Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الأنبياء 21:84 – الأنبياء 21:112

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الأنبياء 21:84
  2. الأنبياء 21:85
  3. الأنبياء 21:86
  4. الأنبياء 21:87
  5. الأنبياء 21:88
  6. الأنبياء 21:89
  7. الأنبياء 21:90
  8. الأنبياء 21:91
  9. الأنبياء 21:92
  10. الأنبياء 21:93
  11. الأنبياء 21:94
  12. الأنبياء 21:95
  13. الأنبياء 21:96
  14. الأنبياء 21:97
  15. الأنبياء 21:98
  16. الأنبياء 21:99
  17. الأنبياء 21:100
  18. الأنبياء 21:101
  19. الأنبياء 21:102
  20. الأنبياء 21:103
  21. الأنبياء 21:104
  22. الأنبياء 21:105
  23. الأنبياء 21:106
  24. الأنبياء 21:107
  25. الأنبياء 21:108
  26. الأنبياء 21:109
  27. الأنبياء 21:110
  28. الأنبياء 21:111
  29. الأنبياء 21:112

الأنبياء 21:84

[ القِصَّةُ السّادِسَةُ، قِصَّةُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في أمْرِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن شَأْنِهِ هاهُنا، وفي غَيْرِهِ مِنَ القُرْآنِ مِنَ العِبَرِ والدَّلائِلِ ما لَيْسَ في غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى مَعَ عَظِيمِ فَضْلِهِ أنْزَلَ بِهِ مِنَ المَرَضِ العَظِيمِ ما أنْزَلَهُ مِمّا كانَ غَيْرُهُ لَهُ ولِغَيْرِهِ، ولِسائِرِ مَن سَمِعَ بِذَلِكَ وتَعْرِيفًا لَهم أنَّ الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ، وأنَّ الواجِبَ عَلى المَرْءِ أنْ يَصْبِرَ عَلى ما يَنالُهُ مِنَ البَلاءِ فِيها، ويَجْتَهِدَ في القِيامِ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، ويَصْبِرَ عَلى حالَتَيِ الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ؛ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا مِنَ الرُّومِ، وهو أيُّوبُ بْنُ أنُوصَ، وكانَ مِن ولَدِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ، وكانَتْ أُمُّهُ مِن ولَدِ لُوطٍ، وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدِ اصْطَفاهُ وجَعَلَهُ نَبِيًّا، وكانَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ أعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا حَظًّا وافِرًا مِنَ النِّعَمِ والدَّوابِّ والبَساتِينِ، وأعْطاهُ أهْلًا ووَلَدًا مِن رِجالٍ ونِساءٍ، وكانَ رَحِيمًا بِالمَساكِينِ، وكانَ يَكْفُلُ الأيْتامَ والأرامِلَ ويُكْرِمُ الضَّيْفَ وكانَ مَعَهُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قَدْ آمَنُوا بِهِ وعَرَفُوا فَضْلَهُ، قالَ وهْبٌ: وإنَّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى مَقامًا لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ مِثْلُهُ في القُرْبَةِ والفَضِيلَةِ، وهو الَّذِي يَتَلَقّى الكَلامَ فَإذا ذَكَرَ اللَّهُ عَبْدًا بِخَيْرٍ تَلَقّاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ تَلَقّاهُ مِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ مَن حَوْلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، فَإذا شاعَ ذَلِكَ فَهم يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّتْ مَلائِكَةُ السَّماواتِ ثُمَّ مَلائِكَةُ الأرْضِ، وكانَ إبْلِيسُ لَمْ يُحْجَبْ عَنْ شَيْءٍ مِنَ السَّماواتِ، وكانَ يَقِفُ فِيهِنَّ حَيْثُما أرادَ، ومِن هُناكَ وصَلَ إلى صفحة ١٧٧ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ولَمْ يَزَلْ عَلى ذَلِكَ حَتّى رُفِعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَحُجِبَ عَنْ أرْبَعٍ، فَكانَ يَصْعَدُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى ثَلاثٍ إلى زَمانِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ فَحُجِبَ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ السَّماواتِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، قالَ: فَسَمِعَ إبْلِيسُ تَجاوُبَ المَلائِكَةِ بِالصَّلاةِ عَلى أيُّوبَ فَأدْرَكَهُ الحَسَدُ، فَصَعِدَ سَرِيعًا حَتّى وقَفَ مِنَ السَّماءِ مَوْقِفًا كانَ يَقِفُهُ، فَقالَ: يا رَبِّ، إنَّكَ أنْعَمْتَ عَلى عَبْدِكَ أيُّوبَ فَشَكَرَكَ، وعافَيْتَهُ فَحَمِدَكَ، ثُمَّ لَمْ تُجَرِّبْهُ بِشِدَّةٍ ولا بَلاءٍ، وأنا لَكَ زَعِيمٌ لَئِنْ ضَرَبْتَهُ بِالبَلاءِ لَيَكْفُرَنَّ بِكَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: انْطَلِقْ فَقَدْ سَلَّطْتُكَ عَلى مالِهِ. فانْقَضَّ المَلْعُونُ حَتّى وقَعَ إلى الأرْضِ وجَمَعَ عَفارِيتَ الشَّياطِينِ، وقالَ لَهم: ماذا عِنْدَكم مِنَ القُوَّةِ فَإنِّي سُلِّطْتُ عَلى مالِ أيُّوبَ ؟ قالَ عِفْرِيتٌ: أُعْطِيتُ مِنَ القُوَّةِ ما إذا شِئْتُ تَحَوَّلْتُ إعْصارًا مِن نارٍ فَأحْرَقْتُ كُلَّ شَيْءٍ آتِي عَلَيْهِ، فَقالَ إبْلِيسُ: فَأْتِ الإبِلَ ورِعاءَها، فَذَهَبَ ولَمْ يَشْعُرِ النّاسُ حَتّى ثارَ مِن تَحْتِ الأرْضِ إعْصارٌ مِن نارٍ لا يَدْنُو مِنها شَيْءٌ إلّا احْتَرَقَ، فَلَمْ يَزَلْ يُحْرِقُها ورِعاءَها حَتّى أتى عَلى آخِرِها، فَذَهَبَ إبْلِيسُ عَلى شَكْلِ بَعْضِ أُولَئِكَ الرُّعاةِ إلى أيُّوبَ، فَوَجَدَهُ قائِمًا يُصَلِّي، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قالَ: يا أيُّوبُ، هَلْ تَدْرِي ما صَنَعَ رَبُّكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ بِإبِلِكَ ورِعائِها ؟ فَقالَ أيُّوبُ: إنَّها مالُهُ أعارَنِيهِ، وهو أوْلى بِهِ؛ إذا شاءَ نَزَعَهُ. قالَ إبْلِيسُ: فَإنَّ رَبَّكَ أرْسَلَ عَلَيْها نارًا مِنَ السَّماءِ فاحْتَرَقَتْ، ورِعاؤُها كُلُّها، وتَرَكَتِ النّاسَ مَبْهُوتِينَ مُتَعَجِّبِينَ مِنها، فَمِن قائِلٍ يَقُولُ: ما كانَ أيُّوبُ يَعْبُدُ شَيْئًا، وما كانَ إلّا في غُرُورٍ، ومِن قائِلٍ يَقُولُ: لَوْ كانَ إلَهُ أيُّوبَ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لَمَنَعَ مِن ولِيِّهِ، ومِن قائِلٍ آخَرَ يَقُولُ: بَلْ هو الَّذِي فَعَلَ ما فَعَلَ لِيُشْمِتَ عَدُوَّهُ بِهِ ويُفْجِعَ بِهِ صَدِيقَهُ. فَقالَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: الحَمْدُ لِلَّهِ حِينَ أعْطانِي وحِينَ نَزَعَ مِنِّي، عُرْيانًا خَرَجْتُ مِن بَطْنِ أُمِّي، وعُرْيانًا أعُودُ في التُّرابِ، وعُرْيانًا أُحْشَرُ إلى اللَّهِ تَعالى، ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيكَ أيُّها العَبْدُ خَيْرًا لَنَقَلَ رُوحَكَ مَعَ تِلْكَ الأرْواحِ، وصِرْتَ شَهِيدًا وآجَرَنِي فِيكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِنكَ شَرًّا فَأخَّرَكَ. فَرَجَعَ إبْلِيسُ إلى أصْحابِهِ خاسِئًا. فَقالَ عِفْرِيتٌ آخَرُ: عِنْدِي مِنَ القُوَّةِ ما إذا شِئْتْ صِحْتُ صَوْتًا لا يَسْمَعُهُ ذُو رُوحٍ إلّا خَرَجَتْ رُوحُهُ، فَقالَ إبْلِيسُ: فَأْتِ الغَنَمَ ورِعاءَها، فانْطَلَقَ فَصاحَ بِها فَماتَتْ وماتَ رِعاؤُها؛ فَخَرَجَ إبْلِيسُ مُتَمَثِّلًا بِقَهْرَمانِ الرُّعاةِ إلى أيُّوبَ، فَقالَ لَهُ القَوْلَ الأوَّلَ، ورَدَّ عَلَيْهِ أيُّوبُ الرَّدَّ الأوَّلَ، فَرَجَعَ إبْلِيسُ صاغِرًا. فَقالَ عِفْرِيتٌ آخَرُ: عِنْدِي مِنَ القُوَّةِ ما إذا شِئْتُ تَحَوَّلْتُ رِيحًا عاصِفَةً أقْلَعُ كُلَّ شَيْءٍ أتَيْتُ عَلَيْهِ، قالَ: فاذْهَبْ إلى الحَرْثِ والثِّيرانِ. فَأتاهم فَأهْلَكَهم ثُمَّ رَجَعَ إبْلِيسُ مُتَمَثِّلًا حَتّى جاءَ أيُّوبَ وهو يُصَلِّي، فَقالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الأوَّلِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ أيُّوبُ الرَّدَّ الأوَّلَ، فَجَعَلَ إبْلِيسُ يُصِيبُ أمْوالَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى أتى عَلى جَمِيعِها، فَلَمّا رَأى إبْلِيسُ صَبْرَهُ عَلى ذَلِكَ وقَفَ المَوْقِفَ الَّذِي كانَ يَقِفُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ: يا إلَهِي، هَلْ أنْتَ مُسَلِّطِي عَلى ولَدِهِ، فَإنَّها الفِتْنَةُ المُضِلَّةُ؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: انْطَلِقَ فَقَدْ سَلَّطْتُكَ عَلى ولَدِهِ، فَأتى أوْلادَ أيُّوبَ في قَصْرِهِمْ فَلَمْ يَزَلْ يُزَلْزِلُهُ بِهِمْ مِن قَواعِدِهِ حَتّى قَلَبَ القَصْرَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ جاءَ إلى أيُّوبَ مُتَمَثِّلًا بِالمُعَلِّمِ، وهو جَرِيحٌ مَشْدُوخُ الرَّأْسِ يَسِيلُ دَمُهُ ودِماغُهُ، فَقالَ: لَوْ رَأيْتَ بَنِيكَ كَيْفَ انْقَلَبُوا مَنكُوسِينَ عَلى رُءُوسِهِمْ تَسِيلُ أدْمِغَتُهم مِن أُنُوفِهِمْ لَتَقَطَّعَ قَلْبُكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ هَذا ويُرَقِّقُهُ حَتّى رَقَّ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَكى، وقَبَضَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ ووَضَعَها عَلى رَأْسِهِ، فاغْتَنَمَ ذَلِكَ إبْلِيسُ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى اسْتَغْفَرَ واسْتَرْجَعَ فَصَعِدَ إبْلِيسُ ووَقَفَ مَوْقِفَهُ، وقالَ: يا إلَهِي، إنَّما يَهُونُ عَلى أيُّوبَ خَطَرُ المالِ والوَلَدِ، لِعِلْمِهِ أنَّكَ تُعِيدُ لَهُ المالَ والوَلَدَ، فَهَلْ أنْتَ مُسَلِّطِي عَلى جَسَدِهِ، وإنِّي لَكَ زَعِيمٌ، لَوِ ابْتَلَيْتَهُ في جَسَدِهِ لَيَكْفُرَنَّ بِكَ، فَقالَ تَعالى: انْطَلِقْ فَقَدْ سَلَّطْتُكَ عَلى جَسَدِهِ، ولَيْسَ لَكَ سُلْطانٌ عَلى عَقْلِهِ وقَلْبِهِ ولِسانِهِ؛ فانْقَضَّ عَدُوُّ اللَّهِ سَرِيعًا؛ فَوَجَدَ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ساجِدًا لِلَّهِ تَعالى، فَأتاهُ مِن قِبَلِ الأرْضِ فَنَفَخَ في مَنخَرِهِ نَفْخَةً اشْتَعَلَ مِنها جَسَدُهُ، وخَرَجَ بِهِ مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ صفحة ١٧٨ ثَآلِيلُ، وقَدْ وقَعَتْ فِيهِ حَكَّةٌ لا يَمْلِكُها، وكانَ يَحُكُّ بِأظْفارِهِ حَتّى سَقَطَتْ أظْفارُهُ، ثُمَّ حَكَّها بِالمُسُوحِ الخَشِنَةِ ثُمَّ بِالفَخّارِ والحِجارَةِ، ولَمْ يَزَلْ يَحُكُّها حَتّى تَقَطَّعَ لَحْمُهُ وتَغَيَّرَ ونَتَنَ، فَأخْرَجَهُ أهْلُ القَرْيَةِ وجَعَلُوهُ عَلى كُناسَةٍ وجَعَلُوا لَهُ عَرِيشًا ورَفَضَهُ النّاسُ كُلُّهم غَيْرَ امْرَأتِهِ رَحْمَةَ بِنْتِ أفْرايِمَ بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَتْ تُصْلِحُ أُمُورَهُ. ثُمَّ إنَّ وهْبًا طَوَّلَ في الحِكايَةِ إلى أنْ قالَ: إنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقْبَلَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُسْتَغِيثًا مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ، لِأيِّ شَيْءٍ خَلَقْتَنِي يا لَيْتَنِي، كُنْتُ حَيْضَةً ألْقَتْنِي أُمِّي، ويا لَيْتَنِي، كُنْتُ عَرَفْتُ الذَّنْبَ الَّذِي أذْنَبْتُهُ، والعَمَلَ الَّذِي عَمِلْتُ حَتّى صَرَفْتَ وجْهَكَ الكَرِيمَ عَنِّي، ألَمْ أكُنْ لِلْغَرِيبِ دارًا، ولِلْمِسْكِينِ قَرارًا، ولِلْيَتِيمِ ولِيًّا، ولِلْأرْمَلَةِ قَيِّمًا، إلَهِي أنا عَبْدٌ ذَلِيلٌ؛ إنْ أحْسَنْتُ فالمَنُّ لَكَ، وإنْ أسَأْتُ فَبِيَدِكَ عُقُوبَتِي، جَعَلْتَنِي لِلْبَلاءِ غَرَضًا، ولِلْفِتْنَةِ نَصْبًا، وسَلَّطْتَ عَلَيَّ ما لَوْ سَلَّطْتَهُ عَلى جَبَلٍ لَضَعُفَ مِن حَمْلِهِ؛ إلَهِي تَقَطَّعَتْ أصابِعِي، وتَساقَطَتْ لَهَواتِي، وتَناثَرَ شَعْرِي، وذَهَبَ المالُ، وصِرْتُ أسْألُ اللُّقْمَةَ فَيُطْعِمُنِي مَن يَمُنُّ بِها عَلَيَّ، ويُعَيِّرُنِي بِفَقْرِي وهَلاكِ أوْلادِي. قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي جُمْلَةِ هَذا الكَلامِ: لَيْتَكَ لَوْ كَرِهْتَنِي لَمْ تَخْلُقْنِي، ثُمَّ قالَ: ولَوْ كانَ ذَلِكَ صَحِيحًا لاغْتَنَمَهُ إبْلِيسُ، فَإنَّ قَصْدَهُ أنْ يَحْمِلَهُ عَلى الشَّكْوى، وأنْ يُخْرِجَهُ عَنْ حِلْيَةِ الصّابِرِينَ، واللَّهُ تَعالى لَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٤٤] واخْتَلَفَ العُلَماءُ في السَّبَبِ الَّذِي قالَ لِأجْلِهِ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وفي مُدَّةِ بَلائِهِ. فالرِّوايَةُ الأُولى: رَوى ابْنُ شِهابٍ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ في البَلاءِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ القَرِيبُ والبَعِيدُ إلّا رَجُلَيْنِ مِن إخْوانِهِ كانا يَغْدُوانِ ويَرُوحانِ إلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ ذاتَ يَوْمٍ: واللَّهِ، لَقَدْ أذْنَبَ أيُّوبُ ذَنْبًا ما أذَنَبَهُ أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ، فَقالَ لَهُ صاحِبُهُ: وما ذاكَ ؟ فَقالَ: مُنْذُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ تَعالى، ولَمْ يَكْشِفْ ما بِهِ، فَلَمّا راما إلى أيُّوبَ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتّى ذَكَرَ ذَلِكَ لِأيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَقالَ أيُّوبُ: ما أدْرِي ما تَقُولُونَ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ أنِّي كُنْتُ أمُرُّ عَلى الرَّجُلَيْنِ يَتَنازَعانِ فَيَذْكُرانِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَأرْجِعُ إلى بَيْتِي، فَأُكَفِّرُ عَنْهُما كَراهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ اللَّهُ إلّا في حَقٍّ» . وفي رِوايَةٍ أُخْرى: «أنَّ الرَّجُلَيْنِ لَمّا دَخَلا عَلَيْهِ وجَدا رِيحًا، فَقالا: لَوْ كانَ لِأيُّوبَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ ما بَلَغَ إلى هَذِهِ الحالَةِ، قالَ: فَما شَقَّ عَلى أيُّوبَ شَيْءٌ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ أشَدُّ مِمّا سَمِعَ مِنهُما، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي لَمْ أبِتْ شَبْعانًا، وأنا أعْلَمُ بِمَكانِ جائِعٍ فَصَدِّقْنِي فَصَدَّقَهُ وهُما يَسْمَعانِ، ثُمَّ خَرَّ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ ساجِدًا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ، إنِّي لا أرْفَعَ رَأْسِي حَتّى تَكْشِفَ ما بِي، قالَ: فَكَشَفَ اللَّهُ ما بِهِ» . الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ”مَكَثَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما أُلْقِيَ عَلى الكُناسَةِ سَبْعَ سِنِينَ وأشْهُرًا، ولَمْ يَبْقَ لَهُ مالٌ ولا ولَدٌ ولا صَدِيقٌ غَيْرَ امْرَأتِهِ رَحْمَةَ صَبَرَتْ مَعَهُ، وكانَتْ تَأْتِيهِ بِالطَّعامِ وتَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى مَعَ أيُّوبَ، وكانَ أيُّوبُ مُواظِبًا عَلى حَمْدِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ، والصَّبْرِ عَلى ما ابْتَلاهُ، فَصَرَخَ إبْلِيسُ صَرْخَةً جَزَعًا مِن صَبْرِ أيُّوبَ، فاجْتَمَعَ جُنُودُهُ مِن أقْطارِ الأرْضِ وقالُوا لَهُ: ما خَبَرُكَ ؟ قالَ: أعْيانِي هَذا العَبْدُ الَّذِي سَألْتُ اللَّهَ أنْ يُسَلِّطَنِي عَلَيْهِ وعَلى مالِهِ ووَلَدِهِ؛ فَلَمْ أدَعْ لَهُ مالًا ولا ولَدًا، ولَمْ يَزْدَدْ بِذَلِكَ إلّا صَبْرًا وحَمْدًا لِلَّهِ تَعالى، ثُمَّ سُلِّطْتُ عَلى جَسَدِهِ؛ فَتَرَكْتُهُ مُلْقًى في كُناسَةٍ وما يَقْرَبُهُ إلّا امْرَأتُهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَفْتُرُ عَنِ الذِّكْرِ والحَمْدِ لِلَّهِ، فاسْتَعَنْتُ بِكم لِتُعِينُونِي عَلَيْهِ فَقالُوا لَهُ: أيْنَ مَكْرُكَ ! أيْنَ عَمَلُكَ الَّذِي أهْلَكْتَ بِهِ مَن مَضى ؟ قالَ: بَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِيأيُّوبَ فَأشِيرُوا عَلَيَّ، قالُوا: أدْلَيْتَ آدَمَ حِينَ أخْرَجْتَهُ مِنَ الجَنَّةِ مِن أيْنَ أتَيْتَهُ ؟ قالَ مِن قِبَلِ امْرَأتِهِ، قالُوا: صفحة ١٧٩ فَشَأْنُكَ بِأيُّوبَ مِن قِبَلِ امْرَأتِهِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَعْصِيَها؛ لِأنَّهُ لا يَقْرُبُهُ أحَدٌ غَيْرَها، قالَ: أصَبْتُمْ، فانْطَلَقَ حَتّى أتى امْرَأتَهُ؛ فَتَمَثَّلَ لَها في صُورَةِ رَجُلٍ، فَقالَ: أيْنَ بَعْلُكِ يا أمَةَ اللَّهِ ؟ قالَتْ: هو هَذا يَحُكُّ قُرُوحَهُ، وتَتَرَدَّدُ الدَّوابُّ في جَسَدِهِ، فَلَمّا سَمِعَها طَمِعَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ جَزَعًا، فَوَسْوَسَ إلَيْها، وذَكَّرَها ما كانَ لَها مِنَ النِّعَمِ والمالِ، وذَكَّرَها جَمالَ أيُّوبَ وشَبابَهُ - قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: - فَصَرَخَتْ، فَلَمّا صَرَخَتْ عَلِمَ أنَّها قَدْ جَزِعَتْ فَأتاها بِسَخْلَةٍ، وقالَ: لِيَذْبَحْ هَذِهِ لِي أيُّوبُ ويَبْرَأْ، قالَ: فَجاءَتْ تَصْرُخُ إلى أيُّوبَ يا أيُّوبُ، حَتّى مَتى يُعَذِّبُكَ رَبُّكَ، ألا يَرْحَمُكَ أيْنَ المالُ ؟ أيْنَ الماشِيَةُ ؟ أيْنَ الوَلَدُ ؟ أيْنَ الصَّدِيقُ ؟ أيْنَ اللَّوْنُ الحَسَنُ ؟ أيْنَ جِسْمُكَ الَّذِي قَدْ بَلِيَ وصارَ مِثْلَ الرَّمادِ ؟ وتَرَدَّدَ فِيهِ الدَّوابُّ؛ اذْبَحْ هَذِهِ السَّخْلَةِ واسْتَرِحْ. فَقالَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أتاكِ عَدُوُّ اللَّهِ، ونَفَخَ فِيكِ فَأجَبْتِيهِ ! ويْلَكِ ! أتَرَيْنَ ما تَبْكِينَ عَلَيْهِ مِمّا تَذْكُرِينَ مِمّا كُنّا فِيهِ مِنَ المالِ والوَلَدِ والصِّحَّةِ، مَن أعْطانا ذَلِكَ ؟ قالَتِ: اللَّهُ. قالَ: فَكَمْ مَتَّعَنا بِهِ ؟ قالَتْ: ثَمانِينَ سَنَةً. قالَ: فَمُنْذُ كَمِ ابْتَلانا اللَّهُ بِهَذا البَلاءِ ؟ قالَتْ: مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ وأشْهُرٍ، قالَ: ويْلَكِ ! واللَّهِ ما أنْصَفْتِ رَبَّكِ، ألا صَبَرْتِ في البَلاءِ ثَمانِينَ سَنَةً كَما كُنّا في الرَّخاءِ ثَمانِينَ سَنَةً، واللَّهِ لَئِنْ شَفانِي اللَّهُ لَأجْلِدَنَّكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، أمَرْتِنِي أنْ أذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وحَرامٌ عَلَيَّ أنْ أذُوقَ بَعْدَ هَذا شَيْئًا مِن طَعامِكِ وشَرابِكِ الَّذِي تَأْتِينِي بِهِ، فَطَرَدَها فَذَهَبَتْ، فَلَمّا نَظَرَ أيُّوبُ في شَأْنِهِ، ولَيْسَ عِنْدَهُ طَعامٌ ولا شَرابٌ ولا صَدِيقٌ، وقَدْ ذَهَبَتِ امْرَأتُهُ خَرَّ ساجِدًا، وقالَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَقالَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَقَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ فاغْتَسَلَ مِنها، فَلَمْ يَبْقَ في ظاهِرِ بَدَنِهِ دابَّةٌ إلّا سَقَطَتْ مِنهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ مَرَّةً أُخْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ أُخْرى فَشَرِبَ مِنها، فَلَمْ يَبْقَ في جَوْفِهِ داءٌ إلّا خَرَجَ، وقامَ صَحِيحًا، وعادَ إلَيْهِ شَبابُهُ وجِمالُهُ حَتّى صارَ أحْسَنَ ما كانَ، ثُمَّ كُسِيَ حُلَّةً؛ فَلَمّا قامَ جَعَلَ يَلْتَفِتُ فَلا يَرى شَيْئًا مِمّا كانَ لَهُ مِنَ الأهْلِ والوَلَدِ والمالِ، إلّا وقَدْ ضَعَّفَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى صارَ أحْسَنَ مِمّا كانَ، حَتّى ذُكِرَ أنَّ الماءَ الَّذِي اغْتَسَلَ مِنهُ تَطايَرَ عَلى صَدْرِهِ جَرادًا مِن ذَهَبٍ. قالَ: فَجَعَلَ يَضُمُّهُ بِيَدِهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ يا أيُّوبُ، ألَمْ أُغْنِكَ ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنَّها بَرَكَتُكَ فَمَن يَشْبَعُ مِنها، قالَ: فَخَرَجَ حَتّى جَلَسَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ، ثُمَّ إنَّ امْرَأتَهُ قالَتْ: هَبْ أنَّهُ طَرَدَنِي، أفَأتْرُكُهُ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا وتَأْكُلَهُ السِّباعُ، لَأرْجِعَنَّ إلَيْهِ، فَلَمّا رَجَعَتْ ما رَأتْ تِلْكَ الكُناسَةَ ولا تِلْكَ الحالَ، وإذا بِالأُمُورِ قَدْ تَغَيَّرَتْ، فَجَعَلَتْ تَطُوفُ حَيْثُ كانَتِ الكُناسَةُ وتَبْكِي، وذَلِكَ بِعَيْنِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهابَتْ صاحِبَ الحُلَّةِ أنْ تَأْتِيَهُ وتَسْألَهُ عَنْهُ فَأرْسَلَ إلَيْها أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ ودَعاها، وقالَ: ما تُرِيدِينَ يا أمَةَ اللَّهَ ؟ فَبَكَتْ وقالَتْ: أرَدْتُ ذَلِكَ المُبْتَلى الَّذِي كانَ مُلْقًى عَلى الكُناسَةِ، فَقالَ لَها أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما كانَ مِنكِ، فَبَكَتْ وقالَتْ: بَعْلِي، فَقالَ: أتَعْرِفِينَهُ إذا رَأيْتِهِ، قالَتْ: وهَلْ يَخْفى عَلى أحَدٍ يَراهُ ! فَتَبَسَّمَ وقالَ: أنا هو، فَعَرَفَتْهُ بِضَحِكِهِ، فاعْتَنَقَتْهُ ثُمَّ قالَ: إنَّكِ أمَرْتِنِي أنْ أذْبَحَ سَخْلَةً لِإبْلِيسَ، وإنِّي أطَعْتُ اللَّهَ وعَصَيْتُ الشَّيْطانَ، ودَعَوْتُ اللَّهَ تَعالى فَرَدَّ عَلَيَّ ما تَرَيْنَ“ . الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: بَقِيَ في البَلاءِ سَبْعَ سِنِينَ وسَبْعَةَ أشْهُرٍ وسَبْعَةَ أيّامٍ وسَبْعَ ساعاتٍ، وقالَ وهْبٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَقِيَ في البَلاءِ ثَلاثَ سِنِينَ، فَلَمّا غَلَبَ أيُّوبُ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ، ذَهَبَ إبْلِيسُ إلى امْرَأتِهِ عَلى هَيْئَةٍ لَيْسَتْ كَهَيْئَةِ بَنِي آدَمَ في العِظَمِ والجَمالِ، عَلى مَرْكَبٍ لَيْسَ كَمَراكِبَ النّاسِ، وقالَ لَها: أنْتِ صاحِبَةُ أيُّوبَ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْرِفِينِي ؟ قالَتْ: لا؛ قالَ: أنا إلَهُ الأرْضِ، أنا صَنَعْتُ بِأيُّوبَ ما صَنَعْتُ، وذَلِكَ أنَّهُ عَبَدَ إلَهَ السَّماءِ وتَرَكَنِي فَأغْضَبَنِي، ولَوْ سَجَدَ لِي سَجْدَةً واحِدَةً رَدَدْتُ عَلَيْكِ وعَلَيْهِ جَمِيعَ ما لَكُما مِن مالٍ ووَلَدٍ، فَإنَّ ذَلِكَ عِنْدِي، قالَ وهْبٌ: وسَمِعْتُ أنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ صاحِبَكِ أكَلَ طَعامًا، ولَمْ يُسَمِّ اللَّهَ تَعالى لَعُوفِيَ مِمّا هو فِيهِ، صفحة ١٨٠ مِنَ البَلاءِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: بَلْ قالَ لَها: لَوْ شِئْتِ فاسْجُدِي لِي سَجْدَةً واحِدَةً حَتّى أرُدَّ عَلَيْكِ المالَ والوَلَدَ وأُعافِيَ زَوْجَكِ، فَرَجَعَتْ إلى أيُّوبَ فَأخْبَرَتْهُ بِما قالَ لَها، فَقالَ لَها أيُّوبُ: أتاكِ عَدُوُّ اللَّهِ لِيَفْتِنَكِ عَنْ دِينِكِ، ثُمَّ أقْسَمَ لَئِنْ عافانِي اللَّهُ لَأجْلِدَنَّكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ يَعْنِي مِن طَمَعِ إبْلِيسَ في سُجُودِي لَهُ، وسُجُودِ زَوْجَتِي ودُعائِهِ إيّاها وإيّايَ إلى الكُفْرِ. الرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: قالَ وهْبٌ: كانَتِ امْرَأةُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْمَلُ لِلنّاسِ وتَأْتِيهِ بِقُوتِهِ، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ البَلاءُ سَئِمَها النّاسُ، فَلَمْ يَسْتَعْمِلُوها فالتَمَسَتْ ذاتَ يَوْمٍ شَيْئًا مِنَ الطَّعامِ، فَلَمْ تَجِدْ شَيْئًا فَجَزَّتْ قَرْنًا مِن رَأْسِها فَباعَتْهُ بِرَغِيفٍ، فَأتَتْهُ بِهِ فَقالَ لَها: أيْنَ قَرْنُكِ فَأخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ قالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ . الرِّوايَةُ الخامِسَةُ: قالَ إسْماعِيلُ السُّدِّيُّ: لَمْ يَقُلْ أيُّوبُ ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ إلّا لِأشْياءَ ثَلاثٍ: أحَدُها: قَوْلُ الرَّجُلَيْنِ لَهُ: لَوْ كانَ عَمَلُكَ الَّذِي كُنّا نَرى لِلَّهِ تَعالى لَما أصابَكَ الَّذِي أصابَكَ. وثانِيها: كانَ لِامْرَأتِهِ ثَلاثُ ذَوائِبَ فَعَمَدَتْ إلى إحْداها وقَطَعَتْها وباعَتْها، فَأعْطَوْها بِذَلِكَ خُبْزًا ولَحْمًا؛ فَجاءَتْ إلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: مِن أيْنَ هَذا ؟ فَقالَتْ: كُلْ؛ فَإنَّهُ حَلالٌ، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ لَمْ تَجِدْ شَيْئًا، فَباعَتِ الثّانِيَةَ، وكَذَلِكَ فَعَلَتْ في اليَوْمِ الثّالِثِ، وقالَتْ: كُلْ، فَإنَّهُ حَلالٌ؛ فَقالَ: لا آكُلُ ما لَمْ تُخْبِرِينِي فَأخْبَرَتْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مِن أيُّوبَ ما اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، وقِيلَ: إنَّما باعَتْ ذَوائِبَها؛ لِأنَّ إبْلِيسَ تَمَثَّلَ لِقَوْمٍ في صُورَةِ بَشَرٍ، وقالَ: لَئِنْ تَرَكْتُمْ أيُّوبَ في قَرْيَتِكم، فَإنِّي أخافُ أنْ يُعْدِيَ إلَيْكم ما بِهِ مِنَ العِلَّةِ، فَأخْرَجُوهُ إلى بابِ البَلَدِ، ثُمَّ قالَ لَهم: إنَّ امْرَأتَهُ تَدْخُلُ في بُيُوتِكم، وتَعْمَلُ وتَمَسُّ زَوْجَها، أما تَخافُونَ أنْ تُعْدِيَ إلَيْكم عِلَّتَهُ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَسْتَعْمِلْها أحَدٌ فَباعَتْ ضَفِيرَتَها. وثالِثُها: حِينَ قالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ ما قالَتْ فَحِينَئِذٍ دَعا. الرِّوايَةُ السّادِسَةُ: قِيلَ: سَقَطَتْ دُودَةٌ مِن فَخْذِهِ فَرَفَعَها ورَدَّها إلى مَوْضِعِها، وقالَ: قَدْ جَعَلَنِي اللَّهُ تَعالى طُعْمَةً لَكِ، فَعَضَّتْهُ عَضَّةً شَدِيدَةً، فَقالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ . فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ لَوْلا أنِّي جَعَلْتُ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ مِنكَ صَبْرًا لَما صَبَرْتَ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ قَدْ طَعَنُوا في هَذِهِ القِصَّةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: ذَهَبَ بَعْضُ الجُهّالِ إلى أنَّ ما كانَ بِهِ مِنَ المَرَضِ كانَ فِعْلًا لِلشَّيْطانِ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ [ص: ٤١] وهَذا جَهْلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى إحْداثِ الأمْراضِ والأسْقامِ وضِدِّهِما مِنَ العافِيَةِ لَتَهَيَّأ لَهُ فِعْلُ الأجْسامِ، ومَن هَذا حالُهُ يَكُونُ إلَهًا، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُ وعَنْ جُنُودِهِ بِأنَّهُ قالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، والواجِبُ تَصْدِيقُ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى، دُونَ الرُّجُوعِ إلى ما يُرْوى عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في الحِكايَةِ أنَّ الشَّيْطانَ نَفَخَ في مَنخَرِهِ، فَوَقَعَتِ الحَكَّةُ فِيهِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ القادِرَ عَلى النَّفْخَةِ الَّتِي تُوَلِّدُ مِثْلَ هَذِهِ الحَكَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الأجْسامِ ؟ وهَلْ هَذا إلّا مَحْضُ التَّحَكُّمِ ؟ وأمّا التَّمَسُّكُ بِالنَّصِّ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُقْدِمُ عَلى هَذا الفِعْلِ مَتى عَلِمَ أنَّهُ لَوْ أقْدَمَ عَلَيْهِ لَما مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وهَذِهِ الحالَةُ لَمْ تَحْصُلْ إلّا في حَقِّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما دَلَّتِ الحِكايَةُ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ اسْتَأْذَنَ اللَّهَ تَعالى فَأذِنَ لَهُ فِيهِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ بَيْنَ ذَلِكَ النَّصِّ وبَيْنَ هَذِهِ الحِكايَةِ مُناقَضَةٌ. وثانِيها: قالُوا: ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْألْ إلّا عِنْدَ أُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الثّابِتَ في العَقْلِ أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ المَرْءِ أنْ يَسْألَ في ذَلِكَ رَبَّهُ، ويَفْزَعَ إلَيْهِ كَما يَحْسُنُ مِنهُ المُداواةُ، وإذا جازَ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ عِنْدَ الغَمِّ مِمّا يَراهُ مِن إخْوانِهِ وأهْلِهِ، جازَ أيْضًا أنْ يَسْألَ رَبَّهُ صفحة ١٨١ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. فَإنْ قِيلَ: أفَلا يَجُوزُ أنَّهُ تَعالى تَعَبَّدَهُ بِأنْ لا يَسْألَ الكَشْفَ إلّا في آخِرِ أمْرِهِ، قُلْنا: يَجُوزُ ذَلِكَ بِأنْ يُعْلِمَهُ بِأنَّ إنْزالَ ذَلِكَ بِهِ مُدَّةً مَخْصُوصَةً مِن مَصالِحِهِ ومَصالِحِ غَيْرِهِ لا مَحالَةَ، فَعَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لا وجْهَ لِلْمَسْألَةِ في هَذا الأمْرِ الخاصِّ، فَإذا قَرُبَ الوَقْتُ جازَ أنْ يَسْألَ ذَلِكَ، مِن حَيْثُ يَجُوزُ أنْ يَدُومَ، ويَجُوزُ أنْ يَنْقَطِعَ. وثالِثُها قالُوا: انْتِهاءُ ذَلِكَ المَرَضِ إلى حَدِّ التَّنْفِيرِ عَنْهُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الأمْراضَ المُنَفِّرَةَ مِنَ القَبُولِ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ فَهَذا جُمْلَةُ ما قِيلَ في هَذِهِ الحِكايَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ أيْ ناداهُ بِأنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ، وقُرِئَ ”إنِّي“ بِالكَسْرِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ لِتَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ، والضَّرُّ بِالفَتْحِ؛ الضَّرَرُ في كُلِّ شَيْءٍ، وبِالضَّمِّ الضَّرَرُ في النَّفْسِ مِن مَرَضٍ وهُزالٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ألْطَفَ في السُّؤالِ حَيْثُ ذَكَرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُ الرَّحْمَةَ، وذَكَرَ رَبَّهُ بِغايَةِ الرَّحْمَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالمَطْلُوبِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ الشَّكْوى تَقْدَحُ في كَوْنِهِ صابِرًا ؟ الجَوابُ: قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَن شَكا إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يُعَدُّ ذَلِكَ جَزَعًا إذا كانَ في شَكْواهُ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ إذْ لَيْسَ مِن شَرْطِ الصَّبْرِ اسْتِحْلاءُ البَلاءِ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أُمُورٌ: أحَدُها: أنَّ كُلَّ مَن رَحِمَ غَيْرَهُ فَأمّا أنْ يَرْحَمَهُ طَلَبًا لِلثَّناءِ في الدُّنْيا، أوِ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، أوْ دَفْعًا لِلرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ عَنِ الطَّبْعِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَطْلُوبُ ذَلِكَ الرّاحِمِ مَنفَعَةَ نَفْسِهِ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ يَرْحَمُ عِبادَهُ مِن غَيْرِ وجْهٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، ومِن غَيْرِ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الرَّحْمَةِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ مِنَ الثَّناءِ، ومِن صِفاتِ الكَمالِ، فَكانَ سُبْحانَهُ أرْحَمَ الرّاحِمِينَ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَن يَرْحَمُ غَيْرَهُ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِمَعُونَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَن أعْطى غَيْرَهُ طَعامًا أوْ ثَوْبًا أوْ دَفَعَ عَنْهُ بَلاءً، فَلَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ والأدْوِيَةَ والأغْذِيَةَ، وإلّا لَما قَدَرَ أحَدٌ عَلى إعْطاءِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ بَعْدَ وُصُولِ تِلْكَ العَطِيَّةِ إلَيْهِ، فَلَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلرّاحَةِ لَما حَصَلَ النَّفْعُ بِذَلِكَ، فَإذا رَحْمَةُ العِبادِ مَسْبُوقَةٌ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ومَلْحُوقَةٌ بِرَحْمَتِهِ، بَلْ رَحْمَتُهم فِيما بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَعالى هو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ. وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ في قَلْبِ العَبْدِ تِلْكَ الدَّواعِيَ والإراداتِ لاسْتَحالَ صُدُورُ ذَلِكَ الفِعْلِ عَنْهُ، فَكانَ الرّاحِمُ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ، مِن حَيْثُ إنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأ تِلْكَ الدّاعِيَةَ، فَثَبَتَ أنَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ؛ فَإنْ قِيلَ؛ كَيْفَ يَكُونُ أرْحَمَ الرّاحِمِينَ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَلَأ الدُّنْيا مِنَ الآفاتِ والأسْقامِ والأمْراضِ والآلامِ، وسَلَّطَ البَعْضَ عَلى البَعْضِ بِالذَّبْحِ والكَسْرِ والإيذاءِ، وكانَ قادِرًا عَلى أنْ يُغْنِيَ كُلَّ واحِدٍ عَنْ إيلامِ الآخَرِ وإيذائِهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ ضارًّا لا يُنافِي كَوْنَهُ نافِعًا، بَلْ هو الضّارُّ النّافِعُ؛ فَإضْرارُهُ لَيْسَ لِدَفْعِ مَشَقَّةٍ، وإنْفاعُهُ لَيْسَ لِجَلْبِ مَنفَعَةٍ، بَلْ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ دَعا رَبَّهُ، لَكِنَّ هَذا الدُّعاءَ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واقِعًا مِنهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ، كَما يُقالُ: إنْ رَأيْتَ أوْ أرَدْتَ أوْ أحْبَبْتَ فافْعَلْ كَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ؛ وإنْ كانَ الألْيَقُ بِالأدَبِ وبِدَلالَةِ الآيَةِ هو الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّهُ كَشَفَ ما بِهِ مِن ضُرٍّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي إعادَتَهُ إلى ما كانَ في بَدَنِهِ وأحْوالِهِ، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ آتاهُ أهْلَهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ مَن يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن زَوْجَةٍ ووَلَدٍ صفحة ١٨٢ وغَيْرِهِما؛ ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وكَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا لَهُ أهْلَهُ يَعْنِي أوْلادَهُ بِأعْيانِهِمْ؛ والثّانِي: رَوى اللَّيْثُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: أرْسَلَ مُجاهِدٌ إلى عِكْرِمَةَ وسَألَهُ عَنِ الآيَةِ فَقالَ: قِيلَ لَهُ: إنَّ أهْلَكَ لَكَ في الآخِرَةِ، فَإنْ شِئْتَ عَجَّلْناهم لَكَ في الدُّنْيا، وإنْ شِئْتَ كانُوا لَكَ في الآخِرَةِ وآتَيْناكَ مِثْلَهم في الدُّنْيا. فَقالَ: يَكُونُونَ لِي في الآخِرَةِ وأُوتى مِثْلَهم في الدُّنْيا. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وآتَيْناهُ أهْلَهُ﴾ يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّهُ تَعالى أعادَهم في الدُّنْيا، وأعْطاهُ مَعَهم مِثْلَهم أيْضًا. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ لِكَيْ يَتَفَكَّرَ فِيهِ؛ فَيَكُونَ داعِيَةً لِلْعابِدِينَ في الصَّبْرِ والِاحْتِسابِ، وإنَّما خَصَّ العابِدِينَ بِالذِّكْرِ [ ى ] لِأنَّهم يَخْتَصُّونَ بِالِانْتِفاعِ بِذَلِكَ.

