Tafsir Al-Razi — طه 20:74 – طه 20:116
المحتويات
- طه 20:74
- طه 20:75
- طه 20:76
- طه 20:77
- طه 20:78
- طه 20:79
- طه 20:80
- طه 20:81
- طه 20:82
- طه 20:83
- طه 20:84
- طه 20:85
- طه 20:86
- طه 20:87
- طه 20:88
- طه 20:89
- طه 20:90
- طه 20:91
- طه 20:92
- طه 20:93
- طه 20:94
- طه 20:95
- طه 20:96
- طه 20:97
- طه 20:98
- طه 20:99
- طه 20:100
- طه 20:101
- طه 20:102
- طه 20:103
- طه 20:104
- طه 20:105
- طه 20:106
- طه 20:107
- طه 20:108
- طه 20:109
- طه 20:110
- طه 20:111
- طه 20:112
- طه 20:113
- طه 20:114
- طه 20:115
- طه 20:116
طه 20:74
صفحة ٧٧
قوله تعالى: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى تَهْدِيدَ فِرْعَوْنَ لِأُولَئِكَ حَكى جَوابَهم عَنْ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ اليَقِينِ التّامِّ والبَصِيرَةِ الكامِلَةِ لَهم في أُصُولِ الدِّينِ، فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ طَلَبَ مِنهُمُ الرُّجُوعَ عَنِ الإيمانِ وإلّا فَعَلَ بِهِمْ ما أوْعَدَهم فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِما قالَهُ وبَيَّنُوا العِلَّةَ وهي أنَّ الَّذِي جاءَهم بَيِّناتٌ وأدِلَّةٌ، والَّذِي يَذْكُرُهُ فِرْعَوْنُ مَحْضُ الدُّنْيا، ومَنافِعُ الدُّنْيا ومَضارُّها لا تُعارِضُ مَنافِعَ الآخِرَةِ ومَضارَّها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ لَنْ نُؤْثِرَكَ يا فِرْعَوْنُ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا أيْ وعَلى طاعَةِ الَّذِي فَطَرَنا وعَلى عِبادَتِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا عَلى القَسَمِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهم مَتى أصَرُّوا عَلى الإيمانِ فَعَلَ فِرْعَوْنُ ما أوْعَدَهم بِهِ فَقالُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ لا عَلى مَعْنى أنَّهم أمَرُوهُ بِذَلِكَ لَكِنْ أظْهَرُوا أنَّ ذَلِكَ الوَعِيدَ لا يُزِيلُهُمُ البَتَّةَ عَنْ إيمانِهِمْ وعَمّا عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا، ثُمَّ بَيَّنُوا ما لِأجْلِهِ يَسْهُلُ عَلَيْهِمِ احْتِمالُ ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وقُرِئَ: ”تُقْضى هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا“ ووَجْهُها أنَّ الحَياةَ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مُنْتَصِبَةٌ عَلى الظَّرْفِ فاتُّسِعَ في الظَّرْفِ بِإجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِكَ: في صُمْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ صِيمَ، والمَعْنى أنَّ قَضاءَكَ وحُكْمَكَ إنَّما يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا وهي كَيْفَ كانَتْ فانِيَةً وإنَّما مَطْلَبُنا سَعادَةُ الآخِرَةِ وهي باقِيَةٌ، والعَقْلُ يَقْتَضِي تَحَمُّلَ الضَّرَرِ الفانِي المُتَوَصَّلِ بِهِ إلى السَّعادَةِ الباقِيَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ ولَمّا كانَ أقْرَبُ خَطاياهم عَهْدًا ما أظْهَرُوهُ مِنَ السِّحْرِ، قالُوا: ﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ وذَكَرُوا في ذَلِكَ الإكْراهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُلُوكَ في ذَلِكَ الزَّمانِ كانُوا يَأْخُذُونَ البَعْضَ مِن رَعِيَّتِهِمْ ويُكَلِّفُونَهم تَعَلُّمَ السِّحْرِ فَإذا شاخَ بَعَثُوا إلَيْهِ أحْداثًا لِيُعَلِّمَهم لِيَكُونَ في كُلِّ وقْتٍ مَن يُحْسِنُهُ فَقالُوا هَذا القَوْلَ لِأجْلِ ذَلِكَ أيْ كُنّا في التَّعَلُّمِ أوَّلًا والتَّعْلِيمِ ثانِيًا مُكْرَهِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وثانِيها: أنَّ رُؤَساءَ السَّحَرَةِ كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ، اثْنانِ مِنَ القِبْطِ، والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا فَرَأوْهُ فَوَجَدُوهُ تَحْرُسُهُ عَصاهُ فَقالُوا: ما هَذا بِساحِرٍ، السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: إنَّ السَّحَرَةَ حُشِرُوا مِنَ المَدائِنِ لِيُعارِضُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُحْضِرُوا بِالحَشْرِ وكانُوا مُكْرَهِينَ في الحُضُورِ ورُبَّما كانُوا مُكْرَهِينَ أيْضًا في إظْهارِ السِّحْرِ.
ورابِعُها: قالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: دَعْوَةُ السُّلْطانِ إكْراهٌ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ دَعْوَةَ السُّلْطانِ إذا لَمْ يَكُنْ
صفحة ٧٨
مَعَها خَوْفٌ لَمْ تَكُنْ إكْراهًا، ثُمَّ قالُوا: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾ ثَوابًا لِمَن أطاعَهُ. ﴿وأبْقى﴾ عِقابًا لِمَن عَصاهُ، وهَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ . قالَ الحَسَنُ: سُبْحانَ اللَّهِ القَوْمُ كُفّارٌ وهم أشَدُّ الكافِرِينَ كُفْرًا ثَبَتَ في قُلُوبِهِمِ الإيمانُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ فَلَمْ يَتَعاظَمْ عِنْدَهم أنْ قالُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهِ إنَّ أحَدَكُمُ اليَوْمَ لَيَصْحَبُ القُرْآنَ سِتِّينَ عامًا ثُمَّ إنَّهُ يَبِيعُ دِينَهُ بِثَمَنٍ حَقِيرٍ، ثُمَّ خَتَمُوا هَذا الكَلامَ بِشَرْحِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ المُجْرِمِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، فَقالُوا في المُجْرِمِينَ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يَعْنِي أنَّ الأمْرَ والشَّأْنَ كَذا وكَذا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في القَطْعِ عَلى وعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ قالُوا: صاحِبُ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ وكُلُّ مُجْرِمٍ فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ وكَلِمَةُ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تُفِيدُ العُمُومَ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَجُوزُ اسْتِثْناءُ كُلِّ واحِدٍ مِنها والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، واعْتَرَضَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ مِن أصْحابِنا عَلى هَذا الكَلامِ، فَقالَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المُجْرِمَ في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ والمُؤْمِنُ صاحِبُ الكَبِيرَةِ وإنْ عُذِّبَ بِالنّارِ لا يَكُونُ بِهَذا الوَصْفِ، وفي الخَبَرِ الصَّحِيحِ: ”«يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ» “ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الِاعْتِراضاتِ ضَعِيفَةٌ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المُجْرِمَ في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِ فَهَذا مُسَلَّمٌ لَكِنَّ هَذا إنَّما يَنْفَعُ لَوْ ثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَهَذا المُعْتَرِضُ كَأنَّهُ بَنى هَذا الِاعْتِراضَ عَلى مَذْهَبِ نَفْسِهِ وذَلِكَ ساقِطٌ، قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّهُ لا يَلِيقُ بِصاحِبِ الكَبِيرَةِ أنْ يُقالَ في حَقِّهِ: إنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيى، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ فَإنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ في غايَةِ الشِّدَّةِ قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وأمّا الحَدِيثُ فَيُقالُ: ”القُرْآنُ مُتَواتِرٌ فَلا يُعارِضُهُ خَبَرُ الواحِدِ“ . ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ ولِلْخَصْمِ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولُ: ذَلِكَ يُفِيدُ الظَّنَّ فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ في العَمَلِيّاتِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ مِنَ العَمَلِيّاتِ بَلْ مِنَ الِاعْتِقاداتِ، فَلا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْها هَهُنا. فَإنِ اعْتَرَضَ إنْسانٌ آخَرُ، وقالَ: أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَشْرُوطَةٌ بِنَفْيِ التَّوْبَةِ وبِأنْ لا يَكُونَ عِقابُهُ مُحْبَطًا بِثَوابِ طاعَتِهِ، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ هو أنْ لا يُوجَدَ ما يُحْبِطُ ذَلِكَ العِقابَ ولَكِنْ عِنْدَنا العَفْوُ مُحْبِطٌ لِلْعِقابِ، وعِنْدَنا أنَّ المُجْرِمَ الَّذِي لا يُوجَدُ في حَقِّهِ العَفْوُ لا بُدَّ وأنْ يَدْخُلَ جَهَنَّمَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ أيْضًا ضَعِيفٌ أمّا شَرْطُ نَفْيِ التَّوْبَةِ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ مُجْرِمًا والتّائِبُ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أتى رَبَّهُ حالَ كَوْنِهِ مُجْرِمًا. وأمّا صاحِبُ الصَّغِيرَةِ فَلِأنَّهُ لا يُسَمّى مُجْرِمًا لِأنَّ المُجْرِمَ اسْمٌ لِلذَّمِّ فَلا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى صاحِبِ الصَّغِيرَةِ، بَلِ الِاعْتِراضُ الصَّحِيحُ أنْ نَقُولَ: عُمُومُ هَذا الوَعِيدِ مُعارَضٌ بِما جاءَ بَعْدَهُ مِن عُمُومِ الوَعْدِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ وكَلامُنا فِيمَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ ثُمَّ أتى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَعْضِ الكَبائِرِ. فَإنْ قِيلَ: عِقابُ المَعْصِيَةِ يُحْبِطُ ثَوابَ الطّاعَةِ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ثَوابُ الإيمانِ يَدْفَعُ عِقابَ المَعْصِيَةِ فَإنْ قالُوا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَعْنُهُ وإقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ. قُلْنا: أمّا
صفحة ٧٩
اللَّعْنُ لِلْغَيْرِ جائِزٌ عِنْدَنا، وأمّا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ فَقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ المِحْنَةِ كَما في حَقِّ التّائِبِ، وقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] فاللَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إقامَةُ الحَدِّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، وإذا لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ الثَّوابُ كَما قُلْنا. فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ أوْلى بِإزالَةِ ثَوابِ الطّاعَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الطّاعاتِ بِدَفْعِ عِقابِ الكَبِيرَةِ الطّارِئَةِ. هَذا مُنْتَهى كَلامِهِمْ في مَسْألَةِ الوَعِيدِ قُلْنا حاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ صارَ مُعارِضًا لِلنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، فَلِمَ كانَ تَرْجِيحُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ أوْلى مِنَ العَكْسِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ كانَ يَنْقَسِمُ إلى السّارِقِ وغَيْرِ السّارِقِ، فالسّارِقُ يَنْقَسِمُ إلى المُؤْمِنِ وإلى غَيْرِ المُؤْمِنِ فَلَمْ يَكُنْ لِأحَدِهِما مَزِيَّةٌ عَلى الآخَرِ في العُمُومِ والخُصُوصِ، فَإذا تَعارَضا تَساقَطا. ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في إفادَةِ العُمُومِ قَطْعِيَّةٌ بَلْ ظَنِّيَّةٌ، ومَسْألَتُنا قَطْعِيَّةٌ؛ فَلا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلى ما ذَكَرْتُهُ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَتِ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ فَقالُوا: الجِسْمُ إنَّما يَأْتِي رَبَّهُ لَوْ كانَ الرَّبُّ في المَكانِ. وجَوابُهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ إتْيانَهم مَوْضِعَ الوَعْدِ إتْيانًا إلى اللَّهِ مَجازًا كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الجِسْمُ الحَيُّ لا بُدَّ وأنْ يَبْقى إمّا حَيًّا أوْ يَصِيرُ مَيِّتًا فَخُلُوُّهُ عَنِ الوَصْفَيْنِ مُحالٌ، فَمَعْناهُ في الآيَةِ أنَّهُ يَكُونُ في جَهَنَّمَ بِأسْوَأِ حالٍ لا يَمُوتُ مَوْتَةً مُرِيحَةً ولا يَحْيا حَياةً مُمْتِعَةً. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ آتِيًا بِكُلِّ الصّالِحاتِ. وذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ولا مُمْكِنٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أداءِ الواجِباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُ الدَّرَجاتُ العُلى، ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى حُصُولِ العَفْوِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدَّرَجاتِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ لِمَن أتى رَبَّهُ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَسائِرُ الدَّرَجاتِ الَّتِي هي غَيْرُ عالِيَةٍ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِمْ. ما هم إلّا العُصاةُ مِن أهْلِ الإيمانِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأقُولُ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدَّرَجاتِ العالِيَةَ هي جَزاءُ مَن تَزَكّى أيْ تَطَهَّرَ عَنِ الذُّنُوبِ وجَبَ بِحُكْمِ ذَلِكَ الخِطابِ أنَّ الدَّرَجاتِ الَّتِي لا تَكُونُ عالِيَةً أنْ لا تَكُونَ جَزاءَ مَن تَزَكّى فَهي لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَكُونُ قَدْ أتى بِالمَعاصِي وعَفا اللَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَنْهم، واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ أنَّ فِرْعَوْنَ فَعَلَ بِأُولَئِكَ القَوْمِ المُؤْمِنِينَ ما أوْعَدَهم بِهِ، ولَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ في الأخْبارِ.
طه 20:75
صفحة ٧٧
قوله تعالى: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى تَهْدِيدَ فِرْعَوْنَ لِأُولَئِكَ حَكى جَوابَهم عَنْ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ اليَقِينِ التّامِّ والبَصِيرَةِ الكامِلَةِ لَهم في أُصُولِ الدِّينِ، فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ طَلَبَ مِنهُمُ الرُّجُوعَ عَنِ الإيمانِ وإلّا فَعَلَ بِهِمْ ما أوْعَدَهم فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِما قالَهُ وبَيَّنُوا العِلَّةَ وهي أنَّ الَّذِي جاءَهم بَيِّناتٌ وأدِلَّةٌ، والَّذِي يَذْكُرُهُ فِرْعَوْنُ مَحْضُ الدُّنْيا، ومَنافِعُ الدُّنْيا ومَضارُّها لا تُعارِضُ مَنافِعَ الآخِرَةِ ومَضارَّها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ لَنْ نُؤْثِرَكَ يا فِرْعَوْنُ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا أيْ وعَلى طاعَةِ الَّذِي فَطَرَنا وعَلى عِبادَتِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا عَلى القَسَمِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهم مَتى أصَرُّوا عَلى الإيمانِ فَعَلَ فِرْعَوْنُ ما أوْعَدَهم بِهِ فَقالُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ لا عَلى مَعْنى أنَّهم أمَرُوهُ بِذَلِكَ لَكِنْ أظْهَرُوا أنَّ ذَلِكَ الوَعِيدَ لا يُزِيلُهُمُ البَتَّةَ عَنْ إيمانِهِمْ وعَمّا عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا، ثُمَّ بَيَّنُوا ما لِأجْلِهِ يَسْهُلُ عَلَيْهِمِ احْتِمالُ ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وقُرِئَ: ”تُقْضى هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا“ ووَجْهُها أنَّ الحَياةَ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مُنْتَصِبَةٌ عَلى الظَّرْفِ فاتُّسِعَ في الظَّرْفِ بِإجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِكَ: في صُمْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ صِيمَ، والمَعْنى أنَّ قَضاءَكَ وحُكْمَكَ إنَّما يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا وهي كَيْفَ كانَتْ فانِيَةً وإنَّما مَطْلَبُنا سَعادَةُ الآخِرَةِ وهي باقِيَةٌ، والعَقْلُ يَقْتَضِي تَحَمُّلَ الضَّرَرِ الفانِي المُتَوَصَّلِ بِهِ إلى السَّعادَةِ الباقِيَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ ولَمّا كانَ أقْرَبُ خَطاياهم عَهْدًا ما أظْهَرُوهُ مِنَ السِّحْرِ، قالُوا: ﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ وذَكَرُوا في ذَلِكَ الإكْراهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُلُوكَ في ذَلِكَ الزَّمانِ كانُوا يَأْخُذُونَ البَعْضَ مِن رَعِيَّتِهِمْ ويُكَلِّفُونَهم تَعَلُّمَ السِّحْرِ فَإذا شاخَ بَعَثُوا إلَيْهِ أحْداثًا لِيُعَلِّمَهم لِيَكُونَ في كُلِّ وقْتٍ مَن يُحْسِنُهُ فَقالُوا هَذا القَوْلَ لِأجْلِ ذَلِكَ أيْ كُنّا في التَّعَلُّمِ أوَّلًا والتَّعْلِيمِ ثانِيًا مُكْرَهِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وثانِيها: أنَّ رُؤَساءَ السَّحَرَةِ كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ، اثْنانِ مِنَ القِبْطِ، والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا فَرَأوْهُ فَوَجَدُوهُ تَحْرُسُهُ عَصاهُ فَقالُوا: ما هَذا بِساحِرٍ، السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: إنَّ السَّحَرَةَ حُشِرُوا مِنَ المَدائِنِ لِيُعارِضُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُحْضِرُوا بِالحَشْرِ وكانُوا مُكْرَهِينَ في الحُضُورِ ورُبَّما كانُوا مُكْرَهِينَ أيْضًا في إظْهارِ السِّحْرِ.
ورابِعُها: قالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: دَعْوَةُ السُّلْطانِ إكْراهٌ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ دَعْوَةَ السُّلْطانِ إذا لَمْ يَكُنْ
صفحة ٧٨
مَعَها خَوْفٌ لَمْ تَكُنْ إكْراهًا، ثُمَّ قالُوا: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾ ثَوابًا لِمَن أطاعَهُ. ﴿وأبْقى﴾ عِقابًا لِمَن عَصاهُ، وهَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ . قالَ الحَسَنُ: سُبْحانَ اللَّهِ القَوْمُ كُفّارٌ وهم أشَدُّ الكافِرِينَ كُفْرًا ثَبَتَ في قُلُوبِهِمِ الإيمانُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ فَلَمْ يَتَعاظَمْ عِنْدَهم أنْ قالُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهِ إنَّ أحَدَكُمُ اليَوْمَ لَيَصْحَبُ القُرْآنَ سِتِّينَ عامًا ثُمَّ إنَّهُ يَبِيعُ دِينَهُ بِثَمَنٍ حَقِيرٍ، ثُمَّ خَتَمُوا هَذا الكَلامَ بِشَرْحِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ المُجْرِمِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، فَقالُوا في المُجْرِمِينَ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يَعْنِي أنَّ الأمْرَ والشَّأْنَ كَذا وكَذا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في القَطْعِ عَلى وعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ قالُوا: صاحِبُ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ وكُلُّ مُجْرِمٍ فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ وكَلِمَةُ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تُفِيدُ العُمُومَ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَجُوزُ اسْتِثْناءُ كُلِّ واحِدٍ مِنها والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، واعْتَرَضَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ مِن أصْحابِنا عَلى هَذا الكَلامِ، فَقالَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المُجْرِمَ في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ والمُؤْمِنُ صاحِبُ الكَبِيرَةِ وإنْ عُذِّبَ بِالنّارِ لا يَكُونُ بِهَذا الوَصْفِ، وفي الخَبَرِ الصَّحِيحِ: ”«يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ» “ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الِاعْتِراضاتِ ضَعِيفَةٌ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المُجْرِمَ في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِ فَهَذا مُسَلَّمٌ لَكِنَّ هَذا إنَّما يَنْفَعُ لَوْ ثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَهَذا المُعْتَرِضُ كَأنَّهُ بَنى هَذا الِاعْتِراضَ عَلى مَذْهَبِ نَفْسِهِ وذَلِكَ ساقِطٌ، قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّهُ لا يَلِيقُ بِصاحِبِ الكَبِيرَةِ أنْ يُقالَ في حَقِّهِ: إنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيى، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ فَإنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ في غايَةِ الشِّدَّةِ قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وأمّا الحَدِيثُ فَيُقالُ: ”القُرْآنُ مُتَواتِرٌ فَلا يُعارِضُهُ خَبَرُ الواحِدِ“ . ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ ولِلْخَصْمِ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولُ: ذَلِكَ يُفِيدُ الظَّنَّ فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ في العَمَلِيّاتِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ مِنَ العَمَلِيّاتِ بَلْ مِنَ الِاعْتِقاداتِ، فَلا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْها هَهُنا. فَإنِ اعْتَرَضَ إنْسانٌ آخَرُ، وقالَ: أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَشْرُوطَةٌ بِنَفْيِ التَّوْبَةِ وبِأنْ لا يَكُونَ عِقابُهُ مُحْبَطًا بِثَوابِ طاعَتِهِ، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ هو أنْ لا يُوجَدَ ما يُحْبِطُ ذَلِكَ العِقابَ ولَكِنْ عِنْدَنا العَفْوُ مُحْبِطٌ لِلْعِقابِ، وعِنْدَنا أنَّ المُجْرِمَ الَّذِي لا يُوجَدُ في حَقِّهِ العَفْوُ لا بُدَّ وأنْ يَدْخُلَ جَهَنَّمَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ أيْضًا ضَعِيفٌ أمّا شَرْطُ نَفْيِ التَّوْبَةِ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ مُجْرِمًا والتّائِبُ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أتى رَبَّهُ حالَ كَوْنِهِ مُجْرِمًا. وأمّا صاحِبُ الصَّغِيرَةِ فَلِأنَّهُ لا يُسَمّى مُجْرِمًا لِأنَّ المُجْرِمَ اسْمٌ لِلذَّمِّ فَلا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى صاحِبِ الصَّغِيرَةِ، بَلِ الِاعْتِراضُ الصَّحِيحُ أنْ نَقُولَ: عُمُومُ هَذا الوَعِيدِ مُعارَضٌ بِما جاءَ بَعْدَهُ مِن عُمُومِ الوَعْدِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ وكَلامُنا فِيمَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ ثُمَّ أتى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَعْضِ الكَبائِرِ. فَإنْ قِيلَ: عِقابُ المَعْصِيَةِ يُحْبِطُ ثَوابَ الطّاعَةِ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ثَوابُ الإيمانِ يَدْفَعُ عِقابَ المَعْصِيَةِ فَإنْ قالُوا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَعْنُهُ وإقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ. قُلْنا: أمّا
صفحة ٧٩
اللَّعْنُ لِلْغَيْرِ جائِزٌ عِنْدَنا، وأمّا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ فَقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ المِحْنَةِ كَما في حَقِّ التّائِبِ، وقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] فاللَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إقامَةُ الحَدِّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، وإذا لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ الثَّوابُ كَما قُلْنا. فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ أوْلى بِإزالَةِ ثَوابِ الطّاعَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الطّاعاتِ بِدَفْعِ عِقابِ الكَبِيرَةِ الطّارِئَةِ. هَذا مُنْتَهى كَلامِهِمْ في مَسْألَةِ الوَعِيدِ قُلْنا حاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ صارَ مُعارِضًا لِلنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، فَلِمَ كانَ تَرْجِيحُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ أوْلى مِنَ العَكْسِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ كانَ يَنْقَسِمُ إلى السّارِقِ وغَيْرِ السّارِقِ، فالسّارِقُ يَنْقَسِمُ إلى المُؤْمِنِ وإلى غَيْرِ المُؤْمِنِ فَلَمْ يَكُنْ لِأحَدِهِما مَزِيَّةٌ عَلى الآخَرِ في العُمُومِ والخُصُوصِ، فَإذا تَعارَضا تَساقَطا. ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في إفادَةِ العُمُومِ قَطْعِيَّةٌ بَلْ ظَنِّيَّةٌ، ومَسْألَتُنا قَطْعِيَّةٌ؛ فَلا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلى ما ذَكَرْتُهُ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَتِ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ فَقالُوا: الجِسْمُ إنَّما يَأْتِي رَبَّهُ لَوْ كانَ الرَّبُّ في المَكانِ. وجَوابُهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ إتْيانَهم مَوْضِعَ الوَعْدِ إتْيانًا إلى اللَّهِ مَجازًا كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الجِسْمُ الحَيُّ لا بُدَّ وأنْ يَبْقى إمّا حَيًّا أوْ يَصِيرُ مَيِّتًا فَخُلُوُّهُ عَنِ الوَصْفَيْنِ مُحالٌ، فَمَعْناهُ في الآيَةِ أنَّهُ يَكُونُ في جَهَنَّمَ بِأسْوَأِ حالٍ لا يَمُوتُ مَوْتَةً مُرِيحَةً ولا يَحْيا حَياةً مُمْتِعَةً. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ آتِيًا بِكُلِّ الصّالِحاتِ. وذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ولا مُمْكِنٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أداءِ الواجِباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُ الدَّرَجاتُ العُلى، ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى حُصُولِ العَفْوِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدَّرَجاتِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ لِمَن أتى رَبَّهُ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَسائِرُ الدَّرَجاتِ الَّتِي هي غَيْرُ عالِيَةٍ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِمْ. ما هم إلّا العُصاةُ مِن أهْلِ الإيمانِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأقُولُ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدَّرَجاتِ العالِيَةَ هي جَزاءُ مَن تَزَكّى أيْ تَطَهَّرَ عَنِ الذُّنُوبِ وجَبَ بِحُكْمِ ذَلِكَ الخِطابِ أنَّ الدَّرَجاتِ الَّتِي لا تَكُونُ عالِيَةً أنْ لا تَكُونَ جَزاءَ مَن تَزَكّى فَهي لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَكُونُ قَدْ أتى بِالمَعاصِي وعَفا اللَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَنْهم، واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ أنَّ فِرْعَوْنَ فَعَلَ بِأُولَئِكَ القَوْمِ المُؤْمِنِينَ ما أوْعَدَهم بِهِ، ولَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ في الأخْبارِ.
طه 20:76
صفحة ٧٧
قوله تعالى: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى تَهْدِيدَ فِرْعَوْنَ لِأُولَئِكَ حَكى جَوابَهم عَنْ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى حُصُولِ اليَقِينِ التّامِّ والبَصِيرَةِ الكامِلَةِ لَهم في أُصُولِ الدِّينِ، فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ طَلَبَ مِنهُمُ الرُّجُوعَ عَنِ الإيمانِ وإلّا فَعَلَ بِهِمْ ما أوْعَدَهم فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جَوابًا لِما قالَهُ وبَيَّنُوا العِلَّةَ وهي أنَّ الَّذِي جاءَهم بَيِّناتٌ وأدِلَّةٌ، والَّذِي يَذْكُرُهُ فِرْعَوْنُ مَحْضُ الدُّنْيا، ومَنافِعُ الدُّنْيا ومَضارُّها لا تُعارِضُ مَنافِعَ الآخِرَةِ ومَضارَّها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ لَنْ نُؤْثِرَكَ يا فِرْعَوْنُ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا أيْ وعَلى طاعَةِ الَّذِي فَطَرَنا وعَلى عِبادَتِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا عَلى القَسَمِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهم مَتى أصَرُّوا عَلى الإيمانِ فَعَلَ فِرْعَوْنُ ما أوْعَدَهم بِهِ فَقالُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ لا عَلى مَعْنى أنَّهم أمَرُوهُ بِذَلِكَ لَكِنْ أظْهَرُوا أنَّ ذَلِكَ الوَعِيدَ لا يُزِيلُهُمُ البَتَّةَ عَنْ إيمانِهِمْ وعَمّا عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا، ثُمَّ بَيَّنُوا ما لِأجْلِهِ يَسْهُلُ عَلَيْهِمِ احْتِمالُ ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وقُرِئَ: ”تُقْضى هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا“ ووَجْهُها أنَّ الحَياةَ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مُنْتَصِبَةٌ عَلى الظَّرْفِ فاتُّسِعَ في الظَّرْفِ بِإجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِكَ: في صُمْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ صِيمَ، والمَعْنى أنَّ قَضاءَكَ وحُكْمَكَ إنَّما يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا وهي كَيْفَ كانَتْ فانِيَةً وإنَّما مَطْلَبُنا سَعادَةُ الآخِرَةِ وهي باقِيَةٌ، والعَقْلُ يَقْتَضِي تَحَمُّلَ الضَّرَرِ الفانِي المُتَوَصَّلِ بِهِ إلى السَّعادَةِ الباقِيَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ ولَمّا كانَ أقْرَبُ خَطاياهم عَهْدًا ما أظْهَرُوهُ مِنَ السِّحْرِ، قالُوا: ﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ وذَكَرُوا في ذَلِكَ الإكْراهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُلُوكَ في ذَلِكَ الزَّمانِ كانُوا يَأْخُذُونَ البَعْضَ مِن رَعِيَّتِهِمْ ويُكَلِّفُونَهم تَعَلُّمَ السِّحْرِ فَإذا شاخَ بَعَثُوا إلَيْهِ أحْداثًا لِيُعَلِّمَهم لِيَكُونَ في كُلِّ وقْتٍ مَن يُحْسِنُهُ فَقالُوا هَذا القَوْلَ لِأجْلِ ذَلِكَ أيْ كُنّا في التَّعَلُّمِ أوَّلًا والتَّعْلِيمِ ثانِيًا مُكْرَهِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وثانِيها: أنَّ رُؤَساءَ السَّحَرَةِ كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ، اثْنانِ مِنَ القِبْطِ، والباقِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا فَرَأوْهُ فَوَجَدُوهُ تَحْرُسُهُ عَصاهُ فَقالُوا: ما هَذا بِساحِرٍ، السّاحِرُ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: إنَّ السَّحَرَةَ حُشِرُوا مِنَ المَدائِنِ لِيُعارِضُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُحْضِرُوا بِالحَشْرِ وكانُوا مُكْرَهِينَ في الحُضُورِ ورُبَّما كانُوا مُكْرَهِينَ أيْضًا في إظْهارِ السِّحْرِ.
ورابِعُها: قالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: دَعْوَةُ السُّلْطانِ إكْراهٌ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ دَعْوَةَ السُّلْطانِ إذا لَمْ يَكُنْ
صفحة ٧٨
مَعَها خَوْفٌ لَمْ تَكُنْ إكْراهًا، ثُمَّ قالُوا: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ﴾ ثَوابًا لِمَن أطاعَهُ. ﴿وأبْقى﴾ عِقابًا لِمَن عَصاهُ، وهَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ . قالَ الحَسَنُ: سُبْحانَ اللَّهِ القَوْمُ كُفّارٌ وهم أشَدُّ الكافِرِينَ كُفْرًا ثَبَتَ في قُلُوبِهِمِ الإيمانُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ فَلَمْ يَتَعاظَمْ عِنْدَهم أنْ قالُوا: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهِ إنَّ أحَدَكُمُ اليَوْمَ لَيَصْحَبُ القُرْآنَ سِتِّينَ عامًا ثُمَّ إنَّهُ يَبِيعُ دِينَهُ بِثَمَنٍ حَقِيرٍ، ثُمَّ خَتَمُوا هَذا الكَلامَ بِشَرْحِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأحْوالِ المُجْرِمِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، فَقالُوا في المُجْرِمِينَ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يَعْنِي أنَّ الأمْرَ والشَّأْنَ كَذا وكَذا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في القَطْعِ عَلى وعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ قالُوا: صاحِبُ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ وكُلُّ مُجْرِمٍ فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ وكَلِمَةُ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تُفِيدُ العُمُومَ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَجُوزُ اسْتِثْناءُ كُلِّ واحِدٍ مِنها والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، واعْتَرَضَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ مِن أصْحابِنا عَلى هَذا الكَلامِ، فَقالَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُجْرِمٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المُجْرِمَ في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] وأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ والمُؤْمِنُ صاحِبُ الكَبِيرَةِ وإنْ عُذِّبَ بِالنّارِ لا يَكُونُ بِهَذا الوَصْفِ، وفي الخَبَرِ الصَّحِيحِ: ”«يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ» “ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الِاعْتِراضاتِ ضَعِيفَةٌ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المُجْرِمَ في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِ فَهَذا مُسَلَّمٌ لَكِنَّ هَذا إنَّما يَنْفَعُ لَوْ ثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَهَذا المُعْتَرِضُ كَأنَّهُ بَنى هَذا الِاعْتِراضَ عَلى مَذْهَبِ نَفْسِهِ وذَلِكَ ساقِطٌ، قَوْلُهُ ثانِيًا: إنَّهُ لا يَلِيقُ بِصاحِبِ الكَبِيرَةِ أنْ يُقالَ في حَقِّهِ: إنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيى، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ فَإنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ في غايَةِ الشِّدَّةِ قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وأمّا الحَدِيثُ فَيُقالُ: ”القُرْآنُ مُتَواتِرٌ فَلا يُعارِضُهُ خَبَرُ الواحِدِ“ . ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ ولِلْخَصْمِ أنْ يُجِيبَ فَيَقُولُ: ذَلِكَ يُفِيدُ الظَّنَّ فَيَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ في العَمَلِيّاتِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ مِنَ العَمَلِيّاتِ بَلْ مِنَ الِاعْتِقاداتِ، فَلا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْها هَهُنا. فَإنِ اعْتَرَضَ إنْسانٌ آخَرُ، وقالَ: أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَشْرُوطَةٌ بِنَفْيِ التَّوْبَةِ وبِأنْ لا يَكُونَ عِقابُهُ مُحْبَطًا بِثَوابِ طاعَتِهِ، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ هو أنْ لا يُوجَدَ ما يُحْبِطُ ذَلِكَ العِقابَ ولَكِنْ عِنْدَنا العَفْوُ مُحْبِطٌ لِلْعِقابِ، وعِنْدَنا أنَّ المُجْرِمَ الَّذِي لا يُوجَدُ في حَقِّهِ العَفْوُ لا بُدَّ وأنْ يَدْخُلَ جَهَنَّمَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ أيْضًا ضَعِيفٌ أمّا شَرْطُ نَفْيِ التَّوْبَةِ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ مُجْرِمًا والتّائِبُ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ أتى رَبَّهُ حالَ كَوْنِهِ مُجْرِمًا. وأمّا صاحِبُ الصَّغِيرَةِ فَلِأنَّهُ لا يُسَمّى مُجْرِمًا لِأنَّ المُجْرِمَ اسْمٌ لِلذَّمِّ فَلا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى صاحِبِ الصَّغِيرَةِ، بَلِ الِاعْتِراضُ الصَّحِيحُ أنْ نَقُولَ: عُمُومُ هَذا الوَعِيدِ مُعارَضٌ بِما جاءَ بَعْدَهُ مِن عُمُومِ الوَعْدِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ وكَلامُنا فِيمَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ ثُمَّ أتى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَعْضِ الكَبائِرِ. فَإنْ قِيلَ: عِقابُ المَعْصِيَةِ يُحْبِطُ ثَوابَ الطّاعَةِ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ثَوابُ الإيمانِ يَدْفَعُ عِقابَ المَعْصِيَةِ فَإنْ قالُوا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ لَعْنُهُ وإقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ. قُلْنا: أمّا
صفحة ٧٩
اللَّعْنُ لِلْغَيْرِ جائِزٌ عِنْدَنا، وأمّا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ فَقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ المِحْنَةِ كَما في حَقِّ التّائِبِ، وقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] فاللَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إقامَةُ الحَدِّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، وإذا لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ الثَّوابُ كَما قُلْنا. فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ أوْلى بِإزالَةِ ثَوابِ الطّاعَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الطّاعاتِ بِدَفْعِ عِقابِ الكَبِيرَةِ الطّارِئَةِ. هَذا مُنْتَهى كَلامِهِمْ في مَسْألَةِ الوَعِيدِ قُلْنا حاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ صارَ مُعارِضًا لِلنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، فَلِمَ كانَ تَرْجِيحُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ أوْلى مِنَ العَكْسِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ كانَ يَنْقَسِمُ إلى السّارِقِ وغَيْرِ السّارِقِ، فالسّارِقُ يَنْقَسِمُ إلى المُؤْمِنِ وإلى غَيْرِ المُؤْمِنِ فَلَمْ يَكُنْ لِأحَدِهِما مَزِيَّةٌ عَلى الآخَرِ في العُمُومِ والخُصُوصِ، فَإذا تَعارَضا تَساقَطا. ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في إفادَةِ العُمُومِ قَطْعِيَّةٌ بَلْ ظَنِّيَّةٌ، ومَسْألَتُنا قَطْعِيَّةٌ؛ فَلا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلى ما ذَكَرْتُهُ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَتِ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ فَقالُوا: الجِسْمُ إنَّما يَأْتِي رَبَّهُ لَوْ كانَ الرَّبُّ في المَكانِ. وجَوابُهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ إتْيانَهم مَوْضِعَ الوَعْدِ إتْيانًا إلى اللَّهِ مَجازًا كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الجِسْمُ الحَيُّ لا بُدَّ وأنْ يَبْقى إمّا حَيًّا أوْ يَصِيرُ مَيِّتًا فَخُلُوُّهُ عَنِ الوَصْفَيْنِ مُحالٌ، فَمَعْناهُ في الآيَةِ أنَّهُ يَكُونُ في جَهَنَّمَ بِأسْوَأِ حالٍ لا يَمُوتُ مَوْتَةً مُرِيحَةً ولا يَحْيا حَياةً مُمْتِعَةً. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ آتِيًا بِكُلِّ الصّالِحاتِ. وذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ولا مُمْكِنٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أداءِ الواجِباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُ الدَّرَجاتُ العُلى، ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى حُصُولِ العَفْوِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدَّرَجاتِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ لِمَن أتى رَبَّهُ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَسائِرُ الدَّرَجاتِ الَّتِي هي غَيْرُ عالِيَةٍ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِمْ. ما هم إلّا العُصاةُ مِن أهْلِ الإيمانِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأقُولُ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدَّرَجاتِ العالِيَةَ هي جَزاءُ مَن تَزَكّى أيْ تَطَهَّرَ عَنِ الذُّنُوبِ وجَبَ بِحُكْمِ ذَلِكَ الخِطابِ أنَّ الدَّرَجاتِ الَّتِي لا تَكُونُ عالِيَةً أنْ لا تَكُونَ جَزاءَ مَن تَزَكّى فَهي لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَكُونُ قَدْ أتى بِالمَعاصِي وعَفا اللَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَنْهم، واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ أنَّ فِرْعَوْنَ فَعَلَ بِأُولَئِكَ القَوْمِ المُؤْمِنِينَ ما أوْعَدَهم بِهِ، ولَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ في الأخْبارِ.
طه 20:77
صفحة ٨٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ .
واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تِلْكَ الحالَةِ كَثُرَ مُسْتَجِيبُوهُ. فَأرادَ اللَّهُ تَعالى تَمْيِيزَهم مِن طائِفَةِ فِرْعَوْنَ وخَلاصَهم فَأوْحى إلَيْهِ أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا، والسُّرى اسْمٌ لِسَيْرِ اللَّيْلِ والإسْراءُ مِثْلُهُ، فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا، قُلْنا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ اجْتِماعُهم لا بِمَشْهَدٍ مِنَ العَدُوِّ فَلا يَمْنَعُهم عَنِ اسْتِكْمالِ مُرادِهِمْ في ذَلِكَ.
وثانِيها: لِيَكُونَ عائِقًا عَنْ طَلَبِ فِرْعَوْنَ ومُتَّبِعِيهِ.
وثالِثُها: لِيَكُونَ إذا تَقارَبَ العَسْكَرانِ لا يَرى عَسْكَرُ مُوسى عَسْكَرَ فِرْعَوْنَ فَلا يَهابُوهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أيْ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبِنَ عَمِلَهُ.
والثّانِي: بَيِّنْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ بِالضَّرْبِ بِالعَصا وهو أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِالعَصا حَتّى يَنْفَلِقَ، فَعَدّى الضَّرْبَ إلى الطَّرِيقِ. والحاصِلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِضَرْبِ الطَّرِيقِ جَعْلُ الطَّرِيقِ بِالضَّرْبِ يَبَسًا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ جَمِيعَ أسْبابِ الأمْنِ كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الطَّرِيقِ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَبَسًا، قُرِئَ ”يابِسًا ويَبْسًا“ بِفَتْحِ الياءِ وتَسْكِينِ الباءِ فَمَن قالَ: يابِسًا جَعَلَهُ بِمَعْنى الطَّرِيقِ، ومَن قالَ يَبَسًا بِتَحْرِيكِ الباءِ فاليَبَسُ واليابِسُ شَيْءٌ واحِدٌ، والمَعْنى طَرِيقًا أيْبَسَ. ومَن قالَ: يَبْسًا بِتَسْكِينِ الباءِ فَهو مُخَفَّفٌ عَنِ اليَبْسِ، والمُرادُ أنَّهُ ما كانَ فِيهِ وحَلٌ ولا نَداوَةٌ فَضْلًا عَنِ الماءِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ أيْ لا تَخافُ أنْ يُدْرِكَكَ فِرْعَوْنُ فَإنِّي أحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ بِالتَّأْخِيرِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: قَوْلُهُ: ﴿تَخافُ﴾ رَفَعَهُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ غَيْرُ خائِفٍ ولا خاشٍ.
والثّانِي: عَلى الِابْتِداءِ أيْ أنْتَ لا تَخافُ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَخافُ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨] أيْ لا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ لا تَخَفْ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ نَهْيٌ.
والثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَهُ جَوابَ الشَّرْطِ عَلى مَعْنى إنْ تَضْرِبْ لا تَخَفْ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَخْشى﴾ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: أنْ يَسْتَأْنِفَ كَأنَّهُ قِيلَ وأنْتَ لا تَخْشى أيْ ومِن شَأْنِكَ أنَّكَ آمِنٌ لا تَخْشى.
وثانِيها: أنْ لا تَكُونَ الألِفُ هي الألِفَ المُنْقَلِبَةَ عَنِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ ولَكِنْ زائِدَةٌ لِلْإطْلاقِ مِن أجْلِ الفاصِلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ:
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ كَأنْ لَمْ تَرَيْ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيا
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَخْشى﴾ والمَعْنى أنَّكَ لا تَخافُ إدْراكَ فِرْعَوْنَ ولا تَخْشى الغَرَقَ بِالماءِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: زَعَمَ رُواةُ اللُّغَةِ أنَّ ”أتْبَعَهم وتَبِعَهم“ واحِدٌ، وذَلِكَ جائِزٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً والمَعْنى: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ جُنُودَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] وقالَ الزَّجّاجُ: قُرِئَ: ”فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ
صفحة ٨١
وجُنُودُهُ“ أيْ ومَعَهُ جُنُودُهُ وقُرِئَ: بِجُنُودِهِ، ومَعْناهُ ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَعَهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ فالمَعْنى: عَلاهم وسَتَرَهم، وما غَشِيَهم تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ أيْ غَشِيَهم ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وقُرِئَ: [ فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهم ] وفاعِلُ غَشّاهم إمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ ما غَشِيَهم أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ في هَلاكِهِمْ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ فاحْتَجَّ القاضِي بِهِ، وقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما جازَ أنْ يُقالَ: وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ، بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ تَعالى أضَلَّهم، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هو غَيْرَ فاعِلٍ لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا لاسْتَحَقَّ ذَلِكَ الذَّمَّ، وقَوْلُهُ: ﴿وما هَدى﴾ تَهَكَّمَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ وما فِيها مِنَ المَباحِثِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى أنْ يَقْطَعَ بِقَوْمِهِ البَحْرَ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنُو إسْرائِيلَ اسْتَعارُوا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الحُلِيَّ والدَّوابَّ لِعِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلًا وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وثَلاثَةُ آلافٍ ونَيِّفٌ لَيْسَ فِيهِمُ ابْنُ سِتِّينَ ولا عِشْرِينَ وقَدْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَهِدَ إلَيْهِمْ عِنْدَ مَوْتِهِ أنْ يَخْرُجُوا بِعِظامِهِ مَعَهم مِن مِصْرَ فَلَمْ يَخْرُجُوا بِها فَتَحَيَّرَ القَوْمُ حَتّى دَلَّتْهم عَجُوزٌ عَلى مَوْضِعِ العِظامِ فَأخَذُوها، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْعَجُوزِ: احْتَكِمِي فَقالَتْ: أكُونُ مَعَكَ في الجَنَّةِ.
وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وأبا بَكْرٍ هَجَمُوا عَلى رَجُلٍ مِنَ العَرَبِ وامْرَأةٍ لَيْسَ لَهم إلّا عَنْزٌ فَذَبَحُوها لَهُما فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا سَمِعْتَ بِرَجُلٍ قَدْ ظَهَرَ بِيَثْرِبَ فَأْتِهِ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُكَ مِنهُ خَيْرًا، فَلَمّا سَمِعَ بِظُهُورِ الرَّسُولِ ﷺ أتاهُ مَعَ امْرَأتِهِ فَقالَ: أتَعْرِفُنِي ؟ قالَ: نَعَمْ عَرَفْتُكَ فَقالَ لَهُ: احْتَكِمْ، فَقالَ: ثَمانُونَ ضانِيَةً فَأعْطاهُ إيّاها وقالَ لَهُ: ”أما إنَّ عَجُوزَ بَنِي إسْرائِيلَ خَيْرٌ مِنكَ“» وخَرَجَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى مُقَدِّمَتِهِ ألْفُ ألْفٍ وخَمْسُمِائَةِ ألْفٍ سِوى الجَنْبَيْنِ والقَلْبِ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ: هَهُنا أُمِرْتُ ثُمَّ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْبَحْرِ: انْفَرِقْ فَأبى، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ فَقالَ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْخُلُوا فِيهِ فَقالُوا: كَيْفَ وأرْضُهُ رَطْبَةٌ فَدَعا اللَّهَ فَهَبَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّتْ فَقالُوا: نَخافُ الغَرَقَ في بَعْضِنا فَجَعَلَ بَيْنَهم كُوًى حَتّى يَرى بَعْضُهم بَعْضًا ثُمَّ دَخَلُوا حَتّى جاوَزُوا البَحْرَ فَأقْبَلَ فِرْعَوْنُ إلى تِلْكَ الطُّرُقِ فَقالَ قَوْمُهُ لَهُ: إنَّ مُوسى قَدْ سَحَرَ البَحْرَ فَصارَ كَما تَرى وكانَ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ وأقْبَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى في ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ مِنَ المَلائِكَةِ فَصارَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ وأبْصَرَ الحِصانُ الفَرَسُ الحِجْرَ فاقْتَحَمَ بِفِرْعَوْنَ عَلى أثَرِها وصاحَتِ المَلائِكَةُ في النّاسِ الحَقُوا المَلِكَ حَتّى إذا دَخَلَ آخِرُهم وكادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا فَسَمِعَ بَنُو إسْرائِيلَ خَفْقَةَ البَحْرِ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما هَذا يا مُوسى ؟ قالَ: قَدْ أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَرَجَعُوا لِيَنْظُرُوا إلَيْهِمْ فَقالُوا: يا مُوسى ادْعُ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَهم لَنا حَتّى نَنْظُرَ إلَيْهِمْ، فَدَعا فَلَفَظَهُمُ البَحْرُ إلى السّاحِلِ وأصابُوا مِن سِلاحِهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا مُحَمَّدُ لَوْ رَأيْتَنِي وأنا أدُسُّ فِرْعَوْنَ في الماءِ والطِّينِ مَخافَةَ أنْ يَتُوبَ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ وفي القِصَّةِ أبْحاثٌ.
البَحْثُ الأوَّلُ: رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ضَرَبَ بِعَصاهُ البَحْرَ حَصَلَ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا يابِسًا يَتَهَيَّأُ طُرُوقُهُ وبَقِيَ الماءُ قائِمًا بَيْنَ الطَّرِيقِ والطَّرِيقِ كالطَّوْدِ العَظِيمِ وهو الجَبَلُ. فَأخَذَ كُلُّ سِبْطٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في طَرِيقٍ مِن هَذِهِ الطُّرُقِ. ومِنهم مَن قالَ: بَلْ حَصَلَ طَرِيقٌ واحِدٌ، وحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ الأخْبارُ ومِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَصَلَ هُناكَ طُرُقٌ
صفحة ٨٢
حَتّى يَكُونَ الماءُ القائِمُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ كالطَّوْدِ العَظِيمِ وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ وذَلِكَ يَتَناوَلُ الطَّرِيقَ الواحِدَ وإنْ أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى الطُّرُقِ نَظَرًا إلى الجِنْسِ.
البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ أنْ أظْهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُمُ الطَّرِيقَ وبَيَّنَها لَهم تَعَنَّتُوا وقالُوا: نُرِيدُ أنْ يَرى بَعْضُنا بَعْضًا وهَذا كالبَعِيدِ وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ لَمّا أبْصَرُوا مَجِيءَ فِرْعَوْنَ صارُوا في نِهايَةِ الخَوْفِ والخائِفُ إذا وجَدَ طَرِيقَ الفِرارِ والخَلاصِ كَيْفَ يَتَفَرَّغُ لِلتَّعَنُّتِ البارِدِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عاقِلًا بَلْ كانَ في نِهايَةِ الدَّهاءِ فَكَيْفَ اخْتارَ إلْقاءَ نَفْسِهِ إلى التَّهْلُكَةِ فَإنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ أنَّ انْفِلاقَ البَحْرِ لَيْسَ بِأمْرِهِ فَعِنْدَ هَذا ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى الرَّمَكَةِ فَتَبِعَهُ فَرَسُ فِرْعَوْنَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنَّ يَكُونَ خَوْضُ المَلِكِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ مُقَدَّمًا عَلى خَوْضِ جَمِيعِ العَسْكَرِ وما ذَكَرُوهُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَلَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالُوهُ لَكانَ فِرْعَوْنُ في ذَلِكَ الدُّخُولِ كالمَجْبُورِ وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُهُ خَوْفًا ويَحْمِلُهُ عَلى الإمْساكِ في أنْ لا يَدْخُلَ وأيْضًا فَأيُّ حاجَةٍ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الحِيلَةِ وقَدْ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْخُذَهُ مَعَ قَوْمِهِ ويَرْمِيَهُ في الماءِ ابْتِداءً، بَلِ الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ أمَرَ مُقَدِّمَةَ عَسْكَرِهِ بِالدُّخُولِ فَدَخَلُوا وما غَرِقُوا فَغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ السَّلامَةُ فَلَمّا دَخَلَ الكُلُّ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّ الَّذِي نَقَلَ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَدُسُّهُ في الماءِ والطِّينِ خَوْفًا مِن أنْ يُؤْمِنَ فَبَعِيدٌ لِأنَّ المَنعَ مِنَ الإيمانِ لا يَلِيقُ بِالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
البَحْثُ الخامِسُ: الَّذِي رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ البَحْرَ قالَ لَهُ: انْفَلِقْ لِي لِأعْبُرَ عَلَيْكَ، فَقالَ البَحْرُ: لا يَمُرُّ عَلَيَّ رَجُلٌ عاصٍ. فَهو غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى أُصُولِنا لِأنَّ عِنْدَنا البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ ذَلِكَ عَلى لِسانِ الحالِ لا عَلى لِسانِ المَقالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
طه 20:78
صفحة ٨٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ .
واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تِلْكَ الحالَةِ كَثُرَ مُسْتَجِيبُوهُ. فَأرادَ اللَّهُ تَعالى تَمْيِيزَهم مِن طائِفَةِ فِرْعَوْنَ وخَلاصَهم فَأوْحى إلَيْهِ أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا، والسُّرى اسْمٌ لِسَيْرِ اللَّيْلِ والإسْراءُ مِثْلُهُ، فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا، قُلْنا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ اجْتِماعُهم لا بِمَشْهَدٍ مِنَ العَدُوِّ فَلا يَمْنَعُهم عَنِ اسْتِكْمالِ مُرادِهِمْ في ذَلِكَ.
وثانِيها: لِيَكُونَ عائِقًا عَنْ طَلَبِ فِرْعَوْنَ ومُتَّبِعِيهِ.
وثالِثُها: لِيَكُونَ إذا تَقارَبَ العَسْكَرانِ لا يَرى عَسْكَرُ مُوسى عَسْكَرَ فِرْعَوْنَ فَلا يَهابُوهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أيْ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبِنَ عَمِلَهُ.
والثّانِي: بَيِّنْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ بِالضَّرْبِ بِالعَصا وهو أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِالعَصا حَتّى يَنْفَلِقَ، فَعَدّى الضَّرْبَ إلى الطَّرِيقِ. والحاصِلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِضَرْبِ الطَّرِيقِ جَعْلُ الطَّرِيقِ بِالضَّرْبِ يَبَسًا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ جَمِيعَ أسْبابِ الأمْنِ كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الطَّرِيقِ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَبَسًا، قُرِئَ ”يابِسًا ويَبْسًا“ بِفَتْحِ الياءِ وتَسْكِينِ الباءِ فَمَن قالَ: يابِسًا جَعَلَهُ بِمَعْنى الطَّرِيقِ، ومَن قالَ يَبَسًا بِتَحْرِيكِ الباءِ فاليَبَسُ واليابِسُ شَيْءٌ واحِدٌ، والمَعْنى طَرِيقًا أيْبَسَ. ومَن قالَ: يَبْسًا بِتَسْكِينِ الباءِ فَهو مُخَفَّفٌ عَنِ اليَبْسِ، والمُرادُ أنَّهُ ما كانَ فِيهِ وحَلٌ ولا نَداوَةٌ فَضْلًا عَنِ الماءِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ أيْ لا تَخافُ أنْ يُدْرِكَكَ فِرْعَوْنُ فَإنِّي أحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ بِالتَّأْخِيرِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: قَوْلُهُ: ﴿تَخافُ﴾ رَفَعَهُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ غَيْرُ خائِفٍ ولا خاشٍ.
والثّانِي: عَلى الِابْتِداءِ أيْ أنْتَ لا تَخافُ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَخافُ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨] أيْ لا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ لا تَخَفْ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ نَهْيٌ.
والثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَهُ جَوابَ الشَّرْطِ عَلى مَعْنى إنْ تَضْرِبْ لا تَخَفْ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَخْشى﴾ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: أنْ يَسْتَأْنِفَ كَأنَّهُ قِيلَ وأنْتَ لا تَخْشى أيْ ومِن شَأْنِكَ أنَّكَ آمِنٌ لا تَخْشى.
وثانِيها: أنْ لا تَكُونَ الألِفُ هي الألِفَ المُنْقَلِبَةَ عَنِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ ولَكِنْ زائِدَةٌ لِلْإطْلاقِ مِن أجْلِ الفاصِلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ:
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ كَأنْ لَمْ تَرَيْ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيا
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَخْشى﴾ والمَعْنى أنَّكَ لا تَخافُ إدْراكَ فِرْعَوْنَ ولا تَخْشى الغَرَقَ بِالماءِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: زَعَمَ رُواةُ اللُّغَةِ أنَّ ”أتْبَعَهم وتَبِعَهم“ واحِدٌ، وذَلِكَ جائِزٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً والمَعْنى: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ جُنُودَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] وقالَ الزَّجّاجُ: قُرِئَ: ”فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ
صفحة ٨١
وجُنُودُهُ“ أيْ ومَعَهُ جُنُودُهُ وقُرِئَ: بِجُنُودِهِ، ومَعْناهُ ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَعَهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ فالمَعْنى: عَلاهم وسَتَرَهم، وما غَشِيَهم تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ أيْ غَشِيَهم ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وقُرِئَ: [ فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهم ] وفاعِلُ غَشّاهم إمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ ما غَشِيَهم أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ في هَلاكِهِمْ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ فاحْتَجَّ القاضِي بِهِ، وقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما جازَ أنْ يُقالَ: وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ، بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ تَعالى أضَلَّهم، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هو غَيْرَ فاعِلٍ لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا لاسْتَحَقَّ ذَلِكَ الذَّمَّ، وقَوْلُهُ: ﴿وما هَدى﴾ تَهَكَّمَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ وما فِيها مِنَ المَباحِثِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى أنْ يَقْطَعَ بِقَوْمِهِ البَحْرَ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنُو إسْرائِيلَ اسْتَعارُوا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الحُلِيَّ والدَّوابَّ لِعِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلًا وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وثَلاثَةُ آلافٍ ونَيِّفٌ لَيْسَ فِيهِمُ ابْنُ سِتِّينَ ولا عِشْرِينَ وقَدْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَهِدَ إلَيْهِمْ عِنْدَ مَوْتِهِ أنْ يَخْرُجُوا بِعِظامِهِ مَعَهم مِن مِصْرَ فَلَمْ يَخْرُجُوا بِها فَتَحَيَّرَ القَوْمُ حَتّى دَلَّتْهم عَجُوزٌ عَلى مَوْضِعِ العِظامِ فَأخَذُوها، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْعَجُوزِ: احْتَكِمِي فَقالَتْ: أكُونُ مَعَكَ في الجَنَّةِ.
وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وأبا بَكْرٍ هَجَمُوا عَلى رَجُلٍ مِنَ العَرَبِ وامْرَأةٍ لَيْسَ لَهم إلّا عَنْزٌ فَذَبَحُوها لَهُما فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا سَمِعْتَ بِرَجُلٍ قَدْ ظَهَرَ بِيَثْرِبَ فَأْتِهِ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُكَ مِنهُ خَيْرًا، فَلَمّا سَمِعَ بِظُهُورِ الرَّسُولِ ﷺ أتاهُ مَعَ امْرَأتِهِ فَقالَ: أتَعْرِفُنِي ؟ قالَ: نَعَمْ عَرَفْتُكَ فَقالَ لَهُ: احْتَكِمْ، فَقالَ: ثَمانُونَ ضانِيَةً فَأعْطاهُ إيّاها وقالَ لَهُ: ”أما إنَّ عَجُوزَ بَنِي إسْرائِيلَ خَيْرٌ مِنكَ“» وخَرَجَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى مُقَدِّمَتِهِ ألْفُ ألْفٍ وخَمْسُمِائَةِ ألْفٍ سِوى الجَنْبَيْنِ والقَلْبِ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ: هَهُنا أُمِرْتُ ثُمَّ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْبَحْرِ: انْفَرِقْ فَأبى، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ فَقالَ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْخُلُوا فِيهِ فَقالُوا: كَيْفَ وأرْضُهُ رَطْبَةٌ فَدَعا اللَّهَ فَهَبَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّتْ فَقالُوا: نَخافُ الغَرَقَ في بَعْضِنا فَجَعَلَ بَيْنَهم كُوًى حَتّى يَرى بَعْضُهم بَعْضًا ثُمَّ دَخَلُوا حَتّى جاوَزُوا البَحْرَ فَأقْبَلَ فِرْعَوْنُ إلى تِلْكَ الطُّرُقِ فَقالَ قَوْمُهُ لَهُ: إنَّ مُوسى قَدْ سَحَرَ البَحْرَ فَصارَ كَما تَرى وكانَ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ وأقْبَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى في ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ مِنَ المَلائِكَةِ فَصارَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ وأبْصَرَ الحِصانُ الفَرَسُ الحِجْرَ فاقْتَحَمَ بِفِرْعَوْنَ عَلى أثَرِها وصاحَتِ المَلائِكَةُ في النّاسِ الحَقُوا المَلِكَ حَتّى إذا دَخَلَ آخِرُهم وكادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا فَسَمِعَ بَنُو إسْرائِيلَ خَفْقَةَ البَحْرِ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما هَذا يا مُوسى ؟ قالَ: قَدْ أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَرَجَعُوا لِيَنْظُرُوا إلَيْهِمْ فَقالُوا: يا مُوسى ادْعُ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَهم لَنا حَتّى نَنْظُرَ إلَيْهِمْ، فَدَعا فَلَفَظَهُمُ البَحْرُ إلى السّاحِلِ وأصابُوا مِن سِلاحِهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا مُحَمَّدُ لَوْ رَأيْتَنِي وأنا أدُسُّ فِرْعَوْنَ في الماءِ والطِّينِ مَخافَةَ أنْ يَتُوبَ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ وفي القِصَّةِ أبْحاثٌ.
