدُهُ مِنَ الأعْمالِ مِن بِناءٍ أوْ غَيْرِهِ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ . البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ فَما الفائِدَةُ في التَّلْيِينِ أوَّلًا والتَّغْلِيظِ ثانِيًا ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإنْسانَ إذا ظَهَرَ لَجاجُهُ فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّغْلِيظِ فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ كانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم، لِأنَّ ذِكْرَ المُعْجِزِ مَقْرُونًا بِادِّعاءِ الرِّسالَةِ أوْلى مِن تَأْخِيرِهِ عَنْهُ ؟ قُلْنا: بَلْ هَذا أوْلى مِن تَأْخِيرِهِ عَنْهُ لِأنَّهم ذَكَرُوا مَجْمُوعَ الدَّعاوى ثُمَّ اسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ المَجْمُوعِ بِالمُعْجِزَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ تَعالى أعْطاهُ آيَتَيْنِ وهُما العَصا واليَدُ ثُمَّ قالَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ثَلاثِ آياتٍ وقالَ هَهُنا: ﴿جِئْناكَ بِآيَةٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ واحِدَةً فَكَيْفَ الجَمْعُ ؟ أجابَ القَفّالُ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ الإشارَةُ إلى جِنْسِ الآياتِ كَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْناكَ بِبَيانٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً واحِدَةً أوْ حُجَجًا كَثِيرَةً، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَقالَ بَعْضُهم هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُما كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾، وقُولا لَهُ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كَلامُ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ وعْدٌ مِن قِبَلِهِما لِمَن آمَنَ وصَدَّقَ بِالسَّلامَةِ لَهُ مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والسَّلامُ بِمَعْنى السَّلامَةِ كَما يُقالُ: رَضاعٌ ورَضاعَةٌ واللّامُ وعَلى هَهُنا بِمَعْنًى واحِدٍ كَما قالَ: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] عَلى مَعْنى عَلَيْهِمْ، وقالَ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧]، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ عِقابَ المُؤْمِنِ لا يَدُومُ وذَلِكَ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿العَذابَ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ أوْ تُفِيدُ الماهِيَّةَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَقْتَضِي انْحِصارُ هَذا الجِنْسِ فِيمَن كَذَّبَ وتَوَلّى، فَوَجَبَ في غَيْرِ المُكَذِّبِ المُتَوَلِّي أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الجِنْسُ أصْلًا، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّهُ لا يُعاقِبُ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِهِ في نَفْيِ الدَّوامِ لِأنَّ العِقابَ المُتَناهِيَ إذا حَصَلَ بَعْدَهُ السَّلامَةُ مُدَّةً غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ صارَ ذَلِكَ العِقابُ كَأنَّهُ لا عِقابَ، فَلِذَلِكَ يَحْسُنُ مَعَ حُصُولِ ذَلِكَ القَدْرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا عِقابَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾، وقَدْ فَسَّرْنا السَّلامَ بِالسَّلامَةِ، فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي حُصُولَ السَّلامَةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، والعارِفُ بِاللَّهِ قَدِ اتَّبَعَ الهُدى فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ صاحِبَ السَّلامَةِ.

طه 20:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ فِيهِ أسْئِلَةٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قالا رَبَّنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ وهارُونُ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا هَذا المَقالَ فَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ وجَوابُهُ قَدْ تَقَدَّمَ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وتَيَسَّرَ أمْرُهُ فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنَّنا نَخافُ﴾ فَإنَّ صفحة ٥٣ حُصُولَ الخَوْفِ يَمْنَعُ مِن حُصُولِ شَرْحِ الصَّدْرِ. والجَوابُ: أنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ عِبارَةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ عَلى ضَبْطِ تِلْكَ الأوامِرِ والنَّواهِي وحِفْظِ تِلْكَ الشَّرائِعِ عَلى وجْهٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ السَّهْوُ والتَّحْرِيفُ وذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ زَوالِ الخَوْفِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: أما عَلِمَ مُوسى وهارُونُ وقَدْ حَمَّلَهُما اللَّهُ تَعالى الرِّسالَةَ أنَّهُ تَعالى يُؤَمِّنُهُما مِنَ القَتْلِ الَّذِي هو مَقْطَعَةٌ عَنِ الأداءِ ؟ الجَوابُ: قَدْ أمِنا ذَلِكَ وإنْ جَوَّزا أنْ يَنالَهُما السُّوءُ مِن قَبْلِ تَمامِ الأداءِ أوْ بَعْدِهِ وأيْضًا فَإنَّهُما اسْتَظْهَرا بِأنْ سَألا رَبَّهُما ما يَزِيدُ في ثَباتِ قَلْبِهِما عَلى دُعائِهِ وذَلِكَ بِأنْ يَنْضافَ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ إلى العَقْلِيِّ زِيادَةً في الطُّمَأْنِينَةِ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . السُّؤالُ الرّابِعُ: لَمّا تَكَرَّرَ الأمْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالذَّهابِ فَعَدَمُ الذَّهابِ والتَّعَلُّلُ بِالخَوْفِ هَلْ يَدُلُّ عَلى المَعْصِيَةِ. الجَوابُ: لَوِ اقْتَضى الأمْرُ الفَوْرَ لَكانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى المَعْصِيَةِ لا سِيَّما وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى مِن أنْواعِ التَّشْرِيفِ وتَقْوِيَةِ القَلْبِ وإزالَةِ الغَمِّ ولَكِنْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى الفَوْرِ فَزالَ السُّؤالُ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الأمْرَ لا يَقْتَضِي الفَوْرَ إذا ضَمَمْتَ إلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْصِيَةَ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الرُّسُلِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ فاعْلَمْ أنَّ في: ﴿أنْ يَفْرُطَ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: فَرَطَ سَبَقَ وتَقَدَّمَ، ومِنهُ الفارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ، وفَرَسٌ فَرْطٌ يَسْبِقُ الخَيْلَ، والمَعْنى نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ. وثانِيها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن أفْرَطَ غَيْرَهُ إذا حَمَلَهُ عَلى العَجَلَةِ فَكَأنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ خافا مِن أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ وذَلِكَ الحامِلُ هو إمّا الشَّيْطانُ أوِ ادِّعاؤُهُ لِلرُّبُوبِيَّةِ أوْ حُبُّهُ لِلرِّياسَةِ أوْ قَوْمُهُ وهُمُ القِبْطُ المُتَمَرِّدُونَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٦٠] . وثالِثُها: يَفْرُطُ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فالمَعْنى يَطْغى بِالتَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي لِجَراءَتِهِ عَلَيْكَ، واعْلَمْ أنَّ مَن أُمِرَ بِشَيْءٍ فَحاوَلَ دَفْعَهُ بِأعْذارٍ يَذْكُرُها فَلا بُدَّ وأنْ يَخْتِمَ كَلامَهُ بِما هو الأقْوى وهَذا كَما أنَّ الهُدْهُدَ خَتَمَ عُذْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤] فَكَذا هَهُنا بَدَأ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ لِما أنَّ طُغْيانَهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِن إفْراطِهِ في حَقِّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ فالمُرادُ لا تَخافا مِمّا عَرَضَ في قَلْبِكُما مِنَ الإفْراطِ والطُّغْيانِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُؤَمِّنْهُما مِنَ الرَّدِّ ولا مِنَ التَّكْذِيبِ بِالآياتِ ومُعارَضَةِ السَّحَرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الحِراسَةِ والحِفْظِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ: اللَّهُ مَعَكَ عَلى وجْهِ الدُّعاءِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ فَإنَّ مَن يَكُونُ مَعَ الغَيْرِ وناصِرًا لَهُ وحافِظًا يَجُوزُ أنْ لا يَعْلَمَ كُلَّ ما يَنالُهُ وإنَّما يَحْرُسُهُ فِيما يَعْلَمُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ مَعَهُما بِالحِفْظِ والعِلْمِ في جَمِيعِ ما يَنالُهُما وذَلِكَ هو النِّهايَةُ في إزالَةِ الخَوْفِ قالَ القَفّالُ: قَوْلُهُ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ والمَعْنى: ﴿يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ بِأنْ لا يَسْمَعَ مِنّا: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ بِأنْ يَقْتُلَنا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ أسْمَعُ كَلامَهُ مَعَكُما فَأُسَخِّرُهُ لِلِاسْتِماعِ مِنكُما، وأرى أفْعالَهُ فَلا أتْرُكُهُ حَتّى يَفْعَلَ بِكُما ما تَكْرَهانِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ تَعالى سَمِيعًا وبَصِيرًا صِفَتانِ زائِدَتانِ عَلى العِلْمِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ دَلَّ عَلى العِلْمِ فَقَوْلُهُ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ لَوْ دَلَّ عَلى العِلْمِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وهو خِلافُ الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أعادَ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ فَقالَ: ﴿فَأْتِياهُ﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ في المَرَّةِ الأُولى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ وفي صفحة ٥٤ الثّانِيَةِ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾، وفي الثّالِثَةِ قالَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾، وفي الرّابِعَةِ قالَ هَهُنا: ﴿فَأْتِياهُ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُما في المَرَّةِ الثّانِيَةِ بِأنْ يَقُولا لَهُ ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وفي هَذِهِ المَرَّةِ الرّابِعَةِ أمَرَهُما أنْ يَقُولا ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وفِيهِ تَغْلِيظٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ فِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: انْقِيادُهُ إلَيْهِما والتِزامُهُ لِطاعَتِهِما وذَلِكَ يَعْظُمُ عَلى المَلِكِ المَتْبُوعِ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فِيهِ إدْخالُ النَّقْصِ عَلى مُلْكِهِ لِأنَّهُ كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِمْ فِيما يُرِيدُهُ مِنَ الأعْمالِ مِن بِناءٍ أوْ غَيْرِهِ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ . البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ فَما الفائِدَةُ في التَّلْيِينِ أوَّلًا والتَّغْلِيظِ ثانِيًا ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإنْسانَ إذا ظَهَرَ لَجاجُهُ فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّغْلِيظِ فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ كانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم، لِأنَّ ذِكْرَ المُعْجِزِ مَقْرُونًا بِادِّعاءِ الرِّسالَةِ أوْلى مِن تَأْخِيرِهِ عَنْهُ ؟ قُلْنا: بَلْ هَذا أوْلى مِن تَأْخِيرِهِ عَنْهُ لِأنَّهم ذَكَرُوا مَجْمُوعَ الدَّعاوى ثُمَّ اسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ المَجْمُوعِ بِالمُعْجِزَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ تَعالى أعْطاهُ آيَتَيْنِ وهُما العَصا واليَدُ ثُمَّ قالَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ثَلاثِ آياتٍ وقالَ هَهُنا: ﴿جِئْناكَ بِآيَةٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ واحِدَةً فَكَيْفَ الجَمْعُ ؟ أجابَ القَفّالُ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ الإشارَةُ إلى جِنْسِ الآياتِ كَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْناكَ بِبَيانٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً واحِدَةً أوْ حُجَجًا كَثِيرَةً، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَقالَ بَعْضُهم هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُما كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾، وقُولا لَهُ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كَلامُ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ وعْدٌ مِن قِبَلِهِما لِمَن آمَنَ وصَدَّقَ بِالسَّلامَةِ لَهُ مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والسَّلامُ بِمَعْنى السَّلامَةِ كَما يُقالُ: رَضاعٌ ورَضاعَةٌ واللّامُ وعَلى هَهُنا بِمَعْنًى واحِدٍ كَما قالَ: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] عَلى مَعْنى عَلَيْهِمْ، وقالَ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧]، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ عِقابَ المُؤْمِنِ لا يَدُومُ وذَلِكَ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿العَذابَ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ أوْ تُفِيدُ الماهِيَّةَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَقْتَضِي انْحِصارُ هَذا الجِنْسِ فِيمَن كَذَّبَ وتَوَلّى، فَوَجَبَ في غَيْرِ المُكَذِّبِ المُتَوَلِّي أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الجِنْسُ أصْلًا، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّهُ لا يُعاقِبُ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِهِ في نَفْيِ الدَّوامِ لِأنَّ العِقابَ المُتَناهِيَ إذا حَصَلَ بَعْدَهُ السَّلامَةُ مُدَّةً غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ صارَ ذَلِكَ العِقابُ كَأنَّهُ لا عِقابَ، فَلِذَلِكَ يَحْسُنُ مَعَ حُصُولِ ذَلِكَ القَدْرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا عِقابَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾، وقَدْ فَسَّرْنا السَّلامَ بِالسَّلامَةِ، فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي حُصُولَ السَّلامَةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، والعارِفُ بِاللَّهِ قَدِ اتَّبَعَ الهُدى فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ صاحِبَ السَّلامَةِ.

طه 20:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ فِيهِ أسْئِلَةٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قالا رَبَّنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ وهارُونُ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا هَذا المَقالَ فَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ وجَوابُهُ قَدْ تَقَدَّمَ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وتَيَسَّرَ أمْرُهُ فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنَّنا نَخافُ﴾ فَإنَّ صفحة ٥٣ حُصُولَ الخَوْفِ يَمْنَعُ مِن حُصُولِ شَرْحِ الصَّدْرِ. والجَوابُ: أنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ عِبارَةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ عَلى ضَبْطِ تِلْكَ الأوامِرِ والنَّواهِي وحِفْظِ تِلْكَ الشَّرائِعِ عَلى وجْهٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ السَّهْوُ والتَّحْرِيفُ وذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ زَوالِ الخَوْفِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: أما عَلِمَ مُوسى وهارُونُ وقَدْ حَمَّلَهُما اللَّهُ تَعالى الرِّسالَةَ أنَّهُ تَعالى يُؤَمِّنُهُما مِنَ القَتْلِ الَّذِي هو مَقْطَعَةٌ عَنِ الأداءِ ؟ الجَوابُ: قَدْ أمِنا ذَلِكَ وإنْ جَوَّزا أنْ يَنالَهُما السُّوءُ مِن قَبْلِ تَمامِ الأداءِ أوْ بَعْدِهِ وأيْضًا فَإنَّهُما اسْتَظْهَرا بِأنْ سَألا رَبَّهُما ما يَزِيدُ في ثَباتِ قَلْبِهِما عَلى دُعائِهِ وذَلِكَ بِأنْ يَنْضافَ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ إلى العَقْلِيِّ زِيادَةً في الطُّمَأْنِينَةِ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . السُّؤالُ الرّابِعُ: لَمّا تَكَرَّرَ الأمْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالذَّهابِ فَعَدَمُ الذَّهابِ والتَّعَلُّلُ بِالخَوْفِ هَلْ يَدُلُّ عَلى المَعْصِيَةِ. الجَوابُ: لَوِ اقْتَضى الأمْرُ الفَوْرَ لَكانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى المَعْصِيَةِ لا سِيَّما وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى مِن أنْواعِ التَّشْرِيفِ وتَقْوِيَةِ القَلْبِ وإزالَةِ الغَمِّ ولَكِنْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى الفَوْرِ فَزالَ السُّؤالُ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الأمْرَ لا يَقْتَضِي الفَوْرَ إذا ضَمَمْتَ إلَيْهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْصِيَةَ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الرُّسُلِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ فاعْلَمْ أنَّ في: ﴿أنْ يَفْرُطَ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: فَرَطَ سَبَقَ وتَقَدَّمَ، ومِنهُ الفارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ، وفَرَسٌ فَرْطٌ يَسْبِقُ الخَيْلَ، والمَعْنى نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ عَلَيْنا بِالعُقُوبَةِ. وثانِيها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن أفْرَطَ غَيْرَهُ إذا حَمَلَهُ عَلى العَجَلَةِ فَكَأنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ خافا مِن أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ وذَلِكَ الحامِلُ هو إمّا الشَّيْطانُ أوِ ادِّعاؤُهُ لِلرُّبُوبِيَّةِ أوْ حُبُّهُ لِلرِّياسَةِ أوْ قَوْمُهُ وهُمُ القِبْطُ المُتَمَرِّدُونَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٦٠] . وثالِثُها: يَفْرُطُ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فالمَعْنى يَطْغى بِالتَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي لِجَراءَتِهِ عَلَيْكَ، واعْلَمْ أنَّ مَن أُمِرَ بِشَيْءٍ فَحاوَلَ دَفْعَهُ بِأعْذارٍ يَذْكُرُها فَلا بُدَّ وأنْ يَخْتِمَ كَلامَهُ بِما هو الأقْوى وهَذا كَما أنَّ الهُدْهُدَ خَتَمَ عُذْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤] فَكَذا هَهُنا بَدَأ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ لِما أنَّ طُغْيانَهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِن إفْراطِهِ في حَقِّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ فالمُرادُ لا تَخافا مِمّا عَرَضَ في قَلْبِكُما مِنَ الإفْراطِ والطُّغْيانِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُؤَمِّنْهُما مِنَ الرَّدِّ ولا مِنَ التَّكْذِيبِ بِالآياتِ ومُعارَضَةِ السَّحَرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الحِراسَةِ والحِفْظِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ: اللَّهُ مَعَكَ عَلى وجْهِ الدُّعاءِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ فَإنَّ مَن يَكُونُ مَعَ الغَيْرِ وناصِرًا لَهُ وحافِظًا يَجُوزُ أنْ لا يَعْلَمَ كُلَّ ما يَنالُهُ وإنَّما يَحْرُسُهُ فِيما يَعْلَمُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ مَعَهُما بِالحِفْظِ والعِلْمِ في جَمِيعِ ما يَنالُهُما وذَلِكَ هو النِّهايَةُ في إزالَةِ الخَوْفِ قالَ القَفّالُ: قَوْلُهُ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ والمَعْنى: ﴿يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ بِأنْ لا يَسْمَعَ مِنّا: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ بِأنْ يَقْتُلَنا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ أسْمَعُ كَلامَهُ مَعَكُما فَأُسَخِّرُهُ لِلِاسْتِماعِ مِنكُما، وأرى أفْعالَهُ فَلا أتْرُكُهُ حَتّى يَفْعَلَ بِكُما ما تَكْرَهانِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ تَعالى سَمِيعًا وبَصِيرًا صِفَتانِ زائِدَتانِ عَلى العِلْمِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ دَلَّ عَلى العِلْمِ فَقَوْلُهُ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ لَوْ دَلَّ عَلى العِلْمِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وهو خِلافُ الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أعادَ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ فَقالَ: ﴿فَأْتِياهُ﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ في المَرَّةِ الأُولى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ وفي صفحة ٥٤ الثّانِيَةِ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾، وفي الثّالِثَةِ قالَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾، وفي الرّابِعَةِ قالَ هَهُنا: ﴿فَأْتِياهُ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُما في المَرَّةِ الثّانِيَةِ بِأنْ يَقُولا لَهُ ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ وفي هَذِهِ المَرَّةِ الرّابِعَةِ أمَرَهُما أنْ يَقُولا ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وفِيهِ تَغْلِيظٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ فِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: انْقِيادُهُ إلَيْهِما والتِزامُهُ لِطاعَتِهِما وذَلِكَ يَعْظُمُ عَلى المَلِكِ المَتْبُوعِ. البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فِيهِ إدْخالُ النَّقْصِ عَلى مُلْكِهِ لِأنَّهُ كانَ مُحْتاجًا إلَيْهِمْ فِيما يُرِيدُهُ مِنَ الأعْمالِ مِن بِناءٍ أوْ غَيْرِهِ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ . البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ فَما الفائِدَةُ في التَّلْيِينِ أوَّلًا والتَّغْلِيظِ ثانِيًا ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإنْسانَ إذا ظَهَرَ لَجاجُهُ فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّغْلِيظِ فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ كانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم، لِأنَّ ذِكْرَ المُعْجِزِ مَقْرُونًا بِادِّعاءِ الرِّسالَةِ أوْلى مِن تَأْخِيرِهِ عَنْهُ ؟ قُلْنا: بَلْ هَذا أوْلى مِن تَأْخِيرِهِ عَنْهُ لِأنَّهم ذَكَرُوا مَجْمُوعَ الدَّعاوى ثُمَّ اسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ المَجْمُوعِ بِالمُعْجِزَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ تَعالى أعْطاهُ آيَتَيْنِ وهُما العَصا واليَدُ ثُمَّ قالَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ثَلاثِ آياتٍ وقالَ هَهُنا: ﴿جِئْناكَ بِآيَةٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ واحِدَةً فَكَيْفَ الجَمْعُ ؟ أجابَ القَفّالُ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ الإشارَةُ إلى جِنْسِ الآياتِ كَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْناكَ بِبَيانٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً واحِدَةً أوْ حُجَجًا كَثِيرَةً، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ فَقالَ بَعْضُهم هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُما كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾، وقُولا لَهُ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كَلامُ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ وعْدٌ مِن قِبَلِهِما لِمَن آمَنَ وصَدَّقَ بِالسَّلامَةِ لَهُ مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والسَّلامُ بِمَعْنى السَّلامَةِ كَما يُقالُ: رَضاعٌ ورَضاعَةٌ واللّامُ وعَلى هَهُنا بِمَعْنًى واحِدٍ كَما قالَ: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] عَلى مَعْنى عَلَيْهِمْ، وقالَ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧]، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ عِقابَ المُؤْمِنِ لا يَدُومُ وذَلِكَ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿العَذابَ﴾ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ أوْ تُفِيدُ الماهِيَّةَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَقْتَضِي انْحِصارُ هَذا الجِنْسِ فِيمَن كَذَّبَ وتَوَلّى، فَوَجَبَ في غَيْرِ المُكَذِّبِ المُتَوَلِّي أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الجِنْسُ أصْلًا، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّهُ لا يُعاقِبُ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِهِ في نَفْيِ الدَّوامِ لِأنَّ العِقابَ المُتَناهِيَ إذا حَصَلَ بَعْدَهُ السَّلامَةُ مُدَّةً غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ صارَ ذَلِكَ العِقابُ كَأنَّهُ لا عِقابَ، فَلِذَلِكَ يَحْسُنُ مَعَ حُصُولِ ذَلِكَ القَدْرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا عِقابَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾، وقَدْ فَسَّرْنا السَّلامَ بِالسَّلامَةِ، فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي حُصُولَ السَّلامَةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، والعارِفُ بِاللَّهِ قَدِ اتَّبَعَ الهُدى فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ صاحِبَ السَّلامَةِ.

طه 20:49

صفحة ٥٥ قوله تعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ . اعْلَمْ أنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ لَمّا قالا: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ قالَ لَهُما: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾، فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ شَدِيدَ القُوَّةِ عَظِيمَ الغَلَبَةِ كَثِيرَ العَسْكَرِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهُ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَشْتَغِلْ مَعَهُ بِالبَطْشِ والإيذاءِ بَلْ خَرَجَ مَعَهُ في المُناظَرَةِ لِما أنَّهُ لَوْ شَرَعَ أوَّلًا في الإيذاءِ لَنُسِبَ إلى الجَهْلِ والسَّفاهَةِ فاسْتَنْكَفَ مِن ذَلِكَ وشَرَعَ أوَّلًا في المُناظَرَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّفاهَةَ مِن غَيْرِ الحُجَّةِ شَيْءٌ ما كانَ يَرْتَضِيهِ فِرْعَوْنُ مَعَ كَمالِ جَهْلِهِ وكُفْرِهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَدَّعِي الإسْلامَ والعِلْمَ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ قَبِلَ مُوسى ذَلِكَ السُّؤالَ واشْتَغَلَ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى فَسادِ قَوْلِ التَّعْلِيمِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَسْتَفِيدُ مَعْرِفَةَ الإلَهِ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَرَفَ هَهُنا بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ وتَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ الحَشْوِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَسْتَفِيدُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ والدِّينِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ حِكايَةُ كَلامِ المُبْطِلِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى كَلامَ فِرْعَوْنَ في إنْكارِهِ الإلَهَ وحَكى شُبُهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ وشُبُهاتِ مُنْكِرِي الحَشْرِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ أنَّكَ مَتى أوْرَدْتَ السُّؤالَ فاقْرِنْهُ بِالجَوابِ لِئَلّا يَبْقى الشَّكُّ كَما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ المَواضِعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُحِقَّ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِماعُ كَلامِ المُبْطِلِ، والجَوابُ عَنْهُ مِن غَيْرِ إيذاءٍ ولا إيحاشٍ كَما فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِفِرْعَوْنَ هَهُنا وكَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا إلّا أنَّهُ كانَ يُظْهِرُ الإنْكارَ تَكَبُّرًا وتَجَبُّرًا وزُورًا وبُهْتانًا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِسِتَّةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَمَتى نُصِبَتِ التّاءُ في عَلِمْتَ كانَ ذَلِكَ خِطابًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] . وثانِيها: أنَّهُ كانَ عاقِلًا وإلّا لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُهُ، وكُلُّ مَن كانَ عاقِلًا قَدْ عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ افْتَقَرَ إلى مُدَبِّرٍ، وهَذانَ العِلْمانِ الضَّرُورِيّانِ يَسْتَلْزِمانِ العِلْمَ بِوُجُودِ المُدَبِّرِ. وثالِثُها: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وكَلِمَةُ الَّذِي صفحة ٥٦ تَقْتَضِي وصْفَ المَعْرِفَةِ بِجُمْلَةٍ مَعْلُومَةٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ قَدْ كانَتْ مَعْلُومَةً لَهُ. ورابِعُها: قَوْلُهُ في سُورَةِ القَصَصِ في صِفَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِالمَبْدَأِ إلّا أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْمَعادِ. وخامِسُها: أنَّ مُلْكَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَتَجاوَزِ القِبْطَ ولَمْ يَبْلُغِ الشّامَ ولَمّا هَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدْيَنَ قالَ لَهُ شُعَيْبٌ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] فَمَعَ هَذا كَيْفَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ إلَهُ العالَمِ ؟ وسادِسُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشعراء: ٢٤] قالَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وهو يَشْرَحُ الوَصْفَ فَهو لَمْ يُنازِعْ مُوسى في الوُجُودِ بَلْ طَلَبَ مِنهُ الماهِيَّةَ فَدَلَّ هَذا عَلى اعْتِرافِهِ بِأصْلِ الوُجُودِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ جاهِلًا بِرَبِّهِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ العاقِلَ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ خالِقُ هَذِهِ السَّماواتِ والأرَضِينَ والشَّمْسِ والقَمَرِ، وأنَّهُ خالِقُ نَفْسِهِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ عَجْزَهُ عَنْها ويَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَهُ فَيَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا لَها ولا خالِقًا لَها، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ جَهْلِهِ بِاللَّهِ تَعالى فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلْمُؤَثِّرِ أصْلًا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ فَلْسَفِيًّا قائِلًا بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِن عَبَدَةِ الكَواكِبِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِنَ الحُلُولِيَّةِ المُجَسِّمَةِ. وأمّا ادِّعاؤُهُ الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ فَبِمَعْنى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طاعَتُهُ والِانْقِيادُ لَهُ وعَدَمُ الِاشْتِغالِ بِطاعَةِ غَيْرِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فالسُّؤالُ هَهُنا بِمَن وهو عَنِ الكَيْفِيَّةِ، وفي سُورَةِ الشُّعَراءِ بِما وهو عَنِ الماهِيَّةِ، وهُما سُؤالانِ مُخْتَلِفانِ والواقِعَةُ واحِدَةٌ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: سُؤالُ مَن كانَ مُقَدَّمًا عَلى سُؤالِ ما لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ إنِّي أنا اللَّهُ والرَّبُّ فَقالَ: فَمَن رَبُّكُما ؟ فَلَمّا أقامَ مُوسى الدَّلالَةُ عَلى الوُجُودِ وعَرَفَ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ أنَّ يُقاوِمَهُ في هَذا المَقامِ لِظُهُورِهِ وجَلائِهِ عَدَلَ إلى المَقامِ الثّانِي وهو طَلَبُ الماهِيَّةِ، وهَذا أيْضًا مِمّا يُنَبِّهُ عَلى أنَّهُ كانَ عالِمًا بِاللَّهِ لِأنَّهُ تَرَكَ المُنازَعَةَ في هَذا المَقامِ لِعِلْمِهِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ وشَرَعَ في المَقامِ الصَّعْبِ لِأنَّ العِلْمَ بِماهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ حاصِلٍ لِلْبَشَرِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَمَن إلَهُكُما لِأنَّهُ أثْبَتَ نَفْسَهُ رَبًّا في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: أنا رَبُّكَ فَلِمَ تَدَّعِي رَبًّا آخَرَ، وهَذا الكَلامُ شَبِيهٌ بِكَلامِ نَمْرُوذَ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قالَ نَمْرُوذُ لَهُ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولَمْ يَكُنِ الإحْياءُ والإماتَةُ الَّتِي ذَكَرَهُما إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ هُما الَّذِي عارَضَهُ بِهِما نَمْرُوذُ إلّا في اللَّفْظِ فَكَذا هَهُنا لَمّا ادَّعى مُوسى رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ ومُرادُهُ أنِّي أنا الرَّبُّ لِأنِّي رَبَّيْتُكَ ومَعْلُومٌ أنَّ الرُّبُوبِيَّةَ الَّتِي ادَّعاها مُوسى لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى غَيْرُ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ في المَعْنى وأنَّهُ لا مُشارَكَةَ بَيْنَهُما إلّا في اللَّفْظِ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَدَلَّ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ بِأحْوالِ المَخْلُوقاتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ هي الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١] قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أكْثَرِ الأُمُورِ صفحة ٥٧ يُعَوِّلُ عَلى دَلائِلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ عِبارَةً عَنْ تَرْكِيبِ القَوالِبِ والأبْدانِ، والهِدايَةُ عِبارَةً عَنْ إيداعِ القُوى المُدْرِكَةِ والمُحَرِّكَةِ في تِلْكَ الأجْسامِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الخَلْقُ مُقَدَّمًا عَلى الهِدايَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فالتَّسْوِيَةُ راجِعَةٌ إلى القالَبِ، ونَفْخُ الرُّوحِ إشارَةٌ إلى إيداعِ القُوى وقالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى أنْ قالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَظَهَرَ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ عَلى الهِدايَةِ، والشُّرُوعُ في بَيانِ عَجائِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في الخَلْقِ والهِدايَةِ شُرُوعٌ في بَحْرٍ لا ساحِلَ لَهُ. ولْنَذْكُرْ مِنهُ أمْثِلَةً قَرِيبَةً إلى الأفْهامِ: أحَدُها: أنَّ الطَّبِيعِيَّ يَقُولُ: الثَّقِيلُ هابِطٌ والخَفِيفُ صاعِدٌ وأشَدُّ الأشْياءِ ثِقَلًا الأرْضُ ثُمَّ الماءُ وأشَدُّها خِفَّةً النّارُ ثُمَّ الهَواءُ فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ النّارُ أعْلى العُنْصُرِيّاتِ والأرْضُ أسْفَلَها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قَلَبَ هَذا التَّرْتِيبَ في خِلْقَةِ الإنْسانِ فَجَعَلَ أعْلى الأشْياءِ مِنهُ العَظْمَ والشَّعْرَ وهُما أيْبَسُ ما في البَدَنِ وهُما بِمَنزِلَةِ الأرْضِ، ثُمَّ جَعَلَ تَحْتَهُ الدِّماغَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الماءِ، وجَعَلَ تَحْتَهُ النَّفْسَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الهَواءِ، وجَعَلَ تَحْتَهُ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ الَّتِي في القَلْبِ الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ النّارِ، فَجَعَلَ مَكانَ الأرْضِ مِنَ البَدَنِ الأعْلى، وجَعَلَ مَكانَ النّارِ مِنَ البَدَنِ الأسْفَلِ؛ لِيُعْرَفَ أنَّ ذَلِكَ بِتَدْبِيرِ القادِرِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ لا بِاقْتِضاءِ العِلَّةِ والطَّبِيعَةِ. وثانِيها: أنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى عَجائِبِ النَّحْلِ في تَرْكِيبِ البُيُوتِ المُسَدَّسَةِ وعَجائِبِ أحْوالِ البَقِّ والبَعُوضِ في اهْتِدائِها إلى مَصالِحِ أنْفُسِها لَعَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِإلْهامِ مُدَبِّرٍ عالِمٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْعَمَ عَلى الخَلائِقِ بِما بِهِ قَوامُهم مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ والمَلْبُوسِ والمَنكُوحِ، ثُمَّ هَداهم إلى كَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِها ويَسْتَخْرِجُونَ الحَدِيدَ مِنَ الجِبالِ اللَّآلِيَ مِنَ البِحارِ ويُرَكِّبُونَ الأدْوِيَةَ والدِّرْياقاتِ النّافِعَةِ ويَجْمَعُونَ بَيْنَ الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ فَيَسْتَخْرِجُونَ لَذّاتِ الأطْعِمَةِ فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ الأشْياءِ، ثُمَّ أعْطاهُمُ العُقُولَ الَّتِي بِها يَتَوَصَّلُونَ إلى كَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِها، وهَذا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالإنْسانِ بَلْ عامٌّ في جَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَأعْطى الإنْسانَ إنْسانَةً والحِمارَ حِمارَةً والبَعِيرَ ناقَةً، ثُمَّ هَداهُ لَها لِيَدُومَ التَّناسُلُ وهَدى الأوْلادَ لِثَدْيِ الأُمَّهاتِ، بَلْ هَذا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالحَيَواناتِ بَلْ هو حاصِلٌ في أعْضائِها فَإنَّهُ خَلَقَ اليَدَ عَلى تَرْكِيبٍ خاصٍّ وأوْدَعَ فِيها قُوَّةَ الأخْذِ، وخَلَقَ الرِّجْلَ عَلى تَرْكِيبٍ خاصٍّ وأوْدَعَ فِيها قُوَّةَ المَشْيِ، وكَذا العَيْنُ والأُذُنُ وجَمِيعُ الأعْضاءِ، ثُمَّ رَبَطَ البَعْضَ بِالبَعْضِ عَلى وُجُوهٍ يَحْصُلُ مِنِ ارْتِباطِها مَجْمُوعٌ واحِدٌ، وهو الإنْسانُ. وإنَّما دَلَّتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ لِأنَّ اتِّصافَ كُلِّ جِسْمٍ مِن هَذِهِ الأجْسامِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ أعْنِي التَّرْكِيبَ والقُوَّةَ والهِدايَةَ، إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا أوْ جائِزًا، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنّا نُشاهِدُ تِلْكَ الأجْسامَ بَعْدَ المَوْتِ مُنْفَكَّةً عَنْ تِلْكَ التَّراكِيبِ والقُوى فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، والجائِزُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ ولَيْسَ ذَلِكَ المُرَجِّحُ هو الإنْسانُ ولا أبَواهُ لِأنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي قُدْرَةً عَلَيْهِ وعِلْمًا بِما فِيهِ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، والأمْرانِ نائِيانِ عَنِ الإنْسانِ لِأنَّهُ بَعْدَ كَمالِ عَقْلِهِ يَعْجِزُ عَنْ تَغْيِيرِ شَعْرَةٍ واحِدَةٍ، وبَعْدَ البَحْثِ الشَّدِيدِ عَنْ كُتُبِ التَّشْرِيحِ لا يُعْرَفُ مِن مَنافِعِ الأعْضاءِ ومَصالِحِها إلّا القَدْرُ القَلِيلُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المُتَوَلِّي لِتَدْبِيرِها وتَرْتِيبِها مَوْجُودًا آخَرَ، وذَلِكَ المَوْجُودُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا لِأنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فاخْتِصاصُ ذَلِكَ الجِسْمِ بِتِلْكَ المُؤَثِّرِيَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جائِزًا، وإنْ كانَ جائِزًا افْتَقَرَ إلى سَبَبٍ آخَرَ، والدَّوْرُ والتَّسَلْسُلُ مُحالانِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ في سِلْسِلَةِ الحاجَةِ إلى مَوْجُودٍ مُؤَثِّرٍ ومُدَبِّرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ، ثُمَّ تَأْثِيرُ ذَلِكَ المُؤَثِّرِ إمّا أنْ يَكُونَ بِالذّاتِ أوْ بِالِاخْتِيارِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ صفحة ٥٨ المُوجِبَ لا يُمَيِّزُ مِثْلًا عَنْ مِثْلٍ، وهَذِهِ الأجْسامُ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فَلِمَ اخْتَصَّ بَعْضُها بِالصُّورَةِ الفَلَكِيَّةِ وبَعْضُها بِالصُّورَةِ العُنْصُرِيَّةِ وبَعْضُها بِالنَّباتِيَّةِ وبَعْضُها بِالحَيَوانِيَّةِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ المُؤَثِّرَ والمُدَبِّرَ قادِرٌ، والقادِرُ لا يُمْكِنُهُ مِثْلُ هَذِهِ الأفْعالِ العَجِيبَةِ إلّا إذا كانَ عالِمًا، ثُمَّ إنَّ هَذا المُدَبِّرَ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ وإلّا لافْتَقَرَ إلى مُدَبِّرٍ آخَرَ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ واجِبَ الوُجُودِ في قادِرِيَّتِهِ وعالِمِيَّتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لا يَتَخَصَّصُ بِبَعْضِ المُمْكِناتِ دُونَ البَعْضِ وجَبَ [ أنْ ] يَكُونَ عالِمًا بِكُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وقادِرًا عَلى كُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا فَظَهَرَ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَبَّهَ عَلى تَقْرِيرِها اسْتِنادُ العالَمِ إلى مُدَبِّرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ وهو واجِبُ الوُجُودِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ خاطَبَ الِاثْنَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن رَبُّكُما﴾ ثُمَّ وجَّهَ النِّداءَ إلى أحَدِهِما وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، وإمّا لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ لِخُبْثِهِ يَعْلَمُ الرُّتَّةَ الَّتِي في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأرادَ اسْتِنْطاقَهُ دُونَ أخِيهِ لِما عَرَفَ مِن فَصاحَتِهِ والرُّتَّةِ الَّتِي في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . * * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ أيْ أعْطى خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخَلْقِ الشَّكْلَ والصُّورَةَ المُطابِقَةَ لِلْمَنفَعَةِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ الشَّكْلَ الَّذِي يُطابِقُ مَنفَعَتَهُ ومَصْلَحَتَهُ، وقُرِئَ خَلَقَهُ صِفَةً لِلْمُضافِ أوِ المُضافِ إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لَمْ يُخَلِّهِ مِن إعْطائِهِ وإنْعامِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فاعْلَمْ أنَّ في ارْتِباطِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ عَلى فِرْعَوْنَ أمْرَ المَبْدَأِ والمَعادِ قالَ فِرْعَوْنُ: إنْ كانَ إثْباتُ المَبْدَأِ في هَذا الحَدِّ مِنَ الظُّهُورِ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ما أثْبَتُوهُ وتَرَكُوهُ ؟ فَكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَدَلَّ بِالدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ قَدَحَ فِرْعَوْنُ في تِلْكَ الدَّلالَةِ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَ الأمْرُ في قُوَّةِ هَذِهِ الدَّلالَةِ عَلى ما ذَكَرْتَ وجَبَ عَلى أهْلِ القُرُونِ الماضِيَةِ أنْ لا يَكُونُوا غافِلِينَ عَنْها فَعارَضَ الحُجَّةَ بِالتَّقْلِيدِ. وثانِيها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَدَّدَ بِالعَذابِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فَإنَّها كَذَّبَتْ ثُمَّ إنَّهم ما عُذِّبُوا ؟ وثالِثُها: وهو الأظْهَرُ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ فَذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلًا ظاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا عَلى هَذا المَطْلُوبِ فَقالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ فَخافَ فِرْعَوْنُ أنْ يَزِيدَ في تَقْرِيرِ تِلْكَ الحُجَّةِ فَيَظْهَرُ لِلنّاسِ صِدْقُهُ وفَسادُ طَرِيقِ فِرْعَوْنَ، فَأرادَ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ وأنْ يَشْغَلَهُ بِالحِكاياتِ فَقالَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فَلَمْ يَلْتَفِتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ذَلِكَ الحَدِيثِ بَلْ قالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾ ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضِي بِأحْوالِهِمْ فَلا أشْتَغِلُ بِها، ثُمَّ عادَ إلى تَتْمِيمِ كَلامِهِ الأوَّلِ وإيرادِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ وهَذا الوَجْهُ هو المُعْتَمَدُ في صِحَّةِ هَذا النَّظْمِ، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾ فَإنَّ العِلْمَ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الرَّبِّ كَيْفَ يَكُونُ في الكِتابِ ؟ وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى صِفَتُهُ، وصِفَةُ الشَّيْءِ قائِمَةٌ بِهِ، فَأمّا أنْ تَكُونَ صِفَةُ الشَّيْءِ صفحة ٥٩ حاصِلَةً في كِتابٍ فَذاكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ تِلْكَ الأحْكامَ في كِتابٍ عِنْدَهُ لِكَوْنِ ما كَتَبَهُ فِيهِ يَظْهَرُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيادَةً لَهم في الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ مُنَزَّهٌ عَنِ السَّهْوِ والغَفْلَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ يُوهِمُ احْتِياجَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في ذَلِكَ العِلْمِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ وهَذا، وإنْ كانَ غَيْرَ واجِبٍ لا مَحالَةَ ولَكِنَّهُ لا أقَلَّ مِن أنَّهُ يُوهِمُهُ في أوَّلِ الأمْرِ لا سِيَّما لِلْكافِرِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ ذِكْرُهُ مَعَ مُعانِدٍ مِثْلِ فِرْعَوْنَ في وقْتِ الدَّعْوَةِ ؟ الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ بِأنَّ بَقاءَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ كَبَقاءِ المَكْتُوبِ في الكِتابِ فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ تَأْكِيدَ القَوْلِ بِأنَّ أسْرارَها مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَزُولُ شَيْءٌ مِنها عَنْ عِلْمِهِ، وهَذا التَّفْسِيرُ مُؤَكَّدٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ فَقالَ بَعْضُهم مَعْنى اللَّفْظَيْنِ واحِدٌ أيْ لا يَذْهَبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَخْفى عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والأكْثَرُونَ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهُما، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: وهو الأحْسَنُ ما قالَهُ القَفّالُ: لا يَضِلُّ عَنِ الأشْياءِ ومَعْرِفَتِها وما عَلِمَ مِن ذَلِكَ لَمْ يَنْسَهُ، فاللَّفْظُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، واللَّفْظُ الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْسى﴾ دَلِيلٌ عَلى بَقاءِ ذَلِكَ العِلْمِ أبَدَ الآبادِ وهو إشارَةٌ إلى نَفْيِ التَّغَيُّرِ. وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: لا يُخْطِئُ ذَلِكَ الكِتابَ رَبِّي ولا يَنْسى ما فِيهِ. وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ لا يُخْطِئُ وقْتَ البَعْثِ ولا يَنْساهُ. ورابِعُها: قالَ أبُو عَمْرٍو أصْلُ الضَّلالِ الغَيْبُوبَةُ، والمَعْنى لا يَغِيبُ عَنْ شَيْءٍ ولا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. وخامِسُها: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ لا يُخْطِئُ في التَّدْبِيرِ فَيَعْتَقِدُ في غَيْرِ الصَّوابِ كَوْنَهُ صَوابًا، وإذا عَرَفَهُ لا يَنْساهُ وهَذِهِ الوُجُوهُ مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ هو الأوَّلُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ لَمّا سَألَهُ عَنِ الإلَهِ وقالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ وكانَ ذَلِكَ مِمّا سَبِيلُهُ الِاسْتِدْلالُ أجابَ بِما هو الصَّوابُ بِأوْجَزِ عِبارَةٍ وأحْسَنِ مَعْنًى، ولَمّا سَألَهُ عَنْ شَأْنِ القُرُونِ الأُولى وكانَ ذَلِكَ مِمّا سَبِيلُهُ الإخْبارُ ولَمْ يَأْتِهِ في ذَلِكَ خَبَرٌ وكَلَهُ إلى عالِمِ الغُيُوبِ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ الدَّلالَةَ الأُولى وهي دَلالَةٌ عامَّةٌ تَتَناوَلُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ مِنَ الإنْسانِ وسائِرِ الحَيَواناتِ وأنْواعِ النَّباتِ والجَماداتِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دَلائِلَ خاصَّةً وهي ثَلاثَةٌ. أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ ”مَهْدًا“ والباقُونَ قَرَءُوا (مِهادًا) فِيهِما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الَّذِي أخْتارُهُ (مِهادًا) وهو اسْمٌ، والمَهْدُ اسْمُ الفِعْلِ، وقالَ غَيْرُهُ: المَهْدُ الِاسْمُ، والمِهادُ الجَمْعُ، كالفَرْشِ والفِراشِ، أجابَ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّ الفِراشَ اسْمٌ والفُرُشُ فِعْلٌ، وقالَ المُفَضَّلُ هُما مَصْدَرانِ لِمَهَّدَ إذا وطَّأ لَهُ فِراشًا يُقالُ: مَهَّدَ مَهْدًا ومِهادًا وفَرَشَ فَرْشًا وفِراشًا. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ مَرْفُوعٌ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِـ ﴿رَبِّي﴾، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وهَذا مِن مَظانِّهِ ومَجازِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ الجَزْمُ بِكَوْنِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إذْ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهَيْنِ الباقِيَيْنِ لَزِمَ كَوْنُهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَفَسَدَ النَّظْمُ بِسَبَبِ قَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. البَحْثُ الثّالِثُ: المُرادُ مِن كَوْنِ الأرْضِ مَهْدًا أنَّهُ تَعالى جَعَلَها بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ العِبادُ وغَيْرُهم عَلَيْها بِالقُعُودِ والقِيامِ والنَّوْمِ والزِّراعَةِ وجَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مُسْتَقْصًى في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٦٠ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سَلَكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ جَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا ووَسَّطَها بَيْنَ الجِبالِ والأوْدِيَةِ والبَرارِي. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ والكَلامُ فِيهِ قَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