الأنبياء 21:85

[ القِصَّةُ السّابِعَةُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صَبْرَ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وانْقِطاعَهُ إلَيْهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ هَؤُلاءِ، فَإنَّهم كانُوا أيْضًا مِنَ الصّابِرِينَ عَلى الشَّدائِدِ والمِحَنِ والعِبادَةِ، أمّا إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِأنَّهُ صَبَرَ عَلى الِانْقِيادِ لِلذَّبْحِ، وصَبَرَ عَلى المُقامِ بِبَلَدٍ لا زَرْعَ فِيهِ ولا ضَرْعَ ولا بِناءَ، وصَبَرَ في بِناءِ البَيْتِ، فَلا جَرَمَ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى وأخْرَجَ مِن صُلْبِهِ خاتَمَ النَّبِيِّينَ، وأمّا إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «بَعَثَ إلى قَوْمِهِ داعِيًا لَهم إلى اللَّهِ تَعالى، فَأبَوْا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى ورَفَعَ إدْرِيسَ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ» وأمّا ذُو الكِفْلِ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فِيها بَحْثانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الكِفْلُ في اللُّغَةِ الكِساءُ الَّذِي يُجْعَلُ عَلى عَجُزِ البَعِيرِ، والكِفْلُ أيْضًا النَّصِيبُ واخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ كانَ لَهُ ضِعْفُ عَمَلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في زَمانِهِ وضِعْفُ ثَوابِهِمْ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في رِوايَةٍ: ”إنَّ نَبِيًّا مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنِّي أُرِيدُ قَبْضَ رُوحِكَ، فاعْرِضْ مُلْكَكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَمَن تَكَفَّلَ لَكَ أنَّهُ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ حَتّى يُصْبِحَ ويَصُومُ بِالنَّهارِ فَلا يُفْطِرُ، ويَقْضِي بَيْنَ النّاسِ فَلا يَغْضَبُ فادْفَعْ مُلْكَكَ إلَيْهِ، فَقامَ ذَلِكَ النَّبِيُّ في بَنِي إسْرائِيلَ وأخْبَرَهم بِذَلِكَ، فَقامَ شابٌّ وقالَ: أنا أتَكَفَّلُ لَكَ بِهَذا؛ فَقالَ في القَوْمِ: مَن هو أكْبَرُ مِنكَ فاقْعُدْ، ثُمَّ صاحَ الثّانِيَةَ والثّالِثَةَ فَقامَ الرَّجُلُ، وقالَ: أتَكَفَّلُ لَكَ بِهَذِهِ الثَّلاثِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ مُلْكَهُ، ووَفى بِما ضَمِنَ. فَحَسَدَهُ إبْلِيسُ؛ فَأتاهُ وقْتَ ما يُرِيدُ أنْ يُقِيلَ، فَقالَ: إنَّ لِي غَرِيمًا قَدْ مَطَلَنِي صفحة ١٨٣ حَقِّي وقَدْ دَعَوْتُهُ إلَيْكَ فَأبى فَأرْسِلْ مَعِيَ مَن يَأْتِيكَ بِهِ، فَأرْسَلَ مَعَهُ وقَعَدَ حَتّى فاتَتْهُ القَيْلُولَةُ ودَعا إلى صِلاتِهِ وصَلّى لَيْلَهُ إلى الصَّباحِ، ثُمَّ أتاهُ مِنَ الغَدِ عِنْدَ القَيْلُولَةِ فَقالَ: إنَّ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَأْذَنْتُكَ لَهُ في مَوْضِعِ كَذا فَلا تَبْرَحْ حَتّى آتِيَكَ بِهِ، فَذَهَبَ وبَقِيَ مُنْتَظَرًا حَتّى فاتَتْهُ القَيْلُولَةُ، ثُمَّ أتاهُ فَقالَ لَهُ: هَرَبَ مِنِّي فَمَضى ذُو الكِفْلِ إلى صِلاتِهِ فَصَلّى لَيْلَتَهُ حَتّى أصْبَحَ، فَأتاهُ إبْلِيسُ وعَرَّفَهُ نَفْسَهُ، وقالَ لَهُ: حَسَدْتُكَ عَلى عِصْمَةِ اللَّهِ إيّاكَ فَأرَدْتُ أنْ أُخْرِجَكَ حَتّى لا تَفِيَ بِما تَكَفَّلْتَ بِهِ، فَشَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ ونَبَّأهُ، فَسُمِّيَ“ ذا الكِفْلِ "، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالكِفْلِ هُنا الكَفالَةُ. وثالِثُها: قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا كَبِرَ اليَسَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: لَوْ أنِّي اسْتَخْلَفْتُ رَجُلًا عَلى النّاسِ في حَياتِي حَتّى أنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُ، فَجَمَعَ النّاسَ وقالَ: مَن يَتَقَبَّلُ مِنِّي، حَتّى اسْتَخْلَفَهُ ثَلاثًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ويَصُومُ بِالنَّهارِ ويَقْضِي فَلا يَغْضَبُ، وذَكَرَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ نَحْوَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن فِعْلِ إبْلِيسَ وتَفْوِيتِهِ عَلَيْهِ القَيْلُولَةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وزادَ أنَّ ذا الكِفْلِ قالَ لِلْبَوّابِ في اليَوْمِ الثّالِثِ: قَدْ غَلَبَ عَلَيَّ النُّعاسُ فَلا تَدَعَنَّ أحَدًا يَقْرَبُ هَذا البابَ حَتّى أنامَ، فَإنِّي قَدْ شَقَّ عَلَيَّ النُّعاسُ، فَجاءَ إبْلِيسُ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ البَوّابُ، فَدَخَلَ مِن كُوَّةٍ في البَيْتِ وتَسَوَّرَ فِيها، فَإذا هو يَدُقُّ البابُ مِن داخِلٍ، فاسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ وعاتَبَ البَوّابَ، فَقالَ: أمّا مِن قِبَلِي فَلَمْ تُؤْتَ، فَقامَ إلى البابِ فَإذا هو مُغْلَقٌ وإبْلِيسُ عَلى صُورَةِ شَيْخٍ مَعَهُ في البَيْتِ، فَقالَ لَهُ: أتَنامُ والخُصُومُ عَلى البابِ ؟ فَعَرَفَهُ فَقالَ: أنْتَ إبْلِيسُ، قالَ: نَعَمْ، أعْيَيْتَنِي في كُلِّ شَيْءٍ فَفَعَلْتُ هَذِهِ الأفْعالَ لِأُغْضِبَكَ فَعَصَمَكَ اللَّهُ مِنِّي، فَسُمِّيَ ذا الكِفْلِ؛ لِأنَّهُ قَدْ وفّى بِما تَكَفَّلَ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومُجاهِدٌ: ذُو الكِفْلِ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقالَ الحَسَنُ والأكْثَرُونَ: إنَّهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهَذا أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ ذا الكِفْلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَقَبًا وأنْ يَكُونَ اسْمًا، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ مُفِيدًا؛ لِأنَّ الِاسْمَ إذا أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى ما يُفِيدُ فَهو أوْلى مِنَ اللَّقَبِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الكِفْلُ هو النَّصِيبُ، والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما سَمّاهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الكِفْلُ هو كِفْلُ الثَّوابِ، فَهو إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ عَمَلَهُ وثَوابَ عَمَلِهِ كانَ ضِعْفَ عَمَلِ غَيْرِهِ وضِعْفَ ثَوابِ غَيْرِهِ، ولَقَدْ كانَ في زَمَنِهِ أنْبِياءُ عَلى ما رُوِيَ، ومَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ لا يَكُونُ أفْضَلَ مِنَ الأنْبِياءِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ إسْماعِيلَ وإدْرِيسَ، والغَرَضُ ذِكْرُ الفُضَلاءِ مِن عِبادِهِ لِيُتَأسّى بِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ. وثالِثُها: أنَّ السُّورَةَ مُلَقَّبَةٌ بِسُورَةِ الأنْبِياءِ، فَكُلُّ مَن ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها فَهو نَبِيٌّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: إنَّ ذا الكِفْلِ زَكَرِيّا، وقِيلَ: يُوشَعُ وقِيلَ: إلْياسُ، ثُمَّ قالُوا: خَمْسَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِاسْمَيْنِ: إسْرائِيلُ ويَعْقُوبُ، إلْياسُ وذُو الكِفْلِ، عِيسى والمَسِيحُ، يُونُسُ وذُو النُّونِ، مُحَمَّدٌ وأحْمَدُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ عَلى القِيامِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، واحْتِمالِ الأذى في نُصْرَةِ دِينِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: الرَّحْمَةُ النُّبُوَّةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أعْمالِ البَرِّ والخَيْرِ.

الأنبياء 21:86

[ القِصَّةُ السّابِعَةُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صَبْرَ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وانْقِطاعَهُ إلَيْهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ هَؤُلاءِ، فَإنَّهم كانُوا أيْضًا مِنَ الصّابِرِينَ عَلى الشَّدائِدِ والمِحَنِ والعِبادَةِ، أمّا إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِأنَّهُ صَبَرَ عَلى الِانْقِيادِ لِلذَّبْحِ، وصَبَرَ عَلى المُقامِ بِبَلَدٍ لا زَرْعَ فِيهِ ولا ضَرْعَ ولا بِناءَ، وصَبَرَ في بِناءِ البَيْتِ، فَلا جَرَمَ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى وأخْرَجَ مِن صُلْبِهِ خاتَمَ النَّبِيِّينَ، وأمّا إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ. قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «بَعَثَ إلى قَوْمِهِ داعِيًا لَهم إلى اللَّهِ تَعالى، فَأبَوْا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى ورَفَعَ إدْرِيسَ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ» وأمّا ذُو الكِفْلِ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فِيها بَحْثانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الكِفْلُ في اللُّغَةِ الكِساءُ الَّذِي يُجْعَلُ عَلى عَجُزِ البَعِيرِ، والكِفْلُ أيْضًا النَّصِيبُ واخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ كانَ لَهُ ضِعْفُ عَمَلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في زَمانِهِ وضِعْفُ ثَوابِهِمْ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في رِوايَةٍ: ”إنَّ نَبِيًّا مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنِّي أُرِيدُ قَبْضَ رُوحِكَ، فاعْرِضْ مُلْكَكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَمَن تَكَفَّلَ لَكَ أنَّهُ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ حَتّى يُصْبِحَ ويَصُومُ بِالنَّهارِ فَلا يُفْطِرُ، ويَقْضِي بَيْنَ النّاسِ فَلا يَغْضَبُ فادْفَعْ مُلْكَكَ إلَيْهِ، فَقامَ ذَلِكَ النَّبِيُّ في بَنِي إسْرائِيلَ وأخْبَرَهم بِذَلِكَ، فَقامَ شابٌّ وقالَ: أنا أتَكَفَّلُ لَكَ بِهَذا؛ فَقالَ في القَوْمِ: مَن هو أكْبَرُ مِنكَ فاقْعُدْ، ثُمَّ صاحَ الثّانِيَةَ والثّالِثَةَ فَقامَ الرَّجُلُ، وقالَ: أتَكَفَّلُ لَكَ بِهَذِهِ الثَّلاثِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ مُلْكَهُ، ووَفى بِما ضَمِنَ. فَحَسَدَهُ إبْلِيسُ؛ فَأتاهُ وقْتَ ما يُرِيدُ أنْ يُقِيلَ، فَقالَ: إنَّ لِي غَرِيمًا قَدْ مَطَلَنِي صفحة ١٨٣ حَقِّي وقَدْ دَعَوْتُهُ إلَيْكَ فَأبى فَأرْسِلْ مَعِيَ مَن يَأْتِيكَ بِهِ، فَأرْسَلَ مَعَهُ وقَعَدَ حَتّى فاتَتْهُ القَيْلُولَةُ ودَعا إلى صِلاتِهِ وصَلّى لَيْلَهُ إلى الصَّباحِ، ثُمَّ أتاهُ مِنَ الغَدِ عِنْدَ القَيْلُولَةِ فَقالَ: إنَّ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَأْذَنْتُكَ لَهُ في مَوْضِعِ كَذا فَلا تَبْرَحْ حَتّى آتِيَكَ بِهِ، فَذَهَبَ وبَقِيَ مُنْتَظَرًا حَتّى فاتَتْهُ القَيْلُولَةُ، ثُمَّ أتاهُ فَقالَ لَهُ: هَرَبَ مِنِّي فَمَضى ذُو الكِفْلِ إلى صِلاتِهِ فَصَلّى لَيْلَتَهُ حَتّى أصْبَحَ، فَأتاهُ إبْلِيسُ وعَرَّفَهُ نَفْسَهُ، وقالَ لَهُ: حَسَدْتُكَ عَلى عِصْمَةِ اللَّهِ إيّاكَ فَأرَدْتُ أنْ أُخْرِجَكَ حَتّى لا تَفِيَ بِما تَكَفَّلْتَ بِهِ، فَشَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ ونَبَّأهُ، فَسُمِّيَ“ ذا الكِفْلِ "، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالكِفْلِ هُنا الكَفالَةُ. وثالِثُها: قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا كَبِرَ اليَسَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: لَوْ أنِّي اسْتَخْلَفْتُ رَجُلًا عَلى النّاسِ في حَياتِي حَتّى أنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُ، فَجَمَعَ النّاسَ وقالَ: مَن يَتَقَبَّلُ مِنِّي، حَتّى اسْتَخْلَفَهُ ثَلاثًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ويَصُومُ بِالنَّهارِ ويَقْضِي فَلا يَغْضَبُ، وذَكَرَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ نَحْوَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن فِعْلِ إبْلِيسَ وتَفْوِيتِهِ عَلَيْهِ القَيْلُولَةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وزادَ أنَّ ذا الكِفْلِ قالَ لِلْبَوّابِ في اليَوْمِ الثّالِثِ: قَدْ غَلَبَ عَلَيَّ النُّعاسُ فَلا تَدَعَنَّ أحَدًا يَقْرَبُ هَذا البابَ حَتّى أنامَ، فَإنِّي قَدْ شَقَّ عَلَيَّ النُّعاسُ، فَجاءَ إبْلِيسُ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ البَوّابُ، فَدَخَلَ مِن كُوَّةٍ في البَيْتِ وتَسَوَّرَ فِيها، فَإذا هو يَدُقُّ البابُ مِن داخِلٍ، فاسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ وعاتَبَ البَوّابَ، فَقالَ: أمّا مِن قِبَلِي فَلَمْ تُؤْتَ، فَقامَ إلى البابِ فَإذا هو مُغْلَقٌ وإبْلِيسُ عَلى صُورَةِ شَيْخٍ مَعَهُ في البَيْتِ، فَقالَ لَهُ: أتَنامُ والخُصُومُ عَلى البابِ ؟ فَعَرَفَهُ فَقالَ: أنْتَ إبْلِيسُ، قالَ: نَعَمْ، أعْيَيْتَنِي في كُلِّ شَيْءٍ فَفَعَلْتُ هَذِهِ الأفْعالَ لِأُغْضِبَكَ فَعَصَمَكَ اللَّهُ مِنِّي، فَسُمِّيَ ذا الكِفْلِ؛ لِأنَّهُ قَدْ وفّى بِما تَكَفَّلَ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومُجاهِدٌ: ذُو الكِفْلِ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا، وقالَ الحَسَنُ والأكْثَرُونَ: إنَّهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهَذا أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ ذا الكِفْلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَقَبًا وأنْ يَكُونَ اسْمًا، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ مُفِيدًا؛ لِأنَّ الِاسْمَ إذا أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى ما يُفِيدُ فَهو أوْلى مِنَ اللَّقَبِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الكِفْلُ هو النَّصِيبُ، والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما سَمّاهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الكِفْلُ هو كِفْلُ الثَّوابِ، فَهو إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ عَمَلَهُ وثَوابَ عَمَلِهِ كانَ ضِعْفَ عَمَلِ غَيْرِهِ وضِعْفَ ثَوابِ غَيْرِهِ، ولَقَدْ كانَ في زَمَنِهِ أنْبِياءُ عَلى ما رُوِيَ، ومَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ لا يَكُونُ أفْضَلَ مِنَ الأنْبِياءِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ إسْماعِيلَ وإدْرِيسَ، والغَرَضُ ذِكْرُ الفُضَلاءِ مِن عِبادِهِ لِيُتَأسّى بِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ. وثالِثُها: أنَّ السُّورَةَ مُلَقَّبَةٌ بِسُورَةِ الأنْبِياءِ، فَكُلُّ مَن ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها فَهو نَبِيٌّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: إنَّ ذا الكِفْلِ زَكَرِيّا، وقِيلَ: يُوشَعُ وقِيلَ: إلْياسُ، ثُمَّ قالُوا: خَمْسَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِاسْمَيْنِ: إسْرائِيلُ ويَعْقُوبُ، إلْياسُ وذُو الكِفْلِ، عِيسى والمَسِيحُ، يُونُسُ وذُو النُّونِ، مُحَمَّدٌ وأحْمَدُ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ عَلى القِيامِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، واحْتِمالِ الأذى في نُصْرَةِ دِينِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: الرَّحْمَةُ النُّبُوَّةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أعْمالِ البَرِّ والخَيْرِ.

الأنبياء 21:87

صفحة ١٨٤ [ القِصَّةُ الثّامِنَةُ، قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هاهُنا مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ ذا النُّونِ هو يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ النُّونَ هو السَّمَكَةُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الِاسْمَ إذا دارَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ لَقَبًا مَحْضًا وبَيْنَ أنْ يَكُونَ مُفِيدًا، فَحَمْلُهُ عَلى المُفِيدِ أوْلى، خُصُوصًا إذا عُلِمَتِ الفائِدَةُ الَّتِي يَصْلُحُ لَها ذَلِكَ الوَصْفُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ وُقُوعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في بَطْنِ السَّمَكَةِ كانَ قَبْلَ اشْتِغالِهِ بِأداءِ رِسالَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ بَعْدَهُ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ يَسْكُنُونَ فِلَسْطِينَ، فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا، وبَقِيَ سِبْطانِ ونِصْفٌ. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى شُعَيْبٍ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اذْهَبْ إلى حِزْقِيلَ المَلِكِ، وقُلْ لَهُ: حَتّى يُوَجِّهَ نَبِيًّا قَوِيًّا أمِينًا، فَإنِّي أُلْقِي في قُلُوبِ أُولَئِكَ أنْ يُرْسِلُوا مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ: فَمَن تَرى ؟ وكانَ في مَمْلَكَتِهِ خَمْسَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، فَقالَ: يُونُسُ بْنُ مَتّى فَإنَّهُ قَوِيٌّ أمِينٌ، فَدَعا المَلِكُ بِيُونُسَ وأمَرَهُ أنْ يَخْرُجَ فَقالَ يُونُسُ: هَلْ أمَرَكَ اللَّهُ بِإخْراجِي ؟ قالَ: لا، قالَ: فَهَلْ سَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: لا، قالَ: فَهاهُنا أنْبِياءٌ غَيْرِي، فَألَحُّوا عَلَيْهِ فَخَرَجَ مُغاضِبًا لِلْمَلِكِ ولِقَوْمِهِ فَأتى بَحْرَ الرُّومِ فَوَجَدَ قَوْمًا هَيَّئُوا سَفِينَةً فَرَكِبَ مَعَهم فَلَمّا تَلَجَّجَتِ السَّفِينَةُ تَكَفَّأتْ بِهِمْ وكادُوا أنْ يَغْرَقُوا، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا رَجُلٌ عاصٍ أوْ عَبْدٌ آبِقٌ؛ لِأنَّ السَّفِينَةَ لا تَفْعَلُ هَذا مِن غَيْرِ رِيحٍ إلّا وفِيها رَجُلٌ عاصٍ، ومِن رَسْمِنا أنّا إذا ابْتُلِينا بِمِثْلِ هَذا البَلاءِ أنْ نَقْتَرِعَ، فَمَن وقَعَتْ عَلَيْهِ القُرْعَةُ ألْقَيْناهُ في البَحْرِ؛ ولَأنْ يَغْرَقَ [ و] احِدٌ خَيْرٌ مِن أنْ تَغْرَقَ السَّفِينَةُ، فاقْتَرَعُوا ثَلاثَ مَرّاتٍ فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ فِيها كُلِّها عَلى يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: أنا الرَّجُلُ العاصِي والعَبْدُ الآبِقُ، وألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ فَجاءَ حُوتٌ فابْتَلَعَهُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ لا تُؤْذِ مِنهُ شَعْرَةً، فَإنِّي جَعَلْتُ بَطْنَكَ سِجْنًا لَهُ ولَمْ أجْعَلْهُ طَعامًا لَكَ، ثُمَّ لَمّا نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ نَبَذَهُ بِالعَراءِ كالفَرْخِ المَنتُوفِ لَيْسَ عَلَيْهِ شَعَرٌ ولا جِلْدٌ، فَأنْبَتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى اشْتَدَّ، فَلَمّا يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ حَزِنَ عَلَيْها يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ لَهُ: أتَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ ولَمْ تَحْزَنْ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، حَيْثُ لَمْ تَذْهَبْ إلَيْهِمْ ولَمْ تَطْلُبْ راحَتَهم ؟ ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ وأمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ، فَتَوَجَّهُ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَحْوَهم حَتّى دَخَلَ أرْضَهم وهم مِنهُ غَيْرُ بَعِيدٍ فَأتاهم يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ لِمَلِكِهِمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَنِي إلَيْكَ لِتُرْسِلَ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ما تَقُولُ، ولَوْ عَلِمْنا أنَّكَ صادِقٌ لَفَعَلْنا، ولَقَدْ أتَيْناكم في دِيارِكم وسَبَيْناكم، فَلَوْ كانَ كَما تَقُولُ لَمَنَعَنا اللَّهُ عَنْكم، فَطافَ ثَلاثَةَ أيّامٍ يَدْعُوهم إلى ذَلِكَ فَأبَوْا عَلَيْهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: قُلْ لَهم: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا جاءَكُمُ العَذابُ فَأبْلَغَهم فَأبَوْا، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِمْ فَلَمّا فَقَدُوهُ نَدِمُوا عَلى فِعْلِهِمْ؛ فانْطَلَقُوا يَطْلُبُونَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا أمْرَهم وأمْرَ يُونُسَ لِلْعُلَماءِ الَّذِينَ كانُوا في دِينِهِمْ، فَقالُوا: انْظُرُوا واطْلُبُوهُ في المَدِينَةِ فَإنْ كانَ فِيها فَلَيْسَ مِمّا ذَكَرَ مِن نُزُولِ العَذابِ شَيْءٌ، وإنْ كانَ قَدْ خَرَجَ فَهو كَما قالَ: فَطَلَبُوهُ فَقِيلَ لَهم: إنَّهُ خَرَجَ العَشِيَّ، فَلَمّا آيَسُوا أغْلَقُوا بابَ مَدِينَتِهِمْ فَلَمْ يَدْخُلْها بَقَرُهم ولا غَنَمُهم وعَزَلُوا الوالِدَةَ عَنْ ولَدِها، وكَذا الصِّبْيانُ والأُمَّهاتُ، ثُمَّ قامُوا يَنْتَظِرُونَ الصُّبْحَ، فَلَمّا انْشَقَّ الصُّبْحُ رَأوُا العَذابَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ فَشَقُّوا جُيُوبَهم ووَضَعَتِ الحَوامِلُ ما في بُطُونِها، وصاحَ الصِّبْيانُ، وثَغَتِ الأغْنامُ والبَقَرُ، فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ صفحة ١٨٥ العَذابَ، فَبَعَثُوا إلى يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَآمَنُوا بِهِ، وبَعَثُوا مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَعَلى هَذا القَوْلِ كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما نَبَذَهُ الحُوتُ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الصّافّاتِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٥] . وفِي هَذا القَوْلِ رِوايَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ: انْطَلِقْ إلى أهْلِ نِينَوى وأنْذِرْهم أنَّ العَذابَ قَدْ حَضَرَهم، فَقالَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألْتَمِسُ دابَّةً ؟ فَقالَ: الأمْرُ أعْجَلُ مِن ذَلِكَ، فَغَضِبَ وانْطَلَقَ إلى السَّفِينَةِ، وباقِي الحِكايَةِ كَما مَرَّتْ إلى أنِ التَقَمَهُ الحُوتُ، فانْطَلَقَ إلى أنْ وصَلَ إلى نِينَوى فَألْقاهُ هُناكَ. أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ قِصَّةَ الحُوتِ كانَتْ بَعْدَ دُعائِهِ أهْلَ نِينَوى وتَبْلِيغِهِ رِسالَةَ اللَّهِ إلَيْهِمْ قالُوا: إنَّهم لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا وعَدَهم بِالعَذابِ، فَلَمّا كُشِفَ العَذابُ عَنْهم بَعْدَ ما تَوَعَّدَهم بِهِ خَرَجَ مِنهم مُغاضِبًا، ثُمَّ ذَكَرُوا في سَبَبِ الخُرُوجِ والغَضَبِ أُمُورًا: أحَدُها: أنَّهُ اسْتَحْيى أنْ يَكُونَ بَيْنَ قَوْمٍ قَدْ جَرَّبُوا عَلَيْهِ الكَذِبَ. وثانِيها: أنَّهُ كانَ مَن عادَتِهِمْ قَتْلُ الكاذِبِ. وثالِثُها: أنَّهُ دَخَلَتْهُ الأنَفَةُ. ورابِعُها: لَمّا لَمْ يَنْزِلِ العَذابُ بِأُولَئِكَ. وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ قِصَّةَ الحُوتِ وذَهابِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُغاضِبًا بَعْدَ أنْ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ، وبَعْدَ رَفْعِ العَذابِ عَنْهم. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِجَوازِ الذَّنْبِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ ذَهَبَ يُونُسُ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، ويُقالُ: هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ووَهْبٍ، واخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ؛ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ أنَّ مُغاضَبَتَهُ لِلَّهِ تَعالى مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ هَذِهِ المُغاضَبَةَ لَمْ تَكُنْ مَعَ اللَّهِ تَعالى بَلْ كانَتْ مَعَ ذَلِكَ المَلِكِ أوْ مَعَ القَوْمِ، فَهو أيْضًا كانَ مَحْظُورًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ مِن يُونُسَ كانَ مَحْظُورًا. وثانِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ شاكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ والظُّلْمُ مِن أسْماءِ الذَّمِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] . ورابِعُها: أنَّهُ لَوْ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ الذَّنْبُ، فَلِمَ عاقَبَهُ اللَّهُ بِأنْ ألْقاهُ في بَطْنِ الحُوتِ؟ . وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]، والمُلِيمُ هو ذُو المَلامَةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مُذْنِبٌ. وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ فَإنْ لَمْ يَكُنْ صاحِبُ الحُوتِ مُذْنِبًا لَمْ يَجُزِ النَّهْيُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِ، وإنْ كانَ مُذْنِبًا فَقَدْ حَصَلَ الغَرَضُ. وسابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ وقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]؛ فَلَزِمَ أنْ لا يَكُونَ يُونُسُ مِن أُولِي العَزْمِ، وكانَ مُوسى مِن أُولِي العَزْمِ، ثُمَّ قالَ: في حَقِّهِ: «لَوْ كانَ ابْنُ عِمْرانَ حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» وقالَ في يُونُسَ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنِ مَتّى» وهَذا خارِجٌ عَنْ تَفْسِيرِ الآيَةِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ مَن غاضَبَهُ، لَكِنّا نَقْطَعُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى نَبِيِّ اللَّهِ أنْ يُغاضِبَ رَبَّهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةُ مَن يَجْهَلُ كَوْنَ اللَّهِ مالِكًا لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، والجاهِلُ بِاللَّهِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا، وأمّا ما رُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ مُغاضِبًا لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى الِاسْتِعْدادِ، وتَناوُلِ النَّفْلِ، فَمِمّا يَرْتَفِعُ حالُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أمَرَهم بِشَيْءٍ فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفُوهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقَوْلُهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ صفحة ١٨٦ [النساء: ٦٥] فَإذا كانَ في الِاسْتِعْدادِ مُخالَفَةٌ لَمْ يَجُزْ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنهم، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ هَذِهِ المُغاضَبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ خَرَجَ مُغاضِبًا لِغَيْرِ اللَّهِ، والغالِبُ أنَّهُ إنَّما يُغاضِبُ مَن يَعْصِيهِ فِيما يَأْمُرُهُ بِهِ فَيَحْتَمِلُ قَوْمَهُ أوِ المَلِكَ أوْ هُما جَمِيعًا، ومَعْنى مُغاضَبَتِهِ لِقَوْمِهِ أنَّهُ أغْضَبَهم بِمُفارَقَتِهِ لِخَوْفِهِمْ حُلُولَ العَذابِ عَلَيْهِمْ عِنْدَها، وقَرَأ أبُو شَرَفٍ ”مُغْضَبًا“ . أمّا قَوْلُهُ: مُغاضَبَةُ القَوْمِ أيْضًا كانَتْ مَحْظُورَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّها كانَتْ مَحْظُورَةً، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِتَبْلِيغِ تِلْكَ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ، وما أمَرَهُ بِأنْ يَبْقى مَعَهم أبَدًا فَظاهِرُ الأمْرِ لا يَقْتَضِي التَّكْرارَ، فَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُ مِن بَيْنِهِمْ مَعْصِيَةً، وأمّا الغَضَبُ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مَنهِيًّا عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَظَنَّ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى، وأنَفَةً لِدِينِهِ، وبُغْضًا لِلْكُفْرِ وأهْلِهِ، بَلْ كانَ الأوْلى لَهُ أنْ يُصابِرَ ويَنْتَظِرَ الإذْنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في المُهاجَرَةِ عَنْهم، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أفْضَلَ المَنازِلِ وأعْلاها. والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أنْ نَقُولَ مَن ظَنَّ عَجْزَ اللَّهِ تَعالى فَهو كافِرٌ، ولا خِلافَ أنَّهُ لا يَجُوزُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى آحادِ المُؤْمِنِينَ، فَكَيْفَ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَإذَنْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ [العنكبوت: ٦٢] أيْ يُضَيِّقُ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطَّلاقِ: ٧ ] أيْ ضُيِّقَ: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ ضَيَّقَ ومَعْناهُ أنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَصِيرُ الآيَةُ حُجَّةً لَنا، وذَلِكَ لِأنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّ أنَّهُ مُخَيَّرٌ إنْ شاءَ أقامَ وإنْ شاءَ خَرَجَ، وأنَّهُ تَعالى لا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ في اخْتِيارِهِ، وكانَ في المَعْلُومِ أنَّ الصَّلاحَ في تَأخُّرِ خُرُوجِهِ، وهَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى بَيانٌ لِما يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ لَهُ مِن حَيْثُ خَرَجَ، لا عَلى تَعَمُّدِ المَعْصِيَةِ، لَكِنْ لِظَنِّهِ أنَّ الأمْرَ في خُرُوجِهِ مُوَسَّعٌ يَجُوزُ أنْ يُقَدِّمَ ويُؤَخِّرَ، وكانَ الصَّلاحُ خِلافَ ذَلِكَ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ التَّمْثِيلِ، بِمَعْنى فَكانَتْ حالَتُهُ مُمَثَّلَةً بِحالَةِ مَن ظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ في خُرُوجِهِ مِن قَوْمِهِ مِن غَيْرِ انْتِظارٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. وثالِثُها: أنْ تُفَسَّرَ القُدْرَةُ بِالقَضاءِ، فالمَعْنى فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ بِشِدَّةٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ، ورِوايَةُ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - واخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، قالَ الزَّجّاجُ: ”نَقْدِرَ“ بِمَعْنى نُقَدِّرُ. يُقالُ: قَدَرَ اللَّهُ الشَّيْءَ قَدْرًا وقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، فالقَدْرُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والزُّهْرِيُّ: ”فَظَنَّ أنْ لَنْ نُقَدِّرَ عَلَيْهِ“ بِضَمِّ النُّونِ والتَّشْدِيدِ؛ مِنَ التَّقْدِيرِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المَجْهُولِ وقَرَأ يَعْقُوبُ: ”يُقْدَرُ عَلَيْهِ“ بِالتَّخْفِيفِ عَلى المَجْهُولِ. ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَلى مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ مُعاوِيَةُ: لَقَدْ ضَرَبَتْنِي أمْواجُ القُرْآنِ البارِحَةَ فَغَرِقْتُ فِيها، فَلَمْ أجِدْ لِنَفْسِي خَلاصًا إلّا بِكَ فَقالَ: وما هي ؟ قالَ: يَظُنُّ نَبِيُّ اللَّهِ أنْ لَنْ يَقْدِرَ اللَّهُ عَلَيْهِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - هَذا مِنَ القَدْرِ لا مِنَ القُدْرَةِ. ورابِعُها: أنْ لَنْ نَقْدِرَ: أيْ فَظَنَّ أنْ لَنْ نَفْعَلَ؛ لِأنَّ بَيْنَ القُدْرَةِ والفِعْلِ مُناسِبَةً فَلا يَبْعُدُ جَعْلُ أحَدِهِما مَجازًا عَنِ الآخَرِ. وخامِسُها: أنَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّوْبِيخِ، مَعْناهُ أفَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ. وسادِسُها: أنَّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ قَبْلَ رِسالَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ هَذا الظَّنُّ حاصِلًا قَبْلَ الرِّسالَةِ، ولا يَبْعُدُ في حَقِّ غَيْرِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ أنْ يَسْبِقَ ذَلِكَ إلى وهْمِهِ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ إنَّهُ يَرُدُّهُ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: وهو التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فَهو أنْ نَقُولَ: إنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَلا كَلامَ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما بَعْدَها فَهي واجِبَةُ صفحة ١٨٧ التَّأْوِيلِ؛ لِأنّا لَوْ أجْرَيْناها عَلى ظاهِرِها، لَوَجَبَ القَوْلُ بِكَوْنِ النَّبِيِّ مُسْتَحِقًّا لِلَّعْنِ، وهَذا لا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ، وإذا وجَبَ التَّأْوِيلُ فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّهُ كانَ تارِكًا لِلْأفْضَلِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَحْصِيلِ الأفْضَلِ، فَكانَ ذَلِكَ ظُلْمًا. والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ كانَ عُقُوبَةً إذِ الأنْبِياءُ لا يَجُوزُ أنْ يُعاقَبُوا، بَلِ المُرادُ بِهِ المِحْنَةُ، لَكِنْ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَذْكُرُونَ في كُلِّ مَضَرَّةٍ تُفْعَلُ لِأجْلِ ذَنْبٍ أنَّها عُقُوبَةٌ. والجَوابُ عَنِ الخامِسِ: أنَّ المَلامَةَ كانَتْ بِسَبَبِ تَرْكِ الأفْضَلِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في الظُّلُماتِ أيْ في الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ المُتَكاثِفَةِ في بَطْنِ الحُوتِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ [البقرة: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ومِنهم مَنِ اعْتَبَرَ أنْواعًا مُخْتَلِفَةً مِنَ الظُّلُماتِ، فَإنْ كانَ النِّداءُ في اللَّيْلِ فَهُناكَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ والبَحْرِ وبَطْنِ الحُوتِ، وإنْ كانَ في النَّهارِ أُضِيفَ إلَيْهِ ظُلْمَةُ أمْعاءِ الحُوتِ، أوْ أنَّ حُوتًا ابْتَلَعَ الحُوتَ الَّذِي هو في بَطْنِهِ، أوْ لِأنَّ الحُوتَ إذا عَظُمَ غَوْصُهُ في قَعْرِ البَحْرِ كانَ ما فَوْقَهُ مِنَ البَحْرِ ظُلْمَةً في ظُلْمَةٍ، أمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الحُوتَ الَّذِي ابْتَلَعَهُ غاصَ في الأرْضِ السّابِعَةِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِخَبَرٍ فَلا كَلامَ، وإنْ قِيلَ بِذَلِكَ لِكَيْ يَقَعَ نِداؤُهُ في الظُّلُماتِ فَما قَدَّمْناهُ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ﴾ فالمَعْنى بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أوْ بِمَعْنى أيْ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن مَكْرُوبٍ يَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ إلّا اسْتُجِيبَ لَهُ» وعَنِ الحَسَنِ: ما نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى إلّا بِإقْرارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِالظُّلْمِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ فَهو تَنْزِيهٌ عَنْ كُلِّ النَّقائِصِ ومِنها العَجْزُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ مُرادُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أنَّهُ ظَنَّ العَجْزَ، وإنَّما قالَ: (سُبْحانَكَ) لِأنَّ تَقْدِيرَهُ سُبْحانَكَ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ جَوْرًا أوْ شَهْوَةً لِلِانْتِقامِ، أوْ عَجْزًا عَنْ تَخْلِيصِي عَنْ هَذا الحَبْسِ، بَلْ فَعَلْتَهُ بِحَقِّ الإلَهِيَّةِ وبِمُقْتَضى الحِكْمَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فالمَعْنى ظَلَمْتُ نَفْسِي بِفِرارِي مِن قَوْمِي بِغَيْرِ إذْنِكَ، كَأنَّهُ قالَ: كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، وأنا الآنَ مِنَ التّائِبِينَ النّادِمِينَ، فاكْشِفْ عَنِّي المِحْنَةَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فاسْتَجَبْنا لَهُ)، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ﴾ بِكَمالِ الرُّبُوبِيَّةِ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ بِضَعْفِ البَشَرِيَّةِ والقُصُورِ في أداءِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في السُّؤالِ عَلى ما قالَ المُتَنَبِّي: وفِي النَّفْسِ حاجاتٌ وفِيكَ فَطانَةٌ سُكُوتِي كَلامٌ عِنْدَها وخِطابُ ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رافِعٍ مَوْلى أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَمّا أرادَ اللَّهُ حَبْسَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْحى إلى الحُوتِ أنْ خُذْهُ ولا تَخْدِشْ لَهُ لَحْمًا، ولا تَكْسِرْ لَهُ عَظْمًا؛ فَأخَذَهُ وهَوى بِهِ إلى أسْفَلِ البَحْرِ، فَسَمِعَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِسًّا، فَقالَ في نَفْسِهِ: ما هَذا ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ هَذا تَسْبِيحُ دَوابِّ البَحْرِ؛ قالَ: فَسَبَّحَ، فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ، فَقالُوا مِثْلَهُ» . أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ﴾ أيْ مِن غَمِّهِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ في بَطْنِ الحُوتِ، وبِسَبَبِ خَطِيئَتِهِ، وكَما أنْجَيْنا يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كَرْبِ الحَبْسِ إذْ دَعانا: ﴿وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ مِن كَرْبِهِمْ إذا اسْتَغاثُوا بِنا؛ رَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ في بَطْنِ الحُوتِ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ، إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ؛ ما دَعا بِها عَبْدٌ مُسْلِمٌ قَطُّ وهو مَكْرُوبٌ إلّا اسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ» . قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ صفحة ١٨٨ ”نُنْجِي ونُنَجِّي ونَجّى“ والنُّونُ لا تُدْغَمُ في الجِيمِ، ومَن تَمَحَّلَ لِصِحَّتِهِ فَجَعَلَهُ ”فَعَّلَ“ وقالَ: نَجّى النَّجاءَ المُؤْمِنِينَ فَأرْسَلَ الياءَ وأسْنَدَهُ إلى مَصْدَرِهِ، ونَصَبَ المُؤْمِنِينَ بِالنَّجاءِ، فَتَعَسَّفَ بارِدَ التَّعَسُّفِ.