البَحْثُ الأوَّلُ: رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ضَرَبَ بِعَصاهُ البَحْرَ حَصَلَ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا يابِسًا يَتَهَيَّأُ طُرُوقُهُ وبَقِيَ الماءُ قائِمًا بَيْنَ الطَّرِيقِ والطَّرِيقِ كالطَّوْدِ العَظِيمِ وهو الجَبَلُ. فَأخَذَ كُلُّ سِبْطٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في طَرِيقٍ مِن هَذِهِ الطُّرُقِ. ومِنهم مَن قالَ: بَلْ حَصَلَ طَرِيقٌ واحِدٌ، وحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ الأخْبارُ ومِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَصَلَ هُناكَ طُرُقٌ
صفحة ٨٢
حَتّى يَكُونَ الماءُ القائِمُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ كالطَّوْدِ العَظِيمِ وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ وذَلِكَ يَتَناوَلُ الطَّرِيقَ الواحِدَ وإنْ أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى الطُّرُقِ نَظَرًا إلى الجِنْسِ.
البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ أنْ أظْهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُمُ الطَّرِيقَ وبَيَّنَها لَهم تَعَنَّتُوا وقالُوا: نُرِيدُ أنْ يَرى بَعْضُنا بَعْضًا وهَذا كالبَعِيدِ وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ لَمّا أبْصَرُوا مَجِيءَ فِرْعَوْنَ صارُوا في نِهايَةِ الخَوْفِ والخائِفُ إذا وجَدَ طَرِيقَ الفِرارِ والخَلاصِ كَيْفَ يَتَفَرَّغُ لِلتَّعَنُّتِ البارِدِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عاقِلًا بَلْ كانَ في نِهايَةِ الدَّهاءِ فَكَيْفَ اخْتارَ إلْقاءَ نَفْسِهِ إلى التَّهْلُكَةِ فَإنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ أنَّ انْفِلاقَ البَحْرِ لَيْسَ بِأمْرِهِ فَعِنْدَ هَذا ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى الرَّمَكَةِ فَتَبِعَهُ فَرَسُ فِرْعَوْنَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنَّ يَكُونَ خَوْضُ المَلِكِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ مُقَدَّمًا عَلى خَوْضِ جَمِيعِ العَسْكَرِ وما ذَكَرُوهُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَلَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالُوهُ لَكانَ فِرْعَوْنُ في ذَلِكَ الدُّخُولِ كالمَجْبُورِ وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُهُ خَوْفًا ويَحْمِلُهُ عَلى الإمْساكِ في أنْ لا يَدْخُلَ وأيْضًا فَأيُّ حاجَةٍ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الحِيلَةِ وقَدْ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْخُذَهُ مَعَ قَوْمِهِ ويَرْمِيَهُ في الماءِ ابْتِداءً، بَلِ الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ أمَرَ مُقَدِّمَةَ عَسْكَرِهِ بِالدُّخُولِ فَدَخَلُوا وما غَرِقُوا فَغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ السَّلامَةُ فَلَمّا دَخَلَ الكُلُّ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّ الَّذِي نَقَلَ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَدُسُّهُ في الماءِ والطِّينِ خَوْفًا مِن أنْ يُؤْمِنَ فَبَعِيدٌ لِأنَّ المَنعَ مِنَ الإيمانِ لا يَلِيقُ بِالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
البَحْثُ الخامِسُ: الَّذِي رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ البَحْرَ قالَ لَهُ: انْفَلِقْ لِي لِأعْبُرَ عَلَيْكَ، فَقالَ البَحْرُ: لا يَمُرُّ عَلَيَّ رَجُلٌ عاصٍ. فَهو غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى أُصُولِنا لِأنَّ عِنْدَنا البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ ذَلِكَ عَلى لِسانِ الحالِ لا عَلى لِسانِ المَقالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
طه 20:79
صفحة ٨٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ .
واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تِلْكَ الحالَةِ كَثُرَ مُسْتَجِيبُوهُ. فَأرادَ اللَّهُ تَعالى تَمْيِيزَهم مِن طائِفَةِ فِرْعَوْنَ وخَلاصَهم فَأوْحى إلَيْهِ أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا، والسُّرى اسْمٌ لِسَيْرِ اللَّيْلِ والإسْراءُ مِثْلُهُ، فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا، قُلْنا لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ اجْتِماعُهم لا بِمَشْهَدٍ مِنَ العَدُوِّ فَلا يَمْنَعُهم عَنِ اسْتِكْمالِ مُرادِهِمْ في ذَلِكَ.
وثانِيها: لِيَكُونَ عائِقًا عَنْ طَلَبِ فِرْعَوْنَ ومُتَّبِعِيهِ.
وثالِثُها: لِيَكُونَ إذا تَقارَبَ العَسْكَرانِ لا يَرى عَسْكَرُ مُوسى عَسْكَرَ فِرْعَوْنَ فَلا يَهابُوهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أيْ فاجْعَلْ لَهم مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبِنَ عَمِلَهُ.
والثّانِي: بَيِّنْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ بِالضَّرْبِ بِالعَصا وهو أنْ يَضْرِبَ البَحْرَ بِالعَصا حَتّى يَنْفَلِقَ، فَعَدّى الضَّرْبَ إلى الطَّرِيقِ. والحاصِلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِضَرْبِ الطَّرِيقِ جَعْلُ الطَّرِيقِ بِالضَّرْبِ يَبَسًا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ جَمِيعَ أسْبابِ الأمْنِ كانَ حاصِلًا في ذَلِكَ الطَّرِيقِ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَبَسًا، قُرِئَ ”يابِسًا ويَبْسًا“ بِفَتْحِ الياءِ وتَسْكِينِ الباءِ فَمَن قالَ: يابِسًا جَعَلَهُ بِمَعْنى الطَّرِيقِ، ومَن قالَ يَبَسًا بِتَحْرِيكِ الباءِ فاليَبَسُ واليابِسُ شَيْءٌ واحِدٌ، والمَعْنى طَرِيقًا أيْبَسَ. ومَن قالَ: يَبْسًا بِتَسْكِينِ الباءِ فَهو مُخَفَّفٌ عَنِ اليَبْسِ، والمُرادُ أنَّهُ ما كانَ فِيهِ وحَلٌ ولا نَداوَةٌ فَضْلًا عَنِ الماءِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ أيْ لا تَخافُ أنْ يُدْرِكَكَ فِرْعَوْنُ فَإنِّي أحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ بِالتَّأْخِيرِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: قَوْلُهُ: ﴿تَخافُ﴾ رَفَعَهُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ غَيْرُ خائِفٍ ولا خاشٍ.
والثّانِي: عَلى الِابْتِداءِ أيْ أنْتَ لا تَخافُ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ: المَعْنى لا تَخافُ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨] أيْ لا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ لا تَخَفْ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ نَهْيٌ.
والثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ: جَعَلَهُ جَوابَ الشَّرْطِ عَلى مَعْنى إنْ تَضْرِبْ لا تَخَفْ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَخْشى﴾ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُهُما: أنْ يَسْتَأْنِفَ كَأنَّهُ قِيلَ وأنْتَ لا تَخْشى أيْ ومِن شَأْنِكَ أنَّكَ آمِنٌ لا تَخْشى.
وثانِيها: أنْ لا تَكُونَ الألِفُ هي الألِفَ المُنْقَلِبَةَ عَنِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ ولَكِنْ زائِدَةٌ لِلْإطْلاقِ مِن أجْلِ الفاصِلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ:
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ كَأنْ لَمْ تَرَيْ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيا
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَخْشى﴾ والمَعْنى أنَّكَ لا تَخافُ إدْراكَ فِرْعَوْنَ ولا تَخْشى الغَرَقَ بِالماءِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: زَعَمَ رُواةُ اللُّغَةِ أنَّ ”أتْبَعَهم وتَبِعَهم“ واحِدٌ، وذَلِكَ جائِزٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً والمَعْنى: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ جُنُودَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] وقالَ الزَّجّاجُ: قُرِئَ: ”فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ
صفحة ٨١
وجُنُودُهُ“ أيْ ومَعَهُ جُنُودُهُ وقُرِئَ: بِجُنُودِهِ، ومَعْناهُ ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَعَهم، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ فالمَعْنى: عَلاهم وسَتَرَهم، وما غَشِيَهم تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ أيْ غَشِيَهم ما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وقُرِئَ: [ فَغَشّاهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهم ] وفاعِلُ غَشّاهم إمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ ما غَشِيَهم أوْ فِرْعَوْنُ لِأنَّهُ الَّذِي ورَّطَ جُنُودَهُ وتَسَبَّبَ في هَلاكِهِمْ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ فاحْتَجَّ القاضِي بِهِ، وقالَ: لَوْ كانَ الضَّلالُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما جازَ أنْ يُقالَ: وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ، بَلْ وجَبَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ تَعالى أضَلَّهم، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِلْكُفْرِ لِأنَّ مَن ذَمَّ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هو غَيْرَ فاعِلٍ لِذَلِكَ الفِعْلِ وإلّا لاسْتَحَقَّ ذَلِكَ الذَّمَّ، وقَوْلُهُ: ﴿وما هَدى﴾ تَهَكَّمَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ وما فِيها مِنَ المَباحِثِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى أنْ يَقْطَعَ بِقَوْمِهِ البَحْرَ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنُو إسْرائِيلَ اسْتَعارُوا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الحُلِيَّ والدَّوابَّ لِعِيدٍ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلًا وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وثَلاثَةُ آلافٍ ونَيِّفٌ لَيْسَ فِيهِمُ ابْنُ سِتِّينَ ولا عِشْرِينَ وقَدْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَهِدَ إلَيْهِمْ عِنْدَ مَوْتِهِ أنْ يَخْرُجُوا بِعِظامِهِ مَعَهم مِن مِصْرَ فَلَمْ يَخْرُجُوا بِها فَتَحَيَّرَ القَوْمُ حَتّى دَلَّتْهم عَجُوزٌ عَلى مَوْضِعِ العِظامِ فَأخَذُوها، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْعَجُوزِ: احْتَكِمِي فَقالَتْ: أكُونُ مَعَكَ في الجَنَّةِ.
وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وأبا بَكْرٍ هَجَمُوا عَلى رَجُلٍ مِنَ العَرَبِ وامْرَأةٍ لَيْسَ لَهم إلّا عَنْزٌ فَذَبَحُوها لَهُما فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا سَمِعْتَ بِرَجُلٍ قَدْ ظَهَرَ بِيَثْرِبَ فَأْتِهِ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُكَ مِنهُ خَيْرًا، فَلَمّا سَمِعَ بِظُهُورِ الرَّسُولِ ﷺ أتاهُ مَعَ امْرَأتِهِ فَقالَ: أتَعْرِفُنِي ؟ قالَ: نَعَمْ عَرَفْتُكَ فَقالَ لَهُ: احْتَكِمْ، فَقالَ: ثَمانُونَ ضانِيَةً فَأعْطاهُ إيّاها وقالَ لَهُ: ”أما إنَّ عَجُوزَ بَنِي إسْرائِيلَ خَيْرٌ مِنكَ“» وخَرَجَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى مُقَدِّمَتِهِ ألْفُ ألْفٍ وخَمْسُمِائَةِ ألْفٍ سِوى الجَنْبَيْنِ والقَلْبِ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ: هَهُنا أُمِرْتُ ثُمَّ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْبَحْرِ: انْفَرِقْ فَأبى، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ فَقالَ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْخُلُوا فِيهِ فَقالُوا: كَيْفَ وأرْضُهُ رَطْبَةٌ فَدَعا اللَّهَ فَهَبَّتْ عَلَيْهِ الصَّبا فَجَفَّتْ فَقالُوا: نَخافُ الغَرَقَ في بَعْضِنا فَجَعَلَ بَيْنَهم كُوًى حَتّى يَرى بَعْضُهم بَعْضًا ثُمَّ دَخَلُوا حَتّى جاوَزُوا البَحْرَ فَأقْبَلَ فِرْعَوْنُ إلى تِلْكَ الطُّرُقِ فَقالَ قَوْمُهُ لَهُ: إنَّ مُوسى قَدْ سَحَرَ البَحْرَ فَصارَ كَما تَرى وكانَ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ وأقْبَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى في ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ مِنَ المَلائِكَةِ فَصارَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ وأبْصَرَ الحِصانُ الفَرَسُ الحِجْرَ فاقْتَحَمَ بِفِرْعَوْنَ عَلى أثَرِها وصاحَتِ المَلائِكَةُ في النّاسِ الحَقُوا المَلِكَ حَتّى إذا دَخَلَ آخِرُهم وكادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا فَسَمِعَ بَنُو إسْرائِيلَ خَفْقَةَ البَحْرِ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما هَذا يا مُوسى ؟ قالَ: قَدْ أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَرَجَعُوا لِيَنْظُرُوا إلَيْهِمْ فَقالُوا: يا مُوسى ادْعُ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَهم لَنا حَتّى نَنْظُرَ إلَيْهِمْ، فَدَعا فَلَفَظَهُمُ البَحْرُ إلى السّاحِلِ وأصابُوا مِن سِلاحِهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا مُحَمَّدُ لَوْ رَأيْتَنِي وأنا أدُسُّ فِرْعَوْنَ في الماءِ والطِّينِ مَخافَةَ أنْ يَتُوبَ فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ وفي القِصَّةِ أبْحاثٌ.
البَحْثُ الأوَّلُ: رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ضَرَبَ بِعَصاهُ البَحْرَ حَصَلَ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا يابِسًا يَتَهَيَّأُ طُرُوقُهُ وبَقِيَ الماءُ قائِمًا بَيْنَ الطَّرِيقِ والطَّرِيقِ كالطَّوْدِ العَظِيمِ وهو الجَبَلُ. فَأخَذَ كُلُّ سِبْطٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في طَرِيقٍ مِن هَذِهِ الطُّرُقِ. ومِنهم مَن قالَ: بَلْ حَصَلَ طَرِيقٌ واحِدٌ، وحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ الأخْبارُ ومِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا حَصَلَ هُناكَ طُرُقٌ
صفحة ٨٢
حَتّى يَكُونَ الماءُ القائِمُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ كالطَّوْدِ العَظِيمِ وحُجَّةُ القَوْلِ الثّانِي ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ وذَلِكَ يَتَناوَلُ الطَّرِيقَ الواحِدَ وإنْ أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى الطُّرُقِ نَظَرًا إلى الجِنْسِ.
البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ أنْ أظْهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُمُ الطَّرِيقَ وبَيَّنَها لَهم تَعَنَّتُوا وقالُوا: نُرِيدُ أنْ يَرى بَعْضُنا بَعْضًا وهَذا كالبَعِيدِ وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ لَمّا أبْصَرُوا مَجِيءَ فِرْعَوْنَ صارُوا في نِهايَةِ الخَوْفِ والخائِفُ إذا وجَدَ طَرِيقَ الفِرارِ والخَلاصِ كَيْفَ يَتَفَرَّغُ لِلتَّعَنُّتِ البارِدِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عاقِلًا بَلْ كانَ في نِهايَةِ الدَّهاءِ فَكَيْفَ اخْتارَ إلْقاءَ نَفْسِهِ إلى التَّهْلُكَةِ فَإنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ أنَّ انْفِلاقَ البَحْرِ لَيْسَ بِأمْرِهِ فَعِنْدَ هَذا ذَكَرُوا وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى الرَّمَكَةِ فَتَبِعَهُ فَرَسُ فِرْعَوْنَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنَّ يَكُونَ خَوْضُ المَلِكِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ مُقَدَّمًا عَلى خَوْضِ جَمِيعِ العَسْكَرِ وما ذَكَرُوهُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَلَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما قالُوهُ لَكانَ فِرْعَوْنُ في ذَلِكَ الدُّخُولِ كالمَجْبُورِ وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُهُ خَوْفًا ويَحْمِلُهُ عَلى الإمْساكِ في أنْ لا يَدْخُلَ وأيْضًا فَأيُّ حاجَةٍ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الحِيلَةِ وقَدْ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْخُذَهُ مَعَ قَوْمِهِ ويَرْمِيَهُ في الماءِ ابْتِداءً، بَلِ الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُ أمَرَ مُقَدِّمَةَ عَسْكَرِهِ بِالدُّخُولِ فَدَخَلُوا وما غَرِقُوا فَغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ السَّلامَةُ فَلَمّا دَخَلَ الكُلُّ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّ الَّذِي نَقَلَ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَدُسُّهُ في الماءِ والطِّينِ خَوْفًا مِن أنْ يُؤْمِنَ فَبَعِيدٌ لِأنَّ المَنعَ مِنَ الإيمانِ لا يَلِيقُ بِالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
البَحْثُ الخامِسُ: الَّذِي رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ البَحْرَ قالَ لَهُ: انْفَلِقْ لِي لِأعْبُرَ عَلَيْكَ، فَقالَ البَحْرُ: لا يَمُرُّ عَلَيَّ رَجُلٌ عاصٍ. فَهو غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى أُصُولِنا لِأنَّ عِنْدَنا البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ ذَلِكَ عَلى لِسانِ الحالِ لا عَلى لِسانِ المَقالِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
طه 20:80
قوله تعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْعَمَ عَلى قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْواعِ النِّعَمِ ذَكَّرَهم إيّاها ولا شَكَّ أنَّ إزالَةَ المَضَرَّةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلى إيصالِ المَنفَعَةِ، ولا شَكَّ أنَّ إيصالَ المَنفَعَةِ الدِّينِيَّةِ أعْظَمُ في كَوْنِهِ نِعْمَةً مِن إيصالِ المَنفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلِهَذا بَدَأ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى إزالَةِ الضَّرَرِ فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُنْزِلُ بِهِمْ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ كَثِيرًا مِنَ القَتْلِ والإذْلالِ والإخْراجِ والإتْعابِ في الأعْمالِ، ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ
صفحة ٨٣
المَنفَعَةِ الدِّينِيَّةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ ووَجْهُ المَنفَعَةِ فِيهِ أنَّهُ أنْزَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلَيْهِمْ كِتابًا فِيهِ بَيانُ دِينِهِمْ وشَرْحُ شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِذِكْرِ المَنفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ ثُمَّ زَجَرَهم عَنِ العِصْيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن عَصى ثُمَّ تابَ كانَ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ وهَذا بَيانُ المَقْصُودِ مِنَ الآيَةِ ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قَدْ أنْجَيْتُكم ووَعَدْتُكم“ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ كُلَّها بِالتّاءِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ فَإنَّها بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ كُلَّها بِالنُّونِ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ”وواعَدْناكم“ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وواعَدْتُكم“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا جاوَزَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ قالُوا لَهُ: ألَيْسَ وعَدْتَنا أنْ تَأْتِيَنا مِن رَبِّنا بِكِتابٍ فِيهِ الفَرائِضُ والأحْكامُ. قالَ: بَلى، ثُمَّ تَعَجَّلَ مُوسى إلى رَبِّهِ لِيَأْتِيَهم بِالكِتابِ ووَعَدَهم أنْ يَأْتِيَهم إلى أرْبَعِينَ لَيْلَةً مِن يَوْمِ انْطَلَقَ، وإنَّما قالَ: ﴿وواعَدْناكُمْ﴾ لِأنَّهُ إنَّما واعَدَ مُوسى أنْ يُؤْتِيَهُ التَّوْراةَ لِأجْلِهِمْ وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما قالَ: واعَدْناكم لِأنَّ الخِطابَ لَهُ ولِلسَّبْعِينَ المُخْتارَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَيْسَ لِلْجَبَلِ يَمِينٌ ولا يَسارٌ بَلِ المُرادُ أنَّ طُورَ سَيْناءَ عَنْ يَمِينِ مَنِ انْطَلَقَ مِن مِصْرَ إلى الشّامِ وقُرِئَ الأيْمَنِ بِالجَرِّ عَلى الجِوارِ نَحْوَ ”جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ“ وانْتِفاعُ القَوْمِ بِذَلِكَ إمّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَيْهِمْ وفِيها شَرْحُ دِينِهِمْ، وإمّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كَلَّمَ مُوسى عَلى الطُّورِ حَصَلَ لِلْقَوْمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَرَفٌ عَظِيمٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ لَيْسَ أمْرَ إيجابٍ بَلْ أمْرَ إباحَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الطَّيِّباتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: اللَّذائِذُ لِأنَّ المَنَّ والسَّلْوى مِن لَذائِذِ الأطْعِمَةِ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ الحَلالُ لِأنَّهُ شَيْءٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ ولَمْ تَمَسَّهُ يَدُ الآدَمِيِّينَ، ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ لِأنَّ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ مَعْنًى مُشْتَرَكًا. وتَمامُ القَوْلِ في هَذِهِ القِصَّةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا تَطْغَوْا، أيْ لا يَظْلِمْ بَعْضُكم بَعْضًا فَيَأْخُذَهُ مِن صاحِبِهِ.
وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ والضَّحّاكُ: لا تَظْلِمُوا فِيهِ أنْفُسَكم بِأنْ تَتَجاوَزُوا حَدَّ الإباحَةِ.
وثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ: لا تَكْفُرُوا النِّعْمَةَ أيْ لا تَسْتَعِينُوا بِنِعْمَتِي عَلى مُخالَفَتِي ولا تُعْرِضُوا عَلى الشُّكْرِ ولا تَعْدِلُوا عَنِ الحَلالِ إلى الحَرامِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَرَأ الأعْمَشُ والكِسائِيُّ ”فَيَحُلَّ، ومَن يَحْلُلْ“ كِلاهُما بِالضَّمِّ، ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ ”فَيَحِلَّ“ بِالكَسْرِ ”ومَن يَحْلُلْ“ بِالرَّفْعِ، وقِراءَةُ العامَّةِ بِالكَسْرِ في الكَلِمَتَيْنِ، أمّا مَن كَسَرَ فَمَعْناهُ الوُجُوبُ مِن حَلَّ الدَّيْنُ يَحِلُّ إذا وجَبَ أداؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] والمَضْمُومُ في مَعْنى النُّزُولِ وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ هَوى﴾ أيْ شَقِيَ وقِيلَ: فَقَدْ وقَعَ في الهاوِيَةِ، يُقالُ: هَوى يَهْوِي هَوِيًّا إذا سَقَطَ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ.
صفحة ٨٤
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غافِرًا وغَفُورًا وغَفّارًا، وبِأنَّ لَهُ غُفْرانًا ومَغْفِرَةً وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ والأمْرِ. أمّا إنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غافِرًا فَقَوْلُهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر: ٣] وأمّا كَوْنُهُ غَفُورًا فَقَوْلُهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] وأمّا كَوْنُهُ غَفّارًا فَقَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ وأمّا الغُفْرانُ فَقَوْلُهُ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] وأمّا المَغْفِرَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ﴾ [الرعد: ٦] وأمّا صِيغَةُ الماضِي فَقَوْلُهُ: في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] وأمّا صِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وقَوْلُهُ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢] وأمّا لَفْظُ الِاسْتِغْفارِ فَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] وفي حَقِّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] وفي المَلائِكَةِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] واعْلَمْ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كُلَّهم طَلَبُوا المَغْفِرَةَ أمّا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وأمّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي﴾ [هود: ٤٧]، وأمّا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وطَلَبَها لِأبِيهِ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ في إخْوَتِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَفي قِصَّةِ القِبْطِيِّ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٥] وأمّا داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ [ص: ٢٤] أمّا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] وأمّا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وأمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] وأمّا الأُمَّةُ فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا﴾ [الحشر: ١٠] .
واعْلَمْ أنَّ بَسْطَ الكَلامِ هَهُنا أنْ نُبَيِّنَ أوَّلًا حَقِيقَةَ المَغْفِرَةِ ثُمَّ نَتَكَلَّمَ في كَوْنِهِ تَعالى غافِرًا وغَفُورًا وغَفّارًا، ثُمَّ نَتَكَلَّمَ في أنَّ مَغْفِرَتَهُ عامَّةٌ، ثُمَّ نُبَيِّنَ أنَّ مَغْفِرَتَهُ في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَيْفَ تُعْقَلُ مَعَ أنَّهُ لا ذَنْبَ لَهم، ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِدْلالُ أصْحابِنا في إثْباتِ العَفْوِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الذَّنْبَ إمّا أنْ يَكُونَ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا بَعْدَ التَّوْبَةِ أوْ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والقِسْمانِ الأوَّلانِ يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ عَذابُهُما ويَجِبُ عَلَيْهِ التَّجاوُزُ عَنْهُما، وتَرْكُ القَبِيحِ لا يُسَمّى غُفْرانًا فَتَعَيَّنَ أنْ لا يَتَحَقَّقَ الغُفْرانُ إلّا في القِسْمِ الثّالِثِ وهو المَطْلُوبُ، فَإنْ قِيلَ: هَذا يُناقِضُ صَرِيحَ الآيَةِ لِأنَّهُ أثْبَتَ الغُفْرانَ في حَقِّ مَنِ اسْتَجْمَعَ أُمُورًا أرْبَعَةً: التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ والِاهْتِداءُ، قُلْنا: إنَّ مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى ثُمَّ أذْنَبَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ تائِبًا ومُؤْمِنًا وآتِيًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ومُهْتَدِيًا ومَعَ ذَلِكَ يَكُونُ مُذْنِبًا فَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ كَلامُنا، وهَهُنا نُكْتَةٌ: وهي أنَّ العَبْدَ لَهُ أسْماءٌ ثَلاثَةٌ: الظّالِمُ والظَّلُومُ والظَّلّامُ. فالظّالِمُ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] والظَّلُومُ: ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] والظَّلّامُ إذا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهُ، ولِلَّهِ في مُقابَلَةِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأسْماءِ اسْمٌ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتَ ظالِمًا فَأنا غافِرٌ وإنْ كُنْتَ ظَلُومًا فَأنا غَفُورٌ، وإنْ كُنْتَ ظَلّامًا فَأنا غَفّارٌ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ﴾ .
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: كَثُرَ اخْتِلافُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُهْتَدِيًا، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ ؟ والوُجُوهُ المُلَخَّصَةُ فِيهِ ثَلاثَةٌ:
أحَدُها: المُرادُ مِنهُ الِاسْتِمْرارُ عَلى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ إذِ المُهْتَدِي في الحالِ لا يَكْفِيهِ ذَلِكَ في الفَوْزِ بِالنَّجاةِ حَتّى يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ ويَمُوتَ عَلَيْهِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾
صفحة ٨٥
[فصلت: ٣٠] وكَلِمَةُ ثُمَّ لِلتَّراخِي في هَذِهِ الآيَةِ ولَيْسَتْ لِتَبايُنِ المَرْتَبَتَيْنِ بَلْ لِتَبايُنِ الوَقْتَيْنِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: الإتْيانُ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ مِمّا قَدْ يَتَّفِقُ لِكُلِّ أحَدٍ ولا صُعُوبَةَ في ذَلِكَ إنَّما الصُّعُوبَةُ في المُداوَمَةِ عَلى ذَلِكَ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ.
وثانِيها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أيْ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ بِهِدايَةِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ وبَقِيَ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ في إدامَةِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْصِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثالِثُها: المُرادُ مِنَ الإيمانِ الِاعْتِقادُ المَبْنِيُّ عَلى الدَّلِيلِ، والعَمَلُ الصّالِحُ إشارَةٌ إلى أعْمالِ الجَوارِحِ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ مِنَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو المُسَمّى بِالطَّرِيقَةِ في لِسانِ الصُّوفِيَّةِ، ثُمَّ انْكِشافُ حَقائِقِ الأشْياءِ لَهُ وهو المُسَمّى بِالحَقِيقَةِ في لِسانِ الصُّوفِيَّةِ فَهاتانِ المَرْتَبَتانِ هُما المُرادَتانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ .
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: مِنهم مَن قالَ: تَجِبُ التَّوْبَةُ عَنِ الكُفْرِ أوَّلًا ثُمَّ الإتْيانُ بِالإيمانِ ثانِيًا واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ تَعالى قَدَّمَ التَّوْبَةَ عَلى الإيمانِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ غَيْرُ داخِلٍ في الإيمانِ لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ العَمَلَ الصّالِحَ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
طه 20:81
قوله تعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْعَمَ عَلى قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْواعِ النِّعَمِ ذَكَّرَهم إيّاها ولا شَكَّ أنَّ إزالَةَ المَضَرَّةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلى إيصالِ المَنفَعَةِ، ولا شَكَّ أنَّ إيصالَ المَنفَعَةِ الدِّينِيَّةِ أعْظَمُ في كَوْنِهِ نِعْمَةً مِن إيصالِ المَنفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلِهَذا بَدَأ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى إزالَةِ الضَّرَرِ فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُنْزِلُ بِهِمْ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ كَثِيرًا مِنَ القَتْلِ والإذْلالِ والإخْراجِ والإتْعابِ في الأعْمالِ، ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ
صفحة ٨٣
المَنفَعَةِ الدِّينِيَّةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ ووَجْهُ المَنفَعَةِ فِيهِ أنَّهُ أنْزَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلَيْهِمْ كِتابًا فِيهِ بَيانُ دِينِهِمْ وشَرْحُ شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِذِكْرِ المَنفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ ثُمَّ زَجَرَهم عَنِ العِصْيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن عَصى ثُمَّ تابَ كانَ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ وهَذا بَيانُ المَقْصُودِ مِنَ الآيَةِ ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قَدْ أنْجَيْتُكم ووَعَدْتُكم“ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ كُلَّها بِالتّاءِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ فَإنَّها بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ كُلَّها بِالنُّونِ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ”وواعَدْناكم“ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وواعَدْتُكم“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا جاوَزَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ قالُوا لَهُ: ألَيْسَ وعَدْتَنا أنْ تَأْتِيَنا مِن رَبِّنا بِكِتابٍ فِيهِ الفَرائِضُ والأحْكامُ. قالَ: بَلى، ثُمَّ تَعَجَّلَ مُوسى إلى رَبِّهِ لِيَأْتِيَهم بِالكِتابِ ووَعَدَهم أنْ يَأْتِيَهم إلى أرْبَعِينَ لَيْلَةً مِن يَوْمِ انْطَلَقَ، وإنَّما قالَ: ﴿وواعَدْناكُمْ﴾ لِأنَّهُ إنَّما واعَدَ مُوسى أنْ يُؤْتِيَهُ التَّوْراةَ لِأجْلِهِمْ وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما قالَ: واعَدْناكم لِأنَّ الخِطابَ لَهُ ولِلسَّبْعِينَ المُخْتارَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَيْسَ لِلْجَبَلِ يَمِينٌ ولا يَسارٌ بَلِ المُرادُ أنَّ طُورَ سَيْناءَ عَنْ يَمِينِ مَنِ انْطَلَقَ مِن مِصْرَ إلى الشّامِ وقُرِئَ الأيْمَنِ بِالجَرِّ عَلى الجِوارِ نَحْوَ ”جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ“ وانْتِفاعُ القَوْمِ بِذَلِكَ إمّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَيْهِمْ وفِيها شَرْحُ دِينِهِمْ، وإمّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كَلَّمَ مُوسى عَلى الطُّورِ حَصَلَ لِلْقَوْمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَرَفٌ عَظِيمٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ لَيْسَ أمْرَ إيجابٍ بَلْ أمْرَ إباحَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الطَّيِّباتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: اللَّذائِذُ لِأنَّ المَنَّ والسَّلْوى مِن لَذائِذِ الأطْعِمَةِ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ الحَلالُ لِأنَّهُ شَيْءٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ ولَمْ تَمَسَّهُ يَدُ الآدَمِيِّينَ، ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ لِأنَّ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ مَعْنًى مُشْتَرَكًا. وتَمامُ القَوْلِ في هَذِهِ القِصَّةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا تَطْغَوْا، أيْ لا يَظْلِمْ بَعْضُكم بَعْضًا فَيَأْخُذَهُ مِن صاحِبِهِ.
وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ والضَّحّاكُ: لا تَظْلِمُوا فِيهِ أنْفُسَكم بِأنْ تَتَجاوَزُوا حَدَّ الإباحَةِ.
وثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ: لا تَكْفُرُوا النِّعْمَةَ أيْ لا تَسْتَعِينُوا بِنِعْمَتِي عَلى مُخالَفَتِي ولا تُعْرِضُوا عَلى الشُّكْرِ ولا تَعْدِلُوا عَنِ الحَلالِ إلى الحَرامِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَرَأ الأعْمَشُ والكِسائِيُّ ”فَيَحُلَّ، ومَن يَحْلُلْ“ كِلاهُما بِالضَّمِّ، ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ ”فَيَحِلَّ“ بِالكَسْرِ ”ومَن يَحْلُلْ“ بِالرَّفْعِ، وقِراءَةُ العامَّةِ بِالكَسْرِ في الكَلِمَتَيْنِ، أمّا مَن كَسَرَ فَمَعْناهُ الوُجُوبُ مِن حَلَّ الدَّيْنُ يَحِلُّ إذا وجَبَ أداؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] والمَضْمُومُ في مَعْنى النُّزُولِ وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ هَوى﴾ أيْ شَقِيَ وقِيلَ: فَقَدْ وقَعَ في الهاوِيَةِ، يُقالُ: هَوى يَهْوِي هَوِيًّا إذا سَقَطَ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ.
صفحة ٨٤
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غافِرًا وغَفُورًا وغَفّارًا، وبِأنَّ لَهُ غُفْرانًا ومَغْفِرَةً وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ والأمْرِ. أمّا إنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غافِرًا فَقَوْلُهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر: ٣] وأمّا كَوْنُهُ غَفُورًا فَقَوْلُهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] وأمّا كَوْنُهُ غَفّارًا فَقَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ وأمّا الغُفْرانُ فَقَوْلُهُ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] وأمّا المَغْفِرَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ﴾ [الرعد: ٦] وأمّا صِيغَةُ الماضِي فَقَوْلُهُ: في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] وأمّا صِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وقَوْلُهُ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢] وأمّا لَفْظُ الِاسْتِغْفارِ فَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] وفي حَقِّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] وفي المَلائِكَةِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] واعْلَمْ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كُلَّهم طَلَبُوا المَغْفِرَةَ أمّا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وأمّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي﴾ [هود: ٤٧]، وأمّا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وطَلَبَها لِأبِيهِ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ في إخْوَتِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَفي قِصَّةِ القِبْطِيِّ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٥] وأمّا داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ [ص: ٢٤] أمّا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] وأمّا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وأمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] وأمّا الأُمَّةُ فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا﴾ [الحشر: ١٠] .
واعْلَمْ أنَّ بَسْطَ الكَلامِ هَهُنا أنْ نُبَيِّنَ أوَّلًا حَقِيقَةَ المَغْفِرَةِ ثُمَّ نَتَكَلَّمَ في كَوْنِهِ تَعالى غافِرًا وغَفُورًا وغَفّارًا، ثُمَّ نَتَكَلَّمَ في أنَّ مَغْفِرَتَهُ عامَّةٌ، ثُمَّ نُبَيِّنَ أنَّ مَغْفِرَتَهُ في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَيْفَ تُعْقَلُ مَعَ أنَّهُ لا ذَنْبَ لَهم، ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِدْلالُ أصْحابِنا في إثْباتِ العَفْوِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الذَّنْبَ إمّا أنْ يَكُونَ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا بَعْدَ التَّوْبَةِ أوْ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والقِسْمانِ الأوَّلانِ يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ عَذابُهُما ويَجِبُ عَلَيْهِ التَّجاوُزُ عَنْهُما، وتَرْكُ القَبِيحِ لا يُسَمّى غُفْرانًا فَتَعَيَّنَ أنْ لا يَتَحَقَّقَ الغُفْرانُ إلّا في القِسْمِ الثّالِثِ وهو المَطْلُوبُ، فَإنْ قِيلَ: هَذا يُناقِضُ صَرِيحَ الآيَةِ لِأنَّهُ أثْبَتَ الغُفْرانَ في حَقِّ مَنِ اسْتَجْمَعَ أُمُورًا أرْبَعَةً: التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ والِاهْتِداءُ، قُلْنا: إنَّ مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى ثُمَّ أذْنَبَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ تائِبًا ومُؤْمِنًا وآتِيًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ومُهْتَدِيًا ومَعَ ذَلِكَ يَكُونُ مُذْنِبًا فَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ كَلامُنا، وهَهُنا نُكْتَةٌ: وهي أنَّ العَبْدَ لَهُ أسْماءٌ ثَلاثَةٌ: الظّالِمُ والظَّلُومُ والظَّلّامُ. فالظّالِمُ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] والظَّلُومُ: ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] والظَّلّامُ إذا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهُ، ولِلَّهِ في مُقابَلَةِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأسْماءِ اسْمٌ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتَ ظالِمًا فَأنا غافِرٌ وإنْ كُنْتَ ظَلُومًا فَأنا غَفُورٌ، وإنْ كُنْتَ ظَلّامًا فَأنا غَفّارٌ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ﴾ .
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: كَثُرَ اخْتِلافُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُهْتَدِيًا، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ ؟ والوُجُوهُ المُلَخَّصَةُ فِيهِ ثَلاثَةٌ:
أحَدُها: المُرادُ مِنهُ الِاسْتِمْرارُ عَلى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ إذِ المُهْتَدِي في الحالِ لا يَكْفِيهِ ذَلِكَ في الفَوْزِ بِالنَّجاةِ حَتّى يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ ويَمُوتَ عَلَيْهِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾
صفحة ٨٥
[فصلت: ٣٠] وكَلِمَةُ ثُمَّ لِلتَّراخِي في هَذِهِ الآيَةِ ولَيْسَتْ لِتَبايُنِ المَرْتَبَتَيْنِ بَلْ لِتَبايُنِ الوَقْتَيْنِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: الإتْيانُ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ مِمّا قَدْ يَتَّفِقُ لِكُلِّ أحَدٍ ولا صُعُوبَةَ في ذَلِكَ إنَّما الصُّعُوبَةُ في المُداوَمَةِ عَلى ذَلِكَ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ.
وثانِيها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أيْ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ بِهِدايَةِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ وبَقِيَ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ في إدامَةِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْصِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثالِثُها: المُرادُ مِنَ الإيمانِ الِاعْتِقادُ المَبْنِيُّ عَلى الدَّلِيلِ، والعَمَلُ الصّالِحُ إشارَةٌ إلى أعْمالِ الجَوارِحِ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ مِنَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو المُسَمّى بِالطَّرِيقَةِ في لِسانِ الصُّوفِيَّةِ، ثُمَّ انْكِشافُ حَقائِقِ الأشْياءِ لَهُ وهو المُسَمّى بِالحَقِيقَةِ في لِسانِ الصُّوفِيَّةِ فَهاتانِ المَرْتَبَتانِ هُما المُرادَتانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ .
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: مِنهم مَن قالَ: تَجِبُ التَّوْبَةُ عَنِ الكُفْرِ أوَّلًا ثُمَّ الإتْيانُ بِالإيمانِ ثانِيًا واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ تَعالى قَدَّمَ التَّوْبَةَ عَلى الإيمانِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ غَيْرُ داخِلٍ في الإيمانِ لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ العَمَلَ الصّالِحَ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
طه 20:82
قوله تعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْعَمَ عَلى قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْواعِ النِّعَمِ ذَكَّرَهم إيّاها ولا شَكَّ أنَّ إزالَةَ المَضَرَّةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلى إيصالِ المَنفَعَةِ، ولا شَكَّ أنَّ إيصالَ المَنفَعَةِ الدِّينِيَّةِ أعْظَمُ في كَوْنِهِ نِعْمَةً مِن إيصالِ المَنفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلِهَذا بَدَأ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكُمْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى إزالَةِ الضَّرَرِ فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُنْزِلُ بِهِمْ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ كَثِيرًا مِنَ القَتْلِ والإذْلالِ والإخْراجِ والإتْعابِ في الأعْمالِ، ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ
صفحة ٨٣
المَنفَعَةِ الدِّينِيَّةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ ووَجْهُ المَنفَعَةِ فِيهِ أنَّهُ أنْزَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلَيْهِمْ كِتابًا فِيهِ بَيانُ دِينِهِمْ وشَرْحُ شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِذِكْرِ المَنفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ ثُمَّ زَجَرَهم عَنِ العِصْيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن عَصى ثُمَّ تابَ كانَ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ وهَذا بَيانُ المَقْصُودِ مِنَ الآيَةِ ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قَدْ أنْجَيْتُكم ووَعَدْتُكم“ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ كُلَّها بِالتّاءِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ فَإنَّها بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ كُلَّها بِالنُّونِ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ”وواعَدْناكم“ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وواعَدْتُكم“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا جاوَزَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ قالُوا لَهُ: ألَيْسَ وعَدْتَنا أنْ تَأْتِيَنا مِن رَبِّنا بِكِتابٍ فِيهِ الفَرائِضُ والأحْكامُ. قالَ: بَلى، ثُمَّ تَعَجَّلَ مُوسى إلى رَبِّهِ لِيَأْتِيَهم بِالكِتابِ ووَعَدَهم أنْ يَأْتِيَهم إلى أرْبَعِينَ لَيْلَةً مِن يَوْمِ انْطَلَقَ، وإنَّما قالَ: ﴿وواعَدْناكُمْ﴾ لِأنَّهُ إنَّما واعَدَ مُوسى أنْ يُؤْتِيَهُ التَّوْراةَ لِأجْلِهِمْ وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما قالَ: واعَدْناكم لِأنَّ الخِطابَ لَهُ ولِلسَّبْعِينَ المُخْتارَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَيْسَ لِلْجَبَلِ يَمِينٌ ولا يَسارٌ بَلِ المُرادُ أنَّ طُورَ سَيْناءَ عَنْ يَمِينِ مَنِ انْطَلَقَ مِن مِصْرَ إلى الشّامِ وقُرِئَ الأيْمَنِ بِالجَرِّ عَلى الجِوارِ نَحْوَ ”جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ“ وانْتِفاعُ القَوْمِ بِذَلِكَ إمّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَيْهِمْ وفِيها شَرْحُ دِينِهِمْ، وإمّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كَلَّمَ مُوسى عَلى الطُّورِ حَصَلَ لِلْقَوْمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَرَفٌ عَظِيمٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ لَيْسَ أمْرَ إيجابٍ بَلْ أمْرَ إباحَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الطَّيِّباتِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: اللَّذائِذُ لِأنَّ المَنَّ والسَّلْوى مِن لَذائِذِ الأطْعِمَةِ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ الحَلالُ لِأنَّهُ شَيْءٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ ولَمْ تَمَسَّهُ يَدُ الآدَمِيِّينَ، ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ لِأنَّ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ مَعْنًى مُشْتَرَكًا. وتَمامُ القَوْلِ في هَذِهِ القِصَّةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا تَطْغَوْا، أيْ لا يَظْلِمْ بَعْضُكم بَعْضًا فَيَأْخُذَهُ مِن صاحِبِهِ.
وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ والضَّحّاكُ: لا تَظْلِمُوا فِيهِ أنْفُسَكم بِأنْ تَتَجاوَزُوا حَدَّ الإباحَةِ.
وثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ: لا تَكْفُرُوا النِّعْمَةَ أيْ لا تَسْتَعِينُوا بِنِعْمَتِي عَلى مُخالَفَتِي ولا تُعْرِضُوا عَلى الشُّكْرِ ولا تَعْدِلُوا عَنِ الحَلالِ إلى الحَرامِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَرَأ الأعْمَشُ والكِسائِيُّ ”فَيَحُلَّ، ومَن يَحْلُلْ“ كِلاهُما بِالضَّمِّ، ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ ”فَيَحِلَّ“ بِالكَسْرِ ”ومَن يَحْلُلْ“ بِالرَّفْعِ، وقِراءَةُ العامَّةِ بِالكَسْرِ في الكَلِمَتَيْنِ، أمّا مَن كَسَرَ فَمَعْناهُ الوُجُوبُ مِن حَلَّ الدَّيْنُ يَحِلُّ إذا وجَبَ أداؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] والمَضْمُومُ في مَعْنى النُّزُولِ وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ هَوى﴾ أيْ شَقِيَ وقِيلَ: فَقَدْ وقَعَ في الهاوِيَةِ، يُقالُ: هَوى يَهْوِي هَوِيًّا إذا سَقَطَ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ.
صفحة ٨٤
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غافِرًا وغَفُورًا وغَفّارًا، وبِأنَّ لَهُ غُفْرانًا ومَغْفِرَةً وعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ والأمْرِ. أمّا إنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غافِرًا فَقَوْلُهُ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر: ٣] وأمّا كَوْنُهُ غَفُورًا فَقَوْلُهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] وأمّا كَوْنُهُ غَفّارًا فَقَوْلُهُ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ وأمّا الغُفْرانُ فَقَوْلُهُ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] وأمّا المَغْفِرَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ﴾ [الرعد: ٦] وأمّا صِيغَةُ الماضِي فَقَوْلُهُ: في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] وأمّا صِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وقَوْلُهُ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢] وأمّا لَفْظُ الِاسْتِغْفارِ فَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] وفي حَقِّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] وفي المَلائِكَةِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] واعْلَمْ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كُلَّهم طَلَبُوا المَغْفِرَةَ أمّا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وأمّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي﴾ [هود: ٤٧]، وأمّا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وطَلَبَها لِأبِيهِ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] وأمّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ في إخْوَتِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَفي قِصَّةِ القِبْطِيِّ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٥] وأمّا داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ [ص: ٢٤] أمّا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] وأمّا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وأمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] وأمّا الأُمَّةُ فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا﴾ [الحشر: ١٠] .
واعْلَمْ أنَّ بَسْطَ الكَلامِ هَهُنا أنْ نُبَيِّنَ أوَّلًا حَقِيقَةَ المَغْفِرَةِ ثُمَّ نَتَكَلَّمَ في كَوْنِهِ تَعالى غافِرًا وغَفُورًا وغَفّارًا، ثُمَّ نَتَكَلَّمَ في أنَّ مَغْفِرَتَهُ عامَّةٌ، ثُمَّ نُبَيِّنَ أنَّ مَغْفِرَتَهُ في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَيْفَ تُعْقَلُ مَعَ أنَّهُ لا ذَنْبَ لَهم، ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِدْلالُ أصْحابِنا في إثْباتِ العَفْوِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الذَّنْبَ إمّا أنْ يَكُونَ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا بَعْدَ التَّوْبَةِ أوْ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والقِسْمانِ الأوَّلانِ يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ عَذابُهُما ويَجِبُ عَلَيْهِ التَّجاوُزُ عَنْهُما، وتَرْكُ القَبِيحِ لا يُسَمّى غُفْرانًا فَتَعَيَّنَ أنْ لا يَتَحَقَّقَ الغُفْرانُ إلّا في القِسْمِ الثّالِثِ وهو المَطْلُوبُ، فَإنْ قِيلَ: هَذا يُناقِضُ صَرِيحَ الآيَةِ لِأنَّهُ أثْبَتَ الغُفْرانَ في حَقِّ مَنِ اسْتَجْمَعَ أُمُورًا أرْبَعَةً: التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ والِاهْتِداءُ، قُلْنا: إنَّ مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى ثُمَّ أذْنَبَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ تائِبًا ومُؤْمِنًا وآتِيًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ومُهْتَدِيًا ومَعَ ذَلِكَ يَكُونُ مُذْنِبًا فَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ كَلامُنا، وهَهُنا نُكْتَةٌ: وهي أنَّ العَبْدَ لَهُ أسْماءٌ ثَلاثَةٌ: الظّالِمُ والظَّلُومُ والظَّلّامُ. فالظّالِمُ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] والظَّلُومُ: ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] والظَّلّامُ إذا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهُ، ولِلَّهِ في مُقابَلَةِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأسْماءِ اسْمٌ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كُنْتَ ظالِمًا فَأنا غافِرٌ وإنْ كُنْتَ ظَلُومًا فَأنا غَفُورٌ، وإنْ كُنْتَ ظَلّامًا فَأنا غَفّارٌ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ﴾ .
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: كَثُرَ اخْتِلافُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُهْتَدِيًا، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ ؟ والوُجُوهُ المُلَخَّصَةُ فِيهِ ثَلاثَةٌ:
أحَدُها: المُرادُ مِنهُ الِاسْتِمْرارُ عَلى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ إذِ المُهْتَدِي في الحالِ لا يَكْفِيهِ ذَلِكَ في الفَوْزِ بِالنَّجاةِ حَتّى يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ ويَمُوتَ عَلَيْهِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾
صفحة ٨٥
[فصلت: ٣٠] وكَلِمَةُ ثُمَّ لِلتَّراخِي في هَذِهِ الآيَةِ ولَيْسَتْ لِتَبايُنِ المَرْتَبَتَيْنِ بَلْ لِتَبايُنِ الوَقْتَيْنِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: الإتْيانُ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ مِمّا قَدْ يَتَّفِقُ لِكُلِّ أحَدٍ ولا صُعُوبَةَ في ذَلِكَ إنَّما الصُّعُوبَةُ في المُداوَمَةِ عَلى ذَلِكَ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ.
وثانِيها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أيْ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ بِهِدايَةِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ وبَقِيَ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ في إدامَةِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَقْصِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وثالِثُها: المُرادُ مِنَ الإيمانِ الِاعْتِقادُ المَبْنِيُّ عَلى الدَّلِيلِ، والعَمَلُ الصّالِحُ إشارَةٌ إلى أعْمالِ الجَوارِحِ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِتَطْهِيرِ القَلْبِ مِنَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو المُسَمّى بِالطَّرِيقَةِ في لِسانِ الصُّوفِيَّةِ، ثُمَّ انْكِشافُ حَقائِقِ الأشْياءِ لَهُ وهو المُسَمّى بِالحَقِيقَةِ في لِسانِ الصُّوفِيَّةِ فَهاتانِ المَرْتَبَتانِ هُما المُرادَتانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ .
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: مِنهم مَن قالَ: تَجِبُ التَّوْبَةُ عَنِ الكُفْرِ أوَّلًا ثُمَّ الإتْيانُ بِالإيمانِ ثانِيًا واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ تَعالى قَدَّمَ التَّوْبَةَ عَلى الإيمانِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ غَيْرُ داخِلٍ في الإيمانِ لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ العَمَلَ الصّالِحَ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
طه 20:83
قوله تعالى: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْمَهُ في المَسِيرِ إلى المَكانِ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما نَبَّهَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي سائِرِ السُّوَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] يُرِيدُ المِيقاتَ عِنْدَ الطُّورِ وعَلى الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ اسْتِفْهامٌ وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ. الجَوابُ أنَّهُ إنْكارٌ في صِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا امْتِناعَ فِيهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَمْنُوعًا عَنْ ذَلِكَ التَّقَدُّمِ أوْ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا عَنْهُ، فَإنْ كانَ مَمْنُوعًا كانَ ذَلِكَ التَّقَدُّمُ مَعْصِيَةً فَيَلْزَمُ وُقُوعُ المَعْصِيَةِ مِنَ الأنْبِياءِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ مَمْنُوعًا كانَ ذَلِكَ الإنْكارُ غَيْرَ جائِزٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما وجَدَ نَصًّا في ذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِاجْتِهادِهِ تَقَدَّمَ فَأخْطَأ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ فاسْتَوْجَبَ العِتابَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قالَ: ﴿وعَجِلْتُ﴾ والعَجَلَةُ مَذْمُومَةٌ. والجَوابُ: إنَّها مَمْدُوحَةٌ في الدِّينِ. قالَ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿لِتَرْضى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ الرِّضا لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَلْزَمُ تَجَدُّدُ صِفَةِ اللَّهِ تَعالى، والآخَرُ أنَّهُ تَعالى قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ الرِّضا وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى ما كانَ راضِيًا عَنْ مُوسى لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ راضِيًا عَنْهُ وجَبَ
صفحة ٨٦
أنْ يَكُونَ ساخِطًا عَلَيْهِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الجَوابُ: المُرادُ تَحْصِيلُ دَوامِ الرِّضا كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ المُرادُ دَوامُ الِاهْتِداءِ.
السُّؤالُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ذَهَبَ إلى المِيعادِ قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ، وإلّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْجِيلًا ثُمَّ ظَنَّ أنَّ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِتَحْصِيلِ رِضاهُ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأجْهَلِ النّاسِ فَضْلًا عَنْ كَلِيمِ اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالِاجْتِهادِ وأخْطَأ فِيهِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: قَوْلُهُ: ﴿إلَيْكَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّهِ في الجِهَةِ لِأنَّ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ. الجَوابُ: تَوافَقْنا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَكُنْ في الجَبَلِ فالمُرادُ إلى مَكانِ وعْدِكَ.
السُّؤالُ السّابِعُ: ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ فَكانَ جَوابُهُ اللّائِقُ بِهِ أنْ يَقُولَ: طَلَبْتُ زِيادَةَ رِضاكَ والشَّوْقَ إلى كَلامِكَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ فَغَيْرُ مُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ كَما تَرى، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ سُؤالَ اللَّهِ تَعالى يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: إنْكارُ نَفْسِ العَجَلَةِ.
والثّانِي: السُّؤالُ عَنْ سَبَبِ التَّقَدُّمِ فَكانَ أهَمُّ الأمْرَيْنِ عِنْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَوابِ هَذا الثّانِي فَقالَ: لَمْ يُوجَدْ مِنِّي إلّا تَقَدُّمٌ يَسِيرٌ لا يُحْتَفَلُ بِهِ في العادَةِ ولَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن سَبَقْتُهُ إلّا تَقَدُّمٌ يَسِيرٌ يَتَقَدَّمُ بِمِثْلِهِ الوَفْدُ عَنْ قَوْمِهِمْ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِجَوابِ السُّؤالِ عَنِ العَجَلَةِ فَقالَ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ .
الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ورَدَ عَلَيْهِ مِن هَيْبَةِ عِتابِ اللَّهِ تَعالى ما ورَدَ ذَهَلَ عَنِ الجَوابِ المُنْطَبِقِ المُتَرَتِّبِ عَلى حُدُودِ الكَلامِ، واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ دَلالَةً عَلى أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِحُضُورِ المِيقاتِ مَعَ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالقَوْمِ فَقالَ بَعْضُهم: هُمُ النُّقَباءُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ قَدِ اخْتارَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِيَخْرُجُوا مَعَهُ إلى الطُّورِ فَتَقَدَّمَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَوْقًا إلى رَبِّهِ. وقالَ آخَرُونَ: القَوْمُ جُمْلَةُ بَنِي إسْرائِيلَ وهُمُ الَّذِينَ خَلَّفَهم مُوسى مَعَ هارُونَ وأمَرَهُ أنْ يُقِيمَ فِيهِمْ خَلِيفَةً لَهُ إلى أنْ يَرْجِعَ هو مَعَ السَّبْعِينَ فَقالَ: ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ يَعْنِي بِالقُرْبِ مِنِّي يَنْتَظِرُونَنِي، وعَنْ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ ”إثْرِي“ بِالكَسْرِ، وعَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ ”أُثْرِي“ بِالضَّمِّ، وعَنْهُ أيْضًا ”أُولى“ بِالقَصْرِ، والأثَرُ أفْصَحُ مِنَ الأُثْرِ. وأمّا الأثْرُ فَمَسْمُوعٌ في فِرِنْدِ السَّيْفِ وهو بِمَعْنى الأثَرِ غَرِيبٌ.
طه 20:84
قوله تعالى: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْمَهُ في المَسِيرِ إلى المَكانِ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما نَبَّهَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي سائِرِ السُّوَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] يُرِيدُ المِيقاتَ عِنْدَ الطُّورِ وعَلى الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ اسْتِفْهامٌ وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ. الجَوابُ أنَّهُ إنْكارٌ في صِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا امْتِناعَ فِيهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَمْنُوعًا عَنْ ذَلِكَ التَّقَدُّمِ أوْ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا عَنْهُ، فَإنْ كانَ مَمْنُوعًا كانَ ذَلِكَ التَّقَدُّمُ مَعْصِيَةً فَيَلْزَمُ وُقُوعُ المَعْصِيَةِ مِنَ الأنْبِياءِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ مَمْنُوعًا كانَ ذَلِكَ الإنْكارُ غَيْرَ جائِزٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما وجَدَ نَصًّا في ذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِاجْتِهادِهِ تَقَدَّمَ فَأخْطَأ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ فاسْتَوْجَبَ العِتابَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قالَ: ﴿وعَجِلْتُ﴾ والعَجَلَةُ مَذْمُومَةٌ. والجَوابُ: إنَّها مَمْدُوحَةٌ في الدِّينِ. قالَ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿لِتَرْضى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ الرِّضا لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَلْزَمُ تَجَدُّدُ صِفَةِ اللَّهِ تَعالى، والآخَرُ أنَّهُ تَعالى قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ الرِّضا وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى ما كانَ راضِيًا عَنْ مُوسى لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ راضِيًا عَنْهُ وجَبَ
صفحة ٨٦
أنْ يَكُونَ ساخِطًا عَلَيْهِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. الجَوابُ: المُرادُ تَحْصِيلُ دَوامِ الرِّضا كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ المُرادُ دَوامُ الِاهْتِداءِ.
السُّؤالُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ذَهَبَ إلى المِيعادِ قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ، وإلّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْجِيلًا ثُمَّ ظَنَّ أنَّ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِتَحْصِيلِ رِضاهُ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأجْهَلِ النّاسِ فَضْلًا عَنْ كَلِيمِ اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: ما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالِاجْتِهادِ وأخْطَأ فِيهِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: قَوْلُهُ: ﴿إلَيْكَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّهِ في الجِهَةِ لِأنَّ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ. الجَوابُ: تَوافَقْنا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَكُنْ في الجَبَلِ فالمُرادُ إلى مَكانِ وعْدِكَ.