طه 20:50

صفحة ٥٥ قوله تعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ . اعْلَمْ أنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ لَمّا قالا: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ قالَ لَهُما: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾، فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ شَدِيدَ القُوَّةِ عَظِيمَ الغَلَبَةِ كَثِيرَ العَسْكَرِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهُ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَشْتَغِلْ مَعَهُ بِالبَطْشِ والإيذاءِ بَلْ خَرَجَ مَعَهُ في المُناظَرَةِ لِما أنَّهُ لَوْ شَرَعَ أوَّلًا في الإيذاءِ لَنُسِبَ إلى الجَهْلِ والسَّفاهَةِ فاسْتَنْكَفَ مِن ذَلِكَ وشَرَعَ أوَّلًا في المُناظَرَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّفاهَةَ مِن غَيْرِ الحُجَّةِ شَيْءٌ ما كانَ يَرْتَضِيهِ فِرْعَوْنُ مَعَ كَمالِ جَهْلِهِ وكُفْرِهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَدَّعِي الإسْلامَ والعِلْمَ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ قَبِلَ مُوسى ذَلِكَ السُّؤالَ واشْتَغَلَ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى فَسادِ قَوْلِ التَّعْلِيمِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَسْتَفِيدُ مَعْرِفَةَ الإلَهِ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَرَفَ هَهُنا بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ وتَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ الحَشْوِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَسْتَفِيدُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ والدِّينِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ حِكايَةُ كَلامِ المُبْطِلِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى كَلامَ فِرْعَوْنَ في إنْكارِهِ الإلَهَ وحَكى شُبُهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ وشُبُهاتِ مُنْكِرِي الحَشْرِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ أنَّكَ مَتى أوْرَدْتَ السُّؤالَ فاقْرِنْهُ بِالجَوابِ لِئَلّا يَبْقى الشَّكُّ كَما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ المَواضِعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُحِقَّ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِماعُ كَلامِ المُبْطِلِ، والجَوابُ عَنْهُ مِن غَيْرِ إيذاءٍ ولا إيحاشٍ كَما فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِفِرْعَوْنَ هَهُنا وكَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا إلّا أنَّهُ كانَ يُظْهِرُ الإنْكارَ تَكَبُّرًا وتَجَبُّرًا وزُورًا وبُهْتانًا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِسِتَّةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَمَتى نُصِبَتِ التّاءُ في عَلِمْتَ كانَ ذَلِكَ خِطابًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] . وثانِيها: أنَّهُ كانَ عاقِلًا وإلّا لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُهُ، وكُلُّ مَن كانَ عاقِلًا قَدْ عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ افْتَقَرَ إلى مُدَبِّرٍ، وهَذانَ العِلْمانِ الضَّرُورِيّانِ يَسْتَلْزِمانِ العِلْمَ بِوُجُودِ المُدَبِّرِ. وثالِثُها: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وكَلِمَةُ الَّذِي صفحة ٥٦ تَقْتَضِي وصْفَ المَعْرِفَةِ بِجُمْلَةٍ مَعْلُومَةٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ قَدْ كانَتْ مَعْلُومَةً لَهُ. ورابِعُها: قَوْلُهُ في سُورَةِ القَصَصِ في صِفَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِالمَبْدَأِ إلّا أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْمَعادِ. وخامِسُها: أنَّ مُلْكَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَتَجاوَزِ القِبْطَ ولَمْ يَبْلُغِ الشّامَ ولَمّا هَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدْيَنَ قالَ لَهُ شُعَيْبٌ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] فَمَعَ هَذا كَيْفَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ إلَهُ العالَمِ ؟ وسادِسُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشعراء: ٢٤] قالَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وهو يَشْرَحُ الوَصْفَ فَهو لَمْ يُنازِعْ مُوسى في الوُجُودِ بَلْ طَلَبَ مِنهُ الماهِيَّةَ فَدَلَّ هَذا عَلى اعْتِرافِهِ بِأصْلِ الوُجُودِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ جاهِلًا بِرَبِّهِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ العاقِلَ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ خالِقُ هَذِهِ السَّماواتِ والأرَضِينَ والشَّمْسِ والقَمَرِ، وأنَّهُ خالِقُ نَفْسِهِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ عَجْزَهُ عَنْها ويَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَهُ فَيَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا لَها ولا خالِقًا لَها، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ جَهْلِهِ بِاللَّهِ تَعالى فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلْمُؤَثِّرِ أصْلًا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ فَلْسَفِيًّا قائِلًا بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِن عَبَدَةِ الكَواكِبِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِنَ الحُلُولِيَّةِ المُجَسِّمَةِ. وأمّا ادِّعاؤُهُ الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ فَبِمَعْنى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طاعَتُهُ والِانْقِيادُ لَهُ وعَدَمُ الِاشْتِغالِ بِطاعَةِ غَيْرِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فالسُّؤالُ هَهُنا بِمَن وهو عَنِ الكَيْفِيَّةِ، وفي سُورَةِ الشُّعَراءِ بِما وهو عَنِ الماهِيَّةِ، وهُما سُؤالانِ مُخْتَلِفانِ والواقِعَةُ واحِدَةٌ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: سُؤالُ مَن كانَ مُقَدَّمًا عَلى سُؤالِ ما لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ إنِّي أنا اللَّهُ والرَّبُّ فَقالَ: فَمَن رَبُّكُما ؟ فَلَمّا أقامَ مُوسى الدَّلالَةُ عَلى الوُجُودِ وعَرَفَ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ أنَّ يُقاوِمَهُ في هَذا المَقامِ لِظُهُورِهِ وجَلائِهِ عَدَلَ إلى المَقامِ الثّانِي وهو طَلَبُ الماهِيَّةِ، وهَذا أيْضًا مِمّا يُنَبِّهُ عَلى أنَّهُ كانَ عالِمًا بِاللَّهِ لِأنَّهُ تَرَكَ المُنازَعَةَ في هَذا المَقامِ لِعِلْمِهِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ وشَرَعَ في المَقامِ الصَّعْبِ لِأنَّ العِلْمَ بِماهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ حاصِلٍ لِلْبَشَرِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَمَن إلَهُكُما لِأنَّهُ أثْبَتَ نَفْسَهُ رَبًّا في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: أنا رَبُّكَ فَلِمَ تَدَّعِي رَبًّا آخَرَ، وهَذا الكَلامُ شَبِيهٌ بِكَلامِ نَمْرُوذَ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قالَ نَمْرُوذُ لَهُ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولَمْ يَكُنِ الإحْياءُ والإماتَةُ الَّتِي ذَكَرَهُما إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ هُما الَّذِي عارَضَهُ بِهِما نَمْرُوذُ إلّا في اللَّفْظِ فَكَذا هَهُنا لَمّا ادَّعى مُوسى رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ ومُرادُهُ أنِّي أنا الرَّبُّ لِأنِّي رَبَّيْتُكَ ومَعْلُومٌ أنَّ الرُّبُوبِيَّةَ الَّتِي ادَّعاها مُوسى لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى غَيْرُ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ في المَعْنى وأنَّهُ لا مُشارَكَةَ بَيْنَهُما إلّا في اللَّفْظِ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَدَلَّ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ بِأحْوالِ المَخْلُوقاتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ هي الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١] قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أكْثَرِ الأُمُورِ صفحة ٥٧ يُعَوِّلُ عَلى دَلائِلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ عِبارَةً عَنْ تَرْكِيبِ القَوالِبِ والأبْدانِ، والهِدايَةُ عِبارَةً عَنْ إيداعِ القُوى المُدْرِكَةِ والمُحَرِّكَةِ في تِلْكَ الأجْسامِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الخَلْقُ مُقَدَّمًا عَلى الهِدايَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فالتَّسْوِيَةُ راجِعَةٌ إلى القالَبِ، ونَفْخُ الرُّوحِ إشارَةٌ إلى إيداعِ القُوى وقالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى أنْ قالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَظَهَرَ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ عَلى الهِدايَةِ، والشُّرُوعُ في بَيانِ عَجائِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في الخَلْقِ والهِدايَةِ شُرُوعٌ في بَحْرٍ لا ساحِلَ لَهُ. ولْنَذْكُرْ مِنهُ أمْثِلَةً قَرِيبَةً إلى الأفْهامِ: أحَدُها: أنَّ الطَّبِيعِيَّ يَقُولُ: الثَّقِيلُ هابِطٌ والخَفِيفُ صاعِدٌ وأشَدُّ الأشْياءِ ثِقَلًا الأرْضُ ثُمَّ الماءُ وأشَدُّها خِفَّةً النّارُ ثُمَّ الهَواءُ فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ النّارُ أعْلى العُنْصُرِيّاتِ والأرْضُ أسْفَلَها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قَلَبَ هَذا التَّرْتِيبَ في خِلْقَةِ الإنْسانِ فَجَعَلَ أعْلى الأشْياءِ مِنهُ العَظْمَ والشَّعْرَ وهُما أيْبَسُ ما في البَدَنِ وهُما بِمَنزِلَةِ الأرْضِ، ثُمَّ جَعَلَ تَحْتَهُ الدِّماغَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الماءِ، وجَعَلَ تَحْتَهُ النَّفْسَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الهَواءِ، وجَعَلَ تَحْتَهُ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ الَّتِي في القَلْبِ الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ النّارِ، فَجَعَلَ مَكانَ الأرْضِ مِنَ البَدَنِ الأعْلى، وجَعَلَ مَكانَ النّارِ مِنَ البَدَنِ الأسْفَلِ؛ لِيُعْرَفَ أنَّ ذَلِكَ بِتَدْبِيرِ القادِرِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ لا بِاقْتِضاءِ العِلَّةِ والطَّبِيعَةِ. وثانِيها: أنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى عَجائِبِ النَّحْلِ في تَرْكِيبِ البُيُوتِ المُسَدَّسَةِ وعَجائِبِ أحْوالِ البَقِّ والبَعُوضِ في اهْتِدائِها إلى مَصالِحِ أنْفُسِها لَعَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِإلْهامِ مُدَبِّرٍ عالِمٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْعَمَ عَلى الخَلائِقِ بِما بِهِ قَوامُهم مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ والمَلْبُوسِ والمَنكُوحِ، ثُمَّ هَداهم إلى كَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِها ويَسْتَخْرِجُونَ الحَدِيدَ مِنَ الجِبالِ اللَّآلِيَ مِنَ البِحارِ ويُرَكِّبُونَ الأدْوِيَةَ والدِّرْياقاتِ النّافِعَةِ ويَجْمَعُونَ بَيْنَ الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ فَيَسْتَخْرِجُونَ لَذّاتِ الأطْعِمَةِ فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ الأشْياءِ، ثُمَّ أعْطاهُمُ العُقُولَ الَّتِي بِها يَتَوَصَّلُونَ إلى كَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِها، وهَذا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالإنْسانِ بَلْ عامٌّ في جَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَأعْطى الإنْسانَ إنْسانَةً والحِمارَ حِمارَةً والبَعِيرَ ناقَةً، ثُمَّ هَداهُ لَها لِيَدُومَ التَّناسُلُ وهَدى الأوْلادَ لِثَدْيِ الأُمَّهاتِ، بَلْ هَذا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالحَيَواناتِ بَلْ هو حاصِلٌ في أعْضائِها فَإنَّهُ خَلَقَ اليَدَ عَلى تَرْكِيبٍ خاصٍّ وأوْدَعَ فِيها قُوَّةَ الأخْذِ، وخَلَقَ الرِّجْلَ عَلى تَرْكِيبٍ خاصٍّ وأوْدَعَ فِيها قُوَّةَ المَشْيِ، وكَذا العَيْنُ والأُذُنُ وجَمِيعُ الأعْضاءِ، ثُمَّ رَبَطَ البَعْضَ بِالبَعْضِ عَلى وُجُوهٍ يَحْصُلُ مِنِ ارْتِباطِها مَجْمُوعٌ واحِدٌ، وهو الإنْسانُ. وإنَّما دَلَّتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ لِأنَّ اتِّصافَ كُلِّ جِسْمٍ مِن هَذِهِ الأجْسامِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ أعْنِي التَّرْكِيبَ والقُوَّةَ والهِدايَةَ، إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا أوْ جائِزًا، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنّا نُشاهِدُ تِلْكَ الأجْسامَ بَعْدَ المَوْتِ مُنْفَكَّةً عَنْ تِلْكَ التَّراكِيبِ والقُوى فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، والجائِزُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ ولَيْسَ ذَلِكَ المُرَجِّحُ هو الإنْسانُ ولا أبَواهُ لِأنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي قُدْرَةً عَلَيْهِ وعِلْمًا بِما فِيهِ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، والأمْرانِ نائِيانِ عَنِ الإنْسانِ لِأنَّهُ بَعْدَ كَمالِ عَقْلِهِ يَعْجِزُ عَنْ تَغْيِيرِ شَعْرَةٍ واحِدَةٍ، وبَعْدَ البَحْثِ الشَّدِيدِ عَنْ كُتُبِ التَّشْرِيحِ لا يُعْرَفُ مِن مَنافِعِ الأعْضاءِ ومَصالِحِها إلّا القَدْرُ القَلِيلُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المُتَوَلِّي لِتَدْبِيرِها وتَرْتِيبِها مَوْجُودًا آخَرَ، وذَلِكَ المَوْجُودُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا لِأنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فاخْتِصاصُ ذَلِكَ الجِسْمِ بِتِلْكَ المُؤَثِّرِيَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جائِزًا، وإنْ كانَ جائِزًا افْتَقَرَ إلى سَبَبٍ آخَرَ، والدَّوْرُ والتَّسَلْسُلُ مُحالانِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ في سِلْسِلَةِ الحاجَةِ إلى مَوْجُودٍ مُؤَثِّرٍ ومُدَبِّرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ، ثُمَّ تَأْثِيرُ ذَلِكَ المُؤَثِّرِ إمّا أنْ يَكُونَ بِالذّاتِ أوْ بِالِاخْتِيارِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ صفحة ٥٨ المُوجِبَ لا يُمَيِّزُ مِثْلًا عَنْ مِثْلٍ، وهَذِهِ الأجْسامُ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فَلِمَ اخْتَصَّ بَعْضُها بِالصُّورَةِ الفَلَكِيَّةِ وبَعْضُها بِالصُّورَةِ العُنْصُرِيَّةِ وبَعْضُها بِالنَّباتِيَّةِ وبَعْضُها بِالحَيَوانِيَّةِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ المُؤَثِّرَ والمُدَبِّرَ قادِرٌ، والقادِرُ لا يُمْكِنُهُ مِثْلُ هَذِهِ الأفْعالِ العَجِيبَةِ إلّا إذا كانَ عالِمًا، ثُمَّ إنَّ هَذا المُدَبِّرَ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ وإلّا لافْتَقَرَ إلى مُدَبِّرٍ آخَرَ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ واجِبَ الوُجُودِ في قادِرِيَّتِهِ وعالِمِيَّتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لا يَتَخَصَّصُ بِبَعْضِ المُمْكِناتِ دُونَ البَعْضِ وجَبَ [ أنْ ] يَكُونَ عالِمًا بِكُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وقادِرًا عَلى كُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا فَظَهَرَ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَبَّهَ عَلى تَقْرِيرِها اسْتِنادُ العالَمِ إلى مُدَبِّرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ وهو واجِبُ الوُجُودِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ خاطَبَ الِاثْنَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن رَبُّكُما﴾ ثُمَّ وجَّهَ النِّداءَ إلى أحَدِهِما وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، وإمّا لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ لِخُبْثِهِ يَعْلَمُ الرُّتَّةَ الَّتِي في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأرادَ اسْتِنْطاقَهُ دُونَ أخِيهِ لِما عَرَفَ مِن فَصاحَتِهِ والرُّتَّةِ الَّتِي في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . * * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ أيْ أعْطى خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخَلْقِ الشَّكْلَ والصُّورَةَ المُطابِقَةَ لِلْمَنفَعَةِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ الشَّكْلَ الَّذِي يُطابِقُ مَنفَعَتَهُ ومَصْلَحَتَهُ، وقُرِئَ خَلَقَهُ صِفَةً لِلْمُضافِ أوِ المُضافِ إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لَمْ يُخَلِّهِ مِن إعْطائِهِ وإنْعامِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فاعْلَمْ أنَّ في ارْتِباطِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ عَلى فِرْعَوْنَ أمْرَ المَبْدَأِ والمَعادِ قالَ فِرْعَوْنُ: إنْ كانَ إثْباتُ المَبْدَأِ في هَذا الحَدِّ مِنَ الظُّهُورِ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ما أثْبَتُوهُ وتَرَكُوهُ ؟ فَكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَدَلَّ بِالدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ قَدَحَ فِرْعَوْنُ في تِلْكَ الدَّلالَةِ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَ الأمْرُ في قُوَّةِ هَذِهِ الدَّلالَةِ عَلى ما ذَكَرْتَ وجَبَ عَلى أهْلِ القُرُونِ الماضِيَةِ أنْ لا يَكُونُوا غافِلِينَ عَنْها فَعارَضَ الحُجَّةَ بِالتَّقْلِيدِ. وثانِيها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَدَّدَ بِالعَذابِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فَإنَّها كَذَّبَتْ ثُمَّ إنَّهم ما عُذِّبُوا ؟ وثالِثُها: وهو الأظْهَرُ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ فَذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلًا ظاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا عَلى هَذا المَطْلُوبِ فَقالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ فَخافَ فِرْعَوْنُ أنْ يَزِيدَ في تَقْرِيرِ تِلْكَ الحُجَّةِ فَيَظْهَرُ لِلنّاسِ صِدْقُهُ وفَسادُ طَرِيقِ فِرْعَوْنَ، فَأرادَ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ وأنْ يَشْغَلَهُ بِالحِكاياتِ فَقالَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فَلَمْ يَلْتَفِتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ذَلِكَ الحَدِيثِ بَلْ قالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾ ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضِي بِأحْوالِهِمْ فَلا أشْتَغِلُ بِها، ثُمَّ عادَ إلى تَتْمِيمِ كَلامِهِ الأوَّلِ وإيرادِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ وهَذا الوَجْهُ هو المُعْتَمَدُ في صِحَّةِ هَذا النَّظْمِ، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾ فَإنَّ العِلْمَ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الرَّبِّ كَيْفَ يَكُونُ في الكِتابِ ؟ وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى صِفَتُهُ، وصِفَةُ الشَّيْءِ قائِمَةٌ بِهِ، فَأمّا أنْ تَكُونَ صِفَةُ الشَّيْءِ صفحة ٥٩ حاصِلَةً في كِتابٍ فَذاكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ تِلْكَ الأحْكامَ في كِتابٍ عِنْدَهُ لِكَوْنِ ما كَتَبَهُ فِيهِ يَظْهَرُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيادَةً لَهم في الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ مُنَزَّهٌ عَنِ السَّهْوِ والغَفْلَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ يُوهِمُ احْتِياجَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في ذَلِكَ العِلْمِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ وهَذا، وإنْ كانَ غَيْرَ واجِبٍ لا مَحالَةَ ولَكِنَّهُ لا أقَلَّ مِن أنَّهُ يُوهِمُهُ في أوَّلِ الأمْرِ لا سِيَّما لِلْكافِرِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ ذِكْرُهُ مَعَ مُعانِدٍ مِثْلِ فِرْعَوْنَ في وقْتِ الدَّعْوَةِ ؟ الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ بِأنَّ بَقاءَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ كَبَقاءِ المَكْتُوبِ في الكِتابِ فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ تَأْكِيدَ القَوْلِ بِأنَّ أسْرارَها مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَزُولُ شَيْءٌ مِنها عَنْ عِلْمِهِ، وهَذا التَّفْسِيرُ مُؤَكَّدٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ فَقالَ بَعْضُهم مَعْنى اللَّفْظَيْنِ واحِدٌ أيْ لا يَذْهَبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَخْفى عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والأكْثَرُونَ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهُما، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: وهو الأحْسَنُ ما قالَهُ القَفّالُ: لا يَضِلُّ عَنِ الأشْياءِ ومَعْرِفَتِها وما عَلِمَ مِن ذَلِكَ لَمْ يَنْسَهُ، فاللَّفْظُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، واللَّفْظُ الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْسى﴾ دَلِيلٌ عَلى بَقاءِ ذَلِكَ العِلْمِ أبَدَ الآبادِ وهو إشارَةٌ إلى نَفْيِ التَّغَيُّرِ. وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: لا يُخْطِئُ ذَلِكَ الكِتابَ رَبِّي ولا يَنْسى ما فِيهِ. وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ لا يُخْطِئُ وقْتَ البَعْثِ ولا يَنْساهُ. ورابِعُها: قالَ أبُو عَمْرٍو أصْلُ الضَّلالِ الغَيْبُوبَةُ، والمَعْنى لا يَغِيبُ عَنْ شَيْءٍ ولا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. وخامِسُها: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ لا يُخْطِئُ في التَّدْبِيرِ فَيَعْتَقِدُ في غَيْرِ الصَّوابِ كَوْنَهُ صَوابًا، وإذا عَرَفَهُ لا يَنْساهُ وهَذِهِ الوُجُوهُ مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ هو الأوَّلُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ لَمّا سَألَهُ عَنِ الإلَهِ وقالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ وكانَ ذَلِكَ مِمّا سَبِيلُهُ الِاسْتِدْلالُ أجابَ بِما هو الصَّوابُ بِأوْجَزِ عِبارَةٍ وأحْسَنِ مَعْنًى، ولَمّا سَألَهُ عَنْ شَأْنِ القُرُونِ الأُولى وكانَ ذَلِكَ مِمّا سَبِيلُهُ الإخْبارُ ولَمْ يَأْتِهِ في ذَلِكَ خَبَرٌ وكَلَهُ إلى عالِمِ الغُيُوبِ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ الدَّلالَةَ الأُولى وهي دَلالَةٌ عامَّةٌ تَتَناوَلُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ مِنَ الإنْسانِ وسائِرِ الحَيَواناتِ وأنْواعِ النَّباتِ والجَماداتِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دَلائِلَ خاصَّةً وهي ثَلاثَةٌ. أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ ”مَهْدًا“ والباقُونَ قَرَءُوا (مِهادًا) فِيهِما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الَّذِي أخْتارُهُ (مِهادًا) وهو اسْمٌ، والمَهْدُ اسْمُ الفِعْلِ، وقالَ غَيْرُهُ: المَهْدُ الِاسْمُ، والمِهادُ الجَمْعُ، كالفَرْشِ والفِراشِ، أجابَ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّ الفِراشَ اسْمٌ والفُرُشُ فِعْلٌ، وقالَ المُفَضَّلُ هُما مَصْدَرانِ لِمَهَّدَ إذا وطَّأ لَهُ فِراشًا يُقالُ: مَهَّدَ مَهْدًا ومِهادًا وفَرَشَ فَرْشًا وفِراشًا. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ مَرْفُوعٌ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِـ ﴿رَبِّي﴾، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وهَذا مِن مَظانِّهِ ومَجازِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ الجَزْمُ بِكَوْنِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إذْ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهَيْنِ الباقِيَيْنِ لَزِمَ كَوْنُهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَفَسَدَ النَّظْمُ بِسَبَبِ قَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. البَحْثُ الثّالِثُ: المُرادُ مِن كَوْنِ الأرْضِ مَهْدًا أنَّهُ تَعالى جَعَلَها بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ العِبادُ وغَيْرُهم عَلَيْها بِالقُعُودِ والقِيامِ والنَّوْمِ والزِّراعَةِ وجَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مُسْتَقْصًى في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٦٠ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سَلَكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ جَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا ووَسَّطَها بَيْنَ الجِبالِ والأوْدِيَةِ والبَرارِي. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ والكَلامُ فِيهِ قَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

طه 20:51

صفحة ٥٥ قوله تعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ . اعْلَمْ أنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ لَمّا قالا: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ قالَ لَهُما: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾، فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ شَدِيدَ القُوَّةِ عَظِيمَ الغَلَبَةِ كَثِيرَ العَسْكَرِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهُ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَشْتَغِلْ مَعَهُ بِالبَطْشِ والإيذاءِ بَلْ خَرَجَ مَعَهُ في المُناظَرَةِ لِما أنَّهُ لَوْ شَرَعَ أوَّلًا في الإيذاءِ لَنُسِبَ إلى الجَهْلِ والسَّفاهَةِ فاسْتَنْكَفَ مِن ذَلِكَ وشَرَعَ أوَّلًا في المُناظَرَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّفاهَةَ مِن غَيْرِ الحُجَّةِ شَيْءٌ ما كانَ يَرْتَضِيهِ فِرْعَوْنُ مَعَ كَمالِ جَهْلِهِ وكُفْرِهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَدَّعِي الإسْلامَ والعِلْمَ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ قَبِلَ مُوسى ذَلِكَ السُّؤالَ واشْتَغَلَ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى فَسادِ قَوْلِ التَّعْلِيمِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَسْتَفِيدُ مَعْرِفَةَ الإلَهِ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَرَفَ هَهُنا بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ وتَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ الحَشْوِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَسْتَفِيدُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ والدِّينِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ حِكايَةُ كَلامِ المُبْطِلِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى كَلامَ فِرْعَوْنَ في إنْكارِهِ الإلَهَ وحَكى شُبُهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ وشُبُهاتِ مُنْكِرِي الحَشْرِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ أنَّكَ مَتى أوْرَدْتَ السُّؤالَ فاقْرِنْهُ بِالجَوابِ لِئَلّا يَبْقى الشَّكُّ كَما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ المَواضِعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُحِقَّ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِماعُ كَلامِ المُبْطِلِ، والجَوابُ عَنْهُ مِن غَيْرِ إيذاءٍ ولا إيحاشٍ كَما فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِفِرْعَوْنَ هَهُنا وكَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا إلّا أنَّهُ كانَ يُظْهِرُ الإنْكارَ تَكَبُّرًا وتَجَبُّرًا وزُورًا وبُهْتانًا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِسِتَّةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَمَتى نُصِبَتِ التّاءُ في عَلِمْتَ كانَ ذَلِكَ خِطابًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] . وثانِيها: أنَّهُ كانَ عاقِلًا وإلّا لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُهُ، وكُلُّ مَن كانَ عاقِلًا قَدْ عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ افْتَقَرَ إلى مُدَبِّرٍ، وهَذانَ العِلْمانِ الضَّرُورِيّانِ يَسْتَلْزِمانِ العِلْمَ بِوُجُودِ المُدَبِّرِ. وثالِثُها: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وكَلِمَةُ الَّذِي صفحة ٥٦ تَقْتَضِي وصْفَ المَعْرِفَةِ بِجُمْلَةٍ مَعْلُومَةٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ قَدْ كانَتْ مَعْلُومَةً لَهُ. ورابِعُها: قَوْلُهُ في سُورَةِ القَصَصِ في صِفَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِالمَبْدَأِ إلّا أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْمَعادِ. وخامِسُها: أنَّ مُلْكَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَتَجاوَزِ القِبْطَ ولَمْ يَبْلُغِ الشّامَ ولَمّا هَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدْيَنَ قالَ لَهُ شُعَيْبٌ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] فَمَعَ هَذا كَيْفَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ إلَهُ العالَمِ ؟ وسادِسُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشعراء: ٢٤] قالَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وهو يَشْرَحُ الوَصْفَ فَهو لَمْ يُنازِعْ مُوسى في الوُجُودِ بَلْ طَلَبَ مِنهُ الماهِيَّةَ فَدَلَّ هَذا عَلى اعْتِرافِهِ بِأصْلِ الوُجُودِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ جاهِلًا بِرَبِّهِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ العاقِلَ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ خالِقُ هَذِهِ السَّماواتِ والأرَضِينَ والشَّمْسِ والقَمَرِ، وأنَّهُ خالِقُ نَفْسِهِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ عَجْزَهُ عَنْها ويَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَهُ فَيَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا لَها ولا خالِقًا لَها، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ جَهْلِهِ بِاللَّهِ تَعالى فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلْمُؤَثِّرِ أصْلًا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ فَلْسَفِيًّا قائِلًا بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِن عَبَدَةِ الكَواكِبِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِنَ الحُلُولِيَّةِ المُجَسِّمَةِ. وأمّا ادِّعاؤُهُ الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ فَبِمَعْنى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طاعَتُهُ والِانْقِيادُ لَهُ وعَدَمُ الِاشْتِغالِ بِطاعَةِ غَيْرِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فالسُّؤالُ هَهُنا بِمَن وهو عَنِ الكَيْفِيَّةِ، وفي سُورَةِ الشُّعَراءِ بِما وهو عَنِ الماهِيَّةِ، وهُما سُؤالانِ مُخْتَلِفانِ والواقِعَةُ واحِدَةٌ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: سُؤالُ مَن كانَ مُقَدَّمًا عَلى سُؤالِ ما لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ إنِّي أنا اللَّهُ والرَّبُّ فَقالَ: فَمَن رَبُّكُما ؟ فَلَمّا أقامَ مُوسى الدَّلالَةُ عَلى الوُجُودِ وعَرَفَ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ أنَّ يُقاوِمَهُ في هَذا المَقامِ لِظُهُورِهِ وجَلائِهِ عَدَلَ إلى المَقامِ الثّانِي وهو طَلَبُ الماهِيَّةِ، وهَذا أيْضًا مِمّا يُنَبِّهُ عَلى أنَّهُ كانَ عالِمًا بِاللَّهِ لِأنَّهُ تَرَكَ المُنازَعَةَ في هَذا المَقامِ لِعِلْمِهِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ وشَرَعَ في المَقامِ الصَّعْبِ لِأنَّ العِلْمَ بِماهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ حاصِلٍ لِلْبَشَرِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَمَن إلَهُكُما لِأنَّهُ أثْبَتَ نَفْسَهُ رَبًّا في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: أنا رَبُّكَ فَلِمَ تَدَّعِي رَبًّا آخَرَ، وهَذا الكَلامُ شَبِيهٌ بِكَلامِ نَمْرُوذَ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قالَ نَمْرُوذُ لَهُ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولَمْ يَكُنِ الإحْياءُ والإماتَةُ الَّتِي ذَكَرَهُما إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ هُما الَّذِي عارَضَهُ بِهِما نَمْرُوذُ إلّا في اللَّفْظِ فَكَذا هَهُنا لَمّا ادَّعى مُوسى رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ ومُرادُهُ أنِّي أنا الرَّبُّ لِأنِّي رَبَّيْتُكَ ومَعْلُومٌ أنَّ الرُّبُوبِيَّةَ الَّتِي ادَّعاها مُوسى لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى غَيْرُ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ في المَعْنى وأنَّهُ لا مُشارَكَةَ بَيْنَهُما إلّا في اللَّفْظِ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَدَلَّ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ بِأحْوالِ المَخْلُوقاتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ هي الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١] قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أكْثَرِ الأُمُورِ صفحة ٥٧ يُعَوِّلُ عَلى دَلائِلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ عِبارَةً عَنْ تَرْكِيبِ القَوالِبِ والأبْدانِ، والهِدايَةُ عِبارَةً عَنْ إيداعِ القُوى المُدْرِكَةِ والمُحَرِّكَةِ في تِلْكَ الأجْسامِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الخَلْقُ مُقَدَّمًا عَلى الهِدايَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فالتَّسْوِيَةُ راجِعَةٌ إلى القالَبِ، ونَفْخُ الرُّوحِ إشارَةٌ إلى إيداعِ القُوى وقالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى أنْ قالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَظَهَرَ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ عَلى الهِدايَةِ، والشُّرُوعُ في بَيانِ عَجائِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في الخَلْقِ والهِدايَةِ شُرُوعٌ في بَحْرٍ لا ساحِلَ لَهُ. ولْنَذْكُرْ مِنهُ أمْثِلَةً قَرِيبَةً إلى الأفْهامِ: أحَدُها: أنَّ الطَّبِيعِيَّ يَقُولُ: الثَّقِيلُ هابِطٌ والخَفِيفُ صاعِدٌ وأشَدُّ الأشْياءِ ثِقَلًا الأرْضُ ثُمَّ الماءُ وأشَدُّها خِفَّةً النّارُ ثُمَّ الهَواءُ فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ النّارُ أعْلى العُنْصُرِيّاتِ والأرْضُ أسْفَلَها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قَلَبَ هَذا التَّرْتِيبَ في خِلْقَةِ الإنْسانِ فَجَعَلَ أعْلى الأشْياءِ مِنهُ العَظْمَ والشَّعْرَ وهُما أيْبَسُ ما في البَدَنِ وهُما بِمَنزِلَةِ الأرْضِ، ثُمَّ جَعَلَ تَحْتَهُ الدِّماغَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الماءِ، وجَعَلَ تَحْتَهُ النَّفْسَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الهَواءِ، وجَعَلَ تَحْتَهُ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ الَّتِي في القَلْبِ الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ النّارِ، فَجَعَلَ مَكانَ الأرْضِ مِنَ البَدَنِ الأعْلى، وجَعَلَ مَكانَ النّارِ مِنَ البَدَنِ الأسْفَلِ؛ لِيُعْرَفَ أنَّ ذَلِكَ بِتَدْبِيرِ القادِرِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ لا بِاقْتِضاءِ العِلَّةِ والطَّبِيعَةِ. وثانِيها: أنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى عَجائِبِ النَّحْلِ في تَرْكِيبِ البُيُوتِ المُسَدَّسَةِ وعَجائِبِ أحْوالِ البَقِّ والبَعُوضِ في اهْتِدائِها إلى مَصالِحِ أنْفُسِها لَعَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِإلْهامِ مُدَبِّرٍ عالِمٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْعَمَ عَلى الخَلائِقِ بِما بِهِ قَوامُهم مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ والمَلْبُوسِ والمَنكُوحِ، ثُمَّ هَداهم إلى كَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِها ويَسْتَخْرِجُونَ الحَدِيدَ مِنَ الجِبالِ اللَّآلِيَ مِنَ البِحارِ ويُرَكِّبُونَ الأدْوِيَةَ والدِّرْياقاتِ النّافِعَةِ ويَجْمَعُونَ بَيْنَ الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ فَيَسْتَخْرِجُونَ لَذّاتِ الأطْعِمَةِ فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ الأشْياءِ، ثُمَّ أعْطاهُمُ العُقُولَ الَّتِي بِها يَتَوَصَّلُونَ إلى كَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِها، وهَذا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالإنْسانِ بَلْ عامٌّ في جَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَأعْطى الإنْسانَ إنْسانَةً والحِمارَ حِمارَةً والبَعِيرَ ناقَةً، ثُمَّ هَداهُ لَها لِيَدُومَ التَّناسُلُ وهَدى الأوْلادَ لِثَدْيِ الأُمَّهاتِ، بَلْ هَذا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالحَيَواناتِ بَلْ هو حاصِلٌ في أعْضائِها فَإنَّهُ خَلَقَ اليَدَ عَلى تَرْكِيبٍ خاصٍّ وأوْدَعَ فِيها قُوَّةَ الأخْذِ، وخَلَقَ الرِّجْلَ عَلى تَرْكِيبٍ خاصٍّ وأوْدَعَ فِيها قُوَّةَ المَشْيِ، وكَذا العَيْنُ والأُذُنُ وجَمِيعُ الأعْضاءِ، ثُمَّ رَبَطَ البَعْضَ بِالبَعْضِ عَلى وُجُوهٍ يَحْصُلُ مِنِ ارْتِباطِها مَجْمُوعٌ واحِدٌ، وهو الإنْسانُ. وإنَّما دَلَّتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ لِأنَّ اتِّصافَ كُلِّ جِسْمٍ مِن هَذِهِ الأجْسامِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ أعْنِي التَّرْكِيبَ والقُوَّةَ والهِدايَةَ، إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا أوْ جائِزًا، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنّا نُشاهِدُ تِلْكَ الأجْسامَ بَعْدَ المَوْتِ مُنْفَكَّةً عَنْ تِلْكَ التَّراكِيبِ والقُوى فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، والجائِزُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ ولَيْسَ ذَلِكَ المُرَجِّحُ هو الإنْسانُ ولا أبَواهُ لِأنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي قُدْرَةً عَلَيْهِ وعِلْمًا بِما فِيهِ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، والأمْرانِ نائِيانِ عَنِ الإنْسانِ لِأنَّهُ بَعْدَ كَمالِ عَقْلِهِ يَعْجِزُ عَنْ تَغْيِيرِ شَعْرَةٍ واحِدَةٍ، وبَعْدَ البَحْثِ الشَّدِيدِ عَنْ كُتُبِ التَّشْرِيحِ لا يُعْرَفُ مِن مَنافِعِ الأعْضاءِ ومَصالِحِها إلّا القَدْرُ القَلِيلُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المُتَوَلِّي لِتَدْبِيرِها وتَرْتِيبِها مَوْجُودًا آخَرَ، وذَلِكَ المَوْجُودُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا لِأنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فاخْتِصاصُ ذَلِكَ الجِسْمِ بِتِلْكَ المُؤَثِّرِيَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جائِزًا، وإنْ كانَ جائِزًا افْتَقَرَ إلى سَبَبٍ آخَرَ، والدَّوْرُ والتَّسَلْسُلُ مُحالانِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ في سِلْسِلَةِ الحاجَةِ إلى مَوْجُودٍ مُؤَثِّرٍ ومُدَبِّرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ، ثُمَّ تَأْثِيرُ ذَلِكَ المُؤَثِّرِ إمّا أنْ يَكُونَ بِالذّاتِ أوْ بِالِاخْتِيارِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ صفحة ٥٨ المُوجِبَ لا يُمَيِّزُ مِثْلًا عَنْ مِثْلٍ، وهَذِهِ الأجْسامُ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فَلِمَ اخْتَصَّ بَعْضُها بِالصُّورَةِ الفَلَكِيَّةِ وبَعْضُها بِالصُّورَةِ العُنْصُرِيَّةِ وبَعْضُها بِالنَّباتِيَّةِ وبَعْضُها بِالحَيَوانِيَّةِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ المُؤَثِّرَ والمُدَبِّرَ قادِرٌ، والقادِرُ لا يُمْكِنُهُ مِثْلُ هَذِهِ الأفْعالِ العَجِيبَةِ إلّا إذا كانَ عالِمًا، ثُمَّ إنَّ هَذا المُدَبِّرَ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ وإلّا لافْتَقَرَ إلى مُدَبِّرٍ آخَرَ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ واجِبَ الوُجُودِ في قادِرِيَّتِهِ وعالِمِيَّتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لا يَتَخَصَّصُ بِبَعْضِ المُمْكِناتِ دُونَ البَعْضِ وجَبَ [ أنْ ] يَكُونَ عالِمًا بِكُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وقادِرًا عَلى كُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا فَظَهَرَ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَبَّهَ عَلى تَقْرِيرِها اسْتِنادُ العالَمِ إلى مُدَبِّرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ وهو واجِبُ الوُجُودِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ خاطَبَ الِاثْنَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن رَبُّكُما﴾ ثُمَّ وجَّهَ النِّداءَ إلى أحَدِهِما وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، وإمّا لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ لِخُبْثِهِ يَعْلَمُ الرُّتَّةَ الَّتِي في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأرادَ اسْتِنْطاقَهُ دُونَ أخِيهِ لِما عَرَفَ مِن فَصاحَتِهِ والرُّتَّةِ الَّتِي في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . * * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ أيْ أعْطى خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخَلْقِ الشَّكْلَ والصُّورَةَ المُطابِقَةَ لِلْمَنفَعَةِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ الشَّكْلَ الَّذِي يُطابِقُ مَنفَعَتَهُ ومَصْلَحَتَهُ، وقُرِئَ خَلَقَهُ صِفَةً لِلْمُضافِ أوِ المُضافِ إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لَمْ يُخَلِّهِ مِن إعْطائِهِ وإنْعامِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فاعْلَمْ أنَّ في ارْتِباطِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ عَلى فِرْعَوْنَ أمْرَ المَبْدَأِ والمَعادِ قالَ فِرْعَوْنُ: إنْ كانَ إثْباتُ المَبْدَأِ في هَذا الحَدِّ مِنَ الظُّهُورِ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ما أثْبَتُوهُ وتَرَكُوهُ ؟ فَكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَدَلَّ بِالدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ قَدَحَ فِرْعَوْنُ في تِلْكَ الدَّلالَةِ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَ الأمْرُ في قُوَّةِ هَذِهِ الدَّلالَةِ عَلى ما ذَكَرْتَ وجَبَ عَلى أهْلِ القُرُونِ الماضِيَةِ أنْ لا يَكُونُوا غافِلِينَ عَنْها فَعارَضَ الحُجَّةَ بِالتَّقْلِيدِ. وثانِيها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَدَّدَ بِالعَذابِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فَإنَّها كَذَّبَتْ ثُمَّ إنَّهم ما عُذِّبُوا ؟ وثالِثُها: وهو الأظْهَرُ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ فَذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلًا ظاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا عَلى هَذا المَطْلُوبِ فَقالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ فَخافَ فِرْعَوْنُ أنْ يَزِيدَ في تَقْرِيرِ تِلْكَ الحُجَّةِ فَيَظْهَرُ لِلنّاسِ صِدْقُهُ وفَسادُ طَرِيقِ فِرْعَوْنَ، فَأرادَ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ وأنْ يَشْغَلَهُ بِالحِكاياتِ فَقالَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فَلَمْ يَلْتَفِتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ذَلِكَ الحَدِيثِ بَلْ قالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾ ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضِي بِأحْوالِهِمْ فَلا أشْتَغِلُ بِها، ثُمَّ عادَ إلى تَتْمِيمِ كَلامِهِ الأوَّلِ وإيرادِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ وهَذا الوَجْهُ هو المُعْتَمَدُ في صِحَّةِ هَذا النَّظْمِ، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾ فَإنَّ العِلْمَ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الرَّبِّ كَيْفَ يَكُونُ في الكِتابِ ؟ وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى صِفَتُهُ، وصِفَةُ الشَّيْءِ قائِمَةٌ بِهِ، فَأمّا أنْ تَكُونَ صِفَةُ الشَّيْءِ صفحة ٥٩ حاصِلَةً في كِتابٍ فَذاكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ تِلْكَ الأحْكامَ في كِتابٍ عِنْدَهُ لِكَوْنِ ما كَتَبَهُ فِيهِ يَظْهَرُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيادَةً لَهم في الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ مُنَزَّهٌ عَنِ السَّهْوِ والغَفْلَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ يُوهِمُ احْتِياجَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في ذَلِكَ العِلْمِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ وهَذا، وإنْ كانَ غَيْرَ واجِبٍ لا مَحالَةَ ولَكِنَّهُ لا أقَلَّ مِن أنَّهُ يُوهِمُهُ في أوَّلِ الأمْرِ لا سِيَّما لِلْكافِرِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ ذِكْرُهُ مَعَ مُعانِدٍ مِثْلِ فِرْعَوْنَ في وقْتِ الدَّعْوَةِ ؟ الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ بِأنَّ بَقاءَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ كَبَقاءِ المَكْتُوبِ في الكِتابِ فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ تَأْكِيدَ القَوْلِ بِأنَّ أسْرارَها مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَزُولُ شَيْءٌ مِنها عَنْ عِلْمِهِ، وهَذا التَّفْسِيرُ مُؤَكَّدٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ فَقالَ بَعْضُهم مَعْنى اللَّفْظَيْنِ واحِدٌ أيْ لا يَذْهَبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَخْفى عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والأكْثَرُونَ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهُما، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: وهو الأحْسَنُ ما قالَهُ القَفّالُ: لا يَضِلُّ عَنِ الأشْياءِ ومَعْرِفَتِها وما عَلِمَ مِن ذَلِكَ لَمْ يَنْسَهُ، فاللَّفْظُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، واللَّفْظُ الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْسى﴾ دَلِيلٌ عَلى بَقاءِ ذَلِكَ العِلْمِ أبَدَ الآبادِ وهو إشارَةٌ إلى نَفْيِ التَّغَيُّرِ. وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: لا يُخْطِئُ ذَلِكَ الكِتابَ رَبِّي ولا يَنْسى ما فِيهِ. وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ لا يُخْطِئُ وقْتَ البَعْثِ ولا يَنْساهُ. ورابِعُها: قالَ أبُو عَمْرٍو أصْلُ الضَّلالِ الغَيْبُوبَةُ، والمَعْنى لا يَغِيبُ عَنْ شَيْءٍ ولا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. وخامِسُها: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ لا يُخْطِئُ في التَّدْبِيرِ فَيَعْتَقِدُ في غَيْرِ الصَّوابِ كَوْنَهُ صَوابًا، وإذا عَرَفَهُ لا يَنْساهُ وهَذِهِ الوُجُوهُ مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ هو الأوَّلُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ لَمّا سَألَهُ عَنِ الإلَهِ وقالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ وكانَ ذَلِكَ مِمّا سَبِيلُهُ الِاسْتِدْلالُ أجابَ بِما هو الصَّوابُ بِأوْجَزِ عِبارَةٍ وأحْسَنِ مَعْنًى، ولَمّا سَألَهُ عَنْ شَأْنِ القُرُونِ الأُولى وكانَ ذَلِكَ مِمّا سَبِيلُهُ الإخْبارُ ولَمْ يَأْتِهِ في ذَلِكَ خَبَرٌ وكَلَهُ إلى عالِمِ الغُيُوبِ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ الدَّلالَةَ الأُولى وهي دَلالَةٌ عامَّةٌ تَتَناوَلُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ مِنَ الإنْسانِ وسائِرِ الحَيَواناتِ وأنْواعِ النَّباتِ والجَماداتِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دَلائِلَ خاصَّةً وهي ثَلاثَةٌ. أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ ”مَهْدًا“ والباقُونَ قَرَءُوا (مِهادًا) فِيهِما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الَّذِي أخْتارُهُ (مِهادًا) وهو اسْمٌ، والمَهْدُ اسْمُ الفِعْلِ، وقالَ غَيْرُهُ: المَهْدُ الِاسْمُ، والمِهادُ الجَمْعُ، كالفَرْشِ والفِراشِ، أجابَ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّ الفِراشَ اسْمٌ والفُرُشُ فِعْلٌ، وقالَ المُفَضَّلُ هُما مَصْدَرانِ لِمَهَّدَ إذا وطَّأ لَهُ فِراشًا يُقالُ: مَهَّدَ مَهْدًا ومِهادًا وفَرَشَ فَرْشًا وفِراشًا. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ مَرْفُوعٌ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِـ ﴿رَبِّي﴾، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وهَذا مِن مَظانِّهِ ومَجازِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ الجَزْمُ بِكَوْنِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إذْ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهَيْنِ الباقِيَيْنِ لَزِمَ كَوْنُهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَفَسَدَ النَّظْمُ بِسَبَبِ قَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. البَحْثُ الثّالِثُ: المُرادُ مِن كَوْنِ الأرْضِ مَهْدًا أنَّهُ تَعالى جَعَلَها بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ العِبادُ وغَيْرُهم عَلَيْها بِالقُعُودِ والقِيامِ والنَّوْمِ والزِّراعَةِ وجَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مُسْتَقْصًى في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٦٠ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سَلَكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ جَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا ووَسَّطَها بَيْنَ الجِبالِ والأوْدِيَةِ والبَرارِي. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ والكَلامُ فِيهِ قَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