الأنبياء 21:88

صفحة ١٨٤ [ القِصَّةُ الثّامِنَةُ، قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هاهُنا مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ ذا النُّونِ هو يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ النُّونَ هو السَّمَكَةُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الِاسْمَ إذا دارَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ لَقَبًا مَحْضًا وبَيْنَ أنْ يَكُونَ مُفِيدًا، فَحَمْلُهُ عَلى المُفِيدِ أوْلى، خُصُوصًا إذا عُلِمَتِ الفائِدَةُ الَّتِي يَصْلُحُ لَها ذَلِكَ الوَصْفُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ وُقُوعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في بَطْنِ السَّمَكَةِ كانَ قَبْلَ اشْتِغالِهِ بِأداءِ رِسالَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ بَعْدَهُ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ يَسْكُنُونَ فِلَسْطِينَ، فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا، وبَقِيَ سِبْطانِ ونِصْفٌ. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى شُعَيْبٍ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اذْهَبْ إلى حِزْقِيلَ المَلِكِ، وقُلْ لَهُ: حَتّى يُوَجِّهَ نَبِيًّا قَوِيًّا أمِينًا، فَإنِّي أُلْقِي في قُلُوبِ أُولَئِكَ أنْ يُرْسِلُوا مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ: فَمَن تَرى ؟ وكانَ في مَمْلَكَتِهِ خَمْسَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، فَقالَ: يُونُسُ بْنُ مَتّى فَإنَّهُ قَوِيٌّ أمِينٌ، فَدَعا المَلِكُ بِيُونُسَ وأمَرَهُ أنْ يَخْرُجَ فَقالَ يُونُسُ: هَلْ أمَرَكَ اللَّهُ بِإخْراجِي ؟ قالَ: لا، قالَ: فَهَلْ سَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: لا، قالَ: فَهاهُنا أنْبِياءٌ غَيْرِي، فَألَحُّوا عَلَيْهِ فَخَرَجَ مُغاضِبًا لِلْمَلِكِ ولِقَوْمِهِ فَأتى بَحْرَ الرُّومِ فَوَجَدَ قَوْمًا هَيَّئُوا سَفِينَةً فَرَكِبَ مَعَهم فَلَمّا تَلَجَّجَتِ السَّفِينَةُ تَكَفَّأتْ بِهِمْ وكادُوا أنْ يَغْرَقُوا، فَقالَ المَلّاحُونَ: هاهُنا رَجُلٌ عاصٍ أوْ عَبْدٌ آبِقٌ؛ لِأنَّ السَّفِينَةَ لا تَفْعَلُ هَذا مِن غَيْرِ رِيحٍ إلّا وفِيها رَجُلٌ عاصٍ، ومِن رَسْمِنا أنّا إذا ابْتُلِينا بِمِثْلِ هَذا البَلاءِ أنْ نَقْتَرِعَ، فَمَن وقَعَتْ عَلَيْهِ القُرْعَةُ ألْقَيْناهُ في البَحْرِ؛ ولَأنْ يَغْرَقَ [ و] احِدٌ خَيْرٌ مِن أنْ تَغْرَقَ السَّفِينَةُ، فاقْتَرَعُوا ثَلاثَ مَرّاتٍ فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ فِيها كُلِّها عَلى يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: أنا الرَّجُلُ العاصِي والعَبْدُ الآبِقُ، وألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ فَجاءَ حُوتٌ فابْتَلَعَهُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى الحُوتِ لا تُؤْذِ مِنهُ شَعْرَةً، فَإنِّي جَعَلْتُ بَطْنَكَ سِجْنًا لَهُ ولَمْ أجْعَلْهُ طَعامًا لَكَ، ثُمَّ لَمّا نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ نَبَذَهُ بِالعَراءِ كالفَرْخِ المَنتُوفِ لَيْسَ عَلَيْهِ شَعَرٌ ولا جِلْدٌ، فَأنْبَتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى اشْتَدَّ، فَلَمّا يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ حَزِنَ عَلَيْها يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ لَهُ: أتَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ ولَمْ تَحْزَنْ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، حَيْثُ لَمْ تَذْهَبْ إلَيْهِمْ ولَمْ تَطْلُبْ راحَتَهم ؟ ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ وأمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ، فَتَوَجَّهُ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَحْوَهم حَتّى دَخَلَ أرْضَهم وهم مِنهُ غَيْرُ بَعِيدٍ فَأتاهم يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ لِمَلِكِهِمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَنِي إلَيْكَ لِتُرْسِلَ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ما تَقُولُ، ولَوْ عَلِمْنا أنَّكَ صادِقٌ لَفَعَلْنا، ولَقَدْ أتَيْناكم في دِيارِكم وسَبَيْناكم، فَلَوْ كانَ كَما تَقُولُ لَمَنَعَنا اللَّهُ عَنْكم، فَطافَ ثَلاثَةَ أيّامٍ يَدْعُوهم إلى ذَلِكَ فَأبَوْا عَلَيْهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: قُلْ لَهم: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا جاءَكُمُ العَذابُ فَأبْلَغَهم فَأبَوْا، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِمْ فَلَمّا فَقَدُوهُ نَدِمُوا عَلى فِعْلِهِمْ؛ فانْطَلَقُوا يَطْلُبُونَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا أمْرَهم وأمْرَ يُونُسَ لِلْعُلَماءِ الَّذِينَ كانُوا في دِينِهِمْ، فَقالُوا: انْظُرُوا واطْلُبُوهُ في المَدِينَةِ فَإنْ كانَ فِيها فَلَيْسَ مِمّا ذَكَرَ مِن نُزُولِ العَذابِ شَيْءٌ، وإنْ كانَ قَدْ خَرَجَ فَهو كَما قالَ: فَطَلَبُوهُ فَقِيلَ لَهم: إنَّهُ خَرَجَ العَشِيَّ، فَلَمّا آيَسُوا أغْلَقُوا بابَ مَدِينَتِهِمْ فَلَمْ يَدْخُلْها بَقَرُهم ولا غَنَمُهم وعَزَلُوا الوالِدَةَ عَنْ ولَدِها، وكَذا الصِّبْيانُ والأُمَّهاتُ، ثُمَّ قامُوا يَنْتَظِرُونَ الصُّبْحَ، فَلَمّا انْشَقَّ الصُّبْحُ رَأوُا العَذابَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ فَشَقُّوا جُيُوبَهم ووَضَعَتِ الحَوامِلُ ما في بُطُونِها، وصاحَ الصِّبْيانُ، وثَغَتِ الأغْنامُ والبَقَرُ، فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ صفحة ١٨٥ العَذابَ، فَبَعَثُوا إلى يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَآمَنُوا بِهِ، وبَعَثُوا مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَعَلى هَذا القَوْلِ كانَتْ رِسالَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما نَبَذَهُ الحُوتُ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الصّافّاتِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٥] . وفِي هَذا القَوْلِ رِوايَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ: انْطَلِقْ إلى أهْلِ نِينَوى وأنْذِرْهم أنَّ العَذابَ قَدْ حَضَرَهم، فَقالَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألْتَمِسُ دابَّةً ؟ فَقالَ: الأمْرُ أعْجَلُ مِن ذَلِكَ، فَغَضِبَ وانْطَلَقَ إلى السَّفِينَةِ، وباقِي الحِكايَةِ كَما مَرَّتْ إلى أنِ التَقَمَهُ الحُوتُ، فانْطَلَقَ إلى أنْ وصَلَ إلى نِينَوى فَألْقاهُ هُناكَ. أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ قِصَّةَ الحُوتِ كانَتْ بَعْدَ دُعائِهِ أهْلَ نِينَوى وتَبْلِيغِهِ رِسالَةَ اللَّهِ إلَيْهِمْ قالُوا: إنَّهم لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا وعَدَهم بِالعَذابِ، فَلَمّا كُشِفَ العَذابُ عَنْهم بَعْدَ ما تَوَعَّدَهم بِهِ خَرَجَ مِنهم مُغاضِبًا، ثُمَّ ذَكَرُوا في سَبَبِ الخُرُوجِ والغَضَبِ أُمُورًا: أحَدُها: أنَّهُ اسْتَحْيى أنْ يَكُونَ بَيْنَ قَوْمٍ قَدْ جَرَّبُوا عَلَيْهِ الكَذِبَ. وثانِيها: أنَّهُ كانَ مَن عادَتِهِمْ قَتْلُ الكاذِبِ. وثالِثُها: أنَّهُ دَخَلَتْهُ الأنَفَةُ. ورابِعُها: لَمّا لَمْ يَنْزِلِ العَذابُ بِأُولَئِكَ. وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ قِصَّةَ الحُوتِ وذَهابِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُغاضِبًا بَعْدَ أنْ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ، وبَعْدَ رَفْعِ العَذابِ عَنْهم. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِجَوازِ الذَّنْبِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ ذَهَبَ يُونُسُ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، ويُقالُ: هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ووَهْبٍ، واخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ؛ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ أنَّ مُغاضَبَتَهُ لِلَّهِ تَعالى مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ هَذِهِ المُغاضَبَةَ لَمْ تَكُنْ مَعَ اللَّهِ تَعالى بَلْ كانَتْ مَعَ ذَلِكَ المَلِكِ أوْ مَعَ القَوْمِ، فَهو أيْضًا كانَ مَحْظُورًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ مِن يُونُسَ كانَ مَحْظُورًا. وثانِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ شاكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ والظُّلْمُ مِن أسْماءِ الذَّمِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] . ورابِعُها: أنَّهُ لَوْ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ الذَّنْبُ، فَلِمَ عاقَبَهُ اللَّهُ بِأنْ ألْقاهُ في بَطْنِ الحُوتِ؟ . وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]، والمُلِيمُ هو ذُو المَلامَةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مُذْنِبٌ. وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ فَإنْ لَمْ يَكُنْ صاحِبُ الحُوتِ مُذْنِبًا لَمْ يَجُزِ النَّهْيُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِ، وإنْ كانَ مُذْنِبًا فَقَدْ حَصَلَ الغَرَضُ. وسابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ وقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]؛ فَلَزِمَ أنْ لا يَكُونَ يُونُسُ مِن أُولِي العَزْمِ، وكانَ مُوسى مِن أُولِي العَزْمِ، ثُمَّ قالَ: في حَقِّهِ: «لَوْ كانَ ابْنُ عِمْرانَ حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» وقالَ في يُونُسَ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنِ مَتّى» وهَذا خارِجٌ عَنْ تَفْسِيرِ الآيَةِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ مَن غاضَبَهُ، لَكِنّا نَقْطَعُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى نَبِيِّ اللَّهِ أنْ يُغاضِبَ رَبَّهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةُ مَن يَجْهَلُ كَوْنَ اللَّهِ مالِكًا لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، والجاهِلُ بِاللَّهِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا، وأمّا ما رُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ مُغاضِبًا لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى الِاسْتِعْدادِ، وتَناوُلِ النَّفْلِ، فَمِمّا يَرْتَفِعُ حالُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أمَرَهم بِشَيْءٍ فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفُوهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقَوْلُهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ صفحة ١٨٦ [النساء: ٦٥] فَإذا كانَ في الِاسْتِعْدادِ مُخالَفَةٌ لَمْ يَجُزْ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنهم، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ هَذِهِ المُغاضَبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ خَرَجَ مُغاضِبًا لِغَيْرِ اللَّهِ، والغالِبُ أنَّهُ إنَّما يُغاضِبُ مَن يَعْصِيهِ فِيما يَأْمُرُهُ بِهِ فَيَحْتَمِلُ قَوْمَهُ أوِ المَلِكَ أوْ هُما جَمِيعًا، ومَعْنى مُغاضَبَتِهِ لِقَوْمِهِ أنَّهُ أغْضَبَهم بِمُفارَقَتِهِ لِخَوْفِهِمْ حُلُولَ العَذابِ عَلَيْهِمْ عِنْدَها، وقَرَأ أبُو شَرَفٍ ”مُغْضَبًا“ . أمّا قَوْلُهُ: مُغاضَبَةُ القَوْمِ أيْضًا كانَتْ مَحْظُورَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّها كانَتْ مَحْظُورَةً، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِتَبْلِيغِ تِلْكَ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ، وما أمَرَهُ بِأنْ يَبْقى مَعَهم أبَدًا فَظاهِرُ الأمْرِ لا يَقْتَضِي التَّكْرارَ، فَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُ مِن بَيْنِهِمْ مَعْصِيَةً، وأمّا الغَضَبُ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مَنهِيًّا عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَظَنَّ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى، وأنَفَةً لِدِينِهِ، وبُغْضًا لِلْكُفْرِ وأهْلِهِ، بَلْ كانَ الأوْلى لَهُ أنْ يُصابِرَ ويَنْتَظِرَ الإذْنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في المُهاجَرَةِ عَنْهم، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أفْضَلَ المَنازِلِ وأعْلاها. والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أنْ نَقُولَ مَن ظَنَّ عَجْزَ اللَّهِ تَعالى فَهو كافِرٌ، ولا خِلافَ أنَّهُ لا يَجُوزُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى آحادِ المُؤْمِنِينَ، فَكَيْفَ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَإذَنْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ [العنكبوت: ٦٢] أيْ يُضَيِّقُ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطَّلاقِ: ٧ ] أيْ ضُيِّقَ: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ ضَيَّقَ ومَعْناهُ أنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَصِيرُ الآيَةُ حُجَّةً لَنا، وذَلِكَ لِأنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّ أنَّهُ مُخَيَّرٌ إنْ شاءَ أقامَ وإنْ شاءَ خَرَجَ، وأنَّهُ تَعالى لا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ في اخْتِيارِهِ، وكانَ في المَعْلُومِ أنَّ الصَّلاحَ في تَأخُّرِ خُرُوجِهِ، وهَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى بَيانٌ لِما يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ لَهُ مِن حَيْثُ خَرَجَ، لا عَلى تَعَمُّدِ المَعْصِيَةِ، لَكِنْ لِظَنِّهِ أنَّ الأمْرَ في خُرُوجِهِ مُوَسَّعٌ يَجُوزُ أنْ يُقَدِّمَ ويُؤَخِّرَ، وكانَ الصَّلاحُ خِلافَ ذَلِكَ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ التَّمْثِيلِ، بِمَعْنى فَكانَتْ حالَتُهُ مُمَثَّلَةً بِحالَةِ مَن ظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ في خُرُوجِهِ مِن قَوْمِهِ مِن غَيْرِ انْتِظارٍ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. وثالِثُها: أنْ تُفَسَّرَ القُدْرَةُ بِالقَضاءِ، فالمَعْنى فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ بِشِدَّةٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والكَلْبِيِّ، ورِوايَةُ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - واخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، قالَ الزَّجّاجُ: ”نَقْدِرَ“ بِمَعْنى نُقَدِّرُ. يُقالُ: قَدَرَ اللَّهُ الشَّيْءَ قَدْرًا وقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، فالقَدْرُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والزُّهْرِيُّ: ”فَظَنَّ أنْ لَنْ نُقَدِّرَ عَلَيْهِ“ بِضَمِّ النُّونِ والتَّشْدِيدِ؛ مِنَ التَّقْدِيرِ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المَجْهُولِ وقَرَأ يَعْقُوبُ: ”يُقْدَرُ عَلَيْهِ“ بِالتَّخْفِيفِ عَلى المَجْهُولِ. ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَلى مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ مُعاوِيَةُ: لَقَدْ ضَرَبَتْنِي أمْواجُ القُرْآنِ البارِحَةَ فَغَرِقْتُ فِيها، فَلَمْ أجِدْ لِنَفْسِي خَلاصًا إلّا بِكَ فَقالَ: وما هي ؟ قالَ: يَظُنُّ نَبِيُّ اللَّهِ أنْ لَنْ يَقْدِرَ اللَّهُ عَلَيْهِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - هَذا مِنَ القَدْرِ لا مِنَ القُدْرَةِ. ورابِعُها: أنْ لَنْ نَقْدِرَ: أيْ فَظَنَّ أنْ لَنْ نَفْعَلَ؛ لِأنَّ بَيْنَ القُدْرَةِ والفِعْلِ مُناسِبَةً فَلا يَبْعُدُ جَعْلُ أحَدِهِما مَجازًا عَنِ الآخَرِ. وخامِسُها: أنَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّوْبِيخِ، مَعْناهُ أفَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ. وسادِسُها: أنَّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ قَبْلَ رِسالَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ هَذا الظَّنُّ حاصِلًا قَبْلَ الرِّسالَةِ، ولا يَبْعُدُ في حَقِّ غَيْرِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ أنْ يَسْبِقَ ذَلِكَ إلى وهْمِهِ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ إنَّهُ يَرُدُّهُ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ. والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: وهو التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فَهو أنْ نَقُولَ: إنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَلا كَلامَ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما بَعْدَها فَهي واجِبَةُ صفحة ١٨٧ التَّأْوِيلِ؛ لِأنّا لَوْ أجْرَيْناها عَلى ظاهِرِها، لَوَجَبَ القَوْلُ بِكَوْنِ النَّبِيِّ مُسْتَحِقًّا لِلَّعْنِ، وهَذا لا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ، وإذا وجَبَ التَّأْوِيلُ فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّهُ كانَ تارِكًا لِلْأفْضَلِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَحْصِيلِ الأفْضَلِ، فَكانَ ذَلِكَ ظُلْمًا. والجَوابُ عَنِ الرّابِعِ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ كانَ عُقُوبَةً إذِ الأنْبِياءُ لا يَجُوزُ أنْ يُعاقَبُوا، بَلِ المُرادُ بِهِ المِحْنَةُ، لَكِنْ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَذْكُرُونَ في كُلِّ مَضَرَّةٍ تُفْعَلُ لِأجْلِ ذَنْبٍ أنَّها عُقُوبَةٌ. والجَوابُ عَنِ الخامِسِ: أنَّ المَلامَةَ كانَتْ بِسَبَبِ تَرْكِ الأفْضَلِ. * * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في الظُّلُماتِ أيْ في الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ المُتَكاثِفَةِ في بَطْنِ الحُوتِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ [البقرة: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ومِنهم مَنِ اعْتَبَرَ أنْواعًا مُخْتَلِفَةً مِنَ الظُّلُماتِ، فَإنْ كانَ النِّداءُ في اللَّيْلِ فَهُناكَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ والبَحْرِ وبَطْنِ الحُوتِ، وإنْ كانَ في النَّهارِ أُضِيفَ إلَيْهِ ظُلْمَةُ أمْعاءِ الحُوتِ، أوْ أنَّ حُوتًا ابْتَلَعَ الحُوتَ الَّذِي هو في بَطْنِهِ، أوْ لِأنَّ الحُوتَ إذا عَظُمَ غَوْصُهُ في قَعْرِ البَحْرِ كانَ ما فَوْقَهُ مِنَ البَحْرِ ظُلْمَةً في ظُلْمَةٍ، أمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الحُوتَ الَّذِي ابْتَلَعَهُ غاصَ في الأرْضِ السّابِعَةِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِخَبَرٍ فَلا كَلامَ، وإنْ قِيلَ بِذَلِكَ لِكَيْ يَقَعَ نِداؤُهُ في الظُّلُماتِ فَما قَدَّمْناهُ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ﴾ فالمَعْنى بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أوْ بِمَعْنى أيْ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن مَكْرُوبٍ يَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ إلّا اسْتُجِيبَ لَهُ» وعَنِ الحَسَنِ: ما نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى إلّا بِإقْرارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِالظُّلْمِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ فَهو تَنْزِيهٌ عَنْ كُلِّ النَّقائِصِ ومِنها العَجْزُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ مُرادُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أنَّهُ ظَنَّ العَجْزَ، وإنَّما قالَ: (سُبْحانَكَ) لِأنَّ تَقْدِيرَهُ سُبْحانَكَ أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ جَوْرًا أوْ شَهْوَةً لِلِانْتِقامِ، أوْ عَجْزًا عَنْ تَخْلِيصِي عَنْ هَذا الحَبْسِ، بَلْ فَعَلْتَهُ بِحَقِّ الإلَهِيَّةِ وبِمُقْتَضى الحِكْمَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فالمَعْنى ظَلَمْتُ نَفْسِي بِفِرارِي مِن قَوْمِي بِغَيْرِ إذْنِكَ، كَأنَّهُ قالَ: كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، وأنا الآنَ مِنَ التّائِبِينَ النّادِمِينَ، فاكْشِفْ عَنِّي المِحْنَةَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فاسْتَجَبْنا لَهُ)، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ﴾ بِكَمالِ الرُّبُوبِيَّةِ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ بِضَعْفِ البَشَرِيَّةِ والقُصُورِ في أداءِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في السُّؤالِ عَلى ما قالَ المُتَنَبِّي: وفِي النَّفْسِ حاجاتٌ وفِيكَ فَطانَةٌ سُكُوتِي كَلامٌ عِنْدَها وخِطابُ ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رافِعٍ مَوْلى أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَمّا أرادَ اللَّهُ حَبْسَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْحى إلى الحُوتِ أنْ خُذْهُ ولا تَخْدِشْ لَهُ لَحْمًا، ولا تَكْسِرْ لَهُ عَظْمًا؛ فَأخَذَهُ وهَوى بِهِ إلى أسْفَلِ البَحْرِ، فَسَمِعَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِسًّا، فَقالَ في نَفْسِهِ: ما هَذا ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ هَذا تَسْبِيحُ دَوابِّ البَحْرِ؛ قالَ: فَسَبَّحَ، فَسَمِعَتِ المَلائِكَةُ تَسْبِيحَهُ، فَقالُوا مِثْلَهُ» . أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ﴾ أيْ مِن غَمِّهِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ في بَطْنِ الحُوتِ، وبِسَبَبِ خَطِيئَتِهِ، وكَما أنْجَيْنا يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كَرْبِ الحَبْسِ إذْ دَعانا: ﴿وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ مِن كَرْبِهِمْ إذا اسْتَغاثُوا بِنا؛ رَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ في بَطْنِ الحُوتِ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ، إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ؛ ما دَعا بِها عَبْدٌ مُسْلِمٌ قَطُّ وهو مَكْرُوبٌ إلّا اسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ» . قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ صفحة ١٨٨ ”نُنْجِي ونُنَجِّي ونَجّى“ والنُّونُ لا تُدْغَمُ في الجِيمِ، ومَن تَمَحَّلَ لِصِحَّتِهِ فَجَعَلَهُ ”فَعَّلَ“ وقالَ: نَجّى النَّجاءَ المُؤْمِنِينَ فَأرْسَلَ الياءَ وأسْنَدَهُ إلى مَصْدَرِهِ، ونَصَبَ المُؤْمِنِينَ بِالنَّجاءِ، فَتَعَسَّفَ بارِدَ التَّعَسُّفِ.

الأنبياء 21:89

[ القِصَّةُ التّاسِعَةُ، قِصَّةُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ انْقِطاعَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ إلى رَبِّهِ تَعالى لَمّا مَسَّهُ الضُّرُّ بِتَفَرُّدِهِ، وأحَبَّ مَن يُؤْنِسُهُ ويُقَوِّيهِ عَلى أمْرِ دِينِهِ ودُنْياهُ، ويَكُونُ قائِمًا مَقامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَدَعا اللَّهَ تَعالى دُعاءَ مُخْلِصٍ عارِفٍ بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، وإنِ انْتَهَتِ الحالُ بِهِ وبِزَوْجَتِهِ مِن كِبَرٍ وغَيْرِهِ إلى اليَأْسِ مِن ذَلِكَ بِحُكْمِ العادَةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما: كانَ سِنُّهُ مِائَةً، وسِنُّ زَوْجَتِهِ تِسْعًا وتِسْعِينَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَهُ في جُمْلَةِ دُعائِهِ عَلى وجْهِ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ لِيَكْشِفَ عَنْ عِلْمِهِ بِأنَّ مَآلَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”إنْ لَمْ تَرْزُقْنِي مَن يَرِثُنِي فَلا أُبالِي؛ فَإنَّكَ خَيْرُ وارِثٍ“ . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ فَعَلْنا ما أرادَهُ لِأجْلِ سُؤالِهِ، وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لَهُ، فَلِذَلِكَ تَقُولُ العُلَماءُ بِأنَّ الِاسْتِجابَةَ ثَوابٌ؛ لِما فِيهِ مِنَ الإعْظامِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ فَهو كالتَّفْسِيرِ لِلِاسْتِجابَةِ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أصْلَحَها لِلْوِلادَةِ بِأنْ أزالَ عَنْها المانِعَ بِالعادَةِ، وهَذا ألْيَقُ بِالقِصَّةِ. والثّانِي: أنَّهُ أصْلَحَها في أخْلاقِها، وقَدْ كانَتْ عَلى طَرِيقَةٍ مِن سُوءِ الخُلُقِ وسَلاطَةِ اللِّسانِ تُؤْذِيهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِن نِعَمِهِ عَلَيْهِ. والثّالِثُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَها مُصْلِحَةً في الدِّينِ، فَإنَّ صَلاحَها في الدِّينِ مِن أكْبَرِ أعْوانِهِ في كَوْنِهِ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ المَعُونَةَ عَلى الدِّينِ والدُّنْيا بِالوَلَدِ والأهْلِ جَمِيعًا؛ وهَذا كَأنَّهُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: أصْلَحَ اللَّهُ فُلانًا؛ فالأظْهَرُ فِيهِ ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ؛ لِأنَّ إصْلاحَ الزَّوْجِ مُقَدَّمٌ عَلى هِبَةِ الوَلَدِ مَعَ أنَّهُ تَعالى أخَّرَهُ في اللَّفْظِ وبَيَّنَ تَعالى مِصْداقَ ما ذَكَرْناهُ فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وأرادَ بِذَلِكَ زَكَرِيّا ووَلَدَهُ وأهْلَهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ آتاهم ما طَلَبُوهُ، وعَضَّدَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ مِن حَيْثُ كانَتْ طَرِيقَتُهم أنَّهم يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ، والمُسارَعَةُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى مِن أكْبَرِ ما يُمْدَحُ المَرْءُ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حِرْصٍ عَظِيمٍ عَلى الطّاعَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ قُرِئَ رَغَبًا ورَهَبًا وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ صفحة ١٨٩ [الزمر: ٩] والمَعْنى أنَّهم ضَمُّوا إلى فِعْلِ الطّاعاتِ والمُسارَعَةِ فِيها أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: الفَزَعُ إلى اللَّهِ تَعالى لِمَكانِ الرَّغْبَةِ في ثَوابِهِ والرَّهْبَةِ في عِقابِهِ. والثّانِي: الخُشُوعُ، وهو المَخافَةُ الثّابِتَةُ في القَلْبِ، فَيَكُونُ الخاشِعُ هو الحَذِرُ الَّذِي لا يَنْبَسِطُ في الأُمُورِ خَوْفًا مِنَ الإثْمِ.

الأنبياء 21:90

[ القِصَّةُ التّاسِعَةُ، قِصَّةُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ انْقِطاعَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ إلى رَبِّهِ تَعالى لَمّا مَسَّهُ الضُّرُّ بِتَفَرُّدِهِ، وأحَبَّ مَن يُؤْنِسُهُ ويُقَوِّيهِ عَلى أمْرِ دِينِهِ ودُنْياهُ، ويَكُونُ قائِمًا مَقامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَدَعا اللَّهَ تَعالى دُعاءَ مُخْلِصٍ عارِفٍ بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، وإنِ انْتَهَتِ الحالُ بِهِ وبِزَوْجَتِهِ مِن كِبَرٍ وغَيْرِهِ إلى اليَأْسِ مِن ذَلِكَ بِحُكْمِ العادَةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما: كانَ سِنُّهُ مِائَةً، وسِنُّ زَوْجَتِهِ تِسْعًا وتِسْعِينَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَهُ في جُمْلَةِ دُعائِهِ عَلى وجْهِ الثَّناءِ عَلى رَبِّهِ لِيَكْشِفَ عَنْ عِلْمِهِ بِأنَّ مَآلَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”إنْ لَمْ تَرْزُقْنِي مَن يَرِثُنِي فَلا أُبالِي؛ فَإنَّكَ خَيْرُ وارِثٍ“ . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ فَعَلْنا ما أرادَهُ لِأجْلِ سُؤالِهِ، وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لَهُ، فَلِذَلِكَ تَقُولُ العُلَماءُ بِأنَّ الِاسْتِجابَةَ ثَوابٌ؛ لِما فِيهِ مِنَ الإعْظامِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ فَهو كالتَّفْسِيرِ لِلِاسْتِجابَةِ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أصْلَحَها لِلْوِلادَةِ بِأنْ أزالَ عَنْها المانِعَ بِالعادَةِ، وهَذا ألْيَقُ بِالقِصَّةِ. والثّانِي: أنَّهُ أصْلَحَها في أخْلاقِها، وقَدْ كانَتْ عَلى طَرِيقَةٍ مِن سُوءِ الخُلُقِ وسَلاطَةِ اللِّسانِ تُؤْذِيهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِن نِعَمِهِ عَلَيْهِ. والثّالِثُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَها مُصْلِحَةً في الدِّينِ، فَإنَّ صَلاحَها في الدِّينِ مِن أكْبَرِ أعْوانِهِ في كَوْنِهِ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ المَعُونَةَ عَلى الدِّينِ والدُّنْيا بِالوَلَدِ والأهْلِ جَمِيعًا؛ وهَذا كَأنَّهُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: أصْلَحَ اللَّهُ فُلانًا؛ فالأظْهَرُ فِيهِ ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ؛ لِأنَّ إصْلاحَ الزَّوْجِ مُقَدَّمٌ عَلى هِبَةِ الوَلَدِ مَعَ أنَّهُ تَعالى أخَّرَهُ في اللَّفْظِ وبَيَّنَ تَعالى مِصْداقَ ما ذَكَرْناهُ فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ وأرادَ بِذَلِكَ زَكَرِيّا ووَلَدَهُ وأهْلَهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ آتاهم ما طَلَبُوهُ، وعَضَّدَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ مِن حَيْثُ كانَتْ طَرِيقَتُهم أنَّهم يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ، والمُسارَعَةُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى مِن أكْبَرِ ما يُمْدَحُ المَرْءُ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حِرْصٍ عَظِيمٍ عَلى الطّاعَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ قُرِئَ رَغَبًا ورَهَبًا وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ صفحة ١٨٩ [الزمر: ٩] والمَعْنى أنَّهم ضَمُّوا إلى فِعْلِ الطّاعاتِ والمُسارَعَةِ فِيها أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: الفَزَعُ إلى اللَّهِ تَعالى لِمَكانِ الرَّغْبَةِ في ثَوابِهِ والرَّهْبَةِ في عِقابِهِ. والثّانِي: الخُشُوعُ، وهو المَخافَةُ الثّابِتَةُ في القَلْبِ، فَيَكُونُ الخاشِعُ هو الحَذِرُ الَّذِي لا يَنْبَسِطُ في الأُمُورِ خَوْفًا مِنَ الإثْمِ.

الأنبياء 21:91

[ القِصَّةُ العاشِرَةُ، قِصَّةُ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: واذْكُرِ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أحْصَنَتْ فَرْجَها إحْصانًا كُلِّيًّا مِنَ الحَلالِ والحَرامِ جَمِيعًا كَما قالَتْ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] . والثّانِي: مِن نَفْخَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَيْثُ مَنَعَتْهُ مِن جَيْبِ دِرْعِها قَبْلَ أنْ تَعْرِفَهُ، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نَفْخُ الرُّوحِ في الجَسَدِ عِبارَةٌ عَنْ إحْيائِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] أيْ أحْيَيْتُهُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ ظاهِرَ الإشْكالِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى إحْياءِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ فَنَفَخْنا الرُّوحَ في عِيسى فِيها، أيْ أحْيَيْناهُ في جَوْفِها، كَما يَقُولُ الزَّمّارُ: نَفَخْتُ في بَيْتِ فُلانٍ، أيْ في المِزْمارِ في بَيْتِهِ. وثانِيها: فَعَلْنا النَّفْخَ في مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مِن جِهَةِ رُوحِنا وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، فَوَصَلَ النَّفْخُ إلى جَوْفِها؛ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِأخْصَرِ الكَلامِ ما خَصَّ بِهِ مَرْيَمَ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مِنَ الآياتِ فَقالَ: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أمّا مَرْيَمُ فَآياتُها كَثِيرَةٌ: أحَدُها: ظُهُورُ الحَبَلِ فِيها لا مِن ذَكَرٍ فَصارَ ذَلِكَ آيَةً ومُعْجِزَةً خارِجَةً عَنِ العادَةِ. وثانِيها: أنَّ رِزْقَها كانَ يَأْتِيها بِهِ المَلائِكَةُ مِنَ الجَنَّةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧] . وثالِثُها ورابِعُها: قالَ الحَسَنُ: إنَّها لَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا يَوْمًا قَطُّ، وتَكَلَّمَتْ هي أيْضًا في صِباها كَما تَكَلَّمَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا آياتُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ جَعَلَهُما آيَةً لِلنّاسِ يَتَدَبَّرُونَ فِيما خُصّا بِهِ مِنَ الآياتِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ آيَتَيْنِ كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ قُلْنا: لِأنَّ حالَهُما بِمَجْمُوعِهِما آيَةٌ واحِدَةٌ، وهي وِلادَتُها إيّاهُ مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ وهُنا آخِرُ القَصَصِ.

الأنبياء 21:92

[ القِصَّةُ العاشِرَةُ، قِصَّةُ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ ] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: واذْكُرِ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أحْصَنَتْ فَرْجَها إحْصانًا كُلِّيًّا مِنَ الحَلالِ والحَرامِ جَمِيعًا كَما قالَتْ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] . والثّانِي: مِن نَفْخَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَيْثُ مَنَعَتْهُ مِن جَيْبِ دِرْعِها قَبْلَ أنْ تَعْرِفَهُ، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ. * * * وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نَفْخُ الرُّوحِ في الجَسَدِ عِبارَةٌ عَنْ إحْيائِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] أيْ أحْيَيْتُهُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ ظاهِرَ الإشْكالِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى إحْياءِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ فَنَفَخْنا الرُّوحَ في عِيسى فِيها، أيْ أحْيَيْناهُ في جَوْفِها، كَما يَقُولُ الزَّمّارُ: نَفَخْتُ في بَيْتِ فُلانٍ، أيْ في المِزْمارِ في بَيْتِهِ. وثانِيها: فَعَلْنا النَّفْخَ في مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مِن جِهَةِ رُوحِنا وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، فَوَصَلَ النَّفْخُ إلى جَوْفِها؛ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِأخْصَرِ الكَلامِ ما خَصَّ بِهِ مَرْيَمَ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مِنَ الآياتِ فَقالَ: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أمّا مَرْيَمُ فَآياتُها كَثِيرَةٌ: أحَدُها: ظُهُورُ الحَبَلِ فِيها لا مِن ذَكَرٍ فَصارَ ذَلِكَ آيَةً ومُعْجِزَةً خارِجَةً عَنِ العادَةِ. وثانِيها: أنَّ رِزْقَها كانَ يَأْتِيها بِهِ المَلائِكَةُ مِنَ الجَنَّةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧] . وثالِثُها ورابِعُها: قالَ الحَسَنُ: إنَّها لَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا يَوْمًا قَطُّ، وتَكَلَّمَتْ هي أيْضًا في صِباها كَما تَكَلَّمَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا آياتُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ جَعَلَهُما آيَةً لِلنّاسِ يَتَدَبَّرُونَ فِيما خُصّا بِهِ مِنَ الآياتِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ آيَتَيْنِ كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ قُلْنا: لِأنَّ حالَهُما بِمَجْمُوعِهِما آيَةٌ واحِدَةٌ، وهي وِلادَتُها إيّاهُ مِن غَيْرِ فَحْلٍ؛ وهُنا آخِرُ القَصَصِ.

الأنبياء 21:93

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ ﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأُمَّةُ المِلَّةُ، وهو إشارَةٌ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ، أيْ أنَّ مِلَّةَ الإسْلامِ هي مِلَّتُكُمُ الَّتِي صفحة ١٩٠ يَجِبُ أنْ تَكُونُوا عَلَيْها، يُشارُ إلَيْها بِمِلَّةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ، وأنا إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاعْبُدُونِ؛ ونَصَبَ الحَسَنُ: ”أُمَّتَكم“ عَلى البَدَلِ مِن هَذِهِ، ورَفَعَ ”أُمَّةٌ“ خَبَرًا، وعَنْهُ رَفْعُهُما جَمِيعًا خَبَرَيْنِ، أوْ نَوى لِلثّانِي المُبْتَدَأ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ والأصْلُ ”وتَقَطَّعْتُمْ“ إلّا أنَّ الكَلامَ صُرِفَ إلى الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ كَأنَّهُ يَنْقُلُ عَنْهم ما أفْسَدُوهُ إلى آخَرِينَ، ويُقَبِّحُ عِنْدَهم فِعْلَهم، ويَقُولُ لَهم: ألا تَرَوْنَ إلى عَظِيمِ ما ارْتَكَبَ هَؤُلاءِ، والمَعْنى جَعَلُوا أمْرَ دِينِهِمْ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا، كَما تَتَوَزَّعُ الجَماعَةُ الشَّيْءَ ويُقَسِّمُونَهُ فَيَصِيرُ لِهَذا نَصِيبٌ ولِذَلِكَ نَصِيبٌ تَمْثِيلًا لِاخْتِلافِهِمْ فِيهِ وصَيْرُورَتِهِمْ فِرَقًا وأحْزابًا شَتّى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ فَقَدْ تَوَعَّدَهم بِأنَّ هَؤُلاءِ الفِرَقَ المُخْتَلِفَةَ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ، فَهو مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَهَلَكَتْ سَبْعُونَ وخَلَصَتْ فِرْقَةٌ، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَتَهْلِكُ إحْدى وسَبْعُونَ فِرْقَةً وتَخْلُصُ فِرْقَةٌ واحِدَةٌ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن تِلْكَ الفِرْقَةُ النّاجِيَةُ ؟ قالَ: الجَماعَةُ، الجَماعَةُ، الجَماعَةُ» فَتَبَيَّنَ بِهَذا الخَبَرِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الجَماعَةُ المُتَمَسِّكَةُ بِما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوّاتِ، وأنَّ في قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ في النّاجِيَةِ: إنَّها الجَماعَةُ، إشارَةً إلى أنَّ هَذِهِ أشارَ بِها إلى أُمَّةِ الإيمانِ، وإلّا كانَ قَوْلُهُ في تَعْرِيفِ الفِرْقَةِ النّاجِيَةِ إنَّها الجَماعَةُ لَغْوًا، إذْ لا فِرْقَةَ تَمَسَّكَتْ بِباطِلٍ أوْ بِحَقٍّ إلّا وهي جَماعَةٌ مِن حَيْثُ العَدَدِ، وطَعَنَ بَعْضُهم في صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ، فَقالَ: إنْ أرادَ بِالثِّنْتَيْنِ والسَّبْعِينَ فِرْقَةً أُصُولَ الأدْيانِ فَلَمْ يَبْلُغْ هَذا القَدْرَ، وإنْ أرادَ الفُرُوعَ فَإنَّها تَتَجاوَزُ هَذا القَدْرَ إلى أضْعافِ ذَلِكَ، وقِيلَ أيْضًا: قَدْ رُوِيَ ضِدُّ ذَلِكَ، وهو أنَّها كُلَّها ناجِيَةٌ إلّا فِرْقَةً واحِدَةً؛ والجَوابُ: المُرادُ سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي في حالٍ ما ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى افْتِراقِها في سائِرِ الأحْوالِ؛ لا يَجُوزُ أنْ يَزِيدَ ويَنْقُصَ.