السُّؤالُ السّابِعُ: ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ العَجَلَةِ فَكانَ جَوابُهُ اللّائِقُ بِهِ أنْ يَقُولَ: طَلَبْتُ زِيادَةَ رِضاكَ والشَّوْقَ إلى كَلامِكَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ فَغَيْرُ مُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ كَما تَرى، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ سُؤالَ اللَّهِ تَعالى يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: إنْكارُ نَفْسِ العَجَلَةِ.
والثّانِي: السُّؤالُ عَنْ سَبَبِ التَّقَدُّمِ فَكانَ أهَمُّ الأمْرَيْنِ عِنْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَوابِ هَذا الثّانِي فَقالَ: لَمْ يُوجَدْ مِنِّي إلّا تَقَدُّمٌ يَسِيرٌ لا يُحْتَفَلُ بِهِ في العادَةِ ولَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن سَبَقْتُهُ إلّا تَقَدُّمٌ يَسِيرٌ يَتَقَدَّمُ بِمِثْلِهِ الوَفْدُ عَنْ قَوْمِهِمْ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِجَوابِ السُّؤالِ عَنِ العَجَلَةِ فَقالَ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ .
الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ورَدَ عَلَيْهِ مِن هَيْبَةِ عِتابِ اللَّهِ تَعالى ما ورَدَ ذَهَلَ عَنِ الجَوابِ المُنْطَبِقِ المُتَرَتِّبِ عَلى حُدُودِ الكَلامِ، واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ دَلالَةً عَلى أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِحُضُورِ المِيقاتِ مَعَ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالقَوْمِ فَقالَ بَعْضُهم: هُمُ النُّقَباءُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ قَدِ اخْتارَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِيَخْرُجُوا مَعَهُ إلى الطُّورِ فَتَقَدَّمَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَوْقًا إلى رَبِّهِ. وقالَ آخَرُونَ: القَوْمُ جُمْلَةُ بَنِي إسْرائِيلَ وهُمُ الَّذِينَ خَلَّفَهم مُوسى مَعَ هارُونَ وأمَرَهُ أنْ يُقِيمَ فِيهِمْ خَلِيفَةً لَهُ إلى أنْ يَرْجِعَ هو مَعَ السَّبْعِينَ فَقالَ: ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ يَعْنِي بِالقُرْبِ مِنِّي يَنْتَظِرُونَنِي، وعَنْ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ ”إثْرِي“ بِالكَسْرِ، وعَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ ”أُثْرِي“ بِالضَّمِّ، وعَنْهُ أيْضًا ”أُولى“ بِالقَصْرِ، والأثَرُ أفْصَحُ مِنَ الأُثْرِ. وأمّا الأثْرُ فَمَسْمُوعٌ في فِرِنْدِ السَّيْفِ وهو بِمَعْنى الأثَرِ غَرِيبٌ.
طه 20:85
قوله تعالى: ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ .
صفحة ٨٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِمُوسى: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ [طه: ٨٣] وقالَ مُوسى في جَوابِهِ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى ما حَدَثَ مِنَ القَوْمِ بَعْدَ أنْ فارَقَهم مِمّا كانَ يَبْعُدُ أنْ يَحْدُثَ لَوْ كانَ مَعَهم فَقالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ لِوَجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ولَوْ كانَ اللَّهُ خَلَقَ الضَّلالَ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ لِفِعْلِ السّامِرِيِّ فِيهِ أثَرٌ وكانَ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وأيْضًا فَلِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طالَبَهم بِذِكْرِ سَبَبِ تِلْكَ الفِتْنَةِ قالَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ فِينا لا ما ذَكَرْتَ، فَكانَ يَبْطُلُ تَقْسِيمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا فَقالَ: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِخَلْقِهِ لاسْتَحالَ أنْ يَغْضَبَ عَلَيْهِمْ فِيما هو الخالِقُ لَهُ ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَنّا﴾ مَعْنًى آخَرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الفِتْنَةَ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الِامْتِحانِ. يُقالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا امْتَحَنْتَهُ بِالنّارِ لِكَيْ يَتَمَيَّزَ الجَيِّدُ مِنَ الرَّدِيءِ فَهَهُنا شَدَّدَ اللَّهُ التَّكْلِيفَ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ لِأنَّ السّامِرِيَّ لَمّا أخْرَجَ لَهم ذَلِكَ العِجْلَ صارُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يَسْتَدِلُّوا بِحُدُوثِ جُمْلَةِ العالَمِ والأجْسامِ عَلى أنَّ لَها إلَهًا لَيْسَ بِجِسْمٍ، وحِينَئِذٍ يَعْرِفُونَ أنَّ العِجْلَ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فَكانَ هَذا التَّعَبُّدُ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ فَكانَ فِتْنَةً، والتَّشْدِيدُ في التَّكْلِيفِ مَوْجُودٌ قالَ تَعالى: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] هَذا تَمامُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ، قالَ الأصْحابُ: لَيْسَ في ظُهُورِ صَوْتٍ عَنْ عِجْلٍ مُتَّخَذٍ مِنَ الذَّهَبِ شُبْهَةٌ أعْظَمَ مِمّا في الشَّمْسِ والقَمَرِ، والدَّلِيلُ الَّذِي يَنْفِي كَوْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ إلَهًا أوْلى بِأنْ يَنْفِيَ كَوْنَ ذَلِكَ العِجْلِ إلَهًا، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ حُدُوثُ ذَلِكَ العِجْلِ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ فَلا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ فِيهِمْ، قَوْلُهم: أضافَ الإضْلالَ إلى السّامِرِيِّ قُلْنا: ألَيْسَ أنَّ جَمِيعَ المُسَبَّباتِ العادِيَّةِ تُضافُ إلى أسْبابِها في الظّاهِرِ وإنْ كانَ المُوجِدُ لَها هو اللَّهَ تَعالى، فَكَذا هَهُنا، وأيْضًا قُرِئَ ”وأضَلُّهُمُ السّامِرِيُّ“ أيْ وأشَدُّهم ضَلالًا السّامِرِيُّ، وعَلى هَذا لا يَبْقى لِلْمُعْتَزِلَةِ الِاسْتِدْلالُ، ثُمَّ الَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ الشَّغَبِ التَّمَسُّكُ بِفَصْلِ الدّاعِي عَلى ما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ في هَذا الكِتابِ مِرارًا كَثِيرَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالقَوْمِ هَهُنا هُمُ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ افْتَتَنُوا بِالعَجَلِ غَيْرَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كانَ السّامِرِيُّ عِلْجًا مِن أهْلِ كَرْمانَ وقَعَ إلى مِصْرَ وكانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقْرَ والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّهُ كانَ مِن عُظَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ يُقالُ لَها السّامِرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَلْ كانَ رَجُلًا مِنَ القِبْطِ جارًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ آمَنَ بِهِ.
صفحة ٨٨
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ في القِصَّةِ أنَّهم أقامُوا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً وحَسِبُوها أرْبَعِينَ مَعَ أيّامِها وقالُوا: قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ ثُمَّ كانَ أمْرُ العِجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، والتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ لِمُوسى عِنْدَ مَقْدِمِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ الفِتْنَةِ المُتَرَقَّبَةِ بِلَفْظِ المَوْجُودَةِ الكائِنَةِ عَلى عادَتِهِ.
الثّانِي: أنَّ السّامِرِيَّ شَرَعَ في تَدْبِيرِ الأمْرِ لَمّا غابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَزَمَ عَلى إضْلالِهِمْ حالَ مُفارَقَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَأنَّهُ قَدَّرَ الفِتْنَةَ مَوْجُودَةً.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ ذا القَعْدَةِ وعَشْرَ ذِي الحِجَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ذَكَرُوا في الأسَفِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ شِدَّةُ الغَضَبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ التَّكْرارُ لِأنَّ قَوْلَهُ: غَضْبانَ يُفِيدُ أصْلَ الغَضَبِ وقَوْلَهُ: ”أسِفًا“ يُفِيدُ كَمالَهُ.
وثانِيها: قالَ الأكْثَرُونَ حُزْنًا وجَزَعًا يُقالُ: أسِفَ يَأْسَفُ أسَفًا إذا حَزِنَ فَهو آسِفٌ.
وثالِثُها: قالَ قَوْمُ: الآسِفُ المُغْتاظُ وفَرَّقُوا بَيْنَ الِاغْتِياظِ والغَضَبِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُوصَفُ بِالغَيْظِ ويُوصَفُ بِالغَضَبِ مِن حَيْثُ كانَ الغَضَبُ إرادَةَ الإضْرارِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، والغَيْظُ تَغَيُّرٌ يَلْحَقُ المُغْتاظَ وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا عَلى الأجْسامِ كالضَّحِكِ والبُكاءِ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ عاتَبَهم بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَيْهِمْ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكُفْرَ فِيهِمْ وإلّا لَما عاتَبَهم، بَلْ يَجِبُ أنْ يُعاتَبَ اللَّهُ تَعالى قالَ الأصْحابُ: وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ومَجْمُوعُ تِلْكَ المُعاتَباتِ أُمُورٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾ هَذا الكَلامُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ لَوْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِإلَهٍ آخَرَ سِوى العِجْلِ أمّا لَمّا اعْتَقَدُوا أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا هَذا إلَهُهم وإلَهُ مُوسى كَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامُ. الجَوابُ: أنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالإلَهِ لَكِنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ عَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي يَذْكُرُهُ عَبَدَةُ الأصْنامِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ بِذَلِكَ الوَعْدِ الحَسَنِ. الجَوابُ: ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ ما وعَدَهم مِن إنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِمْ لِيَقِفُوا عَلى الشَّرائِعِ والأحْكامِ ويَحْصُلَ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ مَزِيَّةٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الوَعْدَ الحَسَنَ هو الوَعْدُ الصِّدْقُ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ.
وثالِثُها: الوَعْدُ هو العَهْدُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وذَلِكَ العَهْدُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: أفَنَسِيتُمْ ذَلِكَ الَّذِي قالَ اللَّهُ لَكم ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ .
ورابِعُها: الوَعْدُ الحَسَنُ هَهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعْدًا حَسَنًا في مَنافِعِ الدِّينِ وأنْ يَكُونَ في مَنافِعِ الدُّنْيا، أمّا مَنافِعُ الدِّينِ فَهو الوَعْدُ بِإنْزالِ الكِتابِ الشَّرِيفِ الهادِي إلى الشَّرائِعِ والأحْكامِ والوَعْدُ بِحُصُولِ الثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ. وأمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَهو أنَّهُ تَعالى قَبْلَ إهْلاكِ فِرْعَوْنَ كانَ قَدْ وعَدَهم أرْضَهم ودِيارَهم، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فالمُرادُ أفَنَسِيتُمْ ذَلِكَ العَهْدَ أمْ تَعَمَّدْتُمُ المَعْصِيَةَ، واعْلَمْ أنَّ طُولَ العَهْدِ يَحْتَمِلُ أُمُورًا:
أحَدُها: أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى مِن إنْجائِهِ إيّاكم مِن فِرْعَوْنَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ
صفحة ٨٩
المَذْكُورَةِ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] .
وثانِيها: يُرْوى أنَّهم عَرَفُوا أنَّ الأجَلَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَجَعَلُوا كُلَّ يَوْمٍ بِإزاءِ لَيْلَةٍ ورَدُّوهُ إلى عِشْرِينَ. قالَ القاضِي: هَذا رَكِيكٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكادُ يَشْتَبِهُ عَلى أحَدٍ.
وثالِثُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَهم ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا زادَ اللَّهُ تَعالى فِيها عَشَرَةً أُخْرى كانَ ذَلِكَ طُولَ العَهْدِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَهَذا لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ أحَدًا لا يُرِيدُ ذَلِكَ، ولَكِنَّ المَعْصِيَةَ لَمّا كانَتْ تُوجِبُ ذَلِكَ، ومُرِيدُ السَّبَبِ مُرِيدٌ لِلْمُسَبَّبِ بِالعَرَضِ صَحَّ هَذا الكَلامُ واحْتَجَّ العُلَماءُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الغَضَبَ مِن صِفاتِ الأفْعالِ لا مِن صِفاتِ الذّاتِ لِأنَّ صِفَةَ ذاتِ اللَّهِ تَعالى لا تَنْزِلُ في شَيْءٍ مِنَ الأجْسامِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى مَوْعِدٍ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ القَوْمِ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ ما وعَدُوهُ مِنَ اللَّحاقِ بِهِ والمَجِيءِ عَلى أثَرِهِ.
والثّانِي: ما وعَدُوهُ مِنَ الإقامَةِ عَلى دِينِهِ إلى أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: ﴿ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ وفي أنَّ قائِلَ هَذا الجَوابِ مَن هو وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا أيْ بِأمْرٍ كُنّا نَمْلِكُهُ، وقَدْ يُضِيفُ الرَّجُلُ فِعْلَ قَرِيبِهِ إلى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] وإنْ كانَ الفاعِلُ لِذَلِكَ آباءَهم لا هم فَكَأنَّهم قالُوا: الشُّبْهَةُ قَوِيَتْ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلى مَنعِهِمْ عَنْهُ ولَمْ نَقْدِرْ أيْضًا عَلى مُفارَقَتِهِمْ لِأنّا خِفْنا أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ التَّفْرِقَةِ وزِيادَةِ الفِتْنَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا قَوْلُ عَبَدَةِ العِجْلِ، والمُرادُ أنَّ غَيْرَنا أوْقَعَ الشُّبْهَةَ في قُلُوبِنا، وفاعِلُ السَّبَبِ فاعِلُ المُسَبَّبِ، ومُخْلِفُ الوَعْدِ هو الَّذِي أوْقَعَ الشُّبْهَةَ فَإنَّهُ كانَ كالمالِكِ لَنا. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ رُجُوعُ قَرِيبٍ مِن سِتِّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ مِنَ العُقَلاءِ المُكَلَّفِينَ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ دُفْعَةً واحِدَةً إلى عِبادَةِ العِجْلِ الَّذِي يُعْرَفُ فَسادُها بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ إنَّ مِثْلَ هَذا الجَمْعِ لَمّا فارَقُوا الدِّينَ وأظْهَرُوا الكُفْرَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ رُجُوعُهم دُفْعَةً واحِدَةً عَنْ ذَلِكَ الدِّينِ بِسَبَبِ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلَيْهِمْ، قُلْنا: هَذا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ في حَقِّ البُلْهِ مِنَ النّاسِ، واعْلَمْ أنَّ في ”بِمَلْكِنا“ ثَلاثَ قِراءاتٍ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ، ونافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ بِالكَسْرِ، أمّا الكَسْرُ والفَتْحُ فَهُما واحِدٌ وهُما لُغَتانِ مِثْلُ رِطْلٍ ورَطْلٍ. وأمّا الضَّمُّ فَهو السُّلْطانُ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ فَسَّرُوا ذَلِكَ العُذْرَ المُجْمَلَ فَقالُوا: ﴿ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”حَمَلْنا“ مُخَفَّفَةً مِنَ الحَمْلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَفْصٌ وابْنُ عامِرٍ: ”حُمِّلْنا“ مُشَدَّدَةً، فَمَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَمَعْناهُ حَمَلْنا مَعَ أنْفُسِنا ما كُنّا اسْتَعَرْناهُ مِنَ القَوْمِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ أيْ أمَرَهم بِاسْتِعارَةِ الحُلِيِّ والخُرُوجِ بِها فَكَأنَّهُ ألْزَمَهم ذَلِكَ.
وثانِيها: جَعَلَنا كالضّامِنِ لَها إلى أنْ نُؤَدِّيَها إلى حَيْثُ يَأْمُرُنا اللَّهُ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَمَّلَهم ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ ألْزَمَهم فِيهِ حُكْمَ المَغْنَمِ، أمّا الأوْزارُ فَهي الأثْقالُ ومِن ذَلِكَ سُمِّيَ الذَّنْبُ وِزْرًا لِأنَّهُ ثِقَلٌ ثُمَّ فِيهِ احْتِمالاتٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لِكَثْرَتِها كانَتْ أثْقالًا.
وثانِيها: أنَّ المَغانِمَ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ فَكانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ حِفْظُها مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَكانَتْ أثْقالًا.
وثالِثُها: المُرادُ بِالأوْزارِ الآثامُ والمَعْنى حَمَلْنا آثامًا، رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّها نَجِسَةٌ فَتَطَهَّرُوا مِنها، وقالَ السّامِرِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما احْتُبِسَ عُقُوبَةً بِالحُلِيِّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا هَذا القَوْلَ. وقَدْ يَقُولُ الإنْسانُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَلْزَمُهُ رَدُّهُ: هَذا كُلُّهُ إثْمٌ وذَنْبٌ.
ورابِعُها: أنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ كانَ القِبْطُ يَتَزَيَّنُونَ بِهِ في مَجامِعٍ لَهم يَجْرِي فِيها الكُفْرُ لا جَرَمَ أنَّها وُصِفَتْ بِكَوْنِها
صفحة ٩٠
أوْزارًا كَما يُقالُ مِثْلُهُ في آلاتِ المَعاصِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَذَفْناها﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا في أنَّهم أيْنَ قَذَفُوها ؟
الوَجْهُ الأوَّلُ: قَذَفُوها في حُفْرَةٍ كانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِجَمْعِ الحُلِيِّ فِيها انْتِظارًا لِعَوْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والوَجْهُ الثّانِي: قَذَفُوها في مَوْضِعٍ أمَرَهُمُ السّامِرِيُّ بِذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في مَوْضِعٍ جُمِعَ فِيهِ النّارُ ثُمَّ قالُوا: فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ أيْ فَعَلَ السّامِرِيُّ مِثْلَ ما فَعَلْنا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ فاخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ ذَلِكَ الجَسَدُ حَيًّا أمْ لا ؟
فالقَوْلُ الأوَّلُ: لا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إظْهارُ خَرْقِ العادَةِ عَلى يَدِ الضّالِّ بَلِ السّامِرِيُّ صَوَّرَ صُورَةً عَلى شَكْلِ العِجْلِ وجَعَلَ فِيها مَنافِذَ ومَخارِقَ بِحَيْثُ تَدْخُلُ فِيها الرِّياحُ فَيَخْرُجُ صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ العِجْلِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ صارَ حَيًّا وخارَ كَما يَخُورُ العِجْلُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] ولَوْ لَمْ يَصِرْ حَيًّا لَما بَقِيَ لِهَذا الكَلامِ فائِدَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ عِجْلًا والعِجْلُ حَقِيقَةٌ في الحَيَوانِ وسَمّاهُ جَسَدًا وهو إنَّما يَتَناوَلُ الحَيَّ.
وثالِثُها: أثْبَتَ لَهُ الخُوارَ وأجابُوا عَنْ حُجَّةِ الأوَّلِينَ بِأنَّ ظُهُورَ خَوارِقِ العادَةِ عَلى يَدِ مُدَّعِي الإلَهِيَّةِ جائِزٌ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ الِالتِباسُ وهَهُنا كَذَلِكَ فَوَجَبَ أنْ لا يَمْتَنِعَ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِالسّامِرِيِّ وهو يَصْنَعُ العِجْلَ فَقالَ: ما تَصْنَعُ ؟ فَقالَ: أصْنَعُ ما يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فادْعُ لِي فَقالَ: اللَّهُمَّ أعْطِهِ ما سَألَ فَلَمّا مَضى هارُونُ قالَ السّامِرِيُّ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ أنْ يَخُورَ فَخارَ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِلنَّبِيِّ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] فَفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ القَوْمَ إنْ كانُوا في الجَهالَةِ بِحَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ ذَلِكَ العِجْلَ المَعْمُولَ في تِلْكَ السّاعَةِ هو الخالِقُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ فَهم مَجانِينُ ولَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ، ولِأنَّ مِثْلَ هَذا الجُنُونِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ مُحالٌ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا ذَلِكَ، فَكَيْفَ قالُوا: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى ؟ وجَوابُهُ: لَعَلَّهم كانُوا مِنَ الحُلُولِيَّةِ فَجَوَّزُوا حُلُولَ الإلَهِ أوْ حُلُولَ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ في ذَلِكَ الجِسْمِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ ظُهُورَ الخُوارِ لا يُناسِبُ الإلَهِيَّةَ، ولَكِنْ لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا في نِهايَةِ البَلادَةِ والجَلافَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَسِيَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ السّامِرِيِّ أنَّهُ نَسِيَ الِاسْتِدْلالَ عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ وأنَّ الإلَهَ لا يَحِلُّ في شَيْءٍ ولا يَحِلُّ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ المَعْنى الَّذِي يَجِبُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنَّ مَن لا يَتَكَلَّمُ ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ لا يَكُونُ إلَهًا ولا يَكُونُ لِلْإلَهِ تَعَلُّقٌ بِهِ في الحالِيَّةِ والمَحَلِّيَّةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ وصَفَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ مُوسى أنَّ هَذا هو الإلَهُ فَذَهَبَ يَطْلُبُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: فَنَسِيَ وقْتَ المَوْعِدِ في الرُّجُوعِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ فَهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى عَدَمِ إلَهِيَّتِها بِأنَّها لا تَتَكَلَّمُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أكْثَرِ الأمْرِ لا يُعَوِّلُ إلّا عَلى دَلائِلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ أنْ لا يَرْجِعُ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَرْجِعُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: (وحَسِبُوا ألّا تَكُونُ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا) [المائدة: ٧١] بِمَعْنى أنَّهُ لا تَكُونُ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ أيْضًا عَلى أنَّ ”أنْ“ هَذِهِ هي
صفحة ٩١
النّاصِبَةُ لِلْأفْعالِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] وهو قَرِيبٌ في المَعْنى مِن قَوْلِهِ في ذَمِّ عَبَدَةِ الأصْنامِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ العِجْلَ لَوْ كانَ يُكَلِّمُهم لَكانَ إلَهًا؛ لَأنَّ الشَّيْءَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِشُرُوطٍ كَثِيرَةٍ، فَفَواتُ واحِدٍ مِنها يَقْتَضِي فَواتَ المَشْرُوطِ، ولَكِنَّ حُصُولَ الواحِدِ فِيها لا يَقْتَضِي حُصُولَ المَشْرُوطِ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما دَفَنْتُمْ نَبِيَّكم حَتّى اخْتَلَفْتُمْ ؟ فَقالَ: إنَّما اخْتَلَفْنا عَنْهُ وما اخْتَلَفْنا فِيهِ، وأنْتُمْ ما جَفَّتْ أقْدامُكم مِن ماءِ البَحْرِ حَتّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ.
طه 20:86
قوله تعالى: ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ .
صفحة ٨٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِمُوسى: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ [طه: ٨٣] وقالَ مُوسى في جَوابِهِ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى ما حَدَثَ مِنَ القَوْمِ بَعْدَ أنْ فارَقَهم مِمّا كانَ يَبْعُدُ أنْ يَحْدُثَ لَوْ كانَ مَعَهم فَقالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ لِوَجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ولَوْ كانَ اللَّهُ خَلَقَ الضَّلالَ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ لِفِعْلِ السّامِرِيِّ فِيهِ أثَرٌ وكانَ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وأيْضًا فَلِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طالَبَهم بِذِكْرِ سَبَبِ تِلْكَ الفِتْنَةِ قالَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ فِينا لا ما ذَكَرْتَ، فَكانَ يَبْطُلُ تَقْسِيمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا فَقالَ: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِخَلْقِهِ لاسْتَحالَ أنْ يَغْضَبَ عَلَيْهِمْ فِيما هو الخالِقُ لَهُ ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَنّا﴾ مَعْنًى آخَرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الفِتْنَةَ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الِامْتِحانِ. يُقالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا امْتَحَنْتَهُ بِالنّارِ لِكَيْ يَتَمَيَّزَ الجَيِّدُ مِنَ الرَّدِيءِ فَهَهُنا شَدَّدَ اللَّهُ التَّكْلِيفَ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ لِأنَّ السّامِرِيَّ لَمّا أخْرَجَ لَهم ذَلِكَ العِجْلَ صارُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يَسْتَدِلُّوا بِحُدُوثِ جُمْلَةِ العالَمِ والأجْسامِ عَلى أنَّ لَها إلَهًا لَيْسَ بِجِسْمٍ، وحِينَئِذٍ يَعْرِفُونَ أنَّ العِجْلَ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فَكانَ هَذا التَّعَبُّدُ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ فَكانَ فِتْنَةً، والتَّشْدِيدُ في التَّكْلِيفِ مَوْجُودٌ قالَ تَعالى: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] هَذا تَمامُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ، قالَ الأصْحابُ: لَيْسَ في ظُهُورِ صَوْتٍ عَنْ عِجْلٍ مُتَّخَذٍ مِنَ الذَّهَبِ شُبْهَةٌ أعْظَمَ مِمّا في الشَّمْسِ والقَمَرِ، والدَّلِيلُ الَّذِي يَنْفِي كَوْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ إلَهًا أوْلى بِأنْ يَنْفِيَ كَوْنَ ذَلِكَ العِجْلِ إلَهًا، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ حُدُوثُ ذَلِكَ العِجْلِ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ فَلا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ فِيهِمْ، قَوْلُهم: أضافَ الإضْلالَ إلى السّامِرِيِّ قُلْنا: ألَيْسَ أنَّ جَمِيعَ المُسَبَّباتِ العادِيَّةِ تُضافُ إلى أسْبابِها في الظّاهِرِ وإنْ كانَ المُوجِدُ لَها هو اللَّهَ تَعالى، فَكَذا هَهُنا، وأيْضًا قُرِئَ ”وأضَلُّهُمُ السّامِرِيُّ“ أيْ وأشَدُّهم ضَلالًا السّامِرِيُّ، وعَلى هَذا لا يَبْقى لِلْمُعْتَزِلَةِ الِاسْتِدْلالُ، ثُمَّ الَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ الشَّغَبِ التَّمَسُّكُ بِفَصْلِ الدّاعِي عَلى ما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ في هَذا الكِتابِ مِرارًا كَثِيرَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالقَوْمِ هَهُنا هُمُ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ افْتَتَنُوا بِالعَجَلِ غَيْرَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كانَ السّامِرِيُّ عِلْجًا مِن أهْلِ كَرْمانَ وقَعَ إلى مِصْرَ وكانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقْرَ والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّهُ كانَ مِن عُظَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ يُقالُ لَها السّامِرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَلْ كانَ رَجُلًا مِنَ القِبْطِ جارًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ آمَنَ بِهِ.
صفحة ٨٨
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ في القِصَّةِ أنَّهم أقامُوا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً وحَسِبُوها أرْبَعِينَ مَعَ أيّامِها وقالُوا: قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ ثُمَّ كانَ أمْرُ العِجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، والتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ لِمُوسى عِنْدَ مَقْدِمِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ الفِتْنَةِ المُتَرَقَّبَةِ بِلَفْظِ المَوْجُودَةِ الكائِنَةِ عَلى عادَتِهِ.
الثّانِي: أنَّ السّامِرِيَّ شَرَعَ في تَدْبِيرِ الأمْرِ لَمّا غابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَزَمَ عَلى إضْلالِهِمْ حالَ مُفارَقَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَأنَّهُ قَدَّرَ الفِتْنَةَ مَوْجُودَةً.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ ذا القَعْدَةِ وعَشْرَ ذِي الحِجَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ذَكَرُوا في الأسَفِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ شِدَّةُ الغَضَبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ التَّكْرارُ لِأنَّ قَوْلَهُ: غَضْبانَ يُفِيدُ أصْلَ الغَضَبِ وقَوْلَهُ: ”أسِفًا“ يُفِيدُ كَمالَهُ.
وثانِيها: قالَ الأكْثَرُونَ حُزْنًا وجَزَعًا يُقالُ: أسِفَ يَأْسَفُ أسَفًا إذا حَزِنَ فَهو آسِفٌ.
وثالِثُها: قالَ قَوْمُ: الآسِفُ المُغْتاظُ وفَرَّقُوا بَيْنَ الِاغْتِياظِ والغَضَبِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُوصَفُ بِالغَيْظِ ويُوصَفُ بِالغَضَبِ مِن حَيْثُ كانَ الغَضَبُ إرادَةَ الإضْرارِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، والغَيْظُ تَغَيُّرٌ يَلْحَقُ المُغْتاظَ وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا عَلى الأجْسامِ كالضَّحِكِ والبُكاءِ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ عاتَبَهم بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَيْهِمْ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكُفْرَ فِيهِمْ وإلّا لَما عاتَبَهم، بَلْ يَجِبُ أنْ يُعاتَبَ اللَّهُ تَعالى قالَ الأصْحابُ: وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ومَجْمُوعُ تِلْكَ المُعاتَباتِ أُمُورٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾ هَذا الكَلامُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ لَوْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِإلَهٍ آخَرَ سِوى العِجْلِ أمّا لَمّا اعْتَقَدُوا أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا هَذا إلَهُهم وإلَهُ مُوسى كَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامُ. الجَوابُ: أنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالإلَهِ لَكِنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ عَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي يَذْكُرُهُ عَبَدَةُ الأصْنامِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ بِذَلِكَ الوَعْدِ الحَسَنِ. الجَوابُ: ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ ما وعَدَهم مِن إنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِمْ لِيَقِفُوا عَلى الشَّرائِعِ والأحْكامِ ويَحْصُلَ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ مَزِيَّةٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الوَعْدَ الحَسَنَ هو الوَعْدُ الصِّدْقُ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ.
وثالِثُها: الوَعْدُ هو العَهْدُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وذَلِكَ العَهْدُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: أفَنَسِيتُمْ ذَلِكَ الَّذِي قالَ اللَّهُ لَكم ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ .
ورابِعُها: الوَعْدُ الحَسَنُ هَهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعْدًا حَسَنًا في مَنافِعِ الدِّينِ وأنْ يَكُونَ في مَنافِعِ الدُّنْيا، أمّا مَنافِعُ الدِّينِ فَهو الوَعْدُ بِإنْزالِ الكِتابِ الشَّرِيفِ الهادِي إلى الشَّرائِعِ والأحْكامِ والوَعْدُ بِحُصُولِ الثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ. وأمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَهو أنَّهُ تَعالى قَبْلَ إهْلاكِ فِرْعَوْنَ كانَ قَدْ وعَدَهم أرْضَهم ودِيارَهم، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فالمُرادُ أفَنَسِيتُمْ ذَلِكَ العَهْدَ أمْ تَعَمَّدْتُمُ المَعْصِيَةَ، واعْلَمْ أنَّ طُولَ العَهْدِ يَحْتَمِلُ أُمُورًا:
أحَدُها: أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى مِن إنْجائِهِ إيّاكم مِن فِرْعَوْنَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ
صفحة ٨٩
المَذْكُورَةِ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] .
وثانِيها: يُرْوى أنَّهم عَرَفُوا أنَّ الأجَلَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَجَعَلُوا كُلَّ يَوْمٍ بِإزاءِ لَيْلَةٍ ورَدُّوهُ إلى عِشْرِينَ. قالَ القاضِي: هَذا رَكِيكٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكادُ يَشْتَبِهُ عَلى أحَدٍ.
وثالِثُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَهم ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا زادَ اللَّهُ تَعالى فِيها عَشَرَةً أُخْرى كانَ ذَلِكَ طُولَ العَهْدِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَهَذا لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ أحَدًا لا يُرِيدُ ذَلِكَ، ولَكِنَّ المَعْصِيَةَ لَمّا كانَتْ تُوجِبُ ذَلِكَ، ومُرِيدُ السَّبَبِ مُرِيدٌ لِلْمُسَبَّبِ بِالعَرَضِ صَحَّ هَذا الكَلامُ واحْتَجَّ العُلَماءُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الغَضَبَ مِن صِفاتِ الأفْعالِ لا مِن صِفاتِ الذّاتِ لِأنَّ صِفَةَ ذاتِ اللَّهِ تَعالى لا تَنْزِلُ في شَيْءٍ مِنَ الأجْسامِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى مَوْعِدٍ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ القَوْمِ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ ما وعَدُوهُ مِنَ اللَّحاقِ بِهِ والمَجِيءِ عَلى أثَرِهِ.
والثّانِي: ما وعَدُوهُ مِنَ الإقامَةِ عَلى دِينِهِ إلى أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: ﴿ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ وفي أنَّ قائِلَ هَذا الجَوابِ مَن هو وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا أيْ بِأمْرٍ كُنّا نَمْلِكُهُ، وقَدْ يُضِيفُ الرَّجُلُ فِعْلَ قَرِيبِهِ إلى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] وإنْ كانَ الفاعِلُ لِذَلِكَ آباءَهم لا هم فَكَأنَّهم قالُوا: الشُّبْهَةُ قَوِيَتْ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلى مَنعِهِمْ عَنْهُ ولَمْ نَقْدِرْ أيْضًا عَلى مُفارَقَتِهِمْ لِأنّا خِفْنا أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ التَّفْرِقَةِ وزِيادَةِ الفِتْنَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا قَوْلُ عَبَدَةِ العِجْلِ، والمُرادُ أنَّ غَيْرَنا أوْقَعَ الشُّبْهَةَ في قُلُوبِنا، وفاعِلُ السَّبَبِ فاعِلُ المُسَبَّبِ، ومُخْلِفُ الوَعْدِ هو الَّذِي أوْقَعَ الشُّبْهَةَ فَإنَّهُ كانَ كالمالِكِ لَنا. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ رُجُوعُ قَرِيبٍ مِن سِتِّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ مِنَ العُقَلاءِ المُكَلَّفِينَ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ دُفْعَةً واحِدَةً إلى عِبادَةِ العِجْلِ الَّذِي يُعْرَفُ فَسادُها بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ إنَّ مِثْلَ هَذا الجَمْعِ لَمّا فارَقُوا الدِّينَ وأظْهَرُوا الكُفْرَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ رُجُوعُهم دُفْعَةً واحِدَةً عَنْ ذَلِكَ الدِّينِ بِسَبَبِ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلَيْهِمْ، قُلْنا: هَذا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ في حَقِّ البُلْهِ مِنَ النّاسِ، واعْلَمْ أنَّ في ”بِمَلْكِنا“ ثَلاثَ قِراءاتٍ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ، ونافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ بِالكَسْرِ، أمّا الكَسْرُ والفَتْحُ فَهُما واحِدٌ وهُما لُغَتانِ مِثْلُ رِطْلٍ ورَطْلٍ. وأمّا الضَّمُّ فَهو السُّلْطانُ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ فَسَّرُوا ذَلِكَ العُذْرَ المُجْمَلَ فَقالُوا: ﴿ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”حَمَلْنا“ مُخَفَّفَةً مِنَ الحَمْلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَفْصٌ وابْنُ عامِرٍ: ”حُمِّلْنا“ مُشَدَّدَةً، فَمَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَمَعْناهُ حَمَلْنا مَعَ أنْفُسِنا ما كُنّا اسْتَعَرْناهُ مِنَ القَوْمِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ أيْ أمَرَهم بِاسْتِعارَةِ الحُلِيِّ والخُرُوجِ بِها فَكَأنَّهُ ألْزَمَهم ذَلِكَ.
وثانِيها: جَعَلَنا كالضّامِنِ لَها إلى أنْ نُؤَدِّيَها إلى حَيْثُ يَأْمُرُنا اللَّهُ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَمَّلَهم ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ ألْزَمَهم فِيهِ حُكْمَ المَغْنَمِ، أمّا الأوْزارُ فَهي الأثْقالُ ومِن ذَلِكَ سُمِّيَ الذَّنْبُ وِزْرًا لِأنَّهُ ثِقَلٌ ثُمَّ فِيهِ احْتِمالاتٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لِكَثْرَتِها كانَتْ أثْقالًا.
وثانِيها: أنَّ المَغانِمَ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ فَكانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ حِفْظُها مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَكانَتْ أثْقالًا.
وثالِثُها: المُرادُ بِالأوْزارِ الآثامُ والمَعْنى حَمَلْنا آثامًا، رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّها نَجِسَةٌ فَتَطَهَّرُوا مِنها، وقالَ السّامِرِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما احْتُبِسَ عُقُوبَةً بِالحُلِيِّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا هَذا القَوْلَ. وقَدْ يَقُولُ الإنْسانُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَلْزَمُهُ رَدُّهُ: هَذا كُلُّهُ إثْمٌ وذَنْبٌ.
ورابِعُها: أنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ كانَ القِبْطُ يَتَزَيَّنُونَ بِهِ في مَجامِعٍ لَهم يَجْرِي فِيها الكُفْرُ لا جَرَمَ أنَّها وُصِفَتْ بِكَوْنِها
صفحة ٩٠
أوْزارًا كَما يُقالُ مِثْلُهُ في آلاتِ المَعاصِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَذَفْناها﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا في أنَّهم أيْنَ قَذَفُوها ؟
الوَجْهُ الأوَّلُ: قَذَفُوها في حُفْرَةٍ كانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِجَمْعِ الحُلِيِّ فِيها انْتِظارًا لِعَوْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والوَجْهُ الثّانِي: قَذَفُوها في مَوْضِعٍ أمَرَهُمُ السّامِرِيُّ بِذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في مَوْضِعٍ جُمِعَ فِيهِ النّارُ ثُمَّ قالُوا: فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ أيْ فَعَلَ السّامِرِيُّ مِثْلَ ما فَعَلْنا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ فاخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ ذَلِكَ الجَسَدُ حَيًّا أمْ لا ؟
فالقَوْلُ الأوَّلُ: لا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إظْهارُ خَرْقِ العادَةِ عَلى يَدِ الضّالِّ بَلِ السّامِرِيُّ صَوَّرَ صُورَةً عَلى شَكْلِ العِجْلِ وجَعَلَ فِيها مَنافِذَ ومَخارِقَ بِحَيْثُ تَدْخُلُ فِيها الرِّياحُ فَيَخْرُجُ صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ العِجْلِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ صارَ حَيًّا وخارَ كَما يَخُورُ العِجْلُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] ولَوْ لَمْ يَصِرْ حَيًّا لَما بَقِيَ لِهَذا الكَلامِ فائِدَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ عِجْلًا والعِجْلُ حَقِيقَةٌ في الحَيَوانِ وسَمّاهُ جَسَدًا وهو إنَّما يَتَناوَلُ الحَيَّ.
وثالِثُها: أثْبَتَ لَهُ الخُوارَ وأجابُوا عَنْ حُجَّةِ الأوَّلِينَ بِأنَّ ظُهُورَ خَوارِقِ العادَةِ عَلى يَدِ مُدَّعِي الإلَهِيَّةِ جائِزٌ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ الِالتِباسُ وهَهُنا كَذَلِكَ فَوَجَبَ أنْ لا يَمْتَنِعَ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِالسّامِرِيِّ وهو يَصْنَعُ العِجْلَ فَقالَ: ما تَصْنَعُ ؟ فَقالَ: أصْنَعُ ما يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فادْعُ لِي فَقالَ: اللَّهُمَّ أعْطِهِ ما سَألَ فَلَمّا مَضى هارُونُ قالَ السّامِرِيُّ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ أنْ يَخُورَ فَخارَ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِلنَّبِيِّ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] فَفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ القَوْمَ إنْ كانُوا في الجَهالَةِ بِحَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ ذَلِكَ العِجْلَ المَعْمُولَ في تِلْكَ السّاعَةِ هو الخالِقُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ فَهم مَجانِينُ ولَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ، ولِأنَّ مِثْلَ هَذا الجُنُونِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ مُحالٌ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا ذَلِكَ، فَكَيْفَ قالُوا: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى ؟ وجَوابُهُ: لَعَلَّهم كانُوا مِنَ الحُلُولِيَّةِ فَجَوَّزُوا حُلُولَ الإلَهِ أوْ حُلُولَ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ في ذَلِكَ الجِسْمِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ ظُهُورَ الخُوارِ لا يُناسِبُ الإلَهِيَّةَ، ولَكِنْ لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا في نِهايَةِ البَلادَةِ والجَلافَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَسِيَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ السّامِرِيِّ أنَّهُ نَسِيَ الِاسْتِدْلالَ عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ وأنَّ الإلَهَ لا يَحِلُّ في شَيْءٍ ولا يَحِلُّ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ المَعْنى الَّذِي يَجِبُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنَّ مَن لا يَتَكَلَّمُ ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ لا يَكُونُ إلَهًا ولا يَكُونُ لِلْإلَهِ تَعَلُّقٌ بِهِ في الحالِيَّةِ والمَحَلِّيَّةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ وصَفَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ مُوسى أنَّ هَذا هو الإلَهُ فَذَهَبَ يَطْلُبُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: فَنَسِيَ وقْتَ المَوْعِدِ في الرُّجُوعِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ فَهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى عَدَمِ إلَهِيَّتِها بِأنَّها لا تَتَكَلَّمُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أكْثَرِ الأمْرِ لا يُعَوِّلُ إلّا عَلى دَلائِلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ أنْ لا يَرْجِعُ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَرْجِعُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: (وحَسِبُوا ألّا تَكُونُ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا) [المائدة: ٧١] بِمَعْنى أنَّهُ لا تَكُونُ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ أيْضًا عَلى أنَّ ”أنْ“ هَذِهِ هي
صفحة ٩١
النّاصِبَةُ لِلْأفْعالِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] وهو قَرِيبٌ في المَعْنى مِن قَوْلِهِ في ذَمِّ عَبَدَةِ الأصْنامِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ العِجْلَ لَوْ كانَ يُكَلِّمُهم لَكانَ إلَهًا؛ لَأنَّ الشَّيْءَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِشُرُوطٍ كَثِيرَةٍ، فَفَواتُ واحِدٍ مِنها يَقْتَضِي فَواتَ المَشْرُوطِ، ولَكِنَّ حُصُولَ الواحِدِ فِيها لا يَقْتَضِي حُصُولَ المَشْرُوطِ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما دَفَنْتُمْ نَبِيَّكم حَتّى اخْتَلَفْتُمْ ؟ فَقالَ: إنَّما اخْتَلَفْنا عَنْهُ وما اخْتَلَفْنا فِيهِ، وأنْتُمْ ما جَفَّتْ أقْدامُكم مِن ماءِ البَحْرِ حَتّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ.
طه 20:87
قوله تعالى: ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ .
صفحة ٨٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِمُوسى: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ [طه: ٨٣] وقالَ مُوسى في جَوابِهِ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى ما حَدَثَ مِنَ القَوْمِ بَعْدَ أنْ فارَقَهم مِمّا كانَ يَبْعُدُ أنْ يَحْدُثَ لَوْ كانَ مَعَهم فَقالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ لِوَجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ولَوْ كانَ اللَّهُ خَلَقَ الضَّلالَ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ لِفِعْلِ السّامِرِيِّ فِيهِ أثَرٌ وكانَ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وأيْضًا فَلِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طالَبَهم بِذِكْرِ سَبَبِ تِلْكَ الفِتْنَةِ قالَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ فِينا لا ما ذَكَرْتَ، فَكانَ يَبْطُلُ تَقْسِيمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا فَقالَ: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِخَلْقِهِ لاسْتَحالَ أنْ يَغْضَبَ عَلَيْهِمْ فِيما هو الخالِقُ لَهُ ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَنّا﴾ مَعْنًى آخَرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الفِتْنَةَ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الِامْتِحانِ. يُقالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا امْتَحَنْتَهُ بِالنّارِ لِكَيْ يَتَمَيَّزَ الجَيِّدُ مِنَ الرَّدِيءِ فَهَهُنا شَدَّدَ اللَّهُ التَّكْلِيفَ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ لِأنَّ السّامِرِيَّ لَمّا أخْرَجَ لَهم ذَلِكَ العِجْلَ صارُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يَسْتَدِلُّوا بِحُدُوثِ جُمْلَةِ العالَمِ والأجْسامِ عَلى أنَّ لَها إلَهًا لَيْسَ بِجِسْمٍ، وحِينَئِذٍ يَعْرِفُونَ أنَّ العِجْلَ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فَكانَ هَذا التَّعَبُّدُ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ فَكانَ فِتْنَةً، والتَّشْدِيدُ في التَّكْلِيفِ مَوْجُودٌ قالَ تَعالى: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] هَذا تَمامُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ، قالَ الأصْحابُ: لَيْسَ في ظُهُورِ صَوْتٍ عَنْ عِجْلٍ مُتَّخَذٍ مِنَ الذَّهَبِ شُبْهَةٌ أعْظَمَ مِمّا في الشَّمْسِ والقَمَرِ، والدَّلِيلُ الَّذِي يَنْفِي كَوْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ إلَهًا أوْلى بِأنْ يَنْفِيَ كَوْنَ ذَلِكَ العِجْلِ إلَهًا، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ حُدُوثُ ذَلِكَ العِجْلِ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ فَلا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ فِيهِمْ، قَوْلُهم: أضافَ الإضْلالَ إلى السّامِرِيِّ قُلْنا: ألَيْسَ أنَّ جَمِيعَ المُسَبَّباتِ العادِيَّةِ تُضافُ إلى أسْبابِها في الظّاهِرِ وإنْ كانَ المُوجِدُ لَها هو اللَّهَ تَعالى، فَكَذا هَهُنا، وأيْضًا قُرِئَ ”وأضَلُّهُمُ السّامِرِيُّ“ أيْ وأشَدُّهم ضَلالًا السّامِرِيُّ، وعَلى هَذا لا يَبْقى لِلْمُعْتَزِلَةِ الِاسْتِدْلالُ، ثُمَّ الَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ الشَّغَبِ التَّمَسُّكُ بِفَصْلِ الدّاعِي عَلى ما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ في هَذا الكِتابِ مِرارًا كَثِيرَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالقَوْمِ هَهُنا هُمُ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ افْتَتَنُوا بِالعَجَلِ غَيْرَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كانَ السّامِرِيُّ عِلْجًا مِن أهْلِ كَرْمانَ وقَعَ إلى مِصْرَ وكانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقْرَ والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّهُ كانَ مِن عُظَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ يُقالُ لَها السّامِرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَلْ كانَ رَجُلًا مِنَ القِبْطِ جارًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ آمَنَ بِهِ.
صفحة ٨٨
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ في القِصَّةِ أنَّهم أقامُوا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً وحَسِبُوها أرْبَعِينَ مَعَ أيّامِها وقالُوا: قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ ثُمَّ كانَ أمْرُ العِجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، والتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ لِمُوسى عِنْدَ مَقْدِمِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ الفِتْنَةِ المُتَرَقَّبَةِ بِلَفْظِ المَوْجُودَةِ الكائِنَةِ عَلى عادَتِهِ.
الثّانِي: أنَّ السّامِرِيَّ شَرَعَ في تَدْبِيرِ الأمْرِ لَمّا غابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَزَمَ عَلى إضْلالِهِمْ حالَ مُفارَقَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَأنَّهُ قَدَّرَ الفِتْنَةَ مَوْجُودَةً.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ ذا القَعْدَةِ وعَشْرَ ذِي الحِجَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ذَكَرُوا في الأسَفِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ شِدَّةُ الغَضَبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ التَّكْرارُ لِأنَّ قَوْلَهُ: غَضْبانَ يُفِيدُ أصْلَ الغَضَبِ وقَوْلَهُ: ”أسِفًا“ يُفِيدُ كَمالَهُ.
وثانِيها: قالَ الأكْثَرُونَ حُزْنًا وجَزَعًا يُقالُ: أسِفَ يَأْسَفُ أسَفًا إذا حَزِنَ فَهو آسِفٌ.
وثالِثُها: قالَ قَوْمُ: الآسِفُ المُغْتاظُ وفَرَّقُوا بَيْنَ الِاغْتِياظِ والغَضَبِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُوصَفُ بِالغَيْظِ ويُوصَفُ بِالغَضَبِ مِن حَيْثُ كانَ الغَضَبُ إرادَةَ الإضْرارِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، والغَيْظُ تَغَيُّرٌ يَلْحَقُ المُغْتاظَ وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا عَلى الأجْسامِ كالضَّحِكِ والبُكاءِ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ عاتَبَهم بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَيْهِمْ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكُفْرَ فِيهِمْ وإلّا لَما عاتَبَهم، بَلْ يَجِبُ أنْ يُعاتَبَ اللَّهُ تَعالى قالَ الأصْحابُ: وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ومَجْمُوعُ تِلْكَ المُعاتَباتِ أُمُورٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾ هَذا الكَلامُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ لَوْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِإلَهٍ آخَرَ سِوى العِجْلِ أمّا لَمّا اعْتَقَدُوا أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا هَذا إلَهُهم وإلَهُ مُوسى كَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامُ. الجَوابُ: أنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالإلَهِ لَكِنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ عَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي يَذْكُرُهُ عَبَدَةُ الأصْنامِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ بِذَلِكَ الوَعْدِ الحَسَنِ. الجَوابُ: ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ ما وعَدَهم مِن إنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِمْ لِيَقِفُوا عَلى الشَّرائِعِ والأحْكامِ ويَحْصُلَ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ مَزِيَّةٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الوَعْدَ الحَسَنَ هو الوَعْدُ الصِّدْقُ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ.
وثالِثُها: الوَعْدُ هو العَهْدُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وذَلِكَ العَهْدُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: أفَنَسِيتُمْ ذَلِكَ الَّذِي قالَ اللَّهُ لَكم ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ .
ورابِعُها: الوَعْدُ الحَسَنُ هَهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعْدًا حَسَنًا في مَنافِعِ الدِّينِ وأنْ يَكُونَ في مَنافِعِ الدُّنْيا، أمّا مَنافِعُ الدِّينِ فَهو الوَعْدُ بِإنْزالِ الكِتابِ الشَّرِيفِ الهادِي إلى الشَّرائِعِ والأحْكامِ والوَعْدُ بِحُصُولِ الثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ. وأمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَهو أنَّهُ تَعالى قَبْلَ إهْلاكِ فِرْعَوْنَ كانَ قَدْ وعَدَهم أرْضَهم ودِيارَهم، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فالمُرادُ أفَنَسِيتُمْ ذَلِكَ العَهْدَ أمْ تَعَمَّدْتُمُ المَعْصِيَةَ، واعْلَمْ أنَّ طُولَ العَهْدِ يَحْتَمِلُ أُمُورًا:
أحَدُها: أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى مِن إنْجائِهِ إيّاكم مِن فِرْعَوْنَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ
صفحة ٨٩
المَذْكُورَةِ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] .
وثانِيها: يُرْوى أنَّهم عَرَفُوا أنَّ الأجَلَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَجَعَلُوا كُلَّ يَوْمٍ بِإزاءِ لَيْلَةٍ ورَدُّوهُ إلى عِشْرِينَ. قالَ القاضِي: هَذا رَكِيكٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكادُ يَشْتَبِهُ عَلى أحَدٍ.
وثالِثُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَهم ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا زادَ اللَّهُ تَعالى فِيها عَشَرَةً أُخْرى كانَ ذَلِكَ طُولَ العَهْدِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَهَذا لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ أحَدًا لا يُرِيدُ ذَلِكَ، ولَكِنَّ المَعْصِيَةَ لَمّا كانَتْ تُوجِبُ ذَلِكَ، ومُرِيدُ السَّبَبِ مُرِيدٌ لِلْمُسَبَّبِ بِالعَرَضِ صَحَّ هَذا الكَلامُ واحْتَجَّ العُلَماءُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الغَضَبَ مِن صِفاتِ الأفْعالِ لا مِن صِفاتِ الذّاتِ لِأنَّ صِفَةَ ذاتِ اللَّهِ تَعالى لا تَنْزِلُ في شَيْءٍ مِنَ الأجْسامِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى مَوْعِدٍ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ القَوْمِ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ ما وعَدُوهُ مِنَ اللَّحاقِ بِهِ والمَجِيءِ عَلى أثَرِهِ.
والثّانِي: ما وعَدُوهُ مِنَ الإقامَةِ عَلى دِينِهِ إلى أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: ﴿ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ وفي أنَّ قائِلَ هَذا الجَوابِ مَن هو وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا أيْ بِأمْرٍ كُنّا نَمْلِكُهُ، وقَدْ يُضِيفُ الرَّجُلُ فِعْلَ قَرِيبِهِ إلى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] وإنْ كانَ الفاعِلُ لِذَلِكَ آباءَهم لا هم فَكَأنَّهم قالُوا: الشُّبْهَةُ قَوِيَتْ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلى مَنعِهِمْ عَنْهُ ولَمْ نَقْدِرْ أيْضًا عَلى مُفارَقَتِهِمْ لِأنّا خِفْنا أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ التَّفْرِقَةِ وزِيادَةِ الفِتْنَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا قَوْلُ عَبَدَةِ العِجْلِ، والمُرادُ أنَّ غَيْرَنا أوْقَعَ الشُّبْهَةَ في قُلُوبِنا، وفاعِلُ السَّبَبِ فاعِلُ المُسَبَّبِ، ومُخْلِفُ الوَعْدِ هو الَّذِي أوْقَعَ الشُّبْهَةَ فَإنَّهُ كانَ كالمالِكِ لَنا. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ رُجُوعُ قَرِيبٍ مِن سِتِّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ مِنَ العُقَلاءِ المُكَلَّفِينَ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ دُفْعَةً واحِدَةً إلى عِبادَةِ العِجْلِ الَّذِي يُعْرَفُ فَسادُها بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ إنَّ مِثْلَ هَذا الجَمْعِ لَمّا فارَقُوا الدِّينَ وأظْهَرُوا الكُفْرَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ رُجُوعُهم دُفْعَةً واحِدَةً عَنْ ذَلِكَ الدِّينِ بِسَبَبِ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلَيْهِمْ، قُلْنا: هَذا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ في حَقِّ البُلْهِ مِنَ النّاسِ، واعْلَمْ أنَّ في ”بِمَلْكِنا“ ثَلاثَ قِراءاتٍ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ، ونافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ بِالكَسْرِ، أمّا الكَسْرُ والفَتْحُ فَهُما واحِدٌ وهُما لُغَتانِ مِثْلُ رِطْلٍ ورَطْلٍ. وأمّا الضَّمُّ فَهو السُّلْطانُ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ فَسَّرُوا ذَلِكَ العُذْرَ المُجْمَلَ فَقالُوا: ﴿ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”حَمَلْنا“ مُخَفَّفَةً مِنَ الحَمْلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَفْصٌ وابْنُ عامِرٍ: ”حُمِّلْنا“ مُشَدَّدَةً، فَمَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَمَعْناهُ حَمَلْنا مَعَ أنْفُسِنا ما كُنّا اسْتَعَرْناهُ مِنَ القَوْمِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ أيْ أمَرَهم بِاسْتِعارَةِ الحُلِيِّ والخُرُوجِ بِها فَكَأنَّهُ ألْزَمَهم ذَلِكَ.
وثانِيها: جَعَلَنا كالضّامِنِ لَها إلى أنْ نُؤَدِّيَها إلى حَيْثُ يَأْمُرُنا اللَّهُ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَمَّلَهم ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ ألْزَمَهم فِيهِ حُكْمَ المَغْنَمِ، أمّا الأوْزارُ فَهي الأثْقالُ ومِن ذَلِكَ سُمِّيَ الذَّنْبُ وِزْرًا لِأنَّهُ ثِقَلٌ ثُمَّ فِيهِ احْتِمالاتٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لِكَثْرَتِها كانَتْ أثْقالًا.
وثانِيها: أنَّ المَغانِمَ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ فَكانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ حِفْظُها مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَكانَتْ أثْقالًا.
وثالِثُها: المُرادُ بِالأوْزارِ الآثامُ والمَعْنى حَمَلْنا آثامًا، رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّها نَجِسَةٌ فَتَطَهَّرُوا مِنها، وقالَ السّامِرِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما احْتُبِسَ عُقُوبَةً بِالحُلِيِّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا هَذا القَوْلَ. وقَدْ يَقُولُ الإنْسانُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَلْزَمُهُ رَدُّهُ: هَذا كُلُّهُ إثْمٌ وذَنْبٌ.
ورابِعُها: أنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ كانَ القِبْطُ يَتَزَيَّنُونَ بِهِ في مَجامِعٍ لَهم يَجْرِي فِيها الكُفْرُ لا جَرَمَ أنَّها وُصِفَتْ بِكَوْنِها
صفحة ٩٠
أوْزارًا كَما يُقالُ مِثْلُهُ في آلاتِ المَعاصِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَذَفْناها﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا في أنَّهم أيْنَ قَذَفُوها ؟
الوَجْهُ الأوَّلُ: قَذَفُوها في حُفْرَةٍ كانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِجَمْعِ الحُلِيِّ فِيها انْتِظارًا لِعَوْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والوَجْهُ الثّانِي: قَذَفُوها في مَوْضِعٍ أمَرَهُمُ السّامِرِيُّ بِذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في مَوْضِعٍ جُمِعَ فِيهِ النّارُ ثُمَّ قالُوا: فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ أيْ فَعَلَ السّامِرِيُّ مِثْلَ ما فَعَلْنا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ فاخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ ذَلِكَ الجَسَدُ حَيًّا أمْ لا ؟
فالقَوْلُ الأوَّلُ: لا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إظْهارُ خَرْقِ العادَةِ عَلى يَدِ الضّالِّ بَلِ السّامِرِيُّ صَوَّرَ صُورَةً عَلى شَكْلِ العِجْلِ وجَعَلَ فِيها مَنافِذَ ومَخارِقَ بِحَيْثُ تَدْخُلُ فِيها الرِّياحُ فَيَخْرُجُ صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ العِجْلِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ صارَ حَيًّا وخارَ كَما يَخُورُ العِجْلُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] ولَوْ لَمْ يَصِرْ حَيًّا لَما بَقِيَ لِهَذا الكَلامِ فائِدَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ عِجْلًا والعِجْلُ حَقِيقَةٌ في الحَيَوانِ وسَمّاهُ جَسَدًا وهو إنَّما يَتَناوَلُ الحَيَّ.