طه 20:52

صفحة ٥٥ قوله تعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ . اعْلَمْ أنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ لَمّا قالا: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ قالَ لَهُما: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾، فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ شَدِيدَ القُوَّةِ عَظِيمَ الغَلَبَةِ كَثِيرَ العَسْكَرِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهُ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَشْتَغِلْ مَعَهُ بِالبَطْشِ والإيذاءِ بَلْ خَرَجَ مَعَهُ في المُناظَرَةِ لِما أنَّهُ لَوْ شَرَعَ أوَّلًا في الإيذاءِ لَنُسِبَ إلى الجَهْلِ والسَّفاهَةِ فاسْتَنْكَفَ مِن ذَلِكَ وشَرَعَ أوَّلًا في المُناظَرَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّفاهَةَ مِن غَيْرِ الحُجَّةِ شَيْءٌ ما كانَ يَرْتَضِيهِ فِرْعَوْنُ مَعَ كَمالِ جَهْلِهِ وكُفْرِهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَدَّعِي الإسْلامَ والعِلْمَ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ قَبِلَ مُوسى ذَلِكَ السُّؤالَ واشْتَغَلَ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى فَسادِ قَوْلِ التَّعْلِيمِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَسْتَفِيدُ مَعْرِفَةَ الإلَهِ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَرَفَ هَهُنا بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ وتَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ الحَشْوِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَسْتَفِيدُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ والدِّينِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ حِكايَةُ كَلامِ المُبْطِلِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى كَلامَ فِرْعَوْنَ في إنْكارِهِ الإلَهَ وحَكى شُبُهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ وشُبُهاتِ مُنْكِرِي الحَشْرِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ أنَّكَ مَتى أوْرَدْتَ السُّؤالَ فاقْرِنْهُ بِالجَوابِ لِئَلّا يَبْقى الشَّكُّ كَما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ المَواضِعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُحِقَّ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِماعُ كَلامِ المُبْطِلِ، والجَوابُ عَنْهُ مِن غَيْرِ إيذاءٍ ولا إيحاشٍ كَما فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِفِرْعَوْنَ هَهُنا وكَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا إلّا أنَّهُ كانَ يُظْهِرُ الإنْكارَ تَكَبُّرًا وتَجَبُّرًا وزُورًا وبُهْتانًا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِسِتَّةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَمَتى نُصِبَتِ التّاءُ في عَلِمْتَ كانَ ذَلِكَ خِطابًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] . وثانِيها: أنَّهُ كانَ عاقِلًا وإلّا لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُهُ، وكُلُّ مَن كانَ عاقِلًا قَدْ عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ افْتَقَرَ إلى مُدَبِّرٍ، وهَذانَ العِلْمانِ الضَّرُورِيّانِ يَسْتَلْزِمانِ العِلْمَ بِوُجُودِ المُدَبِّرِ. وثالِثُها: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وكَلِمَةُ الَّذِي صفحة ٥٦ تَقْتَضِي وصْفَ المَعْرِفَةِ بِجُمْلَةٍ مَعْلُومَةٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ قَدْ كانَتْ مَعْلُومَةً لَهُ. ورابِعُها: قَوْلُهُ في سُورَةِ القَصَصِ في صِفَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِالمَبْدَأِ إلّا أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْمَعادِ. وخامِسُها: أنَّ مُلْكَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَتَجاوَزِ القِبْطَ ولَمْ يَبْلُغِ الشّامَ ولَمّا هَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدْيَنَ قالَ لَهُ شُعَيْبٌ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] فَمَعَ هَذا كَيْفَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ إلَهُ العالَمِ ؟ وسادِسُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشعراء: ٢٤] قالَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وهو يَشْرَحُ الوَصْفَ فَهو لَمْ يُنازِعْ مُوسى في الوُجُودِ بَلْ طَلَبَ مِنهُ الماهِيَّةَ فَدَلَّ هَذا عَلى اعْتِرافِهِ بِأصْلِ الوُجُودِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ جاهِلًا بِرَبِّهِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ العاقِلَ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ خالِقُ هَذِهِ السَّماواتِ والأرَضِينَ والشَّمْسِ والقَمَرِ، وأنَّهُ خالِقُ نَفْسِهِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ عَجْزَهُ عَنْها ويَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَهُ فَيَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا لَها ولا خالِقًا لَها، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ جَهْلِهِ بِاللَّهِ تَعالى فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلْمُؤَثِّرِ أصْلًا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ فَلْسَفِيًّا قائِلًا بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِن عَبَدَةِ الكَواكِبِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِنَ الحُلُولِيَّةِ المُجَسِّمَةِ. وأمّا ادِّعاؤُهُ الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ فَبِمَعْنى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طاعَتُهُ والِانْقِيادُ لَهُ وعَدَمُ الِاشْتِغالِ بِطاعَةِ غَيْرِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فالسُّؤالُ هَهُنا بِمَن وهو عَنِ الكَيْفِيَّةِ، وفي سُورَةِ الشُّعَراءِ بِما وهو عَنِ الماهِيَّةِ، وهُما سُؤالانِ مُخْتَلِفانِ والواقِعَةُ واحِدَةٌ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: سُؤالُ مَن كانَ مُقَدَّمًا عَلى سُؤالِ ما لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ إنِّي أنا اللَّهُ والرَّبُّ فَقالَ: فَمَن رَبُّكُما ؟ فَلَمّا أقامَ مُوسى الدَّلالَةُ عَلى الوُجُودِ وعَرَفَ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ أنَّ يُقاوِمَهُ في هَذا المَقامِ لِظُهُورِهِ وجَلائِهِ عَدَلَ إلى المَقامِ الثّانِي وهو طَلَبُ الماهِيَّةِ، وهَذا أيْضًا مِمّا يُنَبِّهُ عَلى أنَّهُ كانَ عالِمًا بِاللَّهِ لِأنَّهُ تَرَكَ المُنازَعَةَ في هَذا المَقامِ لِعِلْمِهِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ وشَرَعَ في المَقامِ الصَّعْبِ لِأنَّ العِلْمَ بِماهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ حاصِلٍ لِلْبَشَرِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَمَن إلَهُكُما لِأنَّهُ أثْبَتَ نَفْسَهُ رَبًّا في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: أنا رَبُّكَ فَلِمَ تَدَّعِي رَبًّا آخَرَ، وهَذا الكَلامُ شَبِيهٌ بِكَلامِ نَمْرُوذَ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قالَ نَمْرُوذُ لَهُ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولَمْ يَكُنِ الإحْياءُ والإماتَةُ الَّتِي ذَكَرَهُما إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ هُما الَّذِي عارَضَهُ بِهِما نَمْرُوذُ إلّا في اللَّفْظِ فَكَذا هَهُنا لَمّا ادَّعى مُوسى رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ ومُرادُهُ أنِّي أنا الرَّبُّ لِأنِّي رَبَّيْتُكَ ومَعْلُومٌ أنَّ الرُّبُوبِيَّةَ الَّتِي ادَّعاها مُوسى لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى غَيْرُ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ في المَعْنى وأنَّهُ لا مُشارَكَةَ بَيْنَهُما إلّا في اللَّفْظِ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَدَلَّ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ بِأحْوالِ المَخْلُوقاتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ هي الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١] قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أكْثَرِ الأُمُورِ صفحة ٥٧ يُعَوِّلُ عَلى دَلائِلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ عِبارَةً عَنْ تَرْكِيبِ القَوالِبِ والأبْدانِ، والهِدايَةُ عِبارَةً عَنْ إيداعِ القُوى المُدْرِكَةِ والمُحَرِّكَةِ في تِلْكَ الأجْسامِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الخَلْقُ مُقَدَّمًا عَلى الهِدايَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فالتَّسْوِيَةُ راجِعَةٌ إلى القالَبِ، ونَفْخُ الرُّوحِ إشارَةٌ إلى إيداعِ القُوى وقالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى أنْ قالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَظَهَرَ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ عَلى الهِدايَةِ، والشُّرُوعُ في بَيانِ عَجائِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في الخَلْقِ والهِدايَةِ شُرُوعٌ في بَحْرٍ لا ساحِلَ لَهُ. ولْنَذْكُرْ مِنهُ أمْثِلَةً قَرِيبَةً إلى الأفْهامِ: أحَدُها: أنَّ الطَّبِيعِيَّ يَقُولُ: الثَّقِيلُ هابِطٌ والخَفِيفُ صاعِدٌ وأشَدُّ الأشْياءِ ثِقَلًا الأرْضُ ثُمَّ الماءُ وأشَدُّها خِفَّةً النّارُ ثُمَّ الهَواءُ فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ النّارُ أعْلى العُنْصُرِيّاتِ والأرْضُ أسْفَلَها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قَلَبَ هَذا التَّرْتِيبَ في خِلْقَةِ الإنْسانِ فَجَعَلَ أعْلى الأشْياءِ مِنهُ العَظْمَ والشَّعْرَ وهُما أيْبَسُ ما في البَدَنِ وهُما بِمَنزِلَةِ الأرْضِ، ثُمَّ جَعَلَ تَحْتَهُ الدِّماغَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الماءِ، وجَعَلَ تَحْتَهُ النَّفْسَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الهَواءِ، وجَعَلَ تَحْتَهُ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ الَّتِي في القَلْبِ الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ النّارِ، فَجَعَلَ مَكانَ الأرْضِ مِنَ البَدَنِ الأعْلى، وجَعَلَ مَكانَ النّارِ مِنَ البَدَنِ الأسْفَلِ؛ لِيُعْرَفَ أنَّ ذَلِكَ بِتَدْبِيرِ القادِرِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ لا بِاقْتِضاءِ العِلَّةِ والطَّبِيعَةِ. وثانِيها: أنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى عَجائِبِ النَّحْلِ في تَرْكِيبِ البُيُوتِ المُسَدَّسَةِ وعَجائِبِ أحْوالِ البَقِّ والبَعُوضِ في اهْتِدائِها إلى مَصالِحِ أنْفُسِها لَعَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِإلْهامِ مُدَبِّرٍ عالِمٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْعَمَ عَلى الخَلائِقِ بِما بِهِ قَوامُهم مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ والمَلْبُوسِ والمَنكُوحِ، ثُمَّ هَداهم إلى كَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِها ويَسْتَخْرِجُونَ الحَدِيدَ مِنَ الجِبالِ اللَّآلِيَ مِنَ البِحارِ ويُرَكِّبُونَ الأدْوِيَةَ والدِّرْياقاتِ النّافِعَةِ ويَجْمَعُونَ بَيْنَ الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ فَيَسْتَخْرِجُونَ لَذّاتِ الأطْعِمَةِ فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ الأشْياءِ، ثُمَّ أعْطاهُمُ العُقُولَ الَّتِي بِها يَتَوَصَّلُونَ إلى كَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِها، وهَذا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالإنْسانِ بَلْ عامٌّ في جَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَأعْطى الإنْسانَ إنْسانَةً والحِمارَ حِمارَةً والبَعِيرَ ناقَةً، ثُمَّ هَداهُ لَها لِيَدُومَ التَّناسُلُ وهَدى الأوْلادَ لِثَدْيِ الأُمَّهاتِ، بَلْ هَذا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالحَيَواناتِ بَلْ هو حاصِلٌ في أعْضائِها فَإنَّهُ خَلَقَ اليَدَ عَلى تَرْكِيبٍ خاصٍّ وأوْدَعَ فِيها قُوَّةَ الأخْذِ، وخَلَقَ الرِّجْلَ عَلى تَرْكِيبٍ خاصٍّ وأوْدَعَ فِيها قُوَّةَ المَشْيِ، وكَذا العَيْنُ والأُذُنُ وجَمِيعُ الأعْضاءِ، ثُمَّ رَبَطَ البَعْضَ بِالبَعْضِ عَلى وُجُوهٍ يَحْصُلُ مِنِ ارْتِباطِها مَجْمُوعٌ واحِدٌ، وهو الإنْسانُ. وإنَّما دَلَّتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ لِأنَّ اتِّصافَ كُلِّ جِسْمٍ مِن هَذِهِ الأجْسامِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ أعْنِي التَّرْكِيبَ والقُوَّةَ والهِدايَةَ، إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا أوْ جائِزًا، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنّا نُشاهِدُ تِلْكَ الأجْسامَ بَعْدَ المَوْتِ مُنْفَكَّةً عَنْ تِلْكَ التَّراكِيبِ والقُوى فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، والجائِزُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ ولَيْسَ ذَلِكَ المُرَجِّحُ هو الإنْسانُ ولا أبَواهُ لِأنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي قُدْرَةً عَلَيْهِ وعِلْمًا بِما فِيهِ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، والأمْرانِ نائِيانِ عَنِ الإنْسانِ لِأنَّهُ بَعْدَ كَمالِ عَقْلِهِ يَعْجِزُ عَنْ تَغْيِيرِ شَعْرَةٍ واحِدَةٍ، وبَعْدَ البَحْثِ الشَّدِيدِ عَنْ كُتُبِ التَّشْرِيحِ لا يُعْرَفُ مِن مَنافِعِ الأعْضاءِ ومَصالِحِها إلّا القَدْرُ القَلِيلُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المُتَوَلِّي لِتَدْبِيرِها وتَرْتِيبِها مَوْجُودًا آخَرَ، وذَلِكَ المَوْجُودُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا لِأنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فاخْتِصاصُ ذَلِكَ الجِسْمِ بِتِلْكَ المُؤَثِّرِيَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جائِزًا، وإنْ كانَ جائِزًا افْتَقَرَ إلى سَبَبٍ آخَرَ، والدَّوْرُ والتَّسَلْسُلُ مُحالانِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ في سِلْسِلَةِ الحاجَةِ إلى مَوْجُودٍ مُؤَثِّرٍ ومُدَبِّرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ، ثُمَّ تَأْثِيرُ ذَلِكَ المُؤَثِّرِ إمّا أنْ يَكُونَ بِالذّاتِ أوْ بِالِاخْتِيارِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ صفحة ٥٨ المُوجِبَ لا يُمَيِّزُ مِثْلًا عَنْ مِثْلٍ، وهَذِهِ الأجْسامُ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فَلِمَ اخْتَصَّ بَعْضُها بِالصُّورَةِ الفَلَكِيَّةِ وبَعْضُها بِالصُّورَةِ العُنْصُرِيَّةِ وبَعْضُها بِالنَّباتِيَّةِ وبَعْضُها بِالحَيَوانِيَّةِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ المُؤَثِّرَ والمُدَبِّرَ قادِرٌ، والقادِرُ لا يُمْكِنُهُ مِثْلُ هَذِهِ الأفْعالِ العَجِيبَةِ إلّا إذا كانَ عالِمًا، ثُمَّ إنَّ هَذا المُدَبِّرَ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ وإلّا لافْتَقَرَ إلى مُدَبِّرٍ آخَرَ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ واجِبَ الوُجُودِ في قادِرِيَّتِهِ وعالِمِيَّتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لا يَتَخَصَّصُ بِبَعْضِ المُمْكِناتِ دُونَ البَعْضِ وجَبَ [ أنْ ] يَكُونَ عالِمًا بِكُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وقادِرًا عَلى كُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا فَظَهَرَ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَبَّهَ عَلى تَقْرِيرِها اسْتِنادُ العالَمِ إلى مُدَبِّرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ وهو واجِبُ الوُجُودِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ خاطَبَ الِاثْنَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن رَبُّكُما﴾ ثُمَّ وجَّهَ النِّداءَ إلى أحَدِهِما وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، وإمّا لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ لِخُبْثِهِ يَعْلَمُ الرُّتَّةَ الَّتِي في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأرادَ اسْتِنْطاقَهُ دُونَ أخِيهِ لِما عَرَفَ مِن فَصاحَتِهِ والرُّتَّةِ الَّتِي في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . * * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ أيْ أعْطى خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخَلْقِ الشَّكْلَ والصُّورَةَ المُطابِقَةَ لِلْمَنفَعَةِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ الشَّكْلَ الَّذِي يُطابِقُ مَنفَعَتَهُ ومَصْلَحَتَهُ، وقُرِئَ خَلَقَهُ صِفَةً لِلْمُضافِ أوِ المُضافِ إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لَمْ يُخَلِّهِ مِن إعْطائِهِ وإنْعامِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فاعْلَمْ أنَّ في ارْتِباطِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ عَلى فِرْعَوْنَ أمْرَ المَبْدَأِ والمَعادِ قالَ فِرْعَوْنُ: إنْ كانَ إثْباتُ المَبْدَأِ في هَذا الحَدِّ مِنَ الظُّهُورِ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ما أثْبَتُوهُ وتَرَكُوهُ ؟ فَكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَدَلَّ بِالدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ قَدَحَ فِرْعَوْنُ في تِلْكَ الدَّلالَةِ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَ الأمْرُ في قُوَّةِ هَذِهِ الدَّلالَةِ عَلى ما ذَكَرْتَ وجَبَ عَلى أهْلِ القُرُونِ الماضِيَةِ أنْ لا يَكُونُوا غافِلِينَ عَنْها فَعارَضَ الحُجَّةَ بِالتَّقْلِيدِ. وثانِيها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَدَّدَ بِالعَذابِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فَإنَّها كَذَّبَتْ ثُمَّ إنَّهم ما عُذِّبُوا ؟ وثالِثُها: وهو الأظْهَرُ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ فَذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلًا ظاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا عَلى هَذا المَطْلُوبِ فَقالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ فَخافَ فِرْعَوْنُ أنْ يَزِيدَ في تَقْرِيرِ تِلْكَ الحُجَّةِ فَيَظْهَرُ لِلنّاسِ صِدْقُهُ وفَسادُ طَرِيقِ فِرْعَوْنَ، فَأرادَ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ وأنْ يَشْغَلَهُ بِالحِكاياتِ فَقالَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فَلَمْ يَلْتَفِتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ذَلِكَ الحَدِيثِ بَلْ قالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾ ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضِي بِأحْوالِهِمْ فَلا أشْتَغِلُ بِها، ثُمَّ عادَ إلى تَتْمِيمِ كَلامِهِ الأوَّلِ وإيرادِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ وهَذا الوَجْهُ هو المُعْتَمَدُ في صِحَّةِ هَذا النَّظْمِ، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾ فَإنَّ العِلْمَ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الرَّبِّ كَيْفَ يَكُونُ في الكِتابِ ؟ وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى صِفَتُهُ، وصِفَةُ الشَّيْءِ قائِمَةٌ بِهِ، فَأمّا أنْ تَكُونَ صِفَةُ الشَّيْءِ صفحة ٥٩ حاصِلَةً في كِتابٍ فَذاكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ تِلْكَ الأحْكامَ في كِتابٍ عِنْدَهُ لِكَوْنِ ما كَتَبَهُ فِيهِ يَظْهَرُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيادَةً لَهم في الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ مُنَزَّهٌ عَنِ السَّهْوِ والغَفْلَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ يُوهِمُ احْتِياجَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في ذَلِكَ العِلْمِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ وهَذا، وإنْ كانَ غَيْرَ واجِبٍ لا مَحالَةَ ولَكِنَّهُ لا أقَلَّ مِن أنَّهُ يُوهِمُهُ في أوَّلِ الأمْرِ لا سِيَّما لِلْكافِرِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ ذِكْرُهُ مَعَ مُعانِدٍ مِثْلِ فِرْعَوْنَ في وقْتِ الدَّعْوَةِ ؟ الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ بِأنَّ بَقاءَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ كَبَقاءِ المَكْتُوبِ في الكِتابِ فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ تَأْكِيدَ القَوْلِ بِأنَّ أسْرارَها مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَزُولُ شَيْءٌ مِنها عَنْ عِلْمِهِ، وهَذا التَّفْسِيرُ مُؤَكَّدٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ فَقالَ بَعْضُهم مَعْنى اللَّفْظَيْنِ واحِدٌ أيْ لا يَذْهَبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَخْفى عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والأكْثَرُونَ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهُما، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: وهو الأحْسَنُ ما قالَهُ القَفّالُ: لا يَضِلُّ عَنِ الأشْياءِ ومَعْرِفَتِها وما عَلِمَ مِن ذَلِكَ لَمْ يَنْسَهُ، فاللَّفْظُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، واللَّفْظُ الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْسى﴾ دَلِيلٌ عَلى بَقاءِ ذَلِكَ العِلْمِ أبَدَ الآبادِ وهو إشارَةٌ إلى نَفْيِ التَّغَيُّرِ. وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: لا يُخْطِئُ ذَلِكَ الكِتابَ رَبِّي ولا يَنْسى ما فِيهِ. وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ لا يُخْطِئُ وقْتَ البَعْثِ ولا يَنْساهُ. ورابِعُها: قالَ أبُو عَمْرٍو أصْلُ الضَّلالِ الغَيْبُوبَةُ، والمَعْنى لا يَغِيبُ عَنْ شَيْءٍ ولا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. وخامِسُها: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ لا يُخْطِئُ في التَّدْبِيرِ فَيَعْتَقِدُ في غَيْرِ الصَّوابِ كَوْنَهُ صَوابًا، وإذا عَرَفَهُ لا يَنْساهُ وهَذِهِ الوُجُوهُ مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ هو الأوَّلُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ لَمّا سَألَهُ عَنِ الإلَهِ وقالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ وكانَ ذَلِكَ مِمّا سَبِيلُهُ الِاسْتِدْلالُ أجابَ بِما هو الصَّوابُ بِأوْجَزِ عِبارَةٍ وأحْسَنِ مَعْنًى، ولَمّا سَألَهُ عَنْ شَأْنِ القُرُونِ الأُولى وكانَ ذَلِكَ مِمّا سَبِيلُهُ الإخْبارُ ولَمْ يَأْتِهِ في ذَلِكَ خَبَرٌ وكَلَهُ إلى عالِمِ الغُيُوبِ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ الدَّلالَةَ الأُولى وهي دَلالَةٌ عامَّةٌ تَتَناوَلُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ مِنَ الإنْسانِ وسائِرِ الحَيَواناتِ وأنْواعِ النَّباتِ والجَماداتِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دَلائِلَ خاصَّةً وهي ثَلاثَةٌ. أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ ”مَهْدًا“ والباقُونَ قَرَءُوا (مِهادًا) فِيهِما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الَّذِي أخْتارُهُ (مِهادًا) وهو اسْمٌ، والمَهْدُ اسْمُ الفِعْلِ، وقالَ غَيْرُهُ: المَهْدُ الِاسْمُ، والمِهادُ الجَمْعُ، كالفَرْشِ والفِراشِ، أجابَ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّ الفِراشَ اسْمٌ والفُرُشُ فِعْلٌ، وقالَ المُفَضَّلُ هُما مَصْدَرانِ لِمَهَّدَ إذا وطَّأ لَهُ فِراشًا يُقالُ: مَهَّدَ مَهْدًا ومِهادًا وفَرَشَ فَرْشًا وفِراشًا. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ مَرْفُوعٌ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِـ ﴿رَبِّي﴾، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وهَذا مِن مَظانِّهِ ومَجازِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ الجَزْمُ بِكَوْنِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إذْ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهَيْنِ الباقِيَيْنِ لَزِمَ كَوْنُهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَفَسَدَ النَّظْمُ بِسَبَبِ قَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. البَحْثُ الثّالِثُ: المُرادُ مِن كَوْنِ الأرْضِ مَهْدًا أنَّهُ تَعالى جَعَلَها بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ العِبادُ وغَيْرُهم عَلَيْها بِالقُعُودِ والقِيامِ والنَّوْمِ والزِّراعَةِ وجَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مُسْتَقْصًى في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٦٠ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سَلَكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ جَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا ووَسَّطَها بَيْنَ الجِبالِ والأوْدِيَةِ والبَرارِي. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ والكَلامُ فِيهِ قَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