الأنبياء 21:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ ﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأُمَّةُ المِلَّةُ، وهو إشارَةٌ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ، أيْ أنَّ مِلَّةَ الإسْلامِ هي مِلَّتُكُمُ الَّتِي صفحة ١٩٠ يَجِبُ أنْ تَكُونُوا عَلَيْها، يُشارُ إلَيْها بِمِلَّةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ، وأنا إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاعْبُدُونِ؛ ونَصَبَ الحَسَنُ: ”أُمَّتَكم“ عَلى البَدَلِ مِن هَذِهِ، ورَفَعَ ”أُمَّةٌ“ خَبَرًا، وعَنْهُ رَفْعُهُما جَمِيعًا خَبَرَيْنِ، أوْ نَوى لِلثّانِي المُبْتَدَأ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ والأصْلُ ”وتَقَطَّعْتُمْ“ إلّا أنَّ الكَلامَ صُرِفَ إلى الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ كَأنَّهُ يَنْقُلُ عَنْهم ما أفْسَدُوهُ إلى آخَرِينَ، ويُقَبِّحُ عِنْدَهم فِعْلَهم، ويَقُولُ لَهم: ألا تَرَوْنَ إلى عَظِيمِ ما ارْتَكَبَ هَؤُلاءِ، والمَعْنى جَعَلُوا أمْرَ دِينِهِمْ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا، كَما تَتَوَزَّعُ الجَماعَةُ الشَّيْءَ ويُقَسِّمُونَهُ فَيَصِيرُ لِهَذا نَصِيبٌ ولِذَلِكَ نَصِيبٌ تَمْثِيلًا لِاخْتِلافِهِمْ فِيهِ وصَيْرُورَتِهِمْ فِرَقًا وأحْزابًا شَتّى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ فَقَدْ تَوَعَّدَهم بِأنَّ هَؤُلاءِ الفِرَقَ المُخْتَلِفَةَ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ، فَهو مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَهَلَكَتْ سَبْعُونَ وخَلَصَتْ فِرْقَةٌ، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَتَهْلِكُ إحْدى وسَبْعُونَ فِرْقَةً وتَخْلُصُ فِرْقَةٌ واحِدَةٌ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن تِلْكَ الفِرْقَةُ النّاجِيَةُ ؟ قالَ: الجَماعَةُ، الجَماعَةُ، الجَماعَةُ» فَتَبَيَّنَ بِهَذا الخَبَرِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الجَماعَةُ المُتَمَسِّكَةُ بِما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوّاتِ، وأنَّ في قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ في النّاجِيَةِ: إنَّها الجَماعَةُ، إشارَةً إلى أنَّ هَذِهِ أشارَ بِها إلى أُمَّةِ الإيمانِ، وإلّا كانَ قَوْلُهُ في تَعْرِيفِ الفِرْقَةِ النّاجِيَةِ إنَّها الجَماعَةُ لَغْوًا، إذْ لا فِرْقَةَ تَمَسَّكَتْ بِباطِلٍ أوْ بِحَقٍّ إلّا وهي جَماعَةٌ مِن حَيْثُ العَدَدِ، وطَعَنَ بَعْضُهم في صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ، فَقالَ: إنْ أرادَ بِالثِّنْتَيْنِ والسَّبْعِينَ فِرْقَةً أُصُولَ الأدْيانِ فَلَمْ يَبْلُغْ هَذا القَدْرَ، وإنْ أرادَ الفُرُوعَ فَإنَّها تَتَجاوَزُ هَذا القَدْرَ إلى أضْعافِ ذَلِكَ، وقِيلَ أيْضًا: قَدْ رُوِيَ ضِدُّ ذَلِكَ، وهو أنَّها كُلَّها ناجِيَةٌ إلّا فِرْقَةً واحِدَةً؛ والجَوابُ: المُرادُ سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي في حالٍ ما ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى افْتِراقِها في سائِرِ الأحْوالِ؛ لا يَجُوزُ أنْ يَزِيدَ ويَنْقُصَ.

الأنبياء 21:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ ﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأُمَّةُ المِلَّةُ، وهو إشارَةٌ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ، أيْ أنَّ مِلَّةَ الإسْلامِ هي مِلَّتُكُمُ الَّتِي صفحة ١٩٠ يَجِبُ أنْ تَكُونُوا عَلَيْها، يُشارُ إلَيْها بِمِلَّةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ، وأنا إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاعْبُدُونِ؛ ونَصَبَ الحَسَنُ: ”أُمَّتَكم“ عَلى البَدَلِ مِن هَذِهِ، ورَفَعَ ”أُمَّةٌ“ خَبَرًا، وعَنْهُ رَفْعُهُما جَمِيعًا خَبَرَيْنِ، أوْ نَوى لِلثّانِي المُبْتَدَأ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ والأصْلُ ”وتَقَطَّعْتُمْ“ إلّا أنَّ الكَلامَ صُرِفَ إلى الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ كَأنَّهُ يَنْقُلُ عَنْهم ما أفْسَدُوهُ إلى آخَرِينَ، ويُقَبِّحُ عِنْدَهم فِعْلَهم، ويَقُولُ لَهم: ألا تَرَوْنَ إلى عَظِيمِ ما ارْتَكَبَ هَؤُلاءِ، والمَعْنى جَعَلُوا أمْرَ دِينِهِمْ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا، كَما تَتَوَزَّعُ الجَماعَةُ الشَّيْءَ ويُقَسِّمُونَهُ فَيَصِيرُ لِهَذا نَصِيبٌ ولِذَلِكَ نَصِيبٌ تَمْثِيلًا لِاخْتِلافِهِمْ فِيهِ وصَيْرُورَتِهِمْ فِرَقًا وأحْزابًا شَتّى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ فَقَدْ تَوَعَّدَهم بِأنَّ هَؤُلاءِ الفِرَقَ المُخْتَلِفَةَ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ، فَهو مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمْ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَهَلَكَتْ سَبْعُونَ وخَلَصَتْ فِرْقَةٌ، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَتَهْلِكُ إحْدى وسَبْعُونَ فِرْقَةً وتَخْلُصُ فِرْقَةٌ واحِدَةٌ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن تِلْكَ الفِرْقَةُ النّاجِيَةُ ؟ قالَ: الجَماعَةُ، الجَماعَةُ، الجَماعَةُ» فَتَبَيَّنَ بِهَذا الخَبَرِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الجَماعَةُ المُتَمَسِّكَةُ بِما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوّاتِ، وأنَّ في قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ في النّاجِيَةِ: إنَّها الجَماعَةُ، إشارَةً إلى أنَّ هَذِهِ أشارَ بِها إلى أُمَّةِ الإيمانِ، وإلّا كانَ قَوْلُهُ في تَعْرِيفِ الفِرْقَةِ النّاجِيَةِ إنَّها الجَماعَةُ لَغْوًا، إذْ لا فِرْقَةَ تَمَسَّكَتْ بِباطِلٍ أوْ بِحَقٍّ إلّا وهي جَماعَةٌ مِن حَيْثُ العَدَدِ، وطَعَنَ بَعْضُهم في صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ، فَقالَ: إنْ أرادَ بِالثِّنْتَيْنِ والسَّبْعِينَ فِرْقَةً أُصُولَ الأدْيانِ فَلَمْ يَبْلُغْ هَذا القَدْرَ، وإنْ أرادَ الفُرُوعَ فَإنَّها تَتَجاوَزُ هَذا القَدْرَ إلى أضْعافِ ذَلِكَ، وقِيلَ أيْضًا: قَدْ رُوِيَ ضِدُّ ذَلِكَ، وهو أنَّها كُلَّها ناجِيَةٌ إلّا فِرْقَةً واحِدَةً؛ والجَوابُ: المُرادُ سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي في حالٍ ما ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى افْتِراقِها في سائِرِ الأحْوالِ؛ لا يَجُوزُ أنْ يَزِيدَ ويَنْقُصَ.

الأنبياء 21:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ياوَيْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أمْرَ الأُمَّةِ مِن قَبْلُ وذَكَرَ تَفَرُّقَهم وأنَّهم أجْمَعَ راجِعُونَ إلى حَيْثُ لا أمْرَ إلّا لَهُ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ بَيَّنَ أنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا وبَيْنَ أنْ يَعْمَلَ الصّالِحاتِ؛ فَيَدْخُلُ في الأوَّلِ العِلْمُ والتَّصْدِيقُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وفي الثّانِي فِعْلُ الواجِباتِ وتَرْكُ المَحْظُوراتِ: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أيْ لا بُطْلانَ لِثَوابِ عَمَلِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] فالكُفْرانُ مَثَلٌ في حِرْمانِ الثَّوابِ، والشُّكْرُ مَثَلٌ في إعْطائِهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَلا كُفْرانَ﴾ المُرادُ نَفْيُ الجِنْسِ؛ لِيَكُونَ في نِهايَةِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ جَمِيعِ أفْرادِها. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ فالمُرادُ وإنّا لِسَعْيِهِ كاتِبُونَ، فَقِيلَ: المُرادُ حافِظُونَ لِنُجازِيَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: كاتِبُونَ إمّا في أُمِّ الكِتابِ أوْ في الصُّحُفِ الَّتِي تُعْرَضُ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِذَلِكَ تَرْغِيبُ العِبادِ في التَّمَسُّكِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾؛ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (وحَرامٌ) خَبَرٌ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُبْتَدَأٍ، وهو إمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ أوْ شَيْءٌ آخَرُ؛ أمّا الأوَّلُ فالتَّقْدِيرُ: أنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمْ حَرامٌ أيْ مُمْتَنِعٌ، وإذا كانَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ مُمْتَنِعًا كانَ رُجُوعُهم واجِبًا، فَهَذا الرُّجُوعُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الرُّجُوعَ إلى الآخِرَةِ أوْ إلى الدُّنْيا؛ أمّا الأوَّلُ: فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ رُجُوعَهم إلى الحَياةِ في الدّارِ الآخِرَةِ واجِبٌ، ويَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ إبْطالَ قَوْلِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، وتَحْقِيقُ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ لا كُفْرانَ لِسَعْيِ أحَدٍ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُعْطِيهِ الجَزاءَ عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمِ بْنِ بَحْرٍ. وأمّا الثّانِي: فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ رُجُوعَهم إلى الدُّنْيا واجِبٌ، لَكِنَّ المَعْلُومَ أنَّهم لَمْ يَرْجِعُوا إلى الدُّنْيا فَعِنْدَ هَذا ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ الحَرامَ قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى الواجِبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والِاسْتِعْمالُ والشِّعْرُ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]؛ وتَرْكُ الشِّرْكِ واجِبٌ، ولَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ الخَنْساءِ: وإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوِهِ إلّا بَكَيْتُ عَلى عَمْرِو يَعْنِي وإنَّ واجِبًا، وأمّا الِاسْتِعْمالُ فَلِأنَّ تَسْمِيَةَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ بِاسْمِ الآخَرِ مَجازٌ مَشْهُورُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] إذا ثَبَتَ هَذا فالمَعْنى أنَّهُ واجِبٌ عَلى أهْلِ كُلِّ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الرُّجُوعِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لا يَرْجِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ ولا يَتَوَلَّوْنَ عَنْهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ. وثانِيها: لا يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا وهو قَوْلُ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُتْرَكَ قَوْلُهُ: ﴿وحَرامٌ﴾ عَلى ظاهِرِهِ ويُجْعَلَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ صِلَةٌ زائِدَةٌ كَما أنَّهُ صِلَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ والمَعْنى حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها رُجُوعُهم إلى الدُّنْيا وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] أوْ يَكُونَ المَعْنى وحَرامٌ عَلَيْهِمْ رُجُوعُهم عَنِ الشِّرْكِ وتَرْكِ الإيمانَ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهَذا كُلُّهُ إذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ”﴿وحَرامٌ﴾“ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ أمّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا لِشَيْءٍ آخَرَ فالتَّقْدِيرُ وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها ذاكَ، وهو المَذْكُورُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ والسَّعْيِ المَشْكُورِ غَيْرِ المَكْفُورِ، ثُمَّ عَلَّلَ فَقالَ: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ عَنِ الكُفْرِ فَكَيْفَ لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ إنَّهم بِالكَسْرِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ يَصِحُّ حَمْلُها أيْضًا عَلى هَذا أيْ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ حَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ”حَرامٌ“، فَأمّا عَلى تَأْوِيلِ أبِي مُسْلِمٍ فالمَعْنى أنَّ رُجُوعَهم إلى الآخِرَةِ واجِبٌ حَتّى إنَّ وجُوبَهُ يَبْلُغُ إلى حَيْثُ إنَّهُ إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ، فَإذا هي شاخِصَةٌ صفحة ١٩٢ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، والمَعْنى أنَّهم يَكُونُونَ أوَّلَ النّاسِ حُضُورًا في مَحْفِلِ القِيامَةِ، فَحَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ”حَرامٌ“، وهي غايَةٌ لَهُ؛ ولَكِنَّهُ غايَةٌ مِن جِنْسِ الشَّيْءِ كَقَوْلِكَ: دَخَلَ الحاجُّ حَتّى المُشاةُ، وحَتّى هاهُنا هي الَّتِي يُحْكى بَعْدَها الكَلامُ. والكَلامُ المَحْكِيُّ هو هَذِهِ الجُمْلَةُ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾، ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ فَهُناكَ يَتَحَقَّقُ شُخُوصُ أبْصارِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إنَّما يَحْصُلُ في آخِرِ أيّامِ الدُّنْيا والجَزاءُ إنَّما يَحْصُلُ في يَوْمِ القِيامَةِ، والشَّرْطُ والجَزاءُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا مُتَقارِبَيْنِ، قُلْنا: التَّفاوُتُ القَلِيلُ يَجْرِي مَجْرى المَعْدُومِ، وأمّا عَلى التَّأْوِيلاتِ الباقِيَةِ فالمَعْنى أنَّ امْتِناعَ رُجُوعِهِمْ لا يَزُولُ: حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ﴾ المَعْنى فُتِحَ سَدُّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُدْخَلِتْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ في فُتِحَتْ لَمّا حُذِفَ المُضافُ؛ لِأنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُؤَنَّثانِ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَتَيْنِ، وقِيلَ: حَتّى إذا فُتِحَتْ جِهَةُ يَأْجُوجَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هُما قَبِيلَتانِ مِن جِنْسِ الإنْسِ، يُقالُ: النّاسُ عَشَرَةُ أجْزاءٍ؛ تِسْعَةٌ مِنها يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ يَخْرُجُونَ حِينَ يُفْتَحُ السَّدُّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: السَّدُّ يَفْتَحُهُ اللَّهُ تَعالى ابْتِداءً، وقِيلَ: بَلْ إذا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ دَكًّا زالَتِ الصَّلابَةُ عَنْ أجْزاءِ الأرْضِ فَحِينَئِذٍ يَنْفَتِحُ السَّدُّ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم مِن كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فَحَشْوٌ في أثْناءِ الكَلامِ، والمَعْنى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ شَخَصَتْ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، والحَدَبُ النَّشَزُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ حَدَبَةُ الأرْضِ، ومِنهُ حَدَبَةُ الظَّهْرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ”مِن كُلِّ جَدَثٍ يَنْسِلُونَ“ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ؛ ونَسَلَ وعَسَلَ أسْرَعَ ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ أيْ يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ، فَيُحْشَرُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، والأوَّلُ هو الأوْجَهُ وإلّا لَتَفَكَّكَ النَّظْمُ، وأنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ إذا كَثُرُوا عَلى ما رُوِيَ في ”الخَبَرِ“ فَلا بُدَّ مِن أنْ يُنْشَرُوا فَيَظْهَرَ إقْبالُهم عَلى النّاسِ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ فَلا شُبْهَةَ أنَّ الوَعْدَ المَذْكُورَ هو يَوْمُ القِيامَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هِيَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ إذا هاهُنا لِلْمُفاجَأةِ، فَسَمّى المَوْعِدَ وعْدًا تَجَوُّزًا، وهي تَقَعُ في المُجازاةِ سادَّةً مَسَدَّ الفاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] فَإذا جاءَتِ الفاءُ مَعَها تَعاوَنَتا عَلى وصْلِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ؛ فَيَتَأكَّدُ، ولَوْ قِيلَ: ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ﴾ أوْ فَهي شاخِصَةٌ كانَ سَدِيدًا، أمّا لَفْظَةُ ”هي“ فَقَدْ ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ فِيها ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ كِنايَةً عَنِ الأبْصارِ، والمَعْنى فَإذا أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا شاخِصَةٌ أبْصارُهم كَنى عَنِ الأبْصارِ ثُمَّ أظْهَرَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ عِمادًا، ويَصْلُحُ في مَوْضِعِها هو فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤٠] ومِثْلُهُ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦] وجازَ التَّأْنِيثُ؛ لِأنَّ الأبْصارَ مُؤَنَّثَةٌ، وجازَ التَّذْكِيرُ لِلْعِمادِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ بِمَعْنى فَإذا القِصَّةُ شاخِصَةٌ، يَعْنِي أنَّ القِصَّةَ أنَّ أبْصارَ الَّذِينَ كَفَرُوا تَشْخَصُ عِنْدَ ذَلِكَ، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ القِيامَةَ إذا قامَتْ شَخَصَتْ أبْصارُ هَؤُلاءِ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ، فَلا تَكادُ تَطْرِفُ مِن شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومِن تَوَقُّعِ ما يَخافُونَهُ، ويَقُولُونَ: ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا صفحة ١٩٣ حَيْثُ كَذَّبْناهُ وقُلْنا: إنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ، بَلْ كُنّا ظالِمِينَ أنْفُسَنا بِتِلْكَ الغَفْلَةِ وبِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعِبادَةِ الأوْثانِ، واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ قَبْلَ قَوْلِهِ: يا ويْلَنا مِن حَذْفٍ، والتَّقْدِيرُ يَقُولُونَ: يا ويْلَنا.

الأنبياء 21:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ياوَيْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أمْرَ الأُمَّةِ مِن قَبْلُ وذَكَرَ تَفَرُّقَهم وأنَّهم أجْمَعَ راجِعُونَ إلى حَيْثُ لا أمْرَ إلّا لَهُ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ بَيَّنَ أنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا وبَيْنَ أنْ يَعْمَلَ الصّالِحاتِ؛ فَيَدْخُلُ في الأوَّلِ العِلْمُ والتَّصْدِيقُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وفي الثّانِي فِعْلُ الواجِباتِ وتَرْكُ المَحْظُوراتِ: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ أيْ لا بُطْلانَ لِثَوابِ عَمَلِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى﴾ صفحة ١٩١ ﴿لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] فالكُفْرانُ مَثَلٌ في حِرْمانِ الثَّوابِ، والشُّكْرُ مَثَلٌ في إعْطائِهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَلا كُفْرانَ﴾ المُرادُ نَفْيُ الجِنْسِ؛ لِيَكُونَ في نِهايَةِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ جَمِيعِ أفْرادِها. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ فالمُرادُ وإنّا لِسَعْيِهِ كاتِبُونَ، فَقِيلَ: المُرادُ حافِظُونَ لِنُجازِيَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: كاتِبُونَ إمّا في أُمِّ الكِتابِ أوْ في الصُّحُفِ الَّتِي تُعْرَضُ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ بِذَلِكَ تَرْغِيبُ العِبادِ في التَّمَسُّكِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾؛ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (وحَرامٌ) خَبَرٌ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُبْتَدَأٍ، وهو إمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ أوْ شَيْءٌ آخَرُ؛ أمّا الأوَّلُ فالتَّقْدِيرُ: أنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمْ حَرامٌ أيْ مُمْتَنِعٌ، وإذا كانَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ مُمْتَنِعًا كانَ رُجُوعُهم واجِبًا، فَهَذا الرُّجُوعُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الرُّجُوعَ إلى الآخِرَةِ أوْ إلى الدُّنْيا؛ أمّا الأوَّلُ: فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ رُجُوعَهم إلى الحَياةِ في الدّارِ الآخِرَةِ واجِبٌ، ويَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ إبْطالَ قَوْلِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، وتَحْقِيقُ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ لا كُفْرانَ لِسَعْيِ أحَدٍ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُعْطِيهِ الجَزاءَ عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو تَأْوِيلُ أبِي مُسْلِمِ بْنِ بَحْرٍ. وأمّا الثّانِي: فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ رُجُوعَهم إلى الدُّنْيا واجِبٌ، لَكِنَّ المَعْلُومَ أنَّهم لَمْ يَرْجِعُوا إلى الدُّنْيا فَعِنْدَ هَذا ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ الحَرامَ قَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى الواجِبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والِاسْتِعْمالُ والشِّعْرُ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]؛ وتَرْكُ الشِّرْكِ واجِبٌ، ولَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ الخَنْساءِ: وإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوِهِ إلّا بَكَيْتُ عَلى عَمْرِو يَعْنِي وإنَّ واجِبًا، وأمّا الِاسْتِعْمالُ فَلِأنَّ تَسْمِيَةَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ بِاسْمِ الآخَرِ مَجازٌ مَشْهُورُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] إذا ثَبَتَ هَذا فالمَعْنى أنَّهُ واجِبٌ عَلى أهْلِ كُلِّ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الرُّجُوعِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لا يَرْجِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ ولا يَتَوَلَّوْنَ عَنْهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ. وثانِيها: لا يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا وهو قَوْلُ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُتْرَكَ قَوْلُهُ: ﴿وحَرامٌ﴾ عَلى ظاهِرِهِ ويُجْعَلَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ صِلَةٌ زائِدَةٌ كَما أنَّهُ صِلَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ والمَعْنى حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها رُجُوعُهم إلى الدُّنْيا وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] أوْ يَكُونَ المَعْنى وحَرامٌ عَلَيْهِمْ رُجُوعُهم عَنِ الشِّرْكِ وتَرْكِ الإيمانَ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهَذا كُلُّهُ إذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ”﴿وحَرامٌ﴾“ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ أمّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا لِشَيْءٍ آخَرَ فالتَّقْدِيرُ وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها ذاكَ، وهو المَذْكُورُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ والسَّعْيِ المَشْكُورِ غَيْرِ المَكْفُورِ، ثُمَّ عَلَّلَ فَقالَ: ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ عَنِ الكُفْرِ فَكَيْفَ لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ ؟ هَذا عَلى قِراءَةِ إنَّهم بِالكَسْرِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ يَصِحُّ حَمْلُها أيْضًا عَلى هَذا أيْ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ حَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ”حَرامٌ“، فَأمّا عَلى تَأْوِيلِ أبِي مُسْلِمٍ فالمَعْنى أنَّ رُجُوعَهم إلى الآخِرَةِ واجِبٌ حَتّى إنَّ وجُوبَهُ يَبْلُغُ إلى حَيْثُ إنَّهُ إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ، فَإذا هي شاخِصَةٌ صفحة ١٩٢ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، والمَعْنى أنَّهم يَكُونُونَ أوَّلَ النّاسِ حُضُورًا في مَحْفِلِ القِيامَةِ، فَحَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ”حَرامٌ“، وهي غايَةٌ لَهُ؛ ولَكِنَّهُ غايَةٌ مِن جِنْسِ الشَّيْءِ كَقَوْلِكَ: دَخَلَ الحاجُّ حَتّى المُشاةُ، وحَتّى هاهُنا هي الَّتِي يُحْكى بَعْدَها الكَلامُ. والكَلامُ المَحْكِيُّ هو هَذِهِ الجُمْلَةُ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾، ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ فَهُناكَ يَتَحَقَّقُ شُخُوصُ أبْصارِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إنَّما يَحْصُلُ في آخِرِ أيّامِ الدُّنْيا والجَزاءُ إنَّما يَحْصُلُ في يَوْمِ القِيامَةِ، والشَّرْطُ والجَزاءُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونا مُتَقارِبَيْنِ، قُلْنا: التَّفاوُتُ القَلِيلُ يَجْرِي مَجْرى المَعْدُومِ، وأمّا عَلى التَّأْوِيلاتِ الباقِيَةِ فالمَعْنى أنَّ امْتِناعَ رُجُوعِهِمْ لا يَزُولُ: حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ﴾ المَعْنى فُتِحَ سَدُّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُدْخَلِتْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ في فُتِحَتْ لَمّا حُذِفَ المُضافُ؛ لِأنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُؤَنَّثانِ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَتَيْنِ، وقِيلَ: حَتّى إذا فُتِحَتْ جِهَةُ يَأْجُوجَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هُما قَبِيلَتانِ مِن جِنْسِ الإنْسِ، يُقالُ: النّاسُ عَشَرَةُ أجْزاءٍ؛ تِسْعَةٌ مِنها يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ يَخْرُجُونَ حِينَ يُفْتَحُ السَّدُّ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: السَّدُّ يَفْتَحُهُ اللَّهُ تَعالى ابْتِداءً، وقِيلَ: بَلْ إذا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ دَكًّا زالَتِ الصَّلابَةُ عَنْ أجْزاءِ الأرْضِ فَحِينَئِذٍ يَنْفَتِحُ السَّدُّ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم مِن كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فَحَشْوٌ في أثْناءِ الكَلامِ، والمَعْنى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ شَخَصَتْ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، والحَدَبُ النَّشَزُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ حَدَبَةُ الأرْضِ، ومِنهُ حَدَبَةُ الظَّهْرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ”مِن كُلِّ جَدَثٍ يَنْسِلُونَ“ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ؛ ونَسَلَ وعَسَلَ أسْرَعَ ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ أيْ يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ، فَيُحْشَرُونَ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، والأوَّلُ هو الأوْجَهُ وإلّا لَتَفَكَّكَ النَّظْمُ، وأنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ إذا كَثُرُوا عَلى ما رُوِيَ في ”الخَبَرِ“ فَلا بُدَّ مِن أنْ يُنْشَرُوا فَيَظْهَرَ إقْبالُهم عَلى النّاسِ مِن كُلِّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ فَلا شُبْهَةَ أنَّ الوَعْدَ المَذْكُورَ هو يَوْمُ القِيامَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هِيَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ إذا هاهُنا لِلْمُفاجَأةِ، فَسَمّى المَوْعِدَ وعْدًا تَجَوُّزًا، وهي تَقَعُ في المُجازاةِ سادَّةً مَسَدَّ الفاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] فَإذا جاءَتِ الفاءُ مَعَها تَعاوَنَتا عَلى وصْلِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ؛ فَيَتَأكَّدُ، ولَوْ قِيلَ: ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ﴾ أوْ فَهي شاخِصَةٌ كانَ سَدِيدًا، أمّا لَفْظَةُ ”هي“ فَقَدْ ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ فِيها ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ كِنايَةً عَنِ الأبْصارِ، والمَعْنى فَإذا أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا شاخِصَةٌ أبْصارُهم كَنى عَنِ الأبْصارِ ثُمَّ أظْهَرَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ عِمادًا، ويَصْلُحُ في مَوْضِعِها هو فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤٠] ومِثْلُهُ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦] وجازَ التَّأْنِيثُ؛ لِأنَّ الأبْصارَ مُؤَنَّثَةٌ، وجازَ التَّذْكِيرُ لِلْعِمادِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ بِمَعْنى فَإذا القِصَّةُ شاخِصَةٌ، يَعْنِي أنَّ القِصَّةَ أنَّ أبْصارَ الَّذِينَ كَفَرُوا تَشْخَصُ عِنْدَ ذَلِكَ، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ القِيامَةَ إذا قامَتْ شَخَصَتْ أبْصارُ هَؤُلاءِ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ، فَلا تَكادُ تَطْرِفُ مِن شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ومِن تَوَقُّعِ ما يَخافُونَهُ، ويَقُولُونَ: ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا صفحة ١٩٣ حَيْثُ كَذَّبْناهُ وقُلْنا: إنَّهُ غَيْرُ كائِنٍ، بَلْ كُنّا ظالِمِينَ أنْفُسَنا بِتِلْكَ الغَفْلَةِ وبِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعِبادَةِ الأوْثانِ، واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ قَبْلَ قَوْلِهِ: يا ويْلَنا مِن حَذْفٍ، والتَّقْدِيرُ يَقُولُونَ: يا ويْلَنا.

الأنبياء 21:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكُمْ﴾ خِطابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ وعَبَدَةِ الأوْثانِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ المَسْجِدَ وصَنادِيدُ قُرَيْشٍ في الحَطِيمِ وحَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا فَجَلَسَ إلَيْهِمْ فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأفْحَمَهُ ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ فَأقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى فَرَآهم يَتَهامَسُونَ فَقالَ: فِيمَ خَوْضُكم ؟ فَأخْبَرَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: أمّا واللَّهِ لَوْ وجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ؛ فَدَعَوْهُ، فَقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى أأنْتَ قُلْتَ ذَلِكَ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: قَدْ خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ ألَيْسَ اليَهُودُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والنَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وبَنُو مَلِيحٍ عَبَدُوا المَلائِكَةَ»، ثُمَّ رُوِيَ في ذَلِكَ رِوايَتانِ: إحْداهُما: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَكَتَ ولَمْ يُجِبْ فَضَحِكَ القَوْمُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ونَزَلَ في عِيسى والمَلائِكَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآيَةَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجابَ، وقالَ: بَلْ هم عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي أمَرَتْهم بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآيَةَ؛ يَعْنِي عُزَيْرًا والمَسِيحَ والمَلائِكَةَ، واعْلَمْ أنَّ سُؤالَ ابْنِ الزِّبَعْرى ساقِطٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكُمْ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ، وكانَ ذَلِكَ مَعَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، وهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ فَقَطْ. وثانِيها: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ومَن تَعْبُدُونَ؛ بَلْ قالَ: ما تَعْبُدُونَ، وكَلِمَةُ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥]، وقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] فَهو مَحْمُولٌ عَلى الشَّيْءِ، ونَظِيرُهُ هاهُنا أنْ يُقالَ: إنَّكم والشَّيْءَ الَّذِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَكِنْ لَفْظُ الشَّيْءِ لا يُفِيدُ العُمُومَ؛ فَلا يَتَوَجَّهُ سُؤالُ ابْنِ الزِّبَعْرى. وثالِثُها: أنَّ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ لا يَدَّعِي أنَّهم آلِهَةٌ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ . ورابِعُها: هَبْ أنَّهُ ثَبَتَ العُمُومُ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ في حَقِّ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ لِبَراءَتِهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، ووَعَدَ اللَّهُ إيّاهم بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ، صفحة ١٩٤ وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] . وخامِسُها: الجَوابُ الَّذِي ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّياطِينَ، فَإنْ قِيلَ: الشَّياطِينُ عُقَلاءُ، ولَفْظُ ”ما“ لا يَتَناوَلُهم، فَكَيْفَ قالَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ ؟ قُلْنا: كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: لَوْ ثَبَتَ لَكم أنَّهُ يَتَناوَلُ العُقَلاءَ فَسُؤالُكم أيْضًا غَيْرُ لازِمٍ مِن هَذا الوَجْهِ. وأمّا ما قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَكَتَ عِنْدَ إيرادِ ابْنِ الزِّبَعْرى هَذا السُّؤالَ فَهو خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا أقَلَّ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَنَبَّهُ لِهَذِهِ الأجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْلَمَ مِنهم بِاللُّغَةِ وبِتَفْسِيرِ القُرْآنِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَظْهَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةُ لِغَيْرِهِ، ولا يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَإنْ قِيلَ: جَوَّزُوا أنْ يَسْكُتَ عَلَيْهِ السَّلامُ انْتِظارًا لِلْبَيانِ قُلْنا: لَمّا كانَ البَيانُ حاضِرًا مَعَهُ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ السُّكُوتُ لِكَيْ لا يُتَوَهَّمُ فِيهِ الِانْقِطاعُ عَنْ سُؤالِهِمْ، ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْ سُؤالِ ابْنِ الزِّبَعْرى فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُصَوِّرُ لَهم في النّارِ مَلَكًا عَلى صُورَةِ مَن عَبَدُوهُ، وحِينَئِذٍ تَبْقى الآيَةُ عَلى ظاهِرِها، واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ لَمْ يَعْبُدُوا تِلْكَ الصُّورَةَ وإنَّما عَبَدُوا شَيْئًا آخَرَ لَمْ يَحْصُلْ مَعَهم في النّارِ. الثّانِي: وهو أنَّ المَلَكَ لا يَصِيرُ حَصَبَ جَهَنَّمَ في الحَقِيقَةِ، وإنْ صَحَّ أنْ يَدْخُلَها، فَإنَّ خَزَنَةَ النّارِ يَدْخُلُونَها مَعَ أنَّهم لَيْسُوا حَصَبَ جَهَنَّمَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحِكْمَةُ في أنَّهم قَرَنُوا بِآلِهَتِهِمْ أُمُورًا: أحَدُها: أنَّهم لا يَزالُونَ لِمُقارَنَتِهِمْ في زِيادَةِ غَمٍّ وحَسْرَةٍ؛ لِأنَّهم ما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ إلّا بِسَبَبِهِمْ، والنَّظَرُ إلى وجْهِ العَدُوِّ بابٌ مِنَ العَذابِ. وثانِيها: أنَّ القَوْمَ قَدَّرُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم في الآخِرَةِ في دَفْعِ العَذابِ، فَإذا وجَدُوا الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما قَدَّرُوا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أبْغَضَ إلَيْهِمْ مِنهم. وثالِثُها: أنَّ إلْقاءَها في النّارِ يَجْرِي مَجْرى الِاسْتِهْزاءِ بِعِبادِها. ورابِعُها: قِيلَ: ما كانَ مِنها حَجَرًا أوْ حَدِيدًا يُحْمى ويَلْزَقُ بِعُبّادِها، وما كانَ خَشَبًا يُجْعَلُ جَمْرَةً يُعَذَّبُ بِها صاحِبُها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فالمُرادُ يُقْذَفُونَ في نارِ جَهَنَّمَ؛ فَشَبَّهَهم بِالحَصْباءِ الَّتِي يُرْمى بِها الشَّيْءُ، فَلَمّا رَمى بِها كَرَمْيِ الحَصْباءِ، جَعَلَهم حَصَبَ جَهَنَّمَ تَشْبِيهًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الحَصْبُ الرَّمْيُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الصّادِ وصْفًا بِالمَصْدَرِ، وقُرِئَ ”حَطَبُ“ و”حَضَبُ“ بِالضّادِ المَنقُوطَةِ مُتَحَرِّكًا وساكِنًا. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ فَإنَّما جازَ مَجِيءُ اللّامِ في ”لَها“ لِتَقَدُّمِها عَلى الفِعْلِ؛ تَقُولُ: أنْتَ لِزَيْدٍ ضارِبٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٨] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥] أيْ أنْتُمْ فِيها داخِلُونَ، والمَعْنى أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَرِدُوها ولا مَعْدِلَ لَكم عَنْ دُخُولِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِالأصْنامِ ألْيَقُ لِدُخُولِ لَفْظَةِ ”ما“، وهَذا الكَلامُ بِالشَّياطِينِ ألْيَقُ لِقَوْلِهِ: ”هَؤُلاءِ“ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الشَّياطِينَ والأصْنامَ؛ فَيَغْلِبُ بِأنْ يُذْكَرُوا بِعِبارَةِ العُقَلاءِ، ونَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ مَن يُرْمى إلى النّارِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلَهًا. وهاهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ لَكِنَّهم ورَدُوها فَهم لَيْسُوا آلِهَةً حُجَّةً، وهَذِهِ الحُجَّةُ إمّا أنْ يَكُونَ ذَكَرَها لِنَفْسِهِ أوْ لِغَيْرِهِ، فَإنْ ذَكَرَها لِنَفْسِهِ فَلا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّها لَيْسَتْ آلِهَةً صفحة ١٩٥ وإنْ ذَكَرَها لِغَيْرِهِ، فَإمّا أنْ يَذْكُرَها لِمَن يُصَدِّقُ بِنُبُوَّتِهِ أوْ لِمَن يُكَذِّبُ بِنُبُوَّتِهِ، فَإنْ ذَكَرَها لِمَن صَدَّقَ بِنُبُوَّتِهِ فَلا حاجَةَ إلى هَذِهِ الحُجَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِنُبُوَّتِهِ لَمْ يَقُلْ بِإلَهِيَّةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وإنْ ذَكَرَها لِمَن يُكَذِّبُ بِنُبُوَّتِهِ، فَذَلِكَ المُكَذِّبُ لا يُسَلِّمُ أنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ يَرِدُونَ النّارَ ويُكَذِّبُونَهُ في ذَلِكَ، فَكانَ ذِكْرُهُ هَذِهِ الحُجَّةَ ضائِعًا كَيْفَ كانَ، وأيْضًا فالقائِلُونَ بِإلَهِيَّتِها لَمْ يَعْتَقِدُوا فِيها كَوْنَها مُدَبِّرَةً لِلْعالَمِ وإلّا لَكانُوا مَجانِينَ، بَلِ اعْتَقَدُوا فِيها كَوْنَها تَماثِيلَ الكَواكِبِ أوْ صُوَرَ الشُّفَعاءِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن دُخُولِها في النّارِ. وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المَعْنى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي الأصْنامَ - آلِهَةً عَلى الحَقِيقَةِ ما ورَدُوها؛ أيْ ما دَخَلَ عابِدُوها النّارَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ ذَلِكَ العَذابَ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: الخُلُودُ، فَقالَ: ﴿وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ يَعْنِي العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ . وثانِيها قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ قالَ الحَسَنُ: الزَّفِيرُ هو اللَّهِيبُ، أيْ يَرْتَفِعُونَ بِسَبَبِ لَهَبِ النّارِ، حَتّى إذا ارْتَفَعُوا ورَجَوُا الخُرُوجَ ضُرِبُوا بِمَقامِعِ الحَدِيدِ فَهَوَوْا إلى أسْفَلِها سَبْعِينَ خَرِيفًا؛ قالَ الخَلِيلُ: الزَّفِيرُ أنْ يَمْلَأ الرَّجُلُ صَدْرَهُ غَمًّا ثُمَّ يَتَنَفَّسُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وقَوْلُهُ: ”لَهم“ عامٌّ لِكُلِّ مُعَذَّبٍ، فَنَقُولُ: لَهم زَفِيرٌ مِن شِدَّةِ ما يَنالُهم، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ يَرْجِعُ إلى المَعْبُودِينَ، أيْ لا يَسْمَعُونَ صُراخَهم وشَكْواهم؛ ومَعْناهُ: أنَّهم لا يُغِيثُونَهم، وشِبْهُهُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أيْ أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الأصْنامِ خاصَّةً عَلى ما حَكَيْناهُ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ. والثّانِي: أنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ يُحْشَرُونَ صُمًّا كَما يُحْشَرُونَ عُمْيًا زِيادَةً في عَذابِهِمْ. وثانِيها: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ ما يَنْفَعُهم؛ لِأنَّهم إنَّما يَسْمَعُونَ أصْواتَ المُعَذَّبِينَ أوْ كَلامَ مَن يَتَوَلّى تَعْذِيبَهم مِنَ المَلائِكَةِ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الكُفّارَ يُجْعَلُونَ في تَوابِيتَ مِن نارٍ، والتَّوابِيتُ في تَوابِيتَ أُخَرَ؛ فَلِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، والأوَّلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَسْمَعُونَ كَلامَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ.