وثالِثُها: أثْبَتَ لَهُ الخُوارَ وأجابُوا عَنْ حُجَّةِ الأوَّلِينَ بِأنَّ ظُهُورَ خَوارِقِ العادَةِ عَلى يَدِ مُدَّعِي الإلَهِيَّةِ جائِزٌ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ الِالتِباسُ وهَهُنا كَذَلِكَ فَوَجَبَ أنْ لا يَمْتَنِعَ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِالسّامِرِيِّ وهو يَصْنَعُ العِجْلَ فَقالَ: ما تَصْنَعُ ؟ فَقالَ: أصْنَعُ ما يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فادْعُ لِي فَقالَ: اللَّهُمَّ أعْطِهِ ما سَألَ فَلَمّا مَضى هارُونُ قالَ السّامِرِيُّ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ أنْ يَخُورَ فَخارَ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِلنَّبِيِّ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] فَفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ القَوْمَ إنْ كانُوا في الجَهالَةِ بِحَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ ذَلِكَ العِجْلَ المَعْمُولَ في تِلْكَ السّاعَةِ هو الخالِقُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ فَهم مَجانِينُ ولَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ، ولِأنَّ مِثْلَ هَذا الجُنُونِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ مُحالٌ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا ذَلِكَ، فَكَيْفَ قالُوا: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى ؟ وجَوابُهُ: لَعَلَّهم كانُوا مِنَ الحُلُولِيَّةِ فَجَوَّزُوا حُلُولَ الإلَهِ أوْ حُلُولَ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ في ذَلِكَ الجِسْمِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ ظُهُورَ الخُوارِ لا يُناسِبُ الإلَهِيَّةَ، ولَكِنْ لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا في نِهايَةِ البَلادَةِ والجَلافَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَسِيَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ السّامِرِيِّ أنَّهُ نَسِيَ الِاسْتِدْلالَ عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ وأنَّ الإلَهَ لا يَحِلُّ في شَيْءٍ ولا يَحِلُّ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ المَعْنى الَّذِي يَجِبُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنَّ مَن لا يَتَكَلَّمُ ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ لا يَكُونُ إلَهًا ولا يَكُونُ لِلْإلَهِ تَعَلُّقٌ بِهِ في الحالِيَّةِ والمَحَلِّيَّةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ وصَفَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ مُوسى أنَّ هَذا هو الإلَهُ فَذَهَبَ يَطْلُبُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: فَنَسِيَ وقْتَ المَوْعِدِ في الرُّجُوعِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ فَهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى عَدَمِ إلَهِيَّتِها بِأنَّها لا تَتَكَلَّمُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أكْثَرِ الأمْرِ لا يُعَوِّلُ إلّا عَلى دَلائِلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ أنْ لا يَرْجِعُ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَرْجِعُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: (وحَسِبُوا ألّا تَكُونُ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا) [المائدة: ٧١] بِمَعْنى أنَّهُ لا تَكُونُ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ أيْضًا عَلى أنَّ ”أنْ“ هَذِهِ هي
صفحة ٩١
النّاصِبَةُ لِلْأفْعالِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] وهو قَرِيبٌ في المَعْنى مِن قَوْلِهِ في ذَمِّ عَبَدَةِ الأصْنامِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ العِجْلَ لَوْ كانَ يُكَلِّمُهم لَكانَ إلَهًا؛ لَأنَّ الشَّيْءَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِشُرُوطٍ كَثِيرَةٍ، فَفَواتُ واحِدٍ مِنها يَقْتَضِي فَواتَ المَشْرُوطِ، ولَكِنَّ حُصُولَ الواحِدِ فِيها لا يَقْتَضِي حُصُولَ المَشْرُوطِ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما دَفَنْتُمْ نَبِيَّكم حَتّى اخْتَلَفْتُمْ ؟ فَقالَ: إنَّما اخْتَلَفْنا عَنْهُ وما اخْتَلَفْنا فِيهِ، وأنْتُمْ ما جَفَّتْ أقْدامُكم مِن ماءِ البَحْرِ حَتّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ.
طه 20:88
قوله تعالى: ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ .
صفحة ٨٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِمُوسى: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ [طه: ٨٣] وقالَ مُوسى في جَوابِهِ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى ما حَدَثَ مِنَ القَوْمِ بَعْدَ أنْ فارَقَهم مِمّا كانَ يَبْعُدُ أنْ يَحْدُثَ لَوْ كانَ مَعَهم فَقالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ لِوَجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ولَوْ كانَ اللَّهُ خَلَقَ الضَّلالَ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ لِفِعْلِ السّامِرِيِّ فِيهِ أثَرٌ وكانَ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وأيْضًا فَلِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طالَبَهم بِذِكْرِ سَبَبِ تِلْكَ الفِتْنَةِ قالَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ فِينا لا ما ذَكَرْتَ، فَكانَ يَبْطُلُ تَقْسِيمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا فَقالَ: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِخَلْقِهِ لاسْتَحالَ أنْ يَغْضَبَ عَلَيْهِمْ فِيما هو الخالِقُ لَهُ ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَنّا﴾ مَعْنًى آخَرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الفِتْنَةَ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الِامْتِحانِ. يُقالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا امْتَحَنْتَهُ بِالنّارِ لِكَيْ يَتَمَيَّزَ الجَيِّدُ مِنَ الرَّدِيءِ فَهَهُنا شَدَّدَ اللَّهُ التَّكْلِيفَ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ لِأنَّ السّامِرِيَّ لَمّا أخْرَجَ لَهم ذَلِكَ العِجْلَ صارُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يَسْتَدِلُّوا بِحُدُوثِ جُمْلَةِ العالَمِ والأجْسامِ عَلى أنَّ لَها إلَهًا لَيْسَ بِجِسْمٍ، وحِينَئِذٍ يَعْرِفُونَ أنَّ العِجْلَ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فَكانَ هَذا التَّعَبُّدُ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ فَكانَ فِتْنَةً، والتَّشْدِيدُ في التَّكْلِيفِ مَوْجُودٌ قالَ تَعالى: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] هَذا تَمامُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ، قالَ الأصْحابُ: لَيْسَ في ظُهُورِ صَوْتٍ عَنْ عِجْلٍ مُتَّخَذٍ مِنَ الذَّهَبِ شُبْهَةٌ أعْظَمَ مِمّا في الشَّمْسِ والقَمَرِ، والدَّلِيلُ الَّذِي يَنْفِي كَوْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ إلَهًا أوْلى بِأنْ يَنْفِيَ كَوْنَ ذَلِكَ العِجْلِ إلَهًا، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ حُدُوثُ ذَلِكَ العِجْلِ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ فَلا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ فِيهِمْ، قَوْلُهم: أضافَ الإضْلالَ إلى السّامِرِيِّ قُلْنا: ألَيْسَ أنَّ جَمِيعَ المُسَبَّباتِ العادِيَّةِ تُضافُ إلى أسْبابِها في الظّاهِرِ وإنْ كانَ المُوجِدُ لَها هو اللَّهَ تَعالى، فَكَذا هَهُنا، وأيْضًا قُرِئَ ”وأضَلُّهُمُ السّامِرِيُّ“ أيْ وأشَدُّهم ضَلالًا السّامِرِيُّ، وعَلى هَذا لا يَبْقى لِلْمُعْتَزِلَةِ الِاسْتِدْلالُ، ثُمَّ الَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ الشَّغَبِ التَّمَسُّكُ بِفَصْلِ الدّاعِي عَلى ما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ في هَذا الكِتابِ مِرارًا كَثِيرَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالقَوْمِ هَهُنا هُمُ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ افْتَتَنُوا بِالعَجَلِ غَيْرَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كانَ السّامِرِيُّ عِلْجًا مِن أهْلِ كَرْمانَ وقَعَ إلى مِصْرَ وكانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقْرَ والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّهُ كانَ مِن عُظَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ يُقالُ لَها السّامِرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَلْ كانَ رَجُلًا مِنَ القِبْطِ جارًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ آمَنَ بِهِ.
صفحة ٨٨
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ في القِصَّةِ أنَّهم أقامُوا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً وحَسِبُوها أرْبَعِينَ مَعَ أيّامِها وقالُوا: قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ ثُمَّ كانَ أمْرُ العِجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، والتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ لِمُوسى عِنْدَ مَقْدِمِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ الفِتْنَةِ المُتَرَقَّبَةِ بِلَفْظِ المَوْجُودَةِ الكائِنَةِ عَلى عادَتِهِ.
الثّانِي: أنَّ السّامِرِيَّ شَرَعَ في تَدْبِيرِ الأمْرِ لَمّا غابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَزَمَ عَلى إضْلالِهِمْ حالَ مُفارَقَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَأنَّهُ قَدَّرَ الفِتْنَةَ مَوْجُودَةً.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ ذا القَعْدَةِ وعَشْرَ ذِي الحِجَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ذَكَرُوا في الأسَفِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ شِدَّةُ الغَضَبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ التَّكْرارُ لِأنَّ قَوْلَهُ: غَضْبانَ يُفِيدُ أصْلَ الغَضَبِ وقَوْلَهُ: ”أسِفًا“ يُفِيدُ كَمالَهُ.
وثانِيها: قالَ الأكْثَرُونَ حُزْنًا وجَزَعًا يُقالُ: أسِفَ يَأْسَفُ أسَفًا إذا حَزِنَ فَهو آسِفٌ.
وثالِثُها: قالَ قَوْمُ: الآسِفُ المُغْتاظُ وفَرَّقُوا بَيْنَ الِاغْتِياظِ والغَضَبِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُوصَفُ بِالغَيْظِ ويُوصَفُ بِالغَضَبِ مِن حَيْثُ كانَ الغَضَبُ إرادَةَ الإضْرارِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، والغَيْظُ تَغَيُّرٌ يَلْحَقُ المُغْتاظَ وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا عَلى الأجْسامِ كالضَّحِكِ والبُكاءِ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ عاتَبَهم بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَيْهِمْ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكُفْرَ فِيهِمْ وإلّا لَما عاتَبَهم، بَلْ يَجِبُ أنْ يُعاتَبَ اللَّهُ تَعالى قالَ الأصْحابُ: وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ومَجْمُوعُ تِلْكَ المُعاتَباتِ أُمُورٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾ هَذا الكَلامُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ لَوْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِإلَهٍ آخَرَ سِوى العِجْلِ أمّا لَمّا اعْتَقَدُوا أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا هَذا إلَهُهم وإلَهُ مُوسى كَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامُ. الجَوابُ: أنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالإلَهِ لَكِنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ عَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي يَذْكُرُهُ عَبَدَةُ الأصْنامِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ بِذَلِكَ الوَعْدِ الحَسَنِ. الجَوابُ: ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ ما وعَدَهم مِن إنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِمْ لِيَقِفُوا عَلى الشَّرائِعِ والأحْكامِ ويَحْصُلَ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ مَزِيَّةٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الوَعْدَ الحَسَنَ هو الوَعْدُ الصِّدْقُ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ.
وثالِثُها: الوَعْدُ هو العَهْدُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وذَلِكَ العَهْدُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: أفَنَسِيتُمْ ذَلِكَ الَّذِي قالَ اللَّهُ لَكم ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ .
ورابِعُها: الوَعْدُ الحَسَنُ هَهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعْدًا حَسَنًا في مَنافِعِ الدِّينِ وأنْ يَكُونَ في مَنافِعِ الدُّنْيا، أمّا مَنافِعُ الدِّينِ فَهو الوَعْدُ بِإنْزالِ الكِتابِ الشَّرِيفِ الهادِي إلى الشَّرائِعِ والأحْكامِ والوَعْدُ بِحُصُولِ الثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ. وأمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَهو أنَّهُ تَعالى قَبْلَ إهْلاكِ فِرْعَوْنَ كانَ قَدْ وعَدَهم أرْضَهم ودِيارَهم، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فالمُرادُ أفَنَسِيتُمْ ذَلِكَ العَهْدَ أمْ تَعَمَّدْتُمُ المَعْصِيَةَ، واعْلَمْ أنَّ طُولَ العَهْدِ يَحْتَمِلُ أُمُورًا:
أحَدُها: أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى مِن إنْجائِهِ إيّاكم مِن فِرْعَوْنَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ
صفحة ٨٩
المَذْكُورَةِ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] .
وثانِيها: يُرْوى أنَّهم عَرَفُوا أنَّ الأجَلَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَجَعَلُوا كُلَّ يَوْمٍ بِإزاءِ لَيْلَةٍ ورَدُّوهُ إلى عِشْرِينَ. قالَ القاضِي: هَذا رَكِيكٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكادُ يَشْتَبِهُ عَلى أحَدٍ.
وثالِثُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَهم ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا زادَ اللَّهُ تَعالى فِيها عَشَرَةً أُخْرى كانَ ذَلِكَ طُولَ العَهْدِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَهَذا لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ أحَدًا لا يُرِيدُ ذَلِكَ، ولَكِنَّ المَعْصِيَةَ لَمّا كانَتْ تُوجِبُ ذَلِكَ، ومُرِيدُ السَّبَبِ مُرِيدٌ لِلْمُسَبَّبِ بِالعَرَضِ صَحَّ هَذا الكَلامُ واحْتَجَّ العُلَماءُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الغَضَبَ مِن صِفاتِ الأفْعالِ لا مِن صِفاتِ الذّاتِ لِأنَّ صِفَةَ ذاتِ اللَّهِ تَعالى لا تَنْزِلُ في شَيْءٍ مِنَ الأجْسامِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى مَوْعِدٍ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ القَوْمِ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ ما وعَدُوهُ مِنَ اللَّحاقِ بِهِ والمَجِيءِ عَلى أثَرِهِ.
والثّانِي: ما وعَدُوهُ مِنَ الإقامَةِ عَلى دِينِهِ إلى أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: ﴿ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ وفي أنَّ قائِلَ هَذا الجَوابِ مَن هو وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا أيْ بِأمْرٍ كُنّا نَمْلِكُهُ، وقَدْ يُضِيفُ الرَّجُلُ فِعْلَ قَرِيبِهِ إلى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] وإنْ كانَ الفاعِلُ لِذَلِكَ آباءَهم لا هم فَكَأنَّهم قالُوا: الشُّبْهَةُ قَوِيَتْ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلى مَنعِهِمْ عَنْهُ ولَمْ نَقْدِرْ أيْضًا عَلى مُفارَقَتِهِمْ لِأنّا خِفْنا أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ التَّفْرِقَةِ وزِيادَةِ الفِتْنَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا قَوْلُ عَبَدَةِ العِجْلِ، والمُرادُ أنَّ غَيْرَنا أوْقَعَ الشُّبْهَةَ في قُلُوبِنا، وفاعِلُ السَّبَبِ فاعِلُ المُسَبَّبِ، ومُخْلِفُ الوَعْدِ هو الَّذِي أوْقَعَ الشُّبْهَةَ فَإنَّهُ كانَ كالمالِكِ لَنا. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ رُجُوعُ قَرِيبٍ مِن سِتِّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ مِنَ العُقَلاءِ المُكَلَّفِينَ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ دُفْعَةً واحِدَةً إلى عِبادَةِ العِجْلِ الَّذِي يُعْرَفُ فَسادُها بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ إنَّ مِثْلَ هَذا الجَمْعِ لَمّا فارَقُوا الدِّينَ وأظْهَرُوا الكُفْرَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ رُجُوعُهم دُفْعَةً واحِدَةً عَنْ ذَلِكَ الدِّينِ بِسَبَبِ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلَيْهِمْ، قُلْنا: هَذا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ في حَقِّ البُلْهِ مِنَ النّاسِ، واعْلَمْ أنَّ في ”بِمَلْكِنا“ ثَلاثَ قِراءاتٍ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ، ونافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ بِالكَسْرِ، أمّا الكَسْرُ والفَتْحُ فَهُما واحِدٌ وهُما لُغَتانِ مِثْلُ رِطْلٍ ورَطْلٍ. وأمّا الضَّمُّ فَهو السُّلْطانُ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ فَسَّرُوا ذَلِكَ العُذْرَ المُجْمَلَ فَقالُوا: ﴿ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”حَمَلْنا“ مُخَفَّفَةً مِنَ الحَمْلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَفْصٌ وابْنُ عامِرٍ: ”حُمِّلْنا“ مُشَدَّدَةً، فَمَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَمَعْناهُ حَمَلْنا مَعَ أنْفُسِنا ما كُنّا اسْتَعَرْناهُ مِنَ القَوْمِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ أيْ أمَرَهم بِاسْتِعارَةِ الحُلِيِّ والخُرُوجِ بِها فَكَأنَّهُ ألْزَمَهم ذَلِكَ.
وثانِيها: جَعَلَنا كالضّامِنِ لَها إلى أنْ نُؤَدِّيَها إلى حَيْثُ يَأْمُرُنا اللَّهُ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَمَّلَهم ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ ألْزَمَهم فِيهِ حُكْمَ المَغْنَمِ، أمّا الأوْزارُ فَهي الأثْقالُ ومِن ذَلِكَ سُمِّيَ الذَّنْبُ وِزْرًا لِأنَّهُ ثِقَلٌ ثُمَّ فِيهِ احْتِمالاتٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لِكَثْرَتِها كانَتْ أثْقالًا.
وثانِيها: أنَّ المَغانِمَ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ فَكانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ حِفْظُها مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَكانَتْ أثْقالًا.
وثالِثُها: المُرادُ بِالأوْزارِ الآثامُ والمَعْنى حَمَلْنا آثامًا، رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّها نَجِسَةٌ فَتَطَهَّرُوا مِنها، وقالَ السّامِرِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما احْتُبِسَ عُقُوبَةً بِالحُلِيِّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا هَذا القَوْلَ. وقَدْ يَقُولُ الإنْسانُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَلْزَمُهُ رَدُّهُ: هَذا كُلُّهُ إثْمٌ وذَنْبٌ.
ورابِعُها: أنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ كانَ القِبْطُ يَتَزَيَّنُونَ بِهِ في مَجامِعٍ لَهم يَجْرِي فِيها الكُفْرُ لا جَرَمَ أنَّها وُصِفَتْ بِكَوْنِها
صفحة ٩٠
أوْزارًا كَما يُقالُ مِثْلُهُ في آلاتِ المَعاصِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَذَفْناها﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا في أنَّهم أيْنَ قَذَفُوها ؟
الوَجْهُ الأوَّلُ: قَذَفُوها في حُفْرَةٍ كانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِجَمْعِ الحُلِيِّ فِيها انْتِظارًا لِعَوْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والوَجْهُ الثّانِي: قَذَفُوها في مَوْضِعٍ أمَرَهُمُ السّامِرِيُّ بِذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في مَوْضِعٍ جُمِعَ فِيهِ النّارُ ثُمَّ قالُوا: فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ أيْ فَعَلَ السّامِرِيُّ مِثْلَ ما فَعَلْنا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ فاخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ ذَلِكَ الجَسَدُ حَيًّا أمْ لا ؟
فالقَوْلُ الأوَّلُ: لا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إظْهارُ خَرْقِ العادَةِ عَلى يَدِ الضّالِّ بَلِ السّامِرِيُّ صَوَّرَ صُورَةً عَلى شَكْلِ العِجْلِ وجَعَلَ فِيها مَنافِذَ ومَخارِقَ بِحَيْثُ تَدْخُلُ فِيها الرِّياحُ فَيَخْرُجُ صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ العِجْلِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ صارَ حَيًّا وخارَ كَما يَخُورُ العِجْلُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] ولَوْ لَمْ يَصِرْ حَيًّا لَما بَقِيَ لِهَذا الكَلامِ فائِدَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ عِجْلًا والعِجْلُ حَقِيقَةٌ في الحَيَوانِ وسَمّاهُ جَسَدًا وهو إنَّما يَتَناوَلُ الحَيَّ.
وثالِثُها: أثْبَتَ لَهُ الخُوارَ وأجابُوا عَنْ حُجَّةِ الأوَّلِينَ بِأنَّ ظُهُورَ خَوارِقِ العادَةِ عَلى يَدِ مُدَّعِي الإلَهِيَّةِ جائِزٌ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ الِالتِباسُ وهَهُنا كَذَلِكَ فَوَجَبَ أنْ لا يَمْتَنِعَ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِالسّامِرِيِّ وهو يَصْنَعُ العِجْلَ فَقالَ: ما تَصْنَعُ ؟ فَقالَ: أصْنَعُ ما يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فادْعُ لِي فَقالَ: اللَّهُمَّ أعْطِهِ ما سَألَ فَلَمّا مَضى هارُونُ قالَ السّامِرِيُّ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ أنْ يَخُورَ فَخارَ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِلنَّبِيِّ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] فَفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ القَوْمَ إنْ كانُوا في الجَهالَةِ بِحَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ ذَلِكَ العِجْلَ المَعْمُولَ في تِلْكَ السّاعَةِ هو الخالِقُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ فَهم مَجانِينُ ولَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ، ولِأنَّ مِثْلَ هَذا الجُنُونِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ مُحالٌ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا ذَلِكَ، فَكَيْفَ قالُوا: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى ؟ وجَوابُهُ: لَعَلَّهم كانُوا مِنَ الحُلُولِيَّةِ فَجَوَّزُوا حُلُولَ الإلَهِ أوْ حُلُولَ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ في ذَلِكَ الجِسْمِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ ظُهُورَ الخُوارِ لا يُناسِبُ الإلَهِيَّةَ، ولَكِنْ لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا في نِهايَةِ البَلادَةِ والجَلافَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَسِيَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ السّامِرِيِّ أنَّهُ نَسِيَ الِاسْتِدْلالَ عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ وأنَّ الإلَهَ لا يَحِلُّ في شَيْءٍ ولا يَحِلُّ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ المَعْنى الَّذِي يَجِبُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنَّ مَن لا يَتَكَلَّمُ ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ لا يَكُونُ إلَهًا ولا يَكُونُ لِلْإلَهِ تَعَلُّقٌ بِهِ في الحالِيَّةِ والمَحَلِّيَّةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ وصَفَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ مُوسى أنَّ هَذا هو الإلَهُ فَذَهَبَ يَطْلُبُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: فَنَسِيَ وقْتَ المَوْعِدِ في الرُّجُوعِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ فَهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى عَدَمِ إلَهِيَّتِها بِأنَّها لا تَتَكَلَّمُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أكْثَرِ الأمْرِ لا يُعَوِّلُ إلّا عَلى دَلائِلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ أنْ لا يَرْجِعُ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَرْجِعُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: (وحَسِبُوا ألّا تَكُونُ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا) [المائدة: ٧١] بِمَعْنى أنَّهُ لا تَكُونُ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ أيْضًا عَلى أنَّ ”أنْ“ هَذِهِ هي
صفحة ٩١
النّاصِبَةُ لِلْأفْعالِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] وهو قَرِيبٌ في المَعْنى مِن قَوْلِهِ في ذَمِّ عَبَدَةِ الأصْنامِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ العِجْلَ لَوْ كانَ يُكَلِّمُهم لَكانَ إلَهًا؛ لَأنَّ الشَّيْءَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِشُرُوطٍ كَثِيرَةٍ، فَفَواتُ واحِدٍ مِنها يَقْتَضِي فَواتَ المَشْرُوطِ، ولَكِنَّ حُصُولَ الواحِدِ فِيها لا يَقْتَضِي حُصُولَ المَشْرُوطِ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما دَفَنْتُمْ نَبِيَّكم حَتّى اخْتَلَفْتُمْ ؟ فَقالَ: إنَّما اخْتَلَفْنا عَنْهُ وما اخْتَلَفْنا فِيهِ، وأنْتُمْ ما جَفَّتْ أقْدامُكم مِن ماءِ البَحْرِ حَتّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ.
طه 20:89
قوله تعالى: ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ .
صفحة ٨٧
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِمُوسى: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ [طه: ٨٣] وقالَ مُوسى في جَوابِهِ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] عَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى ما حَدَثَ مِنَ القَوْمِ بَعْدَ أنْ فارَقَهم مِمّا كانَ يَبْعُدُ أنْ يَحْدُثَ لَوْ كانَ مَعَهم فَقالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ لِوَجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ ولَوْ كانَ اللَّهُ خَلَقَ الضَّلالَ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ لِفِعْلِ السّامِرِيِّ فِيهِ أثَرٌ وكانَ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وأيْضًا فَلِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طالَبَهم بِذِكْرِ سَبَبِ تِلْكَ الفِتْنَةِ قالَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ فِينا لا ما ذَكَرْتَ، فَكانَ يَبْطُلُ تَقْسِيمُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا فَقالَ: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِخَلْقِهِ لاسْتَحالَ أنْ يَغْضَبَ عَلَيْهِمْ فِيما هو الخالِقُ لَهُ ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَنّا﴾ مَعْنًى آخَرُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الفِتْنَةَ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الِامْتِحانِ. يُقالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ إذا امْتَحَنْتَهُ بِالنّارِ لِكَيْ يَتَمَيَّزَ الجَيِّدُ مِنَ الرَّدِيءِ فَهَهُنا شَدَّدَ اللَّهُ التَّكْلِيفَ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ لِأنَّ السّامِرِيَّ لَمّا أخْرَجَ لَهم ذَلِكَ العِجْلَ صارُوا مُكَلَّفِينَ بِأنْ يَسْتَدِلُّوا بِحُدُوثِ جُمْلَةِ العالَمِ والأجْسامِ عَلى أنَّ لَها إلَهًا لَيْسَ بِجِسْمٍ، وحِينَئِذٍ يَعْرِفُونَ أنَّ العِجْلَ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فَكانَ هَذا التَّعَبُّدُ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ فَكانَ فِتْنَةً، والتَّشْدِيدُ في التَّكْلِيفِ مَوْجُودٌ قالَ تَعالى: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] هَذا تَمامُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ، قالَ الأصْحابُ: لَيْسَ في ظُهُورِ صَوْتٍ عَنْ عِجْلٍ مُتَّخَذٍ مِنَ الذَّهَبِ شُبْهَةٌ أعْظَمَ مِمّا في الشَّمْسِ والقَمَرِ، والدَّلِيلُ الَّذِي يَنْفِي كَوْنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ إلَهًا أوْلى بِأنْ يَنْفِيَ كَوْنَ ذَلِكَ العِجْلِ إلَهًا، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ حُدُوثُ ذَلِكَ العِجْلِ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ فَلا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ فِيهِمْ، قَوْلُهم: أضافَ الإضْلالَ إلى السّامِرِيِّ قُلْنا: ألَيْسَ أنَّ جَمِيعَ المُسَبَّباتِ العادِيَّةِ تُضافُ إلى أسْبابِها في الظّاهِرِ وإنْ كانَ المُوجِدُ لَها هو اللَّهَ تَعالى، فَكَذا هَهُنا، وأيْضًا قُرِئَ ”وأضَلُّهُمُ السّامِرِيُّ“ أيْ وأشَدُّهم ضَلالًا السّامِرِيُّ، وعَلى هَذا لا يَبْقى لِلْمُعْتَزِلَةِ الِاسْتِدْلالُ، ثُمَّ الَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ الشَّغَبِ التَّمَسُّكُ بِفَصْلِ الدّاعِي عَلى ما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ في هَذا الكِتابِ مِرارًا كَثِيرَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالقَوْمِ هَهُنا هُمُ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ افْتَتَنُوا بِالعَجَلِ غَيْرَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كانَ السّامِرِيُّ عِلْجًا مِن أهْلِ كَرْمانَ وقَعَ إلى مِصْرَ وكانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقْرَ والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ أنَّهُ كانَ مِن عُظَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ يُقالُ لَها السّامِرَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَلْ كانَ رَجُلًا مِنَ القِبْطِ جارًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ آمَنَ بِهِ.
صفحة ٨٨
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ في القِصَّةِ أنَّهم أقامُوا بَعْدَ مُفارَقَتِهِ عِشْرِينَ لَيْلَةً وحَسِبُوها أرْبَعِينَ مَعَ أيّامِها وقالُوا: قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ ثُمَّ كانَ أمْرُ العِجْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، والتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ لِمُوسى عِنْدَ مَقْدِمِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ الفِتْنَةِ المُتَرَقَّبَةِ بِلَفْظِ المَوْجُودَةِ الكائِنَةِ عَلى عادَتِهِ.
الثّانِي: أنَّ السّامِرِيَّ شَرَعَ في تَدْبِيرِ الأمْرِ لَمّا غابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَزَمَ عَلى إضْلالِهِمْ حالَ مُفارَقَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَأنَّهُ قَدَّرَ الفِتْنَةَ مَوْجُودَةً.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ ذا القَعْدَةِ وعَشْرَ ذِي الحِجَّةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ذَكَرُوا في الأسَفِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ شِدَّةُ الغَضَبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَلْزَمُ التَّكْرارُ لِأنَّ قَوْلَهُ: غَضْبانَ يُفِيدُ أصْلَ الغَضَبِ وقَوْلَهُ: ”أسِفًا“ يُفِيدُ كَمالَهُ.
وثانِيها: قالَ الأكْثَرُونَ حُزْنًا وجَزَعًا يُقالُ: أسِفَ يَأْسَفُ أسَفًا إذا حَزِنَ فَهو آسِفٌ.
وثالِثُها: قالَ قَوْمُ: الآسِفُ المُغْتاظُ وفَرَّقُوا بَيْنَ الِاغْتِياظِ والغَضَبِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُوصَفُ بِالغَيْظِ ويُوصَفُ بِالغَضَبِ مِن حَيْثُ كانَ الغَضَبُ إرادَةَ الإضْرارِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، والغَيْظُ تَغَيُّرٌ يَلْحَقُ المُغْتاظَ وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا عَلى الأجْسامِ كالضَّحِكِ والبُكاءِ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ عاتَبَهم بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَيْهِمْ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكُفْرَ فِيهِمْ وإلّا لَما عاتَبَهم، بَلْ يَجِبُ أنْ يُعاتَبَ اللَّهُ تَعالى قالَ الأصْحابُ: وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ومَجْمُوعُ تِلْكَ المُعاتَباتِ أُمُورٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾ هَذا الكَلامُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ لَوْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِإلَهٍ آخَرَ سِوى العِجْلِ أمّا لَمّا اعْتَقَدُوا أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا هَذا إلَهُهم وإلَهُ مُوسى كَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامُ. الجَوابُ: أنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالإلَهِ لَكِنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ عَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي يَذْكُرُهُ عَبَدَةُ الأصْنامِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ بِذَلِكَ الوَعْدِ الحَسَنِ. الجَوابُ: ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ ما وعَدَهم مِن إنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِمْ لِيَقِفُوا عَلى الشَّرائِعِ والأحْكامِ ويَحْصُلَ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ مَزِيَّةٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ .
وثانِيها: أنَّ الوَعْدَ الحَسَنَ هو الوَعْدُ الصِّدْقُ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ.
وثالِثُها: الوَعْدُ هو العَهْدُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وذَلِكَ العَهْدُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: أفَنَسِيتُمْ ذَلِكَ الَّذِي قالَ اللَّهُ لَكم ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ .
ورابِعُها: الوَعْدُ الحَسَنُ هَهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعْدًا حَسَنًا في مَنافِعِ الدِّينِ وأنْ يَكُونَ في مَنافِعِ الدُّنْيا، أمّا مَنافِعُ الدِّينِ فَهو الوَعْدُ بِإنْزالِ الكِتابِ الشَّرِيفِ الهادِي إلى الشَّرائِعِ والأحْكامِ والوَعْدُ بِحُصُولِ الثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ. وأمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَهو أنَّهُ تَعالى قَبْلَ إهْلاكِ فِرْعَوْنَ كانَ قَدْ وعَدَهم أرْضَهم ودِيارَهم، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فالمُرادُ أفَنَسِيتُمْ ذَلِكَ العَهْدَ أمْ تَعَمَّدْتُمُ المَعْصِيَةَ، واعْلَمْ أنَّ طُولَ العَهْدِ يَحْتَمِلُ أُمُورًا:
أحَدُها: أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى مِن إنْجائِهِ إيّاكم مِن فِرْعَوْنَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ
صفحة ٨٩
المَذْكُورَةِ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] .
وثانِيها: يُرْوى أنَّهم عَرَفُوا أنَّ الأجَلَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَجَعَلُوا كُلَّ يَوْمٍ بِإزاءِ لَيْلَةٍ ورَدُّوهُ إلى عِشْرِينَ. قالَ القاضِي: هَذا رَكِيكٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكادُ يَشْتَبِهُ عَلى أحَدٍ.
وثالِثُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَهم ثَلاثِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا زادَ اللَّهُ تَعالى فِيها عَشَرَةً أُخْرى كانَ ذَلِكَ طُولَ العَهْدِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَهَذا لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ أحَدًا لا يُرِيدُ ذَلِكَ، ولَكِنَّ المَعْصِيَةَ لَمّا كانَتْ تُوجِبُ ذَلِكَ، ومُرِيدُ السَّبَبِ مُرِيدٌ لِلْمُسَبَّبِ بِالعَرَضِ صَحَّ هَذا الكَلامُ واحْتَجَّ العُلَماءُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الغَضَبَ مِن صِفاتِ الأفْعالِ لا مِن صِفاتِ الذّاتِ لِأنَّ صِفَةَ ذاتِ اللَّهِ تَعالى لا تَنْزِلُ في شَيْءٍ مِنَ الأجْسامِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى مَوْعِدٍ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ القَوْمِ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ ما وعَدُوهُ مِنَ اللَّحاقِ بِهِ والمَجِيءِ عَلى أثَرِهِ.
والثّانِي: ما وعَدُوهُ مِنَ الإقامَةِ عَلى دِينِهِ إلى أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مِنَ الطُّورِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: ﴿ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ وفي أنَّ قائِلَ هَذا الجَوابِ مَن هو وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا أيْ بِأمْرٍ كُنّا نَمْلِكُهُ، وقَدْ يُضِيفُ الرَّجُلُ فِعْلَ قَرِيبِهِ إلى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] وإنْ كانَ الفاعِلُ لِذَلِكَ آباءَهم لا هم فَكَأنَّهم قالُوا: الشُّبْهَةُ قَوِيَتْ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلى مَنعِهِمْ عَنْهُ ولَمْ نَقْدِرْ أيْضًا عَلى مُفارَقَتِهِمْ لِأنّا خِفْنا أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ التَّفْرِقَةِ وزِيادَةِ الفِتْنَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا قَوْلُ عَبَدَةِ العِجْلِ، والمُرادُ أنَّ غَيْرَنا أوْقَعَ الشُّبْهَةَ في قُلُوبِنا، وفاعِلُ السَّبَبِ فاعِلُ المُسَبَّبِ، ومُخْلِفُ الوَعْدِ هو الَّذِي أوْقَعَ الشُّبْهَةَ فَإنَّهُ كانَ كالمالِكِ لَنا. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ رُجُوعُ قَرِيبٍ مِن سِتِّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ مِنَ العُقَلاءِ المُكَلَّفِينَ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ دُفْعَةً واحِدَةً إلى عِبادَةِ العِجْلِ الَّذِي يُعْرَفُ فَسادُها بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ إنَّ مِثْلَ هَذا الجَمْعِ لَمّا فارَقُوا الدِّينَ وأظْهَرُوا الكُفْرَ فَكَيْفَ يُعْقَلُ رُجُوعُهم دُفْعَةً واحِدَةً عَنْ ذَلِكَ الدِّينِ بِسَبَبِ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ إلَيْهِمْ، قُلْنا: هَذا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ في حَقِّ البُلْهِ مِنَ النّاسِ، واعْلَمْ أنَّ في ”بِمَلْكِنا“ ثَلاثَ قِراءاتٍ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المِيمِ، ونافِعٌ وعاصِمٌ بِفَتْحِ المِيمِ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ بِالكَسْرِ، أمّا الكَسْرُ والفَتْحُ فَهُما واحِدٌ وهُما لُغَتانِ مِثْلُ رِطْلٍ ورَطْلٍ. وأمّا الضَّمُّ فَهو السُّلْطانُ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ فَسَّرُوا ذَلِكَ العُذْرَ المُجْمَلَ فَقالُوا: ﴿ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”حَمَلْنا“ مُخَفَّفَةً مِنَ الحَمْلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَفْصٌ وابْنُ عامِرٍ: ”حُمِّلْنا“ مُشَدَّدَةً، فَمَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَمَعْناهُ حَمَلْنا مَعَ أنْفُسِنا ما كُنّا اسْتَعَرْناهُ مِنَ القَوْمِ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ أيْ أمَرَهم بِاسْتِعارَةِ الحُلِيِّ والخُرُوجِ بِها فَكَأنَّهُ ألْزَمَهم ذَلِكَ.
وثانِيها: جَعَلَنا كالضّامِنِ لَها إلى أنْ نُؤَدِّيَها إلى حَيْثُ يَأْمُرُنا اللَّهُ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَمَّلَهم ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ ألْزَمَهم فِيهِ حُكْمَ المَغْنَمِ، أمّا الأوْزارُ فَهي الأثْقالُ ومِن ذَلِكَ سُمِّيَ الذَّنْبُ وِزْرًا لِأنَّهُ ثِقَلٌ ثُمَّ فِيهِ احْتِمالاتٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لِكَثْرَتِها كانَتْ أثْقالًا.
وثانِيها: أنَّ المَغانِمَ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ فَكانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ حِفْظُها مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَكانَتْ أثْقالًا.
وثالِثُها: المُرادُ بِالأوْزارِ الآثامُ والمَعْنى حَمَلْنا آثامًا، رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّها نَجِسَةٌ فَتَطَهَّرُوا مِنها، وقالَ السّامِرِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما احْتُبِسَ عُقُوبَةً بِالحُلِيِّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا هَذا القَوْلَ. وقَدْ يَقُولُ الإنْسانُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَلْزَمُهُ رَدُّهُ: هَذا كُلُّهُ إثْمٌ وذَنْبٌ.
ورابِعُها: أنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ كانَ القِبْطُ يَتَزَيَّنُونَ بِهِ في مَجامِعٍ لَهم يَجْرِي فِيها الكُفْرُ لا جَرَمَ أنَّها وُصِفَتْ بِكَوْنِها
صفحة ٩٠
أوْزارًا كَما يُقالُ مِثْلُهُ في آلاتِ المَعاصِي.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَذَفْناها﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا في أنَّهم أيْنَ قَذَفُوها ؟
الوَجْهُ الأوَّلُ: قَذَفُوها في حُفْرَةٍ كانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِجَمْعِ الحُلِيِّ فِيها انْتِظارًا لِعَوْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والوَجْهُ الثّانِي: قَذَفُوها في مَوْضِعٍ أمَرَهُمُ السّامِرِيُّ بِذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في مَوْضِعٍ جُمِعَ فِيهِ النّارُ ثُمَّ قالُوا: فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ أيْ فَعَلَ السّامِرِيُّ مِثْلَ ما فَعَلْنا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ فاخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ ذَلِكَ الجَسَدُ حَيًّا أمْ لا ؟
فالقَوْلُ الأوَّلُ: لا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إظْهارُ خَرْقِ العادَةِ عَلى يَدِ الضّالِّ بَلِ السّامِرِيُّ صَوَّرَ صُورَةً عَلى شَكْلِ العِجْلِ وجَعَلَ فِيها مَنافِذَ ومَخارِقَ بِحَيْثُ تَدْخُلُ فِيها الرِّياحُ فَيَخْرُجُ صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ العِجْلِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ صارَ حَيًّا وخارَ كَما يَخُورُ العِجْلُ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] ولَوْ لَمْ يَصِرْ حَيًّا لَما بَقِيَ لِهَذا الكَلامِ فائِدَةٌ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ عِجْلًا والعِجْلُ حَقِيقَةٌ في الحَيَوانِ وسَمّاهُ جَسَدًا وهو إنَّما يَتَناوَلُ الحَيَّ.
وثالِثُها: أثْبَتَ لَهُ الخُوارَ وأجابُوا عَنْ حُجَّةِ الأوَّلِينَ بِأنَّ ظُهُورَ خَوارِقِ العادَةِ عَلى يَدِ مُدَّعِي الإلَهِيَّةِ جائِزٌ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ الِالتِباسُ وهَهُنا كَذَلِكَ فَوَجَبَ أنْ لا يَمْتَنِعَ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِالسّامِرِيِّ وهو يَصْنَعُ العِجْلَ فَقالَ: ما تَصْنَعُ ؟ فَقالَ: أصْنَعُ ما يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فادْعُ لِي فَقالَ: اللَّهُمَّ أعْطِهِ ما سَألَ فَلَمّا مَضى هارُونُ قالَ السّامِرِيُّ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ أنْ يَخُورَ فَخارَ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِلنَّبِيِّ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] فَفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ القَوْمَ إنْ كانُوا في الجَهالَةِ بِحَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ ذَلِكَ العِجْلَ المَعْمُولَ في تِلْكَ السّاعَةِ هو الخالِقُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ فَهم مَجانِينُ ولَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ، ولِأنَّ مِثْلَ هَذا الجُنُونِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ مُحالٌ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا ذَلِكَ، فَكَيْفَ قالُوا: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى ؟ وجَوابُهُ: لَعَلَّهم كانُوا مِنَ الحُلُولِيَّةِ فَجَوَّزُوا حُلُولَ الإلَهِ أوْ حُلُولَ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ في ذَلِكَ الجِسْمِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ ظُهُورَ الخُوارِ لا يُناسِبُ الإلَهِيَّةَ، ولَكِنْ لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا في نِهايَةِ البَلادَةِ والجَلافَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَسِيَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ السّامِرِيِّ أنَّهُ نَسِيَ الِاسْتِدْلالَ عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ وأنَّ الإلَهَ لا يَحِلُّ في شَيْءٍ ولا يَحِلُّ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ المَعْنى الَّذِي يَجِبُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنَّ مَن لا يَتَكَلَّمُ ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ لا يَكُونُ إلَهًا ولا يَكُونُ لِلْإلَهِ تَعَلُّقٌ بِهِ في الحالِيَّةِ والمَحَلِّيَّةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا قَوْلُ السّامِرِيِّ وصَفَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ مُوسى أنَّ هَذا هو الإلَهُ فَذَهَبَ يَطْلُبُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: فَنَسِيَ وقْتَ المَوْعِدِ في الرُّجُوعِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ فَهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى عَدَمِ إلَهِيَّتِها بِأنَّها لا تَتَكَلَّمُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أكْثَرِ الأمْرِ لا يُعَوِّلُ إلّا عَلى دَلائِلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الِاخْتِيارُ أنْ لا يَرْجِعُ بِالرَّفْعِ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَرْجِعُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: (وحَسِبُوا ألّا تَكُونُ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا) [المائدة: ٧١] بِمَعْنى أنَّهُ لا تَكُونُ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ أيْضًا عَلى أنَّ ”أنْ“ هَذِهِ هي
صفحة ٩١
النّاصِبَةُ لِلْأفْعالِ.
البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] وهو قَرِيبٌ في المَعْنى مِن قَوْلِهِ في ذَمِّ عَبَدَةِ الأصْنامِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ العِجْلَ لَوْ كانَ يُكَلِّمُهم لَكانَ إلَهًا؛ لَأنَّ الشَّيْءَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِشُرُوطٍ كَثِيرَةٍ، فَفَواتُ واحِدٍ مِنها يَقْتَضِي فَواتَ المَشْرُوطِ، ولَكِنَّ حُصُولَ الواحِدِ فِيها لا يَقْتَضِي حُصُولَ المَشْرُوطِ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما دَفَنْتُمْ نَبِيَّكم حَتّى اخْتَلَفْتُمْ ؟ فَقالَ: إنَّما اخْتَلَفْنا عَنْهُ وما اخْتَلَفْنا فِيهِ، وأنْتُمْ ما جَفَّتْ أقْدامُكم مِن ماءِ البَحْرِ حَتّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ.
طه 20:90
قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما قالَ ذَلِكَ شَفَقَةً مِنهُ عَلى نَفْسِهِ وعَلى الخَلْقِ أمّا شَفَقَتُهُ عَلى نَفْسِهِ فَلِأنَّهُ كانَ مَأْمُورًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وكانَ مَأْمُورًا مِن عِنْدِ أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] فَلَوْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لَكانَ مُخالِفًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ولِأمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ أنِّي مُهْلِكٌ مِن قَوْمِكَ أرْبَعِينَ ألْفًا مِن خِيارِهِمْ وسِتِّينَ ألْفًا مِن شِرارِهِمْ، فَقالَ: يا رَبِّ هَؤُلاءِ الأشْرارُ فَما بالُ الأخْيارِ ؟ فَقالَ: إنَّهم لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: قالَ أنَسٌ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أصْبَحَ وهْمُّهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ، ومَن أصْبَحَ لا يَهْتَمُّ بِالمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنهم» . وعَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ وتَعاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ إذا اشْتَكى عُضْوٌ مِنهُ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمّى» “، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ الغُورِيُّ: كُنْتُ في بَعْضِ المَواضِعِ فَرَأيْتُ زَوْرَقًا فِيها دِنانٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْها لَطِيفٌ، فَقُلْتُ لِلْمَلّاحِ: أيْشٍ هَذا فَقالَ: أنْتَ صُوفِيٌّ فُضُولِيٌّ وهَذِهِ خُمُورُ المُعْتَضِدِ، فَقُلْتُ لَهُ: أعْطِنِي ذَلِكَ المِدْرى، فَقالَ لِغُلامِهِ: أعْطَهِ حَتّى نُبْصِرَ أيْشٍ يَعْمَلُ، فَأخَذْتُ المِدْرى وصَعَدْتُ الزَّوْرَقَ، فَكُنْتُ أكْسِرُ دِنًّا دِنًّا والمَلّاحُ يَصِيحُ حَتّى بَقِيَ واحِدٌ، فَأمْسَكْتُ، فَجاءَ صاحِبُ السَّفِينَةِ فَأخَذَنِي وحَمَلَنِي إلى المُعْتَضِدِ، وكانَ سَيْفُهُ قَبْلَ كَلامِهِ فَلَمّا وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيَّ قالَ: مَن أنْتَ ؟ قُلْتُ: المُحْتَسِبُ، قالَ مَن ولّاكَ الحِسْبَةَ ؟ قُلْتُ: الَّذِي ولّاكَ الخِلافَةَ. قالَ: لِمَ كَسَرْتَ هَذِهِ الدِّنانَ ؟ قُلْتُ: شَفَقَةً عَلَيْكَ إذا لَمْ تَصِلْ يَدِي إلى دَفْعِ مَكْرُوهٍ عَنْكَ. قالَ: فَلِمَ أبْقَيْتَ هَذا الواحِدَ ؟ قُلْتُ: إنِّي لَمّا كَسَرْتُ هَذِهِ الدِّنانَ فَإنِّي إنَّما كَسَرْتُها حَمِيَّةً في دِينِ اللَّهِ فَلَمّا وصَلْتُ إلى هَذا أُعْجِبْتُ فَأمْسَكْتُ ولَوْ بَقِيتُ كَما كُنْتُ لَكَسَرْتُهُ، فَقالَ: اخْرُجْ يا شَيْخُ فَقَدْ ولَّيْتُكَ الحِسْبَةَ، فَقُلْتُ: كُنْتُ أفْعَلُهُ لِلَّهِ تَعالى فَلا أُحِبُّ أنْ أكُونَ شُرْطِيًّا. وأمّا الشَّفَقَةُ عَلى المُسْلِمِينَ فَلِأنَّ الإنْسانَ
صفحة ٩٢
يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَقِيقَ القَلْبِ مُشْفِقًا عَلى أبْناءِ جِنْسِهِ وأيُّ شَفَقَةٍ أعْظَمُ مِن أنْ يَرى جَمْعًا يَتَهافَتُونَ عَلى النّارِ فَيَمْنَعَهم مِنها، وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «اطْلُبُوا الفَضْلَ عِنْدَ الرُّحَماءِ مِن عِبادِي تَعِيشُوا في أكْنافِهِمْ؛ فَإنِّي جَعَلْتُ فِيهِمْ رَحْمَتِي ولا تَطْلُبُوها في القاسِيَةِ قُلُوبُهم فَإنَّ فِيهِمْ غَضَبِي» “، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: ”«خَرَجْتُ أُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ فَإذا أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ مَعَهُ فَجاءَ صَغِيرٌ فَبَكى فَقالَ لِعُمَرَ: ضُمَّ الصَّبِيَّ إلَيْكَ فَإنَّهُ ضالٌّ فَأخَذَهُ عُمَرُ فَإذا امْرَأةٌ تُوَلْوِلُ كاشِفَةً رَأْسَها جَزَعًا عَلى ابْنِها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أدْرِكِ المَرْأةَ فَناداها فَجاءَتْ فَأخَذَتْ ولَدَها وجَعَلَتْ تَبْكِي والصَّبِيُّ في حِجْرِها، فالتَفَتَتْ فَرَأتِ النَّبِيَّ ﷺ فاسْتَحْيَتْ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ ذَلِكَ: أتَرَوْنَ هَذِهِ رَحِيمَةً بِوَلَدِها ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَفى بِهَذِهِ رَحْمَةً فَقالَ:“ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ اللَّهَ أرْحَمُ بِالمُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ بِوَلَدِها» ”. ويُرْوى:“ «أنَّهُ بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ ومَعَهُ أصْحابُهُ إذْ نَظَرَ إلى شابٍّ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَقالَ: مَن أرادَ أنَّ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ النّارِ فَلْيَنْظُرْ إلى هَذا فَسَمِعَ الشّابُّ ذَلِكَ فَوَلّى، فَقالَ: إلَهِي وسَيِّدِي هَذا رَسُولُكَ يَشْهَدُ عَلَيَّ بِأنِّي مِن أهْلِ النّارِ وأنا أعْلَمُ أنَّهُ صادِقٌ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأسْألُكَ أنْ تَجْعَلَنِي فِداءَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتُشْعِلَ النّارَ بِي حَتّى تَبَرَّ يَمِينُهُ، ولا تُشْعِلِ النّارَ بِأحَدٍ آخَرَ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ”يا مُحَمَّدُ بَشِّرِ الشّابَّ بِأنِّي قَدْ أنْقَذْتُهُ مِنَ النّارِ بِتَصْدِيقِهِ لَكَ وفِدائِهِ أُمَّتَكَ بِنَفْسِهِ وشَفَقَتِهِ عَلى الخَلْقِ“» . إذا ثَبَتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والشَّفَقَةَ عَلى المُسْلِمِينَ واجِبٌ. ثُمَّ إنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى القَوْمَ مُتَهافِتِينَ عَلى النّارِ ولَمْ يُبالِ بِكَثْرَتِهِمْ ولا بِقُوَّتِهِمْ بَلْ صَرَّحَ بِالحَقِّ فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ، وهَهُنا دَقِيقَةٌ وهي أنَّ الرّافِضَةَ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعَلِيٍّ: ”«أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى» “ ثُمَّ إنَّ هارُونَ ما مَنَعَتْهُ التُّقْيَةُ في مِثْلِ هَذا الجَمْعِ بَلْ صَعَدَ المِنبَرَ وصَرَّحَ بِالحَقِّ ودَعا النّاسَ إلى مُتابَعَةِ نَفْسِهِ والمَنعِ مِن مُتابَعَةِ غَيْرِهِ، فَلَوْ كانَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الخَطَأِ لَكانَ يَجِبُ عَلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَفْعَلَ ما فَعَلَهُ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْ يَصْعَدَ عَلى المِنبَرِ مِن غَيْرِ تُقْيَةٍ وخَوْفٍ وأنْ يَقُولَ: ﴿فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ فَلَمّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الأُمَّةَ كانُوا عَلى الصَّوابِ، واعْلَمْ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَلَكَ في هَذا الوَعْظِ أحْسَنَ الوُجُوهِ لِأنَّهُ زَجَرَهم عَنِ الباطِلِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ ثُمَّ دَعاهم إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ ثُمَّ دَعاها ثالِثًا إلى مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ ثُمَّ دَعاهم إلى الشَّرائِعِ رابِعًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا أمْرِي﴾ وهَذا هو التَّرْتِيبُ الجَيِّدُ لِأنَّهُ لا بُدَّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ مِن إماطَةِ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ وهو إزالَةُ الشُّبُهاتِ، ثُمَّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى هي الأصْلُ، ثُمَّ النُّبُوَّةُ، ثُمَّ الشَّرِيعَةُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وإنَّما قالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ فَخَصَّ هَذا المَوْضِعَ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ لِأنَّهُ كانَ يُنْبِئُهم بِأنَّهم مَتى تابُوا قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهم لِأنَّهُ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ومِن رَحْمَتِهِ أنْ خَلَّصَهم مِن آفاتِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ إنَّهم لِجَهْلِهِمْ قابَلُوا هَذا التَّرْتِيبَ الحَسَنَ في الِاسْتِدْلالِ بِالتَّقْلِيدِ والجُحُودِ فَقالُوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ كَأنَّهم قالُوا: لا نَقْبَلُ حُجَّتَكَ ولَكِنْ نَقْبَلُ قَوْلَ مُوسى وعادَةُ المُقَلِّدِ لَيْسَ إلّا ذاكَ.
طه 20:91
قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما قالَ ذَلِكَ شَفَقَةً مِنهُ عَلى نَفْسِهِ وعَلى الخَلْقِ أمّا شَفَقَتُهُ عَلى نَفْسِهِ فَلِأنَّهُ كانَ مَأْمُورًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وكانَ مَأْمُورًا مِن عِنْدِ أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] فَلَوْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لَكانَ مُخالِفًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ولِأمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ أنِّي مُهْلِكٌ مِن قَوْمِكَ أرْبَعِينَ ألْفًا مِن خِيارِهِمْ وسِتِّينَ ألْفًا مِن شِرارِهِمْ، فَقالَ: يا رَبِّ هَؤُلاءِ الأشْرارُ فَما بالُ الأخْيارِ ؟ فَقالَ: إنَّهم لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: قالَ أنَسٌ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أصْبَحَ وهْمُّهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ، ومَن أصْبَحَ لا يَهْتَمُّ بِالمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنهم» . وعَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ وتَعاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ إذا اشْتَكى عُضْوٌ مِنهُ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمّى» “، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ الغُورِيُّ: كُنْتُ في بَعْضِ المَواضِعِ فَرَأيْتُ زَوْرَقًا فِيها دِنانٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْها لَطِيفٌ، فَقُلْتُ لِلْمَلّاحِ: أيْشٍ هَذا فَقالَ: أنْتَ صُوفِيٌّ فُضُولِيٌّ وهَذِهِ خُمُورُ المُعْتَضِدِ، فَقُلْتُ لَهُ: أعْطِنِي ذَلِكَ المِدْرى، فَقالَ لِغُلامِهِ: أعْطَهِ حَتّى نُبْصِرَ أيْشٍ يَعْمَلُ، فَأخَذْتُ المِدْرى وصَعَدْتُ الزَّوْرَقَ، فَكُنْتُ أكْسِرُ دِنًّا دِنًّا والمَلّاحُ يَصِيحُ حَتّى بَقِيَ واحِدٌ، فَأمْسَكْتُ، فَجاءَ صاحِبُ السَّفِينَةِ فَأخَذَنِي وحَمَلَنِي إلى المُعْتَضِدِ، وكانَ سَيْفُهُ قَبْلَ كَلامِهِ فَلَمّا وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيَّ قالَ: مَن أنْتَ ؟ قُلْتُ: المُحْتَسِبُ، قالَ مَن ولّاكَ الحِسْبَةَ ؟ قُلْتُ: الَّذِي ولّاكَ الخِلافَةَ. قالَ: لِمَ كَسَرْتَ هَذِهِ الدِّنانَ ؟ قُلْتُ: شَفَقَةً عَلَيْكَ إذا لَمْ تَصِلْ يَدِي إلى دَفْعِ مَكْرُوهٍ عَنْكَ. قالَ: فَلِمَ أبْقَيْتَ هَذا الواحِدَ ؟ قُلْتُ: إنِّي لَمّا كَسَرْتُ هَذِهِ الدِّنانَ فَإنِّي إنَّما كَسَرْتُها حَمِيَّةً في دِينِ اللَّهِ فَلَمّا وصَلْتُ إلى هَذا أُعْجِبْتُ فَأمْسَكْتُ ولَوْ بَقِيتُ كَما كُنْتُ لَكَسَرْتُهُ، فَقالَ: اخْرُجْ يا شَيْخُ فَقَدْ ولَّيْتُكَ الحِسْبَةَ، فَقُلْتُ: كُنْتُ أفْعَلُهُ لِلَّهِ تَعالى فَلا أُحِبُّ أنْ أكُونَ شُرْطِيًّا. وأمّا الشَّفَقَةُ عَلى المُسْلِمِينَ فَلِأنَّ الإنْسانَ
صفحة ٩٢
يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَقِيقَ القَلْبِ مُشْفِقًا عَلى أبْناءِ جِنْسِهِ وأيُّ شَفَقَةٍ أعْظَمُ مِن أنْ يَرى جَمْعًا يَتَهافَتُونَ عَلى النّارِ فَيَمْنَعَهم مِنها، وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «اطْلُبُوا الفَضْلَ عِنْدَ الرُّحَماءِ مِن عِبادِي تَعِيشُوا في أكْنافِهِمْ؛ فَإنِّي جَعَلْتُ فِيهِمْ رَحْمَتِي ولا تَطْلُبُوها في القاسِيَةِ قُلُوبُهم فَإنَّ فِيهِمْ غَضَبِي» “، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: ”«خَرَجْتُ أُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ فَإذا أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ مَعَهُ فَجاءَ صَغِيرٌ فَبَكى فَقالَ لِعُمَرَ: ضُمَّ الصَّبِيَّ إلَيْكَ فَإنَّهُ ضالٌّ فَأخَذَهُ عُمَرُ فَإذا امْرَأةٌ تُوَلْوِلُ كاشِفَةً رَأْسَها جَزَعًا عَلى ابْنِها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أدْرِكِ المَرْأةَ فَناداها فَجاءَتْ فَأخَذَتْ ولَدَها وجَعَلَتْ تَبْكِي والصَّبِيُّ في حِجْرِها، فالتَفَتَتْ فَرَأتِ النَّبِيَّ ﷺ فاسْتَحْيَتْ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ ذَلِكَ: أتَرَوْنَ هَذِهِ رَحِيمَةً بِوَلَدِها ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَفى بِهَذِهِ رَحْمَةً فَقالَ:“ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ اللَّهَ أرْحَمُ بِالمُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ بِوَلَدِها» ”. ويُرْوى:“ «أنَّهُ بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ ومَعَهُ أصْحابُهُ إذْ نَظَرَ إلى شابٍّ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَقالَ: مَن أرادَ أنَّ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ النّارِ فَلْيَنْظُرْ إلى هَذا فَسَمِعَ الشّابُّ ذَلِكَ فَوَلّى، فَقالَ: إلَهِي وسَيِّدِي هَذا رَسُولُكَ يَشْهَدُ عَلَيَّ بِأنِّي مِن أهْلِ النّارِ وأنا أعْلَمُ أنَّهُ صادِقٌ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأسْألُكَ أنْ تَجْعَلَنِي فِداءَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتُشْعِلَ النّارَ بِي حَتّى تَبَرَّ يَمِينُهُ، ولا تُشْعِلِ النّارَ بِأحَدٍ آخَرَ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ”يا مُحَمَّدُ بَشِّرِ الشّابَّ بِأنِّي قَدْ أنْقَذْتُهُ مِنَ النّارِ بِتَصْدِيقِهِ لَكَ وفِدائِهِ أُمَّتَكَ بِنَفْسِهِ وشَفَقَتِهِ عَلى الخَلْقِ“» . إذا ثَبَتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والشَّفَقَةَ عَلى المُسْلِمِينَ واجِبٌ. ثُمَّ إنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى القَوْمَ مُتَهافِتِينَ عَلى النّارِ ولَمْ يُبالِ بِكَثْرَتِهِمْ ولا بِقُوَّتِهِمْ بَلْ صَرَّحَ بِالحَقِّ فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ، وهَهُنا دَقِيقَةٌ وهي أنَّ الرّافِضَةَ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعَلِيٍّ: ”«أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى» “ ثُمَّ إنَّ هارُونَ ما مَنَعَتْهُ التُّقْيَةُ في مِثْلِ هَذا الجَمْعِ بَلْ صَعَدَ المِنبَرَ وصَرَّحَ بِالحَقِّ ودَعا النّاسَ إلى مُتابَعَةِ نَفْسِهِ والمَنعِ مِن مُتابَعَةِ غَيْرِهِ، فَلَوْ كانَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الخَطَأِ لَكانَ يَجِبُ عَلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَفْعَلَ ما فَعَلَهُ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْ يَصْعَدَ عَلى المِنبَرِ مِن غَيْرِ تُقْيَةٍ وخَوْفٍ وأنْ يَقُولَ: ﴿فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ فَلَمّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الأُمَّةَ كانُوا عَلى الصَّوابِ، واعْلَمْ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَلَكَ في هَذا الوَعْظِ أحْسَنَ الوُجُوهِ لِأنَّهُ زَجَرَهم عَنِ الباطِلِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ ثُمَّ دَعاهم إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ ثُمَّ دَعاها ثالِثًا إلى مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ ثُمَّ دَعاهم إلى الشَّرائِعِ رابِعًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا أمْرِي﴾ وهَذا هو التَّرْتِيبُ الجَيِّدُ لِأنَّهُ لا بُدَّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ مِن إماطَةِ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ وهو إزالَةُ الشُّبُهاتِ، ثُمَّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى هي الأصْلُ، ثُمَّ النُّبُوَّةُ، ثُمَّ الشَّرِيعَةُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وإنَّما قالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ فَخَصَّ هَذا المَوْضِعَ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ لِأنَّهُ كانَ يُنْبِئُهم بِأنَّهم مَتى تابُوا قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهم لِأنَّهُ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ومِن رَحْمَتِهِ أنْ خَلَّصَهم مِن آفاتِ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ إنَّهم لِجَهْلِهِمْ قابَلُوا هَذا التَّرْتِيبَ الحَسَنَ في الِاسْتِدْلالِ بِالتَّقْلِيدِ والجُحُودِ فَقالُوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ كَأنَّهم قالُوا: لا نَقْبَلُ حُجَّتَكَ ولَكِنْ نَقْبَلُ قَوْلَ مُوسى وعادَةُ المُقَلِّدِ لَيْسَ إلّا ذاكَ.