طه 20:53

صفحة ٥٥ قوله تعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ . اعْلَمْ أنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ لَمّا قالا: ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ قالَ لَهُما: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾، فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ شَدِيدَ القُوَّةِ عَظِيمَ الغَلَبَةِ كَثِيرَ العَسْكَرِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهُ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَشْتَغِلْ مَعَهُ بِالبَطْشِ والإيذاءِ بَلْ خَرَجَ مَعَهُ في المُناظَرَةِ لِما أنَّهُ لَوْ شَرَعَ أوَّلًا في الإيذاءِ لَنُسِبَ إلى الجَهْلِ والسَّفاهَةِ فاسْتَنْكَفَ مِن ذَلِكَ وشَرَعَ أوَّلًا في المُناظَرَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّفاهَةَ مِن غَيْرِ الحُجَّةِ شَيْءٌ ما كانَ يَرْتَضِيهِ فِرْعَوْنُ مَعَ كَمالِ جَهْلِهِ وكُفْرِهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن يَدَّعِي الإسْلامَ والعِلْمَ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ قَبِلَ مُوسى ذَلِكَ السُّؤالَ واشْتَغَلَ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى فَسادِ قَوْلِ التَّعْلِيمِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَسْتَفِيدُ مَعْرِفَةَ الإلَهِ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَرَفَ هَهُنا بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ وتَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ الحَشْوِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَسْتَفِيدُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ والدِّينِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ حِكايَةُ كَلامِ المُبْطِلِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى كَلامَ فِرْعَوْنَ في إنْكارِهِ الإلَهَ وحَكى شُبُهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ وشُبُهاتِ مُنْكِرِي الحَشْرِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ أنَّكَ مَتى أوْرَدْتَ السُّؤالَ فاقْرِنْهُ بِالجَوابِ لِئَلّا يَبْقى الشَّكُّ كَما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ المَواضِعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُحِقَّ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِماعُ كَلامِ المُبْطِلِ، والجَوابُ عَنْهُ مِن غَيْرِ إيذاءٍ ولا إيحاشٍ كَما فَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِفِرْعَوْنَ هَهُنا وكَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقالَ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا إلّا أنَّهُ كانَ يُظْهِرُ الإنْكارَ تَكَبُّرًا وتَجَبُّرًا وزُورًا وبُهْتانًا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِسِتَّةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَمَتى نُصِبَتِ التّاءُ في عَلِمْتَ كانَ ذَلِكَ خِطابًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] . وثانِيها: أنَّهُ كانَ عاقِلًا وإلّا لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُهُ، وكُلُّ مَن كانَ عاقِلًا قَدْ عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ افْتَقَرَ إلى مُدَبِّرٍ، وهَذانَ العِلْمانِ الضَّرُورِيّانِ يَسْتَلْزِمانِ العِلْمَ بِوُجُودِ المُدَبِّرِ. وثالِثُها: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وكَلِمَةُ الَّذِي صفحة ٥٦ تَقْتَضِي وصْفَ المَعْرِفَةِ بِجُمْلَةٍ مَعْلُومَةٍ فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ قَدْ كانَتْ مَعْلُومَةً لَهُ. ورابِعُها: قَوْلُهُ في سُورَةِ القَصَصِ في صِفَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِالمَبْدَأِ إلّا أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْمَعادِ. وخامِسُها: أنَّ مُلْكَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَتَجاوَزِ القِبْطَ ولَمْ يَبْلُغِ الشّامَ ولَمّا هَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدْيَنَ قالَ لَهُ شُعَيْبٌ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] فَمَعَ هَذا كَيْفَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ إلَهُ العالَمِ ؟ وسادِسُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الشعراء: ٢٤] قالَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] يَعْنِي أنا أطْلُبُ مِنهُ الماهِيَّةَ وهو يَشْرَحُ الوَصْفَ فَهو لَمْ يُنازِعْ مُوسى في الوُجُودِ بَلْ طَلَبَ مِنهُ الماهِيَّةَ فَدَلَّ هَذا عَلى اعْتِرافِهِ بِأصْلِ الوُجُودِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ جاهِلًا بِرَبِّهِ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ العاقِلَ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ خالِقُ هَذِهِ السَّماواتِ والأرَضِينَ والشَّمْسِ والقَمَرِ، وأنَّهُ خالِقُ نَفْسِهِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ عَجْزَهُ عَنْها ويَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَهُ فَيَحْصُلُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا لَها ولا خالِقًا لَها، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ جَهْلِهِ بِاللَّهِ تَعالى فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلْمُؤَثِّرِ أصْلًا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ فَلْسَفِيًّا قائِلًا بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِن عَبَدَةِ الكَواكِبِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ مِنَ الحُلُولِيَّةِ المُجَسِّمَةِ. وأمّا ادِّعاؤُهُ الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ فَبِمَعْنى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طاعَتُهُ والِانْقِيادُ لَهُ وعَدَمُ الِاشْتِغالِ بِطاعَةِ غَيْرِهِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ فالسُّؤالُ هَهُنا بِمَن وهو عَنِ الكَيْفِيَّةِ، وفي سُورَةِ الشُّعَراءِ بِما وهو عَنِ الماهِيَّةِ، وهُما سُؤالانِ مُخْتَلِفانِ والواقِعَةُ واحِدَةٌ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: سُؤالُ مَن كانَ مُقَدَّمًا عَلى سُؤالِ ما لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ إنِّي أنا اللَّهُ والرَّبُّ فَقالَ: فَمَن رَبُّكُما ؟ فَلَمّا أقامَ مُوسى الدَّلالَةُ عَلى الوُجُودِ وعَرَفَ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ أنَّ يُقاوِمَهُ في هَذا المَقامِ لِظُهُورِهِ وجَلائِهِ عَدَلَ إلى المَقامِ الثّانِي وهو طَلَبُ الماهِيَّةِ، وهَذا أيْضًا مِمّا يُنَبِّهُ عَلى أنَّهُ كانَ عالِمًا بِاللَّهِ لِأنَّهُ تَرَكَ المُنازَعَةَ في هَذا المَقامِ لِعِلْمِهِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ وشَرَعَ في المَقامِ الصَّعْبِ لِأنَّ العِلْمَ بِماهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ حاصِلٍ لِلْبَشَرِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَمَن إلَهُكُما لِأنَّهُ أثْبَتَ نَفْسَهُ رَبًّا في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قالَ لَهُ: أنا رَبُّكَ فَلِمَ تَدَّعِي رَبًّا آخَرَ، وهَذا الكَلامُ شَبِيهٌ بِكَلامِ نَمْرُوذَ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قالَ نَمْرُوذُ لَهُ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولَمْ يَكُنِ الإحْياءُ والإماتَةُ الَّتِي ذَكَرَهُما إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ هُما الَّذِي عارَضَهُ بِهِما نَمْرُوذُ إلّا في اللَّفْظِ فَكَذا هَهُنا لَمّا ادَّعى مُوسى رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ تَعالى ذَكَرَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ ومُرادُهُ أنِّي أنا الرَّبُّ لِأنِّي رَبَّيْتُكَ ومَعْلُومٌ أنَّ الرُّبُوبِيَّةَ الَّتِي ادَّعاها مُوسى لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى غَيْرُ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ في المَعْنى وأنَّهُ لا مُشارَكَةَ بَيْنَهُما إلّا في اللَّفْظِ. * * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَدَلَّ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ بِأحْوالِ المَخْلُوقاتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وهَذِهِ الدَّلالَةُ هي الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١] قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أكْثَرِ الأُمُورِ صفحة ٥٧ يُعَوِّلُ عَلى دَلائِلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واعْلَمْ أنَّهُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ عِبارَةً عَنْ تَرْكِيبِ القَوالِبِ والأبْدانِ، والهِدايَةُ عِبارَةً عَنْ إيداعِ القُوى المُدْرِكَةِ والمُحَرِّكَةِ في تِلْكَ الأجْسامِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الخَلْقُ مُقَدَّمًا عَلى الهِدايَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فالتَّسْوِيَةُ راجِعَةٌ إلى القالَبِ، ونَفْخُ الرُّوحِ إشارَةٌ إلى إيداعِ القُوى وقالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى أنْ قالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَظَهَرَ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ عَلى الهِدايَةِ، والشُّرُوعُ في بَيانِ عَجائِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في الخَلْقِ والهِدايَةِ شُرُوعٌ في بَحْرٍ لا ساحِلَ لَهُ. ولْنَذْكُرْ مِنهُ أمْثِلَةً قَرِيبَةً إلى الأفْهامِ: أحَدُها: أنَّ الطَّبِيعِيَّ يَقُولُ: الثَّقِيلُ هابِطٌ والخَفِيفُ صاعِدٌ وأشَدُّ الأشْياءِ ثِقَلًا الأرْضُ ثُمَّ الماءُ وأشَدُّها خِفَّةً النّارُ ثُمَّ الهَواءُ فَلِذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ النّارُ أعْلى العُنْصُرِيّاتِ والأرْضُ أسْفَلَها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ قَلَبَ هَذا التَّرْتِيبَ في خِلْقَةِ الإنْسانِ فَجَعَلَ أعْلى الأشْياءِ مِنهُ العَظْمَ والشَّعْرَ وهُما أيْبَسُ ما في البَدَنِ وهُما بِمَنزِلَةِ الأرْضِ، ثُمَّ جَعَلَ تَحْتَهُ الدِّماغَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الماءِ، وجَعَلَ تَحْتَهُ النَّفْسَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الهَواءِ، وجَعَلَ تَحْتَهُ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ الَّتِي في القَلْبِ الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ النّارِ، فَجَعَلَ مَكانَ الأرْضِ مِنَ البَدَنِ الأعْلى، وجَعَلَ مَكانَ النّارِ مِنَ البَدَنِ الأسْفَلِ؛ لِيُعْرَفَ أنَّ ذَلِكَ بِتَدْبِيرِ القادِرِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ لا بِاقْتِضاءِ العِلَّةِ والطَّبِيعَةِ. وثانِيها: أنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى عَجائِبِ النَّحْلِ في تَرْكِيبِ البُيُوتِ المُسَدَّسَةِ وعَجائِبِ أحْوالِ البَقِّ والبَعُوضِ في اهْتِدائِها إلى مَصالِحِ أنْفُسِها لَعَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِإلْهامِ مُدَبِّرٍ عالِمٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْعَمَ عَلى الخَلائِقِ بِما بِهِ قَوامُهم مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ والمَلْبُوسِ والمَنكُوحِ، ثُمَّ هَداهم إلى كَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِها ويَسْتَخْرِجُونَ الحَدِيدَ مِنَ الجِبالِ اللَّآلِيَ مِنَ البِحارِ ويُرَكِّبُونَ الأدْوِيَةَ والدِّرْياقاتِ النّافِعَةِ ويَجْمَعُونَ بَيْنَ الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ فَيَسْتَخْرِجُونَ لَذّاتِ الأطْعِمَةِ فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ الأشْياءِ، ثُمَّ أعْطاهُمُ العُقُولَ الَّتِي بِها يَتَوَصَّلُونَ إلى كَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِها، وهَذا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالإنْسانِ بَلْ عامٌّ في جَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَأعْطى الإنْسانَ إنْسانَةً والحِمارَ حِمارَةً والبَعِيرَ ناقَةً، ثُمَّ هَداهُ لَها لِيَدُومَ التَّناسُلُ وهَدى الأوْلادَ لِثَدْيِ الأُمَّهاتِ، بَلْ هَذا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالحَيَواناتِ بَلْ هو حاصِلٌ في أعْضائِها فَإنَّهُ خَلَقَ اليَدَ عَلى تَرْكِيبٍ خاصٍّ وأوْدَعَ فِيها قُوَّةَ الأخْذِ، وخَلَقَ الرِّجْلَ عَلى تَرْكِيبٍ خاصٍّ وأوْدَعَ فِيها قُوَّةَ المَشْيِ، وكَذا العَيْنُ والأُذُنُ وجَمِيعُ الأعْضاءِ، ثُمَّ رَبَطَ البَعْضَ بِالبَعْضِ عَلى وُجُوهٍ يَحْصُلُ مِنِ ارْتِباطِها مَجْمُوعٌ واحِدٌ، وهو الإنْسانُ. وإنَّما دَلَّتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ لِأنَّ اتِّصافَ كُلِّ جِسْمٍ مِن هَذِهِ الأجْسامِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ أعْنِي التَّرْكِيبَ والقُوَّةَ والهِدايَةَ، إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا أوْ جائِزًا، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنّا نُشاهِدُ تِلْكَ الأجْسامَ بَعْدَ المَوْتِ مُنْفَكَّةً عَنْ تِلْكَ التَّراكِيبِ والقُوى فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، والجائِزُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ ولَيْسَ ذَلِكَ المُرَجِّحُ هو الإنْسانُ ولا أبَواهُ لِأنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي قُدْرَةً عَلَيْهِ وعِلْمًا بِما فِيهِ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، والأمْرانِ نائِيانِ عَنِ الإنْسانِ لِأنَّهُ بَعْدَ كَمالِ عَقْلِهِ يَعْجِزُ عَنْ تَغْيِيرِ شَعْرَةٍ واحِدَةٍ، وبَعْدَ البَحْثِ الشَّدِيدِ عَنْ كُتُبِ التَّشْرِيحِ لا يُعْرَفُ مِن مَنافِعِ الأعْضاءِ ومَصالِحِها إلّا القَدْرُ القَلِيلُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المُتَوَلِّي لِتَدْبِيرِها وتَرْتِيبِها مَوْجُودًا آخَرَ، وذَلِكَ المَوْجُودُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا لِأنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فاخْتِصاصُ ذَلِكَ الجِسْمِ بِتِلْكَ المُؤَثِّرِيَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جائِزًا، وإنْ كانَ جائِزًا افْتَقَرَ إلى سَبَبٍ آخَرَ، والدَّوْرُ والتَّسَلْسُلُ مُحالانِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ في سِلْسِلَةِ الحاجَةِ إلى مَوْجُودٍ مُؤَثِّرٍ ومُدَبِّرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ، ثُمَّ تَأْثِيرُ ذَلِكَ المُؤَثِّرِ إمّا أنْ يَكُونَ بِالذّاتِ أوْ بِالِاخْتِيارِ، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ صفحة ٥٨ المُوجِبَ لا يُمَيِّزُ مِثْلًا عَنْ مِثْلٍ، وهَذِهِ الأجْسامُ مُتَساوِيَةٌ في الجِسْمِيَّةِ فَلِمَ اخْتَصَّ بَعْضُها بِالصُّورَةِ الفَلَكِيَّةِ وبَعْضُها بِالصُّورَةِ العُنْصُرِيَّةِ وبَعْضُها بِالنَّباتِيَّةِ وبَعْضُها بِالحَيَوانِيَّةِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ المُؤَثِّرَ والمُدَبِّرَ قادِرٌ، والقادِرُ لا يُمْكِنُهُ مِثْلُ هَذِهِ الأفْعالِ العَجِيبَةِ إلّا إذا كانَ عالِمًا، ثُمَّ إنَّ هَذا المُدَبِّرَ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ وإلّا لافْتَقَرَ إلى مُدَبِّرٍ آخَرَ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ واجِبَ الوُجُودِ في قادِرِيَّتِهِ وعالِمِيَّتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ لا يَتَخَصَّصُ بِبَعْضِ المُمْكِناتِ دُونَ البَعْضِ وجَبَ [ أنْ ] يَكُونَ عالِمًا بِكُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وقادِرًا عَلى كُلِّ ما صَحَّ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا فَظَهَرَ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَبَّهَ عَلى تَقْرِيرِها اسْتِنادُ العالَمِ إلى مُدَبِّرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ وهو واجِبُ الوُجُودِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: أنَّ فِرْعَوْنَ خاطَبَ الِاثْنَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن رَبُّكُما﴾ ثُمَّ وجَّهَ النِّداءَ إلى أحَدِهِما وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ الأصْلُ في النُّبُوَّةِ وهارُونُ وزِيرُهُ وتابِعُهُ، وإمّا لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ لِخُبْثِهِ يَعْلَمُ الرُّتَّةَ الَّتِي في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأرادَ اسْتِنْطاقَهُ دُونَ أخِيهِ لِما عَرَفَ مِن فَصاحَتِهِ والرُّتَّةِ الَّتِي في لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . * * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ أيْ أعْطى خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويَرْتَفِقُونَ بِهِ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخَلْقِ الشَّكْلَ والصُّورَةَ المُطابِقَةَ لِلْمَنفَعَةِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ الشَّكْلَ الَّذِي يُطابِقُ مَنفَعَتَهُ ومَصْلَحَتَهُ، وقُرِئَ خَلَقَهُ صِفَةً لِلْمُضافِ أوِ المُضافِ إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لَمْ يُخَلِّهِ مِن إعْطائِهِ وإنْعامِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فاعْلَمْ أنَّ في ارْتِباطِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ عَلى فِرْعَوْنَ أمْرَ المَبْدَأِ والمَعادِ قالَ فِرْعَوْنُ: إنْ كانَ إثْباتُ المَبْدَأِ في هَذا الحَدِّ مِنَ الظُّهُورِ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ما أثْبَتُوهُ وتَرَكُوهُ ؟ فَكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَدَلَّ بِالدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ قَدَحَ فِرْعَوْنُ في تِلْكَ الدَّلالَةِ بِقَوْلِهِ: إنْ كانَ الأمْرُ في قُوَّةِ هَذِهِ الدَّلالَةِ عَلى ما ذَكَرْتَ وجَبَ عَلى أهْلِ القُرُونِ الماضِيَةِ أنْ لا يَكُونُوا غافِلِينَ عَنْها فَعارَضَ الحُجَّةَ بِالتَّقْلِيدِ. وثانِيها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَدَّدَ بِالعَذابِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ فَقالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فَإنَّها كَذَّبَتْ ثُمَّ إنَّهم ما عُذِّبُوا ؟ وثالِثُها: وهو الأظْهَرُ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ فَذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَلِيلًا ظاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا عَلى هَذا المَطْلُوبِ فَقالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ فَخافَ فِرْعَوْنُ أنْ يَزِيدَ في تَقْرِيرِ تِلْكَ الحُجَّةِ فَيَظْهَرُ لِلنّاسِ صِدْقُهُ وفَسادُ طَرِيقِ فِرْعَوْنَ، فَأرادَ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ وأنْ يَشْغَلَهُ بِالحِكاياتِ فَقالَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ فَلَمْ يَلْتَفِتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ذَلِكَ الحَدِيثِ بَلْ قالَ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾ ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضِي بِأحْوالِهِمْ فَلا أشْتَغِلُ بِها، ثُمَّ عادَ إلى تَتْمِيمِ كَلامِهِ الأوَّلِ وإيرادِ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ وهَذا الوَجْهُ هو المُعْتَمَدُ في صِحَّةِ هَذا النَّظْمِ، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾ فَإنَّ العِلْمَ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الرَّبِّ كَيْفَ يَكُونُ في الكِتابِ ؟ وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى صِفَتُهُ، وصِفَةُ الشَّيْءِ قائِمَةٌ بِهِ، فَأمّا أنْ تَكُونَ صِفَةُ الشَّيْءِ صفحة ٥٩ حاصِلَةً في كِتابٍ فَذاكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ تِلْكَ الأحْكامَ في كِتابٍ عِنْدَهُ لِكَوْنِ ما كَتَبَهُ فِيهِ يَظْهَرُ لِلْمَلائِكَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيادَةً لَهم في الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ مُنَزَّهٌ عَنِ السَّهْوِ والغَفْلَةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ يُوهِمُ احْتِياجَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في ذَلِكَ العِلْمِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ وهَذا، وإنْ كانَ غَيْرَ واجِبٍ لا مَحالَةَ ولَكِنَّهُ لا أقَلَّ مِن أنَّهُ يُوهِمُهُ في أوَّلِ الأمْرِ لا سِيَّما لِلْكافِرِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ ذِكْرُهُ مَعَ مُعانِدٍ مِثْلِ فِرْعَوْنَ في وقْتِ الدَّعْوَةِ ؟ الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ بِأنَّ بَقاءَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ كَبَقاءِ المَكْتُوبِ في الكِتابِ فَيَكُونُ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ تَأْكِيدَ القَوْلِ بِأنَّ أسْرارَها مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَزُولُ شَيْءٌ مِنها عَنْ عِلْمِهِ، وهَذا التَّفْسِيرُ مُؤَكَّدٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ فَقالَ بَعْضُهم مَعْنى اللَّفْظَيْنِ واحِدٌ أيْ لا يَذْهَبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَخْفى عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والأكْثَرُونَ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهُما، ثُمَّ ذَكَرُوا وُجُوهًا: أحَدُها: وهو الأحْسَنُ ما قالَهُ القَفّالُ: لا يَضِلُّ عَنِ الأشْياءِ ومَعْرِفَتِها وما عَلِمَ مِن ذَلِكَ لَمْ يَنْسَهُ، فاللَّفْظُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، واللَّفْظُ الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْسى﴾ دَلِيلٌ عَلى بَقاءِ ذَلِكَ العِلْمِ أبَدَ الآبادِ وهو إشارَةٌ إلى نَفْيِ التَّغَيُّرِ. وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: لا يُخْطِئُ ذَلِكَ الكِتابَ رَبِّي ولا يَنْسى ما فِيهِ. وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ لا يُخْطِئُ وقْتَ البَعْثِ ولا يَنْساهُ. ورابِعُها: قالَ أبُو عَمْرٍو أصْلُ الضَّلالِ الغَيْبُوبَةُ، والمَعْنى لا يَغِيبُ عَنْ شَيْءٍ ولا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. وخامِسُها: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ لا يُخْطِئُ في التَّدْبِيرِ فَيَعْتَقِدُ في غَيْرِ الصَّوابِ كَوْنَهُ صَوابًا، وإذا عَرَفَهُ لا يَنْساهُ وهَذِهِ الوُجُوهُ مُتَقارِبَةٌ، والتَّحْقِيقُ هو الأوَّلُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ لَمّا سَألَهُ عَنِ الإلَهِ وقالَ: ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ وكانَ ذَلِكَ مِمّا سَبِيلُهُ الِاسْتِدْلالُ أجابَ بِما هو الصَّوابُ بِأوْجَزِ عِبارَةٍ وأحْسَنِ مَعْنًى، ولَمّا سَألَهُ عَنْ شَأْنِ القُرُونِ الأُولى وكانَ ذَلِكَ مِمّا سَبِيلُهُ الإخْبارُ ولَمْ يَأْتِهِ في ذَلِكَ خَبَرٌ وكَلَهُ إلى عالِمِ الغُيُوبِ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ الدَّلالَةَ الأُولى وهي دَلالَةٌ عامَّةٌ تَتَناوَلُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ مِنَ الإنْسانِ وسائِرِ الحَيَواناتِ وأنْواعِ النَّباتِ والجَماداتِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ دَلائِلَ خاصَّةً وهي ثَلاثَةٌ. أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ ”مَهْدًا“ والباقُونَ قَرَءُوا (مِهادًا) فِيهِما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الَّذِي أخْتارُهُ (مِهادًا) وهو اسْمٌ، والمَهْدُ اسْمُ الفِعْلِ، وقالَ غَيْرُهُ: المَهْدُ الِاسْمُ، والمِهادُ الجَمْعُ، كالفَرْشِ والفِراشِ، أجابَ أبُو عُبَيْدَةَ بِأنَّ الفِراشَ اسْمٌ والفُرُشُ فِعْلٌ، وقالَ المُفَضَّلُ هُما مَصْدَرانِ لِمَهَّدَ إذا وطَّأ لَهُ فِراشًا يُقالُ: مَهَّدَ مَهْدًا ومِهادًا وفَرَشَ فَرْشًا وفِراشًا. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ مَرْفُوعٌ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِـ ﴿رَبِّي﴾، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وهَذا مِن مَظانِّهِ ومَجازِهِ، واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ الجَزْمُ بِكَوْنِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إذْ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الوَجْهَيْنِ الباقِيَيْنِ لَزِمَ كَوْنُهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَفَسَدَ النَّظْمُ بِسَبَبِ قَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. البَحْثُ الثّالِثُ: المُرادُ مِن كَوْنِ الأرْضِ مَهْدًا أنَّهُ تَعالى جَعَلَها بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ العِبادُ وغَيْرُهم عَلَيْها بِالقُعُودِ والقِيامِ والنَّوْمِ والزِّراعَةِ وجَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ مُسْتَقْصًى في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٦٠ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سَلَكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ جَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا ووَسَّطَها بَيْنَ الجِبالِ والأوْدِيَةِ والبَرارِي. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ والكَلامُ فِيهِ قَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

طه 20:54

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ يَقُولُ: رَبِّيَ الَّذِي جَعَلَ لَكم كَذا وكَذا فَأخْرَجْنا نَحْنُ مَعاشِرَ عِبادِهِ بِذَلِكَ الماءِ بِالحِراثَةِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى. وثانِيها: أنَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تَمَّ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ صِفَةِ نَفْسِهِ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ ثُمَّ يَدُلُّ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ . وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ انْتَقَلَ فِيهِ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ المُطاعِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُطاعٌ تَنْقادُ الأشْياءُ المُخْتَلِفَةُ لِأمْرِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ [فاطر: ٢٧]، ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ لا يَلِيقُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ لا يَلِيقُ بِمُوسى لِأنَّ أكْثَرَ ما في قُدْرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ صَرْفُ المِياهِ إلى سَقْيِ الأراضِي، وأمّا إخْراجُ النَّباتِ عَلى اخْتِلافِ ألْوانِها وطَبائِعِها فَلَيْسَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَثَبَتَ أنَّ هَذا كَلامُ اللَّهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كَلامُ اللَّهِ ابْتِداؤُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ لِأنَّ الفاءَ يَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَهُ فَلا يَجُوزُ جَعْلُ هَذا كَلامَ اللَّهِ تَعالى وجَعْلُ ما قَبْلَهُ كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ ثُمَّ ابْتُدِئَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هو الَّذِي ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ فَيَكُونُ ”الَّذِي“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَكُونُ الِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ التِفاتًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يُخْرِجُ النَّباتَ مِنَ الأرْضِ بِواسِطَةِ إنْزالِ الماءِ فَيَكُونُ لِلْماءِ فِيهِ أثَرٌ وهَذا بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لا يَقْدَحُ في شَيْءٍ مِن أُصُولِ الإسْلامِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي أعْطاها هَذِهِ الخَواصَّ والطَّبائِعَ، لَكِنَّ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ يُنْكِرُونَهُ ويَقُولُونَ: لا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهِ ألْبَتَّةَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أزْواجًا﴾ أيْ أصْنافًا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُزْدَوَجَةٌ مَقْرُونَةٌ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ ﴿شَتّى﴾ صِفَةٌ لِلْأزْواجِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلنَّباتِ، والنَّباتُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ النّابِتُ كَما يُسَمّى بِالنَّبْتِ، فاسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ يَعْنِي أنَّها شَتّى مُخْتَلِفَةُ النَّفْعِ والطَّعْمِ والطَّبْعِ، بَعْضُها يَصْلُحُ لِلنّاسِ وبَعْضُها يَصْلُحُ لِلْبَهائِمِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أخْرَجْنا، والمَعْنى أخْرَجْنا أصْنافَ النَّباتِ آذِنِينَ في الِانْتِفاعِ بِها مُبِيحِينَ أنْ تَأْكُلُوا بَعْضَها وتَعْلِفُوا بَعْضَها. وقَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ سائِرَ وُجُوهِ المَنافِعِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، وقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ أمْرُ إباحَةٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذَكَرْتُ مِن هَذِهِ صفحة ٦١ النِّعَمِ ﴿لَآياتٍ﴾ أيْ لَدَلالاتٍ لِذَوِي النُّهى أيِ العُقُولِ، والنُّهْيَةُ العَقْلُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: النُّهى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالهُدى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مَنافِعَ الأرْضِ والسَّماءِ بَيَّنَ أنَّها غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ لِذاتِها بَلْ هي مَطْلُوبَةٌ لِكَوْنِها وسائِلَ إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَنا مِن نُطْفَةٍ عَلى ما بَيَّنَ ذَلِكَ في سائِرِ الآياتِ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ أصْلَنا وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ عَلى ما قالَ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] لا جَرَمَ أطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْنا. الثّانِي: أنَّ تَوَلُّدَ الإنْسانِ إنَّما هو مِنَ النُّطْفَةِ ودَمِ الطَّمْثِ وهُما يَتَوَلَّدانِ مِنَ الأغْذِيَةِ، والغِذاءُ إمّا حَيَوانِيٌّ أوْ نَباتِيٌّ، والحَيَوانِيُّ يَنْتَهِي إلى النَّباتِ، والنَّباتُ إنَّما يَحْدُثُ مِنِ امْتِزاجِ الماءِ والتُّرابِ، فَصَحَّ أنَّهُ تَعالى خَلَقَنا مِنها وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَنا مَخْلُوقِينَ مِنَ النُّطْفَةِ. والثّالِثُ: ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ﴾ [آل عمران: ٦] خَبَرَ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ مَلَكَ الأرْحامِ أنْ يَكْتُبَ الأجَلَ والرِّزْقَ والأرْضَ الَّتِي يُدْفَنُ فِيها وأنَّهُ يَأْخُذُ مِن تُرابِ تِلْكَ البُقْعَةِ ويَذَرُهُ عَلى النُّطْفَةِ ثُمَّ يُدْخِلُها في الرَّحِمِ. السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ مَخْلُوقًا مِنَ الشَّيْءِ، وظاهِرُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ يَأْباهُ. والجَوابُ: إنْ كانَ المُرادُ مِن خَلْقِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ إزالَةَ صِفَةِ الشَّيْءِ الأوَّلِ عَنِ الذّاتِ وإحْداثَ صِفَةِ الشَّيْءِ الثّانِي فِيهِ فَذَلِكَ جائِزٌ؛ لِأنَّهُ لا مُنافاةَ فِيهِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ فَلا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ الإعادَةُ إلى القُبُورِ حَتّى تَكُونَ الأرْضُ مَكانًا وظَرْفًا لِكُلِّ مَن ماتَ إلّا مَن رَفَعَهُ اللَّهُ إلى السَّماءِ، ومَن هَذا حالُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُعادَ إلَيْها أيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو الأقْرَبُ: ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾ يَوْمَ الحَشْرِ والبَعْثِ. وثانِيها: ومِنها نُخْرِجُكم تُرابًا وطِينًا ثُمَّ نُحْيِيكم بَعْدَ الإخْراجِ وهَذا مَذْكُورٌ في بَعْضِ الأخْبارِ. وثالِثُها: المُرادُ عَذابُ القَبْرِ عَنِ البَراءِ قالَ: ”«خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جِنازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ فَذَكَرَ عَذابَ القَبْرِ وما يُخاطَبُ بِهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ وأنَّهُ تُرَدُّ رُوحُهُ في جَسَدِهِ ويُرَدُّ إلى الأرْضِ وأنَّهُ تَعالى يَقُولُ عِنْدَ إعادَتِهِمْ إلى الأرْضِ: إنِّي وعَدْتُهم أنِّي مِنها خَلَقْتُهم وفِيها أُعِيدُهم ومِنها أُخْرِجُهم تارَةً أُخْرى» “، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَدَّدَ في هَذِهِ الآياتِ مَنافِعَ الأرْضِ وهي أنَّهُ تَعالى جَعَلَها لَهم فِراشًا ومِهادًا يَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها وسَوّى لَهم فِيها مَسالِكَ يَتَرَدَّدُونَ فِيها كَيْفَ أرادُوا، وأنْبَتَ فِيها أصْنافَ النَّباتِ الَّتِي مِنها أقْواتُهم وعَلَفُ دَوابِّهِمْ وهي أصْلُهُمُ الَّذِي مِنهُ يَتَفَرَّعُونَ ثُمَّ هي كِفاتُهم إذا ماتُوا، ومِن ثَمَّ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«بِرُّوا بِالأرْضِ فَإنَّها بِكم بَرَّةٌ» “ .

طه 20:55

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ يَقُولُ: رَبِّيَ الَّذِي جَعَلَ لَكم كَذا وكَذا فَأخْرَجْنا نَحْنُ مَعاشِرَ عِبادِهِ بِذَلِكَ الماءِ بِالحِراثَةِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى. وثانِيها: أنَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تَمَّ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ صِفَةِ نَفْسِهِ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ ثُمَّ يَدُلُّ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ . وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ انْتَقَلَ فِيهِ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ المُطاعِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُطاعٌ تَنْقادُ الأشْياءُ المُخْتَلِفَةُ لِأمْرِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ [فاطر: ٢٧]، ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ لا يَلِيقُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ لا يَلِيقُ بِمُوسى لِأنَّ أكْثَرَ ما في قُدْرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ صَرْفُ المِياهِ إلى سَقْيِ الأراضِي، وأمّا إخْراجُ النَّباتِ عَلى اخْتِلافِ ألْوانِها وطَبائِعِها فَلَيْسَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَثَبَتَ أنَّ هَذا كَلامُ اللَّهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كَلامُ اللَّهِ ابْتِداؤُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ لِأنَّ الفاءَ يَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَهُ فَلا يَجُوزُ جَعْلُ هَذا كَلامَ اللَّهِ تَعالى وجَعْلُ ما قَبْلَهُ كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ ثُمَّ ابْتُدِئَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هو الَّذِي ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ فَيَكُونُ ”الَّذِي“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَكُونُ الِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ التِفاتًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يُخْرِجُ النَّباتَ مِنَ الأرْضِ بِواسِطَةِ إنْزالِ الماءِ فَيَكُونُ لِلْماءِ فِيهِ أثَرٌ وهَذا بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لا يَقْدَحُ في شَيْءٍ مِن أُصُولِ الإسْلامِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي أعْطاها هَذِهِ الخَواصَّ والطَّبائِعَ، لَكِنَّ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ يُنْكِرُونَهُ ويَقُولُونَ: لا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهِ ألْبَتَّةَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أزْواجًا﴾ أيْ أصْنافًا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُزْدَوَجَةٌ مَقْرُونَةٌ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ ﴿شَتّى﴾ صِفَةٌ لِلْأزْواجِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلنَّباتِ، والنَّباتُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ النّابِتُ كَما يُسَمّى بِالنَّبْتِ، فاسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ يَعْنِي أنَّها شَتّى مُخْتَلِفَةُ النَّفْعِ والطَّعْمِ والطَّبْعِ، بَعْضُها يَصْلُحُ لِلنّاسِ وبَعْضُها يَصْلُحُ لِلْبَهائِمِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أخْرَجْنا، والمَعْنى أخْرَجْنا أصْنافَ النَّباتِ آذِنِينَ في الِانْتِفاعِ بِها مُبِيحِينَ أنْ تَأْكُلُوا بَعْضَها وتَعْلِفُوا بَعْضَها. وقَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ سائِرَ وُجُوهِ المَنافِعِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، وقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ أمْرُ إباحَةٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذَكَرْتُ مِن هَذِهِ صفحة ٦١ النِّعَمِ ﴿لَآياتٍ﴾ أيْ لَدَلالاتٍ لِذَوِي النُّهى أيِ العُقُولِ، والنُّهْيَةُ العَقْلُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: النُّهى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالهُدى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مَنافِعَ الأرْضِ والسَّماءِ بَيَّنَ أنَّها غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ لِذاتِها بَلْ هي مَطْلُوبَةٌ لِكَوْنِها وسائِلَ إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَنا مِن نُطْفَةٍ عَلى ما بَيَّنَ ذَلِكَ في سائِرِ الآياتِ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ أصْلَنا وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ عَلى ما قالَ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] لا جَرَمَ أطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْنا. الثّانِي: أنَّ تَوَلُّدَ الإنْسانِ إنَّما هو مِنَ النُّطْفَةِ ودَمِ الطَّمْثِ وهُما يَتَوَلَّدانِ مِنَ الأغْذِيَةِ، والغِذاءُ إمّا حَيَوانِيٌّ أوْ نَباتِيٌّ، والحَيَوانِيُّ يَنْتَهِي إلى النَّباتِ، والنَّباتُ إنَّما يَحْدُثُ مِنِ امْتِزاجِ الماءِ والتُّرابِ، فَصَحَّ أنَّهُ تَعالى خَلَقَنا مِنها وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَنا مَخْلُوقِينَ مِنَ النُّطْفَةِ. والثّالِثُ: ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ﴾ [آل عمران: ٦] خَبَرَ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ مَلَكَ الأرْحامِ أنْ يَكْتُبَ الأجَلَ والرِّزْقَ والأرْضَ الَّتِي يُدْفَنُ فِيها وأنَّهُ يَأْخُذُ مِن تُرابِ تِلْكَ البُقْعَةِ ويَذَرُهُ عَلى النُّطْفَةِ ثُمَّ يُدْخِلُها في الرَّحِمِ. السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ مَخْلُوقًا مِنَ الشَّيْءِ، وظاهِرُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ يَأْباهُ. والجَوابُ: إنْ كانَ المُرادُ مِن خَلْقِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ إزالَةَ صِفَةِ الشَّيْءِ الأوَّلِ عَنِ الذّاتِ وإحْداثَ صِفَةِ الشَّيْءِ الثّانِي فِيهِ فَذَلِكَ جائِزٌ؛ لِأنَّهُ لا مُنافاةَ فِيهِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ فَلا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ الإعادَةُ إلى القُبُورِ حَتّى تَكُونَ الأرْضُ مَكانًا وظَرْفًا لِكُلِّ مَن ماتَ إلّا مَن رَفَعَهُ اللَّهُ إلى السَّماءِ، ومَن هَذا حالُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُعادَ إلَيْها أيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو الأقْرَبُ: ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾ يَوْمَ الحَشْرِ والبَعْثِ. وثانِيها: ومِنها نُخْرِجُكم تُرابًا وطِينًا ثُمَّ نُحْيِيكم بَعْدَ الإخْراجِ وهَذا مَذْكُورٌ في بَعْضِ الأخْبارِ. وثالِثُها: المُرادُ عَذابُ القَبْرِ عَنِ البَراءِ قالَ: ”«خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جِنازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ فَذَكَرَ عَذابَ القَبْرِ وما يُخاطَبُ بِهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ وأنَّهُ تُرَدُّ رُوحُهُ في جَسَدِهِ ويُرَدُّ إلى الأرْضِ وأنَّهُ تَعالى يَقُولُ عِنْدَ إعادَتِهِمْ إلى الأرْضِ: إنِّي وعَدْتُهم أنِّي مِنها خَلَقْتُهم وفِيها أُعِيدُهم ومِنها أُخْرِجُهم تارَةً أُخْرى» “، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَدَّدَ في هَذِهِ الآياتِ مَنافِعَ الأرْضِ وهي أنَّهُ تَعالى جَعَلَها لَهم فِراشًا ومِهادًا يَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها وسَوّى لَهم فِيها مَسالِكَ يَتَرَدَّدُونَ فِيها كَيْفَ أرادُوا، وأنْبَتَ فِيها أصْنافَ النَّباتِ الَّتِي مِنها أقْواتُهم وعَلَفُ دَوابِّهِمْ وهي أصْلُهُمُ الَّذِي مِنهُ يَتَفَرَّعُونَ ثُمَّ هي كِفاتُهم إذا ماتُوا، ومِن ثَمَّ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«بِرُّوا بِالأرْضِ فَإنَّها بِكم بَرَّةٌ» “ .

طه 20:56

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ يَقُولُ: رَبِّيَ الَّذِي جَعَلَ لَكم كَذا وكَذا فَأخْرَجْنا نَحْنُ مَعاشِرَ عِبادِهِ بِذَلِكَ الماءِ بِالحِراثَةِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى. وثانِيها: أنَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تَمَّ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ صِفَةِ نَفْسِهِ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ ثُمَّ يَدُلُّ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ . وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ انْتَقَلَ فِيهِ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ المُطاعِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُطاعٌ تَنْقادُ الأشْياءُ المُخْتَلِفَةُ لِأمْرِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ [فاطر: ٢٧]، ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ لا يَلِيقُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ لا يَلِيقُ بِمُوسى لِأنَّ أكْثَرَ ما في قُدْرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ صَرْفُ المِياهِ إلى سَقْيِ الأراضِي، وأمّا إخْراجُ النَّباتِ عَلى اخْتِلافِ ألْوانِها وطَبائِعِها فَلَيْسَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَثَبَتَ أنَّ هَذا كَلامُ اللَّهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كَلامُ اللَّهِ ابْتِداؤُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ لِأنَّ الفاءَ يَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَهُ فَلا يَجُوزُ جَعْلُ هَذا كَلامَ اللَّهِ تَعالى وجَعْلُ ما قَبْلَهُ كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ ثُمَّ ابْتُدِئَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هو الَّذِي ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ فَيَكُونُ ”الَّذِي“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَكُونُ الِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ التِفاتًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يُخْرِجُ النَّباتَ مِنَ الأرْضِ بِواسِطَةِ إنْزالِ الماءِ فَيَكُونُ لِلْماءِ فِيهِ أثَرٌ وهَذا بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لا يَقْدَحُ في شَيْءٍ مِن أُصُولِ الإسْلامِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي أعْطاها هَذِهِ الخَواصَّ والطَّبائِعَ، لَكِنَّ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ يُنْكِرُونَهُ ويَقُولُونَ: لا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهِ ألْبَتَّةَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أزْواجًا﴾ أيْ أصْنافًا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُزْدَوَجَةٌ مَقْرُونَةٌ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ ﴿شَتّى﴾ صِفَةٌ لِلْأزْواجِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلنَّباتِ، والنَّباتُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ النّابِتُ كَما يُسَمّى بِالنَّبْتِ، فاسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ يَعْنِي أنَّها شَتّى مُخْتَلِفَةُ النَّفْعِ والطَّعْمِ والطَّبْعِ، بَعْضُها يَصْلُحُ لِلنّاسِ وبَعْضُها يَصْلُحُ لِلْبَهائِمِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أخْرَجْنا، والمَعْنى أخْرَجْنا أصْنافَ النَّباتِ آذِنِينَ في الِانْتِفاعِ بِها مُبِيحِينَ أنْ تَأْكُلُوا بَعْضَها وتَعْلِفُوا بَعْضَها. وقَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ سائِرَ وُجُوهِ المَنافِعِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، وقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ أمْرُ إباحَةٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذَكَرْتُ مِن هَذِهِ صفحة ٦١ النِّعَمِ ﴿لَآياتٍ﴾ أيْ لَدَلالاتٍ لِذَوِي النُّهى أيِ العُقُولِ، والنُّهْيَةُ العَقْلُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: النُّهى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالهُدى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مَنافِعَ الأرْضِ والسَّماءِ بَيَّنَ أنَّها غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ لِذاتِها بَلْ هي مَطْلُوبَةٌ لِكَوْنِها وسائِلَ إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَنا مِن نُطْفَةٍ عَلى ما بَيَّنَ ذَلِكَ في سائِرِ الآياتِ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ أصْلَنا وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ عَلى ما قالَ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] لا جَرَمَ أطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْنا. الثّانِي: أنَّ تَوَلُّدَ الإنْسانِ إنَّما هو مِنَ النُّطْفَةِ ودَمِ الطَّمْثِ وهُما يَتَوَلَّدانِ مِنَ الأغْذِيَةِ، والغِذاءُ إمّا حَيَوانِيٌّ أوْ نَباتِيٌّ، والحَيَوانِيُّ يَنْتَهِي إلى النَّباتِ، والنَّباتُ إنَّما يَحْدُثُ مِنِ امْتِزاجِ الماءِ والتُّرابِ، فَصَحَّ أنَّهُ تَعالى خَلَقَنا مِنها وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَنا مَخْلُوقِينَ مِنَ النُّطْفَةِ. والثّالِثُ: ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ﴾ [آل عمران: ٦] خَبَرَ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ مَلَكَ الأرْحامِ أنْ يَكْتُبَ الأجَلَ والرِّزْقَ والأرْضَ الَّتِي يُدْفَنُ فِيها وأنَّهُ يَأْخُذُ مِن تُرابِ تِلْكَ البُقْعَةِ ويَذَرُهُ عَلى النُّطْفَةِ ثُمَّ يُدْخِلُها في الرَّحِمِ. السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ مَخْلُوقًا مِنَ الشَّيْءِ، وظاهِرُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ يَأْباهُ. والجَوابُ: إنْ كانَ المُرادُ مِن خَلْقِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ إزالَةَ صِفَةِ الشَّيْءِ الأوَّلِ عَنِ الذّاتِ وإحْداثَ صِفَةِ الشَّيْءِ الثّانِي فِيهِ فَذَلِكَ جائِزٌ؛ لِأنَّهُ لا مُنافاةَ فِيهِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ فَلا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ الإعادَةُ إلى القُبُورِ حَتّى تَكُونَ الأرْضُ مَكانًا وظَرْفًا لِكُلِّ مَن ماتَ إلّا مَن رَفَعَهُ اللَّهُ إلى السَّماءِ، ومَن هَذا حالُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُعادَ إلَيْها أيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو الأقْرَبُ: ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾ يَوْمَ الحَشْرِ والبَعْثِ. وثانِيها: ومِنها نُخْرِجُكم تُرابًا وطِينًا ثُمَّ نُحْيِيكم بَعْدَ الإخْراجِ وهَذا مَذْكُورٌ في بَعْضِ الأخْبارِ. وثالِثُها: المُرادُ عَذابُ القَبْرِ عَنِ البَراءِ قالَ: ”«خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جِنازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ فَذَكَرَ عَذابَ القَبْرِ وما يُخاطَبُ بِهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ وأنَّهُ تُرَدُّ رُوحُهُ في جَسَدِهِ ويُرَدُّ إلى الأرْضِ وأنَّهُ تَعالى يَقُولُ عِنْدَ إعادَتِهِمْ إلى الأرْضِ: إنِّي وعَدْتُهم أنِّي مِنها خَلَقْتُهم وفِيها أُعِيدُهم ومِنها أُخْرِجُهم تارَةً أُخْرى» “، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَدَّدَ في هَذِهِ الآياتِ مَنافِعَ الأرْضِ وهي أنَّهُ تَعالى جَعَلَها لَهم فِراشًا ومِهادًا يَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها وسَوّى لَهم فِيها مَسالِكَ يَتَرَدَّدُونَ فِيها كَيْفَ أرادُوا، وأنْبَتَ فِيها أصْنافَ النَّباتِ الَّتِي مِنها أقْواتُهم وعَلَفُ دَوابِّهِمْ وهي أصْلُهُمُ الَّذِي مِنهُ يَتَفَرَّعُونَ ثُمَّ هي كِفاتُهم إذا ماتُوا، ومِن ثَمَّ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«بِرُّوا بِالأرْضِ فَإنَّها بِكم بَرَّةٌ» “ .

طه 20:57

قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ . صفحة ٦٢ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أرى فِرْعَوْنَ الآياتِ كُلَّها ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَقْبَلْها، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالآياتِ، فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ كُلَّ الأدِلَّةِ ما يَتَّصِلُ بِالتَّوْحِيدِ وما يَتَّصِلُ بِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّوْحِيدُ فَما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾، وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ الآيَةَ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشعراء: ٢٣] الآياتِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَهي الآياتُ التِّسْعُ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهي العَصا واليَدُ وفَلْقُ البَحْرِ والحَجَرِ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ ونَتْقُ الجَبَلِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ مَعْنى أرَيْناهُ عَرَّفْناهُ صِحَّتَها وأوْضَحْنا لَهُ وجْهَ الدَّلالَةِ فِيها، ومِنهم مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى ما يَتَّصِلُ بِالنُّبُوَّةِ وهي هَذِهِ المُعْجِزاتُ، وإنَّما أضافَ الآياتِ إلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ أنَّ المُظْهِرَ لَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أجْراها عَلى يَدَيْهِ كَما أضافَ نَفْخَ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنبياء: ٩١] مَعَ أنَّ النَّفْخَ كانَ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: كُلُّها يُفِيدُ العُمُومَ واللَّهُ تَعالى ما أراهُ جَمِيعَ الآياتِ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآياتِ ما أظْهَرَها عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والَّذِينَ كانُوا بَعْدَهُ قُلْنا: لَفْظُ الكُلِّ وإنْ كانَ لِلْعُمُومِ لَكِنْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخُصُوصِ عِنْدَ القَرِينَةِ كَما يُقالُ: دَخَلْتُ السُّوقَ فاشْتَرَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ أوْ يُقالُ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أراهُ آياتِهِ وعَدَّدَ عَلَيْهِ آياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكَذَّبَ فِرْعَوْنُ بِالكُلِّ أوْ يُقالُ: تَكْذِيبُ بَعْضِ المُعْجِزاتِ يَقْتَضِي تَكْذِيبَ الكُلِّ فَحَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ كَذَّبَ وأبى، قالَ القاضِي: الإباءُ الِامْتِناعُ، وإنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ إلّا مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِأنَّهُ كَذَّبَ وبِأنَّهُ أبى، ولَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ما هو فِيهِ لَمْ يَصِحَّ، واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] والجَوابُ مَذْكُورٌ هُناكَ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى شُبْهَةَ فِرْعَوْنَ وهي قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ وتَرْكِيبُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَجِيبٌ وذَلِكَ لِأنَّهُ ألْقى في مَسامِعِهِمْ ما يَصِيرُونَ بِهِ مُبْغِضِينَ لَهُ جِدًّا وهو قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا مِمّا يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ في النِّهايَةِ ولِذَلِكَ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مُساوِيًا لِلْقَتْلِ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] ثُمَّ لَمّا صارُوا في نِهايَةِ البُغْضِ لَهُ أوْرَدَ الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي أنَّ ما جِئْتَنا بِهِ سِحْرٌ لا مُعْجِزٌ، ولَمّا عَلِمَ أنَّ المُعْجِزَ إنَّما يَتَمَيَّزُ عَنِ السِّحْرِ لِكَوْنِ المُعْجِزِ مِمّا يَتَعَذَّرُ مُعارَضَتُهُ والسِّحْرُ مِمّا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ قالَ: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَوْعِدَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِمَكانِ الوَعْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] وأنْ يَكُونَ اسْمًا لِزَمانِ الوَعْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١] والَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى المَصْدَرِ أيِ اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وعْدًا لا نُخْلِفُهُ لِأنَّ الوَعْدَ هو الَّذِي يَصِحُّ وصْفُهُ بِالخُلْفِ. أمّا الزَّمانُ والمَكانُ فَلا يَصِحُّ وصْفُهُما بِذَلِكَ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ ”يَوْمَ الزِّينَةِ“ بِالنَّصْبِ، وذَلِكَ لا يُطابِقُ المَكانَ والزَّمانَ، وإنَّما نَصَبَ مَكانًا لِأنَّهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِلْجَعْلِ، والتَّقْدِيرُ اجْعَلْ مَكانَ مَوْعِدٍ لا نُخْلِفُهُ مَكانًا سُوًى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿سُوًى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ﴿سُوًى﴾ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ مِثْلُ طِوًى وطُوًى، وقُرِئَ أيْضًا مُنَوَّنًا وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، وذَكَرُوا في مَعْناهُ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ أبُو عَلِيٍّ مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِ مُجاهِدٍ. قالَ قَتادَةُ: مُنَصَّفًا بَيْنَنا. وثانِيها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿سُوًى﴾ أيْ مُسْتَوِيًا لا يَحْجُبُ العَيْنَ ما فِيهِ مِنَ الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ فَـ ”سُوًى“ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ صِفَةُ المَسافَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ صِفَةُ المَكانِ، والمَقْصُودُ صفحة ٦٣ أنَّهم طَلَبُوا مَوْضِعًا مُسْتَوِيًا لا يَكُونُ فِيهِ ارْتِفاعٌ ولا انْخِفاضٌ حَتّى يُشاهِدَ كُلُّ الحاضِرِينَ كُلَّ ما يَجْرِي. وثالِثُها: مَكانًا يَسْتَوِي حالُنا في الرِّضاءِ بِهِ. ورابِعُها: قالَ الكَلْبِيُّ: مَكانًا سِوى هَذا المَكانِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ الآنَ.