الأنبياء 21:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكُمْ﴾ خِطابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ وعَبَدَةِ الأوْثانِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ المَسْجِدَ وصَنادِيدُ قُرَيْشٍ في الحَطِيمِ وحَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا فَجَلَسَ إلَيْهِمْ فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأفْحَمَهُ ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ فَأقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى فَرَآهم يَتَهامَسُونَ فَقالَ: فِيمَ خَوْضُكم ؟ فَأخْبَرَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: أمّا واللَّهِ لَوْ وجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ؛ فَدَعَوْهُ، فَقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى أأنْتَ قُلْتَ ذَلِكَ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: قَدْ خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ ألَيْسَ اليَهُودُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والنَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وبَنُو مَلِيحٍ عَبَدُوا المَلائِكَةَ»، ثُمَّ رُوِيَ في ذَلِكَ رِوايَتانِ: إحْداهُما: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَكَتَ ولَمْ يُجِبْ فَضَحِكَ القَوْمُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ونَزَلَ في عِيسى والمَلائِكَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآيَةَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجابَ، وقالَ: بَلْ هم عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي أمَرَتْهم بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآيَةَ؛ يَعْنِي عُزَيْرًا والمَسِيحَ والمَلائِكَةَ، واعْلَمْ أنَّ سُؤالَ ابْنِ الزِّبَعْرى ساقِطٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكُمْ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ، وكانَ ذَلِكَ مَعَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، وهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ فَقَطْ. وثانِيها: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ومَن تَعْبُدُونَ؛ بَلْ قالَ: ما تَعْبُدُونَ، وكَلِمَةُ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥]، وقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] فَهو مَحْمُولٌ عَلى الشَّيْءِ، ونَظِيرُهُ هاهُنا أنْ يُقالَ: إنَّكم والشَّيْءَ الَّذِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَكِنْ لَفْظُ الشَّيْءِ لا يُفِيدُ العُمُومَ؛ فَلا يَتَوَجَّهُ سُؤالُ ابْنِ الزِّبَعْرى. وثالِثُها: أنَّ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ لا يَدَّعِي أنَّهم آلِهَةٌ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ . ورابِعُها: هَبْ أنَّهُ ثَبَتَ العُمُومُ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ في حَقِّ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ لِبَراءَتِهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، ووَعَدَ اللَّهُ إيّاهم بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ، صفحة ١٩٤ وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] . وخامِسُها: الجَوابُ الَّذِي ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّياطِينَ، فَإنْ قِيلَ: الشَّياطِينُ عُقَلاءُ، ولَفْظُ ”ما“ لا يَتَناوَلُهم، فَكَيْفَ قالَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ ؟ قُلْنا: كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: لَوْ ثَبَتَ لَكم أنَّهُ يَتَناوَلُ العُقَلاءَ فَسُؤالُكم أيْضًا غَيْرُ لازِمٍ مِن هَذا الوَجْهِ. وأمّا ما قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَكَتَ عِنْدَ إيرادِ ابْنِ الزِّبَعْرى هَذا السُّؤالَ فَهو خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا أقَلَّ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَنَبَّهُ لِهَذِهِ الأجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْلَمَ مِنهم بِاللُّغَةِ وبِتَفْسِيرِ القُرْآنِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَظْهَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةُ لِغَيْرِهِ، ولا يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَإنْ قِيلَ: جَوَّزُوا أنْ يَسْكُتَ عَلَيْهِ السَّلامُ انْتِظارًا لِلْبَيانِ قُلْنا: لَمّا كانَ البَيانُ حاضِرًا مَعَهُ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ السُّكُوتُ لِكَيْ لا يُتَوَهَّمُ فِيهِ الِانْقِطاعُ عَنْ سُؤالِهِمْ، ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْ سُؤالِ ابْنِ الزِّبَعْرى فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُصَوِّرُ لَهم في النّارِ مَلَكًا عَلى صُورَةِ مَن عَبَدُوهُ، وحِينَئِذٍ تَبْقى الآيَةُ عَلى ظاهِرِها، واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ لَمْ يَعْبُدُوا تِلْكَ الصُّورَةَ وإنَّما عَبَدُوا شَيْئًا آخَرَ لَمْ يَحْصُلْ مَعَهم في النّارِ. الثّانِي: وهو أنَّ المَلَكَ لا يَصِيرُ حَصَبَ جَهَنَّمَ في الحَقِيقَةِ، وإنْ صَحَّ أنْ يَدْخُلَها، فَإنَّ خَزَنَةَ النّارِ يَدْخُلُونَها مَعَ أنَّهم لَيْسُوا حَصَبَ جَهَنَّمَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحِكْمَةُ في أنَّهم قَرَنُوا بِآلِهَتِهِمْ أُمُورًا: أحَدُها: أنَّهم لا يَزالُونَ لِمُقارَنَتِهِمْ في زِيادَةِ غَمٍّ وحَسْرَةٍ؛ لِأنَّهم ما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ إلّا بِسَبَبِهِمْ، والنَّظَرُ إلى وجْهِ العَدُوِّ بابٌ مِنَ العَذابِ. وثانِيها: أنَّ القَوْمَ قَدَّرُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم في الآخِرَةِ في دَفْعِ العَذابِ، فَإذا وجَدُوا الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما قَدَّرُوا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أبْغَضَ إلَيْهِمْ مِنهم. وثالِثُها: أنَّ إلْقاءَها في النّارِ يَجْرِي مَجْرى الِاسْتِهْزاءِ بِعِبادِها. ورابِعُها: قِيلَ: ما كانَ مِنها حَجَرًا أوْ حَدِيدًا يُحْمى ويَلْزَقُ بِعُبّادِها، وما كانَ خَشَبًا يُجْعَلُ جَمْرَةً يُعَذَّبُ بِها صاحِبُها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فالمُرادُ يُقْذَفُونَ في نارِ جَهَنَّمَ؛ فَشَبَّهَهم بِالحَصْباءِ الَّتِي يُرْمى بِها الشَّيْءُ، فَلَمّا رَمى بِها كَرَمْيِ الحَصْباءِ، جَعَلَهم حَصَبَ جَهَنَّمَ تَشْبِيهًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الحَصْبُ الرَّمْيُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الصّادِ وصْفًا بِالمَصْدَرِ، وقُرِئَ ”حَطَبُ“ و”حَضَبُ“ بِالضّادِ المَنقُوطَةِ مُتَحَرِّكًا وساكِنًا. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ فَإنَّما جازَ مَجِيءُ اللّامِ في ”لَها“ لِتَقَدُّمِها عَلى الفِعْلِ؛ تَقُولُ: أنْتَ لِزَيْدٍ ضارِبٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٨] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥] أيْ أنْتُمْ فِيها داخِلُونَ، والمَعْنى أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَرِدُوها ولا مَعْدِلَ لَكم عَنْ دُخُولِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِالأصْنامِ ألْيَقُ لِدُخُولِ لَفْظَةِ ”ما“، وهَذا الكَلامُ بِالشَّياطِينِ ألْيَقُ لِقَوْلِهِ: ”هَؤُلاءِ“ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الشَّياطِينَ والأصْنامَ؛ فَيَغْلِبُ بِأنْ يُذْكَرُوا بِعِبارَةِ العُقَلاءِ، ونَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ مَن يُرْمى إلى النّارِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلَهًا. وهاهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ لَكِنَّهم ورَدُوها فَهم لَيْسُوا آلِهَةً حُجَّةً، وهَذِهِ الحُجَّةُ إمّا أنْ يَكُونَ ذَكَرَها لِنَفْسِهِ أوْ لِغَيْرِهِ، فَإنْ ذَكَرَها لِنَفْسِهِ فَلا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّها لَيْسَتْ آلِهَةً صفحة ١٩٥ وإنْ ذَكَرَها لِغَيْرِهِ، فَإمّا أنْ يَذْكُرَها لِمَن يُصَدِّقُ بِنُبُوَّتِهِ أوْ لِمَن يُكَذِّبُ بِنُبُوَّتِهِ، فَإنْ ذَكَرَها لِمَن صَدَّقَ بِنُبُوَّتِهِ فَلا حاجَةَ إلى هَذِهِ الحُجَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِنُبُوَّتِهِ لَمْ يَقُلْ بِإلَهِيَّةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وإنْ ذَكَرَها لِمَن يُكَذِّبُ بِنُبُوَّتِهِ، فَذَلِكَ المُكَذِّبُ لا يُسَلِّمُ أنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ يَرِدُونَ النّارَ ويُكَذِّبُونَهُ في ذَلِكَ، فَكانَ ذِكْرُهُ هَذِهِ الحُجَّةَ ضائِعًا كَيْفَ كانَ، وأيْضًا فالقائِلُونَ بِإلَهِيَّتِها لَمْ يَعْتَقِدُوا فِيها كَوْنَها مُدَبِّرَةً لِلْعالَمِ وإلّا لَكانُوا مَجانِينَ، بَلِ اعْتَقَدُوا فِيها كَوْنَها تَماثِيلَ الكَواكِبِ أوْ صُوَرَ الشُّفَعاءِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن دُخُولِها في النّارِ. وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المَعْنى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي الأصْنامَ - آلِهَةً عَلى الحَقِيقَةِ ما ورَدُوها؛ أيْ ما دَخَلَ عابِدُوها النّارَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ ذَلِكَ العَذابَ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: الخُلُودُ، فَقالَ: ﴿وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ يَعْنِي العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ . وثانِيها قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ قالَ الحَسَنُ: الزَّفِيرُ هو اللَّهِيبُ، أيْ يَرْتَفِعُونَ بِسَبَبِ لَهَبِ النّارِ، حَتّى إذا ارْتَفَعُوا ورَجَوُا الخُرُوجَ ضُرِبُوا بِمَقامِعِ الحَدِيدِ فَهَوَوْا إلى أسْفَلِها سَبْعِينَ خَرِيفًا؛ قالَ الخَلِيلُ: الزَّفِيرُ أنْ يَمْلَأ الرَّجُلُ صَدْرَهُ غَمًّا ثُمَّ يَتَنَفَّسُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وقَوْلُهُ: ”لَهم“ عامٌّ لِكُلِّ مُعَذَّبٍ، فَنَقُولُ: لَهم زَفِيرٌ مِن شِدَّةِ ما يَنالُهم، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ يَرْجِعُ إلى المَعْبُودِينَ، أيْ لا يَسْمَعُونَ صُراخَهم وشَكْواهم؛ ومَعْناهُ: أنَّهم لا يُغِيثُونَهم، وشِبْهُهُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أيْ أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الأصْنامِ خاصَّةً عَلى ما حَكَيْناهُ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ. والثّانِي: أنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ يُحْشَرُونَ صُمًّا كَما يُحْشَرُونَ عُمْيًا زِيادَةً في عَذابِهِمْ. وثانِيها: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ ما يَنْفَعُهم؛ لِأنَّهم إنَّما يَسْمَعُونَ أصْواتَ المُعَذَّبِينَ أوْ كَلامَ مَن يَتَوَلّى تَعْذِيبَهم مِنَ المَلائِكَةِ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الكُفّارَ يُجْعَلُونَ في تَوابِيتَ مِن نارٍ، والتَّوابِيتُ في تَوابِيتَ أُخَرَ؛ فَلِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، والأوَّلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَسْمَعُونَ كَلامَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ.

الأنبياء 21:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكُمْ﴾ خِطابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ وعَبَدَةِ الأوْثانِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ المَسْجِدَ وصَنادِيدُ قُرَيْشٍ في الحَطِيمِ وحَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا فَجَلَسَ إلَيْهِمْ فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأفْحَمَهُ ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ فَأقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى فَرَآهم يَتَهامَسُونَ فَقالَ: فِيمَ خَوْضُكم ؟ فَأخْبَرَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: أمّا واللَّهِ لَوْ وجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ؛ فَدَعَوْهُ، فَقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى أأنْتَ قُلْتَ ذَلِكَ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: قَدْ خَصَمْتُكَ ورَبِّ الكَعْبَةِ ألَيْسَ اليَهُودُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والنَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وبَنُو مَلِيحٍ عَبَدُوا المَلائِكَةَ»، ثُمَّ رُوِيَ في ذَلِكَ رِوايَتانِ: إحْداهُما: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَكَتَ ولَمْ يُجِبْ فَضَحِكَ القَوْمُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ونَزَلَ في عِيسى والمَلائِكَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآيَةَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجابَ، وقالَ: بَلْ هم عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي أمَرَتْهم بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآيَةَ؛ يَعْنِي عُزَيْرًا والمَسِيحَ والمَلائِكَةَ، واعْلَمْ أنَّ سُؤالَ ابْنِ الزِّبَعْرى ساقِطٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكُمْ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ، وكانَ ذَلِكَ مَعَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، وهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ فَقَطْ. وثانِيها: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ومَن تَعْبُدُونَ؛ بَلْ قالَ: ما تَعْبُدُونَ، وكَلِمَةُ ”ما“ لا تَتَناوَلُ العُقَلاءَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥]، وقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] فَهو مَحْمُولٌ عَلى الشَّيْءِ، ونَظِيرُهُ هاهُنا أنْ يُقالَ: إنَّكم والشَّيْءَ الَّذِي تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَكِنْ لَفْظُ الشَّيْءِ لا يُفِيدُ العُمُومَ؛ فَلا يَتَوَجَّهُ سُؤالُ ابْنِ الزِّبَعْرى. وثالِثُها: أنَّ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ لا يَدَّعِي أنَّهم آلِهَةٌ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ . ورابِعُها: هَبْ أنَّهُ ثَبَتَ العُمُومُ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ في حَقِّ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ لِبَراءَتِهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، ووَعَدَ اللَّهُ إيّاهم بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ، صفحة ١٩٤ وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] . وخامِسُها: الجَوابُ الَّذِي ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّياطِينَ، فَإنْ قِيلَ: الشَّياطِينُ عُقَلاءُ، ولَفْظُ ”ما“ لا يَتَناوَلُهم، فَكَيْفَ قالَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ ؟ قُلْنا: كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: لَوْ ثَبَتَ لَكم أنَّهُ يَتَناوَلُ العُقَلاءَ فَسُؤالُكم أيْضًا غَيْرُ لازِمٍ مِن هَذا الوَجْهِ. وأمّا ما قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَكَتَ عِنْدَ إيرادِ ابْنِ الزِّبَعْرى هَذا السُّؤالَ فَهو خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ لا أقَلَّ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَنَبَّهُ لِهَذِهِ الأجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْلَمَ مِنهم بِاللُّغَةِ وبِتَفْسِيرِ القُرْآنِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ تَظْهَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةُ لِغَيْرِهِ، ولا يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَإنْ قِيلَ: جَوَّزُوا أنْ يَسْكُتَ عَلَيْهِ السَّلامُ انْتِظارًا لِلْبَيانِ قُلْنا: لَمّا كانَ البَيانُ حاضِرًا مَعَهُ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ السُّكُوتُ لِكَيْ لا يُتَوَهَّمُ فِيهِ الِانْقِطاعُ عَنْ سُؤالِهِمْ، ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْ سُؤالِ ابْنِ الزِّبَعْرى فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُصَوِّرُ لَهم في النّارِ مَلَكًا عَلى صُورَةِ مَن عَبَدُوهُ، وحِينَئِذٍ تَبْقى الآيَةُ عَلى ظاهِرِها، واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ لَمْ يَعْبُدُوا تِلْكَ الصُّورَةَ وإنَّما عَبَدُوا شَيْئًا آخَرَ لَمْ يَحْصُلْ مَعَهم في النّارِ. الثّانِي: وهو أنَّ المَلَكَ لا يَصِيرُ حَصَبَ جَهَنَّمَ في الحَقِيقَةِ، وإنْ صَحَّ أنْ يَدْخُلَها، فَإنَّ خَزَنَةَ النّارِ يَدْخُلُونَها مَعَ أنَّهم لَيْسُوا حَصَبَ جَهَنَّمَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحِكْمَةُ في أنَّهم قَرَنُوا بِآلِهَتِهِمْ أُمُورًا: أحَدُها: أنَّهم لا يَزالُونَ لِمُقارَنَتِهِمْ في زِيادَةِ غَمٍّ وحَسْرَةٍ؛ لِأنَّهم ما وقَعُوا في ذَلِكَ العَذابِ إلّا بِسَبَبِهِمْ، والنَّظَرُ إلى وجْهِ العَدُوِّ بابٌ مِنَ العَذابِ. وثانِيها: أنَّ القَوْمَ قَدَّرُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم في الآخِرَةِ في دَفْعِ العَذابِ، فَإذا وجَدُوا الأمْرَ عَلى عَكْسِ ما قَدَّرُوا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أبْغَضَ إلَيْهِمْ مِنهم. وثالِثُها: أنَّ إلْقاءَها في النّارِ يَجْرِي مَجْرى الِاسْتِهْزاءِ بِعِبادِها. ورابِعُها: قِيلَ: ما كانَ مِنها حَجَرًا أوْ حَدِيدًا يُحْمى ويَلْزَقُ بِعُبّادِها، وما كانَ خَشَبًا يُجْعَلُ جَمْرَةً يُعَذَّبُ بِها صاحِبُها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فالمُرادُ يُقْذَفُونَ في نارِ جَهَنَّمَ؛ فَشَبَّهَهم بِالحَصْباءِ الَّتِي يُرْمى بِها الشَّيْءُ، فَلَمّا رَمى بِها كَرَمْيِ الحَصْباءِ، جَعَلَهم حَصَبَ جَهَنَّمَ تَشْبِيهًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الحَصْبُ الرَّمْيُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الصّادِ وصْفًا بِالمَصْدَرِ، وقُرِئَ ”حَطَبُ“ و”حَضَبُ“ بِالضّادِ المَنقُوطَةِ مُتَحَرِّكًا وساكِنًا. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ فَإنَّما جازَ مَجِيءُ اللّامِ في ”لَها“ لِتَقَدُّمِها عَلى الفِعْلِ؛ تَقُولُ: أنْتَ لِزَيْدٍ ضارِبٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٨] ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥] أيْ أنْتُمْ فِيها داخِلُونَ، والمَعْنى أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ تَرِدُوها ولا مَعْدِلَ لَكم عَنْ دُخُولِها. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِالأصْنامِ ألْيَقُ لِدُخُولِ لَفْظَةِ ”ما“، وهَذا الكَلامُ بِالشَّياطِينِ ألْيَقُ لِقَوْلِهِ: ”هَؤُلاءِ“ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الشَّياطِينَ والأصْنامَ؛ فَيَغْلِبُ بِأنْ يُذْكَرُوا بِعِبارَةِ العُقَلاءِ، ونَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ مَن يُرْمى إلى النّارِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلَهًا. وهاهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ لَكِنَّهم ورَدُوها فَهم لَيْسُوا آلِهَةً حُجَّةً، وهَذِهِ الحُجَّةُ إمّا أنْ يَكُونَ ذَكَرَها لِنَفْسِهِ أوْ لِغَيْرِهِ، فَإنْ ذَكَرَها لِنَفْسِهِ فَلا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّها لَيْسَتْ آلِهَةً صفحة ١٩٥ وإنْ ذَكَرَها لِغَيْرِهِ، فَإمّا أنْ يَذْكُرَها لِمَن يُصَدِّقُ بِنُبُوَّتِهِ أوْ لِمَن يُكَذِّبُ بِنُبُوَّتِهِ، فَإنْ ذَكَرَها لِمَن صَدَّقَ بِنُبُوَّتِهِ فَلا حاجَةَ إلى هَذِهِ الحُجَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن صَدَّقَ بِنُبُوَّتِهِ لَمْ يَقُلْ بِإلَهِيَّةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وإنْ ذَكَرَها لِمَن يُكَذِّبُ بِنُبُوَّتِهِ، فَذَلِكَ المُكَذِّبُ لا يُسَلِّمُ أنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ يَرِدُونَ النّارَ ويُكَذِّبُونَهُ في ذَلِكَ، فَكانَ ذِكْرُهُ هَذِهِ الحُجَّةَ ضائِعًا كَيْفَ كانَ، وأيْضًا فالقائِلُونَ بِإلَهِيَّتِها لَمْ يَعْتَقِدُوا فِيها كَوْنَها مُدَبِّرَةً لِلْعالَمِ وإلّا لَكانُوا مَجانِينَ، بَلِ اعْتَقَدُوا فِيها كَوْنَها تَماثِيلَ الكَواكِبِ أوْ صُوَرَ الشُّفَعاءِ، وذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن دُخُولِها في النّارِ. وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المَعْنى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي الأصْنامَ - آلِهَةً عَلى الحَقِيقَةِ ما ورَدُوها؛ أيْ ما دَخَلَ عابِدُوها النّارَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ ذَلِكَ العَذابَ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: الخُلُودُ، فَقالَ: ﴿وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ يَعْنِي العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ . وثانِيها قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ قالَ الحَسَنُ: الزَّفِيرُ هو اللَّهِيبُ، أيْ يَرْتَفِعُونَ بِسَبَبِ لَهَبِ النّارِ، حَتّى إذا ارْتَفَعُوا ورَجَوُا الخُرُوجَ ضُرِبُوا بِمَقامِعِ الحَدِيدِ فَهَوَوْا إلى أسْفَلِها سَبْعِينَ خَرِيفًا؛ قالَ الخَلِيلُ: الزَّفِيرُ أنْ يَمْلَأ الرَّجُلُ صَدْرَهُ غَمًّا ثُمَّ يَتَنَفَّسُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وقَوْلُهُ: ”لَهم“ عامٌّ لِكُلِّ مُعَذَّبٍ، فَنَقُولُ: لَهم زَفِيرٌ مِن شِدَّةِ ما يَنالُهم، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ يَرْجِعُ إلى المَعْبُودِينَ، أيْ لا يَسْمَعُونَ صُراخَهم وشَكْواهم؛ ومَعْناهُ: أنَّهم لا يُغِيثُونَهم، وشِبْهُهُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أيْ أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الأصْنامِ خاصَّةً عَلى ما حَكَيْناهُ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ. والثّانِي: أنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ هَذا يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ يُحْشَرُونَ صُمًّا كَما يُحْشَرُونَ عُمْيًا زِيادَةً في عَذابِهِمْ. وثانِيها: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ ما يَنْفَعُهم؛ لِأنَّهم إنَّما يَسْمَعُونَ أصْواتَ المُعَذَّبِينَ أوْ كَلامَ مَن يَتَوَلّى تَعْذِيبَهم مِنَ المَلائِكَةِ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الكُفّارَ يُجْعَلُونَ في تَوابِيتَ مِن نارٍ، والتَّوابِيتُ في تَوابِيتَ أُخَرَ؛ فَلِذَلِكَ لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، والأوَّلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَسْمَعُونَ كَلامَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ.

الأنبياء 21:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ ابْنَ الزِّبَعْرى لَمّا أوْرَدَ ذَلِكَ السُّؤالَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بَقِيَ ساكِتًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ جَوابًا عَنْ سُؤالِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ كالِاسْتِثْناءِ مِن تِلْكَ الآيَةِ، وأمّا نَحْنُ فَقَدَ بَيَّنّا فَسادَ هَذا القَوْلِ، وذَكَرْنا أنَّ سُؤالَهُ لَمْ يَكُنْ وارِدًا، وأنَّهُ لا حاجَةَ في دَفْعِ سُؤالِهِ إلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَمْ يَبْقَ هاهُنا إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مَتى شَرَحَ عِقابَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِشَرْحِ ثَوابِ الأبْرارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ تِلْكَ فَهي عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ المُؤْمِنِينَ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في تِلْكَ الواقِعَةِ لِتَكُونَ كالتَّأْكِيدِ في دَفْعِ سُؤالِ ابْنِ الزِّبَعْرى، ثُمَّ مَن قالَ: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وهو الحَقُّ، أجْراها عَلى عُمُومِها؛ فَتَكُونُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ داخِلِينَ فِيها، لا أنَّ صفحة ١٩٦ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ، ومَن قالَ: العِبْرَةُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ خَصَّصَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ بِهَؤُلاءِ فَقَطْ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الحُسْنى الخَصْلَةُ المُفَضَّلَةُ، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وهي إمّا السَّعادَةُ وإمّا البُشْرى بِالثَّوابِ، وإمّا التَّوْفِيقُ لِلطّاعَةِ، والحاصِلُ أنَّ مُثْبِتِي العَفْوِ حَمَلُوا الحُسْنى عَلى وعْدِ العَفْوِ، ومُنْكِرِي العَفْوِ حَمَلُوهُ عَلى وعْدِ الثَّوابِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى شَرَحَ مِن أحْوالِ ثَوابِهِمْ أُمُورًا خَمْسَةً: أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ فَقالَ أهْلُ العَفْوِ: مَعْناهُ أُولَئِكَ عَنْها مُخْرَجُونَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ أثْبَتَ الوُرُودَ وهو الدُّخُولُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذا الإبْعادَ هو الإخْراجُ. الثّانِي: أنَّ إبْعادَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ لا يَصِحُّ إلّا إذا كانا مُتَقارِبَيْنِ؛ لِأنَّهُما لَوْ كانا مُتَباعِدَيْنِ اسْتَحالَ إبْعادُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ لَأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ. واحْتَجَّ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ الأوَّلِ بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ يَقْتَضِي أنَّ الوَعْدَ بِثَوابِهِمْ قَدْ تَقَدَّمَ في الدُّنْيا ولَيْسَ هَذا حالُ مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ وكَيْفَ يَدْخُلُ في ذَلِكَ مَن وقَعَ فِيها. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنْ [ يُقالَ ] المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ هو أنَّ الوَعْدَ بِثَوابِهِمْ قَدْ تَقَدَّمَ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُسْنى تَقَدُّمُ الوَعْدِ بِالعَفْوِ ؟ سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الحُسْنى تَقَدُّمُ الوَعْدِ بِالثَّوابِ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الوَعْدَ بِالثَّوابِ لا يَلِيقُ بِحالِ مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ، فَإنَّ عِنْدَنا المُحابَطَةَ باطِلَةٌ، ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ والعِقابِ، وعَنِ الثّانِي: أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ إلّا في حَقِّ مَن كانَ في النّارِ، وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ مَخْصُوصٌ بِما بَعْدَ الخُرُوجِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ فالفَزَعُ الأكْبَرُ هو عَذابُ الكُفّارِ، وهَذا بِطَرِيقِ المَفْهُومِ يَقْتَضِي أنَّهم يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأصْغَرُ، فَإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَدُلَّ عَلى ثُبُوتِهِ ولا عَلى عَدَمِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ أنَّ المُرادَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى لا يَدْخُلُونَ النّارَ ولا يَقْرَبُونَها البَتَّةَ، وعَلى هَذا القَوْلِ بَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ جَمِيعَ النّاسِ يَرِدُونَ النّارَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ إلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مانِعَةٌ مِنهُ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ والحَسِيسُ الصَّوْتُ الَّذِي يُحَسُّ، وفِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: أيُّ وجْهٍ في أنْ لا يَسْمَعُوا حَسِيسَها مِنَ البِشارَةِ، ولَوْ سَمِعُوهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُهم ؟ قُلْنا: المُرادُ تَأْكِيدُ بُعْدِهِمْ عَنْها؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَدْخُلْها وقَرُبَ مِنها قَدْ يَسْمَعُ حَسِيسَها. السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَرَوْنَ أهْلَ النّارِ، فَكَيْفَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَ النّارِ ؟ الجَوابُ: إذا حَمَلْناهُ عَلى التَّأْكِيدِ زالَ هَذا السُّؤالُ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ والشَّهْوَةُ طَلَبُ النَّفْسِ لِلَذَّةٍ، يَعْنِي: نَعِيمُها مُؤَبَّدٌ، قالَ العارِفُونَ: لِلنُّفُوسِ شَهْوَةٌ، ولِلْقُلُوبِ شَهْوَةٌ، ولِلْأرْواحِ شَهْوَةٌ، وقالَ الجُنَيْدُ: سَبَقَتِ العِنايَةُ في البِدايَةِ، فَظَهَرَتِ الوِلايَةُ في النِّهايَةِ. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] . وثانِيها: أنَّهُ المَوْتُ، قالُوا: إذا اسْتَقَرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، بَعَثَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعَهُ المَوْتُ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيَقُولُ: لِأهْلِ الدّارَيْنِ أتَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَقُولُونَ: لا، فَيَقُولُ: هَذا المَوْتُ، ثُمَّ يَذْبَحُهُ؛ ثُمَّ يُنادِي يا أهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ ولا مَوْتَ أبَدًا، وكَذَلِكَ لِأهْلِ النّارِ، صفحة ١٩٧ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ إنَّما ذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وهم فِيها خالِدُونَ﴾ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالآخَرِ، والفَزَعُ الأكْبَرُ الَّذِي هو يُنافِي الخُلُودَ هو المَوْتُ. وثالِثُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو إطْباقُ النّارِ عَلى أهْلِها فَيَفْزَعُونَ لِذَلِكَ فَزْعَةً عَظِيمَةً، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: الأوْلى في ذَلِكَ أنَّهُ الفَزَعُ مِنَ النّارِ عِنْدَ مُشاهَدَتِها؛ لِأنَّهُ لا فَزَعَ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ، فَإذا بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ لا يَحْزُنُهم فَقَدْ صَحَّ أنَّ المُؤْمِنَ آمِنٌ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَذابَ النّارِ عَلى مَراتِبَ فَعَذابُ الكُفّارِ أشَدُّ مِن عَذابِ الفُسّاقِ، وإذا كانَتْ مَراتِبُ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ مُتَفاوِتَةً كانَتْ مَراتِبُ الفَزَعِ مِنها مُتَفاوِتَةً، فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الفَزَعِ الأكْبَرِ نَفْيُ الفَزَعِ مِنَ النّارِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: هُمُ الحَفَظَةُ الَّذِينَ كَتَبُوا أعْمالَهم وأقْوالَهم، ويَقُولُونَ لَهم مُبَشِّرِينَ: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ .

الأنبياء 21:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ ابْنَ الزِّبَعْرى لَمّا أوْرَدَ ذَلِكَ السُّؤالَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بَقِيَ ساكِتًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ جَوابًا عَنْ سُؤالِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ كالِاسْتِثْناءِ مِن تِلْكَ الآيَةِ، وأمّا نَحْنُ فَقَدَ بَيَّنّا فَسادَ هَذا القَوْلِ، وذَكَرْنا أنَّ سُؤالَهُ لَمْ يَكُنْ وارِدًا، وأنَّهُ لا حاجَةَ في دَفْعِ سُؤالِهِ إلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَمْ يَبْقَ هاهُنا إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مَتى شَرَحَ عِقابَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِشَرْحِ ثَوابِ الأبْرارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ تِلْكَ فَهي عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ المُؤْمِنِينَ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في تِلْكَ الواقِعَةِ لِتَكُونَ كالتَّأْكِيدِ في دَفْعِ سُؤالِ ابْنِ الزِّبَعْرى، ثُمَّ مَن قالَ: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وهو الحَقُّ، أجْراها عَلى عُمُومِها؛ فَتَكُونُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ داخِلِينَ فِيها، لا أنَّ صفحة ١٩٦ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ، ومَن قالَ: العِبْرَةُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ خَصَّصَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ بِهَؤُلاءِ فَقَطْ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الحُسْنى الخَصْلَةُ المُفَضَّلَةُ، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وهي إمّا السَّعادَةُ وإمّا البُشْرى بِالثَّوابِ، وإمّا التَّوْفِيقُ لِلطّاعَةِ، والحاصِلُ أنَّ مُثْبِتِي العَفْوِ حَمَلُوا الحُسْنى عَلى وعْدِ العَفْوِ، ومُنْكِرِي العَفْوِ حَمَلُوهُ عَلى وعْدِ الثَّوابِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى شَرَحَ مِن أحْوالِ ثَوابِهِمْ أُمُورًا خَمْسَةً: أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ فَقالَ أهْلُ العَفْوِ: مَعْناهُ أُولَئِكَ عَنْها مُخْرَجُونَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ أثْبَتَ الوُرُودَ وهو الدُّخُولُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذا الإبْعادَ هو الإخْراجُ. الثّانِي: أنَّ إبْعادَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ لا يَصِحُّ إلّا إذا كانا مُتَقارِبَيْنِ؛ لِأنَّهُما لَوْ كانا مُتَباعِدَيْنِ اسْتَحالَ إبْعادُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ لَأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ. واحْتَجَّ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ الأوَّلِ بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ يَقْتَضِي أنَّ الوَعْدَ بِثَوابِهِمْ قَدْ تَقَدَّمَ في الدُّنْيا ولَيْسَ هَذا حالُ مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ وكَيْفَ يَدْخُلُ في ذَلِكَ مَن وقَعَ فِيها. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنْ [ يُقالَ ] المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ هو أنَّ الوَعْدَ بِثَوابِهِمْ قَدْ تَقَدَّمَ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُسْنى تَقَدُّمُ الوَعْدِ بِالعَفْوِ ؟ سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الحُسْنى تَقَدُّمُ الوَعْدِ بِالثَّوابِ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الوَعْدَ بِالثَّوابِ لا يَلِيقُ بِحالِ مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ، فَإنَّ عِنْدَنا المُحابَطَةَ باطِلَةٌ، ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ والعِقابِ، وعَنِ الثّانِي: أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ إلّا في حَقِّ مَن كانَ في النّارِ، وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ مَخْصُوصٌ بِما بَعْدَ الخُرُوجِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ فالفَزَعُ الأكْبَرُ هو عَذابُ الكُفّارِ، وهَذا بِطَرِيقِ المَفْهُومِ يَقْتَضِي أنَّهم يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأصْغَرُ، فَإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَدُلَّ عَلى ثُبُوتِهِ ولا عَلى عَدَمِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ أنَّ المُرادَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى لا يَدْخُلُونَ النّارَ ولا يَقْرَبُونَها البَتَّةَ، وعَلى هَذا القَوْلِ بَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ جَمِيعَ النّاسِ يَرِدُونَ النّارَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ إلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مانِعَةٌ مِنهُ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ والحَسِيسُ الصَّوْتُ الَّذِي يُحَسُّ، وفِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: أيُّ وجْهٍ في أنْ لا يَسْمَعُوا حَسِيسَها مِنَ البِشارَةِ، ولَوْ سَمِعُوهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُهم ؟ قُلْنا: المُرادُ تَأْكِيدُ بُعْدِهِمْ عَنْها؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَدْخُلْها وقَرُبَ مِنها قَدْ يَسْمَعُ حَسِيسَها. السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَرَوْنَ أهْلَ النّارِ، فَكَيْفَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَ النّارِ ؟ الجَوابُ: إذا حَمَلْناهُ عَلى التَّأْكِيدِ زالَ هَذا السُّؤالُ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ والشَّهْوَةُ طَلَبُ النَّفْسِ لِلَذَّةٍ، يَعْنِي: نَعِيمُها مُؤَبَّدٌ، قالَ العارِفُونَ: لِلنُّفُوسِ شَهْوَةٌ، ولِلْقُلُوبِ شَهْوَةٌ، ولِلْأرْواحِ شَهْوَةٌ، وقالَ الجُنَيْدُ: سَبَقَتِ العِنايَةُ في البِدايَةِ، فَظَهَرَتِ الوِلايَةُ في النِّهايَةِ. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] . وثانِيها: أنَّهُ المَوْتُ، قالُوا: إذا اسْتَقَرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، بَعَثَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعَهُ المَوْتُ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيَقُولُ: لِأهْلِ الدّارَيْنِ أتَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَقُولُونَ: لا، فَيَقُولُ: هَذا المَوْتُ، ثُمَّ يَذْبَحُهُ؛ ثُمَّ يُنادِي يا أهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ ولا مَوْتَ أبَدًا، وكَذَلِكَ لِأهْلِ النّارِ، صفحة ١٩٧ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ إنَّما ذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وهم فِيها خالِدُونَ﴾ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالآخَرِ، والفَزَعُ الأكْبَرُ الَّذِي هو يُنافِي الخُلُودَ هو المَوْتُ. وثالِثُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو إطْباقُ النّارِ عَلى أهْلِها فَيَفْزَعُونَ لِذَلِكَ فَزْعَةً عَظِيمَةً، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: الأوْلى في ذَلِكَ أنَّهُ الفَزَعُ مِنَ النّارِ عِنْدَ مُشاهَدَتِها؛ لِأنَّهُ لا فَزَعَ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ، فَإذا بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ لا يَحْزُنُهم فَقَدْ صَحَّ أنَّ المُؤْمِنَ آمِنٌ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَذابَ النّارِ عَلى مَراتِبَ فَعَذابُ الكُفّارِ أشَدُّ مِن عَذابِ الفُسّاقِ، وإذا كانَتْ مَراتِبُ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ مُتَفاوِتَةً كانَتْ مَراتِبُ الفَزَعِ مِنها مُتَفاوِتَةً، فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الفَزَعِ الأكْبَرِ نَفْيُ الفَزَعِ مِنَ النّارِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: هُمُ الحَفَظَةُ الَّذِينَ كَتَبُوا أعْمالَهم وأقْوالَهم، ويَقُولُونَ لَهم مُبَشِّرِينَ: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ .

الأنبياء 21:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ ابْنَ الزِّبَعْرى لَمّا أوْرَدَ ذَلِكَ السُّؤالَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بَقِيَ ساكِتًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ جَوابًا عَنْ سُؤالِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ كالِاسْتِثْناءِ مِن تِلْكَ الآيَةِ، وأمّا نَحْنُ فَقَدَ بَيَّنّا فَسادَ هَذا القَوْلِ، وذَكَرْنا أنَّ سُؤالَهُ لَمْ يَكُنْ وارِدًا، وأنَّهُ لا حاجَةَ في دَفْعِ سُؤالِهِ إلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَمْ يَبْقَ هاهُنا إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مَتى شَرَحَ عِقابَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِشَرْحِ ثَوابِ الأبْرارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ تِلْكَ فَهي عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ المُؤْمِنِينَ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في تِلْكَ الواقِعَةِ لِتَكُونَ كالتَّأْكِيدِ في دَفْعِ سُؤالِ ابْنِ الزِّبَعْرى، ثُمَّ مَن قالَ: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وهو الحَقُّ، أجْراها عَلى عُمُومِها؛ فَتَكُونُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ داخِلِينَ فِيها، لا أنَّ صفحة ١٩٦ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ، ومَن قالَ: العِبْرَةُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ خَصَّصَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ بِهَؤُلاءِ فَقَطْ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الحُسْنى الخَصْلَةُ المُفَضَّلَةُ، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وهي إمّا السَّعادَةُ وإمّا البُشْرى بِالثَّوابِ، وإمّا التَّوْفِيقُ لِلطّاعَةِ، والحاصِلُ أنَّ مُثْبِتِي العَفْوِ حَمَلُوا الحُسْنى عَلى وعْدِ العَفْوِ، ومُنْكِرِي العَفْوِ حَمَلُوهُ عَلى وعْدِ الثَّوابِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى شَرَحَ مِن أحْوالِ ثَوابِهِمْ أُمُورًا خَمْسَةً: أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ فَقالَ أهْلُ العَفْوِ: مَعْناهُ أُولَئِكَ عَنْها مُخْرَجُونَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ أثْبَتَ الوُرُودَ وهو الدُّخُولُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذا الإبْعادَ هو الإخْراجُ. الثّانِي: أنَّ إبْعادَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ لا يَصِحُّ إلّا إذا كانا مُتَقارِبَيْنِ؛ لِأنَّهُما لَوْ كانا مُتَباعِدَيْنِ اسْتَحالَ إبْعادُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ لَأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ. واحْتَجَّ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ الأوَّلِ بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ يَقْتَضِي أنَّ الوَعْدَ بِثَوابِهِمْ قَدْ تَقَدَّمَ في الدُّنْيا ولَيْسَ هَذا حالُ مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ وكَيْفَ يَدْخُلُ في ذَلِكَ مَن وقَعَ فِيها. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنْ [ يُقالَ ] المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ هو أنَّ الوَعْدَ بِثَوابِهِمْ قَدْ تَقَدَّمَ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُسْنى تَقَدُّمُ الوَعْدِ بِالعَفْوِ ؟ سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الحُسْنى تَقَدُّمُ الوَعْدِ بِالثَّوابِ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الوَعْدَ بِالثَّوابِ لا يَلِيقُ بِحالِ مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ، فَإنَّ عِنْدَنا المُحابَطَةَ باطِلَةٌ، ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ والعِقابِ، وعَنِ الثّانِي: أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ إلّا في حَقِّ مَن كانَ في النّارِ، وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ مَخْصُوصٌ بِما بَعْدَ الخُرُوجِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ فالفَزَعُ الأكْبَرُ هو عَذابُ الكُفّارِ، وهَذا بِطَرِيقِ المَفْهُومِ يَقْتَضِي أنَّهم يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأصْغَرُ، فَإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَدُلَّ عَلى ثُبُوتِهِ ولا عَلى عَدَمِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ أنَّ المُرادَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى لا يَدْخُلُونَ النّارَ ولا يَقْرَبُونَها البَتَّةَ، وعَلى هَذا القَوْلِ بَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ جَمِيعَ النّاسِ يَرِدُونَ النّارَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ إلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مانِعَةٌ مِنهُ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ والحَسِيسُ الصَّوْتُ الَّذِي يُحَسُّ، وفِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: أيُّ وجْهٍ في أنْ لا يَسْمَعُوا حَسِيسَها مِنَ البِشارَةِ، ولَوْ سَمِعُوهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُهم ؟ قُلْنا: المُرادُ تَأْكِيدُ بُعْدِهِمْ عَنْها؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَدْخُلْها وقَرُبَ مِنها قَدْ يَسْمَعُ حَسِيسَها. السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَرَوْنَ أهْلَ النّارِ، فَكَيْفَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَ النّارِ ؟ الجَوابُ: إذا حَمَلْناهُ عَلى التَّأْكِيدِ زالَ هَذا السُّؤالُ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ والشَّهْوَةُ طَلَبُ النَّفْسِ لِلَذَّةٍ، يَعْنِي: نَعِيمُها مُؤَبَّدٌ، قالَ العارِفُونَ: لِلنُّفُوسِ شَهْوَةٌ، ولِلْقُلُوبِ شَهْوَةٌ، ولِلْأرْواحِ شَهْوَةٌ، وقالَ الجُنَيْدُ: سَبَقَتِ العِنايَةُ في البِدايَةِ، فَظَهَرَتِ الوِلايَةُ في النِّهايَةِ. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] . وثانِيها: أنَّهُ المَوْتُ، قالُوا: إذا اسْتَقَرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، بَعَثَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعَهُ المَوْتُ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيَقُولُ: لِأهْلِ الدّارَيْنِ أتَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَقُولُونَ: لا، فَيَقُولُ: هَذا المَوْتُ، ثُمَّ يَذْبَحُهُ؛ ثُمَّ يُنادِي يا أهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ ولا مَوْتَ أبَدًا، وكَذَلِكَ لِأهْلِ النّارِ، صفحة ١٩٧ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ إنَّما ذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وهم فِيها خالِدُونَ﴾ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالآخَرِ، والفَزَعُ الأكْبَرُ الَّذِي هو يُنافِي الخُلُودَ هو المَوْتُ. وثالِثُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو إطْباقُ النّارِ عَلى أهْلِها فَيَفْزَعُونَ لِذَلِكَ فَزْعَةً عَظِيمَةً، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: الأوْلى في ذَلِكَ أنَّهُ الفَزَعُ مِنَ النّارِ عِنْدَ مُشاهَدَتِها؛ لِأنَّهُ لا فَزَعَ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ، فَإذا بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ لا يَحْزُنُهم فَقَدْ صَحَّ أنَّ المُؤْمِنَ آمِنٌ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَذابَ النّارِ عَلى مَراتِبَ فَعَذابُ الكُفّارِ أشَدُّ مِن عَذابِ الفُسّاقِ، وإذا كانَتْ مَراتِبُ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ مُتَفاوِتَةً كانَتْ مَراتِبُ الفَزَعِ مِنها مُتَفاوِتَةً، فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الفَزَعِ الأكْبَرِ نَفْيُ الفَزَعِ مِنَ النّارِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: هُمُ الحَفَظَةُ الَّذِينَ كَتَبُوا أعْمالَهم وأقْوالَهم، ويَقُولُونَ لَهم مُبَشِّرِينَ: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ .

الأنبياء 21:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ ابْنَ الزِّبَعْرى لَمّا أوْرَدَ ذَلِكَ السُّؤالَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بَقِيَ ساكِتًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ جَوابًا عَنْ سُؤالِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ كالِاسْتِثْناءِ مِن تِلْكَ الآيَةِ، وأمّا نَحْنُ فَقَدَ بَيَّنّا فَسادَ هَذا القَوْلِ، وذَكَرْنا أنَّ سُؤالَهُ لَمْ يَكُنْ وارِدًا، وأنَّهُ لا حاجَةَ في دَفْعِ سُؤالِهِ إلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَمْ يَبْقَ هاهُنا إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مَتى شَرَحَ عِقابَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِشَرْحِ ثَوابِ الأبْرارِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ تِلْكَ فَهي عامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ المُؤْمِنِينَ. الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في تِلْكَ الواقِعَةِ لِتَكُونَ كالتَّأْكِيدِ في دَفْعِ سُؤالِ ابْنِ الزِّبَعْرى، ثُمَّ مَن قالَ: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وهو الحَقُّ، أجْراها عَلى عُمُومِها؛ فَتَكُونُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ داخِلِينَ فِيها، لا أنَّ صفحة ١٩٦ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ، ومَن قالَ: العِبْرَةُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ خَصَّصَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ بِهَؤُلاءِ فَقَطْ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الحُسْنى الخَصْلَةُ المُفَضَّلَةُ، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وهي إمّا السَّعادَةُ وإمّا البُشْرى بِالثَّوابِ، وإمّا التَّوْفِيقُ لِلطّاعَةِ، والحاصِلُ أنَّ مُثْبِتِي العَفْوِ حَمَلُوا الحُسْنى عَلى وعْدِ العَفْوِ، ومُنْكِرِي العَفْوِ حَمَلُوهُ عَلى وعْدِ الثَّوابِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى شَرَحَ مِن أحْوالِ ثَوابِهِمْ أُمُورًا خَمْسَةً: أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ فَقالَ أهْلُ العَفْوِ: مَعْناهُ أُولَئِكَ عَنْها مُخْرَجُونَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ أثْبَتَ الوُرُودَ وهو الدُّخُولُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذا الإبْعادَ هو الإخْراجُ. الثّانِي: أنَّ إبْعادَ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ لا يَصِحُّ إلّا إذا كانا مُتَقارِبَيْنِ؛ لِأنَّهُما لَوْ كانا مُتَباعِدَيْنِ اسْتَحالَ إبْعادُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ لَأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ. واحْتَجَّ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ الأوَّلِ بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ يَقْتَضِي أنَّ الوَعْدَ بِثَوابِهِمْ قَدْ تَقَدَّمَ في الدُّنْيا ولَيْسَ هَذا حالُ مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ وكَيْفَ يَدْخُلُ في ذَلِكَ مَن وقَعَ فِيها. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنْ [ يُقالَ ] المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ هو أنَّ الوَعْدَ بِثَوابِهِمْ قَدْ تَقَدَّمَ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنَّ المُرادَ مِنَ الحُسْنى تَقَدُّمُ الوَعْدِ بِالعَفْوِ ؟ سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنَ الحُسْنى تَقَدُّمُ الوَعْدِ بِالثَّوابِ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الوَعْدَ بِالثَّوابِ لا يَلِيقُ بِحالِ مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ، فَإنَّ عِنْدَنا المُحابَطَةَ باطِلَةٌ، ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ والعِقابِ، وعَنِ الثّانِي: أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ إلّا في حَقِّ مَن كانَ في النّارِ، وعَنِ الثّالِثِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ مَخْصُوصٌ بِما بَعْدَ الخُرُوجِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ فالفَزَعُ الأكْبَرُ هو عَذابُ الكُفّارِ، وهَذا بِطَرِيقِ المَفْهُومِ يَقْتَضِي أنَّهم يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأصْغَرُ، فَإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَدُلَّ عَلى ثُبُوتِهِ ولا عَلى عَدَمِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ أنَّ المُرادَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى لا يَدْخُلُونَ النّارَ ولا يَقْرَبُونَها البَتَّةَ، وعَلى هَذا القَوْلِ بَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ جَمِيعَ النّاسِ يَرِدُونَ النّارَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ إلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مانِعَةٌ مِنهُ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ والحَسِيسُ الصَّوْتُ الَّذِي يُحَسُّ، وفِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: أيُّ وجْهٍ في أنْ لا يَسْمَعُوا حَسِيسَها مِنَ البِشارَةِ، ولَوْ سَمِعُوهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُهم ؟ قُلْنا: المُرادُ تَأْكِيدُ بُعْدِهِمْ عَنْها؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَدْخُلْها وقَرُبَ مِنها قَدْ يَسْمَعُ حَسِيسَها. السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَرَوْنَ أهْلَ النّارِ، فَكَيْفَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَ النّارِ ؟ الجَوابُ: إذا حَمَلْناهُ عَلى التَّأْكِيدِ زالَ هَذا السُّؤالُ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ والشَّهْوَةُ طَلَبُ النَّفْسِ لِلَذَّةٍ، يَعْنِي: نَعِيمُها مُؤَبَّدٌ، قالَ العارِفُونَ: لِلنُّفُوسِ شَهْوَةٌ، ولِلْقُلُوبِ شَهْوَةٌ، ولِلْأرْواحِ شَهْوَةٌ، وقالَ الجُنَيْدُ: سَبَقَتِ العِنايَةُ في البِدايَةِ، فَظَهَرَتِ الوِلايَةُ في النِّهايَةِ. الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّها النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] . وثانِيها: أنَّهُ المَوْتُ، قالُوا: إذا اسْتَقَرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، بَعَثَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعَهُ المَوْتُ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيَقُولُ: لِأهْلِ الدّارَيْنِ أتَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَقُولُونَ: لا، فَيَقُولُ: هَذا المَوْتُ، ثُمَّ يَذْبَحُهُ؛ ثُمَّ يُنادِي يا أهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ ولا مَوْتَ أبَدًا، وكَذَلِكَ لِأهْلِ النّارِ، صفحة ١٩٧ واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ إنَّما ذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وهم فِيها خالِدُونَ﴾ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأحَدِهِما تَعَلُّقٌ بِالآخَرِ، والفَزَعُ الأكْبَرُ الَّذِي هو يُنافِي الخُلُودَ هو المَوْتُ. وثالِثُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو إطْباقُ النّارِ عَلى أهْلِها فَيَفْزَعُونَ لِذَلِكَ فَزْعَةً عَظِيمَةً، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: الأوْلى في ذَلِكَ أنَّهُ الفَزَعُ مِنَ النّارِ عِنْدَ مُشاهَدَتِها؛ لِأنَّهُ لا فَزَعَ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ، فَإذا بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ لا يَحْزُنُهم فَقَدْ صَحَّ أنَّ المُؤْمِنَ آمِنٌ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَذابَ النّارِ عَلى مَراتِبَ فَعَذابُ الكُفّارِ أشَدُّ مِن عَذابِ الفُسّاقِ، وإذا كانَتْ مَراتِبُ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ مُتَفاوِتَةً كانَتْ مَراتِبُ الفَزَعِ مِنها مُتَفاوِتَةً، فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الفَزَعِ الأكْبَرِ نَفْيُ الفَزَعِ مِنَ النّارِ. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: هُمُ الحَفَظَةُ الَّذِينَ كَتَبُوا أعْمالَهم وأقْوالَهم، ويَقُولُونَ لَهم مُبَشِّرِينَ: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ .

الأنبياء 21:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، أوْ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ. وقُرِئَ ”يَوْمَ تُطْوى السَّماءُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والسِّجِلُّ بِوَزْنِ العِتِلِّ، والسَّجْلُ بِوَزْنِ الدَّلْوِ، ورُوِيَ فِيهِ الكَسْرُ، وفي السِّجِلِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِلطُّومارِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ، والكِتابُ أصْلُهُ المَصْدَرُ كالبِناءِ، ثُمَّ يُوقَعُ عَلى المَكْتُوبِ، ومَن جَمَعَ فَمَعْناهُ لِلْمَكْتُوباتِ أيْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى طَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ كَوْنَ السِّجِلِّ ساتِرًا لِتِلْكَ الكِتابَةِ ومُخْفِيًا لَها؛ لِأنَّ الطَّيَّ ضِدُّ النَّشْرِ الَّذِي يَكْشِفُ، والمَعْنى نَطْوِي السَّماءَ كَما يُطْوى الطُّومارُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ اسْمًا لِلطُّومارِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ اسْمُ كاتِبٍ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ كُتّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا مَعْرُوفِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَن سُمِّيَ بِهَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الرَّجُلُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ فَهو عَلى نَحْوِ ما يُقالُ: كَطَيِّ زَيْدٍ الكِتابَ، واللّامُ في لِلْكِتابِ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: رَدِفَ لَكم، وإذا قُلْنا: المُرادُ بِالسِّجِلِّ الطُّومارُ، فالمَصْدَرُ وهو الطَّيُّ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ كَطَيِّ الطّاوِي السِّجِلَّ، وهَذا الأخِيرُ هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. صفحة ١٩٨ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: انْقَطَعَ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ”الكُتُبِ“ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا﴾ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ فَوَصَفَ اليَوْمَ بِذَلِكَ، ثُمَّ وصَفَهُ بِوَصْفٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿أوَّلَ خَلْقٍ﴾ مَفْعُولُ ”نُعِيدُ“ الَّذِي يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ، والكافُ مَكْفُوفَةٌ بِما، والمَعْنى نُعِيدُ أوَّلَ الخَلْقِ كَما بَدَأْناهُ تَشْبِيهًا لِلْإعادَةِ بِالِابْتِداءِ، فَإنْ قُلْتَ: ما بالُ ”خَلْقٍ“ مُنَكَّرًا ؟ قُلْتُ: هو كَقَوْلِكَ أوَّلُ رَجُلٍ جاءَنِي زَيْدٌ، تُرِيدُ أوَّلَ الرِّجالِ، ولَكِنَّكَ وحَّدْتَهُ ونَكَّرْتَهُ إرادَةَ تَفْصِيلِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا، فَكَذَلِكَ مَعْنى ”أوَّلَ خَلْقٍ“ أوَّلُ الخَلْقِ بِمَعْنى أوَّلِ الخَلائِقِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الإعادَةِ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُفَرِّقُ أجْزاءَ الأجْسامِ ولا يَعْدِمُها ثُمَّ إنَّهُ يُعِيدُ تَرْكِيبَها فَذَلِكَ هو الإعادَةُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى يَعْدِمُها بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ يُوجِدُها بِعَيْنِها مَرَّةً أُخْرى وهَذِهِ الآيَةُ دَلالَةٌ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ الإعادَةَ بِالِابْتِداءِ. ولَمّا كانَ الِابْتِداءُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ تَرْكِيبِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ بَلْ عَنِ الوُجُودِ بَعْدَ العَدَمِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في الإعادَةِ كَذَلِكَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالمَذْهَبِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ السَّماواتِ حالَ كَوْنِها مَطْوِيَّةً تَكُونُ مَوْجُودَةً، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أجْزاءَ الأرْضِ باقِيَةٌ لَكِنَّها جُعِلَتْ غَيْرَ الأرْضِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعْدًا عَلَيْنا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ وعْدًا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (نُعِيدُهُ) عِدَةٌ لِلْإعادَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ حَقًّا عَلَيْنا بِسَبَبِ الإخْبارِ عَنْ ذَلِكَ، وتَعَلُّقِ العِلْمِ بِوُقُوعِهِ مَعَ أنَّ وُقُوعَ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ واجِبٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ سَنَفْعَلُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وهو تَأْكِيدٌ لِما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعْدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الزّايِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، يَعْنِي ”الزَّبُورِ“ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ؛ يُقالُ: زَبَرْتُ الكِتابَ أيْ كَتَبْتُهُ، والزُّبُورُ بِضَمِّ الزّايِ جَمْعُ زِبْرٍ كَقِشْرٍ وقُشُورٍ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ الزَّبُورَ هو الكِتابُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الزَّبُورِ والذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وابْنِ زَيْدٍ، الزَّبُورُ هو الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والذِّكْرُ الكِتابُ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ فِيها كِتابَةَ كُلِّ ما سَيَكُونُ اعْتِبارًا لِلْمَلائِكَةِ، وكُتُبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن ذَلِكَ الكِتابِ تُنْسَخُ. وثانِيها: الزَّبُورُ هو القُرْآنُ، والذِّكْرُ هو التَّوْراةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ. وثالِثُها: الزَّبُورُ زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والذِّكْرُ هو الَّذِي يُرْوى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ خَلَقَ الذِّكْرَ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ، أيْ كَتَبْنا ذَلِكَ في الزَّبُورِ بَعْدَ أنْ كُنّا عالِمِينَ عِلْمًا لا يَجُوزُ السَّهْوُ والنِّسْيانُ عَلَيْنا، فَإنَّ مَن كَتَبَ شَيْئًا والتَزَمَهُ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، أمّا مَن لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ السَّهْوُ والخُلْفُ فَإذا التَزَمَ شَيْئًا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ واجِبَ الوُقُوعِ. صفحة ١٩٩ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: الأرْضُ أرْضُ الجَنَّةِ، والعِبادُ الصّالِحُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ في كُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّهُ سَيُورِثُ الجَنَّةَ مَن كانَ صالِحًا مِن عِبادِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأبِي العالِيَةِ، وهَؤُلاءِ أكَّدُوا هَذا القَوْلَ بِأُمُورٍ: أمّا أوَّلًا: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] . وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّها الأرْضُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الصّالِحُونَ؛ لِأنَّها لَهم خُلِقَتْ، وغَيْرُهم إذا حَصَلَ مَعَهم في الجَنَّةِ فَعَلى وجْهِ التَّبَعِ، فَأمّا أرْضُ الدُّنْيا فَلِأنَّها لِلصّالِحِ وغَيْرِ الصّالِحِ. وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ هَذِهِ الأرْضَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ الإعادَةِ وبَعْدَ الإعادَةِ، الأرْضُ الَّتِي هَذا وصْفُها لا تَكُونُ إلّا الجَنَّةَ. وأمّا رابِعًا: فَقَدْ رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ، فَإنَّها بَيْضاءُ نَقِيَّةٌ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الأرْضِ أرْضُ الدُّنْيا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَيُورِثُها المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . وثالِثُها: هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ يَرِثُها الصّالِحُونَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] ثُمَّ بِالآخِرَةِ يُورِثُها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ فَقَوْلُهُ هَذا إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأخْبارِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ البالِغَةِ، والبَلاغُ الكِفايَةُ وما تُبْلَغُ بِهِ البُغْيَةُ، وقِيلَ في العابِدِينَ: إنَّهُمُ العالِمُونَ، وقِيلَ: بَلِ العامِلُونَ، والأوْلى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ العِلْمَ كالشَّجَرِ والعَمَلَ كالثَّمَرِ، والشَّجَرُ بِدُونِ الثَّمَرِ غَيْرُ مُفِيدٍ، والثَّمَرُ بِدُونِ الشَّجَرِ غَيْرُ كائِنٍ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَحْمَةً في الدِّينِ وفي الدُّنْيا؛ أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ والنّاسُ في جاهِلِيَّةٍ وضَلالَةٍ، وأهْلُ الكِتابَيْنِ كانُوا في حَيْرَةٍ مِن أمْرِ دِينِهِمْ؛ لِطُولِ مُكْثِهِمْ وانْقِطاعِ تَواتُرِهِمْ ووُقُوعِ الِاخْتِلافِ في كُتُبِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِطالِبِ الحَقِّ سَبِيلٌ إلى الفَوْزِ والثَّوابِ، فَدَعاهم إلى الحَقِّ، وبَيَّنَ لَهم سَبِيلَ الثَّوابِ، وشَرَعَ لَهُمُ الأحْكامَ، ومَيَّزَ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ، ثُمَّ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مَن كانَتْ هِمَّتُهُ طَلَبَ الحَقِّ، فَلا يَرْكَنُ إلى التَّقْلِيدِ ولا إلى العِنادِ والِاسْتِكْبارِ، وكانَ التَّوْفِيقُ قَرِينًا لَهُ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهم تَخَلَّصُوا بِسَبَبِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الذُّلِّ والقِتالِ والحُرُوبِ ونُصِرُوا بِبَرَكَةِ دِينِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كانَ رَحْمَةً وقَدْ جاءَ بِالسَّيْفِ واسْتِباحَةِ الأمْوالِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: إنَّما جاءَ بِالسَّيْفِ لِمَنِ اسْتَكْبَرَ وعانَدَ ولَمْ يَتَفَكَّرْ ولَمْ يَتَدَبَّرْ، ومِن أوْصافِ اللَّهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ثُمَّ هو مُنْتَقِمٌ مِنَ العُصاةِ. وقالَ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ [ق: ٩] ثُمَّ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفَسادِ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَبْلَ نَبِيِّنا كانَ إذا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ أهْلَكَ اللَّهُ المُكَذِّبِينَ بِالخَسْفِ والمَسْخِ والغَرَقِ، وأنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَذابَ مَن كَذَّبَ رَسُولَنا إلى المَوْتِ أوْ إلى القِيامَةِ؛ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] لا يُقالُ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ صفحة ٢٠٠ [التوبة: ١٤]؛ وقالَ تَعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] لِأنّا نَقُولُ: تَخْصِيصُ العامِّ لا يَقْدَحُ فِيهِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في نِهايَةِ حُسْنِ الخُلُقِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ادْعُ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ: إنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً ولَمْ أُبْعَثْ عَذابًا» وقالَ في رِوايَةِ حُذَيْفَةَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ أغْضَبَ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، فَأيُّما رَجُلٍ سَبَبْتُهُ أوْ لَعَنْتُهُ فاجْعَلْها اللَّهُمَّ عَلَيْهِ صَلاةً يَوْمَ القِيامَةِ» . ورابِعُها: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: ﴿إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِما بَيَّنّا أنَّهُ كانَ رَحْمَةً لِلْكُلِّ لَوْ تَدَبَّرُوا في آياتِ اللَّهِ وآياتِ رَسُولِهِ، فَأمّا مَن أعْرَضَ واسْتَكْبَرَ، فَإنَّما وقَعَ في المِحْنَةِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [ فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكافِرِينَ الكُفْرَ ولَمْ يُرِدْ مِنهُمُ القَبُولَ مِنَ الرَّسُولِ، بَلْ ما أرادَ مِنهم إلّا الرَّدَّ عَلَيْهِ وخَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ ولَمْ يَخْلُقْهم إلّا كَذَلِكَ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إرْسالُهُ نِقْمَةً وعَذابًا عَلَيْهِمْ لا رَحْمَةً، وذَلِكَ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ، لا يُقالُ: إنَّ رِسالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُفّارِ مِن حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ عَذابَهم في الدُّنْيا، كَما عَجَّلَ عَذابَ سائِرِ الأُمَمِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ كَوْنَهُ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وما ذَكَرْتُمُوهُ لِلْكُفّارِ فَهو حاصِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإذًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِينَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي صارَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وأيْضًا فَإنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ ﷺ كَحُصُولِها بَعْدَهُ، بَلْ كانَتْ نِعَمُهم في الدُّنْيا قَبْلَ بَعْثَتِهِ أعْظَمَ؛ لِأنَّ بَعْدَ بَعْثَتِهِ نَزَلَ بِهِمُ الغَمُّ والخَوْفُ مِنهُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالجِهادِ الَّذِي فَنِيَ أكْثَرُهم فِيهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ. والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ البَتَّةَ، وأخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، كانَ أمْرُهُ إيّاهُ بِالإيمانِ أمْرًا يَقْلِبُ عِلْمَهُ جَهْلًا، وخَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا وذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ قَدْ أمَرَهُ بِالمُحالِ، وإنْ كانَتِ البَعْثَةُ مَعَ هَذا القَوْلِ رَحْمَةً، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: البَعْثَةُ رَحْمَةٌ مَعَ أنَّهُ خَلَقَ الكُفْرَ في الكافِرِ ؟ ولِأنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ إلّا لِلْكُفْرِ فَقَطْ فالسُّؤالُ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ تُوقَفُ لِلتَّرْجِيحِ عَلى مُرَجِّحٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِ بِمَعْنى تَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْهُ ؟ قَوْلُهُ: أوَّلًا لَمّا كانَ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي كانَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُلِّ بِاعْتِبارٍ واحِدٍ أوْ بِاعْتِبارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَدَعْواكَ بِكَوْنِ الوَجْهِ واحِدًا تَحَكُّمٌ، قَوْلُهُ: نِعَمُ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ مِن قَبْلُ، قُلْنا: نَعَمْ، ولَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَمّا بُعِثَ حَصَلَ الخَوْفُ لِلْكَفّارِ مِن نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا انْدَفَعَ ذَلِكَ عَنْهم بِسَبَبِ حُضُورِهِ كانَ ذَلِكَ رَحْمَةً في حَقِّ الكُفّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالُوا: لِأنَّ المَلائِكَةَ مِنَ العالَمِينَ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةً لِلْمَلائِكَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهم، والجَوابُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ المَلائِكَةِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] وذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهم في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ داخِلٌ في المُؤْمِنِينَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .

الأنبياء 21:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، أوْ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ. وقُرِئَ ”يَوْمَ تُطْوى السَّماءُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والسِّجِلُّ بِوَزْنِ العِتِلِّ، والسَّجْلُ بِوَزْنِ الدَّلْوِ، ورُوِيَ فِيهِ الكَسْرُ، وفي السِّجِلِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِلطُّومارِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ، والكِتابُ أصْلُهُ المَصْدَرُ كالبِناءِ، ثُمَّ يُوقَعُ عَلى المَكْتُوبِ، ومَن جَمَعَ فَمَعْناهُ لِلْمَكْتُوباتِ أيْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى طَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ كَوْنَ السِّجِلِّ ساتِرًا لِتِلْكَ الكِتابَةِ ومُخْفِيًا لَها؛ لِأنَّ الطَّيَّ ضِدُّ النَّشْرِ الَّذِي يَكْشِفُ، والمَعْنى نَطْوِي السَّماءَ كَما يُطْوى الطُّومارُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ اسْمًا لِلطُّومارِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ اسْمُ كاتِبٍ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ كُتّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا مَعْرُوفِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَن سُمِّيَ بِهَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الرَّجُلُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ فَهو عَلى نَحْوِ ما يُقالُ: كَطَيِّ زَيْدٍ الكِتابَ، واللّامُ في لِلْكِتابِ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: رَدِفَ لَكم، وإذا قُلْنا: المُرادُ بِالسِّجِلِّ الطُّومارُ، فالمَصْدَرُ وهو الطَّيُّ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ كَطَيِّ الطّاوِي السِّجِلَّ، وهَذا الأخِيرُ هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. صفحة ١٩٨ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: انْقَطَعَ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ”الكُتُبِ“ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا﴾ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ فَوَصَفَ اليَوْمَ بِذَلِكَ، ثُمَّ وصَفَهُ بِوَصْفٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿أوَّلَ خَلْقٍ﴾ مَفْعُولُ ”نُعِيدُ“ الَّذِي يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ، والكافُ مَكْفُوفَةٌ بِما، والمَعْنى نُعِيدُ أوَّلَ الخَلْقِ كَما بَدَأْناهُ تَشْبِيهًا لِلْإعادَةِ بِالِابْتِداءِ، فَإنْ قُلْتَ: ما بالُ ”خَلْقٍ“ مُنَكَّرًا ؟ قُلْتُ: هو كَقَوْلِكَ أوَّلُ رَجُلٍ جاءَنِي زَيْدٌ، تُرِيدُ أوَّلَ الرِّجالِ، ولَكِنَّكَ وحَّدْتَهُ ونَكَّرْتَهُ إرادَةَ تَفْصِيلِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا، فَكَذَلِكَ مَعْنى ”أوَّلَ خَلْقٍ“ أوَّلُ الخَلْقِ بِمَعْنى أوَّلِ الخَلائِقِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الإعادَةِ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُفَرِّقُ أجْزاءَ الأجْسامِ ولا يَعْدِمُها ثُمَّ إنَّهُ يُعِيدُ تَرْكِيبَها فَذَلِكَ هو الإعادَةُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى يَعْدِمُها بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ يُوجِدُها بِعَيْنِها مَرَّةً أُخْرى وهَذِهِ الآيَةُ دَلالَةٌ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ الإعادَةَ بِالِابْتِداءِ. ولَمّا كانَ الِابْتِداءُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ تَرْكِيبِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ بَلْ عَنِ الوُجُودِ بَعْدَ العَدَمِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في الإعادَةِ كَذَلِكَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالمَذْهَبِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ السَّماواتِ حالَ كَوْنِها مَطْوِيَّةً تَكُونُ مَوْجُودَةً، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أجْزاءَ الأرْضِ باقِيَةٌ لَكِنَّها جُعِلَتْ غَيْرَ الأرْضِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعْدًا عَلَيْنا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ وعْدًا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (نُعِيدُهُ) عِدَةٌ لِلْإعادَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ حَقًّا عَلَيْنا بِسَبَبِ الإخْبارِ عَنْ ذَلِكَ، وتَعَلُّقِ العِلْمِ بِوُقُوعِهِ مَعَ أنَّ وُقُوعَ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ واجِبٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ سَنَفْعَلُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وهو تَأْكِيدٌ لِما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعْدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الزّايِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، يَعْنِي ”الزَّبُورِ“ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ؛ يُقالُ: زَبَرْتُ الكِتابَ أيْ كَتَبْتُهُ، والزُّبُورُ بِضَمِّ الزّايِ جَمْعُ زِبْرٍ كَقِشْرٍ وقُشُورٍ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ الزَّبُورَ هو الكِتابُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الزَّبُورِ والذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وابْنِ زَيْدٍ، الزَّبُورُ هو الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والذِّكْرُ الكِتابُ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ فِيها كِتابَةَ كُلِّ ما سَيَكُونُ اعْتِبارًا لِلْمَلائِكَةِ، وكُتُبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن ذَلِكَ الكِتابِ تُنْسَخُ. وثانِيها: الزَّبُورُ هو القُرْآنُ، والذِّكْرُ هو التَّوْراةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ. وثالِثُها: الزَّبُورُ زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والذِّكْرُ هو الَّذِي يُرْوى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ خَلَقَ الذِّكْرَ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ، أيْ كَتَبْنا ذَلِكَ في الزَّبُورِ بَعْدَ أنْ كُنّا عالِمِينَ عِلْمًا لا يَجُوزُ السَّهْوُ والنِّسْيانُ عَلَيْنا، فَإنَّ مَن كَتَبَ شَيْئًا والتَزَمَهُ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، أمّا مَن لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ السَّهْوُ والخُلْفُ فَإذا التَزَمَ شَيْئًا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ واجِبَ الوُقُوعِ. صفحة ١٩٩ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: الأرْضُ أرْضُ الجَنَّةِ، والعِبادُ الصّالِحُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ في كُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّهُ سَيُورِثُ الجَنَّةَ مَن كانَ صالِحًا مِن عِبادِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأبِي العالِيَةِ، وهَؤُلاءِ أكَّدُوا هَذا القَوْلَ بِأُمُورٍ: أمّا أوَّلًا: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] . وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّها الأرْضُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الصّالِحُونَ؛ لِأنَّها لَهم خُلِقَتْ، وغَيْرُهم إذا حَصَلَ مَعَهم في الجَنَّةِ فَعَلى وجْهِ التَّبَعِ، فَأمّا أرْضُ الدُّنْيا فَلِأنَّها لِلصّالِحِ وغَيْرِ الصّالِحِ. وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ هَذِهِ الأرْضَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ الإعادَةِ وبَعْدَ الإعادَةِ، الأرْضُ الَّتِي هَذا وصْفُها لا تَكُونُ إلّا الجَنَّةَ. وأمّا رابِعًا: فَقَدْ رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ، فَإنَّها بَيْضاءُ نَقِيَّةٌ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الأرْضِ أرْضُ الدُّنْيا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَيُورِثُها المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . وثالِثُها: هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ يَرِثُها الصّالِحُونَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] ثُمَّ بِالآخِرَةِ يُورِثُها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ فَقَوْلُهُ هَذا إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأخْبارِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ البالِغَةِ، والبَلاغُ الكِفايَةُ وما تُبْلَغُ بِهِ البُغْيَةُ، وقِيلَ في العابِدِينَ: إنَّهُمُ العالِمُونَ، وقِيلَ: بَلِ العامِلُونَ، والأوْلى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ العِلْمَ كالشَّجَرِ والعَمَلَ كالثَّمَرِ، والشَّجَرُ بِدُونِ الثَّمَرِ غَيْرُ مُفِيدٍ، والثَّمَرُ بِدُونِ الشَّجَرِ غَيْرُ كائِنٍ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَحْمَةً في الدِّينِ وفي الدُّنْيا؛ أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ والنّاسُ في جاهِلِيَّةٍ وضَلالَةٍ، وأهْلُ الكِتابَيْنِ كانُوا في حَيْرَةٍ مِن أمْرِ دِينِهِمْ؛ لِطُولِ مُكْثِهِمْ وانْقِطاعِ تَواتُرِهِمْ ووُقُوعِ الِاخْتِلافِ في كُتُبِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِطالِبِ الحَقِّ سَبِيلٌ إلى الفَوْزِ والثَّوابِ، فَدَعاهم إلى الحَقِّ، وبَيَّنَ لَهم سَبِيلَ الثَّوابِ، وشَرَعَ لَهُمُ الأحْكامَ، ومَيَّزَ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ، ثُمَّ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مَن كانَتْ هِمَّتُهُ طَلَبَ الحَقِّ، فَلا يَرْكَنُ إلى التَّقْلِيدِ ولا إلى العِنادِ والِاسْتِكْبارِ، وكانَ التَّوْفِيقُ قَرِينًا لَهُ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهم تَخَلَّصُوا بِسَبَبِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الذُّلِّ والقِتالِ والحُرُوبِ ونُصِرُوا بِبَرَكَةِ دِينِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كانَ رَحْمَةً وقَدْ جاءَ بِالسَّيْفِ واسْتِباحَةِ الأمْوالِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: إنَّما جاءَ بِالسَّيْفِ لِمَنِ اسْتَكْبَرَ وعانَدَ ولَمْ يَتَفَكَّرْ ولَمْ يَتَدَبَّرْ، ومِن أوْصافِ اللَّهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ثُمَّ هو مُنْتَقِمٌ مِنَ العُصاةِ. وقالَ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ [ق: ٩] ثُمَّ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفَسادِ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَبْلَ نَبِيِّنا كانَ إذا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ أهْلَكَ اللَّهُ المُكَذِّبِينَ بِالخَسْفِ والمَسْخِ والغَرَقِ، وأنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَذابَ مَن كَذَّبَ رَسُولَنا إلى المَوْتِ أوْ إلى القِيامَةِ؛ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] لا يُقالُ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ صفحة ٢٠٠ [التوبة: ١٤]؛ وقالَ تَعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] لِأنّا نَقُولُ: تَخْصِيصُ العامِّ لا يَقْدَحُ فِيهِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في نِهايَةِ حُسْنِ الخُلُقِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ادْعُ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ: إنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً ولَمْ أُبْعَثْ عَذابًا» وقالَ في رِوايَةِ حُذَيْفَةَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ أغْضَبَ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، فَأيُّما رَجُلٍ سَبَبْتُهُ أوْ لَعَنْتُهُ فاجْعَلْها اللَّهُمَّ عَلَيْهِ صَلاةً يَوْمَ القِيامَةِ» . ورابِعُها: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: ﴿إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِما بَيَّنّا أنَّهُ كانَ رَحْمَةً لِلْكُلِّ لَوْ تَدَبَّرُوا في آياتِ اللَّهِ وآياتِ رَسُولِهِ، فَأمّا مَن أعْرَضَ واسْتَكْبَرَ، فَإنَّما وقَعَ في المِحْنَةِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [ فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكافِرِينَ الكُفْرَ ولَمْ يُرِدْ مِنهُمُ القَبُولَ مِنَ الرَّسُولِ، بَلْ ما أرادَ مِنهم إلّا الرَّدَّ عَلَيْهِ وخَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ ولَمْ يَخْلُقْهم إلّا كَذَلِكَ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إرْسالُهُ نِقْمَةً وعَذابًا عَلَيْهِمْ لا رَحْمَةً، وذَلِكَ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ، لا يُقالُ: إنَّ رِسالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُفّارِ مِن حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ عَذابَهم في الدُّنْيا، كَما عَجَّلَ عَذابَ سائِرِ الأُمَمِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ كَوْنَهُ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وما ذَكَرْتُمُوهُ لِلْكُفّارِ فَهو حاصِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإذًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِينَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي صارَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وأيْضًا فَإنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ ﷺ كَحُصُولِها بَعْدَهُ، بَلْ كانَتْ نِعَمُهم في الدُّنْيا قَبْلَ بَعْثَتِهِ أعْظَمَ؛ لِأنَّ بَعْدَ بَعْثَتِهِ نَزَلَ بِهِمُ الغَمُّ والخَوْفُ مِنهُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالجِهادِ الَّذِي فَنِيَ أكْثَرُهم فِيهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ. والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ البَتَّةَ، وأخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، كانَ أمْرُهُ إيّاهُ بِالإيمانِ أمْرًا يَقْلِبُ عِلْمَهُ جَهْلًا، وخَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا وذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ قَدْ أمَرَهُ بِالمُحالِ، وإنْ كانَتِ البَعْثَةُ مَعَ هَذا القَوْلِ رَحْمَةً، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: البَعْثَةُ رَحْمَةٌ مَعَ أنَّهُ خَلَقَ الكُفْرَ في الكافِرِ ؟ ولِأنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ إلّا لِلْكُفْرِ فَقَطْ فالسُّؤالُ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ تُوقَفُ لِلتَّرْجِيحِ عَلى مُرَجِّحٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِ بِمَعْنى تَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْهُ ؟ قَوْلُهُ: أوَّلًا لَمّا كانَ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي كانَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُلِّ بِاعْتِبارٍ واحِدٍ أوْ بِاعْتِبارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَدَعْواكَ بِكَوْنِ الوَجْهِ واحِدًا تَحَكُّمٌ، قَوْلُهُ: نِعَمُ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ مِن قَبْلُ، قُلْنا: نَعَمْ، ولَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَمّا بُعِثَ حَصَلَ الخَوْفُ لِلْكَفّارِ مِن نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا انْدَفَعَ ذَلِكَ عَنْهم بِسَبَبِ حُضُورِهِ كانَ ذَلِكَ رَحْمَةً في حَقِّ الكُفّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالُوا: لِأنَّ المَلائِكَةَ مِنَ العالَمِينَ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةً لِلْمَلائِكَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهم، والجَوابُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ المَلائِكَةِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] وذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهم في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ داخِلٌ في المُؤْمِنِينَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .

الأنبياء 21:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، أوْ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ. وقُرِئَ ”يَوْمَ تُطْوى السَّماءُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والسِّجِلُّ بِوَزْنِ العِتِلِّ، والسَّجْلُ بِوَزْنِ الدَّلْوِ، ورُوِيَ فِيهِ الكَسْرُ، وفي السِّجِلِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِلطُّومارِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ، والكِتابُ أصْلُهُ المَصْدَرُ كالبِناءِ، ثُمَّ يُوقَعُ عَلى المَكْتُوبِ، ومَن جَمَعَ فَمَعْناهُ لِلْمَكْتُوباتِ أيْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى طَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ كَوْنَ السِّجِلِّ ساتِرًا لِتِلْكَ الكِتابَةِ ومُخْفِيًا لَها؛ لِأنَّ الطَّيَّ ضِدُّ النَّشْرِ الَّذِي يَكْشِفُ، والمَعْنى نَطْوِي السَّماءَ كَما يُطْوى الطُّومارُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ اسْمًا لِلطُّومارِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ اسْمُ كاتِبٍ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ كُتّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا مَعْرُوفِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَن سُمِّيَ بِهَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الرَّجُلُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ فَهو عَلى نَحْوِ ما يُقالُ: كَطَيِّ زَيْدٍ الكِتابَ، واللّامُ في لِلْكِتابِ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: رَدِفَ لَكم، وإذا قُلْنا: المُرادُ بِالسِّجِلِّ الطُّومارُ، فالمَصْدَرُ وهو الطَّيُّ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ كَطَيِّ الطّاوِي السِّجِلَّ، وهَذا الأخِيرُ هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. صفحة ١٩٨ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: انْقَطَعَ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ”الكُتُبِ“ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا﴾ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ فَوَصَفَ اليَوْمَ بِذَلِكَ، ثُمَّ وصَفَهُ بِوَصْفٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿أوَّلَ خَلْقٍ﴾ مَفْعُولُ ”نُعِيدُ“ الَّذِي يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ، والكافُ مَكْفُوفَةٌ بِما، والمَعْنى نُعِيدُ أوَّلَ الخَلْقِ كَما بَدَأْناهُ تَشْبِيهًا لِلْإعادَةِ بِالِابْتِداءِ، فَإنْ قُلْتَ: ما بالُ ”خَلْقٍ“ مُنَكَّرًا ؟ قُلْتُ: هو كَقَوْلِكَ أوَّلُ رَجُلٍ جاءَنِي زَيْدٌ، تُرِيدُ أوَّلَ الرِّجالِ، ولَكِنَّكَ وحَّدْتَهُ ونَكَّرْتَهُ إرادَةَ تَفْصِيلِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا، فَكَذَلِكَ مَعْنى ”أوَّلَ خَلْقٍ“ أوَّلُ الخَلْقِ بِمَعْنى أوَّلِ الخَلائِقِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الإعادَةِ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُفَرِّقُ أجْزاءَ الأجْسامِ ولا يَعْدِمُها ثُمَّ إنَّهُ يُعِيدُ تَرْكِيبَها فَذَلِكَ هو الإعادَةُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى يَعْدِمُها بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ يُوجِدُها بِعَيْنِها مَرَّةً أُخْرى وهَذِهِ الآيَةُ دَلالَةٌ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ الإعادَةَ بِالِابْتِداءِ. ولَمّا كانَ الِابْتِداءُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ تَرْكِيبِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ بَلْ عَنِ الوُجُودِ بَعْدَ العَدَمِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في الإعادَةِ كَذَلِكَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالمَذْهَبِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ السَّماواتِ حالَ كَوْنِها مَطْوِيَّةً تَكُونُ مَوْجُودَةً، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أجْزاءَ الأرْضِ باقِيَةٌ لَكِنَّها جُعِلَتْ غَيْرَ الأرْضِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعْدًا عَلَيْنا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ وعْدًا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (نُعِيدُهُ) عِدَةٌ لِلْإعادَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ حَقًّا عَلَيْنا بِسَبَبِ الإخْبارِ عَنْ ذَلِكَ، وتَعَلُّقِ العِلْمِ بِوُقُوعِهِ مَعَ أنَّ وُقُوعَ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ واجِبٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ سَنَفْعَلُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وهو تَأْكِيدٌ لِما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعْدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الزّايِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، يَعْنِي ”الزَّبُورِ“ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ؛ يُقالُ: زَبَرْتُ الكِتابَ أيْ كَتَبْتُهُ، والزُّبُورُ بِضَمِّ الزّايِ جَمْعُ زِبْرٍ كَقِشْرٍ وقُشُورٍ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ الزَّبُورَ هو الكِتابُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الزَّبُورِ والذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وابْنِ زَيْدٍ، الزَّبُورُ هو الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والذِّكْرُ الكِتابُ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ فِيها كِتابَةَ كُلِّ ما سَيَكُونُ اعْتِبارًا لِلْمَلائِكَةِ، وكُتُبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن ذَلِكَ الكِتابِ تُنْسَخُ. وثانِيها: الزَّبُورُ هو القُرْآنُ، والذِّكْرُ هو التَّوْراةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ. وثالِثُها: الزَّبُورُ زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والذِّكْرُ هو الَّذِي يُرْوى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ خَلَقَ الذِّكْرَ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ، أيْ كَتَبْنا ذَلِكَ في الزَّبُورِ بَعْدَ أنْ كُنّا عالِمِينَ عِلْمًا لا يَجُوزُ السَّهْوُ والنِّسْيانُ عَلَيْنا، فَإنَّ مَن كَتَبَ شَيْئًا والتَزَمَهُ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، أمّا مَن لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ السَّهْوُ والخُلْفُ فَإذا التَزَمَ شَيْئًا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ واجِبَ الوُقُوعِ. صفحة ١٩٩ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: الأرْضُ أرْضُ الجَنَّةِ، والعِبادُ الصّالِحُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ في كُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّهُ سَيُورِثُ الجَنَّةَ مَن كانَ صالِحًا مِن عِبادِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأبِي العالِيَةِ، وهَؤُلاءِ أكَّدُوا هَذا القَوْلَ بِأُمُورٍ: أمّا أوَّلًا: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] . وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّها الأرْضُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الصّالِحُونَ؛ لِأنَّها لَهم خُلِقَتْ، وغَيْرُهم إذا حَصَلَ مَعَهم في الجَنَّةِ فَعَلى وجْهِ التَّبَعِ، فَأمّا أرْضُ الدُّنْيا فَلِأنَّها لِلصّالِحِ وغَيْرِ الصّالِحِ. وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ هَذِهِ الأرْضَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ الإعادَةِ وبَعْدَ الإعادَةِ، الأرْضُ الَّتِي هَذا وصْفُها لا تَكُونُ إلّا الجَنَّةَ. وأمّا رابِعًا: فَقَدْ رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ، فَإنَّها بَيْضاءُ نَقِيَّةٌ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الأرْضِ أرْضُ الدُّنْيا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَيُورِثُها المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . وثالِثُها: هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ يَرِثُها الصّالِحُونَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] ثُمَّ بِالآخِرَةِ يُورِثُها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ فَقَوْلُهُ هَذا إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأخْبارِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ البالِغَةِ، والبَلاغُ الكِفايَةُ وما تُبْلَغُ بِهِ البُغْيَةُ، وقِيلَ في العابِدِينَ: إنَّهُمُ العالِمُونَ، وقِيلَ: بَلِ العامِلُونَ، والأوْلى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ العِلْمَ كالشَّجَرِ والعَمَلَ كالثَّمَرِ، والشَّجَرُ بِدُونِ الثَّمَرِ غَيْرُ مُفِيدٍ، والثَّمَرُ بِدُونِ الشَّجَرِ غَيْرُ كائِنٍ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَحْمَةً في الدِّينِ وفي الدُّنْيا؛ أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ والنّاسُ في جاهِلِيَّةٍ وضَلالَةٍ، وأهْلُ الكِتابَيْنِ كانُوا في حَيْرَةٍ مِن أمْرِ دِينِهِمْ؛ لِطُولِ مُكْثِهِمْ وانْقِطاعِ تَواتُرِهِمْ ووُقُوعِ الِاخْتِلافِ في كُتُبِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِطالِبِ الحَقِّ سَبِيلٌ إلى الفَوْزِ والثَّوابِ، فَدَعاهم إلى الحَقِّ، وبَيَّنَ لَهم سَبِيلَ الثَّوابِ، وشَرَعَ لَهُمُ الأحْكامَ، ومَيَّزَ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ، ثُمَّ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مَن كانَتْ هِمَّتُهُ طَلَبَ الحَقِّ، فَلا يَرْكَنُ إلى التَّقْلِيدِ ولا إلى العِنادِ والِاسْتِكْبارِ، وكانَ التَّوْفِيقُ قَرِينًا لَهُ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهم تَخَلَّصُوا بِسَبَبِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الذُّلِّ والقِتالِ والحُرُوبِ ونُصِرُوا بِبَرَكَةِ دِينِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كانَ رَحْمَةً وقَدْ جاءَ بِالسَّيْفِ واسْتِباحَةِ الأمْوالِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: إنَّما جاءَ بِالسَّيْفِ لِمَنِ اسْتَكْبَرَ وعانَدَ ولَمْ يَتَفَكَّرْ ولَمْ يَتَدَبَّرْ، ومِن أوْصافِ اللَّهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ثُمَّ هو مُنْتَقِمٌ مِنَ العُصاةِ. وقالَ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ [ق: ٩] ثُمَّ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفَسادِ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَبْلَ نَبِيِّنا كانَ إذا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ أهْلَكَ اللَّهُ المُكَذِّبِينَ بِالخَسْفِ والمَسْخِ والغَرَقِ، وأنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَذابَ مَن كَذَّبَ رَسُولَنا إلى المَوْتِ أوْ إلى القِيامَةِ؛ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] لا يُقالُ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ صفحة ٢٠٠ [التوبة: ١٤]؛ وقالَ تَعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] لِأنّا نَقُولُ: تَخْصِيصُ العامِّ لا يَقْدَحُ فِيهِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في نِهايَةِ حُسْنِ الخُلُقِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ادْعُ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ: إنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً ولَمْ أُبْعَثْ عَذابًا» وقالَ في رِوايَةِ حُذَيْفَةَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ أغْضَبَ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، فَأيُّما رَجُلٍ سَبَبْتُهُ أوْ لَعَنْتُهُ فاجْعَلْها اللَّهُمَّ عَلَيْهِ صَلاةً يَوْمَ القِيامَةِ» . ورابِعُها: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: ﴿إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِما بَيَّنّا أنَّهُ كانَ رَحْمَةً لِلْكُلِّ لَوْ تَدَبَّرُوا في آياتِ اللَّهِ وآياتِ رَسُولِهِ، فَأمّا مَن أعْرَضَ واسْتَكْبَرَ، فَإنَّما وقَعَ في المِحْنَةِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [ فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكافِرِينَ الكُفْرَ ولَمْ يُرِدْ مِنهُمُ القَبُولَ مِنَ الرَّسُولِ، بَلْ ما أرادَ مِنهم إلّا الرَّدَّ عَلَيْهِ وخَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ ولَمْ يَخْلُقْهم إلّا كَذَلِكَ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إرْسالُهُ نِقْمَةً وعَذابًا عَلَيْهِمْ لا رَحْمَةً، وذَلِكَ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ، لا يُقالُ: إنَّ رِسالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُفّارِ مِن حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ عَذابَهم في الدُّنْيا، كَما عَجَّلَ عَذابَ سائِرِ الأُمَمِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ كَوْنَهُ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وما ذَكَرْتُمُوهُ لِلْكُفّارِ فَهو حاصِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإذًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِينَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي صارَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وأيْضًا فَإنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ ﷺ كَحُصُولِها بَعْدَهُ، بَلْ كانَتْ نِعَمُهم في الدُّنْيا قَبْلَ بَعْثَتِهِ أعْظَمَ؛ لِأنَّ بَعْدَ بَعْثَتِهِ نَزَلَ بِهِمُ الغَمُّ والخَوْفُ مِنهُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالجِهادِ الَّذِي فَنِيَ أكْثَرُهم فِيهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ. والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ البَتَّةَ، وأخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، كانَ أمْرُهُ إيّاهُ بِالإيمانِ أمْرًا يَقْلِبُ عِلْمَهُ جَهْلًا، وخَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا وذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ قَدْ أمَرَهُ بِالمُحالِ، وإنْ كانَتِ البَعْثَةُ مَعَ هَذا القَوْلِ رَحْمَةً، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: البَعْثَةُ رَحْمَةٌ مَعَ أنَّهُ خَلَقَ الكُفْرَ في الكافِرِ ؟ ولِأنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ إلّا لِلْكُفْرِ فَقَطْ فالسُّؤالُ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ تُوقَفُ لِلتَّرْجِيحِ عَلى مُرَجِّحٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِ بِمَعْنى تَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْهُ ؟ قَوْلُهُ: أوَّلًا لَمّا كانَ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي كانَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُلِّ بِاعْتِبارٍ واحِدٍ أوْ بِاعْتِبارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَدَعْواكَ بِكَوْنِ الوَجْهِ واحِدًا تَحَكُّمٌ، قَوْلُهُ: نِعَمُ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ مِن قَبْلُ، قُلْنا: نَعَمْ، ولَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَمّا بُعِثَ حَصَلَ الخَوْفُ لِلْكَفّارِ مِن نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا انْدَفَعَ ذَلِكَ عَنْهم بِسَبَبِ حُضُورِهِ كانَ ذَلِكَ رَحْمَةً في حَقِّ الكُفّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالُوا: لِأنَّ المَلائِكَةَ مِنَ العالَمِينَ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةً لِلْمَلائِكَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهم، والجَوابُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ المَلائِكَةِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] وذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهم في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ داخِلٌ في المُؤْمِنِينَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .

الأنبياء 21:108

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، أوْ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ. وقُرِئَ ”يَوْمَ تُطْوى السَّماءُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والسِّجِلُّ بِوَزْنِ العِتِلِّ، والسَّجْلُ بِوَزْنِ الدَّلْوِ، ورُوِيَ فِيهِ الكَسْرُ، وفي السِّجِلِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِلطُّومارِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ، والكِتابُ أصْلُهُ المَصْدَرُ كالبِناءِ، ثُمَّ يُوقَعُ عَلى المَكْتُوبِ، ومَن جَمَعَ فَمَعْناهُ لِلْمَكْتُوباتِ أيْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى طَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ كَوْنَ السِّجِلِّ ساتِرًا لِتِلْكَ الكِتابَةِ ومُخْفِيًا لَها؛ لِأنَّ الطَّيَّ ضِدُّ النَّشْرِ الَّذِي يَكْشِفُ، والمَعْنى نَطْوِي السَّماءَ كَما يُطْوى الطُّومارُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ اسْمًا لِلطُّومارِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ اسْمُ كاتِبٍ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ كُتّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا مَعْرُوفِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَن سُمِّيَ بِهَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الرَّجُلُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ فَهو عَلى نَحْوِ ما يُقالُ: كَطَيِّ زَيْدٍ الكِتابَ، واللّامُ في لِلْكِتابِ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: رَدِفَ لَكم، وإذا قُلْنا: المُرادُ بِالسِّجِلِّ الطُّومارُ، فالمَصْدَرُ وهو الطَّيُّ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ كَطَيِّ الطّاوِي السِّجِلَّ، وهَذا الأخِيرُ هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. صفحة ١٩٨ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: انْقَطَعَ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ”الكُتُبِ“ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا﴾ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ فَوَصَفَ اليَوْمَ بِذَلِكَ، ثُمَّ وصَفَهُ بِوَصْفٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿أوَّلَ خَلْقٍ﴾ مَفْعُولُ ”نُعِيدُ“ الَّذِي يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ، والكافُ مَكْفُوفَةٌ بِما، والمَعْنى نُعِيدُ أوَّلَ الخَلْقِ كَما بَدَأْناهُ تَشْبِيهًا لِلْإعادَةِ بِالِابْتِداءِ، فَإنْ قُلْتَ: ما بالُ ”خَلْقٍ“ مُنَكَّرًا ؟ قُلْتُ: هو كَقَوْلِكَ أوَّلُ رَجُلٍ جاءَنِي زَيْدٌ، تُرِيدُ أوَّلَ الرِّجالِ، ولَكِنَّكَ وحَّدْتَهُ ونَكَّرْتَهُ إرادَةَ تَفْصِيلِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا، فَكَذَلِكَ مَعْنى ”أوَّلَ خَلْقٍ“ أوَّلُ الخَلْقِ بِمَعْنى أوَّلِ الخَلائِقِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الإعادَةِ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُفَرِّقُ أجْزاءَ الأجْسامِ ولا يَعْدِمُها ثُمَّ إنَّهُ يُعِيدُ تَرْكِيبَها فَذَلِكَ هو الإعادَةُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى يَعْدِمُها بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ يُوجِدُها بِعَيْنِها مَرَّةً أُخْرى وهَذِهِ الآيَةُ دَلالَةٌ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ الإعادَةَ بِالِابْتِداءِ. ولَمّا كانَ الِابْتِداءُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ تَرْكِيبِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ بَلْ عَنِ الوُجُودِ بَعْدَ العَدَمِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في الإعادَةِ كَذَلِكَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالمَذْهَبِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ السَّماواتِ حالَ كَوْنِها مَطْوِيَّةً تَكُونُ مَوْجُودَةً، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أجْزاءَ الأرْضِ باقِيَةٌ لَكِنَّها جُعِلَتْ غَيْرَ الأرْضِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعْدًا عَلَيْنا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ وعْدًا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (نُعِيدُهُ) عِدَةٌ لِلْإعادَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ حَقًّا عَلَيْنا بِسَبَبِ الإخْبارِ عَنْ ذَلِكَ، وتَعَلُّقِ العِلْمِ بِوُقُوعِهِ مَعَ أنَّ وُقُوعَ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ واجِبٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ سَنَفْعَلُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وهو تَأْكِيدٌ لِما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعْدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الزّايِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، يَعْنِي ”الزَّبُورِ“ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ؛ يُقالُ: زَبَرْتُ الكِتابَ أيْ كَتَبْتُهُ، والزُّبُورُ بِضَمِّ الزّايِ جَمْعُ زِبْرٍ كَقِشْرٍ وقُشُورٍ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ الزَّبُورَ هو الكِتابُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الزَّبُورِ والذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وابْنِ زَيْدٍ، الزَّبُورُ هو الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والذِّكْرُ الكِتابُ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ فِيها كِتابَةَ كُلِّ ما سَيَكُونُ اعْتِبارًا لِلْمَلائِكَةِ، وكُتُبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن ذَلِكَ الكِتابِ تُنْسَخُ. وثانِيها: الزَّبُورُ هو القُرْآنُ، والذِّكْرُ هو التَّوْراةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ. وثالِثُها: الزَّبُورُ زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والذِّكْرُ هو الَّذِي يُرْوى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ خَلَقَ الذِّكْرَ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ، أيْ كَتَبْنا ذَلِكَ في الزَّبُورِ بَعْدَ أنْ كُنّا عالِمِينَ عِلْمًا لا يَجُوزُ السَّهْوُ والنِّسْيانُ عَلَيْنا، فَإنَّ مَن كَتَبَ شَيْئًا والتَزَمَهُ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، أمّا مَن لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ السَّهْوُ والخُلْفُ فَإذا التَزَمَ شَيْئًا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ واجِبَ الوُقُوعِ. صفحة ١٩٩ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: الأرْضُ أرْضُ الجَنَّةِ، والعِبادُ الصّالِحُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ في كُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّهُ سَيُورِثُ الجَنَّةَ مَن كانَ صالِحًا مِن عِبادِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأبِي العالِيَةِ، وهَؤُلاءِ أكَّدُوا هَذا القَوْلَ بِأُمُورٍ: أمّا أوَّلًا: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] . وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّها الأرْضُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الصّالِحُونَ؛ لِأنَّها لَهم خُلِقَتْ، وغَيْرُهم إذا حَصَلَ مَعَهم في الجَنَّةِ فَعَلى وجْهِ التَّبَعِ، فَأمّا أرْضُ الدُّنْيا فَلِأنَّها لِلصّالِحِ وغَيْرِ الصّالِحِ. وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ هَذِهِ الأرْضَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ الإعادَةِ وبَعْدَ الإعادَةِ، الأرْضُ الَّتِي هَذا وصْفُها لا تَكُونُ إلّا الجَنَّةَ. وأمّا رابِعًا: فَقَدْ رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ، فَإنَّها بَيْضاءُ نَقِيَّةٌ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الأرْضِ أرْضُ الدُّنْيا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَيُورِثُها المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . وثالِثُها: هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ يَرِثُها الصّالِحُونَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] ثُمَّ بِالآخِرَةِ يُورِثُها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ فَقَوْلُهُ هَذا إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأخْبارِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ البالِغَةِ، والبَلاغُ الكِفايَةُ وما تُبْلَغُ بِهِ البُغْيَةُ، وقِيلَ في العابِدِينَ: إنَّهُمُ العالِمُونَ، وقِيلَ: بَلِ العامِلُونَ، والأوْلى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ العِلْمَ كالشَّجَرِ والعَمَلَ كالثَّمَرِ، والشَّجَرُ بِدُونِ الثَّمَرِ غَيْرُ مُفِيدٍ، والثَّمَرُ بِدُونِ الشَّجَرِ غَيْرُ كائِنٍ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَحْمَةً في الدِّينِ وفي الدُّنْيا؛ أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ والنّاسُ في جاهِلِيَّةٍ وضَلالَةٍ، وأهْلُ الكِتابَيْنِ كانُوا في حَيْرَةٍ مِن أمْرِ دِينِهِمْ؛ لِطُولِ مُكْثِهِمْ وانْقِطاعِ تَواتُرِهِمْ ووُقُوعِ الِاخْتِلافِ في كُتُبِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِطالِبِ الحَقِّ سَبِيلٌ إلى الفَوْزِ والثَّوابِ، فَدَعاهم إلى الحَقِّ، وبَيَّنَ لَهم سَبِيلَ الثَّوابِ، وشَرَعَ لَهُمُ الأحْكامَ، ومَيَّزَ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ، ثُمَّ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مَن كانَتْ هِمَّتُهُ طَلَبَ الحَقِّ، فَلا يَرْكَنُ إلى التَّقْلِيدِ ولا إلى العِنادِ والِاسْتِكْبارِ، وكانَ التَّوْفِيقُ قَرِينًا لَهُ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهم تَخَلَّصُوا بِسَبَبِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الذُّلِّ والقِتالِ والحُرُوبِ ونُصِرُوا بِبَرَكَةِ دِينِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كانَ رَحْمَةً وقَدْ جاءَ بِالسَّيْفِ واسْتِباحَةِ الأمْوالِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: إنَّما جاءَ بِالسَّيْفِ لِمَنِ اسْتَكْبَرَ وعانَدَ ولَمْ يَتَفَكَّرْ ولَمْ يَتَدَبَّرْ، ومِن أوْصافِ اللَّهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ثُمَّ هو مُنْتَقِمٌ مِنَ العُصاةِ. وقالَ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ [ق: ٩] ثُمَّ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفَسادِ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَبْلَ نَبِيِّنا كانَ إذا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ أهْلَكَ اللَّهُ المُكَذِّبِينَ بِالخَسْفِ والمَسْخِ والغَرَقِ، وأنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَذابَ مَن كَذَّبَ رَسُولَنا إلى المَوْتِ أوْ إلى القِيامَةِ؛ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] لا يُقالُ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ صفحة ٢٠٠ [التوبة: ١٤]؛ وقالَ تَعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] لِأنّا نَقُولُ: تَخْصِيصُ العامِّ لا يَقْدَحُ فِيهِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في نِهايَةِ حُسْنِ الخُلُقِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ادْعُ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ: إنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً ولَمْ أُبْعَثْ عَذابًا» وقالَ في رِوايَةِ حُذَيْفَةَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ أغْضَبَ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، فَأيُّما رَجُلٍ سَبَبْتُهُ أوْ لَعَنْتُهُ فاجْعَلْها اللَّهُمَّ عَلَيْهِ صَلاةً يَوْمَ القِيامَةِ» . ورابِعُها: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: ﴿إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِما بَيَّنّا أنَّهُ كانَ رَحْمَةً لِلْكُلِّ لَوْ تَدَبَّرُوا في آياتِ اللَّهِ وآياتِ رَسُولِهِ، فَأمّا مَن أعْرَضَ واسْتَكْبَرَ، فَإنَّما وقَعَ في المِحْنَةِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [ فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكافِرِينَ الكُفْرَ ولَمْ يُرِدْ مِنهُمُ القَبُولَ مِنَ الرَّسُولِ، بَلْ ما أرادَ مِنهم إلّا الرَّدَّ عَلَيْهِ وخَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ ولَمْ يَخْلُقْهم إلّا كَذَلِكَ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إرْسالُهُ نِقْمَةً وعَذابًا عَلَيْهِمْ لا رَحْمَةً، وذَلِكَ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ، لا يُقالُ: إنَّ رِسالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُفّارِ مِن حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ عَذابَهم في الدُّنْيا، كَما عَجَّلَ عَذابَ سائِرِ الأُمَمِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ كَوْنَهُ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وما ذَكَرْتُمُوهُ لِلْكُفّارِ فَهو حاصِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإذًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِينَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي صارَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وأيْضًا فَإنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ ﷺ كَحُصُولِها بَعْدَهُ، بَلْ كانَتْ نِعَمُهم في الدُّنْيا قَبْلَ بَعْثَتِهِ أعْظَمَ؛ لِأنَّ بَعْدَ بَعْثَتِهِ نَزَلَ بِهِمُ الغَمُّ والخَوْفُ مِنهُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالجِهادِ الَّذِي فَنِيَ أكْثَرُهم فِيهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ. والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ البَتَّةَ، وأخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، كانَ أمْرُهُ إيّاهُ بِالإيمانِ أمْرًا يَقْلِبُ عِلْمَهُ جَهْلًا، وخَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا وذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ قَدْ أمَرَهُ بِالمُحالِ، وإنْ كانَتِ البَعْثَةُ مَعَ هَذا القَوْلِ رَحْمَةً، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: البَعْثَةُ رَحْمَةٌ مَعَ أنَّهُ خَلَقَ الكُفْرَ في الكافِرِ ؟ ولِأنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ إلّا لِلْكُفْرِ فَقَطْ فالسُّؤالُ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ تُوقَفُ لِلتَّرْجِيحِ عَلى مُرَجِّحٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِ بِمَعْنى تَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْهُ ؟ قَوْلُهُ: أوَّلًا لَمّا كانَ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي كانَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُلِّ بِاعْتِبارٍ واحِدٍ أوْ بِاعْتِبارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَدَعْواكَ بِكَوْنِ الوَجْهِ واحِدًا تَحَكُّمٌ، قَوْلُهُ: نِعَمُ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ مِن قَبْلُ، قُلْنا: نَعَمْ، ولَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَمّا بُعِثَ حَصَلَ الخَوْفُ لِلْكَفّارِ مِن نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا انْدَفَعَ ذَلِكَ عَنْهم بِسَبَبِ حُضُورِهِ كانَ ذَلِكَ رَحْمَةً في حَقِّ الكُفّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالُوا: لِأنَّ المَلائِكَةَ مِنَ العالَمِينَ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةً لِلْمَلائِكَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهم، والجَوابُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ المَلائِكَةِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] وذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهم في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ داخِلٌ في المُؤْمِنِينَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .

الأنبياء 21:109

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، أوْ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ. وقُرِئَ ”يَوْمَ تُطْوى السَّماءُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والسِّجِلُّ بِوَزْنِ العِتِلِّ، والسَّجْلُ بِوَزْنِ الدَّلْوِ، ورُوِيَ فِيهِ الكَسْرُ، وفي السِّجِلِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِلطُّومارِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ، والكِتابُ أصْلُهُ المَصْدَرُ كالبِناءِ، ثُمَّ يُوقَعُ عَلى المَكْتُوبِ، ومَن جَمَعَ فَمَعْناهُ لِلْمَكْتُوباتِ أيْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى طَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ كَوْنَ السِّجِلِّ ساتِرًا لِتِلْكَ الكِتابَةِ ومُخْفِيًا لَها؛ لِأنَّ الطَّيَّ ضِدُّ النَّشْرِ الَّذِي يَكْشِفُ، والمَعْنى نَطْوِي السَّماءَ كَما يُطْوى الطُّومارُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ اسْمًا لِلطُّومارِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ اسْمُ كاتِبٍ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ كُتّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا مَعْرُوفِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَن سُمِّيَ بِهَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الرَّجُلُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ فَهو عَلى نَحْوِ ما يُقالُ: كَطَيِّ زَيْدٍ الكِتابَ، واللّامُ في لِلْكِتابِ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: رَدِفَ لَكم، وإذا قُلْنا: المُرادُ بِالسِّجِلِّ الطُّومارُ، فالمَصْدَرُ وهو الطَّيُّ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ كَطَيِّ الطّاوِي السِّجِلَّ، وهَذا الأخِيرُ هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. صفحة ١٩٨ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: انْقَطَعَ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ”الكُتُبِ“ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا﴾ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ فَوَصَفَ اليَوْمَ بِذَلِكَ، ثُمَّ وصَفَهُ بِوَصْفٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿أوَّلَ خَلْقٍ﴾ مَفْعُولُ ”نُعِيدُ“ الَّذِي يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ، والكافُ مَكْفُوفَةٌ بِما، والمَعْنى نُعِيدُ أوَّلَ الخَلْقِ كَما بَدَأْناهُ تَشْبِيهًا لِلْإعادَةِ بِالِابْتِداءِ، فَإنْ قُلْتَ: ما بالُ ”خَلْقٍ“ مُنَكَّرًا ؟ قُلْتُ: هو كَقَوْلِكَ أوَّلُ رَجُلٍ جاءَنِي زَيْدٌ، تُرِيدُ أوَّلَ الرِّجالِ، ولَكِنَّكَ وحَّدْتَهُ ونَكَّرْتَهُ إرادَةَ تَفْصِيلِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا، فَكَذَلِكَ مَعْنى ”أوَّلَ خَلْقٍ“ أوَّلُ الخَلْقِ بِمَعْنى أوَّلِ الخَلائِقِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الإعادَةِ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُفَرِّقُ أجْزاءَ الأجْسامِ ولا يَعْدِمُها ثُمَّ إنَّهُ يُعِيدُ تَرْكِيبَها فَذَلِكَ هو الإعادَةُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى يَعْدِمُها بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ يُوجِدُها بِعَيْنِها مَرَّةً أُخْرى وهَذِهِ الآيَةُ دَلالَةٌ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ الإعادَةَ بِالِابْتِداءِ. ولَمّا كانَ الِابْتِداءُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ تَرْكِيبِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ بَلْ عَنِ الوُجُودِ بَعْدَ العَدَمِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في الإعادَةِ كَذَلِكَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالمَذْهَبِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ السَّماواتِ حالَ كَوْنِها مَطْوِيَّةً تَكُونُ مَوْجُودَةً، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أجْزاءَ الأرْضِ باقِيَةٌ لَكِنَّها جُعِلَتْ غَيْرَ الأرْضِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعْدًا عَلَيْنا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ وعْدًا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (نُعِيدُهُ) عِدَةٌ لِلْإعادَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ حَقًّا عَلَيْنا بِسَبَبِ الإخْبارِ عَنْ ذَلِكَ، وتَعَلُّقِ العِلْمِ بِوُقُوعِهِ مَعَ أنَّ وُقُوعَ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ واجِبٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ سَنَفْعَلُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وهو تَأْكِيدٌ لِما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعْدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الزّايِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، يَعْنِي ”الزَّبُورِ“ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ؛ يُقالُ: زَبَرْتُ الكِتابَ أيْ كَتَبْتُهُ، والزُّبُورُ بِضَمِّ الزّايِ جَمْعُ زِبْرٍ كَقِشْرٍ وقُشُورٍ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ الزَّبُورَ هو الكِتابُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الزَّبُورِ والذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وابْنِ زَيْدٍ، الزَّبُورُ هو الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والذِّكْرُ الكِتابُ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ فِيها كِتابَةَ كُلِّ ما سَيَكُونُ اعْتِبارًا لِلْمَلائِكَةِ، وكُتُبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن ذَلِكَ الكِتابِ تُنْسَخُ. وثانِيها: الزَّبُورُ هو القُرْآنُ، والذِّكْرُ هو التَّوْراةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ. وثالِثُها: الزَّبُورُ زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والذِّكْرُ هو الَّذِي يُرْوى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ خَلَقَ الذِّكْرَ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ، أيْ كَتَبْنا ذَلِكَ في الزَّبُورِ بَعْدَ أنْ كُنّا عالِمِينَ عِلْمًا لا يَجُوزُ السَّهْوُ والنِّسْيانُ عَلَيْنا، فَإنَّ مَن كَتَبَ شَيْئًا والتَزَمَهُ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، أمّا مَن لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ السَّهْوُ والخُلْفُ فَإذا التَزَمَ شَيْئًا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ واجِبَ الوُقُوعِ. صفحة ١٩٩ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: الأرْضُ أرْضُ الجَنَّةِ، والعِبادُ الصّالِحُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ في كُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّهُ سَيُورِثُ الجَنَّةَ مَن كانَ صالِحًا مِن عِبادِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأبِي العالِيَةِ، وهَؤُلاءِ أكَّدُوا هَذا القَوْلَ بِأُمُورٍ: أمّا أوَّلًا: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] . وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّها الأرْضُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الصّالِحُونَ؛ لِأنَّها لَهم خُلِقَتْ، وغَيْرُهم إذا حَصَلَ مَعَهم في الجَنَّةِ فَعَلى وجْهِ التَّبَعِ، فَأمّا أرْضُ الدُّنْيا فَلِأنَّها لِلصّالِحِ وغَيْرِ الصّالِحِ. وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ هَذِهِ الأرْضَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ الإعادَةِ وبَعْدَ الإعادَةِ، الأرْضُ الَّتِي هَذا وصْفُها لا تَكُونُ إلّا الجَنَّةَ. وأمّا رابِعًا: فَقَدْ رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ، فَإنَّها بَيْضاءُ نَقِيَّةٌ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الأرْضِ أرْضُ الدُّنْيا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَيُورِثُها المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . وثالِثُها: هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ يَرِثُها الصّالِحُونَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] ثُمَّ بِالآخِرَةِ يُورِثُها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ فَقَوْلُهُ هَذا إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأخْبارِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ البالِغَةِ، والبَلاغُ الكِفايَةُ وما تُبْلَغُ بِهِ البُغْيَةُ، وقِيلَ في العابِدِينَ: إنَّهُمُ العالِمُونَ، وقِيلَ: بَلِ العامِلُونَ، والأوْلى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ العِلْمَ كالشَّجَرِ والعَمَلَ كالثَّمَرِ، والشَّجَرُ بِدُونِ الثَّمَرِ غَيْرُ مُفِيدٍ، والثَّمَرُ بِدُونِ الشَّجَرِ غَيْرُ كائِنٍ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَحْمَةً في الدِّينِ وفي الدُّنْيا؛ أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ والنّاسُ في جاهِلِيَّةٍ وضَلالَةٍ، وأهْلُ الكِتابَيْنِ كانُوا في حَيْرَةٍ مِن أمْرِ دِينِهِمْ؛ لِطُولِ مُكْثِهِمْ وانْقِطاعِ تَواتُرِهِمْ ووُقُوعِ الِاخْتِلافِ في كُتُبِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِطالِبِ الحَقِّ سَبِيلٌ إلى الفَوْزِ والثَّوابِ، فَدَعاهم إلى الحَقِّ، وبَيَّنَ لَهم سَبِيلَ الثَّوابِ، وشَرَعَ لَهُمُ الأحْكامَ، ومَيَّزَ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ، ثُمَّ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مَن كانَتْ هِمَّتُهُ طَلَبَ الحَقِّ، فَلا يَرْكَنُ إلى التَّقْلِيدِ ولا إلى العِنادِ والِاسْتِكْبارِ، وكانَ التَّوْفِيقُ قَرِينًا لَهُ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهم تَخَلَّصُوا بِسَبَبِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الذُّلِّ والقِتالِ والحُرُوبِ ونُصِرُوا بِبَرَكَةِ دِينِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كانَ رَحْمَةً وقَدْ جاءَ بِالسَّيْفِ واسْتِباحَةِ الأمْوالِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: إنَّما جاءَ بِالسَّيْفِ لِمَنِ اسْتَكْبَرَ وعانَدَ ولَمْ يَتَفَكَّرْ ولَمْ يَتَدَبَّرْ، ومِن أوْصافِ اللَّهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ثُمَّ هو مُنْتَقِمٌ مِنَ العُصاةِ. وقالَ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ [ق: ٩] ثُمَّ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفَسادِ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَبْلَ نَبِيِّنا كانَ إذا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ أهْلَكَ اللَّهُ المُكَذِّبِينَ بِالخَسْفِ والمَسْخِ والغَرَقِ، وأنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَذابَ مَن كَذَّبَ رَسُولَنا إلى المَوْتِ أوْ إلى القِيامَةِ؛ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] لا يُقالُ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ صفحة ٢٠٠ [التوبة: ١٤]؛ وقالَ تَعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] لِأنّا نَقُولُ: تَخْصِيصُ العامِّ لا يَقْدَحُ فِيهِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في نِهايَةِ حُسْنِ الخُلُقِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ادْعُ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ: إنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً ولَمْ أُبْعَثْ عَذابًا» وقالَ في رِوايَةِ حُذَيْفَةَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ أغْضَبَ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، فَأيُّما رَجُلٍ سَبَبْتُهُ أوْ لَعَنْتُهُ فاجْعَلْها اللَّهُمَّ عَلَيْهِ صَلاةً يَوْمَ القِيامَةِ» . ورابِعُها: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: ﴿إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِما بَيَّنّا أنَّهُ كانَ رَحْمَةً لِلْكُلِّ لَوْ تَدَبَّرُوا في آياتِ اللَّهِ وآياتِ رَسُولِهِ، فَأمّا مَن أعْرَضَ واسْتَكْبَرَ، فَإنَّما وقَعَ في المِحْنَةِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [ فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكافِرِينَ الكُفْرَ ولَمْ يُرِدْ مِنهُمُ القَبُولَ مِنَ الرَّسُولِ، بَلْ ما أرادَ مِنهم إلّا الرَّدَّ عَلَيْهِ وخَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ ولَمْ يَخْلُقْهم إلّا كَذَلِكَ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إرْسالُهُ نِقْمَةً وعَذابًا عَلَيْهِمْ لا رَحْمَةً، وذَلِكَ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ، لا يُقالُ: إنَّ رِسالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُفّارِ مِن حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ عَذابَهم في الدُّنْيا، كَما عَجَّلَ عَذابَ سائِرِ الأُمَمِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ كَوْنَهُ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وما ذَكَرْتُمُوهُ لِلْكُفّارِ فَهو حاصِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإذًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِينَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي صارَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وأيْضًا فَإنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ ﷺ كَحُصُولِها بَعْدَهُ، بَلْ كانَتْ نِعَمُهم في الدُّنْيا قَبْلَ بَعْثَتِهِ أعْظَمَ؛ لِأنَّ بَعْدَ بَعْثَتِهِ نَزَلَ بِهِمُ الغَمُّ والخَوْفُ مِنهُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالجِهادِ الَّذِي فَنِيَ أكْثَرُهم فِيهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ. والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ البَتَّةَ، وأخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، كانَ أمْرُهُ إيّاهُ بِالإيمانِ أمْرًا يَقْلِبُ عِلْمَهُ جَهْلًا، وخَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا وذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ قَدْ أمَرَهُ بِالمُحالِ، وإنْ كانَتِ البَعْثَةُ مَعَ هَذا القَوْلِ رَحْمَةً، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: البَعْثَةُ رَحْمَةٌ مَعَ أنَّهُ خَلَقَ الكُفْرَ في الكافِرِ ؟ ولِأنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ إلّا لِلْكُفْرِ فَقَطْ فالسُّؤالُ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ تُوقَفُ لِلتَّرْجِيحِ عَلى مُرَجِّحٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِ بِمَعْنى تَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْهُ ؟ قَوْلُهُ: أوَّلًا لَمّا كانَ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي كانَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُلِّ بِاعْتِبارٍ واحِدٍ أوْ بِاعْتِبارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَدَعْواكَ بِكَوْنِ الوَجْهِ واحِدًا تَحَكُّمٌ، قَوْلُهُ: نِعَمُ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ مِن قَبْلُ، قُلْنا: نَعَمْ، ولَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَمّا بُعِثَ حَصَلَ الخَوْفُ لِلْكَفّارِ مِن نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا انْدَفَعَ ذَلِكَ عَنْهم بِسَبَبِ حُضُورِهِ كانَ ذَلِكَ رَحْمَةً في حَقِّ الكُفّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالُوا: لِأنَّ المَلائِكَةَ مِنَ العالَمِينَ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةً لِلْمَلائِكَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهم، والجَوابُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ المَلائِكَةِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] وذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهم في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ داخِلٌ في المُؤْمِنِينَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .

الأنبياء 21:110

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، أوْ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ. وقُرِئَ ”يَوْمَ تُطْوى السَّماءُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والسِّجِلُّ بِوَزْنِ العِتِلِّ، والسَّجْلُ بِوَزْنِ الدَّلْوِ، ورُوِيَ فِيهِ الكَسْرُ، وفي السِّجِلِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِلطُّومارِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ، والكِتابُ أصْلُهُ المَصْدَرُ كالبِناءِ، ثُمَّ يُوقَعُ عَلى المَكْتُوبِ، ومَن جَمَعَ فَمَعْناهُ لِلْمَكْتُوباتِ أيْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى طَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ كَوْنَ السِّجِلِّ ساتِرًا لِتِلْكَ الكِتابَةِ ومُخْفِيًا لَها؛ لِأنَّ الطَّيَّ ضِدُّ النَّشْرِ الَّذِي يَكْشِفُ، والمَعْنى نَطْوِي السَّماءَ كَما يُطْوى الطُّومارُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ اسْمًا لِلطُّومارِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ اسْمُ كاتِبٍ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ كُتّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا مَعْرُوفِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَن سُمِّيَ بِهَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الرَّجُلُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ فَهو عَلى نَحْوِ ما يُقالُ: كَطَيِّ زَيْدٍ الكِتابَ، واللّامُ في لِلْكِتابِ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: رَدِفَ لَكم، وإذا قُلْنا: المُرادُ بِالسِّجِلِّ الطُّومارُ، فالمَصْدَرُ وهو الطَّيُّ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ كَطَيِّ الطّاوِي السِّجِلَّ، وهَذا الأخِيرُ هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. صفحة ١٩٨ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: انْقَطَعَ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ”الكُتُبِ“ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا﴾ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ فَوَصَفَ اليَوْمَ بِذَلِكَ، ثُمَّ وصَفَهُ بِوَصْفٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿أوَّلَ خَلْقٍ﴾ مَفْعُولُ ”نُعِيدُ“ الَّذِي يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ، والكافُ مَكْفُوفَةٌ بِما، والمَعْنى نُعِيدُ أوَّلَ الخَلْقِ كَما بَدَأْناهُ تَشْبِيهًا لِلْإعادَةِ بِالِابْتِداءِ، فَإنْ قُلْتَ: ما بالُ ”خَلْقٍ“ مُنَكَّرًا ؟ قُلْتُ: هو كَقَوْلِكَ أوَّلُ رَجُلٍ جاءَنِي زَيْدٌ، تُرِيدُ أوَّلَ الرِّجالِ، ولَكِنَّكَ وحَّدْتَهُ ونَكَّرْتَهُ إرادَةَ تَفْصِيلِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا، فَكَذَلِكَ مَعْنى ”أوَّلَ خَلْقٍ“ أوَّلُ الخَلْقِ بِمَعْنى أوَّلِ الخَلائِقِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الإعادَةِ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُفَرِّقُ أجْزاءَ الأجْسامِ ولا يَعْدِمُها ثُمَّ إنَّهُ يُعِيدُ تَرْكِيبَها فَذَلِكَ هو الإعادَةُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى يَعْدِمُها بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ يُوجِدُها بِعَيْنِها مَرَّةً أُخْرى وهَذِهِ الآيَةُ دَلالَةٌ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ الإعادَةَ بِالِابْتِداءِ. ولَمّا كانَ الِابْتِداءُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ تَرْكِيبِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ بَلْ عَنِ الوُجُودِ بَعْدَ العَدَمِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في الإعادَةِ كَذَلِكَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالمَذْهَبِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ السَّماواتِ حالَ كَوْنِها مَطْوِيَّةً تَكُونُ مَوْجُودَةً، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أجْزاءَ الأرْضِ باقِيَةٌ لَكِنَّها جُعِلَتْ غَيْرَ الأرْضِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعْدًا عَلَيْنا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ وعْدًا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (نُعِيدُهُ) عِدَةٌ لِلْإعادَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ حَقًّا عَلَيْنا بِسَبَبِ الإخْبارِ عَنْ ذَلِكَ، وتَعَلُّقِ العِلْمِ بِوُقُوعِهِ مَعَ أنَّ وُقُوعَ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ واجِبٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ سَنَفْعَلُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وهو تَأْكِيدٌ لِما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعْدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الزّايِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، يَعْنِي ”الزَّبُورِ“ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ؛ يُقالُ: زَبَرْتُ الكِتابَ أيْ كَتَبْتُهُ، والزُّبُورُ بِضَمِّ الزّايِ جَمْعُ زِبْرٍ كَقِشْرٍ وقُشُورٍ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ الزَّبُورَ هو الكِتابُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الزَّبُورِ والذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وابْنِ زَيْدٍ، الزَّبُورُ هو الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والذِّكْرُ الكِتابُ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ فِيها كِتابَةَ كُلِّ ما سَيَكُونُ اعْتِبارًا لِلْمَلائِكَةِ، وكُتُبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن ذَلِكَ الكِتابِ تُنْسَخُ. وثانِيها: الزَّبُورُ هو القُرْآنُ، والذِّكْرُ هو التَّوْراةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ. وثالِثُها: الزَّبُورُ زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والذِّكْرُ هو الَّذِي يُرْوى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ خَلَقَ الذِّكْرَ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ، أيْ كَتَبْنا ذَلِكَ في الزَّبُورِ بَعْدَ أنْ كُنّا عالِمِينَ عِلْمًا لا يَجُوزُ السَّهْوُ والنِّسْيانُ عَلَيْنا، فَإنَّ مَن كَتَبَ شَيْئًا والتَزَمَهُ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، أمّا مَن لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ السَّهْوُ والخُلْفُ فَإذا التَزَمَ شَيْئًا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ واجِبَ الوُقُوعِ. صفحة ١٩٩ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: الأرْضُ أرْضُ الجَنَّةِ، والعِبادُ الصّالِحُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ في كُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّهُ سَيُورِثُ الجَنَّةَ مَن كانَ صالِحًا مِن عِبادِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأبِي العالِيَةِ، وهَؤُلاءِ أكَّدُوا هَذا القَوْلَ بِأُمُورٍ: أمّا أوَّلًا: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] . وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّها الأرْضُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الصّالِحُونَ؛ لِأنَّها لَهم خُلِقَتْ، وغَيْرُهم إذا حَصَلَ مَعَهم في الجَنَّةِ فَعَلى وجْهِ التَّبَعِ، فَأمّا أرْضُ الدُّنْيا فَلِأنَّها لِلصّالِحِ وغَيْرِ الصّالِحِ. وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ هَذِهِ الأرْضَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ الإعادَةِ وبَعْدَ الإعادَةِ، الأرْضُ الَّتِي هَذا وصْفُها لا تَكُونُ إلّا الجَنَّةَ. وأمّا رابِعًا: فَقَدْ رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ، فَإنَّها بَيْضاءُ نَقِيَّةٌ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الأرْضِ أرْضُ الدُّنْيا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَيُورِثُها المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . وثالِثُها: هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ يَرِثُها الصّالِحُونَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] ثُمَّ بِالآخِرَةِ يُورِثُها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ فَقَوْلُهُ هَذا إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأخْبارِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ البالِغَةِ، والبَلاغُ الكِفايَةُ وما تُبْلَغُ بِهِ البُغْيَةُ، وقِيلَ في العابِدِينَ: إنَّهُمُ العالِمُونَ، وقِيلَ: بَلِ العامِلُونَ، والأوْلى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ العِلْمَ كالشَّجَرِ والعَمَلَ كالثَّمَرِ، والشَّجَرُ بِدُونِ الثَّمَرِ غَيْرُ مُفِيدٍ، والثَّمَرُ بِدُونِ الشَّجَرِ غَيْرُ كائِنٍ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَحْمَةً في الدِّينِ وفي الدُّنْيا؛ أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ والنّاسُ في جاهِلِيَّةٍ وضَلالَةٍ، وأهْلُ الكِتابَيْنِ كانُوا في حَيْرَةٍ مِن أمْرِ دِينِهِمْ؛ لِطُولِ مُكْثِهِمْ وانْقِطاعِ تَواتُرِهِمْ ووُقُوعِ الِاخْتِلافِ في كُتُبِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِطالِبِ الحَقِّ سَبِيلٌ إلى الفَوْزِ والثَّوابِ، فَدَعاهم إلى الحَقِّ، وبَيَّنَ لَهم سَبِيلَ الثَّوابِ، وشَرَعَ لَهُمُ الأحْكامَ، ومَيَّزَ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ، ثُمَّ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مَن كانَتْ هِمَّتُهُ طَلَبَ الحَقِّ، فَلا يَرْكَنُ إلى التَّقْلِيدِ ولا إلى العِنادِ والِاسْتِكْبارِ، وكانَ التَّوْفِيقُ قَرِينًا لَهُ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهم تَخَلَّصُوا بِسَبَبِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الذُّلِّ والقِتالِ والحُرُوبِ ونُصِرُوا بِبَرَكَةِ دِينِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كانَ رَحْمَةً وقَدْ جاءَ بِالسَّيْفِ واسْتِباحَةِ الأمْوالِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: إنَّما جاءَ بِالسَّيْفِ لِمَنِ اسْتَكْبَرَ وعانَدَ ولَمْ يَتَفَكَّرْ ولَمْ يَتَدَبَّرْ، ومِن أوْصافِ اللَّهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ثُمَّ هو مُنْتَقِمٌ مِنَ العُصاةِ. وقالَ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ [ق: ٩] ثُمَّ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفَسادِ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَبْلَ نَبِيِّنا كانَ إذا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ أهْلَكَ اللَّهُ المُكَذِّبِينَ بِالخَسْفِ والمَسْخِ والغَرَقِ، وأنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَذابَ مَن كَذَّبَ رَسُولَنا إلى المَوْتِ أوْ إلى القِيامَةِ؛ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] لا يُقالُ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ صفحة ٢٠٠ [التوبة: ١٤]؛ وقالَ تَعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] لِأنّا نَقُولُ: تَخْصِيصُ العامِّ لا يَقْدَحُ فِيهِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في نِهايَةِ حُسْنِ الخُلُقِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ادْعُ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ: إنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً ولَمْ أُبْعَثْ عَذابًا» وقالَ في رِوايَةِ حُذَيْفَةَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ أغْضَبَ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، فَأيُّما رَجُلٍ سَبَبْتُهُ أوْ لَعَنْتُهُ فاجْعَلْها اللَّهُمَّ عَلَيْهِ صَلاةً يَوْمَ القِيامَةِ» . ورابِعُها: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: ﴿إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِما بَيَّنّا أنَّهُ كانَ رَحْمَةً لِلْكُلِّ لَوْ تَدَبَّرُوا في آياتِ اللَّهِ وآياتِ رَسُولِهِ، فَأمّا مَن أعْرَضَ واسْتَكْبَرَ، فَإنَّما وقَعَ في المِحْنَةِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [ فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكافِرِينَ الكُفْرَ ولَمْ يُرِدْ مِنهُمُ القَبُولَ مِنَ الرَّسُولِ، بَلْ ما أرادَ مِنهم إلّا الرَّدَّ عَلَيْهِ وخَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ ولَمْ يَخْلُقْهم إلّا كَذَلِكَ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إرْسالُهُ نِقْمَةً وعَذابًا عَلَيْهِمْ لا رَحْمَةً، وذَلِكَ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ، لا يُقالُ: إنَّ رِسالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُفّارِ مِن حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ عَذابَهم في الدُّنْيا، كَما عَجَّلَ عَذابَ سائِرِ الأُمَمِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ كَوْنَهُ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وما ذَكَرْتُمُوهُ لِلْكُفّارِ فَهو حاصِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإذًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِينَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي صارَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وأيْضًا فَإنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ ﷺ كَحُصُولِها بَعْدَهُ، بَلْ كانَتْ نِعَمُهم في الدُّنْيا قَبْلَ بَعْثَتِهِ أعْظَمَ؛ لِأنَّ بَعْدَ بَعْثَتِهِ نَزَلَ بِهِمُ الغَمُّ والخَوْفُ مِنهُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالجِهادِ الَّذِي فَنِيَ أكْثَرُهم فِيهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ. والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ البَتَّةَ، وأخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، كانَ أمْرُهُ إيّاهُ بِالإيمانِ أمْرًا يَقْلِبُ عِلْمَهُ جَهْلًا، وخَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا وذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ قَدْ أمَرَهُ بِالمُحالِ، وإنْ كانَتِ البَعْثَةُ مَعَ هَذا القَوْلِ رَحْمَةً، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: البَعْثَةُ رَحْمَةٌ مَعَ أنَّهُ خَلَقَ الكُفْرَ في الكافِرِ ؟ ولِأنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ إلّا لِلْكُفْرِ فَقَطْ فالسُّؤالُ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ تُوقَفُ لِلتَّرْجِيحِ عَلى مُرَجِّحٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِ بِمَعْنى تَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْهُ ؟ قَوْلُهُ: أوَّلًا لَمّا كانَ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي كانَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُلِّ بِاعْتِبارٍ واحِدٍ أوْ بِاعْتِبارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَدَعْواكَ بِكَوْنِ الوَجْهِ واحِدًا تَحَكُّمٌ، قَوْلُهُ: نِعَمُ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ مِن قَبْلُ، قُلْنا: نَعَمْ، ولَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَمّا بُعِثَ حَصَلَ الخَوْفُ لِلْكَفّارِ مِن نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا انْدَفَعَ ذَلِكَ عَنْهم بِسَبَبِ حُضُورِهِ كانَ ذَلِكَ رَحْمَةً في حَقِّ الكُفّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالُوا: لِأنَّ المَلائِكَةَ مِنَ العالَمِينَ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةً لِلْمَلائِكَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهم، والجَوابُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ المَلائِكَةِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] وذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهم في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ داخِلٌ في المُؤْمِنِينَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .

الأنبياء 21:111

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، أوْ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ. وقُرِئَ ”يَوْمَ تُطْوى السَّماءُ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والسِّجِلُّ بِوَزْنِ العِتِلِّ، والسَّجْلُ بِوَزْنِ الدَّلْوِ، ورُوِيَ فِيهِ الكَسْرُ، وفي السِّجِلِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِلطُّومارِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ، والكِتابُ أصْلُهُ المَصْدَرُ كالبِناءِ، ثُمَّ يُوقَعُ عَلى المَكْتُوبِ، ومَن جَمَعَ فَمَعْناهُ لِلْمَكْتُوباتِ أيْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى طَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ كَوْنَ السِّجِلِّ ساتِرًا لِتِلْكَ الكِتابَةِ ومُخْفِيًا لَها؛ لِأنَّ الطَّيَّ ضِدُّ النَّشْرِ الَّذِي يَكْشِفُ، والمَعْنى نَطْوِي السَّماءَ كَما يُطْوى الطُّومارُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ اسْمًا لِلطُّومارِ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ اسْمُ كاتِبٍ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ كُتّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا مَعْرُوفِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَن سُمِّيَ بِهَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الرَّجُلُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ فَهو عَلى نَحْوِ ما يُقالُ: كَطَيِّ زَيْدٍ الكِتابَ، واللّامُ في لِلْكِتابِ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: رَدِفَ لَكم، وإذا قُلْنا: المُرادُ بِالسِّجِلِّ الطُّومارُ، فالمَصْدَرُ وهو الطَّيُّ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ كَطَيِّ الطّاوِي السِّجِلَّ، وهَذا الأخِيرُ هو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. صفحة ١٩٨ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: انْقَطَعَ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ”الكُتُبِ“ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا﴾ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ فَوَصَفَ اليَوْمَ بِذَلِكَ، ثُمَّ وصَفَهُ بِوَصْفٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿أوَّلَ خَلْقٍ﴾ مَفْعُولُ ”نُعِيدُ“ الَّذِي يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ، والكافُ مَكْفُوفَةٌ بِما، والمَعْنى نُعِيدُ أوَّلَ الخَلْقِ كَما بَدَأْناهُ تَشْبِيهًا لِلْإعادَةِ بِالِابْتِداءِ، فَإنْ قُلْتَ: ما بالُ ”خَلْقٍ“ مُنَكَّرًا ؟ قُلْتُ: هو كَقَوْلِكَ أوَّلُ رَجُلٍ جاءَنِي زَيْدٌ، تُرِيدُ أوَّلَ الرِّجالِ، ولَكِنَّكَ وحَّدْتَهُ ونَكَّرْتَهُ إرادَةَ تَفْصِيلِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا، فَكَذَلِكَ مَعْنى ”أوَّلَ خَلْقٍ“ أوَّلُ الخَلْقِ بِمَعْنى أوَّلِ الخَلائِقِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ مَصْدَرٌ لا يُجْمَعُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الإعادَةِ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُفَرِّقُ أجْزاءَ الأجْسامِ ولا يَعْدِمُها ثُمَّ إنَّهُ يُعِيدُ تَرْكِيبَها فَذَلِكَ هو الإعادَةُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى يَعْدِمُها بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ يُوجِدُها بِعَيْنِها مَرَّةً أُخْرى وهَذِهِ الآيَةُ دَلالَةٌ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ الإعادَةَ بِالِابْتِداءِ. ولَمّا كانَ الِابْتِداءُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ تَرْكِيبِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ بَلْ عَنِ الوُجُودِ بَعْدَ العَدَمِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في الإعادَةِ كَذَلِكَ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالمَذْهَبِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ السَّماواتِ حالَ كَوْنِها مَطْوِيَّةً تَكُونُ مَوْجُودَةً، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أجْزاءَ الأرْضِ باقِيَةٌ لَكِنَّها جُعِلَتْ غَيْرَ الأرْضِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعْدًا عَلَيْنا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ وعْدًا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (نُعِيدُهُ) عِدَةٌ لِلْإعادَةِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ حَقًّا عَلَيْنا بِسَبَبِ الإخْبارِ عَنْ ذَلِكَ، وتَعَلُّقِ العِلْمِ بِوُقُوعِهِ مَعَ أنَّ وُقُوعَ ما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ واجِبٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ سَنَفْعَلُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وهو تَأْكِيدٌ لِما ذَكَرَهُ مِنَ الوَعْدِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الزّايِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، يَعْنِي ”الزَّبُورِ“ كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ؛ يُقالُ: زَبَرْتُ الكِتابَ أيْ كَتَبْتُهُ، والزُّبُورُ بِضَمِّ الزّايِ جَمْعُ زِبْرٍ كَقِشْرٍ وقُشُورٍ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ الزَّبُورَ هو الكِتابُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الزَّبُورِ والذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وابْنِ زَيْدٍ، الزَّبُورُ هو الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والذِّكْرُ الكِتابُ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ في السَّماءِ؛ لِأنَّ فِيها كِتابَةَ كُلِّ ما سَيَكُونُ اعْتِبارًا لِلْمَلائِكَةِ، وكُتُبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن ذَلِكَ الكِتابِ تُنْسَخُ. وثانِيها: الزَّبُورُ هو القُرْآنُ، والذِّكْرُ هو التَّوْراةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ. وثالِثُها: الزَّبُورُ زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والذِّكْرُ هو الَّذِي يُرْوى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ خَلَقَ الذِّكْرَ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ، أيْ كَتَبْنا ذَلِكَ في الزَّبُورِ بَعْدَ أنْ كُنّا عالِمِينَ عِلْمًا لا يَجُوزُ السَّهْوُ والنِّسْيانُ عَلَيْنا، فَإنَّ مَن كَتَبَ شَيْئًا والتَزَمَهُ، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، أمّا مَن لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ السَّهْوُ والخُلْفُ فَإذا التَزَمَ شَيْئًا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ واجِبَ الوُقُوعِ. صفحة ١٩٩ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: الأرْضُ أرْضُ الجَنَّةِ، والعِبادُ الصّالِحُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ في كُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّهُ سَيُورِثُ الجَنَّةَ مَن كانَ صالِحًا مِن عِبادِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأبِي العالِيَةِ، وهَؤُلاءِ أكَّدُوا هَذا القَوْلَ بِأُمُورٍ: أمّا أوَّلًا: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] . وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّها الأرْضُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الصّالِحُونَ؛ لِأنَّها لَهم خُلِقَتْ، وغَيْرُهم إذا حَصَلَ مَعَهم في الجَنَّةِ فَعَلى وجْهِ التَّبَعِ، فَأمّا أرْضُ الدُّنْيا فَلِأنَّها لِلصّالِحِ وغَيْرِ الصّالِحِ. وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ هَذِهِ الأرْضَ مَذْكُورَةٌ عَقِيبَ الإعادَةِ وبَعْدَ الإعادَةِ، الأرْضُ الَّتِي هَذا وصْفُها لا تَكُونُ إلّا الجَنَّةَ. وأمّا رابِعًا: فَقَدْ رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ، فَإنَّها بَيْضاءُ نَقِيَّةٌ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِنَ الأرْضِ أرْضُ الدُّنْيا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَيُورِثُها المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . وثالِثُها: هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ يَرِثُها الصّالِحُونَ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] ثُمَّ بِالآخِرَةِ يُورِثُها أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ فَقَوْلُهُ هَذا إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأخْبارِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ البالِغَةِ، والبَلاغُ الكِفايَةُ وما تُبْلَغُ بِهِ البُغْيَةُ، وقِيلَ في العابِدِينَ: إنَّهُمُ العالِمُونَ، وقِيلَ: بَلِ العامِلُونَ، والأوْلى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ العِلْمَ كالشَّجَرِ والعَمَلَ كالثَّمَرِ، والشَّجَرُ بِدُونِ الثَّمَرِ غَيْرُ مُفِيدٍ، والثَّمَرُ بِدُونِ الشَّجَرِ غَيْرُ كائِنٍ. * * * أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَحْمَةً في الدِّينِ وفي الدُّنْيا؛ أمّا في الدِّينِ فَلِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ والنّاسُ في جاهِلِيَّةٍ وضَلالَةٍ، وأهْلُ الكِتابَيْنِ كانُوا في حَيْرَةٍ مِن أمْرِ دِينِهِمْ؛ لِطُولِ مُكْثِهِمْ وانْقِطاعِ تَواتُرِهِمْ ووُقُوعِ الِاخْتِلافِ في كُتُبِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِطالِبِ الحَقِّ سَبِيلٌ إلى الفَوْزِ والثَّوابِ، فَدَعاهم إلى الحَقِّ، وبَيَّنَ لَهم سَبِيلَ الثَّوابِ، وشَرَعَ لَهُمُ الأحْكامَ، ومَيَّزَ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ، ثُمَّ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مَن كانَتْ هِمَّتُهُ طَلَبَ الحَقِّ، فَلا يَرْكَنُ إلى التَّقْلِيدِ ولا إلى العِنادِ والِاسْتِكْبارِ، وكانَ التَّوْفِيقُ قَرِينًا لَهُ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهم تَخَلَّصُوا بِسَبَبِهِ مِن كَثِيرٍ مِنَ الذُّلِّ والقِتالِ والحُرُوبِ ونُصِرُوا بِبَرَكَةِ دِينِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كانَ رَحْمَةً وقَدْ جاءَ بِالسَّيْفِ واسْتِباحَةِ الأمْوالِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: إنَّما جاءَ بِالسَّيْفِ لِمَنِ اسْتَكْبَرَ وعانَدَ ولَمْ يَتَفَكَّرْ ولَمْ يَتَدَبَّرْ، ومِن أوْصافِ اللَّهِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، ثُمَّ هو مُنْتَقِمٌ مِنَ العُصاةِ. وقالَ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ [ق: ٩] ثُمَّ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفَسادِ. وثانِيها: أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَبْلَ نَبِيِّنا كانَ إذا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ أهْلَكَ اللَّهُ المُكَذِّبِينَ بِالخَسْفِ والمَسْخِ والغَرَقِ، وأنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَذابَ مَن كَذَّبَ رَسُولَنا إلى المَوْتِ أوْ إلى القِيامَةِ؛ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] لا يُقالُ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ صفحة ٢٠٠ [التوبة: ١٤]؛ وقالَ تَعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] لِأنّا نَقُولُ: تَخْصِيصُ العامِّ لا يَقْدَحُ فِيهِ. وثالِثُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في نِهايَةِ حُسْنِ الخُلُقِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ادْعُ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ: إنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً ولَمْ أُبْعَثْ عَذابًا» وقالَ في رِوايَةِ حُذَيْفَةَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ أغْضَبَ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، فَأيُّما رَجُلٍ سَبَبْتُهُ أوْ لَعَنْتُهُ فاجْعَلْها اللَّهُمَّ عَلَيْهِ صَلاةً يَوْمَ القِيامَةِ» . ورابِعُها: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: ﴿إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِما بَيَّنّا أنَّهُ كانَ رَحْمَةً لِلْكُلِّ لَوْ تَدَبَّرُوا في آياتِ اللَّهِ وآياتِ رَسُولِهِ، فَأمّا مَن أعْرَضَ واسْتَكْبَرَ، فَإنَّما وقَعَ في المِحْنَةِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [ فُصِّلَتْ: ٤٤ ] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكافِرِينَ الكُفْرَ ولَمْ يُرِدْ مِنهُمُ القَبُولَ مِنَ الرَّسُولِ، بَلْ ما أرادَ مِنهم إلّا الرَّدَّ عَلَيْهِ وخَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ ولَمْ يَخْلُقْهم إلّا كَذَلِكَ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ، لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إرْسالُهُ نِقْمَةً وعَذابًا عَلَيْهِمْ لا رَحْمَةً، وذَلِكَ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ، لا يُقالُ: إنَّ رِسالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُفّارِ مِن حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ عَذابَهم في الدُّنْيا، كَما عَجَّلَ عَذابَ سائِرِ الأُمَمِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ كَوْنَهُ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وما ذَكَرْتُمُوهُ لِلْكُفّارِ فَهو حاصِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإذًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِينَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي صارَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وأيْضًا فَإنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ ﷺ كَحُصُولِها بَعْدَهُ، بَلْ كانَتْ نِعَمُهم في الدُّنْيا قَبْلَ بَعْثَتِهِ أعْظَمَ؛ لِأنَّ بَعْدَ بَعْثَتِهِ نَزَلَ بِهِمُ الغَمُّ والخَوْفُ مِنهُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالجِهادِ الَّذِي فَنِيَ أكْثَرُهم فِيهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المُرادَ. والجَوابُ: أنْ نَقُولَ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ أبا لَهَبٍ لا يُؤْمِنُ البَتَّةَ، وأخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، كانَ أمْرُهُ إيّاهُ بِالإيمانِ أمْرًا يَقْلِبُ عِلْمَهُ جَهْلًا، وخَبَرَهُ الصِّدْقَ كَذِبًا وذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ قَدْ أمَرَهُ بِالمُحالِ، وإنْ كانَتِ البَعْثَةُ مَعَ هَذا القَوْلِ رَحْمَةً، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: البَعْثَةُ رَحْمَةٌ مَعَ أنَّهُ خَلَقَ الكُفْرَ في الكافِرِ ؟ ولِأنَّ قُدْرَةَ الكافِرِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ إلّا لِلْكُفْرِ فَقَطْ فالسُّؤالُ عَلَيْهِمْ لازِمٌ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ تُوقَفُ لِلتَّرْجِيحِ عَلى مُرَجِّحٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. وحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ، ثُمَّ نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكافِرِ بِمَعْنى تَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْهُ ؟ قَوْلُهُ: أوَّلًا لَمّا كانَ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ عَلى حَدٍّ واحِدٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي كانَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةٌ لِلْكُلِّ بِاعْتِبارٍ واحِدٍ أوْ بِاعْتِبارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَدَعْواكَ بِكَوْنِ الوَجْهِ واحِدًا تَحَكُّمٌ، قَوْلُهُ: نِعَمُ الدُّنْيا كانَتْ حاصِلَةً لِلْكُفّارِ مِن قَبْلُ، قُلْنا: نَعَمْ، ولَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَمّا بُعِثَ حَصَلَ الخَوْفُ لِلْكَفّارِ مِن نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا انْدَفَعَ ذَلِكَ عَنْهم بِسَبَبِ حُضُورِهِ كانَ ذَلِكَ رَحْمَةً في حَقِّ الكُفّارِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالُوا: لِأنَّ المَلائِكَةَ مِنَ العالَمِينَ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَحْمَةً لِلْمَلائِكَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهم، والجَوابُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ المَلائِكَةِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] وذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهم في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ داخِلٌ في المُؤْمِنِينَ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .

الأنبياء 21:112

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ رَبِّ احْكم ‎بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ عَلى الكُفّارِ الحُجَجَ في أنْ لا إلَهَ سِواهُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وبَيَّنَ أنَّهُ أرْسَلَ رَسُولَهُ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَكُونُ إعْذارًا وإنْذارًا في مُجاهَدَتِهِمْ والإقْدامِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّما يَقْصُرُ الحُكْمُ عَلى شَيْءٍ أوْ يَقْصُرُ الشَّيْءُ عَلى حُكْمٍ، كَقَوْلِكَ: إنَّما زِيدٌ قائِمٌ، أوْ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ، وقَدِ اجْتَمَعَ المِثالانِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ﴾ مَعَ فاعِلِهِ بِمَنزِلَةِ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ، و﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ بِمَنزِلَةِ إنَّما زَيْدٌ قائِمٌ، وفائِدَةُ اجْتِماعِهِما الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الوَحْيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْصُورٌ عَلى إثْباتِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وفي قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أنَّ الوَحْيَ الوارِدَ عَلى هَذا السَّنَنِ يُوجِبُ أنْ تُخْلِصُوا التَّوْحِيدَ لَهُ، وأنْ تَتَخَلَّصُوا مِن نِسْبَةِ الأنْدادِ، وفِيهِ أنَّهُ يَجُوزُ إثْباتُ التَّوْحِيدِ بِالسَّمْعِ، فَإنْ قِيلَ: لَوْ دَلَّتْ إنَّما عَلى الحَصْرِ لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يُوحَ إلى الرَّسُولِ شَيْءٌ إلّا التَّوْحِيدَ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ فاسِدٌ، قُلْنا: المَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: آذَنَ مَنقُولٌ مِن أذِنَ إذا عَلِمَ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في الجَرْيِ مَجْرى الإنْذارِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] . إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الإيذانُ عَلى السَّواءِ الدُّعاءُ إلى الحَرْبِ مُجاهَرَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] وفائِدَةُ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ عَلى مَن أشْرَكَ مِن قُرَيْشٍ أنَّ حالَهم مُخالِفٌ لِسائِرِ الكُفّارِ في المُجاهَدَةِ، فَعَرَّفَهم بِذَلِكَ أنَّهم كالكُفّارِ في ذَلِكَ. وثانِيها: أنَّ المُرادَ فَقَدْ أعْلَمْتُكم ما هو الواجِبُ عَلَيْكم مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ عَلى السَّواءِ، فَلَمْ أُفَرِّقْ في الإبْلاغِ والبَيانِ بَيْنَكم؛ لِأنِّي بُعِثْتُ مُعَلِّمًا. والغَرَضُ مِنهُ إزاحَةُ العُذْرِ لِئَلّا يَقُولُوا: ﴿رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤] . وثالِثُها: عَلى سَواءٍ عَلى إظْهارٍ وإعْلانٍ. ورابِعُها: عَلى مَهَلٍ، والمُرادُ أنِّي لا أُعاجِلُ بِالحَرْبِ الَّذِي آذَنْتُكم بِهِ، بَلْ أُمْهِلُ وأُؤَخِّرُ رَجاءَ الإسْلامِ مِنكم. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: ﴿أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ مِن يَوْمِ القِيامَةِ، ومِن عَذابِ الدُّنْيا، ثُمَّ قِيلَ: نَسَخَهُ قَوْلُهُ: ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧] يَعْنِي مِنهُما، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الخَبَرِ لا يَجُوزُ نَسْخُهُ. وثانِيهِما: المُرادُ أنَّ الَّذِي آذَنَهم فِيهِ مِنَ الحَرْبِ لا يَدْرِي هو قَرِيبٌ صفحة ٢٠٢ أمْ بَعِيدٌ، لِئَلّا يُقَدَّرَ أنَّهُ يَتَأخَّرُ كَأنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يُنْذِرَهم بِالجِهادِ الَّذِي يُوحى إلَيْهِ أنْ يَأْتِيَهُ مِن بَعْدُ ولَمْ يُعَرِّفْهُ الوَقْتَ؛ فَلِذَلِكَ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ لا يَعْلَمُ قُرْبَهُ أمْ بُعْدَهُ؛ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وكانَ الأمْرُ بِالجِهادِ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وثالِثُها: ”أنَّ ما يُوعَدُونَ بِهِ“ مِن غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ كائِنٌ لا مَحالَةَ، ولا بُدَّ أنْ يَلْحَقَهم بِذَلِكَ الذُّلُّ والصَّغارُ، وإنْ كُنْتُ لا أدْرِي مَتى يَكُونُ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُطْلِعْنِي عَلَيْهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ الأمْرُ بِالإخْلاصِ وتَرْكُ النِّفاقِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا كانَ عالِمًا بِالضَّمائِرِ وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يُبالِغَ في الإخْلاصِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: لَعَلَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْكم. وثانِيها: لَعَلَّ إبْهامَ الوَقْتِ الَّذِي يَنْزِلُ بِكُمُ العَذابُ فِيهِ فِتْنَةٌ لَكم أيْ بَلِيَّةٌ واخْتِبارٌ لَكم لِيَرى صُنْعَكم، وهَلْ تُحْدِثُونَ تَوْبَةً ورُجُوعًا عَنْ كُفْرِكم أمْ لا. وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: لَعَلَّ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الدُّنْيا بَلِيَّةٌ لَكم، والفِتْنَةُ البَلْوى والِاخْتِبارُ. ورابِعُها: لَعَلَّ تَأْخِيرَ الجِهادِ فِتْنَةٌ لَكم؛ إذا أنْتُمْ دُمْتُمْ عَلى كُفْرِكم؛ لِأنَّ ما يُؤَدِّي إلى الضَّرَرِ العَظِيمِ يَكُونُ فِتْنَةً، وإنَّما قالَ: لا أدْرِي لِتَجْوِيزِ أنْ يُؤْمِنُوا فَلا يَكُونُ تَبْقِيَتُهم فِتْنَةً، بَلْ يَنْكَشِفُ عَنْ نِعْمَةٍ ورَحْمَةٍ. وخامِسُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ وإنْ أدْرِي لَعَلَّ ما بَيَّنْتُ وأعْلَمْتُ وأوْعَدْتُ فِتْنَةٌ لَكم؛ لِأنَّهُ زِيادَةٌ في عَذابِكم إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ المُعْرِضَ عَنِ الإيمانِ مَعَ البَيانِ حالًا بَعْدَ حالٍ يَكُونُ عَذابُهُ أشَدَّ، وإذا مَتَّعَهُ اللَّهُ تَعالى بِالدُّنْيا يَكُونُ ذَلِكَ كالحُجَّةِ عَلَيْهِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم ‎بِالحَقِّ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: ”قُلْ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ“ عَلى الِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ ”ورَبُّ احْكم“ عَلى الضَّمِّ ”ورَبِّي أحْكَمُ“ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ ”ورَبِّيَ أحْكَمَ“ مِنَ الإحْكامِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿رَبِّ احْكم ‎بِالحَقِّ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أيْ رَبِّي اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَ قَوْمِي بِالحَقِّ أيْ بِالعَذابِ، كَأنَّهُ قالَ: اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَ مَن كَذَّبَنِي بِالعَذابِ، وقالَ قَتادَةُ: أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقْتَدِيَ بِالأنْبِياءِ في هَذِهِ الدَّعْوَةِ وكانُوا يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] فَلا جَرَمَ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ. وثانِيها: افْصِلْ بَيْنِي وبَيْنَهم بِما يُظْهِرُ الحَقَّ لِلْجَمِيعِ، وهو أنْ تَنْصُرَنِي عَلَيْهِمْ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ وما تُعارِضُونَ بِهِ دَعْوَتِي مِنَ الأباطِيلِ والتَّكْذِيبِ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: قُلْ داعِيًا لِي: ﴿رَبِّ احْكم ‎بِالحَقِّ﴾ وقُلْ مُتَوَعِّدًا لِلْكُفّارِ: ﴿ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالياءِ المَنقُوطَةِ مِن تَحْتٍ، أيْ قُلْ لِأصْحابِكَ المُؤْمِنِينَ، ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما يَصِفُ الكُفّارُ مِنَ الأباطِيلِ، أيْ مِنَ العَوْنِ عَلى دَفْعِ أباطِيلِهِمْ. وثانِيها: كانُوا يَطْمَعُونَ أنْ تَكُونَ لَهُمُ الشَّوْكَةُ والغَلَبَةُ فَكَذَّبَ اللَّهُ ظُنُونَهم وخَيَّبَ آمالَهم ونَصَرَ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وخَذَلَهم قالَ القاضِيَ: إنَّما خَتَمَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم ‎بِالحَقِّ﴾ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ بَلَغَ في البَيانِ الغايَةَ لَهم، وبَلَغُوا النِّهايَةَ في أذِيَّتِهِ وتَكْذِيبِهِ، فَكانَ قُصارى أمْرِهِ تَعالَ بِذَلِكَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَعْرِيفًا أنَّ المَقْصُودَ مَصْلَحَتُهم، فَإذا أبَوْا إلّا التَّمادِيَ في كُفْرِهِمْ، فَعَلَيْكَ بِالِانْقِطاعِ إلى رَبِّكَ لِيَحْكُمَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم بِالحَقِّ، إمّا بِتَعْجِيلِ العِقابِ بِالجِهادِ أوْ بِغَيْرِهِ، وإمّا بِتَأْخِيرِ ذَلِكَ، فَإنَّ أمْرَهم وإنْ تَأخَّرَ فَما هو كائِنٌ قَرِيبٌ، وما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ في حُرُوبِهِ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ صفحة ٢٠٣ كالِاسْتِعْجالِ لِلْأمْرِ بِمُجاهَدَتِهِمْ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ، وآلِهِ وصَحْبِهِ، وسَلَّمَ تَسْلِيمًا آمِينَ. تَمَّ الجُزْءُ الثّانِي والعِشْرُونَ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الثّالِثُ والعِشْرُونَ، وأوَّلُهُ سُورَةُ الحَجِّ.