طه 20:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياهارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الطّاعِنِينَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أمَرَ هارُونَ بِاتِّباعِهِ أوْ لَمْ يَأْمُرْهُ، فَإنْ أمَرَهُ بِهِ فَإمّا أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدِ اتَّبَعَهُ أوْ لَمْ يَتَّبِعْهُ، فَإنِ اتَّبَعَهُ كانَتْ مَلامَةُ مُوسى لِهارُونَ مَعْصِيَةً وذَنْبًا لِأنَّ مَلامَةَ غَيْرِ المُجْرِمِ مَعْصِيَةٌ، وإنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ كانَ هارُونُ تارِكًا لِلْواجِبِ فَكانَ فاعِلًا لِلْمَعْصِيَةِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ كانَتْ مَلامَتُهُ إيّاهُ بِتَرْكِ الِاتِّباعِ مَعْصِيَةً فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ يَلْزَمُ إسْنادُ المَعْصِيَةِ إمّا إلى مُوسى أوْ إلى هارُونَ. وثانِيها: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدْ عَصاهُ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العِصْيانُ مُنْكَرًا، وإلّا لَكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كاذِبًا وهو مَعْصِيَةٌ، فَإذا فَعَلَ هارُونُ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ المَعْصِيَةَ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ وهَذا مَعْصِيَةٌ لِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ فَعَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ النَّصِيحَةِ والوَعْظِ والزَّجْرِ، فَإنْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَحَثَ عَنِ الواقِعَةِ، وبَعْدَ أنْ عَلِمَ أنَّ هارُونَ قَدْ فَعَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ، كانَ الأخْذُ بِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ مَعْصِيَةً، وإنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ تَعَرُّفِ الحالِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا مَعْصِيَةً. ورابِعُها: أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ فَإنْ كانَ الأخْذُ بِلِحْيَتِهِ وبِرَأْسِهِ جائِزًا كانَ قَوْلُ هارُونَ لا تَأْخُذْ مَنعًا لَهُ عَمّا كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْصِيَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الأخْذُ جائِزًا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فاعِلًا لِلْمَعْصِيَةِ، فَهَذِهِ أمْثِلَةٌ لَطِيفَةٌ في هَذا البابِ.
والجَوابُ عَنِ الكُلِّ: أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٦] أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ الجَلِيَّةِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ صُدُورُ المَعْصِيَةِ مِنَ الأنْبِياءِ، وحاصِلُ هَذِهِ الوُجُوهِ تَمَسُّكٌ بِظَواهِرَ قابِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ ومُعارَضَةُ ما يَبْعُدُ عَنِ التَّأْوِيلِ بِما يَتَسارَعُ إلَيْهِ التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ، إذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ فاعْلَمْ أنَّ لَنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الإشْكالاتِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنّا وإنِ اخْتَلَفْنا في جَوازِ المَعْصِيَةِ عَلى الأنْبِياءِ لَكِنِ اتَّفَقْنا عَلى جَوازِ تَرْكِ الأوْلى عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ كَذَلِكَ فالفِعْلُ الَّذِي يَفْعَلُهُ أحَدُهُما ويَمْنَعُهُ الآخَرُ أعْنِي بِهِما مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ لَعَلَّهُ كانَ أحَدُهُما أوْلى والآخَرُ كانَ تَرْكَ الأوْلى، فَلِذَلِكَ فَعَلَهُ أحَدُهُما وتَرَكَهُ الآخَرُ، فَإنْ قِيلَ هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ جازِمًا فِيما يَأْتِي بِهِ فِعْلًا كانَ أوْ تَرْكًا، وفِعْلُ المَندُوبِ وتَرْكُهُ لا يُجْزَمُ بِهِ، قُلْنا: تَقْيِيدُ المُطْلَقِ بِالدَّلِيلِ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ، فَنَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ الجَزْمَ في الفِعْلِ والتَّرْكِ عَلى أنَّ المُرادَ افْعَلْ ذَلِكَ أوِ اتْرُكْهُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ الأصْلَحَ، وقَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ الشَّرْطُ إذا كانَ تَواطُؤُهُما عَلى رِعايَتِهِ مَعْلُومًا مُتَقَرِّرًا. وثانِيها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أقْبَلَ وهو غَضْبانُ عَلى قَوْمِهِ فَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ وجَرَّهُ إلَيْهِ كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الغَضَبِ، فَإنَّ الغَضْبانَ المُتَفَكِّرَ قَدْ يَعَضُّ عَلى شَفَتَيْهِ، ويَفْتِلُ أصابِعَهُ، ويَقْبِضُ لِحْيَتِهِ، فَأجْرى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخاهُ هارُونَ
صفحة ٩٤
مَجْرى نَفْسِهِ لِأنَّهُ كانَ أخاهُ وشَرِيكَهُ فَصَنَعَ بِهِ ما يَصْنَعُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ في حالِ الفِكْرِ والغَضَبِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن سُوءِ ظَنِّهِمْ أنَّهُ مُنْكِرٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعاوِنٍ لَهُ، ثُمَّ أخَذَ في شَرْحِ القِصَّةِ فَقالَ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، وثالِثُها: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا عَلى نِهايَةِ سُوءِ الظَّنِّ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى إنَّ هارُونَ غابَ عَنْهم غَيْبَةً فَقالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْتَ قَتَلْتَهُ، فَلَمّا واعَدَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتَمَّها بِعَشْرٍ وكَتَبَ لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ رَجَعَ فَرَأى في قَوْمِهِ ما رَأى فَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ لِيُدْنِيَهُ فَيَتَفَحَّصَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الواقِعَةِ، فَخافَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْبِقَ إلى قُلُوبِهِمْ ما لا أصْلَ لَهُ، فَقالَ إشْفاقًا عَلى مُوسى: لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي؛ لِئَلّا يَظُنَّ القَوْمُ ما لا يَلِيقُ بِكَ. ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا حَدِيدًا مَجْبُولًا عَلى الحِدَّةِ والخُشُونَةِ والتَّصَلُّبِ في كُلِّ شَيْءٍ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى ولِدِينِهِ فَلَمْ يَتَمالَكْ حِينَ رَأى قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ عِجْلًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن بَعْدِ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ العِظامِ أنْ ألْقى ألْواحَ التَّوْراةِ لِما غَلَبَ عَلى ذِهْنِهِ مِنَ الدَّهْشَةِ العَظِيمَةِ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى وحَمِيَّةً، وعَنَّفَ بِأخِيهِ وخَلِيفَتِهِ عَلى قَوْمِهِ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ إقْبالَ العَدُوِّ المُكاشِرِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ ساقِطٌ لِأنَّهُ يُقالُ: هَبْ أنَّهُ كانَ شَدِيدَ الغَضَبِ ولَكِنْ مَعَ ذَلِكَ الغَضَبِ الشَّدِيدِ هَلْ كانَ يَبْقى عاقِلًا مُكَلَّفًا أمْ لا ؟ فَإنْ بَقِيَ عاقِلًا مُكَلَّفًا فالأسْئِلَةُ باقِيَةٌ بِتَمامِها، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّكَ ذَكَرْتَ أنَّهُ أتى بِغَضَبٍ شَدِيدٍ وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ المَعاصِي فَقَدْ زِدْتَ إشْكالًا آخَرَ، فَإنْ قُلْتُمْ بِأنَّهُ في ذَلِكَ الغَضَبِ لَمْ يَبْقَ عاقِلًا ولا مُكَلَّفًا فَهَذا مِمّا لا يَرْتَضِيهِ مُسْلِمٌ البَتَّةَ فَهَذِهِ أجْوِبَةُ مَن لَمْ يُجَوِّزِ الصَّغائِرَ، وأمّا مَن جَوَّزَها فَلا شَكَّ في سُقُوطِ السُّؤالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ لا صِلَةٌ، والمُرادُ ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي فَأقامَ مَنَعَكَ مَقامَ دَعاكَ، وفي الِاتِّباعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما مَنَعَكَ مِنِ اتِّباعِي بِمَن أطاعَكَ واللُّحُوقِ بِي وتَرْكِ المُقامِ بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ. والثّانِي: أنْ تَتَّبِعَنِي في وصِيَّتِي إذْ قُلْتُ لَكَ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٢] فَلِمَ تَرَكْتَ قِتالَهم وتَأْدِيبَهم وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تارِكَ المَأْمُورِ بِهِ عاصٍ والعاصِي مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ [الجِنِّ: ٢٣] ولِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النِّساءِ: ١٤] فَمَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، فَأجابَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ﴿ياابْنَ أُمَّ﴾ قِيلَ: إنَّما خاطَبَهُ بِذَلِكَ لِيَدْفَعَهُ عَنْهُ فَيَتْرُكَهُ، وقِيلَ: كانَ أخاهُ لِأُمِّهِ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَنهِيِّ فاعِلًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحْزابِ: ١] وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] والَّذِي فِيهِ أنَّهُ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِهِ بَلْ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِسائِرِ الأغْراضِ عَلى ما بَيَّنّاهُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّهُ أخَذَ ذُؤابَتَيْهِ بِيَمِينِهِ ولِحْيَتَهُ بِيَسارِهِ ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: (ما مَنَعَكَ أنْ لا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمَرَهُ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَحْسُنُ في جَوابِهِ أنْ يُقالَ: إنَّما لَمْ أمْتَثِلْ قَوْلَكَ خَوْفًا مِن أنْ تَقُولَ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ فَهَلْ يَجُوزُ مِثْلُ هَذا الكَلامِ عَلى العاقِلِ ؟ . والجَوابُ: لَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أمَرَهُ بِالذَّهابِ إلَيْهِ بِشَرْطِ أنْ لا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى فَسادٍ في القَوْمِ فَلَمّا قالَ مُوسى:
صفحة ٩٥
”ما مَنَعَكَ أنْ لا تَتَّبِعَنِ“ قالَ لِأنَّكَ إنَّما أمَرْتَنِي بِاتِّباعِكَ إذا لَمْ يَحْصُلِ الفَسادُ، فَلَوْ جِئْتُكَ مَعَ حُصُولِ الفَسادِ ما كُنْتُ مُراقِبًا لِقَوْلِكَ. قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: الهِدايَةُ أنْفَعُ مِنَ الدَّلالَةِ، فَإنَّ السَّحَرَةَ كانُوا أجانِبَ عَنِ الإيمانِ وما رَأوْا إلّا آيَةً واحِدَةً فَآمَنُوا، وتَحَمَّلُوا العَذابَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا ولَمْ يَرْجِعُوا عَنِ الإيمانِ، وأمّا قَوْمُهُ فَإنَّهم رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والتَقَمَ كُلَّ ما جَمَعَهُ السَّحَرَةُ ثُمَّ عادَ عَصًا، ورَأوُا اعْتِرافَ السَّحَرَةِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسِحْرٍ وأنَّهُ أمْرٌ إلَهِيٌّ، ورَأوُا الآياتِ التِّسْعَ مُدَّةً مَدِيدَةً، ثُمَّ رَأوُا انْفِراقَ البَحْرِ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْجاهم مِنَ الغَرَقِ وأهْلَكَ أعْداءَهم مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ مَعَ ما شاهَدُوا مِن هَذِهِ الآياتِ لَمّا خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ ورَأوْا قَوْمًا يَعْبُدُونَ البَقَرَ قالُوا: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، ولَمّا سَمِعُوا صَوْتًا مِن عِجْلٍ عَكَفُوا عَلى عِبادَتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الغَرَضُ بِالدَّلائِلِ بَلْ بِالهِدايَةِ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يا ابْنَ أُمِّ“ بِكَسْرِ المِيمِ والإضافَةِ ودَلَّتْ كَسْرَةُ المِيمِ عَلى الياءِ والباقُونَ بِالفَتْحِ وتَقْدِيرُهُ يا ابْنَ أُمّاهَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
طه 20:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياهارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الطّاعِنِينَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أمَرَ هارُونَ بِاتِّباعِهِ أوْ لَمْ يَأْمُرْهُ، فَإنْ أمَرَهُ بِهِ فَإمّا أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدِ اتَّبَعَهُ أوْ لَمْ يَتَّبِعْهُ، فَإنِ اتَّبَعَهُ كانَتْ مَلامَةُ مُوسى لِهارُونَ مَعْصِيَةً وذَنْبًا لِأنَّ مَلامَةَ غَيْرِ المُجْرِمِ مَعْصِيَةٌ، وإنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ كانَ هارُونُ تارِكًا لِلْواجِبِ فَكانَ فاعِلًا لِلْمَعْصِيَةِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ كانَتْ مَلامَتُهُ إيّاهُ بِتَرْكِ الِاتِّباعِ مَعْصِيَةً فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ يَلْزَمُ إسْنادُ المَعْصِيَةِ إمّا إلى مُوسى أوْ إلى هارُونَ. وثانِيها: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدْ عَصاهُ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العِصْيانُ مُنْكَرًا، وإلّا لَكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كاذِبًا وهو مَعْصِيَةٌ، فَإذا فَعَلَ هارُونُ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ المَعْصِيَةَ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ وهَذا مَعْصِيَةٌ لِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ فَعَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ النَّصِيحَةِ والوَعْظِ والزَّجْرِ، فَإنْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَحَثَ عَنِ الواقِعَةِ، وبَعْدَ أنْ عَلِمَ أنَّ هارُونَ قَدْ فَعَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ، كانَ الأخْذُ بِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ مَعْصِيَةً، وإنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ تَعَرُّفِ الحالِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا مَعْصِيَةً. ورابِعُها: أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ فَإنْ كانَ الأخْذُ بِلِحْيَتِهِ وبِرَأْسِهِ جائِزًا كانَ قَوْلُ هارُونَ لا تَأْخُذْ مَنعًا لَهُ عَمّا كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْصِيَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الأخْذُ جائِزًا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فاعِلًا لِلْمَعْصِيَةِ، فَهَذِهِ أمْثِلَةٌ لَطِيفَةٌ في هَذا البابِ.
والجَوابُ عَنِ الكُلِّ: أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٦] أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ الجَلِيَّةِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ صُدُورُ المَعْصِيَةِ مِنَ الأنْبِياءِ، وحاصِلُ هَذِهِ الوُجُوهِ تَمَسُّكٌ بِظَواهِرَ قابِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ ومُعارَضَةُ ما يَبْعُدُ عَنِ التَّأْوِيلِ بِما يَتَسارَعُ إلَيْهِ التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ، إذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ فاعْلَمْ أنَّ لَنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الإشْكالاتِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنّا وإنِ اخْتَلَفْنا في جَوازِ المَعْصِيَةِ عَلى الأنْبِياءِ لَكِنِ اتَّفَقْنا عَلى جَوازِ تَرْكِ الأوْلى عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ كَذَلِكَ فالفِعْلُ الَّذِي يَفْعَلُهُ أحَدُهُما ويَمْنَعُهُ الآخَرُ أعْنِي بِهِما مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ لَعَلَّهُ كانَ أحَدُهُما أوْلى والآخَرُ كانَ تَرْكَ الأوْلى، فَلِذَلِكَ فَعَلَهُ أحَدُهُما وتَرَكَهُ الآخَرُ، فَإنْ قِيلَ هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ جازِمًا فِيما يَأْتِي بِهِ فِعْلًا كانَ أوْ تَرْكًا، وفِعْلُ المَندُوبِ وتَرْكُهُ لا يُجْزَمُ بِهِ، قُلْنا: تَقْيِيدُ المُطْلَقِ بِالدَّلِيلِ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ، فَنَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ الجَزْمَ في الفِعْلِ والتَّرْكِ عَلى أنَّ المُرادَ افْعَلْ ذَلِكَ أوِ اتْرُكْهُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ الأصْلَحَ، وقَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ الشَّرْطُ إذا كانَ تَواطُؤُهُما عَلى رِعايَتِهِ مَعْلُومًا مُتَقَرِّرًا. وثانِيها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أقْبَلَ وهو غَضْبانُ عَلى قَوْمِهِ فَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ وجَرَّهُ إلَيْهِ كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الغَضَبِ، فَإنَّ الغَضْبانَ المُتَفَكِّرَ قَدْ يَعَضُّ عَلى شَفَتَيْهِ، ويَفْتِلُ أصابِعَهُ، ويَقْبِضُ لِحْيَتِهِ، فَأجْرى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخاهُ هارُونَ
صفحة ٩٤
مَجْرى نَفْسِهِ لِأنَّهُ كانَ أخاهُ وشَرِيكَهُ فَصَنَعَ بِهِ ما يَصْنَعُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ في حالِ الفِكْرِ والغَضَبِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن سُوءِ ظَنِّهِمْ أنَّهُ مُنْكِرٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعاوِنٍ لَهُ، ثُمَّ أخَذَ في شَرْحِ القِصَّةِ فَقالَ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، وثالِثُها: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا عَلى نِهايَةِ سُوءِ الظَّنِّ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى إنَّ هارُونَ غابَ عَنْهم غَيْبَةً فَقالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْتَ قَتَلْتَهُ، فَلَمّا واعَدَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتَمَّها بِعَشْرٍ وكَتَبَ لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ رَجَعَ فَرَأى في قَوْمِهِ ما رَأى فَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ لِيُدْنِيَهُ فَيَتَفَحَّصَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الواقِعَةِ، فَخافَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْبِقَ إلى قُلُوبِهِمْ ما لا أصْلَ لَهُ، فَقالَ إشْفاقًا عَلى مُوسى: لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي؛ لِئَلّا يَظُنَّ القَوْمُ ما لا يَلِيقُ بِكَ. ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا حَدِيدًا مَجْبُولًا عَلى الحِدَّةِ والخُشُونَةِ والتَّصَلُّبِ في كُلِّ شَيْءٍ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى ولِدِينِهِ فَلَمْ يَتَمالَكْ حِينَ رَأى قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ عِجْلًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن بَعْدِ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ العِظامِ أنْ ألْقى ألْواحَ التَّوْراةِ لِما غَلَبَ عَلى ذِهْنِهِ مِنَ الدَّهْشَةِ العَظِيمَةِ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى وحَمِيَّةً، وعَنَّفَ بِأخِيهِ وخَلِيفَتِهِ عَلى قَوْمِهِ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ إقْبالَ العَدُوِّ المُكاشِرِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ ساقِطٌ لِأنَّهُ يُقالُ: هَبْ أنَّهُ كانَ شَدِيدَ الغَضَبِ ولَكِنْ مَعَ ذَلِكَ الغَضَبِ الشَّدِيدِ هَلْ كانَ يَبْقى عاقِلًا مُكَلَّفًا أمْ لا ؟ فَإنْ بَقِيَ عاقِلًا مُكَلَّفًا فالأسْئِلَةُ باقِيَةٌ بِتَمامِها، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّكَ ذَكَرْتَ أنَّهُ أتى بِغَضَبٍ شَدِيدٍ وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ المَعاصِي فَقَدْ زِدْتَ إشْكالًا آخَرَ، فَإنْ قُلْتُمْ بِأنَّهُ في ذَلِكَ الغَضَبِ لَمْ يَبْقَ عاقِلًا ولا مُكَلَّفًا فَهَذا مِمّا لا يَرْتَضِيهِ مُسْلِمٌ البَتَّةَ فَهَذِهِ أجْوِبَةُ مَن لَمْ يُجَوِّزِ الصَّغائِرَ، وأمّا مَن جَوَّزَها فَلا شَكَّ في سُقُوطِ السُّؤالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ لا صِلَةٌ، والمُرادُ ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي فَأقامَ مَنَعَكَ مَقامَ دَعاكَ، وفي الِاتِّباعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما مَنَعَكَ مِنِ اتِّباعِي بِمَن أطاعَكَ واللُّحُوقِ بِي وتَرْكِ المُقامِ بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ. والثّانِي: أنْ تَتَّبِعَنِي في وصِيَّتِي إذْ قُلْتُ لَكَ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٢] فَلِمَ تَرَكْتَ قِتالَهم وتَأْدِيبَهم وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تارِكَ المَأْمُورِ بِهِ عاصٍ والعاصِي مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ [الجِنِّ: ٢٣] ولِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النِّساءِ: ١٤] فَمَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، فَأجابَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ﴿ياابْنَ أُمَّ﴾ قِيلَ: إنَّما خاطَبَهُ بِذَلِكَ لِيَدْفَعَهُ عَنْهُ فَيَتْرُكَهُ، وقِيلَ: كانَ أخاهُ لِأُمِّهِ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَنهِيِّ فاعِلًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحْزابِ: ١] وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] والَّذِي فِيهِ أنَّهُ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِهِ بَلْ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِسائِرِ الأغْراضِ عَلى ما بَيَّنّاهُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّهُ أخَذَ ذُؤابَتَيْهِ بِيَمِينِهِ ولِحْيَتَهُ بِيَسارِهِ ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: (ما مَنَعَكَ أنْ لا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمَرَهُ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَحْسُنُ في جَوابِهِ أنْ يُقالَ: إنَّما لَمْ أمْتَثِلْ قَوْلَكَ خَوْفًا مِن أنْ تَقُولَ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ فَهَلْ يَجُوزُ مِثْلُ هَذا الكَلامِ عَلى العاقِلِ ؟ . والجَوابُ: لَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أمَرَهُ بِالذَّهابِ إلَيْهِ بِشَرْطِ أنْ لا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى فَسادٍ في القَوْمِ فَلَمّا قالَ مُوسى:
صفحة ٩٥
”ما مَنَعَكَ أنْ لا تَتَّبِعَنِ“ قالَ لِأنَّكَ إنَّما أمَرْتَنِي بِاتِّباعِكَ إذا لَمْ يَحْصُلِ الفَسادُ، فَلَوْ جِئْتُكَ مَعَ حُصُولِ الفَسادِ ما كُنْتُ مُراقِبًا لِقَوْلِكَ. قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: الهِدايَةُ أنْفَعُ مِنَ الدَّلالَةِ، فَإنَّ السَّحَرَةَ كانُوا أجانِبَ عَنِ الإيمانِ وما رَأوْا إلّا آيَةً واحِدَةً فَآمَنُوا، وتَحَمَّلُوا العَذابَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا ولَمْ يَرْجِعُوا عَنِ الإيمانِ، وأمّا قَوْمُهُ فَإنَّهم رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والتَقَمَ كُلَّ ما جَمَعَهُ السَّحَرَةُ ثُمَّ عادَ عَصًا، ورَأوُا اعْتِرافَ السَّحَرَةِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسِحْرٍ وأنَّهُ أمْرٌ إلَهِيٌّ، ورَأوُا الآياتِ التِّسْعَ مُدَّةً مَدِيدَةً، ثُمَّ رَأوُا انْفِراقَ البَحْرِ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْجاهم مِنَ الغَرَقِ وأهْلَكَ أعْداءَهم مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ مَعَ ما شاهَدُوا مِن هَذِهِ الآياتِ لَمّا خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ ورَأوْا قَوْمًا يَعْبُدُونَ البَقَرَ قالُوا: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، ولَمّا سَمِعُوا صَوْتًا مِن عِجْلٍ عَكَفُوا عَلى عِبادَتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الغَرَضُ بِالدَّلائِلِ بَلْ بِالهِدايَةِ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يا ابْنَ أُمِّ“ بِكَسْرِ المِيمِ والإضافَةِ ودَلَّتْ كَسْرَةُ المِيمِ عَلى الياءِ والباقُونَ بِالفَتْحِ وتَقْدِيرُهُ يا ابْنَ أُمّاهَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
طه 20:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياهارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الطّاعِنِينَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أمَرَ هارُونَ بِاتِّباعِهِ أوْ لَمْ يَأْمُرْهُ، فَإنْ أمَرَهُ بِهِ فَإمّا أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدِ اتَّبَعَهُ أوْ لَمْ يَتَّبِعْهُ، فَإنِ اتَّبَعَهُ كانَتْ مَلامَةُ مُوسى لِهارُونَ مَعْصِيَةً وذَنْبًا لِأنَّ مَلامَةَ غَيْرِ المُجْرِمِ مَعْصِيَةٌ، وإنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ كانَ هارُونُ تارِكًا لِلْواجِبِ فَكانَ فاعِلًا لِلْمَعْصِيَةِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ كانَتْ مَلامَتُهُ إيّاهُ بِتَرْكِ الِاتِّباعِ مَعْصِيَةً فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ يَلْزَمُ إسْنادُ المَعْصِيَةِ إمّا إلى مُوسى أوْ إلى هارُونَ. وثانِيها: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدْ عَصاهُ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العِصْيانُ مُنْكَرًا، وإلّا لَكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كاذِبًا وهو مَعْصِيَةٌ، فَإذا فَعَلَ هارُونُ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ المَعْصِيَةَ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ وهَذا مَعْصِيَةٌ لِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ فَعَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ النَّصِيحَةِ والوَعْظِ والزَّجْرِ، فَإنْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَحَثَ عَنِ الواقِعَةِ، وبَعْدَ أنْ عَلِمَ أنَّ هارُونَ قَدْ فَعَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ، كانَ الأخْذُ بِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ مَعْصِيَةً، وإنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ تَعَرُّفِ الحالِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا مَعْصِيَةً. ورابِعُها: أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ فَإنْ كانَ الأخْذُ بِلِحْيَتِهِ وبِرَأْسِهِ جائِزًا كانَ قَوْلُ هارُونَ لا تَأْخُذْ مَنعًا لَهُ عَمّا كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْصِيَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الأخْذُ جائِزًا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فاعِلًا لِلْمَعْصِيَةِ، فَهَذِهِ أمْثِلَةٌ لَطِيفَةٌ في هَذا البابِ.
والجَوابُ عَنِ الكُلِّ: أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٦] أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ الجَلِيَّةِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ صُدُورُ المَعْصِيَةِ مِنَ الأنْبِياءِ، وحاصِلُ هَذِهِ الوُجُوهِ تَمَسُّكٌ بِظَواهِرَ قابِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ ومُعارَضَةُ ما يَبْعُدُ عَنِ التَّأْوِيلِ بِما يَتَسارَعُ إلَيْهِ التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ، إذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ فاعْلَمْ أنَّ لَنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الإشْكالاتِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنّا وإنِ اخْتَلَفْنا في جَوازِ المَعْصِيَةِ عَلى الأنْبِياءِ لَكِنِ اتَّفَقْنا عَلى جَوازِ تَرْكِ الأوْلى عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ كَذَلِكَ فالفِعْلُ الَّذِي يَفْعَلُهُ أحَدُهُما ويَمْنَعُهُ الآخَرُ أعْنِي بِهِما مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ لَعَلَّهُ كانَ أحَدُهُما أوْلى والآخَرُ كانَ تَرْكَ الأوْلى، فَلِذَلِكَ فَعَلَهُ أحَدُهُما وتَرَكَهُ الآخَرُ، فَإنْ قِيلَ هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ جازِمًا فِيما يَأْتِي بِهِ فِعْلًا كانَ أوْ تَرْكًا، وفِعْلُ المَندُوبِ وتَرْكُهُ لا يُجْزَمُ بِهِ، قُلْنا: تَقْيِيدُ المُطْلَقِ بِالدَّلِيلِ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ، فَنَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ الجَزْمَ في الفِعْلِ والتَّرْكِ عَلى أنَّ المُرادَ افْعَلْ ذَلِكَ أوِ اتْرُكْهُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ الأصْلَحَ، وقَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ الشَّرْطُ إذا كانَ تَواطُؤُهُما عَلى رِعايَتِهِ مَعْلُومًا مُتَقَرِّرًا. وثانِيها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أقْبَلَ وهو غَضْبانُ عَلى قَوْمِهِ فَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ وجَرَّهُ إلَيْهِ كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الغَضَبِ، فَإنَّ الغَضْبانَ المُتَفَكِّرَ قَدْ يَعَضُّ عَلى شَفَتَيْهِ، ويَفْتِلُ أصابِعَهُ، ويَقْبِضُ لِحْيَتِهِ، فَأجْرى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخاهُ هارُونَ
صفحة ٩٤
مَجْرى نَفْسِهِ لِأنَّهُ كانَ أخاهُ وشَرِيكَهُ فَصَنَعَ بِهِ ما يَصْنَعُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ في حالِ الفِكْرِ والغَضَبِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن سُوءِ ظَنِّهِمْ أنَّهُ مُنْكِرٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعاوِنٍ لَهُ، ثُمَّ أخَذَ في شَرْحِ القِصَّةِ فَقالَ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، وثالِثُها: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا عَلى نِهايَةِ سُوءِ الظَّنِّ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى إنَّ هارُونَ غابَ عَنْهم غَيْبَةً فَقالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْتَ قَتَلْتَهُ، فَلَمّا واعَدَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتَمَّها بِعَشْرٍ وكَتَبَ لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ رَجَعَ فَرَأى في قَوْمِهِ ما رَأى فَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ لِيُدْنِيَهُ فَيَتَفَحَّصَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الواقِعَةِ، فَخافَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْبِقَ إلى قُلُوبِهِمْ ما لا أصْلَ لَهُ، فَقالَ إشْفاقًا عَلى مُوسى: لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي؛ لِئَلّا يَظُنَّ القَوْمُ ما لا يَلِيقُ بِكَ. ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا حَدِيدًا مَجْبُولًا عَلى الحِدَّةِ والخُشُونَةِ والتَّصَلُّبِ في كُلِّ شَيْءٍ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى ولِدِينِهِ فَلَمْ يَتَمالَكْ حِينَ رَأى قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ عِجْلًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن بَعْدِ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ العِظامِ أنْ ألْقى ألْواحَ التَّوْراةِ لِما غَلَبَ عَلى ذِهْنِهِ مِنَ الدَّهْشَةِ العَظِيمَةِ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى وحَمِيَّةً، وعَنَّفَ بِأخِيهِ وخَلِيفَتِهِ عَلى قَوْمِهِ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ إقْبالَ العَدُوِّ المُكاشِرِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ ساقِطٌ لِأنَّهُ يُقالُ: هَبْ أنَّهُ كانَ شَدِيدَ الغَضَبِ ولَكِنْ مَعَ ذَلِكَ الغَضَبِ الشَّدِيدِ هَلْ كانَ يَبْقى عاقِلًا مُكَلَّفًا أمْ لا ؟ فَإنْ بَقِيَ عاقِلًا مُكَلَّفًا فالأسْئِلَةُ باقِيَةٌ بِتَمامِها، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّكَ ذَكَرْتَ أنَّهُ أتى بِغَضَبٍ شَدِيدٍ وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ المَعاصِي فَقَدْ زِدْتَ إشْكالًا آخَرَ، فَإنْ قُلْتُمْ بِأنَّهُ في ذَلِكَ الغَضَبِ لَمْ يَبْقَ عاقِلًا ولا مُكَلَّفًا فَهَذا مِمّا لا يَرْتَضِيهِ مُسْلِمٌ البَتَّةَ فَهَذِهِ أجْوِبَةُ مَن لَمْ يُجَوِّزِ الصَّغائِرَ، وأمّا مَن جَوَّزَها فَلا شَكَّ في سُقُوطِ السُّؤالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ لا صِلَةٌ، والمُرادُ ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي فَأقامَ مَنَعَكَ مَقامَ دَعاكَ، وفي الِاتِّباعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما مَنَعَكَ مِنِ اتِّباعِي بِمَن أطاعَكَ واللُّحُوقِ بِي وتَرْكِ المُقامِ بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ. والثّانِي: أنْ تَتَّبِعَنِي في وصِيَّتِي إذْ قُلْتُ لَكَ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٢] فَلِمَ تَرَكْتَ قِتالَهم وتَأْدِيبَهم وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تارِكَ المَأْمُورِ بِهِ عاصٍ والعاصِي مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ [الجِنِّ: ٢٣] ولِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النِّساءِ: ١٤] فَمَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، فَأجابَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ﴿ياابْنَ أُمَّ﴾ قِيلَ: إنَّما خاطَبَهُ بِذَلِكَ لِيَدْفَعَهُ عَنْهُ فَيَتْرُكَهُ، وقِيلَ: كانَ أخاهُ لِأُمِّهِ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَنهِيِّ فاعِلًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحْزابِ: ١] وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] والَّذِي فِيهِ أنَّهُ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِهِ بَلْ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِسائِرِ الأغْراضِ عَلى ما بَيَّنّاهُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّهُ أخَذَ ذُؤابَتَيْهِ بِيَمِينِهِ ولِحْيَتَهُ بِيَسارِهِ ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: (ما مَنَعَكَ أنْ لا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمَرَهُ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَحْسُنُ في جَوابِهِ أنْ يُقالَ: إنَّما لَمْ أمْتَثِلْ قَوْلَكَ خَوْفًا مِن أنْ تَقُولَ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ فَهَلْ يَجُوزُ مِثْلُ هَذا الكَلامِ عَلى العاقِلِ ؟ . والجَوابُ: لَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أمَرَهُ بِالذَّهابِ إلَيْهِ بِشَرْطِ أنْ لا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى فَسادٍ في القَوْمِ فَلَمّا قالَ مُوسى:
صفحة ٩٥
”ما مَنَعَكَ أنْ لا تَتَّبِعَنِ“ قالَ لِأنَّكَ إنَّما أمَرْتَنِي بِاتِّباعِكَ إذا لَمْ يَحْصُلِ الفَسادُ، فَلَوْ جِئْتُكَ مَعَ حُصُولِ الفَسادِ ما كُنْتُ مُراقِبًا لِقَوْلِكَ. قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: الهِدايَةُ أنْفَعُ مِنَ الدَّلالَةِ، فَإنَّ السَّحَرَةَ كانُوا أجانِبَ عَنِ الإيمانِ وما رَأوْا إلّا آيَةً واحِدَةً فَآمَنُوا، وتَحَمَّلُوا العَذابَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا ولَمْ يَرْجِعُوا عَنِ الإيمانِ، وأمّا قَوْمُهُ فَإنَّهم رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والتَقَمَ كُلَّ ما جَمَعَهُ السَّحَرَةُ ثُمَّ عادَ عَصًا، ورَأوُا اعْتِرافَ السَّحَرَةِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسِحْرٍ وأنَّهُ أمْرٌ إلَهِيٌّ، ورَأوُا الآياتِ التِّسْعَ مُدَّةً مَدِيدَةً، ثُمَّ رَأوُا انْفِراقَ البَحْرِ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْجاهم مِنَ الغَرَقِ وأهْلَكَ أعْداءَهم مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ مَعَ ما شاهَدُوا مِن هَذِهِ الآياتِ لَمّا خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ ورَأوْا قَوْمًا يَعْبُدُونَ البَقَرَ قالُوا: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، ولَمّا سَمِعُوا صَوْتًا مِن عِجْلٍ عَكَفُوا عَلى عِبادَتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الغَرَضُ بِالدَّلائِلِ بَلْ بِالهِدايَةِ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يا ابْنَ أُمِّ“ بِكَسْرِ المِيمِ والإضافَةِ ودَلَّتْ كَسْرَةُ المِيمِ عَلى الياءِ والباقُونَ بِالفَتْحِ وتَقْدِيرُهُ يا ابْنَ أُمّاهَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
طه 20:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياهارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الطّاعِنِينَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أمَرَ هارُونَ بِاتِّباعِهِ أوْ لَمْ يَأْمُرْهُ، فَإنْ أمَرَهُ بِهِ فَإمّا أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدِ اتَّبَعَهُ أوْ لَمْ يَتَّبِعْهُ، فَإنِ اتَّبَعَهُ كانَتْ مَلامَةُ مُوسى لِهارُونَ مَعْصِيَةً وذَنْبًا لِأنَّ مَلامَةَ غَيْرِ المُجْرِمِ مَعْصِيَةٌ، وإنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ كانَ هارُونُ تارِكًا لِلْواجِبِ فَكانَ فاعِلًا لِلْمَعْصِيَةِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ كانَتْ مَلامَتُهُ إيّاهُ بِتَرْكِ الِاتِّباعِ مَعْصِيَةً فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ يَلْزَمُ إسْنادُ المَعْصِيَةِ إمّا إلى مُوسى أوْ إلى هارُونَ. وثانِيها: قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هارُونُ قَدْ عَصاهُ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العِصْيانُ مُنْكَرًا، وإلّا لَكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كاذِبًا وهو مَعْصِيَةٌ، فَإذا فَعَلَ هارُونُ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ المَعْصِيَةَ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ وهَذا مَعْصِيَةٌ لِأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ فَعَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ النَّصِيحَةِ والوَعْظِ والزَّجْرِ، فَإنْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَحَثَ عَنِ الواقِعَةِ، وبَعْدَ أنْ عَلِمَ أنَّ هارُونَ قَدْ فَعَلَ ما قَدَرَ عَلَيْهِ، كانَ الأخْذُ بِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ مَعْصِيَةً، وإنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ تَعَرُّفِ الحالِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا مَعْصِيَةً. ورابِعُها: أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ فَإنْ كانَ الأخْذُ بِلِحْيَتِهِ وبِرَأْسِهِ جائِزًا كانَ قَوْلُ هارُونَ لا تَأْخُذْ مَنعًا لَهُ عَمّا كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْصِيَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الأخْذُ جائِزًا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فاعِلًا لِلْمَعْصِيَةِ، فَهَذِهِ أمْثِلَةٌ لَطِيفَةٌ في هَذا البابِ.
والجَوابُ عَنِ الكُلِّ: أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٦] أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ الجَلِيَّةِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ صُدُورُ المَعْصِيَةِ مِنَ الأنْبِياءِ، وحاصِلُ هَذِهِ الوُجُوهِ تَمَسُّكٌ بِظَواهِرَ قابِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ ومُعارَضَةُ ما يَبْعُدُ عَنِ التَّأْوِيلِ بِما يَتَسارَعُ إلَيْهِ التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ، إذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ فاعْلَمْ أنَّ لَنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الإشْكالاتِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنّا وإنِ اخْتَلَفْنا في جَوازِ المَعْصِيَةِ عَلى الأنْبِياءِ لَكِنِ اتَّفَقْنا عَلى جَوازِ تَرْكِ الأوْلى عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ كَذَلِكَ فالفِعْلُ الَّذِي يَفْعَلُهُ أحَدُهُما ويَمْنَعُهُ الآخَرُ أعْنِي بِهِما مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ لَعَلَّهُ كانَ أحَدُهُما أوْلى والآخَرُ كانَ تَرْكَ الأوْلى، فَلِذَلِكَ فَعَلَهُ أحَدُهُما وتَرَكَهُ الآخَرُ، فَإنْ قِيلَ هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ جازِمًا فِيما يَأْتِي بِهِ فِعْلًا كانَ أوْ تَرْكًا، وفِعْلُ المَندُوبِ وتَرْكُهُ لا يُجْزَمُ بِهِ، قُلْنا: تَقْيِيدُ المُطْلَقِ بِالدَّلِيلِ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ، فَنَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ الجَزْمَ في الفِعْلِ والتَّرْكِ عَلى أنَّ المُرادَ افْعَلْ ذَلِكَ أوِ اتْرُكْهُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ الأصْلَحَ، وقَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ الشَّرْطُ إذا كانَ تَواطُؤُهُما عَلى رِعايَتِهِ مَعْلُومًا مُتَقَرِّرًا. وثانِيها: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أقْبَلَ وهو غَضْبانُ عَلى قَوْمِهِ فَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ وجَرَّهُ إلَيْهِ كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الغَضَبِ، فَإنَّ الغَضْبانَ المُتَفَكِّرَ قَدْ يَعَضُّ عَلى شَفَتَيْهِ، ويَفْتِلُ أصابِعَهُ، ويَقْبِضُ لِحْيَتِهِ، فَأجْرى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخاهُ هارُونَ
صفحة ٩٤
مَجْرى نَفْسِهِ لِأنَّهُ كانَ أخاهُ وشَرِيكَهُ فَصَنَعَ بِهِ ما يَصْنَعُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ في حالِ الفِكْرِ والغَضَبِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن سُوءِ ظَنِّهِمْ أنَّهُ مُنْكِرٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعاوِنٍ لَهُ، ثُمَّ أخَذَ في شَرْحِ القِصَّةِ فَقالَ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، وثالِثُها: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا عَلى نِهايَةِ سُوءِ الظَّنِّ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى إنَّ هارُونَ غابَ عَنْهم غَيْبَةً فَقالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْتَ قَتَلْتَهُ، فَلَمّا واعَدَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتَمَّها بِعَشْرٍ وكَتَبَ لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ رَجَعَ فَرَأى في قَوْمِهِ ما رَأى فَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ لِيُدْنِيَهُ فَيَتَفَحَّصَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الواقِعَةِ، فَخافَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْبِقَ إلى قُلُوبِهِمْ ما لا أصْلَ لَهُ، فَقالَ إشْفاقًا عَلى مُوسى: لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي؛ لِئَلّا يَظُنَّ القَوْمُ ما لا يَلِيقُ بِكَ. ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا حَدِيدًا مَجْبُولًا عَلى الحِدَّةِ والخُشُونَةِ والتَّصَلُّبِ في كُلِّ شَيْءٍ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى ولِدِينِهِ فَلَمْ يَتَمالَكْ حِينَ رَأى قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ عِجْلًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن بَعْدِ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ العِظامِ أنْ ألْقى ألْواحَ التَّوْراةِ لِما غَلَبَ عَلى ذِهْنِهِ مِنَ الدَّهْشَةِ العَظِيمَةِ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى وحَمِيَّةً، وعَنَّفَ بِأخِيهِ وخَلِيفَتِهِ عَلى قَوْمِهِ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ إقْبالَ العَدُوِّ المُكاشِرِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ ساقِطٌ لِأنَّهُ يُقالُ: هَبْ أنَّهُ كانَ شَدِيدَ الغَضَبِ ولَكِنْ مَعَ ذَلِكَ الغَضَبِ الشَّدِيدِ هَلْ كانَ يَبْقى عاقِلًا مُكَلَّفًا أمْ لا ؟ فَإنْ بَقِيَ عاقِلًا مُكَلَّفًا فالأسْئِلَةُ باقِيَةٌ بِتَمامِها، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّكَ ذَكَرْتَ أنَّهُ أتى بِغَضَبٍ شَدِيدٍ وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ المَعاصِي فَقَدْ زِدْتَ إشْكالًا آخَرَ، فَإنْ قُلْتُمْ بِأنَّهُ في ذَلِكَ الغَضَبِ لَمْ يَبْقَ عاقِلًا ولا مُكَلَّفًا فَهَذا مِمّا لا يَرْتَضِيهِ مُسْلِمٌ البَتَّةَ فَهَذِهِ أجْوِبَةُ مَن لَمْ يُجَوِّزِ الصَّغائِرَ، وأمّا مَن جَوَّزَها فَلا شَكَّ في سُقُوطِ السُّؤالِ واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ لا صِلَةٌ، والمُرادُ ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي فَأقامَ مَنَعَكَ مَقامَ دَعاكَ، وفي الِاتِّباعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما مَنَعَكَ مِنِ اتِّباعِي بِمَن أطاعَكَ واللُّحُوقِ بِي وتَرْكِ المُقامِ بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ. والثّانِي: أنْ تَتَّبِعَنِي في وصِيَّتِي إذْ قُلْتُ لَكَ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٢] فَلِمَ تَرَكْتَ قِتالَهم وتَأْدِيبَهم وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تارِكَ المَأْمُورِ بِهِ عاصٍ والعاصِي مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ [الجِنِّ: ٢٣] ولِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النِّساءِ: ١٤] فَمَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، فَأجابَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ﴿ياابْنَ أُمَّ﴾ قِيلَ: إنَّما خاطَبَهُ بِذَلِكَ لِيَدْفَعَهُ عَنْهُ فَيَتْرُكَهُ، وقِيلَ: كانَ أخاهُ لِأُمِّهِ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَنهِيِّ فاعِلًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحْزابِ: ١] وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] والَّذِي فِيهِ أنَّهُ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِهِ بَلْ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِسائِرِ الأغْراضِ عَلى ما بَيَّنّاهُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّهُ أخَذَ ذُؤابَتَيْهِ بِيَمِينِهِ ولِحْيَتَهُ بِيَسارِهِ ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: (ما مَنَعَكَ أنْ لا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمَرَهُ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَحْسُنُ في جَوابِهِ أنْ يُقالَ: إنَّما لَمْ أمْتَثِلْ قَوْلَكَ خَوْفًا مِن أنْ تَقُولَ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ فَهَلْ يَجُوزُ مِثْلُ هَذا الكَلامِ عَلى العاقِلِ ؟ . والجَوابُ: لَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أمَرَهُ بِالذَّهابِ إلَيْهِ بِشَرْطِ أنْ لا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى فَسادٍ في القَوْمِ فَلَمّا قالَ مُوسى:
صفحة ٩٥
”ما مَنَعَكَ أنْ لا تَتَّبِعَنِ“ قالَ لِأنَّكَ إنَّما أمَرْتَنِي بِاتِّباعِكَ إذا لَمْ يَحْصُلِ الفَسادُ، فَلَوْ جِئْتُكَ مَعَ حُصُولِ الفَسادِ ما كُنْتُ مُراقِبًا لِقَوْلِكَ. قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: الهِدايَةُ أنْفَعُ مِنَ الدَّلالَةِ، فَإنَّ السَّحَرَةَ كانُوا أجانِبَ عَنِ الإيمانِ وما رَأوْا إلّا آيَةً واحِدَةً فَآمَنُوا، وتَحَمَّلُوا العَذابَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا ولَمْ يَرْجِعُوا عَنِ الإيمانِ، وأمّا قَوْمُهُ فَإنَّهم رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والتَقَمَ كُلَّ ما جَمَعَهُ السَّحَرَةُ ثُمَّ عادَ عَصًا، ورَأوُا اعْتِرافَ السَّحَرَةِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسِحْرٍ وأنَّهُ أمْرٌ إلَهِيٌّ، ورَأوُا الآياتِ التِّسْعَ مُدَّةً مَدِيدَةً، ثُمَّ رَأوُا انْفِراقَ البَحْرِ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْجاهم مِنَ الغَرَقِ وأهْلَكَ أعْداءَهم مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ مَعَ ما شاهَدُوا مِن هَذِهِ الآياتِ لَمّا خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ ورَأوْا قَوْمًا يَعْبُدُونَ البَقَرَ قالُوا: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، ولَمّا سَمِعُوا صَوْتًا مِن عِجْلٍ عَكَفُوا عَلى عِبادَتِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الغَرَضُ بِالدَّلائِلِ بَلْ بِالهِدايَةِ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يا ابْنَ أُمِّ“ بِكَسْرِ المِيمِ والإضافَةِ ودَلَّتْ كَسْرَةُ المِيمِ عَلى الياءِ والباقُونَ بِالفَتْحِ وتَقْدِيرُهُ يا ابْنَ أُمّاهَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
طه 20:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن مُخاطَبَةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَرَفَ العُذْرَ لَهُ في التَّأْخِيرِ أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ حاضِرًا مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا قَطَعَ مُوسى الكَلامَ مَعَ هارُونَ أخَذَ في التَّكَلُّمِ مَعَ السّامِرِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا ثُمَّ حَضَرَ السّامِرِيُّ مِن بَعْدُ أوْ ذَهَبَ إلَيْهِ مُوسى لِيُخاطِبَهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ والخَطْبُ مَصْدَرٌ، خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ، فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا: ما خَطْبُكَ ؟ مَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ والغَرَضُ مِنهُ الإنْكارُ عَلَيْهِ وتَعْظِيمُ صُنْعِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السّامِرِيُّ عُذْرَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (بَصِرْتُ بِما لَمْ يَبْصِرُوا بِهِ) بِالكَسْرِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (بِما لَمْ تَبْصُرُوا) بِالتّاءِ المُعْجَمَةِ مِن فَوْقُ، والباقُونَ بِالياءِ أيْ بِما لَمْ يَبْصُرْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الإبْصارِ قَوْلانِ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ بِما لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ بَصِيرٌ أيْ
صفحة ٩٦
عالِمٌ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ الزَّجّاجُ في تَقْرِيرِهِ: أبْصَرْتُهُ بِمَعْنى رَأيْتُهُ وبَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى صِرْتُ بِهِ بَصِيرًا عالِمًا، وقالَ آخَرُونَ: رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ فَقَوْلُهُ: بَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى أبْصَرْتُهُ وأرادَ أنَّهُ رَأى دابَّةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”قُبْضَةً“ بِضَمِّ القافِ وهي اسْمٌ لِلْمَقْبُوضِ كالغُرْفَةِ والضُّفَّةِ، وأمّا القَبْضَةُ فالمَرَّةُ مِنَ القَبْضِ وإطْلاقُها عَلى المَقْبُوضِ مِن تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ كَضَرْبِ الأمِيرِ وقُرِئَ أيْضًا فَقَبَصْتُ قَبْصَةً بِالضّادِ والصّادِ فالضّادُ بِجَمِيعِ الكَفِّ والصّادُ بِأطْرافِ الأصابِعِ ونَظِيرِهُما الخَضْمُ والقَضْمُ الخاءُ بِجَمِيعِ الفَمِ والقافُ بِمُقَدَّمِهِ. قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِن أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عامَّةُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأرادَ بِأثَرِهِ التُّرابَ الَّذِي أخَذَهُ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّهُ مَتى رَآهُ فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّما رَآهُ يَوْمَ فُلِقَ البَحْرُ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَ لِيَذْهَبَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الطُّورِ أبْصَرَهُ السّامِرِيُّ مِن بَيْنِ النّاسِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ النّاسِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: إنَّما عَرَفَهُ لِأنَّهُ رَآهُ في صِغَرِهِ وحَفِظَهُ مِنَ القَتْلِ حِينَ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ أوْلادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَتِ المَرْأةُ تَلِدُ وتَطْرَحُ ولَدَها حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ فَتَأْخُذُ المَلائِكَةُ الوِلْدانَ فَيُرَبُّونَهم حَتّى يَتَرَعْرَعُوا ويَخْتَلِطُوا بِالنّاسِ فَكانَ السّامِرِيُّ مِمَّنْ أخَذَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعَلَ كَفَّ نَفْسِهِ في فِيهِ وارْتَضَعَ مِنهُ العَسَلَ واللَّبَنَ فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِفُ إلَيْهِ حَتّى عَرَفَهُ، فَلَمّا رَآهُ عَرَفَهُ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بِمَعْنى رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ، ومَن فَسَّرَ الكَلِمَةَ بِالعِلْمِ فَهو صَحِيحٌ ويَكُونُ المَعْنى عَلِمْتُ أنَّ تُرابَ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ خاصِّيَّةُ الإحْياءِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ فَهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِأثَرِهِ سُنَّتَهُ ورَسْمَهُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْبِضُ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْمِ في بابِ العِجْلِ، فَقالَ: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ، أيْ شَيْئًا مِن سُنَّتِكَ ودِينِكَ فَقَذَفْتُهُ أيْ طَرَحْتُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أعْلَمَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنَّما أوْرَدَ بِلَفْظِ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا وبِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ، وأمّا دُعاؤُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ فَعَلى مِثْلِ مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ لَيْسَ فِيهِ إلّا مُخالَفَةُ المُفَسِّرِينَ ولَكِنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ باسِمِ الرَّسُولِ ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تُجْعَلَ لامُ التَّعْرِيفِ إشارَةً إلَيْهِ، فَإطْلاقُ لَفْظِ الرَّسُولِ لِإرادَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ تَكْلِيفٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ وهو قَبْضَةٌ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وثالِثُها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّعَسُّفِ في بَيانِ أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ مِن بَيْنِ جَمِيعِ النّاسِ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ كَيْفَ
صفحة ٩٧
عَرَفَ أنَّ لِتُرابِ حافِرِ فَرَسِهِ هَذا الأثَرَ، والَّذِي ذَكَرُوهُ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي رَبّاهُ فَبَعِيدٌ، لِأنَّ السّامِرِيَّ إنْ عَرَفَ جِبْرِيلَ حالَ كَمالِ عَقْلِهِ عَرَفَ قَطْعًا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ، فَكَيْفَ يُحاوِلُ الإضْلالَ وإنْ كانَ ما عَرَفَهُ حالَ البُلُوغِ فَأيُّ مَنفَعَةٍ لِكَوْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرَبِّيًا لَهُ في الطُّفُولِيَّةِ في حُصُولِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ. ورابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ اطِّلاعُ بَعْضِ الكَفَرَةِ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ لَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ يُشْبِهُ ذَلِكَ فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى سُؤالِ مَن يَطْعَنُ في المُعْجِزاتِ ويَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهم لِاخْتِصاصِهِمْ بِمَعْرِفَةِ بَعْضِ الأدْوِيَةِ الَّتِي لَها خاصِّيَّةُ أنْ تُفِيدَ حُصُولَ تِلْكَ المُعْجِزَةِ أتَوْا بِتِلْكَ المُعْجِزَةِ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ بابُ المُعْجِزاتِ بِالكُلِّيَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ فالمَعْنى فَعَلْتُ ما دَعَتْنِي إلَيْهِ نَفْسِي، وسَوَّلَتْ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّؤالِ فالمَعْنى لَمْ يَدْعُنِي إلى ما فَعَلْتُهُ أحَدٌ غَيْرِي بَلِ اتَّبَعْتُ هَوايَ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ السّامِرِيِّ أجابَهُ بِأنْ بَيَّنَ حالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبَيَّنَ حالَ إلَهِهِ أمّا حالُهُ في الدُّنْيا فَقَوْلُهُ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ: أنِّي لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ قالُوا: وإذا مَسَّهُ أحَدٌ حُمَّ الماسُّ والمَمْسُوسُ فَكانَ إذا أرادَ أحَدٌ أنْ يَمَسَّهُ صاحَ خَوْفًا مِنَ الحُمّى وقالَ لا مِساسَ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا مِساسَ﴾ المَنعُ مِن أنْ يُخالِطَ أحَدًا أوْ يُخالِطَهُ أحَدٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَهُ مِن مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهُ: اخْرُجْ أنْتَ وأهْلُكَ فَخَرَجَ طَرِيدًا إلى البَرارِي، اعْتَرَضَ الواحِدِيُّ عَلَيْهِ فَقالَ: الرَّجُلُ إذا صارَ مَهْجُورًا فَلا يَقُولُ هو لا مِساسَ، وإنَّما يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، وهَذا الِاعْتِراضُ ضَعِيفٌ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا بَقِيَ طَرِيدًا فَرِيدًا فَإذا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ حالُكَ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا مِساسَ أيْ لا يَماسُّنِي أحَدٌ ولا أماسُّ أحَدًا، والمَعْنى: إنِّي أجْعَلُكَ يا سامِرِيُّ في المَطْرُودِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ أرَدْتَ أنْ تُخْبِرَ غَيْرَكَ عَنْ حالِكَ لَمْ تَقُلْ إلّا أنَّهُ لا مِساسَ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ وأقْرَبُ إلى نَظْمِ الكَلامِ مِنَ الأوَّلِ. وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ وهو أنَّهُ يَجُوزُ في حَمْلِهِ ما أُرِيدُ مَسَّ النِّساءِ فَيَكُونُ مِن تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهُ انْقِطاعُ نَسْلِهِ فَلا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ يُؤْنِسُهُ فَيُخْلِيَهُ اللَّهُ تَعالى مِن زِينَتِي الدُّنْيا اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وقُرِئَ: لا مَساسَ بِوَزْنِ فَجارَ وهو اسْمُ عَلَمٍ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ المَسِّ، وأمّا شَرْحُ حالِهِ في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ والمَوْعِدُ بِمَعْنى الوَعْدِ أيْ هَذِهِ عُقُوبَتُكَ في الدُّنْيا ثُمَّ لَكَ الوَعْدُ بِالمَصِيرِ إلى عَذابِ الآخِرَةِ فَأنْتَ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ، قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ: لَنْ تُخْلَفَهُ بِفَتْحِ اللّامِ أيْ لَنْ تُخْلَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ أيْ سَيَأْتِيكَ بِهِ اللَّهُ ولَنْ يَتَأخَّرَ عَنْكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ تَجِيءُ إلَيْهِ ولَنْ تَغِيبَ عَنْهُ ولَنْ تَتَخَلَّفَ عَنْهُ، وفَتْحُ اللّامِ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ كَأنَّهُ قالَ: مَوْعِدًا حَقًّا لا خُلْفَ فِيهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَنْ نُخْلَفَهُ بِالنُّونِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَكى قَوْلَ اللَّهِ تَعالى بِلَفْظِهِ كَما مَرَّ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِأهَبَ لَكِ﴾ [مَرْيَمَ: ١٩] وأمّا شَرْحُ حالِ إلَهِهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ قالَ المُفَضَّلُ في ظَلْتَ: إنَّهُ يُقْرَأُ بِفَتْحِ الظّاءِ وكَسْرِها وكَذَلِكَ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٦٥] وأصْلُهُ ظَلِلْتَ فَحُذِفَتِ اللّامُ الأُولى وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَتِ اللّامُ الثّانِيَةُ ساكِنَةً تَسْتَحِبُّ العَرَبُ طَرْحَ الأُولى، ومَن كَسَرَ الظّاءَ نَقَلَ كَسْرَةَ اللّامِ السّاقِطَةِ إلَيْها، ومَن فَتَحَها تَرَكَ الظّاءَ عَلى حالِها وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في المُضاعَفِ يَقُولُونَ: مَسْتُهُ ومَسَسْتُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ وجْهانِ:
صفحة ٩٨
أحَدُهُما: المُرادُ إحْراقُهُ بِالنّارِ وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، لِأنَّ الذَّهَبَ لا يُمْكِنُ إحْراقُهُ بِالنّارِ، وقالَ السُّدِّيُّ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ العِجْلِ فَذُبِحَ فَسالَ مِنهُ الدَّمُ ثُمَّ أُحْرِقَ ثُمَّ نُسِفَ رَمادُهُ، وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَنَذْبَحَنَّهُ ولَنُحَرِّقَنَّهُ. وثانِيهِما: لَنُحَرِّقَنَّهُ أيْ لَنَبْرُدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ، يُقالُ: حَرَقَهُ يَحْرُقُهُ إذا بَرَدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْقَلِبْ لَحْمًا ولا دَمًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يُبَرَدَ بِالمِبْرَدِ، ويُمْكِنَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ صارَ لَحْمًا فَذُبِحَ ثُمَّ بُرِدَتْ عِظامُهُ بِالمِبْرَدِ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ نَسْفُها.