طه 20:58

قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ . صفحة ٦٢ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أرى فِرْعَوْنَ الآياتِ كُلَّها ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَقْبَلْها، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالآياتِ، فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ كُلَّ الأدِلَّةِ ما يَتَّصِلُ بِالتَّوْحِيدِ وما يَتَّصِلُ بِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّوْحِيدُ فَما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾، وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ الآيَةَ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشعراء: ٢٣] الآياتِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَهي الآياتُ التِّسْعُ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهي العَصا واليَدُ وفَلْقُ البَحْرِ والحَجَرِ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ ونَتْقُ الجَبَلِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ مَعْنى أرَيْناهُ عَرَّفْناهُ صِحَّتَها وأوْضَحْنا لَهُ وجْهَ الدَّلالَةِ فِيها، ومِنهم مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى ما يَتَّصِلُ بِالنُّبُوَّةِ وهي هَذِهِ المُعْجِزاتُ، وإنَّما أضافَ الآياتِ إلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ أنَّ المُظْهِرَ لَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أجْراها عَلى يَدَيْهِ كَما أضافَ نَفْخَ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنبياء: ٩١] مَعَ أنَّ النَّفْخَ كانَ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: كُلُّها يُفِيدُ العُمُومَ واللَّهُ تَعالى ما أراهُ جَمِيعَ الآياتِ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآياتِ ما أظْهَرَها عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والَّذِينَ كانُوا بَعْدَهُ قُلْنا: لَفْظُ الكُلِّ وإنْ كانَ لِلْعُمُومِ لَكِنْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخُصُوصِ عِنْدَ القَرِينَةِ كَما يُقالُ: دَخَلْتُ السُّوقَ فاشْتَرَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ أوْ يُقالُ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أراهُ آياتِهِ وعَدَّدَ عَلَيْهِ آياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكَذَّبَ فِرْعَوْنُ بِالكُلِّ أوْ يُقالُ: تَكْذِيبُ بَعْضِ المُعْجِزاتِ يَقْتَضِي تَكْذِيبَ الكُلِّ فَحَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ كَذَّبَ وأبى، قالَ القاضِي: الإباءُ الِامْتِناعُ، وإنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ إلّا مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِأنَّهُ كَذَّبَ وبِأنَّهُ أبى، ولَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ما هو فِيهِ لَمْ يَصِحَّ، واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] والجَوابُ مَذْكُورٌ هُناكَ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى شُبْهَةَ فِرْعَوْنَ وهي قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ وتَرْكِيبُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَجِيبٌ وذَلِكَ لِأنَّهُ ألْقى في مَسامِعِهِمْ ما يَصِيرُونَ بِهِ مُبْغِضِينَ لَهُ جِدًّا وهو قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا مِمّا يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ في النِّهايَةِ ولِذَلِكَ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مُساوِيًا لِلْقَتْلِ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] ثُمَّ لَمّا صارُوا في نِهايَةِ البُغْضِ لَهُ أوْرَدَ الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي أنَّ ما جِئْتَنا بِهِ سِحْرٌ لا مُعْجِزٌ، ولَمّا عَلِمَ أنَّ المُعْجِزَ إنَّما يَتَمَيَّزُ عَنِ السِّحْرِ لِكَوْنِ المُعْجِزِ مِمّا يَتَعَذَّرُ مُعارَضَتُهُ والسِّحْرُ مِمّا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ قالَ: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَوْعِدَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِمَكانِ الوَعْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] وأنْ يَكُونَ اسْمًا لِزَمانِ الوَعْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١] والَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى المَصْدَرِ أيِ اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وعْدًا لا نُخْلِفُهُ لِأنَّ الوَعْدَ هو الَّذِي يَصِحُّ وصْفُهُ بِالخُلْفِ. أمّا الزَّمانُ والمَكانُ فَلا يَصِحُّ وصْفُهُما بِذَلِكَ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ ”يَوْمَ الزِّينَةِ“ بِالنَّصْبِ، وذَلِكَ لا يُطابِقُ المَكانَ والزَّمانَ، وإنَّما نَصَبَ مَكانًا لِأنَّهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِلْجَعْلِ، والتَّقْدِيرُ اجْعَلْ مَكانَ مَوْعِدٍ لا نُخْلِفُهُ مَكانًا سُوًى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿سُوًى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ﴿سُوًى﴾ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ مِثْلُ طِوًى وطُوًى، وقُرِئَ أيْضًا مُنَوَّنًا وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، وذَكَرُوا في مَعْناهُ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ أبُو عَلِيٍّ مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِ مُجاهِدٍ. قالَ قَتادَةُ: مُنَصَّفًا بَيْنَنا. وثانِيها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿سُوًى﴾ أيْ مُسْتَوِيًا لا يَحْجُبُ العَيْنَ ما فِيهِ مِنَ الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ فَـ ”سُوًى“ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ صِفَةُ المَسافَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ صِفَةُ المَكانِ، والمَقْصُودُ صفحة ٦٣ أنَّهم طَلَبُوا مَوْضِعًا مُسْتَوِيًا لا يَكُونُ فِيهِ ارْتِفاعٌ ولا انْخِفاضٌ حَتّى يُشاهِدَ كُلُّ الحاضِرِينَ كُلَّ ما يَجْرِي. وثالِثُها: مَكانًا يَسْتَوِي حالُنا في الرِّضاءِ بِهِ. ورابِعُها: قالَ الكَلْبِيُّ: مَكانًا سِوى هَذا المَكانِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ الآنَ.

طه 20:59

قوله تعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ . اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ﴾ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ فَبَيَّنَ الوَقْتَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ القاضِي: والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ المُطالِبُ بِالِاجْتِماعِ دُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدِي الأظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ . وثانِيها: وهو أنَّ تَعْيِينَ يَوْمِ الزِّينَةِ يَقْتَضِي إطْلاعَ الكُلِّ عَلى ما سَيَقَعُ فَتَعْيِينُهُ إنَّما يَلِيقُ بِالمُحِقِّ الَّذِي يَعْرِفُ أنَّ اليَدَ لَهُ لا المُبْطِلُ الَّذِي يَعْرِفُ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا التَّلْبِيسُ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْجَمْعِ فَلَوْ جَعَلْناهُ مِن فِرْعَوْنَ إلى مُوسى وهارُونَ لَزِمَ إمّا حَمْلُهُ عَلى التَّعْظِيمِ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ فِرْعَوْنَ مَعَهُما، أوْ عَلى أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ وهو غَيْرُ جائِزٍ، أمّا لَوْ جَعَلْناهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ اسْتَقامَ الكَلامُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ بَعْضُهم بِضَمِّ المِيمِ وقَرَأ الحَسَنُ بِالنَّصْبِ قالَ الزَّجّاجُ: إذا رُفِعَ فَعَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ، والمَعْنى وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، ومَن نَصَبَ فَعَلى الظَّرْفِ مَعْناهُ مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ مَعْناهُ مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ ضُحًى، فَمَوْضِعُ ”أنْ“ يَكُونُ رَفْعًا، ويَجُوزُ فِيهِ الخَفْضُ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ كَأنَّهُ قالَ مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ يُحْشَرُ النّاسِ ضُحًى، فَإنْ قِيلَ: ألَسْتُمْ قُلْتُمْ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أنَّ التَّقْدِيرَ: اجْعَلْ مَكانَ مَوْعِدٍ لا نُخْلِفُهُ مَكانًا سُوًى فَهَذا كَيْفَ يُطابِقُهُ الجَوابُ بِذِكْرِ الزَّمانِ ؟ قُلْنا هو مُطابِقُ مَعْنًى وإنْ لَمْ يُطابِقْ لَفْظًا لِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَجْتَمِعُوا يَوْمَ الزِّينَةِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ مَشْهُودٍ بِاجْتِماعِ النّاسِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَبِذِكْرِ الزَّمانِ عُلِمَ المَكانُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في يَوْمِ الزِّينَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ لَهم يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ. وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ. وثالِثُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم. ورابِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَوْمُ عاشُوراءَ، وإنَّما قالَ ”يُحْشَرَ“ فَإنَّهم يَجْتَمِعُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ حاشِرٍ لَهم، وقُرِئَ ”وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ“ بِالياءِ والتّاءِ يُرِيدُ: وأنْ تَحْشُرَ النّاسَ يا فِرْعَوْنُ وأنْ يَحْشُرَ اليَوْمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ فِرْعَوْنَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، إمّا عَلى العادَةِ الَّتِي تُخاطَبُ بِها المُلُوكُ أوْ خاطَبَ القَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ وجَعَلَ ضَمِيرَ ”يُحْشَرَ“ لِفِرْعَوْنَ وإنَّما أوْعَدَهم ذَلِكَ اليَوْمَ لِيَكُونَ عُلُوُّ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى وظُهُورُ دِينِهِ، وكَبْتُ الكافِرِ وزَهُوقُ الباطِلِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في المَجْمَعِ العامِّ لِيَكْثُرَ المُحَدِّثُ بِذَلِكَ الأمْرِ صفحة ٦٤ العَجِيبِ في كُلِّ بَدْوٍ وحَضَرٍ، ويَشِيعَ في جَمِيعِ أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ، قالَ القاضِي: إنَّهُ عَيَّنَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ثُمَّ عَيَّنَ مِنَ اليَوْمِ وقْتًا مُعَيَّنًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّوَلِّيَ قَدْ يَكُونُ إعْراضًا وقَدْ يَكُونُ انْصِرافًا، والظّاهِرُ هَهُنا أنَّهُ بِمَعْنى الِانْصِرافِ وهو مُفارَقَتُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَوْعِدِ الَّذِي تَواعَدُوا لِلِاجْتِماعِ [ فِيهِ ]، قالَ مُقاتِلٌ: فَتَوَلّى أيْ أعْرَضَ وثَبَتَ عَلى إعْراضِهِ عَنِ الحَقِّ ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ السَّحَرَةُ وسائِرُ مَن يَجْتَمِعُ لِذَلِكَ ويَدْخُلُ فِيهِ الآلاتُ وسائِرُ ما أوْرَدَتْهُ السَّحَرَةُ ﴿ثُمَّ أتى﴾ دَخَلَ تَحْتَهُ ”أتى“ المَوْضِعَ بِالسَّحَرَةِ وبِالقَوْمِ وبِالآلاتِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصا، وقِيلَ: كانُوا أرْبَعَمِائَةٍ، وقِيلَ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ ضُرِبَتْ لِفِرْعَوْنَ قُبَّةٌ فَجَلَسَ فِيها يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وكانَ طُولُ القُبَّةِ سَبْعِينَ ذِراعًا ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدَّمَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ الوَعِيدَ والتَّحْذِيرَ مِمّا قالُوهُ وأقْدَمُوا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ تَزْعُمُوا بِأنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ وأنَّهُ سِحْرٌ فَيُمْكِنُكم مُعارَضَتِي، قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ في انْتِصابِ ”ويْلَكم“ أنْ يَكُونَ المَعْنى ألْزَمَهُمُ اللَّهُ ويْلًا إنِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ويَجُوزُ عَلى النِّداءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]، ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ أيْ يُعَذِّبَكم عَذابًا مُهْلِكًا مُسْتَأْصِلًا، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِرَفْعِ الياءِ مِنَ الإسْحاتِ والباقُونَ بِفَتْحِها مِنَ السُّحْتِ، والإسْحاتُ لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ وبَنِي تَمِيمٍ، والسُّحْتُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا حَصَلَ لَهُ أمْرانِ: أحَدُهُما: عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا أوِ العَذابُ الشَّدِيدُ في الآخِرَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ . والثّانِي: الخَيْبَةُ والحِرْمانُ عَنِ المَقْصُودِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لَمّا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ أعْرَضُوا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ وفي تَنازَعُوا قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَفاوَضُوا وتَشاوَرُوا لِيَسْتَقِرُّوا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: دَخَلَ في التَّنازُعِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: بَلْ هُمُ السَّحَرَةُ وحْدَهم والكَلامُ مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ ما يَدُلُّ عَلى التَّرْجِيحِ، وذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهم أسَرُّوها مِن فِرْعَوْنَ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إنَّ نَجْواهم قالُوا: إنْ غَلَبَنا مُوسى اتَّبَعْناهُ. والثّانِي: قالَ قَتادَةُ: إنْ كانَ ساحِرًا فَسَنَغْلِبُهُ، وإنْ كانَ مِنَ السَّماءِ فَلَهُ أمْرٌ. الثّالِثُ: قالَ وهْبٌ: لَمّا قالَ: ﴿ويْلَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالُوا ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى مِن مُوسى وفِرْعَوْنَ ونَجْواهم هو قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكُمْ﴾ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى مِن مُوسى وهارُونَ ومِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أيْضًا، وكانَ نَجْواهم أنَّهم كَيْفَ يَجِبُ تَدْبِيرُ أمْرِ الحِبالِ والعِصِيِّ، وعَلى أيِّ وجْهٍ يَجِبُ إظْهارُها فَيَكُونُ أوْقَعَ في القُلُوبِ وأظْهَرَ لِلْعُيُوبِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

طه 20:60

قوله تعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ . اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ﴾ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ فَبَيَّنَ الوَقْتَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ القاضِي: والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ المُطالِبُ بِالِاجْتِماعِ دُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدِي الأظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ . وثانِيها: وهو أنَّ تَعْيِينَ يَوْمِ الزِّينَةِ يَقْتَضِي إطْلاعَ الكُلِّ عَلى ما سَيَقَعُ فَتَعْيِينُهُ إنَّما يَلِيقُ بِالمُحِقِّ الَّذِي يَعْرِفُ أنَّ اليَدَ لَهُ لا المُبْطِلُ الَّذِي يَعْرِفُ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا التَّلْبِيسُ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْجَمْعِ فَلَوْ جَعَلْناهُ مِن فِرْعَوْنَ إلى مُوسى وهارُونَ لَزِمَ إمّا حَمْلُهُ عَلى التَّعْظِيمِ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ فِرْعَوْنَ مَعَهُما، أوْ عَلى أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ وهو غَيْرُ جائِزٍ، أمّا لَوْ جَعَلْناهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ اسْتَقامَ الكَلامُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ بَعْضُهم بِضَمِّ المِيمِ وقَرَأ الحَسَنُ بِالنَّصْبِ قالَ الزَّجّاجُ: إذا رُفِعَ فَعَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ، والمَعْنى وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، ومَن نَصَبَ فَعَلى الظَّرْفِ مَعْناهُ مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ مَعْناهُ مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ ضُحًى، فَمَوْضِعُ ”أنْ“ يَكُونُ رَفْعًا، ويَجُوزُ فِيهِ الخَفْضُ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ كَأنَّهُ قالَ مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ يُحْشَرُ النّاسِ ضُحًى، فَإنْ قِيلَ: ألَسْتُمْ قُلْتُمْ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أنَّ التَّقْدِيرَ: اجْعَلْ مَكانَ مَوْعِدٍ لا نُخْلِفُهُ مَكانًا سُوًى فَهَذا كَيْفَ يُطابِقُهُ الجَوابُ بِذِكْرِ الزَّمانِ ؟ قُلْنا هو مُطابِقُ مَعْنًى وإنْ لَمْ يُطابِقْ لَفْظًا لِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَجْتَمِعُوا يَوْمَ الزِّينَةِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ مَشْهُودٍ بِاجْتِماعِ النّاسِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَبِذِكْرِ الزَّمانِ عُلِمَ المَكانُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في يَوْمِ الزِّينَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ لَهم يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ. وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ. وثالِثُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم. ورابِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَوْمُ عاشُوراءَ، وإنَّما قالَ ”يُحْشَرَ“ فَإنَّهم يَجْتَمِعُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ حاشِرٍ لَهم، وقُرِئَ ”وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ“ بِالياءِ والتّاءِ يُرِيدُ: وأنْ تَحْشُرَ النّاسَ يا فِرْعَوْنُ وأنْ يَحْشُرَ اليَوْمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ فِرْعَوْنَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، إمّا عَلى العادَةِ الَّتِي تُخاطَبُ بِها المُلُوكُ أوْ خاطَبَ القَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ وجَعَلَ ضَمِيرَ ”يُحْشَرَ“ لِفِرْعَوْنَ وإنَّما أوْعَدَهم ذَلِكَ اليَوْمَ لِيَكُونَ عُلُوُّ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى وظُهُورُ دِينِهِ، وكَبْتُ الكافِرِ وزَهُوقُ الباطِلِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في المَجْمَعِ العامِّ لِيَكْثُرَ المُحَدِّثُ بِذَلِكَ الأمْرِ صفحة ٦٤ العَجِيبِ في كُلِّ بَدْوٍ وحَضَرٍ، ويَشِيعَ في جَمِيعِ أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ، قالَ القاضِي: إنَّهُ عَيَّنَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ثُمَّ عَيَّنَ مِنَ اليَوْمِ وقْتًا مُعَيَّنًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّوَلِّيَ قَدْ يَكُونُ إعْراضًا وقَدْ يَكُونُ انْصِرافًا، والظّاهِرُ هَهُنا أنَّهُ بِمَعْنى الِانْصِرافِ وهو مُفارَقَتُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَوْعِدِ الَّذِي تَواعَدُوا لِلِاجْتِماعِ [ فِيهِ ]، قالَ مُقاتِلٌ: فَتَوَلّى أيْ أعْرَضَ وثَبَتَ عَلى إعْراضِهِ عَنِ الحَقِّ ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ السَّحَرَةُ وسائِرُ مَن يَجْتَمِعُ لِذَلِكَ ويَدْخُلُ فِيهِ الآلاتُ وسائِرُ ما أوْرَدَتْهُ السَّحَرَةُ ﴿ثُمَّ أتى﴾ دَخَلَ تَحْتَهُ ”أتى“ المَوْضِعَ بِالسَّحَرَةِ وبِالقَوْمِ وبِالآلاتِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصا، وقِيلَ: كانُوا أرْبَعَمِائَةٍ، وقِيلَ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ ضُرِبَتْ لِفِرْعَوْنَ قُبَّةٌ فَجَلَسَ فِيها يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وكانَ طُولُ القُبَّةِ سَبْعِينَ ذِراعًا ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدَّمَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ الوَعِيدَ والتَّحْذِيرَ مِمّا قالُوهُ وأقْدَمُوا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ تَزْعُمُوا بِأنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ وأنَّهُ سِحْرٌ فَيُمْكِنُكم مُعارَضَتِي، قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ في انْتِصابِ ”ويْلَكم“ أنْ يَكُونَ المَعْنى ألْزَمَهُمُ اللَّهُ ويْلًا إنِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ويَجُوزُ عَلى النِّداءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]، ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ أيْ يُعَذِّبَكم عَذابًا مُهْلِكًا مُسْتَأْصِلًا، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِرَفْعِ الياءِ مِنَ الإسْحاتِ والباقُونَ بِفَتْحِها مِنَ السُّحْتِ، والإسْحاتُ لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ وبَنِي تَمِيمٍ، والسُّحْتُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا حَصَلَ لَهُ أمْرانِ: أحَدُهُما: عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا أوِ العَذابُ الشَّدِيدُ في الآخِرَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ . والثّانِي: الخَيْبَةُ والحِرْمانُ عَنِ المَقْصُودِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لَمّا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ أعْرَضُوا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ وفي تَنازَعُوا قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَفاوَضُوا وتَشاوَرُوا لِيَسْتَقِرُّوا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: دَخَلَ في التَّنازُعِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: بَلْ هُمُ السَّحَرَةُ وحْدَهم والكَلامُ مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ ما يَدُلُّ عَلى التَّرْجِيحِ، وذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهم أسَرُّوها مِن فِرْعَوْنَ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إنَّ نَجْواهم قالُوا: إنْ غَلَبَنا مُوسى اتَّبَعْناهُ. والثّانِي: قالَ قَتادَةُ: إنْ كانَ ساحِرًا فَسَنَغْلِبُهُ، وإنْ كانَ مِنَ السَّماءِ فَلَهُ أمْرٌ. الثّالِثُ: قالَ وهْبٌ: لَمّا قالَ: ﴿ويْلَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالُوا ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى مِن مُوسى وفِرْعَوْنَ ونَجْواهم هو قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكُمْ﴾ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى مِن مُوسى وهارُونَ ومِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أيْضًا، وكانَ نَجْواهم أنَّهم كَيْفَ يَجِبُ تَدْبِيرُ أمْرِ الحِبالِ والعِصِيِّ، وعَلى أيِّ وجْهٍ يَجِبُ إظْهارُها فَيَكُونُ أوْقَعَ في القُلُوبِ وأظْهَرَ لِلْعُيُوبِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

طه 20:61

قوله تعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ . اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ﴾ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ فَبَيَّنَ الوَقْتَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ القاضِي: والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ المُطالِبُ بِالِاجْتِماعِ دُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدِي الأظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ . وثانِيها: وهو أنَّ تَعْيِينَ يَوْمِ الزِّينَةِ يَقْتَضِي إطْلاعَ الكُلِّ عَلى ما سَيَقَعُ فَتَعْيِينُهُ إنَّما يَلِيقُ بِالمُحِقِّ الَّذِي يَعْرِفُ أنَّ اليَدَ لَهُ لا المُبْطِلُ الَّذِي يَعْرِفُ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا التَّلْبِيسُ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْجَمْعِ فَلَوْ جَعَلْناهُ مِن فِرْعَوْنَ إلى مُوسى وهارُونَ لَزِمَ إمّا حَمْلُهُ عَلى التَّعْظِيمِ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ فِرْعَوْنَ مَعَهُما، أوْ عَلى أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ وهو غَيْرُ جائِزٍ، أمّا لَوْ جَعَلْناهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ اسْتَقامَ الكَلامُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ بَعْضُهم بِضَمِّ المِيمِ وقَرَأ الحَسَنُ بِالنَّصْبِ قالَ الزَّجّاجُ: إذا رُفِعَ فَعَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ، والمَعْنى وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، ومَن نَصَبَ فَعَلى الظَّرْفِ مَعْناهُ مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ مَعْناهُ مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ ضُحًى، فَمَوْضِعُ ”أنْ“ يَكُونُ رَفْعًا، ويَجُوزُ فِيهِ الخَفْضُ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ كَأنَّهُ قالَ مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ يُحْشَرُ النّاسِ ضُحًى، فَإنْ قِيلَ: ألَسْتُمْ قُلْتُمْ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أنَّ التَّقْدِيرَ: اجْعَلْ مَكانَ مَوْعِدٍ لا نُخْلِفُهُ مَكانًا سُوًى فَهَذا كَيْفَ يُطابِقُهُ الجَوابُ بِذِكْرِ الزَّمانِ ؟ قُلْنا هو مُطابِقُ مَعْنًى وإنْ لَمْ يُطابِقْ لَفْظًا لِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَجْتَمِعُوا يَوْمَ الزِّينَةِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ مَشْهُودٍ بِاجْتِماعِ النّاسِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَبِذِكْرِ الزَّمانِ عُلِمَ المَكانُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في يَوْمِ الزِّينَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ لَهم يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ. وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ. وثالِثُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم. ورابِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَوْمُ عاشُوراءَ، وإنَّما قالَ ”يُحْشَرَ“ فَإنَّهم يَجْتَمِعُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ حاشِرٍ لَهم، وقُرِئَ ”وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ“ بِالياءِ والتّاءِ يُرِيدُ: وأنْ تَحْشُرَ النّاسَ يا فِرْعَوْنُ وأنْ يَحْشُرَ اليَوْمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ فِرْعَوْنَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، إمّا عَلى العادَةِ الَّتِي تُخاطَبُ بِها المُلُوكُ أوْ خاطَبَ القَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ وجَعَلَ ضَمِيرَ ”يُحْشَرَ“ لِفِرْعَوْنَ وإنَّما أوْعَدَهم ذَلِكَ اليَوْمَ لِيَكُونَ عُلُوُّ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى وظُهُورُ دِينِهِ، وكَبْتُ الكافِرِ وزَهُوقُ الباطِلِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في المَجْمَعِ العامِّ لِيَكْثُرَ المُحَدِّثُ بِذَلِكَ الأمْرِ صفحة ٦٤ العَجِيبِ في كُلِّ بَدْوٍ وحَضَرٍ، ويَشِيعَ في جَمِيعِ أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ، قالَ القاضِي: إنَّهُ عَيَّنَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ثُمَّ عَيَّنَ مِنَ اليَوْمِ وقْتًا مُعَيَّنًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّوَلِّيَ قَدْ يَكُونُ إعْراضًا وقَدْ يَكُونُ انْصِرافًا، والظّاهِرُ هَهُنا أنَّهُ بِمَعْنى الِانْصِرافِ وهو مُفارَقَتُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَوْعِدِ الَّذِي تَواعَدُوا لِلِاجْتِماعِ [ فِيهِ ]، قالَ مُقاتِلٌ: فَتَوَلّى أيْ أعْرَضَ وثَبَتَ عَلى إعْراضِهِ عَنِ الحَقِّ ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ السَّحَرَةُ وسائِرُ مَن يَجْتَمِعُ لِذَلِكَ ويَدْخُلُ فِيهِ الآلاتُ وسائِرُ ما أوْرَدَتْهُ السَّحَرَةُ ﴿ثُمَّ أتى﴾ دَخَلَ تَحْتَهُ ”أتى“ المَوْضِعَ بِالسَّحَرَةِ وبِالقَوْمِ وبِالآلاتِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصا، وقِيلَ: كانُوا أرْبَعَمِائَةٍ، وقِيلَ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ ضُرِبَتْ لِفِرْعَوْنَ قُبَّةٌ فَجَلَسَ فِيها يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وكانَ طُولُ القُبَّةِ سَبْعِينَ ذِراعًا ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدَّمَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ الوَعِيدَ والتَّحْذِيرَ مِمّا قالُوهُ وأقْدَمُوا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ تَزْعُمُوا بِأنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ وأنَّهُ سِحْرٌ فَيُمْكِنُكم مُعارَضَتِي، قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ في انْتِصابِ ”ويْلَكم“ أنْ يَكُونَ المَعْنى ألْزَمَهُمُ اللَّهُ ويْلًا إنِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ويَجُوزُ عَلى النِّداءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]، ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ أيْ يُعَذِّبَكم عَذابًا مُهْلِكًا مُسْتَأْصِلًا، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِرَفْعِ الياءِ مِنَ الإسْحاتِ والباقُونَ بِفَتْحِها مِنَ السُّحْتِ، والإسْحاتُ لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ وبَنِي تَمِيمٍ، والسُّحْتُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا حَصَلَ لَهُ أمْرانِ: أحَدُهُما: عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا أوِ العَذابُ الشَّدِيدُ في الآخِرَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ . والثّانِي: الخَيْبَةُ والحِرْمانُ عَنِ المَقْصُودِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لَمّا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ أعْرَضُوا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ وفي تَنازَعُوا قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَفاوَضُوا وتَشاوَرُوا لِيَسْتَقِرُّوا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: دَخَلَ في التَّنازُعِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: بَلْ هُمُ السَّحَرَةُ وحْدَهم والكَلامُ مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ ما يَدُلُّ عَلى التَّرْجِيحِ، وذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهم أسَرُّوها مِن فِرْعَوْنَ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إنَّ نَجْواهم قالُوا: إنْ غَلَبَنا مُوسى اتَّبَعْناهُ. والثّانِي: قالَ قَتادَةُ: إنْ كانَ ساحِرًا فَسَنَغْلِبُهُ، وإنْ كانَ مِنَ السَّماءِ فَلَهُ أمْرٌ. الثّالِثُ: قالَ وهْبٌ: لَمّا قالَ: ﴿ويْلَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالُوا ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى مِن مُوسى وفِرْعَوْنَ ونَجْواهم هو قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكُمْ﴾ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى مِن مُوسى وهارُونَ ومِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أيْضًا، وكانَ نَجْواهم أنَّهم كَيْفَ يَجِبُ تَدْبِيرُ أمْرِ الحِبالِ والعِصِيِّ، وعَلى أيِّ وجْهٍ يَجِبُ إظْهارُها فَيَكُونُ أوْقَعَ في القُلُوبِ وأظْهَرَ لِلْعُيُوبِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

طه 20:62

قوله تعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ . اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ﴾ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ فَبَيَّنَ الوَقْتَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ القاضِي: والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ المُطالِبُ بِالِاجْتِماعِ دُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدِي الأظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ . وثانِيها: وهو أنَّ تَعْيِينَ يَوْمِ الزِّينَةِ يَقْتَضِي إطْلاعَ الكُلِّ عَلى ما سَيَقَعُ فَتَعْيِينُهُ إنَّما يَلِيقُ بِالمُحِقِّ الَّذِي يَعْرِفُ أنَّ اليَدَ لَهُ لا المُبْطِلُ الَّذِي يَعْرِفُ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا التَّلْبِيسُ. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْجَمْعِ فَلَوْ جَعَلْناهُ مِن فِرْعَوْنَ إلى مُوسى وهارُونَ لَزِمَ إمّا حَمْلُهُ عَلى التَّعْظِيمِ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ فِرْعَوْنَ مَعَهُما، أوْ عَلى أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ وهو غَيْرُ جائِزٍ، أمّا لَوْ جَعَلْناهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ اسْتَقامَ الكَلامُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ بَعْضُهم بِضَمِّ المِيمِ وقَرَأ الحَسَنُ بِالنَّصْبِ قالَ الزَّجّاجُ: إذا رُفِعَ فَعَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ، والمَعْنى وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، ومَن نَصَبَ فَعَلى الظَّرْفِ مَعْناهُ مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ مَعْناهُ مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ ضُحًى، فَمَوْضِعُ ”أنْ“ يَكُونُ رَفْعًا، ويَجُوزُ فِيهِ الخَفْضُ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ كَأنَّهُ قالَ مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ يُحْشَرُ النّاسِ ضُحًى، فَإنْ قِيلَ: ألَسْتُمْ قُلْتُمْ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أنَّ التَّقْدِيرَ: اجْعَلْ مَكانَ مَوْعِدٍ لا نُخْلِفُهُ مَكانًا سُوًى فَهَذا كَيْفَ يُطابِقُهُ الجَوابُ بِذِكْرِ الزَّمانِ ؟ قُلْنا هو مُطابِقُ مَعْنًى وإنْ لَمْ يُطابِقْ لَفْظًا لِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَجْتَمِعُوا يَوْمَ الزِّينَةِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ مَشْهُودٍ بِاجْتِماعِ النّاسِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَبِذِكْرِ الزَّمانِ عُلِمَ المَكانُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في يَوْمِ الزِّينَةِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ لَهم يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ. وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ. وثالِثُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم. ورابِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَوْمُ عاشُوراءَ، وإنَّما قالَ ”يُحْشَرَ“ فَإنَّهم يَجْتَمِعُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ حاشِرٍ لَهم، وقُرِئَ ”وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ“ بِالياءِ والتّاءِ يُرِيدُ: وأنْ تَحْشُرَ النّاسَ يا فِرْعَوْنُ وأنْ يَحْشُرَ اليَوْمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ فِرْعَوْنَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، إمّا عَلى العادَةِ الَّتِي تُخاطَبُ بِها المُلُوكُ أوْ خاطَبَ القَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ وجَعَلَ ضَمِيرَ ”يُحْشَرَ“ لِفِرْعَوْنَ وإنَّما أوْعَدَهم ذَلِكَ اليَوْمَ لِيَكُونَ عُلُوُّ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى وظُهُورُ دِينِهِ، وكَبْتُ الكافِرِ وزَهُوقُ الباطِلِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في المَجْمَعِ العامِّ لِيَكْثُرَ المُحَدِّثُ بِذَلِكَ الأمْرِ صفحة ٦٤ العَجِيبِ في كُلِّ بَدْوٍ وحَضَرٍ، ويَشِيعَ في جَمِيعِ أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ، قالَ القاضِي: إنَّهُ عَيَّنَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ثُمَّ عَيَّنَ مِنَ اليَوْمِ وقْتًا مُعَيَّنًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّوَلِّيَ قَدْ يَكُونُ إعْراضًا وقَدْ يَكُونُ انْصِرافًا، والظّاهِرُ هَهُنا أنَّهُ بِمَعْنى الِانْصِرافِ وهو مُفارَقَتُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَوْعِدِ الَّذِي تَواعَدُوا لِلِاجْتِماعِ [ فِيهِ ]، قالَ مُقاتِلٌ: فَتَوَلّى أيْ أعْرَضَ وثَبَتَ عَلى إعْراضِهِ عَنِ الحَقِّ ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ السَّحَرَةُ وسائِرُ مَن يَجْتَمِعُ لِذَلِكَ ويَدْخُلُ فِيهِ الآلاتُ وسائِرُ ما أوْرَدَتْهُ السَّحَرَةُ ﴿ثُمَّ أتى﴾ دَخَلَ تَحْتَهُ ”أتى“ المَوْضِعَ بِالسَّحَرَةِ وبِالقَوْمِ وبِالآلاتِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصا، وقِيلَ: كانُوا أرْبَعَمِائَةٍ، وقِيلَ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ ضُرِبَتْ لِفِرْعَوْنَ قُبَّةٌ فَجَلَسَ فِيها يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وكانَ طُولُ القُبَّةِ سَبْعِينَ ذِراعًا ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدَّمَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ الوَعِيدَ والتَّحْذِيرَ مِمّا قالُوهُ وأقْدَمُوا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ تَزْعُمُوا بِأنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ وأنَّهُ سِحْرٌ فَيُمْكِنُكم مُعارَضَتِي، قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ في انْتِصابِ ”ويْلَكم“ أنْ يَكُونَ المَعْنى ألْزَمَهُمُ اللَّهُ ويْلًا إنِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ويَجُوزُ عَلى النِّداءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]، ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ أيْ يُعَذِّبَكم عَذابًا مُهْلِكًا مُسْتَأْصِلًا، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِرَفْعِ الياءِ مِنَ الإسْحاتِ والباقُونَ بِفَتْحِها مِنَ السُّحْتِ، والإسْحاتُ لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ وبَنِي تَمِيمٍ، والسُّحْتُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا حَصَلَ لَهُ أمْرانِ: أحَدُهُما: عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا أوِ العَذابُ الشَّدِيدُ في الآخِرَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ . والثّانِي: الخَيْبَةُ والحِرْمانُ عَنِ المَقْصُودِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لَمّا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ أعْرَضُوا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ وفي تَنازَعُوا قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَفاوَضُوا وتَشاوَرُوا لِيَسْتَقِرُّوا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ. والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: دَخَلَ في التَّنازُعِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: بَلْ هُمُ السَّحَرَةُ وحْدَهم والكَلامُ مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ ما يَدُلُّ عَلى التَّرْجِيحِ، وذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهم أسَرُّوها مِن فِرْعَوْنَ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إنَّ نَجْواهم قالُوا: إنْ غَلَبَنا مُوسى اتَّبَعْناهُ. والثّانِي: قالَ قَتادَةُ: إنْ كانَ ساحِرًا فَسَنَغْلِبُهُ، وإنْ كانَ مِنَ السَّماءِ فَلَهُ أمْرٌ. الثّالِثُ: قالَ وهْبٌ: لَمّا قالَ: ﴿ويْلَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالُوا ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى مِن مُوسى وفِرْعَوْنَ ونَجْواهم هو قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكُمْ﴾ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى مِن مُوسى وهارُونَ ومِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أيْضًا، وكانَ نَجْواهم أنَّهم كَيْفَ يَجِبُ تَدْبِيرُ أمْرِ الحِبالِ والعِصِيِّ، وعَلى أيِّ وجْهٍ يَجِبُ إظْهارُها فَيَكُونُ أوْقَعَ في القُلُوبِ وأظْهَرَ لِلْعُيُوبِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

طه 20:63

قوله تعالى: ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ٦٥ المَسْألَةُ الأُولى: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ ومِنهم مَن تَرَكَ هَذِهِ القِراءَةَ وذَكَرُوا وُجُوهًا أُخَرَ: أحَدُها: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعِيسى بْنُ عُمَرَ: ”إنَّ هَذَيْنِ لَساحِرانِ“ قالُوا: هي قِراءَةُ عُثْمانَ وعائِشَةَ وابْنِ الزُّبَيْرِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم واحْتَجَّ أبُو عَمْرٍو وعِيسى عَلى ذَلِكَ بِما رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها سُئِلَتْ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ وعَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى﴾ [المائدة: ٦٩] في المائِدَةِ، وعَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [النساء: ١٦٢] فَقالَتْ: يا ابْنَ أخِي هَذا خَطَأٌ مِنَ الكاتِبِ، ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ أنَّهُ نَظَرَ في المُصْحَفِ فَقالَ: أرى فِيهِ لَحْنًا وسَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأسْتَحْيِي أنْ أقْرَأ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ . وثانِيها: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”إنْ هَذانِّ“ بِتَخْفِيفِ ”إنَّ“ وتَشْدِيدِ نُونِ ”هَذانِ“ . وثالِثُها: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”إنْ هَذانِ“ بِتَخْفِيفِ النُّونَيْنِ. ورابِعُها: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: (وأسَرُّوا النَّجْوى، أنْ هَذانِ ساحِرانِ) بِفَتْحِ الألِفِ وجَزْمِ نُونِهِ [ و] ساحِرانِ بِغَيْرِ لامٍ. وخامِسُها: عَنِ الأخْفَشِ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ خَفِيفَةٌ في مَعْنى ثَقِيلَةٍ وهي لُغَةُ قَوْمٍ يَرْفَعُونَ بِها ويُدْخِلُونَ اللّامَ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الَّتِي تَكُونُ في مَعْنى ما. وسادِسُها: رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ”ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ“، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: [ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ] وعَنِ الخَلِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ، وعَنْ أُبَيِّ أيْضًا: [ إنْ ذانِ لَساحِرانِ ] فَهَذِهِ هي القِراءاتُ الشّاذَّةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، واعْلَمْ أنَّ المُحَقِّقِينَ قالُوا: هَذِهِ القِراءاتُ لا يَجُوزُ تَصْحِيحُها لِأنَّها مَنقُولَةٌ بِطَرِيقِ الآحادِ، والقُرْآنُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا بِالتَّواتُرِ إذْ لَوْ جَوَّزْنا إثْباتَ زِيادَةٍ في القُرْآنِ بِطَرِيقِ الآحادِ لَما أمْكَنَنا القَطْعُ بِأنَّ هَذا الَّذِي هو عِنْدَنا كُلُّ القُرْآنِ لِأنَّهُ لَمّا جازَ في هَذِهِ القِراءاتِ أنَّها مَعَ كَوْنِها مِنَ القُرْآنِ ما نُقِلَتْ بِالتَّواتُرِ جازَ في غَيْرِها ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ تَجْوِيزَ كَوْنِ هَذِهِ القِراءاتِ مِنَ القُرْآنِ يَطْرُقُ جَوازَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والتَّغْيِيرِ إلى القُرْآنِ وذَلِكَ يُخْرِجُ القُرْآنَ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا فَكَذَلِكَ ما أدّى إلَيْهِ، وأمّا الطَّعْنُ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَهو أسْوَأُ مِمّا تَقَدَّمَ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَمّا كانَ نَقْلُ هَذِهِ القِراءَةِ في الشُّهْرَةِ كَنَقْلِ جَمِيعِ القُرْآنِ فَلَوْ حَكَمْنا بِبُطْلانِها جازَ مِثْلُهُ في جَمِيعِ القُرْآنِ وذَلِكَ يُفْضِي إلى القَدْحِ في التَّواتُرِ وإلى القَدْحِ في كُلِّ القُرْآنِ وأنَّهُ باطِلٌ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ امْتَنَعَ صَيْرُورَتُهُ مُعارِضًا بِخَبَرِ الواحِدِ المَنقُولِ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ. وثانِيها: أنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى وكَلامُ اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَحْنًا وغَلَطًا فَثَبَتَ فَسادُ ما نُقِلَ عَنْ عُثْمانَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ فِيهِ لَحْنًا وغَلَطًا. وثالِثُها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ الصَّحابَةَ هُمُ الأئِمَّةُ والقُدْوَةُ فَلَوْ وجَدُوا في المُصْحَفِ لَحْنًا لَما فَوَّضُوا إصْلاحَهُ إلى غَيْرِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ مَعَ تَحْذِيرِهِمْ مِنَ الِابْتِداعِ وتَرْغِيبِهِمْ في الِاتِّباعِ، حَتّى قالَ بَعْضُهُمُ: اتَّبِعُوا ولا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ. فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَصْحِيحِ القِراءَةِ المَشْهُورَةِ. واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ وذَكَرُوا وُجُوهًا: الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو الأقْوى أنَّ هَذِهِ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ وقالَ بَعْضُهم هي لُغَةُ بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، والزَّجّاجُ نَسَبَها إلى كِنانَةَ، وقُطْرُبٌ نَسَبَها إلى بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ ومُرادٍ وخَثْعَمَ وبَعْضِ بَنِي عُذْرَةَ، ونَسَبَها ابْنُ جِنِّي إلى بَعْضِ بَنِي رَبِيعَةَ أيْضًا وأنْشَدَ الفَرّاءُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ: فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ يَرى مَساغًا لِناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وأنْشَدَ غَيْرُهُ: تَزَوُّدَ مِنّا بَيْنَ أُذُناهُ ضَرْبَةً ∗∗∗ دَعَتْهُ إلى هابِي التُّرابِ عَقِيمِ قالَ الفَرّاءُ: وحَكى بَعْضُ بَنِي أسَدٍ أنَّهُ قالَ هَذا خَطُّ يَدا أخِي أعْرِفُهُ. وقالَ قُطْرُبٌ هَؤُلاءِ يَقُولُونَ: رَأيْتُ رَجُلانِ صفحة ٦٦ واشْتَرَيْتُ ثَوْبانِ، قالَ رَجُلٌ مِن بَنِي ضَبَّةَ جاهِلِيٌّ: أعْرِفُ مِنها الجِيدَ والعَيْنانا ∗∗∗ ومَنخِرَيْنِ أشْبَها ظَبْيانا وقَوْلُهُ: ومَنخِرَيْنِ عَلى اللُّغَةِ الفاشِيَةِ، وما وراءَ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ هَؤُلاءِ. وقالَ آخَرُ: طارُوا عَلاهُنَّ فَطِرْ عَلاها ∗∗∗ واشْدُدْ بِمَثْنى حَقَبٍ حَقْواها وقالَ آخَرُ: كَأنَّ صَرِيفَ ناباهُ إذا ما ∗∗∗ أمَرَّهُما صَرِيرَ الأخْطَبانِ قالَ بَعْضُهُمُ: الأخْطَبانِ ذَكَرُ الصِّرْدانِ، فَصَيَّرَهُما واحِدًا فَبَقِيَ الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ: صَرِيفُ ناباهُ، قالَ: وأنْشَدَنِي يُونُسُ لِبَعْضِ بَنِي الحارِثِ: كَأنَّ يَمِينا سَحْبَلٍ ومَصِيفَهُ ∗∗∗ مُراقُ دَمٍ لَنْ يَبْرَحَ الدَّهْرُ ثاوِيا وأنْشَدُوا أيْضًا: إنَّ أباها وأبا أباها ∗∗∗ قَدْ بَلَغا في المَجْدِ غايَتاها وقالَ ابْنُ جِنِّي رَوَيْنا عَنْ قُطْرُبٍ: هُناكَ أنْ تَبْكِي بِشَعْشَعانِ ∗∗∗ رَحْبِ الفُؤادِ طائِلِ اليَدانِ ثُمَّ قالَ الفَرّاءُ وذَلِكَ وإنْ كانَ قَلِيلًا أقْيَسُ لِأنَّ ما قَبْلَ حَرْفِ التَّثْنِيَةِ مَفْتُوحٌ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ ألِفًا، ولَوْ كانَ ما بَعْدَهُ ياءً يَنْبَغِي أنْ تَنْقَلِبَ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وقُطْرُبٌ ذَكَرَ أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِرارًا إلى الألِفِ الَّتِي هي أخَفُّ حُرُوفِ المَدِّ. هَذا أقْوى الوُجُوهِ في هَذِهِ الآيَةِ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا: الألِفُ في هَذا مِن جَوْهَرِ الكَلِمَةِ، والحَرْفُ الَّذِي يَكُونُ مِن جَوْهَرِ الكَلِمَةِ لا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ بِسَبَبِ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ؛ لِأنَّ ما بِالذّاتِ لا يَزُولُ بِالعَرَضِ فَهَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ أنْ يُقالَ: ”إنَّ هَذَيْنِ“ فَلَمّا جَوَّزْناهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُجَوَّزَ مَعَهُ أنْ يُقالَ: إنْ هَذانِ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنْ هَهُنا بِمَعْنى نَعَمْ، قالَ الشّاعِرُ: ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنْهُ أيْ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فالهاءُ في ”إنْهُ“ هاءُ السَّكْتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: شابَ المَفارِقُ إنْ إنَّ مِنَ البِلى ∗∗∗ شَيْبُ القَذالِ مَعَ العِذارِ الواصِلِ أيْ نَعَمْ إنَّ مِنَ البِلى، فَصارَ ”إنْ“ كَأنَّهُ قالَ: نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، واعْتَرَضُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: اللّامُ لا تَدْخُلُ في الخَبَرِ عَلى الِاسْتِحْسانِ إلّا إذا كانَتْ ”إنَّ“ داخِلَةً في المُبْتَدَأِ، فَأمّا إذا لَمْ تَدْخُلْ ”إنَّ“ عَلى المُبْتَدَأِ فَمَحَلُّ اللّامِ المُبْتَدَأُ إذْ يُقالُ: لَزَيْدٌ أعْلَمُ مِن عَمْرٍو، ولا يُقالُ: زَيْدٌ لَأعْلَمُ مِن عَمْرٍو، وأجابُوا عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اللّامَ لا يَحْسُنُ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: صفحة ٦٧ أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ∗∗∗ تَرْضى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ وقالَ آخَرُ: خالِي لَأنْتَ ومَن جَرِيرٌ خالُهُ ∗∗∗ يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرَمُ الأخْوالا وأنْشَدَ قُطْرُبٌ: ألَمْ تَكُنْ حَلَفْتَ بِاللَّهِ العَلِيِّ ∗∗∗ أنَّ مَطاياكَ لَمِن خَيْرِ المَطِيِّ وإنْ رُوِيَتْ ”إنَّ“ بِالكَسْرِ لَمْ يَبْقَ الِاسْتِدْلالُ إلّا أنَّ قُطْرُبًا قالَ: سَمِعْناهُ مَفْتُوحَ الهَمْزَةِ وأيْضًا فَقَدْ أُدْخِلَتِ اللّامُ في خَبَرِ أمْسى، قالَ ابْنُ جِنِّي أنْشَدَنا أبُو عَلِيٍّ: مَرُّوا عُجالى فَقالُوا كَيْفَ صاحِبُكم ∗∗∗ فَقالَ مَن سُئِلُوا أمْسى لَمَجْهُودا وقالَ قُطْرُبٌ وسَمِعْنا بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: أُراكَ المُسالِمِيَّ وإنِّي رَأيْتُهُ لَشَيْخًا وزَيْدٌ واللَّهِ لَواثِقٌ بِكَ وقالَ كُثَيِّرٌ: وما زِلْتُ مِن لَيْلى لَدُنْ أنْ عَرَفْتُها ∗∗∗ لَكالهائِمِ المُقْصى بِكُلِّ بِلادِ وقالَ آخَرُ: ولَكِنَّنِي مِن حُبِّها لَعَمِيدُ وقالَ المُعْتَرِضُ: هَذِهِ الأشْعارُ مِنَ الشَّواذِّ وإنَّما جاءَتْ كَذا لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ وجَلَّ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الضَّرُورَةِ، وإنَّما تَقَرَّرَ هَذا الكَلامُ إذا بَيَّنّا أنَّ المُبْتَدَأ إذا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ إنْ وجَبَ إدْخالُ اللّامِ عَلَيْهِ لا عَلى الخَبَرِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ اللّامَ تُفِيدُ تَأْكِيدَ مَوْصُوفِيَّةِ المُبْتَدَأِ بِالخَبَرِ، واللّامُ تَدُلُّ عَلى حالَةٍ مِن حالاتِ المُبْتَدَأِ وصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ فَوَجَبَ دُخُولُها عَلى المُبْتَدَأِ لِأنَّ العِلَّةَ المُوجِبَةَ لِحُكْمٍ في مَحَلٍّ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُخْتَصَّةً بِذَلِكَ المَحَلِّ، لا يُقالُ: هَذا مُشْكِلٌ بِما إذا دَخَلَتْ ”إنَّ“ عَلى المُبْتَدَأِ فَإنَّ هَهُنا يَجِبُ إدْخالُ اللّامِ عَلى الخَبَرِ مَعَ أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ حاصِلٌ فِيهِ لِأنّا نَقُولُ ذَلِكَ لِأجْلِ الضَّرُورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ لِلتَّأْكِيدِ واللّامَ لِلتَّأْكِيدِ، فَلَوْ قُلْنا: إنَّ لَزَيْدًا قائِمٌ لَكُنّا قَدْ أدْخَلْنا حَرْفَ التَّأْكِيدِ عَلى حَرْفِ التَّأْكِيدِ وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَلَمّا تَعَذَّرَ إدْخالُها عَلى المُبْتَدَأِ لا جَرَمَ أدْخَلْناها عَلى الخَبَرِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ، وأمّا إذا لَمْ يَدْخُلْ حَرْفُ إنَّ عَلى المُبْتَدَأِ كانَتْ هَذِهِ الضَّرُورَةُ زائِلَةً فَوَجَبَ إدْخالُ اللّامِ عَلى المُبْتَدَأِ لا يُقالُ: إذا جازَ إدْخالُ حَرْفِ النَّفْيِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ في قَوْلِهِ: ما إنْ رَأيْتُ ولا سَمِعْتُ بِهِ ∗∗∗ كاليَوْمِ طالَبَنِي أنِيقٌ أجْرَبُ والغَرَضُ بِهِ تَأْكِيدُ النَّفْيِ فَلِمَ لا يَجُوزُ إدْخالُ حَرْفِ التَّأْكِيدِ عَلى حَرْفِ التَّأْكِيدِ، والغَرَضُ بِهِ تَأْكِيدُ الإثْباتِ لِأنّا نَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ أنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ قائِمٌ يَدُلُّ عَلى الحُكْمِ بِمَوْصُوفِيَّةِ زَيْدٍ بِالقِيامِ، فَإذا قُلْتَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ، فَكَلِمَةُ ”إنَّ“ تُفِيدُ تَأْكِيدَ ذَلِكَ الحُكْمِ، فَلَوْ ذَكَرْتَ مُؤَكِّدًا آخَرَ مَعَ كَلِمَةِ ”إنَّ“ صارَ عَبَثًا، أمّا لَوْ قُلْتَ: رَأيْتُ فُلانًا، فَهَذا لِلثُّبُوتِ، فَإذا أدْخَلْتَ عَلَيْهِ حَرْفَ النَّفْيِ أفادَ حَرْفُ النَّفْيِ مَعْنى النَّفْيِ ولا يُفِيدُ التَّأْكِيدَ لِأنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِإفادَةِ الأصْلِ، فَكَيْفَ يُفِيدُ الزِّيادَةَ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْهِ حَرْفَ نَفْيٍ آخَرَ صارَ الحَرْفُ الثّانِي مُؤَكِّدًا لِلْأوَّلِ فَلا يَكُونُ عَبَثًا، فَهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ، فَهَذا مُنْتَهى تَقْرِيرِ هَذا الِاعْتِراضِ وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأنَّ الكُلَّ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ النَّقْلُ والقِياسُ فالنَّقْلُ أوْلى، ولِأنَّ هَذِهِ العِلَلَ في نِهايَةِ الضَّعْفِ فَكَيْفَ يُدْفَعُ بِها النَّقْلُ الظّاهِرُ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمُ: اللّامُ لا يَحْسُنُ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ إلّا إذا دَخَلَتْ كَلِمَةُ ”إنَّ“ عَلى المُبْتَدَأِ كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: إنْ وقَعَتْ مَوْقِعَ نَعَمْ واللّامُ في مَوْقِعِها، والتَّقْدِيرُ صفحة ٦٨ نَعَمْ هَذانِ لَهُما ساحِرانِ، فَكانَتِ اللّامُ داخِلَةً عَلى المُبْتَدَأِ لا عَلى الخَبَرِ. قالَ: وعَرَضْتُ هَذا القَوْلَ عَلى مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ فارْتَضَياهُ، وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعْناهُ في هَذا. قالَ ابْنُ جِنِّي: هَذا القَوْلُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِوُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ أنَّ المُبْتَدَأ إنَّما يَجُوزُ حَذْفُهُ لَوْ كانَ أمْرًا مَعْلُومًا جَلِيًّا ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ في حَذْفِهِ مَعَ الجَهْلِ بِهِ ضَرْبٌ مِن تَكْلِيفِ عِلْمِ الغَيْبِ لِلْمُخاطَبِ، وإذا كانَ مَعْرُوفًا فَقَدِ اسْتَغْنى بِمَعْرِفَتِهِ عَنْ تَأْكِيدِهِ بِاللّامِ لِأنَّ التَّأْكِيدَ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ العِلْمُ بِهِ حاصِلًا. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الحَذْفَ مِن بابِ الِاخْتِصارِ، والتَّأْكِيدَ مِن بابِ الإطْنابِ، فالجَمْعُ بَيْنَهُما غَيْرُ جائِزٍ، ولِأنَّ ذِكْرَ المُؤَكَّدِ وحَذْفَ التَّأْكِيدِ أحْسَنُ في العُقُولِ مِنَ العَكْسِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: امْتِناعُ أصْحابِنا البَصْرِيِّينَ مِن تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى المُبْتَدَأِ في نَحْوِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ ضَرَبْتُ فَلا يُجِيزُونَ: زَيْدٌ ضَرَبْتُ نَفْسَهُ، عَلى أنْ يُجْعَلَ النَّفْسُ تَوْكِيدًا لِلْهاءِ المُؤَكِّدَةِ المُقَدَّرَةِ في ”ضَرَبْتُ“ أيْ ضَرَبْتُهُ؛ لِأنَّ الحَذْفَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّحْقِيقِ والعِلْمِ بِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدِ اسْتَغْنى عَنْ تَأْكِيدِهِ فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ جَمِيعَ النَّحْوِيِّينَ حَمَلُوا قَوْلَ الشّاعِرِ: أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ عَلى أنَّ الشّاعِرَ أدْخَلَ اللّامَ عَلى الخَبَرِ ضَرُورَةً ولَوْ كانَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ جائِزًا لَما عَدَلَ عَنْهُ النَّحْوِيُّونَ، ولَما حَمَلُوا الكَلامَ عَلَيْهِ عَلى الِاضْطِرارِ إذا وجَدُوا لَهُ وجْهًا ظاهِرًا، ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنِ اعْتِراضِ ابْنِ جِنِّي بِأنَّهُ إنَّما حَسُنَ حَذْفُ المُبْتَدَأِ لِأنَّ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ”هَذانِ“ أمّا لَوْ حُذِفَ التَّأْكِيدُ فَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ كانَ حَذْفُ المُبْتَدَأِ أوْلى مِن حَذْفِ التَّأْكِيدِ، وأمّا امْتِناعُهم مِن تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِمْ: زَيْدٌ ضَرَبْتُ نَفْسَهُ، فَذاكَ إنَّما كانَ لِأنَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلى المُظْهَرِ أوْلى مِن إسْنادِهِ إلى المُضْمَرِ، فَإذا قالَ: زَيْدٌ ضَرَبْتُ نَفْسَهُ كانَ قَوْلُهُ: ”نَفْسَهُ“ مَفْعُولًا، فَلا يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ، فَتَأْكِيدُ المَحْذُوفِ إنَّما امْتَنَعَ هَهُنا لِهَذِهِ العِلَّةِ، لا لِأنَّ تَأْكِيدَ المَحْذُوفِ مُطْلَقًا مُمْتَنِعٌ، وأمّا قَوْلُهُ: النَّحْوِيُّونَ حَمَلُوا قَوْلَ الشّاعِرِ: أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ عَلى أنَّ الشّاعِرَ أدْخَلَ اللّامَ عَلى الخَبَرِ ضَرُورَةً، فَلَوْ جازَ ما قالَهُ الزَّجّاجُ لَما عَدَلَ عَنْهُ النَّحْوِيُّونَ، فَهَذا اعْتِراضٌ في نِهايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ ذُهُولَ المُتَقَدِّمِينَ عَنْ هَذا الوَجْهِ لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ باطِلًا، فَما أكْثَرَ ما ذَهَلَ المُتَقَدِّمُ عَنْهُ وأدْرَكَهُ المُتَأخِّرُ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في شَرْحِ هَذا. الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ ضَعِيفَةٌ في العَمَلِ لِأنَّها تَعْمَلُ بِسَبَبِ مُشابَهَةِ الفِعْلِ فَوَجَبَ كَوْنُها ضَعِيفَةً في العَمَلِ، وإذا ضَعُفَتْ جازَ بَقاءُ المُبْتَدَأِ عَلى إعْرابِهِ الأصْلِيِّ وهو الرَّفْعُ. المُقَدِّمَةُ الأُولى: أنَّها تُشْبِهُ الفِعْلَ، وهَذِهِ المُشابَهَةُ حاصِلَةٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى. أمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّها تَرَكَّبَتْ مِن ثَلاثَةِ أحْرُفٍ وانْفَتَحَ آخِرُها ولَزِمَتِ الأسْماءَ كالأفْعالِ، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّها تُفِيدُ حُصُولَ مَعْنًى في الِاسْمِ وهو تَأْكِيدُ مَوْصُوفِيَّتِهِ بِالخَبَرِ كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ زَيْدٌ، فَقَوْلُكَ قامَ أفادَ حُصُولَ مَعْنًى في الِاسْمِ. المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: أنَّها لَمّا أشْبَهَتِ الأفْعالَ وجَبَ أنْ تُشْبِهَها في العَمَلِ فَذَلِكَ ظاهِرٌ بِناءً عَلى الدَّوَرانِ. المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: أنَّها لَمْ تَنْصِبِ الِاسْمَ وتَرْفَعِ الخَبَرَ، فَتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا صارَتْ عامِلَةً فَإمّا أنْ تَرْفَعَ المُبْتَدَأ والخَبَرَ مَعًا، أوْ تَنْصِبَهُما مَعًا، أوْ تَرْفَعَ المُبْتَدَأ وتَنْصِبَ الخَبَرَ، أوْ بِالعَكْسِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ المُبْتَدَأ والخَبَرَ كانا قَبْلَ دُخُولِ إنَّ عَلَيْهِما مَرْفُوعَيْنِ فَلَوْ بَقِيا كَذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِها عَلَيْهِما لَما ظَهَرَ لَهُ أثَرٌ البَتَّةَ، ولِأنَّها أُعْطِيَتْ عَمَلَ الفِعْلِ، والفِعْلُ لا يَرْفَعُ الِاسْمَيْنِ فَلا مَعْنى لِلِاشْتِراكِ. والقِسْمُ الثّانِي: أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ هَذا أيْضًا مُخالِفٌ لِعَمَلِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَنْصِبُ شَيْئًا مَعَ خُلُوِّهِ عَمّا يَرْفَعُهُ. والقِسْمُ الثّالِثُ: أيْضًا باطِلٌ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ. فَإنَّ الفِعْلَ يَكُونُ عَمَلُهُ في الفاعِلِ أوَّلًا بِالرَّفْعِ وفي المَفْعُولِ بِالنَّصْبِ فَلَوْ جُعِلَ النَّصْبُ هَهُنا كَذَلِكَ لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ صفحة ٦٩ الأصْلِ والفَرْعِ، ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ الثَّلاثَةُ تَعَيَّنَ القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنَّها تَنْصِبُ الِاسْمَ وتَرْفَعُ الخَبَرَ، وهَذا مِمّا يُنَبِّهُ عَلى أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ دَخِيلَةٌ في العَمَلِ لا أصِيلَةٌ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَنصُوبِ عَلى المَرْفُوعِ في بابِ العَمَلِ عُدُولٌ عَنِ الأصْلِ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ بِهَذِهِ الحُرُوفِ لَيْسَ بِثابِتٍ بِطَرِيقِ الأصالَةِ بَلْ بِطَرِيقٍ عارِضٍ. المُقَدِّمَةُ الرّابِعَةُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ تَأْثِيرَها في نَصْبِ الِاسْمِ بِسَبَبِ هَذِهِ المُشابَهَةِ وجَبَ جَوازُ الرَّفْعِ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَ الِاسْمِ مُبْتَدَأً يَقْتَضِي الرَّفْعَ، ودُخُولُ ”إنَّ“ عَلى المُبْتَدَأِ لا يُزِيلُ عَنْهُ وصْفَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً لِأنَّهُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ ما كانَ لا زَوالَ ما كانَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وصْفُ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً يَقْتَضِي الرَّفْعَ، وحَرْفُ ”إنَّ“ يَقْتَضِي النَّصْبَ، ولَكِنَّ المُقْتَضى الأوَّلَ أوْلى بِالِاقْتِضاءِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ وصْفَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً صِفَةٌ أصْلِيَّةٌ لِلْمُبْتَدَأِ، ودُخُولَ إنَّ عَلَيْهِ صِفَةٌ عَرَضِيَّةٌ، والأصْلُ راجِحٌ عَلى العارِضِ. والثّانِي: أنَّ اقْتِضاءَ وصْفِ المُبْتَدَأِ لِلرَّفْعِ أصْلِيٌّ واقْتِضاءَ حَرْفِ ”إنَّ“ لِلنَّصْبِ صِفَةٌ عارِضَةٌ بِسَبَبِ مُشابَهَتِها بِالفِعْلِ، فَيَكُونُ الأوَّلُ أوْلى فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ ما قَرَّرْنا أنَّ الرَّفْعَ أوْلى مِنَ النَّصْبِ فَإنْ لَمْ تَحْصُلِ الأوْلَوِيَّةُ فَلا أقَلَّ مِن أصْلِ الجَوازِ؛ ولِهَذا السَّبَبِ إذا جِئْتَ بِخَبَرِ ”إنَّ“ ثُمَّ عَطَفْتَ عَلى الِاسْمِ اسْمًا آخَرَ جازَ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ مَعًا. الوَجْهُ الرّابِعُ: في الجَوابِ قالَ الفَرّاءُ: هَذا أصْلُهُ ”ذا“ زِيدَتِ الهاءُ لِأنَّ ”ذا“ كَلِمَةٌ مَنقُوصَةٌ فَكُمِّلَتْ بِالهاءِ عِنْدَ التَّنْبِيهِ، وزِيدَتْ ألِفًا لِلتَّثْنِيَةِ فَصارَتْ هَذاانِ فاجْتَمَعَ ساكِنانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ فاحْتِيجَ إلى حَذْفِ واحِدٍ، ولا يُمْكِنُ حَذْفُ ألِفِ الأصْلِ لِأنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مَنقُوصَةٌ فَلا تُجْعَلُ أنْقَصَ فَحُذِفَ ألِفُ التَّثْنِيَةِ؛ لِأنَّ النُّونَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلا جَرَمَ لَمْ تَعْمَلْ ”إنَّ“ لِأنَّ عَمَلَها في ألِفِ التَّثْنِيَةِ، وقالَ آخَرُونَ: الألِفُ الباقِي إمّا ألِفُ الأصْلِ أوْ ألِفُ التَّثْنِيَةِ. فَإنْ كانَ الباقِي ألِفَ الأصْلِ لَمْ يَجُزْ حَذْفُها لِأنَّ العامِلَ الخارِجِيَّ لا يَتَصَرَّفُ في ذاتِ الكَلِمَةِ، وإنْ كانَ الباقِي ألِفَ التَّثْنِيَةِ فَلا شَكَّ أنَّهم أنابُوها مَنابَ ألِفِ الأصْلِ، وعِوَضُ الأصْلِ أصْلٌ لا مَحالَةَ، فَهَذا الألِفُ أصْلٌ فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ ويَرْجِعُ حاصِلُ هَذا إلى الجَوابِ الأوَّلِ. الوَجْهُ الخامِسُ: في الجَوابِ حَكى الزَّجّاجُ عَنْ قُدَماءِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الهاءَ هَهُنا مُضْمَرَةٌ، والتَّقْدِيرُ ”إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ“، وهَذِهِ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ الأمْرِ والشَّأْنِ، فَهَذا ما قِيلَ في هَذا المَوْضِعِ، فَأمّا مَن خَفَّفَ فَقَرَأ ”إنْ هَذانِ لَساحِرانِ“ فَهو حَسَنٌ، فَإنَّ ما بَعْدَ الخَفِيفَةِ رَفْعٌ واللّامُ بَعْدَها في الخَبَرِ لازِمَةٌ واجِبَةٌ، وإنْ كانَتْ في ”إنَّ“ الثَّقِيلَةِ جائِزَةً لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ ”إنَّ“ المُؤَكِّدَةِ و”إنْ“ النّافِيَةِ. قالَ الشّاعِرُ: وإنْ مالِكٌ لَلْمُرْتَجى إنْ تَضَعْضَعَتْ ∗∗∗ رَحا الحَرْبِ أوْ دارَتْ عَلَيَّ خُطُوبُ وقالَ آخَرُ: إنَّ القَوْمَ والحَيَّ الَّذِي أنا مِنهم ∗∗∗ لَأهْلُ مَقاماتٍ وشاءٍ وجامِلِ الجامِلُ جَمْعُ جَمَلٍ، ثُمَّ مِنَ العَرَبِ مَن يُعْمِلُ ”إنْ“ ناقِصَةً كَما يُعْمِلُها تامَّةً اعْتِبارًا بَكانَ فَإنَّها تَعْمَلُ، وإنْ نَقَصَتْ في قَوْلِكَ: لَمْ يَكُنْ لِبَقاءِ مَعْنى التَّأْكِيدِ، وإنْ زالَ الشَّبَهُ اللَّفْظِيُّ بِالفِعْلِ لِأنَّ العِبْرَةَ لِلْمَعْنى، وهَذِهِ اللُّغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العِبْرَةَ في بابِ الإعْمالِ الشَّبَهُ المَعْنَوِيُّ بِالفِعْلِ وهو إثْباتُ التَّوْكِيدِ دُونَ الشَّبَهِ اللَّفْظِيِّ، كَما أنَّ التَّعْوِيلَ في بابِ ”كانَ“ عَلى المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ لِكَوْنِهِ فِعْلًا مَحْضًا، وأمّا اللُّغَةُ الظّاهِرَةُ وهي تَرْكُ إعْمالِ ”إنِ“ الخَفِيفَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشَّبَهَ اللَّفْظِيَّ في ”إنَّ“ الثَّقِيلَةِ أحَدُ جُزْأيِ العِلَّةِ في حَقِّ عَمَلِها وعِنْدَ الخِفَّةِ زالَ الشَّبَهُ فَلَمْ تَعْمَلْ بِخِلافِ السُّكُونِ فَإنَّهُ عامِلٌ بِمَعْناهُ لِكَوْنِهِ فِعْلًا مَحْضًا ولا عِبْرَةَ لِلَفْظِهِ.

طه 20:64

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا ذَكَرَ ما أسَرُّوهُ مِنَ النَّجْوى حَكى عَنْهم ما أظْهَرُوهُ، ومَجْمُوعُهُ يَدُلُّ عَلى التَّنْفِيرِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومُتابَعَةِ دِينِهِ: فَأحَدُها: قَوْلُهم: ﴿هَذانِ لَساحِرانِ﴾ وهَذا طَعْنٌ مِنهم في مُعْجِزاتِ صفحة ٧٠ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ مُبالَغَةٌ في التَّنْفِيرِ عَنْهُ لِما أنَّ كُلَّ طَبْعٍ سَلِيمٍ يَقْتَضِي النَّفْرَةَ عَنِ السِّحْرِ وكَراهَةَ رُؤْيَةِ السّاحِرِ، ومِن حَيْثُ إنَّ الإنْسانَ يَعْلَمُ أنَّ السِّحْرَ لا بَقاءَ لَهُ فَإذا اعْتَقَدُوا فِيهِ السِّحْرَ قالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُهُ فَإنَّهُ لا بَقاءَ لَهُ ولا لِدِينِهِ ولا لِمَذْهَبِهِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكُمْ﴾ وهَذا في نِهايَةِ التَّنْفِيرِ لِأنَّ المُفارَقَةَ عَنِ المَنشَأِ، والمَوْلِدِ شَدِيدَةٌ عَلى القُلُوبِ، وهَذا هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ وكَأنَّ السَّحَرَةَ تَلَقَّفُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ مِن فِرْعَوْنَ ثُمَّ أعادُوها. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ وهَذا أيْضًا لَهُ تَأْثِيرٌ شَدِيدٌ في القَلْبِ فَإنَّ العَدُوَّ إذا جاءَ واسْتَوْلى عَلى جَمِيعِ المَناصِبِ والأشْياءِ الَّتِي يَرْغَبُ فِيها فَذَلِكَ يَكُونُ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ فَهم ذَكَرُوا هَذِهِ الوُجُوهَ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْفِيرِ عَنْ مُوسى والتَّرْغِيبِ في دَفْعِهِ وإبْطالِ أمْرِهِ وهَهُنا بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ الرِّجالُ الأشْرافُ الَّذِينَ هم قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِمْ يُقالُ: هم طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، ويُقالُ لِلْواحِدِ أيْضًا: هو طَرِيقَةُ قَوْمِهِ، وجَعَلَ الزَّجّاجُ الآيَةَ مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ أيْ ويَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمُ المُثْلى، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، فالمُرادُ أنَّهم كانُوا يُحَرِّضُونَ القَوْمَ بِأنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ يُرِيدانِ أنْ يَذْهَبا بِأشْرافِ قَوْمِكم وأكابِرِكم وهم بَنُو إسْرائِيلَ لِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧] وإنَّما سُمُّوا بَنِي إسْرائِيلَ بِذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ عَدَدًا وأمْوالًا، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ الطَّرِيقَةَ المُثْلى بِالدِّينِ سَمَّوْا دِينَهم بِالطَّرِيقَةِ المُثْلى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] ومِنهم مَن فَسَّرَها بِالجاهِ والمَنصِبِ والرِّياسَةِ. البَحْثُ الثّانِي: ﴿المُثْلى﴾ مُؤَنَّثَةٌ لِتَأْنِيثِ الطَّرِيقَةِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ الأفْضَلُ بِالأمْثَلِ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الأمْثَلُ: الأشْبَهُ بِالحَقِّ، وقِيلَ: الأمْثَلُ الأوْضَحُ والأظْهَرُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم مُبالَغَتَهم في التَّنْفِيرِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّرْغِيبِ في إبْطالِ أمْرِهِ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ مِنِ ”اجْمَعُوا“ يَعْنِي لا تَدَعُوا شَيْئًا مِن كَيْدِهِمْ إلّا جِئْتُمْ بِهِ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ المِيمِ، ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ الفَرّاءُ: الإجْماعُ الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، يُقالُ: أجْمَعْتُ عَلى الخُرُوجِ مِثْلَ أزْمَعْتُ. والثّانِي: بِمَعْنى الجَمْعِ، وقَدْ مَضى الكَلامُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] قالَ الزَّجّاجُ: لِيَكُنْ عَزْمُكم كُلُّكم كاليَدِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لا تَخْتَلِفُوا ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا، ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّفَّ مَوْضِعُ الجَمْعِ والمَعْنى ائْتُوا المَوْضِعَ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِعِيدِكم وصَلاتِكم، والمَعْنى: ائْتُوا مُصَلًّى مِنَ المُصَلَّياتِ أوْ كانَ الصَّفُّ عَلَمًا لِلْمُصَلّى بِعَيْنِهِ فَأُمِرُوا بِأنْ يَأْتُوهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ الصَّفُّ مَصْدَرًا، والمَعْنى ثُمَّ ائْتُوا مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ لِكَيْ يَكُونَ أنْظَمَ لِأمْرِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم، وهَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ اعْتِراضٌ، يَعْنِي: وقَدْ فازَ مَن غَلَبَ، فَكانُوا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ أنْفُسَهم فِيما اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِن إظْهارِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ السِّحْرِ.

طه 20:65

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا ذَكَرَ ما أسَرُّوهُ مِنَ النَّجْوى حَكى عَنْهم ما أظْهَرُوهُ، ومَجْمُوعُهُ يَدُلُّ عَلى التَّنْفِيرِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومُتابَعَةِ دِينِهِ: فَأحَدُها: قَوْلُهم: ﴿هَذانِ لَساحِرانِ﴾ وهَذا طَعْنٌ مِنهم في مُعْجِزاتِ صفحة ٧٠ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ مُبالَغَةٌ في التَّنْفِيرِ عَنْهُ لِما أنَّ كُلَّ طَبْعٍ سَلِيمٍ يَقْتَضِي النَّفْرَةَ عَنِ السِّحْرِ وكَراهَةَ رُؤْيَةِ السّاحِرِ، ومِن حَيْثُ إنَّ الإنْسانَ يَعْلَمُ أنَّ السِّحْرَ لا بَقاءَ لَهُ فَإذا اعْتَقَدُوا فِيهِ السِّحْرَ قالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُهُ فَإنَّهُ لا بَقاءَ لَهُ ولا لِدِينِهِ ولا لِمَذْهَبِهِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكُمْ﴾ وهَذا في نِهايَةِ التَّنْفِيرِ لِأنَّ المُفارَقَةَ عَنِ المَنشَأِ، والمَوْلِدِ شَدِيدَةٌ عَلى القُلُوبِ، وهَذا هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ وكَأنَّ السَّحَرَةَ تَلَقَّفُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ مِن فِرْعَوْنَ ثُمَّ أعادُوها. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ وهَذا أيْضًا لَهُ تَأْثِيرٌ شَدِيدٌ في القَلْبِ فَإنَّ العَدُوَّ إذا جاءَ واسْتَوْلى عَلى جَمِيعِ المَناصِبِ والأشْياءِ الَّتِي يَرْغَبُ فِيها فَذَلِكَ يَكُونُ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ فَهم ذَكَرُوا هَذِهِ الوُجُوهَ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْفِيرِ عَنْ مُوسى والتَّرْغِيبِ في دَفْعِهِ وإبْطالِ أمْرِهِ وهَهُنا بَحْثانِ: البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: الطَّرِيقَةُ الرِّجالُ الأشْرافُ الَّذِينَ هم قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِمْ يُقالُ: هم طَرِيقَةُ قَوْمِهِمْ، ويُقالُ لِلْواحِدِ أيْضًا: هو طَرِيقَةُ قَوْمِهِ، وجَعَلَ الزَّجّاجُ الآيَةَ مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ أيْ ويَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمُ المُثْلى، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، فالمُرادُ أنَّهم كانُوا يُحَرِّضُونَ القَوْمَ بِأنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ يُرِيدانِ أنْ يَذْهَبا بِأشْرافِ قَوْمِكم وأكابِرِكم وهم بَنُو إسْرائِيلَ لِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧] وإنَّما سُمُّوا بَنِي إسْرائِيلَ بِذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ عَدَدًا وأمْوالًا، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ الطَّرِيقَةَ المُثْلى بِالدِّينِ سَمَّوْا دِينَهم بِالطَّرِيقَةِ المُثْلى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] ومِنهم مَن فَسَّرَها بِالجاهِ والمَنصِبِ والرِّياسَةِ. البَحْثُ الثّانِي: ﴿المُثْلى﴾ مُؤَنَّثَةٌ لِتَأْنِيثِ الطَّرِيقَةِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ الأفْضَلُ بِالأمْثَلِ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الأمْثَلُ: الأشْبَهُ بِالحَقِّ، وقِيلَ: الأمْثَلُ الأوْضَحُ والأظْهَرُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم مُبالَغَتَهم في التَّنْفِيرِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّرْغِيبِ في إبْطالِ أمْرِهِ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ مِنِ ”اجْمَعُوا“ يَعْنِي لا تَدَعُوا شَيْئًا مِن كَيْدِهِمْ إلّا جِئْتُمْ بِهِ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ المِيمِ، ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ الفَرّاءُ: الإجْماعُ الإحْكامُ والعَزِيمَةُ عَلى الشَّيْءِ، يُقالُ: أجْمَعْتُ عَلى الخُرُوجِ مِثْلَ أزْمَعْتُ. والثّانِي: بِمَعْنى الجَمْعِ، وقَدْ مَضى الكَلامُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] قالَ الزَّجّاجُ: لِيَكُنْ عَزْمُكم كُلُّكم كاليَدِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لا تَخْتَلِفُوا ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا، ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّفَّ مَوْضِعُ الجَمْعِ والمَعْنى ائْتُوا المَوْضِعَ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِعِيدِكم وصَلاتِكم، والمَعْنى: ائْتُوا مُصَلًّى مِنَ المُصَلَّياتِ أوْ كانَ الصَّفُّ عَلَمًا لِلْمُصَلّى بِعَيْنِهِ فَأُمِرُوا بِأنْ يَأْتُوهُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ الصَّفُّ مَصْدَرًا، والمَعْنى ثُمَّ ائْتُوا مُصْطَفِّينَ مُجْتَمِعِينَ لِكَيْ يَكُونَ أنْظَمَ لِأمْرِكم وأشَدَّ لِهَيْبَتِكم، وهَذا قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ اعْتِراضٌ، يَعْنِي: وقَدْ فازَ مَن غَلَبَ، فَكانُوا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ أنْفُسَهم فِيما اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِن إظْهارِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ السِّحْرِ.