قِراءَةُ العامَّةِ بِضَمِّ النُّونِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ ومَعْناهُ لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنّارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ لَنَحْرُقَنَّهُ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الرّاءِ خَفِيفَةً يَعْنِي لَنَبْرُدَنَّهُ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ والتَّعْظِيمِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ مَن يَعْبُدُهُ ومَن لا يَعْبُدُهُ.
طه 20:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن مُخاطَبَةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَرَفَ العُذْرَ لَهُ في التَّأْخِيرِ أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ حاضِرًا مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا قَطَعَ مُوسى الكَلامَ مَعَ هارُونَ أخَذَ في التَّكَلُّمِ مَعَ السّامِرِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا ثُمَّ حَضَرَ السّامِرِيُّ مِن بَعْدُ أوْ ذَهَبَ إلَيْهِ مُوسى لِيُخاطِبَهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ والخَطْبُ مَصْدَرٌ، خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ، فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا: ما خَطْبُكَ ؟ مَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ والغَرَضُ مِنهُ الإنْكارُ عَلَيْهِ وتَعْظِيمُ صُنْعِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السّامِرِيُّ عُذْرَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (بَصِرْتُ بِما لَمْ يَبْصِرُوا بِهِ) بِالكَسْرِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (بِما لَمْ تَبْصُرُوا) بِالتّاءِ المُعْجَمَةِ مِن فَوْقُ، والباقُونَ بِالياءِ أيْ بِما لَمْ يَبْصُرْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الإبْصارِ قَوْلانِ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ بِما لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ بَصِيرٌ أيْ
صفحة ٩٦
عالِمٌ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ الزَّجّاجُ في تَقْرِيرِهِ: أبْصَرْتُهُ بِمَعْنى رَأيْتُهُ وبَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى صِرْتُ بِهِ بَصِيرًا عالِمًا، وقالَ آخَرُونَ: رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ فَقَوْلُهُ: بَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى أبْصَرْتُهُ وأرادَ أنَّهُ رَأى دابَّةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”قُبْضَةً“ بِضَمِّ القافِ وهي اسْمٌ لِلْمَقْبُوضِ كالغُرْفَةِ والضُّفَّةِ، وأمّا القَبْضَةُ فالمَرَّةُ مِنَ القَبْضِ وإطْلاقُها عَلى المَقْبُوضِ مِن تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ كَضَرْبِ الأمِيرِ وقُرِئَ أيْضًا فَقَبَصْتُ قَبْصَةً بِالضّادِ والصّادِ فالضّادُ بِجَمِيعِ الكَفِّ والصّادُ بِأطْرافِ الأصابِعِ ونَظِيرِهُما الخَضْمُ والقَضْمُ الخاءُ بِجَمِيعِ الفَمِ والقافُ بِمُقَدَّمِهِ. قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِن أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عامَّةُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأرادَ بِأثَرِهِ التُّرابَ الَّذِي أخَذَهُ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّهُ مَتى رَآهُ فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّما رَآهُ يَوْمَ فُلِقَ البَحْرُ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَ لِيَذْهَبَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الطُّورِ أبْصَرَهُ السّامِرِيُّ مِن بَيْنِ النّاسِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ النّاسِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: إنَّما عَرَفَهُ لِأنَّهُ رَآهُ في صِغَرِهِ وحَفِظَهُ مِنَ القَتْلِ حِينَ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ أوْلادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَتِ المَرْأةُ تَلِدُ وتَطْرَحُ ولَدَها حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ فَتَأْخُذُ المَلائِكَةُ الوِلْدانَ فَيُرَبُّونَهم حَتّى يَتَرَعْرَعُوا ويَخْتَلِطُوا بِالنّاسِ فَكانَ السّامِرِيُّ مِمَّنْ أخَذَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعَلَ كَفَّ نَفْسِهِ في فِيهِ وارْتَضَعَ مِنهُ العَسَلَ واللَّبَنَ فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِفُ إلَيْهِ حَتّى عَرَفَهُ، فَلَمّا رَآهُ عَرَفَهُ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بِمَعْنى رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ، ومَن فَسَّرَ الكَلِمَةَ بِالعِلْمِ فَهو صَحِيحٌ ويَكُونُ المَعْنى عَلِمْتُ أنَّ تُرابَ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ خاصِّيَّةُ الإحْياءِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ فَهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِأثَرِهِ سُنَّتَهُ ورَسْمَهُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْبِضُ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْمِ في بابِ العِجْلِ، فَقالَ: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ، أيْ شَيْئًا مِن سُنَّتِكَ ودِينِكَ فَقَذَفْتُهُ أيْ طَرَحْتُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أعْلَمَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنَّما أوْرَدَ بِلَفْظِ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا وبِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ، وأمّا دُعاؤُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ فَعَلى مِثْلِ مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ لَيْسَ فِيهِ إلّا مُخالَفَةُ المُفَسِّرِينَ ولَكِنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ باسِمِ الرَّسُولِ ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تُجْعَلَ لامُ التَّعْرِيفِ إشارَةً إلَيْهِ، فَإطْلاقُ لَفْظِ الرَّسُولِ لِإرادَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ تَكْلِيفٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ وهو قَبْضَةٌ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وثالِثُها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّعَسُّفِ في بَيانِ أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ مِن بَيْنِ جَمِيعِ النّاسِ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ كَيْفَ
صفحة ٩٧
عَرَفَ أنَّ لِتُرابِ حافِرِ فَرَسِهِ هَذا الأثَرَ، والَّذِي ذَكَرُوهُ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي رَبّاهُ فَبَعِيدٌ، لِأنَّ السّامِرِيَّ إنْ عَرَفَ جِبْرِيلَ حالَ كَمالِ عَقْلِهِ عَرَفَ قَطْعًا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ، فَكَيْفَ يُحاوِلُ الإضْلالَ وإنْ كانَ ما عَرَفَهُ حالَ البُلُوغِ فَأيُّ مَنفَعَةٍ لِكَوْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرَبِّيًا لَهُ في الطُّفُولِيَّةِ في حُصُولِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ. ورابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ اطِّلاعُ بَعْضِ الكَفَرَةِ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ لَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ يُشْبِهُ ذَلِكَ فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى سُؤالِ مَن يَطْعَنُ في المُعْجِزاتِ ويَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهم لِاخْتِصاصِهِمْ بِمَعْرِفَةِ بَعْضِ الأدْوِيَةِ الَّتِي لَها خاصِّيَّةُ أنْ تُفِيدَ حُصُولَ تِلْكَ المُعْجِزَةِ أتَوْا بِتِلْكَ المُعْجِزَةِ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ بابُ المُعْجِزاتِ بِالكُلِّيَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ فالمَعْنى فَعَلْتُ ما دَعَتْنِي إلَيْهِ نَفْسِي، وسَوَّلَتْ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّؤالِ فالمَعْنى لَمْ يَدْعُنِي إلى ما فَعَلْتُهُ أحَدٌ غَيْرِي بَلِ اتَّبَعْتُ هَوايَ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ السّامِرِيِّ أجابَهُ بِأنْ بَيَّنَ حالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبَيَّنَ حالَ إلَهِهِ أمّا حالُهُ في الدُّنْيا فَقَوْلُهُ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ: أنِّي لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ قالُوا: وإذا مَسَّهُ أحَدٌ حُمَّ الماسُّ والمَمْسُوسُ فَكانَ إذا أرادَ أحَدٌ أنْ يَمَسَّهُ صاحَ خَوْفًا مِنَ الحُمّى وقالَ لا مِساسَ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا مِساسَ﴾ المَنعُ مِن أنْ يُخالِطَ أحَدًا أوْ يُخالِطَهُ أحَدٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَهُ مِن مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهُ: اخْرُجْ أنْتَ وأهْلُكَ فَخَرَجَ طَرِيدًا إلى البَرارِي، اعْتَرَضَ الواحِدِيُّ عَلَيْهِ فَقالَ: الرَّجُلُ إذا صارَ مَهْجُورًا فَلا يَقُولُ هو لا مِساسَ، وإنَّما يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، وهَذا الِاعْتِراضُ ضَعِيفٌ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا بَقِيَ طَرِيدًا فَرِيدًا فَإذا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ حالُكَ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا مِساسَ أيْ لا يَماسُّنِي أحَدٌ ولا أماسُّ أحَدًا، والمَعْنى: إنِّي أجْعَلُكَ يا سامِرِيُّ في المَطْرُودِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ أرَدْتَ أنْ تُخْبِرَ غَيْرَكَ عَنْ حالِكَ لَمْ تَقُلْ إلّا أنَّهُ لا مِساسَ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ وأقْرَبُ إلى نَظْمِ الكَلامِ مِنَ الأوَّلِ. وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ وهو أنَّهُ يَجُوزُ في حَمْلِهِ ما أُرِيدُ مَسَّ النِّساءِ فَيَكُونُ مِن تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهُ انْقِطاعُ نَسْلِهِ فَلا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ يُؤْنِسُهُ فَيُخْلِيَهُ اللَّهُ تَعالى مِن زِينَتِي الدُّنْيا اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وقُرِئَ: لا مَساسَ بِوَزْنِ فَجارَ وهو اسْمُ عَلَمٍ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ المَسِّ، وأمّا شَرْحُ حالِهِ في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ والمَوْعِدُ بِمَعْنى الوَعْدِ أيْ هَذِهِ عُقُوبَتُكَ في الدُّنْيا ثُمَّ لَكَ الوَعْدُ بِالمَصِيرِ إلى عَذابِ الآخِرَةِ فَأنْتَ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ، قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ: لَنْ تُخْلَفَهُ بِفَتْحِ اللّامِ أيْ لَنْ تُخْلَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ أيْ سَيَأْتِيكَ بِهِ اللَّهُ ولَنْ يَتَأخَّرَ عَنْكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ تَجِيءُ إلَيْهِ ولَنْ تَغِيبَ عَنْهُ ولَنْ تَتَخَلَّفَ عَنْهُ، وفَتْحُ اللّامِ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ كَأنَّهُ قالَ: مَوْعِدًا حَقًّا لا خُلْفَ فِيهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَنْ نُخْلَفَهُ بِالنُّونِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَكى قَوْلَ اللَّهِ تَعالى بِلَفْظِهِ كَما مَرَّ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِأهَبَ لَكِ﴾ [مَرْيَمَ: ١٩] وأمّا شَرْحُ حالِ إلَهِهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ قالَ المُفَضَّلُ في ظَلْتَ: إنَّهُ يُقْرَأُ بِفَتْحِ الظّاءِ وكَسْرِها وكَذَلِكَ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٦٥] وأصْلُهُ ظَلِلْتَ فَحُذِفَتِ اللّامُ الأُولى وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَتِ اللّامُ الثّانِيَةُ ساكِنَةً تَسْتَحِبُّ العَرَبُ طَرْحَ الأُولى، ومَن كَسَرَ الظّاءَ نَقَلَ كَسْرَةَ اللّامِ السّاقِطَةِ إلَيْها، ومَن فَتَحَها تَرَكَ الظّاءَ عَلى حالِها وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في المُضاعَفِ يَقُولُونَ: مَسْتُهُ ومَسَسْتُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ وجْهانِ:
صفحة ٩٨
أحَدُهُما: المُرادُ إحْراقُهُ بِالنّارِ وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، لِأنَّ الذَّهَبَ لا يُمْكِنُ إحْراقُهُ بِالنّارِ، وقالَ السُّدِّيُّ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ العِجْلِ فَذُبِحَ فَسالَ مِنهُ الدَّمُ ثُمَّ أُحْرِقَ ثُمَّ نُسِفَ رَمادُهُ، وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَنَذْبَحَنَّهُ ولَنُحَرِّقَنَّهُ. وثانِيهِما: لَنُحَرِّقَنَّهُ أيْ لَنَبْرُدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ، يُقالُ: حَرَقَهُ يَحْرُقُهُ إذا بَرَدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْقَلِبْ لَحْمًا ولا دَمًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يُبَرَدَ بِالمِبْرَدِ، ويُمْكِنَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ صارَ لَحْمًا فَذُبِحَ ثُمَّ بُرِدَتْ عِظامُهُ بِالمِبْرَدِ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ نَسْفُها.
قِراءَةُ العامَّةِ بِضَمِّ النُّونِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ ومَعْناهُ لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنّارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ لَنَحْرُقَنَّهُ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الرّاءِ خَفِيفَةً يَعْنِي لَنَبْرُدَنَّهُ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ والتَّعْظِيمِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ مَن يَعْبُدُهُ ومَن لا يَعْبُدُهُ.
طه 20:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن مُخاطَبَةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَرَفَ العُذْرَ لَهُ في التَّأْخِيرِ أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ حاضِرًا مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا قَطَعَ مُوسى الكَلامَ مَعَ هارُونَ أخَذَ في التَّكَلُّمِ مَعَ السّامِرِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا ثُمَّ حَضَرَ السّامِرِيُّ مِن بَعْدُ أوْ ذَهَبَ إلَيْهِ مُوسى لِيُخاطِبَهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ والخَطْبُ مَصْدَرٌ، خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ، فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا: ما خَطْبُكَ ؟ مَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ والغَرَضُ مِنهُ الإنْكارُ عَلَيْهِ وتَعْظِيمُ صُنْعِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السّامِرِيُّ عُذْرَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (بَصِرْتُ بِما لَمْ يَبْصِرُوا بِهِ) بِالكَسْرِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (بِما لَمْ تَبْصُرُوا) بِالتّاءِ المُعْجَمَةِ مِن فَوْقُ، والباقُونَ بِالياءِ أيْ بِما لَمْ يَبْصُرْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الإبْصارِ قَوْلانِ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ بِما لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ بَصِيرٌ أيْ
صفحة ٩٦
عالِمٌ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ الزَّجّاجُ في تَقْرِيرِهِ: أبْصَرْتُهُ بِمَعْنى رَأيْتُهُ وبَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى صِرْتُ بِهِ بَصِيرًا عالِمًا، وقالَ آخَرُونَ: رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ فَقَوْلُهُ: بَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى أبْصَرْتُهُ وأرادَ أنَّهُ رَأى دابَّةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”قُبْضَةً“ بِضَمِّ القافِ وهي اسْمٌ لِلْمَقْبُوضِ كالغُرْفَةِ والضُّفَّةِ، وأمّا القَبْضَةُ فالمَرَّةُ مِنَ القَبْضِ وإطْلاقُها عَلى المَقْبُوضِ مِن تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ كَضَرْبِ الأمِيرِ وقُرِئَ أيْضًا فَقَبَصْتُ قَبْصَةً بِالضّادِ والصّادِ فالضّادُ بِجَمِيعِ الكَفِّ والصّادُ بِأطْرافِ الأصابِعِ ونَظِيرِهُما الخَضْمُ والقَضْمُ الخاءُ بِجَمِيعِ الفَمِ والقافُ بِمُقَدَّمِهِ. قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِن أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عامَّةُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأرادَ بِأثَرِهِ التُّرابَ الَّذِي أخَذَهُ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّهُ مَتى رَآهُ فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّما رَآهُ يَوْمَ فُلِقَ البَحْرُ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَ لِيَذْهَبَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الطُّورِ أبْصَرَهُ السّامِرِيُّ مِن بَيْنِ النّاسِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ النّاسِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: إنَّما عَرَفَهُ لِأنَّهُ رَآهُ في صِغَرِهِ وحَفِظَهُ مِنَ القَتْلِ حِينَ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ أوْلادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَتِ المَرْأةُ تَلِدُ وتَطْرَحُ ولَدَها حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ فَتَأْخُذُ المَلائِكَةُ الوِلْدانَ فَيُرَبُّونَهم حَتّى يَتَرَعْرَعُوا ويَخْتَلِطُوا بِالنّاسِ فَكانَ السّامِرِيُّ مِمَّنْ أخَذَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعَلَ كَفَّ نَفْسِهِ في فِيهِ وارْتَضَعَ مِنهُ العَسَلَ واللَّبَنَ فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِفُ إلَيْهِ حَتّى عَرَفَهُ، فَلَمّا رَآهُ عَرَفَهُ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بِمَعْنى رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ، ومَن فَسَّرَ الكَلِمَةَ بِالعِلْمِ فَهو صَحِيحٌ ويَكُونُ المَعْنى عَلِمْتُ أنَّ تُرابَ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ خاصِّيَّةُ الإحْياءِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ فَهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِأثَرِهِ سُنَّتَهُ ورَسْمَهُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْبِضُ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْمِ في بابِ العِجْلِ، فَقالَ: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ، أيْ شَيْئًا مِن سُنَّتِكَ ودِينِكَ فَقَذَفْتُهُ أيْ طَرَحْتُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أعْلَمَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنَّما أوْرَدَ بِلَفْظِ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا وبِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ، وأمّا دُعاؤُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ فَعَلى مِثْلِ مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ لَيْسَ فِيهِ إلّا مُخالَفَةُ المُفَسِّرِينَ ولَكِنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ باسِمِ الرَّسُولِ ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تُجْعَلَ لامُ التَّعْرِيفِ إشارَةً إلَيْهِ، فَإطْلاقُ لَفْظِ الرَّسُولِ لِإرادَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ تَكْلِيفٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ وهو قَبْضَةٌ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وثالِثُها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّعَسُّفِ في بَيانِ أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ مِن بَيْنِ جَمِيعِ النّاسِ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ كَيْفَ
صفحة ٩٧
عَرَفَ أنَّ لِتُرابِ حافِرِ فَرَسِهِ هَذا الأثَرَ، والَّذِي ذَكَرُوهُ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي رَبّاهُ فَبَعِيدٌ، لِأنَّ السّامِرِيَّ إنْ عَرَفَ جِبْرِيلَ حالَ كَمالِ عَقْلِهِ عَرَفَ قَطْعًا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ، فَكَيْفَ يُحاوِلُ الإضْلالَ وإنْ كانَ ما عَرَفَهُ حالَ البُلُوغِ فَأيُّ مَنفَعَةٍ لِكَوْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرَبِّيًا لَهُ في الطُّفُولِيَّةِ في حُصُولِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ. ورابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ اطِّلاعُ بَعْضِ الكَفَرَةِ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ لَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ يُشْبِهُ ذَلِكَ فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى سُؤالِ مَن يَطْعَنُ في المُعْجِزاتِ ويَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهم لِاخْتِصاصِهِمْ بِمَعْرِفَةِ بَعْضِ الأدْوِيَةِ الَّتِي لَها خاصِّيَّةُ أنْ تُفِيدَ حُصُولَ تِلْكَ المُعْجِزَةِ أتَوْا بِتِلْكَ المُعْجِزَةِ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ بابُ المُعْجِزاتِ بِالكُلِّيَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ فالمَعْنى فَعَلْتُ ما دَعَتْنِي إلَيْهِ نَفْسِي، وسَوَّلَتْ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّؤالِ فالمَعْنى لَمْ يَدْعُنِي إلى ما فَعَلْتُهُ أحَدٌ غَيْرِي بَلِ اتَّبَعْتُ هَوايَ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ السّامِرِيِّ أجابَهُ بِأنْ بَيَّنَ حالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبَيَّنَ حالَ إلَهِهِ أمّا حالُهُ في الدُّنْيا فَقَوْلُهُ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ: أنِّي لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ قالُوا: وإذا مَسَّهُ أحَدٌ حُمَّ الماسُّ والمَمْسُوسُ فَكانَ إذا أرادَ أحَدٌ أنْ يَمَسَّهُ صاحَ خَوْفًا مِنَ الحُمّى وقالَ لا مِساسَ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا مِساسَ﴾ المَنعُ مِن أنْ يُخالِطَ أحَدًا أوْ يُخالِطَهُ أحَدٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَهُ مِن مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهُ: اخْرُجْ أنْتَ وأهْلُكَ فَخَرَجَ طَرِيدًا إلى البَرارِي، اعْتَرَضَ الواحِدِيُّ عَلَيْهِ فَقالَ: الرَّجُلُ إذا صارَ مَهْجُورًا فَلا يَقُولُ هو لا مِساسَ، وإنَّما يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، وهَذا الِاعْتِراضُ ضَعِيفٌ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا بَقِيَ طَرِيدًا فَرِيدًا فَإذا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ حالُكَ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا مِساسَ أيْ لا يَماسُّنِي أحَدٌ ولا أماسُّ أحَدًا، والمَعْنى: إنِّي أجْعَلُكَ يا سامِرِيُّ في المَطْرُودِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ أرَدْتَ أنْ تُخْبِرَ غَيْرَكَ عَنْ حالِكَ لَمْ تَقُلْ إلّا أنَّهُ لا مِساسَ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ وأقْرَبُ إلى نَظْمِ الكَلامِ مِنَ الأوَّلِ. وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ وهو أنَّهُ يَجُوزُ في حَمْلِهِ ما أُرِيدُ مَسَّ النِّساءِ فَيَكُونُ مِن تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهُ انْقِطاعُ نَسْلِهِ فَلا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ يُؤْنِسُهُ فَيُخْلِيَهُ اللَّهُ تَعالى مِن زِينَتِي الدُّنْيا اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وقُرِئَ: لا مَساسَ بِوَزْنِ فَجارَ وهو اسْمُ عَلَمٍ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ المَسِّ، وأمّا شَرْحُ حالِهِ في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ والمَوْعِدُ بِمَعْنى الوَعْدِ أيْ هَذِهِ عُقُوبَتُكَ في الدُّنْيا ثُمَّ لَكَ الوَعْدُ بِالمَصِيرِ إلى عَذابِ الآخِرَةِ فَأنْتَ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ، قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ: لَنْ تُخْلَفَهُ بِفَتْحِ اللّامِ أيْ لَنْ تُخْلَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ أيْ سَيَأْتِيكَ بِهِ اللَّهُ ولَنْ يَتَأخَّرَ عَنْكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ تَجِيءُ إلَيْهِ ولَنْ تَغِيبَ عَنْهُ ولَنْ تَتَخَلَّفَ عَنْهُ، وفَتْحُ اللّامِ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ كَأنَّهُ قالَ: مَوْعِدًا حَقًّا لا خُلْفَ فِيهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَنْ نُخْلَفَهُ بِالنُّونِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَكى قَوْلَ اللَّهِ تَعالى بِلَفْظِهِ كَما مَرَّ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِأهَبَ لَكِ﴾ [مَرْيَمَ: ١٩] وأمّا شَرْحُ حالِ إلَهِهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ قالَ المُفَضَّلُ في ظَلْتَ: إنَّهُ يُقْرَأُ بِفَتْحِ الظّاءِ وكَسْرِها وكَذَلِكَ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٦٥] وأصْلُهُ ظَلِلْتَ فَحُذِفَتِ اللّامُ الأُولى وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَتِ اللّامُ الثّانِيَةُ ساكِنَةً تَسْتَحِبُّ العَرَبُ طَرْحَ الأُولى، ومَن كَسَرَ الظّاءَ نَقَلَ كَسْرَةَ اللّامِ السّاقِطَةِ إلَيْها، ومَن فَتَحَها تَرَكَ الظّاءَ عَلى حالِها وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في المُضاعَفِ يَقُولُونَ: مَسْتُهُ ومَسَسْتُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ وجْهانِ:
صفحة ٩٨
أحَدُهُما: المُرادُ إحْراقُهُ بِالنّارِ وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، لِأنَّ الذَّهَبَ لا يُمْكِنُ إحْراقُهُ بِالنّارِ، وقالَ السُّدِّيُّ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ العِجْلِ فَذُبِحَ فَسالَ مِنهُ الدَّمُ ثُمَّ أُحْرِقَ ثُمَّ نُسِفَ رَمادُهُ، وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَنَذْبَحَنَّهُ ولَنُحَرِّقَنَّهُ. وثانِيهِما: لَنُحَرِّقَنَّهُ أيْ لَنَبْرُدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ، يُقالُ: حَرَقَهُ يَحْرُقُهُ إذا بَرَدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْقَلِبْ لَحْمًا ولا دَمًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يُبَرَدَ بِالمِبْرَدِ، ويُمْكِنَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ صارَ لَحْمًا فَذُبِحَ ثُمَّ بُرِدَتْ عِظامُهُ بِالمِبْرَدِ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ نَسْفُها.
قِراءَةُ العامَّةِ بِضَمِّ النُّونِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ ومَعْناهُ لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنّارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ لَنَحْرُقَنَّهُ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الرّاءِ خَفِيفَةً يَعْنِي لَنَبْرُدَنَّهُ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ والتَّعْظِيمِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ مَن يَعْبُدُهُ ومَن لا يَعْبُدُهُ.
طه 20:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن مُخاطَبَةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَرَفَ العُذْرَ لَهُ في التَّأْخِيرِ أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ حاضِرًا مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا قَطَعَ مُوسى الكَلامَ مَعَ هارُونَ أخَذَ في التَّكَلُّمِ مَعَ السّامِرِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا ثُمَّ حَضَرَ السّامِرِيُّ مِن بَعْدُ أوْ ذَهَبَ إلَيْهِ مُوسى لِيُخاطِبَهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ والخَطْبُ مَصْدَرٌ، خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ، فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا: ما خَطْبُكَ ؟ مَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ والغَرَضُ مِنهُ الإنْكارُ عَلَيْهِ وتَعْظِيمُ صُنْعِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السّامِرِيُّ عُذْرَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (بَصِرْتُ بِما لَمْ يَبْصِرُوا بِهِ) بِالكَسْرِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (بِما لَمْ تَبْصُرُوا) بِالتّاءِ المُعْجَمَةِ مِن فَوْقُ، والباقُونَ بِالياءِ أيْ بِما لَمْ يَبْصُرْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الإبْصارِ قَوْلانِ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ بِما لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ بَصِيرٌ أيْ
صفحة ٩٦
عالِمٌ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ الزَّجّاجُ في تَقْرِيرِهِ: أبْصَرْتُهُ بِمَعْنى رَأيْتُهُ وبَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى صِرْتُ بِهِ بَصِيرًا عالِمًا، وقالَ آخَرُونَ: رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ فَقَوْلُهُ: بَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى أبْصَرْتُهُ وأرادَ أنَّهُ رَأى دابَّةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”قُبْضَةً“ بِضَمِّ القافِ وهي اسْمٌ لِلْمَقْبُوضِ كالغُرْفَةِ والضُّفَّةِ، وأمّا القَبْضَةُ فالمَرَّةُ مِنَ القَبْضِ وإطْلاقُها عَلى المَقْبُوضِ مِن تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ كَضَرْبِ الأمِيرِ وقُرِئَ أيْضًا فَقَبَصْتُ قَبْصَةً بِالضّادِ والصّادِ فالضّادُ بِجَمِيعِ الكَفِّ والصّادُ بِأطْرافِ الأصابِعِ ونَظِيرِهُما الخَضْمُ والقَضْمُ الخاءُ بِجَمِيعِ الفَمِ والقافُ بِمُقَدَّمِهِ. قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِن أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عامَّةُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأرادَ بِأثَرِهِ التُّرابَ الَّذِي أخَذَهُ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّهُ مَتى رَآهُ فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّما رَآهُ يَوْمَ فُلِقَ البَحْرُ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَ لِيَذْهَبَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الطُّورِ أبْصَرَهُ السّامِرِيُّ مِن بَيْنِ النّاسِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ النّاسِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: إنَّما عَرَفَهُ لِأنَّهُ رَآهُ في صِغَرِهِ وحَفِظَهُ مِنَ القَتْلِ حِينَ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ أوْلادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَتِ المَرْأةُ تَلِدُ وتَطْرَحُ ولَدَها حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ فَتَأْخُذُ المَلائِكَةُ الوِلْدانَ فَيُرَبُّونَهم حَتّى يَتَرَعْرَعُوا ويَخْتَلِطُوا بِالنّاسِ فَكانَ السّامِرِيُّ مِمَّنْ أخَذَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعَلَ كَفَّ نَفْسِهِ في فِيهِ وارْتَضَعَ مِنهُ العَسَلَ واللَّبَنَ فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِفُ إلَيْهِ حَتّى عَرَفَهُ، فَلَمّا رَآهُ عَرَفَهُ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بِمَعْنى رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ، ومَن فَسَّرَ الكَلِمَةَ بِالعِلْمِ فَهو صَحِيحٌ ويَكُونُ المَعْنى عَلِمْتُ أنَّ تُرابَ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ خاصِّيَّةُ الإحْياءِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ فَهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِأثَرِهِ سُنَّتَهُ ورَسْمَهُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْبِضُ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْمِ في بابِ العِجْلِ، فَقالَ: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ، أيْ شَيْئًا مِن سُنَّتِكَ ودِينِكَ فَقَذَفْتُهُ أيْ طَرَحْتُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أعْلَمَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنَّما أوْرَدَ بِلَفْظِ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا وبِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ، وأمّا دُعاؤُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ فَعَلى مِثْلِ مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ لَيْسَ فِيهِ إلّا مُخالَفَةُ المُفَسِّرِينَ ولَكِنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ باسِمِ الرَّسُولِ ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تُجْعَلَ لامُ التَّعْرِيفِ إشارَةً إلَيْهِ، فَإطْلاقُ لَفْظِ الرَّسُولِ لِإرادَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ تَكْلِيفٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ وهو قَبْضَةٌ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وثالِثُها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّعَسُّفِ في بَيانِ أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ مِن بَيْنِ جَمِيعِ النّاسِ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ كَيْفَ
صفحة ٩٧
عَرَفَ أنَّ لِتُرابِ حافِرِ فَرَسِهِ هَذا الأثَرَ، والَّذِي ذَكَرُوهُ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي رَبّاهُ فَبَعِيدٌ، لِأنَّ السّامِرِيَّ إنْ عَرَفَ جِبْرِيلَ حالَ كَمالِ عَقْلِهِ عَرَفَ قَطْعًا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ، فَكَيْفَ يُحاوِلُ الإضْلالَ وإنْ كانَ ما عَرَفَهُ حالَ البُلُوغِ فَأيُّ مَنفَعَةٍ لِكَوْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرَبِّيًا لَهُ في الطُّفُولِيَّةِ في حُصُولِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ. ورابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ اطِّلاعُ بَعْضِ الكَفَرَةِ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ لَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ يُشْبِهُ ذَلِكَ فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى سُؤالِ مَن يَطْعَنُ في المُعْجِزاتِ ويَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهم لِاخْتِصاصِهِمْ بِمَعْرِفَةِ بَعْضِ الأدْوِيَةِ الَّتِي لَها خاصِّيَّةُ أنْ تُفِيدَ حُصُولَ تِلْكَ المُعْجِزَةِ أتَوْا بِتِلْكَ المُعْجِزَةِ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ بابُ المُعْجِزاتِ بِالكُلِّيَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ فالمَعْنى فَعَلْتُ ما دَعَتْنِي إلَيْهِ نَفْسِي، وسَوَّلَتْ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّؤالِ فالمَعْنى لَمْ يَدْعُنِي إلى ما فَعَلْتُهُ أحَدٌ غَيْرِي بَلِ اتَّبَعْتُ هَوايَ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ السّامِرِيِّ أجابَهُ بِأنْ بَيَّنَ حالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبَيَّنَ حالَ إلَهِهِ أمّا حالُهُ في الدُّنْيا فَقَوْلُهُ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ: أنِّي لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ قالُوا: وإذا مَسَّهُ أحَدٌ حُمَّ الماسُّ والمَمْسُوسُ فَكانَ إذا أرادَ أحَدٌ أنْ يَمَسَّهُ صاحَ خَوْفًا مِنَ الحُمّى وقالَ لا مِساسَ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا مِساسَ﴾ المَنعُ مِن أنْ يُخالِطَ أحَدًا أوْ يُخالِطَهُ أحَدٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَهُ مِن مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهُ: اخْرُجْ أنْتَ وأهْلُكَ فَخَرَجَ طَرِيدًا إلى البَرارِي، اعْتَرَضَ الواحِدِيُّ عَلَيْهِ فَقالَ: الرَّجُلُ إذا صارَ مَهْجُورًا فَلا يَقُولُ هو لا مِساسَ، وإنَّما يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، وهَذا الِاعْتِراضُ ضَعِيفٌ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا بَقِيَ طَرِيدًا فَرِيدًا فَإذا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ حالُكَ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا مِساسَ أيْ لا يَماسُّنِي أحَدٌ ولا أماسُّ أحَدًا، والمَعْنى: إنِّي أجْعَلُكَ يا سامِرِيُّ في المَطْرُودِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ أرَدْتَ أنْ تُخْبِرَ غَيْرَكَ عَنْ حالِكَ لَمْ تَقُلْ إلّا أنَّهُ لا مِساسَ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ وأقْرَبُ إلى نَظْمِ الكَلامِ مِنَ الأوَّلِ. وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ وهو أنَّهُ يَجُوزُ في حَمْلِهِ ما أُرِيدُ مَسَّ النِّساءِ فَيَكُونُ مِن تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهُ انْقِطاعُ نَسْلِهِ فَلا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ يُؤْنِسُهُ فَيُخْلِيَهُ اللَّهُ تَعالى مِن زِينَتِي الدُّنْيا اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وقُرِئَ: لا مَساسَ بِوَزْنِ فَجارَ وهو اسْمُ عَلَمٍ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ المَسِّ، وأمّا شَرْحُ حالِهِ في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ والمَوْعِدُ بِمَعْنى الوَعْدِ أيْ هَذِهِ عُقُوبَتُكَ في الدُّنْيا ثُمَّ لَكَ الوَعْدُ بِالمَصِيرِ إلى عَذابِ الآخِرَةِ فَأنْتَ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ، قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ: لَنْ تُخْلَفَهُ بِفَتْحِ اللّامِ أيْ لَنْ تُخْلَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ أيْ سَيَأْتِيكَ بِهِ اللَّهُ ولَنْ يَتَأخَّرَ عَنْكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ تَجِيءُ إلَيْهِ ولَنْ تَغِيبَ عَنْهُ ولَنْ تَتَخَلَّفَ عَنْهُ، وفَتْحُ اللّامِ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ كَأنَّهُ قالَ: مَوْعِدًا حَقًّا لا خُلْفَ فِيهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَنْ نُخْلَفَهُ بِالنُّونِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَكى قَوْلَ اللَّهِ تَعالى بِلَفْظِهِ كَما مَرَّ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِأهَبَ لَكِ﴾ [مَرْيَمَ: ١٩] وأمّا شَرْحُ حالِ إلَهِهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ قالَ المُفَضَّلُ في ظَلْتَ: إنَّهُ يُقْرَأُ بِفَتْحِ الظّاءِ وكَسْرِها وكَذَلِكَ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٦٥] وأصْلُهُ ظَلِلْتَ فَحُذِفَتِ اللّامُ الأُولى وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَتِ اللّامُ الثّانِيَةُ ساكِنَةً تَسْتَحِبُّ العَرَبُ طَرْحَ الأُولى، ومَن كَسَرَ الظّاءَ نَقَلَ كَسْرَةَ اللّامِ السّاقِطَةِ إلَيْها، ومَن فَتَحَها تَرَكَ الظّاءَ عَلى حالِها وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في المُضاعَفِ يَقُولُونَ: مَسْتُهُ ومَسَسْتُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ وجْهانِ:
صفحة ٩٨
أحَدُهُما: المُرادُ إحْراقُهُ بِالنّارِ وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، لِأنَّ الذَّهَبَ لا يُمْكِنُ إحْراقُهُ بِالنّارِ، وقالَ السُّدِّيُّ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ العِجْلِ فَذُبِحَ فَسالَ مِنهُ الدَّمُ ثُمَّ أُحْرِقَ ثُمَّ نُسِفَ رَمادُهُ، وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَنَذْبَحَنَّهُ ولَنُحَرِّقَنَّهُ. وثانِيهِما: لَنُحَرِّقَنَّهُ أيْ لَنَبْرُدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ، يُقالُ: حَرَقَهُ يَحْرُقُهُ إذا بَرَدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْقَلِبْ لَحْمًا ولا دَمًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يُبَرَدَ بِالمِبْرَدِ، ويُمْكِنَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ صارَ لَحْمًا فَذُبِحَ ثُمَّ بُرِدَتْ عِظامُهُ بِالمِبْرَدِ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ نَسْفُها.
قِراءَةُ العامَّةِ بِضَمِّ النُّونِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ ومَعْناهُ لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنّارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ لَنَحْرُقَنَّهُ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الرّاءِ خَفِيفَةً يَعْنِي لَنَبْرُدَنَّهُ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ والتَّعْظِيمِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ مَن يَعْبُدُهُ ومَن لا يَعْبُدُهُ.
طه 20:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن مُخاطَبَةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَرَفَ العُذْرَ لَهُ في التَّأْخِيرِ أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ حاضِرًا مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا قَطَعَ مُوسى الكَلامَ مَعَ هارُونَ أخَذَ في التَّكَلُّمِ مَعَ السّامِرِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا ثُمَّ حَضَرَ السّامِرِيُّ مِن بَعْدُ أوْ ذَهَبَ إلَيْهِ مُوسى لِيُخاطِبَهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ والخَطْبُ مَصْدَرٌ، خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ، فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا: ما خَطْبُكَ ؟ مَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ والغَرَضُ مِنهُ الإنْكارُ عَلَيْهِ وتَعْظِيمُ صُنْعِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السّامِرِيُّ عُذْرَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (بَصِرْتُ بِما لَمْ يَبْصِرُوا بِهِ) بِالكَسْرِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (بِما لَمْ تَبْصُرُوا) بِالتّاءِ المُعْجَمَةِ مِن فَوْقُ، والباقُونَ بِالياءِ أيْ بِما لَمْ يَبْصُرْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الإبْصارِ قَوْلانِ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ بِما لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ بَصِيرٌ أيْ
صفحة ٩٦
عالِمٌ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ الزَّجّاجُ في تَقْرِيرِهِ: أبْصَرْتُهُ بِمَعْنى رَأيْتُهُ وبَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى صِرْتُ بِهِ بَصِيرًا عالِمًا، وقالَ آخَرُونَ: رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ فَقَوْلُهُ: بَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى أبْصَرْتُهُ وأرادَ أنَّهُ رَأى دابَّةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”قُبْضَةً“ بِضَمِّ القافِ وهي اسْمٌ لِلْمَقْبُوضِ كالغُرْفَةِ والضُّفَّةِ، وأمّا القَبْضَةُ فالمَرَّةُ مِنَ القَبْضِ وإطْلاقُها عَلى المَقْبُوضِ مِن تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ كَضَرْبِ الأمِيرِ وقُرِئَ أيْضًا فَقَبَصْتُ قَبْصَةً بِالضّادِ والصّادِ فالضّادُ بِجَمِيعِ الكَفِّ والصّادُ بِأطْرافِ الأصابِعِ ونَظِيرِهُما الخَضْمُ والقَضْمُ الخاءُ بِجَمِيعِ الفَمِ والقافُ بِمُقَدَّمِهِ. قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِن أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عامَّةُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأرادَ بِأثَرِهِ التُّرابَ الَّذِي أخَذَهُ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّهُ مَتى رَآهُ فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّما رَآهُ يَوْمَ فُلِقَ البَحْرُ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَ لِيَذْهَبَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الطُّورِ أبْصَرَهُ السّامِرِيُّ مِن بَيْنِ النّاسِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ النّاسِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: إنَّما عَرَفَهُ لِأنَّهُ رَآهُ في صِغَرِهِ وحَفِظَهُ مِنَ القَتْلِ حِينَ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ أوْلادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَتِ المَرْأةُ تَلِدُ وتَطْرَحُ ولَدَها حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ فَتَأْخُذُ المَلائِكَةُ الوِلْدانَ فَيُرَبُّونَهم حَتّى يَتَرَعْرَعُوا ويَخْتَلِطُوا بِالنّاسِ فَكانَ السّامِرِيُّ مِمَّنْ أخَذَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعَلَ كَفَّ نَفْسِهِ في فِيهِ وارْتَضَعَ مِنهُ العَسَلَ واللَّبَنَ فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِفُ إلَيْهِ حَتّى عَرَفَهُ، فَلَمّا رَآهُ عَرَفَهُ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بِمَعْنى رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ، ومَن فَسَّرَ الكَلِمَةَ بِالعِلْمِ فَهو صَحِيحٌ ويَكُونُ المَعْنى عَلِمْتُ أنَّ تُرابَ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ خاصِّيَّةُ الإحْياءِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ فَهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِأثَرِهِ سُنَّتَهُ ورَسْمَهُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْبِضُ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْمِ في بابِ العِجْلِ، فَقالَ: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ، أيْ شَيْئًا مِن سُنَّتِكَ ودِينِكَ فَقَذَفْتُهُ أيْ طَرَحْتُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أعْلَمَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنَّما أوْرَدَ بِلَفْظِ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا وبِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ، وأمّا دُعاؤُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ فَعَلى مِثْلِ مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ لَيْسَ فِيهِ إلّا مُخالَفَةُ المُفَسِّرِينَ ولَكِنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ باسِمِ الرَّسُولِ ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تُجْعَلَ لامُ التَّعْرِيفِ إشارَةً إلَيْهِ، فَإطْلاقُ لَفْظِ الرَّسُولِ لِإرادَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ تَكْلِيفٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ وهو قَبْضَةٌ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وثالِثُها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّعَسُّفِ في بَيانِ أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ مِن بَيْنِ جَمِيعِ النّاسِ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ كَيْفَ
صفحة ٩٧
عَرَفَ أنَّ لِتُرابِ حافِرِ فَرَسِهِ هَذا الأثَرَ، والَّذِي ذَكَرُوهُ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي رَبّاهُ فَبَعِيدٌ، لِأنَّ السّامِرِيَّ إنْ عَرَفَ جِبْرِيلَ حالَ كَمالِ عَقْلِهِ عَرَفَ قَطْعًا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ، فَكَيْفَ يُحاوِلُ الإضْلالَ وإنْ كانَ ما عَرَفَهُ حالَ البُلُوغِ فَأيُّ مَنفَعَةٍ لِكَوْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرَبِّيًا لَهُ في الطُّفُولِيَّةِ في حُصُولِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ. ورابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ اطِّلاعُ بَعْضِ الكَفَرَةِ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ لَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ يُشْبِهُ ذَلِكَ فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى سُؤالِ مَن يَطْعَنُ في المُعْجِزاتِ ويَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهم لِاخْتِصاصِهِمْ بِمَعْرِفَةِ بَعْضِ الأدْوِيَةِ الَّتِي لَها خاصِّيَّةُ أنْ تُفِيدَ حُصُولَ تِلْكَ المُعْجِزَةِ أتَوْا بِتِلْكَ المُعْجِزَةِ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ بابُ المُعْجِزاتِ بِالكُلِّيَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ فالمَعْنى فَعَلْتُ ما دَعَتْنِي إلَيْهِ نَفْسِي، وسَوَّلَتْ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّؤالِ فالمَعْنى لَمْ يَدْعُنِي إلى ما فَعَلْتُهُ أحَدٌ غَيْرِي بَلِ اتَّبَعْتُ هَوايَ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ السّامِرِيِّ أجابَهُ بِأنْ بَيَّنَ حالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبَيَّنَ حالَ إلَهِهِ أمّا حالُهُ في الدُّنْيا فَقَوْلُهُ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ: أنِّي لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ قالُوا: وإذا مَسَّهُ أحَدٌ حُمَّ الماسُّ والمَمْسُوسُ فَكانَ إذا أرادَ أحَدٌ أنْ يَمَسَّهُ صاحَ خَوْفًا مِنَ الحُمّى وقالَ لا مِساسَ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا مِساسَ﴾ المَنعُ مِن أنْ يُخالِطَ أحَدًا أوْ يُخالِطَهُ أحَدٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَهُ مِن مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهُ: اخْرُجْ أنْتَ وأهْلُكَ فَخَرَجَ طَرِيدًا إلى البَرارِي، اعْتَرَضَ الواحِدِيُّ عَلَيْهِ فَقالَ: الرَّجُلُ إذا صارَ مَهْجُورًا فَلا يَقُولُ هو لا مِساسَ، وإنَّما يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، وهَذا الِاعْتِراضُ ضَعِيفٌ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا بَقِيَ طَرِيدًا فَرِيدًا فَإذا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ حالُكَ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا مِساسَ أيْ لا يَماسُّنِي أحَدٌ ولا أماسُّ أحَدًا، والمَعْنى: إنِّي أجْعَلُكَ يا سامِرِيُّ في المَطْرُودِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ أرَدْتَ أنْ تُخْبِرَ غَيْرَكَ عَنْ حالِكَ لَمْ تَقُلْ إلّا أنَّهُ لا مِساسَ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ وأقْرَبُ إلى نَظْمِ الكَلامِ مِنَ الأوَّلِ. وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ وهو أنَّهُ يَجُوزُ في حَمْلِهِ ما أُرِيدُ مَسَّ النِّساءِ فَيَكُونُ مِن تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهُ انْقِطاعُ نَسْلِهِ فَلا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ يُؤْنِسُهُ فَيُخْلِيَهُ اللَّهُ تَعالى مِن زِينَتِي الدُّنْيا اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وقُرِئَ: لا مَساسَ بِوَزْنِ فَجارَ وهو اسْمُ عَلَمٍ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ المَسِّ، وأمّا شَرْحُ حالِهِ في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ والمَوْعِدُ بِمَعْنى الوَعْدِ أيْ هَذِهِ عُقُوبَتُكَ في الدُّنْيا ثُمَّ لَكَ الوَعْدُ بِالمَصِيرِ إلى عَذابِ الآخِرَةِ فَأنْتَ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ، قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ: لَنْ تُخْلَفَهُ بِفَتْحِ اللّامِ أيْ لَنْ تُخْلَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ أيْ سَيَأْتِيكَ بِهِ اللَّهُ ولَنْ يَتَأخَّرَ عَنْكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ تَجِيءُ إلَيْهِ ولَنْ تَغِيبَ عَنْهُ ولَنْ تَتَخَلَّفَ عَنْهُ، وفَتْحُ اللّامِ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ كَأنَّهُ قالَ: مَوْعِدًا حَقًّا لا خُلْفَ فِيهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَنْ نُخْلَفَهُ بِالنُّونِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَكى قَوْلَ اللَّهِ تَعالى بِلَفْظِهِ كَما مَرَّ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِأهَبَ لَكِ﴾ [مَرْيَمَ: ١٩] وأمّا شَرْحُ حالِ إلَهِهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ قالَ المُفَضَّلُ في ظَلْتَ: إنَّهُ يُقْرَأُ بِفَتْحِ الظّاءِ وكَسْرِها وكَذَلِكَ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٦٥] وأصْلُهُ ظَلِلْتَ فَحُذِفَتِ اللّامُ الأُولى وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَتِ اللّامُ الثّانِيَةُ ساكِنَةً تَسْتَحِبُّ العَرَبُ طَرْحَ الأُولى، ومَن كَسَرَ الظّاءَ نَقَلَ كَسْرَةَ اللّامِ السّاقِطَةِ إلَيْها، ومَن فَتَحَها تَرَكَ الظّاءَ عَلى حالِها وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في المُضاعَفِ يَقُولُونَ: مَسْتُهُ ومَسَسْتُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ وجْهانِ:
صفحة ٩٨
أحَدُهُما: المُرادُ إحْراقُهُ بِالنّارِ وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، لِأنَّ الذَّهَبَ لا يُمْكِنُ إحْراقُهُ بِالنّارِ، وقالَ السُّدِّيُّ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ العِجْلِ فَذُبِحَ فَسالَ مِنهُ الدَّمُ ثُمَّ أُحْرِقَ ثُمَّ نُسِفَ رَمادُهُ، وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَنَذْبَحَنَّهُ ولَنُحَرِّقَنَّهُ. وثانِيهِما: لَنُحَرِّقَنَّهُ أيْ لَنَبْرُدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ، يُقالُ: حَرَقَهُ يَحْرُقُهُ إذا بَرَدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْقَلِبْ لَحْمًا ولا دَمًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يُبَرَدَ بِالمِبْرَدِ، ويُمْكِنَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ صارَ لَحْمًا فَذُبِحَ ثُمَّ بُرِدَتْ عِظامُهُ بِالمِبْرَدِ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ نَسْفُها.
قِراءَةُ العامَّةِ بِضَمِّ النُّونِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ ومَعْناهُ لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنّارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ لَنَحْرُقَنَّهُ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الرّاءِ خَفِيفَةً يَعْنِي لَنَبْرُدَنَّهُ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ والتَّعْظِيمِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ مَن يَعْبُدُهُ ومَن لا يَعْبُدُهُ.
طه 20:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن مُخاطَبَةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَرَفَ العُذْرَ لَهُ في التَّأْخِيرِ أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ حاضِرًا مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا قَطَعَ مُوسى الكَلامَ مَعَ هارُونَ أخَذَ في التَّكَلُّمِ مَعَ السّامِرِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا ثُمَّ حَضَرَ السّامِرِيُّ مِن بَعْدُ أوْ ذَهَبَ إلَيْهِ مُوسى لِيُخاطِبَهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ والخَطْبُ مَصْدَرٌ، خَطَبَ الأمْرَ إذا طَلَبَهُ، فَإذا قِيلَ لِمَن يَفْعَلُ شَيْئًا: ما خَطْبُكَ ؟ مَعْناهُ ما طَلَبُكَ لَهُ والغَرَضُ مِنهُ الإنْكارُ عَلَيْهِ وتَعْظِيمُ صُنْعِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السّامِرِيُّ عُذْرَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ (بَصِرْتُ بِما لَمْ يَبْصِرُوا بِهِ) بِالكَسْرِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (بِما لَمْ تَبْصُرُوا) بِالتّاءِ المُعْجَمَةِ مِن فَوْقُ، والباقُونَ بِالياءِ أيْ بِما لَمْ يَبْصُرْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الإبْصارِ قَوْلانِ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلِمْتُ بِما لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ بَصِيرٌ أيْ
صفحة ٩٦
عالِمٌ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ الزَّجّاجُ في تَقْرِيرِهِ: أبْصَرْتُهُ بِمَعْنى رَأيْتُهُ وبَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى صِرْتُ بِهِ بَصِيرًا عالِمًا، وقالَ آخَرُونَ: رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ فَقَوْلُهُ: بَصُرْتُ بِهِ بِمَعْنى أبْصَرْتُهُ وأرادَ أنَّهُ رَأى دابَّةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخَذَ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ ”قُبْضَةً“ بِضَمِّ القافِ وهي اسْمٌ لِلْمَقْبُوضِ كالغُرْفَةِ والضُّفَّةِ، وأمّا القَبْضَةُ فالمَرَّةُ مِنَ القَبْضِ وإطْلاقُها عَلى المَقْبُوضِ مِن تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ كَضَرْبِ الأمِيرِ وقُرِئَ أيْضًا فَقَبَصْتُ قَبْصَةً بِالضّادِ والصّادِ فالضّادُ بِجَمِيعِ الكَفِّ والصّادُ بِأطْرافِ الأصابِعِ ونَظِيرِهُما الخَضْمُ والقَضْمُ الخاءُ بِجَمِيعِ الفَمِ والقافُ بِمُقَدَّمِهِ. قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ مِن أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عامَّةُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأرادَ بِأثَرِهِ التُّرابَ الَّذِي أخَذَهُ مِن مَوْضِعِ حافِرِ دابَّتِهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّهُ مَتى رَآهُ فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّما رَآهُ يَوْمَ فُلِقَ البَحْرُ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَ لِيَذْهَبَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الطُّورِ أبْصَرَهُ السّامِرِيُّ مِن بَيْنِ النّاسِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ النّاسِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: إنَّما عَرَفَهُ لِأنَّهُ رَآهُ في صِغَرِهِ وحَفِظَهُ مِنَ القَتْلِ حِينَ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ أوْلادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَتِ المَرْأةُ تَلِدُ وتَطْرَحُ ولَدَها حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ فَتَأْخُذُ المَلائِكَةُ الوِلْدانَ فَيُرَبُّونَهم حَتّى يَتَرَعْرَعُوا ويَخْتَلِطُوا بِالنّاسِ فَكانَ السّامِرِيُّ مِمَّنْ أخَذَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعَلَ كَفَّ نَفْسِهِ في فِيهِ وارْتَضَعَ مِنهُ العَسَلَ واللَّبَنَ فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِفُ إلَيْهِ حَتّى عَرَفَهُ، فَلَمّا رَآهُ عَرَفَهُ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بِمَعْنى رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ، ومَن فَسَّرَ الكَلِمَةَ بِالعِلْمِ فَهو صَحِيحٌ ويَكُونُ المَعْنى عَلِمْتُ أنَّ تُرابَ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ خاصِّيَّةُ الإحْياءِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: لَيْسَ في القُرْآنِ تَصْرِيحٌ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ فَهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّسُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِأثَرِهِ سُنَّتَهُ ورَسْمَهُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: فُلانٌ يَقْفُو أثَرَ فُلانٍ ويَقْبِضُ أثَرَهُ إذا كانَ يَمْتَثِلُ رَسْمَهُ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أقْبَلَ عَلى السّامِرِيِّ بِاللَّوْمِ والمَسْألَةِ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَعاهُ إلى إضْلالِ القَوْمِ في بابِ العِجْلِ، فَقالَ: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، أيْ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وقَدْ كُنْتُ قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِكَ أيُّها الرَّسُولُ، أيْ شَيْئًا مِن سُنَّتِكَ ودِينِكَ فَقَذَفْتُهُ أيْ طَرَحْتُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أعْلَمَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما لَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنَّما أوْرَدَ بِلَفْظِ الإخْبارِ عَنْ غائِبٍ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِرَئِيسِهِ وهو مُواجِهٌ لَهُ: ما يَقُولُ الأمِيرُ في كَذا وبِماذا يَأْمُرُ الأمِيرُ، وأمّا دُعاؤُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولًا مَعَ جَحْدِهِ وكُفْرِهِ فَعَلى مِثْلِ مَذْهَبِ مَن حَكى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحِجْرِ: ٦] وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْزالِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ لَيْسَ فِيهِ إلّا مُخالَفَةُ المُفَسِّرِينَ ولَكِنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ باسِمِ الرَّسُولِ ولَمْ يَجْرِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرٌ حَتّى تُجْعَلَ لامُ التَّعْرِيفِ إشارَةً إلَيْهِ، فَإطْلاقُ لَفْظِ الرَّسُولِ لِإرادَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ تَكْلِيفٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ. وثانِيها: أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ وهو قَبْضَةٌ مِن أثَرِ حافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وثالِثُها: أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّعَسُّفِ في بَيانِ أنَّ السّامِرِيَّ كَيْفَ اخْتَصَّ مِن بَيْنِ جَمِيعِ النّاسِ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ كَيْفَ
صفحة ٩٧
عَرَفَ أنَّ لِتُرابِ حافِرِ فَرَسِهِ هَذا الأثَرَ، والَّذِي ذَكَرُوهُ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي رَبّاهُ فَبَعِيدٌ، لِأنَّ السّامِرِيَّ إنْ عَرَفَ جِبْرِيلَ حالَ كَمالِ عَقْلِهِ عَرَفَ قَطْعًا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ، فَكَيْفَ يُحاوِلُ الإضْلالَ وإنْ كانَ ما عَرَفَهُ حالَ البُلُوغِ فَأيُّ مَنفَعَةٍ لِكَوْنِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُرَبِّيًا لَهُ في الطُّفُولِيَّةِ في حُصُولِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ. ورابِعُها: أنَّهُ لَوْ جازَ اطِّلاعُ بَعْضِ الكَفَرَةِ عَلى تُرابٍ هَذا شَأْنُهُ لَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلَعَلَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اطَّلَعَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ يُشْبِهُ ذَلِكَ فَلِأجْلِهِ أتى بِالمُعْجِزاتِ ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى سُؤالِ مَن يَطْعَنُ في المُعْجِزاتِ ويَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهم لِاخْتِصاصِهِمْ بِمَعْرِفَةِ بَعْضِ الأدْوِيَةِ الَّتِي لَها خاصِّيَّةُ أنْ تُفِيدَ حُصُولَ تِلْكَ المُعْجِزَةِ أتَوْا بِتِلْكَ المُعْجِزَةِ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ بابُ المُعْجِزاتِ بِالكُلِّيَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ فالمَعْنى فَعَلْتُ ما دَعَتْنِي إلَيْهِ نَفْسِي، وسَوَّلَتْ مَأْخُوذٌ مِنَ السُّؤالِ فالمَعْنى لَمْ يَدْعُنِي إلى ما فَعَلْتُهُ أحَدٌ غَيْرِي بَلِ اتَّبَعْتُ هَوايَ فِيهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ السّامِرِيِّ أجابَهُ بِأنْ بَيَّنَ حالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبَيَّنَ حالَ إلَهِهِ أمّا حالُهُ في الدُّنْيا فَقَوْلُهُ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ: أنِّي لا أمَسُّ ولا أُمَسُّ قالُوا: وإذا مَسَّهُ أحَدٌ حُمَّ الماسُّ والمَمْسُوسُ فَكانَ إذا أرادَ أحَدٌ أنْ يَمَسَّهُ صاحَ خَوْفًا مِنَ الحُمّى وقالَ لا مِساسَ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا مِساسَ﴾ المَنعُ مِن أنْ يُخالِطَ أحَدًا أوْ يُخالِطَهُ أحَدٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَهُ مِن مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وقالَ لَهُ: اخْرُجْ أنْتَ وأهْلُكَ فَخَرَجَ طَرِيدًا إلى البَرارِي، اعْتَرَضَ الواحِدِيُّ عَلَيْهِ فَقالَ: الرَّجُلُ إذا صارَ مَهْجُورًا فَلا يَقُولُ هو لا مِساسَ، وإنَّما يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، وهَذا الِاعْتِراضُ ضَعِيفٌ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا بَقِيَ طَرِيدًا فَرِيدًا فَإذا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ حالُكَ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا مِساسَ أيْ لا يَماسُّنِي أحَدٌ ولا أماسُّ أحَدًا، والمَعْنى: إنِّي أجْعَلُكَ يا سامِرِيُّ في المَطْرُودِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ أرَدْتَ أنْ تُخْبِرَ غَيْرَكَ عَنْ حالِكَ لَمْ تَقُلْ إلّا أنَّهُ لا مِساسَ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ وأقْرَبُ إلى نَظْمِ الكَلامِ مِنَ الأوَّلِ. وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ وهو أنَّهُ يَجُوزُ في حَمْلِهِ ما أُرِيدُ مَسَّ النِّساءِ فَيَكُونُ مِن تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهُ انْقِطاعُ نَسْلِهِ فَلا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ يُؤْنِسُهُ فَيُخْلِيَهُ اللَّهُ تَعالى مِن زِينَتِي الدُّنْيا اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وقُرِئَ: لا مَساسَ بِوَزْنِ فَجارَ وهو اسْمُ عَلَمٍ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ المَسِّ، وأمّا شَرْحُ حالِهِ في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ والمَوْعِدُ بِمَعْنى الوَعْدِ أيْ هَذِهِ عُقُوبَتُكَ في الدُّنْيا ثُمَّ لَكَ الوَعْدُ بِالمَصِيرِ إلى عَذابِ الآخِرَةِ فَأنْتَ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ، قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكُوفَةِ: لَنْ تُخْلَفَهُ بِفَتْحِ اللّامِ أيْ لَنْ تُخْلَفَ ذَلِكَ الوَعْدَ أيْ سَيَأْتِيكَ بِهِ اللَّهُ ولَنْ يَتَأخَّرَ عَنْكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ بِكَسْرِ اللّامِ أيْ تَجِيءُ إلَيْهِ ولَنْ تَغِيبَ عَنْهُ ولَنْ تَتَخَلَّفَ عَنْهُ، وفَتْحُ اللّامِ اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ كَأنَّهُ قالَ: مَوْعِدًا حَقًّا لا خُلْفَ فِيهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَنْ نُخْلَفَهُ بِالنُّونِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَكى قَوْلَ اللَّهِ تَعالى بِلَفْظِهِ كَما مَرَّ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِأهَبَ لَكِ﴾ [مَرْيَمَ: ١٩] وأمّا شَرْحُ حالِ إلَهِهِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ قالَ المُفَضَّلُ في ظَلْتَ: إنَّهُ يُقْرَأُ بِفَتْحِ الظّاءِ وكَسْرِها وكَذَلِكَ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ٦٥] وأصْلُهُ ظَلِلْتَ فَحُذِفَتِ اللّامُ الأُولى وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَتِ اللّامُ الثّانِيَةُ ساكِنَةً تَسْتَحِبُّ العَرَبُ طَرْحَ الأُولى، ومَن كَسَرَ الظّاءَ نَقَلَ كَسْرَةَ اللّامِ السّاقِطَةِ إلَيْها، ومَن فَتَحَها تَرَكَ الظّاءَ عَلى حالِها وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في المُضاعَفِ يَقُولُونَ: مَسْتُهُ ومَسَسْتُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ وجْهانِ:
صفحة ٩٨
أحَدُهُما: المُرادُ إحْراقُهُ بِالنّارِ وهَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صارَ لَحْمًا ودَمًا، لِأنَّ الذَّهَبَ لا يُمْكِنُ إحْراقُهُ بِالنّارِ، وقالَ السُّدِّيُّ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ العِجْلِ فَذُبِحَ فَسالَ مِنهُ الدَّمُ ثُمَّ أُحْرِقَ ثُمَّ نُسِفَ رَمادُهُ، وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَنَذْبَحَنَّهُ ولَنُحَرِّقَنَّهُ. وثانِيهِما: لَنُحَرِّقَنَّهُ أيْ لَنَبْرُدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ، يُقالُ: حَرَقَهُ يَحْرُقُهُ إذا بَرَدَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَنْقَلِبْ لَحْمًا ولا دَمًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يُبَرَدَ بِالمِبْرَدِ، ويُمْكِنَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ صارَ لَحْمًا فَذُبِحَ ثُمَّ بُرِدَتْ عِظامُهُ بِالمِبْرَدِ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ نَسْفُها.
قِراءَةُ العامَّةِ بِضَمِّ النُّونِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ ومَعْناهُ لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنّارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ لَنَحْرُقَنَّهُ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الرّاءِ خَفِيفَةً يَعْنِي لَنَبْرُدَنَّهُ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فَرَغَ مِن إبْطالِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السّامِرِيُّ عادَ إلى بَيانِ الدِّينِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ والتَّعْظِيمِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ مَن يَعْبُدُهُ ومَن لا يَعْبُدُهُ.
طه 20:102
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ أوَّلًا ثُمَّ مَعَ السّامِرِيِّ ثانِيًا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ مِن سائِرِ أخْبارِ الأُمَمِ وأحْوالِهِمْ؛ تَكْثِيرًا لِشَأْنِكَ، وزِيادَةً في مُعْجِزاتِكَ، ولِيَكْثُرَ الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ لِلْمُكَلَّفِينَ بِها في الدِّينِ: ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥] ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحِجْرِ: ٦] ثُمَّ في تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابٌ فِيهِ ذِكْرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وثانِيها: أنَّهُ يَذْكُرُ أنْواعَ آلاءِ اللَّهِ تَعالى ونَعْمائِهِ فَفِيهِ التَّذْكِيرُ والمَواعِظُ. وثالِثُها: فِيهِ الذِّكْرُ والشَّرَفُ لَكَ ولِقَوْمِكَ عَلى ما قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤]، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى كُلَّ كُتُبِهِ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٧] وكَما بَيَّنَ نِعْمَتَهُ بِذَلِكَ بَيَّنَ شِدَّةَ الوَعِيدِ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا، والوِزْرُ هو العُقُوبَةُ الثَّقِيلَةُ، سَمّاها وِزْرًا تَشْبِيهًا في ثِقَلِها عَلى المُعاقَبِ وصُعُوبَةِ احْتِمالِها الَّذِي يَثْقُلُ عَلى الحامِلِ ويُنْقِضُ ظَهْرَهُ، أوْ لِأنَّها جَزاءُ الوِزْرِ وهو الإثْمُ وقُرِئَ يُحَمَّلُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى صِفَةَ ذَلِكَ
صفحة ٩٩
الوِزْرِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَكُونُ مُخَلَّدًا مُؤَبَّدًا. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ أيْ وما أسْوَأ هَذا الوِزْرَ حِمْلًا أيْ مَحْمُولًا وحِمْلًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وثانِيها: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فالمُرادُ بَيانُ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ هو يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو نَنْفُخُ بِفَتْحِ النُّونِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُ﴾ وقَرَأ الباقُونَ يُنْفَخُ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ونَحْشُرُ بِالنُّونِ لِأنَّ النّافِخَ مَلَكٌ التَقَمَ الصُّورَ، والحاشِرَ هو اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ يَوْمَ يَنْفُخُ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِإسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا: (يَحْشُرُ المُجْرِمِينَ) فَلَمْ يَقْرَأْ بِهِ إلّا الحَسَنُ وقُرِئَ في الصُّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ يُدْعى بِهِ النّاسُ إلى المَحْشَرِ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ صُورَةٍ والنَّفْخُ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: الصُّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٨] واللَّهُ تَعالى يُعَرِّفُ النّاسَ أُمُورَ الآخِرَةِ بِأمْثالِ ما شُوهِدَ في الدُّنْيا ومِن عادَةِ النّاسِ النَّفْخُ في البُوقِ عِنْدَ الأسْفارِ وفي العَساكِرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن هَذا النَّفْخِ هو النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ النَّفْخَ في الصُّورِ كالسَّبَبِ لِحَشْرِهِمْ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ [النَّبَأِ: ١٨]، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿المُجْرِمِينَ﴾ يَتَناوَلُ الكُفّارَ والعُصاةَ فَيَدُلُّ عَلى عَدَمِ العَفْوِ عَنِ العُصاةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ بِالمُجْرِمِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا الكَلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالزُّرْقَةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي زُرْقَ العُيُونِ سُودَ الوُجُوهِ وهي زُرْقَةٌ تَتَشَوَّهُ بِها خِلْقَتُهم والعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم: يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ يَكُونُ أعْمى وأزْرَقَ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهُ يَكُونُ أعْمى في حالٍ وأزْرَقَ في حالٍ. وثانِيها: المُرادُ مِنَ الزُّرْقَةِ العَمى، قالَ الكَلْبِيُّ: زُرْقًا أيْ عُمْيًا، قالَ الزَّجّاجُ: يَخْرُجُونَ بُصَراءَ في أوَّلِ مَرَّةٍ ويَعْمُونَ في المَحْشَرِ، وسَوادُ العَيْنِ إذا ذَهَبَ تَزْرَقُّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ أعْمى، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٢] وشُخُوصُ البَصَرِ مِنَ الأعْمى مُحالٌ، وقَدْ قالَ في حَقِّهِمُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسْراءِ: ١٤] والأعْمى كَيْفَ يَقْرَأُ ؟ . فالجَوابُ: أنَّ أحْوالَهم قَدْ تَخْتَلِفُ. وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الزُّرْقَةِ شُخُوصُ أبْصارِهِمْ والأزْرَقُ شاخِصٌ لِأنَّهُ لِضَعْفِ بَصَرِهِ يَكُونُ مُحَدِّقًا نَحْوَ الشَّيْءِ يُرِيدُ أنْ يَتَبَيَّنَهُ وهَذِهِ حالُ الخائِفِ المُتَوَقِّعِ لِما يَكْرَهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ . ورابِعُها: زُرْقًا عِطاشًا هَكَذا رَواهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: لِأنَّهم مِن شِدَّةِ العَطَشِ يَتَغَيَّرُ سَوادُ عُيُونِهِمْ حَتّى تَزْرَقَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦] . وخامِسُها: حَكى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: طامِعِينَ فِيما لا يَنالُونَهُ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يَتَخافَتُونَ أيْ يَتَسارُّونَ، يُقالُ: خَفَتَ يَخْفِتُ وخافَتَ مُخافَتَةً، والتَّخافُتُ السِّرارُ وهو نَظِيرُ
صفحة ١٠٠
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ وإنَّما يَتَخافَتُونَ لِأنَّهُ امْتَلَأتْ صُدُورُهم مِنَ الرُّعْبِ والهَوْلِ، أوْ لِأنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الخَوْفِ في نِهايَةِ الضَّعْفِ فَلا يُطِيقُونَ الجَهْرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ اللُّبْثُ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ، فَقالَ قَوْمٌ: أرادُوا بِهِ اللُّبْثَ في الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٣] فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهم نَسُوا قَدْرَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ ما نَسُوا ذَلِكَ، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ إذْ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَبْقى الإنْسانُ خَمْسِينَ سَنَةً في بَلَدٍ ثُمَّ يَنْساهُ، والثّانِي غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ كَذِبٌ، وأهْلُ الآخِرَةِ لا يَكْذِبُونَ، لا سِيَّما وهَذا الكَذِبُ لا فائِدَةَ فِيهِ، قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَعَلَّهم إذا حُشِرُوا في أوَّلِ الأمْرِ وعايَنُوا تِلْكَ الأهْوالَ فَلِشِدَّةِ وقْعِها عَلَيْهِمْ ذَهَلُوا عَنْ مِقْدارِ عُمْرِهِمْ في الدُّنْيا وما ذَكَرُوا إلّا القَلِيلَ فَقالُوا: لَيْتَنا ما عِشْنا إلّا تِلْكَ الأيّامَ القَلِيلَةَ في الدُّنْيا حَتّى لا نَقَعَ في هَذِهِ الأهْوالِ، والإنْسانُ عِنْدَ الهَوْلِ الشَّدِيدِ قَدْ يَذْهَلُ عَنْ أظْهَرِ الأشْياءِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] . وثانِيها: أنَّهم عالِمُونَ بِمِقْدارِ عُمُرِهِمْ في الدُّنْيا إلّا أنَّهم لَمّا قابَلُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا بِأعْمارِ الآخِرَةِ وجَدُوها في نِهايَةِ القِلَّةِ، فَقالَ بَعْضُهم: ما لَبِثْنا في الدُّنْيا إلّا عَشَرَةَ أيّامٍ، وقالَ أعْقَلُهم: بَلْ ما لَبِثْنا إلّا يَوْمًا واحِدًا، أيْ قَدْرُ لُبْثِنا في الدُّنْيا بِالقِياسِ إلى قَدْرِ لُبْثِنا في الآخِرَةِ كَعَشَرَةِ أيّامٍ بَلْ كاليَوْمِ الواحِدِ بَلْ كالعَدَمِ، وإنَّما خَصَّ العَشَرَةَ والواحِدَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَلِيلَ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ إلّا بِالعَشَرَةِ والواحِدِ. وثالِثُها: أنَّهم لَمّا عايَنُوا الشَّدائِدَ تَذَكَّرُوا أيّامَ النِّعْمَةِ والسُّرُورِ وتَأسَّفُوا عَلَيْها فَوَصَفُوها بِالقِصَرِ لِأنَّ أيّامَ السُّرُورِ قِصارٌ. ورابِعُها: أنَّ أيّامَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ وأيّامَ الآخِرَةِ مُسْتَقْبَلَةٌ، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَلِيلٌ بِالقِياسِ إلى الآتِي وإنْ قَصُرَتْ مُدَّتُهُ، فَكَيْفَ والأمْرُ بِالعَكْسِ؛ ولِهَذِهِ الوُجُوهِ رَجَّحَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ مَن بالَغَ في التَّقْلِيلِ فَقالَ: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ اللُّبْثُ في القَبْرِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومِ: ٥٦] فَأمّا مَن جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ فَلا إشْكالَ لَهُ في الآيَةِ، أمّا مَن لَمْ يُجَوِّزْ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أحْياهم في القَبْرِ وعَذَّبَهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ بَعَثَهم يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَعْرِفُوا أنْ قَدْرَ لُبْثِهِمْ في القَبْرِ كَمْ كانَ، فَخَطَرَ بِبالِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ في تَقْدِيرِ عَشَرَةِ أيّامٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَوْمٌ واحِدٌ، فَلَمّا وقَعُوا في العَذابِ مَرَّةً أُخْرى تَمَنَّوْا زَمانَ المَوْتِ الَّذِي هو زَمانُ الخَلاصِ لِما نالَهم مِن هَوْلِ العَذابِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ أيْ عَشَرَةَ أيّامٍ، فَيَكُونُ قَوْلُ مَن قالَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ أقَلَّ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ أيْ عَشْرَ ساعاتٍ كَقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٦] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ اليَوْمُ أكْثَرَ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ بِهَذا القَوْلِ أعْظَمَ ما نالَهم مِنَ الحَيْرَةِ الَّتِي دُفِعُوا عِنْدَها إلى هَذا الجِنْسِ مِنَ التَّخافُتِ.
طه 20:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ أوَّلًا ثُمَّ مَعَ السّامِرِيِّ ثانِيًا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ مِن سائِرِ أخْبارِ الأُمَمِ وأحْوالِهِمْ؛ تَكْثِيرًا لِشَأْنِكَ، وزِيادَةً في مُعْجِزاتِكَ، ولِيَكْثُرَ الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ لِلْمُكَلَّفِينَ بِها في الدِّينِ: ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥] ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحِجْرِ: ٦] ثُمَّ في تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابٌ فِيهِ ذِكْرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وثانِيها: أنَّهُ يَذْكُرُ أنْواعَ آلاءِ اللَّهِ تَعالى ونَعْمائِهِ فَفِيهِ التَّذْكِيرُ والمَواعِظُ. وثالِثُها: فِيهِ الذِّكْرُ والشَّرَفُ لَكَ ولِقَوْمِكَ عَلى ما قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤]، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى كُلَّ كُتُبِهِ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٧] وكَما بَيَّنَ نِعْمَتَهُ بِذَلِكَ بَيَّنَ شِدَّةَ الوَعِيدِ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا، والوِزْرُ هو العُقُوبَةُ الثَّقِيلَةُ، سَمّاها وِزْرًا تَشْبِيهًا في ثِقَلِها عَلى المُعاقَبِ وصُعُوبَةِ احْتِمالِها الَّذِي يَثْقُلُ عَلى الحامِلِ ويُنْقِضُ ظَهْرَهُ، أوْ لِأنَّها جَزاءُ الوِزْرِ وهو الإثْمُ وقُرِئَ يُحَمَّلُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى صِفَةَ ذَلِكَ
صفحة ٩٩
الوِزْرِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَكُونُ مُخَلَّدًا مُؤَبَّدًا. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ أيْ وما أسْوَأ هَذا الوِزْرَ حِمْلًا أيْ مَحْمُولًا وحِمْلًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وثانِيها: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فالمُرادُ بَيانُ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ هو يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو نَنْفُخُ بِفَتْحِ النُّونِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُ﴾ وقَرَأ الباقُونَ يُنْفَخُ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ونَحْشُرُ بِالنُّونِ لِأنَّ النّافِخَ مَلَكٌ التَقَمَ الصُّورَ، والحاشِرَ هو اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ يَوْمَ يَنْفُخُ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِإسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا: (يَحْشُرُ المُجْرِمِينَ) فَلَمْ يَقْرَأْ بِهِ إلّا الحَسَنُ وقُرِئَ في الصُّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ يُدْعى بِهِ النّاسُ إلى المَحْشَرِ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ صُورَةٍ والنَّفْخُ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: الصُّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٨] واللَّهُ تَعالى يُعَرِّفُ النّاسَ أُمُورَ الآخِرَةِ بِأمْثالِ ما شُوهِدَ في الدُّنْيا ومِن عادَةِ النّاسِ النَّفْخُ في البُوقِ عِنْدَ الأسْفارِ وفي العَساكِرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن هَذا النَّفْخِ هو النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ النَّفْخَ في الصُّورِ كالسَّبَبِ لِحَشْرِهِمْ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ [النَّبَأِ: ١٨]، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿المُجْرِمِينَ﴾ يَتَناوَلُ الكُفّارَ والعُصاةَ فَيَدُلُّ عَلى عَدَمِ العَفْوِ عَنِ العُصاةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ بِالمُجْرِمِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا الكَلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالزُّرْقَةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي زُرْقَ العُيُونِ سُودَ الوُجُوهِ وهي زُرْقَةٌ تَتَشَوَّهُ بِها خِلْقَتُهم والعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم: يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ يَكُونُ أعْمى وأزْرَقَ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهُ يَكُونُ أعْمى في حالٍ وأزْرَقَ في حالٍ. وثانِيها: المُرادُ مِنَ الزُّرْقَةِ العَمى، قالَ الكَلْبِيُّ: زُرْقًا أيْ عُمْيًا، قالَ الزَّجّاجُ: يَخْرُجُونَ بُصَراءَ في أوَّلِ مَرَّةٍ ويَعْمُونَ في المَحْشَرِ، وسَوادُ العَيْنِ إذا ذَهَبَ تَزْرَقُّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ أعْمى، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٢] وشُخُوصُ البَصَرِ مِنَ الأعْمى مُحالٌ، وقَدْ قالَ في حَقِّهِمُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسْراءِ: ١٤] والأعْمى كَيْفَ يَقْرَأُ ؟ . فالجَوابُ: أنَّ أحْوالَهم قَدْ تَخْتَلِفُ. وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الزُّرْقَةِ شُخُوصُ أبْصارِهِمْ والأزْرَقُ شاخِصٌ لِأنَّهُ لِضَعْفِ بَصَرِهِ يَكُونُ مُحَدِّقًا نَحْوَ الشَّيْءِ يُرِيدُ أنْ يَتَبَيَّنَهُ وهَذِهِ حالُ الخائِفِ المُتَوَقِّعِ لِما يَكْرَهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ . ورابِعُها: زُرْقًا عِطاشًا هَكَذا رَواهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: لِأنَّهم مِن شِدَّةِ العَطَشِ يَتَغَيَّرُ سَوادُ عُيُونِهِمْ حَتّى تَزْرَقَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦] . وخامِسُها: حَكى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: طامِعِينَ فِيما لا يَنالُونَهُ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يَتَخافَتُونَ أيْ يَتَسارُّونَ، يُقالُ: خَفَتَ يَخْفِتُ وخافَتَ مُخافَتَةً، والتَّخافُتُ السِّرارُ وهو نَظِيرُ
صفحة ١٠٠
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ وإنَّما يَتَخافَتُونَ لِأنَّهُ امْتَلَأتْ صُدُورُهم مِنَ الرُّعْبِ والهَوْلِ، أوْ لِأنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الخَوْفِ في نِهايَةِ الضَّعْفِ فَلا يُطِيقُونَ الجَهْرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ اللُّبْثُ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ، فَقالَ قَوْمٌ: أرادُوا بِهِ اللُّبْثَ في الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٣] فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهم نَسُوا قَدْرَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ ما نَسُوا ذَلِكَ، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ إذْ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَبْقى الإنْسانُ خَمْسِينَ سَنَةً في بَلَدٍ ثُمَّ يَنْساهُ، والثّانِي غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ كَذِبٌ، وأهْلُ الآخِرَةِ لا يَكْذِبُونَ، لا سِيَّما وهَذا الكَذِبُ لا فائِدَةَ فِيهِ، قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَعَلَّهم إذا حُشِرُوا في أوَّلِ الأمْرِ وعايَنُوا تِلْكَ الأهْوالَ فَلِشِدَّةِ وقْعِها عَلَيْهِمْ ذَهَلُوا عَنْ مِقْدارِ عُمْرِهِمْ في الدُّنْيا وما ذَكَرُوا إلّا القَلِيلَ فَقالُوا: لَيْتَنا ما عِشْنا إلّا تِلْكَ الأيّامَ القَلِيلَةَ في الدُّنْيا حَتّى لا نَقَعَ في هَذِهِ الأهْوالِ، والإنْسانُ عِنْدَ الهَوْلِ الشَّدِيدِ قَدْ يَذْهَلُ عَنْ أظْهَرِ الأشْياءِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] . وثانِيها: أنَّهم عالِمُونَ بِمِقْدارِ عُمُرِهِمْ في الدُّنْيا إلّا أنَّهم لَمّا قابَلُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا بِأعْمارِ الآخِرَةِ وجَدُوها في نِهايَةِ القِلَّةِ، فَقالَ بَعْضُهم: ما لَبِثْنا في الدُّنْيا إلّا عَشَرَةَ أيّامٍ، وقالَ أعْقَلُهم: بَلْ ما لَبِثْنا إلّا يَوْمًا واحِدًا، أيْ قَدْرُ لُبْثِنا في الدُّنْيا بِالقِياسِ إلى قَدْرِ لُبْثِنا في الآخِرَةِ كَعَشَرَةِ أيّامٍ بَلْ كاليَوْمِ الواحِدِ بَلْ كالعَدَمِ، وإنَّما خَصَّ العَشَرَةَ والواحِدَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَلِيلَ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ إلّا بِالعَشَرَةِ والواحِدِ. وثالِثُها: أنَّهم لَمّا عايَنُوا الشَّدائِدَ تَذَكَّرُوا أيّامَ النِّعْمَةِ والسُّرُورِ وتَأسَّفُوا عَلَيْها فَوَصَفُوها بِالقِصَرِ لِأنَّ أيّامَ السُّرُورِ قِصارٌ. ورابِعُها: أنَّ أيّامَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ وأيّامَ الآخِرَةِ مُسْتَقْبَلَةٌ، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَلِيلٌ بِالقِياسِ إلى الآتِي وإنْ قَصُرَتْ مُدَّتُهُ، فَكَيْفَ والأمْرُ بِالعَكْسِ؛ ولِهَذِهِ الوُجُوهِ رَجَّحَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ مَن بالَغَ في التَّقْلِيلِ فَقالَ: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ اللُّبْثُ في القَبْرِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومِ: ٥٦] فَأمّا مَن جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ فَلا إشْكالَ لَهُ في الآيَةِ، أمّا مَن لَمْ يُجَوِّزْ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أحْياهم في القَبْرِ وعَذَّبَهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ بَعَثَهم يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَعْرِفُوا أنْ قَدْرَ لُبْثِهِمْ في القَبْرِ كَمْ كانَ، فَخَطَرَ بِبالِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ في تَقْدِيرِ عَشَرَةِ أيّامٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَوْمٌ واحِدٌ، فَلَمّا وقَعُوا في العَذابِ مَرَّةً أُخْرى تَمَنَّوْا زَمانَ المَوْتِ الَّذِي هو زَمانُ الخَلاصِ لِما نالَهم مِن هَوْلِ العَذابِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ أيْ عَشَرَةَ أيّامٍ، فَيَكُونُ قَوْلُ مَن قالَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ أقَلَّ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ أيْ عَشْرَ ساعاتٍ كَقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٦] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ اليَوْمُ أكْثَرَ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ بِهَذا القَوْلِ أعْظَمَ ما نالَهم مِنَ الحَيْرَةِ الَّتِي دُفِعُوا عِنْدَها إلى هَذا الجِنْسِ مِنَ التَّخافُتِ.
طه 20:104
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ أوَّلًا ثُمَّ مَعَ السّامِرِيِّ ثانِيًا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ مِن سائِرِ أخْبارِ الأُمَمِ وأحْوالِهِمْ؛ تَكْثِيرًا لِشَأْنِكَ، وزِيادَةً في مُعْجِزاتِكَ، ولِيَكْثُرَ الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ لِلْمُكَلَّفِينَ بِها في الدِّينِ: ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥] ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحِجْرِ: ٦] ثُمَّ في تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابٌ فِيهِ ذِكْرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وثانِيها: أنَّهُ يَذْكُرُ أنْواعَ آلاءِ اللَّهِ تَعالى ونَعْمائِهِ فَفِيهِ التَّذْكِيرُ والمَواعِظُ. وثالِثُها: فِيهِ الذِّكْرُ والشَّرَفُ لَكَ ولِقَوْمِكَ عَلى ما قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤]، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى كُلَّ كُتُبِهِ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٧] وكَما بَيَّنَ نِعْمَتَهُ بِذَلِكَ بَيَّنَ شِدَّةَ الوَعِيدِ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا، والوِزْرُ هو العُقُوبَةُ الثَّقِيلَةُ، سَمّاها وِزْرًا تَشْبِيهًا في ثِقَلِها عَلى المُعاقَبِ وصُعُوبَةِ احْتِمالِها الَّذِي يَثْقُلُ عَلى الحامِلِ ويُنْقِضُ ظَهْرَهُ، أوْ لِأنَّها جَزاءُ الوِزْرِ وهو الإثْمُ وقُرِئَ يُحَمَّلُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى صِفَةَ ذَلِكَ
صفحة ٩٩
الوِزْرِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَكُونُ مُخَلَّدًا مُؤَبَّدًا. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ أيْ وما أسْوَأ هَذا الوِزْرَ حِمْلًا أيْ مَحْمُولًا وحِمْلًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وثانِيها: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فالمُرادُ بَيانُ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ هو يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو نَنْفُخُ بِفَتْحِ النُّونِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُ﴾ وقَرَأ الباقُونَ يُنْفَخُ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ونَحْشُرُ بِالنُّونِ لِأنَّ النّافِخَ مَلَكٌ التَقَمَ الصُّورَ، والحاشِرَ هو اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ يَوْمَ يَنْفُخُ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِإسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا: (يَحْشُرُ المُجْرِمِينَ) فَلَمْ يَقْرَأْ بِهِ إلّا الحَسَنُ وقُرِئَ في الصُّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ يُدْعى بِهِ النّاسُ إلى المَحْشَرِ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ صُورَةٍ والنَّفْخُ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: الصُّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٨] واللَّهُ تَعالى يُعَرِّفُ النّاسَ أُمُورَ الآخِرَةِ بِأمْثالِ ما شُوهِدَ في الدُّنْيا ومِن عادَةِ النّاسِ النَّفْخُ في البُوقِ عِنْدَ الأسْفارِ وفي العَساكِرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن هَذا النَّفْخِ هو النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ النَّفْخَ في الصُّورِ كالسَّبَبِ لِحَشْرِهِمْ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ [النَّبَأِ: ١٨]، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿المُجْرِمِينَ﴾ يَتَناوَلُ الكُفّارَ والعُصاةَ فَيَدُلُّ عَلى عَدَمِ العَفْوِ عَنِ العُصاةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ بِالمُجْرِمِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا الكَلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالزُّرْقَةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي زُرْقَ العُيُونِ سُودَ الوُجُوهِ وهي زُرْقَةٌ تَتَشَوَّهُ بِها خِلْقَتُهم والعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم: يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ يَكُونُ أعْمى وأزْرَقَ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهُ يَكُونُ أعْمى في حالٍ وأزْرَقَ في حالٍ. وثانِيها: المُرادُ مِنَ الزُّرْقَةِ العَمى، قالَ الكَلْبِيُّ: زُرْقًا أيْ عُمْيًا، قالَ الزَّجّاجُ: يَخْرُجُونَ بُصَراءَ في أوَّلِ مَرَّةٍ ويَعْمُونَ في المَحْشَرِ، وسَوادُ العَيْنِ إذا ذَهَبَ تَزْرَقُّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ أعْمى، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٢] وشُخُوصُ البَصَرِ مِنَ الأعْمى مُحالٌ، وقَدْ قالَ في حَقِّهِمُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسْراءِ: ١٤] والأعْمى كَيْفَ يَقْرَأُ ؟ . فالجَوابُ: أنَّ أحْوالَهم قَدْ تَخْتَلِفُ. وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الزُّرْقَةِ شُخُوصُ أبْصارِهِمْ والأزْرَقُ شاخِصٌ لِأنَّهُ لِضَعْفِ بَصَرِهِ يَكُونُ مُحَدِّقًا نَحْوَ الشَّيْءِ يُرِيدُ أنْ يَتَبَيَّنَهُ وهَذِهِ حالُ الخائِفِ المُتَوَقِّعِ لِما يَكْرَهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ . ورابِعُها: زُرْقًا عِطاشًا هَكَذا رَواهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: لِأنَّهم مِن شِدَّةِ العَطَشِ يَتَغَيَّرُ سَوادُ عُيُونِهِمْ حَتّى تَزْرَقَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦] . وخامِسُها: حَكى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: طامِعِينَ فِيما لا يَنالُونَهُ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يَتَخافَتُونَ أيْ يَتَسارُّونَ، يُقالُ: خَفَتَ يَخْفِتُ وخافَتَ مُخافَتَةً، والتَّخافُتُ السِّرارُ وهو نَظِيرُ
صفحة ١٠٠
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ وإنَّما يَتَخافَتُونَ لِأنَّهُ امْتَلَأتْ صُدُورُهم مِنَ الرُّعْبِ والهَوْلِ، أوْ لِأنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الخَوْفِ في نِهايَةِ الضَّعْفِ فَلا يُطِيقُونَ الجَهْرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ اللُّبْثُ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ، فَقالَ قَوْمٌ: أرادُوا بِهِ اللُّبْثَ في الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٣] فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهم نَسُوا قَدْرَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ ما نَسُوا ذَلِكَ، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ إذْ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَبْقى الإنْسانُ خَمْسِينَ سَنَةً في بَلَدٍ ثُمَّ يَنْساهُ، والثّانِي غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ كَذِبٌ، وأهْلُ الآخِرَةِ لا يَكْذِبُونَ، لا سِيَّما وهَذا الكَذِبُ لا فائِدَةَ فِيهِ، قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَعَلَّهم إذا حُشِرُوا في أوَّلِ الأمْرِ وعايَنُوا تِلْكَ الأهْوالَ فَلِشِدَّةِ وقْعِها عَلَيْهِمْ ذَهَلُوا عَنْ مِقْدارِ عُمْرِهِمْ في الدُّنْيا وما ذَكَرُوا إلّا القَلِيلَ فَقالُوا: لَيْتَنا ما عِشْنا إلّا تِلْكَ الأيّامَ القَلِيلَةَ في الدُّنْيا حَتّى لا نَقَعَ في هَذِهِ الأهْوالِ، والإنْسانُ عِنْدَ الهَوْلِ الشَّدِيدِ قَدْ يَذْهَلُ عَنْ أظْهَرِ الأشْياءِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] . وثانِيها: أنَّهم عالِمُونَ بِمِقْدارِ عُمُرِهِمْ في الدُّنْيا إلّا أنَّهم لَمّا قابَلُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا بِأعْمارِ الآخِرَةِ وجَدُوها في نِهايَةِ القِلَّةِ، فَقالَ بَعْضُهم: ما لَبِثْنا في الدُّنْيا إلّا عَشَرَةَ أيّامٍ، وقالَ أعْقَلُهم: بَلْ ما لَبِثْنا إلّا يَوْمًا واحِدًا، أيْ قَدْرُ لُبْثِنا في الدُّنْيا بِالقِياسِ إلى قَدْرِ لُبْثِنا في الآخِرَةِ كَعَشَرَةِ أيّامٍ بَلْ كاليَوْمِ الواحِدِ بَلْ كالعَدَمِ، وإنَّما خَصَّ العَشَرَةَ والواحِدَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَلِيلَ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ إلّا بِالعَشَرَةِ والواحِدِ. وثالِثُها: أنَّهم لَمّا عايَنُوا الشَّدائِدَ تَذَكَّرُوا أيّامَ النِّعْمَةِ والسُّرُورِ وتَأسَّفُوا عَلَيْها فَوَصَفُوها بِالقِصَرِ لِأنَّ أيّامَ السُّرُورِ قِصارٌ. ورابِعُها: أنَّ أيّامَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ وأيّامَ الآخِرَةِ مُسْتَقْبَلَةٌ، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَلِيلٌ بِالقِياسِ إلى الآتِي وإنْ قَصُرَتْ مُدَّتُهُ، فَكَيْفَ والأمْرُ بِالعَكْسِ؛ ولِهَذِهِ الوُجُوهِ رَجَّحَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ مَن بالَغَ في التَّقْلِيلِ فَقالَ: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ اللُّبْثُ في القَبْرِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومِ: ٥٦] فَأمّا مَن جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ فَلا إشْكالَ لَهُ في الآيَةِ، أمّا مَن لَمْ يُجَوِّزْ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أحْياهم في القَبْرِ وعَذَّبَهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ بَعَثَهم يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَعْرِفُوا أنْ قَدْرَ لُبْثِهِمْ في القَبْرِ كَمْ كانَ، فَخَطَرَ بِبالِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ في تَقْدِيرِ عَشَرَةِ أيّامٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَوْمٌ واحِدٌ، فَلَمّا وقَعُوا في العَذابِ مَرَّةً أُخْرى تَمَنَّوْا زَمانَ المَوْتِ الَّذِي هو زَمانُ الخَلاصِ لِما نالَهم مِن هَوْلِ العَذابِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ أيْ عَشَرَةَ أيّامٍ، فَيَكُونُ قَوْلُ مَن قالَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ أقَلَّ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ أيْ عَشْرَ ساعاتٍ كَقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٦] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ اليَوْمُ أكْثَرَ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ بِهَذا القَوْلِ أعْظَمَ ما نالَهم مِنَ الحَيْرَةِ الَّتِي دُفِعُوا عِنْدَها إلى هَذا الجِنْسِ مِنَ التَّخافُتِ.
طه 20:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ أوَّلًا ثُمَّ مَعَ السّامِرِيِّ ثانِيًا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ مِن سائِرِ أخْبارِ الأُمَمِ وأحْوالِهِمْ؛ تَكْثِيرًا لِشَأْنِكَ، وزِيادَةً في مُعْجِزاتِكَ، ولِيَكْثُرَ الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ لِلْمُكَلَّفِينَ بِها في الدِّينِ: ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥] ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحِجْرِ: ٦] ثُمَّ في تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابٌ فِيهِ ذِكْرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وثانِيها: أنَّهُ يَذْكُرُ أنْواعَ آلاءِ اللَّهِ تَعالى ونَعْمائِهِ فَفِيهِ التَّذْكِيرُ والمَواعِظُ. وثالِثُها: فِيهِ الذِّكْرُ والشَّرَفُ لَكَ ولِقَوْمِكَ عَلى ما قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤]، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى كُلَّ كُتُبِهِ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٧] وكَما بَيَّنَ نِعْمَتَهُ بِذَلِكَ بَيَّنَ شِدَّةَ الوَعِيدِ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا، والوِزْرُ هو العُقُوبَةُ الثَّقِيلَةُ، سَمّاها وِزْرًا تَشْبِيهًا في ثِقَلِها عَلى المُعاقَبِ وصُعُوبَةِ احْتِمالِها الَّذِي يَثْقُلُ عَلى الحامِلِ ويُنْقِضُ ظَهْرَهُ، أوْ لِأنَّها جَزاءُ الوِزْرِ وهو الإثْمُ وقُرِئَ يُحَمَّلُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى صِفَةَ ذَلِكَ
صفحة ٩٩
الوِزْرِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَكُونُ مُخَلَّدًا مُؤَبَّدًا. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ أيْ وما أسْوَأ هَذا الوِزْرَ حِمْلًا أيْ مَحْمُولًا وحِمْلًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وثانِيها: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فالمُرادُ بَيانُ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ هو يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو نَنْفُخُ بِفَتْحِ النُّونِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُ﴾ وقَرَأ الباقُونَ يُنْفَخُ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ونَحْشُرُ بِالنُّونِ لِأنَّ النّافِخَ مَلَكٌ التَقَمَ الصُّورَ، والحاشِرَ هو اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ يَوْمَ يَنْفُخُ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِإسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا: (يَحْشُرُ المُجْرِمِينَ) فَلَمْ يَقْرَأْ بِهِ إلّا الحَسَنُ وقُرِئَ في الصُّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ يُدْعى بِهِ النّاسُ إلى المَحْشَرِ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ صُورَةٍ والنَّفْخُ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: الصُّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٨] واللَّهُ تَعالى يُعَرِّفُ النّاسَ أُمُورَ الآخِرَةِ بِأمْثالِ ما شُوهِدَ في الدُّنْيا ومِن عادَةِ النّاسِ النَّفْخُ في البُوقِ عِنْدَ الأسْفارِ وفي العَساكِرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن هَذا النَّفْخِ هو النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ النَّفْخَ في الصُّورِ كالسَّبَبِ لِحَشْرِهِمْ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ [النَّبَأِ: ١٨]، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿المُجْرِمِينَ﴾ يَتَناوَلُ الكُفّارَ والعُصاةَ فَيَدُلُّ عَلى عَدَمِ العَفْوِ عَنِ العُصاةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ بِالمُجْرِمِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا الكَلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالزُّرْقَةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي زُرْقَ العُيُونِ سُودَ الوُجُوهِ وهي زُرْقَةٌ تَتَشَوَّهُ بِها خِلْقَتُهم والعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم: يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ يَكُونُ أعْمى وأزْرَقَ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهُ يَكُونُ أعْمى في حالٍ وأزْرَقَ في حالٍ. وثانِيها: المُرادُ مِنَ الزُّرْقَةِ العَمى، قالَ الكَلْبِيُّ: زُرْقًا أيْ عُمْيًا، قالَ الزَّجّاجُ: يَخْرُجُونَ بُصَراءَ في أوَّلِ مَرَّةٍ ويَعْمُونَ في المَحْشَرِ، وسَوادُ العَيْنِ إذا ذَهَبَ تَزْرَقُّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ أعْمى، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٢] وشُخُوصُ البَصَرِ مِنَ الأعْمى مُحالٌ، وقَدْ قالَ في حَقِّهِمُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسْراءِ: ١٤] والأعْمى كَيْفَ يَقْرَأُ ؟ . فالجَوابُ: أنَّ أحْوالَهم قَدْ تَخْتَلِفُ. وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الزُّرْقَةِ شُخُوصُ أبْصارِهِمْ والأزْرَقُ شاخِصٌ لِأنَّهُ لِضَعْفِ بَصَرِهِ يَكُونُ مُحَدِّقًا نَحْوَ الشَّيْءِ يُرِيدُ أنْ يَتَبَيَّنَهُ وهَذِهِ حالُ الخائِفِ المُتَوَقِّعِ لِما يَكْرَهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ . ورابِعُها: زُرْقًا عِطاشًا هَكَذا رَواهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: لِأنَّهم مِن شِدَّةِ العَطَشِ يَتَغَيَّرُ سَوادُ عُيُونِهِمْ حَتّى تَزْرَقَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦] . وخامِسُها: حَكى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: طامِعِينَ فِيما لا يَنالُونَهُ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يَتَخافَتُونَ أيْ يَتَسارُّونَ، يُقالُ: خَفَتَ يَخْفِتُ وخافَتَ مُخافَتَةً، والتَّخافُتُ السِّرارُ وهو نَظِيرُ
صفحة ١٠٠
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ وإنَّما يَتَخافَتُونَ لِأنَّهُ امْتَلَأتْ صُدُورُهم مِنَ الرُّعْبِ والهَوْلِ، أوْ لِأنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الخَوْفِ في نِهايَةِ الضَّعْفِ فَلا يُطِيقُونَ الجَهْرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ اللُّبْثُ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ، فَقالَ قَوْمٌ: أرادُوا بِهِ اللُّبْثَ في الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٣] فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهم نَسُوا قَدْرَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ ما نَسُوا ذَلِكَ، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ إذْ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَبْقى الإنْسانُ خَمْسِينَ سَنَةً في بَلَدٍ ثُمَّ يَنْساهُ، والثّانِي غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ كَذِبٌ، وأهْلُ الآخِرَةِ لا يَكْذِبُونَ، لا سِيَّما وهَذا الكَذِبُ لا فائِدَةَ فِيهِ، قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَعَلَّهم إذا حُشِرُوا في أوَّلِ الأمْرِ وعايَنُوا تِلْكَ الأهْوالَ فَلِشِدَّةِ وقْعِها عَلَيْهِمْ ذَهَلُوا عَنْ مِقْدارِ عُمْرِهِمْ في الدُّنْيا وما ذَكَرُوا إلّا القَلِيلَ فَقالُوا: لَيْتَنا ما عِشْنا إلّا تِلْكَ الأيّامَ القَلِيلَةَ في الدُّنْيا حَتّى لا نَقَعَ في هَذِهِ الأهْوالِ، والإنْسانُ عِنْدَ الهَوْلِ الشَّدِيدِ قَدْ يَذْهَلُ عَنْ أظْهَرِ الأشْياءِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] . وثانِيها: أنَّهم عالِمُونَ بِمِقْدارِ عُمُرِهِمْ في الدُّنْيا إلّا أنَّهم لَمّا قابَلُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا بِأعْمارِ الآخِرَةِ وجَدُوها في نِهايَةِ القِلَّةِ، فَقالَ بَعْضُهم: ما لَبِثْنا في الدُّنْيا إلّا عَشَرَةَ أيّامٍ، وقالَ أعْقَلُهم: بَلْ ما لَبِثْنا إلّا يَوْمًا واحِدًا، أيْ قَدْرُ لُبْثِنا في الدُّنْيا بِالقِياسِ إلى قَدْرِ لُبْثِنا في الآخِرَةِ كَعَشَرَةِ أيّامٍ بَلْ كاليَوْمِ الواحِدِ بَلْ كالعَدَمِ، وإنَّما خَصَّ العَشَرَةَ والواحِدَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَلِيلَ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ إلّا بِالعَشَرَةِ والواحِدِ. وثالِثُها: أنَّهم لَمّا عايَنُوا الشَّدائِدَ تَذَكَّرُوا أيّامَ النِّعْمَةِ والسُّرُورِ وتَأسَّفُوا عَلَيْها فَوَصَفُوها بِالقِصَرِ لِأنَّ أيّامَ السُّرُورِ قِصارٌ. ورابِعُها: أنَّ أيّامَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ وأيّامَ الآخِرَةِ مُسْتَقْبَلَةٌ، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَلِيلٌ بِالقِياسِ إلى الآتِي وإنْ قَصُرَتْ مُدَّتُهُ، فَكَيْفَ والأمْرُ بِالعَكْسِ؛ ولِهَذِهِ الوُجُوهِ رَجَّحَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ مَن بالَغَ في التَّقْلِيلِ فَقالَ: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ اللُّبْثُ في القَبْرِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومِ: ٥٦] فَأمّا مَن جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ فَلا إشْكالَ لَهُ في الآيَةِ، أمّا مَن لَمْ يُجَوِّزْ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أحْياهم في القَبْرِ وعَذَّبَهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ بَعَثَهم يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَعْرِفُوا أنْ قَدْرَ لُبْثِهِمْ في القَبْرِ كَمْ كانَ، فَخَطَرَ بِبالِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ في تَقْدِيرِ عَشَرَةِ أيّامٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَوْمٌ واحِدٌ، فَلَمّا وقَعُوا في العَذابِ مَرَّةً أُخْرى تَمَنَّوْا زَمانَ المَوْتِ الَّذِي هو زَمانُ الخَلاصِ لِما نالَهم مِن هَوْلِ العَذابِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ أيْ عَشَرَةَ أيّامٍ، فَيَكُونُ قَوْلُ مَن قالَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ أقَلَّ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ أيْ عَشْرَ ساعاتٍ كَقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٦] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ اليَوْمُ أكْثَرَ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ بِهَذا القَوْلِ أعْظَمَ ما نالَهم مِنَ الحَيْرَةِ الَّتِي دُفِعُوا عِنْدَها إلى هَذا الجِنْسِ مِنَ التَّخافُتِ.
طه 20:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ أوَّلًا ثُمَّ مَعَ السّامِرِيِّ ثانِيًا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ مِن سائِرِ أخْبارِ الأُمَمِ وأحْوالِهِمْ؛ تَكْثِيرًا لِشَأْنِكَ، وزِيادَةً في مُعْجِزاتِكَ، ولِيَكْثُرَ الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ لِلْمُكَلَّفِينَ بِها في الدِّينِ: ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥] ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحِجْرِ: ٦] ثُمَّ في تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابٌ فِيهِ ذِكْرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وثانِيها: أنَّهُ يَذْكُرُ أنْواعَ آلاءِ اللَّهِ تَعالى ونَعْمائِهِ فَفِيهِ التَّذْكِيرُ والمَواعِظُ. وثالِثُها: فِيهِ الذِّكْرُ والشَّرَفُ لَكَ ولِقَوْمِكَ عَلى ما قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤]، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى كُلَّ كُتُبِهِ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٧] وكَما بَيَّنَ نِعْمَتَهُ بِذَلِكَ بَيَّنَ شِدَّةَ الوَعِيدِ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا، والوِزْرُ هو العُقُوبَةُ الثَّقِيلَةُ، سَمّاها وِزْرًا تَشْبِيهًا في ثِقَلِها عَلى المُعاقَبِ وصُعُوبَةِ احْتِمالِها الَّذِي يَثْقُلُ عَلى الحامِلِ ويُنْقِضُ ظَهْرَهُ، أوْ لِأنَّها جَزاءُ الوِزْرِ وهو الإثْمُ وقُرِئَ يُحَمَّلُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى صِفَةَ ذَلِكَ
صفحة ٩٩
الوِزْرِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَكُونُ مُخَلَّدًا مُؤَبَّدًا. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ أيْ وما أسْوَأ هَذا الوِزْرَ حِمْلًا أيْ مَحْمُولًا وحِمْلًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وثانِيها: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فالمُرادُ بَيانُ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ هو يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو نَنْفُخُ بِفَتْحِ النُّونِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُ﴾ وقَرَأ الباقُونَ يُنْفَخُ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ونَحْشُرُ بِالنُّونِ لِأنَّ النّافِخَ مَلَكٌ التَقَمَ الصُّورَ، والحاشِرَ هو اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ يَوْمَ يَنْفُخُ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِإسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا: (يَحْشُرُ المُجْرِمِينَ) فَلَمْ يَقْرَأْ بِهِ إلّا الحَسَنُ وقُرِئَ في الصُّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ يُدْعى بِهِ النّاسُ إلى المَحْشَرِ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ صُورَةٍ والنَّفْخُ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: الصُّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٨] واللَّهُ تَعالى يُعَرِّفُ النّاسَ أُمُورَ الآخِرَةِ بِأمْثالِ ما شُوهِدَ في الدُّنْيا ومِن عادَةِ النّاسِ النَّفْخُ في البُوقِ عِنْدَ الأسْفارِ وفي العَساكِرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن هَذا النَّفْخِ هو النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ النَّفْخَ في الصُّورِ كالسَّبَبِ لِحَشْرِهِمْ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ [النَّبَأِ: ١٨]، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿المُجْرِمِينَ﴾ يَتَناوَلُ الكُفّارَ والعُصاةَ فَيَدُلُّ عَلى عَدَمِ العَفْوِ عَنِ العُصاةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ بِالمُجْرِمِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا الكَلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالزُّرْقَةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي زُرْقَ العُيُونِ سُودَ الوُجُوهِ وهي زُرْقَةٌ تَتَشَوَّهُ بِها خِلْقَتُهم والعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم: يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ يَكُونُ أعْمى وأزْرَقَ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهُ يَكُونُ أعْمى في حالٍ وأزْرَقَ في حالٍ. وثانِيها: المُرادُ مِنَ الزُّرْقَةِ العَمى، قالَ الكَلْبِيُّ: زُرْقًا أيْ عُمْيًا، قالَ الزَّجّاجُ: يَخْرُجُونَ بُصَراءَ في أوَّلِ مَرَّةٍ ويَعْمُونَ في المَحْشَرِ، وسَوادُ العَيْنِ إذا ذَهَبَ تَزْرَقُّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ أعْمى، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٢] وشُخُوصُ البَصَرِ مِنَ الأعْمى مُحالٌ، وقَدْ قالَ في حَقِّهِمُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسْراءِ: ١٤] والأعْمى كَيْفَ يَقْرَأُ ؟ . فالجَوابُ: أنَّ أحْوالَهم قَدْ تَخْتَلِفُ. وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الزُّرْقَةِ شُخُوصُ أبْصارِهِمْ والأزْرَقُ شاخِصٌ لِأنَّهُ لِضَعْفِ بَصَرِهِ يَكُونُ مُحَدِّقًا نَحْوَ الشَّيْءِ يُرِيدُ أنْ يَتَبَيَّنَهُ وهَذِهِ حالُ الخائِفِ المُتَوَقِّعِ لِما يَكْرَهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ . ورابِعُها: زُرْقًا عِطاشًا هَكَذا رَواهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: لِأنَّهم مِن شِدَّةِ العَطَشِ يَتَغَيَّرُ سَوادُ عُيُونِهِمْ حَتّى تَزْرَقَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦] . وخامِسُها: حَكى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: طامِعِينَ فِيما لا يَنالُونَهُ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يَتَخافَتُونَ أيْ يَتَسارُّونَ، يُقالُ: خَفَتَ يَخْفِتُ وخافَتَ مُخافَتَةً، والتَّخافُتُ السِّرارُ وهو نَظِيرُ
صفحة ١٠٠
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ وإنَّما يَتَخافَتُونَ لِأنَّهُ امْتَلَأتْ صُدُورُهم مِنَ الرُّعْبِ والهَوْلِ، أوْ لِأنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الخَوْفِ في نِهايَةِ الضَّعْفِ فَلا يُطِيقُونَ الجَهْرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ اللُّبْثُ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ، فَقالَ قَوْمٌ: أرادُوا بِهِ اللُّبْثَ في الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٣] فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهم نَسُوا قَدْرَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ ما نَسُوا ذَلِكَ، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ إذْ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَبْقى الإنْسانُ خَمْسِينَ سَنَةً في بَلَدٍ ثُمَّ يَنْساهُ، والثّانِي غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ كَذِبٌ، وأهْلُ الآخِرَةِ لا يَكْذِبُونَ، لا سِيَّما وهَذا الكَذِبُ لا فائِدَةَ فِيهِ، قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَعَلَّهم إذا حُشِرُوا في أوَّلِ الأمْرِ وعايَنُوا تِلْكَ الأهْوالَ فَلِشِدَّةِ وقْعِها عَلَيْهِمْ ذَهَلُوا عَنْ مِقْدارِ عُمْرِهِمْ في الدُّنْيا وما ذَكَرُوا إلّا القَلِيلَ فَقالُوا: لَيْتَنا ما عِشْنا إلّا تِلْكَ الأيّامَ القَلِيلَةَ في الدُّنْيا حَتّى لا نَقَعَ في هَذِهِ الأهْوالِ، والإنْسانُ عِنْدَ الهَوْلِ الشَّدِيدِ قَدْ يَذْهَلُ عَنْ أظْهَرِ الأشْياءِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] . وثانِيها: أنَّهم عالِمُونَ بِمِقْدارِ عُمُرِهِمْ في الدُّنْيا إلّا أنَّهم لَمّا قابَلُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا بِأعْمارِ الآخِرَةِ وجَدُوها في نِهايَةِ القِلَّةِ، فَقالَ بَعْضُهم: ما لَبِثْنا في الدُّنْيا إلّا عَشَرَةَ أيّامٍ، وقالَ أعْقَلُهم: بَلْ ما لَبِثْنا إلّا يَوْمًا واحِدًا، أيْ قَدْرُ لُبْثِنا في الدُّنْيا بِالقِياسِ إلى قَدْرِ لُبْثِنا في الآخِرَةِ كَعَشَرَةِ أيّامٍ بَلْ كاليَوْمِ الواحِدِ بَلْ كالعَدَمِ، وإنَّما خَصَّ العَشَرَةَ والواحِدَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَلِيلَ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ إلّا بِالعَشَرَةِ والواحِدِ. وثالِثُها: أنَّهم لَمّا عايَنُوا الشَّدائِدَ تَذَكَّرُوا أيّامَ النِّعْمَةِ والسُّرُورِ وتَأسَّفُوا عَلَيْها فَوَصَفُوها بِالقِصَرِ لِأنَّ أيّامَ السُّرُورِ قِصارٌ. ورابِعُها: أنَّ أيّامَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ وأيّامَ الآخِرَةِ مُسْتَقْبَلَةٌ، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَلِيلٌ بِالقِياسِ إلى الآتِي وإنْ قَصُرَتْ مُدَّتُهُ، فَكَيْفَ والأمْرُ بِالعَكْسِ؛ ولِهَذِهِ الوُجُوهِ رَجَّحَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ مَن بالَغَ في التَّقْلِيلِ فَقالَ: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ اللُّبْثُ في القَبْرِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومِ: ٥٦] فَأمّا مَن جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ فَلا إشْكالَ لَهُ في الآيَةِ، أمّا مَن لَمْ يُجَوِّزْ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أحْياهم في القَبْرِ وعَذَّبَهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ بَعَثَهم يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَعْرِفُوا أنْ قَدْرَ لُبْثِهِمْ في القَبْرِ كَمْ كانَ، فَخَطَرَ بِبالِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ في تَقْدِيرِ عَشَرَةِ أيّامٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَوْمٌ واحِدٌ، فَلَمّا وقَعُوا في العَذابِ مَرَّةً أُخْرى تَمَنَّوْا زَمانَ المَوْتِ الَّذِي هو زَمانُ الخَلاصِ لِما نالَهم مِن هَوْلِ العَذابِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ أيْ عَشَرَةَ أيّامٍ، فَيَكُونُ قَوْلُ مَن قالَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ أقَلَّ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ أيْ عَشْرَ ساعاتٍ كَقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٦] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ اليَوْمُ أكْثَرَ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ بِهَذا القَوْلِ أعْظَمَ ما نالَهم مِنَ الحَيْرَةِ الَّتِي دُفِعُوا عِنْدَها إلى هَذا الجِنْسِ مِنَ التَّخافُتِ.
طه 20:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أمْرَ يَوْمِ القِيامَةِ حَكى سُؤالَ مَن لَمْ يُؤْمِن بِالحَشْرِ فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ وفي تَقْرِيرِ هَذا السُّؤالِ وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ وصْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِكُلِّ المُجْرِمِينَ بِذَلِكَ، فَكَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ والجِبالُ حائِلَةٌ ومانِعَةٌ مِن هَذا التَّخافُتِ، وثانِيها: قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ وكانَ سُؤالُهم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ. وثالِثُها: لَعَلَّ قَوْمَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ تَدَّعِي أنَّ الدُّنْيا سَتَنْقَضِي فَلَوْ صَحَّ ما قُلْتَهُ لَوَجَبَ أنْ تَبْتَدِئَ أوَّلًا بِالنُّقْصانِ ثُمَّ تَنْتَهِيَ إلى البُطْلانِ، لَكِنَّ أحْوالَ العالَمِ باقِيَةٌ كَما كانَتْ في أوَّلِ الأمْرِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ ما قُلْتَهُ مِن خَرابِ الدُّنْيا ؟ وهَذِهِ شُبْهَةٌ تَمَسَّكَ بِها جالِينُوسُ في أنَّ السَّماواتِ لا تَفْنى، قالَ: لِأنَّها لَوْ فَنِيَتْ لابْتَدَأتْ في النُّقْصانِ أوَّلًا حَتّى يَنْتَهِيَ نُقْصانُها إلى البُطْلانِ، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ فِيها النُّقْصانُ عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِالبُطْلانِ باطِلٌ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ بِالجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ وضَمَّ إلى الجَوابِ أُمُورًا أُخَرَ في شَرْحِ أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها.