طه 20:66

صفحة ٧١ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المَوْعِدِ وهو يَوْمُ الزِّينَةِ وتَقَدَّمَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] صارَ ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنْ قَوْلِهِ فَحَضَرُوا هَذا المَوْضِعَ وقالُوا: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ مَعْناهُ إمّا أنْ تُلْقِيَ ما مَعَكَ قَبْلَنا، وإمّا أنْ نُلْقِيَ ما مَعَنا قَبْلَكَ، وهَذا التَّخْيِيرُ مَعَ تَقْدِيمِهِ في الذِّكْرِ حُسْنُ أدَبٍ مِنهم وتَواضُعٌ لَهُ، فَلا جَرَمَ رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى الإيمانَ بِبَرَكَتِهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قابَلَ أدَبَهم بِأدَبٍ فَقالَ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ فَيَأْمُرُهم بِما هو سِحْرٌ وكُفْرٌ لِأنَّهم إذا قَصَدُوا بِذَلِكَ تَكْذِيبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كُفْرًا. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: لا نُسَلِّمُ أنَّ نَفْسَ الإلْقاءِ كُفْرٌ ومَعْصِيَةٌ؛ لِأنَّهم إذا ألْقَوْا وكانَ غَرَضُهم أنْ يَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ الإلْقاءِ وبَيْنَ مُعْجِزَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مُوسى كانَ ذَلِكَ الإلْقاءُ إيمانًا وإنَّما الكُفْرُ هو القَصْدُ إلى تَكْذِيبِ مُوسى، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أمَرَ بِالإلْقاءِ لا بِالقَصْدِ إلى التَّكْذِيبِ فَزالَ السُّؤالُ. وثانِيها: ذَلِكَ الأمْرُ كانَ مَشْرُوطًا والتَّقْدِيرُ: ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] أيْ إنْ كُنْتُمْ قادِرِينَ. وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا إلى كَشْفِ الشُّبْهَةِ صارَ ذَلِكَ جائِزًا. وهَذا كالمُحِقِّ إذا عَلِمَ أنَّ في قَلْبِ واحِدٍ شُبْهَةً وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُطالِبْهُ بِذِكْرِها وتَقْرِيرِها بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَبَقِيَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قَلْبِهِ، ويَخْرُجُ بِسَبَبِها عَنِ الدِّينِ فَإنَّ لِلْمُحِقِّ أنْ يُطالِبَهُ بِتَقْرِيرِها عَلى أقْصى الوُجُوهِ، ويَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يُجِيبَ عَنْها ويُزِيلَ أثَرَها عَنْ قَلْبِهِ فَمُطالَبَتُهُ بِذِكْرِ الشُّبْهَةِ لِهَذا الغَرَضِ تَكُونُ جائِزَةً فَكَذا هَهُنا. ورابِعُها: أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا بَلْ يَكُونُ مَعْناهُ إنَّكم إنْ أرَدْتُمْ فِعْلَهُ فَلا مانِعَ مِنهُ حِسًّا لِكَيْ يَنْكَشِفَ الحَقُّ. وخامِسُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ كارِهًا لِذَلِكَ ولا شَكَّ أنَّهُ نَهاهم عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أمْرًا لَهم بِذَلِكَ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ كَوْنِهِ ناهِيًا وآمِرًا بِالفِعْلِ الواحِدِ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلى ظاهِرِهِ وحِينَئِذٍ يَزُولُ الإشْكالُ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قَدَّمَهم في الإلْقاءِ عَلى نَفْسِهِ مَعَ أنَّ تَقْدِيمَ اسْتِماعِ الشُّبْهَةِ عَلى اسْتِماعِ الحُجَّةِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَذا تَقْدِيمُ إيرادِ الشُّبْهَةِ عَلى إيرادِ الحُجَّةِ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لِاحْتِمالِ أنَّهُ رُبَّما أدْرَكَ الشُّبْهَةَ ثُمَّ لا يَتَفَرَّغُ لِإدْراكِ الحُجَّةِ بَعْدَهُ فَيَبْقى حِينَئِذٍ في الكُفْرِ والضَّلالِ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم لَمّا قَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ قابَلَ ذَلِكَ بِأنْ قَدَّمَهم عَلى نَفْسِهِ لِأنَّ أمْثالَ ذَلِكَ إنَّما يَحْسُنُ فِيما يَرْجِعُ إلى حَظِّ النَّفْسِ، فَأمّا ما يَرْجِعُ إلى الدَّلِيلِ والشُّبْهَةِ فَغَيْرُ جائِزٍ. والجَوابُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزَةَ مَرَّةً واحِدَةً فَما كانَ بِهِ حاجَةٌ إلى إظْهارِها مَرَّةً أُخْرى والقَوْمُ إنَّما جاءُوا لِمُعارَضَتِهِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ أنِّي بَدَأْتُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ أوَّلًا لَكُنْتُ كالسَّبَبِ في إقْدامِهِمْ عَلى إظْهارِ السِّحْرِ وقَصْدِ إبْطالِ المُعْجِزَةِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْهِمْ حَتّى أنَّهم بِاخْتِيارِهِمْ يُظْهِرُونَ ذَلِكَ السِّحْرَ ثُمَّ أنا أُظْهِرُ المُعْجِزَ الَّذِي يُبْطِلُ سِحْرَهم فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ سَبَبًا لِإزالَةِ الشُّبْهَةِ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَإنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِوُقُوعِ الشُّبْهَةِ فَكانَ ذَلِكَ صفحة ٧٢ أوْلى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم“ مَيْلًا مِن هَذا الجانِبِ ومَيْلًا مِن هَذا الجانِبِ فَخُيِّلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الأرْضَ كُلَّها حَيّاتٌ وأنَّها تَسْعى فَخافَ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ ألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي أعْظَمُ مِن حَيّاتِهِمْ ثُمَّ أخَذَتْ تَزْدادُ عِظَمًا حَتّى مَلَأتِ الوادِيَ، ثُمَّ صَعَدَتْ وعَلَتْ حَتّى عَلَّقَتْ ذَنَبَها بِطَرَفِ القُبَّةِ، ثُمَّ هَبَطَتْ فَأكَلَتْ كُلَّ ما عَمِلُوا في المَيْلَيْنِ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْها لا يَحْسَبُونَ إلّا أنَّهُ سِحْرٌ، ثُمَّ أقْبَلَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَبْتَلِعَهُ فاتِحَةً فاها ثَمانِينَ ذِراعًا فَصاحَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَها فَإذا هي عَصا كَما كانَتْ ونَظَرَتِ السَّحَرَةُ فَإذا هي لَمْ تَدَعْ مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ شَيْئًا إلّا أكَلَتْهُ، فَعَرَفَتِ السَّحَرَةُ أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ وقالُوا: أيْنَ حِبالُنا وعِصِيُّنا لَوْ لَمْ تَكُنْ سِحْرًا لَبَقِيَتْ فَخَرُّوا سُجَّدًا وقالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في عَدَدِ السَّحَرَةِ قالَ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ عَصا وحَبْلٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ عَصًا وحَبْلٌ، وقالَ وهْبٌ: كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةُ كانُوا تِسْعَمِائَةٍ: ثَلَثُمِائَةٍ مِنَ الفُرْسِ وثَلَثُمِائَةٍ مِنَ الرُّومِ وثَلَثُمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا اثْنانِ مِنهم مِنَ القِبْطِ وسَبْعُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ الِاخْتِلافَ والتَّفاوُتَ واقِعٌ في عَدَدٍ كَثِيرٍ، وظاهِرُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، والأقْوالُ إذا تَعارَضَتْ تَساقَطَتْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ في إذا هَذِهِ ”إذا“ المُفاجَأةُ، والتَّحْقِيقُ فِيها أنَّها ”إذا“ الكائِنَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ الطّالِبَةُ ناصِبًا لَها وجُمْلَةً تُضافُ إلَيْها خُصَّتْ في بَعْضِ المَواضِعِ بِأنْ تَكُونَ ناصِبًا فِعْلًا مَخْصُوصًا وهو فِعْلُ المُفاجَأةِ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ لا غَيْرُ، فَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾ فَفاجَأ مُوسى وقْتَ تَخَيُّلِ سَعْيِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ وهَذا تَمْثِيلٌ، والمَعْنى عَلى مُفاجَأتِهِ حِبالَهم وعِصِيَّهم مُخَيِّلَةً إلَيْهِ السَّعْيَ اهـ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ”عُصِيُّهم“ بِالضَّمِّ وهو الأصْلُ والكَسْرُ إتْباعٌ نَحْوَ دُلِيٌّ ودِلِيٌّ وقُسِيٌّ وقِسِيٌّ، وقُرِئَ ”تُخَيَّلُ“ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الحِبالِ والعِصِيِّ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الكَيْدِ والسِّحْرِ، وقالَ الفَرّاءُ أيْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ سَعْيُها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ أنَّهم بَلَغُوا في سِحْرِهِمُ المَبْلَغَ الَّذِي صارَ يُخَيَّلُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَسْعى كَسَعْيِ ما يَكُونُ حَيًّا مِنَ الحَيّاتِ لا أنَّها كانَتْ حَيَّةً في الحَقِيقَةِ، ويُقالُ: إنَّهم حَشَوْها بِما إذا وقَعَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ يَضْطَرِبُ ويَتَحَرَّكُ. ولَمّا كَثُرَتْ واتَّصَلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ فَمَن رَآها كانَ يَظُنُّ أنَّها تَسْعى، فَأمّا ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّهم سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ وعَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى تَخَيَّلَ ذَلِكَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ فَهَذا غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ وقْتُ إظْهارِ المُعْجِزَةِ والأدِلَّةِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ فَلَوْ صارَ بِحَيْثُ لا يُمَيِّزُ المَوْجُودَ عَنِ الخَيالِ الفاسِدِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن إظْهارِ المُعْجِزَةِ فَحِينَئِذٍ يَفْسُدُ المَقْصُودُ صفحة ٧٣ فَإذَنِ المُرادُ أنَّهُ شاهَدَ شَيْئًا لَوْلا عِلْمُهُ بِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ لَظَنَّ فِيها أنَّها تَسْعى.

طه 20:67

صفحة ٧١ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المَوْعِدِ وهو يَوْمُ الزِّينَةِ وتَقَدَّمَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] صارَ ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنْ قَوْلِهِ فَحَضَرُوا هَذا المَوْضِعَ وقالُوا: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ مَعْناهُ إمّا أنْ تُلْقِيَ ما مَعَكَ قَبْلَنا، وإمّا أنْ نُلْقِيَ ما مَعَنا قَبْلَكَ، وهَذا التَّخْيِيرُ مَعَ تَقْدِيمِهِ في الذِّكْرِ حُسْنُ أدَبٍ مِنهم وتَواضُعٌ لَهُ، فَلا جَرَمَ رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى الإيمانَ بِبَرَكَتِهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قابَلَ أدَبَهم بِأدَبٍ فَقالَ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ فَيَأْمُرُهم بِما هو سِحْرٌ وكُفْرٌ لِأنَّهم إذا قَصَدُوا بِذَلِكَ تَكْذِيبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كُفْرًا. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: لا نُسَلِّمُ أنَّ نَفْسَ الإلْقاءِ كُفْرٌ ومَعْصِيَةٌ؛ لِأنَّهم إذا ألْقَوْا وكانَ غَرَضُهم أنْ يَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ الإلْقاءِ وبَيْنَ مُعْجِزَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مُوسى كانَ ذَلِكَ الإلْقاءُ إيمانًا وإنَّما الكُفْرُ هو القَصْدُ إلى تَكْذِيبِ مُوسى، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أمَرَ بِالإلْقاءِ لا بِالقَصْدِ إلى التَّكْذِيبِ فَزالَ السُّؤالُ. وثانِيها: ذَلِكَ الأمْرُ كانَ مَشْرُوطًا والتَّقْدِيرُ: ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] أيْ إنْ كُنْتُمْ قادِرِينَ. وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا إلى كَشْفِ الشُّبْهَةِ صارَ ذَلِكَ جائِزًا. وهَذا كالمُحِقِّ إذا عَلِمَ أنَّ في قَلْبِ واحِدٍ شُبْهَةً وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُطالِبْهُ بِذِكْرِها وتَقْرِيرِها بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَبَقِيَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قَلْبِهِ، ويَخْرُجُ بِسَبَبِها عَنِ الدِّينِ فَإنَّ لِلْمُحِقِّ أنْ يُطالِبَهُ بِتَقْرِيرِها عَلى أقْصى الوُجُوهِ، ويَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يُجِيبَ عَنْها ويُزِيلَ أثَرَها عَنْ قَلْبِهِ فَمُطالَبَتُهُ بِذِكْرِ الشُّبْهَةِ لِهَذا الغَرَضِ تَكُونُ جائِزَةً فَكَذا هَهُنا. ورابِعُها: أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا بَلْ يَكُونُ مَعْناهُ إنَّكم إنْ أرَدْتُمْ فِعْلَهُ فَلا مانِعَ مِنهُ حِسًّا لِكَيْ يَنْكَشِفَ الحَقُّ. وخامِسُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ كارِهًا لِذَلِكَ ولا شَكَّ أنَّهُ نَهاهم عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أمْرًا لَهم بِذَلِكَ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ كَوْنِهِ ناهِيًا وآمِرًا بِالفِعْلِ الواحِدِ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلى ظاهِرِهِ وحِينَئِذٍ يَزُولُ الإشْكالُ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قَدَّمَهم في الإلْقاءِ عَلى نَفْسِهِ مَعَ أنَّ تَقْدِيمَ اسْتِماعِ الشُّبْهَةِ عَلى اسْتِماعِ الحُجَّةِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَذا تَقْدِيمُ إيرادِ الشُّبْهَةِ عَلى إيرادِ الحُجَّةِ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لِاحْتِمالِ أنَّهُ رُبَّما أدْرَكَ الشُّبْهَةَ ثُمَّ لا يَتَفَرَّغُ لِإدْراكِ الحُجَّةِ بَعْدَهُ فَيَبْقى حِينَئِذٍ في الكُفْرِ والضَّلالِ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم لَمّا قَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ قابَلَ ذَلِكَ بِأنْ قَدَّمَهم عَلى نَفْسِهِ لِأنَّ أمْثالَ ذَلِكَ إنَّما يَحْسُنُ فِيما يَرْجِعُ إلى حَظِّ النَّفْسِ، فَأمّا ما يَرْجِعُ إلى الدَّلِيلِ والشُّبْهَةِ فَغَيْرُ جائِزٍ. والجَوابُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزَةَ مَرَّةً واحِدَةً فَما كانَ بِهِ حاجَةٌ إلى إظْهارِها مَرَّةً أُخْرى والقَوْمُ إنَّما جاءُوا لِمُعارَضَتِهِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ أنِّي بَدَأْتُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ أوَّلًا لَكُنْتُ كالسَّبَبِ في إقْدامِهِمْ عَلى إظْهارِ السِّحْرِ وقَصْدِ إبْطالِ المُعْجِزَةِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْهِمْ حَتّى أنَّهم بِاخْتِيارِهِمْ يُظْهِرُونَ ذَلِكَ السِّحْرَ ثُمَّ أنا أُظْهِرُ المُعْجِزَ الَّذِي يُبْطِلُ سِحْرَهم فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ سَبَبًا لِإزالَةِ الشُّبْهَةِ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَإنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِوُقُوعِ الشُّبْهَةِ فَكانَ ذَلِكَ صفحة ٧٢ أوْلى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم“ مَيْلًا مِن هَذا الجانِبِ ومَيْلًا مِن هَذا الجانِبِ فَخُيِّلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الأرْضَ كُلَّها حَيّاتٌ وأنَّها تَسْعى فَخافَ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ ألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي أعْظَمُ مِن حَيّاتِهِمْ ثُمَّ أخَذَتْ تَزْدادُ عِظَمًا حَتّى مَلَأتِ الوادِيَ، ثُمَّ صَعَدَتْ وعَلَتْ حَتّى عَلَّقَتْ ذَنَبَها بِطَرَفِ القُبَّةِ، ثُمَّ هَبَطَتْ فَأكَلَتْ كُلَّ ما عَمِلُوا في المَيْلَيْنِ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْها لا يَحْسَبُونَ إلّا أنَّهُ سِحْرٌ، ثُمَّ أقْبَلَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَبْتَلِعَهُ فاتِحَةً فاها ثَمانِينَ ذِراعًا فَصاحَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَها فَإذا هي عَصا كَما كانَتْ ونَظَرَتِ السَّحَرَةُ فَإذا هي لَمْ تَدَعْ مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ شَيْئًا إلّا أكَلَتْهُ، فَعَرَفَتِ السَّحَرَةُ أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ وقالُوا: أيْنَ حِبالُنا وعِصِيُّنا لَوْ لَمْ تَكُنْ سِحْرًا لَبَقِيَتْ فَخَرُّوا سُجَّدًا وقالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في عَدَدِ السَّحَرَةِ قالَ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ عَصا وحَبْلٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ عَصًا وحَبْلٌ، وقالَ وهْبٌ: كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةُ كانُوا تِسْعَمِائَةٍ: ثَلَثُمِائَةٍ مِنَ الفُرْسِ وثَلَثُمِائَةٍ مِنَ الرُّومِ وثَلَثُمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا اثْنانِ مِنهم مِنَ القِبْطِ وسَبْعُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ الِاخْتِلافَ والتَّفاوُتَ واقِعٌ في عَدَدٍ كَثِيرٍ، وظاهِرُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، والأقْوالُ إذا تَعارَضَتْ تَساقَطَتْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ في إذا هَذِهِ ”إذا“ المُفاجَأةُ، والتَّحْقِيقُ فِيها أنَّها ”إذا“ الكائِنَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ الطّالِبَةُ ناصِبًا لَها وجُمْلَةً تُضافُ إلَيْها خُصَّتْ في بَعْضِ المَواضِعِ بِأنْ تَكُونَ ناصِبًا فِعْلًا مَخْصُوصًا وهو فِعْلُ المُفاجَأةِ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ لا غَيْرُ، فَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾ فَفاجَأ مُوسى وقْتَ تَخَيُّلِ سَعْيِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ وهَذا تَمْثِيلٌ، والمَعْنى عَلى مُفاجَأتِهِ حِبالَهم وعِصِيَّهم مُخَيِّلَةً إلَيْهِ السَّعْيَ اهـ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ”عُصِيُّهم“ بِالضَّمِّ وهو الأصْلُ والكَسْرُ إتْباعٌ نَحْوَ دُلِيٌّ ودِلِيٌّ وقُسِيٌّ وقِسِيٌّ، وقُرِئَ ”تُخَيَّلُ“ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الحِبالِ والعِصِيِّ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الكَيْدِ والسِّحْرِ، وقالَ الفَرّاءُ أيْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ سَعْيُها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ أنَّهم بَلَغُوا في سِحْرِهِمُ المَبْلَغَ الَّذِي صارَ يُخَيَّلُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَسْعى كَسَعْيِ ما يَكُونُ حَيًّا مِنَ الحَيّاتِ لا أنَّها كانَتْ حَيَّةً في الحَقِيقَةِ، ويُقالُ: إنَّهم حَشَوْها بِما إذا وقَعَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ يَضْطَرِبُ ويَتَحَرَّكُ. ولَمّا كَثُرَتْ واتَّصَلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ فَمَن رَآها كانَ يَظُنُّ أنَّها تَسْعى، فَأمّا ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّهم سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ وعَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى تَخَيَّلَ ذَلِكَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ فَهَذا غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ وقْتُ إظْهارِ المُعْجِزَةِ والأدِلَّةِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ فَلَوْ صارَ بِحَيْثُ لا يُمَيِّزُ المَوْجُودَ عَنِ الخَيالِ الفاسِدِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن إظْهارِ المُعْجِزَةِ فَحِينَئِذٍ يَفْسُدُ المَقْصُودُ صفحة ٧٣ فَإذَنِ المُرادُ أنَّهُ شاهَدَ شَيْئًا لَوْلا عِلْمُهُ بِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ لَظَنَّ فِيها أنَّها تَسْعى.

طه 20:68

صفحة ٧١ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المَوْعِدِ وهو يَوْمُ الزِّينَةِ وتَقَدَّمَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] صارَ ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنْ قَوْلِهِ فَحَضَرُوا هَذا المَوْضِعَ وقالُوا: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ مَعْناهُ إمّا أنْ تُلْقِيَ ما مَعَكَ قَبْلَنا، وإمّا أنْ نُلْقِيَ ما مَعَنا قَبْلَكَ، وهَذا التَّخْيِيرُ مَعَ تَقْدِيمِهِ في الذِّكْرِ حُسْنُ أدَبٍ مِنهم وتَواضُعٌ لَهُ، فَلا جَرَمَ رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى الإيمانَ بِبَرَكَتِهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قابَلَ أدَبَهم بِأدَبٍ فَقالَ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ فَيَأْمُرُهم بِما هو سِحْرٌ وكُفْرٌ لِأنَّهم إذا قَصَدُوا بِذَلِكَ تَكْذِيبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كُفْرًا. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: لا نُسَلِّمُ أنَّ نَفْسَ الإلْقاءِ كُفْرٌ ومَعْصِيَةٌ؛ لِأنَّهم إذا ألْقَوْا وكانَ غَرَضُهم أنْ يَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ الإلْقاءِ وبَيْنَ مُعْجِزَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مُوسى كانَ ذَلِكَ الإلْقاءُ إيمانًا وإنَّما الكُفْرُ هو القَصْدُ إلى تَكْذِيبِ مُوسى، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أمَرَ بِالإلْقاءِ لا بِالقَصْدِ إلى التَّكْذِيبِ فَزالَ السُّؤالُ. وثانِيها: ذَلِكَ الأمْرُ كانَ مَشْرُوطًا والتَّقْدِيرُ: ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] أيْ إنْ كُنْتُمْ قادِرِينَ. وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا إلى كَشْفِ الشُّبْهَةِ صارَ ذَلِكَ جائِزًا. وهَذا كالمُحِقِّ إذا عَلِمَ أنَّ في قَلْبِ واحِدٍ شُبْهَةً وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُطالِبْهُ بِذِكْرِها وتَقْرِيرِها بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَبَقِيَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في قَلْبِهِ، ويَخْرُجُ بِسَبَبِها عَنِ الدِّينِ فَإنَّ لِلْمُحِقِّ أنْ يُطالِبَهُ بِتَقْرِيرِها عَلى أقْصى الوُجُوهِ، ويَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يُجِيبَ عَنْها ويُزِيلَ أثَرَها عَنْ قَلْبِهِ فَمُطالَبَتُهُ بِذِكْرِ الشُّبْهَةِ لِهَذا الغَرَضِ تَكُونُ جائِزَةً فَكَذا هَهُنا. ورابِعُها: أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا بَلْ يَكُونُ مَعْناهُ إنَّكم إنْ أرَدْتُمْ فِعْلَهُ فَلا مانِعَ مِنهُ حِسًّا لِكَيْ يَنْكَشِفَ الحَقُّ. وخامِسُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ كارِهًا لِذَلِكَ ولا شَكَّ أنَّهُ نَهاهم عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أمْرًا لَهم بِذَلِكَ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ كَوْنِهِ ناهِيًا وآمِرًا بِالفِعْلِ الواحِدِ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلى ظاهِرِهِ وحِينَئِذٍ يَزُولُ الإشْكالُ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قَدَّمَهم في الإلْقاءِ عَلى نَفْسِهِ مَعَ أنَّ تَقْدِيمَ اسْتِماعِ الشُّبْهَةِ عَلى اسْتِماعِ الحُجَّةِ غَيْرُ جائِزٍ فَكَذا تَقْدِيمُ إيرادِ الشُّبْهَةِ عَلى إيرادِ الحُجَّةِ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لِاحْتِمالِ أنَّهُ رُبَّما أدْرَكَ الشُّبْهَةَ ثُمَّ لا يَتَفَرَّغُ لِإدْراكِ الحُجَّةِ بَعْدَهُ فَيَبْقى حِينَئِذٍ في الكُفْرِ والضَّلالِ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم لَمّا قَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ قابَلَ ذَلِكَ بِأنْ قَدَّمَهم عَلى نَفْسِهِ لِأنَّ أمْثالَ ذَلِكَ إنَّما يَحْسُنُ فِيما يَرْجِعُ إلى حَظِّ النَّفْسِ، فَأمّا ما يَرْجِعُ إلى الدَّلِيلِ والشُّبْهَةِ فَغَيْرُ جائِزٍ. والجَوابُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزَةَ مَرَّةً واحِدَةً فَما كانَ بِهِ حاجَةٌ إلى إظْهارِها مَرَّةً أُخْرى والقَوْمُ إنَّما جاءُوا لِمُعارَضَتِهِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْ أنِّي بَدَأْتُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ أوَّلًا لَكُنْتُ كالسَّبَبِ في إقْدامِهِمْ عَلى إظْهارِ السِّحْرِ وقَصْدِ إبْطالِ المُعْجِزَةِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْهِمْ حَتّى أنَّهم بِاخْتِيارِهِمْ يُظْهِرُونَ ذَلِكَ السِّحْرَ ثُمَّ أنا أُظْهِرُ المُعْجِزَ الَّذِي يُبْطِلُ سِحْرَهم فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ سَبَبًا لِإزالَةِ الشُّبْهَةِ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَإنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِوُقُوعِ الشُّبْهَةِ فَكانَ ذَلِكَ صفحة ٧٢ أوْلى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم“ مَيْلًا مِن هَذا الجانِبِ ومَيْلًا مِن هَذا الجانِبِ فَخُيِّلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الأرْضَ كُلَّها حَيّاتٌ وأنَّها تَسْعى فَخافَ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ ألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي أعْظَمُ مِن حَيّاتِهِمْ ثُمَّ أخَذَتْ تَزْدادُ عِظَمًا حَتّى مَلَأتِ الوادِيَ، ثُمَّ صَعَدَتْ وعَلَتْ حَتّى عَلَّقَتْ ذَنَبَها بِطَرَفِ القُبَّةِ، ثُمَّ هَبَطَتْ فَأكَلَتْ كُلَّ ما عَمِلُوا في المَيْلَيْنِ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْها لا يَحْسَبُونَ إلّا أنَّهُ سِحْرٌ، ثُمَّ أقْبَلَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَبْتَلِعَهُ فاتِحَةً فاها ثَمانِينَ ذِراعًا فَصاحَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَها فَإذا هي عَصا كَما كانَتْ ونَظَرَتِ السَّحَرَةُ فَإذا هي لَمْ تَدَعْ مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ شَيْئًا إلّا أكَلَتْهُ، فَعَرَفَتِ السَّحَرَةُ أنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ وقالُوا: أيْنَ حِبالُنا وعِصِيُّنا لَوْ لَمْ تَكُنْ سِحْرًا لَبَقِيَتْ فَخَرُّوا سُجَّدًا وقالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في عَدَدِ السَّحَرَةِ قالَ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ عَصا وحَبْلٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ عَصًا وحَبْلٌ، وقالَ وهْبٌ: كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وعِكْرِمَةُ كانُوا تِسْعَمِائَةٍ: ثَلَثُمِائَةٍ مِنَ الفُرْسِ وثَلَثُمِائَةٍ مِنَ الرُّومِ وثَلَثُمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا اثْنانِ مِنهم مِنَ القِبْطِ وسَبْعُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ الِاخْتِلافَ والتَّفاوُتَ واقِعٌ في عَدَدٍ كَثِيرٍ، وظاهِرُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، والأقْوالُ إذا تَعارَضَتْ تَساقَطَتْ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ في إذا هَذِهِ ”إذا“ المُفاجَأةُ، والتَّحْقِيقُ فِيها أنَّها ”إذا“ الكائِنَةُ بِمَعْنى الوَقْتِ الطّالِبَةُ ناصِبًا لَها وجُمْلَةً تُضافُ إلَيْها خُصَّتْ في بَعْضِ المَواضِعِ بِأنْ تَكُونَ ناصِبًا فِعْلًا مَخْصُوصًا وهو فِعْلُ المُفاجَأةِ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ لا غَيْرُ، فَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾ فَفاجَأ مُوسى وقْتَ تَخَيُّلِ سَعْيِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ وهَذا تَمْثِيلٌ، والمَعْنى عَلى مُفاجَأتِهِ حِبالَهم وعِصِيَّهم مُخَيِّلَةً إلَيْهِ السَّعْيَ اهـ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ”عُصِيُّهم“ بِالضَّمِّ وهو الأصْلُ والكَسْرُ إتْباعٌ نَحْوَ دُلِيٌّ ودِلِيٌّ وقُسِيٌّ وقِسِيٌّ، وقُرِئَ ”تُخَيَّلُ“ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الحِبالِ والعِصِيِّ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الكَيْدِ والسِّحْرِ، وقالَ الفَرّاءُ أيْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ سَعْيُها. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ أنَّهم بَلَغُوا في سِحْرِهِمُ المَبْلَغَ الَّذِي صارَ يُخَيَّلُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَسْعى كَسَعْيِ ما يَكُونُ حَيًّا مِنَ الحَيّاتِ لا أنَّها كانَتْ حَيَّةً في الحَقِيقَةِ، ويُقالُ: إنَّهم حَشَوْها بِما إذا وقَعَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ يَضْطَرِبُ ويَتَحَرَّكُ. ولَمّا كَثُرَتْ واتَّصَلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ فَمَن رَآها كانَ يَظُنُّ أنَّها تَسْعى، فَأمّا ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّهم سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ وعَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى تَخَيَّلَ ذَلِكَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ فَهَذا غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ وقْتُ إظْهارِ المُعْجِزَةِ والأدِلَّةِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ فَلَوْ صارَ بِحَيْثُ لا يُمَيِّزُ المَوْجُودَ عَنِ الخَيالِ الفاسِدِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن إظْهارِ المُعْجِزَةِ فَحِينَئِذٍ يَفْسُدُ المَقْصُودُ صفحة ٧٣ فَإذَنِ المُرادُ أنَّهُ شاهَدَ شَيْئًا لَوْلا عِلْمُهُ بِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ لَظَنَّ فِيها أنَّها تَسْعى.

طه 20:69

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾، فالإيجاسُ اسْتِشْعارُ الخَوْفِ أيْ وجَدَ في نَفْسِهِ خَوْفًا، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ لا مَزِيدَ في إزالَةِ الخَوْفِ عَلى ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كَلَّمَهُ أوَّلًا وعَرَضَ عَلَيْهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةَ كالعَصا واليَدِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَيَّرَها كَما كانَتْ بَعْدَ أنْ كانَتْ كَأعْظَمِ ثُعْبانٍ، ثُمَّ إنَّهُ أعْطاهُ الِاقْتِراحاتِ الثَّمانِيَةَ وذَكَرَ ما أعْطاهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ المِنَنِ الثَّمانِيَةِ ثُمَّ قالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ فَمَعَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الكَثِيرَةِ كَيْفَ وقَعَ الخَوْفُ في قَلْبِهِ، والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ إنَّما كانَ لِما طُبِعَ الآدَمِيُّ عَلَيْهِ مِن ضَعْفِ القَلْبِ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لا يَصِلُونَ إلَيْهِ وأنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ. وثانِيها: أنَّهُ خافَ أنْ تَدْخُلَ عَلى النّاسِ شُبْهَةٌ فِيما يَرَوْنَهُ فَيَظُنُّوا أنَّهم قَدْ ساوَوْا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَشْتَبِهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. وثالِثُها: أنَّهُ خافَ حَيْثُ بَدَءُوا وتَأخَّرَ إلْقاؤُهُ أنْ يَنْصَرِفَ بَعْضُ القَوْمِ قَبْلَ مُشاهَدَةِ ما يُلْقِيهِ فَيَدُومُوا عَلى اعْتِقادِ الباطِلِ. ورابِعُها: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا بِأنْ لا يَفْعَلَ شَيْئًا إلّا بِالوَحْيِ فَلَمّا تَأخَّرَ نُزُولُ الوَحْيِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ خافَ أنْ لا يَنْزِلَ الوَحْيُ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَيَبْقى في الخَجالَةِ. وخامِسُها: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن أنَّهُ لَوْ أبْطَلَ سِحْرَ أُولَئِكَ الحاضِرِينَ فَلَعَلَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أعَدَّ أقْوامًا آخَرِينَ فَيَأْتِيهِ بِهِمْ فَيَحْتاجُ مَرَّةً أُخْرى إلى إبْطالِ سِحْرِهِمْ وهَكَذا مِن غَيْرِ أنْ يَظْهَرَ لَهُ مَقْطَعٌ، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ الأمْرُ ولا يَحْصُلُ المَقْصُودُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أزالَ ذَلِكَ الخَوْفَ بِالإجْمالِ أوَّلًا وبِالتَّفْصِيلِ ثانِيًا، أمّا الإجْمالُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ ودَلالَتُهُ عَلى أنَّ خَوْفَهُ كانَ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى أنَّ أمْرَهُ لا يَظْهَرُ لِلْقَوْمِ فَآمَنَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ وفِيهِ أنْواعٌ مِنَ المُبالَغَةِ: أحَدُها: ذِكْرُ كَلِمَةِ التَّأْكِيدِ وهي ”إنَّ“ . وثانِيها: تَكْرِيرُ الضَّمِيرِ. وثالِثُها: لامُ التَّعْرِيفِ. ورابِعُها: لَفْظُ العُلُوِّ وهو الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ، وأمّا التَّفْصِيلُ فَقَوْلُهُ: ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وألْقِ عَصاكَ. والجَوابُ: جازَ أنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَها أيْ لا تُبالِ بِكَثْرَةِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ وألْقِ العُوَيْدَ الفَرْدَ الصَّغِيرَ الجِرْمِ الَّذِي بِيَمِينِكَ فَإنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يَتَلَقَّفُها عَلى وحْدَتِهِ وكَثْرَتِها وصِغَرِهِ وعِظَمِها وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَها أيْ لا تَحْتَفِلْ بِهَذِهِ الأجْرامِ الكَثِيرَةِ فَإنَّ في يَمِينِكَ شَيْئًا أعْظَمُ مِنها كُلِّها وهَذِهِ عَلى كَثْرَتِها أقَلُّ شَيْءٍ عِنْدَها فَألْقِهِ يَتَلَقَّفْها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ويَمْحَقْها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَلْقَفْ﴾ أيْ فَإنَّكَ إذا ألْقَيْتَها فَإنَّها ”تَلْقَفْ ما صَنَعُوا“ قِراءَةُ العامَّةِ تَلَقَّفْ بِالجَزْمِ والتَّشْدِيدِ أيْ فَألْقِها تَتَلَقَّفْها، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”تَلَقَّفُ“ بِالتَّشْدِيدِ وضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الحالِ أيْ ألْقِها مُتَلَقِّفَةً أوْ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِ اللّامِ مَعَ التَّخْفِيفِ أيْ تَأْخُذْ بِفِيها ابْتِلاعًا بِسُرْعَةٍ، واللَّقْفُ والتَّلَقُّفُ جَمِيعًا يَرْجِعانِ إلى هَذا المَعْنى، و”صَنَعُوا“ هَهُنا بِمَعْنى اخْتَلَقُوا وزَوَّرُوا، والعَرَبُ تَقُولُ في الكَذِبِ: هو كَلامٌ مَصْنُوعٌ ومَوْضُوعٌ وصِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفْ﴾ أنَّهُ إذا ألْقى ذَلِكَ وصارَتْ حَيَّةً تَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوا وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ ألْقى العَصا وصارَتْ حَيَّةً وتَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوهُ، وفي التَّلَقُّفِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ ما ألْقَوْهُ تَلَقَّفَتْهُ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ عِظَمِ جَسَدِها وشِدَّةِ قُوَّتِها. وقَدْ حُكِيَ عَنِ السَّحَرَةِ أنَّهم عِنْدَ التَّلَقُّفِ أيْقَنُوا بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِن مَقْدُورِ البَشَرِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: ظُهُورُ حَرَكَةِ صفحة ٧٤ العَصا عَلى وجْهٍ لا يَكُونُ مِثْلُهُ بِالحِيلَةِ. وثانِيها: زِيادَةُ عِظَمِهِ عَلى وجْهٍ لا يَتِمُّ ذَلِكَ بِالحِيلَةِ. وثالِثُها: ظُهُورُ الأعْضاءِ عَلَيْهِ مِنَ العَيْنِ والمَنخِرَيْنِ والفَمِ وغَيْرِها ولا يَتِمُّ ذَلِكَ بِالحِيلَةِ. ورابِعُها: تَلَقُّفُ جَمِيعِ ما ألْقَوْهُ عَلى كَثْرَتِهِ وذَلِكَ لا يَتِمُّ بِالحِيلَةِ. وخامِسُها: عَوْدُهُ خَشَبَةً صَغِيرَةً كَما كانَتْ، وشَيْءٌ مِن ذَلِكَ لا يَتِمُّ بِالحِيلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ ما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ، والمَعْنى أنَّ الَّذِي مَعَكَ يا مُوسى مُعْجِزَةٌ إلَهِيَّةٌ والَّذِي مَعَهم تَمْوِيهاتٌ باطِلَةٌ فَكَيْفَ يَحْصُلُ التَّعارُضُ. وقُرِئَ ”كَيْدُ ساحِرٍ“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ فَمَن رَفَعَ فَعَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ ومَن نَصَبَ فَعَلى أنَّها كافَّةٌ، وقُرِئَ ”كَيْدُ سِحْرٍ“ بِمَعْنى ذِي سِحْرٍ أوْ ذَوِي سِحْرٍ أوْ هم لِتَوَغُّلِهِمْ في سِحْرِهِمْ كَأنَّهُمُ السِّحْرُ بِعَيْنِهِ وبِذاتِهِ أوْ بَيِّنُ الكَيْدِ لِأنَّهُ يَكُونُ سِحْرًا وغَيْرَ سِحْرٍ، كَما يُبَيَّنُ المِائَةُ بِدِرْهَمٍ، ونَحْوُهُ عِلْمُ فِقْهٍ وعِلْمُ نَحْوٍ، بَقِيَ سَؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ وحَّدَ السّاحِرَ، ولَمْ يَجْمَعْ. الجَوابُ: لِأنَّ القَصْدَ في هَذا الكَلامِ إلى مَعْنى الجِنْسِيَّةِ لا إلى مَعْنى العَدَدِ فَلَوْ جَمَعَ تُخِيَّلَ أنَّ المَقْصُودَ هو العَدَدُ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ أيْ هَذا الجِنْسَ. السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ نَكَّرَ أوَّلًا ثُمَّ عَرَّفَ ثانِيًا. الجَوابُ: كَأنَّهُ قالَ: هَذا الَّذِي أتَوْا بِهِ قِسْمٌ واحِدٌ مِن أقْسامِ السِّحْرِ وجَمِيعُ أقْسامِ السِّحْرِ لا فائِدَةَ فِيهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الكَلامَ عَلى هَذا الوَجْهِ أبْلَغُ. السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ السّاحِرَ لا يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ بِالسِّحْرِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا وذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ السِّحْرِ بِالكُلِّيَّةِ. الجَوابُ: الكَلامُ في السِّحْرِ وحَقِيقَتُهُ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا وجْهَ لِلْإعادَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

طه 20:70

قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ . اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ ألْقى ما في يَمِينِهِ وصارَ حَيَّةً تَلْقَفُ ما صَنَعُوا وظَهَرَ الأمْرُ فَخَرُّوا عِنْدَ ذَلِكَ سُجَّدًا وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِن عِلْمِ السِّحْرِ فَلَمّا رَأوْا ما فَعَلَهُ مُوسى صفحة ٧٥ عَلَيْهِ السَّلامُ خارِجًا عَنْ صِناعَتِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ البَتَّةَ ويُقالُ: قالَ رَئِيسُهم: كُنّا نُغالِبُ النّاسَ بِالسِّحْرِ وكانَتِ الآلاتُ تَبْقى عَلَيْنا لَوْ غَلَبَنا فَلَوْ كانَ هَذا سِحْرًا فَأيْنَ ما ألْقَيْناهُ ؟ فاسْتَدَلُّوا بِتَغَيُّرِ أحْوالِ الأجْسامِ عَلى الصّانِعِ العالِمِ القادِرِ وبِظُهُورِها عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ تابُوا وآمَنُوا وأتَوْا بِما هو النِّهايَةُ في الخُضُوعِ وهو السُّجُودُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهم أُجْبِرُوا عَلى السُّجُودِ وإلّا لَما كانُوا مَحْمُودِينَ بَلِ التَّأْوِيلُ فِيهِ ما قالَ الأخْفَشُ وهو أنَّهم مِن سُرْعَةِ ما سَجَدُوا كَأنَّهم أُلْقُوا، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ما أعْجَبَ أمْرَهم قَدْ ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم لِلْكُفْرِ والجُحُودِ، ثُمَّ ألْقَوْا رُءُوسَهم بَعْدَ ساعَةٍ لِلشُّكْرِ والسُّجُودِ. فَما أعْظَمَ الفَرْقَ بَيْنَ الإلْقاءَيْنِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهم حَتّى رَأوُا الجَنَّةَ والنّارَ ورَأوْا ثَوابَ أهْلِها. وعَنْ عِكْرِمَةَ: لَمّا خَرُّوا سُجَّدًا أراهُمُ اللَّهُ في سُجُودِهِمْ مَنازِلَهُمُ الَّتِي يَصِيرُونَ إلَيْها في الجَنَّةِ. قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أراهم عِيانًا لَصارُوا مُلْجَئِينَ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ قَوْلُهم: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ [طه: ٧٣] . وجَوابُهُ: لَمّا جازَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَطْعِهِ بِكَوْنِهِ مَغْفُورًا لَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢] فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في حَقِّ السَّحَرَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ تُنَبِّهُ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن أُمُورِ الرُّبُوبِيَّةِ ونَفاذِ القَضاءِ الإلَهِيِّ وقَدَرِهِ في جُمْلَةِ المُحْدَثاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ ظُهُورَ تِلْكَ الأدِلَّةِ كانَتْ بِمَرْأًى مِنَ الكُلِّ ومَسْمَعٍ فَكانَ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ فِيها جَلِيًّا ظاهِرًا وهو أنَّهُ حَدَثَتْ أُمُورٌ فَلا بُدَّ لَها مِن مُؤَثِّرٍ والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، وذَلِكَ المُؤَثِّرُ إمّا الخَلْقُ، وإمّا غَيْرُهم. والأوَّلُ بَدِيهِيُّ البُطْلانِ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إيجادِ الحَيَواناتِ وتَعْظِيمِ جُثَّتِها دُفْعَةً واحِدَةً ثُمَّ يُصَغِّرُها مَرَّةً أُخْرى كَما كانَتْ، وهَذِهِ العُلُومُ الجَلِيَّةُ مَتى حَصَلَتْ في العَقْلِ أفادَتِ القَطْعَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مُدَبِّرٍ لِهَذا العالَمِ، فَماذا يَقُولُ ألا تَرى أنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ جَهِلُوا صِحَّةَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ وهَذا في نِهايَةِ البُعْدِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ ارْتِيابُ العاقِلِ فِيهِ، وإذًا فَقَدْ عَرَفُوا صِحَّتَها لَكِنَّهم أصَرُّوا عَلى الجَهْلِ وكَرِهُوا تَحْصِيلَ العِلْمِ والسَّعادَةِ لِأنْفُسِهِمْ وأحَبُّوا تَحْصِيلَ الجَهْلِ والشَّقاوَةِ لِأنْفُسِهِمْ ما أرى أنَّ عاقِلًا يَرْضى بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ قَطُّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: العَقْلُ والدَّلِيلُ لا يَكْفِي بَلْ لا بُدَّ مِن مُدَبِّرٍ يَخْلُقُ هَذِهِ المُقَدِّماتِ في القُلُوبِ، ويَخْلُقُ الشُّعُورَ بِكَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِها وبِكَيْفِيَّةِ اسْتِنْتاجِها لِلنَّتِيجَةِ حَتّى إنَّهُ مَتى فَعَلَ ذَلِكَ حَصَلَتِ النَّتائِجُ في القُلُوبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ فَإنَّهُ لا اعْتِمادَ عَلى العُقُولِ والقُلُوبِ في مَجارِيها وتَصَرُّفاتِها ومَن طَرَحَ التَّعَصُّبَ عَنْ قَلْبِهِ ونَظَرَ إلى أحْوالِ نَفْسِهِ في مَجارِي أفْكارِهِ وأنْظارِهِ ازْدادَ وُثُوقًا بِما ذَكَرْناهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّعْلِيمِيَّةَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ الَّذِي عَرَفُوهُ مِن قِبَلِ هارُونَ ومُوسى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تُسْتَفادُ إلّا مِنَ الإمامِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ بَلْ في قَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ فائِدَتانِ سِوى ما ذَكَرُوهُ: الفائِدَةُ الأُولى: وهي أنَّ فِرْعَوْنَ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] والإلَهِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فَلَوْ أنَّهم قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ لَكانَ فِرْعَوْنُ يَقُولُ: إنَّهم آمَنُوا بِي لا بِغَيْرِي، فَلِقَطْعِ هَذِهِ التُّهْمَةِ اخْتارُوا هَذِهِ العِبارَةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم قَدَّمُوا ذِكْرَ هارُونَ عَلى مُوسى لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي رُبُوبِيَّتَهُ لِمُوسى بِناءً عَلى أنَّهُ رَبّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] فالقَوْمُ لَمّا احْتَرَزُوا عَنْ إيهاماتِ فِرْعَوْنَ لا جَرَمَ قَدَّمُوا ذِكْرَ هارُونَ عَلى مُوسى قَطْعًا لِهَذا الخَيالِ. صفحة ٧٦ الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنَّهم لَمّا شاهَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهُما بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ والدَّرَجاتِ الشَّرِيفَةِ لا جَرَمَ قالُوا: رَبِّ هارُونَ ومُوسى لِأجْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا شاهَدَ مِنهُمُ السُّجُودَ والإقْرارَ خافَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاقْتِداءِ سائِرِ النّاسِ بِهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِرَسُولِهِ فَفي الحالِ ألْقى شُبْهَةً أُخْرى في النَّبِيِّ فَقالَ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهَذا الكَلامُ مُشْتَمِلٌ عَلى شُبْهَتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنَّ الِاعْتِمادَ عَلى الخاطِرِ الأوَّلِ غَيْرُ جائِزٍ بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ البَحْثِ والمُناظَرَةِ والِاسْتِعانَةِ بِالخَواطِرِ، فَلَمّا لَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ بَلْ في الحالِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ إيمانَكم لَيْسَ عَنِ البَصِيرَةِ بَلْ عَنْ سَبَبٍ آخَرَ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ يَعْنِي أنَّكم تَلامِذَتُهُ في السِّحْرِ فاصْطَلَحْتُمْ عَلى أنْ تُظْهِرُوا العَجْزَ مِن أنْفُسِكم تَرْوِيجًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، ثُمَّ بَعْدَ إيرادِ الشُّبْهَةِ اشْتَغَلَ بِالتَّهْدِيدِ تَنْفِيرًا لَهم عَنِ الإيمانِ وتَنْفِيرًا لِغَيْرِهِمْ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فلأقطعن أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ قُرِئَ ”لَأقْطَعَنَّ ولَأصْلِبَنَّ“ بِالتَّخْفِيفِ. والقَطْعُ مِن خِلافٍ أنْ تُقْطَعَ اليَدُ اليُمْنى والرِّجْلُ اليُسْرى لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ العُضْوَيْنِ خِلافُ الآخَرِ، فَإنَّ هَذا يَدٌ وذاكَ رِجْلٌ وهَذا يَمِينٌ وذاكَ شِمالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن خِلافٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ: لَأُقَطِّعَنَّها مُخْتَلِفاتٍ لِأنَّها إذا خالَفَ بَعْضُها بَعْضًا فَقَدِ اتَّصَفَتْ بِالِاخْتِلافِ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فَشَبَّهَ تَمَكُّنَ المَصْلُوبِ في الجِذْعِ بِتَمَكُّنِ الشَّيْءِ المُوعى في وِعائِهِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ والَّذِي يُقالُ في المَشْهُورِ أنَّ ”في“ بِمَعْنى عَلى فَضَعِيفٌ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّنا﴾ نَفْسَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيُّنا﴾ يُشْعِرُ بِأنَّهُ أرادَ نَفْسَهُ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ وفِيهِ تَصالُفٌ بِاقْتِدارِهِ وقَهْرِهِ وما ألِفَهُ مِن تَعْذِيبِ النّاسِ بِأنْواعِ العَذابِ واسْتِضْعافِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الهُزْءِ بِهِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَطُّ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّعْذِيبِ في شَيْءٍ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِمُشاهَدَةِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً بِتِلْكَ العَظَمَةِ الَّتِي شَرَحْتُمُوها وذَكَرْتُمْ أنَّها قَصَدَتِ ابْتِلاعَ قَصْرِ فِرْعَوْنَ وآلَ الأمْرُ إلى أنِ اسْتَغاثَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن شَرِّ ذَلِكَ الثُّعْبانِ فَمَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِذَلِكَ وعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُهَدِّدَ السَّحَرَةَ ويُبالِغَ في وعِيدِهِمْ إلى هَذا الحَدِّ ويَسْتَهْزِئَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ في أشَدِّ الخَوْفِ في قَلْبِهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُظْهِرُ تِلْكَ الجَلادَةَ والوَقاحَةَ تَمْشِيَةً لِنامُوسِهِ وتَرْوِيجًا لِأمْرِهِ، ومَنِ اسْتَقْرى أحْوالَ أهْلِ العالَمِ عَلِمَ أنَّ العاجِزَ قَدْ يَفْعَلُ أمْثالَ هَذِهِ الأشْياءِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عَذابَ اللَّهِ أشَدُّ مِن عَذابِ البَشَرِ، ثُمَّ إنَّهُ أنْكَرَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَقَدْ كانَ عالِمًا بِكَذِبِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما خالَطَهُمُ البَتَّةَ وما لَقِيَهم وكانَ يَعْرِفُ مِن سَحَرَتِهِ أنَّ أُسْتاذَ كُلِّ واحِدٍ مَن هو وكَيْفَ حَصَّلَ ذَلِكَ العِلْمَ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الأشْياءَ، فَثَبَتَ أنَّ سَبِيلَهُ في كُلِّ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”كانُوا في أوَّلِ النَّهارِ سَحَرَةً، وفي آخِرِهِ شُهَداءَ“ .

طه 20:71

قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ . اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ ألْقى ما في يَمِينِهِ وصارَ حَيَّةً تَلْقَفُ ما صَنَعُوا وظَهَرَ الأمْرُ فَخَرُّوا عِنْدَ ذَلِكَ سُجَّدًا وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِن عِلْمِ السِّحْرِ فَلَمّا رَأوْا ما فَعَلَهُ مُوسى صفحة ٧٥ عَلَيْهِ السَّلامُ خارِجًا عَنْ صِناعَتِهِمْ عَرَفُوا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ البَتَّةَ ويُقالُ: قالَ رَئِيسُهم: كُنّا نُغالِبُ النّاسَ بِالسِّحْرِ وكانَتِ الآلاتُ تَبْقى عَلَيْنا لَوْ غَلَبَنا فَلَوْ كانَ هَذا سِحْرًا فَأيْنَ ما ألْقَيْناهُ ؟ فاسْتَدَلُّوا بِتَغَيُّرِ أحْوالِ الأجْسامِ عَلى الصّانِعِ العالِمِ القادِرِ وبِظُهُورِها عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ تابُوا وآمَنُوا وأتَوْا بِما هو النِّهايَةُ في الخُضُوعِ وهو السُّجُودُ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهم أُجْبِرُوا عَلى السُّجُودِ وإلّا لَما كانُوا مَحْمُودِينَ بَلِ التَّأْوِيلُ فِيهِ ما قالَ الأخْفَشُ وهو أنَّهم مِن سُرْعَةِ ما سَجَدُوا كَأنَّهم أُلْقُوا، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ما أعْجَبَ أمْرَهم قَدْ ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم لِلْكُفْرِ والجُحُودِ، ثُمَّ ألْقَوْا رُءُوسَهم بَعْدَ ساعَةٍ لِلشُّكْرِ والسُّجُودِ. فَما أعْظَمَ الفَرْقَ بَيْنَ الإلْقاءَيْنِ، ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهم حَتّى رَأوُا الجَنَّةَ والنّارَ ورَأوْا ثَوابَ أهْلِها. وعَنْ عِكْرِمَةَ: لَمّا خَرُّوا سُجَّدًا أراهُمُ اللَّهُ في سُجُودِهِمْ مَنازِلَهُمُ الَّتِي يَصِيرُونَ إلَيْها في الجَنَّةِ. قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أراهم عِيانًا لَصارُوا مُلْجَئِينَ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهِ قَوْلُهم: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ [طه: ٧٣] . وجَوابُهُ: لَمّا جازَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَطْعِهِ بِكَوْنِهِ مَغْفُورًا لَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢] فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في حَقِّ السَّحَرَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ تُنَبِّهُ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ مِن أُمُورِ الرُّبُوبِيَّةِ ونَفاذِ القَضاءِ الإلَهِيِّ وقَدَرِهِ في جُمْلَةِ المُحْدَثاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ ظُهُورَ تِلْكَ الأدِلَّةِ كانَتْ بِمَرْأًى مِنَ الكُلِّ ومَسْمَعٍ فَكانَ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ فِيها جَلِيًّا ظاهِرًا وهو أنَّهُ حَدَثَتْ أُمُورٌ فَلا بُدَّ لَها مِن مُؤَثِّرٍ والعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيٌّ، وذَلِكَ المُؤَثِّرُ إمّا الخَلْقُ، وإمّا غَيْرُهم. والأوَّلُ بَدِيهِيُّ البُطْلانِ لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إيجادِ الحَيَواناتِ وتَعْظِيمِ جُثَّتِها دُفْعَةً واحِدَةً ثُمَّ يُصَغِّرُها مَرَّةً أُخْرى كَما كانَتْ، وهَذِهِ العُلُومُ الجَلِيَّةُ مَتى حَصَلَتْ في العَقْلِ أفادَتِ القَطْعَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مُدَبِّرٍ لِهَذا العالَمِ، فَماذا يَقُولُ ألا تَرى أنَّ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ جَهِلُوا صِحَّةَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ وهَذا في نِهايَةِ البُعْدِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ ارْتِيابُ العاقِلِ فِيهِ، وإذًا فَقَدْ عَرَفُوا صِحَّتَها لَكِنَّهم أصَرُّوا عَلى الجَهْلِ وكَرِهُوا تَحْصِيلَ العِلْمِ والسَّعادَةِ لِأنْفُسِهِمْ وأحَبُّوا تَحْصِيلَ الجَهْلِ والشَّقاوَةِ لِأنْفُسِهِمْ ما أرى أنَّ عاقِلًا يَرْضى بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ قَطُّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: العَقْلُ والدَّلِيلُ لا يَكْفِي بَلْ لا بُدَّ مِن مُدَبِّرٍ يَخْلُقُ هَذِهِ المُقَدِّماتِ في القُلُوبِ، ويَخْلُقُ الشُّعُورَ بِكَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِها وبِكَيْفِيَّةِ اسْتِنْتاجِها لِلنَّتِيجَةِ حَتّى إنَّهُ مَتى فَعَلَ ذَلِكَ حَصَلَتِ النَّتائِجُ في القُلُوبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ فَإنَّهُ لا اعْتِمادَ عَلى العُقُولِ والقُلُوبِ في مَجارِيها وتَصَرُّفاتِها ومَن طَرَحَ التَّعَصُّبَ عَنْ قَلْبِهِ ونَظَرَ إلى أحْوالِ نَفْسِهِ في مَجارِي أفْكارِهِ وأنْظارِهِ ازْدادَ وُثُوقًا بِما ذَكَرْناهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّعْلِيمِيَّةَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ الَّذِي عَرَفُوهُ مِن قِبَلِ هارُونَ ومُوسى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تُسْتَفادُ إلّا مِنَ الإمامِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ بَلْ في قَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ فائِدَتانِ سِوى ما ذَكَرُوهُ: الفائِدَةُ الأُولى: وهي أنَّ فِرْعَوْنَ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] والإلَهِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فَلَوْ أنَّهم قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ لَكانَ فِرْعَوْنُ يَقُولُ: إنَّهم آمَنُوا بِي لا بِغَيْرِي، فَلِقَطْعِ هَذِهِ التُّهْمَةِ اخْتارُوا هَذِهِ العِبارَةَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم قَدَّمُوا ذِكْرَ هارُونَ عَلى مُوسى لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي رُبُوبِيَّتَهُ لِمُوسى بِناءً عَلى أنَّهُ رَبّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] فالقَوْمُ لَمّا احْتَرَزُوا عَنْ إيهاماتِ فِرْعَوْنَ لا جَرَمَ قَدَّمُوا ذِكْرَ هارُونَ عَلى مُوسى قَطْعًا لِهَذا الخَيالِ. صفحة ٧٦ الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنَّهم لَمّا شاهَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهُما بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ والدَّرَجاتِ الشَّرِيفَةِ لا جَرَمَ قالُوا: رَبِّ هارُونَ ومُوسى لِأجْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا شاهَدَ مِنهُمُ السُّجُودَ والإقْرارَ خافَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاقْتِداءِ سائِرِ النّاسِ بِهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِرَسُولِهِ فَفي الحالِ ألْقى شُبْهَةً أُخْرى في النَّبِيِّ فَقالَ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهَذا الكَلامُ مُشْتَمِلٌ عَلى شُبْهَتَيْنِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنَّ الِاعْتِمادَ عَلى الخاطِرِ الأوَّلِ غَيْرُ جائِزٍ بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ البَحْثِ والمُناظَرَةِ والِاسْتِعانَةِ بِالخَواطِرِ، فَلَمّا لَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ بَلْ في الحالِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ إيمانَكم لَيْسَ عَنِ البَصِيرَةِ بَلْ عَنْ سَبَبٍ آخَرَ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ يَعْنِي أنَّكم تَلامِذَتُهُ في السِّحْرِ فاصْطَلَحْتُمْ عَلى أنْ تُظْهِرُوا العَجْزَ مِن أنْفُسِكم تَرْوِيجًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، ثُمَّ بَعْدَ إيرادِ الشُّبْهَةِ اشْتَغَلَ بِالتَّهْدِيدِ تَنْفِيرًا لَهم عَنِ الإيمانِ وتَنْفِيرًا لِغَيْرِهِمْ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فلأقطعن أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ قُرِئَ ”لَأقْطَعَنَّ ولَأصْلِبَنَّ“ بِالتَّخْفِيفِ. والقَطْعُ مِن خِلافٍ أنْ تُقْطَعَ اليَدُ اليُمْنى والرِّجْلُ اليُسْرى لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ العُضْوَيْنِ خِلافُ الآخَرِ، فَإنَّ هَذا يَدٌ وذاكَ رِجْلٌ وهَذا يَمِينٌ وذاكَ شِمالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن خِلافٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ: لَأُقَطِّعَنَّها مُخْتَلِفاتٍ لِأنَّها إذا خالَفَ بَعْضُها بَعْضًا فَقَدِ اتَّصَفَتْ بِالِاخْتِلافِ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فَشَبَّهَ تَمَكُّنَ المَصْلُوبِ في الجِذْعِ بِتَمَكُّنِ الشَّيْءِ المُوعى في وِعائِهِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ والَّذِي يُقالُ في المَشْهُورِ أنَّ ”في“ بِمَعْنى عَلى فَضَعِيفٌ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّنا﴾ نَفْسَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيُّنا﴾ يُشْعِرُ بِأنَّهُ أرادَ نَفْسَهُ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ وفِيهِ تَصالُفٌ بِاقْتِدارِهِ وقَهْرِهِ وما ألِفَهُ مِن تَعْذِيبِ النّاسِ بِأنْواعِ العَذابِ واسْتِضْعافِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الهُزْءِ بِهِ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَطُّ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّعْذِيبِ في شَيْءٍ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِمُشاهَدَةِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً بِتِلْكَ العَظَمَةِ الَّتِي شَرَحْتُمُوها وذَكَرْتُمْ أنَّها قَصَدَتِ ابْتِلاعَ قَصْرِ فِرْعَوْنَ وآلَ الأمْرُ إلى أنِ اسْتَغاثَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن شَرِّ ذَلِكَ الثُّعْبانِ فَمَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِذَلِكَ وعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُهَدِّدَ السَّحَرَةَ ويُبالِغَ في وعِيدِهِمْ إلى هَذا الحَدِّ ويَسْتَهْزِئَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ في أشَدِّ الخَوْفِ في قَلْبِهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُظْهِرُ تِلْكَ الجَلادَةَ والوَقاحَةَ تَمْشِيَةً لِنامُوسِهِ وتَرْوِيجًا لِأمْرِهِ، ومَنِ اسْتَقْرى أحْوالَ أهْلِ العالَمِ عَلِمَ أنَّ العاجِزَ قَدْ يَفْعَلُ أمْثالَ هَذِهِ الأشْياءِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عَذابَ اللَّهِ أشَدُّ مِن عَذابِ البَشَرِ، ثُمَّ إنَّهُ أنْكَرَ ذَلِكَ، وأيْضًا فَقَدْ كانَ عالِمًا بِكَذِبِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما خالَطَهُمُ البَتَّةَ وما لَقِيَهم وكانَ يَعْرِفُ مِن سَحَرَتِهِ أنَّ أُسْتاذَ كُلِّ واحِدٍ مَن هو وكَيْفَ حَصَّلَ ذَلِكَ العِلْمَ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ كانَ يَقُولُ هَذِهِ الأشْياءَ، فَثَبَتَ أنَّ سَبِيلَهُ في كُلِّ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”كانُوا في أوَّلِ النَّهارِ سَحَرَةً، وفي آخِرِهِ شُهَداءَ“ .

طه 20:72

صفحة ٧٧ قوله تعالى: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى تَهْدِيدَ فِرْعَوْنَ لِأُولَئِكَ حَكى جَوابَهم عَنْ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ اليَقِينِ التّامِّ والبَصِيرَةِ الكامِلَةِ لَهم في أُصُولِ الدِّينِ، فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ طَلَبَ مِنهُمُ الرُّجُوعَ عَنِ الإيمانِ وإلّا فَعَلَ بِهِمْ ما أوْعَدَهم فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِما قالَهُ وبَيَّنُوا العِلَّةَ وهي أنَّ الَّذِي جاءَهم بَيِّناتٌ وأدِلَّةٌ، والَّذِي يَذْكُرُهُ فِرْعَوْنُ مَحْضُ الدُّنْيا، ومَنافِعُ الدُّنْيا ومَضارُّها لا تُعارِضُ مَنافِعَ الآخِرَةِ ومَضارَّها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ لَنْ نُؤْثِرَكَ يا فِرْعَوْنُ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا أيْ وعَلى طاعَةِ الَّذِي فَطَرَنا وعَلى عِبادَتِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا عَلى القَسَمِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهم مَتى أصَرُّوا عَلى الإيمانِ فَعَلَ فِرْعَوْنُ ما أوْعَدَهم بِهِ فَقالُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ لا عَلى مَعْنى أنَّهم أمَرُوهُ بِذَلِكَ لَكِنْ أظْهَرُوا أنَّ ذَلِكَ الوَعِيدَ لا يُزِيلُهُمُ البَتَّةَ عَنْ إيمانِهِمْ وعَمّا عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا، ثُمَّ بَيَّنُوا ما لِأجْلِهِ يَسْهُلُ عَلَيْهِمِ احْتِمالُ ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وقُرِئَ: ”تُقْضى هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا“ ووَجْهُها أنَّ الحَياةَ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مُنْتَصِبَةٌ عَلى الظَّرْفِ فاتُّسِعَ في الظَّرْفِ بِإجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِكَ: في صُمْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ صِيمَ، والمَعْنى أنَّ قَضاءَكَ وحُكْمَكَ إنَّما يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا وهي كَيْفَ كانَتْ فانِيَةً وإنَّما مَطْلَبُنا سَعادَةُ الآخِرَةِ وهي باقِيَةٌ، والعَقْلُ يَقْتَضِي تَحَمُّلَ الضَّرَرِ الفانِي المُتَوَصَّلِ بِهِ إلى السَّعادَةِ الباقِيَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ ولَمّا كانَ أقْرَبُ خَطاياهم عَهْدًا ما أظْهَرُوهُ مِنَ السِّحْرِ، قالُوا: ﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ وذَكَرُوا في ذَلِكَ الإكْراهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ المُلُوكَ في ذَلِكَ الزَّمانِ كانُوا يَأْخُذُونَ البَعْضَ مِن رَعِيَّتِهِمْ ويُكَلِّفُونَهم تَعَلُّمَ السِّحْرِ فَإذا شاخَ بَعَثُوا إلَيْهِ أحْداثًا لِيُعَلِّمَهم لِيَكُونَ في كُلِّ وقْتٍ مَن يُحْسِنُهُ فَقالُوا هَذا القَوْلَ لِأجْلِ ذَلِكَ أيْ كُنّا في التَّعَلُّمِ أوَّلًا والتَّعْلِيمِ ثانِيًا مُكْرَهِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وثانِيها: أنَّ رُؤَساءَ السَّحَرَةِ كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ، اثْنانِ مِنَ القِبْطِ، والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا فَرَأوْهُ فَوَجَدُوهُ تَحْرُسُهُ عَصاهُ فَقالُوا: ما هَذا بِساحِرٍ، السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ. وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: إنَّ السَّحَرَةَ حُشِرُوا مِنَ المَدائِنِ لِيُعارِضُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُحْضِرُوا بِالحَشْرِ وكانُوا مُكْرَهِينَ في الحُضُورِ ورُبَّما كانُوا مُكْرَهِينَ أيْضًا في إظْهارِ السِّحْرِ. ورابِعُها: قالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: دَعْوَةُ السُّلْطانِ إكْراهٌ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ دَعْوَةَ السُّلْطانِ إذا لَمْ يَكُنْ صفحة ٧٨ مَعَها خَوْفٌ لَمْ تَكُنْ إكْراهًا، ثُمَّ قالُوا: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾ ثَوابًا لِمَن أطاعَهُ. ﴿وأبْقى﴾ عِقابًا لِمَن عَصاهُ، وهَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ . قالَ الحَسَنُ: سُبْحانَ اللَّهِ القَوْمُ كُفّارٌ وهم أشَدُّ الكافِرِينَ كُفْرًا ثَبَتَ في قُلُوبِهِمِ الإيمانُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ فَلَمْ يَتَعاظَمْ عِنْدَهم أنْ قالُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهِ إنَّ أحَدَكُمُ اليَوْمَ لَيَصْحَبُ القُرْآنَ سِتِّينَ عامًا ثُمَّ إنَّهُ يَبِيعُ دِينَهُ بِثَمَنٍ حَقِيرٍ، ثُمَّ خَتَمُوا هَذا الكَلامَ بِشَرْحِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ المُجْرِمِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، فَقالُوا في المُجْرِمِينَ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يَعْنِي أنَّ الأمْرَ والشَّأْنَ كَذا وكَذا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في القَطْعِ عَلى وعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ قالُوا: صاحِبُ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ وكُلُّ مُجْرِمٍ فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ وكَلِمَةُ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تُفِيدُ العُمُومَ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَجُوزُ اسْتِثْناءُ كُلِّ واحِدٍ مِنها والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، واعْتَرَضَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ مِن أصْحابِنا عَلى هَذا الكَلامِ، فَقالَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المُجْرِمَ في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ والمُؤْمِنُ صاحِبُ الكَبِيرَةِ وإنْ عُذِّبَ بِالنّارِ لا يَكُونُ بِهَذا الوَصْفِ، وفي الخَبَرِ الصَّحِيحِ: ”«يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ» “ . واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الِاعْتِراضاتِ ضَعِيفَةٌ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المُجْرِمَ في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِ فَهَذا مُسَلَّمٌ لَكِنَّ هَذا إنَّما يَنْفَعُ لَوْ ثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَهَذا المُعْتَرِضُ كَأنَّهُ بَنى هَذا الِاعْتِراضَ عَلى مَذْهَبِ نَفْسِهِ وذَلِكَ ساقِطٌ، قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّهُ لا يَلِيقُ بِصاحِبِ الكَبِيرَةِ أنْ يُقالَ في حَقِّهِ: إنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيى، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ فَإنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ في غايَةِ الشِّدَّةِ قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وأمّا الحَدِيثُ فَيُقالُ: ”القُرْآنُ مُتَواتِرٌ فَلا يُعارِضُهُ خَبَرُ الواحِدِ“ . ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ ولِلْخَصْمِ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولُ: ذَلِكَ يُفِيدُ الظَّنَّ فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ في العَمَلِيّاتِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ مِنَ العَمَلِيّاتِ بَلْ مِنَ الِاعْتِقاداتِ، فَلا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْها هَهُنا. فَإنِ اعْتَرَضَ إنْسانٌ آخَرُ، وقالَ: أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَشْرُوطَةٌ بِنَفْيِ التَّوْبَةِ وبِأنْ لا يَكُونَ عِقابُهُ مُحْبَطًا بِثَوابِ طاعَتِهِ، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ هو أنْ لا يُوجَدَ ما يُحْبِطُ ذَلِكَ العِقابَ ولَكِنْ عِنْدَنا العَفْوُ مُحْبِطٌ لِلْعِقابِ، وعِنْدَنا أنَّ المُجْرِمَ الَّذِي لا يُوجَدُ في حَقِّهِ العَفْوُ لا بُدَّ وأنْ يَدْخُلَ جَهَنَّمَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ أيْضًا ضَعِيفٌ أمّا شَرْطُ نَفْيِ التَّوْبَةِ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ مُجْرِمًا والتّائِبُ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أتى رَبَّهُ حالَ كَوْنِهِ مُجْرِمًا. وأمّا صاحِبُ الصَّغِيرَةِ فَلِأنَّهُ لا يُسَمّى مُجْرِمًا لِأنَّ المُجْرِمَ اسْمٌ لِلذَّمِّ فَلا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى صاحِبِ الصَّغِيرَةِ، بَلِ الِاعْتِراضُ الصَّحِيحُ أنْ نَقُولَ: عُمُومُ هَذا الوَعِيدِ مُعارَضٌ بِما جاءَ بَعْدَهُ مِن عُمُومِ الوَعْدِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ وكَلامُنا فِيمَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ ثُمَّ أتى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَعْضِ الكَبائِرِ. فَإنْ قِيلَ: عِقابُ المَعْصِيَةِ يُحْبِطُ ثَوابَ الطّاعَةِ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ثَوابُ الإيمانِ يَدْفَعُ عِقابَ المَعْصِيَةِ فَإنْ قالُوا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَعْنُهُ وإقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ. قُلْنا: أمّا صفحة ٧٩ اللَّعْنُ لِلْغَيْرِ جائِزٌ عِنْدَنا، وأمّا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ فَقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ المِحْنَةِ كَما في حَقِّ التّائِبِ، وقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] فاللَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إقامَةُ الحَدِّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، وإذا لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ الثَّوابُ كَما قُلْنا. فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ أوْلى بِإزالَةِ ثَوابِ الطّاعَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الطّاعاتِ بِدَفْعِ عِقابِ الكَبِيرَةِ الطّارِئَةِ. هَذا مُنْتَهى كَلامِهِمْ في مَسْألَةِ الوَعِيدِ قُلْنا حاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ صارَ مُعارِضًا لِلنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، فَلِمَ كانَ تَرْجِيحُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ أوْلى مِنَ العَكْسِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ كانَ يَنْقَسِمُ إلى السّارِقِ وغَيْرِ السّارِقِ، فالسّارِقُ يَنْقَسِمُ إلى المُؤْمِنِ وإلى غَيْرِ المُؤْمِنِ فَلَمْ يَكُنْ لِأحَدِهِما مَزِيَّةٌ عَلى الآخَرِ في العُمُومِ والخُصُوصِ، فَإذا تَعارَضا تَساقَطا. ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في إفادَةِ العُمُومِ قَطْعِيَّةٌ بَلْ ظَنِّيَّةٌ، ومَسْألَتُنا قَطْعِيَّةٌ؛ فَلا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلى ما ذَكَرْتُهُ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَتِ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ فَقالُوا: الجِسْمُ إنَّما يَأْتِي رَبَّهُ لَوْ كانَ الرَّبُّ في المَكانِ. وجَوابُهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ إتْيانَهم مَوْضِعَ الوَعْدِ إتْيانًا إلى اللَّهِ مَجازًا كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الجِسْمُ الحَيُّ لا بُدَّ وأنْ يَبْقى إمّا حَيًّا أوْ يَصِيرُ مَيِّتًا فَخُلُوُّهُ عَنِ الوَصْفَيْنِ مُحالٌ، فَمَعْناهُ في الآيَةِ أنَّهُ يَكُونُ في جَهَنَّمَ بِأسْوَأِ حالٍ لا يَمُوتُ مَوْتَةً مُرِيحَةً ولا يَحْيا حَياةً مُمْتِعَةً. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ آتِيًا بِكُلِّ الصّالِحاتِ. وذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ولا مُمْكِنٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أداءِ الواجِباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُ الدَّرَجاتُ العُلى، ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى حُصُولِ العَفْوِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدَّرَجاتِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ لِمَن أتى رَبَّهُ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَسائِرُ الدَّرَجاتِ الَّتِي هي غَيْرُ عالِيَةٍ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِمْ. ما هم إلّا العُصاةُ مِن أهْلِ الإيمانِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأقُولُ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدَّرَجاتِ العالِيَةَ هي جَزاءُ مَن تَزَكّى أيْ تَطَهَّرَ عَنِ الذُّنُوبِ وجَبَ بِحُكْمِ ذَلِكَ الخِطابِ أنَّ الدَّرَجاتِ الَّتِي لا تَكُونُ عالِيَةً أنْ لا تَكُونَ جَزاءَ مَن تَزَكّى فَهي لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَكُونُ قَدْ أتى بِالمَعاصِي وعَفا اللَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَنْهم، واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ أنَّ فِرْعَوْنَ فَعَلَ بِأُولَئِكَ القَوْمِ المُؤْمِنِينَ ما أوْعَدَهم بِهِ، ولَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ في الأخْبارِ.

طه 20:73

صفحة ٧٧ قوله تعالى: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى تَهْدِيدَ فِرْعَوْنَ لِأُولَئِكَ حَكى جَوابَهم عَنْ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ اليَقِينِ التّامِّ والبَصِيرَةِ الكامِلَةِ لَهم في أُصُولِ الدِّينِ، فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ طَلَبَ مِنهُمُ الرُّجُوعَ عَنِ الإيمانِ وإلّا فَعَلَ بِهِمْ ما أوْعَدَهم فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِما قالَهُ وبَيَّنُوا العِلَّةَ وهي أنَّ الَّذِي جاءَهم بَيِّناتٌ وأدِلَّةٌ، والَّذِي يَذْكُرُهُ فِرْعَوْنُ مَحْضُ الدُّنْيا، ومَنافِعُ الدُّنْيا ومَضارُّها لا تُعارِضُ مَنافِعَ الآخِرَةِ ومَضارَّها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ لَنْ نُؤْثِرَكَ يا فِرْعَوْنُ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا أيْ وعَلى طاعَةِ الَّذِي فَطَرَنا وعَلى عِبادَتِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا عَلى القَسَمِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهم مَتى أصَرُّوا عَلى الإيمانِ فَعَلَ فِرْعَوْنُ ما أوْعَدَهم بِهِ فَقالُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ لا عَلى مَعْنى أنَّهم أمَرُوهُ بِذَلِكَ لَكِنْ أظْهَرُوا أنَّ ذَلِكَ الوَعِيدَ لا يُزِيلُهُمُ البَتَّةَ عَنْ إيمانِهِمْ وعَمّا عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا، ثُمَّ بَيَّنُوا ما لِأجْلِهِ يَسْهُلُ عَلَيْهِمِ احْتِمالُ ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وقُرِئَ: ”تُقْضى هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا“ ووَجْهُها أنَّ الحَياةَ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مُنْتَصِبَةٌ عَلى الظَّرْفِ فاتُّسِعَ في الظَّرْفِ بِإجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِكَ: في صُمْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ صِيمَ، والمَعْنى أنَّ قَضاءَكَ وحُكْمَكَ إنَّما يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا وهي كَيْفَ كانَتْ فانِيَةً وإنَّما مَطْلَبُنا سَعادَةُ الآخِرَةِ وهي باقِيَةٌ، والعَقْلُ يَقْتَضِي تَحَمُّلَ الضَّرَرِ الفانِي المُتَوَصَّلِ بِهِ إلى السَّعادَةِ الباقِيَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ ولَمّا كانَ أقْرَبُ خَطاياهم عَهْدًا ما أظْهَرُوهُ مِنَ السِّحْرِ، قالُوا: ﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ وذَكَرُوا في ذَلِكَ الإكْراهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ المُلُوكَ في ذَلِكَ الزَّمانِ كانُوا يَأْخُذُونَ البَعْضَ مِن رَعِيَّتِهِمْ ويُكَلِّفُونَهم تَعَلُّمَ السِّحْرِ فَإذا شاخَ بَعَثُوا إلَيْهِ أحْداثًا لِيُعَلِّمَهم لِيَكُونَ في كُلِّ وقْتٍ مَن يُحْسِنُهُ فَقالُوا هَذا القَوْلَ لِأجْلِ ذَلِكَ أيْ كُنّا في التَّعَلُّمِ أوَّلًا والتَّعْلِيمِ ثانِيًا مُكْرَهِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وثانِيها: أنَّ رُؤَساءَ السَّحَرَةِ كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ، اثْنانِ مِنَ القِبْطِ، والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا فَرَأوْهُ فَوَجَدُوهُ تَحْرُسُهُ عَصاهُ فَقالُوا: ما هَذا بِساحِرٍ، السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ. وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: إنَّ السَّحَرَةَ حُشِرُوا مِنَ المَدائِنِ لِيُعارِضُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُحْضِرُوا بِالحَشْرِ وكانُوا مُكْرَهِينَ في الحُضُورِ ورُبَّما كانُوا مُكْرَهِينَ أيْضًا في إظْهارِ السِّحْرِ. ورابِعُها: قالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: دَعْوَةُ السُّلْطانِ إكْراهٌ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ دَعْوَةَ السُّلْطانِ إذا لَمْ يَكُنْ صفحة ٧٨ مَعَها خَوْفٌ لَمْ تَكُنْ إكْراهًا، ثُمَّ قالُوا: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾ ثَوابًا لِمَن أطاعَهُ. ﴿وأبْقى﴾ عِقابًا لِمَن عَصاهُ، وهَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ . قالَ الحَسَنُ: سُبْحانَ اللَّهِ القَوْمُ كُفّارٌ وهم أشَدُّ الكافِرِينَ كُفْرًا ثَبَتَ في قُلُوبِهِمِ الإيمانُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ فَلَمْ يَتَعاظَمْ عِنْدَهم أنْ قالُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهِ إنَّ أحَدَكُمُ اليَوْمَ لَيَصْحَبُ القُرْآنَ سِتِّينَ عامًا ثُمَّ إنَّهُ يَبِيعُ دِينَهُ بِثَمَنٍ حَقِيرٍ، ثُمَّ خَتَمُوا هَذا الكَلامَ بِشَرْحِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ المُجْرِمِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، فَقالُوا في المُجْرِمِينَ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يَعْنِي أنَّ الأمْرَ والشَّأْنَ كَذا وكَذا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في القَطْعِ عَلى وعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ قالُوا: صاحِبُ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ وكُلُّ مُجْرِمٍ فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ وكَلِمَةُ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تُفِيدُ العُمُومَ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَجُوزُ اسْتِثْناءُ كُلِّ واحِدٍ مِنها والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، واعْتَرَضَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ مِن أصْحابِنا عَلى هَذا الكَلامِ، فَقالَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المُجْرِمَ في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ والمُؤْمِنُ صاحِبُ الكَبِيرَةِ وإنْ عُذِّبَ بِالنّارِ لا يَكُونُ بِهَذا الوَصْفِ، وفي الخَبَرِ الصَّحِيحِ: ”«يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ» “ . واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الِاعْتِراضاتِ ضَعِيفَةٌ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المُجْرِمَ في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِ فَهَذا مُسَلَّمٌ لَكِنَّ هَذا إنَّما يَنْفَعُ لَوْ ثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَهَذا المُعْتَرِضُ كَأنَّهُ بَنى هَذا الِاعْتِراضَ عَلى مَذْهَبِ نَفْسِهِ وذَلِكَ ساقِطٌ، قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّهُ لا يَلِيقُ بِصاحِبِ الكَبِيرَةِ أنْ يُقالَ في حَقِّهِ: إنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيى، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ فَإنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ في غايَةِ الشِّدَّةِ قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وأمّا الحَدِيثُ فَيُقالُ: ”القُرْآنُ مُتَواتِرٌ فَلا يُعارِضُهُ خَبَرُ الواحِدِ“ . ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ ولِلْخَصْمِ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولُ: ذَلِكَ يُفِيدُ الظَّنَّ فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ في العَمَلِيّاتِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ مِنَ العَمَلِيّاتِ بَلْ مِنَ الِاعْتِقاداتِ، فَلا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْها هَهُنا. فَإنِ اعْتَرَضَ إنْسانٌ آخَرُ، وقالَ: أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَشْرُوطَةٌ بِنَفْيِ التَّوْبَةِ وبِأنْ لا يَكُونَ عِقابُهُ مُحْبَطًا بِثَوابِ طاعَتِهِ، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ هو أنْ لا يُوجَدَ ما يُحْبِطُ ذَلِكَ العِقابَ ولَكِنْ عِنْدَنا العَفْوُ مُحْبِطٌ لِلْعِقابِ، وعِنْدَنا أنَّ المُجْرِمَ الَّذِي لا يُوجَدُ في حَقِّهِ العَفْوُ لا بُدَّ وأنْ يَدْخُلَ جَهَنَّمَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ أيْضًا ضَعِيفٌ أمّا شَرْطُ نَفْيِ التَّوْبَةِ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ مُجْرِمًا والتّائِبُ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أتى رَبَّهُ حالَ كَوْنِهِ مُجْرِمًا. وأمّا صاحِبُ الصَّغِيرَةِ فَلِأنَّهُ لا يُسَمّى مُجْرِمًا لِأنَّ المُجْرِمَ اسْمٌ لِلذَّمِّ فَلا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى صاحِبِ الصَّغِيرَةِ، بَلِ الِاعْتِراضُ الصَّحِيحُ أنْ نَقُولَ: عُمُومُ هَذا الوَعِيدِ مُعارَضٌ بِما جاءَ بَعْدَهُ مِن عُمُومِ الوَعْدِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ وكَلامُنا فِيمَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ ثُمَّ أتى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَعْضِ الكَبائِرِ. فَإنْ قِيلَ: عِقابُ المَعْصِيَةِ يُحْبِطُ ثَوابَ الطّاعَةِ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ثَوابُ الإيمانِ يَدْفَعُ عِقابَ المَعْصِيَةِ فَإنْ قالُوا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَعْنُهُ وإقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ. قُلْنا: أمّا صفحة ٧٩ اللَّعْنُ لِلْغَيْرِ جائِزٌ عِنْدَنا، وأمّا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ فَقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ المِحْنَةِ كَما في حَقِّ التّائِبِ، وقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] فاللَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إقامَةُ الحَدِّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، وإذا لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ الثَّوابُ كَما قُلْنا. فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ أوْلى بِإزالَةِ ثَوابِ الطّاعَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الطّاعاتِ بِدَفْعِ عِقابِ الكَبِيرَةِ الطّارِئَةِ. هَذا مُنْتَهى كَلامِهِمْ في مَسْألَةِ الوَعِيدِ قُلْنا حاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ صارَ مُعارِضًا لِلنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، فَلِمَ كانَ تَرْجِيحُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ أوْلى مِنَ العَكْسِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ كانَ يَنْقَسِمُ إلى السّارِقِ وغَيْرِ السّارِقِ، فالسّارِقُ يَنْقَسِمُ إلى المُؤْمِنِ وإلى غَيْرِ المُؤْمِنِ فَلَمْ يَكُنْ لِأحَدِهِما مَزِيَّةٌ عَلى الآخَرِ في العُمُومِ والخُصُوصِ، فَإذا تَعارَضا تَساقَطا. ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في إفادَةِ العُمُومِ قَطْعِيَّةٌ بَلْ ظَنِّيَّةٌ، ومَسْألَتُنا قَطْعِيَّةٌ؛ فَلا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلى ما ذَكَرْتُهُ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَتِ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ فَقالُوا: الجِسْمُ إنَّما يَأْتِي رَبَّهُ لَوْ كانَ الرَّبُّ في المَكانِ. وجَوابُهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ إتْيانَهم مَوْضِعَ الوَعْدِ إتْيانًا إلى اللَّهِ مَجازًا كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الجِسْمُ الحَيُّ لا بُدَّ وأنْ يَبْقى إمّا حَيًّا أوْ يَصِيرُ مَيِّتًا فَخُلُوُّهُ عَنِ الوَصْفَيْنِ مُحالٌ، فَمَعْناهُ في الآيَةِ أنَّهُ يَكُونُ في جَهَنَّمَ بِأسْوَأِ حالٍ لا يَمُوتُ مَوْتَةً مُرِيحَةً ولا يَحْيا حَياةً مُمْتِعَةً. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ آتِيًا بِكُلِّ الصّالِحاتِ. وذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ولا مُمْكِنٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أداءِ الواجِباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُ الدَّرَجاتُ العُلى، ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى حُصُولِ العَفْوِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدَّرَجاتِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ لِمَن أتى رَبَّهُ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَسائِرُ الدَّرَجاتِ الَّتِي هي غَيْرُ عالِيَةٍ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِمْ. ما هم إلّا العُصاةُ مِن أهْلِ الإيمانِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأقُولُ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدَّرَجاتِ العالِيَةَ هي جَزاءُ مَن تَزَكّى أيْ تَطَهَّرَ عَنِ الذُّنُوبِ وجَبَ بِحُكْمِ ذَلِكَ الخِطابِ أنَّ الدَّرَجاتِ الَّتِي لا تَكُونُ عالِيَةً أنْ لا تَكُونَ جَزاءَ مَن تَزَكّى فَهي لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَكُونُ قَدْ أتى بِالمَعاصِي وعَفا اللَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَنْهم، واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ أنَّ فِرْعَوْنَ فَعَلَ بِأُولَئِكَ القَوْمِ المُؤْمِنِينَ ما أوْعَدَهم بِهِ، ولَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ في الأخْبارِ.