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿فَقُلْ﴾ مَعَ فاءِ التَّعْقِيبِ لِأنَّ مَقْصُودَهم مِن هَذا السُّؤالِ الطَّعْنُ في الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَلا جَرَمَ أمَرَهُ بِالجَوابِ مَقْرُونًا بِفاءِ التَّعْقِيبِ؛ لِأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ في مِثْلِ هَذِهِ المَسْألَةِ الأُصُولِيَّةِ غَيْرُ جائِزٍ، أمّا في المَسائِلِ الفُرُوعِيَّةِ فَجائِزٌ، لِذَلِكَ ذَكَرَ هُناكَ قُلْ مِن غَيْرِ حَرْفِ التَّعْقِيبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْسِفُها﴾ عائِدٌ إلى الجِبالِ، والنَّسْفُ التَّذْرِيَةُ، أيْ تَصِيرُ الجِبالُ كالهَباءِ المَنثُورِ تُذْرى تَذْرِيَةً، فَإذا زالَتِ الجِبالُ زالَتِ الحَوائِلُ فَيُعْلَمُ صِدْقُ قَوْلِهِ: ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ قالَ الخَلِيلُ: ﴿يَنْسِفُها﴾ أيْ يُذْهِبُها ويُطَيِّرُها، أمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَذَرُها﴾ فَهو عائِدٌ إلى الأرْضِ، فاسْتَغْنى عَنْ تَقْدِيمِ ذِكْرِها كَما في عادَةِ النّاسِ مِنَ الإخْبارِ عَنْها بِالإضْمارِ كَقَوْلِهِمْ: ما عَلَيْها أكْرَمُ مِن فُلانٍ، وقالَ تَعالى:
صفحة ١٠٢
﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطِرٍ: ٤٥] وإنَّما قالَ: ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ لِيُبَيِّنَ أنَّ ذَلِكَ النَّسْفَ لا يُزِيلُ الِاسْتِواءَ لِئَلّا يُقَدَّرَ أنَّها لَمّا زالَتْ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ صارَتْ هُناكَ حائِلَةً، هَذا كُلُّهُ إذا كانَ المَقْصُودُ مِن سُؤالِهِمُ الِاعْتِراضَ عَلى كَيْفِيَّةِ المُخافَتَةِ، أمّا لَوْ كانَ الغَرَضُ مِنَ السُّؤالِ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ لا نُقْصانَ فِيها في الحالِ فَوَجَبَ أنْ لا يَنْتَهِيَ أمْرُها إلى البُطْلانِ، كانَ تَقْرِيرُ الجَوابِ: أنَّ بُطْلانَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بُطْلانًا يَقَعُ تَوْلِيدِيًّا، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَقْدِيمُ النُّقْصانِ عَلى البُطْلانِ، وقَدْ يَكُونُ بُطْلانًا يَقَعُ دَفْعَةً واحِدَةً، وهَهُنا لا يَجِبُ تَقْدِيمُ النُّقْصانِ عَلى البُطْلانِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُفَرِّقُ تَرْكِيباتِ هَذا العالَمِ الجُسْمانِيِّ دَفْعَةً بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ فَلا حاجَةَ هَهُنا إلى تَقْدِيمِ النُّقْصانِ عَلى البُطْلانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الأرْضَ ذَلِكَ الوَقْتَ بِصِفاتٍ: أحَدُها: كَوْنُها قاعًا وهو المَكانُ المُطْمَئِنُّ وقِيلَ مُسْتَنْقَعُ الماءِ. وثانِيها: الصَّفْصَفُ وهو الَّذِي لا نَباتَ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: القاعُ الأرْضُ المَلْساءُ المُسْتَوِيَةُ وكَذَلِكَ الصَّفْصَفُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ، فَإنْ قِيلَ: الأرْضُ عَيْنٌ فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْنا: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ ونَفْيِ الِاعْوِجاجِ، وذَلِكَ لِأنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ فَإذا قابَلْتَها المَقايِيسَ الهَنْدَسِيَّةَ وجَدْتَ فِيها أنْواعًا مِنَ العِوَجِ خارِجَةً عَنِ الحِسِّ البَصَرِيِّ، قالَ: فَذاكَ القَدْرُ في الِاعْوِجاجِ لَمّا لَطُفَ جِدًّا أُلْحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ: عِوَجٌ بِالكَسْرِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْضَ تَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمَ كُرَةً حَقِيقِيَّةً لِأنَّ المُضَلَّعَ لا بُدَّ وأنْ يَتَّصِلَ بَعْضُ سُطُوحِهِ بِالبَعْضِ لا عَلى الِاسْتِقامَةِ بَلْ عَلى الِاعْوِجاجِ وذَلِكَ يُبْطِلُهُ ظاهِرُ الآيَةِ. ورابِعُها: الأمْتُ النُّتُوءُ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ، وتَحَصَّلَ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ أنَّ الأرْضَ تَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمَ مَلْساءَ خالِيَةً عَنِ الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ وأنْواعِ الِانْحِرافِ والِاعْوِجاجِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِيَوْمِ القِيامَةِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ وفي الدّاعِي قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الدّاعِيَ هو النَّفْخُ في الصُّورِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ أيْ لا يَعْدِلُ عَنْ أحَدٍ بِدُعائِهِ بَلْ يَحْشُرُ الكُلَّ. الثّانِي: أنَّهُ مَلَكٌ قائِمٌ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يُنادِي ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ، والأوْصالُ المُتَفَرِّقَةُ، واللُّحُومُ المُتَمَزِّقَةُ، قَوْمِي إلى رَبِّكِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ. فَيَسْمَعُونَ صَوْتَ الدّاعِي فَيَتْبَعُونَهُ، ويُقالُ: إنَّهُ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضَعُ قَدَمَهُ عَلى الصَّخْرَةِ، فَإنْ قِيلَ هَذا الدُّعاءُ يَكُونُ قَبْلَ الإحْياءِ أوْ بَعْدَهُ ؟ قُلْنا: إنْ كانَ المَقْصُودُ بِالدُّعاءِ إعْلامَهم وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الإحْياءِ لِأنَّ دُعاءَ المَيِّتِ عَبَثٌ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ إعْلامَهم بَلِ المَقْصُودُ مَقْصُودٌ آخَرُ مِثْلَ أنْ يَكُونَ لُطْفًا لِلْمَلائِكَةِ ومَصْلَحَةً لَهم فَذَلِكَ جائِزٌ قَبْلَ الإحْياءِ.
طه 20:108
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: خَشَعَتِ الأصْواتُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ وخَضَعَتْ وخَفِيَتْ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا وهو الذِّكْرُ الخَفِيُّ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وقَدْ عَلِمَ الإنْسُ والجِنُّ بِأنْ لا مالِكَ لَهم سِواهُ فَلا يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ يَزِيدُ عَلى الهَمْسِ وهو أخْفى الصَّوْتِ ويَكادُ يَكُونُ كَلامًا يُفْهَمُ بِتَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ لِضَعْفِهِ، وحُقَّ لِمَن كانَ اللَّهُ مُحاسِبَهُ أنْ يَخْشَعَ طَرْفُهُ ويَضْعُفَ صَوْتُهُ ويَخْتَلِطَ قَوْلُهُ ويَطُولَ غَمُّهُ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ،
صفحة ١٠٣
فالمَعْنى أنَّهُ لا تَسْمَعُ إلّا خَفْقَ الأقْدامِ ونَقْلَها إلى المَحْشَرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَن يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا ومَنصُوبًا فالرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الشَّفاعَةِ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا شَفاعَةُ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ. والنَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وأقُولُ: الِاحْتِمالُ الثّانِي أوْلى لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الأوَّلَ يَحْتاجُ فِيهِ إلى الإضْمارِ وتَغْيِيرِ الأعْرابِ، والثّانِي: لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن يَشْفَعُ بِها والِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ إلّا شَخْصًا مَرْضِيًّا. والثّالِثُ: وهو أنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ دَرَجَةَ الشّافِعِ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ فَهي لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيها وكانَ عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيًّا، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ صارَتْ جارِيَةً مَجْرى إيضاحِ الواضِحاتِ، أمّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى المَشْفُوعِ لَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيضاحَ الواضِحاتِ فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المُعْتَزِلَةُ قالُوا: الفاسِقُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَوَجَبَ أنْ لا يَشْفَعَ الرَّسُولُ في حَقِّهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المَشْفُوعَ لَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ في حَقِّ الفُسّاقِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ يَكْفِي في صِدْقِهِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا واحِدًا مِن أقْوالِهِ، والفاسِقُ قَدِ ارْتَضى اللَّهُ تَعالى قَوْلًا واحِدًا مِن أقْوالِهِ وهو: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الشَّفاعَةُ نافِعَةً لَهُ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى عَنْ ذَلِكَ النَّفْيِ بِشَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: حُصُولُ الإذْنِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَدْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا، فَهَبْ أنَّ الفاسِقَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ أحَدُ الشَّرْطَيْنِ وهو أنَّهُ تَعالى قَدْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ أذِنَ فِيهِ، وهَذا أوَّلُ المَسْألَةِ قُلْنا: هَذا القَيْدُ وهو أنَّهُ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا كافٍ في حُصُولِ الِاسْتِثْناءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٨] فاكْتَفى هُناكَ بِهَذا القَيْدِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإذْنِ فَظَهَرَ مِن مَجْمُوعِهِما أنَّهُ إذا رَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَحْصُلُ الإذْنُ في الشَّفاعَةِ، وإذا حَصَلَ القَيْدانِ حَصَلَ الِاسْتِثْناءُ وتَمَّ المَقْصُودُ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ عائِدٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ ومَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ المُرادُ بِهِ الشّافِعُ، قالَ: ذَلِكُ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْهِ والمَعْنى لا تَنْفَعُ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في أنْ تَشْفَعَ لَهُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي ما بَيْنَ أيْدِي المَلائِكَةِ كَما قالَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وفِيهِ تَقْرِيعٌ لِمَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ لِيَشْفَعُوا لَهُ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ ما كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ المَلائِكَةَ وما كانَ مِنهم بَعْدَ خَلْقِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مِن أمْرِ الآخِرَةِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمْرِ الدُّنْيا. وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مَن أمْرِ الدُّنْيا والأعْمالِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمْرِ الآخِرَةِ والثَّوابِ والعِقابِ. وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ: يَعْلَمُ ما مَضى وما بَقِيَ ومَتى تَكُونُ القِيامَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِي العِبادِ وما خَلْفَهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ أيِ العِبادُ لا يُحِيطُونَ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم
صفحة ١٠٤
عِلْمًا. الثّانِي: المُرادُ لا يُحِيطُونَ بِاللَّهِ عِلْمًا والأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ والأقْرَبُ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ . وثانِيهِما: أنَّهُ تَعالى أوْرَدَ ذَلِكَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ لِيُعْلَمَ أنَّ سائِرَ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ وما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ المُجازاةَ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى.
طه 20:109
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: خَشَعَتِ الأصْواتُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ وخَضَعَتْ وخَفِيَتْ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا وهو الذِّكْرُ الخَفِيُّ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وقَدْ عَلِمَ الإنْسُ والجِنُّ بِأنْ لا مالِكَ لَهم سِواهُ فَلا يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ يَزِيدُ عَلى الهَمْسِ وهو أخْفى الصَّوْتِ ويَكادُ يَكُونُ كَلامًا يُفْهَمُ بِتَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ لِضَعْفِهِ، وحُقَّ لِمَن كانَ اللَّهُ مُحاسِبَهُ أنْ يَخْشَعَ طَرْفُهُ ويَضْعُفَ صَوْتُهُ ويَخْتَلِطَ قَوْلُهُ ويَطُولَ غَمُّهُ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ،
صفحة ١٠٣
فالمَعْنى أنَّهُ لا تَسْمَعُ إلّا خَفْقَ الأقْدامِ ونَقْلَها إلى المَحْشَرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَن يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا ومَنصُوبًا فالرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الشَّفاعَةِ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا شَفاعَةُ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ. والنَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وأقُولُ: الِاحْتِمالُ الثّانِي أوْلى لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الأوَّلَ يَحْتاجُ فِيهِ إلى الإضْمارِ وتَغْيِيرِ الأعْرابِ، والثّانِي: لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن يَشْفَعُ بِها والِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ إلّا شَخْصًا مَرْضِيًّا. والثّالِثُ: وهو أنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ دَرَجَةَ الشّافِعِ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ فَهي لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيها وكانَ عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيًّا، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ صارَتْ جارِيَةً مَجْرى إيضاحِ الواضِحاتِ، أمّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى المَشْفُوعِ لَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيضاحَ الواضِحاتِ فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المُعْتَزِلَةُ قالُوا: الفاسِقُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَوَجَبَ أنْ لا يَشْفَعَ الرَّسُولُ في حَقِّهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المَشْفُوعَ لَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ في حَقِّ الفُسّاقِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ يَكْفِي في صِدْقِهِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا واحِدًا مِن أقْوالِهِ، والفاسِقُ قَدِ ارْتَضى اللَّهُ تَعالى قَوْلًا واحِدًا مِن أقْوالِهِ وهو: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الشَّفاعَةُ نافِعَةً لَهُ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى عَنْ ذَلِكَ النَّفْيِ بِشَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: حُصُولُ الإذْنِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَدْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا، فَهَبْ أنَّ الفاسِقَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ أحَدُ الشَّرْطَيْنِ وهو أنَّهُ تَعالى قَدْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ أذِنَ فِيهِ، وهَذا أوَّلُ المَسْألَةِ قُلْنا: هَذا القَيْدُ وهو أنَّهُ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا كافٍ في حُصُولِ الِاسْتِثْناءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٨] فاكْتَفى هُناكَ بِهَذا القَيْدِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإذْنِ فَظَهَرَ مِن مَجْمُوعِهِما أنَّهُ إذا رَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَحْصُلُ الإذْنُ في الشَّفاعَةِ، وإذا حَصَلَ القَيْدانِ حَصَلَ الِاسْتِثْناءُ وتَمَّ المَقْصُودُ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ عائِدٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ ومَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ المُرادُ بِهِ الشّافِعُ، قالَ: ذَلِكُ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْهِ والمَعْنى لا تَنْفَعُ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في أنْ تَشْفَعَ لَهُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي ما بَيْنَ أيْدِي المَلائِكَةِ كَما قالَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وفِيهِ تَقْرِيعٌ لِمَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ لِيَشْفَعُوا لَهُ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ ما كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ المَلائِكَةَ وما كانَ مِنهم بَعْدَ خَلْقِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مِن أمْرِ الآخِرَةِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمْرِ الدُّنْيا. وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مَن أمْرِ الدُّنْيا والأعْمالِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمْرِ الآخِرَةِ والثَّوابِ والعِقابِ. وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ: يَعْلَمُ ما مَضى وما بَقِيَ ومَتى تَكُونُ القِيامَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِي العِبادِ وما خَلْفَهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ أيِ العِبادُ لا يُحِيطُونَ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم
صفحة ١٠٤
عِلْمًا. الثّانِي: المُرادُ لا يُحِيطُونَ بِاللَّهِ عِلْمًا والأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ والأقْرَبُ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ . وثانِيهِما: أنَّهُ تَعالى أوْرَدَ ذَلِكَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ لِيُعْلَمَ أنَّ سائِرَ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ وما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ المُجازاةَ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى.
طه 20:110
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: خَشَعَتِ الأصْواتُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ وخَضَعَتْ وخَفِيَتْ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا وهو الذِّكْرُ الخَفِيُّ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وقَدْ عَلِمَ الإنْسُ والجِنُّ بِأنْ لا مالِكَ لَهم سِواهُ فَلا يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ يَزِيدُ عَلى الهَمْسِ وهو أخْفى الصَّوْتِ ويَكادُ يَكُونُ كَلامًا يُفْهَمُ بِتَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ لِضَعْفِهِ، وحُقَّ لِمَن كانَ اللَّهُ مُحاسِبَهُ أنْ يَخْشَعَ طَرْفُهُ ويَضْعُفَ صَوْتُهُ ويَخْتَلِطَ قَوْلُهُ ويَطُولَ غَمُّهُ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ،
صفحة ١٠٣
فالمَعْنى أنَّهُ لا تَسْمَعُ إلّا خَفْقَ الأقْدامِ ونَقْلَها إلى المَحْشَرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَن يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا ومَنصُوبًا فالرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الشَّفاعَةِ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا شَفاعَةُ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ. والنَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وأقُولُ: الِاحْتِمالُ الثّانِي أوْلى لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الأوَّلَ يَحْتاجُ فِيهِ إلى الإضْمارِ وتَغْيِيرِ الأعْرابِ، والثّانِي: لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن يَشْفَعُ بِها والِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ إلّا شَخْصًا مَرْضِيًّا. والثّالِثُ: وهو أنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ دَرَجَةَ الشّافِعِ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ فَهي لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيها وكانَ عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيًّا، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ صارَتْ جارِيَةً مَجْرى إيضاحِ الواضِحاتِ، أمّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى المَشْفُوعِ لَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيضاحَ الواضِحاتِ فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المُعْتَزِلَةُ قالُوا: الفاسِقُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَوَجَبَ أنْ لا يَشْفَعَ الرَّسُولُ في حَقِّهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المَشْفُوعَ لَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ في حَقِّ الفُسّاقِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ يَكْفِي في صِدْقِهِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا واحِدًا مِن أقْوالِهِ، والفاسِقُ قَدِ ارْتَضى اللَّهُ تَعالى قَوْلًا واحِدًا مِن أقْوالِهِ وهو: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الشَّفاعَةُ نافِعَةً لَهُ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى عَنْ ذَلِكَ النَّفْيِ بِشَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: حُصُولُ الإذْنِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَدْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا، فَهَبْ أنَّ الفاسِقَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ أحَدُ الشَّرْطَيْنِ وهو أنَّهُ تَعالى قَدْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ أذِنَ فِيهِ، وهَذا أوَّلُ المَسْألَةِ قُلْنا: هَذا القَيْدُ وهو أنَّهُ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا كافٍ في حُصُولِ الِاسْتِثْناءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٨] فاكْتَفى هُناكَ بِهَذا القَيْدِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإذْنِ فَظَهَرَ مِن مَجْمُوعِهِما أنَّهُ إذا رَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَحْصُلُ الإذْنُ في الشَّفاعَةِ، وإذا حَصَلَ القَيْدانِ حَصَلَ الِاسْتِثْناءُ وتَمَّ المَقْصُودُ.
* * *
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ عائِدٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ ومَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ المُرادُ بِهِ الشّافِعُ، قالَ: ذَلِكُ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْهِ والمَعْنى لا تَنْفَعُ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في أنْ تَشْفَعَ لَهُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي ما بَيْنَ أيْدِي المَلائِكَةِ كَما قالَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وفِيهِ تَقْرِيعٌ لِمَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ لِيَشْفَعُوا لَهُ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ ما كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ المَلائِكَةَ وما كانَ مِنهم بَعْدَ خَلْقِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مِن أمْرِ الآخِرَةِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمْرِ الدُّنْيا. وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مَن أمْرِ الدُّنْيا والأعْمالِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمْرِ الآخِرَةِ والثَّوابِ والعِقابِ. وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ: يَعْلَمُ ما مَضى وما بَقِيَ ومَتى تَكُونُ القِيامَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِي العِبادِ وما خَلْفَهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ أيِ العِبادُ لا يُحِيطُونَ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم
صفحة ١٠٤
عِلْمًا. الثّانِي: المُرادُ لا يُحِيطُونَ بِاللَّهِ عِلْمًا والأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ والأقْرَبُ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ . وثانِيهِما: أنَّهُ تَعالى أوْرَدَ ذَلِكَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ لِيُعْلَمَ أنَّ سائِرَ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ وما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ المُجازاةَ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى.
طه 20:111
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ ومَعْناهُ أنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَعْنُو الوُجُوهُ أيْ تَذِلُّ ويَصِيرُ المُلْكُ والقَهْرُ لِلَّهِ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ، ومِن لَفْظِ العَنْوِ أخَذُوا العانِي وهو الأسِيرُ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو عَناءً إذا صارَ أسِيرًا وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الوُجُوهُ﴾ وأرادَ بِهِ المُكَلَّفِينَ أنْفُسَهم؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَنَتِ﴾ مِن صِفاتِ المُكَلَّفِينَ لا مِن صِفاتِ الوُجُوهِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشِيَةِ:٨ - ٩] وإنَّما خَصَّ الوُجُوهَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الخُضُوعَ بِها يَبِينُ وفِيها يَظْهَرُ، وتَفْسِيرُ ”الحَيِّ القَيُّومِ“ قَدْ تَقَدَّمَ، ورَوى أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«اطْلُبُوا اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ في هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثَةِ: البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ وطه» “ . قالَ الرّاوِي: فَوَجَدْنا المُشْتَرِكَ في السُّوَرِ الثَّلاثِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى عَلى وجْهِ التَّحْذِيرِ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لا يَصِحُّ الِامْتِناعُ مِمّا يَنْزِلُ بِالمَرْءِ مِنَ المُجازاةِ، وأنَّ حالَهُ مُخالِفَةٌ لِحالِ الدُّنْيا الَّتِي يَخْتارُ فِيها المَعاصِيَ ويَمْتَنِعُ مِنَ الطّاعاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ فالمُرادُ بِالخَيْبَةِ الحِرْمانُ، أيْ حُرِمَ الثَّوابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا، والمُرادُ بِهِ مَن وافى بِالظُّلْمِ ولَمْ يَتُبْ عَنْهُ، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في المَنعِ مِنَ العَفْوِ فَقالُوا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بِالخَيْبَةِ، والعَفْوُ يُنافِيهِ، والكَلامُ عَلى عُمُوماتِ الوَعِيدِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ خَتَمَ الكَلامَ فِيها بِشَرْحِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ يَعْنِي ومَن يَعْمَلْ شَيْئًا مِنَ الصّالِحاتِ، والمُرادُ بِهِ الفَرائِضُ فَكانَ عَمَلُهُ مَقْرُونًا بِالإيمانِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ [طه: ٧٥] فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَخافُ﴾ في مَوْضِعِ جَزْمٍ لِكَوْنِهِ في مَوْضِعِ جَوابِ الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ فَهو لا يَخافُ ونَظِيرُهُ: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائِدَةِ: ٩٥]، ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ [الجِنِّ: ١٣] وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: فَلا يَخَفْ عَلى النَّهْيِ وهو حَسَنٌ لِأنَّ المَعْنى فَلْيَأْمَن، والنَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ أمْرٌ بِالأمْنِ، والظُّلْمُ هو أنْ يُعاقَبَ لا عَلى جَرِيمَةٍ أوْ يُمْنَعَ مِنَ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، والهَضْمُ أنْ يَنْقُصَ مِن ثَوابِهِ، والهَضِيمَةُ النَّقِيصَةُ ومِنهُ: هَضِيمُ الكَشْحِ أيْ ضامِرُ البَطْنِ، ومِنهُ: ﴿طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٤٨] أيْ لازِقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ومِنهُ انْهَضَمَ طَعامِي، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الظُّلْمُ أنْ يَنْقُصَ مِنَ الثَّوابِ، والهَضْمُ أنْ لا يُوَفّى حَقَّهُ مِنَ الإعْظامِ لِأنَّ الثَّوابَ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ اللَّذّاتِ لا يَكُونُ ثَوابًا إلّا إذا قارَنَهُ التَّعْظِيمُ، وقَدْ يَدْخُلُ النَّقْصُ في بَعْضِ الثَّوابِ ويَدْخُلُ فِيما يُقارِنُهُ مِنَ التَّعْظِيمِ فَنَفى اللَّهُ تَعالى عَنِ المُؤْمِنِينَ كِلا الأمْرَيْنِ.
طه 20:112
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ ومَعْناهُ أنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَعْنُو الوُجُوهُ أيْ تَذِلُّ ويَصِيرُ المُلْكُ والقَهْرُ لِلَّهِ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ، ومِن لَفْظِ العَنْوِ أخَذُوا العانِي وهو الأسِيرُ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو عَناءً إذا صارَ أسِيرًا وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الوُجُوهُ﴾ وأرادَ بِهِ المُكَلَّفِينَ أنْفُسَهم؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَنَتِ﴾ مِن صِفاتِ المُكَلَّفِينَ لا مِن صِفاتِ الوُجُوهِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشِيَةِ:٨ - ٩] وإنَّما خَصَّ الوُجُوهَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الخُضُوعَ بِها يَبِينُ وفِيها يَظْهَرُ، وتَفْسِيرُ ”الحَيِّ القَيُّومِ“ قَدْ تَقَدَّمَ، ورَوى أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«اطْلُبُوا اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ في هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثَةِ: البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ وطه» “ . قالَ الرّاوِي: فَوَجَدْنا المُشْتَرِكَ في السُّوَرِ الثَّلاثِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى عَلى وجْهِ التَّحْذِيرِ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لا يَصِحُّ الِامْتِناعُ مِمّا يَنْزِلُ بِالمَرْءِ مِنَ المُجازاةِ، وأنَّ حالَهُ مُخالِفَةٌ لِحالِ الدُّنْيا الَّتِي يَخْتارُ فِيها المَعاصِيَ ويَمْتَنِعُ مِنَ الطّاعاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ فالمُرادُ بِالخَيْبَةِ الحِرْمانُ، أيْ حُرِمَ الثَّوابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا، والمُرادُ بِهِ مَن وافى بِالظُّلْمِ ولَمْ يَتُبْ عَنْهُ، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في المَنعِ مِنَ العَفْوِ فَقالُوا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بِالخَيْبَةِ، والعَفْوُ يُنافِيهِ، والكَلامُ عَلى عُمُوماتِ الوَعِيدِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ خَتَمَ الكَلامَ فِيها بِشَرْحِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ يَعْنِي ومَن يَعْمَلْ شَيْئًا مِنَ الصّالِحاتِ، والمُرادُ بِهِ الفَرائِضُ فَكانَ عَمَلُهُ مَقْرُونًا بِالإيمانِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ [طه: ٧٥] فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَخافُ﴾ في مَوْضِعِ جَزْمٍ لِكَوْنِهِ في مَوْضِعِ جَوابِ الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ فَهو لا يَخافُ ونَظِيرُهُ: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائِدَةِ: ٩٥]، ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ [الجِنِّ: ١٣] وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: فَلا يَخَفْ عَلى النَّهْيِ وهو حَسَنٌ لِأنَّ المَعْنى فَلْيَأْمَن، والنَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ أمْرٌ بِالأمْنِ، والظُّلْمُ هو أنْ يُعاقَبَ لا عَلى جَرِيمَةٍ أوْ يُمْنَعَ مِنَ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، والهَضْمُ أنْ يَنْقُصَ مِن ثَوابِهِ، والهَضِيمَةُ النَّقِيصَةُ ومِنهُ: هَضِيمُ الكَشْحِ أيْ ضامِرُ البَطْنِ، ومِنهُ: ﴿طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٤٨] أيْ لازِقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ومِنهُ انْهَضَمَ طَعامِي، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الظُّلْمُ أنْ يَنْقُصَ مِنَ الثَّوابِ، والهَضْمُ أنْ لا يُوَفّى حَقَّهُ مِنَ الإعْظامِ لِأنَّ الثَّوابَ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ اللَّذّاتِ لا يَكُونُ ثَوابًا إلّا إذا قارَنَهُ التَّعْظِيمُ، وقَدْ يَدْخُلُ النَّقْصُ في بَعْضِ الثَّوابِ ويَدْخُلُ فِيما يُقارِنُهُ مِنَ التَّعْظِيمِ فَنَفى اللَّهُ تَعالى عَنِ المُؤْمِنِينَ كِلا الأمْرَيْنِ.
طه 20:113
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ ومَعْناهُ أنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَعْنُو الوُجُوهُ أيْ تَذِلُّ ويَصِيرُ المُلْكُ والقَهْرُ لِلَّهِ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ، ومِن لَفْظِ العَنْوِ أخَذُوا العانِي وهو الأسِيرُ، يُقالُ: عَنا يَعْنُو عَناءً إذا صارَ أسِيرًا وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الوُجُوهُ﴾ وأرادَ بِهِ المُكَلَّفِينَ أنْفُسَهم؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَنَتِ﴾ مِن صِفاتِ المُكَلَّفِينَ لا مِن صِفاتِ الوُجُوهِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشِيَةِ:٨ - ٩] وإنَّما خَصَّ الوُجُوهَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الخُضُوعَ بِها يَبِينُ وفِيها يَظْهَرُ، وتَفْسِيرُ ”الحَيِّ القَيُّومِ“ قَدْ تَقَدَّمَ، ورَوى أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«اطْلُبُوا اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ في هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثَةِ: البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ وطه» “ . قالَ الرّاوِي: فَوَجَدْنا المُشْتَرِكَ في السُّوَرِ الثَّلاثِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى عَلى وجْهِ التَّحْذِيرِ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لا يَصِحُّ الِامْتِناعُ مِمّا يَنْزِلُ بِالمَرْءِ مِنَ المُجازاةِ، وأنَّ حالَهُ مُخالِفَةٌ لِحالِ الدُّنْيا الَّتِي يَخْتارُ فِيها المَعاصِيَ ويَمْتَنِعُ مِنَ الطّاعاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ فالمُرادُ بِالخَيْبَةِ الحِرْمانُ، أيْ حُرِمَ الثَّوابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا، والمُرادُ بِهِ مَن وافى بِالظُّلْمِ ولَمْ يَتُبْ عَنْهُ، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في المَنعِ مِنَ العَفْوِ فَقالُوا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ يَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بِالخَيْبَةِ، والعَفْوُ يُنافِيهِ، والكَلامُ عَلى عُمُوماتِ الوَعِيدِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ خَتَمَ الكَلامَ فِيها بِشَرْحِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ يَعْنِي ومَن يَعْمَلْ شَيْئًا مِنَ الصّالِحاتِ، والمُرادُ بِهِ الفَرائِضُ فَكانَ عَمَلُهُ مَقْرُونًا بِالإيمانِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ [طه: ٧٥] فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَخافُ﴾ في مَوْضِعِ جَزْمٍ لِكَوْنِهِ في مَوْضِعِ جَوابِ الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ فَهو لا يَخافُ ونَظِيرُهُ: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائِدَةِ: ٩٥]، ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ [الجِنِّ: ١٣] وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: فَلا يَخَفْ عَلى النَّهْيِ وهو حَسَنٌ لِأنَّ المَعْنى فَلْيَأْمَن، والنَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ أمْرٌ بِالأمْنِ، والظُّلْمُ هو أنْ يُعاقَبَ لا عَلى جَرِيمَةٍ أوْ يُمْنَعَ مِنَ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، والهَضْمُ أنْ يَنْقُصَ مِن ثَوابِهِ، والهَضِيمَةُ النَّقِيصَةُ ومِنهُ: هَضِيمُ الكَشْحِ أيْ ضامِرُ البَطْنِ، ومِنهُ: ﴿طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٤٨] أيْ لازِقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ومِنهُ انْهَضَمَ طَعامِي، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الظُّلْمُ أنْ يَنْقُصَ مِنَ الثَّوابِ، والهَضْمُ أنْ لا يُوَفّى حَقَّهُ مِنَ الإعْظامِ لِأنَّ الثَّوابَ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ اللَّذّاتِ لا يَكُونُ ثَوابًا إلّا إذا قارَنَهُ التَّعْظِيمُ، وقَدْ يَدْخُلُ النَّقْصُ في بَعْضِ الثَّوابِ ويَدْخُلُ فِيما يُقارِنُهُ مِنَ التَّعْظِيمِ فَنَفى اللَّهُ تَعالى عَنِ المُؤْمِنِينَ كِلا الأمْرَيْنِ.
طه 20:114
صفحة ١٠٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ لا نَزالُ وعَلى نَهْجِهِ أنْزَلْنا القُرْآنَ كُلَّهُ، ثُمَّ وصَفَ القُرْآنَ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ عَرَبِيًّا لِتَفْهَمَهُ العَرَبُ فَيَقِفُوا عَلى إعْجازِهِ ونَظْمِهِ وخُرُوجِهِ عَنْ جِنْسِ كَلامِ البَشَرِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾ أيْ كَرَّرْناهُ وفَصَّلْناهُ. ويَدْخُلُ تَحْتَ الوَعِيدِ بَيانُ الفَرائِضِ والمَحارِمِ لِأنَّ الوَعِيدَ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ فَتَكْرِيرُهُ يَقْتَضِي بَيانَ الأحْكامِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ والمُرادُ اتِّقاءُ المُحَرَّماتِ وتَرْكُ الواجِباتِ ولَفْظُ لَعَلَّ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى إنّا إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ لِأجْلِ أنْ يَصِيرُوا مُتَّقِينَ أيْ مُحْتَرِزِينَ عَمّا لا يَنْبَغِي، أوْ يُحْدِثُ القُرْآنُ لَهم ذِكْرًا يَدْعُوهم إلى الطّاعاتِ وفِعْلِ ما يَنْبَغِي، وعَلَيْهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: القُرْآنُ كَيْفَ يَكُونُ مُحْدِثًا لِلذِّكْرِ ؟ الجَوابُ: لَمّا حَصَلَ الذِّكْرُ عِنْدَ قِراءَتِهِ أُضِيفَ الذِّكْرُ إلَيْهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ أُضِيفَ الذِّكْرُ إلى القُرْآنِ وما أُضِيفَتِ التَّقْوى إلَيْهِ ؟ الجَوابُ: أنَّ التَّقْوى عِبارَةٌ عَنْ أنْ لا يُفْعَلَ القَبِيحُ، وذَلِكَ اسْتِمْرارٌ عَلى العَدَمِ الأصْلِيِّ فَلَمْ يَجُزْ إسْنادُهُ إلى القُرْآنِ، أمّا حُدُوثُ الذِّكْرِ فَأمْرٌ حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَجازَتْ إضافَتُهُ إلى القُرْآنِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: كَلِمَةُ أوْ لِلْمُنافاةِ ولا مُنافاةَ بَيْنَ التَّقْوى وحُدُوثِ الذِّكْرِ بَلْ لا يَصِحُّ الِاتِّقاءُ إلّا مَعَ الذِّكْرِ فَما مَعْنى كَلِمَةِ أوْ ؟ الجَوابُ: هَذا كَقَوْلِهِمْ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ أيْ لا تَكُنْ خالِيًا مِنهُما فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ: إنّا أنْزَلْنا القُرْآنَ لِيَتَّقُوا فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُحْدِثَ القُرْآنُ لَهم ذِكْرًا وشَرَفًا وصِيتًا حَسَنًا، فَعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ إنْزالُهُ تَقْوى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ أمْرَ القُرْآنِ رَدَفَهُ بِأنْ عَظَّمَ نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ تَنْبِيهًا عَلى ما يَلْزَمُ خَلْقَهُ مِن تَعْظِيمِهِ وإنَّما وصْفُهُ بِالحَقِّ لِأنَّ مُلْكَهُ لا يَزُولُ ولا يَتَغَيَّرُ ولَيْسَ بِمُسْتَفادٍ مِن قِبَلِ الغَيْرِ ولا غَيْرُهُ أوْلى بِهِ فَلِهَذا وُصِفَ بِذَلِكَ، وتَعالى تَفاعَلَ مِنَ العُلُوِّ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ عُلُوَّهُ وعَظَمَتَهُ ورُبُوبِيَّتَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو اتِّصافُهُ بِنُعُوتِ الجَلالِ وأنَّهُ لا تَكْفِيهِ الأوْهامُ ولا تُقَدِّرُهُ العُقُولُ وهو مُنَزَّهٌ عَنِ المَنافِعِ والمَضارِّ فَهو تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَحْتَرِزُوا عَمّا لا يَنْبَغِي ولْيُقْدِمُوا عَلى ما يَنْبَغِي، وأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ التَّكَمُّلِ بِطاعاتِهِمْ والتَّضَرُّرِ بِمَعاصِيهِمْ، فالطّاعاتُ إنَّما تَقَعُ بِتَوْفِيقِهِ وتَيْسِيرِهِ، والمَعاصِي إنَّما تَقَعُ عَدْلًا مِنهُ، وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ وجْهانِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ إلى هَهُنا يَتِمُّ الكَلامُ ويَنْقَطِعُ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ خِطابٌ مُسْتَأْنَفٌ فَكَأنَّهُ قالَ: ويَسْألُونَكَ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ. الوَجْهُ الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَخافُ مِن أنْ يَفُوتَهُ مِنهُ شَيْءٌ فَيَقْرَأُ مَعَ المَلَكِ فَأمَرَهُ بِأنْ يَسْكُتَ حالَ قِراءَةِ المَلَكِ ثُمَّ يَأْخُذَ بَعْدَ فَراغِهِ في القِراءَةِ فَكَأنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةِ نَفْعِ القُرْآنِ لِلْمُكَلَّفِينَ، وبَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَعالٍ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي وأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالإحْسانِ والرَّحْمَةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَصُونَ رَسُولَهُ عَنِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ في أمْرِ الوَحْيِ، وإذْ حَصَلَ الأمانُ عَنِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ قالَ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ .
صفحة ١٠٦
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا تَعْجَلْ بِقِراءَتِهِ في نَفْسِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَعْجَلَ في تَأْدِيَتِهِ إلى غَيْرِكَ، ويَحْتَمِلُ في اعْتِقادِ ظاهِرِهِ، ويَحْتَمِلُ في تَعْرِيفِ الغَيْرِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ تَمامُهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ بَيانُهُ، لِأنَّ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُما إلّا بِالوَحْيِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُنْهى عَنْ قِراءَتِهِ لِكَيْ يَحْفَظَهُ ويُؤَدِّيَهُ فالمُرادُ إذَنْ أنْ لا يَبْعَثَ نَفْسَهُ ولا يَبْعَثَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ بِالوَحْيِ تَمامُهُ أوْ بَيانُهُ أوْ هُما جَمِيعًا، لِأنَّهُ يَجِبُ التَّوَقُّفُ في مَعْنى الكَلامِ ما لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ الفَراغُ لِما يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ مِنِ اسْتِثْناءٍ أوْ شَرْطٍ أوْ غَيْرِهِما مِنَ المُخَصَّصاتِ فَهَذا هو التَّحْقِيقُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ. ولْنَذْكُرْ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ: أحَدُها: أنَّ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القِيامَةِ: ١٦] وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْرِصُ عَلى أخْذِ القُرْآنِ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَعْجَلُ بِقِراءَتِهِ قَبْلَ اسْتِتْمامِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ النِّسْيانِ فَقِيلَ لَهُ: لا تَعْجَلْ إلى أنْ يَسْتَتِمَّ وحْيُهُ فَيَكُونَ أخَذُكَ إيّاهُ عَنْ تَثَبُّتٍ وسُكُونٍ واللَّهُ تَعالى يَزِيدُكَ فَهْمًا وعِلْمًا، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ والسُّدِّيِّ، ورَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وثانِيها: لا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ فَتَقْرَأهُ عَلى أصْحابِكَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْكَ بَيانُ مَعانِيهِ، وهَذا قَوْلُمُجاهِدٍ وقَتادَةَ. وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ: «إنَّ أهْلَ مَكَّةَ وأُسْقُفَّ نَجْرانَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا عَنْ كَذا وكَذا وقَدْ ضَرَبْنا لَكَ أجَلًا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَأبْطَأ الوَحْيُ عَلَيْهِ، وفَشَتِ المَقالَةُ بِأنَّ اليَهُودَ قَدْ غَلَبُوا مُحَمَّدًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ»﴾ ) أيْ بِنُزُولِهِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى إسْرافِيلَ ومِنهُ إلى جِبْرِيلَ ومِنهُ إلَيْكَ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ . ورابِعُها: رَوى الحَسَنُ «أنَّ امْرَأةً أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: زَوْجِي لَطَمَ وجْهِي فَقالَ: بَيْنَكُما القِصاصُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ فَأمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ القِصاصِ حَتّى نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ»﴾ [النِّساءِ: ٣٤] وهَذا بَعِيدٌ والِاعْتِمادُ عَلى التَّفْصِيلِ الأوَّلِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِالفَزَعِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في زِيادَةِ العِلْمِ الَّتِي تَظْهَرُ بِتَمامِ القُرْآنِ أوْ بَيانِ ما نَزَلَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الِاسْتِعْجالُ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ إنْ كانَ فَعَلَهُ بِالوَحْيِ فَكَيْفَ نُهِيَ عَنْهُ ؟ الجَوابُ: لَعَلَّهُ فَعَلَهُ بِالِاجْتِهادِ، وكانَ الأوْلى تَرْكَهُ، فَلِهَذا نُهِيَ عَنْهُ.
طه 20:115
صفحة ١٠٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ لا نَزالُ وعَلى نَهْجِهِ أنْزَلْنا القُرْآنَ كُلَّهُ، ثُمَّ وصَفَ القُرْآنَ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ عَرَبِيًّا لِتَفْهَمَهُ العَرَبُ فَيَقِفُوا عَلى إعْجازِهِ ونَظْمِهِ وخُرُوجِهِ عَنْ جِنْسِ كَلامِ البَشَرِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾ أيْ كَرَّرْناهُ وفَصَّلْناهُ. ويَدْخُلُ تَحْتَ الوَعِيدِ بَيانُ الفَرائِضِ والمَحارِمِ لِأنَّ الوَعِيدَ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ فَتَكْرِيرُهُ يَقْتَضِي بَيانَ الأحْكامِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ والمُرادُ اتِّقاءُ المُحَرَّماتِ وتَرْكُ الواجِباتِ ولَفْظُ لَعَلَّ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى إنّا إنَّما أنْزَلْنا القُرْآنَ لِأجْلِ أنْ يَصِيرُوا مُتَّقِينَ أيْ مُحْتَرِزِينَ عَمّا لا يَنْبَغِي، أوْ يُحْدِثُ القُرْآنُ لَهم ذِكْرًا يَدْعُوهم إلى الطّاعاتِ وفِعْلِ ما يَنْبَغِي، وعَلَيْهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: القُرْآنُ كَيْفَ يَكُونُ مُحْدِثًا لِلذِّكْرِ ؟ الجَوابُ: لَمّا حَصَلَ الذِّكْرُ عِنْدَ قِراءَتِهِ أُضِيفَ الذِّكْرُ إلَيْهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ أُضِيفَ الذِّكْرُ إلى القُرْآنِ وما أُضِيفَتِ التَّقْوى إلَيْهِ ؟ الجَوابُ: أنَّ التَّقْوى عِبارَةٌ عَنْ أنْ لا يُفْعَلَ القَبِيحُ، وذَلِكَ اسْتِمْرارٌ عَلى العَدَمِ الأصْلِيِّ فَلَمْ يَجُزْ إسْنادُهُ إلى القُرْآنِ، أمّا حُدُوثُ الذِّكْرِ فَأمْرٌ حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَجازَتْ إضافَتُهُ إلى القُرْآنِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: كَلِمَةُ أوْ لِلْمُنافاةِ ولا مُنافاةَ بَيْنَ التَّقْوى وحُدُوثِ الذِّكْرِ بَلْ لا يَصِحُّ الِاتِّقاءُ إلّا مَعَ الذِّكْرِ فَما مَعْنى كَلِمَةِ أوْ ؟ الجَوابُ: هَذا كَقَوْلِهِمْ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ أيْ لا تَكُنْ خالِيًا مِنهُما فَكَذا هَهُنا. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ: إنّا أنْزَلْنا القُرْآنَ لِيَتَّقُوا فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُحْدِثَ القُرْآنُ لَهم ذِكْرًا وشَرَفًا وصِيتًا حَسَنًا، فَعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ إنْزالُهُ تَقْوى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ أمْرَ القُرْآنِ رَدَفَهُ بِأنْ عَظَّمَ نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ تَنْبِيهًا عَلى ما يَلْزَمُ خَلْقَهُ مِن تَعْظِيمِهِ وإنَّما وصْفُهُ بِالحَقِّ لِأنَّ مُلْكَهُ لا يَزُولُ ولا يَتَغَيَّرُ ولَيْسَ بِمُسْتَفادٍ مِن قِبَلِ الغَيْرِ ولا غَيْرُهُ أوْلى بِهِ فَلِهَذا وُصِفَ بِذَلِكَ، وتَعالى تَفاعَلَ مِنَ العُلُوِّ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ عُلُوَّهُ وعَظَمَتَهُ ورُبُوبِيَّتَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو اتِّصافُهُ بِنُعُوتِ الجَلالِ وأنَّهُ لا تَكْفِيهِ الأوْهامُ ولا تُقَدِّرُهُ العُقُولُ وهو مُنَزَّهٌ عَنِ المَنافِعِ والمَضارِّ فَهو تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَحْتَرِزُوا عَمّا لا يَنْبَغِي ولْيُقْدِمُوا عَلى ما يَنْبَغِي، وأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ التَّكَمُّلِ بِطاعاتِهِمْ والتَّضَرُّرِ بِمَعاصِيهِمْ، فالطّاعاتُ إنَّما تَقَعُ بِتَوْفِيقِهِ وتَيْسِيرِهِ، والمَعاصِي إنَّما تَقَعُ عَدْلًا مِنهُ، وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ وجْهانِ. الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ إلى هَهُنا يَتِمُّ الكَلامُ ويَنْقَطِعُ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ خِطابٌ مُسْتَأْنَفٌ فَكَأنَّهُ قالَ: ويَسْألُونَكَ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ. الوَجْهُ الثّانِي: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَخافُ مِن أنْ يَفُوتَهُ مِنهُ شَيْءٌ فَيَقْرَأُ مَعَ المَلَكِ فَأمَرَهُ بِأنْ يَسْكُتَ حالَ قِراءَةِ المَلَكِ ثُمَّ يَأْخُذَ بَعْدَ فَراغِهِ في القِراءَةِ فَكَأنَّهُ تَعالى شَرَحَ كَيْفِيَّةِ نَفْعِ القُرْآنِ لِلْمُكَلَّفِينَ، وبَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَعالٍ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي وأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالإحْسانِ والرَّحْمَةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَصُونَ رَسُولَهُ عَنِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ في أمْرِ الوَحْيِ، وإذْ حَصَلَ الأمانُ عَنِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ قالَ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ .
صفحة ١٠٦
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا تَعْجَلْ بِقِراءَتِهِ في نَفْسِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَعْجَلَ في تَأْدِيَتِهِ إلى غَيْرِكَ، ويَحْتَمِلُ في اعْتِقادِ ظاهِرِهِ، ويَحْتَمِلُ في تَعْرِيفِ الغَيْرِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ تَمامُهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ بَيانُهُ، لِأنَّ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُما إلّا بِالوَحْيِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُنْهى عَنْ قِراءَتِهِ لِكَيْ يَحْفَظَهُ ويُؤَدِّيَهُ فالمُرادُ إذَنْ أنْ لا يَبْعَثَ نَفْسَهُ ولا يَبْعَثَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ بِالوَحْيِ تَمامُهُ أوْ بَيانُهُ أوْ هُما جَمِيعًا، لِأنَّهُ يَجِبُ التَّوَقُّفُ في مَعْنى الكَلامِ ما لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ الفَراغُ لِما يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ مِنِ اسْتِثْناءٍ أوْ شَرْطٍ أوْ غَيْرِهِما مِنَ المُخَصَّصاتِ فَهَذا هو التَّحْقِيقُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ. ولْنَذْكُرْ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ: أحَدُها: أنَّ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القِيامَةِ: ١٦] وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْرِصُ عَلى أخْذِ القُرْآنِ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَعْجَلُ بِقِراءَتِهِ قَبْلَ اسْتِتْمامِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ النِّسْيانِ فَقِيلَ لَهُ: لا تَعْجَلْ إلى أنْ يَسْتَتِمَّ وحْيُهُ فَيَكُونَ أخَذُكَ إيّاهُ عَنْ تَثَبُّتٍ وسُكُونٍ واللَّهُ تَعالى يَزِيدُكَ فَهْمًا وعِلْمًا، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ والسُّدِّيِّ، ورَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وثانِيها: لا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ فَتَقْرَأهُ عَلى أصْحابِكَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْكَ بَيانُ مَعانِيهِ، وهَذا قَوْلُمُجاهِدٍ وقَتادَةَ. وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ: «إنَّ أهْلَ مَكَّةَ وأُسْقُفَّ نَجْرانَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنا عَنْ كَذا وكَذا وقَدْ ضَرَبْنا لَكَ أجَلًا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَأبْطَأ الوَحْيُ عَلَيْهِ، وفَشَتِ المَقالَةُ بِأنَّ اليَهُودَ قَدْ غَلَبُوا مُحَمَّدًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ»﴾ ) أيْ بِنُزُولِهِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى إسْرافِيلَ ومِنهُ إلى جِبْرِيلَ ومِنهُ إلَيْكَ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ . ورابِعُها: رَوى الحَسَنُ «أنَّ امْرَأةً أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: زَوْجِي لَطَمَ وجْهِي فَقالَ: بَيْنَكُما القِصاصُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ فَأمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ القِصاصِ حَتّى نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ»﴾ [النِّساءِ: ٣٤] وهَذا بَعِيدٌ والِاعْتِمادُ عَلى التَّفْصِيلِ الأوَّلِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهُ بِالفَزَعِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في زِيادَةِ العِلْمِ الَّتِي تَظْهَرُ بِتَمامِ القُرْآنِ أوْ بَيانِ ما نَزَلَ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الِاسْتِعْجالُ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ إنْ كانَ فَعَلَهُ بِالوَحْيِ فَكَيْفَ نُهِيَ عَنْهُ ؟ الجَوابُ: لَعَلَّهُ فَعَلَهُ بِالِاجْتِهادِ، وكانَ الأوْلى تَرْكَهُ، فَلِهَذا نُهِيَ عَنْهُ.
طه 20:116
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو المَرَّةُ السّادِسَةُ مِن قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في القُرْآنِ: أوَّلُها في سُورَةِ البَقَرَةِ ثُمَّ في الأعْرافِ
صفحة ١٠٧
ثُمَّ في الحِجْرِ ثُمَّ في الإسْراءِ ثُمَّ في الكَهْفِ، ثُمَّ هَهُنا. واعْلَمْ أنَّ في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] ثُمَّ إنَّهُ عَظَّمَ أمْرَ القُرْآنِ وبالَغَ فِيهِ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ إنْجازًا لِلْوَعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ . وثانِيها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ أرْدَفَهُ بِقِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ طاعَةَ بَنِي آدَمَ لِلشَّيْطانِ وتَرْكَهُمُ التَّحَفُّظَ مِن وساوِسِهِ أمْرٌ قَدِيمٌ، فَإنّا قَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ، أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَرَّفْنا لَهُمُ الوَعِيدَ وبالَغْنا في تَنْبِيهِهِ حَيْثُ قُلْنا: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ نَسِيَ وتَرَكَ ذَلِكَ العَهْدَ، فَأمْرُ البَشَرِ في تَرْكِ التَّحَفُّظِ مِنَ الشَّيْطانِ أمْرٌ قَدِيمٌ. وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ بَعْدَما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ وبالَغَ في تَجْدِيدِ العَهْدِ وتَحْذِيرِهِ مِنَ العَدُوِّ نَسِيَ، فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى ضَعْفِ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ عَنِ التَّحَفُّظِ فَيَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى الِاسْتِعانَةِ بِرَبِّهِ في أنْ يُوَفِّقَهُ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ ويُجَنِّبَهُ عَنِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ. ورابِعُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ في الجِدِّ في أمْرِ الدِّينِ بِحَيْثُ زادَ عَلى قَدْرِ الواجِبِ، فَلَمّا وصَفَهُ بِالإفْراطِ وصَفَ آدَمَ بِالتَّفْرِيطِ في ذَلِكَ فَإنَّهُ تَساهَلَ في ذَلِكَ ولَمْ يَتَحَفَّظْ حَتّى نَسِيَ، فَوَصَفَ الأوَّلَ بِالتَّفْرِيطِ والآخَرَ بِالإفْراطِ لِيُعْلِمَ أنَّ البَشَرَ لا يَنْفَكُّ عَنْ نَوْعِ زَلَّةٍ. وخامِسُها: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ ضاقَ قَلْبُهُ وقالَ في نَفْسِهِ: لَوْلا أنِّي أقْدَمْتُ عَلى ما لا يَنْبَغِي وإلّا لَما نُهِيتُ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ: إنْ كُنْتَ فَعَلْتَ ما نُهِيتَ عَنْهُ فَإنَّما فَعَلْتَهُ حِرْصًا مِنكَ عَلى العِبادَةِ، وحِفْظًا لِأداءِ الوَحْيِ وإنَّ أباكَ أقْدَمَ عَلى ما لا يَنْبَغِي لِلتَّساهُلِ وتَرَكَ التَّحَفُّظَ فَكانَ أمْرُكَ أحْسَنَ مِن أمْرِهِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ﴾ فَلا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِالعَهْدِ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ نَهْيٌ مِنهُ كَما يُقالُ في أوامِرِ المُلُوكِ ووَصاياهم أشارَ المَلِكُ إلَيْهِ وعَهِدَ إلَيْهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: عَهِدْنا إلَيْهِ أنْ لا يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ولا يَقْرَبَها، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ وُجُوهٌ، أحَدُها: مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَرَّفْنا لَهُمُ الوَعِيدَ في القُرْآنِ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ عَهِدْنا إلَيْهِ أنْ لا يَأْكُلَ مِنها. وثالِثُها: أيْ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَسِيَ﴾ فَقَدْ تَكَلَّمْنا فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونُعِيدُ هَهُنا مِنهُ شَيْئًا قَلِيلًا، وفي النِّسْيانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ ما هو نَقِيضُ الذِّكْرِ، وإنَّما عُوتِبَ عَلى تَرْكِ التَّحَفُّظِ والمُبالَغَةِ في الضَّبْطِ حَتّى تَوَلَّدَ مِنهُ النِّسْيانُ، وكانَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: واللَّهِ ما عَصى قَطُّ إلّا بِنِسْيانٍ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنِّسْيانِ التَّرْكُ وأنَّهُ تَرَكَ ما عُهِدَ إلَيْهِ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنِ الشَّجَرَةِ وأكَلَ مِن ثَمَرَتِها، وقُرِئَ (فَنُسِّيَ) أيْ فَنَسّاهُ الشَّيْطانُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وأنْ يُقالَ: أقْدَمَ عَلَيْها مَعَ التَّأْوِيلِ، والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الوُجُودُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العِلْمِ ومِنهُ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وأنْ يَكُونَ نَقِيضَ العَدَمِ كَأنَّهُ قالَ: وعَدِمْنا لَهُ عَزْمًا.
البَحْثُ الثّانِي: العَزْمُ هو التَّصْمِيمُ والتَّصَلُّبُ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ يَحْتَمِلُ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى القِيامِ عَلى المَعْصِيَةِ فَيَكُونُ إلى المَدْحِ أقْرَبَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى تَرْكِ المَعْصِيَةِ، أوْ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى التَّحَفُّظِ والِاحْتِرازِ عَنِ الغَفْلَةِ، أوْ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا عَلى الِاحْتِياطِ في كَيْفِيَّةِ الِاجْتِهادِ إذا قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أخْطَأ بِالِاجْتِهادِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾
صفحة ١٠٨
فَهَذا يَشْتَمِلُ عَلى مَسائِلَ: إحْداها: أنَّ المَأْمُورِينَ كُلُّ المَلائِكَةِ أوْ بَعْضُهم. وثانِيَتُها: أنَّهُ ما مَعْنى السُّجُودِ. وثالِثَتُها: أنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا ؟ وإنْ لَمْ يَكُنْ فَكَيْفَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ وبِأيِّ شَيْءٍ صارَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ ؟ . ورابِعَتُها: أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ أفْضَلُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ أمْ لا ؟ . وخامِسَتُها: أنَّ قَوْلَهُ في صِفَةِ إبْلِيسَ أنَّهُ أبى كَيْفَ لَزِمَ الكُفْرَ مِن ذَلِكَ الإباءِ وأنَّهُ هَلْ كانَ كافِرًا ابْتِداءً أوْ كَفَرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسائِلَ مَرَّتْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: ما سَبَبُ تِلْكَ العَداوَةِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ إبْلِيسَ كانَ حَسُودًا فَلَمّا رَأى آثارَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَدَهُ فَصارَ عَدُوًّا لَهُ. وثانِيها: أنَّ آدَمَ كانَ شابًّا عالِمًا لِقَوْلِهِ: وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها، وإبْلِيسَ كانَ شَيْخًا جاهِلًا لِأنَّهُ أثْبَتَ فَضْلَهُ بِفَضِيلَةِ أصْلِهِ وذَلِكَ جَهْلٌ، والشَّيْخُ الجاهِلُ أبَدًا يَكُونُ عَدُوًّا لِلشّابِّ العالِمِ. وثالِثُها: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ وآدَمَ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ والتُّرابِ فَبَيْنَ أصْلَيْهِما عَداوَةٌ فَبَقِيَتْ تِلْكَ العَداوَةُ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ﴾ مَعَ أنَّ المُخْرِجَ لَهُما مِنَ الجَنَّةِ هو اللَّهُ تَعالى ؟ الجَوابُ: لَمّا كانَ بِوَسْوَسَتِهِ هو الَّذِي فَعَلَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الخُرُوجُ صَحَّ ذَلِكَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ أُسْنِدَ إلى آدَمَ وحْدَهُ فِعْلُ الشَّقاءِ دُونَ حَوّاءَ مَعَ اشْتِراكِهِما في الفِعْلِ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ في ضِمْنِ شَقاءِ الرَّجُلِ وهو قَيِّمُ أهْلِهِ وأمِيرُهم شَقاءَهم، كَما أنَّ في ضِمْنِ سَعادَتِهِ سَعادَتَهم، فاخْتَصَّ الكَلامُ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ دُونَها مَعَ المُحافَظَةِ عَلى رِعايَةِ الفاصِلَةِ. الثّانِي: أُرِيدَ بِالشَّقاءِ التَّعَبُ في طَلَبِ القُوتِ وذَلِكَ عَلى الرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ، ورُوِيَ أنَّهُ أُهْبِطَ إلى آدَمَ ثَوْرٌ أحْمَرُ وكانَ يَحْرُثُ عَلَيْهِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ وأنَّكَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ ووَجْهُ الفَتْحِ العَطْفُ عَلى أنْ لا تَجُوعَ فِيها، فَإنْ قِيلَ: ”أنْ“ لا تَدْخُلُ عَلى أنَّ فَلا يُقالُ: أنْ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ والواوُ نائِبَةٌ عَنْ أنَّ وقائِمَةٌ مَقامَها فَلِمَ أُدْخِلَتْ عَلَيْها ؟ قُلْنا: الواوُ لَمْ تُوضَعْ لِتَكُونَ أبَدًا نائِبَةً عَنْ أنَّ، إنَّما هي نائِبَةٌ عَنْ كُلِّ عامِلٍ، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ حَرْفًا مَوْضُوعًا لِلتَّحْقِيقِ خاصَّةً كانَ لَمْ يَمْتَنِعِ اجْتِماعُهُما كَما امْتَنَعَ اجْتِماعُ أنْ وأنَّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الشِّبَعُ والرِّيُّ والكُسْوَةُ والِاكْتِنانُ في الظِّلِّ هي الأقْطابُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ الإنْسانِ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى حُصُولَ هَذِهِ الأشْياءِ لَهُ في الجَنَّةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الكَسْبِ والطَّلَبِ وذَكَرَها بِلَفْظِ النَّفْيِ لِأضْدادِها الَّتِي هي الجُوعُ والعُرْيُ والظَّمَأُ والضُّحى لِيَطْرُقَ سَمْعُهُ شَيْئًا مِن أصْنافِ الشِّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ مِنها حَتّى يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي يُوقِعُهُ فِيها، وهَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها كَأنَّها تَفْسِيرُ الشَّقاءِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَشْقى﴾ .